######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shamela_0001665
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: ابن دقيق العيد
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث
#META# 022.BookVOLS :: 2
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shamela_0001665
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1665
#META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1665
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: NODATA
#META# 041.EdNUMBER :: بدون طبعة وبدون تاريخ
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة السنة المحمدية
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: NODATA
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#META#Header#End#
# PageV00P000
#
### | [كتاب الطهارة]
### | [حديث إنما الأعمال بالنيات]
### | 1 -
# الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - يقول «إنما الأعمال بالنيات» وفي رواية: «بالنية
~~وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله
~~ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما
~~هاجر إليه» ..
#
### | [إحكام الأحكام]
# أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بكسر الراء المهملة
~~بعدها ياء آخر الحروف وبعدها حاء مهملة ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بفتح
~~الراء المهملة بعدها زاي معجمة وحاء مهملة ابن عدي بن كعب القرشي العدوي
~~يجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كعب بن لؤي أسلم بمكة قديما،
~~وشهد المشاهد كلها، وولي الخلافة بعد أبي بكر الصديق، وقتل سنة
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ثلاث وعشرين من الهجرة في ذي الحجة لأربع مضين، وقيل لثلاث.
# ثم الكلام على هذا الحديث من وجوه:
# أحدها: أن المصنف - رحمه الله - بدأ به لتعلقه بالطهارة، وامتثل قول من
~~قال من المتقدمين: إنه ينبغي أن يبتدأ به في كل تصنيف ووقع موافقا لما
~~قاله.
# الثاني: كلمة إنما للحصر، على ما تقرر في الأصول، فإن ابن عباس - رضي
~~الله عنهما - فهم الحصر من قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الربا في
~~النسيئة» وعورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يعارض في فهمه للحصر
~~وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر.
# ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه.
# وهل نفيه عما عداه: بمقتضى موضوع اللفظ، أو هو من طريق المفهوم؟ فيه بحث.
# الثالث: إذا ثبت أنها للحصر: فتارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصرا
~~مخصوصا.
# ويفهم ذلك بالقرائن والسياق.
# كقوله تعالى {إنما أنت منذر} [الرعد: 7] وظاهر ذلك: الحصر للرسول - صلى
~~الله عليه وسلم - في النذارة.
# والرسول لا ينحصر في النذارة، بل له أوصاف جميلة كثيرة، ms001 كالبشارة وغيرها.
# ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن يؤمن، ونفي كونه قادرا على
~~إنزال ما شاء الكفار من الآيات.
# وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي»
~~معناه: حصره في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة
~~إلى كل شيء.
# فإن للرسول - صلى الله عليه وسلم - أوصافا أخر كثيرة.
# وكذلك قوله تعالى {إنما الحياة الدنيا لعب} [محمد: 36] يقتضي - والله
~~أعلم - الحصر باعتبار من آثرها. وأما بالنسبة إلى ما هو في نفس الأمر: فقد
~~تكون سبيلا إلى الخيرات، أو يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على
~~الأقل.
# فإذا وردت لفظة " إنما " فاعتبرها، فإن دل السياق
# PageV01P060
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص: فقل به.
# وإن لم يكن في شيء مخصوص: فاحمل الحصر على الإطلاق.
# ومن هذا: قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الأعمال بالنيات» والله
~~أعلم.
### | [ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب]
# 1
# الرابع: ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب، قد يطلق عليه عمل، ولكن الأسبق إلى
~~الفهم: تخصيص العمل بأفعال الجوارح، وإن كان ما يتعلق بالقلوب فعلا للقلوب
~~أيضا.
# ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصص الأعمال بما لا يكون قولا.
# وأخرج الأقوال من ذلك وفي هذا عندي بعد.
# وينبغي أن يكون لفظ " العمل " يعم جميع أفعال الجوارح.
# نعم لو كان خصص بذلك لفظ " الفعل " لكان أقرب.
# فإنهم استعملوهما متقابلين، فقالوا: الأفعال، والأقوال.
# ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضا.
# والله أعلم.
### | [الأعمال بالنيات]
# 1
# الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم - «الأعمال بالنيات» لا بد فيه من حذف
~~مضاف.
# فاختلف الفقهاء في تقديره.
# فالذين اشترطوا النية، قدروا: " صحة الأعمال بالنيات " أو ما يقاربه.
# والذين لم يشترطوها: قدروه " كمال الأعمال بالنيات " أو ما يقاربه.
# وقد رجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها
~~أولى؛ لأن ما كان ألزم للشيء: كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ.
~~فكان الحمل عليه أولى.
# وكذلك ms002 قد يقدرونه " إنما اعتبار الأعمال بالنيات " وقد قرب ذلك بعضهم
~~بنظائر من المثل، كقولهم: إنما الملك بالرجال؛ أي قوامه ووجوده.
# وإنما الرجال بالمال.
# وإنما المال بالرعية.
# وإنما الرعية بالعدل.
# كل ذلك يراد به: أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور.
### | [من نوى شيئا حصل له]
# السادس: قوله - صلى الله عليه وسلم - «وإنما لكل امرئ ما نوى» يقتضي أن
~~من نوى شيئا يحصل له، وكل ما لم ينوه لم يحصل له فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر
~~من المسائل.
# ومن هذا عظموا هذا الحديث.
# فقال بعضهم: يدخل في حديث «الأعمال بالنيات» ثلثا العلم.
# فكل مسألة خلافية حصلت فيها نية، فلك أن
# PageV01P061
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# تستدل بهذا على حصول المنوي.
# وكل مسألة خلافية لم تحصل فيها نية، فلك أن تستدل بهذا على عدم حصول ما
~~وقع في النزاع.
# [وسيأتي ما يقيد به هذا الإطلاق] فإن جاء دليل من خارج يقتضي أن المنوي
~~لم يحصل، أو أن غير المنوي يحصل، وكان راجحا: عمل به وخصص هذا العموم.
### | [أنواع الهجرة]
# 1
# السابع: قوله " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله " اسم " الهجرة " يقع على
~~أمور، الهجرة الأولى: إلى الحبشة.
# عندما آذى الكفار الصحابة.
# الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة.
# الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لتعلم
~~الشرائع، ثم يرجعون إلى المواطن، ويعلمون قومهم.
# الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - ثم يرجع إلى مكة.
# الهجرة الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه.
# ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع، غير أن السبب يقتضي: أن المراد
~~بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنهم نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى
~~المدينة، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس.
# فسمي مهاجر أم قيس ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة، دون سائر ما تنوى به
~~الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية، ثم أتبع بالدنيا.
# الثامن: المتقرر عند أهل العربية: أن الشرط والجزاء ms003 والمبتدأ أو الخبر،
~~لا بد وأن يتغايرا.
# وههنا وقع الاتحاد في قوله «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى
~~الله ورسوله» وجوابه: أن التقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية
~~وقصدا، فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا.
# التاسع: شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف في أسباب الحديث، كما
~~صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز.
# فوقفت من ذلك على شيء يسير له.
# وهذا الحديث - على ما قدمنا من الحكاية عن مهاجر أم قيس - واقع على سبب
~~يدخله في هذا القبيل.
# وتنضم إليه نظائر كثيرة لمن قصد تتبعه.
# PageV01P062
# 2 - الحديث الثاني: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا
~~أحدث حتى يتوضأ» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# العاشر: فرق بين قولنا " من نوى شيئا لم يحصل له غيره " وبين قولنا " من
~~لم ينو الشيء لم يحصل له " والحديث محتمل للأمرين.
# أعني قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الأعمال بالنيات» وآخره يشير إلى
~~المعنى الأول، أعني قوله «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة
~~يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
### | [حديث لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ]
# " أبو هريرة " في اسمه اختلاف شديد. وأشهره: عبد الرحمن بن صخر. أسلم عام
~~خيبر سنة سبع من الهجرة، ولزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من
~~أحفظ الصحابة، سكن المدينة. وتوفي - قال خليفة: سنة سبع وخمسين. وقال
~~الهيثم: سنة ثمان، وقال الواقدي: سنة تسع.
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: " القبول " وتفسير معناه.
# قد استدل جماعة من المتقدمين بانتفاء القبول على انتفاء الصحة، كما قالوا
~~في قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» أي من
~~بلغت سن المحيض.
# والمقصود بهذا الحديث: الاستدلال على اشتراط الطهارة من الحدث في صحة
~~الصلاة.
# ولا يتم ذلك إلا بأن يكون انتفاء القبول دليلا على انتفاء الصحة.
# وقد حرر المتأخرون في هذا بحثا.
# ؛ لأن انتفاء ms004 القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصحة، كالعبد إذا أبق لا
~~تقبل له صلاة، وكما ورد فيمن أتى عرافا.
# وفي شارب الخمر.
# فإذا أريد تقرير الدليل على انتفاء الصحة من انتفاء القبول.
# فلا بد من تفسير معنى القبول، وقد فسر بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء
~~على الشيء.
# يقال: قبل فلان عذر فلان: إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه.
# وهو محو الجناية والذنب.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإذا ثبت ذلك فيقال، مثلا في هذا المكان: الغرض من الصلاة: وقوعها مجزئة
~~بمطابقتها للأمر.
# فإذا حصل هذا الغرض: ثبت القبول، على ما ذكر من التفسير.
# وإذا ثبت القبول على هذا التفسير: ثبتت الصحة.
# وإذا انتفى القبول على هذا التفسير: انتفت الصحة.
# وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن " القبول " كون العبادة بحيث يترتب
~~الثواب والدرجات عليها.
# و " الإجزاء " كونها مطابقة للأمر والمعنيان إذا تغايرا، وكان أحدهما أخص
~~من الآخر: لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
# و" القبول " على هذا التفسير: أخص من الصحة، فإن كل مقبول صحيح، وليس كل
~~صحيح مقبولا.
# وهذا - إن نفع في تلك الأحاديث التي نفي عنها القبول مع بقاء الصحة فإنه
~~يضر في الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، كما حكينا عن الأقدمين.
# اللهم إلا أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم الصحة.
# فإذا انتفى انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة حينئذ.
# ويحتاج في تلك الأحاديث التي نفي عنها القبول مع بقاء الصحة إلى تأويل،
~~أو تخريج جواب.
# على أنه يرد على من فسر " القبول " بكون العبادة مثابا عليها، أو مرضية،
~~أو ما أشبه ذلك - إذا كان مقصوده بذلك: أن لا يلزم من نفي القبول نفي
~~الصحة: أن يقال: القواعد الشرعية تقتضي: أن العبادة إذا أتي بها مطابقة
~~للأمر كانت سببا للثواب والدرجات والإجزاء.
# والظواهر في ذلك لا تنحصر.
### | [رفع الحدث]
# 1
# الوجه الثاني: في تفسير معنى: " الحدث " فقد يطلق بإزاء معان ثلاثة:
# أحدها: الخارج المخصوص الذي يذكره ms005 الفقهاء في باب نواقض الوضوء. ويقولون:
~~الأحداث كذا وكذا.
# الثاني: نفس خروج ذلك الخارج.
# الثالث: المنع المرتب على ذلك الخروج.
# وبهذا المعنى يصح قولنا " رفعت الحدث " و " نويت رفع الحدث " فإن كل واحد
~~من الخارج والخروج قد وقع.
# وما وقع يستحيل رفعه، بمعنى أن لا يكون واقعا.
# وأما المنع المرتب على الخروج: فإن الشارع حكم به.
# ومد غايته إلى استعمال المكلف الطهور، فباستعماله يرتفع المنع.
# فيصح قولنا " رفعت الحدث " و " ارتفع الحدث " أي
# PageV01P064
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ارتفع المنع الذي كان ممدودا إلى استعمال المطهر.
# وبهذا التحقيق يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث.
# ؛ لأنا لما بينا أن المرتفع: هو المنع من الأمور المخصوصة، وذلك المنع
~~مرتفع بالتيمم.
# فالتيمم يرفع الحدث.
# غاية ما في الباب: أن رفعه للحدث مخصوص بوقت ما، أو بحالة ما.
# وهي عدم الماء. وليس ذلك ببدع، فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محالها. وقد
~~كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة، على ما حكوه ولا نشك أنه كان
~~رافعا للحدث في وقت مخصوص.
# وهو وقت الصلاة.
# ولم يلزم من انتهائه بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الزمن: أن لا يكون رافعا
~~للحدث.
# ثم نسخ ذلك الحكم عند الأكثرين.
# ونقل عن بعضهم؛ أنه مستمر.
# ولا شك أنه لا يقول: إن الوضوء لا يرفع الحدث.
# نعم ههنا معنى رابع، يدعيه كثير من الفقهاء، وهو أن الحدث وصف حكمي مقدر
~~قيامه بالأعضاء على مقتضى الأوصاف الحسية.
# وينزلون ذلك الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء.
# فما نقول: إنه يرفع الحدث - كالوضوء والغسل - يزيل ذلك الأمر الحكمي.
# فيزول المنع المرتب على ذلك الأمر المقدر الحكمي.
# وما نقول بأنه لا يرفع الحدث، فذلك المعنى المقدر القائم بالأعضاء حكما
~~باق لم يزل.
# والمنع المرتب عليه زائل.
# فبهذا الاعتبار نقول: إن التيمم لا يرفع الحدث، بمعنى أنه لم يزل ذلك
~~الوصف الحكمي المقدر وإن كان المنع زائلا.
# وحاصل هذا: أنهم أبدوا للحدث معنى رابعا، غير ما ذكرناه من الثلاثة
~~المعاني.
# وجعلوه ms006 مقدرا قائما بالأعضاء حكما، كالأوصاف الحسية، وهم مطالبون بدليل
~~شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الرابع، الذي ادعوه مقدرا قائما بالأعضاء،
~~فإنه منفي بالحقيقة، والأصل موافقة الشرع لها، ويبعد أن يأتوا بدليل على
~~ذلك.
# وأقرب ما يذكر فيه: أن الماء المستعمل قد انتقل إليه المانع، كما يقال،
~~والمسألة متنازع فيها.
# فقد قال جماعة بطهورية الماء المستعمل.
# ولو قيل بعدم طهوريته أو بنجاسته: لم يلزم منه انتقال مانع إليه.
# فلا يتم الدليل.
# والله أعلم.
# الوجه الثالث: استعمل الفقهاء " الحدث " عاما فيما يوجب الطهارة، فإذا
~~حمل الحديث عليه - أعني قوله «إذا أحدث» - جمع أنواع النواقض على
# PageV01P065
# 3 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص
~~وأبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهم - قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - «ويل للأعقاب من النار» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# مقتضى هذا الاستعمال، لكن أبو هريرة قد فسر الحدث في بعض الأحاديث - لما
~~سئل عنه - بأخص من هذا الاصطلاح، وهو الريح، إما بصوت أو بغير صوت، فقيل
~~له: " يا أبا هريرة، ما الحدث؟ فقال: فساء أو ضراط " ولعله قامت له قرائن
~~حالية اقتضت هذا التخصيص.
# الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة.
# ووجه الاستدلال به: أنه - صلى الله عليه وسلم - نفى القبول ممتدا إلى
~~غاية الوضوء.
# وما بعد الغاية مخالف لما قبلها.
# فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا.
# وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا.
### | [حديث ويل للأعقاب من النار]
# الحديث فيه دليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأن ترك البعض منها غير
~~مجزئ.
# ونصه إنما هو في الأعقاب.
# وسبب التخصيص: أنه ورد على سبب.
# وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - " رأى قوما وأعقابهم تلوح ".
# والألف واللام يحتمل أن تكون للعهد.
# والمراد: الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء.
# ويحتمل أن لا تخص بتلك الأعقاب التي رآها كذلك.
# وتكون الأعقاب التي صفتها هذه الصفة، أي التي لا تعمم بالمطهر.
# ولا يجوز أن تكون الألف واللام ms007 للعموم المطلق.
# وقد ورد في بعض الروايات «رآنا ونحن نمسح على أرجلنا فقال: ويل للأعقاب
~~من النار» فاستدل به على أن مسح الأرجل غير مجزئ.
# وهو عندي ليس بجيد.
# ؛ لأنه قد فسر في الرواية الأخرى " أن الأعقاب كانت تلوح لم يمسها الماء
~~" ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق.
# PageV00P000
# 4 - الحديث الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء،
~~ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل
~~أن يدخلهما في الإناء ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» . وفي لفظ
~~لمسلم «فليستنشق بمنخريه من الماء» وفي لفظ «من توضأ فليستنشق» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والذين استدلوا على أن المسح غير مجزئ إنما اعتبروا لفظ هذه الرواية فقط،
~~وقد رتب فيها الوعيد على مسمى المسح.
# وليس فيها ترك بعض العضو.
# والصواب - إذا جمعت طرق الحديث -: أن يستدل بعضها على بعض، ويجمع ما يمكن
~~جمعه.
# فبه يظهر المراد.
# والله أعلم.
# ويستدل بالحديث على أن " العقب " محل للتطهير، فيبطل قول من يكتفي
~~بالتطهير فيما دون ذلك.
### | [حديث إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء]
# فيه مسائل: الأولى: في هذه الرواية: " فليجعل في أنفه " ولم يقل " ماء "
~~وهو مبين في غيرها وتركه لدلالة الكلام عليه.
# الثانية: تمسك به من يرى وجوب الاستنشاق، وهو مذهب أحمد، ومذهب الشافعي
~~ومالك: عدم الوجوب.
# وحملا الأمر على الندب، بدلالة ما جاء في الحديث من قوله - صلى الله عليه
~~وسلم - للأعرابي «توضأ كما أمرك الله» فأحاله على الآية.
# وليس فيها ذكر الاستنشاق.
# الثالثة: المعروف أن " الاستنشاق " جذب الماء إلى الأنف.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# و " الاستنثار " دفعه للخروج. ومن الناس من جعل الاستنثار لفظا يدل على
~~الاستنشاق الذي هو الجذب وأخذه من النثرة، وهي طرف الأنف. والاستفعال منها
~~يدخل تحته الجذب والدفع معا.
# والصحيح: هو الأول.
# ؛ لأنه قد جمع بينهما في حديث واحد وذلك يقتضي ms008 التغاير.
### | [استعمال الأحجار في الاستطابة]
# 1
# الرابعة: قوله - صلى الله عليه وسلم - «ومن استجمر فليوتر» الظاهر: أن
~~المراد به: استعمال الأحجار في الاستطابة وإيتار فيها بالثلاث واجب عند
~~الشافعي.
# فإن الواجب عنده - رحمه الله - في الاستجمار أمران.
# أحدهما: إزالة العين.
# والثاني: استيفاء ثلاث مسحات.
# وظاهر الأمر الوجوب.
# لكن هذا الحديث لا يدل على الإيتار بالثلاث.
# فيؤخذ من حديث آخر.
# وقد حمل بعض الناس الاستجمار على استعمال البخور للتطيب.
# فإنه يقال فيه: تجمر واستجمر.
# فيكون الأمر للندب على هذا.
# والظاهر: هو الأول، أعني أن المراد: هو استعمال الأحجار.
### | [غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء]
# 1
# الخامسة: ذهب بعضهم إلى وجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في
~~ابتداء الوضوء، عند الاستيقاظ من النوم، لظاهر الأمر.
# ولا يفرق هؤلاء بين نوم الليل ونوم النهار، لإطلاق قوله - صلى الله عليه
~~وسلم - «إذا استيقظ من نومه» وذهب أحمد إلى وجوب ذلك من نوم الليل، دون نوم
~~النهار.
# لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أين باتت يده؟» والمبيت يكون بالليل. وذهب
~~غيرهم إلى عدم الوجوب مطلقا.
# وهو مذهب مالك والشافعي.
# والأمر محمول على الندب.
# واستدل على ذلك بوجهين.
# أحدهما: ما ذكرناه من حديث الأعرابي.
# PageV01P068
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والثاني: أن الأمر - وإن كان ظاهره الوجوب - إلا أنه يصرف عن الظاهر
~~لقرينة ودليل، وقد دل الدليل، وقامت القرينة ههنا.
# فإنه - صلى الله عليه وسلم - علل بأمر يقتضي الشك.
# وهو قوله «فإنه لا يدري أين باتت يده؟» والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي
~~وجوبا في الحكم، إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودا.
# والأصل: الطهارة في اليد، فلتستصحب [وفيه احتراز عن مسألة الصيد] .
# السادسة، قيل: إن سبب هذا الأمر: أنهم كانوا يستنجون بالأحجار، فربما
~~وقعت اليد على المحل وهو عرق، فتنجست.
# فإذا وضعت في الماء نجسته؛ لأن الماء المذكور في الحديث: هو ما يكون في
~~الأواني التي يتوضأ منها.
# والغالب عليها القلة.
# وقيل: إن الإنسان لا يخلو من حك بثرة في جسمه، أو مصادفة حيوان ms009 ذي دم
~~فيقتله، فيتعلق دمه بيده.
# السابعة: الذين ذهبوا إلى أن الأمر للاستحباب: استحبوا غسل اليد قبل
~~إدخالها في الإناء في ابتداء الوضوء مطلقا، سواء قام من النوم أم لا.
# ولهم فيه مأخذان.
# أحدهما: أن ذلك: وارد في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير
~~تعرض لسبق نوم.
# والثاني: أن المعنى الذي علل به في الحديث - وهو جولان اليد موجود في حال
~~اليقظة.
# فيعم الحكم لعموم علته.
# الثامنة: فرق أصحاب الشافعي، أو من فرق منهم، بين حال المستيقظ من النوم
~~وغير المستيقظ.
# فقالوا في المستيقظ من النوم: يكره أن يغمس يده في الإناء، قبل غسلها
~~ثلاثا.
# وفي غير المستيقظ من النوم: يستحب له غسلها، قبل إدخالها في الإناء.
# وليعلم الفرق بين قولنا " يستحب فعل كذا " وبين قولنا " يكره تركه " فلا
~~تلازم بينهما.
# فقد يكون الشيء مستحب الفعل، ولا يكون مكروه الترك، كصلاة
# PageV01P069
# 5 - الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم
~~الذي لا يجري، ثم يغتسل منه» ولمسلم «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو
~~جنب» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الضحى مثلا، وكثير من النوافل.
# فغسلها لغير المستيقظ من النوم، قبل إدخالها الإناء: من المستحبات.
# وترك غسلها للمستيقظ من النوم: من المكروهات.
# وقد وردت صيغة النهي عن إدخالها في الإناء قبل الغسل في حق المستيقظ من
~~النوم.
# وذلك يقتضي الكراهة على أقل الدرجات.
# وهذه التفرقة هي الأظهر.
### | [ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء]
# التاسعة: استنبط من هذا الحديث: الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورود
~~النجاسة على الماء.
# ووجه ذلك: أنه قد نهى عن إدخالها في الإناء قبل غسلها، لاحتمال النجاسة.
# وذلك يقتضي: أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه. وأمر بغسلها بإفراغ
~~الماء عليها للتطهير.
# وذلك يقتضي: أن ملاقاتها للماء على هذا الوجه غير مفسد له بمجرد
~~الملاقاة، وإلا لما حصل المقصود من التطهير.
### | [الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة ms010 فيه]
# 1
# العاشرة: استنبط منه: أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه.
# فإنه منع من إدخال اليد فيه، لاحتمال النجاسة، وذلك دليل على أن تيقنها
~~مؤثر فيه، وإلا لما اقتضى احتمال النجاسة المنع.
# وفيه نظر عندي.
# ؛ لأن مقتضى الحديث: أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، ومطلق التأثير
~~أعم من التأثير بالتنجيس.
# ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين. فإذا سلم الخصم أن الماء
~~القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروها، فقد ثبت مطلق التأثير.
# فلا يلزم منه ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس.
# وقد يورد عليه: أن الكراهة ثابتة عند التوهم.
# فلا يكون أثر اليقين هو الكراهة.
# ويجاب عنه: بأنه ثبت عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة.
# والله أعلم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث لا يبولن أحدكم في الماء الدائم]
# الكلام عليه من وجوه:
# الأول: " الماء الدائم " هو الراكد.
# وقوله " الذي لا يجري " تأكيد لمعنى الدائم.
# وهذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد، وإن
~~كان أكثر من قلتين؛ فإن الصيغة صيغة عموم.
# وأصحاب الشافعي: يخصون هذا العموم، ويحملون النهي على ما دون القلتين.
~~ويقولون بعدم تنجيس القلتين - فما زاد - إلا بالتغير: مأخوذ من حديث
~~القلتين. فيحمل هذا الحديث العام في النهي على ما دون القلتين، جمعا بين
~~الحديثين. فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما.
# وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه.
# والخاص مقدم على العام.
# ولأحمد طريقة أخرى: وهي الفرق بين بول الآدمي، وما في معناه، من عذرته
~~المائعة، وغير ذلك من النجاسات.
# فأما بول الآدمي، وما في معناه: فينجس الماء، وإن كان أكثر من قلتين.
# وأما غيره من النجاسات: فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى الخبث المذكور في
~~حديث القلتين عاما بالنسبة إلى الأنجاس.
# وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي.
# فيقدم الخاص على العام، بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير.
~~ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين
~~بخصوصه.
# فينجس الماء دون غيره ms011 من النجاسات.
# ويلحق بالبول المنصوص عليه: ما يعلم أنه في معناه.
# واعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد.
# ؛ لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدا: لا تؤثر فيه
~~النجاسة.
# والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة: امتنع استعماله.
# فمالك - رحمه الله -
# PageV01P071
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إذا حمل النهي على الكراهة - لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير - لا
~~بد أن يخرج عنه صورة التغير بالنجاسة، أعني عن الحكم بالكراهية، فإن الحكم
~~ثم: التحريم، فإذا لا بد من الخروج عن الظاهر عند الكل.
# فلأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه المستبحر الكثير جدا بالإجماع،
~~فيبقى ما عداه على حكم النص، فيدخل تحته ما زاد على القلتين.
# ويقول أصحاب الشافعي: خرج الكثير المستبحر بالإجماع الذي ذكرتموه.
# وخرج القلتان فما زاد، بمقتضى حديث القلتين، فيبقى ما نقص عن القلتين
~~داخلا تحت مقتضى الحديث.
# ويقول من نصر قول أحمد المذكور: خرج ما ذكرتموه، وبقي ما دون القلتين
~~داخلا تحت النص، إلا أن ما زاد على القلتين، مقتضى حديث القلتين فيه عام في
~~الأنجاس، فيخص ببول الآدمي.
# ولمخالفهم أن يقول: قد علمنا جزما أن هذا النهي إنما هو لمعنى في
~~النجاسة، وعدم التقرب إلى الله بما خالطها.
# وهذا المعنى يستوي فيه سائر الأنجاس، ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها،
~~بالنسبة إلى هذا المعنى، فإن المناسب لهذا المعنى - أعني التنزه عن الأقذار
~~- أن يكون ما هو أشد استقذارا أوقع في هذا المعنى وأنسب له، وليس بول
~~الآدمي بأقذر من سائر النجاسات، بل قد يساويه غيره، أو يرجح عليه فلا يبقى
~~لتخصيصه دون غيره بالنسبة إلى المنع معنى.
# فيحمل الحديث على أن ذكر البول ورد تنبيها على غيره، مما يشاركه في معناه
~~من الاستقذار. والوقوف على مجرد الظاهر ههنا - مع وضوح المعنى، وشموله
~~لسائر الأنجاس - ظاهرية محضة.
# وأما مالك - رحمه الله تعالى -: فإذا حمل النهي على الكراهية يستمر حكم
~~الحديث في القليل والكثير، غير المستثنى ms012 بالاتفاق [وهو المستبحر] مع حصول
~~الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول.
# فهذا يلتفت إلى حمل اللفظ الواحد إلى معنيين مختلفين، وهي مسألة أصولية.
# فإن جعلنا النهي للتحريم: كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال
~~اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه.
# والأكثرون على منعه.
# والله أعلم.
# PageV01P072
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقد يقال على هذا: إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ. فلا يلزم
~~استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين. وهذا متجه، إلا أنه يلزم منه
~~التخصيص في هذا الحديث. والمخصص: الإجماع على نجاسة المتغير] .
# الوجه الثاني: اعلم أن النهي عن الاغتسال لا يخص الغسل، بل التوضؤ في
~~معناه.
# وقد ورد مصرحا به في بعض الروايات «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم
~~يتوضأ منه» ولو لم يرد لكان معلوما قطعا، لاستواء الوضوء والغسل في هذا
~~الحكم، لفهم المعنى الذي ذكرناه، وأن المقصود: التنزه عن التقرب إلى الله
~~سبحانه بالمستقذرات.
# الثالث: ورد في بعض الروايات " ثم يغتسل منه " وفي بعضها " ثم يغتسل فيه
~~" ومعناهما مختلف، يفيد كل واحد منهما حكما بطريق النص وآخر بطريق
~~الاستنباط، ولو لم يرد فيه لفظة " فيه " لاستويا، لما ذكرنا.
# الرابع: مما يعلم بطلانه قطعا: ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة: من أن
~~الحكم مخصوص بالبول في الماء حتى لو بال في كوز وصبه في الماء: لم يضر
~~عندهم. أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء: لم يضر عندهم أيضا.
~~والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم.
# لاستواء الأمرين في الحصول في الماء وأن المقصود: اجتناب ما وقعت فيه
~~النجاسة من الماء.
# وليس هذا من مجال الظنون، بل هو مقطوع به.
# وأما الرواية الثانية: وهي قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يغتسل أحدكم
~~في الماء الدائم وهو جنب» فقد استدل به على مسألة المستعمل وأن الاغتسال في
~~الماء يفسده.
# ؛ لأن النهي وارد ههنا على مجرد الغسل.
# فدل على وقوع المفسدة بمجرده.
# وهي
# PageV01P073
# 6 - الحديث السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~أن رسول الله ms013 - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم
~~فليغسله سبعا» ولمسلم «أولاهن بالتراب» وله في حديث عبد الله بن مغفل: أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه
~~سبعا وعفروه الثامنة بالتراب» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# خروجه عن كونه أهلا للتطهير به: إما لنجاسته، أو لعدم طهوريته ومع هذا
~~فلا بد فيه من التخصيص.
# فإن الماء الكثير - إما القلتان فما زاد على مذهب الشافعي، أو المستبحر
~~على مذهب أبي حنيفة - لا يؤثر فيه الاستعمال.
# ومالك لما رأى أن الماء المستعمل طهور، غير أنه مكروه: يحمل هذا النهي
~~على الكراهة.
# وقد يرجحه: أن وجوه الانتفاع بالماء لا تختص بالتطهير.
# والحديث عام في النهي.
# فإذا حمل على التحريم لمفسدة خروج الماء عن الطهورية: لم يناسب ذلك؛ لأن
~~بعض مصالح الماء تبقى بعد كونه خارجا عن الطهورية، وإذا حمل على الكراهة:
~~كانت المفسدة عامة؛ لأنه يستقذر بعد الاغتسال فيه.
# وذلك ضرر بالنسبة إلى من يريد استعماله في طهارة أو شرب، فيستمر النهي
~~بالنسبة إلى المفاسد المتوقعة، إلا أن فيه حمل اللفظ على المجاز، أعني حمل
~~النهي على الكراهة.
# فإنه حقيقة في التحريم.
### | [حديث إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا]
# فيه مسائل.
# الأولى: الأمر بالغسل ظاهر في تنجيس الإناء. وأقوى من هذا الحديث في
~~الدلالة على ذلك: الرواية الصحيحة.
# وهي قوله - صلى الله عليه وسلم - «طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب:
~~أن يغسل سبعا» فإن لفظة " طهور " تستعمل إما عن الحدث، أو عن الخبث.
# ولا حدث على الإناء بالضرورة.
# فتعين الخبث.
# وحمل مالك هذا الأمر على التعبد، لاعتقاده طهارة الماء والإناء.
# وربما رجحه أصحابه
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة: لاكتفى بما دون
~~السبع فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة.
# وقد اكتفى فيها بما دون السبع.
# والحمل على التنجيس أولى.
# ؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدا، أو معقول ms014 المعنى، كان حمله على
~~كونه معقول المعنى أولى.
# لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.
# وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، فممنوع عند القائل بنجاسته، نعم
~~ليس بأقذر من العذرة، ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار.
# وأيضا فإذا كان أصل المعنى معقولا قلنا به.
# وإذا وقع في التفاصيل ما لم يعقل معناه في التفصيل، لم ينقص لأجله
~~التأصيل.
# ولذلك نظائر في الشريعة، فلو لم تظهر زيادة التغليظ في النجاسة لكنا
~~نقتصر في التعبد على العدد، ونمشي في أصل المعنى على معقولية المعنى.
### | [نجاسة عين الكلب]
# 1
# المسألة الثانية: إذا ظهر أن الأمر بالغسل للنجاسة: فقد استدل بذلك على
~~نجاسة عين الكلب.
# ولهم في ذلك طريقان.
# أحدهما: أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه، فإنه جزء من فمه، وفمه
~~أشرف ما فيه.
# فبقية بدنه أولى.
# الثاني: إذا كان لعابه نجسا - وهو عرق فمه - ففمه نجس.
# والعرق جزء متحلب من البدن. فجميع عرقه نجس.
# فجميع بدنه نجس، لما ذكرناه من أن العرق جزء من البدن.
# PageV01P075
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فتبين بهذا: أن الحديث إنما دل على النجاسة فيما يتعلق بالفم، وأن نجاسة
~~بقية البدن بطريق الاستنباط.
# وفيه بحث.
# وهو أن يقال: إن الحديث إنما دل على نجاسة الإناء الولوغ.
# وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللعاب وعين الفم، أو تنجسهما باستعمال
~~النجاسة غالبا.
# والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين.
# فلا يدل الحديث على نجاسة عين الفم، أو عين اللعاب.
# فلا تستقيم الدلالة على نجاسة عين الكلب كله.
# وقد يعترض على هذا بأن يقال: لو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب - كما
~~أشرتم إليه - لزم أحد أمرين.
# وهو إما وقوع التخصيص في العموم، أو ثبوت الحكم بدون علته لأنا إذا فرضنا
~~تطهير فم الكلب بماء كثير، أو بأي وجه كان، فولغ في الإناء: فإما أن يثبت
~~وجوب غسله أو لا.
# فإن لم يثبت وجب تخصيص العموم.
# وإن ثبت لزم ثبوت الحكم بدون علته.
# وكلاهما ms015 على خلاف الأصل.
# والذي يمكن أن يجاب به عن هذا السؤال، أن يقال: الحكم منوط بالغالب وما
~~ذكرتموه من الصور نادر، لا يلتفت إليه.
# وهذا البحث إذا انتهى إلى هنا يقوي قول من يرى أن الغسل لأجل قذارة
~~الكلب.
### | [اعتبار السبع في عدد الغسلات من ولوغ الكلب]
# 1
# المسألة الثالثة: الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات.
# وهو حجة على أبي حنيفة، في قوله: يغسل ثلاثا.
### | [الزيادة من الثقة في رواية الحديث]
# المسألة الرابعة: في رواية ابن سيرين زيادة " التراب " وقال بها الشافعي
~~وأصحاب الحديث.
# وليست في رواية مالك هذه الزيادة: فلم يقل بها.
# والزيادة من الثقة مقبولة.
# وقال بها غيره.
### | [غسلة التتريب من ولوغ الكلب]
# 1
# المسألة الخامسة: اختلفت الروايات في غسلة التتريب، ففي بعضها " أولاهن "
~~وفي بعضها " أخراهن " وفي بعضها " إحداهن " والمقصود عند الشافعي وأصحابه:
~~حصول التتريب في مرة من المرات، وقد يرجح كونه في الأولى: بأنه إذا ترب
~~أولا، فعلى تقدير أن يلحق بعض المواضع الطاهرة رشاش
# PageV01P076
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بعض الغسلات لا يحتاج إلى تتريبه، وإذا أخرت غسلة التتريب، فلحق رشاش ما
~~قبلها بعض المواضع الطاهرة: احتيج إلى تتريبه، فكانت الأولى أرفق بالمكلف.
# فكانت أولى.
### | 1 -
# المسألة السادسة: الرواية التي فيها «وعفروه الثامنة بالتراب» تقتضي
~~زيادة مرة ثامنة ظاهرا، وبه قال الحسن البصري، وقيل: لم يقل به غيره، ولعله
~~المراد بذلك من المتقدمين.
# والحديث قوي فيه، ومن لم يقل به: احتاج إلى تأويله بوجه فيه استكراه.
# المسألة السابعة: قوله - صلى الله عليه وسلم - «فاغسلوه سبعا، أولاهن، أو
~~أخراهن بالتراب» قد يدل لما قاله بعض أصحاب الشافعي: إنه لا يكتفي بذر
~~التراب على المحل، بل لا بد أن يجعله في الماء، ويوصله إلى المحل.
# ووجه الاستدلال: أنه جعل مرة التتريب داخلة في قسم مسمى الغسلات، وذر
~~التراب على المحل لا يسمى غسلا، وهذا ممكن.
# وفيه احتمال؛ لأنه إذا ذر التراب على المحل، وأتبعه بالماء يصح أن يقال:
~~غسل بالتراب، ولا بد من ms016 مثل هذا في أمره - صلى الله عليه وسلم - في غسل
~~الميت بماء وسدر، عند من يرى أن الماء المتغير بالطاهر غير طهور، إن جرى
~~على ظاهر الحديث في الاكتفاء بغسلة واحدة؛ لأنها تحصل مسمى الغسل [وهذا
~~جيد] .
# إلا أن قوله " وعفروه " قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذر التراب على
# PageV01P077
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المحل، فإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرا لغة، فقد ثبت ما قالوه،
~~ولكن لفظة " التعفير " حينئذ تنطلق على ذر التراب على المحل، وعلى إيصاله
~~بالماء إليه، والحديث الذي دل على اعتبار مسمى الغسلة، إذ دل على خلطه
~~بالماء وإيصاله إلى المحل به.
# فذلك أمر زائد على مطلق التعفير، على التقدير الذي ذكرناه من شمول اسم "
~~التعفير " للصورتين معا، أعني ذر التراب وإيصاله بالماء.
### | [اتخذ ما أبيح له اتخاذه من الكلاب فولغ في الإناء]
# 1
# المسألة الثامنة: الحديث عام في جميع الكلاب.
# وفي مذهب مالك: قول بتخصيصه بالمنهي عن اتخاذه.
# والأقرب: العموم.
# ؛ لأن الألف واللام إذا لم يقم دليل على صرفها إلى المعهود المعين،
~~فالظاهر كونها للعموم، ومن يرى الخصوص قد يأخذه من قرينة تصرف العموم عن
~~ظاهره فإنهم نهوا عن اتخاذ الكلاب إلا لوجوه مخصوصة.
# والأمر بالغسل مع المخالطة عقوبة يناسبها الاختصاص بمن ارتكب النهي في
~~اتخاذ ما منع من اتخاذه.
# وأما من اتخذ ما أبيح له اتخاذه، فإيجاب الغسل عليه مع المخالطة عسر
~~وحرج، ولا يناسبه الإذن والإباحة في الاتخاذ.
# وهذا يتوقف على أن تكون هذه القرينة موجودة عند النهي.
### | 1 -
# المسألة التاسعة: الإناء عام بالنسبة إلى كل إناء.
# والأمر بغسله للنجاسة.
# إذا ثبت ذلك يقتضي تنجيس ما فيه، فيقتضي المنع من استعماله.
# وفي مذهب مالك: قول: إن ذلك يختص بالماء، وأن الطعام الذي ولغ فيه الكلب
~~لا يراق ولا يجتنب.
# وقد ورد الأمر بالإراقة مطلقا في بعض الروايات الصحيحة.
### | [ظاهر الأمر الوجوب]
# المسألة العاشرة: ظاهر الأمر الوجوب.
# وفي مذهب مالك قول: إنه للندب وكأنه لما اعتقد طهارة الكلب - بالدليل
~~الذي ms017 دله على ذلك - جعل ذلك
# PageV01P078
# 7 - الحديث السابع: عن حمران مولى عثمان بن عفان -
~~رضي الله عنهما - «أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه،
~~فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثم
~~غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا
~~رجليه ثلاثا، ثم قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ نحو وضوئي
~~هذا وقال من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له
~~ما تقدم من ذنبه»
#
### | [إحكام الأحكام]
# قرينة صارفة للأمر عن ظاهره.
# من الوجوب إلى الندب.
# والأمر قد يصرف عن ظاهره بالدليل.
### | [الصابون والأشنان والغسلة الثامنة تقوم مقام التراب]
# 1
# المسألة الحادية عشرة: قوله " بالتراب " يقتضي تعينه.
# وفي مذهب الشافعي قول - أو وجه - إن الصابون والأشنان والغسلة الثامنة،
~~تقوم مقام التراب، بناء على أن المقصود بالتراب: زيادة التنظيف، وأن
~~الصابون والأشنان يقومان مقامه في ذلك.
# وهذا عندنا ضعيف.
# ؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء
~~النص، واطراح خصوص المعين فيه.
# والأمر بالتراب - وإن كان محتملا لما ذكروه، وهو زيادة التنظيف - فلا
~~نجزم بتعيين ذلك المعنى.
# فإنه يزاحمه معنى آخر، وهو الجمع بين مطهرين، أعني الماء والتراب، وهذا
~~المعنى مفقود في الصابون والأشنان.
# وأيضا، فإن هذه المعاني المستنبطة إذا لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة،
~~فليست بذلك الأمر القوي.
# فإذا وقعت فيها الاحتمالات، فالصواب اتباع النص.
# وأيضا، فإن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال أو تخصيص: مردود عند
~~جمع من الأصوليين.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه]
# " عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يجتمع مع
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف. أسلم قديما. وهاجر
~~الهجرتين. وتزوج بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وولي الخلافة بعد
~~عمر ms018 بن الخطاب - رضي الله عنه - وقتل يوم الجمعة، لثماني عشرة خلون من ذي
~~الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة.
# ومولاه " حمران بن أبان بن خالد كان من سبي عين التمر.
# ثم تحول إلى البصرة.
# احتج به الجماعة.
# وكان كبيرا.
# الكلام على هذا الحديث من وجوه.
# أحدها: " الوضوء " بفتح الواو: اسم للماء، وبضمها: اسم للفعل على الأكثر.
# وإذا كان بفتح الواو اسما للماء - كما ذكرناه - فهل هو اسم لمطلق الماء،
~~أو للماء بقيد كونه متوضئا به، أو معدا للوضوء به؟ فيه نظر يحتاج إلى كشف.
# وينبني عليه فائدة فقهية.
# وهو أنه في بعض الأحاديث التي استدل بها على أن الماء المستعمل طاهر: قول
~~جابر " فصب علي من وضوئه " فإنا إن جعلنا " الوضوء " اسما لمطلق الماء لم
~~يكن في قوله " فصب علي من وضوئه " دليل على طهارة الماء المستعمل.
# ؛ لأنه يصير التقدير: فصب علي من مائه.
# ولا يلزم أن يكون ماؤه هو الذي استعمل في أعضائه.
# ؛ لأنا نتكلم على أن " الوضوء " اسم لمطلق الماء.
# وإذا لم يلزم ذلك: جاز أن يكون المراد بوضوئه: فضلة مائه الذي توضأ
~~ببعضه، لا ما استعمله في أعضائه.
# فلا يبقى فيه دليل من جهة اللفظ على ما ذكر من طهارة الماء المستعمل.
# وإن جعلنا " الوضوء " بالفتح: الماء مقيدا بالإضافة إلى الوضوء - بالضم "
~~أعني استعماله في الأعضاء، أو إعداده لذلك: فهاهنا يمكن أن يقال: فيه دليل.
# ؛ لأن " وضوءه " بالفتح متردد بين مائه المعد للوضوء بالضم، وبين مائه
~~المستعمل في الوضوء.
# وحمله على الثاني أولى؛ لأنه الحقيقة، أو الأقرب إلى الحقيقة واستعماله
~~بمعنى المعد مجاز.
# والحمل على الحقيقة أو الأقرب إلى الحقيقة أولى.
### | [غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء]
# 1
# PageV01P080
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثاني: قوله " فأفرغ على يديه " فيه استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في
~~الإناء في ابتداء الوضوء مطلقا.
# والحديث الذي مضى يفيد استحبابه عند القيام من النوم.
# وقد ذكرنا الفرق بين الحكمين، وأن الحكم عند عدم القيام: الاستحباب، وعند
~~القيام: ms019 الكراهية لإدخالهما في الإناء قبل غسلهما
# الثالث: قوله " على يديه " يؤخذ منه: الإفراغ عليهما معا.
# وقد تبين في رواية أخرى " أنه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما ".
# قوله: " غسلهما " قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو مفترقتين.
# والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل؟ .
# الرابع: قوله " ثلاث مرات " مبين لما أهمل من ذكر العدد في حديث أبي
~~الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة المتقدم الذكر في قوله " إذا استيقظ أحدكم
~~من " رواية مالك وغيره. وقد ورد في حديث أبي هريرة أيضا: ذكر العدد في
~~الصحيح.
# وقد ذكر صاحب الكتاب.
### | [المضمضة في الوضوء]
# 1
# الخامس: قوله " ثم تمضمض " مقتض للترتيب بين غسل اليدين والمضمضة.
# وأصل هذه اللفظة: مشعر بالتحريك.
# ومنه: مضمض النعاس في عينيه.
# واستعملت في هذه السنة - أعني المضمضة في الوضوء - لتحريك الماء في الفم.
# وقال بعض الفقهاء: " المضمضة " أن يجعل الماء في فيه ثم يمجه - هذا أو
~~معناه - فأدخل المج في حقيقة المضمضة.
# فعلى هذا: لو ابتلعه لم يكن مؤديا للسنة.
# وهذا الذي يكثر في أفعال المتوضئين [أعني الجعل والمج] ويمكن أن يكون ذكر
~~ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقف تأدي السنة على مجه.
# والله أعلم.
### | [الترتيب بين غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق]
# السادس: قوله " ثم غسل وجهه " دليل على الترتيب بين غسل الوجه والمضمضة
~~والاستنشاق، وتأخره عنهما.
# فيؤخذ منه الترتيب بين المفروض والمسنون.
# وقد قيل في حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق، على غسل الوجه
# PageV01P081
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المفروض: إن صفات الماء ثلاث أعني المعتبرة في التطهير - لون يدرك
~~بالبصر، وطعم يدرك بالذوق وريح يدرك بالشم، فقدمت هاتان السنتان ليختبر حال
~~الماء، قبل أداء الفرض به وبعض الفقهاء رأى الترتيب بين المفروضات.
# ولم يره بين المفروض والمسنون، كما بين المفروضات.
# و " الوجه " مشتق من المواجهة.
# وقد اعتبر الفقهاء هذا الاشتقاق، وبنوا عليه أحكاما.
# وقوله " ثلاثا " يفيد استحباب هذا العدد في كل ما ذكر فيه.
### | [إدخال المرفقين في الغسل]
# 1
# السابع: قوله " ويديه إلى المرفقين " المرفق فيه ms020 وجهان.
# أحدهما: بفتح الميم وكسر الفاء.
# والثاني: عكسه، لغتان.
# وقوله " إلى المرفقين " ليس فيه إفصاح بكونه أدخلهما في الغسل، أو انتهى
~~إليهما والفقهاء اختلفوا في وجوب إدخالهما في الغسل.
# فمذهب مالك والشافعي: الوجوب.
# وخالف زفر وغيره. ومنشأ الاختلاف فيه: أن كلمة " إلى " المشهور فيها:
~~أنها لانتهاء الغاية وقد ترد بمعنى " مع " فمن الناس من حملها على مشهورها.
# فلم يوجب إدخال المرفقين في الغسل ومنهم من حملها على معنى " مع " فأوجب
~~إدخالها.
# وقال بعض الناس: يفرق بين أن تكون الغاية من جنس ما قبلها أو لا.
# PageV01P082
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإن كانت من الجنس دخلت، كما في آية الوضوء.
# وإن كانت من غير الجنس لم تدخل، كما في قوله عز وجل {ثم أتموا الصيام إلى
~~الليل} [البقرة: 187] .
# وقال غيره: إنما دخل المرفقان ههنا؛ لأن " إلى " ههنا غاية للإخراج، لا
~~للإدخال.
# فإن اسم " اليد " ينطلق على العضو إلى المنكب.
# فلو لم ترد هذه الغاية لوجب غسل اليد إلى المنكب.
# فلما دخلت: أخرجت عن الغسل ما زاد على المرفق.
# فانتهى الإخراج إلى المرفق، فدخل في الغسل.
# وقال آخرون: لما تردد لفظ " إلى " بين أن تكون للغاية، وبين أن تكون
~~بمعنى " مع " وجاء فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنه أدار الماء
~~على مرفقيه " كان ذلك بيانا للمجمل.
# وأفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيان الواجب المجمل محمولة على
~~الوجوب.
# وهذا عندنا ضعيف.
# ؛ لأن " إلى " حقيقة في انتهاء الغاية، مجاز بمعنى " مع " ولا إجمال في
~~اللفظ بعد تبين حقيقته ويدل على أنها حقيقة في انتهاء الغاية: كثرة نصوص
~~أهل العربية على ذلك.
# ومن قال: إنها بمعنى " مع " فلم ينص على أنها حقيقة في ذلك.
# فيجوز أن يريد المجاز.
### | [استيعاب الرأس بالمسح]
# 1
# الثامن: قوله " ثم مسح رأسه " ظاهره: استيعاب الرأس بالمسح.
# ؛ لأن اسم " الرأس " حقيقة في العضو كله.
# والفقهاء اختلفوا في القدر الواجب من المسح.
# وليس في الحديث ما يدل على الوجوب.
# ؛ لأنه في آخره: إنما ذكر ترتيب ثواب ms021 مخصوص على هذه الأفعال.
# وليس يلزم من ذلك عدم الصحة عند عدم كل جزء من تلك الأفعال.
# فجاز أن يكون ذلك الثواب مرتبا على إكمال مسح الرأس، وإن لم يكن واجبا
~~إكماله، كما يترتب على المضمضة والاستنشاق، وإن لم يكونا واجبين عند كثير
~~من الفقهاء، أو الأكثرين منهم.
# PageV01P083
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإن سلك سالك ما قدمناه في المرفقين - من ادعاء الإجمال في الآية، وأن
~~الفعل بيان له - فليس بصحيح.
# ؛ لأن الظاهر من الآية: مبين.
# إما على أن يكون المراد: مطلق المسح، على ما يراه الشافعي، بناء على أن
~~مقتضى الباء في الآية التبعيض [أو غير ذلك] ، أو على أن المراد: الكل، على
~~ما قاله مالك.
# بناء على أن اسم " الرأس " حقيقة في الجملة، وأن " الباء " لا تعارض ذلك.
# وكيفما كان: فلا إجمال.
### | [الغسل في الرجلين]
# التاسع: قوله " ثم غسل كلتا رجليه " صريح في الرد على الروافض في أن واجب
~~الرجلين: المسح.
# وقد تبين هذا من حديث عثمان، وجماعة وصفوا وضوء رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -.
# ومن أحسن ما جاء فيه: حديث عمرو بن عبسة - بفتح العين والباء - أن رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما منكم من أحد يقرب وضوءه - إلى أن قال
~~- ثم يغسل رجليه، كما أمره الله عز وجل» فمن هذا الحديث: انضم القول إلى
~~الفعل.
# وتبين أن المأمور به: الغسل في الرجلين.
### | [استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثا]
# 1
# العاشر: قوله " ثلاثا " يدل على استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثا
~~وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرجل، كما في غيرها من الأعضاء.
# وقد ورد في بعض الروايات " فغسل رجليه حتى أنقاهما " ولم يذكر عددا.
# فاستدل به لهذا المذهب.
# وأكد من جهة المعنى: بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها يكثر فيها
~~الأوساخ والأدران، فيحال الأمر فيها على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد.
# والرواية التي ذكر فيها العدد: زائدة على الرواية التي لم يذكر فيها
~~فالأخذ بها متعين والمعنى ms022 المذكور لا ينافي اعتبار العدد.
# فليعمل بما دل عليه لفظ " مثل ".
### | [فضل الوضوء]
# 1
# الحادي عشر: قوله " نحو وضوئي هذا " لفظة " نحو " لا تطابق لفظة " مثل "
~~فإن لفظة " مثل " يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجه، إلا في الوجه الذي
~~يقتضي التغاير بين الحقيقتين، بحيث يخرجهما عن الوحدة.
# ولفظة " نحو "
# PageV01P084
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لا تعطي ذلك ولعلها استعملت بمعنى المثل مجازا أو لعله لم يترك مما يقتضي
~~المثلية إلا ما لا يقدح في المقصود.
# يظهر في الفعل المخصوص: أن فيه أشياء ملغاة عن الاعتبار في المقصود من
~~الفعل: فإذا تركت هذه الأشياء لم يكن الفعل مماثلا حقيقة لذلك الفعل، ولم
~~يقدح تركها في المقصود منه.
# وهو رفع الحدث، وترتب الثواب.
# وإنما احتجنا إلى هذا وقلنا به؛ لأن هذا الحديث ذكر لبيان فعل يقتدى به،
~~ويحصل الثواب الموعود عليه.
# فلا بد أن يكون الوضوء المحكي المفعول محصلا لهذا الغرض.
# فلهذا قلنا: إما أن يكون استعمل " نحو " في حقيقتها، مع عدم فوات
~~المقصود، لا بمعنى " مثل " أو يكون ترك ما علم قطعا أنه لا يخل بالمقصود.
# فاستعمل " نحو " في " مثل " مع عدم فوات المقصود.
# والله أعلم.
# ويمكن أن تقال: إن الثواب يترتب على مقارنة ذلك الفعل، تسهيلا وتوسيعا
~~على المخاطبين، من غير تضييق ونقيد بما ذكرناه أولا، إلا أن الأول أقرب إلى
~~مقصود البيان.
# الثاني عشر: هذا الثواب الموعود به يترتب على مجموع أمرين:
# أحدهما: الوضوء على النحو المذكور.
# والثاني: صلاة ركعتين بعده بالوصف المذكور بعده في الحديث، والمرتب على
~~مجموع أمرين: لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج.
# وقد أدخل قوم هذا الحديث في فضل الوضوء.
# وعليهم في ذلك هذا السؤال الذي ذكرناه.
# PageV01P085
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ويجاب عنه: بأن كون الشيء جزءا مما يترتب عليه الثواب العظيم: كاف في
~~كونه ذا فضل.
# فيحصل المقصود من كون الحديث دالا على فضيلة الوضوء.
# ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثواب المخصوص، وحصول مطلق الثواب.
# فالثواب المخصوص: ms023 يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور.
# والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور.
# ومطلق الثواب: قد يحصل بما دون ذلك.
### | [الخواطر والوساوس الواردة على النفس]
# الثالث عشر: قوله " ولا يحدث فيهما نفسه " إشارة إلى الخواطر والوساوس
~~الواردة على النفس.
# وهي على قسمين.
# أحدهما: ما يهجم هجما يتعذر دفعه عن النفس.
# والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكن قطعه ودفعه، فيمكن أن يحمل هذا
~~الحديث على هذا النوع الثاني.
# فيخرج عنه النوع الأول، لعسر اعتباره.
# ويشهد لذلك: لفظة " يحدث نفسه " فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا لهذا
~~الحديث.
# ويمكن أن يحمل على النوعين معا، إلا أن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق
~~بالتكاليف.
# والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص.
# فمن حصل له ذلك العمل: حصل له ذلك الثواب، ومن لا، فلا. وليس ذلك من باب
~~التكاليف، حتى يلزم رفع العسر عنه.
# نعم لا بد وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول - أعني الوصف المرتب عليه
~~الثواب المخصوص - والأمر كذلك.
# فإن المتجردين عن شواغل الدنيا، الذين غلب ذكر الله عز وجل على قلوبهم
~~وغمرها: تحصل لهم تلك الحالة، وقد حكي عن بعضهم ذلك.
### | [حديث النفس]
# 1
# الرابع عشر " حديث النفس " يعم الخواطر المتعلقة بالدنيا، والخواطر
~~المتعلقة بالآخرة.
# والحديث محمول - والله أعلم - على ما يتعلق بالدنيا.
# إذ لا بد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة، كالفكر في معاني المتلو من
~~القرآن العزيز، والمذكور من الدعوات والأذكار.
# ولا نريد بما يتعلق بأمر الآخرة: كل أمر محمود، أو مندوب إليه.
# فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة.
# وإدخاله فيها أجنبي عنها.
# وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال " إني لأجهز الجيش وأنا في
~~الصلاة " أو كما قال. وهذه قربة، إلا أنها أجنبية عن مقصود الصلاة.
### | 1 -
# PageV01P086
# 8 - الحديث الثامن: عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه
~~قال «شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -؟ فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء رسول الله ms024 - صلى الله عليه
~~وسلم - فأكفأ على يديه من التور، فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور،
~~فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم
~~أدخل يده في التور، فغسلهما مرتين إلى المرفقين ثم أدخل يده في التور، فمسح
~~رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ثم غسل رجليه وفي رواية بدأ بمقدم رأسه،
~~حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه» .
# وفي رواية «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجنا له ماء في
~~تور من صفر»
# التور: شبه الطست..
#
### | [إحكام الأحكام]
# الخامس عشر: قوله " غفر له ما تقدم من ذنبه " ظاهره العموم في جميع
~~الذنوب.
# وقد خصوا مثله بالصغائر، وقالوا: إن الكبائر إنما تكفر بالتوبة.
# وكأن المستند في ذلك: أنه ورد مقيدا في مواضع، كقوله - صلى الله عليه
~~وسلم - «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: كفارات لما
~~بينهن، ما اجتنبت الكبائر» فجعلوا هذا القيد في هذه الأمور مقيدا للمطلق في
~~غيرها.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي]
# عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني: ثقة. روى له
~~الجماعة. وكذلك أبوه ثقة، اتفقوا عليه.
# فيه وجوه:
# أحدها عبد الله بن زيد هو زيد بن عاصم: وهو غير زيد بن عبد ربه.
# وهذا الحديث لعبد الله بن زيد بن عاصم، لا لعبد الله بن زيد بن عبد ربه.
# وحديث الأذان ورؤيته في المنام لعبد الله بن زيد بن عبد ربه لا لعبد الله
~~بن زيد بن عاصم. فليتنبه لذلك.
# فإنه مما يقع فيه الاشتباه والغلط.
# الثاني: قوله " فدعا بتور " التور: بالتاء المثناة: الطست. والطست - بكسر
~~الطاء وبفتحها، وبإسقاط التاء - لغات.
# الثالث: فيه دليل على جواز الوضوء من آنية الصفر.
# والطهارة جائزة من الأواني الطاهرة كلها، إلا الذهب والفضة، للحديث
~~الصحيح الوارد في النهي عن الأكل والشرب فيهما. ms025
# وقياس الوضوء على ذلك.
### | [المضمضة والاستنشاق بالنسبة إلى الفصل والجمع وعدد الغرفات]
# 1
# الرابع: ما يتعلق بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء: قد مر.
# وقوله " فمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات " تعرض لكيفية المضمضة
~~والاستنشاق بالنسبة إلى الفصل والجمع، وعدد الغرفات. والفقهاء اختلفوا في
~~ذلك فمنهم من اختار الجمع. ومنهم من اختار الفصل.
# والحديث يدل - والله أعلم - على أنه تمضمض واستنشق من غرفة، ثم فعل كذلك
~~مرة أخرى، ثم فعل كذلك مرة أخرى.
# وهو محتمل من حيث اللفظ غير ذلك. وهو أن يفاوت بين العدد في المضمضة
~~والاستنشاق، مع اعتبار ثلاث غرفات، إلا أنا لا نعلم قائلا به.
# مثال ذلك: أن يغرف غرفة، فيتمضمض بها مرة مثلا. ثم يأخذ غرفة أخرى.
~~فيتمضمض بها مرتين، ثم يأخذ غرفة أخرى، فيستنشق بها ثلاثا، وغير ذلك من
~~الصور التي تعطي هذا المعنى.
# فيصدق على هذا أنه: تمضمض ثلاثا، واستنشق
# PageV01P088
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ثلاثا من ثلاث غرفات.
### | [جواز التكرار ثلاثا في بعض الأعضاء]
# 1
# الخامس: قوله " ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا " قد تقدم القول فيه. وقوله
~~" ويديه إلى المرفقين مرتين " فيه دليل على جواز التكرار ثلاثا في بعض
~~الأعضاء، واثنتين في بعضها، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وبعضه ثلاثا، وبعضه مرتين.
~~وهو هذا الحديث.
### | [التكرار في مسح الرأس]
# السادس: قوله " ثم أدخل يده في التور، فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة
~~واحدة " فيه دليل على التكرار في مسح الرأس، مع التكرار في غيره، وهو مذهب
~~مالك وأبي حنيفة.
# وورد المسح في بعض الروايات مطلقا، وفي بعضها مقيدا بمرة واحدة. وقوله "
~~فأقبل بهما وأدبر " اختلف الفقهاء في كيفية الإقبال والإدبار، على ثلاثة
~~مذاهب.
# أحدها: أن يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه، ويذهب إلى القفا، ثم يردهما
~~إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبدأ الشعر في حد الوجه، وعلى هذا يدل ظاهر
~~قوله " بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما ms026 حتى رجع إلى
~~المكان الذي بدأ منه " وهو مذهب مالك والشافعي. إلا أنه ورد على هذا
~~الإطلاق - أعني إطلاق قوله " فأقبل بهما وأدبر " - إشكال من حيث إن هذه
~~الصيغة تقتضي أنه أدبر بهما وأقبل؛ لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه
~~إلى جهة الوجه إقبال.
# فمن الناس من اعتقد أن هذه الصيغة المتقدمة التي دل عليها ظاهر الحديث
~~المفسر وهو قوله " بدأ بمقدم رأسه. .. إلخ ".
# وأجاب عن هذا السؤال بأن " الواو " لا تقتضي الترتيب. فالتقدير: أدبر
~~وأقبل. وعندي فيه جواب آخر؛ وهو أن " الإقبال والإدبار " من الأمور
~~الإضافية أعني: أنه ينسب إلى ما يقبل إليه، ويدبر عنه، فيمكنه حمله على
~~هذا.
# ويحتمل أن يريد بالإقبال: الإقبال على الفعل لا غير ويضعفه قوله " وأدبر
~~مرة واحدة ". ومن الناس من قال: يبدأ بمؤخر رأسه ويمر إلى جهة الوجه، ثم
~~يرجع إلى
# PageV01P089
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المؤخر، محافظة على ظاهر قوله " أقبل وأدبر " وينسب الإقبال: إلى مقدم
~~الوجه، والإدبار: إلى ناحية المؤخر.
# وهذا يعارضه الحديث المفسر لكيفية الإقبال والإدبار. وإن كان يؤيده ما
~~ورد في حديث الربيع «أنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بمؤخر رأسه» فقد يحمل
~~ذلك على حالة، أو وقت.
# ولا يعارض ذلك الرواية الأخرى، لما ذكرناه من التفسير. ومن الناس من قال:
~~يبدأ بالناصية، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس ثم يعود
~~إلى ما بدأ منه، وهو الناصية.
# وكأن هذا قد قصد المحافظة على قوله " بدأ بمقدم الرأس " [مع المحافظة على
~~ظاهر " أقبل وأدبر "] فإنه إذا بدأ بالناصية صدق أنه بدأ بمقدم رأسه، وصدق
~~أنه أقبل أيضا.
# فإنه ذهب إلى ناحية الوجه، وهو القبل. إلا أن قوله في الرواية المفسرة "
~~بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه " قد يعارض هذا.
# فإنه جعله بادئا بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه. وهذه الصفة التي
~~قالها هذا القائل - تقتضي أنه بدأ بمقدم رأسه، غير ذاهب إلى قفاه، بل إلى
~~ناحية وجهه: وهو مقدم الرأس.
# ويمكن ms027 أن يقول هذا القائل - الذي اختار هذه الصفة الأخيرة -: إن البداءة
~~بمقدم الرأس ممتد إلى غاية الذهاب إلى المؤخر، وابتداء الذهاب من حيث
~~الرجوع من منابت الشعر من ناحية الوجه إلى القفا. والحديث إنما جعل البداءة
~~بمقدم الرأس ممتدا إلى غاية الذهاب إلى القفا، لا إلى غاية الوصول إلى
~~القفا وفرق بين الذهاب إلى القفا، وبين الوصول إليه. فإذا جعل هذا القائل
~~الذهاب إلى القفا من حيث الرجوع من مبتدأ الشعر من ناحية الوجه إلى جهة
~~القفا: صح أنه ابتدأ بمقدم الرأس ممتدا إلى غاية الذهاب إلى جهة القفا.
# وقد تقدم ما يتعلق بغسل الرجلين والعدد فيهما، أو عدم العدد. والرواية
~~الأخيرة: مصرحة بالوضوء من الصفر.
# وهي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة. وهي مصرحة بالحقيقة في قوله " تور من
~~صفر " وفي الرواية الأولى مجاز، أعني قوله " من تور من ماء " ويمكن أن يحمل
~~الحديث على: من إناء
# PageV01P090
# 9 - الحديث التاسع: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيمن في تنعله، وترجله،
~~وطهوره، وفي شأنه كله» .
### | 10 -
# الحديث العاشر: عن نعيم المجمر عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
#
### | [إحكام الأحكام]
# ماء، وما أشبه ذلك.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن]
# " عائشة - رضي الله عنها - " تكنى أم عبد الله بنت أبي بكر الصديق - رضي
~~الله عنه - اسمه: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم
~~بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي التيمي. يجتمع مع رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - في مرة بن كعب بن لؤي. توفيت سنة سبع وخمسين. وقيل
~~ثمان وخمسين. تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل الهجرة
~~بسنتين، وقيل: بثلاث.
# و " التنعل " لبس النعل. و " الترجل " تسريح الشعر. قال الهروي: شعر
~~مرجل، أي مسرح. وقال كراع: شعر رجل ورجل، وقد رجله صاحبه: إذا سرحه ودهنه
~~ومعنى التيمن في التنعل: ms028 البداءة بالرجل اليمنى.
# ومعناه في الترجل: البداءة بالشق الأيمن من الرأس في تسريحه ودهنه. وفي
~~الطهور: البداءة باليد اليمنى والرجل اليمنى في الوضوء.
# وبالشق الأيمن في الغسل. والبداءة باليمنى عند الشافعي من المستحبات، وإن
~~كان يقول بوجوب الترتيب؛ لأنهما كالعضو الواحد، حيث جمعا في لفظ القرآن
~~الكريم، حيث قال عز وجل {أيديكم وأرجلكم} [الأعراف: 124] .
# وقولها " وفي شأنه كله " عام يخص، فإن دخول الخلاء والخروج من المسجد،
~~يبدأ فيهما باليسار. وكذلك ما يشابههما.
# PageV00P000
# عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن أمتي
~~يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل
~~غرته فليفعل» .
# وفي لفظ لمسلم «رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ
~~المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - يقول إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار
~~الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل» .
# وفي لفظ لمسلم: سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تبلغ الحلية من
~~المؤمن حيث يبلغ الوضوء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين]
# الكلام على هذا الحديث من وجوه:
# أحدها: قوله " المجمر " بضم الميم وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية.
# وصف به أبو نعيم بن عبد الله.؛ لأنه كان يجمر المسجد، أي يبخره.
# الثاني: قوله " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين " يحتمل " غرا "
~~وجهين:
# أحدهما: أن يكون مفعولا ليدعون، كأنه بمعنى يسمون غرا.
# والثاني: وهو الأقرب - أن يكون حالا، كأنهم يدعون إلى موقف الحساب أو
~~الميزان، أو غير ذلك مما يدعى الناس إليه يوم القيامة، وهم بهذه الصفة، أي
~~غرا محجلين.
# فيعدى " يدعون " في المعنى بالحرف، كما قال الله عز وجل {يدعون إلى كتاب
~~الله} [آل عمران: 23] ويجوز أن لا يتعدى " يدعون " بحرف الجر.
# ويكون " غرا " حالا أيضا. والغرة: في الوجه. والتحجيل: في اليدين
~~والرجلين.
# الثالث: المروي المعروف في قوله - صلى الله عليه وسلم - " من آثار ms029 الوضوء
~~" الضم في " الوضوء " ويجوز أن يقال بالفتح، أي من آثار الماء المستعمل في
~~الوضوء فإن الغرة والتحجيل: نشأ عن الفعل بالماء.
# فيجوز أن ينسب إلى كل منهما. الرابع: قوله " فمن استطاع منكم أن يطيل
~~غرته فليفعل " اقتصر فيه على
# PageV01P092
# 11 - الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -:
~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ
~~بك من الخبث والخبائث» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لفظ " الغرة " هنا، دون التحجيل - وإن كان الحديث يدل على طلب التحجيل
~~أيضا.
# وكأن ذلك من باب التغليب لأحد الشيئين على الآخر إذا كانا بسبيل واحد.
~~وقد استعمل الفقهاء ذلك أيضا، وقالوا: يستحب تطويل الغرة. وأرادوا: الغرة
~~والتحجيل. وتطويل الغرة في الوجه: بغسل جزء من الرأس. وفي اليدين: بغسل بعض
~~العضدين.
# وفي الرجلين: بغسل بعض الساقين وليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما
~~يغسل من العضدين والساقين. وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره
~~في طلب إطالة الغرة فغسل إلى قريب من المنكبين.
# ولم ينقل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا كثر استعماله في
~~الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فلذلك لم يقل به كثير من الفقهاء.
~~ورأيت بعض الناس قد ذكر: أن حد ذلك: نصف العضد، ونصف الساق اه.
### | [باب الاستطابة]
### | [حديث النبي كان إذا دخل الخلاء]
# الخبث - بضم الخاء والباء - جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة.
# استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم. أنس بن مالك " بن النضر بن ضمضم بن
~~زيد بن حرام - فتح الحاء والراء المهملتين - أنصاري، نجاري. خدم النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، وعمر وولد له أولاد كثيرون، يقال: ثمانون،
~~ثمانية وسبعون ذكرا وابنتان. وكانت وفاته بالبصرة سنة
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ثلاث وتسعين. وقيل: سنة خمس وتسعين. وقيل: كانت سنه يوم مات: مائة وسبع
~~سنين. وقال أنس: أخبرتني ابنتي أمنة: أنه دفن لصلبي - إلى مقدم الحجاج
~~البصرة - بضع وعشرون ومائة.
# الكلام على هذا الحديث من ms030 وجوه:
# أحدها ": الاستطابة " إزالة الأذى عن المخرجين بحجر وما يقوم مقامه.
# مأخوذ من الطيب، يقال: استطاب الرجل فهو مستطيب. وأطاب، فهو مطيب.
# الثاني: " الخلاء " بالمد في الأصل: هو المكان الخالي. كانوا يقصدونه
~~لقضاء الحاجة.
# ثم كثر تجوز به عن غير ذلك.
# الثالث: قوله " إذا دخل " يحتمل أن يراد به: إذا أراد الدخول. كما في
~~قوله سبحانه {فإذا قرأت القرآن} [النحل: 98] ويحتمل أن يراد به.
# ابتداء الدخول. وذكر الله تعالى مستحب في ابتداء قضاء الحاجة. فإن كان
~~المحل الذي تقضى فيه الحاجة غير معد لذلك - كالصحراء مثلا - جاز ذكر الله
~~تعالى في ذلك المكان.
# وإن كان معدا لذلك - كالكنف - ففي جواز الذكر فيه خلاف بين الفقهاء. فمن
~~كرهه، فهو محتاج إلى أن يؤول قوله " إذا دخل " بمعنى: إذا أراد.
# ؛ لأن لفظة " دخل " أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان
~~البراح؛ أو لأنه قد تبين في حديث آخر المراد، حيث قال - صلى الله عليه وسلم
~~- " إن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل - الحديث ".
# وأما من أجاز ذكر الله تعالى في هذا المكان: فلا يحتاج إلى هذا التأويل.
# ويحمل " دخل " على حقيقتها. الرابع: " الخبث " بضم الخاء والباء: جمع
~~خبيث، كما ذكر المصنف. وذكر الخطابي في أغاليط المحدثين روايتهم له بإسكان
~~الباء.
# ولا ينبغي أن يعد هذا غلطا؛ لأن فعلا - بضم الفاء والعين - يخفف عينه
~~قياسا. فلا يتعين أن يكون المراد بالخبث - بسكون الباء - ما لا يناسب
~~المعنى، بل يجوز أن يكون - وهو ساكن الباء - بمعناه، وهو مضموم الباء.
# نعم، من حمله - وهو ساكن الباء - على ما لا يناسب: فهو غالط في الحمل على
~~هذا المعنى، لا في اللفظ.
# PageV01P094
# 12 - الحديث الثاني: عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله
~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أتيتم الغائط، فلا
~~تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» .
# قال أبو أيوب: " فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف
~~عنها، ونستغفر الله عز وجل ms031 ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# الخامس: الحديث الذي ذكرناه من قوله - صلى الله عليه وسلم - " إن هذه
~~الحشوش محتضرة " أي للجان والشياطين، بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا
~~المكان المخصوص.
### | [حديث إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول]
# الغائط المطمئن من الأرض ينتابونه للحاجة. فكنوا به عن نفس الحدث، كراهية
~~لذكره بخاص اسمه " والمراحيض " جمع المرحاض. وهو المغتسل. وهو أيضا كناية
~~عن موضع التخلي.
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها " أبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة نجاري، شهد
~~بدرا. ومات في زمن يزيد بن معاوية. وقال خليفة: مات بأرض الروم سنة خمسين.
~~وذلك في زمن معاوية. وقيل: في سنة اثنتين وخمسين بالقسطنطينية.
# الثاني: قوله " إذا أتيتم الخلاء " استعمل " الخلاء " في قضاء الحاجة كيف
~~كان.؛ لأن هذا الحكم عام في جميع صور قضاء الحاجة.
# وهو إشارة إلى ما قدمناه من استعمال هذه اللفظة مجازا.
# الثالث: الحديث دليل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها. والفقهاء
~~اختلفوا في هذا الحكم على مذاهب فمنهم من منع ذلك مطلقا، على مقتضى
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ظاهر هذا الحديث.
# ومنهم من أجازه مطلقا، ورأى أن هذا الحديث منسوخ وزعم أن ناسخه حديث
~~مجاهد عن جابر قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة
~~ببول. فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» وممن نقل عنه الترخيص في ذلك
~~مطلقا: عروة بن الزبير، وربيعة بن عبد الرحمن. ومنهم من فرق بين الصحاري
~~والبنيان فمنع في الصحاري، وأجاز في البنيان، بناء على أن ابن عمر روى
~~الحديث الذي يأتي ذكره بعد هذا الحديث في البنيان.
# فجمع بين الأحاديث، فحمل حديث أبي أيوب - وما في معناه - على الصحاري،
~~وحمل حديث ابن عمر على البنيان. وقد روى الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر
~~قال " رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها. فقلت:
~~أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ فقال: بلى إنما نهي عن ذلك ms032 في الفضاء.
~~فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس " أخرجه أبو داود.
# واعلم أن حمل حديث أبي أيوب على الصحاري مخالف لما حمله عليه أبو أيوب من
~~العموم. فإنه قال " فأتينا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة، فننحرف
~~عنها " فرأى النهي عاما.
# الرابع: اختلفوا في علة هذا النهي من حيث المعنى. والظاهر: أنه لإظهار
~~الاحترام والتعظيم للقبلة.؛ لأنه معنى مناسب ورد الحكم على وفقه، فيكون علة
~~له. وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل: ما روي من حديث سلمة بن
~~وهرام عن سراقة بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أتى
~~أحدكم البراز. فليكرم قبلة الله عز وجل، ولا يستقبل القبلة» وهذا ظاهر قوي
~~في التعليل بما ذكرناه. ومنهم من علل بأمر آخر.
# فذكر عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبي - هو بفتح الشين المعجمة، وسكون
~~العين المهملة - عجبت لقول أبي هريرة ونافع عن ابن عمر قال: وما قالا؟ قلت:
~~قال أبو هريرة " لا تستقبلوا القبلة ولا
# PageV01P096
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# تستدبروها " وقال نافع عن ابن عمر " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~ذهب مذهبا مواجه القبلة " قال: أما قول أبي هريرة: ففي الصحراء، إن لله
~~خلقا من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم وأما بيوتكم
~~هذه التي تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها.
# وذكر الدارقطني: أن عيسى هذا ضعيف. وينبني على هذا الخلاف في التعليل
~~اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء، فاستتر بشيء: هل يجوز الاستقبال
~~والاستدبار أم لا؟ فالتعليل باحترام القبلة: يقتضي المنع، والتعليل برؤية
~~المصلين: يقتضي الجواز.
# الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم - " إذا أتيتم الخلاء، فلا تستقبلوا
~~القبلة - الحديث " يقتضي أمرين:
# أحدهما: ممنوع منه.
# والثاني: علة لذلك المنع. وقد تكلمنا عن العلة. والكلام الآن على محل
~~العلة.
# فالحديث دل على المنع من استقبالها لغائط أو بول، وهذه الحالة تتضمن
~~أمرين:
# أحدهما: خروج الخارج المستقذر.
# والثاني: كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع للخارج، لمناسبته ms033 لتعظيم
~~القبلة عنه.
# ومنهم من قال: المنع لكشف العورة. وينبني على هذا الخلاف: خلافهم في جواز
~~الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علل بالخارج أباحه، إذ لا خارج.
~~ومن علل بالعورة منعه.
# السادس: " الغائط " في الأصل: هو المكان المطمئن من الأرض، كانوا يقصدونه
~~لقضاء الحاجة، ثم استعمل في الخارج. وغلب هذا الاستعمال على الحقيقة
~~الوضعية، فصار حقيقة عرفية.
# والحديث يقتضي أن اسم " الغائط " لا ينطلق على البول، لتفرقته بينهما.
~~وقد تكلموا في أن قوله تعالى {أو جاء أحد منكم من الغائط} [النساء: 43] هل
~~يتناول الريح مثلا، أو البول أو لا؟ بناء على أنه يخصص لفظ " الغائط " لما
~~كانت العادة أن يقصد لأجله، وهو الخارج من الدبر، ولم يكونوا يقصدون الغائط
~~للريح مثلا.
# أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القبل
~~أو الدبر كيف كان.
# والسابع: قوله " ولكن شرقوا أو غربوا " محمول على محل يكون التشريق
~~والتغريب فيه مخالفا لاستقبال القبلة واستدبارها، كالمدينة التي هي مسكن
~~رسول
# PageV01P097
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الله - صلى الله عليه وسلم - وما في معناها من البلاد، ولا يدخل تحته ما
~~كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب.
# الثامن: قول أبي أيوب " فقدمنا الشام إلخ " فيه ما قدمناه ثمة من حمله له
~~على العموم بالنسبة إلى البنيان والصحاري، وفيه دليل على أن للعموم صيغة
~~عند العرب وأهل الشرع، على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين. وهذا - أعني
~~استعمال صيغة العموم - فرد من الأفراد، له نظائر لا تحصى، وإنما نبهنا عليه
~~على سبيل ضرب المثل، فمن أراد أن يقف على ذلك فليتتبع نظائرها يجدها.
# التاسع: أولع بعض أهل العصر - وما يقرب منه - بأن قالوا: إن صيغة العموم
~~إذا وردت على الذوات مثلا أو على الأفعال.
# كانت عامة في ذلك، مطلقة في الزمان والمكان، والأحوال والمتعلقات. ثم
~~يقولون: المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة. فلا يكون حجة فيما عداه.
~~وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يحصى من ألفاظ ms034 الكتاب والسنة. وصار ذلك
~~ديدنا لهم في الجدال. وهذا عندنا باطل، بل الواجب: أن ما دل على العموم في
~~الذوات - مثلا - يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ. ولا
~~تخرج عنها ذات إلا بدليل يخصه.
# فمن أخرج شيئا من تلك الذوات، فقد خالف مقتضى العموم. نعم المطلق يكفي
~~العمل به مرة، كما قالوه. ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث
~~الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل
~~ذات. فإن كان المطلق مما لا يقتضي العمل به مرة واحدة مخالفة لمقتضى صيغة
~~العموم: اكتفينا في العمل به مرة واحدة.
# وإن كان العمل به مما يخالف مقتضى صيغة العموم. قلنا بالعموم محافظة على
~~مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعم، مثال ذلك: إذا قال: من دخل داري
~~فأعطه درهما.
# فمقتضى الصيغة: العموم في كل ذات صدق عليها أنها داخلة. فإن قال قائل: هو
~~مطلق في الأزمان، فأعمل به في الذوات الداخلة الدار في أول النهار مثلا،
~~ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه مطلق في الزمان، وقد عملت به مرة، فلا
~~يلزم أن أعمل به مرة أخرى، لعدم عموم المطلق.
# PageV01P098
# 13 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -
~~رضي الله عنهما - قال: «رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة» . وفي رواية "
~~مستقبلا بيت المقدس ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار، ومن جملتها:
~~الذوات الداخلة في آخر النهار. فإذا أخرجت تلك الذوات فقد أخرجت ما دلت
~~الصيغة على دخوله.
# وهي كل ذات. وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلنا. فإن أبا أيوب من
~~أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله " لا تستقبلوا ولا تستدبروا " عاما في
~~الأماكن. وهو مطلق فيها. وعلى ما قال هؤلاء المتأخرون: لا يلزم منه العموم،
~~وعلى ما قلناه: يعم؛ لأنه ms035 إذا أخرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في
~~النهي عن الاستقبال والاستدبار.
# العاشر: قوله " ونستغفر الله " قيل: يراد به ونستغفر الله لباني الكنف
~~على هذه الصورة الممنوعة عنده. وإنما حملهم على هذا التأويل: أنه إذا انحرف
~~عنها لم يفعل ممنوعا. فلا يحتاج إلى الاستغفار. والأقرب: أنه استغفار
~~لنفسه. ولعل ذلك؛ لأنه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى البناء غلطا أو
~~سهوا. فيتذكر فينحرف، ويستغفر الله.
# فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعلا إثما. فلا حاجة به إلى الاستغفار.
~~قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا، بناء على
~~نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في [عدم] التحفظ ابتداء. والله أعلم.
### | [حديث رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته]
# " " عبد الله بن عمر " بن الخطاب. تقدم نسبه في ذكر أبيه - رضي الله
~~عنهما -
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# كنيته أبو عبد الرحمن، أحد أكابر الصحابة علما ودينا. توفي سنة ثلاث
~~وسبعين، وقيل سنة أربع وسبعين. وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعا وثمانين سنة.
~~هذا الحديث يعارض حديث أبي أيوب المتقدم من وجه، وكذلك ما في معنى حديث أبي
~~أيوب.
# واختلف الناس في كيفية العمل به، أو بالأول؟ على أقوال. فمنهم من رأى أنه
~~ناسخ لحديث المنع. واعتقد الإباحة مطلقا، وكأنه رأى أن تخصيص حكمه بالبنيان
~~مطرح، وأخذ دلالته على الجواز مجردة عن اعتبار خصوص كونه في البنيان
~~لاعتقاده أنه وصف ملغى، لا اعتبار به. ومنهم من رأى العمل بالحديث الأول
~~وما في معناه. واعتقد هذا خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ومنهم من
~~جمع بين الحديثين.
# فرأى حديث ابن عمر مخصوصا بالبنيان، فيخص به حديث أبي أيوب العام في
~~البنيان وغيره، جمعا بين الدليلين. ومنهم من توقف في المسألة. ونحن ننبه
~~ههنا على أمرين:
# أحدهما: أن من قال بتخصيص هذا الفعل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - له أن
~~يقول: إن رؤية هذا الفعل كان أمرا اتفاقيا، لم يقصده ابن عمر، ولا الرسول -
~~صلى ms036 الله عليه وسلم - على هذه الحالة يتعرض لرؤية أحد. فلو كان يترتب على
~~هذا الفعل حكم عام للأمة لبينه لهم بإظهاره بالقول، أو الدلالة على وجود
~~الفعل. فإن الأحكام العامة للأمة لا بد من بيانها.
# فلما لم يقع ذلك - وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق، وعدم
~~قصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - دل ذلك على الخصوص به - صلى الله عليه
~~وسلم - وعدم العموم في حق الأمة وفيه بعد ذلك بحث.
# التنبيه الثاني: أن الحديث: إذا كان عام الدلالة. وعارضه غيره في بعض
~~الصور، وأردنا التخصيص - فالواجب أن نقتصر في مخالفة مقتضى العموم على
~~مقدار الضرورة، ويبقى الحديث العام على مقتضى عمومه فيما يبقى من الصور، إذ
~~لا معارض له فيما عدا تلك الصور المخصوصة التي ورد فيها الدليل الخاص.
# وحديث ابن عمر لم يدل على جواز الاستقبال والاستدبار معا في البنيان.
~~وإنما ورد في الاستدبار فقط. فالمعارضة بينه وبين حديث أبي أيوب إنما هي في
~~الاستدبار. فيبقى الاستقبال لا معارض له فيه. فينبغي أن يعمل بمقتضى حديث
# PageV01P100
# 14 - الحديث الرابع: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -
~~أنه قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل الخلاء، فأحمل أنا
~~وغلام نحوي إداوة من
#
### | [إحكام الأحكام]
# أبي أيوب في المنع من الاستقبال مطلقا، لكنهم أجازوا الاستقبال
~~والاستدبار معا في البنيان. وعليه هذا السؤال.
# هذا لو كان في حديث أبي أيوب لفظ واحد يعم الاستقبال والاستدبار، فيخرج
~~منه الاستدبار، ويبقى الاستقبال على ما قررناه آنفا. ولكن ليس الأمر كذلك.
~~بل هما جملتان، دلت إحداهما على الاستقبال، والأخرى على الاستدبار.
# تناول حديث ابن عمر إحداهما، وهي عامة في محلها. وحديثه خاص ببعض صور
~~عمومها. والجملة الأخرى: لم يتناولها حديث ابن عمر. فهي باقية على حالها.
# ولعل قائلا يقول: أقيس الاستقبال في البنيان - وإن كان مسكوتا عنه - على
~~الاستدبار الذي ورد فيه الحديث.
# فيقال له: أولا: في هذا تقديم القياس على مقتضى اللفظ العام. وفيه ما ms037
~~فيه، على ما عرف في أصول الفقه.
# وثانيا: إن شرط القياس مساواة الفرع للأصل، أو زيادته عليه في المعنى
~~المعتبر في الحكم. ولا تساوي ههنا. فإن الاستقبال يزيد في القبح على
~~الاستدبار، على ما يشهد به العرف. ولهذا اعتبر بعض العلماء هذا المعنى،
~~فمنع الاستقبال وأجاز الاستدبار. وإذا كان الاستقبال أزيد في القبح من
~~الاستدبار: فلا يلزم من إلغاء المفسدة الناقصة في القبح في حكم الجواز
~~إلغاء المفسدة الزائدة في القبح في حكم الجواز.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء]
# PageV00P000
# ماء وعنزة، فيستنجي بالماء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# العنزة " الحربة الصغيرة. وكأن حملها في ذلك الوقت لاحتمال أن يتوضأ -
~~صلى الله عليه وسلم - ليصلي، فتوضع بين يديه سترة، كما ورد في حديث آخر "
~~أنها كانت توضع بين يديه، فيصلي إليها " والكلام على " الخلاء " قد تقدم.
~~ويحتمل أن يراد به ههنا مجرد قضاء الحاجة، على ما ذكرنا أنه يستعمل في ذلك.
~~وهذا الذي يناسبه المعنى الذي ذكرناه في حمل العنزة للصلاة. فإن السترة
~~إنما تكون في البراح من الأرض، حيث يخشى المرور. ويحتمل أن يراد به: المكان
~~المعد لقضاء الحاجة في البنيان. وهذا لا يناسبه المعنى الذي ذكرناه في حمل
~~العنزة. ويترجح الأول بأن خدمة الرجال له - صلى الله عليه وسلم - في هذا
~~المعنى مناسبة للسفر.
# فإن الحضر يناسبه خدمة أهل بيته من نسائه ونحوهن. ويؤخذ من هذا الحديث:
~~استخدام الأحرار من الناس إذا كانوا أتباعا، وأرصدوا أنفسهم لذلك.
# وفيه أيضا: جواز الاستعانة في مثل هذا. ومقصوده الأكبر: الاستنجاء
~~بالماء. ولا يختلف فيه، غير أنه قد روي عن سعيد بن المسيب لفظ يقتضي تضعيفه
~~للرجال فإنه سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال " إنما ذلك وضوء النساء " أو
~~قال " ذلك وضوء النساء "
# وعن غيره من السلف ما يشعر بذلك أيضا. والسنة دلت على الاستنجاء بالماء،
~~كما في هذا الحديث وغيره. فهي أولى بالاتباع.
# ولعل سعيدا - رحمه الله - فهم من أحد غلوا في هذا الباب، بحيث يمنع
~~الاستنجاء ms038 بالحجارة فقصد في مقابلته أن يذكر هذا اللفظ لإزالة ذلك الغلو
~~وبالغ بإيراده إياه على هذه الصيغة. وقد ذهب بعض الفقهاء من أصحاب مالك -
~~وهو ابن حبيب - إلى أن الاستنجاء بالحجارة إنما هو عند عدم الماء. وإذا ذهب
# PageV01P102
# 15 - الحديث الخامس: عن أبي قتادة الحارث بن ربعي
~~الأنصاري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يمسكن
~~أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في
~~الإناء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إليه ذاهب فلا يبعد أن يقع لغيرهم ممن في زمن سعيد.
# وإنما استحب الاستنجاء بالماء لإزالة العين والأثر معا. فهو أبلغ في
~~النظافة.
### | [حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول]
# " أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة - بفتح الباء وسكون اللام وفتح
~~الدال ويقال بلدمة - بالضم فيهما - ويقال: بلذمة - بالذال المعجمة المضمومة
~~- فارس النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد أحدا والخندق، وما بعد ذلك. مات
~~بالمدينة سنة أربع وخمسين وقيل: بالكوفة سنة ثمان وثلاثين والأصح الأول
~~اتفقوا على الإخراج له، ثم الكلام عليه من وجوه:
# أحدهما: الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين في حالة البول ووردت
~~رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقا، من غير تقييد بحالة البول فمن
~~الناس من أخذ بهذا العام المطلق وقد يسبق إلى الفهم: أن المطلق يحمل على
~~المقيد، فيختص النهي بهذه الحالة وفيه بحث؛ لأن هذا الذي يقال يتجه في باب
~~الأمر والإثبات فإنا لو جعلنا الحكم للمطلق، أو العام في صورة الإطلاق، أو
~~العموم مثلا: كان فيه إخلال باللفظ الدال على المقيد وقد تناوله لفظ الأمر
~~وذلك غير جائز.
# وأما في باب النهي: فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيد أخللنا بمقتضى اللفظ
~~المطلق، مع تناول النهي له وذلك غير سائغ
# PageV00P000
# 16 - الحديث السادس: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرين، فقال: إنهما
~~ليعذبان، وما يعذبان في كبير أما أحدهما: فكان لا ms039 يستتر من البول، وأما
~~الآخر: فكان يمشي بالنميمة فأخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر
~~واحدة فقالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم
#
### | [إحكام الأحكام]
# هذا كله بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث وهو أن ينظر في الروايتين: هل
~~هما حديث واحد، أو حديثان؟ ولك أيضا، بعد النظر في دلائل المفهوم، وما يعمل
~~به منه، وما لا يعمل به وبعد أن تنظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم -
~~أعني رواية الإطلاق والتقييد - فإن كانا حديثا واحدا مخرجه واحد، اختلف
~~عليه الرواة: فينبغي حمل المطلق على المقيد؛ لأنها تكون زيادة من عدل في
~~حديث واحد، فتقبل وهذا الحديث المذكور راجع إلى رواية يحيى بن أبي كثير عن
~~عبد الله بن قتادة عن أبيه.
# الثاني: ظاهر النهي التحريم وعليه حمله الظاهري، وجمهور الفقهاء على
~~الكراهة الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - «ولا يتمسح من الخلاء بيمينه»
~~يتناول القبل والدبر وقد اختلف أصحاب الشافعي في كيفية التمسح في القبل،
~~إذا كان الحجر صغيرا، ولا بد من إمساكه بإحدى اليدين فمنهم من قال: يمسك
~~الحجر باليمنى والذكر باليسرى، فتكون الحركة لليسرى، واليمنى قارة ومنهم من
~~قال: يؤخذ الذكر باليمنى والحجر باليسرى وتحرك اليسرى والأول أقرب إلى
~~المحافظة على الحديث
### | 1 -
# الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - " ولا يتنفس في الإناء " يراد به
~~إبانة الإناء عند إرادة التنفس، لما في التنفس من احتمال خروج شيء مستقذر
~~للغير وفيه إفساد لما في الإناء بالنسبة إلى الغير، لعيافته له وقد ورد في
~~حديث آخر إبانة الإناء للتنفس ثلاثا وهو ههنا مطلق
# PageV00P000
# ييبسا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان]
# " عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس القرشي
~~الهاشمي المكي أحد أكابر الصحابة في العلم سمي بالحبر والبحر، لسعة علمه
~~مات سنة ثمان وستين، ويقال: كان سنه حينئذ: اثنتين وسبعين ms040 سنة وبعضهم يروي
~~سنة إحدى - أو اثنتين - وسبعين سنة، أعني في مبلغ سنه وكان موته بالطائف ثم
~~الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: تصريحه بإثبات عذاب القبر على ما هو مذهب أهل السنة واشتهرت به
~~الأخبار وفي إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية تخصه دون سائر المعاصي مع
~~أن العذاب بسبب غيره أيضا، إن أراد الله عز وجل ذلك في حق بعض عباده وعلى
~~هذا جاء الحديث «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» وكذا جاء أيضا:
~~أن بعض من ذكر عنه أنه ضمه القبر، أو ضغطه فسئل أهله؟ فذكروا أنه كان منه
~~تقصير في الطهور.
# الثاني: قوله " وما يعذبان في كبير " يحتمل - من حيث اللفظ - وجهين والذي
~~يجب أن يحمل عليه منهما: أنهما لا يعذبان في كبير إزالته، أو دفعه، أو
~~الاحتراز عنه أي إنه سهل يسير على من يريد التوقي منه، ولا يريد بذلك: أنه
~~صغير من الذنوب، غير كبير منها؛ لأنه قد ورد في الصحيح من الحديث " وإنه
~~لكبير " فيحمل قوله " وإنه لكبير " على كبر الذنب.
# وقوله " وما يعذبان في كبير " على سهولة الدفع والاحتراز الثالث: قوله "
~~أما أحدهما: فكان لا يستتر من بوله " هذه اللفظة - أعني " يستتر " - قد
~~اختلفت فيها الرواية على وجوه وهذه اللفظة تحتمل وجهين:
# أحدهما: الحمل على حقيقتها من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف
~~العورة.
# والثاني: وهو الأقرب -: أن يحمل على المجاز ويكون المراد بالاستتار:
# PageV01P105
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# التنزه عن البول والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، أو بالاحتراز عن مفسدة
~~تتعلق به، كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازا، ووجه العلاقة
~~بينهما: أن المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن
~~ملابسة البول، وإنما رجحنا المجاز - وإن كان الأصل الحقيقة لوجهين:
# أحدهما: أنه لو كان المراد: أن العذاب على مجرد كشف العورة: كان ذلك سببا
~~مستقلا أجنبيا عن البول، فإنه حيث حصل الكشف للعورة حصل العذاب المرتب
~~عليه، وإن لم يكن ثمة بول فيبقى ms041 تأثير البول بخصوصه مطرح الاعتبار والحديث
~~يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه
~~الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى وأيضا فإن لفظة " من " لما أضيفت إلى
~~البول - وهي غالبا لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء
~~الغاية مجازا - تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى
~~أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى.
# الوجه الثاني: أن بعض الروايات في هذه اللفظة يشعر بأن المراد: التنزه من
~~البول وهي رواية وكيع " لا يتوقى " وفي رواية بعضهم " لا يستنزه " فتحمل
~~هذه اللفظة على تلك، ليتفق معنى الروايتين.
### | [النميمة المحرمة]
# 1
# الرابع: في الحديث دليل على عظم أمر النميمة، وأنها سبب العذاب، وهو
~~محمول على النميمة المحرمة فإن النميمة إذا اقتضى تركها مفسدة تتعلق
~~بالغير، أو فعلها مصلحة يستضر الغير بتركها: لم تكن ممنوعة، كما نقول في
~~الغيبة: إذا كانت للنصيحة، أو لدفع المفسدة: لم تمنع، ولو أن شخصا اطلع من
~~آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر بإنسان، فإذا نقل إليه ذلك القول احترز عن ذلك
~~الضرر لوجب ذكره له.
### | [النبات يسبح ما دام رطبا]
# 1
# الخامس: قيل في أمر " الجريدة " التي شقها اثنتين، فوضعها على القبرين،
~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " إشارة إلى
~~أن النبات يسبح ما دام رطبا فإذا حصل التسبيح بحضرة الميت حصلت له بركته،
~~فلهذا اختص بحالة الرطوبة.
### | [الميت ينتفع بقراءة القرآن على قبره]
# السادس: أخذ بعض العلماء من هذا: أن الميت ينتفع بقراءة القرآن على
# PageV01P106
# 17 - الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك
~~عند كل صلاة»
#
### | [إحكام الأحكام]
# قبره، من حيث إن المعنى الذي ذكرناه في التخفيف عن صاحبي القبرين هو
~~تسبيح النبات ما دام رطبا فقراءة القرآن من الإنسان أولى بذلك والله أعلم
~~بالصواب.
### | [باب السواك] ms042
### | [حديث لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة]
# الكلام على هذا الحديث من وجوه:
# أحدها: استدل بعض الأصوليين به على أن الأمر للوجوب ووجه الاستدلال: أن
~~كلمة " لولا " تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره فيدل على انتفاء الأمر
~~لوجود المشقة والمنتفي لأجل المشقة: إنما هو الوجوب، لا الاستحباب فإن
~~استحباب السواك ثابت عند كل صلاة فيقتضي ذلك أن الأمر للوجوب.
### | [السواك مستحب في حالات]
# 1
# الثاني: السواك مستحب في حالات متعددة: منها: ما دل عليه هذا الحديث، وهو
~~القيام إلى الصلاة، والسر فيه: أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى
~~الله عز وجل أن نكون في حالة كمال ونظافة، إظهارا لشرف العبادة، وقد قيل:
~~إن ذلك لأمر يتعلق بالملك، وهو أنه يضع فاه على في القارئ، ويتأذى بالرائحة
~~الكريهة فسن السواك لأجل ذلك.
### | [النبي صلى الله عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد]
# 1
# الثالث: قد يتعلق بالحديث مذهب من يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~له أن يحكم بالاجتهاد، ولا يتوقف حكمه على النص فإنه جعل المشقة سببا لعدم
~~أمره - صلى الله عليه وسلم -
# PageV00P000
# 18 - الحديث الثاني: عن حذيفة بن اليمان - رضي الله
~~عنهما - قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص
~~فاه بالسواك.»
# ، 19 - الحديث الثالث: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت «دخل
#
### | [إحكام الأحكام]
# ولو كان الحكم موقوفا على النص؛ لكان سبب انتفاء أمره - صلى الله عليه
~~وسلم - عدم ورود النص به، ولا وجود المشقة وفيه احتمال للبحث والتأويل.
### | [السواك لكل صلاة]
# الرابع: الحديث بعمومه يدل على استحباب السواك لكل صلاة فيدخل فيه
~~استحباب ذلك في الصلاتين الواقعتين بعد الزوال للصائم ويستدل به من يرى
~~ذلك، ومن يخالف في ذلك يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت، يخص به ذلك العموم
~~وهو حديث الخلوف وفيه بحث.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك]
# قال المؤلف - رحمه ms043 الله - " يشوص " معناه: يغسل، يقال: شاصه يشوصه، وماصه
~~يموصه إذا غسله " حذيفة بن اليمان اسمه حسيل بن جابر وقيل حذيفة بن الحسيل
~~بن اليمان أبو عبد الله العبسي معدود في أهل الكوفة أحد أكابر الصحابة
~~ومشاهيرهم قال البخاري: مات بعد عثمان بن عفان بأربعين يوما قال أبو نصر:
~~وذلك أول سنة ست وثلاثين، وقال الواقدي: حذيفة بن اليمان بن حسيل بن جابر
~~العبسي، حليف بني عبد الأشهل وابن أختهم.
# فيه دليل على استحباب السواك في هذه الحالة الأخرى وهي القيام من النوم
~~وعلته: أن النوم مقتض لتغير الفم، والسواك هو آلة التنظيف للفم، فيسن عند
~~مقتضى التغير، وقوله " يشوص " اختلفوا في تفسيره، فقيل: يدلك وقيل: يغسل
~~وقيل: ينقي، والأول: أقرب.
# وقوله " إذا قام من الليل " ظاهره: يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام
~~ويحتمل أن يراد: إذا قام من الليل للصلاة فيعود إلى معنى الحديث الأول
# PageV00P000
# عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - على
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك
~~رطب يستن به فأبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصره. فأخذت السواك
~~فقضمته، فطيبته، ثم دفعته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستن به فما
~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استن استنانا أحسن منه، فما عدا أن
~~فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رفع يده - أو إصبعه - ثم قال: في
~~الرفيق الأعلى - ثلاثا - ثم قضى. وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي» وفي
~~لفظ «فرأيته ينظر إليه، وعرفت: أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه:
~~أن نعم» هذا لفظ البخاري ولمسلم نحوه.
# الحديث الرابع: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال «أتيت النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - وهو يستاك بسواك رطب، قال: وطرف السواك على لسانه،
~~وهو يقول: أع، أع، والسواك في فيه، كأنه يتهوع»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق على النبي صلى الله عليه]
# " أبو موسى " عبد الله ms044 بن قيس بن سليم بن حضار - ويقال: حضار - الأشعري
~~معدود في أهل البصرة، أحد أكابر الصحابة ومشاهيرهم. وذكر ابن أبي شيبة: أنه
~~مات سنة أربع وأربعين. وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقيل: مات سنة اثنتين
~~وأربعين. وقال الواقدي: سنة اثنتين وخمسين.
# قوله في حديث عائشة - رضي الله عنها - " فأبده رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - " يقال: أبددت فلانا البصر: إذا طولته إليه، وكأن أصله من معنى
~~التبديد، الذي هو التفريق.
# ويروى: أن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال " أجلسوني فأجلسوه،
# PageV01P109
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا أنت، ثم
~~رفع رأسه فأبد النظر، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض "
# وقولها " بين حاقنتي وذاقنتي " قيل " الذاقنة " نقرة النحر، وقيل: طرف
~~الحلقوم وقيل: أعلى البطن و " الحواقن " أسافله، وكأن المراد: ما يحقن
~~الطعام أي يجمعه ومنه المحقنة - بكسر الميم - التي يحتقن بها، ومن كلام
~~العرب: لأجمعن بين ذواقنك وحواقنك، وفي الحديث الاستياك بالرطب، وقد قال
~~بعض الفقهاء: إن الأخضر لغير الصائم أحسن، وقال بعضهم: يستحب أن يكون
~~بيابس، قد ندي بالماء، وفيه إصلاح السواك وتهيئته، لقول عائشة " فقضمته "
~~والقضم بالأسنان، ومن طلب الإصلاح قول من قال: يستحب أن يكون بيابس قد ندي
~~بالماء؛ لأن اليابس أبلغ في الإزالة، وتنديته بالماء: لئلا يجرح اللثة لشدة
~~يبسه، وفي الحديث: الاستياك بسواك الغير، وفيه: العمل بما يفهم، من الإشارة
~~والحركات، وقوله - صلى الله عليه وسلم - " في الرفيق الأعلى " إشارة منه -
~~صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع
~~الذين أنعم الله عليهم} [النساء: 69] ، الآية وقد ذكر بعضهم: أن قوله تعالى
~~{صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] إشارة إلى ما في هذه الآية، وهي
~~قوله {مع الذين أنعم الله عليهم} [النساء: 69] فكأن هذه تفسير لتلك، وبلغني
~~أنه صنف في ذلك كتاب يفسر فيه القرآن بالقرآن، وقوله - صلى الله عليه وسلم
~~- " في الرفيق الأعلى " يجوز ms045 أن يكون " الأعلى " من الصفات اللازمة، التي
~~ليس لها مفهوم يخالف المنطوق، كما في نحو قوله تعالى {ومن يدع مع الله إلها
~~آخر لا برهان له به} [المؤمنون: 117] وليس ثمة داع إلها آخر له به برهان،
~~وكذلك قوله {ويقتلون النبيين بغير حق} [آل عمران: 21] ولا يكون قتل النبيين
~~إلا بغير حق، فكون " الرفيق " لم يطلق إلا على الأعلى الذي اختص به الرفيق،
~~ويقوي هذا: ما ورد في بعض الروايات " وألحقني بالرفيق " ولم يصفه بالأعلى،
~~وذلك دليل على أنه المراد بلفظة " الرفيق الأعلى "، ويحتمل أن يراد
~~بالرفيق: ما يعم الأعلى وغيره، ثم ذلك على وجهين:
# PageV01P110
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أحدهما: أن يختص الرفيقان معا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم
~~متفاوتة، فيكون - صلى الله عليه وسلم - طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفيق،
~~وإن كان الكل من السعداء المرضيين.
# والثاني: أنه يطلق " الرفيق " بالمعنى الوضعي الذي يعم كل رفيق، ثم يخص
~~منه " الأعلى " بالطلب، وهو مطلق المرضيين، ويكون " الأعلى " بمعنى العالي،
~~ويخرج عنه غيرهم، وإن كان اسم " الرفيق " منطلقا عليهم.
### | [الاستياك على اللسان]
# 1
# وأما حديث أبي موسى: ففيه أمران:
# أحدهما: الاستياك على اللسان واللفظ الذي أورده صاحب الكتاب - وإن كان
~~ليس بصريح في الاستياك على اللسان - فقد ورد ذلك مصرحا به في بعض الروايات،
~~والعلة التي تقتضي الاستياك على الأسنان موجودة في اللسان، بل هي أبلغ
~~وأقوى، لما يرتقي إليه من أبخرة المعدة، وقد ذكر الفقهاء: أنه يستحب
~~الاستياك عرضا، وذلك في الأسنان، وأما في اللسان: فقد ورد منصوصا عليه في
~~بعض الروايات " الاستياك فيه طولا ".
### | [استياك الإمام بحضرة رعيته]
# 1
# الثاني: ترجم البخاري على هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته فقال: "
~~باب استياك الإمام بحضرة رعيته "، قال الشيخ الإمام الشارح تقي الدين -
~~رحمه الله -: والتراجم التي يترجم بها أصحاب التصانيف على الأحاديث، إشارة
~~إلى المعاني المستنبطة منها: على ثلاث مراتب منها: ما هو ظاهر في الدلالة
~~على المعنى المراد، مفيد لفائدة مطلوبة، ومنها: ما هو خفي ms046 الدلالة على
~~المراد، بعيد مستكره، لا يتمشى إلا بتعسف، ومنها: ما هو ظاهر الدلالة على
~~المراد، إلا أن فائدته قليلة لا تكاد تستحسن، مثل ما ترجم " باب السواك عند
~~رمي الجمار " وهذا القسم - أعني ما لا تظهر منه الفائدة - يحسن إذا وجد
~~معنى في ذلك المراد يقتضي
# PageV01P111
# 20 - الحديث الأول: عن المغيرة بن شعبة - رضي الله
~~عنه - قال «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع
~~خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما» ، 21 - الحديث
~~الثاني: عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - قال «كنت مع النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه»
#
### | [إحكام الأحكام]
# تخصيصه بالذكر، فتارة يكون سببه الرد على مخالف في المسألة لم تشهر
~~مقالته، مثل ما ترجم على أنه يقال " ما صلينا " فإنه نقل عن بعضهم " أنه
~~كره ذلك " ورد عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم - " إن صليتها، أو ما
~~صليتها " وتارة يكون سببه الرد على فعل شائع بين الناس لا أصل له، فيذكر
~~الحديث للرد على من فعل ذلك الفعل، كما اشتهر بين الناس في هذا المكان:
~~التحرز عن قولهم " ما صلينا " إن لم يصح أن أحدا كرهه، وتارة يكون لمعنى
~~يخص الواقعة، لا يظهر لكثير من الناس في بادئ الرأي، مثل ما ترجم على هذا
~~الحديث " استياك الإمام بحضرة رعيته " فإن الاستياك من أفعال البذلة
~~والمهنة، ويلازمه أيضا من إخراج البصاق وغيره ما لعل بعض الناس يتوهم أن
~~ذلك يقتضي إخفاءه، وتركه بحضرة الرعية، وقد اعتبر الفقهاء في مواضع كثيرة
~~هذا المعنى، وهو الذي يسمونه بحفظ المروءة، فأورد هذا الحديث لبيان أن
~~الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه، ويتركه الإمام بحضرة الرعايا، إدخالا
~~له في باب العبادات والقربات، والله أعلم.
### | [باب المسح على الخفين]
### | [حديث كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه]
# مختصر كلا الحديثين يدل على جواز المسح على الخفين، وقد تكثرت فيه
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الروايات، ومن أشهرها: رواية المغيرة، ومن أصحها: رواية جرير بن عبد الله
~~البجلي - بفتح الباء والجيم معا - وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم
~~حديث جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة، ومعنى هذا الكلام: أن آية
~~المائدة إن كانت متقدمة على المسح على الخفين، كان جواز المسح ثابتا من غير
~~نسخ، وإن كان مسح الخفين متقدما كانت آية المائدة تقتضي خلاف ذلك، فينسخ
~~بها المسح، فلما تردد الحال توقفت الدلالة عند قوم، وشكوا في جواز المسح،
~~وقد نقل عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أنه قال " قد علمنا أن رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين، ولكن أقبل المائدة أم بعدها؟ "
~~إشارة منه بهذا الاستفهام إلى ما ذكرناه، فلما جاء حديث جرير مبينا للمسح
~~بعد نزول المائدة: زال الإشكال، وفي بعض الروايات: التصريح بأنه «رأى النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين بعد نزول المائدة» وهو أصرح من
~~رواية من روى عن جرير " وهل أسلمت إلا بعد نزول المائدة؟ "، وقد اشتهر جواز
~~المسح على الخفين عند علماء الشريعة، حتى عد شعارا لأهل السنة، وعد إنكاره
~~شعارا لأهل البدع، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث المغيرة «دعهما،
~~فإني أدخلتهما طاهرتين» دليل على اشتراط الطهارة في اللبس لجواز المسح، حيث
~~علل عدم نزعهما بإدخالهما طاهرتين فيقتضي أن إدخالهما غير طاهرتين مقتض
~~للنزع، وقد استدل به بعضهم على أن إكمال الطهارة فيهما شرط، حتى لو غسل
~~إحداهما وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف: لم يجز المسح، وفي هذا
~~الاستدلال عندنا ضعف - أعني في دلالته على حكم هذه المسألة - فلا يمتنع أن
~~يعبر بهذه العبارة عن كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة. بل ربما يدعى أنه
~~ظاهر في ذلك، فإن الضمير في قوله " أدخلتهما " يقتضي تعليق الحكم بكل واحدة
~~منهما نعم، من روى " فإني أدخلتهما وهما طاهرتان " فقد يتمسك برواية هذا
~~القائل، من حيث إن قوله " أدخلتهما " إذا اقتضى كل واحدة منهما، فقوله "
~~وهما ms048
# PageV01P113
# 22 - الحديث الأول: عن علي بن أبي طالب - رضي الله
~~عنه - قال «كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره،
~~ويتوضأ وللبخاري اغسل ذكرك وتوضأ ولمسلم توضأ وانضح فرجك»
#
### | [إحكام الأحكام]
# طاهرتان " حال من كل واحدة منهما، فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال
~~طهارتها، وذلك إنما يكون بكمال الطهارة، وهذا الاستدلال بهذه الرواية من
~~هذا الوجه: قد لا يتأتى في رواية من روى " أدخلتهما طاهرتين " وعلى كل حال
~~فليس الاستدلال بذلك بالقوي جدا، لاحتمال الوجه الآخر في الروايتين معا،
~~اللهم إلا أن يضم إلى هذا دليل يدل على أنه لا يحصل الطهارة لإحداهما إلا
~~بكمال الطهارة في جميع الأعضاء، فحينئذ يكون ذلك الدليل - مع هذا الحديث -
~~مستندا لقول القائلين بعدم الجواز، أعني أن يكون المجموع هو المستند، فيكون
~~هذا الحديث دليلا على اشتراط طهارة كل واحدة منهما، ويكون ذلك الدليل دالا
~~على أنها لا تطهر إلا بكمال الطهارة، ويحصل من هذا المجموع: حكم المسألة
~~المذكورة في عدم الجواز، وفي حديث حذيفة: تصريح بجواز المسح عن حدث البول،
~~وفي حديث صفوان بن عسال - بالعين المهملة وتشديد السين - ما يقتضي جوازه عن
~~حدث الغائط، وعن النوم أيضا، ومنعه عن الجنابة.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب في المذي وغيره]
### | [حديث كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم]
# " المذي " مفتوح الميم ساكن الذال المعجمة، مخفف الياء، هذا هو المشهور
~~فيه، وقيل: فيه لغة أخرى: وهي كسر الذال وتشديد الياء - هو الماء الذي يخرج
~~من الذكر عند الإنعاظ وقول علي - رضي الله عنه - " كنت رجلا مذاء " هي صيغة
~~مبالغة، على زنة فعال، من المذي، يقال: مذى يمذي، وأمذى يمذي، وفي الحديث
~~فوائد:
# أحدها: استعمال الأدب، ومحاسن العادات في ترك المواجهة بما يستحى منه
~~عرفا " والحياء " تغير وانكسار يعرض للإنسان من تخوف ما يعاتب به، أو يذم
~~عليه، ms049 كذا قيل في تعريفه، وقوله " فاستحييت " هي اللغة الفصيحة، وقد يقال:
~~استحيت، وثانيها: وجوب الوضوء من المذي، وأنه ناقض للطهارة الصغرى،
~~وثالثها: عدم وجوب الغسل منه، ورابعها: نجاسته، من حيث إنه أمر بغسل الذكر
~~منه.
### | [هل يغسل الذكر كله من المذي أو محل النجاسة فقط]
# 1
# وخامسها: اختلفوا، هل يغسل منه الذكر كله، أو محل النجاسة فقط؟ فالجمهور
~~على أنه يقتصر على محل النجاسة، وعند طائفة من المالكية: أنه يغسل منه
~~الذكر كله، تمسكا بظاهر قوله " يغسل ذكره " فإن اسم " ' الذكر " حقيقة في
~~العضو كله، وبنوا على هذا فرعا، وهو: أنه هل يحتاج إلى نية في غسله؟ فذكروا
~~قولين، من حيث إنا إذا أوجبنا غسل جميع الذكر: كان ذلك تعبدا، والطهارة
~~التعبدية تحتاج إلى نية، كالوضوء، وإنما عدل الجمهور عن استعمال الحقيقة في
~~" الذكر " كله، نظرا منهم إلى المعنى، فإن الموجب للغسل: إنما هو خروج
~~الخارج، وذلك يقتضي الاقتصار على محله.
### | [صاحب سلس المذي]
# 1
# وسادسها: قد يستدل به على أن صاحب سلس المذي يجب عليه الوضوء منه، من حيث
~~إن عليا - رضي الله عنه - وصف نفسه بأنه " كان مذاء " وهو الذي يكثر منه
~~المذي، ومع ذلك أمر بالوضوء، وهو استدلال ضعيف؛ لأن كثرته قد تكون على وجه
~~الصحة، لغلبة الشهوة، بحيث يمكن دفعه، وقد تكون على وجه المرض والاسترسال،
~~بحيث لا يمكن دفعه، وليس في الحديث بيان صفة هذا الخارج،
# PageV01P115
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# على أي الوجهين هو.؟
### | [استعمال صيغة الإخبار بمعنى الأمر]
# وسابعها: المشهور في الرواية " يغسل ذكره " بضم اللام على صيغة الإخبار
~~وهو استعمال لصيغة الإخبار بمعنى الأمر، واستعمال صيغة الإخبار بمعنى الأمر
~~جائز مجازا؛ لما يشتركان فيه من معنى الإثبات للشيء.
# ولو روى: يغسل ذكره - بجزم اللام، على حذف اللام الجازمة، وإبقاء عملها -
~~لجاز عند بعضهم على ضعف، ومنهم من منعه إلا لضرورة، كقول الشاعر:
# محمد تفد نفسك كل نفس
### | [غسل النجاسة المغلظة]
# 1
# وثامنها " وانضح فرجك " يراد به: الغسل هنا؛ لأنه المأمور ms050 به مبينا في
~~الرواية الأخرى؛ ولأن غسل النجاسة المغلظة لا بد منه، ولا يكتفى فيه بالرش
~~الذي هو دون الغسل، والرواية " وانضح " بالحاء المهملة، لا نعرف غيره، ولو
~~روي " انضخ " بالخاء المعجمة، لكان أقرب إلى معنى الغسل، فإن النضخ
~~بالمعجمة - أكبر من النضح بالمهملة.
### | [قبول خبر الواحد]
# 1
# وتاسعها: قد يتمسك به - أو تمسك به - في قبول خبر الواحد، من حيث إن عليا
~~- رضي الله عنه - أمر المقداد بالسؤال، ليقبل خبره، والمراد بهذا: ذكر صورة
~~من الصور التي تدل على قبول خبر الواحد وهي فرد من أفراد لا تحصى، والحجة
~~تقوم بجملتها، لا بفرد معين منها؛ لأن إثبات ذلك بفرد معين: إثبات للشيء
~~بنفسه، وهو محال، وإنما تذكر صورة مخصوصة للتنبيه على أمثالها، لا للاكتفاء
~~بها، فليعلم ذلك، فإنه مما انتقد على بعض العلماء، حيث استدل بآحاد، وقيل:
~~أثبت خبر الواحد، وجوابه: ما ذكرناه، ومع هذا فالاستدلال عندي لا يتم بهذه
~~الرواية وأمثالها، لجواز أن يكون المقداد سأل رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - عن المذي بحضرة علي، فسمع علي الجواب، فلا يكون من باب قبول خبر
~~الواحد، وليس من ضرورة كونه يسأل عن المذي بحضرة علي: أن يذكر أنه هو
~~السائل نعم إن وجدت رواية مصرحة بأن عليا أخذ هذا الحكم عن المقداد، ففيه
~~الحجة.
### | [تأخير الاستنجاء عن الوضوء]
# وعاشرها: قد يؤخذ من قوله عليه السلام في بعض الروايات " توضأ وانضح فرجك
~~" جواز تأخير الاستنجاء عن الوضوء، وقد صرح به بعضهم، وقال
# PageV01P116
# 23 - الحديث الثاني: عن عباد بن تميم عن عبد الله بن
~~زيد بن عاصم المازني - رضي الله عنه - قال «شكي إلى النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - الرجل يخيل إليه: أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع
~~صوتا، أو يجد ريحا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في قوله " توضأ واغسل ذكرك ": إن فيه دليلا على أن الاستنجاء يجوز وقوعه
~~بعد الوضوء، وأن الوضوء لا يفسد بتأخير الاستنجاء عنه، وهذا يتوقف على
~~القول بكون الواو ms051 للترتيب، وهو مذهب ضعيف، وفي هذا التوقف نظر، وليعلم بأنه
~~لا يفسد الوضوء بتأخير الاستنجاء، إذ كان الاستنجاء بحائل يمنع انتقاض
~~الطهارة.
### | [هل يجوز في المذي الاقتصار على الأحجار]
# 1
# وحادي عشرها: اختلفوا في أنه هل يجوز في المذي الاقتصار على الأحجار؟
~~والصحيح: أنه لا يجوز، ودليله: أمره - صلى الله عليه وسلم - بغسل الذكر
~~منه، فإن ظاهره يعين الغسل، والمعين لا يقع الامتثال إلا به.
### | [من مس فرجه فليتوضأ]
# 1
# ثاني عشرها: " الفرج "، هنا هو الذكر، والصيغة لها وضعان: لغوي، وعرفي،
~~فأما اللغوي: فهو مأخوذ، من الانفراج، فعلى هذا: يدخل فيه الدبر، ويلزم منه
~~انتقاض الطهارة بمسه، لدخوله تحت قوله " من مس فرجه فليتوضأ " وأما العرفي:
~~فالغالب استعماله في القبل من الرجل والمرأة.
### | [انتقاض الوضوء بمس الدبر]
# والشافعية استدلوا في انتقاض الوضوء بمس الدبر بالحديث، وهو قوله " من مس
~~فرجه " فيحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه لم يثبت في ذلك عند المستدل به عرف يخالف
~~الوضع، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه ممن يقدم الوضع اللغوي على الاستعمال
~~العرفي.
### | [حديث شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة]
# " الشيء " المشار إليه: هي الحركة التي يظن أنها حدث، والحديث أصل
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في إعمال الأصل، وطرح الشك، وكأن العلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم
~~يختلفون في كيفية استعمالها، مثاله: هذه المسألة التي دل عليها الحديث، وهي
~~" من شك في الحدث بعد سبق الطهارة " فالشافعي أعمل الأصل السابق، وهو
~~الطهارة، وطرح الشك الطارئ، وأجاز الصلاة في هذه الحالة، ومالك منع من
~~الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، وكأنه أعمل الأصل الأول، وهو ترتب الصلاة
~~في الذمة، ورأى أن لا يزال إلا بطهارة متيقنة.
# وهذا الحديث ظاهر في إعمال الطهارة الأولى، وإطراح الشك، والقائلون بهذا
~~اختلفوا، فالشافعي اطرح الشك مطلقا، وبعض المالكية اطرحه بشرط أن يكون في
~~الصلاة، وهذا له وجه حسن، فإن القاعدة: أن مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن
~~أن ms052 يكون معتبرا في الحكم، فالأصل يقتضي اعتباره، وعدم إطراحه.
# وهذا الحديث يدل على إطراح الشك إذا وجد في الصلاة، وكونه موجودا في
~~الصلاة: معنى يمكن أن يكون معتبرا، فإن الدخول في الصلاة مانع من إبطالها،
~~على ما اقتضاه استدلالهم في مثل هذا بقوله تعالى {ولا تبطلوا أعمالكم}
~~[محمد: 33] فصارت صحة الصلاة أصلا سابقا على حالة الشك، مانعا من الإبطال،
~~ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع،
~~وصحة العمل ظاهرا: معنى يناسب عدم الالتفات إلى الشك، يمكن اعتباره.
# فلا ينبغي إلغاؤه، ومن أصحاب مالك من قيد هذا الحكم - أعني إطراح هذا
~~الشك - بقيد آخر، وهو أن يكون الشك في سبب حاضر، كما جاء في الحديث، حتى لو
~~شك في تقدم الحدث على وقته الحاضر لم تبح له الصلاة، ومأخذ هذا: ما ذكرناه
~~من أن مورد النص ينبغي اعتبار أوصافه التي ينبغي اعتبارها، ومورد النص:
~~اشتمل على هذا الوصف، وهو كونه شك في سبب حاضر، فلا يلحق به ما ليس في
~~معناه، من الشك في سبب متقدم، إلا أن هذا القول أضعف قليلا من الأول؛ لأن
~~صحة العمل ظاهرة، وانعقاد الصلاة: سبب مانع مناسب لإطراح الشك، وأما كون
~~السبب ناجزا: فإما غير مناسب، أو مناسب مناسبة ضعيفة
# PageV01P118
# 24 - الحديث الثالث: عن أم قيس بنت محصن الأسدية
~~«أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه على ثوبه، ولم
#
### | [إحكام الأحكام]
# والذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل: أن يرى أن الأصل الأول - وهو ترتب
~~الصلاة في ذمته - معمول به، فلا يخرج عنه إلا بما ورد فيه النص، وما بقي
~~يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في المحل الذي خرج عن الأصل بالنص إلى مناسبة،
~~كما في صور كثيرة عمل فيها العلماء هذا العمل، أعني أنهم اقتصروا على مورد
~~النص إذا خرج عن الأصل أو القياس، من ms053 غير اعتبار مناسبة، وسببه: أن إعمال
~~النص في مورده لا بد منه، والعمل بالأصل أو القياس المطرد: مسترسل، لا يخرج
~~عنه إلا بقدر الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد النص، ولا سبيل إلى
~~إبطال النص في مورده، سواء كان مناسبا أو لا، وهذا يحتاج معه إلى إلغاء وصف
~~كونه في صلاة، ويمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين.
# أحدهما: أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون
~~الشك لمن هو في المسجد، وكونه في المسجد أعم من كونه في الصلاة، فيؤخذ من
~~هذا إلغاء ذلك القيد الذي اعتبره القائل الآخر، وهو كونه في الصلاة، ويبقى
~~كونه شاكا في سبب ناجز، إلا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد على
~~كونه في الصلاة، فإن الحضور في المسجد يراد للصلاة، فقد يلازمها فيعبر به
~~عنها، وهذا - وإن كان مجازا - إلا أنه يقوى إذا اعتبر الحديث الأول وكان
~~حديثا واحدا مخرجه من جهة واحدة، فحينئذ يكون ذلك الاختلاف اختلافا في
~~عبارة الراوي بتفسير أحد اللفظين بالآخر، ويرجع إلى أن المراد: كونه في
~~الصلاة.
# الثاني: وهو أقوى من الأول - ما ورد في الحديث «إن الشيطان ينفخ بين
~~أليتي الرجل» وهذا المعنى يقتضي مناسبة السبب الحاضر لإلغاء الشك، وإنما
~~أوردنا هذه المباحث ليتلمح الناظر مأخذ العلماء في أقوالهم، فيرى ما ينبغي
~~ترجيحه فيرجحه، وما ينبغي إلغاؤه فيلغيه، والشافعي - رحمه الله - ألغى
~~القيدين معا - أعني كونه في الصلاة، وكونه في سبب ناجز - واعتبر أصل
~~الطهارة.
# PageV00P000
# يغسله» 25 - وعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -
~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء،
~~فأتبعه إياه ولمسلم فأتبعه بوله، ولم يغسله» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام]
# الكلام عليه: اختلف العلماء في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام في موضعين:
# أحدهما: في طهارته أو نجاسته، ولا تردد في قول الشافعي وأصحابه في أنه
~~نجس، والقائلون ms054 بالنجاسة، اختلفوا في تطهيره: هل يتوقف على الغسل أم لا؟
~~فمذهب الشافعي وأحمد: أنه لا يتوقف على الغسل، بل يكفي فيه الرش والنضح،
~~وذهب مالك وأبو حنيفة إلى غسله كغيره، والحديث ظاهر في الاكتفاء بالنضح
~~وعدم الغسل، لا سيما مع قولها " ولم يغسله " والذين أوجبوا غسله: اتبعوا
~~القياس على سائر النجاسات، وأولوا الحديث.
# وقولها " ولم يغسله " أي غسلا مبالغا فيه كغيره.، وهو لمخالفته الظاهر
~~محتاج إلى دليل يقاوم هذا الظاهر، ويبعده أيضا: ما ورد في بعض الأحاديث، من
~~التفرقة بين بول الصبي والصبية فإن الموجبين للغسل لا يفرقون بينهما، ولما
~~فرق في الحديث بين النضح في الصبي، والغسل في الصبية: كان ذلك قويا في أن
~~النضح غير الغسل، إلا أن يحملوا ذلك على قريب من تأويلهم الأول وهو إنما
~~يفعل في بول الصبية أبلغ مما يفعل في بول الصبي، فسمي الأبلغ " غسلا "
~~والأخف " نضحا "، واعتل بعضهم في هذا بأن بول الصبي يقع في محل واحد، وبول
~~الصبية يقع منتشرا، فيحتاج إلى صب الماء في مواضع متعددة ما لا يحتاج إليه
~~في الصبي، وربما حمل بعضهم لفظ " النضح " في بول الصبي على الغسل، وتأيد
~~بما في الحديث من ذكر " مدينة ينضح البحر بجوانبها " وهذا ضعيف لوجهين:
# PageV01P120
# 26 - الحديث الرابع: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -
~~قال «جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - فلما قضى بوله أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من
~~ماء، فأهريق عليه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أحدهما: قولها " ولم يغسله " والثاني: التفرقة بين بول الصبي والصبية،
~~والتأويل فيه عندهم ما ذكرناه، وفسر بعض أصحاب الشافعي " النضح " أو " الرش
~~" المذكور في بول الصبي، فقال: ومعنى الرش: أن يصب عليه من الماء ما يغلبه،
~~بحيث لو كان بدل البول نجاسة أخرى، وعصر الثوب: كان يحكم بطهارته.
# والصبي المذكور في الحديث محمول على الذكر، وفي مذهب الشافعي في الصبية
~~خلاف، والمذهب: وجوب الغسل. للحديث الفارق بين بول الصبي والصبية، ms055 وقد ذكر
~~في معنى التفرقة بينهما وجوه: منها: ما هو ركيك جدا، لا يستحق أن يذكر.
~~ومنها: ما هو قوي، وأقوى ذلك ما قيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث،
~~فيكثر حمل الذكور، فيناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح، دفعا للعسر والحرج،
~~بخلاف الإناث، فإن هذا المعنى قليل فيهن، فيجري على القياس في غسل النجاسة،
# وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن الغسل لا بد فيه من أمر زائد
~~على مجرد إيصال الماء، من جهة قولها " ولم يغسله " مع كونه أتبعه بماء.
### | [حديث بال أعرابي في المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم]
# " الأعرابي " منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البوادي، ووقعت النسبة إلى
~~الجمع دون الواحد فقيل؛ لأنه جرى مجرى القبيلة، كأنمار؛ أو لأنه لو نسب إلى
~~الواحد، وهو " عرب " لقيل: عربي، فيشتبه المعنى، فإن " العربي " كل من هو
~~من ولد إسماعيل - عليه السلام -، سواء كان ساكنا بالبادية أو بالقرى وهذا
~~غير
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المعنى الأول، وزجر الناس له من باب المبادرة إلى إنكار المنكر عند من
~~يعتقده منكرا، وفيه تنزيه المسجد عن الأنجاس كلها ونهى النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - الناس عن زجره؛ لأنه إذا قطع عليه البول أدى إلى ضرر بنيته،
~~والمفسدة التي حصلت ببوله قد وقعت، فلا تضم إليها مفسدة أخرى، وهي ضرر
~~بنيته، وأيضا، فإنه إذا زجر - مع جهله الذي ظهر منه - قد يؤدي إلى تنجيس
~~مكان آخر من المسجد بترشيش البول، بخلاف ما إذا ترك حتى يفرغ من البول، فإن
~~الرشاش لا ينتشر وفي هذا الإبانة عن جميل أخلاق الرسول - صلى الله عليه
~~وسلم - ولطفه ورفقه بالجاهل.
# ، " والذنوب " بفتح المعجمة ههنا: هي الدلو الكبيرة، إذا كانت ملأى، أو
~~قريبا من ذلك، ولا تسمى ذنوبا إلا إذا كان فيها ماء، والذنوب أيضا: النصيب،
~~قال الله تعالى {فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم} [الذاريات: 59]
~~ولعلقمة فحق لشاس من نداك نصيب، وفي الحديث: دليل على تطهير الأرض النجسة
~~بالمكاثرة بالماء، وقد ms056 قال الفقهاء: يصب على البول من الماء ما يغمره، ولا
~~يتحدد بشيء، وقيل: يستحب أن يكون سبعة أمثال البول.
# ، واستدل بالحديث أيضا على أنه يكتفى بإفاضة الماء، ولا يشترط نقل التراب
~~من المكان بعد ذلك، خلافا لمن قال به، ووجه الاستدلال بذلك: أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - لم يرد عنه في هذا الحديث الأمر بنقل التراب، وظاهر ذلك:
~~الاكتفاء بصب الماء، فإنه لو وجب لأمر به، ولو أمر به لذكر، وقد وردت في
~~حديث آخر ذكر الأمر بنقل التراب من حديث سفيان بن عيينة
# PageV01P122
# 27 - الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «الفطرة خمس: الختان،
~~والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ولكنه تكلم فيه، وأيضا فلو كان نقل التراب واجبا في التطهير لاكتفى به،
~~فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب، من غير منفعة تعود إلى
~~المقصود، وهو تطهير الأرض.
### | [حديث الفطرة خمس]
# قال أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز - في كتاب تفسير
~~غريب صحيح البخاري " الفطرة " تنصرف في كلام العرب على وجوه، أذكرها لترد
~~هذا إلى أولاها به، فأحدها: فطرة الخلق، فطره: أنشأه، والله فاطر السموات
~~والأرض، أي خالقهما، و " الفطرة " الجبلة التي خلق الله الناس عليها،
~~وجبلهم على فعلها، وفي الحديث «كل مولود يولد على الفطرة» قال قوم من أهل
~~اللغة: فطرة الله التي فطر الناس عليها: أي خلقه لهم، وقيل: معنى قوله "
~~على الفطرة " أي على الإقرار بالله الذي كان أقر به لما أخرجه من ظهر آدم،
~~" والفطرة " زكاة الفطر. وأولى الوجوه بما ذكرنا: أن تكون الفطرة ما جبل
~~الله الخلق عليه، وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس
~~من زينته،
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقد قال غير القزاز: الفطرة هي السنة، واعلم أن قوله في هذه الرواية "
~~الفطرة خمس " وقد ورد في رواية أخرى «خمس ms057 من الفطرة» وبين اللفظتين تفاوت
~~ظاهر، فإن الأول ظاهره الحصر، كما يقال: العالم في البلد زيد، إلا أن الحصر
~~في مثل هذا: تارة يكون حقيقيا، وتارة يكون مجازيا، والحقيقي مثاله ما
~~ذكرناه، من قولنا: العالم في البلد زيد، إذا لم يكن فيها غيره، ومن المجاز
~~«الدين النصيحة» كأنه بولغ في النصيحة إلى أن جعل الدين إياها، وإن كان في
~~الدين خصال أخرى غيرها، وإذا ثبت في الرواية الأخرى عدم الحصر - أعني قوله
~~- عليه السلام - " خمس من الفطرة " - وجب إزالة هذه الرواية عن ظاهرها
~~المقتضي للحصر، وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة أيضا «عشر من الفطرة» وذلك
~~أصرح في عدم الحصر، وأنص على ذلك، و " الختان " ما ينتهي إليه القطع من
~~الصبي والجارية، يقال: ختن الصبي يختنه ويختنه - بكسر التاء وضمها - ختنا
~~بإسكان التاء، و " الاستحداد " استفعال من الحديد، وهو إزالة شعر العانة
~~بالحديد، فأما إزالته بغير ذلك، كالنتف وبالنورة: فهو محصل للمقصود، لكن
~~السنة والأولى: الذي دل عليه لفظ الحديث، فإن " الاستحداد " استفعال من
~~الحديد.
### | [قص الشوارب وإحفاؤها]
# 1
# " وقص الشارب " مطلق، ينطلق على إحفائه، وعلى ما دون ذلك، واستحب بعض
~~العلماء إزالة ما زاد على الشفة، وفسروا به قوله - صلى الله عليه وسلم -
~~«وأحفوا الشوارب» وقوم يرون إنهاكها، وزوال شعرها، ويفسرون به الإحفاء، فإن
~~اللفظ يدل على الاستقصاء، ومنه: إحفاء المسألة، وقد ورد في بعض الروايات
~~«انهكوا الشوارب» والأصل في قص الشوارب وإحفائها وجهان: أحدهما: مخالفة زي
~~الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في الصحيح، حيث قال " خالفوا المجوس ".
~~والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وضر
~~الطعام.
### | [تقليم الأظفار]
# 1
# وتقليم الأظفار قطع ما طال عن اللحم منها، يقال: قلم أظفاره تقليما،
~~والمعروف فيه: التشديد، كما قلنا، والقلامة ما يقطع من الظفر، وفي ذلك
~~معنيان: أحدهما: تحسين الهيئة والزينة، وإزالة القباحة من طول الأظفار.
# PageV01P124
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، لما عساه ms058
~~يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا على قسمين:
# أحدهما: أن لا يخرج طولها عن العادة خروجا بينا، وهذا الذي أشرنا إلى أنه
~~أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، فإنه إذا لم يخرج طولها
~~عن العادة يعفى عما يتعلق بها من يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد:
~~فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث:
~~الإشارة إلى هذا المعنى.
### | [نتف الآباط]
# و " نتف الآباط " إزالة ما نبت عليها من الشعر بهذا الوجه، أعني النتف،
~~وقد يقوم مقامه ما يؤدي إلى المقصود، إلا أن استعمال ما دلت عليه السنة
~~أولى، وقد فرق لفظ الحديث بين إزالة شعر العانة وإزالة شعر الإبط، فذكر في
~~الأول " الاستحداد " وفي الثاني " النتف " وذلك مما يدل على رعاية هاتين
~~الهيئتين في محلهما، ولعل السبب فيه: أن الشعر بحلقه يقوى أصله، ويغلظ
~~جرمه، ولهذا يصف الأطباء تكرار حلق الشعر في المواضع التي يراد قوته فيها،
~~والإبط إذا قوي فيه الشعر وغلظ جرمه كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية لمن
~~يقاربها، فناسب أن يسن فيه النتف المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة،
~~وأما العانة: فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال
~~المعنى المقتضي للنتف، رجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسر وأخف على الإنسان من
~~غير معارض، وقد اختلف العلماء في حكم الختان، فمنهم من أوجبه، وهو الشافعي،
~~ومنهم جعله سنة، وهو مالك وأكثر أصحابه [هذا في الرجال، وأما في النساء:
~~فهو مكرمة على ما قالوا] ، ومن فسر " الفطرة " بالسنة فقد تعلق بهذا اللفظ
~~في كونه غير واجب لوجهين:
# أحدهما: أن السنة تذكر في مقابلة الواجب.
# والثاني: أن قرائنه مستحبات،
# PageV01P125
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والاعتراض على الأول: أن كون " السنة " في مقابلة " الواجب " وضع اصطلاحي
~~لأهل الفقه، والوضع اللغوي غيره، وهو الطريقة، ولم يثبت استمرار استعماله
~~في هذا المعنى في كلام صاحب الشرع صلوات الله عليه، وإذا لم يثبت استمراره
~~في كلامه ms059 - صلى الله عليه وسلم - لم يتعين حمل لفظه عليه، والطريقة التي
~~يستعملها الخلافيون من أهل عصرنا وما قاربه، أن يقال: إذا ثبت استعماله في
~~هذا المعنى، فيدعى أنه كان مستعملا قبل ذلك؛ لأنه لو كان الوضع غيره فيما
~~سبق، لزم أن يكون قد تغير إلى هذا الوضع، والأصل عدم تغيره، وهذا كلام
~~طريف، وتصرف غريب، قد يتبادر إلى إنكاره، ويقال: الأصل استمرار الواقع في
~~الزمن الماضي إلى هذا الزمان، أما أن يقال: الأصل انعطاف الواقع في هذا
~~الزمان على الزمن الماضي: فلا، لكن جوابه ما تقدم، وهو أن يقال: هذا الوضع
~~ثابت، فإن كان هو الذي وقع في الزمان الماضي، فهو المطلوب، وإن لم يكن،
~~فالواقع في الزمان الماضي غيره حينئذ، وقد تغير، والأصل عدم التغير لما وقع
~~في الزمن الماضي، فعاد الأمر إلى أن الأصل استصحاب الحال في الزمن الماضي،
~~وهذا - وإن كان طريفا، كما ذكرناه - إلا أنه طريق جدل لا جلد، والجدلي في
~~طرائق التحقيق: سالك على محجة مضيق، وإنما تضعف هذه الطريقة إذا ظهر لنا
~~تغير الوضع ظنا، وأما إذا استوى الأمران، فلا بأس به، وأما الاستدلال
~~بالاقتران: فهو ضعيف، إلا أنه في هذا المكان قوي؛ لأن لفظة " الفطرة " لفظة
~~واحدة استعملت في هذه الأشياء الخمسة، فلو افترقت في الحكم - أعني أن
~~تستعمل في بعض هذه الأشياء لإفادة الوجوب، وفي بعضها لإفادة الندب - لزم
~~استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين وفي ذلك ما عرف في علم الأصول،
~~وإنما تضعف دلالة الاقتران ضعفا إذا استقلت الجمل في
# PageV01P126
# 28 - الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه في بعض طرق المدينة، وهو جنب، قال:
~~فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت، ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت
~~جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله، إن المؤمن لا
~~ينجس» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الكلام، ولم يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنيين، كما جاء في الحديث ms060
~~«لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة» حيث استدل به
~~بعض الفقهاء على أن اغتسال الجنب في الماء يفسده، لكونه مقرونا بالنهي عن
~~البول فيه، والله أعلم.
### | [باب الجنابة]
### | [حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة]
# " الجنابة " دالة على معنى البعد، ومنه قوله تعالى {والجار الجنب}
~~[النساء: 36] وعن الشافعي أنه قال: إنما سمي " جنبا " من المخالطة، ومن
~~كلام العرب: أجنب الرجل، إذا خالط امرأته، قال بعضهم: وكأن هذا ضد للمعنى
~~الأول، كأنه من القرب منها، وهذا لا يلزم، فإن مخالطتها مؤدية إلى الجنابة
~~التي معناها البعد، على ما قدمناه، وقول أبي هريرة " فانخنست منه "
~~الانخناس: الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك من المعنى، يقال " خنس " لازما
~~ومتعديا، فمن اللازم: ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان «فإذا ذكر الله خنس»
~~ومن المتعدي: ما جاء في الحديث «وخنس إبهامه» أي قبضها، وقيل: إنه يقال "
~~أخنسه " في المتعدي، ذكره صاحب مجمع البحرين وقد روي في هذه اللفظة
~~«فانبجست منه» بالجيم، من الانبجاس، وهو الاندفاع، أي اندفعت عنه، ويؤيده:
~~قوله في
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# حديث آخر «فانسللت منه» وروي في هذه اللفظة أيضا «فانبخست منه» من البخس،
~~وهو النقص، وقد استبعدت هذه الرواية، ووجهت - على بعدها - بأنه اعتقد نقصان
~~نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو مصاحبته، مع
~~اعتقاده نجاسة نفسه، هذا أو معناه، وقوله " كنت جنبا " أي كنت ذا جنابة،
~~وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع، بلفظ واحد،
~~قال الله تعالى في الجمع {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] وقال بعض
~~أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - " إني كنت جنبا " وقد يقال:
~~جنبان، وجنبون، وأجناب، وقوله " فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة "
~~يقتضي استحباب الطهارة في ملابسة الأمور العظيمة، والنبي - صلى الله عليه
~~وسلم - إنما رد ذلك؛ لأن الطهارة لم تزل، بقوله " إن المؤمن لا ينجس " لا
~~ردا لما دل ms061 عليه لفظ أبي هريرة من استحباب الطهارة لملابسته - صلى الله
~~عليه وسلم - وفي هذا نظر، وقوله " سبحان الله، " تعجب من اعتقاد أبي هريرة
~~التنجس بالجنابة، وقوله " إن المؤمن لا ينجس " يقال: نجس ونجس، ينجس -
~~بالفتح والضم.
### | [طهارة الميت من بني آدم]
# 1
# وقد استدل بالحديث على طهارة الميت من بني آدم، وهي مسألة مختلف فيها،
~~والحديث دل بمنطوقه على أن المؤمن لا ينجس، فمنهم من خص هذه الفضيلة
~~بالمؤمن، والمشهور التعميم، وبعض الظاهرية: يرى أن المشرك نجس في حال حياته
~~أخذا بظاهر قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة:
~~28] ويقال للشيء: إنه " نجس " بمعنى أن عينه نجسة، ويقال فيه: إنه " نجس "
~~بمعنى أنه متنجس بإصابة النجاسة له، ويجب أن يحمل على المعنى الأول، وهو أن
~~عينه لا تصير نجسة؛ لأنه يمكن أن يتنجس بإصابة النجاسة، فلا ينفي ذلك، وقد
~~اختلف الفقهاء في أن الثوب إذا أصابته نجاسة: هل يكون نجسا أم لا؟ فمنهم من
~~ذهب إلى أنه نجس، وأن اتصال النجس بالطاهر موجب لنجاسة الطاهر، ومنهم من
~~ذهب إلى أن الثوب طاهر في نفسه، وإنما يمتنع استصحابه في
# PageV01P128
# 29 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~«كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ
~~وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى
~~بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، وكانت تقول: كنت
~~أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، نغترف منه
~~جميعا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الصلاة بمجاورة النجاسة، فلهذا القائل أن يقول: دل الحديث على أن المؤمن
~~لا ينجس، ومقتضاه: أن بدنه لا يتصف بالنجاسة، وهذا يدخل تحته حالة ملابسة
~~النجاسة له، فيكون طاهرا، وإذا ثبت ذلك في البدن ثبت في الثوب؛ لأنه لا
~~قائل بالفرق، أو يقول: البدن إذا أصابته النجاسة: من مواضع النزاع، وقد دل
~~الحديث على أنه غير نجس، وعلى ما ms062 قدمناه - من أن الواجب حمله على نجاسة
~~العين - يحصل الجواب عن هذا الكلام، وقد يدعى أن قولنا " الشيء نجس " حقيقة
~~في نجاسة العين، فيبقى ظاهر الحديث دالا على أن عين المؤمن لا تنجس، فتخرج
~~عنه حالة النجس التي هي محل الخلاف.
# الكلام على حديث عائشة - رضي الله عنها - من وجوه:
# أحدها: قولها " كان إذا اغتسل من الجنابة " يحتمل أن يكون من باب التعبير
~~بالفعل عن إرادة الفعل، كما في قوله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله
~~من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] ويحتمل أن يكون قولها " اغتسل " بمعنى شرع
~~في الفعل، فإنه يقال: فعل إذا شرع، وفعل إذا فرغ، فإذا حملنا
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# اغتسل " على " شرع " صح ذلك؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع وقتا للبداءة بغسل
~~اليدين، وهذا بخلاف قوله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} [النحل:
~~98] فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقتا للاستعاذة.
# الوجه الثاني: يقال " كان يفعل كذا " بمعنى أنه تكرر منه فعله، وكان
~~عادته، كما يقال: كان فلان يقري الضيف، و «كان رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - أجود الناس بالخير» وقد يستعمل " كان " لإفادة مجرد الفعل؛ ووقوع
~~الفعل، دون الدلالة على التكرار، والأول: أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي
~~حمل الحديث، وقول عائشة " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل
~~".
# الوجه الثالث: قد تطلق " الجنابة " على المعنى الحكمي الذي ينشأ عن
~~التقاء الختانين، أو الإنزال، وقولها " من الجنابة " في " من " معنى
~~السببية، مجازا عن ابتداء الغاية، من حيث إن السبب مصدر للمسبب ومنشأ له.
# الوجه الرابع: قولها " غسل يديه " هذا الغسل قبل إدخال اليدين الإناء،
~~وقد تبين ذلك مصرحا به في رواية سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن
~~عائشة،
# الوجه الخامس: قولها " وتوضأ وضوءه للصلاة " يقتضي استحباب تقديم الغسل
~~لأعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، ولا شك في ذلك، نعم، يقع البحث في أن هذا
~~الغسل لأعضاء الوضوء: هل هو وضوء حقيقة؟ فيكتفى به عن ms063 غسل هذه الأعضاء
~~للجنابة، فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إن
~~غسل هذه الأعضاء إنما هو عن الجنابة، وإنما قدمت على بقية الجسد تكريما لها
~~وتشريفا، ويسقط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى.
# فقد يقول قائل: قولها " وضوءه للصلاة " مصدر مشبه به، تقديره: وضوءا مثل
~~وضوئه للصلاة، فيلزم من ذلك: أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن
~~الجنابة؛ لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة لكان قد توضأ عن الوضوء
~~للصلاة، فلا يصح التشبيه؛؛ لأنه يقتضي تغاير المشبه والمشبه به، فإذا
~~جعلناها مغسولة للجنابة صح التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة،
~~وجوابه - بعد تسليم كونه مصدرا مشبها به - من وجهين:
# أحدهما: أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة
~~في غير غسل
# PageV01P130
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الجنابة، والوضوء - بقيد كونه في غسل الجنابة - مغاير للوضوء بقيد كونه
~~خارجا عن غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه، ولا يلزم منه
~~عدم كونه وضوءا للصلاة حقيقة.
# الثاني: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية، شبه هذا الفرد الذي
~~وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق
~~الصورة الذهنية لوضوء الصلاة.
# الوجه السادس: قولها " ثم يخلل بيديه شعره " التخليل ههنا: إدخال الأصابع
~~فيما بين أجزاء الشعر، ورأيت في كلام بعضهم: إشارة إلى أن التخليل هل يكون
~~بنقل الماء، أو بإدخال الأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ وأشار به إلى ترجيح
~~نقل الماء، لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في كتاب مسلم «ثم يأخذ الماء،
~~فيدخل أصابعه في أصول الشعر» فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر: هو
~~رد على من يقول: يخلل بأصابعه مبلولة بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائي في
~~السنن ما يبين هذا، فقال " باب تخليل الجنب رأسه " وأدخل حديث عائشة - رضي
~~الله عنها - فيه، «فقالت فيه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب
~~رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثا» قال: فهذا ms064 بين في التخليل بالماء، انتهى كلامه،
~~وفي الحديث: دليل على أن " التخليل " يكون بمجموع الأصابع العشر لا بالخمس.
# الوجه السابع: قولها " حتى إذا ظن " يمكن أن يكون " الظن " ههنا بمعنى
~~العلم، ويمكن أن يكون ههنا على ظاهره، من رجحان أحد الطرفين مع احتمال
~~الآخر، ولولا قولها بعد ذلك " أفاض عليه الماء ثلاث مرات " لترجح أن يكون
~~بمعنى العلم، فإنه حينئذ يكون مكتفى به، أي بري البشرة، وإذا كان مكتفى به
~~في الغسل ترجح اليقين، لتيسر الوصول إليه في الخروج عن الواجب، على أنه قد
~~يكتفى بالظن في هذا الباب، فيجوز حمله على ظاهره مطلقا، وقولها " أروى "
~~مأخوذ من الري، الذي هو خلاف العطش، وهو مجاز في ابتلال الشعر بالماء،
~~يقال: رويت من الماء - بالكسر - أروى ريا وريا، وروي،
# PageV01P131
# 30 - الحديث الثالث: عن ميمونة بنت الحارث - رضي الله
~~عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت «وضعت لرسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين - أو ثلاثا -
~~ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض، أو الحائط، مرتين - أو ثلاثا - ثم تمضمض
~~واستنشق،
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأرويته أنا فروي، وقولها " بشرته " البشرة: ظاهر جلد الإنسان، والمراد
~~بإرواء البشرة: إيصال الماء إلى جميع الجلد، ولا يصل إلى جميع جلده إلا وقد
~~ابتلت أصول الشعر، أو كله، وقولها " أفاض الماء " إفاضة الماء على الشيء:
~~إفراغه عليه، يقال: فاض الماء: إذا جرى، وفاض الدمع: إذا سال، وقولها " على
~~سائر جسده " أي بقيته، فإنها ذكرت الرأس أولا، والأصل في " سائر " أن
~~يستعمل بمعنى البقية، وقالوا: هو مأخوذ من السؤر، قال الشنفرى:
# إذا احتملوا رأسي وفي رأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري
# أي بقيتي، وقد أنكر في أوهام الخواص: جعلها بمعنى الجميع، وفي كتاب
~~الصحاح: ما يقتضي تجويزه.
### | [اغتسال المرأة والرجل من إناء واحد]
# 1
# الوجه الثامن: في الحديث دليل على جواز اغتسال المرأة والرجل من إناء
~~واحد، وقد أخذ منه جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، ms065 فإنهما إذا اعتقبا
~~اغتراف الماء: كان اغتراف الرجل في بعض الاغترافات متأخرا عن اغتراف
~~المرأة، فيكون تطهرا بفضلها، ولا يقال: إن قولها " نغترف منه جميعا " يقتضي
~~المساواة في وقت الاغتراف؛ لأنا نقول: هذا اللفظ يصح إطلاقه - أعني " نغترف
~~منه جميعا " على ما إذا تعاقبا الاغتراف، ولا يدل على اغترافهما في وقت
~~واحد، وللمخالف أن يقول: أحمله على شروعهما جميعا، فإن اللفظ محتمل له،
~~وليس فيه عموم، فإذا قلت به من وجه أكتفي بذلك، والله أعلم.
# PageV00P000
# وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل
~~جسده، ثم تنحى، فغسل رجليه، فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده»
~~..
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره]
# الكلام على حديث ميمونة من وجوه:
# أحدها: قد تقدم لنا: أن " الوضوء " بفتح الواو، وهل هو اسم لمطلق الماء،
~~أو للماء مضافا إلى الوضوء؟ وقد يؤخذ من هذا اللفظ: أنه اسم لمطلق الماء،
~~فإنها لم تضفه إلى الوضوء بل إلى الجنابة.
# الثاني: قولها " فأكفأ " أي قلب، يقال: كفأت الإناء: إذا قلبته - ثلاثيا
~~- وأكفأته أيضا رباعيا، وقال القاضي عياض في المشارق: وأنكر بعضهم أن يكون
~~بمعنى " قلب " وإنما يقال في " قلبت ": " كفأت " ثلاثيا، وأما " أكفأت "
~~فبمعنى: أملت، وهو مذهب الكسائي الثالث: البداءة بغسل الفرج، لإزالة ما علق
~~به من أذى، وينبغي أن يغسل في الابتداء عن الجنابة، لئلا يحتاج إلى غسله
~~مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد غسل الأعضاء للوضوء، فيحتاج إلى إعادة غسلها،
~~فلو اقتصر على غسلة واحدة لإزالة النجاسة، وللغسل عن الجنابة، فهل يكتفي
~~بذلك، أم لا بد من غسلتين: مرة للنجاسة، ومرة للطهارة عن الحدث؟ فيه خلاف
~~لأصحاب الشافعي، ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل، من غير ذكر تكرار، فقد
~~يؤخذ منه: الاكتفاء بغسلة واحدة، من حيث إن الأصل عدم غسله ثانيا، وضربه -
~~صلى الله عليه وسلم - بالأرض أو الحائط: لإزالة ما لعله علق باليد من
~~الرائحة، زيادة في ms066 التنظيف.
# الرابع: إذا بقيت رائحة النجاسة، بعد الاستقصاء في الإزالة: لم يضر على
~~مذهب بعض الفقهاء وفي مذهب الشافعي: خلاف، وقد يؤخذ العفو عنه من هذا
~~الحديث، ووجهه: أن ضربه - صلى الله عليه وسلم - بالأرض أو الحائط: لا بد
~~وأن يكون لفائدة، ولا جائز أن يكون لإزالة العين؛؛ لأنه لا تحصل الطهارة مع
~~بقاء العين اتفاقا، وإذا
# PageV01P133
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# كانت اليد نجسة ببقاء العين فيها، فعند انفصالها ينجس المحل بها، وكذلك
~~لا يكون للطعم؛؛ لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين، ولا يكون لإزالة
~~اللون؛؛ لأن الجنابة بالإنزال أو بالمجامعة لا تقتضي لونا يلصق باليد، وإن
~~اتفق، فنادر جدا، فبقي أن يكون لإزالة الرائحة، ولا يجوز أن يكون لإزالة
~~رائحة تجب إزالتها؛؛ لأن اليد قد انفصلت عن المحل على أنه قد طهر، ولو بقي
~~ما تتعين إزالته من الرائحة لم يكن المحل طاهرا؛؛ لأنه عند الانفصال تكون
~~اليد نجسة، وقد لابست المحل مبتلا، فيلزم من ذلك: أن يكون بعض الرائحة
~~معفوا عنه، ويكون الضرب على الأرض لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته، ويحتمل
~~أن يقال: فصل اليد عن المحل، بناء على ظن طهارته بزوال رائحته، والضرب على
~~الأرض لإزالة احتمال في بقاء الرائحة، مع الاكتفاء بالظن في زوالها، والذي
~~يقوي الاحتمال الأول: ما ورد في الحديث الصحيح، من كونه - صلى الله عليه
~~وسلم - " دلكها دلكا شديدا " والدلك الشديد لا يناسبه هذا الاحتمال الضعيف.
### | [حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل]
# 1
# الخامس: قولها " ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه " دليل على مشروعية
~~هذه الأفعال في الغسل، واختلف الفقهاء في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل:
~~فأوجبهما أبو حنيفة، ونفى الوجوب مالك والشافعي، ولا دلالة في الحديث على
~~الوجوب، إلا أن يقال: إن مطلق أفعاله - صلى الله عليه وسلم - للوجوب، غير
~~أن المختار: أن الفعل لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به
~~الوجوب، والأمر بالتطهير من الجنابة ليس من قبيل المجملات.
# السادس: قولها " ثم أفاض ms067 على رأسه الماء " ظاهره: يقتضي أنه لم يمسح رأسه
~~- صلى الله عليه وسلم - كما يفعل في الوضوء، وقد اختلف أصحاب مالك على
~~القول بتأخير غسل الرجلين، كما في حديث ميمونة هذا: هل يمسح الرأس أم لا؟ .
### | [تأخير غسل الرجلين عن إكمال الوضوء]
# 1
# السابع: قولها " ثم تنحى فغسل رجليه " يقتضي تأخير غسل الرجلين عن إكمال
~~الوضوء، وقد اختاره بعض العلماء، وهو أبو حنيفة، وبعضهم اختار إكمال
~~الوضوء، على ظاهر حديث عائشة المتقدم، وهو الشافعي، وفرق بعضهم بين أن
# PageV01P134
# 31 - الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن
~~الخطاب - رضي الله عنه - قال «يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال:
~~نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يكون الموضع وسخا أو لا، فإن كان وسخا: أخر غسل الرجلين، ليكون غسلهما
~~مرة واحدة، فلا يقع إسراف في الماء، وإن كان نظيفا: قدم، وهو في كتب مذهب
~~مالك، له أو لبعض أصحابه.
# الثامن: إذا قلنا: إن غسل الأعضاء في ابتداء الغسل وضوء حقيقة، فقد يؤخذ
~~من هذا: جواز التفريق اليسير في الطهارة.
### | [تنشيف الأعضاء من ماء الطهارة]
# التاسع: أخذ من رده - صلى الله عليه وسلم - الخرقة: أنه لا يستحب تنشيف
~~الأعضاء من ماء الطهارة، واختلفوا: هل يكره؟ والذين أجازوا التنشيف استدلوا
~~بكونه - صلى الله عليه وسلم - جعل ينفض الماء، فلو كره التنشيف لكره النفض،
~~فإنه إزالة، وأما رد المنديل: فواقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن
~~يكون لا لكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو غير ذلك، والله أعلم.
### | [نفض الماء عن الأعضاء في الغسل والوضوء]
# 1
# العاشر: ذكر بعض الفقهاء في صفة الوضوء: أن لا ينفض أعضاءه، وهذا الحديث
~~دليل على جواز نفض الماء عن الأعضاء في الغسل، والوضوء مثله، وما استدل به
~~على كراهة النفض - وهو ما ورد " لا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان " -
~~حديث ضعيف، لا يقاوم هذا الصحيح والله أعلم.
### | [حديث أيرقد أحدنا وهو جنب]
# وضوء الجنب قبل النوم: مأمور به، والشافعي ms068 حمله على الاستحباب، وفي مذهب
~~مالك قولان:
# أحدهما: الوجوب، وقد ورد بصيغة الأمر في بعض الأحاديث الصحيحة، وهو قوله
~~- صلى الله عليه وسلم - «توضأ واغسل ذكرك، ثم نم» لما سأله عمر
# PageV00P000
# 32 - الحديث الخامس: عن أم سلمة - رضي الله عنها -
~~زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت «جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة - إلى
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي
~~من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -: نعم، إذا رأت الماء» ..
#
### | [إحكام الأحكام]
# إنه تصيبه الجنابة من الليل " وليس في هذا الحديث - الذي ذكره المصنف -
~~متمسك للوجوب، فإنه وقف إباحة الرقاد على الوضوء، فإن هذا الأمر في قوله
~~عليه الصلاة والسلام " فليرقد " ليس للوجوب، ولا للاستحباب، فإن النوم من
~~حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب، فإذا هو للإباحة، فتتوقف الإباحة
~~ههنا على الوضوء، وذلك هو المطلوب.
# والذين قالوا: إن الأمر ههنا على الوجوب، اختلفوا في علة هذا الحكم،
~~فقيل: علته أن يبيت على إحدى الطهارتين، خشية الموت في المنام، وقيل: علته
~~أن ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه، وبنوا على هاتين العلتين: أن
~~الحائض إذا أرادت النوم، هل تؤمر بالوضوء؟ فمقتضى التعليل بالمبيت على إحدى
~~الطهارتين: أن تتوضأ الحائض؛ لأن المعنى موجود فيها ومقتضى التعليل بحصول
~~النشاط: أن لا تؤمر به الحائض؛؛ لأنها لو نشطت لم يمكنها رفع حدثها بالغسل.
# وقد نص الشافعي على أنه ليس ذلك على الحائض، فيحتمل أن يكون راعى هذه
~~العلة، فنفى الحكم لانتفائها، ويحتمل أن يكون لم يراعها، ونفى الحكم؛ لأنه
~~رأى أن أمر الجنب به تعبد، ولا يقاس عليه غيره، أو رأى علة أخرى غير ما
~~ذكرناه، والله أعلم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إن الله لا يستحيي من الحق]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: قولها " إن الله لا يستحيي من الحق " هذا تمهيد لبسط ms069 عذرها في
~~ذكرها ما يستحيي النساء من ذكره وهو أصل فيما يصنعه الكتاب والأدباء في
~~ابتداء مكاتباتهم ومخاطباتهم من التمهيدات لما يأتون به بعد ذلك والذي
~~يحسنه في مثل هذا: أن الذي يعتذر به إذا كان متقدما على المعتذر منه:
~~أدركته النفس صافية من العتب، وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر منه،
~~فتأثرت بقبحه، ثم يأتي العذر رافعا، وعلى الأول: يأتي دافعا.
# الثاني: تكلموا في تأويل قولها إن الله لا يستحيي من الحق ولعل قائلا
~~يقول: إنما يحتاج إلى تأويل الحياء، إذا كان الكلام مثبتا، كما جاء «إن
~~الله حيي كريم» وأما في النفي: فالمستحيلات على الله تعالى تنفى، ولا يشترط
~~في النفي أن يكون المنفي ممكنا، وجوابه أنه لم يرد النفي على الاستحياء
~~مطلقا، بل ورد على الاستحياء من الحق، فبطريق المفهوم: يقتضي أنه يستحيي من
~~غير الحق، فيعود بطريق المفهوم إلى جانب الإثبات.
# ، الثالث: قيل في معناه لا يأمر بالحياء فيه، ولا يبيحه، أو لا يمتنع من
~~ذكره وأصل " الحياء " الامتناع، أو ما يقاربه من معنى الانقباض، وقيل:
~~معناه أن سنة الله وشرعه أن لا يستحيي من الحق، وأقول: أما تأويله على أن
~~لا يمتنع من ذكره فقريب؛ لأن المستحيي ممتنع من فعل ما يستحيي منه،
~~فالامتناع من لوازم الحياء، فيطلق الحياء على الامتناع، إطلاقا لاسم
~~الملزوم على اللازم، وأما قولهم " أي لا يأمر بالحياء فيه ولا يبيحه "
~~فيمكن في توجيهه، أن يقال: يصح التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء؛ لأن
~~الأمر بالحياء متعلق بالحياء، فيصح إطلاق الحياء على الأمر به، على سبيل
~~إطلاق المتعلق على المتعلق به، وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء،
~~فيصح إطلاق عدم الحياء من الشيء على عدم الأمر به، وهذه الوجوه من
~~التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني، ليخرج ظاهره عن
~~النصوصية، لا على أنه يجزم بإرادة متعين منها، إلا أن يقوم على
# PageV01P137
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ذلك دليل، وأما قولهم " معناه إن سنة الله وشرعه أن الله ms070 لا يستحيي من
~~الحق "، فليس فيه تحرير بالغ، فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله
~~تعالى أو لا، ويجعله فعلا لما لم يسم فاعله، فإن أسند إلى الله تعالى
~~فالسؤال باق بحاله، وغاية ما في الباب: أنه زاد قوله " سنة الله وشرعه "
~~وهذا لا يخلص من السؤال، وإن بنوا الفعل لما لم يسم فاعله، فكيف يفسر فعلا
~~بني للفاعل، والمعنيان متباينان، والإشكال إنما ورد على بنائه للفاعل؟ .
# الوجه الرابع: الأقرب أن يجعل في الكلام حذف، تقديره: إن الله لا يمتنع
~~من ذكر الحق، و " الحق " ههنا خلاف الباطل، ويكون المقصود من الكلام: أن
~~يقتدى بفعل الله تعالى في ذلك، وبذكر هذا الحق الذي دعت الحاجة إليه من
~~السؤال عن احتلام المرأة.
### | [الاحتلام]
# 1
# الوجه الخامس " الاحتلام " في الوضع: افتعال من الحلم - بضم الحاء وسكون
~~اللام - وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه حلم - بفتح اللام - واحتلم،
~~واحتلمت به، واحتلمته، وأما في الاستعمال والعرف العام: فإنه قد خص هذا
~~الوضع اللغوي ببعض ما يراه النائم، وهو ما يصحبه إنزال الماء، فلو رأى غير
~~ذلك لصح أن يقال له " احتلم " وضعا، ولم يصح عرفا.
# الوجه السادس: قولها " هي " تأكيد وتحقيق، ولو أسقطت من الكلام لتم أصل
~~المعنى.
### | [الغسل بإنزال المرأة الماء]
# 1
# السابع: الحديث دليل على وجوب الغسل بإنزال المرأة الماء، ويكون الدليل
~~على وجوبه على الرجل قوله «إنما الماء من الماء» ويحتمل أن تكون أم سليم لم
~~تسمع قوله - صلى الله عليه وسلم - " إنما الماء من الماء " وسألت عن حال
~~المرأة لمسيس حاجتها إلى ذلك، ويحتمل أن تكون سمعته، ولكنها سألت عن حال
~~المرأة، لقيام مانع فيها يوهم خروجها عن ذلك العموم، وهي ندرة نزول الماء
~~منها.
### | [إنزال الماء في حالة النوم]
# الثامن: فيه دليل على أن إنزال الماء في حالة النوم موجب للغسل، كإنزاله
~~في حالة اليقظة.
# التاسع: قوله - صلى الله عليه وسلم - " إذا رأت الماء " قد يرد به على من
~~يزعم أن ماء المرأة لا
# PageV01P138
# 33 ms071 - الحديث السادس: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~«كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخرج إلى
~~الصلاة، وإن بقع الماء في ثوبه، وفي لفظ لمسلم لقد كنت أفركه من ثوب رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - فركا، فيصلي فيه.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها، بقوله " إذا رأت الماء ".،
### | [وجوب الغسل بالإنزال إذا عرفته بالشهوة]
# 1
# العاشر: قوله - صلى الله عليه وسلم - " إذا رأت الماء " يحتمل أن يكون
~~مراعاة للوضع اللغوي في قولها " احتلمت " فإنا قد بينا أن " الاحتلام "
~~رؤية المنام كيف كان وضعا، فلما سألت " هل على المرأة من غسل إذا هي
~~احتلمت؟ " وكانت لفظة " احتلمت " عامة: خصص الحكم بما إذا رأت الماء، أما
~~لو حملنا لفظة " احتلمت " على المعنى العرفي: كان قوله - صلى الله عليه
~~وسلم - " إذا رأت الماء " كالتأكيد والتحقيق لما سبق من دلالة اللفظ الأول
~~عليه، ويحتمل أن يكون الإنزال الذي يحصل به الاحتلام عرفا على قسمين: تارة
~~يوجد معه البروز إلى الظاهر، وتارة لا، فيكون قوله - صلى الله عليه وسلم -
~~" إذا رأت الماء " مخصصا للحكم بحالة البروز إلى الظاهر، ويكون فائدة
~~زائدة، ليست لمجرد التأكيد، إلا أن ظاهر كلام من أشرنا إليه من الفقهاء:
~~يقتضي وجوب الغسل بالإنزال إذا عرفته بالشهوة، ولا يوقفه على البروز إلى
~~الظاهر، فإن صح ذلك، فتكون " الرؤية " بمعنى العلم هنا، أي إذا علمت نزول
~~الماء، والله أعلم.
# " وأم سلمة " المذكورة في الحديث، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~اسمها هند بنت أبي أمية، المعروف بزاد الراكب، و " أم سليم بنت ملحان -
~~بكسر الميم وسكون اللام وحاء مهملة - يقال لها: الغميصاء، والرميصاء أيضا،
~~اسمها سهلة، وقيل: رميلة، أو رملة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة
### | [حديث كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخرج إلى الصلاة]
# اختلف العلماء في طهارة المني ونجاسته، فقال الشافعي وأحمد بطهارته،
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقال مالك وأبو حنيفة بنجاسته، والذين قالوا ms072 بنجاسته: اختلفوا في كيفية
~~إزالته، فقال مالك: يغسل رطبه ويابسه، وقال أبو حنيفة: يغسل رطبه، ويفرك
~~يابسه، أما مالك: فعمل بالقياس في الحكمين، أعني نجاسته وإزالته بالماء،
~~أما نجاسته: فوجه القياس فيه من وجوه:
# أحدها: أن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في مقر تجتمع فيه: نجسة
~~والمني منها، فليكن نجسا.
# وثانيها: أن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة، والمني منها، أي من الأحداث
~~الموجبة للطهارة.
# ، وثالثها: أنه يجري في مجرى البول، فينجس.
# ، وأما في كيفية إزالته: فلأن النجاسة لا تزال إلا بالماء، إلا ما عفي
~~عنه من آثار بعضها، والفرد ملحق بالأعم الأغلب، وأما أبو حنيفة: فإنه اتبع
~~الحديث في فرك اليابس، والقياس في غسل الرطب ولم ير الاكتفاء بالفرك دليلا
~~على الطهارة، وشبهه بعض أصحابه بما جاء في الحديث من دلك النعل من الأذى،
~~وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله،
~~فطهورهما التراب» رواه الطحاوي من حديث أبي هريرة، فإن الاكتفاء بالدلك فيه
~~لا يدل على طهارة الأذى، وأما الشافعي: فاتبع الحديث في فرك اليابس، ورآه
~~دليلا على الطهارة، فإنه لو كان نجسا لما اكتفى فيه إلا بالغسل، قياسا على
~~سائر النجاسات، فلو اكتفى بالفرك - مع كونه نجسا - لزم خلاف القياس،
~~والأصل: عدم ذلك، وهذا الحديث يخالف ظاهره ما ذهب إليه مالك، وقد اعتذر عنه
~~بأن حمل على الفرك بالماء، وفيه بعد؛؛ لأنه ثبت في بعض الروايات في هذا
~~الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت «لقد رأيتني، وإني لأحكه من
~~ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يابسا بظفري» وهذا تصريح بيبسه،
~~وأيضا في رواية يحيى بن سعيد عن عميرة عن عائشة قالت «كنت أفرك المني من
~~ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كان يابسا، وأغسله أو أمسحه إذا
~~كان رطبا» شك الراوي.
# وهذا التقابل بين الفرك والغسل: يقتضي
# PageV01P140
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# اختلافهما، والذي قرب التأويل المذكور - عند من قال به - ما في بعض
~~الروايات عن عائشة: أنها ms073 قالت لضيفها الذي غسل الثوب «إنما كان يجزيك - إن
~~رأيته - أن تغسل مكانه، وإن لم تره نضحت حوله، فلقد رأيتني أفركه من ثوب
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فحصرت الإجزاء في الغسل لما رآه، وحكمت
~~بالنضح لما لم يره، وهذا حكم النجاسات، فلو كان هذا الفرك المذكور من غير
~~ماء: ناقض آخر الحديث أوله، الذي يقتضي حصر الإجزاء في الغسل، ويقتضي إجراء
~~حكم سائر النجاسات عليه في النضح، إلا أن دلالة قولها " لأحكه يابسا بظفري
~~" أصرح وأنص على عدم الماء مما ذكر من القرائن، من كونه مفروكا بالماء،
~~والحديث واحد، اختلفت طرقه، وأعني بالقرائن: النضح لما لم يره، وقولها: "
~~إنما كان يجزيك "، ومن الناس من سلك طريقة أخرى في الأحاديث التي اقتصر
~~فيها على ذكر الفرك، قال: هذا لا يدل إلا على الفرك من الثوب، وليس فيه
~~دلالة على أنه الثوب الذي يصلي فيه، فيحمل على ثوب النوم، ويحمل الحديث
~~الآخر الذي ذكره المصنف - وهو قولها " فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في
~~ثوبه " - على ثوب الصلاة، ولا يقال: إذا حملتم الفرك على غير ثوب الصلاة،
~~فأي فائدة في ذكر ذلك؟ ؛ لأنا نقول: فائدته بيان جواز لبس الثوب النجس في
~~غير حالة الصلاة.
# وهذه الطريقة قد تتمشى لو لم تأت روايات صحيحة بقولها " ثم يصلي فيه "
~~وفي بعضها " فيصلي فيه " وأخذ بعضهم من كون الفاء للتعقيب: أنه يعقب الصلاة
~~بالفرك، ويقتضي ذلك عدم الغسل قبل الدخول في الصلاة، إلا أنه قد ورد
~~بالواو، وبثم أيضا في هذا الحديث، فإن كان الحديث واحدا فالألفاظ مختلفة،
~~والمقول منها واحد، فتقف الدلالة بالفاء إلا لمرجح لها، وإن كانت الرواية
~~بالفاء حديثا مفردا، فيتجه ما قاله، واعلم أن احتمال غسله بعد الفرك واقع،
~~لكن الأصل عدمه، فيتعارض
# PageV01P141
# 34 - الحديث السابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها،
~~فقد وجب الغسل» ، وفي لفظ «وإن لم ينزل» .
#
### | [إحكام ms074 الأحكام]
# النظر بين اتباع هذا الأصل وبين اتباع القياس، ومخالفة هذا الأصل، فما
~~ترجح منهما عمل به، لا سيما إن انضمت قرائن في لفظ الحديث تنفي هذا
~~الاحتمال، فإذ ذاك يتقوى العمل به، وينظر إلى الراجح بعد تلك القرائن، أو
~~من القياس، وقد استعمل في هذا الحديث لفظ " الجنابة " بإزاء " المني " وقد
~~ذكرنا أنه يستعمل بإزاء المنع، والحكم الشرعي المرتب على خروج الخارج،
~~والله أعلم.
### | [حديث إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل]
# " الشعب " جمع شعبة، وهي الطائفة من الشيء، والقطعة منه، واختلفوا في
~~المراد بالشعب الأربع، فقيل: يداها ورجلاها، أو رجلاها وفخذاها، أو فخذاها
~~وأسكتاها أو نواحي الفرج الأربع، وفسر " الشعب " بالنواحي، وكأنه تحويم على
~~طلب الحقيقة الموجبة للغسل والأقرب عندي: أن يكون المراد: اليدين والرجلين،
~~أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنيا عنه بذلك، ويكتفى بما ذكر عن
~~التصريح، وإنما رجحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، إذ هو حقيقة في الجلوس
~~بينهما، وأما إذا حمل على نواحي الفرج: فلا جلوس بينها حقيقة، وقد يكتفى
~~بالكناية عن التصريح، لا سيما في أمثال هذه الأماكن التي يستحيي من التصريح
~~بذكرها، وأيضا فقد نقل عن بعضهم أنه قال " الجهد " من أسماء النكاح، ذكر
~~ذلك عن الخطابي، وعلى هذا فلا يحتاج إلى أن يجعل قوله " جلس بين شعبها
~~الأربع " كناية عن الجماع، فإنه صرح به بعد ذلك،
# PageV00P000
# 35 - الحديث الثامن: عن أبي جعفر محمد بن علي بن
~~الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - «أنه كان هو وأبوه عند جابر
~~بن عبد الله، وعنده قوم، فسألوه عن الغسل؟ فقال: صاع يكفيك فقال رجل: ما
~~يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرا، وخيرا منك - يريد رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أمنا في ثوب» ، وفي لفظ «كان رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - يفرغ الماء على رأسه ثلاثا.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله في الحديث " ثم جهدها " بفتح الجيم والهاء: أي بلغ مشقتها، ms075 يقال
~~منه: جهده، وأجهده، أي بلغ مشقته، وهذا أيضا لا يراد حقيقته، وإنما المقصود
~~منه: وجوب الغسل بالجماع، وإن لم ينزل، وهذه كلها كنايات، يكتفى بفهم
~~المعنى منها عن التصريح، وقوله " بين شعبها الأربع " كناية عن المرأة، وإن
~~لم يجر لها ذكر، اكتفاء بفهم المعنى من السياق، كما في قوله عز وجل {حتى
~~توارت بالحجاب} [ص: 32] والحكم عند جمهور الأمة، على مقتضى هذا الحديث، في
~~وجوب الغسل بالتقاء الختانين، من غير إنزال، وخالف في ذلك داود وبعض أصحابه
~~الظاهرية، وخالفه بعض الظاهرية ووافق الجماعة.
# ، ومستند الظاهرية: قوله - صلى الله عليه وسلم - " إنما الماء من الماء "
~~وقد جاء في الحديث " إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نسخ
~~" ذكره الترمذي،
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ الماء على رأسه ثلاثا]
# قال - رضي الله عنه -: الرجل الذي قال " ما يكفيني " هو الحسن بن محمد بن
~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أبوه: محمد بن الحنفية، الواجب في الغسل:
~~ما يسمى غسلا، وذلك بإفاضة الماء على العضو
# PageV00P000
# 36 - الحديث الأول: عن عمران بن حصين - رضي الله عنه
~~- «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا معتزلا، لم يصل في القوم؟
~~فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني
~~جنابة، ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»
#
### | [إحكام الأحكام]
# وسيلانه عليه، فمتى حصل ذلك تأدى الواجب، وذلك يختلف باختلاف الناس، فلا
~~يقدر الماء الذي يغتسل به، أو يتوضأ به، وبقدر معلوم، قال الشافعي: وقد
~~يرفق بالقليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي، واستحب أن لا ينقص في الغسل
~~من صاع، ولا في الوضوء من مد.
# ، وهذا الحديث: أحد ما يستدل به على الاغتسال بالصاع، وليس ذلك على سبيل
~~التحديد، وقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة، وذلك - والله أعلم - لاختلاف
~~الأوقات، أو الحالات، وهو دليل على ما قلناه، من عدم التحديد، " والصاع "
~~أربعة أمداد بمد النبي. - صلى الله ms076 عليه وسلم - والمد رطل وثلث بالبغدادي،
~~وأبو حنيفة يخالف في هذا المقدار، ولما جاء صاحبه أبو يوسف إلى المدينة،
~~وتناظر مع مالك في هذه المسألة، استدل عليه مالك بصيعان أولاد المهاجرين
~~والأنصار الذين أخذوها عن آبائهم، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك.
### | [باب التيمم]
### | [حديث ما منعك أن تصلي في القوم]
# " عمران بن حصين بن عبيد خزاعي أبو نجيد، - بضم النون، وفتح الجيم، بعدها
~~ياء - من فقهاء الصحابة وفضلائهم، صح: أن الملائكة كانت تسلم عليه، وقيل:
~~كان يراهم، مات سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية، والكلام على هذا الحديث
~~من وجوه:
# أحدها " المعتزل " المنفرد عن القوم، المتنحي عنهم، يقال: اعتزل، وانعزل،
~~وتعزل: بمعنى واحد، واعتزاله عن القوم: استعمال للأدب، والسنة في
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ترك جلوس الإنسان عند المصلين إذا لم يصل معهم، وقد قال - صلى الله عليه
~~وسلم -: لمن رآه جالسا في المسجد والناس يصلون " ما منعك أن تصلي في القوم؟
~~وقد روي: مع الناس - ألست برجل مسلم؟ ، " وهذا إنكار لهذه الصورة.
# الثاني: قوله " ما منعك أن تصلي في القوم؟ " وقد روي " مع القوم "
~~والمعنى متقارب، وإن اختلف أصل اللفظين، فإن " في " للظرفية، فكأنه جعل
~~اجتماع القوم ظرفا خرج منه هذا الرجل، و " مع " للمصاحبة، كأنه قال: ما
~~منعك أن تصحبهم في فعلهم؟ ،.
# الثالث: قوله " أصابتني جنابة، ولا ماء " يحتمل من حيث اللفظ وجهين:
# أحدهما: أن لا يكون عالما بمشروعية التيمم.
# والثاني: أن يكون اعتقد أن الجنب لا يتيمم، وهذا أرجح من الأول، فإن
~~مشروعية التيمم: كانت سابقة على زمن إسلام عمران، راوي الحديث، فإنه أسلم
~~عام خيبر، ومشروعية التيمم: كانت قبل ذلك، في غزوة المريسيع، وهي واقعة
~~مشهورة، والظاهرة: علم الرجل بها لشهرتها، فإذا حملناه على كون الرجل اعتقد
~~أن الجنب لا يتيمم - كما ذكر عن عمر وابن مسعود - كان ذلك دليلا على أن هذا
~~الرجل؛ ومن شك في تيمم الجنب: حملوا الملامسة المذكورة في الآية - أعني
~~قوله تعالى {أو لامستم النساء} [النساء: 43]- على ms077 غير الجماع؛؛ لأنهم لو
~~حملوها عليه لكان تيمم الجنب مأخوذا من الآية، فلم يقع لهم شك في تيمم
~~الجنب، وهذا الظهور الذي ادعي: إن لم يكن إسلام هذا الرجل واقعا عند نزول
~~الآية. وهذا إنما يكون في مدة تقتضي العادة بلوغها إلى علمه.
# الرابع: قوله " ولا ماء " أي موجود، أو عندي، أو أجده، أو ما أشبه ذلك،
~~وفي حذفه بسط لعذره، لما فيه من عموم النفي، كأنه نفى وجود الماء بالكلية،
~~بحيث لو وجد بسبب أو سعي، أو غير ذلك: لحصله، فإذا نفى وجوده مطلقا: كان
~~أبلغ في النفي، وأعذر له.
# ، وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة تقديرهم في قولنا لا إله إلا الله
~~لا إله لنا، أو في الوجود وقال: إن نفي الحقيقة مطلقة: أعم من نفيها مقيدة،
~~فإنها
# PageV01P145
# 37 - الحديث الثاني: عن عمار بن ياسر - رضي الله
~~عنهما - قال: «بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة، فأجنبت، فلم
~~أجد الماء، فتمرغت في الصعيد، كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا - ثم ضرب
~~بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# إذا نفيت مقيدة: دلت على سلب الماهية مع القيد، وإذا نفيت غير مقيدة كان
~~نفيا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كل قيد. أما إذا نفيت مقيدة
~~بقيد مخصوص: لم يلزم نفيها مع قيد آخر، هذا أو معناه.
# الخامس: الحديث دل بصريحه على أن للجنب أن يتيمم، ولم يختلف فيه الفقهاء،
~~إلا أنه روي عن عمر، وابن مسعود: أنهما منعا تيمم الجنب، وقيل: إن بعض
~~التابعين وافقهما، وقيل: رجعا عن ذلك.
# وكأن سبب التردد: ما أشرنا إليه: من حمل الملامسة على غير الجماع، مع عدم
~~وجود دليل عندهم على جوازه والله أعلم.
### | [حديث إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا]
# " عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة أبو اليقظان العنسي - بنون بعد
~~المهملة ms078 - أحد السابقين من المهاجرين. وممن عذب في ذات الله تعالى، قتل -
~~بلا خلاف - بصفين مع علي - رضي الله عنهما -، سنة سبع وثلاثين، والكلام على
~~هذا الحديث من وجوه:
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أحدها: يقال " أجنب " الرجل، وجنب بالضم، وجنب بالفتح، وقد مر.
# الثاني: قوله " فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة " كأنه استعمال لقياس
~~لا بد فيه من تقدم العلم بمشروعية التيمم، وكأنه لما رأى أن الوضوء خاص
~~ببعض الأعضاء وكان بدله - وهو التيمم - خاصا، وجب أن يكون بدل الغسل الذي
~~يعم جميع البدن عاما لجميع البدن قال أبو محمد بن حزم الظاهري: في هذا
~~الحديث إبطال القياس؛ لأن عمارا قدر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة:
~~حكمه حكم الغسل للجنابة، إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكمه المنصوص عليه فقط. والجواب عما قال: أن
~~الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من بطلان الخاص بطلان
~~العام. والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر، وهو
~~أن الأصل - الذي هو الوضوء - قد ألغي فيه مساواة البدل له. فإن التيمم لا
~~يعم جميع أعضاء الوضوء، فصار مساواة البدل للأصل ملغى في محل النص، وذلك لا
~~يقتضي المساواة في الفرع. بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلا على صحة
~~أصل القياس، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم - " إنما كان يكفي كذا وكذا "
~~يدل على أنه لو كان فعله لكفاه. وذلك دليل على صحة قولنا: لو كان فعله لكان
~~مصيبا، ولو كان فعله لكان قائسا للتيمم للجنابة على التيمم للوضوء، على
~~تقدير أن يكون " اللمس " المذكور في الآية ليس هو الجماع؛ لأنه لو كان عند
~~عمار هو الجماع: لكان حكم التيمم مبينا في الآية. فلم يكن يحتاج إلى أن
~~يتمرغ، فإذن، فعله ذلك يتضمن اعتقاد كونه ليس عاملا بالنص، بل بالقياس.
~~وحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان يكفيه التيمم على الصورة
~~المذكورة، ms079 مع ما بينا من كونه: لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده، لا بالنص.
# الثالث: في قوله " أن تقول بيديك هكذا " استعمال القول في معنى الفعل،
~~وقد قالوا: إن العرب استعملت القول في كل فعل.
# PageV01P147
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الرابع: قوله " ثم ضرب الأرض بيديه ضربة واحدة " دليل لمن قال بالاكتفاء
~~بضربة واحدة للوجه واليدين، وإليه يرجع حقيقة مذهب مالك، فإنه قال: يعيد في
~~الوقت إذا فعل ذلك، والإعادة في الوقت دليل على إجزاء الفعل إذا وقع ظاهرا،
~~ومذهب الشافعي: أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين، لحديث ورد
~~فيه " التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين " إلا أنه لا يقاوم هذا
~~الحديث في الصحة، ولا يعارض مثله بمثله.
# الخامس: قوله " ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه " قدم في
~~اللفظ " مسح اليدين " على " مسح الوجه " لكن بحرف الواو، وهي لا تقتضي
~~الترتيب، هذا في هذه الرواية، وفي غيرها " ثم مسح بوجهه " بلفظة " ثم " وهي
~~تقتضي الترتيب، فاستدل بذلك على أن ترتيب اليدين على الوجه في الوضوء ليس
~~بواجب؛ لأنه إذا ثبت ذلك في التيمم، ثبت في الوضوء، إذ لا قائل بالفرق.
# السادس: قوله " وظاهر الكفين " يقتضي الاكتفاء بمسح الكفين في التيمم،
~~وهو مذهب أحمد، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أن التيمم إلى المرفقين وفي حديث
~~أبي الجهيم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم على الجدار، فمسح بوجهه
~~ويديه.» فتنازعوا في أن مطلق لفظ " اليد " هل يدل على الكفين، أو على
~~الذراعين، أو على جملة العضو إلى الإبط؟ فادعى قوم: أنه يحمل على " الكفين
~~" عند الإطلاق، كما في قوله عز وجل {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] وقد
~~ورد في بعض روايات حديث أبي الجهيم " أنه - صلى الله عليه وسلم - مسح وجهه
~~وذراعيه " والذي في الصحيح " ويديه ".
# PageV01P148
# 38 - الحديث الثالث: عن جابر بن عبد الله - رضي الله
~~عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد
~~من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت ms080 لي الأرض مسجدا وطهورا،
~~فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد
~~قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس
~~عامة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي]
# " جابر هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام - بفتح الحاء المهملة، وبعدها
~~راء مهملة - الأنصاري السلمي - بفتح السين واللام - منسوب إلى بني سلمة -
~~بكسر اللام - يكنى أبا عبد الله. توفي سنة إحدى وستين من الهجرة، وهو ابن
~~إحدى وتسعين، والكلام على حديثه من وجوه:
# الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - " أعطيت خمسا " تعديد للفضائل التي
~~خص بها، دون سائر الأنبياء - عليهم السلام -، وظاهره: يقتضي أن كل واحدة من
~~هذه الخمس لم تكن لأحد قبله، ولا يعترض على هذا بأن نوحا - عليه السلام -
~~بعد خروجه من الفلك - كان مبعوثا إلى أهل الأرض؛ لأنه لم يبق إلا من كان
~~مؤمنا معه، وقد كان مرسلا إليهم؛ لأن هذا العموم في الرسالة لم يكن في أصل
~~البعثة، وإنما وقع لأجل الحادث الذي حدث، وهو انحصار الناس في الموجودين
~~لهلاك سائر الناس، وأما نبينا - صلى الله عليه وسلم -: فعموم رسالته في أصل
~~بعثته، وأيضا فعموم الرسالة: يوجب قبولها عموما في الأصل والفروع، وأما
~~التوحيد، وتمحيص العبادة لله عز وجل: فيجوز أن يكون عاما في حق بعض
~~الأنبياء، وإن كان التزام فروع شرعه ليس عاما فإن من الأنبياء المتقدمين -
~~عليهم السلام - من قاتل غير قومه على الشرك وعبادة غير الله تعالى، فلو لم
~~يكن التوحيد لازما لهم بشرعه، أو شرع غيره: لم يقاتلوا، ولم يقتلوا، إلا
~~على طريقة المعتزلة
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# القائلين بالحسن والقبح العقليين ويجوز أن تكون الدعوة على التوحيد عامة،
~~لكن على ألسنة أنبياء متعددة، فثبت التكليف به لسائر الخلق، وإن لم تعم
~~الدعوة به بالنسبة إلى نبي واحد.
### | 1 -
# الثاني: قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - نصرت بالرعب الرعب: هو الوجل
~~والخوف لتوقع ms081 نزول محظور، والخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث: مقيدة بهذا
~~القدر من الزمان، ويفهم منه أمران:
# أحدهما: أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه المسافة.
# والثاني: أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها، فإنه مذكور في سياق الفضائل
~~والخصائص، ويناسبه: أن تذكر الغاية فيه، وأيضا، فإنه لو وجد لغيره في أكثر
~~من هذه المسافة لحصل الاشتراك في الرعب في هذه المسافة، وذلك ينفي الخصوصية
~~بها.
# الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - " جعلت لي الأرض مسجدا " المسجد:
~~موضع السجود في الأصل، ثم يطلق في العرف على المكان المبني للصلاة التي
~~السجود منها، وعلى هذا: فيمكن أن يحمل " المسجد " ههنا على الوضع اللغوي،
~~أي جعلت لي الأرض كلها مسجدا، أعني موضع السجود، أي لا يختص السجود منها
~~بموضع دون غيره، ويمكن أن تجعل مجازا عن المكان المبني للصلاة؛ لأنه لما
~~جازت الصلاة جميعها كانت كالمسجد في ذلك فإطلاق اسمه عليها من مجاز التشبيه
~~والذي يقرب هذا التأويل: أن الظاهر أنه إنما أريد: أنها مواضع للصلاة
~~بجملتها، ولا للسجود فقط منها؛ لأنه لم ينقل: أن الأمم الماضية كانت تخص
~~السجود وحده بموضع دون موضع.
### | [التيمم بجميع أجزاء الأرض]
# 1
# الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - " طهورا " استدل به على أمور:
# أحدها: أن الطهور هو المطهر لغيره، ووجه الدليل: أنه ذكر خصوصيته بكونها
~~طهورا، أي مطهرا، ولو كان " الطهور " هو الطاهر: لم تثبت الخصوصية،
# PageV01P150
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإن طهارة الأرض عامة في حق كل الأمم.
# الأمر الثاني: استدل به من جوز التيمم بجميع أجزاء الأرض، لعموم قوله "
~~جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " والذين خصوا التيمم بالتراب: استدلوا بما جاء
~~في الحديث الآخر " وجعلت تربتها لنا طهورا " وهذا خاص ينبغي أن يحمل عليه
~~العام وتختص الطهورية بالتراب، واعترض على هذا بوجوه: منها: منع كون التربة
~~مرادفة للتراب، وادعي أن تربة كل مكان: ما فيه من تراب أو غيره مما يقاربه.
# ومنها: أنه مفهوم لقب، أعني تعليق الحكم بالتربة، ms082 ومفهوم اللقب: ضعيف عند
~~أرباب الأصول، وقالوا: لم يقل به إلا الدقاق، ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن في
~~الحديث قرينة زائدة عن مجرد تعليق الحكم بالتربة، وهو الافتراق في اللفظ
~~بين جعلها مسجدا، وجعل تربتها طهورا على ما في ذلك الحديث، وهذا الافتراق
~~في هذا السياق قد يدل على الافتراق في الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر
~~نسقا، كما في الحديث الذي ذكره المصنف.
# ومنها: أن الحديث المذكور الذي خصت فيه " التربة " بالطهورية لو سلم أن
~~مفهومه معمول به، لكان الحديث الآخر بمنطوقه يدل على طهورية بقية أجزاء
~~الأرض، أعني قوله - صلى الله عليه وسلم - " مسجدا وطهورا " فإذا تعارض في
~~غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته، ودلالة المنطوق الذي
~~يقتضي طهوريته، فالمنطوق مقدم على المفهوم، وقد قالوا: إن المفهوم يخصص
~~العموم، فتمتنع هذه الأولوية، إذا سلم المفهوم ههنا، وقد أشار بعضهم إلى
~~خلاف هذه القاعدة، أعني تخصيص العموم
# PageV01P151
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالمفهوم، ثم عليك - بعد هذا كله - بالنظر في معنى ما أسلفناه من حاجة
~~التخصيص إلى التعارض بينه وبين العموم في محله.
# الأمر الثالث: أخذ منه بعض المالكية: أن لفظة طهور تستعمل لا بالنسبة إلى
~~الحدث، ولا الخبث. وقال: إن " الصعيد " قد يسمى طهورا، وليس عن حدث، ولا عن
~~خبث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، هذا أو معناه، وجعل ذلك جوابا عن استدلال
~~الشافعية على نجاسة فم الكلب، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «طهور إناء
~~أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبعا» فقالوا " طهور " يستعمل إما عن
~~حدث أو خبث، ولا حدث على الإناء، فيتعين أن يكون عن خبث، فمنع هذا المجيب
~~المالكي الحصر. وقال: إن لفظة " طهور " تستعمل في إباحة الاستعمال، كما في
~~التراب، إذ لا يرفع الحدث كما قلنا، فيكون قوله " طهور إناء أحدكم "
~~مستعملا في إباحة استعماله، أعني الإناء، كما في التيمم، وفي هذا عندي نظر،
~~فإن التيمم - وإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث - لكنه عن حدث، أي الموجب ms083 لفعله
~~حدث. وفرق بين قولنا " إنه عن حدث " وبين قولنا " إنه لا يرفع الحدث "
~~وربما تقدم هذا أو بعضه.
# الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم - " فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة
~~فليصل " مما يستدل به على عموم التيمم بأجزاء الأرض؛ لأن قوله - صلى الله
~~عليه وسلم - " أيما رجل " صيغة عموم، فيدخل تحته من لم يجد ترابا، ووجد
~~غيره من أجزاء الأرض. ومن خص التيمم بالتراب يحتاج أن يقيم دليلا يخص به
~~هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول بذلك. فمن لم يجد
~~ماء ولا ترابا: صلى على حسب حاله. فأقول بموجب الحديث، إلا أنه قد جاء في
~~رواية أخرى " فعنده طهوره ومسجده " والحديث إذا اجتمعت طرقه فسر بعضها
~~بعضا.
# PageV01P152
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# السادس: قوله - صلى الله عليه وسلم - " وأحلت لي الغنائم " يحتمل أن يراد
~~به: جواز أن يتصرف فيها كيف يشاء، ويقسمها كما أراد، كما في قوله عز وجل
~~{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] ويحتمل أن يراد
~~به: لم يحل منها شيء لغيره وأمته. وفي بعض الأحاديث ما يشعر ظاهره بذلك،
~~ويحتمل أن يراد بالغنائم بعضها، وفي بعض الأحاديث " وأحل لنا الخمس " أو
~~كما قال. أخرجه ابن حبان بكسر الحاء وبعدها باء موحدة في صحيحه.
### | [شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم العظمى]
# 1
# السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - " وأعطيت الشفاعة " قد ترد الألف
~~واللام للعهد، كما في قوله تعالى {فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16] وترد
~~للعموم، نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وترد
~~لتعريف الحقيقة، كقولهم: الرجل خير من المرأة، والفرس خير من الحمار.
# إذا ثبت هذا فنقول: الأقرب أنها في قوله - صلى الله عليه وسلم - " وأعطيت
~~الشفاعة " للعهد، وهو ما بينه - صلى الله عليه وسلم - من شفاعته العظمى،
~~وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام بتعجيل حسابهم، وهي شفاعة مختصة
~~به - صلى الله عليه وسلم - ولا خلاف فيها، ولا ينكرها المعتزلة. والشفاعات
~~الأخروية خمس: ms084 إحداها: هذه، وقد ذكرنا اختصاص الرسول بها، وعدم الخلاف
~~فيها، وثانيتها: الشفاعة في إدخال قوم الجنة من دون حساب، وهذه قد وردت
~~أيضا لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ولا أعلم الاختصاص فيها، ولا عدم
~~الاختصاص. وثالثتها: قوم قد استوجبوا النار، فيشفع في عدم دخولهم لها. وهذه
~~أيضا قد تكون غير مختصة. ورابعتها: قوم دخلوا النار، فيشفع في خروجهم منها،
~~وهذه قد ثبت فيها عدم الاختصاص، لما صح في الحديث من شفاعة الأنبياء
~~والملائكة وقد ورد أيضا " الإخوان من المؤمنين يشفعون ". وخامستها: الشفاعة
~~بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها. وهذه أيضا لا تنكرها المعتزلة.
# فتلخص من هذا: أن من الشفاعة منها ما علم الاختصاص به، ومنها: ما علم عدم
~~الاختصاص به. ومنها: ما يحتمل الأمرين، فلا تكون الألف واللام للعموم، فإن
~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تقدم منه إعلام الصحابة بالشفاعة
~~الكبرى المختص بها هو، التي صدرنا بها الأقسام الخمسة، فلتكن الألف واللام
~~للعهد. وإن كان لم
# PageV01P153
# 39 - الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن
~~فاطمة بنت أبي حبيش: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني أستحاض
~~فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام
~~التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» ، وفي رواية " وليست بالحيضة، فإذا
~~أقبلت الحيضة: فاتركي الصلاة فيها، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي
~~"..
#
### | [إحكام الأحكام]
# يتقدم ذلك على هذا الحديث، فلتجعل الألف واللام لتعريف الحقيقة وتنزل على
~~تلك الشفاعة؛ لأنه كالمطلق حينئذ، فيكفي تنزيله على فرد.
# وليس لك أن تقول: لا حاجة إلى هذا التكلف، إذ ليس في الحديث إلا قوله "
~~وأعطيت الشفاعة " وكل هذه الأقسام التي ذكرتها: قد أعطيها - صلى الله عليه
~~وسلم - فليحمل اللفظ على العموم؛ لأنا نقول: هذه الخصلة مذكورة في الخمس
~~التي اختص بها - صلى الله عليه وسلم - فلفظها - وإن كان مطلقا - إلا أن ما
~~سبق في صدر الكلام: يدل على الخصوصية، وهو قوله - صلى الله ms085 عليه وسلم - "
~~لم يعطهن أحد قبلي "، وأما قوله " وكان النبي يبعث إلى قومه " فقد تقدم
~~الكلام عليه في صدر الحديث. والله أعلم.
### | [باب الحيض]
### | [حديث دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها]
# الكلام على هذا الحديث عليه من وجوه:
# أحدها: يقال: حاضت المرأة، وتحيضت، تحيض حيضا، ومحاضا ومحيضا - إذا سال
~~الدم منها في نوبة معلومة، وإذا استمر من غير نوبة قيل:
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# استحيضت فهي مستحاضة، ونقل الهروي عن ابن عرفة أنه قال: المحيض، والحيض:
~~اجتماع الدم إلى ذلك المكان، ومنه سمي الحوض حوضا، لاجتماع الماء فيه. قال
~~الفارسي في مجمعه - بعد ما نقل ما ذكرناه - وهذا زلل ظاهر؛ لأن الحوض من
~~ذوات الواو، يقال: حضت أحوض، أي اتخذت حوضا، واستحوض الماء: إذا اجتمع
~~وسميت الحائض حائضا عند سيلان الدم منها، لا عند اجتماع الدم في رحمها،
~~وكذلك المستحاضة تسمى بذلك عند استمرار السيلان بها، فإذا أخذ الحيض من
~~الحوض خطأ، لفظا ومعنى، فلست أدري كيف وقع؟ وما ذكره من جهة المعنى: فليس
~~بالقاطع؛ لأن تلك الحالة ليس يمتنع أن يطلق عليها لفظ الاجتماع، لا سيما في
~~بعض الأحوال.
# ، الثاني " أبو حبيش " بضم الحاء المهملة بعدها باء ثانية الحروف مفتوحة،
~~ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم شين معجمة، وهو أبو حبيش المطلب بن أسد بن عبد
~~العزى، ووقع في أكثر نسخ صحيح مسلم، عبد المطلب، وذلك غلط عندهم والصواب "
~~المطلب " كما ذكرنا.
# الثالث: قولها " أستحاض " قد تقدم معنى الاستحاضة فيقال منه: استحيضت
~~المرأة، مبنيا للمفعول، ولم يبن هذا الفعل للفاعل، كما في قولهم " نفست
~~المرأة " و " نتجت الناقة " وأصل الكلمة: من الحيض، والزوائد التي لحقتها
~~للمبالغة، كما يقال: قر في المكان، ثم يزاد للمبالغة، فيقال: استقر ويقال:
~~أعشب المكان، ثم يبالغ فيه، فيقال: اعشوشب. وكثيرا ما تجيء الزوائد لهذا
~~المعنى.
### | [حكم الحيض في حالة دوام الدم وإزالته]
# 1
# الرابع: " الطهارة " تطلق بإزاء النظافة، وهو الوضع اللغوي، وتطلق بإزاء
~~استعمال المطهر، فيقال: الوضوء طهارة صغرى، ms086 والغسل طهارة كبرى. وتطلق ويراد
~~بها: الحكم الشرعي المرتب على استعمال المطهر. فيقال لمن ارتفع عنه مانع
~~الحدث: هو على طهارة، ولمن لم يرتفع عنه المانع: هو على غير طهارة،
# PageV01P155
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإذا ثبت هذا، فنقول: قولها " فلا أطهر " يحمل على الوضع اللغوي، وكنت
~~باللفظة عن عدم النظافة الدم؛ لأن النساء لم يكن يستعملن المطهر في ذلك
~~الوقت، ولا هي أيضا عالمة بالحكم الشرعي، فإنها جاءت تسأل عنه. فتعين حمله
~~على الوضع اللغوي، ثم حقيقته: استمرار الدم، وعليه حمله بعضهم، ويمكن حمله
~~على المبالغة ومجاز كلام العرب، لكثرة تواليه، وقرب بعضه من بعض.
# الخامس: قولها " أفأدع الصلاة؟ " سؤال عن استمرار حكم الحيض في حالة دوام
~~الدم وإزالته، وهو كلام من تقرر عنده: أن الحائض ممنوعة من الصلاة.
### | [غلبه الدم من جرح أو انبثاق عرق]
# 1
# السادس: قوله - صلى الله عليه وسلم - " لا، إنما ذلك عرق " فيه دليل على
~~أن الصلاة لا يتركها من غلبه الدم من جرح، أو انبثاق عرق، كما فعل عمر -
~~رضي الله عنه - حيث صلى وجرحه يثعب دما، وقوله - صلى الله عليه وسلم - "
~~إنما ذلك عرق " ظاهره: انبثاق الدم من عرق، وقد جاء في الحديث " عرق انفجر
~~" ويحتمل أن يكون من مجاز التشبيه، إن كان سبب الاستحاضة كثرة مادة الدم
~~وخروجه من مجاري الحيض المعتادة.
### | [الحائض تترك الصلاة من غير قضاء]
# السابع: في الحديث دليل على أن الحائض تترك الصلاة من غير قضاء وهو
~~كالإجماع من الخلف والسلف في تركها، وعدم وجوب القضاء، ولم يخالف في عدم
~~وجوب القضاء إلا الخوارج. نعم استحب بعض السلف للحائض إذا دخل وقت الصلاة:
~~أن تتوضأ وتستقبل القبلة. وتذكر الله عز وجل وأنكره بعضهم.
### | [دم الحيض]
# 1
# الثامن: قوله - صلى الله عليه وسلم - " قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها
~~" رد إلى أيام العادة، والمستحاضة: إما مبتدأة، أو معتادة، وكل منهما: إما
~~مميزة، أو غير مميزة، فهذه أربعة، والحديث قد دل بلفظه على أن هذه المرأة
~~كانت ms087 معتادة. لقوله - صلى الله عليه وسلم - " دعي الصلاة قدر الأيام التي
~~كنت تحيضين فيها " وهذا يقتضي أنها كانت لها أيام تحيض فيها. وليس في هذا
~~اللفظ الذي في هذه الرواية ما يدل على أنها كانت مميزة أو غير مميزة، فإن
~~ثبت في هذا الحديث رواية أخرى تدل على التمييز - ليس لها معارض - فذاك. وإن
~~لم يثبت فقد يستدل بهذه الرواية من يرى الرد إلى أيام
# PageV01P156
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# العادة، سواء كانت مميزة أو غير مميزة، وهو اختيار أبي حنيفة، وأحد قولي
~~الشافعي، والتمسك به ينبني على قاعدة أصولية، وهي ما يقال " إن ترك
~~الاستفصال في قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة عموم المقال "
~~ومثلوه بقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما روي لفيروز - وقد أسلم على أختين
~~- " اختر أيتهما شئت " ولم يستفصله: هل وقع العقد عليهما مرتبا، أو
~~متقارنا؟ وكذا نقول ههنا: لما سألت هذه المرأة عن حكمها في الاستحاضة، ولم
~~يستفصلها رسول الله عن كونها مميزة أو غير مميزة: كان ذلك دليلا على أن هذا
~~الحكم عام في المميزة وغيرها، كما قالوا في حديث فيروز الذي اعترض به، ثم
~~يرد ههنا أيضا، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجوز أن يكون
~~عالما حال الواقعة كيف وقعت، فأجاب على ما علم، وكذا يقال هنا: يجوز أن
~~يكون علم حال الواقعة في التمييز أو عدمه، وقوله في رواية «وليس بالحيضة،
~~فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»
~~اختار بعضهم في قوله " وليس بالحضة " كسر الحاء، أي الحالة المألوفة
~~المعتادة. والحيضة - بالفتح - المرة من الحيض.
# ، وقوله " فإذا أقبلت " تعليق الحكم بالإقبال والإدبار، فلا بد أن يكون
~~معلوما لها بعلامة تعرفها، فإن كانت مميزة وردت إلى التمييز، فإقبالها: بدء
~~الدم الأسود، وإدبارها: إدبار ما هو بصفة الحيض، وإن كانت معتادة، وردت إلى
~~العادة، فإقبالها: وجود الدم في أول أيام العادة. وإدبارها: انقضاء أيام
~~العادة.
# ، وقد ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش ms088 - هذه - ما يقتضي الرد إلى
~~التمييز، وقالوا: إن حديثها في المميزة، وحمل قوله " فإذا أقبلت الحيضة "
~~على الحيضة المألوفة التي هي بصفة الدم المعتاد، وأقوى الروايات في الرد
~~إلى التمييز: الرواية التي فيها " دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي
~~عن
# PageV01P157
# 40 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن
~~أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
~~ذلك؟ فأمرها أن تغتسل، قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الصلاة " وأما الرد إلى العادة: فقد ذكرناها في الرواية الأولى التي
~~ذكرها المصنف وقد يشير إليه في هذه الرواية قوله - صلى الله عليه وسلم - "
~~فإذا ذهب قدرها " فالأشبه أنه يريد قدر أيامها.
# وصحف بعض الطلبة هذه اللفظة فقال " فإذا ذهب قذرها " بالذال المعجمة
~~المفتوحة، وإنما هو بالمهملة الساكنة، أي قدر وقتها، والله أعلم.
### | [لا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل]
# 1
# وقوله " فاغسلي عنك الدم وصلي " مشكل في ظاهره؛ لأنه لم يذكر الغسل ولا
~~بد بعد انقضاء الحيض من الغسل، وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار:
~~انقضاء أيام الحيض، والاغتسال، وجعل قوله " فاغسلي عنك الدم " محمولا على
~~دم يأتي بعد الغسل، والجواب الصحيح: أن هذه الرواية - وإن لم يذكر فيها
~~الغسل - فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة، فقال فيها " واغتسلي ".
# ، وفي الحديث دليل على نجاسة دم الحيض.
### | [حديث أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين]
# " أم حبيبة " هذه: ابنة جحش بن رآب الأسدي، أخت زينب بنت جحش، وكانت تحت
~~عبد الرحمن بن عوف، ويقال فيها: أم حبيب، وأهل السير يقولون: إن المستحاضة
~~حمنة، قال أبو عمر بن عبد البر: والصحيح عند المحدثين: أنهما كانتا
~~مستحاضتين جميعا، ووقع في نسخ من هذا الكتاب " فأمرها رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - عند ذلك أن تغتسل لكل صلاة " وليس في الصحيحين، ولا أحدهما: أن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تغتسل لكل صلاة وإنما في الصحيح "
~~فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل ms089 صلاة " وفي كتاب مسلم عن الليث " لم يذكر
~~ابن شهاب أن
# PageV00P000
# 41 - الحديث الثالث: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~«كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، كلانا
~~جنب. وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض. وكان يخرج رأسه إلي، وهو
~~معتكف، فأغسله وأنا حائض.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أم حبيبة أن تغتسل كل صلاة. وإنما
~~هو شيء فعلته هي ". وذهب قوم إلى أن. المستحاضة تغتسل لكل صلاة. وقد ورد
~~الأمر بالغسل لكل صلاة في رواية ابن إسحاق، خارج الصحيح والذين لم يوجبوا
~~الغسل لكل صلاة حملوا ذلك على مستحاضة ناسية للوقت والعدد، يجوز في مثلها
~~أن ينقطع الدم عنها في وقت كل صلاة. واستدل بعضهم على أنه لم لا يلزمها
~~الغسل لكل صلاة بقوله في الحديث المتقدم «اغتسلي وصلي» من حيث إنه يأمر
~~بتكراره لكل صلاة، ولو وجب لأمر به.
# واستدل أيضا بتلك الرواية على من يقول: إن المستحاضة تجمع بين صلاتين
~~بغسل واحد، وتغتسل للصبح وحده ووجه الدليل: ما ذكره.
# الكلام على هذا الحديث من وجوه:
# أحدها: هو أن اغتسال الرجل والمرأة في إناء واحد جائز. وقد مر الكلام
~~فيه.
# الثاني: جواز مباشرة الحائض فوق الإزار، لقولها " فأتزر فيباشرني "
~~واختلف الفقهاء فيما تحت الإزار. وليس في هذا الحديث تصريح بمنع ولا جواز.
~~وإنما فيه: فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. والفعل بمجرده لا يدل على
~~الوجوب على المختار.
### | [استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل واقتضته العادة]
# 1
# الثالث: فيه جواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل، واقتضته
~~العادة.
# الرابع: فيه جواز مباشرة الحائض بمثل هذا الفعل من الطاهر. فإن بدنها
# PageV00P000
# 42 - الحديث الرابع: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن وأنا
~~حائض» .
### | 43 -
# الحديث الخامس: عن معاذة قالت «سألت عائشة - رضي الله عنها - فقالت: ما
~~بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي ms090 الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقلت: لست
~~بحرورية، ولكني أسأل. فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر
~~بقضاء الصلاة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# غير نجس إذا لم يلاق نجاسة.
### | [المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد]
# 1
# الخامس: فيه أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لم يفسد اعتكافه. وقد
~~يقاس عليه غيره من الأعضاء، إذا لم يخرج جميع بدنه من المسجد. وقد يستدل به
~~على أن من حلف: أن لا يخرج من بيت أو غيره، فخرج ببعض بدنه. لم يحنث، ووجه
~~الاستدلال: أن الحديث دل على أن خروج بعض البدن لا يكون كخروج كله فيما
~~يعتبر فيه الكون في المكان المعين، وإذا لم يكن خروج بعضه كخروج كله: لم
~~يحنث بذلك. فإن اليمين إنما تعلقت بخروجه. وحقيقته في الكل. أعني كل البدن.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري فيقرأ القرآن وأنا حائض]
# فيه مثل ما تقدم من طهارة بدن الحائض، وما يلابسها مما لم تلحقه نجاسة،
~~وجواز ملابستها أيضا، كما قلناه.
# وفيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن. لأن قولها " فيقرأ القرآن "
~~إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه. ولو كانت قراءة القرآن
~~للحائض جائزة لكان هذا الوهم منتفيا. أعني توهم امتناع قراءة القرآن في حجر
~~الحائض. ومذهب الشافعي الصحيح: امتناع قراءة الحائض القرآن. ومشهور مذهب
~~أصحاب مالك: جوازه.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة]
# معاذة بنت عبد الله العدوية امرأة صلة بن أشيم، بصرية. أخرج لها الشيخان
~~في صحيحيهما.
# و" الحروري " من ينسب إلى حروراء. وهو موضع بظاهر الكوفة، اجتمع فيه
~~أوائل الخوارج. ثم كثر استعماله حتى استعمل في كل خارجي. ومنه قول عائشة
~~لمعاذة " أحرورية أنت؟ " أي أخارجية. وإنما قالت ذلك: لأن مذهب الخوارج أن
~~الحائض تقضي الصلاة. وإنما ذكرت ذلك أيضا: لأن معاذة أوردت السؤال على غير
~~جهة السؤال المجرد، بل صيغتها قد تشعر بتعجب أو ms091 إنكار. فقالت لها عائشة "
~~أحرورية أنت؟ " فأجابتها بأن قالت: " لا، ولكني أسأل " أي أسأل سؤالا مجردا
~~عن الإنكار والتعجب، بل لطلب مجرد العلم بالحكم. فأجابتها عائشة بالنص. ولم
~~تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض،
~~بخلاف المعاني المناسبة. فإنها عرضة للمعارضة.
# والذي ذكره العلماء من المعنى في ذلك: أن الصلاة تتكرر. فإيجاب قضائها
~~مفض إلى حرج ومشقة. فعفي عنه، بخلاف الصوم. فإنه غير متكرر. فلا يفضي قضاؤه
~~إلى حرج. وقد اكتفت عائشة - رضي الله عنها - في الاستدلال على إسقاط القضاء
~~بكونه لم يؤمر به. فيحمل ذلك على وجهين:
# أحدهما: أن تكون أخذت إسقاط القضاء من سقوط الأداء. ويكون مجرد سقوط
~~الأداء دليلا على سقوط القضاء، إلا أن يوجد معارض. وهو الأمر بالقضاء كما
~~في الصوم.
# والثاني - وهو الأقرب - أن يكون السبب في ذلك: أن الحاجة داعية إلى بيان
~~هذا الحكم. فإن الحيض يتكرر. فلو وجب قضاء الصلاة فيه لوجب بيانه، وحيث لم
~~يبين: دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك قرينة أخرى، وهي الأمر
~~بقضاء الصوم، وتخصيص الحكم به. وفي الحديث: دليل لما يقوله الأصوليون من أن
~~قول الصحابي " كنا نؤمر وننهى " في حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه
~~وسلم -. وإلا لم تقم الحجة به.
# PageV01P161
# الحديث الأول: عن أبي عمرو الشيباني واسمه سعد بن
~~إياس - قال: حدثني صاحب هذه الدار - وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود
~~- رضي الله عنه - قال «سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب
~~إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال
### | : بر الوالدين،
# قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - ولو استزدته لزادني» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الصلاة]
### | [باب المواقيت]
# عبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ هذلي يكنى أبا عبد الرحمن. شهد بدرا.
~~يعرف بابن أم عبد. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وصلى عليه الزبير.
~~ودفن ms092 بالبقيع. وكان له يوم مات نيف وسبعون سنة، من أكابر الصحابة وفقهائهم.
# قوله " حدثني صاحب هذه الدار " دليل على أن الإشارة يكتفى بها عن التصريح
~~بالاسم، وتنزل منزلته إذا كانت معينة للمشار إليه، مميزة عن غيره. وسؤاله
~~عن أفضل الأعمال: طلبا لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها، وحرصا
# PageV01P162
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# على علم الأصل، ليتأكد القصد إليه، وتشتد المحافظة عليه.
# و " الأعمال " هاهنا لعلها محمولة على الأعمال البدنية، كما قال الفقهاء:
~~أفضل عبادات البدن الصلاة. واحترزوا بذلك عن عبادة المال. وقد تقدم لنا
~~كلام في العمل: هل يتناول عمل القلب، أم لا؟ فإذا جعلناه مخصوصا بأعمال
~~البدن، تبين من هذا الحديث: أنه لم يرد أعمال القلوب. فإن من عملها ما هو
~~أفضل، كالإيمان. وقد ورد في بعض الحديث ذكره مصرحا به أعني الإيمان - فتبين
~~بذلك الحديث: أنه أريد بالأعمال ما يدخل فيه أعمال القلوب، وأريد بها في
~~هذا الحديث: ما يختص بعمل الجوارح. وقوله " الصلاة على وقتها " ليس فيه ما
~~يقتضي أول الوقت وآخره. وكان المقصود به: الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت
~~قضاء. وأنها لا تتنزل هذه المنزلة وقد ورد في حديث آخر " الصلاة لوقتها "
~~وهو أقرب لأن يستدل به على تقديم الصلاة في أول الوقت من هذا اللفظ وقد
~~اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض. والذي قيل في
~~هذا: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو في مثل حاله. أو هي مخصوصة
~~ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنها المراد. ومثال ذلك: أن يحمل ما
~~ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله «ألا أخبركم بأفضل أعمالكم،
~~وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم؟» وفسره بذكر الله تعالى - على أن
~~يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم،
~~أو من هو في صفاتهم. ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهل للنفع الأكبر في
~~القتال لقيل له " الجهاد " ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال ولا ms093
~~يتمحض حاله لصلاحية التبتل لذكر الله تعالى، وكان غنيا ينتفع بصدقة ماله
~~لقيل له " الصدقة " وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق هذا
~~مخالفا للأفضل في حق ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به.
### | [بر الوالدين]
# 1
# وأما " بر الوالدين " فقد قدم في هذا الحديث على الجهاد. وهو دليل على
# PageV01P163
# 45 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~لقد «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من
~~المؤمنات، متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد، من الغلس» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# تعظيمه. ولا شك في أن أذاهما بغير ما يجب ممنوع منه. وأما ما يجب من البر
~~في غير هذا: ففي ضبطه إشكال كبير.
### | [الجهاد في سبيل الله تعالى]
# 1
# وأما " الجهاد في سبيل الله تعالى " فمرتبته في الدين عظيمة. والقياس
~~يقتضي أنه أفضل من سائر الأعمال التي هي وسائل. فإن العبادات على قسمين.
~~منها ما هو مقصود لنفسه. ومنها ما هو وسيلة إلى غيره.
# وفضيلة الوسيلة بحسب فضيلة المتوسل إليه. فحيث تعظم فضيلة المتوسل إليه
~~تعظم فضيلة الوسيلة. ولما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى إعلان الإيمان
~~ونشره، وإخمال الكفر ودحضه كانت فضيلة الجهاد بحسب فضيلة ذلك. والله أعلم.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات]
# " المروط " أكسية معلمة، تكون من خز. وتكون من صوف و " متلفعات "
~~ملتحفات، و " الغلس " اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل.
# وفي هذا الحديث حجة لمن يرى التغليس في صلاة الفجر، وتقديمها في أول
~~الوقت، لا سيما مع ما روي من طول قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في
~~صلاة الصبح. وهذا. مذهب مالك والشافعي. وخالف أبو حنيفة. ورأى أن الإسفار
~~بها أفضل، لحديث ورد فيه «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر» وفيه دليل على
~~شهود النساء الجماعة بالمسجد مع الرجال وليس في الحديث ما يدل على كونهن
~~عجزا أو شواب. وكره بعضهم الخروج ms094 للشواب.
# وقولها " متلفعات " بالعين، ويروى " متلففات " بالفاء. والمعنى
# PageV00P000
# 46 - الحديث الثالث: عن جابر بن عبد الله - رضي الله
~~عنهما - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة،
~~والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم
~~اجتمعوا عجل. وإذا رآهم أبطئوا أخر، والصبح كان النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- يصليها بغلس» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# متقارب: إلا أن " التلفع " يستعمل مع تغطية الرأس. قال ابن حبيب: لا يكون
~~الالتفاع إلا بتغطية الرأس، واستأنسوا لذلك بقول عبيد بن الأبرص:
# كيف ترجون سقوطي بعدما ... لفع الرأس بياض وصلع
# ؟ واللفاع: ما التفع به. واللحاف: ما التحف به. وقد فسر المصنف " المروط
~~" بكونها أكسية من صوف أو خز. وزاد بعضهم في صفتها: أن تكون مربعة. وقال
~~بعضهم: إن سداها من شعر. وقيل: إنه جاء مفسرا في الحديث على هذا. وقالوا:
~~إن قول امرئ القيس:
# على أثرينا ذيل مرط مرجل
# قالوا " المرط " هاهنا من خز. وفسر " الغلس " بأنه اختلاط ضياء الصبح
~~بظلمة الليل. و " الغلس " والغبش متقاربان. والفرق بينهما: أن الغلس في آخر
~~الليل. وقد يكون الغبش في آخره وأوله، وأما من قال " الغبس " بالغين والباء
~~والسين المهملة - فغلط عندهم.
### | [حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة]
# الهاجرة: هي شدة الحر بعد الزوال. الحديث يدل على الفضيلة في أوقات هذه
~~الصلوات. فأما الظهر: فقوله " يصلي الظهر بالهاجرة " يدل على تقديمها في
~~أول الوقت، فإنه قد قيل في الهاجرة والهجير: إنهما شدة الحر وقوته. ويعارضه
~~ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر «إذا اشتد الحر فأبردوا»
~~ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الهاجرة " على الوقت الذي بعد الزوال مطلقا. فإنه قد تكون فيه الهاجرة في
~~وقت، فيطلق على الوقت مطلقا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر
~~شديد. وفيه بعد. وقد يقرب بما نقل عن صاحب العين: أن الهجير والهاجرة نصف
~~النهار. فإذا أخذ بظاهر ms095 هذا الكلام: كان مطلقا على الوقت.
### | [الإبراد رخصة أو سنة]
# 1
# وفيه وجه آخر: وهو أن الفقهاء اختلفوا في أن الإبراد رخصة أو سنة ولأصحاب
~~الشافعي وجهان في ذلك. فإن قلنا: إنه رخصة، فيكون قوله - صلى الله عليه
~~وسلم - " أبردوا " أمر إباحة، ويكون تعجيله لها في الهاجرة أخذا بالأشق
~~والأولى. أو يقول من يرى أن الإبراد سنة: إن التهجير لبيان الجواز. وفي هذا
~~بعد؛ لأن قوله " كان " يشعر بالكثرة والملازمة عرفا.
### | [وقت العصر]
# 1
# وقوله والعصر والشمس نقية يدل على تعجيلها أيضا، خلافا لمن قال: إن أول
~~وقتها ما بعد القامتين. وقوله " والمغرب إذا وجبت أي الشمس ". الوجوب:
~~السقوط. ويستدل به على أن سقوط قرصها يدخل به الوقت. والأماكن تختلف، فما
~~كان منها فيه حائل بين الرائي وبين قرص الشمس، لم يكتف بغيبوبة القرص عن
~~الأعين ويستدل على غروبها بطلوع الليل من المشرق. قال: - صلى الله عليه
~~وسلم - «إذا غربت الشمس من هاهنا، وطلع الليل من هاهنا. فقد أفطر الصائم»
~~أو كما قال. فإن لم يكن ثم حائل فقد قال بعض أصحاب مالك: إن الوقت يدخل
~~بغيبوبة الشمس وإشعاعها المستولي عليها. وقد استمر العمل بصلاة المغرب عقيب
~~الغروب. وأخذ منه: أن وقتها واحد والصحيح عندي: أن الوقت مستمر إلى غيبوبة
~~الشفق.
### | [تقديم العشاء وتأخيرها]
# وأما العشاء: فاختلف الفقهاء فيها. فقال قوم: تقديمها أفضل. وهو ظاهر
~~مذهب الشافعي. وقال قوم: تأخيرها أفضل، لأحاديث سترد في الكتاب. وقال قوم:
~~إن اجتمعت الجماعة فالتقديم أفضل. وإن تأخرت فالتأخير أفضل. وهو قول عند
~~المالكية. ومستندهم هذا الحديث. وقال قوم: إنه يختلف باختلاف الأوقات. ففي
~~الشتاء وفي رمضان: تؤخر. وفي غيرهما: تقدم. وإنما أخرت في الشتاء لطول
~~الليل، وكراهة الحديث بعدها. .
### | [صلاة الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت أو بالعكس]
# 1
# PageV01P166
# 47 - الحديث الرابع: عن أبي المنهال سيار بن سلامة
~~قال «دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي ms096 الهجير - التي تدعونها
#
### | [إحكام الأحكام]
# وهذا الحديث يتعلق بمسألة تكلفوا فيها. وهو أن صلاة الجماعة أفضل من
~~الصلاة في أول الوقت، أو بالعكس؟ حتى إنه إذا تعارض في حق شخص أمران:
# أحدهما: أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردا، أو يؤخر الصلاة في الجماعة
~~أيها أفضل؟ والأقرب عندي: أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل. وهذا الحديث يدل
~~عليه، لقوله " وإذا أبطئوا أخر " فأخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم؛ ولأن
~~التشديد في ترك الجماعة، والترغيب في فعلها: موجود في الأحاديث الصحيحة
~~وفضيلة الصلاة في أول الوقت وردت على جهة الترغيب في الفضيلة، وأما جانب
~~التشديد في التأخير عن أول الوقت: فلم يرد كما في صلاة الجماعة. وهذا دليل
~~على الرجحان لصلاة الجماعة. نعم إذا صح لفظ يدل دلالة ظاهرة على أن الصلاة
~~في أول وقتها أفضل الأعمال كان متمسكا لمن يرى على خلاف هذا المذهب. وقد
~~قدمنا في الحديث الماضي: أنه ليس فيه دليل على الصلاة في أول الوقت فإن
~~قوله " على وقتها " لا يشعر بذلك. والحديث الذي فيه " الصلاة لوقتها " ليس
~~فيه دلالة قوية الظهور في أول الوقت. .
### | [التغليس بالصبح]
# 1
# وقد تقدم تفسير " الغلس " وأن الحديث دليل على أن التغليس بالصبح أفضل.
~~والحديث المعارض له - وهو قوله «أسفروا بالفجر. فإنه أعظم للأجر» - قيل
~~فيه: إن المراد بالإسفار: تبين طلوع الفجر ووضوحه للرائي يقينا. وفي هذا
~~التأويل نظر. فإنه قبل التبيين والتيقن في حالة الشك لا تجوز الصلاة. فلا
~~أجر فيها. والحديث يقتضي بلفظة " أفعل " فيه: أن ثم أجرين أحدهما أكمل من
~~الآخر. فإن صيغة " أفعل " تقتضي المشاركة في الأصل، مع الرجحان لأحد
~~الطرفين حقيقة. وقد ترد من غير اشتراك في الأصل قليلا على وجه المجاز.
~~فيمكن أن يحمل عليه ويرجح، وإن كان تأويلا بالعمل من رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - ومن بعده من الخلفاء. .
# PageV00P000
# الأولى - حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا
~~إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية. ونسيت ما قال في المغرب. ms097 وكان يستحب
~~أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة. وكان يكره النوم قبلها، والحديث
~~بعدها. وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه. وكان يقرأ بالستين
~~إلى المائة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير حين تدحض الشمس]
# " أبو برزة الأسلمي " اختلف في اسمه واسم أبيه. والأشهر الأصح: نضلة بن
~~عبيد أو نضلة بن عبد الله. ويقال: نضلة بن عائذ - بالذال المعجمة - مات سنة
~~أربع وستين. وقيل: مات بعد ولاية ابن زياد، قبل موت معاوية، سنة ستين وكانت
~~وفاته بالبصرة. وقد تقدم أن لفظة " كان " تشعر عرفا بالدوام والتكرار، كما
~~يقال: كان فلان يكرم الضيوف. وكان فلان يقاتل العدو، إذا كان ذلك دأبه
~~وعادته. والألف واللام في " المكتوبة " للاستغراق. ولهذا أجاب بذكر الصلوات
~~كلها؛ لأنه فهم من السائل العموم. وقوله " كان يصلي الهجير " فيه حذف مضاف،
~~تقديره: كان يصلي صلاة الهجير. وقد قدمنا قبل أن " الهجير والهاجرة " شدة
~~الحر وقوته. وإنما قيل لصلاة الظهر " الأولى "؛ لأنها أول صلاة أقامها
~~جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما جاء في حديث إمامة جبريل - عليه
~~السلام -. وقوله " حين تدحض الشمس " بفتح التاء والحاء. والمراد به هاهنا:
~~زوالها. واللفظة من حيث الوضع أعم من هذا. وظاهر اللفظ يقتضي وقوع صلاته -
~~صلى الله عليه وسلم - الظهر عند الزوال. ولا بد من تأويله. وقد اختلف أصحاب
~~الشافعي فيما تحصل به فضيلة أول الوقت: فقال بعضهم: إنما تحصل بأن يقع أول
~~الصلاة مع أول الوقت، بحيث تكون شروط الصلاة متقدمة على دخول الوقت. وتكون
~~الصلاة واقعة في أوله. وقد يتمسك هذا
# PageV01P168
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# القائل بظاهر هذا الحديث. فإنه قال " يصلي حين تزول " فظاهره: وقوع أول
~~الصلاة في أول جزء من الوقت عند الزوال؛ لأن قوله " يصلي " يجب حمله على "
~~يبتدئ الصلاة " فإنه لا يمكن إيقاع جميع الصلاة حين تدحض الشمس.
# ومنهم من قال: تمد فضيلة أول الوقت إلى نصف وقت الاختيار. فإن النصف ms098
~~السابق من الشيء ينطلق عليه أول الوقت بالنسبة إلى المتأخر ومنهم من قال -
~~وهو الأعدل - إنه إذا اشتغل بأسباب الصلاة عقيب دخول أول الوقت، وسعى إلى
~~المسجد، وانتظر الجماعة - وبالجملة: لم يشتغل بعد دخول الوقت إلا بما يتعلق
~~بالصلاة - فهو مدرك لفضيلة أول الوقت. ويشهد لهذا: فعل السلف والخلف.
# ولم ينقل عن أحد منهم أنه كان يشدد في هذا، حتى يوقع أول تكبيرة في أول
~~جزء من الوقت. وقوله " والشمس حية " مجاز عن بقاء بياضها، وعدم مخالطة
~~الصفرة لها. وفيه دليل على ما قدمناه من الحديث السابق من تقديمها. وقوله "
~~وكان يستحب أن يؤخر من العشاء " يدل على استحباب التأخير قليلا لما تدل
~~عليه لفظة " من " من التبعيض الذي حقيقته راجعة إلى الوقت، أو الفعل
~~المتعلق بالوقت. وقوله " التي تدعونها: العتمة " اختيار لتسميتها بالعشاء،
~~كما في لفظ الكتاب العزيز. وقد ورد في تسميتها بالعتمة ما يقتضي الكراهة
~~وورد أيضا في الصحيح تسميتها بالعتمة. ولعله لبيان الجواز، أو لعل المكروه:
~~أن يغلب عليها اسم " العتمة " بحيث يكون اسم " العشاء " لها مهجورا، أو
~~كالمهجور.
# " وكراهية النوم قبلها " لأنه قد يكون سببا لنسيانها، أو لتأخيرها إلى
~~خروج وقتها المختار. " وكراهة الحديث بعدها " إما: لأنه يؤدي إلى سهر يفضي
~~إلى النوم عن الصبح، أو إلى إيقاعها في غير وقتها المستحب. أو لأن الحديث
~~قد يقع
# PageV01P169
# 48 - الحديث الخامس: عن علي - رضي الله عنه -: «أن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الخندق ملأ الله قبورهم وبيوتهم
~~نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» . وفي لفظ لمسلم
~~«شغلونا عن الصلاة الوسطى - صلاة العصر - ثم صلاها بين المغرب والعشاء» .
~~49 - وله عن عبد الله بن مسعود قال «حبس المشركون رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - عن العصر، حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -: شغلونا عن الصلاة الوسطى - صلاة العصر - ملأ الله
~~أجوافهم وقبورهم نارا، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فيه من ms099 اللغط واللغو ما لا ينبغي ختم اليقظة به، أو لغير ذلك. والله
~~أعلم.
# والحديث هاهنا: قد يخص بما لا يتعلق بمصلحة الدين، أو إصلاح المسلمين من
~~الأمور الدنيوية. فقد صح " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدث أصحابه بعد
~~العشاء " وترجم عليه البخاري " باب السمر بالعلم " ويستثنى منه أيضا ما
~~تدعو الحاجة إلى الحديث فيه من الأشغال التي تتعلق بها مصلحة الإنسان.
~~وقوله " وكان ينفتل. .. إلخ " دليل على التغليس بصلاة الفجر: فإن ابتداء
~~معرفة الإنسان لجليسه يكون مع بقاء الغبش. وقوله " وكان يقرأ بالستين إلى
~~المائة " أي بالستين من الآيات إلى المائة منها. وفي ذلك مبالغة في التقدم
~~في أول الوقت. لا سيما مع ترتيل قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
### | [حديث ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى]
# فيه بحثان. أحدهما: أن العلماء اختلفوا في تعيين الصلاة الوسطى فذهب أبو
~~حنيفة وأحمد إلى أنها العصر. ودليلهما هذا الحديث، مع غيره. وهو قوي في
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المقصود. وهذا المذهب هو الصحيح في المسألة. وميل مالك والشافعي إلى
~~اختيار " صلاة الصبح " والذين اختاروا ذلك اختلفوا في طريق الجواب عن هذا
~~الحديث. فمنهم من سلك فيه مسلك المعارضة. وعورض بالحديث الذي رواه مالك من
~~حديث أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنه قال «أمرتني عائشة: أن أكتب لها
~~مصحفا، ثم قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة
~~الوسطى} [البقرة: 238] فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: حافظوا على الصلوات
~~والصلاة الوسطى، صلاة العصر. وقوموا لله قانتين. ثم قالت: سمعتها من رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -» وروى مالك أيضا عن زيد بن أسلم عن عمرو بن
~~رافع قال «كنت أكتب مصحفا لحفصة أم المؤمنين. فقالت: إذا بلغت هذه الآية
~~فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] فلما بلغتها
~~آذنتها. فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر وقوموا
~~لله قانتين» . ووجه الاحتجاج منه: أنه عطف " صلاة العصر " على " الصلاة
~~الوسطى " والمعطوف ms100 والمعطوف عليه متغايران.
### | [ما روي من القرآن بطريق الآحاد]
# 1
# ويقع الكلام في هذا من وجهين:
# أحدهما: أنه يتعلق بمسألة أصولية. وهو أن ما روي من القرآن بطريق الآحاد
~~- إذا لم يثبت كونه قرآنا - فهل يتنزل منزلة الأخبار في العمل به؟ فيه خلاف
~~بين الأصوليين. والمنقول عن أبي حنيفة: أنه يتنزل منزلة الأخبار في العمل
~~به. ولهذا أوجب التتابع في صوم الكفارة للقراءة الشاذة " فصيام ثلاثة أيام
~~متتابعات " والذي اختاره: خلاف ذلك، وقالوا: لا سبيل إلى إثبات كونه قرآنا
~~بطريق الآحاد، ولا إلى إثبات كونه خبرا؛ لأنه لم يرو على أنه خبر.
# الثاني: احتمال اللفظ للتأويل، وأن يكون ذلك كالعطف في قول الشاعر:
# إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
# فقد وجد العطف هاهنا مع اتحاد الشخص. وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في
~~كلام العرب. وربما سلك بعض من رجح أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح: طريقة أخرى
~~وهو ما يقتضيه قرينة قوله تعالى {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] من
~~كونها " الصبح " الذي فيه القنوت. وهذا ضعيف من وجهين:
# PageV01P171
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أحدهما: أن " القنوت " لفظ مشترك. يطلق على القيام، وعلى السكوت، وعلى
~~الدعاء، وعلى كثرة العبادة فلا يتعين حمله على " القنوت " الذي في صلاة
~~الصبح.
# الثاني: أنه قد يعطف حكم على حكم، وإن لم يجتمعا معا في محل واحد مختصمين
~~به. فالقرينة ضعيفة.
# وربما سلكوا طريقا أخرى. وهو إيراد الأحاديث التي تدل على تأكيد أمر صلاة
~~الفجر. كقوله - صلى الله عليه وسلم - «لو يعلمون ما في العتمة والصبح
~~لأتوهما ولو حبوا» ولكونهم كانوا يعلمون نفاق المنافقين بتأخرهم عن صلاة
~~العشاء والصبح. وهذا معارض بالتأكيدات الواردة في " صلاة العصر " كقوله -
~~صلى الله عليه وسلم - «من صلى البردين دخل الجنة» وكقوله «فإن استطعتم أن
~~لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» وقد حمل قوله عز وجل {وسبح
~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق: 39] على صلاة الصبح والعصر. بل
~~نزيد، فنقول: قد ثبت ms101 من التشديد في ترك صلاة العصر ما لا نعلمه ورد في صلاة
~~الصبح. وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»
~~. وربما سلك من رجح الصبح طريق المعنى، وهو أن تخصيص الصلاة الوسطى بالأمر
~~بالمحافظة لأجل المشقة في ذلك. وأشق الصلوات: صلاة الصبح؛ لأنها تأتي في
~~حال النوم والغفلة. وقد قيل: إن ألذ النوم إغفاءة الفجر. فناسب أن تكون هي
~~المحثوث على المحافظة عليها. وهذا قد يعارض في صلاة العصر بمشقة أخرى، وهي
~~أنها وقت اشتغال الناس بالمعاش والتكسب، ولو لم يعارض بذلك لكان المعنى
~~الذي ذكره في صلاة الصبح ساقط الاعتبار، مع النص على أنها العصر. وللفضائل
~~والمصالح مراتب لا يحيط بها البشر. فالواجب اتباع النص فيها. وربما سلك
~~المخالف لهذا المذهب مسلك النظر في كونها " وسطى " من
# PageV01P172
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# حيث العدد. وهذا عليه أمران:
# أحدهما: أن " الوسطى " لا يتعين أن تكون من حيث العدد. فيجوز أن تكون من
~~حيث الفضل، كما يشير إليه قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة:
~~143] أي عدولا.
# الثاني: أنه إذا كان من حيث العدد، فلا بد من أن يعين ابتداء في العدد
~~يقع بسببه معرفة الوسط. وهذا يقع فيه التعارض. فمن يذهب إلى أنها " الصبح "
~~يقول: سبقها المغرب والعشاء ليلا. وبعدها الظهر والعصر نهارا. فكانت هي
~~الوسطى. ومن يقول " هي المغرب " يقول: سبق الظهر والعصر وتأخر العشاء
~~والصبح، فكانت المغرب هي وسطى. ويترجح هذا بأن صلاة الظهر قد سميت الأولى.
~~وعلى كل حال: فأقوى ما ذكرناه: حديث العطف الذي صدرنا به. ومع ذلك: فدلالته
~~قاصرة عن هذا النص الذي استدل به على أنها " العصر " والاعتقاد المستفاد من
~~هذا الحديث: أقوى من الاعتقاد المستفاد من حديث العطف. والواجب على الناظر
~~المحقق: أن يزن الظنون، ويعمل بالأرجح منها.
### | [ترتيب الفوائت]
# 1
# البحث الثاني: قوله " ثم صلاها بين المغرب والعشاء " يحتمل أمرين:
# أحدهما: أن يكون التقدير: فصلاها بين وقت المغرب ووقت العشاء.
# والثاني: أن يكون التقدير: ms102 فصلاها بين صلاة المغرب وصلاة العشاء وعلى هذا
~~التقدير: يكون الحديث دالا على أن ترتيب الفوائت غير واجب؛ لأنه يكون صلاها
~~- أعني العصر الفائتة - بعد صلاة المغرب الحاضرة. وذلك لا يراه من يوجب
~~الترتيب، إلا أن هذا الاستدلال يتوقف على دليل يرجح هذا التقدير - أعني
~~قولنا: بين صلاة المغرب وصلاة العشاء - على التقدير الأول - أعني قولنا:
~~بين وقت المغرب ووقت العشاء - فإن وجد دليل على هذا الترجيح تم الاستدلال،
~~وإلا وقع الإجمال. وفي هذا الترجيح - الذي أشرنا إليه - مجال للنظر على حسب
~~قواعد علم العربية والبيان. وقد ورد التصريح بما يقتضي الترجيح للتقدير
~~الأول وهو «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالعصر وصلى بعدها المغرب»
~~وهو حديث صحيح. فلا يلتفت إلى غيره من الاحتمالات والترجيحات. والله أعلم.
~~.
# وحديث ابن مسعود الآتي عقيب هذا الحديث: يدل على أن " الصلاة الوسطى:
~~صلاة العصر " أيضا، كما في الحديث.
# PageV01P173
# 50 - الحديث السادس: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء. فخرج عمر، فقال:
~~الصلاة، يا رسول الله. رقد النساء والصبيان. فخرج ورأسه يقطر يقول: لولا أن
~~أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة.» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله فيه " حبس المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة
~~العصر حتى احمرت الشمس، أو اصفرت " وقت الاصفرار: وقت الكراهة. ويكون وقت
~~الاختيار خارجا. ولا تؤخر الصلاة عن وقت الاختيار. فقد ورد أن ذلك كان قبل
~~نزول قوله تعالى {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] والمراد بذلك:
~~أنه لو كانت الآية نزلت لأقيمت الصلاة في حالة الخوف على ما اقتضته الآية.
~~وقوله " حتى اصفرت الشمس " قد يتوهم منه مخالفة لما في الحديث الأول، من
~~صلاتها بين المغرب والعشاء. وليس كذلك، بل الحبس انتهى إلى هذا الوقت. ولم
~~تقع الصلاة إلا بعد المغرب، كما في الحديث الأول. وقد يكون ذلك الاشتغال
~~بأسباب الصلاة أو غيرها، فما فعله رسول الله - صلى الله ms103 عليه وسلم - مقتض
~~لجواز التأخير إلى ما بعد الغروب. .
### | [الدعاء على الكفار]
# وفي الحديث: دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا. ولعل قائلا يقول:
~~فيه متمسك لعدم رواية الحديث بالمعنى. فإن ابن مسعود تردد بين قوله " ملأ
~~الله " أو " حشا الله " ولم يقتصر على أحد اللفظين، مع تقاربهما في المعنى.
~~وجوابه: أن بينهما تفاوتا. فإن قوله " حشا الله " يقتضي من التراكم وكثرة
~~أجزاء المحشو ما لا يقتضيه " ملأ " وقد قيل: إن شرط الرواية بالمعنى: أن
~~يكون اللفظان مترادفين، لا ينقص أحدهما عن الآخر. على أنه وإن جوزنا
~~بالمعنى، فلا شك أن رواية اللفظ أولى. فقد يكون ابن مسعود تحرى لطلب
~~الأفضل. .
### | [حديث أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء]
# " عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس، ابن
~~عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أحد أكابر الصحابة وعلمائهم. كان يقال له " البحر " لسعة علمه. مات
~~بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير. وولد قبل الهجرة بثلاث سنين،
~~في قول الواقدي.
# وفي الحديث مباحث:
# الأول: يقال " عتم الليل " يعتم - بكسر التاء - إذا أظلم، والعتمة:
~~الظلمة وقيل: إنها اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشفق. نقل ذلك عن
~~الخليل. وقوله " أعتم " أي دخل في العتمة، كما يقال: أصبح، وأمسى، وأظهر.
~~قال الله تعالى {حين تمسون وحين تصبحون} [الروم: 17]- إلى قوله - {وحين
~~تظهرون} [الروم: 18] .
# الثاني: اختلف الناس في كراهية تسمية " العشاء " بالعتمة، فمنهم من
~~أجازه، واستدل بهذا الحديث. وفي الاستدلال به نظر. فإن قوله " أعتم " أي
~~دخل في وقت العتمة. والمراد: صلى فيه. ولا يلزم من ذلك أن يكون سمى العشاء
~~" عتمة " وأصح منه: الاستدلال بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لو يعلمون ما
~~في العتمة والصبح» ومنهم من كره ذلك. قال الشافعي: وأحب أن لا تسمى صلاة
~~العشاء بالعتمة. ومستنده هذا الحديث الصحيح، عن ابن عمر: أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - قال «لا تغلبنكم الأعراب على ms104 اسم صلاتكم، ألا وإنها
~~العشاء. ولكنهم يعتمون بالإبل» أي يؤخرون حلبها إلى أن يظلم الظلام. وعتمة
~~الليل: ظلمته، كما قدمناه.
# وهذا الحديث يدل على هذا المقصود من وجوه:
# أحدها: صيغة النهي.
# والثاني: ما في قوله " تغلبنكم " فإن فيه تنفيرا عن هذه التمسية. فإن
~~النفوس تأنف من الغلبة.
# والثالث: إضافة الصلاة إليهم، في قوله " على اسم صلاتكم " فإن فيه زيادة.
# ألا ترى أنا لو قلنا: لا تغلبن على مالك: كان أشد تنفيرا من قولنا: لا
~~تغلبن على مال، أو على المال؟ لدلالة الإضافة على الاختصاص به. ولعل
~~الأقرب: أن تجوز هذه التسمية، ويكون الأولى تركها. وقد قدمنا الفرق بين كون
~~الأولى ترك الشيء، وبين كونه مكروها. أما الجواز: فلفظ الرسول - صلى الله
~~عليه وسلم -. وأما عدم الأولوية: فللحديث المذكور. ولفظ الشافعي - وهو قوله
~~" لا أحب " - أقرب إلى ما ذكرناه من قول من قال من أصحابه " ويكره أن يقال
~~لها العتمة ". أو يقول: المنهي عنه إنما هو الغلبة على الاسم. وذلك بأن
~~يستعمل دائما،
# PageV01P175
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أو أكثريا. ولا يناقضه أن يستعمل قليلا. فيكون الحديث من باب استعماله
~~قليلا. أعني قوله - صلى الله عليه وسلم - «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح»
~~ويكون حديث ابن عمر محمولا على أن تسمى بذلك الاسم غالبا أو دائما. .
### | [تأخير العشاء]
# 1
# الثالث: في الحديث دليل على أن الأولى: تأخير العشاء. وقد قدمنا اختلاف
~~العلماء فيه. ووجه الاستدلال: قوله - صلى الله عليه وسلم - «لولا أن أشق
~~على أمتي» ، أو على الناس. .. إلخ. وفيه دليل على أن المطلوب تأخيرها لولا
~~المشقة.
### | 1 -
# الرابع: قد حكينا أن " العتمة " اسم لثلث الليل بعد غيبوبة الشفق فلا
~~ينبغي أن يحمل قوله " أعتم " على أول أجزاء هذا الوقت، فإن أول أجزائه: بعد
~~غيبوبة الشفق ولا يجوز تقديم الصلاة على ذلك الوقت. وإنما ينبغي أن يحمل
~~على آخره، أو ما يقارب ذلك. فيكون ذلك مخالفا للعادة، وسببا لقول عمر - رضي
~~الله عنه - " رقد النساء والصبيان ".
### | [انتفاء الأمر لوجود ms105 المشقة]
# الخامس: قد كنا قدمنا في قوله - صلى الله عليه وسلم - «لولا أن أشق على
~~أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» أنه استدل بذلك على أن الأمر للوجوب.
~~فلك أن تنظر: هل يتساوى هذا اللفظ مع ذلك في الدلالة، أم لا؟ فأقول: لقائل
~~أن يقول: لا يتساوى مطلقا. فإن وجه الدليل ثم: أن كلمة " لولا " تدل على
~~انتماء الشيء لوجود غيره. فيقتضي ذلك انتفاء الأمر لوجود المشقة. والأمر
~~المنتفى ليس أمر الاستحباب، لثبوت الاستحباب فيكون المنتفي، هو أمر الوجوب.
~~فثبت أن الأمر المطلق للوجوب. فإذا استعملنا هذا الدليل في هذا المكان،
~~وقلنا: إن الأمر المنتفى ليس أمر الاستحباب - لثبوت الاستحباب - توجه المنع
~~هاهنا، عند من يرى أن تقديم العشاء أفضل بالدلائل الدالة على ذلك اللهم إلا
~~أن يضم إلى الاستدلال: الدلائل الخارجة، الدالة
# PageV01P176
# 51 - الحديث السابع: عن عائشة - رضي الله عنها -: أن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدءوا
~~بالعشاء» . 52 - وعن ابن عمر نحوه.
#
### | [إحكام الأحكام]
# على استحباب التأخير فيترجح على الدلائل المقتضية للتقديم. ويجعل ذلك
~~مقدمة. ويكون المجموع دليلا على أن الأمر للوجوب. فحينئذ يتم ذلك بهذه
~~الضميمة.
# السادس: في الحديث دليل على تنبيه الأكابر: إما لاحتمال غفلة، أو
~~لاستثارة فائدة منهم في التنبيه. لقول عمر " رقد النساء والصبيان ".
# السابع: يحتمل أن يكون قوله " رقد النساء والصبيان " راجعا إلى من حضر
~~المسجد منهم، لقلة احتمالهم المشقة في السهر. فيرجع ذلك إلى أنهم كانوا
~~يحضرون المسجد لصلاة الجماعة. ويحتمل أن يكون راجعا إلى من خلفه المصلون في
~~البيوت من النساء والصبيان. ويكون قوله " رقد النساء " إشفاقا عليهن من طول
~~الانتظار.
### | [حديث إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء]
# لا ينبغي حمل الألف واللام " في الصلاة " على الاستغراق، ولا على تعريف
~~الماهية. بل ينبغي أن تحمل على المغرب. لقوله «فابدءوا بالعشاء» وذلك يخرج
~~صلاة النهار. ويبين أنها غير مقصودة. ويبقى التردد بين المغرب والعشاء.
~~فيترجح حمله على المغرب، لما ورد في ms106 بعض الروايات «إذا وضع العشاء وأحدكم
~~صائم، فابدءوا به قبل أن تصلوا»
# وهو صحيح. وكذلك أيضا صح «فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب» والحديث
~~يفسر بعضه بعضا.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والظاهرية أخذوا بظاهر الحديث في تقديم الطعام على الصلاة. وزادوا - فيما
~~نقل عنهم - فقالوا: إن صلى فصلاته باطلة. وأما أهل القياس والنظر: فإنهم
~~نظروا إلى المعنى، وفهموا: أن العلة التشويش، لأجل التشوف إلى الطعام. وقد
~~أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها. وهي قوله " وأحدكم صائم " فتتبعوا هذا
~~المعنى. فحيث حصل التشوف المؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة قدموا الطعام.
~~واقتصروا أيضا على مقدار ما يكسر سورة الجوع. ونقل عن مالك: يبدأ بالصلاة،
~~إلا أن يكون طعاما خفيفا. واستدل بالحديث على أن وقت المغرب موسع. فإن أريد
~~به مطلق التوسعة فصحيح، لكن ليس بمحل الخلاف المشهور. وإن أريد التوسعة إلى
~~مغيب الشفق. ففي الاستدلال نظر؛ لأن بعض من ضيق وقت المغرب جعله مقدرا
~~بزمان يدخل في مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع. فعلى هذا: لا
~~يلزم أن لا يكون وقت المغرب موسعا إلى غروب الشفق. على أن الصحيح الذي نذهب
~~إليه: أن وقتها موسع إلى غروب الشفق. وإنما الكلام في وجه هذا الاستدلال من
~~هذا الحديث.
# وقد استدل به أيضا على أن صلاة الجماعة ليست فرضا على الأعيان في كل حال.
~~وهذا صحيح، إن أريد به: أن حضور الطعام - مع التشوف إليه - عذر ترك
~~الجماعة. وإن أريد به الاستدلال على أنها ليست بفرض من غير عذر. لم يصح
~~ذلك. وفي الحديث: دليل على فضيلة تقديم حضور القلب في الصلاة على فضيلة أول
~~الوقت. فإنهما لما تزاحما قدم صاحب الشرع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء
~~الصلاة في أول الوقت. والمتشوقون إلى المعنى أيضا قد لا يقصرون الحكم على
~~حضور الطعام. بل يقولون به عند وجود المعنى. وهو التشوف إلى الطعام.
~~والتحقيق في هذا: أن الطعام إذا لم يحضر، فإما أن يكون متيسر الحضور عن
~~قريب، ms107 حتى يكون كالحاضر أو لا؟ فإن كان الأول: فلا يبعد أن يكون حكمه حكم
~~الحاضر. وإن كان الثاني، وهو ما يتراخى حضوره: فلا ينبغي أن يلحق
# PageV01P178
# 53 - الحديث الثامن: ولمسلم عن عائشة - رضي الله عنها
~~- قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا صلاة بحضرة طعام،
~~ولا وهو يدافعه الأخبثان» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالحاضر. فإن حضور الطعام يوجب زيادة تشوف وتطلع إليه. وهذه الزيادة يمكن
~~أن يكون الشارع اعتبرها في تقديم الطعام على الصلاة. فلا ينبغي أن يلحق بها
~~ما لا يساويها، للقاعدة الأصولية " إن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن
~~يكون معتبرا لم يلغ ".
### | [حديث لا صلاة بحضرة طعام]
# هذا الحديث أدخل في العموم من الحديث الأول. أعني بالنسبة إلى لفظ "
~~الصلاة " والنظر إلى المعنى يقتضي التعميم وهو الأليق بمذهب الظاهرية وقد
~~قدمنا ما يتعلق بحضور الطعام. " والأخبثان " الغائط والبول. وقد ورد مصرحا
~~به في بعض الأحاديث. و " مدافعة الأخبثين " إما أن تؤدي إلى الإخلال بركن،
~~أو شرط، أو لا. فإن أدى إلى ذلك، امتنع دخول الصلاة معه. وإن دخل واختل
~~الركن أو الشرط: فسدت بذلك الاختلال. وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه
~~الكراهة. ونقل عن مالك: أن ذلك مؤثر في الصلاة بشرط شغله عنه، وقال: يعيد
~~في الوقت وبعده. وتأوله بعض أصحابه على أنه إن شغله، حتى إنه لا يدري كيف
~~صلى. فهو الذي يعيد قبل وبعد، وأما إن شغله شغلا خفيفا لم يمنعه من إقامة
~~حدودها، وصلى ضاما بين وركيه، فهو الذي يعيد في الوقت. وقال القاضي عياض:
~~وكلهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته ولا يضبط حدودها: أنه
~~لا يجوز، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع صلاته إن أصابه ذلك
~~فيها. وهذا الذي قدمناه من التأويل، وكلام القاضي عياض: فيه بعض إجمال.
# والتحقيق: ما أشرنا إليه أولا، أنه إن منع من ركن أو شرط: امتنع الدخول
~~في الصلاة معه. وفسدت ms108 الصلاة باختلال الركن والشرط، وإن لم يمنع من ذلك فهو
~~مكروه، إن نظر إلى المعنى، أو ممتنع إن نظر إلى ظاهر النهي. ولا يقتضي ذلك
# PageV00P000
# 54 - الحديث التاسع: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي: عمر - أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى
~~تغرب» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الإعادة على مذهب الشافعي. وأما ما ذكر من التأويل أنه " لا يدري كيف صلى
~~" أو ما قال القاضي عياض " إن من بلغ به ما لا يعقل صلاته " فإن أريد بذلك:
~~الشك في شيء من الأركان فحكمه حكم من شك في ذلك بغير هذا السبب. وهو البناء
~~على اليقين. وإن أريد به: أنه يذهب الخشوع بالكلية: فحكمه حكم من صلى بغير
~~خشوع. ومذهب جمهور الأمة: أن ذلك لا يبطل الصلاة. وقول القاضي " ولا يضبط
~~حدودها " إن أريد به: أنه لا يفعلها كما وجب عليه: فهو ما ذكرناه مبينا.
# وإن أريد به: أنه لا يستحضرها، فإن أوقع ذلك شكا في فعلها، فحكمه حكم
~~الشاك في الإتيان بالركن، أو الإخلال بالشرط من غير هذه الجهة. وإن أريد به
~~غير ذلك، من ذهاب الخشوع: فقد بيناه أيضا. وهذا الذي ذكرناه: إنما هو
~~بالنسبة إلى إعادة الصلاة. وأما بالنسبة إلى جواز الدخول فيها، فقد يقال:
~~إنه لا يجوز له أن يدخل في صلاة لا يتمكن فيها من تذكر إقامة أركانها
~~وشرائطها. وأما ما أشار إليه بعضهم، من امتناع الصلاة مع مدافعة الأخبثين،
~~من جهة أن خروج النجاسة عن مقرها يجعلها كالبارزة، ويوجب انتقاض الطهارة،
~~وتحريم الدخول في الصلاة، من غير التأويل الذي قدمناه: فهو عندي بعيد؛ لأنه
~~إحداث سبب آخر في انتقاض الطهارة من غير دليل، صريح فيه. فإن أسنده إلى هذا
~~الحديث، فليس بصريح في أن السبب ما ذكره. وإنما غايته: أنه مناسب أو محتمل.
~~والله أعلم. .
# PageV00P000
# الحديث العاشر: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله ms109 عنه -
~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس،
~~ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس]
# في الحديث الأول: رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت
~~وأكابر الصحابة - رضي الله عنهم -. وقوله «نهى عن الصلاة بعد الصبح» أي بعد
~~صلاة الصبح " وبعد العصر " أي بعد صلاة العصر، فإن الأوقات المكروهة على
~~قسمين:
# منها: ما تتعلق الكراهة فيه بالفعل، بمعنى أنه إن تأخر الفعل لم تكره
~~الصلاة قبله. وإن تقدم في أول الوقت كرهت. وذلك في صلاة الصبح وصلاة العصر.
~~وعلى هذا يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر.
# ومنها: ما تتعلق فيه الكراهة بالوقت، كطلوع الشمس إلى الارتفاع، ووقت
~~الاستواء. ولا يحسن أن يكون الحكم في هذا الحديث معلقا بالوقت؛ لأنه لا بد
~~من أداء صلاة الصبح وصلاة العصر. فتعين أن يكون المراد: بعد صلاة الصبح،
~~وبعد صلاة العصر. وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار. وعن بعض
~~المتقدمين والظاهرية: فيه خلاف من بعض الوجوه. وصيغة النفي إذا دخلت على
~~الفعل في ألفاظ صاحب الشرع، فالأولى: حملها على نفي الفعل الشرعي. لا على
~~نفي الفعل الوجودي. فيكون قوله " لا صلاة بعد الصبح " نفيا للصلاة الشرعية،
~~لا الحسية. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظاهر: أن الشارع يطلق ألفاظه على عرفه.
~~وهو الشرعي. وأيضا، فإنا إذا حملناه على الفعل الحسي - وهو غير منتف -
~~احتجنا إلى
# PageV01P181
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إضمار لتصحيح اللفظ. وهو المسمى بدلالة الاقتضاء. ويبقى النظر في أن
~~اللفظ يكون عاما أو مجملا، أو ظاهرا في بعض المحامل. أما إذا حملناه على
~~الحقيقة الشرعية لم نحتج إلى إضمار. فكان أولى.
# ومن هذا البحث يطلع على كلام الفقهاء في قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا
~~نكاح إلا بولي» فإنك إذا حملته على الحقيقة الشرعية، لم تحتج إلى إضمار.
~~فإنه يكون نفيا للنكاح الشرعي. وإن حملته على الحقيقة ms110 الحسية - وهي غير
~~منتفية عند عدم الولي حسا - احتجت إلى إضمار. فحينئذ يضمر بعضهم " الصحة "
~~وبعضهم " الكمال " وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا صيام لمن لم يبيت
~~الصيام من الليل» . وأما حديث أبي سعيد الخدري. وهو أبو سعيد سعد بن مالك
~~بن سنان. و " خدرة " من الأنصار. فالكلام عليه تقدم. وفي هذا الحديث زيادة
~~على الأول. فإنه مد الكراهة إلى ارتفاع الشمس. وليس المراد مطلق الارتفاع
~~عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول عنده صفرة الشمس، أو حمرتها. وهو مقدر
~~بقدر رمح أو رمحين. وقوله " لا صلاة " في الحديثين، عام في كل صلاة. وخصه
~~الشافعي ومالك بالنوافل، ولم يقولا به في الفرائض الفوائت. وأباحاها في
~~سائر الأوقات.
# وأبو حنيفة يقول بالامتناع. وهو أدخل في العموم، إلا أنه قد يعارض بقوله
~~- صلى الله عليه وسلم - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» وكونه
~~جعل ذلك وقتا لها. وفي رواية " لا وقت لها إلا ذلك " إلا أن بين الحديثين
~~عموما وخصوصا من وجه. فحديث النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر: خاص في
~~الوقت، عام في الصلاة. وحديث النوم والنسيان: خاص في الصلاة الفائتة، عام
~~في الوقت. فكل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، وخاص من وجه.
~~فليعلم ذلك. قال المصنف - رحمه الله -: وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وعبد
~~الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة،
~~وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت، ومعاذ ابن عفراء، وكعب بن
~~مرة، وأبي أمامة الباهلي،
# PageV01P182
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وعمرو بن عبسة السلمي، وعائشة - رضي الله عنهم -، والصنابحي. ولم يسمع من
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما " علي فهو علي بن أبي طالب أمير
~~المؤمنين، أبو الحسن واسم أبيه أبي طالب: عبد مناف. وقيل اسمه: كنيته. وعلي
~~- رضي الله عنه - ذو الفضائل الجمة التي لا تخفى. قيل: أسلم وهو ابن ثلاث
~~عشرة، أو اثنتي عشرة، أو ms111 خمس عشرة أو ست عشرة، أو عشر، أو ثمان. أقوال.
~~وقتل - رضي الله عنه - بالكوفة سنة أربعين من الهجرة في رمضان.
# وأما عبد الله بن مسعود بن شمخ، فهو أبو عبد الرحمن، أحد علماء الصحابة
~~وأكابرهم. مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وأما عبد الله بن عمر فهو: أبو
~~عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد
~~الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن مرة العدوي. ورياح في نسبه: بكسر
~~الراء وبعدها ياء آخر الحروف. ورزاح: بفتح الراء المهملة، بعدها زاي
~~مفتوحة. وتوفي - رحمه الله - في سنة ثلاث وسبعين.
# وأما عبد الله بن عمرو: فهو أبو محمد - وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو
~~نصير، بضم النون وفتح الصاد - عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم
~~بن سعيد - بضم السين وفتح العين - ابن سهم، السهمي. أحد حفاظ الصحابة
~~للحديث. والمكثرين فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قيل: إنه مات
~~ليالي الحرة، وكانت الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث
~~وستين. وقيل: مات سنة ثلاث وسبعين وقيل: غيره.
# PageV01P183
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأما أبو هريرة: فقد تقدم الكلام عليه.
# وأما سمرة: فأبو عبد الرحمن - وقيل: أبو عبد الله، أو أبو سليمان، أو أبو
~~سعيد -: سمرة بن جندب - بضم الدال، وقد يقال بفتحها - ابن هلال. فزاري،
~~حليف الأنصار. قاله الواقدي. توفي بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثمان
~~وخمسين.
# وأما سلمة بن الأكوع: فهو سلمة بن عمرو بن الأكوع، منسوب إلى جده الأكوع
~~سنان بن عبد الله. وسلمة أسلمي، يكنى أبا مسلم. وقيل: أبا إياس وقيل: أبا
~~عامر. أحد شجعان الصحابة وفضلائهم. مات سنة أربع وسبعين. وهو ابن ثمانين
~~سنة.
# وأما زيد بن ثابت: فهو أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد أنصاري
~~نجاري. وقيل: يكنى أبا سعيد. وقيل: أبا عبد الرحمن. يقال: إنه كان حين قدم
~~رسول الله - صلى ms112 الله عليه وسلم - المدينة: ابن إحدى عشرة سنة. وكان - رضي
~~الله عنه - من أكابر الصحابة، متقدما في علم الفرائض. وقيل: مات سنة خمس
~~وأربعين. وقيل: اثنتين. وقيل: ثلاث. وقيل: غير ذلك
# وأما معاذ ابن عفراء: فهو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد - في قول ابن
~~إسحاق - وقال ابن هشام: هو معاذ بن الحارث ابن عفراء بن الحارث بن سواد بن
~~غنم بن مالك بن النجار. وقال موسى بن عقبة: معاذ بن الحارث بن رفاعة بن
~~الحارث.
# وأما كعب بن مرة: فبهزي، سلمي - فيما قيل - مات بالشام سنة تسع وخمسين
~~وقيل غيره.
# وأما أبو أمامة الباهلي: فاسمه صدي بن عجلان، وصدي - بضم الصاد المهملة،
~~وفتح الدال، وتشديد الياء - من المكثرين في الرواية. مات بالشام سنة
# PageV01P184
# 56 - الحديث الحادي عشر: عن جابر بن عبد الله - رضي
~~الله عنهما -، «أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جاء يوم الخندق بعد ما
~~غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى
~~كادت الشمس تغرب. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والله ما صليتها.
~~قال: فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت
~~الشمس. ثم صلى بعدها المغرب» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إحدى وثمانين. وقيل: سنة ست وثمانين. وهو آخر من مات بالشام من أصحاب
~~رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، في قول بعضهم.
# وأما عمرو بن عبسة: فهو أبو نجيح. ويقال: أبو شعيب عمرو بن عبسة - بفتح
~~العين والباء معا، والباء تلي العين - ابن عامر بن خالد، سلمي. لقي النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - قديما في أول الإسلام. وروي عنه أنه قال " لقد رأيتني
~~وأنا ربع الإسلام " ثم لقيه بعد الهجرة
# وأما عائشة - رضي الله عنها -: فقد تقدم الكلام في أمرها.
# وأما الصنابحي: فهو عبد الرحمن بن عسيلة، منسوب إلى قبيلة من اليمن،
~~كنيته أبو عبد الله - كان مسلما على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~وقصده. فلما انتهى ms113 إلى الجحفة لقيه الخبر بموته - صلى الله عليه وسلم -.
~~وكان فاضلا.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب]
# حديث عمر: فيه دليل على جواز سب المشركين لتقرير رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - عمر على ذلك. لم يعين في الحديث لفظ السب. فينبغي - مع إطلاقه
~~- أن يحمل على ما ليس بفحش.
### | [صلاة الخوف]
# 1
# وقوله " يا رسول الله ما كدت أصلي العصر " يقتضي أنه صلاها قبل الغروب؛
~~لأن النفي إذا دخل على " كاد " تقتضي وقوع الفعل في الأكثر، كما في قوله عز
~~وجل {وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] وكذا في الحديث. وقوله - صلى الله
~~عليه وسلم - " والله ما صليتها " قيل: في هذا القسم إشفاق منه - صلى الله
~~عليه وسلم - على من تركها، وتحقيق هذا: أن القسم تأكيد للمقسم عليه. وفي
~~هذا القسم إشعار ببعد وقوع المقسم عليه، حتى كأنه لا يعتقد وقوعه. فأقسم
~~على وقوعه. وذلك يقتضي تعظيم هذا الترك. وهو مقتض للإشفاق منه، أو ما يقارب
~~هذا المعنى. وفي الحديث: دليل على عدم كراهية قول القائل " ما صلينا " خلاف
~~ما يتوهمه قوم من الناس. وإنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه
~~الصلاة لشغله بالقتال، كما ورد مصرحا به في حديث آخر. وهو قوله - صلى الله
~~عليه وسلم - «شغلونا عن الصلاة الوسطى» فتمسك به بعض المتقدمين في تأخير
~~الصلاة في حالة الخوف إلى حالة الأمن. والفقهاء على إقامة الصلاة في حالة
~~الخوف. وهذا الحديث ورد في غزوة الخندق وصلاة الخوف - فيما قيل: شرعت في
~~غزوة ذات الرقاع. وهي بعد ذلك. ومن الناس من سلك طريقا آخر. وهو أن الشغل
~~إن أوجب النسيان، فالترك للنسيان. وربما ادعي الظهور في الدلالة على
~~النسيان. وليس كذلك، بل الظاهر: تعليق الحكم بالمذكور لفظا وهو الشغل.
~~وقوله " فقمنا إلى بطحان " اسم موضع، يقوله المحدثون بضم الباء وسكون الطاء
~~وذكر غيرهم فيه الفتح في الباء والكسر في الطاء دون الضم.
### | [صلاة الفوائت جماعة]
# 1 ms114
# وقوله " فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها " قد يشعر بصلاتهم معه - صلى الله عليه
~~وسلم - جماعة فيستدل به على صلاة الفوائت جماعة. وقوله " فصلى العصر " فيه
~~دليل على تقديم الفائتة على الحاضرة في القضاء. وهو واجب في القليل من
~~الفوائت عند مالك، وهي ما دون الخمس، وفي الخمس خلاف. ويستحب عند الشافعي
~~مطلقا. فإذا ضم إلى هذا الحديث
# PageV01P186
# 57 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «صلاة الجماعة أفضل من
~~صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الدليل على اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق: لم يكن في هذا الحديث دليل
~~على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت؛ لأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب،
~~على المختار عند الأصوليين.
# وإن ضم إلى هذا الحديث الدليل على تضييق وقت المغرب: كان فيه دليل على
~~وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت؛ لأنه لو لم يجب لم تخرج
~~الحاضرة عن وقتها، لفعل ما ليس بواجب. فالدلالة من هذا الحديث على حكم
~~الترتيب: تنبني على ترجيح أحد الدليلين على الآخر في امتداد وقت المغرب، أو
~~على القول بأن الفعل للوجوب.
### | [باب فضل الجماعة ووجوبها]
### | [حديث صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: استدل به على صحة الفذ، وأن الجماعة ليست بشرط. ووجه الدليل منه:
~~أن لفظة " أفعل " تقتضي وجود الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد
~~الجانبين. وذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة الفذ وما لا يصح فلا فضيلة فيه.
~~ولا يقال: إنه قد وردت صيغة " أفعل " من غير اشتراك في الأصل؛ لأن هذا إنما
~~يكون عند الإطلاق. وأما التفاضل بزيادة عدد فيقتضي بيانا. ولا بد أن يكون
~~ثمة جزء معدود يزيد عليه أجزاء أخر. كما إذا قلنا: هذا العدد يزيد على ذاك
~~بكذا وكذا من الآحاد. فلا بد من وجود أصل العدد، وجزء معلوم في الآخر، ومثل
~~هذا. ولعله أظهر منه: ما ms115 جاء في الرواية الأخرى " تزيد على صلاته وحده، أو
~~تضاعف " فإن ذلك يقتضي ثبوت شيء يزاد عليه، وعدد يضاعف. نعم يمكن من
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# قال بأن صلاة الفذ من غير عذر لا تصح - وهو داود على ما نقل عنه - أن
~~يقول: التفاضل يقع بين صلاة المعذور فذا والصلاة في جماعة. وليس يلزم إذا
~~وجدنا محملا صحيحا للحديث أكثر من ذلك. ويجاب عن هذا بأن " الفذ " معرف
~~بالألف واللام. فإذا قلنا بالعموم دل ذلك على فضيلة صلاة الجماعة على صلاة
~~كل فذ فيدخل تحته الفذ المصلي من غير عذر. .
### | 1 -
# الثاني: قد ورد في هذا الحديث التفضيل " بسبع وعشرين درجة " وفي غيره
~~التفضيل " بخمس وعشرين جزءا " فقيل في طريق الجمع: إن الدرجة أقل من الجزء،
~~فتكون الخمس والعشرون جزءا سبعا وعشرين درجة. وقيل: بل هي تختلف باختلاف
~~الجماعات، وأوصاف الصلاة. فما كثرت فضيلته عظم أجره. وقيل: يحتمل أن يختلف
~~باختلاف الصلوات. فما عظم فضله منها عظم أجره. وما نقص عن غيره نقص أجره.
~~ثم قيل بعد ذلك: الزيادة للصبح والعصر. وقيل: للصبح والعشاء. وقيل: يحتمل
~~أن يختلف باختلاف الأماكن كالمسجد مع غيره.
# الثالث: قد وقع بحث في أن هذه " الدرجات " هل هي بمعنى الصلوات؟ فتكون
~~صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين صلاة، أو سبع وعشرين، أو يقال: إن لفظ "
~~الدرجة " و " الجزء " لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلاة؟ والأول هو
~~الظاهر؛ لأنه ورد مبنيا في بعض الروايات وكذلك لفظة " تضاعف " مشعرة بذلك.
### | [تساوي الجماعات في الفضل]
# 1
# الرابع: استدل به بعضهم على تساوي الجماعات في الفضل وهو ظاهر مذهب مالك.
~~قيل: وجه الاستدلال به: أنه لا مدخل للقياس في الفضل. وتقريره: أن الحديث
~~إذا دل على الفضل بمقدار معين، مع امتناع القياس، اقتضى ذلك الاستواء في
~~العدد المخصوص. ولو قرر هذا بأن يقال: دل الحديث على فضيلة صلاة الجماعة
~~بالعدد المعين، فتدخل تحته كل جماعة، ومن جملتها:
# PageV01P188
# 58 - الحديث الثاني: عن أبي هريرة - رضي الله ms116 عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «صلاة الرجل في جماعة تضعف على
~~صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك: أنه إذا توضأ، فأحسن
~~الوضوء. ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له
~~بها درجة، وحط عنه خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في
~~مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما
~~انتظر الصلاة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الجماعة الكبرى والجماعة الصغرى. والتقدير فيهما واحد بمقتضى العموم -
~~كان له وجه. ومذهب الشافعي: زيادة الفضيلة بزيادة الجماعة وفيه حديث مصرح
~~بذلك ذكره أبو داود «صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده. وصلاته مع
~~الرجلين أفضل من صلاته مع الرجل» الحديث. فإن صح من غير علة فهو معتمد.
### | [حديث صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: أن لقائل أن يقول: هذا الثواب المقدر لا يحصل بمجرد صلاة الجماعة
~~في البيت. وذلك بناء على ثلاث قواعد. الأولى: أن اللفظ - أعني قوله " وذلك
~~" - أنه يقتضي تعليل الحكم السابق. وهذا ظاهر؛ لأن التقدير: وذلك لأنه. وهو
~~مقتض للتعليل. وسياق هذا اللفظ في نظائر هذا اللفظ يقتضي ذلك.
# الثانية: أن محل الحكم لا بد أن تكون علته موجودة فيه. وهذا أيضا متفق
~~عليه. وهو ظاهر أيضا. لأن العلة لو لم تكن موجودة في محل الحكم لكانت
~~أجنبية عنه. فلا يحصل التعليل بها.
# الثالثة: أن ما رتب على مجموع لم يلزم حصوله في بعض ذلك المجموع إلا
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إذا دل الدليل على إلغاء بعض ذلك المجموع، وعدم اعتباره. فيكون وجوده
~~كعدمه ويبقى ما عداه معتبرا. لا يلزم أن يترتب الحكم على بعضه. فإذا تقررت
~~هذه القواعد: فاللفظ يقتضي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بمضاعفة
~~صلاة الرجل في الجماعة على صلاته في بيته وسوقه بهذا القدر المعين. وعلل
~~ذلك باجتماع أمور: ms117
# منها: الوضوء في البيت، والإحسان فيه، والمشي إلى الصلاة لرفع الدرجات.
~~وصلاة الملائكة عليه ما دام في مصلاه. وإذا علل هذا الحكم باجتماع هذه
~~الأمور، فلا بد أن يكون المعتبر من هذه الأمور موجودا في محل الحكم. وإذا
~~كان موجودا فكل ما أمكن أن يكون معتبرا منها، فالأصل: أن لا يترتب الحكم
~~بدونه. فمن صلى في بيته في جماعة لم يحصل في صلاته بعض هذا المجموع، وهو
~~المشي الذي به ترفع له الدرجات وتحط عنه الخطيئات. فمقتضى القياس: أن لا
~~يحصل هذا القدر من المضاعفة له. لأن هذا الوصف - أعني المشي إلى المسجد، مع
~~كونه رافعا للدرجات، حاطا للخطيئات - لا يمكن إلغاؤه. وهذا مقتضى القياس في
~~هذا اللفظ، إلا أن الحديث الآخر - وهو الذي يقتضي ترتيب هذا الحكم على مطلق
~~صلاة الجماعة -: يقتضي خلاف ما قلناه، وهو حصول هذا المقدار من الثواب لمن
~~صلى جماعة في بيته. فيتصدى النظر في مدلول كل واحد من الحديثين بالنسبة إلى
~~العموم والخصوص وروي عن أحمد - رحمه الله - رواية أنه ليس يتأدى الفرض في
~~الجماعة بإقامتها في البيوت، أو معنى ذلك. ولعل هذا نظرا إلى ما ذكرناه.
### | [إقامة الجماعة في غير المساجد]
# 1
# البحث الثاني: هذا الذي ذكرناه: أمر يرجع إلى المفاضلة بين صلاة الجماعة
~~في المساجد والانفراد. وهل يحصل للمصلي في البيوت جماعة هذا المقدار من
~~المضاعفة أم لا؟ والذي يظهر من إطلاقهم: حصوله. ولست أعني أنه لا تفضل صلاة
~~الجماعة في البيت على الانفراد فيه. فإن ذلك لا شك فيه. إنما النظر: في أنه
~~هل يتفاضل بهذا القدر المخصوص أم لا؟ ولا يلزم من عدم هذا القدر المخصوص من
~~الفضيلة: عدم حصول مطلق الفضيلة. وإنما تردد أصحاب الشافعي في أن إقامة
~~الجماعة في غير المساجد: هل يتأدى بها المطلوب؟ فعن
# PageV01P190
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بعضهم: أنه لا يكفي إقامة الجماعة في البيوت في إقامة الفرض، أعني إذا
~~قلنا: إن صلاة الجماعة فرض على الكفاية. وقال بعضهم: يكفي إذا اشتهر، ms118 كما
~~إذا صلى صلاة الجماعة في السوق مثلا. والأول عندي: أصح؛ لأن أصل المشروعية
~~إنما كان في جماعة المساجد. هذا وصف معتبر لا يتأتى إلغاؤه. وليست هذه
~~المسألة هي التي صدرنا بها هذا البحث أولا؛ لأن في هذه نظر في أن إقامة
~~الشعار هل تتأدى بصلاة الجماعة في البيوت أم لا؟ والذي بحثناه أولا: هو أن
~~صلاة الجماعة في البيت هل تتضاعف بالقدر المخصوص أم لا؟
### | [هل صلاته في جماعة في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه جماعة]
# 1
# البحث الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - «صلاة الرجل في جماعة تضعف
~~على صلاته في بيته وفي سوقه» يتصدى النظر هنا: هل صلاته في جماعة في المسجد
~~تفضل على صلاته في بيته وسوقه جماعة، أو تفضل عليها منفردا؟ أما الحديث:
~~فمقتضاه أن صلاته في المسجد جماعة تفضل على صلاته في بيته وسوقه جماعة
~~وفرادى بهذا القدر. لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - «صلاة الرجل في جماعة»
~~محمول على الصلاة في المسجد. لأنه قوبل بالصلاة في بيته وسوقه. ولو جرينا
~~على إطلاق اللفظ: لم تحصل المقابلة؛ لأنه يكون قسم الشيء قسما منه. وهو
~~باطل. وإذا حمل على صلاته في المسجد، فقوله - صلى الله عليه وسلم - " صلاته
~~في بيته وسوقه " عام يتناول الأفراد والجماعة. وقد أشار بعضهم إلى هذا
~~بالنسبة إلى الانفراد في المسجد والسوق من جهة ما ورد أن " الأسواق موضع
~~الشياطين " فتكون الصلاة فيها ناقصة الرتبة، كالصلاة في المواضع المكروهة
~~لأجل الشياطين، كالحمام. وهذا الذي قاله - وإن أمكن في السوق - ليس يطرد في
~~البيت. فلا ينبغي أن تتساوى فضيلة الصلاة في البيت جماعة مع فضيلة الصلاة
~~في السوق جماعة، في مقدار الفضيلة التي لا توجد إلا بالتوقيف. فإن الأصل:
~~أن لا يتساوى ما وجد فيه مفسدة معينة مع ما لم توجد فيه تلك المفسدة. هذا
~~ما يتعلق بمقتضى اللفظ. ولكن الظاهر مما يقتضيه السياق: أن المراد تفضيل
~~صلاة الجماعة في المسجد على صلاته في بيته وسوقه منفردا: فكأنه خرج مخرج ms119
~~الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردا.
# PageV01P191
# 59 - الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أثقل الصلاة على المنافقين:
~~صلاة العشاء، وصلاة
#
### | [إحكام الأحكام]
# وبهذا يرتفع الإشكال الذي قدمناه من استبعاد تساوي صلاته في البيت مع
~~صلاته في السوق جماعة فيهما، وذلك؛ لأن من اعتبر معنى السوق، مع إقامة
~~الجماعة فيه. وجعله سببا لنقصان الجماعة فيه عن الجماعة في المسجد. يلزمه
~~تساوي ما وجدت فيه مفسدة معتبرة مع ما لم توجد فيه تلك المفسدة في مقدار
~~التفاضل. أما إذا جعلنا التفاضل بين صلاة الجماعة في المسجد وصلاتها في
~~البيت والسوق منفردا، فوصف " السوق " هاهنا ملغى، غير معتبر.
# فلا يلزم تساوي ما فيه مفسدة مع ما لا مفسدة فيه في مقدار التفاضل. والذي
~~يؤيد هذا: أنهم لم يذكروا السوق في الأماكن المكروهة للصلاة. وبهذا فارق
~~الحمام المستشهد بها.
### | [خروج المرأة إلى المسجد]
# البحث الرابع: قد قدمنا أن الأوصاف التي يمكن اعتبارها لا تلغى. فلينظر
~~الأوصاف المذكورة في الحديث، وما يمكن أن يجعل معتبرا منها وما لا. أما وصف
~~الرجولية: فحيث يندب للمرأة الخروج إلى المسجد، ينبغي أن تتساوى مع الرجل،
~~لأن وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعا. وأما الوضوء في
~~البيت: فوصف كونه في البيت غير داخل في التعليل. وأما الوضوء: فمعتبر
~~للمناسبة، لكن: هل المقصود منه مجرد كونه طاهرا، أو فعل الطهارة؟ فيه نظر.
~~ويترجح الثاني بأن تجديد الوضوء مستحب، لكن الأظهر: أن قوله - صلى الله
~~عليه وسلم - " إذا توضأ " لا يتقيد بالفعل. وإنما خرج مخرج الغلبة، أو ضرب
~~المثال. وأما إحسان الوضوء: فلا بد من اعتباره. وبه يستدل على أن المراد
~~فعل الطهارة. لكن يبقى ما قلناه: من خروجه مخرج الغالب، أو ضرب المثال وأما
~~خروجه إلى الصلاة: فيشعر بأن الخروج لأجلها. وقد ورد مصرحا به في حديث آخر
~~«لا ينهزه إلا الصلاة» وهذا وصف معتبر. وأما صلاته مع ms120 الجماعة: فبالضرورة
~~لا بد من اعتبارها. فإنها محل الحكم.
# البحث الخامس: الخطوة - بضم الخاء - ما بين قدمي الماشي، وبفتحها:
~~الفعلة. وفي هذا الموضع هي مفتوحة، لأن المراد فعل الماشي.
# PageV00P000
# الفجر. ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوا. ولقد
~~هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال
~~معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: قوله - صلى الله عليه وسلم - " أثقل الصلاة " محمول على الصلاة في
~~جماعة، وإن كان غير مذكور في اللفظ. لدلالة السياق عليه. وقوله - عليه
~~السلام - " لأتوهما ولو حبوا " وقوله " ولقد هممت - إلى قوله - لا يشهدون
~~الصلاة " كل ذلك مشعر بأن المقصود: حضورهم إلى جماعة المسجد.
# الثاني: إنما كانت هاتان الصلاتان أثقل على المنافقين. لقوة الداعي إلى
~~ترك حضور الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور، أما العشاء: فلأنها وقت
~~الإيواء إلى البيوت والاجتماع مع الأهل، واجتماع ظلمة الليل، وطلب الراحة
~~من متاعب السعي بالنهار. وأما الصبح: فإنها في وقت لذة النوم. فإن كانت في
~~زمن البرد ففي وقت شدته، لبعد العهد بالشمس، لطول الليل، وإن كانت في زمن
~~الحر: فهو وقت البرد والراحة من أثر حر الشمس لبعد العهد بها. فلما قوي
~~الصارف عن الفعل ثقلت على المنافقين. وأما المؤمن الكامل الإيمان: فهو عالم
~~بزيادة الأجر لزيادة المشقة فتكون هذه الأمور داعية له إلى هذا الفعل، كما
~~كانت صارفة للمنافقين ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - " ولو يعلمون ما
~~فيهما " أي من الأجر والثواب " لأتوهما ولو حبوا " وهذا كما قلنا: إن هذه
~~المشقات تكون داعية للمؤمن إلى الفعل
### | [الجماعة في غير الجمعة]
# 1
# الثالث: اختلف العلماء في الجماعة في غير الجمعة فقيل: سنة. وهو قول
~~الأكثرين. وقيل: فرض كفاية وهو قول في مذهب الشافعي ومالك. وقيل:
# PageV01P193
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فرض على الأعيان.
# قد ms121 اختلفوا بعد ذلك. فقيل: شرط في صحة الصلاة. وهو مروي عن داود. وقيل:
~~إنه رواية عن أحمد. والمعروف عنه: أنها فرض على الأعيان. ولكنها ليست بشرط.
~~فمن قال بأنها واجبة على الأعيان: قد يحتج بهذا الحديث فإنه إن قيل بأنها
~~فرض كفاية، فقد كان هذا الفرض قائما بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~ومن معه. وإن قيل: إنها سنة، فلا يقتل تارك السنن. فيتعين أن تكون فرضا على
~~الأعيان. وقد اختلف في الجواب عن هذا على وجوه، فقيل: إن هذا في المنافقين،
~~ويشهد له ما جاء في الحديث الصحيح «لو يعلم أحدهم أن يجد عظما سمينا، أو
~~مرماتين حسنتين لشهد العشاء» وهذه ليست صفة المؤمنين، لا سيما أكابرهم وهم
~~الصحابة. وإذا كانت في المنافقين: كان التحريق للنفاق، لا لترك الجماعة فلا
~~يتم الدليل. قال القاضي عياض - رحمه الله -: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين.
~~وأما المنافقون: فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - معرضا عنهم؛ عالما
~~بطوياتهم. كما أنه لم يعترضهم في التخلف، ولا عاتبهم معاتبة كعب وأصحابه من
~~المؤمنين. وأقول: هذا إنما يلزم إذا كان ترك معاقبة المنافقين واجبا على
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فحينئذ يمتنع أن يعاقبهم بهذا التحريق،
~~فيجب أن يكون الكلام في المؤمنين، ولنا أن نقول: إن ترك عقاب المنافقين
~~وعقابهم كان مباحا للنبي - صلى الله عليه وسلم - مخيرا فيه. فعلى هذا: لا
~~يتعين أن يحمل هذا الكلام على المؤمنين، إذ يجوز أن يكون في المنافقين،
~~لجواز معاقبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، وليس في إعراضه عنهم
~~بمجرده ما يدل على وجوب ذلك عليه. ولعل قوله - صلى الله عليه وسلم - عندما
~~طلب منه قتل بعضهم - " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " يشعر بما
~~ذكرناه في التخيير؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك قتلهم لكان الجواب بذكر
~~المانع الشرعي، وهو أنه لا يحل قتلهم. ومما يشهد لمن قال " إن ذلك في
~~المنافقين " عندي: سياق الحديث من أوله. وهو قوله - صلى الله عليه ms122 وسلم - "
~~أثقل الصلاة على المنافقين ". وجه آخر في تقدير كونه في المنافقين: أن يقول
~~القائل: هم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتحريق يدل على جوازه، وتركه
~~التحريق يدل على جواز هذا الترك. فإذا اجتمع
# PageV01P194
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# جواز التحريق وجواز تركه في حق هؤلاء القوم. وهذا المجموع لا يكون في
~~المؤمنين فيما هو حق الله تعالى.
# ومما أجيب به عن حجة أصحاب الوجوب على الأعيان: ما قاله القاضي عياض -
~~رحمه الله -. والحديث حجة على داود، لا له.
# لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هم، ولم يفعل. ولأنه يخبرهم أن من تخلف
~~عن الجماعة فصلاته غير مجزئة. وهو موضع البيان. وأقول: أما الأول: فضعيف
~~جدا، إن سلم القاضي أن الحديث في المؤمنين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله.
# وأما الثاني - وهو قوله " ولأنه لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته
~~غير مجزئة " وهو موضع البيان - فلقائل أن يقول: البيان قد يكون بالتنصيص
~~وقد يكون بالدلالة، ولما قال - صلى الله عليه وسلم - " ولقد هممت " إلى
~~آخره: دل على وجوب الحضور عليهم للجماعة. فإذا دل الدليل على أن ما وجب في
~~العبادة كان شرطا فيها غالبا. كان ذكره - صلى الله عليه وسلم - لهذا الهم
~~دليلا على لازمه وهو وجوب الحضور. وهو دليل على الشرطية. فيكون ذكر هذا
~~الهم دليلا على لازمه. وهو وجوب الحضور. ووجوب الحضور دليلا على لازمه، وهو
~~اشتراط الحضور. فذكر هذا الهم بيان للاشتراط بهذه الوسيلة، ولا يشترط في
~~البيان أن يكون نصا، كما قلنا. إلا أنه لا يتم هذا إلا ببيان أن ما وجب في
~~العبادة كان شرطا فيها، وقد قيل: إنه الغالب. ولما كان الوجوب قد ينفك عن
~~الشرطية قال أحمد - في أظهر قوليه - إن الجماعة واجبة على الأعيان، غير
~~شرط.
# ومما أجيب به عن استدلال الموجبين لصلاة الجماعة على الأعيان: أنه اختلف
~~في هذه الصلاة التي هم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعاقبة ms123 عليها.
~~فقيل: العشاء. وقيل: الجمعة. وقد وردت المعاقبة على كل واحدة منهما مفسرة
~~في الحديث. وفي بعض الروايات " العشاء، أو الفجر " فإذا كانت هي الجمعة -
~~والجماعة شرط فيها - لم يتم الدليل على وجوب الجماعة مطلقا في غير الجمعة،
~~وهذا يحتاج أن ينظر في تلك الأحاديث التي بينت فيها تلك الصلاة: أهي
~~الجمعة، أو العشاء، أو الفجر؟ فإن كانت أحاديث مختلفة، قيل بكل واحد منها.
~~وإن كان حديثا واحدا
# PageV01P195
# 60 - الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا استأذنت أحدكم امرأته
~~إلى المسجد فلا يمنعها. قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال:
~~فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبا سيئا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول: والله لنمنعهن؟» وفي لفظ «لا
~~تمنعوا إماء الله مساجد الله» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# اختلفت فيه الطرق، فقد يتم هذا الجواب، إن عدم الترجيح بين بعض تلك
~~الروايات وبعض، وعدم إمكان أن يكون الجميع مذكورا. فترك بعض الرواة بعضه
~~ظاهرا، بأن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد إحدى الصلاتين.
~~أعني الجمعة، أو العشاء - مثلا - فعلى تقدير أن تكون هي الجمعة: لا يتم
~~الدليل. وعلى تقدير أن تكون هي العشاء: يتم. وإذا تردد الحال وقف
~~الاستدلال.
# ومما ينبه عليه هنا: أن هذا الوعيد بالتحريق إذا ورد في صلاة معينة - وهي
~~العشاء، أو الجمعة، أو الفجر - فإنما يدل على وجوب الجماعة في هذه الصلوات.
~~فمقتضى مذهب الظاهرية: أن لا يدل على وجوبها في غير هذه الصلوات، عملا
~~بالظاهر، وترك اتباع المعنى. اللهم إلا أن يؤخذ قوله - صلى الله عليه وسلم
~~- «أن آمر بالصلاة فتقام» على عموم الصلاة. فحينئذ يحتاج في ذلك إلى اعتبار
~~لفظ ذلك الحديث وسياقه، وما يدل عليه. فيحمل لفظ " الصلاة " عليه إن أريد
~~التحقيق وطلب الحق. والله أعلم.
# الرابع: قوله عليه السلام " ولقد هممت. .. " إلخ. أخذ منه تقديم الوعيد
~~والتهديد ms124 على العقوبة. وسره: أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر
~~اكتفي به من الأعلى.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها]
# الحديث صريح في النهي عن المنع للنساء عن المساجد عند الاستئذان وقوله في
~~الرواية الأخرى «لا تمنعوا إماء الله» يشعر أيضا بطلبهن للخروج فإن المانع
~~إنما يكون بعد وجود المقتضى. ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته
~~لهن؛ لأنه لو كان ممتنعا لم ينه الرجال عن منعهن منه. والحديث عام في
~~النساء، ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط وحالات: منها: أن لا يتطيبن. وهذا
~~الشرط مذكور في الحديث. ففي بعض الروايات «وليخرجن تفلات» وفي بعضها «إذا
~~شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا» وفي بعضها «إذا شهدت إحداكن العشاء فلا
~~تطيب تلك الليلة» فألحق بالطيب ما في معناه. فإن الطيب إنما منع منه لما
~~فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم. وربما يكون سببا لتحريك شهوة المرأة
~~أيضا. فما أوجب هذا المعنى التحق به. وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- قال «أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» ويلحق به
~~أيضا: حسن الملابس، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة. وحمل بعضهم قول
~~عائشة - رضي الله عنها - في الصحيح " لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~- رأى ما أحدث النساء بعده: لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل "
~~على هذا، تعني إحداث حسن الملابس والطيب والزينة. ومما خص به بعضهم هذا
~~الحديث: أن منع الخروج إلى المسجد للمرأة الجميلة المشهورة. ومما ذكره
~~بعضهم مما يقتضي التخصيص: أن يكون بالليل. وقد ورد في كتاب مسلم ما يشعر
~~بهذا المعنى. ففي بعض طرقه «لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد
~~بالليل» فالتقييد بالليل قد يشعر بما قال. ومما قيل أيضا في تخصيص هذا
~~الحديث: أن لا يزاحمن الرجال. وبالجملة: فمدار هذا كله النظر إلى المعنى.
~~فما اقتضاه المعنى من المنع جعل خارجا عن الحديث. وخص العموم به. وفي هذا ms125
~~زيادة. وهو أن النص وقع على بعض ما اقتضاه التخصيص، وهو عدم الطيب.
# PageV01P197
# 61 - الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر،
~~وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد
~~العشاء.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقيل: إن في الحديث دليلا على أن للرجل أن يمنع امرأته من الخروج إلا
~~بإذنه. وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى المساجد، وأن ذلك يقتضي
~~بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد، فقد يعترض عليه: بأن هذا تخصيص
~~الحكم باللقب. ومفهوم اللقب ضعيف عند أهل الأصول.
# ويمكن أن يقال في هذا: إن منع الرجال للنساء من الخروج مشهور معتاد. وقد
~~قرروا عليه. وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، وإخراجه عن المنع
~~المستمر المعلوم. فيبقى ما عداه على المنع. وعلى هذا: فلا يكون منع الرجل
~~لخروج امرأته لغير المسجد مأخوذا من تقييد الحكم بالمسجد فقط. ويمكن أن
~~يقال فيه وجه آخر: وهو أن في قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تمنعوا إماء
~~الله مساجد الله» مناسبة تقتضي الإباحة. أعني كونهن " إماء الله " بالنسبة
~~إلى خروجهن إلى مساجد الله. ولهذا كان التعبير بإماء الله أوقع في النفس من
~~التعبير بالنساء لو قيل. وإذا كان مناسبا أمكن أن يكون علة للجواز، وإذا
~~انتفى انتفى الحكم؛ لأن الحكم يزول بزوال علته. والمراد بالانتفاء ها
~~هاهنا: انتفاء الخروج إلى المساجد، أي للصلاة. وأخذ من إنكار عبد الله بن
~~عمر على ولده وسبه إياه: تأديب المعترض على السنن برأيه. العامل بهواه،
~~وتأديب الرجل ولده، وإن كان كبيرا في تغيير المنكر، وتأديب العالم من يتعلم
~~عنده إذا تكلم بما لا ينبغي.
# وقوله " فقال بلال بن عبد الله " هذه رواية ابن شهاب عن سالم بن عبد
~~الله. وفي رواية ورقاء بن عمر عن مجاهد عن ابن عمر فقال ابن له يقال له:
~~واقد " ولعبد الله بن عمر أبناء. منهم بلال. ومنهم واقد. ms126
# PageV00P000
# وفي لفظ " فأما المغرب والعشاء والجمعة: ففي بيته ".
~~وفي لفظ: أن ابن عمر قال " حدثتني حفصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~«كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر. وكانت ساعة لا أدخل على النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - فيها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# هذا الحديث: يتعلق بالسنن الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها. ويدل على هذا
~~العدد منها. وفي تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها: معنى لطيف مناسب.
~~أما في التقديم: فلأن الإنسان يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها. فتتكيف النفس
~~من ذلك بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة، والخشوع فيها، الذي هو
~~روحها. فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنست النفس بالعبادة، وتكيفت بحالة
~~تقرب من الخشوع. فيدخل في الفرائض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم تقدم
~~السنة. فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه، لا سيما إذا كثر أو طال.
~~وورود الحالة المنافية لما قبلها قد يمحو أثر الحالة السابقة أو يضعفه.
~~وأما السنن المتأخرة: فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض. فإذا وقع
~~الفرض ناسب أن يكون بعده ما يجبر خللا فيه إن وقع.
### | [أعداد ركعات الرواتب]
# 1
# وقد اختلفت الأحاديث في أعداد ركعات الرواتب فعلا وقولا. واختلفت مذاهب
~~الفقهاء في الاختيار لتلك الأعداد والرواتب. والمروي عن مالك: أنه لا توقيت
~~في ذلك.
# قال ابن القاسم صاحبه: وإنما يوقت في هذا أهل العراق.
# والحق - والله أعلم - في هذا الباب - أعني ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى
~~التطوعات والنوافل المرسلة - أن كل حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه
~~الأعداد، أو هيئة من الهيئات، أو نافلة من النوافل: يعمل به في استحبابه ثم
~~تختلف مراتب ذلك المستحب. فما كان الدليل دالا على تأكده - إما بملازمته
~~فعلا، أو بكثرة فعله، وإما بقوة دلالة اللفظ على تأكد حكمه، وإما بمعاضدة
~~حديث آخر له، أو أحاديث فيه - تعلو مرتبته في الاستحباب. وما يقصر عن ذلك
# PageV01P199
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# كان بعده في المرتبة، ms127 وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة، فإن كان حسنا
~~عمل به إن لم يعارضه صحيح أقوى منه. وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة
~~الثانية، أعني الصحيح الذي لم يدم عليه، أو لم يؤكد اللفظ في طلبه. وما كان
~~ضعيفا لا يدخل في حيز الموضوع، فإن أحدث شعارا في الدين: منع منه. وإن لم
~~يحدث فهو محل نظر. يحتمل أن يقال: إنه مستحب لدخوله تحت العمومات المقتضية
~~لفعل الخير، واستحباب الصلاة. ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت أو
~~بالحال والهيئة، والفعل المخصوص: يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه
~~بخصوصه. وهذا أقرب. والله أعلم. وههنا تنبيهات.
# الأولى: أنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن يعمل به لدخوله تحت
~~العمومات، فشرطه: أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات
~~مثاله: الصلاة المذكورة في أول ليلة جمعة من رجب: لم يصح فيه الحديث، ولا
~~حسن. فمن أراد فعلها - إدراجا لها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة
~~والتسبيحات - لم يستقم؛ لأنه قد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " نهى
~~أن تخص ليلة الجمعة بقيام " وهذا أخص من العموميات الدالة على فضيلة مطلق
~~الصلاة.
# الثاني: أن هذا الاحتمال الذي قلناه - من جواز إدراجه تحت العمومات -
~~نريد به في الفعل، لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛
~~لأن الحكم باستحبابه على تلك الهيئة الخاصة: يحتاج دليلا شرعيا عليه ولا
~~بد، بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك
~~الوقت، ولا بتلك الهيئة. فهذا هو الذي قلنا باحتماله.
# الثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين. ومثاله: ما أحدثته الروافض
~~من عيد ثالث، سموه عيد الغدير. وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص
~~على شيء مخصوص، لم يثبت شرعا. وقريب من ذلك: أن تكون العبادة من جهة الشرع
~~مرتبة على وجه مخصوص. فيريد بعض الناس: أن يحدث فيها أمرا آخر لم يرد به
~~الشرع، زاعما أنه يدرجه تحت عموم. فهذا ms128 لا يستقيم؛ لأن الغالب على العبادات
~~التعبد، ومأخذها التوقيف. وهذه الصورة: حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك
~~المحدث أو منعه. فأما إذا دل فهو أقوى في
# PageV01P200
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المنع وأظهر من الأول. ولعل مثال ذلك، ما ورد في رفع اليدين في القنوت.
~~فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقا. فقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في
~~القنوت؛ لأنه دعاء. فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في
~~الدعاء. وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف.
~~والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها. فإذا لم يثبت الحديث في رفع
~~اليد في القنوت: كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع:
~~أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء.
# الرابع: ما ذكرناه من المنع: فتارة يكون منع تحريم، وتارة منع كراهة.
~~ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشرع من التشديد في الابتداع بالنسبة
~~إلى ذلك الجنس أو التخفيف. ألا ترى أنا إذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بأمور
~~الدنيا: لم تساو البدع المتعلقة بأمور الأحكام الفرعية. ولعلها - أعني
~~البدع المتعلقة بأمور الدنيا - لا تكره أصلا. بل كثير منها يجزم فيه بعدم
~~الكراهة. وإذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بالأحكام الفرعية: لم تكن مساوية
~~للبدع المتعلقة بأصول العقائد.
# فهذا ما أمكن ذكره في هذا الموضوع، مع كونه من المشكلات القوية، لعدم
~~الضبط فيه بقوانين تقدم ذكرها للسابقين. وقد تباين الناس في هذا الباب
~~تباينا شديدا، حتى بلغني: أن بعض المالكية مر في ليلة من إحدى ليلتي
~~الرغائب - أعني التي في رجب، أو التي في شعبان - بقوم يصلونها، وقوم عاكفين
~~على محرم، أو ما يشبهه، أو ما يقاربه. فحسن حال العاكفين على المحرم على
~~حال المصلين لتلك الصلاة. وعلل ذلك بأن العاكفين على المحرم عالمون بارتكاب
~~المعصية، فيرجى لهم الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة - مع امتناعها
~~عنده - معتقدون أنهم في طاعة. فلا يتوبون ولا يستغفرون.
# والتباين في هذا يرجع إلى ms129 الحرف الذي ذكرناه. وهو إدراج الشيء المخصوص
~~تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص. وميل المالكية إلى هذا
~~الثاني. وقد ورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع ألا ترى أن ابن عمر -
~~رضي الله عنهما - قال في صلاة
# PageV01P201
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الضحى " إنها بدعة "؛ لأنه لم يثبت عنده فيها دليل. ولم ير إدراجها تحت
~~عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص. وكذلك قال في القنوت الذي كان
~~يفعله الناس في عصره " إنه بدعة " ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء. وكذلك
~~ما روى الترمذي من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسملة " إياك
~~والحدث " ولم ير إدراجه تحت دليل عام وكذلك ما جاء عن ابن مسعود - رضي الله
~~عنه - فيما أخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن قيس بن أبي حازم قال " ذكر
~~لابن مسعود قاص يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، وقولوا كذا. فقال:
~~إذا رأيتموه فأخبروني. قال: فأخبروه. فأتاه ابن مسعود متقنعا. فقال: من
~~عرفني فقد عرفني. ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود. تعلمون أنكم لأهدى
~~من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، يعني أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة
~~" وفي رواية " لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - صلى الله
~~عليه وسلم - علما " فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل، مع إمكان إدراجه تحت
~~عموم فضيلة الذكر. على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب
~~الزيادة في العبادات.
# الخامس: ذكر المصنف حديث ابن عمر في باب صلاة الجماعة. ولا تظهر له
~~مناسبة، فإن كان أراد: أن قول ابن عمر " صليت مع رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - " معناه: أنه اجتمع معه في الصلاة. فليست الدلالة على ذلك قوية. فإن
~~المعية مطلقا أعم من المعية في الصلاة. وإن كان محتملا.
# ومما يقتضي أنه لم يرد ذلك: أنه أورد عقيبه حديث عائشة - رضي الله عنها
~~-: أنها قالت «لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد ms130
~~تعاهدا منه على ركعتي الفجر» وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا
~~وما فيها» وهذا لا تعلق له بصلاة الجماعة.
### | [ركعتا الفجر]
# 1
### | 62 -
# الحديث السادس: وهو حديث عائشة - رضي الله عنها - المقدم الذكر. فيه دليل
~~على تأكد ركعتي الفجر، وعلو مرتبتهما في الفضيلة. وقد اختلف أصحاب مالك.
~~أعني في قوله " إنهما سنة أو فضيلة " بعد اصطلاحهم على الفرق
# PageV00P000
# 63 - الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -
~~قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بين السنة والفضيلة. وذكر بعض متأخريهم قانونا في ذلك. وهو أن ما واظب -
~~صلى الله عليه وسلم - عليه، مظهرا له في جماعة، فهو سنة. وما لم يواظب
~~عليه، وعده في نوافل الخير، فهو فضيلة. وما واظب عليه، ولم يظهره - وهذا
~~مثل ركعتي الفجر - ففيه قولان:
# أحدهما: أنه سنة.
# والثاني: أنه فضيلة.
# واعلم أن هذا إن كان راجعا إلى الاصطلاح: فالأمر فيه قريب. فإن لكل أحد
~~أن يصطلح في التسميات على وضع يراه. وإن كان راجعا إلى اختلاف في معنى. فقد
~~ثبت في هذا الحديث تأكد أمر ركعتي الفجر بالمواظبة عليهما. ومقتضاه: تأكد
~~استحبابهما. فليقل به. ولا حرج على من يسميها سنة، وإن أريد: أنهما مع
~~تأكدهما أخفض رتبة مما واظب عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مظهرا له
~~في الجماعة، فلا شك أن رتب الفضائل تختلف.
# فإن قال قائل: إنما سمي بالسنة أعلاها رتبة: رجع ذلك إلى الاصطلاح. والله
~~أعلم. .
### | [باب الأذان]
### | [حديث أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة]
# المختار عند أهل الأصول: أن قوله " أمر " راجع إلى أمر النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -. وكذا " أمرنا " و " نهينا "؛ لأن الظاهر: انصرافه إلى من له
~~الأمر والنهي شرعا. ومن يلزم اتباعه ويحتج بقوله، وهو النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -. وفي هذا الموضع زيادة على هذا. وهو أن العبادات والتقديرات
~~فيها: لا تؤخذ إلا بتوقيف.
# والحديث دليل على الإيتار في لفظ الإقامة. ويخرج عنه التكبير الأول، فإنه ms131
~~مثنى والتكبير الأخير أيضا. وخالف أبو حنيفة، وقال: بأن ألفاظ الإقامة
~~كالأذان
# PageV00P000
# 64 - الحديث الثاني: عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله
~~السوائي قال «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبة له حمراء من
~~أدم - قال: فخرج بلال بوضوء، فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ وأذن
~~بلال، قال:
#
### | [إحكام الأحكام]
# مثناة. واختلف مالك والشافعي في موضع واحد. وهو لفظ " قد قامت الصلاة "
~~فقال مالك: يفرد. وظاهر هذا الحديث يدل له. وقال الشافعي يثنى، للحديث
~~الآخر في صحيح مسلم. . وهو قوله «أمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة،
~~إلا الإقامة» أي إلا لفظ " قد قامت الصلاة ". ومذهب مالك - مع ما مر من
~~الحديث - قد أيد بعمل أهل المدينة ونقلهم. وفعلهم في هذا قوي؛ لأن طريقة
~~النقل والعادة في مثله: تقتضي شيوع العمل. فإنه لو كان تغير لعلم وعمل به.
### | [إجماع أهل المدينة]
# 1
# وقد اختلف أصحاب مالك في أن إجماع أهل المدينة حجة مطلقا في مسائل
~~الاجتهاد. أو يختص ذلك بما طريقه النقل والانتشار، كالأذان والإقامة والصاع
~~والمد، والأوقات، وعدم أخذ الزكاة من الخضراوات؟ فقال بعض المتأخرين منهم:
~~والصحيح التعميم. وما قاله: غير صحيح عندنا جزما. ولا فرق في مسائل
~~الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء. إذ لم يقم دليل على عصمة بعض الأمة.
# نعم ما طريقة النقل إذا علم اتصاله، وعدم تغيره، واقتضت العادة مشروعيته
~~من صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه - فالاستدلال به قوي يرجع إلى أمر عادي،
~~والله أعلم.
### | [وجوب الأذان]
# 1
# وقد يستدل بهذا الحديث على وجوب الأذان من حيث إنه إذا أمر بالوصف لزم أن
~~يكون الأصل مأمورا به. وظاهر الأمر: الوجوب.
# وهذه مسألة اختلف فيها. والمشهور: أن الأذان والإقامة سنتان. وقيل: هما
~~فرضان على الكفاية. وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي. وقد يكون له متمسك
~~بهذا الحديث كما قلنا.
# PageV00P000
# فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يقول ms132 يمينا وشمالا: حي
~~على الصلاة؛ حي على الفلاح ثم ركزت له عنزة، فتقدم وصلى الظهر ركعتين، ثم
~~نزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث خرج النبي صلى الله عليه وسلم عليه حلة حمراء فتوضأ وأذن بلال]
# قوله " عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله " هو المشهور. وقيل: وهب بن جابر
~~وقيل: وهب بن وهب، والسوائي في نسبه - مضموم السين ممدود - نسبة إلى سواءة
~~بن عامر بن صعصعة. مات في إمارة بشر بن مروان بالكوفة وقيل: سنة أربع
~~وسبعين. والكلام عليه من وجوه:
# أحدها: قوله " فخرج بلال بوضوء " بفتح الواو بمعنى الماء، وهل هو اسم
~~لمطلق الماء، أو بقيد الإضافة إلى الوضوء؟ فيه نظر، قد مر.
# وقوله " فمن ناضح ونائل " النضح: الرش. قيل: معناه أن بعضهم كان ينال منه
~~ما لا يفضل منه شيء. وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره. وتشهد له
~~الرواية الأخرى في الحديث الصحيح " فرأيت بلالا أخرج وضوءا. فرأيت الناس
~~يبتدرون ذلك الوضوء. فمن أصاب منه شيئا تمسح به. ومن لم يصب منه أخذ من بلل
~~يد صاحبه ".
# الثاني: يؤخذ من الحديث التماس البركة بما لابسه الصالحون بملابسته. فإنه
~~ورد في الوضوء الذي توضأ منه النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويعد بالمعنى
~~إلى سائر ما يلابسه الصالحون.
# الثالث: قوله " فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يريد يمينا وشمالا " فيه
~~دليل على استدارة المؤذن للاستماع عند الدعاء إلى الصلاة. وهو وقت التلفظ
~~بالحيعلتين. وقوله " يقول حي على الصلاة حي على الفلاح " يبين وقت
# PageV01P205
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الاستدارة. وأنه وقت الحيعلتين.
# واختلفوا في موضعين:
# أحدهما: أنه هل تكون قدماه قارتين مستقبلتي القبلة، ولا يلتفت إلا بوجهه
~~دون بدنه، أو يستدير كله؟ الثاني: هل يستدير مرتين. إحداهما: قوله " حي على
~~الصلاة حي على الصلاة " والأخرى عند قوله " حي على الفلاح حي على الفلاح "
~~أو يلتفت يمينا ويقول " حي على الصلاة " مرة، ثم يلتفت شمالا فيقول " حي
~~على الصلاة " أخرى. ثم ms133 يتلفت يمينا ويقول " حي على الفلاح " مرة، ثم يلتفت
~~شمالا فيقول " حي على الفلاح " أخرى؟ وهذان الوجهان منقولان عن أصحاب
~~الشافعي. وقد رجح هذا الثاني بأنه يكون لكل جهة نصيب من كلمة وقيل: إنه
~~اختيار القفال. والأقرب عندي إلى لفظ الحديث: هو الأول.
# الرابع: قوله " ثم ركزت له عنزة " أي أثبتت في الأرض. يقال: ركزت الشيء
~~أركزه - بضم الكاف في المستقبل - ركزا: إذا أثبته و " العنزة " قيل: هي عصا
~~في طرفها زج. وقيل: الحربة الصغيرة.
### | [وضع السترة للمصلي]
# 1
# الخامس: فيه دليل على استحباب وضع السترة للمصلي، حيث يخشى المرور
~~كالصحراء. ودليل على الاكتفاء في السترة بمثل غلظ العنزة. ودليل على أن
~~المرور من وراء السترة غير ضار.
### | [رجحان القصر على الإتمام]
# 1
# السادس: قوله " ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة " هو إخبار عن
~~قصره - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، ومواظبته على ذلك. وهو دليل على رجحان
~~القصر على الإتمام. وليس دليلا على وجوبه إلا على مذهب من يرى أن أفعاله -
~~صلى الله عليه وسلم - تدل على الوجوب. وليس بمختار في علم الأصول.
# السابع: لم يبين في هذه الرواية موضع اجتماعه بالنبي - صلى الله عليه
~~وسلم -. وقد بين ذلك في رواية أخرى قالها فيها " أتيت النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - بمكة. وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم " وهذه الرواية
~~المبينة مفيدة لفائدة زائدة. فإنه في الرواية الأولى المبهمة يجوز أن يكون
~~اجتماعه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في طريقه إلى مكة قبل وصوله إليها.
~~وعلى هذا يشكل قوله " فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة " على مذهب
~~الفقهاء، من حيث إن السفر تكون له نهاية يوصل إليها قبل الرجوع. وذلك مانع
# PageV01P206
# 65 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن بلالا يؤذن بليل،
~~فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من القصر عند بعضهم. أما ms134 إذا تبين أنه كان الاجتماع بالأبطح. فيجوز أن
~~تكون صلاة الظهر التي أدركها ابتداء الرجوع. ويكون قوله " حتى رجع إلى
~~المدينة " انتهاء الرجوع.
### | [حديث إن بلالا يؤذن بليل]
# في الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد. وقد استحبه
~~أصحاب الشافعي. وأما الاقتصار على مؤذن واحد. فغير مكروه. وفرق بين أن يكون
~~الفعل مستحبا، وبين أن يكون تركه مكروها، كما تقدم. أما الزيادة على
~~مؤذنين: فليس في الحديث تعرض له. ونقل عن بعض أصحاب الشافعي أنه تكره
~~الزيادة على أربعة. وهو ضعيف.
# وفيه دليل على أنه إذا تعدد المؤذن فالمستحب أن يترتبوا واحدا بعد واحد
~~إذا اتسع الوقت لذلك، كما في أذان بلال وابن أم مكتوم - رضي الله عنهما -،
~~فإنهما وقعا مترتبين؛ لكن في صلاة يتسع وقت أدائها، كصلاة الفجر. وأما في
~~صلاة المغرب: فلم ينقل فيها مؤذنان. والفقهاء من أصحاب الشافعي قالوا:
~~يتخيرون بين أن يؤذن كل واحد منهم في زاوية من زوايا المسجد، وبين أن
~~يجتمعوا ويؤذنوا دفعة واحدة.
### | [الأذان للصبح قبل دخول وقتها]
# 1
# وفي الحديث دليل على جواز الأذان للصبح قبل دخول وقتها. ذهب إليه مالك
~~والشافعي. والمنقول عن أبي حنيفة خلافه؛ قياسا على سائر الصلوات.
# والذين قالوا بجواز الأذان للصبح قبل دخول وقتها اختلفوا في وقته، وذكر
~~بعض أصحاب الشافعي: أنه يكون في وقت السحر بين الفجر الصادق والكاذب، قال:
~~ويكره التقديم على ذلك الوقت. وقد يؤخذ من الحديث ما يقرب هذا. وهو
# PageV00P000
# 66 - الحديث الرابع: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا سمعتم المؤذن فقولوا
~~مثل ما يقول» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أن قوله - صلى الله عليه وسلم - " إن بلالا يؤذن بليل " إخبار يتعلق به
~~فائدة للسامعين قطعا. وذلك بأن يكون وقت الأذان مشتبها، محتملا لأن يكون
~~وقت طلوع الفجر. فبين أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب إلا عند طلوع الفجر
~~الصادق وذلك يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر.
### | [كون ms135 المؤذن أعمى]
# 1
# وفي الحديث دليل على جواز أن يكون المؤذن أعمى. فإن ابن أم مكتوم كان
~~أعمى. وفيه دليل على جواز تقليد الأعمى للبصير في الوقت، أو جواز اجتهاده
~~فيه. فإن ابن أم مكتوم لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر، وذلك إما
~~سماع من بصير، أو اجتهاد وقد جاء في الحديث «وكان لا يؤذن حتى يقال له:
~~أصبحت أصبحت» وهذا يدل على رجوعه إلى البصير، ولو لم يرد ذلك لم يكن في
~~اللفظ دليل على جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد الأمرين
~~مبهما لا يدل على واحد منهما معينا.
# واسم ابن أم مكتوم فيما قيل عمرو بن قيس، والله أعلم.
### | [حديث إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: إجابة المؤذن مطلوبة بالاتفاق، وهذا الحديث دليل على ذلك. ثم
~~اختلف العلماء في كيفية الإجابة، وظاهر هذا الحديث: أن الإجابة تكون بحكاية
~~لفظ المؤذن في جميع ألفاظ الأذان، وذهب الشافعي إلى أن سامع المؤذن يبدل
~~الحيعلة بالحولقة - ويقال الحوقلة - لحديث ورد فيها، وقدمه على الأول
~~لخصوصه وعموم هذا. وذكر فيه من المعنى: أن الأذكار الخارجة عن الحيعلة يحصل
~~ثوابها بذكرها، فيشترك السامع والمؤذن في ثوابها إذا حكاها السامع، وأما
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الحيعلة: فمقصودها الدعاء، وذلك يحصل من المؤذن وحده، ولا يحصل مقصوده من
~~السامع، فعوض عن الثواب الذي يفوته بالحيعلة الثواب الذي يحصل له بالحوقلة،
~~ومن العلماء من قال: يحكيه إلى آخر التشهدين فقط.
# الثاني: المختار: أن يكون حكاية قول المؤذن في كل لفظة من ألفاظ الأذان
~~عقيب قوله. وعلى هذا فقوله " إذا سمعتم المؤذن " محمول على سماع كل كلمة
~~منه. والفاء تقتضي التعقيب. فإذا حمل على ما ذكرناه: اقتضى تعقيب قول
~~المؤذن بقول الحاكي. وفي اللفظ احتمال لغير ذلك.
# الثالث: اختلفوا في أنه إذا سمعه في حال الصلاة: هل يجيبه أم لا؟ على
~~ثلاثة أقوال للعلماء:
# أحدها: أنه يجيب، لعموم هذا الحديث، والثاني: ms136 لا يجيب؛ لأن في الصلاة
~~شغلا. كما ورد. حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - متفق عليه. والثالث: الفرق
~~بين الفريضة والنافلة دون الفريضة؛ لأن أمر النافلة أخف. وذكر بعض مصنفي
~~أصحاب الشافعي: أنه هل يكره إجابته في الأذكار التي في الأذان إذا كان في
~~الصلاة؟ وجهان، مع الجزم بأنها لا تبطل. وهذا ينبغي أن يخص بما إذا كان في
~~غير قراءة الفاتحة. أما الحيعلة: فإما أن يجيب بلفظها أو لا. فإن أجاب
~~بالحوقلة لم تبطل؛ لأنه ذكر، كما في غيرها من الذكر الذي في الأذان. وإن
~~أجاب بلفظها بطلت، إلا أن يكون ناسيا، أو جاهلا بأنه يبطل الصلاة.
# وذكر أصحاب مالك في هذه الصورة قولين - أعني إذا قال " حي على الصلاة "
~~في الصلاة - هل تبطل؟ والذين قالوا بالبطلان عللوه بأنه مخاطبة للآدميين.
~~فأبطل بخلاف بقية ألفاظ الأذان التي هي ذكر، والصلاة محل الذكر.
# ووجه من قال بعدم البطلان: ظاهر هذا الحديث وعمومه، ومن جهة المعنى: أنه
~~لا يقصد بقوله " حي على الصلاة " دعاء الناس إلى الصلاة، بل حكاية ألفاظ
~~الأذان.
# الرابع: في الحديث دليل أن لفظة " المثل " لا تقتضي المساواة من كل وجه،
~~فإنه قال " فقولوا مثل ما يقول المؤذن " ولا يراد بذلك المماثلة في كل
~~الأوصاف، حتى رفع الصوت.
# الخامس: قيل في مناسبة جواب الحيطة بالحوقلة: إنه لما دعاهم إلى
# PageV01P209
# 67 - الحديث الأول: عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح على ظهر راحلته، حيث كان
~~وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله» .
# وفي رواية " كان يوتر على بعيره " ولمسلم " غير أنه لا يصلي عليها
~~المكتوبة " وللبخاري " إلا الفرائض ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# الحضور أجابوا بقولهم " لا حول ولا قوة إلا بالله " أي بمعونته وتأييده.
~~والحول والقوة غير مترادفتين، فالقوة القدرة على الشيء، والحول: الاحتيال
~~في تحصيله والمحاولة له. والله أعلم بالصواب.
### | [باب استقبال القبلة]
### | [حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه] ms137
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: " التسبيح " يطلق على صلاة النافلة. وهذا الحديث منه. فقوله "
~~يسبح " أي يصلي النافلة. وربما أطلق على مطلق الصلاة وقد فسر قوله سبحانه
~~{وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق: 39] بصلاة الصبح وصلاة
~~العصر. والتسبيح: حقيقة في قول القائل " سبحان الله " فإذا أطلق على الصلاة
~~فإما من باب إطلاق اسم البعض على الكل، كما قالوا في الصلاة: إن أصلها
~~الدعاء، ثم سميت العبادة كلها بذلك، لاشتمالها على الدعاء، وإما؛ لأن
~~المصلي منزه لله عز وجل بإخلاص العبادة له وحده، و " التسبيح " التنزيه.
~~فيكون ذلك من مجاز الملازمة؛ لأن التنزيه يلزم من الصلاة المخلصة وحده.
# الثاني: الحديث دليل على جواز النافلة على الراحلة، وجواز صلاتها حيث
~~توجهت بالراكب راحلته. وكأن السبب فيه: تيسير تحصيل النوافل على المسافر
~~وتكثيرها. فإن ما ضيق طريقه قل وما اتسع طريقه سهل. فاقتضت رحمة الله تعالى
# PageV00P000
# 68 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم -
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالعباد أن قلل الفرائض عليهم تسهيلا للكلفة. وفتح لهم طريقة تكثير
~~النوافل تعظيما للأجور.
# الثالث: قوله " حيث كان وجهه " يستنبط منه ما قال بعض الفقهاء: إن جهة
~~الطريق تكون بدلا عن القبلة، حتى لا ينحرف عنها لغير حاجة المسير.
# الرابع: الحديث يدل على الإيماء. ومطلقه: يقتضي الإيماء بالركوع والسجود.
~~والفقهاء قالوا: يكون الإيماء للسجود أخفض من الإيماء للركوع. ليكون البدل
~~على وفق الأصل. وليس في الحديث ما يدل عليه ولا على ما ينفيه. وفي اللفظ ما
~~يدل على أنه لم يأت بحقيقة السجود، إن حمل قوله " يومئ " على الإيماء في
~~الركوع والسجود معا.
# الخامس: استدل بإيتاره - صلى الله عليه وسلم - على البعير على أن الوتر
~~ليس بواجب، بناء على مقدمة أخرى. وهي: أن الفرض لا يقام على الراحلة. وأن
~~الفرض مرادف للواجب.
# السادس: قوله " غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة ms138 " قد يتمسك به في أن صلاة
~~الفرض لا تؤدى على الراحلة. وليس ذلك بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا
~~ترك الفعل المخصوص. وليس الترك بدليل على الامتناع. وكذا الكلام في قوله "
~~إلا الفرائض " فإنه إنما يدل على ترك هذا الفعل. وترك الفعل لا يدل على
~~امتناعه كما ذكرنا.
# وقد يقال: إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين. فترك الصلاة لها
~~على الراحلة دائما، مع فعل النوافل على الراحلة، يشعر بالفرقان بينهما في
~~الجواز وعدمه، مع ما يتأيد به من المعنى. وهو أن الصلوات المفروضة: قليلة
~~محصورة، لا يؤدي النزول لها إلى نقصان المطلوب. بخلاف النوافل المرسلة.
~~فإنها لا حصر لها، فتكلف النزول لها يؤدي إلى نقصان المطلوب من تكثيرها، مع
~~اشتغال المسافر، والله أعلم.
# PageV00P000
# قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة،
~~فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها]
# يتعلق بهذا الحديث مسائل أصولية وفروعية.
# نذكر منها ما يحضرنا الآن. أما الأصولية: فالمسألة الأولى منها: قبول خبر
~~الواحد. وعادة الصحابة في ذلك: اعتداد بعضهم بنقل بعض. وليس المقصود في
~~هذا: أن تثبت قبول خبر الواحد بهذا الخبر الذي هو خبر واحد. فإن ذلك من
~~إثبات الشيء بنفسه. وإنما المقصود بذلك: التنبيه على مثال من أمثلة قبولهم
~~لخبر الواحد، ليضم إليه أمثال لا تحصى. فيثبت بالمجموع القطع بقبولهم لخبر
~~الواحد.
### | [نسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد]
# 1
# المسألة الثانية: ردوا هذه المسألة إلى أن نسخ الكتاب والسنة المتواترة.
~~هل يجوز بخبر الواحد أم لا؟ منعه الأكثرون؛ لأن المقطوع لا يزال بالمظنون.
~~ونقل عن الظاهرية جوازه. واستدلوا للجواز بهذا الحديث. ووجه الدليل: أنهم
~~عملوا بخبر الواحد. ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم.
# وفي هذا الاستدلال عندي مناقشة ونظر. فإن المسألة مفروضة في نسخ الكتاب
~~والسنة المتواترة بخبر الواحد. ويمتنع عادة أن يكون أهل قباء - مع قربهم من ms139
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانثيالهم له، وتيسر مراجعتهم له - أن
~~يكون مستندهم في الصلاة إلى بيت المقدس خبرا عنه - صلى الله عليه وسلم - مع
~~طول المدة. وهي ستة عشر شهرا، من غير مشاهدة لفعله، أو مشافهة من قوله. ولو
~~سلمت أن ذلك غير ممتنع في العادة، فلا شك أنه يمكن أن يكون المستند مشاهدة
~~فعل، أو مشافهة قول. والمحتمل الأمرين لا يتعين حمله على أحدهما. فلا يتعين
~~حمل استقبالهم لبيت المقدس على خبر عنه - صلى الله عليه وسلم -. بل يجوز أن
~~يكون على مشاهدة. وإذا جاز انتفاء أصل الخبر جاز انتفاء خبر المتواتر؛ لأن
~~انتفاء المطلق يلزم منه انتفاء قيوده. فإذا جاز انتفاء خبر التواتر لم يلزم
~~أن يكون الدليل منصوبا في المسألة المفروضة
# PageV01P212
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإن قلت: الاعتراض على ما ذكرته من وجهين:
# أحدهما: أن ما ادعيت من امتناع أن يكون مستند أهل قباء مجرد الخبر من غير
~~مشاهدة - إن صح - إنما يصح في جميعهم. أما في بعضهم: فلا يمتنع عادة أن
~~يكون مستنده الخبر المتواتر.
# الثاني: أن ما أبديته من جواز استنادهم إلى المشاهدة: يقتضي أنهم أزالوا
~~المقطوع بالمظنون؛ لأن المشاهدة طريق قطع. وإذا جاز إزالة المقطوع به
~~بالمشاهدة جاز زوال المقطوع به بخبر التواتر بخبر الواحد. فإنهما مشتركان
~~في زوال المقطوع بالمظنون.
# قلت: أما الجواب عن الأول: فإنه إذا سلم امتناع ذلك على جميعهم. فقد
~~انقسموا إذن إلى من يجوز أن يكون مستنده التواتر، ومن يكون مستنده
~~المشاهدة. فهؤلاء المستديرون لا يتعين أن يكونوا ممن استند إلى التواتر.
~~فلا يتعين حمل الخبر عليهم.
# فإن قال قائل: قوله " أهل قباء " يقتضي أن يكون بعض من استدار مستنده
~~التواتر. فيصح الاحتجاج. قلت: لا شك في إمكان أن يكون الكل مستندهم
~~المشاهدة. ومع هذا التجويز: لا يتعين حمل الحديث على ما ادعوه، إلا أن
~~يتبين أن مستند الكل أو البعض خبر التواتر. ولا سبيل إلى ذلك.
# وأما الثاني: فالجواب عنه من وجهين:
# أحدهما: ms140 أن المقصود التنبيه والمناقشة في الاستدلال بالحديث المذكور على
~~المسألة المعينة. وقد تم الغرض من ذلك. وأما إثباتها بطريق القياس على
~~المنصوص: فليس بمقصود.
# الثاني: أن يكون إثبات جواز نسخ خبر الواحد للخبر المتواتر مقيسا على
~~جواز نسخ خبر الواحد المقطوع به مشاهدة بخبر الواحد المظنون، بجامع
~~اشتراكهما في زوال المقطوع بالمظنون. لكنهم نصبوا الخلاف مع الظاهرية. وفي
~~كلام بعضهم ما يدل على أن من عداهم لم يقل به. والظاهرية لا يقولون
~~بالقياس. فلا يصح استدلالهم بهذا الخبر على المدعي. وهذا الوجه مختص
~~بالظاهرية، والله أعلم.
### | [نسخ السنة بالكتاب]
# 1
# المسألة الثالثة: رجعوا إلى الحديث أيضا في أن نسخ السنة بالكتاب جائز.
~~ووجه التعلق بالحديث في ذلك: أن المخبر لهم ذكر أنه " أنزل الليلة قرآن "
# PageV01P213
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فأحال في النسخ على الكتاب. ولو لم يذكر ذلك لعلمنا أن ذلك من الكتاب.
~~وليس التوجه إلى بيت المقدس بالكتاب. إذ لا نص في القرآن على ذلك. فهو
~~بالسنة ويلزم من مجموع ذلك نسخ السنة بالكتاب. والمنقول عن الشافعي: خلافه.
# ويعترض على هذا بوجوه بعيدة: أحدها: أن يقال: المنسوخ كان ثابتا بكتاب
~~نسخ لفظه.
# والثاني: أن يقال: النسخ كان بالسنة. ونزل الكتاب على وفقها.
# الثالث: أن يجعل بيان المجمل كالملفوظ به. وقوله تعالى {أقيموا الصلاة}
~~[الأنعام: 72] مجمل، فسر بأمور: منها: التوجه إلى بيت المقدس. فيكون
~~كالمأمور به لفظا في الكتاب.
# وأجيب عن الأول والثاني: بأن مساق هذا التجويز: يفضي إلى أن لا يعلم ناسخ
~~من منسوخ بعينه أصلا. فإن هذين الاحتمالين مطردان في كل ناسخ ومنسوخ. والحق
~~أن هذا التجويز: ينفي القطع اليقيني بالنظر إليه، إلا أن تحتف القرائن بنفي
~~هذا التجويز، كما في كون الحكم بالتحويل إلى القبلة مستندا إلى الكتاب
~~العزيز.
# وأجيب عن الثالث: بأنا لا نسلم بأن البيان كالملفوظ به في كل أحكامه.
### | [حكم الناسخ هل يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له]
# المسألة الرابعة: اختلفوا في أن حكم الناسخ هل يثبت في حق ms141 المكلف قبل
~~بلوغ الخطاب له؟ وتعلقوا بهذا الحديث في ذلك. ووجه التعلق: أنه لو ثبت
~~الحكم في أهل قباء قبل بلوغ الخبر إليهم، لبطل ما فعلوه من التوجه إلى، بيت
~~المقدس. فيفقد شرط العبادة في بعضها فتبطل.
### | 1 -
# المسألة الخامسة: قيل فيه دليل على جواز مطلق النسخ؛ لأن ما دل على جواز
~~الأخص دل على جواز الأعم.
### | [الاجتهاد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم]
# 1
# المسألة السادسة: قد يؤخذ منه جواز الاجتهاد في زمن الرسول - صلى الله
~~عليه وسلم -، أو بالقرب منه؛ لأنه كان يمكن أن يقطعوا الصلاة وأن يبنوا.
~~فرجحوا البناء. وهو محل الاجتهاد. تمت المسائل الأصولية.
### | [الوكيل إذا عزل فتصرف قبل بلوغ الخبر إليه]
# وأما المسائل الفروعية: فالأولى منها: أن الوكيل إذا عزل فتصرف قبل بلوغ
# PageV01P214
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الخبر إليه: هل يصح تصرفه، بناء على مسألة النسخ؟ وهل يثبت حكمه قبل بلوغ
~~الخبر؟ وقد نوزع في هذا البناء على ذلك الأصل. ووجه قول هذا المنازع في هذا
~~البناء على مسألة النسخ: أن النسخ خطاب تكليفي، إما بالفعل أو بالاعتقاد.
~~ولا تكليف إلا مع الإمكان، ولا إمكان مع الجهل بورود الناسخ. وأما تصرف
~~الوكيل: فمعنى ثبوت حكم العزل فيه: أنه باطل ولا استحالة في أن يعلم بعد
~~البلوغ بطلانه قبل بلوغ الخبر. وعلى تقدير صحة هذا البناء: فالحكم هناك في
~~مسألة الوكيل يكون مأخوذا بالقياس لا بالنص.
### | [صلت الأمة مكشوفة الرأس ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة]
# 1
# الثانية: إذا صلت الأمة مكشوفة الرأس، ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة:
~~هل تقطع الصلاة أم لا؟ فمن أثبت الحكم قبل بلوغ العلم إليها قال بفساد ما
~~فعلت فألزمها القطع. ومن لم يثبت ذلك لم يلزمها القطع، إلا أن يتراخى سترها
~~لرأسها وهذا أيضا مثل الأول، وأنه بالقياس.
### | [تنبيه من ليس في الصلاة لمن هو فيها]
# 1
# الثالثة: قيل: فيه دليل على جواز تنبيه من ليس في الصلاة لمن هو فيها.
~~وأن يفتح عليه. كذا ms142 ذكره القاضي عياض - رحمه الله - وفي استدلاله على جواز
~~أن يفتح عليه مطلقا نظر؛ لأن هذا المخبر عن تحويل القبلة مخبر عن واجب، أو
~~آمر بترك ممنوع. ومن يفتح على غيره ليس كذلك مطلقا. فلا يساويه، ولا يلحق
~~به. هذا إذا كان الفتح في غير الفاتحة.
### | [الاجتهاد في القبلة]
# الرابعة: قيل: فيه دليل على جواز الاجتهاد في القبلة، ومراعاة السمت؛
~~لأنهم استداروا إلى جهة الكعبة لأول وهلة في الصلاة قبل قطعهم على موضع
~~عينها.
### | [صلى إلى غير القبلة بالاجتهاد ثم تبين له الخطأ]
# 1
# الخامسة: قد يؤخذ منه أن من صلى إلى غير القبلة بالاجتهاد، ثم تبين له
~~الخطأ: أنه لا يلزمه الإعادة؛ لأنه فعل ما وجب عليه في ظنه، مع مخالفة
~~الحكم في نفس الأمر، كما أن أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقاء
~~الأمر. ولم يفسد فعلهم، ولا أمروا بالإعادة.
### | [من لم يعلم بفرض الله تعالى ولم تبلغه الدعوة]
# 1
# السادسة: قال الطحاوي: في هذا دليل على أن من لم يعلم بفرض الله تعالى
~~ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره. فالفرض غير لازم له.
~~والحجة غير قائمة عليه. وركب بعض الناس على هذا: مسألة من أسلم في دار
# PageV01P215
# 69 - الحديث الثالث: عن أنس بن سيرين قال «استقبلنا
~~أنسا حين قدم من الشأم، فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار، ووجهه
~~من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال:
~~لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله ما فعلته» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الحرب، أو أطراف بلاد الإسلام، حيث لا يجد من يستعلمه عن شرائع الإسلام:
~~هل يجب عليه أن يقضي ما مر من صلاة وصيام، لم يعلم وجوبهما؟ وحكي عن مالك
~~والشافعي إلزامه ذلك - أو ما هذا معناه - لقدرته على الاستعلام والبحث،
~~والخروج لذلك. وهذا أيضا يرجع إلى القياس. والله أعلم.
# وقوله في الحديث " وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها " يروى بكسر
~~الباء على ms143 الأمر، ويروى " فاستقبلوها " بفتحها على الخبر.
### | [حديث استقبلنا أنسا حين قدم من الشأم]
# الحديث يدل على جواز النافلة على الدابة إلى غير القبلة، وهو كما تقدم في
~~حديث ابن عمر. وليس في هذا الحديث إلا زيادة أنه " على حمار " فقد يؤخذ منه
~~طهارته؛ لأن ملامسته مع التحرز عنه متعذرة؛ لا سيما إذا طال زمن ركوبه.
~~فاحتمل العرق. وإن كان يحتمل أن يكون على حائل بينه وبينه. وقوله " من
~~الشأم " هو الصواب في هذا الموضع. ووقع في كتاب مسلم " حين قدم الشام "
~~وقالوا: هو وهم، وإنما خرجوا من البصرة ليتلقوه من الشام. وقوله «رأيتك
~~تصلي إلى غير القبلة. فقال: لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~- يفعله ما فعلته»
# إنما يعود إلى الصلاة إلى غير القبلة فقط. وهو الذي سئل عنه، لا إلى غير
~~ذلك من هيئته. والله أعلم.
# وراوي هذا الحديث عن أنس بن مالك: أبو حمزة أنس بن سيرين أخو محمد بن
~~سيرين مولى أنس بن مالك. ويقال: إنه لما ولد ذهب به إلى أنس بن مالك. فسماه
~~أنسا، وكناه بأبي حمزة باسمه وكنيته. متفق على الاحتجاج بحديثه
# PageV00P000
# 70 - الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف
~~من تمام الصلاة» .
### | 71 -
# الحديث الثاني: عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -، قال: سمعت رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين
~~وجوهكم» .
### | 72 -
# ولمسلم «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا، حتى كأنما
~~يسوي بها القداح، حتى إذا رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما فقام، حتى إذا
~~كاد أن يكبر، فرأى رجلا باديا صدره، فقال: عباد الله، لتسون
#
### | [إحكام الأحكام]
# مات بعد أخيه محمد. وكانت وفاة أخيه محمد سنة عشر ومائة.
### | [باب الصفوف]
### | [حديث سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة]
# تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمت واحد. وقد ms144 تدل تسويتها أيضا
~~على سد الفرج فيها، بناء على التسوية المعنوية. والاتفاق على أن تسويتها
~~بالمعنى الأول والثاني أمر مطلوب. وإن كان الأظهر: أن المراد بالحديث
~~الأول. وقوله - صلى الله عليه وسلم - " من تمام الصلاة " يدل على أن ذلك
~~مطلوب. وقد يؤخذ منه أيضا: أنه مستحب، غير واجب. لقوله " من تمام الصلاة "
~~ولم يقل: إنه من أركانها، ولا واجباتها. وتمام الشيء: أمر زائد على وجود
~~حقيقته التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح. وقد ينطلق بحسب الوضع على
~~بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به.
# PageV00P000
# صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم]
# " النعمان بن بشير بفتح الباء وكسر الشين المعجمة ابن سعد بن ثعلبة
~~الأنصاري. ولد قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثمان - أو ست
~~سنوات. قال أبو عمر: والأول أصح إن شاء الله تعالى. قتل سنة أربع وستين
~~بمرج راهط.
# تسوية الصفوف: قد تقدم الكلام عليها. وقوله " أو ليخالفن الله بين وجوهكم
~~" معناه: إن لم تسووا؛ لأنه قابل بين التسوية وبينه، أي الواقع أحد
~~الأمرين: إما التسوية، أو المخالفة. وكان يظهر لي في قوله " أو ليخالفن
~~الله بين وجوهكم " أنه راجع إلى اختلاف القلوب، وتغير بعضهم على بعض فإن
~~تقدم إنسان على الشخص، أو على الجماعة وتخليفه إياهم، من غير أن يكون مقاما
~~للإمامة بهم: قد يوغر صدورهم. وهو موجب لاختلاف قلوبهم. فعبر عنه بمخالفة
~~وجوههم؛ لأن المختلفين في التباعد والتقارب يأخذ كل واحد منهما غير وجه
~~الآخر. فإن شئت بعد ذلك أن تجعل " الوجه " بمعنى " الجهة " وإن شئت أن تجعل
~~" الوجه " معبرا به عن اختلاف المقاصد وتباين النفوس. فإن من تباعد عن غيره
~~وتنافر، زوى وجهه عنه. فيكون المقصود: التحذير من وقوع التباغض والتنافر.
~~وقال القاضي عياض - رحمه الله - في قوله " أو ليخالفن الله بين وجوهكم "
~~يحتمل أنه كقوله " أن يحول الله صورته صورة حمار " فيخالف بصفتهم إلى غيرها
~~من المسوخ، أو ms145 يخالف بوجه من لم يقم صفه ويغير صورته عن وجه من أقامه، أو
~~يخالف باختلاف صورها بالمسخ والتغيير.
# وأقول: أما الأول - وهو قوله " فيخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ " فليس
~~فيه محافظة ظاهرة على مقتضى لفظة " بين " والأليق بهذا المعنى أن يقال:
~~يخالف وجوهكم عن كذا، إلا أن يراد المخالفة بين وجوه من مسخ ومن لم يمسخ،
~~فهذا الوجه الثاني، وأما الوجه الأخير: ففيه محافظة على معنى " بين " إلا
~~أنه ليس فيه محافظة ظاهرة على قوله " وجوهكم " فإن تلك المخالفة بعد المسخ،
# PageV01P218
# 73 - الحديث الثالث: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه
~~-: «أن جدته مليكة دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته، فأكل
~~منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم؟ قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول
~~ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصففت
~~أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا. فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وليست تلك صفة وجوههم عند المخالفة في الفعل، والأمر في هذا قريب محتمل.
# وقوله " القداح " هي خشب السهام حين تبرى وتنحت وتهيأ للرمي. وهي مما
~~يطلب فيها التحرير، وإلا كان السهم طائشا، وهي مخالفة لغرض إصابة الغرض.
~~فضرب به المثل لتحرير التسوية لغيره.
# وفي الحديث دليل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام. وقد كان بعض أئمة
~~السلف يوكل بالناس من يسوي صفوفهم.
# وقوله " حتى إذا رأى أن قد عقلنا " يحتمل أن المراد: أنه كان يراعيهم في
~~التسوية ويراقبهم، إلى أن علم أنهم عقلوا المقصود منه وامتثلوه. فكان ذلك
~~غاية لمراقبتهم، وتكلف مراعاة إقامتهم.
# وقوله " حتى إذا كاد أن يكبر فرأى رجلا باديا صدره. فقال: عباد الله. ..
~~إلخ يستدل به على جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من
~~حاجة. وقيل. إن العلماء اختلفوا في كراهة ذلك.
# PageV00P000
# 74 - ولمسلم «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~صلى به وبأمه فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته]
# قال صاحب الكتاب: اليتيم هو: ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة.
# مليكة " بضم الميم وفتح اللام. وبعض الرواة: رواه بفتح الميم وكسر اللام،
~~والأصح الأول. قيل هي أم سليم. وقيل: أم حرام. قال بعضهم: ولا يصح.
# وهذا الحديث: رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك. فقيل:
~~الضمير في " جدته " عائد على إسحاق بن عبد الله، وأنها أم أبيه. قاله
~~الحافظ أبو عمر. فعلى هذا: كان ينبغي للمصنف أن يذكر إسحاق. فإنه لما أسقط
~~ذكره تعين أن تكون جدة أنس. وقال غير أبي عمر: إنها جدة أنس، أم أمه. فعلى
~~هذا: لا يحتاج إلى ذكر إسحاق. وعلى كل حال: فالأحسن إثباته.
# وفي الحديث دليل على ما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - من التواضع،
~~وإجابة دعوة الداعي. ويستدل به على إجابة أولي الفضل لمن دعاهم لغير
~~الوليمة. وفيه أيضا: جواز الصلاة للتعليم، أو لحصول البركة بالاجتماع فيها،
~~أو بإقامتها في المكان المخصوص. وهو الذي قد يشعر به قوله " لكم ". وقوله "
~~إلى حصير قد اسود من طول ما لبس " أخذ منه: أن الافتراش يطلق عليه لباس،
~~ورتب عليه مسألتان. إحداهما: لو حلف لا يلبس ثوبا، ولم يكن له نية،
~~فافترشه: أنه يحنث. والثانية: أن افتراش الحرير لباس له، فيحرم، على أن ذلك
~~- أعني افتراش الحرير - قد ورد فيه نص يخصه.
# وقوله " فنضحته " النضح: يطلق على الغسل، ويطلق على ما دونه. وهو الأشهر.
~~فيحتمل أن يريد الغسل. فيكون ذلك لأحد أمرين، إما لمصلحة دنيوية وهي تليينه
~~وتهيئته للجلوس عليه، وإما لمصلحة دينية، وهي طلب طهارته، وزوال ما يعرض من
~~الشك في نجاسته، لطول لبسه. ويحتمل أن يريد ما دون الغسل. وهو النضح الذي
~~تستحبه المالكية لما يشك في نجاسته. وقد قرب ذلك بأن
# PageV00P000
# 75 - الحديث الرابع: عن «عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما -: قال بت عند خالتي ميمونة. فقام ms147 النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي
~~من الليل. فقمت عن يساره. فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أبا عمير كان معهم في البيت، واحتراز الصبيان من النجاسة بعيد.
# وقوله " فصففت أنا واليتيم وراءه " حجة لجمهور الأمة في أن موقف الاثنين
~~وراء الإمام. وكان بعض المتقدمين يرى أن يكون موقف أحدهما عن يمينه، والآخر
~~عن يساره.
# وفيه دليل على أن للصبي موقفا في الصف. وفيه دليل على أن موقف المرأة
~~وراء موقف الصبي.
# ولم يحسن من استدل به على أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة. فإن هذه
~~الصورة ليست من صور الخلاف. وأبعد من استدل به أنه لا تصح إمامتها للرجال؛
~~لأنه وجب تأخرها في الصف، فلا تتقدم إماما. وقوله " ثم انصرف " الأقرب: أنه
~~أراد الانصراف عن البيت. ويحتمل أنه أراد الانصراف من الصلاة. أما على رأي
~~أبي حنيفة: فبناء على أن السلام لا يدخل تحت مسمى الركعتين: وأما على رأي
~~غيره: فيكون الانصراف عبارة عن التحلل الذي يستعقب السلام. وفي الحديث:
~~دليل على جواز الاجتماع في النوافل خلف إمام. وفيه دليل على صحة صلاة الصبي
~~والاعتداد بها، والله أعلم.
### | [حديث قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فقمت عن يساره]
# خالته " ميمونة بنت الحارث " أخت أمه أم الفضل بنت الحارث. ومبيته عندها
~~فيه دليل على جواز مثل ذلك، من المبيت عند المحارم مع الزوج. وقيل: إنه
~~تحرى لذلك وقتا لا يكون فيه ضرر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو وقت
~~الحيض. وقيل: إنه بات عندها لينظر صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
# وفيه دليل على أن للصبي موقفا مع الإمام في الصف، وإذا أخذ بما ورد في
~~غير هذه الرواية من أنه " دخل في صلاة النفل بعد دخول النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - في الصلاة "
# PageV00P000
# 76 - الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام: أن
~~يحول الله رأسه رأس ms148 حمار، أو يجعل صورته صورة حمار؟» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ففيه دليل على جواز الشروع في الائتمام بمن لم ينو الإمامة. وفيه دليل
~~على أن موقف المأموم الواحد من الإمام عن يمين الإمام. وفيه دليل على أن
~~العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها.
### | [باب الإمامة]
### | [حديث الذي يرفع رأسه قبل الإمام]
# الحديث دليل على منع تقدم المأموم على الإمام في الرفع. هذا منصوصه، في
~~الرفع من الركوع والسجود. ووجه الدليل: التوعد على الفعل. ولا يكون التوعد
~~إلا عن ممنوع ويقاس عليه: السبق في الخفض، كالهوي إلى الركوع والسجود.
# وفي وقوله - صلى الله عليه وسلم - " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام
~~" ما يدل على أن فاعل ذلك: متعرض لهذا الوعيد. وليس فيه دليل على وقوعه ولا
~~بد.
# وقوله " أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار " يقتضي
~~تغيير الصورة الظاهرة. ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازي. فإن الحمار
~~موصوف بالبلادة. ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فروض الصلاة
~~ومتابعة الإمام. وربما رجح هذا المجاز بأن التحويل في الظاهرة لم يقع مع
~~كثرة رفع المأمومين قبل الإمام. ونحن قد بينا أن الحديث لا يدل على وقوع
~~ذلك. وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك، وكون فعله صالحا لأن يقع
# PageV00P000
# 77 - الحديث الثاني - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به. فلا
~~تختلفوا عليه. فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا. وإذا قال: سمع الله لمن
~~حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا. وإذا صلى جالسا فصلوا
~~جلوسا أجمعون» .
### | 78 -
# وما في معناه من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت «صلى رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - في بيته وهو شاك، صلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار
~~إليهم: أن اجلسوا لما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع
~~فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك ms149
~~الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» . وهذا الحديث الثالث.
#
### | [إحكام الأحكام]
# عنه ذلك الوعيد. ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء.
# وأيضا فالمتوعد به لا يكون موجودا في الوقت الحاضر. أعني عند الفعل،
~~والجهل موجود عند الفعل. ولست أعني بالجهل هاهنا: عدم العلم بالحكم، بل إما
~~هذا، وإما أن يكون عبارة عن فعل ما لا يسوغ. وإن كان العلم بالحكم موجودا؛
~~لأنه قد يقال في هذا: إنه جهل. ويقال لفاعله جاهل. والسبب فيه: أن الشيء
~~ينفى لانتفاء ثمرته والمقصود منه. فيقال: فلان ليس بإنسان، إذا لم يفعل
~~الأفعال المناسبة للإنسانية. ولما كان المقصود من العلم العمل به جاز أن
~~يقال لمن لا يعمل بعلمه: إنه جاهل غير عالم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إنما جعل الإمام ليؤتم به]
# الكلام على حديث أبي هريرة من وجوه:
# الأول: اختلفوا في جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. فمنعها مالك وأبو
~~حنيفة وغيرهما. واستدل لهم بهذا الحديث. وجعل اختلاف النيات داخلا تحت قوله
~~" فلا تختلفوا عليه " وأجاز ذلك الشافعي وغيره. والحديث محمول في هذا
~~المذهب على الاختلاف في الأفعال الظاهرة.
# الثاني: الفاء في قوله " فإذا ركع فاركعوا " إلخ تدل على أن أفعال
~~المأموم تكون بعد أفعال الإمام؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب. وقد مضى الكلام
~~في المنع من السبق. وقال الفقهاء: المساواة في هذه الأشياء: مكروهة.
# الثالث قوله " وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد "
~~يستدل به من يقول إن التسميع مختص بالإمام. فإن قوله " ربنا ولك الحمد "
~~مختص بالمأموم. وهو اختيار مالك - رحمه الله -.
# الرابع: اختلفوا في إثبات الواو وإسقاطها من قوله " ولك الحمد " بحسب
~~اختلاف الروايات وهذا اختلاف في الاختيار، لا في الجواز. ويرجع إثباتها
~~بأنه يدل على زيادة معنى؛ لأنه يكون التقدير: ربنا استجب لنا - أو ما قارب
~~ذلك - ولك الحمد. فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء، ومعنى الخبر. وإذا
~~قيل بإسقاط الواو دل على أحد هذين.
### | [الجلوس خلف الإمام القاعد للضرورة] ms150
# 1
# الخامس: قوله " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " أخذ به قوم، فأجازوا
~~الجلوس خلف الإمام القاعد للضرورة، مع قدرة المأمومين على القيام. وكأنهم
~~جعلوا متابعة الإمام عذرا في إسقاط القيام. ومنعه أكثر الفقهاء المشهورين.
# والمانعون اختلفوا في الجواب عن هذا الحديث على طرق.
# الطريق الأول: ادعاء كونه منسوخا، وناسخه: صلاة النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - بالناس في مرض موته قاعدا. وهم قيام، وأبو بكر قائم يعلمهم بأفعال
~~صلاته. وهذا بناء على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الإمام، وأن أبا
~~بكر كان مأموما في تلك الصلاة وقد وقع في ذلك خلاف. وموضع الترجيح: هو
~~الكلام على ذلك الحديث. قال القاضي عياض، قالوا: ثم نسخت إمامة القاعد جملة
~~بقوله " لا يؤمن أحد بعدي جالسا " وبفعل
# PageV01P224
# 79 - الحديث الرابع: عن عبد الله بن يزيد الخطمي
~~الأنصاري
#
### | [إحكام الأحكام]
# الخلفاء بعده، وأنه لم يؤم أحد منهم جالسا، وإن كان النسخ لا يمكن بعد
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه عن إمامة
~~القاعد بعده، وتقوي لين هذا الحديث.
# وأقول: هذا ضعيف. أما الحديث في «لا يؤمن أحد بعدي جالسا» فحديث رواه
~~الدارقطني عن جابر بن زيد الجعفي - بضم الجيم وسكون العين - عن الشعبي -
~~بفتح الشين - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يؤمن أحد بعدي
~~جالسا» وهذا مرسل. وجابر بن زيد قالوا فيه: متروك. ورواه مجالد عن الشعبي
~~وقد استضعف مجالد.
# وأما الاستدلال بترك الخلفاء الإمامة عن قعود: فأضعف. فإن ترك الشيء لا
~~يدل على تحريمه. فلعلهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين، وإن كان الاتفاق قد
~~حصل على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة، وأن الأولى تركها. فذلك كاف في
~~بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. وقولهم " إنه يشهد بصحة نهيه عن إمامة
~~القاعد بعده " ليس كذلك، لما بيناه من أن الترك للفعل لا يدل على تحريمه.
# الطريق الثاني: في الجواب عن هذا الحديث: للمانعين ادعاء أن ذلك مخصوص
~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم ms151 -. وقد عرف أن الأصل عدمه حتى يدل عليه دليل.
# الطريق الثالث: التأويل بأن يحمل قوله " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا "
~~على أنه: إذا كان في حالة الجلوس فاجلسوا، ولا تخالفوه بالقيام. وكذلك إذا
~~صلى قائما فصلوا قياما. أي إذا كان في حال القيام فقوموا ولا تخالفوه
~~بالقعود. وكذلك في قوله " إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا " وهذا بعيد.
~~وقد ورد في الأحاديث وطرقها: ما ينفيه، مثل ما جاء في حديث عائشة - رضي
~~الله عنها - الآتي " أنه أشار إليهم: أن اجلسوا " ومنه تعليل ذلك بموافقة
~~الأعاجم في القيام على ملوكهم. وسياق الحديث في الجملة يمنع من سبق الفهم
~~إلى هذا التأويل.
# والكلام على حديث عائشة مثل الكلام على حديث أبي هريرة، وما فيه من
~~الزيادة قد حصل التنبيه عليه.
# PageV00P000
# - رضي الله عنه - قال: حدثني البراء - وهو غير كذوب -
~~قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: سمع الله لمن حمده:
~~لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجدا، ثم
~~نقع سجودا بعده» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده]
# " عبد الله بن يزيد الخطمي " مفتوح الخاء ساكن الطاء - من بني خطمة.
~~وخطمة من الأوس. كان أميرا على الكوفة. والذي روى عنه هذا الحديث: أبو
~~إسحاق. وقوله " وهو غير كذوب " حمله بعضهم على أنه كلام أبي إسحاق في وصف
~~عبد الله بن يزيد، لا كلام عبد الله بن يزيد في وصف البراء بن عازب. والذي
~~ذكره المصنف يقتضي أنه كلام عبد الله بن يزيد في وصف البراء بن عازب ولو
~~كان ذكر أبا إسحاق لكان أحسن، أو متعينا، لاحتمال الكلام الوجهين معا.
# وأما على ما ذكره: فلا يحتمل إلا أحدهما. وهو البراء. والذين حملوا
~~الكلام على الوجه الأول: قصدوا تنزيه البراء عن مثل هذه التزكية؛ لأنه في
~~مقام الصحبة، وكذا نقل عن يحيى بن معين، أنه قال - يعني أبا إسحاق - إن عبد ms152
~~الله بن يزيد غير كذوب. ولا يقال للبراء: إنه غير كذوب. فإذا قصدوا ذلك
~~فعبد الله بن يزيد أيضا قد شهد الحديبية. وهو ابن سبع عشرة سنة. ورد هذا
~~بعضهم برواية شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب يقول:
~~حدثنا البراء، وكان غير كذوب. وإن كان هذا محتملا أيضا.
# والحديث يدل على تأخر الصحابة في الاقتداء عن فعل رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -، حتى يتلبس بالركن الذي ينتقل إليه، لا حين يشرع في الهوي
~~إليه. وفي ذلك دليل على طول الطمأنينة من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
# ولفظ الحديث الآخر يدل على ذلك، أعني قوله " فإذا ركع فاركعوا. وإذا
# PageV01P226
# 80 - الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من
~~وافق تأمينه تأمين الملائكة: غفر له ما تقدم من ذنبه»
#
### | [إحكام الأحكام]
# سجد فاسجدوا " فإنه يقتضي تقدم ما يسمى ركوعا وسجودا.
### | [حديث إذا أمن الإمام فأمنوا]
# الحديث يدل على أن الإمام يؤمن. وهو اختيار الشافعي وغيره. واختيار مالك:
~~أن التأمين للمأمومين. ولعله يؤخذ منه جهر الإمام بالتأمين. فإنه علق
~~تأمينهم بتأمينه. فلا بد أن يكونوا عالمين به. وذلك بالسماع. والذين قالوا
~~" لا يؤمن الإمام " أولوا قوله - صلى الله عليه وسلم - " إذا أمن الإمام "
~~على بلوغه موضع التأمين. وهو خاتمة الفاتحة، كما يقال " أنجد " إذا بلغ
~~نجدا. و " أتهم " إذا بلغ تهامة. و " أحرم " إذا بلغ الحرم. وهذا مجاز. فإن
~~وجد دليل يرجحه على ظاهر هذا الحديث - وهو قوله " إذا أمن " فإنه حقيقة في
~~التأمين - عمل به. وإلا فالأصل عدم المجاز.
# ولعل مالكا اعتمد على عمل أهل المدينة، إن كان لهم في ذلك عمل، ورجح به
~~مذهبه. وأما دلالة الحديث " على الجهر بالتأمين فأضعف من دلالته على نفس
~~التأمين قليلا؛ لأنه قد يدل دليل على تأمين الإمام من غير جهر.
# وموافقة تأمين الإمام لتأمين الملائكة ظاهره: الموافقة في الزمان. ويقويه ms153
~~الحديث الآخر «إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين.
# PageV00P000
# 81 - الحديث السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن
~~فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» .
### | 82 -
# وما في معناه من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - وهو الحديث
~~السابع قال: «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني
~~لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، قال: فما رأيت النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها
~~الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير
~~والضعيف وذا الحاجة»
#
### | [إحكام الأحكام]
# فوافقت إحداهما الأخرى» وقد يحتمل أن تكون الموافقة راجعة إلى صفة
~~التأمين، أي يكون تأمين المصلي كصفة تأمين الملائكة في الإخلاص، أو غيره من
~~الصفات الممدوحة. والأول أظهر.
# وقد تقدم لنا كلام في مثله في قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - " غفر له
~~ما تقدم من ذنبه " وهل ذلك مخصوص بالصغائر؟ .
### | [حديث إذا صلى أحدكم للناس فليخفف]
# حديث أبي هريرة وأبي مسعود واسمه عقبة بن عمرو ويعرف بالبدري. والأكثر
~~على أنه لم يشهد بدرا. ولكنه نزلها، فنسب إليها - يدلان على التخفيف في
~~صلاة الإمام. والحكم فيها مذكور مع علته، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا
~~طول. وفيه - بعد ذلك - بحثان أحدهما: أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها
~~الحكم، فحيث يشق على
# PageV00P000
# 83 - الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة
~~قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير
~~والقراءة: ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين
~~المشرق والمغرب. اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
~~اللهم اغسلني من ms154 خطاياي بالماء والثلج والبرد» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المأمومين التطويل، ويريدون التخفيف: يؤمر بالتخفيف. وحيث لا يشق، أو لا
~~يريدون التخفيف: لا يكره التطويل. وعن هذا قال الفقهاء: إنه إذا علم من
~~المأمومين: أنهم يؤثرون التطويل طول، كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل. فإن
~~ذلك - وإن شق عليهم - فقد آثروه ودخلوا عليه.
# الثاني: التطويل والتخفيف: من الأمور الإضافية. فقد يكون الشيء طويلا
~~بالنسبة إلى عادة قوم. وقد يكون خفيفا بالنسبة إلى عادة آخرين. وقد قال بعض
~~الفقهاء: إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود. والمروي
~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ذلك، مع أمره بالتخفيف. فكأن ذلك؛
~~لأن عادة الصحابة لأجل شدة رغبتهم في الخير يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا.
~~هذا إذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عاما في صلواته أو أكثرها.
~~وإن كان خاصا ببعضها، فيحتمل أن يكون؛ لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل
~~وهو متردد بين أن لا يكون تطويلا بسبب ما يقتضيه حال الصحابة، وبين أن يكون
~~تطويلا لكنه بسبب إيثار المأمومين. وظاهر الحديث المروي: لا يقتضي الخصوص
~~ببعض صلواته - صلى الله عليه وسلم -. وحديث أبي مسعود: يدل على الغضب في
~~الموعظة. وذلك يكون: إما لمخالفة الموعوظ لما علمه، أو التقصير في تعلمه.
~~والله أعلم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم]
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة]
# تقدم القول في أن " كان " تشعر بكثرة الفعل أو المداومة عليه. وقد تستعمل
~~في مجرد وقوعه.
# وهذا الحديث يدل لمن قال باستحباب الذكر بين التكبير والقراءة. فإنه دل
~~على استحباب هذا الذكر. والدال على المقيد دال على المطلق، فينافي ذلك
~~كراهية المالكية الذكر فيما بين التكبير والقراءة. ولا يقتضي استحباب ذكر
~~آخر معين.
# وفيه دليل لمن قال باستحباب هذه السكتة بين التكبير والقراءة. والمراد
~~بالسكتة هاهنا السكوت عن الجهر، لا عن مطلق القول، أو عن ms155 قراءة القرآن، لا
~~عن الذكر.
# وقوله " ما تقول؟ " يشعر بأنه فهم أن هناك قولا فإن السؤال وقع بقوله "
~~ما تقول؟ " ولم يقع بقوله " هل تقول؟ " والسؤال " بهل " مقدم على السؤال "
~~بما " هاهنا. ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم. كما ورد في استدلالهم
~~على القراءة في السر باضطراب لحيته.
# وقوله " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ".
~~عبارة: إما عن محوها وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من وقوعها والعصمة
~~منها وفيه مجازان:
# أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها. والمباعدة
~~في الزمان أو في المكان في الأصل.
# والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية. فإن أصلها لا يقتضي
~~الزوال. وليس المراد ههنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز. وإنما
~~المراد الإزالة بالكلية. وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب،
~~المقصود منها: ترك المؤاخذة أو العصمة.
# وقوله " اللهم نقني من خطاياي - إلى قوله - من الدنس " مجاز - كما تقدم -
~~عن زوال الذنوب وأثرها. ولما كان ذلك أظهر في الثوب الأبيض من غيره من
~~الألوان وقع التشبيه به.
# PageV01P230
# 84 - الحديث الثالث: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب
~~{الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه
~~ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع: لم يسجد، حتى يستوي قائما،
~~وكان إذا رفع رأسه من السجدة: لم يسجد، حتى يستوي قاعدا، وكان يقول في كل
~~ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن
~~عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة
~~بالتسليم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله " اللهم اغسلني " إلى آخره يحتمل أمرين - بعد كونه مجازا عما
~~ذكرناه - أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع فإن
~~الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء منقية، يكون في غاية النقاء.
# الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذه الأشياء ms156 مجازا عن صفة يقع بها
~~التكفير والمحو. ولعل ذلك كقوله تعالى {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا}
~~[البقرة: 286] فكل واحدة من هذه الصفات أعني: العفو والمغفرة، والرحمة -
~~لها أثر في محو الذنب. فعلى هذا الوجه: ينظر إلى الأفراد. ويجعل كل فرد من
~~أفراد الحقيقة دالا على معنى فرد مجازي. وفي الوجه الأول: لا ينظر إلى
~~أفراد الألفاظ، بل تجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير]
# . هذا الحديث سها المصنف في إيراده في هذا الكتاب. فإنه مما انفرد به
~~مسلم عن البخاري. فرواه من حديث الحسين المعلم عن بديل بن ميسرة عن أبي
~~الجوزاء عن عائشة - رضي الله عنها -. وشرط الكتاب: تخريج الشيخين للحديث.
# قولها " كان يستفتح الصلاة بالتكبير " قد تقدم الكلام على لفظة " كان "
~~فإنها قد تستعمل في مجرد وقوع الفعل. وهذا الحديث - مع حديث أبي هريرة -
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# قد يدل على ذلك. فإنها قد استعملت في أحدهما على غير ما استعملت في
~~الآخر. فإن حديث أبي هريرة: إن اقتضى المداومة أو الأكثرية على السكوت وذلك
~~الذكر، وهذا الحديث يقتضي المداومة - أو الأكثرية - لافتتاح الصلاة بعد
~~التكبير ب {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] ، تعارضا.
# وهذا البحث مبني على أن يكون لفظ " القراءة " مجرورا. فإن كانت لفظة "
~~كان " لا تدل إلا على الكثرة. فلا تعارض. إذ قد يكثران جميعا. وهذه الأفعال
~~التي تذكرها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة قد استدل الفقهاء
~~بكثير منها على الوجوب. لا لأن الفعل يدل على الوجوب، بل؛ لأنهم يرون أن
~~قوله تعالى {أقيموا الصلاة} [الأنعام: 72] خطاب مجمل، مبين بالفعل، والفعل
~~المبين للمجمل المأمور به: يدخل تحت الأمر. فيدل مجموع ذلك على الوجوب.
~~وإذا سلكت هذه الطريقة وجدت أفعالا غير واجبة، فلا بد أن يحال ذلك على دليل
~~آخر دل على عدم الوجوب.
# وفي هذا الاستدلال بحث. وهو أن يقال: الخطاب المجمل يتبين بأول الأفعال
~~وقوعا. فإذا تبين ms157 بذلك الفعل لم يكن ما وقع بعده بيانا، لوقوع البيان
~~بالأول. فيبقى فعلا مجردا، لا يدل على الوجوب. اللهم إلا أن يدل دليل على
~~وقوع ذلك الفعل المستدل به بيانا. فيتوقف الاستدلال بهذه الطريقة على وجود
~~ذلك الدليل، بل قد يقوم الدليل على خلافه، كرواية من رأى فعلا للنبي - صلى
~~الله عليه وسلم -. وسبقت له - صلى الله عليه وسلم - مدة يقيم الصلاة فيها.
~~وكان هذا الراوي الرائي من أصاغر الصحابة، الذين حصل تمييزهم ورؤيتهم بعد
~~إقامة الصلاة مدة. فهذا مقطوع بتأخره. وكذلك من أسلم بعد مدة إذا أخبر
~~برؤيته للفعل. وهذا ظاهر في التأخير. وهذا تحقيق بالغ.
# وقد يجاب عنه بأمر جدلي لا يقوم مقامه. وهو أن يقال: دل الحديث المعين
~~على وقوع هذا الفعل. والأصل عدم غيره وقوعا، بدلالة الأصل. فينبغي أن يكون
~~وقوعه بيانا. وهذا قد يقوى إذا وجدنا فعلا ليس فيه شيء مما قام الدليل على
~~عدم وجوبه. فأما إذا وجد فيه شيء من ذلك، فإذا جعلناه مبينا بدلالة الأصل
~~على عدم غيره، ودل الدليل على عدم وجوبه: لزم النسخ لذلك الوجوب الذي ثبت
~~أولا فيه.
# PageV01P232
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ولا شك أن مخالفة الأصل أقرب من التزام النسخ.
# وقولها " وكان يفتتح الصلاة بالتكبير " يدل على أمور:
# أحدها: أن الصلاة تفتتح بالتحريم، أعني ما هو أعم من التكبير، بمعنى أنه
~~لا يكتفى بالنية في الدخول فيها. فإن التكبير تحريم مخصوص. والدال على وجود
~~الأخص دال على وجود الأعم. وأعني بالأعم هاهنا: هو المطلق. ونقل بعض
~~المتقدمين خلافه. وربما تأوله. بعضهم على مالك. والمعروف خلافه عنه. وعن
~~غيره.
# الثاني: أن التحريم يكون بالتكبير خصوصا. وأبو حنيفة يخالف فيه ويكتفي
~~بمجرد التعظيم. كقوله " الله أجل، أو أعظم " والاستدلال على الوجوب بهذا
~~الفعل، إما على الطريقة السابقة من كونه بيانا للمجمل. وفيه ما تقدم. وإما
~~بأن يضم إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - " صلوا كما رأيتموني أصلي "
~~وقد فعلوا ذلك في مواضع كثيرة. واستدلوا على الوجوب، ms158 مع هذا القول. أعني
~~قوله - صلى الله عليه وسلم - " صلوا كما رأيتموني أصلي " وهذا إذا أخذ
~~مفردا عن ذكر سببه وسياقه: أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما صلى - صلى
~~الله عليه وسلم - فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على كل فعل ثبت أنه فعله في
~~الصلاة. وإنما هذا الكلام قطعة من حديث مالك بن الحويرث قال «أتينا رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة متقاربون - فأقمنا عنده عشرين ليلة.
~~وكان رسول الله رحيما رفيقا. فظن أنا قد اشتقنا أهلنا. فسألنا عمن تركنا من
~~أهلنا؟ فأخبرناه. فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم.
~~فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم. ثم ليؤمكم أكبركم زاد البخاري وصلوا
~~كما رأيتموني أصلي» فهذا خطاب لمالك وأصحابه بأن يوقعوا الصلاة على ذلك
~~الوجه الذي رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي عليه ويشاركهم في هذا
~~الخطاب كل الأمة في أن يوقعوا الصلاة على ذلك الوجه. فما ثبت استمرار فعل
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه دائما: دخل تحت الأمر، وكان واجبا. وبعض
~~ذلك مقطوع به، أي مقطوع باستمرار فعله له. وما لم يدل دليل على وجوده في
~~تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها - لا يجزم بتناول
~~الأمر له.
# وهذا أيضا يقال فيه من الجدل ما أشرنا إليه. وقولها " والقراءة ب {الحمد
~~لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] تمسك به مالك وأصحابه في
# PageV01P233
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ترك الذكر بين التكبير والقراءة. فإنه لو تخلل ذكر بينهما لم يكن
~~الاستفتاح بالقراءة ب {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] وهذا على أن
~~تكون " القراءة " مجرورة لا منصوبة واستدل به أصحاب مالك أيضا على ترك
~~التسمية في ابتداء الفاتحة.
# وتأوله غيرهم على أن المراد: يفتتح بسورة الفاتحة قبل غيرها من السور.
~~وليس بقوي؛ لأنه إن أجرى مجرى الحكاية فذلك يقتضي البداءة بهذا اللفظ
~~بعينه. فلا يكون قبله غيره؛ لأن ذلك الغير يكون هو المفتتح به. وإن جعل
~~اسما فسورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع. أعني ms159 " الحمد لله رب العالمين "
~~بل تسمى بسورة الحمد فلو كان لفظ الرواية " كان يفتتح بالحمد " لقوي هذا
~~المعنى. فإنه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة التي البسملة بعضها عند هذا
~~المتأول لهذا الحديث.
# وقولها " وكان إذا ركع لم يشخص رأسه " أي لم يرفعه. ومادة اللفظ تدل على
~~الارتفاع. ومنه: أشخص بصره، إذا رفعه نحو جهة العلو. ومنه الشخص لارتفاعه
~~للأبصار ومنه: شخص المسافر: إذا خرج من منزله إلى غيره. ومنه ما جاء في بعض
~~الآثار " فشخص بي " أي أتاني ما يقلقني. كأنه رفع من الأرض لقلقه.
# وقولها " ولم يصوبه " أي لم ينكسه. ومنه الصيب: المطر. صاب يصوب إذا نزل.
# قال الشاعر:
# فلست لإنسي ولكن لملاك ... تنزل من جو السماء يصوب
# ومن أطلق " الصيب " على الغيم فهو من باب المجاز؛ لأنه سبب الصيب الذي هو
~~المطر.
### | [المسنون في الركوع]
# 1
# وقولها " ولكن بين ذلك " إشارة إلى المسنون في الركوع. وهو الاعتدال
~~واستواء الظهر والعنق.
### | [الرفع من الركوع والاعتدال فيه]
# 1
# وقولها " وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما " دليل
~~على الرفع من الركوع والاعتدال فيه. والفقهاء اختلفوا في وجوب ذلك على
~~ثلاثة أقوال.
# الثالث: يجب ما هو إلى الاعتدال أقرب. وهذا عندنا من الأفعال التي ثبت
~~استمرار النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، أعني الرفع من الركوع
# PageV01P234
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأما قولها " وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعدا " يدل
~~على الرفع من السجود، وعلى الاستواء في الجلوس بين السجدتين. فأما الرفع:
~~فلا بد منه؛ لأنه لا يتصور تعدد السجود إلا به، بخلاف الرفع من الركوع. فإن
~~الركوع غير متعدد. وسها بعض الفضلاء من المتأخرين، فذكر ما ظاهره الخلاف في
~~الرفع من الركوع والاعتدال فيه. فلما ذكر السجود قال: الرفع من السجود
~~والاعتدال فيه والطمأنينة كالركوع. فاقتضى ظاهر كلامه: أن الخلاف في الرفع
~~من الركوع جار في الرفع من السجود. وهذا سهو عظيم؛ لأنه لا يتصور خلاف في
~~الرفع من ms160 السجود، إذ السجود، متعدد شرعا. ولا يتصور تعدده إلا بالرفع
~~الفاصل بين السجدتين.
# وقولها " وكان يقول في كل ركعتين التحية " أطلقت لفظ " التحية " على
~~التشهد كله، من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. وهذا الموضع مما فارق فيه
~~الاسم المسمى. فإن " التحية " الملك، أو البقاء، أو غيرهما على ما سيأتي.
~~وذلك لا يتصور قوله. وإنما يقال اسمه الدال عليه. وهذا بخلاف قولنا: أكلت
~~الخبز وشربت الماء. فإن الاسم هناك أريد به المسمى. وأما لفظة الاسم: فقد
~~قيل فيها: إن الاسم هو المسمى. وفيه نظر دقيق.
# وقولها " وكان يفرش رجله اليسرى. وينصب رجله اليمنى " يستدل به أصحاب أبي
~~حنيفة على اختيار هذه الهيئة للجلوس للرجل. ومالك اختار التورك وهو أن يفضي
~~بوركه إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى. والشافعي فرق بين التشهد الأول
~~والتشهد الأخير. ففي الأول اختار الافتراش على التورك. وفي الثاني اختار
~~التورك. وقد ورد أيضا هيئة التورك. فجمع الشافعي بين الحديثين فحمل
~~الافتراش على الأول. وحمل التورك على الثاني. وقد ورد ذلك مفصلا في بعض
~~الأحاديث. ورجح من جهة المعنى بأمرين ليسا بالقويين:
# أحدهما: أن المخالفة في الهيئة قد تكون سببا للتذكر عند الشك في كونه في
~~التشهد الأول، أو في التشهد الأخير.
# والثاني: أن الافتراش هيئة استيفاز. فناسب أن تكون في التشهد الأول؛ لأن
~~المصلي مستوفز للقيام. والتورك هيئة اطمئنان. فناسب الأخير، والاعتماد على
~~النقل أولى.
# وقولها " وكان ينهى عن عقبة الشيطان " ويروى " عن عقب الشيطان "
# PageV01P235
# 85 - الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا
~~افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك،
~~وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في السجود» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفسر بأن يفرش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه. وقد سمي ذلك أيضا الإقعاء.
~~وقولها " وينهى أن يفترش إلى قولها - السبع " وهو أن يضع ذراعيه على الأرض
~~في ms161 السجود. والسنة: أن يرفعهما، ويكون الموضوع على الأرض كفيه فقط.
### | [التسليم للخروج من الصلاة]
# وقولها " وكان يختم الصلاة بالتسليم " أكثر الفقهاء على تعيين التسليم
~~للخروج من الصلاة، اتباعا للفعل المواظب عليه. ولا يدل الحديث على أكثر من
~~مسمى السلام. وقد يؤخذ من هذا: أن التسليم: من الصلاة لقولها " وكان يختم
~~الصلاة بالتسليم " وليس بالتشهد الظهور في ذلك. وأبو حنيفة يخالف فيه
### | [حديث النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة]
# اختلف الفقهاء في رفع اليدين في الصلاة على مذاهب متعددة. فالشافعي قال
~~بالرفع في هذه الأماكن الثلاثة. أعني في افتتاح الصلاة والركوع والرفع من
~~الركوع. وحجته: هذا الحديث. وهو من أقوى الأحاديث سندا. وأبو حنيفة لا يرى
~~الرفع في غير الافتتاح. وهو المشهور عند أصحاب مالك. والمعمول به عند
~~المتأخرين منهم. واقتصر الشافعي على الرفع في هذه الأماكن الثلاثة لهذا
~~الحديث. وقد ثبت الرفع عند القيام من الركعتين. وقياس نظره: أن يسن الرفع
~~في ذلك المكان أيضا؛ لأنه لما قال بإثبات الرفع في الركوع والرفع منه -
~~لكونه زائدا على من روى الرفع عند التكبير فقط - وجب أيضا أن يثبت الرفع
~~عند القيام من
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الركعتين. فإنه زائد على من أثبت الرفع في هذه الأماكن الثلاث فقط.
~~والحجة واحدة في الموضعين:
# وأول راض سيرة من يسيرها
# والصواب - والله أعلم - استحباب الرفع عند القيام من الركعتين، لثبوت
~~الحديث فيه. وأما كونه مذهبا للشافعي - لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي،
~~أو ما هذا معناه - ففي ذلك نظر. ولما ظهر لبعض الفضلاء المتأخرين من
~~المالكية قوة الرفع في الأماكن الثلاثة على حديث ابن عمر: اعتذر عن تركه في
~~بلاده فقال: وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه فيهما -
~~أي في الركوع والرفع منه - ثبوتا لا مرد له صحة، فلا وجه للعدول عنه، إلا
~~أن في بلادنا هذه يستحب للعالم تركه؛ لأنه إن فعله نسب إلى البدعة، وتأذى
~~في ms162 عرضه، وربما تعدت الأذية إلى بدنه. فوقاية العرض والبدن بترك سنة: واجب
~~في الدين.
# وقوله " حذو منكبيه " هو اختيار الشافعي في منتهى الرفع، وأبو حنيفة
~~اختار الرفع إلى حذو الأذنين وفيه حديث آخر يدل عليه، ورجح مذهب الشافعي
~~بقوة السند، لحديث ابن عمر، وبكثرة الرواة لهذا المعنى، فروي عن الشافعي
~~أنه قال: وروى هذا الخبر بضعة عشر نفسا من الصحابة، وربما سلك طريق الجمع.
~~فحمل خبر ابن عمر على أنه رفع يديه حتى حاذى كفاه منكبيه. والخبر الآخر:
~~على أنه رفع يديه حتى حاذت أطراف أصابعه أذنيه. وقيل: إنه رويت رواية من
~~حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويحاذي بإبهاميه أذنيه»
~~.
# واختلف أصحاب الشافعي متى يبتدئ التكبير؟ فمنهم من قال: يبتدئ التكبير مع
~~ابتداء رفع اليدين، ويتم التكبير مع انتهاء إرسال اليدين. ونسب هذا إلى
~~رواية وائل بن حجر. وقد نقل في رواية وائل بن حجر " استقبل النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - وكبر فرفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه " وهذه الرواية لا
~~تدل على ما نسب إلى رواية وائل بن حجر، وفي رواية لأبي داود فيها بعض
~~مجهولين، لفظها أنه «رأى رسول
# PageV01P237
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع التكبير» وهذا أقرب في
~~الدلالة. وفي رواية أخرى لأبي داود - فيها انقطاع - أنه «أبصر رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - حين قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى كانتا بحيال
~~منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه. ثم كبر» وفي رواية أخرى أجود من هاتين «وكان
~~إذا كبر رفع يديه» وهذه محتملة؛ لأنا إذا قلنا: فلان فعل: احتمل أن يراد
~~شرع في الفعل. ويحتمل: أن يراد فرغ منه. ويحتمل أن يراد: جملة الفعل. ومن
~~أصحاب الشافعي من قال: يرفع اليدين غير مكبر. ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء
~~الإرسال، ثم يتم التكبير مع تمام الإرسال. وينسب هذا إلى رواية أبي حميد ms163
~~الساعدي. ومنهم من قال: يرفع اليدين غير مكبر، ثم يكبر ثم يرسل اليدين بعد
~~ذلك. وينسب هذا إلى رواية ابن عمر.
# وهذه الرواية التي ذكرها المصنف ظاهرها عندي مخالف لما نسب إلى رواية ابن
~~عمر، فإنه جعل افتتاح الصلاة ظرفا لرفع اليدين. فإما أن يحمل الافتتاح على
~~أول جزء من التكبير، فينبغي أن يكون رفع اليدين معه. وصاحب هذا القول يقول:
~~يرفع اليدين غير مكبر. وإما أن يحمل الافتتاح على التكبير كله. فأيضا لا
~~يقتضي أن يرفع اليدين غير مكبر.
# وقوله «وقال سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد» يقتضي جمع الإمام بين
~~الأمرين. فإن الظاهر: أن ابن عمر إنما حكى وروى عن حالة الإمامة. فإنها
~~الحالة الغالبة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرها نادر جدا. وإن حمل
~~اللفظ على العموم دخل فيه المنفرد والإمام. وقد فسر قوله " سمع الله لمن
~~حمده " أي استجاب الله دعاء من حمده، وقد تقدم الكلام في إثبات الواو
~~وحذفها.
# وقوله " وكان لا يفعل ذلك في السجود " يعني الرفع. وكأنه يريد بذلك عند
~~ابتداء السجود، أو عند الرفع منه. وحمله على الابتداء أقرب. وأكثر الفقهاء
~~على القول بهذا الحديث، وأنه لا يسن رفع اليدين عند السجود. وخالف بعضهم في
~~ذلك. وقال: يرفع، لحديث ورد فيه. وهذا مقتضى ما ذكرناه في القاعدة. وهو
~~القول بإثبات الزيادة وتقديمها على من نفاها أو سكت عنها. والذين تركوا
~~الرفع في السجود سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك الرفع في
~~السجود، والترجيح إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض بين رواية من أثبت
~~الزيادة وبين
# PageV01P238
# 86 - الحديث الخامس: عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم:
~~على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من نفاها، أو سكت عنها، إلا أن يكون النفي والإثبات منحصرين في جهة
~~واحدة. فإن ادعي ذلك في حديث ابن عمر والحديث الآخر، وثبت ms164 اتحاد الوقتين:
~~فذاك
### | [حديث أمرت أن أسجد على سبعة أعظم]
# الكلام عليه من وجوه:
# الأول: أنه - صلى الله عليه وسلم - سمى كل واحد من هذه الأعضاء عظما
~~باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحد منها على عظام ويحتمل أن يكون ذلك من
~~باب تسمية الجملة باسم بعضها.
# الثاني: ظاهر الحديث يدل على وجوب السجود على هذه الأعضاء؛ لأن الأمر
~~للوجوب. والواجب عند الشافعي منها الجبهة، لم يتردد قوله فيه. واختلف قوله
~~في اليدين والركبتين والقدمين. وهذا الحديث يدل للوجوب. وقد رجح بعض أصحابه
~~عدم الوجوب. ولم أرهم عارضوا هذا بدليل قوي أقوى من دلالته فإنه استدل لعدم
~~الوجوب بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث رفاعة «ثم يسجد فيمكن جبهته»
~~وهذا غايته: أن تكون دلالته دلالة مفهوم وهو مفهوم لقب، أو غاية. والمنطوق
~~الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء: مقدم عليه. وليس هذا من باب تخصيص
~~العموم بالمفهوم، كما مر لنا في قوله - صلى الله عليه وسلم - «جعلت لي
~~الأرض مسجدا وطهورا» من قوله «جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا
~~طهورا» فإنه ثمة يعمل بذلك العموم من وجه، إذا قدمنا دلالة المفهوم. وههنا
~~إذا قدمنا دلالة المفهوم: أسقطنا الدليل الدال على وجوب السجود على هذه
~~الأعضاء - أعني اليدين والركبتين والقدمين - مع تناول اللفظ لها بخصوصها.
# وأضعف من هذا: ما استدل به على عدم الوجوب من قوله - صلى الله عليه وسلم
~~- «سجد
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وجهي للذي خلقه» قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه. فإنه لا يلزم من إضافة
~~السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه. وأضعف من هذا: الاستدلال على عدم
~~الوجوب بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، فإن هذا الحديث يدل على إثبات
~~زيادة على المسمى، فلا تترك.
# وأضعف من هذا: المعارضة بقياس شبهي، ليس بقوي، مثل أن يقال: أعضاء لا يجب
~~كشفها. فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة. وقد رجح المحاملي من
~~أصحاب الشافعي القول بالوجوب. وهو أحسن عندنا من قول من رجح ms165 عدم الوجوب.
~~وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن سجد على الأنف وحده كفاه، وهو قول في مذهب مالك
~~وأصحابه. وذهب بعض العلماء إلى أن الواجب السجود على الجبهة والأنف معا.
~~وهو قول في مذهب مالك أيضا. ويحتج لهذا المذهب بحديث ابن عباس هذا. فإن في
~~بعض طرقه «الجبهة والأنف معا» وفي هذه الطريق التي ذكرها المصنف «الجبهة،
~~وأشار بيده إلى أنفه» فقيل: معنى ذلك: أنهما جعلا كالعضو الواحد ويكون
~~الأنف كالتبع للجبهة.
# واستدل على هذا بوجهين:
# أحدهما: أنه لو كان كعضو منفرد عن الجبهة حكما، لكانت الأعضاء المأمور
~~بالسجود عليها ثمانية، لا سبعة. فلا يطابق العدد المذكور في أول الحديث.
# الثاني: أنه قد اختلفت العبارة مع الإشارة إلى الأنف. فإذا جعلا كعضو
~~واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. فتطابق الإشارة
~~العبارة وربما استنتج من هذا: أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه؛ لأنهما
~~إذا جعلا كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ.
# والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة والأنف، لكونهما داخلين
~~تحت الأمر، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور. فذلك
~~في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دل عليه الأمر. وأيضا: فإن الإشارة
~~قد لا تعين المشار إليه. فإنها إنما تتعلق بالجبهة. فإذا تقارب ما في الجهة
~~أمكن أن لا يتعين المشار إليه يقينا. وأما اللفظ: فإنه معين لما
# PageV01P240
# 87 - الحديث السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين
~~يقوم، ثم يكبر حين يركع،
#
### | [إحكام الأحكام]
# وضع له. فتقديمه أولى.
# الثالث: المراد باليدين - هاهنا - الكفان. وقد اعتقد قوم أن مطلق لفظ "
~~اليدين " يحمل عليهما، كما في قوله تعالى {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]
~~واستنتجوا من ذلك: أن التيمم إلى الكوعين. وعلى كل تقدير: فسواء صح هذا أم
~~لا، فالمراد ههنا الكفان؛ لأنا لو حملناه على بقية الذراع: لدخل تحت ms166 المنهي
~~عنه من افتراش الكلب أو السبع. ثم تصرف الفقهاء بعد ذلك. فقال بعض مصنفي
~~الشافعية: إن المراد الراحة، أو الأصابع. ولا يشترط الجمع بينهما، بل يكفي
~~أحدهما. ولو سجد على ظهر الكف لم يجزه. هذا معنى ما قال.
### | [كشف شيء من أعضاء السجود]
# 1
# الرابع: قد يستدل بهذا على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء. فإن مسمى
~~السجود يحصل بالوضع. فمن وضعها فقد أتى بما أمر به. فوجب أن يخرج عن
~~العهدة. وهذا يلتفت إلى بحث أصولي. وهو أن الإجزاء في مثل هذا هل هو راجع
~~إلى اللفظ، أم إلى أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به، مضموما إلى
~~فعل المأمور به؟ .
# وحاصله: أن فعل المأمور به: هل هو علة الإجزاء، أو جزء علة الإجزاء؟ ولم
~~يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب.
# وكذلك القدمان. أما الأول: فلما يحذر فيه من كشف العورة. وأما الثاني:
~~وهو عدم كشف القدمين فعليه دليل لطيف جدا؛ لأن الشارع وقت المسح على الخف
~~بمدة تقع فيها الصلاة مع الخف. فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين.
~~وانتقضت الطهارة، وبطلت الصلاة. وهذا باطل. ومن نازع في انتقاض الطهارة
~~بنزع الخف، فيدل عليه بحديث صفوان الذي فيه «أمرنا أن لا ننزع خفافنا» -
~~إلى آخره ".
# فتقول: لو وجب كشف القدمين لناقضه إباحة عدم النزع في هذه المدة التي دل
~~عليها لفظة " أمرنا " المحمولة على الإباحة. وأما اليدان. فللشافعي تردد في
~~وجوب كشفهما.
# PageV00P000
# ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من
~~الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين
~~يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته
~~كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم]
# الكلام عليه من وجوه.
# أحدها: أنه يدل على إتمام ms167 التكبير، بأن يوقع في كل خفض ورفع، مع التسميع
~~في الرفع من الركوع. وقد اتفق الفقهاء على هذا، بعد أن كان وقع فيه خلاف
~~لبعض المتقدمين. وفيه حديث رواه النسائي: «أنه كان لا يتم التكبير» .
# الثاني قوله «يكبر حين يقوم» يقتضي إيقاع التكبير في حال القيام. ولا شك
~~أن القيام واجب في الفرائض للتكبير، وقراءة الفاتحة - عند من يوجبها - مع
~~القدرة. فكل انحناء يمنع اسم القيام عند التكبير: يبطل التحريم، ويقتضي عدم
~~انعقاد الصلاة فرضا.
# وقوله «ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة» يدل على جمع
~~الإمام بين التسميع والتحميد، لما ذكرنا: أن صلاة النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - الموصوفة محمولة على حال الإمامة للغلبة. ويدل على أن التسميع يكون
~~حين الرفع، والتحميد بعد الاعتدال. وقد ذكرنا أن الفعل قد يطلق على ابتدائه
~~وعلى انتهائه وعلى جملته حال مباشرته. ولا بأس بأن يحمل قوله «يقول حين
~~يرفع صلبه» على حركته حالة المباشرة. ليكون الفعل مستصحبا في جميعه للذكر.
# الثالث: قوله «يكبر حين يقوم» - إلى آخره اختلفوا في وقت هذا التكبير.
~~فاختار بعضهم أن يكون عند الشروع في النهوض وهو مذهب الشافعي. واختار
# PageV01P242
# 88 - الحديث السابع - عن مطرف بن عبد الله قال «صليت
~~أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب. فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه
~~كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين،
~~وقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو قال: صلى بنا صلاة
~~محمد - صلى الله عليه وسلم -» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بعضهم أن يكون عند الاستواء قائما. وهو مذهب مالك. فإن حمل قوله " حين
~~يرفع " على ابتداء الرفع، وجعل ظاهرا فيه: دل ذلك لمذهب الشافعي. ويرجح من
~~جهة المعنى بشغل زمن الفعل بالذكر. والله أعلم.
### | [حديث علي بن أبي طالب كان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر]
# " مطرف بن عبد الله بن الشخير - مكسور الشين المعجمة، مشدد الخاء ms168
~~المكسورة وآخره راء - أبو عبد الله العامري يقال: إنه من بني الحريش - بفتح
~~الحاء المهملة وكسر الراء المهملة وآخره شين معجمة - والحريش من بني عامر
~~بن صعصعة مات سنة خمس وتسعين. متفق على إخراج حديثه في الصحيحين.
# والحديث يدل على التكبير في الحالات المذكورة فيه، وإتمام التكبير في
~~حالات الانتقالات. وهو الذي استمر عليه عمل الناس وأئمة فقهاء الأمصار. وقد
~~كان فيه من بعض السلف خلاف على ما قدمنا. فمنهم من اقتصر على تكبيرة
~~الإحرام. ومنهم من زاد عليها من غير إتمام. والذي اتفق الناس عليه بعد ذلك:
~~ما ذكرناه. وأما حكم تكبيرات الانتقالات، وهل هي واجبة أم لا؟ فذلك مبني
~~على أن الفعل للوجوب أم لا؟ وإذا قلنا: إنه ليس للوجوب رجع إلى ما تقدم
~~البحث فيه، من أنه بيان للمجمل أم لا؟ فمن هاهنا مأخذ من يرى الوجوب -
~~والأكثرون على الاستحباب. وإذا قلنا بالاستحباب: فهل يسجد للسهو إذا ترك
~~منها شيئا، ولو واحدة، أو لا يسجد ولو ترك الجميع، أو لا يسجد حتى يترك
~~متعددا منها؟ اختلفوا
# PageV00P000
# 89 - الحديث الثامن: عن «البراء بن عازب - رضي الله
~~عنهما - قال: رمقت الصلاة مع محمد - صلى الله عليه وسلم - فوجدت قيامه،
~~فركعته فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما
~~بين التسليم والانصراف: قريبا من السواء.» وفي رواية البخاري «ما خلا
~~القيام والقعود قريبا من السواء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فيه. وليس له بهذا الحديث تعلق، إلا أن يجعل مقدمة. فيستدل به على أنه
~~سنة، ويضم إليه مقدمة أخرى: أن ترك السنة يقتضي السجود، إن ثبت على ذلك
~~دليل. فيكون المجموع دليلا على السجود.
# وأما التفرقة بين أن يكون المتروك مرة أو أكثر: فراجع إلى الاستحسان
~~وتخفيف أمر المرة الواحدة. ومذهب الشافعي: أن تركها لا يوجب السجود.
### | [حديث رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم]
# قوله " قريبا من السواء " قد يقتضي: إما تطويل ما العادة فيه التخفيف، أو
~~تخفيف ما العادة فيه التطويل، إذا كان ثم ms169 عادة متقدمة. وقد ورد ما يقتضي
~~التطويل في القيام، كقراءة ما بين الستين إلى المائة. وكما ورد في التطويل
~~في قراءة الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ ثم يأتي
~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى مما يطولها. وقد تكلم
~~الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة. واختلفوا في الرفع من الركوع: هل هو
~~ركن طويل أو قصير؟ ورجح أصحاب الشافعي: أنه ركن قصير. وفائدة الخلاف فيه:
~~أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة. ومن هذا قال بعض أصحاب
~~الشافعي: إنه إذا طوله بطلت الصلاة، وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه
~~ركنا، كقراءة الفاتحة أو التشهد.
# وهذا الحديث يدل على أن الرفع من الركوع ركن طويل؛ لأنه لا يتأتى أن
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# تكون القراءة في الصلاة - فرضها ونفلها - بمقدار ما إذا فعل في الرفع من
~~الركوع كان قصيرا. وهذا الذي ذكر في الحديث - من استواء الصلاة - ذهب بعضهم
~~إلى أنه الفعل المتأخر بعد ذلك التطويل. وقد ورد في بعض الأحاديث «وكانت
~~صلاته بعد تخفيفا» .
# والذي ذكره المصنف عن رواية البخاري، وهو قوله " ما خلا القيام والقعود -
~~إلى آخره " وذهب بعضهم إلى تصحيح هذه الرواية، دون الرواية التي ذكر فيها
~~القيام. ونسب رواية ذكر القيام إلى الوهم. وهذا بعيد عندنا؛ لأن توهيم
~~الراوي الثقة على خلاف الأصل - لا سيما إذا لم يدل دليل قوي - لا يمكن
~~الجمع بينه وبين الزيادة، على كونها وهما وليس هذا من باب العموم والخصوص،
~~حتى يحمل العام على الخاص فيما عدا القيام. فإنه قد صرح في حديث البراء في
~~تلك الرواية بذكر القيام.
# ويمكن الجمع بينهما بأن يكون فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك
~~كان مختلفا. فتارة يستوي الجميع. وتارة يستوي ما عدا القيام والقعود وليس
~~في هذا إلا أحد أمرين: إما الخروج عما تقضيه لفظة " كان " - إن كانت وردت -
~~من المداومة، أو الأكثرية. وإما أن يقال: الحديث واحد، اختلفت رواته عن
~~واحد. فيقتضي ms170 ذلك التعارض. ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرنا عنه أنه
~~نسب تلك الرواية إلى الوهم ممن قاله.
# وهذا الوجه الثاني: أعني اتحاد الرواية - أقوى من الأولى في وقوع
~~التعارض. وإن احتمل غير ذلك على الطريقة الفقهية.
# ولا يقال: إذا وقع التعارض فالذي أثبت التطويل في القيام لا يعارضه من
~~نفاه. فإن المثبت مقدم على النافي.
# لأنا نقول، الرواية الأخرى تقتضي بنصها عدم التطويل في القيام، وخروج تلك
~~الحالة - أعني حالة القيام والقعود - عن بقية حالات أركان الصلاة. فيكون
~~النفي والإثبات محصورين في محل واحد. والنفي والإثبات إذا انحصرا في محل
~~واحد تعارضا، إلا أن يقال باختلاف هذه الأحوال بالنسبة إلى صلاة النبي -
~~صلى الله عليه وسلم -. فلا
# PageV01P245
# 90 - الحديث الثامن: عن ثابت البناني عن أنس بن مالك
~~- رضي الله عنه - قال «إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - يصلي بنا قال ثابت فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه.
~~كان إذا رفع رأسه من الركوع: انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا
~~رفع رأسه من السجدة: مكث، حتى يقول القائل: قد نسي» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يبقى فيها انحصار في محل واحد بالنسبة إلى الصلاة. ولا يعترض على هذا إلا
~~بما قدمناه من مقتضى لفظة " كان " إن وجدت في حديث أو كون الحديث واحدا عن
~~مخرج واحد اختلف فيه فلينظر ذلك في الروايات ويحقق الاتحاد أو الاختلاف في
~~مخرج الحديث، والله أعلم.
### | [حديث إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا]
# قوله " لا آلو " أي لا أقصر. وقد قيل: إن " الألو " يكون بمعنى التقصير،
~~وبمعنى الاستطاعة معا. والسياق يرشد إلى المراد، والألو على مثال: العتو.
~~ويقال: الألي على مثال العتي. والماضي " ألا " وقد يقال في هذا المعنى "
~~ألا " بالتشديد.
# وقوله " أن أصلي " أي في أن أصلي. وتقديم أنس - رضي الله عنه - لهذا
~~الكلام أمام روايته: ليدل السامعين على التحفظ لما ms171 يأتي به ويحقق عندهم
~~المراقبة لاتباع أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
# وهذا الحديث: أصرح في الدلالة على أن الرفع من الركوع ركن طويل،
# PageV00P000
# 91 - الحديث التاسع: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -
~~قال: «ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة. ولا أتم من رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم -» .
### | 92 -
# الحديث العاشر: عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري - قال «جاءنا
~~مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم، وما أريد الصلاة،
~~أصلي كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، فقلت لأبي قلابة:
~~كيف كان يصلي؟ فقال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود
~~قبل أن ينهض» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بل هو - والله أعلم - نص فيه. فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف ذكر في
~~أنه ركن قصير. وهو ما قيل: إنه لم يسن فيه تكرار التسبيحات على الاسترسال،
~~كما سنت القراءة في القيام، والتسبيحات في الركوع والسجود مطلقا
### | [حديث ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم]
# أراد بشيخهم: أبا بريد - عمرو بن سلمة الجرمي ويقال أبو يزيد.
# حديث أنس بن مالك: يدل على طلب أمرين في الصلاة: التخفيف في حق الإمام،
~~مع الإتمام وعدم التقصير. وذلك هو الوسط العدل. والميل إلى أحد
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الطرفين خروج عنه أما التطويل في حق الإمام: فإضرار بالمأمومين. وقد تقدم
~~ذلك والتصريح بعلته. وأما التقصير عن الإتمام: فبخس لحق العبادة. ولا يراد
~~بالتقصير هاهنا: ترك الواجبات. فإن ذلك مفسد موجب للنقص الذي يرفع حقيقة
~~الصلاة. وإنما المراد - والله أعلم - التقصير عن المسنونات، والتمام
~~بفعلها.
# والكلام على حديث أبي قلابة من وجوه:
# أحدها: أن هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، وليس من شرط هذا
~~الكتاب، وأيضا فإن البخاري خرجه من طرق:
# منها رواية وهيب، وأكثر ألفاظ هذه الرواية التي ذكرها المصنف هي رواية ms172
~~وهيب. وفي آخرها في كتاب البخاري " وإذا رفع - رفع رأسه من السجدة الثانية
~~- جلس، واعتمد على الأرض ثم قام " وفي رواية خالد عن أبي قلابة عن مالك بن
~~الحويرث الليثي أنه «رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، فإذا كان
~~في وتر من صلاته: لم ينهض حتى يستوي قاعدا» .
# الثاني: مالك بن الحويرث، ويقال: ابن الحارث، ويقال: حويرثة. والأول أصح
~~- أحد من سكن البصرة من الصحابة، مات سنة أربع وتسعين. ويكنى أبا سليمان.
# وشيخهم المذكور في الحديث هو أبو بريد - بضم الباء الموحدة وفتح الراء -
~~عمرو بن سلمة - بكسر اللام - الجرمي - بفتح الجيم وسكون الراء المهملة.
# الثالث: قول " إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة " أي أصلي صلاة التعليم، لا
~~أريد الصلاة لغير ذلك. ففيه دليل على جواز مثل ذلك، وأنه ليس من باب
~~التشريك في العمل.
# الرابع: قوله " أصلي كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ".
~~يدل على البيان بالفعل. وأنه يجري مجرى البيان بالقول، وإن كان البيان
~~بالقول أقوى في الدلالة على آحاد الأفعال إذا كان القول ناصا على كل فرد
~~منها.
### | [جلسة الاستراحة عقيب الفراغ من الركعة الأولى والثالثة]
# 1
# الخامس: اختلف الفقهاء في جلسة الاستراحة عقيب الفراغ من الركعة الأولى
~~والثالثة. فقال بها الشافعي في قول، وكذا غيره من أصحاب الحديث. وأباها
~~مالك وأبو حنيفة وغيرهما. وهذا الحديث يستدل به القائلون بها، وهو ظاهر
# PageV01P248
# 93 - الحديث الحادي عشر: عن عبد الله بن مالك بن
~~بحينة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى فرج
~~بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في ذلك. وعذر الآخرين عنه: أنه يحمل على أنها بسبب الضعف للكبر، كما قال
~~المغيرة بن حكيم " إنه رأى عبد الله بن عمر يرجع من سجدتين من الصلاة على
~~صدور قدميه. فلما انصرف ذكرت ذلك له، فقال: إنها ليست من سنة الصلاة. وإنما
~~أفعل ذلك من أجل أني أشتكي " وفي حديث آخر غير هذا ms173 في فعل آخر لابن عمر أنه
~~قال " إن رجلي لا تحملاني " والأفعال إذا كانت للجبلة؛ أو ضرورة الخلقة لا
~~تدخل في أنواع القرب المطلوبة. فإن تأيد هذا التأويل بقرينة تدل عليه، مثل
~~أن يتبين أن أفعاله السابقة حالة الكبر والضعف: لم يكن فيها هذه الجلسة، أو
~~يقترن فعلها بحالة الكبر، من غير أن يدل دليل على قصد القربة. فلا بأس بهذا
~~التأويل. وقد ترجح في علم الأصول: أن ما لم يكن من الأفعال مخصوصا بالرسول
~~- صلى الله عليه وسلم - ولا جاريا مجرى أفعال الجبلة، ولا ظهر أنه بيان
~~لمجمل، ولا علم صفته من وجوب أو ندب أو غيره، فإما أن يظهر فيه قصد القربة،
~~أو لا، فإن ظهر: فمندوب، وإلا فمباح. لكن لقائل أن يقول: ما وقع في الصلاة،
~~فالظاهر أنه من هيئتها، لا سيما الفعل الزائد الذي تقتضي الصلاة منعه. وهذا
~~قوي، إلا أن تقوم القرينة على أن ذلك الفعل كان بسبب الكبر أو الضعف يظهر
~~بتلك القرينة أن ذلك أمر جبلي. فإن قوي ذلك باستمرار عمل السلف على ترك ذلك
~~الجلوس، فهو زيادة في الرجحان.
# الكلام عليه من وجهين.
# أحدهما: عبد الله بن مالك ابن بحينة. وبحينة أمه - بضم الباء الموحدة،
~~وفتح الحاء المهملة، وبعدها ياء ساكنة، ونون مفتوحة - وأبوه مالك بن القشب
~~- بكسر القاف وسكون الشين المعجمة، وآخره
# PageV00P000
#
### | [تجافي اليدين عن الجنبين في السجود]
### | 94 -
# الحديث الثاني عشر: عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال:
#
### | [إحكام الأحكام]
# باء - أزدي النسب من أزد شنوءة. توفي في آخر خلافة معاوية. وهو أحد من
~~نسب إلى أمه. فعلى هذا إذا وقع عبد الله " في موضع رفع، وجب أن ينون " مالك
~~" أبوه، ويرفع " ابن " لأنه ليس صفة لمالك. فيترك تنوينه ويجر. وإنما هو
~~صفة لعبد الله بن مالك. وإذا وقع عبد الله " في موضع جر: نون مالك وجر "
~~ابن " لأنه ليس " ابن " صفة لمالك. وهذا من المواضع التي يتوقف فيها صفة
~~الإعراب على معرفة التاريخ، وذلك ms174 مثل محمد بن حبيب اللغوي " صاحب كتاب "
~~المحبر " في المؤتلف والمختلف في قبائل العرب. فإن حبيب " أمه لا أبوه،
~~فعلى هذا يمتنع صرفه، ويقال: محمد بن حبيب. وقيل: إنه أبوه. ومن غريب ما
~~وقفت عليه في هذا محمد بن شرف القيرواني " الأديب الشاعر المجيد: أنه منسوب
~~إلى أمه " شرف " ولذلك نظائر لو تتبعت لجمع منها قدر كثير. وقد قيل: إن
~~بحينة " أم أبيه مالك. والأول: أصح. وقد اعتنى بجمعها بعض الحفاظ.
# الثاني: في الحديث دليل على استحباب التجافي في اليدين عن الجنبين في
~~السجود، وهو الذي يسمى تخوية. وفيه أيضا عدم بسط الذراعين على الأرض، فإنه
~~لا يرى بياض الإبطين مع بسطهما. والتخوية مستحبة للرجال. لأن فيها إعمال
~~اليدين في العبادة، وإخراج هيئتها عن صفة التكاسل والاستهانة إلى صفة
~~الاجتهاد، وقد يكون في ذلك أيضا - على ما أشار إليه بعضهم - بعض الحمل على
~~الوجه الذي يتأثر بما يلاقيه من الأرض، وهذا مشروط بأن لا يكون هذا الحمل
~~عن الوجه مزيلا للتحامل على الأرض. فإنه قد اشترط في السجود، والفقهاء خصوا
~~ذلك بالرجال، وقالوا: المرأة تضم بعضها إلى بعض، لأن المقصود منها التصون
~~والتجمع والتستر. وتلك الحالة أقرب إلى هذا المقصود. .
# PageV00P000
# «سألت أنس بن مالك: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- يصلي في نعليه؟ قال: نعم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه]
# سعيد بن يزيد بن مسلمة أبو مسلمة أزدي طاحي - بالطاء المهملة والحاء
~~المهملة أيضا - منسوب إلى طاحية - بطن من الأزد - من أهل البصرة، متفق على
~~الاحتجاج بحديثه. والحديث دليل على جواز الصلاة في النعال. ولا ينبغي أن
~~يؤخذ منه الاستحباب، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة. فإن
~~قلت: لعله من باب الزينة، وكمال الهيئة، فيجري مجرى الأردية والثياب التي
~~يستحب التجمل بها في الصلاة؟ . قلت: هو - وإن كان كذلك - إلا أن ملابسته
~~للأرض التي تكثر فيها النجاسات مما يقصر به عن هذا المقصود، ولكن البناء
~~على ms175 الأصل، إن انتهض دليلا على الجواز، فيعمل به في ذلك. والقصور الذي
~~ذكرناه عن الثياب المتجمل بها يمنع من إلحاقه بالمستحبات إلا أن يرد دليل
~~شرعي بإلحاقه بما يتجمل به فيرجع إليه، ويترك هذا النظر، ومما يقوي هذا
~~النظر - إن لم يرد دليل على خلافه - أن التزين في الصلاة من الرتبة الثالثة
~~من المصالح، وهي رتبة التزيينات والتحسينات، ومراعاة أمر النجاسة: من
~~الرتبة الأولى وهي الضروريات، أو من الثانية وهي الحاجيات على حسب اختلاف
~~العلماء في حكم إزالة النجاسة. فيكون رعاية الأولى بدفع ما قد يكون مزيلا
~~لها أرجح بالنظر إليها. ويعمل بذلك في عدم الاستحباب.
# PageV01P251
# 95 - الحديث الثالث عشر: عن أبي قتادة الأنصاري - رضي
~~الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي وهو حامل أمامة
~~بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأبي العاص بن الربيع بن
~~عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وبالحديث في الجواز، وترتب كل حكم على ما يناسبه، ما لم يمنع من ذلك
~~مانع. والله أعلم. وقد يكون في الحديث دليل على جواز البناء على الأصل في
~~حكم النجاسات والطهارات. واختلف الفقهاء فيما إذا عارضه الغالب: أيهما
~~يقدم؟ وقد جاء في الحديث الأمر بالنظر إلى النعلين، ودلكهما إن رأى فيهما
~~أذى، أو كما قال فإذا كان الغالب إصابة النجاسة: فالظاهر رؤيتها لأمره
~~بالنظر، فإذا رآها فالظاهر دلكهما لأمره بذلك عند الرؤية. فإذا فعله النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - وكان طهورا لهما، على ما جاء في الحديث - لم يكن
~~ذلك من باب تعارض الأصل والغالب، بل يكون من ذلك الباب: ما لو صلى فيهما من
~~غير ذلك. فإن قلت: الأصل عدم دلكه. قلت: لكن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~إذا أمر بشيء من هذا لم يتركه، كما بيناه. والظن المستفاد بهذا راجح على
~~الأصل الذي ذكرته، وهو أنه لم يدلكه. .
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث رسول الله صلى الله عليه ms176 وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب]
# أبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي - بكسر الراء المهملة وسكون الباء الموحدة
~~وكسر العين المهملة وتشديد الياء - ابن بلدمة - بضم الباء والدال وفتحهما -
~~مات بالمدينة سنة أربع وخمسين. وقيل مات في خلافة علي بالكوفة. وهو ابن
~~سبعين سنة، ويقال: سنة أربعين. وقيل: إنه كان بدريا. ولا خلاف أنه شهد أحدا
~~وما بعدها. والكلام على هذا الحديث من وجهين:
# أحدهما: النظر في هذا الحمل ووجه إباحته.
# الثاني: النظر فيما يتعلق بطهارة ثوب الصبية. فأما الأول: فقد تكلموا في
~~تخريجه على وجوه:
# أحدها: أن ذلك في النافلة وهو مروي عن مالك. وكأنه لما رأى المسامحة في
~~النافلة قد تقع في بعض الأركان والشرائط، كان ذلك تأنيسا بالمسامحة في مثل
~~هذا ورد هذا القول بما وقع في بعض الروايات الصحيحة «بينما نحن ننتظر رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر - أو العصر - خرج علينا حاملا أمامة»
~~- وذكر الحديث.
# وظاهره يقتضي: أن ذلك كان في الفريضة، وإن كان يحتمل أنه في نافلة سابقة
~~على الفريضة. ومما يبعد هذا التأويل: أن الغالب في إمامة النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - أنها كانت في الفرائض دون النوافل. وهذا يتوقف على أن يكون
~~الدليل قائما على كون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إماما. وقد ورد ذلك
~~مصرحا به في رواية سفيان بن عيينة بسنده إلى «أبي قتادة الأنصاري. قال رأيت
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤم الناس، وأمامة بنت أبي العاص - وهي
~~بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عاتقه» الحديث ".
# الوجه الثاني: أن هذا الفعل كان للضرورة. وهو مروي أيضا عن مالك وفرق بعض
~~أتباعه بين أن تكون الحاجة شديدة، بحيث لا يجد من يكفيه أمر الصبي، ويخشى
~~عليه. فهذا يجوز في النافلة والفريضة. وإن كان حمل الصبي
# PageV01P253
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في الصلاة على معنى الكفاية لأمه، لشغلها بغير ذلك: لم يصلح إلا في
~~النافلة. وهذا أيضا عليه من ms177 الإشكال: أن الأصل استواء الفرض والنفل في
~~الشرائط والأركان إلا ما خصه الدليل.
# الوجه الثالث: أن هذا منسوخ. وهو مروي أيضا عن مالك.
# قال أبو عمر: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها. وقد
~~رد هذا بأن قوله - صلى الله عليه وسلم - «إن في الصلاة لشغلا» كان قبل بدر
~~عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة. فإن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة
~~كان بعد ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاحتمال.
# الوجه الرابع: أن ذلك مخصوص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ذكره القاضي
~~عياض. وقد قيل: هذا مخصوص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لا يؤمن من
~~الطفل البول وغير ذلك على حامله. وقد يعصم منه النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- وتعلم سلامته من ذلك مدة حمله. وهذا الذي ذكره إن كان دليلا على الخصوص
~~فبالنسبة إلى ملابسة الصبية، مع احتمال خروج النجاسة منها. وليس في ذلك
~~تعرض لأمر الحمل بخصوصه الذي الكلام فيه. ولعل قائل هذا لما أثبت الخصوصية
~~في الحمل بما ذكره - من اختصاص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجواز علمه
~~بعصمة الصبية من البول حالة الحمل - تأنس بذلك. فجعله مخصوصا بالعمل الكثير
~~أيضا. فقد يفعلون ذلك في الأبواب التي ظهرت خصوصيات النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - فيها، ويقولون: خص بكذا في هذا الباب. فيكون هذا مخصوصا. إلا أن هذا
~~ضعيف من وجهين:
# أحدهما: أنه لا يلزم من الاختصاص في أمر: الاختصاص في غيره بلا دليل. فلا
~~يدخل القياس في مثل هذا. والأصل عدم التخصيص.
# الثاني: أن الذي قرب دعواه الاختصاص لجواز الحمل: هو ما ذكره من جواز
~~اختصاص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعلم بالعصمة من البول.
# وهذا معنى مناسب لاختصاصه بجواز ملابسته للصبية في الصلاة. وهو معدوم
~~فيما نتكلم فيه من أمر الحمل بخصوصه. فالقول بالاختصاص فيه قول بلا علة
~~تناسب الاختصاص.
# الوجه الخامس: حمل هذا الفعل على أن تكون أمامة في تعلقها بالرسول - صلى
~~الله عليه وسلم ms178 - وتأنسها به، كانت تتعلق به بنفسها فيتركها فإذا أراد
~~السجود وضعها:
# PageV01P254
# 96 - الحديث الرابع عشر: عن أنس بن مالك - رضي الله
~~عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «اعتدلوا في السجود ولا يبسط
~~أحدكم ذراعيه انبساط
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإن الفعل الصادر منه: إنما هو الوضع لا الرفع، فيقل العمل الذي توهم من
~~الحديث. ولقد وقع لي أن هذا حسن. فإن لفظة " وضع " لا تساوي " حمل " في
~~قضاء فعل الفاعل. فإنا نقول لبعض الحوامل " حمل كذا " وإن لم يكن هو فعل
~~الحمل. ولا يقال " وضع " إلا بفعل حتى نظرت في بعض طرق الحديث الصحيحة.
~~فوجدت فيه " فإذا قام أعادها " وهذا يقتضي الفعل ظاهرا.
# الوجه السادس: وهو معتمد بعض مصنفي أصحاب الشافعي، وهو أن العمل الكثير
~~إنما يفسد إذا وقع متواليا، وهذه الأفعال قد لا تكون متوالية. فلا تكون
~~مفسدة. والطمأنينة في الأركان - لا سيما في صلاة النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - تكون فاصلة. ولا شك أن مدة القيام طويلة فاصلة. وهذا الوجه إنما
~~يخرج به إشكال كونه عملا كثيرا، ولا يتعرض لمطلق الحمل.
### | [تعارض الأصل والغالب في النجاسات]
# 1
# وأما الوجه الثاني: وهو النظر إلى الإشكال من حيث الطهارة - فهو يتعلق
~~بمسألة تعارض الأصل والغالب في النجاسات. ورجح هذا الحديث العمل بالأصل وصح
~~في كلام الشافعي إشارة إلى هذا. قال - رحمه الله -: وثوب أمامة ثوب صبي
~~ويرد على هذا أن هذه حالة فردة.
# والثاني يعتادون تنظيف الصبيان في بعض الأوقات، وتنظيف ثيابهم عن
~~الأقذار. وحكايات الأحوال لا عموم لها، فيحتمل أن يكون هذا وقع في تلك
~~الحالة التي وقع فيها التنظيف. والله أعلم. وقوله " ولأبي العاص بن الربيع
~~" هذا هو الصحيح في نسبه عند أهل النسب. ووقع في رواية مالك لأبي العاص بن
~~ربيعة " فقال بعضهم: هو جد له. وهو أبو العاص بن الربيع بن ربيعة، فنسب في
~~رواية مالك إلى جده. وهذا ليس بمعروف. ومنهم من استدل بالحديث على أن لمس
~~المحارم أو من لا ms179 يشتهى: غير ناقض للطهارة وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من
~~وراء حائل، وهذا يستمد مما ذكرناه من أن حكايات الحال لا عموم لها.
# PageV00P000
# الكلب» .
### | 97 -
# الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - فقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل. فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل - ثلاثا - فقال:
~~والذي بعثك بالحق لا أحسن غيره، فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم
~~اقرأ ما تيسر من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب]
# لعل " الاعتدال " ههنا محمول على أمر معنوي. وهو وضع هيئة السجود موضع
~~الشرع. وعلى وفق الأمر. فإن الاعتدال الخلقي الذي طلبناه في الركوع لا
~~يتأدى في السجود. فإنه ثم: استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا: ارتفاع
~~الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي
~~ومما يقوي هذا الاحتمال: أنه قد يفهم من قوله عقيب ذلك «ولا يبسط أحدكم
~~ذراعيه انبساط الكلب» أنه كالتتمة للأول. وأن الأول كالعلة له. فيكون
~~الاعتدال الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع علة لترك الانبساط انبساط الكلب.
~~فإنه مناف لوضع الشرع. وقد تقدم الكلام في كراهة هذه الصفة. وقد ذكر في هذا
~~الحديث الحكم مقرونا بعلته. فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه
~~في الصلاة. ومثل هذا التشبيه: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قصد
~~التنفير عن الرجوع في الهبة قال مثل الراجع في هبته: كالكلب يعود في قيئه»
~~أو كما قال. .
# PageV00P000
# راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن
~~ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا. وافعل ذلك في صلاتك كلها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود]
### | [حديث النبي صلى الله عليه وسلم ms180 دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم]
# الكلام عليه من وجوه.
# الأول: فيه الرفق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن النبي - صلى الله
~~عليه وآله وسلم - عامله بالرفق فيما أمره به، كما قال معاوية بن الحكم
~~السلمي " فما كهرني " ووصف رفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به وكذلك
~~قال في الأعرابي " لا تزرموه " ولم يعنفه. وفيه حسن خلق النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -.
### | [رد السلام مرارا]
# 1
# وفيه تكرار رد السلام مرارا، إذا كرره المسلم، كما ورد في بعض طرقه، مع
~~الفصل القريب.
### | [واجبات الصلاة]
# 1
# الثاني: تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب
~~ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه: فلتعلق الأمر به وأما عدم وجوب
~~غيره: فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك. وهو أن
~~الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة. وذلك يقتضي
~~انحصار الواجبات فيما ذكر. ويقوي مرتبة الحصر: أنه - صلى الله عليه وسلم -
~~ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات
~~الصلاة. وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط.
~~فإذا تقرر هذا: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه - وكان مذكورا في هذا
~~الحديث - فلنا أن نتمسك به في وجوبه. وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن
~~مذكورا في هذا الحديث قلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه، لكونه غير مذكور في
~~هذا الحديث على ما تقدم، من كونه موضع تعليم. وقد ظهرت قرينة مع ذلك على
~~قصد ذكر الواجبات. وكل موضع اختلف في تحريمه فلنا أن نستدل بهذا الحديث على
~~عدم تحريمه لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده. فإن النهي عن الشيء أمر بأحد
~~أضداده. ولو كان التلبس بالضد واجبا لذكر ذلك، على ما قررناه.
# PageV01P257
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فصار من لوازم النهي: الأمر بالضد. ومن الأمر بالضد: ذكره في الحديث، على
~~ما قررناه. ms181 فإذا انتفى ذكره - أعني الأمر بالتلبس بالضد انتفى ملزومه. وهو
~~الأمر بالضد. وإذا انتفى الأمر بالضد: انتفى ملزومه. وهو النهي عن ذلك
~~الشيء. فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل
~~المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاث وظائف:
# أحدها: أن يجمع طرق هذا الحديث، ويحصي الأمور المذكورة فيه ويأخذ بالزائد
~~فالزائد. فإن الأخذ بالزائد واجب. وثانيها: إذا قام دليل على أحد أمرين:
~~إما عدم الوجوب، أو الوجوب. فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى
~~منه. وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر. فلينظر عند التعارض أقوى
~~الدليلين فيعمل به. وعندنا: أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في
~~الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر: فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان
~~يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب: وتحمل صفة الأمر على الندب لكن
~~عندنا أن ذلك أقوى، لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى.
# وهو أن عدم الذكر في الرواية: يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير
~~المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب، لأن المراد
~~ثمة أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدل على
~~عدم الوجوب، فإنه موضع بيان وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في
~~الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على الذكر في نفس الأمر، بطريق أن
~~يقال: لو كان لذكر، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر
~~على الوجوب. وأيضا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها.
# وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها.
~~والمخالف يخرجها عن حقيقتها، بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق إلى
~~الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية، وبين الظن المستفاد
~~من كون الصيغة للوجوب. والثاني عندنا أرجح. وثالثها: أن يستمر على طريقة
~~واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه ms182 في
# PageV01P258
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# آخر، فيتثعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا.
~~فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين.
### | [الإقامة غير واجبة]
# الوجه الثالث من الكلام على الحديث: قد تقدم أنه قد يستدل - حيث يراد نفي
~~الوجوب - بعدم الذكر في الحديث، وقد فعلوا هذا في مسائل:
# منها: أن الإقامة غير واجبة، خلافا لمن قال بوجوبها من حيث إنها لم تذكر
~~في الحديث. وهذا - على ما قررناه - يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدال على
~~وجوبها عند الخصم، وعلى أنها غير مذكورة في جميع طرق هذا الحديث. وقد ورد
~~في بعض طرقه: الأمر بالإقامة فإن صح فقد عدم أحد الشرطين اللذين قررناهما.
### | [دعاء الاستفتاح]
# 1
# ومنها: الاستدلال على عدم وجوب دعاء الاستفتاح حيث لم يذكر، وقد نقل عن
~~بعض المتأخرين ممن لم يرسخ قدمه في الفقه، ممن ينسب إلى غير الشافعي - أن
~~الشافعي يقول بوجوبه، وهذا غلط قطعا. فإن لم ينقله غيره فالوهم منه. وإن
~~نقله غيره - كالقاضي عياض - رحمه الله -، ومن هو في مرتبته من الفضلاء
~~فالوهم منهم لا منه.
### | [وجوب التشهد]
# 1
# ومنها: استدلال بعض المالكية به على عدم وجوب التشهد بما ذكرناه من عدم
~~الذكر، ولم يتعرض هذا المستدل بالسلام. لأن للحنفية أن يستدلوا به على عدم
~~وجوب السلام بعينه، مع أن المادة واحدة، إلا أن يريد أن الدليل المعارض
~~لوجوب السلام أقوى من الدليل على عدم وجوبه فلذلك تركه، بخلاف التشهد، فهذا
~~يقال فيه أمران:
# أحدهما: أن دليل إيجاب التشهد هو الأمر، وهو أرجح مما ذكرناه: وبالجملة:
~~فله أن يناظر على الفرق بين الرجحانين، ويمهد عذره، ويبقي النظر ثمة فيما
~~يقال.
# الثاني: أن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح، فإن
# PageV01P259
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الدلالة أمر يرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر لو جرد النظر إليه لثبت الحكم،
~~وذلك لا ينفي وجود المعارض. نعم لو استدل بلفظ يحتمل أمرين على ms183 السواء،
~~لكانت الدلالة منتفية. وقد يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب العمل
~~به. وذلك يقتضي عدم وجود المعارض الراجح. والأولى: أن يستعمل في دلالة
~~ألفاظ الكتاب والسنة الطريق الأول. ومن ادعى المعارض الراجح فعليه البيان.
### | [وجوب التكبير]
# الوجه الرابع من الكلام على الحديث: استدل بقوله " فكبر " على وجوب
~~التكبير بعينه. وأبو حنيفة يخالف فيه، ويقول: إذا أتى بما يقتضي التعظيم،
~~كقوله " الله أجل " أو " أعظم " كفى. وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود
~~التعظيم، فيحصل بكل ما دل عليه. وغيره اتبع اللفظ. وظاهره تعيين التكبير.
~~ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات. ويكثر ذلك فيها. فالاحتياط فيها
~~الاتباع. وأيضا: فالخصوص قد يكون مطلوبا، أعني خصوص التعظيم بلفظ " الله
~~أكبر " وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلقة، كما تدل عليه الأحاديث فقد لا
~~يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى، ولا يعارض هذا: أن يكون أصل المعنى مفهوما.
~~فقد يكون التعبد واقعا في التفصيل، كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع
~~التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به. ويتأيد هذا
~~باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة، أعني " الله
~~أكبر ". وأيضا: فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص
~~بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة ويخرج على هذا حكم هذه المسألة. فإنه إذا
~~استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير. وهذه القاعدة
~~الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرا وتفصيلا. وعلى تقدير تقريرها مطلقا يخرج
~~ما ذكرناه.
### | [القراءة في الصلاة]
# 1
# الوجه الخامس: قوله «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» يدل على وجوب
~~القراءة في الصلاة. ويستدل به من يرى أن الفاتحة غير معينة. ووجهه ظاهر،
~~فإنه إذا تيسر غير الفاتحة، فقارئه يكون ممتثلا، فيخرج عن العهدة. والذين
~~عينوا
# PageV01P260
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الفاتحة للوجوب: وهم الفقهاء الأربعة، إلا أن أبا حنيفة منهم - على ما
~~نقل عنه - جعلها واجبة، وليست بفرض على أصله في الفرق بين الواجب والفرض. ms184
~~اختلف من نصر مذهبهم في الجواب عن الحديث. وذكر فيه طرق:
# الطريق الأول: أن يكون الدليل الدال على تعيين الفاتحة، كقوله - صلى الله
~~عليه وسلم - «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» مثلا، مفسرا للمجمل الذي
~~في قوله «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» وهذا - إن أريد بالمجمل ما يريده
~~الأصوليون به - فليس كذلك. لأن المجمل: ما لا يتضح المراد منه، وقوله «اقرأ
~~ما تيسر معك من القرآن» متضح أن المراد يقع امتثاله بفعل كل ما تيسر، حتى
~~لو لم يرد قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
~~الكتاب» لاكتفينا في الامتثال بكل ما تيسر، وإن أريد بكونه مجملا: أنه لا
~~يتعين فرد من الأفراد، فهذا لا يمنع من الاكتفاء بكل فرد ينطلق عليه ذلك
~~الاسم، كما في سائر المطلقات.
# الطريق الثاني: أن يجعل قوله «اقرأ ما تيسر معك» مطلقا يقيد، أو عاما
~~يخصص بقوله «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» وهذا يرد عليه أن يقال: لا نسلم
~~أنه مطلق من كل وجه، بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير في قراءة
~~كل فرد من أفراد المتيسرات. وهذا القيد المخصوص يقابل التعيين. وإنما نظير
~~المطلق الذي لا ينافي التعيين، أن يقول اقرأ قرآنا. ثم يقول: اقرأ فاتحة
~~الكتاب فإنه يحمل المطلق على المقيد حينئذ والمثال الذي يوضح ذلك: أنه لو
~~قال لغلامه: اشتر لي لحما. ولا تشتر إلا لحم الضأن، لم يتعارض. ولو قال:
~~اشتر لي أي لحم شئت. ولا تشتر إلا لحم الضأن، في وقت واحد لتعارض، إلا أن
~~يكون أراد بهذه العبارة ما يراد بصيغة الاستثناء. وأما دعوى التخصيص:
~~فأبعد. لأن سياق الكلام يقتضي تيسير الأمر عليه. وإنما يقرب هذا إذا جعلت "
~~ما " بمعنى الذي. وأريد بها شيء معين. وهو الفاتحة، لكثرة حفظ المسلمين
~~لها. فهي المتيسرة.
# الطريق الثالث: أن يحمل قوله " ما تيسر " على ما زاد على فاتحة الكتاب
~~ويدل على ذلك بوجهين:
# أحدهما: الجمع بينه وبين دلائل إيجاب الفاتحة.
# PageV01P261
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والثاني: ما ورد في بعض رواية أبي داود «ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله
~~أن تقرأ» وهذه الرواية - إذا صحت - تزيل الإشكال بالكلية، لما قررناه من
~~أنه يؤخذ بالزائد إذا جمعت طرق الحديث. ويلزم من هذه الطريقة: إخراج صيغة
~~الأمر عن ظاهرها عند من لا يرى وجوب زائد عن الفاتحة. وهم الأكثرون.
### | [وجوب الركوع]
# 1
# الوجه السادس: قوله - صلى الله عليه وسلم - «ثم اركع حتى تطمئن راكعا»
~~يدل على وجوب الركوع. واستدلوا به على وجوب الطمأنينة. وهو كذلك دال عليها.
~~ولا يتخيل ههنا ما تكلم الناس فيه، من أن الغاية: هل تدخل في المغيا أم لا؟
~~أو ما قيل من الفرق بين أن تكون من جنس المغيا أو لا. فإن الغاية ههنا -
~~وهو الطمأنينة - وصف للركوع، لتقييده بقوله " راكعا " ووصف الشيء معه حتى
~~لو فرضنا أنه ركع ولم يطمئن، بل رفع عقيب مسمى الركوع. لم يصدق عليه أنه
~~جعل مطلق الركوع مغيا بالطمأنينة. وجاء بعض المتأخرين فأغرب جدا. وقال: ما
~~تقريره: إن الحديث يدل على عدم وجوب الطمأنينة من حيث إن الأعرابي صلى غير
~~مطمئن ثلاث مرات. والعبادة بدون شرطها فاسدة حرام. فلو كانت الطمأنينة
~~واجبة لكان فعل الأعرابي فاسدا. ولو كان ذلك لم يقره النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - عليه في حال فعله. وإذا تقرر بهذا التقرير عدم الوجوب: حمل الأمر في
~~الطمأنينة على الندب، ويحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - " فإنك لم تصل "
~~على تقدير: لم تصل صلاة كاملة. ويمكن أن يقال: إن فعل الأعرابي بمجرده لا
~~يوصف بالحرمة عليه. لأن شرطه علمه بالحكم. فلا يكون التقرير تقريرا على
~~محرم، إلا أنه لا يكفي ذلك في الجواب فإنه فعل فاسد. والتقرير يدل على عدم
~~فساده. وإلا لما كان التقرير في موضع ما يدل على الصحة. وقد يقال: إن
~~التقرير ليس بدليل على الجواز مطلقا، بل لا بد من انتفاء الموانع. وزيادة
~~قبول المتعلم لما يلقى إليه، بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله ms186 -
~~مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم. لا سيما مع عدم خوف الفوات، إما
~~بناء على ظاهر الحال، أو بوحي خاص.
### | [الاعتدال في الرفع]
# الوجه السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - «ثم ارفع حتى تعتدل قائما»
~~يدل على وجوب
# PageV01P262
# 98 - الحديث الأول: عن عبادة بن الصامت - رضي الله
~~عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا صلاة لمن لم يقرأ
~~بفاتحة الكتاب» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الرفع خلافا لمن نفاه. ويدل على وجوب الاعتدال في الرفع. وهو مذهب
~~الشافعي في الموضعين، وللمالكية خلاف فيهما. وقد قيل في توجيه عدم وجوب
~~الاعتدال: أن المقصود من الرفع. الفصل. وهو يحصل. بدون الاعتدال. وهذا
~~ضعيف. لأنا نسلم أن الفصل مقصود. ولا نسلم أنه كل المقصود. وصيغة الأمر دلت
~~على أن الاعتدال مقصود للفصل. فلا يجوز تركها وقريب من هذا في الضعف:
~~استدلال بعض من قال بعدم وجوب الطمأنينة بقوله تعالى {اركعوا واسجدوا}
~~[الحج: 77] فلم يأمرنا بما زاد على ما يسمى ركوعا وسجودا. وهذا واه جدا.
~~فإن الأمر بالركوع والسجود يخرج عنه المكلف بمسمى الركوع والسجود كما ذكر.
~~وليس الكلام فيه. وإنما الكلام في خروجه عن عهدة الأمر الآخر. وهو الأمر
~~بالطمأنينة. فإنه يجب امتثاله، كما يجب امتثال الأول.
# الوجه الثامن: قوله «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» والكلام فيه كالكلام في
~~الركوع. وكذلك قوله «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا» فيما يستنبط منه.
### | [القراءة في جميع الركعات]
# 1
# الوجه التاسع: قوله - صلى الله عليه وسلم - «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»
~~يقتضي وجوب القراءة في جميع الركعات. وإذا ثبت أن الذي أمر به الأعرابي: هو
~~قراءة الفاتحة: دل على وجوب قراءتها في جميع الركعات. وهو مذهب الشافعي.
~~وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال:
# أحدها: الوجوب في كل ركعة.
# والثاني: الوجوب في الأكثر.
# والثالث: الوجوب في ركعة واحدة.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب القراءة في الصلاة]
### | [حديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب]
# " عبادة بن الصامت بن قيس بن ms187 أصرم أنصاري سالمي عقبي بدري يكنى أبا
~~الوليد. توفي بالشام. وقبره معروف به على ما ذكر. يقال: توفي سنة أربع
~~وثلاثين بالرملة. وقيل: ببيت المقدس. والحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة
~~في الصلاة. ووجه الاستدلال منه ظاهر، إلا أن بعض علماء الأصول اعتقد في مثل
~~هذا اللفظ الإجمال، من حيث إنه يدل على نفي الحقيقة. وهي غير منتفية فيحتاج
~~إلى إضمار، ولا سبيل إلى إضمار كل محتمل لوجهين: أحدهما: أن الإضمار إنما
~~احتيج إليه للضرورة. والضرورة تندفع بإضمار فرد. ولا حاجة لإضمار أكثر منه.
~~وثانيهما: أن إضمار الكل قد يتناقض. فإن إضمار الكمال يقتضي إثبات أصل
~~الصحة. ونفي الصحة يعارضه. وإذا تعين إضمار فرد فليس البعض أولى من البعض.
~~فتعين الإجمال. وجواب هذا: أنا لا نسلم أن الحقيقة غير منتفية. وإنما تكون
~~غير منتفية لو حمل لفظ " الصلاة " على غير عرف الشرع. وكذلك لفظ " الصيام "
~~وغيره أما إذا حمل على عرف الشرع، فيكون منتفيا حقيقة. ولا يحتاج إلى
~~الإضمار المؤدي إلى الإجمال، ولكن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه. لأنه
~~الغالب. ولأنه المحتاج إليه فيه. فإنه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان
~~موضوعات اللغة. وقوله «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» قد يستدل به من يرى وجوب
~~قراءة الفاتحة في كل ركعة، بناء على أن كل ركعة تسمى صلاة. وقد يستدل به من
~~يرى وجوبها في ركعة واحدة، بناء على أنه يقتضي حصول اسم " الصلاة " عند
~~قراءة الفاتحة. فإذا حصل مسمى قراءة الفاتحة في ركعة فوجب أن تحصل الصلاة.
~~والمسمى يحصل بقراءة الفاتحة مرة واحدة، فوجب القول بحصول مسمى الصلاة.
~~ويدل على أن الأمر كما يدعيه؛ أن إطلاق اسم الكل على الجزء مجاز. ويؤيده
~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» فإنه يقتضي
~~أن اسم " الصلاة " حقيقة في مجموع الأفعال، لا في كل ركعة. لأنه لو كان
~~حقيقة في كل ركعة لكان المكتوب على العباد: سبع عشرة صلاة. وجواب هذا: أن
~~غاية ما فيه دلالة مفهوم على صحة الصلاة ms188 بقراءة الفاتحة
# PageV01P264
# 99 - الحديث الثاني: عن أبي قتادة الأنصاري - رضي
~~الله عنه - قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين
~~الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في
~~الثانية، ويسمع الآية أحيانا وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين
~~يطول في الأولى، ويقصر في الثانية وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب. وكان
~~يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في ركعة. فإذا دل دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدما عليه.
~~وقد استدل بالحديث على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم. لأن صلاة المأموم
~~صلاة. فتنتفي عند انتفاء قراءة الفاتحة. فإن وجد دليل يقتضي تخصيص صلاة
~~المأموم من هذا العموم قدم على هذا. وإلا فالأصل العمل به.
### | [حديث يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين]
# الأوليان " تثنية الأولى، وكذلك " الأخريان " وأما ما يسمع على الألسنة
~~من " الأولة " وتثنيتها بالأولتين فمرجوح في اللغة. ويتعلق بالحديث أمور:
# أحدها: يدل على قراءة السورة في الجملة مع الفاتحة. وهو متفق عليه والعمل
~~متصل به من الأمة. وإنما اختلفوا في وجوب ذلك، أو عدم وجوبه. وليس في مجرد
~~الفعل - كما قلنا - ما يدل على الوجوب، إلا أن يتبين أنه وقع بيانا لمجمل
~~واجب، ولم يرد دليل راجح على إسقاط الوجوب. وقد ادعي في كثير من الأفعال
~~التي قصد إثبات وجوبها: أنها بيان لمجمل. وقد تقدم لنا في هذا بحث. وهذا
~~الموضع مما يحتاج من سلك تلك الطريقة إلى إخراجه عن كونه بيانا، أو إلى أن
~~يفرق بينه وبين ما ادعي فيه كونه بيانا من الأفعال. فإنه ليس معه في تلك
~~المواضع إلا مجرد الفعل، وهو موجود ههنا.
### | [قراءة السورة في الركعتين الأخريين]
# 1
# الثاني: اختلف العلماء في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين
# PageV00P000
# 100 - الحديث الثالث: «عن جبير بن مطعم - رضي الله
~~عنه - قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور»
# ms189
### | [إحكام الأحكام]
# وللشافعي قولان. وقد يستدل بهذا الحديث على اختصاص القراءة بالأوليين
~~فإنه ظاهر الحديث، حيث فرق بين الأوليين والأخريين فيما ذكره من قراءة
~~السورة وعدم قراءتها، وقد يحتمل غير ذلك، لاحتمال اللفظ لأن يكون أراد
~~تخصيص الأوليين بالقراءة الموصوفة بهذه الصفة، أعني التطويل في الأولى
~~والتقصير في الثانية.
### | [الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية]
# 1
# الثالث: يدل على أن الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز
~~مغتفر لا يوجب سهوا يقتضي السجود.
### | [تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية]
# الرابع: يدل على استحباب تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية، فيما
~~ذكر فيه. وأما تطويل القراءة في الأولى بالنسبة إلى القراءة في الثانية:
~~ففيه نظر. وسؤال على من رأى ذلك، لكن اللفظ إنما دل على تطويل الركعة، وهو
~~متردد بين تطويلها بمحض القراءة، وبمجموع، منه القراءة. فمن لم ير أن يكون
~~مع القراءة غيرها، وحكم باستحباب تطويل الأولى، مستدلا بهذا الحديث: لم يتم
~~له إلا بدليل من خارج، على أنه لم يكن مع القراءة غيرها. ويمكن أن يجاب عنه
~~بأن المذكور هو القراءة. والظاهر: أن التطويل والتقصير راجعان إلى ما ذكر
~~قبلهما وهو القراءة.
### | [الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار]
# 1
# الخامس: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف
~~على اليقين. لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا
~~بسماع كلها. وإنما يفيد اليقين ذلك لو كان في الجهرية. وكأنه أخذ من سماع
~~بعضها، مع قيام القرينة على قراءة باقيها. فإن قلت: قد يكون أخذ ذلك بإخبار
~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قلت: لفظة " كان " ظاهرة في الدوام
~~والأكثرية، ومن ادعى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخبرهم عقيب
~~الصلاة دائما، أو أكثريا بقراءة السورتين. فقد أبعد جدا. .
# PageV00P000
# الحديث الرابع: عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما -
~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر، فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في
~~إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن ms190 صوتا أو قراءة منه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور]
# " جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف قرشي نوفلي يكنى أبا محمد
~~ويقال أبو عدي. كان من حكماء قريش وساداتهم، وكان يؤخذ عنه النسب. أسلم
~~فيما قيل: يوم الفتح، وقيل: عام خيبر. ومات بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل:
~~سنة تسع وخمسين. وحديثه وحديث البراء الذي بعده يتعلقان بكيفية القراءة في
~~الصلاة. وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أفعال مختلفة في
~~الطول والقصر، وصنف فيها بعض الحفاظ كتابا مفردا. والذي اختاره الشافعية
~~التطويل: في قراءة الصبح والظهر، والتقصير في المغرب، والتوسط في العصر
~~والعشاء، وغيرهم يوافق في الصبح والمغرب، ويخالف في الظهر والعصر والعشاء.
~~واستمر العمل من الناس على التطويل في الصبح، والقصر في المغرب، وما ورد
~~على خلاف ذلك من الأحاديث، فإن ظهرت له علة في المخالفة فقد يحمل على تلك
~~العلة، كما في حديث البراء بن عازب المذكور، فإنه ذكر " أنه في السفر " فمن
~~يختار أوساط المفصل لصلاة العشاء الآخرة: يحمل ذلك على أن السفر مناسب
~~للتخفيف، لاشتغال المسافر وتعبه. والصحيح عندنا: أن ما صح في ذلك عن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - مما لم يكثر مواظبته عليه، فهو جائز من غير كراهة،
~~كحديث جبير بن مطعم في قراءة الطور في المغرب " وكحديث قراءة " الأعراف "
~~فيها. وما صحت المواظبة عليه، فهو في درجة الرجحان في الاستحباب إلا أن
~~غيره مما قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مكروه. وقد تقدم الفرق بين
~~كون
# PageV01P267
# 102 - الحديث الخامس: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في
~~صلاتهم، فيختم ب قل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - فقال سلوه لأي شيء صنع ذلك؟ فسألوه. فقال: لأنها صفة
~~الرحمن عز وجل، فأنا أحب أن أقرأ بها. ms191 فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~-: أخبروه: أن الله تعالى يحبه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الشيء مستحبا وبين كون تركه مكروها. وحديث جبير بن مطعم المتقدم مما سمعه
~~من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل إسلامه، لما قدم في فداء الأسارى.
~~وهذا النوع من الأحاديث قليل - أعني: التحمل قبل الإسلام والأداء بعده.
### | [حديث بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم]
# قولها " فيختم بقل هو الله أحد " يدل على أنه كان يقرأ بغيرها. والظاهر:
~~أنه كان يقرأ {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] مع غيرها في ركعة واحدة. ويختم
~~بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة يقرأ
~~فيها السورة. وعلى الأول: يكون ذلك دليلا على جواز الجمع بين السورتين في
~~ركعة واحدة، إلا أن يزيد الفاتحة معها. وقوله: - صلى الله عليه وسلم -
~~«إنها صفة الرحمن» يحتمل أن يراد به: أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما إذا ذكر
~~وصف فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف. ويحتمل
~~أن يراد به غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك ب قل هو الله أحد. ولعلها خصت
~~بذلك لاختصاصها بصفات الرب تعالى دون غيرها. وقوله - صلى الله عليه وسلم -
~~«أخبروه أن الله تعالى يحبه» يحتمل أن يريد بمحبته: قراءة هذه السورة.
~~ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر صفات الرب عز وجل، وصحة
~~اعتقاده.
# PageV00P000
# الحديث السادس: عن جابر - رضي الله عنه -: أن النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ «فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس
~~وضحاها، والليل إذا يغشى؟ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» .
### | 104 -
# الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما -: كانوا يستفتحون الصلاة ب
~~{الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] » . وفي رواية " صليت مع أبي بكر
~~وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن ms192 الرحيم ". ولمسلم
~~«صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا
~~يستفتحون ب الحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في
~~أول قراءة ولا في آخرها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى]
# فلم يتعين في هذه الرواية في أي صلاة قيل له ذلك، وقد عرف أن صلاة العشاء
~~الآخرة: طول فيها معاذ بقومه. فيدل ذلك على استحباب قراءة هذا القدر في
~~العشاء الآخرة. ومن الحسن أيضا: قراءة هذه السور بعينها فيها، وكذلك كل ما
~~ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه القراءة المختلفة. فينبغي أن
~~تفعل. ولقد أحسن من قال من العلماء " اعمل بالحديث ولو مرة، تكن من أهله.
### | [باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم]
### | [حديث كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين]
# أما قوله «كانوا يستفتحون الصلاة ب الحمد لله رب العالمين» فقد تقدم
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الكلام في مثله وتأويل من تأول ذلك بأنه كان يبتدئ بالفاتحة قبل السورة.
~~وأما بقية الحديث فيستدل به من يرى عدم الجهر بالبسملة في الصلاة. والعلماء
~~في ذلك على ثلاثة مذاهب:
# أحدها: تركها سرا وجهرا. وهو مذهب مالك.
# الثاني: قراءتها سرا لا جهرا وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد.
# الثالث: الجهر بها في الجهرية. وهو مذهب الشافعي.
# والمتيقن من هذا الحديث: عدم الجهر. وأما الترك أصلا: فمحتمل، مع ظهور
~~ذلك في بعض الألفاظ. وهو قوله " لا يذكرون ". وقد جمع جماعة من الحفاظ باب
~~الجهر، وهو أحد الأبواب التي يجمعها أهل الحديث، وكثير منها - أو الأكثر -
~~معتل، وبعضها جيد الإسناد إلا أنه غير مصرح فيه بالقراءة في الفرض، أو في
~~الصلاة. وبعضها فيه ما يدل على القراءة في الصلاة إلا أنه ليس بصريح
~~الدلالة على خصوص التسمية. ومن صحيحها: حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال
~~«كنت وراء أبي هريرة. فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى
~~بلغ ولا الضالين قال: آمين. ms193 وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر،
~~وإذا قام من الجلوس قال: الله أكبر ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده، إني
~~لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . وقريب من هذا في
~~الدلالة والصحة: حديث المعتمر بن سليمان «وكان يجهر ببسم الله الرحمن
~~الرحيم، قبل فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي. وقال
~~أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس. وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -» وذكر الحاكم أبو عبد الله: أن رواة هذا
~~الحديث عن آخرهم ثقات. وإذا ثبت شيء من ذلك فطريق أصحاب الجهر: أنهم يقدمون
~~الإثبات على النفي ويحملون حديث أنس على عدم السماع. وفي ذلك بعد، مع طول
~~مدة صحبته. وأيد المالكية ترك التسمية بالعمل المتصل من أهل المدينة.
~~والمتيقن من ذلك - كما ذكرناه في الحديث الأول - ترك الجهر، إلا أن يدل
~~دليل صريح على الترك مطلقا.
# PageV01P270
# الحديث الأول: عن محمد بن سيرين «عن أبي هريرة قال
~~صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي - قال ابن
~~سيرين: وسماها أبو هريرة. ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم.
~~فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى
~~على اليسرى، وشبك بين أصابعه. وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت
~~الصلاة - وفي القوم أبو بكر وعمر - فهابا أن يكلماه. وفي القوم رجل في يديه
~~طول، يقال له: ذو اليدين فقال يا رسول الله، أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ قال:
~~لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلى ما
~~ترك. ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول. ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر
~~وسجد مثل سجوده أو أطول. ثم رفع رأسه وكبر. فربما سألوه: ثم سلم؟ قال:
~~فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب سجود السهو]
### | [حديث صلى بنا رسول الله صلى الله ms194 عليه وسلم إحدى صلاتي العشي]
# " الكلام على هذا الحديث يتعلق بمباحث: بحث يتعلق بأصول الدين وبحث يتعلق
~~بأصول الفقه. وبحث يتعلق بالفقه فأما البحث الأول: ففي موضعين:
# أحدهما: أنه يدل على جواز السهو في الأفعال على الأنبياء - عليهم السلام
~~-. وهو مذهب عامة العلماء والنظار. وهذا الحديث مما يدل عليه. وقد صرح -
~~صلى الله عليه وسلم - في
# PageV01P271
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# حديث ابن مسعود «بأنه ينسى كما تنسون» وشذت طائفة من المتوغلين، فقالت:
~~لا يجوز السهو عليه. وإنما ينسى عمدا. ويتعمد صورة النسيان ليسن. وهذا قطعا
~~باطل، لإخباره - صلى الله عليه وسلم - بأنه ينسى؛ ولأن الأفعال العمدية
~~تبطل الصلاة، ولأن صورة الفعل النسياني كصورة الفعل العمدي، وإنما يتميزان
~~للغير بالإخبار والذين أجازوا السهو قالوا: لا يقر عليه فيما طريقه البلاغ
~~الفعلي. واختلفوا: هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة، أو ليس من شرطه
~~ذلك؟ بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ، وهو العمر. وهذه الواقعة
~~قد وقع البيان فيها على الاتصال، وقد قسم القاضي عياض الأفعال إلى ما هو
~~على طريقة البلاغ، وإلى ما ليس على طريقة البلاغ، ولا بيان للأحكام من
~~أفعاله البشرية وما يختص به من عاداته وأذكار قلبه. وأبى ذلك بعض من تأخر
~~عن زمن. وقال: إن أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وإقراره:
~~كله بلاغ، واستنتج بذلك العصمة في الكل، بناء على أن المعجزة تدل على
~~العصمة فيما طريقه البلاغ. وهذه كلها بلاغ. فهذه كلها تتعلق بها العصمة -
~~أعني: القول، والفعل والتقرير - ولم يصرح في ذلك بالفرق بين عمد وسهو. وأخذ
~~البلاغ في الأفعال: من حيث التأسي به - صلى الله عليه وسلم -. فإن كان يقول
~~بأن السهو والعمد سواء في الأفعال فهذا الحديث يرد عليه.
# الموضع الثاني: الأقوال. وهي تنقسم إلى ما طريقه البلاغ. والسهو فيه
~~ممتنع. ونقل فيه الإجماع، كما يمتنع التعمد قطعا وإجماعا. وأما طرق السهو
~~في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ، من الأخبار التي تستند
~~الأحكام إليها، لا أخبار ms195 المعاد، ولا ما يضاف إلى وحي. فقد حكى القاضي عياض
~~عن قوم: أنهم جوزوا السهو والغفلة في هذا الباب عليه؛ إذ ليس من باب
~~التبليغ الذي يتطرق به إلى القدح في الشريعة. قال: والحق الذي لا مرية فيه:
~~ترجيح قول من لم يجز ذلك على الأنبياء في خبر من الأخبار، كما لم يجيزوا
~~عليهم فيها العمد. فإنه لا يجوز عليهم خلف من خبر، لا عن قصد ولا سهو، ولا
~~في صحة ولا مرض، ولا رضى ولا غضب. والذي يتعلق بهذا من هذا الحديث: قوله -
~~صلى الله عليه وسلم - «لم أنس ولم تقصر» وفي
# PageV01P272
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# رواية أخرى «كل ذلك لم يكن» واعتذر عن ذلك بوجوه:
# أحدها: أن المراد لم يكن القصر والنسيان معا. وكان الأمر كذلك.
# وثانيهما: أن المراد الإخبار عن اعتقاد قلبه وظنه. وكأنه مقدر النطق به،
~~وإن كان محذوفا؛ لأنه لو صرح به وقيل: لم يكن في ظني، ثم تبين أنه كان
~~خلافه في نفس الأمر - لم يقتض ذلك أن يكون خلافه في ظنه. فإذا كان لو صرح
~~به - كما ذكرناه - فكذلك إذا كان مقدرا مرادا. وهذان الوجهان يختص أولهما
~~برواية من روى «كل ذلك لم يكن» . وأما من روى «لم أنس ولم تقصر» فلا يصح
~~فيه هذا التأويل.
# وأما الوجه الثاني: فهو مستمر على مذهب من يرى أن مدلول اللفظ الخبري هو
~~الأمور الذهنية فإنه - وإن لم يذكر ذلك - فهو الثابت في نفس الأمر عند
~~هؤلاء فيصير كالملفوظ به. وثالثها: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - «لم
~~أنس» يحمل على السلام، أي: إنه كان مقصودا، لأنه بناء على ظن التمام. ولم
~~يقع سهوا في نفسه. وإنما وقع السهو في عدد الركعات وهذا بعيد. ورابعها:
~~الفرق بين السهو والنسيان؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسهو ولا
~~ينسى. ولذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأنه غفلة. ولم يغفل عنها. وكان شغله عن
~~حركات الصلاة وما في الصلاة: شغلا بها لا غفلة عنها. ذكره ms196 القاضي عياض.
~~وليس في هذا تخليص للعبادة عن حقيقة السهو والنسيان، مع بعد الفرق بينهما
~~في استعمال اللغة وكأنه متلوح في اللفظ: أن النسيان عدم الذكر لأمر لا
~~يتعلق بالصلاة. والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها. ويكون النسيان الإعراض عن
~~تفقد أمورها، حتى يحصل عدم الذكر، والسهو: عدم الذكر، لا لأجل الإعراض.
~~وليس في هذا - بعد ما ذكرناه - تفريق كلي بين السهو والنسيان. وخامسها: ما
~~ذكره القاضي عياض: أنه ظهر له ما هو أقرب وجها، وأحسن تأويلا وهو أنه إنما
~~أنكر - صلى الله عليه وسلم - نسبة النسيان المضاف إليه. وهو الذي نهى عنه
~~بقوله «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا ولكنه نسي» وقد روي «إني لا أنسى»
# PageV01P273
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# على النفي «ولكني أنسى» على النفي وقد شك الراوي - على رأي بعضهم - في
~~الرواية الأخرى: هل قال " أنسي " أو " أنسى " وأن " أو " هنا للشك. وقيل:
~~بل للتقسيم. وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله وسهوه، ومرة يغلب على ذلك
~~ويجبر عليه، ليسن. فلما سأله السائل بذلك اللفظ أنكره وقال له " كل ذلك لم
~~يكن " وفي الرواية الأخرى " لم أنس ولم تقصر " أما القصر: فبين وكذلك " لم
~~أنس " حقيقة من قبل نفسي وغفلتي عن الصلاة. ولكن الله نساني لأسن. واعلم
~~أنه قد ورد في الصحيح من حديث ابن مسعود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~قال «إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما
~~تنسون، فإذا نسيت فذكروني» وهذا يعترض ما ذكره القاضي، من أنه - صلى الله
~~عليه وسلم - أنكر نسبة النسيان إليه. فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد نسب
~~النسيان إليه في حديث ابن مسعود مرتين. وما ذكره القاضي عياض، من أنه - صلى
~~الله عليه وسلم - «نهى أن يقال: نسيت كذا» الذي أعرفه فيه «وبئسما لأحدكم
~~أن يقول: نسيت آية كذا» وهذا نهي عن إضافة " نسيت " إلى " الآية " وليس
~~يلزم من النهي عن إضافة النسيان إلى الآية: النهي عن ms197 إضافته إلى كل شيء؛
~~فإن الآية من كلام الله تعالى المعظم، ويقبح بالمرء المسلم أن يضيف إلى
~~نفسه نسيان كلام الله تعالى، وليس هذا المعنى موجودا في كل ما ينسب إليه
~~النسيان، فلا يلزم مساواة غير الآية لها. وعلى كل تقدير: لو لم يظهر مناسبة
~~لم يلزم من النهي عن الخاص النهي عن العام. وإذا لم يلزم ذلك لم يلزم أن
~~يكون قول القائل " نسيت " - الذي أضافه إلى عدد الركعات - داخل تحت النهي.
~~فينكر - والله أعلم - ولما تكلم بعض المتأخرين على هذا الموضع ذكر: أن
~~التحقيق في الجواب عن ذلك: أن العصمة إنما تثبت في الإخبار عن الله في
~~الأحكام وغيرها؛
# PageV01P274
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لأنه الذي قامت عليه المعجزة. وأما إخباره عن الأمور الوجودية: فيجوز
~~عليه فيه النسيان هذا أو معناه.
### | [الترجيح بكثرة الرواة]
# 1
# وأما البحث المتعلق بأصول الفقه: فإن بعض من صنف في ذلك احتج به على جواز
~~الترجيح بكثرة الرواة، من حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب إخبار
~~القوم، بعد إخبار ذي اليدين. وفي هذا بحث.
### | [نية الخروج من الصلاة وقطعها]
# 1
# وأما البحث المتعلق بالفقه: فمن وجوه:
# أحدها: أن نية الخروج من الصلاة وقطعها، إذا كانت بناء على ظن التمام لا
~~يوجب بطلانها.
# الثاني: أن السلام سهو لا يبطل الصلاة.
# الثالث: استدل به بعضهم على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة. وأبو حنيفة
~~يخالف فيه.
# الرابع: الكلام العمد لإصلاح الصلاة لا يبطل. وجمهور الفقهاء على أنه
~~يبطل. وروى ابن القاسم عن مالك: أن الإمام لو تكلم بما تكلم به النبي - صلى
~~الله عليه وسلم -. من الاستفسار والسؤال عند الشك، وإجابة المأموم: أن
~~صلاتهم تامة على مقتضى الحديث. والذين منعوا من هذا اختلفوا في الاعتذار عن
~~هذا الحديث. والذي يذكر فيه وجوه:
# منها: أنه منسوخ، لجواز أن يكون في الزمن الذي كان يجوز فيه الكلام في
~~الصلاة، وهذا لا يصح؛ لأن هذا الحديث رواه أبو هريرة، وذكر أنه شاهد القصة
~~وإسلامه ms198 عام خيبر، وتحريم الكلام في الصلاة كان قبل ذلك بسنين - ولا ينسخ
~~المتأخر بالمتقدم.
# ومنها: التأويل لكلام الصحابة بأن المراد بجوابهم: جوابهم بالإشارة
~~والإيماء، لا بالنطق وفيه بعد؛ لأنه خلاف الظاهر من حكاية الراوي لقولهم.
~~وإن كان قد ورد من حديث حماد بن زيد «فأومئوا إليه» فيمكن الجمع، بأن يكون
~~بعضهم فعل ذلك إيماء، وبعضهم كلاما. أو اجتمع الأمران في حق بعضهم.
# ومنها: أن كلامهم كان إجابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجابته
~~واجبة واعترض عليه بعض المالكية بأن قال: إن الإجابة لا تتعين بالقول.
~~فيكفي فيها الإيماء.
# PageV01P275
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وعلى تقدير أن يجيب القوم، لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة، لجواز أن تجب
~~الإجابة، ويلزمهم الاستئناف.
# ومنها: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكلم معتقدا لتمام الصلاة،
~~والصحابة تكلموا مجاوزين للنسخ، فلم يكن كلام واحد منهم مبطلا. وهذا يضعفه
~~ما في كتاب مسلم: «أن ذا اليدين قال أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟
~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض
~~ذلك يا رسول الله. فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس.
~~فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله بعد قوله كل ذلك لم يكن»
~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - «كل ذلك لم يكن» يدل على عدم النسخ. فقد
~~تكلموا بعد العلم بعدم النسخ. وليتنبه ههنا لنكتة لطيفة في قول ذي اليدين "
~~قد كان بعض ذلك " بعد قوله - صلى الله عليه وسلم - " كل ذلك لم يكن " فإن
~~قوله " كل ذلك لم يكن " تضمن أمرين:
# أحدهما: الإخبار عن حكم شرعي. وهو عدم القصر.
# والثاني: الإخبار عن أمر وجودي وهو النسيان. وأحد هذين الأمرين لا يجوز
~~فيه النسخ، وهو الإخبار عن الأمر الشرعي. والآخر متحقق عند ذي اليدين. فلزم
~~أن يكون الواقع بعض ذلك، كما ذكرنا.
### | [الأفعال التي ليست من جنس أفعال الصلاة إذا وقعت سهوا]
# الخامس: الأفعال التي ليست من جنس أفعال ms199 الصلاة إذا وقعت سهوا. فإما أن
~~تكون قليلة أو كثيرة. فإن كانت قليلة: لم تبطل الصلاة، وإن كانت كثيرة
~~ففيها خلاف في مذهب الشافعي. واستدل لعدم البطلان بهذا الحديث فإن الواقع
~~فيه أفعال كثيرة. ألا ترى إلى قوله " خرج سرعان الناس " وفي بعض الروايات
~~أنه - صلى الله عليه وسلم - «خرج إلى منزله ومشى» قال في كتاب مسلم «ثم أتى
~~جذعا في قبلة المسجد فاستند إليه» ثم قد حصل البناء بعد ذلك. فدل على عدم
~~بطلان الصلاة بالأفعال الكثيرة سهوا.
### | [البناء على الصلاة بعد السلام سهوا]
# 1
# السادس: فيه دليل جواز البناء على الصلاة، بعد السلام سهوا، والجمهور
~~عليه. وذهب سحنون - من المالكية - إلى أن ذلك إنما يكون إذا سلم من
# PageV01P276
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ركعتين، على ما ورد في الحديث، ولعله رأى أن البناء بعد قطع الصلاة ونية
~~الخروج منها على خلاف القياس، وإنما ورد النص على خلاف القياس في هذه
~~الصورة المعينة، وهو السلام من اثنتين، فيقصر على ما ورد النص ويبقى فيما
~~عداه على القياس. والجواب عنه: أنه إذا كان الفرع مساويا للأصل ألحق به،
~~وإن خالف القياس عند بعض أهل الأصول: وقد علمنا أن المانع لصحة الصلاة إنما
~~كان هو الخروج منها بالنية والسلام. وهذا المعنى قد ألغي عند ظن التمام
~~بالنص. ولا فرق بالنسبة إلى هذا المعنى بين كونه بعد ركعتين، أو كونه بعد
~~ثلاثة، أو بعد واحدة.
# السابع: إذا قلنا بجواز البناء، فقد خصصوه بالقرب في الزمن. وأبى ذلك بعض
~~المتقدمين. فقال بجواز البناء، وإن طال، ما لم ينتقض وضوءه. روي ذلك عن
~~ربيعة. وقيل: إن نحوه عن مالك. وليس ذلك بمشهور عنه. واستدل لهذا المذهب
~~بهذا الحديث. ورأوا أن هذا الزمن طويل، لا سيما على رواية من روى «أن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - خرج إلى منزله» .
# الثامن: إذا قلنا: إنه لا يبنى إلا في القرب. فقد اختلفوا في حده على
~~أقوال. منهم: من اعتبره بمقدار فعل النبي - صلى الله عليه ms200 وسلم - في هذا
~~الحديث. فما زاد عليه من الزمن فهو طويل. وما كان بمقداره أو دونه فقريب.
~~ولم يذكروا على هذا القول الخروج إلى المنزل. ومنهم من اعتبر في القرب
~~العرف. ومنهم من اعتبر مقدار ركعة. ومنهم من اعتبر مقدار الصلاة. وهذه
~~الوجوه كلها في مذهب الشافعي وأصحابه.
### | [سجود السهو]
# 1
# التاسع: فيه دليل على مشروعية سجود السهو.
# العاشر: فيه دليل على أنه سجدتان. الحادي عشر: فيه دليل على أنه في آخر
~~الصلاة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله إلا كذلك وقيل: في
~~حكمته: إنه أخر لاحتمال وجود سهو آخر. فيكون جابرا للكل.
# PageV01P277
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفرع الفقهاء على هذا: أنه لو سجد، ثم تبين أنه لم يكن آخر الصلاة، لزمه
~~إعادته في آخرها. وصوروا ذلك في صورتين. إحداهما: أن يسجد للسهو في الجمعة،
~~ثم يخرج الوقت، وهو في السجود الأخير، فيلزمه إتمام الظهر، ويعيد السجود.
# والثانية: أن يكون مسافرا فيسجد للسهو، وتصل به السفينة إلى الوطن، أو
~~ينوي الإقامة، فيتم ويعيد السجود.
# الثاني عشر: فيه دليل على أن سجود السهو يتداخل، ولا يتعدد بتعدد أسبابه.
~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سلم، وتكلم، ومشى. وهذه موجبات متعددة.
~~واكتفى فيها بسجدتين، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء. ومنهم من قال: يتعدد
~~السجود بتعدد السهو، على ما نقله بعضهم. ومنهم من فرق بين أن يتحد الجنس أو
~~يتعدد. وهذا الحديث دليل على خلاف هذا المذهب. فإنه قد تعدد الجنس في القول
~~والفعل، ولم يتعدد السجود.
### | [محل السجود]
# الثالث عشر: الحديث يدل على السجود بعد السلام في هذا السهو. واختلف
~~الفقهاء في محل السجود، فقيل: كله قبل السلام. وهو مذهب الشافعي وقيل: كله
~~بعد السلام. وهو مذهب أبي حنيفة. وقيل: ما كان من نقص فمحله قبل السلام.
~~وما كان من زيادة فمحله بعد السلام. وهو مذهب مالك. وأومأ إليه الشافعي في
~~القديم. وقد ثبت في الأحاديث السجود بعد السلام في الزيادة، وقبله في
~~النقص. واختلف الفقهاء. فذهب ms201 مالك إلى الجمع، بأن استعمل كل حديث قبل
~~السلام في النقص، وبعده في الزيادة. والذين قالوا: بأن الكل قبل السلام،
~~اعتذروا عن الأحاديث التي جاءت بعد السلام بوجوه:
# أحدها: دعوى النسخ لوجهين: أحدهما: أن الزهري قال " إن آخر الأمرين من
~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -: السجود قبل السلام.
# الثاني: أن الذين رووا السجود قبل السلام: متأخرو الإسلام، وأصاغر
~~الصحابة. والاعتراض على الأول: أن رواية الزهري مرسلة ولو كانت مسندة فشرط
~~النسخ: التعارض باتحاد المحل. ولم يقع ذلك مصرحا به في رواية الزهري.
~~فيحتمل أن يكون الأخير: هو السجود قبل السلام، لكن في محل النقص، وإنما يقع
~~التعارض المحوج إلى النسج لو تبين أن المحل واحد ولم يتبين ذلك.
# PageV01P278
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والاعتراض على الثاني: أن تقدم الإسلام والكبر لا يلزم منه تقدم الرواية
~~حالة التحمل.
# الوجه الثاني في الاعتذار عن الأحاديث التي جاءت بالسجود بعد السلام:
~~التأويل؛ إما على أن يكون المراد بالسلام: هو السلام الذي على النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - الذي في التشهد. وإما أن يكون على تأخره بعد السلام على
~~سبيل السهو، وهما بعيدان.
# أما الأول فلأن: السابق إلى الفهم عند إطلاق " السلام " في سياق ذكر
~~الصلاة هو الذي به التحلل. وأما الثاني: فلأن الأصل عدم السهو وتطرقه إلى
~~الأفعال الشرعية من غير دليل غير سائغ. وأيضا فإنه مقابل بعكسه. وهو أن
~~يقول الحنفي: محله بعد السلام. وتقدمه قبل السلام على سبيل السهو.
# الوجه الثالث في الاعتذار الترجيح بكثرة الرواة: وهذا - إن صح -
~~فالاعتراض عليه: أن طريقة الجمع أولى من طريقة الترجيح. فإنه يصار إليه عند
~~عدم إمكان الجمع. وأيضا فلا بد من النظر إلى محل التعارض واتحاد موضع
~~الخلاف من الزيادة والنقصان. والقائلون بأن محل السجود بعد السلام اعتذروا
~~عن الأحاديث المخالفة لذلك التأويل: إما على أن يكون المراد بقوله " قبل
~~السلام " السلام الثاني، أو يكون المراد بقوله " وسجد سجدتين " سجود
~~الصلاة. وما ذكره الأولون من احتمال السهو: عائد ههنا. والكل ms202 ضعيف. والأول
~~يبطله: أن سجود السهو لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقا. وذهب أحمد بن
~~حنبل إلى الجمع بين الأحاديث بطريق أخرى، غير ما ذهب إليه مالك. وهو أن
~~يستعمل كل حديث فيما ورد فيه. وما لم يرد. فيه حديث فمحل السجود فيه قبل
~~السلام. وكأن هذا نظر إلى أن الأصل في الجابر: أن يقع في المجبور، فلا يخرج
~~عن هذا الأصل إلا في مورد النص. ويبقى فيما عداه على الأصل.
# وهذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع، وعدم سلوك طريق الترجيح،
~~لكنهما اختلفا في وجه الجمع. ويترجح قول مالك بأن تذكر المناسبة في كون
~~سجود السهو قبل السلام عند النقص. وبعده عند الزيادة. وإذا ظهرت المناسبة -
~~وكان الحكم على وفقها - كانت علة، وإذ كانت علة: عم الحكم. فلا يتخصص ذلك
~~بمورد النص.
### | [سهو الإمام بالمأمومين]
# 1
# PageV01P279
# 106 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن بحينة - وكان من
~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى
~~بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس. فقام الناس معه، حتى إذا
~~قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه: كبر وهو جالس. فسجد سجدتين قبل أن يسلم
~~ثم سلم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الوجه الرابع عشر: إذا سها الإمام: تعلق حكم سهوه بالمأمومين، وسجدوا معه
~~وإن لم يسهوا. واستدل عليه بهذا الحديث. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~سها وسجد القوم معه لما سجد، وهذا إنما يتم في حق من لم يتكلم من الصحابة،
~~ولم يمش ولم يسلم، إن كان ذلك.
# الوجه الخامس عشر: فيه دليل على التكبير لسجود السهو. كما في سجود
~~الصلاة.
# الوجه السادس عشر: القائل " فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم " هو
~~محمد بن سيرين الراوي عن أبي هريرة، وكان الصواب للمصنف: أن يذكره فإنه لما
~~لم يذكر إلا أبا هريرة، اقتضى ذلك أن يكون هو القائل " فنبئت " وليس كذلك
~~وهذا يدل على السلام من سجود السهو.
# الوجه السابع عشر: لم يذكر ms203 التشهد بعد سجود السهو. وفيه خلاف عند أصحاب
~~مالك في السجود الذي بعد السلام. وقد يستدل بتركه في الحديث على عدمه في
~~الحكم، كما فعلوا في مثله كثيرا، من حيث إنه لو كان لذكر ظاهرا.
### | [حديث صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس]
# الكلام عليه من وجوه.
# الأول: فيه دليل على السجود قبل السلام عند النقص. فإنه نقص من هذه
~~الصلاة: الجلوس الأوسط وتشهده.
# PageV00P000
# 107 - الحديث الأول: عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة
~~الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو
~~يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم؟ لكان أن يقف أربعين خيرا له
~~من أن يمر بين يديه قال أبو النضر: لا أدري: قال أربعين يوما أو شهرا أو
~~سنة؟» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثاني: فيه دليل على أن هذا الجلوس غير واجب - أعني الأول - من حيث إنه
~~جبر بالسجود، ولا يجبر الواجب إلا بتداركه وفعله. وكذلك فيه دليل على عدم
~~وجوب التشهد الأول.
### | [تكرار السجود عند تكرار السهو]
# 1
# الثالث: فيه دليل على عدم تكرار السجود عند تكرار السهو. لأنه قد ترك
~~الجلوس الأول والتشهد معا. واكتفى لهما بسجدتين. هذا إذا ثبت أن ترك التشهد
~~الأول بمفرده موجب.
# الرابع: فيه دليل على متابعة الإمام عند القيام عن هذا الجلوس. وهذا لا
~~إشكال فيه، على قول من يقول: إن الجلوس الأول سنة، فإن ترك السنة للإتيان
~~بالواجب، ومتابعة الإمام واجبة.
# الخامس: إن استدل به على أن ترك التشهد الأول بمفرده موجب لسجود السهو
~~فيه. ففيه نظر، من حيث إن المتيقن السجود عند هذا القيام عن الجلوس. وجاء
~~من ضرورة ذلك: ترك التشهد فيه، فلا يتيقن أن الحكم يترتب على ترك التشهد
~~الأول فقط، لاحتمال أن يكون مرتبا على ترك الجلوس. وجاء هذا من الضرورة
~~الوجودية.
# PageV00P000
# 108 - الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا صلى ms204 أحدكم إلى
~~شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه. فإن أبى
~~فليقاتله. فإنما هو شيطان» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب المرور بين يدي المصلي]
### | [حديث لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم]
# " أبو جهيم عبد الله بن الحارث بن جهيم الأنصاري. سماه ابن عيينة في
~~روايته، والثوري. فيه دليل على منع المرور بين يدي المصلي إذا كان دون
~~سترة، أو كانت له سترة فمر بينه وبينها، وقد صرح في الحديث " بالإثم ".
~~وبعض الفقهاء قسم ذلك على أربع صور. الأولى: أن يكون للمار مندوحة عن
~~المرور بين يدي المصلي، ولم يتعرض المصلي لذلك، فيخص المار بالإثم، إن مر.
# الصورة الثانية: مقابلتها. وهو أن يكون المصلي تعرض للمرور، والمار ليس
~~له مندوحة عن المرور، فيختص المصلي بالإثم دون المار.
# الصورة الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور، ويكون للمار مندوحة، فيأثمان
~~أما المصلي: فلتعرضه. وأما المار: فلمروره، مع إمكان أن لا يفعل. الصورة
~~الرابعة: أن لا يتعرض المصلي، ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما.
### | [حديث إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس]
# " أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان خدري. . وقد تقدم الكلام فيه.
~~والحديث يتعرض لمنع المار بين يدي المصلي وبين سترته، وهو ظاهر.
# PageV00P000
# 109 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام،
~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار. مررت
~~بين يدي
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة لمصلحتها. ولفظة " المقاتلة "
~~محمولة على قوة المنع، من غير أن تنتهي إلى الأعمال المنافية للصلاة وأطلق
~~بعض المصنفين من أصحاب الشافعي القول بالقتال. وقال " فليقاتله " على لفظ
~~الحديث. ونقل القاضي عياض: الاتفاق على أنه لا يجوز المشي من مقامه إلى
~~رده، والعمل الكثير في مدافعته. لأن ذلك في صلاته أشد من مروره عليه. وقد
~~يستدل بالحديث ms205 على أنه إذا لم يكن سترة لم يثبت هذا الحكم من حيث المفهوم،
~~وبعض المصنفين من أصحاب الشافعي نص على أنه إذا لم يستقبل شيئا أو تباعد عن
~~السترة، فإن أراد أن يمر وراء موضع السجود: لم يكره. وإن أراد أن يمر في
~~موضع السجود: كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلل ذلك بتقصيره، حيث لم
~~يقرب من السترة، أو ما هذا معناه. ولو أخذ من قوله " إذا صلى أحدكم إلى شيء
~~يستره " جواز التستر بالأشياء عموما: لكان فيه ضعف. لأن مقتضى العموم جواز
~~المقاتلة عند وجود كل شيء ساتر، لا جواز الستر بكل شيء، إلا أن يحمل الستر
~~على الأمر الحسي، لا الأمر الشرعي. وبعض الفقهاء كره التستر بآدمي أو حيوان
~~غيره، لأنه يصير في صورة المصلى إليه، وكرهه مالك في المرأة. وفي الحديث
~~دليل على جواز إطلاق لفظ " الشيطان " في مثل هذا. والله أعلم
# PageV00P000
# بعض الصف فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع. ودخلت في الصف،
~~فلم ينكر ذلك علي أحد» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث المرور بين يدي بعض الصف]
# قوله " حمار أتان " فيه استعمال لفظ " الحمار " في الذكر والأنثى، كلفظ "
~~الشاة " ولفظ " الإنسان " وفي رواية مسلم «على أتان» ولم يذكر لفظة " حمار
~~". وقوله: " ناهزت الاحتلام " أي قاربته. وهو يؤنس لقول من قال: إن ابن
~~عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقول من قال: إن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - مات وابن عباس ابن ثلاث عشرة سنة، خلافا لمن قال غير ذلك مما لا
~~يقارب البلوغ. ولعل قوله " قد ناهزت الاحتلام " ههنا تأكيد لهذا الحكم. وهو
~~عدم بطلان الصلاة بمرور الحمار. لأنه استدل على ذلك بعدم الإنكار. وعدم
~~الإنكار على من هو في مثل هذا السن أدل على هذا الحكم. لأنه لو كان في سن
~~الصغر وعدم التمييز - مثلا - لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته
~~بسبب صغر سنه وعدم تمييزه. وقد استدل ابن عباس بعدم الإنكار عليه، ولم
~~يستدل بعدم استئنافهم للصلاة.
# لأنه أكثر فائدة. فإنه ms206 إذا دل عدم إنكارهم على أن هذا الفعل غير ممنوع من
~~فاعله، دل ذلك على عدم إفساد الصلاة، إذ لو أفسدها لامتنع إفساد صلاة الناس
~~على المار. ولا ينعكس هذا. وهو أن يقال: ولو لم يفسد لم يمتنع على المار،
~~لجواز أن لا تفسد الصلاة ويمتنع المرور، كما تقول في مرور الرجل بين يدي
~~المصلي، حيث يكون له مندوحة: إنه ممتنع عليه المرور، وإن لم يفسد الصلاة
~~على المصلي. فثبت بهذا أن عدم الإنكار دليل على الجواز. والجواز دليل على
~~عدم الإفساد، وأنه لا ينعكس. فكان الاستدلال بعدم الإنكار أكثر فائدة من
~~الاستدلال بعدم استئنافهم الصلاة. ويستدل بالحديث على أن مرور الحمار بين
~~يدي المصلي لا يفسد الصلاة. وقد قال في الحديث " بغير جدار " ولا يلزم من
~~عدم الجدار عدم السترة.
# PageV01P284
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فإن لم يكن ثمة سترة غير الجدار فالاستدلال ظاهر. وإن كان: وقف الاستدلال
~~على أحد أمرين: إما أن يكون هذا المرور وقع دون السترة - أعني بين السترة
~~والإمام - وإما أن يكون الاستدلال وقع بالمرور بين يدي المأمومين أو بعضهم،
~~لكن قد قالوا: إن سترة الإمام سترة لمن خلفه. فلا يتم الاستدلال إلا بتحقيق
~~إحدى هذه المقدمات، التي منها: أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه، إن لم
~~يكن مجمعا عليها. وعلى الجملة: فالأكثرون من الفقهاء على أنه لا تفسد
~~الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي. ووردت أحاديث معارضة لذلك فمنها: ما دل
~~على انقطاع الصلاة بمرور الكلب والمرأة والحمار.
# ومنها: ما دل على انقطاعها بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار. وهذان
~~صحيحان.
# ومنها ما دل على انقطاعها بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار واليهودي
~~والنصراني والمجوسي والخنزير. وهذا ضعيف.
# فذهب أحمد بن حنبل إلى أن مرور الكلب الأسود يقطعها. ولم نجد لذلك
~~معارضا. قال: وفي قلبي من المرأة والحمار شيء. وإنما ذهب إلى هذا - والله
~~أعلم - لأنه ترك الحديث الضعيف بمرة. ونظر إلى الصحيح. فحمل مطلق " الكلب "
~~في بعض الروايات على تقييده بالأسود، في ms207 بعضها. ولم يجد لذلك معارضا، فقال
~~به. ونظر إلى المرأة والحمار. فوجد حديث عائشة - الآتي - يعارض أمر المرأة.
~~وحديث ابن عباس - هذا - يعارض أمر الحمار. فتوقف على ذلك وهذه العبارة -
~~التي حكيناها عنه - أجود مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول. عن أحمد
~~بأنه لا يقطع المرأة والحمار. وإنما كان كذلك: لأن جزم القول به يتوقف على
~~أمرين:
# أحدهما: أن يتبين تأخر المقتضي لعدم الفساد على المقتضي للفساد. وفي ذلك
~~عسر عند المبالغة في التحقيق.
# والثاني: أن يتبين أن مرور المرأة مساو لما حكته عائشة - رضي الله عنها -
~~من الصلاة إليها وهي راقدة. وليست هذه المقدمة بالبينة عندنا لوجهين:
# أحدهما: أنها - رضي الله عنها - ذكرت أن البيوت يومئذ ليس فيها مصابيح
~~فلعل سبب هذا الحكم: عدم المشاهدة لها.
# والثاني: أن قائلا قال: إن مرور المرأة ومشيها لا يساويه في
# PageV01P285
# 110 - الحديث الرابع: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت «كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته
~~- فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي. فإذا قام بسطتهما. والبيوت يومئذ ليس فيها
~~مصابيح» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# التشويش على المصلي اعتراضها بين يديه. فلا يساويه في الحكم: لم يكن ذلك
~~بالممتنع. وليس يبعد من تصرف الظاهرية مثل هذا. وقوله. فأرسلت الأتان ترتع
~~" أي ترعى.
### | [عدم الإنكار حجة على الجواز]
# 1
# وفي الحديث دليل على أن عدم الإنكار حجة على الجواز. وذلك مشروط بأن
~~تنتفي الموانع من الإنكار. ويعلم الاطلاع على الفعل. وهذا ظاهر. ولعل السبب
~~في قول ابن عباس " ولم ينكر ذلك علي أحد " ولم يقل: ولم ينكر النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - علي ذلك: أنه ذكر أن هذا الفعل كان بين يدي بعض الصف.
~~وليس يلزم من ذلك اطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، لجواز أن
~~يكون الصف ممتدا. فلا يطلع عليه. لفقد شرط الاستدلال بعدم الإنكار على
~~الجواز. وهو الاطلاع مع عدم المانع. أما عدم الإنكار ممن رأى هذا الفعل:
~~فهو متيقن، ms208 فترك المشكوك فيه، وهو الاستدلال بعدم الإنكار من النبي - صلى
~~الله عليه وسلم -. وأخذ المتيقن، وهو الاستدلال بعدم إنكار الرائين
~~للواقعة، وإن كان يحتمل أن يقال: إن قوله. ولم ينكر ذلك علي أحد " يشمل
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره، لعموم لفظة " أحد " إلا أن فيه ضعفا؛
~~لأنه لا معنى للاستدلال بعدم إنكار غير الرسول - صلى الله عليه وسلم -
~~بحضرته، وعدم إنكاره إلا على بعد.
### | [حديث كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته]
# وحديث عائشة - هذا - استدل به على ما قدمناه من عدم إفساد مرور المرأة
~~صلاة المصلي. وقد مر ما فيه وما يعارضه.
# PageV00P000
# 111 - الحديث الأول: عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري -
~~رضي الله عنه - قال: قال " رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا دخل
~~أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيه دليل على جواز الصلاة إلى النائم، وإن كان قد كرهه بعضهم. وورد فيه
~~حديث " وفيه دليل على أن اللمس - إما بغير لذة أو من وراء حائل - لا ينقض
~~الطهارة. أعني أنه يدل على أحد الحكمين. ولا بأس بالاستدلال به على أن
~~اللمس من غير لذة لا ينقض، من حيث إنها ذكرت " أن البيوت ليس فيها مصابيح "
~~وربما زال الساتر. فيكون وضع اليد - مع عدم العلم بوجود الحائل - تعريضا
~~للصلاة للبطلان. ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعرضها لذلك. وفيه
~~دليل على أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة. وقولها " والبيوت يومئذ ليس فيها
~~مصابيح " إما لتأكيد الاستدلال على حكم من الأحكام الشرعية، كما أشرنا
~~إليه، وإما لإقامة العذر لنفسها حيث أحوجته إلى أن يغمز رجلها. إذ لو كان
~~ثمة مصابيح لعلمت بوقت سجوده بالرؤية فلم تكن لتحوجه إلى الغمز. وقد قدمنا
~~كراهية أن تكون المرأة سترة للمصلي عند مالك، وكراهة أن تكون السترة آدميا
~~أو حيوانا عند بعض مصنفي الشافعية، مع تجويزه للصلاة إلى المضطجع. والله
~~أعلم.
### | [باب جامع]
### | [حديث إذا دخل أحدكم المسجد ms209 فلا يجلس حتى يصلي ركعتين]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: في حكم الركعتين عند دخول المسجد. وجمهور العلماء على عدم الوجوب
~~لهما. ثم اختلفوا. فظاهر مذهب مالك: أنهما
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من النوافل. وقيل: إنهما من السنن. وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق
~~بين النوافل والسنن والفضائل. ونقل عن بعض الناس: أنهما واجبتان تمسكا
~~بالنهي عن الجلوس قبل الركوع. وعلى الرواية الأخرى - التي وردت بصيغة الأمر
~~- يكون التمسك بصيغة الأمر. ولا شك أن ظاهر الأمر: الوجوب. وظاهر النهي:
~~التحريم ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى الدليل. ولعلهم يفعلون في هذا
~~ما فعلوا في مسألة الوتر، حيث استدلوا على عدم الوجوب فيه بقوله - صلى الله
~~عليه وسلم - «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» وقول السائل «هل علي غيرهن؟
~~قال: لا إلا أن تطوع» فحملوا لذلك صيغة الأمر على الندب، لدلالة هذا الحديث
~~على عدم وجوب غير الخمس، إلا أن هذا يشكل عليهم بإيجابهم الصلاة على الميت،
~~تمسكا بصيغة الأمر.
### | [دخول المسجد في الأوقات المكروهة]
# 1
# الوجه الثاني: إذا دخل المسجد في الأوقات المكروهة، فهل يركع أم لا؟
~~اختلفوا فيه. فمذهب مالك: أنه لا يركع. والمعروف من مذهب الشافعي وأصحابه
~~أنه يركع. لأنها صلاة لها سبب. ولا يكره في هذه الأوقات من النوافل إلا ما
~~لا سبب له. وحكي وجه آخر: أنه يكره. وطريقة أخرى: أن محل الخلاف إذا قصد
~~الدخول في هذه الأوقات لأجل أن يصلي فيها. أما غير هذا الوجه: فلا. وأما ما
~~حكاه القاضي عياض عن الشافعي في جواز صلاتها بعد العصر، ما لم تصفر الشمس،
~~وبعد الصبح ما لم يسفر، إذا هي عنده من النوافل التي لها سبب. وإنما يمنع
~~في هذه الأوقات ما لا سبب له، ويقصد ابتداء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -
~~«لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» انتهى كلامه. هذا لا نعرفه من
~~نقل أصحاب الشافعي على هذه الصورة. وأقرب الأشياء إليه: ما حكيناه من هذه
~~الطريقة، إلا أنه ms210 ليس هو إياه بعينه. وهذا الخلاف في هذه المسألة ينبني على
~~مسألة أصولية مشكلة، وهو ما إذا تعارض نصان، كل واحد منهما بالنسبة إلى
~~الآخر عام من وجه، خاص من وجه.
# PageV01P288
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ولست أعني بالنصين ههنا ما لا يحتمل التأويل. وتحقيق ذلك أولا يتوقف على
~~تصوير المسألة. فنقول: مدلول أحد النصين: إن لم يتناول مدلول الآخر ولا
~~شيئا منه، فهما متباينان، كلفظة " المشركين " و " المؤمنين " مثلا، وإن كان
~~مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر. فهما متساويان، كلفظة " الإنسان " و "
~~البشر " مثلا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، ويتناول غيره.
~~فالمتناول له ولغيره: عام من كل وجه بالنسبة إلى الآخر، والآخر خاص من كل
~~وجه. وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة، وينفرد كل واحد منهما بصورة أو صور.
~~فكل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه. فإذا تقرر هذا، فقوله - صلى الله
~~عليه وسلم - " إذا دخل أحدكم المسجد " إلخ مع قوله «لا صلاة بعد الصبح» من
~~هذا القبيل. فإنهما يجتمعان في صورة. وهو ما إذا دخل المسجد بعد الصبح، أو
~~العصر وينفردان أيضا، بأن توجد الصلاة في هذا الوقت من غير دخول المسجد،
~~ودخول المسجد في غير ذلك الوقت. فإذا وقع مثل هذا فالإشكال قائم، لأن أحد
~~الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في هذه الأوقات. لأن هذا
~~الحديث دل على جوازها عند دخول المسجد - وهو خاص بالنسبة إلى الحديث الأول
~~المانع من الصلاة بعد الصبح - فأخص قوله «لا صلاة بعد الصبح» بقوله " إذا
~~دخل أحدكم المسجد " فلخصمه أن يقول قوله " إذا دخل أحدكم المسجد " عام
~~بالنسبة إلى الأوقات. فالحاصل: أن قوله عليه السلام " إذا دخل أحدكم " خاص
~~بالنسبة إلى هذه الصلاة - أعني الصلاة عند دخول المسجد - عام بالنسبة إلى
~~هذه الأوقات. وقوله «لا صلاة بعد الصبح» خاص بالنسبة إلى هذا الوقت، عام
~~بالنسبة إلى الصلوات. فوقع الإشكال من ههنا. وذهب بعض المحققين في هذا إلى
~~الوقف، حتى يأتي ms211 ترجيح خارج بقرينة أو غيرها. فمن ادعى أحد هذين الحكمين
~~أعني الجواز أو المنع - فعليه إبداء أمر زائد على مجرد الحديث. .
### | [دخل المسجد بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته]
# 1
# الوجه الثالث: إذا دخل المسجد، بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته، فهل
~~يركعهما في المسجد؟ اختلف قول مالك فيه، وظاهر الحديث. يقتضي الركوع. وقيل:
~~إن الخلاف في هذا من جهة معارضة هذا الحديث للحديث الذي رووه من
# PageV01P289
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# قوله - عليه السلام - «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر» وهذا أضعف من
~~المسألة السابقة. لأنه يحتاج في هذا إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع
~~التعارض فإن الحديثين الأولين في المسألة الأولى صحيحان، وبعد التجاوز عن
~~هذه المطالبة وتقدير تسليم صحته: يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين،
~~يصير كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه. وقد ذكرناه.
### | [إذا دخل مجتازا فهل يؤمر بالركوع]
# الوجه الرابع: إذا دخل مجتازا، فهل يؤمر بالركوع؟ خفف ذلك مالك وعندي: أن
~~دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة. فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي،
~~فالنهي يتناول جلوسا قبل الركوع. فإذا لم يحصل الجلوس أصلا لم يفعل المنهي.
~~وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر توجه بركوع قبل الجلوس. فإذا انتفيا معا:
~~لم يخالف الأمر.
### | [افتتاح الدخول في محل العبادة بعبادة]
# 1
# الوجه الخامس: لفظة " المسجد " تتناول كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجد
~~الحرام. وجعلوا تحيته الطواف. فإن كان في ذلك خلاف، فلمخالفهم أن يستدل
~~بهذا الحديث، وإن لم يكن: فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى. وهو أن المقصود:
~~افتتاح الدخول في محل العبادة بعبادة، وعبادة الطواف. تحصل هذا المقصود، من
~~أن غير هذا المسجد لا يشاركه فيها. فاجتمع في ذلك تحصيل المقصود من
~~الاختصاص. وأيضا فقد يؤخذ ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في
~~حجته، حين دخل المسجد، فابتدأ بالطواف على ما يقتضيه ظاهر الحديث. واستمر
~~عليه العمل. وذلك أخص من هذا العموم. ms212 وأيضا فإذا اتفق أن طاف ومشى على
~~السنة في تعقيب الطواف بركعتيه، وجرينا على ظاهر اللفظ في الحديث، فقد
~~وفينا بمقتضاه.
### | [صلى العيد في المسجد فهل يصلي التحية عند الدخول فيه]
# 1
# الوجه السادس: إذا صلى العيد في المسجد. فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟
~~اختلف فيه. والظاهر في لفظ هذا الحديث: أنه يصلي. لكن جاء في الحديث. «أن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قبلها ولا بعدها» أعني صلاة العيد.
~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل العيد في المسجد. ولا نقل ذلك. فلا
~~معارضة بين الحديثين، إلا أن يقول قائل، ويفهم فاهم: أن ترك الصلاة قبل
~~العيد وبعدها من سنة صلاة العيد، من حيث هي هي وليس لكونها واقعة في
~~الصحراء أثر في ذلك الحكم. فحينئذ يقع
# PageV01P290
# 112 - الحديث الثاني: عن زيد بن أرقم قال «كنا نتكلم
~~في الصلاة يكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت وقوموا لله
~~قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# التعارض، غير أن ذلك يتوقف على أمر زائد، وقرائن تشعر بذلك. فإن لم يوجد
~~فالاتباع أولى استحبابا. أعني في ترك الركوع في الصحراء، وفعله في المسجد
~~للمسجد، لا للعيد.
### | [كثر تردده إلى المسجد وتكرر]
# الوجه السابع: من كثر تردده إلى المسجد، وتكرر: هل يتكرر له الركوع
~~مأمورا به؟ قال بعضهم: لا. وقاسه على الحطابين والفكاهين المترددين إلى مكة
~~في سقوط الإحرام عنهم إذا تكرر ترددهم. والحديث يقتضي تكرر الركوع بتكرر
~~الدخول. وقول هذا القائل يتعلق بمسألة أصولية. وهو تخصيص العموم بالقياس،
~~وللأصوليين في ذلك أقوال متعددة.
### | [حديث كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه]
# الكلام عليه من وجوه:
# الأول: هذا اللفظ أحد ما يستدل به على الناسخ والمنسوخ. وهو ذكر الراوي
~~لتقدم أحد الحكمين على الآخر. وهذا لا شك فيه. وليس كقوله: هذا منسوخ من
~~غير بيان التاريخ. فإن ذلك قد ذكروا فيه: أنه لا يكون دليلا. لاحتمال أن
~~يكون الحكم بالنسخ عن طريق ms213 اجتهادي منه.
### | [المراد بالقنوت]
# 1
# الثاني " القنوت " يستعمل في معنى الطاعة، وفي معنى الإقرار بالعبودية،
~~والخضوع والدعاء، وطول القيام والسكوت. وفي كلام بعضهم ما يفهم منه: أنه
~~موضوع للمشترك. قال القاضي عياض: وقيل: أصله الدوام على الشيء. فإذا كان
~~هذا أصله، فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي والقائم في الصلاة، والمخلص
~~فيها، والساكت فيها كلهم فاعلون للقنوت. وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من
~~استعماله في معنى مشترك. وهذه طريقة طائفة من المتأخرين من أهل العصر وما
~~قاربه، يقصدون ب " ها دفع الاشتراك اللفظي والمجاز عن موضوع اللفظ.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ولا بأس بها إن لم يقم دليل على أن اللفظ حقيقة في معنى معين أو معان.
~~ويستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك.
# الثالث: لفظ الراوي يشعر بأن المراد بالقنوت في الآية: السكوت، لما دل
~~عليه لفظ " حتى " التي للغاية. والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما
~~يأتي بعدها. وقد قيل: إن " القنوت " في الآية الطاعة. وفي كلام بعضهم: ما
~~يشعر بحمله على الدعاء المعروف، حتى جعل ذلك دليلا على أن الصلاة الوسطى هي
~~الصبح، من حيث قرانها بالقنوت. والأرجح في هذا كله: حمله على ما أشعر به
~~كلام الراوي. فإن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون، بسبب النزول والقرائن
~~المحتفة به: ما يرشدهم إلى تعيين المحتملات، وبيان المجملات. فهم في ذلك
~~كله كالناقلين للفظ يدل على التعليل والتسبيب. .
### | [قول الصحابي في الآية نزلت في كذا]
# 1
# وقد قالوا: إن قول الصحابي في الآية " نزلت في كذا " يتنزل منزلة المسند.
### | [النفخ والتنحنح بغير علة والبكاء هل تبطل الصلاة]
# الرابع: قوله " فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام " يقتضي أن كل ما يسمى
~~كلاما فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلاما فدلالة الحديث قاصرة في النهي عنه.
~~وقد اختلف الفقهاء في أشياء: هل تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير
~~علة وحاجة، والبكاء. والذي يقتضيه القياس: أن ما سمي كلاما فهو داخل تحت
~~اللفظ. وما لا يسمى كلاما، فمن أراد إلحاقه ms214 به كان ذلك بطريق القياس فليراع
~~شرطه في مساواة الفرع للأصل، أو زيادته عليه، واعتبر أصحاب الشافعي ظهور
~~حرفين، وإن لم يكونا مفهمين. فإن أقل الكلام حرفان. ولقائل أن يقول: ليس
~~يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام: أن يكون كل حرفين كلاما. وإذا لم
~~يكن كلاما فالإبطال به لا يكون بالنص، بل بالقياس على ما ذكرنا، فليراع
~~شرطه. اللهم إلا أن يريد بالكلام كل مركب، مفهما كان أو غير مفهم. فحينئذ
~~يندرج المتنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن فيه بحثا. والأقرب: أن ينظر إلى
~~مواقع الإجماع والخلاف، حيث لا يسمى الملفوظ به كلاما. فما أجمع على إلحاقه
~~بالكلام ألحقناه به، وما لم يجمع عليه - مع كونه لا يسمى كلاما - فيقوى فيه
~~عدم الإبطال. ومن هذا استبعد القول بإلحاق النفخ بالكلام. ومن ضعيف التعليل
~~فيه: قول من علل البطلان به بأنه يشبه الكلام. وهذا
# PageV01P292
# 113 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة
~~- رضي الله عنهم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إذا اشتد
~~الحر فأبردوا بالصلاة. فإن شدة الحر من فيح جهنم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ركيك. مع ثبوت السنة الصحيحة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفخ في
~~صلاة الكسوف في سجوده» وهذا البحث كله: في الاستدلال بتحريم الكلام.
### | [حديث إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها " الإبراد " أن تؤخر. الصلاة عن أول الوقت مقدار ما يظهر للحيطان
~~ظل، ولا يحتاج إلى المشي في الشمس. هذا ما ذكره بعض مصنفي الشافعية وعند
~~المالكية: يؤخر الظهر إلى أن يصير الفيء أكثر من ذراع.
# الثاني: اختلف الفقهاء في الإبراد بالظهر في شدة الحر: هل هو سنة، أو
~~رخصة؛ وعبر بعضهم بأن قال: هل الأفضل التقديم، أو الإبراد؟ وبنوا على ذلك:
~~أن من صلى في بيته، أو مشى في كن إلى المسجد: هل يسن له الإبراد؟ فإن قلنا:
~~إنه رخصة لم يسن، إذ لا مشقة عليه في التعجيل، وإن قلنا: إنه سنة ms215 أبرد.
~~والأقرب: أنه سنة، لورود الأمر به، مع ما اقترن به من العلة. وهو أن " شدة
~~الحر من فيح جهنم " وذلك مناسب للتأخير، والأحاديث الدالة على فضيلة
~~التعجيل عامة أو مطلقة. وهذا خاص. ولا مبالاة - مع ما ذكرناه من صيغة الأمر
~~ومناسبة العلة بقول من قال: إن التعجيل أفضل، لأنه أكثر مشقة. فإن مراتب
~~الثواب إنما يرجع فيها إلى النصوص. وقد يترجح بعض العبادة الخفيفة على ما
~~هو أشق منها بحسب المصالح المتعلقة بها.
### | [حديث الإبراد بالجمعة]
# 1
# الثالث: اختلف أصحاب الشافعي في الإبراد بالجمعة، على وجهين. وقد يؤخذ من
~~الحديث الإبراد بها من وجهين:
# أحدهما: لفظة " الصلاة " فإنها تطلق على الظهر والجمعة. والثاني:
~~التعليل. فإنه مستمر فيها. وقد وجه القول بأنه لا
# PageV00P000
# 114 - الحديث الرابع: عن أنس بن مالك قال: قال رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ولا كفارة
~~لها إلا ذلك {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] . ولمسلم «من نسي صلاة، أو نام
~~عنها. فكفارتها: أن يصليها إذا ذكرها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يبرد بها. لأن التبكير سنة فيها. وجواب هذا ما تقدم، وبأنه قد يحصل
~~التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام. .
### | [حديث من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: أنه يجب قضاء الصلاة إذا فاتت بالنوم أو النسيان. وهو منطوقه. ولا
~~خلاف فيه.
# الثاني: اللفظ يقتضي توجه الأمر بقضائها عند ذكرها. لأنه جعل الذكر ظرفا
~~للمأمور به. فيتعلق الأمر بالفعل فيه. وقد قسم الأمر فيه عند بعض الفقهاء
~~بين ما ترك عمدا. فيجب القضاء فيه على الفور. وقطع به بعض مصنفي الشافعية،
~~وبين ما ترك بنوم أو نسيان. فيستحب قضاؤه على الفور. ولا يجب. واستدل على
~~عدم وجوبه على الفور في هذه الحالة «بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما
~~استيقظ - بعد فوات الصلاة بالنوم - أخر قضاءها. واقتادوا رواحلهم، حتى
~~خرجوا من الوادي» . وذلك دليل على جواز التأخير. وهذا يتوقف على أن لا يكون
~~ثم مانع من ms216 المبادرة. وقد قيل: إن المانع أن الشمس كانت طالعة. فأخر القضاء
~~حتى ترتفع، بناء على مذهب من يمنع القضاء في هذا الوقت. ورد بذلك (بأنها
~~كانت صبح اليوم، وأبو حنيفة يجيزها في هذا الوقت، و) بأنه جاء في الحديث "
~~فما أيقظهم إلا حر الشمس " وذلك يكون بالارتفاع. وقد يعتقد مانع آخر، وهو
~~ما دل عليه الحديث، من أن الوادي به شيطان، وأخر ذلك للخروج عنه. ولا شك أن
~~هذا علة للتأخير والخروج، كما دل عليه الحديث، ولكن هل يكون ذلك مانعا، على
~~تقدير أن
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يكون الواجب المبادرة؟ في هذا نظر، ولا يمتنع أن يكون مانعا على تقدير
~~جواز التأخير. .
### | [ذكر صلاة منسية وهو في صلاة]
# 1
# الثالث: قد يستدل به من يقول بأن من ذكر صلاة منسية - وهو في صلاة - أن
~~يقطعها إذا كانت واجبة الترتيب مع التي شرع فيها. ولم يقل بذلك المالكية
~~مطلقا. بل لهم في ذلك تفصيل مذهبي بين الفذ والإمام والمأموم، وبين أن يكون
~~الذكر بعد ركعة أو لا. فلا يستمر الاستدلال به مطلقا. وحيث يقال بالقطع،
~~فوجه الدليل منه: أنه يقتضي الأمر بالقضاء عند الذكر، ومن ضرورة ذلك: قطع
~~ما هو فيه، ومن أراد إخراج شيء من ذلك فعليه أن يبين مانعا من إعمال اللفظ
~~في الصورة التي يخرجها، ولا يخلو هذا التصرف من نوع جدل. والله أعلم.
# الرابع: قوله عليه السلام «لا كفارة لها إلا ذلك» يحتمل أن يراد به: نفي
~~الكفارة المالية، كما وقع في أمور أخر. فإنه لا يكتفي فيها إلا بالإتيان
~~بها. ويحتمل أن يراد به: أنه لا بدل لقضائها، كما تقع الأبدال في بعض
~~الكفارات، ويحتمل أن يراد به: أنه لا يكفي فيها مجرد التوبة والاستغفار،
~~ولا بد من الإتيان بها. .
### | [وجوب القضاء على العامد بالترك في الصلاة]
# 1
# الخامس: وجوب القضاء على العامد بالترك من طريق الأولى. فإنه إذا لم تقع
~~المسامحة - مع قيام العذر بالنوم والنسيان - فلأن لا تقع مع عدم ms217 العذر
~~أولى. وحكى القاضي عياض عن بعض المشايخ: أن قضاء العامد مستفاد من قوله -
~~عليه السلام - " فليصلها إذا ذكرها " لأنه بغفلته عنها وعمده كالناسي. ومتى
~~ذكر تركه لها لزمه قضاؤها. وهذا ضعيف. لأن قوله - عليه السلام - فليصلها
~~إذا ذكرها " كلام مبني على ما قبله. وهو قوله " من نام عن صلاة أو نسيها "
~~والضمير في قوله
# PageV01P295
# 115 - الحديث الخامس: عن جابر بن عبد الله «أن معاذ
~~بن جبل: كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشاء الآخرة. ثم
~~يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فليصلها إذا ذكرها " عائد إلى الصلاة المنسية، أو التي يقع النوم عنها.
~~فكيف يحمل ذلك على ضد النوم والنسيان، وهو الذكر واليقظة؟ نعم لو كان كلاما
~~مبتدأ: مثل أن يقال: من ذكر صلاة فليصلها إذا ذكرها. لكان ما قيل محتملا،
~~على تمحل مجاز. وأما قوله " كالناسي " إن أراد به: أنه مثله في الحكم فهو
~~دعوى، ولو صحت لما كان ذلك مستفادا من اللفظ، بل من القياس، أو من مفهوم
~~الخطاب الذي أشرنا إليه. وكذلك ما ذكر في ذلك من الاستناد إلى قوله " لا
~~كفارة لها إلا ذلك " والكفارة إنما تكون من الذنب، والنائم والناسي لا ذنب
~~لهما. وإنما الذنب للعامد لا يصح أيضا لأن الكلام كله مسوق على قوله " من
~~نام عن صلاة أو نسيها " والضمائر عائدة إليها، فلا يجوز أن يخرج عن
~~الإرادة. ولا أن يحمل اللفظ ما لا يحتمله. وتأويل لفظ " الكفارة " هنا أقرب
~~وأيسر من أن يقال: إن الكلام الدال على الشيء مدلول به على ضده. فإن ذلك
~~ممتنع. وليس ظهور لفظ " الكفارة " في الإشعار بالذنب بالظهور القوي الذي
~~يصادم به النص الجلي، في أن المراد: الصلاة المنسية، أو التي وقع النوم
~~عنها، وقد وردت كفارة القتل خطأ مع عدم الذنب، وكفارة اليمين بالله مع
~~استحباب الحنث في بعض المواضع، وجواز اليمين ابتداء ولا ذنب.
### | [حديث معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله صلى ms218 الله عليه وسلم عشاء الآخرة]
# اختلف الفقهاء في جواز اختلاف نية الإمام والمأموم على مذاهب. أوسعها:
~~الجواز مطلقا. فيجوز أن يقتدي المفترض بالمتنفل وعكسه، والقاضي بالمؤدي
~~وعكسه، سواء اتفقت الصلاتان أم لا، إلا أن تختلف الأفعال الظاهرة. وهذا
~~مذهب الشافعي.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثاني: مقابله، وهو أضيقها. وهو أنه لا يجوز اختلاف النيات، حتى لا يصلي
~~المتنفل خلف المفترض والثالث: أوسطها، أنه يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض،
~~لا عكسه. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. ومن نقل عن مذهب مالك مثل المذهب
~~الثاني فليس بجيد. فليعلم ذلك. وحديث معاذ: استدل به على جواز اقتداء
~~المفترض بالمتنفل. وحاصل ما يعتذر به عن هذا الحديث، لمن منع ذلك من وجوه:
# أحدها: أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم
~~-. وشرطه: علمه بالواقعة. وجاز أن لا يكون علم بها، وأنه لو علم لأنكر.
~~وأجيبوا على ذلك بأنه يبعد - أو يمتنع - في العادة: أن لا يعلم النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - بذلك من عادة معاذ. واستدل بعضهم - أعني المانعين -
~~برواية عمرو بن يحيى المازني عن معاذ بن رفاعة الزرقي «أن رجلا من بني سلمة
~~يقال له: سليم، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنا نظل في
~~أعمالنا. فنأتي حين نمسي، فنصلي، فيأتي معاذ بن جبل، فينادي بالصلاة.
~~فنأتيه، فيطول علينا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا معاذ، لا تكن
~~أو لا تكونن - فتانا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك» قال: فقول
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: يدل على أنه عند رسول الله كان يفعل
~~أحد الأمرين، إما الصلاة معه، أو بقومه، وأنه لم يكن يجمعهما. لأنه قال: "
~~إما أن تصلي معي " أي ولا تصل بقومك " وإما أن تخفف بقومك " أي ولا تصل
~~معي.
# الوجه الثاني: في الاعتذار: أن النية أمر باطن لا يطلع عليه إلا بالإخبار
~~من الناوي. فجاز أن تكون نيته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرض. وجاز ms219
~~أن تكون النفل، ولم يرد عن معاذ ما يدل على أحدهما. وإنما يعرف ذلك
~~بإخباره.
# PageV01P297
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأجيب عن هذا بوجوه:
# أحدها: أنه قد جاء في الحديث رواية ذكرها الدارقطني فيها " فهي لهم
~~فريضة، وله تطوع.
# الثاني: أنه لا يظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - ويأتي بها مع قومه.
# الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة
~~إلا المكتوبة» فكيف يظن بمعاذ - بعد سماع هذا - أن يصلي النافلة من قيام
~~المكتوبة؟ واعترض بعض المالكية على الوجه الأول بوجهين:
# أحدهما: لا يساوي أن يذكر، لشدة ضعفه.
# والثاني: أن هذا الكلام - أعني قوله " فهي لهم فريضة وله تطوع " - ليس من
~~كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. فيحتمل أن يكون من كلام الراوي، بناء
~~على ظن أو اجتهاد، ولا يجزم به. وذكر معنى هذا أيضا بعض الحنفية ممن له شرب
~~في الحديث، وقال ما حاصله: إن ابن عيينة روى هذا الحديث أيضا، ولم يذكر هذه
~~اللفظة. والذي ذكرها. هو ابن جريج. فيحتمل أن تكون من قوله، أو قول من روى
~~عنه، أو قول جابر. وأما الجواب الثاني: ففيه نوع ترجيح، ولعل خصومهم يقولون
~~فيه: إن هذا إنما يكون عند اعتقاده الجواز لذلك. فلم قلتم بأنه كان يعتقده؟
~~وأما الجواب الثالث: فيمكن أن يقال فيه: إن المفهوم أن لا يصلي نافلة غير
~~الصلاة التي تقام، لأن المحذور: وقوع الخلاف على الأئمة، وهذا المحذور منتف
~~مع الاتفاق في الصلاة المقامة. ويؤيد هذا: الاتفاق من الجمهور على جواز
~~صلاة المتنفل خلف المفترض، ولو تناوله النهي المستفاد من النفي: لما جاز
~~جوازا مطلقا.
# الوجه الثالث من الاعتذار: ادعاء النسخ وذلك من وجهين:
# أحدهما: أنه يحتمل أن يكون ذلك حين كانت الفرائض تقام في اليوم مرتين،
~~حتى نهي عنه. وهذا الوجه منقول المعنى عن الطحاوي. وعليه اعتراض
# PageV01P298
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من وجهين:
# أحدهما: طلب الدليل على كون ذلك ms220 كان واقعا - أعني صلاة الفريضة في اليوم
~~مرتين فلا بد من نقل فيه.
# والثاني: أنه إثبات للنسخ بالاحتمال.
# الوجه الثاني مما يدل على النسخ. ما أشار إليه بعضهم، دون تقرير حسن له.
~~ووجه تقريره: أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~بعده سنتين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة على وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة
~~بالأفعال المنافية للصلاة في غير حالة الخوف. فيقال: لو جاز صلاة المفترض
~~خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا يقع فيه المنافاة
~~والمفسدات في غير هذه الحالة. وحيث صليت على هذا الوجه، مع إمكان دفع
~~المفسدات - على تقدير جواز صلاة المفترض خلف المتنفل - دل على أنه لا يجوز
~~ذلك. وبعد ثبوت هذه الملازمة: يبقى النظر في التاريخ وقد أشير بتقدم إسلام
~~معاذ إلى ذلك، وفيه ما تقدمت الإشارة إليه.
# الوجه الرابع من الاعتذار عن الحديث: ما أشار إليه بعضهم، من أن الضرورة
~~دعت إلى ذلك، لقلة القراء في ذلك الوقت، ولم يكن لهم غنى عن معاذ ولم يكن
~~لمعاذ غنى عن صلاته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يحتمل أن
~~يريد به قائله معنى النسخ، فيكون كما تقدم. ويحتمل أن يريد: أنه مما أبيح
~~بحالة مخصوصة، فيرتفع الحكم بزوالها، ولا يكون نسخا. وعلى كل حال: فهو ضعيف
~~لعدم قيام الدليل على تعين ما ذكره هذا القائل علة لهذا الفعل، ولأن القدر
~~المجزئ من القراءة في الصلاة. ليس حفظته بقليل، وما زاد على الحاجة من
~~زيادة القراءة: فلا يصلح أن يكون سببا لارتكاب ممنوع شرعا، كما يقوله هذا
~~المانع. فهذا مجامع ما حضر من كلام الفريقين، مع تقرير لبعضه فيما يتعلق
~~بهذا
# PageV01P299
# 116 - الحديث السادس: عن أنس بن مالك قال «كنا نصلي
~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شدة الحر. فإذا لم يستطع أحدنا أن
~~يمكن جبهته من الأرض: بسط ثوبه فسجد عليه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الحديث، وما زاد على ذلك من الكلام ms221 على أحاديث أخر، والنظر في الأقيسة
~~فليس من شرط هذا الكتاب.
### | [حديث كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: أنه يقتضي تقديم الظهر في أول الوقت مع الحر، ويعارضه ما قدمناه
~~في أمر الإبراد على ما قيل. فمن قال: إن الإبراد رخصة فلا إشكال عليه. لأن
~~التقديم حينئذ يكون سنة. والإبراد جائز. ومن قال: إن الإبراد سنة، فقد ردد
~~بعضهم القول في أن يكون منسوخا. أعني التقديم في شدة الحر، أو يكون على
~~الرخصة. ويحتمل عندي: أن لا يكون ثمة تعارض. لأنا إن جعلنا الإبراد إلى حيث
~~يبقى ظل يمشى فيه إلى المسجد، أو إلى ما زاد على الذراع. فلا يبعد أن يبقى
~~مع ذلك حر يحتاج معه إلى بسط الثوب. فلا تعارض.
### | [استعمال الثياب في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض]
# 1
# الثاني: فيه دليل على جواز استعمال الثياب وغيرها في الحيلولة بين المصلي
~~وبين الأرض لاتقائه بذلك حر الأرض وبردها.
# الثالث: فيه دليل على أن مباشرة ما باشر الأرض بالجبهة واليدين هو الأصل.
~~فإنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة. وذلك يفهم منه أن الأصل والمعتاد عدم
~~بسطه.
# الرابع: استدل به بعض من أجاز السجود على الثوب المتصل بالمصلي. وهو
~~يحتاج إلى أمرين:
# أحدهما: أن تكون لفظة " ثوبه " دالة على المتصل به، إما من حيث اللفظ، أو
~~من أمر خارج عنه (ونعني بالأمر الخارج قلة الثياب
# PageV00P000
# 117 - الحديث السابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يصلي أحدكم في الثوب
~~الواحد، ليس على عاتقه منه شيء» .
### | 118 -
# الحديث الثامن: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -
#
### | [إحكام الأحكام]
# عندهم. ومما يدل عليه من جهة اللفظ: قوله " بسط ثوبه. فسجد عليه " يدل
~~على أن البسط معقب بالسجود، لدلالة الفاء على ذلك ظاهرا) .
# والثاني: أن يدل دليل على تناوله لمحل النزاع. إذ من منع السجود على
~~الثوب المتصل به: ms222 يشترط في المنع أن يكون متحركا بحركة المصلي. وهذا الأمر
~~الثاني سهل الإثبات. لأن طول ثيابهم إلى حيث لا تتحرك بالحركة بعيد.
### | [حديث لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء]
# هذا النهي معلل بأمرين:
# أحدهما: أن في ذلك تعري أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة.
~~والثاني: أن الذي يفعل ذلك إما أن يشغل يده بإمساك الثوب أو لا. فإن لم
~~يشغل خيف سقوط الثوب، وانكشاف العورة. وإن شغل كان فيه مفسدتان. إحداهما.
~~أنه يمنعه من الإقبال على صلاته، والاشتغال بها.
# الثانية: أنه إذا شغل يده في الركوع والسجود لا يؤمن من سقوط الثوب،
~~وانكشاف العورة. ونقل عن بعض العلماء القول بظاهر هذا الحديث. ومنع الصلاة
~~في السراويل والإزار وحده. لأنها صلاة في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء.
~~وهذا مخصوص بغير حالة الضرورة. والأشهر عند الفقهاء: خلاف هذا المذهب.
~~وجواز الصلاة بما يستر العورة. وعارضوا هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم -
~~لجابر في الثوب " وإن كان ضيقا: فاتزر به " ويحمل هذا النهي على الكراهة.
~~والله أعلم.
# PageV00P000
# عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من أكل
~~ثوما أو بصلا. فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا. وليقعد في بيته. وأتي بقدر فيه
~~خضرات من بقول. فوجد لها ريحا، فسأل؟ فأخبر بما فيها من البقول. فقال:
~~قربوها إلى بعض أصحابي. فلما رآه كره أكلها. قال: كل. فإني أناجي من لا
~~تناجي» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: هذا الحديث صريح في التخلف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه
~~الأمور. واللازم عن ذلك أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحا،
~~وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان، أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان،
~~ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إن حملنا النهي عن القربان على التحريم،
~~وجمهور الأمة: على إباحة أكلها. لقوله - عليه السلام - «ليس لي تحريم ما
~~أحل الله، ولكني أكرهه» ولأنه علل بشيء ms223 يختص به. وهو قوله - عليه السلام -
~~«فإني أناجي من لا تناجي» ويلزم من هذا: أن لا تكون الجماعة في المسجد
~~واجبة على الأعيان. وتقريره: أن يقال: أكل هذه الأمور جائز بما ذكرناه. ومن
~~لوازمه: ترك صلاة الجماعة في حق آكلها للحديث. ولازم الجائز جائز. فترك
~~الجماعة في حق آكلها جائز. وذلك ينافي الوجوب عليه ونقل عن أهل الظاهر - أو
~~بعضهم - تحريم أكل الثوم، بناء على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان. وتقرير
~~هذا، أن يقال: صلاة الجماعة واجبة على الأعيان. ولا تتم إلا بترك
# PageV01P302
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أكل الثوم لهذا الحديث. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فترك أكل
~~الثوم واجب.
# الثاني: قوله " مسجدنا " تعلق به بعضهم في أن هذا النهي مخصوص بمسجد
~~الرسول. وربما يتأكد ذلك بأنه كان مهبط الملك بالوحي. والصحيح المشهور خلاف
~~ذلك، وأنه عام لما جاء في بعض الروايات. " مساجدنا " ويكون " مسجدنا "
~~للجنس، أو لضرب المثال. فإن هذا النهي معلل: إما بتأذي الآدميين، أو بتأذي
~~الملائكة الحاضرين. وذلك يوجد في المساجد كلها.
# الثالث: قوله " وأتي بقدر فيه خضرات " قيل إن لفظة " القدر " تصحيف. وأن
~~الصواب " ببدر " بالباء. والبدر الطبق. وقد ورد ذلك مفسرا في موضع آخر،
~~ومما استبعد به لفظة " القدر " أنها تشعر بالطبخ، وقد ورد الإذن بأكلها
~~مطبوخة. وأما " البدر " الذي هو الطبق: فلا يشعر كونها فيه بالطبخ. فجاز أن
~~تكون نيئة. فلا يعارض ذلك الإذن في أكلها مطبوخة. بل ربما يدعى. أن ظاهر
~~كونها في الطبق: أن تكون نيئة.
# الرابع قوله " قربوها إلى بعض أصحابه " يقتضي ما ذكرناه من إباحة أكلها
~~وترجيح مذهب الجمهور. الخامس: قد يستدل به على أن أكل هذه الأمور من
~~الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال إن هذا الكلام خرج مخرج
~~الزجر عنها، فلا يقتضي ذلك: أن يكون عذرا في ترك الجماعة، إلا أن تدعو إلى
~~أكلها ضرورة، ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه. فإن ذلك ينافي
~~الزجر، وأما حديث جابر ms224 الأخير وهو: 119 - الحديث التاسع: عن جابر أن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - قال «من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن
~~مسجدنا. فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان» .
### | 1 -
# وفي رواية " بنو آدم "
# PageV01P303
# 120 - الحديث الأول: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله
~~عنه - قال «علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد - كفي بين كفيه
~~- كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام
~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله
~~الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» وفي لفظ
~~«إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله - وذكره - وفيه: فإنكم إذا
~~فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض - وفيه - فليتخير من
~~المسألة ما شاء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ففيه زيادة " الكراث " وهو في معنى الأول. إذ العلة تشمله. وقد توسع
~~القائسون في هذا، حتى ذهب بعضهم إلى أن من به بخر، أو جرح منه ريح يجرى هذا
~~المجرى، كما أنهم توسعوا، وأجروا حكم المجامع التي ليست بمساجد - كمصلى
~~العيد، ومجمع الولائم - مجرى المساجد لمشاركتها في تأذي الناس بها. وقوله -
~~عليه السلام - " فإن الملائكة تتأذى " إشارة إلى التعليل بهذا. وقوله في
~~حديث آخر " يؤذينا بريح الثوم " يقتضي ظاهره: التعليل بتأذي بني آدم. ولا
~~تنافي بينهما. والظاهر: أن كل واحد منهما علة مستقلة.
### | [باب التشهد]
### | [حديث علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كما يعلمني السورة من القرآن]
# اختلف العلماء في حكم التشهد. فقيل: إن الأخير واجب. وهو مذهب الشافعي.
~~وظاهر مذهب مالك: أنه سنة. واستدل للوجوب بقوله " فليقل " والأمر للوجوب،
~~إلا أن مذهب الشافعي: أن مجموع ما توجه إليه ظاهر الأمر ليس
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بواجب بل الواجب بعضه. وهو " التحيات لله. سلام عليك أيها النبي ورحمة
~~الله وبركاته " من غير إيجاب ما بين ذلك من " المباركات والصلوات والطيبات
~~" وكذلك أيضا لا يوجب كل ما بعد السلام ms225 على النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~على اللفظ الذي توجه إليه الأمر بل الواجب بعضه. واختلفوا فيه. وعلل هذا
~~الاقتصار على بعض ما في الحديث بأنه المتكرر في جميع الروايات. وعليه إشكال
~~لأن الزائد في بعض الروايات زيادة من عدل فيجب قبولها إذا توجه الأمر
~~إليها. .
### | [المختار من ألفاظ التشهد]
# 1
# واختلف الفقهاء في المختار من ألفاظ التشهد. فإن الروايات اختلفت فيه.
~~فقال أبو حنيفة وأحمد: باختيار تشهد ابن مسعود هذا. وقيل: إنه أصح ما روي
~~في التشهد. وقال الشافعي باختيار تشهد ابن عباس. وهو في كتاب مسلم، لم
~~يذكره المصنف. ورجح من اختار تشهد ابن مسعود - بعد كونه متفقا عليه في
~~الصحيحين بأن واو العطف تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. فتكون
~~كل جملة ثناء مستقلا. وإذا أسقطت واو العطف: كان ما عدا اللفظ الأول صفة
~~له. فيكون جملة واحدة في الثناء. والأول أبلغ. فكان أولى. وزاد بعض الحنفية
~~في تقرير هذا بأن قال: لو قال والله، والرحمن، والرحيم " لكانت أيمانا
~~متعددة تتعدد بها الكفارة. ولو قال " والله الرحمن الرحيم " لكانت يمينا
~~واحدة. فيها كفارة واحدة. هذا أو معناه.
# ورأيت بعض من رجح مذهب الشافعي - في اختيار تشهد ابن عباس - أجاب عن هذا
~~بأن قال: واو العطف. قد تسقط. وأنشد في ذلك:
# كيف أصبحت كيف أمسيت مما
# والمراد بذلك كيف أصبحت وكيف أمسيت. وهذا أولا إسقاط للواو العاطفة في
~~عطف الجمل. ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات وهو أضعف من إسقاطها في
~~عطف الجمل ولو كان غير ضعيف لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي تعدد
~~الثناء، بخلاف ما لم يصرح به فيه.
# PageV01P305
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وترجيح آخر لتشهد ابن مسعود: وهو أن " السلام " معرف في تشهد ابن مسعود،
~~منكر في تشهد ابن عباس. والتعريف أعم. واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب -
~~رضي الله عنه - الذي علمه الناس على المنبر ورجحه أصحابه بشهرة هذا
~~التعليم، ووقوعه على رءوس الصحابة، من غير نكير فيكون كالإجماع. ويترجح ms226
~~عليه تشهد ابن مسعود وابن عباس بأن رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~مصرح به. ورفع تشهد عمر بطريق استدلالي. وقد رجح اختيار الشافعي لتشهد ابن
~~عباس: بأن اللفظ الذي وقع فيه مما يدل على العناية بتعلمه وتعليمه. وهو
~~قوله " كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن " وهذا ترجيح مشترك.
~~لأن هذا أيضا ورد في تشهد ابن مسعود، كما ذكر المصنف. ورجح اختيار الشافعي
~~بأن فيه زيادة " المباركات " وبأنه أقرب إلى لفظ القرآن قال الله تعالى
~~{تحية من عند الله مباركة طيبة} [النور: 61] . " والتحيات " جمع التحية.
~~وهي الملك. وقيل: السلام. وقيل: العظمة. وقيل: البقاء. فإذا حمل على "
~~السلام " فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك - مثلا - مستحقة لله
~~تعالى. وإذا حمل على " البقاء " فلا شك في اختصاص الله تعالى به. وإذا حمل
~~على " الملك والعظمة " فيكون معناه: الملك الحقيقي التام لله. والعظمة
~~الكاملة لله. لأن ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو ناقص. " والصلوات " يحتمل
~~أن يراد بها الصلوات المعهودة. ويكون التقدير: إنها واجبة لله تعالى. لا
~~يجوز أن يقصد بها غيره، أو يكون ذلك إخبارا عن إخلاصنا الصلوات له، أي إن
~~صلواتنا مخلصة له لا لغيره.
# ويحتمل أن يراد بالصلوات: الرحمة. ويكون معنى قوله " لله " أي المتفضل
~~بها والمعطي: هو الله. لأن الرحمة التامة لله تعالى، لا لغيره. وقرر بعض
~~المتكلمين في هذا فصلا. بأن قال ما معناه إن كل من رحم أحدا فرحمته له بسبب
~~ما حصل له عليه من الرقة.
# PageV01P306
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فهو برحمته دافع لألم الرقة عن نفسه، بخلاف رحمة الله تعالى. فإنها لمجرد
~~إيصال النفع إلى العبد. وأما " الطيبات " فقد فسرت بالأقوال الطيبات. ولعل
~~تفسيرها بما هو أعم أولى. أعني: الطيبات من الأفعال، والأقوال، والأوصاف.
~~وطيب الأوصاف: بكونها بصفة الكمال وخلوصها عن شوائب النقص. وقوله " السلام
~~عليك أيها النبي " قيل: معناه التعوذ باسم الله، الذي هو " السلام " كما
~~تقول: الله معك، أي الله متوليك، وكفيل بك. وقيل: معناه السلام ms227 والنجاة
~~لكم، كما في قوله تعالى {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] وقيل
~~الانقياد لك، كما في قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]
~~وليس يخلو بعض هذا من ضعف. لأنه لا يتعدى " السلام " ببعض هذه المعاني
~~بكلمة " على ". وقوله " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " لفظ عموم.
~~وقد دل عليه قوله - عليه السلام - " فإنه إذا قال ذلك: أصابت كل عبد صالح
~~في السماء والأرض " وقد كانوا يقولون " السلام على الله. السلام على فلان "
~~حتى علموا هذه اللفظة من قبله - عليه السلام -، وفي قوله - عليه السلام - "
~~فإنه إذا قال ذلك: أصابت كل عبد صالح " دليل على أن للعموم صيغة.
# وأن هذه الصيغة للعموم. كما هو مذهب الفقهاء، خلافا لمن توقف في ذلك من
~~الأصوليين. وهو مقطوع به من لسان العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة
~~عندنا. ومن تتبع ذلك وجده. واستدلالنا بهذا الحديث ذكر لفرد من أفراد لا
~~يحصي الجمع لأمثالها، لا للاقتصار عليه. وإنما خص " العباد الصالحون " لأنه
~~كلام ثناء وتعظيم. وقوله عليه السلام " ثم ليتخير من المسألة ما شاء " دليل
~~على جواز كل سؤال يتعلق بالدنيا والآخرة، إلا أن بعض الفقهاء من أصحاب
~~الشافعي: استثنى بعض صور من الدعاء تقبح، ما لو قال: اللهم أعطني امرأة
~~صفتها كذا وكذا. وأخذ يذكر أوصاف أعضائها. ويستدل بهذا الحديث على عدم كون
~~الصلاة على
# PageV01P307
# 121 - الحديث الثاني: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
~~«لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية؟ أن النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا الله كيف نسلم عليك: فكيف نصلي
~~عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم
~~إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك
~~حميد مجيد» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# النبي - صلى الله عليه وسلم - ركنا في التشهد، ms228 من حيث إن النبي قد علم
~~التشهد، وأمر عقيبة: أن يتخير من المسألة ما شاء. ولم يعلم ذلك. وموضع
~~التعليم لا يؤخر وقت بيان الواجب عنه، والله أعلم.
### | [حديث يا رسول الله قد علمنا الله كيف نسلم عليك]
# الكلام عليه من وجوه:
# الأول: " كعب بن عجرة " من بني سالم بن عوف. وقيل: من بني الحارث من
~~قضاعة. شهد بيعة الرضوان. ومات سنة اثنتين وخمسين بالمدينة فيما قيل. روى
~~له الجماعة كلهم.
# الثاني: صيغة الأمر في قوله " قولوا " ظاهرة في الوجوب. وقد اتفقوا على
~~وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقيل: تجب في العمر مرة.
~~وهو الأكثر. وقيل: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير. وهو مذهب الشافعي وقيل
~~إنه لم يقله أحد قبله. وتابعه إسحاق. وقيل: تجب كلما ذكر. واختاره الطحاوي
~~من الحنفية، والحليمي من الشافعية. وليس في هذا الحديث تنصيص على أن هذا
~~الأمر
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# مخصوص بالصلاة. وقد كثر الاستدلال على وجوبها في الصلاة بين المتفقهة بأن
~~الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة بالإجماع. ولا تجب في غير
~~الصلاة بالإجماع. فتعين أن تجب في الصلاة. وهو ضعيف جدا. لأن قوله " لا تجب
~~في غير الصلاة بالإجماع " إن أراد به: لا تجب في غير الصلاة عينا، فهو
~~صحيح. لكنه لا يلزم منه: أن تجب في الصلاة عينا، لجواز أن يكون الواجب مطلق
~~الصلاة. فلا يجب واحد من المعينين - أعني خارج الصلاة وداخل الصلاة وإن
~~أراد ما هو أعم من ذلك وهو الوجوب المطلق فممنوع.
### | [الصلاة على الآل]
# 1
# الثالث: في وجوب الصلاة على الآل وجهان عند أصحاب الشافعي. وقد يتمسك من
~~قال بالوجوب بلفظ الأمر.
# الرابع: اختلفوا في " الآل " فاختار الشافعي: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب.
~~وقال غيره: أهل دينه - عليه السلام -. قال الله تعالى {أدخلوا آل فرعون أشد
~~العذاب} [غافر: 46]
# الخامس: اشتهر بين المتأخرين سؤال. وهو: أن المشبه دون المشبه به. فكيف
~~يطلب صلاة على النبي - صلى الله عليه ms229 وسلم - تشبها بالصلاة على إبراهيم؟
~~والذي يقال فيه وجوه:
# أحدها: أنه تشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا القدر بالقدر. وهذا كما
~~اختاروا في قوله تعالى {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}
~~[البقرة: 183] أن المراد: أصل الصيام، لا عينه ووقته. وليس هذا بالقوي.
# الثاني. أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل، لا على النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - فكأن قوله " اللهم صل على محمد " مقطوعا عن التشبيه. وقوله "
~~وعلى آل محمد " متصل بقوله " كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " وفي هذا
~~من السؤال: أن غير الأنبياء لا يمكن أن يساويهم. فكيف يطلب وقوع ما لا يمكن
~~وقوعه؟ وههنا يمكن أن يرد إلى أصل الصلاة، ولا يرد ما يرد على تقدير أن
~~يكون المشبه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله.
# الثالث: أن المشبه: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله
~~بالصلاة على إبراهيم وآله، أي المجموع بالمجموع. ومعظم الأنبياء - عليهم
~~السلام - هم آل إبراهيم فإذا تقابلت الجملة بالجملة، وتعذر أن يكون لآل
~~الرسول - عليه السلام - مثل
# PageV01P309
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ما لآل إبراهيم - الذين هم الأنبياء - كان ما توفر من ذلك حاصلا للرسول -
~~صلى الله عليه وسلم - فيكون زائدا على الحاصل لإبراهيم - صلى الله عليه
~~وسلم -. والذي يحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان. فمن كانت في حقه أكثر
~~كان أفضل.
# الرابع أن هذه الصلاة الأمر بها للتكرار بالنسبة إلى كل صلاة في حق كل
~~مصل. فإذا اقتضت في كل مصل حصول صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم - عليه
~~السلام - كان الحاصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى مجموع
~~الصلاة أضعافا مضاعفة، لا ينتهي إليها العد والإحصاء. فإن قلت: التشبيه
~~حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة، والفرد منها. فالإشكال وارد. قلت: متى
~~يرد الإشكال: إذا كان الأمر للتكرار، أو إذا لم يكن؟ الأول: ممنوع.
# والثاني: مسلم، ولكن هذا الأمر للتكرار بالاتفاق. وإذا كان للتكرار،
~~فالمطلوب من المجموع: حصول مقدار لا يحصى من الصلاة ms230 بالنسبة إلى المقدار
~~الحاصل لإبراهيم - عليه السلام -.
# الخامس: لا يلزم من مجرد السؤال لصلاة مساوية للصلاة على إبراهيم - عليه
~~السلام - المساواة، أو عدم الرجحان عند السؤال. وإنما يلزم ذلك لو لم يكن
~~الثابت للرسول - صلى الله عليه وسلم - صلاة مساوية لصلاة إبراهيم، أو زائدة
~~عليها. أما إذا كان كذلك فالمسئول من الصلاة إذا انضم إلى الثابت المتكرر
~~للرسول - صلى الله عليه وسلم -، كان المجموع زائدا في المقدار على القدر
~~المسئول. وصار هذا في المثال كما إذا ملك إنسان أربعة آلاف درهم، وملك آخر
~~ألفين. فسألنا أن نعطي صاحب الأربعة آلاف مثل ما لذلك الآخر، وهو الألفان.
~~فإذا حصل ذلك انضمت الألفان إلى أربعة آلاف. فالمجموع ستة آلاف. وهي زائدة
~~على المسئول الذي هو ألفان.
# السادس من الكلام على الحديث: قوله " إنك حميد " بمعنى محمود، ورد بصيغة
~~المبالغة، أي مستحق لأنواع المحامد. و " مجيد " مبالغة من ماجد والمجد
~~الشرف. فيكون ذلك كالتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد. ويحتمل أن يكون "
~~حميد " مبالغة من حامد. ويكون ذلك كالتعليل للصلاة المطلوبة. فإن الحمد
~~والشكر متقاربان فحميد قريب من معنى شكور. وذلك
# PageV01P310
# 122 - الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو: اللهم إني أعوذ بك من
~~عذاب القبر، وعذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال
~~وفي لفظ لمسلم إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ
~~بك من عذاب جهنم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# مناسب لزيادة الأفضال والإعطاء لما يراد من الأمور العظام. وذلك المجد
~~والشرف مناسبته لهذا المعنى ظاهرة. و " البركة " الزيادة والنماء من الخير.
~~والله أعلم. .
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر]
# - ثم ذكر نحوه " في الحديث إثبات عذاب القبر. وهو متكرر مستفيض في
~~الروايات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والإيمان به واجب. و " فتنة
~~المحيا " ما يتعرض له الإنسان مدة حياته، من الافتتان ms231 بالدنيا والشهوات
~~والجهالات، وأشدها وأعظمها - والعياذ بالله تعالى: أمر الخاتمة عند الموت،
~~و " فتنة الممات " يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت. أضيفت إلى الموت
~~لقربها منه. وتكون فتنة المحيا - على هذا - ما يقع قبل ذلك في مدة حياة
~~الإنسان وتصرفه في الدنيا فإن ما قارب شيئا يعطى حكمه. فحالة الموت تشبه
~~بالموت، ولا تعد من الدنيا. ويجوز أن يكون المراد بفتنة الممات: فتنة
~~القبر، كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فتنة القبر " كمثل - أو
~~أعظم - من فتنة الدجال " ولا يكون على هذا متكررا مع قوله " من عذاب القبر
~~" لأن العذاب مرتب على الفتنة: والسبب غير المسبب، ولا يقال: إن المقصود
~~زوال عذاب القبر لأن الفتنة نفسها أمر عظيم وهو شديد يستعاذ بالله من شره.
~~والحديث الذي ذكره عن مسلم فيه زيادة كون الدعوات مأمورا بها بعد التشهد،
~~وقد ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور، حيث أمرنا بها في كل صلاة.
# PageV00P000
# 123 - الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمرو بن العاص
~~عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم -: «أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما
~~كثيرا. ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك. وارحمني، إنك أنت
~~الغفور الرحيم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وهي حقيقة بذلك، لعظم الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها، ولأن أكثرها -
~~أو كلها - أمور إيمانية غيبية. فتكررها على الأنفس يجعلها ملكة لها. وفي
~~لفظ مسلم أيضا فائدة أخرى.
### | 1 -
# وهي: تعليم الاستعاذة، وصيغتها فإنه قد كان يمكن التعبير عنها بغير هذا
~~اللفظ، ولو عبر بغيره لحصل المقصود وامتثل الأمر. ولكن الأولى قول ما أمر
~~به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وقد ذهب الظاهرية إلى وجوب هذا الدعاء
~~في هذا المحل. وليعلم أن قوله - عليه السلام - " إذا تشهد أحدكم فليستعذ "
~~عام في التشهد الأول والأخير معا: وقد اشتهر بين الفقهاء استحباب التخفيف
~~في التشهد الأول. وعدم استحباب ms232 الدعاء بعده، حتى تسامح بعضهم في الصلاة على
~~الآل فيه. (ومن يكون إذا ورد تخصيصه بالأخير متمسكا لهم، من باب حمل المطلق
~~على المقيد، أو من باب حمل العام على الخاص. وفيه بحث أشرنا إليه فيما
~~تقدم) والعموم الذي ذكرنا يقتضي الطلب بهذا الدعاء. فمن خصه فلا بد له من
~~دليل راجح. وإن كان نصا فلا بد من صحته. والله أعلم.
# هذا الحديث يقضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين لمحله. ولو
~~فعل فيها - حيث لا يكره الدعاء في أي الأماكن كان - لجاز. ولعل الأولى: أن
~~يكون في أحد موطنين: إما السجود، وإما بعد التشهد. فإنهما الموضعان اللذان
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أمرنا فيهما بالدعاء. قال - عليه الصلاة والسلام - " وأما السجود:
~~فاجتهدوا فيه في الدعاء " وقال في التشهد " وليتخير بعد ذلك من المسألة ما
~~شاء " ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد: لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص
~~في هذا المحل. وقوله " إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا " دليل على أن الإنسان لا
~~يعرى من ذنب وتقصير، كما قال - عليه الصلاة والسلام - " استقيموا، ولن
~~تحصوا " وفي الحديث " كل ابن آدم خطاء. وخير الخطائين التوابون " وربما
~~أخذوا ذلك من حيث الأمر بهذا القول مطلقا من غير تقييد وتخصيص بحالة، فلو
~~كان ثمة حالة لا يكون فيها ظلم ولا تقصير، لما كان هذا الإخبار مطابقا
~~للواقع. فلا يؤمر به. وقوله - صلى الله عليه وسلم - " ولا يغفر الذنوب إلا
~~أنت " إقرار بوحدانية الباري تعالى، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار كما قال
~~تعالى «علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب» وقد وقع في هذا الحديث
~~امتثال لما أثنى الله تعالى عليه في قوله {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا
~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران:
~~135] .
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - " ولا يغفر الذنوب إلا أنت. " كقوله تعالى
~~{ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] وقوله «فاغفر لي مغفرة من
~~عندك» فيه وجهان:
# أحدهما: أن يكون إشارة ms233 إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا
~~أنت، فافعله أنت. والثاني وهو الأحسن: أن يكون إشارة إلى طلب مغفرة متفضل
~~بها من عند الله تعالى، لا يقتضيها سبب من العبد، من عمل حسن ولا غيره. فهي
~~رحمة من عنده بهذا التفسير، ليس للعبد فيها سبب وهذا تبرؤ من الأسباب
~~والإدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبا عقليا. و "
~~المغفرة " الستر في لسان العرب. و " الرحمة " من الله تعالى عند المنزهين
~~من الأصوليين عن التشبيه - إما نفس الأفعال التي يوصلها الله تعالى من
~~الإنعام والإفضال إلى العبد. وإما إرادة إيصال تلك الأفعال إلى العبد. فعلى
~~الأول: هي من صفات الفعل. وعلى الثاني هي من صفات الذات. وقوله " إنك أنت
~~الغفور الرحيم " صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما قبله.
~~فالغفور مقابل لقوله " اغفر لي " والرحيم مقابل لقوله
# PageV01P313
# 124 - الحديث الخامس: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت «ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن نزلت عليه {إذا جاء
~~نصر الله والفتح} [النصر: 1]- إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم
~~اغفر لي وفي لفظ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في
~~ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ارحمني " وقد وقعت المقابلة ههنا للأول بالأول، والثاني بالثاني. وقد يقع
~~على خلاف ذلك، بأن يراعى القرب، فيجعل الأول للأخير. وذلك على حسب اختلاف
~~المقاصد، وطلب التفنن في الكلام. ومما يحتاج إليه في علم التفسير: مناسبة
~~مقاطع الآي لما قبلها. والله أعلم.
### | [حديث قول رسول الله في " إذا جاء نصر الله والفتح " في الصلاة]
# حديث عائشة فيه مبادرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى امتثال ما أمره
~~الله تعالى به، وملازمته لذلك. وقوله (فسبح بحمد ربك) فيه وجهان:
# أحدهما: أن يكون المراد أن يسبح بنفس الحمد لما يتضمنه الحمد من معنى
~~التسبيح، الذي هو التنزيه، لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى
~~الله تعالى وحده. وفي ms234 ذلك نفي الشركة.
# الوجه الثاني: أن يكون المراد: فسبح متلبسا بالحمد. فتكون الباء دالة على
~~الحال. وهذا يترجح. لأن النبي قد سبح وحمد بقوله " سبحانك وبحمدك " وعلى
~~مقتضى الوجه الأول: يكتفى بالحمد فقط. وكأن تسبيح الرسول على هذا الوجه
~~دليل على ترجيح المعنى الثاني.
# وقوله " وبحمدك " قيل معناه: وبحمدك سبحت. وهذا يحتمل أن يكون فيه حذف،
~~أي بسبب حمد الله سبحت. ويكون المراد بالسبب ههنا: التوفيق والإعانة على
~~التسبيح، واعتقاد معناه. وهذا كما روي عن عائشة في الصحيح
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بحمد الله لا بحمدك " أي وقع هذا بسبب حمد الله، أي بفضله وإحسانه
~~وعطائه. فإن الفضل والإحسان سبب للحمد، فيعبر عنهما بالحمد. وقوله. " اللهم
~~اغفر لي " امتثال لقوله تعالى {واستغفره} [النصر: 3] بعد امتثال قوله {فسبح
~~بحمد ربك} [النصر: 3] وأما اللفظ الآخر: فإنه يقتضي الدعاء في الركوع
~~وإباحته. ولا يعارضه قوله - عليه السلام - " أما الركوع: فعظموا فيه الرب،
~~وأما السجود: فاجتهدوا فيه بالدعاء " فإنه من هذا الحديث الجواز. ومن ذلك
~~الأولوية بتخصيص الركوع بالتعظيم ويحتمل أن يكون السجود قد أمر فيه بتكثير
~~الدعاء لإشارة قوله (فاجتهدوا) واحتمالها للكثرة. والذي وقع في الركوع من
~~قوله " اغفر لي " ليس كثيرا. فليس فيه معارضة ما أمر به في السجود. وفي
~~حديث عائشة الأول: سؤال. وهو أن لفظة " إذا " تقتضي الاستقبال وعدم حصول
~~الشرط حينئذ. وقول عائشة " ما صلى صلاة. بعد أن نزلت عليه: {إذا جاء نصر
~~الله} [النصر: 1] يقتضي تعجيل هذا القول، لقرب الصلاة الأولى التي هي عقيب
~~نزول الآية من النزول. و " الفتح " أي فتح مكة. و " دخول الناس في دين الله
~~أفواجا " يحتاج إلى مدة أوسع من الوقت الذي بعد نزول الآية، والصلاة الأولى
~~بعده. وقول عائشة في بعض الروايات " يتأول القرآن " قد يشعر بأنه يفعل ما
~~أمر به فيه. فإن كان الفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا حاصلا عند نزول
~~الآية. فكيف يقال فيها " إذا جاء " وإن لم يكن حاصلا، فكيف يكون القول
~~امتثالا للأمر ms235 الوارد بذلك، ولم يوجد شرط الأمر به؟ وجوابه: أن نختار أنه
~~لم يكن حاصلا على مقتضى اللفظ. ويكون - صلى الله عليه وسلم - قد بادر إلى
~~فعل المأمور به قبل وقوع الزمن الذي تعلق به الأمر فيه. إذ ذلك عبادة وطاعة
~~لا تختص بوقت معين. فإذا وقع الشرط كان الواقع من هذا القول - بعد وقوعه -
~~واقعا على حسب الامتثال، وقبل وقوع الشرط، واقعا على حسب التبرع. وليس في
~~قول عائشة " يتأول القرآن " ما يقتضي - ولا بد - أن يكون جميع
# PageV01P315
# 125 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال «سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر - ما
~~ترى في صلاة الليل؟ قال: مثنى، مثنى. فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة.
~~فأوترت له ما صلى. وإنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# قوله - صلى الله عليه وسلم - واقعا على جهة الامتثال للمأمور، حتى يكون
~~دالا على وقوع الشرط، بل مقتضاه: أن يفعل تأويل القرآن وما دل عليه لفظه
~~فقط. وجاز أن يكون بعض هذا القول فعلا لطاعة مبتدأة، وبعضه امتثالا للأمر
~~والله أعلم.
### | [باب الوتر]
### | [حديث سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى في صلاة الليل]
# " الكلام على هذا الحديث من وجوه:
# أحدها: قوله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الليل مثنى مثنى " أخذ به مالك
~~- رحمه الله - في أنه لا يزاد في صلاة النفل على ركعتين. وهو ظاهر هذا
~~اللفظ في صلاة الليل. وقد ورد حديث آخر " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى "
~~وإنما قلنا: إنه ظاهر اللفظ. لأن المبتدأ محصور في الخبر. فيقتضي ذلك حصر
~~صلاة الليل فيما هو مثنى. وذلك هو المقصود، إذ هو ينافي الزيادة. فلو جازت
~~الزيادة لما انحصرت صلاة الليل في المثنى. وهذا يعارضه ظاهر حديث عائشة
~~الآتي، وقد أخذ به الشافعي، وأجاز الزيادة على ركعتين من غير حصر في العدد،
~~وذكر بعض مصنفي أصحابه شرطين في ذلك، وحاصل قوله: أنه متى تنفل بأزيد ms236 من
~~ركعتين، شفعا أو وترا، فلا يزيد على تشهدين.
### | [كان المتنفل به شفعا]
# 1
# ثم إن كان المتنفل به شفعا، فلا يزيد بين التشهدين على ركعتين. وإن كان
~~وترا، فلا يزيد بين التشهدين على ركعة. فعلى هذا: إذا تنفل بعشر، جلس
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بعد الثامنة. ولا يجلس بعد السابعة، ولا بعد ما قبلها من الركعات. لأنه
~~حينئذ يكون قد زاد على ركعتين بين التشهدين. فإذا تنفل بخمس - مثلا - جلس
~~بعد الرابعة، وبعد الخامسة إن شاء، أو بسبع. فبعد السادسة والسابعة. وإن
~~اقتصر على جلوس واحد في كل ذلك جاز. وإنما ألجأه إلى ذلك: تشبيه النوافل
~~بالفرائض. والفريضة الوتر: هي صلاة المغرب. وليس بين التشهدين فيها أكثر من
~~ركعة. والفرائض الشفع: ليس بين التشهدين فيها أكثر من ركعتين. ولم يتفق
~~أصحاب الشافعي على هذا الذي ذكره.
# الوجه الثاني من الكلام على الحديث: أنه كان يقتضي ظاهره عدم الزيادة على
~~ركعتين، فكذلك يقتضي عدم النقصان منهما.
### | [التنفل بركعة فردة]
# 1
# ، وقد اختلفوا في التنفل بركعة فردة. والمذكور في مذهب الشافعي: جوازه.
~~وعن أبي حنيفة: منعه، والاستدلال به لهذا القول كما تقدم، وهو أولى من
~~استدلال من استدل على ذلك بأنه لو كانت الركعة الفردة صلاة لما امتنع قصر
~~صلاة الصبح والمغرب. فإن ذلك ضعيف جدا. .
### | [تقديم الشفع على الوتر]
# الوجه الثالث: يقتضي الحديث تقديم الشفع على الوتر من قوله " صلاة الليل
~~مثنى مثنى " وقوله " توتر له ما صلى " فلو أوتر بعد صلاة العشاء من غير
~~شفع: لم يكن آتيا بالسنة، وظاهر مذهب مالك: أنه لا يوتر بركعة فردة هكذا من
~~غير حاجة. .
### | [وقت الوتر]
# 1
# الوجه الرابع: يفهم منه انتهاء وقت الوتر بطلوع الفجر من قوله " فإذا خشي
~~أحدكم الصبح " وفي مذهب الشافعي وجهان:
# أحدهما: أنه ينتهي بطلوع الفجر. والثاني: ينتهي بصلاة الصبح.
### | [وجوب الوتر]
# 1
# الوجه الخامس: قد يستدل بصيغة الأمر من يرى وجوب الوتر. فإن كان يرى
~~بوجوب كونه آخر صلاة الليل: فاستدلال قريب، ولا ms237 أعلم أحدا قال ذلك. وإن كان
~~لا يرى بذلك، فيحتاج أن يحمل الصيغة على الندب. ولا يستقيم الاستدلال بها
~~على وجوب أصل الوتر عند من يمنع من استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة
~~والمجاز، وإلا كان جمعا بين الحقيقة والمجاز في لفظة واحدة. وهي صيغة
~~الأمر.
# الوجه السادس: يقتضي الحديث أن يكون الوتر آخر صلاة الليل. فلو أوتر ثم
~~أراد التنفل، فهل يشفع وتره بركعة أخرى ثم يصلي؟ فيه وجهان للشافعية وإن
# PageV01P317
# 126 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت «من كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أول الليل،
~~وأوسطه، وآخره. وانتهى وتره إلى السحر» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لم يشفعه بركعة ثم تنفل، فهل يعيد الوتر أخيرا؟ فيه قولان للمالكية.
~~فيمكن كل واحد من الفريقين أن يستدل بالحديث بعد تقديم مقدمة لكل واحد
~~منهما يحتاج إلى إثباتها. أما من قال، إنه يشفع وتره فيقول: الحديث يقتضي
~~أن يكون آخر صلاة الليل وترا. وذلك يتوقف على أن لا يكون قبله وتر، لما جاء
~~في الحديث " لا وتران في الليلة " فلزم عن ذلك: أن يشفع الوتر الأول. فإنه
~~إن لم يشفعه وأعاد الوتر، لزم وتران في ليلة، وإن لم يعد الوتر، لم يكن آخر
~~صلاة الليل وترا، وأما من قال: لا يشفع ولا يعيد الوتر: فلأنه منع أن ينعطف
~~حكم صلاة على أخرى بعد السلام والحديث، وطول الفصل، إن وقع ذلك. فإذا لم
~~يجتمعا فالحقيقة أنهما وتران، ولا وتران في ليلة، فامتنع الشفع. وامتنع
~~إعادة الوتر أخيرا، ولم يبق إلا مخالفة ظاهر قوله - عليه السلام - " اجعلوا
~~آخر صلاتكم بالليل وترا " ولا يحتاج إلى الاعتذار. وهو محمول على
~~الاستحباب، كما أن الأمر بأصل الوتر كذلك، وترك المستحب أولى من ارتكاب
~~المكروه، وأما من قال بالإعادة: فهو أيضا مانع من شفع الوتر للأول محافظة
~~على قوله - عليه السلام - " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " ويحتاج إلى
~~الاعتذار عن قوله " لا وتران في ليلة ". واعلم أنه ربما يحتاج في ms238 هذه
~~المسألة إلى مقدمة أخرى. وهو أن التنفل بركعة فردة: هل يشرع؟ فعليك بتأمله.
### | [حديث من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم]
# اختلفوا في أن الأفضل تقديم الوتر في أول الليل، أو تأخيره إلى آخره؟ على
~~وجهين لأصحاب الشافعي، مع الاتفاق على جواز ذلك. وحديث عائشة يدل على
# PageV00P000
# 127 - الحديث الثالث: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة
~~يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الجواز في الأول والوسط والآخر ولعل ذلك كان بحسب اختلاف الحالات وطرو
~~الحاجات. وقيل: بالفرق بين من يرجو أن يقوم في آخر الليل، وبين من يخاف أن
~~لا يقوم، والأول: تأخيره أفضل.
# والثاني: تقديمه أفضل، ولا شك أنا إذا نظرنا إلى آخر الليل من حيث هو
~~كذلك كانت الصلاة فيه أفضل من أوله، لكن إذا عارض ذلك احتمال تفويت الأصل
~~قدمناه على فوات الفضيلة. وهذه قاعدة قد وقع فيها خلاف، ومن جملة صورها: ما
~~إذا كان عادم الماء يرجو وجوده في آخر الوقت. فهل يقدم التيمم في أول الوقت
~~إحرازا للفضيلة المحققة أم يؤخره إحرازا للوضوء؟ فيه خلاف. والمختار في
~~مذهب الشافعي: أن التقديم أفضل. فعليك بالنظر في التنظير بين المسألتين،
~~والموازنة بين الصورتين.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة]
# هذا كما قدمناه - يتمسك به في جواز الزيادة على ركعتين في النوافل.
~~وتأوله بعض المالكية بتأويل لا يتبادر إلى الذهن. وهو أن حمل ذلك على أن
~~الجلوس في محل القيام لم يكن إلا في آخر ركعة، كأن الأربع كانت الصلاة فيها
~~قياما، والأخيرة كانت جلوسا في محل القيام، وربما دل لفظه على تأويل أحاديث
~~قدمها - هذا منها - بأن السلام وقع بين كل ركعتين، وهذا مخالفة للفظ، فإنه
~~لا يقع السلام بين كل ركعتين إلا بعد الجلوس، وذلك ينافيه قولها " لا يجلس
~~في ms239 شيء إلا في آخرها " وفي هذا نظر. واعلم أن محط النظر. هو الموازنة بين
~~الظاهر. من قوله - عليه السلام - " صلاة الليل مثنى مثنى " في دلالته على
~~الحصر. وبين دلالة هذا الفعل على الجواز، والفعل يتطرق إليه الخصوص، إلا
~~أنه بعيد لا يصار إليه إلا بدليل. فتبقى دلالة الفعل على الجواز معارضة
~~بدلالة اللفظ على الحصر، ودلالة الفعل على الجواز عندنا أقوى. نعم يبقى نظر
~~آخر، وهو أن الأحاديث دلت على جواز أعداد مخصوصة. فإذا جمعناها ونظرنا
~~أكثرها، فما زاد عليه إذا قلنا بجوازه كان قولا
# PageV00P000
# 128 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - «أن رفع الصوت بالذكر، حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا
~~بذلك، إذا سمعته وفي لفظ ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - إلا بالتكبير» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالجواز مع اقتضاء الدليل منعه من غير معارضة الفعل له. فلقائل أن يقول:
~~يعمل بدليل المنع حيث لا معارض له من الفعل، إلا أن يصد عن ذلك إجماع، أو
~~يقوم دليل على أن الأعداد المخصوصة ملغاة عن الاعتبار. ويكون الحكم الذي دل
~~عليه الحديث مطلق الزيادة. فهنا يمكن أمران:
# أحدهما: أن نقول مقادير العبادات يغلب عليها التعبد، فلا يجزم بأن
~~المقصود مطلق الزيادة.
# والثاني: أن يقول المانع: المخل: هو الزيادة على مقدار الركعتين. وقد
~~ألغي بهذه الأحاديث. ولا يقوى كثيرا. والله عز وجل أعلم.
### | [باب الذكر عقيب الصلاة]
### | [حديث رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة]
# فيه دليل على جواز الجهر بالذكر عقيب الصلاة، والتكبير بخصوصه من جملة
~~الذكر. قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء،
~~يكبر بعد صلاته، ويكبر من خلفه. قال غيره ولم أجد من الفقهاء من قال هذا
~~إلا ما ذكره ابن حبيب في الواضحة: كانوا يستحبون التكبير في العساكر
~~والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء ms240 تكبيرا عاليا، ثلاث مرات. وهو قديم من شأن
~~الناس، وعن مالك أنه محدث. وقد يؤخذ منه تأخير الصبيان في الموقف، لقول ابن
~~عباس " ما كنا نعرف
# PageV00P000
# 129 - الحديث الثاني: عن وراد مولى المغيرة بن شعبة
~~قال: «أملى علي المغيرة بن شعبة من كتاب إلى معاوية: إن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك
~~له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا
~~معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ثم وفدت بعد ذلك على معاوية
~~فسمعته يأمر الناس بذلك. وفي لفظ كان ينهى عن قيل وقال، و
### | إضاعة المال،
# وكثرة السؤال وكان ينهى عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بالتكبير " فلو كان
~~متقدما في الصف الأول لعلم انقضاء الصلاة بسماع التسليم. وقد يؤخذ منه أنه
~~لم يكن ثمة مسمع جهير الصوت يبلغ التسليم بجهارة صوته.
### | [حديث يقول في دبر الصلاة المكتوبة لا إله إلا الله]
# فيه دليل على استحباب هذا الذكر المخصوص عقيب الصلاة، وذلك لما اشتمل
~~عليه من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء،
~~وتمام القدرة. والثواب المرتب على الأذكار: يرد كثيرا مع خفة الأذكار على
~~اللسان وقلتها وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأن كلها راجعة إلى
~~الإيمان الذي هو أشرف الأشياء، " والجد " الحظ. ومعنى " لا ينفع ذا الجد
~~منك الجد " لا ينفع ذا الحظ حظه. وإنما ينفعه العمل الصالح. و " الجد "
~~ههنا - وإن كان مطلقا - فهو محمول على حظ الدنيا. وقوله " منك " متعلق
~~بينفع وينبغي أن يكون " ينفع " متضمنا معنى
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يمنع " أو ما يقاربه ولا يعود " منك " إلى الجد على الوجه الذي يقال فيه:
~~حظي منك قليل أو كثير، بمعنى عنايتك بي، أو رعايتك لي. فإن ذلك نافع. وفي
~~أمر معاوية ms241 بذلك. المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها، وفيه جواز العمل
~~بالمكاتبة بالأحاديث، وإجرائها مجرى المسموع، والعمل بالخط في مثل ذلك إذا
~~أمن تغييره. وفيه قبول خبر الواحد. وهو فرد من أفراد لا تحصى، كما قررناه
~~فيما تقدم. وقوله " عن قيل وقال " الأشهر فيه: بفتح اللام على سبيل
~~الحكاية. وهذا النهي لا بد من تقييده بالكثرة التي لا يؤمن معها وقوع الخطل
~~والخطأ، والتسبب إلى وقوع المفاسد من غير تعيين، والإخبار بالأمور الباطلة،
~~وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " كفى بالمرء إثما: أن
~~يحدث بكل ما سمع " وقال بعض السلف: لا يكون إماما من حدث بكل ما سمع.
### | [إضاعة المال]
# 1
# وأما " إضاعة المال " فحقيقته المتفق عليها: بذلك في غير مصلحة دينية أو
~~دنيوية. وذلك ممنوع، لأن الله تعالى جعل الأموال قياما لمصالح العباد. وفي
~~تبذيرها تفويت لتلك المصالح، إما في حق مضيعها، أو في حق غيره. وأما بذله
~~وكثرة إنفاقه في تحصيل مصالح الأخرى فلا يمتنع من حيث هو وقد قالوا: لا سرف
~~في الخير. وأما إنفاقه في مصالح الدنيا، وملاذ النفس على وجه لا يليق بحال
~~المنفق، وقدر ماله: ففي كونه سفها خلاف، والمشهور: أنه سفه. وقال بعض
~~الشافعية: ليس بسفه. لأنه يقوم به مصالح البدن وملاذه، وهو غرض صحيح. وظاهر
~~القرآن يمنع من ذلك. والأشهر في مثل هذا: أنه مباح، أعني إذا كان الإنفاق
~~في غير معصية. وقد نوزع فيه. .
### | [كثرة السؤال]
# 1
# وأما " كثرة السؤال " ففيه وجهان:
# أحدهما: أن يكون ذلك راجعا إلى الأمور العلمية. وقد كانوا يكرهون تكلف
~~المسائل التي لا تدعو الحاجة إليها. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "
~~أعظم الناس جرما عند الله من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم
~~من أجل مسألته " وفي حديث اللعان لما سئل عن الرجل يجد مع امرأته رجلا.
~~فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها، وفي حديث معاوية
# PageV01P322
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# نهي عن الأغلوطات " وهي شداد ms242 المسائل وصعابها. وإنما كان ذلك مكروها: لما
~~يتضمن كثير منه من التكلف في الدين والتنطع. والرجم بالظن من غير ضرورة
~~تدعو إليه، مع عدم الأمن من العثار، وخطأ الظن، والأصل المنع من الحكم
~~بالظن، إلا حيث تدعو الضرورة إليه.
# الوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعا إلى سؤال المال. وقد وردت أحاديث في
~~تعظيم مسألة الناس، ولا شك أن بعض سؤال الناس أموالهم ممنوع. وذلك حيث يكون
~~الإعطاء بناء على ظاهر الحال، ويكون الباطن خلافه، أو يكون السائل مخبرا عن
~~أمر هو كاذب فيه: قد جاء في السنة ما يدل على اعتبار ظاهر الحال في هذا،
~~وهو ما روي " أنه مات رجل من أهل الصفة وترك دينارين. فقال النبي - صلى
~~الله عليه وسلم -: كيتان " وإنما كان ذلك - والله أعلم - لأنهم كانوا فقراء
~~مجردين، يأخذون ويتصدق عليهم، بناء على الفقر والعدم. وظهر أن معه هذين
~~الدينارين، على خلاف ظاهر حاله. والمنقول عن مذهب الشافعي: جواز السؤال.
~~فإذا قيل بذلك: فينبغي النظر في تخصيص المنع بالكثرة. فإنه إن كانت الصورة
~~تقتضي المنع. فالسؤال ممنوع كثيره وقليله. وإن لم تقتض المنع فينبغي حمل
~~هذا النهي على الكراهة للكثير من السؤال، مع أنه لا يخلو السؤال من غير
~~حاجة عن كراهة. فتكون الكراهة في الكثرة أشد. وتكون هي المخصوصة بالنهي.
~~وتبين من هذا: أن من يكره السؤال مطلقا - حيث لا يحرم - ينبغي أن لا يحمل
~~قوله " كثرة السؤال " على الوجه الأول المتعلق بالمسائل الدينية، أو يجعل
~~النهي دالا على المرتبة الأشدية من الكراهة.
### | [تخصيص العقوق بالأمهات]
# وتخصيص العقوق بالأمهات، مع امتناعه في الآباء أيضا، لأجل شدة حقوقهن،
~~ورجحان الأمر ببرهن بالنسبة إلى الآباء. وهذا من باب تخصيص الشيء بالذكر
~~لإظهار عظمه في المنع، إن كان ممنوعا، وشرفه إن كان مأمورا به. وقد يراعى
~~في موضع آخر التنبيه بذكر الأدنى على الأعلى. فيخص الأدنى بالذكر، وذلك
~~بحسب اختلاف المقصود.
### | [وأد البنات]
# 1
# PageV01P323
# 130 - الحديث الثالث: عن سمي مولى أبي بكر بن عبد
~~الرحمن بن الحارث ms243 بن هشام عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة - رضي الله عنه
~~- «أن فقراء المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا
~~رسول الله، قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. قال وما ذاك؟
~~قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق. ويعتقون ولا
~~نعتق. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفلا أعلمكم شيئا تدركون به
~~من سبقكم، وتسبقون من بعدكم. ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما
~~صنعتم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل
~~صلاة: ثلاثا وثلاثين مرة. قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين، فقالوا: سمع
~~إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# و " وأد البنات " عبارة عن دفنهن مع الحياة. وهذا التخصيص بالذكر لأنه
~~كان هو الواقع في الجاهلية. فتوجه النهي إليه لأن الحكم مخصوص بالبنات.
### | 1 -
# " ومنع وهات " راجع إلى السؤال مع ضميمة النهي عن المنع، وهذا يحتمل
~~وجهين.
# أحدهما: أن يكون المنع حيث يؤمر بالإعطاء، وعن السؤال حيث يمنع منه.
~~فيكون كل واحد مخصوصا بصورة غير صورة الآخر.
# والثاني أن يجتمعا في صورة واحدة. ولا تعارض بينهما. فيكون وظيفة الطالب:
~~أن لا يسأل، ووظيفة المعطي: أن لا يمنع إن وقع السؤال. وهذا لا بد أن
~~يستثنى منه ما إذا كان المطلوب محرما على الطالب. فإنه يمتنع على المعطي
~~إعطاؤه لكونه معينا على الإثم. ويحتمل أن يكون الحديث محمولا على الكثرة من
~~السؤال، والله أعلم. .
### | [حديث يا رسول الله قد ذهب أهل الدثور بالدرجات]
# قال: سمي: فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث. فقال: وهمت، إنما قال لك: تسبح
~~الله ثلاثا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثا وثلاثين.
~~فرجعت إلى أبي صالح، فقلت له ذلك. فقال: قل الله أكبر وسبحان الله والحمد
~~لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثا وثلاثين ".
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام ms244 الأحكام]
# الحديث يتعلق بالمسألة المشهورة بالتفضيل بين الغني الشاكر والفقير
~~الصابر وقد اشتهر فيها الخلاف. والفقراء ذكروا للرسول - صلى الله عليه وسلم
~~- ما يقتضي تفضيل الأغنياء بسبب القربات المتعلقة بالمال. وأقرهم النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - على ذلك. ولكن علمهم ما يقوم مقام تلك الزيادة. فلما
~~قالها الأغنياء ساووهم فيها. وبقي معهم رجحان قربات الأموال. فقال - عليه
~~السلام - " وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " فظاهره القريب من النص: أنه فضل
~~الأغنياء بزيادة القربات المالية. وبعض الناس تأول قوله " وذلك فضل الله
~~يؤتيه من يشاء " بتأويل مستكره، ويخرجه عما ذكرناه من الظاهر. والذي يقتضيه
~~الأصل أنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية أن يكون الغني أفضل،
~~ولا شك في ذلك.
### | 1 -
# وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط. وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو
~~فيه وإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر، يرجع إلى تفسير الأفضل. فإن
~~فسر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة.
~~وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من
~~التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر: أشرف. فيترجح الفقراء.
~~ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار
# PageV01P325
# 131 - الحديث الرابع: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خميصة لها أعلام. فنظر إلى أعلامها
~~نظرة. فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية
~~أبي جهم. فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الطريق على تهذيب النفس ورياضتها. وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى، فكان
~~أفضل بمعنى الأشرف وقوله " ذهب أهل الدثور " الدثر: هو المال الكثير. وقوله
~~" تدركون به من سبقكم " يحتمل أن يراد به السبق المعنوي. وهو السبق في
~~الفضيلة. وقوله " من بعدكم " أي من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا
~~العمل. ويحتمل أن يراد القبلية الزمانية، والبعدية الزمانية. ولعل الأول
~~أقرب إلى السياق. فإن سؤالهم كان عن أمر الفضيلة، ms245 وتقدم الأغنياء فيها.
~~وقوله " لا يكون أحد أفضل منكم " يدل على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة
~~المال، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء مشروطة بأن لا يفعلوا هذا الفعل الذي
~~أمر به الفقراء. وفي تلك الرواية تعليم كيفية هذا الذكر. وقد كان يمكن أن
~~يكون فرادى - أي كل كلمة على حدة - ولو فعل ذلك جاز، وحصل به المقصود. ولكن
~~بين في هذه الرواية أنه يكون مجموعا، ويكون العدد للجملة. وإذا كان ذلك
~~يحصل في كل فرد هذا العدد، والله أعلم.
### | [حديث النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام]
# " الخميصة " كساء مربع له أعلام و " الأنبجانية " كساء غليظ. فيه دليل
~~على جواز لباس الثوب ذي العلم ودليل على أن اشتغال الفكر يسيرا غير قادح في
~~الصلاة.
# PageV00P000
# 132 - الحديث الأول عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع في السفر بين صلاة
~~الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيه دليل على طلب الخشوع في الصلاة، والإقبال عليها، ونفي ما يقتضي شغل
~~الخاطر بغيرها. وفيه دليل على مبادرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى
~~مصالح الصلاة، ونفي ما يخدش فيها، حيث أخرج الخميصة، واستبدل بها غيرها مما
~~لا يشغل. فهذا مأخوذ من قوله " فنظر إليها نظرة ". وبعثه إلى أبي جهم
~~بالخميصة: لا يلزم منه أن يستعملها في الصلاة، كما جاء في " حلة عطارد "
~~وقوله - عليه السلام - لعمر " إني لم أكسكها لتلبسها ". وقد استنبط الفقهاء
~~من هذا: كراهة كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش، والصنائع
~~المستطرفة، فإن الحكم يعم بعموم علته، والعلة: الاشتغال عن الصلاة. وزاد
~~بعض المالكية في هذا: كراهة غرس الأشجار في المساجد. و " الأنبجانية " يقال
~~بفتح الهمزة وكسرها، وكذلك في الباء، وكذلك الياء تخفف وتشدد. وقيل: إنها
~~الكساء من غير علم، فإن كان فيه علم فهو خميصة. وفيه دليل على قبول الهدية
~~من الأصحاب، والإرسال إليهم والطلب ms246 لها ممن يظن به السرور بذلك أو
~~المسامحة.
### | [باب الجمع بين الصلاتين في السفر]
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع في السفر]
# هذا اللفظ في هذا الحديث ليس في كتاب مسلم. وإنما هو في كتاب البخاري
~~وأما رواية ابن عباس. في الجمع بين الصلاتين في الجملة من غير اعتبار لفظ
~~بعينه: فمتفق عليه. ولم يختلف الفقهاء في جواز الجمع في الجملة، لكن أبا
~~حنيفة يخصصه بالجمع بعرفة ومزدلفة، وتكون العلة فيه: النسك، لا السفر.
~~ولهذا يقال: لا يجوز الجمع عنده بعذر السفر، وأهل هذا المذهب: يؤولون
~~الأحاديث التي وردت بالجمع على أن المراد تأخير الصلاة الأولى إلى آخر
~~وقتها،
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وتقديم الثانية في أول وقتها. وقد قسم بعض الفقهاء الجمع إلى جمع مقارنة
~~وجمع مواصلة. وأراد بجمع المقارنة: أن يكون الشيئان في وقت واحد، كالأكل
~~والقيام مثلا، فإنهما يقعان في وقت واحد. وأراد بجمع المواصلة: أن يقع
~~أحدهما عقيب الآخر، وقصد إبطال تأويل أصحاب أبي حنيفة بما ذكرناه، لأن جمع
~~المقارنة لا يمكن في الصلاتين، إذ لا يقعان في حالة واحدة، وأبطل جمع
~~المواصلة أيضا. وقصد بذلك إبطال التأويل المذكور إذ لم يتنزل على شيء من
~~القسمين. وعندي: أنه لا يبعد أن يتنزل على الثاني، إذا وقع التحري في
~~الوقت. أو وقعت المسامحة بالزمن اليسير بين الصلاتين إذا وقع فاصلا. لكن
~~بعض الروايات في الأحاديث لا يحتمل لفظها هذا التأويل، إلا على بعد كبير،
~~أو لا يحتمل أصلا. فأما ما لا يحتمل، فإذا كان صحيحا في سنده، فيقطع العذر.
~~وأما ما يبعد تأويله: فيحتاج إلى أن يكون الدليل المعارض له أقوى من العمل
~~بظاهره. وهذا الحديث الذي في الكتاب ليس يبعد تأويله كل البعد بما ذكر من
~~التأويل. وأما ظاهره: فإن ثبت أن الجمع حقيقة لا يتناول صورة التأويل،
~~فالحجة قائمة به، حتى يكون الدليل المعارض له أقوى من ذلك التأويل من هذا
~~الظاهر.
# والحديث يدل على الجمع إذا كان على ms247 ظهر سير. ولولا ورود غيره من الأحاديث
~~بالجمع في غير هذه الحالة لكان الدليل يقتضي امتناع الجمع في غيرها. لأن
~~الأصل: عدم جواز الجمع، ووجوب إيقاع الصلاة في وقتها المحدود لها، وجواز
~~الجمع بهذا الحديث: قد علق بصفة مناسبة للاعتبار. فلم يكن ليجوز إلغاؤها.
~~لكن إذا صح الجمع في حالة النزول فالعمل به أولى، لقيام دليل آخر على
~~الجواز في غير هذه الصورة، أعني السير، وقيام ذلك الدليل يدل على إلغاء
~~اعتبار هذا الوصف. ولا يمكن أن يعارض ذلك الدليل بالمفهوم من هذا الحديث.
# PageV01P328
# 133 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال «صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يزيد في السفر
~~على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لأن دلالة ذلك المنطوق على الجواز في تلك الصورة بخصوصها أرجح. وقوله "
~~وكذلك المغرب والعشاء " يريد في طريق الجمع، وظاهره: اعتبار الوصف الذي
~~ذكره فيهما: وهو كونه على ظهر سير. وقد دل الحديث على الجمع بين الظهر
~~والعصر، وبين المغرب والعشاء.
# ولا خلاف أن الجمع ممتنع بين الصبح وغيرها، وبين العصر والمغرب، كما لا
~~خلاف في جواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة.
~~ومن ههنا ينشأ نظر القائسين في مسألة الجمع. فأصحاب أبي حنيفة: يقيسون
~~الجمع المختلف فيه على الجمع الممتنع اتفاقا ويحتاجون إلى إلغاء الوصف
~~الفارق بين محل النزاع ومحل الإجماع. وهو الاشتراك الواقع بين الظهر
~~والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما مطلقا أو في حالة العذر. وغيرهم يقيس
~~الجواز في محل النزاع على الجواز في محل الإجماع. ويحتاج إلى إلغاء الوصف
~~الفارق، وهو إقامة النسك.
### | [باب قصر الصلاة في السفر]
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد في السفر على ركعتين]
# هذا هو لفظ رواية البخاري في الحديث. ولفظ رواية مسلم أكثر وأزيد فليعلم
~~ذلك. وفي الحديث دليل على المواظبة على القصر. وهو دليل على رجحان ذلك.
~~وبعض الفقهاء قد أوجب القصر. ms248 والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، لكن المتحقق
~~من هذه الرواية: الرجحان. فيؤخذ منه. وما زاد مشكوك فيه، فيترك. وقد خرج
~~قول للشافعي: أن الإتمام أفضل، قياسا على قوله: إن الصيام أفضل. والصحيح:
~~أن القصر أفضل، أما أولا: فلمواظبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأما
~~ثانيا: فلقيام الفارق بين القصر والصوم. فإن الأول يبرئ الذمة من الواجب
~~بخلاف الثاني.
# PageV00P000
# 134 - الحديث الأول: عن سهل بن سعد الساعدي قال «رأيت
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام، فكبر وكبر الناس وراءه، وهو على
~~المنبر. ثم رفع فنزل القهقرى، حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من
~~آخر صلاته. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا
~~بي، ولتعلموا صلاتي وفي لفظ صلى عليها. ثم كبر عليها. ثم ركع وهو عليها،
~~فنزل القهقرى» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يرى التنفل في السفر. وقال " لو كنت
~~متنفلا لأتممت ". فقوله " لا يزيد " يحتمل أن يريد: لا يزيد في عدد ركعات
~~الفرض. ويحتمل أن يريد لا يزيد نفلا. وحمله على الثاني أولى. لأنه وردت
~~أحاديث عن ابن عمر يقتضي سياقها: أنه أراد ذلك. ويمكن أن يراد العموم.
~~فيدخل فيه هذا أعني النافلة في السفر تبعا لا قصدا. وذكره لأبي بكر وعمر
~~وعثمان، مع أن الحجة قائمة بفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليبين -
~~والله أعلم أن ذلك كان معمولا به عند الأئمة، لم يتطرق إليه نسخ، ولا معارض
~~راجح. وقد فعل ذلك مالك - رحمه الله - في موطئه لتقويته بالعمل.
### | [باب الجمعة]
### | [حديث إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي]
# " أبو العباس " سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري. وبنو ساعدة من
~~الأنصار. متفق على إخراج حديثه. مات سنة إحدى وتسعين، وهو ابن مائة سنة.
~~وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فيه
~~دليل على جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه المأموم لقصد التعليم.
# PageV00P000
# 135 ms249 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من جاء منكم الجمعة
~~فليغتسل» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقد بين ذلك في لفظ الحديث. فأما من غير هذا القصد: فقد قيل بكراهته.
~~وزاد أصحاب مالك - أو من قال منهم - فقالوا: إن قصد التكبر بطلت صلاته. ومن
~~أراد أن يجيز هذا الارتفاع من غير قصد التعليم: فاللفظ لا يتناوله. والقياس
~~لا يستقيم لانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره. وفيه دليل على
~~جواز العمل اليسير في الصلاة، لكن فيه إشكال على من حدد الكثير من العمل
~~بثلاث خطوات. فإن منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ثلاث درجات.
~~والصلاة كانت على العليا. ومن ضرورة ذلك: أن يقع ما أوقعه من الفعل على
~~الأرض، بعد ثلاث خطوات فأكثر، وأقله ثلاث خطوات والذي يعتذر به عن هذا: أن
~~يدعى عدم التوالي بين الخطوات. فإن التوالي شرط في الإبطال، أو ينازع في
~~كون قيام هذه الصلاة فوق الدرجة العليا. وفيه دليل على جواز إقامة الصلاة
~~أو الجماعة لغرض التعليم، كما صرح به في لفظ الحديث. والرواية الأخيرة: قد
~~توهم أنه نزل في الركوع. وربما يقوى هذا باقتضاء الفاء للتعقيب ظاهرا، لكن
~~الرواية الأولى تبين أن النزول كان بعد القيام من الركوع. والمصير إلى
~~الأولى أوجب. لأنها نص. ودلالة الفاء على التعقيب ظاهرة والله أعلم.
### | [حديث من جاء منكم الجمعة فليغتسل]
# الحديث صريح في الأمر بالغسل للجمعة. وظاهر الأمر: الوجوب. وقد جاء مصرحا
~~به بلفظ الوجوب في حديث آخر. فقال بعض الناس بالوجوب، بناء على الظاهر.
~~وخالف الأكثرون، فقالوا بالاستحباب. وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة
~~هذا الظاهر. فأولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# التأكيد، كما يقال: حقك واجب علي. وهذا التأويل الثاني: أضعف من الأول.
~~وإنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحا في الدلالة على هذا الظاهر. وأقوى
~~ما عارضوا به حديث " من توضأ يوم ms250 الجمعة فبها ونعمت. ومن اغتسل فالغسل أفضل
~~" ولا يقاوم سنده سند هذه الأحاديث، وإن كان المشهور من سنده صحيحا على
~~مذهب بعض أصحاب الحديث. وربما احتمل أيضا تأويلا مستكرها بعيدا، كبعد تأويل
~~لفظ " الوجوب " على التأكيد. وأما غير هذا الحديث من المعارضات المذكورة
~~لما ذكرناه من دلائل الوجوب: فلا تقوى دلالته على عدم الوجوب، لقوة دلائل
~~الوجوب عليه. وقد نص مالك على الوجوب. فحمله المخالفون - ممن لم يمارس
~~مذهبه - على ظاهره. وحكي عنه أنه يروي الوجوب ولم ير ذلك أصحابه على ظاهره.
~~وفي الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة. والمراد إرادة
~~المجيء، وقصد الشروع فيه. وقال مالك به. واشترط الاتصال بين الغسل والرواح،
~~وغيره لا يشترط ذلك. ولقد أبعد الظاهري إبعادا يكاد يكون مجزوما ببطلانه،
~~حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى اغتسل قبل الغروب كفى
~~عنده، تعلقا بإضافة الغسل إلى اليوم في بعض الروايات وقد تبين من بعض
~~الأحاديث: أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة. ويفهم منه: أن المقصود عدم
~~تأذي الحاضرين. وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة. وكذلك أقول: لو قدمه بحيث
~~لا يحصل هذا المقصود لم يعتد به. والمعنى إذا كان معلوما كالنص قطعا، أو
~~ظنا مقاربا للقطع: فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ. وقد
~~كنا قررنا في مثل هذا قاعدة، وهي انقسام الأحكام إلى أقسام:
# منها: أن يكون أصل المعنى معقولا، وتفصيله يحتمل التعبد. فإذا وقع مثل
~~هذا فهو محل نظر. ومما يبطل مذهب الظاهري: أن الأحاديث التي علق فيها الأمر
~~بالإتيان أو المجيء قد دلت على توجه الأمر إلى هذه الحالة. والأحاديث التي
~~تدل على تعليق الأمر باليوم لا يتناول تعليقه بهذه الحالة. فهو إذا تمسك
~~بتلك أبطل دلالة هذه
# PageV01P332
# 136 - الحديث الثالث: عن جابر بن عبد الله - رضي الله
~~عنهما - قال «جاء رجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس يوم
~~الجمعة. فقال: صليت يا فلان؟ قال: لا. قال: قم فاركع ركعتين. وفي رواية فصل ms251
~~ركعتين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الأحاديث على تعليق الأمر بهذه الحالة. وليس له ذلك. ونحن إذا قلنا
~~بتعليقه بهذه الحالة فقد عملنا بهذه الأحاديث من غير إبطال لما استدل به.
### | [حديث صليت يا فلان قال لا قال قم فاركع ركعتين]
# اختلف الفقهاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب: هل يركع ركعتي التحية حينئذ
~~أم لا؟ فذهب الشافعي وأحمد وأكثر أصحاب الحديث إلى أنه يركع، لهذا الحديث
~~وغيره، مما هو أصرح منه. وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - " إذا جاء أحدكم
~~يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما ". وذهب مالك وأبو
~~حنيفة إلى أنه لا يركعهما، لوجوب الاشتغال بالاستماع. واستدل على ذلك بقوله
~~- صلى الله عليه وسلم - «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت فقد
~~لغوت» قالوا: فإذا منع من هذه الكلمة - مع كونها أمرا بمعروف ونهيا عن منكر
~~في زمن يسير - فلأن يمنع من الركعتين - مع كونهما مسنونتين في زمن طويل -
~~أولى. ومن قال بهذا القول يحتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث الذي ذكره
~~المصنف، والحديث الذي ذكرناه. وقد ذكروا فيه اعتذارات، في بعضها ضعف. ومن
~~مشهورها: أن هذا مخصوص بهذا الرجل المعين، وهو سليك الغطفاني - على ما ورد
~~مصرحا به في رواية أخرى. وإنما خص بذلك على ما أشاروا إليه - لأنه كان
~~فقيرا. فأريد قيامه لتستشرفه العيون ويتصدق عليه. وربما يتأيد هذا بأنه -
~~صلى الله عليه وسلم - أمره بأن يقوم للركعتين بعد جلوسه. وقد قالوا: إن
~~ركعتي التحية تفوت بالجلوس وقد عرف أن التخصيص على خلاف الأصل: ثم يبعد
~~الحمل عليه مع صيغة العموم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا
# PageV00P000
# 137 - الحديث الرابع: عن جابر - رضي الله عنه - قال
~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما
~~بجلوس» .
### | 138 -
# الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - قال «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب - فقد
~~لغوت» .
#
### | [إحكام الأحكام] ms252
# جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب» فهذا تعميم يزيل توهم الخصوص بهذا
~~الرجل. وقد تأولوا هذا العموم أيضا بتأويل مستكره. وأقوى من هذا العذر ما
~~ورد " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت حتى فرغ من الركعتين " فحينئذ
~~يكون المانع من عدم الركوع منتفيا. فثبت الركوع. وعلى هذا أيضا ترد الصيغة
~~التي فيها العموم.
### | [حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم]
# الخطبتان واجبتان عند الجمهور من الفقهاء. فإن استدل بفعل الرسول لهما مع
~~قوله «صلوا كما رأيتموني أصلي» ففي ذلك نظر يتوقف على أن يكون إقامة
~~الخطبتين داخلا تحت كيفية الصلاة. فإنه إن لم يكن كذلك كان استدلاله بمجرد
~~الفعل. وفي الحديث: دليل على الجلوس بين الخطبتين. ولا خلاف فيه. وقد قيل
~~بركنيته. وهو منقول عن أصحاب الشافعي. وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف، لم أقف
~~عليه بهذه الصيغة في الصحيحين. فمن أراد تصحيحه فعليه إبرازه، والله أعلم.
# PageV00P000
# 139 - الحديث السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح
~~فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في
~~الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما
~~قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام
~~حضرت الملائكة يسمعون الذكر» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت]
# يقال: لغا، يلغو، ولغي يلغى، واللغو واللغي قيل: هو رديء الكلام وما لا
~~خير فيه. وقد يطلق على الخيبة أيضا. والحديث دليل على طلب الإنصات في
~~الخطبة. والشافعي يرى وجوبه في حق الأربعين. وفيمن عداهم قولان. هذه
~~الطريقة المختارة عندنا. واختلف الفقهاء أيضا في إنصات من لا يسمع الخطبة.
~~وقد يستدل بهذا الحديث على إنصاته لكونه علقه. بكون الإمام يخطب. وهذا عام
~~بالنسبة إلى سماعه وعدم سماعه. واستدل به المالكية - كما قدمنا - على عدم
~~تحية ms253 المسجد، من حيث إن الأمر بالإنصات أمر بمعروف وأصله الوجوب. فإذا منع
~~منه - مع قلة زمانه، وقلة إشغاله - فلأن يمنع الركعتين - مع كونهما سنة،
~~وطول الاشتغال، وطول الزمان بهما أولى. وهذا قد تقدم والله أعلم.
### | [حديث من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة]
# الكلام عليه من وجوه:
# الأول: اختلف الفقهاء في أن الأفضل التبكير إلى الجمعة أو التهجير.
~~واختار الشافعي التبكير. واختار مالك التهجير واستدل للتبكير بهذا الحديث،
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وحمل الساعات فيه على الأجزاء الزمانية، التي ينقسم النهار فيها إلى اثني
~~عشر جزءا. والذين اختاروا التهجير يحتاجون إلى الاعتذار عنه. وذلك من وجوه:
# أحدها: قد ينازع في أن الساعة حقيقة في هذه الأجزاء في وضع العرب،
~~واستعمال الشرع، بناء على أنها تتعلق بحساب ومراجعة آلات تدل عليه، لم تجر
~~عادة العرب بذلك، ولا أحال الشرع على اعتبار مثله حوالة لا شك فيها. وإن
~~ثبت ذلك بدليل تجوزوا في لفظ " الساعة " وحملوها على الأجزاء التي تقع فيها
~~المراتب. ولا بد لهم من دليل مؤيد للتأويل على هذا التقدير. وسنذكر منه
~~شيئا.
# الوجه الثاني: ما يؤخذ من قوله - صلى الله عليه وسلم - «من اغتسل، ثم
~~راح» والرواح لا يكون إلا بعد الزوال. فحافظوا على حقيقة " راح " وتجوزوا
~~في لفظ " الساعة " إن ثبت أنها حقيقة في الجزء من اثني عشر. واعترض عليهم
~~في هذا بأن لفظة " راح " يحتمل أن يراد بها مجرد السير في أي وقت كان، كما
~~أول مالك قوله تعالى {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] على
~~مجرد السير، لا على الشد والسرعة هذا معنى قوله. وليس هذا التأويل ببعيد في
~~الاستعمال.
# الوجه الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الروايات «فالمهجر
~~كالمهدي بدنة» والتهجير: إنما يكون في الهاجرة. ومن خرج عند طلوع الشمس
~~مثلا، أو بعد طلوع الفجر، لا يقال له مهجر. واعترض على هذا بأن يكون المهجر
~~من هجر المنزل وتركه في أي وقت كان وهذا بعيد
# PageV01P336
# . ms254 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الوجه الرابع: يقتضي الحديث: أنه بعد الساعة الخامسة يخرج الإمام، وتطوي
~~الملائكة الصحف لاستماع الذكر. وخروج الإمام إنما يكون بعد السادسة. وهذا
~~الإشكال إنما ينشأ إذا جعلنا الساعة هي الزمانية. أما إذا جعلنا ذلك عبارة
~~عن ترتيب منازل السابقين فلا يلزم هذا الإشكال.
# الوجه الخامس: يقتضي أن تتساوى مراتب الناس في كل ساعة. فكل من أتى في
~~الأولى كان كالمقرب بدنة. وكل من أتى في الثانية كان كمن قرب بقرة، مع أن
~~الدليل يقتضي أن السابق لا يساويه اللاحق. وقد جاء في الحديث «ثم الذي
~~يليه، ثم الذي يليه» ويمكن أن يقال في هذا: إن التفاوت يرجع إلى الصفات.
~~واعلم أن بعض هذه الوجوه لا بأس به إلا أنه يرد على المذهب الآخر: أنا إذا
~~خرجنا على الساعات الزمانية لم يبق لنا مرد ينقسم فيه الحال إلى خمس مراتب
~~بل يقتضي أن يتفاوت الفضل بحسب تفاوت السبق في الإتيان إلى الجمعة. وذلك
~~يتأتى منه مراتب كثيرة جدا. فإن تبين بدليل أن يكون لنا مرد لا يكون فيه
~~هذا التفاوت الشديد والكثرة في العدد، فقد اندفع هذا الإشكال. فإن قلت:
~~المراد أن يجعل الوقت من التهجير مقسما على خمسة أجزاء. ويكون ذلك مرادا.
~~قلت لا يصح ذلك لوجهين:
# أحدهما: أن الرجوع إلى ما تقرر من تقسيم الساعات إلى اثني عشر أولى، إذا
~~كان ولا بد من الحوالة على أمر خفي على الجمهور. فإن هذه القسمة لم تعرف
~~لأصحاب هذا العلم، ولا استعملت على ما استعمله الجمهور. وإنما يندفع بها لو
~~ثبت ذلك الإشكال الذي مضى، من أن خروج الإمام ليس عقيب الخامسة، ولا حضور
~~الملائكة لاستماع الذكر.
# الثاني: أن القائلين بأن التهجير أفضل لا يقولون بذلك على هذه القسمة.
~~فإن القائل قائلان، قائل يقول: بترتيب منازل السابقين على غير تقسيم هذه
~~الأجزاء الخمسة. وقائل يقول: تنقسم الأجزاء ستة إلى الزوال. فالقول بتقسيم
~~هذا الوقت إلى خمسة إلى الزوال: يكون مخالفا للكل. وإن كان قد قال به ms255 قائل
~~فليكتف بالوجه الأول.
# الوجه الثاني من الكلام على الحديث: أنه يقتضي أن البيضة تقرب. وقد ورد
~~في حديث آخر «كالمهدي بدنة، وكالمهدي بقرة» - إلى آخره فيدل أن هذا التقريب
~~هو الهدي، وينشأ من هذا: أن اسم " الهدي " هل ينطلق على مثل هذا؟
# PageV01P337
# 140 - الحديث السابع: عن سلمة بن الأكوع - وكان من
~~أصحاب الشجرة - رضي الله عنه - قال «كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - الجمعة، ثم ننصرف. وليس للحيطان ظل نستظل به. وفي لفظ كنا نجمع مع
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتتبع الفيء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأن من التزم هديا هل يكفيه مثل هذا، أم لا؟ وقد قال به بعض أصحاب
~~الشافعي. وهذا أقرب إلى أن يؤخذ من لفظ ذلك الحديث الذي فيه لفظ " الهدي "
~~من أن يؤخذ من هذا الحديث. ولكن لما كان ذلك تفسيرا لهذا، ويبين المراد منه
~~ذكرناه ههنا.
# الوجه الثالث: لفظ " البدنة " في هذا الحديث ظاهرها أنها منطلقة على
~~الإبل مخصوصة بها، لأنها قوبلت بالبقر وبالكبش عند الإطلاق، وقسم الشيء لا
~~يكون قسيما ومقابلا له. وقيل: إن اسم " البدنة " ينطلق على الإبل والبقر
~~والغنم لكن الاستعمال في الإبل أغلب. نقله بعض الفقهاء. وينبني على هذا: ما
~~إذا قال: لله علي أن أضحي ببدنة، ولم يقيد بالإبل لفظا ولا نية، وكانت
~~الإبل موجودة فهل تتعين؟ فيه وجهان للشافعية:
# أحدهما: التعين لأن لفظ " البدنة " مخصوصة بالإبل، أو غالبة فيه. فلا
~~يعدل عنه. والثاني: أنه يقوم مقامها بقرة أو سبع من الغنم، حملا على ما علم
~~من الشرع من إقامتها مقامها. والأول: أقرب. وإن لم توجد الإبل، فقيل: يصبر
~~إلى أن توجد، وقيل: يقوم مقامها البقرة.
### | [حديث كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف]
# وقت الجمعة عند جمهور العلماء: وقت الظهر، فلا تجوز قبل الزوال، وعن أحمد
~~وإسحاق: جوازها قبله، وربما يتمسك بهذا الحديث في ذلك، من حيث إنه يقع بعد ms256
~~الزوال الخطبتان والصلاة، مع ما روي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
~~يقرأ فيها بالجمعة والمنافقين» وذلك يقتضي زمانا يمتد فيه الظل، فحيث كانوا
~~ينصرفون منها. وليس للحيطان فيء يستظل به، فربما اقتضى ذلك: أن تكون
# PageV00P000
# 141 - الحديث الثامن: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~«قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم
~~تنزيل السجدة و: هل أتى على الإنسان» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# واقعة قبل الزوال، أو خطبتاها، أو بعضهما، واللفظ الثاني هذا: يبين أنها
~~بعد الزوال. واعلم أن قوله " وليس للحيطان ظل نستظل به " لا ينفي أصل الظل،
~~بل ينفي ظلا يستظلون به، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، ولم يجزم بأن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بالجمعة والمنافقين دائما. وإنما
~~كان يقتضي ذلك ما توهم لو كان نفى أصل الظل، على أن أهل الحساب يقولون: إن
~~عرض المدينة خمس وعشرون درجة، أو ما يقارب ذلك. فإذا غاية الارتفاع: تكون
~~تسعة وثمانين. فلا تسامت الشمس الرءوس. فإذا لم تسامت الرءوس لم يكن ظل
~~القائم تحته حقيقة، بل لا بد له من ظل، فامتنع أن يكون المراد: نفي أصل
~~الظل. والمراد: ظل يكفي أبدانهم للاستظلال، ولا يلزم من ذلك وقوع الصلاة
~~ولا شيء من خطبتيها قبل الزوال. وقوله " نجمع " بفتح الجيم وتشديد الميم
~~المكسورة، أي نقيم الجمعة. واسم " الفيء " قيل هو مخصوص بالظل الذي بعد
~~الزوال، فإن أطلق على مطلق الظل فمجاز. لأنه من فاء يفيء إذا رجع، وذلك
~~فيما بعد الزوال.
### | [حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة السجدة]
# فيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذا المحل.
# وكره مالك للإمام قراءة السجدة في صلاة الفرض، خشية التخليط على
~~المأمومين. وخص بعض أصحابه الكراهة بصلاة السر. فعلى هذا لا يكون مخالفا
~~لمقتضى هذا الحديث. وفي المواظبة على ذلك دائما أمر آخر، وهو أنه ربما أدى
~~الجهال إلى اعتقاد أن ms257 ذلك فرض في هذه الصلاة. ومن مذهب مالك: حسم مادة هذه
~~الذريعة
# PageV00P000
# 142 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون
~~العيدين قبل الخطبة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فالذي ينبغي أن يقال: أما القول بالكراهة مطلقا، فيأباه الحديث. وإذا
~~انتهى الحال إلى أن تقع هذه المفسدة فينبغي أن تترك في بعض الأوقات، دفعا
~~لهذه المفسدة وليس في هذا الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائما اقتضاء قويا. وعلى
~~كل حال فهو مستحب، فقد يترك المستحب لدفع المفسدة المتوقعة. وهذا المقصود
~~يحصل بالترك في بعض الأوقات، لا سيما إذا كان بحضرة الجهال، ومن يخاف منه
~~وقوع هذا الاعتقاد الفاسد.
### | [باب العيدين]
# لا خلاف في أن صلاة العيدين من الشعائر المطلوبة شرعا. وقد تواتر بها
~~النقل الذي يقطع العذر. ويغني عن أخبار الآحاد، وإن كان هذا الحديث من آحاد
~~ما يدل عليها. وقد كان للجاهلية يومان معدان للعب. فأبدل الله المسلمين
~~منهما هذين اليومين اللذين، يظهر فيهما تكبير الله وتحميده، وتمجيده
~~وتوحيده، ظهورا شائعا يغيظ المشركين. وقيل: إنهما يقعان شكرا لله تعالى على
~~ما أنعم الله به من أداء العبادات المتعلقة بهما. فعيد الفطر: شكرا لله
~~تعالى على إتمام صوم شهر رمضان. وعيد الأضحى: شكرا على العبادات الواقعة في
~~العشر. وأعظمها: إقامة وظيفة الحج. وقد ثبت أيضا: أن الصلاة مقدمة على
~~الخطبة في صلاة العيد، وهذا الحديث يدل عليه. وقد قيل: إن بني أمية غيروا
~~ذلك. وجميع ما له خطب من الصلوات فالصلاة مقدمة فيه، إلا الجمعة وخطبة يوم
~~عرفة. وقد فرق بين صلاة العيد والجمعة بوجهين:
# أحدهما: أن صلاة الجمعة
# PageV00P000
# 143 - الحديث الثاني: عن البراء بن عازب - رضي الله
~~عنه - قال: «خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأضحى بعد الصلاة،
~~فقال: من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا
~~نسك له. فقال أبو بردة بن نيار - خال البراء بن عازب ms258 - يا رسول الله، إني
~~نسكت شاتي قبل الصلاة. وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب. وأحببت أن تكون شاتي
~~أول ما يذبح في بيتي. فذبحت شاتي، وتغذيت قبل أن آتي الصلاة. فقال: شاتك
~~شاة لحم. قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزي
~~عني؟ قال: نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فرض عين، ينتابها الناس من خارج المصر، ويدخل وقتها بعد انتشارهم في
~~أشغالهم، وتصرفاتهم في أمور الدنيا: فقدمت الخطبة عليها حتى يتلاحق الناس،
~~ولا يفوتهم الفرض. لا سيما فرض لا يقضى على وجهه. وهذا معدوم في صلاة
~~العيد.
# الثاني: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقة. وإنما قصرت بشرائط، منها
~~الخطبتان. والشرائط لا تتأخر، وتتعذر مقارنة هذا الشرط للمشروط الذي هو
~~الصلاة، فلزم تقديمه. وليس هذا المعنى في صلاة العيد، إذ ليست مقصورة عن
~~شيء آخر بشرط، حتى يلزم تقديم ذلك الشرط.
### | [حديث خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة]
# " البراء بن عازب بن الحارث بن عدي، أبو عمارة - ويقال: أبو عمر -
~~أنصاري. أوسي. نزل الكوفة، ومات بها في زمن مصعب بن الزبير. متفق على إخراج
~~حديثه.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأبو بردة بن نيار اسمه هانئ بن نيار، وقيل هانئ بن عمرو. وقيل: الحارث
~~بن عمر. وقيل: مالك بن زهير. ولم يختلفوا أنه من بلي. وينسبونه: هانئ بن
~~عمرو بن نيار. كان عقبيا بدريا، شهد العقبة الثانية مع السبعين، في قول
~~جماعة من أهل السير. وقال الواقدي: إنه توفي في أول خلافة معاوية.
# والحديث: دليل على الخطبة لعيد الأضحى. ولا خلاف فيه. وكذلك هو دليل على
~~تقديم الصلاة عليها، كما قدمناه. " والنسك " هنا يراد به: الذبيحة. وقد
~~يستعمل فيها كثيرا. واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص، هو الدماء المراقة في
~~الحج. وقد يستعمل فيما هو أعم من ذلك من نوع العبادات. ومنه يقال: فلان
~~ناسك، أي متعبد. وقوله «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا» ms259 أي مثل صلاتنا، ومثل
~~نسكنا. وقوله " فقد أصاب النسك " معناه والله أعلم فقد أصاب مشروعية النسك،
~~أو ما قارب ذلك. وقوله " من نسك قبل الصلاة فلا نسك له " يقتضي أن ما ذبح
~~قبل الصلاة لا يقع مجزيا عن الأضحية. ولا شك أن الظاهر من اللفظ: أن المراد
~~قبل فعل الصلاة. فإن إطلاق لفظ " الصلاة " وإرادة وقتها: خلاف الظاهر.
~~ومذهب الشافعي: اعتبار وقت الصلاة ووقت الخطبتين. فإذا مضى ذلك دخل وقت
~~الأضحية. ومذهب غيره: اعتبار فعل الصلاة والخطبتين. وقد ذكرنا أنه الظاهر.
~~[ولعل منشأ النظر في هذا: أن الألف واللام هل يراد بها تعريف الحقيقة؟ .
~~فإذا أريد بها تعريف الحقيقة جاز ما قاله غير الشافعي. وإذا أريد بها تعريف
~~العهد: انصرف إلى صلاة الرسول، ولا يمكن اعتبار حقيقة ذلك الفعل في حق من
~~ذبح بعد تلك الصلاة في غير ذلك الوقت. فتعين اعتبار مقدار وقتها] .
# والحديث نص على اعتبار الصلاة. ولم يتعرض لاعتبار الخطبتين، لكنه لما
~~كانت الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة اعتبرهما الشافعي. وفي قول النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - «شاتك شاة لحم» دلالة على إبطال كونها نسكا. وفيه
# PageV01P342
# 144 - الحديث الثالث: عن جندب بن عبد الله البجلي -
~~رضي الله عنه - قال «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر. ثم خطب.
~~ثم ذبح وقال: من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح
~~باسم الله» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# دليل أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر: لم يعذر فيها بالجهل.
~~وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات. فعذروا في المنهيات بالنسيان
~~والجهل، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة. وفرق بينهما
~~بأن المقصود من المأمورات: إقامة مصالحها. وذلك لا يحصل إلا بفعلها.
~~والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها، امتحانا للمكلف بالانكفاف عنها. وذلك
~~إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب
~~المنهي: فعذر بالجهل فيه. وقوله «ولن تجزي عن أحد بعدك» الذي اختير فيه فتح
~~التاء، ms260 بمعنى تقضي يقال: جزى عني كذا: أي قضى. وذلك أن الذي فعله لم يقع
~~نسكا، فالذي يأتي بعده لا يكون قضاء عنه، وقد صرح في الحديث بتخصيص أبي
~~بردة بإجزائها في هذا الحكم عما سبق ذبحه، فامتنع قياس غيره عليه.
### | [حديث صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم خطب]
# " جندب بن عبد الله بن سفيان بجلي، من بجيلة علقي. وهو حي من بجيلة، يقال
~~فيه: جندب بن سفيان، متفق على إخراج حديثه؛ يقال: مات سنة أربع وستين.
~~والحديث الذي رواه: في معنى الحديث الذي قبله، وهو أدخل في الظهور في
~~اعتبار فعل الصلاة من الأول، من حيث إن الأول اقتضى تعليق الحكم بلفظ "
~~الصلاة "
# (وقد قلنا: إنه يحتمل أن تكون الألف واللام للعهد، فينصرف إلى
# PageV00P000
# 145 - الحديث الرابع: عن جابر - رضي الله عنه - «قال
~~شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد. فبدأ بالصلاة قبل الخطبة،
~~بلا أذان ولا إقامة. ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث
~~على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، وقال:
~~يا معشر النساء، تصدقن. فإنكن أكثر حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء،
~~سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله فقال: لأنكن
#
### | [إحكام الأحكام]
# صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيتعين وقتها، وهذا المعنى معدوم في
~~هذا الحديث وهذا لم يعلق فيه الحكم بلفظ فيه الألف واللام، حتى يتأتى فيه
~~ذلك البحث) إلا أنه إن جرينا على ظاهره: اقتضى أنه لا تجزي الأضحية في حق
~~من لم يصل صلاة العيد أصلا.
# فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا فالواجب الخروج
~~عن الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما عداها بعد الخروج عن الظاهر في محل
~~البحث. وقد يستدل بصيغة الأمر في قوله - عليه السلام - " فليذبح أخرى "
~~إحدى طائفتين: إما من يرى الأضحية واجبة. وإما من يرى أنها تتعين بالشراء
~~بنية الأضحية، أو بغير ذلك، من غير اعتبار ms261 لفظ في التعيين.
# وإنما قلت ذلك لأن اللفظ المعين للأضحية من صيغة النذر أو غيرها: قليل
~~نادر، وصيغة " من " في قوله «من ذبح» صيغة عموم واستغراق في حق كل من ذبح
~~قبل أن يصلي. فقد ذكرت لتأسيس قاعدة وتمهيد أصل، وتنزيل صيغ العموم التي
~~ترد لتأسيس القواعد على الصورة النادرة أمر مستكره، على ما قرر من قواعد
~~التأويل في أصول الفقه. فإذا تقرر هذا وهو استبعاد حمله على الأضحية
~~المعينة بالنذر أو غيره من الألفاظ - يبقى التردد في أن الأولى حمله على من
~~سبق له أضحية معينة بغير اللفظ، أو حمله على ابتداء الأضحية من غير سبق
~~تعيين.
# PageV00P000
# تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير. قال: فجعلن يتصدقن من
~~حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة]
# أما البداءة بالصلاة قبل الخطبة، فقد ذكرناه. وأما عدم الأذان والإقامة
~~لصلاة العيد: فمتفق عليه، وكأن سببه تخصيص الفرائض بالأذان تمييزا لها بذلك
~~عن النوافل، وإظهارا لشرفها. وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو أنه لو دعا
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها لوجبت الإجابة. وذلك مناف لعدم وجوبها.
~~فهذا حسن بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان. وهذه
~~المقاصد التي ذكرها الراوي - من الأمر بتقوى الله، والحث على طاعته
~~والموعظة والتذكير -: هي مقاصد الخطبة. وقد عد بعض الفقهاء من أركان الخطبة
~~الواجبة: الأمر بتقوى الله وبعضهم: جعل الواجب: ما يسمى خطبة عند العرب.
~~وما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة تتأدى به السنة في الخطبة المسنونة.
# وقوله - عليه السلام - «تصدقن. فإنكن حطب جهنم» فيه إشارة إلى أن الصدقة
~~من الدوافع للعذاب. وفيه إشارة إلى الإغلاظ في النصح بما لعله يبعث على
~~إزالة العيب، أو الذنب اللذين يتصف بهما الإنسان. وفيه أيضا: العناية بذكر
~~ما تشتد الحاجة إليه من المخاطبين. وفيه بذل النصيحة لمن يحتاج إليها.
~~وقوله «فقامت امرأة من سطة النساء» فيه لهم ms262 وجهان:
# أحدهما: ما ذهب إليه بعض الفضلاء الأدباء من الأندلسيين: إنه تغيير، أي
~~تصحيف من الراوي كأن الأصل: من سفلة النساء، فاختلطت الفاء باللام. فصارت
~~طاء، ويؤيد هذا: أنه ورد في كتاب ابن أبي شيبة والنسائي «من سفلة النساء»
~~وفي رواية أخرى «فقامت امرأة من غير علية النساء» .
# الوجه الثاني: تقرير اللفظ على الصحة. وهو أن تكون اللفظة أصلها من
# PageV01P345
# 146 - الحديث الخامس: عن أم عطية - نسيبة الأنصارية -
~~قالت «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق
~~وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين وفي لفظ كنا نؤمر أن
~~نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض، فيكبرن بتكبيرهم
~~ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الوسط الذي هو الخيار. وبهذا فسره بعضهم من علية النساء وخيارهن. وعن بعض
~~الرواة «من واسطة النساء» وقوله «سعفاء الخدين» الأسفع والسعفاء: من أصاب
~~خده لون يخالف لونه الأصلي، من سواد أو خضرة أو غيرهما. وتعليله - صلى الله
~~عليه وسلم - بالشكاة وكفران العشير: دليل على تحريم كفران النعمة. لأنه
~~جعله سببا لدخول النار. وهذا السبب في الشكاية يجوز أن يكون راجعا إلى ما
~~يتعلق بالزوج وجحد حقه. ويجوز أن يكون راجعا إلى ما يتعلق بحق الله من عدم
~~شكره، والاستكانة لقضائه: وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ذكر
~~ذلك في حق من هذا ذنبه. فكيف بمن له منهن ذنوب أكثر من ذلك، كترك الصلاة
~~والقذف؟ وأخذ الصوفية من هذا الحديث: الطلب للفقراء عند الحاجة من
~~الأغنياء. وهذا حسن بهذا الشرط الذي ذكرناه. وفي مبادرة النساء لذلك،
~~والبذل لما لعلهن يحتجن إليه - مع ضيق الحال في ذلك الزمان - ما يدل على
~~رفيع مقامهن في الدين، وامتثال أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وقد
~~يؤخذ منه: جواز تصدق المرأة من مالها في الجملة، ومن أجاز التصدق مطلقا، من
~~غير تقييد بمقدار معين، فلا بد له من أمر زائد على هذا ms263 يقرر به العموم في
~~جواز الصدقة. وكذا من خصص بمقدار معين.
### | [حديث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين العواتق]
# " نسيبة " بضم النون وفتح السين المهملة بعدها ياء ساكنة آخر الحروف،
# PageV00P000
# 147 - الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن
~~الشمس خسفت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث مناديا ينادي:
~~الصلاة جامعة. فاجتمعوا. وتقدم، فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع
~~سجدات» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ثم باء ثاني الحروف. وقيل: نبيشة - بنون وباء وشين معجمة واختلف في اسم
~~أبيها فقيل: نسيبة بنت الحارث. وقيل: نسيبة بنت كعب، قاله أحمد ويحيى، قال
~~أبو عمر: وفي هذا نظر، يعني في كون اسمها: نسيبة بنت كعب و " العواتق " جمع
~~عاتق. قيل: الجارية حين تدرك. والمقصود بذلك: بيان المبالغة في الاجتماع
~~وإظهار الشعار. وقد كان ذلك الوقت أهل الإسلام في حيز القلة فاحتيج إلى
~~المبالغة بإخراج العواتق وذوات الخدور. وفيه إشارة إلى أن البروز إلى
~~المصلى هو سنة العيد. واعتزال الحيض ليس بتحريم حضورهن فيه، إذا لم يكن
~~مسجدا. بل إما مبالغة في التنزيه لمحل العبادة في وقتها، على سبيل
~~الاستحسان، أو لكراهة جلوس من لا يصلي مع المصلين في محل واحد في حال إقامة
~~الصلاة، كما جاء " ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟ ". وقولها في
~~الرواية الأخرى " يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته " يشعر بتعليل خروجهن لهذه
~~العلة، والفقهاء - أو بعضهم - يستثني خروج الشابة التي يخاف من خروجها
~~الفتنة.
### | [باب صلاة الكسوف]
### | [حديث خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: قولها " خسفت الشمس " يقال بفتح الخاء والسين. ويقال:
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# خسفت، على صيغة ما لم يسم فاعله. واختلف الناس في الخسوف والكسوف بالنسبة
~~إلى الشمس والقمر. فقيل: الخسوف للشمس. والكسوف للقمر. وهذا لا يصح. لأن
~~الله تعالى أطلق الخسوف على القمر، وقيل: بالعكس. وقيل: هما بمعنى واحد.
~~ويشهد ms264 لهذا اختلاف الألفاظ في الأحاديث. فأطلق فيهما الخسوف والكسوف معا في
~~محل واحد. وقيل: الكسوف ذهاب النور بالكلية. والخسوف: التغير، أعني تغير
~~اللون.
# الثاني: صلاة الكسوف سنة مؤكدة بالاتفاق. أعني كسوف الشمس. دليله فعل
~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - لها. وجمعه الناس، مظهرا لذلك. وهذه أمارات
~~الاعتناء والتأكيد. وأما كسوف القمر: فتردد فيها مذهب مالك وأصحابه، ولم
~~يلحقها بكسوف الشمس في قول.
# الثالث: لا يؤذن لصلاة الكسوف اتفاقا. والحديث يدل على أنه ينادى لها "
~~الصلاة جامعة " وهي حجة لمن استحب ذلك.
# الرابع: سنتها الاجتماع. للحديث المذكور. وقد اختلفت الأحاديث في
~~كيفيتها: واختلف العلماء في ذلك. فالذي اختاره مالك والشافعي رحمهما الله:
~~ما دل عليه حديث عائشة وابن عباس، من أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان،
~~وركوعان وسجودان. وقد صح غير ذلك أيضا، وهو ثلاث ركعات، وأربع ركعات في كل
~~ركعة، وقيل: في ترجيح مذهب مالك والشافعي: إن ذلك أصح الروايات. والحديث
~~صريح في الرد على من قال: بأنها ركعتان، كسائر النوافل. واعتذروا عن الحديث
~~بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس. هل
~~انجلت أم لا؟ فلما لم يرها انجلت ركع. وفي هذا التأويل ضعف، إذا قلنا: إن
~~سنتها ركعتان، كسائر النوافل. لكن قال بعض العلماء: إنه يرفع رأسه بعد
~~الركوع. فإن رأى الشمس لم تنجل ركع. ثم يرفع رأسه ويختبر أمر الشمس. فإن لم
~~تنجل ركع. ويزيد الركوع هكذا، ما لم تنجل. فإذا انجلت سجد. ولعله قصد بذلك
~~العلم بالأحاديث التي فيها أكثر من ركوعين في ركعة، ثلاث، وأربع، وخمس.
~~وهذا على هذا المذهب: أقرب من
# PageV01P348
# 148 - الحديث الثاني: عن أبي مسعود - عقبة بن عمرو
~~الأنصاري البدري - رضي الله عنه - قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، وإنهما
~~لا ينخسفان لموت أحد من الناس. فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا، وادعوا حتى
~~ينكشف ما بكم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# تأويل المتقدمين. لأنه ms265 يجعل سنة صلاة الكسوف ذلك ويكون الفعل مبينا لسنة
~~هذه الصلاة. وعلى مذهب الأولين يريدون أن يخرجوا فعل الرسول - صلى الله
~~عليه وسلم -. في العبادات عن المشروعية، مع مخالفتهم للقياس في زيادة ما
~~ليس من الأفعال المشروعة في الصلاة. وقد أطلق في الحديث لفظ " الركعات "
~~على الركوع. .
### | [حديث الشمس والقمر آيتان من آيات الله]
# في الحديث رد على اعتقاد أهل الجاهلية في أن الشمس والقمر تكسفان لموت
~~العظماء. وفي قوله - عليه السلام - «يخوف الله بهما عباده» إشارة إلى أنه
~~ينبغي الخوف عند وقوع التغيرات العلوية. وقد ذكر أصحاب الحساب لكسوف الشمس
~~والقمر أسبابا عادية. وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافي قوله - عليه السلام -
~~" يخوف الله بهما عباده " وهذا الاعتقاد فاسد. لأن لله تعالى أفعالا على
~~حسب الأسباب العادية، وأفعالا خارجة عن تلك الأسباب. فإن قدرته تعالى حاكمة
~~على كل سبب ومسبب، فيقطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض فإذا
~~كان ذلك كذلك فأصحاب المراقبة لله تعالى ولأفعاله، الذين عقدوا أبصار
~~قلوبهم بوحدانيته، وعموم قدرته على خرق العادة، واقتطاع المسببات عن
~~أسبابها إذا وقع شيء غريب. حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم في فعل الله
~~تعالى ما شاء. وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب تجري عليها العادة إلى أن
~~يشاء الله تعالى
# PageV00P000
# 149 - الحديث الثالث: عن عائشة - رضي الله عنها -:
~~«أنها قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس. فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع،
~~ثم قام، فأطال القيام - وهو دون القيام الأول - ثم ركع، فأطال الركوع - وهو
~~دون الركوع الأول - ثم سجد، فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما
~~فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله
~~وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت
~~أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا
#
### | [إحكام الأحكام]
# خرقها. ولهذا كان النبي عند اشتداد ms266 هبوب الريح " يتغير، ويدخل، ويخرج "
~~خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجودا في العادة. والمقصود
~~بهذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره أهل الحساب من سبب الكسوف: لا ينافي كون
~~ذلك مخوفا لعباد الله تعالى. وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا
~~الكلام، لأن الكسوف كان عند موت ابنه إبراهيم. فقيل: إنها إنما كسفت لموت
~~إبراهيم. فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك. وقد ذكروا: أنها إذا صليت
~~صلاة الكسوف على الوجه المذكور، ولم تنجل الشمس: إنها لا تعاد على تلك
~~الصفة. وليس في قوله «فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» ما يدل على خلاف هذا،
~~لوجهين:
# أحدهما: أنه أمر بمطلق الصلاة، لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص. ومطلق
~~الصلاة سائغ إلى حين الانجلاء.
# الثاني: لو سلمنا أن المراد الصلاة الموصوفة بالوصف المذكور: لكان لنا أن
~~نجعل هذه الغاية لمجموع الأمرين - أعني الصلاة والدعاء - ولا يلزم من
~~كونهما. غاية لمجموع الأمرين: أن تكون غاية لكل واحد منهما على انفراده.
~~فجاز أن يكون الدعاء ممتدا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة على الوجه المخصوص
~~مرة واحدة ويكون غاية للمجموع.
# PageV00P000
# الله وكبروا، وصلوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد،
~~والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد،
~~والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. وفي لفظ فاستكمل أربع
~~ركعات وأربع سجدات» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فأطال]
# أحدها: ما يتعلق بلفظ " الخسوف " بالنسبة إلى الشمس، وإقامة هذه الصلاة
~~في جماعة. وقد تقدم.
# الثاني: قولها " فأطال القيام " لم نجد فيه حدا. وقد ذكروا أنه نحوا من
~~سورة البقرة لحديث آخر ورد فيه. وقولها " فأطال الركوع " لم نجد فيه حدا.
~~وذكر أصحاب الشافعي: أنه نحوا من مائة آية. واختار غيرهم عدم التحديد إلا
~~بما لا يضر بمن خلفه. وقولها " ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول ms267
~~" يقتضي أن سنة هذه الصلاة: تقصير القيام الثاني عن الأول. وقد تقدم قول من
~~استحب ذلك في جميع الصلوات. وكأن السبب فيه: أن النشاط في الركعة الأولى
~~يكون أكثر. فيناسب التخفيف في الثانية، حذرا من الملال. والفقهاء اتفقوا
~~على القراءة في هذا القيام الثاني - أعني الذين قالوا بهذه الكيفية في صلاة
~~الكسوف - وجمهورهم على قراءة الفاتحة فيه، إلا بعض أصحاب مالك. كأنه رآها
~~ركعة واحدة، زيد فيها ركوع. والركعة الواحدة لا تثنى الفاتحة فيها. وهذا
~~يمكن أن يؤخذ من الحديث، على ما سننبه عليه في مواضعه.
# الثالث: قولها " ثم سجد فأطال السجود " يقتضي طول السجود في هذه الصلاة.
~~وظاهر مذهب الشافعي: أنه لا يطول السجود فيها. وذكر الشيخ أبو
# PageV01P351
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إسحاق الشيرازي عن أبي العباس بن سريج: أنه يطيل السجود، كما يطيل
~~الركوع. ثم قال: وليس بشيء. لأن الشافعي لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك في خبر.
~~ولو كان قد أطال لنقل، كما في القراءة والركوع. قلنا: بل نقل ذلك في أخبار:
# منها: حديث عائشة - رضي الله عنها - هذا. وفي حديث آخر عنها: أنها قالت "
~~ما سجد سجودا أطول منه " وكذلك نقل تطويله في حديث أبي موسى، وجابر بن عبد
~~الله.
# الرابع قولها: " ثم فعل في الركعة الثانية مثلما فعل في الركعة الأولى "
~~وقد حكت في الركعة الأولى: أن القيام الثاني دون القيام الأول. وأن الركوع
~~الثاني دون الركوع الأول. ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون القيام الثاني دون
~~القيام الأول، وأن الركوع الثاني دون الركوع الأول. ولكن هل يراد بالقيام
~~الأول: الأول من الركعة الأولى، أو الأول من الركعة الثانية؟ وكذلك في
~~الركوع إذا قلنا: دون الركوع الأول، هل يراد به: الأول من الركعة الأولى،
~~أو الأول من الركعة الثانية؟ تكلموا فيه. وقد رجح أن المراد بالقيام الأول.
~~الأول من الركعة الثانية والركوع الأول: الأول من الثانية أيضا. فيكون كل
~~قيام وركوع دون الذي يليه.
# الخامس: قولها " فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه " ظاهر ms268 في الدلالة على
~~أن لصلاة الكسوف خطبة. ولم ير ذلك مالك ولا أبو حنيفة. قال بعض أتباع مالك:
~~ولا خطبة، ولكن يستقبلهم ويذكرهم. وهذا خلاف الظاهر من الحديث، لا سيما بعد
~~أن ثبت أنه ابتدأ بما تبتدأ " به الخطبة من حمد الله والثناء عليه. والذي
~~ذكر من العذر عن مخالفة هذا الظاهر: ضعيف، مثل قولهم: إن المقصود إنما كان
~~الإخبار " أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا
~~لحياته " للرد على من قال ذلك في موت إبراهيم. والإخبار بما رآه من الجنة
~~والنار، وذلك يخصه. وإنما استضعفناه لأن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء
# PageV01P352
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# معين، بعد الإتيان بما هو المطلوب منها، من الحمد والثناء والموعظة. وقد
~~يكون بعض هذه الأمور داخلا في مقاصدها، مثل ذكر الجنة والنار، وكونهما من
~~آيات الله. بل هو كذلك جزما.
### | [وقت صلاة الكسوف]
# 1
# السادس: قوله «فإذا رأيتم فادعوا الله، وكبروا وصلوا وتصدقوا» اختلف
~~الفقهاء في وقت صلاة الكسوف. قيل: هو ما بعد حل النافلة إلى الزوال وهو
~~ظاهر مذهب مالك، أو أصحابه. وقيل: إلى ما بعد صلاة العصر. وهو في المذهب
~~أيضا. وقيل: جميع النهار. وهو مذهب الشافعي. ويستدل بهذا الحديث. فإنه أمر
~~بالصلاة إذا رأى ذلك. وهو عام في كل وقت. وفي الحديث دليل على استحباب
~~الصدقة عند المخاوف، لاستدفاع البلاء المحذور. .
### | [المنزهون لله تعالى عن سمات الحد]
# 1
# السابع: قوله «ما من أحد أغير من الله من أن يزني عبده أو تزني أمته»
~~المنزهون لله تعالى عن سمات الحد ومشابهة المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن
~~التأويل، وإما مؤول، على أن يراد شدة المنع والحماية من الشيء. لأن الغائر
~~على الشيء مانع له، وحام منه. فالمنع والحماية من لوازم الغيرة. فأطلق لفظ
~~" الغيرة " عليهما من مجاز الملازمة، أو على غير ذلك من الوجوه السائغة في
~~لسان العرب، والأمر في التأويل وعدمه في هذا: قريب عند من يسلم التنزيه.
~~فإنه حكم شرعي ms269 أعني الجواز وعدمه. ويؤخذ كما تؤخذ سائر الأحكام إلا أن يدعي
~~المدعي: أن هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع - أعني المنع من التأويل
~~- ثبوتا قطعيا. فخصمه يقابله حينئذ بالمنع الصريح. وقد يتعدى بعض خصومه إلى
~~التكذيب القبيح.
### | [التخويف في الموعظة]
# الثامن: قوله «والله لو تعلمون ما أعلم» إلى آخره " فيه دليل على ترجيح
~~مقتضى الخوف، وترجيح التخويف في الموعظة على الإشاعة بالرخص لما في ذلك من
~~التسبب إلى تسامح النفوس لما جبلت عليه من الإخلاد إلى الشهوات. وذلك مرض
~~خطر. والطبيب الحاذق: يقابل العلة بضدها، لا بما يزيدها.
### | 1 -
# التاسع: قوله في لفظ «فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات» أطلق " الركعات "
~~على عدد الركوع. وجاء في موضع آخر " في ركعتين " وهذا الذي أشرنا إليه: أنه
~~متمسك من قال من أصحاب مالك: إنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني، من حيث
~~إنه أطلق على الصلاة " ركعتين " والله أعلم. .
# PageV01P353
# الحديث الرابع: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -
~~قال «خسفت الشمس على زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقام فزعا،
~~ويخشى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد. فقام، فصلى بأطول قيام وسجود، ما
~~رأيته يفعله في صلاته قط، ثم قال إن هذه الآيات التي يرسلها الله عز وجل:
~~لا تكون لموت أحد ولا لحياته. ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم
~~منها شيئا فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث خسفت الشمس على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فزعا]
# استعمل " الخسوف " في الشمس كما تقدم. وقوله " فزعا يخشى أن تكون الساعة
~~" فيه إشارة إلى ما ذكرنا من دوام المراقبة لفعل الله، وتجريد الأسباب
~~العادية عن تأثيرها لمسبباتها. وفيه دليل على جواز الإخبار بما يوجب الظن
~~من شاهد الحال، حيث قال " فزعا يخشى أن تكون الساعة " مع أن الفزع محتمل أن
~~يكون لذلك، ومحتمل أن يكون لغيره، كما خشي - صلى الله عليه وسلم - من
~~الريح: أن تكون ريح قوم عاد. ولم يخبر ms270 عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~بأنه كان سبب خوفه. فالظاهر أنه بنى على شاهد الحال أو قرينة دلته عليه.
~~وقوله " كأطول قيام وركوع وسجود " دليل على تطويله السجود في هذه الصلاة
~~وهو الذي قدمنا أن أبا موسى رواه. وفي الحديث دليل على أن سنة صلاة الكسوف
~~في المسجد. وهو المشهور عن العلماء. وبعض أصحاب مالك بين المسجد والصحراء.
~~والصواب المشهور: الأول. فإن هذه الصلاة تنتهي بالانجلاء: وذلك مقتض لأن
~~يعتنى بمعرفة ومراقبة حال الشمس في الانجلاء. فلولا أن المسجد راجح لكانت
~~الصحراء أولى، لأنها أقرب إلى إدراك حال الشمس في الانجلاء أو عدمه. وأيضا
~~فإنه يخاف من تأخيرها فوات إقامتها بأن يشرع الانجلاء قبل اجتماع الناس
~~وبروزهم. وقد تقدم الكلام على قوله - عليه السلام -، «لا يخسفان لموت أحد
~~ولا
# PageV01P354
# 151 - الحديث الأول: عن عبد الله بن زيد بن عاصم
~~المازني قال «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي، فتوجه إلى القبلة
~~يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة» وفي لفظ " إلى
~~المصلى ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# لحياته» وأنه رد على من اعتقد ذلك. وفي قوله " فافزعوا " إشارة إلى
~~المبادرة إلى ما أمر به، وتنبيه على الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف
~~بالدعاء والاستغفار. وإشارة إلى أن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة
~~أيضا، وأن الاستغفار والتوبة سببان للمحو، يرجى بهما زوال المخاوف.
### | [باب الاستسقاء]
### | [حديث خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو]
# فيه دليل على استحباب الصلاة للاستسقاء. وهو مذهب جمهور الفقهاء وعند أبي
~~حنيفة: لا يصلى للاستسقاء، ولكن يدعى. وخالفه أصحابه، فوافقوا الجماعة.
~~وقالوا: تصلى فيه ركعتان بجماعة. واستدل لأبي حنيفة باستسقاء النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - على المنبر يوم الجمعة ولم يصل للاستسقاء. قالوا: لو كانت
~~سنة لما تركها. وفيه دليل على أن سنة الاستسقاء: البروز إلى المصلى. وفيه
~~دليل على استحباب تحويل الرداء في هذه العبادة. وخالف أبو حنيفة في ذلك.
~~وقيل: إن سبب التحويل: التفاؤل بتغيير الحال. وقال ms271 من احتج لأبي حنيفة:
~~إنما قلب رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء، أو عرف من
~~طريق الوحي تغير الحال عند تغيير ردائه. قلنا: القلب من جهة إلى أخرى، أو
~~من ظهر إلى بطن: لا يقتضي الثبوت على العاتق. بل أي حالة اقتضت الثبوت أو
~~عدمه في إحدى الجهتين: فهو موجود
# PageV00P000
# 152 - الحديث الثاني: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه
~~- «أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله تعالى
~~يغيثنا، قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: اللهم
~~أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من
~~سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال: فطلعت من ورائه
~~سحابة مثل الترس. فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما
~~رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب الناس، فاستقبله قائما، فقال: يا
~~رسول الله،
#
### | [إحكام الأحكام]
# في الأخرى، وإن كان قد قرب من السقوط في تلك الحال. فيمكن أن يثبته من
~~غير قلب. والأصل عدم ما ذكر من نزول الوحي بتغير الحال عند تغير الرداء.
~~والاتباع لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى من تركه لمجرد احتمال
~~الخصوص، مع ما عرف في الشرع من محبة التفاؤل. وفيه دليل على تقديم الدعاء
~~على الصلاة، ولم يصرح بلفظ الخطبة. والخطبة عند مالك والشافعي بعد الصلاة.
~~وفيه حديث عن أبي هريرة يقتضيه، وفيه دليل على استقبال القبلة عند الدعاء
~~مطلقا. وفيه دليل على الجهر في هذه الصلاة. والتحويل المذكور في الحديث
~~يكتفي في تحصيل مسماه: بمجرد القلب من اليمين إلى اليسار. والله أعلم.
# PageV00P000
# هلكت ms272 الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها
~~عنا، قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: اللهم
~~حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر،
~~قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو
~~الرجل الأول قال: لا أدري.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله تعالى يغيثنا]
# قال - رحمه الله - " الظراب " الجبال الصغار هذا هو الحديث الذي أشرنا
~~إليه أنه استدل به لأبي حنيفة في ترك الصلاة والذي دل على الصلاة
~~واستحبابها لا ينافي أن يقع مجرد الدعاء في حالة أخرى. وإنما كان هذا الذي
~~جرى في الجمعة مجرد دعاء. وهو مشروع حيثما احتيج إليه. ولا ينافي شرعية
~~الصلاة في حالة أخرى إذا اشتدت الحاجة إليها. وفي الحديث: علم من أعلام
~~النبوة في إجابة الله تعالى دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقيبه
~~أو معه. وأراد بالأموال: الأموال الحيوانية. لأنها التي يؤثر فيها انقطاع
~~المطر، بخلاف الأموال الصامتة. و " السبل " الطرق وانقطاعها: إما بعدم
~~المياه التي يعتاد المسافر ورودها. وإما باشتغال الناس وشدة القحط عن الضرب
~~في الأرض. وفيه دليل على استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء فمن الناس
~~من عداه إلى كل دعاء. ومنهم من لم يعده، لحديث عن أنس يقتضي ظاهره عدم عموم
~~الرفع لما عدا الاستسقاء.
# وفي حديث آخر: استثناء ثلاثة مواضع: منها الاستسقاء، ورؤية البيت، وقد
~~أول ذلك على أن يكون المراد: رفعا تاما في هذه المواضع. وفي غيرها: دونه.
~~بدليل أنه صح رفع اليدين عنه - صلى الله عليه وسلم - في غير تلك
# PageV01P357
# 153 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -
~~رضي الله عنهما - قال «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة
~~الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه
~~ركعة، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة، ركعة»
~~.
#
### | [إحكام الأحكام]
# المواضع. وصنف ms273 في ذلك شيخنا أبو محمد المنذري - رحمه الله - جزءا قرأته
~~عليه. " والقزع " سحاب متفرق " والقزعة " واحدته. ومنه أخذ القزع في الرأس
~~وهو أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه. و " سلع " جبل عند المدينة، وقوله "
~~وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار " تأكيد لقوله " وما نرى في السماء من
~~سحاب ولا قزعة " لأنه أخبر أن السحابة طلعت من وراء سلع. فلو كان بينهم
~~وبينه لأمكن أن تكون القزعة موجودة، لكن حال بينهم وبين رؤيتها ما بينهم
~~وبين سلع من دار لو كانت. وقوله " ما رأينا الشمس سبتا " أي جمعة. وقد بين
~~في رواية أخرى. وقوله في الجمعة الثانية " هلكت الأموال " أي بكثرة المطر.
~~وفيه دليل على الدعاء لإمساك ضرر المطر. كما استحب الدعاء لنزوله عند
~~انقطاعه. فإن الكل مضر. و " الآكام " جمع أكم، كأعناق جمع عنق. والأكم جمع
~~إكام مثل كتب جمع كتاب. والإكام جمع أكم، مثل جبال جمع جبل. والأكم،
~~والأكمات. جمع الأكمة، وهي التل المرتفع من الأرض. " والظراب " جمع ظرب -
~~بفتح الظاء وكسر الراء - وهي صغار الجبال. وقوله " وبطون الأودية ومنابت
~~الشجر " طلب لما يحصل المنفعة ويدفع المضرة. وقوله " وخرجنا نمشي في الشمس
~~" علم آخر من أعلام النبوة في الاستصحاء كما سبق مثله في الاستسقاء
# والله أعلم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب صلاة الخوف]
### | [حديث صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه]
# جمهور العلماء: على بقاء حكم صلاة الخوف في زماننا كما صلاها النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - في زمانه. ونقل عن أبي يوسف خلافه، أخذا من قوله تعالى
~~{وإذا كنت فيهم} [النساء: 102] وذلك يقتضي تخصيصه بوجوده فيهم. وقد يؤيد
~~هذا بأنها صلاة على خلاف المعتاد. وفيها أفعال منافية. فيجوز أن تكون
~~المسامحة فيها بسبب فضيلة إمامة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والجمهور
~~يدل على مذهبهم دليل التأسي بالرسول - صلى الله عليه وسلم -. والمخالفة
~~المذكورة لأجل الضرورة. موجودة بعد الرسول. كما هي موجودة في زمانه، ثم
~~الضرورة تدعو ms274 إلى أن لا يخرج وقت الصلاة عن أدائها. وذلك يقتضي إقامتها على
~~خلاف المعتاد مطلقا - أعني في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعده
~~فإذا ثبت جوازها بعد الرسول على الوجه الذي فعله. فقد وردت عنه فيها وجوه
~~مختلفة في كيفية أدائها تزيد على العشرة. فمن الناس من أجاز الكل. واعتقد
~~أنه عمل بالكل وذلك - إذا ثبت أنها وقائع مختلفة - قول محتمل. ومن الفقهاء
~~من رجح بعض الصفات المنقولة. فأبو حنيفة ذهب إلى حديث ابن عمر هذا، إلا أنه
~~قال: إنه بعد سلام الإمام، تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإمام. فتقضي، ثم
~~تذهب ثم تأتي الطائفة الثانية أي موضع الإمام، فتقضي ثم تذهب. وقد أنكرت
~~عليه هذه الزيادة. وقيل: إنها لم ترد في حديث. واختار الشافعي رواية صالح
~~بن خوات عمن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف. واختلف
~~أصحابه: لو صلى على رواية ابن عمر: هل تصح صلاته أم لا؟ فقيل إنها صحيحة
~~لصحة الرواية، وترجيح رواية صالح من باب الأولى.
# واختار مالك ترجيح الصفة التي ذكرها سهل بن أبي حثمة التي رواها عنه في
~~الموطإ موقوفة. وهي تخالف الرواية المذكورة في الكتاب في سلام الإمام. «فإن
~~فيها أن الإمام يسلم وتقضي الطائفة الثانية بعد سلامه» . والفقهاء لما رجح
~~بعضهم بعض الروايات على بعض احتاجوا إلى ذكر سبب الترجيح. فتارة يرجحون
~~بموافقة ظاهر القرآن. وتارة بكثرة الرواة: وتارة يكون بعضها موصولا وبعضها
~~موقوفا. وتارة بالموافقة للأصول في غير هذه الصلاة. وتارة بالمعاني. وهذه
~~الرواية التي اختارها أبو حنيفة توافق الأصول في أن قضاء طائفتين بعد سلام
~~الإمام.
# PageV01P359
# 154 - الحديث الثاني: عن يزيد بن رومان عن صالح بن
~~خوات بن جبير عمن صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ذات
~~الرقاع، صلاة الخوف «أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه
~~ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت
~~الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، ms275 وأتموا لأنفسهم،
~~ثم سلم بهم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأما ما اختاره الشافعي: ففيه قضاء الطائفتين معا قبل سلام الإمام. وأما
~~ما اختاره مالك: ففيه قضاء إحدى الطائفتين فقط قبل سلام الإمام.
### | [حديث صلاة ذات الرقاع]
# الرجل الذي صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو سهل بن أبي حثمة
# هذا الحديث هو مختار الشافعي في صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة
~~القبلة. ومقتضاه: أن الإمام ينتظر الطائفة الثانية قائما في الثانية. وهذا
~~في الصلاة المقصورة، أو الثنائية في أصل الشرع. فأما الرباعية: فهل ينتظرها
~~قائما في الثالثة، أو قبل قيامه؟ فيه اختلاف للفقهاء في مذهب مالك. وإذا
~~قيل بأنه ينتظرها قبل قيامه، فهل تفارقه الطائفة الأولى قبل تشهده بعد رفعه
~~من السجود، أو بعد التشهد؟ اختلف الفقهاء فيه. وليس في الحديث دلالة لفظية
~~على أحد المذهبين. وإنما يؤخذ بطريق الاستنباط منه. ومقتضى الحديث أيضا: أن
~~الطائفة الأولى تتم لأنفسها، مع بقاء صلاة الإمام. وفيه مخالفة للأصول في
~~غير هذه الصلاة. لكن فيها ترجيح من جهة
# PageV00P000
# 155 - الحديث الثالث: عن جابر بن عبد الله الأنصاري -
~~رضي الله عنهما - قال «شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة
~~الخوف فصففنا صفين خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعدو بيننا وبين
~~القبلة، وكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا
~~جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي
~~يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- السجود، وقام الصف الذي يليه:
#
### | [إحكام الأحكام]
# المعنى. لأنها إذا قضت وتوجهت إلى نحو العدو، توجهت فارغة من الشغل
~~بالصلاة. فيتوفر مقصود صلاة الخوف. وهو الحراسة على الصفة التي اختارها أبو
~~حنيفة: بتوجه الطائفة للحراسة، مع كونها في الصلاة، فلا يتوفر المقصود من
~~الحراسة. فربما أدى الحال إلى أن يقع في الصلاة الضرب والطعن وغير ذلك من
~~منافيات الصلاة، ولو وقع في ms276 هذه الصورة لكان خارج الصلاة. وليس بمحذور.
~~ومقتضى الحديث أيضا: أن الطائفة الثانية تتم لأنفسها قبل فراغ الإمام. وفيه
~~ما في الأول. ومقتضاه أيضا: أنه يثبت حتى تتم لأنفسها وتسلم. وهو اختيار
~~الشافعي وقول في مذهب مالك. وظاهر مذهب مالك: أن الإمام يسلم، وتقضي
~~الطائفة الثانية بعد سلامه.
# وربما ادعى بعضهم: أن ظاهر القرآن يدل على أن الإمام ينتظرهم ليسلم بهم،
~~بناء على أنه فهم من قوله تعالى {فليصلوا معك} [النساء: 102] أي بقية
~~الصلاة التي بقيت للإمام.
# فإذا سلم الإمام بهم فقد صلوا معه البقية وإذا سلم قبلهم فلم يصلوا معه
~~البقية. لأن السلام من البقية. وليس بالقوي الظهور. وقد يتعلق بلفظ الراوي
~~من يرى أن السلام ليس من الصلاة، من حيث إنه قال " فصلى بهم الركعة التي
~~بقيت " فجعلهم مصلين معه لما يسمى ركعة.
# ثم أتى بلفظة «ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم. ثم سلم بهم» فجعل مسمى "
~~السلام " متراخيا عن مسمى " الركعة " إلا أنه ظاهر ضعيف.
# وأقوى منه في الدلالة: ما دل على أن السلام من الصلاة. والعمل بأقوى
~~الدليلين متعين، والله أعلم.
# PageV00P000
# انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف
~~المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - وركعنا
~~جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي
~~يليه - الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى - فقام الصف المؤخر في نحر العدو،
~~فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود والصف الذي يليه: أنحدر الصف
~~المؤخر بالسجود، فسجدوا ثم سلم - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا جميعا، قال
~~جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم» وذكره مسلم بتمامه. وذكر البخاري
~~طرفا منه، «وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغزوة
~~السابعة، غزوة ذات الرقاع» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا صفين]
# هذه كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة. فإنه تتأتى الحراسة مع
~~كون الكل مع الإمام ms277 في الصلاة. وفيها التأخير عن الإمام لأجل العدو.
~~والحديث يدل على أمور:
# أحدها: أن الحراسة في السجود لا في الركوع، هذا هو المذهب المشهور. وحكي
~~وجه عن بعض أصحاب الشافعي: أنه يحرس في الركوع أيضا.
# والمذهب: الأول. لأن الركوع لا يمنع من إدراك العدو بالبصر. فالحراسة
~~ممكنة معه، بخلاف السجود.
# الثاني: المراد بالسجود الذي سجده النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجد معه
~~الصف الذي يليه: هو السجدتان جميعا.
# الثالث: الحديث يدل على أن الصف الذي يلي الإمام يسجد معه في الركعة
# PageV01P362
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الأولى، ويحرس الصف الثاني فيها، ونص الشافعي على خلافه، وهو أن الصف
~~الأول يحرس في الركعة الأولى. فقال بعض أصحابه: لعله سها، أو لم يبلغه
~~الحديث. وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح، ولم يذكر بعضهم سوى ما دل عليه
~~الحديث. كأبي إسحاق الشيرازي وبعضهم قال بذلك، بناء على المشهور عن
~~الشافعي: أن الحديث إذا صح يذهب إليه، ويترك قوله. وأما الخراسانيون: فإن
~~بعضهم تبع نص الشافعي، كالغزالي في الوسيط ومنهم من ادعى: أن في الحديث
~~رواية كذلك. ورجح ما ذهب إليه الشافعي بأن الصف الأول يكون جنة لمن خلفه.
~~ويكون ساترا له عن أعين المشركين. وبأنه أقرب إلى الحراسة. وهؤلاء مطالبون
~~بإبراز تلك الرواية. والترجيح إنما يكون بعدها.
# الرابع: الحديث يدل على أن الحراسة يتساوى فيها الطائفتان في الركعتين،
~~فلو حرست طائقة واحدة في الركعتين معا ففي صحة صلاتهم خلاف لأصحاب الشافعي.
# PageV01P363
# الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال
~~«نعى النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج بهم
~~إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الجنائز]
### | [حديث نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه]
# فيه دليل على جواز بعض النعي. وقد ورد فيه نهي. فيحتمل أن يحمل على النعي
~~لغير غرض ديني، مثل إظهار التفجع على الميت، وإعظام حال موته. ويحمل النعي
~~الجائز على ما ms278 فيه غرض صحيح، مثل طلب كثرة الجماعة، تحصيلا لدعائهم،
~~وتتميما للعدد الذي وعد بقبول شفاعتهم في الميت، كالمائة مثلا. وأما
~~النجاشي، فقد قيل: إنه مات بأرض لم يقم فيها عليه فريضة الصلاة. فيتعين
~~الإعلام بموته ليقام فرض الصلاة عليه. وفي الحديث دليل على جواز الصلاة على
~~الغائب. وهو مذهب الشافعي. وخالف مالك وأبو حنيفة. وقالا: لا يصلى على
~~الغائب ويحتاجون إلى الاعتذار عن الحديث. ولهم في ذلك أعذار:
# منها: ما أشرنا إليه من قولهم: إن فرض الصلاة لم يسقط ببلاد الحبشة، حيث
~~مات. فلا بد من إقامة فرضها.
# ومنها: ما قيل: إنه رفع للنبي - صلى الله عليه وسلم - فرآه، فتكون حينئذ
~~الصلاة عليه كميت يراه الإمام ولا يراه المأمومون. وهذا يحتاج إلى نقل
~~يثبته. ولا يكتفى فيه بمجرد الاحتمال. وأما
# PageV01P364
# 157 - الحديث الثاني: عن جابر - رضي الله عنه - «أن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني، أو
~~الثالث» .
### | 158 -
# الحديث الثالث: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - صلى على قبر، بعد ما دفن، فكبر عليه أربعا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الخروج إلى المصلى: فلعله لغير كراهة الصلاة في المسجد فإن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - «صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد» ولعل من يكره الصلاة
~~على الميت في المسجد يتمسك به، إن كان لا يخص الكراهة بكون الميت في
~~المسجد. ويكرهها مطلقا، سواء كان الميت في مسجد أم لا. وفيه دليل على أن
~~سنة الصلاة على الجنازة: التكبير أربعا. وقد خالف ذلك الشيعة.
# ووردت أحاديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر خمسا» . وقيل: إن
~~التكبير أربعا متأخر عن التكبير خمسا. وروي فيه حديث عن ابن عباس. وروي عن
~~بعض المتقدمين " أنه يكبر على الجنازة ثلاثا " وهذا الحديث يرده.
### | [حديث النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي]
# وحديث جابر طرف من الأول، وقد ورد عن بعض المتقدمين أنه كان إذا حضر
~~الناس للصلاة ms279 صفهم صفوفا، طلبا لقبول الشفاعة، للحديث المروي فيمن صلى عليه
~~ثلاثة صفوف، ولعل هذا الذي ورد في الحديث من هذا القبيل، فإن الصلاة كانت
~~في الصحراء، ولعلها كانت لا تضيق عن صف واحد، ويمكن أن يكون لغير ذلك والله
~~أعلم.
### | [حديث النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد ما دفن]
# فيه جواز الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة، ومن الناس من قال:
~~إنما يجوز ذلك إذا كان الولي أو الوالي لم يصليا، والنبي - صلى الله عليه
~~وسلم - هو الوالي، ولم يكن صلى على هذا الميت فيمكن أن يقال: إنه خارج عن
~~محل الخلاف. وقد أجيب عن بعض ذلك: بأن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من
~~أصحابه قد صلى معه،
# PageV00P000
# 159 - الحديث الرابع: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفن في أثواب بيض يمانية، ليس فيها قميص
~~ولا عمامة» .
### | 160 -
# الحديث الخامس: عن أم عطية الأنصارية قالت «دخل علينا رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر
~~من ذلك - إن رأيتن ذلك - بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا - أو شيئا من
~~كافور - فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه. فأعطانا حقوه. وقال: أشعرنها
~~به - تعني إزاره. وفي رواية أو سبعا، وقال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء
~~منها، وإن أم عطية قالت: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ولم ينكر عليه، وهذا يحتاج إلى نقل من دليل آخر، إذ ليس في الحديث ذكر
~~لذلك. وفيه من الدلالة على أن التكبير أربع: ما في الحديث قبله، والله
~~أعلم.
### | [حديث كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثواب بيض يمانية]
# فيه جواز التكفين بما زاد على الواحد الساتر لجميع البدن، وأنه لا يضايق
~~في ذلك، ولا يتبع رأي من منع منه من الورثة. وقولها " ليس فيها قميص ولا
~~عمامة " يحتمل وجهين:
# أحدهما: أن لا يكون كفن في قميص ولا عمامة أصلا، والثاني: ms280 أن يكون ثلاثة
~~أثواب خارجة عن القميص والعمامة، والأول: هو الأظهر في المراد، والله أعلم.
~~.
### | [حديث دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته]
# وهذه الابنة: هي زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. هذا هو
~~المشهور. وذكر بعض
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أهل السير أنها أم كلثوم.
# وقد استدل بقوله " اغسلنها " على وجوب غسل الميت.
# وبقوله " ثلاثا، أو خمسا " على أن الإيتار مطلوب في غسل الميت.
~~والاستدلال بصيغة هذا الأمر على الوجوب عندي يتوقف على مقدمة أصولية وهي:
~~جواز إرادة المعنيين المختلفين بلفظة واحدة، من حيث إن قوله " ثلاثا " غير
~~مستقل بنفسه. فلا بد أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر. فتكون محمولة فيه على
~~الاستحباب. وفي أصل الغسل: على الوجوب. فيراد بلفظ الأمر: الوجوب بالنسبة
~~إلى الإيتار. وقوله - عليه السلام - «إن رأيتن ذلك» تفويض إلى رأيهن بحسب
~~المصلحة والحاجة. لا إلى رأيهن بحسب التشهي، فإن ذلك زيادة غير محتاج
~~إليها. فهو من قبيل الإسراف في ماء الطهارة. وإذا زيد على ذلك فالإيتار
~~مستحب، وإنهاؤه الزيادة إلى سبعة في بعض الروايات - لأن الغالب أنها لا
~~تحتاج إلى الزيادة عليها. والله أعلم. وقوله " بماء وسدر " أخذ منه: أن
~~الماء المتغير بالسدر تجوز به الطهارة، وهذا يتوقف على أن يكون اللفظ ظاهرا
~~في أن السدر ممزوج بالماء، وليس يبعد أن يحمل على أن يكون الغسل بالماء من
~~غير مزج له بالسدر؛ بل يكون الماء والسدر مجموعين في الغسلة الواحدة. غير
~~أن يمزجا. وفي الحديث دليل على استحباب الطيب، وخصوصا الكافور، وقيل: إن في
~~الكافور خاصية الحفظ لبدن الميت.
# ولعل هذا هو السبب في كونه في الأخيرة؛ فإنه لو كان في غيرها أذهبه الغسل
~~بعدها، فلا يحصل الغرض من الحفظ لبدن الميت. و " الحقو " بفتح الحاء هنا:
~~الإزار. تسمية للشيء بما يلزمه. وقوله " أشعرنها " أي: اجعلنه شعارا لها،
~~والشعار: ما يلي الجسد، والدثار: ما فوقه. وقوله " ابدأن بميامنها " دليل
~~على استحباب التيمن في غسل الميت، وهو ms281 مسنون في غيره من الاغتسال أيضا.
~~وفيه دليل أيضا على البداءة بمواضع الوضوء. وذلك تشريف. وقد تقدمت إشارة
~~إلى أن ذلك إذا فعل في الغسل: هل يكون وضوءا حقيقيا، أو جزءا من الغسل، خصت
~~به هذه الأعضاء تشريفا؟ و " القرون " ههنا الضفائر. وفيه دليل على استحباب
~~تسريح شعر الميت
# PageV01P367
# 161 - الحديث السادس: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته، فوقصته - أو قال:
~~فأوقصته - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اغسلوه بماء وسدر،
~~وكفنوه في ثوبيه. ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه. فإنه يبعث يوم القيامة
~~ملبيا. وفي رواية ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وضفره، بناء على الغالب في أن الضفر بعد التسريح، وإن كان اللفظ لا يشعر
~~به صريحا. وهذا الضفر ثلاثا مخصوص الاستحباب بالمرأة. وزاد بعض أصحاب
~~الشافعي فيه: أن يجعل الثلاث خلف ظهرها. وروى في ذلك حديثا أثبت به
~~الاستحباب لذلك.
# وهو غريب وهو ثابت من فعل من غسل بنت النبي - صلى الله عليه وسلم -.
### | [حديث بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته]
# قال - رحمه الله - " الوقص " كسر العنق الحديث دليل على أن المحرم إذا
~~مات يبقى في حقه حكم الإحرام. وهو مذهب الشافعي.
# وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة، وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال
~~محل التكليف، وهو الحياة. لكن اتبع الشافعي الحديث وهو مقدم على القياس.
~~وغاية ما اعتذر به عن الحديث ما قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~علل هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا يعلم وجودها غيره. وهو أنه يبعث يوم
~~القيامة ملبيا. وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته. وغير
~~هؤلاء يرى أن هذه العلة إنما تثبت لأجل الإحرام، فيعم كل محرم.
# PageV00P000
# الحديث السابع: عن أم عطية الأنصارية - رضي الله عنها
~~- قالت «نهينا عن ms282 اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» .
### | 163 -
# الحديث الثامن: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - قال «أسرعوا بالجنازة فإنها إن تك صالحة: فخير تقدمونها
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا]
# فيه دليل على كراهية اتباع النساء الجنازة، من غير تحريم. وهو معنى قولها
~~" ولم يعزم علينا " فإن العزيمة دالة على التأكيد. وفي هذا ما يدل على خلاف
~~ما اختاره بعض المتأخرين، من أهل الأصول: أن العزيمة ما أبيح فعله من غير
~~قيام دليل المنع. وأن الرخصة: ما أبيح مع قيام دليل المنع. وهذا القول
~~مخالف لما دل عليه الاستعمال اللغوي من إشعار العزم بالتأكيد. فإن هذا
~~القول يدخل تحت المباح الذي لا يقوم دليل الحظر عليه وقد وردت أحاديث تدل
~~على التشديد في اتباع النساء أو بعضهن للجنائز، أكثر مما يدل عليه هذا
~~الحديث. كالحديث الذي جاء في فاطمة - رضي الله عنها - فإما أن يكون ذلك
~~لعلو منصبها. وحديث أم عطية في عموم النساء أو يكون الحديثان محمولين على
~~اختلاف حالات النساء. وقد أجاز مالك اتباعهن للجنائز، وكرهه للشابة في
~~الأمر المستنكر. وخالف غيره من أصحابه، فكرهه مطلقا، لظاهر الحديث.
# PageV00P000
# إليه. وإن تك سوى ذلك: فشر: تضعونه عن رقابكم» .
### | 164 -
# الحديث التاسع: عن سمرة بن جندب قال «صليت وراء النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - على امرأة ماتت في نفاسها فقام في وسطها» .
### | 165 -
# الحديث العاشر: عن أبي موسى عبد الله بن قيس - «أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - بريء من الصالقة والحالقة والشاقة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أسرعوا بالجنازة]
# يقال: الجنازة والجنازة - بالفتح والكسر - بمعنى واحد. ويقال: بالفتح هو
~~الميت. وبالكسر: النعش، الأعلى للأعلى، والأسفل للأسفل. فعلى هذا: يليق
~~الفتح في قوله - عليه السلام - «سارعوا بالجنازة» يعني بالميت. فإنه
~~المقصود بأن يسرع به. والسنة الإسراع. كما جاء في الحديث. وذلك بحيث لا
~~ينتهي الإسراع إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت. وقد جعل الله ms283 لكل شيء
~~قدرا. وقد ظهرت العلة في الإسراع من الحديث. وهو قوله " فإن تك صالحة " إلى
~~آخره.
### | [حديث صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها]
# الحديث يدل على أن القيام عند وسط المرأة. والوصف الذي ورد في الحديث -
~~وهو كونها ماتت في نفاسها - وصف غير معتبر بالاتفاق. وإنما هو حكاية أمر
~~واقع. وأما وصف كونها امرأة: فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه.
~~وقال: يقام عند وسط الجنازة، يعني مطلقا. ومنهم من اعتبره. وقال: يقام عند
~~رأس الرجل، وعجيزة المرأة. ذكره بعض مصنفي أصحاب الشافعي، أو اتفقوا عليه.
~~وقد قيل: إن سبب ذلك: أن النساء لم يكن يسترن في ذلك الوقت بما يسترن به
~~اليوم. فقيام الإمام عند عجيزتها: يكون السترة لها ممن خلفه. .
# PageV00P000
# 166 - الحديث الحادي عشر: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قال: «لما اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها
~~بأرض الحبشة، يقال لها: مارية - وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة -
~~فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه - صلى الله عليه وسلم - وقال:
~~أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك
~~الصور أولئك شرار الخلق عند الله.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة]
# قال - رحمه الله - " الصالقة " التي ترفع صوتها عند المصيبة فيه دليل على
~~تحريم هذه الأفعال. والأصل " السالقة " بالسين، وهو رفع الصوت بالعويل
~~والندب. وقريب منه: قوله تعالى {سلقوكم بألسنة حداد} [الأحزاب: 19] والصاد
~~قد تبدل من السين.
# و " الحالقة " حالقة الشعر. وفي معناه: قطعه من غير حلق. و " الشاقة "
~~شاقة الجيب. وكل هذه الأفعال مشعر بعدم الرضى بالقضاء، والتسخط له. فامتنعت
~~لذلك.
### | [حديث لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها]
# فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل. وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع
~~من التصوير والصور.
# ولقد أبعد غاية البعد ms284 من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد
~~كان في ذلك الزمان، لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان. وهذا الزمان حيث انتشر
~~الإسلام وتمهدت قواعده - لا يساويه في هذا المعنى. فلا يساويه في هذا
~~التشديد - هذا أو معناه - وهذا القول عندنا باطل قطعا. لأنه قد ورد في
~~الأحاديث: الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين. وأنهم يقال لهم " أحيوا
~~ما خلقتم " وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل وقد صرح بذلك في قوله -
~~عليه السلام - «المشبهون بخلق الله» وهذه علة عامة مستقلة مناسبة. لا تخص
# PageV00P000
# 167 - الحديث الثاني عشر: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه لعن
~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت: ولولا ذلك أبرز
~~قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» .
### | 168 -
# الحديث الثالث عشر: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -
#
### | [إحكام الأحكام]
# زمانا دون زمان. وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى
~~خيالي. يمكن أن يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره. وهو التشبه
~~بخلق الله. وقوله - عليه السلام - «بنوا على قبره مسجدا» إشارة إلى المنع
~~من ذلك. وقد صرح به الحديث الآخر «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
~~أنبيائهم مساجد» «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» .
### | [حديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]
# هذا الحديث: يدل على امتناع اتخاذ قبر الرسول مسجدا ومنه يفهم امتناع
~~الصلاة على قبره. ومن الفقهاء من استدل بعدم صلاة المسلمين على قبره - صلى
~~الله عليه وسلم - لعدم الصلاة على القبر جملة. وأجيبوا عن ذلك بأن قبر
~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخصوص عن هذا بما فهم من هذا الحديث من
~~النهي عن اتخاذ قبره مسجدا. وبعض الناس: أجاز الصلاة على قبر الرسول،
~~كجوازها على قبر غيره عنده. وهو ضعيف لتطابق المسلمين على خلافه، ولإشعار
~~الحديث بالمنع منه، والله أعلم
# PageV00P000
# عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms285 - أنه قال «ليس منا من
~~ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» .
### | 169 -
# الحديث الرابع عشر: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - «من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط. ومن شهدها
~~حتى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين
~~ولمسلم أصغرهما مثل أحد» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب]
# حديث ابن مسعود يدل على المنع مما ذكر فيه، وقد اشترك - مع ما قبله في شق
~~الجيوب. وانفرد بضرب الخدود والتصريح بدعوى الجاهلية فيه. وهي أحد ما يدخل
~~تحت لفظ " الصالقة " في الحديث السابق. و " دعوى الجاهلية " يطلق على
~~أمرين:
# أحدهما: ما كانت العرب تفعله في القتال من الدعوى.
# والثاني: وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه هذا الحديث - هو ما كانت العرب
~~تقوله عند موت الميت. كقولهم: واجبلاه. واسنداه، واسيداه، وأشباهها.
### | [حديث من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط]
# فيه دليل على فضل شهود الجنازة عند الصلاة. وعند الدفن، وأن الأجر يزداد
~~بشهود الدفن، مضافا إلى شهود الصلاة. وقد ورد في الحديث: اتباعها من عند
~~أهلها و " القيراط " تمثيل لجزء من الأجر، ومقدار منه. وقد مثله في الحديث
~~" بأن أصغرهما مثل أحد " وهو من مجاز التشبيه، تشبيها للمعنى العظيم بالجسم
~~العظيم.
# PageV00P000
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما
~~- قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - حين بعثه إلى
~~اليمن - إنك ستأتي قوما أهل كتاب. فإذا جئتهم: فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا
~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم: أن
~~الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك،
~~فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.
~~فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم. فإنه ليس
~~بينها وبين الله حجاب» .
# ms286
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الزكاة]
### | [حديث إنك ستأتي قوما أهل كتاب]
# " الزكاة " في اللغة لمعنيين:
# أحدهما: النماء.
# والثاني: الطهارة.
# فمن الأول. قولهم: زكاة الزرع. ومن الثاني: قوله تعالى {وتزكيهم بها}
~~[التوبة: 103] وسمي هذا الحق زكاة بالاعتبارين. أما بالاعتبار الأول:
~~فبمعنى أن يكون إخراجها سببا للنماء في المال. كما صح «ما نقص مال من صدقة»
~~ووجه الدليل منه: أن
# PageV01P374
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب. فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه
~~إلى ما كان عليه، على المعنيين جميعا. أعني: المعنوي والحسي في الزيادة. أو
~~بمعنى: أن متعلقها الأموال ذات النماء. وسميت بالنماء لتعلقها به أو بمعنى
~~تضعيف أجورها. كما جاء «إن الله يربي الصدقة حتى تكون كالجبل.» وأما
~~بالمعنى الثاني: فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، أو لأنها تطهر من
~~الذنوب. وهذا الحق أثبته الشارع لمصلحة الدافع والآخذ معا. أما في حق
~~الدافع: فتطهيره وتضعيف أجوره. وأما في حق الآخذ: فلسد خلته.
# وحديث معاذ: يدل على فريضة الزكاة. هو أمر مقطوع به من الشريعة. ومن جحده
~~كفر. وقوله - عليه السلام - «إنك ستأتي قوما أهل كتاب» لعله للتوطئة
~~والتمهيد للوصية باستجماع همته في الدعاء لهم.
# فإن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين، وعبدة
~~الأوثان في العناية بها والبداءة في المطالبة بالشهادتين: لأن ذلك أصل
~~الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به. فمن كان منهم غير موحد على التحقيق
~~- كالنصارى - فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينا. ومن كان
~~موحدا - كاليهود - فالمطالبة له: بالجمع بين ما أقر به من التوحيد، وبين
~~الإقرار بالرسالة. وإن كان هؤلاء اليهود - الذين كانوا باليمن - عندهم ما
~~يقتضي الإشراك، ولو باللزوم يكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من
~~عقائدهم. وقد ذكر الفقهاء: أن من كان كافرا بشيء، مؤمنا بغيره: لم يدخل في
~~الإسلام إلا بالإيمان بما كفر به. وقد يتعلق بالحديث - في أن الكفار غير
~~مخاطبين بالفروع - من حيث إنه إنما أمر أولا بالدعاء ms287 إلى الإيمان فقط. وجعل
~~الدعاء إلى الفروع بعد إجابتهم الإيمان. وليس بالقوي، من حيث إن الترتيب في
~~الدعاء لا يلزم منه الترتيب في الوجوب. ألا ترى أن الصلاة والزكاة لا ترتيب
~~بينهما في الوجوب؟ وقد قدمت الصلاة في المطالبة على الزكاة. وأخر الإخبار
~~لوجوب الزكاة عن الطاعة بالصلاة، مع أنهما مستويتان في خطاب الوجوب.
# PageV01P375
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله - عليه السلام - «فإن هم أطاعوا لك بذلك» طاعتهم في الإيمان
~~بالتلفظ بالشهادتين. وأما طاعتهم في الصلاة: فيحتمل وجهين:
# أحدهما: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفرضيتها عليهم، والتزامهم لها.
# والثاني: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة.
# وقد رجح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفريضة. فتعود
~~الإشارة بذلك إليها. ويترجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب. فبادروا
~~بالامتثال بالفعل لكفى. ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالوجوب. وكذلك نقول في
~~الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفظ بالإقرار لكفى. فالشرط عدم
~~الإنكار، والإذعان للوجوب، لا التلفظ بالإقرار. وقد استدل بقوله - عليه
~~السلام - «أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على
~~فقرائهم» على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال. وفيه عندي ضعيف. لأن
~~الأقرب أن المراد: يؤخذ من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من
~~أهل اليمن. وكذلك الرد على فقرائهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر فهو محتمل
~~احتمالا قويا. ويقويه: أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية
~~لا تعتبر. وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة. ولا يختص بهم قطعا -
~~أعني الحكم - وإن اختص بهم خطاب المواجهة. وقد استدل بالحديث أيضا على أن
~~من ملك النصاب لا يعطى من الزكاة.
# وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك، ومن حيث إنه جعل أن المأخوذ منه
~~غنيا. وقابله بالفقير. ومن ملك النصاب فالزكاة منه، فهو غني، والغني لا
~~يعطى من الزكاة إلا في المواضع المستثناة في الحديث. وليس بالشديد القوة.
~~وقد يستدل به من يرى إخراج الزكاة إلى صنف واحد. لأنه ms288 لم يذكر في الحديث
~~إلا الفقراء. وفيه بحث. وقد يستدل به على وجوب إعطاء الزكاة للإمام. لأنه
~~وصف الزكاة بكونها " مأخوذة من الأغنياء " فكل ما اقتضى خلاف هذه الصفة
~~فالحديث ينفيه. ويدل الحديث أيضا على أن كرائم الأموال لا تؤخذ من الصدقة،
~~كالأكولة والربى وهي التي تربي ولدها. والماخض، وهي الحامل. وفحل الغنم،
~~وحزرات
# PageV01P376
# 171 - الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ليس فيما دون خمس أواق
~~صدقة. ولا فيما دون خمس ذود صدقة. ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المال. وهي التي تحرز بالعين وترمق، لشرفها عند أهلها. والحكمة فيه: أن
~~الزكاة وجبت مواساة للفقراء من مال الأغنياء. ولا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب
~~الأموال. فسامح الشرع أرباب الأموال بما يضنون به. ونهى المصدقين عن أخذه.
~~وفي الحديث: دليل على عظيم أمر الظلم، واستجابة دعوة المظلوم، وذكر النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - ذلك عقيب النهي عن أخذ كرائم الأموال. لأن أخذها ظلم.
~~وفيه تنبيه على جميع أنواع الظلم.
### | [حديث ليس فيما دون خمس أواق صدقة]
# يقال " أواقي " بالتشديد والتخفيف، وتحذف الياء. ويقال: أوقية - بضم
~~الهمزة وتشديد الياء - ووقية. وأنكرها بعضهم " والأوقية " أربعون درهما،
~~فالنصاب مائتا درهم، والدرهم: ينطلق على الخالص حقيقة.
# فإن كان مغشوشا لم تجب الزكاة حتى يبلغ من الخالص مائتي درهم و " الذود "
~~قيل: إنه ينطلق على الواحد. وقيل: إنها كالقوم والرهط. والحديث دليل على
~~الزكاة فيما دون هذه المقادير من هذه الأعيان وأبو حنيفة يخالف في زكاة
~~الحرث. ويعلق الزكاة بكل قليل وكثير منه. ويستدل له بقوله - عليه السلام -
~~«فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر» وهذا عام
~~في القليل والكثير. وأجيب عن هذا بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج،
~~لا بيان المخرج منه. وهذا فيه قاعدة أصولية. وهو أن الألفاظ العامة بوضع
~~اللغة على ثلاث مراتب.
# أحدها: ما ظهر فيه عدم قصد التعميم، ومثل ms289 بهذا الحديث.
# PageV00P000
# 172 - الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه
~~صدقة. وفي لفظ إلا زكاة الفطر في الرقيق» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والثانية: ما ظهر فيه قصد التعميم بأن أورد مبتدأ لا على سبب، لقصد تأسيس
~~القواعد. والثالثة: ما لم يظهر فيه قرينة زائدة تدل على التعميم. ولا قرينة
~~تدل على عدم التعميم. وقد وقع تنازع من بعض المتأخرين في القسم الأول في
~~كون المقصود منه عدم التعميم. فطالب بعضهم بالدليل على ذلك. وهذا الطريق
~~ليس بجيد؛ لأن هذا أمر يعرف من سياق الكلام، ودلالة السياق لا يقام عليها
~~دليل، وذلك لو فهم المقصود من الكلام، وطولب بالدليل عليه لعسر. فالناظر
~~يرجع إلى ذوقه، والمناظر يرجع إلى دينه وإنصافه. واستدل بالحديث من يرى أن
~~النقصان اليسير في الوزن يمنع وجوب الزكاة وهو ظاهر الحديث. ومالك يسامح
~~بالنقص اليسير جدا، الذي تروج معه الدراهم والدنانير رواج الكامل. وأما "
~~الأوسق " فاختلف أصحاب الشافعي في أن المقدار فيها تقريب أو تحديد. ومن
~~قال: إنه تقريب يسامح باليسير، وظاهر الحديث: يقتضي أن النقصان لا يؤثر.
~~والأظهر: أن النقصان اليسير جدا الذي لا يمنع إطلاق الاسم في العرف، ولا
~~يعبأ به أهل العرب: أنه يغتفر.
### | [حديث ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة]
# الجمهور على عدم وجوب الزكاة في عين الخيل. واحترزنا بقولنا " في عين
~~الخيل " عن وجوبها في قيمتها إذا كانت للتجارة. وأوجب أبو حنيفة في الخيل
~~الزكاة. وحاصل مذهبه: أنه إن اجتمع الذكور والإناث وجبت الزكاة عنده قولا
~~واحدا. وإن انفردت الذكور أو الإناث: فعنه في ذلك روايتان، من حيث إن
~~النماء بالنسل لا يحصل إلا باجتماع الذكور والإناث. وإذا وجبت الزكاة فهو
~~مخير بين
# PageV00P000
# 173 - الحديث الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «العجماء جبار. والبئر جبار.
~~والمعدن جبار. وفي الركاز الخمس.» .
# ms290
### | [إحكام الأحكام]
# أن يخرج عن كل فرس دينارا، أو يقوم ويخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم.
~~وقد استدل عليه بهذا الحديث. فإنه يقتضي عدم وجوب الزكاة في فرس المسلم
~~مطلقا. والحديث يدل أيضا على وجوب الزكاة في عين العبيد. وقد استدل بهذا
~~الحديث الظاهرية على عدم وجوب زكاة التجارة. وقيل: إنه قول قديم للشافعي،
~~من حيث إن الحديث يقتضي عدم وجوب الزكاة في الخيل والعبيد مطلقا، ويجيب
~~الجمهور. استدلالهم بوجهين:
# أحدهما: القول بالموجب فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين.
~~فالحديث يدل على عدم التعلق بالعين. فإنه لو تعلقت الزكاة بالعين من العبيد
~~والخيل: لثبتت ما بقيت العين. وليس ذلك. فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة
~~والعين باقية. وإنما الزكاة متعلقة بالقيمة بشرط نية التجارة، وغير ذلك من
~~الشروط.
# والثاني: أن الحديث عام في العبيد والخيل. فإذا أقاموا الدليل على وجوب
~~زكاة التجارة كان هذا الدليل أخص من ذلك العام من كل وجه. فيقدم عليه، إن
~~لم يكن فيه عموم من وجه. فإن كان خرج على قاعدة العامين من وجه دون وجه، إن
~~كان ذلك الدليل من النصوص. نعم يحتاج إلى تحقيق إقامة الدليل على وجوب زكاة
~~التجارة. وإنما المقصود ههنا: بيان كيفية النظر بالنسبة إلى هذا الحديث.
~~والحديث يدل على وجوب زكاة الفطر عن العبيد. ولا يعرف فيه خلاف، إلا أن
~~يكونوا للتجارة. وقد اختلف فيه. وهذه الزيادة - أعني قوله «إلا صدقة الفطر
~~في الرقيق» ليس متفقا عليها وإنما هي عند مسلم فيما أعلم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث العجماء جبار والبئر جبار]
# الجبار " الهدر وما لا يضمن و " العجماء " الحيوان البهيم. وورد في بعض
~~الروايات " جرح العجماء جبار " والحديث يقتضي: أن جرح العجماء جبار بنصه.
# فيحتمل أن يراد بذلك: جناياتها على الأبدان والأموال. ويحتمل أن يراد:
~~الجناية على الأبدان فقط. وهو أقرب إلى حقيقة الجرح. وعلى كل تقدير فلم
~~يقولوا بهذا العموم، أما جناياتها على الأموال: فقد فصل في المزارع بين
~~الليل والنهار، ms291 وأوجب على المالك ضمان ما أتلفته بالليل دون النهار، وفيه
~~حديث عن النبي يقتضي ذلك. وأما جناياتها على الأبدان: فقد تكلم فيها إذا
~~كان معها الراكب والسائق والقائد، وفصلوا فيه القول، واختلفوا في بعض
~~الصور. فلم يقولوا بالعموم في إهدار جناياتها، فيمكن أن يقال: إن جنايتها
~~هدر، إذا لم يكن ثمة تقصير من المال، أو ممن هي تحت يده، وينزل الحديث على
~~ذلك.
### | [مسائل تتعلق بالركاز]
# 1
# وأما الركاز: فالمعروف فيه عند الجمهور: أنه دفن الجاهلية، والحديث يقتضي
~~أن الواجب فيه: الخمس بنصه. وفي مصرفه وجهان للشافعية:
# أحدهما: إلى أهل الزكاة. والثاني: إلى أهل الفيء. وهو اختيار المزني. وقد
~~تكلم الفقهاء في مسائل تتعلق بالركاز يمكن أن تؤخذ من الحديث:
# أحدها: أن الركاز هل يختص بالذهب والفضة، أو يجري في غيرهما؟ وللشافعي
~~فيه قولان. وقد يتعلق بالحديث من يجريه في غيرهما من حيث العموم. وجديد قول
~~الشافعي: أنه يختص. الثانية: الحديث يدل على أنه لا فرق في الركاز بين
~~القليل والكثير، ولا يعتبر فيه النصاب. وقد اختلف في ذلك.
# الثالثة: يستدل به على أنه لا يجب الحول في إخراج زكاة الركاز. ولا خلاف
~~فيه عند الشافعي، كالغنيمة والمعشرات. وله في المعدن اختلاف قول في اعتبار
~~الحول. والفرق: أن الركاز يحصل جملة، من غير كد ولا تعب. والنماء فيه
~~متكامل. وما تكامل فيه النماء لا يعتبر فيه الحول. فإن الحول مدة مضروبة
~~لتحصيل النماء. وفائدة المعدن تحصل بكد وتعب شيئا فشيئا. فيشبه أرباح
~~التجارة فيعتبر فيها الحول.
# PageV01P380
# 174 - الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال «بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - على
~~الصدقة. فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ينقم ابن
~~جميل، إلا أن كان فقيرا: فأغناه الله؟ وأما خالد: فإنكم تظلمون خالدا. وقد
~~احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله. وأما العباس: فهي علي ومثلها. ثم ms292 قال:
~~يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الرابعة: تكلم الفقهاء في الأراضي التي يوجد فيها الركاز. وجعل الحكم
~~مختلفا باختلافها. ومن قال منهم: بأن في الركاز الخمس، إما مطلقا أو في
~~أكثر الصور. فهو أقرب إلى الحديث وعند الشافعية: أن الأرض إن كانت مملوكة
~~لمالك محترم، مسلم أو ذمي، فليس بركاز، فإن ادعاه فهو له. وإن نازعه منازع
~~فالقول قوله. وإن لم يدعه لنفسه عرض على البائع، ثم على بائع البائع، حتى
~~ينتهي الأمر إلى من عمر الموضع فإن لم يعرف فظاهر المذهب: أنه يجعل لقطة
~~وقيل: ليس بلقطة، ولكنه مال ضائع، يسلم إلى الإمام، ويجعله في بيت المال.
~~وإن وجد الركاز في أرض عامرة لحربي فهو كسائر أموال الحربي إذا حصلت في
~~أيدي المسلمين. وإذا وجد في موات دار الحرب فهو كموت دار الإسلام عند
~~الشافعي. للواجد أربعة أخماسه.
### | [حديث بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه على الصدقة]
# الحديث مشكل في مواضع منه، والكلام عليه من وجوه:
# الأول: قوله «بعث عمر على الصدقة» الأظهر: أن المراد على الصدقة الواجبة.
~~وذكر بعضهم: أن تكون التطوع، احتمالا أو قولا. " وإنما كان الظاهر أنها
~~الواجبة لأنها المعهودة. فتصرف الألف واللام إليها، ولأن البعث إنما يكون
~~على الصدقات المفروضة.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والثاني: يقال: نقم ينقم - بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، وبالعكس
~~بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل - والحديث يقتضي: أنه لا عذر له في
~~الترك. فإن " نقم " بمعنى أنكر، وإذا لم يحصل له موجب للمنع، إلا أن كان
~~فقيرا، فأغناه الله. فلا موجب للمنع. وهذا مما تقصد العرب في مثله النفي
~~على سبيل المبالغة بالإثبات كما قال الشاعر:
# ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
# لأنه إن لم يكن فيهم عيب إلا هذا - وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم، فكذلك
~~هنا إذا لم ينكر إلا كون الله أغناه بعد فقره، ms293 فلم يكن منكرا أصلا.
# الثالث: " العتاد " ما أعد الرجل من السلاح والدواب وآلات الحرب. وقد وقع
~~في هذه الرواية " أعتاده " وفي أخرى " أعتده " واختلف فيها. فقيل " أعتده "
~~بالتاء: وقيل " أعبده " بالباء ثاني الحروف. وعلى هذا اختلفوا فالظاهر: أن
~~" أعبده " جمع عبد. وهو الحيوان العاقل المملوك. وقيل: إنه جمع صفة من
~~قولهم " فرس عبد " وهو الصلب. وقيل: المعد للركوب. وقيل: السريع الوثب.
~~ورجح بعضهم هذا بأن العادة لم تجر بتحبيس العبيد في سبيل الله، بخلاف
~~الخيل.
# الرابع: فيه دليل على تحبيس المنقولات. واختلف الفقهاء في ذلك.
# الخامس: نشأ إشكال من كونه لم يؤمر بأخذ الزكاة منه، وانتزاعها عند منعه.
~~فقيل: في جوابه: يجوز أن يكون - عليه السلام - أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه
~~من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة. لأنه في. سبيل الله. حكاه القاضي قال: وهو
~~حجة لمالك في جواز دفعها لصنف واحد. وهو قول كافة العلماء، خلافا للشافعي
~~في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. قال: وعلى هذا يجوز إخراج القيم في
~~الزكاة. وقد أدخل البخاري هذا الحديث في " باب أخذ العرض في الزكاة " فيدل:
~~أنه ذهب إلى هذا التأويل. وأقول: هذا لا يزيل الإشكال. لأن ما حبس على جهة
~~معينة تعين صرفه إليها، واستحقه أهل تلك الجهة مضافا إلى جهة الحبس، فإن
~~كان قد طلب من خالد زكاة ما حبسه، فكيف يمكن من ذلك مع تعين ما حبسه
~~لمصرفه؟ وإن كان قد
# PageV01P382
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه - من العين والحرث والماشية فكيف يحاسب
~~بما وجب عليه في ذلك، وقد تعين صرف ذلك المحبس إلى جهته؟ . وأما الاستدلال
~~بذلك على أن صرف الزكاة إلى صنف من الثمانية جائز، وأن أخذ القيم جائز:
~~فضعيف جدا. لأنه لو أمكن توجيه ما قيل في ذلك لكان الإجزاء في المسألتين
~~مأخوذا على تقدير ذلك التأويل. وما ثبت على تقدير لا يلزم أن يكون واقعا
~~إلا إذا ثبت وقوع ذلك التقدير. ولم يثبت ذلك بوجه، ms294 ولم يبين قائل هذه
~~المقالة إلا مجرد الجواز. والجواز لا يدل على الوقوع. إلا أن يريد القاضي:
~~أنه حجة لمالك وأبي حنيفة على التقدير. فقريب، إلا أنه يجب التنبيه، لأنه
~~لا يفيد الحكم في نفس الأمر. وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه
~~وأعتاده في سبيل الله: إرصاده إياه لذلك، وعدم تصرفه بها في غير ذلك. وهذا
~~النوع حبس، وإن لم يكن تحبيسا. ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ. ويكون
~~قوله " إنكم تظلمون خالدا " مصروفا إلى قولهم " منع خالد " أي تظلمونه في
~~نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرف ماله في سبيل الله. ويكون المعنى: أنه
~~لم يقصد منع الواجب، ويحمل منعه على غير ذلك.
# السادس: أخذ بعضهم من هذا: وجوب زكاة التجارة. وأن خالدا طولب بأثمان
~~الأربع والأعتد. قالوا: ولا زكاة في هذه الأشياء، إلا أن تكون للتجارة. وقد
~~استضعف هذا الاستدلال، من حيث إنه استدلال بأمر محتمل، غير متعين لما ادعى.
# السابع: من قال بأن هذه صدقة كانت تطوعا. ارتفع عنه هذا الإشكال. ويكون
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بما حبسه خالد على هذه الجهات عن أخذ
~~شيء آخر من صدقة التطوع. ويكون من طلب منه شيئا آخر - مع ما حبسه من ماله
~~وأعتده في سبيل الله - ظالما له في مجرى العادة، وعلى سبيل التوسع في إطلاق
~~اسم الظلم.
# الثامن: قوله - عليه السلام - «فهي علي ومثلها» فيه وجهان:
# أحدهما: أن يكون هذا اللفظ صيغة إنشاء لالتزام ما لزم العباس. ويرجحه
~~قوله " إن عم الرجل صنو أبيه " فإن في هذه اللفظة إشعارا بما ذكرناه، فإن
~~كونه صنو الأب: يناسب
# PageV01P383
# 175 - الحديث السادس: عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال
~~«لما أفاء الله على رسوله يوم حنين: قسم في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم ولم
~~يعط الأنصار شيئا. فكأنهم وجدوا في أنفسهم، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس.
~~فخطبهم، فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم
~~متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة ms295 فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا قالوا: الله
~~ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله؟ قالوا: الله ورسوله أمن
~~قال: لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا. ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة
~~والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار
~~ولو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار،
~~والناس دثار. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# تحمل ما عليه.
# الثاني: أن يكون إخبارا عن أمر وقع ومضى. وهو تسلف صدقة عامين من العباس
~~وقد روي في ذلك حديث منصوص " إنا تعجلنا منه صدقة عامين " يجمع النخلتين
~~أصل واحد.
### | [حديث لما أفاء الله على رسوله يوم حنين]
# في الحديث دليل على إعطاء المؤلفة قلوبهم، إلا أن هذا ليس من الزكاة فلا
~~يدخل في بابها، إلا بطريق أن يقاس إعطاؤهم من الزكاة على إعطائهم من الفيء
~~والخمس. وقوله " فكأنهم وجدوا في أنفسهم " تعبير حسن كسي حسن الأدب في
~~الدلالة على ما كان في أنفسهم، وفي الحديث دليل على إقامة الحجة عند الحاجة
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إليها على الخصم. وهذا " الضلال " المشار إليه ضلال الإشراك والكفر.
~~والهداية بالإيمان. ولا شك أن نعمة الإيمان أعظم النعم، بحيث لا يوازيها
~~شيء من أمور الدنيا. ثم أتبع ذلك بنعمة الألفة، وهي أعظم من نعمة الأموال.
~~إذ تبذل الأموال في تحصيلها وقد كانت الأنصار في غاية التباعد والتنافر،
~~وجرت بينهم حروب قبل المبعث. منها: يوم بعاث
# ثم أتبع ذلك بنعمة الغنى والمال. وفي جواب الصحابة - رضي الله عنهم - بما
~~أجابوه: استعمال الأدب، والاعتراف بالحق الذي كنى عنه بقول الراوي " كذا
~~وكذا " وقد تبين مصرحا به في رواية أخرى. فتأدب الراوي بالكناية، في جملة
~~ذلك: جبر للأنصار، وتواضع وحسن مخاطبة ومعاشرة. وفي قوله - عليه السلام -
~~«ألا ترضون - إلى آخرها» إثارة لأنفسهم وتنبيه على ما وقعت الغفلة عنه من
~~عظم ما أصابهم بالنسبة إلى ما أصاب غيرهم ms296 من عرض الدنيا. وفي قوله - عليه
~~السلام - " لولا الهجرة " وما بعده: إشارة عظيمة بفضيلة الأنصار. وقوله "
~~لكنت امرأ من الأنصار " أي في الأحكام والعداد، والله أعلم. ولا يجوز أن
~~يكون المراد: النسب قطعا. وقوله «الأنصار شعار، والناس دثار» الشعار "
~~الثوب الذي يلي الجسد، و " الدثار " الثوب الذي فوقه، واستعمال اللفظين
~~مجاز عن قربهم واختصاصهم، وتمييزهم على غيرهم في ذلك. وقوله - عليه السلام
~~- «إنكم ستلقون بعدي أثرة» علم من أعلام النبوة إذ هو إخبار عن أمر مستقبل
~~وقع على ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم -. والمراد بالأثرة: استئثار
~~الناس عليهم بالدنيا، والله أعلم بالصواب.
# PageV01P385
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -
~~قال: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر - أو قال رمضان -
~~على الذكر والأنثى والحر والمملوك: صاعا من تمر، أو صاعا من شعير. قال:
~~فعدل الناس به نصف صاع من بر، على الصغير والكبير. وفي لفظ أن تؤدى قبل
~~خروج الناس إلى الصلاة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب صدقة الفطر]
### | [حديث فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى]
# المشهور من مذاهب الفقهاء: وجوب زكاة الفطر، لظاهر هذا الحديث، وقوله "
~~فرض ". وذهب بعضهم إلى عدم الوجوب، وحملوا " فرض " على معنى قدر، وهو أصله
~~في اللغة، لكنه نقل في عرف الاستعمال إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى. لأنه
~~ما اشتهر في الاستعمال فالقصد إليه هو الغالب. وقوله " رمضان " وفي رواية
~~أخرى " من رمضان " قد يتعلق به من يرى: أن وقت الوجوب غروب الشمس من ليلة
~~العيد، وقد يتعلق به من يرى أن وقت الوجوب: طلوع الفجر من يوم العيد، وكلا
~~الاستدلالين ضعيف. لأن إضافتهما إلى الفطر من رمضان لا يستلزم أنه وقت
~~الوجوب، بل يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، فيقال حينئذ
~~بالوجوب، لظاهر لفظة " فرض " ويؤخذ وقت الوجوب من أمر آخر. وقوله «على
~~الذكر والأنثى، والحر، والمملوك» يقتضي وجوب الإخراج عن هؤلاء. وإن كانت
~~لفظة " على " تقتضي ms297 الوجوب عليهم ظاهرا. وقد اختلف الفقهاء في أن الذي يخرج
~~عنهم: هل باشرهم الوجوب أو لا؟ والمخرج يتحمله أم الوجوب يلاقي المخرج أو
~~لا؟ فقد يتمسك من قال بالقول الأول بظاهر قوله " على الذكر والأنثى، والحر
~~والمملوك " فإن ظاهره: يقتضي تعلق الوجوب بهم. كما ذكرنا. وشرط هذا التمسك:
~~إمكان ملاقاة الوجوب للأصل.
# PageV01P386
# 177 - الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - قال «كنا نعطيها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام،
~~أو صاعا من شعير، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب. فلما جاء معاوية، وجاءت
~~السمراء، قال: أرى مدا من هذه يعدل مدين. قال أبو سعيد: أما أنا: فلا أزال
~~أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»
#
### | [إحكام الأحكام]
# و " الصاع " أربع أمداد. والمد: رطل وثلث بالبغدادي. وخالف في ذلك أبو
~~حنيفة. وجعل الصاع ثمانية أرطال. واستدل مالك. بنقل الخلف عن السلف
~~بالمدينة. وهو استدلال صحيح قوي في مثل هذا. ولما ناظر أبا يوسف بحضرة
~~الرشيد في المسألة رجع أبو يوسف إلى قوله، لما استدل بما ذكرناه. وقوله "
~~صاعا من تمر، أو صاعا من شعير " بيان لجنس المخرج في هذه الزكاة. وقد ورد
~~تعيين أجناس لها في أحاديث متعددة أزيد مما في هذا الحديث. فمن الناس: من
~~أجاز جميع هذه الأجناس مطلقا لظاهر الحديث. ومنهم من قال: لا يخرج إلا غالب
~~قوت البلد. وإنما ذكرت هذه الأشياء لأنها كلها كانت مقتاتة بالمدينة في ذلك
~~الوقت. فعلى هذا لا يجزئ بأرض مصر إلا إخراج البر. لأنه غالب القوت. وقوله
~~" فعدل الناس - إلى آخره " هو مذهب أبي حنيفة في البر. فإنه يخرج منه نصف
~~صاع. وقيل: إن الذي عدل ذلك: معاوية بن أبي سفيان. وروي في ذلك حديث مرفوع
~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة ابن عباس، ولا يمكن من قال بهذا
~~المذهب: أن يستدل بقوله " فعدل الناس " ويجعل ذلك إجماعا على هذا الحكم،
~~ويقدمه ms298 على خبر الواحد. لأن أبا سعيد الخدري قد خالف في ذلك. وقال " أما
~~أنا: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه " ولا يخلو هذا من نظر. والسنة في صدقة
~~الفطر: أن تؤدى قبل الخروج إلى الصلاة، ليحصل غنى الفقير. وينقطع تشوفه عن
~~الطلب في حالة العبادة.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام]
# وقول أبي سعيد " صاعا من طعام " يريد به البر. فيه دليل على خلاف مذهب
~~أبي حنيفة، في أن البر يخرج منه نصف صاع. وهذا أصرح في المراد، وأبعد عن
~~التقدير والتقويم بنصف صاع من حديث ابن عمر. فإن في ذلك الحديث نصا على
~~التمر والشعير. فتقدير الصاع منهما بنص الصاع من البر: لا يكون مخالفا
~~للنص، بخلاف حديث أبي سعيد، فإنه يكون مخالفا له. وقد كانت لفظة " الطعام "
~~تستعمل في " البر " عند الإطلاق، حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فهم
~~منه سوق البر، وإذا غلب العرف بذلك نزل اللفظ عليه. لأن الغالب أن الإطلاق
~~في الألفاظ: على حسب ما يخطر في البال من المعاني والمدلولات. وما غلب
~~استعمال اللفظ عليه فخطوره عند الإطلاق أقرب. فينزل اللفظ عليه. وهذا بناء
~~على أن يكون هذا العرف موجودا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وتردد
~~قول الشافعي في إخراج " الأقط " وقد صح الحديث به. وقد ذكر " الزبيب " في
~~هذا الحديث. والكلام في هذه الأجناس قد مر. وهل تتعين هذه لأنها كانت
~~أقواتا في ذلك الوقت، أو يتعلق الحكم بها مطلقا؟ و " السمراء " يراد بها
~~الحنطة المحمولة من الشام. وفي هذا الحديث: دليل على ما قيل: من أن معاوية
~~هو الذي عدل الصاع من غير " البر " بنصف الصاع منه ويؤخذ منه القول
~~بالاجتهاد بالنظر، والتعويل على المعاني في الجملة. وإن كان في هذا الموضع
~~إذا لم يرد بذلك نص خاص - مرجوحا بمخالفة النص. والله أعلم.
# تم الجزء الأول من شرح عمدة الأحكام ويليه الجزء الثاني وأوله
### | (كتاب ms299 الصيام)
# إن شاء الله تعالى. والله الموفق والمعين على الإتمام. وصلى الله وسلم
~~وبارك على عبده الكريم ورسوله المصطفى محمد وعلى آله أجمعين.
# PageV01P388
# بسم الله الرحمن الرحيم
### | 178 -
# الحديث الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - «لا تقدموا رمضان بصوم يوم، أو يومين إلا رجلا كان يصوم
~~صوما فليصمه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الصيام]
### | [حديث لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: فيه صريح الرد على الروافض، الذين يرون تقديم الصوم على الرؤية؛
~~لأن " رمضان " اسم لما بين الهلالين. فإذا صام قبله بيوم فقد تقدم عليه.
# الثاني: فيه تبيين لمعنى الحديث الآخر، الذي في «صوموا لرؤيته وأفطروا
~~لرؤيته» وبيان أن اللام للتأقيت، لا للتعليل، كما زعمت الروافض. ولو كانت
~~للتعليل لم يلزم تقديم الصوم على الرؤية أيضا، كما تقول: أكرم زيدا لدخوله.
~~فلا يقتضي تقديم الإكرام على الدخول. ونظائره كثيرة. وحمله على التأقيت لا
~~بد فيه من احتمال تجوز، وخروج عن الحقيقة؛ لأن وقت الرؤية - وهو الليل - لا
~~يكون محلا للصوم.
### | 1 -
# الثالث: فيه دليل على أن الصوم المعتاد إذا وافقت العادة فيه ما قبل
~~رمضان بيوم أو بيومين: أنه يجوز صومه. ولا يدخل تحت النهي، وسواء كانت
~~العادة بنذر أو بسرد عن غير نذر فإنهما يدخلان تحت قوله «إلا رجلا كان يصوم
~~صوما فليصمه» .
### | 1 -
# PageV00P000
# 179 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا رأيتموه
~~فصوموا. وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غم عليكم فاقدروا له» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الرابع: فيه دليل على كراهية إنشاء الصوم قبل الشهر بيوم أو يومين
~~بالتطوع. فإنه خارج عما رخص فيه. ولا يبعد أن يدخل تحته النذر المخصوص
~~باليوم من حيث اللفظ. ولكنه تعارضه الدلائل الدالة على الوفاء بالنذر.
### | [حديث إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: أنه يدل على ms300 تعليق الحكم بالرؤية. ولا يراد بذلك: رؤية كل فرد، بل
~~مطلق الرؤية. ويستدل به على عدم تعليق الحكم بالحساب الذي يراه المنجمون.
~~وعن بعض المتقدمين: أنه رأى العمل به. وركن إليه بعض البغداديين من
~~المالكية. وقال به بعض أكابر الشافعية بالنسبة إلى صاحب الحساب. وقد استشنع
~~هذا، لما حكي عن مطرف بن عبد الله من المتقدمين قال بعضهم: ليته لم يقله.
~~والذي أقول به: إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم، لمفارقة القمر
~~للشمس، على ما يراه المنجمون، من تقدم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية
~~بيوم أو يومين. فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى. وأما إذا دل
~~الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى، لولا وجود المانع -
~~كالغيم مثلا فهذا يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي. وليس حقيقة الرؤية
~~بشرط من اللزوم؛ لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال
~~العدة، أو بالاجتهاد بالأمارات: أن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم
# وإن لم ير الهلال. ولا أخبره من رآه.
### | 1 -
# الثاني: يدل على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى الإفطار
~~على المنفرد برؤية هلال شوال، ولقد أبعد من قال: بأنه لا يفطر إذا انفرد
~~برؤية هلال شوال. ولكن قالوا: يفطر سرا.
### | 1 -
# PageV00P000
# 180 - الحديث الثالث عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تسحروا فإن في السحور بركة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثالث: اختلفوا في أن حكم الرؤية ببلد: هل يتعدى إلى غيرها مما لم ير
~~فيه؟ . وقد يستدل بهذا الحديث من قال بعدم تعدي الحكم إلى البلد الآخر. كما
~~إذا فرضنا: أنه رئي الهلال ببلد في ليلة، ولم ير في تلك الليلة بآخر.
~~فتكملت ثلاثون يوما بالرؤية الأولى. ولم ير في البلد الآخر: هل يفطرون أم
~~لا فمن قال بتعدي الحكم، قال بالإفطار. وقد وقعت المسألة في زمن ابن عباس،
~~وقال «لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه ms301 وقال هكذا أمرنا رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم -» ويمكن أنه أراد بذلك هذا الحديث العام، لا حديثا
~~خاصا بهذه المسألة. وهو الأقرب عندي. والله أعلم.
# الرابع: استدل لمن قال بالعمل بالحساب في الصوم بقوله " فاقدروا له "
~~فإنه أمر يقتضي التقدير. وتأوله غيرهم بأن المراد: إكمال العدة ثلاثين.
~~ويحمل قوله " فاقدروا له " على هذا المعنى - أعني إكمال العدة ثلاثين - ما
~~جاء في الرواية الأخرى مبينا فأكملوا العدة ثلاثين ". والمراد بقوله - عليه
~~السلام - " غم عليكم " استتر أمر الهلال وغم أمره. وقد وردت فيه روايات على
~~غير هذه الصيغة.
### | [حديث تسحروا فإن في السحور بركة]
# فيه دليل على استحباب السحور للصائم. وتعليل ذلك بأن فيه بركة. وهذه
~~البركة: يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية. فإن إقامة السنة توجب الأجر
~~وزيادته. ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية، لقوة البدن على الصوم،
~~وتيسيره من غير إجحاف به. و " السحور " بفتح السين: ما يتسحر به. وبضمها
~~الفعل. هذا هو الأشهر.
# و " البركة " محتملة لأن تضاف إلى كل واحد من الفعل والمتسحر به معا.
# وليس ذلك من باب حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين. بل من باب استعمال
~~المجاز في لفظ " في " وعلى هذا يجوز أن يقال: فإن في السحور -
# PageV00P000
# 181 - الحديث الرابع: عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت
~~- رضي الله عنهما - قال «تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم
~~قام إلى الصلاة. قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر
~~خمسين آية» .
### | 182 -
# الحديث الخامس: عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما -: «أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بفتح السين - وهو الأكثر. وفي السحور بضمها. ومما علل به استحباب السحور:
~~المخالفة لأهل الكتاب، فإنه يمتنع عندهم السحور. وهذا أحد الوجوه المقتضية
~~للزيادة في الأمور الأخروية.
### | [حديث تسحرنا مع رسول الله ثم قام إلى الصلاة]
# فيه دليل استحباب تأخير السحور، وتقريبه من ms302 الفجر. والظاهر: أن المراد
~~بالأذان ههنا: الأذان الثاني. وإنما يستحب تأخيره؛ لأنه أقرب إلى حصول
~~المقصود من حفظ القوى، وللمتصوفة وأرباب الباطن في هذا كلام تشوفوا فيه إلى
~~اعتبار معنى الصوم وحكمته وهو كسر شهوة البطن والفرج، وقالوا: إن من لم
~~تتغير عليه عادته في مقدار أكله لا يحصل له المقصود من الصوم، وهو كسر
~~الشهوتين.
# والصواب - إن شاء الله - أن ما زاد في المقدار، حتى تعدم هذه الحكمة
~~بالكلية لا يستحب، كعادة المترفين في التأنق في المآكل والمشارب. وكثرة
~~الاستعداد فيها، وما لا ينتهي إلى ذلك، فهو مستحب على وجه الإطلاق. وقد
~~تختلف مراتب هذا الاستحباب باختلاف مقاصد الناس وأحوالهم، واختلاف مقدار ما
~~يستعملون.
# PageV00P000
# 183 - الحديث السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من نسي وهو صائم. فأكل أو شرب، فليتم
~~صومه. فإنما أطعمه الله وسقاه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم]
# كان قد وقع خلاف في هذا. فروى فيه أبو هريرة حديثا «من أصبح جنبا فلا صوم
~~له» إلى أن روجع في ذلك بعض أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرت
~~بما ذكر من كونه - صلى الله عليه وسلم - «كان يصبح جنبا ثم يصوم» وصح أيضا
~~" أنه أخبر بذلك عن نفسه " وأبو هريرة أحال في روايته على غيره. واتفق
~~الفقهاء على العمل بهذا الحديث. وصار ذلك إجماعا أو كالإجماع.
# وقولها " من أهله " فيه إزالة لاحتمال يمكن أن يكون سببا لصحة الصوم
# فإن الاحتلام في المنام آت على غير اختيار من الجنب، فيمكن أن يكون سببا
~~للرخصة. فبين في هذا الحديث: أن هذا كان من جماع ليزول هذا الاحتمال. ولم
~~يقع خلاف بين الفقهاء المشهورين في مثل هذا، إلا في الحائض إذا طهرت وطلع
~~عليها الفجر قبل أن تغتسل. ففي مذهب مالك في ذلك قولان - أعني في وجوب
~~القضاء - وقد يدل كتاب الله أيضا على صحة صوم ms303 من أصبح جنبا. فإن قوله تعالى
~~() {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] يقتضي إباحة
~~الوطء في ليلة الصوم مطلقا. ومن جملته.
# الوقت المقارب لطلوع الفجر، بحيث لا يسع الغسل. فتقتضي الآية الإباحة في
~~ذلك الوقت. ومن ضرورته: الإصباح جنبا. والإباحة لسبب الشيء إباحة للشيء.
~~وقولها " من أهله " فيه حذف مضاف، أي من جماع أهله.
### | [حديث من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه]
# اختلف الفقهاء في أكل الناسي للصوم، هل يوجب الفساد أم لا؟ فذهب أبو
~~حنيفة والشافعي: إلى أنه لا يوجب. وذهب مالك إلى إيجاب القضاء. وهو القياس.
~~فإن الصوم قد فات ركنه. وهو من باب المأمورات. والقاعدة تقتضي: أن النسيان
~~لا يؤثر في طلب المأمورات. وعمدة من لم يوجب القضاء: هذا الحديث
# PageV00P000
# 184 - الحديث السابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال «بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل. فقال:
~~يا رسول الله، هلكت. قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم - وفي
~~رواية: أصبت أهلي في رمضان - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل
~~تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال:
~~لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: فمكث
#
### | [إحكام الأحكام]
# وما في معناه، أو ما يقاربه. فإنه أمر بالإتمام. وسمي الذي يتم " صوما "
~~وظاهره: حمله على الحقيقة الشرعية. وإذا كان صوما وقع مجزئا. ويلزم من ذلك:
~~عدم وجوب القضاء. والمخالف حمله على أن المراد: إتمام صورة الصوم. وهو متفق
~~عليه. ويجاب بما ذكرناه من حمل الصوم على الحقيقة الشرعية. وإذا دار اللفظ
~~بين حمله على المعنى اللغوي والشرعي. كان حمله على الشرعي أولى. اللهم إلا
~~أن يكون ثم دليل خارج يقوي به هذا التأويل المرجوح فيعمل به. وقوله «فإنما
~~أطعمه الله وسقاه» يستدل به على صحة الصوم. فإن فيه إشعارا بأن الفعل
~~الصادر منه مسلوب الإضافة إليه. والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه. والذين ms304
~~قالوا بالإفطار حملوا ذلك على أن المراد الإخبار برفع الإثم عنه، وعدم
~~المؤاخذة به. وتعليق الحكم بالأكل والشرب لا يقتضي من حيث هو مخالفة في
~~غيره؛ لأنه تعليق الحكم باللقب، فلا يدل على نفيه عما عداه، أو؛ لأنه تعليق
~~الحكم بالغالب. فإن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليه. والتخصيص بالغالب لا
~~يقتضي مفهوما.
### | 1 -
# وقد اختلف الفقهاء في جماع الناسي، هل يوجب الفساد على قولنا: إن أكل
~~الناسي لا يوجبه؟ واختلف أيضا القائلون بالفساد: هل يوجب الكفارة؟ مع
~~اتفاقهم على أن أكل الناسي لا يوجبها، ومدار الكل على قصور حالة المجامع
~~ناسيا عن حالة الأكل ناسيا، فيما يتعلق بالعذر والنسيان.
# ومن أراد إلحاق الجماع بالمنصوص عليه، فإنما طريقه القياس، والقياس مع
~~الفارق متعذر، إلا إذا بين القائس أن الوصف الفارق ملغى.
# PageV00P000
# النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا نحن على ذلك أتي
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر - والعرق: المكتل - قال: أين
~~السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذا، فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني: يا
~~رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل
~~بيتي. فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه. ثم قال:
~~أطعمه أهلك» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت]
# " الحرة " أرض تركبها حجارة سود. يتعلق بالحديث مسائل.
# المسألة الأولى: استدل به على أن من ارتكب معصية لا حد فيها. وجاء
~~مستفتيا: أنه لا يعاقب؛ لأن النبي لم يعاقبه، مع اعترافه بالمعصية. ومن جهة
~~المعنى: أن مجيئه مستفتيا يقتضي الندم والتوبة، والتعزير
# استصلاح
# . ولا استصلاح مع الصلاح، ولأن معاقبة المستفتي تكون سببا لترك الاستفتاء
~~من الناس عند وقوعهم في مثل ذلك، وهذه مفسدة عظيمة يجب دفعها.
### | [مسألة إيجاب الكفارة بإفطار المجامع عامدا في رمضان]
# 1
# المسألة الثانية: جمهور الأمة على إيجاب الكفارة بإفطار المجامع عامدا،
~~ونقل عن بعض الناس: أنها لا تجب، وهو شاذ جدا. وتقريره - على شذوذه - أن
~~يقال: لو وجبت ms305 الكفارة بالجماع، لما سقطت عند مقارنة الإعسار له، لكن سقطت.
~~فلا تجب. أما بيان الملازمة: فلأن القياس والأصل: أن سبب وجوب المال إذا
~~وجد لم يسقط بالإعسار. فإن الأسباب تعمل إلا مع ما يعارضها مما هو أقوى
~~منها. والإعسار إنما يعارض وجوب الإخراج في الحال؛ لاستحالته، أو مشقته
~~فيقدم على السبب في وجوب الإخراج في الحال. أما ترتبه في الذمة إلى وقت
~~القدرة: فلا يعارضه الإعسار في وقت السبب. فالقول برفع مقتضى السبب
# PageV02P013
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من غير معارض: غير سائغ. وأما أنها سقطت بمقارنة الإعسار: فلأنها لم تؤد،
~~ولا أعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها مرتبة في الذمة. ولو ترتبت
~~لأعلمه.
# وجواب هذا: إما بمنع الملازمة على مذهب من يرى أنها تسقط بمقارنة
~~الإعسار. ويجيب عن الدليل المذكور، وإما بأن يسلم بالملازمة، ويمنع كون
~~الكفارة لم تؤد ويعتذر عن قوله - عليه السلام - " كله وأطعمه أهلك " وإما
~~أن يقال: بأنها لم تؤد، ويعتذر عن السكوت عن بيان ذلك. وسيأتي تفصيل هذه
~~الاعتذارات إن شاء الله تعالى.
### | [مسألة الثالثة جماع الناسي في نهار رمضان]
# 1
# المسألة الثالثة: اختلفوا في جماع الناسي، هل يقتضي الكفارة؟ ولأصحاب
~~مالك قولان. ويحتج من يوجبها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجبها عند
~~السؤال من غير استفصال بين كون الجماع على وجه العمد أو النسيان، والحكم من
~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا ورد عقيب ذكر واقعة محتملة لأحوال
~~مختلفة الحكم، من غير استفصال: يتنزل منزلة العموم. وجوابه: أن حالة
~~النسيان بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم اعتباره في
~~كل وقت: مما يبعد جريانه في حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال بناء
~~على الظاهر، لا سيما وقد قال الأعرابي " هلكت " فإنه يشعر بتعمده ظاهرا،
~~ومعرفته بالتحريم.
### | [مسألة كفارة الجماع]
# المسألة الرابعة: الحديث دليل على جريان الخصال الثلاث في كفارة الجماع.
~~أعني: العتق، والصوم، والإطعام. وقد وقع في كتاب المدونة من قول ابن القاسم
~~" ولا يعرف مالك غير الإطعام " فإن ms306 أخذ على ظاهره - من عدم جريان العتق
~~والصوم في كفارة المفطر - فهي معضلة زباء ذات وبر. لا يهتدى إلى توجيهها،
~~مع مخالفة الحديث، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ. وتأوله
~~على الاستحباب في تقديم الإطعام على غيره من الخصال
# وذكروا وجوها في ترجيح الطعام على غيره:
# منها: أن الله تعالى قد ذكره في القرآن رخصة للقادر. ونسخ هذا الحكم لا
~~يلزم منه نسخ الفضيلة بالذكر والتعيين للإطعام؛ لاختيار الله تعالى له في
~~حق المفطر:
# ومنها: بقاء حكمه في حق المفطر للعذر، كالكبر والحمل والإرضاع:
# ومنها: جريان حكمه في حق من أخر قضاء رمضان، حتى دخل رمضان ثان.
# ومنها: مناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصوم الذي هو
# PageV02P014
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إمساك عن الطعام والشراب. وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من
~~البداءة بالعتق، ثم بالصوم، ثم بالإطعام. فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب
~~الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه. وقد وافق بعض أصحاب مالك على
~~استحباب الترتيب على ما جاء في الحديث. وبعضهم قال: إن الكفارة تختلف
~~باختلاف الأوقات. ففي وقت الشدائد تكون بالإطعام. وبعضهم فرق بين الإفطار
~~بالجماع، والإفطار بغيره. وجعل الإفطار بغيره: يكفر بالإطعام لا غير. وهذا
~~أقرب في مخالفة النص من الأول.
### | [مسألة خصال كفارة الصيام هل هي على الترتيب أو على التخيير]
# 1
# المسألة الخامسة: إذا ثبت جريان الخصال الثلاثة - أعني العتق والصيام
~~والإطعام في هذه الكفارة - فهل هي على الترتيب، أو على التخيير؟ اختلفوا
~~فيه فمذهب مالك: أنها على التخيير. ومذهب الشافعي: أنها على الترتيب. وهو
~~مذهب بعض أصحاب مالك. واستدل على الترتيب في الوجوب بالترتيب في السؤال،
~~وقوله أولا " هل تجد رقبة تعتقها؟ " ثم رتب الصوم بعد العتق، ثم الإطعام
~~بعد الصوم، ونازع القاضي عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك
# وقال: إن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، هذا أو معناه
~~وجعله يدل على الأولوية مع التخيير. ومما ms307 يقوي هذا الذي ذكره القاضي: ما
~~جاء في حديث كعب بن عجرة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أتجد شاة؟
~~فقال: لا. قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين» ولا ترتيب بين الشاة
~~والصوم والإطعام، والتخيير في الفدية ثابت بنص القرآن.
### | [مسألة إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة]
# 1
# المسألة السادسة: قوله " هل تجد رقبة تعتقها؟ " يستدل به من يجيز إعتاق
~~الرقبة الكافرة في الكفارة، لأجل الإطلاق. ومن يشترط الإيمان: يقيد الإطلاق
~~ههنا بالتقييد في كفارة القتل
# وهو ينبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يقيد المطلق أم لا؟
~~وإذا قيد، فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه. والأقرب:
~~أنه إن قيد فبالقياس. والله أعلم.
### | [مسألة الانتقال من الصوم إلى الإطعام في كفارة الجماع في رمضان]
# المسألة السابعة: قوله " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا "
~~لا إشكال في هذه الرواية على الانتقال من الصوم إلى الإطعام؛ لأن الأعرابي
~~نفى
# PageV02P015
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الاستطاعة. وعند عدم الاستطاعة ينتقل إلى الصوم. لكن في بعض الروايات أنه
~~قال " وهل أتيت إلا من الصوم؟ " فاقتضى ذلك عدم استطاعته، بسبب شدة الشبق
~~وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع: فنشأ لأصحاب الشافعي نظر في أن هذا: هل
~~يكون عذرا مرخصا في الانتقال إلى الإطعام في حق من هو كذلك، أعني شديد
~~الشبق؟ قال بذلك بعضهم.
### | [مسألة إطعام ستين مسكينا في كفارة الجماع في رمضان]
# 1
# المسألة الثامنة: قوله " فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " يدل على وجوب
~~إطعام هذا العدد. ومن قال بأن الواجب إطعام ستين مسكينا فهذا الحديث يرد
~~عليه من وجهين:
# أحدهما: أنه أضاف " الإطعام " الذي هو مصدر " أطعم " إلى ستين. ولا يكون
~~ذلك موجودا في حق من أطعم عشرين مسكينا ثلاثة أيام. الثاني: أن القول
~~بإجزاء ذلك عمل بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص بالإبطال وقد عرف ما في
~~ذلك في أصول الفقه.
### | [مسألة العرق معناه ومقداره]
# 1
# المسألة التاسعة: " العرق " بفتح ms308 العين والراء معا: المكتل من الخوص.
~~واحده " عرقة " وهي ضفيرة تجمع إلى غيرها. فيكون مكتلا. وقد روي " عرق "
~~بإسكان الراء. وقد قيل: إن العرق يسع خمسة عشر صاعا فأخذ من ذلك: أن إطعام
~~كل مسكين مد؛ لأن الصاع أربعة أمداد. وقد صرفت هذه الخمسة عشر صاعا إلى
~~ستين مدا. وقسمة خمسة عشر إلى ستين بربع. فلكل مسكين ربع صاع. وهو مد.
### | [مسألة حكمة ضحك النبي ممن جامع في نهار رمضان]
# المسألة العاشرة: " اللابة " الحرة. والمدينة تكتنفها حرتان. والحرة
~~حجارة سود.
# وقيل في ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه يحتمل أن يكون لتباين حال
~~الأعرابي، حيث كان في الابتداء متحرقا متلهفا حاكما على نفسه بالهلاك. ثم
~~انتقل إلى طلب الطعام لنفسه. وقيل: وقد يكون من رحمة الله تعالى، وتوسعته
~~عليه، وإطعامه له هذا الطعام، وإحلاله له بعد أن كلف إخراجه. .
### | [مسألة المذاهب في قول النبي للمكفر عن جماعه أطعمه أهلك]
# 1
# المسألة الحادية عشر: قوله - عليه السلام - " أطعمه أهلك " تباينت
~~المذاهب فيه.
# فمن قائل يقول: هو دليل على إسقاط الكفارة عنه، لأنه لا يمكن أن يصرف
~~كفارته إلى أهله ونفسه. وإذا تعذر أن تقع كفارة، ولم يبين النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - له استقرار الكفارة في ذمته إلى حين اليسار: لزم من مجموع ذلك
~~سقوط الكفارة بالإعسار
# PageV02P016
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المقارن لسبب وجوبها وربما قرر ذلك بالاستشهاد بصدقة الفطر، حيث تسقط
~~بالإعسار المقارن لاستهلال الهلال. وهذا قول للشافعي، أعني سقوط هذه
~~الكفارة بهذا الإعسار المقارن. ومن قائل يقول: لا تسقط الكفارة بالإعسار
~~المقارن.
# وهو مذهب مالك. والصحيح من مذهب الشافعي أيضا. وبعد القول بهذا المذهب
~~فههنا طريقان:
# أحدهما: منع أن لا تكون الكفارة أخرجت في هذه الواقعة.
# وأما قوله - عليه السلام - " أطعمه أهلك " ففيه وجوه:
# منها: ادعاء بعضهم أنه خاص بهذا الرجل، أي يجزئه أن يأكل من صدقة نفسه
~~لفقره. فسوغها له النبي.
# ومنها: ادعاء أنه منسوخ. وهذان ضعيفان. إذ لا دليل على التخصيص ولا على ms309
~~النسخ.
# ومنها: أن تكون صرفت إلى أهله؛ لأنه فقير عاجز لا يجب عليه النفقة لعسره.
~~وهم فقراء أيضا. فجاز إعطاء الكفارة عن نفسه لهم. وقد جوز بعض أصحاب
~~الشافعي لمن لزمته الكفارة مع الفقر أن يصرفها إلى أهله وأولاده. وهذا لا
~~يتم على رواية من روى " كله وأطعمه أهلك ".
# ومنها: ما حكاه القاضي أنه قيل: لما ملكه إياه النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - وهو محتاج جاز له أكلها وإطعامها أهله للحاجة. وهذا ليس فيه تخصيص؛
~~لأنه إن جعل عاما فليس الحكم عليه. وإن جعل خاصا فهو القول المحكي أولا.
# الطريق الثاني: وهو - الأقرب - أن يجعل إعطاؤه إياها لا عن جهة الكفارة.
~~وتكون الكفارة مرتبة في الذمة لما ثبت وجوبها في أول الحديث. والسكوت لتقدم
~~العلم بالوجوب. فإما أن يجعل ذلك مع استقرار أن ما ثبت في الذمة يتأخر
~~للإعسار، ولا يسقط، للقاعدة الكلية والنظائر، أو يؤخذ الاستقرار من دليل
~~يدل عليه أقوى من السكوت. .
### | [مسألة القضاء على مفسد الصوم بالجماع]
# 1
# المسألة الثانية عشر: جمهور الأمة على وجوب القضاء على مفسد الصوم
~~بالجماع.
# وذهب بعضهم إلى عدم وجوبه، لسكوته - عليه السلام - عن ذكره. وبعضهم ذهب
~~إلى أنه إن كفر بالصيام أجزأه الشهران. وإن كفر بغيره قضى يوما. والصحيح:
~~وجوب القضاء.
# والسكوت عنه لتقرره وظهوره. وقد روي أنه ذكر في حديث عمرو بن شعيب. وفي
~~حديث سعيد بن المسيب - أعني القضاء - والخلاف في وجوب القضاء موجود في مذهب
~~الشافعي. ولأصحابه ثلاثة أوجه. وهي
# PageV02P017
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المذاهب التي حكيناها. وهذا الخلاف في الرجل. فأما المرأة فيجب عليها
~~القضاء من غير خلاف عندهم، إذ لم يوجب عليها الكفارة.
### | [مسألة الكفارة على المرأة إذا مكنت طائعة فوطئها الزوج في نهار رمضان]
# المسألة الثالثة عشرة: اختلفوا في وجوب الكفارة على المرأة إذا مكنت
~~طائعة فوطئها الزوج: هل تجب عليها الكفارة أم لا؟ وللشافعي قولان:
# أحدهما: الوجوب. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. وأصح الروايتين عن أحمد.
# الثاني: عدم الوجوب عليها. واختصاص ms310 الزوج بلزوم الكفارة. وهو المنصوص عند
~~أصحاب الشافعي من قوليه.
# ثم اختلفوا: هل هي واجبة على الزوج لا تلاقي المرأة، أو هي كفارة واحدة
~~تقوم عنهما جميعا؟ وفيه قولان مخرجان من كلام الشافعي. واحتج الذين لم
~~يوجبوا عليها الكفارة بأمور:
# منها: ما لا يتعلق بالحديث. فلا حاجة بنا إلى ذكره.
# والذي يتعلق بالحديث من استدلالهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم
~~يعلم المرأة بوجوب الكفارة عليها، مع الحاجة إلى الإعلام. ولا يجوز تأخير
~~البيان عن وقت الحاجة. «وقد أمر رسول الله أنيسا أن يغدو على امرأة صاحب
~~العسيف. فإن اعترفت رجمها» .
# فلو وجبت الكفارة على المرأة لأعلمها النبي بذلك، كما في حديث أنيس.
~~والذين أوجبوا الكفارة أجابوا بوجوه:
# أحدها: أنا لا نسلم الحاجة إلى إعلامها. فإنها لم تعترف بسبب الكفارة.
~~وإقرار الرجل عليها لا يوجب عليها حكما. وإنما تمس الحاجة إلى إعلامها إذا
~~ثبت الوجوب في حقها ولم يثبت على ما بيناه.
# وثانيها: أنها قضية حال. يتطرق إليها الاحتمال. ولا عموم لها. وهذه
~~المرأة يجوز أن لا تكون ممن تجب عليها الكفارة بهذا الوطء: إما لصغرها، أو
~~جنونها، أو كفرها، أو حيضها، أو طهارتها من الحيض في أثناء اليوم.
# واعترض على هذا بأن علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيض امرأة أعرابي
~~لم يعلم عسره حتى أخبره به مستحيل. وأما العذر بالصغر والجنون والكفر
~~والطهارة من الحيض: فكلها أعذار تنافي التحريم على المرأة. وينافيها قوله
~~فيما رووه " هلكت وأهلكت " وجودة هذا الاعتراض موقوفة على صحة هذه الرواية.
# PageV02P018
# 185 - الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن
~~حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أأصوم في السفر؟ -
~~وكان كثير الصيام -
#
### | [إحكام الأحكام]
# وثالثها: لا نسلم بعدم بيان الحكم. فإن بيانه في حق الرجل بيان له في حق
~~المرأة. لاستوائهما في تحريم الفطر، وانتهاك حرمة الصوم، مع العلم بأن سبب
~~إيجاب الكفارة هو ذاك. والتنصيص على الحكم في بعض المكلفين: كاف عن ذكره في ms311
~~حق الباقين. وهذا كما أنه - عليه السلام - لم يذكر إيجاب الكفارة على سائر
~~الناس غير الأعرابي، لعلمهم بالاستواء في الحكم. وهذا وجه قوي.
# وإنما حاولوا التعليل عليه بأن بينوا في المرأة معنى يمكن أن يظن بسببه
~~اختلاف حكمها مع حكم الرجل، بخلاف غير الأعرابي من الناس. فإنه لا معنى
~~يوجب اختلاف حكمهم مع حكمه. وذلك المعنى الذي أبدوه في حق المرأة: هو أن
~~مؤن النكاح لازمة للزوج، كالمهر وثمن ماء الغسل عن جماعه. فيمكن أن يكون
~~هذا منه.
# وأيضا: فجعلوا الزوج في الوطء هو الفاعل المنسوب إليه الفعل. والمرأة
~~محل. فيمكن أن يقال: الحكم مضاف إلى من ينسب إليه الفعل. فيقال واطئ
~~ومواقع. ولا يقال للمرأة ذلك، وليس هذان بقويين، فإن المرأة يحرم عليها
~~التمكين، وتأثم به إثم مرتكب الكبائر، كما في الرجل. وقد أضيف اسم الزنا
~~إليها في كتاب الله تعالى. ومدار إيجاب الكفارة على هذا المعنى.
### | 1 -
# المسألة الرابعة عشرة: دل الحديث بنصه على إيجاب التتابع في صيام
~~الشهرين. وعن بعض المتقدمين: أنه خالف فيه.
### | [مسألة التتابع في صيام الشهرين]
# 1
# المسألة الخامسة عشرة: دل الحديث على أنه لا مدخل لغير هذه الخصال في هذه
~~الكفارة. وعن بعض المتقدمين: أنه أدخل البدنة فيها عند تعذر الرقبة وورد
~~ذلك في رواية عطاء عن سعيد. وقيل: إن سعيدا أنكر روايته عنه. باب الصوم في
~~السفر.
# PageV00P000
# فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» .
### | 186 -
# الحديث الثاني: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «كنا نسافر مع
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب الصائم على المفطر. ولا المفطر على
~~الصائم» .
### | 187 -
# الحديث الثالث: عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: «خرجنا مع رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان. في حر شديد، حتى إن كان أحدنا
~~ليضع يده على رأسه من شدة الحر. وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن حمزة بن عمرو ms312 الأسلمي قال للنبي أأصوم في السفر]
# وفي الحديث دليل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر.
# وليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان. وربما استدل به من يجيز صوم رمضان في
~~السفر فمنعوا الدلالة من حيث ما ذكرناه، من عدم الدلالة على كونه صوم
~~رمضان.
### | [حديث كنا نسافر مع النبي فلم يعب الصائم على المفطر]
# وهذا أقرب في الدلالة على جواز صوم رمضان في السفر، من حيث إنه جعل الصوم
~~في السفر بعرض كونه يعاب على عدمه، بقوله " فلم يعب الصائم على المفطر، ولا
~~المفطر على الصائم " وذلك إنما هو الصوم الواجب. وأما الصوم المرسل: فلا
~~يناسب أن يعاب. ولا يحتاج إلى نفي هذا الوهم فيه.
# PageV00P000
# 188 - الحديث الرابع: عن جابر بن عبد الله - رضي الله
~~عنهما - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر. فرأى زحاما
~~ورجلا قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. قال: ليس من البر الصيام في
~~السفر» .
# وفي لفظ لمسلم «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث خرجنا مع رسول الله في شهر رمضان في حر شديد]
# وهذا تصريح بأن هذا الصوم وقع في رمضان. ومذهب جمهور الفقهاء: صحة صوم
~~المسافر. والظاهرية خالفت فيه - أو بعضهم - بناء على ظاهر لفظ القرآن من
~~غير اعتبارهم للإضمار. وهذا الحديث يرد عليهم.
### | [حديث كان رسول الله في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه]
# أخذ من هذا: أن كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة، ممن
~~يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات
# ويكون قوله " ليس من البر الصيام في السفر " منزلا على مثل هذه الحالة
# والظاهرية المانعون من الصوم في السفر يقولون: إن اللفظ عام. والعبرة
~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويجب أن تتنبه للفرق بين دلالة السياق
~~والقرائن الدالة على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام
~~على سبب، ولا تجريهما مجرى واحدا. فإن مجرد ورود ms313 العام على السبب لا يقتضي
~~التخصيص به.
# كقوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] بسبب سرقة
~~رداء صفوان. وأنه لا يقتضي التخصيص به بالضرورة والإجماع.
# أما السياق والقرائن: فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه. وهي
~~المرشدة إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات.
# فاضبط هذه القاعدة. فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى. وانظر في قوله - صلى
~~الله عليه وسلم - «ليس من البر الصيام في السفر» مع حكاية هذه الحالة من أي
~~القبيلتين هو؟ فنزله عليه.
# وقوله «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» دليل على أنه يستحب التمسك
~~بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها. ولا تترك على وجه التشديد على النفس والتنطع
~~والتعمق.
# PageV00P000
# الحديث الخامس: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال
~~«كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر فمنا الصائم، ومنا المفطر
~~قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، وأكثرنا ظلا: صاحب الكساء. ومنا من يتقي
~~الشمس بيده. قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية. وسقوا الركاب
~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ذهب المفطرون اليوم بالأجر.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كنا مع النبي في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر]
# أما قوله " فمنا الصائم ومنا المفطر " فدليل على جواز الصوم في السفر
~~ووجه الدلالة: تقرير النبي للصائمين على صومهم.
# وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " ففيه
~~أمران:
# أحدهما: أنه إذا تعارضت المصالح. قدم أولاها وأقواها.
# والثاني: أن قوله - رضي الله عنه - " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " فيه
~~وجهان:
# أحدهما: أن يراد بالأجر أجر تلك الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت
~~على أيديهم. ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم.
# والثاني: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغا
~~ينغمر فيه أجر الصوم فتحصل المبالغة بسبب ذلك. ويجعل كأن الأجر كله للمفطر.
~~وهذا قريب مما يقوله بعض الناس في إحباط الأعمال الصالحة ببعض الكبائر، وأن
~~ثواب ذلك العمل صار مغمورا جدا بالنسبة إلى ما يحصل من عقاب الكبيرة، فكأنه
~~كالمعدوم ms314 المحبط، وإن كان الصوم ههنا ليس من المحبطات، ولكن المقصود:
~~التشبيه في أن ما قل جدا قد يجعل كالمعدوم مبالغة. وهذا قد يوجد مثله في
~~التصرفات الوجودية، وأعمال الناس في مقابلتهم حسنات من يفعل معهم منها شيئا
~~بسيئاته، ويجعل اليسير منها جدا كالمعدوم بالنسبة إلى الإحسان والإساءة،
~~كحجامة الأب لولده في دفع المرض الأعظم عنه. فإنه يعد محسنا مطلقا. ولا يعد
~~مسيئا بالنسبة إلى إيلامه بالحجامة، ليسارة ذلك الألم بالنسبة إلى
# PageV02P022
# 190 - الحديث السادس: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت " كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان ".
### | 191 -
# الحديث السابع: عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - قال «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وأخرجه أبو داود وقال "
~~هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# دفع المرض الشديد.
### | [حديث عائشة يكون علي الصوم من رمضان فأقضيه في شعبان]
# فيه دليل على جواز تأخير قضاء رمضان في الجملة، وأنه موسع الوقت، وقد
~~يؤخذ منه: أنه لا يؤخر عن شعبان حتى يدخل رمضان ثان. وأما اختلاف الفقهاء
~~في وجوب الإطعام على من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان ثان: فمما لا يتعلق
~~بهذا الحديث، وقد تبين في أخرى عن عائشة - رضي الله عنها - أن هذا التأخير
~~كان للشغل برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
### | [حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه]
# ليس هذا الحديث مما اتفق الشيخان على إخراجه، وهو دليل بعمومه على أن
~~الولي يصوم عن الميت، وأن النيابة تدخل في الصوم، وذهب إليه قوم وهو قول
~~قديم للشافعي. والجديد الذي عليه الأكثرون: عدم دخول النيابة فيه؛ لأنها
~~عبادة بدنية. والحديث لا يقتضي التخصيص بالنذر، كما ذكر أبو داود عن أحمد
~~بن حنبل. نعم قد ورد في بعض الروايات: ما يقتضي الإذن في الصوم عن من مات
~~وعليه نذر بصوم. وليس ذلك بمقتض للتخصيص بصورة النذر. وقد تكلم الفقهاء في
~~المعتبر ms315 في الولاية، على ما ورد في لفظ الخبر، أهو مطلق القرابة، أو بشرط
~~العصوبة، أو الإرث؟ وتوقف في ذلك إمام الحرمين. وقال: لا نقل عندي
# PageV00P000
# 192 - الحديث الثامن: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول
~~الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين
~~أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى» .
# وفي رواية «جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا
~~رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر. أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان
~~على أمك دين فقضيتيه، أكان ذلك يؤدي عنها؟ فقالت: نعم. قال:
#
### | [إحكام الأحكام]
# في ذلك. وقال غيره من الفقهاء المتأخرين: وأنت إذا فحصت عن نظائره، وجدت
~~الأشبه: اعتبار الإرث.
# وقوله " صام عنه وليه " قيل: ليس المراد أنه يلزمه ذلك. وإنما يجوز ذلك
~~له إن أراد. هكذا ذكره صاحب التهذيب من مصنفي الشافعية. وحكاه إمام الحرمين
~~عن أبيه الشيخ أبي محمد. وفي هذا بحث. وهو أن الصيغة صيغة خبر، أعني " صام
~~" ويمتنع الحمل على ظاهره. فينصرف إلى الأمر. ويبقى النظر في أن الوجوب
~~متوقف على صيغة الأمر المعينة. وفي " افعل " مثلا، أو يعمها مع ما يقوم
~~مقامها.
# وقد يؤخذ من الحديث: أنه لا يصوم عنه الأجنبي، إما لأجل التخصيص، مع
~~مناسبة الولاية لذلك، وإما؛ لأن الأصل: عدم جواز النيابة في الصوم؛ لأنه
~~عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة. فلا تدخلها بعد الموت كالصلاة. وإذا
~~كان الأصل عدم جواز النيابة: وجب أن يقتصر فيها على ما ورد في الحديث.
~~ويجري في الباقي على القياس.
### | 1 -
# وقد قال أصحاب الشافعي: لو أمر الولي أجنبيا أن يصوم عنه بأجرة أو بغير
~~أجرة جاز، كما في الحج. فلو استقل به الأجنبي، ففي إجزائه وجهان. أظهرهما:
~~المنع. وأما إلحاق غير الصوم بالصوم: فإنما يكون بالقياس. وليس أخذ الحكم
~~عنه من نص ms316 الحديث.
# PageV00P000
# فصومي عن أمك» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها]
# أما حديث ابن عباس: فقد أطلق فيه القول بأن أم الرجل ماتت وعليها صوم
~~شهر. ولم يقيده بالنذر. وهو يقتضي: أن لا يتخصص جواز النيابة بصوم النذر.
# وهو منصوص الشافعية، تفريعا على القول القديم، خلافا لما قاله أحمد.
# ووجه الدلالة من الحديث من وجهين.
# أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذا الحكم غير مقيد، بعد
~~سؤال السائل مطلقا عن واقعة يحتمل أن يكون وجوب الصوم فيها عن نذر. ويحتمل
~~أن يكون عن غيره. فخرج ذلك على القاعدة المعروفة في أصول الفقه. وهو أن
~~الرسول - عليه السلام - إذا أجاب بلفظ غير مقيد عن سؤال وقع عن صورة محتملة
~~أن يكون الحكم فيها مختلفا: أنه يكون الحكم شاملا للصور كلها. وهو الذي
~~يقال فيه " ترك الاستفصال عن قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال: منزل منزلة
~~العموم في المقال " وقد استدل الشافعي بمثل هذا
# وجعلها كالعموم.
# الوجه الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل قضاء الصوم بعلة عامة
~~للنذر وغيره
# وهو كونه عليها. وقاسه على الدين. وهذه العلة لا تختص بالنذر - أعني
~~كونها حقا واجبا - والحكم يعم بعموم علته. وقد استدل القائلون بالقياس في
~~الشريعة بهذا، من حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاس وجوب أداء حق
~~الله تعالى على وجوب أداء حق العباد. وجعله من طريق الأحق. فيجوز لغيره
~~القياس لقوله تعالى () {واتبعوه} [الأعراف: 158] لا سيما وقوله - عليه
~~السلام - " أرأيت " إرشاد وتنبيه على العلة التي هي كشيء مستقر في نفس
~~المخاطب
# وفي قوله - عليه السلام - " فدين الله أحق بالقضاء " دلالة على المسائل
~~التي اختلف الفقهاء فيها، عند تزاحم حق الله تعالى وحق العباد، كما إذا مات
~~وعليه دين آدمي ودين الزكاة. وضاقت التركة عن الوفاء بكل واحد منهما. وقد
~~يستدل من يقول بتقديم دين الزكاة بقوله - عليه السلام - " فدين الله أحق
~~بالقضاء ".
# وأما الرواية الثانية: ففيها ما في الأولى من ms317 دخول النيابة في الصوم،
~~والقياس
# PageV02P025
# 193 - الحديث التاسع: عن سهل بن سعد الساعدي - رضي
~~الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يزال الناس بخير
~~ما عجلوا الفطر.»
### | 194 -
# الحديث العاشر: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال قال رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - «إذا أقبل الليل من ههنا. وأدبر النهار من ههنا: فقد
~~أفطر الصائم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# على حقوق الآدميين، إلا أنه ورد التخصيص فيها بالنذر. فقد يتمسك به من
~~يرى التخصيص بصوم النذر، إما بأن يدل دليل على أن الحديث واحد. يبين من بعض
~~الروايات: أن الواقعة المسئول عنها واقعة نذر.
# فيسقط الوجه الأول: وهو الاستدلال بعدم الاستفصال إذا تبين عين الواقعة،
~~إلا أنه قد يبعد لتباين بين الروايتين. فإن في إحداهما " أن السائل رجل "
~~وفي الثانية " أنه امرأة " وقد قررنا في علم الحديث: أنه يعرف كون الحديث
~~واحدا باتحاد سنده ومخرجه، وتقارب ألفاظه. وعلى كل حال.
# فيبقى الوجه الثاني: وهو الاستدلال بعموم العلة على عموم الحكم. وأيضا
~~فإن معنا عموما. وهو قوله - عليه السلام - «من مات وعليه صيام صام عنه
~~وليه» فيكون التنصيص على مسألة صوم النذر، مع ذلك العموم راجعا إلى مسألة
~~أصولية. وهو أن التنصيص على بعض صوم العام لا يقتضي التخصيص. وهو المختار
~~في علم الأصول. وقد تشبث بعض الشافعية بأن يقيس الاعتكاف والصلاة على الصوم
~~في النيابة، وربما حكاه بعضهم وجها في الصلاة. فإن صح ذلك فقد يستدل بعموم
~~هذا التعليل.
### | [حديث لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر]
# تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب: مستحب باتفاق. ودليله هذا الحديث. وفيه
~~دليل على المتشيعة، الذين يؤخرون إلى ظهور النجم. ولعل هذا هو السبب في كون
~~الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر؛ لأنهم إذا أخروه كانوا داخلين في فعل
~~خلاف السنة. ولا يزالون بخير ما فعلوا السنة.
# PageV00P000
# 195 - الحديث الحادي عشر: عن عبد الله بن عمر - رضي
~~الله عنهما - قال «نهى رسول الله - صلى ms318 الله عليه وسلم - عن الوصال. قالوا:
~~إنك تواصل. قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى» ورواه أبو هريرة وعائشة
~~وأنس بن مالك. 196 - ولمسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - «فأيكم
~~أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا]
# الإقبال، والإدبار " متلازمان. أعني: إقبال الليل وإدبار النهار.
# وقد يكون أحدهما أظهر للعين في بعض المواضع. فيستدل بالظاهر على الخفي،
~~كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب. وكان المشرق
~~بارزا ظاهرا فيستدل بطلوع الليل على غروب الشمس.
# وقوله - عليه السلام - " فقد أفطر الصائم " يجوز أن يكون المراد به: فقد
~~حل له الفطر. ويجوز أن يكون المراد به: فقد دخل في الفطر. وتكون الفائدة
~~فيه: أن الليل غير قابل للصوم. وأنه بنفس دخوله خرج الصائم من الصوم. وتكون
~~الفائدة على الوجه الأول: ذكر العلامة التي بها يحصل جواز الإفطار. وعلى
~~الوجه الثاني: بيان امتناع الوصال، بمعنى الصوم الشرعي، لا بمعنى الإمساك
~~الحسي فإن من أمسك حسا فهو مفطر شرعا. وفي ضمن ذلك: إبطال فائدة الوصال
~~شرعا. إذ لا يحصل به ثواب الصوم.
### | [حديث نهى رسول الله عن الوصال]
# في الحديث دليل على كراهة الوصال. واختلف الناس فيه. ونقل عن بعض
~~المتقدمين فعله. ومن الناس من أجازه إلى السحر، على حديث أبي سعيد الخدري
# PageV00P000
# باب أفضل الصيام وغيره 197 - الحديث الأول: عن عبد
~~الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفي حديث أبي سعيد الخدري: دليل على أن النهي عنه نهي كراهة، لا نهي
~~تحريم. وقد يقال: إن الوصال المنهي عنه: ما اتصل باليوم الثاني. فلا
~~يتناوله الوصال إلى السحر، فإن قوله - عليه السلام - " فأيكم أراد أن يواصل
~~فليواصل إلى السحر " يقتضي تسميته وصالا. والنهي عن الوصال يمكن تعليله
~~بالتعريض بصوم اليوم الثاني، فإن كان واجبا كان بمثابة الحجامة والفصد
~~وسائر ما يتعرض به الصوم للبطلان
# وتكون ms319 الكراهة شديدة. وإن كان صوم نفل: ففيه التعرض لإبطال ما شرع فيه من
~~العبادة. وإبطالها: إما ممنوع - على مذهب بعض الفقهاء - وإما مكروه. وكيفما
~~كان: فعلة الكراهة موجودة، إلا أنها تختلف رتبتها. فإن أجزنا الإفطار: كانت
~~رتبة هذه الكراهة أخف من رتبة الكراهة في الصوم الواجب قطعا. وإن منعناه
~~فهل يكون كالكراهة في تعريض الصوم المفروض بأصل الشرع؟ فيه نظر. فيحتمل أن
~~يقال: يستويان.
# لاستوائهما في الوجوب. ويحتمل أن يقال: لا يستويان؛ لأن ما ثبت بأصل
~~الشرع، فالمصالح المتعلقة به أقوى وأرجح؛ لأنها انتهضت سببا للوجوب. وأما
~~ما ثبت وجوبه بالنذر - وإن كان مساويا للواجب بأصل الشرع في أصل الوجوب -
~~فلا يساويه في مقدار المصلحة. فإن الوجوب ههنا إنما هو للوفاء بما التزمه
~~العبد لله تعالى. وأن لا يدخل فيمن يقول ما لا يفعل.
# وهذا بمفرده لا يقتضي الاستواء في المصالح. ومما يؤيد هذا النظر الثاني
~~ما ثبت في الحديث الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النذر»
~~مع وجوب الوفاء بالنذر. فلو كان مطلق الوجوب مما يقتضي مساواة المنذور
~~بغيره من الواجبات: لكان فعل الطاعة بعد النذر أفضل من فعلها قبل النذر؛
~~لأنه حينئذ يدخل تحت قوله تعالى فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~ما معناه أنه «ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم» ويحمل ما
~~تقدم من البحث على أداء ما افترض بأصل الشرع؛ لأنه لو حمل على العموم لكان
~~النذر وسيلة إلى تحصيل الأفضل. فكان يجب أن يكون مستحبا، وهذا على إجراء
~~النهي عن النذر على عمومه.
# PageV02P028
# قال «أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني
~~أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت. فقال رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -: أنت الذي قلت ذلك؟ فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي.
~~فقال: فإنك لا تستطيع ذلك. فصم وأفطر، وقم ونم. وصم من الشهر ثلاثة أيام
~~فإن الحسنة بعشر أمثالها. وذلك مثل صيام الدهر. قلت: فإني أطيق أفضل من
~~ذلك. ms320 قال: فصم يوما وأفطر يومين. قلت: أطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوما
~~وأفطر يوما. فذلك مثل صيام داود. وهو أفضل الصيام. فقلت: إني أطيق أفضل من
~~ذلك. قال: لا أفضل من ذلك» .
# وفي رواية «لا صوم فوق صوم أخي داود - شطر الدهر - صم يوما وأفطر يوما» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب أفضل الصيام وغيره]
# فيه ست مسائل الأولى: " صوم الدهر " ذهب جماعة إلى جوازه. منهم مالك
~~والشافعي. ومنعه الظاهرية، للأحاديث التي وردت فيه، كقوله - عليه السلام -
~~«لا صام من صام الأبد» وغير ذلك. وتأول مخالفوهم هذا على من صام الدهر،
~~وأدخل فيه الأيام المنهي عن صومها، كيومي العيدين وأيام التشريق. وكأن هذا
~~محافظة على حقيقة صوم الأبد. فإن من صام هذه الأيام، مع غيرها: هو الصائم
~~للأبد. ومن أفطر فيها لم يصم الأبد، إلا أن في هذا خروجا عن الحقيقة
~~الشرعية، وهو مدلول لفظة " صام " فإن هذه الأيام غير قابلة للصوم شرعا. إذ
~~لا يتصور فيها حقيقة الصوم، فلا يحصل حقيقة " صام " شرعا لمن أمسك في هذه
~~الأيام.
# فإن وقعت المحافظة على حقيقة لفظ " الأبد " فقد وقع الإخلال بحقيقة لفظ "
~~صام " شرعا، فيجب أن يحمل ذلك على الصوم اللغوي. وإذا تعارض مدلول اللغة
~~ومدلول الشرع في ألفاظ صاحب الشرع، حمل على الحقيقة الشرعية.
# PageV02P029
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ووجه آخر: وهو أن تعليق الحكم بصوم الأبد يقتضي ظاهره " أن الأبد " متعلق
~~الحكم من حيث هو " أبد " فإذا وقع الصوم في هذه الأيام، فعلة الحكم: وقوع
~~الصوم في الوقت المنهي عنه وعليه ترتب الحكم. ويبقى ترتيبه على مسمى الأبد
~~غير واقع. فإنه إذا صام هذه الأيام تعلق به الذم، سواء صام غيرها أو أفطر
~~ولا يبقى متعلق الذم عليه صوم الأبد، بل هو صوم هذه الأيام، إلا أنه لما
~~كان صوم الأبد يلزم منه صوم هذه الأيام: تعلق به الذم، لتعلقه بلازمه الذي
~~لا ينفك عنه. فمن ههنا نظر المتأولون بهذا التأويل فتركوا التعليل بخصوص
~~صوم الأبد. ms321
### | [مسألة كره جماعة قيام كل الليل]
# 1
# المسألة الثانية: كره جماعة قيام كل الليل. لرد النبي ذلك على من أراده،
~~ولما يتعلق به من الإجحاف بوظائف عديدة
# وفعله جماعة من المتعبدين من السلف وغيرهم. ولعلهم حملوا الرد على طلب
~~الرفق بالمكلف. وهذا الاستدلال على الكراهة بالرد المذكور عليه سؤال، وهو
~~أن يقال: إن الرد لمجموع الأمرين وهو صيام النهار، وقيام الليل فلا يلزم
~~ترتبه على أحدهما.
# المسألة الثالثة: قوله - عليه السلام - " إنك لا تستطيع ذلك " تطلق عدم
~~الاستطاعة بالنسبة إلى المتعذر مطلقا، وبالنسبة إلى الشاق على الفاعل.
~~وعليهما ذكر الاحتمال في قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}
~~[البقرة: 286] فحمله بعضهم على المستحيل، حتى أخذ منه جواز تكليف المحال.
~~وحمله بعضهم على ما يشق. وهو الأقرب. فقوله - عليه السلام - " لا تستطيع
~~ذلك " محمول على أنه يشق ذلك عليك، على الأقرب. ويمكن أن يحمل ذلك على
~~الممتنع: إما على تقدير أن يبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك. وعلمه النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - بطريق، أو في ذلك التزام لأوقات تقتضي العادة أنه لا
~~بد من وقوعها، مع تعذر ذلك فيها، ويحتمل أن يكون قوله " لا تستطيع ذلك " مع
~~القيام ببقية المصالح المرعية شرعا.
### | [مسألة استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر]
# 1
# المسألة الرابعة: فيه دليل على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر
# وعلته مذكورة في الحديث. واختلف الناس في تعيينها من الشهر اختلافا في
~~تعيين الأحب والأفضل لا غير. وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك.
~~فأضربنا عن ذكره.
# المسألة الخامسة: قوله - عليه السلام - " وذلك مثل صيام الدهر " مؤول
# PageV02P030
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف للحسنات. فإن ذلك التضعيف
~~مرتب على الفعل الحسي الواقع في الخارج. والحامل على هذا التأويل: أن
~~القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق، وأن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت
~~المصالح، أو المشقة في الفعل. فكيف يستوي من فعل الشيء ms322 بمن قدر فعله له
~~فلأجل ذلك قيل: إن المراد أصل الفعل في التقدير، لا الفعل المرتب عليه
~~التضعيف في التحقيق
# وهذا البحث يأتي في مواضع. ولا يختص بهذا الموضع.
# ومن ههنا يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا اللفظ وشبهه على جواز صوم
~~الدهر، من حيث إنه ذكر للترغيب في فعل هذا الصوم. ووجه الترغيب: أنه مثل
~~بصوم الدهر. ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب هي جهة الذم.
# وسبيل الجواب: أن الذم - عند من قال به - متعلق بالفعل الحقيقي، ووجه
~~الترغيب ههنا: حصول الثواب على الوجه التقديري. فاختلفت جهة الترغيب وجهة
~~الذم، وإن كان هذا الاستنباط الذي ذكر لا بأس به، ولكن الدلائل الدالة على
~~كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالة. والعمل بأقوى الدليلين واجب، والذين
~~أجازوا صوم الدهر حملوا النهي على ذي عجز أو مشقة، أو ما يقرب من ذلك، من
~~لزوم تعطيل مصالح راجحة على الصوم، أو متعلقة بحق الغير كالزوجة مثلا. .
### | [مسألة الفضل في صيام داود]
# المسألة السادسة: قوله - عليه السلام - في صوم داود " وهو أفضل الصيام "
~~ظاهر قوي في تفضيل هذا الصوم على صوم الأبد. والذين قالوا بخلاف ذلك: نظروا
~~إلى أن العمل متى كان أكثر كان الأجر أوفر. هذا هو الأصل. فاحتاجوا إلى
~~تأويل هذا. وقيل فيه: إنه أفضل الصيام بالنسبة إلى من حاله مثل حالك، أي من
~~يتعذر عليه الجمع بين الصوم الأكثر وبين القيام بالحقوق. والأقرب عندي: أن
~~يجرى على ظاهر الحديث في تفضيل صيام داود - عليه السلام -، والسبب فيه: أن
~~الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد.
# وليس كل ذلك معلوما لنا ولا مستحضرا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد،
~~فمقدار تأثير كل واحد منها في الحث والمنع غير محقق لنا. فالطريق حينئذ أن
~~نفوض الأمر إلى صاحب الشرع، ونجري على ما دل عليه ظاهر اللفظ مع قوة الظاهر
~~ههنا. وأما زيادة العمل واقتضاء القاعدة لزيادة
# PageV02P031
# 198 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص
~~قال
# قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن أحب الصيام ms323 إلى الله صيام
~~داود. وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود. كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه.
~~وينام سدسه. وكان يصوم يوما ويفطر يوما.»
### | 199 -
# الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال «أوصاني خليلي - صلى
~~الله عليه وسلم - بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر
~~قبل أن أنام» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الأجر بسببه: فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة للتقصير في حقوق يعارضها
~~الصوم الدائم، ومقادير ذلك الفائت مع مقادير ذلك الحاصل من الصوم غير معلوم
~~لنا. وقوله - عليه السلام - " لا صوم فوق صوم داود " يحمل على أنه لا فوقه
~~في الفضيلة المسئول عنها.
### | [حديث أحب الصيام إلى الله صيام داود]
# وفي هذه الرواية زيادة قيام الليل.
# وتقديره بما ذكر. ونوم سدسه الأخير: فيه مصلحة الإبقاء على النفس،
~~واستقبال صلاة الصبح، وأذكار أول النهار بالنشاط. والذي تقدم في الصوم من
~~المعارض: وارد هنا. وهو أن زيادة العمل تقتضي زيادة الفضيلة والكلام فيه
~~كالكلام في الصوم من تفويض مقادير المصالح والمفاسد إلى صاحب الشرع.
# ومن مصالح هذا النوع من القيام أيضا: أنه أقرب إلى عدم الرياء في
~~الأعمال. فإن من نام السدس الأخير: أصبح جاما غير منهوك القوى. فهو أقرب
~~إلى أن يخفي أثر عمله على من يراه، ومن يخالف هذا يجعل قوله - عليه السلام
~~-: " أحب الصيام " مخصوصا بحالة، أو بفاعل، وعمدتهم: النظر إلى ما ذكرناه.
### | [حديث أوصاني خليلي بثلاث]
# فيه دليل على تأكيد هذه الأمور بالقصد إلى الوصية بها، وصيام ثلاثة أيام
~~قد
# PageV00P000
# 200 - الحديث الرابع: عن محمد بن عباد بن جعفر قال:
~~«سألت جابر بن عبد الله أنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم
~~الجمعة؟ قال: نعم» وزاد مسلم " ورب الكعبة ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# وردت علته في الحديث، وهو تحصيل أجر الشهر، باعتبار أن الحسنة بعشر
~~أمثالها، وقد ذكرنا ما فيه، ورأى من يرى أن ذلك أجر بلا تضعيف، ليحصل الفرق
~~بين صوم الشهر تقديرا، وبين صومه تحقيقا. وفي ms324 الحديث دليل على استحباب صلاة
~~الضحى، وأنها ركعتان، ولعله ذكر الأقل الذي توجه التأكيد لفعله، وعدم
~~مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها لا ينافي استحبابها؛ لأن
~~الاستحباب يقوم بدلالة القول، وليس من شرط الحكم: أن تتضافر عليه الدلائل،
~~نعم ما واظب عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - تترجح مرتبته على هذا
~~ظاهرا. وأما النوم عن الوتر: فقد تقدم في هذا كلام في تأخير الوتر وتقديمه،
~~وورد فيه حديث يقتضي الفرق بين من وثق من نفسه بالقيام آخر الليل، وبين من
~~لم يثق، فعلى هذا تكون الوصية مخصوصة بحال أبي هريرة ومن وافقه في حاله.
### | [حديث النهي عن صوم يوم الجمعة]
# النهي عن صوم يوم الجمعة محمول على صومه مفردا، كما تبين في موضع آخر
~~ولعل سببه: أن لا يخص يوم بعينه بعبادة معينة، لما في التخصيص من التشبه
~~باليهود في تخصيص السبت بالتجرد عن الأعمال الدنيوية، إلا أن هذا ضعيف؛ لأن
~~اليهود لا يخصون يوم السبت بخصوص الصوم، فلا يقوى التشبه بهم، بل ترك
~~الأعمال الدنيوية أقرب إلى التشبه بهم، ولم يرد به النهي وإنما تؤخذ كراهته
~~من قاعدة كراهة التشبه بالكفار، ومن قال: بأنه يكره التخصيص ليوم معين، فقد
~~أبطل تخصيص يوم الجمعة، ولعله ينضم إلى ما ذكرنا من المعنى: أن اليوم لما
~~كان فضيلا جدا على الأيام، وهو يوم عيد هذه الملة، كان الداعي إلى صومه
~~قويا،
# PageV00P000
# 201 - الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا يصومن أحدكم يوم
~~الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده» .
### | 202 -
# الحديث السادس: عن أبي عبيد مولى ابن أزهر واسمه سعد بن عبيد - قال:
~~«شهدت العيد مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال هذان يومان نهى رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم
~~الآخر: تأكلون فيه من نسككم.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# فنهى عنه، حماية أن يتتابع الناس في صومه، ms325 فيحصل فيه التشبه أو محذور
~~إلحاق العوام إياه بالواجبات إذا أديم، وتتابع الناس على صومه، فيلحقون
~~بالشرع ما ليس منه، وأجاز مالك صومه مفردا، وقال بعضهم: لم يبلغه الحديث،
~~أو لعله لم يبلغه.
### | [حديث لا يصومن أحدكم يوم الجمعة]
# حديث أبي هريرة يبين المطلق في الرواية الأولى، ويوضح أن المراد إفراده
~~بالصوم، ويظهر منه: أن العلة هي الإفراد بالصوم ويبقى النظر: هل ذلك مخصوص
~~بهذا اليوم، أم نعديه إلى قصد غيره بالتخصيص بالصوم؟ وقد أشرنا إلى الفرق
~~بين تخصيصه وتخصيص غيره بأن الداعي ههنا إلى تخصيصه عام بالنسبة إلى كل
~~الأمة. فالداعي إلى حماية الذريعة فيه أقوى من غيره. فمن هذا الوجه: يمكن
~~تخصيص النهي به ولو قدرنا أن العلة تقتضي عموم النهي عن التخصيص بصوم غيره،
~~ووردت دلائل تقتضي تخصيص البعض باستحباب صومه بعينه: لكانت مقدمة على
~~العموم المستنبط من عموم العلة، لجواز أن تكون العلة قد اعتبر فيها وصف من
~~أوصاف محل النهي. والدليل الدال على الاستحباب لم يتطرق إليه احتمال الرفع.
~~فلا يعارضه ما يحتمل فيه التخصيص ببعض أوصاف المحال.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث يومان نهى رسول الله عن صيامهما]
# مدلوله: المنع من صوم يومي العيد. ويقتضي ذلك عدم صحة صومهما بوجه من
~~الوجوه. وعند الحنفية في الصحة مخالفة في بعض الوجوه. فقالوا: إذا نذر صوم
~~يوم العيد وأيام التشريق: صح نذره. وخرج عن العهدة بصوم ذلك. وطريقهم فيه:
~~أن الصوم له جهة عموم وجهة خصوص. فهو من حيث إنه صوم: يقع الامتثال به. ومن
~~حيث إنه صوم عيد: يتعلق به النهي، والخروج عن العهدة: يحصل بالجهة الأولى،
~~أعني كونه صوما. والمختار عند غيرهم: خلاف ذلك. وبطلان النذر، وعدم صحة
~~الصوم: والذي يدعى من الجهتين بينهما تلازم ههنا. ولا انفكاك. فيتمكن النهي
~~من هذا الصوم. فلا يصح أن يكون قربة. فلا يصح نذره.
# بيانه: أن النهي ورد عن صوم يوم العيد. والناذر له معلق لنذره بما تعلق
~~به النهي وهذا بخلاف الصلاة في ms326 الدار المغصوبة، عند من يقول بصحتها. فإنه
~~لم يحصل التلازم بين جهة العموم، أعني كونها صلاة وبين جهة الخصوص أعني
~~كونها حصولا في مكان مغصوب، وأعني بعدم التلازم ههنا: عدمه في الشريعة. فإن
~~الشرع وجه الأمر إلى مطلق الصلاة، والنهي إلى مطلق الغصب. وتلازمهما
~~واجتماعهما إنما هو في فعل المكلف، لا في الشريعة. فلم يتعلق النهي شرعا
~~بهذا الخصوص، بخلاف صوم يوم العيد فإن النهي ورد عن خصوصه. فتلازمت جهة
~~العموم وجهة الخصوص في الشريعة. وتعلق النهي بعين ما وقع في النذر. فلا
~~يكون قربة.
# وتكلم أهل الأصول في قاعدة تقتضي النظر في هذه المسألة وهو أن النهي عند
~~الأكثرين لا يدل على صحة المنهي عنه، وقد نقلوا عن محمد بن الحسن: أنه يدل
~~على صحة المنهي عنه؛ لأن النهي لا بد فيه من إمكان المنهي عنه: إذ لا يقال
~~للأعمى: لا تبصر، وللإنسان: لا تطر، فإذا هذا المنهي عنه - أعني صوم يوم
~~العيد - ممكن، وإذا أمكن ثبتت الصحة، وهذا ضعيف؛ لأن الصحة إنما تعتمد
~~التصور، والإمكان العقلي أو العادي، والنهي يمنع التصور الشرعي، فلا
~~يتعارضان، وكان محمد بن الحسن يصرف اللفظ في المنهي عنه إلى المعنى الشرعي.
# PageV02P035
# 203 - الحديث السابع: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يومين: الفطر
~~والنحر. وعن الصماء، وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة بعد
~~الصبح والعصر» أخرجه مسلم بتمامه. وأخرج البخاري الصوم فقط.
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفي الحديث دلالة على أن الخطيب يستحب له أن يذكر في خطبته ما يتعلق
~~بوقته من الأحكام، كذكر النهي عن صوم يوم العيد في خطبة العيد، فإن الحاجة
~~تمس إلى مثل ذلك، وفيه إشعار وتلويح بأن علة الإفطار في يوم الأضحى: الأكل
~~من النسك.
# وفيه دليل على جواز الأكل من النسك، وقد فرق بعض الفقهاء بين الهدي
~~والنسك. وأجاز الأكل إلا من جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين، وهدي
~~التطوع إذا عطب قبل ms327 محله. وجعل الهدي كجزاء الصيد. وما وجب لنقص في حج أو
~~عمرة.
### | [حديث نهى رسول الله عن صوم يومي الفطر والنحر]
# أما " صوم يوم العيد " فقد تقدم. وأما " اشتمال الصماء " فقال عبد الغفار
~~الفارسي في مجمعه تفسير الفقهاء: أنه يشتمل بثوب ويرفعه من أحد جانبيه،
~~فيضعه على منكبيه، فالنهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى التكشف، وظهور العورة. قال:
~~وهذا التفسير لا يشعر به لفظ " الصماء " وقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب
~~فيستر به جميع جسده، بحيث لا يترك فرجة، يخرج منها يده، واللفظ مطابق لهذا
~~المعنى.
# والنهي عنه: يحتمل وجهين:
# أحدهما: أنه يخاف معه أن يدفع إلى حالة سادة لمتنفسه. فيهلك غما تحته إذا
~~لم تكن فيه فرجة. والآخر: أنه إذا تخلل به فلا يتمكن من الاحتراس والاحتراز
~~إن أصابه شيء، أو نابه مؤذ. ولا يمكنه أن يتقيه
# PageV00P000
# 204 - الحديث الثامن: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من صام يوما في سبيل
~~الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا» .
### | 205 -
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
#
### | [إحكام الأحكام]
# بيديه، لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به. والله أعلم.
# وقد مر الكلام في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر.
# وأما الاحتباء في الثوب الواحد: فيخشى منه تكشف العورة.
### | [حديث من صام يوما في سبيل الله]
# قوله " في سبيل الله " العرف الأكثر فيه: استعماله في الجهاد، فإذا حمل
~~عليه: كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين - أعني عبادة الصوم والجهاد - ويحتمل
~~أن يراد بسبيل الله: طاعته كيف كانت. ويعبر بذلك عن صحة القصد والنية فيه
~~والأول: أقرب إلى العرف
# وقد ورد في بعض الأحاديث: جعل الحج أو سفره في سبيل الله. وهو استعمال
~~وضعي.
# " والخريف " يعبر به عن السنة، فمعنى " سبعين خريفا " سبعون سنة. وإنما
~~عبر بالخريف عن السنة: من جهة أن السنة لا يكون فيها إلا خريف واحد. فإذا
~~مر الخريف فقد مضت السنة كلها، وكذلك ms328 لو عبر بسائر الفصول عن العام، كان
~~سائغا بهذا المعنى، إذ ليس في السنة إلا ربيع واحد وصيف واحد قال بعضهم:
~~ولكن الخريف أولى بذلك؛ لأنه الفصل الذي يحصل به نهاية ما بدأ في سائر
~~الفصول؛ لأن الأزهار تبدو في الربيع، والثمار تتشكل صورها في الصيف وفيه
~~يبدو نضجها، ووقت الانتفاع بها أكلا وتحصيلا وادخارا في الخريف، وهو
~~المقصود منها، فكان فصل الخريف أولى بأن يعبر به عن السنة من غيره، والله
~~أعلم.
# PageV00P000
# «أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر. فقال النبي - صلى الله عليه
~~وسلم -: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر. فمن كان متحريها فليتحرها
~~في السبع الأواخر» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب ليلة القدر]
### | [حديث أن رجالا من أصحاب النبي أروا ليلة القدر في المنام]
# فيه دليل على عظم الرؤيا، والاستناد إليها في الاستدلال على الأمور
~~الوجوديات، وعلى ما لا يخالف القواعد الكلية من غيرها. وقد تكلم الفقهاء
~~فيما لو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وأمره بأمر: هل يلزمه
~~ذلك؟ وقيل فيه: إن ذلك إما أن يكون مخالفا لما ثبت عنه - صلى الله عليه
~~وسلم - من الأحكام في اليقظة أو لا. فإن كان مخالفا عمل بما ثبت في اليقظة؛
~~لأنا - وإن قلنا: بأن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجه
~~المنقول من صفته، فرؤياه حق - فهذا من قبيل تعارض الدليلين. والعمل
~~بأرجحهما. وما ثبت في اليقظة فهو أرجح. وإن كان غير مخالف لما ثبت في
~~اليقظة: ففيه خلاف.
### | 1 -
# والاستناد إلى الرؤيا ههنا: في أمر ثبت استحبابه مطلقا، وهو طلب ليلة
~~القدر. وإنما ترجح السبع الأواخر لسبب المرائي الدالة على كونها في السبع
~~الأواخر وهو استدلال على أمر وجودي، إنه استحباب شرعي: مخصوص بالتأكيد،
~~بالنسبة إلى هذه الليالي، مع كونه غير مناف للقاعدة الكلية الثابتة، من
~~استحباب طلب ليلة القدر. وقد قالوا: يستحب في جميع الشهر.
# وفي الحديث دليل على ms329 أن " ليلة القدر " في شهر رمضان. وهو مذهب الجمهور.
~~وقال بعض العلماء: إنها في جميع السنة. وقالوا: لو قال في رمضان لزوجته:
~~أنت طالق ليلة القدر لم تطلق، حتى يأتي عليها سنة؛ لأن كونها مخصوصة برمضان
~~مظنون. وصحة النكاح معلومة، فلا تزال إلا بيقين، أعني بيقين مرور ليلة
~~القدر وفي هذا نظر؛ لأنه إذا دلت الأحاديث على اختصاصها بالعشر الأواخر،
~~كان إزالة النكاح بناء على مستند شرعي. وهو الأحاديث الدالة على ذلك،
~~والأحكام المقتضية لوقوع الطلاق يجوز أن تبنى على أخبار الآحاد، ويرفع بها
~~النكاح، ولا يشترط في رفع النكاح أو أحكامه: أن يكون ذلك مستندا إلى
# PageV02P038
# 206 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال: تحروا ليلة القدر في الوتر من
~~العشر الأواخر» .
### | 207 -
# الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان. فاعتكف عاما، حتى
~~إذا كانت ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه -
~~قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد أريت هذه الليلة. ثم أنسيتها،
~~وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها. فالتمسوها في العشر الأواخر.
~~والتمسوها في كل وتر. فمطرت السماء تلك الليلة. وكان المسجد على عريش. فوكف
~~المسجد، فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى جبهته أثر
~~الماء والطين من صبح إحدى وعشرين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# خبر متواتر، أو أمر مقطوع به اتفاقا، نعم ينبغي أن ينظر إلى دلالة ألفاظ
~~الأحاديث الدالة على اختصاصها بالعشر الأواخر، ومرتبتها في الظهور
~~والاحتمال. فإن ضعفت دلالتها؛ فلما قيل وجه.
# وفي الحديث دليل لمن رجح في ليلة القدر غير ليلة الحادي والعشرين،
~~والثالث والعشرين.
### | [حديث تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر]
# وحديث عائشة يدل على ما دل عليه الحديث قبله. مع زيادة الاختصاص بالوتر
~~من السبع الأواخر.
# PageV00P000
# 208 - الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله ms330 عنها - «أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان،
~~حتى توفاه الله عز
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر]
# وفي الحديث دليل لمن رجح ليلة إحدى وعشرين في طلب ليلة القدر ومن ذهب إلى
~~أن ليلة القدر تنتقل في الليالي، فله أن يقول: كانت في تلك السنة ليلة إحدى
~~وعشرين، ولا يلزم من ذلك: أن تترجح هذه الليلة مطلقا، والقول بتنقلها حسن؛
~~لأن فيه جمعا بين الأحاديث، وحثا على إحياء جميع تلك الليالي.
# وقوله " يعتكف في العشر الأوسط " الأقوى فيه: أن يقال: " الوسط " و "
~~الوسط " بضم السين أو فتحها، وأما " الأوسط " فكأنه تسمية لمجموع تلك
~~الليالي والأيام، وإنما رجح الأول: لأن " العشر " اسم لليالي، فيكون وصفها
~~الصحيح جمعا لائقا بها، وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أن اعتكافه -
~~صلى الله عليه وسلم - في ذلك العشر كان لطلب ليلة القدر، وقبل أن يعلم أنها
~~في العشر الأواخر. وقوله " فوكف المسجد " أي قطر، يقال: وكف البيت يكف وكفا
~~ووكوفا: إذا قطر، ووكف الدمع وكيفا ووكفانا: بمعنى قطر.
# وقد يأخذ من الحديث بعض الناس: أن مباشرة الجهة بالمصلى في السجود غير
~~واجب، وهو من يقول: إنه لو سجد على كور العمامة - كالطاقة والطاقتين - صح،
~~ووجه الاستدلال: أنه إذا سجد في الماء والطين ففي السجود الأول: يعلق الطين
~~بالجبهة، فإذا سجد السجود الثاني: كان الطين الذي علق بالجبهة في السجود
~~الأول حائلا في السجود الثاني عن مباشرة الجبهة بالأرض، وفيه مع ذلك احتمال
~~لأن يكون مسح ما علق بالجبهة أولا قبل السجود الثاني.
# والذي جاء في الحديث من قوله " وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من
~~اعتكافه " وقوله في آخر الحديث " فرأيت أثر الماء والطين على جبهته من صبح
~~إحدى وعشرين " يتعلق بمسألة تكلموا فيها، وهي أن ليلة اليوم: هل هي السابقة
~~عليه، كما هو المشهور، أو الآتية بعده، كما نقل عن بعض أهل الحديث
~~الظاهرية؟ .
# PageV00P000
# وجل. ثم اعتكف ms331 أزواجه بعده» .
# وفي لفظ «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان. فإذا
~~صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب الاعتكاف]
### | [حديث أن رسول الله كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان]
# " الاعتكاف " الاحتباس واللزوم للشيء كيف كان وفي الشرع: لزوم المسجد على
~~وجه مخصوص، والكلام فيه كالكلام في سائر الأسماء الشرعية. وحديث عائشة: فيه
~~استحباب مطلق الاعتكاف، واستحبابه في رمضان بخصوصه، وفي العشر الأواخر
~~بخصوصها، وفيه تأكيد هذا الاستحباب بما أشعر به اللفظ من المداومة، وبما
~~صرح به في الرواية الأخرى، من قولها " في كل رمضان " وبما دل عليه من عمل
~~أزواجه من بعده، وفيه دليل على استواء الرجل والمرأة في هذا الحكم.
# وقولها " فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه " الجمهور على أنه
~~إذا أراد اعتكاف العشر: دخل معتكفه قبل غروب الشمس، والدخول في أول ليلة
~~منه، وهذا الحديث قد يقتضي الدخول في أول النهار، وغيره أقوى منه في هذه
~~الدلالة، ولكنه أول على أن الاعتكاف كان موجودا، وأن دخوله في هذا الوقت
~~لمعتكفه، للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، إلا أنه كان
~~ابتداء دخول المعتكف، ويكون المراد بالمعتكف ههنا: الموضع الذي خصه بهذا،
~~أو أعده له، كما جاء " أنه اعتكف في قبلة " وكما جاء " أن أزواجه ضربن
~~أخبية " ويشعر بذلك ما في هذه الرواية " دخل مكانه الذي اعتكف فيه " بلفظ
~~الماضي. وقد يستدل بهذه الأحاديث على أن المسجد شرط في الاعتكاف، من حيث
~~إنه قصد لذلك، وفيه مخالفة العادة في الاختلاط بالناس، لا سيما النساء فلو
~~جاز الاعتكاف في البيوت: لما خالف المقتضى؛ لعدم الاختلاط بالناس في المسجد
~~وتحمل المشقة في الخروج لعوارض الخلقة، وأجاز بعض الفقهاء أن للمرأة أن
# PageV02P041
# 209 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~«أنها كانت ترجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض، وهو معتكف في
~~المسجد. وهي في حجرتها: يناولها رأسه.» وفي رواية «وكان لا يدخل البيت إلا ms332
~~لحاجة الإنسان» . وفي رواية أن عائشة - رضي الله عنها - قالت " إن كنت
~~لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه. فما أسأل عنه إلا وأنا مارة ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# تعتكف في مسجد بيتها وهو الموضع الذي أعدته للصلاة، وهيأته لذلك، وقيل:
~~إن بعضهم ألحق بها الرجل في ذلك.
### | [حديث عائشة أنها كانت ترجل النبي وهي حائض وهو معتكف في المسجد]
# " الترجيل " تسريح الشعر.
# فيه دليل على طهارة بدن الحائض، وفيه دليل على أن خروج رأس المعتكف من
~~المسجد لا يبطل اعتكافه، وأخذ منه بعض الفقهاء: أن خروج بعض البدن من
~~المكان الذي حلف الإنسان على أن لا يخرج منه لا يوجب حنثه، وكذلك دخول بعض
~~بدنه، إذا حلف أن لا يدخله، من حيث إن امتناع الخروج من المسجد يوازن تعلق
~~الحنث بالخروج؛ لأن الحكم في كل واحد منهما معلق بعدم الخروج فخروج بعض
~~البدن: إن اقتضى مخالفة ما علق عليه الحكم في أحد الموضعين؛ اقتضى مخالفته
~~في الآخر، وحيث لم يقتض في أحدهما، لم يقتض في الآخر، لاتحاد المأخذ فيهما،
~~وكذلك تنقل هذه المادة في الدخول أيضا، بأن تقول: لو كان دخول البعض مقتضيا
~~للحكم المعلق بدخول الكل: لكان خروج البعض مقتضيا للحكم المعلق بخروج
~~الجملة، لكنه لا يقتضيه ثم، فلا يقتضيه هنا.
# وبيان الملازمة: أن الحكم في الموضعين معلق بالجملة، فإما أن يكون البعض
~~موجبا لترتيب الحكم على الكل أو لا - إلى آخره.
# PageV00P000
# 210 - الحديث الثالث: عن عمر بن الخطاب - رضي الله
~~عنه - قال: «قلت يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة» -
~~وفي رواية: «يوما - في المسجد الحرام. قال فأوف بنذرك» ولم يذكر بعض الرواة
~~يوما ولا ليلة.
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقولها " وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان " كناية عما يضطر إليه من
~~الحدث. ولا شك في أن الخروج له غير مبطل للاعتكاف؛ لأن الضرورة داعية إليه،
~~والمسجد مانع منه. وكل ما ذكره الفقهاء - أنه لا يخرج إليه، أو اختلفوا في
~~جواز ms333 الخروج إليه - فهذا الحديث يدل على عدم الخروج إليه لعمومه. فإذا ضم
~~إلى ذلك قرينة الحاجة إلى الخروج لكثير منه، أو قيام الداعي الشرعي في
~~بعضه، كعيادة المريض، وصلاة الجنازة، وشبهه. قويت الدلالة على المنع. وفي
~~الرواية الأخرى عن عائشة: جواز عيادة المريض على وجه المرور، من غير تعريج.
~~وفي لفظها إشعار بعدم عيادته على غير هذا الوجه.
### | [حديث إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة]
# في الحديث فوائد:
# أحدها: لزوم النذر للقربة. وقد يستدل بعمومه من يقول بلزوم الوفاء بكل
~~منذور.
### | 1 -
# وثانيها: يستدل به من يرى صحة النذر من الكافر.
# وهو قول - أو وجه - في مذهب الشافعي. والأشهر: أنه لا يصح؛ لأن النذر
~~قربة، والكافر ليس من أهل القرب. ومن يقول بهذا يحتاج إلى أن يؤول الحديث
~~بأنه أمر بأن يأتي باعتكاف يوم شبيه بما نذر، لئلا يخل بعبادة نوى فعلها.
# فأطلق عليه بأنه منذور لشبهه بالمنذور، وقيامه مقامه في فعل ما نواه من
~~الطاعة. وعلى هذا: إما أن يكون قوله " أوف بنذرك " من مجاز الحذف، أو من
~~مجاز التشبيه. ظاهر الحديث خلافه. فإن دل دليل أقوى من هذا الظاهر على أنه
~~لا يصح التزام الكافر الاعتكاف: احتيج إلى هذا التأويل، وإلا فلا.
# PageV00P000
# 211 - الحديث الرابع: عن صفية بنت حيي - رضي الله
~~عنها - قالت «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - معتكفا. فأتيته أزوره ليلا.
~~فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن
~~زيد - فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~أسرعا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: على رسلكما. إنها صفية بنت حيي.
~~فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى
~~الدم. وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا - أو قال شيئا» .
# وفي رواية «أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من
~~رمضان. فتحدثت عنده ساعة. ثم قامت تنقلب. فقام النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- معها يقلبها، ms334 حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة» ثم ذكره بمعناه.
#
### | [إحكام الأحكام]
# وثالثها: استدل به على أن الصوم ليس بشرط؛ لأن الليل ليس محلا للصوم، وقد
~~أمر بالوفاء بنذر الاعتكاف فيه، وعدم اشتراط الصوم: هو مذهب الشافعي
~~واشتراطه: مذهب مالك وأبي حنيفة.
# وقد أول من اشترط الصوم قوله " ليلة " بيوم. فإن الليلة تغلب في لسان
~~العرب على اليوم. حكي عنهم أنهم قالوا: صمنا خمسا. والخمس يطلق على
~~الليالي. فإنه لو أطلق على الأيام لقيل خمسة. وأطلقت الليالي وأريدت
~~الأيام. أو يقال: المراد ليلة بيومها، ويدل على ذلك: أنه ورد بعض الروايات
~~بلفظ " اليوم ". .
### | [حديث صفية بنت حيي قالت كان النبي معتكفا فأتيته أزوره ليلا]
# " صفية بنت حيي بن أخطب، من شعب بني إسرائيل، من سبط هارون - عليه السلام
~~-. نضيرية. كانت عند سلام - بتخفيف اللام - ابن مشكم. ثم خلف
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# عليها كنانة بن أبي الحقيق. فقتل يوم خيبر. وتزوجها النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - في سنة سبع من الهجرة. وتوفيت في رمضان في زمن معاوية سنة
~~خمسين من الهجرة.
# والحديث يدل على جواز زيارة المرأة المعتكف. وجواز التحدث معه. وفيه
~~تأنيس الزائر بالمشي معه، لا سيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك كالليل وقد تبين
~~بالرواية الثانية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مشى معها إلى باب المسجد
~~فقط. وفيه دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه، مما لا
~~ينبغي. وقد قال بعض العلماء: إنه لو وقع ببالهما شيء لكفرا. ولكن النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - أراد تعليم أمته. وهذا متأكد في حق العلماء، ومن
~~يقتدي بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم، وإن كان لهم
~~فيه مخلص؛ لأن ذلك تسبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم. وقد قالوا: إنه ينبغي
~~للحاكم أن يبين وجه الحكم للمحكوم عليه إذا خفي عليه. وهو من باب نفي
~~التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم.
# وفي الحديث دليل: على هجوم ms335 خواطر الشيطان على النفس؛ وما كان من ذلك غير
~~مقدور على دفعه: لا يؤاخذ به. لقوله تعالى () {لا يكلف الله نفسا إلا
~~وسعها} [البقرة: 286] ولقوله - عليه السلام - في الوسوسة التي يتعاظم
~~الإنسان أن يتكلم بها " ذلك محض الإيمان " وقد فسروه: بأن التعاظم لذلك محض
~~الإيمان. لا الوسوسة. كيفما كان، ففيه دليل على أن تلك الوسوسة لا يؤاخذ
~~بها. نعم في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها، وبين ما يقع شكا: إشكال،
~~والله أعلم.
# PageV02P045
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما
~~- «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المدينة: ذا الحليفة.
~~ولأهل الشام: الجحفة. ولأهل نجد: قرن المنازل. ولأهل اليمن: يلملم. هن لهم
~~ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة. ومن كان دون ذلك:
~~فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الحج]
### | [باب المواقيت]
# " الحج " بفتح الحاء وكسرها: القصد في اللغة. وفي الشرع: قصد مخصوص إلى
~~محل مخصوص، على وجه مخصوص.
# وقوله " وقت " قيل: إن التوقيت في الأصل ذكر الوقت. والصواب أن يقال:
~~تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل في التحديد للشيء مطلقا؛ لأن التوقيت تحديد
~~بالوقت، فيصير التحديد من لوازم التوقيت فيطلق عليه التوقيت. وقوله ههنا "
~~وقت " يحتمل أن يراد به: التحديد. أي حد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أن
~~يراد بذلك: تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بشرط إرادة الحج أو
~~العمرة. ومعنى توقيت هذه الأماكن للإحرام: أنه لا يجوز
# PageV02P046
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# مجاوزتها لمريد الحج أو العمرة إلا محرما، وإن لم يكن لفظة " وقت " من
~~حيث هي هي تصريح بالوجوب. فقد ورد في غير هذه الرواية " يهل أهل المدينة "
~~وهي صيغة خبر، يراد به الأمر. وورد أيضا في بعض الروايات لفظة الأمر، وفي
~~ذكره هذه المواقيت مسائل.
# الأولى: أن توقيتها متفق عليه لأرباب هذه الأماكن وأما إيجاب الدم
~~لمجاوزتها عند الجمهور: فمن غير هذا الحديث ونقل عن ms336 بعضهم: أن مجاوزها لا
~~يصح حجه، وله إلمام بهذا الحديث من وجه. وكأنه يحتاج إلى مقدمة أخرى من
~~حديث آخر أو غيره.
# الثانية: " ذو الحليفة " بضم الحاء المهملة، وفتح اللام. أبعد المواقيت
~~من مكة وهي على عشر مراحل أو تسع منها.
# و " الجحفة " بضم الجيم وسكون الحاء. قيل: سميت بذلك؛ لأن السيل اجتحفها
~~في بعض الزمان. وهي على ثلاث مراحل من مكة، ويقال لها " مهيعة " بفتح الميم
~~وسكون الهاء، وقيل: بكسر الهاء و " قرن المنازل " بفتح القاف وسكون الراء،
~~وصاحب الصحاح ذكر فتح الراء، وغلط في ذلك، كما غلط في أن أويسا القرني "
~~منسوب إليها، وإنما هو منسوب إلى " قرن " بفتح القاف والراء، بطن من مراد،
~~كما بين في الحديث الذي فيه ذكر طلب عمر له.
# و " يلملم " بفتح الياء واللام وسكون الميم بعدها. ويقال فيه " ألملم "
~~قيل: هي على مرحلتين من مكة، وكذلك " قرن " على مرحلتين أيضا.
# الثالثة: الضمير في قوله " هن " لهذه المواقيت. " لهن " أي لهذه الأماكن:
~~المدينة، والشام، ونجد واليمن.
# وجعلت هذه المواقيت لها، والمراد
# PageV02P047
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أهلها. والأصل أن يقال " هن لهم "؛ لأن المراد الأهل، وقد ورد ذلك في بعض
~~الروايات على الأصل.
# الرابعة: قوله " ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " يقتضي: أنه إذا مر بهن من
~~ليس بميقاته: أحرم منهن، ولم يجاوزهن غير محرم. ومثل ذلك بأهل الشام، يمر
~~أحدهم بذي الحليفة. فيلزمه الإحرام منها، ولا يتجاوزها إلى الجحفة التي هي
~~ميقاته، وهو مذهب الشافعي. وذكر بعض المصنفين: أنه لا خلاف فيه وليس كذلك؛
~~لأن المالكية نصوا على أن له أن يتجاوز إلى الجحفة. قالوا: والأفضل إحرامه
~~منها - أي من ذي الحليفة - ولعله أن يحمل الكلام على أنه لا خلاف فيه في
~~مذهب الشافعي، وإن كان قد أطلق الحكم، ولم يضفه إلى مذهب أحد. وحكى أن لا
~~خلاف، وهذا أيضا محل نظر. فإن قوله " ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " عام
~~فيمن أتى، يدخل تحته: من ميقاته بين يدي هذه ms337 المواقيت التي مر بها، ومن ليس
~~ميقاته بين يديها.
# وقوله " ولأهل الشام الجحفة " عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أولا،
~~فإذا قلنا بالعموم الأول: دخل تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة، فيلزم
~~أن يحرم منها. وإذا عملنا بالعموم الثاني - وهو أن لأهل الشام الجحفة - دخل
~~تحته هذا المار أيضا بذي الحليفة، فيكون له التجاوز إليها، فلكل واحد منهما
~~عموم من وجه. فكما يحتمل أن يقال " ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " مخصوص
~~بمن ليس ميقاته بين يديه، يحتمل أن يقال " ولأهل الشام الجحفة " مخصوص بمن
~~لم يمر بشيء من هذه المواقيت.
# الخامسة: قوله " ممن أراد الحج والعمرة " يقتضي تخصيص هذا الحكم بالمريد
~~لأحدهما، وأن من لم يرد ذلك إذا مر بأحد هذه المواقيت لا يلزمه الإحرام،
~~وله تجاوزها غير محرم.
# السادسة: استدل بقوله " ممن أراد الحج والعمرة " على أنه لا يلزمه
# PageV02P048
# 213 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - أن
#
### | [إحكام الأحكام]
# الإحرام بمجرد دخول مكة، وهو أحد قولي الشافعي، من حيث إن مفهومه: أن من
~~لم يرد الحج أو العمرة لا يلزمه الإحرام، فيدخل تحته من يريد دخول مكة لغير
~~الحج أو العمرة. وهذا أولا يتعلق بأن المفهوم له عموم من حيث إن مفهومه: أن
~~من لا يريد الحج أو العمرة: لا يلزمه الإحرام من حيث المواقيت، وهو عام
~~يدخل تحته من لا يريد الحج أو العمرة ولا دخول مكة، ومن لا يريد الحج
~~والعمرة، ويريد دخول مكة. وفي عموم المفهوم نظر في الأصول، وعلى تقدير أن
~~يكون له عموم، فإذا دل دليل على وجوب الإحرام لدخول مكة، وكان ظاهر الدلالة
~~لفظا: قدم على هذا المفهوم؛ لأن المقصود بالكلام: حكم الإحرام بالنسبة إلى
~~هذه الأماكن، ولم يقصد به بيان حكم الداخل إلى مكة. والعموم إذا لم يقصد:
~~فدلالته ليست بتلك القوية إذا ظهر من السياق المقصود من اللفظ. والذي
~~يقتضيه اللفظ، على تقدير تسليم العموم وتناوله لمن يريد مكة لغير ms338 الحج
~~والعمرة: أنه لا يجب عليه الإحرام من المواقيت، ولا يلزم من عدم هذا الوجوب
~~عدم وجوب الإحرام لدخول مكة.
# السابعة: استدل به على أن الحج ليس على الفور؛ لأن من مر بهذه المواقيت
~~لا يريد الحج والعمرة، يدخل تحته من لم يحج، فيقتضي اللفظ: أنه لا يلزمه
~~الإحرام من حيث المفهوم. فلو وجب على الفور للزمه، أراد الحج أو لم يرده.
~~وفيه من الكلام ما في المسألة قبلها.
# الثامنة: قوله " ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ " يقتضي: أن من منزله دون
~~الميقات إذا أنشأ السفر للحج أو العمرة، فميقاته منزله، ولا يلزمه المسير
~~إلى الميقات المنصوص عليه من هذه المواقيت.
# التاسعة: يقتضي أن أهل مكة يحرمون منها، وهو مخصوص بالإحرام بالحج، فإن
~~من أحرم بالعمرة ممن هو في مكة: يحرم من أدنى الحل: ويقتضي الحديث: أن
~~الإحرام من مكة نفسها. وبعض الشافعية يرى أن الإحرام من الحرم له جائز.
~~والحديث على خلافه ظاهرا. ويدخل في أهل مكة من بمكة ممن ليس من أهلها.
# PageV00P000
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «يهل أهل
~~المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال:
~~وبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ويهل أهل اليمن من يلملم»
~~.
### | 214 -
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: «أن رجلا قال يا
~~رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~-. لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف،
~~إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من
~~الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث يهل أهل المدينة من ذي الحليفة]
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر " يهل " فيه ما ذكرنا من
~~الدلالة على الأمر بالإهلال، خبر يراد به الأمر. ولم يذكر ابن عمر سماعه
~~لميقات اليمن من النبي - صلى الله عليه وسلم -. وذكره ms339 ابن عباس.
# فلذلك حسن أن يقدم حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -. .
### | [باب ما يلبس المحرم من الثياب]
### | [حديث ما يلبس المحرم من الثياب]
# فيه مسائل. الأولى: أنه وقع السؤال عما يلبس المحرم. فأجيب بما لا يلبس؛
~~لأن ما لا يلبس محصور. وما يلبس غير محصور. إذ الإباحة هي الأصل. وفيه
~~تنبيه على أنه كان ينبغي وضع السؤال عما لا يلبس. وفيه دليل على أن المعتبر
# PageV00P000
# وللبخاري «ولا تنتقب المرأة. ولا تلبس القفازين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في الجواب: ما يحصل منه المقصود كيف كان. ولو بتغيير أو زيادة.
# ولا تشترط المطابقة.
# الثانية: اتفقوا على المنع من لبس ما ذكر في الحديث. والفقهاء القياسيون
~~عدوه إلى ما رأوه في معناه. فالعمائم والبرانس: تعدى إلى كل ما يغطي الرأس،
~~مخيطا أو غيره. ولعل " العمائم " تنبيه على ما يغطيها من غير المخيط، و "
~~البرانس " تنبيه على ما يغطيها من المخيط. فإنه قيل: إنها قلانس طوال كان
~~يلبسها الزهاد في الزمان الأول. والتنبيه بالقمص على تحريم المحيط بالبدن،
~~وما يساويه من المنسوج. والتنبيه بالخفاف والقفازين - وهو ما كانت النساء
~~تلبسه في أيديهن - وقيل: إنه كان يحشى بقطن ويزر بأزرار. فنبه بهما على كل
~~ما يحيط بالعضو الخاص إحاطة مثله في العادة. ومنه السراويلات، لإحاطتها
~~بالوسط إحاطة المحيط. .
### | [مسألة لم يجد المحرم نعلين]
# 1
# الثالثة: إذا لم يجد نعلين لبس خفين مقطوعين من أسفل الكعبين. وعند
~~الحنبلية لا يقطعهما. وهذا الحديث يدل على خلاف ما قالوه. فإن الأمر بالقطع
~~ههنا مع إتلافه المالية يدل على خلاف ما قالوه.
### | [مسألة لبس المحرم عند الفقهاء محمول على اللبس المعتاد]
# 1
# الرابعة: اللبس عند الفقهاء: محمول على اللبس المعتاد في كل شيء مما ذكر.
~~فلو ارتدى بالقميص لم يمنع منه؛ لأن اللبس المعتاد في القميص غير الارتداء.
~~واختلفوا في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين. ومن أوجب
~~الفدية: جعل ذلك من المعتاد فيه أحيانا. واكتفى في التحريم فيه بذلك. .
### | [مسألة المحرم يتناول ms340 من أحرم بالحج]
# الخامسة: لفظ " المحرم " يتناول من أحرم بالحج والعمرة معا. و " الإحرام
~~" الدخول في أحد النسكين، والتشاغل بأعمالهما. وقد كان شيخنا العلامة أبو
~~محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة " الإحرام " جدا. ويبحث فيه كثيرا.
~~وإذا قيل له: إنه النية، اعترض عليه بأن النية شرط في الحج الذي الإحرام
~~ركنه وشرط الشيء غيره. ويعترض على أنه " التلبية " بأنها ليست
# PageV02P051
# 215 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بعرفات: من لم
~~يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل: للمحرم» . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بركن. والإحرام ركن. هذا أو ما قرب منه. وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق
~~به النية في الابتداء. .
### | [مسألة منع المحرم من الزعفران والورس]
# 1
# السادسة: المنع من " الزعفران والورس " وهو نبت يكون باليمن يصبغ به:
~~دليل على المنع من أنواع الطيب. وعداه القائسون إلى ما يساويه في المعنى من
~~المطيبات. وما اختلفوا فيه فاختلافهم بناء على أنه من الطيب أم لا؟ .
### | [مسألة إحرام المرأة]
# 1
# السابعة: نهي المرأة عن التنقب والقفازين يدل على أن حكم إحرام المرأة
~~يتعلق بوجهها وكفيها. والسر في ذلك، وفي تحريم المخيط وغيره مما ذكر -
~~والله أعلم - مخالفة العادة، والخروج من المألوف لإشعار النفس بأمرين:
# أحدهما: الخروج عن الدنيا، والتذكر للبس الأكفان عند نزع المخيط.
# والثاني: تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن
~~معتادها وذلك موجب للإقبال عليها، والمحافظة على قوانينها وأركانها،
~~وشروطها وآدابها. والله أعلم. .
### | [حديث من لم يجد نعلين فليلبس الخفين]
# فيه مسألتان. إحداهما: قد يستدل به من لا يشترط القطع في الخفين عند عدم
~~النعلين. فإنه مطلق بالنسبة إلى القطع وعدمه
# وحمل المطلق ههنا على المقيد جيد؛ لأن الحديث الذي قيد فيه القطع: قد
~~وردت فيه صيغة الأمر. وذلك زائد على الصيغة المطلقة. فإن لم نعمل بها،
~~وأجزنا مطلق الخفين. تركنا ما دل عليه الأمر بالقطع. وذلك غير سائغ. ms341 وهذا
~~بخلاف ما لو كان المطلق والمقيد في
# PageV00P000
#
### | [مسألة القطع في الخفين عند عدم النعلين للمحرم]
### | 216 -
# الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - «أن تلبية رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن
~~الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك» . قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد
~~فيها " لبيك لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# جانب الإباحة. فإن إباحة المطلق حينئذ تقتضي زيادة على ما دل عليه إباحة
~~المقيد فإن أخذ بالزائد كان أولى. إذ لا معارضة بين إباحة المقيد وإباحة ما
~~زاد عليه. وكذلك نقول في جانب النهي: لا يحمل المطلق فيه على المقيد، لما
~~ذكرنا من أن المطلق دال على النهي فيما زاد على صورة المقيد من غير معارض
~~فيه. وهذا يتوجه إذا كان الحديثان - مثلا - مختلفين باختلاف مخرجهما.
# أما إذا كان المخرج للحديث واحدا، ووقع اختلاف على ما انتهت إليه
~~الروايات، فههنا نقول: إن الآتي بالقيد حفظ ما لم يحفظه المطلق من ذلك
~~الشيخ. فكأن الشيخ لم ينطق به إلا مقيدا. فيتقيد من هذا الوجه. وهذا الذي
~~ذكرناه في الإطلاق والتقييد: مبني على ما يقوله بعض المتأخرين، من أن العام
~~في الذوات مطلق في الأحوال لا يقتضي العموم. وأما على مثل ما نختاره في مثل
~~هذا من العموم في الأحوال؛ تبعا للعموم في الذوات: فهو من باب العام
~~والخاص. .
### | [مسألة لبس المحرم السراويل إذا لم يجد إزارا]
# 1
# الثانية: لبس السراويل إذا لم يجد إزارا، يدل الحديث على جوازه من غير
~~قطع. وهو مذهب أحمد. وهو قوي ههنا. إذ لم يرد بقطعه ما ورد في الخفين.
~~وغيره من الفقهاء لا يبيح السراويل على هيئته إذا لم يجد الإزار. .
### | [حديث تلبية رسول الله]
# " التلبية " الإجابة. وقيل في معنى " لبيك " إجابة بعد إجابة، ولزوما
~~لطاعتك. فثنى للتوكيد. واختلف أهل اللغة في أنه تثنية أم لا. فمنهم من قال:
~~إنه
# PageV00P000
# 217 - الحديث الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - عليه السلام - «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
~~الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها حرمة» . وفي لفظ البخاري " لا
~~تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# اسم مفرد لا مثنى. ومنهم من قال: إنه مثنى. وقيل: إن " لبيك " مأخوذ من
~~ألب بالمكان ولب: إذا أقام به. أي أنا مقيم على طاعتك. وقيل: إنه مأخوذ من
~~لباب الشيء، وهو خالصه، أي إخلاصي لك.
# وقوله " إن الحمد والنعمة لك " يروى فيه فتح الهمزة وكسرها. والكسر أجود؛
~~لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة. فإن الحمد والنعمة لله على كل
~~حال. والفتح يدل على التعليل. كأنه يقول: أجيبك لهذا السبب. والأول أعم.
# وقوله " والنعمة لك " الأشهر فيه: الفتح. ويجوز الرفع على الابتداء، وخبر
~~" إن " محذوف و " سعديك " كلبيك قيل: معناه مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. و "
~~الرغباء إليك " بسكون الغين، فيه وجهان:
# أحدهما: ضم الراء، والثاني: فتحها. فإن ضممت قصرت وإن فتحت مددت. وهذا
~~كالنعماء والنعمى.
# وقوله " والعمل " فيه حذف، ويحتمل أن نقدره كالأول، أي والعمل إليك، أي
~~إليك القصد به والانتهاء به إليك، لتجازي عليه. ويحتمل أن يقدر: والعمل لك.
# وقوله " والخير بيديك " من باب إصلاح المخاطبة. كما في قوله تعالى: {وإذا
~~مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 80] . .
### | [حديث لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها حرمة]
# فيه مسائل. الأولى: اختلف الفقهاء في أن المحرم للمرأة من الاستطاعة أم
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لا؟ حتى لا يجب عليها الحج، إلا بوجود المحرم. والذين ذهبوا إلى ذلك:
~~استدلوا بهذا الحديث. فإن سفرها للحج من جملة الأسفار الداخلة تحت الحديث.
~~فيمتنع إلا مع المحرم. والذين لم يشترطوا ذلك قالوا: يجوز أن تسافر مع رفقة
~~مأمونين إلى الحج، رجالا أو نساء. وفي سفرها مع امرأة واحدة: خلاف في مذهب
~~الشافعي.
# وهذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا، وكان كل واحد منهما عاما ms343 من وجه،
~~خاصا من وجه. بيانه: أن قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع
~~إليه سبيلا} [آل عمران: 97] يدخل تحته الرجال والنساء. فيقتضي ذلك: أنه إذا
~~وجدت الاستطاعة المتفق عليها: أن يجب عليها الحج.
# وقوله - عليه السلام - " لا يحل لامرأة - الحديث " خاص بالنساء، عام في
~~الأسفار. فإذا قيل به وأخرج عنه سفر الحج، لقوله تعالى {ولله على الناس حج
~~البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال المخالف: نعمل بقوله تعالى
~~{ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] فتدخل المرأة فيه. ويخرج سفر
~~الحج عن النهي. فيقوم في كل واحد من النصين عموم وخصوص. ويحتاج إلى الترجيح
~~من خارج.
# وذكر بعض الظاهرية. أنه يذهب إلى دليل من خارج. وهو قوله - عليه السلام -
~~«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» . ولا يتجه ذلك، فإنه عام في المساجد،
~~فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر في الخروج إليه بحديث
~~النهي. .
### | 1 -
# الثانية: لفظ " المرأة " عام بالنسبة إلى سائر النساء. وقال بعض
~~المالكية: هذا عندي في الشابة. وأما الكبيرة غير المشتهاة: فتسافر حيث شاءت
~~في كل الأسفار، بلا زوج ولا محرم. وخالفه بعض المتأخرين من الشافعية من حيث
~~إن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة. وقد قالوا: لكل
~~ساقطة لاقطة. والذي قاله المالكي: تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى. وقد
~~اختار هذا الشافعي: أن المرأة تسافر في الأمن. ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير
~~وحدها في جملة القافلة، فتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث.
### | [مسألة أقل السفر]
# 1
# الثالثة: قوله " مسيرة يوم وليلة " اختلف في هذا العدد في الأحاديث. فروي
~~" فوق ثلاث " وروي " مسيرة ثلاث ليال " وروي " لا تسافر امرأة يومين " وروي
~~" مسيرة ليلة " وروي " مسيرة يوم " وروي " يوما وليلة " وروي
# PageV02P055
#
### | [مسألة هل المحرم للمرأة من الاستطاعة أم لا]
#
### | [إحكام الأحكام]
# بريدا " وهو أربع فراسخ. وقد حملوا هذا الاختلاف على حسب اختلاف
~~السائلين، واختلاف المواطن، وأن ذلك متعلق بأقل ما يقع عليه اسم ms344 السفر.
### | [مسألة من هو ذو الرحم للمرأة]
# الرابعة " ذو المحرم " عام في محرم النسب، كأبيها وأخيها وابن أخيها وابن
~~أختها وخالها وعمها، ومحرم الرضاع، ومحرم المصاهرة، كأبي زوجها وابن زوجها.
# واستثنى بعضهم ابن زوجها.
# فقال: يكره سفرها معه، لغلبة الفساد في الناس بعد العصر الأول.؛ لأن
~~كثيرا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب.
~~والمرأة فتنة إلا فيما جبل الله عز وجل النفوس عليه من النفرة عن محارم
~~النسب، والحديث عام. فإن كانت هذه الكراهة للتحريم - مع محرمية ابن الزوج -
~~فهو مخالف لظاهر الحديث بعيد. وإن كانت كراهة تنزيه للمعنى المذكور فهو
~~أقرب تشوفا إلى المعنى. وقد فعلوا مثل ذلك في غير هذا الموضع. وما يقوي
~~ههنا: أن قوله " لا يحل " استثنى منه السفر مع المحرم. فيصير التقدير: إلا
~~مع ذي محرم فيحل. ويبقى النظر في قولنا " يحل " هل يتناول المكروه أم لا
~~يتناوله؟ بناء على أن لفظة " يحل " تقتضي الإباحة المتساوية الطرفين، فإن
~~قلنا: لا يتناول المكروه، فالأمر قريب مما قاله، إلا أنه تخصيص يحتاج إلى
~~دليل شرعي عليه، وإن قلنا: يتناول، فهو أقرب؛ لأن ما قاله لا يكون حينئذ
~~منافيا لما دل عليه اللفظ.
# و " المحرم " الذي يجوز معه السفر والخلوة: كل من حرم نكاح المرأة عليه
~~لحرمتها على التأبيد بسبب مباح، فقولنا " على التأبيد " احترازا من أخت
~~الزوجة وعمتها وخالتها، وقولنا " بسبب مباح " احترازا من أم الموطوءة
~~بشبهة، فإنها ليست محرما بهذا التفسير، فإن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة،
~~وقولنا " لحرمتها " احترازا من الملاعنة، فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل
~~تغليظا، هذا ضابط مذهب الشافعية.
# الخامسة: لم يتعرض في هاتين الروايتين للزوج.
# وهو موجود في رواية أخرى ولا بد من إلحاقه بالحكم بالمحرم في جواز السفر
~~معه، اللهم إلا أن يستعملوا لفظة " الحرمة " في إحدى الروايتين في غير معنى
~~المحرمية استعمالا لغويا فيما يقتضي الاحترام. فيدخل فيه الزواج لفظا.
~~والله أعلم.
# PageV02P056
# الحديث الأول: عن عبد الله بن معقل قال: «جلست إلى
~~كعب ms345 بن عجرة. فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت في خاصة. وهي لكم عامة. حملت
~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي. فقال: ما
~~كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى - أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى - أتجد
~~شاة؟ فقلت: لا. فقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف
~~صاع وفي رواية فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطعم فرقا بين
~~ستة، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب الفدية]
### | [حديث ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى]
# الكلام عليه من وجوه:
# أحدها: " معقل " والد عبد الله - هذا - بفتح الميم وإسكان العين المهملة
~~وكسر القاف. وعبد الله - هذا - هو ابن معقل بن مقرن - بضم الميم وفتح القاف
~~وكسر الراء المشددة المهملة - مزني كوفي، يكنى أبا الوليد. متفق عليه وقال
~~أحمد بن عبد الله فيه: كوفي تابعي ثقة، من خيار التابعين. و " عجرة " بضم
~~العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء المهملة. " وكعب " ولده من بني سالم
~~بن عوف. وقيل، من بلي. وقيل: هو كعب بن عجرة بن أمية بن عدي مات سنة اثنتين
~~وخمسين بالمدينة. وله خمس وسبعون سنة. متفق عليه.
# الثاني في الحديث دليل على جواز حلق الرأس لأذى القمل. وقاسوا عليه ما في
~~معناه من الضرر والمرض.
# الثالث: قوله " نزلت في " يعني آية الفدية. قوله " خاصة " يريد اختصاص
~~سبب النزول به. فإن اللفظ عام في الآية لقوله تعالى {فمن كان منكم مريضا}
~~[البقرة: 196] وهذه صيغة عموم.
# الرابع: قوله - عليه السلام - " ما كنت أرى " بضم الهمزة، أي أظن. وقوله
~~- عليه السلام - " بلغ بك ما أرى " بفتح الهمزة. يعني أشاهد. وهو من رؤية
~~العين.
# PageV02P057
# 219 - الحديث الأول: عن «أبي شريح - خويلد بن عمرو -
~~الخزاعي
#
### | [إحكام الأحكام]
# و " الجهد " بفتح الجيم: هو المشقة. وأما الجهد - بضم الجيم - فهو
~~الطاقة. ولا معنى لها ههنا، إلا أن تكون الصيغتان بمعنى واحد.
# الخامس: قوله ms346 " أو أطعم ستة مساكين " تبيين لعدد المساكين الذين تصرف
~~إليهم الصدقة المذكورة في الآية. وليس في الآية ذكر عددهم. وأبعد من قال من
~~المتقدمين: إنه يطعم عشرة مساكين، لمخالفة الحديث، وكأنه قاسه على كفارة
~~اليمين.
# السادس: قوله " لكل مسكين نصف صاع " بيان لمقدار الإطعام. ونقل عن بعضهم:
~~أن نصف الصاع لكل مسكين: إنما هو في الحنطة. فأما التمر والشعير وغيرهما:
~~فيجب لكل مسكين صاع. وعن أحمد رواية: أن لكل مسكين مد حنطة، أو نصف صاع من
~~غيرها. وقد ورد في بعض الروايات تعيين نصف الصاع من تمر.
# السابع: " الفرق " بفتح الراء، وقد تسكن. وهو ثلاثة آصع. مفسر من
~~الروايتين أعني هذه الرواية. وهي تقسيم الفرق على ثلاثة آصع. والرواية
~~الأخرى: هو تعيين نصف الصاع من تمر لكل مسكين.
# الثامن: قوله " أو تهدي شاة " هو النسك المجمل في الآية. قال أصحاب
~~الشافعي: هي الشاة التي تجزي في الأضحية.
# وقوله " أو صم ثلاثة أيام " تعيين الصوم المجمل في الآية. وأبعد من قال
~~من المتقدمين: إن الصوم عشرة أيام، لمخالفة هذا الحديث ولفظ الآية والحديث
~~معا يقتضي التخيير بين هذه الخصال الثلاث - أعني الصيام والصدقة والنسك -؛
~~لأن كلمة " أو " تقتضي التخيير.
# وقوله في الرواية " أتجد شاة؟ فقلت: لا " فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، ليس
~~المراد به: أن الصوم لا يجزي إلا عند عدم الهدي، قيل: بل هو محمول على أنه
~~سأل عن النسك؟ فإن وجده أخبره بأنه يخيره بينه وبين الصيام والإطعام. وإن
~~عدمه فهو مخير بين الصيام والإطعام.
# باب حرمة مكة
# PageV00P000
# العدوي - رضي الله عنه -: أنه قال لعمرو بن سعيد بن
~~العاص - وهو يبعث البعوث إلى مكة - ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام
~~به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم الفتح. فسمعته أذناي.
~~ووعاه قلبي. وأبصرته عيناي، حين تكلم به: أنه حمد الله وأثنى عليه. ثم قال:
~~إن مكة حرمها الله تعالى، ولم يحرمها الناس. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله
~~واليوم الآخر: أن يسفك بها دما، ms347 ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص بقتال
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن
~~لكم. وإنما أذن لي ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس.
~~فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك
~~يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم ولا فارا بخربة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إن مكة حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس]
# . " الخربة " بالخاء المعجمة والراء المهملة: هي الخيانة. وقيل: البلية
~~وقيل: التهمة. وأصلها في سرقة الإبل. قال الشاعر:
# وتلك قربى مثل أن تناسبا ... أن تشبه الضرائب الضرائبا
# والخارب اللص يحب الخاربا.
# الكلام عليه من وجوه:
# الأول: " أبو شريح " الخزاعي، ويقال فيه: العدوي ويقال: الكعبي، اسمه:
~~خويلد بن عمرو - وقيل: عمرو بن خويلد وقيل عبد الرحمن بن عمرو. وقيل هانئ
~~بن عمرو - أسلم قبل فتح مكة. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وستين.
# PageV02P059
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثاني: قول " ائذن لي أيها الأمير في أن أحدثك " فيه حسن الأدب في
~~المخاطبة للأكابر - لا سيما الملوك - لا سيما فيما يخالف مقصودهم؛ لأن ذلك
~~يكون أدعى للقبول، لا سيما في حق من يعرف منه ارتكاب غرضه، فإن الغلظة عليه
~~قد تكون سببا لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه.
# وقوله " أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فسمعته
~~أذناي. ووعاه قلبي " تحقيق لما يريد أن يخبر به. وقوله " سمعته أذناي " نفي
~~لوهم أن يكون رواه عن غيره وقوله " ووعاه قلبي " تحقيق لفهمه، والتثبت في
~~تعقل معناه.
# الثالث: قوله " فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر: أن يسفك بها دما
~~" يؤخذ منه أمران:
# أحدهما: تحريم القتال بمكة لأهل مكة. وهو الذي يدل عليه سياق الحديث
~~ولفظه. وقد قال بذلك بعض الفقهاء. قال القفال في شرح التلخيص، في أول كتاب
~~النكاح، في ذكر الخصائص: لا يجوز القتال بمكة. قال: حتى لو تحصن جماعة من
~~الكفار فيها لم ms348 يجز لنا قتالهم فيها وحكى الماوردي أيضا: أن من خصائص
~~الحرم: أن لا يحارب أهله إن بغوا على أهل العدل. فقد قال بعض الفقهاء: يحرم
~~قتالهم، بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل،
~~قال وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على البغي إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا
~~بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها
~~في الحرم أولى من إضاعتها.
# وقيل: إن هذا الذي نقله عن جمهور الفقهاء: نص عليه الشافعي في كتاب
~~اختلاف الحديث من كتب الأم ونص عليه أيضا في آخر كتابه المسمى بسير
~~الواقدي. وقيل: إن الشافعي أجاب عن الأحاديث: بأن معناها تحريم نصب القتال
~~عليهم وقتالهم بما يعم، كالمنجنيق وغيره، إذا لم يمكن إصلاح الحال بدون
~~ذلك، بخلاف ما إذا انحصر الكفار في بلد آخر. فإنه يجوز قتالهم على كل وجه،
~~وبكل شيء. والله أعلم.
# وأقول: هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي، الذي دل عليه عموم النكرة في
~~سياق النفي، في قوله - صلى الله عليه وسلم - «فلا يحل لامرئ يؤمن بالله
~~واليوم الآخر أن يسفك بها دما» وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين
~~خصوصيته لإحلالها له ساعة من نهار وقال " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم " فأبان
~~بهذا اللفظ: أن المأذون للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه لم يؤذن فيه
~~لغيره. والذي أذن
# PageV02P060
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# للرسول فيه: إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم، كما حمل عليه الحديث في هذا
~~التأويل وأيضا فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإظهار حرمة البقعة
~~بتحريم مطلق القتال فيها وسفك الدم. وذلك لا يختص بما يستأصل. وأيضا فتخصيص
~~الحديث بما يستأصل ليس لنا دليل على تعين هذا الوجه بعينه لأن يحمل عليه
~~الحديث. فلو أن قائلا أبدى معنى ms349 آخر، وخص به الحديث: لم يكن بأولى من هذا.
# والأمر الثاني: يستدل به أبو حنيفة في أن الملتجئ إلى الحرم لا يقتل به.
~~لقوله - عليه السلام - «لا يحل لامرئ أن يسفك بها دما» وهذا عام تدخل فيه
~~صورة النزاع قال: بل يلجأ إلى أن يخرج من الحرم، فيقتل خارجه، وذلك
~~بالتضييق عليه.
# الرابع " العضد " القطع، عضد - بفتح الضاد في الماضي يعضد - بكسر الضاد:
~~يدل على تحريم قطع أشجار الحرم، واتفقوا عليه فيما لا يستنبته الآدميون في
~~العادة واختلف الفقهاء فيما يستنبته الآدميون. والحديث عام في عضد ما يسمى
~~شجرا.
# الخامس: قد يتوهم أن قوله - عليه السلام - «لا يحل لامرئ يؤمن بالله
~~واليوم الآخر» أنه يدل على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة. والصحيح
~~عند أكثر الأصوليين: أنهم مخاطبون. وقال بعضهم في الجواب عن هذا التوهم:
~~لأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا، وينزجر عن محرمات شرعنا، ويستثمر
~~أحكامه. فجعل الكلام فيه، وليس فيه: أن غير المؤمن لا يكون مخاطبا بالفروع.
# وأقول: الذي أراه إن هذا الكلام من باب خطاب التهييج، فإن مقتضاه: أن
~~استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه:
~~هذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف. ولو قيل: لا يحل لأحد مطلقا، لم يحصل به
~~الغرض. وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان ومنه قوله تعالى {وعلى الله
~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] إلى غير ذلك.
# السادس: فيه دليل على أن مكة فتحت عنوة. وهو مذهب الأكثرين. وقال الشافعي
~~وغيره: فتحت صلحا، وقيل في تأويل الحديث: إن القتال كان جائزا
# PageV02P061
# 220 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة - «لا هجرة،
~~ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا، وقال: يوم فتح مكة: إن هذا البلد
~~حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم
~~القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ms350
~~فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا
~~يلتقط لقطته إلا من عرفها. ولا يختلى خلاه. فقال العباس: يا رسول الله، إلا
~~الإذخر. فإنه لقينهم وبيوتهم. فقال: إلا الإذخر» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# له - صلى الله عليه وسلم - في مكة فلو احتاج إليه لفعله. ولكن ما احتاج
~~إليه.
# وهذا التأويل: يضعفه قوله - عليه السلام - «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم -» فإنه يقتضي وجود قتال منه - صلى الله عليه وسلم -
~~ظاهرا. وأيضا السير التي دلت على وقوع القتال، وقوله - عليه السلام - «من
~~دخل دار أبي سفيان فهو آمن» إلى غيره من الأمان المعلق على أشياء مخصوصة،
~~تبعد هذا التأويل أيضا.
# السابع قوله " فليبلغ الشاهد الغائب " فيه تصريح بنقل العلم، وإشاعة
~~السنن والأحكام.
# وقول عمرو " أنا أعلم منك بذلك يا أبا شريح - إلى آخره " هو كلامه. ولم
~~يسنده إلى رواية. وقوله " لا يعيذ عاصيا " أي لا يعصمه. وقوله " ولا فارا
~~بخربة " قد فسرها المصنف، ويقال فيها: بضم الخاء وأصلها: سرقة الإبل، كما
~~قال. وتطلق على كل خيانة. وفي صحيح البخاري " أنها البلية " وعن الخليل أنه
~~قال: هي الفساد في الدين، من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض، وقيل: هي
~~العيب.
### | [حديث إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض]
# " القين " الحداد.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# قوله - عليه السلام - " لا هجرة " نفي لوجوب الهجرة من مكة إلى المدينة.
~~فإن " الهجرة " تجب من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. وقد صارت مكة دار
~~إسلام بالفتح. وإن لم يكن من هذه الجهة. فيكون حكما ورد لرفع وجوب هجرة
~~أخرى بغير هذا السبب. ولا شك أنه تجب الهجرة اليوم من بلاد الكفر إلى بلاد
~~الإسلام لمن قدر على ذلك.
# وفي ضمن الحديث: الإخبار بأن مكة تصير دار إسلام أبدا.
# وقوله - عليه السلام -، " وإذا استنفرتم فانفروا " أي إذا طلبتم للجهاد
~~فأجيبوا ولا شك أنه تتعين الإجابة والمبادرة إلى الجهاد في بعض الصور، ms351 فأما
~~إذا عين الإمام بعض الناس لفرض الكفاية، فهل يتعين عليه؟ اختلفوا فيه.
~~ولعله يؤخذ من لفظ الحديث الوجوب في حق من عين للجهاد. ويؤخذ غيره بالقياس.
# وقوله - عليه السلام - " ولكن جهاد ونية " يحتمل أن يريد به جهادا مع نية
~~خالصة إذ غير الخالصة غير معتبرة. فهي كالعدم في الاعتداد بها في صحة
~~الأعمال. ويحتمل أن يراد: ولكن جهاد بالفعل، أو نية الجهاد لمن يفعل، كما
~~قال - عليه السلام - «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو. مات على شعبة
~~من النفاق» .
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات
~~والأرض» تكلموا فيه، مع قوله - عليه السلام - «إن إبراهيم حرم مكة» فقيل
~~بظاهر هذا، وأن إبراهيم أظهر حرمتها بعد ما نسيت. والحرمة ثابتة من يوم خلق
~~الله السموات والأرض. وقيل: إن التحريم في زمن إبراهيم، وحرمتها يوم خلق
~~الله السموات والأرض: كتابتها في اللوح المحفوظ، أو غيره: حراما. وأما
~~الظهور للناس: ففي زمن إبراهيم - عليه السلام -.
# وقوله " فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال " يدل
~~على أمرين:
# أحدهما: أن هذا التحريم يتناول القتال.
# والثاني: أن هذا الحكم ثابت لا ينسخ. وقد تقدم ما في تحريم القتال أو
~~إباحته.
# وقوله " لا يعضد شوكه " دليل على أن قطع الشوك ممتنع كغيره. وذهب إليه
~~بعض مصنفي الشافعية. والحديث معه. وأباحه غيره، من حيث إن الشوك مؤذ.
# PageV02P063
# 221 - الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها -: أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في
~~الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» ولمسلم «يقتل
~~خمس فواسق في الحل والحرم»
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله " ولا ينفر صيده " أي يزعج من مكانه. وفيه دليل على طريق فحوى
~~الخطاب: أن قتله محرم فإنه إذا حرم تنفيره، بأن يزعج من مكانه، فقتله أولى.
# وقوله " ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها " اللقطة - بإسكان القاف، وقد يقال
~~بفتحها - الشيء الملتقط. وذهب الشافعي إلى ms352 أن لقطة الحرم لا تؤخذ للتملك.
~~وإنما تؤخذ لتعرف لا غير. وذهب مالك إلى أنها كغيرها في التعريف والتملك.
~~ويستدل للشافعي بهذا الحديث.
# و " الخلى " بفتح الخاء والقصر: الحشيش إذا كان رطبا، واختلاؤه: قطعه وقد
~~تقدم. و " الإذخر " نبت معروف طيب الرائحة. وقوله " فإنه لقينهم " القين:
~~الحداد؛ لأنه يحتاج إليه في عمل النار، و " بيوتهم " تحتاج إليه في
~~التسقيف.
# وقوله - عليه السلام - " إلا الإذخر " على الفور تتعلق به من يروي اجتهاد
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو تفويض الحكم إليه من أهل الأصول. وقيل:
~~يجوز أن يكون يوحى إليه في زمن يسير. فإن الوحي إلقاء في خفية. وقد تظهر
~~أماراته وقد لا تظهر.
### | [باب ما يجوز قتله في الحرم]
# . فيه مباحث، الأول: المشهور في الرواية " خمس " بالتنوين " فواسق "
~~ويجوز خمس فواسق بالإضافة من غير تنوين. وهذه الرواية التي ذكرها المصنف
~~تدل على صحة المشهور. فإنه أخبر عن " خمس " بقوله " كلهن فواسق " وذلك
~~يقتضي أن ينون " خمس " فيكون " فواسق " خبرا. وبين التنوين والإضافة في هذا
~~فرق دقيق في المعنى. وذلك: أن الإضافة تقتضي الحكم على خمس من
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الفواسق بالقتل. وربما أشعر التخصيص بخلاف الحكم في غيرها وبطريق
~~المفهوم. وأما مع التنوين: فإنه يقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى وقد
~~يشعر بأن الحكم المرتب على ذلك - وهو القتل - معلل بما جعل وصفا، وهو
~~الفسق. فيقتضي ذلك التعميم لكل فاسق من الدواب، وهو ضد ما اقتضاه الأول من
~~المفهوم. وهو التخصيص.
# الثاني: الجمهور على جواز قتل هذه المذكورة في الحديث. والحديث دليل على
~~ذلك وعن بعض المتقدمين: أن الغراب يرمى ولا يقتل.
# الثالث: اختلفوا في الاقتصار على هذه الخمسة، أو التعدية لما هو أكثر
~~منها بالمعنى. فقيل: بالاقتصار عليها. وهو المذكور في كتب الحنفية. ونقل
~~غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة: أن أبا حنيفة ألحق الذئب بها.
~~وعدوا ذلك من مناقضاته، والذي قالوا بالتعدية اختلفوا في المعنى الذي به
~~التعدية. فنقل عن بعض الشارحين: ms353 أن الشافعي قال: المعنى في جواز قتلهن:
~~كونهن مما لا يؤكل، فكل ما لا يؤكل قتله جائز للمحرم، ولا فدية عليه، وقال
~~مالك: المعنى فيه كونهن مؤذيات، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا.
# وهذا عندي فيه نظر، فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعي
~~جواز الاصطياد وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإقدام
~~على قتل ما لا يؤكل مما ليس فيه ضرر: فغير هذا، ومقتضى مذهب أبي حنيفة الذي
~~حكيناه: أنه لا يجوز اصطياد الأسد والنمر، وما في معناهما من بقية السباع
~~العادية، والشافعية يردون هذا بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو
~~الأذى الطبيعي، والعدوان المركب في هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في
~~المنصوص عليه عدى القائسون إلى كل ما وجد فيه المعنى ذلك الحكم، كما في
~~الأشياء الستة التي في باب الربا، وقد وافقه أبو حنيفة على التعدية فيها،
~~وإن اختلف هو والشافعي في المعنى الذي يعدى به.
# وأقول: المذكور ثم: هو تعليق الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهوما عند
~~الجمهور، فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ، والمذكور ههنا مفهوم عدد، وقد قال
~~به جماعة، فيكون اللفظ للتخصيص، وإلا بطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى هذا
~~المعنى عول بعض مصنفي الحنفية في التخصيص بالخمس
# PageV02P065
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المذكورات - أعني مفهوم العدد - وذكر غير ذلك مع هذا أيضا.
# واعلم أن التعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ: قوي، بالإضافة إلى تصرف
~~القائسين، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحد،
~~وأما التعليل بحرمة الأكل: ففيه إبطال ما دل عليه إيماء النص من التعليل
~~بالفسق؛ لأن مقتضى العلة: أن يتقيد الحكم بها وجودا وعدما، فإن لم يتقيد،
~~وثبت الحكم حيث تعدم: بطل تأثيرها بخصوصها في الحكم، حيث ثبت الحكم مع
~~انتفائها، وذلك بخلاف ما دل عليه النص من التعليل بها.
# البحث الرابع: القائلون بالتخصيص بالخمسة المذكورة وما جاء معها في حديث
~~آخر - من ذكر الحية - وفوا بمقتضى مفهوم العدد، ms354 والقائلون بالتعدية إلى
~~غيرها يحتاجون إلى ذكر السبب في تخصيص المذكورات بالذكر، وقال من علل
~~بالأذى: إنما خصت بالذكر لينبه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلف
~~فيها، فيكون ذكر كل نوع منها منبها على جواز قتل ما فيه ذلك النوع، فنبه
~~بالحية والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع، كالبرغوث مثلا عند بعضهم،
~~ونبه بالفأرة على ما أذاه بالنقب والتقريض، كابن عرس، ونبه بالغراب والحدأة
~~على ما أذاه بالاختطاف كالصقر والباز، ونبه بالكلب العقور على كل عاد
~~بالعقر والافتراس بطبعه، كالأسد والفهد والنمر.
# وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل: فقد أحالوا التخصيص في الذكر
~~بهذه الخمسة على الغالب، فإنها الملابسات للناس والمخالطات في الدور، بحيث
~~يعم أذاها، فكان ذلك سببا للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له
~~مفهوم، على ما عرف في الأصول، إلا أن خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضا عليهم
~~في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية.
# وتقريره: أن إلحاق المسكوت بالمنطوق قياسا شرطه مساواة الفرع للأصل أو
~~رجحانه. أما إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر، فلا إلحاق. ولما كانت
~~هذه الأشياء عامة الأذى - كما ذكرتم - ناسب أن يكون ذلك سببا لإباحة قتلها،
~~لعموم ضررها، وهذا المعنى معدوم فيما لا يعم ضرره مما لا يخالط في المنازل،
~~فلا تدعو الحاجة إلى إباحة قتله، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من
~~المؤذيات، فلا يلحق به.
# PageV02P066
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأجاب الأولون عن هذا بوجهين:
# أحدهما: أن الكلب العقور نادر، وقد أبيح قتله.
# والثاني: معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر. ألا ترى أن
~~تأثير الفأرة بالنقب - مثلا - والحدأة بخطف شيء يسير لا يساوي ما في الأسد
~~والفهد من إتلاف الأنفس؟ فكان إباحة القتل أولى.
# البحث الخامس: اختلفوا في الكلب العقور. فقيل: هو الإنسي المتخذ. وقيل:
~~هو كل ما يعدو، كالأسد والنمر. واستدل هؤلاء بأن الرسول - صلى الله عليه
~~وسلم - لما دعا على عتبة بن أبي لهب ms355 " بأن يسلط الله عليه كلبا من كلابه.
~~افترسه السبع " فدل على تسميته بالكلب. ويرجح الأولون قولهم: بأن إطلاق اسم
~~الكلب على غير الإنسي المتخذ: خلاف العرف. واللفظة إذا نقلها أهل العرف إلى
~~معنى، كان حملها عليه أولى من حملها على المعنى اللغوي.
# البحث السادس: اختلفوا في صغار هذه الأشياء. وهي عند المالكية منقسمة.
~~فأما صغار الغراب والحدأة: ففي قتلهما قولان لهم. والمشهور: القتل. ودليلهم
~~عموم الحديث في قوله " الغراب والحدأة " وأما من منع القتل للصغار: فاعتبر
~~الصفة التي علل بها القتل، وهي " الفسق " على ما شهد به إيماء اللفظ. وهذا
~~الفسق معدوم في الصغار حقيقة. والحكم يزول بزوال علته. وأما صغار الكلاب
~~ففيها قولان لهم أيضا. وأما صغار غير ذلك من المستثنيات المذكورة في
~~الحديث: فتقتل. وظاهر اللفظ والإطلاق: يقتضي أن تدخل الصغار لانطلاق لفظ "
~~الغراب والحدأة " وغيرهما عليها. وأما الكلب العقور: فإنه أبيح قتله بصفة
~~تتقيد الإباحة بها. ليست موجودة في الصغير، ولا هي معلومة الوجود في حالة
~~الكبر على تقدير البقاء، بخلاف غيره. فإنه عند الكبر ينتهي بطبعه إلى الأذى
~~قطعا.
# البحث السابع: استدل به على أنه يقتل في الحرم من لجأ إلى الحرم بعد قتله
~~لغيره مثلا، على ما هو مذهب الشافعي. وعلل ذلك بأن إباحة قتل هذه الأشياء
~~في الحرم: معلل بالفسق والعدوان فيعم الحكم بعموم العلة. والقاتل عدوانا
~~فاسق بعدوانه. فتوجد العلة في قتله، فيقتل بالأولى؛ لأنه مكلف. وهذه
~~الفواسق فسقها طبعي. ولا تكليف عليها. والمكلف إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة
~~نفسه. فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه. وهذا عندي ليس بالهين. وفيه غور،
~~فليتنبه له. والله أعلم.
# PageV02P067
# الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - «أن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر
~~فلما نزعه جاءه رجل. فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه» .
### | 223 -
# الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - «أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - دخل مكة من ms356 كداء، من الثنية العليا التي بالبطحاء،
~~وخرج من الثنية السفلى» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب دخول مكة وغيره]
### | [حديث أن رسول الله دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر]
# ثبت من قول ابن شهاب في رواية مالك " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم
~~يكن محرما ذلك اليوم " وظاهر كون " المغفر " على رأسه. يقتضي ذلك. ولكنه
~~محتمل أن يكون لعذر. وأخذ من هذا: أن المريد لدخول مكة إذا كان محاربا يباح
~~له دخولها بغير إحرام، لحاجة المحارب إلى التستر بما يقيه وقع السلاح.
# " وابن خطل بفتح الخاء والطاء اسمه عبد العزى. وإباحة النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - لقتله قد يتمسك به في مسألة إباحة قتل الملتجئ إلى الحرم.
# ويجاب عنه. بأن ذلك محمول على الخصوصية التي دل عليها قوله عليه السلام
~~«ولم تحل لأحد قبلي. ولا تحل لأحد بعدي. وإنما أحلت لي ساعة من نهار» .
# PageV00P000
# 224 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت، وأسامة بن زيد
~~وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب فلما فتحوا: كنت أول من ولج.
~~فلقيت بلالا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال:
~~نعم، بين العمودين اليمانيين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن رسول الله دخل مكة من كداء]
# كداء " بفتح الكاف والمد. و " الثنية السفلى " المعروف فيها " كدا " بضم
~~الكاف والقصر. وثم موضع آخر يقال له " كدي " بضم الكاف وفتح الدال وتشديد
~~الياء، وليس هو السفلى على المعروف. و " الثنية " طريق بين الجبلين.
~~والمشهور: استحباب الدخول من كداء، وإن لم تكن طريق الداخل إلى مكة، فيعرج
~~إليها. وقيل: إنما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - منها؛ لأنها على
~~طريقه. فلا يستحب لمن ليست على طريقه. وفيه نظر.
### | [حديث دخل رسول الله البيت]
# فيه أمران: أحدهما: قبول خبر الواحد. وهو فرد من أفراد لا تحصى كما
~~قدمناه.
### | 1 -
# وفيه جواز الصلاة في الكعبة. وقد اختلف في ms357 ذلك. ومالك فرق بين الفرض
~~والنفل. فكره الفرض أو منعه. وخفف في النفل؛ لأنه مظنة التخفيف في الشروط.
### | 1 -
# وفي الحديث: دليل أيضا على جواز الصلاة بين الأساطين والأعمدة، وإن كان
~~يحتمل أن يكون صلى في الجهة التي بينهما، وإن لم يكن في مسامتتهما حقيقة.
~~وقد وردت في ذلك كراهة، فإن لم يصح سندها قدم هذا الحديث
# PageV00P000
# 225 - الحديث الرابع: «عن عمر - رضي الله عنه - أنه
~~جاء إلى الحجر الأسود، فقبله. وقال: إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع،
~~ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك» .
### | 226 -
# الحديث الخامس: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال «لما قدم
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مكة. فقال المشركون: إنه يقدم
~~عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا
~~الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط
~~كلها: إلا الإبقاء عليهم»
#
### | [إحكام الأحكام]
# وعمل بحقيقة قوله " بين العمودين " وإن صح سندها: أول بما ذكرناه: أنه
~~صلى في سمت ما بينهما. وإن كانت آثارا فقط: قدم المسند عليها.
### | [حديث عمر أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله]
# فيه دليل على استحباب تقبيل الحجر الأسود. وقول عمر هذا الكلام في ابتداء
~~تقبيله: ليبين أنه فعل ذلك اتباعا وليزيل بذلك الوهم الذي كان ترتب في
~~أذهان الناس في أيام الجاهلية ويحقق عدم الانتفاع بالأحجار من حيث هي هي،
~~كما كانت الجاهلية تعتقد في الأصنام.
### | [حديث أمرهم النبي أن يرملوا الأشواط الثلاثة]
# قيل: إن هذا القدوم لم يكن في الحجة، وإنما كان في عمرة القضاء فأخذ من
~~هذا: أنه نسخ منه عدم الرمل فيما بين الركنين. فإنه ثبت «أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - رمل من الحجر إلى الحجر» وذكر: أنه كان في الحج فيكون
~~متأخرا، فيقدم على
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المتقدم.
# وفيه دليل على استحباب الرمل. والأكثرون على استحبابه مطلقا في ms358 طواف
~~القدوم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده. وإن كانت العلة التي
~~ذكرها ابن عباس قد زالت. فيكون استحبابه في ذلك الوقت لتلك العلة، وفيما
~~بعد ذلك تأسيا واقتداء بما فعل في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وفي
~~ذلك من الحكمة: تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طي تذكرها: مصالح
~~دينية. إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله
~~تعالى، والمبادرة إليه، وبذل الأنفس في ذلك. وبهذه النكتة يظهر لك أن كثيرا
~~من الأعمال التي وقعت في الحج، ويقال فيها " إنها تعبد " ليست كما قيل. ألا
~~ترى أنا إذا فعلناها وتذكرنا أسبابها: حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين، وما
~~كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، فكان هذا التذكر باعثا
~~لنا على مثل ذلك، ومقررا في أنفسنا تعظيم الأولين. وذلك معنى معقول. مثاله:
~~السعي بين الصفا والمروة. إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه: قصة هاجر مع ابنها،
~~وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب الحياة
~~بالكلية، مع ما أظهره الله تعالى لهما من الكرامة، والآية في إخراج الماء
~~لهما - كان في ذلك مصالح عظيمة. أي في التذكر لتلك الحال. وكذلك " رمي
~~الجمار " إذا فعلناه، وتذكرنا أن سببه: رمي إبليس بالجمار في هذه المواضع
~~عند إرادة الخليل ذبح ولده: حصل من ذلك مصالح عظيمة النفع في الدين.
### | 1 -
# وفي الحديث: جواز تسمية الطوافات بالأشواط. لقوله " فأمرهم أن يرملوا
~~الأشواط الثلاثة " ونقل عن بعض المتقدمين وعن الشافعي: أنهما كرها هذه
~~التسمية. والحديث على خلافه. وإنما ذكر في هذا الحديث " أنهم لم يرملوا بين
~~الركنين اليمانيين " لأن المشركين لم يكونوا يرون المسلمين إذا كانوا في
~~هذا المكان.
# PageV02P071
# الحديث السادس: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما
~~- قال «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقدم مكة إذا استلم
~~الركن الأسود - أول ما يطوف - يخب ثلاثة أشواط» .
### | 228 -
# الحديث السابع: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال ms359 «طاف النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط]
# فيه دليل على الاستلام للركن. وذكر بعض مصنفي الشافعية المتأخرين أن
~~استلام الركن يستحب مع استلام الحجر أيضا، وله متمسك بهذا الحديث، وإن كان
~~يحتمل أن يكون معنى قوله " استلم الركن " استلم الحجر. وعبر بقوله " استلم
~~الركن " عن كونه استلم الحجر، فإن الحجر بعض الركن. كما أنه إذا قال "
~~استلم الركن " إنما يريد بعضه. وفيه دليل على " الخبب " في جميع الأشواط
~~الثلاث. وفيه دليل على تقديم الطواف في ابتداء قدوم مكة.
### | [حديث طاف النبي في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن]
# المحجن: عصا محنية الرأس.
# فيه دليل على جواز الطواف راكبا. وقيل: إن الأفضل: المشي. وإنما طاف
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - راكبا لتظهر أفعاله، فيقتدى بها وهذا يؤخذ
~~منه أصل كبير. وهو أن
# PageV00P000
# 229 - الحديث الثامن: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال: «لم أر النبي - صلى الله عليه وسلم - يستلم من البيت إلا
~~الركنين اليمانيين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الشيء قد يكون راجحا بالنظر إلى محله من حيث هو. فإذا عارضه أمر آخر أرجح
~~منه: قدم على الأول من غير أن تزول الفضيلة الأولى، حتى إذا زال ذلك
~~المعارض الراجح: عاد الحكم الأول من حيث هو هو. وهذا إنما يقوى إذا قام
~~الدليل على أن ترك الأول إنما هو لأجل المعارض الراجح. وقد يؤخذ ذلك بقرائن
~~ومناسبات. وقد يضعف، وقد يقوى بحسب اختلاف المواضع. وههنا يصطدم الظاهر مع
~~المتبعين للمعاني.
### | 1 -
# واستدل بالحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، من حيث إنه لا يؤمن بول
~~البعير في أثناء الطواف في المسجد. ولو كان نجسا لم يعرض النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - المسجد للنجاسة. وقد منع لتعظيم المساجد ما هو أخف من هذا.
### | 1 -
# وفي الحديث دليل على الاستلام بالمحجن، إذا تعذر الوصول إلى ms360 الاستلام
~~باليد ليس فيه تعرض لتقبيله.
# اختلف الناس: هل تعم الأركان كلها بالاستلام، أم لا؟ والمشهور بين علماء
~~الأمصار: ما دل عليه هذا الحديث. وهو اختصاص الاستلام بالركنين اليمانيين.
~~وعلته: أنهما على قواعد إبراهيم - عليه السلام -. وأما الركنان الآخران
~~فاستقصرا عن قواعد إبراهيم. كذا ظن ابن عمر. وهو تعليل مناسب. وعن بعض
~~الصحابة: أنه كان يستلم الأركان كلها، ويقول " ليس شيء من البيت مهجورا "
~~واتباع ما دل عليه الحديث أولى. فإن الغالب على العبادات: الاتباع، لا سيما
~~إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في العلة. وهنا أمر زائد. وهو إظهار معنى
~~للتخصيص غير موجود فيما ترك فيه الاستلام.
# PageV00P000
# الحديث الأول: عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي - قال
~~«سألت ابن عباس عن المتعة؟ فأمرني بها، وسألته عن الهدي؟ فقال: فيه جزور،
~~أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم قال: وكان ناس كرهوها، فنمت. فرأيت في
~~المنام: كأن إنسانا ينادي: حج مبرور، ومتعة متقبلة. فأتيت ابن عباس فحدثته.
~~فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب التمتع]
### | [حديث سألت ابن عباس عن المتعة]
# " أبو جمرة " بالجيم والراء المهملة " نصر " بالصاد المهملة، الضبعي: بضم
~~الضاد المعجمة وفتح الباء ثاني الحروف وبالعين المهملة. متفق عليه. وقوله "
~~سألت ابن عباس عن المتعة " الظاهر: أنه يريد بها الإحرام بالعمرة في أشهر
~~الحج، ثم الحج من عامه.
# وقوله " أمرني بها " يدل على جوازها عنده من غير كراهة. وسيأتي في الحديث
~~قوله " وكان ناس كرهوها " وذلك منقول عن عمر - رضي الله عنه - وعن غيره،
~~على أن الناس اختلفوا فيما كرهه عمر من ذلك: هل هي المتعة التي ذكرناها أو
~~فسخ الحج إلى العمرة؟ والأقرب: أنها هذه. فقيل: إن هذه الكراهة والنهي من
~~باب الحمل على الأولى، والمشورة به على وجه المبالغة. وقوله " رأيت في
~~المنام كأن إنسانا ينادي. .. إلخ فيه: استئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه
~~الدليل الشرعي، لما دل الشرع عليه من عظم قدرها، وأنها جزء من ms361 ستة وأربعين
~~جزءا من النبوة. وهذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول.
# وقول ابن عباس " الله أكبر. سنة أبي القاسم " يدل على أنه تأيد بالرؤيا
~~واستبشر بها. وذلك دليل على ما قلناه.
# PageV02P074
# الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما
~~- قال «تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى
~~الحج وأهدى. فساق معه الهدي من ذي الحليفة. وبدأ رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - وأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - فأهل بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي من
~~الحليفة. ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال
~~للناس: من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه. ومن لم
~~يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج
~~وليهد، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله
~~فطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة. واستلم الركن أول شيء،
~~ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند
~~المقام ركعتين، ثم انصرف فأتى الصفا، وطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم
~~لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر. وأفاض فطاف
~~بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -: من أهدى وساق الهدي من الناس» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج]
# قوله " تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قيل ": هو محمول على
~~التمتع اللغوي وهو الانتفاع. ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قارنا
~~عند قوم، والقران فيه تمتع وزيادة - إذ فيه إسقاط أحد العملين، وأحد
~~الميقاتين - سمي تمتعا على هذا، باعتبار الوضع اللغوي. وقد يحمل قوله "
~~تمتع " على الأمر بذلك، كما قيل ms362 بمثل هذا في حجة
# PageV02P075
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اختلفت الأحاديث، وأريد الجمع بينها،
~~ويدل على هذا التأويل المحتمل: ما ذكرناه، وأن ابن عمر - راوي هذا الحديث -
~~هو الذي روى " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد ".
# وقوله " وساق الهدي " فيه دليل على استحباب سوق الهدي من الأماكن
~~البعيدة. وقوله " فبدأ فأهل بالعمرة ثم بالحج " نص في الإهلال بهما.
# ولما ذهب بعض الناس إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قارن - بمعنى
~~أنه أحرم بهما معا - احتاج إلى تأويل قوله " أهل بالعمرة ثم بالحج " فإنه
~~على خلاف اختياره. فيجعل الإهلال في قوله: أهل بالعمرة ثم بالحج " على رفع
~~الصوت بالتلبية ويكون قد قدم فيها لفظ الإحرام بالعمرة على لفظه بالحج. ولا
~~يراد به تقديم الإحرام بالعمرة على الإحرام بالحج؛ لأنه خلاف ما رواه واعلم
~~أنه لا نحتاج الجمع بين الأحاديث إلى ارتكاب كون " القران " بمعنى: تقديم
~~الإحرام بالحج على الإحرام بالعمرة. فإنه يمكن الجمع، وإن كان قد وقع
~~الإحرام بالعمرة أولا. فالتأويل الذي ذكره على الوجه الذي ذكره: غير محتاج
~~إليه في طريق الجمع.
# وقوله " فتمتع الناس إلى آخره " حمل على التمتع اللغوي. فإنهم لم يكونوا
~~متمتعين بمعنى التمتع المشهور، فإنهم لم يحرموا بالعمرة ابتداء. وإنما
~~تمتعوا بفسخ الحج إلى العمرة على ما جاء في الأحاديث. فقد استعمل " التمتع
~~" في معناه اللغوي، أو يكونون تمتعوا بفسخ الحج إلى العمرة، كمن أحرم
~~بالعمرة ابتداء. نظرا إلى المآل. ثم إنهم أحرموا بالحج بعد ذلك، فكانوا
~~متمتعين. وقوله - صلى الله عليه وسلم - " من كان منكم قد أهدى - إلى آخره "
~~موافق لقوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196]
~~.
# وقوله " فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة " دليل على طلب هذا الطواف في
~~الابتداء.
### | 1 -
# وقوله " فليقصر " أي من شعره. وهو التقصير في العمرة عند التحلل منها.
~~قيل: وإنما لم يأمره بالحلق حتى يبقى على الرأس ما يحلقه في الحج فإن
~~الحلاق في الحج أفضل من ms363 الحلاق في العمرة. كما ذكر بعضهم. واستدل بالأمر
# PageV02P076
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في قوله " فليحلق " على أن الحلاق نسك. وقيل: في قوله " فليحلل " إن
~~المراد به: يصير حلالا. إذ لا يحتاج بعد فعل أفعال العمرة، والحلاق فيها:
~~إلى تجديد فعل آخر. ويحتمل عندي أن يكون المراد بالأمر بالإحلال: هو فعل ما
~~كان حراما عليه في حال الإحرام من جهة الإحرام، ويكون الأمر للإباحة.
### | 1 -
# وقوله " فمن لم يجد الهدي " يقتضي تعلق الرجوع إلى الصوم عن الهدي بعدم
~~وجدانه حينئذ، وإن كان قادرا عليه في بلده؛ لأن صيامه ثلاثة أيام في الحج
~~إذا عدم الهدي يقتضي الاكتفاء بهذا البدل في الحال، لقوله " ثلاثة أيام في
~~الحج " وأيام الحج محصورة، فلا يمكن أن يصوم في الحج إلا إذا كان قادرا على
~~الصوم في الحال، عاجزا عن الهدي في الحال، وذلك ما أردناه.
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - " في الحج " هو نص كتاب الله تعالى. فيستدل
~~به على أنه لا يجوز للمتمتع الصيام قبل دخوله في الحج، لا من حيث المفهوم
~~فقط، بل من حيث تعلق الأمر بالصوم الموصوف بكونه في الحج. وأما الهدي قبل
~~الدخول في الحج: فقيل لا يجوز. وهو قول بعض أصحاب الشافعي. والمشهور من
~~مذهبه: جواز الهدي بعد التحلل من العمرة، وقبل الإحرام بالحج وأبعد من هذا:
~~من أجاز الهدي قبل التحلل من العمرة من العلماء. وقد يستدل به من يجيز
~~للمتمتع صوم أيام التشريق بعد إثبات مقدمه وهي أن تلك الأيام من الحج، أو
~~تلك الأفعال الباقية ينطلق عليها: أنها من الحج، أو وقتها من وقت الحج.
# وقوله " إذا رجع إلى أهله " دليل لأحد القولين للعلماء في أن المراد
~~بالرجوع من قوله تعالى {إذا رجعتم} [البقرة: 196] هو الرجوع إلى الأهل، لا
~~الرجوع من منى إلى مكة.
# وقوله " واستلم الركن أول شيء " دليل على استحباب ابتداء الطواف بذلك
### | 1 -
# PageV02P077
# 232 - الحديث الثالث: «عن حفصة زوج النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - أنها قالت يا رسول الله، ms364 ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل
~~أنت من عمرتك فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ثم خب ثلاثة أطواف " دليل على استحباب الخبب وهو الرمل في طواف القدوم.
# وقوله " ثلاثة أطواف " يدل على تعميم هذه الثلاثة بالخبب، على خلاف ما
~~تقدم من حديث ابن عباس، وقد ذكرنا ما فيه.
### | 1 -
# وقوله " عند المقام ركعتين " دليل على استحباب أن تكون ركعتا الطواف عند
~~المقام. و " طوافه بين الصفا والمروة " عقيب طواف القدوم: دليل على مشروعية
~~ذلك على هذا الوجه، واستحباب أن يكون السعي عقيب طواف القدوم. وقد قال بعض
~~الفقهاء: إنه يشترط في السعي: أن يكون عقيب طواف كيف كان. وقال بعضهم: لا
~~بد أن يكون عقيب طواف واجب. وهذا القائل يرى أن طواف القدوم واجب، وإن لم
~~يكن ركنا.
# وقوله " ثم لم يحلل. .. إلخ " امتثالا لقوله تعالى {حتى يبلغ الهدي محله}
~~[البقرة: 196] ودليل على أن ذلك حكم القارن.
# وقوله " وفعل مثل ما فعل من ساق الهدي " يبين أمر النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - لمن ساق الهدي في حديث آخر بأن " لا يحل منها حتى يحل منهما جميعا
~~".
### | [حديث ما شأن الناس حلوا من العمرة]
# فيه دليل على استحباب التلبيد لشعر الرأس عند الإحرام. و " التلبيد " أن
~~يجعل في الشعر ما يسكنه ويمنعه من الانتفاش، كالصبر أو الصمغ، وما أشبه ذلك
~~وفيه دليل على أن للتلبيد أثرا في تأخير الإحلال إلى النحر. وفيه: أن من
~~ساق الهدي لم يحل حتى يوم النحر. وهو مأخوذ من قوله تعالى {ولا تحلقوا
~~رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] .
# PageV00P000
# 233 - الحديث الرابع: عن عمران بن حصين قال «أنزلت
~~آية المتعة في كتاب الله تعالى. ففعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء»
~~قال البخاري " يقال: إنه عمر ". ولمسلم «نزلت آية المتعة - يعني متعة الحج
~~- وأمرنا بها رسول الله - صلى ms365 الله عليه وسلم - ثم لم تنزل آية تنسخ آية
~~متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات» ولهما
~~بمعناه.
#
### | [إحكام الأحكام]
# / وقولها " ما شأن الناس حلوا ولم تحل؟ " هذا الإحلال: هو الذي وقع
~~للصحابة في فسخهم الحج إلى العمرة. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~أمرهم بذلك، ليحلوا بالتحلل من العمرة. ولم يحل هو - صلى الله عليه وسلم -؛
~~لأنه كان قد ساق الهدي.
# وقولها " من عمرتك " يستدل به على أنه كان - صلى الله عليه وسلم - قارنا.
~~ويكون المراد من قولها " من عمرتك " أي من عمرتك التي مع حجتك وقيل " من "
~~بمعنى الباء أي لم تحل بعمرتك، أي العمرة التي تحلل بها الناس وهو ضعيف
~~لوجهين:
# أحدهما: كون " من " بمعنى الباء.
# والثاني: أن قولها " عمرتك " تقتضي الإضافة فيه تقرر عمرة له تضاف إليه.
~~والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن متقررة ولا موجودة وقيل: يراد بالعمرة
~~الحج بناء على النظر إلى الوضع اللغوي. وهو أن العمرة الزيارة. والزيارة
~~موجودة في الحج، أي موجودة المعنى فيه. وهو ضعيف أيضا؛ لأن الاسم إذا انتقل
~~إلى حقيقة عرفية كانت اللغوية مهجورة في الاستعمال.
### | [حديث أنزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى]
# يراد بآية المتعة: قوله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من
~~الهدي} [البقرة: 196] وفي الحديث إشارة إلى جواز نسخ القرآن بالسنة؛ لأن
~~قوله
# PageV00P000
# 234 - الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت
~~«فتلت قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم أشعرتها وقلدها - أو
~~قلدتها - ثم بعث بها إلى البيت. وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له
~~حلا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ولم ينه عنها " نفي منه لما يقتضي رفع الحكم بالجواز الثابت بالقرآن فلو
~~لم يكن هذا الرفع ممكنا لما احتاج إلى قوله " ولم ينه عنها " ومراده بنفي
~~نسخ القرآن: الجواز، وينفي ورود السنة بالنهي: تقرر الحكم ودوامه. إذ لا
~~طريق لرفعه إلا أحد هذين الأمرين. وقد ms366 يؤخذ منه: أن الإجماع لا ينسخ به. إذ
~~لو نسخ به لقال: ولم يتفق على المنع؛ لأن الاتفاق حينئذ يكون سببا لرفع
~~الحكم. فكان يحتاج إلى نفيه، كما نفي نزول القرآن بالنسخ. وورود السنة
~~بالنهي
### | 1 -
# وقوله " قال رجل برأيه ما شاء " هو كما ذكر في الأصل عن البخاري: أن
~~المراد بالرجل عمر - رضي الله عنه -. وفيه دليل على أن الذي نهى عنه عمر:
~~هو متعة الحج المشهورة. وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم الحج في
~~عامه، خلافا لمن حمله على أن المراد: المتعة بفسخ الحج إلى العمرة، أو لمن
~~حمله على متعة النساء؛ لأن شيئا من هاتين المتعتين لم ينزل قرآن بجوازه.
~~والنهي المذكور قد قيل فيه: إنه نهي تنزيه. وحمل على الأولى والأفضل. وحذرا
~~أن يترك الناس الأفضل، ويتتابعوا على غيره، طلبا للتخفيف على أنفسهم.
### | [باب الهدي]
### | [حديث فتلت قلائد هدي رسول الله]
# فيه دليل على استحباب بعث الهدي من البلاد البعيدة لمن لا يسافر معه.
~~ودليل على استحباب تقليده للهدي، وإشعاره من بلده، بخلاف ما إذا سار مع
~~الهدي فإنه يؤخر الإشعار إلى حين الإحرام. وفيه دليل على استحباب الإشعار
~~في الجملة، خلافا لمن أنكره. وهو شق صفحة السنام طولا وسلت الدم عنه.
~~واختلف الفقهاء: هل يكون في الأيمن، أو في الأيسر؟ ومن أنكره قال: إنه
~~مثلة. والعمل بالسنة أولى.
# PageV00P000
# 235 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت «أهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة غنما» .
### | 236 -
# الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن نبي الله - صلى الله
~~عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها. قال: إنها بدنة. قال
~~اركبها. فرأيته راكبها، يساير النبي - صلى الله عليه وسلم -» وفي لفظ قال
~~في الثانية، أو الثالثة: اركبها. ويلك، أو ويحك ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيه دليل على أن من بعث بهديه لا تحرم عليه محظورات الإحرام، ونقل فيه
~~الخلاف عن بعض المتقدمين، وهو مشهور عن ابن عباس. وفيه دليل على ms367 استحباب
~~فتل القلائد.
### | [حديث أهدى رسول الله مرة غنما]
# في هذا الحديث دليل على إهداء الغنم.
### | [حديث أن نبي الله رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها]
# اختلفوا في ركوب البدنة المهداة على مذاهب. فنقل عن بعضهم: أنه أوجب ذلك؛
~~لأن صيغة الأمر وردت به، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخالفة سيرة الجاهلية، من
~~مجانبة السائبة والوصيلة والحامي وتوقيها. ورد على هذا بأن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - لم يركب هديه، ولا أمر الناس بركوب الهدايا. ومنهم من
~~قال: يركبها مطلقا من غير اضطرار، تمسكا بظاهر هذا الحديث ومنهم من قال: لا
~~يركبها إلا عند الحاجة، فيركبها من غير إضرار. وهذا المنقول من مذهب
~~الشافعي - رحمه الله -؛ لأنه جاء في الحديث " اركبها إذا احتجت إليها "
~~فحمل ذلك المطلق على المقيد. ومنهم من منع من ركوبها إلا لضرورة.
# وقوله " ويلك " كلمة تستعمل في التغليظ على المخاطب. وفيها ههنا وجهان:
# أحدهما: أن تجري على هذا المعنى. وإنما استحق صاحب البدنة ذلك لمراجعته
~~وتأخر امتثاله لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لقول الراوي " في
~~الثانية أو الثالثة "
# PageV00P000
# 237 - الحديث الرابع: عن علي بن أبي طالب - رضي الله
~~عنه - قال «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنه، وأن
~~أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا. وقال: نحن
~~نعطيه من عندنا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والثاني: أن لا يراد بها موضوعها الأصلي. ويكون مما جرى على لسان العرب
~~في المخاطبة من غير قصد لموضوعه. كما قيل في قوله - عليه السلام - " تربت
~~يداك " و " أفلح وأبيه إن صدق " وكما في قول العرب " ويله " ونحوه. ومن
~~يمنع ركوب البدنة من غير حاجة: يحمل هذه الصورة على ظهور الحاجة إلى ركوبها
~~في الواقعة المعينة.
### | [حديث أمرني رسول الله أن أقوم على بدنه]
# فيه دليل على جواز الاستنابة في القيام على الهدي وذبحه، والتصدق به.
# وقوله " وأن أتصدق بلحمها " يدل على التصدق بالجميع ولا شك أنه أفضل
~~مطلقا، وواجب ms368 في بعض الدماء. وفيه دليل على أن الجلود تجري مجرى اللحم في
~~التصدق؛ لأنها من جملة ما ينتفع به. فحكمها حكمه. وقوله " أن لا أعطي
~~الجزار منها شيئا " ظاهره: عدم الإعطاء مطلقا بكل وجه. ولا شك في امتناعه
~~إذا كان المعطى أجرة الذبح؛ لأنه معاوضة ببعض الهدي والمعاوضة في الأخرى
~~كالبيع. وأما إذا أعطى الأجرة خارجا عن اللحم المعطى، وكان اللحم زائدا على
~~الأجرة، فالقياس: أن يجوز. ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " نحن
~~نعطيه من عندنا " وأطلق المنع من إعطائه منها. ولم يقيد المنع بالأجرة.
~~والذي يخشى منه في هذا: أن تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه الجازر من
~~اللحم. فيعود إلى المعاوضة في نفس الأمر. فمن يميل إلى المنع من الذرائع
~~يخشى من مثل هذا.
# PageV00P000
# الحديث الخامس: عن زياد بن جبير قال: «رأيت ابن عمر
~~أتى على رجل قد أناخ بدنته، فنحرها. فقال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد -
~~صلى الله عليه وسلم -» .
### | 239 -
# الحديث الأول: عن عبد الله بن حنين «أن عبد الله بن عباس والمسور بن
~~مخرمة اختلفا بالأبواء. فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا
~~يغسل رأسه. قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -.
~~فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستر بثوب. فسلمت عليه. فقال: من هذا؟ فقلت:
~~أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك ابن عباس، يسألك: كيف كان رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب،
~~فطأطأه، حتى بدا لي رأسه. ثم قال لإنسان يصب عليه الماء: اصبب، فصب على
~~رأسه. ثم
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نحر الإبل قائمة]
# فيه دليل على استحباب نحر الإبل من قيام. ويشير إليه قوله تعالى {فاذكروا
~~اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36] أي سقطت وهو يشعر بكونها
~~كانت قائمة.
# وفيه دليل على استحباب أن تكون معقولة. وورد في حديث صحيح ما يدل على أن
~~تكون معقولة اليد اليسرى ms369 وبعضهم سوى بين نحرها باركة وقائمة. ونقل عن بعضهم
~~أنه قال: تنحر باركة. والسنة أولى.
# PageV00P000
# حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. ثم قال: هكذا
~~رأيته - صلى الله عليه وسلم - يغتسل» .
# وفي رواية " فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا ".
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب الغسل للمحرم]
### | [حديث اختلاف ابن عباس والمسور في غسل المحرم رأسه]
# " القرنان " العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة "
~~الأبواء " بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد: موضع معين بين مكة
~~والمدينة.
# وفي الحديث دليل على جواز المناظرة في مسائل الاجتهاد، والاختلاف فيها
~~إذا غلب على ظن المختلفين فيها حكم. وفيه دليل على الرجوع إلى من يظن به أن
~~عنده علما فيما اختلف فيه.
# وفيه دليل على قبول خبر الواحد، وأن العمل به سائغ شائع بين الصحابة؛ لأن
~~ابن عباس أرسل عبد الله بن حنين ليستعلم له علم المسألة، ومن ضرورته: قبول
~~خبره عن أبي أيوب فيما أرسل فيه. و " القرنان " فسرهما المصنف.
### | 1 -
# وفيه دليل على التستر عند الغسل، وفيه دليل على جواز الاستعانة في
~~الطهارة. لقول أبي أيوب " اصبب " وقد ورد في الاستعانة أحاديث صحيحة وورد
~~في تركها شيء لا يقابلها في الصحة.
# وفيه دليل على جواز السلام على المتطهر في حال طهارته، بخلاف من هو على
~~الحدث. وفيه دليل على جواز الكلام في أثناء الطهارة.
# وفيه دليل على تحريك اليد على الرأس في غسل المحرم إذا لم يؤد إلى نتف
~~الشعر.
# وقوله " أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - يغسل رأسه؟ " يشعر بأن ابن عباس كان عنده علم بأصل الغسل. فإن
~~السؤال عن كيفية الشيء: إنما يكون بعد العلم بأصله. وفيه دليل على أن غسل
~~البدن كان عنده متقرر الجواز، إذ لم يسأل عنه، وإنما سأل عن كيفية غسل
~~الرأس. ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه موضع الإشكال في المسألة. إذ الشعر عليه،
~~وتحريك اليد فيه
# PageV02P084
# 240 - الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله ms370 - رضي الله
~~عنهما - قال «أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج وليس مع أحد
~~منهم هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلحة، وقدم علي - رضي الله عنه
~~- من اليمن. فقال: أهللت بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه: أن يجعلوها عمرة، فيطوفوا ثم يقصروا
~~ويحلوا، إلا من كان معه الهدي فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر؟ فبلغ
~~ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما
~~أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت. وحاضت عائشة. فنسكت المناسك كلها، غير
~~أنها لم تطف بالبيت. فلما طهرت وطافت بالبيت قالت: يا رسول الله، ينطلقون
~~بحج وعمرة، وأنطلق بحج فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر: أن يخرج معها إلى
~~التنعيم فاعتمرت بعد الحج» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يخاف منه نتف الشعر.
### | 1 -
# وفيه دليل على جواز غسل المحرم، وقد أجمع عليه إذا كان جنبا، أو كانت
~~المرأة حائضا، فطهرت. وبالجملة الأغسال الواجبة. وأما إذا كان تبردا من غير
~~وجوب، فقد اختلفوا فيه. فالشافعي يجيزه. وزاد أصحابه، فقالوا: له أن يغسل
~~رأسه بالسدر والخطمي. ولا فدية عليه. وقال مالك وأبو حنيفة: عليه الفدية.
~~أعني غسل رأسه بالخطمي وما في معناه. فإن استدل بالحديث على هذا المختلف
~~فيه فلا يقوى؛ لأن المذكور حكاية حال، لا عموم لفظ. وحكاية الحال تحتمل أن
~~تكون هي المختلف فيها. وتحتمل أن لا. ومع الاحتمال لا تقوم حجة.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب فسخ الحج إلى العمرة]
### | [حديث أهل النبي وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي]
# قوله " أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - " الإهلال: أصله رفع الصوت. ثم
~~استعمل في التلبية استعمالا شائعا. ويعبر به عن الإحرام.
# وقوله " بالحج " ظاهره يدل على الإفراد. وهو رواية جابر.
# وقوله " وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلحة "
~~كالمقدمة لما أمروا به من فسخ الحج إلى العمرة، ms371 إذا لم يكن هدي.
# وقوله " أهللت بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم - " قيل: فيه دليل
~~على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير وانعقاد إحرام المعلق بما أحرم به
~~الغير. ومن الناس من عدى هذا إلى صور أخرى أجاز فيها التعليق، ومنعه غيره
~~ومن أبى ذلك يقول: الحج مخصوص بأحكام ليست في غيره. ويجعل محل النص منها.
# وقوله " فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يجعلوها عمرة " فيه
~~عموم وهو مخصوص بأصحابه الذين لم يكن معهم هدي، وقد بين ذلك في حديث آخر.
~~وفسخ الحج إلى العمرة: كان جائزا بهذا الحديث. وقيل: إن علته حسم مادة
~~الجاهلية في اعتقادها أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.
### | 1 -
# واختلف الناس فيما بعد هذه الواقعة: هل يجوز فسخ الحج إلى العمرة، كما في
~~هذه الواقعة أم لا؟ فذهب الظاهرية إلى جوازه. وذهب أكثر الفقهاء المشهورين
~~إلى منعه وقيل: إن هذا كان مخصوصا بالصحابة. وفي هذا حديث عن أبي ذر - رضي
~~الله عنه - وعن الحارث بن بلال عن أبيه أيضا. أعني في كونه مخصوصا.
# وقوله " فيطوفوا ثم يقصروا " يحتمل قوله " فيطوفوا " وجهين:
# أحدهما: أن يراد به الطواف بالبيت على ما هو المشهور. ويكون في الكلام
~~حذف، أي يطوفوا ويسعوا. فإن العمرة لا بد فيها من السعي. ويحتمل أن يكون
~~استعمل الطواف في الطوف بالبيت، وفي السعي أيضا فإنه قد يسمى طوافا، قال
~~الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا
~~جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] .
### | 1 -
# PageV02P086
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله " فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر " فيه دليل على استعمال
~~المبالغة في الكلام. فإنهم إذا حلوا من العمرة وواقعوا النساء، كان إحرامهم
~~للحج قريبا من زمن المواقعة، والإنزال. فحصلت المبالغة في قرب الزمان بأن
~~قيل " وذكر أحدنا يقطر " وكأنه إشارة إلى اعتبار المعنى في الحج. وهو الشعث
~~وعدم الترفه. فإذا طال الزمن في الإحرام حصل هذا المقصود. وإذا قرب ms372 زمن
~~الإحرام من زمن التحلل: ضعف هذا المقصود، أو عدم وكأنهم استنكروا زوال هذا
~~المقصود أو ضعفه، لقرب إحرامهم من تحللهم
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت»
~~فيه أمران:
# أحدهما: جواز استعمال لفظة " لو " في بعض المواضع، وإن كان قد ورد فيها
~~ما يقتضي خلاف ذلك. وهو «قوله - صلى الله عليه وسلم - فإن لو تفتح عمل
~~الشيطان» وقد قيل في الجمع بينهما: إن كراهتها في استعمالها في التلهف على
~~أمور الدنيا، إما طلبا كما يقال: لو فعلت كذا حصل لي كذا. وإما هربا كقوله:
~~لو كان كذا لما وقع لي كذا وكذا. لما في ذلك من صورة عدم التوكل في نسبة
~~الأفعال إلى القضاء والقدر وأما إذا استعملت في تمني القربات - كما جاء في
~~هذا الحديث - فلا كراهة هذا أو ما يقرب منه.
# الثاني: استدل به على أن التمتع أفضل. ووجه الدليل: أن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - تمنى ما يكون به متمتعا لو وقع. وإنما يتمنى الأفضل مما حصل.
~~ويجاب عنه بأن الشيء قد يكون أفضل بالنظر إلى ذاته، بالنسبة إلى شيء آخر،
~~وبالنظر إلى ذات ذلك الشيء الآخر. ثم يقترن بالمفضول في صورة خاصة ما يقتضي
~~ترجيحه ولا يدل ذلك على أفضليته من حيث هو هو. وههنا كذلك. فإن هذا التلهف
~~اقترن به قصد موافقة الصحابة في فسخ الحج إلى العمرة، لما شق عليهم ذلك.
~~وهذا أمر زائد على مجرد التمتع. وقد يكون التمتع مع هذه الزيادة أفضل. ولا
~~يلزم من ذلك: أن يكون التمتع بمجرده أفضل.
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - " ولولا أن معي الهدي لأحللت " معلل بقوله
~~تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] وفسخ الحج
~~إلى العمرة: يقتضي التحلل
# PageV02P087
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالحلق عند الفراغ من العمرة. ولو تحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة:
~~لحصل الحلق قبل بلوغ الهدي محله. وقد يؤخذ من هذا - والله أعلم - التمسك
~~بالقياس. فإنه يقتضي تسوية التقصير ms373 بالحلق في منعه قبل بلوغ الهدي محله، مع
~~أن النص لم يرد إلا في الحلق. فلو وجب الاقتصار على النص، لم يمتنع فسخ
~~الحج إلى العمرة لأجل هذه العلة. فإنه حينئذ كان يمكن التحلل من العمرة
~~بالتقصير. ويبقى النص معمولا به في منع الحلق، حتى يبلغ الهدي محله فحيث
~~حكم بامتناع التحلل من العمرة، وعلل بهذه العلة: دل ذلك على أنه أجرى
~~التقصير مجرى الحلق في امتناعه قبل بلوغ الهدي محله، مع أن النص لم يدل
~~عليه بلفظه، وإنما ألحق به بالمعنى.
### | 1 -
# وقوله " وحاضت عائشة - إلى آخره " يدل على امتناع الطواف على الحائض إما
~~لنفسه، وإما لملازمته لدخول المسجد. ويدل على فعلها لجميع أفعال الحج إلا
~~ذلك. وعلى أنه لا تشترط الطهارة في بقية الأعمال.
# وقوله غير أنها لم تطف بالبيت " فيه حذف، تقديره: ولم تسع. ويبين ذلك
~~رواية أخرى صحيحة، ذكر فيها " أنها بعد أن طهرت طافت وسعت ".
### | 1 -
# ويؤخذ من هذا: أن السعي لا يصح إلا بعد طواف صحيح. فإنه لو صح لما لزم من
~~تأخير الطواف بالبيت تأخير السعي، إذ هي قد فعلت المناسك كلها غير الطواف
~~بالبيت، فلولا اشتراط تقدم الطواف على السعي لفعلت في السعي ما فعلت في
~~غيره. وهذا الحكم متفق عليه بين أصحاب الشافعي ومالك. وزاد المالكية قولا
~~آخر: أن السعي لا بد أن يكون بعد طواف واجب وإنما صح بعد طواف القدوم - على
~~هذا القول - لاعتقاد هذا القائل وجوب طواف القدوم.
# وقولها " ينطلقون بحج وعمرة " تريد العمرة التي فسخوا الحج إليها، والحج
~~الذي أنشئوه من مكة. وقولها " وأنطلق بحج؟ " يشعر بأنها لم تحصل لها
~~العمرة، وأنها لم تحل بفسخ الحج الأول إلى العمرة. وهذا ظاهر، إلا أنهم لما
~~نظروا إلى روايات أخرى اقتضت: أن عائشة اعتمرت؛ لأنه - عليه السلام - أمرها
~~بترك عمرتها، ونقض رأسها، وامتشاطها، والإهلال بالحج لما حاضت لامتناع
~~التحلل من العمرة بوجود الحيض، ومزاحمته وقت الحج وحملوا أمره - عليه
~~السلام -
# PageV02P088
# 241 - الحديث الثاني: عن جابر - رضي الله عنه ms374 - قال
~~«قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نقول: لبيك بالحج. فأمرنا
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلناها عمرة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بترك العمرة على ترك المضي في أعمالها. لا على رفضها بالخروج منها. وأهلت
~~بالحج، مع بقاء العمرة. فكانت قارنة - اقتضى ذلك: أن تكون قد حصل لها عمرة.
~~فأشكل حينئذ قولها " ينطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج " إذ هي أيضا قد حصل
~~لها حج وعمرة، لما تقرر من كونها صارت قارنة. فاحتاجوا إلى تأويل هذا
~~اللفظ. فأولوا قولها " ينطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج " على أن المراد:
~~ينطلقون بحج مفرد عن عمرة، وعمرة منفردة عن حج. وأنطلق بحج غير مفرد عن
~~عمرة. فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة، ليحصل لها قصدها في
~~عمرة مفردة عن حج، وحج مفرد عن عمرة. هذا حاصل ما قيل في هذا. مع أن الظاهر
~~خلافه، بالنسبة إلى هذا الحديث، لكن الجمع بين الروايات ألجأهم إلى مثل
~~هذا.
# وقوله " فأمر عبد الرحمن - إلى آخره " يدل على جواز الخلوة بالمحارم ولا
~~خلاف فيه. وقوله " أن يخرج معها إلى التنعيم " يدل على أن من أراد أن يحرم
~~بالعمرة من مكة لا يحرم بها من جوفها. بل عليه الخروج إلى الحل. فإن "
~~التنعيم " أدنى الحل. وهذا معلل بقصد الجمع بين الحل والحرم في العمرة، كما
~~وقع ذلك في الحج. فإنه جمع فيه بين الحل والحرم. فإن " عرفة " من أركان
~~الحج. وهي من الحل. واختلفوا في أنه لو أحرم بالعمرة من مكة، ولم يخرج إلى
~~الحل: هل يكون الطواف والسعي صحيحا ويلزمه دم، أو يكون باطلا؟ وفي مذهب
~~الشافعي خلاف. ومذهب مالك: أنه لا يصح. وجمد بعض الناس فشرط الخروج إلى
~~التنعيم بعينه. ولم يكتف بالخروج إلى مطلق الحل. ومن علل بما ذكرناه، وفهم
~~المعنى - وهو الجمع بين الحل والحرم - اكتفى بالخروج إلى مطلق الحل.
# PageV00P000
# 242 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms375 - وأصحابه صبيحة رابعة.
~~فأمرهم أن يجعلوها عمرة. فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل كله» .
### | 243 -
# الحديث الرابع: عن عروة بن الزبير قال «سئل أسامة بن زيد - وأنا جالس -
~~كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير حين دفع؟ قال: كان يسير
~~العنق. فإذا وجد فجوة نص» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث قدمنا مع رسول الله ونحن نقول لبيك بالحج]
# حديث جابر على أنهم أحرموا بالحج. وردوه إلى العمرة. وقد ذكرنا أن مذهب
~~الظاهرية جوازه مطلقا. وهو المحكي أيضا عن أحمد. وقوله فيه " ونحن نقول
~~لبيت بالحج " يدل على أنهم أحرموا بالحج مفردا على بعضهم، لما ورد في حديث
~~آخر عن جابر «فمنا من أهل بحج. ومنا من أهل بعمرة» .
### | [حديث قدم رسول الله وأصحابه صبيحة رابعة]
# وحديث ابن عباس يدل أيضا على فسخ الحج إلى العمرة. وفيه زيادة: أن التحلل
~~بالعمرة تحلل كامل بالنسبة إلى جميع محظورات الإحرام. لقوله - صلى الله
~~عليه وسلم - للصحابة لما قالوا " أي الحل؟ " قال " الحل كله " وقول الصحابة
~~كأنه لاستبعادهم بعض أنواع الحل. وهو الجماع المفسد للإحرام. فأجيبوا بما
~~يقتضي التحلل المطلق. والذي يدل على هذا: قولهم في الحديث الآخر «ينطلق
~~أحدنا إلى منى وذكره يقطر» وهذا يشعر بما ذكرناه من استبعاد التحلل المبيح
~~للجماع
### | [حديث كان رسول الله يسير العنق فإذا وجد فجوة نص]
# " العنق " انبساط السير. و " النص " فوق ذلك.
# PageV00P000
# 244 - الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف في حجة الوداع. فجعلوا
~~يسألونه. فقال: رجل لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ قال. اذبح ولا حرج. وجاء
~~آخر، فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج. فما سئل يومئذ
~~عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# حديث عروة بن الزبير عن أسامة لا يتعلق بفسخ الحج إلى العمرة وقد أدخله
~~المصنف في بابه. و " العنق " بفتح المهملة ms376 والنون. و " النص " بفتح النون
~~وتشديد الصاد المهملة - ضربان من السير. والنص: أرفعهما. وفيه دليل على أنه
~~عند الازدحام: كان يستعمل السير الأخف. وعند وجود الفجوة - وهو المكان
~~المنفسح - يستعمل السير الأشد. وذلك باقتصاد، لما جاء في الحديث الآخر
~~«عليكم السكينة» .
### | [حديث أن رسول الله وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه]
# " الشعور " العلم. وأصله: من المشاعر. وهي الحواس. فكأنه يستند إلى
~~الحواس، و " النحر " ما يكون في اللبة، و " الذبح " ما يكون في الحلق.
~~والوظائف يوم النحر أربعة: الرمي. ثم نحر الهدي أو ذبحه. ثم الحلق أو
~~التقصير. ثم طواف الإفاضة. هذا هو الترتيب المشروع فيها. ولم يختلفوا في
~~طلبية هذا الترتيب، وجوازه على هذا الوجه، إلا أن ابن الجهم - من المالكية
~~- يرى أن القارن لا يجوز له الحلق قبل الطواف وكأنه رأى أن القارن عمرته
~~وحجته قد تداخلا. فالعمرة قائمة في حقه. والعمرة لا يجوز فيها الحلق قبل
~~الطواف. وقد يشهد لهذا: قوله - عليه السلام - في القارن " حتى يحل منهما
~~جميعا " فإنه يقتضي
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أن الإحلال منهما يكون في وقت واحد. فإذا حلق قبل الطواف: فالعمرة قائمة
~~بهذا الحديث. فيقع الحلق فيهما قبل الطواف، وفي هذا الاستشهاد نظر. ورد
~~عليه بعض المتأخرين بنصوص الأحاديث والإجماع المتقدم عليه. وكأنه يريد
~~بنصوص الأحاديث: ما ثبت عنده " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا
~~في آخر الأمر " وأنه حلق قبل الطواف. وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي، لا نصي
~~عند الجمهور، أو كثير، أعني: كونه - عليه السلام - قارنا. وابن الجهم بنى
~~على مذهب مالك والشافعي، ومن قال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
~~مفردا وأما الإجماع: فبعيد الثبوت، إن أراد به الإجماع النقلي القولي. وإن
~~أراد السكوتي: ففيه نظر. وقد ينازع فيه أيضا.
# وإذا ثبت أن الوظائف أربع في هذا اليوم، فقد اختلفوا فيما لو تقدم بعضها
~~على بعض. فاختار الشافعي جواز التقديم: وجعل الترتيب مستحبا، ومالك وأبو
~~حنيفة يمنعان تقديم الحلق على الرمي؛ لأنه ms377 حينئذ يكون حلقا قبل وجود
~~التحللين. وللشافعي قول مثله. وقد بني القولان له على أن الحلق نسك، أو
~~استباحة محظور. فإن قلنا: إنه نسك، جاز تقديمه على الرمي؛ لأنه يكون من
~~أسباب التحلل. وإن قلنا: إنه استباحة محظور: لم يجز، لما ذكرناه من وقوع
~~الحلق قبل التحللين. وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكا
~~أن يكون من أسباب التحلل. ومالك يرى أن الحلق نسك. ويرى - مع ذلك - أنه لا
~~يقدم على الرمي. إذ معنى كون الشيء نسكا: أنه مطلوب، مثاب عليه. ولا يلزم
~~من ذلك: أن يكون سببا للتحلل ونقل عن أحمد: أنه إن قدم بعض هذه الأشياء على
~~بعض، فلا شيء عليه، إن كان جاهلا. وإن كان عالما: ففي وجوب الدم روايتان.
~~وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي، دون العامد: قوي، من جهة أن
~~الدليل دل على وجوب اتباع أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحج،
~~بقوله خذوا عني مناسككم " وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال
~~عنه: إنما قرنت بقول السائل " لم أشعر " فيخصص الحكم بهذه الحالة. وتبقى
~~حالة العمد على أصل
# PageV02P092
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج. ومن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان،
~~عند تقدم الحلق على الرمي: فإنه يحمل قوله - عليه السلام - " لا حرج " على
~~نفي الإثم في التقديم مع النسيان ولا يلزم من نفي الإثم نفي وجوب الدم.
# وادعى بعض الشارحين: أن قوله - عليه السلام - " لا حرج " ظاهر في أنه لا
~~شيء عليه. وعنى بذلك نفي الإثم والدم معا. وفيما ادعاه من الظهور نظر. وقد
~~ينازعه خصومه فيه، بالنسبة إلى الاستعمال العرفي. فإنه قد استعمل " لا حرج
~~" كثيرا في نفي الإثم، وإن كان من حيث الوضع اللغوي يقتضي نفي الضيق. قال
~~الله تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] .
# وهذا البحث كله إنما يحتاج إليه بالنسبة إلى الرواية التي جاء فيها
~~السؤال عن تقديم الحلق على الرمي. ms378 وأما على الرواية التي ذكرها المصنف: فلا
~~تعم من أوجب الدم، وحمل نفي الحرج على نفي الإثم، فيشكل عليه تأخير بيان
~~وجوب الدم. فإن الحاجة تدعو إلى تبيان هذا الحكم. فلا يؤخر عنها بيانه.
~~ويمكن أن يقال: إن ترك ذكره في الرواية لا يلزم منه ترك ذكره في نفس الأمر.
~~وأما من أسقط الدم، وجعل ذلك مخصوصا بحالة عدم الشعور: فإنه يحمل " لا حرج
~~" على نفي الإثم والدم معا. فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. ويبنى
~~أيضا على القاعدة: في أن الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز
~~اطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه به. ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم
~~التكليف والمؤاخذة. والحكم علق به. فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به. إذ لا
~~يساويه. فإن تمسك بقول الراوي " فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل،
~~ولا حرج " فإنه قد يشعر بأن الترتيب مطلقا غير مراعى في الوجوب. فجوابه: أن
~~الراوي لم يحك لفظا عاما عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقتضي جواز
~~التقديم والتأخير مطلقا. وإنما أخبر عن قوله - عليه الصلاة والسلام - " لا
~~حرج " بالنسبة إلى كل ما سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ. وهذا الإخبار
~~من الراوي: إنما تعلق بما وقع السؤال عنه. وذلك مطلق بالنسبة إلى حال
~~السؤال، وكونه وقع عن العمد أو عدمه، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين
~~بعينه. فلا يبقى حجة في
# PageV02P093
# 245 - الحديث السادس: عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي
~~«أنه حج مع ابن مسعود. فرآه رمى الجمرة الكبرى بسبع حصيات فجعل البيت عن
~~يساره، ومنى عن يمينه. ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة - صلى
~~الله عليه وسلم -» .
### | 246 -
# الحديث السابع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - قال «اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول
~~الله. قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا والمقصرين يا رسول الله. قال:
~~والمقصرين» .
# ms379
### | [إحكام الأحكام]
# حال العمد. والله أعلم.
### | [حديث هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة]
# فيه دليل على رمي الجمرة الكبرى بسبع كغيرها، ودليل على استحباب هذه
~~الكيفية في الوقوف لرميها، ودليل على أن هذه الجمرة ترمى من بطن الوادي،
~~ودليل على مراعاة كل شيء من هيئات الحج التي وقعت من الرسول - صلى الله
~~عليه وسلم - حيث قال ابن مسعود " هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة "
~~قاصدا بذلك الإعلام به، ليفعل. وفيه دليل على جواز قولنا " سورة البقرة "
~~وقد نقل عن الحجاج بن يوسف: أنه نهى عن ذلك. وأمر أن يقال " السورة التي
~~تذكر فيها البقرة " فرد عليه بهذا الحديث
### | [حديث اللهم ارحم المحلقين]
# الحديث دليل على جواز الحلق والتقصير معا. وعلى أن الحلق أفضل؛ لأن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - ظاهر في الدعاء للمحلقين، واقتصر في الدعاء
~~للمقصرين على مرة. وقد تكلموا في أن هذا كان في الحديبية، أو في حجة
~~الوداع. وقد ورد في بعض
# PageV00P000
# 247 - الحديث الثامن. عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت «حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأفضنا يوم النحر. فحاضت
~~صفية. فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ما يريد الرجل من أهله.
~~فقلت: يا رسول الله، إنها حائض. قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله،
~~إنها قد أفاضت يوم النحر قال: اخرجوا» . وفي لفظ: قال النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - «عقرى، حلقى. أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم. قال: فانفري» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الروايات ما يدل على أنه في الحديبية. ولعله وقع فيهما معا. وهو الأقرب.
~~وقد كان في كلا الوقتين توقف من الصحابة في الحلق. أما في الحديبية: فلأنهم
~~عظم عليهم الرجوع قبل تمام مقصودهم، من الدخول إلى مكة وكمال نسكهم. وأما
~~في الحج. فلأنهم شق عليهم فسخ الحج إلى العمرة. وكان من قصر منهم شعره
~~اعتقد: أنه أخف من الحلق. إذ هو يدل على الكراهة للشيء. فكرر النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - الدعاء للمحلقين؛ لأنهم بادروا إلى امتثال ms380 الأمر، وأتموا
~~فعل ما أمروا به من الحلق وقد ورد التصريح بهذه الحالة في بعض الروايات.
~~فقيل " لأنهم لم يشكوا ".
### | [حديث حججنا مع النبي فأفضنا يوم النحر]
# فيه دليل على أمور:
# أحدها: أن طواف الإفاضة لا بد منه، وأن المرأة إذا حاضت لا تنفر حتى
~~تطوف. لقوله - صلى الله عليه وسلم - " أحابستنا هي؟ " فقيل: " إنها قد
~~أفاضت - إلى آخره " فإن سياقه يدل على أن عدم طواف الإفاضة موجب للحبس.
# PageV00P000
# 248 - الحديث التاسع: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة
~~الحائض» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وثانيهما: أن الحائض يسقط عنها طواف الوداع. لا تقعد لأجله. لقوله "
~~فانفري ".
# وثالثها: قوله " عقرى " مفتوح العين، ساكن القاف، و " حلقى " مفتوح
~~الحاء، ساكن اللام. والكلام في هاتين اللفظتين من وجوه: منها: ضبطهما.
~~فالمشهور عن المحدثين - حتى لا يكاد يعرف غيره - أن آخر اللفظتين ألف
~~التأنيث المقصورة من غير تنوين. وقال بعضهم " عقرا حلقا " بالتنوين؛ لأنه
~~يشعر أن الموضع موضع دعاء. فأجراه مجرى كلام العرب في الدعاء بألفاظ
~~المصادر. فإنها منونة. كقولهم سقيا ورعيا، وجدعا، وكيا " ورأي أن " عقرى "
~~بألف التأنيث نعت لا دعاء. والذي ذكره المحدثون صحيح أيضا.
# ومنها: ما تقتضيه هاتان اللفظتان. فقيل " عقرى " بمعنى: عقرها الله.
~~وقيل: عقر قومها. وقيل: جعلها عاقرا، لا تلد. وأما " حلقى " فإما بمعنى حلق
~~شعرها، أو بمعنى أصابها وجع في حلقها، أو بمعنى تحلق قومها بشؤمها.
# ومنها: أن هذا من الكلام الذي كثر في لسان العرب، حتى لا يراد به أصل
~~موضوعه. كقولهم: تربت يداك. وما أشعره قاتله الله. وأفلح وأبيه، إلى غير
~~ذلك من الألفاظ التي لا يقصد أصل موضوعها لكثرة استعمالها.
### | [حديث أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت]
# فيه دليل على أن طواف الوداع واجب لظاهر الأمر وهو مذهب الشافعي. ويجب
~~الدم بتركه. وهذا بعد تقرير أن إخبار الصحابي عن صيغة الأمر كحكايته لها.
~~ولا دم فيه عند مالك. ms381 ولا وجوب له عنده.
# وفيه دليل على سقوطه عن الحائض. وفيه خلاف عن بعض السلف، أعني ابن عمر،
~~أو ما يقرب - أي من الخلاف - منه.
# PageV00P000
# الحديث العاشر: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما
~~- قال «استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن
~~يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته فأذن له» .
### | 250 -
# الحديث الحادي عشر: وعنه - أي عن ابن عمر - قال «جمع النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بجمع، لكل واحدة منهما إقامة. ولم يسبح
~~بينهما، ولا على إثر واحدة منهما» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله أن يبيت بمكة ليالي منى]
# أخذ منه أمران:
# أحدهما: حكم المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج وواجباته: وهذا من حيث قوله
~~" أذن للعباس من أجل سقايته " فإنه يقتضي أن الإذن لهذه العلة المخصوصة،
~~وأن غيرها لم يحصل فيه الإذن.
# الثاني: أنه يجوز المبيت لأجل السقاية. ومدلول الحديث: تعليق هذا الحكم
~~بوصف السقاية، وباسم العباس: فتكلم الفقهاء في أن هذا من الأوصاف المعتبرة
~~في هذا الحكم. فأما غير العباس: فلا يختص به الحكم اتفاقا، لكن اختلفوا
~~فيما زاد على ذلك: فمنهم من قال: يختص هذا الحكم بآل العباس. ومنهم من عمه
~~في بني هاشم. ومنهم من عم، وقال: كل من احتاج إلى المبيت للسقاية فله ذلك.
~~وأما تعليقه بسقاية العباس: فمنهم من خصصه بها، حتى لو عملت سقاية أخرى لم
~~يرخص في المبيت لأجلها. والأقرب: اتباع المعنى، وأن العلة: الحاجة إلى
~~إعداد الماء للشاربين
### | [حديث جمع النبي بين المغرب والعشاء]
# فيه دليل على جمع التأخير بمزدلفة. وهي " جمع " لأن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - كان وقت الغروب بعرفة فلم يجمع بينهما بالمزدلفة إلا وقد أخر
~~المغرب. وهذا الجمع لا خلاف فيه. وإنما اختلفوا: هل هو بعذر النسك، أو بعذر
~~السفر؟ وفائدة الخلاف: أن من ليس بمسافر سفرا يجمع فيه، هل يجمع بين هاتين
~~الصلاتين أم
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لا؟ والمنقول عن مذهب أبي حنيفة: أن الجمع بعذر النسك. وظاهر مذهب
~~الشافعي: أنه بعذر السفر. ولبعض أصحابه وجه: أنه بعذر السفر. ولبعض أصحابه
~~وجه: أنه بعذر النسك، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع
~~بين الصلاتين في طول سفره ذلك، فإن كان لم يجمع في نفس الأمر، فيقوى أن
~~يكون للنسك؛ لأن الحكم المتجدد عن تجدد أمر يقتضي إضافة ذلك الحكم إلا ذلك
~~الأمر، وإن كان قد جمع: إما بأن يرد في ذلك نقل خاص، أو يؤخذ من قول ابن
~~عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جد به السير جمع بين المغرب
~~والعشاء» فقد تعارض في هذا الجمع سببان: السفر، والنسك. فيبقى النظر في
~~ترجيح الإضافة إلى أحدهما، على أن في الاستدلال بحديث ابن عمر على هذا
~~الجمع نظرا. من حيث إن السير لم يكن مجدا في ابتداء هذه الحركة؛ لأن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - كان نازلا عند دخول وقت صلاة المغرب، وأنشأ الحركة
~~بعد ذلك، فالجد إنما يكون بعد الحركة. أما في الابتداء: فلا، وقد كان يمكن
~~أن تقام المغرب بعرفة. ولا يحصل جد السير بالنسبة إليها. وإنما يتناول
~~الحديث: ما إذا كان الجد والسير موجودا عند دخول وقتها فهذا أمر محتمل.
### | 1 -
# واختلف الفقهاء أيضا: فيما لو أراد الجمع بغير جمع، كما لو جمع في الطريق
~~أو بعرفة على التقديم، هل يجمع أم لا؟ والذين عللوا الجمع بالسفر: يجيزون
~~الجمع مطلقا. والذين يعللونه بالنسك: نقل عن بعضهم: أنه لا يجمع إلا
~~بالمكان الذي جمع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهو المزدلفة،
~~إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
# ومما يتعلق بالحديث: الكلام في الأذان والإقامة لصلاتي الجمع. وقد ذكر
~~فيه: أنه جمع بإقامة لكل واحدة. ولم يذكر الأذان.
# وحاصل مذهب الشافعي - رحمه الله -: أن الجمع إما أن يكون على وجه
# PageV02P098
# 251 - الحديث الأول: عن أبي قتادة الأنصاري «أن ms383 رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - خرج حاجا. فخرجوا معه. فصرف طائفة منهم - فيهم
~~أبو قتادة - وقال: خذوا ساحل البحر، حتى نلتقي. فأخذوا ساحل البحر
#
### | [إحكام الأحكام]
# التقديم، أو على وجه التأخير. فإن كان على وجه التقديم: أذن للأولى؛ لأن
~~الوقت لها وأقام لكل واحدة، ولم يؤذن للثانية، إلا على وجه غريب لبعض
~~أصحابه. وإن كان على وجه التأخير - كما في هذا الجمع - صلاهما بإقامتين،
~~كما في ظاهر هذا الحديث. وأجروا في الأذان للأولى الخلاف الذي في الأذان
~~للفائتة. ودلالة الحديث على عدم الأذان دلالة سكوت، أعني الحديث الذي ذكره
~~المصنف.
### | 1 -
# ويتعلق بالحديث أيضا: عدم التنفل بين صلاتي الجمع لقوله " ولم يسبح
~~بينهما " و " السبحة صلاة النافلة على المشهور والمسألة معبر عنها: بوجوب
~~الموالاة بين صلاتي الجمع. والمنقول عن ابن حبيب من أصحاب مالك: أن له أن
~~ينتفل. أعني للجامع بين الصلاتين. ومذهب الشافعي: أن الموالاة بين الصلاتين
~~شرط في جمع التقديم وفيها في جمع التأخير خلاف؛ لأن الوقت للصلاة الثانية.
~~فجاز تأخيرها. وإذا قلنا بوجوب الموالاة فلا يقطعها قدر الإقامة، ولا قدر
~~التيمم لمن يتيمم، ولا قدر الأذان لمن يقول بالأذان لكل واحدة من صلاتي
~~الجمع وقد حكيناه وجها لبعض الشافعية.
# وهو قول في مذهب مالك أيضا فمن أراد أن يستدل بالحديث على عدم جواز
~~التنفل بين صلاتي الجمع؟ فلمخالفه أن يقول: هو فعل، والفعل بمجرده لا يدل
~~على الوجوب، ويحتاج إلى ضميمة أمر آخر إليه. ومما يؤكده - أعني كلام
~~المخالف - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتنفل بعدهما، كما في
~~الحديث، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك. فيشعر ذلك بأن ترك التنفل لم يكن لما
~~ذكر من وجوب الموالاة. وقد ورد بعض الروايات " أنه فصل بين هاتين الصلاتين
~~بحط الرحال " وهو يحتاج إلى مسافة في الوقت، ويدل على جواز التأخير. وقد
~~تكرر من المصنف إيراد أحاديث في هذا الباب لا تناسب ترجمته.
# PageV00P000
# فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة، فلم يحرم. ms384
~~فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش. فحمل أبو قتادة على الحمر. فعقر منها
~~أتانا. فنزلنا فأكلنا من لحمها. ثم قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟
~~فحملنا ما بقي من لحمها فأدركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فسألناه
~~عن ذلك؟ فقال: منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا.
~~قال: فكلوا ما بقي من لحمها» وفي رواية " قال: هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم.
~~فناولته العضد، فأكل منها ".
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب المحرم يأكل من صيد الحلال]
### | [حديث أن رسول الله خرج حاجا فخرجوا معه]
# تكلموا في كون أبي قتادة لم يكن محرما، مع كونهم خرجوا للحج، ومروا
~~بالميقات. ومن كان كذلك وجب عليه الإحرام من الميقات.
# وأجيب بوجوه: منها: ما دل عليه أول هذا الحديث، من أنه أرسل إلى جهة أخرى
~~لكشفها. وكان الالتقاء بعد مضي مكان الميقات. ومنها: أنه قبل توقيت
~~المواقيت. و " الأتان " الأنثى من الحمر. وقولهم " نأكل من لحم صيد ونحن
~~محرمون " ورجوعهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: دليل على
~~أمرين: أحدهما: جواز الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم
~~أكلوه باجتهاد والثاني: وجوب الرجوع إلى النصوص عند تعارض الأشباه
~~والاحتمالات.
# «وقوله - صلى الله عليه وسلم - منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار
~~إليها» فيه دليل على أنهم لو فعلوا ذلك لكان سببا للمنع.
# وقوله - عليه السلام - " فكلوا ما بقي من لحمها " دليل على جواز أكل
~~المحرم لحم الصيد، إذا لم يكن منه دلالة ولا إشارة. وقد اختلف الناس في أكل
~~المحرم لحم الصيد على مذاهب:
# أحدها: أنه ممنوع مطلقا، صيد لأجله أو لا. وهذا مذكور عن بعض السلف
~~ودليله: حديث الصعب، على ما سنذكره.
# والثاني: أنه ممنوع إن صاده أو صيد لأجله، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه،
~~وهو مذهب مالك
# PageV02P100
# 252 - الحديث الثاني: عن الصعب بن جثامة الليثي - رضي
~~الله عنه - أنه «أهدى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا، ms385 وهو
~~بالأبواء أو بودان - فرده عليه. فلما رأى ما في وجهي، قال: إنا لم نرده
~~عليك إلا أنا حرم» وفي لفظ لمسلم " رجل حمار " وفي لفظ " شق حمار " وفي لفظ
~~" عجز حمار ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# والشافعي.
# والثالث: أنه إن كان باصطياده، أو بإذنه، أو بدلالته حرم، وإن كان على
~~غير ذلك: لم يحرم.
# وحديث أبي قتادة - هذا - يدل على جواز أكله في الجملة. وهو على خلاف مذهب
~~الأول. ويدل ظاهره: على أنه إذا لم يشر المحرم إليه، ولا دل عليه: يجوز
~~أكله. فإنه ذكر الموانع المانعة من أكله. والظاهر: أنه لو كان غيرها مانعا
~~لذكر. وإنما احتج الشافعي على تحريم ما صيد لأجله مطلقا، وإن لم يكن
~~بدلالته وإذنه: بأمور أخرى. منها: حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- «لحم الصيد لكم حلال، ما لم تصيدوه، أو يصد لكم» .
# والذي في الرواية الأخرى: من قوله - عليه السلام - " هل معكم منه شيء؟ "
~~فيه أمران:
# أحدهما: تبسط الإنسان إلى صاحبه في طلب مثل هذا.
# والثاني: زيادة تطييب قلوبهم في موافقتهم في الأكل. وقد تقدم لنا قوله -
~~عليه السلام - «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي» والإشارة
~~إلى أن ذلك لطلب موافقتهم في الحلق فإنه كان أطيب لقلوبهم.
### | [حديث أنه أهدى إلى النبي حمارا وحشيا]
# وجه هذا الحديث: أنه ظن أنه صيد لأجله والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله "
~~الصعب " بالصاد المهملة والعين المهملة أيضا و " جثامة " بفتح الجيم وتشديد
~~الثاء المثلثة وفتح الميم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله " أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الأصل: أن يتعدى "
~~أهدى " بإلى، وقد يتعدى باللام، ويكون بمعناه. وقد يحتمل أن تكون اللام
~~بمعنى " أجل " وهو ضعيف.
# وقوله حمارا وحشيا " ظاهره: أنه أهداه بجملته وحمل على أنه كان حيا.
~~وعليه يدل تبويب البخاري - رحمه الله - وقيل: إنه تأويل مالك رحمه الله
~~وعلى مقتضاه: يستدل بالحديث على منع وضع المحرم يده على الصيد بطريق التملك
~~بالهدية، ويقاس عليها: ms386 ما في معناها من البيع والهبة، إلا أنه رد هذا
~~التأويل بالروايات التي ذكرها المصنف عن مسلم، من قوله " عجز حمار، أو شق
~~حمار، أو رجل حمار " فإنها قوية الدلالة على كون المهدى بعضا وغير حي.
~~فيحتمل قوله " حمارا وحشيا " المجاز. وتسمية البعض باسم الكل، أو فيه حذف
~~مضاف، ولا تبقى فيه دلالة على ما ذكر من تملك الصيد بالهبة على هذا
~~التقدير.
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ". " إنا "
~~الأولى مكسورة الهمزة؛ لأنها ابتدائية. والثانية مفتوحة؛ لأنها حذف منها
~~اللام التي للتعليل. وأصله: إلا لأنا.
# وقوله " لم نرده " المشهور عند المحدثين: فيه فتح الدال. وهو خلاف مذهب
~~المحققين من النحاة، ومقتضى مذهب سيبويه. وهم ضم الدال. وذلك في كل مضاعف
~~مجزوم، أو موقوف، اتصل به هاء ضمير المذكر. وذلك معلل عندهم بأن الهاء حرف
~~خفي، فكأن الواو تالية للدال، لعدم الاعتداد بالهاء، وما قبل الواو: يضم.
~~وعبروا عن ضمتها بالاتباع لما بعدها. وهذا بخلاف ضمير المؤنث إذا اتصل
~~بالمضاعف المشدد. فإنه يفتح باتفاق. وحكي في مثل هذا الأول الموقوف لغتان
~~أخريان. إحداهما: الفتح، كما يقول المحدثون. والثانية: الكسر. وأنشد فيه:
# قال أبو ليلى لحبلى مده ... حتى إذا مددته فشده
# إن أبا ليلى نسيج وحده
### | 1 -
# . وقوله - عليه السلام - " إلا أنا حرم " يتمسك به في منع أكل المحرم لحم
~~الصيد مطلقا فإنه علل ذلك بمجرد الإحرام. والذين أباحوا أكله: لا يكون مجرد
# PageV02P102
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الأحرام عندهم علة وقد قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رده؛
~~لأنه صيد لأجله، جمعا بينه وبين حديث أبي قتادة، و " الحرم " جمع حرام.
# و " الأبواء " بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد. و " ودان " بفتح
~~الواو وتشديد الدال، آخره نون: موضعان معروفان فيما بين مكة والمدينة.
# ولمسألة أكل المحرم الصيد، تعلق بقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما
~~دمتم حرما} [المائدة: 96] وهل المراد بالصيد: نفس الاصطياد، أو المصيد؟
~~وللاستقصاء فيه موضع غير هذا. ms387 ولكن تعليل النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~بأنهم حرم قد يكون إشارة إليه.
# وفي اعتذار النبي - صلى الله عليه وسلم - للصعب: تطييب لقلبه، لما عرض له
~~من الكراهة في رد هديته. ويؤخذ منه: استحباب مثل ذلك من الاعتذار.
# وقوله " فلما رأى ما في وجهي " يريد من الكراهة بسبب الرد.
# PageV02P103
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
~~عن رسول الله أنه قال «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم
~~يتفرقا وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر. فتبايعا على ذلك. فقد وجب
~~البيع» .
# وما في معناه من حديث حكيم بن حزام وهو:
### | 254 -
# الحديث الثاني: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «البيعان
~~بالخيار ما لم يتفرقا - أو قال: حتى يتفرقا - فإن صدقا وبينا بورك لهما في
~~بيعهما. وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب البيوع]
# الحديث: يتعلق بمسألة إثبات خيار المجلس في البيع. وهو يدل عليه. وبه قال
~~الشافعي وفقهاء أصحاب الحديث. ونفاه مالك وأبو حنيفة. ووافق
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ابن حبيب - من أصحاب مالك من أثبته، والذين نفوه اختلفوا في وجه العذر
~~عنه. والذي يحضرنا الآن من ذلك وجوه:
# أحدها: أنه حديث خالفه راويه. وكل ما كان كذلك: لم يعمل به.
# أما الأول: فلأن مالكا رواه، ولم يقل به. وأما الثاني: فلأن الراوي إذا
~~خالف، فإما أن يكون مع علمه بالصحة، فيكون فاسقا، فلا تقبل روايته. وإما أن
~~يكون لا مع علمه بالصحة. فهو أعلم بعلل ما روى. فيتبع في ذلك.
# وأجيب عن ذلك بوجهين:
# أحدهما: منع المقدمة.
# الثانية: وهو أن الراوي إذا خالف لم يعمل بروايته. وقوله " إذا كان مع
~~علمه بالصحة كان فاسقا " ممنوع لجواز أن يعلم بالصحة، ويخالف لمعارض راجح
~~عنده. ولا يلزم تقليده فيه. وقوله " إن كان لا مع علمه بالصحة، وهو أعلم
~~بروايته، فيتبع في ذلك " ممنوع أيضا؛ لأنه إذا ثبت الحديث بعدالة الله وجب
~~العمل به ظاهرا. فلا ms388 يترك بمجرد الوهم والاحتمال.
# الوجه الثاني: أن هذا الحديث مروي من طرق، فإن تعذر الاستدلال به من جهة
~~رواية مالك، لم يتعذر من جهة أخرى. وإنما يكون ذلك عند التفرد على تقدير
~~صحة هذا المأخذ - أعني أن مخالفة الراوي لروايته تقدح في العمل بها - فإنه
~~على هذا التقدير: يتوقف العمل برواية مالك. ولا يلزم من بطلان مأخذ معين
~~بطلان مأخذ الحكم في نفس الأمر.
# الوجه الثاني من الاعتذارات: أن هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى وخبر
~~الواحد فيما تعم به البلوى غير مقبول. فهذا غير مقبول. أما الأول: فلأن
~~البياعات مما تتكرر مرات لا تحصى. ومثل هذا تعم البلوى بمعرفة حكمه. وأما
~~الثاني: فلأن العادة تقتضي أن ما عمت به البلوى يكون معلوما عند الكافة.
~~فانفراد الواحد به: على خلاف العادة، فيرد.
# وأجيب عنه: بمنع المقدمتين معا. أما الأولى - وهو أن البيع بما تعم به
# PageV02P105
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# البلوى - فالبيع كذلك. ولكن الحديث دل على إثبات خيار الفسخ. وليس الفسخ
~~مما تعم به البلوى في البياعات. فإن الظاهر من الإقدام على البيع: الرغبة
~~من كل واحد من المتعاقدين فيما صار إليه. فالحاجة إلى معرفة حكم الفسخ لا
~~تكون عامة.
# وأما الثانية: فلأن المعتمد في الرواية على عدالة الراوي وجزمه بالرواية.
~~وقد وجد ذلك. وعدم نقل غيره لا يصلح معارضا، لجواز عدم سماعه للحكم. فإن
~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يبلغ الأحكام للآحاد والجماعة، ولا يلزم
~~تبليغ كل حكم لجميع المكلفين. وعلى تقدير السماع: فجائز أن يعرض مانع من
~~النقل، أعني نقل غير هذا الراوي. فإنما يكون ما ذكر إذا اقتضت العادة أن لا
~~يخفي الشيء عن أهل التواتر، وليست الأحكام الجزئية من هذا القبيل.
# الوجه الثالث من الاعتذارات: هذا حديث مخالف للقياس الجلي والأصول
~~القياسية المقطوع بها. وما كان كذلك لا يعمل به. أما الأول: فنعني بمخالف
~~الأصول القياسية: ما ثبت الحكم في أصله قطعا. وثبت كون الفرع في معنى
~~المنصوص، لم يخالف إلا ms389 فيما يعلم عروه عن مصلحة تصلح أن تكون مقصودة بشرع
~~الحكم. وههنا كذلك. فإن منع الغير من إبطال حق الغير: ثابت بعد التفرق
~~قطعا. وما قبل التفرق في معناه، لم يفترقا إلا فيما يقطع بتعريه عن المصلحة
~~وأما الثاني: فلأن القاطع مقدم على المظنون لا محالة. وخبر الواحد مظنون.
~~وأجيب عنه: بمنع المقدمتين معا.
# أما الأولى: فلا نسلم عدم افتراق الفرع من الأصل إلا فيما لا يعتبر من
~~المصالح. وذلك؛ لأن البيع يقع بغتة من غير ترو. وقد يحصل الندم بعد الشروع
~~فيه. فيناسب إثبات الخيار لكل واحد من المتعاقدين، دفعا لضرر الندم، فيما
~~لعله يتكرر وقوعه. ولم يمكن إثباته مطلقا فيما بعد التفرق وقبله. فإنه رفع
~~لحكمة العقد والوثوق بالتصرف، فجعل مجلس العقد حريما لاعتبار هذه المصلحة.
~~وهذا معنى معتبر. لا يستوي فيه ما قبل التفرق مع ما بعده.
# وأما الثانية: فلا نسلم أن الحديث المخالف للأصول يرد. فإن الأصل يثبت
~~بالنصوص. والنصوص ثابتة في الفروع المعينة. وغاية ما في الباب: أن يكون
# PageV02P106
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الشرع أخرج بعض الجزئيات عن الكليات لمصلحة تخصها، أو تعبدا فيجب اتباعه.
### | 1 -
# الوجه الرابع: من الاعتذارات: هذا حديث معارض لإجماع أهل المدينة وعملهم.
~~وما كان كذلك يقدم عليه العمل. فهذا يقدم عليه العمل. أما الأول: فلأن
~~مالكا قال عقيب روايته " وليس لهذا عندنا حد معلوم. ولا أمر معمول به فيه "
~~وأما الثاني: فلما اختص به أهل المدينة من سكناهم في مهبط الوحي ووفاة
~~الرسول بين أظهرهم، ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ فمخالفتهم لبعض الأخبار
~~تقتضي علمهم بما أوجب ترك العمل به من ناسخ أو دليل راجح، ولا تهمة تلحقهم
~~فيتعين اتباعهم. وكان ذلك أرجح من خبر الواحد المخالف لعملهم.
# وجوابه من وجهين:
# أحدهما: منع المقدمة الأولى. وهو كون المسألة من إجماع أهل المدينة.
~~وبيانه من ثلاثة أوجه: منها: أنا تأملنا لفظ مالك فلم نجده مصرحا بأن
~~المسألة إجماع أهل المدينة. ويعرف ذلك بالنظر في ألفاظه. ومنها: أن هذا
~~الإجماع إما ms390 أن يراد به إجماع سابق أو لاحق. والأول باطل؛ لأن ابن عمر رأس
~~المفتين في المدينة في وقته. وقد كان يرى إثبات خيار المجلس والثاني: أيضا
~~باطل. فإن ابن أبي ذئب - من أقران مالك ومعاصريه - وقد أغلظ على مالك لما
~~بلغه مخالفته للحديث.
# وثانيهما: منع المقدمة الثانية. وهو أن إجماع أهل المدينة وعملهم مقدم
~~على خبر الواحد مطلقا. فإن الحق الذي لا شك فيه: أن عملهم وإجماعهم لا يكون
~~حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر؛ لأن الدليل العاصم للأمة من الخطأ في
~~الاجتهاد لا يتناول بعضهم. ولا مستند للعصمة سواه. وكيف يمكن أن يقال: بأن
~~من كان بالمدينة من الصحابة - رضوان الله عليهم - يقبل خلافه ما دام مقيما
~~بها فإذا خرج عنها لم يقبل خلافه؟ فإن هذا محال. فإن قبول خلافه باعتبار
~~صفات قائمة به حيث حل.
# فتفرض المسألة فيما اختلف فيه أهل المدينة مع بعض من خرج منها من
~~الصحابة، بعد استقرار الوحي وموت الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فكل ما
~~قيل من ترجيح لأقوال علماء أهل المدينة وما اجتمع لهم من الأوصاف قد كان
~~حاصلا لهذا الصحابي، ولم يزل عنه بخروجه وقد خرج من المدينة أفضل أهل زمانه
~~في ذلك
# PageV02P107
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الوقت بالإجماع من أهل السنة. وهو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
~~وقال أقوالا بالعراق. فكيف يمكن إهدارها إذا خالفها أهل المدينة؟ وهو كان
~~رأسهم. وكذلك ابن مسعود - رضي الله عنه - ومحله من العلم معلوم. وغيرهما قد
~~خرجوا، وقالوا أقوالا. على أن بعض الناس يقول: إن المسائل المختلف فيها
~~خارج المدينة مختلف فيها بالمدينة وادعي العموم في ذلك.
# الوجه الخامس: ورد في بعض الروايات للحديث «ولا يحل له أن يفارقه خشية أن
~~يستقيله» فاستدل بهذه الزيادة على عدم ثبوت خيار المجلس من حيث إنه لولا أن
~~العقد لازم لما احتاج إلى الاستقالة، ولا طلب الفرار من الاستقالة. وأجيب
~~عنه: بأن المراد بالاستقالة: فسخ البيع بحكم الخيار. وغاية ما في الباب:
~~استعمال ms391 المجاز في لفظ الاستقالة " لكن جاز المصير إليه إذا دل الدليل
~~عليه. وقد دل من وجهين:
# أحدهما: أنه علق ذلك على التفرق. فإذا حملناه على خيار الفسخ، صح تعليقه
~~على التفرق؛ لأن الخيار يرتفع بالتفرق. وإذا حملناه على الإقالة.
~~فالاستقالة لا تتوقف على التفرق. ولا اختصاص لها بالمجلس.
# الثاني: أنا إذا حملناه على خيار الفسخ، فالتفرق مبطل له قهرا. فيناسب
~~المنع من التفرق المبطل للخيار على صاحبه. أما إذا حملناه على الاستقالة
~~الحقيقية: فمعلوم أنه لا يحرم على الرجل أن يفارق صاحبه خوف الاستقالة. ولا
~~يبقى بعد ذلك إلا النظر فيما دل عليه الحديث من التحريم.
# الوجه السادس: تأويل الحديث بحمل المتبايعين " على " المتساومين " لمصير
~~حالهما إلى البيع، وحمل " الخيار " على " خيار القبول ".
# وأجيب عنه: بأن تسمية المتساومين متبايعين مجاز. واعترض على هذا الجواب:
~~بأن تسميتهما " متبايعين " بعد الفراغ من البيع مجاز أيضا. فلم قلتم: إن
~~الحمل على هذا المجاز أولى؟ فقيل عليه: إنه إذا صدر البيع فقد وجدت
~~الحقيقة. فهذا المجاز أقرب إلى الحقيقة من مجاز لم توجد حقيقته أصلا عند
~~إطلاقه. وهو الحمل على المتساومين.
# الوجه السابع: حمل " التفرق " على التفرق بالأقوال. وقد عهد ذلك
# PageV02P108
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# شرعا. قال الله تعالى {وإن يتفرقا} [النساء: 130] أي عن النكاح.
# وأجيب عنه: بأنه خلاف الظاهر. فإن السابق إلى الفهم: التفرق عن المكان.
~~وأيضا فقد ورد في بعض الروايات «ما لم يتفرقا عن مكانهما» وذلك صريح في
~~المقصود. وربما اعترض على الأول بأن حقيقة التفرق: لا تختص بالمكان. بل هي
~~عائدة إلى ما كان الاجتماع فيه وإذا كان الاجتماع في الأقوال: كان التفرق
~~فيها. وإن كان في غيرها: كان التفرق عنه.
# وأجيب عنه: بأن حمله على غير المكان بقرينة: يكون مجازا.
# الوجه الثامن: قال بعضهم: تعذر العمل بظاهر الحديث. فإنه أثبت الخيار لكل
~~واحد من المتبايعين على صاحبه. فالحال لا تخلو: إما أن يتفقا في الاختيار،
~~أو يختلفا. فإن اتفقا لم يثبت لواحد منهما على صاحبه خيار. ms392 وإن اختلفا -
~~بأن اختار أحدهما الفسخ والآخر الإمضاء، فقد استحال أن يثبت على كل واحد
~~منهما لصاحبه الخيار. إذ الجمع بين الفسخ والإمضاء مستحيل. فيلزم تأويل
~~الحديث. ولا نحتاج إليه. ويكفينا صدكم عن الاستدلال بالظاهر. وأجيب عنه بأن
~~قيل: لم يثبت - صلى الله عليه وسلم - مطلق الخيار، بل أثبت الخيار، وسكت
~~عما فيه الخيار. فنحن نحمله على خيار الفسخ. فيثبت لكل واحد منهما خيار
~~الفسخ على صاحبه. وإن أبى صاحبه ذلك.
# الوجه التاسع ادعاء أنه حديث منسوخ: إما لأن علماء المدينة أجمعوا على
~~عدم ثبوت خيار المجلس. وذلك يدل على النسخ. وإما لحديث اختلاف المتبايعين،
~~فإنه يقتضي الحاجة إلى اليمينين. وذلك يستلزم لزوم العقد. فإنه لو ثبت
~~الخيار لكان كافيا في رفع العقد عند الاختلاف. وهو ضعيف جدا.
# أما النسخ لأجل عمل أهل المدينة: فقد تكلمنا عليه. والنسخ لا يثبت
~~بالاحتمال. ومجرد المخالفة لا يلزم منه أن يكون للنسخ؛ لجواز أن يكون
~~التقديم
# PageV02P109
# 255 - الحديث الأول: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه -:
#
### | [إحكام الأحكام]
# لدليل آخر راجح في ظنهم عند تعارض الأدلة عندهم.
# وأما حديث " اختلاف المتبايعين " فالاستدلال به ضعيف جدا؛ لأنه مطلق أو
~~عام بالنسبة إلى زمن التفرق وزمن المجلس. فيحمل على ما بعد التفرق ولا حاجة
~~إلى النسخ. والنسخ لا يصار إليه إلا عند الضرورة.
# الوجه العاشر: حمل " الخيار " على خيار الشراء، أو خيار إلحاق الزيادة
~~بالثمن، أو المثمن. وإذا تردد لم يتعين حمله على ما ذكرتموه.
# وأجيب عنه: بأن حمله على خيار الفسخ أولى لوجهين:
# أحدهما: أن لفظة " الخيار " قد عهد استعمالها من رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - في خيار الفسخ، كما في حديث حبان بن منقذ «ولك الخيار» فالمراد
~~منه خيار الفسخ. وحديث المصراة «فهو بالخيار ثلاثا» والمراد خيار الفسخ.
~~فيحمل الخيار المذكور ههنا عليه؛ لأنه لما كان معهودا من النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - كان أظهر في الإرادة.
# الثاني: قيام المانع من إرادة كل واحد من الخيارين. أما خيار ms393 الشراء:
~~فلأن المراد من اسم " المتبايعين " المتعاقدان. والمتعاقدان: من صدر منهما
~~العقد وبعد صدور العقد منهما لا يكون لهما خيار الشراء فضلا عن أن يكون
~~لهما ذلك إلى أوان التفرق.
# وأما خيار إلحاق الزيادة بالثمن أو بالمثمن: فلا يمكن الحمل عليه عند من
~~يرى ثبوته مطلقا، أو عدمه مطلقا؛ لأن ذلك الخيار: إن لم يكن لهما. فلا يكون
~~لهما إلى أوان التفرق، وإن كان: فيبقى بعد التفرق عن المجلس فكيفما كان لا
~~يكون ذلك الخيار لهما ثابتا، مغيا إلى غاية التفرق. والخيار المثبت بالنص
~~ههنا: هو خيار مغيا إلى غاية التفرق. ثم الدليل على أن المراد من الخيار
~~هذا ومن المتبايعين، ما ذكر: أن مالكا نسب إلى مخالفة الحديث. وذلك لا يصح
~~إلا إذا حمل الخيار " و " المتبايعان " و " الافتراق " على ما ذكر. هكذا
~~قال بعض النظار، إلا أنه ضعيف. فإن نسبة مالك إلى ذلك ليست من كل الأمة ولا
~~أكثرهم.
# PageV00P000
# «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى. عن
~~المنابذة - وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه، أو ينظر
~~إليه - ونهى عن الملامسة. والملامسة: لمس الثوب ولا ينظر إليه.»
### | 256 -
# الحديث الثاني: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - قال «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. ولا
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب ما نهي عنه في البيوع]
### | [حديث نهى رسول الله عن المنابذة]
# اتفق الناس على منع هذين. البيعين. واختلفوا في تفسير " الملامسة " فقيل:
~~هي أن يجعل اللمس بيعا، بأن يقول: إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك بكذا وكذا.
~~وهذا باطل للتعليق في الصيغة، وعدوله عن الصيغة الموضوعة للبيع شرعا وقد
~~قيل: هذا من صور المعاطاة. وقيل: تفسيرها أن يبيعه على أنه إذا لمس الثوب
~~فقد وجب البيع، وانقطع الخيار. وهو أيضا فاسد بالشرط الفاسد وفسره الشافعي
~~- رحمه الله -: بأن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه الراغب، ويقول صاحب
~~الثوب: بعتك هذا، بشرط أن ms394 يقوم لمسك مقام النظر. وهذا فاسد إن أبطلنا بيع
~~الغائب. وكذا إن صححناه، لإقامة اللمس مقام النظر. وقيل يتخرج على نفي شرط
~~الخيار.
# وأما لفظ الحديث الذي ذكره المصنف. فإنه يقتضي أن جهة الفساد: عدم النظر
~~والتقليب. وقد يستدل به من يمنع بيع الأعيان الغائبة، عملا بالعلة. ومن
~~يشترط الوصف في بيع الأعيان الغائبة لا يكون الحديث دليلا عليه؛ لأنه ههنا
~~لم يذكر وصفا.
### | 1 -
# وأما " المنابذة " فقد ذكر في الحديث " أنها طرح الرجل ثوبه لا ينظر إليه
~~" والكلام في هذا التعليل كما تقدم. واعلم أن في كلا الموضعين يحتاج إلى
~~الفرق بين المعاطاة وبين هاتين الصورتين. فإذا علل بعدم الرؤية المشروطة:
~~فالفرق ظاهر. وإذا فسر بأمر لا يعود إلى ذلك: احتيج حينئذ إلى الفرق بينه
~~وبين مسألة المعاطاة عند من يجيزها.
# PageV00P000
# تناجشوا. ولا يبع حاضر لباد. ولا تصروا الغنم. ومن
~~ابتاعها فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها. وإن رضيها أمسكها، وإن سخطها
~~ردها وصاعا من تمر. وفي لفظ هو بالخيار ثلاثا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث لا تلقوا الركبان]
# " تلقي الركبان " من البيوع المنهي عنها. لما يتعلق به من الضرر. وهو أن
~~يتلقى طائفة يحملون متاعا، فيشتريه منهم قبل أن يقدموا البلد، فيعرفوا
~~الأسعار. والكلام فيه: في ثلاثة مواضع:
# أحدها: التحريم، فإن كان عالما بالنهي قاصدا للتلقي: فهو حرام وإن خرج
~~لشغل آخر، فرآهم مقبلين، فاشترى: ففي إثمه وجهان للشافعية. أظهرهما:
~~التأثيم.
# الموضع الثاني: صحة البيع أو فساده. وهو عند الشافعي: صحيح. وإن كان
~~آثما. وعند غيره من العلماء: يبطل. ومستنده: أن النهي للفساد. ومستند
~~الشافعي: أن النهي لا يرجع إلى نفس العقد. ولا يخل هذا الفعل بشيء من
~~أركانه وشرائطه. وإنما هو لأجل الإضرار بالركبان. وذلك لا يقدح في نفس
~~البيع.
# الموضع الثالث: إثبات الخيار. فحيث لا غرور للركبان، بحيث يكونون عالمين
~~بالسعر فلا خيار. وإن لم يكونوا كذلك، فإن اشترى منهم بأرخص من السعر فلهم
~~الخيار. وما في لفظ بعض المصنفين من " أنه يخبرهم بالسعر ms395 كاذبا " ليس بشرط
~~في إثبات الخيار. وإن اشترى منهم بمثل سعر البلد أو أكثر، ففي ثبوت الخيار
~~لهم وجهان للشافعية. منهم من نظر إلى انتفاء المعنى. وهو الغرر والضرر. فلم
~~يثبت الخيار. ومنهم من نظر إلى لفظ حديث ورد بإثبات الخيار لهم فجرى على
~~ظاهره. ولم يلتفت إلى المعنى. وإذا أثبتنا الخيار: فهل
# PageV02P112
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يكون على الفور، أو يمتد إلى ثلاثة أيام؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعي.
~~والأظهر: الأول.
### | [مسألة البع على البيع]
# 1
# وأما قوله «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» فقد فسر في مذهب الشافعي بأن
~~يشتري شيئا فيدعوه غيره إلى الفسخ ليبيعه خيرا منه بأرخص. وفي معناه:
~~الشراء على الشراء. وهو أن يدعوا البائع إلى الفسخ ليشتريه منه بأكثر
~~وهاتان الصورتان إنما تتصوران فيما إذا كان البيع في حالة الجواز، وقبل
~~اللزوم. وتصرف بعض الفقهاء في هذا النهي. وخصصه بما إذا لم يكن في الصورة
~~غبن فاحش فإن كان المشتري مغبونا فيدعو إلى الفسخ. ويشتريه منه بأكثر. ومن
~~الفقهاء من فسر البيع على البائع بالسوم على السوم. وهو أن يأخذ شيئا
~~ليشتريه فيقول له إنسان رده، لأبيع منك خيرا منه وأرخص، أو يقول لصاحبه:
~~استرده لأشتريه منك بأكثر. وللتحريم في ذلك عند أصحاب الشافعي شرطان:
# أحدهما: استقرار الثمن. فأما ما يباع فيمن يزيد: فللطالب أن يزيد على
~~الطالب. ويدخل عليه.
# والثاني: أن يحصل التراضي بين المتساومين صريحا. فإن وجد ما يدل على
~~الرضا، من غير تصريح: فوجهان. وليس السكوت بمجرده من دلائل الرضا عند
~~الأكثرين منهم.
### | [التناجش]
# 1
# وأما قوله " ولا تناجشوا " فهو من المنهيات لأجل الضرر. وهو أن يزيد في
~~سلعة تباع ليغر غيره. وهو راغب فيها. واختلف في اشتقاق اللفظة. فقيل: إنها
~~مأخوذة من معنى الإثارة. كأن الناجش يثير همة من يسمعه للزيادة. وكأنه
~~مأخوذ من إثارة الوحش من مكان إلى مكان. وقيل: أصل اللفظة: مدح الشيء
~~وإطراؤه. ولا شك أن هذا الفعل حرام، لما فيه من الخديعة. وقال بعض ms396 الفقهاء:
~~بأن البيع باطل. ومذهب الشافعي: أن البيع صحيح. وأما إثبات الخيار للمشتري.
~~الذي غر
# PageV02P113
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالنجش: فإن لم يكن النجش عن مواطأة من البائع. فلا خيار عند أصحاب
~~الشافعي.
### | [مسألة بيع الحاضر للبادي]
# وأما بيع الحاضر للبادي " فمن البيوع المنهي عنها لأجل الضرر أيضا.
~~وصورته: أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه ويرجع
~~فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي لأبيعه على التدريج بزيادة سعر. وذلك إضرار
~~بأهل البلد، وحرام إن علم بالنهي. وتصرف بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي في
~~ذلك. فقالوا: شرطه أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعر في البلد. فإن لم يظهر
~~- لكثرته في البلد، أو لقلة الطعام المجلوب: ففي التحريم وجهان. ينظر في
~~أحدهما: إلى ظاهر اللفظ. وفي الآخر: إلى المعنى وعدم الإضرار، وتفويت
~~الربح، أو الرزق على الناس. وهذا المعنى منتف. وقالوا أيضا: يشترط أن يكون
~~المتاع مما تعم الحاجة إليه، دون ما لا يحتاج إليه إلا نادرا. وأن يدعو
~~البلدي البدوي إلى ذلك. فإن التمسه البدوي منه فلا بأس ولو استشاره البدوي،
~~فهل يرشده إلى الادخار والبيع على التدريج؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي.
~~واعلم أن أكثر هذه الأحكام: قد تدور بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ. ولكن
~~ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء. فحيث يظهر ظهورا كثيرا فلا
~~بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسين. وحيث يخفى،
~~ولا يظهر ظهورا قويا. فاتباع اللفظ أولى. فأما ما ذكر من اشتراط أن يلتمس
~~البلدي ذلك: فلا يقوى لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه. فإن
~~الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البدوي وعدمه
~~ظاهرا. وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه: فمتوسط في الظهور
~~وعدمه. لاحتمال أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به
~~التعليل، من قوله - صلى الله عليه وسلم - «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من
~~بعض» وأما اشتراط أن ms397 يظهر لذلك المتاع المجلوب سعر في البلد، فكذلك أيضا،
~~أي أنه متوسط في الظهور، لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت
~~الربح والرزق
# PageV02P114
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# على أهل البلد. وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه، كشرطنا
~~العلم بالنهي. ولا إشكال فيه. ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى، فيخرج على
~~قاعدة أصولية. وهي أن النص إذا استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص. هل يصح
~~أو لا؟ ويظهر لك هذا باعتبار بعض ما ذكرناه من الشروط.
### | [قوله ولا تصروا الغنم]
# 1
# وقوله «ولا تصروا الغنم» فيه مسائل. الأولى: الصحيح في ضبط هذه اللفظة:
~~ضم التاء وفتح الصاد وتشديد الراء المهملة المضمومة على وزن " تزكوا "
~~مأخوذ من صرى يصري. ومعنى اللفظة: يرجع إلى الجمع. تقول: صريت الماء في
~~الحوض، وصريته - بالتخفيف والتشديد إذا جمعته، و " الغنم " منصوبة الميم
~~على هذا. ومنهم من رواه " لا تصروا " بفتح التاء وضم الصاد - من صر يصر:
~~إذا ربط. " والمصراة " هي التي تربط أخلافها ليجتمع اللبن و " الغنم " على
~~هذا: منصوبة الميم أيضا وأما ما حكاه بعضهم - من ضم التاء وفتح الصاد وضم
~~ميم الغنم على ما لم يسم فاعله - فهذا لا يصح مع اتصال ضمير الفاعل. وإنما
~~يصح مع إفراد الفعل. ولا نعلم رواية حذف فيها هذا الضمير.
# المسألة الثانية: لا خلاف أن التصرية حرام. لأجل الغش والخديعة التي فيها
~~للمشتري. والنهي يدل عليه، مع علم تحريم الخديعة قطعا من الشرع.
### | [مسألة تحفلت الشاة بنفسها أو نسيها المالك بعد أن صراها لا لأجل الخديعة]
# 1
# المسألة الثالثة: النهي ورد عن فعل المكلف، وهو ما يصدر باختياره وتعمده
~~فرتب عليه حكم مذكور في الحديث. فلو تحفلت الشاة بنفسها، أو نسيها المالك
~~بعد أن صراها، لا لأجل الخديعة، فهل يثبت ذلك الحكم؟ فيه خلاف بين أصحاب
~~الشافعي. فمن نظر إلى المعنى أثبته؛ لأن العيب مثبت للخيار، ولا يشترط فيه
~~تدليس البائع. ومن نظر إلى أن الحكم المذكور خارج عن القياس خصه بمورده. ms398
~~وهو حالة العمد. فإن النهي إنما يتناول حالة العمد.
# المسألة الرابعة: ذكر المصنف " لا تصروا الغنم " وفي الصحيح " الإبل
~~والغنم " وهذا هو محل التصرية. والفقهاء تصرفوا، وتكلموا فيما يثبت فيه هذا
~~الحكم من الحيوان. ولم يختلف أصحاب الشافعي أنه لا يختص بالإبل والغنم
# PageV02P115
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المذكورين في الحديث. ثم اختلفوا بعد ذلك. فمنهم من عداه إلى النعم خاصة
~~ومنهم من عداه إلى كل حيوان مأكول اللحم. وهذا نظر إلى المعنى. فإن المأكول
~~اللحم يقصد لبنه فتفويت المقصود الذي ظنه المشتري بالخديعة موجب للخيار.
# فلو حفل أتانا، ففي ثبوت الخيار وجهان لهم، من حيث إنه غير مقصود لشرب
~~الآدمي، إلا أنه مقصود لتربية الجحش. وإذا اعتبر المعنى. فلا ينبغي أن يصح
~~هذا الوجه. لأن إثبات الخيار يعتمد فوات أمر مقصود. ولا يتخصص ذلك بأمر
~~معين. أعني الشرب مثلا. وكذلك اختلفوا في الجارية من الآدميات لو حفلها.
~~وإذا أثبت الخيار في الأتان، فالظاهر: أنه لا يرد لأجل لبنها شيئا.
# ومن هذا يتبين لك: أن الأتان لا يقاس على المنصوص عليه في الحديث، أعني
~~الإبل والغنم؛ لأن شرط القياس: اتحاد الحكم. فينبغي أن يكون إثبات الخيار
~~فيها من القياس على قاعدة أخرى. وفي رد شيء لأجل لبن الآدمية خلاف أيضا.
# المسألة الخامسة: قوله - عليه السلام - " بعد أن يحلبها " مطلق في
~~الحلبات، لكن قد تقيد في رواية أخرى إثبات الخيار " بثلاثة أيام " واتفق
~~أصحاب مالك على أنه إذا حلبها ثانية، وأراد الرد: أن له ذلك. واختلفوا إذا
~~حلبها الثالثة، هل يكون رضي بمنع الرد. ورجحوا أن لا يمنع لوجهين:
# أحدهما: الحديث.
# والثاني: أن التصرية لا تتحقق إلا بثلاث حلبات. فإن الحلبة الثانية إذا
~~نقصت من الأولى: جوز المشتري أن يكون ذلك لاختلاف المرعى، أو لأمر غير
~~التصرية. فإذا حلبها الثالثة تحقق التصرية. وإذا كانت لفظة " حلبها "
~~مطلقة. فلا دلالة لها على الحلبة الثانية والثالثة. وإنما يأخذ ذلك من حديث
~~آخر.
### | [مسألة الخيار بعيب التصرية]
# 1
# المسألة السادسة: قوله «وإن ms399 سخطها ردها» يقتضي إثبات الخيار بعيب
~~التصرية. واختلف أصحاب الشافعي: هل يكون على الفور، أو يمتد إلى ثلاثة
~~أيام؟ فقيل يمتد، للحديث. وقيل: يكون على الفور، طردا لقياس خيار الرد
~~بالعيب. ويتأول الحديث. والصواب: اتباع النص لوجهين:
# أحدهما: تقديم
# PageV02P116
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# النص على القياس.
# والثاني: أنه خولف القياس في أصل الحكم، لأجل النص فيطرد ذلك، ويتبع في
~~جميع موارده.
# المسألة السابعة: يقتضي الحديث رد شيء معها عندما يختار ردها وفي كلام
~~بعض المالكية: ما يدل على خلافه، من حيث إن الخراج بالضمان " ومعناه: أن
~~الغلة لمن استوفاها بعقد أو شبهته، تكون له بضمانه. فاللبن المحلوب إذا فات
~~غلة. فلتكن للمشتري. ولا يرد لها بدلا. والصواب: الرد، للحديث على ما
~~قررناه.
# المسألة الثامنة: الحديث يقتضي رد الصاع مع الشاة بصريحه. ويلزم منه عدم
~~رد اللبن. والشافعية قالوا: إن كان اللبن باقيا فأراد رده على البائع، فهل
~~يلزمه قبوله؟ وجهان:
# أحدهما: نعم. لأنه أقرب إلى مستحقه.
# والثاني: لا لأن طراوته ذهبت. فلا يلزمه قبوله. واتباع لفظ الحديث أولى
~~في أن يتعين الرد فيما نص عليه. أما المالكية: فقد زادوا على هذا. وقالوا:
~~لو رضي به البائع، فهل يجوز ذلك أم لا قولان. ووجهوا المنع: بأنه بيع
~~الطعام قبل قبضه؛ لأنه وجب له الصاع بمقتضى الحديث. فباعه قبل قبضه باللبن.
~~ووجهوا الجواز: بأنه يكون بناء على عادتهم في اتباع المعاني، دون اعتبار
~~الألفاظ.
# المسألة التاسعة: الحديث يقتضي تعيين المردود في التمر. فمنهم من ذهب إلى
~~ذلك. وهو الصواب ومنهم من عداه إلى سائر الأقوات. ومنهم من اعتبر في ذلك
~~غالب قوت البلد. وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال صاعا من
~~تمر، لا سمراء» وذلك رد على من عداه إلى سائر الأقوات. وإن كانت السمراء
~~غالب قوت البلد - أعني المدينة - فهو رد على قائله أيضا.
# المسألة العاشرة: الحديث يدل على تعيين المقدار في الصاع مطلقا. وفي مذهب
~~الشافعي وجهان: أحدهما: ذلك، وأن الواجب الصاع، قل اللبن ms400 أو كثر، لظاهر
~~الحديث.
# والثاني: أنه يتقدر اللبن، اتباعا لقياس الغرامات وهو ضعيف.
### | [مسألة الخيار بعد حلب المصراة]
# 1
# المسألة الحادية عشرة: قوله - عليه السلام - «فهو بخير النظرين بعد أن
~~يحلبها» قد يقال ههنا سؤال.
# وهو أن. الحديث يقتضي إثبات الخيار بعد الحلب. والخيار ثابت قبل الحلب
~~إذا علمت التصرية.
# PageV02P117
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وجوابه: أنه يقتضي إثبات الخيار في هذين الأمرين، أعني الإمساك والرد مع
~~الصاع. وهذا إنما يكون بعد الحلب، لتوقف هذين المعنيين على الحلب؛ لأن
~~الصاع عوض عن اللبن. ومن ضرورة ذلك: الحلب.
### | [مسألة لم يقل أبو حنيفة بحديث المصراة]
# المسألة الثانية عشرة: لم يقل أبو حنيفة بهذا الحديث. وروي عن مالك قول
~~أيضا بعدم القول به. والذي أوجب ذلك: أنه قيل حديث مخالف لقياس الأصول
~~المعلومة. وما كان كذلك لا يلزم العمل به. أما الأول - وهو أنه مخالف لقياس
~~الأصول المعلومة - فمن وجوه:
# أحدها: أن المعلوم من الأصول: أن ضمان المثليات بالمثل. وضمان المتقومات
~~بالقيمة من النقدين. وههنا إن كان اللبن مثليا كان ينبغي ضمانه بمثله لبنا.
~~وإن كان متقوما ضمن بمثله من النقدين. وقد وقع ههنا مضمونا بالتمر. فهو
~~خارج عن الأصلين جميعا.
# الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر
~~التالف. وذلك مختلف، فقدر الضمان مختلف لكنه قدر ههنا بمقدار واحد. وهو
~~الصاع مطلقا. فخرج من القياس الكلي في اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها
~~وصفتها.
# الثالث: أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود
~~عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، كما لو ذهبت بعض أعضاء المبيع، ثم
~~ظهر على عيب. فإنه يمنع الرد. وإن كان هذا اللبن حادثا بعد الشراء فقد حدث
~~على ملك المشتري. فلا يضمنه. وإن كان مختلطا فما كان منه موجودا عند العقد
~~من الرد. وما كان حادثا لم يجب ضمانه.
# الرابع: إثبات الخيار ثلاثا من غير شرط: مخالف للأصول. فإن الخيارات
~~الثابتة بأصل الشرع من غير شرط: ms401 لا تتقدر بالثلاثة، كخيار العيب، وخيار
~~الرؤية عند من يثبته، وخيار المجلس عند من يقول به.
# الخامس: يلزم من القول بظاهره: الجمع بين الثمن والمثمن للبائع في بعض
~~الصور. وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعا من تمر. فإنها ترجع إليه مع الصاع
~~الذي هو مقدار ثمنها.
# PageV02P118
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور وهو ما إذا اشترى شاة بصاع.
~~فإن استرد معها صاعا من تمر فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن. فيكون قد باع
~~صاعا وشاة بصاع وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم. فإنكم تمنعون مثل ذلك.
# السابع: إذا كان اللبن باقيا لم يكلف رده عندكم فإذا أمسكه فالحكم كما لو
~~تلف فيرد الصاع. وفي ذلك ضمان بالأعيان مع بقائها. والأعيان لا تضمن بالبدل
~~إلا مع فواتها، كالمغصوب وسائر المضمونات.
# الثامن: قال بعضهم: إنه أثبت الرد من غير عيب ولا شرط؛ لأن نقصان اللبن
~~لو كان عيبا لثبت به الرد من غير تصرية. ولا يثبت الرد في الشرع إلا بعيب
~~أو شرط وأما المقام الثاني - وهو أن ما كان من أخبار الآحاد مخالفا لقياس
~~الأصول المعلومة: لم يجب العمل به - فلأن الأصول المعلومة مقطوع بها من
~~الشرع. وخبر الواحد مظنون. والمظنون لا يعارض المعلوم. أجاب القائلون بظاهر
~~الحديث: بالطعن في المقامين جميعا. أعني أنه مخالف للأصول، وأنه إذا خالف
~~الأصول لم يجب العمل به. أما المقام الأول - وهو أنه مخالف للأصول - فقد
~~فرق بعضهم بين مخالفة الأصول، ومخالفة قياس الأصول. وخص الرد لخبر الواحد
~~بالمخالقة للأصول، لا بمخالفة قياس الأصول. وهذا الخبر إنما يخالف قياس
~~الأصول وفي هذا نظر. وسلك آخرون تجريح. جميع هذه الاعتراضات. والجواب عنها
# PageV02P119
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أما الاعتراض الأول: فلا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين
~~على ما ذكرتموه. فإن الحر يضمن بالإبل. وليست بمثل له ولا قيمة. والجنين
~~يضمن بالغرة، وليست بمثل له ولا قيمة. وأيضا فقد يضمن المثلي بالقيمة إذا ms402
~~تعذرت المماثلة. وههنا تعذرت. أما الأولى: فمن أتلف شاة لبونا كان عليه
~~قيمتها مع اللبن. ولا يجعل بإزاء لبنها لبن آخر، لتعذر المماثلة.
# وأما الثاني: وهو أنه تعذرت المماثلة ههنا -؛ فلأن ما يرده من اللبن عوضا
~~عن اللبن التالف لا تتحقق مماثلته له في المقدار. ويجوز أن يكون أكثر من
~~اللبن الموجود حالة العقد أو أقل. وأما الاعتراض الثاني: فقيل في جوابه: إن
~~بعض الأصول لا يتقدر بما ذكرتموه، كالموضحة، فإن أرشها مقدر، مع اختلافها
~~بالكبر والصغر. والجنين مقدر أرشه. ولا يختلف بالذكورة والأنوثة واختلاف
~~الصفات. والحر ديته مقدرة وإن اختلف بالصغر والكبر وسائر الصفات والحكمة
~~فيه: أن ما يقع فيه التنازع والتشاجر يقصد قطع النزاع فيه بتقديره بشيء
~~معين. وتقدم هذه المصلحة في مثل هذا المكان على تلك القاعدة.
# وأما الاعتراض الثالث: فجوابه، أن يقال: متى يمتنع الرد بالنقص: إذا كان
~~النقص لاستعلام العيب، أو إذا لم يكن؟ الأول: ممنوع والثاني: مسلم. وهذا
~~النقص لاستعلام العيب. فلا يمنع الرد.
# وأما الاعتراض الرابع: فإنما يكون الشيء مخالفا لغيره إذا كان مماثلا له
~~وخولف في حكمه. وههنا هذه الصورة انفردت عن غيرها؛ لأن الغالب: أن هذه
~~المدة هي التي يتبين بها لبن الخلقة المجتمع بأصل الخلقة، واللبن المجتمع
~~بالتدليس فهي مدة يتوقف علم العيب عليها غالبا. بخلاف خيار الرؤية والعيب
~~فإنه يحصل المقصود من غير هذه المدة فيهما. وخيار المجلس ليس لاستعلام عيب
~~وأما الاعتراض الخامس: فقد قيل فيه: إن الخبر وارد على العادة. والعادة: أن
~~لا تباع شاة بصاع. وفي هذا ضعف. وقيل: إن صاع التمر بدل عن اللبن لا عن
~~الشاة. فلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.
# وأما الاعتراض السادس: فقد قيل في الجواب عنه: إن الربا إنما يعتبر في
# PageV02P120
# 257 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع حبل الحبلة. وكان
~~بيعا يتبايعه أهل
#
### | [إحكام الأحكام]
# العقود لا في الفسوخ. بدليل أنهما ms403 لو تبايعا ذهبا بفضة، لم يجز أن يفترقا
~~قبل القبض ولو تقايلا في هذا العقد. جاز أن يفترقا قبل القبض.
# وأما الاعتراض السابع: فجوابه فيما قيل: إن اللبن الذي كان في الضرع حال
~~العقد يتعذر رده، لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد وأحدهما للبائع، والآخر
~~للمشتري. وتعذر الرد لا يمنع من الضمان، مع بقاء العين، كما لو غصب عبدا
~~فأبق، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه، لتعذر الرد.
# وأما الاعتراض الثامن: فقيل فيه: إن الخيار يثبت بالتدليس، كما لو باع
~~رحا دائرة بماء قد جمعه لها ولم يعلم به. وأما المقام الثاني - وهو النزاع
~~في تقديم قياس الأصول على خبر الواحد - فقيل فيه: إن خبر الواحد أصل بنفسه،
~~يجب اعتباره؛ لأن الذي أوجب اعتبار الأصول: نص صاحب الشرع عليها. وهو موجود
~~في خبر الواحد. فيجب اعتباره، وأما تقديم القياس على الأصول، باعتبار القطع
~~وكون خبر الواحد مظنونا: فتناول الأصل لمحل خبر الواحد غير مقطوع به، لجواز
~~استثناء محل الخبر من ذلك الأصل. وعندي: أن التمسك بهذا الكلام أقوى من
~~التمسك بالاعتذارات عن المقام الأول. ومن الناس من سلك طريقة أخرى في
~~الاعتذار عن الحديث وهي ادعاء النسخ، وأنه يجوز أن يكون ذلك من حيث كانت
~~العقوبة بالمال جائزة. وهو ضعيف، فإنه إثبات نسخ بالاحتمال والتقدير. وهو
~~غير سائغ. ومنهم من قال: يحمل الحديث على ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب
~~خمسة أرطال مثلا وشرط الخيار، فالشرط باطل فاسد. فإن اتفقا على إسقاطه في
~~مدة الخيار صح العقد، وإن لم يتفقا بطل وأما رد الصاع: فلأنه كان قيمة
~~اللبن في ذلك الوقت. وأجيب عنه: بأن الحديث يقتضي تعليق الحكم بالتصرية،
~~وما ذكر يقتضي تعليقه بفساد الشرط، سواء أحدث التصرية أم لا.
# PageV00P000
# الجاهلية وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج
~~الناقة. ثم تنتج التي في بطنها. قيل: إنه كان يبيع الشارف - وهي الكبيرة
~~المسنة - بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته» .
### | 258 -
# الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما ms404 -: أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. نهى البائع
~~والمشتري» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نهى رسول الله عن بيع حبل الحبلة]
# في تفسير حبل الحبلة " وجهان:
# أحدهما: أن يبيع إلى أن تحمل الناقة وتضع، ثم يحمل هذا البطن الثاني.
~~وهذا باطل؛ لأنه يبيع إلى أجل مجهول.
# والثاني: أن يبيع نتاج النتاج، وهو باطل أيضا؛ لأنه بيع معدوم. وهذا
~~البيع كانت الجاهلية تتبايعه فأبطله الشارع للمفسدة المتعلقة به. وهو ما
~~بيناه من أحد الوجهين. وكأن السر فيه: أنه يفضي إلى أكل المال بالباطل، أو
~~إلى التشاجر والتنازع المنافي للمصلحة الكلية.
### | [حديث نهى رسول الله عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها]
# أكثر الأمة على أن هذا النهي: نهي تحريم، والفقهاء أخرجوا من هذا العموم:
~~بيعها بشرط القطع واختلفوا في بيعها مطلقا من غير شرط ولا إبقاء ولمن يمنعه
~~أن يستدل بهذا الحديث. فإنه إذا خرج من عمومه بيعها بشرط القطع يدخل باقي
~~صور البيع تحت النهي. ومن جملة صور البيع: بيع الإطلاق. وممن قال بالمنع
~~فيه: مالك والشافعي. وقوله " نهى البائع والمشتري " تأكيد لما فيه من بيان
~~أن البيع - وإن كان لمصلحة الإنسان - فليس له أن يرتكب النهي فيه، قائلا:
~~أسقطت حقي من اعتبار
# PageV00P000
# 259 - الحديث الخامس: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه
~~-: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تزهي قيل:
~~وما تزهي؟ قال: حتى تحمر. قال: أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم
~~مال أخيه؟ .»
#
### | [إحكام الأحكام]
# المصلحة، ألا ترى أن هذا المنع لأجل مصلحة المشتري؟ فإن الثمار قبل بدو
~~الصلاح معرضة للعاهات. فإذا طرأ عليها شيء منها حصل الإجحاف بالمشتري في
~~الثمن الذي بذله، ومع هذا: فقد منعه الشرع. ونهى المشتري كما نهى البائع،
~~وكأنه قطع النزاع والتخاصم. ومثل هذا في المعنى: حديث أنس الذي بعده.
### | [حديث نهى رسول الله عن بيع الثمار حتى تزهي]
# و " الإزهاء " تغير لون ms405 الثمرة في حالة الطيب. والعلة - والله أعلم - ما
~~ذكرناه من تعرضها للجوائح قبل الإزهاء، وقد أشار إليه في هذه الرواية بقوله
~~- صلى الله عليه وسلم - «أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال
~~أخيه؟» والحديث يدل على أنه يكتفى بمسمى الإزهاء وابتدائه، من غير اشتراط
~~تكامله؛ لأنه جعل مسمى الإزهاء غاية للنهي، وبأوله يحصل المسمى. ويحتمل أن
~~يستدل به على العكس؛ لأن الثمرة المبيعة قبل الإزهاء - أعني ما لم يزه من
~~الحائط - إذا دخل تحت اسم الثمرة. فيمتنع بيعه قبل الإزهاء، فإن قال بهذا
~~أحد فله أن يستدل بذلك. وفيه دليل على أن زهو بعض الثمرة كاف في جواز
~~البيع، من حيث إنه ينطلق عليها أنها أزهت بإزهاء بعضها مع حصول المعنى، وهو
~~الأمن من العاهة غالبا. ولولا وجود المعنى كان تسميتها " مزهية " بإزهاء
~~بعضها: قد لا يكتفى به لكونه مجازا. وقد يستدل بقوله - عليه السلام -
~~«أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» على وضع الحوائج، كما
~~جاء في حديث آخر
# PageV00P000
# الحديث السادس: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما
~~- قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تتلقى الركبان، وأن يبيع
~~حاضر لباد قال: فقلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له
~~سمسارا» وقد تقدم الكلام
### | 261 -
# الحديث السابع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال «نهى رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه، إن كان نخلا:
~~بتمر كيلا. وإن كان كرما: أن يبيعه بزبيب كيلا، أو كان زرعا: أن يبيعه بكيل
~~طعام. نهى عن ذلك كله.»
### | 262 -
# الحديث الثامن: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال «نهى النبي -
~~صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة والمحاقلة، وعن المزابنة وعن بيع الثمرة
~~حتى يبدو صلاحها، وأن لا تباع إلا بالدينار والدرهم، إلا
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نهى رسول الله أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد]
# في النهي عن ms406 تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي وتفسيرهما. والذي زاد هذا
~~الحديث: تفسير بيع الحاضر للبادي، وفسر بأن يكون له سمسارا.
### | [حديث نهى رسول الله عن المزابنة]
# المزابنة " مأخوذة من الزبن وهو الدفع. وحقيقتها: بيع معلوم بمجهول من
~~جنسه. وقد ذكر في الحديث لها أمثلة من بيع الثمر بالتمر. ومن بيع الكرم
~~بالزبيب. ومن بيع الزرع بكيل الطعام. وإنما سميت مزابنة " من معنى الزبن،
~~لما يقع من الاختلاف بين المتبايعين. فكل واحد يدفع صاحبه عما يرومه منه.
# PageV00P000
# العرايا.»
### | 263 -
# الحديث التاسع: عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - «أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن.»
### | 264 -
# الحديث العاشر: عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - قال ثمن الكلب خبيث. ومهر البغي خبيث، وكسب
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نهى النبي عن المخابرة والمحاقلة وعن المزابنة]
# " المحاقلة " بيع الحنطة في سنبلها بحنطة.
### | [حديث نهى رسول الله عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن]
# اختلفوا في بيع الكلب المعلم، فمن يرى نجاسة الكلب - وهو الشافعي - يمنع
~~من بيعه مطلقا؛ لأن علة المنع قائمة في المعلم وغيره. ومن يرى بطهارته:
~~اختلفوا في بيع المعلم منه؛ لأن علة المنع غير عامة عند هؤلاء. وقد ورد في
~~بيع المعلم منه حديث في ثبوته بحث، يحال على علم الحديث. وأما " مهر البغي
~~" فهو ما تعطاه على الزنا. وسمي مهرا على سبيل المجاز. أو استعمالا للوضع
~~اللغوي ويجوز أن يكون من مجاز التشبيه، إن لم يكن المهر " في الوضع: ما
~~يقابل به النكاح. " وحلوان الكاهن " هو ما يعطاه على كهانته. والإجماع قائم
~~على تحريم هذين لما في ذلك من بذل الأعواض فيما لا يجوز مقابلته بالعوض.
~~أما الزنا: فظاهر. وأما الكهانة: فبطلانها وأخذ العوض عنها: من باب أكل
~~المال بالباطل. وفي معناها كل ما يمنع منه الشرع من الرجم بالغيب.
# PageV00P000
# الحجام خبيث»
### | 265 -
# الحديث الأول: عن زيد بن ثابت - رضي الله ms407 عنه - «أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - رخص لصاحب العرية: أن يبيعها بخرصها ولمسلم بخرصها تمرا،
~~يأكلونها رطبا.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن رسول الله قال ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث]
# إطلاق " الخبيث " على ثمن الكلب يقتضي التعميم في كل كلب. فإن ثبت تخصيص
~~شيء منه، وإلا وجب إجراؤه على ظاهره. والخبيث من حيث هو: لا يدل على الحرمة
~~صريحا. ولذلك جاء في كسب الحجام " أنه خبيث " ولم يحمل على التحريم، غير أن
~~ذلك بدليل خارج. وهو «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم، وأعطى الحجام
~~أجره» ، ولو كان حراما لم يعطه " فإن ثبت أن لفظة " الخبيث " ظاهرة في
~~الحرام، فخروجها عن ذلك في كسب الحجام بدليل: لا يلزم منه خروجها في غيره
~~بغير دليل. وأما " الكلب " فإذا قيل بثبوت الحديث الذي يدل على جواز بيع
~~كلب الصيد: كان ذلك دليلا على طهارته. وليس يدل النهي عن بيعه على نجاسته
# ؛ لأن علة منع البيع: متعددة لا تنحصر في النجاسة
### | [باب العرايا وغير ذلك]
### | [حديث أن رسول الله رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها]
# اختلفوا في تفسير " العرية " المرخص فيها. فعند الشافعي: هو بيع الرطب
~~على رءوس النخل بقدر كيله من التمر خرصا، فيما دون خمسة أوسق. وعند مالك
~~صورته: أن يعري الرجل - أي يهب - ثمرة نخلة أو نخلات، ثم يتضرر بمداخلة
~~الموهوب له، فيشتريها منه بخرصها تمرا. ولا يجوز ذلك لغير رب البستان،
~~ويشهد لهذا التأويل: أمران:
# أحدهما: أن العرية مشهورة بين أهل
# PageV00P000
# 266 - الحديث الثاني: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~«أن رسول
#
### | [إحكام الأحكام]
# المدينة، متداولة فيما بينهم. وقد نقلها مالك هكذا.
# والثاني: قوله " لصاحب العرية " فإنه يشعر باختصاصه بصفة يتميز بها عن
~~غيره. وهي الهبة الواقعة. وأنشدوا في تفسير العرايا بالهبة قال الشاعر:
# وليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح
# وقوله في الحديث " بخرصها " في هذه الرواية تقيد بغيرها، وهو بيعها
~~بخرصها تمرا وقد ms408 يستدل بإطلاق هذه الرواية لمن يجوز بيع الرطب على النخل
~~بالرطب على النخل خرصا فيهما، وبالرطب على وجه الأرض كيلا. وهو وجه لبعض
~~أصحاب الشافعي. والأصح: المنع؛ لأن الرخصة وردت للحاجة إلى تحصيل الرطب،
~~وهذه الحاجة لا توجد في حق صاحب الرطب. وفيه وجه ثالث: أنه إن اختلف
~~النوعان جاز؛ لأنه قد يزيد ذلك النوع، وإلا فلا. ولو باع رطبا على وجه
~~الأرض برطب على وجه الأرض: لم يجز وجها واحدا؛ لأن أحد المعاني في الرخصة
~~أن يأكل الرطب على التدريج طريا، وهذا المقصود لا يحصل فيما على وجه الأرض.
~~وقد يستدل بإطلاق الحديث من لا يرى اختصاص جواز بيع العرايا لمحاويج الناس.
~~وفي مذهب الشافعي وجه: أنه يختص بهم، لحديث ورد عن زيد بن ثابت فيه " أنه
~~سمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله. - صلى الله عليه وسلم -
~~ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبا ويأكلونه مع الناس، وعندهم فضول قوتهم
~~من التمر. فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر ".
# PageV00P000
# الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا في
~~خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق.» .
### | 267 -
# الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - قال «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع، إلا أن
~~يشترط المبتاع.» ولمسلم «ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط
~~المبتاع» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن رسول الله رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق]
# أما تجويز بيع العرايا: فقد تقدم. وأما حديث أبي هريرة: فإنه زاد فيه
~~بيان مقدار ما تجوز فيه الرخصة. وهو ما دون الخمسة أوسق. ولم يختلف قول
~~الشافعي في أنه لا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق، وأنه يجوز فيما دونها. وفي
~~خمسة الأوسق قولان. والقدر الجائز: إنما يعتبر بالصفقة، إن كانت واحدة:
~~اعتبرنا ما زاد على الخمسة فمنعنا. وما دونها فأجزنا. أما لو كانت صفقات
~~متعددة: فلا منع. ولو باع في ms409 صفقة واحدة من رجلين ما يكون لكل واحد منهما
~~القدر الجائز: جاز. ولو باع رجلان من واحد: فكذلك الحكم في أصح الوجهين؛
~~لأن تعدد الصفقة بتعدد البائع، أظهر من تعددها بتعدد المشتري. وفيه وجه
~~آخر. أنه لا تجوز الزيادة على خمسة أوسق في هذه الصورة، نظرا إلى مشتري
~~الرطب؛ لأنه محل الرخصة الخارجة عن قياس الربويات. فلا ينبغي أن يدخل في
~~ملكه فوق القدر المجوز دفعة واحدة. واعلم أن الظاهر من الحديث: أن يحمل على
~~صفقة واحدة من غير نظر إلى تعدد بائع ومشتر، جريا على العادة والغالب. .
# PageV00P000
# 268 - الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما -
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن رسول الله قال من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع]
# يقال: أبرت النخلة آبرها. وقد يقال بالتشديد، و " التأبير " هو التلقيح.
~~وهو أن يشقق أكمة إناث النخل، ويذر طلع الذكر فيها. ولا يلقح جميع النخيل،
~~بل يؤبر البعض ويشقق الباقي. بانبثاث ريح الفحول إليه الذي يحصل منه تشقق
~~الطلع. وإذا باع الشجرة بعد التأبير فالثمرة للبائع في صورة الإطلاق. وقيل:
~~إن بعضهم خالف في هذا، وقال تبقى الثمار للبائع، أبرت أو لم تؤبر. وأما إذا
~~اشترطاها للبائع أو للمشتري: فالشرط متبع. وقوله «من باع نخلا قد أبرت»
~~حقيقته: اعتبار التأبير في المبيع حقيقة بنفسه. وقد أجرى تأبير البعض مجرى
~~تأبير الجميع إذا كان في بستان واحد، واتحد النوع، وباعها صفقة واحدة وجعل
~~ذلك كالنخلة الواحدة. وإن اختلف النوع ففيه وجهان لأصحاب الشافعي. وقيل: إن
~~الأصح أن الكل يبقى للبائع، كما لو اتحد النوع، دفعا لضرر اختلاف الأيدي
~~وسوء المشاركة. وقد يؤخذ من الحديث: أنه إذا باع ما لم يؤبر مفردا بالعقد
~~بعد تأبير غيره في البستان: أنه يكون للمشتري؛ لأنه ليس في المبيع شيء مؤبر
~~فيقتضي مفهوم الحديث: أنها ليست للبائع. وهذا أصح وجهي الشافعية. كأنه إنما
~~يعتبر عدم التأبير إذا بيع مع المؤبر. فيجعل تبعا. وفي هذه الصورة. ليس
~~ههنا في المبيع ms410 شيء مؤبر. فيجعل غيره تبعا. له.
# وأدخل من هذه الصورة في الحديث: ما إذا كان التأبير وعدمه في بستانين
~~مختلفين. والأصح ههنا: أن كل واحد منهما ينفرد بحكمه. أما أولا: فلظاهر
~~الحديث. وأما ثانيا: فلأن لاختلاف البقاع تأثيرا في التأبير؛ ولأن في
~~البستان الواحد يلزم ضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة وقوله «من ابتاع عبدا
~~فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع» يستدل به المالكية على أن العبد
~~يملك؛ لإضافة المال إليه باللام. وهي ظاهرة في الملك.
# PageV00P000
# أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من ابتاع
~~طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» وفي لفظ «حتى يقبضه» .
### | 269 -
# وعن ابن عباس مثله.
### | 270 -
# الحديث الخامس: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - «أنه سمع رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح إن الله ورسوله حرم بيع
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه]
# هذا نص في منع بيع الطعام قبل أن يستوفى. ومالك خصص الحكم به إذا كان فيه
~~حق التوفية على ما دل عليه الحديث. ولا يختص ذلك عند الشافعي بالطعام، بل
~~جميع المبيعات لا يجوز بيعها قبل قبضها عنده، سواء كانت عقارا أو غيره.
~~وأبو حنيفة يجيز بيع العقار قبل القبض. ويمنع غيره. وهذا الحديث يقتضي
~~أمرين:
# أحدهما أن تكون صورة المنع فيما إذا كان الطعام مملوكا بجهة البيع.
# والثاني: أن يكون الممنوع هو البيع قبل القبض. أما الأول: فقد أخرج عنه
~~ما إذا كان مملوكا بجهة الهبة أو الصدقة مثلا. وأما الثاني: فقد تكلم أصحاب
~~الشافعي في جواز التصرف بعقود غير البيع. منها: العتق قبل القبض. والأصح:
~~أنه ينفذ، إذا لم يكن للبائع حق الحبس، بأن أدى المشتري الثمن، أو كان
~~مؤجلا. فإن كان له حق الحبس، فقيل: هو كعتق الراهن. وقيل: لا. والصحيح: أنه
~~لا فرق. وكذا اختلفوا في الهبة والرهن قبل القبض. والأصح عند أصحاب
~~الشافعي: المنع. وكذلك في التزويج خلاف. والأصح عند أصحاب الشافعي: خلافه.
~~ولا ms411 يجوز عندهم التولية والشركة. وأجازهما مالك مع الإقالة. ولا شك أن
~~الشركة والتولية بيع. فيدخلان تحت الحديث. وفي كون الإقالة بيعا: خلاف فمن
~~لا يراها بيعا لا يدرجها تحت الحديث.
# وإنما استثنى ذلك مالك على خلاف القياس. وقد ذكر أصحابه فيها حديثا يقتضي
~~الرخصة، والله أعلم.
# PageV00P000
# الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول
~~الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود. ويستصبح
~~بها الناس. فقال: لا. هو حرام ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند
~~ذلك: قاتل الله اليهود. إن الله لما حرم عليهم شحومها. جملوه ثم باعوه
~~فأكلوا ثمنه» . قال " جملوه " أذابوه. .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام]
# أخذ من تحريم بيع الخمر والميتة: نجاستهما؛ لأن الانتفاع بهما لم يعدم.
~~فإنه قد ينتفع بالخمر في أمور، وينتفع بالميتة في إطعام الجوارح. وأما بيع
~~الأصنام: فلعدم الانتفاع بها على صورتها، وعدم الانتفاع يمنع صحة البيع.
~~وقد يكون منع بيعها مبالغة في التنفير عنها.
# PageV02P131
# 271 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهم يسلفون في
~~الثمار: السنة والسنتين والثلاث. فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل
~~معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم.» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأما قولهم: أرأيت شحوم الميتة. .. إلخ فقد استدل به على منع الاستصباح
~~بها، وإطلاء السفن بقوله - عليه السلام - لما سئل عن ذلك؟ قال: " لا. هو
~~حرام " وفي هذا الاستدلال احتمال؛ لأن لفظ الحديث ليس فيه تصريح. فإنه
~~يحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر تحريم بيع الميتة قالوا له
~~أرأيت شحوم الميتة. فإنه تطلى بها السفن. .. إلخ قصدا منهم؛ لأن هذه
~~المنافع تقتضي جواز البيع. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ": لا. هو
~~حرام " ويعود الضمير في قوله " هو " على البيع. كأنه أعاد تحريم البيع
~~بعدما بين له أن فيه منفعة، إهدارا لتلك ms412 المصالح والمنافع التي ذكرت. وقوله
~~- عليه السلام - قاتل الله اليهود. .. إلخ تنبيه على تعليل تحريم بيع هذه
~~الأشياء. فإن العلة تحريمها. فإنه وجه اللوم على اليهود في تحريم أكل الثمن
~~بتحريم أكل الشحوم. استدل المالكية بهذا على تحريم الذرائع، من حيث إن
~~اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن، من جهة تحريم أكل الأصل. وأكل
~~الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه. لكنه لما كان تسببا إلى أكل الأصل بطريق
~~المعنى استحقوا اللوم به. .
### | [باب السلم]
### | [حديث قدم رسول الله المدينة وهم يسلفون في الثمار]
# فيه دليل على جواز السلم في الجملة. وهو متفق عليه. لا خلاف فيه بين
~~الأمة. وفيه دليل على جواز السلم إلى السنة والسنتين. واستدل به على جواز
~~السلم فيما ينقطع في أثناء المدة، إذا كان موجودا عند المحل، فإنه إذا أسلم
~~في الثمرة
# PageV00P000
# 272 - الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت: «جاءتني بريرة: فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية.
~~فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، وولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة
~~إلى أهلها، فقالت: لهم. فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - جالس. فقالت إني عرضت ذلك على أهلي، فأبوا إلا أن يكون لهم
~~الولاء. فأخبرت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: خذيها واشترطي
~~لهم الولاء. فإنما الولاء لمن أعتق. ففعلت عائشة. ثم قام رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - في الناس، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد. فما
~~بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ كل شرط
#
### | [إحكام الأحكام]
# السنة والسنتين. فلا محالة ينقطع في أثناء المدة إذا حملت الثمرة على "
~~الرطب ". وقوله - عليه السلام - «من أسلف فليسلف في كيل معلوم» أي إذا كان
~~المسلم فيه مكيلا. وقوله «ووزن معلوم» أي إذا كان موزونا. والواو ههنا
~~بمعنى " أو " فإنا لو أخذناها على ظاهرها - من معنى الجمع - لزم أن يجمع في
~~الشيء الواحد بين المسلم فيه كيلا ووزنا. ms413 وذلك يفضي إلى عزة الوجود. وهو
~~مانع من صحة السلم؛ فتعين أن تحمل على ما ذكرناه مع التفصيل، وأن المعنى:
~~السلم بالكيل في المكيل، وبالوزن في الموزون. وأما قوله - عليه السلام - "
~~إلى أجل معلوم " فقد استدل به من منع السلم الحال، وهو مذهب مالك وأبي
~~حنيفة، وهذا يوجه الأمر في قوله " فليسلف " إلى الأجل والعلم معا. والذين
~~أجازوا الحال وجهوا الأمر إلى العلم فقط. ويكون التقدير: إن أسلم إلى أجل
~~فليسلم إلى أجل معلوم لا إلى أجل مجهول، كما أشرنا إليه في الكيل والوزن.
~~والله أعلم. .
# PageV00P000
# ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. قضاء
~~الله أحق. وشرط الله أوثق. وإنما الولاء لمن أعتق.» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب الشروط في البيع]
### | [حديث فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله]
# قد أكثر الناس من الكلام على هذا الحديث، وأفردوا التصنيف في الكلام
~~عليه، وما يتعلق بفوائده: وبلغوا بها عددا كثيرا. ونذكر من ذلك عيونا إن
~~شاء الله تعالى.
# والكلام عليه من وجوه:
# أحدها " كاتبت " فاعلت من الكتابة. وهو العقد المشهور بين السيد وعبده.
~~فإما أن يكون مأخوذا من كتابة الخط، لما أنه يصحب هذا العقد الكتابة له،
~~فيما بين السيد وعبده، وإما أن يكون مأخوذا من معنى الإلزام. كما في قوله
~~تعالى {كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] كأن السيد ألزم نفسه
~~عتق العبد عند الأداء. والعبد ألزم نفسه الأداء للمال الذي تكاتبا عليه.
# الثاني: اختلفوا في بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: المنع والجواز والفرق
~~بين أن يشتري للعتق، فيجوز، أو للاستخدام فلا. فأما من أجاز بيعه: فاستدل
~~بهذا الحديث. فإنه ثبت أن بريرة كانت مكاتبة. وأما من منع: فيحتاج إلى
~~العذر عنه، فمن العذر عنه ما قيل. إنه يجوز بيعه عند العجز عن الأداء، أو
~~الضعف عن الكسب فقد يحمل الحديث على ذلك. ومن الاعتذارات: أن تكون عائشة
~~اشترت الكتابة، لا الرقبة. وقد استدل على ذلك بقولها في بعض الروايات «فإن
~~أحبوا أن ms414 أقضي عنك كتابك» فإنه يشعر
# PageV02P134
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بأن المشترى: هو الكتابة لا الرقبة. ومن فرق بين شرائه للعتق وغيره: فلا
~~إشكال عنده؛ لأنه يقول: أنا أجيز بيعه للعتق. والحديث موافق لما أقول
### | [بيع العبد بشرط العتق]
# 1
# الثالث: بيع العبد بشرط العتق اختلفوا فيه. وللشافعي قولان:
# أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط أن لا يبيعه ولا يهبه. وهو باطل.
# والثاني: وهو الصحيح - أن العقد صحيح. لهذا الحديث. ومن منع من بيع العبد
~~بشرط العتق، فقد قيل: إنه يمنع كون عائشة مشترية للرقبة. ويحمل على قضاء
~~الكتابة عن بريرة، أو على شراء الكتابة خاصة.
# والأول: ضعيف، مخالف للفظ الوارد في بعض الروايات. وهو قوله - عليه
~~السلام - " ابتاعي " وأما الثاني: فإنه محتاج فيه إلى أن يكون قد قيل بمنع
~~البيع بشرط العتق، مع جواز بيع الكتابة. ويكون قد ذهب إلى الجمع بين هذين
~~ذاهب واحد معين. وهذا يستمد من مسألة إحداث القول الثالث.
# الرابع: إذا قلنا بصحة البيع بشرط العتق، فهل يصح الشرط، أو يفسد؟ فيه
~~قولان للشافعي: أصحهما: أن الشرط يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم
~~ينكر إلا اشتراط الولاء. والعقد تضمن أمرين: اشتراط العتق، واشتراط الولاء.
~~ولم يقع الإنكار إلا للثاني. فيبقى الأول مقررا عليه. ويؤخذ من لفظ الحديث.
~~فإن قوله " اشترطي لهم الولاء " من ضرورة اشتراط العتق. فيكون من لوازم
~~اللفظ، لا من مجرد التقرير. ومعنى صحة الشرط: أنه يلزم الوفاء به من جهة
~~المشتري. فإن امتنع، فهل يجبر عليه أم لا؟ فيه اختلاف بين أصحاب الشافعي.
~~وإذا قلنا: لا يجبر، أثبتنا الخيار للبائع.
### | [اشتراط الولاء للبائع]
# 1
# الخامس: اشتراط الولاء. للبائع، هل يفسد العقد؟ فيه خلاف. وظاهر الحديث:
~~أنه لا يفسده لما قال فيه " واشترطي لهم الولاء " ولا يأذن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - في عقد باطل. وإذا قلنا: إنه صحيح. فهل يصح الشرط؟ فيه
~~اختلاف في مذهب الشافعي. والقول ببطلانه موافق لألفاظ الحديث وسياقه،
~~وموافق للقياس أيضا من وجه. ms415 وهو أن القياس يقتضي: أن الأثر مختص بمن صدر
~~منه السبب. والولاء من آثار العتق. فيختص بمن صدر منه العتق. وهو المعتق.
~~وهذا التمسك والتوجيه في حصة البيع والشرط: يتعلق بالكلام على معنى قوله "
~~واشترطي لهم الولاء " وسيأتي.
# PageV02P135
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# السادس: الكلام على الإشكال العظيم في هذا الحديث، وهو أن يقال: كيف يأذن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيع على شرط فاسد؟ وكيف يأذن، حتى يقع
~~البيع على هذا الشرط فيدخل البائع عليه، ثم يبطل اشتراطه؟ . فاختلف الناس
~~في الكلام على هذا الإشكال. فمنهم من صعب عليه، فأنكر هذه اللفظة. أعني
~~قوله " واشترطي لهم الولاء " وقد نقل ذلك عن يحيى بن أكثم. وبلغني عن
~~الشافعي قريب منه. وأنه قال " اشتراط الولاء " رواه هشام بن عروة عن أبيه،
~~وانفرد به دون غيره من رواة هذا الحديث. وغيره من رواته: أثبت من هشام.
~~والأكثرون على إثبات اللفظة، للثقة براويها. واختلفوا في التأويل والتخريج.
~~وذكر فيه وجوه:
# أحدها: أن " لهم " بمعنى عليهم، واستشهدوا لذلك بقوله تعالى {ولهم
~~اللعنة} [غافر: 52] بمعنى " عليهم " {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] بمعنى
~~عليها " وفي هذا ضعف. أما أولا: فلأن سياق الحديث، وكثيرا من ألفاظه:
~~ينفيه. وأما ثانيا: فلأن اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل تدل
~~على مطلق الاختصاص. فقد يكون في اللفظ ما يدل على الاختصاص النافع، وقد لا
~~يكون.
# وثانيهما ما فهمته من كلام بعض المتأخرين، وتلخيصه: أن يكون هذا الاشتراط
~~بمعنى ترك المخالفة لما شرطه البائعون، وعدم إظهاره النزاع فيما دعوا إليه،
~~وقد يعبر عن التخلية والترك بصيغة تدل على الفعل. ألا ترى أنه قد أطلق لفظ
~~الإذن من الله تعالى على التمكين من الفعل والتخلية بين العبد وبينه، وإن
~~كان ظاهر اللفظ يقتضي الإباحة والتجويز؟ وهذا موجود في كتاب الله تعالى على
~~ما يذكره المفسرون، كما في قوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن
~~الله} [البقرة: 102] .
# وليس المراد بالإذن ههنا: إباحة الله تعالى للإضرار بالسحر. ms416 ولكنه لما
~~خلى بينهم وبين ذلك الإضرار: أطلق عليه لفظة " الإذن " مجازا، وهذا - وإن
~~كان محتملا إلا أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة ظاهرة على المجاز من حيث
~~اللفظ.
# وثالثهما: أن لفظة " الاشتراط " و " الشرط " وما تصرف منها تدل على
# PageV02P136
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الإعلام والإظهار. ومنه: أشراط الساعة، والشرط اللغوي والشرعي. ومنه قول
~~أويس بن حجر - بفتح الحاء والجيم - فأشرط فيها نفسه أي أعلمها وأظهرها،
~~وإذا كان كذلك فيحمل " اشترطي " على معنى: أظهري حكم الولاء وبينيه وأعلمي:
~~أنه لمن أعتق، على عكس ما أورده السائل وفهمه من الحديث. ورابعها: ما قيل
~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قد كان أخبرهم «أن الولاء لمن أعتق» ثم
~~أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ على سبيل
~~الزجر والتوبيخ والتنكيل، لمخالفتهم الحكم الشرعي.
# وغاية ما في الباب: إخراج لفظة الأمر عن ظاهرها، وقد وردت خارجة عن
~~ظاهرها في مواضع يمتنع إجراؤها على ظاهرها، كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم}
~~[فصلت: 40] {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] وعلى هذا الوجه
~~والتقدير الذي ذكر: لا يبقى غرور. وخامسها: أن يكون إبطال هذا الشرط عقوبة،
~~لمخالفتهم حكم الشرع، فإن إبطال الشرط يقتضي تغريم ما قوبل به الشرط من
~~المالية، المسامح بها لأجل الشرط، ويكون هذا من باب العقوبة بالمال، كحرمان
~~القاتل الميراث. وسادسها: أن يكون ذلك خاصا بهذه القضية، لا عاما في سائر
~~الصور، ويكون سبب التخصيص بإبطال هذا الشرط: المبالغة في زجرهم عن هذا
~~الاشتراط المخالف للشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك
~~الواقعة، مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، وهذا
~~الوجه ذكره بعض أصحاب الشافعي، وجعله بعض المتأخرين منهم: الأصح في تأويل
~~الحديث.
# الوجه السابع من الكلام على الحديث: يدل على أن كلمة " إنما " للحصر؛
~~لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمن لم
# PageV02P137
# 273 - الحديث الثاني: عن ms417 جابر بن عبد الله - رضي الله
~~عنهما - «أنه كان يسير على جمل فأعيا، فأراد أن يسيبه. فلحقني
#
### | [إحكام الأحكام]
# يعتق. لكن هذه الكلمة ذكرت في الحديث لبيان نفيه عمن لم يعتق، فدل على أن
~~مقتضاها الحصر
### | [ثبوت الولاء للمعتق عن نفسه]
# الوجه الثامن: لا خلاف في ثبوت الولاء للمعتق عن نفسه، بالحديث المذكور.
~~واختلفوا فيمن أعتق على أن لا ولاء له. وهو المسمى بالسائبة. ومذهب
~~الشافعي: بطلان هذا الشرط، وثبوت الولاء للمعتق، والحديث يتمسك به في ذلك.
# الوجه التاسع: قالوا: يدل على ثبوت الولاء في سائر وجوه العتق، كالكتابة
~~والتعليق بالصفة وغير ذلك.
# الوجه العاشر: يقتضي حصر الولاء للمعتق، ويستلزم حصر السببية في العتق.
~~فيقتضي ذلك: أن لا ولاء بالحلف، ولا بالموالاة، ولا بإسلام الرجل على يد
~~الرجل، ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه الصور فيها خلاف بين الفقهاء. ومذهب
~~الشافعي: أن لا ولاء في شيء منها للحديث.
# الحادي عشر: الحديث دليل على جواز الكتابة، وجواز كتابة الأمة المزوجة.
### | [تنجيم الكتابة]
# 1
# الثاني عشر: فيه دليل على تنجيم الكتابة، لقولها «كاتبت أهلي على تسع
~~أواق، في كل عام أوقية» وليس فيه تعرض للكتابة الحالة، فيتكلم عليه.
# الثالث عشر: قوله - عليه السلام - «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في
~~كتاب الله؟» يحتمل أن يريد بكتاب الله: حكم الله، أو يراد بذلك: نفي كونها
~~في كتاب الله، بواسطة أو بغير واسطة، فإن الشريعة كلها في كتاب الله: إما
~~بغير واسطة، كالمنصوصات في القرآن من الأحكام، وإما بواسطة قوله تعالى:
~~{وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] و {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}
~~[النساء: 59] وقوله - صلى الله عليه وسلم - " قضاء الله أحق " أي بالاتباع
~~من الشروط المخالفة لحكم الشرع، و " شرط الله أوثق " أي باتباع حدوده وفي
~~هذا اللفظ دليل على جواز السجع الغير المتكلف.
# PageV00P000
# النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا لي، وضربه. فسار
~~سيرا لم يسر مثله. ثم قال: بعنيه بوقية. قلت: لا. ثم قال: بعنيه. فبعته
~~بأوقية. واستثنيت حملانه إلى أهلي. ms418 فلما بلغت: أتيته بالجمل. فنقدني ثمنه.
~~ثم رجعت. فأرسل في إثري. فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك.
~~فهو لك.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أتراني ماكستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك]
# في الحديث علم من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزات الرسول - صلى الله عليه
~~وسلم - وأما بيعه واستثناء حملانه إلى المدينة: فقد أجاز مالك مثله في
~~المدة اليسيرة، وظاهر مذهب الشافعي: المنع وقيل: بالجواز، تفريعا على جواز
~~بيع الدار المستأجرة، فإن المنفعة تكون مستثناة. ومذهب الشافعي: الأول.
~~والذي يعتذر به عن الحديث على هذا المذهب: أن لا يجعل استثناؤه على حقيقة
~~الشرط في العقد، بل على سبيل تبرع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالجمل
~~عليه، أو يكون الشرط سابقا على العقد. والشروط المفسدة: ما تكون مقارنة
~~للعقد وممزوجة به على ظاهر مذهب الشافعي، وقد أشار بعض الناس إلى أن اختلاف
~~الرواة في ألفاظ الحديث مما يمنع الاحتجاج به على هذا المطلب، فإن بعض
~~الألفاظ صريح في الاشتراط، وبعضها لا. فيقول: إذا اختلفت الروايات، وكانت
~~الحجة ببعضها دون بعض: توقف الاحتجاج. فنقول: هذا صحيح لكن بشرط تكافؤ
~~الروايات، أو تقاربها. أما إذا كان الترجيح واقعا لبعضها - إما؛ لأن رواته
~~أكثر، أو أحفظ - فينبغي العمل بها. إذ الأضعف لا يكون مانعا من العمل
~~بالأقوى، والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح. فتمسك بهذا الأصل. فإنه نافع في
~~مواضع عديدة. منها: أن المحدثين يعللون الحديث بالاضطراب " ويجمعون
~~الروايات العديدة. فيقوم في الذهن منها صورة توجب التضعيف. والواجب: أن
~~ينظر إلى تلك الطرق، فما كان منها
# PageV02P139
# 274 - الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد. ولا
~~تناجشوا ولا يبع الرجل على بيع أخيه. ولا يخطب على خطبته. ولا تسأل المرأة
~~طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ضعيفا أسقط عن درجة الاعتبار. ولم يجعل مانعا من التمسك بالصحيح القوي.
~~ولتمام هذا موضع آخر. ومذهب ms419 مالك - وإن قال بظاهر الحديث - فهو يخصصه
~~باستثناء الزمن اليسير. وربما قيل: إنه ورد ما يقتضي ذلك. وقد يؤخذ من
~~الحديث: جواز بيع الدار المستأجرة بأن يجعل هذا الاستثناء المذكور في
~~الحديث أصلا. ويجعل بيع الدار المستأجرة مساويا له في المعنى. فيثبت الحكم،
~~إلا أن في كون مثل هذا معدودا فيما يؤخذ من الحديث وفائدة من فوائده نظرا.
### | [حديث لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته]
# أما النهي عن بيع الحاضر للبادي، والنجش، وبيع الرجل على بيع أخيه: فقد
~~مر الكلام عليه. وأما النهي عن الخطبة: فقد تصرف في إطلاقه الفقهاء بوجهين:
# أحدهما: أنهم خصوه بحالة التراكن، والتوافق بين الخاطب والمخطوب إليه،
~~وتصدى نظرهم بعد ذلك فيما به يحصل تحريم الخطبة. وذكروا أمورا لا تستنبط من
~~الحديث، وأما الخطبة قبل التراكن: فلا تمتنع. نظرا إلى المعنى الذي لأجله
~~حرمت الخطبة، وهو وقوع العداوة والبغضاء، وإيحاش النفوس.
# الوجه الثاني: وهو للمالكية - أن ذلك في المتقاربين أما إذا كان الخاطب
~~الأول فاسقا، والآخر صالحا. فلا يندرج تحت النهي. ومذهب الشافعي - رحمه
~~الله -: أنه إذا ارتكب النهي، وخطب على خطبة أخيه: لم يفسد العقد، ولم
~~يفسخ.
# PageV00P000
# 275 - الحديث الأول عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه
~~- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الذهب بالورق ربا، إلا هاء
~~وهاء والبر بالبر ربا، إلا هاء وهاء. والشعير بالشعير ربا، إلا هاء وهاء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لأن النهي مجانب لأجل وقوع العداوة والبغضاء. وذلك لا يعود على أركان
~~العقد وشروطه بالاختلال. ومثل هذا لا يقتضي فساد العقد. وأما نهي المرأة عن
~~سؤال طلاق أختها: فقد استعمل فيه ألفاظ مجازية. فجعل طلاق المرأة بعقد
~~النكاح بمثابة تفريغ الصحفة بعد امتلائها. وفيه معنى آخر. وهو الإشارة إلى
~~الرزق، لما يوجبه النكاح من النفقة فإن الصحفة وملأها من باب الأرزاق،
~~وكفاؤها قلبها.
### | [باب الربا والصرف]
### | [حديث الذهب بالورق ربا]
# الحديث: يدخل على وجوب الحلول وتحريم النساء في بيع الذهب بالورق، والبر ms420
~~بالبر، والشعير بالشعير، إلا هاء وهاء. واللفظة موضوعة للتقابض. وهي ممدودة
~~مفتوحة. وقد أنشد بعض أهل اللغة في ذلك:
# لما رأت في قامتي انحناء ... والمشي بعد قعس أجناء
# أجلت وكان حبها إجلاء ... وجعلت نصف غبوقي ماء
# تمزج لي من بغضها السقاء ... ثم تقول من بعيد هاء
# دحرجة إن شئت أو إلقاء ... ثم تمنى أن يكون داء
# لا يجعل الله له شفاء
# ثم اختلف العلماء بعد ذلك. فالشافعي يعتبر الحلول والتقابض في المجلس.
~~فإذا حصل ذلك لم يعتبر غيره. ولا يضر عنده طول المجلس إذا وقع العقد حالا.
~~وشدد مالك أكثر من هذا، ولم يسامح بالطول في المجلس. وإن وقع
# PageV00P000
# 276 - الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب
~~إلا مثلا بمثل. ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا
~~بمثل. ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» . وفي لفظ
~~«إلا يدا بيد» . وفي لفظ «إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل سواء بسواء» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# القبض فيه. وهو أقرب إلى حقيقة اللفظ فيه. والأول أدخل في المجاز. وهذا
~~الشرط لا يختص باتحاد الجنس، بل إذا جمع المبيعين علة واحدة - كالنقدية في
~~الذهب والفضة، والطعم في الأشياء الأربعة، أو غيره مما قيل به -: اقتضى ذلك
~~تحريم النساء. وقد اشتمل الحديث على الأمرين معا، حيث منع ذلك بين الذهب
~~بالورق، وبين البر بالبر والشعير بالشعير. فإن هذين في الجنس الواحد.
~~والأول في جنسين جمعتهما علة واحدة.
### | [حديث لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل]
# في الحديث أمران: أحدهما: تحريم التفاضل في الأموال الربوية عند اتحاد
~~الجنس، ونصفه في الذهب من قوله " إلا مثلا بمثل. ولا تشفوا بعضها على بعض
~~".
# الثاني: تحريم النساء من قوله: «ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» ولا بقية
~~الأموال الربوية ما كان منها منصوصا عليه في غير هذا الحديث: أخذ فيه بالنص
~~وما لا، قاسه القائسون. وقوله " إلا ms421 يدا بيد " في الرواية الأخرى: يقتضي
~~منع النساء. وقوله " وزنا بوزن " يقتضي اعتبار التساوي، ويوجب أن يكون
~~التساوي في هذا بالوزن لا بالكيل، والفقهاء قرروا أنه يجب التماثل بمعيار
~~الشرع، فما كان موزونا فبالوزن، وما كان مكيلا فبالكيل.
# PageV00P000
# الحديث الثالث عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -
~~قال «جاء بلال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمر برني فقال له
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أين لك هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر
~~رديء، فبعت منه صاعين، بصاع ليطعم النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: أوه، أوه، عين الربا، عين الربا، لا
~~تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر. ثم اشتر به» .
### | 278 -
# الحديث الرابع: عن أبي المنهال قال «
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث جاء بلال إلى رسول الله بتمر برني]
# هو نص في تحريم ربا الفضل في التمر، وجمهور الأمة على ذلك، وكان ابن عباس
~~يخالف ربا الفضل، وكلم في ذلك فقيل: إنه رجع عنه، وأخذ قوم من الحديث:
~~تجويز الذرائع، من حيث قوله «بع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» فإنه أجاز
~~بيعه، والشراء على الإطلاق، ولم يفصل بين أن يبيعه ممن باعه، أو من غيره،
~~ولا بين أن يقصد التوصل إلى شراء الأكثر أو لا: والمانعون من الذرائع:
~~يجيبون بأنه مطلق لا عام، فيحمل على بيعه مع غير البائع، أو على غير الصورة
~~التي يمنعونها. فإن المطلق يكتفى في العمل به بصورة واحدة. وفي هذا الجواب
~~نظر؛ لأنا نفرق بين العمل بالمطلق فعلا، كما إذا قال لامرأته: إن دخلت
~~الدار فأنت طالق، فإنه يصدق بالدخول مرة واحدة، وبين العمل بالمطلق، حملا
~~على المقيد، فإنه يخرج اللفظ من الإطلاق إلى التقييد. وفيه دليل على أن
~~التفاضل. في الصفات لا اعتبار به في تجويز الزيادة.
# قوله " ببيع آخر " يحتمل أن يريد به: بمبيع آخر، ويراد به: التمر، ويحتمل
~~أن يراد: بيع على صفة أخرى، على ms422 معنى زيادة الباء كأنه قال: بعه بيعا آخر،
~~ويقوي الأول: قوله " ثم اشتر به "
# PageV00P000
# سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم، عن الصرف؟ فكل
~~واحد يقول: هذا خير مني. وكلاهما يقول: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~- عن بيع الذهب بالورق دينا.»
### | 279 -
# الحديث الخامس: عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا:
~~أن نشتري الفضة بالذهب، كيف شئنا. ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا. قال:
~~فسأله رجل فقال: يدا بيد؟ فقال: هكذا سمعت» .
### | 280 -
# الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نهى رسول الله عن بيع الذهب بالورق دينا]
# في الحديث دليل على التواضع، والاعتراف بحقوق الأكابر، وهو نص في تحريم
~~ربا النسيئة فيما ذكر فيه - وهو الذهب بالورق - لاجتماعهما في علة واحدة،
~~وهي النقدية، وكذلك الأجناس الأربعة - أعني البر، وما ذكر معه - باجتماعها
~~في علة واحدة أخرى، فلا يباع بعضها ببعض نسيئة، والواجب فيما يمنع فيه
~~النساء أمران:
# أحدهما: التناجز في البيع، أعني ألا يكون مؤجلا. والثاني: التقابض في
~~المجلس، وهو الذي يؤخذ من قوله يدا بيد ".
### | [حديث نهى رسول الله عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء]
# قوله «نشتري الذهب بالفضة، كيف شئنا» يعني بالنسبة إلى التفاضل والتساوي،
~~لا بالنسبة إلى الحلول والتأجيل، وقد ورد ذلك مبينا في حديث آخر، حيث قيل "
~~فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ".
# PageV00P000
# الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى من يهودي طعاما،
~~ورهنه درعا من حديد.» .
### | 281 -
# الحديث الثاني: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - قال مطل الغني ظلم. فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب الرهن وغيره]
### | [حديث أن رسول الله اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعا من حديد]
# اللفظة مأخوذة من الحبس والإقامة، رهن بالمكان: إذا أقام به. ms423 والحديث
~~دليل على جواز الرهن، مع ما نطق به الكتاب العزيز ودليل على جواز معاملة
~~الكفار، وعدم اعتبار الفساد في معاملاتهم. ووقع في غير هذه الرواية ما
~~استدل به في جواز الرهن في الحضر. وفيه دليل على جواز الشراء بالثمن المؤخر
~~قبل قبضه؛ لأن الرهن إنما يحتاج إليه حيث لا يتأتى الإقباض في الحال غالبا،
~~وقد يستدل به على جواز الشراء لمن يقدر على الثمن في وقته لما ذكرناه.
### | [حديث مطل الغني ظلم]
# فيه دليل على تحريم المطل بالحق. ولا خلاف فيه، مع القدرة بعد الطلب
~~واختلفوا في مذهب الشافعي: هل يجب الأداء مع القدرة من غير طلب صاحب الحق؟
~~وذكر فيه وجهان ولا ينبغي أن يؤخذ الوجوب من الحديث؛ لأن لفظة " المطل "
~~تشعر بتقديم الطلب. فيكون مأخذ الوجوب دليلا آخر. وقوله " الغني " يخرج
~~العاجز عن الأداء. " فإذا أتبع " مضموم الهمزة ساكن التاء مكسور الباء.
~~وقوله " فليتبع " مفتوح الياء ساكن التاء، مفتوح الباء الموحدة. مأخوذ من
~~قولنا: أتبعت فلانا: جعلته تابعا للغير. والمراد ههنا تبعيته في طلب الحق
~~بالحوالة. وقد قال الظاهرية:
# PageV00P000
# 282 - الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قال: سمعت النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - يقول - «من أدرك ماله بعينه عند رجل - أو إنسان - قد أفلس فهو
~~أحق به من غيره» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بوجوب قبول الحوالة على المليء، لظاهر الأمر. وجمهور الفقهاء: على أنه
~~أمر ندب، لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده، من تحويل الحق عنه،
~~وترك تكليفه التحصيل بالطلب. وفي الحديث إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة على
~~المليء معلل بكون مطل الغني ظلما، ولعل السبب فيه: أنه إذا تعين كونه ظلما
~~- والظاهر من حال المسلم الاحتراز عنه - فيكون ذلك سببا للأمر بقبول
~~الحوالة عليه، لحصول المقصود من غير ضرر المطل. ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن
~~المليء لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرا
~~ويوفيه. ففي قبول الحوالة ms424 عليه: تحصيل الغرض من غير مفسدة تواء الحق.
~~والمعنى الأول أرجح. لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلما. وعلى
~~هذا المعنى الثاني تكون العلة عدم تواء الحق لا الظلم.
### | [حديث من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره]
# فيه مسائل. الأولى رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس، أو
~~الموت. فيه ثلاثة مذاهب الأول: أنه يرجع إليه في الموت والفلس. وهذا مذهب
~~الشافعي.
# والثاني: أنه لا يرجع إليه، لا في الموت ولا في الفلس وهو مذهب أبي
~~حنيفة.
# والثالث: يرجع إليه في الفلس دون الموت. ويكون في الموت أسوة الغرماء.
~~وهو مذهب مالك.
# وهذا الحديث دليل على الرجوع في الفلس، ودلالته قوية جدا، حتى قيل: إنه
~~لا تأويل له. وقال الإصطخري من أصحاب الشافعي: لو قضى القاضي بخلافه نقض
~~حكمه.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ورأيت في تأويله وجهين ضعيفين:
# أحدهما: أن يحمل على الغصب الوديعة، لما فيه من اعتبار حقيقة المالية.
~~وهو ضعيف جدا؛ لأنه يبطل فائدة تعليل الحكم بالفلس.
# الثاني: أن يحمل على ما قبل القبض. وقد استضعف بقوله - صلى الله عليه
~~وسلم - " أدرك ماله، أو وجد متاعه " فإن ذلك يقتضي إمكان العقد وذلك بعد
~~خروج السلعة من يده.
# المسألة الثانية: الذي يسبق إلى الفهم من الحديث: أن الرجل المدرك ههنا:
~~هو البائع، وأن الحكم يتناول البيع. لكن اللفظ أعم من أن يحمل على البائع
~~فيمكن أن يدخل تحته ما إذا أقرض رجل مالا، وأفلس المستقرض، والمال باق، فإن
~~المقرض يرجع فيه. وقد علله الفقهاء بالقياس على المبيع، بعد التفريع على
~~أنه يملك بالقبض.
# وقيل في القياس: مملوك ببدل تعذر تحصيله. فأشبه المبيع. وإدراجه تحت
~~اللفظ ممكن إذا اعتبرناه من حيث الوضع. فلا حاجة إلى القياس فيه.
# المسألة الثالثة: لا بد في الحديث من إضمار أمور يحمل عليها، وإن لم تذكر
~~لفظا. مثل: كون الثمن غير مقبوض. ومثل: كون السلعة موجودة عند المشتري دون
~~غيره. ms425 ومثل: كون المال لا يفي بالديون، احترازا عما إذا كان مساويا، وقلنا:
~~يحجر على المفلس في هذه الصورة.
# المسألة الرابعة: إذا أجر دارا أو دابة. فأفلس المستأجر قبل تسليم الأجرة
~~ومضي المدة. فللمؤجر الفسخ على الصحيح من مذهب الشافعي.
# وإدراجه تحت لفظ الحديث متوقف على أن المنافع: هل ينطلق عليها اسم "
~~المتاع " أو " المال "؟ وانطلاق اسم " المال " عليها أقوى وقد علل منع
~~الرجوع: بأن المنافع لا تتنزل منزلة الأعيان القائمة. إذ ليس لها وجود
~~مستقر. فإذا ثبت انطلاق اسم " المال " أو " المتاع " عليها فقد اندرجت تحت
~~اللفظ وإن نوزع في ذلك، فالطريق أن يقال: إن اقتضى الحديث أن يكون أحق
~~بالعين. ومن لوازم ذلك: الرجوع في المنافع. فيثبت بطريق اللازم، لا بطريق
~~الأصالة. وإنما قلنا: إنه يتوقف عن كون اسم " المنافع " ينطلق عليها اسم "
~~المال " أو " المتاع "؛ لأن الحكم في اللفظ معلق بذلك في الأحاديث
# PageV02P147
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ونقول أيضا: الرجوع إنما هو في المنافع. فإنها المعقود عليه، والرجوع
~~إنما يكون فيما يتناوله العقد. والعين لم يتناولها عقد الإجارة.
### | [مسألة التزم نقل متاع ثم أفلس والأجرة بيده قائمة]
# 1
# المسألة الخامسة: إذا التزم في ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان. ثم أفلس،
~~والأجرة بيده قائمة: ثبت حق الفسخ والرجوع إلى الأجرة. واندراجه تحت الحديث
~~ظاهر، إن أخذنا باللفظ. ولم نخصصه بالبائع. فإن خص به فالحكم ثابت بالقياس،
~~لا بالحديث.
### | [مسألة الديون المؤجلة تحل بالحجر]
# 1
# المسألة السادسة: قد يمكن أن يستدل بالحديث على أن الديون المؤجلة تحل
~~بالحجر. ووجهه: أنه يندرج تحت كونه أدرك ماله. فيكون أحق به. ومن لوازم
~~ذلك: أن يحل، إذ لا مطالبة بالمؤجل قبل الحلول
### | [مسألة الغرماء إذا قدموا البائع بالثمن]
# المسألة السابعة: يمكن أن يستدل به على أن الغرماء إذا قدموا البائع
~~بالثمن لم يسقط حقه من الرجوع. لاندراجه تحت اللفظ. والفقهاء عللوه بالمنة.
# المسألة الثامنة: قيل: إن هذا الخيار في الرجوع يستبد به البائع. وقيل:
~~لا بد من الحكم. ms426 والحديث يقتضي ثبوت الأحقية بالمال. وأما كيفية الأخذ: فهو
~~غير متعرض له. وقد يمكن أن يستدل به على الاستبداد، إلا أن فيه ما ذكرنا.
# المسألة التاسعة: الحكم في الحديث معلق بالفلس، ولا يتناول غيره. ومن
~~أثبت من الفقهاء الرجوع بامتناع المشتري من التسليم، مع اليسار، أو هربه،
~~أو امتناع الوارث من التسليم بعد موته - فإنما يثبته بالقياس على الفلس،
~~ومن يقول بالمفهوم في مثل هذا: فله أن ينفي هذا الحكم بدلالة المفهوم من
~~لفظ الحديث.
# المسألة العاشرة: شرط رجوع البائع: بقاء العين في ملك المفلس، فلو هلكت
~~لم يرجع، لقوله عليه الصلاة والسلام «فوجد متاعه، أو أدرك ماله» فشرط في
~~الأحقية: إدراك المال بعينه، وبعد الهلاك: فات الشرط، وهذا ظاهر في الهلاك
~~الحسي. والفقهاء نزلوا التصرفات الشرعية منزلة الهلاك الحسي، كالبيع
~~والهبة، والعتق، والوقف، ولم ينقضوا هذه التصرفات. بخلاف تصرفات المشتري في
~~حق الشفيع بها. فإذا تبين أنها كالهالكة شرعا: دخلت تحت اللفظ. فإن البائع
~~حينئذ لا يكون مدركا لماله. واختلفوا فيما إذا وجد متاعه عند المشتري، بعد
~~أن خرج عنه، ثم رجع إليه
# PageV02P148
#
### | [مسألة رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس أو الموت]
#
### | [إحكام الأحكام]
# بغير عوض. فقيل: يرجع فيه؛ لأنه وجد ماله بعينه، فيدخل تحت اللفظ. وقيل:
~~لا يرجع؛ لأن هذا الملك متلقى من غيره؛ لأنه لو تخللت حالة لو صادفها
~~الإفلاس والحجر، لما رجع، فيستصحب حكمها. وهذا تصرف في اللفظ بالتخصيص،
~~بسبب معنى مفهوم منه، وهو الرجوع إلى العين، لتعذر العوض من تلك الجهة، كما
~~يفهم منه ما قدمنا ذكره، أو تخصيص بالمعنى، وإن سلم باقتضاء اللفظ له.
### | [مسألة باع عبدين مثلا فتلف أحدهما ووجد الثاني بعينه]
# 1
# المسألة الحادية عشرة: إذا باع عبدين - مثلا - فتلف أحدهما، ووجد الثاني
~~بعينه. رجع فيه عند الشافعي. والمذهب: أنه يرجع بحصته من الثمن، ويضارب
~~بحصة ثمن التلف. وقيل: يرجع في الباقي بكل الثمن. فأما رجوعه في الباقي فقد
~~يندرج تحت قوله " فوجد متاعه، ms427 أو ماله " فإن الباقي متاعه أو ماله، وأما
~~كيفية الرجوع: فلا تعلق للفظ به.
# المسألة الثانية عشرة: إذا تعذر المبيع في صفته، بحدوث عيب. فأثبت
~~الشافعي الرجوع، إن شاءه البائع بغير شيء يأخذه، وإن شاء ضارب بالثمن. وهذا
~~يمكن أن يدرج تحت اللفظ. فإنه وجده بعينه، والتغير حادث في الصفة لا في
~~العين.
# المسألة الثالثة عشرة: إطلاق الحديث يقتضي: الرجوع في العين، وإن كان قد
~~قبض بعض الثمن. وللشافعي قول قدم: أنه لا يرجع في العين إذا قبض بعض الثمن.
~~لحديث ورد فيه.
# المسألة الرابعة عشرة: الحديث يقتضي الرجوع في متاعه، ومفهومه: أنه لا
~~يرجع في غير متاعه. فيتعلق بذلك الكلام في الزوائد المنفصلة فإنها تحدث ملك
~~المشتري، فليس بمتاع للبائع. فلا رجوع له فيها.
# المسألة الخامسة عشرة: لا يثبت الرجوع إلا إذا تقدم سبب لزوم الثمن على
~~المفلس. ويؤخذ ذلك من الحديث الذي في لفظه ترتيب الأحقية على المفلس بصيغة
# PageV02P149
# 283 - الحديث الرابع: عن جابر بن عبد الله - رضي الله
~~عنهما - قال " جعل - وفي لفظ: «قضى - النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة
~~في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق: فلا شفعة.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# الشرط، فإن المشروط مع الشرط، أو عقيبه. ومن ضرورة ذلك: تقدم سبب اللزوم
~~على الفلس.
### | [حديث إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة]
# استدل بالحديث على سقوط الشفعة للجار من وجهين:
# أحدهما: المفهوم، فإن قوله جعل الشفعة فيما لم يقسم " يقتضي: أن لا شفعة
~~فيما قسم. وقد ورد في بعض الروايات «إنما الشفعة» وهو أقوى في الدلالة. لا
~~سيما إذا جعلنا " إنما " دالة على الحصر بالوضع، دون المفهوم.
# والوجه الثاني: قوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " وهذا اللفظ
~~الثاني: يقتضي ترتيب الحكم على مجموع أمرين: وقوع الحدود، وصرف الطرق. وقد
~~يقول قائل. ممن يثبت الشفعة للجار: إن المرتب على أمرين لا يلزم ترتبه على
~~أحدهما. وتبقى دلالة المفهوم الأول مطلقة، وهو قوله " إنما الشفعة فيما لم
~~يقسم ms428 " فمن قال بعدم ثبوت الشفعة: تمسك بها، ومن خالفه: يحتاج إلى إضمار
~~قيد آخر، يقتضي اشتراط أمر زائد، وهو صرف الطرق مثلا، وهذا الحديث يستدل
~~به، ويجعل مفهومه مخالفة الحكم عند انتفاء الأمرين معا: وقوع الحدود، وصرف
~~الطرق. وقد يستدل بالحديث على مسألة اختلف فيها، وهو أن الشفعة هل تثبت
~~فيما لم يقبل القسمة أم لا؟ فقد يستدل به من يقول: لا تثبت الشفعة فيه؛ لأن
~~هذه
# PageV00P000
# 284 - الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال: «قد أصاب عمر أرضا بخيبر. فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~يستأمره فيها. فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو
~~أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ فقال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها. قال:
~~فتصدق بها. غير أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث. قال: فتصدق عمر في
~~الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف. لا
~~جناح على من وليها: أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا، غير متمول فيه.
~~وفي لفظ غير متأثل» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الصيغة في النفي تشعر بالقبول، فيقال للبصير: لم يبصر كذا. ويقال للأكمه:
~~لا يبصر كذا، وإن استعمل أحد الأمرين في الآخر فذلك للاحتمال. فعلى هذا:
~~يكون في قوله " فيما لم يقسم إشعار بأنه قابل للقسمة. فإذا دخلت " إنما "
~~المعطية للحصر: اقتضت انحصار الشفعة في القابل. وقد ذهب شذاذ من الناس إلى
~~ثبوت الشفعة في المنقولات واستدل بصدر الحديث من يقول بذلك، إلا أن آخره
~~وسياقه: يشعر بأن المراد به العقار، وما فيه الحدود وصرف الطرق.
### | [حديث أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي يستأمره فيها]
# الحديث دليل على صحة الوقف والحبس على جهات القربات. وهو مشهور متداول
~~النقل بأرض الحجاز، خلفا عن سلف. أعني الأوقاف. وفيه دليل
# PageV00P000
# 285 - الحديث السادس: عن عمر - رضي الله عنه - قال
~~«حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه،
#
### | [إحكام الأحكام]
# على ما كان أكابر السلف والصالحين عليه، من إخراج أنفس الأموال عندهم لله
~~تعالى. وانظر إلى تعليل عمر - رضي الله عنه - لمقصوده، بكونه " لم يصب مالا
~~أنفس عنده منه ". وقوله " تصدقت بها " يحتمل أن يكون راجعا إلى الأصل
~~المحبس. وهو ظاهر اللفظ، ويتعلق بذلك ما تكلم فيه الفقهاء من ألفاظ
~~التحبيس، التي منها " الصدقة " ومن قال منهم: بأنه لا بد من لفظ يقترن بها،
~~يدل على معنى الوقف والتحبيس، كالتحبيس المذكور في الحديث، وكقولنا مؤبدة "
~~محرمة " أو " لا تباع ولا توهب " ويحتمل أن يكون قوله وتصدقت بها " راجعا
~~إلى الثمرة، على حذف المضاف ويبقى لفظ " الصدقة " على إطلاقه. وقوله فتصدق
~~بها، غير أنه لا يباع. .. إلخ محمول عند جماعة - منهم الشافعي - على أن ذلك
~~حكم شرعي ثابت للوقف، من حيث هو وقف، ويحتمل من حيث اللفظ: أن يكون ذلك
~~إرشادا إلى شرط هذا الأمر في هذا الوقف. فيكون ثبوته بالشرط، لا بالشرع
~~والمصارف التي ذكرها عمر - رضي الله عنه -: مصارف خيرات، وهي جهة الأوقاف.
~~فلا يوقف على ما ليس بقربة من الجهات العامة. والقربى " يراد بها ههنا:
~~قربى عمر ظاهرا، والرقاب " قد اختلف في تفسيرها في باب الزكاة. ولا بد أن
~~يكون معناها معلوما عند إطلاق هذا اللفظ، وإلا كان المصرف مجهولا بالنسبة
~~إليها. و " في سبيل الله " الجهاد عند الأكثرين، ومنهم من عده إلى الحج. و
~~" ابن السبيل " المسافر، والقرينة تقتضي اشتراط حاجته. " والضيف " من نزل
~~بقوم، والمراد: قراه، ولا تقتضي القرينة تخصيصه بالفقر. وفي الحديث: دليل
~~على جواز الشروط في الوقف، واتباعها. وفيه دليل على المسامحة في بعضها، حيث
~~علق الأكل على المعروف، وهو غير منضبط. وقوله " غير متأثل " أي: متخذ أصل
~~مال، يقال: تأثلت المال: اتخذته أصلا.
# PageV00P000
# فظننت أنه يبيعه برخص. فسألت النبي - صلى الله عليه
~~وسلم -؟ فقال: لا تشتره. ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم. فإن العائد
~~في هبته كالعائد في قيئه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث العائد في ms430 هبته كالعائد في قيئه]
# وفي لفظ «فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه» هذا " الحمل "
~~تمليك لمن أعطي الفرس، ويكون معنى كونه " في سبيل الله " أن الرجل كان
~~غازيا. فآل الأمر بتمليكه: إلى أنه في سبيل الله، فسمي بذلك باعتبار
~~المقصود. فإن المقصود بتمليكه: أن يستعمله فيما عادته أن يستعمله فيه.
~~وإنما اخترنا ذلك؛ لأن الذي حمل عليه أراد بيعه. ولم ينكر ذلك. ولو كان
~~الحمل عليه: حمل تحبيس، لم يبع، إلا أن يحمل على أنه انتهى إلى حالة لا
~~ينتفع به فيما حبس عليه. لكن ذلك ليس في اللفظ ما يشعر به، ولو ثبت أنه حمل
~~تحبيس لكان في ذلك متعلق لمسألة وقف الحيوان، ومما يدل على أنه حمل تمليك:
~~قوله عليه الصلاة والسلام " ولا تعد في صدقتك " وقوله " فإن العائد في هبته
~~كالكلب يعود في قيئه ". وفي الحديث دليل: على منع شراء الصدقة للمتصدق، أو
~~كراهته. وعلل ذلك بأن المتصدق عليه ربما سامح المتصدق في الثمن، بسبب تقدم
~~إحسانه إليه بالصدقة عليه، فيكون راجعا في ذلك المقدار الذي سومح به. وفي
~~الحديث دليل على المنع من الرجوع في الصدقة والهبة، لتشبيهه برجوع الكلب في
~~قيئه. وذلك يدل على غاية التنفير. والحنفية اعتذروا عن هذا بأن رجوع الكلب
~~في قيئه لا يوصف بالحرمة؛ لأنه غير مكلف. فالتشبيه وقع بأمر مكروه في
~~الطبيعة، لتثبت به الكراهة في الشريعة. وقد وقع التشديد في التشبيه من
~~وجهين:
# أحدهما: تشبيه الراجع بالكلب.
# والثاني: تشبيه المرجوع فيه بالقيء.
# وأجاز أبو حنيفة رجوع الأجنبي في الهبة.
# PageV02P153
# 286 - الحديث السابع: عن النعمان بن بشير - رضي الله
~~عنهما - قال «تصدق علي أبي ببعض ماله. فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى
~~حتى تشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فانطلق أبي إلى رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - ليشهد على صدقتي فقال له رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم -: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا في
~~أولادكم فرجع أبي، فرد ms431 تلك الصدقة. وفي لفظ فلا تشهدني إذا. فإني لا أشهد
~~على جور وفي لفظ فأشهد على هذا غيري» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ومنع من رجوع الوالد في الهبة لولده، عكس مذهب الشافعي. والحديث: يدل على
~~منع رجوع الواهب مطلقا. وإنما يخرج الوالد في الهبة لولده بدليل خاص.
### | [حديث اتقوا الله واعدلوا في أولادكم]
# الحديث: يدل على طلب التسوية بين الأولاد في الهبات، والحكمة فيه: أن
~~التفضيل يؤدي إلى الإيحاش والتباغض، وعدم البر من الولد لوالده. أعني الولد
~~المفضل عليه. واختلفوا في هذه التسوية: هل تجري مجرى الميراث في تفضيل
~~الذكر على الأنثى، أم لا؟ فظاهر الحديث: يقتضي التسوية مطلقا. واختلف
~~الفقهاء في التفضيل: هل هو محرم، أو مكروه؟ فذهب بعضهم إلى أنه محرم،
~~لتسميته - صلى الله عليه وسلم - إياه جورا " وأمره بالرجوع فيه، ولا سيما
~~إذا أخذنا بظاهر الحديث: أنه كان صدقة، فإن الصدقة على الولد لا يجوز
~~الرجوع فيها. فإن الرجوع ههنا يقتضي أنها وقعت على غير الموقع الشرعي، حتى
~~نقضت بعد لزومها. ومذهب الشافعي ومالك: أن هذا التفضيل مكروه لا غير، وربما
~~استدل على ذلك بالرواية التي قيل فيها أشهد على هذا غيري " فإنها تقتضي
~~إباحة إشهاد الغير، ولا يباح إشهاد الغير إلا على أمر جائز. ويكون امتناع
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من
# PageV00P000
# 287 - الحديث الثامن: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها
~~من تمر أو زرع» .
### | 288 -
# الحديث التاسع: عن رافع بن خديج قال «كنا أكثر الأنصار حقلا. وكنا نكري
~~الأرض، على أن لنا هذه، ولهم هذه فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه فنهانا عن
~~ذلك. فأما بالورق: فلم ينهنا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الشهادة على وجه التنزه. وليس هذا بالقوي عندي؛ لأن الصيغة وإن كان
~~ظاهرها الإذن - إلا أنها مشعرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل، حيث امتنع
~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المباشرة لهذه الشهادة، معللا بأنها ms432 جور.
~~فتخرج الصيغة عن ظاهر الإذن بهذه القرائن. وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في
~~مقصود التنفير. ومما يستدل به على المنع أيضا: قوله " اتقوا الله " فإنه
~~يؤذن بأن خلاف التسوية ليس بتقوى، وأن التسوية تقوى.
### | [حديث أن النبي عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع]
# اختلفوا في هذه المعاملة. فذهب بعضهم: إلى جوازها على ظاهر الحديث. وذهب
~~كثيرون إلى المنع من كراء الأرض بجزء مما يخرج منها. وحمل بعضهم هذا الحديث
~~على أن المعاملة كانت مساقاة على النخيل، والبياض المتخلل بين النخيل كان
~~يسيرا، فتقع المزارعة تبعا للمساقاة. وذهب غيره إلى أن صورة هذه: صورة
~~المعاملة، وليست لها حقيقتها، وأن الأرض كانت قد ملكت بالاغتنام. والقوم
~~صاروا عبيدا فالأموال كلها للنبي - صلى الله عليه وسلم - والذي جعل لهم
~~منها بعض ماله، لينتفعوا به، لا على أنه حقيقة المعاملة. وهذا يتوقف على
~~إثبات أن أهل خيبر استرقوا فإنه ليس بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق
~~للبالغين.
# PageV00P000
# ولمسلم عن حنظلة بن قيس قال «سألت رافع بن خديج عن
~~كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به. إنما كان الناس يؤاجرون على
~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما على الماذيانات، وأقبال الجداول،
~~وأشياء من الزرع فيهلك هذا، ويسلم هذا ولم يكن للناس كراء إلا هذا. ولذلك
~~زجر عنه. فأما شيء معلوم مضمون: فلا بأس به. الماذيانات الأنهار الكبار
~~والجدول النهر الصغير» .
### | 290 -
# الحديث العاشر: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال «قضى رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى لمن وهبت له» . وفي لفظ «من أعمر عمرى
~~له ولعقبه. فإنها للذي أعطيها. لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء
~~وقعت فيه المواريث»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كنا أكثر الأنصار حقلا]
# فيه دليل على جواز كراء الأرض بالذهب والورق. وقد جاءت أحاديث مطلقة في
~~النهي عن كرائها، وهذا مفسر لذلك الإطلاق. وفيه دليل على أنه لا يجوز أن
~~تكون الأجرة شيئا غير معلوم المقدار ms433 عند العقد، لما فيه من الإجارة على ما
~~ذكر في الحديث، من منع الكراء بما على الماذيانات - إلى آخره، فإنه قد دل
~~على أن الجهالة لم تغتفر. وقد يستدل به على جواز كرائها بطعام مضمون، لقوله
~~" فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به " وجواز هذه الإجارة أي الإجارة على
~~طعام معلوم مسمى في الذمة -: هو مذهب الشافعي، ومذهب مالك: المنع من ذلك.
~~وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة: ما يشعر بذلك، وهو قوله " نهى عن كراء
~~الأرض بكذا - إلى قوله - أو بطعام مسمى ".
# PageV00P000
# وقال جابر «إنما العمرى التي أجازها رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -، أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت:
~~فإنها ترجع إلى صاحبها» .
### | 291 -
# وفي لفظ لمسلم «أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي
~~للذي أعمرها: حيا، وميتا، ولعقبه»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث قضى رسول الله بالعمرى لمن وهبت له]
# " العمرى " لفظ مشتق من العمر وهي تمليك المنافع أو إباحتها مدة العمر،
~~وهي على وجوه:
# أحدها: أن يصرح بأنها للمعمر ولورثته من بعده، فهذه هبة محققة، يأخذها
~~الورثة بعد موته.
# وثانيهما: أن يعمرها، ويشترط الرجوع إليه بعد موت المعمر وفي صحة هذه
~~العمرى خلاف، لما فيها من تغيير وضع الهبة.
# وثالثها: أن يعمرها مدة حياته، ولا يشترط الرجوع إليه، ولا التأبيد، بل
~~يطلق وفي صحتها: خلاف مرتب على ما إذا شرط الرجوع إليه، وأولى ههنا بأن
~~تصح، لعدم اشتراط شرط يخالف مقتضى العقد والذي ذكر في الحديث، من بعد قوله
~~«قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى» يحتمل أن يحمل على صورة
~~الإطلاق، وهو أقرب إذ ليس في اللفظ تقييد، ويحتمل أن يحمل الصورة الثانية
~~وهو مبين بالكلام بعد، في الرواية الأخرى ويحتمل أن يحمل على جميع الصور،
~~إذا قلنا: إن مثل هذه الصيغة من الراوي: تقتضي العموم، وفي ذلك خلاف بين
~~أرباب الأصول، وقوله " لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " يريد: أنها التي
~~شرط ms434 فيها له ولعقبه ويحتمل أن يكون المراد: صورة الإطلاق، ويؤخذ كونه وقعت
~~فيه
# PageV00P000
# 292 - الحديث الحادي عشر: عن أبي هريرة - رضي الله
~~عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يمنعن جار جاره: أن
~~يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله
~~لأرمين بين أكتافكم»
### | 293 -
# الحديث الثاني عشر: عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - قال «من ظلم قيد شبر من الأرض: طوقه من سبع أرضين»
#
### | [إحكام الأحكام]
# المواريث من دليل آخر، وهذا الذي قاله جابر: تنصيص على أن المراد بالحديث
~~صورة التقييد بكونها له ولعقبه.
# وقوله " إنما العمرى التي أجازها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أي
~~أمضاها، وجعلها للعقب لا تعود وقد نص على أنه إذا أطلق هذه العمرى: أنها
~~ترجع وهو تأويل منه، ويجوز من حيث اللفظ: أن يكون رواه، أعني قوله «إنما
~~العمرى التي أجازها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: هي لك
~~ولعقبك» فإن كان مرويا، فلا إشكال في العمل به، وإن لم يكن مرويا، فهذا
~~يرجع إلى تأويل الصحابي الراوي، فهل يكون مقدما، من حيث إنه قد تقع له
~~قرائن تورثه العلم بالمراد، ولا يتفق تعبيره عنها؟
### | [حديث لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره]
# إذا طلب الجار إعارة حائط جاره ليضع عليها خشبة، ففي وجوب الإجابة قولان
~~للشافعي:
# أحدهما: تجب الإجابة، لظاهر الحديث.
# والثاني: وهو الجديد - أنها لا تجب، ويحمل الحديث - إذا كان بصيغة النهي
~~على الكراهة وعلى الاستحباب، إذا كان بصيغة الأمر وفي قوله " ما لي أراكم
~~عنها معرضين؟ إلى آخره " ما يشعر بالوجوب، لقوله " والله لأرمين بها بين
~~أكتافكم " وهذا يقتضي التشديد والخوف والكراهة لهم
# PageV00P000
# 294 - الحديث الأول: عن زيد بن خالد الجهني - رضي
~~الله عنه - قال «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لقطة الذهب، أو
~~الورق؟ فقال: اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة فإن لم ms435 تعرف، فاستنفقها
~~ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر: فأدها إليه، وسأله عن ضالة
~~الإبل؟ فقال: ما لك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل
~~الشجر، حتى يجدها ربها وسأله عن الشاة؟ فقال: خذها فإنما هي لك، أو لأخيك،
~~أو للذئب»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين]
# في الحديث دليل على تحريم الغصب " والقيد " بمعنى القدر وقيده بالشبر:
~~للمبالغة، ولبيان أن ما زاد على مثله أولى منه و " طوقه " أي جعل طوقا له
~~واستدل به على أن العقار يصح غصبه واستدل به على الأرض متعددة بسبع أرضين،
~~للفظ المذكور فيه وأجاب بعض من خالف ذلك بأن حمل " سبع أرضين " على سبعة
~~الأقاليم والله أعلم
### | [باب اللقطة]
### | [حديث سئل رسول الله عن لقطة الذهب]
# " اللقطة " هي المال الملتقط وقد استعمله الفقهاء كثيرا بفتح القاف وقياس
~~هذا: أن يكون لمن يكثر منه الالتقاط، كالهزأة والضحكة وأمثاله " والوكاء "
~~ما يربط به الشيء و " العفاص " الوعاء الذي تجعل فيه النفقة ثم يربط عليه
~~والأمر بمعرفة ذلك: ليكون وسيلة إلى معرفة المال، تذكرة لما عرفه الملتقط
~~وفي الحديث: دليل على وجوب التعريف سنة وإطلاقة: يدخل فيه القليل والكثير
~~وقد اختلف في تعريف القليل ومدة تعريفه
# PageV00P000
# 295 - الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ما حق امرئ مسلم، له
~~شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده زاد مسلم قال ابن عمر ما
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله " فإن لم تعرف فاستنفقها " ليس الأمر فيه على الوجوب وإنما هو
~~للإباحة.
# وقوله " ولتكن وديعة عندك " يحتمل أن يراد بذلك: بعد الاستنفاق ويكون
~~قوله " ولتكن وديعة عندك " فيه مجاز في لفظ " الوديعة " فإنها تدل على
~~الأعيان وإذا استنفق اللقطة لم تكن عينا فتجوز بلفظ " الوديعة " عن كون
~~الشيء بحيث يرد إذا جاء ربه ويحتمل أن يكون قوله " ولتكن " الواو فيه ms436 بمعنى
~~" أو " فيكون حكمها حكم الأمانات والودائع فإنه إذا لم يتملكها بقيت عنده
~~على حكم الأمانة، فهي كالوديعة.
# وقوله " فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه " فيه دليل على وجوب
~~الرد على المالك، إذا بين كونه صاحبها واختلف الفقهاء: هل يتوقف وجوب الرد
~~على إقامة البينة، أم يكتفي بوصفه بأماراتها التي عرفها الملتقط أو لا؟
### | 1 -
# وقوله " وسأله عن ضالة الإبل إلخ " فيه دليل على امتناع التقاطها وقد نبه
~~على العلة فيه وهي استغناؤها عن الحافظ والمتفقد و " الحذاء والسقاء " ههنا
~~مجازان كأنه لما استغنت بقوتها وما ركب في طبعها من الجلادة عن الماء:
~~كأنها أعطيت الحذاء والسقاء
### | 1 -
# وقوله " وسأله عن الشاة - إلى آخر الحديث " يريد الشاة الضالة والحديث
~~يدل على التقاطها وقد نبه فيه على العلة وهي خوف الضياع عليها، إن لم
~~يلتقطها أحد وفي ذلك إتلاف لماليتها على مالكها والتساوي بين هذا الرجل
~~وبين غيره من الناس إذا وجدها، فإن هذا التساوي تقتضي الألفاظ: بأنه لا بد
~~منه: إما لهذا الواجد، وإما لغيره من الناس والله أعلم.
# PageV00P000
# مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - يقول ذلك، إلا وعندي وصيتي»
### | 296 -
# الحديث الثاني: عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال «جاءني رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت:
~~يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة
~~أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا قلت:
~~فالثلث قال: الثلث، والثلث كثير إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا
~~أجرت بها، حتى ما تجعل في
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب الوصايا]
### | [حديث ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه]
# " الوصية " على وجهين:
# أحدهما: الوصية بالحقوق الواجبة على الإنسان وذلك واجب، وتكلم بعضهم في
~~الشيء اليسير الذي جرت العادة بتداينه ورده مع القرب: هل تجب الوصية به على ms437
~~التضييق والفور؟ وكأنه روعي في ذلك المشقة.
# والوجه الثاني: الوصية بالتطوعات في القربات، وذلك مستحب، وكأن الحديث
~~إنما يحمل على النوع الأول.
# والترخيص في " الليلتين " أو " الثلاث " دفع للحرج والعسر، وربما استدل
~~به قوم على العمل بالخط والكتابة، لقوله " وصية مكتوبة " ولم يذكر أمرا
~~زائدا، ولولا أن ذلك كاف لما كان لكتابته فائدة والمخالفون يقولون: المراد
~~وصية مكتوبة بشروطها، ويأخذون الشروط من خارج والحديث دليل على فضل ابن عمر
~~لمبادرته في امتثال الأمر ومواظبته على ذلك
# PageV00P000
# في امرأتك قال قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟
~~قال: إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة،
~~ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي
~~هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها]
# فيه دليل على عيادة الإمام أصحابه، ودليل على ذكر شدة المرض لا في معرض
~~الشكوى وفيه دليل على استحباب الصدقة لذوي الأموال وفيه دليل على مبادرة
~~الصحابة، وشدة رغبتهم في الخيرات، لطلب سعد التصدق بالأكثر
### | [تخصيص الوصية بالثلث]
# 1
# ، وفيه دليل على تخصيص الوصية بالثلث وفيه دليل على أن الثلث في حد
~~الكثرة في باب الوصية وقد اختلف مذهب مالك في الثلث بالنسبة إلى مسائل
~~متعددة، ففي بعضها جعل في حد الكثرة، وفي بعضها جعل في حد القلة، فإذا جعل
~~في حد الكثرة استدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «والثلث كثير» إلا أن هذا
~~يحتاج إلى أمرين أحدهما: أن لا يعتبر السياق الذي يقتضي تخصيص كثرة الثلث
~~بالوصية، بل يؤخذ لفظا عاما والثاني: أن يدل دليل على اعتبار مسمى الكثرة
~~في ذلك الحكم فحينئذ يحصل المقصود، بأن يقال: الكثرة معتبرة في هذا الحكم،
~~والثلث كثير فالثلث معتبر، ومتى لم تلمح كل واحدة من هاتين المقدمتين: لم
~~يحصل ms438 المقصود.
# مثال من ذلك: ذهب بعض أصحاب مالك إلى أنه إذا مسح ثلث رأسه في الوضوء:
~~أجزأه؛ لأنه كثير للحديث فيقال له: لم قلت إن مسمى الكثرة معتبر في المسح؟
~~فإذا أثبته قيل له: لم قلت إن مطلق الثلث كثير، وإن كل ثلث فهو كثير
~~بالنسبة إلى كل حكم؟ وعلى هذا فقس سائر المسائل، فيطلب فيها تصحيح كل
# PageV02P162
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# واحدة من المقدمتين
### | [طلب الغني للورثة راجح على تركهم فقراء]
# 1
# وفيه دليل على أن طلب الغني للورثة راجح على تركهم فقراء عالة يتكففون
~~الناس ومن هذا: أخذ بعضهم استحباب الغض من الثلث، وقالوا أيضا: ينظر إلى
~~قدر المال في القلة والكثرة، فتكون الوصية بحسب ذلك اتباعا للمعنى المذكور
~~في الحديث، من ترك الورثة أغنياء
### | [الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية]
# وفيه دليل على أن الثواب في الإنفاق: مشروط بصحة النية في ابتغاء وجه
~~الله وهذا دقيق عسر، إذا عارضه مقتضى الطبع والشهوة، فإن ذلك لا يحصل الغرض
~~من الثواب، حتى يبتغي به وجه الله. ويشق تخليص هذا المقصود مما يشوبه من
~~مقتضى الطبع والشهوة
### | 1 -
# وقد يكون فيه دليل على أن الواجبات المالية إذا أديت على قصد الواجب
~~وابتغاء وجه الله: أثيب عليها فإن قوله " حتى ما تجعل في في امرأتك " لا
~~تخصيص له بغير الواجب، ولفظة " حتى " ههنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا
~~الأجر بالنسبة إلى المغيا، كما يقال: جاء الحاج حتى المشاة، ومات الناس حتى
~~الأنبياء فيمكن أن يقال: سبب هذا: ما أشرنا إليه من توهم أن أداء الواجب قد
~~يشعر بأنه لا يقتضي غيره، وأن لا يزيد على تحصيل براءة الذمة، ويحتمل أن
~~يكون ذلك دفعا لما عساه يتوهم، من أن إنفاق الزوج على الزوجة، وإطعامه
~~إياها، واجبا أو غير واجب: لا يعارض تحصيل الثواب إذا ابتغى بذلك وجه الله
~~كما جاء في حديث زينب الثقفية، لما أرادت الإنفاق من عندها، وقالت " لست
~~بتاركتهم " وتوهمت أن ذلك مما يمنع الصدقة عليهم، ms439 فرفع ذلك عنها، وأزيل
~~الوهم نعم في مثل هذا يحتاج إلى النظر في أنه هل يحتاج إلى نية خاصة في
~~الجزئيات، أم تكفي نية عامة؟ وقد دل الشرع على الاكتفاء بأصل النية وعمومها
~~في باب الجهاد، حيث قال " لو مر بنهر، ولا يريد أن يسقي به، فشربت: كان له
~~أجر " أو كما قال: فيمكن أن يعدى هذا إلى سائر الأشياء فيكتفى بنية مجملة
~~أو عامة ولا يحتاج في الجزئيات إلى ذلك.
# وقوله - عليه السلام - " ولعلك أن تخلف إلخ " تسلية لسعد على كراهيته
~~للتخلف بسبب المرض الذي وقع له وفيه إشارة إلى تلمح هذا المعنى، حيث تقع
# PageV02P163
# 297 - الحديث الثالث: عن عبد الله بن عباس - رضي الله
~~عنهما - «قال لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؟ فإن رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - قال: الثلث، والثلث كثير»
### | 298 -
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - قال «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر»
~~وفي رواية «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت: فلأولى
~~رجل ذكر»
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالإنسان المكاره، حتى تمنعه مقاصد له، ويرجو المصلحة فيما يفعله الله
~~تعالى وقوله - عليه السلام - «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم» لعله يراد به:
~~إتمام العمل على وجه لا يدخله نقض، ولا نقض لما ابتدئ به.
# وفيه دليل على تعظيم أمر الهجرة، وأن ترك إتمامها مما يدخل تحت قوله "
~~ولا تردهم على أعقابهم "
### | [حديث لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع]
# قول ابن عباس: قد مرت الإشارة إلى سببه وقد استنبطه ابن عباس من لفظ "
~~كثير " وإن كان القول الذي أقر - صلى الله عليه وسلم - عليه، وأشار لفظه
~~إلى الأمر به - وهو الثلث - يقتضي الوصية به. ولكن ابن عباس قد أشار إلى
~~اعتبار هذا بقوله " لو أن الناس " فإنها صيغة فيها ضعف ما بالنسبة إلى طلب
~~الغض إلى ما دون الثلث والله أعلم.
### | [باب الفرائض]
### | [حديث ms440 ألحقوا الفرائض بأهلها]
# " الفرائض " جمع فريضة وهي الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى:
# PageV00P000
# 299 - الحديث الثاني: عن أسامة بن زيد - رضي الله
~~عنهما - قال: «قلت يا رسول الله، أتنزل غدا في دارك بمكة؟ قال وهل ترك لنا
~~عقيل من رباع؟ ثم قال: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر»
#
### | [إحكام الأحكام]
# النصف، ونصفه، وهو الربع، ونصف نصفه وهو الثمن والثلثان، ونصفهما وهو
~~الثلث، ونصف نصفهما وهو السدس. وفي الحديث: دليل على أن قسمة الفرائض تكون
~~بالبداءة بأهل الفرض وبعد ذلك: ما بقي للعصبة.
# وقوله " فما بقي فلأولى رجل ذكر " أو " عصبة ذكر " قد يورد ههنا إشكال،
~~وهو أن " الأخوات " عصبات البنات والحديث يقتضي اشتراط الذكورة في " العصبة
~~" المستحق للباقي وجوابه: أنه من طريق المفهوم وأقصى درجاته: أن يكون له
~~عموم فيخص بالحديث الدال على ذلك الحكم وأعني: أن " الأخوات " عصبات البنات
### | [حديث لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر]
# الحديث دليل على انقطاع التوارث بين المسلم والكافر ومن المتقدمين من
~~قال: يرث المسلم الكافر والكافر لا يرث المسلم وكأن ذلك تشبيه بالنكاح حيث
~~ينكح المسلم الكافرة الكتابية، بخلاف العكس والحديث المذكور يدل على ما
~~قاله الجمهور.
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - وهل ترك لنا عقيل من دار؟ " سببه: أن أبا
~~طالب لما مات: لم يرثه علي ولا جعفر وورثه عقيل وطالب؛ لأن عليا وجعفرا
~~كانا مسلمين حينئذ فلم يرثا أبا طالب: وقد تعلق بهذا الحديث في مسألة دور
~~مكة وهل يجوز بيعها أم لا؟
# PageV00P000
# الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما
~~- «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الولاء وعن هبته»
### | 301 -
# الحديث الرابع: عن عائشة - رضي الله عنها - «قالت كانت في بريرة ثلاث
~~سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - والبرمة على النار، فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم
~~البيت فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ ms441 قالوا: بلى، يا رسول الله.
~~ذلك لحم تصدق به على بريرة فكرهنا أن نطعمك منه فقال: هو عليها صدقة، وهو
~~منها لنا هدية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها: إنما الولاء لمن
~~أعتق»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن النبي نهى عن بيع الولاء وعن هبته]
# " الولاء " حق ثبت بوصف، وهو الإعتاق فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من
~~الوجوه؛ لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف
~~وقد شبه " الولاء " بالنسب قال - عليه السلام - «الولاء لحمة كلحمة النسب»
~~فكما لا يقبل النسب النقل بالبيع والهبة، فكذلك الولاء
### | [حديث كانت في بريرة ثلاث سنن]
# حديث بريرة: قد استنبط منه أحكام كثيرة وجمع في ذلك غير ما تصنيف وقد
~~أشرنا إلى أشياء منها في مواضع فيما مضى وقد صرح ههنا بثبوت الخيار لها وهي
~~أمة عتقت تحت عبد فيثبت ذلك لكل من هو في حالها.
# وفيه دليل على أن الفقير إذا ملك شيئا على وجه الصدقة: لم يمتنع على غيره
~~ممن لا تحل له الصدقة أكله، إذا وجد سبب شرعي من جهة الفقير يبيحه له
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيه دليل على تبسط الإنسان في السؤال عن أحوال منزله، وما عهده فيه،
~~لطلبه من أهله مثل ذلك.
# وفيه دليل على حصر " الولاء " للمعتق وقد تكلمنا عليه فيما مضى
# PageV02P167
# الحديث الأول: عن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة
~~فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له
~~وجاء»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب النكاح]
### | [حديث يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج]
# " الباءة " النكاح، مشتق من اللفظ الذي يدل على الإقامة والنزول، و "
~~الباءة " المنزل فلما كان الزوج ينزل بزوجته: سمي النكاح " باءة " لمجاز
~~الملازمة واستطاعة النكاح: القدرة على مؤنة المهر والنفقة.
# وفيه دليل على أنه لا يؤمر به إلا ms442 القادر على ذلك وقد قالوا: من لم يقدر
~~عليه، فالنكاح مكروه في حقه، وصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب.
# وقد قسم الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، أعني الوجوب: والندب،
~~والتحريم، والكراهة، والإباحة وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقدر على
~~النكاح، إلا أنه لا يتعين واجبا، بل إما هو، وإما التسري فإن تعذر التسري
~~تعين النكاح حينئذ للوجوب، لا لأصل الشرعية.
# وقد يتعلق بهذه الصيغة من يرى أن النكاح أفضل من التخلي لنوافل
# PageV02P168
# 303 - الحديث الثاني: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه
~~- «أن نفرا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال
~~بعضهم: لا آكل اللحم وقال بعضهم: لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام قالوا كذا؟ لكني
~~أصلي وأنام وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»
#
### | [إحكام الأحكام]
# العبادات هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
# وقوله - عليه السلام - «فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» يحتمل أمرين أحدهما:
~~أن تكون " أفعل " فيه مما استعمل لغير المبالغة والثاني: أن تكون على
~~بابها، فإن التقوى سبب لغض البصر، وتحصين الفرج وفي معارضتها: الشهوة،
~~والداعي إلى النكاح وبعد النكاح: يضعف هذا المعارض فيكون أغض للبصر، وأحصن
~~للفرج مما إذا لم يكن فإن وقوع الفعل - مع ضعف الداعي إلى وقوعه - أندر من
~~وقوعه مع وجود الداعي. والحوالة على الصوم لما فيه كسر الشهوة فإن شهوة
~~النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوتها، وتضعف بضعفها.
# وقد قيل في قوله " فعليه بالصوم " بأنه إغراء للغائب، وقد منعه قوم من
~~أهل العربية و " الوجاء " الخصاء وجعل وجاء: نظرا إلى المعنى فإن الوجاء
~~قاطع للفعل وعدم الشهوة قاطع له أيضا، وهو من مجاز المشابهة.
# وإخراج الحديث لمخاطبة الشباب: بناء على الغالب؛ لأن أسباب قوة الداعي
~~إلى النكاح فيه موجودة، بخلاف الشيوخ، والمعنى معتبر إذا وجد في ms443 الكهول
~~والشيوخ أيضا
# PageV00P000
# 304 - الحديث الثالث: عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله
~~عنه - «قال رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عثمان بن مظعون التبتل
~~ولو أذن له لاختصينا»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن نفرا من أصحاب النبي سألوا أزواج النبي عن عمله في السر]
# يستدل به من يرجح النكاح على التخلي لنوافل العبادات فإن هؤلاء القوم
~~قصدوا هذا القصد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - رده عليهم، وأكد ذلك بأن
~~خلافه: رغبة عن السنة ويحتمل أن تكون هذه الكراهة للتنطع، والغلو في الدين
~~وقد يختلف ذلك باختلاف المقاصد فإن من ترك اللحم - مثلا - يختلف حكمه
~~بالنسبة إلى مقصوده، فإن كان من باب الغلو والتنطع، والدخول في الرهبانية:
~~فهو ممنوع، مخالف للشرع وإن كان لغير ذلك من المقاصد المحمودة، كمن تركه
~~تورعا لقيام شبهة في ذلك الوقت في اللحوم، أو عجزا، أو لمقصود صحيح غير ما
~~تقدم: لم يكن ممنوعا.
# وظاهر الحديث: ما ذكرناه من تقديم النكاح، كما يقوله أبو حنيفة ولا شك أن
~~الترجيح يتبع المصالح، ومقاديرها مختلفة وصاحب الشرع أعلم بتلك المقادير
~~فإذا لم يعلم المكلف حقيقة تلك المصالح، ولم يستحضر أعدادها: فالأولى اتباع
~~اللفظ الوارد في الشرع
# PageV00P000
# 305 - الحديث الرابع: عن أم حبيبة بنت أبي سفيان -
~~رضي الله عنها - «أنها قالت يا رسول الله، انكح أختي ابنة أبي سفيان قال:
~~أوتحبين ذلك؟ فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي: فقال
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن ذلك لا يحل لي قالت: إنا نحدث أنك
~~تريد أن تنكح بنت أبي سلمة قال: بنت أم سلمة؟ قالت: قلت: نعم، قال: إنها لو
~~لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا
~~سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن. قال عروة وثويبة: مولاة لأبي
~~لهب أعتقها، فأرضعت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما مات أبو لهب رآه بعض
~~أهله بشر خيبة فقال له: ms444 ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا، غير
~~أني سقيت في هذه
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث رد رسول الله على عثمان بن مظعون التبتل]
# " التبتل " ترك النكاح: ومنه قيل لمريم - عليها السلام - " البتول "
~~وحديث سعد أيضا من هذا الباب؛ لأن عثمان بن مظعون ممن قصد التبتل والتخلي
~~للعبادة، مما هو داخل في باب التنطع والتشبه بالرهبانية، إلا أن ظاهر
~~الحديث: يقتضي تعليق الحكم بمسمى " التبتل " وقد قال الله تعالى في كتابه
~~العزيز {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] فلا بد أن يكون هذا المأمور به في
~~الآية غير المردود في الحديث ليحصل الجمع وكأن ذلك: إشارة إلى ملازمة
~~التعبد أو كثرته، لدلالة السياق عليه، من الأمر بقيام الليل، وترتيل القرآن
~~والذكر فهذه إشارة إلى كثرة العبادات ولم يقصد معها ترك النكاح ولا أمر به
~~بل كان النكاح موجودا مع هذا الأمر ويكون ذلك " التبتل " المردود: ما انضم
~~إليه مع ذلك - من الغلو في الدين، وتجنب النكاح وغيره، مما يدخل في باب
~~التشديد على النفس بالإجحاف بها ويؤخذ من هذا: منع ما هو داخل في هذا الباب
~~وشبهه، مما قد يفعله جماعة من المتزهدين
# PageV00P000
# بعتاقتي ثويبة»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أم حبيبة أنها قالت يا رسول الله انكح أختي ابنة أبي سفيان]
# الخيبة: الحالة، بكسر الخاء الجمع بين الأختين وتحريم نكاح الربيبة:
~~منصوص عليه في كتاب الله تعالى ويحتمل أن تكون هذه المرأة السائلة لنكاح
~~أختها: لم يبلغها أمر هذا الحكم وهو أقرب من نكاح الربيبة فإن لفظ الرسول -
~~صلى الله عليه وسلم - يشعر بتقدم نزول الآية، حيث قال " لو لم تكن ربيبتي
~~في حجري " وتحريم الجمع بين الأختين في النكاح متفق عليه فأما بملك اليمين:
~~فكذلك عند علماء الأمصار وعن بعض الناس: فيه خلاف، ووقع الاتفاق بعده على
~~خلاف ذلك من أهل السنة، غير أن الجمع في ملك اليمين: إنما هو في استباحة
~~وطئها إذ الجمع في ملك اليمين: غير ممتنع اتفاقا وقال الفقهاء: إذا ms445 وطئ
~~إحدى الأختين لم يطأ الأخرى، حتى يحرم الأولى ببيع أو عتق، أو كتابة، أو
~~تزويج، لئلا يكون مستبيحا لفرجيهما معا.
# وقولها " لست لك بمخلية " مضموم الميم ساكن الخاء المعجمة مكسور اللام
~~معناه: لست أخلى بغير ضرة.
# وقولها " وأحب من شاركني " وفي رواية " شركني " بفتح الشين وكسر الراء.
~~وأرادت بالخير ههنا: ما يتعلق بصحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من
~~مصالح الدنيا والآخرة، وأختها: اسمها عزة " بفتح العين وتشديد الزاي
~~المعجمة وقولها " إنا كنا نحدث: أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة " هذه يقال
~~لها درة " بضم الدال المهملة وتشديد الراء المهملة أيضا ومن قال فيه " ذرة
~~" بفتح الذال المعجمة فقد صحف.
# وقد يقع من هذه المحاورة في النفس: أنها إنما سألت نكاح أختها لاعتقادها
~~خصوصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإباحة هذا النكاح، لا لعدم علمها
~~بما دلت عليه الآية وذلك: أنه إذا كان سبب اعتقادها التحليل: اعتقادها
~~خصوصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ناسب ذلك: أن تعترض بنكاح درة بنت
~~أبي سلمة فكأنها تقول: كما جاز نكاح درة - مع تناول الآية لها - جاز الجمع
~~بين الأختين، للاجتماع في الخصوصية. أما
# PageV02P172
# 306 - الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قاله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجمع بين المرأة وعمتها،
~~ولا بين المرأة وخالتها»
#
### | [إحكام الأحكام]
# إذا لم تكن عالمة بمقتضى الآية: فلا يلزم من كون الرسول - صلى الله عليه
~~وسلم - أخبر بتحريم نكاح الأخت على الأخت أن يرد على ذلك تجويز نكاح
~~الربيبة لزوما ظاهرا؛ لأنهما إنما يشتركان حينئذ في أمر أعم. أما إذا كانت
~~عالمة بمدلول الآية: فيكون اشتراكهما في أمر خاص. وهو التحريم العام.
~~واعتقاد التحليل الخاص.
# وقوله - عليه السلام - " بنت أم سلمة؟ " يحتمل أن يكون للاستثبات ونفي
~~الاشتراك ويحتمل أن يكون لإظهار جهة الإنكار عليها، أو على من قال ذلك.
# وقوله - عليه السلام - «لو لم تكن ربيبتي في حجري» و " الربيبة " بنت
~~الزوجة مشتقة من " الرب " وهو الإصلاح؛ ms446 لأنه يربها، ويقوم بأمورها وإصلاح
~~حالها ومن ظن من الفقهاء أنه مشتق من التربية، فقد غلط؛ لأن شرط الاشتقاق:
~~الاتفاق في الحروف الأصلية والاشتراك مفقود فإن آخر " رب " باء موحدة وآخر
~~" ربي " ياء مثناة من تحت و " الحجر " بالفتح أفصح ويجوز بالكسر.
# وقد يحتج بهذا الحديث من يرى اختصاص تحريم الربيبة بكونها في الحجر وهو
~~الظاهري وجمهور الفقهاء على التحريم مطلقا، وحملوا التخصيص على أنه خرج
~~مخرج الغالب وقالوا: ما خرج مخرج الغالب: لا مفهوم له وعندي نظر في أن هذا
~~الجواب المذكور في الآية فيه - أنه خرج مخرج الغالب: هل يرد في لفظ الحديث
~~أو لا؟ .
# وفي الحديث دليل على أن تحريم الجمع بين الأختين شامل للجمع على صفة
~~الاجتماع في عقد واحد: على صفة الترتيب
### | [حديث لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها]
# جمهور الأمة على تحريم هذا الجمع أيضا وهو مما أخذ من السنة، وإن
# PageV00P000
# 307 - الحديث السادس: عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه
~~- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن أحق الشروط أن توفوا به:
~~ما استحللتم به الفروج»
#
### | [إحكام الأحكام]
# كان إطلاق الكتاب يقتضي الإباحة، لقوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم}
~~[النساء: 24] إلا أن الأئمة من علماء الأمصار خصوا ذلك العموم بهذا الحديث،
~~وهو دليل على جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد وظاهر الحديث يقتضي
~~التسوية بين الجمع بينهما على صفة المعية، والجمع على صفة الترتيب وإذا كان
~~النهي واردا على مسمى الجمع - وهو محمول على الفساد - فيقتضي ذلك: أنه إذا
~~نكحهما معا، فنكاحهما باطل؛ لأن هذا عقد حصل فيه الجمع المنهي عنه فيفسد،
~~وإن حصل الترتيب في العقدين.
# فالثاني: هو الباطل؛ لأن مسمى الجمع قد حصل به، وقد وقع في بعض الروايات
~~لهذا الحديث «لا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى» وذلك مصرح
~~بتحريم جمع الترتيب.
# والعلة في هذا النهي: ما يقع بسبب المضارة، من التباغض والتنافر فيفضي
~~ذلك إلى قطيعة الرحم ms447 وقد ورد الإشعار بهذا التعليل
### | [حديث إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج]
# ذهب قوم إلى ظاهر الحديث، وألزموا الوفاء بالشروط، وإن لم تكن من مقتضى
~~العقد كأن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، ولا يخرجها من البلد لظاهر الحديث،
~~وذهب غيرهم: إلى أنه لا يجب الوفاء بمثل هذه الشروط التي لا يقتضيها العقد
~~فإن وقع شيء منها فالنكاح صحيح، والشرط باطل، والواجب مهر المثل وربما حمل
~~بعضهم الحديث على شروط يقتضيها العقد مثل: أن يقسم لها، وأن ينفق عليها
~~ويوفيها حقها، أو يحسن عشرتها، ومثل: أن لا تخرج من بيته
# PageV00P000
# 308 - الحديث السابع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشغار، والشغار: أن
~~يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما الصداق»
#
### | [إحكام الأحكام]
# إلا بإذنه، ونحو ذلك، مما هو من مقتضيات العقد.
# وفي هذا الحمل ضعف؛ لأن هذه الأمور لا تؤثر الشروط في إيجابها فلا تشتد
~~الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها.
# ومقتضى الحديث: أن لفظة " أحق الشروط " تقتضي: أن يكون بعض الشروط يقتضي
~~الوفاء، وبعضها أشد اقتضاء له، والشروط التي هي مقتضى العقود: مستوية في
~~وجوب الوفاء، ويترجح على ما عدا النكاح: الشروط المتعلقة بالنكاح من جهة
~~حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها والله أعلم
### | [حديث أن رسول الله نهى عن الشغار]
# هذا اللفظ الذي فسر به " الشغار " تبين في بعض الروايات: أنه من كلام
~~نافع، والشغار " بكسر الشين وبالغين المعجمة: اختلفوا في أصله في اللغة،
~~فقيل: هو من شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، كأن العاقد يقول: لا ترفع رجل
~~ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك وقيل: هو مأخوذ من شغر البلد: إذا خلا، كأنه سمي
~~بذلك للشغور عن الصداق.
# والحديث صريح في النهي عن نكاح الشغار واتفق العلماء على المنع منه
~~واختلفوا - إذا وقع - فساد العقد فقال بعضهم: العقد صحيح، والواجب مهر
~~المثل، وقال الشافعي: العقد باطل وعند مالك فيه تقسيم. ms448 ففي بعض الصور:
~~العقد باطل عنده وفي بعض الصور: يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده وهو ما إذا
~~سمي الصداق في العقد، بأن يقول: زوجتك ابنتي بكذا على أن تزوجني ابنتك
~~بكذا، فاستخف مالك هذا، لذكر الصداق، وصورة الشغار الكاملة: أن يقول: زوجتك
~~ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وبضع كل منهما صداق الأخرى، ومهما انعقد لي
~~نكاح ابنتك انعقد لك نكاح ابنتي ففي هذه الصورة:
# PageV00P000
# 309 - الحديث الثامن: عن علي بن أبي طالب - رضي الله
~~عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن
~~لحوم الحمر الأهلية»
### | 310 -
# الحديث التاسع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن رسول
#
### | [إحكام الأحكام]
# وجوه من الفساد. منها تعليق العقد. ومنها: التشريك في البضع. ومنها:
~~اشتراط هدم الصداق، وهو مفسد عند مالك، ولا خلاف أن الحكم لا يختص بمن ذكر
~~في الحديث، وهو " الابنة " بل يتعدى إلى سائر الموليات.
# وتفسير نافع وقوله " ولا صداق بينهما " يشعر بأن جهة الفساد: ذلك وإن كان
~~يحتمل أن يكون ذكر ذلك لملازمته لجهة الفساد.
# وعلى الجملة: ففيه إشعار بأن عدم الصداق له مدخل في النهي
### | [حديث أن النبي نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية]
# " نكاح المتعة " هو تزوج الرجل المرأة إلى أجل وقد كان ذلك مباحا ثم نسخ
~~والروايات تدل على أنه: أبيح بعد النهي، ثم نسخت الإباحة فإن هذا الحديث عن
~~علي - رضي الله عنه -: يدل على النهي عنها يوم خيبر، وقد وردت إباحته عام
~~الفتح، ثم النهي عنها وذلك بعد يوم خيبر.
# وقد قيل: إن ابن عباس رجع عن القول بإباحتها، بعدما كان يقول به، وفقهاء
~~الأمصار كلهم على المنع، وما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز فهو خطأ
~~قطعا وأكثر الفقهاء على الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت وعداه مالك
~~بالمعنى إلى توقيت الحل، وإن لم يكن عقد فقال: إذا علق طلاق امرأته بوقت لا
~~بد من مجيئه: وقع عليها الطلاق الآن، ms449 وعلله أصحابه بأن ذلك تأقيت للحل،
~~وجعلوه في معنى نكاح المتعة.
### | [تحريم لحوم الحمر الأهلية]
# 1
# وأما " لحوم الحمر الأهلية " فإن ظاهر النهي: التحريم، وهو قول الجمهور
~~وفي طريقة للمالكية: أنه مكروه، مغلظ الكراهة، ولم ينهوه إلى التحريم،
~~والتقييد بالأهلية: يخرج الحمر الوحشية ولا خلاف في إباحتها.
# PageV00P000
# الله - صلى الله عليه وسلم - قال لا تنكح الأيم حتى
~~تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله، فكيف إذنها قال:
~~أن تسكت» .
### | 311 -
# الحديث العاشر: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «جاءت امرأة رفاعة
~~القرظي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت كنت عند رفاعة القرظي
~~فطلقني فبت طلاقي. فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة
~~الثوب. فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أتريدين أن ترجعي إلى
~~رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن]
# كأنه أطلقت " الأيم " ههنا بإزاء الثيب، و " الاستئمار " طلب الأمر، و "
~~الاستئذان " طلب الإذن وقوله " فكيف إذنها " راجع إلى البكر، وفي الحديث
~~دليل على أن إذن البكر سكوتها، وهو عام بالنسبة إلى لفظ " البكر " ولفظ
~~النهي في قوله " لا تنكح " إما أن يحمل على التحريم، أو على الكراهة، فإن
~~حمل على التحريم: تعين أحد الأمرين: إما أن يكون المراد بالبكر من عدا
~~الصغيرة فعلى هذا: لا تجبر البكر البالغ، وهو مذهب أبي حنيفة، وتمسكه
~~بالحديث قوي؛ لأنه أقرب إلى العموم في لفظ " البكر " وربما يزاد على ذلك،
~~بأن يقال: إن الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا
~~تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ فيكون أقرب إلى التناول.
### | 1 -
# وإما أن يكون المراد: اليتيمة، وقد اختلف قول الشافعي في اليتيمة: هل
~~يكتفى فيها بالسكوت، أم لا؟ والحديث يقتضي الاكتفاء به وقد ورد مصرحا به في
~~حديث آخر ومال إلى ترجيح هذا القول من يميل إلى الحديث من أصحابه. وغيرهم
~~من ms450 أهل الفقه: يرجح الآخر.
# PageV00P000
# عسيلتك، قالت: وأبو بكر عنده، وخالد بن سعيد بالباب
~~ينتظر أن يؤذن له، فنادى أبا بكر: ألا تسمع إلى هذه: ما تجهر به عند رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك]
# تطليقه إياها بالبتات من حيث اللفظ: يحتمل: أن يكون بإرسال الطلقات
~~الثلاث، ويحتمل أن يكون بإيقاع آخر طلقة ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات
~~التي تحمل على البينونة، عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم، ولا
~~إشعار بأحد هذه المعاني وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر، تبين المراد ومن
~~احتج على شيء من هذه الاحتمالات بالحديث: فلم يصب؛ لأنه إنما دل على مطلق
~~البت، والدال على المطلق لا يدل على أحد قيديه بعينه.
# وقولها " فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير " هو بفتح الزاي وكسر الباء
~~ثاني الحروف، وثالثه ياء آخر الحروف.
# وقولها " إنما معه مثل هدبة الثوب " فيه وجهان:
# أحدهما: أن تكون شبهته بذلك لصغره، والثاني: أن تكون شبهته به لاسترخائه،
~~وعدم انتشاره.
# وقوله - عليه السلام - «لا، حتى تذوقي عسيلته» يدل على أن الإحلال للزوج
~~الثاني يتوقف على الوطء، وقد يستدل به من يرى الانتشار في الإحلال شرطا من
~~حيث إنه يرجح حمل قولها " إنما معه مثل هدبة " على الاسترخاء وعدم انتشاره،
~~لاستبعاد أن يكون الصغر قد بلغ إلى حد لا تغيب منه الحشفة، أو مقدارها الذي
~~يحصل به التحليل.
# وقوله - عليه السلام - أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " كأنه بسبب: أنه فهم
~~عنها إرادة فراق عبد الرحمن، وإرادة أن يكون فراقه سببا للرجوع إلى رفاعة،
~~وكأنه قيل لها: إن هذا المقصود لا يحصل إلا بالدخول. ولم ينقل فيه خلاف إلا
~~عن سعيد بن المسيب فيما نعلمه واستعمال لفظ " العسيلة " مجاز عن اللذة، ثم
# PageV02P178
# 312 - الحديث الحادي عشر: «عن أنس بن مالك - رضي الله
~~عنه - قال من السنة إذا تزوج البكر على الثيب: أقام عندها سبعا ثم قسم.
~~وإذا تزوج الثيب: أقام عندها ثلاثا ms451 ثم قسم. قال أبو قلابة ولو شئت لقلت: إن
~~أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# عن مظنتها، وهو الإيلاج فهو مجاز على مذهب جمهور الفقهاء الذين يكتفون
~~بتغييب الحشفة.
### | [حديث من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم]
# الذي اختاره أكثر الأصوليين: أن قول الراوي " من السنة كذا " في حكم
~~المرفوع؛ لأن الظاهر: أنه ينصرف إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن
~~كان يحتمل أن يكون ذلك قاله بناء على اجتهاد رآه ولكن الأظهر خلافه.
# وقول أبي قلابة " لو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلخ " يحتمل وجهين:
# أحدهما: أن يكون ظن ذلك مرفوعا لفظا من أنس، فتحرز عن ذلك تورعا.
# والثاني: أن يكون رأى أن قول أنس " من السنة " في حكم المرفوع، فلو شاء
~~لعبر عنه بأنه مرفوع، على حسب ما اعتقده: من أنه في حكم المرفوع، والأول:
~~أقرب؛ لأن قوله " من السنة " يقتضي أن يكون مرفوعا بطريق اجتهادي محتمل.
~~وقوله " إنه رفعه " نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل إلى
~~ما هو نص غير محتمل.
# والحديث يقتضي: أن هذا الحق للبكر أو الثيب: إنما هو فيه إذا كانتا
~~متجددتين على نكاح امرأة قبلهما، ولا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة، وإن لم
~~يكن قبلها غيرها وقد استمر عمل الناس على هذا، وإن لم يكن قبلها امرأة في
~~النكاح، والحديث لا يقتضيه.
# وتكلموا في علة هذا، فقيل: إنه حق للمرأة على الزوج، لأجل إيناسها وإزالة
~~الحشمة عنها لتجددها، أو يقال: إنه حق للزوج على المرأة.
# وأفرط بعض الفقهاء من المالكية فجعل مقامه عندها عذرا في إسقاط الجمعة
# PageV00P000
# 313 - الحديث الثاني عشر: عن ابن عباس - رضي الله
~~عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو أن أحدهم: إذا أراد
~~أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا
~~فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبدا» ms452 .
### | 314 -
# الحديث الثالث عشر: عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - «أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - قال إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار:
~~يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إذا جاءت في أثناء المدة. وهذا ساقط، مناف للقواعد، فإن مثل هذا من
~~الآداب أو السنن، لا يترك له الواجب ولما شعر بهذا بعض المتأخرين، وأنه لا
~~يصلح أن يكون عذرا: توهم أن قائله يرى الجمعة فرض كفاية، وهو فاسد جدا؛ لأن
~~قول هذا القائل متردد، محتمل أن يكون جعله عذرا، أو أخطأ في ذلك وتخطئته في
~~هذا أولى من تخطئته فيما دلت عليه النصوص وعمل الأمة، من وجوب الجمعة على
~~الأعيان.
### | [حديث بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا]
# فيه دليل على استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الجماع.
# وقوله - عليه السلام - " لم يضره الشيطان " يحتمل أن يؤخذ عاما يدخل تحته
~~الضرر الديني. ويحتمل أن يؤخذ خاصا بالنسبة إلى الضرر البدني. بمعنى أن
~~الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه وهذا أقرب، وإن كان
~~التخصيص على خلاف الأصل؛ لأنا إذا حملناه على العموم اقتضى ذلك: أن يكون
~~الولد معصوما عن المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، أو يعز وجوده. ولا بد من
~~وقوع ما أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - أما إذا حملناه على أمر الضرر في
~~العقل أو البدن: فلا يمتنع ذلك، ولا يدل دليل على وجود خلافه، والله أعلم.
# PageV00P000
# 315 - الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -
~~أن
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إياكم والدخول على النساء]
# ولمسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: سمعت الليث يقول " الحمو " أخو
~~الزوج، وما أشبه من أقارب الزوج ابن العم ونحوهم. لفظ " الحمو " يستعمل عند
~~الناس اليوم في أبي الزوج، وهو محرم من المرأة لا يمتنع دخوله عليهما.
~~فلذلك فسره الليث بما يزيل هذا الإشكال، وحمله على من ليس بمحرم، ms453 فإنه لا
~~يجوز له الخلوة بالمرأة والحديث دليل على تحريم الخلوة بالأجانب وقوله "
~~إياكم والدخول على النساء " مخصوص بغير المحارم، وعام بالنسبة إلى غيرهن،
~~ولا بد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضيا للخلوة، أما إذا لم
~~يقتض ذلك فلا يمتنع.
# وأما قوله - عليه السلام - " الحمو الموت " فتأويله يختلف بحسب اختلاف
~~الحمو فإن حمل على محرم المرأة - كأبي زوجها - فيحتمل أن يكون قوله " الحمو
~~الموت " بمعنى: أنه لا بد من إباحة دخوله، كما أنه لا بد من الموت وإن حمل
~~على من ليس بمحرم، فيحتمل أن يكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ والدعاء؛
~~لأنه فهم من قائله: طلب الترخيص بدخول مثل هؤلاء الذين ليسوا بمحارم فغلظ
~~عليه لأجل هذا القصد المذموم، بأن دخول الموت عوضا من دخوله، زجرا عن هذا
~~الترخيص، على سبيل التفاؤل، والدعاء، كأنه يقال: من قصد ذلك فليكن الموت في
~~دخوله عوضا من دخول الحمو الذي قصد دخوله، ويجوز أن يكون شبه الحمو بالموت،
~~باعتبار كراهته لدخوله، وشبه ذلك بكراهة دخول الموت.
# PageV00P000
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أعتق صفية، وجعل
~~عتقها صداقها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب الصداق]
### | [حديث أن رسول الله أعتق صفية وجعل عتقها صداقها]
# قوله " وجعل عتقها صداقها " يحتمل وجهين:
# أحدهما: أن يكون تزوجها بغير صداق، على سبيل الخصوصية برسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - فلما كان عتقها قائما مقام الصداق، إذ لم يكن ثم عوض: سمي
~~صداقا.
# والوجه الثاني: قول بعض الفقهاء: أنه أعتقها فتزوجها على قيمتها، وكانت
~~مجهولة، وذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعض أصحاب
~~الشافعي معناه: أنه شرط عليها: أن يعتقها ويتزوجها، فقبلت، فلزمها الوفاء
~~به وقد اختلف الفقهاء فيمن أعتق أمته على أن يتزوجها، ويكون عتقها صداقها،
~~فقال جماعة: لا يلزمها أن تتزوج به، وممن قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة
~~وهو إبطال للشرط. قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط، فقبلت: عتقت، ولا
~~يلزمها الوفاء بتزوجه، بل عليها قيمتها؛ لأنه لم ms454 يرض بعتقها مجانا، وصار
~~ذلك كسائر الشروط الباطلة، أو كسائر ما يلزم من الأعواض لمن لم يرض
~~بالمجان. فإن تزوجته على مهر يتفقان عليه: كان لها ذلك المسمى، وعليها
~~قيمتها للسيد. فإن تزوجها على قيمتها: فإن كانت القيمة معلومة لها وله: صح
~~الصداق، ولا يبقى له عليها قيمة، ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة
~~فالأصح من وجهي الشافعية: أنه لا يصح الصداق، ويجب مهر المثل. والنكاح
~~صحيح.
# ومنهم من صحح الصداق بالقيمة المجهولة على ضرب من الاستحسان، وأن العقد
~~فيه ضرب من المسامحة والتخفيف، وذهب جماعة - منهم الثوري والزهري، وقول عن
~~أحمد وإسحاق -: أنه يجوز أن يعتقها على أن يتزوج بها ويكون عتقها صداقها،
~~ويلزمها ذلك، ويصح الصداق على ظاهر لفظ الحديث.
# والأولون قد يؤولونه بما تقدم من أنه جعل عتقها قائما مقام الصداق فسماه
~~باسمه، والظاهر مع الفريق الثاني، إلا أن القياس مع الأول فيتردد الحال بين
~~ظن نشأ من قياس، وظن ينشأ من ظاهر الحديث، مع احتمال الواقعة للخصوصية
# PageV02P182
# 316 - الحديث الثاني: عن سهل بن سعد الساعدي - رضي
~~الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءته امرأة فقالت: إني
~~وهبت نفسي لك: فقامت طويلا فقال رجل يا رسول الله، زوجنيها، إن لم يكن لك
~~بها حاجة فقال هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك
~~فالتمس شيئا قال: ما أجد قال: التمس ولو خاتما من حديد فالتمس، فلم يجد
~~شيئا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل معك شيء من القرآن؟ قال:
~~نعم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: زوجتكها بما معك من القرآن» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وهي وإن كانت على خلاف الأصل - إلا أنه يتأنس في ذلك بكثرة خصائص الرسول
~~- صلى الله عليه وسلم - في النكاح لا سيما هذه الخصوصية؛ لقوله تعالى
~~{وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ms455 يستنكحها خالصة لك من
~~دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ولعله يؤخذ من الحديث: استحباب عتق الأمة
~~وتزوجها، كما جاء مصرحا به في حديث آخر.
### | [حديث التمس ولو خاتما من حديد]
# في الحديث دليل على عرض المرأة نفسها على من ترجى بركته.
# وقولها " وهبت نفسي لك " مع سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم -: دليل
~~لجواز هبة المرأة نكاحها له - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الآية فإذا
~~تزوجها على ذلك صح النكاح من غير
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# صداق، لا في الحال ولا في المآل، ولا بالدخول ولا بالوفاة. وهذا هو موضع
~~الخصوصية، فإن غيره ليس كذلك، فلا بد من المهر في النكاح، إما مسمى أو مهر
~~المثل.
# واستدل به من أجاز من الشافعية انعقاد نكاحه - صلى الله عليه وسلم - بلفظ
~~" الهبة " ومنهم من منعه إلا بلفظ النكاح " أو التزويج " كغيره.
### | [طلب الصداق في النكاح وتسميته فيه]
# 1
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - هل عندك من شيء تصدقها؟ " فيه دليل على طلب
~~الصداق في النكاح وتسميته فيه.
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - إزارك؛ إن أعطيتها جلست ولا إزار لك " دليل
~~على الإرشاد إلى المصالح من كبير القوم، والرفق برعيته.
# وقوله " فالتمس ولو خاتما من حديد " دليل على الاستحباب، لئلا يخلى العقد
~~من ذكر الصداق؛ لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، فإنه لو حصل الطلاق قبل
~~الدخول: وجب لها نصف المسمى.
### | 1 -
# واستدل به من يرى جواز الصداق بما قل أو كثر وهو مذهب الشافعي وغيره،
~~ومذهب مالك: أن أقله ربع دينار، أو ثلاثة دراهم أو قيمتها. ومذهب أبي
~~حنيفة: أن أقله عشرة دراهم، ومذهب بعضهم: أن أقله خمسة دراهم
# واستدل به على جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف لبعض السلف، وقد قيل:
~~عن بعض الشافعية كراهته.
# وقوله - صلى الله عليه وسلم - " زوجتكها " اختلف في هذه اللفظة فمنهم من
~~رواها كما ذكر ومنهم من رواها " ملكتها " ومنهم من رواها " ملكتكها "
~~فيستدل بهذه الرواية من يرى انعقاد النكاح بلفظ التمليك، إلا أن ms456 هذه لفظة
~~واحدة في حديث واحد اختلف فيها. والظاهر القوي: أن الواقع أحد الألفاظ، لا
~~كلها. فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح بأحد وجوهه ونقل عن الدارقطني
~~أن الصواب رواية من روى " زوجتكها "، وأنه قال: وهم أكثر وأحفظ، وقال بعض
~~المتأخرين: ويحتمل صحة اللفظين ويكون أرجى لفظ التزويج أولا، فملكها. ثم
~~قال له " اذهب فقد ملكتها " بالتزويج السابق
# PageV02P184
# 317 - الحديث الثالث: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه
~~-: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى عبد الرحمن بن عوف، وعليه ردع
~~زعفران. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مهيم؟ فقال: يا رسول الله
~~تزوجت امرأة، فقال: ما
#
### | [إحكام الأحكام]
# قلت: هذا أولا بعيد فإن سياق الحديث يقضي تعيين موضع هذه اللفظة التي
~~اختلف فيها، وأنها التي انعقد بها النكاح وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر
~~انعقد به النكاح واختلاف موضع كل واحد من اللفظين وهو بعيد جدا وأيضا
~~فلخصمه أن يعكس الأمر، ويقول: كان انعقاد النكاح بلفظ التمليك.
# وقوله - عليه السلام - " زوجتكها " إخبارا عما مضى بمعناه. فإن ذلك
~~التمليك: هو تمليك نكاح.
# وأيضا: فإن رواية من روى " ملكتها " التي لم يتعرض لتأويلها: يبعد فيها
~~ما قال، إلا على سبيل الإخبار عن الماضي بمعناه ولخصمه أن يعكسه، وإنما
~~الصواب في مثل هذا: أن ينظر إلى الترجيح، والله أعلم.
### | [النكاح بتعليم القرآن]
# 1
# وفي لفظ الحديث: متمسك لمن يرى جواز النكاح بتعليم القرآن، والروايات
~~مختلفة في هذا الموضع أيضا - أعني قوله " بما معك " والناس متنازعون أيضا
~~في تأويله، فمنهم من يرى أن " الباء " هي التي تقتضي المقابلة في العقود،
~~كقولك: بعتك كذا بكذا، وزوجتك بكذا ومنهم من يراها باء السببية، أي بسبب ما
~~معك من القرآن، إما بأن يخلى النكاح عن العوض على سبيل التخصيص لهذا الحكم
~~بهذه الواقعة، وإما بأن يخلى عن ذكره فقط، ويثبت فيه حكم الشرع في أمر
~~الصداق.
# PageV00P000
# أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب قال: فبارك الله لك،
~~أولم ولو بشاة» ms457 .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أولم ولو بشاة]
# " ردع الزعفران " بالعين المهملة: أثر لونه.
# وقوله - عليه السلام - " مهيم " أي ما أمرك؟ وما خبرك؟ قيل: إنها لغة
~~يمانية. قال بعضهم: ويشبه أن تكون مركبة.
# وفي قوله - عليه السلام - " ما أصدقتها؟ " تنبيه وإشارة إلى وجود أصل
~~الصداق في النكاح، إما بناء على ما تقتضيه العادة، وإما بناء على ما يقتضيه
~~الشرع من استحباب تسميته في النكاح، وذلك: أنه سأله ب " ما " والسؤال ب "
~~ما " بعد السؤال ب " هل " فاقتضى ذلك: أن يكون أصل الإصداق: متقررا لا
~~يحتاج إلى السؤال عنه.
# وفي قوله " وزن نواة " قولان:
# أحدهما: أن المراد: نواة من نوى التمر وهو قول مرجوح ولا يتحدد الوزن به،
~~لاختلاف نوى التمر في المقدار: والثاني: أنه عبارة عن مقدار معلوم عندهم،
~~وهو وزن خمسة دراهم. ثم في المعنى وجهان:
# أحدهما: أن يكون المصدق ذهبا وزنه خمسة دراهم.
# والثاني: أن يكون المصدق دراهم بوزن نواة من ذهب. وعلى الأول: يتعلق قوله
~~" من ذهب " بلفظ " وزن " وعلى الثاني يتعلق " بنواة.
# " وقوله " بارك الله لك " دليل على استحباب الدعاء للمتزوج بمثل هذا
~~اللفظ و " الوليمة " الطعام المتخذ لأجل العرس، وهو من المطلوبات شرعا.
~~ولعل من جملة فوائده: أن اجتماع الناس لذلك مما يقتضي اشتهار النكاح.
# وقوله " أولم " صيغة أمر، محمولة عند الجمهور على الاستحباب وأجراها
~~بعضهم على ظاهرها، فأوجب ذلك.
# وقوله " ولو بشاة " يفيد معنى التقليل وليست " لو " هذه هي التي تقتضي
~~امتناع الشيء لوجود غيره. وقال بعضهم: هي التي تقتضي معنى التمني.
# PageV02P186
# الحديث الأول: «عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما
~~- أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~فتغيظ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال ليراجعها، ثم ليمسكها
~~حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك
~~العدة، كما أمر الله عز وجل» .
# وفي لفظ «حتى تحيض حيضة مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها» .
# وفي ms458 لفظ «فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الطلاق]
### | [حديث عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض]
# الطلاق في الحيض محرم للحديث وذكر عمر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -
~~لعله ليعرفه الحكم " وتغيظ النبي - صلى الله عليه وسلم - " إما؛ لأن المعنى
~~الذي يقتضي المنع كان ظاهرا، وكان يقتضي الحال التثبت في الأمر، أو لأنه
~~كان يقتضي الأمر المشاورة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مثل ذلك
~~إذا عزم عليه.
# وقوله - عليه السلام - " ليراجعها " صيغة أمر، محمولة عند الشافعي على
# PageV02P187
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الاستحباب وعند مالك على الوجوب ويجبر الزوج على الرجعة إذا طلق في الحيض
~~عنده واللفظ يقتضي امتداد المنع للطلاق إلى أن تطهر من الحيضة الثانية؛ لأن
~~صيغة " حتى " للغاية وقد علل توقف الأمر إلى الطهر من الحيضة الثانية بأنه
~~لو طلق في الطهر من الحيضة الأولى، لكانت الرجعة لأجل الطلاق وليس ذلك
~~موضوعها إنما هي موضوعة للاستباحة، فإذا أمسك عن الطلاق في هذا الطهر:
~~استمرت الإباحة فيه وربما كان دوام مدة الاستباحة مع المعاشرة سببا للوطء
~~فيمتنع الطلاق في ذلك الطهر، لأجل الوطء فيه وفي الحيض الذي يليه فقد يكون
~~سببا لدوام العشرة. ومن الناس من علل امتناع الطلاق في الحيض بتطويل العدة.
# فإن تلك الحيضة لا تحسب من العدة فيطول زمان التربص. ومنهم من لم يعلل
~~بذلك، ورأى الحكم معلقا بوجود الحيض وصورته. وينبني على هذا ما إذا قلنا:
~~إن الحامل تحيض، فطلقها في الحيض الواقع في الحمل فمن علل بتطويل العدة: لم
~~يحرم؛ لأن العدة ههنا بوضع الحمل، ومن أدار الحكم على صورة الحيض: منع.
# وقد يؤخذ من الحديث: ترجيح المنع في هذه الصورة من جهة أن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - ألزم المراجعة من غير استفصال، ولا سؤال عن حال المرأة:
~~هل هي حامل، أو حائل؟ وترك الاستفصال في مثل هذا: ينزل منزلة عموم ms459 المقال
~~عند جمع من أرباب الأصول، إلا أنه قد يضعف ههنا هذا المأخذ، لاحتمال أن
~~يكون ترك الاستفصال لندرة الحيض في الحمل.
# وينبني أيضا على هذين المأخذين: ما إذا سألت المرأة الطلاق في الحيض: هل
~~يحرم طلاقها فيه؟ فمن مال إلى التعليل بطول المدة، لما فيه من الإضرار
~~بالمرأة: لم يقتض ذلك التحريم؛ لأنها رضيت بذلك الضرر. ومن أدار الحكم على
~~صورة الحيض: منع. والعمل بظاهر الحديث في ذلك أولى. وقد يقال في هذا ما قيل
~~في الأول من ترك الاستفصال وقد يجاب عنه فيهما بأنه مبني على الأصل، فإن
~~الأصل عدم سؤال الطلاق وعدم الحمل.
# ويتعلق بالحديث مسألة أصولية وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر
# PageV02P188
# 319 - الحديث الثاني: عن فاطمة بنت قيس " أن أبا عمرو
~~بن حفص طلقها ألبتة، وهو غائب - وفي رواية: «طلقها ثلاثا - فأرسل إليها
~~وكيله بشعير، فسخطته. فقال: والله ما لك علينا من شيء: فجاءت رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة» - وفي لفظ:
~~«ولا سكنى - فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها
~~أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم. فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حللت
~~فآذنيني. قالت: فلما حللت ذكرت له: أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم
~~خطباني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما أبو جهم: فلا يضع عصاه
~~عن عاتقه. وأما معاوية: فصعلوك لا مال له،
#
### | [إحكام الأحكام]
# بذلك الشيء أم لا؟ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر في بعض طرق
~~هذا الحديث " مره فأمره بأمره " وعلى كل حال: فلا ينبغي أن يتردد في اقتضاء
~~ذلك الطلب. وإنما ينبغي أن ينظر في أن لوازم صيغة الأمر: هل هي لوازم لصيغة
~~الأمر بالأمر، بمعنى أنهما: هل يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد،
~~أم لا؟ .
# وفي قوله " قبل أن يمسها " دليل على امتناع الطلاق في الطهر الذي مسها
~~فيه. فإنه شرط ms460 في الإذن عدم المسيس لها. والمعلق بالشرط معدوم عند عدمه،
~~وهذا هو السبب الثاني لكون الطلاق بدعيا وهو الطلاق في طهر مسها فيه وهو
~~معلل بخوف الندم. فإن المسيس سبب الحمل وحدوث الولد، وذلك سبب لندامة
~~الطلاق.
# وقوله " فحسبت من طلاقها " هو مذهب الجمهور من الأمة. أعني وقوع الطلاق
~~في الحيض والاعتداد به.
# PageV00P000
# انكحي أسامة بن زيد، فكرهته ثم قال: انكحي أسامة بن
~~زيد، فنكحته. فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت به» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب]
# قوله " طلقها ألبتة " يحتمل أن يكون حكاية للفظ أوقع به الطلاق. وقوله "
~~طلقها ثلاثا " تعبير عما وقع من الطلاق بلفظ " ألبتة ". وهذا على مذهب من
~~يجعل لفظ " ألبتة " للثلاث، ويحتمل أن يكون اللفظ الذي وقع به الطلاق هو
~~الطلاق الثلاث، كما جاء في الرواية الأخرى ويكون قوله " طلقها ألبتة "
~~تعبيرا عما وقع من الطلاق بلفظ " الطلاق ثلاثا " وهذا يتمسك به من يرى جواز
~~إيقاع الطلاق الثلاث دفعة، لعدم الإنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
~~إلا أنه يحتمل أن يكون قوله " طلقها ثلاثا " أي أوقع طلقة تتم بها الثلاث.
~~وقد جاء في بعض الروايات " ثلاث تطليقات ".
### | 1 -
# وقوله " وهو غائب " فيه دليل على وقوع الطلاق في غيبة المرأة، وهو مجمع
~~عليه. وقوله " فأرسل إليها وكيله بشعير " يحتمل أن يكون مرفوعا ويكون
~~الوكيل هو المرسل. ويحتمل أن يكون منصوبا ويكون الوكيل هو المرسل. وقد عين
~~بعضهم للرواية: الاحتمال الأول، والضمير في قوله " وكيله " يعود على أبي
~~عمرو بن حفص. وقيل: اسمه كنيته. وقيل: اسمه عبد الحميد. وقيل اسمه أحمد.
~~وقال بعضهم: أبو حفص بن عمرو وقيل: أبو حفص بن المغيرة. ومن قال " أبو عمرو
~~بن حفص " أكثر.
### | 1 -
# PageV02P190
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله - عليه السلام - " ليس لك عليه نفقة " هذا مذهب الأكثرين، إذا كانت
~~البائن حائلا وأوجبها أبو حنيفة.
# وقوله " ولا سكنى " هو مذهب أحمد، وأوجب الشافعي ومالك ms461 السكنى لقوله
~~تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} [الطلاق: 6] وأما سقوط النفقة: فأخذوه من
~~مفهوم قوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] فمفهومه:
~~إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن. وقد نوزعوا في تناول الآية للبائن. أعني
~~قوله " أسكنوهن " ومن قال: لها السكنى فهو محتاج إلى الاعتذار عن حديث
~~فاطمة. فقيل في العذر: ما حكوه عن سعيد بن المسيب " أنها كانت امرأة لسنة
~~استطالت على أحمائها، فأمرها بالانتقال ". وقيل: لأنها خافت في ذلك المنزل.
~~وقد جاء في كتاب مسلم «أخاف أن يقتحم علي» .
# واعلم أن سياق الحديث على خلاف هذه التأويلات فإنه يقتضي أن سبب الحكم:
~~أنها اختلفت مع الوكيل بسبب سخطها الشعير، وأن الوكيل ذكر: أن لا نفقة لها
~~وأن ذلك اقتضى أن سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابها بما أجاب.
~~وذلك يقتضي: أن التعليل بسبب ما جرى من الاختلاف في وجود النفقة لا بسبب
~~هذه الأمور التي ذكرت فإن قام دليل أقوى وأرجح من هذا الظاهر عمل به.
# وقوله " فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك " قيل: اسمها غزية وقيل: غزيلة
~~وهي قرشية عامرية وقيل: إنها أنصارية.
### | [قول النبي اعتدي عند ابن أم مكتوم]
# وقوله - عليه السلام - «تلك امرأة يغشاها أصحابي» قيل: كانوا يزورونها،
~~ويكثرون من التردد إليها لصلاحها. ففي الاعتداد عندها حرج، ومشقة في التحفظ
~~من الرؤية: إما رؤيتهم لها، أو رؤيتها لهم، على مذهب من يرى تحريم نظر
~~المرأة للأجنبي، أو لهما معا.
# وقوله " اعتدي عند ابن أم مكتوم. فإنه رجل أعمى " قد يحتج به من يروي
~~جواز نظر المرأة إلى الأجنبي، فإنه علل بالعمى وهو مقتض لعدم رؤيته، لا
~~لعدم رؤيتها. فيدل على أن جواز الاعتداد عنده: معلل بالعمى المنافي لرؤيته
# PageV02P191
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# واختار بعض المتأخرين تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي، مستدلا بقوله تعالى
~~{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] {وقل للمؤمنات يغضضن من
~~أبصارهن} [النور: 31] وفيه نظر؛ لأن لفظة " من " للتبعيض ولا خلاف أنها إذا
~~خافت ms462 الفتنة حرم عليها النظر. فإذا هذه حالة يجب فيها الغض فيمكن حمل الآية
~~عليها ولا تدل الآية حينئذ على وجوب الغض مطلقا، أو في غير هذه الحالة وهذا
~~إن لم يكن ظاهر اللفظ: فهو محتمل له احتمالا جيدا، يتوقف معه الاستدلال على
~~محل الخلاف.
# وقال هذا المتأخر: وأما حديث فاطمة بنت قيس، مع ابن أم مكتوم: فليس فيه
~~إذن لها في النظر إليه، بل فيه: أنها تأمن عنده من نظر غيره. وهي مأمورة
~~بغض بصرها، فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة، بخلاف مكثها في بيت أم
~~شريك. وهذا الذي قاله: إعراض عن التعليل بعماه وما ذكره من المشقة: موجود
~~في نظرها إليه، مع مخالطتها له في البيت، ويمكن أن يقال: إنما علل بالعمى
~~لكونها تضع ثيابها من غير رؤيته لها فحينئذ يخرج التعليل عن الحكم
~~باعتدادها عنده.
### | [التعريض بخطبة البائن]
# 1
# وقوله - عليه السلام - «فإذا حللت فآذنيني» ممدود الهمز، أي أعلميني
~~واستدل به على جواز التعريض بخطبة البائن، وفيه خلاف عند الشافعية.
# قوله - عليه السلام - " أما أبو جهم: فلا يضع عصاه عن عاتقه " فيه
~~تأويلان:
# أحدهما: أنه كثير الأسفار.
# والثاني: أنه كثير الضرب ويترجح هذا الثاني بما جاء في بعض روايات مسلم
~~«أنه ضراب للنساء» .
### | 1 -
# " وفي الحديث دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة. ولا يكون
# PageV02P192
# 320 - الحديث الأول: «عن سبيعة الأسلمية أنها كانت
~~تحت سعد بن خولة - وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا - فتوفي عنها
~~في حجة الوداع، وهي حامل. فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من
~~نفاسها: تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك - رجل من بني عبد
~~الدار - فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين للنكاح، والله ما أنت
~~بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك: جمعت
~~علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن
~~ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، ms463 وأمرني بالتزويج إن بدا لي» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من الغيبة المحرمة وهذا أحد المواضع التي أبيحت فيها الغيبة لأجل
~~المصلحة. و " العاتق " ما بين العنق والمنكب.
# وفي الحديث: دليل على جواز استعمال مجاز المبالغة، وجواز إطلاق مثل هذه
~~العبارة، فإن أبا جهم: لا بد وأن يضع عصاه حالة نومه وأكله، وكذلك معاوية
~~لا بد وأن يكون له ثوب يلبسه مثلا، لكن اعتبر حال الغلبة، وأهدر حال النادر
~~واليسير. وهذا المجاز فيما قيل في أبي جهم: أظهر منه فيما قيل في معاوية؛
~~لأن لنا أن نقول: إن لفظة " المال " انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى
~~ما له قدر من المملوكات، أو ذلك مجاز شائع يتنزل منزلة النقل، فلا يتناول
~~الشيء اليسير جدا، بخلاف ما قيل في أبي جهم. وقوله " انكحي أسامة بن زيد "
~~فيه جواز نكاح القرشية للمولى. وكراهتها له: إما لكونه مولى، أو لسواده، و
~~" اغتبطت " مفتوح التاء والباء وأبو جهم المذكور في الحديث: مفتوح الجيم
~~ساكن الهاء، وهو غير أبي الجهيم الذي في حديث التيمم.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب العدة]
### | [حديث سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها وهي حامل]
# قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير
~~أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر.
# في الحديث: دليل على أن الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل أي وقت كان وهو
~~مذهب فقهاء الأمصار. وقال بعضهم من المتقدمين: إن عدتها أقصى الأجلين فإن
~~تقدم وضع الحمل على تمام أربعة أشهر وعشر: انتظرت تمامها. وإن تقدمت
~~الأربعة الأشهر والعشر على وضع الحمل: انتظرت وضع الحمل. وقيل: إن بعض
~~المتأخرين من المالكية: اختار هذا المذهب، وهو سحنون.
# وسبب الخلاف: تعارض عموم قوله تعالى {والذين يتوفون منكم} [البقرة: 234]
~~مع قوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] فإن كل
~~واحدة من الآيتين عام من وجه، وخاص من وجه. فالآية الأولى: عامة في المتوفى
~~عنهن أزواجهن، سواء كن ms464 حوامل أم لا.
# والثانية: عامة في أولات الأحمال، سواء كن متوفى عنهن أم لا. ولعل هذا
~~التعارض هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين لعدم ترجيح أحدهما على
~~الآخر وذلك يوجب أن لا يرفع تحريم العدة السابق إلا بيقين الحل وذلك بأقصى
~~الأجلين. غير أن فقهاء الأمصار اعتمدوا على هذا الحديث في أنه تخصيص لعموم
~~قوله تعالى {والذين يتوفون منكم} [البقرة: 234] مع ظهور المعنى في حصول
~~البراءة بوضع الحمل ".
# وأبو السنابل بن بعكك " بفتح السين و " بعكك " بفتح الباء وسكون العين،
~~وفتح الكاف - وهو ابن الحجاج بن الحارث بن السباق بن عبد الدار، هكذا نسب.
~~وقيل في نسبه غير ذلك قيل: اسمه عمرو. وقيل: حبة - بالباء - وقيل: حنة -
~~بالنون.
# وقولها " فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي " يقتضي انقضاء العدة بوضع
~~الحمل، وإن لم تطهر من النفاس. كما صرح به الزهري فيما بعد ذلك. وهو مذهب
~~فقهاء الأمصار.
# وقال بعض المتقدمين: لا تحل من العدة حتى تطهر من النفاس. ولعل
# PageV02P194
# 321 - الحديث الثاني عن زينب بنت أم سلمة قالت «توفي
~~حميم لأم حبيبة، فدعت بصفرة، فمسحت بذراعيها، فقالت: إنما أصنع هذا؛ لأني
~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله
~~واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بعضهم أشار إلى تعلق في هذا بقوله " فلما تعلت من نفاسها " أي طهرت " قال
~~لها: قد حللت فانكحي من شئت " رتب الحل على التعلي فيكون علة له وهذا ضعيف
~~لتصريح هذه الرواية بأنه أفتاها بالحل بوضع الحمل. وهو أصرح من ذلك الترتيب
~~المذكور. يعني ترتيب الحل على التعلي.
# وربما استدل بهذا الحديث بعضهم على أن العدة تنقضي بوضع الحمل على أي وجه
~~كان - مضغة أو علقة، استبان فيه الخلق أم لا - من حيث إنه رتب الحل على وضع
~~الحمل من غير استفصال. وترك الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة العموم
~~في المقال وهذا ههنا ضعيف؛ ms465 لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق، ووضع المضغة
~~والعلقة نادر. وحمل الجواب على الغالب ظاهر. وإنما تقوى تلك القاعدة حيث لا
~~يترجح بعض الاحتمالات على بعض ويختلف الحكم باختلافها. وقول ابن شهاب: قد
~~قدمنا أنه قول فقهاء الأمصار. والمنقول عنه خلاف ذلك: وهو الشعبي والنخعي
~~وحماد.
### | [حديث لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث]
# الحميم: القرابة.
# " الإحداد " ترك الطيب والزينة. وهو الواجب على المتوفى عنها زوجها ولا
~~خلاف فيه في الجملة، وإن اختلفوا في التفصيل.
# وقوله " إلا على زوج " يقتضي الإحداد على كل زوج، سواء كان بعد الدخول أو
~~قبله
# PageV00P000
# 322 - الحديث الثالث: عن أم عطية - رضي الله عنها -:
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحد امرأة على الميت فوق
~~ثلاث، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب.
~~ولا تكتحل. ولا تمس طيبا، إلا إذا طهرت: نبذة من قسط أو أظفار» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله " لامرأة " عام في النساء. تدخل فيه الصغيرة والكبيرة والأمة. وفي
~~دخول الصغيرة تحت هذا اللفظ نظر. فإن وجب من غير دخوله تحت اللفظ فبدليل
~~آخر وأما الكتابية: فلا تدخل تحت اللفظ لقوله عليه الصلاة والسلام " لامرأة
~~تؤمن بالله واليوم الآخر " فمن ههنا خالف بعضهم في وجوب الإحداد على
~~الكتابية وأجاب غيره - ممن أوجب عليها الإحداد -: بأن هذا التخصيص له سبب.
~~والتخصيص إذا كان لفائدة أو سبب - غير اختلاف الحكم - لم يدل على اختلاف
~~الحكم. قال بعض المتأخرين، في السبب في ذلك: إن المسلمة هي التي تستثمر
~~خطاب الشارع، وتنتفع به، وتنقاد له فلهذا قيد به. وغير هذا أقوى منه. وهو
~~أن يكون ذكر هذا الوصف لتأكيد التحريم، لما يقتضيه سياقه ومفهومه، من أن
~~خلافه مناف للإيمان بالله واليوم الآخر. كما قال تعالى {وعلى الله فتوكلوا
~~إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] فإنه يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه
~~بالإيمان، وكما يقال: إن كنت ولدي فافعل كذا.
# وأصل لفظة " الإحداد " من ms466 معنى المنع ويقال: حدت تحد إحدادا وحدت تحد -
~~بفتح الحاء في الماضي من غير همز - وعن الأصبعي: أنه لم يجز إلا " أحدت "
~~رباعيا، والله أعلم.
### | 1 -
# وقد يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا إحداد على الأمة المستولدة، لتعليق الحكم
~~بالزوجية، وتخصيص منع الإحداد بمن توفي عنها زوجها. واقتضى مفهومه: أن لا
~~إحداد إلا لمن توفي عنها زوجها، والله أعلم.
### | [حديث لا تحد امرأة على الميت فوق ثلاث إلا على زوج]
# " العصب " ثياب من اليمن فيها بياض وسواد
# PageV00P000
# 323 - الحديث الرابع: عن أم سلمة - رضي الله عنها -
~~قالت «جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول
~~الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم -: لا - مرتين، أو ثلاثا - ثم قال: إنما هي أربعة
~~أشهر وعشر. وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول. فقالت
~~زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها: دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها، ولم
~~تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة - حمار أو طير أو شاة -
~~فتفتض به. فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي بها ثم
~~تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فيه دليل على منع المرأة المحد من الكحل. ومذهب الشافعي: أنها لا تكتحل
~~إلا ليلا عند الحاجة، بما لا طيب فيه. وجوزه بعضهم عند الحاجة، وإن كان فيه
~~طيب. وجوزه آخرون إذا خافت على عينها بكحل لا طيب فيه. والذين أجازوه:
~~حملوا النهي المطلق على حالة عدم الحاجة. والجواز على حالة الحاجة.
### | [منع المحدة من الثياب المصبغة للزينة]
# 1
# وفي الحديث: المنع من الثياب المصبغة للزينة، إلا ثوب العصب. واستثنى
~~بعضهم من المصبوغ الأسود؛ فرخص فيه. ونقل عن بعضهم: كراهة العصب، وعن بعضهم
~~المنع. والحديث حجة عليهم. وقد يؤخذ من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ،
~~وهي الثياب البيض. ومنع بعض المالكية المترفع منها الذي ms467 يتزين به وكذلك جيد
~~السواد.
# " والنبذة " بضم النون: القطعة والشيء اليسير و " القسط " بضم القاف، و "
~~الأظفار " نوعان من البخور. وقد رخص فيه في الغسل من الحيض في تطييب المحل،
~~وإزالة كراهته.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# " الحفش " البيت الصغير الحقير، و " تفتض " تدلك به جسدها.
# يجوز في قولها " اشتكت عينها " وجهان:
# أحدهما: ضم النون على الفاعلية، على أن تكون العين هي المشتكية.
# والثاني: فتحها ويكون المشتكي من " اشتكت " ضمير الفاعل وهي المرأة. وقد
~~رجح هذا. ووقع في بعض الروايات " عيناها ".
# وقولها " أفنكحلها " بضم الحاء. وقوله - عليه السلام - " لا " يقتضي
~~المنع من الكحل للحادة، وإطلاقه يقتضي: أن لا فرق بين حالة الحادة وغيرها،
~~إلا أنهم استثنوا حالة الحادة. وقد جاء في حديث آخر " تجعله بالليل وتمسحه
~~بالنهار " فحمل على حالة الحادة. وقيل: في قوله - عليه السلام - " لا "
~~وجهان:
# أحدهما: أنه نهي تنزيه.
# والثاني: أنه مؤول على أنه لم يتحقق الخوف على عينها.
# وقوله - عليه السلام - " إنما هي أربعة أشهر وعشر " تقليل للمدة، وتهوين
~~للصبر على ما منعت منه.
# وقوله - عليه السلام - " وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة عند رأس الحول "
~~قد فسر في الحديث. واختلفوا في وجه الإشارة، فقيل: إنها رمت بالعدة وخرجت
~~منها، كانفصالها من هذه البعرة ورميها بها. وقيل: هو إشارة إلى أن الذي
~~فعلته وصبرت عليه، من الاعتداد سنة، ولبسها شر ثيابها، ولزومها بيتا صغيرا:
~~هين بالنسبة إلى حق الزوج، وما يستحقه من المراعاة، كما يهون الرمي
~~بالبعرة.
# وقولها " دخلت حفشا " بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء وبالشين المعجمة:
~~أي بيتا صغيرا حقيرا قريب السمك.
# وقولها " ثم تؤتى بدابة: حمار، أو طير أو شاة " هو بدل من " دابة "
~~وقولها
# PageV02P198
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فتفتض به " بفتح ثالث الحروف وسكون الفاء، وآخره ضاد معجمة. قال ابن
~~قتيبة: سألت الحجازيين عن معنى الافتضاض؟ فذكروا: أن المعتدة كانت لا
~~تغتسل، ولا تمس ماء، ولا تقلم ظفرا. ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض،
~~أي تكسر ما ms468 هي فيه من العدة بطائر، تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش ما
~~تفتض به. وقال مالك: معناه تمسح به جلدها وقال ابن وهب: تمسح بيدها عليه أو
~~على ظهره وقيل: معناه تمسح به ثم تفتض، أي تغتسل و " الافتضاض " الاغتسال
~~بالماء العذب للإنقاء، وإزالة الوسخ، حتى تصير بيضاء نقية، كالفضة في
~~نقائها وبياضها. وقال الأخفش: معناه تتنظف وتتنقى من الدرن، تشبيها لها
~~بالفضة في نقائها وبياضها. وقيل: إن الشافعي روى هذه اللفظة بالقاف والصاد
~~المهملة والباء ثاني الحروف والمعروف: هو الأول.
# PageV02P199
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
~~" أن فلان بن فلان قال: «يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على
~~فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال:
~~فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال:
~~إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة
~~النور {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] فتلاهن عليه ووعظه وذكره. وأخبره
~~أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقال: لا، والذي بعثك بالحق، ما كذبت
~~عليها. ثم دعاها، فوعظها، وأخبرها: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
~~فقالت: لا، والذي بعثك بالحق، إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات
~~بالله: إنه لمن الصادقين. والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
~~ثم ثنى بالمرأة. فشهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، والخامسة: أن
~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما. ثم قال: إن الله يعلم
~~أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ - ثلاثا» .
# وفي لفظ «لا سبيل لك عليها قال: يا رسول الله، مالي؟ قال:
#
### | [إحكام الأحكام]
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
# PageV02P200
# لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من
~~فرجها وإن كنت كذبت فهو أبعد لك منها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب اللعان]
### | [حديث أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة ms469 كيف يصنع]
# " اللعان " لفظة مشتقة من " اللعن " سميت بذلك لما في اللفظ من ذكر
~~اللعنة. وقوله " أرأيت لو أن أحدنا " يحتمل أن يكون سؤالا عن أمر لم يقع،
~~فيؤخذ منه: جواز مثل ذلك، والاستعداد للوقائع بعلم أحكامها قبل أن تقع
~~وعليه استمر عمل الفقهاء فيما فرعوه، وقرروه من النازل قبل وقوعها. وقد كان
~~من السلف من يكره الحديث في الشيء قبل أن يقع، ويراه من ناحية التكلف.
# وقول الراوي " فلما كان بعد ذلك: أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد
~~ابتليت به " يحتمل وجهين:
# أحدهما: أن يكون السؤال عما لم يقع، ثم وقع.
# والثاني: أن يكون السؤال أولا عما وقع، وتأخر الأمر في جوابه، فبين
~~ضرورته إلى معرفة الحكم.
# والحديث يدل على أن سؤاله سبب نزول الآية وتلاوة النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - لها عليه: لتعريف الحكم والعمل بمقتضاها وموعظة النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -: قد ذكر الفقهاء استحبابها، عندما تريد المرأة أن تلفظ بالغضب.
# وظاهر هذه الرواية: أنه لا يختص بالمرأة فإنه ذكره فيها وفي الرجل فلعل
~~هذه موعظة عامة ولا شك أن الرجل متعرض للعذاب وهو حد القذف، كما أن المرأة
~~متعرضة للعذاب، الذي هو الرجم، إلا أن عذابها أشد.
# وظاهر لفظ الحديث والكتاب العزيز: يقتضي تعيين لفظ " الشهادة " وذلك
~~يقتضي أن لا تبدل بغيرها.
# PageV02P201
# 325 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - «أن رجلا رمى امرأته، وانتفى من ولدها في زمن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - فأمرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاعنا، كما قال
~~الله تعالى، ثم قضى بالولد
#
### | [إحكام الأحكام]
# والحديث يقتضي أيضا: البداءة بالرجل. وكذلك لفظ الكتاب العزيز لقوله
~~تعالى {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] فإن " الدرء " يقتضي وجوب سبب العذاب
~~عليها، وذلك بلعان الزوج واختصت المرأة بلفظ " الغضب " لعظم الذنب بالنسبة
~~إليها على تقدير وقوعه، لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من
~~الزوج به وذلك أمر عظيم، يترتب عليه مفاسد كثيرة، كانتشار ms470 المحرمية، وثبوت
~~الولاية على الإناث، واستحقاق الأموال بالتوارث. فلا جرم خصت بلفظة " الغضب
~~" التي هي أشد من " اللعنة " ولذلك قالوا: لو أبدلت المرأة الغضب باللعنة:
~~لم يكتف به. أما لو أبدل الرجل اللعنة بالغضب: فقد اختلفوا فيه. والأولى
~~اتباع النص.
# وفي الحديث: دليل على إجراء الأحكام على الظاهر، وعرض التوبة على
~~المذنبين وقد يؤخذ منه: أن الزوج لو رجع وأكذب نفسه: كان توبة، ويجوز أن
~~يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أرشد إلى التوبة فيما بينهما وبين الله.
# وقوله - عليه السلام - " لا سبيل لك عليها " يمكن أن يؤخذ منه: وقوع
~~التفريق بينهما باللعان لعموم قوله " لا سبيل لك عليها " ويحتمل أن يكون "
~~لا سبيل لك عليها " راجعا إلى المال.
# وقوله " إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللت من فرجها " دليل على استقرار
~~المهر بالدخول، وعلى استقرار مهر الملاعنة. أما هذا: فبالنص. وأما الأول:
~~فبتعليله - صلى الله عليه وسلم - وقوله " بما استحللت من فرجها " فيه دليل
~~على أنه لا يستقر ولو أكذبت نفسها، لوجود العلة المذكورة، والله أعلم.
# PageV00P000
# للمرأة، وفرق بين المتلاعنين» .
### | 326 -
# الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال «جاء رجل من بني فزارة
~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود. فقال
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هل لك إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال:
~~حمر قال: فهل يكون فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا. قال: فأنى أتاها ذلك؟
~~قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن رجلا رمى امرأته وانتفى من ولدها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم]
# هذه الرواية الثانية: فيها زيادة نفي الولد، وأنه يلتحق بالمرأة، ويرثها
~~بإرث البنوة منها. وتثبت أحكام البنوة بالنسبة إليها. ومفهومه: يقتضي
~~انقطاع النسب إلى الأب مطلقا. وقد ترددوا فيما لو كانت بنتا: هل يحل
~~للملاعن تزوجها؟ .
# وقوله " فتلاعنا كما قال الله تعالى ليس فيه ما يشعر بذكر ms471 نفي الولد في
~~لعانه، إلا بطريق الدلالة. فإن كتاب الله يقتضي: أن يشهد أنه لمن الصادقين
~~وذلك راجع إلى ما ادعاه. ودعواه قد اشتملت على نفي الولد.
# وقوله " وفرق بين المتلاعنين " يقتضي: أن اللعان موجب للفرقة ظاهرا.
### | [حديث إن امرأتي ولدت غلاما أسود]
# فيه ما يشعر بأن التعريض بنفي الولد لا يوجب حدا كما قيل وفيه نظر؛ لأنه
~~جاء على سبيل الاستفتاء. والضرورة داعية إلى ذكره، وإلى عدم ترتب الحد أو
~~التعزير على المستفتين. وفيه دليل على أن المخالفة في اللون بين الأب
~~والابن - بالبياض والسواد - لا تبيح الانتفاء. وقد ذكر النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - الحكم والتعليل وأجاز بعضهم في السواد الشديد مع البياض
~~الشديد. و " الورقة " لون يميل إلى الغبرة، كلون الرماد يسمى أورق. والجمع
~~" ورق " بضم الواو وسكون الراء
# PageV00P000
# 327 - الحديث الرابع: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت «اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: يا رسول الله
~~هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد
~~بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك
~~يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة فلم ير
~~سودة قط» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# واستدل به الأصوليون على العمل بالقياس. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم
~~- حصل منه التشبيه لولد هذا الرجل المخالف للونه بولد الإبل المخالف
~~لألوانها. وذكر العلة الجامعة وهي نزع العرق، إلا أنه تشبيه في أمر وجودي.
~~والذي حصلت المنازعة فيه: هو التشبيه في الأحكام الشرعية.
### | [حديث الولد للفراش وللعاهر الحجر]
# يقال " زمعة " بإسكان الميم وهو الأكثر ويقال " زمعة " بفتح الميم أيضا.
# والحديث أصل في إلحاق الولد صاحب الفراش. وإن طرأ عليه وطء محرم. وقد
~~استدل به بعض المالكية على قاعدة من قواعدهم، وأصل من أصول المذهب وهو ms472
~~الحكم بين حكمين، وذلك أن يكون الفرع يأخذ مشابهة من أصول متعددة فيعطى
~~أحكاما مختلفة ولا يمحض لأحد الأصول. وبيانه من الحديث: أن الفراش مقتض
~~لإلحاقه بزمعة والشبه البين مقتض لإلحاقه بعتبة فأعطي النسب بمقتضى الفراش.
~~وألحق بزمعة، وروعي أمر الشبه بأمر سودة بالاحتجاب منه. فأعطي الفرع حكما
~~بين حكمين فلم يمحض أمر الفراش فتثبت المحرمية بينه وبين سودة، ولا روعي
~~أمر الشبه مطلقا فيلتحق بعتبة
# PageV00P000
# 328 - الحديث الخامس: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~أنها قالت «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل علي مسرورا، تبرق
~~أسارير وجهه. فقال: ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن
~~زيد، فقال:
#
### | [إحكام الأحكام]
# قالوا: وهذا أولى التقديرات. فإن الفرع إذا دار بين أصلين، فألحق بأحدهما
~~مطلقا، فقد أبطل شبهه الثاني من كل وجه وكذلك إذا فعل بالثاني، ومحض إلحاقه
~~به: كان إبطالا لحكم شبهه بالأول فإذا ألحق بكل واحد منهما من وجه: كان
~~أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه.
# ويعترض على هذا بأن صورة النزاع: ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين،
~~يقتضي الشرع إلحاقه بكل واحد منهما، من حيث النظر إليه. وههنا لا يقتضي
~~الشرع إلا إلحاق هذا الولد بالفراش. والشبه ههنا غير مقتض للإلحاق شرعا
~~فيحمل قوله " واحتجبي منه يا سودة " على سبيل الاحتياط، والإرشاد إلى مصلحة
~~وجودية، لا على سبيل بيان وجوب حكم شرعي، ويؤكده: أنا لو وجدنا شبها في ولد
~~لغير صاحب الفراش لم يثبت لذلك حكما وليس في الاحتجاب ههنا إلا ترك أمر
~~مباح، على تقدير ثبوت المحرمية وهو قريب.
# وقوله - عليه السلام - " هو لك " أي أخ.
# وقوله - عليه السلام - «الولد للفراش» أي تابع للفراش أو محكوم به
~~للفراش، أو يقارب هذا.
# وقوله - عليه السلام - «وللعاهر الحجر» . قيل: إن معناه: أن له الخيبة
~~مما ادعاه وطلبه، كما يقال: لفلان التراب. وكما جاء في الحديث الصحيح " وإن
~~جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا " تعبيرا بذلك عن خيبته: ms473 وعدم استحقاقه
~~لثمن الكلب. وإنما لم يجروا اللفظ على ظاهره ويجعلوا الحجر " ههنا عبارة عن
~~الرجم المستحق في حق الزاني: لأنه ليس كل عاهر يستحق الرجم. وإنما يستحقه
~~المحصن فلا يجري لفظ " العاهر " على ظاهره في العموم؛ أما إذا حملناه على
~~ما ذكرنا " من الخيبة: كان ذلك عاما في حق كل زان. والأصل العمل بالعموم
~~فيما تقتضيه صيغته.
# PageV00P000
# إن بعض هذه الأقدام لمن بعض» وفي لفظ «كان مجزز
~~قائفا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [العمل بالقيافة]
# " أسارير وجهه " تعني الخطوط التي في الجبهة. واحدها سرر وسرر وجمعه
~~أسرار وجمع الجمع أسارير. وقال الأصمعي: الخطوط التي تكون في الكف مثلها
~~السرر - بفتح السين والراء - والسرر - بكسر السين. استدل به فقهاء الحجاز
~~ومن تبعهم على أصل من أصولهم وهو العمل بالقيافة، حيث يشتبه إلحاق الولد
~~بأحد الواطئين في طهر واحد، لا في كل الصور بل في بعضها.
# ووجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سر بذلك وقال الشافعي -
~~رحمه الله -: ولا يسر بباطل. وخالف أبو حنيفة وأصحابه، واعتذارهم عن
~~الحديث: أنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه، ولا هو وارد في محل النزاع. فإن
~~أسامة كان لاحقا بفراش زيد، من غير منازع له فيه، وإنما كان الكفار يطعنون
~~في نسبه للتباين بين لونه ولون أبيه في السواد والبياض، فلما غطيا رءوسهما
~~وبدت أقدامهما، وألحق مجزز أسامة بزيد: كان ذلك إبطالا لطعن الكفار بسبب
~~اعترافهم بحكم القيافة " وإبطال طعنهم حق. فلم يسر النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - إلا بحق.
# والأولون يجيبون: بأنه - وإن كان ذلك واردا في صورة خاصة - إلا أن له جهة
~~عامة وهي دلالة الأشباه على الأنساب. فنأخذ هذه الجهة من الحديث ونعمل بها.
# واختلف مذهب الشافعي في أن القيافة: هل تختص ببني مدلج، أم لا؟ من حيث إن
~~المعتبر في ذلك الأشباه، وذلك غير خاص بهم، أو يقال: إن لهم في ذلك قوة
~~ليست لغيرهم ومحل النص إذا اختص بوصف يمكن اعتباره لم يمكن إلغاؤه "،
~~لاحتمال أن يكون ms474 مقصودا للشارع.
# PageV02P206
# 329 - الحديث السادس: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله
~~عنه - قال «ذكر العزل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: ولم يفعل
~~ذلك أحدكم؟ - ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله
~~خالقها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# و " مجزز " بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي المشددة المعجمة وبعدها زاي
~~معجمة.
# واختلف مذهب الشافعي أيضا في أنه هل يعتبر العدد في القائف أم يكفي
~~القائف الواحد؟ فإن مجززا انفرد بهذه القيافة، ولا يرد على هذا؛ لأنه ليس
~~من محال الخلاف، وإذا أخذ من هذا الحديث الاكتفاء بالقائف الواحد، فليس من
~~محال الخلاف، كما قدمنا.
# وقوله " آنفا " أي في الزمن القريب من القول، وقد ترك في هذه الرواية ذكر
~~تغطية أسامة وزيد رءوسهما وظهور أقدامهما وهي زيادة مفيدة جدا لما فيها من
~~الدلالة على صدق القيافة وكان يقال: إن من علوم العرب ثلاثة: السيافة،
~~والعيافة، والقيافة. فأما السيافة: فهي شم تراب الأرض ليعلم بها الاستقامة
~~على الطريق، أو الخروج منها قال المعري:
# أودي فليت الحادثات كفاف ... مال المسيف وعنبر المستاف
# و " المستاف " هو هذا القاص، وأما العيافة: فهي زجر الطير، والطيرة
~~والتفاؤل بهما، وما قارب ذلك وأما السانح والبارح: ففي الوحش، وفي الحديث "
~~العيافة والطرق: من الجبت " وهو الرمي بالحصا، وأما القيافة: فهي ما نحن
~~فيه، وهو اعتبار الأشباه لإلحاق الأنساب.
### | [حديث ذكر العزل لرسول الله فقال ولم يفعل ذلك أحدكم]
# اختلف الفقهاء في حكم العزل فأباحه بعضهم مطلقا وقيل: فيه: إذا جاز ترك
~~أصل الوطء جاز ترك الإنزال ورجح هذا بعض أصحاب الشافعي. ومن
# PageV00P000
# 330 - الحديث السابع: عن جابر بن عبد الله - رضي الله
~~عنهما - قال «كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه
~~القرآن» .
### | 331 -
# الحديث الثامن: عن أبي ذر - رضي الله عنه -: أنه سمع رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - يقول «ليس من رجل ادعى لغير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر.
~~ومن ادعى ما ليس له: فليس ms475 منا، وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلا
~~بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الفقهاء من كرهه في الحرة إلا بإذنها، وفي الزوجة الأمة إلا بإذن السيد،
~~لحقهما في الولد ولم يكرهه في السراري لما في ذلك - أعني الإنزال - من
~~التعرض لإتلاف المالية، وهذا مذهب المالكية.
# وفي الحديث إشارة إلى إلحاق الولد، وإن وقع العزل، وهو مذهب أكثر
~~الفقهاء.
# يستدل به من يجيز العزل مطلقا، واستدل جابر بالتقرير من الله - تعالى -
~~على ذلك وهو استدلال غريب، وكان يحتمل أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول -
~~صلى الله عليه وسلم - لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلا
~~الاستدلال بتقرير الله - تعالى -.
### | [حديث ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر]
# كذا عند مسلم وللبخاري نحوه. يدل على تحريم الانتفاء من النسب المعروف،
~~والاعتزاء إلى نسب غيره، ولا شك أن ذلك كبيرة، لما يتعلق به من المفاسد
~~العظيمة، وقد نبهنا على بعضها
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فيما مضى، وشرط الرسول - صلى الله عليه وسلم - العلم؛ لأن الأنساب قد
~~تتراخى فيها مدد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها، وقد يقع اختلال
~~في النسب في الباطن من جهة النساء، ولا يشعر به. فشرط العلم لذلك.
# وقوله " إلا كفر " متروك الظاهر عند الجمهور فيحتاجون إلى تأويله، وقد
~~يؤول بكفر النعمة، أو بأنه أطلق عليه " كفر " لأنه قارب الكفر، لعظم الذنب
~~فيه، تسمية للشيء باسم ما قاربه، أو يقال: بتأويله على فاعل ذلك مستحلا له.
### | 1 -
# وقوله: - عليه السلام - " من ادعى ما ليس له " يدخل فيه الدعاوى الباطلة
~~كلها ومنها: دعوى المال بغير حق وقد جعل الوعيد عليه بالنار
# ؛ لأنه لما قال " فليتبوأ مقعده من النار " اقتضى ذلك تعيين دخوله النار؛
~~لأن التخيير في الأوصاف فقط يشعر بثبوت الأصل.
# وأقول: إن هذا الحديث يدخل تحته ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوى، من نصب
~~مسخر يدعي في بعض الصور، حفظا لرسم الدعوى والجواب، وهذا ms476 المسخر يدعي ما
~~يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يقيمه عالم بذلك أيضا وليس حفظ هذه القوانين
~~من المنصوصات في الشرع، حتى يخص بها هذا العموم، والمقصود الأكبر في القضاء
~~إيصال الحق إلى مستحقه، فانخرام هذه المراسم الحكمية، مع تحصيل مقصود
~~القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها - أولى من مخالفة هذا الحديث
~~والدخول تحت الوعيد العظيم الذي دل عليه وهذه طريقة أصحاب مالك
# أعني عدم التشديد في هذه المراسيم.
# وقوله - عليه السلام - " فليس منا " أخف مما مضى فيمن ادعى إلى غير أبيه؛
~~لأنه أخف في المفسدة من الأولى، إذا كانت الدعوى بالنسبة إلى المال، وليس
~~في اللفظ ما يقتضي الزيادة على الدعوى بأخذ المال المدعى به مثلا، وقد يدخل
~~تحت هذا اللفظ الدعاوى الباطلة في العلوم إذا ترتبت عليها مفاسد.
# وقوله " فليس منا " قد تأوله بعض المتقدمين في غير هذا الموضع، بأن قال:
~~ليس مثلنا، فرارا من القول بكفره، وهذا كما يقول الأب لولده - إذا أنكر منه
~~أخلاقا أو أعمالا -: لست مني، وكأنه من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته، فإن
~~المطلوب أن يكون الابن مساويا للأب فيما يريده من الأخلاق الجميلة فلما
# PageV02P209
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# انتفت هذه الثمرة نفيت البنوة مبالغة.
### | [من وصف غيره بالكفر]
# 1
# وأما من وصف غيره بالكفر فقد رتب عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -
~~قوله " حار عليه " بالحاء المهملة: أي رجع قال الله - تعالى -: {إنه ظن أن
~~لن يحور} [الانشقاق: 14] أي يرجع حيا، وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدا من
~~المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن
~~المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث، لما اختلفوا في العقائد فغلظوا على
~~مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية، وهذا
~~الوعيد لاحق بهم إذا لم يكن خصومهم كذلك.
# وقد اختلف الناس في التكفير وسببه، حتى صنف فيه مفردا، والذي يرجع إليه
~~النظر في هذا: أن مآل المذهب: هل هو مذهب أو لا؟ فمن أكفر ms477 المبتدعة قال: إن
~~مآل المذهب مذهب فيقول: المجسمة كفار؛ لأنهم عبدوا جسما، وهو غير الله
~~تعالى، فهم عابدون لغير الله، ومن عبد غير الله كفر، ويقول: المعتزلة كفار؛
~~لأنهم - وإن اعترفوا بأحكام الصفات - فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار
~~الصفات إنكار أحكامها، ومن أنكر أحكامها فهو كافر. وكذلك المعتزلة تنسب
~~الكفر إلى غيرها بطريق المآل.
# والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن
~~صاحبها، فإنه حينئذ يكون مكذبا للشرع، وليس مخالفة القواطع مأخذا للتكفير
~~وإنما مأخذه مخالفة القواعد السمعية القطعية طريقا ودلالة.
# وعبر بعض أصحاب الأصول عن هذا بما معناه: إن من أنكر طريق إثبات الشرع لم
~~يكفر، كمن أنكر الإجماع، ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر؛ لأنه
~~مكذب. وقد نقل عن بعض المتكلمين أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني، وربما خفي
~~سبب هذا القول على بعض الناس، وحمله على غير محمله الصحيح، والذي ينبغي أن
~~يحمل عليه: أنه قد لمح هذا الحديث الذي يقتضي أن من دعا رجلا بالكفر - وليس
~~كذلك - رجع عليه الكفر، وكذلك قال - عليه السلام - «من قال لأخيه: كافر:
~~فقد باء بها أحدهما» وكأن هذا المتكلم يقول: الحديث
# PageV02P210
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين: إما المكفر، أو المكفر فإذا أكفرني
~~بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا، وأنا قاطع بأني لست بكافر فالكفر راجع إليه.
# PageV02P211
# 332 - الحديث الأول: عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
~~قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بنت حمزة لا تحل لي، يحرم
~~من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة» (1)
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الرضاع]
### | [حديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب]
# صريحه: يدل على أن بنت الأخ من الرضاعة حرام، وقوله - عليه السلام - "
~~يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " الحرام من النسب سبع: الأمهات، والبنات،
~~والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت فيحرمن بالرضاع كما
~~يحرمن ms478 من النسب، فأمك كل من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدتك
~~بواسطة أو بغير واسطة، وكذلك كل امرأة ولدت المرضعة والفحل وكل امرأة أرضعت
~~بلبنك، أو أرضعتها امرأة ولدتها، أو أرضعت بلبن من ولدته فهي بنتك. وكذلك
~~بناتها من النسب والرضاع وكل امرأة أرضعتها أمك، أو أرضعت بلبن أبيك فهي
~~أختك، وكذلك كل امرأة ولدتها المرضعة أو الفحل، فأخوات الفحل والمرضعة،
~~وأخوات من ولدتهما من النسب والرضاع عماتك وخالاتك، وكذلك كل امرأة أرضعتها
~~واحدة من جداتك، أو أرضعت بلبن واحد من أجدادك من النسب أو الرضاع. وبنات
~~أولاد المرضعة، والفحل في الرضاع والنسب: بنات أخيك وأختك، وكذلك كل أنثى
~~أرضعتها
# PageV00P000
# 333 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -
~~قالت: قال
#
### | [إحكام الأحكام]
# أختك أو أرضعت بلبن أختك. وبناتها وبنات أولادها من الرضاع والنسب: بنات
~~أختك، وبنات كل ذكر أرضعته أمك أو أرضع بلبن أخيك، أو أختك، وبنات أولادهن
~~من الرضاع والنسب: بنات أخيك وبنات كل امرأة أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن
~~أبيك، وبنات أولادها من النسب والرضاع أو أختك.
# وقد استثنى الفقهاء من هذا العموم - أعني قوله - عليه السلام - «يحرم من
~~الرضاع ما يحرم من النسب» - أربع نسوة يحرمن من النسب ولا يحرمن من الرضاع
~~الأولى: أم أخيك، وأم أختك من النسب: هي أمك، أو زوجة أبيك، وكلاهما حرام
~~ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك: لم تحرم. الثانية: أم نافلتك: أم بنتك، أو
~~زوجة ابنك. وهما حرام، وفي الرضاع قد لا تكون بنتا ولا زوجة ابن، بأن ترضع
~~أجنبية نافلتك.
# الثالثة: جدة ولدك من النسب: إما أمك، أو أم زوجتك، وفي الرضاعة قد لا
~~تكون أما ولا أم زوجة، كما إذا أرضعت أجنبية ولدك فأمها جدة ولدك، وليست
~~بأمك، ولا أم زوجتك. الرابعة: أخت ولدك من النسب: حرام؛ لأنها إما بنتك أو
~~ربيبتك، ولو أرضعت أجنبية ولدك، فبنتها أخت ولدك، وليست ببنت ولا ربيبة.
~~فهذه الأربع مستثنيات من عموم قولنا «يحرم من الرضاع ms479 ما يحرم من النسب» .
# وأما أخت الأخ: فلا تحرم من النسب، ولا من الرضاع، وصورته: أن يكون لك أخ
~~من أب وأخت من أم، فيجوز لأخيك من الأب نكاح أختك من الأم، وهي أخت أخيه.
~~وصورته من الرضاع: امرأة أرضعتك وأرضعت صغيرة أجنبية منك، يجوز لأخيك
~~نكاحها، وهي أختك وفي معنى هذا الحديث: حديث عائشة الذي بعده، وهو قوله -
~~عليه السلام - «إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة» وهو
# PageV00P000
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الرضاعة تحرم
~~ما يحرم من الولادة» 334 - وعنها قالت «إن أفلح - أخا أبي القعيس - استأذن
~~علي بعدما أنزل الحجاب؟ فقلت: والله لا آذن له، حتى أستأذن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - فإن أخا أبي القعيس: ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة
~~أبي القعيس، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول
~~الله: إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته. فقال: ائذني له، فإنه
~~عمك، تربت يمينك» . قال عروة " فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما
~~يحرم من النسب " 335 - وفي لفظ «استأذن علي أفلح، فلم آذن له. فقال:
~~أتحتجبين مني، وأنا عمك؟ فقلت: كيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي،
~~قالت: فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: صدق أفلح، ائذني له،
~~تربت يمينك» أي افتقرت، والعرب تدعوا على الرجل، ولا تريد وقوع الأمر به.
### | 336 -
# وعنها - رضي الله عنها - قالت «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~وعندي رجل، فقال: يا عائشة، من هذا قلت: أخي من الرضاعة.
#
### | [إحكام الأحكام]
# PageV00P000
# فقال: يا عائشة: انظرن من إخوانكن؟ فإنما الرضاعة من
~~المجاعة» .
### | 337 -
# الحديث الثالث: «عن عقبة بن الحارث - رضي الله عنه - أنه تزوج أم يحيى
~~بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي - صلى
~~الله عليه وسلم - قال: فأعرض عني. قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له. قال: كيف؟
~~وقد زعمت أن قد أرضعتكما» .
### | 338 -
# الحديث الرابع: عن البراء ms480 بن عازب - رضي الله عنه - قال «خرج رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - يعني من مكة - فتبعتهم ابنة حمزة، تنادي: يا
#
### | [إحكام الأحكام]
# انظرن من إخوانكن " نوع من التعريض، لخشية أن تكون رضاعة ذلك الشخص وقعت
~~في حال الكبر، وفيه دليل على أن كلمة " إنما " للحصر؛ لأن المقصود حصر
~~الرضاعة المحرمة في المجاعة، لا مجرد إثبات الرضاعة في زمن المجاعة.
### | [حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب]
# من الناس من قال: إنه تقبل شهادة المرضعة وحدها في الرضاع، أخذا بظاهر
~~هذا الحديث، ولا بد فيه مع ذلك أيضا - إذا أجريناه على ظاهره - من قبول
~~شهادة الأمة، ومنهم من لم يقبل ذلك، وحمل هذا الحديث على الورع ويشعر به
~~قوله - عليه السلام - " كيف وقد قيل؟ " والورع في مثل هذا متأكد. " وعقبة
~~بن الحارث " هو أبو سروعة - بكسر السين المهملة وسكون الراء وفتح الواو
~~والعين المهملة - والله أعلم.
# PageV00P000
# عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة
~~عمك، فاحتملتها. فاختصم فيها علي وجعفر وزيد فقال علي: أنا أحق بها، وهي
~~ابنة عمي وقال جعفر ابنة عمي، وخالتها تحتي وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم. وقال
~~لعلي: أنت مني، وأنا منك وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي وقال لزيد: أنت
~~أخونا ومولانا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث خرج رسول الله من مكة فتبعتهم ابنة حمزة تنادي يا عم]
# الحديث أصل في باب الحضانة، وصريح في أن الخالة فيها كالأم، عند عدم
~~الأم. وقوله - عليه السلام - «الخالة بمنزلة الأم» سياق الحديث يدل على
~~أنها بمنزلتها في الحضانة وقد يستدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها
~~منزلة الأم في الميراث، إلا أن الأول أقوى. فإن السياق طريق إلى بيان
~~المجملات، وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه وفهم ذلك -
~~قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه ولم أر من تعرض لها في أصول الفقه بالكلام
~~عليها وتقرير قاعدتها ms481 مطولة إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم وهي
~~قاعدة متعينة على الناظر، وإن كانت ذات شغب على المناظر.
# والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء الجماعة من الكلام
~~المطيب لقلوبهم: من حسن أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - ولعلك تقول: أما ما
~~ذكره لعلي وزيد: فقد ظهرت مناسبته؛ لأن حرمانهما من مرادهما مناسب لجبرهما
~~بذكر ما يطيب قلوبهم وأما جعفر: فإنه حصل له مراده من أخذ الصبية، فكيف
~~ناسب ذلك جبره بما قيل له؟ فيجاب عن ذلك: بأن الصبية استحقتها الخالة
~~والحكم بها لجعفر بسبب الخالة لا بسبب نفسه، فهو في الحقيقة غير محكوم له
~~بصفته فناسب ذلك جبره بما قيل له.
# PageV02P216
# الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن
~~لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس
~~بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب القصاص]
### | [حديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث]
# وهؤلاء الثلاثة مباحو الدم بالنص. وقوله - عليه السلام - " يشهد أن لا
~~إله إلا الله وأني رسول الله " كالتفسير لقوله " مسلم " وكذلك " المفارق
~~للجماعة " كالتفسير لقوله " التارك لدينه " والمراد بالجماعة: جماعة
~~المسلمين، وإنما فراقهم بالردة عن الدين وهو سبب لإباحة دمه بالإجماع في حق
~~الرجل، واختلف الفقهاء في المرأة: هل تقتل بالردة، أم لا؟ ومذهب أبي حنيفة:
~~لا تقتل ومذهب غيره: تقتل وقد يؤخذ من قوله " المفارق للجماعة " بمعنى
~~المخالف لأهل الإجماع فيكون متمسكا لمن يقول: مخالف الإجماع كافر وقد نسب
~~ذلك لبعض الناس وليس ذلك بالهين، وقد قدمنا الطريق في التكفير فالمسائل
~~الإجماعية: تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع، كوجوب الصلاة مثلا،
~~وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول: يكفر جاحده،
# PageV02P217
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# لمخالفته المتواتر، لا لمخالفته الإجماع.
# والقسم الثاني: لا يكفر به وقد وقع في هذا المكان من يدعي الحذق في
~~المعقولات، ms482 ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالفة في حدوث العالم من قبيل
~~مخالفة الإجماع. وأخذ من قوله من قال " إنه لا يكفر مخالف الإجماع ": أن لا
~~يكفر هذا المخالف في هذه المسألة وهذا كلام ساقط بالمرة، إما عن عمى في
~~البصيرة، أو تعام؛ لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر
~~بالنقل عن صاحب الشريعة. فيكفر المخالف بسبب مخالفته النقل المتواتر لا
~~بسبب مخالفته الإجماع.
# وقد استدل بهذا الحديث على أن تارك الصلاة لا يقتل بتركها، فإن ترك
~~الصلاة ليس من هذه الأسباب - أعني: زنا المحصن، وقتل النفس، والردة - وقد
~~حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إباحة الدم في هذه الثلاثة بلفظ النفي
~~العام، والاستثناء منه لهذه الثلاثة وبذلك استدل شيخ والدي الإمام الحافظ
~~أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في أبياته التي نظمها في حكم تارك الصلاة.
~~أنشدنا الفقيه المفتي أبو موسى هارون بن عبد الله المهراني قديما، قال
~~أنشدنا الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي لنفسه:
# خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معادا صالحا ومآبا
# إن كان يجحدها فحسبك أنه ... أمسى بربك كافرا مرتابا
# أو كان يتركها لنوع تكاسل ... غطى على وجه الصواب حجابا
# فالشافعي ومالك رأيا له ... إن لم يتب حد الحسام عقابا
# وأبو حنيفة قال يترك مرة ... هملا ويحبس مرة إيجابا
# والظاهر المشهور من أقواله ... تعزيره زجرا له وعقابا
# PageV02P218
# (1) .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إلى أن قال:
# والرأي عندي أن يؤدبه الإما ... م بكل تأديب يراه صوابا
# ويكف عنه القتل طول حياته ... حتى يلاقي في المآب حسابا
# فالأصل عصمته إلى أن يمتطي ... إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا
# الكفر أو قتل المكافي عامدا ... أو محصن طلب الزنا فأصابا
# فهذا من المنسوبين إلى أتباع مالك، اختار خلاف مذهبه في ترك قتله. وإمام
~~الحرمين - أبو المعالي الجويني - استشكل قتله في مذهب الشافعي أيضا. وجاء
~~بعض المتأخرين ممن أدركنا زمنه فأراد أن يزيل الإشكال. فاستدل بقوله - عليه
~~السلام - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا ms483 إله إلا الله، وأني رسول
~~الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» ووجه الدلالة منه: أنه وقف العصمة على
~~مجموع الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والمرتب على أشياء لا يحصل
~~إلا بحصول مجموعها وينتفي بانتفاء بعضها. وهذا إن قصد به الاستدلال
~~بالمنطوق - وهو قوله - عليه السلام - " أمرت أن أقاتل الناس حتى إلخ " فإنه
~~يقتضي بمنطوقه: الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد وهل وسها؛ لأنه فرق بين
~~المقاتلة على الشيء والقتل عليه فإن " المقاتلة " مفاعلة، تقتضي الحصول من
~~الجانبين ولا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إذا قوتل عليها - إباحة
~~القتل عليها من الممتنع عن فعلها إذا لم يقاتل، ولا إشكال بأن قوما لو
~~تركوا الصلاة ونصبوا القتال عليها: أنهم يقاتلون. إنما النظر والخلاف: فيما
~~إذا تركوا إنسانا من غير نصب قتال: هل يقتل أم لا؟ فتأمل الفرق بين
~~المقاتلة على الصلاة والقتل عليها، وأنه لا يلزم من إباحة المقاتلة عليها
~~إباحة القتل عليها، وإن كان أخذ هذا من لفظ آخر الحديث وهو ترتيب العصمة
~~على فعل ذلك: فإنه يدل بمفهومه على أنها لا تترتب بفعل بعضه: هان الخطب؛
~~لأنها دلالة مفهوم والخلاف فيها معروف مشهور وبعض من ينازعه في هذه المسألة
~~لا يقول
# PageV02P219
# 340 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن مسعود - رضي
~~الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أول ما يقضى بين
~~الناس يوم القيامة في الدماء» .
### | 341 -
# الحديث الثالث: عن سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه - قال «انطلق عبد الله
~~بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى
~~عبد الله بن سهل - وهو يتشحط في دمه قتيلا - فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق
~~عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كبر،
~~كبر - وهو أحدث القوم - فسكت فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو
#
### | [إحكام الأحكام]
# بدلالة المفهوم، ولو قال بها فقد ms484 رجح عليها دلالة المنطوق في هذا الحديث.
### | [حديث أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء]
# هذا تعظيم لأمر الدماء.
# فإن البداءة تكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوب تعظم بحسب
~~عظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها وهدم
~~البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله -
~~تعالى - أعظم منه، ثم يحتمل من حيث اللفظ أن تكون هذه الأولية مخصوصة بما
~~يقع فيه الحكم بين الناس، ويحتمل أن تكون عامة في أولية ما يقضى فيه مطلقا،
~~ومما يقوي الأول: ما جاء في الحديث «إن أول ما يحاسب به العبد صلاته» .
# PageV00P000
# صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد، ولم نر؟ قال:
~~فتبرئكم يهود بخمسين يمينا قالوا: كيف بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - من عنده. وفي حديث حماد بن زيد فقال رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -: يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته، قالوا: أمر لم
~~نشهده كيف نحلف؟ قالوا: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ قالوا: يا رسول
~~الله، قوم كفار وفي حديث سعيد بن عبيد فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~- أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر]
# فيه مسائل، الأولى: " حثمة " بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة، و
~~" حويصة " بضم الحاء المهملة وسكون الياء، وقد تشدد مكسورة، و " محيصة "
~~بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء وقد تشدد.
# الثانية: هذا الحديث أصل في القسامة وأحكامها، و " القسامة " بفتح القاف:
~~هي اليمين التي يحلف بها المدعي للدم عند اللوث. وقيل: إنها في
# PageV02P221
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# اللغة اسم للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم.
# وموضع جريان القسامة: أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله، ولا تقوم عليه بينة
~~ويدعي ولي القتيل قتله على واحد أو جماعة، ويقترن بالحال: ما يشعر بصدق
~~الولي، على تفصيل في الشروط ms485 عند الفقهاء أو بعضهم، ويقال له " اللوث "
~~فيحلف على ما يدعيه.
# الثالثة: قد ذكرنا " اللوث " ومعناه، وفرع الفقهاء له صورا: منها: وجدان
~~القتيل في محلة، أو قرية بينه وبين أهلها عداوة ظاهرة ووصف بعضهم القرية
~~ههنا: بأن تكون صغيرة. واشترط: أن لا يكون معهم ساكن من غيرهم، لاحتمال أن
~~القتل من غيرهم حينئذ. الرابعة: في الحديث " وهو يتشحط في دمه قتيلا " وذلك
~~يقتضي وجود الدم صريحا، والجراحة ظاهرة. ولم يشترط الشافعية في اللوث " لا
~~جراحة ولا دما، وعن أبي حنيفة: أنه إن لم تكن جراحة ولا دم فلا قسامة، وإن
~~وجدت الجراحة ثبتت القسامة، وإن وجد الدم دون الجراحة، فإن خرج من أنفه فلا
~~قسامة، وإن خرج من الفم، أو الأذن ثبتت القسامة هكذا حكى واستدل الشافعية
~~بأن القتل قد يحصل بالخنق وعصر الخصية، والقبض على مجرى النفس فيقوم أثرهما
~~مقام الجراحة. الخامسة: " عبد الرحمن بن سهل " هو أخو القتيل، " ومحيصة
~~وحويصة " ابنا مسعود: ابنا عمه وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكبر
~~بقوله " كبر كبر " فيقال في هذا: إن الحق لعبد الرحمن لقربه والدعوى له،
~~فكيف عدل عنه؟ وقد يجاب عن هذا: بأن الكلام ليس هو حقيقة الدعوى التي يترتب
~~عليها الحكم، بل هو كلام لشرح الواقعة، وتبيين حالها، أو يقال: إن عبد
~~الرحمن يفوض الكلام والدعوى إلى من هو أكبر منه.
# السادسة: مذهب أهل الحجاز، أن المدعي في محل القسامة يبدأ به في اليمين،
~~كما اقتضاه الحديث، ونقل عن أبي حنيفة خلافه وكأنه قدم المدعي ههنا - على
~~خلاف قياس الخصومات - بما انضاف إلى دعواه من شهادة اللوث، مع عظم قدر
~~الدماء، ولينبه على أنه ليس كل واحد من هذين المعنيين بعلة مستقلة بل ينبغي
~~أن يجعل كل واحد جزء علة.
### | [مسألة اليمين المستحقة في القسامة]
# 1
# PageV02P222
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# السابعة: اليمين المستحقة في القسامة: خمسون يمينا وتكلم الفقهاء في علة
~~تعدد اليمين في جانب المدعي فقيل: لأن تصديقه على خلاف الظاهر، فأكد
~~بالعدد، وقيل: ms486 سببه تعظيم شأن الدم، وبني على العلتين: ما إذا كانت الدعوى
~~في غير محل اللوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه ففي تعددها خمسين: قولان
~~للشافعي.
### | [مسألة المدعي في محل القسامة إذا نكل]
# 1
# الثامنة: قوله - عليه السلام - «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا» فيه دليل على
~~أن المدعي في محل القسامة إذا نكل: أنه تغلظ اليمين بالتعداد على المدعى
~~عليه. وفي هذه المسألة طريقان إحداهما: إجراء قولين فإن نكوله يبطل اللوث،
~~فكأن لا لوث.
# والثانية: - وهي الأصح -: القطع بالتعدد للحديث فإنه جعل أيمان المدعى
~~عليهم كأيمان المدعين. .
### | [مسألة القتل بالقسامة]
# التاسعة: قوله " تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم " وفي رواية " دم صاحبكم "
~~يستدل به من يرى القتل بالقسامة، وهو مذهب مالك وللشافعي قولان، إذا وجد ما
~~يقتضي القصاص في الدعوى، والمكافأة في القتل:
# أحدهما: كمذهب مالك، وهو قديم قوليه، تشبيها لهذه اليمين المردودة.
# والثاني: وهو جديد قوليه - أن لا يتعلق بها قصاص، واستدل له من الحديث
~~بقوله - عليه السلام - «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب» فإنه يدل
~~على أن المستحق دية لا قود؛ ولأنه لم يتعرض للقصاص، والاستدلال بالرواية
~~التي فيها " فيدفع برمته " أقوى من الاستدلال بقوله - عليه السلام - "
~~فتستحقون دم صاحبكم "؛ لأن قولنا " يدفع برمته " يستعمل في دفع القاتل
~~للأولياء للقتل. ولو أن الواجب الدية لتبعد استعمال هذا اللفظ فيها، وهو في
~~استعماله في تسليم القاتل أظهر، والاستدلال بقوله " دم صاحبكم " أظهر من
~~الاستدلال بقوله " فتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم "؛ لأن هذا اللفظ الأخير لا
~~بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يضمر " دية صاحبكم " احتمالا ظاهرا وأما بعد
~~التصريح بالدم: فتحتاج إلى
# PageV02P223
#
### | [مسألة موضع جريان القسامة]
#
### | [إحكام الأحكام]
# تأويل اللفظ بإضمار " بدل صاحبكم " والإضمار على خلاف الأصل، ولو احتيج
~~إلى إضمار لكان حمله على ما يقتضي إراقة الدم أقرب، والمسألة مستشنعة عند
~~المخالفين لهذا المذهب أو بعضهم فربما أشار بعضهم إلى احتمال أن يكون " دم
~~صاحبكم " هو القتيل، لا القاتل، ويردده قوله " دم صاحبكم أو قاتلكم ".
# العاشرة: ms487 لا يقتل بالقسامة عند مالك إلا واحد، خلافا للمغيرة بن عبد
~~الرحمن من أصحابه، وقد يستدل لمالك بقوله - عليه السلام - «يقسم خمسون منكم
~~على رجل منهم، فيدفع برمته» فإنه لو قتل أكثر من واحد، لم يتعين أن يقسم
~~على واحد منهم. الحادية عشرة: قوله " برمته " مضموم الراء المهملة مشدد
~~الميم المفتوحة، وهو مفسر بإسلامه للقتل، وفي أصله في اللغة قولان أحدهم:
~~إن " الرمة " حبل يكون في عنق البعير، فإذا قيد أعطي به.
# والثاني: إنه حبل يكون في عنق الأسير، فإذا أسلم للقتل سلم به.
### | [مسألة تعدد المدعون في محل القسامة]
# 1
# الثانية عشرة: إذا تعدد المدعون في محل القسامة، ففي كيفية أيمانهم قولان
~~للشافعي:
# أحدهما: أن كل واحد يحلف خمسين يمينا.
# الثاني: أن الجميع يحلفون خمسين يمينا، وتوزع الأيمان عليهم، وإن وقع كسر
~~تمم، فلو كان الوارث اثنين مثلا، حلف كل واحد خمسة وعشرين يمينا، وإن اقتضى
~~التوزيع كسرا في صورة أخرى - كما إذا كانوا ثلاثة - كملنا الكسر، فحلف سبعة
~~عشر يمينا.
# الثالثة عشرة: قوله - عليه السلام - " يحلف خمسون منكم " قد يؤخذ منه
~~مسألة ما إذا كانوا أكثر من خمسين. .
### | [مسألة هل تجري القسامة في بدل العبد]
# 1
# الرابعة عشرة: الحديث ورد بالقسامة في قتيل حر، وهل تجري القسامة في بدل
~~العبد؟ فيه قولان للشافعي وكأن منشأ الخلاف: أن هذا الوصف - أعني الحرية -
~~هل له مدخل في الباب، أو اعتبار، أم لا؟ فمن اعتبره يجعله جزءا من العلة،
~~إظهارا لشرف الحرية، ومن لم يعتبره، قال: إن السبب في القسامة: إظهار
~~الاحتياط في الدماء والصيانة من إضاعتها.
# PageV02P224
# 342 - الحديث الرابع: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه
~~- «أن جارية وجد رأسها مرضوضا بين حجرين، فقيل من فعل هذا بك: فلان، فلان؟
~~حتى ذكر يهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فاعترف، فأمر النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - أن يرض رأسه بين حجرين» .
### | 343 -
# ولمسلم والنسائي عن أنس «أن يهوديا قتل جارية على أوضاح، فأقاده رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -» .
# ms488
### | [إحكام الأحكام]
# وهذا القدر شامل لدم الحر ودم العبد، وألغي وصف " الحرية " بالنسبة إلى
~~هذا المقصود، وهو جيد. .
### | [مسألة هل تجرى القسامة في الأطراف والجراح]
# الخامسة عشرة: الحديث وارد في قتل النفس، وهل يجري مجراه ما دونها من
~~الأطراف والجراح؟ مذهب مالك: لا، وفي مذهب الشافعي قولان، ومنشأ الخلاف
~~فيها أيضا: ما ذكرناه من أن هذا الوصف - أعني كونه نفسا - هل له أثر أو لا؟
~~وكون هذا الحكم على خلاف القياس مما يقوي الاقتصار على مورده. .
### | [مسألة يمين المشرك مسموعة على المسلمين]
# 1
# السادسة عشرة: قيل فيه: إن الحكم بين المسلم والذمي كالحكم بين المسلمين
~~في الاحتساب بيمينه، والاكتفاء بها، وأن يمين المشرك مسموعة على المسلمين،
~~كيمين المسلم عليه ومن نقل من الناس عن مالك: أن أيمانهم لا تسمع على
~~المسلمين كشهادتهم فقد أخطأ قطعا في هذا الإطلاق، بل هو خلاف الإجماع الذي
~~لا يعرف غيره؛ لأن في الخصومات: إذا اقتضت توجه اليمين على المدعى عليه
~~حلف، وإن كان كافرا، والله أعلم.
### | [حديث أن جارية وجد رأسها مرضوضا بين حجرين]
# الحديث: دليل على مسألتين من مشاهير مسائل الخلاف: الأولى: أن القتل
~~بالمثقل موجب للقصاص وهو ظاهر من الحديث، وقوي في المعنى أيضا، فإن صيانة
~~الدماء من الإهدار: أمر ضروري والقتل بالمثقل كالقتل بالمحدد في إزهاق
~~الأرواح فلو لم يجب القصاص بالقتل بالمثقل لأدى
# PageV00P000
# 344 - الحديث الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال
#
### | [إحكام الأحكام]
# ذلك إلى أن يتخذ ذريعة إلى إهدار القصاص، وهو خلاف المقصود من حفظ الدماء
~~وعذر الحنفية عن هذا الحديث ضعيف، وهو أنهم قالوا: هو بطريق السياسة. وادعى
~~صاحب المطول: أن ذلك اليهودي ساع في الأرض بالفساد، وكان من عادته قتل
~~الصغار بذلك الطريق. قال: أو نقول: يحتمل أن يكون جرحها برضخ، وبه نقول،
~~يعني على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، والأصح عندهم: أنه يجب به.
### | [مسألة اعتبار المماثلة في طريق القتل]
# 1
# المسألة الثانية: اعتبار المماثلة في طريق القتل هو ms489 مذهب الشافعي ومالك،
~~وإن اختار الولي العدول إلى السيف فله ذلك، وأبو حنيفة يخالف في هذه
~~المسألة فلا قود عنده إلا بالسيف، والحديث دليل لمالك والشافعي، فإن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - رض رأس اليهودي بين حجرين، كما فعل هو بالمرأة.
~~ويستثنى من هذا: ما إذا كان الطريق الذي حصل به القتل محرما، كالسحر، فإنه
~~لا يمكن فعله. واختلف أصحاب الشافعي فيما إذا قتل باللواط أو بإيجار الخمر:
~~فمنهم من قال: سقط اعتبار المماثلة للتحريم، كما قلنا في السحر، ومنهم من
~~قال: تدس فيه خشبة، ويوجر خلا بدل الخمر. وأما قولنا: إن للولي أن ينتقل
~~إلى السيف إذا اختار: فقد استثنى بعضهم منه: ما إذا قتله بالخنق، قال: لا
~~يعدل إلى السيف، وادعى أنه عدول إلى أشد فإن الخنق يغيب الحس، فيكون أسهل.
# و " الأوضاح " حلي من الفضة يتحلى بها، سميت بها لبياضها، واحدها " وضح
~~". وفي قوله في هذه الرواية " فأقاده " ما يقتضي بطلان ما حكيناه من عذر
~~الحنفي.
# PageV00P000
# «لما فتح الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه
~~وسلم - مكة قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية، فقام
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الله عز وجل قد حبس عن مكة
~~الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل
~~لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه: حرام، لا يعضد
~~شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. ومن
~~قتل له قتيل: فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يدي، فقام رجل من أهل
~~اليمن - يقال له: أبو شاه فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي فقال رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم -: اكتبوا لأبي شاه، ثم قام العباس فقال: يا رسول الله،
~~إلا الإذخر، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم -: إلا الإذخر» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إن الله عز وجل قد حبس ms490 عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين]
# فيه مسائل، سوى ما تقدم في باب الحج. الأولى: قوله - عليه السلام - " إن
~~الله حبس عن مكة الفيل " هذه الرواية الصحيحة في الحديث. و " الفيل "
~~بالفاء والياء آخر الحروف، وشذ بعض الرواة فقال " الفيل، أو القتل "
~~والصحيح: الأول. وحبسه: حبس أهله الذين جاءوا للقتال في الحرم.
# الثانية: قوله - عليه السلام - " وسلط عليها رسوله والمؤمنين " يستدل به
~~من رأى أن فتح مكة كان عنوة. فإن التسليط الذي وقع للرسول: مقابل للحبس
~~الذي وقع للفيل وهو الحبس عن القتال وقد مر ما يتعلق بالقتال بمكة.
# الثالثة: التحريم المشار إليه يجمعه إثبات حرمات، تتضمن تعظيم المكان.
~~منها: تحريم القتل، وتحريم القتل: هو ما ذكر في الحديث.
# الرابعة: اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد على قولين: أحدهما: أن
# PageV02P227
#
### | [مسألة موجب القتل العمد]
### | 345 -
# الحديث السادس: «عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه استشار الناس في
~~إملاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى
~~فيه بغرة - عبد، أو أمة - فقال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن
~~مسلمة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الموجب هو القصاص عينا. والثاني: أن الموجب أحد الأمرين: إما القصاص أو
~~الدية، والقولان للشافعي.
# ومن فوائد هذا الخلاف: أن من قال: الموجب هو القصاص قال: ليس للولي حق
~~أخذ الدية بغير رضى القاتل. وقيل على هذا القول: للولي حق إسقاط القصاص،
~~وأخذ الدية بغير رضى القاتل، وثمرة هذا القول على هذا تظهر في عفو الولي،
~~وموت القاتل، فعلى قول التخيير: يأخذ المال في الموت لا في العفو، وعلى قول
~~التعيين يأخذ المال بالعفو عن الدية، لا في الموت. ويستدل بهذا الحديث على
~~أن الواجب أحد الأمرين وهو ظاهر الدلالة. ومن يخالف قال في معناه وتأويله:
~~إن شاء أخذ الدية برضى القاتل، إلا أنه لم يذكر الرضى، لثبوته عادة وقيل:
~~إنه كقوله - عليه السلام - فيما ذكر " خذ سلمك، أو رأس مالك " يعني: رأس
~~مالك برضى المسلم ms491 إليه، لثبوته عادة؛ لأن السلم بأبخس الأثمان. فالظاهر:
~~أنه يرضى بأخذ رأس المال، وهذا الحديث المستشهد به: يحتاج إلى إثباته.
### | 1 -
# الخامسة: كان قد وقع اختلاف في الصدر الأول في كتابة غير القرآن وورد فيه
~~نهي ثم استقر الأمر بين الناس على الكتابة، لتقييد العلم بها، وهذا الحديث
~~يدل على ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أذن في الكتابة لأبي شاه
~~والذي أراد أبو شاه كتابته: هو خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
### | [حديث إملاص المرأة وأن النبي قضى فيه بغرة]
# " إملاص المرأة " أن تلقي جنينها ميتا.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الحديث: أصل في إثبات غرة الجنين وكون الواجب فيه غرة عبد أو أمة. وذلك
~~إذا ألقته ميتا بسبب الجناية. وإطلاق الحديث في العبد والأمة للفقهاء فيه
~~تصرف بالتقييد في سن العبد وليس ذلك من مقتضى هذا الحديث فنذكره. واستشارة
~~عمر في ذلك: أصل في الاستشارة في الأحكام إذا لم تكن معلومة للإمام، وفي
~~ذلك دليل أيضا على أن العلم الخاص قد يخفى على الأكابر، ويعلمه من هو
~~دونهم. وذلك يصد في وجه من يغلو من المقلدين إذا استدل عليه بحديث فقال: لو
~~كان صحيحا لعلمه فلان مثلا فإن ذلك إذا خفى على أكابر الصحابة، وجاز عليهم
~~فهو على غيرهم أجوز. وقول " عمر لتأتين بمن يشهد معك " يتعلق به من يرى
~~اعتبار العدد في الرواية وليس هو بمذهب صحيح فإنه قد ثبت قبول خبر الواحد
~~وذلك قاطع بعدم اعتبار العدد في حديث جزئي فلا يدل على اعتباره كليا؛ لجواز
~~أن يحال ذلك على مانع خاص بتلك الصورة، أو قيام سبب يقتضي التثبت، وزيادة
~~الاستظهار لا سيما إذا قامت قرينة مثل عدم علم عمر - رضي الله عنه - بهذا
~~الحكم، وكذلك حديثه مع أبي موسى في الاستئذان ولعل الذي أوجب ذلك استبعاده
~~عدم العلم به وهو في باب الاستئذان أقوى، وقد صرح عمر - رضي الله عنه -
~~بأنه أراد أن يستثبت.
# PageV02P229
# الحديث السابع: عن أبي هريرة - رضي ms492 الله عنه - قال
~~«اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها
~~فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم -: أن دية جنينها غرة - عبد، أو وليدة - وقضى بدية المرأة على
~~عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي، فقال: يا
~~رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟
~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما هو من إخوان الكهان» من أجل
~~سجعه الذي سجع.
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر]
# قوله: " فقتلتها وجنينها " ليس فيه ما يشعر بانفصال الجنين ولعله لا يفهم
~~منه، بخلاف حديث عمر الماضي. فإنه صرح بالانفصال. والشافعية شرطوا في وجوب
~~الغرة: الانفصال ميتا، بسبب الجناية. فلو ماتت الأم ولم ينفصل جنين: لم يجب
~~شيء. قالوا: لأنا لا نتيقن وجود الجنين فلا نوجب شيئا بالشك، وعلى هذا: هل
~~المعتبر نفس الانفصال، أو أن ينكشف، ويتحقق حصول الجنين؟ فيه وجوه أصحهما:
~~الثاني. وينبني على هذا: ما إذا قدت بنصفين، وشوهد الجنين في بطنها ولم
~~ينفصل. وما إذا خرج رأس الجنين بعد ما ضرب وماتت الأم لذلك، ولم ينفصل.
~~وبمقتضى هذا: يحتاجون إلى تأويل هذه الرواية، وحملها
# PageV02P230
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# على أنه انفصل، وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه.
# مسألة أخرى: الحديث علق الحكم بلفظ " الجنين " والشافعية: فسروه بما ظهر
~~فيه صورة الآدمي، من يد أو إصبع أو غيرهما، ولو لم يظهر شيء من ذلك، وشهدت
~~البينة بأن الصورة خفية، يختص أهل الخبرة بمعرفتها وجبت الغرة أيضا، وإن
~~قالت البينة: ليست فيه صورة خفية، ولكنه أصل الآدمي: ففي ذلك اختلاف
~~والظاهر عند الشافعية: أنه لا تجب الغرة وإن شكت البينة في كونه أصل الآدمي
~~لم تجب بلا خلاف. وحظ الحديث: أن الحكم مرتب على اسم " الجنين " فما تخلق
~~فهو داخل فيه وما كان دون ms493 ذلك فلا يدخل تحته إلا من حيث الوضع اللغوي فإنه
~~مأخوذ من الاجتنان. وهو الاختفاء فإن خالفه العرف العام فهو أولى منه وإلا
~~اعتبر الوضع. وفي الحديث: دليل على أنه لا فرق في الغرة بين الذكر والأنثى
~~ويجبر المستحق على قبول الرقيق من أي نوع كان، وتعتبر فيه السلامة من
~~العيوب المثبتة للرد في البيع واستدل بعضهم على ذلك بأنه ورد في الخبر لفظ
~~" الغرة " قال: وهي الخيار. وليس المعيب من الخيار، وفيه أيضا من الإطلاق
~~في العبد والأمة أنه لا يتقدر للغرة قيمة وهو وجه للشافعية والأظهر عندهم:
~~أنه ينبغي أن تبلغ قيمتها نصف عشر الدية وهي خمس من الإبل وقيل: إن ذلك
~~يروى عن عمر وزيد بن ثابت وفيه دليل على أنه إذا وجدت الغرة بالصفات
~~المعتبرة أنه لا يلزم المستحق قبول غيرها، لتعيين حقه في ذلك في الحديث.
~~وأما إذا عدمت فليس في الحديث ما يشعر بحكمه وقد اختلفوا فيه فقيل: الواجب
~~خمس من الإبل وقيل: يعدل إلى القيمة عند الفقد وقد قدمنا الإشارة إلى أن
~~الحديث بإطلاقه لا يقتضي تخصيص سن دون سن والشافعية قالوا: لا يجبر على
~~قبول ما لم يبلغ سبعا، لحاجته إلى التعهد، وعدم استقلاله وأما في طرف
~~الكبر، فقيل: إنه لا يؤخذ الغلام بعد خمس عشرة سنة، ولا الجارية بعد عشرين
~~سنة وجعل بعضهم الحد: عشرين والأظهر: أنهما يؤخذان، وإن جاوزا الستين، ما
~~لم يضعفا ويخرجا عن الاستقلال بالهرم
# PageV02P231
# 347 - الحديث الثامن: عن عمران بن حصين - رضي الله
~~عنه - «أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيته، فاختصما إلى
#
### | [إحكام الأحكام]
# لأن من أتى بما دل الحديث عليه ومسماه فقد أتى بما وجب فلزم قبوله، إلا
~~أن يدل دليل على خلافه. وقد أشرنا إلى أن التقييد بالسن ليس من مقتضى لفظ
~~الحديث.
### | [مسألة الواجب في دية جنين الرقيق]
# 1
# مسألة أخرى: الحديث ورد في جنين حرة وهذا الحديث الثاني ليس فيه عموم
~~يدخل تحته جنين ms494 الأمة بل هو حكم وارد في جنين الحرة من غير لفظ عام. وأما
~~حديث عمر السابق - وإن كان في لفظ الاستشارة ما يقتضي العموم، لقوله " في
~~إملاص المرأة " لكن لفظ الراوي يقتضي أنه شهد واقعة مخصوصة، فعلى هذا ينبغي
~~أن يؤخذ حكم جنين الأمة من محل آخر، وعند الشافعي: الواجب في جنين الرقيق
~~عشر قيمة الأم، ذكرا كان أو أنثى، وكذلك نقول: إن الحديث وارد في جنين
~~محكوم بإسلامه ولا يتعرض لجنين محكوم له بالتهود أو التنصر تبعا، ومن
~~الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعا، وهذا مأخوذ من القياس،
~~لا من الحديث. وقوله " قضى بدية المرأة على عاقلتها " إجراء لهذا القتل
~~مجرى غير العمد و " حمل " بفتح الحاء المهملة والميم معا " وطل " دم
~~القتيل: إذا أهدر، ولم يؤخذ فيه شيء وقوله - عليه السلام - " إنما هو من
~~إخوان الكهان إلخ " فيه إشارة إلى ذم السجع وهو محمول على السجع المتكلف
~~لإبطال حق، أو تحقيق باطل أو لمجرد التكلف، بدليل أنه قد ورد السجع في كلام
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -
# وفي كلام غيره من السلف ويدل على ما ذكرناه: أنه شبهه بسجع الكهان؛ لأنهم
~~كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين فيستميلون بها القلوب،
~~ويستصغون إليها الأسماع قال بعضهم: فأما إذا كان وضع السجع في مواضعه من
~~الكلام فلا ذم فيه.
# PageV00P000
# النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يعض أحدكم أخاه
~~كما يعض الفحل، لا دية لك» .
### | 348 -
# الحديث التاسع: عن الحسن بن أبي الحسن البصري - رحمه الله تعالى - قال:
~~حدثنا جندب في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثا، وما نخشى أن يكون جندب كذب
~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما
~~رقأ الدم حتى مات. قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث يعض أحدكم أخاه كما يعض ms495 الفحل لا دية لك]
# أخذ الشافعي بظاهر هذا الحديث فلم يوجب ضمانا لمثل هذه الصورة إذا عض
~~إنسان يد آخر، فانتزعها فسقط سنه وذلك إذا لم يمكنه تخليص يده بأيسر ما
~~يقدر عليه من فك لحييه أو الضرب في شدقيه ليرسلها فحينئذ إذا سل أسنانه أو
~~بعضها فلا ضمان عليه وخالف غير الشافعي في ذلك، وأوجب ضمان السن، والحديث
~~صريح لمذهب الشافعي. وأما التقييد بعدم الإمكان بغير هذا الطريق فعله مأخوذ
~~من القواعد الكلية. وأما إذا لم يمكنه التخليص إلا بضرب عضو آخر، كبعج
~~البطن، وعصر الأنثيين، فقد اختلف فيه فقيل: له ذلك وقيل: ليس له قصد غير
~~الفم، وإذا كان القياس وجوب الضمان، فقد يقال: إن النص ورد في صورة التلف
~~بالنزع من اليد فلا نقيس عليه غيره لكن إذا دلت القواعد على اعتبار الإمكان
~~في الضمان، وعدم الإمكان في غير الضمان، وفرضنا أنه لم يكن الدفع إلا
~~بالقصد إلى غير الفم: قوي بعد هذه القاعدة أن يسوى بين الفم وغيره.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده]
# " الحسن بن أبي الحسن: يكنى أبا سعيد من أكابر التابعين وسادات المسلمين
~~ومن مشاهير العلماء والزهاد المذكورين وفضائله كثيرة " جندب " بضم الدال
~~وفتحها: ابن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي - بفتح العين واللام -
~~والعلق: بطن من بجيلة، ومنهم من ينسبه إلى جده فيقول: جندب بن سفيان كنيته:
~~أبو عبد الله كان بالكوفة، ثم صار إلى البصرة، " وحز يده " قطعها، أو
~~بعضها، " ورقأ الدم " بفتح الراء والقاف والهمز: ارتفع وانقطع، وفي الحديث
~~إشكالان:
# أحدهما: قوله " بادرني عبدي بنفسه " وهي مسألة تتعلق بالآجال وأجل كل
~~شيء: وقته يقال: بلغ أجله، أي تم أمده، وجاء حينه، وليس كل وقت أجلا، ولا
~~يموت أحد بأي سبب كان إلا بأجله وقد علم الله بأنه يموت بالسبب المذكور،
~~وما علمه فلا يتغير فعلى هذا: يبقى قوله " بادرني عبدي بنفسه " يحتاج إلى
~~التأويل فإنه ms496 قد يوهم: أن الأجل كان متأخرا عن ذلك الوقت فقدم عليه.
# الثاني قوله " حرمت عليه الجنة " فيتعلق به من يرى بوعيد الأبد وهو مؤول
~~عند غيرهم على تحريم الجنة بحالة مخصوصة، كالتخصيص بزمن، كما يقال: إنه لا
~~يدخلها مع السابقين، أو يحملونه على فعل ذلك مستحللا فيكفر به، ويكون مخلدا
~~بكفره، لا بقتله نفسه. والحديث: أصل كبير في تعظيم قتل النفس، سواء كانت
~~نفس الإنسان أو غيره؛ لأن نفسه ليست ملكه أيضا، فيتصرف فيها على حسب ما
~~يراه.
# PageV02P234
# الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال
~~«قدم ناس من عكل - أو عرينة - فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا. فلما
~~صحوا قتلوا راعي النبي - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا النعم فجاء الخبر
~~في أول النهار، فبعث في آثارهم. فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بهم:
~~فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمرت أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون، فلا
~~يسقون. قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا
~~الله ورسوله» . أخرجه الجماعة.
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الحدود]
### | [حديث قدم ناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة]
# " اجتويت البلاد " إذا كرهتها، وإن كانت موافقة " واستو بأنها " إذا لم
~~توافقك. استدل بالحديث على طهارة أبوال الإبل، للإذن في شربها. والقائلون
~~بنجاستها، اعتذروا عن هذا بأنه للتداوي وهو جائز بجميع النجاسات إلا
~~بالخمر. واعترض عليهم الأولون بأنها لو كانت محرمة الشرب لما جاز التداوي
# PageV02P235
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بها؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، وقد وقع في هذا
~~الحديث التمثيل بهم، واختلف الناس في ذلك فقال بعضهم: هو منسوخ بالحدود،
~~فعن قتادة: أنه قال: فحدثني محمد بن سيرين: أن ذلك قبل أن تنزل الحدود وقال
~~ابن شهاب - بعد أن ذكر قصتهم - وذكروا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~" نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة {إنما ms497 جزاء الذين
~~يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] الآية والتي بعدها " وروى محمد بن
~~الفضل بإسناد صحيح منه إلى ابن سيرين - قال " كان شأن العرنيين قبل أن تنزل
~~الحدود التي أنزل الله عز وجل في المائدة من شأن المحاربين أن يقتلوا أو
~~يصلبوا فكان شأن العرنيين منسوخا بالآية التي يصف فيها إقامة حدودهم " وفي
~~حديث سعيد بن جبير عن عبد الكريم - وسئل عن أبوال الإبل؟ - فقال: حدثني
~~سعيد بن جبير عن المحاربين - فذكر الحديث - وفي آخره " فما مثل النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - قبل ولا بعد، ونهى عن المثلة وقال: لا تمثلوا بشيء " وفي
~~رواية إبراهيم بن عبد الرحمن عن محمد بن الفضل الطبري بإسناد فيه موسى بن
~~عبيدة الربذي - بسنده إلى جرير بن عبد الله البجلي بقصتهم - وفي آخره «فكره
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمل الأعين فأنزل الله عز وجل فيهم هذه
~~الآية {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] الآية» وروى
~~ابن الجوزي في كتابه حديثا من رواية صالح بن رستم عن كثير بن شنظير عن
~~الحسن عن عمران بن حصين قال «ما قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~خطيبا إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة» وقال قال ابن شاهين: هذا الحديث
~~ينسخ كل مثلة كانت في الإسلام، قال ابن الجوزي: وادعاء النسخ محتاج إلى
~~تاريخ وقد قال بعض العلماء: إنما سمل أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة
~~فاقتص منهم بمثل ما فعلوا والحكم ثابت. قلت: هنا تقصير؛ لأن الحديث ورد فيه
~~المثلة من جهات عديدة، وبأشياء كثيرة فهب أنه ثبت القصاص في سمل الأعين،
~~فماذا يصنع بباقي ما جرى من المثلة؟ فلا بد فيه من جواب عن هذا، وقد رأيت
~~عن الزهري في قصة العرنيين أنه ذكر " أنهم قتلوا يسارا مولى رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - ثم مثلوا به " فلو ذكر ابن الجوزي هذا: كان أقرب إلى
~~مقصوده مما ذكره من سمل الأعين فقط، على أنه أيضا بعد
# PageV02P236
# 350 - الحديث الثاني: عن عبيد ms498 الله بن عبد الله بن
~~عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني - رضي الله عنهما -، أنهما
~~قالا «إن رجلا من الأعراب أتى رسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول
~~الله، أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله فقال الخصم الآخر - وهو أفقه
~~منه - نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي، فقال النبي - صلى الله عليه
~~وسلم -: قل، فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن
~~على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني
~~أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله،
~~الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس -
~~لرجل من أسلم - على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت،
~~فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# ذلك يبقى نظر في بعض ما حكي في القصة و " عكل " بضم العين المهملة وسكون
~~الكاف وآخره لام و " عرينة " بضم العين المهملة وفتح الراء المهملة وسكون
~~آخر الحروف بعدها نون وقال بعضهم: هم ناس من بني سليم وناس من بني بجيلة،
~~وبني عرينة. و " اللقاح " النوق ذوات اللبن.
### | [حديث واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها]
# العسيف: الأجير. قوله " إلا قضيت بيننا بكتاب الله " تنطلق هذه اللفظة
~~على القرآن خاصة.
# PageV00P000
# 351 - الحديث الثالث: عن عبيد الله بن عقبة بن مسعود
~~عن
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقد ينطلق " كتاب الله " على حكم الله مطلقا. والأولى: حمل هذه اللفظة
~~على هذا؛ لأنه ذكر فيه التغريب، وليس ذلك منصوصا في كتاب الله، إلا أن يؤخذ
~~ذلك بواسطة أمر الله - تعالى - بطاعة الرسول وأتباعه. وفي قوله " وأذن لي "
~~حسن الأدب في المخاطبة للأكابر. وقوله " كان عسيفا " أي أجيرا. وقوله "
~~فافتديت منه " أي من الرجم. وفيه دليل على شرعية التغريب ms499 مع الجلد،
~~والحنفية يخالفون فيه، بناء على أن التغريب ليس مذكورا في القرآن، وأن
~~الزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز وغيرهم يخالفهم في
~~تلك المقدمة وهي أن الزيادة على النص نسخ والمسألة مقررة في علم الأصول.
~~وفي قوله " فسألت أهل العلم " دليل على الرجوع إلى العلماء عند اشتباه
~~الأحكام والشك فيها، ودليل على الفتوى في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم
~~- ودليل على استصحاب الحال، والحكم بالأصل في استمرار الأحكام الثابتة، وإن
~~كان يمكن زوالها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسخ. وقوله " رد
~~عليك " أي مردود أطلق المصدر على اسم المفعول وفيه دليل على أن ما أخذ
~~بالمعارضة الفاسدة يجب رده ولا يملك، وبه يتبين ضعف عذر من اعتذر من أصحاب
~~الشافعي عن بعض العقود الفاسدة عنده بأن المتعاوضين أذن كل واحد منهما
~~للآخر في التصرف في ملكه، وجعل ذلك سببا لجواز التصرف، فإن ذلك الإذن ليس
~~مطلقا، وإنما هو مبني على المعارضة الفاسدة وفي الحديث دليل على أن ما
~~يستعمل من الألفاظ في محل الاستفتاء يسامح به في إقامة الحد أو التعزير فإن
~~هذا الرجل قذف المرأة بالزنا، ولم يتعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمر
~~حده بالقذف وأعرض عن ذلك ابتداء، وفيه تصريح بحكم الرجم، وفيه استنابة
~~الإمام في إقامة الحدود، ولعله يؤخذ منه: أن الإقرار مرة واحدة يكفي في
~~إقامة الحد فإنه رتب رجمها على مجرد اعترافها ولم يقيده بعدد، وقد يستدل به
~~على عدم الجمع بين الجلد والرجم فإنه لم يعرفه أنيسا، ولا أمره به.
# PageV00P000
# أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني - رضي الله عنهما -
~~قالا «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال:
~~إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو
~~بضفير» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث الأمة إذا زنت ولم تحصن]
# قال ابن شهاب: ولا أدري: أبعد الثالثة أو الرابعة؟ والضفير: الحبل. يستدل
~~به على إقامة ms500 الحد على المماليك كإقامته على الأحرار، ودلالته على إقامة
~~السيد الحد على عبده محتملة وليست بالقوية، وفيه بيان لحكم الأمة إذا لم
~~تحصن. والكتاب العزيز تعرض لحكمها إذا أحصنت، وجمهور العلماء: أنه إذا لم
~~تحصن تجلد الحد، ونقل عن ابن عباس في العبد والأمة أنه قال " إذا لم يكونا
~~مزوجين فلا حد عليهما وإن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد وهو خمسون " قال
~~بعضهم: وبه قال طاوس، وأبو عبيد وهذا مذهب من تمسك بمفهوم الكتاب العزيز
~~وهو - قوله تعالى -: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على
~~المحصنات من العذاب} [النساء: 25] إلا أن مذهب الجمهور راجح؛ لأن هذا
~~الحديث نص في إيجاب الجلد على من لم يحصن، فإذا تبين بحديث آخر أنه الحد،
~~أو أخذ من السياق: فهو مقدم على المفهوم. و " الضفير " الحبل المضفور، فعيل
~~بمعنى مفعول. وذكر بعضهم: أن قوله " فليبعها ولو بضفير " دليل على أن الزنا
~~عيب في الرقيق يرد به، ولذلك حط من القيمة قال: وفيه دليل على جواز بيع غير
~~المحجور عليه ماله بما لا يتغابن به الناس. وفيما قاله في الأول نظر لجواز
~~أن يكون المقصود أن يبيعها وإن انحطت قيمتها إلى الضفير فيكون ذلك إخبارا
~~متعلقا بحال وجودي، لا إخبارا عن حكم شرعي. ولا شك أن من عرف بتكرر زنا
~~الأمة انحطت قيمتها عنده.
# PageV02P239
# 352 - الحديث الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~أنه قال «أتى رجل من المسلمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في
~~المسجد - فناداه: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه. فتنحى تلقاء وجهه
~~فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات.
~~فلما شهد على نفسه أربع شهادات: دعاه رسول الله، فقال: أبك جنون؟ قال: لا.
~~قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اذهبوا
~~به فارجموه» . قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن. سمع جابر بن
~~عبد الله يقول " كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلي، ms501 فلما
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيما قاله في الثاني نظر أيضا، لجواز أن يكون هذا العيب أوجب نقصان
~~قيمتها عند الناس فيكون بيعها بالنقصان بيعا بثمن المثل، لا بيعا بما لا
~~يتغابن الناس به. وفي الحديث دليل على أن المأمور به هو الحد المنوط بها،
~~دون ضرب التعزير والتأديب، ونقل عن أبي ثور أن هذا الحديث إيجاب الحد،
~~وإيجاب البيع أيضا، وأن لا يمسكها إذا زنت أربعا، وقد يقال: إن في الحديث
~~إشارة إلى إعلام البائع المشتري بعيب السلعة فإنه إنما تنقص قيمتها بالعلم
~~بعيبها ولو لم يعلم لم تنقص، وفيه نظر. وقد يقال أيضا: إن فيه إشارة إلى أن
~~العقوبات إذا لم تفد مقصودها من الزجر لم تفعل، فإن كانت واجبة كالحد فلترك
~~الشرط في وجوبها على السيد وهو الملك؛ لأن أحد الأمرين لازم: إما ترك الحد
~~ولا سبيل إليه لوجوبه، وإما إزالة شرط الوجوب وهو الملك، فتعين. ولم يقل:
~~اتركوها، أو حدوها كلما تكرر لأجل ما ذكرناه والله أعلم. فيخرج عن هذا
~~التعزيرات التي لا تفيد؛ لأنها ليست بواجبة الفعل فيمكن تركها.
# PageV00P000
# أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه ".
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أتى رجل رسول الله وهو في المسجد فناداه يا رسول الله إني زنيت]
# " الرجل " هو ماعز بن مالك. روى قصته جابر بن سمرة، وعبد الله بن عباس،
~~وأبو سعيد الخدري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي. ذهب الحنفية إلى أن تكرار
~~الإقرار بالزنا أربعا شرط لوجوب إقامة الحد، ورأوا أن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - في هذا الحديث - إنما أخر الحد إلى تمام الأربع؛ لأنه لم يجب
~~قبل ذلك. وقالوا: لو وجب بالإقرار مرة لما أخر الرسول - صلى الله عليه وسلم
~~- الواجب، وفي قول الراوي " فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله
~~" إلخ إشعار بأن الشهادة أربعا هي العلة في الحكم، ومذهب الشافعي ومالك ومن
~~تبعهما أن الإقرار مرة واحدة موجب للحد، قياسا على سائر الحقوق فكأنهم لم
~~يروا أن تأخير الحد ms502 إلى تمام الإقرار أربعا لما ذكره الحنفية وكأنه من باب
~~الاستثبات والتحقيق لوجود السبب؛ لأن مبنى الحد على الاحتياط في تركه ودرئه
~~بالشبهات. وفي الحديث دليل على سؤال الحاكم في الواقعة عما يحتاج إليه في
~~الحكم وذلك من الواجبات، كسؤاله - عليه السلام - عن الجنون ليتبين العقل،
~~وعن الإحصان ليثبت الرجم، ولم يكن بد من ذلك فإن الحد متردد بين الجلد
~~والرجم: ولا يمكن الإقدام على أحدهما إلا بعد تبين سببه. وقوله - عليه
~~السلام - " أبك جنون " ويمكن أن يسأل عنه، فيقال: إن إقرار المجنون غير
~~معتبر فلو كان مجنونا لم يفد قوله: إنه ليس به جنون فما وجه الحكمة في
~~سؤاله عن ذلك؟ بل سؤال غيره ممن يعرفه هو المؤثر. وجوابه: أنه قد ورد أنه
~~سأل غيره عن ذلك. وعلى تقدير أن لا يكون وقع سؤال غيره، فيمكن أن يكون
~~سؤاله ليتبين بمخاطبته ومراجعته تثبته وعقله، فيبني
# PageV02P241
# 353 - الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - أنه قال «إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
~~فذكروا له: أن امرأة منهم ورجلا زنيا. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم -: ما تجدون في التوراة، في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال
~~عبد الله بن سلام: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع
~~أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن
~~سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدق يا محمد، فأمر
~~بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فرجما. قال: فرأيت الرجل: يجنأ على
~~المرأة يقيها الحجارة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الأمر عليه، لا على مجرد إقراره بعدم الجنون. وفي الحديث: دليل على تفويض
~~الإمام الرجم إلى غيره ولفظه يشعر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم
~~يحضره.
# فيؤخذ منه: عدم حضور الإمام الرجم، وإن كان الفقهاء قد استحبوا أن يبدأ
~~الإمام بالرجم إذا ثبت الزنا بالإقرار، ويبدأ الشهود به إذا ثبت بالبينة،
~~وكأن ms503 الإمام لما كان عليه التثبت والاحتياط قيل له: ابدأ، ليكون ذلك زاجرا
~~عن التساهل في الحكم بالحدود، وداعيا إلى غاية التثبت وأما في الشهود:
~~فظاهر؛ لأن قتله بقولهم. وقوله " فلما أذلقته الحجارة " أي بلغت منه الجهد،
~~وقيل: عضته، وأوجعته، وأوهنته. وقوله " هرب " فيه دليل على عدم الحفر له.
### | [حديث إن اليهود جاءوا إلى رسول الله فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا]
# قال - رضي الله عنه -: الذي وضع يده على آية الرجم: هو عبد الله بن
~~صوريا. اختلف الفقهاء في أن الإسلام: هل هو شرط في الإحصان أم لا؟ فذهب
# PageV00P000
# 354 - الحديث السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لو أن رجلا - أو قال: امرأ -
~~اطلع عليك بغير إذنك، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه: ما كان عليك جناح» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الشافعي أنه ليس بشرط فإذا حكم الحاكم على الذمي المحصن رجمه. ومذهب أبي
~~حنيفة: أن الإسلام شرط في الإحصان. واستدل الشافعية بهذا الحديث ورجم النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - اليهوديين، واعتذر الحنفية عنه بأن قالوا: رجمهما
~~بحكم التوراة، وأنه سألهم عن ذلك، وأن ذلك عندما قدم النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - المدينة، وادعوا أن آية حد الزنا نزلت بعد ذلك فكان ذلك الحديث
~~منسوخا. وهذا يحتاج إلى تحقيق التاريخ أعني ادعاء النسخ. وقوله " فرأيت
~~الرجل يجنأ على المرأة " الجيد في الرواية " يجنأ " بفتح الياء وسكون الجيم
~~وفتح النون، والهمزة: أي يميل، ومنه الجنى، قال الشاعر:
# وبدلتني بالشطاط الجنى ... وكنت كالصعدة تحت السنان
# وفي كلام بعضهم ما يشعر بأن اللفظة بالحاء، يقال: حنا الرجل يحنو إذا أكب
~~على الشيء. قال الشاعر:
# حنو العابدات على وسادي.
### | [حديث لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك فحذفته بحصاة]
# أخذ الشافعي وغيره بظاهر الحديث وأباه المالكية، وقالوا: لا يقصد عينه
~~ولا غيرها. وقيل: يجب القود إن فعل، ومما قيل في تعليل المنع: أن المعصية
~~لا تدفع بالمعصية وهذا ضعيف جدا؛ لأنه يمنع كونه معصية ms504 في هذه الحالة ويلحق
~~ذلك بدفع الصائل، وإن أريد بكونها معصية النظر إلى ذاتها، مع قطع النظر عن
~~هذا السبب فهو صحيح، لكنه لا يفيد. وتصرف الفقهاء في هذا الحكم بأنواع من
~~التصرفات.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# منها: أن يفرق بين أن يكون هذا الناظر واقفا في الشارع، أو في خالص ملك
~~المنظور إليه، أو في سكة منسدة الأسفل. اختلفوا فيه والأشهر: أن لا فرق،
~~ولا يجوز مد العين إلى حرم الناس بحال، وفي وجه للشافعية: أنه لا يقصد إلا
~~عين من وقف في ملك المنظور إليه. ومنها: أنه هل يجوز رمي الناظر قبل النهي
~~والإنذار؟ فيه وجهان للشافعية:
# أحدهما: لا على قياس الدفع في البداءة بالأهون فالأهون.
# والثاني: نعم. وإطلاق الحديث مشعر بهذين الأمرين معا، أعني أنه لا فرق
~~بين موقف هذا الناظر، وأنه لا يحتاج إلى الإنذار وورد في هذا الحكم الثاني
~~ما هو أقوى من هذا الإطلاق، وهو «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يختل
~~الناظر بالمدرى» . ومنها: أنه لو تسمع إنسان، فهل يلحق السمع بالنظر؟
~~اختلفوا فيه وفي الحديث إشعار أنه إنما يقصد العين بشيء خفيف، كمدى،
~~وبندقة، وحصاة لقوله " فخذفته " قال الفقهاء: أما إذا زرقه بالنشاب، أو
~~رماه بحجر يقتله فقتله فهذا قتل يتعلق بالقصاص أو الدية. ومما تصرف فيه
~~الفقهاء في أن هذا الناظر إذا كان له محرم في الدار، أو زوجة، أو متاع لم
~~يجز قصد عينه؛ لأن له في النظر شبهة وقيل: لا يكفي أن يكون له في الدار
~~محرم، إنما يمنع قصد عينه إذا لم يكن فيها إلا محارمه. ومنها: أنه إذا لم
~~يكن في الدار إلا صاحبها فله الرمي، إن كان مكشوف العورة ولا ضمان وإلا
~~فوجهان أظهرهما: أنه لا يجوز رميه ومنها: أن الحرم إذا كانت في الدار
~~مستترات، أو في بيت ففي وجه لا يجوز قصد عينه؛ لأنه لا يطلع على شيء، قال
~~بعض الفقهاء: الأظهر الجواز، لإطلاق الأخبار، ولأنه لا تنضبط أوقات الستر ms505
~~والتكشف، فالاحتياط حسم الباب. ومنها: أن ذلك إنما يكون إذا لم يقصر صاحب
~~الدار، فإن كان بابه مفتوحا أو ثم كوة واسعة، أو ثلمة مفتوحة، فنظر: فإن
~~كان مجتازا لم يجز قصده وإن وقف وتعمد، فقيل: لا يجوز قصده، لتفريط صاحب
~~الدار بفتح الباب، وتوسيع الكوة، وقيل: يجوز، لتعديه بالنظر. وأجري هذا
~~الخلاف فيما إذا نظر من سطح نفسه، أو نظر المؤذن من المئذنة لكن الأظهر
~~عندهم ههنا جواز
# PageV02P244
# 355 - الحديث الأول عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~تعالى عنهما -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن قيمته» - وفي
~~لفظ: «ثمنه - ثلاثة دراهم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الرمي؛ لأنه لا تقصير من صاحب الدار. واعلم أن ما كان من هذه التصرفات
~~الفقهية داخلا تحت إطلاق الأخبار فإنه قد يؤخذ منها، وما لا فبعضه مأخوذ من
~~فهم المعنى المقصود بالحديث، وبعضه مأخوذ بالقياس وهو قليل فيما ذكرناه.
### | [باب حد السرقة]
### | [حديث أن النبي قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم]
# اختلف الفقهاء في النصاب في السرقة، أصلا وقدرا، أما الأصل: فجمهورهم على
~~اعتبار النصاب، وشذ الظاهرية فلم يعتبروه، ولم يفرقوا بين القليل والكثير
~~وقالوا بالقطع فيهما، ونقل في ذلك وجه في مذهب الشافعي.
# والاستدلال بهذا الحديث على اعتبار النصاب ضعيف، فإنه حكاية فعل ولا يلزم
~~من القطع في هذا المقدار فعلا - عدم القطع فيما دونه نطقا.
# وأما المقدار: فإن الشافعي يرى أن النصاب ربع دينار لحديث عائشة الآتي
~~يقوم ما عدا الذهب بالذهب، وأبو حنيفة يقول: إن النصاب عشرة دراهم، ويقوم
~~ما عدا الفضة بالفضة، ومالك يرى: أن النصاب ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة
~~دراهم، وكلاهما أصل، ويقوم ما عداهما بالدرهم. وكلا الحديثين يدل على خلاف
~~مذهب أبي حنيفة وأما هذا الحديث: فإن الشافعي بين أنه لا يخالف حديث عائشة
~~وأن الدينار كان اثني عشر درهما وربعه ثلاثة دراهم، أعني صرفه، ولهذا قومت
~~الدية باثني عشر ألفا من الورق، وألف دينار من الذهب وهذا الحديث يستدل ms506 به
~~لمذهب مالك في أن الفضة أصل في التقويم فإن المسروق لما كان غير الذهب
~~والفضة، وقوم بالفضة دون الذهب: دل على أنها
# PageV00P000
# 356 - الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -:
~~أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «تقطع اليد في ربع دينار
~~فصاعدا.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# أصل في التقويم وإلا كان الرجوع إلى الذهب - الذي هو الأصل - أولى وأوجب،
~~عند من يرى التقويم به. والحنفية في مثل هذا الحديث وفيمن روى في حديث
~~عائشة " القطع في ربع دينار فصاعدا " يقولون - أو من قال منهم - في التأويل
~~ما معناه: إن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمته عند عائشة ربع
~~دينار أو ثلاثة دراهم، ويكون عند غيرها أكثر. وقد ضعف غيرهم هذا التأويل
~~وشنعه عليهم بما معناه: إن عائشة لم تكن لتخبر بما يدل على مقدار ما يقطع
~~فيه، إلا عن تحقيق، لعظم أمر القطع. و " المجن " بكسر الميم وفتح الجيم:
~~الترس، مفعل من معنى الاجتنان وهو الاستتار والاختفاء، وما يقارب ذلك، ومنه
~~" الجن "، وكسرت ميمه؛ لأنه آلة في الاجتنان، كأن صاحبه يستتر به عما
~~يحاذره. قال الشاعر:
# فكان مجني دون ما كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
# والقيمة والثمن: مختلفان في الحقيقة، وتعتبر القيمة، وما ورد في بعض
~~الروايات من ذكر " الثمن " فلعله لتساويهما عند الناس في ذلك الوقت، أو في
~~ظن الراوي أو باعتبار الغلبة، وإلا فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه
~~به مالكه لم تعتبر إلا القيمة.
### | [حديث تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا]
# هذا الحديث اعتماد الشافعي - رحمه الله - في مقدار النصاب. وقد روي عن
~~عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا وقولا وهذه الرواية قول وهو
~~أقوى في الاستدلال من الفعل؛ لأنه لا يلزم من القطع في مقدار معين - اتفق
~~أن السارق الذي قطع سرقه - أن لا يقطع من سرق ما دونه.
# وأما القول الذي يدل على اعتبار مقدار معين في
# PageV00P000
# 357 - الحديث الثالث: عن عائشة - رضي ms507 الله عنها - «أن
~~قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه أسامة، فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟
~~ثم قام فاختطب، فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم
~~الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله: لو أن
~~فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
# وفي لفظ «كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - بقطع يدها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# القطع: فإنه يدل على عدم اعتبار ما زاد عليه في إباحة القطع، فإنه لو
~~اعتبر في ذلك لم يجز القطع فيما دونه، وأيضا: فرواية الفعل يدخل فيها ما
~~ذكرناه من التأويل المستضعف في أن التقويم أمر ظني إلى آخره.
# واعلم أن هذا الحديث قوي في الدلالة على أصحاب أبي حنيفة فإنه يقتضي
~~صريحه القطع في هذا المقدار الذي لا يقولون بجواز القطع به.
# وأما دلالته على الظاهر فليس من حيث النطق، بل من حيث المفهوم، وهو داخل
~~في مفهوم العدد، ومرتبته أقوى من مرتبة مفهوم اللقب.
### | [حديث وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها]
# قد أطلق في هذا الحديث على هذه المرأة لفظ " السرقة " ولا إشكال فيه
~~وإنما الإشكال في الرواية الثانية وهو إطلاق جحد العارية على المرأة، وليس
~~في لفظ هذا الحديث ما يدل على أن المعبر عنه امرأة واحدة ولكن في عبارة
~~المصنف ما يشعر بذلك فإنه جعل الذي ذكره ثانيا رواية وهو يقتضي من حيث
~~الإشعار العادي أنهما حديث واحد، اختلف فيه: هل كانت هذه المرأة المذكورة
~~سارقة، أو جاحدة؟ وعن أحمد: أنه أوجب القطع في صورة جحود العارية، عملا
~~بتلك الرواية، فإذا أخذ بطريق صناعي - أعني في صنعة الحديث - ضعفت الدلالة
~~على
# PageV00P000
# باب حد الخمر
### | 358 -
# الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - «أن ms508
#
### | [إحكام الأحكام]
# مسألة الجحود قليلا فإنه يكون اختلافا في واقعة واحدة فلا يثبت الحكم
~~المرتب على الجحود، حتى يتبين ترجيح رواية من روى في هذا الحديث " أنها
~~كانت جاحدة " على رواية من روى " أنها كانت سارقة ".
# وأظهر بعض الشافعية النكير والتعجب ممن أول حديث عائشة في القطع في ربع
~~دينار - الذي روي فعلا - بأن اعتمد على رواية من رواه قولا فإن كان مخرج
~~الحديث مختلفا، فالأمر كما قال فإن أحد الحديثين حينئذ يدل على القطع فعلا
~~في هذا المقدار.
# والثاني: يدل عليه قولا ولا يتأتى فيه تأويل احتمال الغلط في التقويم،
~~وإن كان مخرج الحديث واحدا، ففيه من الكلام ما أشرنا إليه الآن، إلا أنه
~~ههنا قوي؛ لأنه لا يجوز للراوي، إذا كان سمعه لرواية الفعل أن يغيره إلى
~~رواية القول، فيظهر من هذا أنهما حديثان مختلفا اللفظ، وإن كان مخرجهما
~~واحدا.
# وفي هذا الحديث: دليل على امتناع الشفاعة في الحد بعد بلوغه السلطان،
~~وفيه تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى ولفظة " إنما " ههنا
~~دالة على الحصر، والظاهر أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك فإن بني
~~إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص وهو
~~الإهلاك بسبب المحاباة في حدود الله، فلا ينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص،
~~وقد يستدل بقوله - عليه السلام - «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت
~~لقطعت يدها» على أن ما خرج هذا المخرج، من الكلام الذي يقتضي تعليق القول
~~بتقدير أمر آخر لا يمنع، وقد شدد جماعة في مثل هذا. ومراتبه في القبح
~~مختلفة.
# PageV00P000
# النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل قد شرب الخمر،
~~فجلده بجريدة نحو أربعين» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حد الخمر]
# قال وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف:
~~أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. لا خلاف في الحد على شرب الخمر واختلفوا
~~في مقداره فمذهب الشافعي: أنه أربعون واتفق أصحابه: أنه لا ms509 يزيد على
~~الثمانين وفي الزيادة على الأربعين إلى الثمانين: خلاف والأظهر: الجواز.
~~ولو رأى الإمام أن يحده بالنعال وأطراف الثياب كما فعله النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - جاز، ومنهم من منع ذلك، تعليلا بعسر الضبط، وظاهر قوله " فجلده
~~بجريدة نحو أربعين " أن هذا العدد: هو القدر الذي ضرب به.
# وقد وقع في رواية الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر: «أن النبي - صلى الله
~~عليه وسلم - قال اضربوه فضربوه بالأيدي والنعال، وأطراف الثياب.» وفي
~~الحديث " قال: فلما كان أبو بكر سأل من حضر ذلك الضرب؟ فقومه أربعين، فضرب
~~أبو بكر في الخمر أربعين " ففسره بعض الناس، وقال: أي قدر الضرب الذي ضربه
~~بالأيدي والنعال وأطراف الثياب: فكان مقدار أربعين ضربة لا أنها عددا
~~أربعون بالثياب والنعال والأيدي، إنما قايس مقدار ما ضربه ذلك الشارب فكان:
~~مقدار أربعين عصا، فلذلك قال " فقومه " أي جعل قيمته أربعين وهذا عندي خلاف
~~الظاهر. ويبعده: قوله «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد في الخمر
~~أربعين» فإنه لا ينطلق إلا
# PageV02P249
# 359 - الحديث الثاني: عن أبي بردة هانئ بن نيار
~~البلوي - رضي الله عنه -: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول
~~«لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# على عدد كثير من الضرب بالأيدي والنعال. وتسليط التأويل على لفظة قومه "
~~أنها بمعنى " قدر ما وقع " فكأن أربعين - أقرب من تسليط هذا صدق قولنا "
~~جلد أربعين " حقيقة. وقوله " فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون " ويروى
~~بالنصب " أخف الحدود ثمانين " أي اجعله، وما يقارب ذلك. وفيه دليل على
~~المشاورة في الأحكام، والقول فيها بالاجتهاد. وقيل: إن الذي أشار
~~بالثمانين: هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وقد يستدل به من يرى
~~الحكم بالقياس أو الاستحسان. وقوله " فلما كان عمر " يجوز أن يكون على حذف
~~مضاف أي فلما كان زمن ولاية عمر، وما يقارب ذلك. ومذهب مالك: أن حد الخمر
~~ثمانون، على ما وقع في زمن عمر. ms510
### | [حديث لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله]
# فيه مسألتان إحداهما: إثبات التعزير في المعاصي التي لا حد فيها، لما
~~يقتضيه من جواز العشرة فما دونها.
# المسألة الثانية: اختلفوا في مقدار التعزير. والمنقول عن مالك: أنه لا
~~يتقدر بهذا القدر، ويجيز في العقوبات فوق هذا. وفوق الحدود على قدر الجريمة
~~وصاحبها، وأن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. وظاهر مذهب الشافعي: أنه لا
~~يبلغ بالتعزير إلى الحدود وعلى هذا: ففي المعتبر وجهان:
# أحدهما: أدنى الحدود في حق المعزر فلا يزاد في تعزير الحر على تسع
~~وثلاثين ضربة ليكون دون حد الشرب ولا في تعزير العبد على تسعة عشر سوطا.
# والثاني: أنه يعتبر أدنى الحدود على الإطلاق فلا يزاد في تعزير الحر أيضا
~~على تسعة عشر سوطا
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أيضا. وفي وجه ثالث: أن الاعتبار بحد الأحرار فيجوز أن يزاد تعزير العبد
~~على عشرين، وذهب غير واحد إلى ظاهر الحديث وهو أنه لا يزاد في التعزير على
~~عشرة وإليه ذهب من الشافعية صاحب التقريب وذكر بعض المصنفين منهم: أن
~~الأظهر أنه يجوز الزيادة على العشر واختلف المخالفون لظاهر هذا الحديث في
~~العذر عنه فقال بعض مصنفي الشافعية: إنه منسوخ بعمل الصحابة بخلافه وهذا
~~ضعيف جدا؛ لأنه يتعذر عليه إثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه. وفعل
~~بعضهم أو فتواه لا يدل على النسخ، والمنقول في ذلك: فعل عمر - رضي الله عنه
~~- " أنه ضرب صبيغا أكثر من الحد، أو من مائة " وصبيغ هذا - بفتح الصاد
~~المهملة وكسر ثاني الحروف وآخره غين معجمة. وقال بعض المالكية: وتأول
~~أصحابنا الحديث على أنه مقصور على زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه
~~كان يكفي الجاني منهم هذا القدر. وهذا في غاية الضعف أيضا؛ لأنه ترك للعموم
~~بغير دليل شرعي على الخصوص. وما ذكره مناسبة ضعيفة لا تستقل بإثبات
~~التخصيص.
# قال هذا المالكي: وتأولوه أيضا على أن المراد بقوله " في حد من حدود الله
~~" أي حق من حقوقه، وإن ms511 لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها؛ لأن المحرمات
~~كلها من حدود الله. وبلغني عن بعض أهل العصر: أنه قرر هذا المعنى بأن تخصيص
~~الحد
# PageV02P251
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# بهذه المقدرات أمر اصطلاحي فقهي، وأن عرف الشرع في أول الإسلام: لم يكن
~~كذلك، أو يحتمل أن لا يكون كذلك - هذا أو كما قال - فلا يخرج عنه إلا
~~التأديبات التي ليست عن محرم شرعي وهذا - أولا - خروج في لفظة " الحد " عن
~~العرف فيها. وما ذكره هذا العصري: يوجب النقل، والأصل عدمه. وثانيا: أنا
~~إذا حملناه على ذلك، وأجزنا في كل حق من حقوق الله: أن يزاد لم يبق لنا شيء
~~يختص المنع فيه بالزيادة على عشرة أسواط إذ ما عدا المحرمات كلها التي لا
~~تجوز فيها الزيادة ليس إلا ما ليس بمحرم، وأصل التعزير فيه ممنوع. فلا يبقى
~~لخصوص منع الزيادة معنى وهذا أوردناه على ما قاله المالكي في إطلاقه لحقوق
~~الله وقد يتعذر عنه بما أشرنا إليه، من أنه لا يخرج عنه إلا التأديبات على
~~ما ليس بمحرم ومع هذا فيحتاج إلى إخراجها عن كونها من حقوق الله.
# وثالثا - على أصل الكلام وما قاله العصري، فيما نقل عنه - ما تقدم في
~~الحديث قبله من حديث عبد الرحمن " أخف الحدود ثمانون " فإنه يقطع دابر هذا
~~الوهم ويدل على أن مصطلحهم في الحدود: إطلاقها على المقدرات التي يطلق
~~عليها الفقهاء اسم " الحد " فإن ما عدا ذلك لا ينتهي إلى مقدار أربعين، فهو
~~ثمانون وإنما المنتهى إليه: هي الحدود المقدرات، وقد ذهب أشهب من المالكية
~~إلى ظاهر هذا الحديث كما ذهب إليه صاحب التقريب من الشافعية. والحديث متعرض
~~للمنع من الزيادة على العشرة، ويبقى ما دونها لا تعرض للمنع فيه وليس
~~التخيير فيه، ولا في شيء مما يفوض إلى الولاة: تخيير تشه، بل لا بد عليهم
~~من الاجتهاد.
# وعن بعض المالكية: أن مؤدب الصبيان لا يزيد على ثلاثة. فإن زاد اقتص منه،
~~وهذا تحديد يبعد إقامة الدليل المتين عليه. ولعله يأخذه ms512 من أن الثلاث:
~~اعتبرت في مواضع
# وهو أول حد الكثرة، وفي ذلك ضعف.
# والذي ذكره المصنف - من أن أبا بردة هو هانئ بن نيار - مختلف فيه، فقد
~~قيل: إنه رجل من الأنصار.
# PageV02P252
# كتاب الأيمان والنذور
### | 360 -
# الحديث الأول: عن عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة،
~~فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت
~~عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك، وأت الذي
~~هو خير.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الأيمان والنذور]
# فيه مسائل: الأولى: ظاهره يقتضي كراهية سؤال الإمارة مطلقا، والفقهاء
~~تصرفوا فيه بالقواعد الكلية، فمن كان متعينا للولاية وجب عليه قبولها إن
~~عرضت عليه، وطلبها إن لم تعرض؛ لأنه فرض كفاية، لا يتأدى إلا به فيتعين
~~عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين، وكان أفضل من غيره، ومنعنا ولاية
~~الفضول مع وجود الفاضل. وإن كان غيره أفضل منه، ولم نمنع تولية المفضول مع
~~وجود الفاضل فههنا يكره له أن يدخل في الولاية، وأن يسألها، وحرم بعضهم
~~الطلب وكره للإمام أن يوليه، وقال: إن ولاه انعقدت ولايته، وقد استخطئ فيما
~~قال. ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهية القضاء، لأحاديث وردت فيه.
# المسألة الثانية: لما كان خطر الولاية عظيما، بسبب أمور في الوالي، وبسبب
~~أمور خارجة عنه كان طلبها تكلفا، ودخولا في غرر عظيم، فهو جدير
# PageV00P000
# 361 - الحديث الثاني: عن أبي موسى - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إني والله - إن شاء الله - لا
~~أحلف على يمين، فأرى
#
### | [إحكام الأحكام]
# بعدم العون، ولما كانت إذا أتت من غير مسألة لم يكن فيها هذا التكلف كانت
~~جديرة بالعون على أعبائها وأثقالها، وفي الحديث إشارة إلى ألطاف الله تعالى
~~بالعبد بالإعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله، تفضلا زائدا على مجرد
~~التكليف والهداية إلى النجدين، ms513 هي مسألة أصولية، كثر فيها الكلام في فنها،
~~والذي يحتاج إليه في الحديث ما أشرنا إليه الآن.
### | [مسألة التكفير قبل الحنث]
# 1
# المسألة الثالثة: للحديث تعلق بالتكفير قبل الحنث، ومن يقول بجوازه قد
~~يتعلق بالبداءة بقوله - عليه السلام - «فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير»
~~وهذا ضعيف؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، والمعطوف والمعطوف عليه بها
~~كالجملة الواحدة. وليس بجيد طريقة من يقول في مثل هذا إن الفاء تقضي
~~الترتيب والتعقيب، فيقتضي ذلك أن يكون التكفير مستعقبا لرؤية الخير في
~~الحنث، فإذا استعقبه التكفير تأخر الحنث ضرورة، وإنما قلنا " إنه ليس بجيد
~~" لما بيناه من حكم الواو فلا فرق بين قولنا " فكفر، وأت الذي هو خير "
~~وبين قولنا " فافعل هذين "، ولو قال كذلك لم يقتض ترتيبا ولا تقديما، فكذلك
~~إذا أتى بالواو. وهذه الطريقة التي أشرنا إليها ذكرها بعض الفقهاء في
~~اشتراط الترتيب في الوضوء، وقال: إن الآية تقتضي تقديم غسل الوجه، بسبب
~~الفاء، وإذا وجب تقديم غسل الوجه وجب الترتيب في بقية الأعضاء اتفاقا، وهو
~~ضعيف لما بيناه.
### | [مسألة الوفاء بمقتضى اليمين]
# 1
# المسألة الرابعة: يقتضي الحديث تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى اليمين إذا كان
~~غيره خيرا، بنصه. وأما مفهومه: فقد يشير بأن الوفاء بمقتضى اليمين عند عدم
~~رؤية الخير في غيرها مطلوب، وقد تنازع المفسرون في معنى قوله تعالى: ()
~~{ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} [البقرة: 224] وحمله بعضهم على
~~ما دل عليه الحديث، ويكون معنى " عرضة " أي مانعا، و " أن تبروا " بتقدير:
~~ما أن تبروا.
# PageV00P000
# غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها.»
### | 362 -
# الحديث الثالث: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» .
### | 363 -
# ولمسلم «فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها]
# في هذا الحديث: تقديم ما يقتضي الحنث في اللفظ على الكفارة إن كان معنى
~~قوله - عليه ms514 السلام - " وتحللتها " التكفير عنها، ويحتمل أن يكون معناه
~~إتيان ما يقتضي الحنث فإن التحلل نقيض العقد، والعقد: هو ما دلت عليه
~~اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التحلل الإتيان بخلاف مقتضاها، فإن قلت:
~~فيكفي عن هذا قوله " أتيت الذي هو خير " فإنه بإتيانه إياه تحصل مخالفة
~~اليمين والتحلل منها فلا يفيد قوله - عليه السلام - حينئذ " وتحللت " فائدة
~~زائدة على ما في قوله " أتيت الذي هو خير " - قلت: فيه فائدة التصريح
~~والتنصيص على كون ما فعله محللا. والإتيان به بلفظه يناسب الجواز والحل
~~صريحا، فإذا صرح بذلك كان أبلغ مما إذا أتى به على سبيل الاستلزام.
# وقد أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الحكم المذكور
~~باليمين بالله تعالى وهو يقتضي المبالغة في ترجيح الحنث على الوفاء عند هذه
~~الحالة، وهذا " الخير " الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر
~~يرجع إلى مصالح الحنث المتعلقة بالمفعول المحلوف على تركه مثلا. وهذا
~~الحديث له سبب مذكور في غير هذا الموضع، وهو " أن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - حلف أن لا يحملهم، ثم حملهم ".
# PageV00P000
# وفي رواية قال عمر " فوالله ما حلفت بها منذ سمعت
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عنها، ذاكرا ولا آثرا ".
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم]
# يعني: حاكيا عن غيري أنه حلف بها. الحديث دليل على المنع من الحلف بغير
~~الله تعالى واليمين منعقدة عند الفقهاء باسم الذات وبالصفات العلية، وأما
~~اليمين بغير ذلك: فهو ممنوع، واختلفوا في هذا المنع هل هو على التحريم، أو
~~على الكراهة؟ والخلاف موجود عند المالكية. فالأقسام ثلاثة: الأول: ما يباح
~~به اليمين وهو ما ذكرنا من أسماء الذات والصفات.
# والثاني: ما تحرم اليمين به بالاتفاق، كالأنصاب والأزلام، واللاتي
~~والعزى، فإن قصد تعظيمها فهو كفر كذا قال بعض المالكية معلقا للقول فيه،
~~حيث يقول " فإن قصد تعظيمها فكفر، وإلا فحرام ".
# القسم بالشيء تعظيم له وسيأتي حديث يدل إطلاقه على الكفر لمن حلف ببعض
~~ذلك ms515 وما يشبهه ويمكن إجراؤه على ظاهره لدلالة اليمين بالشيء على التعظيم
~~له.
# الثالث: ما يختلف فيه بالتحريم والكراهة وهو ما عدا ذلك مما لا يقتضي
~~تعظيمه كفرا. وفي قول عمر - رضي الله عنه - " ذاكرا ولا آثرا " مبالغة في
~~الاحتياط وأن لا يجري على اللسان ما صورته صورة الممنوع شرعا.
# PageV02P256
# الحديث الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «عن
~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قال سليمان بن داود - عليهما السلام -:
~~لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل
~~الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا
~~امرأة واحدة: نصف إنسان. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو
~~قال إن شاء الله: لم يحنث، وكان دركا لحاجته.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة]
# قوله " قيل له: قل إن شاء الله " يعني قال له الملك فيه دليل: على أن
~~إتباع اليمين بالله بالمشيئة: يرفع حكم اليمين لقوله - عليه السلام - " لم
~~يحنث " وفيه نظر.
# وهذا ينقسم إلى ثلاثة أوجه: أحدها: أن ترد المشيئة إلى الفعل المحلوف
~~عليه، كقوله مثلا " لأدخلن الدار إن شاء الله " وأراد: رد المشيئة إلى
~~الدخول أي إن شاء الله دخولها وهذا هو الذي ينفعه الاستثناء بالمشيئة، ولا
~~يحنث إن لم يفعل.
# الثاني: أن يرد الاستثناء بالمشيئة إلى نفس اليمين فلا ينفعه الرجوع،
~~لوقوع اليمين، وتيقن مشيئة الله.
# والثالث: أن يذكر على سبيل الأدب في تفويض الأمر إلى مشيئة الله،
~~وامتثالا لقوله تعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا
~~أن يشاء الله} [الكهف: 24] لا على قصد معنى التعليق، وهذا لا يرفع حكم
~~اليمين.
# ولا تعلق للحديث بتعليق الطلاق بالمشيئة، والفقهاء مختلفون فيه ومالك
~~يفرق بين الطلاق واليمين بالله ويوقع الطلاق، وإن علق بالمشيئة، بخلاف
~~اليمين بالله؛ لأن الطلاق حكم قد شاءه الله، وهو مشكل جدا تركنا التعرض
~~لتقريره لعدم تعلقه بالحديث. وقد يؤخذ ms516 من الحديث: أن الكناية في اليمين مع
~~النية، كالصريح في حكم
# PageV02P257
# 365 - الحديث الخامس: عن عبد الله بن مسعود - رضي
~~الله عنه -
#
### | [إحكام الأحكام]
# اليمين، من حيث إن لفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي حكاه عن
~~سليمان - عليه السلام - وهو قوله " لأطوفن " ليس فيه التصريح باسم الله
~~تعالى، لكنه مقدر، لأجل اللازم التي دخلت على قوله " لأطوفن "، فإن كان قد
~~قيل بذلك وأن اليمين تلزم بمثل هذا فالحديث حجة لمن قاله، وإن لم يكن،
~~فيحتاج إلى تأويله، وتقدير اللفظ باسم الله تعالى صريحا في المحكي وإن كان
~~ساقطا في الحكاية، وهذا ليس بممتنع في الحكاية، فإن من قال " والله لأطوفن
~~" فقد قال " لأطوفن " فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد. وقوله " وكان دركا
~~لحاجته " يراد به: أنه كان يحصل ما أراد.
# وقد يؤخذ من الحديث: جواز الإخبار عن وقوع الشيء المستقبل بناء على الظن،
~~فإن هذا الإخبار - أعني قول سليمان - عليه السلام - " تلد كل امرأة منهن
~~غلاما " - لا يجوز أن يكون عن وحي وإلا لوجب وقوع مخبره. وأجاز الفقهاء
~~الشافعية اليمين على الظن في الماضي وقالوا: يجوز أن يحلف على خط أبيه،
~~وذكر بعضهم أضعف من هذا وأجاز الحلف في صورة، بناء على قرينة ضعيفة. وأما
~~بعض المالكية: فإنه دل لفظه على احتمال في هذا الجواز وتردد، أو على نقل
~~خلاف - أعني اليمين على الظن -؛ لأنه قال: والظاهر أن الظن كذلك وهو محتمل
~~لما ذكرناه من الوجهين.
# وقد يؤخذ من الحديث: أن الاستثناء إذا اتصل باليمين في اللفظ: أنه يثبت
~~حكمه، وإن لم ينو من أول اللفظ وذلك أن الملك قال " قل إن شاء الله تعالى "
~~عند فراغه من اليمين فلو لم يثبت حكمه لما أفاد قوله. ويمكن أن يجعل ذلك
~~تأدبا، لا لرفع حكم اليمين فلا يكون فيه حجة. وأقوى من ذلك في الدلالة:
~~قوله - عليه السلام - «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث» مع احتماله للتأويل.
# PageV00P000
# قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms517 - «من حلف
~~على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه
~~غضبان» ونزلت {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران:
~~77] إلى آخر الآية ".
### | 366 -
# الحديث السادس: عن الأشعث بن قيس - رضي الله عنه - قال «كان بيني وبين
~~رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم -: شاهداك، أو يمينه قلت: إذا يحلف ولا يبالي
~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال
~~امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم]
# " يمين الصبر " هي التي يصبر فيها نفسه على الجزم باليمين و " الصبر "
~~الحبس، فكأنه يحبس نفسه على هذا الأمر العظيم وهي اليمين الكاذبة. ويقال
~~لمثل هذه اليمين " الغموس " أيضا. وفي الحديث: وعيد شديد لفاعل ذلك، وذلك
~~لما فيها من أكل المال بالباطل ظلما وعدوانا، والاستخفاف بحرمة اليمين
~~بالله. وهذا الحديث: يقتضي تفسير هذه الآية بهذا المعنى. وفي ذلك اختلاف
~~بين المفسرين، ويترجح قول من ذهب إلى هذا المعنى بهذا الحديث. وبيان سبب
~~النزول: طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز، وهو أمر يحصل للصحابة بقرائن
~~تحف بالقضايا.
### | [حديث الأشعث بن قيس قال كان بيني وبين رجل خصومة في بئر]
# هذا الحديث: فيه دلالة على الوعيد المذكور كالأول وفيه شيء آخر يتعلق
~~بمسألة اختلف فيها الفقهاء، وهو ما إذا ادعى على غريمه شيئا، فأنكره وأحلفه
~~ثم أراد إقامة البينة عليه بعد الإحلاف فله ذلك عند الشافعية. وعند
~~المالكية: ليس له ذلك، إلا أن يأتي بعذر في ترك إقامة البينة يتوجه له.
~~وربما يتمسكون بقوله
# PageV00P000
# 367 - الحديث السابع: عن «ثابت بن الضحاك الأنصاري -
~~رضي الله عنه - أنه بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، وأن
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من ms518 حلف على يمين بملة غير الإسلام،
~~كاذبا متعمدا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس
~~على رجل نذر فيما لا يملك.» وفي رواية «ولعن المؤمن كقتله.» وفي رواية «من
~~ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله عز وجل إلا قلة.»
#
### | [إحكام الأحكام]
# - صلى الله عليه وسلم - «شاهداك، أو يمينه» وفي حديث آخر «ليس لك إلا
~~ذلك» . ووجه الدليل منه: أن " أو " تقتضي أحد الشيئين، فلو أجزنا إقامة
~~البينة بعد التحليف: لكان له الأمران معا - أعني اليمين، وإقامة البينة -
~~مع أن الحديث يقتضي: أن ليس له إلا أحدهما.
# وقد يقال في هذا: إن المقصود من الكلام نفي طريق أخرى لإثبات الحق، فيعود
~~المعنى إلى حصر الحجة في هذين الجنسين - أعني البينة واليمين - إلا أن هذا
~~قليل النفع بالنسبة إلى المناظرة. وفهم مقاصد الكلام نافع بالنسبة إلى
~~النظر. وللأصوليين في أصل هذا الكلام بحث، ولم ينبه على هذا حق التنبيه -
~~أعني اعتبار مقاصد الكلام - وبسط القول فيه إلا أحد مشايخ بعض مشايخنا من
~~أهل المغرب، وقد ذكره قبله بعض المتوسطين من الأصوليين المالكيين في كتابه
~~في الأصول. وهو عندي قاعدة صحيحة، نافعة للناظر في نفسه، غير أن المناظر
~~الجدلي: قد ينازع في المفهوم ويعسر تقريره عليه. وقد استدل الحنفية بقوله -
~~عليه السلام - «شاهداك أو يمينه» على ترك العمل بالشاهد واليمين.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من حلف على يمين بملة غير الإسلام]
# فيه مسائل:
# المسألة الأولى: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به وإدخال بعض حروف القسم
~~عليه كقوله " والله، والرحمن "، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كما يقول
~~الفقهاء: إذا حلف بالطلاق على كذا، ومرادهم: تعليق الطلاق به وهذا مجاز
~~وكأن سببه مشابهة هذا التعليق باليمين في اقتضاء الحنث أو المنع. إذا ثبت
~~هذا، فنقول: قوله - عليه السلام - «من حلف على يمين بملة غير الإسلام»
~~يحتمل أن يراد به المعنى الأول، ويحتمل أن يراد به المعنى الثاني، والأقرب
~~أن المراد ms519 الثاني، لأجل قوله " كاذبا متعمدا " والكذب يدخل القضية
~~الإخبارية التي يقع مقتضاها تارة، وتارة لا يقع. وأما قولنا " والله " وما
~~أشبهه فليس الإخبار بها عن أمر خارجي وهي للإنشاء - أعني إنشاء القسم -
~~فتكون صورة هذا اليمين على وجهين:
# أحدهما: أن يتعلق بالمستقبل كقوله " إن فعلت كذا فهو يهودي، أو نصراني ".
# والثاني: أن يتعلق بالماضي، مثل أن يقول " إن كنت فعلت كذا فهو يهودي أو
~~نصراني ". فأما الأول - وهو ما يتعلق بالمستقبل - فلا تتعلق به الكفارة عند
~~المالكية والشافعية، وأما عند الحنفية: ففيها الكفارة، وقد يتعلق الأولون
~~بهذا الحديث فإنه لم يذكر كفارة، وجعل المرتب على ذلك قوله " هو كما قال ".
~~وأما إن تعلق بالماضي: فقد اختلف الحنفية فيه. فقيل: إنه لا يكفر، اعتبارا
~~بالمستقبل وقيل: يكفر؛ لأنه تنجيز معنى، فصار كما إذا قال " هو يهودي "،
~~قال بعضهم: والصحيح أنه لا يكفر فيهما إن كان يعلم أنه يمين، وإن كان عنده
~~أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر، حيث أقدم على الفعل.
### | [مسألة مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية]
# 1
# المسألة الثانية: قوله - عليه السلام - «ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم
~~القيامة» هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية. ويؤخذ
~~منه: أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست
~~ملكا له، وإنما هي ملك لله تعالى فلا يتصرف فيها إلا أذن له فيه. قال
# PageV02P261
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# القاضي عياض: وفيه دليل لمالك ومن قال بقوله، على أن القصاص من القاتل
~~بما قتل به، محددا كان أو غير محدد - خلافا لأبي حنيفة - اقتداء بعقاب الله
~~عز وجل لقاتل نفسه في الآخرة، ثم ذكر حديث اليهودي، وحديث العرنيين.
# وهذا الذي أخذه من هذا الحديث في هذه المسألة: ضعيف جدا؛ لأن أحكام الله
~~تعالى لا تقاس بأفعاله وليس كل ما فعله في الآخرة بمشروع لنا في الدنيا،
~~كالتحريق بالنار، وإلساع الحيات والعقارب، وسقي الحميم المقطع للأمعاء.
~~وبالجملة: فما لنا طريق إلى إثبات الأحكام ms520 إلا نصوص تدل عليها، أو قياس على
~~المنصوص عند القياسيين ومن شرط ذلك: أن يكون الأصل المقيس عليه حكما، أما
~~ما كان فعلا لله تعالى فلا، وهذا ظاهر جدا وليس ما نعتقده فعلا لله تعالى
~~في الدنيا أيضا بالمباح لنا فإن لله أن يفعل ما يشاء بعباده، ولا حكم عليه،
~~وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه، بواسطة أو بغير واسطة.
### | [مسألة التصرفات الواقعة قبل الملك للشيء]
# 1
# المسألة الثالثة: التصرفات الواقعة قبل الملك للشيء على وجهين:
# أحدهما: تصرفات التنجيز كما لو أعتق عبد غيره، أو باعه، أو نذر نذرا
~~متعلقا به فهذه تصرفات لاغية اتفاقا، إلا ما حكي عن بعضهم في العتق خاصة،
~~أنه إذا كان موسرا: يعتق عليه، وقيل: إنه رجع عنه.
# الثاني: التصرفات المتعلقة بالملك، كتعلق الطلاق بالنكاح مثلا، فهذا
~~مختلف فيه فالشافعي يلغيه كالأول ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه. وقد يستدل
~~للشافعي بهذا الحديث وما يقاربه، ومخالفوه يحملونه على التنجيز، أو يقولون
~~بموجب الحديث، فإن التنفيذ إنما يقع بعد الملك، فالطلاق - مثلا - لم يقع
~~قبل الملك، فمن هنا يجيء القول بالموجب.
# وههنا نظر دقيق في الفرق بين الطلاق - أعني تعليقه بالملك - وبين النذر
~~في ذلك فتأمله. واستبعد قوم تأويل الحديث وما يقاربه بالتنجيز، من حيث إنه
~~أمر ظاهر جلي لا تقوم به فائدة يحسن حمل اللفظ عليها، وليست جهة هذا
~~الاستبعاد بقوية فإن الأحكام كلها: في الابتداء كانت منتفية، وفي أثنائها
~~فائدة متجددة، وإنما حصل الشيوع والشهرة لبعضها فيما بعد ذلك وذلك لا ينفي
# PageV02P262
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# حصول الفائدة عند تأسيس الأحكام.
# المسألة الرابعة: قوله - عليه السلام - «ولعن المؤمن كقتله» فيه سؤال،
~~وهو أن يقال: إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام الآخرة؟ لا
~~يمكن أن يكون المراد أحكام الدنيا؛ لأن قتله يوجب القصاص، ولعنه لا يوجب
~~ذلك، وأما أحكام الآخرة: فإما أن يراد بها التساوي في الإثم، أو في العقاب؟
~~وكلاهما مشكل؛ لأن الإثم يتفاوت بتفاوت ms521 مفسدة الفعل، وليس إذهاب الروح في
~~المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة، وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم قال
~~الله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال
~~ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب، بحسب
~~التفاوت في المصالح والمفاسد فإن الخيرات مصالح والمفاسد شرور.
# قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني المازري -: الظاهر من الحديث تشبيهه
~~في الإثم، وهو تشبيه واقع؛ لأن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن التصرف
~~قال القاضي، وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين، ومنعهم
~~منافعه، وتكثير عددهم به كما لو قتله، وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه
~~الأخروية عنه، وبعده منها بإجابة لعنته فهو كمن قتل في الدنيا، وقطعت عنه
~~منافعه فيها، وقيل: الظاهر من الحديث: تشبيه في الإثم، وكذلك ما حكاه من أن
~~معناه: استواؤهما في التحريم، وأقول: هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر. أما ما
~~حكاه عن الإمام - من أن معناه استواؤهما في التحريم - فهذا يحتمل أمرين:
# أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم.
# والثاني: أن يقع في مقدار الإثم.
# فأما الأول: فلا ينبغي أن يحمل عليه؛ لأن كل معصية - قلت أو عظمت - فهي
~~مشابهة أو مستوية مع القتل في أصل التحريم، فلا يبقى في الحديث كبير فائدة،
~~مع أن المفهوم منه: تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل.
# وأما الثاني: فقد بينا ما فيه من الإشكال وهو التفاوت في المفسدة بين
~~إزهاق الروح وإتلافها، وبين الأذى باللعنة، وأما ما حكاه عن الإمام - من
~~قوله: إن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع
# PageV02P263
#
### | [مسألة الحلف بالشيء حقيقة]
#
### | [إحكام الأحكام]
# عن التصرف - فالكلام عليه أن نقول: اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد الذي
~~هو فعل الله تعالى وهذا الذي يقع فيه التشبيه.
# والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن، وهو طلبه لذلك الإبعاد بقوله "
~~لعنه الله " مثلا، أو بوصفه للشخص بذلك الإبعاد بقوله " فلان ملعون " وهذا
~~ليس بقطع عن الرحمة بنفسه، ما لم تتصل به ms522 الإجابة، فيكون حينئذ تسببا إلى
~~قطع التصرف، ويكون نظيره: التسبب إلى القتل، غير أنهما يفترقان في أن
~~التسبب إلى القتل بمباشرة الحز وغيره من مقدمات القتل: مفض إلى القتل بمطرد
~~العادة فلو كان مباشرة اللعن مفضيا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائما:
~~لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل، أو زاد عليه وبهذا يتبين لك الإيراد
~~على ما حكاه القاضي، من أن لعنته له: تقتضي قصده إخراجه عن جماعة المسلمين،
~~كما لو قتله فإن قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه كما يستلزم مقدمات القتل،
~~وكذلك أيضا ما حكاه من أن لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه بإجابة
~~دعوته: إنما يحصل ذلك بإجابة الدعوة، وقد لا تجاب في كثير من الأوقات فلا
~~يحصل انقطاعه عن منافعه، كما يحصل بقتله ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب
~~الإجابة، مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة، ويحتمل ما
~~حكاه القاضي عن الإمام وغيره، أو بعضه: أن لا يكون تشبيها في حكم دنيوي،
~~ولا أخروي، بل يكون تشبيها لأمر وجودي بأمر وجودي كالقطع. والقطع - مثلا في
~~بعض ما حكاه - أي قطعه عن الرحمة، أو عن المسلمين بقطع حياته وفيه بعد ذلك
~~نظر، والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم: أنا نقول:
~~لا نسلم أن مفسدة اللعن مجرد أذاه، بل فيها - مع ذلك - تعريضه لإجابة
~~الدعاء فيه؛ بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه كما دل عليه
~~الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على
~~أموالكم ولا تدعوا على أولادكم لا توافقوا ساعة» - الحديث " وإذا عرضه
~~باللعنة لذلك: وقعت الإجابة، وإبعاده من رحمة الله تعالى: كان ذلك أعظم من
~~قتله؛ لأن القتل تفويت الحياة
# PageV02P264
# باب النذر
### | 368 -
# الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال «قلت: يا رسول
~~الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة - وفي رواية: يوما - في
~~المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك.»
#
### | [إحكام الأحكام] ms523
# الفانية قطعا، والإبعاد من رحمة الله تعالى: أعظم ضررا بما لا يحصى، وقد
~~يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويا أو مقاربا لأخفهما على سبيل
~~التحقيق. ومقادير المفاسد والمصالح وأعدادهما: أمر لا سبيل للبشر إلى
~~الاطلاع على حقائقه.
### | [باب النذر]
# فيه دليل على الوفاء بالنذر المطلق، والنذور ثلاثة أقسام:
# أحدها: ما علق على وجود نعمة، أو دفع نقمة فوجد ذلك فيلزم الوفاء به.
# والثاني: ما علق على شيء لقصد المنع أو الحث كقوله: إن دخلت الدار فلله
~~علي كذا. وقد اختلفوا فيه. وللشافعي قول: أنه مخير بين الوفاء بما نذر،
~~وبين كفارة يمين وهذا الذي يسمى " نذر اللجاج والغضب ".
# والثالث: ما ينذر من الطاعة من غير تعليق بشيء كقوله " لله علي كذا "
~~فالمشهور: وجوب الوفاء بذلك وهذا الذي أردناه بقولنا " النذر المطلق " وأما
~~ما لم يذكر مخرجه، كقوله " لله علي نذر " هذا هو الذي يقول مالك: إنه يلزم
~~فيه كفارة يمين.
### | 1 -
# وفيه دليل على أن الاعتكاف قربة تلزم بالنذر. وقد تصرف الفقهاء الشافعية
~~فيما يلزم بالنذر من العبادات. وليس كل ما هو عبادة مثاب عليه لازما بالنذر
~~عندهم، فتكون فائدة هذا الحديث من هذا الوجه: أن الاعتكاف من القسم الذي
~~يلزم بالنذر.
### | 1 -
# وفيه دليل عند بعضهم: على أن الصوم لا يشترط في الاعتكاف لقوله " ليلة "
~~وهذا مذهب الشافعي. ومذهب أبي حنيفة ومالك: اشتراط الصوم وقد أول قوله "
~~ليلة " على اليوم فإن العرب تعبر بالليلة عن اليوم ولا سيما وقد ورد
# PageV00P000
# 369 - الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن النذر، وقال: إن
~~النذر لا يأتي بخير. وإنما يستخرج به من البخيل» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# في بعض الروايات " يوما ".
# واستدل به على أن نذر الكافر صحيح وهو قول في مذهب الشافعي والمشهور: أنه
~~لا يصح؛ لأن الكافر ليس من أهل التزام القربة، ويحتاج - على هذا - إلى
~~تأويل الحديث، ولعله أن يقال: إنه أمره بأن يأتي ms524 بعبادة تماثل ما التزم في
~~الصورة، وهو اعتكاف يوم فأطلق عليها وفاء بالنذر، لمشابهتها إياه، ولأن
~~المقصود قد حصل وهو الإتيان بهذه العبادة.
### | [حديث أنه نهى عن النذر]
# مذهب المالكية: العمل بظاهر الحديث، وهو أن نذر الطاعة مكروه، وإن كان
~~لازما، إلا أن سياق بعض الأحاديث: يقتضي أحد أقسام النذر التي ذكرناها وهو
~~ما يقصد به تحصيل غرض، أو دفع مكروه وذلك لقوله " وإنما يستخرج به من
~~البخيل " وفي كراهة النذر إشكال على القواعد، فإن القاعدة: تقتضي أن وسيلة
~~الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية، ويعظم قبح الوسيلة بحسب عظم المفسدة
~~وكذلك تعظم فضيلة الوسيلة بحسب عظم المصلحة، ولما كان النذر وسيلة إلى
~~التزام قربة لزم على هذا أن يكون قربة، إلا أن ظاهر إطلاق الحديث دل على
~~خلافه، وإذا حملناه على القسم الذي أشرنا إليه من أقسام النذر - كما دل
~~عليه سياق الحديث - فذلك المعنى الموجود في ذلك القسم: ليس بموجود في النذر
~~المطلق، فإن ذلك خرج مخرج طلب العوض، وتوقيف العبادة على تحصيل الغرض، وليس
~~هذا المعنى موجودا في التزام العبادة والنذر بها مطلقا، وقد يقال: إن
~~البخيل لا يأتي بالطاعة إلا إذا اتصفت بالوجوب فيكون النذر: هو الذي أوجب
~~له فعل الطاعة، لتعلق الوجوب به ولو لم يتعلق به
# PageV00P000
# 370 - الحديث الثالث: عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه
~~- قال «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني أن أستفتي لها
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيته فقال: لتمش ولتركب.»
### | 371 -
# الحديث الرابع: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال «استفتى
~~سعد بن عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نذر كان على أمه، توفيت
~~قبل أن تقضيه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فاقضه عنها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الوجوب لتركه البخيل، فيكون النذر المطلق أيضا: مما يستخرج به من البخيل،
~~إلا أن لفظة " البخيل " هنا قد تشعر بما يتعلق بالمال. وعلى كل تقدير:
~~فاتباع النصوص أولى. ms525
# وقوله - عليه السلام - " إنما يستخرج به من البخيل " الأظهر في معناه: أن
~~البخيل لا يعطي طاعة إلا في عوض ومقابل يحصل له، فيكون النذر هو السبب الذي
~~استخرج منه تلك الطاعة.
# وقوله - عليه السلام - " لا يأتي بخير " يحتمل أن تكون " الباء " باء
~~السببية كأنه يقول: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب
~~والطاعة من غير عوض يحصل له وإن كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي
~~نذرها ولكن سبب ذلك الخير: حصول غرضه.
### | [حديث عقبة بن عامر قال نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية]
# نذر المشي إلى بيت الله الحرام: لازم عند مالك مطلقا وتعليقا فيحتاج إلى
~~تأويل قوله " ولتركب " فيمكن أن يحمل على حالة العجز عن المشي فإنها تركب
~~وفيما يلزم عن ذلك الركوب: تفصيل مذهبي عندهم.
# PageV00P000
# 372 - الحديث الخامس: «عن كعب بن مالك - رضي الله عنه
~~- قال قلت: يا رسول الله، إن من توبتي: أن أنخلع من مالي، صدقة إلى الله
~~وإلى رسوله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك بعض مالك فهو
~~خير لك» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث استفتى سعد رسول الله في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه]
# فيه دليل على جواز قضاء المنذور عن الميت وقوله " في نذر " هو نكرة في
~~الإثبات ولم يبين في هذه الرواية: ما كان النذر. وقد انقسمت العبادة إلى
~~مالية وبدنية: والمالية: لا إشكال في دخول النيابة فيها، والقضاء على الميت
~~وإنما الإشكال: في العبادة البدنية، كالصوم.
### | [حديث أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك]
# فيه دليل على أن إمساك ما يحتاج إليه من المال أولى من إخراج كله في
~~الصدقة. وقد قسموا ذلك بحسب أخلاق الإنسان، فإن كان لا يصبر على الإضاقة
~~كره له أن يتصدق بكل ماله، وإن كان ممن يصبر: لم يكره. وفيه دليل على أن
~~الصدقة لها أثر في محو الذنوب، ولأجل هذا شرعت الكفارات المالية. وفيها
~~مصلحتان، كل واحدة منهما ms526 تصلح للمحو إحداهما: الثواب الحاصل بسببها وقد
~~تحصل به الموازنة، فتمحو أثر الذنب. والثانية: دعاء من يتصدق عليه فقد يكون
~~سببا لمحو الذنوب
# وقد ورد في بعض الروايات «يكفيك من ذلك الثلث» .
# PageV00P000
# باب القضاء
### | 373 -
# الحديث الأول: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي لفظ «من
~~عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.»
### | 374 -
# الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت «دخلت هند بنت عتبة -
~~امرأة أبي سفيان - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول
#
### | [إحكام الأحكام]
# واستدل بعض المالكية على أن من نذر التصدق بكل ماله: اكتفى منه بالثلث.
~~وهو ضعيف؛ لأن اللفظ الذي أتى به كعب بن مالك ليس بتنجيز صدقة، حتى يقع في
~~محل الخلاف وإنما هو لفظ عن نية قصد فعل متعلقها ولم يقع بعد، فأشار - عليه
~~السلام - بأن لا يفعل ذلك، وأن يمسك بعض ماله وذلك قبل إيقاع ما عزم عليه
~~هذا ظاهر اللفظ أو هو محتمل له، وكيفما كان: فتضعف منه الدلالة على مسألة
~~الخلاف، وهو تنجيز الصدقة بكل المال نذرا مطلقا، أو معلقا.
### | [باب القضاء]
# هذا الحديث أحد الأحاديث الأركان من أركان الشريعة، لكثرة ما يدخل تحته
~~من الأحكام. وقوله " فهو رد " أي مردود أطلق المصدر على اسم المفعول.
~~ويستدل به على إبطال جميع العقود الممنوعة، وعدم وجود ثمراتها.
# واستدل به في أصول الفقه على أن النهي: يقتضي الفساد. نعم قد يقع الغلط
~~في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث من الرد، فإنه قد يتعارض
~~أمران فينتقل من أحدهما إلى الآخر ويكون العمل بالحديث في أحدهما كافيا
~~ويقع الحكم به في الآخر في محل النزاع، فللخصم أن يمنع دلالته عليه، فتنبه
~~لذلك.
# PageV00P000
# الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما
~~يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه. فهل علي في ms527 ذلك من جناح؟
~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك
~~ويكفي بنيك.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إن أبا سفيان رجل شحيح]
# استدل به بعضهم على القضاء على الغائب وفيه ضعف، من حيث إنه يحتمل
~~الفتوى، بل ندعي أنه يتعين ذلك للفتوى؛ لأن الحكم يحتاج إلى إثبات السبب
~~المسلط على الأخذ من مال الغير ولا يحتاج إلى ذلك في الفتوى، وربما قيل: إن
~~أبا سفيان كان حاضرا في البلد، ولا يقضى على الغائب الحاضر في البلد، مع
~~إمكان إحضاره وسماعه للدعوى عليه، في المشهور من مذاهب الفقهاء، فإن ثبت
~~أنه كان حاضرا فهو وجه يبعد الاستدلال عنه الأكثرون من الفقهاء، وهذا يبعد
~~ثبوته، إلا أن يؤخذ بطريق الاستصحاب بحال حضوره. نعم فيه دليل على مسألة
~~الظفر بالحق، وأخذه من غير مراجعة من هو عليه، ولم يدل الحديث على جواز
~~أخذها من الجنس، أو من غير الجنس.
# ومن يستدل بالإطلاق في مثل هذا: يجعله حجة في الجميع. واستدل به على أنه
~~لا يتوقف أخذ الحق من مال من عليه على تعذر الإثبات عند الحاكم. وهو وجه
~~للشافعية؛ لأن هندا كان يمكنها الرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~وأخذ الحق بحكمه.
### | 1 -
# وفيه دليل على أن النفقة غير مقدرة بمقدار معين بل بالكفاية، لقوله «ما
~~يكفيك وبنيك» .
### | 1 -
# وفيه دليل على تصرف المرأة في نفقة ولدها في الجملة، وقد يستدل به من
~~يرى: أن للمرأة ولاية على ولدها، من حيث إن صرف المال إلى المحجور عليه، أو
~~تمليكه له: يحتاج إلى ولاية، وفيه نظر لوجود الأب فيحتاج إلى الجواب عن هذا
~~التوجيه المذكور، فقد يقال: إن تعذر استيفاء الحق من الأب أو غيره، مع تكرر
~~الحاجة دائما يجعله كالمعدوم. وفيه نظر أيضا.
# PageV02P270
# 375 - الحديث الثالث: عن أم سلمة - رضي الله عنها -
~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج
~~إليهم، فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني ms528 الخصم، فلعل بعضكم أن يكون
~~أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي
~~قطعة من نار، فليحملها أو يذرها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيه دليل على جواز ذكر بعض الأوصاف المذمومة إذا تعلقت بها مصلحة أو
~~ضرورة.
# وفيه دليل على أن ما يذكر في الاستفتاء لأجل ضرورة معرفة الحكم، إذا تعلق
~~به أذى الغير: لا يوجب تعزيرا.
### | [حديث أن رسول الله سمع جلبة خصم بباب حجرته]
# فيه دليل على إجراء الأحكام على الظاهر، وإعلام الناس بأن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - في ذلك كغيره وإن كان يفترق مع الغير في إطلاعه على ما
~~يطلعه الله عز وجل عليه من الغيوب الباطنة، وذلك في أمور مخصوصة، لا في
~~الأحكام العامة، وعلى هذا يدل قوله - عليه السلام - " إنما أنا بشر " وقد
~~قدمنا في أول الكتاب: أن الحصر في " إنما " يكون عاما، ويكون خاصا وهذا من
~~الخاص وهو فيما يتعلق بالحكم بالنسبة إلى الحجج الظاهرة. ويستدل بهذا
~~الحديث من يرى أن القضاء لا ينفذ في الظاهر والباطن معا مطلقا، وأن حكم
~~القاضي لا يغير حكما شرعيا في الباطن. واتفق أصحاب الشافعي على أن القاضي
~~الحنفي إذا قضى بشفعة الجار: للشافع أخذها في الظاهر، واختلفوا في حل ذلك
~~في الباطن له على وجهين والحديث عام بالنسبة إلى سائر الحقوق.
# والذي يتفقون عليه - أعني أصحاب الشافعي - أن الحجج إذا كانت باطلة في
~~نفس الأمر، بحيث لو اطلع عليها القاضي لم يجز له الحكم بها: أن ذلك لا
~~يؤثر، وإنما وقع التردد في الأمور الاجتهادية إذا خالف اعتقاد القاضي
~~اعتقاد المحكوم له، كما قلنا في شفعة الجار.
# PageV00P000
# الحديث الرابع عن عبد الرحمن بن أبي بكرة - رضي الله
~~عنهما - قال «كتب أبي - أو كتبت له - إلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة وهو
~~قاض بسجستان: أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان. فإني سمعت رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - يقول: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ms529 وفي رواية لا
~~يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان» .
### | 377 -
# الحديث الخامس: عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ - ثلاثا - قلنا: بلى يا رسول
~~الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس،
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان]
# النص وارد في المنع من القضاء حالة الغضب وذلك لما يحصل للنفس بسببه من
~~التشويش الموجب لاختلال النظر، وعدم استيفائه على الوجه. وعداه الفقهاء
~~بهذا المعنى إلى كل ما يحصل منه ما يشوش الفكر، كالجوع والعطش وهو قياس
~~مظنة على مظنة فإن كل واحد من الجوع والعطش مشوش للفكر ولو قضى مع الغضب
~~والجوع: لنفذ إذا صادف الحق، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على ذلك وكأن
~~الغضب إنما خص لشدة استيلائه على النفس، وصعوبة مقاومته.
### | 1 -
# وفيه دليل على أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل. وأما
~~في الرواية: فقد اختلفوا في ذلك والصواب أن يقال: إن أدى الرواية بعبارة
~~مطابقة للواقع جاز كقوله: كتب إلي فلان بكذا وكذا.
# PageV00P000
# وقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها
~~حتى قلنا: ليته سكت.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث ألا أنبئكم بأكبر الكبائر]
# فيه مسائل: الأولى: قد يدل الحديث على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر
~~وعليه أيضا يدل قوله تعالى {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31]
~~وفي الاستدلال بهذا الحديث على ذلك نظر؛ لأن من قال " كل ذنب كبيرة "
~~فالكبائر والذنوب عنده متواردان على شيء واحد فيصير كأنه قيل: ألا أنبئكم
~~بأكبر الذنوب. وعن بعض السلف: أن كل ما نهى الله عز وجل عنه فهو كبيرة.
~~وظاهر القرآن والحديث: على خلافه ولعله أخذ " الكبيرة " باعتبار الوضع
~~اللغوي ونظر إلى عظم المخالفة للأمر والنهي وسمى كل ذنب كبيرة.
### | [مسألة انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر]
# 1
# الثانية: يدل على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر، لقوله - عليه ms530
~~السلام - " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " وذلك بحسب تفاوت مفاسدها ولا يلزم
~~من كون هذه أكبر الكبائر: استواء رتبها أيضا في نفسها فإن الإشراك بالله:
~~أعظم كبيرة من كل ما عداه من الذنوب المذكورة في الأحاديث التي ذكر فيها
~~الكبائر.
### | [مسألة اختلف الناس في الكبائر]
# 1
# الثالثة: اختلف الناس في الكبائر فمنهم من قصد تعريفها بتعدادها وذكروا
~~في ذلك أعدادا من الذنوب، ومن سلك هذه الطريقة فليجمع ما ورد في ذلك في
~~الأحاديث، إلا أنه لا يستفيد بذلك الحصر ومن هذا قيل: إن بعض السلف قيل له
~~" إنها سبع " فقال " إنها إلى السبعين أقرب منها إلى السبع ". ومنهم من سلك
~~طريق الحصر بالضوابط فقيل عن بعضهم: إن كل ذنب قرن به وعيد أو لعن، أو حد:
~~فهو من الكبائر، فتغيير منار الأرض: كبيرة لاقتران اللعن به وكذا قتل
~~المؤمن، لاقتران الوعيد به والمحاربة، والزنا، والسرقة والقذف، كبائر،
~~لاقتران الحدود بها، واللعنة ببعضها. وسلك بعض المتأخرين طريقا فقال: إذا
~~أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر: فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد
~~الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر، فهي من الصغائر وإن
~~ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو أربت عليه فهي من الكبائر، وعد
# PageV02P273
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من الكبائر: شتم الرب تبارك وتعالى، أو الرسول، والاستهانة بالرسل،
~~وتكذيب واحد منهم، وتضميخ الكعبة بالعذرة وإلقاء المصحف في القاذورات فهذا
~~من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة. وهذا الذي قاله داخل عندي فيما
~~نص عليه الشرع بالكفر إن جعلنا المراد بالإشراك بالله: مطلق الكفر، على ما
~~سننبه عليه، ولا بد مع هذا - من أمرين:
# أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فإنه قد يقع
~~الغلط في ذلك. ألا ترى أن السابق إلى الذهن: أن مفسدة الخمر: السكر وتشويش
~~العقل؟ فإن أخذنا هذا بمجرده لزم منه أن لا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة،
~~لخلائها عن المفسدة المذكورة، لكنها كبيرة فإنها - وإن خلت عن المفسدة
~~المذكورة ms531 - إلا أنه يقترن بها مفسدة الإقدام والتجري على شرب الكثير الموقع
~~في المفسدة فبهذا الاقتران تصير كبيرة.
# والثاني: أنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى بعض
~~الكبائر مساويا لبعض الكبائر، أو زائدا عليها، فإن من أمسك امرأة محصنة لمن
~~يزني بها، أو مسلما معصوما لمن يقتله فهو كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال
~~الربا، أو أكل مال اليتيم وهما منصوص عليهما، وكذلك لو دل على عورة من
~~عورات المسلمين تفضي إلى قتلهم، وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم كان ذلك أعظم
~~من فراره من الزحف، والفرار من الزحف منصوص عليه دون هذه، وكذلك تفعل - على
~~هذا القول الذي حكيناه من أن الكبيرة ما رتب عليها اللعن، أو الحد، أو
~~الوعيد - فتعتبر المفاسد بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك، فما ساوى
~~أقلها، فهو كبيرة وما نقص عن ذلك فليس بكبيرة.
### | [مسألة الإشراك بالله]
# الرابعة: قوله - عليه السلام - " الإشراك بالله " يحتمل أن يراد به: مطلق
~~الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، لا سيما في بلاد العرب، فذكر
~~تنبيها على غيره. ويحتمل أن يراد به: خصوصه، إلا أنه يرد على هذا الاحتمال:
~~أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم قبحا من الإشراك، وهو كفر التعطيل. فبهذا
~~يترجح الاحتمال الأول.
### | [مسألة عقوق الوالدين معدود من أكبر الكبائر]
# 1
# الخامسة: عقوق الوالدين معدود من أكبر الكبائر في هذا الحديث ولا
# PageV02P274
#
### | [مسألة انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر]
#
### | [إحكام الأحكام]
# شك في عظم مفسدته، لعظم حق الوالدين إلا أن ضبط الواجب من الطاعة لهما،
~~والمحرم من العقوق لهما: فيه عسر، ورتب العقوق مختلفة قال شيخنا الإمام أبو
~~محمد بن عبد السلام: ولم أقف في عقوق الوالدين، ولا فيما يختصان به من
~~الحقوق، على ضابط أعتمد عليه. فإن ما يحرم في حق الأجانب: فهو حرام في
~~حقهما، وما يجب للأجانب: فهو واجب لهما فلا يجب على الولد طاعتهما في كل ما
~~يأمران به، ولا في كل ما ينهيان ms532 عنه باتفاق العلماء، وقد حرم على الولد
~~السفر إلى الجهاد بغير إذنهما، لما يشق عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من
~~أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه،
~~أو على عضو من أعضائه وقد ساوى الوالدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكنى.
~~انتهى كلامه.
# والفقهاء قد ذكروا صورا جزئية، وتكلموا فيها منثورة، لا يحصل منها ضابط
~~كلي فليس يبعد أن يسلك في ذلك ما أشرنا إليه في الكبائر، وهو أن تقاس
~~المصالح في طرف الثبوت بالمصالح التي وجبت لأجلها، والمفاسد في طرف العدم
~~بالمفاسد التي حرمت لأجلها.
### | [مسألة اهتمامه بأمر شهادة الزور أو قول الزور]
# 1
# السادسة: اهتمامه - عليه السلام - بأمر شهادة الزور، أو قول الزور: يحتمل
~~أن تكون؛ لأنها أسهل وقوعا على الناس، والتهاون بها أكثر، فمفسدتها أيسر
~~وقوعا، ألا ترى أن المذكور معها: هو الإشراك بالله ولا يقع فيه مسلم، وعقوق
~~الوالدين والطبع صارف عنه؟ وأما قوله: " الزور " فإن الحوامل عليه كثيرة،
~~كالعداوة وغيرها فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمها وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى
~~ما ذكر معها، وهو الإشراك قطعا. " وقول الزور، وشهادة الزور " ينبغي أن
~~يحمل قوله: " الزور " على شهادة الزور، فإنا لو حملناه على: الإطلاق: لزم
~~أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة، وليس كذلك، وقد نص الفقهاء على أن
~~الكذبة الواحدة وما
# PageV02P275
# 378 - الحديث السادس: عن ابن عباس - رضي الله عنهما
~~-: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس
~~دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يقاربها لا تسقط العدالة ولو كانت كبيرة لأسقطت، وقد نص الله تعالى على
~~عظم بعض الكذب فقال: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل
~~بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 112] وعظم الكذب ومراتبه تتفاوت بحسب تفاوت
~~مفاسده، وقد نص في الحديث الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة
~~عندي: تختلف بحسب المقول والمغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة، لإيجابها
~~الحد، ولا ms533 تساويها الغيبة بقبح الخلقة مثلا، أو قبح بعض الهيئة في اللباس
~~مثلا والله أعلم.
### | [حديث لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم]
# الحديث دليل على أنه لا يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعي الذي رتب، وإن
~~غلب على الظن صدق المدعي.
### | 1 -
# ويدل على أن اليمين على المدعى عليه مطلقا. وقد اختلف الفقهاء في اشتراط
~~أمر آخر في وجه اليمين على المدعى عليه. وفي مذهب مالك وأصحابه: تصرفات
~~بالتخصيصات لهذا العموم، خالفهم فيها غيرهم. منها: اعتبار الخلطة بين
~~المدعي والمدعى عليه في اليمين. ومنها: أن من ادعى سببا من أسباب القصاص:
~~لم تجب به اليمين، إلا أن يقيم على ذلك شاهدا فتجب اليمين. ومنها: إذا ادعى
~~رجل على امرأة نكاحا، لم يجب له عليها اليمين في ذلك، قال سحنون منهم: إلا
~~أن يكونا طارئين. ومنها: أن بعض الأمناء - ممن يجعل القول قوله - لا يوجبون
~~عليه يمينا. ومنها: دعوى المرأة طلاقا على الزوج. وكل من خالفهم في شيء من
~~هذا يستدل بعموم هذا الحديث.
# PageV00P000
# كتاب الأطعمة
### | 379 -
# الحديث الأول: عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال «سمعت رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - يقول - وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه - إن
~~الحلال بين، والحرام بين وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن
~~اتقى الشبهات: استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: وقع في الحرام،
~~كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن
~~حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت
~~فسد الجسد كله. ألا وهي القلب» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الأطعمة]
# هذا أحد الأحاديث العظام التي عدت من أصول الدين، فأدخلت في الأربعة
~~الأحاديث التي جعلت أصلا في هذا الباب. وهو أصل كبير في الورع، وترك
~~المتشابهات في الدين
# والشبهات لها مثارات منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحريم أو
~~التحليل، أو تعارض الأمارات والحجج ولعل قوله - عليه السلام - " لا يعلمهن
~~كثير ms534 من الناس " إشارة إلى هذا المثار، مع أنه يحمل أن يراد: لا يعلم
~~عينها، وإن علم
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# حكم أصلها في التحليل والتحريم. وهذا أيضا من مثار الشبهات. وقوله - عليه
~~السلام - " من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " أصل في الورع وقد كان في
~~عصر شيوخ شيوخنا بينهم اختلاف في هذه المسألة، وصنفوا فيها تصانيف، وكان
~~بعضهم سلك طريقا في الورع فخالفه بعض أهل عصره وقال: إن كان هذا الشيء
~~مباحا - والمباح ما استوى طرفاه - فلا ورع فيه؛ لأن الورع ترجيح لجانب
~~الترك والترجيح لأحد الجانبين مع التساوي محال، وجمع بين المتناقضين، وبنى
~~على ذلك تصنيفا. والجواب عن هذا عندي من وجهين:
# أحدهما: أن المباح قد يطلق على ما لا حرج في فعله، وإن لم يتساو طرفاه
~~وهذا أعم من المباح المتساوي الطرفين فهذا الذي ردد فيه القول. وقال: إما
~~أن يكون مباحا أو لا فإن كان مباحا فهو مستوي الطرفين يمنعه إذا حملنا
~~المباح على هذا المعنى، فإن المباح قد صار منطلقا على ما هو أعم من
~~المتساوي الطرفين، فلا يدل اللفظ على التساوي، إذ الدال على العام لا يدل
~~على الخاص بعينه.
# الثاني: أنه قد يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجحا باعتبار أمر
~~خارج ولا يتناقض حينئذ الحكمان. وعلى الجملة: فلا يخلو هذا الموضع من نظر
~~فإنه إن لم يكن فعل هذا المشتبه موجبا لضرر ما في الآخرة، وإلا فيعسر ترجيح
~~تركه، إلا أن يقال: إن تركه محصل لثواب أو زيادة درجات وهو على خلاف ما
~~يفهم من أفعال الورعين فإنهم يتركون ذلك تحرجا وتخوفا، وبه يشعر لفظ
~~الحديث.
# وقوله - عليه السلام - " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام " يحتمل
~~وجهين:
# أحدهما: أنه إذا عود نفسه عدم التحرز مما يشتبه: أثر ذلك استهانة في
~~نفسه، توقعه في الحرام مع العلم به.
# والثاني: أنه إذا تعاطى الشبهات: وقع في الحرام في نفس الأمر، فمنع من
~~تعاطي الشبهات لذلك.
# PageV02P278
# 380 - الحديث الثاني: عن أنس بن ms535 مالك - رضي الله عنه
~~- قال «أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا، وأدركتها فأخذتها
~~فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~بوركها وفخذيها. فقبله» .
### | 381 -
# الحديث الثالث: عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه - قالت «نحرنا على
~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا فأكلناه» وفي رواية «ونحن
~~بالمدينة» .
### | 382 -
# الحديث الرابع: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله - عليه السلام - " كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه " من
~~باب التمثيل والتشبيه " ويوشك " بكسر الشين بمعنى: يقرب " والحمى " المحمي،
~~أطلق المصدر على اسم المفعول. وتنطلق المحارم على المنهيات قصدا، وعلى ترك
~~المأمورات التزاما، وإطلاقها على الأول أشهر، وقد عظم الشارع أمر القلب
~~لصدور الأفعال الاختيارية عنه، وعما يقوم به من الاعتقادات والعلوم، ورتب
~~الأمر فيه على المضغة، والمراد المتعلق بها ولا شك أن صلاح جميع الأعمال
~~باعتبار العلم أو الاعتقاد بالمفاسد والمصالح.
### | [حديث أنس قال أنفجنا أرنبا بمر الظهران فأخذتها]
# يقال " لغبوا " إذا أعيوا " وأنفجت الأرنب " بفتح الهمزة وسكون النون
~~وفتح الفاء وسكون الجيم، فنفج أي: أثرته فثار كأنه يقول: أثرناه، وذعرناه
~~فعدا. " ومر الظهران " موضع معروف. والحديث دليل على جواز أكل الأرنب فإنه
~~إنما ينتفع ببعضها إذا ذبحت بالأكل، وفيه دليل على الهدية وقبولها.
# PageV00P000
# «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لحوم الحمر
~~الأهلية وأذن في لحوم الخيل» .
### | 383 -
# ولمسلم وحده قال «أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - عن الحمار الأهلي» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن النبي نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل]
# يستدل بهذين الحديثين من يرى جواز أكل الخيل
# وهو مذهب الشافعي وغيره وكرهه مالك وأبو حنيفة واختلف أصحاب أبي حنيفة:
~~هل هي كراهة تنزيه، أو كراهة تحريم؟ والصحيح عندهم: أنها كراهة تحريم،
~~واعتذر بعضهم عن هذا الحديث - أعني بعض الحنفية - بأن قال: فعل الصحابي في
~~زمن النبي ms536 - صلى الله عليه وسلم - إنما يكون حجة إذا علمه النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -. وفيه شك على أنه معارض بقول بعض الصحابة " إن النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - حرم لحوم الخيل " ثم إن سلم عن المعارض، ولكن لا يصح
~~التعلق به في مقابلة دلالة النص.
# وهذا إشارة إلى ثلاثة أجوبة: فأما الأول: فإنما يرد على هذه الرواية
~~والرواية الأخرى لجابر. وأما الرواية التي فيها " وأذن في لحوم الخيل " فلا
~~يرد عليها التعلق.
# وأما الثاني " وهو المعارضة بحديث التحريم - فإنما نعرفه بلفظ النهي، لا
~~بلفظ التحريم، من حديث خالد بن الوليد وفي ذلك الحديث كلام ينقض به عن
~~مقاومة هذا الحديث عند بعضهم. وأما الثالث: فإنما أراد بدلالة الكتاب قوله
~~تعالى {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8] ووجه الاستدلال:
~~أن الآية خرجت
# PageV00P000
# 384 - الحديث الخامس: عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي
~~الله عنه - قال «أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر: وقعنا في
~~الحمر الأهلية، فانتحرناها فلما غلت بها القدور: نادى منادي رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - أن أكفئوا القدور، وربما قال: ولا تأكلوا من لحوم
~~الحمر شيئا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# مخرج الامتنان بذكر النعم، على ما دل عليه سياق الآيات التي في سورة
~~النحل فذكر الله تعالى الامتنان بنعمة الركوب والزينة في الخيل والبغال
~~والحمير، وترك الامتنان بنعمة الأكل، كما ذكر في الأنعام، ولو كان الأكل
~~ثابتا لما ترك الامتنان به؛ لأن نعمة الأكل في جنسها فوق نعمة الركوب
~~والزينة، فإنه يتعلق بها البقاء بغير واسطة، ولا يحسن ترك الامتنان بأعلى
~~النعمتين وذكر الامتنان بأدناهما، فدل ترك الامتنان بالأكل على المنع منه
~~ولا سيما وقد ذكرت نعمة الأكل في نظائرها من الأنعام، وهذا - وإن كان
~~استدلالا حسنا - إلا أنه يجاب عنه من وجهين:
# أحدهما: ترجيح دلالة الحديث على الإباحة على هذا الوجه من الاستدلال من
~~حيث قوته بالنسبة إلى تلك الدلالة.
# الثاني: أن يطالب بوجه الدلالة على عين التحريم فإنما يشعر بترك الأكل،
~~وترك ms537 الأكل: أعم من كونه متروكا على سبيل الحرمة، أو على سبيل الكراهة. وفي
~~الحديث دليل من حيث ظاهر اللفظ في هذه الرواية: على جواز النحر للخيل.
# وقوله " ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره " يستدل به من يرى
~~تحريم الحمر الأهلية، لظاهر النهي، وفيه خلاف لبعض العلماء بالكراهة
~~المغلظة، وفيه احتراز عن الحمار الوحشي.
# PageV00P000
# 385 - الحديث السادس: عن أبي ثعلبة - رضي الله عنه -
~~قال «حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الحمر الأهلية» .
### | 386 -
# الحديث السابع: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال «دخلت أنا وخالد بن
~~الوليد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ
~~فأهوى إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فقال بعض النسوة
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أصابتنا مجاعة ليالي خيبر]
# هذه الرواية تشتمل على لفظ التحريم وهو أدل من لفظ النهي، وأمره - عليه
~~السلام - بإكفاء القدور: محمول على أن سببه تحريم الأكل للحومها عند جماعة.
~~وقد ورد فيه علتان أخريان:
# إحداهما: أنها أخذت قبل المقاسم.
# والثانية: أنه لأجل كونها من جوال القرية، ولكن المشهور والسابق إلى
~~الفهم: أنه لأجل التحريم، فإن صحت تلك الرواية عن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - تعين الرجوع إليها. و " كفأت القدر " قلبته، ففرغت ما فيه.
# PageV00P000
# اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله بما يريد أن
~~يأكل فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده، فقلت: أحرام هو يا رسول
~~الله؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته،
~~فأكلته. والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر» .
### | 387 -
# الحديث الثامن: عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - قال «غزونا مع
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات، نأكل الجراد.»
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية]
# قال - رضي الله عنه - " المحنوذ " المشوي بالرضيف، وهي الحجارة المحماة.
~~فيه دليل على جواز أكل الضب لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل ms538 " أحرام
~~هو؟ قال: لا "، ولتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - على أكله، مع العلم
~~بذلك، وهو أحد الطرق الشرعية في الأحكام - أعني الفعل، والقول، والتقرير مع
~~العلم.
# وفيه دليل على الإعلام بما يشك في أمره، ليتضح الحال فيه، فإن كان يمكن
~~أن لا يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - عين ذلك الحيوان، وأنه ضب فقصد
~~الإعلام بذلك، ليكونوا على يقين من إباحته، إن أكله أو أقر عليه. وفيه دليل
~~على أن ليس مطلق النفرة وعدم الاستطابة دليلا على التحريم، بل أمر مخصوص من
~~ذلك، إن قيل: إن ذلك من أسباب التحريم، أعني الاستخباث، كما يقول الشافعي.
### | [حديث غزونا مع رسول الله سبع غزوات نأكل الجراد]
# فيه دليل على إباحة أكل الجراد. ولم يتعرض في الحديث لكونها ذكيت بذكاة
~~مثلها، كما يقوله المالكية، من أنه لا بد من سبب يقتضي موتها، كقطع
# PageV00P000
# 388 - الحديث التاسع: «عن زهدم بن مضرب الجرمي قال
~~كنا عند أبي موسى الأشعري. فدعا بمائدة، وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني
~~تيم الله، أحمر، شبيه بالموالي فقال: هلم فتلكأ فقال: هلم، فإني رأيت رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل منه.»
### | 389 -
# الحديث العاشر: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - قال «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها، أو يلعقها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# رءوسها مثلا فلا يدل على اشتراط ذلك، ولا على عدم اشتراطه فإنه لا صيغة
~~للعموم ولا بيان لكيفية أكلهم.
### | [حديث كنا عند أبي موسى الأشعري فدعا بمائدة وعليها لحم دجاج]
# " زهدم " بفتح الزاي والدال المهملة وسكون الهاء بينهما و " مضرب " بضم
~~الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المهملة المشددة و " الجرمي " بفتح
~~الجيم وسكون الراء المهملة. وفي الحديث: دليل على إباحة أكل الدجاج، ودليل
~~على البناء على الأصل، فإنه قد بين برواية أخرى: أن هذا الرجل علل تأخره
~~بأنه رآه يأكل شيئا فقذره فإما أن يكون كما قلناه في البناء على الأصل،
~~ويكون ms539 أكل الدجاج الذي يأكل القذر مكروها، أو يكون ذلك دليلا على أنه لا
~~اعتبار بأكله للنجاسة، وقد جاء النهي عن لبن الجلالة، وقال الفقهاء: إذا
~~تغير لحمها بأكل النجاسة لم تؤكل. " وهلم " كلمة استدعاء، والأكثر فيها:
~~أنها تستعمل للواحد والجماعة والمذكر والمؤنث بصيغة واحدة. " وتلكأ " أي
~~تردد وتوقف.
### | [حديث إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها]
# " يلعقها " الأول: بفتح الياء متعديا إلى مفعول واحد. و " يلعقها "
# PageV00P000
# باب الصيد
### | 390 -
# الحديث الأول: عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - قال «أتيت رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل
~~في آنيتهم؟ وفي أرض صيد، أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم.
~~فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت - يعني من آنية أهل الكتاب -: فإن وجدتم
~~غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، وكلوا فيها. وما صدت بقوسك،
~~فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه فكل،
~~وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثاني: بضمها، متعديا إلى مفعولين. وقد جاءت علة هذا مبينة في بعض
~~الروايات «فإنه لا يدري في أي طعامه البركة» وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك
~~فيه زيادة تلويث لما مسح به، مع الاستغناء عنه بالريق ولكن إذا صح الحديث
~~بالتعليل لم نعدل عنه.
### | [باب الصيد]
# " أبو ثعلبة الخشني " بضم الخاء وفتح الشين المعجمة: منسوب إلى بني خشين،
~~بطن من قضاعة وهو وائل بن نمر بن وبرة بن تغلب - بالغين المعجمة - بن حلوان
~~بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، و " خشين " تصغير أخشن مرخما، قيل: اسمه جرثوم
~~بن ناشب، أعني: اسم أبي ثعلبة. وفي الحديث مسائل: الأولى: أنه يدل على أن
~~استعمال أواني أهل الكتاب يتوقف على الغسل، واختلف الفقهاء في ذلك، بناء
~~على قاعدة تعارض الأصل والغالب وذكروا
# PageV00P000
# 391 - الحديث الثاني: عن همام بن الحارث عن عدي بن
~~حاتم
# ms540
### | [إحكام الأحكام]
# الخلاف فيمن يتدين باستعمال النجاسة من المشركين وأهل الكتاب كذلك، وإن
~~كان قد فرق بينهم وبين أولئك؛ لأنهم يتدينون باستعمال الخمر، أو يكثرون
~~ملابستها، فالنصارى: لا يجتنبون النجاسات، ومنهم من يتدين بملابستها
~~كالرهبان فلا وجه لإخراجهم ممن يتدين باستعمال النجاسات. والحديث جار على
~~مقتضى ترجيح غلبة الظن فإن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من
~~الأصل.
### | [مسألة الصيد بالقوس والكلب معا]
# 1
# الثانية: فيه دليل على جواز الصيد بالقوس والكلب معا. ولم يتعرض في
~~الحديث للتعليم المشترط، والفقهاء تكلموا فيه وجعلوا المعلم: ما ينزجر
~~بالانزجار، وينبعث بالإشلاء. ولهم نظر في غير ذلك من الصفات، والقاعدة: أن
~~ما رتب عليه الشرع حكما، ولم يحد فيه حدا: يرجع فيه إلى العرف.
### | [مسألة التسمية على الإرسال في الصيد]
# 1
# الثالثة: فيه حجة لمن يشترط التسمية على الإرسال؛ لأنه وقف الإذن في
~~الأكل على التسمية، والمعلق بالوصف ينتفي بانتفائه عند القائلين بالمفهوم.
~~وفيه ههنا زيادة على كونه مفهوما مجردا وهو أن الأصل: تحريم أكل الميتة،
~~وما أخرج الإذن منها إلا ما هو موصوف بكونه مسمى عليه، فغير المسمى عليه:
~~يبقى على أصل التحريم، داخلا تحت النص المحرم للميتة.
### | [مسألة المصيد بالكلب المعلم]
# الرابعة: الحديث يدل على أن المصيد بالكلب المعلم لا يتوقف على الذكاة؛
~~لأنه فرق بينه وبين غير المعلم في إدراك الذكاة، فإذا قتل الكلب الصيد
~~بظفره أو نابه حل، وإن قتله بثقله، ففيه خلاف في مذهب الشافعي وقد يؤخذ من
~~إطلاق الحديث: جواز أكله، وفيه بعض الضعف أعني أخذ الحكم من هذا اللفظ.
### | [مسألة غير المعلم إذا صاد]
# 1
# الخامسة: شرط - عليه السلام - في غير المعلم إذا صاد: أن تدرك ذكاة الصيد
~~وهذا الإدراك يتعلق بأمرين:
# أحدهما: الزمن الذي يمكن فيه الذبح، فإن أدركه ولم يذبح فهو ميتة ولو كان
~~ذلك لأجل العجز عما يذبح به: لم يعذر في ذلك.
# الثاني: الحياة المستقرة، كما ذكره الفقهاء فإن أدركه وقد أخرج حشوته، أو
~~أصاب نابه مقتلا، فلا اعتبار بالذكاة حينئذ، ms541 هذا على ما قاله الفقهاء.
# PageV00P000
# قال «قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة،
~~فيمسكن علي، وأذكر اسم الله؟ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله،
~~فكل ما أمسك عليك قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس
~~منها. قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب؟ فقال: إذا رميت بالمعراض
~~فخزق، فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» . وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه:
~~«إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على
~~نفسه. وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على
~~غيره.» وفيه «إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر اسم الله عليه فإن أمسك عليك
~~فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب
~~ذكاته.» وفيه أيضا «إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه.» وفيه «وإن غاب
~~عنك يوما أو يومين.» وفي رواية «اليومين والثلاثة فلم تجد فيه إلا أثر سهمك
~~فكل إن شئت، فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري: الماء قتله،
~~أو سهمك؟» ..
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك]
# فيه دليل على اشتراط التسمية، كما ذكرناه في الحديث السابق وهو أقوى في
~~الدلالة من الأول؛ لأن هذا مفهوم شرط والأول مفهوم وصف، ومفهوم الشرط: أقوى
~~من مفهوم الوصف وفيه تصريح بأكل مصيد الكلب إذا قتل بخلاف الحديث الماضي
~~فإنه إنما يؤخذ هذا الحكم منه بطريق المفهوم وهذا الحديث يدل على أكل ما
~~قتله الكلب بثقله، بخلاف الدلالة الماضية التي استضعفناها في الحديث
~~المتقدم.
### | 1 -
# PageV02P287
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وفيه دليل على أنه إذا شارك الكلب كلب آخر: لم يؤكل وقد ورد معللا في
~~حديث آخر «فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على كلب غيرك» .
### | 1 -
# و " المعراض " بكسر الميم وسكون العين المهملة وبالراء المهملة، وبعد
~~الألف ضاد معجمة: عصا رأسها ms542 محدد، فإن أصاب بحده أكل؛ لأنه كالسهم، وإن
~~أصاب بعرضه لم يؤكل وقد علل في الحديث بأنه وقيذ وذلك لأنه ليس في معنى
~~السهم وهو في معنى الحجر وغيره من المثقلات. و " الشعبي بفتح الشين المعجمة
~~وسكون العين المهملة اسمه عامر بن عامر بن شراحيل من شعب همدان.
# وإذا أكل الكلب من الصيد ففيه قولان للشافعي:
# أحدهما: لا يؤكل لهذا الحديث ولما أشار إليه من العلة فإن أكله دليل ظاهر
~~على اختيار الإمساك لنفسه.
# والثاني: أنه يؤكل لحديث آخر ورد فيه من رواية أبي ثعلبة الخشني وحمل هذا
~~النهي في حديث عدي على التنزيه، وربما علل بأنه كان من المياسير فاختير له
~~الحمل على الأولى وأن أبا ثعلبة كان على عكس ذلك فأخذ له بالرخصة وهو ضعيف؛
~~لأنه علل عدم الأكل بخوف الإمساك على نفسه وهذه علة لا تناسب إلا التحريم،
~~أعني تخوف الإمساك على نفسه. اللهم إلا أن يقال: إنه علل بخوف الإمساك، لا
~~بحقيقة الإمساك. فيجاب عن هذا: بأن الأصل التحريم في الميتة فإذا شككنا في
~~السبب المبيح: رجعنا إلى الأصل، وكذلك إذا شككنا في أن الصيد مات بالرمي،
~~أو لوجود سبب آخر يجوز أن يحال عليه الموت - لم يحل، كالوقوع في الماء
~~مثلا. بل وقد اختلفوا فيما هو أشد من ذلك وهو ما إذا غاب عنه الصيد ثم وجده
~~ميتا، وفيه أثر سهمه، ولم يعلم وجود سبب آخر، فمن حرمه اكتفى بمجرد تجويز
~~سبب آخر، فقد ذكرنا ما دل عليه الحديث من المنع إذا وجده غريقا؛ لأنه سبب
~~للهلاك ولا يعلم أنه مات بسبب الصيد. وكذلك إذا تردى من جبل لهذه العلة.
~~نعم، يسامح في خبط الأرض إذا كان طائرا؛ لأنه أمر لا بد منه.
# PageV02P288
# الحديث الثالث: عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه -
~~رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «من
~~اقتنى كلبا - إلا كلب صيد، أو ماشية - فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان
~~قال سالم: وكان ms543 أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب حرث» .
### | 393 -
# الحديث الرابع: عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال «كنا مع رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة من تهامة، فأصاب الناس جوع فأصابوا
~~إبلا وغنما وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في أخريات القوم فعجلوا
~~وذبحوا ونصبوا القدور فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقدور فأكفئت،
~~ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير فطلبوه فأعياهم، وكان في
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية]
# فيه دليل على منع اقتناء الكلاب إلا لهذه الأغراض المذكورة - أعني:
~~الصيد، والماشية، والزرع - وذلك لما في اقتنائها من مفاسد الترويع، والعقر
~~للمارة، ولعل ذلك لمجانبة الملائكة لمحلها، ومجانبة الملائكة أمر شديد، لما
~~في مخالطتهم من الإلهام إلى الخير، والدعاء إليه. وفيه دليل على جواز
~~الاقتناء لهذه الأغراض. واختلف الفقهاء: هل يقاس عليها غرض حراسة الدروب أم
~~لا؟ واستدل المالكية بجواز اتخاذها للصيد من غير ضرورة على طهارتها فإن
~~ملابستها - مع الاحتراز عن مس شيء منها - شاق، والإذن في الشيء إذن في
~~مكملات مقصودة، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه.
# وقوله " وكان صاحب حرث " محمول على أنه؛ أراد ذكر سبب العناية بهذا
~~الحكم، حتى عرف منه ما جهل غيره، والمحتاج إلى الشيء أكثر اهتماما بمعرفة
~~حكمه من غيره.
# PageV00P000
# القوم خيل يسيرة فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه الله
~~فقال: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند عليكم منها فاصنعوا به
~~هكذا قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى. أفنذبح
~~بالقصب؟ قال: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر،
~~وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كنا مع رسول الله بذي الحليفة من تهامة فأصاب الناس جوع]
# خديج " والد رافع: بفتح المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد آخر الحروف جيم.
~~وفي الحديث: دليل على أن ms544 ما توحش من المستأنس: يكون حكمه حكم الوحش، كما أن
~~ما تأنس من الوحش: يكون حكمه حكم المستأنس.
# وهذا القسم، ومقابلة كل عشرة من الغنم ببعير: قد يحمل على أنه قسمة تعديل
~~بالقيمة وليس من طريق التعديل الشرعي، كما جاء في البدنة " أنها عن سبعة "
~~ومن الناس من حمله على ذلك. و " ند " بمعنى شرد، و " الأوابد " جمع آبدة،
~~وقد تأبدت: أي نفرت وتوحشت من الإنس يقال: أبدت - بفتح الباء المخففة -
~~تأبد - بكسرها وضمها - أيضا، أبودا وجاء فلان بآبدة، أي كلمة غريبة، أو
~~خصلة للنفوس نفرة عنها والكلمة لازمة، إلا أن تجعل فاعلة، بمعنى مفعولة.
~~ومعنى الحديث: أن من البهائم ما فيه نفار كنفار الوحش.
### | 1 -
# وفيه دليل على جواز الذبح بما يحصل به المقصود، من غير توقف على كونه
~~حديدا، بعد أن يكون محددا.
### | 1 -
# وقوله " وذكر اسم الله عليه " دليل على اشتراط التسمية أيضا فإنه علق
~~الإذن بمجموع أمرين والمعلق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما. وفيه دليل على
# PageV02P290
# باب الأضاحي
### | 394 -
# الحديث الأول: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «ضحى النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر ووضع رجله
~~على صفاحهما» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# منع الذبح بالسن والظفر، وهو محمول على المتصلين وقد ذكرت العلة فيهما في
~~الحديث، واستدل به قوم على منع الذبح بالعظم مطلقا لقوله - عليه السلام - "
~~أما السن: فعظم " علل منع الذبح بالسن بأنه عظم والحكم يعم بعموم علته. .
### | [باب الأضاحي]
# " الأملح " الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض.
# لا خلاف أن الأضحية من شعائر الدين، والمالكية يقدمون فيها الغنم على
~~الإبل، بخلاف الهدايا فإن الإبل فيها مقدمة، والشافعي يقدم الإبل فيهما.
~~وقد يستدل المالكية باختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأضاحي
~~للغنم، وباختيار الله تعالى في فداء الذبيح. و " الأملح " الأبيض والملحة
~~البياض. وقد اختار الفقهاء هذا اللون للأضحية.
# وفيه تعداد الأضحية. وكذلك القرن من المحبوبات فيها. وفيه دليل على
~~استحباب تولي الأضحية للمضحي ms545 بنفسه، إذا قدر على ذلك. وفيه دليل على
~~التكبير عند الذبح.
# PageV00P000
# كتاب الأشربة
### | 395 -
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - «أن عمر قال - على
~~منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم
~~الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر:
~~ما خامر العقل ثلاث وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عهد
~~إلينا فيها عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من الربا» .
### | 396 -
# الحديث الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -: «أن رسول
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الأشربة]
# فيه دليل على أن اسم " الخمر " لا يقتصر على ما اعتصر من العنب كما قال
~~أهل الحجاز، خلافا لأهل الكوفة.
# وقوله " وهي من كذا وكذا " جملة في موضع الحال. وقوله " خامر العقل "
~~مجاز تشبيه وهو من باب تشبيه المعنى بالمحسوس. و " الجد " يريد به ميراثه،
~~وقد كان للمتقدمين فيه خلاف كثير، ومذهب أبي بكر - رضي الله عنه -: أنه
~~بمنزلة الأب عند عدم الأب. و " الكلالة " من لا أب له ولا ولد عند الجمهور.
# PageV00P000
# الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن البتع؟ فقال: كل
~~شراب أسكر فهو حرام» .
### | 397 -
# الحديث الثالث: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال «بلغ عمر: أن
~~فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - قال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فحملوها فباعوها؟»
~~.
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث كل شراب أسكر فهو حرام]
# قال - رضي الله عنه -: البتع: نبيذ العسل. " البتع " بكسر الباء وسكون
~~التاء، ويقال: بفتحها أيضا.
# وفيه دليل على تحريمه، وتحريم كل مسكر. نعم أهل الحجاز يرون أن المراد
~~بالشراب الجنس، لا العين، والكوفيون يحملونه على القدر المسكر، وعلى قول
~~الأولين: يكون المراد بقوله " أسكر " أنه مسكر بالقوة، أي فيه صلاحية ذلك.
### | [حديث قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحملوها فباعوها]
# حملوها " أذابوها. وفيه دليل على تحريم ms546 بيع ما حرمت عينه. وفيه دليل على
~~استعمال الصحابة القياس في الأمور، من غير نكير؛ لأن عمر - رضي الله عنه -
~~قاس تحريم بيع الخمر عند تحريمها على بيع الشحوم عند تحريمها وهو قياس من
~~غير شك، وقد وقع تأكيد أمره بأن قال عمر فيمن خالفه " قاتل الله فلانا "
~~وفلان الذي كني عنه: هو سمرة بن جندب.
# PageV00P000
# كتاب اللباس
### | 398 -
# الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - «لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه
~~في الآخرة» .
### | 399 -
# الحديث الثاني: عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول
~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا
~~تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا
~~ولكم في الآخرة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب اللباس]
# الحديث: يتناول مطلق الحرير وهو محمول عند الجمهور: على الخالص منه في حق
~~الرجال، وهو عندهم نهي تحريم. وأما الممتزج بغيره فللفقهاء فيه اختلاف
~~كثير، فمنهم من يعتبر الغلبة في الوزن، ومنهم من يعتبر الظهور في الرؤية،
~~واختلفوا في العتابي من هذا. ومن يقول بالتحريم: لعله يستدل بالحديث ويقول:
~~إنه يدل على تحريم مسمى الحرير، فما خرج منه بالإجماع حل ويبقى ما عداه على
~~التحريم.
# PageV00P000
#
### | [حديث البراء ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله]
# الحديث الثالث: عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال «ما رأيت من ذي
~~لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له شعر يضرب
~~منكبيه، بعيد ما بين المنكبين ليس بالقصير ولا بالطويل» .
### | 401 -
# الحديث الرابع: عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال «أمرنا رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع
~~الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة
~~الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم - أو عن ms547 تختم - بالذهب، وعن الشرب
~~بالفضة وعن المياثر وعن القسي،
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث لا تلبسوا الحرير ولا الديباج]
# فيه دليل على لبس الأحمر.
# والحلة عند العرب: ثوبان. وفيه دليل على توفير الشعر.
# وهذه الأمور الخلقية المنقولة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: يستحب
~~الاقتداء به في هيئتها وما كان ضروريا منها لم يتعلق بأصله استحباب، بل
~~بوصفه.
# PageV00P000
# وعن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع]
# " عيادة المريض " عند الأكثرين: مستحبة بالإطلاق وقد تجب، حيث يضطر
~~المريض إلى من يتعاهده، وإن لم يعد ضاع، وأوجبها الظاهرية من غير هذا
~~القيد، لظاهر الأمر.
### | 1 -
# و " اتباع الجنائز " يحتمل أن يراد به: اتباعها للصلاة عليها فإن عبر به
~~عن الصلاة: فذلك من فروض الكفايات عند الجمهور ويكون التعبير بالاتباع عن
~~الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس من الغالب: أن يصلى على
~~الميت ويدفن في محل موته ويحتمل أن يراد بالاتباع: الرواح إلى محل الدفن
~~لمواراته.
# والمواراة أيضا: من فروض الكفايات لا تسقط إلا بمن تتأدى به.
### | 1 -
# و " تشميت العاطس " عند جماعة كثيرة: من باب الاستحباب، بخلاف " رد
~~السلام " فإنه من واجبات الكفايات.
# وقوله " إبرار القسم، أو المقسم " فيه وجهان:
# أحدهما: أن يكون المقسم مضموم الميم مكسور السين، ويكون بمعنى القسم
~~وإبراره: هو الوفاء بمقتضاه وعدم التحنيث فيه فإن كان ذلك على سبيل اليمين
~~- كما إذا قال: والله لتفعلن كذا فهو آكد مما إذا كان على سبيل التحليف
~~كقوله: بالله افعل كذا.
# ؛ لأن في الأول إيجاب الكفارة على الحالف وفيه تغريم للمال وذلك إضرار
~~به.
### | 1 -
# و " نصر المظلوم " من الفروض اللازمة على من علم بظلمه، وقدر على نصره
~~وهو من فروض الكفايات، لما فيه من إزالة المنكر، ودفع الضرر عن المسلم.
### | 1 -
# وأما " إجابة الداعي " فهي عامة والاستحباب شامل للعموم، ما لم يقم مانع
~~وقد اختلف الفقهاء من ذلك في إجابة الداعي إلى وليمة العرس: هل ms548 تجب أم لا؟
~~وحصل أيضا في نظر بعضهم توسع في الأعذار المرخصة في ترك إجابة الداعي.
# وجعل بعضها مخصصا لهذا العموم، بقوله " لا ينبغي لأهل الفضل
# PageV02P296
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# التسرع إلى إجابة الدعوات "، أو كما قال، فجعل هذا القدر من التبذل
~~بالإجابة في حق أهل الفضل مخصصا لهذا العموم، وفيه نظر.
# و " إفشاء السلام " إظهاره والإعلان به وقد تعلقت بذلك مصلحة المودة كما
~~أشار إليه في الحديث الآخر، من قوله - صلى الله عليه وسلم - «ألا أدلكم على
~~ما إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» .
### | 1 -
# وليتنبه؛ لأنا إذا قلنا باستحباب بعض هذه الأمور التي ورد فيها لفظ
~~الأمر، وإيجاب بعضها: كنا قد استعملنا اللفظة الواحدة في الحقيقة والمجاز
~~معا إذا جعلنا حقيقة الأمر الوجوب، ويمكن أن يتحيل في هذا على مذهب من يمنع
~~استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز، بأن يقال: نختار مذهب من يرى أن
~~الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب فلا يكون
~~دالا على أحد الخاصين - الذي هو الوجوب، أو الندب - فتكون اللفظة استعملت
~~في معنى واحد.
### | 1 -
# وفيه دليل على تحريم التختم بالذهب.
# وهو راجع إلى الرجال ودليل على تحريم الشرب في أواني الفضة.
# وهو عام في الرجال والنساء والجمهور على ذلك، وفي مذهب الشافعي قول ضعيف:
~~أنه مكروه فقط ولا اعتداد به لورود الوعيد عليه بالنار. والفقهاء القياسيون
~~لم يقصروا هذا الحكم على الشرب وعدوه إلى غيره كالوضوء والأكل، لعموم
~~المعنى فيه.
# " والمياثر " جمع ميثرة - بكسر الميم - وأصل اللفظة: من الواو؛ لأنها
~~مأخوذة من الوثار فالأصل: موثرة: قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها
~~وهذا اللفظ مطلق في هذه الرواية، مفسر في غيرها.
# وفيه النهي عن المياثر الحمر. وفي بعض الروايات " مياثر الأرجوان " و "
~~القسي " بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة - ثياب حرير تنسب إلى القس
~~وقيل: إنها بلدة من ديار مصر.
### | 1 -
# و " الإستبرق " ما غلظ من الديباج.
# وذكر الديباج بعده: إما من باب ذكر العام بعد ms549 ذكر الخاص، ليستفاد بذكر
~~الخاص فائدة التنصيص، ومن ذكر العام: زيادة إثبات الحكم في النوع الآخر، أو
~~يكون ذكر " الديباج " من باب التعبير
# PageV02P297
# 402 - الحديث الخامس: عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
~~" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اصطنع خاتما من ذهب فكان يجعل فصه
~~في باطن كفه إذا لبسه فصنع الناس كذلك ثم إنه جلس على المنبر فنزعه فقال:
~~إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخل، فرمى به ثم قال: والله لا
~~ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتيمهم» ، وفي لفظ " جعله في يده اليمنى ".
#
### | [إحكام الأحكام]
# بالعام عن الخاص ويراد به: ما رق من الديباج ليقابل بما غلظ وهو "
~~الإستبرق " وقد قيل: إن " الإستبرق " لغة فارسية انتقلت إلى اللغة العربية
~~وذلك الانتقال بضرب من التغيير، كما هو العادة عند التعريب.
### | [حديث أن رسول الله اصطنع خاتما من ذهب]
# فيه دليل على منع لباس خاتم الذهب، وأن لبسه كان أولا، وتجنبه كان
~~متأخرا.
# وفيه دليل على إطلاق لفظ " اللبس " على التختم، واستدل به الأصوليون على
~~مسألة التأسي بأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
# فإن الناس نبذوا خواتيمهم، لما رأوه - صلى الله عليه وسلم - نبذ خاتمه،
~~وهذا عندي لا يقوى في جميع الصور التي تمكن في هذه المسألة فإن الأفعال
~~التي يطلب فيها التأسي على قسمين:
# أحدهما: ما كان الأصل أن يمتنع، لولا التأسي لقيام المانع منه فهذا يقوي
~~الاستدلال به في محله.
# والثاني: ما لا يمنع فعله، لولا التأسي، كما نحن فيه فإن أقصى ما في
~~الباب: أن يكون لبسه حراما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون الأمة
~~ولا يمتنع حينئذ أن يطرحه من أبيح له لبسه فمن أراد أن يستدل بمثل هذا على
~~التأسي فيما الأصل منعه لولا التأسي: فلم يفعل جيدا لما ذكرته من الفرق
~~الواقع.
# وفيه دليل على التختم في اليد اليمنى، ولا يقال: إن هذا فعل منسوخ؛ لأن
~~المنسوخ منه: جواز اللبس، بخصوص كونه ذهبا، ولا يلزم ms550 من ذلك نسخ الوصف، وهو
~~التختم في اليمنى بخاتم غير الذهب.
# PageV00P000
# الحديث السادس: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا، ورفع
~~لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصبعيه: السبابة، والوسطى» .
### | 404 -
# ، ولمسلم «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير إلا موضع
~~أصبعين، أو ثلاث، أو أربع» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث نهى رسول الله عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع]
# هذا الحديث: يدل على استثناء هذا المقدار من منع، وقد ذكرنا توسع من توسع
~~في هذا، واعتبر غلبة الوزن، أو الظهور، ولا بد لهم في هذا الحديث من
~~الاعتذار عنه: إما بتأويل، أو بتقديم معارض.
# PageV00P000
# الحديث الأول: عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله
~~عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «في بعض أيامه التي لقي فيها
~~العدو - انتظر، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: أيها الناس، لا تتمنوا
~~لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة
~~تحت ظلال السيوف ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم منزل الكتاب،
~~ومجري السحاب، وهازم الأحزاب: اهزمهم، وانصرنا عليهم» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب الجهاد]
### | [حديث أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو]
# فيه دليل على استحباب القتال بعد زوال الشمس، وقد، ورد فيه حديث أصرح من
~~هذا، أو أثر عن بعض الصحابة، ولما كان لقاء الموت من أشق الأشياء وأصعبها
~~على النفوس من وجوه كثيرة، وكانت الأمور المقدرة عند النفس ليست كالأمور
~~المحققة لها: خشي أن لا تكون عند التحقيق كما ينبغي فكره تمني لقاء العدو
~~لذلك، ولما فيه - إن وقع - من احتمال المخالفة لما وعد الإنسان من نفسه ثم
~~أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة، وقد، ورد النهي عن تمني الموت مطلقا لضر نزل،
~~وفي حديث «لا تتمنوا الموت فإن هول المطلع شديد» ، وفي الجهاد زيادة على
~~مطلق الموت. وقوله - عليه ms551 السلام - «، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»
~~من باب المبالغة، والمجاز الحسن فإن ظل الشيء لما كان ملازما له، جعل ثواب
~~الجنة
# PageV02P300
# 406 - الحديث الثاني: عن سهل بن سعد - رضي الله عنه
~~-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «رباط يوم في سبيل الله خير من
~~الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة: خير من الدنيا وما عليها،
~~والروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة: خير من الدنيا وما فيها» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# واستحقاقها عن الجهاد، وإعمال السيوف: لازما لذلك، كما يلزم الظل.
# وهذا الدعاء: لعله أشار إلى ثلاثة أسباب، تطلب بها الإجابة:
# أحدها: طلب النصر بالكتاب المنزل، وعليه يدل قوله - عليه السلام - " منزل
~~الكتاب " كأنه قال: كما أنزلته، فانصره، وأعله. وأشار إلى القدرة بقوله "
~~ومجري السحاب "، وأشار إلى أمرين أحدهما: بقوله "، وهازم الأحزاب " إلى
~~التفرد بالفعل، وتجريد التوكل، واطراح الأسباب، واعتقاد أن الله، وحده هو
~~الفاعل.
# والثاني: التوسل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة وقد ضمن الشعراء هذا
~~المعنى أشعارهم، بعدما أشار إليه كتاب الله تعالى حكاية عن زكريا - عليه
~~السلام - في قوله {ولم أكن بدعائك رب شقيا} [مريم: 4] ، وعن إبراهيم - عليه
~~السلام - في قوله {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} [مريم: 47] وقال
~~الشاعر:
# كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي
# وقال الآخر:
# لا والذي قد من ... بالإسلام يثلج في فؤادي
# ما كان يختم بالإساءة ... وهو بالإحسان بادي
### | [حديث رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها]
# " الرباط " مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلاده، وفي قوله - عليه
~~السلام - " خير من الدنيا وما عليها " وجهان:
# أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، تحقيقا له، وتثبيتا
~~في النفوس فإن ملك الدنيا، ونعيمها، ولذاتها محسوسة، مستعظمة في طباع
~~النفوس فحقق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط - وهو من المغيبات - خير
~~من
# PageV00P000
# 407 - الحديث الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «انتدب الله ms552 -، ولمسلم: تضمن الله -
~~لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي
~~فهو علي ضامن: أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما
~~نال من أجر أو غنيمة» . 408 -، ولمسلم «مثل المجاهد في سبيل الله -، والله
~~أعلم بمن جاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله
~~إن توفاه: أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا.
# والثاني: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها،
~~فحمل الحديث أو ما هو معناه: على أن هذا الذي رتب عليه الثواب خير من
~~الدنيا كلها لو أنفقت في طاعة الله تعالى وكأنه قصد بهذا أن تحصل الموازنة
~~بين ثوابين أخرويين، لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى "، ولو على
~~سبيل التفضيل، والأول عندي: أوجه وأظهر. " والغدوة " بفتح الغين: السير في
~~الوقت الذي من أول النهار إلى الزوال و " الروحة " من الزوال إلى الليل
~~واللفظ مشعر بأنها تكون فعلا واحدا، ولا شك أنه قد يقع على اليسير والكثير
~~من الفعل الواقع في هذين الوقتين ففيه زيادة ترغيب، وفضل عظيم.
### | [حديث: " تضمن الله لمن خرج في سبيله "]
# " الضمان، والكفالة " ههنا: عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله سبحانه
~~وتعالى فإن الضمان، والكفالة: مؤكدان لما يضمن، ويتكفل به، وتحقيق ذلك من
~~لوازمهما.
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وقوله " لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي " دليل على أنه لا يحصل
~~هذا الثواب إلا لمن صحت نيته، وخلصت من شوائب إرادة الأغراض الدنيوية فإنه
~~ذكر بصيغة النفي والإثبات المقتضيين للحصر، وقوله " فهو علي ضامن " قيل: إن
~~فاعلا ههنا بمعنى مفعول، كما قيل في " ماء دافق " و " عيشة راضية " أي
~~مدفوق، ومرضية، على احتمال هاتين اللفظتين لغير ذلك، وقد يقال إن " ضامنا "
~~بمعنى ذا ضمان، كلابن، وتامر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما نسب إليه لتعلقه
~~به ms553 والعرب تضيف لأدنى ملابسة، وقوله " أرجعه " مفتوح الهمزة مكسور الجيم من
~~رجعه، ثلاثيا متعديا، ولازمه، ومتعديه، واحد: قال الله تعالى {فإن رجعك
~~الله إلى طائفة منهم} [التوبة: 83] قيل: إن هذا الحديث معارض للحديث الآخر،
~~وهو قوله - عليه السلام - «ما من غازية، أو سرية، تغزو، فتغنم، وتسلم، إلا
~~كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تغزو، فتخفق أو تصاب إلا
~~تم لهم أجرهم»
# ، والإخفاق: أن تغزو فلا تغنم شيئا ذكر القاضي معنى ما ذكرناه من
~~المعارضة عن غير واحد، وعندي: أنه أقرب إلى موافقته منه إلى معارضته، ويبعد
~~جدا أن يقال بتعارضهما. نعم، كلاهما مشكل. أما ذلك الحديث: فلتصريحه بنقصان
~~الأجر بسبب الغنيمة، وأما هذا: فلأن " أو " تقتضي أحد الشيئين، لا مجموعهما
~~فيقتضي: إما حصول الأجر أو الغنيمة، وقد قالوا: لا يصح أن تنقص الغنيمة من
~~أجر أهل بدر، وكانوا أفضل المجاهدين، وأفضلهم غنيمة ويؤكد هذا: تتابع فعل
~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه من بعده على أخذ الغنيمة، وعدم
~~التوقف عنها، وقد اختلفوا - بسبب هذا الإشكال - في الجواب
# فمنهم من جنح إلى الطعن في ذلك الحديث وقال: إنه لا يصح، وزعم أن بعض
~~رواته ليس بمشهور، وهذا ضعيف؛ لأن مسلما أخرجه في كتابه، ومنهم من قال: إن
~~هذا
# PageV02P303
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الذي تعجل من أجره بالغنيمة: في غنيمة أخذت على غير وجهها، قال بعضهم:
~~وهذا بعيد لا يحتمله الحديث، وقيل: إن هذا الحديث - أعني الذي نحن في شرحه
~~- شرط فيه ما يقتضي الإخلاص، والحديث الذي في نقصان الأجر: يحمل على من قصد
~~مع الجهاد: طلب المغنم فهذا شرك بما يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نيته بين
~~الوجهين فنقص أجره، والأول: أخلص، فكمل أجره. قال القاضي: وأوجه من هذا
~~عندي في استعمال الحديثين على وجهيهما أيضا: أن نقص أجر الغانم بما فتح
~~الله عز وجل عليه من الدنيا، وحساب ذلك بتمتعه عليه في الدنيا، وذهاب شظف
~~عيشه في غزوه، وبعده، إذا قوبل بمن أخفق، ms554 ولم يصب منها شيئا، وبقي على شظف
~~عيشه، والصبر على غزوه في حاله، وجد أجر هذا أبدا في ذلك وافيا مطردا،
~~بخلاف الأول، ومثله في الحديث الآخر «فمنا من مات، ولم يأكل من أجره شيئا
~~ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها» ، وأقول: أما التعارض بين الحديثين:
~~فقد نبهنا على بعده فأما الإشكال في الحديث الثاني: فظاهره جار على القياس؛
~~لأن الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة المشقات، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته،
~~أو لمشقته دخل في الأجر، وإنما يشكل عليه العمل المتصل بأخذ الغنائم فلعل
~~هذا من باب تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض فإن ذلك الزمن كان الإسلام
~~فيه غريبا - أعني ابتداء زمن النبوة -، وكان أخذ الغنائم عونا على علو
~~الدين، وقوة المسلمين، وضعفاء المهاجرين، وهذه مصلحة عظمى قد يغتفر لها بعض
~~النقص في الأجر من حيث هو هو، وأما ما قيل في أهل بدر: فقد يفهم منه أن
~~النقصان بالنسبة إلى الغير، وليس ينبغي أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يكون
~~التقابل بين كمال أجر الغازي نفسه إذا لم يغنم، وأجره إذا غنم.
# فيقتضي هذا: أن يكون حالهم عند عدم الغنيمة: أفضل من حالهم عند وجودها،
~~لا من حال غيرهم، وإن كان أفضل من حال غيرهم قطعا، فمن وجه آخر. لكن لا بد
~~- من هذا - من اعتبار المعارض الذي ذكرناه فلعله مع اعتباره لا يكون ناقصا،
~~ويستثنى حالهم من العموم الذي في الحديث
# PageV02P304
# 409 - الحديث الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما من مكلوم يكلم في سبيل
~~الله، إلا جاء يوم القيامة، وكلمه يدمى: اللون لون الدم، والريح ريح المسك»
~~.
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثاني، أو حال من يقاربهم في المعنى. وأما هذا الحديث الذي نحن فيه:
~~فإشكاله من كلمة " أو " أقوى من ذلك الحديث فإنه قد يشعر بأن الحاصل: إما
~~أجر، وإما غنيمة فيقتضي أنه إذا حصلنا الغنيمة: يكتفى بها له، وليس كذلك.
# وقيل ms555 في الجواب عن هذا: بأن " أو " بمعنى الواو، وكأن التقدير: بأجر،
~~وغنيمة وهذا - وإن كان فيه ضعف من جهة العربية - ففيه إشكال، من حيث إنه
~~إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين: كان ذلك داخلا في الضمان فيقتضي أنه
~~لا بد من حصول أمرين لهذا المجاهد إذا رجع مع رجوعه، وقد لا يتفق ذلك، بأن
~~يتلف ما حصل في الرجوع من الغنيمة اللهم إلا أن يتجوز في لفظة " الرجوع إلى
~~الأهل " أو يقال: المعية في مطلق الحصول، لا في الحصول في الرجوع، ومنهم من
~~أجاب بأن التقدير: أو أرجعه إلى أهله، مع ما نال من أجر، وحده، أو غنيمة،
~~وأجر فحذف " الأجر " من الثاني، وهذا لا بأس به؛ لأن المقابلة إنما تشكل
~~إذا كانت بين مطلق الأجر، وبين الغنيمة مع الأجر وأما مع الأجر المفيد
~~بانفراده عن الغنيمة فلا.
### | [حديث ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى]
# " الكلم " الجرح، ومجيئه يوم القيامة مع سيلان الجرح فيه أمران:
# أحدهما: الشهادة على ظالمه بالقتل.
# الثاني: إظهار شرفه لأهل المشهد والموقف بما فيه من رائحة المسك الشاهدة
~~بالطيب، وقد ذكروا في الاستنباط من هذا الحديث أشياء متكلفة، غير صابرة على
~~التحقيق منها: أن المراعى في الماء: تغير لونه، دون تغير رائحته؛ لأن النبي
~~- صلى الله عليه وسلم - سمى هذا الخارج من جرح الشهيد " دما "، وإن كان
~~ريحه ريح المسك، ولم يكن
# PageV00P000
# 410 - الحديث الخامس: عن أبي أيوب الأنصاري - رضي
~~الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «غدوة في سبيل الله،
~~أو روحة: خير مما طلعت عليه الشمس وغربت» أخرجه مسلم 411 - الحديث السادس:
~~عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~- «غدوة في سبيل الله، أو روحة: خير من الدنيا وما فيها» أخرجه البخاري.
### | 412 -
# الحديث السابع: عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - قال «خرجنا مع
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين -، وذكر قصة ms556 - فقال رسول
#
### | [إحكام الأحكام]
# مسكا فغلب الاسم للونه على رائحته فكذلك الماء، ما لم يتغير طعمه لم
~~يلتفت إلى تغير رائحته، وفي هذا نظر يحتاج إلى تأمل. ومنها: ما ترجم
~~البخاري فيما يقع من النجاسات في الماء والسمن قال القاضي: وقد يحتمل أن
~~حجته فيه الرخصة في الرائحة، كما تقدم، أو التغليظ بعكس الاستدلال الأول
~~فإن الدم لما انتقل بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة، ومن حكم
~~القذارة إلى التطييب بتغير رائحته، وحكم له بحكم المسك، والطيب للشهيد
~~فكذلك الماء ينتقل إلى العكس بخبث الرائحة وتغير أحد أوصافه من الطهارة إلى
~~النجاسة. ومنها: ما قال القاضي: ويحتج بهذا الحديث أبو حنيفة في جواز
~~استعمال الماء المضاف، المتغيرة أوصافه بإطلاق اسم الماء عليه، كما انطلق
~~على هذا اسم الدم وإن تغيرت أوصافه إلى الطيب، قال: وحجته بذلك ضعيفة.
~~وأقول: الكل ضعيف.
### | [حديث غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت]
# قد تقدم الكلام على هذا المعنى في حديث مضى.
# PageV00P000
# الله - صلى الله عليه وسلم -: من قتل قتيلا له عليه
~~بينة فله سلبه - قالها ثلاثا» .
### | 413 -
# الحديث الثامن: عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال «أتى النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - عين من المشركين، وهو في سفره، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم
~~انفتل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اطلبوه واقتلوه فقتلته، فنفلني
~~سلبه» ، وفي رواية «فقال: من قتل الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع فقال: له سلبه
~~أجمع» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه]
# الشافعي: يرى استحقاق القاتل للسلب حكما شرعيا بأوصاف مذكورة في كتب
~~الفقه، ومالك، وغيره: يرى أنه لا يستحقه بالشرع، وإنما يستحقه بصرف الإمام
~~إليه نظرا، وهذا يتعلق بقاعدة، وهو أن تصرفات الرسول - صلى الله عليه وسلم
~~- في أمثال هذا: إذا ترددت بين التشريع، والحكم الذي يتصرف به ولاة الأمور:
~~هل يحمل على التشريع أو على الثاني؟ ، والأغلب: حمله على التشريع، إلا ms557 أن
~~مذهب مالك في هذه المسألة فيه قوة؛ لأن قوله - عليه السلام - «من قتل قتيلا
~~فله سلبه» يحتمل ما ذكرناه من الأمرين - أعني التشريع العام، وإعطاء
~~القاتلين في ذلك الوقت السلب تنفيلا - فإن حمل على الثاني: فظاهر، وإن ظهر
~~حمله على الأغلب - وهو التشريع العام - فقد جاءت أمور في أحاديث ترجح
~~الخروج عن هذا الظاهر مثل قوله - عليه السلام - بعدما أمر أن يعطى السلب
~~قاتلا، فقابل هذا القاتل خالد بن الوليد بكلام - قال النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - بعده " لا تعطه يا خالد " فلو كان مستحقا له بأصل التشريع: لم يمنعه
~~منه بسبب كلامه لخالد فدل على أنه كان على وجه النظر فلما كلم خالدا بما
~~يؤذيه استحق العقوبة بمنعه، نظرا إلى غير ذلك من الدلائل.
# PageV00P000
# 414 - الحديث التاسع: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - قال «بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية إلى نجد فخرج
~~فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - بعيرا بعيرا» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أتى النبي عين من المشركين وهو في سفره]
# فيه تعلق بمسألة الجاسوس الحربي، وجواز قتله، ومن يشبهه ممن لا أمان له،
~~وأما كلامهما ههنا على الجاسوس الذمي، والمسلم: فلا تعلق للحديث به، وفيه
~~أيضا تعلق بمسألة السلب، وقد تمسك به من يراه غير واجب بأصل الشرع بل
~~بتنفيل الإمام، لقوله " فنفلنيه "، وفي هذا ضعف ما، وفيه دليل - إذا قلنا
~~بأن السلب للقاتل - أنه يستحق جميعه، نعم، إنما يدل على ما يسمى سلبا،
~~والفقهاء ذكروا صورا فيما يستحقه القاتل، وترددوا في بعضها. فإن كان اسم "
~~السلب " منطلقا على كل ما معه، فقد يستدل به فيما اختلف فيه من بعض الصور.
### | [حديث بعث رسول الله سرية إلى نجد فخرج فيها فأصبنا إبلا وغنما]
# فيه دليل على بعث السرايا في الجهاد وقد يستدل به على أن المنقطع منها عن
~~جيش الإمام ينفرد بما يغنمه، من حيث إنه يقتضي أن ms558 السهمان كانت لهم، ولا
~~يقتضي أن غيرهم شاركهم فيها وإنما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبا
~~منه، يلحقهم عونه، وغوثه إن احتاجوا، وقوله "، ونفلنا " النفل في الأصل: هو
~~العطية غير اللازمة، وذكر بعض أهل اللغة: أن " الأنفال " الغنائم، وأطلقه
~~الفقهاء على ما يجعله الإمام لبعض الغزاة، لأجل الترغيب، وتحصيل مصلحة، أو
~~عوض عنها، واختلفت مذاهبهم في محله فمنهم من جعله من رأس الغنيمة، ومنهم من
~~جعله من الخمس وهو مذهب مالك، واستحب بعضهم من خمس الخمس، والذي يقرب من
~~لفظ هذا الحديث: أن هذا التنفيل كان من الخمس؛ لأنه أضاف
# PageV00P000
# 415 - الحديث العاشر: عن عبد الله بن عمر - رضي الله
~~عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا جمع الله عز وجل الأولين
~~والآخرين: يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان» .
### | 416 -
# الحديث الحادي عشر: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - «أن امرأة
~~وجدت في بعض مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - مقتولة، فأنكر النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - قتل النساء، والصبيان» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الاثني عشر إلى سهمانهم فقد يقال: إنه إشارة إلى ما تقرر لهم استحقاقه
~~وهو أربعة الأخماس الموزعة عليهم فيبقى النفل من الخمس، واللفظ محتمل لغير
~~ذلك احتمالا قريبا، وإن استبعد بعضهم أن يكون هذا النفل إلا من الخمس من
~~جهة اللفظ فليس بالواضح الكثير، وقد قيل: إنه تبين كون هذا النفل من الخمس
~~من مواضع أخر.
### | [حديث إذا جمع الله عز وجل الأولين والآخرين يرفع لكل غادر لواء]
# فيه تعظيم الغدرة، وذلك في الحروب كل اغتيال ممنوع شرعا: إما لتقدم أمان،
~~أو ما يشبهه، أو لوجوب تقدم الدعوة حيث تجب، أو يقال بوجوبها، وقد يراد
~~بهذا الغدر: ما هو أعم من أمر الحروب، وهو ظاهر اللفظ، وإن كان المشهور بين
~~جماعة من المصنفين وضعه في معنى الحرب، وقد عوقب الغادر بالفضيحة العظمى،
~~وقد يكون ذلك من باب مقابلة الذنب بما يناسب ضده في العقوبة، فإن ms559 الغادر
~~أخفى جهة غدره ومكره، فعوقب بنقيضه، وهو شهرته على رءوس الأشهاد، وفي اللفظ
~~المروي ههنا ما يدل على شهرة الناس. والتعريف بهم في القيامة بالنسبة إلى
~~آبائهم، خلاف ما حكي: أن الناس يدعون في القيامة بالنسبة إلى أمهاتهم.
# PageV00P000
# 417 - الحديث الثاني عشر: عن أنس بن مالك - رضي الله
~~عنه - «أن عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، شكوا القمل إلى رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - في غزاة لهما فرخص لهما في قميص الحرير ورأيته
~~عليهما» .
### | 418 -
# الحديث الثالث عشر: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال «كانت أموال
~~بني النضير: مما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لم يوجف
~~المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~خالصا، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل
~~ما بقي في
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي مقتولة]
# هذا حكم مشهور متفق عليه فيمن لا يقاتل، ويحمل هذا الحديث على ذلك لغلبة
~~عدم القتال على النساء والصبيان، ولعل سر هذا الحكم: أن الأصل عدم إتلاف
~~النفوس وإنما أبيح منه ما يقتضيه دفع المفسدة، ومن لا يقاتل ولا يتأهل
~~للقتال في العادة: ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين فرجع إلى الأصل فيهم، وهو
~~المنع. هذا مع ما في نفوس النساء، والصبيان من الميل، وعدم التشبث الشديد
~~بما يكونون عليه كثيرا أو غالبا، فرفع عنهم القتل، لعدم مفسدة المقاتلة في
~~الحال الحاضر، ورجاء هدايتهم عند بقائهم.
### | [حديث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا القمل إلى رسول الله]
# أجازوا للمحارب لبس الديباج الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، وهذا
~~الحديث يدل على جوازه، لأجل هذه المصلحة المذكورة فيه، ولعله تعين لذلك في
~~دفعها في ذلك الوقت، وقد سماه الراوي " رخصة " لأجل الإباحة، مع قيام دليل
~~الحظر.
# PageV00P000
# الكراع، والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل» .
#
### | [إحكام ms560 الأحكام]
### | [حديث كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله]
# قوله " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله " يحتمل وجهين:
# أحدهما: أن يراد بذلك: أنها كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة
~~لا حق فيها لأحد من المسلمين، ويكون إخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم
~~- لما يخرجه منها لغير أهله ونفسه تبرعا منه - صلى الله عليه وسلم -.
# والثاني: أن يكون ذلك مما يشترك فيه هو وغيره - صلى الله عليه وسلم -
~~ويكون ما يخرجه منها لغيره: من تعيين المصرف، وإخراج المستحق، وكذلك ما
~~يأخذه - صلى الله عليه وسلم - لأهله من باب أخذ النصيب المستحق من المال
~~المشترك في المصرف ولا يمنع من ذلك قوله {ما أفاء الله على رسوله من أهل
~~القرى} [الحشر: 7] ؛ لأن هذه اللفظة قد، وردت مع الاشتراك، قال الله تعالى
~~{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى} [الحشر:
~~7] الآية. فأطلق على ذلك كونه إفاءة على رسوله، مع الاشتراك في المصرف.
# ، وفي الحديث: جواز الادخار للأهل قوت سنة، وفي لفظه: ما يوجه الجمع بينه
~~وبين الحديث الآخر «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدخر شيئا
~~لغد» فيحمل هذا الادخار لنفسه وفي الحديث الذي نحن في شرحه على الادخار
~~لأهله، على أنه لا يكاد يحصل شك في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
~~مشاركا لأهله فيما يدخره من القوت، ولكن يكون المعنى: أنهم المقصودون
~~بالادخار الذي اقتضاه حالهم، حتى لو لم يكونوا لم يدخر، وفيه دليل على
~~تقديم مصلحة الكراع والسلاح على غيرها، لا سيما في مثل ذلك الزمان،
~~والمتكلمون على لسان الطريقة قد جعلوا - أو بعضهم - ما زاد على
# PageV02P311
# 419 - الحديث الرابع عشر: عن عبد الله بن عمر - رضي
~~الله عنهما - قال «أجرى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ضمر من الخيل: من
~~الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمر: من الثنية إلى مسجد بني زريق
~~قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى. قال سفيان: ms561 من الحفياء إلى ثنية الوداع: خمسة
~~أميال، أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق: ميل» .
### | 420 -
# الحديث الخامس عشر: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال «عرضت على
~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني،
~~وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# السنة خارجا عن طريقة التوكل.
### | [حديث أجرى النبي ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع]
# هذا الحديث أصل في جواز المسابقة بالخيل، وبيان الغاية التي يسابق إليها،
~~وفيه إطلاق الفعل على الأمر به، والمسوغ له وأما المسابقة على غير الخيل،
~~والشروط التي اشترطت في هذا العقد: فليست من متعلقات هذا الحديث، وكذلك
~~أيضا لا يدل هذا الحديث على أمر العوض، وأحكامه فإنه لم يصرح فيه. و "
~~الإضمار " ضد التسمين، وهو تدريج لها في أقواتها إلى أن يحصل لها الضمر، و
~~" الحفياء " بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، ثم ياء آخر آخر الحروف، وألف
~~ممدودة و " ثنية الوداع " مكانان معلومان و " زريق " بالزاي المعجمة قبل
~~الراء المهملة.
### | [حديث عبد الله بن عمر قال عرضت على رسول الله يوم أحد]
# اختلف الناس في المدة التي إذا بلغها الإنسان ولم يحتلم: حكم ببلوغه
~~فقيل: سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهذا مذهب
# PageV00P000
# 421 - الحديث السادس عشر: وعنه «أن رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - قسم في النفل: للفرس سهمين، وللرجل سهما» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الشافعي، وقد استدل له بهذا الحديث، وهو إجازة النبي - صلى الله عليه
~~وسلم - ابن عمر في القتال بخمس عشرة سنة، وعدم إجازته له فيما دونها، ونقل
~~عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: أنه لما بلغه هذا الحديث جعله حدا
~~فكان يجعل من دون الخمس عشرة: في الذرية. والمخالفون لهذا الحديث اعتذروا
~~عن هذا الحديث بأن الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وأن
~~إجازة النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عمر ms562 في الخمس عشرة لأنه رآه مطيقا
~~للقتال، ولم يكن مطيقا له قبلها، لا لأنه أدار الحكم على البلوغ وعدمه.
### | [حديث أن رسول الله قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما]
# " النفل " بتحريك النون، والفاء معا: يطلق ويراد به: الغنيمة، وعليه حمل
~~قوله تعالى {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] ،
~~ويطلق على ما ينفله الإمام لسرية، أو لبعض الغزاة، خارجا عن السهمان
~~المقسومة، إما من أصل الغنيمة، أو من الخمس على الاختلاف بين الناس في ذلك،
~~ومنه حديث نافع عن ابن عمر في سرية نجد «، وإن سهمانهم كانت اثني عشر - أو
~~أحد عشر بعيرا -، ونفلوا بعيرا بعيرا» ومذهب مالك والشافعي: أن للفارس
~~ثلاثة أسهم، ومذهب أبي حنيفة: أن للفارس سهمين، وهذا الحديث الذي ذكره
~~المصنف متعرض للتأويل من وجهين:
# أحدهما: أن يحمل النفل على المعنى الذي ذكرناه فيكون المعطى زيادة على
~~السهمين خارجا عنها:
# والثاني: أن تكون اللام في قوله " للفرس سهمين " اللام التي للتعليل لا
~~اللام التي للملك، أو الاختصاص، أي: أعطى الرجل سهمين لأجل فرسه، أي لأجل
~~كونه ذا فرس، وللرجل سهما مطلقا، وقد أجيب عن هذا ببيان المراد في رواية
~~أخرى صريحة، وهي رواية
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أبي معاوية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه» فقوله "
~~أسهم " استدل به على أنه ليس بخارج عن السهمين، وقوله " ثلاثة أسهم " صريح
~~في العدد المخصوص، وهذا الحديث الذي ذكرناه من رواية أبي معاوية عن عبيد
~~الله: صحيح الإسناد، إلا أنه قد اختلف فيه على عبيد الله بن عمر ففي رواية
~~بعضهم عنه " للفرس سهمين وللراجل سهما "، وقيل: إنه وهم فيه، أي هذا
~~الراوي، وهذا الحديث - أعني رواية أبي معاوية -، وما في معناها: له عاضد من
~~غيره، ومعارض له لا يساويه في الإسناد. أما العاضد: فرواية المسعودي: حدثني
~~أبو عمرة عن أبيه قال «أتينا رسول الله - صلى الله ms563 عليه وسلم - أربعة نفر،
~~ومعنا فرس فأعطى كل إنسان منا سهما، وأعطى للفرس سهمين» هذه رواية عبيد
~~الله بن يزيد عن المسعودي عند أبي داود، وعنده من رواية أمية بن خالد
~~المسعودي عن أبي خلف بن عمرو عن أبي عمرة قال أبو داود: بمعناه، إلا أنه
~~قال " ثلاثة نفر " زاد "، وكان للفارس ثلاثة أسهم " وهذا اختلاف في
~~الإسناد، وأما المعارض فمنه ما روى عبد الله بن عمر، وهو - أخو عبيد الله
~~الذي قدمنا ذكره - عن نافع عن ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~قسم يوم خيبر للفارس سهمين، وللراجل سهما» قال الشافعي: وليس يشك أحد من
~~أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وقال في القديم:
~~فإنه سمع نافعا يقول " للفرس سهمين وللرجل سهما " فقال " للفرس سهمين
~~وللراجل سهما " قلت: وعبيد الله، وعبد الله هذان: هما ابنا عمر بن حفص بن
~~عاصم بن عمر بن الخطاب، وما ذكره الشافعي من تقدمة عبيد الله بن عمر على
~~أخيه عند أهل العلم، فهو كذلك، ولكن في حديث مجمع بن جارية ما يعضده،
~~ويوافقه، وهو حديث رواه أبو داود من حديث محمد بن يعقوب بن مجمع عن عمه
~~مجمع بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن - قال «شهدت
~~الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما انصرفنا عنها إذا الناس
~~يهزون الأباعر فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قال: أوحي إلى رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - فخرجنا مع الناس نوجف،
# PageV02P314
# 422 - الحديث السابع عشر: وعنه «أن رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -: كان ينفل بعض من يبعث في السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم
~~عامة الجيش» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فوجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - واقفا على راحلته عند كراع الغميم
~~فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1]
~~فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: نعم، والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح
~~فقسمت خيبر ms564 على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على
~~ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى
~~للفارس سهمين، وأعطى للراجل سهما» رواه أبو داود عن محمد بن عيسى عن مجمع،
~~وهذا يوافق رواية عبد الله بن عمر في قسم خيبر، إلا أن الشافعي قال في مجمع
~~بن يعقوب: إنه شيخ لا يعرف، قال: فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله، ولم نر له
~~خبرا مثله يعارضه، ولا يجوز خبر إلا بخبر مثله.
### | [حديث أن رسول الله كان ينفل بعض من يبعث في السرايا لأنفسهم خاصة]
# هذا هو التنفيل بالمعنى الثاني، الذي ذكرناه في معنى النفل، وهو أن يعطي
~~الإمام لسرية، أو لبعض أهل الجيش خارجا عن السهمين، والحديث مصرح بأنه خارج
~~عن قسم عامة الجيش، إلا أنه ليس مبينا لكونه من رأس الغنيمة، أو من الخمس،
~~فإن اللفظ محتمل لهما جميعا، والناس مختلفون في ذلك ففي رواية مالك عن أبي
~~الزناد: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول " كان الناس يعطون النفل من الخمس "،
~~وهذا مرسل، وروى محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: «بعث رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - سرية إلى نجد، فخرجت معها، فأصبنا نعما كثيرا فنفلنا
~~أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - فقسم بيننا غنيمتنا،
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - بالذي أعطانا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل منا
~~ثلاثة عشر بعيرا بنفله» ، وهذا يدل على أن التنفيل من رأس الغنيمة، وروى
~~زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة قال: «شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم -
~~نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة» ، وهذا أيضا يدل على أن التنفيل من
~~أصل الغنيمة ظاهرا مع احتماله لغيره، وروي في حديث حبيب هذا: «أن رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم - كان ينفل الربع ms565 بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا
~~قفل» ، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه: ينفل بعد إخراج الخمس، أي ينفله من
~~أربعة أخماس ما يأتون به ردء الغنيمة إلى موضع في البدأة، أو في الرجعة،
~~وهذا ظاهر، وترجم أبو داود عليه " باب فيمن قال: الخمس قبل النفل "، وأبدى
~~بعضهم فيه احتمالا آخر، وهو أن يكون قوله " بعد الخمس " أي بعد أن يفرد
~~الخمس، فعلى هذا: يبقى محتملا لأن ينفل ذلك من الخمس، أو من غير الخمس
~~فيحمله على أن ينفل من الخمس احتمالا، وحديث ابن إسحاق صريح، أو كالصريح.
# وللحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال، وما يضر من المقاصد الداخلة
~~فيها، وما لا يضر، وهو موضع دقيق المأخذ، ووجه تعلقه به: أن التنفيل
~~للترغيب في زيادة العمل، والمخاطرة والمجاهدة، وفي ذلك مداخلة لقصد الجهاد
~~لله تعالى، إلا أن ذلك لم يضرهم قطعا، لفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -
~~لهم ففي ذلك دلالة لا شك فيها على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا
~~يقدح من الإخلاص، وإنما الإشكال في ضبط قانونها، وتمييز ما يضر مداخلته من
~~المقاصد، ويقتضي الشركة فيه المنافاة للإخلاص، وما لا تقتضيه ويكون تبعا لا
~~له، ويتفرع عنه غير ما مسألة.
# وفي الحديث: دلالة على أن لنظر الإمام مدخلا في المصالح المتعلقة بالمال
~~أصلا، وتقديرا على حسب المصلحة، على ما اقتضاه حديث
# PageV02P316
# 423 - الحديث الثامن عشر: عن أبي موسى عبد الله بن
~~قيس - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من حمل علينا السلاح فليس منا»
~~.
### | 424 -
# الحديث التاسع عشر: عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال «سئل رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - عن الرجل: يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء. أي
~~ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قاتل
#
### | [إحكام الأحكام]
# حبيب بن مسلمة في الربع، والثلث فإن " الرجعة " لما كانت أشق على
~~الراجعين، وأشد لخوفهم؛ لأن العدو قد كان نذر بهم لقربهم، فهو على يقظة ms566 من
~~أمرهم: اقتضى زيادة التنفيل. و " البدأة " لما لم يكن فيها هذا المعنى:
~~اقتضى نقصه، ونظر الإمام متقيد بالمصلحة لا على أن يكون بحسب التشهي حيث
~~يقال: إن النظر للإمام: إنما يعني هذا، أعني أن يفعل ما تقتضيه المصلحة، لا
~~أن يفعل على حسب التشهي.
### | [حديث من حمل علينا السلاح فليس منا]
# حمل السلاح: يجوز أن يراد به ما يضاد وضعه، ويكون ذلك كناية عن القتال
~~به، وأن يكون حمله ليراد به القتال، ودل على ذلك قرينة قوله - عليه السلام
~~- " علينا "، ويحتمل أن يراد به: ما هو أقوى من هذا، وهو الحمل للضرب به،
~~أي في حالة القتال، والقصد بالسيف للضرب به، وعلى كل حال: فهو دليل على
~~تحريم قتال المسلمين، وتغليظ الأمر فيه، وقوله " فليس منا " قد يقتضي
~~ظاهره: الخروج عن المسلمين؛ لأنه إذا حمل " علينا " على أن المراد به
~~المسلمون: كان قوله " فليس منا " كذلك، وقد ورد مثل هذا فاحتاجوا إلى
~~تأويله كقوله - عليه السلام - «من غشنا فليس منا» ، وقيل فيه: ليس مثلنا،
~~أو ليس على طريقتنا، أو ما يشبه ذلك، فإذا كان الظاهر كما ذكرناه، ودل
~~الدليل على عدم الخروج عن الإسلام بذلك - اضطررنا إلى التأويل.
# PageV00P000
# لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [حديث من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله]
# في الحديث دليل على وجوب الإخلاص في الجهاد وتصريح بأن القتال للشجاعة
~~والحمية، والرياء: خارج عن ذلك. فأما " الرياء " فهو ضد الإخلاص بذاته
~~لاستحالة اجتماعهما أعني أن يكون القتال لأجل الله تعالى، ويكون بعينه لأجل
~~الناس، وأما " القتال للشجاعة " فيحتمل وجوها:
# أحدها: أن يكون التعليل داخلا في قصد المقاتل، أي قاتل لأجل إظهار
~~الشجاعة، فيكون فيه حذف مضاف، وهذا لا شك في منافاته للإخلاص.
# وثانيها: أن يكون ذلك تعليلا لقتاله من غير دخول له في القصد بالقتال كما
~~يقال: أعطى لكرمه، ومنع لبخله، وآذى لسوء خلقه وهذا بمجرده من حيث هو هو:
~~لا يجوز ms567 أن يكون مرادا بالسؤال، ولا الذم فإن الشجاع المجاهد في سبيل الله
~~إنما فعل ما فعل لأنه شجاع، غير أنه ليس يقصد به إظهار الشجاعة، ولا دخل
~~قصد إظهار الشجاعة في التعليل. وثالثها: أن يكون المراد بقولنا " قاتل
~~للشجاعة " أنه يقاتل لكونه شجاعا فقط، وهذا غير المعنى الذي قبله؛ لأن
~~الأحوال ثلاثة: حال يقصد بها إظهار الشجاعة، وحال يقصد بها إعلاء كلمة الله
~~تعالى، وحال يقاتل فيها؛ لأنه شجاع، إلا أنه لم يقصد إعلاء كلمة الله
~~تعالى، ولا إظهار الشجاعة عنه، وهذا يمكن فإن الشجاع الذي تدهمه الحرب،
~~وكانت طبيعته المسارعة إلى القتال: يبدأ بالقتال لطبيعته، وقد لا يستحضر
~~أحد الأمرين، أعني أنه لغير الله تعالى، أو لإعلاء كلمة الله تعالى، ويوضح
~~الفرق بينهما أيضا: أن المعنى الثاني لا ينافيه وجود قصد فإنه يقال: قاتل
~~لإعلاء كلمة الله تعالى؛ لأنه شجاع، وقاتل للرياء؛ لأنه شجاع، فإن الجبن
~~مناف للقتال، مع كل قصد يفرض.
# وأما المعنى الثالث: فإنه ينافيه القصد؛ لأنه أخذ فيه القتال للشجاعة
~~بقيد التجرد عن غيرها، ومفهوم الحديث: يقتضي أنه في سبيل الله تعالى إذا
~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وليس في سبيل الله إذا لم
# PageV02P318
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# يقاتل لذلك. فعلى الوجه الأول: تكون فائدته بيان أن القتال لهذه الأغراض
~~مانع، وعلى الوجه الأخير: تكون فائدته: أن القتال لأجل إعلاء كلمة الله
~~تعالى شرط، وقد بينا الفرق بين المعنيين، وقد ذكرنا أن مفهوم الحديث
~~الاشتراط، لكن إذا قلنا بذلك، فلا ينبغي أن نضيق فيه، بحيث تشترط مقارنته
~~لساعة شروعه في القتال، بل يكون الأمر أوسع من هذا. ويكتفى بالقصد العام
~~لتوجهه إلى القتال، وقصده بالخروج إليه لإعلاء كلمة الله تعالى، ويشهد
~~لهذا: الحديث الصحيح في أنه «يكتب للمجاهد استنان فرسه، وشربها في النهر»
~~من غير قصد لذلك، لما كان القصد الأول إلى الجهاد واقعا لم يشترط أن يكون
~~ذلك في الجزئيات، ولا يبعد أن يكون بينهما فرق، إلا أن الأقرب عندنا ما ms568
~~ذكرناه من أنه لا يشترط اقتران القصد بأول الفعل المخصوص، بعد أن يكون
~~القصد صحيحا في الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى دفعا للحرج والمشقة، فإن
~~حالة الفزع حالة دهش.
# وقد تأتي على غفلة فالتزام حضور الخواطر في ذلك الوقت حرج ومشقة. ثم إن
~~الحديث يدل على أن المجاهد في سبيل الله: مؤمن، قاتل لتكون كلمة الله هي
~~العليا، والمجاهد لطلب ثواب الله تعالى والنعيم المقيم: مجاهد في سبيل الله
~~ويشهد له: فعل الصحابي - وقد سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول
~~«قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» - فألقى الثمرات التي كن في يده،
~~وقاتل حتى قتل، وظاهر هذا: أنه قاتل لثواب الجنة، والشريعة كلها طافحة بأن
~~الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة، غير معلولة؛ لأن الله تعالى ذكر صفة
~~الجنة، وما أعد فيها للعاملين ترغيبا للناس في العمل، ومحال أن يرغبهم
~~للعمل للثواب، ويكون ذلك معلولا مدخولا، اللهم إلا أن يدعى أن غير هذا
~~المقام أعلى منه، فهذا قد يتسامح فيه، وأما أن يكون علة في العمل فلا. فإذا
~~ثبت هذا، وأن المقاتل لثواب الله، وللجنة: مقاتل في سبيل الله تعالى
~~فالواجب أن يقال: أحد الأمرين إما أن يضاف إلى هذا المقصود - أعني القتال
~~لإعلاء كلمة الله تعالى - ما هو مثله، أو ما يلازمه، كالقتال لثواب الله
~~تعالى.
# وإما
# PageV02P319
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# أن يقال: إن المقصود بالكلام وسياقه بيان أن هذه المقاصد منافية للقتال
~~في سبيل الله. فإن السؤال إنما وقع عن القتال لهذه المقاصد، وطلب بيان أنها
~~في سبيل الله أم لا؟ فخرج الجواب عن قصد السؤال، بعد بيان منافاة هذه
~~المقاصد للجهاد في سبيل الله: هو بيان أن هذا القتال لإعلاء كلمة الله
~~تعالى هو قتال في سبيل الله، لا على أن " سبيل الله " للحصر، وأن لا يكون
~~غيره في سبيل الله مما لا ينافي الإخلاص، كالقتال لطلب الثواب، والله أعلم.
# ، وأما القتال حمية: فالحمية من فعل القلوب فلا يقتضي ذلك إلا أن يكون ms569
~~مقصود الفاعل: إما مطلقا، وإما في مراد الحديث ودلالة السياق، وحينئذ يكون
~~قادحا في القتال في سبيل الله تعالى، إما لانصرافه إلى هذا الفرض، وخروجه
~~عن القتال لإعلاء كلمة الله، وإما لمشاركته المشاركة القادحة في الإخلاص،
~~ومعلوم أن المراد بالحمية: الحمية لغير دين الله وبهذا يظهر لك ضعف
~~الظاهرية في مواضع كثيرة، ويتبين أن الكلام يستدل على المراد منه بقرائنه
~~وسياقه ودلالة الدليل الخارج على المراد منه، وغير ذلك.
# فإن قلت: فإذا حملت قوله " قاتل للشجاعة " أي لإظهار الشجاعة فما الفائدة
~~بعد ذلك في قولهم " يقاتل رياء "؟ قلت: يحتمل أن يراد بالرياء: إظهار قصده
~~للرغبة في ثواب الله تعالى، والمسارعة للقربات، وبذل النفس في مرضاة الله
~~تعالى. والمقاتل لإظهار الشجاعة: مقاتل لغرض دنيوي، وهو تحصيل المحمدة،
~~والثناء من الناس عليه بالشجاعة، والمقصدان مختلفان، ألا ترى أن العرب في
~~جاهليتها كانت تقاتل للحمية وإظهار الشجاعة، ولم يكن لها قصد في المراءاة
~~بإظهار الرغبة في ثواب الله تعالى والدار الآخرة؟ فافترق القصدان، وكذلك
~~أيضا القتال للحمية مخالف للقتال شجاعة والقتال للرياء؛ لأن الأول: يقاتل
~~لطلب المحمدة بخلق الشجاعة وصفتها وأنها قائمة بالمقاتل وسجية له، والقتال
~~للحمية: قد لا يكون كذلك، وقد يقاتل الجبان حمية لقومه، أو لحريمه " مكره
~~أخاك لا بطل "، والله أعلم.
# PageV02P320
# كتاب العتق
### | 425 -
# الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - قال «من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن
~~العبد: قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد
~~عتق منه ما عتق» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [كتاب العتق]
# الكلام عليه من وجوه:
# الأول: صيغة " من " للعموم فيقتضي دخول أصناف المعتقين في الحكم المذكور،
~~ومنهم المريض، وقد اختلف في ذلك فالشافعية يرون أنه إن خرج من الثلث جميع
~~العبد قوم عليه نصيب الشريك، وعتق عليه؛ لأن تصرف المريض في ثلثه: كتصرف
~~الصحيح في كله، ونقل أحمد: أنه لا يقوم في حال ms570 المريض، وذكر قاضي الجماعة -
~~أبو الوليد بن رشد المالكي عن ابن الماجشون من المالكية - فيمن أعتق حظه من
~~عبد بينه وبين شريكه في المرض: أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه إلا من رأس
~~ماله، إن صح، وإن لم يصح: لم يقوم في الثلث على حال، وعتق منه حظه وحده،
~~والعموم كما ذكرنا يقتضي التقويم، وتخصيصه بما يحتمله
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الثلث: مأخوذ من الدليل الدال على اختصاص تصرف المريض بالتبرعات في
~~الثلث.
# الثاني: العموم يدخل فيه المسلم والكافر، وللمالكية تصرف في ذلك فإن كان
~~الشريكان، والعبد كفارا: لم يلزموا بالتقويم، وإن كانا مسلمين، والعبد
~~كافرا: فالتقويم، وإن كان أحدهما مسلما، والآخر كافرا فإن أعتق المسلم كمل
~~عليه، كان العبد مسلما أو ذميا، وإن أعتق الكافر فقد اختلفوا في التقويم
~~على ثلاثة مذاهب: الإثبات، والنفي، والفرق بين أن يكون العبد مسلما فيلزم
~~التقويم، وبين أن يكون ذميا، فلا يلزم، وإن كانا كافرين والعبد مسلما
~~فروايتان، وللحنابلة أيضا وجهان فيما إذا أعتق الكافر نصيبه من مسلم، وهو
~~موسر: هل يسري إلى باقيه؟ وهذا التفصيل الذي ذكرناه يقتضي تخصيص صور من هذه
~~العمومات:
# أحدها: إذا كان الجميع كفارا، وسببه: ما دل عندهم على عدم التعرض للكفار
~~في خصوص الأحكام الفرعية. وثانيها: إذا كان المعتق هو الكافر، على مذهب من
~~يرى أن لا تقويم، أو لا تقويم إذا كان العبد كافرا فأما الأول: فيرى أن
~~المحكوم عليه بالتقويم هو الكافر، ولا إلزام له بأحكام فروع الإسلام.
# وأما الثاني: فيرى أن التقويم إذا كان العبد مسلما لتعلق حق العتق
~~بالمسلم، وثالثها: إذا كانا كافرين، والعبد مسلما على قول، وسببه ما ذكرناه
~~من تعلق حق المسلم بالعتق، واعلم أن هذه التخصيصات: إن أخذت من قاعدة كلية
~~لا مستند فيها إلى نص معين، فتحتاج إلى الاتفاق عليها، وإثبات تلك القاعدة
~~بدليل وإن استندت إلى نص معين، فلا بد من النظر في دلالته مع دلالة هذا
~~العموم، ووجه الجمع بينهما أو التعارض.
### | 1 -
# الثالث: ms571 إذا أعتق أحدهما نصيبه، ونصيب شريكه مرهون، ففي السراية إلى نصيب
~~الشريك اختلاف لأصحاب الشافعي، وظاهر العموم: يقتضي التسوية بين المرهون،
~~وغيره، ولكنه ظاهر، ليس بالشديد القوة؛ لأنه خارج عن المعنى المقصود
~~بالكلام؛ لأن المقصود: إثبات السراية إلى نصيب الشريك على المعتق
# PageV02P322
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# من حيث هو كذلك، لا مع قيام المانع، فالمخالف لظاهر العموم: يدعي قيام
~~المانع من السراية، وهو إبطال حق المرتهن، ويقويه بأن تناول اللفظ لصور
~~قيام المانع غير قوي؛ لأنه غير المقصود، والموافق لظاهر العموم: يلغي هذا
~~المعنى بأن العتق قد قوي على إبطال حق المالك في العين بالرجوع إلى القيمة
~~فلأن يقوى على إبطال حق المرتهن كذلك أولى، وإذا ألغي المانع عمل اللفظ
~~العام عمله.
### | 1 -
# الرابع: كاتبا عبدا ثم أعتق أحدهما نصيبه: فيه من البحث ما قدمناه من أمر
~~العموم، والتخصيص بحالة عدم المانع، والمانع ههنا: صيانة الكتابة عن
~~الإبطال، وههنا زيادة أمر آخر، وهو أن يكون لفظ " العبد " عند الإطلاق
~~متناولا للمكاتب، ولا يكتفي في هذا بثبوت أحكام الرق عليه؛ لأن ثبوت تلك
~~الأحكام لا يلزم منه تناول لفظ " العبد له عند الإطلاق متناولا للمكاتب ولا
~~يكتفي في هذا بثبوت أحكام الرق عليه فإن ذلك حكم لفظي يؤخذ من غلبة استعمال
~~اللفظ، وقد لا يغلب الاستعمال وتكون أحكام الرق ثابتة، وهذا المقام إنما هو
~~في إدراج هذا الشخص تحت هذا اللفظ، وتناول اللفظ له أقرب.
# الخامس: إذا أعتق نصيبه، ونصيب شريكه مدبر: فيه ما تقدم من البحث، وتناول
~~اللفظ ههنا أقوى من المكاتب، ولهذا كان الأصح من قولي الشافعي عند أصحابه:
~~أنه يقوم عليه نصيب الشريك والمانع ههنا: إبطال حق الشريك من قربة مهد
~~سبيلها.
### | 1 -
# السادس: أعتق نصيبه من جارية، ثبت الاستيلاد في نصيب شريكه منها فالمانع
~~من إعمال العموم ههنا: أقوى مما تقدم؛ لأن السراية تتضمن نقل الملك، وأم
~~الولد لا تقبل نقل الملك من ملك إلى ملك عند من يمنع من بيعها، وهذا أصح
~~وجهي ms572 الشافعية، ومن يجري على العموم يلغي هذا المانع، بأن الإعتاق وسرايته
~~كالإتلاف، وإتلاف أم الولد يوجب القيمة، ويكون التقويم سبيله سبيل غرامة
~~المتلفات، وذلك يقتضي التخصيص بصدور أمر يجعله إتلافا.
### | 1 -
# السابع: العموم يقتضي أن لا فرق بين عتق مأذون فيه، أو غير مأذون، وفرق
~~الحنفية بين الإعتاق المأذون فيه، وغير المأذون فيه، وقالوا: لا ضمان في
# PageV02P323
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# إعتاق المأذون فيه، كما لو قال لشريكه: أعتق نصيبك.
# الثامن: قوله - عليه السلام - " أعتق " يقتضي صدور العتق منه، واختياره
~~له فيثبت الحكم حيث كان مختارا، وينتفي حيث لا اختيار، إما من حيث المفهوم،
~~وإما لأن السراية على خلاف القياس فتختص بمورد النص، وإما لإبداء معنى
~~مناسب يقتضي التخصيص بالاختيار، وهو أن التقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات،
~~وذلك يقتضي التخصيص بصدور أمر يجعل إتلافا، وههنا ثلاث مراتب: مرتبة لا
~~إشكال في وقع الاختيار فيها، ومرتبة لا إشكال في عدم الاختيار فيها، ومرتبة
~~مترددة بينهما. أما المرتبة الأولى: فإصدار الصيغة المقتضية للعتق بنفسها،
~~ولا شك في دخولها في مدلول الحديث. وأما المرتبة الثانية: فمثالها: ما إذا
~~ورث بعض قريبه، فعتق عليه ذلك البعض فلا سراية، ولا تقويم عند الشافعية،
~~ونص عليه أيضا بعض مصنفي متأخري المالكية والحنفية، لعدم الاختيار في العتق
~~وسببه معا، وعن أحمد: رواية أنه يعتق عليه نصيب الشريك، إذا كان موسرا، ومن
~~أمثلته: أن يعجز المكاتب نفسه بعد أن اشترى شقصا يعتق على سيده فإن الملك
~~والعتق يحصل بغير اختيار السيد فهو كالإرث.
# وأما المرتبة الثالثة الوسطى: فهي ما إذا وجد سبب العتق باختياره، وهذا
~~أيضا تختلف رتبه: فمنه ما يقوى فيه تنزيل مباشرة السبب منزلة مباشرة
~~المسبب، كقوله لبعض قريبه في بيع أو هبة أو، وصية، وقد نزله الشافعية منزلة
~~المباشر، وقد نص عليه أيضا بعض المالكية في الشراء، والهبة وينبغي أن يكون
~~من ذلك: تمثيله بعبده، وعند من يرى العتق بالمثلة، وهو مالك وأحمد، ومنه ما
~~يضعف عن هذا، وهو تعجيز السيد المكاتب، ms573 بعد أن اشترى شقصا ممن يعتق على
~~سيده فانتقل إليه الملك بالتعجيز الذي هو سبب العتق، فإنه لما اختاره كان
~~كاختياره لسبب العتق بالشراء وغيره، وفيه اختلاف لأصحاب الشافعي، ووجه ضعف
~~هذا عن الأول: أنه لم يقصد التملك، وإنما قصد التعجيز، وقد حصل الملك فيه
~~ضمنا، إلا أن هذا ضعيف، والأول أقوى.
### | [الاختيار في العتق]
# 1
# التاسع: الحديث يقتضي الاختيار في العتق، وقد نزلوا منزلته: الاختيار في
# PageV02P324
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# سبب العتق على الوجه الذي قدمناه، ولا يدخل تحته اختيار ما يوجب الحكم
~~عليه بالعتق ففرق بين اختياره ما يوجب العتق في نفس الأمر، وبين اختياره ما
~~يوجبه ظاهرا، فعلى هذا إذا قال أحد الشريكين لصاحبه: قد أعتقت نصيبك - وهما
~~معسران عند هذا القول - ثم اشترى أحدهما نصيب صاحبه فإنه يحكم بعتق النصيب
~~المشترى، مؤاخذة للمشتري بإقراره، وهل يسري إلى نصيبه؟ مقتضى ما قررناه: أن
~~لا يسري؛ لأنه لم يختر ما يوجب العتق في نفس الأمر، وإنما اختار ما يوجب
~~الحكم به ظاهرا، وقال بعض الفقهاء من الحنابلة: يعتق جميعه، وهو ضعيف.
### | [العتق إلى أجل]
# 1
# العاشر: الظاهر أن المراد بالعتق عتق التنجيز، وأجرى الفقهاء مجراه:
~~التعليق بالصفة، مع وجود الصفة، وأما العتق إلى أجل فاختلف المالكية فيه
~~فالمنقول عن مالك وابن القاسم: أنه يقوم عليه الآن فيعتق إلى أجل، وقال
~~سحنون: إن شاء المتمسك قوم الساعة، فكان جميعه حرا إلى سنة مثلا، وإن شاء
~~تماسك وليس له بيعه قبل السنة، إلا من شريكه، وإذا تمت السنة: قوم على
~~مبتدئ العتق عند التقويم.
# الحادي عشر: " الشرك " في الأصل هو مصدر لا يقبل العتق، وأطلق على متعلقه
~~وهو المشترك، ومع هذا لا بد من إضمار، تقديره " جزء مشترك " أو ما يقارب
~~ذلك؛ لأن المشترك في الحقيقة: هو جملة العين، أو الجزء المعين منها إذا
~~أفرد بالتعيين، كاليد والرجل مثلا، وأما النصيب المشاع: فلا اشتراك فيه
# الثاني عشر: يقتضي الحديث: أن لا يفرق في الجزء المعتق بين القليل ms574
~~والكثير، لأجل التنكير الواقع من سياق الشرط.
### | [أعتق عضوا معينا كاليد والرجل]
# الثالث عشر: إذا أعتق عضوا معينا - كاليد والرجل - اقتضى الحديث ثبوت
~~الحكم المذكور فيه. وخلاف أبي حنيفة في الطلاق جار ههنا. وتناول اللفظ لهذه
~~الصورة: أقوى من تناوله للجزء المشاع، على ما قررناه؛ لأن الجزء الذي أفرد
~~بالعتق مشترك حقيقة.
### | 1 -
# الرابع عشر: يقتضي أن يكون المعتق جزءا من المشترك فيتصدى النظر فيما إذا
~~أعتق الجنين: هل يسري إلى الأم؟ .
### | 1 -
# PageV02P325
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# الخامس عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم - " له " يقتضي أن يكون العتق منه
~~مصادفا لنصيبه كقوله: أعتقت نصيبي من هذا العبد، فعلى هذا لو قال: أعتقت
~~نصيب شريكي: لم يؤثر في نصيبه، ولا في نصيب الشريك على المذهبين. فلو قال
~~للعبد الذي يملك نصفه " نصفك حر " أو أعتقت نصفك، فهل يحمل على النصف
~~المختص به، أو يحمل على النصف شائعا؟ فيه اختلاف لأصحاب الشافعي، وعلى كل
~~حال فقد عتق: إما كل نصيبه، أو بعضه فهو داخل تحت الحديث.
# السادس عشر: هذه الرواية تقتضي ثبوت هذا الحكم في العبد، والأمة مثله،
~~وهو بالنسبة إلى هذا اللفظ: قياس في معنى الأصل الذي لا ينبغي أن ينكره
~~منصف. غير أنه قد ورد ما يقتضي دخول الأمة في اللفظ فإنهم اختلفوا في
~~الرواية فقال القعنبي: عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - " في
~~مملوك "، وكذلك جاء في رواية أيوب عن نافع، وأما عبيد الله عن نافع:
~~فاختلفوا عليه ففي رواية أسامة، وابن نمير عنه " في مملوك " كما في رواية
~~القعنبي عن مالك، وفي رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله " في عبد "، وفي
~~بعض هذه الروايات عموم. وجاء ما هو أقوى من ذلك في رواية موسى بن عقبة عن
~~نافع عن ابن عمر «أنه كان يرى في العبد والأمة يكون بين الشركاء، فيعتق
~~أحدهما نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه كله، وفي آخر الحديث يخبر بذلك
~~ابن عمر عن النبي ms575 - صلى الله عليه وسلم -» ، وكذلك جاء في رواية صخر بن
~~جويرية عن نافع " بذكر العبد والأمة " قريبا مما ذكرناه من رواية موسى، وفي
~~آخره " رفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ".
### | [اليسار معتبرا في وقت العتق]
# 1
# السابع عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم - "، وكان له مال " إن كان بالفاء
~~" فكان له مال " اقتضى ذلك أن يكون اليسار معتبرا في وقت العتق، وإن كان
~~بالواو " وكان " احتمل أن يكون للحال فيكون الأمر كذلك.
# الثامن عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم - " له مال " يخرج عنه من لا مال
~~له، وبه قال الشافعية فيما إذا أوصى أحد الشريكين بإعتاق نصيبه بعد موت
~~فأعتق بعد موته فلا سراية، وإن خرج كله من الثلث؛ لأن المال ينتقل بالموت
~~إلى الوارث، ويبقى الميت لا مال له ولا يقوم على من لا يملك شيئا وقت نفوذ
~~العتق في نصيبه، وكذلك لو كان يملك كل العبد فأوصى بعتق جزء منه فأعتق منه:
~~لم يسر، وكذا لو
# PageV02P326
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# دبر أحد الشريكين نصيبه فقال: إذا مت فنصيبي منك حر، وكل هذا جار على ما
~~ذكرناه عند من قال به، وظاهر المذهب عند المالكية فيمن قال: إذا مت فنصيبي
~~منك حر: أنه لا يسري وقيل: إنه يقوم في ثلثه، وجعله موسرا بعد الموت.
### | [عبد كان بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه]
# 1
# التاسع عشر: أطلق " الثمن " في هذه الرواية، والمراد القيمة فإن " الثمن
~~" ما اشتريت به العين وإنما يلزم بالقيمة لا بالثمن وقد تبين المراد في
~~رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله " ما يبلغ ثمنه يقوم عليه قيمة عدل "،
~~وفي رواية عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه «أيما عبد كان بين اثنين فأعتق
~~أحدهما نصيبه فإن كان موسرا، فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة - أو قال - قيمة،
~~ولا، وكس، ولا شطط، وفي رواية أيوب من كان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة
~~العدل، وفي رواية موسى يقام، وماله قيمة العدل» وفي هذا ms576 ما يبين: أن المراد
~~بالثمن القيمة.
# العشرون: قوله - صلى الله عليه وسلم - " ما يبلغ ثمن العبد " يقتضي تعليق
~~الحكم في مال يبلغ ثمن العبد فإذا كان المال لا يبلغ كمال القيمة ولكن قيمة
~~بعض النصيب، ففي السراية وجهان لأصحاب الشافعي فيمكن أن يستدل به من لا يرى
~~السراية بمفهوم هذا اللفظ، ويؤيده بأن في السراية تبعيضا لملك الشريك عليه،
~~والأصح عندهم: السراية إلى القدر الذي هو موسر به، تحصيلا للحرية بقدر
~~الإمكان، والمفهوم في مثل هذا ضعيف.
# الحادي والعشرون: إذا ملك ما يبلغ كمال القيمة، إلا أن عليه دينا يساوي
~~ذلك، أو يزيد عليه: فهل يثبت الحكم في السراية، والتقويم؟ فيه الخلاف الذي
~~في منع الدين الزكاة، ووجه الشبه بينهما: اشتراكهما في كونهما حقا لله، مع
~~أن فيهما حقا للآدمي، ويمكن أن يستدل بالحديث من لا يرى الدين مانعا ههنا،
~~أخذا بالظاهر، ومن يرى الدين مانعا: يخصص هذه الصورة بالمانع الذي يقيمه
~~فيها خصمه. والمالكية على أصلهم: في أن من عليه دين بقدر ماله: فهو معسر.
# والثاني والعشرون: يقتضي الخبر أنه مهما كان للمعتق ما يفي بقيمة نصيب
~~شريكه: فيقوم عليه، وإن لم يملك غيره هذا الظاهر، والشافعية أخرجوا قوت
~~يومه، وقوت من تلزمه نفقته، ودست ثوب، وسكنى يوم، والمالكية اختلفوا فقيل:
~~باعتبار قوت الأيام، وكسوة ظهره، كما في الديون التي عليه، ويباع منزله
~~الذي يسكن فيه وشوار بيته، وقال أشهب منهم: إنما يترك له ما يواريه لصلاته.
# PageV02P327
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [وقت حصول العتق عند وجود شرائط السراية إلى الباقي]
# الثالث والعشرون: اختلف العلماء في وقت حصول العتق عند وجود شرائط
~~السراية إلى الباقي وللشافعي ثلاثة أقوال:
# أحدها: وهو الأصح عند أصحابه - أنه يحصل بنفس الإعتاق، وهي رواية عن
~~مالك.
# الثاني: أن العتق لا يحصل إلا إذا أدى نصيب الشريك، وهذا ظاهر مذهب مالك.
# الثالث: أن يتوقف: فإن أدى القيمة بان حصول العتق من وقت الإعتاق، وإلا
~~بان أنه لم يعتق. وألفاظ الحديث المذكور: مختلفة عند ms577 الرواة ففي بعضها قوة
~~لمذهب مالك، وفي بعضها ظهور لمذهب الشافعي، وفي بعضها احتمال متقارب،
~~وألفاظ هذه الرواية تشعر بما قاله مالك، وقد استدل بها على هذا المذهب؛
~~لأنها تقتضي ترتيب التقويم على عتق النصيب، وتعقب الإعطاء وعتق الباقي
~~للتقويم، فهذا الترتيب بين الإعطاء، وعتق الباقي للتقويم. فالتقويم إما أن
~~يكون راجعا إلى ترتيب في الوجود، أو إلى ترتب في الرتبة، والثاني: باطل؛
~~لأن عتق النصيب الباقي - على قول السراية - بنفس إعتاق الأول إما مع إعتاق
~~الأول، أو عقيبه فالتقويم: إن أريد به: الأمر الذي يقوم به الحاكم والمقوم:
~~فهو متأخر في الوجود عن عتق النصيب والسراية معا فلا يكون عتق نصيب الشريك
~~مرتبا على التقويم في الوجود، مع أن ظاهر اللفظ: يقتضيه، وإن أريد
~~بالتقويم: وجوب التقويم مع ما فيه من المجاز فالتقويم بهذا التفسير: مع
~~العتق الأول يتقدم على الإعطاء وعتق الباقي، فلا يكون عتق الباقي متأخرا عن
~~التقويم على هذا التفسير، لكنه متأخر على ما دل عليه ظاهر اللفظ، وإذا بطل
~~الثاني تعين الأول وهو أن يكون عتق الباقي راجعا إلى الترتيب في الوجود، أي
~~يقع أولا التقويم، ثم الإعطاء وعتق الباقي، وهو مقتضى مذهب مالك إلا أنه
~~يبقى على هذا احتمال أن يكون "، وعتق " معطوفا على " قوم " لا على " أعطى "
~~فلا يلزم تأخر عتق الباقي على الإعطاء، ولا كونه معه في درجة واحدة، فعليك
~~بالنظر في أرجح الاحتمالين، أعني عطفه على " أعطى " أو عطفه على " قوم ".
# PageV02P328
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وأقوى منه: رواية عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه إذ فيها «فكان موسرا
~~فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة، أو قال: قيمة لا وكس، ولا شطط ثم يقوم لصاحبه
~~حصته ثم يعتق» فجاء بلفظة " ثم " المقتضية لترتيب العتق على الإعطاء
~~والتقويم، وأما ما يدل ظاهره للشافعي: فرواية حماد بن زيد عن أيوب عن نافع
~~عن ابن عمر «من أعتق نصيبا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة
~~العدل فهو ms578 عتيق» ، وأما ما في رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله فما جاء
~~فيها «من أعتق شركا له في عبد فقد عتق كله، إن كان للذي عتق نصيبه من المال
~~ما يبلغ ثمنه، يقوم عليه قيمة عدل فيدفع إلى شركائه أنصباءهم، ويخلى سبيله»
~~فإن في أوله: ما يستدل به لمذهب الشافعي لقوله " فقد عتق كله " فإن ظاهره
~~يقتضي: تعقيب عتق كله لإعتاق النصيب، وفي آخره: ما يشهد لمذهب مالك فإنه
~~قال " يقوم قيمة عدل فيدفع " فأتبع إعتاق النصيب للتقويم، ودفع القيمة
~~للشركاء عقيب التقويم، وذكر تخلية السبيل بعد ذلك بالواو، والذي يظهر لي في
~~هذا: أن ينظر إلى هذه الطرق، ومخارجها فإذا اختلفت الروايات في مخرج واحد:
~~أخذنا بالأكثر فالأكثر، أو بالأحفظ فالأحفظ ثم نظرنا إلى أقربها دلالة على
~~المقصود فعمل بها. وأقوى ما ذكرناه لمذهب مالك: لفظة " ثم "، وأقوى ما
~~ذكرناه لمذهب الشافعي: رواية حماد، وقوله «من أعتق نصيبا له في عبد، وكان
~~له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق» لكنه يحتمل أن يكون
~~المراد: أن مآله إلى العتق، أو أن العتق قد وجب له وتحقق، وأما قضية وجوبه
~~بالنسبة إلى تعجيل السراية، أو توقفها على الأداء: فمحتمل فإذا آل الحال
~~إلى هذا، فالواجب النظر في أقوى الدليلين، وأظهرهما دلالة، ثم على تراخي
~~العتق عن التقويم والإعطاء، أو دلالة لفظة " عتيق " على تنجيز العتق هذا
~~بعد أن يجري ما ذكرناه من اعتبار اختلاف الطرق، أو اتفاقها.
### | [تأخرت السراية عن الإعتاق وتوقفت على التقويم]
# 1
# الرابع والعشرون: يمكن أن يستدل به من يرى السراية بنفس الإعتاق، على عكس
~~ما قدمناه في الوجه قبله.
# PageV02P329
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# وطريقه أن يقال: لو لم تحصل السراية بنفس الإعتاق، لما تعينت القيمة جزاء
~~للإعتاق، لكن تعينت فالسراية حاصلة بالإعتاق. بيان الملازمة: أنه إذا تأخرت
~~السراية عن الإعتاق، وتوقفت على التقويم فإذا أعتق الشريك الآخر نصيبه:
~~نفذ، وإذا نفذ فلا تقويم فلو تأخرت السراية: لم يتعين التقويم، لكنها ms579
~~متعينة للحديث.
### | [التجزي في الإعتاق]
# 1
# الخامس والعشرون: اختلف الحنفية في تجزي الإعتاق، بعد اتفاقهم على عدم
~~تجزي العتق فأبو حنيفة يرى التجزي في الإعتاق، وصاحباه لا يريانه، وانبنى
~~على مذهب أبي حنيفة: أن للساكت أن يعتق إبقاء للملك، ويضمن شريكه؛ لأنه جنى
~~على ملكه بالإفساد، واستسعى العبد؛ لأنه ملكه، وهذا في حال يسار المعتق،
~~فإن كان في حال إعساره: سقط التضمين، وبقي الأمران الآخران، وعند أبي يوسف
~~ومحمد: لما لم يتجزأ الإعتاق: عتق كله، ولا يملك إعتاقه، ولهما أن يستدلا
~~بالحديث من جهة ما ذكرناه من تعين القيمة فيه، ومع تجزي الإعتاق لا تتعين
~~القيمة.
# السادس والعشرون: الحديث يقتضي وجوب القيمة على المعتق للنصيب: إما
~~صريحا، كما في بعض الروايات " يقوم عليه قيمة العدل، فيدفع لشركائه حصصهم
~~"، وإما دلالة سياقية لا يشك فيها، كما في رواية أخرى، وهذا يرد مذهب من
~~يرى أن باقي العبد يعتق من بيت مال المسلمين، وهو قول مروي عن ابن سيرين،
~~مقتضاه: التقويم على الموسر، وذكر بعضهم قولا آخر أنه ينفذ عتق من أعتق
~~ويبقى من لم يعتق على نصيبه، يفعل فيه ما شاء، وروي في ذلك عن عبد الرحمن
~~بن يزيد قال: كان بيني وبين الأسود غلام، شهد القادسية، وأبلى فيها فأرادوا
~~عتقه وكنت صغيرا فذكر ذلك الأسود لعمر فقال: أعتقوا أنتم ويكون عبد الرحمن
~~على نصيبه حتى يرغب في مثل ما رغبتم فيه، أو يأخذ نصيبه "، وفي رواية عن
~~الأسود قال " كان لي، ولإخوتي غلام أبلى يوم القادسية فأردت عتقه لما صنع
~~فذكرت ذلك لعمر فقال: لا تفسد عليهم نصيبهم حتى يبلغوا. فإن رغبوا فيما
~~رغبت فيه، وإلا لم تفسد عليهم نصيبهم " فقال بعضهم: لو رأى التضمين لم يكن
~~ذلك إفسادا لنصيبهم، والإسناد صحيح، غير أن في إثبات قول بعدم التضمين عند
~~اليسار بهذا
# PageV02P330
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# نظر ما، وعلى كل تقدير: فالحديث يدل على التقويم عند اليسار المذكور فيه.
### | [إعمال الظنون في باب القيم]
# 1
# السابع والعشرون: ms580 " قوم عليه قيمة عدل " يدل على إعمال الظنون في باب
~~القيم هو أمر متفق عليه لامتناع النص على الجزئيات من القيم في طول مدة
~~الزمان.
### | 1 -
# الثامن والعشرون: استدل به على أن ضمان المتلفات التي ليست من ذوات
~~الأمثال بالقيمة، لا بالمثل صورة.
# التاسع والعشرون: اشتراط قيمة العدل: يقتضي اعتبار ما تختلف به القيمة
~~عرفا من الصفات التي يعتبرها الناس.
### | 1 -
# الثلاثون: فيه التصريح بعتق نصيب الشريك المعتق بعد إعطاء شركائه حصصهم،
~~قال يونس - هو ابن يزيد - عن ربيعة: سألته عن عبد بين اثنين فأعتق أحدهما
~~نصيبه من العبد؟ فقال ربيعة: عتقه مردود. فقد حمل على أنه يمنع عتق المشاع.
# [الحادي والثلاثون: ظاهر تعليق العتق بإعطاء شركائه حصصهم؛ لأنه رتب على
~~العتق التقويم بالفاء ثم على التقويم بالفاء: الإعطاء والعتق. وعلى قولنا:
~~إنه يسري بنفس العتق: لا يتوقف العتق على التقويم والإعطاء، وقد اختلفوا في
~~ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يسري إلى نصيب الشريك بنفس العتق.
# والثاني: يعتق بإعطاء القيمة.
# والثالث: أنه موقوف، فإن أعطى القيمة ثبتت السراية من وقت العتق، وهذا
~~القول قد لا ينافيه لفظ الحديث] .
# الثاني والثلاثون قوله " وإلا فقد عتق منه ما عتق " فهم منه عتق ما عتق
~~فقط؛ لأن الحكم السابق يقتضي عتق الجميع، أعني عتق الموسر فيكون عتق المعسر
~~لا يقتضيه، نعم يبقى ههنا: أنه هل يقتضي بقاء الباقي من العبد على الرق، أو
~~يستسعي
# PageV02P331
# 426 - الحديث الثاني: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من أعتق شقيصا من مملوك، فعليه خلاصه
~~كله في ماله، فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل، ثم استسعي العبد،
~~غير مشقوق عليه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
# العبد؟ فيه نظر، والذين قالوا بالاستسعاء: منع بعضهم أن يدل الحديث على
~~بقاء الرق في الباقي، وأنه إنما يدل على عتق هذا النصيب فقط، ويؤخذ حكم
~~الباقي من حديث آخر، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
### | [حديث من أعتق ms581 شقيصا من مملوك]
# " فيه مسائل: المسألة الأولى: في تصحيحه، وقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما،
~~وحسبك بذلك فقد قالوا: إن ذلك أعلى درجات الصحيح والذين لم يقولوا
~~بالاستسعاء: تعللوا في تضعيفه بتعليلات لا تصبر على النقد، ولا يمكنهم
~~الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد
~~عليهم فيها مثل تلك التعليلات، فلنقتصر على هذا القدر ههنا في الاعتماد على
~~تصحيح الشيخين، ونترك البسط فيه إلى موضع البسط إن شاء الله.
# المسألة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم - " من مملوك " يعم الذكر
~~والأنثى معا، وهو أدل من لفظ " من عبد " على أن بعض الناس: ادعى أن لفظ "
~~العبد " يتناول الذكر والأنثى، وقد نقل " عبد وعبدة "، وهذا إلى خلاف مراده
~~أقرب منه إلى مراده، على أنه قد يتعسف متعسف ولا يرى أن لفظ " المملوك "
~~يتناول المملوكة.
# المسألة الثالثة: قوله - عليه السلام - " فعليه خلاصه " قد يشعر بأنه لا
~~يسري بنفس العتق؛ لأنه لو عتق بنفس العتق سراية: لتخلص على هذا التقدير
~~بنفس العتق. واللفظ يشعر باستقبال خلاصه، إلا أن يقدر محذوف، كما يقال:
~~فعليه عوض خلاصه، أو ما يقارب هذا.
# المسألة الرابعة: قوله - عليه السلام - " فعليه خلاصه كله " هذا يراد به:
~~الكل من حيث هو كل، أعني الكل المجموعي؛ لأن بعضه قد تخلص بالعتق السابق،
# PageV00P000
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# والذي يخلصه كله من حيث هو كل: هو تتمة عتقه.
# المسألة الخامسة: قوله - عليه السلام - " في ماله " يستدل به على خلاف ما
~~حكي عمن يقول: إنه يعتق من بيت المال، وهو مروي عن ابن سيرين.
# المسألة السادسة: قد يستدل به لمن يقول: إن الشريك الذي لم يعتق أولا ليس
~~له أن يعتق بعد عتق الأول، إذا كان الأول موسرا؛ لأنه لو أعتق ونفذ، لم
~~يحصل الوفاء، يكون خلاصه من ماله. لكن يرد عليه لفظ ذلك الحديث، فإن كان من
~~لوازم عدم صحة عتقه: أنه يسري بنفس العتق على المعتق الأول فيكون دليلا على
~~السراية بنفس العتق، ويبقى النظر في ms582 الترجيح بين هذه الدلالة وبين الدلالة
~~التي قدمناها من قوله - صلى الله عليه وسلم - «قوم عليه قيمة عدل، وأعطي
~~شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد» فإن ظاهره: ترتب العتق على إعطاء القيمة،
~~فأي الدليلين كان أظهر عمل به.
# المسألة السابعة: قوله - عليه السلام - " فعليه خلاصه كله من ماله "
~~يقتضي عدم استسعاء العبد عند يسار المعتق.
# المسألة الثامنة: قوله - عليه السلام - " فإن لم يكن له مال " ظاهره:
~~النفي العام للمال، وإنما يراد به مال يؤدي إلى خلاصه.
# المسألة التاسعة: قوله - عليه السلام - " استسعي العبد " أي ألزم السعي
~~فيما يفك به بقية رقبته من الرق، وشرط مع ذلك: أن يكون غير مشقوق عليه، وفي
~~ذلك: الحوالة على الاجتهاد، والعمل بالظن في مثل هذا، كما ذكرناه في مقدار
~~القيمة.
# المسألة العاشرة: الذين قالوا بالاستسعاء في حالة عسر المعتق: هذا
~~مستندهم. ويعارضه مخالفوهم بما قدمناه، من قوله - صلى الله عليه وسلم - «،
~~وإلا فقد عتق منه ما عتق» ، والنظر بعد الحكم بصحة الحديث منحصر في تقديم
~~إحدى الدلالتين على الأخرى، أعني دلالة قوله " عتق منه ما عتق " على رق
~~الباقي، ودلالة " استسعي " على لزوم الاستسعاء في هذه الحالة، والظاهر:
~~ترجيح هذه الدلالة على الأولى.
# PageV02P333
# الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما
~~- قال " دبر رجل من الأنصار غلاما له -، وفي لفظ: «بلغ النبي - صلى الله
~~عليه وسلم -: أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر - لم يكن له مال غيره
~~فباعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثمانمائة درهم، ثم أرسل ثمنه
~~إليه» .
#
### | [إحكام الأحكام]
### | [باب بيع المدبر]
### | [حديث بلغ النبي أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر]
# اختلف العلماء في بيع المدبر، ومن منع من بيعه مطلقا: فالحديث حجة عليه؛
~~لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، وقد دل الحديث على بيع المدبر
~~بصريحه فهو يناقض المنع من بيع كل مدبر. وأما من أجاز بيع المدبر في صورة
~~من الصور: فإذا احتج عليه بهذا الحديث من يرى ms583 جواز بيع كل مدبر يقول: أنا
~~أقول به في صورة كذا، والواقعة واقعة حال لا عموم لها فيجوز أن يكون في
~~الصورة التي أقول بجواز بيعه فيها فلا تقوم علي الحجة في المنع من بيعه في
~~غيرها، كما يقول مالك في جواز بيعه في الدين على التفصيل المذكور في مذهبه،
~~ومذهب الشافعي: جواز بيعه مطلقا، والله أعلم.
# والحمد لله وحده، وصلاته على أشرف خلقه محمد وآله.
# PageV02P334
# . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
~~. . . . . . .
#
### | [إحكام الأحكام]
# صورة ما في آخر الأصل شاهدت في الأصل المنقول منه: ما مثاله: وجدت على
~~الأصل المنقول منه: ما مثاله: قرأت جميع هذا السفر - والذي قبله - من
~~الكلام على أحاديث كتاب " العمدة " لسيدنا الشيخ الفقيه، الإمام الأوحد،
~~المحدث، الحافظ الحافل، الضابط المتقن المحقق، تقي الدين أبي الفتح محمد بن
~~الشيخ الفقيه الإمام العارف العالم مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب بن مطيع
~~القشيري وصل الله مدته، وأبقى على المسلمين بركته -: عليه، في هذه النسخة،
~~مصححا لألفاظه، ومتفهما لبعض معانيه، في مجالس، أولها: مستهل المحرم سنة
~~سبع وتسعين وستمائة وآخرها: الثاني عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين
~~وستمائة. كتبه عبد الله، الفقير إليه: محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن
~~محمد بن يحيى بن سيد الناس اليعمري وفقه الله. صحيح ذلك كتبه محمد بن علي.
~~نقله - كما شاهده - العبد الفقير إلى الله تعالى: أبو سعيد أحمد بن أحمد بن
~~أحمد الهكاري غفر الله له، ولطف به والمسلمين. و [من] خطه: نقله شاهده -
~~أفقر عباد الله إلى مغفرته ورحمته: عمر بن أحمد بن أبي الفتوح فرج بن أحمد
~~الصفدي عفا الله عنه، وغفر له ولوالديه، ولجميع المسلمين. آمين.
# والحمد لله أولا وأخرا، وظاهرا وباطنا، وسلام على عباده الذين اصطفى.
~~PageV02P335 ms584