######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001419 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى: 708هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 708 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001419 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1419 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1419 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ### | مقدمة المؤلف # قال الشيخ الفقيه الأستاذ الخطيب المقرئ الراوية الشهير: أبو جعفر بن ~~إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي، رضى الله عنه. # الحمد لله المانح من شاء ما شاء، الغافر دون الشرك بحكم المشيئة لمن ~~أساء، والمصطفى من الجنس الإنساني الرسل والأنبياء، ومن أتباعهم من جعلهم ~~رحماء بينهم وعلى الكفار أشداء، ومن خلفهم ممن آثر الاهتداء والاقتداء، ~~وجانب التنكيل عن سبلهم الواضحة والاعتداء، ولزم الجماعة عند افتراق ذوي ~~الشقاق فحسم الداء، وتمسك بالكتاب والسنة فمنح الشفاء، واستوضح الطريق بهما ~~إلى الله تعالى وتحقق الإنباء، وتدبر كتاب الله فشاهد المعجزة القاطعة ~~والبراهين الساطعة وعرف الأنباء، وعلم مراده صلى الله عليه وسلم بقوله: ~~"وإنما كان الذي أوتيت وحيا " فأعمل جهده في تدبره بالفكر والاعتناء، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من وفق فالتزم بشروطها الوفاء، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المعطى في القيامة المقام المحمود ~~واللواء، شهادة نرجو بها من شفاعته العظمى الحظوة والاعتناء، وتجعل لنا من ~~دار الخلد المصير والجزاء، صلى الله عليه وعلى آله الحائزين في وفائهم ~~باتباعه السبق والثناء، والأسوة والقدوة لمن بعدهم جاء، وسلم كثيرا. # وبعد، فإن كتاب الله تعالى أحق ما أنفقت فيه نفائس الأعمار، وقصر على ~~اعتباره وتدبره الملوان الليل والنهار، واعتمده موئلا وملاذا، واعتصم ~~بعروته الوثقى وزرا منجيا وعياذا، واستنزلت به البركات، واهتدى بواضحات ~~أنواره عوالم الأرض والسماوات. # فهو الهدى والنور، والشفاء لما فى الصدور، والواقى لمن تمسك به واعتلق ~~بسببه من كل مخوف وحذور، والنعمة التي قصر عن الوفاء بشكرها كل مكتوب ~~ومسطور، وأنى يتصور الكفاء ويتوهم الوفاء بشكر: "قد جاءكم من الله نور ". # وإن من مغفلات مصنفي أئمتنا رضى الله عنهم في خدمة علومه، وتدبر منظومه ~~الجليل ومفهومه، توجيه ما تكرر من آياته لفظا أو اختلف بتقديم أو تأخير ~~وبعض زيادة في # # PageV01P007 # التعبير، فعسر إلا على الماهر حفظا، وظن الغافل عن التدبر والمخلد إلى ms001 ~~الراحة عن التفكر، أن تخصيص كل آية من تلك الآيات بالوارد فيها مما خالفت ~~فيه نظيرتها ليس لسبب تقتضيه وداع من المعنى يطلبه ويستدعيه، وأن ليس على ~~جميع الوارد من ذلك محرزات من المعاني عند ذوي الأفهام ومقتضيات من لوازم ~~جليل التركيب من ذلك المعجز العلي من النظام، فلا يليق بكل من تلك الواضع ~~إلا الوارد فيه وإن تقرير وقوع آية منها في موضع نظيرتها ينافي مقصود ذلك ~~الموضع وينافيه. # فتعسا لمن تنكب عن واضح آياته، وكأن لم يقرع سمعه قوله تعالى: "كتاب ~~أنزلناه مبارك ليدبروا آياته ". # وإن مما حرك إلى هذا الغرض وألحقه عند من تحلى ولوعا باعتباره والتدبر ~~لعجائبه الباهرة وأسراره، بمثل حالي على استحكام جذبي وإمحالي بالواجب ~~المفترض، إنه باب لم يقرعه ممن تقدم وسلف ومن حذا حذوهم ممن أتى بعدهن ~~وخلف، أحد فيما علمته على توالي الأعصار والمدد وترادف أيام الأبد، مع عظيم ~~موقعه وجليل منزعه، ومكانته في الدين وفته أعضاد ذوي الشك والارتياب من ~~الطاعنين والملحدين، إلى أن ورد علي كتاب لبعض المعتنين من جلة المشارقة ~~[ابن الخطيب الإسكافي] نفعه الله سماه بكتاب درة التنزيل وغرة التأويل، قرع ~~به مغلق هذا الباب وأتى في هذا المقصد بصفو من التوجيهات لباب، وعرف أنه ~~باب لم يوجفه عنه أحد قبله بخيل ولا ركاب، ولا نطق ناطق قبل فيه، بحرف مما ~~فيه. # وصدق رحمه الله وأحسن فيما سلك وسن وحق لنا به - لإحسانه - أن نقتدى به ~~ونستن، فحرك من فكري الساكن وأضربت عن فسحته بالاستدراك بلكن، وأبديت بحول ~~ربي من مكنون خاطري إلى الظهور ما أثبته بعون الله وقوته في هذا المسطور، ~~معتمدا عين ما ذكره من الآيات ومستدركا ما تذكرته مما أغفله رحمه الله من ~~أمثالها من المتشابهات، وإبداء المعاني الخفيات القاطعة بدرب البطالات، من ~~غير أن أقف في أكثر ذلك على كلامه إلا بعد إبدائي ما يلهمه الله سبحانه ~~وإتمامه، ولا ناقلا إلا في الشاذ النادر كلام أحد من أرباب المعاني إذ لم ~~يعترض أحد غير ms002 من تقدم ذكره لما من هذا الضرب أعاني، وإنما يلقيه فكري إلى ~~ذكري فيلقيه ترجمان فهمي على قلمي، وإن آثرت بعض ما عليه لغيري عثرت فنقلت ~~أفصحت بالنسبة وعقلت، وما أرى ذلك يبلغ فى هذا المجموع غاية أقل الجموع، ~~وإن نيف فيسير والتحقق في ذلك بلازم الذهول الإنساني عسير، وما سوى ذلك ~~فأنا ابن نجدته وذو عهدته، "وما بكم من نعمة فمن الله ". # وقد # # PageV01P008 # استجرت تلك الآيات جملة وافرة من المقفلات من أمثال تلك المشكلات، مما ~~يجاري ويشبه ويلتبس على من قصر في النظر ويشتبه، مما لم يقع في كتاب "درة ~~التنزيل "ولا تعرض له بذكر بنص التنزيل ولا تأويل، فنبهنا إلى ذلك لينحاز ~~من المجتمع على ذكره ويفصل، فعلامة: غ تدل على أنه من المغفل. # ومحرزا بفضل الله من عيون آلات العلماء ما به قوام المفهوم، عائذا بالله ~~سبحانه من سوء الوعي والقول في هذا المقصد العلي بالرأي، فقد ملأ المسامع ~~وعمر الأفكار قوله صلى الله عليه وسلم "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ ~~مقعده من النار ". # ولما تيسر بفضل الله تعالى المقصود من هذا الغرض، بهر حسنا وكمالا ولاح ~~في أفق التفاسير لنجومها هلالا، سميته بكتاب: "ملاك التأويل القاطع بذوي ~~الالحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل ". # وانا أضرع إلى من وسعت رحمته كل شئ وشملت نعمته كل حي، أن ينقع فيه بباعث ~~النية وأن يبلغني من عفوه ومغفرته الأمنيه، وأن يؤيد بالنصر ةالتمكين ~~وموالاة الفتح المبين مولانا أمير المسلمين. # وها أنا أبتدئ بحول الله وقوته، "والله خلقكم وما تعملون ". # # PageV01P009 ### | سورة أم القرآن # غ _ وهى بجملتها من مغفلات صاحب كتاب الدرة وكذا ما بعد إلى الآية ~~السادسة من ### | سورة البقرة # وهى قوله تعالى: "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ". # وقد تقدم أني أعلم على المغفل بعلامة غ. # وأرجع إلى أم القرآن فأقول: هى أم القرآن ومطلع الكتاب العزيز وأول سورة ~~في الترتيب الثابت ومشروعية حمده سبحانه فى ابتداء الأمور وختامها متقرر ~~معلوم وقد تكرر ms003 فى الكتاب العزيز افتتاحا واختتاما، وأمر الله به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم في قوله تعالى "وقل الحمد لله " والمتردد من صفة حمدة حمده ~~سبحانه في معظم الوارد منه في الكتاب العزيز ما افتتحت به أم القرآن من ~~قوله تعالى "الحمد لله " وما ورد في سورة الجاثية من قوله: "فلله الحمد " ~~[آية 36] ثم وقع إتباع المفتتح من السور بحمده جل وتعالى بأوصاف مختلفات ~~مما انفرد به سبحانه فالسائل أن يسأل في ذلك أربعة سؤالات: # السؤال الأول: ما الفرق بين الوارد في أم القرآن وما جرى مجراها مما ~~افتتح بقوله "الحمد لله "وبين الواقع في سورة الجاثية من قوله "فلله الحمد ~~"؟ # السؤال الثاني: ما وجه افتتاح السور الخمس وهى: سورة أم القرآن والأنعام ~~والكهف وسبأ وفاطر بقوله "الحمد لله " واختصاصها بذلك مع تساوي السور كلها ~~في استقلالها بأنفسها وامتياز بعضها من بعض؟ # السؤال الثالث: ما وجه تخصيص كل آية منها بما ورد من أوصافه تعالى المتبع ~~بها حمده؟ ففى أم القرآن: "الحمد لله رب العالمين " وفي الأنعام: "الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " وفي الكهف: "الذي أنزل على عبده ~~الكتاب " وفي سبأ: "الذي له ما في السماوات وما في الأرض " وفي فاطر: "فاطر ~~السماوات والأرض ". # فهل هذا التخصيص لمناسبة تقتضيه حتى لا يلائم سورة منها من ذلك في غيرها؟ # # PageV01P011 # السؤال الرابع: ما وجه كون الوارد من حمده في الخواتم والانتهاءات لم ~~يطرد فيه ما أطرد في افتتاح هذه السور من اختلاف التوابع بل جرى على أسلوب ~~واحد فقال سبحانه: "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " ~~وقال تعالى: "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " وقال تعالى: "وقضى ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " وقال تعالى: "وسلام على المرسلين ~~والحمد لله رب العالمين " فورد هذا مكتفي فيه بوصفه سبحانه بأنه رب ~~العالمين # والجواب عن السؤال الأول: بعد تمهيده وهو أن نقول أن قوله تعالى: "الحمد ~~لله " مبتدأ وخبر وكذلك قوله: "فلله الحمد " وتأخر في هذه الثانية المبتدأ، ms004 ~~والحاصل في الموضعين معنى واحد وهو حمده سبحانه بما هو أصله. # ومعلوم أن التقديم والتأخير فيما بين المبتدأ والخبر إذا لم يقع عارض مما ~~يعرض في التركيب، ككون المبتدأ مما يلزم صدر الكلام، أو كون الخبر كذلك، ~~فيلزم تقديم ما له الصدرية إلى غير ذلك من العوارض وهى كثيرة، فما لم يعرض ~~عارض يوجب لأحدهما التقديم أو التأخير فتقديم أيهما كان وتأخير الآخر عربي ~~فصيح، إلا أن مرتبة المبتدأ التقديم ليبنى عليه الخبر، فتقديمه عند عدم ~~العوارض اللفظية أولى كما فى القرآن. # وإذا وضح هذا فللسائل أن يقول: ما الموجب لتقديم الخبر على المبتدإ فى ~~سورة الجاثية؟ وهل كان يسوغ عكس الواقع؟ # والجواب: أن العوارض الموجبة لتقديم ما مرتبته التأخير وتأخير ما مرتبته ~~التقديم ليست منحصرة فى جهة التركيب اللفظي، بل قد يعرض من جهة المعنى. # وتقدير الكلام ما يقتضى ذلك ويوجبه. # وإذا تقرر هذا فنقول: إن قوله تعالى: "فلله الحمد " ورد على تقدير الجواب ~~بعد إرغام المكذب وقهره ووقوع الأمر مطابقا لأخبار الرسل عليه السلام، ~~وظهور ما كذب الجاحد به، فعند وضوح الأمر كأن قد قيل لمن الحمد ومن أهله؟ ~~فكان الجواب على ذلك فقيل: "فلله الحمد ". # نظير هذا قوله تعالى: "لمن الملك "؟ ثم قال: "لله الواحد القهار "، ألا ~~ترى تلاقى الآيتين فيما تقدمهما فالمتقدم فى سورة غافر قوله تعالى: "لينذر ~~يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ ". # فعند ظهور الأمر للعيان ومشاهدة ما قد كان خبرا قيل لهم: "لمن الملك ~~اليوم ". # وتقد فى سورة الجاثية قوله تعالى: "وبدا لهم سيئآت ما عملوا " الآيات. # وإنما ذلك يوم التلاقي والعرض عليه سبحانه فعند المعاينة وزوال الارتياب ~~والشكوك كأن قد قيل لهم: لمن الحمد ومن أهله؟ # # PageV01P012 # فورد الجواب بقوله: "فلله الحمد ". # فالآية # كالآية، والمقدر المدلول عليه كالمنطوق، والإيجاز مستدع لذلك. # ولما تقدم ذكر الملك فى آية غافر منطوقا به لم يحتج إلى إعادة ذكره، ~~فقيل: "لله الواحد القهار " ولم يقل: فلله الملك لتقدم ذكره. # ولما كان الحمد ms005 فى سورة الجاثية لم يتقدم ذكره، وإنما هو مقدر يدل عليه ~~السابق لم يكن بد من الافصاح به فى الجواب فقيل: فلله الحمد ولأجل ما قصد ~~من تقريع المكذبين وتوبيخهم عند انقطاع الدعاوى ووضوح الأمر أتبع حمده ~~تعالى بقوله: "رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ". # فذكر ربوبته تعالى لما أبداه وأوجده من أعظم مخلوقاته وأبدع مصنوعاته، ~~قال تعالى: "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " وأعاد ذكر ربوبيته ~~مع كل من هذه المخلوقات العظام، المنصوبة للاستدلال بها والاعتبار بعظيم ~~خلقها وما فيها، فقال: "رب السماوات ورب الأرض " ثم أتبع بما يعم ربوبيته ~~لذلك كله فقال: "رب العالمين ". # والعالم ما سواه سبحانه من جميع مخلوقاته ثم قال: "وله الكبرياء في ~~السماوات والأرض " أى الانفراد بالعظمة والجلال والخلق والأمر، وهو العزيز ~~الذى ذل كل مخلوق لعزته وقهره، الحكيم فى أفعاله الذى جلت حكمته عن أن تدرك ~~الأفهام غاياتها أو يحيط ذوو التفكر بنهاياتها فناسب ما ورد هنا من الإطالة ~~بتكرر - ما ذكر - مقصود الآية، وذلك هو الجارى متى قصد تعنيف المشركين ومن ~~عبد مع الله غيره وهو وارد فى غير ما موضع من كتاب الله تعالى وتكرير لفظ ~~"رب " فى قوله: "ورب الأرض ". # مما يشهد لهذا الغرض من قصد تقريع الجاحدين. # ولما كان الوارد فى أم القرآن خطابا للمؤونين وتعليما للمستجيبين مجردا ~~عما قصد فى آية الجاثية من توبيخ المكذبين ورد على ما قدم من الاكتفاء. # وكل على ما يجب ويناسب. # والجواب عن السؤال الثانى: إن وجه تخصيص السور الخمس بما افتتحت به من ~~حمده تعالى ما ذكر آنفا. # أما أم القرآن فهى أول السور ومطلع القرآن العظيم بالترتيب الثابت ~~فافتتاحها بحمده تعالى بين. # أما سورة الأنعام فمشيرة إلى إبطال مذهب الثنويه ومن قال بمثل قولهم ممن ~~جعل الأفعال بين فاعلين إلى ما يرجع إلى هذا وقد بسطت هذا فى كتاب البرهان. # وإذا كانت هذه السورة مشيرة إلى ما ذكر وانفردت بذلك فافتتاحها بحمده ~~تعالى بين # وفى الجواب عن السؤال الثانى لهذا ms006 زيادة بيان. # وأما سورة الكهف فكذلك لبنائها على قصة أصحاب الكهف وذكر ذى القرنين ~~حسبما ألفت يهود لسائلهم من كفار قريش وذلك مما لم يتكرر فى القرآن فافتتحت ~~بحمده تعالى وذلك # ~~ # PageV01P013 # بين # وأما سورة سبأ فإن قصة سبأ لم يرد فيها أيضا فى غير هذه السورة إلا ~~الإيماء الوارد فى قوله فى سورة النمل "وجئتك من سبإ بنبإ يقين " فلما ~~تضمنت سورة سبأ من هذا ما تضمنت ومن قصص داود وسليمان عليهما السلام وما ~~منحهما الله سبحانه وتعالى من تسخير الجبال والطير والجن وإلانة الحديد ولم ~~يجتمع مثل هذا التعريف فى سواها افتتحها سبحانه بحمده وانفراده بملك ~~السماوات والأرض وما فيهما وأنه أهل الحمد فى الدنيا والآخرة # وأما سورة فاطر ففيهما التعريف بخلق الملائكة عليهم السلام وجعلهم رسلا ~~أولى أجنحة إلى خلق السماوات والأرض وامساكهما ان تزولا وانفراده بذلك ولم ~~يقع هذا التعريف فى غيرها من سور القرآن فناسب هذه المقاصد المفردة التى لم ~~ترد فى غير هذه السور ما افتتحت به ولا يلزم على هذا اطراد ذلك فى كل سورة ~~انفردت بحكم أو تعريف ليس فى غيرها بل جواز ذلك منسحب على الجميع واختصاص ~~هذه السور بذلك واضح لانفرادها بما ذكرناه # والجواب عن السؤال الثالث: أن أم القرآن لما كانت أول سورة ومطلع آياته ~~وهو المبين لكل شئ والمعرف بوحدانيته سبحانه وانفراده بالخلق والاختراع ~~وملك الدارين فناسب ذلك من أوصافه العلية ما يشير إلى ذلك كله من أنه رب ~~العالمين وأنه الرحمن الرحيم وأنه ملك يوم الدين حتى تنقطع الدعاوى وتظهر ~~الحقائق ويبرز ما كان خبرا إلى العيان وهذا واضح # وأما مناسبة الوصف الوارد فى سورة الأنعام فمن حيث ما وقع فيها من ~~الإشارة إلى من عبد الأنوار وجعل الخير والشر من الظلمة فافتتحها تعالى ~~بوصفه بأنه خالق السماوات والأرض وهى الأجرام التى عنها الظلمات وفيها ~~الأجرام النيرات وذكر تعالى أنه خالق الأنوار وأعاد سبحانه ذكر ما فيه ~~الدلالة البينة على بطلان مذهب من عبد النيرات أو شيئا منها ms007 فى قوله تعالى: ~~"وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " الآيات فقال: "فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا " ثم قال عليه السلام على جهة الفرض لإقامة الحجة على ~~قومه: "هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين " ثم قال ذلك فى الشمس والقمر ~~مستدلا بتغيرها وتقلبها فى الطلوع والغروب على أنها حادثة مربوبة مسخرة ~~طائعة لموجدها المنزه عن سمات التغير والحدوث فقال عليه السلام عند ذلك ~~لقومه: "إنى برئ مما تشركون " فأخبر عن حاله قبل هذا الاعتبار وبعده. # قال تعالى: "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين (آل عمران: 67) " وفى طي قوله: "وما كان من # # PageV01P014 # المشركين " تنزيه عن عبادة النيرات وغيرها مما سواه تعالى وبان من هذا ~~كله ما افتتحت به السورة من انفراده تعالى بخلق السماوات والأرض والظلمات ~~والنور فوضح التناسب والتلازم. # وأما سورة الكهف فإنها لما انطوت على التعريف بقصة أصحاب الكهف ولقاء ~~موسى عليه السلام الخضر وما كان من أمرهما وذكر الرجل الطواف وبلوغه مطلع ~~الشمس ومغربها وبنائه سد يأجوج ومأجوج وكل هذا إخبار بما لا مجال للعقل فى ~~إدراكه ولا تعرف حقبقته إلا بالوحى والإنباء الصدق الذى لا عوج فيه ولا أمت ~~ولا # زيغ ناسب ذلك ذكر افتتاح السورة المعرفة بذلك الوحى المقكوع به قوله: ~~"الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا " والتناسب فى هذا ~~أوضح من أن يتوقف فيه. # وأما سورة سبأ فلما تضمنت ما منح سبحانه داود وسليمان من تسخير الجبال ~~والطير وإلانة الحديد ناسب ذلك ما به افتتحت السورة من أن الكل ملكه وخلقه ~~فهو المسخر لها والمتصرف فى الكل بما يشاء فقال تعالى: "الحمد لله الذى له ~~ما فى السماوات وما فى الأرض " وهذا واضح التناسب. # وأما سورة فاطر فمناسبة صفه تعالى باختراع السماوات والأرض لما ذكره من ~~خلق عامري السماوات من الملائكة وجعلهم رسلا أولى أجنحة وإمساكه السماوات ~~والأرض أن تزولا أبين شئ وأوضحه وليس شئ من هذه الأوصاف العلية بمناسب ms008 لغير ~~موضعه كمناسبة موضعه الوارد فيه. # فقد بان مجئ كل واحد منهما فى موضعه ملائما لما اتصل به، والله أعلم. # والجواب عن السؤال الرابع: أن الخواتم والانتهاءات فى السور والآيات لما ~~كان كان غير مقصود بها ما قصد فى المواضع المتقدمة وانما هى مشروعية ~~للمؤمنين عند خواتم أعمالهم وانقضاء أمورهم وقع الاكتفاء فيها بقوله: ~~"الحمد لله رب العالمين "، إذ فى طي ذلك اعتراف للمؤمن وعلمه بانفراد موجده ~~جل وتعالى بالخلق والأمر وملك الدارين، وأهليته سبحانه وتعالى لكل ما تضمنت ~~الأوصاف كلها فى السور المذكورة، وليس موضع توبيخ ولا تقريع فناسب الاكتفاء ~~بما ذكر، والله أعلم. # الآية الثانية # قوله تعالى: "الحمد لله رب العالمين*الرحمن الرحيم*مالك يوم الدين " اتفق ~~القراء السبعة على الاتباع فى هذه الصفات العلية وإجرائها على ما قبلها. # وقال تعالى فى سورة البقرة: "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا # # PageV01P015 # والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس " وفي سورة النساء: "لكن ~~الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل إليك من ~~قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ". # اتفق القراء السبعة فى هذه الصفات الأربع وهى قوله فى آية البقرة: ~~والموفون والصابرين، وفى آية النساء: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة. # على القطع كما اتفقوا فى أم القرآن فى الأربع صفات الواردة فيها على ~~الاتباع، وقد اتفقت ثمانيتها فى أنها صفات ثناء ومدح وتعظيم ثم اختلفوا ~~فيما ذكرنا من الاتباع والقطع ولم يجروها مجرى واحدا، وقد ترجم سيبويه رحمه ~~الله على ما ينصب على التعظيم والمدح، وقال فى الترجمة بعد إشارتها إلى أن ~~الوجه الانتصاب على ما ذكر من القطع بمقتضى مفهوم الترجمة فاتبع بأن قال: ~~"فإن شئت جعلته صفة مجرى على الأول، وإن شئت قطعته فابتدأته " واستشهد على ~~القطع بما ورد من قول العرب: " "الحمد لله الحميد هو والملك لله أهل الملك ~~" فنصب الحميد ولهذا اتبع ms009 بالضمير المؤكد المستتر فى الصفة ليظهر النصب فى ~~الصفتين. # ثم اتبع بجواز الرفع والاتباع وأشار إلى أن القطع هو المختار فى الباب ~~إذا كان الموصوف معلوما والصفة المدح والثناء وهذا حاصل قوله وقول الجمهور ~~وعليه ورد ما أورده من الآيات وما ذكر عن العرب من الإثبات. # ثم إنه أشار إلى ضعف القطع فى قوله فى أثناء كلامه "وسمعت بعض العرب يقول ~~الحمد لله رب العالمين - يعنى بالنصب - فسألت عنها يونس فزعم أنها # عربية. # وعادته رحمه الله التعبير بهذه العبارة عما هو دون غيره فى القوة، من ذلك ~~قوله فى أول أبواب الاشتغال عقب بيت ذي الرمة: # إذا ابن أبي موسى بلال بلغته فقام بفأس بين وصليك جازر # فقال عقبه: "والنصب عربى كثير والرفع أجود " ولما استشهد على اختياره ~~النصب فيما تقدم قبله جملة فعلية ببيتي الربيع بن ضبع الفزاري: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا أرد رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به وحدى وأخشى الرياح والمطرا # بنصب الذئب وهو المختار أتبع بأن أن قال: "وقد يبتدأ فيحمل على ما مثل ما ~~يحمل # # PageV01P016 # عليه وليس قبله منصوب وهو عربي وذلك قولك: لقيت زيدا وعمرو كلمته، ولم ~~يخالف أحد فى أن النصب فى هذا أفصح. # وقال فى مسألة: أنت عبد الله ضربته واختياره الرفع فى عبد الله لما جعل ~~الضمير المنفصل قبله مبتدأ وهو أنت فضعف مقوي النصب فى عبد الله وهو ~~الاستفهام للفصل بالمبتدأ، فقال بعد اختياره الرفع لما ذكر: إلا أنك إن شئت ~~نصبته كما نصبت زيدا ضربته. # ثم قال عربي جيد بعد ما قدم أن الرفع عنده أولى. # وقال فى مسألة: رأيت متاعك بعضه فوق بعض ". # وجوز الرفع والنصب على معنيين فقال عقب ذلك والرفع فى هذا أعرف. # ثم قال بعد: وإن نصبت فهو عربي جيد وقال بعد إنشاده: # إن على الله أن تباعيا تؤخذ كرها أو تجئ طائعا # قال: فذا عربي حسن والأول أعرف وأكثر. # فقد تبين من متعارف إطلاقه ما يريد يهذه العبارة وقد ترددت ms010 فى كتابه ~~كثيرا فحكايته هذه القراءة عن بعض العرب بعد إيثار القطع عن جميعهم إذ لا ~~يقتضى إطلاق كلامه غير ذلك وعليه فهمه الناس عنه وجرى عليه كلام جميعهم ~~اعتمادا على تلقيه من العرب ثم حكى ما يعارض ما تمهد من ذلك بما ذكر من هذه ~~القراءة. # فهذا مع سؤاله يونس عن هذه القراءة وجواب يونس بأنها عربية، وقد بينا ~~مراده بهذه العبارة وقول سيبويه فى أخباره عن قول يونس "فزعم " حاصل من ذلك ~~كله ضعف القطع فى هذه الصفة مع أنها مدح وتعظيم. # فالوجه على ما تأصل فيما قدمنا قطعها بتضعيف هذه القراءة معارض. # لما اتفقوا عليه فهو مما أشكل ولم أر من تعرض له من نحوي ولا مفسر إلا ~~بما لا يصح. # وقد أطنب أبو الفضل ابن الخطيب [الرازى]- رحمه الله - فى التفسير المنسوب ~~إليه، فيما أورد فى تفسير الفاتحة وما تعرض لهذا بشئ وكذلك غيره من ~~النحويين والمفسرين إلا من قال إن القطع فى هذه القراءة هو الوجه وإياه ~~أراد سيبويه وإن جواب يونس بقوله: "عربية " إنما يريد إنها فصيحة كالمثل ~~المذكور معها وهذا خطأ بين ومن أمعن النظر فى الكلام يراه من هذا. # وقد زعم بعض من عاصرناه من النحويين أن سيبويه إنما قصد بما حكاه عن بعض ~~العرب من هذه القراءة فسأل يونس عنها الرد على من قال: إن القطع لا يكون ~~إلا بعد اتباع. # فهذا أيضا فاسد إذ لم يتقدم من كلام سيبويه رحمه الله ما يبني عليه هذا ~~لا فى الترجمة ولا في المثل ولا فيما أنشده من قول الأخطل: # [نفسي فداء أمير المؤمنين إذا أبدى التواجد يوم باسل ذكر # الخائض الغمر والميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطر] # ومهلهل: # [وللقد خبطن بيوت يشكر خبطه أخوالنا وهم بنو الأعمام] # ولا تعرض له إلا بعد ما ذكر بعض ما سمعه من قراءة بعضهم: "الحمد لله رب ~~العالمين " بالنصب وسؤال يونس عنها وبناء الباب على ما تقدم وتعقيبه بما به ~~اتبع الترجمة وكل ذلك جار على ms011 ما فهمه # ~~ # PageV01P017 # الجماعة من اختيار القطع وإن لم يتقدم اتباع. # ثم إن القطع قبل الاتباع قد تحصل مما أورده من المثالين المسموعين ~~والآيات وما أنشده قبل الاتباع وبعده من غير تفصيل فى الحالين وذلك كله ~~يقتضي استواء الحكم ما لم يكن الموصوف يفتقر إلى زيادة بيان، فإنه قد يحسن ~~إذ ذاك بيان، ولما لم يقع فيما صدر به سيبويه الباب إلا ما هو معلوم غير ~~محتاج إلى زيادة بيان وإذا ثبت هذا ولم تقع إشارة إلى ما زعم هذا القائل من ~~هذا التفصيل فلا يتوقف القطع على الشرطين المذكورين: من كون الصفة للثناء ~~والتعظيم، وكون الموصوف معلوما. # وهل يطرد هذا الحكم فى كل ما وجد فيه أم يتفصل؟ هذا حكم آخر وسيستوفى بعد ~~إن شاء الله. # أما تقدم الاتباع فليس بشرط وإنما تعلق القائل بذلك مما ذكر أبو طاهر فى ~~باب شاذ مما يشير إلى أنه قول قائل من النحويين، إلا أنه لم يتعرض لكلام ~~سيبويه وإنما الخطأ فى نسبة ذلك لسيبويه مع فساد هذا القول فى نفسه. # فإذا تقرر ما أصلناه من أن الوجه فيما الصفة فيه مدح أو ذم والموصوف ~~معلوم قطع الصفة وأنه الأفصح، فللسائل أن يسأل عن وجه ضعف النصب فى القراءة ~~المذكورة مع حصول شرط القطع؟ ولم اتفق القراء على خلاف ما تمهد أنه الوجه؟ # والجواب عن ذلك - والله أعلم - أن اختيار القطع بعد حصول شرطية مطرد ما ~~لم تكن الصفة خاصة بما جرت عليه لا تليق بغيره ولا يتصف بها سواه ولا شك أن ~~هذا الضرب قليل جدا فلذلك لم يفصح سيبويه رحمه الله باشتراطه واكتفى ~~بالوارد مما ذكره عن بعض العرب فإذا كانت الصفة مما لا يشارك فيها الموصوف ~~غيره وكانت مختصة بمن جرت عليه فالوجه فيها الاتباع ويطرد ذلك فى صفات الله ~~سبحانه مما لا يتصف به غيره، وأوضح ذلك هذه الصفة العلية ألا ترى أن ~~ربوبيته تعالى للعالم بأسره لا تنبغى لغيره ولا يتصف بها سواه فلما كانت ~~على ما ذكرته ms012 لم يكن فيها القطع والمراد السماع على هذا كاف فى الدلالة ~~فمنه الآية المذكورة ومنه قوله تعالى: "حم*تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم*غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ". # لما كان وصفه تعالى بغافر الذنب وما بعده لا يليق بغيره تعالى لم يكن إلا ~~الاتباع، والاتباع لا يكون بعد قطع فلزم الاتباع فى الكل، ومن هذا قول عمرو ~~بن الجموح: # الحمد لله العلي ذى المنن الواهب الرزاق ديان الدين # وهذا مع تكرار الصفات وذلك من مسوغات القطع على صفة ما، وعند بعضهم من ~~غير تقييد بصفة، وأما الاتباع فيما لم يقع فيه إلا صفتان من صفاته تعالى ~~فأكثر من أن يحصى، فهذا شاهد السماع وهو كاف وله وجه من القياس وهو شبيه ~~بالوارد فى سورة # # PageV01P018 # النجم فى قوله تعالى: "وأنه هو أضحك وأبكى*وأنه هو أمات وأحيا ". # ثم قال تعالى بعد: "وأنه هو أغنى وأقنى*وأنه هو رب الشعرى ". # فورد فى هذه الجمل الاربع الفصل بالضمير المرفوع بين اسم ان وخبرها ليحرز ~~بمفهومه نفى الاتصاف عن غيره تعالى بهذه الأخبار وكان الكلام فى قوة أن لو ~~قيل: وأنه هو لا غيره وذلك أنه لما كان يمكن المباهت الجاحد ادعاء هذه ~~الأوصاف لنفسه مباهتا ومغالطا كقول طاغية إبراهيم عليه السلام جوابا ~~لإبراهيم عليه السلام حين قال: "ربي الذي يحيي ويميت " فقال الطاغية مباهتا ~~ومخيلا لأمثاله: أنا أحيي وأميت فأوهم بفعلة يطلق عليها هذه العبارة مجازا ~~بقتله من لم يستوجب القتل وتسريحه من وجب عليه القتل وهذا جار فى هذه الجمل ~~المفصول فيها بالضمير فأتى به لما ذكر ولم يرد هذا الضمير فى قوله تعالى: ~~"وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى "لأن ذلك مما لا يتعاطاه أحد لا حقيقة ولا ~~مجازا وبالاعتراف بذلك أخبر تعالى عن عتاة الكفار العرب وغيرهم حين قال ~~تعالى: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " وكذلك قوله تعالى: "وأنه أهلك ~~عادا الأولى " لكون اهلاك القرون المكذبة مما لا يمكن أن ينسب لغير الله ~~تعالى فلم يعرض فى هذا مفهوم يحتاج ms013 التحرز منه لم يرد هنا فصل بضمير كما ~~ورد فيما تقدم. # وإذا تأملت القطع فى صفات الثناء والمدح وجدت ما مهدناه جاريا على هذا، ~~ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد العلم، فاتبعت الصفة لموصوفها مع كون الصفة ~~صالحة لمن أجريت عليه ولغيره لم يكن ذلك ليدفع غير زيد عن مشاركته فى صفته ~~التي أجريتها عليه، فإذا قطعت قلت: ممرت بزيد العلم هو، برفع الصفة على ~~تقدير مبتدأ أي هو العلم أحرز ذلك الضمير المبتدأ بمفهومه أن غير زيد ليس ~~بعالم أو أنه ليس كزيد وكأنك قلت هو العلم لا غيره كما فى الآي المتقدمه، ~~وكذا القطع فى النصب من غير فرق. # فإذا كانت الصفة لم تخص من جرت عليه لم يكن هناك مفهوم محرز منه فلم يكن ~~القطع ليحرز هنا فائدة فلم يحتاج إليه وعليه ورد السماع كما تقدم فقد تعاضد ~~السماع والقياس كما بينا ووجب الاتباع فى قوله تعالى: "الحمد لله رب ~~العالمين " وهو مما لم يتعرض له أحد بما يخاص مع لزوم الجواب عنه. # الآية الثالثة: من أم القرآن قوله تعالى: "الرحمن الرحيم " فيها سؤال ~~واحد وهو أن يقول القائل: ما وجه الفصل بهاتين الصفتين العليتين من قوله: ~~"الرحمن الرحيم " بين الصفتين المقتضيتين ملك الدارين بما فيها وهما "رب ~~العالمين " # # PageV01P019 # "ملك يوم الدين " من حيث أن الحمد لله رب العالمين يتضمن أن لا رب سواه ~~فهو ملك الكل فقد كان المطابق لهذا إيصال ملك يوم الدين به حتى يقع وصفه ~~بملك الدارين جميعا وبالانفراد فيهما بالخلق والأمر والحكم كمت هو وكما ورد ~~فى قوله تعالى: "له الحمد فى الأولى والآخرة ". # فالجارى مع هذا أن لو قيل: الحمد لله رب العالمين ملك يوم الدين والفصل ~~بالرحمن الرحيم مما يكسر هذا الغرض فما وجه ذلك؟ # والجواب عن ذلك: أنه تعالى خصص هذه الأمة بخصائص الاعتناء والتكريم، قال ~~تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس ". # وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم والمصطفى من كافة الخلق ~~والتابع يشرف بشرف ms014 المتبوع وقد خاطبه تعالى بخطاب الرحمة والتلطف والاعتناء ~~فقال تعالى: "عفا الله عنك لم أذنت لهم " فقدم العفو بين يدي ما صورته ~~العتب لئلا ينصدع قلبه صلى الله عليه وسلم فكذلك تلطف لعباده من أمة هذا ~~النبي الكريم وأمنهم من خوفهم وإشفاقهم من عرض أعمالهم وحسابهم فقال: ~~"الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم *ملك يوم الدين ". # لما كان تعالى قد وصف هذا اليوم بأنه يوم تشخص فيه الأبصار "وتضع كل ذات ~~حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى "، قدم هنا تعريفهم بأنه "الرحمن ~~الرحيم " وأنه ملك ذلك اليوم فأنس هذه الأمة كما أنس نبيهم وذلك أبين شئ. # الآية الرابعة: # قوله تعالى: "ملك يوم الدين " وفى قراءة عاصم والكسائي "مالك يوم الدين " ~~وفى سورة آل عمران: "قل اللهم مالك الملك " ولم يقرأ بغيره، وفى سورة الناس ~~"ملك الناس " ولم يقرأ أيضا بغيره. # ومدار الآيات الثلاث على تعريف العباد بأنه سبحانه الملك المالك ثم ورد ~~فيها من الاختلاف ما ذكر. # فللسائل أن يسأل فيقول: ما وجه هذا الاختلاف؟ # وهل اختصاص آية أم القرآن بالقراءتين لموجب يخصها مع اتحاد المقصود فى ~~الآيات الثلاث من أنه سبحانه المنفرد بملك الكل وإيجادهم وأنه الملك ~~المالك؟ أم ذلك لاختلاف المقاصد؟ # والجواب: إن الآيات الثلاث حاصل منها ما ذكر أنه مقصود من أنه سبحانه ملك ~~مالك # أما آية الفاتحة فبإفصاح القراءتين، وأما آية آل عمران فلفظ الملك المضاف ~~إليه # # PageV01P020 # مالك فى قوله تعالى: "مالك الملك " يفهم أنه الملك لأن الملك من له الملك ~~فأفهم لفظ الملك المضاف إليه مالك أنه ملك فحصل الاكتفاء بهذا وأفهمت الآية ~~الأمرين. # وأما آية الناس فقوله تعالى: "برب الناس " مغن عن الإفصاح بمالك الناس ~~لأن الرب المالك فكأن قد قيل: قل أعوذ بمالك الناس ملك الناس فاقتضى ~~الإيجاز الاتصال ووحدة الكلام من حيث المعنى # أما آية الفاتحة فقوله فيها: "ملك يوم الدين " آية انفردت عما قبلها ~~بالتعريف بما لم تعرف به الآية التى قبلها من التنصيص على أنه ملك يوم ~~الحساب ms015 فمصرف الكلامين فى الآيتين إلى مقصودين وذلك أن قوله تعالى: "الحمد ~~لله رب العالمين " كلام مصرفه بحسب التفصيل الوارد هنا إلى حال الدنيا مع ~~انسحاب معناه على الدارين ولكن ورد الكلام مفصلا فقال: "الحمد لله رب ~~العالمين " فمصرف هذا بسبقية المفهوم وتقييد ما بعده وما يقتضيه التناظر ~~والتقابل إلى حال الدنيا ثم قال: "ملك يوم الدين " فمصرف هذا إلى الآخرة ~~فهذا فى التفصيل كقوله تعالى: "له الحمد فى الأولى والآخرة " فلم يكن ما ~~مصرفه إلى حال الدنيا ليقع به الاستغناء عما مصرفه إلى حال الآخرة فلم يكن ~~بد من الإفصاح بالصفتين فورد ذلك فى القراءتين بخلاف ما فى آية آل عمران ~~وآية الناس فإن الآيتين من حيث الاتصال فى المعنى فى قوة آية واحده والكلام ~~فيهما مطلق غير مقيد فيتناول بحسب إطلاقه الحكم فى الدارين مع أنه كلام ~~واحد. # فإن قلت: إذا كان قوله "ملك يوم الدين " بحسب المصرف كما تقدم آية انفردت ~~وأين مقصدها الآية قبلها على ما تمهد فقد صارت آيتا أم القرآن بحسب مصرف كل ~~آية منهما كآية آل عمران وآية الناس فيحتاج فى كل واحدة منهما على ما تمهد ~~إلى ما يفهم أنه سبحانه ملك مالك وقد حصل ذلك من الآيات الثلاث فما المفهم ~~لذلك من قوله تعالى: "رب العالمين " # فالجواب أنه مفهوم من عموم قوله تعالى: "رب العالمين " إذ لم يقع مثل هذا ~~العموم والاستيفاء من هذه الآى فى غير هذه فإن لفظ العالمين يشمل كل مخلوق ~~وإذا كان رب الكل ومالكهم فإن جميعهم تحت قهره وملكه فلا ملك لغيره سبحانه. # فقد حصل من كل واحدة من هذه الآى الأربع أنه سبحانه الملك المالك وتبين ~~أنه لا يلائم الآية من أم القرآن إلا ما ورد فيها من القرآتين وان الآيات ~~الاخر لو قرئت بالوجهين لكان تكرارا فورد كل على ما يجب ولا يناسب خلافه. # والله أعلم. # # PageV01P021 ### | سورة البقرة # غ - قوله سبحانه: "الم ". # أقول وأسأل الله توفيقه: # إن القول الوارد عنهم فى هذه الحروف المقطعة الواردة ms016 فى أوائل السور على ~~كثرته وانتشاره منحصر فى طرفين أحدهما: القول بأنها مما ينبغى أن لايتكلم ~~فيه ويؤمن بها كما جاءت من غير تأويل # والثانى: القول بتأويلها على مقتضى اللسان وهذا مسلك الجمهور، وهذا الذى ~~نعتقد أنه الحق لأن العرب تحديت بالقرآن وطلبت بمعارضته أو التسليم ~~والانقياد وبمعرفتهم أنه بلسانهم ومعروف تخاطبهم وعجزهم مع ذلك عنه قامت ~~الحجة عليهم وعلى كافة الخلق، وإذا سلم هذا فكيف يرد فى شئ منه خطابهم بما ~~لا طريق لهم إلى فهمه، فلو كان هذا لتعلقوا به ووجدوا السبيل إلى التعلل فى ~~العجز عنه وهذا مبسوط فى كتب الناس وغير خاف وقد انتشرت تأويلات المفسرين ~~وتكاثرت والملائم بما نحن بسبيله ما أذكره مما لم أر من تعرض له وهو اختصاص ~~كل سورة من المفتتحة بهذه الحروف بما افتتحت به منها فهذا ما يسأل عنه ولم ~~أر من تعرض وهو راجح إلى ما قصدته هنا وما سوى هذا مما يتعلق بالسؤال على ~~الحروف كورودها على حرف وعلى حرفين إلى خمسة وتخصيص هذه الحروف الأربعة ~~عشرة وكثرة الوارد منها على ثلاثة إلى غير هذا فليس من مقصدنا فى هذا ~~الكتاب أما الأول فمن شرطنا. # والجواب عنه: أن وجه اختصاص كل سورة منها بما به اختصت من هذه الحروف حتى ~~لم يكن ليرد "الم " فى موضع "الر " ولا "حم " فى موضع "طس " ولا "ن " فى ~~موضع "ق " إلى سائرها، أن هذه الحروف لافتتاح السور بها ووقوعها مطالع لها ~~كأنها أسماء لها بل هى جارية مجرى الأسماء من غير فرق وهذا إذا لم نقل بقول ~~من جعلها أسماء للسور والعرب تراعى فى الكثير من المسميات أخذ أسمائها من ~~نادر أو مستغرب يكون فى المسمى من خلق أو صفة تخصه أو تكون فيه أحكم أو ~~أكثر أو أسبق لإدراك الرائى للمسمى، ويسمون الجملة من الكلام والقصيدة ~~الطويلة من الشعر بما هو أشهر فيها أو بمطلعها إلى أشباه هذا وعلى ذلك جرت ~~أسماء سور الكتاب العزيز كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم ms017 لغريب قصة البقرة ~~المذكورة فيها وعجيب الحكمة فى أمرها وتسمية سورة الأعراف بالأعراف لما لم ~~يرد ذكر الأعراف فى غيرها وتسمية سورة النساء بهذا الاسم # # PageV01P022 # لما تردد فيها وكثر من أحكام النساء وتسمية الأنعام لما ورد فيها من ~~تفصيل أحوالها وان كان قد ورد لفظ الأنعام فى غيرها إلا أن التفصيل الوارد ~~فى قوله تعالى: "ومن الأنعام حمولة وفرشا " إلى قوله "أم كنتم شهداء " لم ~~يرد فى غير هذه السورة كما ورد ذكر النساء فى سور إلا ما تكرر وبسط من ~~أحكامهن لم يرد فى غير سورة النساء وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة ~~فى غيرها فسميت بما يخصها. # فإن قلت: قد ورد فى سورة هود ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى ~~عليهم السلام ولم تختص باسم هود وحده عليه السلام فما وجه تسميتها بسورة ~~هود على ما أصلت وقصة نوح فيها أطول وأوعب؟ # قلت: تكررت هذه القصص فى سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء بأوعب مما ~~وردت فى غيرها ولم يتكرر فى واحدة من هذه السور الثلاث اسم هود عليه السلام ~~كتكرره فى هذه السورة فإنه تكرر فيها عند ذكر قصته فى أربع مواضع والتكرر ~~من أعمد الأسباب التى ذكرناها. # فإن قيل: فقد تكرر اسم نوح فى هذه السورة فى ستة مواضع وذلك أكثر من تكرر ~~اسم هود # قلت: لما أفردت لذكر نوح وقصته مع قومه سورة برأسها فلم يقع فيها غير ذلك ~~كانت أولى بأن تسمى باسمه عليه السلام من سورة تضمنت قصته وقصة غيره من ~~الأنبياء عليهم السلام وإن تكرر اسمه فيها أكثر من ذلك. # أما هود عليه السلام فلم يفرد لذكره سورة ولا تكرر اسمه مرتين فما فوقها ~~فى سورة غير سورة هود فكانت أولى السور بأن تسمى باسمه عليه السلام . # وتسمية سائر سور القرآن جار فيها من رعى التسمية ما يجاريها فأقول: - ~~وأسأل الله عصمته وسلامته - # إن هذه السور إنما وضع فى أول كل سورة منها ما كثر ترداده فيما تركب من ~~كلمها ms018 ويوضح لك ما ذكرت أنك إذا نظرت سورة منها بما يماثلها فى عدد كلمها ~~وحروفها وجدت الحروف المفتتح بها تلك السور إفرادا وتركيبا أكثر عددا فى ~~كلمها منها فى نظيرتها ومماثلتها فى عدد كلمها وحروفها فإن لم تجد سورة ~~منها ما يماثلها فى عدد كلمها ففى اطراد ذلك فى المتماثلات مما يوجد له ~~النظير ما يشعر بأن هذه لو وجد مماثلها لجرى على ما ذكرت لك وقد اطرد هذا ~~فى أكثرها فحق لكل سورة منها أن لا يناسبها غير الوارد فيها فلو وقع فى ~~موضع "ق " من سورة "ق " "ن " من سورة "ن والقلم " وموضع ن ق لم يمكن لعدم ~~المناسبة المتأصل رعيها فى كتاب الله تعالى فإذا أخذت كل افتتاح منها ~~معتبرا بما قدمته لك لم تجد: "كهيعص " يصح فى # # PageV01P023 # موضع "حم عسق " ولا العكس ولا "حم " فى موضع "طس " ولا العكس ولا "المر " ~~فى موضع "الم " ولا عكس ذلك، ولا "المر " فى موضع "المص " بجعل الصاد فى ~~موضع الراء ولا العكس فقد بان وجه اختصاص كل سورة بما به افتتحت، وأنه لا ~~يناسب سورة منها ما افتتح غيرها، والله أعلم بما أراد. # الآية الثانية: # قوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " فوصفه سبحانه بكونه ~~هدى للمتقين وقال تعالى فى وصف التوراة والإنجيل فى أول سورة آل عمران: ~~"وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس " ولم يقل هنا هدى للمتقين ~~فللسائل أن يسأل عن الفرق الموجب اختصاص كل من الموضعين بما ورد فيه وهل ~~كان يحسن ورود الناس فى موضع المتقين وورود المتقين فى موضع الناس؟ # والجواب: أن الملائم المناسب ما ورد وأن عكسه غير ملائم ولا مناسب ووجه ~~ذلك أن الكتاب المشار إليه هو الكتاب العزيز على ما فى مآخذ المفسرين من ~~التفصيل وهو مما خصت به هذه الأمة، والتوراة كتاب موسى عليه السلام لبنى ~~إسرائيل والإنجيل كتاب عيسى عليه السلام ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الفضل المعلوم فأشير بالمتقين إلى حال المخصوصين به، وقيل ms019 فى الآخرين: هدى ~~للناس ليشعر بحال أهل الكتابين وفضل أهل الكتاب العزيز عليهم فلا يلائم كل ~~موضع إلا بما ورد فيه. # فإن قيل: إنما صح لهم الوصف بالتقوى بعد اهتدائهم بالكتاب وتصديقهم به ~~والتزامهم ما تضمنه. # قلت: لحظ فى ذلك الغاية فهو من باب التسمية بالمآل وهو باب واسع ومنه: ~~"إنى أرانى أعصر خمرا " وإذا تقرر ما ذكرناه فعكس الوارد غير ملائم، والله ~~أعلم بما أراد. # الآية الثالثة: قوله تعالى: "يخادعون الله والذين ءآمنوا وما يخدعون الا ~~أنفسهم وما يشعرون " وقال بعد: "ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يشعرون ". # ثم قال بعد: "ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون " فنفى عنهم هنا العلم ~~وفى الآيتين قبل الشعور فيسأل عن الفرق الموجب لهذا التخصيص. # والجواب عن ذلك: إن الشعور راجع إلى معنى الإحساس مأخوذ من الشعار وهو ما ~~يلى الجسد ويباشره فيدرك ويحس من غير افتقار إلى فكر أو تدبر، فيشترك فى ~~مثل # # PageV01P024 # هذا الإدراك العاقل من الحيوان وغير العاقل وأما العلم فلا يكون إلا عن ~~فكر ونظر يحصله، وقد تكون مقدماته حسية أو غير حسية على قول المحققين من ~~أرباب النظر فهو مما يخص العقلاء ولما كان الإيمان وهو التصديق لا يحصل إلا ~~عن نظر وفكر يحصل العلم بالمصدق به، ولا يكون النظر والفكر إلا من عاقل ~~يعرف الصواب من الخطإ وقد نفى المنافقون ذلك عن المؤمنين ونسبوهم إلى السفه ~~وهو خفة الحلم وعدم التثبت فى الأمور وذلك فى قولهم: "أنؤمن كما آمن ~~السفهاء " فرد الله ذلك عليهم بقوله: "ألا إنهم هم السفهاء " ونفى عنهم ~~العلم فنفى عنهم ما نفوه عن غيرهم ووصفوا بما نسبوه لغيرهم ولما كان الفساد ~~فى الأرض وروم مخادعة من لا ينخدع منتحل لا يخفى فساده على أحد ويوصل إلى ~~ذلك بأول إدراك ناسبه أيضا نفى الشعور ولم يكن ليناسبه نفى العلم فجاء كل ~~على ما يناسب ويلائم. # وتعرض أبو الفضل بن الخطيب لما ورد فى هذه الآية فقال: إنما قال فى آخر ~~هذه الآية "لا ms020 يعلمون " وفيما قبلها "لا يشعرون " لوجهين: أن الوقوف على أن ~~المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلى نظرى وأما أن النفاق وما فيه من ~~البغى يقضى إلى الفساد فى الأرض فضرورى جار مجرى المحسوس # والثانى أنه لما ذكر السفه وهو جهل كان ذكر العلم أحسن طباقا له والله ~~أعلم انتهى، وما ذكرته أجرى مع لفظ الآي وأبين. # الآية الرابعة: # قوله تعالى: "وتركهم فى ظلمات لا يبصرون صم بكم عمى فهم لا يرجعون " وورد ~~فيما بعد: "ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لايسمع إلا دعاء ونداء صم ~~بكم عمى فهم لا يعقلون " ففى الأولى "لا يرجعون " وفى الثانية "لا يعقلون " ~~مع اتحاد الأوصاف الواردة مورد التسبب والعلة فيما نسب لهم. # والجواب عنه: أنه لما مثل حال المنافقين بحال مستوقد النار لطلب الإضاءة ~~وأنه لما أضاءت ما حولها أذهبها الله وطفيت فلم يكن له ما يستضئ به ويرجع ~~إليه فنفى عنهم وجود ما يرجعون إليه من ضياء يدفع حيرتهم وهذا بين. # أما الآية الثانية فإنه مثل حال الكافرين فيها بحال الغنم فى كونها يصاح ~~بها وتنادى فلا تفهم عن راعيها ولا تسمع إلا صوتا لا تعقل معناه ولا نفهم ~~ما يراد به كذلك الكفار # # PageV01P025 # فى خطاب الرسل إياهم فلا يجيبونهم ولا يعقلون ما يراد بهم وهذا مناسب وكل ~~على ما يجب. # فإن قيل أما تمثيل الكفار وتشبيههم بالغنم فيما ذكر فقد أفصح ذلك قوله ~~تعالى: "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام " فقد وضح ~~هذا ما ذكرته إلا أن آية البقرة إنما ورد فيها ببادى سياق الكلام وظاهره ~~تشبيه الكفار بالنعاق بالغنم لا بالغنم فكيف يرجع تقدير الآية إلى ما ذكرت؟ # فالجواب: أن إيجاز الكلام يقتضى حذف ما يفهمه السياق اختصارا فالتقدير فى ~~الآية ما مر من الإشارة إلى التشبيه بالطرفين ومنه قول الشاعر: # وإنى لتعرونى لذكراك فترة كما انتفض العصفور بلله القطر # فشبه فى ظاهر الكلام ما يعروه من الفترة بانتفاض العصفور وليس مراده هذا ms021 ~~وإنما يريد تشبيه ما يعروه بما يعرو العصفور بعد ما يدركه من بل المطر من ~~الفترة وأنه ينتفض عندها كما ينتفض العصفور فحذف فى كل من الطرفين ما أثبت ~~نظيره. # فالتقدير فى البيت: وإن لتعرونى لذكراك فترة فانتفض كما تعرو العصفور ~~فترة فينتفض فشبه ما يعروه بما يعرو العصفور والانتفاض بالانتفاض وعلى هذا ~~حمل سيبويه الآية قال: "لم يشبهوا بما ينعق وإنما شبهوا بالمنعوق به " ~~وإنما المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذين لا ~~يسمع. # قال [سيبويه]: "ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى ~~" وهذا تقدير معنى الآية. # فإن قلت فكيف تقدير الإعراب؟ # قلت: الأقرب فيه أن يكون على حذف مضاف أى ومثل داعى الذين كفروا كمثل ~~الذى ينعق بما لا يسمع وعلى هذا حمله أكثر الناس وان شئت جعلت ما قدرنا ~~عليه المعنى تقديرا للمعنى والإعراب وقد أخذه على ذلك جملة من شيوخنا ومن ~~قبلهم. # الآية الخامسة: # قوله تعالى: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) " وفى سورة يونس: "أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين "، وفى سورة هود: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ". # يسأل عن قوله فى الأولى: "من مثله " وفى الثانية: "مثله " وما الفرق بين ~~الموضعين؟ ولم قيل فى سورة هود بعشر سور؟ ولم وصف بمفتريات؟ ولم قال فى ~~البقرة: "فادعوا شهدائكم " وفى الموضعين الآخريين: "من استطعتم " فهذه أربع ~~سؤالات. # # PageV01P026 # والجواب عن السؤال الأول: أن المراد إراءتهم ما يرفع شكهم فى نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فكأن قد قيل: إن شككتم فى نبوته وتخصيصنا إياه بذلك ~~فلتأتوا برجل منكم غيره يصدر عنه أو يأتى بسورة واحدة من نمط طا سمعتم من ~~محمد صلى الله عليه وسلم وائتوا بشهداء يشهدون أن غيره قد سمع منه ما طلبتم ms022 ~~به فإذا عجزتم عن ذلك مع التماثل فى الخلق والعلم بمقادير الكلام، إذ ليس ~~بغير لسانكم المألوف عندكم فإذا عجزتم عن ذلك ولابد من عجزكم فاتخذوا وقاية ~~تنجيكم من النار التى يخبركم أنها معدة لمن يكذبه فلما كان المراد هنا ما ~~ذكرناه من التعيضية فى قوله تعالى: "من مثله " وأما الوارد فى سورة يونس ~~فإنما أريد به ما يجرى مع قوله تعالى: "أم يقولون افتراه ". # فقيل لهم: إذا كان مفترى كما تزعمون فما المانع لكم عن معارضته فائتوا ~~بسورة مماثلة للقرآن، فالمراد هنا نفى كلام مماثل للقرآن وإقامة الحجة ~~عليهم بعجزهم عن ذلك والمراد فى البقرة نفى شخص يماثله صلى الله عليه وسلم ~~فى أن يسمع منه ما يماثل سورة واحدة من مثل القرآن فى فصاحته وعجائبه، ~~فاختلف المقصدان فى السورتين مع الائتلاف فى تعجيزهم عن هذا وهذا فلما ~~اختلفا لم يكن بد من "من " فى الأولى لإحراز معناها ولم يأت فى يونس لحصول ~~المعنى المقصود فيها دون من. # فإن قلت فإن "من " لا تمنع هذا المعنى المقصود فى يونس قلت: إذا كان ~~المعنى يحصل بثبوتها وسقوطها على السواء فقد بقى رعى الإيجاز وهو مقتض ~~سقوطها، أما المعنى المقصود فى البقرة فلا يحصل الا بمن فلم يكن بد منها ~~هنا، فورد ذلك كله على ما يجب ويناسب. # والجواب عن السؤال الثانى: وهو قوله تعالى فى سورة هود: "بعشر سور " فإنه ~~والله أعلم لما قيل مفتريات فوسع عليهم ناسبة التوسعة فى العدد المطلوب لأن ~~الكلام المفترى أسهل فناسبته التوسعة. # أما الوارد فى السورتين قبل فلم يذكر لهم فيها أن يكون مفترى بل السابق ~~من الآيتين الممثالة مطلقا فذلك أصعب وأشق عليهم مع عجزهم فى كل حال، فوقع ~~الطلب حيث التضييق بسورة واحدة وحيث التوسعة بعشر سور مناسبة جليلة واضحة ~~وقد جاوب بما هذا معناه بعض المفسرين. # والجواب عن الثالث: أنه وصف لهم المطلوب منهم هنا بأن يكون مفترى ليحصل ~~عجزهم بكل جهة فلا يقدرون على وجود شخص مماثل له صلى الله ms023 عليه وسلم فى ~~ظاهر الصورة الجنسية سمع منه ما يسمع من محمد صلى الله عليه وسلم ولا ~~يقدرون على مثل سورة واحدة من سور القرآن. # ولما كان ظاهر هاتين الآيتين المماثلة مطلقا قيل بعد ذلك: # # PageV01P027 # "ائتوا " بكلام مفترى على سهولة ما لا يتقيد بسوى الفصاحة وجاء ذلك من ~~طلبهم بالتدريج، فأولا بالممثالة من غير ذكر: "مفترى " ثم قيل لهم: جيئوا ~~بمفترى فلم يبق لهم عذر إلا العناد. # والجواب عن الرابع: أن قوله تعالى فى سورة البقرة: "وادعوا شهدائكم " ~~المراد به من يشهد لكم أن شخصا مثله صلى الله عليه وسلم قد سمع منه ما طلب ~~منكم إذ لا يكتفى فى مثل هذا بمجرد دعوى المدعى فقيل لهم: ائتوا بسورة من ~~شخصه مثله فى الجنسية وبمن يبتعد لكم بأن قد فعلتم. # وقيل لهم فى سورة يونس فئتوا بسورة مثل القرآن واستعينوا عى ذلك بمن ~~قدرتم فلم يطلبوا هنا بمن يشهد لهم وانما قيل لهم: استعينوا فى النظم ~~والتأليف بمن قدرتم لأن سماع ذلك منهم أن لو كان ولا سبيل إليه لا يحتاج ~~معه إلى شهادة شاهد، أما لو ادعوا أن أحدا سمع منه مثل القرآن لما قتع منهم ~~بمجرد دعواهم ألا ترى استرواحهم إلى اقناع جهلتهم بما حكى سبحانه وتعالى ~~عنهم بقوله: "لو نشاء لقلنا مثل هذا " والوارد فى هود كالوارد فى يونس. # الآية السادسة: هى أول آية تعرض لها صاحب كتاب الدرة وأجاب بغير ما هنا ~~والله ينفع جميعنا بفضله. # وما يقع بعد مما لم يتعرض له صاحب كتاب الدرة من الآيات فننبه عليه ~~بعلامة: ليعلم أنه من المفل كما تقدم. # قوله تعالى: "وقلنا يآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة " وفى سورة الأعراف: "ويآدم اسكن أنت وزوجك الجنة ~~فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة "، فى هذا سؤالان: # الأول: ورود أمرهما بالأكل فى البقرة بواو النسق المقتضية عدم الترتيب ما ~~لم يفهم من غيرها، وفى الأعراف: بالفاء المقتضية الترتيب والتعقيب والأمر ms024 ~~واحد والقصة واحدة. # والثانى: وصف الأكل فى البقرة بالرغد ولم يقع هذا الوصف فى الأعراف مع ~~اتحاد الأمر كما ذكرنا. # والجواب عن السؤال الأول: والله أعلم أن الوارد فى الآيتين مختلف فى ~~الموضعين أما الوارد فى البقرة فقصد به الإخبار والإعلام لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما جرى فى قصة آدم صلوات الله وسلامه عليه وابتداء خلقه ~~وأمر الملائكة بالسجود له وما جرى من إبليس عن السجود ثم ما أمر آدم من ~~سكنى الجنة والأكل منها ولم يقصد غير التعريف بذلك من غير ترتيب زمانى أو ~~تحديد غاية فناسبه الواو وليس # # PageV01P028 # موضع الفاء، وأما آية الأعراف فمقصودها تعداد نعم الله جل وتعالى على آدم ~~وذريته ألا ترى ما تقدمها من قوله تعالى: "ولقد مكناكم فى الأرض " وما اتبع ~~به هذا من ذكر الخلق والتصوير وأمر الملائكة بالسجود لآدم ثم قوله مفردا ~~لإبليس: "اخرج منها مذءوما مدحورا " ثم بعد ذلك أمر آدم عليه السلام ~~بالهبوط متبعا بالتأنيس له ووصية ذريته فى قوله تعالى: "يا بني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان " فتاسب هذا القصد العطف بالفاء المقتضية الترتيب والواو ~~لا تقتضى ذلك وإنما بابها الجمع حيث لا يراد ترتيب وليس موضع شرط وجزاء ~~فيكون ذلك مسوغا لدخول الفاء، وإنما ورد هنا لما ذكرته من قصد تجريد ~~التفصيل المحصل لتعداد النعم، ولما اختلف القصدان اختلفت العبارة عنهما، ~~فورد كل على ما يناسب. والله أعلم. # وأما السؤال الثانى فالجواب عنه: أن ورود الرغد فى آية البقرة وسقوط ذلك ~~فى الأعراف إنما ذلك لأن المعنى من هنا التبعيض ومعناها بما هو تبعيض قد ~~يسبق منه إرادة التقليل وهو غير مراد هنا، وإنما مصرف التبعيض هنا إلى ~~المأكول منه، فإن ما اشتملت عليه الجنة من ذلك إذا أكلت منه ذرية آدم ~~بأجمعها فإنما تأكل بعضا إذ فيها من كل متنعم به ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر فاجتمع هنا أن البعضية مرادة بالنظر إلى ما انطوت ~~عليه الجنة وإباحة التوسعة ms025 فى أكلها مقصودة وليس ثم ما يحرزها فقال تعالى: ~~"رغدا " ليحصل المعنى التوسعة وتجردت "من " لإحراز معناها ولم يكن هنا بد ~~إذ ليس فى السياق ما يحرز ذلك المعنى من التوسعة وذلك قوله تعالى: "من حيث ~~شئتما " لإباحة ما فى أماكنها ومن المحال أن يباح لهما الأكل من حيث شاءا ~~منها على اتساع المساحة وكثرة المآكل ثم يحجر عليهما التوسع فى الأكل ~~والرغد فيه، هذا متناقض. # فإن قيل: قد وقع فى سورة البقرة: "حيث شئتما " وتلك توسعة فى الأماكن # قلت: ليس موقع حيث شئتما " موقع "من حيث شئتما " لأن "من حيث شئتما " ~~يحرز ويعطى إباحة الأكل من ثمر كل موضع فيها. # أما حيث إذا لم يكن معها "من " فإنها تعطى بأظهر الاحتمالين إباحة الأكل ~~فى كل موضع لا من ثمر كل موضع فقد يقال للشخص كل هذا العنقود حيث شئت من ~~هذا البستان فإنما أبيح له أكل عنقود معين مخصوص حيث شاء من أماكن ذلك ~~البستان ولم يتعرض بهذه العبارة لإباحة أكل ما فى كل موضع منه الا باحتمال ~~ضعيف. # أما إذا قيل له كل من حيث شئت من مواضع هذا البستان فقد أبيح له الأكل من ~~كل ما فى مواضعه، وحصلت التوسعة فى المأكل ولم يحصل ذلك عند سقوط "من " على ~~ما تقدم # # PageV01P029 # آنفا، فقد وضح افتراق الموضعين، وتعين ورود رغدا فى البقرة إذ ليس ثم ما ~~يحرزه وتعين سقوطه فى الأعراف لوجود ما بحرزه. والله أعلم بما أراد. # الآية السابعة: # قوله تعالى: "قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى ". # وفى الأعراف "قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو " وفى سورة طه "قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو ". # ويسأل عن أى شئ لم ترد هذه الزيادة فى قوله فى البقرة: "قلنا اهبطوا منها ~~جميعا "؟ # والجواب عن ذلك: أنه لم يرد ذلك هنا اكتفاء بما فى الآية قبلها وهو قوله: ~~"وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ". # فلو قيل ذلك فى الآية بعدها مع الاتصال والتقارب لكان تكرارا لا يحرز ~~فائدة لم ms026 تحصل بخلاف ما فى سورة الأعراف وسورة طه فورد كل على ما يجب ~~ويناسب والله أعلم. # الآية الثامنة: # قوله تعالى فى البقرة: "فمن تبع هداى " وفى سورة طه: "فمن اتبع هداى ". # هنا سؤالان: ما فائدة اختلافهما وما وجه تخصيص كل موضع منهما بما اختص ~~به؟ # والجواب عنه والله أعلم: أن تبع واتبع محصلان للمعنى على الوفاء، و"تبع " ~~فعل وهو الأصل و"اتبع " فرع عليه لأنه يزيد عليه وهو منبئ عن زيادة فى معنى ~~فعل بمقتضى التضعيف فعلى هذا وبحسب لحظة ورعيه ورد فمن تبع وفمن اتبع وتقدم ~~فى الترتيب المتقرر فمن تبع لإنبائه عن الاتباع من غير تعمل ولا تكلف ولا ~~مشقة، وأما اتبع فإن هذه البنية أعنى بنية افتعل تنبئ عن تعمل وتحميل للنفس ~~فقدم ما لا تعمل فيه وأخر اتبع لما يقتضيه من الزيادة ولم تكن إحدى ~~العباراتين لتعطى المجموع فقدم ما هو أصل وأخر ما هو فرع عن الأول وكلاهما ~~هدى ورحمة وورد كل على ما يناسب ويلائم. # وجواب ثان ينبئ عليه ما تقدم فيكون جوابا واحدا وهو ان اتبع مزيد منبئ عن ~~التعمل والعلاج كما تقدم ولا يفهم ذلك من تبع الذى هو الأصل وانما ينبئ فى ~~الأظهر عن قضية يتلو فيها التابع المتبوع متقيدا به فى فعله من غير كبير ~~تعمل ولا علاج وكل من العبارتين أعنى تبع واتبع إنما يستعمل فى الغالب حيث ~~يراد مقتضاه مما بينا، ألا ترى قول الخليل عليه السلام فى اخبار الله تعالى ~~عنه: "فمن تبعنى فانه منى " حين أشار بقوله "فانه منى " إلى الخاصة من ~~سالكى سبيله باتباعه القديم، فعبر بما يشير إلى غاية التمسك والقرب حين ~~قال: "منى " فناسب ذلك قوله: "تبعنى " يريد الجرى على # # PageV01P030 # مقتضى الفطرة وميز الحق بديها بسابقة التوفيق من غير إطالة نظر من حال ~~هؤلاء من قيل فيه: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " وهذه الآية ~~وأمثالها مراد بها من تعامى عن النظر فى الدلالات وترك واضح الاعتبار وحمل ~~نفسه بقدر الله ms027 على ما لا يشهد له نظر ولا يقوم عليه برهان فكأن هؤلاء ~~تعلموا فى ذلك وعالجوا أنفسهم حتى انقادت طباعهم إلى غير ما تشهد به من ~~الفطرة ولذلك استعير لمن جرى على حال هؤلاء البيع والشراء فقيل: "أولئك ~~الذين اشروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم " لما كان ما بسط من الدلائل ~~ونصب من الآيات والشواهد واضحا وكانوا ذوى أسماع وأبصار وأفئدة فما اعتبروا ~~ولا أجدت عليهم كان سلوكهم سبل الغى والضلال تعملا وتركا للرشد على بصيرة ~~ولذلك أخبر الله تعالى عن حال هؤلاء فى فعلهم ومرتكبهم بالجحود فسماه بهذا ~~فى قوله تعالى: "فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله ". # ولا يقال جحد إلا فيمن كتو معلوما بعد حصوله وتظاهر بباطل فقد اعتمل نفسه ~~غى ذلك فعبر عن مثل هذا بأتبع ولم يكن موضع "تبع " وكذلك قيل لمن وسم ~~بالاسراف فى المخالفات من عصاة الموحدين فقيل لهم: "واتبعوا أحسن ما أنزل ~~اليكم من ربكم " وذلك لإلفتهم المخالفات وانقياد نفوسهم لها # حتى احتاجوا فى الإقلاع عن ذلك والأخذ فى خلاف حالهم إلى التعمل والعلاج، ~~وكذا قيل لمن ألف الطاعات وارتاض لالتزامها: "لا تتبعواخطوات الشيطان " ~~لإلفة نفوسهم الطاعات حتى انهم وقعت منهم مخالفة فبتعمل وعلاج لأنها خلاف ~~المألوف فتأمل ما يرد هذا فانه يوضح بعضه، وإذا تقرر هذا فتأمل ما بين ~~القضيتين، فأقول: لما تقدم فى آية البقرة قوله تعالى: " وقلنا يآدم اسكن ~~أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما " إلى قوله: "فمن تبع هداى " ولم ~~يرد فيها مما كان من إبليس سوى ما أخبر به تعالى عنه من قوله: "فأزلهما ~~الشيطان عنها " من غير تعرض لكيفية تناوله ما فعل ولا ابداء علة ولا كبير ~~معالجة ناسب هذا: "تبع "، ولما ورد فى آية طه ذكر الكيفية فى إغوائه بقوله ~~له: "هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " وقد حصل فى هذا الإشارة إلى ما ~~بسط من قوله فى الأعراف: "ما نهاكما ربكما عن ms028 هذه الشجرة الا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين " وقسمه على ذلك فكان هذه كله قد تحصل مذكورا ~~فى آية طه بما تضمنته من الإشارة إليه، فأفهمت الآية قوة كيد اللعين ~~واستحكام حيلته حتى احتنك الكثير من ذريته # # PageV01P031 # وحملهم على عبادة الطواغيت وتلقت النفوس المتعاقبة ذلك منه بقبول فصار ~~تمييز الحق لا يحصل إلا بمعالجة وتعمل فناسبه فمن اتبع كما ناسب ما تقدم فى ~~آية البقرة فمن تبع، من حيث لم يبسك فيها من كيد اللعين ما بسط فى آية طه ~~فورد كل على ما يناسب معنى ونظما وإيجازا وإطالة بإطالة ثم إذا لحظ الترتيب ~~فالجارى على رعية تقديم ما هو الأصل وتأخير ما هو الفرع فقيل فى آية ~~البقرة: فمن تبع وفى آية طه: فمن اتبع، وحصل رعي الوجوه الثلاثة ووضح أنه ~~مقتضى النظم والله أعلم بما أراد. ### | الآية التاسعة: # قوله تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ~~(45) " وقال بعد: "استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " # يسأل عما أعقب به فى كل الموضعين وما وجه تخصيصه وهل يجوز وقوع كل منهما ~~فى موضع الآخر؟ # والجواب: ان قوله تعالى: "وانها لكبيرة ### | ..... # الآية. # وقوله فى الآية الثانية: "إن الله مع الصابرين ". # كلا الإخبارين مناسب لقوله: "واستعينوا بالصبر والصلاة " فلا سؤال فى هذا ~~وإنما يسأل عن تخصيص كل من الموضعين بما خص به اتباعا؟ # والجواب عن ذلك أن قوله تعالى: "وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " مشير ~~إلى التثاقل عنها والتكاسل الجاريين فى الغالب والأكثر مع ضعف اليقين وقلة ~~الإخلاص وذلك مناسب لحال بنى إسرائيل ممن ذكرت فى الآيات قبل ألا ترى قوله ~~تعالى فى المنافقين وإنما أكثرهم من يهود: "ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ~~". # وقوله: "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى " فلما كان قوله تعالى فى ~~الآية الأولى: "واستعينوا بالصبر والصلاة " مكتنفا بأمر بني إسرائيل ونهيهم ~~ناسب هذا قوله تعالى: "وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " ولما كانت الآية ~~الثانية معقبا بها أمر المؤمنين فى قوله تعالى: "يا ms029 أيها الذين ءآمنوا ~~استعينوا بالصبر والصلاة " وحال من وسم بالإيمان حال رضى واستقامة ناسبهم ~~وصفهم بالصبر إذ بالصبر على الطاعات حصول الدرجات فجاء كل على ما يناسب ولم ~~يكن ليلائم واحدا من الموضعين غير ما أعقب به. والله أعلم بما أراد. # الآية العاشرة: # قوله تعالى: "واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل " ووقع بعد: "ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها # # PageV01P032 # شفاعة "، فأخر ذكر الشفاعة فى هذه الآية وقدم فى الأولى يسأل عن ذلك. # ووجه ذلك والله أعلم أنه لما تقدم فى الآية الأولى قوله تعالى: "أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم " والمأمور بالبر قد يأخذ به ويتمسك بموجبه ~~فيسلم من العصيان وتكون فى ذلك نجاته وإذا أمكن هذا فقد وقع الاهتداء بأمر ~~هؤلاء الذين قيل لهم: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " فهو مظنة عندهم ~~لرجائهم أن ينفع عند مشاهدة الجزاء الإحسانى للمأمورين بالبر حين قبلوا ~~وامتثلوا أخذا بظاهر حال الأمرين وإن كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون وهذا جار ~~على مألوف طمع اليهود، وقد ورد فى ذكر المنافقين تعلقهم فى القيامة بقولهم ~~للمؤمنين: "ألم نكن معكم " فطمع من زاد على كونه مع المتعلق به أنه أمره ~~فاقتدى بأمره واهتدى المأمور لما بخلوصه أخذا بظاهر ما صدر عن الآمر وان ~~كان الآمر يبطن خلاف ما أمر به غيره إلا أن هذا أمكن من التعلق بالكينونة ~~فى الدنيا مع الناجين وإذا تعلق هؤلاء بمجرد كونهم كانوا مع المؤمنين فتعلق ~~من أمر بالبر زائد إلى كونه من المأمورين، وإن كان أمرة تظاهرا وراءا أمكن، ~~إلا أن كل ذلك لا ينفع ما لم يكن إيمان مخلص فلتوهم هؤلاء إمكان الشفاعة من ~~أمرهم بالبر وطمعهم فى ذلك كان آكد شئ نفى الشفاعة لهم لإمكان توهمها ولم ~~يتقدم فى الآية الأخرى ما يستدعى هذا فقدم فيها ذكر الفئة التى هى أولى ~~وأحرى فى كمال التخلص على ما عهد فى الدنيا لو أمكنت والله أعلم بما أراد. ### | الآية الحادية عشرة ms030 # من سورة البقرة # قوله تعالى: "وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم "الآية. # وفى سورة الأعراف:: "وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم " فالقضية فى السورتين واحدة وقد ورد فى ~~سورة البقرة: "نجيناكم " مضعفا وفى الأعراف: "أنجيناكم " غير مضاعف، وفى ~~سورة البقرة: "يذبحون " وفى سورة الأعراف: "يقتلون "، وقد ورد فى سورة ~~إبراهيم "يسومونكم سوء العذاب ويذبحون " منسوقا بحرف العطف ففى هذه الآية ~~ثلاث سؤالات تعرض منها صاحب كتاب الدرة للفرق بين "يذبحون " وقوله تعالى فى ~~سورة إبراهيم "ويذبحون " وأغفل ما سوى ذلك. # والجواب عن الأول: ان الوارد فى سورة البقرة مقصود به تعداد وجوه الإنعام ~~على بنى إسرائيل وتوالى الامتنان ليبين شنيع مرتكبهم فى مقابلة ذلك الإنعام ~~بالكفر ولنقدم # # PageV01P033 # لذلك تمهيدا فنقول: أنه تعالى بدأ عباده بالنعم وأحسن إليهم قبل إيجادهم ~~حين ذكرهم فى الأزل بخصوص التكريم وسبقت رحمته غضبه وله المن والطول وعلى ~~لحظ ما ذكرنا ورعيه جرى خطاب الخلق فى دعائهم إلى عبادته فقال تعالى فى أول ~~وارد من ذلك فى كتابه العزيز على المعتمد من مقتضى الترتيب الثابت: "يأيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " إلى قوله: ~~"فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " فذكرهم سبحانه بإيجادهم بعد العدم ~~وجعله الأرض فراشا لهم والسماء بناء وانزال الماء من السماء واخراج الثمرات ~~به وكل هذا انعام وإحسان منه لعباده من غير حاجة به إلى ذلك فدعا سبحانه ~~الخلق لعبادته مذكرا بإنعامه عليهم وبهذا أمر رسله فقال لموسى عليه السلام: ~~"وذكرهم بأيام الله " أى بآلائه ونعمائه وعلى هذا جرى خطاب بنى إسرائيل فى ~~سورة البقرة فى أول خطاب خوطبوا به ودعوا إلى عبادة الله وتصديق من قدم لهم ~~فى أمره وأخذ عليهم العهد فى الإيمان به فقال تعالى: "يا بنى إسرائيل ~~اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم ". # فأجمل تعالى ثم فصل فذكر نجاتهم من آل فرعون وفرق البحر بهم ونجاتهم ~~وهلاك عدوهم بالغرق ثم ذكر عفوه عنهم ms031 فى عبادة العجل وتوبته عليهم وبعثهم ~~من موتهم عند طلبهم الرؤيا، وتظلياهم بالغمام إلى ما ذكر تعالى بعد هذا. # فلما كان موضع تعداد نعم وآلاء ذكروا بها ليزدجروا عن المخالفة والعناد ~~ناسبه التضعيف لاثباته بالكثرة ولو قيل هنا واذ أنجيناكم لما أنبأبذلك ولا ~~ناسب المقصود مما ذكر، وأيضا فإن التضعيف فى: نجيناكم يناسب التضعيف الوارد ~~بعده فى قوله: "يذبحون "، ولم يكن لفظ أنجيناكم غير مضاعف ليناسب. # والجواب عن السؤال الثانى: والله أعلم ان الذبح منبئ عن القتل وصفته وأما ~~اسم القتل فلا يفهم الا اعدام الحياة ويتناول من غير المقتول فى الغالب ~~فعبر أولا بما يوفى المقصود من الاخبار بالقتل مع احراز الإيجاز، إذ لو ذكر ~~القتل وأتبع الصفة لما كان ايجازا، فعدل إلى ما يحصل عنه المقصود مع ايجاز ~~فقيل: "يذبحون " وعبر فى سورة الأعراف بالقتل لأنه أوجز من لفظ يذبحون لأجل ~~التضعيف إذ لفظ يذبحون أثفل لتضعيفه وقد حصلت صفة القتل فى سورة البقرة ~~فأحرز الإيجاز فى الكل وجاء على ما يجب ويناسب والله أعلم. # والجواب عن السؤال الثالث: وهو قوله تعالى فى سورة إبراهيم: "ويذبحون ~~أبنائكم ويستحيون # # PageV01P034 # نسائكم " منسوقا بواو العطف فوجه ذلك والله أعلم ان هذه السورة مبنية على ~~الإجمال والايجاز فيما تضمنته من قصص الرسل وغير ذلك ولم يقصد فيها بسط قصة ~~كما ورد فى غيرها مما بنى على الاستيفاء وكلا المرتكبين مقصود معتمد عند ~~العرب: # يرمون بالخطب الطوال وتارة وحى الملاحظ خيفة الرقباء # وعلى هذا جرى خطابهم فى الكتاب العزيز وتأمل المقصدين فقد ورد فى سورة ~~الأعراف وسورة هود قصص نوح وهود وصالح ولوط وموسى عليهم السلام فتأمل ما ما ~~بين ورود هذه القصص الخمس فى هاتين السورتين وورودها خمستها فى سورة القمر ~~وكيف مدت أطناب الكلام فى السورتين الاوليين ثم أوجزت فى سورة القمر أبلغ ~~ايجاز وأوفاه بالمقصود، فلما كان مبنى سورة إبراهيم عليه السلام على ~~الإيجاز فيما تضمنت من هذه القصص افتتاحا واختتاما لقوله تعالى: "ألم يأتكم ~~نبأ الذين من قبلكم قوم ms032 نوح وعاد " إلى قوله تعالى: "فردوا أيديهم فى ~~أفواههم " وما بعد هذه من الآى وانه انضم فى هذه السورة إلى قصد الإيجاز ~~تغليظ الوعيد فلبنائها على هذين الغرضين ورد فيها قوله تعالى: "واذ قال ~~موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم " إلى قوله تعالى: "يسومونكم سوء العذاب ~~ويذبحون أبنائكم " فأشار قوله سبحانه: "بسومونكم سوء العذاب " إلى جملة ما ~~امتحنوا به من فرعون وآله من استخدامهم واذلالهم بالأعمال الشاقة وامتهانهم ~~واستحياء نسائهم لذلك وذبح الذكور فلما وقعت الإشارة إلى هذه الجملة مما ~~كانوا يمتحنونهم به جرد منها وعين يالذكر أشدها واعظمها امتحانا فجئ به ~~معطوفا كما أنه مغاير لما تقدمه فقيل: "ويذبحون أبنائكم " فعين من الجملة ~~هذا وخص بالذكر تعريفا بمكانة وشدة الامر فيه، وهو مما أجمل أولا وشمله ~~الكلام المتقدم. # كما ورد فى قوله تعالى: "من كان عدوا لله وملائكته " ثم قال: "وجبريل ~~وميكال " فخصهما بالذكر والتعيين اعلاما بمكانهما فى الملائكة بعد أن شملهم ~~قوله تعالى: "وملائكته " فالوارد فى سورة إبراهيم من هذه القبيل وقد تبين ~~زجهه واتضحت مناسبته والله أعلم بما أراد. # وأما إعراب آية البقرة فيمكن فى قوله تعالى: "يذبحون أبنائكم " أن يحمل ~~على البدل وعلى الاستئناف وهو الأولى وكأن قد قيل وما ذاك؟ فقيل: يذبحون ~~أبنائكم ولا إشكال فى الأخرى. # # PageV01P035 ### | الآية الثانية عشرة # قوله جل وتعالى: "وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ~~وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل ~~الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ~~بما كانوا يفسقون (59) " وفى سورة الأعراف: "وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم ~~سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا ~~عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) ". # فى ذلك عشرة سؤالات: # الأول: قوله تعالى فى سورة البقرة: "واذ قلنا ادخلوا " وفى سورة الأعراف: ~~"واذ قيل لهم اسكنوا ". # الثانى: قوله فى البقرة: ms033 "فكلوا " وفى الأعراف: "وكلوا ". # الثالث: قوله تعالى فى البقرة: "رغدا " ولم يأت ذلك فى سورة الاعراف. # الرابع: قوله تعالى: "ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ". # وفى الأعراف: "وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا ". # الخامس: قوله تعالى فى البقرة: "يغفر لكم خطاياكم " وفى الأعراف فى قراءة ~~الجماعه غير أبى عمرو وابن عامر: خطيئاتكم " مجموعا جمع سلامه. # السادس: قوله: "وسنزيد المحسنين " وفى الأعراف: "سنزيد المحسنين ". # السابع: زيادة منهم فى الأعراف وسقوط ذلك فى البقرة. # الثامن: قوله تعالى: "فأنزلنا " وفى الأعراف: "فأرسلنا ". # التاسع: قوله تعالى: "على الذين ظلموا " وفى الأعراف: "عليهم ". # العاشر: "بما كانوا يفسقون " وفى الأعراف: "بما كانوا يظلمون ". # والجواب عن الأول: ان أمرهم بدخول القرية مغاير من حيث المعنى لأمرهم ~~بسكناها وان كان الامر بدخولهم قد يشير بما نسق معه إلى سكناها لكن ليس نصا ~~بل ولا هو ظاهر فبينت آية الأعراف ذلك وأوضحت المقصود، وحصل الامر بالدخول ~~والسكنى وتبين وجه ورود العبارتين على الترتيب. # والجواب عن الثانى: أن قوله تعالى: "فكلوا " بحرف التعقيب وجهه ان الاكل ~~لا # ~~ # PageV01P036 # يكون الا بعد الدخول ولا يكون قبله بوجه ولا نعه لتعذر وانما يكون مرتبا ~~عليه فجئ بالحرف المحرز لذلك المعنى وانه على التعقيب من غير مهله. # وأما الوارد فى سورة الأعراف فإن السكن منجر معه الاكل ومساوق له ولا ~~يمكن ان يكون مرتبا عليه فجاء بالحرف الصالح لذلك المعنى. # والجواب عن الثالث: وهو ورود قوله: "رغدا " فى البقرة وسقوط ذلك غى ~~الأعراف أن تحته معنى مقصودا لا يحصل من شئ مما ورد فى الآية وانطوت عليه ~~من الكلام، بخلاف آية الأعراف فإن مفهوم السكنى وهو الملازمة ولاقامة مع ~~الامر بالاكل حيث شاؤوا مع انضمام معنى الامتنان والانعام المقصود فى الآية ~~كل ذلك مشعر ومعرف بتمادى الاكل وقوة السياق مانعه من التحجير والاقتصار ~~فحصل معنى الرغد فوقع الاكتفاء بهذا المفهوم الحاصل قطعا من سياق آية ~~الأعراف ولو لم يرد فى سورة البقرة لم يفهم من سياق الآية كفهمه من سياق ~~آية الاعراف. # وأما قوله سبحانه فى ms034 سورة البقرة: "وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة " وعكس ~~ذلك فى الأعراف فوجه ذلك والله أعلم ان قولهم: حطة دعاء أمروا به فى سجودهم ~~فلو ورد فى السورتين على حد سواء لأوهم من حيث مقتضى الواو من الاحتمال ~~أنهم أمروا بالسجود والقول منفصلين غير مساوق أحدهما للآخر على أحد محتملات ~~الواو فى عدم الرتبة فقدم وأخر فى السورتين ليحرز المجموع أن المراد بهدا ~~القول ان يكون فى حال السجود لا قبله ولابعده وتعين بهذا معنى المعيه من ~~محتملات الواو وتحرر المقصود وان المراد: وادخلوا الباب سجدا قائلين فى ~~سجودكم حطة فاكتفى بتقلب الورود عن الافصاح بمعنى المعيه ايجازا جليلا ~~وبلاغة عظيمة وقدم فى البقرة الأمر بالسجود لأن ابتداء السجود يتقدم ابتداء ~~الدعاء ثم يتساوق المطلوبان فجاء ذلك على الترتيب الثابت فى السور ولآى ~~والله أعلم. # ومما يجب تمهيده لتخليص هذه المفهوم ان العرب الفصحاء إذا أخبرت عن مخبر ~~ما أو أناطت به حكما من الأحكام وقد شركه غيره فى ذلك الحكم أو فيما أخبر ~~به عنه وفد عطفت أحدهما على الآخر بالواو المقتضية عدم الترتيب فنهم مع ذلك ~~إنما يبدأون بلأهم والأولى قال سيبويه رحمه الله: "كأنهم يقدمون ما بيانه ~~أهم لهم وهم به أعنى " هذا معنى كلامه رحمه الله، قال الله سبحانه وتعالى: ~~"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فهذان مطلوبان مقامهما فى الطلب اليمانى ~~معلوم ولكن المبدؤ به أهم. # وقال الله تعالى: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول " وقال تعالى: "آمنوا ~~بالله ورسوله " وقال تعالى: "والله ورسوله أحق أن يرضوه ". # # PageV01P037 # وهذا أكثر من أن يحصى وعكس الوارد منه ليس بالأفصح فعلى هذا التمهيد يفهم ~~ما قدمنا فإن قوله تعالى: "وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة " مقتضاه على ما ~~تمهد الابتداء بأول الأمرين فلا يمكن تحصيل ذلك فى الآيتين الا بالمساوقة ~~وكونهما معا فى حالة واحدة فتدبر ذلك والله أعلم بما أراد، وأما الاختلاف ~~فى جمع خطيئة فى السورتين فانها تجمه من حيث ثبوت تاء التأنيث فى الواحدة ~~منها فى بالألف والتاء وتجمع أيضا مكسرة ms035 على فعائل كظعينه وظعائن وسفينه ~~وسفائن وصحيفه وصحائف فالأصل خطاى مثل ظعائن ثم ترجع بمقتضى التصريف إلى ~~خطايا كمطيه ومطايا فورد جمعها فى البقرة مكسرا ليناسب ما بنيت عليه آيات ~~البقرة من تعداد النعم والالاء حسبما يتبين فى جواب السؤال لأن جموع ~~التكسير ما عدا الاربعة أبنية التى هى: أفعل وأفعال وأفعله وفعله إنما ترد ~~فى الغالب للكثرة فطابق الوارد فى البقرة ما قصد من تكثير الآلاء والنعم ~~وأما الجمع بالألف والتاء فبابه القلة فى الغالب أيضا ما لم يقترن به ما ~~يبين أن المراد به الكثرة فناسب ما ورد فى الأعراف من حيث لم تبن آيها من ~~قصد تعدد النعم على ما بنيت عليع آى البقرة فجاء كل على ما بناسب والله ~~أعلم. # وأما زيادة واو العطف فى قوله تعالى: "وسنزيد " # فى البقرة وهو السؤال الخامس فإنما جئ بها هنا لأن المتقدم قبل هذه الآية ~~من لدن قوله سبحانه: "يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم " إنما ~~هى ألاء ونعم كما تقدم عددت عليهم على التفصيل شيئا بعد شئ فناسب ذلك عطف ~~قضية الزيادة بالواو ليجرى على ما تقدم من تعداد الآلاء وضروب الإنعام ~~بالعفو عن الزلات والامتنان بضروب الإحسان، لهذا القصد من احراز التعداد ~~ورد: "وسنزيد " هنا بالواو ولم يكن ليحصل ذلط لو لم ترد الواو هنا وأما آية ~~الأعراف فلم يرد قبلها ما ورد فى سورة البقرة وأما قوله: "فبدل الذين ظلموا ~~قولا غير الذى قيل لهم " وفى الأعراف: "فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير ~~الذى قيل لهم " فوجهه والله أعلم أن لفظ الذين ظلموا لفظ عام يحتمل ~~التخصيص، والتخصيص يكون بدليل عقلى ودليل سمعى ومن المعلوم أن الامة من ~~الناس والطائفة الكبيرة إذا خوطبوا بأمر أو نهى لم يكونوا فى تقلبه على حد ~~سواء وهذا معلوم ويبين هذا فى هؤلاء المقصودين بهذا الإخبار قوله تعالى: ~~"منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون " وقوله تعالى: "من أهل الكتاب أمة قائمة ~~" وغير ذلك. # وإذا تأملت هذه الآية فهمت منها نفسها ms036 أنها ليست على عمومها، فزادت آية ~~الأعراف تخصيصا سمعيا بما بعطيه حرف التبعيض فى قوله تعالى: "منهم " # # PageV01P038 # وآية الأعراف مخصصه للعموم البادى من آية البقرة ولهذا القصد من التخصيص ~~ورد فى سورة البقرة: "فأنزلنا على الذين ظلموا " ولم يرد فيها فأنزلنا ~~عليهم لأنه لو ورد كذلك لكان يتناول المتقدم ذكرهم على التعميم وليس مقصود ~~فنحرز بقوله: "فأنزلنا على الذين ظلموا " أن المعذب هو الظالم من تقدم وجاء ~~فى الأعراف: "عليهم " لتخصيص ذكر الظال بقوله: "منهم " فجاء كل على ما يجب. # ويزيد ذلك بيانا ان قوله: "فأرسلنا " يقتضى بظهور ما وذلك بحسب مفهوم ~~الارسال انسحاب العذاب لأن المعذب قد حرز ذكره وأما لفظ أنزل فلا يقتضى ~~الانسحاب والتعيم بحسب اقتضاء أرسل فلهذا ورد مع ما لم يرد عمومه وهذا # جواب السؤال الثامن. # ولم يبق إلا قوله تعالى: "بما كانوا يفسقون " و: "بما كانوا يظلون " وهو ~~السؤال التاسع ووجه ذلك والله أعلم أنه لما وصف اعتداؤهم نيطت بهم أولا صفة ~~الظلم ومن المعلوم أن مواقعه تتسع ثم لما ذكر من اعتدائهم وسوء مرتكبهم غير ~~ما تقدم وتضاعف موجب وبيل جزائهم وصفوا بالفسق المنبئ عن حال أوبق من ~~الظلم. # ألا ترى أنه صفة ابليس قال تعالى: "الا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه ". # وقد جعل الله تعالى الفسق نقيض الإيمان وفى طرف منه فى قوله: "أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " والظلم قد بقع على أضعف المعاصى قال ~~تعالى: "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله " وقال: "والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " ولوقوعه على ~~مختلفات المآثم ومطابقته لما قل أو كثر منها على وصف بالعظم حين أريد به ~~الشرك. # قال تعالى: "ان الشرك لظلم عظيم " ويقول الشاكى للحاكم: ان هذا ظالم وقد ~~ظلمنى فى خردلة فما فوقها ولا يلزمه من هذا القول شئ إذا صح له أدنى تعلق ~~أما ان قال فاسق أو فسق فليس كذلك وكما يترقى فى الجزاء الاحسانى ms037 كذلك ~~يترقى فى الطرف الآخر وهو فى الحقيقة ضد الترقى وسنزيد هذا ان شاء الله فى ~~سورة المائدة بيانا فى وصفه سبحانه من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر ثم ~~بالظلم ثم بالفسق وإذا تقرر هذا فتأمل آيات البقرة من لدن قوله تعالى: "يا ~~بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم " إلى ذكر وصفهم بتظليلهم ~~بالغمام كيف ذكروا أولا بالظلم فقال تعالى عقب ذكرهم تظليلهم بالغمام: "وما ~~ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ثم أردف ذكر اعتدائهم فى تبديلهم قولا ~~غير الذى قيل لهم وأعقب بقوله: "فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ~~بما كانوا يفسقون " وجعل الفسق ختام وصفهم الجارى جزاء على # # PageV01P039 # مرتكباتهم ولم يقع بعده ذكر علة منوطة بجزاء ما وقع منهم وإذا تأملت آية ~~الأعراف وجدتها جارية على منهج ما ورد فى سورة البقرة # وان أول وصفهم المبنى جزاء على مرتكباتهم قولع: "فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون " ثم قال تعالى: "واسألهم عن القرية التى كانت ~~حاضرة البحر " إلى قوله تعالى: "كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون " فطابق هذا ~~ما ورد فى البقرة من تقدم وصفهم أولا بالظلم ثم بعد ذلك بالفسق ووضح ~~الاتفاق فى ختام القصة فى السورتين من غير اختلاف فيهما. ### | الآية الثالثة عشرة # من البقرة: # قوله تعالى: "فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا " وفى الأعراف: "فابجست " مع ~~ان المعنى واحد فمعنى الانبجاس الانفجار يسأل عن وجه اختصاص كل من الموضعين ~~بما ورد فيه. # والجواب والله أعلم ان الفعلين وان اجتمعا فى المعنى فليسا على حد سواء ~~بل الانبجاس ابتداء الانفجار والانفجار بعدة غاية له قال القرطبى: ~~"الانحباس أول الانفجار "، وقال ابن عطيه: "انبجست انفجرت لكنه أخف من ~~الانفجار " وإذا تقرر هذا فأقول أن الواقع فى الأعراف طلب بنى إسرائيل من ~~موسى عليه السلان السقيا قال تعالى: "وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه " ~~والوارد فى سورة البقرة طلب موسى عليه السلام من ربه قال تعالى: "واذ ~~استسقى موسى لقومه " فطلبهم ابتداء فناسبه الابتداء وطلب موسى عليه ms038 السلام ~~غاية لطلبهم لأنه واقع بعده ومرتب عليه فناسب الابتداء الابتداء والغاية ~~الغاية، فقيل جوابا لطلبهم: "فانبجست " وقيل اجاية لطلبه: "فانفجرت " ~~وتناسب ذلك وجاء على ما يجب ولم يكن ليناسب العكس. والله أعلم. # الآية الرابعة عشرة من سورة البقرة: # قوله تعالى: "وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله " وفى ### | سورة آل عمران # : "ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا ~~بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة " فأخر فى سورة آل عمران ما قدم ذكره فى ~~سورة البقرة فيسأل عن ذلك ووجهه والله أعلم أنهم لما سألوا فى البقرة عن ~~مأكلهم ما فيه خسة وما يستلزم الذلة والصغار والمهنة فى التوصل إلى ~~الانتفاع به وذلك ما طلبوه فى قولهم: "فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها " عوضا مما لا تكلف فيه ولا ~~مشقة من المن والسلوى الذى كان ينزل عليهم عند الحاجة بغير # # PageV01P040 # مؤنة ولهذا قيل لهم: "أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير " فلما سألوا ~~ما يستلزم مهنة النفس ودناءة الحال لما أجرى به الله تعالى العادة من أن ~~الذى سألوه لا يتوصل إليه الا بتكلف ومشقة فلما سألوا ما حاصله خسة وامتهان ~~ناسب ذلك أن يناط به وينبئ عليه ذكر ضرب الذلة والمسكنة عليهم ثم أعقب ذلك ~~ما باؤوا به من غضب الله الذى سبق به القدر عليهم ونعوذ بالله من غضبه. # ولما تقدم فى آل عمران قوله تعالى: "لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون " ناسب هذا تقديم ما لا نصرة لهم معه ولا فلاح ~~وهو ما باؤوا به من غضب الله عليهم فقال تعالى: "وباؤوا بغضب من الله " ~~فجاء كل على ما يناسب ويلائم والله أعلم بما أراد. # الآية الخامسة عشرة: # قوله تعالى: "ذلك بأنهم كانوا يكفرون بالله ويقتلون النبيين بغير الحق " ~~وفى سورة آل عمران: "إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق " ~~وفيها بعد: "لن يضروكم إلا ms039 أذى " إلى قوله تعالى: "ذلط بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق " بتنكير حق فى هذين الموضعين وتعريفه ~~فى البقرة واختصاص الآية الأخيرة بجمع التكسير فيما جمع فى الآيتين جمع ~~سلامه فقيل: "النبيين فى الآيتين وقيل فى هذه الأخيرة الأنبياء مكسرا فهذان ~~سؤالان. # والجواب عن الأول والله أعلم، بعد العلم بأن المذكورين فى الآيات الثلاث ~~من بنى إسرائيل قد اجتمعوا فى الكفر والاعتداء أن هذه الآية الأخيرة لما ~~كانت فيمن شاهد منهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وعاين تلك البراهين ~~واستوضح أنه الذى أخبر به موسى وغيره صلى الله عليهم أجمعين وتكاثرت الأدلة ~~فى أمره ثم لم يجد ذلك عليهم إلا التمادى فى الكفر والعناد من بعد ما تبين ~~لهم الحق كان الأنسب لمرتكبهم فى كفرهم أن يعبر عنهم أنهم ارتكبوه بغير ~~سبهة ولا سبب يمكن التعلق به فقوله تعالى: "بغير حق " كأنه مرادف لأن لو ~~قيل: بغير سبب ولا سبهة وذلك أوغل فى ذمهم وسوء حالهم لأنهم لا يمكنهم فى ~~مرتكبهم تعلق بشئ البتة ولا أدنى شبهة ولما كانت الأولى فى سورة البقرة ~~إنما هى فى سلفهم ممن لم يشاهد أمر محمد صلى اله عليه وسلم وقد وقع الافصاح ~~فيها بكفرهم بعد تعريفهم بذكر آلاء ونعم وقد ورد فيها أن بعض تلك المرتكبات ~~أو أكثرها قد عفى عنهم فيها ولا شك أن بعضهم قد سلم مما وقع فيه الأكثر من ~~كفرهم # # PageV01P041 # وقد أفصحت آي بذلك فيما ذكر عقبها من أن الكفر السابق عمومه فى جميعهم ~~ليس على ما يبدو منه والله أعلم وإنما هو راجع إلى أكثرهم فقد دخله خصوص ~~يدل عليه قوله تعالى: "فبدل الذين ظلموا منهم قولا " وقوله تعالى: "وأكثرهم ~~فاسقون "، فهم وإن وصفوا من الكفر والاعتداء بما وصفوا ليسوا فى ارتكاب ~~البهت والمجاهرة بالباطل وموالاة التمرد والاعتداء وحال معاينة البراهين ~~كحييى بن أخطب وأشباهه من المعاصرين لنبينا صلى الله عليه وسلم والمشاهدين ~~أمره فناسب حال أولئك الذين لم يشاهدوه ما وقع التعبير به ms040 من قوله تعالى: ~~"بغير الحق " إذ ليس المعرف فى قوة المنكر المرادف لقولك بغير سبب وأيضا ~~فقد تقر عندهم من كتابهم أن مسوغ قتل النفس تقدم قتل النفس بغير حق قال ~~تعالى: "وكتبنا عليهم فيها - أى فى التوراة - أن النفس بالنفس " وتقرر أيضا ~~فى كتابهم رجم الزانى المحصن وقد عرفنا ذلك من دينهم # بالخبر الصحيح وأنهم اعترفوا بذلك عند النبى صلى الله عليه وسلم بعد ~~إنكارهم وقوله تعالى فى خطاب موسى عليه السلام لهم بقوله: "ولا ترتدوا على ~~أدباركم فتنقلبوا خاسرين " فعرف بعظيم جريمة الارتداد والظاهر أن حكم ~~المرتد عندهم القتل كحكمه عندنا وكيف ما كان فقد استقر عندهم ما يسوغ القتل ~~ويوجبه بعد الإيمان وقد علموا أن الاتبياء عليهم السلام مبرؤون من ذلك كله ~~فقوله تعالى: "بغير الحق " أى بغير وجه الحق المبيح للقتل فالألف واللام ~~للعهد فى المسوغ المتقرر فى شريعتهم فقد افترق مقصد الآيتين وأما الأولى من ~~آيتى آل عمران فخاصة بالمتمادين منهم على الكفر ولا تتناول الآية من أولها ~~إلى آخرها خلافه فهى كالآية الثانية فيما أعطته ودلت عليه من التمرد ~~والتمادى على الضلال فناسبها التذكير كالتى بعدها وهما معا بخلاف آية ~~البقرة إذ لم يتقدم فى هاتين ما تقدم فى تلك ولا حال المذكورين فى هاتين ~~كحال من ذكر فى تلك والله أعلم بما أراد. # والجواب عن السؤال الثانى: أن جمع التكسير يشمل أولى العلم وغيرهم وجمع ~~السلامة يختص فى أصل الوضع بأولى العلم وإن وجد فى غيرهم فبحكم الالحاق ~~والتشبيه كقوله تعالى: "إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ~~ساجدين " وما يلحق بهذا. # وإذا تقرر هذا فورود جمع السلامة فى قوله فى سورة البقرة: "ويقتلون ~~النبيين بغير الحق " مناسب من جهتين: إحداهما شرف الجمع لشرف المجموع ~~والثانية مناسبة زيادة المد لزيادة أداة التعريف فى لفظ الحق وأما الآية ~~الأولى من سورة آل عمران فمثل الأولى فى مناسبة الشرف ومناسبة زيادة المد ~~للزيادة فى الفعل # # PageV01P042 # العامل فى اللفظ المجموع فى قراءة من قرأ: ms041 "يقاتلون " ولما لم يكن فى ~~الآية الثالثة سوى شرف المجموع وكانت العرب تتسع فى جموع التكسير فتوقعها ~~على أولى العلم وغيرهم أتى بالجمع هنا مكسرا لتحصل اللغتان حتى لا يبقى لمن ~~تحدى بالقرآن حجة إذ هم مخاطبون بما فى لغاتهم فلا يقصر فى شئ من خطابهم ~~على أحد الجائزين دون الآخر إلا ألا يتكرر فإذ ذلك يرد على وجه واحد مما ~~يجوز فيه فتفهم ما أجملته فسوف يتضح لك به إذا استوفيته ما يعينك على فهم ~~الإعجاز. # الآية السادسة عشرة # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون " وقال فى المائدة: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون " وفى سورة الحج: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله بفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ ~~شهيد ". # فيها أربع سؤالات: تقديم النصارى فى سورة البقرة وتأخيرهم فى المائدة ~~وتخصيص آية البقرة بقوله تعالى: "فلهم أجرهم عند ربهم " ورفع "الصابئون ~~"فىالمائدة ولم يتبع وانفراد سورة الحج بسياقها وزيادة ذكر المجوس والذين ~~أشركوا. # فأقول وأسأل الله توفيقه: إن المؤمنين أحق بالتقديم وهم أهل الخطاب ~~والمتكلم معهم فى الآى قبل، فهم من حيث أحوالهم معظم من قصد بالخطاب ~~والتأنيس ثم إن أهل الكتابين يلون المؤمنين فإنهم ليسوا كافرين بكل الرسل ~~ولا منكرين بكل الرسل ولا منكرين لكل ما أنزل من الكتب فقد كانوا أقرب شئ ~~لولا التبديل والتغيير والتحريف المقدر وقوعه عليهم، فإنهم قد قدم إليهم ~~فنكثوا ونقضوا وكفروا بمن قدم إليهم من أمره، واليهود أقدم تعريفا وأسبق ~~زمانا فلما اجتمع الأصناف الثلاثة فى أنهم أهل الكتاب والمقرون بالبداءة ~~والعودة وإرسال الرسل على اختلاف حالاتهم فى ذلك وأزمانهم كان تقديمهم على ~~غيرهم أوضح شئ على الوارد فى سورة البقرة إلا أن ذكرهم لم يقع بحرف مرتب ms042 بل ~~وقع الاكتفاء يترتيب الذكر لاستوائهم فى الغايات من استواء العواقب وإن ~~الفائز من الكل إنما هو من كانت خاتمته فى دار التكليف الموافاة على ~~الإيمان والإسلام وإن أكرمكم عند الله أتقاكم وإن الموافى فى الكل على ~~المفر والكفر فى النار ثم عذابهم بحسب جرائمهم جزاء وفاقا فرتبوا ذكرا بحسب ~~حالهم الدنياوى ولم يتقعد الترتيب بالحرف المرتب لحظا # # PageV01P043 # لحالهم الاخراوى فجرى ذكرهم فى سورة البقرة على هذا وأخر ذكر الصابئين ~~لتأخرهم عن هؤلاء الأصناف فى أنهم ليسوا من أهل الكتاب أو ليسوا مثلهم فى ~~ما وراء ما ذكر من أحوالهم فإيراد ذكرهم على ما في سورة البقرة بين، ثم قدم ~~ذكر الصابئين فى سورة المائدة وزيادة بيان للغرض المذكور من أنه لا ترتيب ~~فى الغاية الأخراوية إلا بنظر آخر لا بحسب الدنياوى والاشتراك فيما قبل ~~الموافاة بل المستجيب المؤمن من الكل مخلص والمكذب متورط ثم مراتب الجزاء ~~بحسب الأعمال فأوضح تقديم ذكر الصابئين فى سورة المائدة ما ذكرناه فإن قلت ~~لم لم يقدم ذكرهم على الكل؟ قلت: لا وجه لهذا لمكانة المؤمنين وشرفهم فإن ~~قلت فهلا قدموا على يهود قلت: قد كانت يهود أولى الناس بأن يكونوا فى رعيل ~~من # المستجيبين ومعهم جرى الكلام قبل هذا نعيا عليهم وبيانا لمرتكباهم ولعظيم ~~ما جرى على من لم يؤمن منهم وترددت فيهم عدة آيات وذلك مما يوجب تقديم ~~ذكرهم على من عدا المؤمنين. # فإن قلت فالنصارى مثلهم: قلت النصارى أقرب إلى الصابئين من حيث التثليث ~~وسوء نظرهم فى ذلك وتصورهم ثم إنهم لم يجر لهم ذكر فيما تقدم هذه الآية ~~بخلاف يهود فبان من هذه الجهة تقديم يهود عليهم وإن كان يهود شر الطائفتين. # السؤال الثانى: وهو ورود اسم الصابئين فى المائدة بالرفع والجواب عنه أنه ~~لما ورد مرفوعا تنبيها على الغرض المذكور وتأكيدا للتسوية فى الحكم وإذا ~~اتفقوا فى الموافاة على الإيمان فنبه التقديم على هذا كما تقدم وزاد القطع ~~على الرفع تأكيدا لأن قطع اللفظ عن الجريان على ما قبله ms043 محرك للفظ توجيهه ~~عند سيبويه رحمه الله مقدم من تأخير وكأنه لما ذكر حكم المذكورين سواهم قيل ~~والصابئون كذلك أى لا فرق بين الكل فى الحكم الأخراوى وهو على هذا التقدير ~~أوضح شئ فيما ذكر، وأما على طريقة الفراء ومن قال بقوله من حمله على الموضع ~~ففيه التقديم وأن التحريك القطعى فى اللفظ وإن لم يكن مقطوعا فى المنعنى لا ~~يكون إلا لإحراز معنى وليس إلا ما تقدم. # والجواب عن السؤال الثالث: إن قوله تعالى فى سورة البقرة: "فلهم أجرهم " ~~قد تقدم فى المائدة ما يعطيه ويحرزه فاكتفى به ألا ترى أن قوله تعالى: "ولو ~~أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم " ~~تفسير بين للأجر الاخراوى المجمل فى قوله تعالى فى سورة البقرة: "فلهم ~~أجرهم عند ربهم " إلى آخر الآية فقد حصل ما فى سورة المائدة مفصلا مبينا ما ~~ورد # # PageV01P044 # فى البقرة مجملا فلو قيل فى آية المائدة فلهم أجرهم لكان تكرارا ورجوعا ~~إلى الإجمال بعد التفصيل وذلك عكس ما ينبغى. # والجواب عن السؤال الرابع: أن آية سورة الحج إنما وردت معرفة بمن ورد فى ~~القيامة على ما كان من يهودية أو نصرانية أو غير ذلك والآي الآخر فيمن ورد ~~مؤمنا فافترق القصدان واختلف مساق الآى بحسب ذلك. # الآية السابعة عشرة: # قوله تعالى: "وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه ". # وفى الآية الأخرى مما بعد: "وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ~~ما آتيناكم بقوة واسمعوا " للسائل أن يقول: إن الخطاب فى الآيتين لبنى ~~إسرائيل وهم المخبر عنهم بما بعد والمقول لهم: "خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون " وهو بأعيانهم المقول لهم فى الآية بعد: ~~"واسمعوا "، فما وجه تخصيص كل من الآيتين بما أعقبت به؟ وهل كان يمكن تعقيب ~~الأولى بقوله واسمعوا وتعقيب الثانية بقوله: واذكروا ما فيه الآية؟ # والجواب: أنه لا يناسب كل آية منهما إلا ما به أعقبت، ووجه ذلك أن الآية ~~الأولى تقدم قبلها ms044 قوله تعالى: "وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان " والكتاب: ~~التوراة وقد سمعوه وعنه قيل وإليه أشير بقوله تعالى: "خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه "، وقد زاد هذا إيضاحا قوله فى سورة الأعراف: "وإذ نتقنا ~~فوقهم الجبل كأنه ظلة وظنوا أنهم واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة " والاشارة ~~بالقوة إلى عظيم تخويفهم برفع الجبل فوقهم كالظلة فقوله تعالى: "خذوا ما ~~آتيناكم " عقب ذكر كتابهم أوضح شئ وأنسبه ولما تقدم قبل الآية الثانية قوله ~~تعالى: "ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم " وهذا الكتاب هو ~~الكتاب العزيز واليه الإشارة بقوله: "وإذ قيل لهم آمنوا بما أنزل الله " ~~بدليل قولهم - حيدة عن إيمانهم -: "نؤمن بما أنزل علينا " قال تعالى: ~~"ويكفرون بما وراءه " أى يكفرون بالقرآن، قال تعالى: "وهو الحق " والاشارة ~~للقرآن: "مصدقا لما معهم أى من التوراة فلما تقدم هنا ذكر القرآن وخلف يهود ~~المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلممعرضون الا القليل عن الإيمان ~~وسماع القرآن فناسب إعراضهم عن سماعه تخصيصه هذا الموضع من المقول لسلفهم ~~بقوله للخلف: "واسمعوا " ليكون إخبارا عن سلفهم وتعريضا لخلفهم، فوضح ~~التناسب وأن العكس لا يناسب. # # PageV01P045 # الآية الثامنة عشرة: # قوله تعالى: "وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " وفى سورة آل ~~عمران: "ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات " فأفرد فى ~~البقرة الوصف وجمع فى آل عمران فقيل معدودات والجارى عليه الوصف فى ~~السورتين قوله تعالى: "أياما " بلفظ واحد فيسأل عن موجب اختلاف الوصف ~~فأقول: إن المجموع بالألف والتاء منحصر فى أربعة أضرب: ثلاثة متفق علها ~~والرابع مختلف فيه. # فأما الثلاثة فكل علم لمؤنث نحو: هند ودعد، وكل ما فيه تاء التأنيث لمذكر ~~كان أو لمؤنث عاقل أو غير عاقل نحو: طلحة وحوزة وشجرة، وكل مصغر لغير ~~العاقل نحو دريهمات وما أشبه ذلك، فهذه الضروب الثلاثة متفق عليها وضرب ~~رابع مختلف فيه وهو كل اسم مكبر لغير العاقل مذكرا كان أو مؤنثا لم يسمع ~~فيه عن العرب جمع تكسير نحو حمام وحمامات وسبطر ms045 وسبطرات وجمل سبحل وسبحلات ~~وسرادق وسرادقات وايوان وايوانات وربحل وربحلات فإن سمع من العرب شئ من هذا ~~جمع جمع تكسير لم يجز جمعه بالألف والتاء. # قال سيبويه رحمه الله: "قالوا جوالق وجواليق فلم يقولوا جوالقات حين ~~قالوا جواليق يعنى حين كسروا وقالوا فى المؤنث عيدات حين لم يكسروها على ~~بناء يكسر عليه مثلها ". # ثم إن صفة كل مؤنث جارية عليه فى حكمه من التأنيث إلا أربعة أضرب وهى: ~~فعلى وأفعل، وفعلى فعلان، وما يشترك فيه المذكر والمؤنث من الصفات كمعطار ~~ومذكار وميناث، وما ينفرد به المؤنث كحائض وطامث، فهذه الضروب الأربعة لا ~~يجمع شئ منها بالألف والتاء وسائر ما يجرى على المؤنث من الصفات لا يمتنع ~~من ذلك. # ثم إن ما يجمع جمه التكسير من مذكر غير عاقل قد يتبع بالصفة المفردة ~~مؤنثه بالتاء كما يفعل فى الخبر تقول: ذنوب مغفورة وأعمال محسوبة، وقال ~~تعالى: "فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابى مبثوثة " ومنه ~~قوله تعالى مخبرا عن يهود: "وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة "، ثم ~~قد يجمع هذا الضرب بالألف والتاء رعيا لمفرده وان لم يكثر الا أنه فصيح ~~ومنه: "واذكروا الله فى أيام معدودات ". # وإذ تبين ما ذكرناه وانه الجارى الكثير مع ما وقع فى آية البقرة من ~~الإيجاز وفى الأخرى من الاطالة ألا ترى قوله تعالى: "فى آية آل عمران: "ذلك ~~بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات " وفى البقرة: "وقالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة " واخباره تعالى باغترارهم # # PageV01P046 # بقوله: "وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون "، وهذا بسط لحالهم الحامل على ~~سوء مرتكبهم ولم يقع فى سورة البقرة تعرض لشئ من ذلك بل أوجز القول ولم ~~يذكر سببه فناسب الإفراد الإيجاز وناسب الجمع الاسهاب ولو جمه فى سورة ~~البقرة وأفرد فى سورة آل عمران أو أفرد فيهما أو جمع فيهما لما ناسب فورد ~~كل على ما يناسب ويجب. والله أعلم. # الآية التاسعة عشرة: # قوله تعالى: "قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ms046 خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " وفى سورة ~~الجمعة: "ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم " فيسأل عن تخصيص آية البقرة ~~بقوله: "ولن يتمنوه " وآية الجمعة بقوله: "ولايتمنونه " مع اتحاد الاخبار؟ ~~ووجه ذلك والله أعلم أن آية البقرة لما كان الوارد فيها جوابا لحكم أخراوى ~~يستقبل وليس فى الحال منه إلا ما زعم مجرد واعتقاد أن الأمر يكون كذلك ~~ناسبه النفى بما وضعه من الحروف لنفى المستقبل لأن لن يفعل جواب سيفعل، ~~ولما كان الوارد فى سورة الجمعة جوابا لزعمهم أنهم أولياء الله من دون ~~الناس وذلك حكم دنياوى ووصف حالى لا استقبال فيه ناسبه النفى بلا التى لنفى ~~ما يأتى من غير اختصاص الا بغير الماضى وقد تتعاقب مع ما التى لنفى الحال. # فإن قلت: فإن ما النافية أخص بالحال فهى أنسب قلت: قد يفهم من ما نفى ~~مجدد للحال دون ما يتصل به فقد يقول القائل: ما يقوم زيد، يريد ما يقوم ~~اليوم ولا يريد أنه لا يقوم غدا وما صالحة لهذا المعنى وهم إنما أرادوا ~~أنهم أولياء مستمرون على ذلك وان تلك صفتهم فى الحال وما يليه إلى آخر ~~حياتهم إذ ذلك هو الموجب أن تكون لهم الدار الآخرة خالصة من دون الناس كما ~~زعموا فلما كان زعمهم هذا ناسبه نفى دعواهم زتكذيب زعمهم بحرف أنص فى نفى ~~ذلك وانه لا يقع منهم التمنى فى حالهم ولا فيما بعده أبدا. # فإن قلت: ان قوله "أبدا " قد أحرز هذا قلت: تأكيد ذلك أبلغ فنغى بلا وأكد ~~بالتأبيد فجاء كل على أعلى البلاغة والله أعلم. # الآية الموفية عشرين: قوله تعالى: "ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من ~~العلم مالك من الله من ولى ولا نصير " وورد فيما بعد: "ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع ~~قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ~~" وفى ms047 الرعد: "وكذلك أنزلناه حكما عربيا وائن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك ~~من العلم مالك من الله من ولى ولا واق ". # # PageV01P047 # للسائل أن يسأل عما اختلف فى هذه الآى مع اتفاقها فى مطالعها ومعناها؟ ~~والجواب عن ذلك والله أعلم بما أراد: ان الوارد فى سورة الرعد لم يتقد قبله ~~من متكبات أهل الكتاب فى كفرهم وعنادهم مثل ما تقدم قبل الآية الأولى من ~~سورة البقرة ألا ترى أنه لم يذكر قيل آية الرعد من أمرهم فى ذلك مفصحا به ~~إلا قوله تعالى: "ومن الأحزاب من ينكر بعضه " على قول من قال ان المراد ~~بالأحزاب هنا أهل الكتاب وهذا بعد مدحه من آمن منهم بقوله تعالى: "والذين ~~آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك " وهو: عبد الله بن سلام رضى الله عنه ~~وأمثاله ممن آمن منهم ثم اتبع بقوله تعالى: "ومن الأحزاب من ينكر بعضه " ~~يريد - والله أعلم - ومن أحزابهم على من قال ذلك كما تقدم فلما لم يتقدم ~~بسط ذكرهم وأوجز الكلام واكتفى بالايماء ناسبه ايجاز التحذير من حالهم فقال ~~تعالى: "ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا ~~واق "، فجئ "بما "وهو أوجز من "الذى "لفظا ما لم يقترن بها ما يقتضى ~~التوسعة فى معناها حسبما يتبين بعد، وقيل: "ولا واق " وذلك أوجز من قوله فى ~~آية البقرة: "ولا نصير " لفظا ومعنى فورد هذا كله موجزا ليناسب ما قبله ~~ولما تقدم قبل الآية الأولى من سورة البقرة عدة آيات فى بسط أحوالهم وقبيح ~~مرتكباتهم ولقرب ذلك إلى الآية المقصودة توجب الوارد فيها قوله تعالى عنهم: ~~"وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية " إلى قوله: "يوقنون ~~"، ثم عرف من حال أهل # الكتابين وبعدهم عن الإيمان بقوله: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى ~~تتبع ملتهم "، فبعد هذا الاطناب فى وصفهم قال تعالى: "ولئن اتبعت أهواءهم ~~بعد الذى جاءك من العلم ما لك من الله من ولى ولا نصير " وهذا مناسب لما ~~قبله من ms048 الاطناب لفظا كما أن آية الرعد مناسبة لما قبلها لإيجاز لفظ "ما ~~"فإنها على حرفين وأما "الذى " فعلى خمسة أحرف، ثم إن معنى نصير أوسع من ~~حيث أن فعيلا من أبنية المبالغة فيعطى كثرة وفاعل ليس كذلك ثم إن لفظ واق ~~أوجز فقد تبين فرقان ما بينهما وناسب الاسهاب الاسهاب والايجاز الايجاز. # ولما ذكر بعد هذه الآية من مرتكبات أهل الكتاب وعنادهم ما بسطته الآى بعد ~~وجاء قوله بعد: "ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين " بعد إطناب زائد وتعريف بأكثر مما تقدم وردت الآية المتكررة ~~مراعى فيها ذلك فجئ فيها ب "من " التى للغاية أو لابتداءها والمقصود أوفى ~~وأمعن، وجئ ب "ما " عوضا من الذى لأنها هنا بسياقها بعد من كيف ما قدرتها ~~من موصولية أو موصوفية # # PageV01P048 # تعطى الاستيفاء وتقتضيه فروعى هنا معناها وروعى فيما تقدم لفظها وقوله ~~سبحانه: "إنك إذا لمن الظالمين " يتضمن من أشد مما يتضمن نفى الولى والواقى ~~والنصير ألا ترى قوله تعالى: "والظالمون ما لهم من الله من ولى ولا نصير ". # فقد انتفى هنا الولى والنصير مع زيادة الوصف بالظلم وليس نفى الظلم حاصلا ~~من انتفاء الولاية والنصرة حصوله بالذكر والتنصيص فهذه الآية أبلغ من ~~الآيتين فناسب ذلك زيادة الاطناب فيما قبلها ولشدة موقعها قدم الله لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم تنزيهه عن اتباع أهواءهم فقال: "وما أنت بتابع قبلتهم ~~"، فقد وضح افتراق المقاصد المقاصد فى إفراد هذه الآى على الانحاء الثلاثة. # ويحتمل ذلك توجيها آخر ان ثبت أن آية الرعد من المكى وذلك أن المنزل بعد ~~المكى زاده صلى الله عليه وسلم فى علم أحكام شريعته وغير ذلك مما لم يكن ~~عنده فترتيب الآى الثلاث بحسب الحاصل عنده صلى الله عليه وسلم فكانت آية ~~الرعد أوجزها مناسبة للحاصل قبل نزول سورة البقرة ثم كانت آية البقرة ~~الأولى أبلغ فى الاسهاب لما زاد أيضا ويمكن التقاء التوجيهين وربنا أعلم ~~بما أراد. # الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: "وعهدنا إلى إبراهيم ms049 وإسماعيل أن ~~طهرا يتى للطائفين والعاكفين والركع السجود " وفى سورة الحج: "وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا وطهر بيتى للطائفين والقائمين ~~والركع والسجود ". # للسائل أن يسأل عن تخصيص سورة البقرة بقوله: "والعاكفين " وتخصيص سورة ~~الحج بقوله: "والقائمين " مع اتحاد الأمر بتطهير البيت لمن ذكر فى ~~الموضعين. # والجواب عن ذلك والله أعلم ان المراد بالقائمين هنا ذوو الاقامة ~~والملازمة على صفة مخصوصة وإذا أريد بالقائمين هذا فهو والعكوف مما يصح أن ~~يعبر بأحدهما عن الآخر مع أن لفظ العكوف أخص بالمقصود فيكون خصوص آية الحج ~~بقوله: "والقائمين " لتقدم ذكر العكوف فى قوله تعالى قبل الآية: "سواء ~~العاكف فيه والباد "، فلما تقدم ذكر العكوف متصلا بالآية وقع الاكتفاء بذلك ~~وعدل عن التكرار الذى من شأن العرب العدول عنه الا حيث يراد تعظيم أو تهويل ~~نحو قوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة " وشبه ذلك. # ولما لم يقع ذكر العكوف قبل آية البقرة ولا بعدها - وهو مراد لكونه أخص ~~بالمقصود - لم يكن بد من الإفصاح وكأن قد قيل فى سورة الحج: # # PageV01P049 # والقائمين معتكفين فأغنى ذكرهم متقدما عن الإتيان به حالا مبينه، وأغنى ~~قوله فى آية البقرة: "والعاكفين " عن قوله: "القائمين " لأن العكوف ~~الملازمة وهو المراد بالقيام فورد كل على ما يجب وينسب، وقوله: "والركع ~~السجود " يراد به المصلون ومن قال ان المراد بقوله: "والقائمين " المصلون ~~فوجهه أن ذكر العكوف قد حصل فيما تقدم فأكتفى به ولم يكن وقع قبل آية ~~البقرة ولا بعدها فلم يكن بد من ذكره وعبر عن المصلين بالركع السجود وتحصل ~~أنه المقصود فى الآيتين ووردتا على ما يجب ويلائم والله أعلم بما أراد. # الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا " وفى سورة إبراهيم: "رب اجعل هذا البلد آمنا "، فنكر فى سورة البقرة ~~وعرف فى سورة إبراهيم بأداة العهد فيسأل عن ذلك. # ووجهه والله أعلم أن اسم الإشارة الذى هو "هذا "فى سورة البقرة لم يقصد ~~تبعيته اكتفاء بالواقع قبله من قوله ms050 تعالى: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا "، وقوله: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود ### | .... # الآية "وتعريف البيت حاصل منه تعريف البلد لا سيما بما تقدم من قول ~~إبراهيم عند نزوله بولده بحرم الله ودعائه أولا بقوله: "ربنا إنى أسكنت من ~~ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ### | .... # الآية "، فتعرف البيت تعريف للبلد فورد اسم الإشارة غير مفتقر إلى التابع ~~المبين جنسه كالجارى فى أسماء الإشارة اكتفاء بما تقدمه مما يحصل منه مقصود ~~البيان، فانتصب بلدا مفعولا ثانيا وآمنا نعتا له واسم الإشارة مفعولا أول ~~غير محتاج إلى تابع لقيام ما تقدم مقامه ولو تعرف لفظ بلد بالألف واللام ~~وجرى على اسم الإشارة لم يكن ليحرز بيانا زائدا على ما تحصل مما تقدم بل ~~كان يكون كالتكرار. # فورد الكلام على ما هو أحرز للإيجاز وأبلغ فى المقصود مع حصول ما كانت ~~التبعية تعطيه فجاء على ما يجب # وأما سورة إبراهيم فلم يتقدم فيها ما يقوم لاسم الإشارة مقام التابع ~~النعرف بجنس ما يشار إليه فلم يكن بد من إجراء البلد عليه تابعا له بالألف ~~واللام على المعهود الجارى فى أسماء الإشارة من تعيين جنس المشار إليه باسم ~~جامد فى الغالب عطف بيان على قول الخليل. # أو نعتا على الظاهر من كلام سيبويه، وانتصب اسم الإشارة المتبع على أنه ~~مفعول أول و"آمنا " على أنه مفعول ثان ولم يكن عكس الوارد ليحسن ولا ليناسب ~~وقيل فى الوارد فى سورة البقرة أنه أشار إليه قبل استقراره {بلدا} فأراد ~~اجعل هذا الموضع أو هذا المكان بلدا آمنا واكتفى عن ذكر الموضع بالإشارة ~~إليه # واسم الإشارة على هذا # # PageV01P050 # مفعول أول و"بلدا "مفعول ثان و"آمنا "نعت له، وأشار إليه فى سورة إبراهيم ~~بعد استقراره {بلدا} فجرى البلد على اسم الإشارة نعتا له وآمنا مفعول ثان ~~قاله صاحب كتاب الدرة وهو عندى بعيد إذ ليس بمفهوم من لفظ الآى وهو بعد ~~ممكن والله أعلم. # الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: "ربنا وابعث فيهم ms051 رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم " وفى آل عمران: "لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة " وفى الجمعة: "هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة "، فقدم فى الأولى ~~"ويعلمهم الكتاب والحكمة " وأخر "ويزكيهم " وورد فى السورتين بعد على العكس ~~من ذلك فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك. # والجواب عنه - والله أعلم - أنه لما كانت دعوة إبراهيم عليه السلام قبل ~~وجود الضلال فى الذرية المدعو لها وانما تحصل لهم من تزكيتهم ورفع ضلالهم ~~المتوقع وقوعه بما يمنحونه من التعليم وما يتلى عليهم من الآيات لأن ذلك هو ~~السبب فى حصول التزكية والسلامة من الضلال إذا وفقوا للانقياد له ألا ترى ~~أن ارتباط التزكية بأعمال الطاعات قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها " وانما كانت تزكية لهم بانقيادهم للطاعة فيما يطالبهم به من ~~ذلك ويأخذه منهم فتأخر ذكر التزكية المسببة عما به تحصل وذلك بعد هدايتهم ~~للإيمان فجاء على الترتيب من بناء المسبب على سببه. # ولما كان مقصود الآيتين الأخيرتين إنما هو ذكر الامتنان عليهم بهدايتهم ~~بعد الضلال الذى كان قد وجد منهم والتعريف بإجابة دعوة إبراهيم عليه السلام ~~أخر ذكر تعليمهم الكتاب والحكمة المزيلين لضلالهم ليكون تلوه ذكر الضلال ~~الذى أنقذهم الله منه بما علمهم وأعطاهم وأمتن عليهم وهو ثانى المسببين، ~~فكان الكلام فى قوة أن لو قيل: ويعلمهم ما به زوال ضلالهم، وأخر فى هاتين ~~الآيتين ذكر السبب ليوصل بمسببه الأكيد هنا الذى كان قد وقع وهو رفع ضلالهم ~~من عظيم محنته ولو أخر ذكر التزكية لما أحرز هذا المعنى المقصود هنا ~~فاختلاف الترتيب إنما هو بحسب اختلاف المقصدين ورعى ما ذكر فورد كل على ما ~~يجب ويناسب والله أعلم بما أراد. # الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ~~ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ". # للسائل أن يسأل عن وجه ms052 تكرر هذه # # PageV01P051 # الآية بنصها فيما بعد؟ ووجه ذلك والله أعلم انهم لما تعلقوا بأسلافهم ممن ~~كان على سنة إبراهيم واسماعيل ومن كان فيهم من الأنبياء عليهم السلام وظنوا ~~أن تعلقهم بهم نافع لهم قيل لهم لن ينفعكم الا عملكم وأما التعلق بأولئك من ~~غير اقتداء بهم ولا اهتداء بهديهم فليس بنافع بل لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ~~"تلك أمة قد خلت ... # الآية " ثم لما قرروا على ما يعتقدونه فيهم وقيل لهم: أتقولون إنهم كانوا ~~على كذا، ليسوا على ما ظننتم أأنتم أعلم أم الله؟ فهل أظلم منكم إذ قد ~~علمتم تحريفكم واجترامكم؟ وبعد هذه فكل مطلوب بنفسه وما اجترحه: "تلك أمة ~~قد خلت ... # الآية ". # فتكريرها لتنوع ما نص عليه من مرتكباتهم الدائرة على جامع واحد من تخيل ~~التعلق بهم مع مخالفتهم فيما كانوا عليه وسنزيد هذا بيانا ان شاء الله. # الآية الخامسة والعشرون: قوله تعالى: "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى ~~وما أوتى النبيون من ربهم " وفى سورة آل عمران: "قل آمنا بالله وما أنزل ~~علينا وما أنزل على إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى ~~وعيسى والنبيون من ربهم ". # فى هذه ثلاث سؤالات: قوله "قولوا آمنا بالله " وفى الثانية "قل آمنا ~~بالله "، وقوله "وما أنزل الينا " وما عدى بعده بعلى، الثالث قوله "وما ~~أوتى النبيون من ربهم " وفى الثانية "والنبيون من ربهم " # والجواب عن الأول: إن قوله تعالى "قولوا " أمر لجميع المخاطبين المقصودين ~~بهذا وأما قوله "قل " فأمر للنبى عليه السلام فلحق ضمير الجمع أولا لخطابهم ~~ولم يلحق ضمير فى الثانى لإفراد الخطاب وضمير الواحد لا يبرز. # والجواب عن الثانى: إن قوله فى البقرة "وما أنزل الينا " لما قيل قبله ~~"قولوا ". # وهو أمر للرسول ومن اتبعه على التشريك كالوارد فى قوله تعالى "آمن الرسول ~~بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون " ثم قال "وقالوا سمعنا وأطعنا " فشرك ~~بينهم وأخبر سبحانه أن الجميع قالوا ذلك وكذا أمر هنا جميعهم ms053 فقال "قولوا ~~". # وإذا كان الأمر للجميع وجرى على حقيقته فإنما أنزل إليهم لأن المنزل عليه ~~حقيقة هو الرسول لا المؤمنون وإذا قلنا أنزل على المؤمنين فمجاز كما أنا ~~إذا قلنا أنزل إلى # # PageV01P052 # الرسول لم يقع موقع أنزل عليه وان كان كل منهما جائزا إلا أنا إذا اخذنا ~~الكلام على أن لا تضمين ولا تقدير فإنما نقول: أنزل على الرسول وأنزل ~~المؤمنين مع فصاحة أنزل إلى الرسول ووروده فى القرآن فلما قال فى سورة ~~البقرة "قولوا " وأمر الجميع ناسبه الينا كما ورد فى قوله تعالى "وقولوا ~~آمنا بالذى أنزل الينا وأنزل عليكم " حين خوطب الجميع ولما قال فى آل عمران ~~"قل " وكان الخطاب للرسول ناسبه: علينا لأنه أنزل عليه فجاء كل على ما يجب. # والجواب عن السؤال الثالث: أى زيادة قوله فى البقرة "وما أوتى النبيون من ~~ربهم " وسقوط ذلك فى السورة الأخرى ووجه ذلك أن الأمر فى البقرة لما كان ~~للرسل وللمؤمنين ناسبه تأكيد ذكر الانزال على النبين لأن المؤمنين لا ~~يفرقون بين أحد منهم وقد فرق غيرهم فناسب حالهم وسجل إيمانهم بالجميع تأكيد ~~مقالهم وتثبيت اعتقادهم فقالوا "وما أوتى النبيون من ربهم " ولما كان توجه ~~الأمر فى السورة الأخرى ببادى الخطاب من قوله "قل " خاصا به وبعد ذلك زقع ~~التعميم ناسبه عدم التأكيد لتنزه الرسول عليه السلام حالا ومقاما عن ~~التفريق بين أحد من الرسل. # الآية السادسة والعشرون: قوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك فى السماء ~~فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~"، وقال بعد: "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وانه للحق من ربك ~~وما الله بغفل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجهك شطره " للسائل أن يسأل عن الوجه فى ما تكرر فى هذه الآيات ~~من الأمر يالتولى وهل ذلك لحامل من المعنى أم لا؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: إن كل قضية تكليفية إذا كانت مما يتأكد فانها ~~ترد ملحوظة ms054 الجهات منبها على ما يحرز مطلوبها على الكمال مدفوعا عنها وان ~~ضعفت طوارق الاحتمال اعتناء منه سبحانه بهذه الأمة لتحصيل سلامتها من الأمر ~~المحمول على من قبلها. # ألا ترى أن بنى إسرائيل إنما لحقهم الامتحان فى أمر البقرة من جهة ~~الاكلاق فى قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " فورد الأمر مطلقا ~~مع ما جبلت عليه نفوسهم من التثاقل فى تلقى الطاعات من المأمورات فتابعوا ~~لتحرير المطلوب وشددوا فشدد عليهم وهذا مما حفظت منه هذه الأمة. # ألا ترى قوله تعالى فى فرضية الصيام: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ... # # PageV01P053 # الآيات " كيف حدد بشهر وعين بالتسمية وبين وقت الامساك بضبط طرفيه وبين ~~لهم حال المرض وحال السفر وأمروا بتميل العدة على مأ أوضح الشرع إلى غير ~~ذلك مما يحصل به على المطلوب فيرفع حكم الإطلاق الداخل منه الاختلاف ~~للحتمال وكل هذا أو أكثره قبل أن يسألوا وكذا قبل أن يسألوا وكذا جرى فى ~~أمر القبلة عند التحويل. # فقوله تعالى فى أول الأمر بالتوجه قبل البيت "فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~" وان كان قد تقيد بالأداة المعينة للجهة فإن فيه احتمالا أن يكون خاصا به ~~صلى الله عليه وسلم أو عاما له ولأمته. # فإن قيل قد علم من قبله صلى الله عليه وسلم أن حكمه على الواحد حكم على ~~الجميع وأن الخطاب له خطاب له ولأمته وذلك كله ما لم يرد تخصيص. # فجوابنا عن هذا أن الكلام فى هذه الآية ليس خاصا بمن سلم بالقواعد ~~المستقرات من الكتاب والسنة وإنما كلامنا معتمد فيه القطع بذوى الزيغ ~~والارتياب ممت يتعلق بما تشابه منه طعنا فى الدين واتباعا لسبيل الملحدين ~~وشأن هؤلاء التعلق بأدنى احتمال من غير تسليم لما وراء ذلك. # وعلى هذا نقول ان قوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام " أمر يدفع ~~احتمال خصوصه صلى الله عليه وسلم دون أمته بالأمر بالتولى ثم تحصل مع هذا ~~من قوله "وحيث ما كنتم " أن ذلك لا يختص ms055 بمكان دون مكان ثم يبقى احتمال ~~نذكره وما يزيله بعد. # وأما قوله تعالى "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " فإعلام له ~~صلى الله عليه وسلم بتسوية حالى الظعن والاقامة ونه خرج عن المدينة مسافرا ~~فحاله حيث توجه كحاله فى المدينة مقيما ولم يكن هذا ليحصل نصا لا احتمال ~~فيه مما تقدم من الامر فقد حصل من هذا ما لم يتحصل نصا مما تقدم. # وقوله بعد: "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " هذا مما كرر لا ~~لمجرد التوكيد وان كانت القصة لها تعلق بيهود وانكارهم التحويل فالتأكيد ~~يلائم ولكن ذكر ليحصل منه التوكيد وبناء ما بعده عليه من قوله "وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره " والمراد بهذا وحيث ما كنتم من البلاد والمواضع ~~التى خرجتم اليها حيث كانت من الارض كلها فإن قيل أن هذا قد تقدم حيث ذكر ~~هذا اللفظ بعيه الذى هو "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " فالجواب أن ذلك ~~محتمل أن يراد به وحيث ما كنتم من نواحى المدينة وما يرجع اليها إذ لم ~~يتقدم ذكر الخروج عنها كما تقدم هنا # # PageV01P054 # فارتفع بهذا التكرار ذلك الاحتمال المتقدم مع انجرار التوكيد فإن قيل فقد ~~تكرر قوله أخيرا "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " قلت: لما أغقب ~~قوله أولا " ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " بقوله تعالى "وانه ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون " زجاءت هذه الآية بين آية الأمر من ~~قوله "فول وجهك شطر المسجد الحرام " وبين ما شأنه أن يكون مبنيا عليها من ~~قوله تعالى "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره "، فلما تباعد عنها كرر توكيدا ~~ولينبنى عليه ما ينبغى اتصاله به وهذا كقوله تعالى "أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا ةعظاما أنكم مخرجون " فأعيدت "أنكم "تأكيدا ولينبنى عليه الخبر ~~وكذا أعيد قوله تعالى "ومن حيث خرجت " لينبنى عليه "وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره ". # وبهذا اللحظ لم يتكرر شئ من الآية لمجرد توكيد بل كل مما ms056 يظن تكرارا مفيد ~~معنى لم يحصل محرزا مما قبله ووضح التناسب فى ذلك كله والله أعلم. # الآية السابعة والعشرون: - قوله تعالى: "إن فى خلق السماوات والأرض ~~واختلاف اليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ". # وفى سورة العنكبوت: "ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من ~~بعد موتها ليقولن الله ". # وفى سورة الجاثية: "واختلاف اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق ~~فأحيا به الأرض بعد موتها ". # للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية العنكبوت بمن دون الأخريين وعن قوله فى ~~سورة الجاثية: "وما أنزل الله من السماء من رزق " فسمى الماء النازل من ~~السماء رزقا بخلاف ما فى آيتى البقرة والعنكبوت. # والجواب عن الأول: أن زيادة "من " فى قوله فى العنكبوت: "من بعد موتها " ~~زيادة بيان وتأكيد نوسب به ما تقدم من قوله "من نزل " فإن بنية فعل ~~للمبالغة والتكثير وذلك مما يستجر البيان والتأكيد فنوسب بينهما ولما لم ~~يقع فى الآيتين الأخرتين إلا لفظ "أنزل " ولا مبالغة فيها ولا تأكيد ولا ~~انجر فى الكلام ما يعطيه لم يكن فيهما ما يستدعى زيادة "من " ليناسب بها ~~فلم تقع فى الآيتين ولو قدر ورود عكس الواقع بزيادة "من " فى آيتى البقرة ~~والجاثية وسقوطها فى آية البقرة لما ناسب ذلك أصلا فوضح تناسب الوارد ~~وامتناع خلافه. # والجواب عن السؤال الثانى: إن آية الجاثية لما تأخرت فى الترتيب الذى ~~استقر # # PageV01P055 # عليه القرآن كانت مظنة لبيان أن الرزق عن الماء قال تعالى: "ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات " وقال تعالى: "ونزلنا من ~~السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد ~~رزقا للعباد "، فقال فى سورة الجاثية: "من رزق " تسمية للماء بما عنه يتسبب ~~وتكون مبالغة فى بيان ما تقدم كما قال تعالى "وفى السماء روقكم وما توعدون ~~". # الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى: "وإذا قيل لهم اتبعوا ms057 ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا " وفى سورة لقمان: "وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا " فللسائل أن يسأل ~~عن الفرق ووجه اختصاص كل من الموضعين بالواو فيه؟ # والجواب: أنه لا يقال ألفى بمعنى وجد التى فى قولهم: وجدت الضالة فتتعدى ~~إلى واحد ولا يقال ألفى بمعنى وجد التى بمعنى علم متعديا إلى اثنتين وما ~~يقع منتصبا بعد مفعوله فى مثل قولك: ألفيت زيدا عالما فإنما انتصابه على ~~الحال بدليل أنه لا يوجد إلا نكرة. # فوجد لفظ مشترك يقال بمعنى العلم وبمعنى العثور على الشئ والذى هو ~~الوجدان تقول من هذا وجدت الضالة أى عثرت عليها وإذا تقرر هذا فنقول إنه قد ~~تقدم قبل آية البقرة قوله تعالى: "يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا ~~طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان "، ثم قال: "إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " وخطوات الشيطان وأمره أهواء مضلة، وذلك ~~كله فى طرف نقيض من مقتضى العلم وحصل من هذا أن الشيطان هو الذى يأمرهم ~~ويدعوهم إلى أن يقولوا على الله ما لا يعلمون فحصل من هذا أنه لا علم عندهم ~~ولا توهم علم، وإنهم اعتمدوا اتباع آبائهم فيما يأمر به الشيطان فناسب هذا ~~قولهم "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا " لأن ما ألفوا عليه آباءهم وجدان لا ~~علم معه حاصلا ولا متوهما فناسب جوابهم ما عليه حالهم وما هم عليه ولما ~~تقدم فى سورة لقمان قوله تعالى: "ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير " فحصل ذكر "علم " وإن كان منفيا ولأن جدالهم ينبئ أنهم ~~توهموا أن ذلك علم وأنهم على شئ فقد حصل من مجادلتهم أنهم يظنون أنهم على ~~علم كما قال تعالى: "يحسبون أنهم على شئ " ولا يجادل إلا متعلق بشبهة يظن ~~أنها علم فناسبه قوله تعالى مخبرا عنهم: "بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا " ~~لاشتراك لفظ وجد إذ يكون بمعنى ms058 العلم. # # PageV01P056 # وجواب ثان: هو أن ألفى أكثر حروفا من وجد فناسب لفظ ألفى طول آية البقرة ~~وناسب لفظ وجد إيجاز آية لقمان مراعاة لفظية ملحوظة فى البلاغة فحصل ~~التناسب فى اللفظ والمعنى والله أعلم بما أراد. # الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم "، وجاء فى ثلاثة مواضع "وما أهل لغير الله به " أولها فى ~~سورة المائدة: "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~"، والثانى فى سورة الانعام: "قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل ~~لغير الله به "، والثالث فى سورة النحل: "فكلوا مما رزقناكم حلالا طيبا ~~واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به ". # يتعلق بهذه الآى الأربع خمسة سؤالات: أحدها تقديم المجرور الذى هو "به " ~~فى سورة البقرة وتأخيره فيما سواها الثانى تخصيص آية البقرة بقوله تعالى: ~~"فلا إثم عليه "، الثالث: تخصيص آية الانعام بقوله "فإن ربك غفور رحيم "، ~~الرابع: زيادة ما زيد فى آية المائدة من المحرمات، الخامس: تخصيص آية ~~المائدة بقوله تعالى "فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم ". # والجواب عن الأول: أن العرب مهما اعتنت بشئ أو قصدت به قصد زيادة من ~~تأكيد أو تشريف قدمته أو قدمت ضميره وليس من كلامهم إجراء هذه الاغراض مجرى ~~غيرها فلكل مقام مقال ألا ترى قول قائلهم: إياك أعنى وقول مجاوبه: وعنك ~~أعرض وأنشد سيبويه رحمه الله: # لتقربن قربا جلديا ما دام فيهن فصيل حيا # فتقديم فيهن يحرز معنى لا يحرزه التأخير وقال تعالى: "ولم يكن له كفوا ~~أحد " وبسط هذا فى مظانه وقال تعالى: "فبذلك فليفرحوا " وقال ms059 تعالى: "إياك ~~نعبد وإياك نستعين " وهو كثير فى # # PageV01P057 # المضمرات والظروف والمجرورات ومن نحوه قوله تعالى: "وكانوا فيه من ~~الزاهدين " وقوله تعالى: "إنى لعملكم من القالين " ولكون هذا فى صلة ~~الموصول تكلف بعض النحويين فى تعلقه تقدير اسم فاعل يفسره ما بعد الموصول ~~وإذا حقق رجع إلى الأول قال سيبويه رحمه الله: "كأنهم يقدمون الذى هو أهم ~~لهم وهم ببيانه أعنى ". # وآية البقرة قد تقدم قبلها قوله تعالى: "يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض ~~" وقوله نعالى: "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم "، فورد ~~تعريفهم بذكر ما أبيح لهم وورد ما يقصد إيجابه وندبيته وإن كان إنما يراد ~~بها هنا الاباحة مفتتحا بنداء المخاطبين ومعقبا فيه ما أعملوا بإباحته لهم ~~بالأمر بالشكر الجليل تلك النعمة وعظيم التوسعة فيها من قوله تعالى: "مما ~~فى الأرض " وقوله "من طيبات ما رزقناكم " فلتوسعة الإحسان والإنعام ما ~~أمروا بالشكر. # فلما تحصل بهذه المقاصد الجليلة ما ليس فى شئ من تلك المواضع والآيات ~~الأخر وخص ما ذكره بعد بما حرم عليهم بكلمة "إنما " المقتضية الحصر ~~والرافعة لضعف المفهوم حسب ما تقرر من الأصول إذ ليس قوله "إنما الولاء لمن ~~أعتق " مثل قوله "فيما سقت السماء العشر "، "وفى سائمة الغنم الزكاة " فى ~~قوة المفهوم المسمى بدليل الخطاب فلما تحصل فى هذه الآية ما أشير إليه من ~~تأكيد هذا المحرم ما ليس فى الآى الأخر ناسبه تقديم المضمر المجرور فى قوله ~~"وما أهل به لغير الله " ليكون الكلام بتقديم المجرور بقوة أن لو قيل: إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير والمهل به لغير الله وهذا مقصود ~~الكلام ولم يكن تأخير المجرور ليحرز هذا الذى قدرناه ولا ليناسب ما تقدم ~~فجرى الكلام كله من أول القصة إلى آخرها على أسلوب من البلاغة ملحوظ فى ~~آخره وأوله. # أما الآى الأخر فليس # فيها ما ما فى هذه فتأخر الضمير المجرور إلى محله الذى هو موضعه إذ لم ~~يقصد هذا القصد ولم يكن ليلائمه التقديم ولهذا المجموع وما ms060 جرى فى الآية من ~~الإطناب الجليل أعقب هذا الكلام بقوله "فلا إثم عليه " ليناسب ما ذكر ووقع ~~الاكتفاء فى غيرها بما فيها كل ذلك على ما يناسب وهذا هو الجواب عن السؤال ~~الثانى. # والجواب عن السؤال الثالث: إن الله سبحانه وتعالى لما قدم فى آية الأنعام ~~وجرى من قدم ذكره وتعنيفهم بقوله "أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ". # أتبعه بقوله " قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير " ثم قال "فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فإن ربك ... # " وهذا # # PageV01P058 # التفات لأن الجارى على لا أجد فيما أوحى إلى أن لو قيل فإن ربى أو فإن ~~الله فعدل الخطاب التفاتا فقيل "فإن ربك " لأن الكلام إذا تنوع حرك الخواطر ~~إلى تفهمه فقال تعالى: "فإن ربك " ومع قصد الالتفات لم يعدل فيه عند تخصيص ~~الخطاب لأنه موضع تعنيف وزجر لمن تقدم فورد الالتفات باسم الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم ولم يقل: فإن الله وكان يكون ~~فيه الالتفات لما قصد فيه من نحو الوارد فى قوله: "ذلك بأن الله مولى الذين ~~آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم "، وما ورد من مثله ليكون ذلك معرفا ~~بمكانته عليه السلام وتحكيما للإعراض عنهم وعدم التفاتهم وتناسب آخر الكلام ~~وأوله. # والجواب عن السؤال الرابع والخامس: أن آية المائدة من آخر ما نزل فورد ~~فيها استيفاء ما حكم سبحانه بتحريمه وإلحاقه بالميتة والدم ولحم الخنزير ~~أعقب الكلام بقوله "فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم " تتميا لبيان حال ~~المضطر ومظنة الاضطرار زيادة على ما ورد فى الآى الأخر ليرتفع ما عسى أن ~~يكون باقيا فيها من إجمال أو إشكال ليجرى مع قوله "اليوم أكملت لكم دينكم ~~.. # الآية ". # الآية الموفية ثلاثين قوله تعالى: "إن الذبن يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك ms061 يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون "، وبعد هذه الآية بأزيد من عشرة آيات: "إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون فى بطونهم الا النار ~~ولا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم "، وفى سورة آل عمران: "إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم فى الآخرة ~~ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ". # للسائل أن يسأل عن تخصيص آيتى البقرة بذكر الكتم بقوله فى الآيتين: "ان ~~الذين يكتمون " وهؤلاء بالسابق من ظاهر الآية هم المذكورون فى آية آل عمران ~~ولم يذكر من الآى الثلاث من الوعيد مع البادى من اتحاد مرتكبهم وعن تخصيص ~~كل موضع من هذه بما ورد فيه مرتكبا وجزاء فهذه ثلاثة أسئلة. # والجواب عن الآيتين الأوليين والله أعلم أنه لما تقدم قبلهما فى السورة ~~نفسها قوله # # PageV01P059 # تعالى: "ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ". # فنهاهم الله بسحانه ولم يجر مع هذا النهى ذكر جزاء فى هذه الآية بل تذكير ~~ودعاء إلى ما به نجاتهم واستلطف فى الدعاء ألا ترى أنه تعالى أمرهم بسلوك ~~طريق المتقين قال تعالى: "وأقيموا الصلاة ... # " إلى مابعدها فتضمن من التلطف فى الدعاء مع الايماء إلى مرتكباتهم ~~والاضراب عما يستوجب فاعل ذلك ما يوضح للمعتبر عظيم رفقه سبحانه وجليل حلمه ~~فلما لم يجد ذلك عليهم وكتموا بعد أن حذروا عن الكتم وردت الآية بعد معرفة ~~بجزاء من كتم بعد أن حذر فقال تعالى: "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب ### | .... # الآية "، فذكر حال الكاتمين وجزاءهم المترتب على فعلهم من استحقاق اللعن ~~من الله سبحانه وممن ذكر من عباده واللعن الطرد والابعاد ثم إنه سبحانه ~~تدارك من تاب منهم وأصلح وبين بعد أن كان كتم فلما بين فى هذه الآية أمر ~~هؤلاء أعقب فى الأخرى بعد ذكر حال المتمادين على مرتكبهم من الكتم وما ~~زادوا إلى ذلك من اشترائهم به ms062 ثمنا قليلا وحظا من دنياهم لا خطر له وذكر ما ~~زيدوا فى الجزاء من العقاب موازنة لزيادة المرتكب فقيل: " أولئك ما يأكلون ~~فى بطونهم الا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم "، ولم يذكر لهؤلاء حال توبة إن تابوا لسوء المرتكب، وليس المراد أنهم ~~لا توبة لهم ولكن عدم ذكرها أوقع فى الاغلاظ لما ذكر من سوء مرتكبهم ليجرى ~~مع قوله تعالى: "ولا يزكيهم "، فإن التزكية تطهير من الاثم ومحوله وذلك هو ~~الذى تثمره التوبة النصوح فلم يكن ليلائم هنا ذكر التوبة وليناسب بذلك أيضا ~~ما عرفت به الآية بعد من حالهم الاخراوى فى قوله تعالى: "أولئك الذين ~~استروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار "، فلما عرف ~~بهذه الغاية من جزائهم لم يكن ليناسب # ذلك ذكر التوبة. # ووجه المراد فى هذه الآية من قوله: "أولئك ما يأكلون فى بطونهم الا النار ~~" وتخصيصها بهذا إنما هو لما تقدم من قوله تعالى قبل هذه الآية: "يأيها ~~الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا " وقوله: "يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم "، ذكر تعالى لهؤلاء ما أحل لهم أكله وما حرم عليهم، فلما ~~تقدم هذا أتبعه بإعلام هؤلاء الآكلين بالتحريف والتبديل بخبث مأكلهم وشنيع ~~مشتراهم، وأنه لو كشف عن أبصارهم لرأوا أنهم إنما يأكلون نارا. # وقيل: "وفى بطونهم " لأن الأكل كأنه ضمن معنى الجعل إذ النار فى المعهود ~~المعلوم لا تؤكل فكأن قد قيل: # # PageV01P060 # "انما يجعلون بذلك المأكل الخبيث فى بطونهم نارا كما ورد فى قوله تعالى: ~~"إن الذين يأكلون مال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا "، فالأكل ~~المقصود ملفوظ به ودل عليه السياق. # وقوله: "فى بطونهم " على الجعل وكأنه من باب التضمين فدل اللفظ على ما ~~وضع له من المعنى وعلى ما يعطيه من حيث ما يتم به المعنى ويعضده السياق. # ومن هذا النحو من دلالة اللفظ على ما تحته من المعنى وعلى غيره من معناه ~~مما يتم المعنى ويحصل المقصود قوله تعالى: "وما ms063 نقموت منهم الا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد ". # المعنى والله أعلم: وما فعلوا ذلك وما يفعلونه الا لإيمانهم ألا ترى أن ~~"أن " فى قوله "أن يؤمنوا " من حيث أن مقتضاها الاستقبال لابد من تعلقها ~~بفعل مناسب ولا يتعلق بالماضى فلابد من تقدير فعل مستقبل يدل عليه الماضى ~~الملفوظ به فكأن قد قيل: ولا ينقمون الا لأجل أيمانهم، وعلى هذا هو المعنى ~~لأن المراد تماديهم على ذلك الفعل وبذلك يحصل ذمهم على مرتكبهم ومن نحو هذا ~~قول الشاعر [برج بن مسهر الطائى]: # وندمان يزيد الكأس طيبا سقيت إذا تغورت النجوم # إنما يريد سقيت وأسقيه لأن إذا من حيث هى ظرف زمان مستقبل لا يعمل فيها ~~الا فعل مستقبل وبذلك يتم المعنى إذ لم يرد أنه فعل ذلك مرة إذ لا يمتدح ~~بذلك وانما يريد أن ذلك دأبه وعادته وقد شهد المعنى للمقدر من اللفظ ومن ~~هذا قول الكندى: # تجاوزت أحراسا وأهوال معشر علي حراصا لو يشرون مقتلى # ثم قال: # إذا ما الثريا فى السماء تعرضت [تعرض أثناء الوشاح المفصل] # ولا يعمل تجاوزت فى إذا لما تقدم فالتقدير تجاوزت وأتجاوز حتى يعلم أن ~~تلك عادته ودأبه وبه يحصل ما أراد وهذا كثير بديع، وفى القرآن منه كثير، ~~وقد خرج من الكلام وحصل الجواب عن السؤالين. # والجواب عن السؤال الثالث: أن آية عمران إنما وردت فى مرتكب مخصوص غير ~~الكتم وقد يكون من غير الكاتمين وإن كان أنسب لحالهم وجرى مع مرتكبهم فهو ~~يقع منهم ومن غيرهم انفرد هذا المرتكب الشنيع بما توعدوا عليه، ولكونه أجرى ~~فى مرتكبات من قدم فى آيتى البقرة اشتد فيه الوعيد، واتبعت الآية بما يشعر ~~أتهم الأهلون لهذا المرتكب فقال تعالى: "وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب لتحسبوه من الكتاب # # PageV01P061 # وما هو من الكتاب ### | .... # الآية "، فليهم أسنتهم من ضرب الكتم وبالجملة فالآية مرتبطة بما يفصلها ~~عن آيتى البقرة ومناسبتها موضعها بين لما تقدمها من قوله: "ومن أهل الكتاب ~~من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومن من إن تأمنه ms064 بدينار لا يؤده إليك الا ما ~~دمت عليه قائما "الى ما يتلو هذا فخصوص هذه الآية بموضعها أوضح شئ وكل من ~~هذه الآيات جار على أوضح مناسبة والله أعلم. # الآية الحادية والثلاثون: قوله تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى ~~المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها " وفيما بعد من هذه السورة: "تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها ". # للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لقوله فى الأولى: "فلا تقربوها " وفى ~~الثانية: "فلا تعتدوها ". # وقد يجاب عن هذا والله أعلم بأن يقال: أن النهى عن مقاربة الشئ عنوان على ~~تأكيد التحريم وتغليظه ولما كان قرب المساء بالمباشرة بالأجساد وما يجارى ~~ذلك داعيا إلى المواقعة، وقل من يملك فى ذلك نفسه ويغلب هواه ولهذا قالت ~~عائشة رضى الله عنها: "وأيكم يملك أربه .. # الحديث "، والمقصود منعه فى أمثال هذه المواطن إنما هو الجماع وهو مؤكد ~~التحريم نهى عما هو أقرب شئ وأدعاه إليه تحذيرا من مواقعته وتعريفا بتأكيد ~~تحريمه، وتأمل إطراد ذلك فبما يرجع إلى نحو هذا كقوله تعالى فى الحيض: "ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن " وانما المحرم الجماع وقال تعالى: "ولا تقربوا الزنى "، ~~ومن هذا منع الطيب للمحرم لأنه داعية إلى الجماع ففى هذا الضرب وما يلحق به ~~مما يراد شدة تحريمه من مآل مرتكب محرم مؤكد التحريم يرد النهى عن المقاربة ~~وإذا نهى عن مقاربة محرم ما علم من ذلك تأكيد ذلك المحرم فأما إذا قصد بيان ~~عام وفارق بين ما يحل ويحرم، فلا يقع النهى عن مقاربة إذ لم يقصد الا فرقان ~~حاجز بين ما يحل ويحرم ولم يقصد بيان حال محرم ما من شدة أو خفة فإنما ~~النهى فى مثل هذا عن تجاوز حد مضروب بين محرم ومحلل ومن هذا قوله تعالى: ~~"الطلاق مرتان " إلى قوله تعالى: "فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به " ثم قال: "تلك حدود الله فلا تعتدوها " فحصل من ~~الآية الكريمة أنه سبحانه حرم أموالهن على الأزواج بغير حق ما لم يقع منهن ~~نشوزا ms065 أو اباية عن القيام بما يجب عليهن أو يطلبن به من حقوق الأزواج ~~واقامة الحدود فإن أبين وخيف منهن أن لا يقمن حدود الله أو خيف ذلك منهما ~~معا برئت ذمة الرجل من الاضرار جاز له إذ ذاك ما يأخذه مما تعطيه المرأة من ~~مالها مفتدية به قال تعالى: "فلا جناح عليهما فيما افتدت # # PageV01P062 # به "، فليس هنا الا حلال أو حرام لا واسطة بينهما ولا ما هو مسبب للحرام ~~قصد تحريمه لتغليظ ما يتسبب عنه مثل هذا إنما يرد النهى فيه عن الاعتداء ~~الذى هو مجازاة ما يحل إلى ما # يحرم وتأمل الضربين يلح لك ما ذكرته وورود كل منهما على ما يجب ويناسب. # الآية الثانية والثلاثون: قوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين " وفى سورة الاتفال: " ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~تعملون بصير ". # للسائل أن يسأل عن تخصيص آية الانفال يالتأكيد الحصرى فقيل: "كله " ~~تأكيدا ولم يرد ذلك فى آية البقرة وعن تعقيب آية البقرة بقوله: "فلا عدوان ~~الا على الظالمين " وآية الانفال بقوله: " فإن الله بما تعملون بصير " ~~فهذان سؤالان. # والجواب عنهما معا أن آية البقرة نزلت لعداوة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتعرض بالظلم والتنكيل لمن آمن به صلى الله عليه وسلم وطردوهم كل مطرد ~~فأذن الله لرسوله فى قتالهم لظلمهم إياهم فقال تعالى: "أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا ". # وهى أول آية أنزلت فى سورة القتال وقال تعالى: "وقاتلوا فى سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم " فقيد قتالهم بمن قاتلهم وقال تعالى: "ولا تعتدوا " فأكد ~~ما تقدم من التخصيص وقال تعالى: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم " والضمير ~~للمذكورين ويعضد ذلك ويبين خصوصه بمن ذكر قوله تعالى: "وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم " وانما أخرجهم أهل مكة وقال تعالى: "والفتنة أشد من القتل "، ~~فأشعر بأن قتالهم جزاء على فتنتهم إياهم وأنهم قد بدؤوا المؤمنين بالفتنة ~~كما قال: "وهم بدؤوكم أول مرة "، وفتنتهم المؤمنين فى ms066 دينهم أشد من قتال ~~المؤمنين إياهم ثم حذر المسلمين من قتالهم عند المسجد الحرام حتى يبدأهم ~~المشركون بذلك ثم قال: "فإن قاتلوكم " أى عند المسجد الحرام فاستحلوا حرمته ~~فاقتلوهم فقد علموا صنع الله بمن استحل ذلك وهتك حرمة بيته فإن فعلوا ~~فقاتلوهم عنده جزاء على فعلهم ثم قال نهاية الآية: "فإن انتهوا فلا عدوان ~~الا على الظالمين "، باستحلال قتالهم وفتنة المسلمين وتعذيبهم بحرم الله ~~وبيته فالآية هنا واردة فى مخصوصين والكلام مقيد فلم # # PageV01P063 # يكن ليناسبه الإطلاق والتعميم الحاصل من التأكيد بكل المحرزة للعموم ~~زالمقتضية الاحاطة والاستغراق. # وأما آية الانفال فقد قال قبلها: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف " وهذا بمقتضى اللفظ فى كل كافر ومثل هذا وإن ورد على سبب خاص فإن ~~وروده على ذلك السبب غير مانع من دعوى العموم فيه هذا وهذا متفق عليه فى فن ~~الاصول وقد استقر معلوما فى السريعة أن كل كافر بأى كفر كفر فانه إذا أسلم ~~فإن إسلامه يجب ما قبله ويمحوه فلما اقتضت الآية الاستغراق والعموم ناسب ~~ذلك التأكيد المعمم فقال تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~الدين كله لله "، ثم لما قال كان قتال عامة الكفار على أن يدخلوا فى الدين ~~وينبذوا ما سوى دين الإسلام وكان الحاجز عن قتالهم تظاهرهم بالاسلام ونطقهم ~~بالشهادتين وتوكل سرائرهم إلى الله أغقبت الآية بما يشير إلى ذلك فقال ~~تعالى: "فان انتهوا " أى عن كفرهم "فإن الله بما تعملون بصير " أى لا تخفى ~~عليه أعمالهم وليس لك أن تنقب عن قلوبهم فجرت الآية مع الحديث المفسر لها ~~من قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا منى دمائهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله "، ~~فلما اختلف المقصد فى الآيتين أعقبت كل واحدة منهما بما يناسب مقصودها على ~~ما يجب والله أعلم. # الآية الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ms067 البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب "، وقال فى ~~سورة آل عمران: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ويعلم الصابرين "، وفى سورة براءة: " أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة " ففى البقرة وآل عمران: " أن تدخلوا الجنة " وفى براءة: " أن تتركوا ~~" وفى سورة البقرة: " ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " وفى آل عمران ~~وبراءة: " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " وسورة آل عمران: "ويعلم ~~الصابرين " وفى براءة: " ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة " فهذه ثلاث سؤالات. # والجواب عن جميعها على الجملة أن وجه اختلافهما والله أعلم ورودها أعقاب # # PageV01P064 # قصص مختلفة وقضايا متغايرة فآية البقرة واردة على ما تقدمها من خطاب ~~المؤمنين على العموم والتسوية فى قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا ~~فى السلم كافة " ثم حذرهم بقوله: "فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ". # الآية وأشار الواقع جوابا من قوله: "إن الله عزيز حكيم " إلى قدرته تعالى ~~على من زل فحاد وتنكب بعد وضوح الأمر فكان الكلام فى قوة أن لو قيل بحسب ~~أفهامنا القاصرة: فإن زللتم فحدتم وتنكبتم عن سلوك المنهج الذى أمرتم به ~~بعد بيان الأمر فاعلموا أنه قادر على أخذكم وعقابكم لا يفوته هاربكم ولا ~~يخرج عن قهره أحد منكم عليم بما تخفونه وتسرونه ثم ذكرهم بحال غيرهم فقال ~~تعالى: "سل بنى إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة .. # الآية "، ثم عرفهم بتزيين الدنيا للكافرين تسلية للمؤمنين فيما حف ~~بمطلوبهم الأخروى من المكاره وأخبرهم بما لهم فى الآخرة إن صبروا واتقوا ~~فقال: "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة "، ثم أخبرهم بما كان الأمر عليه ~~أولا من كون الناس أمة واحدة ثم اختلفوا فبعث الله النبيين. # الآية فلما خاطبهم بهذا كله وحصل من ذلك ومن إحالة الآى على أحوال من ~~تقدم وإشارتها إلى ما ابتلوا به ms068 مما وضح منه صعوبة التخلص إلا بعد الصبر ~~وتحمل المشقة مع سبقية التوفيق أعقب بقوله إشارة إلى تسلية المؤمنين فيما ~~يصيبهم فقال: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ... # الآية " فعرفهم أنه لابد من الابتلاء والاختبار: "ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " وأتبع بقوله تعالى: "مستهم ~~البأساء والضراء " إلى ما ذكر سبحانه فى قوله: "ولقد أرسلنا إلى أمم من ~~قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء " فهذه الآية أعنى آية البقرة لم يقع فيها ~~تخصيص بغير المستجيبين المحسنين فى إجابتهم لا من وجهة اللفظ ولا من وجهة ~~المعنى فناسبها الإطناب وذكر حال من تقدم من الأمم فى ابتلائهم. # وأما آية آل عمران فخوطب بها أهل أحد تسلية فيما أصابهم وخص فيها ذكر ~~الجهاد والصبر ولم يقصد فى الآية أخبار بغير ذلك لأنها ترتيب واقعة مخصوصة ~~فهذا ما انفردت به واختصت عن آية البقرة فقال تعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " فلم يذكر هنا غير ~~الجهاد والصبر. # أما آية براءة فخطاب المؤمنين ممن شاهد فتح مكة وإعلام لهم بأنهم لا يكمل # # PageV01P065 # إيمانهم إلا بمطابقة ظواهرهم بواطنهم فى ألا يقع منهم صغو إلى غير ما ~~بايعوا الله عليه من الإخلاص فلا يجحدون ولا يعتمدون من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين ما يعتمدونه موئلا أو مرجعا فإنه سبحانه لا يخفى عليه ما ~~أسروه وتحوم الآية على ذم من اتصف بصفة النفاق فأظهر خلاف ما أبطن، وقد ~~تقدم قبلها ما يدل على ذلك من قوله تعالى: "يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ~~" فحذر المؤمنون من هذه الصفة وعرفوا أنه لابد من ابتلائهم واختبارهم لتخلص ~~أحوالهم وتمتاز من أحوال المنافقين وأنهم لم يتركوا دون ابتلاء واختبار ~~ليميز الله الخبيث من الطيب وهذا من بعضهم لبعض أعنى الاطلاع بعد الاختبار ~~والله سبحانه غنى عن هذا وعليم بما تنطوى عليه كل نفس وما تكنه الضمائر ~~وإنما ثمرة الابتلاء والاختبار عائدة علينا ليطلع بعضنا من بعض على ما لم ~~يكن ليطلع عليه لولا الاختبار ms069 وعلمه سبحانه لا يتوقف على ابتلائنا ولا ~~يتجدد عليه شئ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فالمراد بالآية: أم حسبتم أن ~~تتركوا دون اختبار يفصل بين أحوالكم وأحوال المنافقين المذكورين فيما قبل ~~ولم تتعرض الآيتان من سورة البقرة وآل عمران لذكر نفاق بالافصاح ولا بإيماء ~~بخلاف آية براءة فلما اختلفت المقاصد اختلفت العبارات فى مطلع الآى وختامها ~~بحسب ذلك والله أعلم. # فتأمل اتحاد الوليجة وقوله: "والله خبير بما تعملون " وتخصيص اسمه ~~سبحانه: "الخبير " يلح لك ما قصد بهذه الآية. # فصل: واعلم أن "أم " الواقعة فى هذه الآى هى الواردة فى قولهم: "إنها ~~لابل أم شاء " أخبر المتكلم بهذا من العرب أنها ابل ثم لحقه الشك فأضرب عما ~~أخبر به واستفهم عما بعد أم فكأنه قال: بل أهى شاء فمعناها الاضراب عما ~~قبلها والاستفهام عما بعدها فلقطعها ما بعدها عما قبلها يسميها النحويون ~~المنقطعة والمنفصلة وأما المتصلة فهى الواقعة فى العطف والوارد بعدها ~~وقبلها كلام واحد والمراد بها الاستفهام عن التعيين لهذا تقدر بأى ~~والمنقطعة خلافها وهى المتقدمة فى الآى وان الواقعة بعدها سادة مسد مفعولى ~~حسبت عند سيبويه رحمه الله. # وأبو العباس [المبرد] يراها سادة مسد المفعول الواحد والثانى عند مقر ~~ويشهد لسيبويه أن العرب لم يسمع من كلامهم نطق بما ادعاه ولو كان على ما ~~يقوله لنطقوا به يوما ما وبسط الرد عليه فى غير هذا. # الآية الرابعة والثلاثون: - قوله تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن # # PageV01P066 # بمعروف أو سرحوهن بمعروف " وفى سورة الطلاق: "فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف ". # للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله " أو سرحوهن " وقوله " أو فارقوهن " ~~واختصاص كل من الموضعين بما اختص به من ذلك. # والجواب والله أعلم أن آية البقرة قد اكتنفها النهى عن مضارة النساء ~~وتحريم أخذ شئ منهن ما لم يكن منهن ما يسوغ ذلك من ألا يقيما حدود الله، ~~فلما اكتنفها ما ذكر وأتبع ذلك بالمنع عن عضلهن وتكرر أثناء ذلك ما يفهم ~~الأمر بمجاملتهن والإحسان إليهن ms070 حالى الاتصال والانفصال لم يكن ليناسب ما ~~قصد من هذا أن يعبر بلفظ أو فارقوهن لأن لفظ الفراق أقرب إلى الاساءة منه ~~إلى الإحسان فعدل إلى ما يحصل منه المقصود مع تحسين العبارة وهو لفظ ~~التسريح فقال تعالى: " فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف " وليجرى مع ~~ماتقدم من قوله تعالى: "الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان "، ~~وقيل هنا "بإحسان " ليناسب ما به تعلق المجرور من قوله "أو تسريح " وقد ~~روعى فى هذه الآى كلها مقصد التلطف وتحسين الحال فى المحبة والافتراق ولما ~~لم يكن فى سورة الطلاق تعرض لعضل ولا ذكر مضارة لم يذكر ورود التعبير بلفظ ~~"أو فارقوهن " عن الانفصال ووقع الاكتفاء فيما يراد من المجاملة فى الحالين ~~بقوله "بمعروف " وبان افتراق القضيتين فى السورتين، وورد كل من العباراتين ~~على ما يجب من المناسبة والله أعلم. # الآية الخامسة والثلاثون قوله تعالى: "ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر " وفى سورة الطلاق: "ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر " فقال فى آية البقرة "ذلك " فأفرد الخطاب وقال "منكم " وفى ~~آية الطلاق "ذلكم " بأداة خطاب الجميع ولم يقل "منكم ". # ووجه ذلك والله أعلم: أن آية البقرة ترتبت على تصنيف المضرين بالزوجات ~~واحتيالهم على أخذ أموالهن بغير حق # ألا ترى إلى ما تقدمها من قوله تعالى "ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا " وقوله بعد ذلك "ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " وقد بالغت ~~الآية فى زجرهم حين قال تعالى "ولا تتخذوا آيات الله هزؤا " وهذا من أشد شئ ~~فى تعنيف المضرين بهن ثم نهى سبحانه عن عضل النساء وهو من فعله من الضرار ~~والاعتداء ومناسب لأخذ أموالهن لأنه # # PageV01P067 # قطع عن قصد شرعى به قوام دينهن ودنياهن إذا نكحن من يقدرن فيه ذلك فعضلها ~~ظلم لها، فحصل من مجموع هذا أن المنهى المتوعد عليه فى سورة البقرة أبلغ من ~~التعدى وأسوأ فى المرتكب من الواقع عليه الزجر فى آية الطلاق، ومن المعلوم ~~أن المطلب إذا اعتاص كانت السلامة ms071 فيه أعز وسالك طريق النجاة فيه أقل. # والخطاب وإن عم فأولى المخاطبين بأهليته والذين هم كأنهم هم المعنيون به ~~على الخصوص إنما هم الممتثلون وكأن غير الممتثل غير داخل تحت الخطاب فعلى ~~ذلك روعى هذا # ورد إفراد الخطاب فى البقرة فقيل "ذلك " بحرف الخطاب الذى للواحد إشارة ~~لتقليل المستجيبين المتورعين عن الطمع فى أموال الزوجات والإضرار بهن عضلا ~~أو احتيالا على ما لديهن وعلى هذا الرعى ورد فى هذه الآية "منكم " يشعر أن ~~المستجيبين ليسوا الكل بما يعطيه مفهوم منكم، # ولما كان الوارد فى سورة الطلاق أخف فى المطلب وأيسر فى التكليف ترى أن ~~الأحكام المتعلقة بالطلاق وهى التى دارت عليها آى هذه السورة كلها فروع ~~ثوان فالسلامة فيها أيسر وسالك طريقها أكثر فناسب ذلك ورود الخطاب بالحرف ~~الذى يخاطب به الجميع ويشملهم فقيل "ذلكم " وقيل "من كان مؤمنا " ولم يرد ~~هنا "من كان منكم ". # لم يرد هنا إشعار بتبعيض وهو الذى يعطيه المفهوم فروعى فى كل من السورتين ~~ما بنيت عليه القصة فى الأخرى والله سبحانه أعلم. # الآية السادسة والثلاثون: قوله تعالى: "فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف " وفى الآية الأخرى بعد: "والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح ~~عليكم فيما فعلن فى أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم " فيهما ثلاث سؤالات. # الأول: ما وجه التعريف فى قوله "بالمعروف " والتنكير فى الثانية فى قوله ~~"من معروف "؟ والثانى: ما وجه خصوص الأول بالباء والثانى بمن؟ # والثالث: ما وجه تعقيب الأولى بقوله "والله بما تعملون خبير " والثانية ~~بقوله "والله عزيز حكيم "؟ # والجواب عن الأول: أن الواقع فى الآية الأولى من قوله تعالى: " والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن فى أنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ثم قال ~~"فإذا بلغن أجلهن " أى باستيفائهن أربعة أشهر والعشر والمراد يخرجن عند ذلك ~~من تمام الأجل المضروب لعدتهن فهذا كله بما تقتضيه "إذا " قد أحرز أمدا ~~محدودا معلوم القدر معروف # # PageV01P068 # الغاية يتقيد به ms072 خروجهن فناسبه التعريف فى قوله تعالى "فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف " أن المعلوم من موجب الشرع. # وأما قوله تعالى فى الآية الأخرى "فإن خرجن " ولم يذكر بلوغ الأجل وليس ~~التقييد الحاصل من "إن " بلوغ الأمد المضروب قبل وهو الحول مثل التقييد ~~الحاصل من الظرف المستقبل الذى هو "إذا " إذ ليست "إن "ك "إذا "، ألا ترى ~~أنك تقول: أقوم إذا قام زيد فيقتضى من قيامك هذا أن قيامك مرتبط بقيامه ولا ~~يتقدم عليه ولا يتأخر عنه بل يعاقبه على الاتصال وأما إذا قلت: أقوم إن قام ~~زيد فأقصى ما يقتضى هذا أن قيامك بعد قيامه وقد يكون عقبه وقد يتأخر عنه ~~فإنما يحصل من "أن " التقييد بالاستقبال دون اقتضاء تعقيب أو مباعدة فحصل ~~فى ظاهر اللفظ إبهام من جهتين: # إحداهما كون الأجل لم يذكر بلوغه والثانية ما تقتضيه "إن " على ما بين ~~فناسبه التنكير فى قوله "من معروف ". # فإن قيل: الحول المذكور فى قوله تعالى فى أول الآية "متاعا إلى الحول " ~~معلوم التوقف وهو كأن الأجل المضروب لهن فى العدة قبل أن ينسخ الأربعة أشهر ~~والعشر وقد اتصل بقوله "فإن خرجن " قوله "فلا جناح عليكم فيما فعلن فى ~~أنفسهن " وذلك منبئ أعنى قوله "فلا جناح عليكم " برفع الحرج وأنهن لم يقع ~~منهن معصية فى الخروج وإنما ذلك لخروجهن عند الأمد فقد تقيد خروجهن بوقت ~~معلوم وهو تمام الحول فارتفع الإبهام # قلت: بقى رعى المناسبة مما يتأكد التفاته فوضح ورود كل من العبارتين على ~~مايجب من المناسبة. # وجواب ثان وهو أن قوله فى الآية الأولى "بالمعروف "المراد به الوجه الذى ~~لا ينكره الشرع ولا يمنعه ولهذا وصل الفعل ههنا بالباء والإحالة على متقرر ~~معلوم وهو الشرع فورد معرفا بأداة العهد وعدى "فعلن " بالباء ثم جاءت الآية ~~الثانية لتأخرها فى التلاوة مشيرة إلى تفصيل ما يفعلن فى أنفسهن من التزين ~~والتعرض للخطاب وما يجارى ذلك من معروف مما ليس بمنكر شرعا والتنكير هنا ~~محرز للمعنى المقصود ومن للتبعيض وهو تفسير ms073 وكأن قد قيل فى الوجه المباح ~~لهن الذى لا يمنعه الشرع فجووب بتفصيل مشير إلى أنه ليس وجها واحدا لا ~~يتعدينه بل لهن أن يتزين ويتعرض للخطاب ويفصحن بما يطلبنه من صداق وغير ذلك ~~من مصالحهن المباحة لهن شرعا فهذا موضع من وموضع التنكير والأول موضوع ~~الباء والتعريف بحسب ما قصد فى كل من الموضعين على ما تقدم وقد وضح جواب ~~السؤالين. # والجواب عن السؤال الثالث أن تعقيب الأولى بقوله تعالى "والله بما تعملون ~~خبير " # # PageV01P069 # مناسب لما قبله من تأمينهن على أنفسهن فيما يلزمهن فى مدة العدة المذكورة ~~من إحداد وما يتعلق به وفيما يفعلن بعده فإن أضمرن أو كتمن شيئا لا يجوز ~~فعلم الله سبحانه محيط بذلك وهو الخبير به ولما وقع فى الآية بعد قوله "فإن ~~خرجن " وقام فيه احتمال أن يخرجن غير طائعات فيستعجلن أو يتعدين ناسبه ذكر ~~قدرته سبحانه عليهن بالمعاقبة بما شاء أو العفو عن مرتكبهن فهو العزيز الذى ~~لا مغالب له والذى لا يفوته هارب ولا يغيب عنه شئ. # الآية السابعة والثلاثون: قوله تعالى: "مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حية " وقال تعالى فى سورة ~~يوسف: "وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر ~~" فالمعدود واحد والعدد واحد وقد اختلف المفسر للمعدود فورد فى سورة البقرة ~~"سنابل " وبنيته فعائل من أبنية جمع الكثرة وفى سورة يوسف "سنبلات " وباب ~~ما يجمع بالألف والتاء أن يكون للقيل ما لم يقتصر عليه أو يعرض عارض. # فللسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لتخصيص كل من الموضعين بما ورد فيه؟ # والجواب: أن آية البقرة مبنية على ما أعد الله للمنفق فى سبيله وما يضاعف ~~له من أجر إنفاقه وان ذلك ينتهى إلى سبعمائة ضعف وقوله "والله يضاعف لمن ~~يشاء " قد يفهم الزيادة على ما نص عليه من العدد كما أشارت إليه آيات ~~وأحاديث فبناء هذه الآية على التكثير فناسب ذلك ورود المفسر على ما ms074 هو من ~~أبنية الجموع للتكثير لحظا للغاية المقصودة ولم يكن ما وضعه للقيل فى ~~الغالب ليناسب ما تلحظ فيه الغية من التكثير. # أما آية يوسف فإنما بناؤها على إخبار الملك عن رؤياه سبع سنبلات فلا طريق ~~هنا للحظ كثرة ولا قلة لأنه إخبار برؤيا فوجهه الاتيان من أبنية الجموع بما ~~يناسب المرئى وهو قليل لأن ما دون العشرة قليل فلحظ فى آية البقرة ما بعده ~~مما يتضاعف إليه هذا العدد وليس فى آية يوسف ما يلحظ فافترق القصدان وجاء ~~كل على ما يجب ويتاسب والله أعلم. # الآية الثامنة والثلاثون: قوله تعالى: "يمحق الله الربا ويربى الصدقات ~~والله لا يحب كل كفار أثيم "، وفى سورة النساء: "إن الله لا يحب من كان ~~مختالا فخورا الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل "، وفى موضع ثان بعد: "إن ~~الله لا يحب من كان خوانا أثيما " وفى سورة الحديد: "والله لا يحب كل محتال ~~فخور الذين يبخلون ". # # PageV01P070 # للسائل أن يسأل فى هذه الآى عن شيئين أحدهما: ما وجه اختصاص كل آية من ~~هذه الأربع بالوصف المذكور فيها الموجب لكونه تعالى لا يحب المتصف به؟ # الثانى: ان تلك الأوصاف إذا كانت موجبة لما حكم به تعالى عليهم من أنه لا ~~يحبهم وقد استوت فى إيجاب هذا الحكم فما وجه اختصاص آيتى النساء منها ~~بتأكيد ذلك الحكم بأن ورود آية البقرة وآية الحديد معطوف فيهما ما ورد فى ~~آيتى النساء مؤكدا ب "إن " وهل ذلك لموجب يقتضيه؟. # والجواب عن الأول: أن وجه اختصاص كل آية منها بما ورد فيها من الوصف ~~الموجب لكونه تعالى لا يحب المتصف به مناسبة كل آية منها لما تقدمها. # أما آية البقرة فإن قبلها قوله تعالى: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ~~كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا " # فوصفهم بأكل الربا حتى أعقبهم ذلك تخبطهم فى قيامهم كفعل المجانين وأنهم ~~سووا بين البيع المشروع والربا الممنوع وذلك كفر وتكذيب فوصفوا بما يقتضى ~~المبالغة فى مرتكبهم ms075 من منع حب الله تعالى إياهم فقال تعالى: "والله لا يحب ~~كل كفار أثيم "، وفعال وفعيل أبنية للمبالغة وهو وصف مناسب لحالهم. # وورد قبل آية النساء قوله تعالى: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار ~~الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم " # فأمرهم سبحانه بعبادته وتوحيده وبالإحسان إلى المذكورين فى الآية ومن ~~الإحسان إليهم خفض الجناح ولين المقال والإنصاف بما وصف الله به من يحبهم ~~فى قوله: "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "، والاختلال والفخر مضاده ~~لهذه الأوصاف الحميده مانعة منها ولا يمكن معها الإحسان المطلوب فى الآية ~~فلهذا أعقبت بقوله تعالى: "إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا " # فان المنصف بهذا متصف بنقيض الإحسان فمناسبة هذا بينة. # وأما الآية الثانية من سورة النساء فقد تقدمها قوله تعالى: "إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ~~"، ثم قال: "ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم "، قدم الخائنين وحذر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من معاونتهم والجدال عنهم وأعقب بأنه لا يحب من اتصف ~~بصفاتهم فقال تعالى: "إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما "، وتناسب هذا ~~أوضح شئ. # # PageV01P071 # وأما آية الحديد فإن قبلها قوله تعالى: "اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو وزينة وتفاخر بينكم ... # الآية " فناسب هذا قوله تعالى: "والله لا يحب كل مختال فخور " # فقد وضحت مناسبة كل آية من هذه لما اتصلت به وإن كان كل آية من هذه ~~المعقبات لا يلائمها غير ما اتصلت به والله أعلم. # وقد وضع فى هذا الجواب جواب السؤال الثانى وهو أن آية البقرة إنما ترتبت ~~على آكلى الربا والمسوين بينه وبين البيع المشروع وهؤلاء صنف واحد ومرتكبهم ~~واحد وأن آية الحديد ترتبت على حكم الخيلاء والفخر وذلك إذا تحقق أيضا راجع ~~إلى الكبر فالمادة واحدة. # أما آية النساء فإن الأولى منها تقتضى بحسب من ذكر فيها واختلاف أحوالهم ~~تفصيل المرتكب وتعداد المطلوب فيها وقد ms076 اشتملت على أمر ونهى فناسب اتباع ~~المطلب تأكيد الخبر المترتب عليه من الجزاء فأكد بأن المقتضية تأكيد الخبر ~~وكذلك الآية الثانية لأن خيانة النفس تنتشر مواقعها فتارك الطاعة قد خان ~~نفسه وفاعل المعصية كذلك وأفعال الطاعة كثيرة لا تنحصر وكذلك المخالفات ~~فناسب الكثرة التأكيد وهذا كله بخلاف آية البقرة وآية الحديد فى المرتكب ~~فيهما كما تقدم فجاء كل على ما يناسب والله أعلم. # الآية التاسعة والثلاثون: - قوله تعالى: "لله ما فى السماوات وما فى ~~الارض وان تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " وفى سورة آل ~~عمران: "قل ان تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله " فتقدم فى هذه ~~الآية ذكر الاخفاء وتأخر فى آية البقرة والحاصل من الآيتين تعريف تاعباد ~~باحاطة علمه سبحانه بما ظهر وما بطن على حد سواء كما قال تعالى: "سواء منكم ~~من أسر القول ومن جهر به " فللسائل أن يسأل عن وجه الخلاف فى الآيتين. # والجواب عنه والله أعلم: أن ابداء الشئ واخفاء خلافه فى المعتقدات صفة ~~المنافقين وبها امتيازهم من غيرهم من الكفرة قال تعالى: "يخفون ما فى ~~أنفسهم ما لا يبدون لك "، وقال تعالى: "واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلو إلى شياطينهم قالوا انا معكم "، وهذا كثير فى القرآن وقد أعلم ~~سبحانه أن المنافقين هم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~وتوعدهم على ذلك بأليم العذاب قال تعالى: "بشر المنافقين بأن لهم عذابا ~~أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، فحذر المؤمنين من ~~ذلك فقال: "يأيها الذين آمنوا # # PageV01P072 # لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا " وقال تعالى: "يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم ~~أولياء " إلى غير هذه من الآى فلما تقرر هذا النهى وتكرر وقد تقدم آية آل ~~عمران قوله ناهيا وزاجرا: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين "، وحذر تعالى من ذلك أشد التحذير الا عند التقية فقال تعالى: ~~"ومن يفعل ذلك فليس من الله فى ms077 شئ الا أن تتقوا منهم تقاة "، ثم أتبع تعالى ~~بتأكيد التحذير فقال: "ويحذركم الله نفسه " ثم قال: "والى الله المصير " ~~فلما نهاهم عن المرتكب الذى امتياز المنافقين كان آكد شئ وأهمه إعلامهم ~~بانه سبحانه يعلم ما يخفون كعلمه ما يبدون لبناء المنافقين كفرهم على ما ~~جهلوه من عليه سبحانه بخفيات ضمائرهم والحادهم فى ذلك جهلا بما يجب لله ~~سبحانه وتكذيبا لرسوله ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وان الله علام ~~الغيوب فهذا وجه تقديم الاخفاء فى آية آل عمران وتأمل تقديمه فى الجارى ~~مجرى هذه الآيات كقوله تعالى فى قصة حاطب بن أبى بلتعه رحمه الله: "تسرون ~~إليهم بالمودة وأن أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم " # أما آية البقرة فلم يجر فيها ذكر النفاق ولا صفة أهله وانما الخطاب فيها ~~وفى آية الدين قبلها وقيما أعقبت به بعد للمؤمنين فيما يخصهم من الاحكام ~~فورد فيها قوله تعالى: "وان تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " ~~مقدما فيها بادى أعمالهم بناء على سلامة بواطنهم وتنزههم عن صفة المنافقين ~~ومنه قوله تعالى: "ما على الرسول الا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون "، فتقدم ذكر ما يبدو لأنه خطاب للمؤمنين ومنه قوله تعالى: "ليس ~~عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون ~~وما تكتمون " والخطاب للمؤمنين وهذا جار مطرد فيما يلحق بهذا الضرب كما ~~أطرد البدء بالاخفاء على الاعلان حيث يتقدم ذكر أهل الكفار أو ينتظم الكلام ~~بذكرهم كقوله تعالى: "يعلم سركم وجهركم " بعد قوله تعالى: "ثم الذين كفروا ~~برهم يعدلون " وكقوله تعالى: "ويعلم ما تسرون وما تعلنون " بعد قوله تعالى: ~~"هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " وكقوله تعالى: "وان ربك ليعلم ما ~~تكن صدورهم وما يعلنون " وقد تقدمها قوله تعالى: "أئذا كنا ترابا وآباؤنا ~~أئنا لمخرجون "، فاطرد ما ذكرناه فى الطرفين على رعى الإيمان والنفاق وجاء ~~كل على ما يناسب والله أعلم. # # PageV01P073 # الآية الموفية أربعين: وهى من تمام ما قبلها # قوله تعالى: ms078 "فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " وفى سورة آل عمران: "ولله ~~ما فى السماوات وما فى الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " وفى المائدة ~~قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " وفى سورة ~~الفتح: "ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " فورد فى ~~هذه الآى الأربع تقديم الغفران وتأخير التعذيب وورد فى سورة المائدة: "ألم ~~تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء " بتقديم ~~التعذيب وتأخير المغفرة على خلاف ما ورد فى الآى الأربع المذكورة. # فللسائل أنه يسأل عن ذلك. # والجواب عنه والله أعلم أن هذه الآية لما تقدمها قوله تعالى: "إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الحياة ~~الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم " ثم بعد ذلك قوله تعالى: "والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من ~~بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم "، فقدم فى هاتين ~~القصتين من خبر المحاربين والسارقين أمر تعذيبهم جزاء على فعلهم ثم ذكر ~~المغفرة لهم إن تابوا وأتبع ذلك بقوله تعالى: "ألم تعلم أن الله له ملك ~~السماوات والأرض ... # الآية " وبناؤها على ما تقدمها قبلها ويليها كما تبن فقدم ذكر العذاب على ~~المغفرة لمناسبته لما اتصلت به وبقيت عليه. # وأما الآى الأربع فلم يقع قبل شئ منها ذكر الواقع فى سورة المائدة وإنما ~~تقدمها ما يفهم قوة الرجاء لمن أحسن وأناب كقوله تعالى فى آية البقرة: "وإن ~~تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه " والخطاب للمؤمنين وورد قبل الآية الثانية من ~~الأربع قوله تعالى: "ليس لك من الأمر شئ "، وقبل الثالثة: "وقالت ms079 اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "الى قوله تعالى: "بل أنتم بشر ممن خلق "، ~~وفى هذا وإن كان خطابا لأهل الكتابين تنبيه لهم وأنهم إن أسلموا وأنابوا ~~لربهم رجوا عفوه ومغفرته وقبل الآية قوله تعالى: "إن الذين يبايعونك إنما # # PageV01P074 # يبايعون الله "، ولم يخرج الكلام إلى غير هذا من تعريف نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بعلي حاله وما منحه والإعلام بحال المخلفين من الأعراب وما جرى ~~فى ظنهم وكل ذلك تثبيت للمؤمنين ومنبئ بما تعقبهم الاستجابة لله ولرسوله ثم ~~أتبع ذلك بالإعلام بأنه سبحانه المالك للكل والمتصرف فيهم بما يشاء فقال ~~تعالى: "ولله ملك السماوات والأرض " وأفهم ذلك أن فعل المخلفين من الأعراب ~~غير خارج عما أراده وقدره وأن مخالفتهم لا تضره تعالى وأنها صادرة عن قضائه ~~فناسب هذه الأربع بجملتها تقديم ذكر المغفرة وجاء كل على ما يناسب والله ~~أعلم. # PageV01P075 ### | سورة آل عمران # الآية الأولى منها: قوله تعالى: "نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه "، ثم قال: "وأنزل التوراة والإنجيل "، فليسأل عن تخصيص الكتاب بلفظ ~~"نزل " المضعف وتخصيص التوراة والإنجيل بلفظ "أنزل "؟ # والجواب عن ذلك أن لفظ نزل يقتضى التكرير لأجل التضعيف تقول ضرب مخففا ~~لمن وقع ذلك عليه مرة واحدة ويحتمل الزيادة والتقليل أنسب وأقوى. # أما إذا قلنا ضرب بتشديد الراء فلا يقال الا لمن كثر ذلك منه فقوله ~~تعالى: "نزل عليك الكتاب " مشير إلى تفصيل المنزل وتنجيمه بحسب الدعاوى ~~وأنه لم ينزل دفعة واحدة أما لفظ أنزل فلا يعطى ذلك إعطاء نزل وان كان ~~محتملا وكذا جرى فى أحوال هذه الكتب فإن التوراة إنما أوتيها موسى صلى الله ~~عليه وسلم جملة واحدة فى وقت واحد وهو المراد بقوله تعالى: "وكتبنا له فى ~~الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة "الآية أى المجموع وأما ~~الكتاب العزيز فنزل مقسطا من لدن ابتداء الوحى وقوله سبحانه وتعالى: "إقرأ ~~باسم ربك الذى خلق " إلى آخر عمره صلى الله عليه وسلم ونزول قول الله ~~تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم ms080 وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا ~~" وقوله تعالى: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " ولنزوله مقسطا ما قال ~~الكفار: "لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " فقال تعالى: "لنثبت به فؤادك " ~~وقال تعالى: "يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على ~~رسوله " وهو القرآن ثم قال: "والكتاب الذى أنزل من قبل " والمراد التوراة ~~فورد ذكر التوراة فجاء كما ورد حين أفصح بذكر أسمائهم فى قوله: "نزل عليك ~~الكتاب " ثم قال: "وأمزل التوراة والإنجيل " وحيث يذكر أحد هذه الكتب مفردا ~~عن غيره أو بغير الألف واللام العهدية فيأتى بلفظ "أنزل " فيهما وان أريدا ~~معا كقوله تعالى: "وما أنزل الينا وما أنزل من قبل " ومنه: "والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك "، وهذا كثير فى القرآن حيث يعبر عن ذلك ~~بما وان كانت موصولة فليس فيها من العهد # # PageV01P076 # ما فى الذى وفى الألف واللام ولا وقع الافصاح باسم المنزل وهذا فرق واضح ~~لأن ما تفارق الموصولية فتخرج إلى الابهام فلا تكون فيها عهدية أما الذى ~~فلا تفارق ولا تخرج فالعهدية فيها لازمة وكذا # اذا ذكر أحد هذه الكتب مفردا عن غيره لم ينكر وروده بلفظ أنزل ونزل ~~لأنهما يكونان بمعنى واحد كقوله تعالى: "الحمد لله الذى أنزل على عبده ~~الكتاب "، وأما حيث يجتمع ذكرهما مفصحا باسم كل واحد أو بأداة العهد كما ~~تقدم فلا يكون الا على ما تقرر من حيث أن لفظ التضعيف أقوى من اعطاء معنى ~~التنجيم والتفصيل كما تقدم وهذا مطرد على كثرة ما ورد منه وتكرر. # ولم يرد إنزال التوراة بالتضعيف الا فى قوله تعالى: "من قبل أن تنزل ~~التوراة ". # وله وجه وهو أن المراد ثبوت أحكامها وتقعيدها وذلك أن بنى إسرائيل لما ~~حرم عليهم ببغيهم وظلمهم ما حرم فى قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عايهم طيبات أحلت لهم ... # الآية " وقوله تعالى: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر .. # الآية " وعرف الله سبحانه نبيه والمؤمنين بذلك أمكرت بنو إسرائيل تخصيصهم ~~بذلك وزعموا ms081 أنهم لم يخصوا به وأنه قد كان محرما على نوح وابراهيم وكل من ~~تقدم بنى إسرائيل من الأمة فأكذبهم الله تعالى فى ذلك وقال: "كل الطعام كان ~~حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة " أى ~~من قبل حصولها منزلة وتقعيد حكمها وثبوتها فلما قصد معنى استقرارها وتقعيد ~~حكمها ورد اللفظ مضعفا ليشير إلى حكم ثبوتها واستقرارها والله أعلم بما ~~أراد ولهذا والله أعلم لم يرد من غير هذا الموضع ذكر إنزالها بالتضعيف وقد ~~تعرض أبو الفضل بن الخطيب لقوله تعالى: "نزل عليك الكتاب ... # وأنزل التوراة والإنجيل " ووجه ذلك على ما ذكرته ثم اعترض على ذلك بقوله ~~تعالى: "الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب " ولم يفصل وقال إنه مشكل وقد ~~بينا أنه لا إشكال فى ذلك على ما تقعد قبل والحمد لله. # الآية الثانية: قوله تعالى: "كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا ~~بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب "، وفى سورة الأنفال: ~~"كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب "، وبعدها: ~~"كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ". # للسائل أن يسأل عن هذه الآى فى ستة مواضع: السؤال الأول: الإخبار عنهم فى # # PageV01P077 # آية آل عمران وفى ثانية الأنفال بقوله "كذبوا " وقال فى الأولى من ~~الأنفال "كفروا ". # ما وجه ذلك؟ والثانى: ما وجه اختلاف الإضافة فى كذبهم وتكذيبهم؟ ففى آل ~~عمران "بآياتنا " وفى الأولى من الأنفال "بآيات الله " وفى الثانية "بآيات ~~ربهم "، والثالث: قوله فى ثانية الأنفال "فأهلكناهم بذنوبهم " وفى الأخريين ~~"فأخذهم الله بذنوبهم "، والرابع: قوله فى سورة آل عمران "والله شديد ~~العقاب "، وفى الأولى من الأنفال "إن الله قوى شديد العقاب " ولم يرد فى ~~الثانية هذا الوصف، والخامس: تفصيل العقاب فى ثانية الأنفال ولم يرد فى ~~الآخريين ذلك التفصيل، والسادس: تعلق المجرور من قوله "كدأب آل فرعون " ~~وليس هذا مما بنى عليه هذا الكتاب إلا أنه تتمة. # والجواب عن الأول: أن آية آل عمران لما ms082 تقدم قبلها ذكر تنزيل الكتب ~~الثلاثة والإشارة إلى ما تضمنته من الهدى والفرقان وإنما أتى على من كفر ~~بصده عنها وتكذيبه ناسب ذلك قوله تعالى: "كذبوا بآياتنا " ولما لم يقع فى ~~سورة الأنفال من أولها إلى الآية الأولى من الآيتين ذكر شئ من الكتب ~~المنزلة ولا ذكر إنزالها وإنما تضمنت حال المسلمين مع معاصريهم من كفار ~~العرب ومعظم ذلك فى قتالهم وحربهم ناسب ذلك التعبير بالكفر فقال تعالى ~~"كفروا بآيات الله " ثم لما تلتها الآية الأخرى من غير طول بينهما وقع ~~التعبير فيها بالتكذيب فقال "كذبوا بآيات ربهم " وعدل عن لفظ كفروا لثقل ~~التكرر مع القرب وليحصل وسمهم بالكفر والتكذيب. # والجواب عن السؤال الثانى: أن الآية الأولى من سورة الأنفال إنما جئ فيها ~~بالاسم الظاهر فقيل "كفروا بآيات الله "، لتقدم ذكر الملائكة فى قوله "ولو ~~ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم " بنسبة الفعل ~~للملائكة وتقدم أيضا " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " ولم يتقدم فى آل ~~عمران ذكر فعل لغير الله تعالى ولا نسبة شئ لسواه فجئ بآيات مضافة إلى ~~ضميره تعالى فقال "كذبوا بآياته " على طريقة الالتفات وجاء فى الأنفال ~~"كذبوا بآيات الله " بالإضافة إلى الاسم الظاهر ليعلم أن الأمر له عز وجل ~~وأنه مريهم الآيات ولا فعل إلا له وأن الملائكة مسخرون بأمره وفعلهم من ~~خلقه وتزيين الشيطان لهؤلاء الكفار إنما هو بقدر الله وسابق مشيئته وكل ذلك ~~خلقه وملكه والآيات آياته وله المثل الأعلى وقيل فى الثانية "بآيات ربهم " ~~ليجرى مع ما تقدمه متصلا به من قوله تعالى: "ذلك بأن الله لم يكن مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم " فذكر ابتداءه بالنعم فناسبه ذكر ملكيته سبحانه لهم # # PageV01P078 # بقوله "بآيات ربهم " فهو المحسن والمالك ثم جرى القدر بما سبق لهم فإيراد ~~قوله "كذبوا بآيات ربهم " مع ما تقدم أوقع فى نفوسهم وأشد فى تحسرهم ~~وندامتهم إذا شاهدوا الأمر فعلموا أنه مالكهم وأنه ابتدأهم بالنعم فغيروا ~~فحصل من ذلك أنهم قابلوا نعم ربهم بالكفر مع بيان الأمر ووضوحه ms083 ولو قيل: ~~بآيات الله لما أحرز هذا المعنى المعرف بملكيته لهم والمشير لندامتهم ~~وتحسرهم ولا خفاء بالفرق بين قول القائل لمن كفر بنعمة الله: إنما كفرت ~~بنعمة مالك المحسن إليك ومبتديك بالنعم وبين أن لو قيل له: إنما كفرت بنعمة ~~الله فتأمل ما بينهما ولهذا ابتدئ دعاء الخلق فى سورة البقرة إلى الإيمان ~~بقوله: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم " إلى آخر الآية. # والجواب عن السؤال الثالث: أنه قصد فى الآية الثانية من الأنفال تفصيل ~~عقابهم بإغراق آل فرعون وأخذ من عداهم بغير ذلك وقال "فأهلكناهم بذنوبهم " ~~ليخالف قوله تعالى فى الآية قبل: "فأخذهم الله بذنوبهم " لاسثقال لفظ ~~التكرار فيما تقارب ولما قصد من التفصيل وقد ضم الفريقين من المهلكين ~~بذنوبهم والمغرقين فى قوله: "وكل كانوا ظالمين ". # وعن الرابع أن قوله تعالى فى الآية الأولى من الأنفال: "إن الله قوى شديد ~~العقاب " مقابل به قول الشيطان لمن قدم ذكره من الكفار: "لا غالب لكم اليوم ~~من الناس وإنى جار لكم " فقوبل قوله المضمحل بإسناد القوة لله عز وجل كما ~~قال تعالى: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا .. # الآية "، ولما لم يرد فى سورة آل عمران مثل هذا وقع الاكتفاء بقوله ~~"والله شديد العقاب " وزيد التأكيد فى أول الأنفال ب "إن " وزيادة اسمه ~~سبحانه القوى لما ذكرنا آنفا من رعى التقابل. # والجواب عن السؤال الخامس ما قيل فى الجواب عن السؤال الثالث من قصد ~~التفصيل ثم إن الوجه فى تخصيص هذا الموضع بذلك أنه آخر موضع وقع التذكير ~~فيه بعبادة آل فرعون فى تكذيبهم وأخذهم بكفرهم والترتيب الذى استقر عليه ~~الكتاب العزيز متوقف على الآتى به صلى الله عليه وسلم وقد بينا ذلك فى غير ~~هذا وأن من ظن أن الترتيب من قبل الصحابة فقد غفل وذهب عما بنى عليه من ~~جليل الاعتبار وسنذكر ذلك فى سورة القمر إن شاء الله. # والجواب عن السؤال السادس: أن الكاف متعلقة بمحذوف هو الخبر للمبتدأ # # PageV01P079 # المقدر إذ التقدير ms084 دأبهم أو دأب هؤلاء أو هذا كدأب آل فرعون وما قدر ~~الناس من التعلق بقوله: وأولئك هم وقود النار أو غير هذا من التقدير لا ~~يرجح عند الاختبار ويضعف تقدير ذلك فى ثانية الأنفال ويتكلف فى الأولى منها ~~ولا يحسن معه المعنى ولا يفوز وفى استقلال الجملة من قوله "كدأب آل فرعون " ~~وعدم التعلق الإعرابى بما قبله فى جملة أخرى جزالة النظم وقوة المعنى ~~فتأمله. # الآية الثالثة: قوله تعالى: "تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل ~~وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى "، وكذلك فى سورة يونس: "أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى "، وكذا فى ~~سورة الروم وحيث وقع ورود فى سورة الأنعام: "إن الله فالق الحب والنوى يخرج ~~الحى من الميت ومخرج الميت من الحى " فوقع هنا اسم الفاعل موقع الفعل ~~وعاقبه فقال "ومخرج "فيسأل عن هذا؟ # ووجه ذلك والله أعلم: أن بناء آية الأنعام على آية بنيت على اسم الفاعل ~~وان كان خبرا وهو قوله تعالى: "إن الله فالق الحب والنوى " ثم أعقب ذلك ~~بقوله "فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا "، فلما اكتنفت الآية أسماء فاعلين ~~جئ فيها باسم الفاعل فى قوله "ومخرج الميت من الحى " ليناسب ذلك فعطف ~~"ومخرج " على "فالق " إذ هو معطوف على ما عطف عليه فهو معطوف عليه ثم جئ ~~بعد باسم فاعل وهو قوله تعالى: "فالق الإصباح " فتناسب هذا ولم يقع فى ~~الأخر المتضمنة إخراج الحى من الميت والميت من الحى مثل هذا فلذلك لم يعدل ~~إلى اسم الفعل والله سبحانه أعلم. # فإن قلت فما بال قوله يخرج الحى من الميت فى هذا الموضع ورد بالفعل وقد ~~اكتنفه قوله: "فالق الحب والنوى ومخرج الميت من الحى ". # وهما اسما فاعلين؟ # فالجواب عن ذلك ما قاله الزمخشرى قال: "موقع قوله "يخرج الحى من الميت " ~~موقع الجملة المبينة لقوله "فالق الحب والنوى " لأن فلق الحب والنوى ~~بالنبات والثمر اليابس من جنس إخراج الحى من الميت لأن اليابس فى ms085 حكم ~~الحيوان ألا ترى قوله "يحيى الأرض بعد موتها "، انتهى قوله، ذكر هذا عقب ~~قوله "ومخرج الميت من الحى " أنه معطوف على فالق الحب والنوى كما تقدم وهذا ~~من حسناته. # الآية الرابعة: قوله تعالى: "ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير " ث # # PageV01P080 # م قال فى الآية الأخرى بعد: "ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ". # للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب الأولى بقوله: "والى الله المصير " وتعقيب ~~الثانية بقوله: "والله رؤوف بالعباد ". # والجواب عن ذلك والله أعلم أنه لما تقدم قبل الأولى قوله تعالى: "لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " فنهاهم سبحانه عن ذلك ثم أردف ~~بالتحذير بقوله: "ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شئ " ثم استثنى سبحانه من ~~ذلك حال التقاة فقال: "إلا أن تتقوا منهم تقاة " ثم قال: "ويحذركم الله ~~نفسه - أى عذابه - وإلى الله المصير - أى ومرجعكم إليه فلا يفوته هارب فهذا ~~كلام ملتحم جليل النظم والتنضيد ثم أتبع هذا بإعلامه أنه سبحانه لا يخفى ~~عليه شئ مما أكنوه أو أظهروه فقال: "قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه ~~يعلمه الله ويعلم ما فى السماوات وما فى الأرض والله على كل شئ قدير "، ~~فأعلم فيها بعلمه المحيط بالأشياء والعلم والقدرة هما القاطعان بمنكرى ~~العودة وعلى إنكارهما بنى المنكرون حشر الأجساد شنيع مقالهم وبثباتهما ~~اضمحل باطلهم وقد أشارت هذه الآية العظيمة إلى علمه سبحانه بالجزئيات ~~وقدرته عليها وفى ذلك الشأن كله ولعل الكلام يعود بنا إلى مقصود هذه الآية ~~العظيمة فنبسط من ذلك ما يشفى صدر المؤمن ويقطع بالملحدين وإن كان أئمتنا ~~من أهل الفن الكلامى قد شفوا فى ذلك رضى الله عنهم فعرف سبحانه بالرجوع ~~الأخروى إليه ثم أخبر بأنه لا يغادر من أفعال عباده صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها فقال: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا "الآية ثم قال معيدا ~~ومحذرا: "ويحذركم الله نفسه " وأعقب بقوله: "والله رؤوف بالعباد "، لما ~~تقدم من التذكير والوعظ والبيان والتحذير المبنى على واضح الأمر والتبيان ms086 ~~وذلك إنعام منه سبحانه وإحسان يستجر خوف المؤمنين العابدين، فناسبه التعقيب ~~بذكر رأفته بعباده رفقا بهم وإنعاما وتلطفا # فقال: "والله رؤوف بالعباد "، ولم يتقدم قبل الأولى ما تقدم قبل هذه ~~متصلا بها وانما تقدمها النهى عن موالاة الكفار والتبرى من مواليهم بالكلية ~~فناسبه ما أعقب به وناسب هذه ما أعقبت به والله أعلم. # الآية الخامسة: قوله تعالى فى قصة زكريا عليه السلام: "أنى يكون لى غلام ~~وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر " وفى سورة مريم: "أنى يكون لى غلام وكانت ~~امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا " للسائل أن يسأل عن اختلاف السياق فى ~~الآيتين مع اتحاد معناهما. # # PageV01P081 # والجواب عن ذلك والله أعلم: أن المعنى وإن كان فى السورتين واحدا وفى ~~قضية واحدة فإن مقاطع آى وسورة مريم وفواصلها استدعت ما يجرى على حكمها ~~ويناسبها من لدن قوله تعالى فى افتتاح السورة: "ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ ~~نادى ربه نداء خفيا " إلى قوله فى قصة عيسى عليه السلام: "والسلام على يوم ~~ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا "، لم تخرج فاصلة منها عن هذا المقطع ولا عدل ~~بها إلى غيره ثم عادت إلى ذلك من لدن قوله تعالى: "واذكر فى الكتاب إبراهيم ~~إنه كان صديقا نبيا " إلى آخر السورة فاقتضت مناسبة آى هذه السورة ورود قصة ~~زكريا عليه السلام على ما تقدم ولم يكن غير ذلك ليناسب أما آية آل عمران ~~فلم يتقيد ما قبلها من الآى وما بعدها بمقطع مخصوص فجرت هى على مثل ذلك ~~والله أعلم. # الآية السادسة: قوله تعالى: "قال ربك اجعل لى آية " يريد والله أعلم آية ~~على الحمل ليستعجل البشارة فقيل له: "آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا " وفى سورة مريم: "آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا " مع اتحاد ~~القصة فيسأل عن ذلك. # والجواب والله أعلم: أنه لما كان الإخبار مقصودا به التعريف بمنعه الكلام ~~ثلاثة أيام بليالهن منصوصا على ذلك حتى لا يقع احتمال أن يكون المنع فى ~~الليالى دون الأيام أو ms087 الأيام دون الليالى، وهذا كما فى قوله تعالى: "سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " فوقع التنصيص على الوقتين ليرتفع توهم ~~أفراد أحد الوقتين دون الآخر وكذا فى آية آل عمران بذكر الأيام ليناسب قوله ~~"إلا رمزا " إذ الرمز ما يفهم المقصود دون نطق كالإشارة بالعين وباليد وقال ~~مجاهد بالشفتين وكيفما كان فإنما يدرك بالعين ولما لم يذكر الرمز فى آية ~~مريم ذكر فيها الليل. # وحصل التعريف باستيفاء الوقت الممنوع فيه الكلام وما جعل له عوضا منه وهو ~~الرمز وزيد فى آية مريم التعريف باستواء الليالى فى ذلك فالمراد مستويات ~~فسويا من صفة ليال انتصب على الحال أو يكون المراد لا خرس بك ولا مرض فيكون ~~سويا حالا من الضمير فى تكلم فورد هنا سويا مناسبا للفواصل ومقاطع الآى ~~وليس فى آية آل عمران ما يستدعى ذلك فورد كل على ما يجب ويناسب والله أعلم. # الآية السابعة: قوله سبحانه: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ~~ورسولا # # PageV01P082 # إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى ~~بإذن الله وأنبئكم ما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم "، وقال فى المائدة: ~~"وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ ~~الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى .. # الآية "، للسائل أن يسأل عن تذكير الضمير وتأنيثه وعن وجه تكرير قوله ~~تعالى: "بإذنى " فى آية المائدة مضافا إلى ضميره سبحانه فى أربعة مواضع مع ~~وجازة الكلام وتقارب ألفاظ الآية وقد جرى هذا الغرض فى آية آل عمران فورد ~~فيها ذلك في موضعين خاصة مضافا من اسمه سبحانه؟ # والجواب عن السؤال الأول بعد تمهيد الجواز فى تذكير الضمير فى قوله ~~"فأنفخ فيه " فى الآية الأولى وتأنيثه فى الآية الثانية "فأنفخ فيها " مع ~~اتحاد ما يعود عليه. # فأقول وأسأل الله توفيقه: قال الزمخشرى فى الأولى: "الضمير للكاف أى فى ~~ذلك الشئ المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا أى ms088 فيصير طائرا كبقية الطيور، ~~وقال فى قوله: "فتنتفخ فيها " الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التى كان ~~يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من ~~خلقه ولا نفخه فى شئ قال وكذلك الضمير فى تكون انتهى نص كلامه وهو بين. # وبقى السؤال عن وجه تخصيص كل من الموضعين بالوارد فيه وهو مقصودنا فى هذا ~~الكتاب، وعن وجه التكرار فى قوله تعالى فى سورة المائدة "بإذنى " فى أربعة ~~مواضع مع وجازة الكلام وتقارب ألفاظ الآية؟ # الجواب عن وجه التخصيص والله أعلم: أن الترتيب الذى استقر عليه القرآن فى ~~سوره وآياته أصل مراعى وقد تقدم بعض إشارة إلى ذلك ولعلنا سنزيد فى بيانه ~~إن شاء الله وعودة الضمير على اللفظ وما يرجع إليه أولى وعودته على المعنى ~~ثان عن ذلك وكلا التعبيرين عال فصيح فعاد فى آية آل عمران على الكاف لأنها ~~تعاقب مثل وهو مذكر فهذا لحظ لفظى ثم عاد فى آية المائدة إلى الكاف من حيث ~~هى فى المعنى صفة لأن المثل صفة فى التقدير المعنوى فحصل مراعاة المعنى ~~ثانيا على ما يجب كما ورد فى قوله تعالى: "ومن يقنت منكن لله ورسوله " ~~بعودة الضمير من يقنت مذكرا رعيا للفظ "من "، ثم قال: وتعمل بالتاء رعيا ~~للمعنى وهو كثير وقد بينا أن رعى اللفظ فى ذلك هو الأولى فجرى فى آية آل ~~عمران على ذلك لأنها # # PageV01P083 # متقدمة فى الترتيب وجرى فى آية المائدة على ما هو ثان إذ هى ثانية فى ~~الترتيب وذلك على ما يجب. # وجواب ثان: وهو أنه قد ورد قبل ضمير آية آل عمران من لدن قوله تعالى: ~~"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم " إلى قوله: "فأنفخ فيه " نحو من عشرين ~~ضميرا من ضمائر المذكر فورد الضمير فى قوله "فأنفخ فيه " ضمير مذكر ليناسب ~~ما تقدمه ويشاكل الأكثر الوارد قبله. # أما آية العقود فمفتتحة بقوله تعالى: "اذكر نعمتى عليك " وخلقه الطائر ~~ونفخه فيه من أجل نعمه تعالى عليه لتأييده بذلك فناسب ذلك تأنيث ms089 الضمير ولم ~~تكثر الضمائر هنا ككثرتها هناك فجاء كل من الآيتين على أتم مناسبة. # والجواب عن السؤال الثانى: وهو تكرر قوله تعالى "بإذنى " فى آية المائدة ~~أربع مرات مع تقارب الألفاظ؟ ووجه أن آية آل عمران إخبار وبشارة لمريم بما ~~منح لبنها عيسى عليه السلام وبمقاله عليه السلام لبنى إسرائيل تعريفا ~~برسالته وتحديا بمعجزاته وتبرئا من دعوى استبداد أو انفراد بقدرة فى مقاله: ~~" أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ ~~الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله " إلى قوله تعالى "إن فى ذلك لآية ~~لكم " إلى ما بعده ولم تتضمن هذه الآية غير البشارة والإعلام وأما آية ~~المائدة فقصد بها غير هذا وبنيت على توبيخ النصارى وتعنيفهم فى مقالهم فى ~~عيسى عليه السلام فوردت متضمنة عده سبحانه إنعامه على نبيه عيسى عليه ~~السلام على طريقة تجارى العتب وليس بعتب تقريرا يقطع بمن وقع فى العظيمة ~~ممن عبده ومثل ذلك فيما يجرى بيننا ولكلام الله سبحانه وتعالى المثل الأعلى ~~قول القائل لعبده الأحب إليه المتبرئ من عصيانه: ألم أفعل لك كذا ألم أعطك ~~كذا ويعدد عليه نعما ثم يقول: أفعل لك ذلك غيرى؟، هل أحسنت إلى فلان إلا ~~بما أعطيتك؟، هل قهرت عدوك إلا بمعونتى لك؟ فيقصد السيد بهذا قطع تخيل من ~~ظن أن ما كان من هذا العبد من إحسان إلى أحد أو إرغام عدو أن ذلك من قبل ~~نفسه مستبدا به وليس من قبل سيده فإذا قرره السيد على هذا واعترف العبد بأن ~~ذلك كما قال السيد انقطعت حجة من ظن خلافه وتوهم استقلال العبد فعلى هذا ~~النحو والله أعلم وردت الآية الكريمة ولذلك تكرر فيها ما تكرر مع الآيات ~~قوله تعالى: "بإذنى " وتكرر ذلك أربع مرات عقب أربع آيات مما خص به عليه ~~السلام من خلق الطير والنفخ فيه فيحيا # # PageV01P084 # وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وهى من الآيات التى ضل بسببها من ضل ~~من النصارى وحملتهم على قولهم بالتليث تعالى الله عما ms090 يقولون علوا كبيرا، ~~"ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " فأعلم الله سبحانه وتعالى أن ~~تلك الآيات بإذنه وأكد # ذلك تأكيدا يرفع توهم حول أو قوة لغير الله سبحانه أو استبداد ممن ظنه ~~ونزه نبيه عيسى عليه السلام عن نسبة شئ من ذلك لنفسه مستقلا بإيجاده أو ~~ادعاء فعل شئ إلا بقدرة ربه سبحانه وإذنه وبرأه من شنيع مقالتهم. # ويزيد هذا الغرض بيانا ما أعقبت به هذا الآية من قوله تعالى: "وإذ قال ~~الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهيين من دون الله ... # الآيات " فهل هذا للنصارى إلا أعظم توبيخ وتقريع والمقصود منه جواب عيسى ~~عليه السلام بقوله فى إخبار الله سبحانه عنه: "ما يكون لى أن أقول ما ليس ~~لى بحق " فافتتح بتنزيه ربه ثم نفى عن نفسه ما نسبوا إليه وأتبع بالتبرى ~~والتسليم لربه فقال: "إن كنت قلته فقد علمته " فآية آل عمران بشارة وإخبار ~~لمريم وآية المائدة واردة فيما يقوله سبحانه لعيسى عليه السلام توبيخا ~~للنصارى كما بينا فلما اختلف القصدان اختلفت العبارتان. # الآية الثامنة قوله تعالى: مخبرا عن عيسى عليه السلام: "إن الله ربى ~~وربكم فاعبدوه "، وفى سورة مريم: "وإن الله ربى وربكم فاعبدوه "، فعطف ~~الآية على ما قبلها بواو النسق وفى سورة الزخرف: "إن الله هو ربى وربكم ~~فاعبدوه " بغير حرف النسق مع زيادة الفصل بالضمير من قوله "هو " ولم يقع ~~ذلك فى الآيتين قبل كما لم يقع العطف فى الأولى والثالثة فانفردت كل آية من ~~الثلاث بما وردت عليه مع اتحاد المقصد فيما أعطته كل واحدة منها فللسائل أن ~~يسأل عن ذلك؟ # والجواب والله أعلم: أن آية مريم لما تضمنت مقالة عيسى عليه السلام وآية ~~كلامه فى المهد مخبرا عن حاله النبوية وما منحه الله من الخصائص الاصطفائية ~~فقال: "إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا " إلى ما أعقب ~~به هذا من الخصائص الجليلة منسوقا بعضها على بعض ليبين تعداد تلك النعم إلى ~~قوله: "والسلام ms091 على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا "، فذكر ما حفظ الله ~~عليه من كرامته فى هذه الأحوال الثلاثة البشرية وهى: حال الولادة وحال ~~الموت # # PageV01P085 # وحال البعث بعده وهذه أحوال تتنزه الربوبية عنها وتتعالى عن تجويزها عليه ~~سبحانه وإذا صحبتها العادة لم تكن نقصا فى البشرية إذ بها امتيازها وهى من ~~حيث الحيوانية الحادثة فصلها. # ثم لما كان من تمام إخبار عيسى عليه السلام وتعريفه بما عرف به وتكميل ما ~~قصد به إقراره لله سبحانه بالربوبية للكل فى قوله: "وإن الله ربى وربكم ~~فاعبدوه " وكان متصلا بما تقدم وكأن قد قال: إنى عبد الله ومخصوص منه بكذا ~~وكذا ومعترف بانفراد خالقى بملك الكل وقهرهم وخلقهم فهو ربهم ومالكهم ~~والمعبود الحق فلما كان الكلام من حيث معناه متصلا وقد ورد أثناءه ما يعطى ~~بظاهره حين أخبر تعالى عنه بقوله عليه السلام: "والسلام على يوم ولدت ويوم ~~أموت ويوم أبعث حيا " # إن كلام عيسى عليه السلام قد تم وانقضى وشرع فى قضية أخرى من التعريف ~~بحقيقة أمر عيسى عليه السلام فقال تعالى: "ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى ~~فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون " فورد هنا مورد الجمل التى كأنها مفصولة مما قبلها مع الحاجة ~~إليها واتصال ما بعدها بما قبلها لك يكن بد من حرف النسق ليحصل منه أنه ~~كلام غير منقطع بعضه من بعض ولا مستأنف بل هو معطوف على ما تقدمه من كلام ~~عيسى عليه السلام فلم يكن بد من حرف النسق لإحراز هذا الالتحام إذ لم يكن ~~ليحصل دون حرف النسق حصوله معه فقيل: "وإن الله ربى وربكم " وهو حكاية قول ~~عيسى # متصلا من حيث معناه بقوله: "والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث ~~حيا " فالوجه عطفه عليه مع الحاجة إلى ما توسط الكلامين فهذا وجه ورود ~~الواو هنا ولم يعرض فى آية آل عمران فصل بين الآية وما قبلها يوهم انقطاعا ~~فيحتاج إلى ms092 الواو فهذا وجه دخولها فى هذه الآية والله أعلم. # وأما زيادة الضمير الفصلى فى سورة الزخرف فيحرز بمفهومه معنى ضروريا دعا ~~إليه ما تقدم فى الآية قبله وذلك ما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى: "ولما ~~ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " إلى ما يتلو هذه ففى التفسير أنه ~~لما نزل قوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " الآية تعلق ~~بها الكفار وقالوا قد عبدت الملائكة وعبد المسيح وأنت يا محمد تزعم أن عيسى ~~نبى مقرب وأن الملائكة عباد مقربون فإذا كان هؤلاء مع آلهتنا فى النار فقد ~~رضينا وجادلوا بهذا فأنزل الله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون " وهذا مبسوط فى كتب التفسير فلما كان قد تقدم فى سورة الزخرف ~~ذكر آلهتهم وقولهم: " # # PageV01P086 # ءآلهتنا خير أم هو " يعنون المسيح ناسبه ما أعقبه به من قوله تعالى حاكيا ~~عن المسيح عليه السلام: "إن الله ربى وربكم " فكأن قد قيل: هؤلاء غيره ~~فأحرز "هو " هذا المعنى ولم يرد فى آية آل عمران وآية مريم من ذكر آلهتهم ~~ما ورد هنا فلم يحتج إلى الضمير المحرز لما ذكرناه وسنورد إن شاء الله فى ~~قوله تعالى فى سورة النجم: "وأنه أضحك وأبكى وأنه أمات وأحيا " قوله بعد: ~~"وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى " بإثبات هذا الضمير فى أربعة مواضع ~~وكونه لم يثبت فى قوله: "وأنه خلق الزوجين " ولا فى قوله: "وأن عليه النشأة ~~الأخرى " ولا فى قوله: "وأنه أهلك عادا الأولى " وتوجيه ذلك والفرق بين ما ~~ورد فيه منها الضمير وما لم يرد فيه ما يوضح وجه وروده فى آية الزخرف ~~وسقوطه فى الآيتين قبلها أتم إيضاح وأشفاه، ومن هذا قوله تعالى: "فلما ~~توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم " ف "أنت " هنا ك "هو " فيما ذكر # ومحرزة ذلك المعنى من إفراد المشار إليه بالضمير بما حصله الخبر فتأمله ~~فإنه بين فيما ذكرناه والله أعلم. # الآية التاسعة: قوله تعالى: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال ms093 من أنصارى إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون "، وفى ~~سورة المائدة: "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون " فحذفت النون من "أنا "فى آية آل عمران تخفيفا وثبتت ~~فى آية المائدة فقيل: "أننا " مع أن التخفيف بالحذف جائز فيهما والإثبات ~~جائز وهو الأصل فللسائل أن يسأل عن وجه تخصيص كل من الموضعين بما ورد فيه؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم أن آية المائدة لما ورد فيها التفصيل فيما يجب ~~الإيمان به وذلك قوله: "أن آمنوا بى وبرسولى " فجاء على أتم عبارة فى ~~المطلوب وأوفاها ناسب ذلك ورود "أننا " على أوفى الحالين وهو الورود على ~~الأصل، ولما لم يقع إفصاح بهذا التفصيل فى آية آل عمران حين قال تعالى: ~~"قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله " فلم يقع هنا "وبرسوله " إيجازا ~~للعلم به وشهادة السياق ناسب هذا الإيجاز كما ناسب الإتمام فى آية المائدة ~~الإتمام فقيل هنا: "واشهد بأنا مسلمون " وجاء كل على ما يجب ولو قدر ورود ~~العكس لما ناسب والله سبحانه أعلم بما أراد. # # PageV01P087 # الآية العاشرة: قوله تعالى: "كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم ~~وشهدوا أن الرسول حق "، وفى سورة براءة: "ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم " إن قيل إن الآيتين قد اتفقتا فى أن المذكورين فيهما قد وقع منهما ~~كفر بعد إباحة وإذعان فلم عبر عنه فى آية آل عمران بالإيمان وفى آية التوبة ~~بالاسلام؟ # والجواب أن ذلك لاختلاف حال من عنى بهما وقد ذكر المفسرون أن آية آل ~~عمران نزلت فى الحارث بن سويد الأنصارى وكان قد أسلم ثم ارتد ولحق بالكفار ~~ثم ندم فأرسل إلى قومه ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل له من توبة ~~فسألوا فنزلت الآية فكتبوا بها إليه فأسلم وحسن اسلامه ولم يكن فى اسلامه ~~أولا من عرف بنفاق ولا أنه أبطن خلاف ما ظهر منه من اسلامه فكانت حاله حال ~~إيمان وتصديق صحيح لم يظهر خلافه ms094 وذلك هو الإيمان فناسب حاله وصفه بالايمان ~~وهو التصدي بالقلب. # أما آية التوبة فنزلت فى الجلاس حين قال فى غزوة تبوك لئن كان ما يقول ~~محمد حقا لنحن شر من الحمر فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاستدعاه فحلف ما قال وكان منافقا معروف النفاق يتظاهر بالاسلام ويبطن ~~خلافه فأنزل الله فى قضيته: "يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ~~وكفروا بعد إسلامهم " فقيل هنا "بعد إسلامهم " مناسبة للحال إذ الإسلام يقع ~~فى الغالب على الانقياد فى الظاهر وقد لايكون المتصف به مصدقا بقلبه قال ~~تعالى: "قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان فى قلوبكم ". # وروى أن الجلاس أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه فاختصاص كل آية منها بالوصف ~~الوارد فيها بين لاختلاف الحالين وفى كل من السببين قصة ذكرها المفسرون ~~وأهل السير. # الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: "وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون "، وفى النحل: "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ". # للسائل أن يسأل عم ورود كان الناقصة فى آية النحل وعرو آية آل عمران عنها ~~مع اتحاد المعنى المقصود فى الموضعين لاجتماع المذكورين فيهما فى ظلمهم ~~أنفسهم. # والجواب عن ذلك والله أعلم أن آية آل عمران إنما نزلت فى المعاصرين لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الحاضرين عند نزول الآية فورد الاخبار مساوقا ~~لحالهم فى وقت نزول الآية وما يلى ذلك متصلا به من الزمان فلم يكن لدخول ~~كان التى تقتضى وقوع # # PageV01P088 # الشئ فيما تقدم من الزمان معنى تحرزه وأما آية النحل فاخبار عمن تقدم ~~زمانهم وعظ به غيرهم يبين ذلك قوله تعالى: "كذلك فعل الذين من قبلهم "، ثم ~~قال: "وما ظلمهم الله " فالاخبار عن هؤلاء القبليين المشبه بهم من بعدهم من ~~معاصريه صلى الله عليه وسلم فأحرزت كان هذا المعنى ولاءمت الموضع ولم تكن ~~لتلائم آية آل عمران ولا الوارد في آية آل عمران ليناسب ما قصد فى آية ~~النحل فجاء كل على ما يجب والله أعلم. # الآية الثانية عشرة: ms095 قوله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " وفى سورة الأنفال: ~~"وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز حكيم ". # للسائل أن يسأل فيقول: مقصود الآيتين واحد فى الموضعين من حيث المعنى ~~وهما لقوم بأعيانهم وهم أهل بدر رضى الله عنهم فما وجه زيادة "لكم " فى آية ~~آل عمران ولم تزد فى الأخرى؟ وتقديم القلوب على المجرور هنا وتأخيرها عنه ~~فى آية الأنفال؟ واستئناف تأكيد الإخبار بالصفتين العليتين فى سورة الأنفال ~~ب "إن " ولم تردا جاريتين على اسم الله سبحانه كما فى آل عمران؟ فهذه ثلاث ~~سؤالات. # والجواب عم الأول والثانى والله أعلم: أن آية آل عمران لما تقدم فيها ~~قوله تعالى: "ويأتوكم من فورهم " والإخبار عن عدوهم فاختلط ذكر الطائفتين ~~وضمهما كلام واحد فجردت البشارة لمن هدى منهما وانها لأولياء الله المؤمنين ~~فجيئ بضمير خطابهم متصلا بلام الجر المقتضية الاستحقاق فقيل "بشرى لكم " ~~وبين أن قلوبهم هى المطمأنة بذلك فقيل "ولتطمئن قلوبكم به "، فقدمت القلوب ~~على المجرور اعتناء وبشارة ليمتاز أهلها ممن ليس لهم نصيب. # أما آية الأنفال فلم يتقدم فيها ذكر لغير المؤمنين فلم يحتج إلى الضمير ~~الخطابى فى لكم وأيضا فإن آية الأنفال قد تقدم قبلها قوله تعالى: "وإذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " فأغنى عن عودته فيما بعده اكتفاء بما ~~قد حصل مما تقدم من تخصيصهم بذلك. # والجواب عن السؤال الثالث: أن آية الأنفال تقدم فيها أوعاد جليلة كقوله ~~تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين انها لكم " ثم قال: "ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين " ثم قال: "ليحق الحق ويبطل الباطل ~~ولو كره المجرمون " فهذه أوعاد علية لم يتقدم إفصاح بمثلها فى آية آل عمران ~~فناسبها تأكيد # # PageV01P089 # الوصفين العظيمين من قدرته جل وتعالى على كل شئ وحكمته فى أفعاله فقال: ~~"إن الله عزيز حكيم "، ولما لم يقع فى آية آل عمران إفصاح ms096 بما فى آية ~~الأنفال وردت الصفتان تابعتين دون تأكيد وجاء كل على ما يناسب ولم يكن عكس ~~الوارد فى تعقيب الآيتين ليناسب وذلك واضح والله أعلم. # الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض .. # الآية "، وفى سورة الحديد: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض ~~السماء والأرض .. # الآية "، والمراد فى الموضعين الحث على المبادرة إلى أفعال البر وجزيل ~~الثواب للممتثل وقد اختلفت عبارة الأمر بذلك فى الموضعين فحذف المضاف فى ~~الأولى وجئ فى الثانية بكاف التشبيه عوضا منه وقيل فى الأولى: "عرضها ~~السماوات " على الجميع وأفرد فى الثانية فقيل: "عرضها كعرض السماء والأرض " ~~فيها ثلاثة أسئلة. # والجواب عن الأول والله أعلم: أن المسارعة إلى الشئ قبل مسابقته قال ~~تعالى: "أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون " وقد أوضحنا فى كتاب ~~البرهان أن ترتيب السور بتوقيف على أصح المأخذين وأما ترتيب الآى فلا توقف ~~فيه وأن ذلك كله معتمد على فيه غير ترتيب النزول، وإذا ثبت هذا فوجه تقديم ~~لفظ "سارعوا " تقديم المسارعة ووجه تأخير سابقوا بناء المسابقة على ~~المسارعة، ألا ترى أن المسارع إلى الشئ قد يحصل له ما سارع إليه وقد لا ~~يحصل ولا يقال فى الغالب سبق إلا فيمن تحصل له مطلوبه هذا هو الأكثر ~~والمسارعة متقدمة فى الرتبة قال تعالى: "أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها ~~سابقون " وقال تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " ~~أى ثبتت وحقت لهم وعن على رضى الله عنه: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وثنى أبو بكر وثلث عمر ... # ، وقيل فى قوله تعالى: "فالسابقات سبقا " أنها الملائكة تسبق الجن [إيصال ~~الوحى إلى الأنبياء] فلما كانت المسارعة والمسابقة على ما ذكرنا ورد ~~المتقدم فى الترتيب أولا والمتأخر ثانيا مراعاة للترتيب. # والجواب عن الثانى: أن آية آل عمران على حذف المضاف كما تقدم أى عرضها ~~مثل عرض السماوات والأرض وقد أفصحت آية الحديد بما يقوم مقام هذا المضاف ~~ويحصل معناه وهو كاف ms097 التشبيه إذ معناها معنى مثل وحذف المضاف مما يكون ~~كثيرا عند قصد المبالغة وكذا جعل الشئ نفس الشئ وهو مما يتقدم فى آية آل ~~عمران وهو نحو قول الشاعر # # PageV01P090 # [رؤبة]: # إن الربيع الجود والخريفا يدا أبى العباس والصيوفا # وهذا كثير واليه يرجع الوارد فى قولهم: نهارك صائم وليلك قائم وباب ذلك ~~مما يقصد به المبالغة فيجعل نفس الشئ وأنشد سيبويه رحمه الله نحوا من ذلك. # أما النهار ففى قيد وسلسلة والليل فى بطن منحوت من الساج # فجعل النهار فى قيد وسلسلة وجعل الليل فى بطن منحوت من السج مبالغة وانما ~~المجعول الشخص وقوله تعالى: "عرضها السماوات والأرض " يمكن إلحاقه بهذا ~~القبيل وإن ظن أنه يباينه. # والجامع قصد المبالغة كأن السماوات والأرض إذا أوصل بعضها ببعض مصطفا نفس ~~عرض الجنة ومن أبيات الكتاب: # لقد لمتنا يا أم غيلان فى السرى ونمت وما ليل المطي بنائم # فنفى النوم عن الليل حين جعله نفس الشخص مبالغة كما فى البيت قبل ويمكن ~~فى هذا كله حذف المضاف أى ذو ليل المطى وذو النهار وذو الليل. # قال الإمام [سيبويه] رحمه الله لما أنشد هذا البيت جعله للاسم ومن هذا ~~الضرب ما يتخرج على حذف المضاف ويمتنع ما سواه نحو قوله [النابغة الجعدى]: # كأن غديرهم بجنوب سلى نعام قاق فى بلد قفار # أى كأن غديرهم غدير نعام قاق، والغدير الصوت # وتخريج آية آل عمران على هذا أوضح وكلا الضريبن يحرز المبالغة وبالجملة ~~فقصد المبالغة فى مثل ما تقدم يستلزم فى الغالب الإيجاز إما بالحذف وإما ~~بجعل الشئ نفس الشئ أو بتكرر لفظ يفهم بتكرره التهويل والتعظيم ويقوم مقام ~~أوصاف وذكر أهوال كقوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة " و"القارعة ما القارعة ~~"، وقد ذكر # # PageV01P091 # سيبويه رحمه الله هذه الضروب فى أبواب شتى لافتراقها فى أحكام تقتضى ~~تفصيل التبويب مع اتفاقها فى ما ذكرنا وفى جرى الإيجاز فى جميعها ولما اتصل ~~بقوله "عرضها " فى آية آل عمران وهو مبتدأ والخبر عنه مجموع فقيل "السماوات ~~" فأفصح الجمع ما مهدناه من قصد ms098 المبالغة والتعظيم ثم أتبع ذلك ما يحرز ~~مقصود ذلك من التعظيم والمبالغة أيضا وهو وصف من أعدت له الجنة الموصوفة ~~ووسمهم بالمتقين وهو الذين وفوا بالإيمان وتوابعه التى بها يكمل مما ذكر فى ~~آية "ليس البر " من لدن قوله تعالى: "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~" إلى قوله "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون "، ولم يكن قوله تعالى: ~~"عرضها السماوات " بالجمع كقوله فى آية الحديد "كعرض السماء " فأفرد ولا ~~قوله "أعدت للمتقين " كقوله فى آية الحديد "أعدت للذين آمنوا بالله ورسله " ~~فلما تضمنت آية آل عمران من قصد المبالغة من هذه الجهات والقرائن التى ~~ذكرنا ما لم تتضمن آية الحديد ناسب ذلك جعل العرض نفس السماوات والأرض من ~~غير إفصاح بالمضاف المقدر الذى لابد منه عند بيان المعنى على ما تقدم ولما ~~لم يقصد فى آية الحديد ذلك أفصح فيها بما يعطى معنى مثل وهى كاف التشبيه ~~وورد كل على ما يناسب ويلائم. # فإن قيل: لم خصت آية آل عمران بما تمهد من قصد المبالغة والتعظيم دون آية ~~الحديد قلت: لبنائها على الحض على الجهاد وعظيم فضله وذكر قصة بدر واحد من ~~لدن قوله "وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " إلى ما بعد الآية ~~المتكلم فيها ولما يكن فى آية الحديد شئ من ذلك ناسب كلا ما ورد فيه والله ~~أعلم. # الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: "أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين "، وفى سورة العنكبوت: ~~"لنبوئنهم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر ~~العاملين ". # للسائل أن يسأل عن وجه العطف فى الأولى وقوله فى الثانية: "نعم أجر ~~العاملين " غير معطوف على ما قبله. # ووجه ذلك والله أعلم أن الآية الأولى لما وقع فيها ذكر الجزاء مفصلا ~~معطوفا فقيل: " أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها " ناسبه أن عطفت الجملة الممدوح بها الجزاء فقيل: "ونعم أجر ~~العاملين " ولما لم يفصل ms099 # # PageV01P092 # الجزاء فى سورة العنكبوت ولا وقع فيه عطف جاءت جملة المدح غير معطوفة ~~ليتناسب النظم والله أعلم. # الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم " وفى الجمعة: "هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم ". # للسائل أن يقول: إن مقصد الآيتين الإخبار بامتنانه تعالى على العرب بأن ~~بعث فيهم رسولا منهم ولم يكن من غيرهم ثم اختلفت العبارة فى البيان فقيل فى ~~الأولى "من أنفسهم " وفى الثانية "منهم " فيسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب عن ذلك: أن قولك فلان من أنفس القوم أوقع فى القرب من قولك فلان ~~منهم فإن هذا قد يراد للنوعية فلا يتخلص لتقريب المنزلة والشرف إلا بقرينة # أما "من أنفسهم " فأخص فلا يفتقر إلى قرينة ولذلك وردت حيث قصد النعريف ~~بعظيم النعمة به صلى الله عليه وسلم على أمته وجليل إشفاقه وحرصه على ~~نجاتهم ورأفته ورحمته بهم فقال تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم " وقال ~~تعالى فيمن كان على الضد من حال المؤمنين المستجيبين "ولقد جاءهم رسول منهم ~~فكذبوه " فتأمل موقع قوله هنا "منهم " لما قصد أنه إنعام عليهم لم يوفقوا ~~لمعرفة قدره ولا للاستجابة المثمرة النجاة فقيل هنا "منهم " فأما قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت " بأنه لما لم يكن رضى الله عنه من ~~قريش وأراد عليه السلام تقريبه وتشريفه عبر بما يعطى ذلك ولا يخص خصوص ~~قوله: من أنفسنا وإنما تخلص لحرف الخصوصية بقرينة قوله عليه السلام "سلمان ~~منا أهل البيت " وأما قوله عليه السلام فى فاطمة " إنما هى بضعة منى "فقد ~~تحصل فيه أتم خصوص من وجهين: # أحدهما قوله عليه السلام "منى " وهذا أخص من قوله عليه السلام "منا " ~~فتأمله فهو مناف للشياع الداخل فى قوله "منا " والثانى قوله "بضعة " فجعلها ~~عليه السلام جزءا منه وذلك أعلى خصوص. # وأما قوله عليه السلام "مولى القوم منهم " فالمراد منه تقريب الولاء من ~~النسب وليس من أنفسهم وقد تقدم أن قوله "من أنفسهم " فى مقابلة "منهم " وأن ms100 ~~"منا " دونه فى الشياع و"منى "أخص وأبعد فى الشياع فتأمل هذا ولما كان لفظ ~~الآيتين يتناول قريشا وغيرهم من العرب ممن ليس من أهل الكتاب قيل "منهم " ~~فناسب هذه الكناية بما فيها من الشياع الذى مهدناه عموم المؤمنين من العرب ~~ممن أسلم ومن لم يسلم ولما قال فى آية آل عمران: "لقد من الله على المؤمنين ~~" فخص من أسلم ناسب ذلك قوله "من أنفسهم " لخصوصه كما تقدم ولم يكن العكس ~~ليناسب والله أعلم. # # PageV01P093 # الآية السادسة عشرة: # قوله تعالى: "يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم " وفى سورة الفتح: ~~"يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم "، للسائل أن يسأل فيقول: إن مقصود ~~الآيتين قد اتحد لأن حاصله التعريف بأن كلا من المذكورين فى الآيتين أظهر ~~خلاف ما أبطن فلم قيل فى الأولى "بأفواههم " وفى الثانية "بألسنتهم " مع ~~اتحاد المعنى؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم أن قوله فى الأولى "بأفواههم " ينبئ عن مبالغة ~~واستحكام وتمكن فى اعتقاد أو قصد لا يحصل من قوله "بألسنتهم " ألا ترى ~~قولهم: تكلم بملء فيه حين يريدون المبالغة وقال تعالى: "اليوم نختم على ~~أفواههم " والمراد المبالغة فى منعهم من الكلام وإذا ختم على الأفواه ~~امتنعت الألسنة عن النطق وكان أحكم فى المنع ولما كان المراد بالآية الأولى ~~الإخبار عن المنافقين كعبد الله بن أبى وأصحابه ممن استحكم نفاقه وتقرر ~~فقال يوم أحد ما حكى الله تعالى من قولهم فى المخالفين لهم من الأنصار ممن ~~أكرمه الله بالشهادة فى ذلك اليوم: "لو أطاعونا ما قتلوا " إلى ما قالوه من ~~هذا ثم وروا عنه بقولهم لصالحى المؤمنين: "لو نعلم قتالا لاتبعناكم " فأخبر ~~تعالى عنهم بما أكنوه من الكفر فقال تعالى: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم " فناسب الإبلاغ فى قوله تعالى: ~~"بأفواههم " ما انطووا عليه واستحكم فى قلوبهم من الكفر وأما آية الفتح ~~فإخبار عن أعراب ممن قال تعالى فيهم: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا " وهؤلاء لم يستقر نفاقهم كالآخرين وإنما ms101 أخل بهم قرب عهدهم ~~بالكفر وإن لم يتقرر الإيمان فى قلوبهم لكن لا عن نفاق كنفاق الآخرين قال ~~تعالى مخبرا عن هؤلاء الأعراب: "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا " فعن هؤلاء قال تعالى: "يقولون بألسنتهم ما ~~ليس فى قلوبهم "، فعبر بالألسنة إشعارا بأن حال هؤلاء ليس كحال المنافقين ~~المقصودين فى آية آل عمران. # فلاختلاف الطائفتين # اختلفت العبارة عما صدر منهم وورد كل على ما يناسب ولم يكن عكس الوارد ~~ليناسب والله أعلم. # الآية السابعة عشرة: # قوله تعالى: "فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر ~~والكتاب المنير " وفى سورة الملائكة [فاطر]: "وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور "، ورد فى هاتين الآيتين المفعول المقام مقام ~~الفاعل وهو رسل مكسر والاسم المجموع جمع تكسير يجوز فيه التذكير # # PageV01P094 # والتأنيث فورد فى الآية الأولى "فقد كذب " على رعى التذكير ولم يقرأ ~~بغيره وفى الآية الثانية "فقد كذبت " على معنى التأنيث لزوما أيضا مع وحدة ~~اللفظ فى المرفوع المفعول وما يجوز فيه من التذكير والتأنيث فيسأل عن ذلك. # والجواب عن ذلك والله أعلم أن كلا الآيتين مراعى فيه ما يلى تابعا ~~للمرفوع من الوصف فى الأولى وما عطف فى الثانية. # أما الأولى فقال تعالى "جاؤوا بالبينات ". # ولا يمكن هنا إلا هذا فجرى على ما هو الأصل فى جمع المذكر المكسر من ~~التذكير فلم تلحق الفعل علامة التأنيث، وأما آية الملائكة فلحقت التاء ~~الفعل رعيا لما عطف على الآية من قوله تعالى: "وإلى الله ترجع الأمور " ~~فليس فى هذا إلا التأنيث سواء بنى الفعل للفاعل أو للمفعول فنوسب بين ~~الآيتين فقيل "كذبت " على الجائز الفصيح فى تأنيث المجموع المكسر ليحصل ~~التناسب ولا يمكن عكس الوارد فى الآيتين والله أعلم. # الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: "وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور " وفى سورة لقمان: "واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " بغير ~~لام فى خبر إن فى الآيتين وفى سورة الشورى: "ولمن ms102 صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور " فزيد فى هذه الآية اللام المذكورة فى الخبر فقيل: "لمن عزم الأمور ~~" فللسائل أن يسأل عن الفرق. # والجواب والله أعلم اختلاف ما وقع الحض على الصبر عليه فى هذه الآيات ~~وأشير إليه بذلك وأنه من عزم الأمور أما الأولى فإن قبلها: "لتبلون فى ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا " فوقع الاخبار بالابتلاء فى الأموال والأنفس وسماع الأذى ممن ~~ذكر فعرفوا بثلاث ضروب وأمروا بالصبر عليها وهو أربعة أشياء بالتفت التفصيل ~~فى المسموع منه الأذى واعلموا أن الصبر عليها من عزم الأمور وأما آية لقمان ~~فأشير فيها بذلك إلى أربع خصال أمر بها لقمان لبنه وذلك قوله: "يا بنى أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك " وأتبعت بقوله ~~تعالى: "إن ذلك من عزم الأمور " والأربعة فى الآيتين من العدد القليل وأما ~~آية الشورى فالاشارة فيها بقوله "إن ذلك " إلى اثنى عشر مطلوبا من لدن قوله ~~تعالى: "فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا " وهذه اشارة إلى التنزه عن ~~ذلك ثم قيل للذين آمنوا: "وعلى ربهم يتوكلون " فالاشارة إلى الإيمان ~~والتوكل والتزام ذلك ثم قال تعالى: "والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ~~وإذا ما غضبوا هم يغفرون " فهذه التزامات # # PageV01P095 # ثلاثة ثم قال: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ~~ومما رزقناهم ينفقون " فهذه التزامات أربع ثم قال: "والذين إذا أصابهم ~~البغى هم ينتصرون " فأشار إلى أن هؤلاء لا يظلمون أحدا وان أقصى ما يقع ~~منهم الانتصار ممن يظلمهم وذلك مباح لهم غير قبيح وقد قيل بقوله بعد: ~~"وجزاء سيئة سيئة مثلها " ثم عرف بحال أجل من ذلك وأعلى عملا فقال: "فمن ~~عفا وأصلح فأجره على الله " وأعلم مع علو هذا الملتزم أن المنتصر من ظلمه ~~ما عليه من سبيل وانما السبيل إنما هو على ظالمى الناس والباغين، وبعد هذه ~~الخصال النيفة على العشر قال تعالى فى التزام جميعها: "إن ذلك لمن عزم ~~الأمور ms103 " فناسب كثرة هذه الخصال الجليلة زيادة اللام المؤكدة فى قوله "إن ~~ذلك لمن عزم الأمور " ولم يكن فى الآيتين # قبلها كثرة فناسبها عدم زيادة اللام على أن ما ختمت به آية الشورى من ~~قوله: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله " وهى الخصلة الشاهدة بكمال الإيمان ~~للمتصف بها فلو لم يكن قبل قوله: "إن ذلك لمن عزم الأمور " غيرها لكانت ~~بمعناها أعم من الخصال المذكورة فى آية آل عمران إذ تلك الخصال داخلة تحت ~~هذه الخصلة الجليلة ومن منطوياتها فناسب ذلك أتم المناسبة ولم يكن العكس ~~ليناسب والله سبحانه أعلم. # # PageV01P096 ### | سورة النساء # الآية الأولى منها: قوله تعالى: "يا أيها اللناس اتقوا ربكم الذى خلقكم ~~من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " وفى سورة ~~الأعراف: "هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها " وفى ~~سورة الزمر: "خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها " فيها ثلاث سؤالات، # أحدها: الفرق بين الخلق والجعل، والثانى: وجه تخصيص الأخيرتين بجعل ~~والأولى بخلق، والثالث: وجه ورود ثم فى آية الزمر عوضا عن الواو. # والجواب عن الأول أن العبارة بخلق واردة على ما ينبغى وطابقة للمعنى ~~المقصود وهو المراد بجعل إلا أن جعل ثانية عنها لتوقف الجعل على ما يتقدمه ~~لأن العبارة بخلق تكون عند المتسرعين عن عدم سابق حيث لا تتقدم مادة ولا ~~سبب محسوس واستيفاء الكلام هنا وتحرير التمثيل يطول وله مظان. # وأما الجعل فيتوقف على موجود مغاير للمجعول يكون منه المجعول أو عنه ~~كالمادة والسبب، ولا يرد فى الكتاب العزيز لفظ جعل فى الأكثر مرادا به ~~الخلق إلا حيث يكون فيله ما يكون عنه الجعل أو منه سببا فيه محسوسا عنه ~~يكون ذلك المخلوق الثانى، بخلاف خلق فإن العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم ~~وجوده وجود مغاير يكون عنه الثانى، وقل ما تقع واحدة من العبارتين فى ~~القرآن على خلاف ما ذكرناه، قال تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور ". # وإنما الظلمات والنور ms104 عن أجرام توجد بوجودها وتعدم بعدمها # أما السماوات والأرض فليست كذلك أعنى أنها لا ترتبط بموجود حادث توجد ~~بوجوده وتعدم بعدمه وإن قلنا بتقدم مادة حسبما ورد فى القرآن فى قوله ~~تعالى: "ثم استوى إلى السماء وهى دخان " فى الخبر المذكور فى خلقها وقال ~~تعالى: "وهو الذى مد الأرض وجعل فيها رواسى وأنهارا "، وقال تعالى: "وجعل ~~لكم من الفلك والأنعام ما تركبون "، وفى هذه الآية والمتصلة بها قبلها شوب ~~تصيير لتقارب المعنى فى التصيير وما يكون عن المادة فقد لاح الفرق بين خلق ~~وجعل ووجه تخصيص كل آية مما تقدم بالوارد فيها. # وأما ورود جعل فى آية الأعراف فى قوله تعالى: # # PageV01P097 # "وجعل منها زوجها " فلما قصد هنا من معنى السكن وكأنه أريد نفى المغايرة ~~تقريبا وتأنيسا لحصول الركون والسكن الذى جعله الله من آياته ونعمه لتستحكم ~~سببية التناسل والتكثير فكانت جعل أوقع فى هذا الغرض ثم إن الخبر وارد بخلق ~~حواء من ضلع آدم فهذا نحو من المتقدم فى سورة الأنعام وعبر فى سورة النساء ~~بخلق لمقصود الآية من التعريف بالأولية والابتداء # ولمناسبة ما اتصل بها من قوله "خلقكم " حتى يوافقه من اللفظ ما قصد من ~~المعنى. # وأما الجواب عن السؤال الثالث وهو زيادة "ثم " فى سورة الزمر فلما قصد من ~~الامتنان والإنعام على الجنس الآدمى ولتفاوت ما بين الآيتين العجيبتين من ~~خلق الصنف الإنسانى من شخص واحد وخلق زوجه فجئ بثم المنبهة على معنى ~~الاعتناء بذكر ما عطف بها والتأكيد لشأنه للمزية على المعطوف عليه القائمة ~~مقام التراخى فى الزمان. # قال الزمخشرى: فإن قلت ما معنى قوله "ثم جعل منها زوجها " وما تعطيه من ~~معنى التراخى؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التى عددها دالا على وحدانيته ~~وقدرته وهما تشعب هذا الخلق الفائت للحصر وانتشاره من نفس آدم وخلق حواء من ~~قصيراه إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة والأخرى لم يجر بها العادة ~~ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل فكانت أدخل فى كونها آية وأجلب لعجب ms105 ~~السامع فعطفها بثم على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية ~~وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهو من التراخى فى الحال ~~والمنزلة لا من التراخى فى الوجود. # قلت وعلى هذا المأخذ يسقط الاعتراض بأن ثم قد تجرى مجرى الواو فلا تقتضى ~~الترتيب الزمانى لزوما أما إذا قلنا إنها ترد لقصد التفاوت والتراخى ~~الزمانى لزوما ولا تحتاج إلى انفصال عن ذلك الاعتراض ولا أن تقول: إن ثم قد ~~تكون بمعنى الواو قلت ومن ورود ثم لما ذكرنا من تراخى الرتبة قوله جل ~~وتعالى: "وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " قال الزمخشرى: ~~ومنه قوله تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ". # وكلمة التراخى دلت على ثبات المنزلتين دلالتهما على تباين المرتبتين فى ~~جاءنى زيد ثم عمرو؟ أعنى أن منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير ~~نفسه لأنها أعلى منها وأفضل ومنه قوله تعالى: "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ~~ثم قتل كيف قدر "، قال الزمخشرى: # إن قلت ما معنى ثم الداخلة فى تكرير الدعاء قلت: الدلالة على أن الكرة ~~الثانية أبلغ من الأولى ونحوه قوله: # # PageV01P098 # ألا ياسلمى ثم اسلمى ثمت اسلمى # أنشده النحويون على إلحاق تاء التأنيث بثم وأنشده الزمخشرى ومثل ذلك: "ثم ~~كان من الذين آمنوا " قال: جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده فى الرتبة ~~والفضيلة عن العتق والصدق لا فى الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على ~~غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به. # فثم حيث لا يقصد مهلة الزمان تحرز تنبيها على حال ما يعطف بها ومحله ~~والإشارة إلى أنه بحيث أنه لو لم يذكر ما قبله لكان كافيا فى المقصود هذا ~~ما تحصله حيث لا يقصد مهلى الزمان فلما قصد فى آية الزمر الإنعام والامتنان ~~وتعداد ذلك تعظيما وتفخيما ورد بثم، فقال تعالى: "خلقكم من نفس واحدة ثم ~~جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزاوج ". # فإن قلت: فقد كان الوجه على هذا أن لو قيل: ثم أنزل لكم من ms106 الأنعام قلت: ~~هذه نعمة لا تفتقر لبيان أمرها إلى التنبيه بثم وليست موضع تغفل أو تخف ~~وإنما موضع ثم حيث يراد الاعتناء والتنبيه على قدر المعطوف بها لاحتمال أن ~~يخفى فإذا كان غير خاف وبين الاستقلال بنفسه لم يفتقر إلى هذا ومن حيث قصد ~~معنى الامتنان كانت "جعل " أولى لما تقدم من معناها، فقد وضح ورود كل آية ~~من الثلاث على ما يناسب المقصود من كل واحدة. # الآية الثانية: قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله ~~لكم قياما وازقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " وفى آية أخرى ~~بعد: "وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزوقوهم منه ~~وقولوا لهم قولا معروفا ". # للسائل أن يسأل عن زيادة "واكسوهم " فى الأولى وسقوطها فى الثانية. # والجواب: ان قوله تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " إنما المراد به ~~السفيه المتصير إليه المال بإرث ولا يحسن القيام عليه فيحجر عليه ماله ~~إبقاء عليه ولا يمكن منه الا بقدر ما يأكله ويلبسه، فالنهى إنما هو ~~للأوصياء ونسبة المال إليهم مجازا بما لهم فيه من التصرف والنظر، أما الآية ~~الأخرى فليست فى شأن أحوال السفهاء وحكمها، وانما المراد بها المقتسمون ~~لميراث يخصهم لا حق فيه لغيرهم فيحضرهم قريب فقير ويتيم محتاج ومسكين ~~فندبوا إلى التصدق عليهم والإحسان، لا لحق هؤلاء فى المال فمن أين تلزم ~~كسوتهم والتنصيص عليها؟ إنما ندبوا إلى الإحسان إليهم بالعفو مما يخف عليهم ~~وسع ذلك كسوتهم أو لم يسع. # فافترق مقصد الآيتين وجاء كل على ما يناسب. # # PageV01P099 # الآية الثالثة: # قوله تعالى: "ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك الفوز العظيم " وفى سورة المائدة: قوله تعالى: "فأثابهم الله بما ~~قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين " وفى ~~آخر هذه السورة قوله تعالى: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنهم ذلك الفوز العظيم ~~" وفى سورة براءة: "لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ms107 بأموالهم وأنفسهم ~~وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم "، وفى آية منها فيما بعد قوله ~~تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا ذلك الفوز العظيم " وفى سورة إبراهيم: "وأدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم "، وفى سورة ~~الكهف: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ~~أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ... # الآية " وفى سورة الحديد: "بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم " وفى سورة المجادلة: "أولئك كتب فى ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ~~" وفى سورة الصف: "يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة فى جنات عدن " وفى سورة الطلاق: "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا # قد أحسن الله له رزقا " وفى سورة البروج: "إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير " وفى سورة ~~البريئة [البينة]: "جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ". # فهذه ثلاث عشرة آية يجمعها التعريف بالجزاء الأخراوى للمؤمنين والإشارة ~~إلى حال الجزاء ووصفه وقد عرض فيها مما يسأل عنه مما اتفقت فيه أو اختلفت ~~وانفرد به بعضها دون بعض ست سؤالات. # # PageV01P100 # الأول: وهو اتفاق أكثرها فى ذكر الخلود وقد كثر اختلافهما فيما سوى ذلك. # والجواب عنه: أن ms108 وجه اتفاق أكثرها على ما ذكر أن كل نعيم ينقطع فليس ~~بنعيم فى الحقيقة وكذلك العذاب وهذا واضح فلولا الخلود لما كان نعيما فلهذا ~~كثر ترداده مع ضروب الجزاء. # والسؤال الثانى: ما وجه اجتماع الرضا والتأييد فى الآية الثانية من ~~المائدة وثانية براءة وآية البريئة ولم يجمع بينهما فى البواقى؟ # ووجه ذلك والله أعلم أن هذه الآيات على ما يذكر: # أما آية المائدة فقد قال تعالى فيها: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم "، ~~وورد التصديق لعيسى عليه السلام فوسمهم فيها بالصدق وهو أسنى حالات الإيمان ~~وقد قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين "، ~~فالصدق حال الأنبياء والرسل وأولى السوابق. # وأما الآية الثانية من سورة براءة ففيها: "والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار " وسبقية هؤلاء رضوان الله عليهم وما عرف من حالهم ~~وأنهم صفوة المحسنين من هؤلاء الأمة معلوم ملحق لهم بنمط الأعلين من ~~الصادقين من أتباع الرسل فلما كان المشار إليهم فى الآيتين هم الأسوة ~~والقدوة لمن سواهم ناسب حالهم الإطناب فذكر الرضا والتأييد ولم يقع فى ~~الآيات البواقى وصف يلحق أصحابه بهؤلاء وإن شملهم الرضا والخلود فى الجنة ~~لكن تحديد الذكر والإفصاح بالمقدر المفهوم من سياق الكلام وعمومه له حكم قد ~~بين فى نحو قوله: "وجبريل وميكائيل " وبابه. # وأما الآية البريئة فإنها على حكم مقتضى الترتيب الثابت آخر آية ذكر فيها ~~حال المؤمنين فى الجزاء الأخراوى معقبا به ذكر جزاء من كان فى طرف من حالهم ~~من مستوجبى النار على التأييد فكانت هذه الآية مظنة استيفاء للحال فوردت ~~ورود الآيتين قبلها. # والسؤال الثالث وهو ما وجه تخصيص الآيات الأربع: آية المائدة والثانية من ~~سورة براءة وآية الطلاق وآية البريئة بذكر التأييد مع الخلود فقيل: "خالدين ~~أبدا ". # ولم يقع ذلك فى البواقى؟ # والجواب عن ذلك: استدعاء هذه المواضع الأربعة ذكر ذلك. # أما آية المائدة وثانية براءة فلما بنيتا عليه من الإطناب، ولما حمل ~~فيهما على جمع التأييد والرضا حسبما تقدم # # PageV01P101 # فى السؤال قبل هذا، وأما آية الطلاق فوجه ms109 ذكر التأييد فيها ما تكرر فى ~~هذه السورة من ذكر غايات بينها قوله تعالى: "قد جعل الله لكل شئ قدرا " ~~فلما أشارت آى السور إلى غايات ونهايات ناسب ذلك التعريف بأن خلود الجنة ~~متأبد لا انتهاء له ولم يجمع بينه وبين ذكر الرضا إذ لم يجتمع لمن ذكر هنا ~~ما اجتمع لأولئك الموصوفين فى آية المائدة وثانية براءة ولم يبلغوا مبلغهم. # وأما آية البريئة فإنها كما تقدم ختام حال الفريقين فاقتضت الاستيفاء. # والسؤال الرابع: ما وجه تخصيص آية المجادلة بالرضا فقط دون التأييد؟ # والجواب عنه: أن المذكورين فى هذه الآية قد وصفوا بما يلحقهم بأعلى نمط ~~وذلك قوله: "أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه " ثم قال: "أولئك ~~حزب الله " ثم قال: "ألا إن حزب الله هم المفلحون " والفلاح الفوز والظفر ~~ببغية الراغب وحيث يذكر الفوز فهو مغن عن ذكر التأييد إلا أن يقصد الإطناب ~~ولذلك لم يقع ذكر التأييد فى آية النساء والأولى من براءة وسورة الحديد ~~والمجادلة إذ الفلاح فوز فذكر الفوز أو الفلاح مغن عن ذكر التأييد فلم يجمع ~~بينهما، ولما لم يذكر فى آية الطلاق الفوز ولا ما يرادفه لم يكن بد من ذكر ~~التأييد. # فإن قلت: فإن مقصود آية المجادلة الإطناب فلم لم يجمع فيها بين التأييد ~~والرضا؟ # قلت: عدل إلى أوصاف حصل منها خصوص وإطناب فوقع الاكتفاء بها والله أعلم. # والسؤال الخامس: وهو وجه نخصيص آية المجادلة بقوله: "أولئك حزب الله " ~~ووجه ذلك أنه قوبل به قوله فيمن قبل: "أولئك حزب الشيطان " ثم لما طال ~~الكلام بهذا المسوق للمقابلة مع دلالته ودلالة ما قدم من كتب الإيمان ~~والتأييد بروح منه سبحانه وذكر الفلاح لم يحتج إلى ذكر "أبدا " كما أشير ~~قبل. # والسؤال السادس قد تحصل جوابه وهو اختصاص التأييد فقط بآية الطلاق. # الآية الرابعة: # قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان ~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا " وفى سورة الإسراء: "ولا تقربوا الزنا إنه كان ~~فاحشة وساء ms110 سبيلا ". # للسائل أن يسأل عن زيادة قوله "ومقتا " فى سورة النساء وسقوط ذلك فى سورة ~~الاسراء؟ # والجواب عن ذلك: أن نقول: أن المقت هو النقص والاستحقار ومتزوج امرأة ~~أبيه # # PageV01P102 # فاعل رذيلة يمقت فاعلها ويشنأ وتستخسه الطباع السليمة فوسمت فعلته بالمقت ~~وساوت الزنا فيما وراء ذلك فلهذا زيد فى آية النساء قوله "ومقتا ". # الآية الخامسة: # قوله تعالى: "محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان " وفى المائدة "محصنين ~~غير مسافحين ولا متخذى أخدان " لا إشكال فى هذه الآية لأن مصرف الوصف فى ~~الأولى للإماء المتزوجات عند عدم الطول ومصرف الوصف فى المائدة للمتزوجين ~~من الرجال، وهذا السؤال والذى قبله لا إشكال فيهما. # الآية السادسة: # قوله تعالى: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " ~~وفى سورة النحل: "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء " # للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف ما اختلف فى هاتين الآيتين فى التقديم ~~والتأخير من قوله "وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " وقوله "وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء " مع اجتماعهما فى معنى واحد من شهادة الرسل على أممهم وشهادة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم على أمته؟ # والجواب عن ذلك: والله أعلم أن آية النحل تقدمها قوله تعالى: "ويوم نبعث ~~فى كل شهيدا عليهم من أنفسهم " فتقدم اسم الشهيد على المشهود عليه فورد ما ~~نسق على ذلك من الإخبار بشهادته عليه السلام على أمته مرتبا على ما تقدمه ~~من مقتضى النظم فى التناظر والتناسب فقيل: "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء " ~~متوازنا مع قوله "شهيدا عليهم " وذلك على ما يجب والله أعلم. # أما آية النساء فلم يرد فيها إفصاح بذكر المشهود عليهم ولا كناية عنهم ~~بضمير ولا اسم إشارة بل فى آية النساء داع إلى تقدم المجرور ب على وهو أنه ~~لما تقدم قوله تعالى: "والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر " وذلك من صفة المنافقين ناسب هذا تقديم المجرور فى قوله ~~"وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " حتى كأنه بحسب المفهوم لم يقصد به غيرهم ولا ms111 ~~شهد على من سواهم وقد تقدم نحو هذا ومنه # لتقربن قربا جلذيا ما دام فيهن فصيل حيا # وقال تعالى: "ولم يكن له كفوا أحد " وليس فى آية النحل ما يقتضى ذلك بل ~~مقتضاها إطلاق شهادته عليه السلام للجميع من صالح وطالح إذ لم يتقدم قبلها ~~التقييد بل ظاهر مما تقدمها أن المراد جميع من بعث صلى الله عليه وسلم إليه ~~فهذان حاملان من الآيتين على وجوب ورود النظم على ما ورد. # # PageV01P103 # وأيضا فإن قوله تعالى "شهيدا " فى آية النحل لم يقع فى الفواصل بل ~~أثنائها وتأمل ذلك من لدن قوله تعالى: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا " إلى قوله "لعلكم تشكرون " ثم قال: "ألم يروا إلى الطير ~~مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله " إلى قوله "لقوم يؤمنون " ~~واستمرار الآيات على ذلك إلى آخر السورة ولم يتخلل فيما اكتنف الآية قبلها ~~وبعدها فيما قرب منها غير ذلك فقد تقررت فواصل هذه الآى من سورة النحل. # أما آية النساء فبناء نظمها على فواصل روعى فيها مجئ المنون المنصوب من ~~غير التزام حرف بعينه واستمرت الآى قبلها على ذلك. # وقوله "جئنا بك على هؤلاء شهيدا " فاصلة استدعى ورودها على ذلك ما تقدمها ~~من الفواصل وما تأخر عنها وانتظم ذلك على أعلى نظام وأجل مناسبة ولم يكن ~~عكس الوارد فى الآيتين ليناسب والله أعلم. # الآية السابعة: # قوله تعالى: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله # # PageV01P104 # كان عفوا غفورا " وفى سورة المائدة "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ~~" للسائل أن يسأل عن زيادة "منه " فى آية المائدة وعن الواقع فيما أعقبت به ~~كل آية منهما وعن الواقع من الطول فيما أعقبت به آية المائدة فهذه ثلاث ~~سؤالات. # والجواب عن الأول منها: أن زيادة "منه " فى آية المائدة زيادة بيان ألا ~~ترى أن قوله تعالى: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ". # لا يحصل منه ما يحصل من زيادة "منه " فزيدت بيانا واختصت بذلك آية ms112 ~~المائدة لتأخرها فى الترتيب الثابت عليه المصحف والبيان يتأخر عما هو بيان ~~له فجاء على ما يجب. # والجواب عن السؤال الثانى: وهو وجه التناسب بين الآى وما أعقبت به وهو أن ~~آية النساء نزلت قبل تحريم الخمر وقد ذكر المفسرون وغيرهم السبب فى نزول ~~قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون " وأنها نزلت قبل التحريم كما تقدم وكان شاربها قبل أن تحرم ربما ~~عرض له بسببها التأخير لصلاته كما أشارت إليه الآية وفى تأخيرها عن أول ~~وقتها نقص للفضل الموجود فى أدائها أول وقتها فلما كان ذلك مظنة لنقص ~~والوقوع فى أدائها فى آخر وقتها أو بعد وقتها ربما كان الإثم، والآية قد ~~أعقبت بآية التيمم ناسب ما تقدم التعقيب بقوله "إن الله كان عفوا غفورا " ~~إذ العفو والمغفرة مرجوان فى نحو ما تقدم. # وأما آية المائدة فإنه لما تقدم قبلها حلية طعام أهل الكتاب وجواز نكاح ~~نسائهم على الحاصل من قوله تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم " وحال بنى إسرائيل من تحريم الشحوم عليهم وغير ذلك ~~مما شدد عليهم فيه مما هو أمر مرفوع عنا ناسب ذلك تعقيب آية المائدة بقوله ~~تعالى: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته ~~عليكم لعلكم تشكرون " فجاء كل على ما يناسب. # والجواب عن السؤال الثالث: أن آية النساء غير مقصود بها ما قصد بآية ~~المائدة من الإطناب وتأمل ما انطوت عليه كل آية منها من عدد الكلم والحروف ~~من لدن قوله تعالى فى النساء "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى " إلى قوله "وأيديكم " وقوله فى المائدة "يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " إلى قوله "وأيديكم منه " تجد آية العقود ~~يزيد عدد حروفها على آية المائدة بضعا وثلاثين حرفا فلما أطيل فى هذه ~~ناسبها ما أعقبت به وبنى عليها من قوله "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن ms113 يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " وناسب إيجاز آية ~~النساء ما بنى عليها من قوله "إن الله كان عفوا غفورا " إيجازا بإيجاز ~~وإطنابا بإطناب. # فإن قيل: إن الإيجاز فى الكتاب عمدة ما بنى عليه وهو الجارى فى بلاغته ~~وإنما يكون إطناب الكلام لحامل وداع فما الحامل على ذلك فى آية المائدة؟ # فقلت: الحامل على ذلك فيها تفصيل ما وقع فى الآى قبلها مما حلل وحرم من ~~لدن قوله قوله عز وجل "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " إلى تفصيل ~~ما أحل لكم من قوله "يسألونك ماذا أحل لهم " إلى الآية المتكلم فيها فلما ~~جرى ذلك كله مفصلا مستوفى ناسبه الوارد فى الآية وليس فى آية النساء من مثل ~~هذا شئ مما حلل أو حرم فجرى حكمه على نسبة ما تقدمها بناء على رعى المناسبة ~~والله أعلم بما أراد. # الآية الثامنة: # قوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " وفى نصف "لا خير فى كثير من نجواهم " ~~"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ~~ضل ضلالا بعيدا " # للسائل أن يسأل عن وجه # # PageV01P105 # اختلاف تعقيب الأولى بقوله "فقد افترى إثما عظيما " وتعقيب الثانية "فقد ~~ضل ضلالا بعيدا ". # والجواب: أنه لما وقع قبل الآية الكريمة ذكر أهل الكتاب وذكر اعتدائهم ~~وتحريفهم من لدن قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل " ثم قال بعد هذا: "من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه " وهذا إفصاح بكذبهم وافترائهم ثم أتبع ما ذكر ~~بقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به " ناسب ما تقدم من أوصاف الشرك ~~الافتراء الذى هو أخص صفات من كذب من أهل الكتاب من أن المشرك مفتر فقال عز ~~وجل: "ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " ولما لم يتقدم مثل ذلك فى ~~الآية الأخرى إنما تقدم قبلها ms114 قوله: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى " وقبلها ما يخص منافقى أيام نبينا عليه السلام من لدن قوله تعالى: ~~"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما " ثم قال: "ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ### | .... # الآية " فلم يقع فى هذه الآى ذكر تحريف ولا افتراء إنما ذكر منافقو أيامه ~~عليه السلام بنفاقهم وما صدر منهم من غير الكذب والافتراء فناسب ذلك ما بنى ~~عليه من قوله سبحانه: "ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا " كما ناسب قوله ~~فى الأولى "فقد افترى إثما عظيما " ما تقدمه وبنى عليه وجاء كل على ما يجب ~~ولو أعقبت الأولى الثانية والثانية بما أعقبت به الأولى لما ناسب على ما ~~تقدم. # والله أعلم. # الآية التاسعة: # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا " وفى سورة المائدة: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا "، # للسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فى هاتين الآيتين من قوله فى الأولى " إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول " والاكتفاء فى الثانية بقوله " إلى ما أنزل الله ~~" مع استوائهما فى دعاء المخالفين ممن ذكر قبل كل آية منهما إلى متابعة ~~الحق والرجوع إليه. # والجواب أن حال المدعوين مختلف فإن الآية الأولى فى منافق ويهودى تخاصما ~~وتحاكما إلى كعب بن الأشرف ورضيا بحكمه فالمراد بالآية المنافقون لأنهم ~~المظهرون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى موسى عليه ~~السلام القائلون ذلك بألسنتهم ولكون ذلك # # PageV01P106 # نطقا بألسنتهم عبر بالزعم وكنى بالطاغوت فيما ذكره المفسرون عن كعب بن ~~الأشرف قال تعالى: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " ولم ~~تؤمر يهود أن يكفروا بأحبارهم ما لم يحرفوا وإنما المأمورون بالكفر منهم ~~المؤمنون حين ظهر تحريفهم وتبديلهم ثم قال ms115 تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول " أى للحكم بينهم بما أنزل الله صدوا عنه ونفروا ~~إلى التحاكم عند كعب بن الأشرف أو عند الكاهن على الاختلاف فى ذلك. # وأما آية المائدة فمبنية على ما تقدمها من مرتكبات أهل الجاهلية وما سنوه ~~تقليدا أو اتباعا لعمرو بن لحي وأشباهه ممن سن مثل تغييرا لملة إبراهيم ~~عليه السلام فدان بفعلهم فى البحيرة والسائبة والوصيلة والحام # أما البحيرة فهى المشقوق أذنها طولا بنصفين متروكة ترعى وترد الماء لا ~~ينتفع بشئ منها فإذا ماتت أكلها الرجال وحرمت على النساء وذلك إذا ولدت ~~أبطنا قبل عشرة وقبل غير ذلك وكل ضلال باطل. # وأما السائبة فالناقة تسيب للآلهة وأيضا إذا اتبعت إناثا ثنتى عشرة لا ~~ذكر فيها. # وأما الوصيلة فالشاة إذا ولدت ثلاثة بطون أو خمسة إن كان آخرها ذكرا ~~ذبحوه لآلهتهم وإن كان أنثى استحيوها وقالوا إن الأنثى قد وصلت آخاها ~~ومنعته أن يذبح وقيل غير هذا. # والحام فحل الإبل إذا ضرب فيها عشرة أعوام أو ولد من ظهره عشرة قيل ظهره ~~فسيب. # فالضمير من قوله "وإذا قيل لهم " راجع إلى القائلين بهذه الأشياء ~~المتبعين فيها لآبائهم فبين تعالى وحكم فيها بقوله "ما جعل الله من بحيرة ~~ولا سائبة ". # إلى قوله "ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " فحكم هذه الأشياء ~~بين واضح من كتاب الله لا يفتقر فى تعرفه إلى غير سماعه إذا حصل التصديق به ~~وسواء سمع ذلك منه صلى الله عليه وسلم أو من غيره لتواتر نقله فلهذا لم ~~يذكر هنا دعاء إلى زائد على المنزل. # أما آية النساء ففى قضية تخاصم لابد من التحاكم فيها إلى مجتهد يفصل فيها ~~بما فهمه الله من كتابه والآتى به صلى الله عليه وسلم هو المبين ما فيه ~~والمعصوم فيما بين منه ويحكم به والقضية واقعة حال وجوده وحضوره فإليه صلى ~~الله عليه وسلم المرجع فلهذا قيل فى تلك الآية "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول ms116 " ولم يكن عكس الوارد فى الآيتين ليناسب والله أعلم. # الآية العاشرة: # قوله تعالى: "ومن أصدق من الله حديثا " وبعد # # PageV01P107 # هذا "ومن أصدق من الله قيلا "، # للسائل أن يسأل عن اختلاف التعبيرين مع أن المتقدم فى كل من الآيتين ~~إخبار أخراوى. # ففى الأولى "ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه " وفى الثانية وما وعد ~~الله به المؤمنين فى قوله "سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار " ثم جئ ~~بالتمييز مختلفا فقيل فى الأولى "ومن أصدق من الله حديثا " وفى الثانية ~~"ومن أصدق من الله قيلا " فخولف فى العبارة مع وحدة المعنى فيسأل عن ذلك ~~وهل كان يجوز العكس؟ # والجواب أن التعبير الثانى مبنى على ما يجب ربطه به من قوله "وعد الله ~~حقا " وقيل "ومن أصدق من الله قيلا " وأنيب مناب وعدا فكأن قد قيل: ومن ~~أصدق من الله وعدا وهو ما وعدهم به تعالى من النعيم وعظيم الإحسان فجئ بلفظ ~~يوازن المصدر عن قبله وهما وعدا وحقا ويشابههما فى الخفة فسكون عين الكلمة ~~وعدد حروفها كالمصدرين قبلها وكأنه إنما أريد تكرار المصدر بلفظه فاستثقل ~~التكرار للتقارب وعادة العرب فى ذلك فعدل إلى ما يجاريه ويحرز المعنى ~~ولتجرى المصادر الثلاثة مجرى واحدا خفة ووزنا إحرازا للتناسب والتلاؤم. # ولما لم يتقدم فى الآية الأولى ما يستلزم هذا وإن قوله تعالى "ليجمعنكم ~~إلى يوم القيامة " إخبار وحديث عن البعث بعد الموت وجمع الخلق لحسابهم ~~ومجازاتهم على الخير والشر فهو إخبار وإنباء، ومثله ما ورد فى قوله تعالى ~~إخبارا عن قول منكرى البعث "هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~"الآية فالإنباء هنا هو ذلك الخبر الصدق منه تعالى بقوله "ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة " الآية فقد وضح ورود كل واحدة من الآيتين على ما يناسب ويلائم ~~والله أعلم. # الآية الحاية عشرة: # قوله تعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين ... # الآية " وفى الأنفال: "ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب " وفى ~~الحشر: "ذلك بأنهم شاقوا الله ms117 ورسوله ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب ~~" # للسائل أن يسأل عن إدغام الوارد فى الحشر وفك الإدغام فى السورتين قبل ما ~~وجه ذلك مع أن الفك والإدغام فصيحان؟ # الجواب أن الإدغام تخفيف وليس بالأصل فورد فى النساء على الأصل ولم يقترن ~~به ما يستدعى تخفيفه ولا سؤال فى ذلك ولما تقدم فى سورة الحشر قوله تعالى: ~~" ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله "وتقد الماضى مدغما ولم يسمع فى الماضى إلا ~~تلك اللغة، # # PageV01P108 # فجئ بما حمل عليه من قوله: "ومن يشاق الله " مدغما ليحصل مجئ الإدغام ~~قبله فى الماضى من قوله "ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله " وعطف "ورسوله " على ~~اسم الله تعالى وقد وردت نسبة المشاقة لله ورسوله وورد ذلك بالعطف بالواو ~~الجامعة وهو ما يناسب الفك فاستدعى الموضع داعيان: # أحدهما ما قبله من الإدغام، # والثانى ما بعده من العطف المشبه للفك، فروعى البعدى لأنه أقوى فى الرعى ~~كما فعلوا فى الإمالة فلم يميلوا مناشيط وما كان مثله مما تأخر فيه حرف ~~الاستعلاء وإن حال بينه وبين الألف حرفان ومع ذلك فإنه يمنع الإمالة وليس ~~كذلك فى قوة المنع إذا تقدم مع حائل فكذا فعلوا فيما تقدم فراعوا ما بعد ~~كما ذكرنا فلم يدغموا إذ المتقدم فى قوة المفروع منه المنقطع المتصل بعد فى ~~النطق أقرب، فورد على ما يجب ويناسب. # الآية الثانية عشرة: # قوله تعالى: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ~~أن يصالحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا " # وفى آية أخرى بعد # "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما " # فيهما سؤالان: # قوله فى الأولى "وإن تحسنوا وتتقوا " وفى الثانية "وإن تصلحوا " ~~والختامان "خبيرا " فى الأولى و"غفورا " فى الثانية. # والجواب والله أعلم: أن الآية الأولى فيما بين المرأة وزوجها فإذا خافت ~~منه وأرادت تآلفه وبقاءه وكينونتها فى عصمته فلا جناح ms118 عليهما أن تعطى شيئا ~~من نفسها وتترك بعض حقها كأن تؤثر ضرتها فى القسمة أو تترك هى حظها كما ~~فعلت سودة رضى الله عنها أو تهب له من حالها لا جناح عليهما فى هذا ولا على ~~زوجها فى قبول ذلك منها وإن كان الطبع يأبى من إسقاط حق أو تنقصه لما جبلت ~~عليه النفوس وإليه الإشارة بقوله تعالى: "وأحضرت الأنفس الشح " ثم قال ~~تعالى: "وإن تحسنوا وتتقوا " فندب كلا منهما إلى الإحسان والتقوى والزوج ~~أخص بذلك وأولى وأن يحتمل كل منهما من صاحبه ويصبر فإن الله مطلع عليه خبير ~~بما يكنه ويخفيه، # ثم قال: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بيم النساء ولو حرصتم " لأن القلوب لا ~~تملك ولا بيد الإنسان فسادها ولا صلاحها فإن عدل فى القسمة والمحادثة ~~والإنفاق والنظر وبشاشة الوجه وجميل الملاقاة وفرضنا اجتهاده فى هذا كله ~~حتى تحصل المساواة # # PageV01P109 # لم يقدر أن يميل بقلبه إلى كلهن على حال سواء: "فلا تميلوا كل الميل " بل ~~على الإنسان أن يجتهد وفى الحديث عنه عليه السلام: "اللهم هذه قسمتى فيما ~~أملك فلا تلمنى فيما لا أملك "، "فتذروها كالمعلقة " لا ممسكة ولا مطلقة ثم ~~قال تعالى: "وإن تصلحوا وتتقوا " والمراد ما استطعتم وكان فى إمكانكم فإن ~~الله يغفر لكم ما سوى ذلك. # والآية الأولى مقصودها يستدعى ما ختمت به من أنه تعالى خبير بأفعال عباده ~~وأعمالهم الظاهرة والباطنة ومساق هذه الأخرى يستدعى مغفرته تعالى إذ قد ~~عرفت الآية أن العدل لا يستطاع فإن لم تكن المغفرة هلك الملكف فورد أعقاب ~~كل آية بما يناسب وأما ورود "وإن تحسنوا " فى الآية الأولى وورود "وإن ~~تصلحوا " هنا فمفهوم مما تمهد وأنسب شئ والله أعلم. # الآية الثالثة عشرة: # قوله تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ~~ولله ما فى السماوات وما فى الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما فى السماوات وما فى الأرض وكان ~~الله غنيا حميدا ولله ما ms119 فى السماوات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا " # للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف ما أعقبت به هذه الآى الثلاث من أوصافه ~~العلية سبحانه وتعالى: "وكان الله واسعا حكيما " وفى الثانية: "وكان الله ~~غنيا حميدا " وفى الثالثة: "وكفى بالله وكيلا " يسأل عن ذلك وعن تكرار ~~إخباره تعالى وقوله "ولله ما فى السماوات وما فى الأرض " ثلاث مرات مع ~~تقارب الكلام واتصاله. # والجواب عن الأول: إنه لما قال سبحانه فى الزوجين عند عدم انقيادهما لحسن ~~المعاشرة "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " قال الزمخشرى: "يرزقه زوجا ~~خيرا من زوجته وعيشا أهنأ من عيشه " ولما قال "يغن الله كلا من سعته " ناسب ~~هذا ذكر ما يقتضى من صفاته عموم وجوه الإحسان وأنه لا نفاد لما عنده مما به ~~قوام عيشهم وكمال حال كل واحد منهم من الرزق والسكن والتأنيس وأنه سبحانه ~~المنفرد بعلم وجه الحكمة فى تآلفهم فقال "وكان الله واسعا حكيما " أى كثير ~~العطاء جم الإحسان عليم بخفيات مصالح العباد فقوله "وكان الله واسعا حكيما ~~" عقب ما تقدمه من قوله " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " أوضح شئ فى ~~المناسبة ثم اتبع بما يلائم ذلك ويزيده وضوحا من إخباره تعالى من أن ~~السماوات والأرض وما فيهما ملكه تعالى فقال "ولله ما فى السماوات وما فى ~~الأرض " ثم أتبع سبحانه أنه بما يرجع إلى عموم # # PageV01P110 # إحسانه إلى من تقدم من المخاطبين بكتبه المنزلة رحمة لعباده وإحسانه كما ~~أحسن إلى المواجهين بهذا الكتاب والمهيمن من على هذه الخطاب فقال "ولقد ~~وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " وأعلم سبحانه ~~أنه محسن إليهم لأن تقواهم إياه تعالى مثمرة لهم السلامة من عذابه والنجاة ~~من أليم عقابه وأنه ليس به إلى تقواهم من حاجة ولا يعود إليه سبحانه من كل ~~ذلك منفعة إذ هو الغنى عنهم وعن عبادتهم فقال: "وإن تكفروا فإن لله ما فى ~~السماوات وما فى الأرض " فهو الغنى عنكم وعن عبادتكم كما قال تعالى فى آية ~~أخرى: ms120 "وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جمبعا فإن الله لغنى حميد " ~~وقال تعالى: "فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد " وإذا كان الكل ~~ممن فى السماوات والأرض ملكا له سبحانه وتحت قهره وفى قبضته يفعل فيهم ما ~~يشاء ولا يكون منهم إلا ما يشاؤه ويريده وهو الغنى الحميد ثم أكده بقوله ~~"ولله ما فى السماوات وما فى الأرض " لما بنى عليه من قوله "وكفى بالله ~~وكيلا " أى حافظا لجميع # ذلك منفردا بتدبيره وإمساك السماوات والأرض ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد ~~من بعده فختام الآية بهذه الصفة من أنسب شئ وأبينه والله أعلم. # الآية الرابعة عشرة: # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " وفى ~~المائدة: "كونوا قوامين لله شهداء بالقسط "فقدم فى آية النساء قوله "بالقسط ~~" وأخر فى المائدة فيسأل عن وجه ذلك. # والجواب عنه والله أعلم: أن الآيات المتصلة بآية سورة النساء مبنية على ~~الأمر بالعدل والقسط قال تعالى: "من يعمل سوءا يجز به ... # الآية " وقال بعد: "ويستفتونك فى النساء " ثم قال: "وأن تقوموا لليتامى ~~بالقسط " وتوالت الآى بعد على هذا المعنى فقدم قوله بالقسط ليناسب ما ذكر # وأما آية المائدة فثبت قبلها الأمر بالطهارة ثم تذكيره سبحانه بتذكر نعمه ~~والوقوف مع ما عهد به إلى عباده والأمر بتقواه فناسبه قوله: "كونوا قوامين ~~لله " ثم أتبع بما بنى على ذلك من الشهادة بالقسط فتأمل ما بنى على هذه وما ~~بنى على آية النساء يتضح لك ما قلته والله أعلم بما أراد. # الآية الخامسة عشرة: # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " وفيما بعد من السورة نفسها # "إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا # # PageV01P111 # إلا طريق جهنم .. # الآية " # للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف الكنايتين عما إليه الهداية الممنوعة عمن ~~ذكر فى الآيتين مع استواء حال من ذكر فيهما من التلبس بالزيادة على الكفر ms121 ~~وفى الجزاء بعدم الغفران ومنع الهداية ومع أن مسمى السبيل والطرق واحد فما ~~وجه اختلاف الكناية باسم السبيل فى الأولى والطرق فى الثانية؟ # والجواب والله أعلم: أن السبيل والطريق وإن استويا واتحد معناهما فيما ~~ذكر فبينهما فرق واضح عن حيث أن مواضع السبيل أكثر ترددا فى الكلام ففى ~~إطلاق لفظه توسعه وعموم ليست فى إطلاق لفظ طريق فقد ورد ذكر السبيل فى ~~الربع الأول من الكتاب العزيز فى بضع وخمسين موضعا أو نحو ذلك من ذلك فى ~~سورة البقرة أربعة عشر موضعا أولها قوله تعالى: "ومن يتبدل الكفر بالإيمان ~~فقد ضل سواء السبيل " وآخرها قوله تعالى: "للفقراء الذين أحصروا فى سبيل ~~الله " وفى آل عمران ستة مواضع وفى النساء ستة وعشرون موضعا وفى المائدة ~~والأنعام تسعة مواضع ولم يقع ذكر الطريق فى كتاب الله كله إلا فى [أربعة ~~مواضع] ثم إن اسم السبيل مع ما تقرر من كثرة ترداده أغلب وقوعا فى الخير ~~وسبيل السلامة إفصاحا وإشارة، ولا يكاد اسم الطريق يرد مرادا به السلامة ~~والخير إلا مقرونا بوصف أو إضافة أو ما يخلصه لذلك كقوله تعالى: "يهدى إلى ~~الحق وإلى طريق مستقيم ". # وإذا تقرر هذا فقوله تعالى فى الآية الأولى: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " حاصل منه وسم هؤلاء بشر وصف وأعظمه ~~وأبلغه بأقصى غاية فى شنعة المرتكب فليست حال من كفر بعد إيمان كحال من لم ~~يتقدم كفره إيمان قال تعالى فيمن توعده بأشد الوعيد: "من كفر بالله من بعد ~~إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم ~~غضب من الله ولهم عذاب عظيم " # إلى ما وصفوا به من استحبابهم الحياة الدنيا على الآخرة وإنما وقع ذلك ~~منهم بعد علمهم بكيان الآخرة وتصديقهم بها ثم اختاروا الدنيا عليها فحالهم ~~حال من أضله الله على علم ولا أسوأ حال من هؤلاء. # أما الموصوفون فى الآية الثانية بالكفر والظلم فدون هؤلاء فى شنعة ~~المرتكب والمبالغة فى الضلال ألا ms122 ترى أن حال الكافر الذى لم يتقدم منه ~~إيمان ليست كحال من تقدم منه إيمان لكفر هذا على علم ولا حال من وصف بالظلم ~~وإن كان يقع على الكفر وما دونه كحال من وصف فى الآية الأولى بعوده # # PageV01P112 # إلى الإيمان ثم إلى الكفر بعد ذلك ثم الازدياد فى الكفر فلما بلغت حال ~~هؤلاء فيما وصفوا به أشنع غايات الكفر والضلال وأشدها تخبطا ناسب ذلك ~~الكناية عما صدوا عنه ومنعوه "بالسبيل " مناسبة بين حالهم والممنوع من ~~محسود مآلهم ولما لم يكن وصف الآخرين بالكفر والظلم يبلغ شنعة المرتكب مبلغ ~~أولئك عدل فى الكناية عما منعوه إلى ما يناسبه وجرى كل على ما يجب ويناسب ~~ولم يكن عكس الوارد ليلائم ولا ليناسب والله أعلم. # الآية السادسة عشرة: # قوله تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخفوه تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا ~~قديرا " وفى سورة الأحزاب: "إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ ~~عليما " # للسائل أن يسأل هنا فى ثلاثة مواضع: أحدها قوله: "إن تبدوا خيرا " وفى ~~الأحزاب "شيئا " فيسأل عن وجه الفرق؟ والثانى: ما الموجب لخلاف جواب الشرط ~~فى الآيتين؟ ففى الأولى "فإن الله كان عفوا قديرا " وفى الثانية "فإن الله ~~كان بكل شئ عليما " والثالث: زيادة قوله فى الأولى "أم تعفوا عن سوء ". # والجواب عن الأول: إن قوله تعالى "إن تبدوا خيرا أو تخفوه " مقصود به ~~خصوص طرف الخير وعمل البر جريا على ما دارت عليه سورة النساء وتردد فيها من ~~إصلاح ذات البين والندب إلى العفو والتجاوز عن السيئات ألا ترى قوله تعالى ~~لمقتسمى الميراث فيمن حضره من ذوى القربى وذوى الحاجات "فارزقوهم منه ~~وقولوا لهم قولا معروفا " وقوله فى الآيتين الفحشة "فإن تابا وأصلحا ~~فأعرضوا عنهما " وقوله فى النساء "وعاشروهن بالمعروف " وقوله "فإن أطعنكم ~~فلا تبغوا عليهن سبيلا " وقوله "فأعرض عنهم وعظهم " وقوله "وإن تصلحوا ~~وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما " إلى أمثال هذه الآى مما يطول ذكره ولا ~~يكثر فى غير هذه السورة ككثرته فيها ms123 ومن هنا لم يتعرض فيها لأحكام الطلاق ~~وان كانت السورة مبنية على أحكام النساء لكن خص من ذلك ما فيه التآلف ~~والإصلاح وما يرجع إلى ذلك ولم يرد فيها من أحكام الطلاق الا ما أشار إليه ~~قوله تعالى "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " فذكر هذا القدر عند استدعاء ~~معنى الكلام وتمام المقصود به إليه بأوجز لفظ وبما يؤنس الفريقين ولم يذكر ~~فيها اللعان ولا الظهار ولا الخلع ولا طلاق الثلاث بل ذكر فيها استحاب ~~العشرة # # PageV01P113 # إلى التوارث فلما كان مبنى السورة على هذا ناسب لك طرف الخير غير مشار ~~إلى ضده الا بالعفو عما وقع بالمكلف فيه فقال تعالى: "إن تبدوا خيرا أو ~~تخفوه أو تعفوا عن سوء " فنوسب بهذا الخصوص خصوص ما تكرر فى السورة بما ذكر ~~من العفو وما يحرزه وفى سورة البقرة: "وأن تعفوا أقرب للتقوى " وذلك فى مثل ~~ما تقدم هنا من أحكام النساء. # وأما آية الأحزاب فمقصود بها ما يعم الطرفين من الخير والشر ألا ترى ما ~~تقدمها من قوله تعالى "وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا " وما تقدم فى هذه السورة من ذكر المنافقين وسوء ~~مرتكبهم فى قصة الأحزاب وقولهم "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " وقولهم ~~فى الاستئذان "إن بيوتنا عورة " وكذبهم فى ذلك فحذر الله # المؤمنين من مرتكبات المنافقين وأعلمهم أنه تعالى لا يخفى عليه شئ "سواء ~~منكم من أسر القول ومن جهر به " فقال تعالى "إن تبدوا شيئا أو تخفوه " فلما ~~قصد فى هذه الآية عموم الطرفين ورد بلفظ مطلق يعم الخير والشر فقال تعالى: ~~"إن تبدوا شيئا " والشئ يقع على كل موجود من ذات أو معنى حتى أن بعض ~~المتكلمين يطلقه على المعدوم المقدر الوجود فيقول بشيئة المعدوم وليس هذا ~~من قولنا ولكن الإطلاق حاصل كيفما قيل والشئ المخفى المشار إليه فى الآية ~~إنما هو عمل قلبى موجود بمحله فلا اعتراض علينا به والخير والشر داخلان تحت ~~ذلك وأما لفظ ms124 خير فى آية النساء فقد تقدم خصوصه ومناسبته فورد كل على ما ~~يجب ويناسب ولا يمكن فيه العكس. # والجواب عن السؤال الثانى: ان اختلاف جواب الشرط فى الآيتين إنما هو بحسب ~~ما يستدعيه فقوله تعالى فى الأحزاب: "فإن الله كان بكل شئ عليما " يبين ~~الجوابية لقوله تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخقوه " وأم قوله فى آية النساء ~~"فإن الله كان عفوا قديرا " فمنزل على قوله "أو تعفوا عن سوء "فندب سبحانه ~~العباد إلى العفو بمفهوم هذه الكلام بإعلامهم أن تلك سنة فى خلقه من عفوه ~~عن المسئ مع القدرة على أخذه والانتقام منه "ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " وهذا الجواب لقوله تعالى: "أو تعفوا عن ~~سوء " يفهم جواب الأمرين من إبداء الخير وإخفائه وان ذلك يحبه تعالى ويثيب ~~عليه فقد بان التناسب فى هذا كله فى كل واحد من الشرطين وجوابهما. # والجواب عن السؤال الثالث: ان قوله تعالى: "أو تعفوا عن سوء " من تمام ما # # PageV01P114 # قصد بالآية من الندب إلى تحصيل أفعال البر وان العفو عن السوء من أجلها ~~وبذلك أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: "فاعف عنهم واصفح ~~" فى غير ما آية فقد بان التاسب فى هذا كله. # ووضح أن كل ما ورد فى الآيتين لا يلائمه غير موضعه والله أعلم بما أراد. # # PageV01P115 ### | سورة المائدة # الآية الأولى منها: # قوله تعالى: " أحلت لكم بهيمة الأنعام " وفى سورة الحج: "وأحلت لكم ~~الأنعام "، للسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فى الآيتين مع اجتماعهما فى ~~التعريف بحلية هذا الضرب من الحيوان البهيمى مفصحا فيهما بتقرير حكم ~~التحليل بالماضى وهو قوله "أحلت لكم " ثم خصت آية المائدة بزيادة لفظ ~~"بهيمة " ولم يرد ذلك فى آية الحج فيسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب عنه والله أعلم: أن المقصود فى الآيتين مختلف فوردت الألفاظ بما ~~يحرز ذلك وبيانه أن اسم الأنعام إنما يقع على ما ذكر فى آية سورة الأنعام ~~من الأزواج الثمانية حين تفسرت ms125 مفصلة فقال تعالى: "ثمانية أزواج من الضأن ~~اثنين ومن المعز اثنين " ثم قال تعالى: "ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين " ~~وهى أصناف أربعة الإبل والبقر والضأن والمعز تفصلت بحسب التذكير والتأنيث ~~إلى ثمانية والحمولة منها ما أطاق الحمل على ظهره وهى الإبل والفرش ما ~~سواها وقيل غير هذا وقال تعالى: "وإن لكم فى الأنعام لعبرة نسقيكم مما فى ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين " وإنما اللبن المراد هنا ~~المنعم به علينا لبن الأنعام وهى الأزواج الثمانية أما لبن الوحشى غير ~~الإنسى فلم يقصد هنا وان كان حلالا لتعذر إدراكه وليس هو المراد فى الأنعام ~~وان جاز إطلاق اسم الأنعام على الوحشى مجازا لجامع سنذكره بعد. # قال الهروى: الأنعام المواشى من الإبل والبقر والغنم وإذا وضح أن الأنعام ~~هى الأزواج الثمانية فمن المعلوم أن غيرها من الوحشى الذى لا يدرك إلا ~~بالصيد محرم على الحاج ما دام فى عمله قال تعالى: "وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما " ولما كانت آية سورة الحج مناطة بما أمر به الحاج فى قوله: "ثم ~~ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " والأمر بتعظيم تلك ~~الحرمات والشعائر الإيمانية فى قوله تعالى: "ومن يعظم حرمات الله فهو خير ~~له عند ربه " وصل بها ما يحل أكل لحمه للمحرم حال إحرامه فقال تعالى: ~~"وأحلت لكم الأنعام " ولم يكن ليلائم هذا الموضع ما ورد فى آية المائدة من ~~قوله تعالى: # # PageV01P116 # "أحلت لكم بهيمة الأنعام " لأن المراد ببهيمة الأنعام الوحشى، قال ~~القرطبى "بهيمة الأنعام وحشيها " وقال الزمخشرى فى أحد تفسيريه "الظباء ~~وبقر الوحشى " ووجه وقوعها فى آية المائدة أن آية المائدة من آخر ما نزل ~~وقد تضمنت متممات من الأحكام كآية الوضوء والتيمم وتفاصيل الصيد واستيفاء ~~المحرمات من المأكولات والمشروبات على التحرير وأحكام هذه السورة كثيرة ~~ومحكمة غير منسوخه وفيها ورد "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ~~ورضيت لكم الإسلام دينا " فناسب هذا ذكر حلية بهيمة الأنعام إلحاقا لها ~~بالأنعام إذ لم يذكره الله فى ms126 غيرها على ما ورد فى تحرير ذلك وبيان العوارض ~~التى قد تحرم لأجلها وذلك قوله تعالى: "حرمت عليكم الميتة والدم " ثم أتبع ~~بقوله: "والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة " لأن هذه العوارض تكثر فى ~~الوحشى لمخالفة حاله فى التذكية وما تحل به الإنسية من الأنعام ثم أتبع ذكر ~~ما يعرض مما ذكر مما وقعت الإشارة بقوله: "إلا ما يتلى عليكم " ثم أشار ~~قوله: "غير محلى الصيد وأنتم حرم " إلى ما أفصح به قوله تعالى: "وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما " فوضح التناسب وإن عكس الوارد فى الآيتين لم يكن ~~ليناسب والله أعلم بما أراد. # الآية الثانية من سورة المائدة: # قوله تعالى: "يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " وفى سورة الفتح: "يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا " وكذا فى سورة الحشر فيسأل عن موجب اختصاص سورة ~~المائدة بما ورد فيها من إضافة اسم الرب تعالى إليهم بخلاف السورتين. # والجواب والله أعلم أن آية المائدة مبنية على تأنيس وتقريب واستلطاف وقد ~~أحرز قوله "من ربهم " هذه المعانى الثلاثة حسبما يتبين بعد. # ومن التأنيس أيضا افتتاح خطاب من قصد بها بقوله "يأيها الذين آمنوا " مع ~~انهم نهوا عن عدة منهيات والنهى مما يثير الخوف لمن قصد بالنهى، ثم يحكمه ~~ويقويه ما وصف به آم البيت الحرام من ابتغاء الفضل والرضوان إلى ما تعضيده ~~إضافة التخصيص فى قوله "من ربهم " إذ لا يحصل ذلك من أن لو قيل: يبتغون ~~فضلا من الله عوض قوله "من ربهم " وإذاية من خص بتقريب ليست كإذاية من ليس ~~كذلك، والمعصية قد تكون واحدة ثم تعظم بإيقاعها على صفة ما، وتأمل ما ورد ~~فى الزنا بحليلة الجار والزنا كله كبيرة ولكن وقوعه بحليلة الجار زيادة ~~وذلك لحرمته، وكذلك ما عظم الشرع من الإلحاد فى البيت الحرام والإلحاد كله # # PageV01P117 # كفر ولكن فى وقوعه فى البيت الحرام زيادة، وتأمل هذا فى الكتاب العزيز ~~وفى صحيح الأخبار تجد ذلك كثيرا، كما أن هذه الإضافة فى قوله "من ربهم " ~~مشعرة إذا اقترن بها بعض القرائن بالتلطف ms127 والتقريب وتأنيس من عنى بها ~~وتخويف من انتهك حرمة من جرت الكناية عنه بها تخصيصا وتأنيسا فلهذا خص هذا ~~الموضوع بها وقدم أيضا تأنيس من خوطب بالنهى إذا هم امثلوا فأنسوا من شدة ~~الخوف الحاصل من مجموع ما ذكرنا فلمجموع ما قصد فى هذه الآية من التأنيس ~~والتخويف والاستلطاف خصت بما ورد فيها. # فإن قلت قد ترد هذه الإضافة حيث لا يقصد التلطف ولا التأنيس كقوله تعالى: ~~"وللذيم كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير " إلى أمثال هذا مما يكثر قلت: ~~أما آية الفتح فلم ينجر فيها تخويف مرتكب ولا بنيت على ذلك ولا داعية إلى ~~ما يستدعى التأنيس كما فى آية المائدة وهذا مع أن المذكورين فى آية الفتح ~~أعظم الأمة قدرا وأجلهم خطرا وهم أهل المزية والاختصاص فلم تين الآية الا ~~على مدحهم وبيان مزيتهم التى لا يدركها غيرهم ولم ينجر فيها تخويف يدعو إلى ~~تأنيس من خوطب بها كما فى آية المائدة بل وردت هذه مورد البشارة وتعريف حال ~~الأنعام، وعلى ذلك وردت آية الحشر من الثناء والمدحة ولم يتخللها نهى ولا ~~تخويف ولا ورود تفضيل بذكر مخالفى تلك الأحوال فقال تعالى: "للفقراء ~~المهاجرين " إلى قوله "يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله ~~أولئك هم الصادقون " فقد وضح الوجه فى ورود كل من هه الآى على ما ورد وإن ~~عكس الوارد فيها لا يناسب على ما تمهد والله سبحانه أعلم. # الآية الثالثة من سورة المائدة: # قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~" وقال تعالى فيما بعد: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا " فاتفقت ~~الآيتان على وصية المؤمنين وحضهم على مكارم الأخلاق والعفو ممن تقدمت منه ~~إساءة أكسبت بغضه فكأن قد قيل لهم: لا يحملنكم ما وقر فى صدوركم من بغضكم ~~إياهم على متقدم إساءتهم بصدهم إياكم عن المسجد الحرام عام الحديبية ومنعكم ~~عن الاعتمار لا يحملنكم ذلك على الانتقام منهم والانتصار لأنفسكم والعفو ~~أقرب للتقوى وقد ملكتم فاسجحو، خوطب المؤمنون ms128 بهذا بعد فتح مكة وقهر مفار ~~العرب وإعلاء كلمة الله فندبوا إلى العفو عما تقدم ولا يحاسب من انقاد ~~واستجاب فى دين الله بما كان تقدم من عدوانهم وان وقر فى # # PageV01P118 # النفوس من بغضهم على إساءتهم ما وقر فاستوت الآيتان بأمر المؤمنين بمكارم ~~الأخلاق ثم اختلف تعليق ما حذروا منه أن يحملهم عليه لحظ ما بقى فى نفوسهم ~~فقيل فى الآية الأولى: "أن تعتدوا " وفى الثانية: "على ألا تعدلوا " ~~والاعتداء أشد وأعظم من عدم العدل فللسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فى كل من ~~الموضعين ومناسبته لما تقدمه. # والجواب عن ذلك والله أعلم: أن الآية الأولى ورد فيها الإفصاح بعلة ~~البغضاء الحاملة على الانتصار والانتقام وهى صدهم عن البيت الحرام عام ~~الحديبية وذلك قوله تعالى: "أن صدوكم " أى من أجل أن صدوكم أى منعوكم ف "أن ~~" هنا مصدرية فى موضع المفعول من أجله فلما وقع الافصاح بسبب الشنئان ناسب ~~النظم الافصاح بالعقوبة عليه وهو الاعتداء بالانتقام والمجازاة السيئة ~~بالسيئة لولا ما ندب سبحانه إليه من التخلف الايمانى المشروع للمؤمنين ~~تقديمه واختياره فقيل: "أن تعتدوا " أى لا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا أى ~~على الاعتداء أولا يكسبنكم ذلك المرتكب الفارط منه الاعتداء ولما لم يرد فى ~~الآية الثانية إفصاح بجريمة بل بنيت على أمر المؤمنين بالعدل فقا تعالى: " ~~يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط " فلما أمروا بالعدل ~~ناسب ذلك وصيتهم وأمرهم ألا يحملهم شئ على ترك العدل الذى أمروا به فقيل ~~"على ألا تعدلوا ". # فوضح جليل الالتئام والمناسبة وورود كل من المنهى عن ارتكابه فى الآيتين ~~على ما يجب ويناسب ولا يمكن خلافه والله أعلم. # الآية الرابعة فى سورة المائدة: # قوله تعالى: "وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " وفى النحل: "كذلك يتم ~~نعمته عليكم لعلكم تسلمون " فورد فى الآيتين إتمام نعمته سبحانه على عبادة ~~بعبارة متحدة ثن اختلف النترجى منه سبحانه جزاء على ذلك. # والجواب والله أعلم: أن آية المائدة خطاب للمؤمنين بما يجب عليهم من ~~الطهارة لصلاتهم ms129 وتعليم لهم كيفية عملهم فى ذلك وإنعام عليهم برخصة التيمم ~~إذا عدموا الماء وكل هذا مستوجب للشكر لله سبحانه فقيل فى ختام هذه الآية ~~"لعلكم تشكرون " وأم آية النحل فإن السورة كلها مكية إلا آيات من آخرها ~~وغالب حالها أنها خطاب لكفار قريش وما كان مثلهم ألا ترى افتتاحها بقوله ~~تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه " وإنما هذا خطاب للمرتابين فى الساعة ~~تكذيبا وكفرا ثم قال "سبحانه وتعالى عما يشركون " وقرئ بالتاء فأوضح أن ~~الخطاب # # PageV01P119 # للمرتابين وقوله بعد: "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون " وقوله ~~"والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم لا يخلقون " إلى ما بعد ثم ~~قال "وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين " ثم قال "قد مكر ~~الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد " وقال "إن تحرص على هداهم ~~فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين " ثم قال "وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لا يبعث الله من يموت " ثم قال "ويجعلون لله ما يكرهون "ثم قال بعد ~~آى فذكر بما امتن به سبحانه فقال "ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ~~... # الآية " وعلى هذا استمرت آية سورة النحل وقد تخللها من تذكيرهم بإنعام ~~الله عليهم كثير إلى قوله "والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا " وكل هذا تذكير بعجائبه من إنعامه تعالى لا يمكن نسبة شئ منها ~~لغيره ثم أعقب ذلك بقوله "كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون " أى تدخلون ~~فى دين الإسلام الذى لا يقبل فى الآخرة سواء فهذا أوضح تناسب والسورة مكية. # أما آية المائدة فلم يقع قبلها لغير المؤمنين ولا ما قصد به سواهم ولم ~~يخاطبوا باسم الإيمان إلا وإسلامهم حاصل ثم علموا طهارتهم بعد بيان ما أحل ~~لهم وحرم عليهم ثم أعقب تعليمهم برخصة التيمم عند تعذر الماء فناسب رجاء ~~إنعامه عليهم بهدايتهم للشكر فقيل "لعلكم تشكرون " ولم يكن ليلائم فى كل من ~~ختام الآتين إلا الوارد فيه ولا ms130 يناسب عكس الوارد بوجه فورد كل على ما يجب ~~ويناسب والله أعلم بما أراد. # الآية الخامسة من سورة المائدة ### | قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم " # وفى سورة الفتح: "وعد الله الذبن آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا ~~عظيما "، فقيل هاهنا "منهم "ولم يقل فى آية المائدة "منكم " على مقتضى ~~الخطاب ولا "منهم "على الالتفات فيخصص كما فى آية الفتح بل قطع وعد عن نصب ~~مفعوله وجئ بالجملة فى موضعه فقيل لهم مغفرة وأجر عظيم وجرى ذلك على ما يعم ~~الكل ولا يخص فيسأل عن وجه ذلك. # والجواب عنه والله أعلم: أن آية المائدة لما قدمتها خطاب المؤمنين فى ~~قضيتين: الأولى منهما " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... # إلى قوله لعلكم تشكرون " # # PageV01P120 # والثانية قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ... # الآية " وقد وقع فيما بين هاتين الآيتين قوله تعالى: "اذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذى واثقكم به " ولم يقع أثناء هذه الآى إشارة إلى غيرهم ~~ولا انجر معهم أحد من سواهم لم يحتج إلى تخصيص الخطاب الوعدى فأطلق القول ~~ولم يقيد بأن يقال "منهم " ولا علمت وعد فى مفعولها الثانى كما جاء ذلك كله ~~فى آية الفتح بل عدل عن عملها فى لفظ المغفرة وجئ بالجملة فى موضع المفعول ~~وقطع بقوله لهم على الابتداء والخبر ليكون أبلغ فى استحقاقهم ذلك وأما آية ~~الفتح فأعقب بها التمثيل الجارى فى ذكر الزرع فى قوله تعالى: "يعجب الزراع ~~لغيظ بهم الكفار " مع أن العلية الموصوفين بقوله: "أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم " إلى ما وصفوا به وعرف أنه مثلهم فى التوراة وأن مثلهم فى الانجيل ~~قد كان كذا فمع ما وصفوا به قد عاصرهم وكان فى أيامهم ومعهم من علم نفاقه ~~فمن كان يتظاهر بالإيمان ويسر الكفر: "وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به " وقد صاروا معهم بظاهر أمرهم وأعلم بذلك قوله ~~تعالى: "ويحلفون بالله أنهم لمنكم وما هم ms131 منكم " وعرف سبحانه بأحوالهم وحذر ~~نبيه والمؤمنين منهم فقال: "ولا تطع الكافرين والمنافقين " وقد شمل الكل ~~عموم قوله "والذين معه " بظاهر الإيمان إذ كانوا يتظاهرون بما وصف به ~~المؤمننو فجئ هنا بالوعد محرزا مخرجا منه من كان يتظاهر بالإيمان ويلزق ~~بالمؤمنين وليس منهم فقيل "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم " ~~فجئ بقوله "منهم " ليحرز هذا المعنى الجليل فمن على هذا للتبعيض. # أما آية المائدة فلا يتناول قبلها مما ذكر من الآيات غير المخلص فى ~~إيمانه بخصوص خطابهم بما لا يتناول غيرهم من قوله "يأيها الذين آمنوا " ~~فخصصوا بالنداء ولا يتناول إلا مؤمنا أما مع فيتناول المجتمعين فى الظاهر ~~من حيث تألف أشخاصهم وإن اختلفت قلوبهم ويدل على ذلك قول المنافقين فى ~~القيامة للمؤمنين "ألم نكن معكم " وجواب المؤمنين لهم بقوله "بلى " أى قد ~~كنتم معنا ولكن لم تكونوا مخلصين هذا معنى قولهم "ولكنكم فتنتم أنفسكم ... # الآية " فقد كانت معية فى الظاهر وصح إطلاقها لغة وهذا القدر من الاحتمال ~~فى اللفظ وإن لم يكن مقصودا فى المعنى حسن التحرير والتحرز فى آية الفتح ~~بقوله منهم أما قوله: "وعد الله الذين آمنوا " بعد أن لم يتقدم إلا ذكر من ~~أفصح بلسانه وإنما الإيمان عمل قلبى لأنه # # PageV01P121 # التصديق وإن اتسع فى إطلاقه على الإيمان والإسلام فالتصديق حاصل على كل ~~حال كما لو قيل فى آية سورة الفتح: "والذين آمنوا معهم " إذا تقرر هذا فلا ~~حامل غير التحرز بأن يقال "منهم " لأنهم مستوون غير مختلفين فى ظاهر ولا ~~باطن بخلاف آية الفتح لما فى ظاهر لفظ مع مما تقدم. # فإن قيل: وصفهم بما وصفوا به فى آية الفتح يرفع ما ذكرت من الاحتمال قلت: ~~إذا أمكن رجوعه إلى الأكثر واحتمل لم يندفع ذلك الاحتمال فورد كل من ~~الآيتين على ما يناسب، والله أعلم. # الآية السادسة: # قوله تعالى: " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به " وقال فيما بعد " سماعون للكذب ~~سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ms132 يحرفون الكلم من بعد مواضعه " # فى الأولى "عن مواضعه " وفى الثانية "من بعد مواضعه " فيسأل عن موجب ذلك. # والجواب عن ذلك والله أعلم أن الفرق بين الموضعين أن الآية الأولى تضمنت ~~إخبار الله سبحانه لنبيه عليه السلام مرتكب من تقدم من كفار بنى إسرائيل ~~حين أخذ عليهم الميثاق فيما عرفه سبحانه فى قوله "ولقد أخذنا ميثاق بنى ~~إسرائيل وأخذنا منهم اثنى عشر نقيبا "الى قوله "فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ~~ضل سواء السبيل " فأخذ عليهم الميثاق وأخبرهم أنه تعالى معهم مواليهم ~~بالتأييد وتكفير السيئات إن هم وفوا بما أخذ عليهم فى قوله "لئن أقمتم ~~الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلى وعزرتموهم .. # الآية " فنقضوا العهد وقتلوا الأنبياء وحرفوا كلام الله فجعل الله قلوبهم ~~قاسية ولعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم فهذا كله تعريف بمرتكب سلف ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإخبار بحالهم من تحريفهم ~~وتبديلهم. # وأما الآية الثانية فتعريف له عليه السلام بأحوال معاصريه منهم وكل هذا ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم لئلا يحزنه قولهم ويشق عليه ارتكابهم وليعلم ~~أن ذلك من بعدهم جار على ما قدر عليهم فى الأزل قد تبع فى ذلك الخلف السلف ~~فقال سبحانه: "يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم وإذا جاؤوكم قالوا آمنا " فلما كان هذا الاخبار بحال ~~خلفهم والأول إخبار بحال سلفهم ناسب حال الأولين ذكر ما تناولوه بأنفسهم ~~وباشروه بالتحريف والتبديل فقيل: # # PageV01P122 # "يحرفون الكلم عن مواضعه " فهم المزيون لما خوطبوا به عما أريد به لم ~~يتقدمهم فى ذلك غيرهم وأما المعاصرون فقد حرفوا أيضا بعد الاستقرار، ألا ~~ترى إنكارهم صفته عليه السلام بعد مشاهدته ورؤيته وهذا مما اختص به الخلف ~~دون السلف إذ لم يباشر أمره عليه السلام هؤلاء بعد أن كان سلفهم يعترفون ~~بذلك فقد حرف هؤلاء بعد الاعتراف والثبوت زائدا إلى ما ارتكبه سلفهم ~~فالمقلدون لأسلافهم فى التحريف والتبديل قائلون بما قالوه فناسب الإخبار عن ~~مرتكبهم ذكر البعدية إذ قد تقدمهم ms133 غيرهم لما ذكر فالسلف منهم مبتدع مخترع ~~والخلف محرف أيضا ومقلد متبع فالبعدية لمن بعد والحالية المحكية لمن قبل ~~على ما يناسب والله أعلم. # الآية السابعة: # قوله تعالى: " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير " وفيما بعد: " يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~فقد جاءكم بشير ونذير " # للسائل أن يسأل عما ورد فى هاتين الآيتين من الاختلاف فيما خوطب به بنو ~~إسرائيل ووجه خصوص كل من الموضعين بالوارد فيه مع اتحاد مقصودهما من ~~تذكيرهم وتعنيفهم على إعراضهم وانحرافهم عن الجادة من اتباع من أعلموا ~~بأمره وقدم لهم فيه: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ". # على هذه المقدمة من المعنى مدار الآيتين وإذا وضح هذا فلا سؤال فى غير ~~تخصيص كل واحدة من الآيتين بما ورد فيها؟ # والجواب والله أعلم: أنه لما تقدم قوله تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بنى ~~إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا .. # الآية " فبين تعالى ما عهد إليهم فيه أى فى معرفة نبوته وأن يؤمنوا به ~~"لتؤمنن به ولتنصرنه " وألزموا الوفاء به وأعلموا بما يكون من أمرهم أن ~~وفوا فقيل لهم: "لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~" فالتزموا بما ألزموا بدليل قالوا أقررنا ثم نقضوا وحرفوا فجوزوا باللعنة ~~وقساوة القلوب قال تعالى: "فبما نقضهم ميثاثقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ~~" فلما تقدم هذا ناسبه قوله تعالى لهم: "يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب "وهذا أوضح تناسب. # # PageV01P123 # ولما تقدم الآية الثانية قول النصارى فى المسيح عليه السلام وإخباره ~~تعالى عنهم بذلك فى قوله: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ~~" وبين تعالى حال المسيح فى عبوديته وانسحاب القهر الربانى عليه كسائر ~~المخلوقات فقال تعالى: "فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن ~~مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا .. # الآية ms134 " ثم جمع أهل الكتابين فى التعريف بقولهم "نحن أبناء الله وأحباؤه ~~" وليس هذا الإخبار كالمخبر به من حال اليهود فى قبيح عنادهم وشنيع تحريفهم ~~ولم يجر خطاب النصارى وما عرف به من حالهم فى الكتاب العزيز على حد ما جرى ~~فى ذلك فى يهود من التعنيف والتوبيخ وضرب الذلة واللعنة عليهم والبوء ~~بالغضب، فلما كان هذا التعريف المتقدم على الآية الثانية أوطأ مساقا ودون ~~ما تقدم الآية المتقدمة من التوبيخ والمبالغة فى شنعة المرتكب ناسب هذا ما ~~بنى عليه واتبع به من قوله تعالى: "يأهل المكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ~~ونذير " وفى هذا الخطاب استلطاف ورفق ولم يرد هنا ذكر تحريف ولا تبديل ~~ليلائم ما تقدمه فى لين القول ووطأة الإخبار وتأمل التناسب بين الخطابين ~~وما بنيا عليه يلح لك جليل الانتظام وعظيم التلاؤم وأن عكس الوارد لا يمكن ~~ولا يلائم والله سبحانه أعلم. # الآية الثامنة من سورة المائدة # قوله تعالى: "قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ومن فى الأرض جميعا " وفى سورة الفتح: "قل فمن يملك لكم من الله شيئا ~~إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا "، # للسائل أن يسأل عن زيداة "لكم "فى سورة الفتح وحذف ذلك فى سورة المائدة؟ # والجواب عن ذلك: أن فى آية المائدة عموم يستدعى الإطلاق وعدم التقييد ~~بالمخاطبين وفى سورة الفتح خصوص يستدعى التخصيص بآية الخطاب للمواجهين به ~~وذلك أن الاخبار فى سورة المائدة إنما هو النصارى قال تعالى: "لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " وهذا حكاية قولهم ثم أعلم تعالى ~~بقدرته وقهره للكل فقال: قل يا محمد من يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا أى من يدافع مراده فى خلقه إن ~~أراد هلاكهم ثم ذكر سبحانه خلقه المقهورين من سكان الأرض فبدأ بالمسيح ms135 وأمه ~~عليهما السلام ثم قال: "ومن فى الأرض جميعا " فعم الكل فلم يكن ليناسب هذا ~~العموم أداة خطاب تخص. # # PageV01P124 # أما آية الفتح فقبلها إخباره سبحانه عن المتخلفين عن غزوة الحديبية قال ~~تعالى: "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفرلنا " ~~ثم أعلم تعالى نبيه عليه السلام والمؤمنين أن قول المخلفين قول بألسنتهم ~~غير مطابق لما فى قلوبهم فقال تعالى: قل يا محمد من يملك لكم معشر المخلفين ~~من الله شيئا أى من يدفع عنكم الضر إن أراده بكم أو يوصل إليكم النفع إن ~~منعه عنكم فالإخبار إنما هو عنهم وتقدير النفع والضر مرفوعا أو لاحقا خاص ~~بهم لم يرد بذلك غيرهم فورد بخطاب المواجهة فقال "لكم " ولم يكن بد من ذلك ~~ليعلم أن الإخبار عنهم والخطاب بما بعد لهم فجاء كل على ما يناسب ويجب ولا ~~يتصور فيه العكس والله أعلم. # الآية التاسعة وهى من تمام هذه التى فرغنا منها وهى قوله تعالى إثر قوله ~~"ومن فى الأرض جميعا " فقال: "ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما ~~يشاء والله على كل شئ قدير " وقال تعالى فيما بعد: "وقالت اليهود والنصارى ~~نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ~~" للسائل أن يسأل عن تعقيب الأولى بقوله: "يخلق ما والله على كل شئ قدير " ~~وتعقيب الثانية بقوله "وإليه المصير ". # والجواب عن ذلك: أنه سبحانه لما ذكر فى الأولى قدرته وعظيم سلطانه فى ~~قوله: "قل من يملك لكم من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ~~ومن فى الأرض جميعا " وعرف سبحانه أنه لا معاند له ولا مانع لما يريده أشار ~~بقوله "يخلق ما يشاء " إلى ما أفصح به قوله: "إن يشأ يذهبكم أيها الناس ~~ويأت بآخرين " وقوله "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد "فصارت الآية بهذا فى ~~قوة أن لو قيل: قل من يملك من الله شيئا إن ms136 أراد أن يهلك من ذكر ويأت ~~بآخرين سواهم فأعقب هذا بقوله "والله على كل شئ قدير " وهذا واضح. # ولما قال فى الآية الأخرى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه " ثم ذكر تعذيبهم بذنوبهم بأنه سبحانه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~أعقب هذا بما يشير إلى وقت التعذيب وظهرو المغفرة والمجازاة فقال "وإليه ~~المصير " وهذا واضح أيضا فلما اختلف مقصود الآيتين أعقبت كل واحدة منهما ~~بما يناسب مقصودها بالقهر فى الأولى # # PageV01P125 # والاختراع يناسب وصفه عز وجل بالقدرة كما أن التعذيب والغفران فى الثانية ~~يناسبها ذكر المآل فجاء على ما يناسب. # الآية العاشرة ### | قوله عز وجل: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يأت أحدا من العالمين " # وفى سورة إبراهيم: "وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم ~~من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفى ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم " فافتتح قول موسى لقومه فى سورة المائدة بندائهم ولم ~~يقع نداؤهم فى سورة إبراهيم فيسأل عن الموجب لذلك وعن وجه الفرق؟ # والجواب عن ذلك: أنه لما اعتمد فى آية المائدة تذكيرهم بضروب من الآلاء ~~والنعم الجسام من جعل الأنبياء فيهم وجعلهم ملوكا وإعطائهم ما لم يعط غيرهم ~~كا ذلك تعريفا باعتنائه سبحانه بهم وتفضيلهم على من عاصرهم وتقدمه من أمم ~~الأنبياء قبلهم فناسب ذلك نداء موسى عليه السلام بقوله "يا قوم " بالاضافة ~~إلى ضميره إنباء بالقرب والمزية وناسب هذا النداء المنبئ بالاعتناء ما تقدم ~~من تخصيصهم بما عقب به النادء من التشريف بما منحهم من الآلاء والنعم ~~الجسام ولما قصد فى آية سورة إبراهيم تذكيرهم بنجاتهم من آل فرعون وما كان ~~يسومهم به من ذبح ذكور أبنائهم واستحياء نسائهم للمهنة ولم يذكر هنا شئ مما ~~فى آية المائدة لما اقتصر عليه هنا من التذكير بمجرد الإنجباء فناسب ذلك ~~الاقتصار على خطابهم دون النداء رعيا للمناسبة والله أعلم. # الآية الحادية عشرة: # قوله تعالى: ms137 "ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ~~ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير " وفى سورة الفتح: "ولله ملك السماوات ~~والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما " فقدم فى ~~المائدة ذكر التعذيب وآخرفى سورة الفتح وأعقبت الأولى بقوله: "والله على كل ~~شئ قدير " والثانية بقوله: "وكان الله غفورا رحيما " فهذان سؤالان. # والجواب عن الأول: أنه لما تقدم آية المائدة قوله تعالى: "إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا ... الآية " وقوله: ~~"والسارق والسارقة ... الآية " وقد وقع فى الآيتين ذكر تنكيل الطائفتين ممن ~~حارب أو سرق مقدما فقيل فى الطائفة الأولى: "أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو # # PageV01P126 # ينفوا من الأرض " فهذا ما يعجل لهم فى الدنيا ثم أعلم تعالى بوعيدهم ~~الأخراوى وجزائهم إن هم وافوا على فعلهم هذا مستحلين ذلك المرتكب أو غير ~~مستحلين إن أنفذ الوعيد عليهم وأعقب تعالى بذكر إقالتهم إن تابوا قبل أن ~~يقدر عليهم بما أعطاه الاشتثناء وأشار إليه قوله تعالى: "فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم " وقيل فى الطائفة الثانية: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ~~ثم قال: "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح " إذ أشار إلى من أقلع منهم تائبا ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه فقد تقدم فى هاتين القصتين ذكر الامتحان قبل ما ~~به رجاء الغفران وهذا فى مآلهم الفدنياوى، ثم أعقب الآية التى أعلم فيها ~~بانفراده بملك السماوات والأرض وأنه تعالى يعذب من يشاء فقد ذكر العذاب على ~~المغفرة تنظيرا لما تقدم ومقابلة تطابق إذ كل ذلك بقره تعالى وسابق مشيئته ~~فهذا وجه التقديم فى آية المائدة. # وأما آية الفتح فقد تقدمها قوله تعالى: "ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا ~~أعتدنا للكافرين سعيرا " وبالايمان رجاء الغفران وهو متشبث به كما أن ~~العذاب مرتبط بالكفر ومناط به، فتقدم فى ذهه الآية مثمر الغفران وهو ~~الإيمان وتأخر موجب التعذيب من الكفر والخذلان، ثم أعقب تعالى بقوله: "ولله ~~ملك السماوات والأرض يغفر لمن ms138 يشاء ويعذب من يشاء " فناسب بين الآيتين ~~بالتناظر فى الجزاءين من المغفرة لمن أناب والتعذيب لمن كفر وارتاب وبحسب ~~مشيئته سبحانه وما قدر لكل من الفرقين أولا. # الآية الثانية عشرة # قوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ثم قال ~~بعد: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " ثم قال بعد: "ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون "، # فللسائل أن يسأل عن موجب افتراق هذه الأوصاف الوعيدية بوسم من وصف بها ~~بما يستلزم العقاب الأخراوى من الكفر والظلم والفسق إن لم يكن إقلاع ~~وغفران؟ ولم اختلفت مع وحدة الموصوفين بها؟ وكيف ورد فيها الأخف بعد ~~الأثقل؟ وذلك ضد الترقى فى مقابل الوعيد الذى تشير إليه الصفات وهو الوعد. # وطريقته الترقى من حال إلى أعلى وعلى ذلك وردت آى الكتاب كقوله تعالى: ~~"وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ... الآية " فبشروا أولا ~~بالجنات ثم وصف بجرى أنهارها وبذلك حياتها ثم بموالاة رزقها وتشابهه لتأنس ~~النفوس # # PageV01P127 # بما ألقت لأن غير المألوف من المطعم ينافره الطبع ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم فى الضب حين قرب إليه فرده "لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه " ثم ~~أتبع ذكر الرزق المأكول بالأزواج المطهرة فازداد النعيم واتسع الميلاذ ثم ~~أعقب بالخلود وذلك كمال النعيم وقال تعالى: "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم " فتأمل ورود الغفران ~~بعد إصلاح الأعمال وكلاهما جزاء على ما منحوه من التقوى وسداد الأقوال وقال ~~تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم " وقال تعالى: "وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ~~ورضوان من الله أكبر " وقال تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه "، فتأمل ختام ms139 الجزاء المذكور فى آية الحديد ~~بالغفران وعظيم ما يثمره والترقى من ذكر ما تقدمه إليه وختام هاتين الآيتين ~~بعد الرضى وهو أعظم ما يعطاه أهل الجنة والحديث الصحيح فى ذلك مشهور ومفهوم ~~الرضى لو لم يرد الحديث أعظم نعمة والترقى فى هذه الآى بين ولم ينكسر هذا ~~المطرد فى آى الوعد على تكررها وعلى ذلك جرت آيات الوعيد، وإلى الوعيد مرجع ~~آى المائدة المتكلم فيها لما ذكرنا من السببيه ومقابل الوعيد الوعد وقد ~~اطرد ذلك فيه فى كل آي القرآن وكذلك فى الآى الوعيدية. # ومن أبين الوارد فى ذلك وأقربه شبها بآى المائدة قوله تعالى: "كيف يهدى ~~الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق .. الآيات " إلى قوله: ~~"وما لهم من ناصرين " فقد وقع فى هذه الآى ثلاثة أصناف اجتمعوا فى الكفر ~~بعد الإيمان ثم اختلف حكمهم فيما بعد وقد تحصل فى وعيدهم الانتقال من أخف ~~إلى أثقل فقال تعالى: "كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم " إلى قوله: ~~"وأولئك هم الضالون " فهؤلاء مع وعيدهم وما ذكر من لعنهم قد أعقب ذلك بقوله ~~تعالى: "إلا الذين تابوا " فهذا إبقاء خفت به حالهم عت المذكورين بعدهم ~~وكذا ورد فى سبب هذه الآية أن الذى نزلت بسببه كتب بها إلى مكة بعد سؤاله ~~هل له من توبة حين كفر بعد إسلامه ولحق بمكة فلما وفد عليها راجع الإسلام ~~وحسنت توبته ثم قال تعالى: "إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا " ~~فذكر هؤلاء بازدياد الكفر بعد الكفر المعقب به ايمانهم ثم أعقب ذلك # # PageV01P128 # بقوله: "لن تقبل توبتهم " فأبقى الله تعالى على الأولين حين قال: "إلا ~~الذين تابوا " واشتد حال المذكورين بعدهم حين قيل فيهم: "لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون " ثم قال تعالى: "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار " ~~فأعلم من حال هؤلاء بموتهم على الكفر فانقطع رجاؤهم وهؤلاء أشد حالا ممن ~~ذكر قبلهم فى الآية المذكورة ونص فى هذه الأخيرة فكانت أشد، فقد وضح فى هذه ~~الآيات الانتقال من أخف ms140 إلى أثقل وهو مطرد فى الوعد والوعيد واللطف ~~والتعريف بالامتنان والأحوال وما يرجع إلى ذلك وعلى هذا كلام العرب فى هذه ~~الضرورة التى أشرنا إليها. # ومن آى الامتنان قوله تعالى: "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم " وفى هذه الآية الترقى وهى من قبيل ما ذكر وإنما يرد عكس ~~الترقى فيذكر الأخف بعد الأثقل فى التكاليف والأوامر والنواهى وما يرجع إلى ~~ذلك ومنه قوله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~... # الآيات " فهذا الضرب وما يرد منه ويرجع إليه لا يشترك فيه ما قدم من ~~الترقى والانتقال من أخف إلى أثقل ومن حكم إلى ما هو أعلى منه، أما الوعد ~~والوعيد فالمطرد فيهما وفى الضروب المذكورة معهما ما بيناه من الترقى وهو ~~كلام العرب. # فللقائل أن يقول إذا ثبت ذلك فما جوابكم عما ورد فى آية المائدة وظاهره ~~على خلاف ما زعمتم إطراده؟ فأقول: أما القول بخروج آية المائدة عما اطرد فى ~~نظائرها وأنها مما ورد فيه الأخف بعد الأثقل فمرتكب لا يسلم لقائله وغفلة ~~عما عليه آى القرآن وكلام العرب وإن كان قد اعتمده بعض الجلة رحمهم الله ~~والجواب عنه جواب عن السؤال الأول. # وحاصل كلام من أشرنا إليه سؤالا وجوابا أن قال: إن قيل لم قال فى الأولى ~~"هم الكافرون " وفى الثانية "هم الظالمون " والكفر أعظم من الظلم فما ~~الفائدة فى ذكر الأخف بعد الأثقل؟ ثم جاوب بما معناه أنه لما تقدم الآية ~~الأولى قوله تعالى: "فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا ~~" وان ارتكاب شئ مما نهوا عنه وعدم خشيته تعالى تقصير فيما يجب له سبحانه ~~وجحد الواجب له وإنكار نعمه تعالى كفر فأعقب بقوله تعالى: "ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون ". # ولما تقدم الآية الثانية قوله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ~~... الآية " # # PageV01P129 # فلم تتضمن هذه الآية غير الحقوق المتعلقة بالنفوس والوقوع فى شئ من ذلك ~~يوجب إيلامها ودوام عقابها وذلك ظلم لها فأعقبت هذه ms141 بقوله تعالى: "ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " انتهى معنى كلامه وفيه ببادئ ~~النظر مناسبة وملاءمة فى النظم. # إلا أن ما تمهد من المطرد فى آى القرآن وما عليه كلام العرب فى الوعد ~~والوعيد يرد ما اعتمده هذا القائل وقد تقدم فى قوله تعالى فى سورة البقرة: ~~"وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ... الآية " ما فيه شفاء فيما ذكرته هنا. # ثم إن الكلام لو كان جاريا على ما قال لبنى عليه اعتراض يلزمه تكميلا لما ~~ألزم نفسه فى هذه الآى من توجيه الوارد فيها من الأوصاف الثلاثة وهو قصره ~~السؤال والجواب على الوصفين من الكفر والظلم وكأن قوله تعالى فى الآية ~~الثالثة بعد: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " غير مناط ~~بما قبله وليس الأمر كذلك فإن المذكورين فى الآى الثلاث قد اجتمعوا فى ~~الحكم بغير ما أنزل الله وقد شملهم ذلك فهم من حيث ذلك صنف واحد ومدار الآى ~~الثلاث إنما هو على فعل يهود المنصوص على حكمهم بغير ما أنزل الله ~~ومخالفتهم منصوص كتابهم فى الرجم وغيره، وما قبل هذه الآى وما بعدها لم ~~يخرج عنهم، فهم أهل الأوصاف الثلاثة وقد نقل المفسرون عن ابن عباس أنه قال: ~~الكافرون والفاسقون والظالمون أهل الكتاب وعن ابن مسعود: هو عام فى اليهود ~~وغيرهم وقال الزمخشرى مشيرا إلى وجه الترتيب فى هذه الأوصاف والمرادون بها ~~فقال: الكافرون والفاسقون والظالمون وصف لهم بالعتو فى كفرهم حين ظلموا ~~بالاستهانة وتمردوا بأن حكمهم بغير ما أنزل الله فجعل الظلم استهانة والفسق ~~تمردا، وقد فسر الفاسقين من قوله تعالى فى آية البقرة: وما يكفر بها إلا ~~الفاسقون بأنهم المتمردون من الكفرة، قلت: جعل الزمخشرى الاستهانة مسيرة ~~ظلمهم ومادته فظلمهم المسبب عنها # بعد حصول كفرهم أشد من الكفر، ثم إن التمرد المعبر عنه فى الآية بالفسق ~~وإن تقدمته الاستهانة وكانت كالمادة فإنه أشد من الاستهانة لأن التمرد تفعل ~~من مرد أى عتا، والتفعل ينبنى علي التعمد والتعمل فتأمل حصول الترقى فى ms142 ~~كلامه من أخف إلى أثقل وانسحاب كلامه على الأوصاف الثلاثة من الكفر والظلم ~~والفسق وإن لم يفصح بسؤال ولا جواب وكثيرا ما يعتمده وينقل كلامه من قدمنا ~~مأخذه فى هذه الآى وهو أبو الفضل بن الخطيب ثم أنه عدل عن اعتبار كلامه هنا ~~وارتكب خلافه ولم يستوف توجيه الأوصاف الثلاثة وقصر السؤال على فصل ما بين ~~الكفر والظلم دون الفسق، وأرى ذلك غير ما ينبغى والله أعلم. # # PageV01P130 # وقد تعرض صاحب كتاب الدرة لهذه الآى من حيث خصوص مقصده وبنى جوابه على ~~ذلك فانفصل فى الأوليين بأن الظلم فى الآية الثانية واقع على الكفر والظلم ~~فهو أشد من الكفر مجردا هذا معنى ما أراد وقد جرى فيه على المعرض من الترقى ~~إلا أنه لم يتخلص ما بعد ذلك وجعل الآية الثالثة منقطعة عن الآيتين قبلها ~~وحاصل كلامه بالجملة أن ما تقدم من الوصف بالكفر والظلم خاص بيهود لتقدم ~~ذكرهم قبل هذه الآيات وقوله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور .. # "إلى قوله نهيا لهم "فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنا ~~قليلا .. # "إلى قوله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ولم يتقدم ~~ذكرهم بغير كفرهم وتحريفهم من غير التفات إلى ذكر ظلمهم غيرهم إنما مجرد ~~كفرهم ظلم لأنفسهم فأعقب هذا بقوله "هم الكافرون ". # ثم لما اجتمع فى الآية الثانية ظلمهم لأنفسهم ولغيرهم بما ذكر من ~~مخالفتهم فى القصاص المشار إليه بقوله: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ~~"الى آخره، أعقب هذا بقوله تعالى: "فأولئك هم الظالمون " لظلمهم أنفسهم ~~بالكفر وزيادة ظلمهم غيرهم فكان أشد من وصف الكفر إذ هو كفر وزيادة فعبر ~~بالوصف العام للكفر وغيره ثم لما أعقب بذكر إنزال الإنجيل وكان الكلام ~~انقطع عما قبله ومن المعلوم أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون من غير ~~الكافر وان لم تبلغ منزلته الكفر فهو فاسق لا كافر فقيل هنا: "فأولئك هم ~~الفاسقون " انتهى معنى كلامه ثم أعقب هذا بأن قال: فقد بان لك أن كل ms143 موضع ~~من الآى الثلاث أخبر فيه عن المذكورين قبل بالكفر والظلم والفسق، ولم يحصل ~~غير ذلك. # قلت فقد حصل من كلامه أن الكفر والظلم لفى الآيتين خاص بيهود وهم ~~المقصودون بذلك وان الفسق يعمهم مع غيرهم وهو مأخذ بناه على ما حكاه من ~~غيره من أن "من " فى ثلاث الآى موصولة بمعنى الذى واعتمده هو فى الأوليين ~~واخنار فى الثالثة من شرطية ليحصل فى الموصولة خصوص وعهد فيمن تقدم وليحصل ~~فى الشرطية عموم كما تقدم ثم أنه لم يتعرض لبيان ترق ولا انتقال. # فإن قيل إنما بنى عليه كتابه على مقصد خاص وهو فرق ما بين المتشابهات من ~~الآى ونص السؤال الذى فرض إن قال: لسائل أن يسأل فيقول: الموضع الذى وصف ~~فيه من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر هل باين الموضوع الذى وصف فيه تارك ~~ذلك بالظلم والفسق؟ ثم أجاب بما تقدم فجوابه مطابق لما فرض من السؤال قلت ~~هذا صحيح # # PageV01P131 # ولكنه لم يتخلص له جوابه فيما بين الآيتين الا باعتماد طريقة الترقى وهو ~~لم يقصده بسؤال ولا جواب وإنما قصد الفرق الموجب لاختلاف الوصفين فتحصل له ~~بما فى الآيتين من الانتقال فلو اعتبر ذلك ومشى عليه فى الآية الثالثة لكان ~~أنسب وأبين فى جواب ما فرض من السؤال مع زيادة فائدة أهم وأكبر ولما لم يلح ~~ذلك ارتكب التفصيل فى الجواب فجعل "من " فى الآيتين الأوليين موصولة ليحصل ~~من خصوص هاتين الآيتين بيهود ما اعتمده كما تقدم من كلامه وجعلها فى الآية ~~الثالثة شرطية ليحصل له ما قصد من العموم، وليس ذلك كما ذهب إليه ولا ~~انفصلت منها آية أخرى الا بما أعقبت به من الوصف وتوجيهه حاصل منه ما أراده ~~على ما نبينه مع رعى الترقى الثابت على ما قد تقدم وهو أوضح فى توجيهه هذه ~~الأوصاف وأولى فى الجواب عن عين ما فرض صاحب كتاب الدرة من السؤال ووصف ~~يهود بالفسق أعظم من وصفهم بالظلم ووصفهم بالظلم أعظلم من وصفهم بالكفر وقد ~~نقل المفسرون عن ms144 الحسن أنه قال: إذا استعمل فى نوع من المعاصى يعنى الفسق ~~وقع على أعظم ذلك لنوع من كفر وغيره ثم فى آى سورة البقرة ما يبين وجه ختم ~~آية المائدة بوصف الفسق قال تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده ~~بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات ... الآيات " إلى قوله: "وما يكفر بها ~~إلا الفاسقون " فتأمل ما تضمنت هذه الآيات فقد ورد فيها بضع عشرة خصلة من ~~شنيع مرتكبهم منها اتباع ما هوته أنفسهم أشار إليه قوله تعالى: "أفكلما ~~جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم " ومنها استكبارهم وتكذيبهم الرسل وقتلهم ~~إياهم وقولهم: قلوبنا غلف، إلى ما # بعد من المرتكبات وقد وقع فى أول هذه الآى ذكر عيسى عليه السلام والتقفية ~~من بعده بالرسل وفى آيات المائدة قوله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى ابن ~~مريم " والضمير فى "آثارهم " لمن تقدم فى قوله تعالى: "يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا " فورد مفصلا فى آى البقرة ما ورد مجملا فى المائدة وختمت ~~آيات البقرة بقوله تعالى: "وما يكفر بها إلا الفاسقون " وآيات المائدة ~~بقوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " فإلى مجموع ما فى ~~آيات البقرة أشارت آية المائدة وختمت هذه من وصفهم بالفسق بما ختمت تلك ~~وحصل من وصفهم به أنه أعظم من وصفهم بالكفر والظلم لأنه كفر جامع لكل شنيع ~~من مرتكباتهم ولذلك اختير التعبير به عن مرتكب إبليس فى إبايته عن السجود ~~واستكباره فقيل: "إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " فلم تقع هنا ~~عبارة # # PageV01P132 # بكفره ولا ظلمه لأن الفسق بما يعتضد به من القرائن أعظم من الكفر والظلم، ~~وقد حصل الجواب عما فرض السؤال عنه من تقدم وزاد إلى ذلك بيان الترقى ~~المطرد وهو السؤال الأول وأما التفصيل فخطأ بين فأقول وأسأل الله توفيقه إن ~~المفسرين قد أجمعوا على أن الوعد فى هذه الآى يتناول يهود وقد ثبت فى ~~الصحيح إنكارهم الرجم مع ثبوته فى التوراة وفعلهم فيما نعى الله تعالى ~~عليهم من مخالفة ما ms145 عهد إليهم فيه ونص فى كتابهم حسب ما أشار إليه قوله ~~تعالى: "وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم " إلى قوله: "أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض " إلى ما بعده وهذا كله من حكمهم بغير ما أنزل الله ~~فهم الكافرون والظالمون والفاسقون ففيهم وبسبب مرتكبهم نزلت آيات المائدة ~~ثم تقول مع ذلك أن الحكم إذا نزل بسبب خاص يمنع ذلك من دعوى العموم المنزل ~~وهذا باتفاق من حذاق الأصوليين وقد رددوا التمثيل بشاة ميمونة وهذا مع عدم ~~الفرائن. # أما فيما نحن بسبيله فى آيات المائدة فقد عضد العموم فى ذلك وغيرها موضع ~~من الكتاب والسنة فنقول بناء على ذكرنا أن هذه الآية وان نزلت بسبب جعل ~~اليهود ومرتكبهم فى الرجم وغيره فإن ذلك عام فى كل من حكم بغير ما أنزل ~~إليه، ما لم يفعل ذلك جاهلا غير متعمد للمعصية أو عاصيا متعمدا مع صحة ~~اعتقاده وسلامة إقراره بلسانه، فقد حصت الشريعة هذين. # وقد تعلقت الخوارج بعموم هذه الآى وأشباهها فى تكفيرهم مرتكب الكبيرة ~~وليس شئ من ذلك نصا فى مطلوبهم وهو محجوبون بغيرها وإذا كانت هذه الآى على ~~عمومها فيمن بينا، فمن فى المواضع الثلاثة شرطية وهى من المتفق عليه فى ~~ألفاظ العموم عند أربابه وهم الجمهور وأما القول بتفصيل حكم "من " فى هذه ~~الآى وانها من اجتماع المذكورين فى الآيات فيما تقدم من حكمهم بغير ما أنزل ~~الله ووحدة السبب فى نزول الآيات فلا يصح بوجه فقصر السؤال على فصل ما بين ~~الكفر والظلم دون الفسق كما ذكرنا عمن تعرض لهذه الآية من الجلة وجعله ~~الآيتين الأوليين مما ورد فيه الانتقال من الأثقل إلى الأخف غير صواب والله ~~أعلم. # واطراد ما تقدم من الترقى والانتقال فى الوعد والوعيد وتحكيم ما تقرر من ~~ذلك هو الحق الذى لا ينبغى أن يعدل عنه ثم أقول وأسأل الله التوفيق إن هذه ~~الآى جارية على المطرد فى الوعد والوعيد والانتقال فى الوصف بالكفر والظلم ~~والفسق من أخف إلى # # PageV01P133 # أثقل جار على ما قد تبين ms146 بحول الله إنما يدخل الغلط من أخذ هذه الصفات ~~مجردة عن القرائن وما يثمره الاشتراك فالكفر إذا ورد مجردا عن القرائن إنما ~~يقع على الكفر فى الدين ثم إنه قد يقع على كفر النعمة ويفتقر إلى قرينة ~~ومنه: "وفعل فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين ". # وأما الظلم فلفظ مشترك فإذا ورد مجردا عن القرائن لم نصا فى شئ من ~~مواقعه، وإنما يتخلص بالقرائن، قال تعالى: "إن الشرك لظلم عظيم " وقال ~~تعالى مخبرا عن نبيه يونس عليه السلام: "سبحانك إنى كنت من الظالمين " ~~ومعاذ الله من الكبيرة فكيف بالشرك الذى لا فلاح معه ولم يخالف أحد من أهل ~~السنة ممن يعتمد نظره انهم معصومون من الكفر قبل الوحى وبعده وجمهورهم ~~متفقون انهم معصومون من الكبائر، وجلة أهل السنة على عصمتهم مما فيه دناءة ~~من الصغائر وبعضهم فى طائفة كبيرة من سيئة المتصوفه يقولون بعصمتهم من ~~الصغائر على الإطلاق وكل هذه الضروب يصح وقوع اسم الظلم عليه وقوله تعالى: ~~"إن الله لا يظلم مثقال ذرة " أوضح شهادة على ذلك. # أما الكفر فلا تنتشر مواقعه وكأم دلالته على كفر النعمة من قبيل ما يدل ~~بتشكيك كدلالة موجود على العرض وأما الظلم فعلى ما تقدم فإذا اقترن بالظلم ~~الكفر كان أعظم من الكفر. # قال المفسرون فى قوله تعالى: "وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " إنهم ~~المتوغلون فى الظلم المكابرون فهذا كفر وزيادة وقد تقدم تسمية الشرك ظلما ~~وأما الفسق فلم يرد فى القرآن واقعا على صغيرة وقد يقع على الكبيرة حيث ~~يقصد تعظيمها كقوله تعالى: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء "الآيى وقد ختمت بوصفهم بالفسق ولا أذكر غيرها وقد عد عليه السلام ~~هذه فى السبع الموبقات وإنما يقع فى الأكثر على الكفر كقوله تعالى: "أفمن ~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا " لأن المراد هنا الطرفان كقوله تعالى: "فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن " وأكثر وقوعه فى القرآن إنما هو فى وصف يهود والمنافقين ~~كقوله تعالى: "ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ms147 "، ~~نزلت فى ابن صوريا لعنه الله، وكقوله تعالى: "منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون "، وكقوله تعالى: "فلا تأس على القوم الفاسقين "، وكقوله # # PageV01P134 # تعالى: "ولكن كثيرا منهم فاسقون ". # فى بضع وعشرين آية. # وورد الوصف بالفسق فى قوم لوط عليه السلام كقوله تعالى: "إنهم كانوا قوما ~~فاسقين " وكقوله تعالى: "إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون "، وقد وردت فيمن ختم عليهم بالكفر قال تعالى: "كذلك حقت كلمة ~~ربك على الذين فسقوا إنهم لا يؤمنون "، وقد تقدم وصف إبليس بالفسق فهذا ~~الوصف لا يقع فى كتاب الله الا على ذوى التمرد من الكفرة وأكثر ذلك من يهود ~~والمنافقين، ولم يجر الوصف بالظلم فى كتاب الله مجرى الفسق فى ما ذكرنا ~~وقلما يوصف يهود والمنافقون وان كانوا ظالمين لأنفسهم الا بالفسق. # فالظلم والفسق وان وقعا على المتوغلين فى الكفر حين ذكرنا وبالقرائن ~~فالفسق أشد وأعظم # ولا يوصف به من الكفرة فى كتاب الله الا شرهم. # لما بلغ قوم نوح عليه السلام فى # إصرارهم على الكفر وتماديهم عليه إلى قطع رجائه عليه السلام منهم حتى ~~قال: "ولا # يلدوا إلا فاجرا كفارا " قال تعالى فيهم: "إنهم كانوا قوما فاسقين " ولما ~~ارتكب قوم لوط عليه السلام من فحش المرتكب بما لم يسبقوا إليه وسموا بالفسق ~~ولما بلغ يهود والمنافقين ما أعلم به القرآن من حالهم واستحقوا اللعنة ~~والغضب تكرر وصفهم بالفسق فقد وضح أبين الوضوح ان الظلم بالقرائن حسبما ~~تقدم أشنع من الكفر مجردا وان الفسق أشد زأعظم إذا شهدت له القرائن فحصل ~~بالانتقال فى آى المائدة من أخف إلى أثقل على المطرد فى آى الوعيد وفى ~~المقابل من الترقى فى آى الوعد وان عكس الوارد على ما وضح لا يناسب والله ~~أعلم. ### | الآية الثالثة عشرة: وهى تمام ما قبلها: # قوله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم " وفى سورة ~~الحديد: "ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم " للسائل أن ~~يسأل عن وجه ما اختلف فى هاتين السورتين من التفصيل فيمن قفى ms148 بهم؟ # ووجه ما زيد فى آية الحديد من المقفى بهم قبل عيسى عليه السلام، ولم يقع ~~ذلك فى سورة المائدة مع اتحاد ما قصد فى الموضعين من تواتر الرسل وتقفية ~~بعضهم ببعض؟ # والجواب والله أعلم: ان آية المائدة ورد الكلام فيما تقدمها فى بنى ~~إسرائيل من لدن قوله تعالى: "ولقد أخذنا الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا ~~منهم اثنى عشر نقيبا " إلى الآية التى نحن فيها ثم استمرت الآيات بعد فيهم ~~إلى قوله تعالى: # # PageV01P135 # "لتجدن أشد الناس عداوة .. # " الآيات فأكثر آيات هذه السورة إنما نزلت فيهم تعريفا بمرتكباتهم ~~وتحريفهم ونقضهم الميثاق وحكمهم بغير ما أنزل الله وفى أثناء ذلك تسلية ~~نبينا صلى الله عليه وسلم عنهم كقوله تعالى: "يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون فى الكفر .. "الآية # وقوله تعالى: "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا "، وقوله ~~تعالى: "فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " وقوله بعد الآية المتكلم ~~فيها: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " وقوله: "فإن تولوا فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم " وفيما قبل هذا: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ... "الآيات، ولم يقع فى هذه الآى ذكر ~~لغير بنى إسرائيل ومن كان فيهم من الأنبياء من بعد موسى عليه السلام إلى ~~قوله تعالى: "ثم قفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم " ولا توقف فى تعقيب ~~الرسل والأنبياء بعيسى عليه السلام فلهذا لم يقع هنا ذكر واسطة. # وأما آية الحديد فمقصدها غير هذا إذ هى وما اتصل بها قبلها وبعدها خطاب ~~للؤمنين وعظات وترغيب وتمثيل وتحذير أن يكونوا كمن عرفوا به ممن طال عليه ~~الأمد وقسا قلبه فلهذا وما يتلوه إلى أول قوله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله " إلى آخر السورة خطاب للمؤمنين فيما لهم وعليهم ~~وما وعدوا به وحذروا منه وكذا سورة الحديد بجملتها وهم المعرفون بقوله: ~~"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات "، فالمراد عامة الرسل عليهم السلام ممن كان من ~~بنى إسرائيل وقبلهم تعريفا ms149 بما أنعم سبحانه على العباد من رحمتهم بإرسال ~~الرسل ونص من جميعهم على نوح وابراهيم إعلاما بحالهما فى الرسل كما قيل: ~~"وجبريل وميكائيل " بعد دخولهم تحت قوله: "وملائكته " وشمول لفظ الملائكة ~~لهم ولغيرهم. # ثم قال تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم " وذكر ما جعل فى ذريتهما من ~~النبوة والكتاب، اتبع تعالى بتوالى الإنعام بمن بعدهم فقال: "ثم قفينا على ~~آثارهم برسلنا " إشارة إلى من كان بعد نوح وابراهيم وبينهم وبين عيسى وذلك ~~كثير ثم قال: "وقفينا بعيسى " وهذا مقصد مباين ما قصد بآية المائدة فاختلف ~~ما ورد فى الموضعين لاختلاف المقصد فيهما ولم يكن عكس الوارد ليناسب والله ~~أعلم بما أراد. # الآية الرابعة عشرة: # قوله تعالى: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم # # PageV01P136 # فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين " وفى سورة التغابن: "وأطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين "، فورد فى ~~الأولى زيادة: "واحذروا " وزيادة: "فاعلموا " مع اتحاد ما تضمنته الآيتان ~~من الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله والتحذير من التنكب عن ذلك والتولى. # فيسأل عن ذلك؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية المائدة لما أعقب بها آية الأمر ~~باجتناب الخمر وما ذكر معها، ثم اتبع بعد ذلك بذكر العلة فى تحريمها فقال ~~تعالى: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر ~~والميسر ... # "الآية إلى قوله: "فهل أنتم منتهون " فختمت من التهديد بما يشعر بشديد ~~الوعيد ناسب ذلك قوله تأكيدا لما تقدم من الاشعار بمخوف الجزاء قوله ~~"فاحذروا " وقوله "فإن توليتم فاعلموا " لما فى ذلك من التأكيد لما تقدم. # أما آية التغابن فلم يرد قبلها ما يستدعى هذا التأكيد ألا ترى الوارد ~~فيها من قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه والله بكل شئ عليم " فلما لم يرد هنا نهى عن محرم متأكد التحريم بما ~~اتبع النهى من التهديد والتأكيد لم يرد هنا من الزيادة المحرزة لمعنى ~~التأكيد ما ورد هناك فجاء كل على ما يجب ويناسب ms150 وليس عكس الوارد بمناسب ~~والله أعلم. # الآية الخامسة عشرة: ### | قوله تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " # وكذا فى سورة الممتحنة: "واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم " فورد فى ~~هاتين الآيتين وصفه تعالى بهاتين الصفتين المشيرتين إلى العزة والقهر وإنما ~~ورد المطرد فى الكتاب العزيز مهما جرى ذكر المغفرة طلبا أو إخبارا ورود ما ~~به يقوى رجاء السائل ويطمع تعلقا به المتذلل الراغب كقوله تعالى: "إنه كان ~~فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين " ~~فقوله هنا: "وأنت خير الراحمين " توسل مناسب لما تقدم من طلب المغفرة ~~والرحمة وفى سورة يوسف قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: "لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " وفى سورة القصص: "قال رب ~~إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " فهذا كله مناسب ~~للطلب وهو كثير فى الكتاب العزيز وجار على ما تمهد وأما وصفه سبحانه بالعزة ~~والملكية والحكمة فإنما يرد حيث يراد معنى الاقتدار والاستيلاء والقهر ~~وإحاطة العلم # # PageV01P137 # وإفراده سبحانه بالخلق والأمر والربوبية والتعالى وما يرجع إلى هذا كقوله ~~تعالى: "وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم " وقوله تعالى: ~~"وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السماوات ~~والأرض ... # " ثم قال تعالى: "وهو العزيز الحكيم " وقوله تعالى: "ولله جنود السماوات ~~والأرض ... # " ثم قال: "وكان الله عزيزا حكيما " وقوله تعالى: "سبح لله ما فى ~~السماوات والأرض ... # " ثم قال: "وهو العزيز الحكيم " وهذا كثير مطرد حيث يراد معنى القهر ~~والملكية والإحاطة والاقتدار فللسائل أن يسأل عن وجه ورود آيتى المائدة ~~والممتحنة معقبتين بما ذكر؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: يتفصل فى الآيتين: أما آية المائدة فمبنية ~~على التسليم لله سبحانه وأنه المالك للكل يفعل فيهم ما يشاء فلو ورد هنا ~~عقب آية المائدة: "وإن تغفر لهم فأنت الغفور الرحيم " لكان تعريضا بطلب ~~المغفرة ولم يقصد ذلك بلآية وإنما قيل ms151 ذلك على لسان عيسى عليه السلام تبريا ~~وتسليما لله سبحانه وليس موضع طلب مغفرة لهم وإنما هو تنصل من حالهم وتسليم ~~لله فيهم قال القرطبى رحمه الله: "لم يقل "الغفور الرحيم لأن مخرجه على ~~التسليم ولأن فى ذكر الغفور تعريضا للسائل والكلام لتسليم الأمرين والحكمة ~~تقتضيهما وكأنه قال: فالمغفرة لا تنقص من عزك ولا تخرج عن حكمتك. # وأما قوله فى سورة الممتحنة: "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ~~ربنا إنك أنت العزيز الحكيم " فالجواب عندى هنا ان قوله: "إنك أنت العزيز ~~الحكيم " مبنى على قوله: "لا تجعلنا فتنة للذين كفروا " فإن المراد لا ~~تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيكون سبب فتنتهم فلا تفعل ذلك بنا فأنت ~~القادر على كفهم ونصرنا عليهم فانك العزيز الذى الذى لا معارض لما تريده ~~ولا مانع مما تشاؤه لما كان المؤمنون يعلمون أن ما يصيبهم من مصيبة إنما هى ~~بما كسبت أيديهم سألوا المغفرة من مجترحاتهم وأورد سؤالهم مورد جمل ~~الاعتراض فقدم وهو قوله: "واغفر لنا ربنا " فإن الكلام فى تقدير التقديم ~~والتأخير: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم واغفر ~~لنا ربنا، فقد قوله: "واغفر لنا ربنا " أثناء الكلام إحرازا لآدابهم ~~ومعتقدهم الإيمانى فقد تبين حال المناسبة فى آية العقود وآية الممتحنة بين ~~الآيتين وبين ما أعقبتا به وأنه لا يمكن على ما تقرر سواه والله أعلم بما ~~أراد. # فإن قلت فما جوابك عما ذكر عن بعض المتأخرين من أن جواب قوله تعالى: # # PageV01P138 # "وإن تغفر لهم " محذوف أى وإن تغفر لهم فإنهم عبادك ثم عطف عليه قوله: ~~"فإنك أنت العزيز الحكيم " وأن المناسبة إنما تحصل بهذا التقدير؟. # قلت: هنا خطأ من وجهين: توجيه المناسبة وتوجيه الإعراب أما المناسبة فقد ~~تبينت على أتم وجه وأما الإعراب فيمتنع تقديره فيه على ما نبينه، ثم فى هذا ~~المرتكب فساد المعنى إذ ليس الكلام واردا مورد الاستلطاف وقد بين، وأما ~~امتناع ما اختاره فى الإعراب فمن وجهين: أحدهما التهيئة والقطع وهو متفق ms152 ~~علي منافرته إذا أمكنت المندوحة والثانى وهو عاضد لهذا وقاطع فى المسألة ~~وهو أن سيبويه رحمه الله قد نص أن العرب لا تتكلم به الا فى الشعر قال فى ~~باب الجزاء: "وقبح فى الكلام أن تعمل أن أو شئ من حروف الجزاء فى الفعل حتى ~~تجزمه فى اللفظ ثم لا يكون له جواب فيجزم ما قبله ألا ترى أنك تقول: آتيك ~~إن أتيتنى ولا تقول آتيك إن تأتينى الا فى الشعر لأنك أخرت إن وما عملت فيه ~~فلم تجعل لها جوابا ينجزم بما قبله فهكذا جرى هذا فى كلامهم وقد زاد الإمام ~~بسطا فى الكتاب " فهذا قاطع من سيبويه وقد تقدم قبله ما يحصل فى الكلام من ~~التهيئة والقطع وهو كاف لاتفاق النحويين على قبح التهيئة والقطع ثم قد انضم ~~إلى ذلك من نص سيبويه: ان العرب لا تتكلم بهذا فلا تأتى بكلام قد انجزم فيه ~~الفعل بأداة الشرط ثم لا تأتى بجواب مجزوم فى اللفظ أما إذا أتيت بالفاء فى ~~الجةاب فلا خلاف فى هذا كما فى الآية وعلى ما قاله سيبويه رحمه الله كافة ~~النحويين من متقدميهم ومتأخريهم فوضح خطأ هذا القول. # # PageV01P139 ### | سورة الأنعام # الآية الأولى منها قوله تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم ~~أنباء ما كانوا به يستهزئون " وفى سورة الشعراء: "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ~~ما كانوا به يستهزئون " فانفردت آية الأنعام بزيادة قوله "بالحق لما جاءهم ~~" وبقوله "فسوف " من حرفى التنفيس بدل السين فيسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب والله أعلم: أن آية الأنعام لما ترتبت على إطناب وبسط آيات من ~~حمده سبحانه وانفراده بالخلق والاختراع فقال تعالى: "الحمد لله الذى خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " فذكر ~~سبحانه خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور فالظلمات عن أجرام هذه ~~المخلوقات والأنوار عن أجرام ما جعل فى السماوات وزينها بها من شمس وقمر ~~وكواكب للقتداء والضياء. # ثم ذكر خلقهم كم طين وقد تردد فى الكتاب العزيز تنبيه المكلفين بما صدرت ~~به ms153 سورة الأنعام فقال تعالى: "إن فى السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " وقال ~~تعالى: "تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ". # ثم قال بعد آية الأنعام: "وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها ~~معرضين " فلما تقدم هذا الإطناب ناسبه ما أتبع به من قوله تعالى: "فقد ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون " فناسب ~~الإطناب الإطناب. # وقال تعالى قبل آية الشعراء: "تلك آيات الكتاب المبين " ثم اعترض بتسلية ~~نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " وليس ~~هذا المعترض به مما ذكروا به ثم قال بعد: "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين " وهذا راجع إلى تسليته عليه السلام فلم يبق مجردا ~~لتذكيرهم سوى قوله تعالى: "تلك آيات الكتاب المبين " وما بعد من وعيدهم ~~وتهديهم بقوله: "وما يأتيهم من ذكر .. "الآية، وهذا إيجاز فناسبه ما نيط به ~~من قولهم: "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " إيجازا ~~لإيجازا وإطنابا لإطناب. # الآية الثانية: قوله تعالى: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم ~~فى الأرض ما لم # # PageV01P140 # نمكن لكم " وفى سورة الشعراء: "أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل ~~زوج كريم "، للسائل أن يسأل هنا عن شيئين: أحدهما ثبوت الواو العاطفة فى ~~آية الشعراء وسقوطها من آية الأنعام؟ والثانى وجه اختصاص كل واحدة منهما ~~بموضعهما وإبداء المناسبة؟ # والجواب عن ذلك: إن آية الأنعام لم يتقدم قبلها التنبيه على ما به ~~التذكار والاعتبار مفصحا به تنبيها مع تخويف وتهديد متأكد مكرر يستدعى ~~التقريع والتوبيخ بمقتضى الهمزة الداخلة على واو العطف كما فى سورة الشعراء ~~وان كان المتقدم فى كل واحدة من السورتين متضمنا ما يحصل به الاعتبار مع ما ~~فى المتقدم فى الأنعام من التفصيل والإطناب إلا أن المتقدم فى سورة الشعراء ~~أوضح وأنص من حيث التخويف لعدم الاعتبار بالدلائل المنصوبة مشاهدة ~~للمعتبرين فلما لم يكن وضوح التنبيه فيما قبل آية الأنعام ms154 كوضوحه فى السورة ~~الأخرى بما انجر معه من التخويف المتكرر وإنما المتقدم قبل قوله: "ألم يروا ~~" إيماء إلى الاعتبار بأحوال القرون السابقة وليس كالواقع قبل آية الشعراء ~~لم يرد ما بعده مما هو تنبيه مخوف معطوفا عليه إذ لا يناسبه "كفروا " ~~المتقدم من شديد التخويف المنجر فيما بعده أما آية الشعراء فإن قوله تعالى ~~قبلها: "تلك آيات الكتاب المبين " تحريك وتنبيه، ثم إن ما يتلوه من قوله ~~تعالى: "لعلك بلخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " وإن كان تسلية لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم فى طيه أعظم وعيد وتهديد لمن اعتبر ثم بعد ذلك قوله تعالى: "إن ~~نشأ عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " إلى ما بعده فهذا أوضح ~~تنبيه بما صحبه من مخوف التهديد فعطف عليه قوله: "ألم يروا إلى الأرض كم ~~آتينا فيها " ... الآية وناسبه أوضح مناسبة. # فصل: ومما تعلق بهذه الآية من المغفل زيادة "من " فى قوله تعالى: "ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض " وفى سورة السجدة: "ألم ~~يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم " وفى ص: "كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ... ". # وردت هذه الآى الثلاث بزيادة "من "فيها وسائر ما ورد فى القرآن من مثل ~~هذه الآى لم ترد فيها "من "كقوله تعالى فى سورة مريم: "وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هم أحسن أثاثا ورئيا " وفى آخرها: " وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس ~~منهم من أحد " وفى طه: "أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى ~~مساكنهم "، وفى يس: "ألم يروا من أهلكنا # # PageV01P141 # قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون "وفى سورة ق: "وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هم أشد منهم بطشا " فهذه خمسة مواضع لم ترد فيها "من " فيسأل عن وجه ~~زيادتها فى الآى الثلاث الأول وسقوطها فى هذه الخمس مع اتحاد المقصود أو ~~تقاربه؟ # والجواب والله أعلم: أن "من " إنما تزاد فى هذه الآى حيث يراد تأكيده ضمن ~~الآى من ms155 المعطيات ولإشارة إلى الوعيد وهى أبدا فى أمثال هذه المواضع محرزة ~~معنى التأكيد لا تنفك عن ذلك ثم إن حذفها أوجز من إثباتها ولكل مقام مقال، ~~فحيث ورد فى هذه الآى ما قبله استيفاء تفصيل وعيدين فى أمة بعينها أو أكثر ~~أو تكرر التهديد وشدة التخويف من مقتضى السياق وفحوى الكلام فذلك موضع ~~زيادتها والتأكيد بإثباتها وحيث لا يتقدم فى اقتضاء مقتضاها نفوذ الوعيد ~~فهذا يناسبه الإيجاز بحذفها إذ لا يراد من تأكيد الوعيد ما يراد فى الآى ~~الأخر فهذا إن شاء الله يوضح ما ورد من الحذف ولإثبات فى هذا الحرف ثم ~~نقول: أما آية الأنعام فقد تقدمها قوله تعالى: "الحمد لله الذى خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور "، وقد كانوا يعترفون بأنه تعالى ~~الخالق "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ثم تتابع ما بعد على هذا إلى ~~قوله "وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين " على بيان ~~الأمر ووضوحه ثم قال "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " ~~فحصل التسجيل ببقائهم على اظفعراض وإنفاذ الوعيد عليهم ولا أشد من هذا ~~ونحوع بل مثله فى الشدة والإشارة إلى إنفاذ الوعيد قوله تعالى فى سورة ~~السجدة "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها " فاكتنف الآية ما تضمنته ~~الآيتان من الوعيد والتهديد فناسب ذلك ما اقتضته زيادة "من " من مناسبة ~~التأكيد فقيل "ومن قبلهم " وأما آية ص فحسبك ما تضمنته من أولها إلى قوله ~~"وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق " ثم قال تعالى مخبرا عن ~~حالهم فى تكذيبهم واستبعادهم "عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب " ولعظيم تمردهم ~~ووعيدهم المحكى عنهم فى هذه الآى ما أمر به صلى الله عليه وسلم من الصبر فى ~~قوله تعالى "اصبر على ما يقولون " ثم أعقب تعالى بقصة داود عليه السلام ~~أعلاما لنبيه بأن ذلك مراده منهم بما قدر لهم فى الأزل فقد سخر الجبال ~~والطير لداود # وألان له الحديد فلو شاء لهدى هؤلاء فلعظيم ms156 ما ورد فى هذه الآى # # PageV01P142 # من مرتكبات كفار قريش وغيرهم لذلك ما ورد التأكيد بزيادة "من " فى قوله ~~بعد ذكر شقاقهم واغترارهم "كم أهلكنا من قبلهم من قرن " فهذا وجه زيادة "من ~~" فى هذه الآى أما الآى الأخرى خمستها فلم يرد فيها ولا فيما اتصل بها ما ~~ورد فى هذه من التغليظ فى الوعيد ومتوالى التهديد وإن كانت قل ما ترد إلا ~~لذلك ولكن اشتداد التهديد إنما هو بحسب ما يقارن أو يكنف أو يتقدم أو ينجر ~~معها من التغليظ فى الوعيد فبحسب ذلك يقوى الرجاء أو يضعف وإذا تأملت قوله ~~تعالى فى الآية الأولى من سورة مريم "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن ~~أثاثا ورئيا " لم تجدها فى نفسها أو فيما انتظم معها متقدما أو متأخرا ~~توازن فى التهديد واحدة من تلك الآى الثلاث ألا ترى فيما نوظر بين المعنيين ~~بهذه الآية والمهلكين قبلهم من القرون السالفة وأن ذلك إنما هو فيما غرهم ~~من سعة الحال وكثرة المال حسبما أشار إليه قوله تعالى عن المهلكين قبل ~~هؤلاء أنهم كانوا أحسن أثاثا ورئيا فهذه الآية كقولهم "نحن أكثر أموالا ~~وأولادا وما نحن بمعذبين " ولو استبصروا لاهتدوا من قوله تعالى "إنما نملى ~~لهم ليزداوا إثما " ومع ما أعقبت هذه الآية من المنتظم معها من قوله ~~"فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا " فليست فى التغليظ كتلك الآى إذا حقق ~~ما قبلها وكذلك الآية الثانية وهى قوله "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس ~~منهم من أحد ... "الآية فى نفسها وفيما انتظمت به وأما آية طه فأوضح فى ~~إيحاء الرجاء فى نفسها وما نتظمت به ألا ترى ما قوله تعالى "أفلم يهد لهم " ~~وما تضمن تذكيرهم بهذا إلى قوله "لأولى النهى " من عظيم الحلم وعلى الرفق ~~وكذا ما بعد فإن هذا من منتظم تلك الآى الثلاث وأما آية يس وآية ق فأوضح ~~فيما ذكرنا وتأمل مفهومها وما انتظم معهما وإنما حاصلهما بما اتصل بهما ~~تحريك للاعتبار وتذكير بالالاء والنعم وتأمل قوله ms157 فى المنتظم بآية يس ~~والمعقبة به من # قوله " أفلا يشكرون " وعلى ما يترتب الشكر إذ لا يمكن إلا مرتبا على حصول ~~الإيمان والتصديق وقوله عقب آية ق " إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد " فقد وضح ما بين الضربين وورود كل منهما على ما يناسب ~~ويجب والله أعلم. # الآية الثالثة من سورة الأنعام قوله تعالى: "قل سيروا فى الأرض ثم انظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين " وفى سورة النمل " قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف ~~بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة " وفى سورة # # PageV01P143 # الروم: " قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين " # هنا سؤالان أحدهما: اختلاف حالاتهم فيما وسموا به فى أعقاب الآى من ~~التكذيب والاجرام ومن التعامى عن النظر فى البدأة والنشأة الآخرة والاشراك ~~مع أن الأمر للكل باعتبار إنما وقع بلفظ ولحد وهو قوله: "قل سيروا فى الأرض ~~فانظروا " ثم تنوع ما أحيل عليه فى النظر واختلف وإذا لحظ الجواب عما وقع ~~به التعقيب فى كل واحدة من هذه الآى تفصل إلى أربعة أسئلة والسؤال الثانى: ~~اختلاف حرف العطف. # والجواب عن السؤال الأول على رعى التفصيل أنه لما تقدم آية الأنعام قوله ~~تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم "والإشارة إلى أصناف المكذبين من ~~المخاطبين وغيرهم ثم أشير إليهم بعد فى قوله: "ألم يروا كم أهكلنا من قبلهم ~~من قرن "وكلهم إنما أهلك بإعراضه وتعاميه المؤديين إلى تكذيبه أح - يل من ~~بعدهم على كل حال من تقدمهم فيما ذكر مكتفى الإعراض والتعامى بما تقدم فى ~~الآى المذكورة قبل ومفصحا بالتكذيب المسبب عن ذلك فى قوله تعالى: "ثم ~~انظروا كيف كان عاقبة المكذبين " والتحم هذا بقوله: "فقد كذبوا بالحق لما ~~جاءهم " على أتم مناسبة وأصحها. # وأما آية النمل فمنزلة على ما تقدم من قوله تعالى: "بل ادارك علمهم فى ~~الآخرة بل هم فى شك منها بل هم منها عمون " وإنكارهم العودة بقولهم: "أئذا ~~كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون ms158 لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا ~~إلا أساطير الأولين " وذلك بعد ما ذكر مما بسط لهم من واضح الدلالات وقدم ~~لهم الشواهد البينة من لدن قوله تعالى: "أم من خلق السماوات والأرض " ... ~~الآية # المتكلم فيها فذكروا بما يشاهدونه ويعلمون أن آلهتهم لا تفعل ذلك فكان ~~مرتكبهم بعد هذا إجراما وتعاميا عن الاعتبار بما ذكروا به فقيل لهم: سيروا ~~فى الأرض فانظروا عواقب أمثالكم من المتعامين عن النظر ولم يقع قبل تفسير ~~صريح وتكذيب وقد بسط من الاعتبار فى هذه الآى ما لم يبسط قبل آية الأنعام، ~~فورد التعقيب هنا بوسمهم - أعنى الممحال - بالإجرام فقيل: "انظروا كيف كان ~~عاقبة المجرمين " مناسب لما تقدم من اجترامهم مع الوضوح ومتابعة التذكير ~~وإرااءة البراهين. # وأما آية العنكبوت فإن الله سبحانه لما قدم ذكر العودة الأخراويه بما ~~يقوم مقام الإفصاح وتحصل المقصود من ذلك فى أربعة مواضع من هذه السورة على ~~القرب # # PageV01P144 # والاتصال منها قوله تعالى: "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت " ~~قوله تعالى: "وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " وفوله: "واشكروا له ~~إليه ترجعون " وقوله: "ألم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده " ولم يتقدم ~~فى السور الأخر على الاتصال مثل هذا فناسبه إحالتهم وتذكيرهم بالاستدلال ~~بالبدأة على العودة فقال تعالى: "فانظروا كبف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة ~~الآخرة ". # وأما آية الروم فقد تقدم قبلها قوله: "ولا تكونوا من المشركين " وقوله: ~~"إذا فريق منهم بربهم يشركون " قوله: "أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم ~~بما كانوا به يشركون " قوله: "هل من شركائهم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه ~~وتعالى عما يشركون " فلما تقدم ذكر من امتحن بالشرك وسوء عاقبتهم ولم يتقدم ~~مثل هذا فى السور المتقدمة ناسبه ما أعقب به من قوله: "قل سيروا فى الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين " فجاء كل على ما ~~يجب. # وأما ورود ما أعقبت به كل آية من هذه من المأمور بالنظر فيه والاعتبار به ~~بالفاء من ms159 حروف العطف سوى آية الأنعام فذلك بين لأنهم أمروا أن يعقبوا ~~سيرهم بالتدبر والاعتبار وحصر نظرهم واعتبارهم فى المعقب المذكور بعد الفاء ~~ولم تقع إشارة إلى اعتبارهم بغير ذلك وأما آية الأنعام فإنها افتتحت بذكر ~~خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وإنما ذكر هذا من الخلق الأكبر ~~ليعتبر بذلك فإنه أعظم معتبر وأوسعه قال تعالى: "لخلق السماوات والأرض أكبر ~~من خلق الناس " فكأن الآية فى قوة أن لو قيل: سيروا فى الأرض فاعتبروا ~~لخالقها، وكيف دحاها لكم وذللها لسكانكم، وجعل فيها رواسى أن تميد بكم وفجر ~~فيها الأنهار إلى عجائب ما أودع فيها وكيف جعل السماء سقفا محفوظا بغير ~~عماد وزينها بالنجوم لتهتدوا بها فى الظلمات وجعل الشمس والقمر حسبانا ~~وضياء وزينا للسماء الدنيا وكيف محا آية الليل لمصلحة العباد وجعل آية ~~النهار مبصرة إلى ما لا يحصى من منافعها وعجائبها لمن منح الاعتبار قال ~~تعالى: "إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين " ثم انظروا عاقبة من كذب ~~ونبه فلم يعتبر فعطف هذا بثم المقتضية مهلة الزمان حيث يراد ذلك. # وتفخيم # # PageV01P145 # الأمر وتفاوت المنظور وتجريد الأمر لكل من الضربين مما قبلها وما بعدها ~~فليس موضع تعقيب بالفاء إذا لم يرد أن يكون سيرهم لمجرد الاعتبار بمن كذب ~~فأخذ تذيبه فقط بل الضربين مما ذكرناه ومهدناه وفى كل آية منهما أشفى دلالة ~~وقصد فى الآى الأخر تذكيرهم واعتبارهم بأحد المكذبين وهو المعقب بالفاء ~~فلما افترق القصدان عطف كل بما يناسب والله أعلم. # الآية الرابعة: قوله تعالى: "وذلك الفوز المبين " وفى الجاثية: "ذلك هو ~~الفوز المبين " بزيادة "هو " وسقوط واو العطف. # لما تقدم فى سورة الأنعام قوله تعالى: "قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم ~~عظيم " ثم أعقب بقوله تعالى: "من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه " والمراد من ~~يصرف عنه العذاب فى الآخرة فقد رحمه عطف عليه قوه: "وذلك الفوز " وكان ~~الكلام فى قوة قوله فقد رحم وفاز كما فى قوله: " فمن زحزح عن النار وأدخل ~~النار فقد فاز " والفاء هنا وفى ms160 قوله: "فقد رحمه " جواب الشرط والفوز مسبب ~~عن الرحمة فاكتفى بذكره فى آية آل عمران وذكرا معا فى آية الأنعام فعطفه ~~عليه بين ولم يتقدم من أول السورة إلى هنا ما يتوهمه العاقل فوزا فيحترز ~~منه بما يعطيه ضمير هو من المفهوم فلم يقع الضمير هنا. # أما آية الجاثية فقد ورد قبلها قوله تعالى مخبرا عن قول منكرى البعث: "ما ~~هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر " فأفهم قوله "ما هى ~~إلا حياتنا الدنيا " أن هذه الحياة هى الحاصلة لهم ولا حياة وراءها فمن ~~تنعم فيها فذاك فوزه فأخبروا أن الأمر ليس كما ظنوه وذكر تعالى أمر الساعة ~~وتفصيل الأحوال فيها وقال: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم ~~فى رحمته " ثم قيل "ذلك هو الفوز المبين " لا الحياة التى هى لهو ولعب فكأن ~~قد قيل: ذلك الفوز لا ما ظننتموه فوزا فأحرز مفهوم الضمير هذا المقصود ولم ~~يتقدم فى آية الأنعام ما يستدعيه كما لم يتقدم فى آية الجاثية ما يستدعى ~~العطف فجاء كل على ما يناسب والله أعلم. # الآية الخامسة قوله تعالى: "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير " وفى سورة يونس: "وإن يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده # # PageV01P146 # وهو الغفور الرحيم "، فورد جواب الشرط الثانى فى الآية الأولى بقوله: ~~"فهو على كل شئ قدير " وفى الثانية بقوله: "فلا راد لفضله " وقال فى ~~الأولى: "وإن يمسسك " وفى آية يونس: "وإن يردك " وأعقبت آية يونس بقوله: ~~"وهو الغفور الرحيم " فخص هاتين الصفتين العليتين من صفاته تعالى فهذه ثلاث ~~أسئلة فللسائل أن يسأل عن توجيهها وموجب ما ورد عليه ما ذكر؟ # والجواب عن الأول والله أعلم أن مدار الأية الأولى وهى آية الأنعام على ~~أنه سبحانه المنفرد بالخلق والاختراع والمتصرف فى عباده بما يشاء والقدير ~~على كل شئ ونفى هذه الصفات عمن سواه ms161 سبحانه وتنزيل هذا عل ما افتتحت به ~~السورة من قوله تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور " وقوله: "هو الذى خلقكم من طين " وقوله "وهو الله فى السماوات وفى ~~الأرض يعلم سركم وجهركم " وقوله فيمن أهلكه من القرون بكفرهم: "مكناهم فى ~~الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ### | .... # "الآية وقوله: "قل لمن ما فى السماوات والأرض ... "الآية وقوله: "قل أغير ~~الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ... "الآية # فدارت هذه الآى كلها على التعريف بوحدانيته تعالى وانفراده بخلق الأشياء ~~وملكها وقهرها ولم يقع فيها تعرض إلى أن أحدا من خلقه يمنع أو يدفع أو ~~يتعاطى استبدادا بشئ وإن كان قد يفهم بعض ذلك من الجارى أثناء الكلام ~~كقوله: "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا ... ~~"الآية # بل فى قوة الجارى فى هذه الآى أن المشار إليهم بمخالفة مقتضاها أخلدوا ~~إلى ترك التغير واشبهوا البهائم فى البعد عن النظر وكأنهم يرون أن الأفعال ~~وما يتجرد فى العالم من المدركات المشاهدات من الأجسام والأعراض على كثرة ~~تنوعها واختلاف شيآتها وأشكالها زجدت بأنفسها لا عن فاعل تقدمها أوجدها ~~بالقدرة والاختيار بل تكونت بأنفسها فقوبل مرتكبهم بالتعريف بقدرته تعالى ~~على كل شئ وأنه الموجد لما فى العالم العلوى والسفلى وقيل له عليه السلام: ~~"وإن يمسسك الله بضر .. "الآية # إعلاما بأن ما يكون من هذا فمنه تعالى لأنه المنفرد بالخلق والقدير على ~~كل شئ فهذا حاصل ما تقتضيه آية الأنعام. # وأما آية يونس فقد ذكر قبلها حال من ظن أن غيره تعالى يضر أو ينفع قال ~~تعالى: # # PageV01P147 # "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله " فقد نسبوا لهم النفع بالشفاعة وقال تعالى: "ويوم نحشرهم جميعا ثم ~~نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ... "الآية # وقال تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ... ~~"الآية # وقال تعالى: "قل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده " وقال تعالى: "قل هل ~~من ms162 شركائكم من يهدى إلى الحق " فدارت هذه الآيات على أنهم توهموا نفع ما ~~اتخذوه معبودا من شركائهم فبطل توهمهم واضمحل باطلهم واتبع ما تقدم بقوله ~~جل وتعالى لنبيه عليه السلام: "ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك " ~~ثم بقوله تعالى: "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا ~~راد لفضله " وحصل من هذا أن كل ما عبد دونه سبحانه وتوهم أنه يضر أو ينفع ~~ليس كما ظنوه قال تعالى: "وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه " فناسب ~~ما تقدم من التنصيص على انفراده تعالى بالخلق والأمر. # والجواب عن السؤال الثانى والله أعلم: أن قوله تعالى هنا: "وإن يردك بخير ~~" ولم يقل: "وإن يمسسك بخير " كما فى آية الأنعام أنه تقدم قبل هذه الآية ~~قوله تعالى: "إن الذين حقت كلمة ربك لا يؤمنون ... "الآية # فهو إعلام منه سبحانه بجرى الخلائق على ما قدر لهم أزلا وسبق به حكمه ~~تعالى ثم أعقب بقوله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا " ~~فهذا تأكيد للغرض المذكور من جرى العباد على ما قدر لهم وما شاءه سبحانه ~~فيهم وإن ذلك لا يرده راد ولا يعارضه معارض فناسب هذا قوله تعالى: "وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله " أتم مناسبة ثم وقع بعد هذا قوله تعالى: "يصيب به ~~من يشاء من عباده " وإصابته سبحانه من يشاء بالخير هو المراد بقوله فى آية ~~الأنعام: "وإن يمسسك بخير " فاجتمع فى آية يونس الأمران معا وكأن قد قيل: ~~وإن يمسسك بخير ويردك به فلا راد لما أصابك به وأراده لك ففى هذه الآية من ~~إمعان المقصود وتأكيده ما ليس فى آية الأنعام ليطابق هذا التأكيد والإمعان ~~ما تقدم من قوله تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون " وقوله: ~~"ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا " ولم يتقدم فى آية الأنعام مثل ~~هذا فوقع الاكتفاء هناك بقوله: "وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير " فجاء ms163 ~~كل على من هذا على أتم مناسبة وأوضح ملاءمة والله أعلم. # # PageV01P148 # والجواب عن السؤال الثالث أنه لما تقدم هذه الآية من مؤثرات الخوف والجهل ~~ومهيجات الرهب واالخشية ما اقتضاه الاخبار بغيبة للقدر وجهل للمشيئة فى ~~قوله: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك. .. "الآية # وقوله: "ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا " وعظم موقع ذلك على ~~المؤمنين وكان مع ذلك للوفاء بمزدلفات الأعمال مما لا يحصل بالآمال أنسهم ~~سبحانه بذكر الصفتين العليتين فقال: "وهو الغفور الرحيم " فناسب ورود ~~الوصفين ما تقدم والله أعلم بما أراد. # الآية السادسة ### | قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون " # وقال فيما بعد من هذه السورة: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ " وفى سورة الأعراف: قوله تعالى: ~~"فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون " ~~وفى سورة العنكبوت: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بالحق لما جاءه " وفى سورة الصف: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله ~~الكذب وهو يدعى إلى الإسلام " وفى هذه الآيات سؤالان: أحدهما وجه ورود ~~الآيات فى هذه المواضع بهذا النص من قوله "فمن أظلم ممن افترى على كذبا " ~~وتعقيب كل آية منها بما اتصل بها والسؤال الثانى: تعريف الكذب فى سورة الصف ~~وتنكيره فيما عداها. # والجواب عن الأول: أن الأولى تقدمها قوله: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ~~فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون " ثم قال تعالى بعد: "ولو أنزلنا عليك ~~كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين " ~~فحصل من هذا افتراؤهم وفى قولهم: إنه سحر. # وتكذيبهم قال تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم " وجعلهم مع الله آلهة ~~سواه فجمعوا بين الشرك والتكذيب فناسب هذا ورود قوله تعالى: "فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا " على طريقة التعجب من مرتكبهم وسوء حالهم أى: ms164 من أظلم ~~يا محمد من هؤلاء الجامعين بين الافتراء والشرك والتكذيب مع وضوح الشواهد ~~وكثرة الدلائل الواردة أثناء هذه الآى مما لا يتوقف فيه معتبر فقد وضح ~~تناسب هذا كله وحق لمرتكبه الوصف بالظلم الذى لا يفلح المتصف به وهو ظلم ~~الافتراء على الله والشرك والتكذيب. # # PageV01P149 # وأما الآية الثانية من سورة الأنعام فإن قبلها ذكر الرسل عليهم السلام ~~وتعقيب ذكرهم بقوله: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " ثم قال تعالى: ~~"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ " فأعظم ~~تعالى مرتكبهم فى هذا وفى تعاميهم عن التوراة وما تضمنته من الهدى والنور ~~ثم أعقب ذلك بقوله تنزيها للرسل عليهم السلام عن الافتراء على الله سبحانه ~~وادعاء الوحى فصار الكلام بجملته فى قوة أن لو قيل: ألا ترون ما تضمن كتاب ~~موسى من الهدى والنور والبراهين الواضحة وهل يمكن أحد أعظم افتراء من هذا ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه بشئ " فهذا ~~أوضح شئ ولما لم يتقدم فى الآية الأولى ذكر الأنبياء والوحى إليهم كما فى ~~هذه لم يناسبها ما ورد هنا فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم. # وأما آية الأعراف فتقدمها وعيد من كذب بآيات الرسل واستكبر عنها وأنهم ~~أهل الخلود فى النار فناسب هذا قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على كذبا ~~أو كذب بآياته .. # "الآية. # وأما آية يونس فتقدم قبلها قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله " إلى آخر الآية ولا ~~أظلم ممن قال من فصحاء العرب العالمين بمقاطع الكلام وجليل النظم وعلى ~~البلاغة: "ائت بقرآن غير هذا " أو بدله مع علمهم بعلى فصاحته واعترافهم ~~بالعجز عنه فجمعوا بين إنكار ما علموا صدقه ممن عرفوا على حاله وجليل منصبه ~~فإخباره تعالى عنهم بقوله: "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون " فجمعوا بين الانكار وبين وقولهم فى إنكارهم "أو بدله " فلا ms165 أظلم ~~من هؤلاء ثم فى إنكارهم وقولهم "أو بدله " أعظم إقدام وأوضح إجرام لأنه كفر ~~على علم فلهذا أعقبت الأية هنا بقوله: "إنه لا يفلح المجرمون " ولم يقع قبل ~~التى فى سورة الأنعام وقبل آية الأعراف مثل هذا الاقدام على مثل هذه ~~الجريمة فى القول وإنما تقدم عداوتهم زظلمهم أنفسهم فى مرتكباتهم وتعاميهم ~~فناسبه قوله: "إنه لا يفلح الظالمون " وأما آية العنكبوت وآية الصف ~~فجوابهما بين مما تقدم. # وجواب ثان: وهو أنه قد تقدم مما به الاعتبار فى الأولى من آيتى الانعام ~~وآية يونس ما فيه كفاء وإن تنوع فقد جنعه جامع الاعتبار وفى كل شفاء لمن ~~وفق للاعتبار به # # PageV01P150 # فمن عدل عنه فظالم إلا أن الاجترام يبنى على أشد من الظلم وإن كان قد ~~أجرى مع الظلم عدم الفلاح إلا أن الجرم أنبأ بالشدة وأخص بالاشعار بشناعة ~~المرتكب وتقدم أن ترتيب السور والآى مراعى وعظيم الموقع وأنه لا يعارضه ~~ترتيب النزول فإذا تقرر هذا فنقول: قدم وصفهم بالظلم ثم تكرر ذلك ممن افترى ~~أو كذب وقد وصف أولا بالظلم فوصف ثانيا بالاجترام ترقيا فى الشر كما يترقى ~~فى الخير وأيضا ليناسب ما وقع فى يونس متقدما من قوله: "وما كانوا ليؤمنوا ~~كذلك نجزى القوم المجرمين ". # والجواب عن السؤال الثانى أن آية الصف قد انفردت عن كل ما تقدم من هذه ~~الآى بذكر تعيين المفترى فيه الكذب منطوقا به من غير الإجمال الوارد فى ~~الآى الأخر بل ورد على التفصيل والتعيين وذلك بين من قوله تعالى: "وإذ قال ~~عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله اليكم لما بين يدى من التوراة ~~ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد " ثم قال: "فلما جاءهم بالبينات " أى ~~فلما جاءهم الرسول الذى سماه لهم عيسى بالبينات والدلائل القاطعة والتصديق ~~لما بين يديه من التوراة قالوا هذا سحر مبين فافتروا الكذب وارتكبوا البهت ~~فيما لا توقف فيه ولا اشكال فقيل متعجبا من حالهم على الجارى فى لسان ~~العرب: "ومن أظلم ممن افترى على ms166 الله الكذب " معرفا بأداة العهد ليقوم مقام ~~الوصف حتى كأن قد قيل هذا الكذب الذى لا امتراء فيه ولا توقف ولما لم يرد ~~فى الآى الأخر ما تقدم هنا كان الوجه أن يرد منكرا كما ثبت فورد على ما ~~يناسب ويجب والله أعلم. # الآية السابعة: قوله تعالى: "ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ... "الآية وفى ~~سورة يونس: "ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كلنوا لا يعقلون ~~ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون " فورد الفعل فى ~~الأولى مسندا إلى ضمير المفرد وفى الثانية إلى ضمير جماعة مع استوائهم فى ~~الجمعية ومع اتفاق الغايتين فى أن استماعهم مع قصدهم إياه لا يجب عليهم ~~فللسائل أن يسأل فيقول: لم ورد فى الأولى "ومنهم منيستمع إليك " وفى ~~الثانية "ومنهم من يستمعون إليك " مع اتفاق الآيتين فيما ذكر؟ # والجواب والله أعلم: أن نقول "من " لفظ مفرد ويصلح للاثنين والجميع. # على هذا وضعه فإذا ورد فى تكيب كلامهم فأول ما يحمل على السابق من حكمه ~~اللفظى من # # PageV01P151 # الافراد فلهذا ترد صلته إن كان موصولا أو صفته إن كان موصوفا أو خبره إن ~~كان شرطا أو استفهاما كصلة "الذى " ### | … # الواقع على المفرد فتقول فى الصلة والصفة: من الناس من يفعل كذا وتقول فى ~~الاستفهام: من يفعل ذلك؟ فيرفع الفعل ضميرا مفردا وسواء كان المراد فى ~~المعنى واحدا أو أكثر قم قد يكون فيما اتصل بالكلام بعد ضمير أو غيره يراعى ~~فيه معنى من حيث يراد أكثر من واحد فيأتون بع على معنى "من " لا على لفظها ~~كقولك: "من الناس من يفعل كذا ويخطئون فى ذلك ومنهم من يفعل كذا مستمرين ~~على فعلهم يبين ضمير الجمع فى قولك: وهم يخطئون والحال فى قوله: مستمرين ~~على فعلهم أن المراد أكثر من واحد وعلى هذا كلام العرب فى الكثير المطرد ~~وعيه جاء القرآن قال تعالى: "ومن الناس من يقول ms167 آمنا بالله وباليوم الآخر " ~~ثم قال: "وما هم بمؤمنين " فعاد الضمير مجموعا فى قوله "وما هم " بعد عودته ~~مفردا وهذا كثير وقال تعالى: "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ندخله جنات تجرى ~~من تحتها الأنهار " فعاد الضمير من ندخلع مفردا على لفظ "من " ثم قال ~~"خالدين " وهو حال من الضمير قتبين بهذا الجمع أن المراد جميع، وقد يجرى ~~الكلام على أوله فى الإفراد كقوله تعالى: "ومن الناس من يعجبك قوله فى ~~الحياة الدنيا ... "الآيات، فورد فيها ضمائر ثمانية كلها عائدة على لفظ "من ~~" ولم يرجع منها شئ على معنى "من " مع أن المعنى على الكثرة ثم أعلم بعد أن ~~المراد بما يبينه ما يأتى بعد الضمير المفرد المحمول على لفظ "من " إنما هو ~~أعنى المبين كثرة أو وحدة أما إبهام التعيين فمقصود لا يرتفع فإن إبهام ~~الصلة أو الخبر فى هذا أبلغ فى تكميل فائدة الكلام وإحرازها ألا ترى أن قول ~~الملك لخاصته: إن منكم من يفعل كذا أهيج لنفوس السامعين وأبلغ فى التحريض ~~على الشئ أو الزجر عنه بحسب # المرتكب فإن كان مما يحبه الملك تشوقت نفوس المخاطبين إليه وإن كان على ~~الضد من ذلك اشتد خوف جنيعهم وحذرهم وهذا يستدعى طولا قد يخرجنا عن مقصودنا ~~والوارد من هذا فى الكتاب العزيز كثير. # ونرجع إلى مقصودنا فنقول: إن آية الأنعام وردت على الأكثر المطرد وقد ورد ~~فيما انتظم بالآية بيان كون المستمعين جماعة وذلك قوله: "وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا " فبين أن المراد جماعة وارتفع الاحتمال ~~ولما لم يرد فيها انتظم مع آية سورة يونس ضمير ولا غير ذلك مما يبين ~~المستمعين جماعة وكان بيان ذلك مرادا مقصودا أتى الضمير أولا ضمير جمع حملا ~~على معنى "من " ولم # # PageV01P152 # يحمل على لفظها فيفرد لئلا يوهم أن المستمع واحد وذلك غير مقصود فقيل: ~~"ومنهم من يستمعون إليك " إذ ليس فى الكلام بعد ما يبين ذلك. # فإن قيل فإن "من " قد تقرر حكمها أنها يراد بها الكثير وإن كانت ms168 مفردة ~~اللفظ وصالحة له وإذا كانت فى الأكثر من كلامهم مراد بها الكثير فذلك يرفع ~~إيهام إرادة واحد؟ فالجواب أن إرادة الواحد بها - وإن كان الأقل - مبق حكم ~~الايهام قال تعالى: "ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ... "الآيات ~~إلى قوله "ولبئس المهاد " نزلت هذه الآى فى الأخنس بن شريق وقد تكرر الضمير ~~فيها ثمانى مرات ضمير مفرد وتأكد بذلك أن المعنى بها واحد كما قال المفسرون ~~وقال تعالى: "منهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى " نزلت فى الجد بن قيس لما ~~دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد الروم وقال: هل لك فى جلاد بنى ~~الأصفر وقصته مشهورة وقال تعالى: "ومنهم من عاهد الله ... "الآية نزلت فى ~~ثعلبة بن حاطب إلى غير هذا من المواضع وقد تقدم أيضا أنها تصلح للاثنين ~~وأنشد سيبويه رحمه الله. # [الفرزدق] # تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى نكن مثل من ياذيب يصطحبان # فإذا ثبت أن "من " تصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث وقد ذكر ~~المفسرون وأهل السير أن المعترضين لسماع القرآن منه صلى الله عليه وسلم ~~كانوا جماعة سماهم المفسرون فتحرير المراد فى الآية محرز للمعنى المقصود ~~ومتأكد إذ ليس فيما بعد مما فى المنتظم مع الآية ما يبين المراد كما فى ~~غيرها فوجب رعى ذلك فقيل: "ومنهم من يستمعون " ولزم ذلك ليرتفع الإيهام. # فإن قيل: فإن قوله تعالى فى آية يونس "أفأنت تسمع الصم " يبين ذلك كما ~~بيبنه فى آية الأنعام قوله تعالى: "وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " وما ~~بعد إذ الارتباط حاصل فى الآيتين ونظام الكلام ملتئم؟ فالجواب أن ارتباط ~~قوله تعالى: "أفأنت تسمع الصم " بما قبله صحيح كارتباط قوله تعالى "وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة " بما قبله إلا أن قوله تعالى "وجعلنا على قلوبهم أكنة " ~~مبين أن ما وقعت عليه "من " جماعة وكأن الكلام فى قوة أن لو قيل: وجعلنا ~~على قلوب السامعين إذ لا يراد بالضمير غير ما وقعت عليه أما قوله تعالى: ~~"أفأنت تسمع الصم " فليس كذلك ms169 بل المراد بلفظ الصم جنس الصم، والمستمعون ~~بعض ذلك فحصل الارتباط بهذا الوجه لا أن الصم يراد بهم من وقعت عليه "من " ~~فقط وهذا كقولهم: زيد نعم الرجل فإن الرجل لم يرد به زيد وحده إنما # # PageV01P153 # أريد به جنس الرجال وإنما زيد واحد منهم فحصل الارتباط بهذا الوجه فليس ~~كقوله "وجعلنا على قلوبهم " وبهذا يتم المعنى المقصود من تسلية نبينا صلى ~~الله عليه وسلم، وكأن قد قيل له عليه السلام: إن الصم الذين لا يعقلون لم ~~تكلف أسماعهم وهؤلاء منهم فلا درك عليه فيهمن صلى الله عليه وسلم فانفصلت ~~آية يونس من آية الأنعام وورد كل على ما يجب. # فإن قيل إذا كان الأكثر فى "من " وقوعها على الكثير فقد وردت آية يونس ~~على ما هو قليل فى كلامهم وفى هذا ما يسأل عنه؟ قلت ذلك كله فصيح ومعروف من ~~كلامهم ولا يلزم من كون الوارد أقل أن يكون دون الكثير فى الفصاحة بل كل ~~فصيح، وقد بوب سيبويه رحمه الله على حال "من " فى وقوعها على من ذكر فقال ~~فى كتابه: "هذا باب إجرائهم صلة من وخبرها إذا عنيت اثنين كصلة اللذين وإذا ~~أرادت جماعة كصلة الذين ثم ذكر الآية: ومنهم منيستمع إليك " وأنشد بيت ~~الفرزدق وقد تقدم. # تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى ### | ..... # البيت # وقد تقدم ذكر ما أجريت فيه مجرى التى كقول العرب: ومن كانت أمك وأيهن ~~كانت أمك، وأورد عن [بياض] قراءة من قرأ: "ومن تقنت منكن لله ورسوله " فقد ~~ذكر سيبويه رحمه الله أن هذا كله من كلام العرب ودل قوله فى الترجمة: هذا ~~باب إجرائهم بالاضافة إلى ضمير الجمع وإنما يريد العرب وهذا مشير إلى أن ~~العرب تتكلم به كثيرا وأنه ليس فى كلام بعضهم دون بعض ووضح من جملة هذا أن ~~قوله تعالى فى آية يونس "ومنهم من يستمعون " بضمير الجماعة لا يلائم الموضع ~~سواه إذ ليس بعده ما يبين أن المراد جمع أما آية الأنعام فقد ورد فى ~~المنتظم بها مما بعد ما ms170 يبين المراد فجاء كل على ما يحب والله أعلم. # الآية الثامنة: # قوله تعالى: "وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين " وفى ~~سورة المؤمنون: "إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين " ~~وفى الجاثية: "وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نمةت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر. "الآية. # للسائل أن يسأل فيقول: إن هذه الآى الثلاث قد اتحد محصولها من إنكارهم ~~البعث الأخراوى أن لا حياة بعد هذه الحياة الدنياويه ولم يرد فيها عدول عن ~~هذا من قولهم فما وجه الاقتصار فى آية الأنعام؟ وزيادة نموت ونحيا فى ~~الأخريين؟ وانففراد آية الجاثية بقولهم: "وما يهلكنا إلا الدهر " عوض قولهم ~~فى الأوليين "وما نحن بمبعوثين "؟ # # PageV01P154 # فالجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية الأنعام لم يرد فيما تقدمها زيادة على ~~ما أخبروا به من حالهم فى إنكارهم البعث ألا ترى أن بنيت الآية على ما ~~تقدمها من قوله تعالى: "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ~~... "الآية فكأن قد قيل لهم: إنكم كنتم تنكرون البعث ووجود هذه الحياة ~~الأخراوية ولم يرد أثناء هذا ما يستدعى زائدا. # أما آية المؤمنين فترتب الوارد فيها من قولهم "نموت ونحيا " على ما تقدم ~~من دعاء الرسل إياهم، وقد ذكر الامداد فى دنياهم الحامل على عتوهم وقولهم ~~فى المرسل إليهم: "ما هذا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ~~" فلما طال هذا الكلام بما أغروا به سفهاءهم ناسب هذا الطول ما زيد هنا من ~~قوله "نموت ونحيا " أى طائفة تموت وطائفة توجد. # وشأن ما يرد فى الكتاب العزيز مما ظاهره التكرر زيادة فائدة أو تتميم ~~معنى أو لبناء غيره من الكلام عليه حتى لا يكون تكرارا عند من وفق ~~لاعتباره. # وأما آية الجاثية فهى المفصحة بمرتكبهم الشنيع من إنكارهم فاعلا مختارا ~~حين قالوا: "وما يهلكنا إلا الدهر " فزادوا إلى إنكارهم البعث الأخراوى ~~إنكارهم توقف الموت على آجال محدودة للخلائق ووقوعه بإرادة وتقدير من ~~الموحد سبحانه ثم أتبعوا شنيع مرتكبهم هذا ms171 بقولهم للرسل تحكيما لإنكارهم ~~البعث: "فأتوا بآياتنا إن كنتم صادقين " أى إن كنتم صادقين فى أنا نحيى بعد ~~الموت فأرونا دليلا على ذلك بإحياء من مات من آبائنا وبما ورد هنا من هذه ~~الزيادة حصل التعريف بجملة مقالهم الشنيع واستوفته هذه الآية ما لا يتأتى ~~فى غير هذا مما يتكرر. # الآية التاسعة قوله تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو " وهذه الآية ~~الأولى مغفلة وفى هذه السورة أيضا "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ~~وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت " وفى الأعراف: "قالوا ~~إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة ~~الدنيا " وفى سورة العنكبوت: "وما هذا الحياة الدنيا إلا فلهو ولعب " وفى ~~سورة القتال: "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " وفى سورة الحديد: "اعلموا ~~أنما الحياة الدنيا لعب ولهو " ففى آيتى الأنعام وسورة القتال وسورة الحديد ~~تقديم اللعب على وعطف اللهو علي عليه وثبت فى الأعراف والعنكبوت بالعكس ~~فقدم فيهما اللهو على اللعب والواو وان # # PageV01P155 # كانت لا ترتب فانه لا يتقدم اللفظ فى الكتاب العزيز ذكرا أو يتأخر الا ~~لموجب فوجه تقديم اللعب فى الأنعام أنه المتقدم فى الوجود الدنياوى على ~~اللهو ولأن أول ابتداء تعقل الإنسان وميزه حاله حال اللعب وهو المطابق لسن ~~الابتداء فإذا استمر ألهى عن التدبر والاعتبار وشغل تمادية عن التفكر فيما ~~به النجاة والفوز وقد ينضاف إلى اللعب شاغل غيره أو يعاقبه فيحصل بالمجموع ~~الغفلة عن النظر فى الآيات فيعقب الهلاك، قال تعالى: "ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس. # ... " الآية فلما لم يبرح هؤلاء عن الجرى على مهيع الصم والبكم الذين لا ~~يعقلون جرى الإخبار عنهم فى الآية الثانية من الانعام بمقتضى أحوالهم فى ~~أعمارهم التى لم تخرج عن أحوال البهائم فأول أعمارهم لعب وعقب ذلك لهو فورد ~~الاخبار على حسب جرى الأعمار وانهم اعتمدوا البقاء مع مقتضى الطبع الانسانى ~~إذ لم يصغ المكلف إلى داع ولا تكلف الخروج عن مقتضى هواه ولا جنح إلى ~~مفارقة ms172 مألوف الطباع قال تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " فأمر تعالى ~~نبيه عليه السلام بالاعراض عنهم فقال: "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ~~" على مقتضى الهوى والطبع وهذه الحال هى التى نبه سبحانه عباده المؤمنين ~~على # أنها حال الحياة الدنيا وصفتها التى تمتاز بها فأعلم بذلك ليجتنبوها ~~ويحذروا غرورها فقال تعالىفى الآية الأولى من هذه السورة: "وما الحياة ~~الدنيا إلا لعب ولهو " وقال فى سورة القتال: "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ~~" ألا ترى أن الخطاب قبل هذه الآية خطاب للمؤمنين بالأمر بالطاعة لله ~~ورسوله ووصية لهم وإعلام بحال عدوهم من الكفار وذلك قوله تعالى: "يأيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله ... " الآية، وفى سورة الحديد: "اعلموا أنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو " فعرف عباده المؤمنين منها بالصفة التى هى فضلها وبها ~~امتيازها على الترتيب الذى وجودها عليه من تقديم اللعب فى هذه الآى الأربع. # أما آية الأعراف فإنها قول المؤمنين أهل الجنة إخبارا عن حال الكافرين ~~الموجبة لتعذيبهم فقدموا فى الذكر اللهو الشاغل عن الاستجابة الجارى مع سن ~~التكليف والمساوق له الثانى عن اللعب إذ وجود اللعب أولى فى السن التى ~~معظمها غير سن التكليف وجرى الأقلام بالتزام الطاعة واجتناب المخالفة ~~فقصدوا أن يخصوا موجب التعذيب من الأعمال فذكروا مساوقه ومظنته وهو معاقب ~~اللعب والذى اتخذه الكافر بالقصد والاختيار عوضا عن شاق التكاليف، ولم يذكر ~~اللعب أولا لأنه جار فى البدأة وحين لا تكليف # # PageV01P156 # فكأن الكلام فى قوة أن لو قيل: ان الله محرم نعيم الجنة على من تأبط ~~الكفر واعتمده واتبع اللعب واللهو من كفره فلم يبرح عن ملازمة الطبع ~~والهوى. # وأما آية العنكبوت فإنها تقدم قبلها قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله "، ولا يسأل عن هذا ويجيب ~~الا من جاوز سن اللعب وبلغ سن التى فيها ينعلق التكايف بالمخاطب ويصح خطابه ~~وعتابه على تفريطه. # فناسب ذلك من ذكر الحياة الدنيا تقديم ما ms173 يساوق تلك السن فقدم ذكر اللهو ~~والتلى اللعب ليناسب وايحصل ذكر مانعهم من الاستجابة وتكميل النظر المخلص ~~لهم وآخر ذكر اللعب الذى لا يساوق مع أنه متبوع اللهو لزوما لمن لم تسبق له ~~سابقة سعادة فهذا وجه التقديم والتأخير فيما ذكر ولو ورد على العكس لما كان ~~ليناسب والله أعلم. # الآية العاشرة قوله تعالى: "وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون " ~~وفى سورة الأعراف: "والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون " وفى سورة ~~يوسف: "ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون " فى هذه الآى ثلاثة ~~أؤولة والآية الأولى من مغفلات صاحب كتاب الدرة أحدها قوله فى الأنعام ~~"وللدار "باللام الموطية للقسم، وفى الأعراف "والدار " بغير تلك اللام ~~والثانى جرى الأخرة على الدار نعتا لها فى السورتين وفى سورة يوسف "ولدار ~~الآخرة " على الإضافة والثالث قوله فى السورتين "للذين يتقون " وفى سورة ~~يوسف "للذين اتقوا ". # والجواب عن الأول: أن آية الأنعام تقدمها قوله تعالى معرفا بحال الدنيا ~~"وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو " ومعنى التأكيد فى هذا حاصل من جرى ~~الكلام وسياقه لأنك إذا قلت: ما المال إلا الإبل فكأنك نفيت عن غير الإبل ~~أن يكون مالا وأثبت ذلك لها ثباتا مؤكدا وانها المال حقيقة وكأن ما سواها ~~ليس بمال وعلى هذا يجرى ما دخلته الا بعد ما النافية من مثل هذا ومثل هذا ~~هو المعنى الحاصل من لفظ القسم الصريح فناسبه هذا مجئ اللام الموطية للقسم ~~داخلة على المبتدأ فى الآية المعرفة لحال الدار الأخرى فى قوله: "وللدار ~~الآخرة " وكأنه نص قولك والله للدار الآخرة خير، وتناسب هذا مع ما تقدم ~~قبله من تقدير القسم المؤكد كما تبين، وليس فى آية الأعراف ما يقتضى هذا ~~لأنها مناطة بقوله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا ~~الأدنى " # # PageV01P157 # ثم قال: "والدار الآخرة خير "، على هذا نظم هذا الكلام وليس فيه ما يقتضى ~~قسما فلم تدخله تلك اللام. # والجواب عن السؤال الثانى: أن جرى النعت بلفظ الآخرة على الدار فى ms174 ~~الآيتين وجهه مطابقة ما تقدم قبل كل واحدة من الآيتين أما فى آية الأنعام ~~فقوله تعالى مخبرا عنهم: "وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا " فطابق هذا قوله ~~تعالى: "وللدار الآخرة خير " وأما آية الأعراف فقوله تعالى: "فخلف من بعدهم ~~خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى " المراد به الدار الدنيا فقوبل ~~بقوله: "والدار الآخرة خير " وهذا بين ولما لم يتقدم مثل ذلك قبل آية يوسف ~~ورد لفظ الدار مضافا بغير الألف واللام فيه فقيل: "ولدار الآخرة خير " وجاء ~~كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. # والجواب عن السؤال الثالث: ان قوله تعالى فى سورة يوسف: "ولدار الآخرة ~~خير للذين اتقوا " قد تقدم قبله قوله تعالى: "أولم يسيروا فى الأرض ... " ~~الآية، والحاصل منه انهم ظلموا أنفسهم فأهلكوا ولو اتقوا لنجوا فناسب هذا ~~المعنى المقدر ورود الماضى فى قوله تعالى: "للذين اتقوا " أوضح مناسبة. # الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: "وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " وفى ~~سورة العنكبوت: "وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه " فى قراءة نافع وأبى ~~عمرو وحفص ولمك يختلف فى توحيد لفظ آية فى الأنعام والمقصود واحد؟ # ووجه ذلك والله أعلم أن لولا فى الآيتين تحضيض وإنما يجرى فى كلامهم ~~عندما يراه المتكلم به أولى أو أهم فى مقصود ما أو أتم فى مطلب ما إلى ~~أشباه هذا مما يستدعى التحضيض ولما تقدم قبل آية الأنعام ذكر دلائل من خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور بحال من كذب وعاند إلى ما تبع ذلك من ~~الآيات التى يحتاج فيها إلى النظر وإعمال الفكر والاعتبار وكان مظنه لتغبيط ~~الجاحد، فطلبوا آية تبهر ولا يحتاج معها إلى كبير نظر كناقة صالح عليه ~~السلام أو شبه ذلك فافتتحوا فيما ذكره سبحانه عنهم بأداة لولا التحضيضية ~~حرصا على ما طلبوه، وأتوا بالفعل مضعفا لما أرادوه من التأكيد فقالوا: نزل ~~وأفردوا آية لما قصدوه من أنه عليه السلام جاءهم بآية واحدة من الضرب الذى ~~طلبوه، وهذا مناسب وقد صرحوا بما طلبوه من هذا ms175 الضرب بالذى ذكرنا # # PageV01P158 # فى قولهم: "لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب ... " الآية، وفى قولهم: "لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ~~" إلى ما أشبه هذا فقال تعالى: قل لهم يا محمد إن الله قادر على أن ينزل ~~آية ولكن أكثرهم لا يعلمون أى لا يعلمون ما كان يعقبهم ذلك لو وقع على وفق ~~اقتراحهم من تعجيل أخذهم وهلاكهم كما جرى لغيرهم من الأمم كقوم صالح عليه ~~السلام وغيرهم وقد قدم لهؤلاء التنبيه على ذلك فى قوله تعالى: "ولو أنزلنا ~~ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون " وأيضا ففى ذلك من الحكمة ما سبق فى علمه ~~تعالى من هداية من شاء واضلال من شاء وليرفع بالعلم والنظر من هداه إليه ~~ووفقه فلو ورد هذا الفعل غير مضعف ولم تفرد آية لما أحرز هذا المعنى. # أما آية العنكبوت فقد تقدم قبلها قوله تعالى: "بل هو آيات بينات فى صدرو ~~الذين أوتوا العلم " ثم قال تعالى: "وما يجحد بآياتنا " وتأخر بعدها قوله ~~تعالى: "قل إنما الآيات عند الله " فلم يكن ليناسب بعد اكتناف هذه الجموع ~~توحيد آية ثم ان هذه الآية لم يتقدمها من التهديد وشديد الوعيد ما تقدم آية ~~الأنعام فناسب ذلك ورودالفعل غير مضعف وجاء ذلك كله على ما يجب ولم يكن عكس ~~الوارد ليناسب والله أعلم. # الآية الثانية عشرة قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين "، ثم قال بعد: "قل أرأيتم إن أخذ ~~الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم " ثم قال بعد: "قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون " وفى سورة يونس: "قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون " ففى هذه ~~الآى الأربع أربعة أسؤلة: الأول ما وجه التكرار فى الواردة فى سورة ~~الأنعام؟ والثانى: ما وجه اختصاص بعضها يتأكيد الخطاب الحاصل من الضمير ~~بالإتيان بالأداة بعد فى قوله: ms176 "قل أرأيتم " وسقوط ذلك من بعضها؟. # الثالث: ما وجه تخصيص كل آية منها بما اتبعت به؟، الرابع: ما وجه الترتيب ~~فى الآيات الثلاث وهو قوله فى التنبيه أولا: "إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة " وتأخير التنبيه بمثل ذلك من ذكر العذاب فى قوله: "قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ... " الآية وتسيط التنبيه بقوله: "قل أرأيتم ~~إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم "؟ # # PageV01P159 # والجواب عن الأول: أنه إنما أعيد لفظ التنبيه لتسويغ معتبرات كل منها كاف ~~فى الدلالة لمن وفق ونظير هذا ما ورد فى قوله تعالى: "قل الحمد لله وسلام ~~على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون " ثم قال: "أمن خلق السماوات ~~والأرض " أمن فعل كذا فهذه الدلالات التى نبهوا على الاعتبار بها نظائر ~~الآى الواردة فى آية الأنعام وأما الإتيان بأداة الخطاب بعد الضمير المحصل ~~لذلك فتأكيد فى إيقاظ المنبه إنباء باستحكام غفلته كما يحرك النائم باليد ~~والمفرط الغفلة باليد واللسان وشبه هذا ألا ترى وصفهم قبل هذا بقوله تعالى: ~~"والذين كفروا بآياتنا صم وبكم فى الظلمات " فذكروا أولا تذكير الصم ~~والبكم، وإنما يذكر هؤلاء بأبلغ ما يقع به التحريك والتنبيه، ثم لما بسط ~~الكلام وامتد الوعظ إلى الآية الأخرى قيل لهم: "قل أرأيتم " فلم يحتج إلى ~~التأكيد، وذكروا بأمر مشاهد فى كثير من الخلق فقيل لهم: "إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم " ثم لما أخذوا بكل وجهة يحصل منها الإتعاظ اتبع ذلك بذكر العذاب ~~وسوء الجزاء لمن لم يتعظ وكررت أداة الخطاب وأكد كما يقال لمن نبه فلم ~~ينتبه ولا أجدى عليه التذكار كيف رأيت؟ ويحرك تجريك المتمادى على غيه بتكرر ~~الخطاب فقد حصل الجواب عن الكل. # وأما آية يونس فمنفردة ولم يتقدم قبلها ذكر صم ولا بكم يوجب تأكيد الخطاب ~~وقد تقدم قبلها قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع ~~والأبصار " إلى ما بعد هذا فحصل تحريكهم وتنبيهم بما لم يبق لعده الا ~~التذكير بعذابهم ان لم يجد ms177 ذلك عليهم فالتدريج هنا حاصل كما هناك لكن ~~بطريقة أخرى والله أعلم بما أراد. # فصل: واعلم أن من جعل الأداة المؤكد بها الخطاب فى أرأيتكم ضميرا لم ~~يلزمه اعتراض بتعدى فعل المضمر المتضل إلى مضمره المتصل لأن ذلك جائز فى ~~باب الظن وفى فعلين من غير باب ظننت وحسبت وهما: فقدت وعدمت، وكذلك تعدى ~~فعل الظاهر إلى مضمره المتصل جائز فى الأفعال المذكورة والآيات المتكلم ~~فيها من باب الظن لأن المراد برأيت رؤية القلب فهى من الباب المستثنى وإنما ~~الممتنع مطلقا تعدى فعل المضمر المتصل إلى ظاهره فلا اختلاف فى منع هذا فى ~~كل الأفعال وأما من جرد أداة الخطاب المؤكد بها للحرفية وهو قول الجمهور ~~فلا كلام فى ذلك. # الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: "فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم ~~يتضرعون " # # PageV01P160 # وفى سورة الأعراف: "وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلاه بالبأساء ~~والضراء لعلهم يضرعون " بإدغام تاء التفعل فى فاء الكلمة مع اتحاد المرمى ~~فى الآيتين فيسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب والله أعلم: أن العرب تراعى مجاورة الألفاظ فتحمل اللفظ على ~~مجاوره لمجرد المضارعة اللفظية وان اختلف المعنى ومنه الاتباع فى ينوؤك ~~ويسوؤك قال سيبويه رحمه الله وقد ذكر بعض ما تتبع فيه العرب وتحمل اللفظ ~~على ما قرن به لول أفرد عنه لم ينطق به كذلك فقال: كما أن يتوؤك يتبع يسوؤك ~~يريد أنك تقول: ينيئك بضم الياء وكسر النون متعديا على مثال يزيلك وزنا ~~وتعدية إلى المفعول فإذا ذكرته بعد يسوؤط ابعته إياه فقلت يسوؤك وينوؤك مع ~~اختلاف المعنى فهم فيما اتفق معناه من هذا أحرى أن يفعلوا فيه ذلك. # وماضى الفعل من الضراعة لا إدغام فيه إنما تقول تضرع إذ لا حرف مضارعة ~~فيه يسوغ الإدغام فلما ورد الماضى فيما بنى علي آية الأنعام من قوله: ~~"فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا " ولا ادغام فيه لما ذكرنا ورد الأول مفكوكا ~~غير مدغم فقيل يتضرعون رعيا للمناسبة، أمأ آية الأعراف فلم يرد فيها ما ~~يستدعى هذه المناسبة فجاء ms178 مدغما على الوجه الأخف إذ لا داعى لخلافه والله ~~أعلم. # الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: "قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك " بتكرير ضمير الخطاب المجرور من قوله ~~"لكم " وفى سورة هود: "ولا أقةل لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول إنى ملك " بغير تكرير الخطاب فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب والله سبحانه أعلم أن الوارد فى سورة هود إنما هو حكاية قوله نوح ~~عليه السلام متلطفا ومشفقا من حال قومه ألا ترى استفتاح خطابه لهم بقوله: ~~"أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده ... " الآية وقوله: ~~"ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ... " الآية وقوله: "يا قوم من ينصرنى من ~~الله " إلى قوله "إنى إذا لمن الظالمين " فتأمل جليل ملاطفته عليه السلام ~~وما يفهم من كلامهم من عظيم الإشفاق من حالهم وإرادته ما به نجاتهم من ~~العذاب ومن أخذهم بمرتكباتهم فهذا كله استلطاف فى الدعاء لا يلائمه تكرار ~~كلمة تفهم تعنيفا أو توبيخا والتأكيد والتكرار يفهم ذلك ويردان حيث يقصد. # وأما قوله تعالى فى آية الأنعام: "ولا أقول لكم إنى ملك " فوارد طى كلام ~~أمره صلى الله عليه وسلم بتبليغه عتاة # # PageV01P161 # قريش والعرب توبيخا لهم وتقريعا فقيل له: "قل " والمراد: قل لهم يا محمد: ~~": "قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك. # ... " الآية ولم يؤمر أن يقول هذا لأبى بكر وعمر وخاصة أصحابه إنما عنى ~~به من يقول: "مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها " فمن يصدر ~~عنه هذا وأشباههه مما ينبئ عن الازراء وفساد الظاهر والباطن فهم المقول ~~لهم: "لا أقول لكم عندى خزائن الله. # ... " الآية فتكرر فيها قوله "لكم " تأكيدا يفهم التعنيف ويناسب التوبيخ ~~والتقريع ونظير هذا وان خالفه فى تخصيص المخاطب بمقصود الكلام وإنما قصد به ~~تعنيف مستحقى ms179 التعنيف ممن لم يخاطب فهو من قبيل قولهم: إياك أعنى واسمعى يا ~~جارة ... # وقوله تعالى فى خطاب عيسى عليه السلام: "وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ~~بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج ~~الموتى بإذنى " فتأمل تكرار قوله "بإذنى " وما يتضمن من توبيخ من جعل عيسى ~~عليه السلام إلها واتخذه معبودا فخزطب عيسى عليه السلام وهو المحفوظ ~~المعصوم من توهم استبداد دل قدره صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولكن هذا كما ~~قيل له صلى الله عليه وسلم: "أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله " والمراد بذلك تقريع من اتخذه عليه السلام إلها ومرادنا من هذا ما ~~اجتمعت عليه هذه الآى من إشعار التقريع والتوبيخ الحاصلين من التأكيد ~~والتكرار ثم يصرف ذلك فى كل من الآيتين لمن تأهل له ولما لم يكن ذلك مفصودا ~~فى آية هود لم يرد فيها تأكيد ولا تكرار وجاء كل من ذلك على ما يناسب والله ~~أعلم. ### | الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: "إن هو إلا ذكرى للعالمين " # وفى سورة التكوير: "إن هو إلا ذكر للعالمين " للسائل أن يسأل عن وجه ورود ~~الخبر بلفظ التأنيث فى الأولى والتذكير فى الثانية مع تذكير المبتدأ فيهما؟ # والجواب عنه والله أعلم أن آية التكوير لما تقدمها القسم على القرآن ~~بقوله تعالى: "فلا أقسم بالخنس " إلى ما وقع القسم به ثم ورد ضمير المقسم ~~عليه فى قوله: "إنه لقول رسول كريم " أى أن القرآن لقول رسول كريم، والمراد ~~به جبريل عليه السلام ثم اتبع بوصفه إلى قوله "ثم أمين " ثم قيل "وما ~~صاحبكم بمجنون " والاشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فنزهه # # PageV01P162 # تعالى عن قول أعدائه ونسبتهم إياه إلى الجنون ثم وصفه تعالى بأنه على ~~الغيب الموحى به والمأمون على تبليغه غير متهم ولا بخيل على القراءتين ~~فقال: "وما هو على الغيب بضنين " ثم أعقب بقوله تعالى: "وما هو " أى وما ~~القرآن "بقول شيطان رجيم " فجرت هذه الضمائر على التذكير على ما يجب ms180 ثم ~~اتبع بقطع تعلقهم فقيل: "فأين تذهبون " أى إن كل ما رمتم من رميه عليه ~~الصلاة والسلام به من السحر والجنون والتقول لا يقوم شئ من ذلك على ساق ولا ~~يتوهم ذلك ذو عقل سليم ثم قال: "إن هو إلا ذكر للعالمين " والضمير للقرآن ~~ولا يمكن وروده خلاف هذا لمنافرة التناسب ومباعدة التلاؤم. # وأما آية الأنعام فتقدمها قوله تعالى: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب ~~والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " ~~فنوسب بين قوله: "إن هو إلا ذكرى " وبين ما تقدم فكأن التقدير إن هو أى ~~الأمر أو المراد المقصود أو ما ذكر من الكتاب والحكم والنبوة إلا ذكر ~~فناسبه ذكرى هنا لما تقدم بيانه ولم يتقدم هنا ما يستدعى لفظ التذكير ~~ويناسبه فجاء كل على ما يجب والله أعلم. # الآية السادسة عشرة: قوله سبحانه: "والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم ~~على صلاتهم يحافظون " لم يقرأ هنا بغير هذا اللفظ وكذا فى المعارج وفى سورة ~~المؤمنون فى قراءة الجماعة إلا الشيخين "على صلواتهم " بالجمع فللسائل أن ~~يسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب عنه والله أعلم: أن ذلك مناسب لما اكتنف هذا الوصف فى آية سورة ~~المؤمنون لما كان ذكر محافظتهم على صلاتهم قد اكتنفه ما تقدمه وما تأخر عنه ~~من تفخيم الوصف فى المتقدم وتفخيم الجزاء فى المتأخر ناسب ذلك تفخيم ~~العبارة عن فعلهم فورد بلفظ الجمع فى قراءة الأكثرين فقيل: "والذين هم على ~~صلواتهم " أما تفخيم الوصف المتقدم فذكرهم بالفلاح وهو الظفر بالمراد ~~والبقاء فى الخير وذكرهم بالخشوع فى صلاتهم وإعراضهم عن اللغو ولم يقع ~~متقدم وصفهم فى سورة المعارج ما يوازن هذه الأوصاف. # وأما آية الأنعام فلم يتقدم فيها غير ذكرهم بالإيمان فقط وأما نعتهم ~~الوارد فى جزائهم فوصفهم بأنهم الوارثون ثم تخصيصهم بأنهم الوارثون ثم ~~تخصيصهم بإرث الفردوس وهو أعلى الجنة ومنه تنفجر أنهار الجنة، ووصفهم ~~بالخلود فيها، ولا يوازن هذا بقوله عقب آية المعارج: "أولئك فى جنات مكرمون ~~". # # PageV01P163 # وأما آية الأنعام فلم ms181 يرد فيها ذكر جزائهم بالجمع كما فى آية سورة ~~المؤمنون وإن لم يقرأ بذلك فى الأخريين وظهرت مناسبة ذلك والله أعلم. ### | الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة "، # وفى سورة الكهف: "لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة " ومرمى الآيتين واحد، ~~فيسأل عن زيادة "فرادى " فى آية الأنعام؟ # والجواب والله أعلم: أن ذلك مراعى فيه فى آية الأنعام ما أعقبت به من ~~قوله: "وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم " أى ما أعطيناكم فى الدنيا مما ~~شغلكم عن آخرتكم، ثم قال: "وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركاء " أى منفردين عما كنتم تؤملون من أندادكم ومعبوداتكم من دونه سبحانه، ~~فلرعى هذا المعقب به فى آية الأنعام ما قيل فيها: "ولقد جئتمونا فرادى ". # أما آية الكهف فقبلها قوله تعالى: "ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ~~فحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " ثم قال: "وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا ~~كما خلقناكم أول مرة " مجردين عن كل متعلق. # ولم يقع هنا ذكر ولا إشارة إلى ما عبد من دون الله فلهذا لم يقع هنا ~~"فرادى " وذلك بين التناسب وعكس الوارد لم يناسب والله أعلم. # الآية الثامنة عشرة قوله تعالى: "قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون "، وبعد ~~هذه: "قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون "، ثم بعد هذه: "إن فى ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون "، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف هذه الأوصاف التابعة فى الآى ~~الثلاث؟ # والجواب: أنه لما تقدم الآية الأولى قوله جل وتعالى: "وهو الذى جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر " فذكر سبحانه من المعتبرات التى ~~يتوصل بالنظر فيها إلى معرفته وحدانيته تعالى ما يحصل الاطلاع عليه تعقلا ~~وتنقلا ويستند فى كثير منه إلى التعاون فى تعرفه والاطلاع عليه بمن تقدمت ~~له به المعرفة فيحصل فى ذلك علم منقول فيما يتعلق بذات المتعرف المطلوب به ~~الاستدلال أو فى أدوات موصولة إليه إذ ليس علم ذلك راجعا إلى مجرد الفكر ~~والتفطن ألا ترى أن إدراك العلم بنجوم السماء وتفصيل ms182 ذلك بتعيين الكواكب ~~الثابتة والسيارة المتنقلة فى أبراجها وخنوس الخمسة منها واشتراكها مع ~~الشمس والقمر فى انتقالها فى منازلها مختلفات الحالات فى السرعة # # PageV01P164 # والبطء فكم بين قطع القمر الفلك فى ثمان وعشرين ليلة وقطع زحل إياه فى ست ~~وثلاثين سنة جارية فى أفلاكها من غرب إلى شرق وقذف الفلك الأعظم بالكل من ~~شرق إلى غرب على العكس "ذلك تقدير العزيز العليم " وياعرف هذا القسط مما ~~ذكرنا يتحصل للمعتبر الاهتداء بها على الكمال فى ظلمات البر والبحر والعلم ~~بعدد السنين والحساب والقلب فى كثير من هذا الضرب مورد على البصر فيما ~~ينهيه إليه فصر هذا الضرب من المعتبرات الدالة على الصانع تعالى كالمخبر به ~~الحاصل بواسطة من خارج فتناسب ذلك التعبير عن المتذكر به بالعلم الذى مواده ~~ومحصلاته الخبر القاطع مع النظر السديد فقيل فى ختام هذه الآية: "لقوم ~~يعلمون " وقيل ما معناه أن الوارد فى قوله تعالى: "إن الله فالق الحب ~~والنوى " إلى قوله تعالى: "وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات ~~البر والبحر " آيات تنيه على معرفة الله تعالى والعلم به وبوحدانيته وهو ~~أشرف معلوم، فأعقب بأشرف ما يوصف به المعتبرون فقيل: "لقوم يعلمون " وذلك ~~أعلى من الوصف بقوله تعالى: "لقوم يفقهون "و: "لقوم يؤمنون " ولذلك ما ورد ~~وصفه تعالى بالعلم ولا يوصف سبحانه بالفقه ولا العقل فلما كان المعلوم أشرف # المعلومات عبر عن الآيات التى نصبت للدلالة عليه باللفظ الأشرف انتهى وهو ~~قول حسن والتناسب فيه واضح. # أما الآية الأخرى فتقدم قبلها قوله تعالى: "وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة ~~فمستقر ومستودع " ومرجع العلم بنشأة الإنسان وتقلبه من صلب إلى رحم، ~~وارتباط أعضائه الظاهرة والباطنة، وجمع أجزائه وتصرف كل عضو فى ما له خلق، ~~واحتياج الأعضاء بعضها إلى بعضها وجرى ما وكل منها بغذاء الإنسان اجتذابا ~~وانتحالا وطبخا وتقسيما وتجزئة على الأعضاء واتقان كل عضو منها زجرى لما ~~يسر له، إلى غير ذلك هذا مما يبسطه من تكلم فى التشريع، فالعلم بهذا كله ~~جملة وتفصيلا مما ms183 لا يحصل بالسمع والبصر وإنما يطلع بالاعتبار والتفكر من ~~ذوى الفطن السالمة والنظر العقلى السديد والفهم المصيب، فناسب هذا قوله ~~تعالى "لقوم يفقهون " والفقه التفهم والتفطن وذلك من جملة ألهم إليه وأشار ~~قوله تعالى: "وفى أنفسكم أفلا تبصرون ". # وأما الآية الثالثة فإنه سبحانه لما ذكر إنزال الماء من السماء وإخراج ~~النبات من الأرض به فى قوله سبحانه وتعالى: "وهو الذى أنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا منه نبات كل # # PageV01P165 # شئ فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان ~~دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان "، فلما أورد هذا كان مذكرا بالبعث ~~الأخراوى والنشأة الثانية كما قال تعالى فى آية الأعرف: "كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون " وإنما يحصل العلم بذلك وسائر أمور الآخرة من قبل الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام والإيمان بهم وبما جاؤوا به فقال تعالى: "إن فى ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون " أى يصدقون بالبعث وأنه تعالى كما بدأهم يعودون فقد ~~وضحت مناسبة هذه الآيات الثلاث لما أعقب بها والله سبحانه أعلم. # الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: "والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ~~انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " وورد فيما بعد من هذه السورة: "والزيتون ~~والرمان متشابها وغير زتشابه كلوا من ثمره وآتوا حقه يوم حصاده "، فورد فى ~~الآية الأولى "مشتبها وغير متشابه " وفى الثانية: "متشابها "، وفى الأولى: ~~"انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه "، وفى الثانية: "كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده "، يسأل عن المختلف فى الآيتين مع اتحاد مرماهما؟ # والجواب عن الأول: أن مشتبها ومتشابها لا فرق بينهما إلا ما لا يعد فارقا ~~إذ الافتعال والتفاعل متقاربان، أصولهما: الشين والباء والهاء من قوله أشبه ~~هذا هذا إذا قاربه وماثله، ورد فى أولى الآيتين على أخف البناء وفى الثانية ~~على أثقلهما رعيا للترتيب المتقرر وقد مر نحو هذا فى قوله: "فمن تبع هداى " ~~وقوله "فمن اتبع " فى سورة طه. # والجواب عن الثانى: أن قوله تعالى فى الأولى: "انظروا إلى ثمره أذا أثمر ~~وينعه " مبنى على ما ms184 قبله مما بناه على الاعتبار، قال تعالى: "إن الله فالق ~~الحب والنوى ### | .... # " الآية، وقال تعالى: "فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا ... " الآية، ~~وقوله: "وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ... " الآية، ثم قال تعالى: ~~"وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ وأخرجنا منه خضرا نخرج ~~منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون ~~والرمان مشتبها وغير متشابه "، فلما كان مبنى هذه الآى على الاعتبار ~~والتنبيه بما نصب تعالى من الدلائل على وحدانيته لم يكن ليناسب ذلك ويلائمه ~~إلا الأمر بالنظر والاعتبار لا الأمر # # PageV01P166 # بالأكل، أما الآية الثانية فمبنية على غير هذا وقد تقدمها قوله تعالى: ~~"وقالوا هذه أنعام وحرث حجر " أى منع: "لا يطعمها إلا من نشاء "، وجرى ما ~~بعد على التناسب إلى قوله: "وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ~~والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان " إلى قوله: "كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " ثم قال بعد ذكر الأنعام: "كلوا مما رزقكم الله ~~"، وجرى ما بعد على هذا فى تفصيل ما أحل سبحانه لعباده ورد ما ظنت يهود ~~تحريمه على هذه الأمة، ثم أتبع سبحانه لعباده بذكر ما حرم أكله فقال لنبيه ~~عليه السلام: "قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا ### | .... # " الآية، ثم أتبع تعالى بما حرم على بنى إسرائيل أكله فقال: "وعلى الذين ~~هادوا حرمنا كل ذى ظفر " فلم يتخلل هذه الآيات من غير أحكام المأكولات فى ~~التنويع والإباحة خلاف ذلك سوى الأمر بزكاة الحرث فى قوله: "وآتوا حقه يوم ~~حصاده "فدارت هذه الآى على ما أنعم به سبحانه من ضروب ما خلقه تعالى مما ~~أقام به حياة عباده مأكلا وملبسا ومعونة فى حركاتهم وانتقالاتهم ومباح ذلك ~~ومحرمه، فلم يكن ليلائم ذلك إلا ما يناسبه، ولم يكن ليناسب الآية المتقدمة ~~لو # قيل: كلوا، ولا هذه الآية لو قيل: انظروا، فجاء كل على ما يجب ويلائم ولا ~~يناسب ms185 خلافه، والله أعلم. ### | الآية الموفية عشرين # قوله تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على ~~كل شئ وكيل " وفى سورة غافر: "ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا ~~إله إلا هو فأنى تؤفكون ". # للسائل أن يسأل عن وجه التقديم والتأخير فيما قدم وأخر فى هاتين الآيتين. # والجواب عن ذلك: أن آية الأنعام لما تقدم فيها قوله تعالى: "وجعلوا لله ~~شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم "، وقوله تعالى: "أنى ~~يكون له ولد ولم تكن له صاحبة " كان الملائم نفى ما جعلوه وادعوه من ~~الشركاء والصاحبة والولد، فقدم ما الأمر عليه من وحدانيته سبحانه وتعاليه ~~عن الشركاء والولد فقال: "لا إله إلا هو "، وعرف العباد بعد بأن كل ما سواه ~~سبحانه خلقه وملكه فقدم الأهم فى الموضع. # وأما آية غافر فتقدمها قوله تعالى: "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق # # PageV01P167 # الناس " ثم قوله تعالى: "الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا " فلما تقدم ذكر الخلق الأعظم ولم يتقدم هنا ما تقدم فى آية الأنعام ~~ما أتبع بالتنبيه على أنه سبحانه خالق كل شئ فكان تقديم هذا التعريف هنا ~~أنسب وأهم، ثم أعقب بالتعريف بوحدانيته تعالى فجاء كل على ما يجب ويناسب ~~ولم تكن واحدة من الآيتين لتناسب ما تقدم الأخرى والله سبحانه أعلم. # الآية الحادية والعشرون ### | قوله تعالى: "ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون "، # وورد بعد هذا: "ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون "، للسائل أن ~~يسأل عن وجه اختلاف الاسمين فى قوله "ولو شاء ربك "، و"ولو شاء الله "؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: أنه لما تقدم الآية الأولى قوله تعالى: "ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله "، فعرف سبحانه نبيه، عليه السلام بما سبق لهؤلاء ~~وما قدره عليهم فى الأزل حتى لا يجدى عليهم شئ ولا ينفعهم تذكار فلما تقدم ~~من القدر على هؤلاء ما يثير ms186 أشد الخوف كان مظنة إشفاق فأنس نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ولاطفه بإضافة اسم ربوبيته سبحانه لنبيه عليه السلام، مخاطبا له ~~فقال: "ولو شاء ربك ما فعلوه " فسكن جأشه وتلطف فى تأنيسه، عليه السلام ~~وتأنيس أمته بأنسه، ولما لم يقع قبل الآية بعد مثل هذا وإنما قبلها: "وكذلك ~~زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ولو شاء ~~الله ما فعلوه " وليس هذا فى اقتضاء الحتم عليهم المؤذن بقطع الرجاء منهم ~~كقوله فى الأولى: "ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ... "الآية، فلذلك قال ~~عقب هذه الآية الثانية: "ولو شاء الله ما فعلوه " فجاء باسمه الأعظم تعالى ~~من غير إضافة إذ ليس هذا مثل الأول، ولو ورد الاسم الأعظم أولا والاسم ~~الكريم المضاف ثانيا لما ناسب على ما تمهد، والله سبحانه أعلم. # الآية الثانية والعشرون قوله تعالى: "إن ربك هم أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعمل بالمهتدين " وفى سورة النجم: قوله تعالى: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله " بزيادة الباء فى "من " من قوله: "بمن ضل عن سبيله " وكذا فى سورة ~~القلم بخلاف الأخريين # # PageV01P168 # "ضل " ففى هذا سؤالان: أحدهما زيادة الباء فى آيتى النجم والقلم ويقوطهما ~~فى الأنعام والثانى ورود الماضى فى آيتى النجم والقلم وورود المضارع فى ~~الآية الأنعام. # والجواب عن الأول أن سقوط الباء الداخلة على "من " فى آية الأنعام إنما ~~ذلك والله أعلم لاستثقال زيادتها مع الزيادة اللازمة للمضارع مع التقارب ~~إيثارا للإيجاز أما آيتا النجم والقلم فلا زيادة فى الفعل لكونه ماضيا فزيد ~~باء التأكيد الداخلة على "من " ويشهد لهذا اطراد زيادتها فى الآيتين لورود ~~الماضى فيهما بخلاف آية الأنعام. # والجواب عن الثانى: أن آية الأنعام قد اكتنفها من غير الماضى من الأفعال ~~والإعلام بما يكون قطعيا أو يتوقع فى المآل ما يقتضى المناسبة فى النظم ولو ~~ورد غير الماضى هنا لما ناسب ولا لاءم، أما آية النجم فمبنية على مطلع ~~السورة فى قوله تعالى: "والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ms187 "، فقال تعالى ~~مشيرا إلى حالهم: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله " فبرأ نبيه صلى الله ~~عليه وسلم مما نسبوا إليه وأثبت ذلك بكناية وتعريض أوقع فى نفوسهم من ~~الإفصاح بتعيينهم وأما آية القلم فإنه لما تقدم فيها قوله تعالى: "ما أنت ~~بنعمة ربك بمجنون " وقوله تعالى: "فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون " تهديدا ~~لهم وتعريفا بكذبهم فى قولهم حين نسبوه إلى الجنون أعقب ذلك بقوله تعالى: ~~"إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله " فسجلت هذه الكناية بضلالهم وكذبهم ~~وتناسب هذا كله أوضح تناسب. ### | الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون "، # وفى سورة يونس: "كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون "، للسائل أن يسأل عن ~~الفرق؟ # والجواب أنه لما تقدم قبل آية الأنعام قوله تعالى: "أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس " والمراد أو من كان ميتا فى ~~غمرات الجهل والكفر فأحييناه بنور الإيمان والعلم كمن مثله فى الظلمات أى ~~ظلمات الجهل والكفر متماديا على غيه غير مقلع عن كفره لا يجدى عليه إنذار ~~ولا ينتفع بوعظ التذكار فسواء فى حقه الإنذار وعدمه فلما ذكر فى هذا الطرف ~~من لم يشم بارق إيمان وسجل بعدم خروجه عن مقتضى موبقاته فى شنيع ذلك ~~الخذلان أعقب تعالى: "كذلك زين للكافرين ما كانوا بعملون "فوسم بكفره للبأس ~~من خيره. # أما آية يونس فقد تقدم # # PageV01P169 # قبلها: "وإذا مس الإنسان الضر " والمراد هنا جنس الإنسان: "دعانا لجنبه ~~أو قاعدا أو قائما " أى دعانا على أى حال كان على مقتضى قوله تعالى: "ثم ~~إذا مسكم الضر فإليه تجأرون " ثم قال: "فلما كان كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه " ذكر سبحانه من حال الإنسان حال متذكر داع عند مس الضر ~~غير مشرك ولا كافر حال ففى حاله فى دعائه عند الضر ومروره فى المخالفات أو ~~الغفلة عند كشفه شبه من حال المقول فيهم: "خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا "، ~~فأعقب ذكر هذا الضرب بقوله تعالى: "كذلك ms188 زين للمسرفين " أى أن هؤلاء زين ~~لهم لمرتكبهم فى مرورهم بعد كشف الضر عنهم على أحوالهم قبل مس الضر إياهم ~~كما زين للمسرفين ما كانوا يعملون، فتشبهت أحوالهم بأحوال المسرفين ليزدجر ~~المؤمن ويستعيذ من مثل تلك الحال ويدأب على الطاعة والتضرع إلى الله ~~سبحانه، والمسرف هنا والله أعلم محتمل أن يراد به المسرف فى المعاصى دون ~~الكفر أو المسرف فى كفره المقول فيه وفيمن كان على حاله: "وأن المسرفين هم ~~أصحاب النار "، فعدل فى آية يونس عن أن يقال "للكافرين " إلى قوله ~~"المسرفين " لما فى صفة الإسراف من الاحتمال لمناسبة ما تقدمه من تقلب ~~حالتى الإنسان عند مس الضر إياه وكشفه عنه. # أما آية الأنعام فقد تقدمها قوله تعالى: "كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج ~~منها " فإنما ذكر فى هذه الآية طرفان قد بولغ فيهما وهما المجعول له نور ~~يمشى به فى الناس لا يفارقه والمتخبط فى ظلمات لا يخرج عنها فلا يمكن أن ~~تكون حال أسوأ من حال هذا لأن ذكر الطرفين لا واسطة بينهما يقتضى من حيث ~~اليلاغة النهاية فى كل طرف فعبر هنا بصفة الكفر أما حال المسرف من حيث ما ~~ذكرنا من الاحتمال فدون حال المتخبط فى الظلمات فعلى هذا يحتمل أن يكون ~~الإسراف فيما دون الكفر فيكون المتصف به غير منقطع الرجاء إذا لم يبلغ ~~الكفر، قال تعالى: "قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله "، فشتان ما بين مسرف راج ومتخبط فى ظلمات كفر داج، فجاء كل على ما ~~يناسب، ولم يكن ليناسب العكس بوجه، والله سبحانه أعلم. ### | الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون " # وفى سورة هود: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم # # PageV01P170 # وأهلها صالحون " فقال فى الأولى "وأهلها غافلون " وقال فى الثانية ~~"وأهلها مصلحون " فللسائل أن يسأل عن الفرق بين الموضعين؟ # والجواب والله أعلم أنه لما تقدم هنا قوله تعالى: "يا معشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ms189 آياتى وينذرونكم لقاء يومكم "، فقدم سبحانه ~~ذكر بعثة الرسل للجن والإنس وإنذارهم وتذكيرهم بالآيات وتعريف الخلق ~~بالجزاء الأخراوى على مقتضى قوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " ~~فلا عذر لأحد وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: "أن تقولوا ما جاءنا من بشير ~~ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير " فلم يتركوا سدى ولا عذر لمغض ولا متغافل ~~بعد تنبيهه "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون " فهذا مناسب ~~وتقدم آية هود قوله تعالى: "فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون ~~عن الفساد فى الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم " ولو كانوا ينهون عن الفساد ~~فى الأرض لكانوا مصلحين فلم يكونوا ليؤخذوا بالعقاب "وما كان ربك ليهلك ~~القرى بظلم وأهلها مصلحون " فقد ناسب كلا من الآيتين ما أعقبت به ولم يكن ~~ليناسب آية الأنعام "وأهلها مصلحون " ولا آية هود "وأهلها غافلون "، والله ~~أعلم بما أراد وسيذكر إن شاء الله فرق ما بين قوله "مهلك " فبر باسم الفاعل ~~وقوله "ليهلك " بلام الجحود الداخلة على الفعل المستقبل فى سورة هود إن شاء ~~الله. # الآية الخامسة والعشرون # قوله تعالى: " قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون "، ~~وكذا فى سورة الزمر وفى قصة شعيب عليه السلام من سورة هود "ويا قوم اعملوا ~~على مكانتكم إنى عامل سوف تعلمون " فأفردت آية هود هذه بمجئ حرف التسويف ~~عريا عن اقتران فاء التعقيب به بخلاف الأخريين مع اتفاق الآيات الثلاث فى ~~التهديد وحرف التسويف للسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: أن هذه الآيات الثلاث وعيد لمن كفر وكذب وآية ~~الأنعام وآية الزمر منها أريد بهما كفار العرب من هذه الأمة وقد افتتحنا ~~بأمره سبحانه نبيه عليه السلام بوعيدهم فى قوله سبحانه وتعالى: "قل يا قوم ~~اعملوا على مكانتكم " فقوى فى هاتين الآيتين تقدير معنى الشرط المنجر ~~تقديره فى الأوامر نحو قوله تعالى: "قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة " ~~لافتتاحها بأمره تعالى نبيه عليه السلام ثم أمره ms190 # # PageV01P171 # عليه السلام لهم فى قوله "اعملوا " فاعتضد ما يستدعى الجوابية بالفاء ~~فوردت فى الجواب المبنى على الشرط المقدر بعد هذا الأمر على أحد مأخذى ~~النحويين أو الذى تضمنته الجملة ونابت منابه على القول الآخر، ولما كانت ~~آية هود إخبارا لنبينا عليه الصلاة والسلام فضعف فيها تقدير الشرط فلم تدخل ~~الفاء وجاء كل على ما يجب والله أعلم. ### | الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: "سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا كذلك كذب الذين من قبلهم "، # وفى سورة النحل: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم ". # للسائل أن يسأل عما اختلف فى هاتين الآيتين مع أن المقصود واحد؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم أنه لما تقدم آية الأنعام قوله تعالى: "وعلى ~~الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر " وهذا إخبار عن بنى إسرائيل فيما حرم عليهم ~~ثم ورد بعدها قوله تعالى: "قل هلم شهدائكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا " ~~وهو خطاب لهم أيضا، فقد اكتنف الآية المذكورة ما مرجعه إلى بنى إسرائيل ~~فيما حرم عليهم وما ألحقوه بذلك تحريفا وتبديلا ووردت الآية المتكلم فيها ~~مورد ما يرد من الجمل الاعتراضية لاتصال ما بعدها بما قبلها، فلم يكن ~~ليلائم ذلك الاسهاب وطول الكلام إذ الوجه فيما يرد اعتراضا أن يؤخر وأما ~~آية النحل فلم يتقدمها خطاب لغير العرب مؤمنهم وكافرهم وقد أطنب فى تذكيرهم ~~ووعظهم، وقد بسط لهم ذكر نعم ودلائل، فناسب ذلك الاسهاب الوارد فيها من ~~قوله: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شئ " ولم يكن ليناسب آية الأنعام ما ورد هنا، ولا الوارد هنا ذلك ~~الإيجاز، والله سبحانه أعلم. # الآية السابعة والعشرون # قوله تعالى: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم "، وفى ~~سورة بنى إسرائيل ms191 [الإسراء]: "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم ~~وإياكم "، ففى الأولى "من إملاق "و "نرزقكم " بتقديم ضمير المخاطبين ~~فللسائل أن يسأل عن وجه هذا الاختلاف فى الآيتين مع اتحاد المقصد فيهما؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم أن المخاطبين بآية الأنعام إنما كان فعلهم ذلك ~~من # # PageV01P172 # أجل الفقر الحاصل حال قتلهم فقيل من إملاق أى من أجل الاملاق الحاصل ثم ~~قيل لهم "نحن نرزقكم وإياهم "فقد رزقه تعالى لهم لحصول فقرهم فى الحال ~~ليكون أمنع لهم وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد فى رفع فقر الآباء ~~القاتلين فكأن قد قيل لهم: إنما ترزقزن بهم فلا تقتلوهم، فتأكد تقديم كفار ~~العرب وكان وأدهم البنات خشية الفقر المتوقع والعجز عن مؤنتهن فيما ~~يتوقعونه مستقبلا فقيل "خشية إملاق " فجعلت الخشية هى العلية فى فعلهم، ~~فانتصبت على ذلك، والمعلول الذى هو الإملاق لم يقع بعد وضمن تعالى لهم ~~رزقهم ورزق أولادهم ودفع ذلك المتوقع ليرفع ذلك خشيتهم، فلهذا قدم هنا ضمير ~~الأولاد ثم عطف عليه ضمير الآباء. # وكان الأهم هنا فقدم، وجاء كل فى الموضعين على ما يجب ويناسب، والله ~~أعلم. # الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى: "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون "، ~~تلوها: "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " وفى الثالثة تليها: "ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون " للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف فى المعلل به فى هذه الآيات؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: أنه لما كانت الخلل الخمس فى الآية الأولى ~~وهى: الشرك والعقوق وقتل الأولاد لأجل الفقر وارتكاب الفواحش وقتل النفس ~~التى حرم الله بغير الحق، خمستها مما يدرك العقل ابتداء قبحها، ويستقل ~~بدركها أعنى أن العقل يستوضح قبحها شرعا لبيان أمرها فى استقباح الشرع ~~إياها، وإلا فالعقل عندنا لا يحسن ولا يقبح. # فلما كانت على ما ذكرنا أتبعت بترجى التعقل لأن السلامة منها لا تكون مع ~~وضوح أمرها إلا بتوفيق الله تعالى ولذلك جاءت بأداة الترجى. # ولما كانت الخمس التالية لها وهى قوله: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى ~~هى أحسن " إلى آخرها مما تؤثر ms192 فيه الشهوات والأهواء وذلك مما يعمى ويصم ~~أتبع برجاء التذكر فقيل: "لعلكم تذكرون " ومن تذكر أبصر فعقل فامتنع، قال ~~تعالى: "إن الذين اتقوا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "، ~~ولما كان مجموع هذه المرتكبات العشر مما اتفقت عليه الشرائع ولم ينسخ منها ~~شئ وهى الحكمة التى من أخذ بها كان سالكا الصراط المستقيم الذى لا عوج فيه ~~ولا أمت واتخذ أسنى وقاية من # # PageV01P173 # عذاب الله قال تعالى: "وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه " والأمر عام لكافة ~~الخلق ثم قال سبحانه وتعالى: "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " أتبعه ~~بقوله: "ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " وترتب حاصلا من مضمن الآيات الثلاث ~~أنه من عقل وتذكر اتقى والمتقون هم المفلحون فسبحان من هذا كلامه. ### | الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: "وأنا أول المسلمين "، وفى ### | سورة الأعراف # : "وأنا أول المؤمنين "، يسأل عن الفرق؟ # والجواب والله أعلم: أن هذه الآية لما تقدمها قوله تعالى: "قل إننى هدانى ~~ربى إلى صراطى مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا " وقد قال فى سورة آل ~~عمران: "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان ~~من المشركين " وفى وصيته عليه السام لبنيه: "يا بنى إن الله اصطفى لكم ~~الذين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " وبهذا أوصى يعقوب عليه السلام قال ~~تعالى: "وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ... " الآية، وهى جواب بنى يعقوب ~~حين قال لهم: "ما تعبدون من بعدى " فأجابوا بقولهم "نعبد إلهك "الى قوله ~~"إلها واحدا ونحن له مسلمون " وقال سبحانه لنبينا صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم أجمعين: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " وقال تعالى: "قل - ~~أى يا محمد - إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ~~" إلى قوله: "وأنا أول المسلمين "، فإنما قال عليه السلام وعمل واقتدى ~~ظاهرا وباطنا بما أمر به وما درج عليه هؤلاء الصفوة المذكورون ومن سلك ~~مسلكهم وعبارة الإسلام تعم الاستسلام بالظاهر والباطن، والإيمان الذى هو ~~التصديق داخل تحت ذلك وفى جملة ما يطلق عليه ms193 اسم الإسلام فقد تحصلت عبارته ~~عليه السلام منبئة عن الكمال فى مسمى الإيمان والإسلام على الحال التى درج ~~عليها المصطفون الأخيار وحالهم فى ذلك لا يدركها غيرهم من حيث الكمال التام ~~صلى الله عليهم أجمعين ولا قطعنا عن التمسك بهديهم. # فقد وضح بما ورد فى هذه الآية الجليلة أنه لا يناسب هنا غير هذا الوارد ~~والله أعلم. # وأما آية الأعراف وقوله فيها: "وأنا أول المؤمنين " فالقائل ذلك موسى ~~عليه السلام حين سأل الرؤية وظن أنها جائزة فى الدنيا فلم يسأل عليه السلام ~~محالا وإنما سأل جائزا # # PageV01P174 # ممكنا وحاشاه عليه السلام من أن يسأل محالا ويجهل من ربه مثل هذا لولا ~~الجواز، فلما استعجل وطلب ذلك فى الدنيا قال له ربه تعالى: "لن ترانى " فى ~~الدنيا وأمره أن ينظر إلى الجبل، وأراه تلك الآية العظمى وصار الجبل دكا ~~وخر موسى صعقا لعظبم ذلك المطلع فلما أفاق قال "سبحانك تين إليك " ولم يرد ~~عليه السلام تبت من معصية ولا جهل بربه أن يجوز عليه ما لا يجوز فأقدار ~~الأنبياء عليهم السلام فوق ذلك، وهو أعلم الخلق بما يجوز عليه تعالى وما ~~يستحيل ثم قال: "وأنا أول المؤمنين " أى أول المصدقين بأنك لا ترى فى ~~الدنيا وليس موضع التعبير بأن يقول: "وأنا أول المسلمين " لأن ذلك الوصف ~~حاصل له عليه السلام على الصفة الحاصلة اللمصطفين ممن تقدم وإنما أراد ما ~~يعبر عن مجرد التصديق بهذا الذى غاب عند جواز تعجيله مع علمه بجوازه على ~~الجملة فقد وضح ورود كل من العبارتين بالإسلام والإيمان على ما يجب ولا ~~يناسب العكس بوجه والله سبحانه أعلم. # الآية الموفية ثلاثين من سورة الأنعام قوله تعالى: "وهو الذى جعلكم خلائف ~~الأرض " وفى سورة فاطر: "هو الذى جعلكم خلائف فى الأرض " بإضافة لفظ خلائف ~~فى الأولى ولم يضف فى الثانية بل جئ بحرف الوعاء فيسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب عنه والله أعلم: أنه لما تقدم قبل آية الأعراف قوله سبحانه لنبيه ~~عليه السلام "قل إننى هدانى ربى إلى صراط ms194 مستقيم " واستمر الخطاب له معرفا ~~عن حاله وواضح طريقه إلى قوله: "قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شئ "، فعم ~~ما سواه سبحانه بالدخول تحت ملكه وقهره، فناسب هذا ما ذكر من إنعامه على ~~عباده بجعلهم خلائف الأرض، ولو كان بحرف الوعاء لم يكن ليفهم التوسعة فى ~~الاستيلاء والاطلاق إلا بضميم يحرز ذلك أن قوله فى الأرض إنما يفهم أنه ~~موضع استخلافهم وهل كلها أو بعضها ذلك محتمل، أما بغير حرف الوعاء فأظهر فى ~~التعميم وإن كان لم يكن مصا إلا أنه أظهر من المتقيد بحرف الوعاء فناسب ~~الإطلاق الاطلاق. # وأما قوله فى سورة الملائكة [فاطر]: "هو الذى جعلكم خلائف فى الأرض " فقد ~~تقدم قبله: "والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف ~~عنهم من عذابها " إلى قوله: "أولم نعمركم ### | .... # " الآية ثم أعقب قوله "هو الذى # # PageV01P175 # جعلكم خلائف فى الأرض " بقوله "فمن كفر فعليه كفره ... "الآيات، فلما ~~اكتنف الآية ما ذكرته مما هو نقيض الوارد فى آية الأنعام ناسب ذلك التقييد ~~بحرف الوعاء إذ لا يلائم البسط القبض فجاء كل على ما يجب ولا يناسب العكس ~~والله سبحانه أعلم بما أراد. # الآية الحادية والثلاثون: قوله تعالى: "إن ربك سريع الحقاب وإنه لغفور ~~رحيم "، وفى الأعراف: "إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم " للسائل أن ~~يسأل عن اختصاص آية الأعراف بزيادة اللام المؤكدة فى الخبر وسقوطها من آية ~~الأنعام؟ # والجواب والله أعلم أن آية الأنعام لما تقدمها قوله تعالى: "قل إننى ~~هدانى ربى إلى صراط مستقيم " ثم استمر ما بعد على خطابه صلى الله عليه وسلم ~~لما منحه الله تعالى إلى قوله: "وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ... " الآية، ~~فهذا له صلى الله عليه وسلم ولأمته فجاء الخبر من قوله: "إن ربك سريع ~~العقاب " بغير لام التأكيد مناسبا للحال إذ هؤلاء المذكورون ليسوا بجملتهم ~~ممن استحق عقابا، ومن عوقب من أهل القبلة فعقابه منقطع بفضل الله فلا حامل ~~على التأكيد لأن ذكر العقاب هنا تخويف يحمل المؤمن على ms195 استحاب الرغب والرهب ~~وما ينبغى للمؤمن أن يكون عليه. # وأما آية الأعراف فقد ورد قبلها قوله تعالى: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم ~~إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " وقد تقدم ذكر المقصودين بهذا ~~الوعيد وذكر مرتكباتهم السيئات فتخلصت الآية للمستحقين العقاب بمجترحاتهم ~~المفصحة بكفرهم فناسب تأكيد الخبر المنبئ بعقابهم وسوء مآلهم وجاء كل على ~~كما يجب ويناسب. # # PageV01P176 ### | سورة الأعراف # الآية الأولى منها قوله تعالى: " قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا ~~خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين "، وقال ~~فى سورة الحجر: " قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم ~~(34) "، فى الآيتين مما يسأل عنه قوله تعالى فى الأولى "ما منعك " وفى ~~الثانية "مالك "، وفى الأولى استفتاح بسؤاله عن امتناعه بقوله "ما منعك " ~~من غير ندائه باسمه وفى الثانية نداؤه "يا إبليس " وفى الأولى قوله "ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك " وفى الثانية "ألا تكون مع الساجدين " وفى الأولى ~~قال "أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين " وفى الثانية: "لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون " وفى الأولى قال: "فاهبط منها فما ~~يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين "، وفى الثانية: "فاخرج منها ~~فإنك رجيم "، فهذه خمس سؤالات. # فأقول: إنه لما تقدم فى الأعراف ذكر خلق الإنسان وتصويره من غير ذكر ~~المادة التى خلق منها قال تعالى: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم " والخطاب لبنى آدم ولم يذكر خلق غيرهم من ملك أو جن. # ثم إن الأمر بالسجود ورد للملائكة ولم يرد إشعار بأن إبليس من غيرهم فسبق ~~من ظاهر الكلام أنه منهم ومأمور معهم لاستثنائه منهم فناسب هذا قوله: "وما ~~منعك "، لأنه مأمور بظاهر ما تقدم وناسب ذلك أيضا وعضد ما قلناه قوله "إذ ~~أمرتك ms196 "، ولما لم يقع ذكر لخلق غير الآدميين ولا ذكرت مادة خلق الإنسان ~~ناسب ذلك ما ذكره سبحانه عن إبليس من قوله: "أن خير منه خلقتنى من نار ~~وخلقته من طين "، فاستوفى ذكر المادتين وبنى على ذلك ما توهم من فضل النار ~~على الطين. # أما آية الحجر فقد تقدم قبلها قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ~~من حمإ مسنون " إلى قوله: "فقعوا له ساجدين " فأشارت الآية بظاهرها إلى أن ~~إبليس من الملائكة وقد نطقت الآية أن الملائكة هم المأمورون # # PageV01P177 # بالسجود، فبحسب هذا البادى من الظاهر وردت المعية فى قوله: "مالك ألا ~~تكون مع الساجدين " فلما لم يكن فى أصل الخلقة والمادة منهم وكان الأمر ~~بظاهر العبارة لهم وإن كان مرادا أنه معهم فبحسب هذا قيل له: "مالك ألا ~~تكون مع الساجدين "، فقيل "معهم " إذ ليس منهم قال تعالى: "إلا إبليس كان ~~من الجن ففسق عن أمر ربه " وبحسب ذلك استؤنف نداؤه فقيل: "يا إبليس مالك " ~~ولم يقل "ما منعك " لأن ذلك لو قيل كا يقتضى أنه منهم ولك يكن ليناسب ما ~~أشار إليه صدر الكلام من أنه ليس منهم فنودى باسمه المشعر بطرده ومغايرته ~~لهم فقيل "يا إبليس " فتناسب أيضا ما ورد فى الحجر من تبيين خلق إبليس من ~~النار وفصله من الملائكة ما أعقب به من محكى قوله: "لم أكن لأسجد لبشر من ~~صلصال من حمإ مسنون "واحتقاره مادة الطين وتفضيله مادة النار عليها فناسب ~~هذا تعقيب أمره بالخروج فى قوله تعالى: "اخرج منها " وقيل فى آية الأعراف: ~~"اهبط منها " وليس التعبير بالإخراج كالتعبير بالهبوط فقد أمر آدم بالهبوط ~~ولم يقصد من تعنيفه ما قصد بإبليس فالفرق ما بين العبارتين فيما تعطيانه ~~قيل فى الأعراف "فاهبط منها " إذ لم يتقدم فيها من أنه ليس من الملائكة كما ~~تقدم فى الحجر بل ظاهر ما فى الأعراف أنه منهم، فجرى الأمر آخرا مناسبا ~~لهذا الظاهر فعبر بالهبوط، ولما تقدم فيه الحجر أنه ليس من الملائكة لخلقه ~~من نار سموم فأشعر ذلك ms197 بشر المادة ناسبه قوله: "فاخرج منها " وإتباع ذلك ~~بما يلائمه من الوصف ويناسبه من قوله: "فإنك رجيم " ثم بما كتب عليه من ~~الطرد واللعنة ولم يرد فى الأعراف هكذا بل روعى فيه مناسبة ما تقدم، ولئلا ~~يتنافر الكلام ويتنافر المعنى فقيل: "فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك ~~من الصاغرين " فإن # قلت: فقد قيل هنا "فاخرج " كما قال فى سورة الحجر: قلت: تدرج به إلى ~~التعنيف وسيق هناك من أول وهلة وجاء كل على ما يجب ويناسب ولم يكن ليناسب ~~ورود العكس فى السورتين والله أعلم بما أراد وقد حصل جواب السؤالات بأسرها ~~والحمد لله. # الآية الثانية من سورة الأعراف قوله تعالى: "قال أنظرنى إلى يوم يبعثون ~~قال إنك من المنظرين " وفى سورة الحجر وسورة ص: "قال ربك فأنظرنى إلى يوم ~~يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " فورد فى آيتى الحجر ~~وص وزيادة الفاء فى قوله "فأنظرنى " وفى قوله "فإنك " وزيادة قوله "رب " ~~ولم يرد ذلك فى الأعراف، فيسأل عنه؟ # وجواب ذلك والله أعلم: أن مناسبة ما تقدم كل واحدة من الآى الثلاث من ~~الاسهاب # # PageV01P178 # والتأكيد أو الإيجاز ألا ترى أن مجموع الكلم الواقعة من لدن قوله فى سورة ~~الأعراف "ولقد خلقناكم " وهو ابتداء القصة إلى قوله: "قال أنظرنى إلى يوم ~~يبعثون " بضع وأربعون كلمة، والوارد فى الحجر من لدن قوله: "ولقد خلقنا ~~الإنسان " إلى قوله: "قال رب فأنظرنى " بضع وسبعون كلمة وفى سورة ص من لدن ~~قوله "إذ قال ربك " إلى الآية بضع وستون كلمه، فقد وضح ما قصد فى الأعراف ~~من إيجاز الاخبار فى القصة وما فى السورتين بعد من الإطناب ثم إنه ورد فى ~~سورتى الحجر وص التأكيد بكل وأجمع فى قوله: "كلهم أجمعون " ولم يرد ذلك فى ~~الأعراف فقصد ما قلناه وتناسب الإطناب والتأكيد ولاءم ما ورد من الزيادة فى ~~السورتين الأخيرتين ولم يكن ليناسب العكس والله أعلم بما أراد. # فإن قلت ما وجه ورود القصة الواحدة موجزة ومطولة أخرى؟ # قلت: ليحصل ms198 من ذلك الاطلاع على على البلاغة وجلالة النظم وعلى فصاحة فى ~~طرفى الإيجاز والإطناب، فإن الفصيح البليغ من البشر إن رام هذا لم يف فى ~~الطرفين بما يريده ووضح التفاوت فى هذا بوجه. # فإن قلت فما وجه تقديم الموجز على المطول؟ قلت: شبه ذلك بالمجمل من ~~الكلام والمفصل وإنما يريده التفصيل بعد الإجمال فهذا الجواب منزل على ~~الترتيب الثابت، والله سبحانه أعلم بما أراد. # الآية الثالثة: قوله تعالى مخبرا عن قول إبليس: " قال فبما أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) "، وفى سورة الحجر: " قال ~~رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم ~~المخلصين (40) ". # إن سأل سائل عن وجه اختلاف الوارد فى السورتين المحكى من قول إبليس مع ~~اتحاد القصة فجوابه: أن المعنى الحاصل من قوله فى السورتين واحد لا إشكال ~~فيه ثم اختلف التعبير عن ذلك بحسب ما تقدم فى كل واحدة من السورتين ~~ومااستدعاه من المناسبة ولما تقدم فى الأعراف قوله تعالى: "اتبعوا ما انزل ~~إليكم من ربكم " والإشارة إلى القرآن لأنه يوضح الطريق إليه وهو الصراط ~~المستقيم قال تعالى: "وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه " والاشارة بهذا إلى ~~المنزل قرآنا لأنه مبين للصراط المستقيم الذى طمع اللعين فى الاستيلاء عليه ~~وقطه سالكه فقيل عبارة عن مرامه # # PageV01P179 # من ذلك: "لأقعدن لهم صراطك المستقيم " إلى آخر المحكى من كلامه، ومراده: ~~لأستولين لهم عليه لا على ما فهمه بعض المتأخرين حين رام الحاق مثل هذا من ~~الذروف المختصة بالمبهمة منها وخالف الناس فى ذلك، ولو كان الأمر على ما ~~قال لكان وصول الفعل الذى هو "لأقعدن " على تقدير حرف الوعاء الذى هو "فى " ~~وكان يفسد المعنى لأن المراد اللعين وطعمه إنما كان فى الاستيلاء على ~~الطريق بدليل حصره الجهات فى قوله: "من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم ~~وعن شمائلهم "، فهذا طلب أخذهم بكل الجهات وطمع فى الاستيلاء وأن يكون له ~~سلطان ولهذا قال ms199 عز وجل له: "إن عبادى ليس لك عليهم سلطان " ولو كان على ~~تقدير حرف الوعاء لناقض هذا الغرض ولكان تقديره لأقعدن لهم فى صراطك وهذا ~~ضد ما يقتضيه تقدير على من الاستيلاء وقد بسط هذا فى موضعه وأن الصواب ما ~~عليه جماعة النحويين وما فهموا عليه كلام سيبويه رحمه الله من أن الطريق ~~مختض لا مبهم وأن المعنى هنا فى الآية على تقدير حرف الاستيلاء لا حرف ~~الوعاء ولما قد كان قد ورد فى الحجر منعه ومنع جنوده عن تعرف خبر السماء ~~واستراق السمع فى قوله عز وجل: "وقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين. # وحفظناها من كل شيطان رجيم. # إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين " فلما صد من هذه الجهة عدل إلى ~~الأخرى # فقال: "لأزينن لهم فى الأرض " أى إن كنت ممنوعا عن إغوائهم من حيث خبر ~~السماء وإبداء المقدرات مما يوجهه الله إلى ملائكته مما يحدث فى علم الأرض ~~وقد سبق فى العلم القديم فإن كتن قد معتنى عن إغوائهم من هذه الجهة رجعت ~~إلى إغوائهم من هذه الجهة رجعت إلى إغوائهم من جهة لم تمنعنى عنها لأزينن ~~لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا من عصمته منى ولم تجعل لى السبيل إليه ~~وهم عبادك المخلصون، فلأجل اختلاف المتقدم فى كل من السورتين ما اختلف ~~المبنى عليه من المحكى عن إبليس من طمعه وورد كل على ما يناسب ولم يكن ~~ليناسب تعقيب ما ورد فى الأعراف بما أعقب المتقدم فى سورة الأعراف والله ~~سبحانه أعلم بما أراد. ### | الآية الرابعة من سورة الأعراف # قوله جل وتعالى: " وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا ~~من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39) " وفى سورة الأنفال: " وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) " ~~فورد فى الأولى: أن عذابهم بكسبهم وورد فى الأنفال أن عذابهم بكفرهم ~~فللسائل أن بقول ما الفرق الموجب بين للاختلاف؟ # # PageV01P180 # والجواب عن ذلك والله أعلم: أن المذكورين قبل آية الأعراف المقول لهم ~~فذوقوا ms200 العذاب قد خالفت حالهم حال المذكورين فى آية الأنفال وذلك أن آية ~~الأنفال فى قوم بأعيانهم وهم كفار قريش من أهل مكة وحالهم معلومة إنما ~~كانوا عبدة أوثان ولم تتكرر فيهم الرسل ولا كفروا بغير التكذيب به صلى الله ~~عليه وسلم وبتصميمهم على عبادة آلهتهم أما آية الأعراف ففى أخلاط من الأمم ~~وأصناف من المكذبين تنوع كفرهم وتكذيبهم ضروبا من المخالفات وافتروا على ~~الله سبحانه قال تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ~~... "الآية # وفيها: "قال ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا " ثم قال: "وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ". # فلشتى مجترحات هؤلاء واتساع مرتكباتهم وأنهم ضلوا وأضلوا ناسب ما وقع ~~جزاؤهم عليه ذكر الاكتساب لا سيما على القول بأن الكفار مخاطبون بالفروع ~~وهو قول حذاق الأصوليين وقول مالك رحمه الله، ولما انحصر مرتكب الأخرين ~~فيما ذكر وكان مدار أمرهم على الكفر بما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم ~~ناسب ما وقع جزاؤهم عليه تخصيص ايم الكفر فكل من الاطلاقين جار على ما يجب ~~ويناسب والله سبحانه أعلم. ### | الآية الخامسة قوله تعالى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون " # وفى سورة هود: "ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون " فزيد فى هذه الآية ضمير الفصل ولم ~~يزد فى الأولى فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ # وجوابه والله أعلم: أن ابتداء الإخبار فى الأعراف بحال هؤلاء الملعونين ~~فى الآيتين هو قوله تعالى فى الأولى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين " وابتداء الاخبار عنهم فى سورة هود قوله تعالى: "أولئك يعرضون ~~على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين ms201 " ففى هذا اطناب وتأمل ورود الظاهر فى موضع المضمر من قوله "على ~~الظالمين " ولم يقل عليهم، فناسب زيادة ضمير الفصل وفى آية الأعراف إيجاز ~~ناسبه سقوطه ولو لم يكن ما بين "أن " # # PageV01P181 # و "ألا " فإن ذلك مراعى فيما قصدناه ف "أن "أوجز من "ألا " و"أن " هنا ~~حرف عبارة وتفسير وهى كالواردة فى قوله: "ونودوا أن تلكم الجنة " وفى قوله ~~"وانطلق الملأ منهم أن امشوا "، وتقع بعد ما يراد به القول وليس بلفظه ~~وتفسر ب "أى " وأما "ألا " فاستفتاح وكل من الموضعين على ما يجب ويناسب ولو ~~فرض العكس لما ناسب والله أعلم. # الآية السادسة قوله تعالى: " وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من ~~كل الثمرات "، وفى سورة الفرقان: " وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) # لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) " وقال فى ~~سورة الروم: " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده ~~إذا هم يستبشرون (48) "، وقال فى سورة الملائكة [فاطر]: " والله الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك ~~النشور (9) ". # وقع فى هذه الآى اختلاف مع تشابهها فى اللفظ وتقارب مقاصدها فأول ذلك ~~اختلاف مطالعها بورود يرسل وأرسل، الثانى وصف الرياح وإتباعها بقوله فى ~~الأعراف والفرقان: "نشرا بين يدى رحمته " ولم يرد ذلك فى سواهما الثالث ما ~~يكون عن إرسال الرياح ففى آية الأعراف: "حتى إذا أقلت سحابا "، وفى سورة ~~الروم وسورة الملائكة: "فتثير سحابا " ولم يذكر ذلك فى الفرقان وفى سورة ~~الأعراف بعد ذكر إقلال الرياح السحاب: "سقناه لبلد ميت "، وفى سورة ~~الاملائكة: "فسقناه إلى بلد " وفى سورة الروم بعد إثارة الريح السجاب: ~~"فيبسطه فى السماء "، "ويجعله كسفا "، وفى الأعراف: "فأنزلنا به الماء "، ~~وفى الفرقان: "وأنزلنا من السماء ماء ms202 طهورا " " وفى الروم: "فترى الودق ~~يخرج من خلاله " ولم يرد فى الملائكة ذكر لإنزال الماء ولا كيفيته وفى ~~الأعراف: "فأخرجنا به من كل الثمرات "، وفى الفرقان: "لنحيى به بلدة ميتا ~~ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى كثيرا " وفى الروم: "فإذا أصاب به من يشاء ~~من عباده إذا هم يستبشرون " وفى سورة الملائكة "كذلك النشور " ولم يقع فى ~~الأخيرتين إحالة التشبيه، وفى الأعراف "لعلكم تذكرون " ولم يقع فى سورة ~~الأعراف مثل هذا الترجى فهذه جملة سؤالات. # والجواب عن السؤال الأول: " أن آية الأعراف لما تقدمها قوله تعالى: "إن ~~ربكم # # PageV01P182 # الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش " فذكر ~~سبحانه ما تقرر وتحصل من خلق السماوات والأرض مما لا تكرر فيه وهما أعظم ~~آياته وأعقب سبحانه بقوله: "ثم استوى على العرش " محمولا على ما تقرر بثم ~~المقتضية التنبيه على جليل الحال فيما يعطف بها والتحريك للاعتبار بذلك ~~وموقعه ورتبته حيث لا يراد مهلة الترتيب الزمانى لأن موضوع ثم فى اللسان ~~قصد الترتيب الزمانى مع المهملة حيث يراد ذلك وقصد الترتيب الاعتنائى ~~والتنبيه على حال ما عطف بها حيث لا يقصد زمان ولا يلحظ كقوله تعالى: "إنه ~~فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر " فهذا وارد مورد الدعاء على من ~~يخاطب به البشر كما يرد التعجب والترجى وربنا المنزه عن ذلك كله ولكن خوطب ~~البشر على ما يتعارفون ويجرى بينهم فلما قال سبحانه: "ثم استوى على العرش " ~~فذكر ما هو تعالى عليه منزها عن الآنية والتمكن المكانى والمناسبة والحلول ~~جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فلما ذكر تعالى من هذه الأفعال العظيمة ما ~~ذكر مما لا يتكرر أعقب سبحانه بما يتكرر ويتوالى من إنعامه على الخليقة مما ~~به قوام أحوالهم ومصالح عيشهم، فقال سبحانه: "يغشى الليل النهار " وأورد ما ~~يتوالى بطول نواله العالم بمشيئته ويتجدد عليهم مما به قوام حالهم إلى ~~انقضاء الأمد المحدود ومجئ اليوم الموعود واتبع هذا التعريف بما يجارى ~~الجمل الاعتراضية حال الكلام مما يلائم ms203 ويناسب ذلك تعريفه بقوله: "ألا له ~~الخلق والأمر "، فأعلم باعتراضه لخلق ذلك كله وتصرف أمره فى الجميع بما شاء ~~وأخبر بتعاليه وعظمته فقال: "تبارك الله رب العالمين "، وأمر عباده بالدعاء ~~والتضرع إليه وحذرهم وذكرهم باستصحاب الخوف وتلك حال الموقنين إذ لا يؤمن ~~مكره ولا ييأس من روحه، ثم رجاهم بقرب رحمته ممن أحسن ثم عاد الكلام إلى ~~التذكير بجليل المتوالى من إنعامه وعظيم ألطافه فقال: "وهو # الذى يرسل الرياح نشرا بين يدى رحمته " فانتظم آخر الكلام بأوله وارتبط ~~عوده ببدئه وتناسب أوضح تناسب بما يفهمه الفعل المضارع من التكرر من حيث لا ~~يمنع ذلك ولو ورد هنا بلفظ الماضى لما ناسب لما يقتضيه الانقطاع إلا لحامل ~~والله أعلم. # وعلى هذا النحو جرى الوارد فى سورة الروم فإنه ورد قبل الآية قوله تعالى: ~~"ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات " فذكر من آياته وإنعامه بإرسال الرياح ~~وإجراء الفلك ليبتغى فضله ويطلب الرزق منه حال الظعن والإقامة ثم اعترض ~~بقوله تأنيسا لرسوله ووعدا بنصره: "ولقد أرسلنا من قبله رسلا إلى قومه ~~فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا # # PageV01P183 # علينا نصر المؤمنين " ثم عاد الكلام إلى إتمام ما تقدم مما يرسل سبحانه ~~به ولا جله الرياح فقال بصورة الاستئناف لأجل آية الاعتراض: "الله الذى ~~يرسل الرياح " وأورد من النعم بها ما ذكر قبل وجاء بلفظ الاستقبال لأنه من ~~تتميم ما تقدم وليناسبه ولو جاء بلفظ الماضى لما ناسب والله أعلم. # وأما آية الفرقان فقد تقدمها قوله تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ~~ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ~~وهو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " فورد قبلها ~~ذكر هذه الدلالات وواضح هذه الشواهد وقد تقيد زمان خلقها بالماضى فى خمس ~~كرات مع أنها مما يتكرر فى الآيات ويتوالى وكذا فى مطلع السورة وما وقع ~~بعده مما يعتبر به وليس بإخبار أخراوى فأتبع سبحانه ذلك بموافق مناسب فقال: ~~"وهو الذى ms204 أرسل الرياح نشرا " ولم يكن ورود المستقبل هنا ليناسب فجاء على ~~ما يجب. # وأما آية سورة الملائكة فمبنية على مطلع السورة وذلكم قوله تعالى: "الحمد ~~لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة " و"فاطر "و "جاعل ~~"هنا بمعنى المضى ولا يمكن فيهما غير ذلك ولم يقع بعد هذا ذكر مقصود به ~~الاعتبار من مخلوقاته سبحانه مما نصبه دالا عليه إلا قوله: "الله الذى أرسل ~~الرياح " فجاء ذلك مناسبا لقوله: "فاطر السماوات والأرض "و " جاعل الملائكة ~~رسلا أولى أجنحة " لموافقة الفعل الماضى اسم الفاعل معنى ومناسبته ولا ~~يناسبه المستقبل وأما ما وقع بين الآية وبين ما بنيت عليه مما ذكرنا فليس ~~من قبيل المذكور فيه ما نصبه سبحانه دليلا للاعتبار لذوى الافتكار كخلق ~~السماوات والأرض وإرسال الرياح فهذه المذكورات الثلاث هى المقصودة هنا ~~للاعتبار. # أما قوله: "يزيد فى الخلق ما يشاء " إلى ما بعده إلى آية إرسال الرياح مع ~~جليل إلتحامه بما اتصل به فليس من قبيل ما ذكرناه ولا يمنع من حمل الآية ~~المتكلم فيها على نحو ما ذكر وجملها عليه ولا يناسب المستقبل هنا ما تقدمه ~~مما بينا حمله عليه وأنه لا يصح حمله على غير ما ذكر والله أعلم بما أراد. # والجواب عن السؤال الثانى: إن آية الأعراف قد تقدمها قوله تعالى: "إن ~~ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض " ثم قال: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية " ~~وقال: "وادعوه خوفا وطمعا " ثم قال: "إن رحمة # # PageV01P184 # الله قريب من المحسنين " وفى هذا كله استلطاف وتعطف ترج ومن نحو هذا ~~الاستلطاف ومجاريه فى قوة الترجى قوله سبحانه فى سورة الفرقان: "ألم تر إلى ~~ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ... ~~"الآية، ثم قال: "هو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار ~~نشورا " فهذا أعظم استلطاف فناسب الوارد فى السورتين من هذا قوله تعالى عقب ~~إرسال الرياح قوله: "نشرا بين يدى رحمته " ولما يرد فى سورة الروم ولا فى ~~سورة الملائكة مثل ذا الاستلطاف ms205 ولا بعضه لم يتبع ذكر إرسال الرياح بما ~~اتبع فى آيتى الأعراف والفرقان إذ لم يكن ذلك ليناسب فجاء كل على ما يجب ~~ويناسب والله أعلم. # والجواب عن السؤال الثالث: أن آية الأعراف لما قيل فيها: "فأخرجنا به من ~~كل الثمرات " فعم بكل وهى من نصوص ألفظ العموم ناسب ذلك ورود ما يفهم كثرة ~~ماء السحاب إذ لا يحصل منه إخراج ما يقدر إخراجه من كل الثمرات الا بكثرته ~~فذكر استقلال السحاب الكثير وهو الذى يعطيه قولا "ثقالا " وانما تثقل بكثرة ~~مائها وذلك يثقلها ولا يكون استقلالها بما يثقلها من الماء الا بعد إشارتها ~~فكأن قد قيل: أثارت الرياح السحب فأثقلتها بالماء الكثير فناسب هذا كله ولم ~~يكن مجرد ذكر إثارة السحاب ليعطى كثرة مائها وتكثير الثمر المخرج به مع أن ~~الإثارة مفهومة فحصل فى هذا النظم العلى الإيجاز والوفاء بالتوسعة والتعميم ~~المقصود ولما لم يقع فى الآى الأخر توسعة فى المخرج بالماء وقع الاكتفاء ~~بذكر إثارة السحاب وحصل إرسالها الماء مما بعد. # فإن قلت: فقد ورد فى سورة الملائكة: "فأحيينا به الأرض بعد موتها " وذلك ~~تعميم ومع ذلك فقد وقع الاكتفاء فيها بقوله: "فتثير سحابا " قلت لفظ الأرض ~~لا يعم فى كل موضع إذ ليس من ألفاظ العموم بدليل قوله تعالى: "إن فرعون علا ~~فى الأرض " وهو لم يستول إلا على بعضها وبدليل قوله تعالى: "أو ينفوا من ~~الأرض " وبالجملة فليست الألف واللام هنا للعموم ولا هى حيث تفهم العموم ~~بمنزلة كل وطرأ وأجمعين ولا نزاع فى هذا فالاكتفاء فى سورة الملائكة بذكر ~~الاثارة فقط بين. # وأما سورة الروم فليس فيها عموم بل فيها خصوص حاصل من التقييد بقوله: ~~"فإذا أصاب له به من يشاء من عباده "، والاكتفاء فيها بذكر إثارة الرياح ~~السحاب أبين شئ فجاء كل على ما يناسب ولا يمكن خلافه. # # PageV01P185 # ولم يرد فى سورة الفرقان ذكر إثارة الرياح السحاب اكتفاء ببشارة قوله: ~~"بين يدى رحمته " لأنه قصد هنا ذكر الإنعام ولم ينط بذلك ما يقصد به ms206 امتداد ~~الاعتبار ألا ترى قوله قبل الآية: "وهو الذى جعل لكم الليل لباسا وجعل ~~النهار نشورا " فقصد ذكر الإنعام ثم الاعتبار جار مع ذلك ثان عن المقصود من ~~ذكر الإنعام فلم يذكر الا بادئ الإنعام، فجاء كل على ما يناسب ولا يمكن ~~خلافه والله سبحانه أعلم. # والجواب عن السؤال الرابع: وهو الفرق بين ما فى الأعراف وسورة الملائكة ~~من سوق الرياح السحاب إلى البلد الميت وما فى سورة الروم من قوله: "فيبسطه ~~فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفا " بزيادة ذكر سوقه إلى بلد ميت فى آيتى ~~الأعراف والملائكة وسقوط ذلك فى سورة الروم مع زيادة بيان حال السحاب ~~وانتشارها فى السماء وتقطيعها لانبعاث المطر فيقول السائل: إن كان الكلام ~~مقصودا به قصد الإطالة فلم يرد فيها الوارد فى الأخريين من قوله: "فسقناه ~~إلى بلد ميت " وإن كان قد قصد به الإيجاز فلم ورد هذا الإطناب هنا بما بسط ~~من حال السحاب؟ # والجواب عن ذلك: ان الآيات الثلاث محرزة أجل إيجاز وأبلغه، وان آية الروم ~~لم يسقط منها شئ من التعريف بسوق السحاب إلى البلد الميت وإنما الحاصل على ~~ما زيد فيها من بيان حال السحاب ما قصد من تحريك المعتبر وتنبيهه على ما ~~فيه أعظم دلالة وأوضح برهان، ألا ترى تقديم قوله: "ومن آياته أن يرسل ~~الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته " وجليل موقع هذه الاستعارة وقوله: ~~"ولتجرى الفلك بأمره " ثم أشير إلى تسخير الفلك بقوله: "ولتبتغوا من فضله " ~~فقد ورد هنا تعداد نعم جليلة فلما عاد الكلام إلى ارسال الرياح وذكر ~~إثارتها السحاب اتبع ذلك بما يناسب فقال تعالى: "يبسطه فى السماء كيف يشاء ~~"والإشارة إلى ما تؤمه السحاب ببسطه سبحانه إياها فتوارى من أقطار الأرض ~~وجهاتها ما يشاء سبحانه إحياءه وسقيه ويجعلها سبحانه كسفا أى قطعا متخلخلة ~~لنفوذ ما تحملت من الماء فينبعث الماء من تلك المسام كانبعاث العرق من مسام ~~الأجساد: "فترى الودق يخرج من خلاله " وبحسب ما حملها سبحانه أو ثقلها من ~~الماء يكون المرسل عنها فى ms207 الكثرة وما دونها: "فإذا أصاب به من يشاء من ~~عباده إذا هم يستبشرون " فلما انبنت هذه الآية على ما قصد من زيادة التنبيه ~~وتوفيه الاعتبار خصت بما لم يقع فى آيتى الأعراف # # PageV01P186 # والملائكة وإنما لم يذكر هنا سوقها للبلد الميت لحصول ذلك من قوله بعد: ~~"فتنظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها " فلو قيل أولا: ~~"فسقناه إلى بلد ميت " لكان تكرارا فإذا تأملت ما ذكرناه وعظيم التنبيه مع ~~جليل الإيجاز بحسب ما قصد وعلى البلاغة وموجب المزيد فى آية الروم وما ~~يستدعيه المكتنفان لهما من قوله قبلها: "ومن آياته أن يرسل الرياح " وقوله ~~بعدها: "فانظر إلى أثر رحمة الله ... "الآية وتحريك المعتبر ولم يذكر ذلك ~~فى الأخريين ويتبين لك أنه لم ينقص منها شئ وإن كلا منها وارد على ما يجب ~~ولم يكن ليناسب خلافه والله أعلم. # والجواب عن السؤال الخامس: أن قوله فى الأعراف: "سقناه لبلد ميت " وفى ~~سورة الملائكة: "فسقناه إلى بلد ميت " لفارق بين الموضعين هو أن قوله تعالى ~~فى الأعراف: "حتى إذا أقلت سحابا ثقالا " كلام يستدعى جوابا ألا ترى أنه فى ~~قوة قول القائل: فلما استقلت السحاب بما فيها من الماء ومثل هذا فى استدعاء ~~الجوابية لا توقف فيه وليس مما يجاوب بالفاء وإنما جواب ذلك مثل هذا مجردا ~~فيه الفعل عن الفاء وغيرها قال تعالى: "حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم ~~ريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف " فالجواب هنا قوله: "جاءتها ريح عاصف ~~" وقال تعالى: "فلما جاءتهم ما عرفوا كفروا به " ومنه آية الأعراف المذكورة ~~لا مدخل فيها للفاء لا التى تقع جوابا ولا العاطفة إذ ليس قوله تعالى: ~~"فسقناه لبلد ميت " معطوفا على ما قبله أما قوله تعالى فى سورة الملائكة: ~~"الله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها " فكلام معطوف بعضه على بعض بالفاء المقتضية الترتيب والتعقيب ~~ليطابق اللفظ ما تحته من المعنى فلزمت الفاء هنا لاحتراز معناها وقد تقرر ms208 ~~انها لا مدخل لها فى آية الأعراف فورد كل على ما يجب ولما استدعى لفظ ~~"سقناه "المكان المسوق إليه وإنما يصل إليه بلام الجر أو بإلى عدى فى ~~الإعراب بلام الجر فقيل "لبلد " ليناسب المجرور فعله الذى استدعاه فى ~~الوجازة ولما طال الفعل فى الآية الأخرى بما لزمه من حرف التعقيب ناسبه ~~تعديته بإلى إسهابا وإيجازا مقابل إيجاز وأما آية الروم ففيها زيادة ~~التعريف بكيفية انفصال الماء من السحاب وانه يخرج من خلاله مقسطا على الأرض ~~مجزءا ليستوى اليقى ويتناسب كسريان الغذاء فى الأبدان بعد تهيئته ولو صب من ~~جانب دون ما أشار إليه التخلل لأضر ولم تحصل به المنفعة وهو زيادة فى ~~الاعتبار وإطلاق على عظيم # # PageV01P187 # الحكمة زكل هذه الآى متلائمة متعاضدة لا تعارض فيها ولا إشكال وقد تضمن ~~هذا الجواب أجوبة عن مواضع من هذه الآى وقوله فى # الأعراف: "فأخرجنا به من كل الثمرات " مناسب لقوله: "حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا " لما تقدم ما يشير إلى كثرة مائها ناسبه التعريف بكثرة ما يخرج ~~سبحانه به من مختلف الثمرات ولما قصد فى آية الفرقان سقى الحيوان العاقل ~~وغير العاقل ناسبه ما تقدم من وصف الماء بالطهورية والطيب وقد حصل إخراج ~~الثمرات بقوله لنحيى به بلدة ميتا وأما قوله فى سورة الروم: "فإذا أصاب به ~~من يشاء من عباده إذا هم مستبشرون " فجار مع قوله قبل الآية: "ومن آياته أن ~~يرسل الرياح مبشرات " لما ذكر سبحانه إرسالها مبشرات اتبع ذلك ما به ~~البشارة وهو الودق المرسل من السحاب المشار بها والاخبار بمن المبشر بها ~~وهو من يشاء تخصيصه من عباده بتلك الرحمة فأوضح آخر الآية المجمل قبلها ~~وحصلت ما قصد بها على أكمل تناسب وأما قوله فى سورة الملائكة: "فأحيينا به ~~الأرض بعد موتها " فمبنى على قوله: "يأيها الناس إن وعد الله حق " والمراد ~~بهذا العودة الأخراوية فأرى سبحان مثالا يوضحها لمن تدبر وعقل فقال تعالى: ~~"سقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها " ثم قال: "كذلك النشور " ~~والآى ms209 قبلها لم يتقدمها مثل ما تقدم هذه من تحريك الخلق وتخويفهم بالوعد ~~الأخراوى فلم تعقب بمثل ما أعقبت به من هذه من تحرير التشبيه وان كان فى ~~أكثرها التشبيه على إحياء الموتى ولكنه ليس كالواقع هنا. # والجواب عن قوله فى سورة الأعراف: "كذلك نخرج الموتى " أنه مقابل بقوله: ~~"فأخرجنا به من كل الثمرات " ولم يرد هكذا فى سائر الآيات أعنى التعبير ~~بلفظ الإخراج لما ينبت المطر وما يخلق سبحانه فى الأرض ولما ورد فى سورة ~~الملائكة قوله سبحانه: "فأحيينا به الأرض بعد موتها " قوبل تشبيها بقوله: ~~"كذلك النشور " ولم يكن ليتحر المراد لو قيل: كذلك الإحياء ولو قيل: كذلك ~~إحياء الموتى لاجتمع فيه الطول مع مخالفة الفواصل فيما قبل الآية وما ~~بعدها، ألا ترى قوله تعالى: "ولا يغرنكم بالله الغرور " قوله بعد الآية: ~~"ومكر أولئك هو يبور " وما تخلل الآيتين وما ورد بعدها ثم إن النشور هو ~~إخراج الموتى وإحياؤهم مع أنه أوجز وأطبق للفواصل فجاء كل على ما يناسب ~~واما سائر الآي فلم تبن على قصد التشبيه ولا جرى فيها ذلك فوقع الاكتفاء ~~فيها بمجرد الإيماء والإحالة على غير طريقة التشبيه. # # PageV01P188 # والجواب عن تعقيب آية الأعراف بترجى التذكير من قوله: "لعلكم تذكرون " ~~مناسب لقوله: "فأحيينا به من كل الثمرات " لأن الماء المنزل من السماء واحد ~~لا يختلف وان اختلفت أحواله فى الكثرة والقلة وطول زمن الانزال وقصره ~~فالمذاق والطعم والصفة لا تختلف والمخرج به بإذن الله من ضروب الثمرات ~~مختلف فى الطعم واللون والرائحة إلى غير ذلك من صفاته قال تعالى: "تسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل " ففى هذا أعظم عبرة لمن استبصر ~~وأدل دليل على القدرة التى تجل عن الحد والغاية وأعظم شاهد على إحياء ~~الموتى فلهذا أعقبت برجاء التذكير فقيل: "لعلكم تذكرون ". # الآية السابعة قوله جل وتعالى: " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) "، وفى ~~سورة هود: " ولقد أرسلنا نوحا ms210 إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) "، وفى سورة المؤمنون: ~~" ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون (23) ". # فى هذه الآى ست سؤالات: السؤال الأول فوله فى سورة الأعراف: "لقد أرسلنا ~~" غير منسوق بواو العطف وفى السورتين الأخيرتين: "ولقد أرسلنا " بواو العطف ~~والثانى اختلاف مقاله عليه السلام لهم والثالث وجه اختصاص الواقع فى كل ~~سورة من الثلاث من مقاله بتلك السور والرابع وجه اختلاف ما خوفهم به ~~وأنذرهم إثر أمرهم بالعبادة فى كل واحدة والخامس وجه ندائهم لهم فى ~~السورتين وسقوط ذلك فى سورة هود والسادس وجه افتتاح أمرهم بالعبادة فى ~~السورتين وقوله فى سورة هود قبل أمره إياهم: "إنى لكم نذير مبين " فهذه ست ~~سؤالات. # الجواب عن الأول: أن آية الأعراف لم يتقدمها ذكر إرسال ولا أمر بدعاء ~~الخلق ولا جملة يناسبها عطف إرسال الرسل إلى الأمم ودعاء الخلق إلى الإيمان ~~إنما تقدم قبلها ذكر أصحاب الأعراف ثم قوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق ~~السماوات والأرض " إلى قوله: "لقوم يشكرون " ثم ابتدأت قصص الرسل مع أممهم ~~فقال تعالى: "لقد أرسلنا نوحا إلى قومه " وتتابع قصصهم. # أما آية هود فقد تقدم قبلها ذكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبذلك ~~افتتحت السورة قال تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا ~~تعبدوا إلا الله " # # PageV01P189 # ثم استمر ذكر دعائهم وتحذيرهم من التولى وما يعقبه إن وقع منهم ثم ذكر ~~تحديه عليه السلام إياهم بالقرآن وطلبهم بمعارضته والإتيان بعشر سور مثله ~~فى البلاغة وعلى النظم وان كان ما يأتون به مفترى ليكون أسهل عليهم ولم ~~يعدل بالآى عن هذا الغرض وما يرجع إليه إلى ذكر إرسال نوح عليه السلام ~~فوردت الآى بذلك منسوقة فقد ورد قبلها ما يناسب عطفها عليه قال تعالى: ~~"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة ms211 ... "الآيات وبعدها: "ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ... "الآيات، ~~فذكرهم بإيجادهم وانتقالهم متقلبين فى أطوار مكتنفين بتوالى إنعامه منسوقا ~~بعض ذلك على بعض مفتتحة المطالع بما يتأتى به القسم من قوله تعالى تحكيما ~~وإظهارا للظاهر من اكتناف إنعامه وإحسانه ثم عطف على ذلك ما أنعم به من ~~إرسال الرسل فذكر أولهم إرسالا إلى الخلق ليناسب ما بدأوا به من النعم ~~الأولية فقال: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه " وكل ما ذكر فى هذه الآى نعم ~~متناسبة والآء متوالية ولهذا لم يذكر فى هذه الآية ذكر عذاب الا بالإيماء ~~الوجيز وخصت بقوله عقب الأمر بالعبادة: "أفلا تتقون " فذكرهم بالتقوى ~~المجردة لنجاتهم وتخلصهم من العذاب ولم يكن ليلائم ذكر العذاب والإفصاح به ~~ما تقدم من التذكير بإحسانه سبحانه وإنعامه من أول السورة إلى هنا. # والجواب عن السؤال الثانى: ان دعاء الرسل أممهم مما يتكرر ويتوالى فى ~~أوقات مختلفة محال متباينة فمرة يرغبون ومرة يخوفون وينذرون وذلك بسبب حال ~~حال ولكل مقام مقال. # فاختلاف المحكى من مقالهم إنما هو بحسب اختلاف الأوقات وما يناسب كل وقت ~~وقت وما يجرى فيه ويشاهد من أقوال المدعوين وأحوالهم وكل المحكى من معنى ~~مقالاتهم لا إشكال فيه، ألا ترى أن نبيا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ~~كان يدعوا قبائل العرب إذا وفدوا على مكة ويقف على كل قبيلة قبيلة فيكلمهم ~~ويسمعهم القرآن ويدعوهم إلى الله بما يناسب أحوالهم ومقالهم ألا ترى قوله ~~عليه السلام لقبيلة كانت تعلاف ببنى عبد الله "يا بنى عبد الله ان الله قد ~~حسن اسم ابيكم " فكان يفتتح دعاء كل طائفة بمثل هذا فلكل مقام مقال، فلا ~~سؤال فى المحكى من قول نوح عليه السلام، لقومه واختلاف ذلك وإنما السؤال فى ~~اختصاص كل سورة بالوارد فيها من حكاية كلامه عليه السلام إذ لا يذكر فى كل ~~سورة الا ما يناسب وهو السؤال الثالث. # # PageV01P190 # والجواب عنه: أنه لما تقدم ذكر اليوم الآخر فى غير ما آية من أول هذه ~~السورة إلى ابتداء قصة نوح وقد ms212 تضمن ما ذكر من ذلك من أهوال ذلك اليوم ما ~~يعظم أمره كقوله: "والوزن يومئذ الحق ... "الآية، وقوله: "قال ادخلوا فى ~~أمم من قبلكم من الجن والإنس فى النار "الى قوله: "فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون " وقوله: "إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء ... "الآية قوله: "ونادى أصحاب الجنة ... "الآية وقوله: "إذا صرفت ~~أبصارهم تلقاء أصحاب النار "الى قوله: "ولا أنتم تحزنون " وقوله: "ونادى ~~أصحاب النار ... "الآية # وقوله: "هل ينظرون إلا تأويله " فلما تقدم من أهوال هذا اليوم ما لم ~~يتقدم فى السورتين الأخريين ناسبه من مقالات نوح لقومه: "إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم " وناسب قوله: "ما لكم من إله غيره " قول الممتحنين: "فهل ~~لنا من شفعاء فيشفعوا لنا " وأما افتتاح الآية بأمرهم بالعبادة فبين وأما ~~آية هود فافتتاح دعاء نوح قومه فيها بقوله: "إنى لكم نذير مبين " يناسب قول ~~نبينا صلى الله عليه وسلم للعرب فى إخبار الله تعالى عنه: "إننى لكم منه ~~نذير بشير " قوله سبحانه: "إنما أنت نذير " وأما قوله: "إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم أليم " فمناسب لقوله تعالى على لسان نبينا عليه السلام لقومه ممن ~~خاطبه وشافهه: "وإن تولوا فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير "وقوله: "ولئن ~~أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس ~~مصروفا عنهم "وقوله: "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده "فتكرر ذكر ~~العذاب يناسبه ما ختمت به آية دعاء نوح عليه السلام من قوله: "إنى أخاف ~~عليكم عذاب يوم أليم "وأما آية المؤمنين فالجواب عنها ما تقدم منجرا فى ~~الجواب عن السؤال الأول وتحصل من أنه حكى من مقالاته عليه السلام فى كل ~~سورة من هذه الثلاث ما يجرى مع ما اتصل به ويناسبه حسبما تبين ولم يكن ~~ليناسب ورود ما فى سورة منها ما ورد من ذلك فى الأخرى والله أعلم بما أراد. # والجواب عن السؤال الرابع: قد انجر فيما تقدم وعن الخامس أن ندائهم فى ~~السورتين لا كلام فيه ms213 لجريانه على ما ينبغى فإنما يسأل عن سقوط ذلك فى سورة ~~هود؟ ووجهه أن ذلك جار مع ما افتتحت به السورة من قوله على لسان نبينا عليه ~~السلام: "ألا # # PageV01P191 # تعبدوا إلا الله " فدعاهم عبادة الله وأن يفردوه بها ولم ينادهم لأن ذلك ~~لم يكن ليلائم مطلع السورة إذ لم يجر ذكره عليه السلام منطوقا به فينزل ~~عليه نداؤهم بل قيل له: "الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~"ثم اتبع هذا بأمرهم مبتدئا بحرف العبارة والتفسير وهو أن الحرف الواقع بعد ~~ما ينبئ ويحصل منه معنى القول وليس بصريح قول ولا مرادف الا أنه يفهمه ~~كقوله تعالى: "وانطلق الملأ منهم أن امشوا " فأن الواقعة حرف عبارة وتفسير ~~المقدرة بأى إنما تأتى بعد ما يفهم القول فكما يقع بعدها ما يدل على تقدير ~~القول وليس بقول كذلك يقع بعد مالا يلتئم معه ذكر القول ويكون مع ذلك مغنيا ~~عنه ومنه مطلع هذه السورة بعد التنبيه بالحروف المقطعة فقيل: "كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله "كما قيل فى آية ص: ~~"ان امشوا واصبروا "فليس موضع صريح القول الذى يقصد به الحكاية ورد دون ~~صريح قول ثم وردت قصة نوح عليه السلام على هذا المنهج للمناسبة ثم جئ بقصة ~~هود وصالح بعد هذا مفتتحين بالقول على ما يجب والله أعلم. # والجواب عن السؤال السادس: ان افتتاح أمرهم بعبادة الله فى سورتى الأعراف ~~والمؤمنين لا سؤال فيه أول ما يطلب به الخلق وإنما يسأل عن افتتاح مكالمتهم ~~فى سورة هود بقوله: "إنى لكم نذير مبين "؟ وجه ذلك مطابقته لما افتتحت به ~~السورة من قول محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه مخاطبا بكلامه تعالى: ~~"إننى لكم منه نذير وبشير ". # الآية الثامنة # قوله تعالى: " قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) قال يا قوم ~~ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) "، وقال فى سورة هود: " فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه ما ms214 نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا " وقال فى سورة المؤمنين: " فقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ". # قلت هذه أجوبة فى مقامات شتى وأحوال مختلفة فلا سؤال فى اختلافها وإنما ~~السؤال عن وجه الواقع فى كل سورة إذ لا يكون الا لمناسبة وقد تقدم بيان هذا ~~فى الآية قبلها فيسأل عن ذلك؟ وعن ثبوت الفاء فى قوله: "فقال " فى سورة هود ~~وسورة المؤمنين وسقوطها فى سورة الأعراف؟ وعن وصف الملإ بالكفر فى السورتين ~~وسقوط هذا الوصف من آية الأعراف؟ فهذه ثلاثة أسئلة. # # PageV01P192 # والجواب عن الأول والله أعلم: إن تقول: أن تخصيص الواقع من الملأ من قوم ~~نوح عليه السلام جوابا له عند دعائهم فى سورة الأعراف إلى عبادة الله مناسب ~~لما تقدم فيها من قول مكذبى الرسل حين تتوفاهم الملائكة قال تعالى: "حتى ~~إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا "وقول أخراهم لأولاهم عند دخولهم النار وتداركهم فيها جميعا: "ربنا ~~هؤلاء أضلونا " فصار هذا مألوفا من كلامهم وجوابا متكررا منهم ثم قد جرى ~~على هذا إخبار الله سبحانه عنهم عند تمنيهم الشفعاء أو الرد إلى الدنيا ~~ليعملوا غير عملهم قال الله تعالى: "قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون " ولم يتقدم فى السورتين بعد مثل هذا فناسب هذا ما تقدم. # وأما فى سورة هود من قول الملأ المذكورين من قوم نوح فقد تقدم فى صدر ~~السورة قوله تعالى مخبرا عن كفار قريش وغيرهم من معاندى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم " ~~فأعلم سبحانه بطغيانهم وتمردهم فى كفرهم فناسب هذا قول المتمردين من قوم ~~نوح: "ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى ~~الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ". # وأما الوارد فى سورة المؤمنين فإنه تقدم فيها قوله تعالى: "ولقد ms215 خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين "، فذكر سبحانه تطور ~~الإنسان فى تقلبات وأحوال تشهد بحاله الحضيضه ومهانته الأوليه إلى أن تلحقه ~~العناية الربانية والاختصاص الاصطفائى فيعز بإعزاز موجده ويختص باختصاص ~~التقريب والتشريف فتتفاوت أقدار الخلق عند ذلك فمنهم اللاحق بأشراف ~~المقامات وأسنى الحالات ومنهم الباقى فى حضيضيته من غير ترق لما فوقها من ~~الانتقالات ولما لم يتلمح الملأ من قوم نوح جليل مزية التشريف وما منحه هذ ~~النبى الكريم من على قدره المنيف، وظنوا التساوى على مقتضى الحاله الأوليه ~~قالوا يخاطبون أتباعهم وجوابا لنبيهم عليه السلام: "ما هذا إلا بشر مثلكم ~~يريد أن يتفضل عليكم ... " الآية. # وتأمل مقال الملأ هنا ومناسبته لما قدم من خلق الإنسان تجده أنسب شئ ولم ~~يكن مقالهم فى كل موضع من هذه ليناسب غير ما وقع فيه والله أعلم. # والجواب عن السؤال الثانى: أن الواقع فى سورة هود من قوله تعالى مخبرا عن # # PageV01P193 # جواب قوم نوح: "ما نراك إلا بشرا مثلنا "إلى آخر كلامهم كلام لا يستقل ~~مبتدأ به بل يستدعى ما يبنى عليه إذ لا يفتتح أحد أحدا مبتدئا بمثل هذا ~~وإنما يتكلم بهذا جوابا ولما قال لهم نوح عليه السلام: "يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره " إلى ما عرفهم به مما حصل منه الإعلام بمقامه النبوى ~~جاوبوه بعدا عن تعرف صدقة ومعرفة حقه بقولهم: "ما نراك إلا بشرا مثلنا "، ~~أى لو كنت كما تزعم لكنت من جنس الملائكة ولم تكن من جنس البشر وقد أفصحوا ~~بهذا فى سورة المؤمنين وتكرر هذا المرتكب من غيرهم فى غير ما آية فلبناء ~~هذا الكلام على ما قبله وتمحض الجوابية فيه ورد بالفاء المقتضية السببية ~~والمبنية للجوابية ومثل هذا من غير فرق هو والوارد من جوابهم فى سورة ~~المؤمنين من قولهم: "ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم "، ثم ~~قالوا: "ولو شاء الله لأنزل ملائكة " وهذا هو الذى أشرنا إليه من مقالهم فى ~~هاتين السورتين بالفاء ms216 لربط الجوابية وضوح السببية وأما قوله فى سورة ~~الأعراف: "قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين " فإن هذا وإن تضمن ~~الجوابية فإنه كلام يستأنف ويبتدأ بمثله ولا يفتقر إلى ما يبنى عليه فناسب ~~ذلك وروده بغير الفاء وحصلت الجوابية من حيث المعنى مع رعى ما يناسب فى ~~النظم ونظير هذا فى وروده بغير الفاء لما ذكر قوله تعالى فى قصة هود عليه ~~السلام: "قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين " فتأمل جوابهم هنا لما كان الوارد فى قصة نوح عليه السلام فى أنه ~~يبتدأ بمثله ولا يفتقر إلى ما يبنى عليه كيف ورد بغير الفاء فهذا يزيدك ~~وضوحا فيما قدمناه والله سبحانه أعلم. # والجواب عن السؤال الثالث: ويتنزل على تمهيد هو أن الله تعالى أمر رسله ~~عليهم السلام بالرفق فى دعاء الخلق وحضهم على التلطف بهم والصبر على آذاهم ~~فقال: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن " ~~وقال تعالى: "واصبر على ما يقولون " وقال: "لست عليهم بمصيطر " وقال تعالى: ~~"ودع أذاهم " وقال تعالى: "إن عليك إلا البلاغ "وقال: "ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك " وهذا كثير وقال تعالى لموسى وهارون: "اذهبا إلى ~~فرعون أنه طغى فقولا له قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " وعلى هذا ~~جرى دعاء الرسل أممهم فى إخبار الله تعالى عنهم وتأمل ما تحمل من التلطف ~~والرفق بالعباد قول الله سبحانه: # # PageV01P194 # "يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم " إلى قوله: "ولا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " وعلى هذا المنهج جرى ما ورد فى الكتاب ~~العزيز من دعاء الرسل أممهم: "يا قوم استغفروا ربكم إنه كان غفارا ... ~~"الآيات إلى قوله: "لتسلكوا منها سبلا فجاجا " ثم اختلف جواب الأمم فمن ~~مسرع فى الإجابة بهداية الله تعالى ومن مبطئ ومن مصمم على ضلاله: "ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى " ثم لكل نبى مقامات ومقالات بحسب اختلاف الموطن ~~والمجتمعات ولكل مقام مقال ms217 يناسبه فجرى اختلاف ما ورد جوابا بنسبة ما وقع ~~الجواب عليه مع إحراز الأنبياء عليهم السلام ما أمروا به من الصبر والتلطف ~~فى أكثر أحوالهم متوقفين فيما وراء هذا على ما يرد منه تعالى كما قيل لنوح ~~عليه السلام: "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن "فقطع عليه السلام رجاءه ~~منهم وفهم من ربه تعالى جواز دعائه عليهم واستشعر انتقامه منهم فقال: "رب ~~لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " وذلك بعد مبالغتهم فى البعد عن ~~الاستجابة وقولهم: "قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين " قال تعالى فيمن سلك مسلكهم فى التكذيب: "فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم " وقال تعالى: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم # قد كذبوا جاءهم نصرنا ... "الآية. # فأقول بناء على ما تمهد أن قوم نوح لما ذكر تعالى عنهم فى سورتى هود ~~والمؤمنين إساءة فى جوابهم لنبيهم وإطالة فى المرتكب حين قالوا فى سورة ~~هود: "ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى ~~الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين " فجمعوا فى هذه الإطالة ~~توهمهم مساواته عليه السلام، فيما رآه البادى من البشؤية والصورة الإنسانية ~~إلى استرذال أتباعه كما قالوا فى الموضع الآخر: "أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~"وإلى التعامى عن فضله عليه السلام عليهم وظنهم كذبه وقد نزهه الله من ذلك ~~كله فإذا تأملت مجموع هذا استطلعت منه مكنون كفرهم ومثل هذا من غير فرق ~~قولهم فى آية المؤمنين: "ما هذا إلا بشر مثلكم "إلى قولهم: "إن هو إلا رجل ~~به جنة فتربصوا به حتى حين " فلإساءتهم فيما ذكر من الوارد عنهم فى ~~الموضعين وصفوا بالكفر فقال تعالى: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه " ~~فوصفهم # # PageV01P195 # بالكفر فى السورتين وأما آية الأعراف فقولهم فيها: "إنا لنراك فى ضلال ~~مبين " ليس كجوابهم فى السورتين الأخريين لا من جهة الطول ولا من جهة ~~المعنى لأن لفظ الضلال ليس بنص فى الضلال عن الدين لأنه يقال ضل بمعنى ms218 تحيز ~~وجار عن دين أو طريق ويتسع فى إطلاق لفظ الضلال على غير ما ذكرنا وقد قال ~~بعض المفسرون هنا فى تفسير الضلال: "إنه الذهاب عن طريق الصواب والحق " ~~وبالجملة فإنهم لم يريدوا هنا الضلال الذى هو الكفر وإن كان قد يقع إذا ~~تقدمته قرينة على أعظم من الكفر وأما هنا فليس كذلك فلما لم يكن فى الوارد ~~فى سورة الأعراف من الإطالة فى العبارة والإبلاغ فيما قصدوه من المعنى مثل ~~ما فى السورتين ناسبه الإيجاز وإن لم يوصفوا هنا بالكفر فقال تعالى: "قال ~~الملأ من قومه "ومما يشهد أن قوم هود عليه السلام لما بلغوا فى إساءة ~~جوابهم لنبيهم فى قولهم: "إنا لنراك فى سفاهة " وأرادوا فى قلة علم وخفة ~~حلم قاله الغرنوى: وقال غيره: فى خفة حلم # وسخافة عقل، فلما أساؤوا فى مقالهم هذا عبر عنهم بقوله تعالى: "قال الملأ ~~الذين كفروا من قومه " فوصفوا بالكفر مناسبة لقولهم ولما لم يقع فى جواب ~~قوم صالح مواجهة نبيهم بمثل هذا بل عدلوا إلى مخاطبة ضعفائهم بقولهم لمن ~~آمن منهم: "أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه "فلما لم يواجهوا نبيهم بما واجه ~~قوم هود عبر عن هؤلاء بقوله تعالى: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه ". # فإن قيل قد وصفوا بما يفهم كفرهم وهو الاستكبار قلت قوبل بهذا وصف ~~مخاطبيهم بالاستضعاف وليس كالإفصاح بالكفر فوضح ما بسطناه أولا وجرى كل من ~~ذلك على ما يناسب والله أعلم بما أراد. # الآية التاسعة من سورة الأعراف # قوله تعالى: " أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ~~(62) " وفى قصة هود: " أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) " فيهما ~~سؤالان قوله "وأنصح لكم " وفى الأخرى: "وأنا لكم ناصح أمين " والثانى أن كل ~~واحد من هذين النبيين الكريمين يعلم من الله سبحانه ما لا يعلمه قومه فهل ~~فى قصة نوح ما يحمله على قوله لقومه: "وأعلم من الله مالا تعلمون " ما ليس ~~فى قصة هود؟ # والجواب عنهما معا: أن قوم نوح عليه السلام ms219 لما رموه بالضلال وأكدوا ذلك # # PageV01P196 # وزعموا استحكامه بالوصف فى قولهم له عليه السلام: "إنا لنراك فى ضلال ~~مبين " فزعموا أن ضلاله غير خاف وهو الذهاب عن طريق الصواب ولا يكون إلا عن ~~عدم العلم بما فيه رشاد الضال واستقامة حاله نفى عليه السلام كل ذلك عن ~~نفسه بقوله: "ليس بى ضلالة " ثم أتبع بأوصاف عليع تناقض قولهم وتدفعه وتشهد ~~للمتصف بها ببراءته من ذلك وترد ذلك الوصف عليهم وأنهم الأهلون لما رموه به ~~فقال: "ولكنى رسول من ب العالمين " ولا يرسل رب العالمين المالك للكل ~~العليم بهم إلا من جعله درجات المهتدين العالمين بنصاب الرسالة وما يلزم ~~متحملها ثم بين لهم نصحه واستمراره فى إبلاغهم ونصحهم فقال: "أبلغكم رسالات ~~ربى وأنصح لكم " ثم أتبع تعريفهم بجهلهم بما عنده من ربه ويعلمه هو بذلك ~~فقال: "وأعلم من الله ما لا تعلمون " وإنما قال "وأنصح "، "وأعلم " ليعلم ~~بتماديه على النصح لهم وهم لا يشعرون ولا يهتدون وبإمداده بزيادة علومه ~~بالوحى وهم عن ذلك فى أشنع ضلال وأبعده فجمه عليه السلام فيما خاطبهم به رد ~~مقالهم ورميهم بأكثر مما رموه به ورد ذلك عليهم بألطف رد وأبينه لمن وفق ~~ونزه عليه السلام عبارته المخلصة لذلك على أتم الوجوه عن شنيع عبارتهم وقبح ~~مواجتهم واما جواب هود عليه السلام فإن قومه لما قالوا: "إنا لنراك فى ~~سفاهة " فرموه بخفة الحلم وقلة الثبات وكثرة الطيش نفى عليه السلام ذلك عن ~~نفسه فقال: "ليس بى سفاهة " فرد قولهم ثم عرفهم برسالته وقدم ما ينبغى ~~للرسول أن يكون عليه ثم أتبع بجليل أداء أمانة الرسالة من التبليغ والتمادى ~~عليه فقال "أبلغكم " فجاء بالفعل المشعر بالتكرر والاستمرار قياما بإبلاغ ~~رسالته وحفظا لأمانتها ثم قال: "وأنا لكم ناصح أمين " فعرفهم بصفتين ~~جليلتين قد اكتنفته العصمة فيهما ومن كانت صفتاه اللازمتان له النصح ~~والأمانة فقد تنزه قدره عن الطيش وعدم الحلم: "إلا إنهم هو السفهاء ولكن لا # يعلمون " وإنما أتى فى إخبارهم بنصحه وأمانته بالاسم فقال: "ناصح أمين " ~~وكم يقل: ms220 أنصح - فيأتى بالفعل - ليحصل منه أن ذلك الوصف الجليل لازم له غير ~~مفارق ولم يكن الفعل ليعطى ذلك فجاء بالاسم وجعله الخبر عن ضميره الذى هو ~~"أنا " فهذا مقصود ثابت الوصف ولزومه مثل الوارد فى قوله تعالى مخبرا عن ~~المنافقين: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم " فأخبر عن قولهم ~~للمؤمنين "آمنا " بالفعل # # PageV01P197 # الماضى وليس من وضعه إعطاء الدوام فى الأكثر إذ قد يقول فعلت من أوقع ~~الفعل مرة واحدة وأخبر تعالى عن قولهم لإخوانهم وشياطينهم بقولهم: "إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون " فجاؤوا بالاسم إعلاما بصفتهم التى هم عليها ~~مستمرون فكذا هذا الاخبار الواقع هنا فى هذا النقصود من التمادى والاستمرار ~~حين قال هود عليه السلام: "وأنا لكم ناصح أمين " فجاء الاسم فانتفى ما رموه ~~به من السفاه جملة وقابل عليه السلام مقالهم الشنيه بخبره الصادق عن نفسه ~~فرد مقالهم ولم يكن الفعل يحرز هذا القصد كما أحرز قول نوح عليه السلام: ~~"وأعلم من الله مالا تعلمون " الإخبار عن نفى ما رموه به جملة فجاء كل على ~~ما يجب والله أعلم. # ومما يسأل عنه فى هاتين الآيتين أن نوحا وهودا عليهما السلام إنما دعوا ~~إلى العبادة قوما كفارا فى قصة نوح عليه السلام: "قال الملأ من قومه " وفى ~~قصة هود عليه السلام: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه " فوسموا بالكفر ~~بخلاف قوم نوح؟ عليه السلام من قوله: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " ~~وخوفه من تعذيبهم إنما كان لكفرهم ولم يقع ذلك فى دعاء هود لأن قوله: "أفلا ~~تتقون " ليس فيما يعطيه من التخويف فى قوة: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ~~" إذ قد يؤمر بالتقوى المؤمن ويقال للعاصى بصغيرة أفلا تتقى فلما كان فى ~~دعاء نوح ما يشير إلى الكفر ويدل عليه اقتضى الإيجاز الاكتفاء بذلك ويشهد ~~لهذا أن قصة صالح وقصة شعيب الوارد فيهما الدعاء إلى الإيمان على هذا ~~المنهج لما لم يقع فى دعاء هذين ms221 النبين عليهما السلام ما وقع فى دعاء نوح ~~عليه السلام مما ينبئ بالكفر ورد فى حكاية مقالة قومهما ما يحصل منه ذلك ~~المقصود وذلك قوله تعالى: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه " وذلك جار من ~~الواقع فى قصة هود من غير فرق لأن استكبارهم عن إجابته والإيمان به كفر ~~والله أعلم بما أراد. # الآية العاشرة # قوله تعالى: " فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) " وفى سورة يونس: " فكذبوه فنجيناه ومن ~~معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان ~~عاقبة المنذرين (73) "ففيهما أربع سؤالات يذكر كل سؤال منها متصلا به فى ~~جوابه. # الأول قوله "فأنجيناه "وفى الثانية "فنجيناه "فاختلف نقل الفعل بالهمزة ~~فى # # PageV01P198 # الأولى وفى الثانية بالتضعيف وفى الأولى "والذين معه " وفى الثانية "ومن ~~معه " فاختلف الموصول أيضا. # والجواب عن هذين السؤالين والله أعلم: أنا قد وضحنا فى كتاب البرهان أن ~~ترتيب السور مراعى وترتيب الآى فى هذا الحكم أولى وأبين، وإذا تقرر هذا ~~فاعلم أيضا أن لفظ الذى وما تصرف منه للمثنى والمجموع أصل فى الموصولات إذ ~~لا يخرج لفظ الذى عن الموصولية أما من فإنها تخرج إلى الاستفهام والشرط ~~وغيرهما والأصل فى النقل أيضا يكون بالهمزة وأما النقل بالتضعيف والباء ~~وغيرهما فثان عن الأصل ومن يقول بالقياس فى النقل على اختلاف مذاهبهم من أن ~~المقيس فيه النقل من الفعل إنما هو غير المتعدى أو المتعدى إلى واحد مغ غير ~~المتعدى إلى اثنين مع الضربين قبله وهو قول الأخفش فكل هؤلاء إنما المقيس ~~عندهم مما ينقل بالهمزة ويجعلون النقل بالتضعيف وغيره موقوفا على السمع. # فإذا قرر ما ذكرناه فنقول إن سورة الأعراف ورد فيها قوله: "فأنجيناه ~~والذين معه " كل منهما على الأصل فى نقل الفعل وفى الموصول فقيل: "فأنجيناه ~~" وقيل: "والذين معه " وورد ذلك فى سورة يونس على ما هو ثان عن الأصل فى ~~النقل وفى الموصول رعيا للترتيب ولا يمكن العكس على هذا. # ثم انجر مع ذلك رعى ms222 تناسب التقارن لما ورد فى الأولى فأنجيناه بزيادة ~~همزة النقل المثبت لها صورة الألف فى الخط ونطق يخصها بحركة الهمزة فطالت ~~الكلمة بالألف خطأ وبالنطق بحركة الهمزة لفظا ناسبها الموصول الذى هو: ~~الذين بزيادة حروفه على حروف "من ". # ولما قيل فى الثانية: فنجيناه فجئ بما هو أخصر فى الخط ناسبه من ~~الموصولات من المفرد فى معنى الذى وهو أخصر. # السؤال الثالث: زيادة "وجعلناهم خلائف " فى سورة يونس وذلك مثال تفصيلى ~~فى طائفة معينة من المجمل الوارد فى أول السورة من قوله تعالى: "ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات " إلى قوله: "ثم ~~جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون " وقوم نوح عليه السلام ~~أول أمة أهلكت بتكذيبها ثم خلفها غيرها فذكر من المتقدم مجملا أول واقع منه ~~وأنهم جعلوا خلائف كما جرى فيمن بعدهم. # والسؤال الرابع قوله تعالى: "إنهم كانوا قوما عمين " وذلك # # PageV01P199 # مقابل به قولهم لنوح عليه السلام: "إنا لنراك فى ضلال مبين " فقيل لهم بل ~~أنتم قوم عمون فأنى لكم بالتفريق بين الهدى والضلالة. # وأما قوله فى الأعراف: "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " فليجرى مع آية ~~الأعراف فيما ورد فيها من التعريف بإنذارهم فى قوله: "أوعجبتم أن جاءكم ذكر ~~من ربكم على رجل منكم لينذركم " فوقع هنا التعريف بإنذارهم ثم ورد فى يونس ~~بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " فحصل التعريف فى الآيتين بإنذارهم ~~وعاقبة من أنذر فلم يرجع عن غيه. ### | الآية الحادية عشرة من سورة الأعراف # قوله تعالى فى قصة صالح: " قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم " ~~ وفى سورة هود: " ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في ~~أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب " وفى سورة الشعراء: " قال هذه ~~ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم ~~عظيم " # فاختلف الوصف لمختوم به فى الآى الثلاث فقد يسأل عن ms223 ذلك؟ # والجواب: مثل هذا ليس بخلاف ولا مشكل لأن وصف العذاب بالإيلام لا ينافى ~~وصفه بالقرب وإنما وصف فى سورة هود بالقرب ليجرى مع قوله بعد: "تمتعوا فى ~~داركم ثلاثة أيام " فجرى فى الوصف رعى هذا ولا ينافى ذلك الإيلام وأما ~~الوصف فى سورة الشعراء بعظيم فمن صفة اليوم لما فيه من الأهوال لا من صفة ~~العذاب فلا إشكال فى شئ من هذا. # الآية الثانية عشرة قوله تعالى فى قصة صالح: "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى ~~دارهم جاثمين " وكذا فى قصة شعيب فى السورة فيما بعد وفى سورة هود فى القصة ~~المذكورة قبل: "فعقروها فقال تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام " وقال فى قصة ~~شعيب فى سورة هود أيضا: "وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين ~~" فورد فى هذه الآية الأخيرة تسمية عذابهم بالصحية وجمعه اسم الدار وفى ~~الآيات قبل "بالرجفة " وإفراد الدار. # فأقول إن وجه اختصاص كل سورة بما خصت به أن اسم الدار لفظ يقع على المنزل ~~الواحد والمسكن المفرد ويقع على مساكن القبيلة والطائفة الكبيرة وإن اتسعت ~~وافترقت وتعددت مساكنها وديارها إذا ضمها إقليم واحد واجتمعت فى # # PageV01P200 # حكم أو مذهب، وإذا تقرر هذا فوجه اختيار لفظ الجمع فى الآية من سورة هود ~~مناسبة ما اقترن به من لفظ الصيحة وهى عبارة هنا عن العذاب مطلقا دون تقييد ~~بصفة وهو من الألفاظ الكلية فإن لم يكن عاما فانتشار مواقعه من حيث الكلية ~~حاصلة. # وأما الرجفة الزلزلة فلهذا اللفظ خصوص وهو جزئى ومن المعلوم بالضرورة ~~انحصار الألفاظ فى الضربين فإن اللغة لا تختلف فى ذلك فالصيحة من حيث ~~الكلية تطلق على ما كان من العذاب بالرجفة وغيرها وإذا عبرنا بالرجفة لم ~~يتناول لفظها إلا ما كان عذابا بها فناسب عموم الصيحة جمع الديار مناسبة ~~تركيب النظم وناسب خصوص الرجفة إفراد الدر. # ثم إن وجه تخصيص سورة هود بما وقع فيها أنه ذكر قبلها من مرتكبات قوم ~~شعيب وسوء ردهم على نبيهم عليه السلام ما لم يرد مثله فى آية سورة ms224 الأعراف ~~وتأمل قولهم له: "ما نفقع كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز "، فتأمل ما فى ردهم هذا من الاستهزاء ~~والإساءة وشنيع المقابلة لجليل وعظه عليه السلام، لهم ورأفته فى دعائهم ~~إياهم بقوله: "إنى أراكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط " وقوله: ~~"بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ " وقوله: "أرأيتم ~~إن كنت على بينة من ربى ورزقنى منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت " وقوله: "ولا يجرمنكم شقاقى أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح " وقوله: "واستغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود ". # فما أجل تلطف هذا النبى الكريم فى دعائه إياهم وما أشنع ردهم عليه فلهذا ~~ما عبر عن عذابهم وأخذهم هنا بأعم مما ورد فى غير هذه الآية ولما لم يرد فى ~~غيرها مثل هذا فى الدعاء والجواب ناسبه اللفظ الأخص رعيا لإحراز النظم ~~الجليل وعلى تناسبه مع أن لا كبير اختلاف فى المعنى الحاصل عن العبارتين ~~والله أعلم. # وجواب ثان فى اختلاف الوارد فيما أخذ به قوم شعيب وهو أن يكون المراد ~~أخذهم بضروب من العذاب لقبيح مرتكبهم وسوء ردهم على نبيهم فبين ذلك قوله ~~تعالى فى سورة الشعراء: "فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة " والظلة غيم تحته ~~سموم فهذا ولا غير الرجفة لأنها زلزلة فعلى هذا يكونون قد أخذوا بعذاب ~~الزلزلة # # PageV01P201 # وعذاب الصيحة وهو عذاب يصحبه صوت وعذاب الظلة فورد ذلك على التدريج ~~والتناسب بحسب ما ذكر قبل كل من هذا من مرتكباتهم وقد ذكر المفسرون تنوع ~~عذابهم بالرجفة والصيحة والظلة كما امتحن آل فرعون بالطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم والطمسة. # الآية الثالثة عشرة من سورة الأعراف # قوله تعالى فى قصة صالح: "فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ~~ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين " وقال فى قصة شعيب عليه السلام: "الذين ~~كذبوا شعيبا ms225 كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين قتولى ~~عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم ~~كافرين " # للسائل أن يسأل ويقول: إذا كان كل من الرسل عليهم السلام قد أبلغ قومه ما ~~أرسل به وكلهم فى أداء تلك الأمانة وحفظها على نهج سواء من غير تفاضل فى ~~هذا - أعنى الأمانة والإبلاغ والعصمة فى ذلك - وإنما التفاضل بأشياء غير ما ~~ذكر فإذا تساووا فيما ذكر وكلهم أمر بإفراد الله سبحانه بالعبادة واتقاء ~~عذابه بالتزام الطاعات وامتثال الأوامر والنواهى وكلهم أمر ونهى وأوضح ~~لقومه طريق النجاة وحذرهم من المهالك ووصف كل واحد منهم ربسول ووصف ما جاء ~~به بالرسالة فالإفراد محصل للمقصود فما وجه الجمع فى قوله فى قصة شعيب عليه ~~السلام: "أبلغتكم رسالات ربى " ولم لم يرد على الإفراد كما ورد فى قصة ~~صالح؟ # والجواب: أن العرب تراعى فى أجوبتها ما نيتها عليه من سؤال أو غيره، إن ~~إطالة فإطالة أو إيجاز فإيجاز فأجوبتهم مراعى فيها المعنى ملحوظ فيما وردت ~~جوابا له ولما ورد فى دعاء شعيب عليه السلام تفصيل فى الأمر والنهى ~~والتحذير ألا ترى قوله بعد أمرهم بتوحيد الله: "قد جاءتكم بينة من ربكم ~~فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا فى الأرض بعد ~~إصلاحها " ثم قال: "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن ~~به وتبغونها عوجا " وذكرهم بتكثيرهم بعد القلة فقال: "واذكروا إذ كنتم ~~قليلا فكثركم " وإن يتذكروا حلا من تقدمهم ممن كذب فقال: "وانظروا كيف كان ~~عاقبة المفسدين " وورد عقب هذا من قول قومه له فى قوله تعالى حاكيا # # PageV01P202 # عنهم: "لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودون فى ملتنا ~~" وقولهم: "لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون " وقد انطوى هذا الكلام من ~~التعريف بقبيح ردهم وشنيه مرتكبهم فى مجاوبتهم على أعظم اجترام، فحصل فى ~~هذا من خطابه إياهم وما ردوا به وجاوبوه عليه السلام إطناب فى العبارة ~~وإمعان فيما تحتها ms226 من المعانى فى كلا الضربين فناسب ذلك الجمع فى قوله: ~~"أبلغكم رسالات ربى " أما قصى صالح عليه السلام فلم يقع فيها بعد أمرهم ~~بالعبادة غير تعريفهم بأمر الناقة وأمرهم برعيها وتذكيرهم بقوم هود فى ~~قوله: "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ... "الآية ولم تنفصل مكالمته ~~إياهم كتفصيل ما تقدم وأما المحكى عنهم من جوابهم فقوله تعالى مخبرا عنهم ~~من قول كافريهم لمن آمن منهم: "إنا بالذى آمنتم به كافرون " وقولهم: ~~"ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين " فليس هذا مثل المتقدم من ~~جواب قوم شعيب له فى المحكى من العبارة ولا فيما تحتحته من المعنى فناسبه ~~الإفراد الوارد فى قوله: "أبلغتكم رسالة ربى ". # فإن قلت فقد ورد: "أبلغكم رسالات ربى " بالجمع فى قصة نوح وهود عليهما ~~السلام، ولم يتقدم فى القصتين إطناب ولا إطالة تقتضى ذلك فإن الوارد فى قصة ~~نوح من قول قومه له قوله تعالى: "قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلال مبين ~~" وهذا ليس كجواب قوم شعيب عليه السلام فى إطالته وإذا لم يكن فى ذلك طول ~~فما وجه الجمع فى قوله: "رسالات ربى "؟ ولم لم يفرد كما فى قصة صالح إذ هى ~~شبيهتها فى الإيجاز؟ فالجواب أن افظ الضلال وإن كان هنا لا يرادف الكفر ~~حسبما تقدم وما يأتى فإنه يقتضى بحسب كليته وانتشار مواقعه مقتضيات عدة، ~~وأنهم لم يريدوا تخصيصه بقوله بعينه من قوله عليه السلام بل أرادوا أقوالا ~~كثيرة مما أمرهم به ونهاهم عنه ومما حذرهم وأنذرهم من عذاب الآخرة حين قال ~~لهم: "إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " فلانسحاب اسم الضلال على مسميات شتى ~~كان فى وزان ما طال من الكلام فأشبه الواقع فى قصة شعيب عليه الصلاة ~~والسلام قال الزمخشرى: "الضلال الذهاب عن طريق الصواب والحق "فكأنهم قد ~~فصحوا بأن قالوا لا نعتمد قولك فى شئ ولا نعول عليه لأنك ذاهب فيه عن طريق ~~الصواب والحق ويشهد لإرادتهم هذا التفصيل قول نوح عليه السلام فى رد ~~مقالتهم: "ليس بى ms227 ضلالة " ولم يقل ليس بى ضلال فينفى عين ما قالوه بل عدل ~~إلى ما يدفع قليل # # PageV01P203 # ذلك وكثيره فى كل قضية قضية، وإذا نفى وجود الضلال فى كل واحدة من تلك ~~القضايا بعد انتفاء الضلال عن كلها وبرئت ذمته الرفيعة عن الاتصاف بشئ مما ~~رموه به ومثله الزمخشرى بجواب من قيل له: "ألك ثمر فقال ولا ثمرة واحدة " ~~وهو تنظير حسن فقد حصل إطناب وتفصيل فى المعنى ولطول المجاورة بينه وبين ~~قومه ما قالوه له فى آخر مقالهم: "قد جادلتنا فأكثرت جدالنا "فلهذا قال: ~~"أبلغكم رسالات ربى " فجمع فكأنه عليه السلام يقول: كل قضية أبلغتكم إياها ~~فربى أرسلنى بها وكل منها رسالة أرسلت بها إليكم محفوظا فى ذلك بعصمة الله ~~إياى منزها عما توهمتم من الضلال ثم أتبع # بقوله: "وأعلم من الله مالا تعلمون " يريد مما منعكم من تصديقى فيه ما ~~رميتمونى به من الضلال فرد عليه السلام قولهم بألطف رد وأرفقه بقوله: ~~"وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون " وفى طى هذا الكلام ما يفهم توبيخهم ~~ويشير إلى تعاميهم وجهلهم فهو يرمى ما تمهد موضع جمع رسالة لما تحصل مما ~~يفهمه النظم الجليل من التفصيل الذى به يتم المعنى المقصود فكلامه عليه ~~السلام مع ما بنى عليه من التفصيل الذى تضمنه جوابهم فليس كالوارد فى قصة ~~صالح عليه السلام فى قضية خاصة والله أعلم. # ألا ترى قول ملإ قومه من كفارهم لمن آمن منهم: أتعلمون أن صالحا مرسل من ~~ربه فقصروا سؤالهم وخصوه بصحة الرسالة ثم قالوا للملإ من المؤمنين: "إنا ~~بالذى آمنتم به كافرون " ثم بنوا على هذا سائر ما كان منهم من الكفر والعتو ~~وعقر الناقة وإنما سألوا أولا ودار أمرهم على صحة إرساله عليه السلام فطابق ~~ذلك الإفرد فى قوله: "أبلغتكم رسالة ربى " واما قول قوم هود فى جوابهم ~~لنبيهم: "إنا لنراك فى سفاهة " والسفاهة الطيش وقلة الحلم فحال من اتصف ~~بذلك كحال من اتصف بالضلال فلا يثبت على قول ولا يعتمد عليه فهذه كقضية قوم ms228 ~~نوح فالجواب عنها كما تقدم فى تلك وكل وارد على ما يجب ويناسب والله سبحانه ~~أعلم بما أراد. # فصل: قد تقدم لنا فى هذه الآية وفيما قبلها أن الضلال يقع ما دون الكفر ~~فيكون مع شناعة فيما يقتضيه بوصفه وإن لم يرد به الكفر دون الإفصاح بلفظ ~~الكفر إذ يصح أن يطلق على متصف بالإيمان برئ من الكفر وقد قال تعالى مخبرا ~~عن إخوة يوسف فى قولهم لأبيهم عليه السلام: "إنك لفى ضلالك القديم " وإنما ~~أرادوا ما يرجع إلى خاطره عليه السلام برجائه يوسف وما يرجع إلى هذا وقد # # PageV01P204 # تكرر نحوه فى القرآن فاعلم أن الرسل عليهم السلام لم يجر أمرهم فى دعائهم ~~أممهم إلى الإيمان اولا كما جرى آخرا وبنسبة ذلك جرى جواب أممهم فى ~~مراجعتهم فى الأكثر فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام ابتدأوا دعاءهم الأمم ~~بالتلطف والرفق والصبر وبذلك أمروا قال تعالى لموسى عليه السلام فى إرساله ~~فرعون: "فقولا له قولا لينا " وهذا واضح والغال فى مجاوبة أممهم إنما جرى ~~نسبة من هذا ألا ترى قول قوم نوح عليه السلام فى أول دعائه إياهم: "أنؤمن ~~لك واتبعك الأرذلون " وظاهر هذا أنهم إنما أنفوا من الانقياد إلى أمره وقد ~~سبقهم فى ذلك ضعفاؤهم ومن لم يروه بحسب التوهم الخيالى الضعيف أهلا أن ~~يقتدى به وهذا كما قال غيرهم فى إخبار الله تعالى عنهم: "أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا " وقول الآخرين: "لو كان خيرا ما سبقونا إليه " وهذا كله ~~ليس إفصاحا بالتكذيب وإن أرادوه وكذا قول قوم نوح عليه السلام: "ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا " إلى ما اتبعوه من هذا وإنما أفصحوا بالتكذيب أخيرا قال ~~تعالى فى أمر الكافة من الرسل حين توقف أممهم عن الاستجابة: "حتى إذا ~~استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " وقال تعالى فى مكذبيهم: ~~"فلما آسفونا انتقمنا منهم " وتأمل دعاء الرسل حيث دعوا أممهم والتدريج ~~فيما جرى منهم وسير نبينا صلى الله عليه وسلم يلح لك هذا وهو أبين من أن ~~يطول بذكره ms229 فعلى هذا قلنا إن مقول قوم نوح فى أول جوابهم له: "إنا لنراك فى ~~ضلال مبين " ليس كقولهم أخيرا: "قد جادلتنا فأكثرت جدالنا " وإنما قالوا: ~~"بل # نظنكم كاذبين " بعد طول محاورة ثم إنهم لم يدعوا علما بما قالوه من ذلك ~~بل أفصحوا بأن ذلك ظن فالمراد والله أعلم بما رمى به قوم نوح نبيهم من ~~الضلالة وإن تضمن من حيث انتشار مواقع التفصيل واحتمل قصدهم الكفر وغيره ~~ليس كما لو أفصحوا أولا فقالوا: إنك كاذب أو كافر واعتبر هذا الذى أوجزته ~~تجده أوضح شئ والله سبحانه أعلم. ### | الآية الرابعة عشرة من سورة الأعراف # قوله تعالى: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين (80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم ~~قوم مسرفون (81) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم ~~أناس يتطهرون (82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) ~~وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) " وفى # # PageV01P205 # سورة النمل: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) ~~أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فساء مطر المنذرين (58) " وقال فى سورة العنكبوت: " ولوطا إذ قال لقومه ~~إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أئنكم لتأتون ~~الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم ~~المفسدين (30) ". # قلت: قد تقدم البيان أن اختلاف مقالات الأنبياء لأممهم إنما هو لاختلاف ~~مقاماتهم إذ ليس دعاؤهم إياهم فى موقف واحد زلا لقوم مخصوصين بل يدعوا ~~النبى طوائف من قومه فى أوقات مختلفة ومواطن شتى وقد يكون للطائفة منهم ~~خصوص مرتكب فيراعى نبيهم ذلك فى دعائهم وقد يخاطب ملأهم الأعظم فى مواطن ~~والفئة القليلة منهم فى موطن ms230 آخر وربما أطال فى موطن وأوجز فى موطن وذلك ~~بحسب ما يرونه عليهم السلام أجدى وأنفع ولا اختلاف مجاوبة أممهم لهم، فهذا ~~مما لا يحتاج إلى سؤال عنه وقد مر ذكر بيان ذلك وإنما يبقى السؤال عن وجه ~~خصوص كل سورة بما خصت به من ذلك؟ وإذا أجبنا عن ذلك وأبدينا بحول الله ~~المناسبة والالتحام حتى يتبين أن كلا من ذلك لا يصلح تأخيره عن الموضع الذى ~~ورد فيه تعويضا بالوارد فى غير ذلك الموضع منه لم يبق فى هذه الآيات ما ~~يشكل والحمد لله. # وفى قصة لوط عليه السلام سبع سؤالات أولها: قوله فى مطلع الآيات فى ~~الأعراف والنمل: "أتأتون الفاحشة " وقال فى سورة العنكبوت: "أئنكم لتأتون ~~الفاحشة " وثانيها: وصف حالهم فى مرتكبهم فى الأعراف والعنكبوت بقوله: "ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين " وفى سورة النمل: "وأنتم تبصرون ". # والجواب عن هذين السؤالين: أن قوله فى الأعراف والنمل: "أتأتون الفاحشة " ~~الهمزة فيها للاستفهام المقصود به الانكار والتعظيم فى توبيخهم على الفاحشة ~~الشنعاء التى لم يأتها غيرهم ولما كان قد تقدم فى الأعراف من ذكر الأمم ~~المكذبين ذكر قوم نوح وهود وصالح وذكرت مرتكباتهم السيئة من معاندتهم للرسل ~~وتكذيبهم وسوء # # PageV01P206 # مراجعتهم وذلك مما يطلع عليه من أتى بعدهم وقد خص بالذكر من مرتكباتهم ~~أقبحها مما استوجبوا به العذاب وأخذ كل طائفة بذنبها قيل لقوم لوط، عليه ~~السلام: إن هؤلاء المكذبين من قبلكم على سوء مرتكباتهم لم يسبقوكم إلى ما ~~أنتم عليه وقد سمعتم بهم وخلت من قبلكم المثلات فناسب ما قدم من أحوال من ~~قبلهم فى هذه السورة وذكر تلك الأحوال على التفصيل أن وبخ قوم لوط بقبيح ~~جريمتهم وأم من قبلهم على سيئ أحوالهم لم يرضها فكأن قد قيل لهم: هذه قصص ~~من تقدمكم وذكر مرتكباتهم التى أخذوا بها فهل وقع منهم ما وقع منكم؟ أو هل ~~سبق أحد منهم إلى مرتكبهم الشنيع؟ فناسب ذكر الأمم المكذبين قبلهم تقريع ~~هؤلاء بكونهم أول من فعل تلك الشناعة وأنهم لم يسبقهم ms231 قيل لهم فى سورة ~~النمل: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " أى تدركون فحشها ببصائركم وأمرها ~~غير خاف على كل ذى عقل، فهل يصدر هذا إلا عن معاند متصف بأعظم الجهل؟ وقيل ~~إنهم كانوا يتجاهرون بها ولا يستحيى بعضهم من بعض فالمراد بقوله: "وأنتم ~~تبصرون " أى ترون ذلك بأعينكم لا يستتر بعضكم من بعض تهكما واستهتارا هذا ~~أعظم الجهل فلستم ممن يعقل أو يعلم شيئا بل أنتم قوم تجهلون. # ولما لم يتقدم فى هذه السورة تفصيل أحوال الأمم المكذبين وأخذهم ولم يذكر ~~ذلك كان ذكرهم كأن لم يتعرفوا حال من تقدمهم فعدل عن توبيخهم بما وبخوا حيث ~~ذكر من كان قبلهم إلى ضرب آخر من التوبيخ لم يكن نص عيه فى الأعراف من بيان ~~شنيع المرتكب فى فعلهم. # وأنه غير خاف، فقيل: "وأنتم تبصرون " أى أن من شأن من له عقل أو بصر يبصر ~~على المأخذ الآخر أن يكتفى بعقله وإبصاره فى ميز ما يشنع. # ثم قد تقدم فى هذه السورة قوله فى قصة موسى عليه السلام: "فلما جاءتهم ~~آياتنا مبصرة " أى بينة واضحة جحدوا بها، وهذا أقبح واضحة أو مرئية مشاهدة ~~بالابصار جحدوا بها وهذا من أقبح مرتكب. # فلما تقدم هذا ناسبه فى قصة لوط عليه السلام قوله: "وأنتم تبصرون " ولقبح ~~هذا التعامى ما أعقب بقوله بعد: "إنكم قوم تجهلون ". # ولما تقدم فى سورتى الأعراف والنمل تقريرهم تقريعا وتوبيخا وعرفوا بذلك ~~مرة بعد مرة وردت قصتهم فى العنكبوت مؤكدة بأن واللام لثبوتها فوردت مورد ~~ما يجئ بعد القسم متلقى به القسم، إذ قد تقدم تقريرهم التوبيخى مرتين فجاء ~~الاخبار بعد بما به يخبر عن المتقرر الثابت ولم يكن ليناسب العكس وهذا على ~~مقتضى الترتيب فى السور والآى فجاء كل على ما يجب. # # PageV01P207 # والسؤال الثالث إنه لما تقرر بقوله فى الأعراف والنمل: "إنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء " ذكر مرتكبهم القبيح وأنهم فى ذلك من حيث لم ~~يراعوا فى فعلهم إلا مجرد الشهوة ولم يلحظوا ما يلحظه العقلاء ولا ما قررته ms232 ~~الشرائع من قصد التناسل والتوالد وقد جبلت عليه البهائم وجرى التعريف من ~~حالهم فى سورة العنكبوت بمثل ذلك فقال تعالى: "أئنكم بتأتون الرجال " ~~فللسائل أن يقول ما وجه اختلاف ما بنى علي هذا الإخبار فى السورتين من ~~وصفهم فقيل فى الأولى: "بل أنتم قوم مسرفون " وفى الثانية: "بل أنتم قوم ~~تجهلون "؟ والعدول فى سورة العنكبوت عن قوله: "شهوة من دون النساء " إلى ~~قوله: "وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر "؟ ما الوجه فى هذا وقد ~~اتفق الإخبار فى مطلع الآى فى هذه السور الثلاث؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم أنه قصد بما ذكر فى سورة الأعراف الإشارة إلى ~~التعريف بانهماكهم فى الجرائم وقبيح المرتكبات فنص على أفحشها وحصل الإيماء ~~إلى ما وراء ذلك بما ذكر من إسرافهم: "بل أنتم قوم مسرفون ". # ولما قيل فى سورة النمل: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " كان أهم شئ أن ~~تنفى عنهم فائدة الأبصار إذ لم تغن عنهم شيئا فأعقب بقوله: "بل أنتم قوم ~~تجهلون " أى أن مرتكبكم مع علمكم بشنيع ما فيه من أقبح ما يرتكبه الجهال ~~ولم يذكر هنا إسرافهم إذ قد حصل فيما ذكر فى الأعراف. # وأما سورة العنكبوت فقصد فيها تفصيل ما أشير إليه فى الأعراف من شنيع ما ~~ارتكبوه من إسرافهم فقيل: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ~~ناديكم المنكر " وورد أولا - بحسب التريب المتقرر عليه السور والآيات - ذكر ~~أفحش مرتكباتهم ثم أجمل القول فى سائر جرائمهم ثم أتبع فى السورة الثانية ~~بشنيع حالهم فى تلك الفعلة المنصوص عليها من حيث بيان فحشها للأبصار ~~والبصائر ثم أتبع ذلك فى السورة الثالثة بتفصيل بعض قبائح أفعالهم والتنصيص ~~عليها وجاء كله على ما يجب ولا يمكن العكس فيما ورد والله أعلم. # والسؤال الرابع: ما وجه الاختلاف الوارد فى جواب قوم لوط عليه السلام له ~~فى سورة الأعراف: "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم ~~أناس يتطهرون " وفى سورة النمل: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس # # PageV01P208 # يتطهرون " وفى سورة ms233 العنكبوت: "ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين "؟ # والجواب أنه لما زيد فى تعنيفهم فى النمل وتعريفهم بإتيانهم الفاحشة على ~~علم بها أو مع مشاهدة بعضهم بعضا وعدم استخفائهم بها وذلك أقبح فى المرتكب ~~فلما زيد فى تعليل الاخراج التنصيص على الآل لأن قوله: "آل لوط " - أنص فى ~~إخراج جميع من للوط عليه السلام من ذويه وأهله من قوله: "أخرجوهم " بزيادة ~~التنصيص الأعم بإزاء الأزيد فى التقريع ولما عدد من قبائح مرتكباتهم فى ~~العنكبوت ما عدد بقوله: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ~~ناديكم المنكر " فكان تعداد مرتكباتهم أشد توبيخا فى تقريعهم وأنكأ لتمييز ~~أفئدتهم كان مظنة تهيج واشتعال لسئ أخلاقهم وقبيح جوابهم فجاوبوا جواب من ~~استحكم حنقه وطبع على قلبه فقالوا: "ائتنا بعذاب الله " تحكيما وتحقيقا ~~لتكذيبهم وشاهدا بتصميمهم على المعاندة والكفر لأن قولهم فى الموضعين قبل: ~~"أخرجوهم من قريتكم " على شناعة مرتكبهم فيه ليس كقوله: "ائتنا بعذاب الله ~~" لأن قولهم: "أخرجوهم من قريتكم " يفهم فحواه ما يستلزم إخراجهم من ~~مجازاتهم على ذلك فهو فى قوة قول القائل لمعانده: أنا أعاملك بكذا فإن قدرت ~~على الانتصار لنفسك فافعل وقول القائل: أنا أفعل كذا ولا أبالى بما يكون عن ~~ذلك وكأن قد قالوا: أخرجوهم فإن كان عذاب فليأت به فلما اشتد حنقهم نا ~~طلبوا العذاب وعدلوا عن ذلك السبب استعجالا للمسبب فجاء كل من هذا على ما ~~يجب والله سبحانه أعلم. # والسؤال الخامس قوله فى الأعراف: "فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين " وفى سورة النمل: "قدرناها من الغابرين "، وقد ورد فى إهلاك ~~امرأة لوط عليه السلام فى الحجر: "إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين " ~~وللسائل أن يسال عن وجه الاختلاف فيما ذكر وورود كل من هذه العبارات حيث ~~ورد؟ # والجواب أن قدرناها معط من المعنى ما يعطيه كانت من غير فرق لأن المراد ~~إلحاقها بالهالكين وإخراجها من الناجين وهذا المعنى هو المراد بقدرناها ~~مشددا وذكلك قوله فى الحجر: "قرنا أنها " وأما وجه اختصاص "كانت " بآية ~~الأعراف فليناسب إيجازا ms234 قوله: "أخرجوهم " وقوله فى النمل "قدرناها " ~~ليناسب: "أخرجوا آل لوط " وقوله فى # # PageV01P209 # الحجر: "قدرنا أنها " ليجرى مع ما وكد قبل بأن ويناسبه كقوله: "إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين " وقوله: "إنا لمنجوهم أجمعين " فقيل مناسبا لذلك: ~~"قدرنا أنها " وتناسب هذا كله. # والسؤال السادس ما وجه تعقيب قوله فى الأعراف: "وأمطرنا عليهم مطرا " ~~بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين " وفى النمل بقوله: "فساء مطر ~~المنذرين " وهل كان يحسن العكس؟ والجواب أنه لما تقدم فى الأعراف قوله: "ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين "حصل منه أن ارتكابهم ما لم يسبق إليه غيرهم ~~قد جمع إلى قبيح الفحش الاجترام من حيث لم يفعل تلك الفعلة الشنعاء من ~~تقدمهم فأجمع إلى الفحش الاجترام فأعقب بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين " ولما تقدم فى النمل قوله: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " حصل ~~منه تعنيف وإنذار لم يقع مثله فى الأعراف إذ ليس موقع قوله: "ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين " فى الانذار والتعنيف كموقع تعريفهم بعلمهم بها وشنعة ~~معاينة بعضهم بعضا من ارتكابها فناسب إنذارهم بهذا ما أعقب به من قوله: ~~طفساء مطر المنذرين " ولو أعقبت آية الأعراف بهذا أو آية النمل بما أعقبت ~~به آية الأعراف لم يكن متناسبا فجاء كل على ما يجب والله أعلم. # والسؤال السابع ما وجه قوله فى الأعراف: "وما كان جواب قومه "منسوقا ~~بالواو وفى النمل والعنكبوت: "فما كان جواب قومه " بالفاء مع ان القصة ~~واحدة فلا فرق بين الجوابين؟ # والجواب أنه حيث يراد مع ما سببية أو ما يشبه معنى المجازاة وكان الكلام ~~المجاوب بصريح الفعل إذ هو أوضح إحرازا لهذا المعنى فحيث يجئ هذا فالوجه ~~والأولى أن يترتب الجواب بالفاء وسواء تسبب عن الأول أو أقيم مقام ما تسبب ~~عن الأول مثال الجارى على طريقة السببية قوله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى " ~~وقوله: "فآمنوا فمتعناهم إلى حين " وقوله: "فكذبوه فأنجيناه "وهذا كثير. # ومثال الثانى: "ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " وقوله: "وجعلنا ~~لهم سمعا وأبصرا وأفئدة فما أغنى ms235 عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ ~~". # # PageV01P210 # ولما تقدم فى سورة النمل قوله تعالى: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون "أى ~~وقد منحتم بصائر للفه والاعتبار أو أبصارا لإدراك الأشياء وإحراز الحياء ~~المانع من مواقعة العار. # فما أثمر أنس ذلك لكم إلا التعامى عن رشادكم وتمادى عنادكم فختام الآيتين ~~بقوله: "وأنتم تبصرون " وقوله: "بل أنتم قوم تجهلون " فالجملة الفعلية فى ~~خبر المبتدأ فى الأول وفى الصفة الموطئة للخبر فى الثانية مسوغ لتقدير معنى ~~السببية لذلك من الواو فى سورة الأعراف إذ الختم فى الآيتين قبل آية الجواب ~~بالجمل الإسمية: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين بل أنتم مسرفون " فليس ~~هذا فى تقدير السببية كالأول فالجواب هنا بالواو وحسن مع جواز الفاء ~~والجواب بالفاء حيث تقدم أقوى لمكان الفعل وكون المعنى عليه فورد على ما ~~يقويه السياق ويشهد له المعنى. # وأما آية العنكبوت فقد تقدم فيها أيضا قوله تعالى: "أئنكم لتأتون الرجال ~~وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر " فهذه جملة فعلية وتقدير معنى ~~السببية فيها كآية النمل، فالجواب فيها بالفاء كما فى آية النمل أولى وأجرى ~~مع المعنى وما يعطيه السياق وجاء كل ذلك على ما يناسب والله أعلم. # الآية الخامسة عشرة من سورة الأعراف # قوله تعالى: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره "وفى سورة هود: "وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ~~مالكم من إله غيره " وفى سورة العنكبوت: "وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا ~~قوم اعبدوا الله "فاختصت آية العنكبوت بالفاء فى قوله "فقال "فيسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه: أنه لم يقع فى سورة العنكبوت من ذكر إرسال الرسل ما بنى على ~~أرسلنا ظاهرا ومقدرا منوطا به ذكر المرسل إليهم بحرف الغاية الذى هو "إلى " ~~غير قوله تعالى: " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه "وقوله: "وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا " وتعلق حرف الغاية فى الأولى بالفعل الظاهر وهو "أرسلنا " وتعلق فى ~~الثانية بأرسلنا المقدر وقد قيل فيما بنى على الأخبار بالإرسال ms236 فى الأولى: ~~"فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " بالفاء فى قوله "فلبث فيهم " فقيل فى ~~الثانية "فقال " بالفاء لتناسب ما ورد فى هذه السورة من ذكر إبراهيم ولوط ~~عليهما السلام فعلى غير البناء على أرسلنا ظاهرا أو مقدرا أو إيصاله إلى ~~المرسل إليهم # # PageV01P211 # بإلى عدل فى ذلك إلى ما يصح فيه تقدير أذكر كقوله: "وابراهيم إذ قال ~~لقومه اعبدوا الله واتقوه " وقوله: "ولوطا إذ قال لقومه " فلما انفردت ~~الآيتان اولا وهما آية إرسال نوح وآية إرسال شعيب لما انفردتا بما ذكر نوسب ~~بينهما فدخلت الفاء فى قوله "فقال " فى قصة شعيب عليه السلام كما دخلت فى ~~قوله "فلبث " فى قصة نوح كما تقدم. # وأما آية الأعراف وآية هود فإنه لما ذكر فى كل واحدة من هاتين السورتين ~~جماعة من الرسل مبينا أخبارهم على وتيلة واحدة من ذكر الرسل والمرسل إليهم ~~وتكرر ذلك بدئ بأول قصة على الاستيفاء فقيل: "لقد أرسلنا نوحا إلى قومه " ~~ثم أوجز بعد فورد بغير الافصاح بلفظ الارسال وبغير الفاء والتحم ذلك وتناسب ~~لاتحاد المقصد فى السورتين والله أعلم. ### | الآية السادسة عشرة قوله تعالى: " تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " # وفى سورة يونس: " ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) " ~~وورد فى أول هذه السورة أيضا: " ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ~~". # فيها أربع سؤالات الأول: ورود الضمير المجرور فى الآية الثانية من سورة ~~يونس وهو قوله "به " وسقوطه مما سواها والثانى قوله "كذلك يطبع الله " فجئ ~~بالاسم الظاهر فى سورة الأعراف بالكفر وفى ثانية يونس بالاعتداء والرابع ~~قوله تعالى فى الأولى فى سورة يونس عدولا عما فى السورتين "كذلك نجزى القوم ~~المجرمين ". # للسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عن الأول: أنه لما ms237 تقدم فى سورة الأعراف قوله تعالى: " وتصدون عن ~~سبيل الله من آمن به " وقوله: "وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به ~~وطائفة لم يؤمنوا " ثم قال بعد: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا " وقع ~~الاكتفاء بما تقدم من قوله "بالذى أرسلت به " والذى أرسل به هو الذى طلب ~~منهم الإيمان به فحصل المقصود فلو قيل أخيرا "به " لكان تكرارا فاقتضى ~~الإيجاز وإحراز البلاغة حذفه لحصوله كما حذف من قوله: # # PageV01P212 # "وطائفة لم يؤمنوا " مع أنه مراد فحذف الموصول وصلته ورابطها إذ التقدير ~~وطائفة لم يؤمنوا بالذى أرسلت به لحصول ذلك مما تقدم وأما قوله فى يونس: ~~"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل " فإنه لما تقدم هنا ما تقدم هناك ~~فلم يكن بد من الإتيان بالضمير ليحصل ما وقع من التكذيب ولترتبط الصلة ~~بالموصول. # والجواب عن الثانى: أن قوله تعالى فى سورة يونس: "كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين " مناسب ومرتبط بما افتتحت به الآية من قوله تعالى: " ثم بعثنا " ~~فأخبر تعلاى بإنعامه على عباده - ممن هداه - بنعمة الرسل إحسانا وامتنانا ~~ولتقوم الحجة على الخلق فقال تعالى: "بعثنا " بإضافة هذا الفعل إلى الكناية ~~العلية وهى ضمير المتكلم فناسب ذلك ما بنى عليه وارتبط به من قوله تعالى: " ~~كذلك نطبع " مراعاة للتناظر والتقابل وأما آية الأعراف فمبنية على مطلعها ~~من قوله تعالى أول الآية: "ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا من قبل " فلم يتقدم ما يطلب بورود الفاعل مضمرا فجاء على ما يجب ~~إذ لا طالب بمناسبة. # والجواب عن الثالث: أن آية الأعراف لما تقدمها قصص قد جرى فيها ذكر مكذبى ~~الأمم أنبياءهم وما ردوا عليهم وخاطبوهم به كقول كفار قوم صالح عليه السلام ~~لمن آمن به منهم: "إنا بالذى آمنتم به كافرون " وقولهم: "ياصالح ائتنا بما ~~تعدنا " وقول الملإ من قوم شعيب لمن آمن منهم: "لئن اتبعتم شهيبا إنكم إذا ~~لخاسرون " إلى ما بعد وما قبل من سئ المجاورة من مكذبى الأمم فحصل من هذه ~~الآى من التعريف ms238 بحال هؤلاء الأمم هذه القصص بذكر غيرهم ممن سلك مسلك من ~~تقدمهم من المذكورين ما ناسبه قوله تعالى عقب جميعها: "كذلك يطبع الله على ~~قلوب الكافرين " وأما آية يونس فلم يتقدم قبلها تفصيل ولا إفصاح بمخاطبة ~~نبى ومواجهته بمثل ما فى آى الأعراف بل ورد ذلك مورد الإجمال فناسبه وصفهم ~~بالاعتداء وإن لم يقع إفصاح بكفرهم مع أنهم كفار وإن ذلك حاصل من مجمل ~~ذكرهم إلا أن جليل مناسبة النظم مقتض ما ورد عليه كل مما فى السورتين وذلك ~~واضح، والله أعلم بما أراد. # والجواب عن السؤال الرابع: أن قوله تعالى: " كذلك نجزى القوم المجرمين " ~~لم يتقدم قبله تفصيل قصص ولا بسط قصة منها بل أوجز معنى ما انطوت عليه تلك ~~القصة فعبر عن ذلك بقوله تعالى: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا " # # PageV01P213 # فناسب هذا الإيجاز ما بنى عليه من قوله: "كذلك نجزى القوم المجرمين " ومن ~~التعبير عن المشار إليهم من المهلكين بالاجرام - وهو أكبر موقعا من ~~الاعتداء - ليطابق وصفهم بالظلم والمراد به تكذيبهم الرسل وكفرهم بما ~~جاؤوهم به، فلم يكن ليطابق ذلك الوصف الاعتداء ولم يوصفوا أيضا بالكفر إذ ~~لم يقع به إفصاح فيما تقدم فكان وصفهم بالإجرام أنسب والله أعلم. ### | الآية السابعة عشرة قوله تعالى: " قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل فى المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون " # وقال فى الشعراء: "قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدائن حاشرين يأتوك ~~بكل سحار عليم فجمع السحرة ". # فى هذا أربع سؤالات: أولها قوله تعالى فى الأعراف: "قال الملأ من قوم ~~فرعون " وفى الشعراء: "قال للملإ من حوله " والثانى قوله فى الشعراء: ~~"بسحره " ولم يثبت ذلك فى الأعراف، والثالث قوله فى الأعراف: "وأرسل " وفى ~~الشعراء: "وابعث " ولارابع قوله فى الأعراف عقب قوله: "يأتوك بكل ساحر عليم ~~". # "وجاء السحرة فرعون " وأعقب ms239 فى السعراء قوله: "يأتوك بكل سحار عليم فجمع ~~السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن ~~كانوا هم الغالبين " وبعد ذلك قيل: "فلما جاء السحرة ". # والجواب عن الأول أنه لا توقف فى أن موسى عليه السلام خاطب فرعون وملأه ~~وأنه أمر بخطابهم وإليهم أرسل قال تعالى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين إلى فرون وملئه " وإنه لما دعاهم لتصديقه والإيمان به جاوب فرعون ~~وجاوب ملأه بقول فرعون: "إن هذا لساحر عليم " إنما قاله لملئه ولمن حضره ثم ~~قال ذلك ملؤه لحاضريهم وبعضهم لبعض وإذا وضح أن ذلك القول صدر من فرعون ~~وقاله أيضا ملؤه بقى السؤال عن جه اختصاص كل سورة بما خصت به؟ # والجواب أنه لما تقدم فى سورة الأعراف قوله تعالى: " ثم بعثنا من بعدهم ~~موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه " فوقع ذكر الملأ مبعوثا إليهم مع فرعون # # PageV01P214 # ناسب ذلك أن يذكروا فى الجواب حتى يكون فى قوة أن لو قيل: بعث إليهم ~~وخوطبوا فقالوا ولم يكن ليناسب "بعث إليهم " فقال: فرعون. # ولما تقدم فى سورة الشعراء قوله: "فأتيا فرعون " ثم جرى ما بعد المحاورة ~~ومراجعة الكلام بين موسى عليه السلام، وفرعون ولم يقع الملأ هنا ناسب ذلك ~~قوله "قال فرعون " لأنه الذى راجع وخوطب فجاء كل على ما يناسب. # فإن قيل: فقد قيل فى الأعراف: "إلى فرعون وملئه " فقد فرعون فهو أعمد من ~~الملأ لأنهم أتباعه وآله فلم لم يبن الجواب على ذلك فيقال "قال فرعون " ~~فالجواب أنه لو قيل: قال فرعون لبقى التشوف إلى تعريفهم قول الملأ وهم قد ~~بعث إليهم وخوطبوا ولابد من تعرف جوابهم وبه يحصل تعرف جوابه هو لأنه اله ~~وتابعوه إنما يتكلمون غالبا بما يريد ويصدر عنه ويبدأ به وقد تبين ذلك فى ~~سورة الشعراء وان فرعون خاطبهم وذلك فى قوله تعالى: " قال للملإ حوله " ~~فجاوبوا فحصل من جوابهم جوابه ولو جاوب هو وسكت ملؤه لأمكن أن يكونوا قد ~~استوضحوا الحق وخالفوا فرعون كما جرى للسحرة وقد كانوا ms240 ناصرين لفرعون ومن ~~معه فجاء جواب الملأ منصوصا وحصل منه جواب متبوعهم ولم يكن ليحصل من جوابه ~~على انفراده وحصلت مناسبة ما تقدم من قوله: "إلى فرعون وملئه ". # فإن قلت ورد فى الشعراء جواب فرعون دون جواب ملئه؟. # فالجواب: أنه قد جاوبوا بعد وذلك أنه لما خاطب فرعون ملأه الأقربين وألقى ~~إليهم ما اعتقده بضلاله فى أمر بنى الله موسى عليه السلام، واستشارتهم ~~بقوله: "فماذا تامرون "وجاوبوه بموافقته العائدة على جميعهم بالخسران ~~المبين بين ذلك قوله تعالى مخبرا عنهم: "قال للملإ حوله " وهذا يوضح أن ~~جوابهم فى الأعراف مبنى على استطلاع ما عنده وسماع ذلك منه كما وضح منه كما ~~وضح هنا، ثم روعى تناسب النظم والتقابل كما تقدم. # فقد تبين أن الوارد فى سورة الأعراف ليناسب ما تقدم فى سورة الشعراء ~~بوجه: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ". # والجواب عن السؤال الثانى: أن زيادة "بسحره " فى الشعراء لأنه من قول ~~فرعون طاغية موسى عليه السلام وهو أحنق عليه من الملأ بجمعهم وأعظمهم بغضا ~~له وكراهة لما جاء به موسى فأكد بقوله "بسحره " طمعا فى صغوهم لقوله ~~والثبات على # # PageV01P215 # مذهبه الشنيع ومرتكبه ورجاء أن يعتقد الملأ من قومه أن آية موسى عليه ~~السلام سحر لا توقف فيها فلم يقنع بقوله لملئه: أنه لساحر عليم وأنه يريد ~~إخراجهم من أرضهم حتى سجل على ذلك وأكده طمعا فى قبول باطله بقوله "بسحره " ~~ولا لم يكن حال الملإ من قومه كحاله فيما ذكر اكتفوا بقولهم لرسولهم وبعضهم ~~لبعض: "إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم " فهذا قول الملإ والذى ~~ثبت فى الشعراء قول فرعون وزيادة "بسحره " لتبين حال الملإ من حال فرعون ~~المتولى كبير الأمور والتناسب بين وكل فى السورتين وارد على ما يجب وقد وضح ~~أن العكس غير مناسب والله أعلم. # ويشهد أن زيادة "بسحره " من فرعون لزيادة حنقه تكرر ذلك من قوله فى سورة ~~طه: "قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى " فأما بعد فى ms241 هذه السورة ~~من قوله سبحانه مخبرا عن الملإ: "قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم ~~من أرضكم بسحرهما " فإنما قالوه بعد تنازع وتعارض فيما بينهم وفرعون فى ~~جملتهم يدل على هذا ما تقدم من قوله تعالى: " فتول فرعون فجمع كيده ثم أتى ~~" وقوله: "فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى " وإنما أسروا نجواهم - بعد ~~تنازعهم فى أعمال المكيدة - فيما حل بهم وفرعون مرجح لرأيهم وأبلغهم ~~احتيالا وكيدا فيما تشاورا فيه فلم يمكنهم فى هذا المجتمع الا القول بما ~~رآه بعد تنازعهم عليه فقالوه بتوقيف منه وهو حاضرهم حال تنازعهم وقولهم ~~لموسى عليه السلام فإذا هو القائل لا الملأ وان الوارد فى الأعراف فقول ~~الملإ إذ لا يقتضى قوله: "قال الملأ من قوم فرعون " أن فرعون هو القائل وان ~~كان كذلك بل الظاهر السابق من هذه العبارة أنه قول الملإ منفردين عن فرعون ~~والتناسب اللفظى هو المطلوب وقد تبين. # والجواب عن السؤال الثالث وهو ورود "وأرسل " فى سورة الأعراف وفى الشعراء ~~"وابعث " فالجواب عنه مبنى على الترتيب الذى استقر عليه المصحف فنقول: "إن ~~أرسل أخص فى باب الارسال من البعث إذ لا يقال أرسل الا فيما كان توجيها فيه ~~معنى الانتقال حقيقة أو مجازا أما بعث فأوسع فإنه يقع بمعنى الارسال وبمعنى ~~الاحياء ومنه البعث الأخراوى ففيه اشترك فلما كان الارسال أخص وقع الاخبار ~~به أولا ثم وقع ثانيا بالبعث تنوعيا للعبارة وعلى الترتيب فى موضع اللفظ ~~المطرد من القرآن ولا يمكن على ما تقرر من ذلك العكس ونظير هذا مما تقدم ~~تبع واتبع ويذبحون ويقتلون وقد مر بيانه والإطراد واضح شاهد فى هذا. # # PageV01P216 # والجواب عن السؤال الرابع وهو ورود قوله تعالى: " وجاء السحرة فرعون " فى ~~الأعراف عقب قوله: "يأتوك بكب ساحر عليم " وتأخير الإخبار بمجيئهم فى ~~الشعراء وورود: "فجمع السحرة ... "الآيات المذكورة فاصلة بين ما اتصل فى ~~الأعراف؟ فاعلم أولا أن كلا من العبارتين لابد منهما فى تحصيل المطلوب إذ ~~جمعهم لا يعطى بهذه العبارة أنهم جاؤوا فرعون ولا مجيئهم فرعون يحصل ms242 منه ~~المعنى الحاصل من قوله: "فجمع السحرة لميقات يوم معلوم " فلابد من ~~العبارتين اجتمع مجموع ذلك فى الشعراء ولم يذكر فى الأعراف جمع السحرة وما ~~بعده فيبقى السؤال عن وجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيهما؟ واختصاص ~~الشعراء بالاستيفاء والجواب عن ذلك أن قوله تعالى: " فجمع السحرة لميقات ~~يوم معلوم " إلى ما اتصل بهذا مما يتضمن معناه فيه إطناب يناسب ما تقدم من ~~ذلك فى محاورة موسى عليه السلام ومكالمته فرعون من لذن قوله تعالى: " وإذ ~~ينادى ربك موسى "الى هذه الآية ولم يقع فى قصصه عليه السلام فى السورة ~~الوارد فيها قصصه من الإطالة فى مراجعة فرعون مثل الوارد هنا فناسبه ما ~~أعقب به مما لم يقع الإخبار فى الأعراف ولما كان الوارد قبل آية الأعراف ~~مبنيا على الإيجاز ويحصل المراد بأوجز كلام، ناسبه إيجاز الآية المذكورة ~~وورد كل من ذلك على ما يجب ويناسب ولا يحسن فيه العكس والله أعلم. # الآية الثامنة عشرة قوله تعالى فى سورة الأعراف: "وجاء السحرة فرعون ~~قالوا أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين " وفى ~~الشعراء: "فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجر إن كنا نحن الغالبين ~~قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين " فيسأل عن زيادة "إذا " فى سورة الشعراء ~~وسقوطها فى سورة الأعراف؟ وتحرير الأعراف فى قوله: "وجاء السحرة فرعون ~~قالوا " بخلاف الوارد فى سورة الشعراء من قوله: "فلما جاء السحرة فرعون ~~قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا "؟ # والجواب عن الأول: أن "إذا " تقع جوابا وجزاء والمعنى فى السورتين مقصود ~~به الجزاء فوقع الاكتفاء فى الأعراف بقوله تعالى "نعم "والمعنى: نعم لكم ما ~~أردتم من الأجر وزيادة التقريب والحظوة ولا شك ان المعنى: إن غلبتم فلكم ~~ذلك فالمعنى على ذلك ثم ورد فى سورة الشعراء مفصحا بالأداة المحرزة له وهى ~~"إذا " ليناسب # # PageV01P217 # بزيادتها ما مضت عليه - أى هذه السورة - من الاستيفاء والإطناب كما تقدم ~~وناسب سقوطها فى الأعراف مقصود الإيجاز فى هذه القصة وقد مر هذا ms243 وعلى ذلك ~~جرى الوارد من قوله فى الأعراف: "وجاء السحرة فرعون قالوا " ويجرى فى مثل ~~هذا كثيرا عطفه بالفاء مناسبا لما يقصد فى الكلام من الارتباط أو بالواو ~~تحكيما للاشتراك كقوله [بياض فى كل النسخ] ونظير الآية فى سقوط حرف ~~التشريك: "وجاؤوا أباهم عشاءا يبكون قالوا يأبانا " ومجرى الإعراب فى الآية ~~أن يكون قوله "قالوا " مقدرا لاستئناف كأن قد قال قائل: لما قال: " وجاء ~~السحرة فرعون "قيل فما فعلوا أو ما قالوا فجووب بهذا المقدر بقوله: "قالوا ~~أئن لنا لأجرا " وهذا الضرب كثير فصيح وموجود حيث يقصد بالإجاز كهذه الآية ~~وأما الوارد فى الشعراء من قوله: "فلما جاء السحرة قالوا " فوارد على مالا ~~يحتاج فيه إلى تقدير وعلى ما هو الأصل فى تركيب مثله من الكلام ومناسب ~~للاطناب المبنى عليه ما قبل الآية وكل على ما يجب والله أعلم. # الآية التاسعة عشرة من الأعراف قوله تعالى: " قالوا ياموسى إما ان تلقى ~~وإما أن نكون نحن الملقين " وفى طه: "قالوا ياموسى إما أن تلقى وإما أن ~~نكون أول من ألقى " وهنا سؤالان: أحدهما أن كلام السحرة وتخييرهم فى ~~الإلقاء على ظاهر السياق كان فى موطن واحد فما وجه الاختلاف ما ورد فى ~~السورتين؟ والثانى ما وجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيها؟ # والجواب عن الأول: أن لا يلزم من الآية أن كلام السحرة هذا كان فى موطن ~~واحد بل لعله كان فى موطنين أو لعله قد تكرر منهم وإن كان فى موطن واحد أو ~~لعل بعضهم قال هذا وقال بعضهم هذا أو لعل المعنى الذى حكى عنهم تعطيه ~~العبارتان وهذا أقرب شئ لما بين اللغات من اختلاف المقاصد عند المواضع ~~الأولى أو قصد الإلهام على الخلاف فى ذلك ومع هذه الاماكانات يسقط الاعتراض ~~رأسا. # والجواب عن السؤال الثانى: أن كل واحدة من الآيتين جرت على وفق فواصل تلك ~~السورة ورؤس آياتها فالعكس لا يناسب بوجه فوجب اختصاص كل سورة بما ورد ~~فيها. # الآية الموفية عشرين قوله تعالى: " قالوا آمنا برب ms244 العالمين رب موسى ~~وهارون " # # PageV01P218 # وكذا فى الشعراء، وورد فى طه: "قالوا آمنا هارن وموسى " هنا كالمتقدمتين ~~الجواب كالجواب من غير فرق. # الآية الحادية والعشرون قوله تعالى: " قال فرعون آمنتك به قبل أن آذن لكم ~~" وقال فى طه والشعراء: "قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ". # هنا سؤالان: أحدهما ظهور اسم فرعون فى آية الأعراف وإضماره فى السورتين ~~والثانى قوله فى الأعراف: "آمنتم به "بجر موسى عليه السلام بالباء وقوله فى ~~طه والشعراء: "فآمنتم له " بجر الضمير باللام والمقصود واحد. # والجواب عن الأول: أنه لما تقدم فى الأعراف قوله: "قال الملأ من قوم ~~فرعون " فعرفت هذه الآية انهم كانوا المتولين للجريمة من تكذيب الآية ورد ~~ما جلء به موسى عليه السلام ولم يجر هنا ذكر لفرعون ولا فيما تلى الآية ~~ويتلوها من المحاورة والمراجعة بين الملإ وأتباعهم إلى قوله: "رب موسى ~~وهارون " فلما لم يقع إفصاح باسمه فى هذه الجملة مع أنه هو القائل على كل ~~حال: "آمنتم به " إخبارا أو استفهاما إنكاريا ناسب هذا أن يفصح باسمه ~~ليرتفع الالتباس وهو امكان أن يكون القائل "آمنتم به " غير فرعون وان بعد ~~ذلك ولو لم يكن لبس البته فإن كونه لم يجر له ذكر مما يقتضى أن ذمر. # ولما تقدم فى سورة طه أمر مويى عليه السلام بإرساله إلى فرعون فى قوله ~~تعالى: " اذهب إلى فرعون أنه طغى "وقوله لموسى وهارون: "اذهبا إلى فرعون ~~أنه طغى " ثم كرر ذلك ثم وقع بعد ذلك سؤال فرعون لهما فى قوله: "فمن ربكما ~~ياموسى " ثم فى قوله: "فما بال القرون الأولى " ثم أن الله تعالى أخبر عنه ~~بقوله: "ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى " ثم أخبر أيضا عنه بقوله: "قال ~~أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى " ثم قال تعالى: "فتول فرعون فجمع ~~كيده ثم أتى " فتكرر ذكر فرعون واسمه ظاهرا ومضمرا ولم يجر لملئه ذكر مفصح ~~به ظاهر البته ولا مضمر سوى الجارى مضمرا فى قوله: "قتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى قالوا " إلى ما بعد ms245 هذا من غير إظهار البته فلتكرر اسم فرعون ~~كثيرا ظاهرا ومضمرا وارتفاع اللبس البته حسن إتيانه مضمرا فى قوله: "قال ~~آمنتم له " إذ ليس الوارد هنا كالوارد فى الأعراف للافتراق من حيث ذكرنا ~~وكذا جرى فى سورة الشعراء # # PageV01P219 # من ترداد ذكر فرعون فى محاورته من أول السورة إلى الآية ولم يجر ذكر ملئه ~~الا مقولا لهم فى قوله: "قال للملإ حوله " فناسب ما ذكر إظهار اسم فرعون فى ~~قوله: "آمنتم له ". # والجواب عن السؤال الثانى: أن الباء فى قوله: "آمنتم به " واللام فى ~~"آمنتم له " محتاج إلى كل واحدة منهما من حيث أن التصديق والانقياد معنيان ~~يحتاج إليهما والباء تحرز التصديق واللام تحرز الانقياد والاذعان فبدئ ~~بالباء المعطية معنى التصديق وهى أخص بالمقصود من اللام فاقتضى الترتيب ~~تقديمها ثم أعقب فى السورتين بعد باللام حتى كأن قد قيل لهم أصدقتموه ~~منقادين له فى دعائه إياكم إلى الإيمان بما جاء من عند الله فحصل المقصود ~~على أكمل ما يمكن والله أعلم. # الآية الثانية والعشرون قوله تعالى: "فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف " وفى سورة الشعراء: "فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~" وفى سورة طه: "فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " للسائل أن يسأل عن زيادة ~~اللام فى قوله فى الشعراء "فلسوف " وسقوطها فى الأعراف؟ وعن سقوط حرف ~~التسويف واللام فى طه جملة؟ فهذان سؤالان. # والجواب عن الأول منهما: أن زيادة اللام فى الشعراء مناسب لما تضمنته من ~~الاستيفاء الجارى فى هذه القصة وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك وذلك أن هذه ~~اللام مقربة من زمان الحال وتحقيق الوقوع ولم يكن تقدم فى الأعراف ولا فى ~~طه ما يحرز هذا المعنى فاستوفته هذه السورة ليناسب ذلك استيفائها لما كان ~~بين موسى عليه السلام وفرعون وهذا مع ما تعطيه من التأكيد وما سوى هذا ~~المعنى فى هذه الآية فلا فرق بين آية الأعراف وآية الشعراء إلى قوله: "من ~~خلاف ". # واما سقوط حرف التسويف فى طه واللام - وهو جواب السؤال الثانى - فللعوض ~~منهما وذلك ms246 العوض هو اللام والنون الشديدة المؤكدة فوله "ولتعلمن "مع أن ~~معنى التسويف قد قدم بمراعاة الترتيب وإذا روعى ذلك وجد تدريج زيادة ~~التأكيد على ترتيب السور فالوعيد الواقع فى آية طه آكد من الذى فى آية ~~الأعراف والذى فى الشعراء آكد من الوارد فى طه وان استوضحت ذلك فهمت وجه ~~تخصيص كل من السور الثلاث بما خصت به. # # PageV01P220 # الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: " ثم لأصلبنكم أجمعين "وفى طه ~~والشعراء "ولأصلبنكم "بالواو والمتوعد به واحد فى الموضعين فيسأل لم لم يكن ~~العطف فيهما بحرف واحد؟ والواو أنسب إذ التوعد بقوله: "لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم " لم يقصد فيه تراخ فى الزمان ولا مهلة فبابه أن ~~يأتى بالواو أو بالفاء إن قصد رعى التعقيب فللسائل أن يقول: لم عدل فى ~~الأعراف إلى ثم. # والجواب أن ثم للتباين والتراهى فى الزمان ويعبر النحويون عن ذلك بالمهلة ~~وتكون للتباين فى الصفات والأحكام وغير ذلك مما يحمل به ما بعدها على ما ~~قبلها من غير قصد مهلة زمانية بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله وأنه لو ~~انفرد لكان كافيا فيما قصد به ومنه قوله تعالى: " فتل كيف قدر ثم قتل كيف ~~قدر "وقوله تعالى: "فلا اقتجم العقبة " ثم عطف بعد قوله: "ثم كان من الذين ~~آمنوا "وقوله تعالى: "وعمل صالحا ثم اهتدى " ولم يقصد فى شئ من هذا ترتيب ~~زمانى بل تعظيم الحال فيما عطف وموقعه وماكنته وتجريك النفوس لاعتباره ولما ~~تقدم فى الأعراف تهويل الواقع من فعل السحرة وموقعه من نفوس الحاضرين ولذلك ~~أنس سبحانه نبيه موسى عليه السلام بقوله: "لا تخف إنك أنت الأعلى "ووقع ~~التعبير غما ذكرنا بقوله: "واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم "فناسبه رعيا لفظيا ~~وتقابلا نظميا تهويل ما توعدهم به فرعون فعطف بثم لتحرز ما قصد فرعون من ~~تعظيم موقع ما توعدهم به ثانيا فى قوله: "لأصلبنكم "عليهم وأيضا فإن فرعون ~~وملأه حين رأوا ما جاءت به السحرة ووقع منهم موقعا أطمعهم وتعلق به رجاؤهم ~~ثم لما وقع ما ms247 أبطله وأوضح كيدهم فيه وباطلهم الخيالى وجد الملأ لذلك ~~واستشعر فرعون ما حل به وبملئه فهول فى توعدهم ومقاله تجلدا وتصبرا أو ~~تعزية لنفسه عما نزل به فأرعد وأبرق فى تهويله ما توعد به السحرة فقال: "ثم ~~لأصلبنكم " فقد تناسب المتقابلان لفظا ومعنى ولما ضم الواقع فى سورة ~~الشعراء لم يحتج إلى هذا الرعى فعطف بالواو ولم يكن على ما تقرر ليمكن ~~العكس والله أعلم. # الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: " قالوا إنا إلى ربنا منقلبون " وفى ~~الشعراء: "قالوا لاضير إنا إلى ربنا منقلبون " للسائل أن يسأل عن زيادة ~~قوله: "لاضير "فى سورة الشعراء ولم يرد ذلك فى الأعراف؟ # # PageV01P221 # والجواب عنه أن قوله "لاضير " مقابل به ما تقدم من قوله: "وقالوا بعزة ~~فرعون "لما اعتقدوه أولا أن له عزة ونسبوها إليه فظنوا أنه يقدر على ما ~~يريده ويستبد بفعله ثم لما وضح لهم الحق ورجعوا عن اعتقادهم وظنوا وعلموا ~~أن القدرة والعزة لله سبحانه وسلموا لخالقهم ولم يبالوا بفرعون وملئه ~~فقالوا "لاضير " أى لا ضرر ولا خوف من فرعون إذ العزة له وحده ولما لم يقع ~~من قولهم فى الأعراف أولا مثل الواقع هنا لم يجيئوا فى الجواب بما جاؤوا ~~هنا فافترق الموضعان وجاء كل على ما يجب والله أعلم. ### | الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: " قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير " # وفى يونس: "قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل ~~إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " # للسائل أن يسأل هنا عن تقديم النفع فى الأعراف وتأخيره فى يونس؟ وعن ~~تعقيب آية الأعراف بقوله: "لو كنت أعمل الغيب ... "الآية وآية يونس بقوله: ~~"لكل أمة أجل "؟ # والجواب عن الأول: أنه لما تقدم سؤالهم عن الساعة وتكرر فى قوله: ~~"يسألونك كأنك حفى عنها "أى عالم بها وكان ظاهر السياق يشير إلى أنهم كانوا ~~يظنون أنه عليه السلام يعلمها فطلبوا تعريفهم بها وأن يخصهم ms248 بذلك ولاشك أن ~~العلم بالشئ نفع لصاحبه فعرفهم أنه لا يملك لنفسه نفعا ولاضرا وتقدم ذكر ~~النفع لأنه مشير إلى ما ظنوه أنه عنده من علمها فأعلمهم أنه سبحانه استأثر ~~بعلمها وأنه عليه السلام لا يملك من ذلك شيئا إلا ما شاء الله له مما عدى ~~علم الساعة لانفراده سبحانه عن خلقه بعلمها، "لا يجليها لقوتها إا هو " ثم ~~تأكد هذا الغرض بقوله تعالى على لسان بيه عليه السلام: "ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير " وهذا كله بين التناسب. # وأما تأخير ما تقدم فى الأعراف فى سورة يونس وهو قوله: "قل لا أملك لنفسى ~~ضرا ولانفعا " فقدم الضر فللمتقدم قبله من قوله: "ويقولون متى هذا الوعد " ~~فطلبوا تعجيل العذاب استهانة وتكذيبا ولم يعلموا ما فى مطالبهم من المحنة ~~والمضرة العاجلة فقال لهم عليه السلام بأمر الله تعالى إنى لا أملك الضر ~~ولا النفع لنفسى ولا لكم فلا تستعجلونى ذلك فليس بيدى فقدم الضر لأجل ما ~~تقدم من # # PageV01P222 # طلبهم إياه وأخبروا أن لكل أمة أجلا لما شاءه الله وقدره لهم: "إذا جاء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " فقد وضح وجه التقديم والتأخير فى ~~الضر والنفع وتوجيه التعقيب بما أعقب كل من الآيتين. # الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم " وفى سورة حم السجدة [فصلت]: "وإما ينزغنك من الشيطان ~~نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم " فوردت الصفتان فى سورة الأعراف ~~على طريقة التنكير ووردتا فى السورة الأخرى معرفتين وزيد قبلهما الضمير ~~الواقع فصلا فقيل: "إنه هو " وللسائل أن يسأل عن وجه التعريف والتنكير؟ وعن ~~زيادة الضمير؟ # والجواب عن السؤالين: أن سورة الأعراف تقدم فيها قبل الآية وصف آلهتهم ~~المنحوتة من الحجارة والخشب التى وبخوا بعبادتها فى قوله فى موضع آخر: ~~"أتعبدون ما تنحتون " فوصفت هنا بأنها لا تخلق شيئا ولا يستطيعون لهم نصرا ~~"وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون " فنفى ~~عنهم القدرة والسمع والبصر وآلة ms249 المشى وآلة البطش بقوله: "ألهم أجل يمشون ~~بها أم لهم أيد يبطشون بها " ولم يتقدم هنا ما يوهم أدنى شئ يلحقها بشبه ~~الأحياء فضلا عما فوق ذلك فورد الصفتان بقوله: "سميع عليم " موردا لم ~~يتقدمه ما يوهم صلاحية شئ من ذلك لغيره تعالى مما عبدوه من دونه مما قصد ~~هنا ولا ذكر دعوى شئ من ذلك من مدع فيستدعى ذلك التوهم مفهوما ينفيه فجاء ~~على ما يجب. # أما آية الأعراف فتقدم قبلها قوله تعالى: " ولكن ظننتم أن الله لا يعلم ~~كثيرا مما تعلمون " وقوله تعالى: "وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم " وقوله تعالى: "أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس " فحصل ~~من هذا أن مضليهم إنما كانوا من عالم الإنس والجن وكلا الصنفين موصوف ~~بالسمع والبصر وممن ينسب إليه علم بخلاف المقدم ذكر فى الأعرفا فلما تقدم ~~فى سورة السجدة من يظن منه الغنى ويمكن منه أن يسمع ويبصر ويعلم ناسبه ~~التعريف فى الصفة ليعطى بالمفهوم نفى ذلك عن غير الموصوف بهما تعالى ثم أكد ~~ذلك بضمير الفصل المقتضى التخصيص فقوى المفهوم المسمى عند كثير من ~~الأصوليين # # PageV01P223 # بدليل الخطاب فصار الكلام فى قوم أن لو قيل: الله هو السمبع العليم لا ~~غيره وأحرز الفصل بالضمير هذا المعنى مع إعطاء المفهوم إياه ولم يكن ورود ~~ما فى سورة الأعراف من التنكير ليناسب الوارد متقدما فى سورة السجدة ولا ~~التعريف الوارد فى الصفتين العليتين فى سورة السجدة ليناسب ما تقدم آية ~~الأعراف فجاء كل على ما يناسب والله أعلم. # PageV01P224 ### | سورة الأنفال # قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض " وفى سورة براءة: "الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " ~~فتقدم فى آية براءة قوله: "فى سبيل الله " على قوله: "بأموالهم وأنفسهم " ~~وفى الأنفال عكس ذلك فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك وخصوص كل من السورتين بما ~~خصت به؟ # والجواب عن ذلك أن ms250 آية الأنفال مقصود فيها مع المدحة تعظيم الواقع منهم ~~من الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس وتغبيطهم بما من الله عليهم ~~به من ذلك وتفخيم فعلهم الموجب لموالاة بعضهم بعضا فقدم ذكر الأموال ~~والأنفس تبيها معرفا بموقع ذلك من النفوس وأنهم بادروا بها على حبها وشح ~~الطباع بها كقوله: "وآتى المال على حبه "وليس تأخير هذا المجرور كتقديمه ~~لأنه إنما يقدم حيث يقصد اعتناء وتخصيص وتنبيه على موقعه ومن نحو هذا قوله ~~تعالى: " ولم يكن له كفوا أحد " وقد تقدم هنا فإنما قدم هذا تغبيطا لهم ~~وإعظاما لفعلهم. # أما آية براءة فتعريف بأمر قد وقع مبنى على التعريف بالمفاضلة بين سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام وبين من آمن وهاجر وجاهد فى سبيل الله بماله ~~ونفسه بقصد رد من ظن أن السقاية وعمارة المسجد الحرام أفضل وعرف أن الإيمان ~~وما ذكر معه أعظم درجة عند الله فلم يعرض هنا داع إلى تقديم ما قدم فى ~~الأخرى فتمخضت فضيلة ذلك المجرور هنا فأخر. # وقد نص سيبويه رحمه الله على أن المجرور إنما يقدم حيث يكون مستقرا ويعنى ~~بذلك الخبر نحو: عندك مال "ولكم فى الأرض مستقر " والقصد تخصيص كناية ~~الإخلاص والتخصيص مقصود فى آية الأنفال ولم يقصد ذلك فى براءة ولا وقع ~~المجرور فيها خبرا فوجب بمقتضى اللسان أن يقدم فى آية الأنفال قوله: ~~"بأموالهم وأنفسهم " ويؤخر فى سورة براءة وقد وقع فى كل زاحدة من الآيتين ~~فى كل من السورتين ما استدعى اتصال ما بعده به ولم يكن ايناسب لورود العكس ~~فوضح وجه تخصيص الواقع فى كل من السورتين بموضعه والله أعلم. # # PageV01P225 ### | سورة التوبة # قوله تعالى: وهى أول آية من متشابه هذه السورة -: "ويتوب الله على من ~~يشاء والله عليم حكيم " وفيما بعد: "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ~~والله غفرو رحيم " فاستوت الآيتان فى إعلامه تعالى نبيه والؤمنين أنه يتوب ~~على من يشاء وفى ختم الآيتين بصفتين من صفاته سبحانه ثم اختلفت الصفتان ~~فقيل فى الأولى "عليم حكيم ms251 " وفى الثانية "غفور رحيم "؟ # ووجه ذلك والله أعلم أن الآية الأولى أعقب بها ما تقدمها متصلا بها من ~~الآى فى كفار مكة وفعلهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ~~التضييق والاحراج وبدئهم بالقتال يوم بدر ونقضهم العهد فى قصة خزاعة فى صلح ~~الحديبة وهذا كله مبسوط فى كتب السير والتفسير فأمر الله تعالى بقتالهم ~~وخزيهم والنصر عليهم وشفاء صدور من آمن من خزاعة وغيرهم ممن آذوه قال ~~تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صور قوم ~~مؤمنين " ثم قال تعالى: "ويتوب الله على ما يشاء " كأبى سفيان ابن حرب ~~وعكرمة بن أبى جهل إلى من أسلم منهم بعد ما صدر من اجتهادهم فى الاذاية ~~والصد عن سبيل الله ثم قال "والله عليم حكيم " أى بما فى القتال وفى طى ما ~~جرى من ذلك كله بتقديره السابق أولا إذ لا تترحك ذرة إلا بإذنه وتقدم علمه ~~أولا وما فى ذلك من الحكمة وختم أفعالهم السيئة بالأوبئة والرجوع إليه ~~سبحانه بسابق سعادة لمن شاهدها له منهم فهذا وجه النظم والتناسب فيه واضح. # وأما الآية الثانية فسببها - والله أعلم - ما جرى يوم حنين من تولى الناس ~~مدبرين حين ابتلوا بإعجابهم بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئا ولم يثبت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك اليوم أحد إذ لم يبرح عليه السلام من مكانه ~~فلم يثبت معه إلا القليل من العدد القليل فنادى العباس رضى الله عنه بآل ~~الانصالر فاستجاب ناس وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ومكن نبيه ~~والمسلمين أعدائهم والقصة معروفة فختمت هذه الآى بقوله تعالى: "والله غفور ~~رحيم " تأنيسا لمن فر من # # PageV01P226 # المسلمين فى ذلك اليوم وبشارة لهم بتوبة الله عليهم وإن ما وقع منهم من ~~الفرار مغفور لهم رحمة من الله سبحانه فجاء كل هذا على ما يناسب ولا يلائم ~~خلافه والله أعلم. # الآية الثانية قوله تعالى: " والله لا يهدى القوم الظالمين " وورد بعد ~~هذا بآيات "والله لايهدى القوم الفاسقين " وبعد الحزب ms252 الأول من هذه السورة: ~~"والله لا يهدى القوم الكافرين " وفى ذكر المنافقين من هذه السورة: "والله ~~لا يهدى القوم الفاسقين " للسائل أن يسأل عن وجه افتراق أوصاف المذكورين فى ~~هذه الآى بالظلم والفسق والكفر؟ وهل ذلك لداع من المعنى؟ # والجواب أن كل وصف منها إنما جرى على ما تقدمه لداع مناسب من المعنى أما ~~الآية الأولى فإن قبلها قوله تعالى: " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله ~~" وهؤلاء المقول لهم: "أجعلتم " إنما هم كفار قريش ممن ظلم نفسه بالتقصير ~~فى النظر وظن أن عمله من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كاف مخلص عند ~~الله وأن المؤمن بالله واليوم الآخر المجاهد فى سبيل الله ليس بأفضل حالا ~~وعملا منه فرد الله مقالهم وقيل لهم: "لا ستوون عند الله " ومن ظن ذلك كما ~~ظننتم فظالم لنفسه من حيث قصر فى نظره مع تنبيهه على النظر فى وجه مابه ~~خلاصه: "والله لايهدى القوم الظالمين " وهم الذين سبق فى علم الله أنهم لا ~~يؤمنون بظلمهم أنفسهم ". # وأما الآية الثانية فكف ومنع للمؤمنين عن ارتكاب ماليس من شأنهم ألا ترى ~~أن قبلها: "يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء " فنهوا عن ~~موالاة من ذكر من آباءهم وإخوانهم إذا كانوا مؤثرين للكفر مستحبيه على ~~الإيمان ثم قيل لهم: "ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون " ثم أعقب بقوله: ~~"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم " أى إن آثرتم ما ذكر وكان ~~أحب إليكم "من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره " ~~أى أنكم إذا أنصفتم بهذا فقد خرجتم عن دينكم وفارقتم إيمانكم ولحقتم بمن ~~كفر بعد إيمانه "والله لا يهدى القوم الفاسقين " والفاسق الخارج. # وأما الآية الثالثة فقبلها قوله تعالى: " إنما النسئ زيادة فى الكفر يضل ~~به الذين كفروا "، ثم ذكر مرتكبهم فيه وتزيين ذلك لهم ولما قدر لهم من ~~تماديهم ms253 فى # # PageV01P227 # كفرهم فقال: "زين لهم سزء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين " فوسموا ~~أولا بالكفر فقيل: "يضل به الذين كفروا " إذ لم يكن تقدم لهم إيمان ثم ~~خرجوا عنه بل كانت حالهم التمادى على كفرهم الذى لم يتقدمه إيمان ولما ذكر ~~بعض ما حملهم عليه كفرهم وأنه من سوء أعمالهم ومما زينه الشيطان لهم قال ~~تعالى: "ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ~~" الآيات فوصفوا بالتظاهر بالاسلام ثم خرجوا عنه بشنيع كفرهم وقبيح ~~مرتكباتهم ووصفهم تعالى بأنهم "يلمزون المطوعين من المؤمنين " ومن لا يجد ~~إلا جهده إلى قوله: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله " ثم قال: "والله لا ~~يهدى القوم الفاسقين " فلخروجهم ومفارقتهم ما قد كانوا تظاهروا به من ~~الإسلام وصفوا بالفسق الذى هو الخروج والمفارقة من قولهم فسق الرطبة إذا ~~خرجت من قشرها قال تعالى: "إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " فقد ~~وضح فى كل آية من هذه أن ما انجر فيها من وسم من أريد بها وجرى ذكره قبلها ~~يقتضى ورود ذلك الوصف على ما ورد عليه وأنه لا يلائم كل آية منها إلا ما ~~أعقبت به والله أعلم. ### | الآية الثالثة قوله تعالى: " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " # وفى سورة الصف: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون " ومعنى الآيتين فى السورتين واحد وقد زادت آية براءة على آية ~~الصف عشرة أحرف صورا فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب عنه والله أعلم: أن زيادة آية براءة مقابل بها ما ورد من الطول ~~فى المحكى فى هذه السورة من قول الطائفتين من اليهود والنصارى قال تعالى ~~حاكيا عنهم: "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله " ~~فوقع فى المحكى هنا طول اقتضى ما بنى جوابا عليه ليتناسب. # وأما آية الصف فمقابل بها قول عيسى عليه السلام لما قال لهم: "يا بنى ~~إسرائيل إنى رسول الله ms254 إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول ~~يأتى من بعدى اسمه أحمد " ثم قال تعالى: "فلما جاءهم البينات قالوا هذا سحر ~~مبين " وإنما الجواب على المحكى من قولهم خاصة وهو قولهم: "هذا سحر مبين " ~~وليس هذا فى الطول وعدة الكلم المحكى فى سورة براءة ألا ترى أن الواقع فى ~~سورة براءة ست كلمات وفى الصف ثلاث كلمات ثم إن الواقع فى سورة براءة مقال ~~طائفتين منهم اليهود # # PageV01P228 # والنصارى مفصحا به والواقع فى الصف مقالة طائفة واحدة وهذا مراعى فقد وضح ~~ورود كل من الآيتين مناسبا لما اتصل به وعلى ما يجب فى السورتين والله أعلم ~~بما أراد. # الآية الرابعة: قوله تعالى: " والله يعلم إنهم لكاذبون " وفيما بعد من ~~هذه السورة: "والله يشهد إنهم لكاذبون " وكذا فى سورتى الحشر والنافقين ~~فورد فى الأولى: "يعلم " وفى البواقى "يشهد " مع أن المقصود فى الأربع آيات ~~واحد وهو أنه سبحانه عليم بما يخفونه أو يظهرونه من أعمالهم فللسائل أن ~~يسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب والله أعلم: أن الاستطاعة وعدمها حكم لا يطلع عليه فى الغالب بل ~~ينفرد كل بحاله فى ذلك إلا أن يعلم ذلك بقرينة فقول المنافقين فى إخبار ~~الله تعالى عنهم: "لو استطعنا لخرجنا معكم " غير مشاهد من ظاهرهم فقد كان ~~يمكن صدقهم أو صدق بعضهم لولا أنه سبحانه أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بحالهم وما يكون من اعتذارهم قبل أن يقع منهم وبتقاسعهم عن الخروج فقال ~~تعالى: "لو كان عرضا قريبا قاصدا لأتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم " فأعلم تعالى بما يكون منهم قبل أن يكون ~~وذلك غيب وأعلم بوجه تقاسعهم وتثبطهم ثم أعلم بكذبهم فقال: "والله يعلم ~~إنهم لكاذبون " فحصل العلم بحالهم بإخباره تعالى ثم تكاثرت الشواهد عنهم. # فلما كان حال الاستطاعة على ما ذكرنا من الخفاء حتى لا يطلع عليها ناسب ~~ذلك التعريف عن اطلاعه تعالى على ما أخفوه من حالهم بالعلم فقال سبحانه: ~~"والله يعلم إنهم لكاذبون "ولا يناسب غيره. ms255 # أما الآية الثانية فهى فى أهل مسجد الضرار وأمرهم مما قد كانوا تواطئوا ~~عليه ولم يخف حال بعضهم عن بعض وذلك بخلاف حال الاستطاعة وما يمكن فيها من ~~الخفاء فكان هذا مما يرجع إلى حكم الظهور والشهادة فكان ورود قوله تعالى ~~هنا: "والله يشهد " أنسب وكذا الحكم فى آية الحشر لبنائها على قوله تعالى: ~~" ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم " إلى آخر الآية وكل هذا قول مشاهد معلوم مدرك بحاسة السمع وما ~~وعدوا به إخوانهم من نصرتهم والخروج معهم أن خرجوا كل # # PageV01P229 # ذلك مما كنا يشاهد لو وقع وليس شئ من ذلك كالاستطاعة فى خفائها وغيابها ~~فناسب هذا قوله تعالى: " والله يشهد إنهم لكاذبون " الوارد فى سورة ~~المنافقين لأن قولهم: "نشهد إنك لرسول الله " قول مدرك بالسمع مع أن هذه ~~الآية قولهم نشهد فطابق هذا وناسبه قوله: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ~~" وجاء كل من هذه الآى على ما يجب ويناسب والله أعلم. # الآية الخامسة قوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم ~~كارهون " وفيما بعد من هذه السورة: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا ~~يهدى القوم الفاسقين " وبعد هذه الآية: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " للسائل أن يسأل ~~عن زيادة الباء فى قوله "وبرسوله " ولم تزد فى الآيتين بعد والظاهر من بعد ~~ما يسأل فيه لأنها مقاصد مختلفة؟ # والجواب: أنك إذا قلت مثلا المانع من تقريب زيد نفاقه فإنك لم تزد على أن ~~أخبرت عن علة منع تقريب زيد شيئا فإذا قلت أن المانع من تقريب زيد نفاقه ~~فقد زدت على الاخبار بالمانع من تقريب زيد أنه نفاقه وإن قلت إنما المانع ~~من تقريب زيد نفاقه فقد حصرت المانع من التقريب فى النفاق وأكدت ذلك تأكيدا ~~أكثر من الحاصل بإن ولذا اتفق ms256 الأصوليون على قوم المفهوم الحاصل من قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق " ولم يتفقوا فى المفهوم الحاصل ~~من قوله عليه الصلاة والسلام: "فى سائمة الغنم بالزكاة " وذلك بسبب ما ~~تقتضيه إنما من معنى الحصر وقد جرده بعضهم عن المفهومات وجعله دليلا برأسه ~~لقوته وأبى أن يجعل هذا من دليل الخطاب وفى معنى قوله: "إنما الولاء لمن ~~أعتق " وفى قوم قولك: "ما الولاء إلا لمن أعتق " فإن معناه حصر الولاء فى ~~المعتق وأنه لا ولاء لغيره ومن هذا قوله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء " أى ما يخشاه تعالى حق الخشية إلا العلماء وقال تعالى: "إن هو إلا ~~وحى يوحى " فنزه سبحانه نطق نبيه عن أن يكون غير وحى وليس قولك فى الكلام: ~~هو وحى فى قوة قولك: إنه وحى يوحى لما زدت من التأكيد بإن ولا قولك: إنه ~~يوحى فى قوة الاخبار القرآنى من قوله تعالى: " إن هو إلا وحى يوحى " لما ~~بين قبل. # فإذا وضح هذا فقوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم ~~كفروا # # PageV01P230 # بالله وبرسوله " وقد ورد على أبلغ وجوه التأكيد وحصل حصر المانع من ~~القبول فى كفرهم وأنه لو لم يكن الكفر لكان القبول فناسب هذا التأكيد الذى ~~بلغ به الغاية زيادة الباء فى قوله "وبرسوله " لإعطائها معنى التأكيد ~~وإحرازها إياه. # ولما لم يكن هذا التأكيد الحصرى واقعا فى الآيتين بعد وإنما وكد فيها بأن ~~قال تعالى: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله " وقال تعالى: "إنهم كفروا بالله ~~ورسوله " فلم يبلغ بهذا الاخبار مع تأكيده وقوته مبلغ الأول لم تلحقه الباء ~~وجاء كل على ما يجب والله أعلم بما # أراد. # الآية السادسة من سورة براءة قوله تعالى فى المنافقين: "ولا ينفقون إلا ~~وهم كارهون فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم فى ~~الحياة الدنيا " وقال فيما بعد: "ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها فى الدنيا " فحملت الآية الأولى على ما قبلها بالفاء ~~والصانية بالواو وزيدت ms257 لا النافية فى الأولى وسقطت من الثانية وقيل فى ~~الأولى "ليعذبهم " وفى الثانية "أن يعذبهم " وقال فى الأولى "فى الحياة ~~الدنيا " واكتفى بالوصف فى الثانية فقيل "فى الدنيا " فتلك أربع سؤالات. # والجواب عن الأول: أنه لما وصف تعالى أقوال المنافقين فى كفرهم وشتى ~~مرتكباتهم وقرر ما هم عليه فى آيات إلى قوله: " وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفاقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون " فلما عرف بأحوالهم قال لنبيه عليه السلام: "فلا ~~تعجبك أموالهم " وكان الكلام فى قوم أن لو قيل: إذا عرفت أحوالهم فلا تغتر ~~بما لديهم فتظن أن ما مكناهم فيه ومنحناهم إياه من مال وولد إحسان عجلناه ~~لهم "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا ~~يشعرون "، "وإنما نملى لهم ليزدادوا إثما " فالكلام فى قوة الشرط والجزاء ~~فكان موضع الفاء. # أما قوله فى الآية الأخرى: "ولا تعجبك أموالهم وأولادهم " فمنسوق على ~~قوله: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون ولا تعجبك أموالهم وأولادهم " وكل هذا نهى له صلى ~~الله عليه وسلم أن يفعله وليس كالأولى فى أن ذكر مرتكباتهم ما بنى نهيه ~~عليه السلام عليه فيتصور فيه معنى شرط وجزاء فلا مخل للفاء هنا ولا هو ~~موضعها. # # PageV01P231 # والجواب عن الثانى: أن الآية الأولى مقصود فيها من التأكيد ما لم يقصد فى ~~الثانية لما قيل له عليه السلام: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله " وذكر له من قبح مرتكباتهم أشنعها أكد نهيه عليه ~~السلام عن أن يلتفت إليهم تنزيها لقدره العلى عن الصغو إلى ما حاصله إملاء ~~ولأهله فى الحقيقة استدراج وعناء فدخلت لا النافية تأكيدا يناسب هذا القصد ~~ولما لم يكن فى الآية الأخرى اشتراط وجزاء يقتضى التأكيد فلم تخل لا فجاء ~~كل على ما يجب ويناسب. # والجواب عن السؤال الثالث: أن قوله فى الآية الأولى: ms258 "إنما يريد الله ~~ليعذبهم " بلام كى مناسب لما فى الآية من التأكيد إذ لا تقتضى تراخيا فناسب ~~هذا ما ذكر من التأكيد أما قوله فى الآية الثانية: "إنما يريد الله ~~أنيعذبهم " فيقتضى أن التأكيد لما لم يبلغ فى هذه الثانية مبلغ الأولى بما ~~تقدم فيها أشعرت أن بما فيها من التراخى فأن هذه ليست من التأكيد فى نمط ~~الأولى وهذا رعى مناسبة لفظية إذ الاخبار بحالهم واحد فى الآيتين من غير ~~فرق. # فإن قيل فإن لام كى فى قوله تعالى: " ليعذبهم " تقدر بعدها أن على قول ~~الجمهور فقد تساوت الآيتان قلت ليس المعنى مع تقديرها هو المعنى مع ظهورها ~~بل لظهورها حكم لا يكون فى تقديرها وقد نص سيبويه رحمه الله على ذلك فى باب ~~الجواب بالفاء من كتابه أنه كلام العرب فتبين أن قوله تعالى: " ليعذبهم " ~~ليس كقوله: "أن يعذبهم " فيما يعطيه ظهور أن من التراخى والله أعلم. # والجواب عن السؤال الرابع: أن قوله "فى الحياة الدنيا " فى الآية الأولى ~~بالجمع بين الصفة والموصوف مناسب أيضا وملائم أوضح ملاءمة للتأكيد الجارى ~~فيها، أما الآية الأخرى فلا تأكيد فيها فناسب ذلك الاكتفاء بقوله: "فى ~~الدنيا " وجاء الكل على ما يجب ويناسب. # الآية السابعة من سورة براءة قوله سبحانه وتعالى: "وإذا أنزلت سورة أن ~~آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " وقال ~~بعدها: "إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون " فيهما سؤالان: قوله فى ~~الأولى "وطبع على قلوبهم " ببناء الفعل للمفعول مكتفى به، وفى الثانية ~~"وطبع الله " ببناء الفعل على # # PageV01P232 # الأصل؟ والثانى قوله فى الأولى "فهم لا يفقهون " وفى الثانية "فهم لا ~~يعلمون ". # والجواب عن الأول: أن مطلع الآية قبلها قوله تعالى: " وإذا أنزلت سورة " ~~على بناء الفعل للمفعول فجاء قوله "وطبع على قلوبهم " على ذلك ونوسب بختام ~~هذه الآية بداءة ms259 ما قبلها وأما الثانية فلم يقع قبلها فعل بنى للمفعول وقد ~~ذكر الفاعل فيها فجرى الكلام على ما يجب فقيل "وطبع الله على قلوبهم ". # والجواب عن الثانى: أن قوله "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله " لما اجتمع ذكر إنزال السورة والاشارة إلى ذكر المراد بها بقوله: ~~"أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله " استدعى ذلك نظر من بلغه هذا المنزل ~~واعتباره وتفهم المقصود به إلى الكمال ليقع الامتثال على وجهه فلما تراموا ~~إلى الخلود إلى الراحة وترك الجهاد الذى تحملت الآية الأمر به ناسب ذلك أن ~~ينفى عنه الفهم والتدبر فقيل: "وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " والتفقه ~~التفكر والاعتبار ولما لم يقع فى الآية بعد ذكر تديره وتفهمه لقرب المعنى ~~المراد منه وذلك قوله: "إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء " صرف ~~النفى إلى الحاصل على التفهم وهو العلم فقيل: "وطبع الله على قلوبهم فهم لا ~~يعلمون ". # الآية الثامنة من هذه السورة قوله تعالى: " قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " وقال بعد هذا: "وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة. .. "الآية فيها ~~أربع سؤالات: الأول: قوله فى الأولى "وسيرى الله عملكم " بواو النسق ولم ~~يرد فيها "والمؤمنون " وقال فيها "ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة " وقال ~~فى الثانية "فسيرى الله " بفاء التعقيب وفيها "والمؤمنون " ولم يقل فى ~~الأولى "والمؤمنون " وقال "وستردون " بالواو وفى الأولى "ثم تردون ". # فاختلفت الآيتان فى ثلاثة مواضع فيسأل عنها وهل كان يصح وقوع الأولى فى ~~موضع الثانية؟ والثانية فى موضع الأولى؟ وكل منهما على ما بنى؟ فهذه أربعة ~~أسئلة. # والجواب عنها على الجملة أن الآية الأولى فى المنافقين لم يخالطهم سواهم ~~والثانية فى طائفة من المؤمنين كان فيهم تقصير ولهم إيمان فأنسوا وقوى ~~رجاؤهم قال الطبرى: "هى فيمن تاب من المخلفين " قلت ويشهد لهذا ما اتصل ~~بالآية مما قبلها ms260 والواقع # # PageV01P233 # قبل الأولى من قوله: "قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم " أى لستم صادقين فى ~~اعتذاركم ثم قال: "قد نبأنا الله من أخباركم " أى قد أطلعنا على نفاقكم ~~وسوء سرائركم ثم قال: "وسيرى الله عملكم ورسوله " وهذا تهديد عطف على مثله ~~وقصد تعريفهم بالمجموع مما استوجبوا به المقت ولم يعطف بالفاء إذ ليس ما ~~تعطيه من المعنى مقصودا هناا ولم يقل هنا والمؤمنون إذ النفاق عمل يخفيه ~~المنافق فلا يطلع عليه إلا الله سبحانه وقد يطلع عليه رسوله ومن شاء من ~~عباده وإنما كانوا يتظاهرون بخلاف ما يبطنون ثم قال "ثم تردون " فعطف ردهم ~~إلى الله بثم المعطية مع مهلة الزمان هنا تفاوتا فى التهديد والوعيد ولم ~~تكن الواو لتعطى هذا المعنى وتحرزه وقد بينت المواضع الثلاثة التى خالفت ~~فيها هذه الآية الآية التى بعدها. # وأما الثانية فهى فى المتخلفين عن غزوة تبوك قال الطبرى: "فيمن تاب منهم ~~" كما تقدم وقد وقع قبلها قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " ثم قال: "خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم " فأمره سبحانه بأخذ زكواتهم وأخبره أنها ~~تطير لهم وتزكية وأمره أن يدعوا لهم بقوله: "وصل عليهم " ثم زادهم تأنيسا ~~بقوله: "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ". # فإن قيل إنك قد عضدت هذا المأخذ فى هذه الآية لما اتصل بها من قوله: "خذ ~~من أموالهم " وهذه الآية مطلقة يراد بها جميع من امر بالزكاة وهم المؤمنون ~~ولم تختص بأهل تبوك ولا غيرهم قات إنما دليلى فى اتصال بالآية عقبها ~~المتكلم فيها وفى اتصالها بها بل تحصل الشهادة ويعتضد المراد ويلتئم النظم ~~لأن من كان مقصودا بالآية الثانية وهى قوله: "قل اعملوا " على ما تمهد من ~~جملة المؤمنين المخاطبين بالزكاة فالمعنى ومقتضى النظم وجلالة التركيب ~~وتناسب السياق تحصل الشهادة فنقول قال تعالى: "وقل اعملوا " والمراد بالدأب ~~على أعمال البر ما سلف من تقصيرهم ونظير هذا ما وقع عقب ms261 قوله تعالى: " قل ~~يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ... "الآية ثم ~~قال تعالى: "وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب " فليس ~~قوله: "وقل اعملوا " وإن كان قد يبدو منه تهديد كالواقع فى الآية قبل إنما ~~هو فى الحقيقة أمر بالعمل المرجو محوه لما سلف من تقصير وتهذيد لمن لم يتب. # وقوله: "فسيرى الله عملكم " جواب للأمر من قوله: "اعملوا " فالفاء فاء ~~جواب # # PageV01P234 # وكأن قد قيل تأنيسا لهم: اعملوا فلن يضيع عملكم، وقيل هنا "والمؤمنون " ~~لأن الاعمال الاسلامية يشاهدها المسلمون بعضهم من بعض كالصلاة والزكاة ~~والحج وغير ذلك من الأعمال فيرى المسلمون ما تظوهر به من هذه الأعمال ~~ويشهدون لما وراءها مما يرجع إلى قبيل الإيمان من الاعتقادات القلبية وما ~~يرجع اليها قال عليه السلام: "إذا رأيتم الرجل يشهد المسجد فاشهدوا له ~~بالايمان " وقال تعالى: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ... "الآية ~~فلهذا قيل فى هذه الآية "والمؤمنون " ولم يقل ذلك فى أعملا المنافقين لأنها ~~مما لا يتظاهرون بها للمؤمنين وهذا مما يعضد قول الطبرى: أن هذه الآية فى ~~التائبين من المتخلفين " لأن أعمال المنافقين قل ما يتظاهرون بها للمؤمنين ~~إنما يبدونها إخواهم قال تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا الى # شياطينهم قالوا إنا معكم ". # وقال تعالى: "وإذا جاؤوك قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " ~~وقال تعالى: "يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك " فإنما يشاهده المؤمنون ويرو ~~ما يتظاهر به من الأعمال وفى هذا يشاركون نبيهم عليه السلام فى رويته فتلك ~~أعمال المسلمين لا أعمال المنافقين فقوله: "فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون " على هذه الصفة من التشريك بينهم وبين نبيهم عليه السلام فى ~~رؤيته إنما هى أعمال الطاعة فهى التى تشاهد ويشاهد التفوت فيها بين المحافظ ~~والمقصر ألا ترى قوله تعالى فى الآية الأولى: "قد نبأنا الله من أخباركم " ~~فإنما نبأهم سبحانه وتعالى بما لم يشاهدوه ولا رأوه من مضمرات المنافقين ~~ولما كان وصول المؤمنين ms262 إلى تعرف ذلك باخبار الله تعالى من غير رؤية من ~~المؤمنين لذلك ما قال تعالى: "وسيرى الله عملكم ورسوله " ولم يقل هنا ~~"والمؤمنون " لأنهم لم يحصل لهم شئ من أخبار المنافقين إلا بإنباء الله ~~تعالى لا بإدراك رؤيته. # أما الآية الثانية فقيل فيها "المؤمنون " لأن الواقع من هؤلاء - والله ~~أعلم - أعمال مرئية كما قدمنا فشهد هذا السياق - والله أعلم - أن الآية ~~الأولى فى المنافقين المستمرين على نفاقهم وان الثانية فى التائبين بعد على ~~أعمال محمودة تشاهد وترى هذا حاصل قول الطبرى وان قلنا بما قال أبو محمد بن ~~عطية ورغم أنه الظاهر من أن الماد بقوله "وقل اعملوا ... "الآية المعتدون ~~الذين لم يتوبوا المتوعدون المعنيون بقوله: "ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم " فيعارضنا اتصالها بما اتصلت به وأما على قول الطبرى فلا اشكال ~~وهة أظهر، والله أعلم بما أراد. # وقد استمر كلام من وقفنا على كلامه من المفسرين على عبور الموضع دون # # PageV01P235 # نزول للاعتبار وهو من المواضع التى يجب أن يتعرض لها وقد جرى فيها كلام ~~الزمخشرى على مقتضى قول الطبرى من غير تعرض لذلك وهو ظاهر والله أعلم. # الآية التاسعة: قوله تعالى: "إن إبراهيم لأواه حليم " وفى سورة هود: "إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب " فتقدم فى الأولى الوصف بأواه على حليم وتأخر فى ~~الثانية وتقدم فيها وصفه بحليم. # ووجه ذلك والله أعلم ان الأواه الكثير التأوه وفى كتاب ابن عطية أن ~~التأوه التفجع فالمراد بالآية أن إبراهيم عليه السلام مع غلظة أبيه وقساوته ~~حتى قال له "لئن لم تنته لأرجمنك " وابراهيم عليه السلام مع ذلك يتأوه ~~تأسفا وتحسرا على اباية أبيه عن إجابته واتباعه مع تلطف إبراهيم عليه ~~السلام فى قوله دعاء لأبيه إلى الإيمان فى إخبار الله تعالى عنه: "يأبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا " إلى قوله: "يأبت إنى أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " فكان عليه السلام لفرط ترحمه ~~ورأفته وحلمه يتعطف على أبيه ويستغفر له ولم ms263 يزل على ذلك إلى أن قطع من ~~حاله وتبين له أنه عدو الله فتبرأ منه فإخبر الله تعالى نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بما كان من أبيه إبراهيم فى ذلك ليقتدى به ويهتدى بهديه ~~فقال تعالى: "ما كان لنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم " وأعلمه تعالى بعذر ~~إبراهيم فى استغفاره وان ذلك كان عن موعدة تقدمت منه لأبيه فتقدم وصف ~~إبراهيم عليه السلام فى هذه الآية بأنه أواه وذلك مناسب لما بيناه أما آية ~~هود فمنزلة على ما ذكر سبحانه من مجادلته فى قوم لوط جريا على ما وصفه ~~سبحانه به من الحلم فكان تقديم وصفه هنا بالحلك أنسب وأجرى على ما بنى عليه ~~فوضح ورود كلا الموضعين على ما يجب ويناسب ولا يمكن عكس الوارد والله أعلم. # # PageV01P236 ### | سورة يونس # الآية الأولى منها: قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب الحكيم " وفى سورة ~~لقمان "الم تلك آيات الكتاب الحكيم " وفى مطلع يوسف: "الر تلك آيات الكتاب ~~المبين " فافتتحت تلك السور الثلاث بعد الحروف المقطعة فى مطالعها بالاشارة ~~إلى الكتاب المذكر به والمنبه بآياه فقيل: "تلك آيات الكتاب " ثم وصفه فى ~~السورتين بالحكيم وفى سورة يوسف بالمبين فيسأل عن ذلك؟ # والجواب والله أعلم ان سورتى يونس ولقمان تردد فيهما من الآيات المعتبر ~~بها المطلعة على عظيم حكمته تعالى واتقانه للأشياء ما لم يرد فى سورة يوسف ~~كقوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام " وخلق ~~السماوات والأرض وما انطوت عليه من أعظم المعتبرات قال تعالى: "لخلق ~~السماوت والأرض أكبر من خلق الناس " وقال تعالى: "إن فى السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين " وقد تبع الآية المذكورة من سورة يونس ما يجاريها فى ~~التنبيه بما به الاعتبار كقوله تعالى: "هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " إلى قوله: "لقوم يعلمون " ثم قال ~~تعالى: " إن فى اختلاف اليل والنهر وما خلق الله فى ms264 السماوات والأرض لآيات ~~لقوم يتقون إن الذين لا يرجون لقاءنا " لم يتخللها ما يخرج عن باب الاعتبار ~~من حكم أو غيره ولا من القصص الا ما تضمن اعتبارا كالوارد من قصة نوح من ~~قومه لقومه: "يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى ... " الآية إلى قوله: "ثم ~~اقضوا إلى ولا تنظرون "، والمراد من هذا الكلام تعجيزهم وقطعهم عما كانوا ~~يرومون من الكفر به عليه السلام وإرادة إهلاكه وقد قطع عليه السلام بنصرة ~~الله إياه عليهم وقطعهم دون ما يرومونه وإن تألبوا واجتمعوا وذكر عليه ~~السلام شركاءهم وأن يكونوا معهم تهكما بهم وتوبيخا على اعتمادهم على مالا ~~يعقل ولا يضر ولا ينفع وفى هذا كله أعظم معتبرة ثم ذكر تعالى نجاة نوح عليه ~~السلام منهم فى الفلك هو ومن آمن معه وجعلهم خلائف # # PageV01P237 # وإغراق أعدائهم من المكذبين ولم يغن # عنهم كيدهم. # ولم يرد هذا الضرب المقتضب من قصة نوح عليه السلام على هذه الصفة فى غير ~~هذه السورة لما قدمنا ذكره ولم يكن ليناسب ما بنيت عيه السورة غير هذا ~~الوارد. # ومن نحو هذا ما ورد فيها من قصة موسى عليه السلام ودعائه فى قوله: "ربنا ~~اطمس على أموالهم "فكان ذلك حسب ما دعاه إلى ذكر إغراق فرعون وملئه وطمعه ~~فى الإيمان حين أدركه الغرق فقال: "آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو ~~إسرائيل " فلم ينفعه ذلك لفوات وقته فاقتصر أيضا على هذا القدر من قصة موسى ~~عليه السلام لما تقدم من مناسبة هذه السورة. # وأما سورة لقمان فورد فيها قوله تعالى: " خلق السماوات والأرض بغير عمد ~~ترونها " إلى قوله: "هذا خلق الله " وبعد ذلك قوله تعالى: " ألم تروا أن ~~الله سخر لكم ما فى السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " ~~وقوله: "إن الله غنده علم الساعة ... " الآية وفى هذه السورة أيضا ما منح ~~لقمان من الحكمة وما انطوت عليه قصته من حكمة وما صدر عنه فى وصيته ولم ~~تخرج آى هذه السورة عن هذا فهذا وجه وصف الكتاب ms265 فى هاتين السورتين بالحكيم. # وأما سورة يوسف عليه السلام فلم تنطو على غير قصته وبسط التعريف بقضيته ~~وبيان ما جرى له مع أبيه من فراقه وامتحانه بإلقائه فى الجب والبيع والتعرض ~~له بالفتنة وتخلصه بسابق اصطفائه مما كيد به وابتلائه بالسجن وجمعه بأخيه ~~واشتمال شملة بأبيه عليهما السلام واخوته ولم تخرج آية من آى هذه السورة عن ~~هذا من بسط هذه القصة فلهذا اتبع الكتاب بالوصف بالمبين. # فقد وضح ورود كل من الموضعين على ما يجب ويناسب والله أعلم. # فإن قيل فما وجه ورود الميم فى سورة لقمان مكان الراء فى قوله تعالى: " ~~الر "فى السورتين فقيل فى مطلع لقمان: "الم " مع موافقتها سورة يونس عليه ~~السلام فيما تمهد ثم خالفتها فى هذه فقيل: "الم " فللسائل أن يسأل عن وجه ~~ذلك؟ # والجواب عن ذلك - والله أعلم - ان سورة لقمان تضمنت من التنبيه والتحريك ~~والاعتبار إفصاحا وإيماء للمؤمن والكافر مالم تتضمن سورة يونس على طولها ~~وان كانت آيها كلها آى اعتبار الا انها ليست كالوارد من ذلك فى سورة لقمان ~~فمن التنبيه المتضمن تقريع من عبد غيره سبحانه قوله تعالى بعد ذكر خلق ~~السماوات بغير عمد # # PageV01P238 # وارساء الأرض بالجبال وذكر ما بث فيها من الدواب وانزال الماء من السماء ~~وذكر ما أنبت سبحانه به من كل زوج بهيج فقال تعالى: "هذا خلق الله فأرونى ~~ماذا خلق الذين من دونه " ولا نجد مثل هذا حيث تراد المبالغة فى توبيخ من ~~عبد اله غيره. # ويجارى هذا فى هذا القصد الا أنه أرفق فى التعنيف قوله تعالى فى سورة ~~يونس: "قل هل من شراكائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده .. # "الآيات الا انها ليست كآية لقمان ولا ختمت بمثل ما ختمت به وقد تكرر هذا ~~فى آيات وآية لقمان من أشدها وعيدا ولعظيم ما انطوت عليها اتبعها تعالى ~~بتأنيس نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قصة لقمان بقوله: "ومن كفر فلا يحزنك ~~كفره " وبإخباره انهم لو سئلوا من خلق السماوات والأرض لم يجدوا مصرفا غير ms266 ~~الاعتراف فقال تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " ~~ليعلم عليه السلام أن ذلك من حالهم جار عليهم بقدر الله وما سبق فى علمه ~~وهو الحكيم فى أفعاله. # ومن التنبيه للمؤمنين ولغيرهم - ممن سبقت له السعادة - قوله مخاطبة لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات ~~وما فى الأرض وأسبغ عليكم عمه ظاهرة وباطنة " وقوله تعالى: "ألم تر أن الله ~~يولج الليل فى النهار. # ... " الآية وقوله تعالى: "ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر ... " الآية ~~فورد هذا التنبيه بهمزة التقرير ولم الجازمة وهى الأداة المتكررة فى آى ~~التنبيه فتكررت فى هذه السورة فى ثلاث آيات ولم تقع متكررة فى شئ مما أتى ~~بعدها من السور إلى آخر القرآن ولا فى سورة مما قبلها مما يماثلها فى عدد ~~كلمها ولا فيما هو على الضعف منها الا فى سورة فاطر وهى أطول من سورة لقمان ~~فتناسب ذلك مع ما فى هذه السورة من التنبيه فى مطلعها بوقوع الميم مكان ~~الراء الواردة فى مطلع سورة يونس. # وأما سورة يونس فمبنية على التعريف بربوبيته تعالى وقصره وقد ابتدأت ~~ثالثة آيها بقوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة ~~أيام " ثم تكرر فيها اسمه الرب سبحانه فى بضعة عشر موضعا أولها هذا وآخرها ~~قوله تعالى: " قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم " ولم يرد من هذا فى ~~سورة لقمان غير قوله تعالى: "يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى ~~والد عن ولده ... " الآية ثم إنه تكرر فى سورة يونس من الكلم الواقع فيها ~~الراء مائتا # # PageV01P239 # وعشرون كلمة أو نحوها وأقرب السور إليها مما يليها بعدها من غير المفتتحة ~~بالحروف المقطعة من سورة النحل وهى أطول منها والوارد فيها مما تركب على ~~الراء من كلمها مئتا كلمة مع زيادتها فى الطول عليها فلمجموع ما ذكرنا وردت ~~فى الحروف المقطعة الراء مكان الميم الواردة فى لقمان وجاء كل على ما يجب ~~ويناسب والله ms267 أعلم. # الآية الثانية من سورة يونس قوله تعالى: " ويعبدون من دون الله مالا ~~يضرهم ولا ينفعهم " وقال فى الأنبياء: "قال أتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا ولا يضركم " وقال فى سورة الفرقان: "ويعبدون من دون الله مالا ~~ينفعهم ولا يضرهم " فقدم فى سورة يونس ما أخر فى سورة الأنبياء والفرقان ~~فيسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه - والله أعلم - ان الموجب لتأخير "ولا ينفعهم " فى سورة يونس ~~ما وصل به من قولهم: "ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فكأن قد قيل: ~~ويعدبون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويزعمون أن ذلك ينفعهم لوم يكن ~~ليناسب لو قيل: "ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله " تناسب الوارد من متصل قوله: "ولا ينفعهم " بقوله: ~~"ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فلما كان الاتصال فيما ذكر أنسب وردت ~~الآية بحسب ذلك. # أما آية الفرقان فإن قبلها ذكر دلائل وشواهد من مصنوعاته تعالى يهتدى ~~المعتبر بالنظر فيها تخلصه من ورطات الشكوك ويستقيم له دينه وذلم أعظم ~~النفع وأجله وقال تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " إلى قوله: "وهو ~~الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان بك قديرا " فلما تقدم ~~التنبيه بهذه الآيات الواضحات الموقظات من سنات الغفلات والمحصلات أعظم ~~النفع فى امتثال الواجبات والنجاة من الضلالات ناسبها تقديم ما قدم فى ~~الآية من قوله: "ويعبدون من دون الله ما لا يتفعهم ولا يضرهم " وصار الكلام ~~بقوته مجاوبا لقوله: "أفمن يخلق كمن لا يخلق " وورد كل على ما يجب والله ~~أعلم. # الآية الثالثة من سورة يونس: قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض ~~" وفى سورة سبأ: " قل من يرزقكم من السماوت والأرض " فأفرد لفظ السماء فى ~~الأولى وجمع فى الثانية مع اتحاد المعنى والتساوى فى ألفاظ الآية غير ما ~~ذكر فيسال عن ذلك؟ # # PageV01P240 # والجواب عنه ان الافراد الوارد فى آية يونس محصل للمعنى مع الإيجاز فورد ~~هنا على ما يجب وأما الوارد فى سورة سبأ ms268 على الجمع فروعى فيه ما تقدم من ~~قوله تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى ~~السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شركاء وماله من ظهير " والمراد ~~بذلك نفى الشركاء له تعالى ثم عاد الكلام إلى ذلك أيضا فقال تعالى: "قل من ~~يرزقكم من السماوات والأرض " على الجمع مناسبة إذ الآية قبل وهذه فى قضية ~~واحدة وهى نفى الشركاء والأنداد فجاءت على ما يناسب التى قبلها. # فإن قيل: فلم ورد الجمع فى قوله فى الأولى: "لا يملكون مثقال ذرة فى ~~السماوات " وقد كان لفظ الافراد يحرز هذا المعنى مع أنه أوجز؟ فالجواب ان ~~ما قصد من قطه توهمهم أن شركاءهم ينفعونهم أو يملكون شيئا وان قل والتصرف ~~فى شئ مما قصد من هذا يقتضى تعميم النفع وتأكيد هذا الغرض بأعم ما يعبر به ~~ذلك فناسب ذلك جمع السماوات ولم يكن الافراد ليناسب ثم نوسب بين هذه الآى ~~التى بعدها فى الجمع ولم يكن فى آية يونس ما يستدعى ذلك فجاء كل على ما يجب ~~ويناسب والله أعلم. # الآية الرابعة من سورة يونس قوله تعالى: "كذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~فسقوا أنهم لايؤمنون " وقال فى سورة الؤمن: "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار "، للسائل أن يسأل هنا عن قوله فى الأولى "كذلك " ~~بغير حرف عطف وفى الثانية "وكذلك " وعن قوله فى الأولى: "على الذين فسقوا " ~~وفى الثانية: "على الذين كفروا " وعن قوله فى الأولى: "أنهم لايؤمنون " ~~وقوله فى الثانية: "أنهم أصحاب النار "؟ فتلك ثلاث مسائل. # والجواب: أنه لما تقدم فى سورة يونس قوله تعالى: " قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار " إلى قوله: "فأنى تصرفون " فذكر ~~سبحانه عباده بما لا يجدون محيصا عن إضافة ذلك كله وإسناده إليه سبحانه إذ ~~الرزق كالخلق وقد كانوا يقرون بإسناد الخلق إليه سبحانه قال تعالى: " ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله " وأخبر هنا سبحانه باعترافهم بإسناد ما قرروا ~~عليه إليه ms269 بقوله: "فسيقولون الله " قيل لهم: "أفلا تتقون " أى عجبا لكم كيف ~~تجمعون بين الاقرار بهذا كله ثم لا تخافون من إليه ذلك كله # # PageV01P241 # وتتخذون وقاية من عذابه على مخالفتكم ثم قيل لهم: "فذلكم الله ربكم الحق ~~" أى مالك ذلك كله والمنفرد بتدبيره هو ربكم الحق فكيف تنصرفون عنه ثم أخبر ~~تعالى أن كلمته التى لا مبدل لها حقت على من انصرف عن الحق وتركه بعد بيانه ~~بحسب ما قدر له فى الأزل ولم يقلع عن ذلك أنه لا يؤمن أبدا "إن الذين حقت ~~عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية " ولما لم يتقدم قبل هذه ~~الآيات فيما اتصل بها مقال من ذكر ممن حقت عليه كلمة العذاب أتى قوله: ~~"كذلك حقت " فصورة الاستئناف غير معطوفة إذ لم يتقدم ما يعطف عليه وقيل ~~"فسقوا " لأن بما تقدم مما قرروا عليه مع ما جعل لهم من الاسماع والابصار ~~والافئدة مكنوا من النظر بما خلق لهم من الادوات ووضوح المنظور فيه فبمجموع ~~هذا كله كانوا بمنزلة من تحصل الأجر وكأنه قج اتصف به وتمكنت حاله فيه ثم ~~تركه وخرج عنه ونظير هذا قوله تعالى: " أولئك ال ذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~" فلاءم هذا الحال وسمهم بالفسق فقيل: "على الذين فسقوا " فاستحقوا على ~~فسقهم بقدر الله عليه أن منعوا التصديق وهو الإيمان فأضلهم الله على علم. # أما آية غافر فإنه تقدم قبلها قوله تعالى: " ما يجادل فى آيات الله إلا ~~الذين كفروا " ثم أعقب بذكر قوم نوح والأحزاب وهم كل أمة منهم برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذهم الله وأهلكهم بما حق ~~عليهم. # ثم قال تعالى: " وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار " ~~وأهلها فكيف يصح منهم الإيمان وقد حقت عليهم الكلمة: "أفمن حق عليه كلمة ~~العذاب أفأنت تنقذ من فى النار " فلما تقدم فى هذه السورة ذكر من حقت عليه ~~كلمة العذاب عطف عليه: "وكذلك حقت " ولم يتقدم ذلك فى يونس ولما تقدم قوله ~~تعالى: " ما يجادل ms270 فى آيات الله إلا الذين كفروا " ولم يتقدم بسط دلالات ~~مما به الاعتبار لم يكن هؤلاء بمنزلة المذكورين فى يونس وإن كانت الدلالات ~~عنده فى حق الكل ولكن مراعاة النظم أمر ملتزم والافصاح بالذكر كما أفصح فى ~~آية يونس لم يقع هنا فلما تكن هذه الآية كتلك فيما ذكر وسم هؤلاء بالكفر ~~وقيل "على الذين كفروا " ولم يقل "فسقوا " إذ لم يتقدم هنا ما تقدم هناك ما ~~يتقدم معه ذكر الفسق وأيضا فقد تقدم فى غافر قوله تعالى: " ما يجادل فى ~~آيات الله إلا الذين كفروا " فناسبه "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا " ~~وإذا كانوا كافرين فهم أصحاب النار فأما الفاسق فإن كان فسقه يخرجه من ~~الإيمان كان كافرا وان كان بالخروج إلى # # PageV01P242 # المعصية دون الكفر لم يكن كافرا إلا أن المراد بفسوق من ذكر فى سورة يونس ~~إنما هو ترك الاعتبار الحامل على الإيمان إذا وفق المعتبر فالتارك لذلك ~~خارج عن التصديق فكان كافرا فقد حصل الجواب عن السؤالات الثلاث ووضح مجئ كل ~~على ما يناسب وإن الوارد فى سورة يونس لا يناسبه ما تقدم قبل الآية فى سورة ~~غافر ولا الوارد فى سورة غافر يناسب ما تقدم فى سورة يونس والله أعلم. # الآية الخامسة قوله تعالى: " ألا إن لله ما فى السماوات والأرض ألا إن ~~وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون " وقال فيما بعد: "ألا إن لله من فى ~~السماوات ومن فى الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء " ثم قال ~~بعد: "قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغنى له ما فى السماوات وما فى ~~الأرض إن عندكم من سلطان بهذا " هنا ثلاث سؤالات يسأل عن سقوط "ما " من ~~قوله فى الآية الأولى: " ألا إن لله ما فى السماوات والأرض "؟ ووجه ثبوتها ~~فى الآية الثالثة فى قوله: " له ما فى السماوات وما فى الأرض "؟ وعن ورود ~~"من " مكان "ما " فى الآية المتوسطة فى قوله: " ألا إن لله من فى السماوات ~~ومن فى الأرض "؟ # والجواب ms271 عن السؤال الأول: أنه تقدم قبل الآية قوله تعالى: " ولو أن لكل ~~نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به " وهذه الآية مبنية عليها ومجموع الآيتين ~~فى قوة أن لو قيل: "ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به " وليس ذلك ~~لها بل كل ذلك لله سبحانه: "ألا إن لله ما فى السماوات والأرض " فلما كانت ~~الآية مبنية على هذه التى قبلها - والمعنى بين ذلك - وقع الاكتفاء بوقوع ما ~~فى الأولى واجتزئ بذا عن تكرارها فى الثانية وليس الموضع موضع تأكيد فتكرر ~~لذلك. # وأما ثبوتها فى الآية الثالثة - وهو السؤال الثانى - فوجهه أن التأكيد ~~مقصود فى هذه الآية لأن قبلها حكاية قول الكفار: "قالوا اتخذ الله ولدا " ~~فنزه تعالى نفسه عن مقالهم فقال: "سبحانه هو الغنى له ما فى السماوات وما ~~فى الأرض "وإذا ورد فى القرآن ذكر مقال هؤلاء المعتدين فى ضلالهم تبعه ذكر ~~ملكه سبحانه لكل من فى السماوات والأرض كقوله تعالى: "وقالوا اتخذ الرحمان ~~ولدا " ثم قال: "لقد جئتم شيئا إدا " ثم ذكر سبحانه عظيم مرتكبهم فى شنيع # # PageV01P243 # مقالهم فقال: "تكاد السماوت يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن ~~دعوا للرحمان ولدا " أى من أجل ادعائهم الولد لله سبحانه ثم قال: "وما ~~ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا " وكيف والكل عبيده وملكه: "إن كل ما فى ~~السماوت والأرض إلا آتى الرحمان عبدا " وهو الغنى عن العالمين فلما كان ~~موضع تأكيد ناسبه الاتيان بما والتأكيد بها وإن كان المعنى حاصلا دونها. # والجواب عن السؤال الثالث: أن ورود "من " فى الآية المتوسطة مناسب لما ~~قصد بها وبنيت عليه ألا ترى أن ما ثبت قبل هذه الآية من قوله تعالى: " ولا ~~يحزنك قولهم " فأنسه تعالى وثبته كما قال فى موضع آخر: "قد نعلم إنه ليحزنك ~~الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فتأمل ~~عظيم هذا التأنيس وما تضمنه قوله: "فإنهم لا يكذبونك " من وضوح صدقه عليه ~~السلام وتصديقه فلم يبق إلا الحسد وقصد إطفاء نور الله: ms272 "زيأبى الله إلا أن ~~يتم نوره " فلما قال له تأنيسا وتكفلا لحفظه إياه: "ولا يحزنك قولهم " أتبع ~~ذلك سبحانه بإعلامه إياه أن العزة له جل جلاله لا يشركه فى ذلك أحد ولا ~~يعتز مخلوق إلا بإعزازه يعز من يشاء ويذل من يشاء وإلى ذلك أشار قوله ~~"جميعا " ثم قال: "هو السميع العليم " أى لا يخفى عليه مقالهم فيك وما ~~يسرونه من مكر أو مكيدة ثم أعلمه باحتواء ملكه سبحانه على ما أعلمه به فى ~~قوله: "ألا إن لله من فى السماوات والأرض " فهو يعزك بإمداده إياك بمن شاء ~~من مخلوقاته "ولله جنود السماوات والأرض " ولما كان تأييده عليه السلام فى ~~الغالب عند لقاء أعدائه إنما يكون بالملائكة والمؤمنين لذلك ما ورد التعبير ~~بمن وكررت تأكيدا فقيل: "ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض " وهو ~~مؤسده وممده بمن شاء من عباده: "ولا يحزنك قولهم " وقد وضح أن كل آية من ~~هذه الآيات لا يناسبها غير ما اتصلت به ولا يمكن على ما تبين وقوع واحدة ~~منهما فى موضع الأخرى والله أعلم بما أراد. # الآية السادسة من سورة يونس: قوله تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ~~قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون " وفيما بعد من هذه السورة: "وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون " وفى سورة ~~الزمر: "وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون " # # PageV01P244 # وفى آخر السورة: "وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ~~وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " فورد فى الموضعين من سورة ~~يونس "بالقسط " وفى الموضعين من سورة الزمر "بالحق " فللسائل أن يسأل عن ~~الفرق؟ # ووجه ذلك والله أعلم أن القسط يراد به العمل والتسوية فى الحكم فمظنة ~~وروده حيث يراد موازنة الجزاء بالأعمال من غير زيادة كما قال تعالى فى جزاء ~~الكافرين: "جزاء وفاقا " أى موازنا لأعمالهم موافقا لها: "ولا يظلم ربك ~~أحدا " والحق الصدق فوروده حيث يراد تصديق وعيد أو إخبار متقدم وإن الله ms273 ~~سبحانه وعد المؤمنين بزيادة الأجور والإحسان بما يفوت الغايات ويفوق الحصر ~~ولم يجعل جزاءهم على أعمالهم الدينية وفاقا لأعمالهم فى مقادير الجزاء بل ~~قال تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وقال تعالى: "وسنزيد ~~المحسنين " وقال تعالى: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله " ومنه جعل الحسنة بعشر أمثالها وهذا كثير فى الكتاب ~~والسنة ولما كان الوارد فى آيتى الزمر منزلا على الحكم حقا بين النبيين ~~والشهداء والملائكة قال تعالى: " وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم " وقال ~~تعالى: "وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم " ~~والضمير فى الأولى إما أن يكون للنبيين والشهداء ولا كونه فى أن هؤلاء ممن ~~يضاعف أجورهم فجئ بقوله "بالحق " تصديقا لما وعدوا من الزيادة وليس موضع ~~ورود القسط وإما أن يكون للخلق كافة وفيهم المؤمن والكافر فورد قوله "بالحق ~~" تصديقا لما ورد فى حق الفريقين من الزيادة فى أجر المؤمن والعدل فى حق ~~الكافر فلا يظلم مثقال ذرة وإنما جزاؤه وفاق عمله ولا يصح هذا إن لو قيل: ~~"وقضى بينهم بالقسط " وعلى هذا ما ورد فى الآية الأخيرة من فروق. # وأما آيتا يونس فقد تقدم الأولى منهما غير ما آيات فى تأنيس نبينا صلى ~~الله عليه وسلم وتعنيف كفار قريش ووعيدهم وتسليته عليه السلام فى إبراهيم ~~ألا ترى ختام الآى قبلها بقوله: "وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا مرجعهم " أى فسأجرى تكذيبهم عيانا لا يجدون محيصا عنه ثم قال: "ولكل ~~أمة رسول فإذا جاء رسولهم " أى حضرهم فى القيامة وقد كذبوه فى الدنيا قضى ~~بينهم وبينه فصدق زكذب معانده فنجا المصدق وهلك المكذب ولما لم يقصد هنا ~~تفضيل أحوال المصدقين بل # # PageV01P245 # لحظ الطرفان من التصديق والتكذيب كان موضع التعبير بالقسط الذى هو العدل ~~بين المصدق والمكذب وإنما بناء الآى على إرغام المكذبين ولا يناسب هذا إلا ~~ذكر العدل بحسب ما بنيت عليه الآى قبله وأما قوله فى الآية بعد: "واشتروا ~~الندامة لما رأوا العذاب " فمسرو ندامتهم هم ms274 المكذبون وهم المشاهدون العذاب ~~والضمير فى قوله: "وقضى بينهم " عائد عليهم فليس موضع التعبير بقوله "بالحق ~~" لما قد تبين فقد وضح ورود كل من هذه الآى على ما يناسب ويلائم ولا يناسب ~~خلافه. # الآية السابعة قوله تعالى: " إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون وما تكون فى شأن " وقال تعالى فى سورة غافر: "إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون " فأظهر هنا ما أضمر فى الآية الأخرى ~~فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب والله أعلم أن آية غافر لما تقدمها قوله تعالى: " لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ومقصود هذه الآية ~~تحريك الخلق للاعتبار ةالتذكير بما نصب سبحانه من الدلائل والآيات فاقتضى ~~ذلك تكرار الظاهر كما فى آية التذكير والتنبيه ثم جئ بعد هذا بقوله: "إن ~~الله لذو فضل على الناس " فنوسب بين هذا وبين ما تقدم لتجئ هذه الآى على ~~منهاج واحد من التذكير فاقتضت الثانية تكرير الظاهر. # وأما آية يونس فإنما تقدمها تأنيس بقوله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا ... "الآية ثم رجع الكلام إلى تعنيف الكفار فى تحكيمهم ~~فقال: "قل أرأيتم ما أنزل لكم من رزق ... " الآية ثم قال: "وما ظن الذين ~~يفترون على الله الكذب يوم القيامة " ولم يتقدم تكرير يطلب بمناسبة فلذلك ~~ورد الكلام على ما هو الأصل من الاتيان بالضمير ليحصل به ربط الكلام فجاء ~~كل من الموضعين على ما يقتضيه ما قبله رعيا لتناسب الكلام. # الآية الثامنة من سورة يونس: قوله تعالى: "وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فى ~~الأرض زلا فى السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين " وفى سورة ~~سبأ: "عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين " وقال فيما بعد: "قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم ms275 فيهما # # PageV01P246 # من شرك وماله منهم من ظهير " للسائل أن يسأل عن تقديم الأرض على السماء ~~فى سورة يونس وعكس ذلك فى الموضعين من سورة سبأ؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية يونس مقصود فيها من تأكيد الاستيفاء ~~والاستغراق مالم يقصد فى الأخريين وإن كان العموم مراد فى الجميع إلا أن ~~آية يونس قضت بزيادة التأكيد ولذلك تكررت فيها مع ما قبلها ما النافية ~~المتلقى بها القسم فى قوله: "وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا ليكم شهودا " فقوى بذلك قصد تأكيد الاستغراق وتضمين ~~الكلام معنى القسم فقال تعالى: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة " بزيادة من ~~فى الفاعل وهى مقتضية معنى الاستغراق فى مثل هذا وبناؤها على ما المتلقى ~~بها القسم بفهم ما قلناه من معنى القسم وتأكيد الاستغراق بل أقول إن "من " ~~فى مثل هذا نص فى ذلك. # قال سيبويه رحمه الله: "إذا قلت ما أتانى رجل فإنه يحتمل ثلاثة معان ~~أحدها أن تريد أنه ما أتاك رجل واحد بل أتاك أكثر من واحد والثانى ما أتاك ~~لاجل فى قوته ونفاذه بل أتاك الضعفاء والثالث أن تريد ما أتاك رجل واحد ولا ~~أكثر من ذلك فإن قلت ما أتانى من رجل كان نفيا لذلك كله " هذا معنى كلامه ~~والحاصل منه أن "من " فى سيلق النفى تعم وتستغرق. # ثم إنه قد تقدم قبل هذه الآية قوله تعالى: " وما تكون فى شأن وما تتلوا ~~منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه " فدخول ~~"من " فى المفعول فى الموضعين من قوله: " وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون ~~من عمل " فزيدت فى المفعول وهو اسم نكرة وارد فى سياق النفى وذلك محصل ~~للاستغراق ثم حمل عليه قوله تعالى: " وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ... " ~~الآية فناسب هذا تقديم ذكر الأرض على السماء لأن السماء مصعد الأمر ومحل ~~العلو ومسكن الملائكة وهى مشاهدة لهم ومستقبل الداعين منها ms276 ينزل الأمر ورزق ~~العباد وفيها الخزنة من الملائكة واليها يصعد بأرواح المؤمنين ويعرج ~~الملائكة السياحون فى الأرض المسؤولون عن أفعال العباد فكان العلم بما فيها ~~أجلى وأظهر وكان العلم بما فى الأرض أخفى وهذا بالنظر الينا وبحسب متعارف ~~أحوالنا وإلا فعلم بارينا سبحانه بما فى الأرض وما فى السماء على حد سواء ~~كما أن علمه بالسر والجهر مستو: "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " ~~ولكنا إنما خوطبنا على أحوالنا وبما # # PageV01P247 # نتعاهده ونتعارفه من المعانى والصفات ولذلك ورد فى القرآن التعجب والدعاء ~~والترجى وغير ذلك فخوطب العباد بما يتعارفون ويألفون فيما بينهم. # فهذا بيان ما تقدم. # فلما كانت الأرض بالنسبة إلى اسمها فيما ذكرنا كان أمرها أخفى وكان أمر ~~السماء أوضح وأقرب من حيث ذكرنا خوطب الخلق على ذلك فقدم ذكر ما هو عندنا ~~كافة أخفى فقيل عند قصد المبالغة فى تأكيد الاستغراق والقسم على ذلك: "وما ~~يعزب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء " ونظير هذا الوارد هنا ~~قوله تعالى: " ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شئ فى ~~الأرض ولا فى السماء " وهذه الآية فى الذى تعطيه من إفهام القسم والاستغراق ~~والابتداء بما هو عندنا أخفى كآية يونس من غير فرق وعلمه سبحانه بما خفى ~~عندنا أو ظهر سواء تعالى ربنا عن شبه الخليقة. # فإن قيل فإن قوله سبحانه: "وما من غائبة فى السماء والأرض إلا فى كتاب ~~مبين " قد اجتمع فيه زيادة من الاستغراقية بعد ما النافية المشيرة إلى معنى ~~القسم كما فى الآيتين وقد تقدم فيه ذكر السماء بخلاف ما فى الآيتين؟ قلت ~~لما تقدم هذا قوله تعالى: " وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون " وقد ~~تقدم فى سبأ إحراز التسوية من غير فرق فقدم ذكر السماء وإنما كانت تكون ~~كالآيتين لو لم يتقدمها ما ذكر وإذ قد نبين وجه تقديم الأرض فى آية يونس ~~فنقول ان الآيتين من سورة سبأ لما لم يتقدم فيهما ما ms277 تقدم فى آية يونس مما ~~يحرز تأكيد العموم والاستغراق ولم يكن فيهما داع من المعنى لتقديم الأرض ~~على السماء ثم ان ورود السماوات بلفظ الجمع يحرز فى الآيتين من سورة سبأ ~~معنى العموم والاستغراقى إذ هو مراد فى كل هذه الآيات الواردة فى هذا الغرض ~~فأعطاه وأحرزه فى آية يونس وآية إبراهيم ما نجر فى هاتين الآيتين من محرز ~~معنى القسم والاستغراق وأعطاه وأحرزه فى آيتى سبأ ما ورد فيهما من جمع ~~السماوات وجاء كل على ما يجب ويناسب. # الآية التاسعة من سورة يونس قوله تعالى: " ولقد بوأنا بنى إسرائيل مبوأ ~~صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضى بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " وفى سورة الجاثية:: "ولقد آتينا بنى ~~إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم منالطيبات وفضلناهم على العالمين ~~وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من # # PageV01P248 # بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون " للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف الوارد فى هاتين السورتين ~~وزيادة ما فى الوارد فى سورة الجاثية من الألفاظ مع اتحاد المعنى المفصود ~~فى الموضعين من منحهم واختلافهم؟ # والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية يونس تقدم قبلها دعاء موسى عليه ~~السلام على فرعون وملئه بقوله: "ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى ~~الحياة الدنيا ... " الآية فأجاب سبحانه دعاء نبيه وطمس على أموال آل فرعون ~~وملئه وأغرقه وآله ونجى بنى إسرائيل من الغرق وقطع دابر عدوهم وأورث بنى ~~إسرائيل أرضهم وديارهم يتبوؤن منها حيث شاؤوا فقال سبحانه معرفا نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم: "ولقد بوأنا بنى إسرائيل مبوأ صدق " أى مكناهم ومهدنا ~~لهم أمرهم بإهلاك عدوهم وبما أورثناهم بعد ضعفهم من مشارق الأرض ومغاربها ~~فبعد تمكن أمرهم واستحكام حالهم واستقرار أمر دينهم بما شاهدوه من الآيات ~~وعظيم البراهين المعقبة لمن شاهدها اليقين اختلفوا جريا على ما سبق لهم ~~ولغيرهم ممن أشار إليه قوله تعالى فى أول هذه السورة: "وما ms278 كان الناس إلا ~~أمة واحدة فاختلفوا " ويناسب هذا كله تناسبا لا توقف فى وضوحه ولم يتقدم فى ~~السورة ما يستدعى من حالهم أكثر من هذا. # أما آية الجاثية فتقدم قبلها بسط الدلالة والبراهين من لدن قوله تعالى: " ~~إن فى السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " إلى ما تبع هذا من التنبيه بخلقها ~~وما بث سبحانه فيهما من أصناف المخلوقات واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما ~~وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها بما ينزل من الرزق اليها ~~وتصريف الرياح ثم ذكر سبحانه أن هذه الآيات إنما يعتبر بها ويهتدى بأنوارها ~~من منحه الله تعالى العقل وهذاه إلى الاعتبار فقال: "آيات لقوم يعقلون " ~~ولم يرد ذكر هذه الجملة للاعتبار بها فى موضع من كتاب الله تعالى أوعب منها ~~فى هذه السورة وفى سورة البقرة وهى هناك أوعب لذكر الفلك وجريها فى منافع ~~العباد وتسخير السحاب بين السماء والأرض وذكر تصريف الرياح وقد أعقب ذكر ~~هذه الآيات فى الموضعين بقوله فى سورة البقرة: "ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا " الآية إشارة إلى كفار العرب وسوء مرتكبهم وتعاميهم عن ~~الاعتبار والاستدلال مع وضوح الأمر إذ لا يقبل العقل تكون هذه # # PageV01P249 # المخلوقات العظام بأنفسها ولا أن بعضها أوجد بعضا لتساويها فيما قام من ~~دلائل الحدوث فلابد من صانع مريد مختار قادر منزه عن شبه هذه الجملة والا ~~لافتقر إلى موجد آخر وذلك يؤدى إلى التسلل وهو محال عقلا والإثنينية ممتنعة ~~عقلا: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " فتعين توحيد الموجد الحق وانه ~~ليس كمثله شئ ولما كان الاستدلال بهذه الجمل المفصلة أوضع شئ أتبعها سبحانه ~~بقوله: "فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون " ولكونه أبسط ما ذكر به من خوطب ~~بالقرآن ثم لم يجد ذلك فى حق من سبق له الشقاء منهم الا المنافرة والمخالفة ~~أعقبت بذكر من ترادفت وتوالت عليه الآيات وكثرت فى حقه الشواهد ثم لم يعقبه ~~ذلك الا الاختلاف والعدول عن سلوك المنهج الواضح وهم الممتحنون بالاختلاف ~~من بنى إسرائيل فقال تعالى: ms279 "ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم # بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن برك ~~يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " فاقتضى ذلك ما قدم من بسط ~~الآيات وواضح ما خصه تعالى من واضح الدلالات فى صدر هذه السورة بسط ما منحه ~~بنو إسرائيل وما بين لهم مما أشار إليه قوله تعالى: " وآتيناهم بينات من ~~الأمر " بعد ما ذكر ما أوتوه من الكاب والحكم وتوالى النبوة فيهم وكثرة ~~الرسل منهم وما بسط لهم من الرزق وإدرار النعم فعتوا واعتدوا وقتلوا ~~الأنبياء بغير حق لينفذ فيهم ما قدر على فاعلى ذلك منهم من ضرب الذلة ~~والمسكنة ومسخهم قردة وخنازير ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم فلا ~~يأتلف شملهم ولا تجتمع جماعاتهم إلى يوم القيامة ليعلم المعتبرون بالآيات ~~أنه لا يجرى على أحد الا سابق سعادة ان قدرت له الا ان الانقياد للاعتبار ~~والاذعان لموجب الدلالات عنوان رجاء والمنافرة لذلك عنوان مشقة وهما شاهدا ~~حال والشأن كله فى الخواتم والكتاب والسنة موضحان لهذا الإجمال. # ولما لم يكن تقدم آية سورة يونس من الدلالات مثل ما بسط فى سورة الجاثية ~~من الاعتبار لما يناسبه الواقع فى الجاثية من الاطناب فنوسب الإيجاز ~~بالايحاز والاطناب بالاطناب وجاء كل على ما يجب ويناسب مع اتحاد الممقصود ~~فى السورتين. # الآية العاشرة من سورة يونس قوله تعالى: " وأمرت أن أكون من المؤمنين " ~~وفى سورة النمل: "وأمرت أن أكون من المسلمين " للسائل أن يسأل عن الفرق ~~الموجب لافتراق الوصفين فى الآيتين. # # PageV01P250 # والجواب أن الآية الأولى قد ورد قبلها قوله تعالى: " ولو شاء ربك لآمن من ~~فى الأرض جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تموت ~~إلا بإذن الله " وبعد هذا: "وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " ~~وبعد هذا كذلك: "حقا علينا ننجلا المؤمنين " وبعد هذا الآية المذكورة من ~~قوله: "وأمرت أن أكون من المؤمنين " وتناسب هذا ms280 كله بين. # ثم من المعلوم ان اسم الإيمان إنما يقع لغة على التصديق وعلى هذا يطلقه ~~الأشعرية ومنه: "وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " ثم قد يتسع فى إطلاقه ~~فيوقع على التصديق والاستسلام ومنه: "وأمرت أن أكون من المؤمنين " والأصل ~~فى اسم الإسلام وقوعه على الاستسلام والتزلم الأعمال الظاهرة ثم يتسع فيه ~~فيطلق على مجموع التصديق والاعتقاد والاستسلام ومنه: "وأمرت أن أكون من ~~المسلمين " وقد يختص كل من الاسمين بمسماه من غير اتساع ومنه قوله تعالى: " ~~قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وفى حديث سؤال جبريل ~~عليه السلام: "ما الاسلام؟ قال ان تشهد ان لا اله الا الله وأنى رسول الله ~~وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا ~~قال صدقت فما الايمان؟ قال: أن تؤمن بالله ... # "الحديث فوقع فيه التفصيل إجراء على أصل التسمية فإذا تقرر هذا فاعلم ان ~~ما تقدم قبل آية يونس من تكرار اسم الإيمان لم يكن ليلائمه إطلاق اسم ~~الإسلام لأن رتبة الإيمان فوق رتبة الإسلام ومقامه أعلى وهذا على إطلاق كل ~~واحد من الاسمين على مسماه لغة وعلى رعى التفصيل فكأن يكون عكس الترقى إلى ~~الأعلى أبدا فلا يمكن فى آية يونس الا ما وردت عليه. # أما آية النمل فإن قبلها قوله: "إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى ~~حرمها الله وله كل شئ " وقوله: "وله كل شئ " يقتضى تسليم كل شئ له والتبرى ~~من توهم شريك أو نظير فناسب هذا قوله: "وأمرت أن أكون من المسلمين " وجاء ~~كل على ما يجب. # الآية الحادية عشرة # قوله تعالى: " فمن اهتدى قإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ~~انا عليكم بوكيل " وفى سورة النمل: "فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل ~~فقل إنما أنا من المنرين " فورد فى الأولى عقب قوله # # PageV01P251 # "ومن ضل " قوله "فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل " وفى الثانية عقب ~~قوله "ومن ضل " قوله "فقل إنما أنا من المنذرين " فللسائل أن ms281 يسأل عن ~~الفرق؟ # والجواب أن آية يونس مرتبطة بقوله تعالى فيما قبلها: "ولو شاء ربك لآمن ~~من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " فلما تقدمها ~~هذا ومعناه هو المعنى المراد فى قوله تعالى فى سورة الزمر: "وما أنت عليهم ~~بوكيل " فقيل هنا على لسانه صلى الله عليه وسلم: "وما انا عليكم بوكيل " ~~وتناسب ذلك وارتبط ارتباطا لا يلائم الموضع خلافه والله أعلم. # وأما آية النمل فإنها راجعة إلى قوله تعالى فيما تقدمها: "فتوكل على الله ~~إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون " فناسب هذا أتم مناسبة قوله تعالى: " ومن ضل فقل إنما أنا من ~~المنذرين " ولم يكن قوله: "فقل إنما أنا من المنذرين " ليناسب المتقدم فى ~~سورة يونس ولا قوله: "وما أنا عليكم بوكيل " ليلائم ما تقدم هنا والله ~~أعلم. # # PageV01P252 # ملاك التأويل (الجزء الثانى) ### | سورة هود ### | الآية الأولى # منها قوله تعالى: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ~~عني إنه لفرح فخور) (هود: 10)، وفي سورة حم السجدة: (ولئن أذقناه رحمة منا ~~من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة) (فصلت: 50)، للسائل ~~أن يسأل عن زيادة (منا) وزيادة (من) في سورة السجدة وسقوطهما معا في سورة ~~هود؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه لم يرد في هود ما يستدعي تلك الزيادة، ~~وأما سورة السجدة فتدم فيها قوله: (ويوم يناديهم أين شركائي) (فصلت: 47) ~~قطعا بهم وتنبيها على سوء مرتكبيهم، وقد عاينوا الحق، وضل عنهم ما كانوا ~~يدعون من قبل من شركاء الله سبحانه، وظنوا أي أيقنوا وعلموا أنه لا محيص ~~لهم ولا مفر، فلما تقدم ذكر الشركاء قال تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا)، ~~فنبه تعالى بقوله (منا) على أن لا شريك له، ولا معطي غيره، وأنه لا يأتي ~~العبد شيء من سواه سبحانه. ولما لم يتقدم في سورة هود ذكر لذلك ms282 لم يرد فيها ~~التنبيه بقوله: (منا) وأما زيادة: (من) في قوله: (من بعد ضراء مسته) فمناسب ~~لإطناب هذا الغرض في هذه السورة، فناسب ذلك الزيادة. ولإيجاز هذا القصد في ~~سورة هود ناسبه سقوط (من)، فجاء كل على ما يناسب ويجب، ولم يكن ليلائم كلا ~~من الموضوعين إلا ما ورد فيه، والله أعلم. ### | الآية الثانية # منها: (به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تكن في مرية منه إنه ~~الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (هود: 17)، وفي آخر السورة إثر ~~قوله: (عطاء غير مجذوذ) (هود: 108)، (فلا تكن في مرية مما يعبد هؤلاء ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل) (هود: 109)، وفي سورة السجدة: () ولقد ~~آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه) (السجدة: 23) بثبات نون تكن، ~~وحذفها في آيتي سورة هود فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن العرب تصرفت في يكون عند دخول الجازم تصرفا ~~لم تفعله في نظائرها وما يشبهها، وبسط هذا في مظانه، فيكون الوجه في يكون ~~عند دخول الجازم تسكين النون، فتحذف الواو عند التقاء الساكنين كما ورد في ~~سورة # # PageV02P253 # السجدة، إلا أن حذف النون في يكون من فصيح كلامهم ما لم تكن متحركة، فإن ~~كانت متححركة لم تحذف لقوتها بالحركة وإن كانت عارضة كقوله تعالى: (لم يكن ~~الذين كفروا ... ) (البينة: 1)، ولا تحذف هذه إلا في الشعر نحو قوله: # لم يك الحق سوى أن هاجه رسم دار قد تعفى بالسرر # فورد في سورة هود على ما اعتمدوه من تخفيف هذا اللفظ ليناسب بذلك إيجاز ~~الكلام المتعلق بقوله: (فلا تكن في مرية منه) (هود: 17)، والمتصل به تمامه ~~تمام معنى المقصود وذلك قوله: (إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) ~~(هود: 17)، وكذلك قوله في آخر السورة: (فلا تكن في مرية مما يعبد هؤلاء) ~~(هود: 109) إلى قوله: (غير منقوص) (هود: 109). # وورد في سورة السجدة على أصل الكلمة قبل حذفها فقيل: (فلا تكن)، ليجريذلك ~~مع ما ورد في هذه السورة من ms283 طول الكلام المتعلق بقوله (فلا تكن في مرية من ~~لقائه) (السجدة: 23)، ألا ترى أن الكلام واحد إلى قوله: (فيما كانوا فيه ~~يختلفون) (السجدة: 25)، فنوسب الإيجاز بالإيجاز والطول بالطول والله أعلم. ### | الآية الثالثة # منها قوله تعالى: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) (هود: 22)، وفي ~~سورة النحل: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) (النحل: 109)، للسائل أن ~~يسأل عن وجه تخصيص آية هود بقوله: (الأخسرون) وآية النحل (بقوله) ~~(الخاسرون)؟ (وهل كان يمكن العكس)؟ # والجواب: أن آية هود تقدمها (ما يفهم) المفاضلة، ألا ترى أن قوله تعالى: ~~(أفمن كان على بينة) (هود: 17)، الآية يفهم من سياقها أن المراد: أفمن كان ~~على بينة من ربه كمن كفر وجحد (وكذب) الرسل؟ ثم أتبع هذا بقوله: (ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا) (هود: 18)، فهذا صريح مفاضلة، ثم أستمرت الآي في ~~وصف من ذكر وعرضهم على ربهم وقول الأشهاد: (ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله) (هود: 19، 18) إلى ~~ذكر مضاعفة العذاب لهم، وأستمر ذكرهم إلى قوله: (لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون) (هود: 22)، فناسب لفظ الأخسرين بصيغة التفاضل، ومقصود التفاوت ما ~~تقدم مما يفهم ذلك # # PageV02P254 # من قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه) (هود: 17)، وأفعل من كذا في ~~قوله: (ومن أظلم ممن افترى) (هود: 18)، فالأيات من لدن قوله (أفمن كان على ~~بينة من ربه) إلى قوله: (هم الأخسرون) (مبنيات على ما ذكرناه غير خارجة عن ~~هذا المقصود، ولو ورد هنا ((الخاسرون)) مكان ((الأخسرين)) لتنافى النظم ~~وتباين السياق ولم يتناسب. # وأما آية (النحل) فلم يقع قبلها أفعل التي للمفاضلة والتفاوت ولا ما ~~يفهمهما، وإنما قبلها: (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم ~~عذاب أليم إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون) (النحل: 105، 104)، وبعد هذا (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) ~~(النحل: 107)، وبعد هذا (وأولئك هم الغافلون)، ms284 فتأمل هذذه الفواصل واتفاقها ~~في اسم الفاعل المجموع جمع السلامة في قوم متفقي الأحوال في كفرهم إلى أن ~~ختم وصفهم وما قصد من ذكرهم بقوله: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون)، ~~فتناسبت الآي في السياق والفواصل، وختمت بمصل ما به بدأت، ولم يكن ليناسب ~~ما ورد هنا لفظ المفاضلة، إذ ليس في الكلام ما يستدعي ذلك لا من لفظه ولا ~~معناه، ووضح إختصاص كل من العبارتين بمكانة، وإن العكس لا يلائم، والله ~~أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة هود قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام: (قال يا قوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم) (هود: 28)، في قصة ~~صالح بعد: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة) ~~(هود: 63)، للسائل أن يسأل عن مجاوبة كل واحد من هذين النبيين الكريمين ~~لقومه، لم تقدم المجرور في قول صالح عليه السلام (وآتاني منه رحمة) على ~~المفعول الثاني من مفعولي أتى التي هو رحمة والوجه تأخيره لأنه فضله كما ~~تقدم متأخرا في قول نوح عليه السلام (وآتاني رحمة من عنده)؟ # والجواب على ذلك: أن قوم صالح، عليه السلام، بالغوا في أساءت الجواب حين ~~قالوا: (قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) (هود: 62)، أي قد كنت مرجوا أن تسود ~~فينا حتى نقطع عن رأيك ونرجع إليك من أمورنا، فرموا مقامه النبوي بحط ~~مرتبته عنهم، فلما بالغوا في إساءة الجواب جاوبهم، عليه السلام، ردا ~~لمقالهم الشنيع بقوله: (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة) ~~(هود: 63)، ولا شك أن عليه السلام كذلك، وأنه على بصيرة من أمره، ولكنه ~~خاطبهم على ما يجري في مناظرة من فرض ما لا يعتقده المناظر على حسب نطقه، ~~ولكنه يستنزل بذلك مناظرة ليقيم الحجة عليه، فيقول هب كذا على ما # # PageV02P255 # تقوله، فعلى هذا جرى قول النبي الكريم (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي)، ~~أي كيف ترون إن كنت على واضحه وعلى يقين من ربي وآتاني منه ms285 رحمة فعصيته ~~بموافقتكم، فإن فعلت ذلك فمن ينصرني ويمنعني من عذابه، فخاطبهم عليه السلام ~~بطريقة فرض هذا: إن كان كذا، وهو عليه السلام العليم بحاله الجليل، وعلى ~~بينة من ربي، وأكد بتقدم المجرور في قوله (وآتاني منه رحمة)، لما يحرز ~~تقديمه من التأكد ويعيه مفهومه من أن الرحمة منه سبحانه لا يشرك فيها غيره، ~~فهو مخصوص لا يحصل مع تأخيره. فتقديم هذا الضمير المجرور كتقديمه في قوله ~~سبحانه: (ولم يكن له كفوا أحد) (الأخلاص: 4)، وقد تقدم مثله في إنشاد ~~سيبويه (رحمة الله عليه): # لتقربن قربا لجذيا ما دام فيهن فصيل حيا # فلما بالغوا في قبح الجواب بالغ، عليه السلام في رد مقالهم، فقدم المجرور ~~لتأكيد أن الرحمة من عند الله تعالى: (وآتاني منه رحمة). # ولما لم يكن في مراجعة قوم نوح مثل هذا في شناعة الجواب، لأن أقصى ~~المفهوم من قولهم: (ما نراك إلا بشرا مثلنا)، إلحاقه بهم ومماثلته إياهم، ~~وكلهم يقولون لو كنت رسول لكنت من الملائكة ولم تكن لتماثلنا. فلم يكن في ~~قول هؤلاء ما في قول قوم صالح، فجرى جوابه، عليه السلام، على نسبة ذلك ~~فقال: (وآتاني رحمة من عنده)، فأتى بالمجرور مأخرا في محله على ما يجب، حيث ~~لا يقصد في إحراز المفهوم ما قصد في الآية الأخرى، فورد كل على ما يلائم، ~~والله أعلم. ### | الآية الخامسة # من سورة هود قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها ~~من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول) (هود: 40)، وفي سورة: ((قد ~~أفلح المؤمنون)) (فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ~~... ) (المنؤمنون: 27). للسائل أن يسأل عن وقله في سورة هود (قلنا احمل) ~~وفي السورة الثانية (فاسلك) والقصة واحدة فهل ذلك بمقتض لكل واحد من ~~الموضوعين بما وقع فيه؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن لفظ احملأوسع مواقع في اللغة وأكثر تصرفا ~~في الكلام تقول: حملت الشيء إلى فلان، وحملته على كاهلي، وحملت العلم عن ~~فلان، وحمل فلان الأمانة، وحمله ms286 الغضب على كذا، وحمل الفارس على صاحبه، ~~وحملت المرأة والشجر، ولا تقول في شيء من هذا سلك إلا أن يكون المحصور فيه ~~حسبما # # PageV02P256 # تعاقب سلك وحمل إن لم يعرض في المعنى ما يمنع. وأما سلك فإن العرب تقول: ~~سلكت الشيء في الشيء وأسلكته أي أدخلته قال الله تعالى: (اسلك يدك في جيبك) ~~(القصص: 32)، أي أدخلها، وقال تعالى: (ما سلككم في سقر) (المدثر: 42) أي ما ~~أدخلكم، وقال تعالى: (ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا) (الجن: 17) أي ~~ندخله فيه، وكل ما يخرج سلك عن هذا المعنى من الدخول حقيقة ومجازا، ففيها ~~من حيث معنها الخصوص، وأما حمل ففيها اتساع لا يكون في سلك. فوجه ورودها في ~~سورة هود مناسبتها من حيث المعنى من حيث ما اقترن بها من لفظ: ((قلنا))، ~~فطال الكلام لفظا مع ما أشرنا إليه من سعة المحامل، وإن لم يرد جميعها هنا، ~~لكن ناسب مجموع هذه العبارة ما ورد في سورة هود من إستيفاء قصة نوح، عليه ~~السلام، وطول الكلام بذلك. # وأما آية المؤمنون ففي قصة نوح فيها إيجاز وإجمال، إلا ترى أنها في كلمها ~~وعدد حروفها - أعني آية هود - على الضعف أو أطول مما في سورة المؤمنون، ~~فلذلك ورد في سورة المؤمنون لفظ ((أسلك)) لإيجازه من حيث معناه وعروه عن ~~(إقتران) لفظ ((قلنا)) أو غيره مما يحرز الطول، بخلاف ما في سورة هود. ومما ~~يعضد هذا المقصود ويشهد له قوله تعالى في سورة هود: (حتى إذا جاء أمرنا) ~~(هود: 40)، وفي سورة المؤمنون: (فإذا جاء أمرنا) (المؤمنون: 27). فتأمل ~~تنظير ((حتى)) وهي على أربعة أحرف بفاء التعقيب في سورة المؤمنون في قوله: ~~((فإذا))، وإنما الفاء على حرف واحد، فنوسب بالفاء موضعها المبنى على ~~الإيجاز، وبحتى موضعها المبني على الاستيفاء والطول، فقد وضح ورود كل من ما ~~في السروتين على ما يجب ويناسب، والله سبحانه أعلم بما أرد. ### | الآية السادسة # من سورة هود: (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا) ~~(هود: 58)، وقال في قصة شعيب عليه ms287 السلام: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا) (هود: 94)، فعطفت لما على ما قبلها بواو النسق ~~في هذين الموضوعين وخالفت قصة صالح وقصة لوط، عليهما السلام، في الحرف ~~المعطوف به هذه الجملة المصدرة بحرف الوجوب فقيل في قصة صالح عليه السلام: ~~(فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) (هود: 66)، وفي ~~قصة لوط عليه السلام: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) (هود: 82)، ~~بعطف لما على ما قبلها من هتين الآيتين بفاء التعقيب، فللسائل أن يسأل عن ~~وجه اختصاص آيتي هود وشعيب بالواو وآيتي صالح ولوط، عليهما السلام، (فاء ~~التعقيب؟ وهل ذلك بواجب؟). # # PageV02P257 # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آيتي صالح وهود ورد فيهما ما يقتضي معناه ~~أن يربط بالفاء المقتضية التعقيب، أما قصة صالح منهما فتقدمها قوله تعالى: ~~(فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) (هود: 65)، فكأن قد قيل: فلما ~~انقضت، فالموضوع للفاء لمقصود التعقيب. ومثل هذا من غير فرق قوله تعالى في ~~قصة لوط عليه السلام: (إن موعدهم الصبح) (هود: 81)، ولا شك أن المعنى ~~يستدعي تقدير فلما أصبح تحقيقا لصدق الوعيد، وإعقابا لا يتحصل بغير الفاء، ~~فهذا يوجب خصوص الفاء بهذين الموضعين. وأما قصة هود عليه السلام، فلم يرد ~~فيها ما يستدعي تعقيبا، بل قبلها ما يقتضي أن ينسق ما بعده عليه بواو ~~العطف، وذلك قوله تعالى مخبرا عن قوم هود: (ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا) (هود: 57)، ثم قال: (ولما جاء أمرنا) (هود: 58)، فعطف هذه ~~الجمل بعضها على بعض بما يعطي ذلك، ويناسب العطف بالواو، وعلى هذا وردت آية ~~شعيب عليه السلام، فورد قبلها: (ويا قوم اعملوا على مكانتكم) (هود: 93) ثم ~~بعد ذلك: (وارتقبوا إني معكم رقيب) (هود: 93)، وليس هذا ما يقتضي تعقيبا بل ~~بابه حمل الآي بعضها على بعض بحرف التشريك، فجاء كل على ما يناسب، والله ~~أعلم بما أراد. ### | الآية السابعة # قوله تعالى في قصة هود: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) (هود: 60)، وفي قصة ~~موسى بعد من هذه السورة: (وأتبعوا ms288 في هذه لعنة) (هود: 99) فجمع في قصة هود ~~بين اسم الإشارة ولفظ الدنيا الجاري عليه وصفا، وأكتفي في قصة موسي باسم ~~الإشارة دون التابع، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ وهل كان يجوز عكس الوارد؟ # والجواب عن ذلك: أن الوارد عليه كلا من الآيتين لا يحسن خلافه ولا يناسب، ~~وذلك لوجهين: أحدهما أن قصة هود، عليه السلام، في هذه السورة أكثر استيفاء ~~من قصة موسي عليه السلام، بكثير فناسب الطول الطول والإيجاز الإيجاز، ولا ~~يليق العكس. والوجه الثاني أن قوله تعالى في قصة هود: (وأتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة) (هود: 60)، وارد على الأصل من الجمع بين التابع نعتا أو عطف ~~بيان وبين متبوعه، وجاء في قصة موسى عليه السلام: ((وأتبعوا في هذه لعنة) ~~على حذف الوصف للإكتفاء باسم الإشارة، وكل فصيح، فجيء بما هو في الأصل ~~أولا، ثم جيء ثانيا بما هو ثان عنه على ما ينبغي، ولا يحسن العكس لأن ذلك ~~شبه التفسير وبابه أن يتقدم، فما يحذف يكون لما تقدم من ما يدل عليه ويحذف ~~لما سيأتي بعد إلا في قليل نحو قوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض، ~~والرأي مختلف، وهذا الوجه كاف. والوجه الأول أنسب لراعي النظم، والله أعلم. # # PageV02P258 ### | الآية الثامنة # من سورة هودقوله تعالى: في قصة صالح: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا ~~قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه ~~مريبقالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) (هود: 62)، وقال في سورة ~~إبراهيم عليه السلام: (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه مريب) (إبراهيم: 9)، للسائل أن يسأل عن ثبات النونين وهما ~~للمضاعفة الداخلة للتأكيد ونون الضمير في ((إننا)) في سورة هود (وسقوط إحدى ~~النونين في سورة إبراهيم من ((إنا))؟ وعن إفراد النون في سورة هود: (في)) ~~(تدعونا) والحاق نون ثانية في (تدعوننا) من سورة إبراهيم؟ # والجواب عن ms289 ذلك: أن ((إننا)) الواردة في سورة هود المضموم فيها إلى أن ~~المشددة الناصبة للإسم والرافعة للخبر نون الضمير المنصوب وارده على ما يجب ~~وعلى الأصل في إتصال الضمير المنصوب، ثم يجوز حذف إحدى المضاعفين تخفيفا ~~فنقول: (إنا) فنكتفي بالضمير عن النون المحذوفة، وذلك من فصيح كلامهم، ~~والأصل الأول، وإذا تقرب هذا فاعلم أن الضمير المتصل بالفعل في (تدعونا) في ~~سورة هود ضمير مفرد مستتر وهو ضمير صالح، عليه السلام، ورفع هذا الفعل ~~بالضمة المقدرة في الواو من (تدعونا) ضمير قوم صالح. ولا نون هنا غير هذه، ~~وأما قوله في سورة إبراهيم عليه السلام: (مما تدعوننا) فالواو ضمير الرسل ~~المقول لهم: (إنا كفرنا بما أرسلتم به)، ورفع هذا الفعل بالنون الأولى ~~والنون الثانية ضمير المدعوين، فلابد هنا من النونين في (تدعوننا)، فلما ~~لزمت النونان هنا جيء معهما بإن المحذوفة النون لتقارب اللفظ أعني قرب إن ~~من تدعوننا، فكان في مظنة الإستثقال فحسن الحذف حيث يجوز فقيل: (وإنا لفي ~~شك مما تدعوننا إليه مريب) (إبراهيم: 9)، ولما لم يكن في (تدعونا) في سورة ~~هود إلا نون واحدة وهي نون الضمير لم يستثقل، فجيء بإننا على الأصل فجاء كل ~~على ما يجب، والله أعلم بما أراد. ### | الآية التاسعة # من سورة هود، عليه السلام، قوله تعالى في قصة صالح: (وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) (هود: 67)، وقال في هذه السورة في قصة ~~شعيب عليه السلام: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) (هود: 94)، يسأل عن ~~سقوط علامة التأنيث من الفعل في قوله: (وأخذ) في قصة صالح وثبوتها فيه في ~~قصصة شعيب مع التساوي في الفاعل وهي الصيحة والتساوي في الفصل الواقع بين ~~الفعل وفاعله الرافع له؟ # والجواب عن ذلك: أن التأنيث على ضربين حقيقي وغير حقيقي، فالحقيقي لا # # PageV02P259 # تحذف تاء التأنيث من فعله غالبا إلا أن يقع فصل نحو قام اليوم هند، وكلما ~~كثر الفصل حسن الحذف، ومن كلامهم حضر القاضي اليوم ms290 امرأة، والإثبات مع ~~الحقيقي أولى ما لم يكن جمعا. وأما التانيث غير الحقيقي فالحذف فيه مع ~~الفصل حسن، قال تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) (البقرة: 275)، وهو ~~كثير، فإن كثر الفصل ازداد حسنا، (ومنه) (وأخذ الذين ظلموا الصيحة)، فالحذف ~~والإثبات هنا جائزان والحذف أحسن، فجاء الفعل في الآية الأولى على الأولى، ~~ثم ورد في قصة شعيب وهي الثانية بإثبات علامة التأنيث على الوجه الثاني، ~~جمعا بين الوجهين إذ الآيتان في سورة واحدة وتقدمها الأولى على ما ينبغي، ~~والله أعلم. وهذا ما لم يكن الفاعل ضمير مؤنث فله أحكام تخصه. ### | الآية العاشرة # (من سورة هود عليه السلام) قوله تعالى: (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود) (هود: 68) وقرئ ثمود في الموضوعين بالوجهين من الصرف وعدمه إلا أن ~~أكثر القراء على الصرف في الأول ومنعه في الثاني، فيترتب على قراءة ~~الأكثرين سؤال وهو لم صرف في الأول في قراءة غير حفص وحمزة ومنع الثاني ~~الصرف في قراءة الجماعة غير الكسائي؟ # ووجه ذلك، والله أعلم: التفات شيء في خفاء يراعي مثله وذلك أن الاسم ~~النكرة إذا تكرر وأريد بالثاني الأول ولم يرد غيره لزمت الألف واللام التي ~~للعهد فصار معرفة تقول: رأيت رجلا فضربت الرجل تريد المذكور ولا تعيده نكرة ~~بوجهه، ولك أن تأتي به مضمرا فتقول رأيت رجلا فضربته فإذا تكلمت (بهذا) في ~~المعرفة فالأكثر أن تأتي به مضمرا أو موصوفا كقولك المذكور أو ما لا يخرج ~~عن الأول حتى لا يظن أنك تريد سواه فتقول: رأيت زيدا فكلمته ولقيت عمرا ~~فضربت المذكور أو ضربت عمرا المذكور، والثاني المكرر أبدا إن كان الأول ~~نكرة كان هو معرفة بأداة العهد، وإن كان الأول معرفة كان الثاني أمكن في ~~التعريف إذ قد يدخل الأول اشتراك لوجود أمثله ممن سمي باسمه، أما الثاني ~~فلا يدخله اشتراك من حيث هو إلا أن يسري له الاشتراك من الأول، (فقد) ثبت ~~على كل حال أنه أبعد من الاشتراك والالتباس من الأول وذلك شفوف له عليه، ~~فكأنه ms291 أعرف منه فإذا تكرر غيرر مضمر ولا منعوت وكان علما مما يجوز في مثله ~~الوجهان من الصرف وعدمه وذلك الثلاثي الساكن الوسط، والعرب قد تصرفه لخفته ~~ومنهم من يمنعه الصرف لوجود علتين ولا يراعى خفته، وقد أنشدوا عليه: # لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تستق دعد في العلب # فصرف أولا ولم يصرف آخر، فإذا كان أكد تعريفا كان الوجه منع صرفه إشعارا # # PageV02P260 # لتمكن تعريفه، إذ هذا الضرب من التعريف من موانع الصرف ولا اعتبار بما ~~دونه من المعارف في منع الصرف إلا لموانع أخر، فلهذا كان الثاني في قوله: ~~(ألا بعدا لثمود) أولى بمنع الصرف، والله أعلم، وعلى هذا ورد ما أنشدوه (من ~~قوله): # لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تسق دعد في العلب # فالمؤنث الثلاثي الساكن الوسط إذا لم يكن منقولا عن مذكر فيه الوجهان ~~الصرف وعدمه، إلا أن في اختصاص مكرره بالمنع تأنيس لما ذكرناه وإن لم ترد ~~به الشواهد إذ باب هذا معروف ومفهوم لا توقف فيه. ### | الآية الحادية عشر # : غ - قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا ~~يوم عصيب) (هود: 77)، وفي سورة العنكبوت: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ~~وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك) ~~(العنكبوت: 33) فوردت آية العنكبوت بزيادة (أن) بعد (لما) بخلاف آية هود، ~~فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # الجواب عنه، والله أعلم: أن (أن) هذه الخفيفة كثيرا ما تزاد، وزيادتها ~~على ضربين بقياس وغير قياس، فالذي بغير قياس نحو قوله: # كأن الظبية تعطو إلى وارث السلم # فزيدت بعد كاف التشبيه بينها وبين مجهورها، وأما التي تزاد بقياس فبعد ~~لما، ولما ورد في آية هود قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق ~~بهم ذرعا) ثم ورد هذا اللفظ بجملته في سورة العنكبوت متكررا بعينه ورد أولا ~~بغير ((أن)) على الأصل، وورد ثانيا بزيادة أن على الثاني ليحصل (بين) ~~التواردين ما يرفع تقصاقل اللفظ المذكور. # فإن قلت: فإنه قد ms292 تباعد ما بين الآيتين ومثل هذا ما يحصل فيه ما ذكرت، ~~فإقول: لما كان اللفظ اللفظ وكان زيادة (أن) وعدم زيادتها هنا هينا فصيحا ~~جيء بالجائزين معا وتأخرت الزيادة إذ هي غير الأصل إلى المتأخر من الآيتين. # فإن قلت: إن قوله تعالى: (فلما أن جاء البشير) (يوسف: 96) لم يقع فيه ~~تكرر فلم زيد فيه أن ولم يأت على الأصل؟ قلت: لما كان مجيء البشير إلى ~~يعقوب، عليه السلام، بعد طول الحزن وتباعد المدة ناسب ذلك زيادة أن لما في ~~مقتدى وصفها من التراخي، فورد كل من هذا على ما يجب، والله أعلم. # # PageV02P261 ### | الآية الثانية عشر # من سورة هود، عليه السلام، قوله تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن ~~يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه ~~مصيبها ما أصابهم) (هود: 81)، وقال في سورة الحجر: (فأسر بأهلك بقطع من ~~الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون) (الحجر: 85) ~~هنا ثلاثة سؤالات: أحدها (إلا أمراتك) في سورة هود، ولم يقع ذلك الإستثناء ~~في الحجر، والثاني: ما ورد في الحجر قوله: (واتبع أدبارهم)، والثالث قوله: ~~(وامضوا حيث تؤمرون) ولم يذكر في سورة هود. # والجواب عن الأول: أن آية الحجر ورد قبلها قوله في قصة إيراهيم عليه ~~السلام: (قال فما خطبكم أيها المرسلون *الوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * ~~إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين) ~~(الحجر: 57 - 60)، فلما ورد هنا استثناء المرأة وذكر حالها وقع بذلك ~~الاكتفاء فلم يذكر في الآية بعد، إذ ذلك كله كلام متصل بعضه ببعض، ولم ~~يتقدم لامرأة لوط، عليه السلام، في سورة هود ذكر تحتيجة إلى استثنائها. # والجواب عن السؤال الثالث أن قوله في سورة الحجر: (ولا يلتفت منكم أحد ~~وامضوا حيث تؤمرون) (الحجر: 65) زيادة إخبار بما ليس في سورة هود، وقد ~~تأخرت سورة الحجر عنها. فوفت بما لم يذكر في سورة هود، ومصل هذا لا سؤال ~~فيه. ### | الآية الثالثة عشر # غ - قولة تعالى: ms293 (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل) (هود: 82)، وفي صورة الحجر: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل) (الحجر: 74)، ففي الأولى: (وأمطرنا عليها) والضمير ~~للقرية والمراد أهلها، وفي الثانية: (وأمطرنا عليها) والضمير لقوم لوط ~~فللسائل (أن يسأل) عن وجه اختلاف الضمير مع اتحاد المقصود؟ والجواب عن ذلك، ~~والله أعلم: أن كلا من الموضوعين مراعي فيه مناسبة ما تقدمه، ولما تقدم آية ~~الحجر قوله تعالى: (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) (الحجر: 58)، فذكر ~~قوم لوط موصوفين بالإجرام الموجب لهلاكهم فروعي هذا المتقدم فقيل: (وأمطرنا ~~عليها) (الحجر: 74) ونظير هذا قوله تعالى في سورة الذاريات: (الوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين) (الذاريات: 32 - 33)، ~~فقيل: (عليهم) لما تقدم (قوله): (إلى قوم مجرمين)، وأما آية هود فلم يتقدم ~~فيها مثل هذا، فكتفى بضمير القرية فقيل: (وأمطرنا عليها) (هود: 82)، # # PageV02P262 # وأغنى ذلك عن ذكر المهلكين إذ هم المقصودون بالعذاب، فورد كل على ما ~~يناسب، والله أعلم. ### | الآية الرابعة عشر # من سورة هود قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى ~~فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) (هود: 96 - 97)، وقال ~~في سورة غافر: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان ~~وقارون فقالوا ساحر كذاب) (غافر: 23 - 24)، وقال في سورة الزخرف: (ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين) (الزخرف: ~~46)، وقد ذكر صاحب كتاب الدرة هذه الآيات الثلاث لستوائها في الافتتاح ~~والمطالع وانفراد آيتي هود وغافر بزيادة قوله (وسلطان مبين)، ولم يذكر ذلك ~~في آية سورة الزخرف، وقد ورد في مثل هذا أمثلة في العدد وإن خالفه في ~~المطالع والافتتاح إلا أنها من ضربها وذلك قوله في سورة المؤمنون: (ثم ~~أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاستكبروا ~~وكانوا قوما عالين * فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) ~~(المؤمنون: 45 - 47)، وتقدم في سورة الاعراف: (ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها) (الاعراف: ms294 103)، وفي سورة يونس: (ثم ~~بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما ~~مجرمين) (يونس: 75)، فورد في سورة هود وفي سورة المؤمنون وسورة غافر زيادة ~~قوله: (وسلطان مبين) ولم تزدد هذه الزياده في السور الثلاث الآخر، وورد في ~~سورة يونس وسورة المؤمنون ذكر تأييد موسي بأخيه هارون، عليهما السلام، ولم ~~يرد ذلك في غيرهما، وأنفردت سورة المؤمنون بالجمع بين تأييده، عليه السلام، ~~بأخيه وسلطان مبين، فللسائل أن يسأل عن توجيه ذلك كله لاتحاد الاخبار؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أنه حيث يذكر سوء رد المرسل اليهم وقبح جوابهم ~~يقابل ابدا تأيده بأخيه أو عضده بالآيات مما يقتضي القهر والإرغام وهو ~~المعبر عنه بالسلطان المبين فيكون ذلك مقابلة لشنيع مجاوبتهم وسوء ردهم ~~بالجملة، فإنه إذا اجتمع افصاحهم بالتكذيب واستكبارهم جمع في التهديد ~~المتقدم بين التأييد بهارون وسلطان مبين، وحيث يصرح بالتكذيب أو ما يعطيه ~~بيانا كقوله: (فاتبعوا أمر فرعون) قدم ذلك التأييد بالسلطان (المبين)، وحيث ~~تذكرصفتان محوتان على تكذيب من غير إفصاح يقدم ذكر التأييد بهارون، عليه ~~السلام، وما كان دون ما ذكر لم يذكر هارون ولا السلطان # # PageV02P263 # المبين، فمن ذلك قوله (فاتبعوا أمر فرعون) فإنه اخر تعالى عنهم بأنهم لم ~~تجد عليهم البراهين ولا الآيات، إلا اتباع أمر فرعون، وقوله تعالى مخبرا ~~عنهم في سورة المؤمنون بقوله: (فاستكبروا وكانوا قوما عالين) (المؤمنون: ~~46)، إلا ما تبع ذلك محكيا من قبيح قولهم: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ~~وقومهما لنا عابدون * فكذبوهما) (المؤمنون: 47 - 48) وأخباره تعالى عنهم في ~~سورة غافر في قوله: (ساحر كذاب) (غافر: 24)، فهذه المواضع لما ذكر فيها ~~شنيع مرتكبيهم في تلقي دعاء موسى، عليه السلام، إياهم قدم تواطئه لسوء ~~مرتكبيهم تأييده، عليه السلام، السلطان المبين ليفيهم ذلك أخذهم وهلاكهم ~~بسوء مرتكبهم، وقدم في سورة يونس تواطئه لما ذكر فيها من استكبارهم ~~واجترامهم تأييد موسي بأخيه هارون، عليهما السلام، وذلك من السلطان المبين، ~~ولما تضاعف المحكي من مرتكبيهم وقبيح مقالهم في سورة المؤمنون قدم في ذكر ~~إرساله تأييده باخيه والسلطان ms295 المبين مقابلة للاخبار عنهم بقوله: ~~(فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون * فكذبوهما) (المؤمنون: 46 - 48)، فاخبر تعالى عنهم بالتكذيب ~~والاستكبار والاجترام والعلو تامردا وعلوا وادعاء المماثلة لهم في البشرية ~~الاختصار لإقدارهما العلية، فقوبل هذا الاسهاب من مقالهم السيء بالإطالة في ~~ذكر التأييد ليتناسب الطرفان. أما حيث لم يرد ذكر السلطان فنجد جوابهم في ~~ذلك دون ما تقدم من التشديد كقولهم في سورة الاعراف: (فظلموا بها) ~~(الاعراف: 103)، وقوله في سورة الزخرف: (فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها ~~يضحكون) (الزخرف: 47)، فليس موقع جوابهم في هاتين السورتين كموقع ما تقدم ~~في الآيتين، فنوسب بين طرفي الإدعاء والجواب. ### | الآية الخامسة عشر # (من سورة هود) قوله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) ~~(هود: 117)، وفي سورة القصص: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) (القصص: ~~59)، للسائل أن يسأل عن (قوله في) أولى الآيتين: (وما كان ربك) وفي الثانية ~~(وما كنا)، وعن قوله في الأولى: (ليهلك) بالفعل الداخلة عليه لام الجحود، ~~وفي الآخر: (مهلك) و (مهلكي) بسم الفاعل، وعن قوله في الأولى: ((مصلحون)) ~~وفي الثانية: ((حتى نبعث في أمها رسولا .. ) الآية وفي الثالثة: ((إلا ~~وأهلها ظالمون)) فتلك ثلاثة اسأله. # والجواب: أن آية هود تقدمها قوله تعالى (لولا كان من القرون من قبلكم ~~أولو بقية # # PageV02P264 # ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم) (هود: 116)، أي ~~فهلا كان منهم خيار وينهون عن الفساد والظلم، فلو كان منهم ذلك لما هلكوا: ~~(وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) (هود: 117)، أي ما كان ليفعل ~~بهم وإن وقع منهم ظلم ذلك كان فيهم مغير للظلم وناه عن الفساد ولكنهم كانوا ~~كما أخبر تعالى عن المعتدين من بني إسرائيل في قوله تعالى عنهم: (كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه) (المائدة: 79)، وجيء بالفعل في قوله: (ليهلك) إشارة ~~إلى التكرر بحسب ما يكون منهم، فلو كان في كل أمة وقرن بعد قرن ms296 من ينهي عن ~~الفساد والظلم لما أخذ بذوي الظلم منهم ولكان تعالى يدفع بعضهم عن بعض، ~~ولكن تكرر الفساد وعم كل قرن فتكرر عليهم الجزاء والأخذ، فأشار الفعل إلى ~~التكرر ولم يكن الاسم ليعطي ذلك، وهذا كقوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير ~~فوقهم صافات ويقبضن) (الملك: 19) ولم يقل: وقابضات لما قصده من معنى ~~التكرر، وأما قوله في سورة القصص: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسولا ... ) (القصص: 59) فإنه تقدم هذا في قوله تعالى: (ولقد وصلنا ~~لهم القول لعلهم يتذكرون) (القصص: 51) أي أتبعنا وولينا التذكار، ويشهد ~~قوله تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) (فاطر: 24)، وقوله تعالى: (وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء: 15)، فلما أعلم سبحانه تتابع التذكار ~~وتعاقب الإنظار قال: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) ~~(القصص: 59)، ونسب هذا ذكر اسم الفاعل لأنه قصد ذكر الاتصاف بهذا ولم يقصد ~~التكرر ولم يكن حاصله، وقال هنا وفي آية هود: (وما كان ربك) بإضافة اسم ~~الرب جل وتعالى إلى ضمير نبينا صلي الله عليه وسلم المخاطب بهذه ملاطفة ~~لهذا النبي صلى الله عليه وسلم وتأنيسا له ولأمته وإشعارا بعظيم حظوته ~~ومنزلته لديه سبحانه، ثم اتبع تعالى هذا بقوله: (وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون) (القصص: 59)، فأخبر تعالى أنه ما أهلكهم إلا بعد استحقاق ~~جميعهم العذاب وتساويهم في الظلم وقيل في هذه الآية الأخيرة: (وما كنا ~~مهلكي القرى) لئلا يتكرر اللفظ بعينه مع الاتصال والقرب وليس من مواضعه، ~~وقد حصل جواب الاسئلة الثلاثة وبيان خصوص كل آية منها بمواضعها، والله ~~أعلم. # *** # # PageV02P265 ### | سورة يوسف (عليه السلام) ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (يوسف: ~~2)، وفي سورة الزخرف: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (الزخرف: 3)، ~~فورد (هنا) ((جعلناه)) موضع ((أنزلناه)) في الآية الأولى: فلسسائل أن يسأل ~~عن موجب هذا التخصيص لاتفاق الوارد في الآيتين لفظا ومعنى في غير ما ذكر؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن آية (سورة) يوسف لما كانت ms297 توطئة لذكر قصصه، ~~عليه السلام، ولم تتضمن السورة غير ذلك إلا ما أعقب به في آخرها مما يعرف ~~بعجيب ما تضمنته ما كان غيبا عند قريش والعرب، مستوفيا ما كان أهل الكتاب ~~يظنون أنهم انفردوا بعلمه، فأنزل الله هذه السورة موفية من ذلك أتمة، ~~ومعرفة من قصصه العجيب، ومؤدية أكمله وأعمه، ولا أنسب عبارة هنا من قوله ~~تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) ليعلم العرب والجميع أن نبينا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم لم يتلق ذلك القصص من أحد من العرب، إذ لم يكن عندهم منه ~~نبأ، ولا رحل في تعرفه إلى أحد، فكام قصصا وآية معلما بصحة رسالته عليه ~~السلام، وعظيم تلك العناية، فالتعبير بالإنزال هنا (بين). # وأما آية الزخرف فلم تبن على أخبار بل أعقبت بآي الاعتبار والتلطف في ~~التنبيه والتذكار قال تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) ~~(الزخرف: 5)، وهذا أعظم التلطف، وقال تعالى بعد: (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) (الزخرف: 9)، ثم مضت أكثر آي ~~هذه السورة على نحو خذا الاعتبار وما يناسبه. # وقد ذكر سيبويه، رحمه الله، في أقسام جعل كونها بمعنى صير ملحقا لها ~~بظننت وأخواتها ومنه وقلهم: جعل الطين خزفا، وذلك انتقال وتصيير فالمراد ~~بالآية جعل الكتاب معتبرا هدى ونورا والمنبهون به والمعتبرون بآياته ~~المخاطبون به مخلوقون تقدمهم العدم، وإنما صح خطابهم به مشاهدة بعد وجودهم، ~~فصح بانتقال حالهم التصيير، وجل عن التغيير والحدوث كلام الحكيم الخبير، ~~فكرمه سبحانه قديم ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة # # PageV02P266 # لمخلوق فينفد، فقد وضح معنى الجعل هنا ومسوغه، وأنه لا يناسب هنا غير ~~ذلك، ولا يناسب الآية الأخرى غير (أنزل)، فجاء كل على ما يجب والله أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة يوسف عليه السلام، قوله تعالى: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين) (يوسف: 22) وفي سورة القصص: (ولما بلغ أشده واستوى ~~آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) (القصص: 14)، للسائل أن يسأل عن ~~ثبوت قوله: ((واستوى)) في سورة القصص ولم يثبت ذلك ms298 في سورة يوسف؟ وهل كان ~~يمكن ورود العكس في الآيتين؟ # والجواب عن ذلك: أن الأشد مختلف فيه من البلوغ إلى استكمال أربعين سنة، ~~وقد قيل بالزيادة على الأربعين، وظاهر القرآن أن الأشد يقع على دون ~~الأربعين لقوله تعالى: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) (الأحقاف: 15)، ~~فلو كان الأشد الأربعين لأدى إلى عطف الشيء على نفسه، فإنما الكلام في قوة ~~أن لو قيل: حتى إذا بلغ أشده واستكمل وتم بالزيادة، والله أعلم، وإذا كان ~~وقوع الأشد على ما ذكرنا، ولا يكون إلا على خال من العمر يحسن في الظبط ~~والتدبير، والإحكام للأمور، والفهم للخطاب، وتحقيق مقادير الأمور، وهذا ~~بجري العادة إنما ابتداؤه عند البلوغ أو قبل البلوغ، ثم يستحكم إلى الغاية ~~التي إليها انتهاء تمام القوة واستحكام العقل، وتلك الأربعون، وعلى رأس ~~الأربعين سنة بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم أن الله سبحانه ~~قال في قصة يحيى بن زكريا، عليه السلام: (وآتيناه الحكم صبيا) (مريم: 12)، ~~وهذا ولابد في غير (سن) الأربعين، وقال تعالى في قصة يوسف، عليه السلام، ~~إنما ابتدئ بالوحي وسماع الكلام بعد فراره خوفا من فرعون، قال تعالى: ~~(ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) (الشعراء: 21) ~~وأفصحت آي القرآن أن ذلك كان بعد رجوعه وإنكاح شعيب عليه السلام إياه ~~ابنته، ولم يخرج من مصر حتى ائتمر به للقتل وبعد وكز الذي كان من عدوه ~~وقضائه عليه، ومجموع هذا إنما هو بخروجه، عليه السلام، عن سن الابتداء إلى ~~استكمال الأشد وهو الاستواء، فقيل في قصته: (ولما بلغ أشده واستوى) (القصص: ~~14) أي استكمل وانتهى إلى أحسن الحالات في السن، وأما يوسف، عليه السلام، ~~في الوحي إليه في الجب فحاله وإن بلغ ما يسمى أشدا غير حالة الاستواء، ~~فامتنع مجيء # # PageV02P267 # الاستواء في قصته وورد في قصة موسى، وكلام المفسرين إذا تؤمل وإن لم يكن ~~إفصاحا مشعر بهذا، فجاء كل على ما يجب، والله أعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة يوسف، عليه السلام، قوله تعالى: (وما ms299 أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم من أهل القرى) (يوسف: 109)، وفي سورة النحل (وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (النحل: 43)، ~~وفي سورة الأنبياء: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) (الأنبياء: 7)، ~~وفي سورة الفرقان: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق) (الفرقان: 20)، للسائل أن يسأل عن اختصاص هاتين الآيتين ~~الأخيرتين بسقوط ((من)) منهما وثبوتها في الآيتين الأوليين. # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية يوسف قد تقدمها قوله تعالى: (وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (يوسف: 106)، وقوله: (وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين) (يوسف: 108)، وقوة السياق في هذه الآي يدل على معنى القسم ~~ويعطيه، فناسب ذلك زيادة ((من)) المقتضية الاستغراق، وكذلك قوله في سورة ~~النحل: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ~~ولأجر الآخرة أكبر) (النحل: 41) يؤكد ذلك المعنى، فناسبه زيادة ((من)) ~~لاستغراق ما تقدم من الزمان. # أما قوله تعالى في سورة الأنبياء (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) ~~(الأنبياء: 7) فتقدم قبلها إنكار الكفار كون الرسل من البشر في قوله: (هل ~~هذا إلا بشر مثلكم) (الأنبياء: 3)، واقتراحهم الآيات في قوله: (فليأتنا ~~بآية كما أرسل الأولون) (الأنبياء: 5)، فلما انطوى هذا الكلام على قضيتين: ~~من اقتراحهم الآيات، وإنكارهم كون الرسل من البشر، وقد بين لهم حال ~~المقترحين في قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها) (الأنبياء: 6)، ~~فلما تقدم هذا اتبع ببيان الطرف (الآخر) وهو التعريف بأن من تقدم من الرسل ~~إنما كانوا رجالا من البشر، مختصين بتخصيصه سبحانه، ولم يكونوا ملائكة، ~~فقيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم) (الأنبياء: 7)، فقيل هنا: (قبلك) كما قيل في نظيرتها: (ما ءامنت ~~قبلهم)، فلم تدخل هنا ((من)) كما لم تدخل في النظير (الآخر) لإحراز ~~التناسب، والتام الجملة المنطوية على طرفي مقصدهم من الاقتراح وإنكار كون ~~الرسل من البشر، وكذلك الوارد في سورة الفرقان في قوله تعالى: ms300 (وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون # # PageV02P268 # الطعام ويمشون في الأسواق) (الفرقان: 20)، وإنما ورد جوابا لقولهم: (مال ~~هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) (الفرقان: 7)، ولا داعي في هذا ~~للقسم إذ هو جواب لقولهم، فلا داعي لورود ((من))، فورد هذا كله على أبدع ~~نظام وأعلى تناسب، وإذا اعتبر الناظر استوضح أن كلا من هذه الآي لا يمكن ~~إتيانه في موضوع غيره والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة يوسف، عليه السلام، قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا) (يوسف: 109)، ~~قلت: تكرر هذا الضرب من الاعتبار بأحوال من تقدم من الأمم وما أعقب ~~المكذبين تكذيبهم في عدة مواضع، منها ما ورد فيه بعد همزة التقرير وفاء ~~التعقيب، ومنها ما ورد بواو النسق، فأما تقديم الهمزة قبلها فلما لها من ~~الصدرية، فلا يتقدم حرف العطف عليها، ولما جرت في هذه الآي على ما ذكرنا من ~~تخصيص بعض هذه المواضع بالفاء المقتضية مع التشريك الترتيب والتعقيب، ~~وبعضها بالواو المقتضية مجرد التشريك والجمع، كان ذلك مظنة سؤال، فللسائل ~~أن يسأل عن تخصيص كل واحد من هذه المواضع بما اختص به في عطفه على ما قبله؟ ~~فمن الوارد بالفاء آية يوسف المذكورة آنفا وفي سورة الحج: (أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) (الحج: 46)، وفي آخر سورة غافر: (أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم ... ~~) (غافر: 82)، وفي سورة القتال: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها) (محمد: 10)، فهذه ~~أربع آيات مما ورد بالفاء. ومن الوارد بالواو قوله في سورة الروم: (أولم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها) (الروم: 9)، وفي سورة الملائكة: ~~(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة) ... (فاطر: 44)، وفي سورة المؤمن: (أولم يسيروا ms301 في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في ~~الأرض) (غافر: 21)، فهذه ثلاث آيات. # والجواب عن الضرب الأول: أما آية يوسف فقوله تعالى: (أفلم يسيروا في ~~الأرض) (يوسف: 109) مربوط بما قبله ومبني على ما تقدم كحال في جواب مبني ~~على ما قبله، ألا ترى أن قبل الآية آيات تخويف وترهيب، كقوله تعالى: (وكأين ~~من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) (يوسف: 105)، ثم ~~قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (يوسف: 106)، ثم قال ~~تعالى: (أفأمنوا أن تأتيهم # # PageV02P269 # غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون) (يوسف: 107)، ~~ثم قال تعالى: (ل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) ~~(يوسف: 108)، ثم قال: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل ~~القرى أفلم يسيروا في الأرض) (يوسف: 109) فالكلام (بجملته في قوة أن لو ~~قيل: ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا من البشر أمثالك فكذبوا فهلك مكذبوهم ~~وأخذوا كل مأخذ، فإن شاء هؤلاء فليسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~(الذين من قبلهم) ممن تقدمهم، فالكلام من حيث معناه في قوة الشرط والجزاء ~~فورد بالفاء، وليس موضع الواو، ويشهد لهذا الغرض ويبينه قوله تعالى: (ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض) (النحل: 36)، (أي) فإن شككتم ~~فسيروا في الأرض، وعلى هذا المعنى كل ما ورد من هذا. ومن هذا القبيل آية ~~سورة الحج، ألا ترى أن قبلها قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم ~~نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير) (الحج: 42 - 44)، ثم قال: ((فكأين من ~~قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد * أفلم ~~يسيروا في الأرض) (الحج: 45 - 46)، أي فهلا ساروا في (الأرض) قاصدين ~~الاعتبار فعقلوا بقلوبهم وانتفعوا بأسماعهم وأبصارهم، ms302 فعلى هذا المعنى لا ~~مدخل لواو العطف هنا، وإنما الملائم الفاء لما تعطيه من السببيه والارتباط. # وأما الوارد في (آخر) سورة المؤمن فقد تقدم قبلها قوله تعالى: (ويريكم ~~آياته فأي آيات الله تنكرون) (غافر: 81)، ثم قال تعالى: (أفلم يسيروا في ~~الأرض) (غافر: 82) أي فهلا ساروا في الأرض (فاعتبروا بما) في الأرض من ~~الآيات، قال تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (الذاريات: 20)، فالمعنى على ~~هذا وليس المعنى على العطف المجرد من معنى التسبب، فالموضع للفاء ولا لواو ~~النسق. # وأما الوارد في سورة القتال فإن قبل الآية: (يا أيها الذين آمنوا إن ~~تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ~~(8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) (محمد: 7 - 9)، ثم قال: ~~(أفلم يسيروا في الأرض) (محمد: 10)، فالملائم هنا الفاء لما في الكلام من ~~معنى التسبب والتخصيص المحرزين هنا ما يلائم ويناسب مرتكبهم من التوبيخ، ~~فالموضع للفاء المقصود بها ربط الكلام بما قبله. # # PageV02P270 # وأما الضرب الثاني مما ورد بالواو فلعطف ذلك (على) ما قبله تشريكا لا ~~سببية فيه ولا معنى جوابيه ولا مقصود تعقيب ولا ربط مقصزدها من المعاني بما ~~قبله سوى التشريك خاصة، ففي سورة الروم ورد متقدما قبل الآية في قوله ~~تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وأجل مسمى) (الروم: 8)، فعطف على هذه عطف تشريك لا سببية فيه ~~قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض) (الروم: 9)، فتشاركت الآيتان في الحض ~~على الاعتبار ومقصودهما واحد، فعطفت إحداهما على الأخرى بما يقتضي ذلك وليس ~~إلا الواو، وأما الفاء وثم فلا مدخل لواحدة منهما هنا، والله أعلم. # وأما سورة الملائكة فتقدم فيها قوله: (فهل ينظرون إلا سنت الأولين) ~~(فاطر: 43)، فأحيلوا على ما اطرد في من قبلهم من سنته تعالى فيهم، من أخذهم ~~بتكذيبهم سنة الله التي خلت من قبل، ثم أعقب بإحالتهم على قرب منهم ممن ~~شاهدوا آثاره وتعرفوا على قرب أخباره فقيل: (أولم يسيروا في الأرض) (فاطر: ~~44)، فقوله: (فهل ينظرون) وقوله: (أولم يسيروا) ms303 مسلك واحد في الاعتبار، فصل ~~لهم بحسب بعد ما أمروا باعتبار حاله (أو قربه)، فعطف أحد السببين على الآخر ~~مع اتحاد النوع المعتبر به، ولا يعطف مثل هذا إلا بالواو خاصة، وما سوى ~~الواو لا يلائم ولا يناس، والله أعلم. # وأما الآية الأولى من سورة المؤمن فملحوظ فيها من نيطت به في معناها من ~~قوله تعالى: (هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا ~~من ينيب) (غافر: 13)، وليس بعد هذه الآية من معناها إلا قوله تعالى: (أولم ~~يسيروا في الأرض) (غافر: 21)، فمن آياتته تعالى التي رآها عباده ما أجراه ~~من سنته فيمن خلا من الأمم، فوقعت الإحالة على ذلك بعطف الآية من قوله: ~~(أولم يسيروا في الأرض) على ما به نيطت حسبما تقدم، ولا يناسب ذلك غير ~~الواو. # *** # # PageV02P271 ### | سوة الرعد ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى: (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك ~~الحق) (الرعد: 1)، هنا سؤالان: أحدهما، أن السور الخمس المكتنفة لهذه ~~افتتحت بقوله تعالى: (آلر) وخصت سورة الرعد وهي سادستها بزيادة الميم (فقيل ~~آلمر)، وللسائل أن يسأل عن ذلك؟ والسؤال الثاني قوله تعالى: (والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق) (الرعد: 1)، وعطف هذه الجملة على ما قبلها يقتضي أن ~~المعطوف مغاير لما عطف عليه وإلا لزم منه عطف الشيء على نفسه؟ # والجواب عن الأول، والله أعلم: وإن كان مفهوما مما تقدم فلهذا الوارد هنا ~~ما يخصه وهو أن السورتين المكتنفتين لهذه السورة وهما سورة يوسف وسورة ~~إبراهيم لم يرد فيهما من الكلم المجتمع في تركيبها الألف واللام والميم ~~والراء (ما ورد) في سورة الرعد، أما سورة يوسف ففيها من ذلك كلمة: (الأمر) ~~في قوله تعالى: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) (يوسف: 41)، ولفظ: ~~(المجرمين) في قوله تعالى: (ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) (يوسف: 110)، ~~وأما سورة إبراهيم ففيها قوله تعالى: (لما قضي الأمر) (إبراهيم: 22)، ~~وقوله: (من الثمرات) (إبراهيم: 32)، وقوله: (وسخر لكم الشمس والقمر) ~~(إبراهيم: 33)، وقوله: (عند بيتك المحرم) (إبراهيم: 37)، وقوله: (وترى ~~المجرمين) (إبراهيم: 49)، فهذه ms304 خمس كلمات. وأما سورة الرعد فقد (ورد) فيها ~~من ذلك قوله تعالى: (وسخر الشمس والقمر) (الرعد: 2)، وقوله: (يدبر الأمر) ~~(الرعد: 2)، وقوله: (من كل الثمرات) (الرعد: 3)، وقوله: (وما تغيض الأرحام) ~~(الرعد: 8)، وقوله: (وهم يكفرون بالرحمن) (الرعد: 30)، وقوله: (فلله المكر ~~جميعا) (الرعد: 42)، فهذه ست كلمات من هذا التركيب لم ترد في مكتنفيها، ~~فلزيادة ما ورد فيها من هذا التركيب ورد في مطلعها ما ورد من زيادة الميم، ~~والله أعلم. # والجواب عن السؤال الثاني: بعد تمهيد، وهو أنا إن قلنا: إن المراد ~~بالمعطوف الكتاب بجملته، (والكتاب بجملته) هو المنزل، كان من عطف الشيء على ~~نفسه، وإن قلنا: إن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل أو أحد الكتابين ففي ~~هذا من البعد ما لا خفاء # # PageV02P272 # به، إذ لم نتعبد من هذه الكتب إلا بالإيمان، فإنزالها ووجودها على الجملة ~~على ما تقرر في شريعتنا، فكيف تقع الإحالة في الاعتبار عليهما ولم نؤمر ~~باعتبارهما في حكم ولا أمر ولا نهي، وإن قلنا إن المراد بآيات الكتاب آيات ~~السورة، وبالكتاب السورة، وبالذي أنزل إليك سائر القرآن، كما قال الزمخشري ~~كان أقرب، وفيه نحو تحريم على المقصود من غير إفصاح مخلص، فأقول ونسأل الله ~~توفيقه: إن الدلائل الاعتبارية على تفاصيلها منحصرة في منهجين بهما حصول ~~التوحيد وإثبات الرسالة، وعلى مضمن تفاصيلها منحصرة في منهجين بهما حصول ~~التوحيد وإثبات الرسالة، وعلى مضمن تفاصيلها دارت الآي الاعتبارية والتذكير ~~في كتاب الله تعالى: أحدهما، ما يدرك بالحواس، وإطالة التفكير في الموجودات ~~وارتباطها، ولحظ الابتداءات والانتهاءات، وتقلب الأكوان، (واختلاف الألسنة ~~والألوان، وحركات الأفلاك وكواكبها الثابتة والسيارة)، واختلاف حركاتها في ~~السرعة والبطء، وخنوس الخمسة منها ومطارح شعاعها، ومقادير الأزمان، وتقلب ~~النهار والليل بالطول والقصر، وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، ~~وتعاقب الفصول بالحر والبرد، وتسخير الرياح، وما في ذلك كله من علي الإحكام ~~وجليل الإتقان، إلى ما يرجع إلى ذلك مما تستقل به العقول وتجزم بدلالته، ~~والمنهج الثاني: ما يرجع الاعتبار به إلى المأثور من أحوال الأمم والقرون ~~المتقدمة، ودعاء الرسل إياهم وما كان ms305 من أخذ تكذيبهم حين تمردوا وعتوا، فكر ~~أخذ بذنبه، ونجاة المؤمنين من كل أمة. فعلى هذين المنهجين دارت آي الكتاب ~~العزيز المنطوية على تذكير العباد وتحريكهم للاعتبار، فمن الأولى قوله ~~تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم) (البقرة: ~~21) إلى قوله (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) (البقرة: 22)، وقوله ~~تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار) إلى قوله (لقوم ~~يعقلون) (البقرة: 164)، وقوله: (إن في السماوات والأرض) (الجاثية: 3)، ~~وقوله تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم) (الذاريات: 20 - 21)، ~~إلى ما يجاري هذه الآي مما يشير إلى دلائل الآفاق ودلائل الأنفس وما يرجع ~~إلى ذلك من دلائل التوحيد والتذكير به، فالربع الأول من القرآن أكثر، ثم ~~يليه في ذلك الربع الثاني، كما يكثر التذكير في الثاني (بما ورد في المنهج ~~الثاني)، وإنما ذلك - والله أعلم - لأن الضرب الأول معقول ومستنده ضروري ~~لأن مباديه حسية وبه اعتبر من انتهى إلى علم من الأوائل ممن كان في ~~الفترات، فمنهم المصيب والمخطيء، وهو معتبر منصوب للعالم من لدن وجودهم إلى ~~قيام الساعة، لا يضطر فيه إلى نقل ناقل ولا الاعتبار به من حيث الدلائل ~~يتنزل النظر في آيات الرسل وما جاؤوا به متحدين، وتعرف الخارق للعادة من ~~غيره، فلهذا - والله أعلم - تقرر هذا الضرب مبدوءا به في الترتيب الثابت ~~عليه المصحف وأتبع بالضرب الآخر على مقتضى الاعتبار، # PageV02P273 # فمن عرف الجائز والمستحيل أمكنة الاعتراف بالبدأة والعودة، وإرسال الرسل، ~~والثواب والعقاب، فيحصل العقل الجواز ويحصل التصديق بوقوع هذا الجائز من ~~أخبار الرسل بالنظر في معجزاتهم، فبدئ بالضرب الأول بمقتضى الترتيب كما ~~بينا، ولم يقع في الربع الأول من القرآن بسط اعتبار بالضرب الثاني ~~بالإخباري، إنما أمعن بذكره في الربع الثاني وبسط الأخبار عن القرون ~~المهلكة والأمم السالفة مع أنبيائهم وما أعقبهم التكذيب وأخذ كل قرن من ~~المكذبين بما أخذ به، ولم ينقطع التنبيه والتحريك مع ذلك بما في الضرب ~~الأول وما يرجع إليه. # ثم قد تجد السورة الواحدة مجرد لهذا الضرب كسورة ms306 الرعد، وللضرب الثاني ~~كسورة الأعراف وسورة يوسف، عليه السلام، وقد تجمع السورة الضربين على ~~السواء أو ما يقاربه كما في سورة الحجر، وأما سورة البقرة فقد تضمنت من كل ~~(من) الضربين ما فيه شفاء على إجمال فيما أشير إليه من الضرب الثاني، إذ ~~هذا الضرب إنما استوفى تفصيله في الربع الثاني. # ثم إن الضرب الأول وهو الذي يدرك بالعيان من آيات (اللوح) المحفوظ ~~المتضمن لكل من الضربين، قال تعالى: (كل في كتاب مبين) (هود: 6)، وإذا قلنا ~~إن الإشارة إلأى اللوح إنما يريد ما يستدل به ويعتبر مما نصب تعالى من ~~الآيات الدالة على عجائب من مضمناته، إذ لولا نصب تلك الدلائل ووضوح ~~الاعتبار بها لما أطلعنا عليه، وبلغ بحسب ما قدر الوصول إليه من مضمنه، إذ ~~هو محتو على كل شيء، قال تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في ~~كتاب مبين) (النمل: 75)، وتتباين أحوال المعتبرين، فعلى هذا يفهم المراد من ~~قولنا: (إن الإشارة بقوله): (تلك آيات الكتاب) إلى اللوح المحفوظ، وهو مراد ~~من قال بذلك في سورة البقرة من المفسرين وسورة النمل، ومن قال به أيضا في ~~سورة الرعد وهو الظاهر فيها، وقوله: (والذي أنزل إليك من ربك الحق) (الرعد: ~~1)، إشارة إلى الضرب الثاني وهو ما طريق تعرفه الخبر الصادق وذلك أخبار ~~الأمم مع أنبيائهم على ما تقدم وما نبينه بعد، وهذا الضرب موصل أيضا إلى ~~المقصود، إلا أنه لا يوصل إليه إلا من جهة الخبر وإن كان من مضمن ما في ~~اللوح المحفوظ، وإذا وضح هذا التفصيل لم يبق إشكال في فهم ما تقدم من أن ~~الإشارة بقوله: (تلك آيات الكتاب) إلى غير ما أشير مما عطف عليه من قوله: ~~(والذي أنزل إليك من ربك الحق) وقوله في الحجر: (وقرآن مبين) (الحجر: 1)، ~~وكذلك الوارد في النمل وإن خالف في التقديم والتأخير لقوله فيها: # # PageV02P274 # (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) (النمل: 1)، فقدم هذا الإشارة إلى الضرب ~~المؤخر في السورتين قبل، ويشهد لهذا ويوضحه رعي التقابل المناسب في هذه ~~السور ms307 وبناء النظم وبيانه على ذلك، ألا ترى أن سورة الرعد لم تنطو من الضرب ~~الثاني على قصة واحدة، وإنما دارت آيها الاعتبارية على ما به الاعتبار من ~~الضرب (الأول خاصة، وسنعود إلى بيان ذلك بإيراد آيها، وإنما لم يذكر فيها ~~شيء من الضرب) الثاني لأن بناء السورة إنما هو على الضرب الأول، ولهذا لم ~~يشترك المعطوفان في اسم الإشارة إلا أن قوله تعالى: (والذي أنزل إليك من ~~ربك الحق) (الرعد: 1) جملة مستقلة، وقد وقع الموصول فيها وهو الذي مبتدأ ~~خبره الحق، وما بينها صلة، والجملة معطوفة على الجملة قبلها، وكل واحدة ~~منهما مستقلةن ولا تسلط لاسم الإشارة على الجملة الثانية. # أما قوله في سورة الحجر: (تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) (الحجر: 1) معطوف ~~على الكتاب المضاف إلى الخبر عن اسم الإشارة وهو آيات وداخل تحت اسم ~~الإراة، وهو من عطف المفردات وما عطف المفردات وما عطف عليه وشرك معه بخلاف ~~آية الرعد إذا العطف فها من عطف الجمل. # وأما الوارد في سورة النمل فمثل ما في سورة الحجر، وحكم اسم الإشارة ~~منسحب على ما أضيف إليه خبر اسم الإشارة وما عطف (عليه)، وهو من عطف ~~المفرادت أيضا كآية الحجر، وكلا الآيتين مخالف لما ورد في سورة الرعد، فلما ~~وقعت الإشارة في سورةتي الحجر والنمل إلأى الضربين معا تضمنت كل واحدة من ~~السورتين مما به الاعتبار ذكر الضربين معا، ولما اختصت الإشارة في سورة ~~الرعد بالضرب الأول لم يقع إخبار بغير ذلك الضرب، وهذا يرفع كل إشكال فيما ~~تقدم، ومما يزيد وضوحا فيما تقدم أن سورة الحجر لما قدم فيها ذكر الكتاب ~~قدم فيها من الضربين الضرب المعتبر من آيات اللوح المحفوظ، فقال تعالى: ~~(ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين) (الحجر: 16) إلى قوله: ~~(وأرسلنا الرياح لواقح) (الحجر: 22) الآية، ثم بعد ذلك ذكر مما به الاعتبار ~~من الضرب الثاني في قوله تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) (الحجر: 51) إلى ~~قوله: (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) (الحجر: 84)، فتأخر ما ورد في هذه ~~السورة ms308 من هذا الضرب ليطابق تأخر ذكره في قوله: (وقرآن مبين). ولما تقدم في ~~سورة النمل من الاسمين المضاف إليهما خبر اسم الإشارة القرآن وتأخر الكتاب ~~فقال تعالى: (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) (النمل: 1) قوبل بتقديم الضرب ~~المشار إليه أولا، فقال تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ ~~قال موسى لأهله) (النمل: 6 - 7). وذكر # # PageV02P275 # من القصة مجملا ما إذا اعتبر وفي بأتم ما يحصل المعتبر به على أعلى مقصود ~~موف بخلاصة وذلك إلى قوله: (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) (النمل: 14)، ثم ~~أتبع بقصة داود وسليمان وما استجر ذلك من قصة بلقيس وما تلاها، ثم أعقب بعد ~~بالضرب الآخر، فقال تعالى: (أمن خلق السماوات والأرض) (النمل: 60) إلى ~~قوله: (بل هم منها عمون) (النمل: 66). ولما لم يقع في سورة الرعد الضرب ~~الأول - كما تقدم - لم يرد فيها من آي الاعتبار إلا ما هو منه، ولم يقع في ~~السورة غير ذلك، فقد بان بحول الله ما اعتمد جوابا عن السؤال الثاني، ووضح ~~التناسب وجلالة النظم، (ومع وضوحه لم أقف على من استقرأه من هذه السورة منا ~~بينته، ولا توقف فيه والحمد لله على ما ألهم إليه من ذلك). # ثم أعلم بعد أن ما اعتمدناه من هذا المأخذ لم ينفرد فيه إذا حقق بغير ~~التمهيد وإيراد النظائر وبيان ما أجمله غير واحد ممن تقدم من المفسرين على ~~اختلاف ترجمتهم عما تضمنه، فمنها القريب ومنها البعيد، وكل منها: إذا أمعن ~~فيه النظر ربما أدى إلى ما تقرر، ولم أنفرد عنهم إلآ بتوجيه النظر على ما ~~اعتمدته، وإظهار المناسبة، وإبداء شواهد ونظائر لما اعتمد. فمن ذلك ما تردد ~~للمفسرين من قوله تعالى: في سورة البقرة: (ذلك الكتاب) (البقرة: 2) (من) ~~مأثور ما حكوه عن من تقدمهم من أن الإشارة إلى اللوح المحفوظ، وذكر ذلك ابن ~~عطية وغيره من غير تعرض لزيادة، ونسبوا ذلك إلى ابن جبير، وقال بعضهم في ~~قوله تعالى في سورة النمل: (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) (النمل: 1)، قال: ~~المراد بقوله: (وكتاب مبين) (النمل: ms309 1) اللوح المحفوظ وذكره الزمخشري، ولا ~~شك أن هنا إيماء (إلى) ما تقدم بسطه، وزاد الزمخشري على هذا ما ذكره في ~~سورة الرعد من أن المراد (بآيات الكتاب العزيز) آيات السورة، (والذي أنزل ~~إليك) سائر القرآن، وهو نحو ما قلناه، ألا ترى أن آيات السورة لم تخرج عن ~~الضرب الاعتباري المدرك لكل ذي عقل سليم على ما تقدم وما نبنية بعد، وتلك ~~آيات اللوح وأم الكتاب، فهذا ما قلناه وقد أطنبنا فيه (من) الوارد في سورتي ~~الحجر والنمل ما شهد بأنه المقصود قطعا. وقال بعضهم في قوله تعالى في سورة ~~البقرة: (ذلك الكتاب) أنه واقع على القرآن وعلى الكتاب الذي هو اللوح ~~المحفوظ، ثم قال بعد مستدلا: ذلك إشارة إلى غائب، يعني أن ذلك إنما يشار به ~~إلى البعيد الغائب، ولو ضوح إدراكه صحت الإشارة إليه، ثم قال بعد واسم ~~الكتاب غيب ولذلك حسن فيه ذلك، ثم استدل على أن الإشارة إلى اسم الكتاب ~~الذي هو اللوح المحفوظ في القرآن الحاضر المتلو على ألسنتنا قد ارتاب # # PageV02P276 # فيه من لم يرد الله هدايته فقالوا سحر وشعر وأساطير الأولين، وذهبوا به ~~كل مذهب. واسم الكتاب يعني بما بدا منصوبا وظهر ليس كذلك، فهذا الذي لا ريب ~~فيه إذ هو مشاهد للأبصار ومدرك للعيان لمن هدي واستبصر، قال الله جل جلاله: ~~(المر تلك آيات الكتاب) (الرعد: 1)، ثم قال: (والذي أنزل إليك من ربك الحق ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (الرعد: 1)، قال: ثم جعل جل جلاله يسرد آيات ~~التاب) المبين فقال: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على ~~العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات) ~~(الرعد: 2) إلى قوله: (لقوم يعقلون) (الرعد: 4)، قلت: على هذا استمرت ~~وتوالت آيات هذه السور لم يتخللها من غير ما هو آية منصوبة للاعتبار إلا ما ~~استدعاه مقصود آي منها أو معناها، من غير أن يتخللها مما يدرك بالخبر كبير ~~شيء، على هذا دار كلام من أشرنا إليه وهو ما اعتمدته وبسطته واستشهدت ms310 عليه ~~ونظرته بما ظهر لي مماليس في كلامه. قلت ومما استشهد به من ذكرت كلامه على ~~ما اختاره من كون الإشارة بقوله في مطلع سورة البقرة: (ذلك الكتاب) إلى ~~اللوح المحفوظ، استحكام تنزيل ما بعده عليه، ووضوح النظم وبيانه على ذلك، ~~ألا ترى قوله تعالى: (هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب) (البقرة: 2 - 3) ~~أي بما غاب عنهم من مضمون اسم الكتاب استدلالا بما يدل من آيته على ما غاب، ~~فقبلوا ما أخبر الله به على ألسنة رسله مما لا يدرك مشاهدا استدلالا بما ~~أدركوه وشهادته لما أخبروا به فآمنوا بالله ورسله، واعتقدوا من صفاته ~~سبحانه ما هو عليه، ونزهوه هما لا يليق به تعالى، وصدقوا ما أخبرت به الرسل ~~من كل غائب عنهم متلقى من إخباره سبحانه، فبنوا ذلك على اهتدائهم الأول ~~ومعتبرهم المشاهد المرئي حين وفقوا للاعتبار فآمنوا بالغيب كما أخبر تعالى ~~عنهم، ثم قال تعالى: (الذين يؤمنون بما أنزل إليك) (البقرة: 4)، والمراد ~~بهذا (المنزل) القرآن، وقوله: (وما أنزل من قبلك) (البقرة: 4) أي من الكتب ~~المنزلة كاتوراة والإنجيل، وقال في الجميع: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك ~~هم المفلحون) (البقرة: 5). فتأمل بيان النظم على هذا فإنه أوضح شيء. # قلت: ومن البين أن (مدار هذا الجواب بجملته إنما بناؤه على أن اسم الكتاب ~~في سروة البقرة أو حيق وقع) من فواتح هذه السور وأشير إلأه بذلك أو تلك أو ~~وقع في غير الفواتح فيصح أن يراد به فيها أو في بعضها اللوح المحفوظ، وأن ~~تكون الإشارة إلأيه إذا شهد له السياق ووضح عليه النظم، فإذا سلم هذا فما ~~بنيناه عليه أوضح شيء، ولا يمكن إلا تسليمه إذ لا معارض يمنع من عقل ولا ~~نقل، وإن اعترض معترض بالمنع فقد خالف # # PageV02P277 # جميع المفسرين ممن تقدم أو تأخر، وخالف ما يعترف كل ذي عقل سليم بإمكانه، ~~وقد تبين تنزيل النظم عليه على أكمل تلاؤم، والله أعلم بما أراد. ### | الآية الثانية # من سورة الرعد قوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ms311 ~~ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون) (الرعد: 3)، ثم قال تعالى: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ~~أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) (الرعد: 4)، للسائل أن يسأل عن وقله في ~~الأولى: (لقوم يتفكرون) وفي الثانية: (لقوم يعقلون) وهل كان يصح ورود الأول ~~مكان الثاني والثاني مكان الأول؟ # والجواب: أن معتبرات الآية الأولى من مد الأرض (وما ذكر) بعد ذلك أوضح ~~للاعتبار، ومعتبرات الثانية أغمض، ألا ترى أن تجاوز قطع الأرض وتقاربها في ~~الصفات والهيئات من سهل وحزن، ثم تخرج أنواع الجنات من النخل والأعناب ~~وضروب الأشجار والنبات والزرع، واختلاف الطعوم في ثمراتها والألواح ~~والروائح، وتفاوت الطيب والمنافع الحاصلة عن ذلك من غذاء ودواء نافع وضار ~~مع تقارب الأرض وتجاورها وتشاكلها وسقيها بماء واحد كما قال الله تعالى: ~~(يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل)، وهذا مما تنقطع الأفكار ~~وتقصر العقول عن عجيب الصنع الرباني فيه، وأما معتبرات الأولى فيتوصل ~~بالفكر إلى الحصول على الاعتبار بها وتعقلها وعجيب الحكمة فيها، وغموض ما ~~في الثانية بادولا يتوصل إلى بعض ذلك إلا بعد طول الاعتبار والتأييد منه ~~سبحانه والتوفيق، فلما كان العقل أشرف وأعلى ناسبه ان يتبع به ما هو أغمض ~~وأخفى، وناسب الفكر ما هو أظهر وأجلى، فقيل في عقب الآية الأولى: (لقوم ~~يتفكرون) وفي عقد الآية الثانية: (لقوم يعقلون) ولو ورد العكس لم يكن ~~ليناسب، والله (سبحانه) أعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة الرعد قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها) ~~(الرعد: 15)، وفي سورة النحل: (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من ~~دابة والملائكة) (النحل: 49) فيها سؤلان: خصوص آية الرعد ((بمن)) وآية ~~النحل ((بما))، وزيادة قوله: ((والملائكة)) ولم يرد ذلك في سورة الرعد؟ # والجواب عن الأول: أن ورود ((من)) في سورةة الرعد لا سؤال فيه، فإن قبول ~~الأوامر وامتثال الطاعات بالقصد ms312 والاختيار بمشيئة الله سبحانه إنما يكون من ~~أصحاب # # PageV02P278 # العقول وهو الملائكة والإنس والجن، وهم المقصودون في الآية، فوردت ~~((بمن)) الواقعة على العقلاء، لهذا قيل: ((طوعا وكرها)) لأن ذلك إنما ~~(يكون) ويستوضح من العاقل، فالآية واردة على ما ينبغي. وأما آية النحل ~~فمراعي فيها لفظ ((دابة)) الوارد فهيا إذ هو عام للعاقل وغيره، فوردت الآية ~~((بما)) الواقعة على الأنواع والأجناس مناسبة لما تقدم من الإطلاق والعموم. # والجواب عن السؤال الثاني: أن قوله تعالى في آية النحل: ((والملائكة)) ~~تخصيص لهم لجليل حالهم، فعينوا بالذكر مع دخولهم في العموم المتقدم، وهذا ~~كقوله تعالى: (وجبريل وميكال) (البقرة: 98) مع دخولهما تحت لفظ الملائكة. ~~ثم أكد الوارد في آية النحل ما ورد فيها من لفظ دابة. # فإن قلت: لم لم يخصصوا بالذكر في آية الرعد؟ قلت: لأنه لم يقع هناك لفظ ~~دابة الذي هو الموجب لتعيين الملائكة وتخصيصهم بالذك، فكر على ما يجب ~~ويناسب، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة الرعد قوله تعالى: (قل من رب السماوات والأرض قل الله قل ~~أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور) (الرعد: 16)، وفي سورة ~~الفرقان: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) (الفرقان: 3)، ~~للسائل أن يسأل عن تقديم النفع على الضر في سورة الرعد وعكس ذلك في سورة ~~الفرقان؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الفرقان قد عطف عليها بالواو المشركة ~~في الإعراب والمعنى قوله تعالى: (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا)، ~~وقدم قبلها ما عطفت عليه بالواو أيضا وذلك قوله تعالى: (واتخذوا من دونه ~~آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) (الفرقان: 3)، فقد اتفقت هذه الجمل ~~المعطوفات في انطواء كل جملة منها على متقابلين كالضدين، ففي الأولى عدم ~~الخلق في قوله: (لا يخلقون) مقابلا للخلق والحياة، وبنى مجموعها على تأخير ~~أشرف المتقابلين، ففي الأولى الإشارة إلى الخلق في قوله تعال: (وهم ~~يخلقون)، وكذا في الثانية الضر والنفع والنفع أشرف، وفي الثالثة الموت ms313 ~~والحياة والحياة أشرف، فروعي تناسب الآي على ما أوضحنا، فقدم الضر على ~~النفع في آية الفرقان. # # PageV02P279 # أما آية الرعد فلم يعرض فيها ما يحمل على ما ذكر من التناسب فجاءت من حيث ~~أفردت على ما يجب من تقديم النفع الذي هو مطلب العاقل، وكأن قد قيل فيها: ~~إذا لم ينفعوا أنفسهم فكيف ينفعونكم؟ ثم أتبع بما يكمل به التعريف بحال ~~(من) اتخذوهم أولياء من أنها لا تضر ولا تنفع، فجاء كل على ما يجب ويناسب، ~~ولا يمكن خلافه. # فإن قلت: إذا كان تقديم النفع - كما في سورة الرعد - واردا على ما يجب من ~~(حيث) هو الذي تطلبه نفوس العقلاء فلم بنيت تلك (الجمل) المعطوفات في آية ~~سورة الفرقان على تأخير الأشرف في تلك المتقابلات حتى لزم أن يتقدم فيها ~~الضر (قبل) النفع ليتناسب؟ وهلا كان بناؤها على عكس ذلك وكان يحسن التقابل ~~(وورود النفع قبل الضر) كما في آية الرعد؟ قلت: لما تقدم قبل الجمل ~~المذكورة في سورة الفرقان قوله سبحانه: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) ~~(الفرقان: 2)، ناسب هذا من ذكر آلهتهم وصفها بأنها لا تخلق فقيل: (واتخذوا ~~من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) (الفرقان: 3)، ليحصل من وصفه ~~سبحانه بأنه خالق كل شيء وأن آلهتهم لا تخلق شيئا ما أفصح به من توبيخهم ~~وتقريعهم في قوله تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) (النحل: 17)، ~~وتناسب هذا أوضح تناسب وأبينه، ولا يمكن خلافه، ثم بني عليه ما بعده لتناسب ~~ذلك كله، وحصل منه أن الوارد في كل من السورتين لا يمكن فيه العكس بوجه، ~~ولابنا سبحانه أعلم بما أراد. ### | الآية الخامسة # من سورة الرعد قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا ~~بالحياة الدنيا) (الرعد: 26)، وفي سورة القصص: (ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا) (القصص: 82)، وفي ~~سورة العنكبوت: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل ~~شيء عليم) (العنكبوت: 62)، وفي سورة سبأ: (قل ms314 إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ~~من عباده ويقدر له) (سبأ: 39)، وفي الشورى: (له مقاليد السماوات والأرض ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم) (الشورى: 12)، للسائل أن ~~يقول: إن هذه الآيات الخمس قد انطوت مطابقة على معنى واحد هو إخباره سبحانه ~~بأنه المنفرد بالقبض والبسط، كما أنفرد بالخلق والأمر، فإذا اجتمعت في هذا ~~المعنى فما وجه انفراد آية القصص وآية سبأ بزيادة ما ورد فيهما من التخصيص ~~في قوله: (من عباده) وقوله: ((له))؟ ولم لم يرد ذلك في السورة الأخرى؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن آية العنكبوت لما تقدم قبلها في قصة ~~إبراهيم، عليه السلام، قوله لقومه: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند ~~الله # # PageV02P280 # الرزق) (العنكبوت: 17)، ثم ضرب سبحانه مثلا لما عبد من دونه فقال: (مثل ~~الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت ~~لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) (العنكبوت: 41)، ثم أنس عباده المؤمنين ~~بقوله: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) (العنكبوت: ~~56)، ثم قال: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم) (العنكبوت: 60) فأخبر سبحانه أنه المنفرد برزق الكل كما انفرد ~~بخلقهم، فناسب هذا قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له) (العنكبوت: 62)، فخص بعد أن عم بقوله: (االله يرزقها وإياكم) ~~(العنكبوت: 60) تشريفا للمؤمنين ليستأنسوا بما يجري لهم من الضربين ويذكروه ~~في حال القبض والبسط بالإضافة إضافة تشريف، ولما لم يتقدم في السور الأخرى ~~مثل ما تقدم هنا بل فيها ما يفهم منه أن المؤمنين لم يقصد تخصيصهم بذلك ~~الخطاب بوجه، ألا ترى قوله في (آية) الرعد: (وفرحوا بالحياة الدنيا) ~~(الرعد: 26)، وليس (هذا) من شأن المؤمن، فإن الدنيا سجنه وإنما فرحه بربه ~~وبما يرجوه منه في آخرته. وأما آية القصص (فمنصوص) فيها أن الذين تمنوا حال ~~قارون ومكانه هم القائلون: (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر) ms315 (القصص: 82)، فإنما قالوه عالمين بأن الله سبحانه بسط (لقارون ما ~~بسط) فعلموا أنه القابض والباسط وأنه لايمنع عن أحد ما بسط له. وأما آية ~~الشورى فقد تقدمها ما هو أبين (شيء) في تعميم المؤمن والكافر وذلك قوله ~~تعالى: (له مقاليد السماوات والأرض) (الشورى: 12)، (فإذا كانت له مقاليد ~~السماوات والأرض) فمن أين يرزق المؤمن والكافر؟ ليس إلا من عنده، فلم يقصد ~~في هذه الآية تخصيص المؤمن وتشريفه كما قصد في تلك، فلما اختلف القصد اختلف ~~الوارد، فجاءت كل آية على ما يجب، ولا يمكن خلافه، والله أعلم. ### | الآية السادسة # من سورة الرعد: غ - قوله تعالى: (فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان ~~عقاب) (الرعد: 32)، وفي سورة الحج: (فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان ~~نكير) (الحج: 44) للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب الأولى بقوله: (فكيف كان ~~عقاب) والثانية بقوله: (فكيف كان نكير) مع تساوي الآيتين (في) مقصود الوعيد ~~لمكذبي الرسل، عليهم السلام؟ # والجواب، والله أعلم: أن العقاب أشد موقعا من النكيير لأن الإنكار يقع ~~على ما لا عقاب فيه بالفعل وعلى ما فيه العقاب بالفعل، وأما مسمى العقاب ~~فإنما يراد به في الغالب # # PageV02P281 # أخذ بعذاب مناسب لحال المجرم إثر معصيته وعقيب جريمته، وقد تقدم في آية ~~الرعد قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) (الرعد: 32)، والاستهزاء ~~(أمر) مرتكب زائد على التكذيب من التهاون، والاستخفاف بجريمة مرتكبة أشنع ~~جريمة، فناسبها الإفصاح بالعقاب. أما آية الحج فإن الوعيد (بها) للمذكورين ~~بالتكذيب ولم يذكر منهم استهزاء، قال تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم ~~قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى) ~~(الحج: 42 - 44)، فلم يخبر عن هؤلاء بغير التكذيب ليس كالاستهزاء، فقد يؤمن ~~المكذب ويصلح حاله، أما المستهزئ فلا يصلح، وقد كفى الله نبيه إياهم، قال ~~تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين) (الحجر: 95)، فناسب النظم تعقيب كل آية بما ~~يناسب مرتكب من قدم، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، والله أعلم. ### | الآية السابعة # من سورة الرعد: غ - قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا) (الرعد: ms316 37)، ~~وفي سورة طه: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا) (طه: 113)، والمراد بالمنزل في ~~الموضعين واحد وهو القرآن ثم اختلف العبارة عنه في السورتين، للسائل أن ~~يسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أن سورة الرعد لم يتقدم فيها شيء من القصص ~~الإخبارية وإنما المتقدم فيها تفاصيل أحكام مرجعها بجملتها إلى اختلاف ~~أحوال المكلفين جريا على ما سبق من قضائه فيهم، وتفصيل أحوالهم بحسب ما ~~قدره سبجانه في أزله وما حكم به عليهم كقوله سبحانه: (أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) (الرعد: 19)، ثم بين تعالى حكم كل من ~~الفريقين بعد وصفهم، ثم أعقب بمآل الفريقين فقال فيمن هداه فعلم: (جنات عدن ~~يدخلونها) (الرعد: 23) إلى قوله: (فنعم عقبى الدار) (الرعد: 24)، وأتبع ~~بحال الآخرين الموصوفين بنقض عهده سبحانه، وأخبر بأن لهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار، وبين تعالى حكمه في بسط الرزق لمن يشاء (وقبضه عمن يشاء، فقال ~~تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) (الرعد: 26)، وأعلم الله تعالى ~~أنه يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب، ثم وصفهم بإيمانهم واطمئنان قلوبهم ~~بذكره في قوله تعالى: (طوبى لهم وحسن مآب) (الرعد: 29)، ودارت الآي بعد على ~~أن كل جار في خلقه فبتقديره، وتناسب ذلك إلى الآية، وكل ما تقدم فهو حكمه ~~السابق في خلقه، فأعقب هذا بقوله: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا) (الرعد: 37)، ~~قال الزمخشري: حكمة عربية أي مترجمة بلسان العرب. # # PageV02P282 # ولما تقدم آية سورة طه قصص موسى، عليه السلام، وما جرى من فتنة قومه بعده ~~بفعل السامري/ وما كان من قول هارون، عليه السلام، وتذكيره إياهم، وقول بني ~~إسرائيل (لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) (طه: 91) إلى قوله: ~~(ذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا) (طه: 99)، ~~والمراد به القرآن، ثم أتبع هذا بما يلائمه إلى قوله: (وكذلك أنزلناه قرآنا ~~عربيا) (طه: 113) أي قصصا مقروءا بلسان العرب مذكرا من وفق لاعتباره ~~والاتعاظ به: (لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا) (طه: 113)، فناسب كل من ~~العبارتين موضعه ms317 أتم مناسبة، ولم يكن العكس ليناسب، والله أعلم. ### | الآية الثامنة # من سورة الرعد قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية) (الرعد: 38)، وفي سورة الروم: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاءوهم بالبينات) (الروم: 47) فقد ذكر الرسل على المجرور في سورة الرعد ~~فقيل: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك)، وورد في سورة الروم بتقديم المجرور ~~فقيل: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم)، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ ~~وما روعي فيه؟ # والجواب عن ذلك: أن المتقرر في الكتاب العزيز أنه إذا ورد اسم نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم مع غيره من الرسل، عليهم السلام، مفصحا بأسمائهم في آية ~~واحدة فإنه يتقدن اسمه ظاهرا كان أو مضمرا، ثم يذكر بعده من تضمنته الآية ~~منهم، عليه السلام، كقوله تعال: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده) (النساء: 163)، وقوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ### | .... # ) (الأحزاب: 7) الآية، فإن قيل: فقد قدم هنا قبله قوله: (من النبيين) ~~قلت: المجموع جمع السلامة بالواو والنون رفعا والياء والنون نصبا وجرا من ~~ألفاظ العموم عند الأصوليين، فقوله: (من النبيين) يعم نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وغيره من النبيين، عليهم لسلام، (ثم) لما أفصح بمن ذكر في الآية من ~~أولي العزم إشعارا بتفضيلهم على من سواهم بدئ به، عليه السلام، فقيل: (منك ~~ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) (الأحزاب: 7) ### | .... # الآية، ومثل هذا قوله تعالى: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله) (البقرة: ~~98) ثم قال: (وجبريل وميكال) وقد دخلا تحت عموم (وملائكته)، مع أن لفظ ~~النبيين بالألف واللام أوضح في العموم إذ ليس المضاف في العموم كالمعرف ~~بالألف واللام، فأقول: إنما قدم المجرور في قوله: (من قبلك رسلا إلى قومهم) ~~(الروم: 47) في سورة الروم لمكان ضميره صلى الله # # PageV02P283 # عليه وسلم. أما آية الرعد فموازن لها ومناسب ما تقدمها من قوله تعالى: ~~(ولقد استهزئ برسل من قبلك) (الرعد: 32) فتأخر الضمير في الآيتين للموازنة ~~والتقابل، والثانية منهما محمولة على ms318 الأولى في رعي ما ذكر. # فإن قلت: فلم تأخر ضميره صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى (عن ذكر ~~الرسل)؟ قلت: لأن ذكرهم هنا، عليه السلام، لم يرد معرفا بأحوالهم وما منحوا ~~من الاصطفاء والتكريم، ولو ورد ذكرهم لهذا الغرض لكان اسمه، عليه السلام، ~~متقدم الذكر كما في الآية الواردة بذلك، وإنما ذكر هنا إساءة مكذبي أممهم ~~إليهم ونيلهم منهم ضروب المضرات، وليس ذلك مما يعرف بمناصبهم في التفضيل ~~وإنما ذكر (ذلك) ليقاس بهم نبينا صلى الله عليه وسلم في الصبر والتحمل، ~~وليقتدي بهداهم كما أمر في قوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ~~ولا تستعجل لهم) (الأحقاف: 35)، ثم له صلى الله عليه وسلم السيادة المعروفة ~~والمكانة المتقررة، فتقدم ذكرهم في قوله (ولقد استهزئ برسل من قبلك) وتأخير ~~ضميره صلى الله عليه وسلم لما ذكر، ثم وردت الآية بعد فجري الإخبار فيها ~~على ذلك إحرازا للمناسبة والموازنة أيضان فليس ذكرهم مجملا غير مفصل كذكرهم ~~على التعيين بأسمائهم، وقد تقد الإيماء إلى هذا، (والله سبحانه أعلم بما ~~أراد). # ***** # # PageV02P284 ### | سورة إبراهيم (عليه السلام) ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) (إبراهيم: 1). وفي سورة الحج: ~~(وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) (الحج: 24)، وفي سورة ~~سبأ: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى ~~صراط العزيز الحميد) (سبأ: 6)، فورد في هذه السور الثلاث ذكر الصراط مضافا ~~في السورتين منها إلى العزيز من أسمائه تعالى ثم أتبع الحميد، واقتصر في ~~سورة الحج على إضافة اسمه الحميد، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن آية إبراهيم، عليه السلام، لما ورد فيها ~~قوله تعالى لنبيه، عليه السلام: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور)، وكان ~~السابق من مفهوم هذا أن ذلك الأمر بيده، عليه السلام، وقد قال له تعالى: ~~(يس لك من الأمر شيء) (آل عمران: 128)، وقال: (إن عليك إلا البلاغ) ms319 ~~(الشورى: 48)، وقال تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) ~~(القصص: 56)، فلما كان السابق من مفهوم آية إبراهيم كما ذكر أشار وصفه ~~تعالى بالعزيز إلى قدرته تعالى وقهره، وأنه لا يكون من العباد إلا ما سبقت ~~به إرادته التي لا يخرج واقع عن خكمها، وتعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، ~~ولو شاء لهدى الكل، قال تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) (السجدة: ~~13)، فأحرز الوصف بالعزة هذا المعنى العظيم، ولو لم يرد هذا الوصف لما تحرر ~~هذا المقصود، وكذلك الوارد في قوله في آية سبأ: (ويرى الذين أوتوا العلم ~~الذي أنزل إليك من ربك هو الحق) (سبأ: 6)، والرؤية هنا بمعنى العلم والحق ~~مفعولها الثاني والضمير فصل لا موضع له من الإعراب. وحال أن يرى من وصفه ~~تعالى بالعلم حكم الله تعالى في خلقه جاريا إلا على ما يشاؤه ويريده، إنه ~~لو شاء لجمعهم على الهدى، فهذه الآية كأية إبراهيم من غير فرق، فوصفه ~~سبحانه بالعزة تمام مقصودها كالمتقدمة، وليس للمدعوين إلا ما سبقت به ~~إرادته تعالى، ولا بيد نبيه، عليه السلام، إخراجهم ولا هداهم، ولم يرد في ~~هاتين الآيتين أن الإخراج من الظلمات إلى النور والهداية مما وقع وانقضى، ~~وإنما مقتضى الآيتين رجاء إجابتهم وهدايتهم (عند دعائه، عليه السلام، ثم # # PageV02P285 # الرجاء راجع (إلينا) المنزه المتعالى عن الاتصاف به. وقد أحاط علمه ~~سبحانه بما يكون منهم. # وأيضا خوطبنا على ما نتعارف، قال سيبويه، رحمه الله، وقد تعرض لهذا وقد ~~ذكر قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) (المرسلات: 15)، و (ويل للمطففين) ~~(المطففين: 1)، فقال: لا ينبغي أن يقال دعاء بالويل ههنا لأن الكلام بذلك ~~قبيح ولكن العباد إنما كلموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما ~~يعنون، فكأنه - والله أعلم - قيل لهم: (ويل للمطففين)، (وويل يومئذ ~~للمكذبين) أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم لأن (هذا) الكلام إنما يقال ~~لصاحب الشر والمهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في المهلكة ووجب هذا، ومثل هذا: ~~(فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ms320 يخشى) (طه: 44) والعلم قد أتى (من وراء) ~~ما يكون ولكن اذهبا أنتما على طمعكما ورجائكم ومبلغكما من العلم، وليس لهما ~~أكثر من خذا ما لم يعلما. ومثله: (قاتلهم الله أنى يؤفكون) (التوبة: 30) ~~فإنما جرى هذا على كلام العرب وبه أنزل القرآن فقد تبين تساوي هاتين ~~الآيتين في استدعائهما وصفه تعالى بالعزيز لما يحرز من المعنى المتقدم. # أما آية سورة الحج فقوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى ~~صراط الحميد) (الحج: 24) إخبار منه سبحانه بما شاءه لهؤلاء من فوزهم ~~وفلاحهم، قد تم حكمه وانقضى، فلم يكن ليناسبه ما يفهم القهر، وإنما المناسب ~~ما يفهمه اسمه الحميد، وورد كل على ما يجب ويناسب، ولم يكن عكس الوارد ~~ليلائم ولا يناسب، والله (سبحانه) أعلم. ### | الآية الثانية # قوله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم) (إبراهيم: 32)، قال في سورة النمل: (أمن خلق ~~السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان ~~لكم) (النمل: 60) ... الآية، يسأل هنا عن تأخير (لكم) في سورة إبراهيم عن ~~لفظ (أنزل) وإيلائه إياها مقدمة في آية النمل ما وجه ذلك؟ # والجواب: أن آية إبراهيم قد تقدمها قوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا ~~يقيموا الصلاة) (إبراهيم: 31)، وقد علم المؤمنون أن الله غني عن العالمين، ~~وأن المنزل من ماء السماء إنما هو رحمة للعباد وإحياء للأرض بعد موتها، ~~ليخرج ما بث فيها سبحانه من أنواع الحبوب والثمرات وغير ذلك مما به صلاح ~~أحوال العباد وتتميم معائشهم، ولم يغب عن المؤمنين المذكورين قبل أن ربهم ~~غني عن ذلك كله ومنفرد بخلقه والإنعام به، فلم # # PageV02P286 # يحتج هنا إلى تنبيههم بأن ذلك لهم إذ حالهم التذكر ومولااة الاعتبار لا ~~الغفلة، وأخر ذكر ذلك إلى ذكر الرزق ليجري مع قوله في الزينة والطيب من ~~الرزق: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) (الأعراف: ~~32). # أما آية النمل فقد تقدمها قوله تعالى: (آلله خير أما يشركون) (النمل: ~~59)، فلما تضمنت ms321 تعنيفا للمشركين على سوء مرتكبيهم وعماهم عن التفكير ~~والاعتبار قصد تحريكهم وإيقاظهم من رقدة الغفلة، فقيل: (وأنزل لكم) (النمل: ~~60)، فحصل تنبيههم وإعلامهم أن إنزال الماء من السماء إنما هو لهم وأنه لا ~~حاجة به سبحانه إليه، فاستجر الكلام تعنيفهم، ويشهد لهذا قوله تعالى عقب ~~الآية: (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون) ~~(النمل: 60) (أي يعدلون) بربهم غيره ويعدلون بعبادته إلى عبادة غيره، وكل ~~هذا شرك لا فلاح معه، فلما قصد في الآية الثانية ما ذكرنا قدم المجرور، ~~وشأنه أبدا إذا قدم إحراز معنى التنبيه حيث يقصد التحريك والإيقاظ لذي ~~غفلة، أما إذا تأخر فلا يحرز هذا المعنى على الصفة التي يحرزه متقدما. ~~وتأمل الوارد من هذا في نظائر هذه (الآية) كقوله تعالى: (والذي خلق الأزواج ~~كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) (الزخرف: 12) خطابا لمن تقدم ~~ذكره في قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض) (العنكبوت: 61، وقوله ~~خطابا لفرعون وملئه: (الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا) (طه: ~~53) وهذا بعد قول فرعون في إخبار الله تعالى عنه: (قال فمن ربكما يا موسى) ~~(طه: 49) إلى قوله: (قال فما بال القرون الأولى) (طه: 51)، وقد تقدم بيان ~~هذا في قوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد) (الإخلاص: 4) وما أنشده سيبويه، ~~رحمة الله، من قول الشاعر: # لتقربن قربا جلديا ما دام فيهن فصيل حيا ### | الآية الثالثة: # غ - قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) ~~(إبراهيم: 34) وفي سورة النحل: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله ~~لغفور رحيم) (النحل: 18)، فأعقب في الأولى قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها) بغير ما أعقب في الثانية، يسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن آية إبراهيم تقدمها قوله تعالى: (ألم تر إلى ~~الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار) (إبراهيم: 28)، ثم ~~قوله: (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله) (إبراهيم: 30)، ثم ذكر إنعامه ~~على عباده في قوله: (الله الذي خلق ms322 # # PageV02P287 # السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) ~~(إبراهيم: 32) إلى قوله: (وآتاكم من كل ما سألتموه) (إبراهيم: 34)، فناسب ~~ما ذكره تعالى من توالي إنعامه ودرور إحسانه ومقابلة ذلك من العبيد ~~بالتبديل وجعل الأنداد وصف الإنسان بأنه ظلوم كفار. # أما آية النحل فلم يتقدمها غير ما نبه سبحانه وعباده المؤمنين من متوالي ~~آلائه وإحسانه، وما ابتدأهم (به) من نعمة من لدن قوله: (خلق الإنسان من ~~نطفة) (النحل: 4)، ثم توالت (أيات) الامتنان والإحسان فقال تعالى: ~~(والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع) (النحل: 5)، فذكر تعالى بعضا وعشرين ~~من أمهات النعم إلى قوله منبها وموقظا من الغفلة والنسيان: (أفمن يخلق كمن ~~لا يخلق أفلا تذكرون) (النحل: 17)، ثم أتبع بقوله سبحانه: (وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها) (النحل: 18)، فناسب ختام هذا قوله: (إن الله لغفور رحيم) ~~(النحل: 18) فجاء كل على ما يناسب، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # : غ - قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولو الألباب) (إبراهيم: 52)، وفي سورة ص: (كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) (ص: 29)، للسائل أن يسأل عن وجه ~~اختصاص آية إبراهيم بقوله: (ليذكر) وآية ص بقوله: (ليتذكر) بتاء التفعيل؟ # والجواب، والله أعلم: أن كلا الموضعين حاصل فيه التناسب، أما آية ص ففي ~~قوله (ليدبروا) حرفان من الحروف الشديدة وهما الباء والدال وثانيهما مضعف ~~فنسق عليهما قوله: (وليتذكر) وفيه أيضا حرفان من حروف الشدة وهما الكاف ~~والتاء وثانيهما مضعف، والتناسب بهذا واضح. وأما آية إبراهيم فورد فيها: ~~(ولينذروا به وليعلموا)، وقد عربت الكلمتان من حروف الشدة وإنما جميعها من ~~الرخوة وهي ضد الشديدة، فناسبها عطفاعليها قوله: (وليذكر) إذ ليس فيه من ~~الحروف الشديدة غير الكاف، وأيضا فإن يذكر ويتذكر معناهما واحد، والأصل ~~للمدغم مفكوكة، فلفظ يذكر ثان عن يتذكر، وهو أكثر استعمالا وأخف لفظا، فقدم ~~في سورة إبراهيم وأخر الأثقل في سورة ص على الترتيب المتقرر، على ما تقدم ~~في قوله تعالى: (هدى فمن تبع هداي) (البقرة: 38) في البقرة ms323 وقوله: (فمن ~~اتبع هداي) (طه: 123) في سورة طه. وقد تقدم من هذا نظائر، وسيأتي أمثالها، ~~واطراد ذلك شاهد برعيه، فحصل التناسب اللفظي من هذين الوجهين، وإن عكس ~~الوارد لا يناسب والله أعلم. # ******* # # PageV02P288 ### | سورة الحجر ### | الآية الأولى # غ - قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) (الحجر: 1)، وفي سورة ~~النمل: (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) (النمل: 1، فورد في هاتين السورتين ~~ذكر الكتاب والقرآن معا منسوقا أحداهما على الآخر، ثم اختلفت كيفية ~~الإيراد، فقدم في الأولى ذكر الكتاب وأخر في الثانية؟ # والجواب عن هذا، قد تقدم في سورة الرعد. ### | الآية الثانية # : غ - قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين * وما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزئون) (الحجر: 10 - 11)، وفي سورة الزخرف (وكم ~~أرسلنا من نبي في الأولين * وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) ~~(الزخرف: 6 - 7)، للسائل أن يسأل عن تخصيص آية الحجر بقوله: ((من الرسل)) ~~وآية الزخرف بقوله: ((من نبي))؟ # والجواب، والله أعلم: أنه لما تقدم في آية الزخرف لفظ الخبرية وهي ~~للتكثير ناسب ذلك ذكر من يوحي إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل، فورد هنا ~~ما يعم الصنفين، عليهم السلام. أما آية الحجر فلم يرد فيها ولا قبلها ما ~~يطلب بالتكثير مع ما تضمنت من قصد تأنيسه، عليه السلام، وتسليته، فخضت ~~بالتعبير باسم الرسالة تسلية له عن قولهم: (إنك لمجنون) بما جرى للرسل قبل، ~~عليهم السلام، من مثل ذلك، ومن البين أن موقع الرسل هنا أمكن في تسليته، ~~عليه السلام، فجاء كل على ما يجب من المناسبة، والله أعلم. ### | الآية الثالثة # : غ - قوله تعالى: (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين) (الحجر: 12)، وفي سورة ~~الشعراء: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين) (الشعراء: 200)، فللسائل أن يسأل ~~عن وجه ورود: (نسلكه) في سورة الحجر، وورود: (سلكناه) في سورة الشعراء؟ # ووجه ذلك، والله أعلم: أنه تقدم في آية الحجر قوله تعالى: (وقالوا يا ~~أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (الحجر: 6)، وهو قول العتاة من كفار ~~قريش وغيرهم الذين عنوا بقوله ms324 (تعالى) تهديدا ووعيدا: (ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) (الحجر: 3) ولم يتقدم في هذه السورة ~~إخبار بحال غيرهم من مكذبي الأمم سوى التعريف بأن كل قرية أهلكت فبأجل ~~معلوم وكتاب سابق لا يتأخر عنه ولا يتقدم، فحال # # PageV02P289 # هؤلاء كحال من تقدمهم، كما قال تعالى: (فهل ينظرون إلا سنت الأولين) ~~(فاطر: 43) وقوله: (كذلك نسلكه)، الضمير للمذكر المتقدم وهو هنا القرآن، ~~والمراد بسلوكه في قلوبهم ما تحصل عندهم وقطعوا به من معرفتهم بباهر نظمه، ~~ورفيع إيجازه، وعلى تناسبه، وأنه يفوق كل كلام مع أنه بلسانهم، وقد علموا ~~مع هذا عجزهم عن معارضته مع أنه لم يرد بغير لسانهم ولا بما لا يعرفونه في ~~محاوراتهم، فهذا المراد بسلوكه في قلوبهم، فقد كانوا متيقنين أنه ليس من ~~كلام البشر وبهذا أخبر سبحانه عنهم تسلية لنبيه عليه السلام فقال: (فإنهم ~~لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) (الأنعام: 33) وبعجزهم عن ~~معارضته قامت الحجة عليهم، ثم امتنعوا من الإيمان بما سبق لهم في الأول (إن ~~الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية) (يونس: 96 - 97)، ~~فورد هنا (نسلكه) بلفظ المبهم لأن الإخبار عن كفار قريش ممن استمر على كفره ~~فهو حالهم وقت نزول القرآن وبعده. وقوله: ((نسلكه)) مشعر باستمرار حالهم ~~وموافاتهم على ذلك، وقد تأكد هذا بوصفه بالإجرام وتسجيل حالهم السيء بقوله: ~~((لايؤمنون))، وأداة لا نافية للمستقبل فناسب هذا لفظ المبهم المضارع. # أما آية الشعراء فقد تقدمها ذكر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم من ~~الأمم المكذبين، بعد سلوك ما ذكره سبحانه أنه زبر الأولين في قلوبهم، فلما ~~تقدم أمرها أولا، وانقطعت أومانها، وقعت العبارة بالماضي، فقال تعالى: ~~(كذلك سلكناه)، ولم يناسب هنا غير الماضي، فقد وضح ورود كل من الموضعين على ~~ما يناسب، ولم يناسب عكس الوارد، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # قوله تعالى: (قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم ~~الدين) (الحجر: 34 - 35)، وفي سورة ص: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (ص: ~~78)، للسائل أن يسأل عن ms325 وجه اختلاف العبارتين من ورود اللعنة في سورة الحجر ~~بالألف واللام، وفي ص بالإضافة مع اتحاد المعنى؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن آية الحجر وردت بالألف واللام، وهي الأداة ~~المقتضية الحصر الجنسي حيث لا عهد، وذلك وارد على ما ينبغي لما قصد هنا من ~~المبالعة، ولا سؤال فيه. وأما الوارد في سورة ص مضافا لياء المتكلم فوجهه ~~المناسبة اللفظية لقوله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) (ص: 75)، فجرت ~~العبارتان على منهج واحد ومسلك متناسب، ولم يكن ليتناسب العكس فيما ورد، ~~والله أعلم. # # PageV02P290 ### | الآية الخامسة # : غ - قوله تعالى: (إنا نبشرك بغلام عليم) (الحجر: 53)، وكذا في سورة ~~الذاريات: (قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم) (الذاريات: 28)، وورد في سورة ~~الصافات: (فبشرناه بغلام حليم) (الصافات: 101) خلاف الوصف بالعلم في ~~السورتين. # ووجه ذلك، والله أعلم: أن آية والصافات لما وردت كالتمهيد لما تلاها ~~متصلا بها من قوله: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى) (الصافات: 102)، فتلقى الذبيح، وعليه السلام، ما ~~أخبره (به)، أبوه - لعلمه أنه من أمر الله - بالرضى والصبر. قال ابن عطية ~~في تفسير حليم: صابر محتمل عظيم العقل، قال: والحلم العقل، فأحسن، عليه ~~السلام، جوب أبيه معزيا له محتسبا بنفسه، فناسب هذا الموضع وورد وصف الذبيح ~~بالحلم. ولما لم يرد في الآيتين الأخريين ذكر الأمر بالذبح ناسبها الوصف ~~بالعلم، وهو صفة الأنبياء، فورد كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. ### | الآية السادسة # من سورة الحجر قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل ~~مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين) (الحجر: 75 - 77)، فيها سؤالان: جمع آيات ~~في الأولى وإفراد ذلك في الثانية؟ وتخصص الاعتبار أولا بالمتوسمين وثانيا ~~بالمؤمنين؟ # والجواب: أن المتقدم في ذكر ضيف إبراهيم ووجله، عليه السلام، منهم مع أنه ~~كان لا يهاب كثرة الرجال لما منح من النبوة والأيد، إلى حال النبوة، وتخصيص ~~الخلة، ثم بشارة الملائكة له بالولد مع بلوغ الكبر، ثم سؤاله إياهم عن ~~إرسالهم إذ ذاك فأخبروه أنهم ms326 أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وكانت مدينتهم على قرب ~~من حيث كان إبراهيم، عليه السلام، فسألهم - إشفاقا ورحمة جبل عليهما الرسل ~~والأنبياء - أيهلكون إن كان فيهم مؤمنون؟ وعن ذلك السؤال والمحاورة عبر ~~بالمجادلة (في قوله): (يجادلنا في قوم لوط) (هود: 74) أي يجادل رسلنا، وهي ~~محاورته معهم وسؤاله إياهم حتى عرفوه أن آل لوط، عليه السلام، ناجون إلا ~~امرأته، ثم أعقب ذلك من مجيء الملائكة من عند إبراهيم إلى لوط، وإنكار لوط ~~أولا إياهم حتى علم أنهم الملائكة ثم أمرهم أياه بأن يسري بأهله، وأن ~~يقدمهم أمامه، ولا يلتفت إلى ما وراءه، ولا يعرج على شيء فإن قومه هالكون ~~صبح ليلتهم، ثم الإخبار بمجيء قوم لوط لما سمعوا بأضيافه وظنوا أنهم من ~~البشر، وجاؤوا مسرعين طامعين في غلبة لوط، عليه السلام، وقهره في ضيفه ~~ليأخذوهم لأغراضهم الشنيعة: (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) (هود: 78)، ~~فذكرهم، عليه # # PageV02P291 # السلام، وأمرهم بتقوى الله، عز وجل، فقال: (إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون * ~~واتقوا الله ولا تخزون) (الحجر: 68 - 69)، ثم عرض عليهم نساء آله وقومه ~~بالوجه المحل لذلك فقال: (هؤلاء بناتي) (الحجر: 71)، ونساء قوم كل نبي بنات ~~له، وهو لهم بمنزلة الأب (فلم) يجد ذلك عليهم شيئا، وعند تمردهم وطغيانهم ~~قال عليه السلام: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) (هود: 80)، أي ~~عشيرة (وقبيلة) يحمونني، فقالت الملائكة إذ ذاك: إنهم لن يصلو إليك، أي لا ~~سلطان لهم عليك ولا عون، فروي أن جبريل، عليه السلام، نفخ في أعينهم فخرجوا ~~وقد عموا قائلين لمن وراءهم أن عند لوط سحرة أو كما قالوا، ثم صبحهم ~~العذاب: (فأخذتهم الصيحة مشرقين) (الحجر: 73)، قال تعالى: (فجعلنا عاليها ~~سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) (الحجر: 74)، هذه جمل ومقدمات عجائب ~~من الآيات يجول فيها اعتبار المعتبر ويتسع له النظر، ويتوسم منها المتفرس ~~مخائل الهلاك ومقدمات التلف لأولئك الأشرار، فقال: (إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين) (الحجر: 75) أي المعتبرين أو المتفرسين والناظرين، فهذا مناسب ~~لما تقدم. ثم لما تحصل من قوله تعالى: (فجعلنا عاليها ms327 سافلها) (الحجر: 74) ~~قلب مدينتهم المشاهد أثره مرئيا مشاهدا لمن أتى بعدهم قال تعالى: (وإنها ~~لبسبيل مقيم) (الحجر: 76) أي طريق واضح ودليل بين لمن شاهده وأبصره، وذلك ~~أمر مدرك ومعتبر متخذ حاصل لنا تفصيل قصصه بخبر الصادق، عليه السلام، قال ~~تعالى: (إن في ذلك لآية للمؤمنين) (الحجر: 77)، وقال ((لمؤمنين)) أي ~~للمصدقين المشاهدين أثرهم، فجاء كل على ما يجب، ولم يكن ليناسب المتقدم ~~إفراد آية، ولا جعل العبرة للمصدقين مع ذكر المتوسمين في الأخرى ولا ~~المتأخر ما ورد في الأولى، بل ورد كل على ما يجب ويناسب، والله سبحانه ~~أعلم. ### | الآية السابعة # : غ - قوله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين) (الحجر: 88)، وفي سورة ~~الشعراء: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (الشعراء: 215)،، فزيد هنا ~~قوله: (لمن اتبعك) ومقصود الآيتين واحد فللسائل أن يسأل عن وجه التخصيص؟ # والجواب عن ذلك: إنه لما لم يتقدم آية الحجر تخصيص بمدعو بل تقدمها ~~خطابه، عليه السلام، بالتأنيس والتسلية عمن أعرض والرفق بمن آمن فقال ~~تعالى: (ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين) (الحجر: 88)، لم يحتج هنا ~~إلى زيادة. ولما تقدم آية الشعراء قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) ~~(الشعراء: 214)، والإنذار يستصحب التخويف والاستعلاء على من يخاطب به، اتبع ~~ذلك تعالى تلطفا وإنعاما على من آمن من عشيرته، عليه السلام، وغيره بقوله: ~~(واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (الشعراء: 215) فقيل هنا: (لمن # # PageV02P292 # اتبعك) ليكون أنص في تعميم المؤمنين مطلقا من العشيرة وغيرهم، ولو قيل ~~هنا ((واخفض جناحك للمؤمنين) لما كان نصا في التعميم بل كان يحتمل أن يراد ~~به خصوص المؤمنين من عشيرته، عليه السلام، وكأن قد قيل: واخفض جناحك لمت ~~آمن منهم أي من العشيرة، لأن لفظ المؤمنين هنا - وإن عم - فإنه مما تقدمه ~~وبني عليه من قوله: ((وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء: 214) يشبه الوارد ~~من العمومات على سبب خاص، وذلك مما يكسر سورة عمومه ويدخله الخلاف، فجيء ~~بالمجموع من قوله: (لمن اتبعك من المؤمنين) لايمتنع أن يراد به الخصوص، ~~فالجواب ان رجوع الضمير إلى العشيرة على اللزوم غير لازم بل يمكن ms328 رجوعه إلى ~~الجميع من متماد على كفره ومتبع. أما الأول فبين، وأما الثاني فالارتداد ~~وقد قال تعالى: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) (آل عمران: 86)، بل ~~رجوع الضمير إلى الكل أولى ليستصحب المؤمن الخوف، ولهذا قيل: (فإن عصوك) ~~لوقوع اسم المعصية على الكفر وما فوقه. # **** # # PageV02P293 ### | سورة النحل ### | الآية الأولى # منها قوله تعالى: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون * وسخر لكم الليل والنهار والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في ~~الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون) (النحل: 11 - 13). يسأل ~~عن توحيد آية (في الآية) الأولى والثالثة وجمعها في ### | الآية الثانية # المتوسطة؟ وعن تعقيب الأولى بقوله: (لقوم يتفكرون) وتعقيب الثانية بقوله: ~~(لقوم يعقلون) والثالثة بقوله: (لقوم يذكرون)؟ # والجواب عن السؤال الأول: أن الإشارة بقوله: (إن في ذلك) في الآية الأولى ~~إلى المنزل من السماء في قوله: (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون) (النحل: 10)، ثم قال: (ينبت لكم به الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات) (النحل: 11) أي ينبت لكم بالماء المنزل ~~من السماء - مع وحدته في الصفة - ضروب الأقوات والفواكه وأنواع الثمرات ~~فقيل: (إن في ذلك لآية) بالإفراد، لأن الإشارة إلى الماء أو إلى إنبات ~~أنواع الثمرات المختلفات في الطعن والألوان مع وحدة المادة من الماء وهو ~~واحد، وكذلك الآية الثالثة الإشارة فيها إلأى الجنس الواحد الواقع عليه لفظ ~~(ما) من قوله: (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه) فأفرد هذا الضمير أيضا ~~لرجوعه إلى ((ما)) الواقعة على جنس واحد مبثوث في الأرض يشتكل على أنواع ~~مختلفة في الطعوم والألوان، فأفرد لفظ الآية لما أفرد لفظ الضمير لوقوع ذلك ~~على الجنس الذي عبرت عنه ((ما))، وهو جنس واحد، فاقتضى ذلك إفراد آية. وأما ~~الآية المتوسطة فالإشارة فيها إلى خمسة أشياء مختلفة، أحيل عليها في ~~الاعتبار، وسخرت لنا تسخيرا به قوام معشنا وصح أحوالنا ms329 ومعرفة حسابنا، وهي ~~الليل والنهار والشمس والقمروالنجوم، وكل واحد من هذه تتسع جهات النظر فيه ~~والاعتبار بعجائبه، فالليل للسكون والراحة والنهار للاكتساب والتصرف ~~والسياحة، والشمس للإضاءة والتسخين، والقمر للنورية والترطيب والتكوين، ~~وبكلا النيرين معرفة الشهور والسنين، # # PageV02P294 # (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار) (يس: 40)، ~~والنجوم للاهتداء في ظلمات البراري والبحار، وجهات الاعتبار بهذه الخمس ~~يفوت الإحصاء، فللإشارة إلأى هذه المتعددات جمع فقيل: ((لآيات)). # والجواب الثاني، وهو وصف المعتبرين في الآية الأولى بالتفكير وفي الثانية ~~بالعقل وفي الثالثة بالتذكير: أن إنبات الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ~~ومختلف الثمرات بالماء المنزل من السماء مع كونه واحدا والمنبت مختلف ~~الأنواع والطعوم والمنافع أمر يوصل إلى تعرفه وارتباطه باستعمال الفكر في ~~ذلك وإن لم يطل، بشرط السلامة من الغفلة، فيحصل بمجرد الفكر على عظيم ~~المعتبر. وأما تسخير الليل والنهار إلى ما ذكر معهما فلا يكتفي في (معرفة) ~~ذلك والحصول على الاعتبار به بمجرد الفكر، فإن العلم بتسخير هذه مما يغمض ~~ويخفى إلا على ذوي البصائر والفطن السليمة والعقول الراجحة، فلم يقنع ~~التفكر هنا بل وصف المعتبر بها بما هو فوق الفكر، وتأصل ما تعقب به موضوع ~~الاعتبار في قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر) (البقرة: 164)، إلى قوله: (لقوم يعقلون) ~~(البقرة: 164)، لما كان في الاعتبار بما انطوت عليه الآية غموض وخفاء قيل: ~~(لقوم يعقلون)، وأما ### | الآية الثالثة # وهي قوله: (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه) (النحل: 13) ببدأة الفكر ~~السالم، فقصد التذكير كاف في حصول الاعتبار بذلك. فإذا تأملت ما ذكرناه ~~ألفيت ذلك كله واردا على أجل مناسبة، وعملت أن كل آية من هذه الثلاث لا ~~يناسبها إلا ما أعقب به. ### | الآية الثانية # من سورة النحل قوله تعالى: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون) (النحل: 14)، وقال في سورة الملائكة: (ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها وترى ms330 الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون) (فاطر: 12). # وفي هذه الآية ثلاث سؤالات: الأول: لم أخر المجرور وفي سورة النحل فقيل: ~~(مواخر فيه) وقدم في السورة الأخرى فقيل: (فيه مواخر)؟ والثاني: زيادة ~~الواو في قوله: (لتبتغوا من فضله) في سورة النحل وسقوطها في سورة ~~الملائكة؟، والثالث: زيادة ((منه)) في سورة النحل في قوله: (وتستخرجون حلية ~~تلبسونها) وسقوط ذلك في سورة الملائكة)؟ # # PageV02P295 # والجواب عن الآول: أن أية النحل بنيت على تاخير المجرورات عما تعلقت به، ~~وجرى الكلام جريا واحدا للتناسب والتشاكل، فقيل: لتأكلوا منه، وتستخرجوا ~~منه، ومواخرفيه. ولو قيل هنا: فية مواخر وتقدم المجرور على العامل فبه وهو ~~مواخر اسم فاعل مجموع من المخر وهو شق السفينة الماء بحيزومها لما ناسب ما ~~تقدم مما بنيت الآية عليه وتقدم فى المجرورين قبله. # أما اية الملائكة فمبنية على تقدم المجرور على ما به تعلق (قال تعالى): ~~(ومن كل تاكلون لحما طريا)، وتأكلون العامل فى المجرور الذى هو كل متاخر ~~عنه، فناسب ذلك تأخر العامل أيضا فى المجرور الثانى ليتناسب الكلام ببناء ~~أخره على ما بنى أوله ولم يكن ليصح ما لا يتناسب. # والجواب عن السؤال الثانى: أن أية النحل مبنية على قصد الاعتبار وتعداد ~~النعم وقد اجتمع فى قوله تعالى: (وهو الذى سخر البحر) الآية، مجموع الآمرين ~~من الاعتبار وابداء النعمة بتسخير البحر وأكل اللحم الطرى منه واخراج ~~الحلية للباس ومخر السفن اياه للمنافع والاكتساب، فهذهنعم جليلة، وفى كل ~~منها مجال للاعتبار ومتسع للتفكير والنظر، فلما كان من مقصود هذهالآية ~~تعداد النعم ناسب ذللك عطف بعضها على بعض لانه مظنة اطناب وتفصيل، فقيل: ~~(ولتبتغوا من فضله) (النحل: 14)، والمجرور متعلق بفعل التسخير، واستخراج ~~الحلية، وجرى السفن والابتغاء من فضل الله. # وأما أية سورة الملائكة فبينت على ابداء القدرة وجليل الحكمة ألا ترى ~~قوله: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) (فاطر: ms331 ~~11)، ثم قال: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) ~~(فاطر: 12)، فهذامقصود به الاعتباروالتعريف بانفراده سبحانه بخلق ذلك ابداء ~~النعم وجليل الاحسان، ولكن مقصود الآية وبناءها على ما ذكرنا، ثم تجرد باقى ~~الكلام للتعريف بالانعام والامتنان فقال تعالى: (ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله) (فاطر: ~~12)، فتعلق المجرور الذى هو لتبتغو باسم الفاعل المجموع اى سخرة للابيتغاء ~~من فضلة، فالابتغاء هنا منجر طي الكلام، والامتناء مقصود، ألا ترى أن مخر ~~السفن كأنه ليس لشيء الا للابتغاء، فلما تعلقت اللام بمواخر من حيث تحمل ~~اللفظ معنى الفعل لم يصح دخول # # PageV02P296 # الواو، ولم يكن كأية النحل، فافترق القصدان، ولم يلائم كلا من الموضعين ~~الا الوارد فيه. # والجواب عن السؤال الثالث: أن معنى الكلام فى قوله (ومن كل تأكلون لحما ~~طريا وتستخرجون حلية تلبسونها) (فاطر: 12) مستقل، لا ابهام فيه ولا احتمال ~~لآن تقدير الكلام: من كل البحر أكلكم واستخراج الحلية للباس فالكلام فى قوة ~~المبتأوالخبر، لايوهم خلاف ما ذكر، وأما قوله: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا ~~منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) (النحل: 14) فلو سقط هنا ~~المجرور الذى هو ((منه)) لكان مجالا للاحتمال، لو قيل: وتستخرجوا حلية لم ~~يكن بالنص فى أن استخراج الحلية من البحر وان كان ظاهرا الا أن هذا القدر ~~من الاحتمال منقدح هنا وغير منقدح فى أية الملائكة لآنة لا انقداح فيها ~~للاحتمال فورد كل على ما يجب، والله واعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة النحل قوله تعالى: (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى ~~المتكبرين) (النحل: 12)، وفى سورة الزمر: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فبئس مثوى المتكبرين) (الزمر: 72)، وفى سورة المؤمن: (ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) (غافر: 76)، للسائل أن يسأل عن زيادة ~~اللام فى اية النحل وسقوطها فى الآيتين الآخريين وما وجه ذلك؟ # والجواب عن ذلك: أن أية النحل تقدمها ثمانى أيات أو نحوها فى ذكر هؤلاء ~~المقول لهم: (فادخلوا أبواب جهنم) وفى وصفهم ms332 من لدن قوله تعالى: (وإذا قيل ~~لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) (النحل: 24) الى قوله: (فادخلوا ~~أبواب جهنم) (النحل: 29)، وتلك اطالة فى ذكرهم، والاستيفاء يناسبه التأكيد ~~باللام المشيرة الى معنى القسم، وأما الآيتان فى سورة الزمر وسورة المؤمن ~~فان المتقدم فى الاولى منهما قوله: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) ~~(الزمر: 71) الى قوله (قيل ادخلوا أبواب جهنم) (الزمر: 72)، وذلك كلام قد ~~جمع الى الوجازة أنة لم يذكر من كفرهم مثل ما ذكر فى المذكورين قبل أية ~~النحل من ردهم المنزل بقولهم: (أساطير الأولين) وتلك مقالة شنعاء من كفرهم، ~~فناسب الايجازالواقع قبل أية الزمر مع أجمل فيها من كفرهم بسقوط اللام من ~~قوله: ((فبئس)). وأما أية سورة المؤمن فلم يقع ايضا قبلها استيفاء التعريف ~~ما وقع في سورة النحل ولا نص من شنيع مرتكبهم على غير التكذيب، فناسب ذلك ~~سقوط اللام كما فى سورة الزمر، وورد كل على ما يجب ويناسب. # # PageV02P297 ### | الآية الرابعة # قوله تعالى: (فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ~~(النحل: 34)، وفيسورة الزمر: (فأصابهم سيئات ما كسبوا) (الزمر: 51). # ووجه ذلك، والله اعلم: استدعاء التناسب في كل من الموضعين، وقد ورد قبل ~~أية النحل قوله تعالى مخبرا عن المشركين: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون) ~~(النحل: 28)، (ثم استمرت الاية الى قوله: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) ~~(النحل: 32))، ثم صرف الكلام الى كفار العرب فى توقفهم عن الايمان فقيل: ~~(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) (النحل: 33)، ثم قيل: (كذلك فعل الذين ~~من قبلهم) (النحل: 33)، والمرادمن قال: (ما كنا نعمل من سوء) (النحل: 28) ~~ومن كان على مثل حالهم فقيل بناء على قولهم: (ما كنا نعمل من سوء)، ~~(فأصابهم سيئات ما عملوا) (النحل: 34)، وتناسب هذا أبين تناسب. # وأما أية الزمر فقد وقع قبلها قوله: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض ~~جميعا) (الزمر: 47) الى قوله: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) ~~وبدا لهم سيئات ms333 ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) (الزمر: 47و48) ~~وبعد هذا: (قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون)، ثم ~~قال: (فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء (يعنى كفار العرب) # سيصيبهم سيئات ما كسبوا) (الزمر: 51)، فقد وضح وجه التناسب فى الآيتين، ~~وعكس الوارد لا يناسب، والله اعلم. ### | الآية الخامسة # قوله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ~~(53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون) (النحل: 53 - 55)، (وفى الروم: (وإذا مس ~~الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون) (النحل: 33 - ~~34))، وفى العنكبوت: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون) (العنكبوت65 - 66)، للسائل أن يسأل عن وجه تكرر اللام فى قوله: ~~((وليتمتعوا)) في سورة العنكبوت ولم يتكرر فى الآيتين الآخريين؟ وهل بين ~~أية العنكبوت وأيتى النحل والروم فرق فى ذلك يوجب تكرار اللام حيث ذكر ام ~~لا؟ وهل قوله فى سورة العنكبوت: (إذا هم يشركون) يعم جميع المذكورين فى ~~ذلك؟ وقال فى # # PageV02P298 # الآيتين الآخريين: (إذا فريق منهم) فخص بعضهم ولم يعم فهل لذلك موجب؟ ~~فهذان سؤالان. # والجواب: أن هذه اللام فى قولة تعالى: ((ليكفروا))، ((وليتمتعوا)) لام ~~مقصود به التهديد والوعيد كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) (فصلت: 40) و ~~(اعملوا على مكانتكم) (هود: 93) وقوله (ومن شاء فليكفر) (الكهف: 29). واذا ~~تقرر هذا فقوله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجأرون (53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم 000) (النحل: 53 - ~~54) خطاب يعم ولا يخص، واذا كان الخطاب يشمل العام الكثير فأبعد شيء أن ~~يكونوا فى تلقيه على حد واحد، بل يكون منهم المقبل والمعرض، فعلى هذا الحكم ~~ورد فى سورتى النحل والروم (إذا فريق منهم)، لان ما تقدم ms334 من الخطاب ~~الاخبارى فى قوله: (وما بكم من نعمة فمن الله) الى قوله: (ثم إذا كشف الضر ~~عنكم)، وفى قوله فى الروم: (وإذا مس الناس ضر) الى قوله: (ثم إذا أذاقهم) ~~عام غير خاص، فقد تفصل تلقيهمنوافترقت احوالهم بشاهد جرى العادة الذى لا ~~ينكسر. واذا تقرر هذا فالوعيد لا يعمهم معنى، بل يخص الفريق المسمى وان عم ~~بلفظه تخويفا لمن عدا ذلك الفريق وليكون ارهب للجميع وان تفصلت احوالهم. # اما قوله تعالى فى سورة العنكبوت: (فإذا ركبوا في الفلك) (العنكبوت: 65) ~~فليس هؤلاء كل الناس، ولا يتناول الخطاب غير من ذكر، فقوله بعد: (إذا هم ~~يشركون) # يتناول جميع من شمله الضمير فى قوله ((ركبوا)) وظاهر الخطاب تساوى هؤلاء ~~فى مرتكبهم، فالوعيد شامل لجميعهم ومتناول جملتهم، فحسن توكيد الوعيد ~~لشموله لهؤلاء المخصومين فقيل: ((وليتمتعوا))، ولم يحسن في المذكورين في ~~آيتي النحل والروم لتفصيل أحوالهم، فجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. ### | الآية السادسة # : غ - قوله تعالى: (ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم) (النحل: 60)، ~~وفي سورة الروم: (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) ~~(الروم: 27)، للسائل أن يسأل عما زيد في آية الروم من قوله: (في السماوات ~~والأرض) مع أن ذلك مفهوم من الآية الأخرى وملعوم (لايمكن خلافه) وإن يقع به ~~إفصاح في اللفظ؟ # # PageV02P299 # والجواب أن ذلك إنما جرى بحسب مقتضى المقصود في كل من الآيتين، أما آية ~~النحل فقد تقدمها قوله تعالى: (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) (النحل: ~~60)، فقوبل بحسب التفصيل ومقتضى التقابل بقوله تعالى: (ولله المثل الأعلى) ~~(النحل: 60)، فتطابق الكلام وتناسب موزانة لفظ وجليل تقابل، ولم يقع قلبها ~~ذكر السماوات والأرض، فلم يكن ليناسب ذلك ذكرهما بعده. # وأما آية الروم فتقدمها قوله عز وجل: (وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون) (الروم: 26)، ثم قال بعد: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض) (الروم: 27)، ووضوح التناسب في ~~هذا غير محتاج إلى زيادة بيان. ### | الآية السابعة # منها قوله تعالى: (ولو ms335 يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) (النحل: 61)، وفي سورة الملائكة: (ولو يؤاخذ ~~الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) (النحل: ~~61)، فيهما سؤالان: أحدهما، قوله تعالى في الأولى: (بظلمهم) وفي الثانية ~~(بما كسبوا) والثاني، قوله في الأولى (عليها) وفي الثانية (على ظهرها). # والجواب: أن آية النحل تقدمها قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم ~~يدسه في التراب) (النحل: 58 - 59)، فإشارة الآية إلى وأدهم البنات - وهو ~~أعظم الظلم وأشنعه إذ لم يتقدم للمؤودة جريمة ولا شبهة يتعلق بها قاتلها - ~~ناسب هذا ذكر الظلم، فقال تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك ~~عليها من دابة)، والضمير في عليها للأرض، يفهمه سياق الكلام، فناسب ما أشير ~~إليه من عظيم ظلمهم التوبيخ بذكر الظلم في قوله: (بظلمهم). ولما لم يتقدم ~~في آية سورة الملائكة إفصاح بذكر الظلم بل تقدمها قوله: (فلما جاءهم نذير ~~ما زادهم إلا نفورا * استكبارا في الأرض ومكر السيئ) (فاطر: 42 - 43) إلى ~~قوله: (فهل ينظرون إلا سنت الأولين) (فاطر: 43)، فأشير إلى اجتراماتهم وسيء ~~اكتسابهم بنفورهم ومكرهم السيء، فناسب ذلك قوله: (بما كسبوا) وقيل هنا: (ما ~~ترك على ظهرها) والضمير للأرض يسره السياق كالأول، وقيل: (على ظهرها) ~~ليناسب في طول تركيبه قوله: (بما كسبوا)، كما ناسب قوله (عليها) في الآية ~~الأولى قوله: (بظلمهم) في قلة حروفه تناسب التوازن والتقابل، فورد كل على ~~ما يجب. # # PageV02P300 ### | الآية الثامنة # منها قوله تعالى: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن ~~في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) ~~وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ~~ثم كلي ms336 من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) (النحل: 65 - 69)، في ~~هذا ثلاثة سؤلاات: الألو إفراد ((آية)) في الثلاثة مواضع مع أن الثاني منها ~~قد تفصل فيه الاعتبار بذكر الأنعام ولبنها وذكر ثمرات النخيل والأعناب وما ~~يتخذ منها، فيسبق في الظاهر أن الواجب جمع آيات بخلاف الآية الأولى ~~والثالثة (فقد) أفردت فقيل: (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون)، والسؤال الثاني: ~~ما وجه ختام الأولى بقوله: (لقوم يسمعون)، والثانية (لقوم يعقلون)، ~~والثالثة: (لقوم يتفكرون)؟ والسؤال الثالث: ورود ضمير الأنعام مفردا في ~~قوله: (نسقيكم مما في بطونه)، وما الفرق بين هذا وبين الوارد في سورة ~~المؤمنون: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها) (المؤمنون: 21) ~~والجواب عن السؤال الأول أن قوله: (لآية لقوم يعقلون)، راجع إلى قوله: (ومن ~~ثمرات النخيل والاعناب) .. الآية، وذلك اعتبار باتخاذ السكر والرزق الحسن ~~من ثمرات النخيل والآعناب وهو نوع واحد، وقد أفرد فى قوله: (تتخذون منه) ~~فجاء افراد أية عن ذلك، واما اخراج اللبن من بين الفرث والدم في الآنعام ~~فلا يرجع اليه قوله (ان فى ذلك لآية) اذ قد اغنى عن ذلك قوله: (وان لكم فى ~~الآنعام لعبرة نسقيكم)، فقوله ((لعبرة)) كاف عن ((أية)) ومغن ذلك الغنى. ~~فلا حاجة للجميع بينهما، وانما مرجع أية لما ذكر من المتخذ من ثمرات النخيل ~~والآعناب كما تبين، فليدفع هذا السؤالجملة. وكذلك الآية الآولى الاعتبار ~~فيهابالماء المنزل من السماء، والاعتبار فى الثانية بما تضمنت من أمر النحل ~~والايحاء اليه بما ذكر، فالاعتبار فى كل منها انما وقع بنوع مفرد، وما وقع ~~من تفصيل فمصرفه الى حال أو وصف مع وحدة النوع. # واجواب عن السؤال الثانى: أن وجه مناسبة قوله: (إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون) [النحل: 65] لقوله: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها) [النحل: 65] ... الآية، بناء ذلك على المتصل به من قوله: (وما ~~أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا ms337 فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون) [النحل: 64]، ثم قال: (والله أنزل من السماء ماء)، فاتصل ذكر انزال ~~الكتاب بانزال الماء، وما سماه رحمة الا لرحمته عباده به، وماء السماء ~~رحمة، وقد سماه بذلك، وبالمنزل من الكتاب يتذكر اعتبار الرحمة (بالماء) ~~المنزل من السماء، ولا يحتاج # # PageV02P301 # في ذلك إلى كبير تذكر، بل التنبيه على إنزاله بالوارد في الكتاب مع ~~مساهده منافعه كاف في العتبار، وفي إحياء الأرض به بعد موتها أوضح شهادة ~~لإحياء الموتى وإخراجهم لما وعدوا به، فالتحم الكلام، وتناسب النظم ~~والمعنى. وإنما تحصل ثمرة الكتاب المنزل بسماعه، ولذلك نهي المعرضون عنه ~~أتباعهم فقالوا: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) (فصلت: 26) وقال في ~~قسم من رحم بسماعه من الجن: (إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي) (الجن: 1و2)، ~~وإنما يستجيب سامعه إذا كان غير معرض، فإذا لم يصغ إلى اعتبار ما أعقب به ~~من إنزال السماء، فلهذا الالتحام أعقبت الآية المذكورة بقوله: (إن في ذلك ~~لآية لقوم يسمعون)، والله أعلم. # وأما الآية الثانية فلما وقع فيها ذكر السكر في قوله: (تتخذون منه سكر) ~~(النحل: 67) وذلك حكم لا يمكن الوصول إلى مرفة سببه ولا تعليله بطريق ~~الحواس، ولا يوصل إلى ذلك بجهة تفكر أو اعتبار، عبر بقوله: (لقوم يعقلون) ~~إذ العقل يسلم إمكان ما لا تعلم له على مما ليس بمحال، فيكون مما ينفرد ~~تعالى بعلمه، ويعجز البشر عن فهمه. وأما الآية الثالثة فمحل ومجال للتفكر ~~ومتسع للاعتبار فناسبه قوله: (لقوم يتفكرون). # والجواب عن السؤال الثالث: أي قوله: (نسقيكم مما في بطونه) (النحل: 66) ~~بإفراد الضمير وتذكيره مراد به الجنس، وقد حكى سيبويه، رحمه الله، أن من ~~العرب من يقول: هو الأنعام، وعليه حمل آية الأنعام في تذكير الضمير، وورد ~~في سورة المؤمنون على التأنيث والجمع لما بني على ذلك من قوله: (نسقيكم مما ~~في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون * وعليها وعلى الفلك تحملون) ~~(المؤمنون: 21 - 22)، فنوسب بضمير الأنعام ما أتبع به من الضمائر في قوله: ~~فيها، ومنها، وعليها. فورد بصورة التأنيث والجمع. ms338 ### | الآية التاسعة # من سورة النحل قوله تعالى: (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير) (النحل: 70)، وفي ~~سورة الحج: (ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة) (الحج: 5)، للسائل أن يسأل ~~عن زيادة ((من)) في قوله: (من بعد علم شيئا) وسقوطها من آية النحل مع اتحاد ~~المعنى، هل ذلك لسبب حامل يقتضي زيادتها هنا وسقوطها هناك؟ # والجواب: أن سبب ذلك - والله أعلم - التناسب وتشاكل النظم ومراعاة اللفظ ~~ألا ترى إلى تكرر ((من)) في قوله: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ~~فإنا خلقناكم من # # PageV02P302 # تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر ~~في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) (الحج: ~~5)، فقد تكررت لفظة ((من)) هذه في هذا الآية في ستة مواضع، الخمسة منها قبل ~~قوله: (من بعد علم شيئا) والواحدة بعدها، وكلها محرزة معناها الذي جيء بها ~~من أجله إلا التي في قوله: (من بعد) إذ النظم مع سقوطها (ملتئم) والمعنى ~~تام، فاستوى وجودها وعدمها، فاستعاها سياق آية الحج للتشاكل والتناسب في ~~النظم، ولم يكن في آية النحل ما يستدعيها إذ لم يرد ما يقتضيها، فورد كل ~~على ما يجب ويناسب، ولا يمكن العكس والأولى في قوله: (من البعث) لابتداء ~~الغاية وما بعدها للتبعيض إلا التي في قوله: (من بعد علم) فإنها زائدة رعيا ~~للفظ لا النافية، وإن كانت هنا مزيدة. ### | الآية العاشرة # من سورة النحل قوله تعالى: (أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون) ~~(النحل: 72)، وفي العنكبوت: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس ~~من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة ms339 الله يكفرون) (العنكبوت: 67)، للسائل أن ~~يسأل عن ثبوت الضمير المنفصل المبتدإ في قوله: (هم يكفرون) في آية النحل ~~وسقوطه من آية العنكبوت مع أن المعنى متحد والعبارة متكررة أعني قوله: ~~(أفبالباطل يؤمنون ### | .... # ) الآية، فما وجه ذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أن الوارد في آية لانخل راجع إلى من قدم ذكرهم في ~~قوله: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم) (النحل: 56)، وفي قوله: ~~(ويجعلون لله البنات) (النحل: 57) إلى قوله: (للذين لا يؤمنون) (النحل: ~~60)، وقوله: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة) (النحل: 72)، فلما كان قوله: (أفبالباطل يؤمنون) راجعا إلى ما تباعد ~~أتى بضميرهم المشعر بالبعد هو ضمير الغائبين فقيل: ((هم))، وارتفع بالإتيان ~~به توهم عودة ضمير يؤمنون إلى المقول لهم: (وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة). # فإن قيل: لو قيل تؤمنون وتكفرون على الخطاب لكان للمخاطبين بقوله: (لكم)) ~~أما على وروده على طريقة الإخبار عن الغائبين فلا يوهم ما ذكرت فلا ضرورة ~~تدعو إلى # # PageV02P303 # ضميرهم. قلت: هذا لو لم يكن الالتفات من فصيح كلام العرب، وهو الرجوع عن ~~الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب وإلى المتكلم كقوله: # تطاول ليلك بالإثمد ونام الخلي ولم ترقد # وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبأ جاءني وخبرته عن أبي الأسود # فتأمل كيف التفت في قوله: (وبات وباتت له ليلة)) بعد الخطاب بقوله: ~~(تطاول ليلك .. ) ((ولم ترقد))، (فرجع) الخطاب إلى الغيبة. ثم قال: (وذلك ~~من نبأ جاءني) - فرجع إلى المتكلم، وإنما خاطب بكل ذلك نفسه، وفي الكتاب ~~العزيز (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) ~~(يونس: 22)، فقوله: (وجرين بهم) رجوع من الخطاب إلى الغيبة، وفي الكتاب من ~~ذلك كثير. فإذا تقرر أن الالتفات من فصيح كلامهم فما يمنع من احتمال أن ~~يفهم قوله: (أفبالباطل يؤمنون) على أنه راجع إلى المخاطبين بقوله: (وجعل ~~لكم من أزواجكم بنين وحفدة) على طريقة الالتفات رجوعا من الخطاب إلى ~~الغيبة، فجاء قوله: (وبنعمت الله هم) بضمير ms340 الغائبين رافعا لهذا الإبهام ~~وما للمعنى المقصود بالكلام من رجوعه إلى من تقدم ذكره، فهذا موجب ورود هذا ~~الضمير المبتدأ هنا. # أما قوله في سورة العنكبوت: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس ~~من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون) (العنكبوت: 67)، فكرمهم لا ~~يرجع شيء منه إلى متقدم قبله فيتباعد عنه بل هو مستقل بنفسه، والمعنيون ~~بوقله: (أولم يروا) هم المراد (بقوله) (أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون)، وليست هذه الآية مثل آية النحل فيما إلى ما احتيج هناك، فكل من ~~الآيتين وارد على ما يجب ويناسب، ولا يمكن عكس الوارد على ما تمهد، والله ~~أعلم. ### | الآية الحادية عشرة # : غ - قوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ~~(النحل: 78)، وفي سورة المؤمنون: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة قليلا ما تشكرون) (المؤمنون: 78)، وفي سورة الملك: (قل هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (الملك: 23)، ~~فورد في هاتين الآيتين نفي شكرهم على المعروف من هذه العبارة أو تقليله ~~بمقتضى اللفظ، وورد في آية سورة النحل # # PageV02P304 # ترجي (شكرهم) مع اتحاد المقصود من إبداء عظيم النعمة بالإسماع والإبصار، ~~فللسائل أن يسأل عن الفرق؟ # والجواب، والله أعلم: أن آية النحل مبتدأة بقوله تعالى: (والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) (النحل): 78)، فناسب هذا - لكونه وصف حال قبل ~~تعيين التكليف ورود الترجي لأن يكون منهم الشكر لذكره إياهم في حال لم ~~يتهيؤوا فيها بعد لقبول أمر أو نهي أو إعراض عن ذلك، ولا يتعلق بهم ~~التكليف، فناسب هذا ذكر الترجي. # أما الآيتان بعد فالإخبار فيهما عن أحوال من استوفى سن التكليف وعقل ~~الخطاب (وشاهد العضات) وفهمها، وتكرر عليه التذكار فلم يجد عليه شيئا، ألا ~~ترى أن قبل آية المؤمنون (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم) ~~(المؤمنون: 76)، إلى ما اتصل بهذا. # فقد صدر عن هؤلاء التعامي فخالف الوارد في آية النحل، فناسب ذلك هنا نفي ~~شكرهم. # وأما آية الملك المخاطب بها من قيل له تعريفا وتوبيخا (أمن هذا الذي ms341 هو ~~جند لكم ينصركم من دون الرحمن) (الملك: 20) إلى قوله: (قل هو الذي أنشأكم) ~~(الملك: 23)، والآي مشيرة إلى موالاة إنعامه سبحانه على عبادة وإدرار ~~أرزاقهم إلى ما يجري مع هذا، فناسب ذلك الحين لم يجد عليهم مستمر إحسانه ~~ومتوالي إنعامه أن نفى تعالى شكرهم، فقد وضح التناسب في هذه الآي، ووردت كل ~~واحدة منها على ما يجب، وإن عكس الوارد غير مناسب. ### | الآية الثانية عشرة # : غ - قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن ~~إلا الله) (النحل: 79)، وفي سورة الملك: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ~~ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن) (الملك: 19)، فورد في الأولى: (ما يمسكهن إلا ~~الله) وفي الثانية: (إلا الرحمن) ومقصود الآيتين في التنبيه على الاعتبار ~~بعظيم قدرته تعالى وعلى حكمته في تسخير الطير في جو السماء وتسخير الهواء ~~وتهيئة (لذلك) بتقدير العزيز الحكيم مقصود واحد، للسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أن آية سورة الملك لما انطوت على ذكر حالين للطائر ~~من صفة جناحية وقبضهما، وهما حالتان يستريح إليهما الطائر، فتارة يصف ~~جناحية كأنه لا حركة به، وتارة يقبضهما إلى جنبيه حتى يلزقهما بهما، ثم ~~يبسطهما ويقبضهما موالاة بسرعة كما يفعل السابح، فناسب هذا الإنعام منه ~~تعالى وورد اسمه الرحمان. أما آية # # PageV02P305 # النحل لم يرد فيها ذكر هذه الاستراحة فقيل هنا: (ما يمسكهن إلا الله) ~~(النحل: 79)، وتناسب ذلك وامتنع عكس الوارد بما تبين، والله أعلم. ### | الآية الثالثة عشر # : غ - قوله تعالى: (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ~~ولا هم يستعتبون) (النحل: 84)، وفي آية سادسة من هذه: (ويوم نبعث في كل أمة ~~شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء) (النحل: 89)، ففي الأولى (من كل أمة) وفي الثانية (في كل أمة)، ~~وفي الأولى: (شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا) وفي الثانية: (شهيدا عليهم من ~~أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء)، فللسائل أن يسأل عن موجب الاختلاف في ~~الآيتين؟ # واعلم ms342 أن الآية الأولى متفق فيها على أن المراد بها الأنبياء، عليهم ~~السلام، مع أممهم، وكل نبي شاهد على أمته ولها بإيمان مؤمنها وكفر كافرها، ~~ولم يختلف المفسرون في هذا، وإنما السؤال في الآية الثانية لاختلافهم فيها، ~~فأكثر المفسرين لم يفرق بينها وبين الأولى فيما قصد بها، وأن نبينا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته كشهدة الرسل على أممهم، ثم إن هذه تضمنت ~~زائدا على ذلك حسبما نبينه، وأشار بعضهم إلى الفرق بين الآيتين من غير ~~تحرير ولا ركون إلى توجيه يعتمد، فأقول - وأسأل الله توفيقه: إن هذه الآية ~~لثانية المراد بها تخصيص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالإفصاح فيها - ما ~~شاركت فيه الأولى - بما منح من الكتاب العزيز وعظيم النعمة عليه وعلى أمته، ~~فاتسؤنف وقوله تعالى: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا). وكرر ليبنى عليه ما بعد ~~من قوله: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... ~~) الآية، فهذا من قبيل قوله تعالى: (وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن ~~اتبعتم شعيبا) (الأعراف: 90)، وقد تقدم هذا قوله تعالى: (قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب) (الأعراف: 88)، فكرر: (قال الملأ) ليبني ~~عليه ما اتصل به، ونحو هذا قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام) (البقرة: 150)، وقد تقدم أمره عليه السلام، (بهذا) إلا أنه أعيد ~~ليبنى عليه ما بعد من قوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) ~~(البقرة: 150) ليفهم وحيث ما كنتم من البلاد أو المواضع التي خرجتم إليها، ~~ولم تكن الآية المتقدمة لتعطي ذلك إلا باعتماد من غير تحرير، فلم يكن بد من ~~إعادة ما ذكر ليتحرر المعنى المراد من الآية، وقد مر بيان ذلك في سورة ~~البقرة عند ذكر الآية المشار إليها. ومن نحو هذا في الإخبار قوله تعالى: ~~(أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا # # PageV02P306 # وعظاما أنكم مخرجون) (المؤمنون: 35)، فكرر (أنكم) ليبنى عليه (الخبر) ~~بالإعادة والإخراج بما بعد من قوله في أول الآية: (إنكم)، وهو مرتكب بليغ ~~متكرر ms343 في الكتاب العزيز، فكذا الوارد في هذه الآية من قوله تعالى: (ويوم ~~نبعث)، تكرر لعظيم ما بني عليه وقصد الإخبار والبشارة من قوله تعالى: ~~(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: ~~89). فلما بين هذا الإنعام العظيم وبين الحاصل طي الآية المتقدمة من مخوف ~~الوعيد، أعقب به التعريف فيها بالشهادة، من قوله تعالى: (ثم لا يؤذن للذين ~~كفروا ولا هم يستعتبون) (النحل: 84)، إلى ما تلا هذا. # فالآيتان فيما أعقبتا به، وأنيط بكل واحدة منها، معرفتان بالحال في ~~الطرفين، الأولى معقب فيها التخويف والتهديد بأشد الوعيد، والثانية أعقب ~~مخوف تهديدها بترجي السلامة من مهول وعيدها بما اتبعت به، مما يفهم البشارة ~~والتلطف والإنعام بقوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89). بعد ذكر نبينا عليه السلام. المراد ~~بهذا الخطاب التعريف بشهادته لأمته مفصحا بالإشارة إليه تخويفا وتعظيما، ~~وبالإنعام بما أولاه ومنح أمته من الرحمة بالكتاب المهيمن على سواه من ~~الكتب والمبين لك شيء والهدى والرحمة والبشرى، أوزعنا الله شكر نعمه، ~~وجعلنا من أمة هذا النبي الكريم بمنه. # ولما كان قوله تعالى: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) (النحل: 89) حاصلا منه ~~تعقيبه، عليه السلام، وتحقيق كونه الشهيد على أمته، وكونه من أنفسنا ورد ما ~~قبله محررا فيه ذلك الغرض من تحقيق ذلك الحكم، من أن كل نبي قبله إنما كان ~~من أنفس القوم المرسل إليهم ذلك الرسول لا من غيرهم، وهو الشهيد عليهم، ~~وحقق ذلك في الثانية بما يحرزه حررف الوعاء الذي هو ((في)) ويقتضيه من ~~استحكام الإخبار بكون الشهيد من نفس الأمة، لأن قوله: (من كل أمة) يحتمل أن ~~يراد به أن يكون منهم في مذهب أو جامع بينهم وبينه، من غير أن يكون من ~~أنفسهم، أما قوله: (في كل أمة) فأنص في الاتصال واللزوق، لاسيما بما اتبع ~~به من قوله: (من أنفسهم)، فطوبق بين المتقابلين من قوله: (ويوم نبعث في كل ~~أمة شهيدا عليهم من أنفسهم) (النحل: 89) وقوله: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) ms344 ~~(الحل: 89)، فقد وضح ما باينت هذه الآية (به الآية)، وبانت جلالة هذا النظم ~~العجيب، وأن ما توهم تكراره ليس بتكرار، إذا كان مقصود ما أعيد مما (تقدم) ~~ذكره الشهيد لما بني عليه. فتحصل من هذه الآية العظيمة جليل الاعتناء بهذا ~~النبي الكريم # # PageV02P307 # صلى الله عليه وسلم تأنيسه، مالآية في قوله تأنيسا للأمة وإعلاما بعظيم ~~مكانته صلى الله عليه وسلم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) ~~(التوبة: 128) فهذا - والله أعلم - فصل ما بين الآيتين، وقد بان فيه ~~التناسب، وجلالة النظم، وحسن الالتئام، والله أعلم بما أراد. # فصل: لم يتعرض لهذه الآية أكثر المفسرين، ومن تعرض منهم لها ألحقها ~~بالأول، وقد وقفت في التفسير الكبير المنسوب للإمام أبي الفضل بن الخطيب، ~~وقد تعرض لهذه الآية فأورد مأخذ الإمامية بأن كل عصر لا يخلو من إمام ~~معصوم، وذكر تخريج الآية عندهم، ثم محله، واتبع بأن قال: فثبت أنه لابد في ~~كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم، ثم حكى عن أبي بكر الأصم أن المراد ~~بالشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أجزاء الإنسان تشهد عليه، وهي: الأذنان ~~والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان، قال والتدليل عليه أنه قال في ~~صفة الشهيد: أنه من أنفسهم، وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم وذكر أن ~~القاضي أجاب عن هذا من وجوه: الأول أنه تعالى قال: (شهيد)) فيجب أن يكون ~~غيرهم، والثاني أنه من كل أمة فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد ~~الأعضاء لا يصح وصفها بأنه من الأمة، هذا حاصل ما وقع في هذا التفسير، ولم ~~يقع فيه تعرض لشيء من ألفاظ الآية، وتنزيل هذه المآخذ على الآية، وأخذها من ~~أبعد شيء، وقد ذكرت في ذلك منزلا عن الآية ما أراه الأولى في المراد بها، ~~والله أعلم. # وأما قول الإمامية: إنه لا بد في كل عصر وقرن من إمام معصوم يشهد عليها ~~في القيامة فباطل، وقد كفانا وجه فساده من تقدم، وقول الأصم بعيد لما قاله ~~القاضي، وأما ما اعتمده ms345 أبو الفضل فبعيد أيضا، فيه ما يشبه الصغو إلى قول ~~الإمامية، وقد ورد في الصحيح أن الرسل هم الذين يشهدون على أممهم، وعلى ذلك ~~حمل المفسرون قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا) (النساء: 41)، ولا فرق بين هذه الآي، والله أعلم. ### | الآية الرابعة عشر # وهي من تمام ما قبلها: غ - قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89)، وفيما بعد من هذه السورة: (قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين) ~~(النحل: 102)، فورد في الأولى زيادة (رحمة) مع اتحاد المقصود في الموضعين ~~من وصف الكتاب، وهذا يظاهر الوارد في الموضعين، فيسأل عن ذلك؟ # # PageV02P308 # والجواب عن ذلك أن الأولى مقصود بها بشارة وإنعام لا يشوبه غيره، وقد ~~تبين ذلك، أما الثانية فوارده مورد الزجر والتعنيف لمن لم يؤمن مع البشارة ~~للمؤمنين، ألا ترى ما تقدمها من قوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم ~~بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) (النحل: 101)، فجووبوا عن هذا بقوله: (قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق) (النحل: 102)، أي قل لهم يا محمد هذا الكلام، ~~وورد بعدها: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) (النحل: 103)، فاكتنف ~~الآية المذكورة ما يفهم التعنيف لهم والوعيد على مرتكبهم، ووضح أن المقصود ~~لم يتحد في الآيتين كما يوهم للبادي من ظاهرهما، وأن زيادة قوله: (ورحمة) ~~في الأولى مناسب لمقصودها من البشارة والإنعام المجرد عن اتصال ما يفهم ~~تعنيفا أو وعيدا، ولم يكن ورود ذلك ليناسب الوارد في الثانية، فورد في كل ~~على ما يجب، والله أعلم. ### | الآية الخامسة عشرة # قوله تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل: 96)، وقال بعد (من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ~~(النحل: 97)، وفي آية الزمر: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) ms346 (الزمر: 35)، فورد هنا ((الذي)) مكان ((ما) ~~في الآيتين في سورة النحل، فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن آية النحل الأولى لما افتتحت بما الموصولة ~~في قوله تعالى: (ما عندكم ينفد)، والمراد بها الإطلاق والعموم، كانت في هذا ~~الموضوع أولى من لفظ ((الذي)) وإن اشتركا في الموصولية، إلا أن ((الذي)) لا ~~تفارق الموصولية، فهي كأنها أعرق في التعريف من ((ما))، لخروج ((ما)) عن ~~الموصلية من حيث إنها تكون حال اسميتها شرطا واستفهاما، ولا يفارقها العموم ~~والإطلاق في هذين الموضعين، ولا الإبهام إذا كانت صفة أو نكرة موصوفة أو ~~تعجبا، وبالجملة فالإطلاق أملك (بها)، وهو هنا مقصود، وأما (الذي) فلا ~~تفارق الموصولية، والعهدية فيها أغلب من الجنسية، فما في الآية أحرز ~~للمقصود منها فوردت فيها، وتكررت في قوله: (وما عند الله باق)، ومعنى الحصر ~~والتعميم فيهما واحد، والكلام مراعى فيه معناه، وكأن قد قيل: كل ما عندكم ~~ينفذ وكل ما عند الله باق، ولفظ ((ما)) أجرى هنا من ((الذي)) لما يحرزه من ~~معنى الإطلاق، ولما تقرر من التزامها العموم في الشرط والاستفهام، وأنها لا ~~تمنع الاشتراك حال إبهامها فيما عدا الموضعين. # # PageV02P309 # ومن أهل النظر من يطلق العموم بمعنى منع الشركة، والذي لا يقول هذا ~~لايمكنه إنكار الإبهام الإطلاقي وكيفما قيل فإن معنى التوسعة لا يفارقها، ~~وليست ((الذي) كذلك، فكانت ((ما)) أملك بالمعنى المقصود في الموضع، ثم ~~ناسبها وجرى معها ورودها في قوله: (بأحسن ما كانوا يعملون)، ولم تكن ~~((الذي)) لتناسب فجاء كل على ما يجب. # وقوله في الآية الثانية: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى) (النحل: 97)، ~~الآية جارية مجرى الآية التي قبلها، و ((من)) أقرب لها من ((الذي)) لما ~~بينهما من الاشتراك في المعاني التي لا تشاركها فيها ((الذي))، ألا ترى أن ~~((الذي)) لا تكون استفهاما البتة، ولا نكرة موصوفة ولا مبهمة، إذ لا ~~يفارقها التعريف. فإن قلت قد يدخلها معنى الشرط في نحو قوله: الذي يأتيني ~~فله درهم، وهو المسوغ لدخول الفاء في خبرها في مثل ms347 هذا المثال ففيها إذ ذاك ~~عموم. قلت ذلك متوقف على شروط معلومة، ولو لم يتوقف ذلك على شرط لبقي ~~اشتراك فيما لا تدخل فيه ((الذي)). فمن على كل حال أجري مع ما يناسبها وما ~~انجر معها من تقوية قصد الاستغراق من قوله: (من ذكر أو أنثى)، وهذا المنجر ~~في هذه الآية يقابل تكرار ما في الآية قبل، هذه كتلك بهذا النظير من غير ~~فرق، فلم يكن ليناسب ذلك ورود ((الذي)) مكان ((ما)) في قوله: (بأحسن ما ~~كانوا يعملون)، فتناسب هذا كله أوضح شيء، ولا يمكن في هاتين الآيتين ورود ~~لفظ ((الذي)) مكان ((ما)) لمن لحظ المراعى في الآية من علي، نظم الكتاب ~~العزيز، واعتبر التناسب الذي يعجز البشر عن محافظه رعية، ولا يمكن الوفاء ~~به بوجه إلا في كتاب الله سبحانه. # وأما آية الزمر فوارده في معنى الخصوص المقصود به طائفة بعينها ألا ترى ~~ما قبلها من قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (الزمر: 33)، والمراد ~~بالذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاذي صدق به متقدمو ~~أصحابه ممن سبق وحسن تصديقه كأبي بكر، رضي الله عنه، ومن قارب حاله وجرى في ~~(نحو) مضماره، وهؤلاء مخصوصون لا يشاركهم في حالهم غيرهم، وفيهم ورد ما ~~بعد، وإليهم ترجع الضمائر من قوله: (هم المتقون)، وقوله: (لهم ما يشاءون ~~عند ربهم) (الزمر: 34)، وقوله: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم ~~أجرهم) (الزمر: 35)، فلم يكن ليصلح هنا غير الأداة العهدية، فجاء ((بالذي)) ~~في الموضعين من قوله: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون) (الزمر: 35)، ولم تكن ((ما)) لتناسب هنا لما ~~تقدم، فجاء كل على ما يجب ويناسب، ولا يمكن فيه عكس الوارد في الضربين على ~~ما تقدم، والله سبحانه أعلم. # # PageV02P310 ### | سورة بني إسرائيل (الإسراء) ### | الآية الأولى # قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا) ~~(الإسراء: 41)، وفيما بعد: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا) (الإسراء: 89)، وفي ms348 الكهف: (ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) (الكهف: 54)، ففي ~~الأولى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن)، وفي الثانية: (للناس في هذا القرآن)، ~~وفي الثالثة: بتأخير الناس، يسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن الأولى وقع قبلها: (أفأصفاكم ربكم بالبنين ~~واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) (الإسراء: 40)، وهذا ~~خطاب مراد به كفار العرب، فلم يذكر فيه لفظ الناس العام لهم ولغيرهم، إذ ~~الخطاب خاص بهم. # وأما ### | الآية الثانية # فقبلها: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله) (الإسراء: 88)، ثم قال تعالى: (ولقد صرفنا للناس) (الإسراء: ~~89)، فخض الفريقين وعين ممن ذكر الناس اعتناء بهم، أعني بالجنس الإنساني، ~~ليظهر شرفهم على الجن، وقدم الناس لما يعطيه تقديم المجرور، وقد مر هذا، ~~وأيضا فلثقل التكرر فيما تقارب، ولو قيل: ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ~~من كل مثل فأبي أكثر الناس إلا كفورا لجاء لفظ الناس كأنه قد أعيد متصلا، ~~والعرب تستثقل مثل هذا، فقدم المجرور ليستحكم الفصل فلا يستثقل. # وأما آية الكهف فلم يتكرر فيها لفظ الناس فيقع استثقال، فقدم قوله: (في ~~هذا القرآن) (الكهف: 54)، لأن تقديمة أهم، إذ هو أبلغ في تنبيههم على ~~الاعتبار. وقد مر قول سيبويه في مثل هذا (صفحة 256و287). # وأما آية الكهف فلم يقع قبلها ذكر الثقلين معا فيحتاج إلى ذكر تقديم ~~الناس كما احتيج في آية الإسراء، ألا ترى أن فصل آية الكهف: (ويوم يقول ~~نادوا شركائي الذين زعمتم) (الككهف: 52) الآية، فلم يرد فيها ما في الأخرى، ~~وكان الأهم ذكر القرآن الشافي لمعتبر ما صرف فيه من الأمثال. فقيل: (ولقد ~~صرفنا في هذا القرآن للناس من # # PageV02P311 # كل مثل) (الكهف: 54)، ولكون الخطاب عاما في الإنسان لم يكن بد من ذكر ~~الناس، بخلاف الآية الأولى من سورة الإسراء، إذ خطابها خاص بالقائلين من ~~كفار العرب: إن الملائكة بنات الله، تعالى (الله) عن ذلك علوا كبيرا، فقد ~~ورد كل من هذه الآيات على ما ms349 يناسب ويلائم ما اتصل به. # وأما ختام الأولى بقوله: (وما يزيدهم إلا نفورا) (الإسراء: 41) فالضمير ~~للمذكورين ممن خص بمقصود الخطاب المكنى عنهم بقوله: (ليذكروا)، وأما أعقاب ~~الثانية بقوله: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (الإسراء: 89) فلتعطي إعادة ~~الظاهر من التعنيف والتقريع ما لا يعطيه المضمر، ولأن أول الخطاب وصدر ~~الآية لما قدم فيه ذكر الناس لشرف الجنس الإنساني على الجن، ثم لم يكن ممن ~~لم يؤمن إلا العناد، قيل: (فأبى أكثر الناس) ليعطي بفحواه أن كأن قد قيل: ~~فأبى أكثر الناس على تشريفهم وتفضيلنا إياهم إلا الكفر، فأحرز الظاهر مالم ~~يكن ليحرزه إضمارهم، فتأمل ذلك. # وأما قوله عقب آية الكهف: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) (الكهف: 54) فمن ~~المعلوم جدال كل فرد ومعاند عن دينه ومذهبه، قال تعالى: (يجادلونك في الحق ~~بعدما تبين) (الأنفال: 6)، وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى يصرفون) (غافر: 69)، وإذا كان الجدال من صفة كل مخالف في مذهب أو ~~معتقد لم يبق السؤال هنا إلا عن وجه تخصيص هذه الآية بوصف الإنسان هنا ~~بالجدل؟ والجواب أنه وصف هنا بذلك ليكون ختام هذه الآية هذه الآية تمهيدا ~~لما سيأتي بعده من قوله تعالى: (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق) (الكهف: 56)، فلما بني هذا على الآية، واتصل الكلام والتحم نوسب ~~بينهما، وليس في الآيتين قبل، ولا فيما تقدم كل واحدة منهما، (وفيما بني ~~عليهما، ما يستدعي ذكر الجدل ولا الوصف به، فلذلك أعقبت كل واحدة منهما بما ~~تقدم، فأعقبت الأولى بقوله تعالى: (وما يزيدهم إلا نفورا) لما بين من ~~استدعاء الآية ذلك، وأعقبت الثانية بقوله: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) لما ~~بين أيضا عند ذكر ذلك، وأعقبت هذه الأخرى بما يناسب ما ورد عليه بعده، وجاء ~~كل على ما يجب. ### | الآية الثانية # قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا) (الإسراء: 56)، وفي سورة سبأ: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ms350 في الأرض) (سبأ: 22)، للسائل أن يسأل ~~عن الوجه في ورود اسم الجلالة مضمرا في قوله: (من دونه) في سورة الإسار، ~~ومظهرا في قوله: (من دون الله) في السورة الأخرى وهل كان يجوز العكس؟ # # PageV02P312 # والجواب: أن آية سبأ تقدم قبلها تعالى مخبرا عن الكافرين: (ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه فاتبعوه) (سبأ: 20)، ثم قال بعد آية من تمام الآية التي ~~قبلها: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) (سبأ: 22)، فجيء بالاسم الظاهر ~~ليكون أبعد على إيهام عودة الضمير ورجوعه إلى المتبع لهم في الآية ~~المتقدمة، وإنما المراد قل ادعوا كل من اتبعتم بعبادة أو صغو إلى ما يريده ~~من إضلالكم، ولا شك أن إبليس رأس المضلين، وأولى من أمروا تعجيزا لهم وقطعا ~~(بهم) بدعائه في قوله (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) (سبأ: 22)، فورد ~~التحفيظ بإيراد الظاهر مما كان المضمر يوهمه، وجاءت الآية على ما يجب. # أما آية بني إسرائيل فإن قبلها قوله تعالى: (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ~~أو إن يشأ يعذبكم) (الإسراء: 54)، ثم قال: (وربك أعلم بمن في السماوات ~~والأرض) (الإسراء: 55) الآية، ثم قال: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) ~~(الإسراء: 56) بالضمير مناسبة، ولم يكن ليناسب الظاهر هنا، فجاء كل على ما ~~يجب ويناسب، والله أعلم. # فإن قيل: فقد ورد قبل قوله: (ربكم أعلم بكم) (الإسراء: 54)، وقوله: (إن ~~الشيطان ينزغ بينهم) (الإسراء: 53) كما ورد قبل آية سبأ، فلم خصت آية سبأ ~~بعودة الاسم ظاهرا دون آية بني إسرائيل؟ قلت: ورد ذكره في بني إسرائيل ~~(محذرا منه) موصوفا بنزعه وعداوته، مع أن الآية خطاب بأمر المؤمنين بقوله: ~~(وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) (الإسراء: 53)، والإضافة في قوله: (وقل ~~لعبادي) إضافة تخصيص، والأمر أمر بما هو أولى، وليس يواجه ولا يخاطب بها ~~إلا المؤمنون، ثم إنها أتبعت بما يلائم الآية المتكلم فيها أجل ملاءمة. ~~وأما ورود ذكر إبليس في سورة سبأ فمتصل بالآية، وإبلييس فيها موصوف بأنه ~~أتبع، وأنه صدق ظنه على المذكورين، والآية إخبار عن الكفار، والكلام كله ~~إعلام ms351 بحالهم إلى قوله: (قل ادعوا الذين زعمتم) (سبأ: 22)، فهذا الاعتراض ~~غير لازم، وورود كل من الآيتين على أعلى تناسب وأجل ملاءمة، ولو قدر عكس ~~الوارد لما صح على الجاري المطرد في نظم الكتاب العزيز، والله أعلم بما ~~أراد. ### | الآية الثالثة # قوله تعالى: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا * أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من ~~الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا) (الإسراء: 68 - ~~69)، ثم ورد بعد هذا بآيات: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد ~~لك علينا نصيرا) (الإسراء: # # PageV02P313 # 75)، (ثم) قال بعد: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به ~~علينا وكيلا) (الإسراء: 86)، للسائل أن يسأل عن وجه ختم الآية الأولى ~~بقوله: (لا تجدوا لكم وكيلا)، والثانية بقوله: (ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا)، والثالثة بقوله: (ثم لا تجد لك علينا نصيرا)، والرابعة بقوله: (ثم ~~لا تجد لك به علينا وكيلا)؟ # والجواب: أن معنى كل آية منها استدعى تعقيبها بما به أعقبت، فأما الأولى ~~فلما تقدمها قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) ~~(الإسراء: 67، أي اضمحل تعلقكم بشيء من أندادكم ومعبوداتكم سواه، وبطل ذلك، ~~ولجأتم إليه سبحانه، كما قال في آية أخرى: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون) ~~(النحل: 53)، فلما دعوتموه ونجاكم إلى البر أعرضتم ورجعتم إلى ما كنتم قبل ~~من شرككم (وظنكم) أن قد أمنتم عذابه، أفأمنتم عذابه (أفأمنتم أن يخسف بكم ~~جانب البر) (الإسراء: 68) أي يقلب بكم جانب البر، وهو الذي حملكم وأقلكم ~~عند انفصالكم من البحر، ونجاتكم منه، وذلك جانب من البر إذ ليس البر كله هو ~~المستقل بهم إذ ذاك، وإنما هم في قطعة من البر وجانب من الأرض، والأرض كلها ~~لله سبحانه، أفأمنتم أخذه سبحانه لكم بالخسف وإرسال حاصب من الريح (وهي ~~الرييح الشديدة)، ترميكم بالحصباء حتى تهلككم رجما، ثم لا تجدوا إذ ذاك من ~~يتوكل ms352 بصرف ذلك عنكم ودفعه عن إهلاككم، فيتدارككم المتوكل لكم بدفع ذلك ~~وصرفه عنكم، فتحصلون في حزب الناجين بعد مشاهدة الهلاك، هل تجدون برا، فهذا ~~تقدير دافع قبل الإمضاء. ثم قال: (ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا) ~~(الإسراء: 69)، أي مطالبا يطلبنا بثأركم بعد إهلاككم بغرقكم، فلما كان ~~القدر تعلقهم به من بعد الموت والتلف بالإغراق ناسب ذلك ولاءنه تسمية هذا ~~المقدر الطالب تبيعا، ولأنه يتبع بعد الموت، كما يسمى طلب ذمة (من مات) ~~تبعا واتباعا، ومنه (فاتباع بالمعروف) (القرة: 178)، والتابع من يجيء بعد. ~~ولما كان المقدر في الآية الأولى دافعا قبل الفوت (ومانعا) دون الاستئصال ~~ناسبه العبارة: (بوكيل) لأنه الذي يدفع ويمنع الوصول أو الاستئصال، فجاء كل ~~على ما يجب، ولم ين ليلائم ختام هذه الآية ختام تلك ولا ختام تلك ما ختمت ~~به هذه وأما قوله: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) (الإسراء: 75) ~~فالمراد # # PageV02P314 # تضعيف عذاب الآخرة وعذاب القبر، والتضعيف التكثير، فختم هذه الآية بقوله: ~~(ثم لا تجد لك علينا نصيرا) (الإسراء: 75) أبين شيء، لأن الامتحان عندنا في ~~الشاهد، وإذاقه العذاب إنما تكون من ذي استعلاء وقهر، فيلجأ فيه إلى الناصر ~~إن وجد. وأما قوله في الآية بعد هذا: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) ~~(الإسراء: 86)، أي لنرفعن القرآن ونذهبه من الصدور ثم لا تجد وكيلا يمنعنا ~~عن ذلك، ولا من يقوم بدفعنا عنه، وليس هنا ما يستدعي الانتصار. # (فكل) من هاتين الآيتين على ما يجب ويناسب، ولا يلائم ختام هذه الآية ~~ختام ما قبلها، ولا ما ختمت به الآية قبلها، وذلك بحول الله تعالى. ### | الآية الرابعة # : غ - قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ~~أبعث الله بشرا رسولا) (الإسراء: 94)، وفي سورة الكهف: (وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين) (الكهف: ~~55)، فورد في الثانية: (ويستغفروا ربهم) ولم يرد في الأولى، فيسأل عن ذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أن الآية الأولى تقدمها قوله تعالى: (ولقد صرفنا ~~للناس ms353 في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (الإسراء: 89)، ~~فقوله تعالى مخبرا عن عتاة قريش: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا) (الإسراء: 90) إلى الثامنة من مقتراحاتهم، وهي تمنيهم تنزل كتاب ~~يقرؤونه، فبالغوا في شنيع اقتراحاتهم، وتوغلوا في مطالبهم المفصحة باليأس ~~(من) فلاحهم، فحصل من جملة حالهم بعدهم عن الإنابة إلى الإيمان، فلم يكن ~~ذكر الاستغفار ليناسب هنا، لأنه إنما يكون مما (لا) يبلغ الكفر من المعاصي، ~~هذا الغالب في وروده، أما حيث يفصح بالكفر فليس موضع ورود الاستغفار، ولما ~~كان المتقدم قبل آية الكهف لا يبلغ مبلغ الآية المتقدمة في الإفصاح بتمردهم ~~وعتوهم ناسبه ذكر الاستغفار، ألا ترى أن قوله تعالى قبل آية الكهف: (ولقد ~~صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) (الكهف: ~~54)، وليس قوله فيها: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) في قوله في آية ~~الإسراء: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (الإسراء: 89)، لأن الجدال لا يلزم ~~منه أن يكون مرتكبه كافرا، وإنما مظنة الجدال التناظر في الطرفين والاحتجاج ~~بمتقابل المذهبين إلى ما يرجع إلى هذا، وقد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~(وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، والمراد بذلك ملاطفتهم في الاحتجاج ~~عليهم والصبر والتحمل لما عسى أن يكون منهم. # # PageV02P315 # فلما كان الوارد في آية الكهف من وصف حالهم لا يبلغ مبلغ الوارد في آية ~~الإسراء ورد فيه ذكر الاستغفار موازنه للين ما بني عليه من الإخبار بكثرة ~~جدالهم، إذ ليس كالوارد في الآية الأخرى من الإفصاح بكفرهم وسوء حالتهم، ~~ولم يناسب آية سورة الإسراء أن يرد فيها ذكر الاستغفار، وإن كان حال المحكي ~~عنهم في الآيتين غير مفارق للكفر ولا نازح عنه حال الإخبار، وقد تقدم هذا ~~في أول آية من هذه السورة، ولكن تناسب النظم في الشدة واللين مراعى معتمد، ~~فجاء كل على ما يجب، (والله سبحانه أعلم بما أراد). ### | الآية الخامسة # : غ - قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا) (الإسراء: 98)، وفي ### | سورة الكهف # : (ذلك ms354 جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا) (الكهف: 106)، ~~ففي هذه الآية (جهنم) ولم ترد في الأولى مع وحدة المعنى، فيسأل عن ذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أن قوله في الأولى: (ذلك جزاؤهم) إلى ما اتصل به من ~~قوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم) ~~(الإسراء: 97)، ثم قال (ذلك جزاؤهم). الإشارة إلى ضروب عقابهم ومأواهم، ~~واسم الإشارة متصل بما أشير بع إليه، لم يفصل بينهما إلا بوصف جهنم التي هي ~~مأواهم، فجاء على ما يجب. # أما قوله في الثانية: (ذلك جزاؤهم) فالإشارة إلأى جهنم المتقدم ذكرها في ~~قوله (وعرضنا جهنم يومئذ) (الكهف: 100) وقوله (إنا أعتدنا جهنم) (الكهف: ~~102)، لما بعد ما بين اسم الإشارة والمشار إليه بما فصل به بينهما من قوله: ~~(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) (الكهف: 103) وقوله: (أولئك الذين كفروا ~~بآيات ربهم ولقائه ### | .... # ) (الكهف: 105) الآيتين، فلبعد اسم الإشارة عما أشير به إليه أعيد مظهرا ~~فقيل: (ذلك جزاؤهم جهنم)، وجاء كل على كا جيب، والله أعلم. # **** # # PageV02P316 ### | سورة الكهف ### | الآية الأولى # منها قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ~~رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) (الكهف: 22) يسأل عن اختصاص ~~الثمانية بالواو؟ ولم لم ترد الجملة من قوله تعالى: (وثامنهم كلبهم) صفة ~~للنكرة قبلها كما تقدم فيما قبل؟ ولم عدل (إلى) العطف؟ # وأظهر جواب عن هذا - والله أعلم - أن هذا الإخبار العلي معرف باختلاف ~~اليهود في فتيو الكهف، وإنهم أو أكثرهم لم يتحققوا عددهم، فحكى سبحانه ~~قولهم، وانجر بإيماء وإشارة تقرير الصحيح من قولهم، مع أنهم أعني أكثر يهود ~~غير عالمين بذلك ولا مرجحين، فأتى بالجملة الأولى وهي قوله: (سيقولون ~~ثلاثة) أعني المحكية بعد القول، إذ التقدير: هم ثلاثة، ثم سيقت الجملة من ~~قوله: (رابعهم كلبهم) صفة للثلاثة، والجملة تقع صفة للنكرة وحالا من ~~المعرفة، ثم قال: (ويقولون خمسة سادسهم كلبهم)، فسادسهم صفة للنكرة ~~كالمتقدمة، ثم أتبع هذا الكلام من اختلافهم بقوله: (رجما بالغيب) فأفهم - ~~والله أعلم - أن هذا ليس من نمط ما تقدم، فكأن (قد) ms355 قيل: ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم وأن هذا ليس داخلا تحت ما تقدم من أنه رجم بالغيب وأن الوصف ~~بتلك الحال إنما يرجع لما قبله من قولهم: ثلاثة رابعهم كلبهم وخمسة سادسهم ~~كلبهم كلام ابن عباس، رضي الله عنه، ومن تبعه من المفسرين. # قلت حكى سيبويه أن العرب ستعمل الحذف كثيرا في كلامهم، ومنه قولهم فيما ~~حكى سيبويه، رحمه الله، (اللهم ضبعا وذيبا)، وإذا كان القائل يدعو بذلك على ~~غنم رجل قال: وإذا سألتهم ما يعنون؟ قالوا: اللهم اجمع فيها ضبعا وذيبا، ~~وحكى عن أبي الخطاب أنه سمع بعض العرب وقيل له: لم أفسدتم مكانكم فقال: ~~الصبيان بأبي، كأنه # # PageV02P317 # ذحذر أن يلام فقال: لم الصبيان. وقيل لبعض العرب: أما بمكان كذا وكذا وجذ ~~فقال بلى وحاذا (أي فاعرف بها وجاذا)، وهو المكان الممسك للماء، ويحذفون ~~الجملة الاسمية برأسها إذا دل الدليل عليها كما يفعلون في الجملة الفعلية، ~~قال تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن) (الطلاق: 4) أي فعدتهن ثلاثة أشهر، والحذف في كلامهم كثير ~~إذا كان في الكلام ما يدل على المحذوف، فظهر لي هنا (والله أعلم) أن الواو ~~في قوله: (وثامنهم) إنما عطف بها على جملة اسمية محذوفة كما قدمنا، ومن ~~المفسرين من جعل هذه الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل ~~(على الواقعة) حالا عن المعرفة في نحو جاءني زيد ومعه أخوه، ومررت بزيد وفي ~~يده سيف، ومنه قوله عز وجل: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) ~~(الحجر: 4)، وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه ~~بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو وهي التي آذنت بأن الذين قالوا: (سبعة ~~وثامنهم كلبهم) قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما فعل ~~غيرهم، والدليل عليه أن الله سبحانه أتبع القولين الأولين بقوله: (رجما ~~بالغيب)، وأتبع القول الثالث بقوله: (ما يعلمهم إلا قليل) (الكهف: 22) وقال ~~ابن عباس، رضي الله عنه: (حين وقعت الواو انقطعت العدة) أي لم ms356 يبق بعدها ~~عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثابت، ~~وقيل: (إلا قليل) أي من أهل الكتاب، والضمير في (سيقولون) على هذا لأهل ~~الكتاب خاصة، أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم لهم بذلك (إلا) ~~في قليل منهم، وأكثرهم على ظن وتخمين. انتهى ما قاله الزمخشري وحكاه، وقد ~~حصل منه أن قليلا من أهل الكتاب قد كان يعلم عددهم وهذا لا ينافره المأخذ ~~المتقدم. وحكى المفسرون أن ابن عباس، رضي الله عنه، كان يقول في قوله: (ما ~~يعلمهم إلا قليل) أنا من ذلك القليل، وهذا القدر كاف، والله أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة الكهف قوله تعالى في قصة صاحب الجنة: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا) (الكهف: 36)، وفي سورة حم السجدة: (ولئن رجعت إلى ربي إن ~~لي عنده للحسنى) (فصلت: 50)، للسائل أن يسأل عن اختصاص آية الكهف بقوله: ~~(ولئن رددت) واختصاص آية السجدة بقوله: (ولئن رجعت) (مع) أن الظاهر اتحاد ~~المقصود في الآيتين؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم، أن الآيتين وإن اتحدتا في الغاية الحاصل ~~منها # # PageV02P318 # وصف حال الكافر المنكر للبعث الوارد في كل واحدة منهما في قوله: (وما أظن ~~الساعة قائمة) (الكهف: 36، فصلت: 50)، إن آية الكهف منهما أقوى تعريفا ببعد ~~الكافر المضروب به المثل عن حال الإيمان. وأما آية السجدة فصالحة لاتصاف ~~الكافر والمؤمن بحال المفتتحة بها من قوله: (لا يسأم الإنسان من دعاء ~~الخير) (فصلت: 49)، من حيث إن هذا الوصف وصف يعم المؤمن والكافر، ولهذا قال ~~ابن عطية بعد أن ذر أن المراد بها الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة: فإن ~~أكثرها يعطي أن الآية نزلت في كفار، ثم قال: وإن تضمن أولها خلقا ربما ~~يشارك فيه بعض المؤمنين، فحصل من كلامه أن هذا التعريف بحال المضروب به ~~المثل في هذه الآية أرجأ من حال المضروب به المثل في آية الكهف، ألا ترى أن ~~آية الكهف لا يكاد شيء من كلمها يجري في وصف المؤمنين، ألا ترى ابتداء مطلع ms357 ~~وصف المذكور فيها مخبرا عنه بقوله: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه) (الكهف: ~~35)، وبقوله: (ما أظن أن تبيد هذه أبدا * وما أظن الساعة قائمة) (الكهف: 35 ~~- 36)، ثم حكم لنفسه بعد إنكاره العبث باستحقاق ما عجل له من جعل الجنتين ~~كما وصفتا، فقال: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) (الكهف: 36)، ~~فتأمل ما بين هذه الكلم الواردة في وصف هذا الكافر والوادة في قوله في آية ~~سورة السجدة (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير) (فصلت: 49)، أي من أن يدعو ~~بالخير لنفسه ويستزيد منه، وهذه صفة توجد في المؤمنين، وبها افتتح الوصف ~~المضروب به المثل في هذه الآية، ثم قال بعدما ذكر من كلامه: (ولئن رجعت إلى ~~ربي إن لي عنده للحسنى) (فصلت: 50)، فقوله: (إن لي عنده للحسنى) ليس في ~~موازنة قول الآخر في آية الكهف: (لأجدن خيرا منها منقلبا) (الكهف: 36) وإن ~~خفي ما بينهما. فلما افترقت الآيتان فيما ذكر، ناسب آية الكهف قوله: (ولئن ~~رددت)، لما يشعر لفظ رددت ويحتمله من القهر والتعنيف وقوعا أكثريا لا ~~بالوضع، بخلاف لفظ رجع إذا قلت منه: رجعته أو رجع فإنه لا يحتمل ولا يفهم ~~من معنى القهر والتعنيف ما يحتمله رد، ألا ترى وروده في مثل قوله: (ثم يرد ~~إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا) (الكهف: 87)، وقوله: (ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة) (التوبة: 94)، وقوله بعد: (وستردون إلى عالم الغيب والشهادة) ~~(التوبة: 105)، وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم في الشيطان حين تعرض ~~(له) في صلاته، قال صلى الله عليه وسلم: (فرده الله خاسئا)، ففي كثرة ورود ~~هذا حيث يراد هذا المعنى أدل دليل على ما أشير إليه. أما رجع وما تصرف منه ~~فقل ما يرد لهذا، وإن ورد فليس ككثرة رد. فأما قوله تعالى: (واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله) # PageV02P319 # (البقرة: 281)، فهذا عام للمؤمن والكافر وإن كان أظهر في المؤمن، فلا ~~معنى تعنيف فيه، فوضح التناسب في الآيتين. ### | الآية الثالثة # من سورة الكهف قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) ~~(الكهف: ms358 57)، وفي سورة سجدة لقمان: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض ~~عنها) (السجدة: 22)، للسائل أن يسأل عن ورود آية الكهف بفاء التعقيب وآية ~~السجدة بثم المقتضية المهلة؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن سورة الكهف مكية، والخطاب فيها من أولها ~~إلى الآية المتكلم فيها لم يخرج إلى غير العرب، أعني أنه لم يتعرض فيها إلى ~~إخبار بحال غيرهم، إلا ما عرفوه من قصة أهل الكهف وخبرهم، وهو من سؤالات ~~قريش بتنبيه يهود إياهم حسبما وقع في الحديث، فقوله في الآية المذكورة: ~~(بآيات ربه)، والمراد بالآيات القرآن ودلائله الواضحة، وإن كان اللفظ ~~مقتضيا كل ما يسمى آية إلا أن آية القرآن أعمد ما قصد هنا، ويشهد لذلك قوله ~~عز وجل: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) (الكهف: 57)، وما تقدم ~~الآية من قوله: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) (الكهف: 54) ~~الآية من قوله: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) (الكهف: 55)، ~~والمراد به القرآن، قال تعالى: (هذا هدى) (الجاثية: 11)، والحجة قائمة ~~عليهم عقب سماعهم وتدبرهم، فورد بالفاء المقتضية التعقيب على ما يجب. # وأما آية السجدة، وإن كانت السورة مكية أيضا، فإن الآية عامة في حق العرب ~~وغيرهم، والإخبار فيها إنما هو عن جميع من شاهد آية بينة وكذب، ودليل هذا ~~ما تقدمة مما هو على إطلاقه في العرب وغيرهم من قوله تعالى: (أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) (السجدة: 18)، هذا عام في المكلفين، ثم فصل ~~حالهم فيما بعد، ثم قال معلما بحال الجميع على ما تورده العرب عند التعجب، ~~ليباعد بين الأحوال: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) (السجدة: ~~22)، فالمراد بهذه الآيات كل ما قامت به الدلالة ووضح منه الشاهد، كناقة ~~صالح، عليه السلام، وانفلاق صخرة عنها، وانقلاب العصا حية، وغير ذلك من ~~آيات موسى، عليه السلام، وبينات عيسى، عليه السلام، كإبراء الأكمة والأبرص، ~~وإحياء الموتى، وانشقاق القمر لنبينا صلى الله عليه وسلم، ونبع الماء من ~~(بين الأصابع)، وتكليم الجمادات، ونطق ms359 الحيوان إليه، وانقلاب الأعيان، ~~وتكثير الطعام القليل، إلى آيات الكتاب العزيز المتلوة قرآنا، إلى ما لا ~~يحصى # # PageV02P320 # من آيات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلما انطوت (الآيات) في ~~قوله: (بآيات ربه) من التعميم بحسب الشاهد مما اقترن بها على ما لا يتوقف ~~فيه ذو عقل إلا أن يمنعه مانع من ذلك، عظم مرتكب المعرض فعطف بثم، قال ~~تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) (السجدة: 22) استبعادا ~~للتوقف عن الإيمان والتصديق عند مشاهدة ما لاغبار عليه من الدلائل، ولا ~~إشكال فيه. قال الزمخشري: (ثم) في قوله: (ثم أعرض عنها) للاستعباد قال: ~~والمعنى أن الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء ~~السبيل والفوز العظيم بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل، ~~كما تقول لصاحبك وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها استبعادا لتركه ~~الانتهاز، وقال: ومنه (ثم) في بيت الحماسة: # لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها # قال استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها. # انتهى نص كلامه إلا في لفظة أسقطها لجريها فيما لا يكاد ينفك عنه في ~~إحراز مذهبه الخبيث، فتركها وإجحاضها لا يخل بشيء من المعنى، قلت والمراد ~~أن ما ذكرنا من الاستبعاد والاستعظام الذي تقتضيه ثم هنا قائم مقام المهلة، ~~فلتكاثر الآيات وتنويعها مستوضحة عظمت جريمة المتوقف عنها، فأشارت ثم لذلك، ~~فافترق القصدان، وجاء كل على ما يناسب، والله أعلم. # وجواب ثان، وهو أنه لما ذكر في آية الكهف إرسال الرسل، عليهم السلام، في ~~قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق) (الكهف: 56)، فذكر إرسالهم وتكذيب قومهم إياهم، ~~وإنما وقع تكذيب المكذبين عند دعاء الرسل إياهم معقبا به دعاءهم، فجرى مع ~~هذا وناسبه قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) (الكهف: ~~57)، لأنهم إنما أعرضوا عقب دعاء الرسل إياهم وعند جدالهم المذكور في قوله: ~~(ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) (الكهف: ms360 56)، إنما ارتكبوا ~~الجدال جوابا للرسل ليدحضوا الحق بباطلهم، فالتعقيب هنا بين، فورد بالفاء. # وأما آية السجدة فلم يقع فيها ذكر إرسال الرسل، ولا جرى في الآية (ذكر ~~تكذيب) ولا دعاء وإن كانت آيها عامة في العرب، وإنما ورد فيها انقسام ~~المكلفين بحسب السوابق في إشارة قوله تعالى: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ~~لا يستوون) (السجدة: 18)، ثم # # PageV02P321 # ذكر تعالى مآل الفريقين، وأن الفاسقين مأواهم النار، وأن حالهم فيها كما ~~ذكر تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) (السجدة: 20)، ولا شك ~~أن استحقاق جزائهم بذلك إنما هو تماديهم على الكفر مدى حياتهم إلى الوفاة، ~~ولم يقع هنا إشارة إلى مباشرتهم الرسل بالتكذيب، فلما لم يكن في الكلام ذكر ~~مباشرة الرسل والمواجهة بالتكذيب، فلما لم يكن في الكلام ذكر مباشرة الرسل ~~والمواجهة بالتكذيب صار إعراضهم وتكذيبهم كأنه إنما علم وتحصل بذكر الجزاء، ~~وإن كان المؤمنون قد علموا ذلك بالخبر الصادق، وأما بتأخر العلم به ~~(للمكذب) حتى يباشر الجزاء، والجزاء متأخر، فناسب ذلك العطف بثم المقتضية ~~للمهلة، فقال تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) (السجدة: ~~22) فورد كل على ما يناسب، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة الكهف قوله تعالى مخبرا عن قول موسى للخضر، عليهما السلام، حين ~~خرق السفينة: (لقد جئت شيئا إمرا) (الكهف: 71)، وقوله له عند قتل الغلام: ~~(لقد جئت شيئا نكرا) (الكهف: 74)، للسائل أن يسأل عن الفرق بين الموضعين ~~الموجب لوصف كل من هذين الفعلين بما وصف به؟ # والجواب، والله أعلم: أن خرق السفينة لم يبلغ بحيث يتلفها، وإنما قصد به ~~الخضر عيبها ليزهد فيها مريد غصبها بدليل قوله بعد: (فأردت أن أعيبها وكان ~~وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) (الكهف: 79)، فإنما أراد إبقاءها على ~~مالكها ودفع هذا الغاصب إذا رأى ما بها من العيب المانع من الرغبة فيها، ~~وهذا لا يبلغ ظاهره مبلغ ظاهر قتل الغلام بغير سبب ظاهر فوصف بإمر في قوله: ~~(شيئا إمرا)، وهو دون النكر. وأما البادي الظاهر من قتل الغلال عند ms361 من يغيب ~~عنه ما علمه من الخضر فشيء نكر، ومرتكب عند من لحظه بظاهره وغاب عنه ما في ~~طيه شنيع ووزر، فوقع التعبير في الموضعين بما يناسب كلا الفلعلين، وعن ~~قتادة رحمه الله: ((النكر أشد من الإمر)) فجاء كل على ما يلائم، ولم يكن ~~ليحسن مجيء أحد الوصفين في اموضع الآخر، والله أعلم .. ### | الآية الخامسة # من سورة الكهف قوله تعالى في حكاية قول الخضر لموسى، عليهما السلام: {قال ~~ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72)} [الكهف: 72]، ثم قوله بعد ذلك في قصة ~~قتل الغلام: {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} للسائل أن يسأل عن الفرق ~~الموجب لزيادة "لك" في هذا القول الثاني؟. # والجواب: أن الخضر قد كان قال ملوسى حين قال له موسى، عليه السلام: (هل # # PageV02P322 # أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا) (الكهف: ~~6 - 67) فلما كان من موسى عند خرق السفينة ما كان من الإنكار بقوله: (خرقها ~~قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) (الكهف: 71)، ذكره الخضر بما ~~كان قد قاله له، من غير أن يزيده على إيراد ما كان قد قاله، فقال: (ألم أقل ~~إنك لن تستطيع معي صبرا) (الكهف: 72). فاعتذر موسى، عليه السلام، بقوله: ~~(لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) (الكهف: 73)، فلما وقع منه ~~بعد ذلك إنكار قتل الغلام بقوله: (أقتلت نفسا زكية بغير نفس) (الكهف: 74)، ~~وأبلغ في وصف الفعلة بقوله: (لقد جئت شيئا نكرا) (الكهف: 74)، قابل الخضر ~~ذلك بتأكيد الكلام المتقدم، فقال: (قال ألم أقل لك)، فالضمير المجرورة بيان ~~جيء به تأكيدا، ليقابل بالكلام ما وقع جوابا له من قوله موسى، عليه السلام، ~~زيادة للتناسسب، وتعلق المجرور الواقع بيانا مختلف فيه، فمنهم من يعلقه ~~بفعل مضمر، ومنهم من يجري حرف الجر الذي فيه كحرف الجر الزائد فلا يعلقه ~~بشيء، وقوله: (إنك لن تستطيع معي صبرا) على هذا لامأذخ معمولا للقول من ~~قوله: (ألم أقل). # ويمكن عندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون قوله: (قال ms362 ألم أقل لك) كلاما ~~مستقلا، محذوفا منه معمول القول، وكأنه في تقدير: ألم أقل لك ما قلت، ثم ~~استأنف المقالة فقال: (إنك لن تستطيع معي صبرا) على هذا ليس معمولا للقول ~~من قوله: (ألم أقل لك)، إنما معمول (ألم أقل لك)، # محذوف مقدر، كما حذف معمول القول من قوله تعالى: (قال موسى أتقولون للحق ~~لما جاءكم أسحر هذا) (يونس: 77) ومعمول القول محذوف تقديره: أتقولون للحق ~~لما جاءكم سحر مبين، ثم قال لهم تقريعا وتوبيخا: (أسحر هذا) فسحر مبين ~~المقد معمول للقول، وهو من قولهم، وقوله: (أسحر هذا) من قول موسى، عليه ~~السلام، توبيخا لهم كما ذكرنا. فكذا حذف من قوله: (ألم أقل لك)، كما تقدم، ~~والله أعلم. ### | الآية السادسة # من سورة الكهف، قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له ~~نقبا) (الكهف: 97)، للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لمجيء استطاعوا بالتاء ~~دون الآول؟ # والجواب أنه يقال: أستطاع واستاع واسطاع، والأول الأصل، ثم يحذفون أحد ~~الحرفين تخفيفا، فجيء أولا بالفعل مخففا عند إرادة نفي قدرتهم على الظهور ~~على السد والصعود فوقه، ثم جيء بأصل الفعل مستوفى الحروف عند نفي قدرتهم ~~على نقبه # # PageV02P323 # وخرقه، ولا شك أن الظهور أيسر من النقب، والنقب أشد عليهم وأثقل، فجيء ~~بالفعل مخففا مع الأخف، وجيء به تاما مستوفى مع الأثقل، فتناسب، ولو قدر ~~بالعكس لما تناسب. وأيضا فإن الثاني في محل التأكيد لنفي قدرتهم على ~~الاستيلاء على السد وتمكنهم منه، فناسب ذلك الإطالة، وهذا يفتقر إلى بسط ~~وبيان، مع أن الأول أولى، فلنكتف بهذا، والله سبحانه أعلم بما أراد. ### | الآية السابعة # : غ - قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) ~~(الكهف: 110) وفي سورة الآنبياء: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) ~~(الأنبياء: 108)، فلم يقع في هذه الثانية لفظ (أنا بشر) وورد في الأولى، ~~فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عن ذلك: أنه لما تقدم في أول سورة الأنبياء إثبات كون الرسل، ~~عليهم السلام، من البشر، فيما حكاه تعالى من ms363 قول الكفار بعضهم لبعض: (هل ~~هذا إلا بشر مثلكم) (الأنبياء: 3)، ثم قال تعالى رادا لقولهم، مثبتا كون ~~الرسل من البشر: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) (الأنبياء: 7)، ثم ~~تتابع في السورة ذكر الرسل من البشر) في عدة مواضع إفصاحا وإشارة آخرها ~~قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107) والخطاب ~~لنبينا، عليه السلام، قال تعالى بعد ذلك: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد) (الأنبياء: 108، فلم يحتج هنا أن يذكر كونه، عليه السلام، من البشر، ~~إذ قد توالى ذكر ذلك جملة وتفصيلا. # أما سورة الكهف فلم يتقدم فيها مثل هذا، فكان مظنة الإعلام بكونه صلى ~~الله عليه وسلم من البشر إرغاما لأعدائه، ولما في ذلك من تلطفه تعالى بالحق ~~ورحمته إياهم، قال تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون) (الأنعام: 9)، وقال تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون) (الأنعام: 8)، فكون الرسل من البشر من أعظم إنعامه سبحانه ~~على الخلق، وخصت آية الكهف بذكر بشريته، عليه السلام، لما بيناه، وورد كل ~~ذلك على ما يناسب، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، والله أعلم بما أراد. # *** # # PageV02P324 ### | سورة مريم (عليها السلام) ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى في قصة يحيى بن زكريا، عليهما السلام،: (وبرا ~~بوالديه ولم يكن جبارا عصيا) (مريم: 14)، وفي قصة عيسى، عليه السلام، (وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) (مريم: 32)، فاختلف الوصفان في الآيتين مع ~~اتحاد مرماهما في السابق من ظاهرهما، فيسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه - والله أعلم - أن الله سبحانه وصف يحيى، عليه السلام، بعظم ~~التقوى في قوله تعالى: (وكان تقيا) (مريم: 13)، وتقي فعيل من التقوى، وهو ~~من أبنية المبالغة، فيفهم الوفاء بوجوه التقوى حتى لا يكون من الموصوف به ~~معصية ولا تقصير، فقوله بعد: (ولم يكن جبارا عصيا) (مريم: 14)، المراد - ~~والله أعلم - نفي للمعاصي جملة، وهو المراد بقوله في الموضع الآخر (وسيدا ~~وحصورا) (آل عمران: 39)، أي ممنوعا من المعاصي، والحصر الحبس والمنع، قال ~~مكي، رحمة الله: حصر عن الذنوب فلم يأتها. ms364 وما قاله المفسرون من أن المراد ~~هنا منعه من النساء بأي وجه قالوه فلا يصح، والله أعلم، لأن عدم القدرة على ~~النساء نقص، والأنبياء منزهون عن النقص، فكيف يصح ورود هذا الوصف في معرض ~~المدحة، وهو في نفسه نقص، والقوى في ذلك كمال ودحه، فالمراد هنا بالحصور ~~الممنوع عن المعاصي، وقد روى (عمرو) بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء)، ثم نوسب بين ~~هذا الوصف وما تقدمه من قوله: (ولم يكن جبارا عصيا)، فورد بلفظ المبالغة ~~مثله، والمراد نفي المعاصي عنه، عليه السلام، (جملة، والتناسب في هذا كله ~~واضح). # وأما وقله في قصة عيسى، عليه السلام (ولم يجعلني جبارا شقيا) (مريم: 32) ~~فملحوظ في ذلك ما جرى لأتباعه، عليه السلام، وما وقعوا (فيه) من العظيمة ~~حين قالوا: هو ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيران فاستحقوا الوصف ~~بالشقاء بمقالهم، والشقي مستحق لاعذاب الأخراوي. وإلى السعادة والشقاء ~~انقسام العالم في الآخرة، قال تعالى: (فمنهم شقي وسعيد) (هود: 105)، فهما ~~طرفا حصر العالم في الآخرة وهذا كقوله: # # PageV02P325 # (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (التغابن: 2)، فلما لحظ في قصة عيسى، عليه ~~السلام، عصمته من الرضا بما وقع فيه أتباعه ناسب ذلك نفي صفة الضالين، ممن ~~توهم أنه ممن اتبعه، لتبرأ، عليه السلام، من حالهم كما يتبرأ حين يقول في ~~الآخرة: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) (المائدة: 117)، فقد وضح ورود كل من ~~الوصفين على أجل النظم وأتم المناسبة، وإن عكس الوارد لا يمكن، والله أعلم. ### | الآية الثانية # قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم) (مريم: 37)، وفي سورة الزخرف: (فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) ~~(الزخرف: 65)، للسائل أن يسأل عن قوله: (فويل للذين كفروا) وقوله في ~~الأخرى: (للذين ظلموا) وما وجه تخصيص كل آية منهما بما ورج فيها وعن قوله ~~في الأولى: (من مشهد يوم عظيم) وفي الثانية: (من عذاب يوم أليم)؟ فهذان ~~سؤالان. # والجواب عن ms365 الأول منها: أن الكفر بالله سبحانه أعظم من كل خطيئة، والذي ~~لا ينفع معه شيء من أعمال البر، فهو أعظم من الظلم، ثم قد يوصف الكافر ~~بالظلم إشارة إلى الصفة اللازمة له من ظلمه نفسه بكفره وشنيع مرتكبه، فيشعر ~~إذ ذاك هذا الوصف إذا ورد تابعا للكفر ولفظ الكفر منطوق به أو مفهوم من ~~سياق الكلام بزيادة توجب زيادة التنكيل، قال تعالى: (إن الذين كفروا وظلموا ~~لم يكن الله ليغفر لهم) (النساء: 168)، فقوله في آية سورة مريم: (فويل ~~للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) (مريم: 37) معقب بها قوله تعالى: (ذلك عيسى ~~ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون * وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم) (مريم: 34 - 36)، ثم قال: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ~~كفروا من مشهد يوم عظيم) (مريم: 37)، والمراد اختلافهم في نبي الله عيسى، ~~عليه السلام، حيث قال بعضهم: هو الله، وبعضهم يقول: ابن الله، وبعضهم: ثالث ~~ثلاثه، فهذا اختلافهم، وقال تعالى: (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم)، ~~فومهم بالكفر الذي هو ضابط أقوالهم وأم مرتكباتهم، وأخبر باستحقاق الويل ~~لهم لكفرهم من شهود ذلك اليوم الفاضح لهم على رؤوس الأشهاد، وفيه قال ~~تعالى: (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) (هود: 103)، وفيه يقول ~~الأشهاد: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) (هود: ~~18)، ثم ذكرهم في آية الزخرف بصفتهم من الظلم اللازم لكفرهم، وليناسب بذلك ~~ما تقدم من وهم من أعتمد غير الله سبحانه، فقرن بمعتمده في العذاب # # PageV02P326 # وهو المقول فيه: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) ~~(الزخرف: 36)، فقيل فيه وفي متخذه: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون) (الزخرف: 39)، والظلم هنا ظلم الكفر من عبد عيسى، عليه ~~السلام، من الأحزاب المذكور اختلافهم في خاصته دون متخذه بحال هؤلاء، ~~فوسموا بالظلم كوسن من تقدم فقيل: (فويل للذين ظلموا)، وظلم ms366 هؤلاء كفر كحال ~~من تقدم، فتناسب هذا، ولم يقع في آية سورة مريم ما يطلب بمناسبة، فوصفوا ~~هناك بالكفر بخلاف آية الزخرف، فجاء كل على ما يجب، ثم قال (من عذاب يوم ~~أليم) (الزخرف: 65)، فذكر العذاب المعقب به ذلك اليوم المشهود، ووصف اليوم ~~بالإيلام وإن كان المؤلم إنما هو العذاب مبالغة في شدة الإيلام من عذاب ذلك ~~اليوم، كما قالوا: نهارك صائم وليلك قائم، وهذا العذاب ثان عن قيامهم في ~~ذلك المشهود وسوء حالهم فيه، وجاء ذلك على الترتيب الذي استقر عليه الكتاب ~~العزيز، فذكر في المتقدم من الآيتين المتقدم وجودا من حالهم الأخراوي، وفي ~~الآية الثانية ترتيب ما هو ثان عن ذلك، وجاء كل على ما يجب ويناسب، والله ~~أعلم. ### | الآية الثالثة # : غ - قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر) (مريم: 39)، وفي ~~سورة المؤمن: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين) (غافر: ~~18)، والمراد في الآيتين تذكريهم بالقيامة وأهوالها، ثم اختلفت العبارة في ~~الكناية، ففي سورة مريم: (يوم الحسرة)، وفي سورة المؤمن: (يوم الآزفة)، ~~فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن اليوم المشار إليه يشتمل على موقف ومواطن ~~مهولة وأحوال مختلفة، وبحسب ذلك تختلف العبارة والأخبار لاختلاف المقاصد ~~والمواطن، ألا ترى قوله تعالى (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتساءلون) (المؤمنون: 101)، وقوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون) (الصافات: 27)، وقوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون) (الصافات: ~~24)، وقوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) (الرحمن: 39)، ولا شك في ~~أن هذا في مواططن مختلفة، وبحسب ذلك اختلفت الكناية كما أضيف إليه اليوم ~~هنا، فيوم الحسرة عبارة عن الوقت الذي يحصل فيه العلم اليقين لأهل النار ~~بتأييد خلودهم واستمرار عذابهم إلى غير نهاية، ويتأكد لأهل الجنة علمهم ~~بذلك، فلا أشد فرحا من أهل الجنة يومئذ، ولا أشد حسرة من أهل النار، وفي ~~هذا ورد الخبر الصحيح من أنه إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار ينادي يا # # PageV02P327 # أهل الجنة فيشرئبون، ms367 وينادي يا أهل النار كذلك، ويؤتى بالموت فيقال لهذا ~~هل تعرفونه فيقولون نعم ... الحديث، إلى قوله فيه: يا أهل الجنة خلود لا ~~موت، ويا أهل الناء خلود لا موت، فإذا ذلك تعظم حسرتهم ويشتد كربهم، ونص ~~الحديث على ما رويناه في صحيح مسلم عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، زاد أبو كريب ~~فيوقف بين الجنة والنار، واتفقنا في سياقي الحديث فقيل: يا أهل الجنة هل ~~تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل ~~النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر ~~به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا ~~موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي ~~الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) (مريم: 39)، وأشار إلى الدنيا. # قلت وهذا الحديث من مشكلات الأحاديث، وله وجه من التأويل يرفع إشكاله، ~~وقد تفسرت مظنة الحسرة في قوله تعالى: (إذ قضي الأمر) والمراد به استقرار ~~أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار كما ورد في الخبر، وحق لمن تقدم ~~ذكره قبل هذه الآية ممن وقع في العظيمة من أمر عيسى، عليه السلام، حين ~~قالوا: ابن الله مع إقرارهم بالبعث الأخراوي والجزاء، فحق لهم أن يذكروا ~~تحذيرا وتخويفا بمثل هذا، ولم يتقدم الآية ذكر غيرهم، فهذا أوض تناسب. # وأما آية سورة المؤمن فقد ورد قبلها قوله تعالى خطابا للمؤمنين: (فادعوا ~~الله مخلصين له الدين) (غافر: 14)، ثم تابع الكلام معه إلى الآية من قوله: ~~(وأنذرهم يوم الآزفة) (غافر: 18)، فخوفوا بإسراع أمر الساعة وتعجيل وقوعها ~~كما قال سبحانه (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) (الأنبياء: 1)، ~~أزف الشيء أسرع ومنه قوله تعالى: (أزفت الآزفة * ليس لها من دون الله ~~كاشفة) (النجم: 57 - 58)، وتأمل ما اتصل بقوله: (وأنذرهم يوم الآزفة) ~~(غافر: 18)، وقوله: (إذ القلوب لدى الحناجر) (غافر: 18)، فقد تناسب هذا ~~ووضح، ms368 أما ما ورد في الآيتين فهو على أتم مناسبة، وإن عكس (الوارد) على ما ~~يبنا لا يلائم، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # : غ - قوله تعالى: (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا * ووهبنا ~~له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) (مريم: 52 - 53)، وفي سورة الفرقان: (ولقد ~~آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا) (الفرقان: 35)، ومقصود ~~الآيتين تأييد موسى، # # PageV02P328 # عليه السلام، بأخيه هارون، ثم اختلف الوصف بالنبوة والوزارة مع اتحاد ~~المقصود، للسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه، والله أعلم: محصل طي تمهيد وهو أن السور المتردد فيها ذكر ~~الرسل، عليهم السلام، منوطا فيها ذكرهم بذكر أممهم، وما كان من معاندة ~~الأمم وتكذيبهم، وأخذ المكذبين بمرتكباتهم، ولا تكاد تجد سورة منها وارد ~~فيها ذكرهم إلا على ما ذكرنا، وأكثر تلك السور استيفاء لهذا الغرض سور ~~ثلاث، وهي: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، ثم يليها في ذلك سورة ~~قد أفلح، وقل ما تجد سورة ورد فيها قصة منها واحدة فصاعدا إلا جارية على ما ~~ذكرته، وربما أجمل ذلك في بعضها مع تحصيل ما ذكرنا من أخذ الأمم بعد ~~تكذيبهم، وآخر سورة ذكرت فيها قصصهم معتمدا فيها ما اطرد من أخذ كل أمة ~~يتكذيبها، وآخر سورة ذكرت فيها قصصهم معتمدا فيها ما اطرد من أخذ كل أمة ~~بتكذيبها، وبيان ما به أهلكت من الغرق والريح والصيحة والحاصب وعنيف الأخذ ~~بالعزة والاقتدار سورة القمر مع إيجاز القصص، ولم يرد في غير هذه السورة ~~الوفاء بما ذكرنا، وإنما خصت هذه السورة ببيان كيفية أخذ المكذبين كما ~~بينته في كتاب البرهان، ثم إن سورة مريم تضمنت طائفة عظيمة فصل ذكر بعضهم ~~وأجمل ذكر البعض، وقد تجرد فيها من الإخبار بأحوالهم ذكر التعريف بخصائص من ~~منحهم وعلى أقدارهم، وما أيدوا به من ذلك، من غير أن يشوب هذا ذكر شيء من ~~تكذيب من كذب منهم، إلا ما ورد في ذكر إبراهيم عليه السلام، من قول أبيه ~~له: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ### | .... # ) (مريم: 46)، ولم يذكر من ms369 حال قومه، عليه السلام، شيء، ولا ذكر فيما بعد ~~ولا فيما تقدم من هذه السورة (إلا خصائصهم ومنحهم العلية التي بها امتازوا ~~عمن سواهم من صالحي الأمم) كما تقيدت به مما ذكرنا. # ثم إن النبوة أعظم خصائصهم التي تساووا في تحمل أمانتها، وأفردوا، عليهم ~~الصلاة والسلام، (بها)، ولم يشاركهم فيها غيرهم، أما اسم الوزارة والوصف ~~بها فليس مما يخصهم ولا مما أفردوا به، فلم يكن وصف هارون، عليه السلام، ~~هنا (بها) ليناسب هذا القصد العلي ولا ليلائمه. وأما قوله تعالى في سورة ~~الفرقان: (وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا) (الفرقان: 35) فمرتب على سؤال موسى ~~عليه السلام في سورة طه في قوله: (واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون) (طه: 29 ~~- 30)، فأعطى عليه السلام مطلبه. قال تعالى: (وجعلنا معه أخاه هارون ~~وزيرا)، ورد هذا على الترتيب المتقرر في المصحف. ثم إن ما اتصل بهذه الآية ~~وآية سورة مريم مما قبلهما وبعدهما يستدعي # # PageV02P329 # التناسب في مقاطع الآي وفواصلها، فلم يكن ورود الآيتين في السورتين على ~~غير ما ورد ليناسب، فجاء ذلك على ما يجب من الوجهين المذكورين، والله أعلم ~~بما أراد. ### | الآية الخامسة # من سورة مريم، عليها السلام، قوله تعالى: (فسوف يلقون غيا * إلا من تاب ~~وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) (مريم: 59 - 60)، ~~وفي سورة الفرقان: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) (الفرقان: 68 - 70)، للسائل أن يسأل عن ~~قوله في الأولى: (وعمل صالحا) وفي الثانية (وعمل عملا صالحا)؟ وعن قوله في ~~الأولى في جزائهم (فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) (وفي الجزاء في ~~الثانية: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)؟ # والجواب: أن الآية الأولى ورد قبلها بعد ذكر المنعم عليهم ومن اهتدى ~~بهديهم قوله: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا) ms370 (مريم: 59)، وهذا قول موجز مجمل، فناسبه الإيجاز في قوله (إلا من تاب ~~وآمن وعمل صالحا ### | .... # ) الآية، فتناسبا في التقابل الإيجازي كما تناسبا أيضا في الفواصل ومقاطع ~~الآي، وذلك قوله تعالى: (فسوف يلقون غيا) وقوله: (ولا يظلمون شيئا)، ~~والمسهل من القراء يقول: شيا فيقف الياء المشددة. وأما قوله في آية ~~الفرقان: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات) (الفرقان: 70) فإطناب يناسب التفصيل الواقع قبله في قوله: (والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون) (الفرقان: 68)، ثم قال: (ومن يفعل ذلك)، يريد ما ذكر المتصف بتقوى ~~الله بتركه والتنزه عن مواقعة شيء منه - (يلق أثاما) (الفرقان: 68)، ثم فسر ~~ما يلقاه (بقوله): (يضاعف له العذاب يوم القيامة)، أي يكثر عليه ويزداد ~~(ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات) (الفرقان: 69 - 70)، فحصل بإزاء مضاعفة العذاب لفاعل ذلك ~~تبديل السيئات بالحسنات إلى الغفران والرحمة، فإيجاز بإيجاز وإطناب بإطناب ~~مناسبة بين الجواب وما جووب به، وكل على ما يجب، ولا يسوغ العكس على ما ~~تمهد، والله أعلم. # **** # # PageV02P330 ### | سورة طه ### | الآية الأولى # منها، وما يتعلق بها، وما يرجع إلى معناها، ويتم به ما يتصل بها، قوله ~~تعالى: (وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلما أتاها نودي يا موسى * ~~إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما ~~يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن ~~الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا ~~يؤمن بها واتبع هواه فتردى * وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) (طه: 9 - 18)، وفي سورة ~~النمل: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب ms371 ~~قبس لعلكم تصطلون * فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) ~~(النمل: 7 - 8) إلى قوله: (وألق عصاك) (النمل: 10). # وفي سورة القصص: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا ~~قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون * فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة ~~من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك) (القصص: 29 ~~- 31)، هذه الآي من مشكلات الضرب (الثاني) الذي بنينا عليه مقصود هذا ~~الكتاب، لأن محصولها الإخبار عن ابتداء أمر موسى، عليه السلام، في رسالته، ~~وتكليم الله سبحانه إياه، وهو خبر واحد عن قصة واحدة قد وقعت وعين وقوعها ~~ما وقعت عليه من الصفة التي التحدت بوقوعها وتبينت، فلا يمكن فيها العدول ~~عما وقعت عليه، فكيف هذا الواقع الوارد في السورتين (امكثوا إني آنست نار) ~~ولم يقع لفظ امكثوا في سورة النمل؟ وفي السورتين: (لعلي آتيكم منها) وفي ~~النمل: (سآتيكم منها) فورد: سآتيكم عوض: لعلي؟ وفي طه (لعلي آتيكم منها ~~بقبس أو أجد على النار هدى) وفي النمل: (بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم ~~تصطلون)، فقدم ذكر القبس في طه وآخر في السورتين، ثم اختلف التعبير عنه، ~~فعبر عنه في القصص: (جذوة) وعوض في النمل فقيل (بشهاب) مضافا إلى القبس ~~وكرر: (أو آتيكم) في النمل ولم يقع ذلك في غيرها؟ وأفصح في السورتين ~~الأخيرتين بالحاجة إلى النار وهو الاصطلاء ولم يقع ذلك في طه جملة؟ وعبر عن ~~الخبر في طه بقوله: (أو أجد على النار # # PageV02P331 # هدى) ولم يذكر ذلك في السورتين؟ فهذه مواضع اختلفت العبارة (فيها، ~~واختلفت) في الزيادة والنقص، والتقديم والتأخير والتعويض، مع أن الإخبار عن ~~واقعة معينة وقصة متحدة، والخبر الواحد الصدق لا تمكن فيه الزيادة ولا ~~النقص ولا النسخ من حيث هو خبر ولا شيء مما ذكر، (ويرجع) السؤال فيها إلى ~~شيئين: أجدهما وجه الاختلاف؟ والثاني وجه تخصيص كل موضع بما خص (به)؟ # فأقول ms372 مستعينا بالله وسائلا منه سبحانه (توفيقه) وإرشاده أن المعاني ~~المتصورة في الأذهان المعقولة القائمة بنفوس العقلاء لا تحصل تعديتها إلى ~~غير من قامت به إلا بالعبارات المترجمة عنها الألفاظ الاصطلاحية، وربما ~~خوطب العالم بغيرها وما سوى اللفظ من إشارة وغيرها لا يستقل في تحصيل ~~المعنى المترجم عنه استقلالها، وبالجملة فلم يخاطب إلا بها، وإذا تقرر هذا، ~~فمن المعلوم أن اللفظ بالتفات مدلوله المعنوي يتعدد، ومرجع الألفاظ بالنظر ~~إلى مسمياتها ينحصر في أربعة أقسام: إما أن يتحد اللفظ والمعنى، أو يختلف ~~اللفظ والمعنى، أو يتحد اللفظ ويختلف المعنى، أو يختلف اللفظ ويتحد المعنى، ~~ولا يقتضي النظر العقلي زائدا على هذا التقسيم، وعلى مقتضاه دارت اللغات، ~~وتخاطب العقلاء. # فالقسم الأول وهو المتحد اللفظ والمعنى هو المتواطئ، وهو دلالة لفظ على ~~معنى، ثم يعرض لذلك المعنى عند التشخص كثرة فيكون ذلك اللفظ يدل على تلك ~~الاشخاص بتواطئ، ومثاله: وجل وفرس وأسد، ومنه دلالة اسن النوع كالإنسان على ~~أشخاصه، وكذلك دلالة الجنس على أنواعه كالحيوان على الإنسان والفرس ~~والطائر. # والقسم الثاني هو مختلف اللفظ والمعنى، وهي الأسماء المتباينة، وهي أسماء ~~مختلفة لمعان مختلفة، كل اسم منها يخص معناه الذي وضع له، نحو السواد ~~والبياض والقدرة والعجز. # والقسم الثالث ما اتحد فيه اللفظ واختلف المعنى، وهي الأسماء المشتركة ~~نحو عين للعضر الباصر وعين الماء ونحو ذلك، فاللفظ متحد والمعنى مختلف. # والقسم الرابع هو ما تعدد لفظه واتحد معناه، وهي المترادفة كالأسد والليث ~~للحيوان المعروف، ثم يعرض للمشترك، وهو المتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، ~~تفاوت في قوة دلالته على ما تحته، وأعني بالتفاوت استقلال المعنى بنفسه غير ~~مفتقر إلى الغير، وعدم استقلاله، (فينقسم) بحسب هذا إلأى متواطئ ومشكك ~~كوقوع اسم موجود عليهما تفاوت بين، فهو في وقوعه على الجوهر (من) قسم ~~المتواطئ، ووقوعه على العرض بتشكيك. # # PageV02P332 # ثم من الألفاظ على الجملة مجازية، وهي الواقعة على مسمياتها (لا) على ~~أنها أسماء لها بل وضعت لمناسبتها لما وضعت الأسماء الحقيقية بإزائها، ومن ~~المعلوم في عوارض التركيب الضرب المسمى ms373 بلحن الخطاب، وهو خذف الكلمة من ~~الجملة مع إرادتها، ودلالة السياق والمعنى عليها، كالواقع في قوله تعالى: ~~(أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) (الشعراء: 63)، ولا شك أن المراد: فضرب ~~فانفلق، ومما يلحق به عند الجمهور - إلا من قول بقول الكرخي - (فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (البقرة: 184)، والتقدير: فأفطر ~~فعدة من أيام أخر، فهذا من لحن الخطاب ومن معروف التخاطب الجاري، وهي دلالة ~~المنطوق على مسكوت عنه يفهمه السياق وقصد المتكلم من عرف اللغة، نحو فهم ~~(منع) الضرب والشتم من قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) (الإسراء: 23)، وهذا ~~الضرب من المفهوم يجاري النصوص ولهذا لم يختلف فيه من أنكر القياس، فهذه ~~جملة يستعان بها على تلقي ما يرد، وليست خاصة بالذي نحن فيه من هذه السورة ~~ولا بموضوع دون موضوع. # ثم من المعلون - بإعلام الله سبحانه - أنه تعالى لم يرسل رسولا إلا بلسان ~~قومه، فموسى، عليه السلام، إنما خاطب أهله في هذه المحاورة باللسان ~~العبراني (الذي هو لسان قومه، وجل كلام ربنا عن الحرف والصوت والتقييد ~~بالجملة، فالوارد في كتابنا إنما هو حكاية المعنى الذي خوطب به موسى، عليه ~~السلام، وخاطب به، واللسان العبراني) أقرب الألسنة إلى اللسان العربي، فما ~~المانع أن يجري فيه ويطرد كل ما في اللسان العربي من الضروب المذكورة قل أو ~~كثر (ذلك). # (ثم) في الجواب عما تقدم ما لا يفتقر فيه إلى بنائه على ما مهدناه. فأقول ~~مستعينا بالله سبحانه في قول موسى، عليه السلام، لأهله: (امكثوا) وسقوط ذلك ~~في سورة النمل قد يكون مما قاله، عليه السلام، نطقا باللغة التي كلمهم بها، ~~وقد يكون مما فهمه عنه أهله بإشارة أو قرينة أو حال، فيكون قد أمرهم بذلك ~~على كل حال فإما بنطق أو غيره، فمرة حكى معنى نطقه أو مراده بما قد فهم عنه ~~أهله الأمر، ومرة اكتفى بما بعد (هذا) الأمر اقتصار على ما يحصل المقصود، ~~فلا اختلاف ولا اعتراض في ذلك. # وأما قوله: (لعلي آتيكم) في السورتين وقوله ms374 في النمل: (سآتيكم) فإن حرف ~~التسويف يفهم الاستقبال، و (ولفظ) لعل أيضا يعطي ذلك مع زيادة الترجي ~~والطمع، فيمكن لتقارب معنييهما أن يكون في لسانهم عبارة موضوعة للمعنيين ~~معا، فلم يكن بد من ورود الحرفين عند الحكاية ليحرز ذلك وقوع المعنى وحصوله ~~على ما هو في لسانهم. # # PageV02P333 # وأما تقديم ذكر القبس في سورة طه على الخبر وتأخيره في السورتين فعنوان ~~بين يعرف أن القصة محكية على معناها لضرورة اختلاف اللغتين ولو ورد الأخبار ~~على التزام التقدين في إحداهما وتأخير الآخر على اللزوم لما أحرز ما ذكرنا. # وأما القبس والجذوة والشهاب من القبس فإن ذلك مما يتصل في لغتنا بمراعاة ~~أدنى شيء يسوغ افتراق التسمية، وذلك كثير في لغتنا كقولهم: سيف وصارم ~~ومهند، وقولهم في التمر طلع وضحك وإغريض وبلح وسياب إلى تمام أحواله العشر، ~~له في كل حالة منها اسم والمسمى واحد، ومتى كان للعرب تعمم بشيء من ~~الموجودات، وكان مما يكثر في كلامهم، وضعوا له عدة أسماء اتساعا، حتى أنهم ~~قد أنهو بعض المسميات إلى مائة اسم أو نحوها. وإنما ما كان هذا في لغة ~~العرب لاضطرارهم إليه في الشعر والإسجاع، فلو لم تتسع اللغة العربية فيما ~~ذكر لضاق عليهم الأمر واعتاص النظم والنثر، وأقرب شيء (أن) يكون التعبير في ~~تلك اللغة وقع بلفظ واحد لا يعبر في لغتهم عن ذلك المراد المقصود لغيره، ~~وقد أحرز وضع ذلك اللفظ العبراني ما عبر عنه في لغتنا بعدة أسماء، وسواء ~~عني في كل اسم منها معنى ما في المسمى (أو كانت مترادفة على المسمى من غير ~~أن يراعى في شيء منها معنى ما في المسمى). # وأما تكرار: أو آتيكم في سورة النمل فليس فيه إلا تكرار ما يحرزالتأكيد، ~~وتأكيد ما هو خبر ليس أمرا ولا نهيا إنما ثمرته وفائدته صدق الإخبار، وذلك ~~حاصل هنا سواء تأكد أو لم يتأكد وإذا كان الكلام على ما قلنا والصدق حاصل ~~على كل حال فلا ينكر إذا حكي بمعناه. أو يؤكد مرة ولا يؤكد أخرى، ms375 إذ لا ~~زيادة للتأكيد فيه سوى الجري على مرتكبات العرب في مثله. # وأما الإفصاح في السورتين الأخريين بالحاجة إلى النار وهو الاصطلاء، ول ~~يقع ذلك في طه، فإن ذلك إخبار بزيادة لا يعارضها شيء مما في سورة طه، ~~فقوله: (أو أجد على النار هدى) (طه: 10)، فإفصاح بما هو معلوم من قوله في ~~سورة النمل: (سآتيكم منها بخبر) (النمل: 7)، لأن أهله لم يكن بهم من حاجة ~~لغير الاصطلاء واستعلام طريقهم، فورد في سورة طه مفصحا بالمقصود مفسرا لما ~~هو مفهوم في آيتي النمل والقصص من معنى الكلام وسياقه، فلا اختلاف في شيء ~~من ذلك كله ولاتعارض ولا خلاف، والحمد لله. # والجواب عن السؤال الثاني: أن تخصيص كل سورة من هذه السور بما ورد فيها ~~مقتضيه بين. أما أولا فإن فواصل هذه السورة ومقاطع آيها مناسبة للوارد ~~فيها، أما سورة # # PageV02P334 # طه فمقاطع آيها لازمة الألف المقصورة وعلى ذلك أي السور كلها، وأما النمل ~~والقصص فقد اكتنف الواقع في آي هذه القصة فيها ما مقطعه النون الواقع قبلها ~~الياء والواو الساكنتان بحسب ما تقدمهما من حركتي الضمة والكسرة. فإن قلت: ~~إن السورتين مستويتان في هذا فما الفارق؟ قلت: الإيجاز والطول، أما سورة ~~النمل فأوجز في هذا المقصد، وأما سورة القصص فإن خبر موسى، عليه السلام، ~~فيها يكاد يستغرق آيها كلها، فناسبه طول الوارد فيها مما فيه الكلام، وذلك ~~غير خاف. وتأمل الوارد في سورة طه من قوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى، عليه ~~السلام، من قوله: (أو أجد على النار هدى)، ومناسبة ذلك لما بنيت عليه سورة ~~طه من تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم، وافتتاحها بقوله تعالى: (ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى) (طه: 2)، يلح لك التلاؤم والتناسب، وقد وضح أن كل ما في ~~كل سورة من السور الثلاث من هذه القصة لا يلائم غيرها، وأن كل قصة منها لا ~~يحسن وقوعها في موضع الآخر لعدم المناسبة وبعد التلاؤم، والله أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة طه - قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) ms376 (طه: 15)، وفي ~~سورة غافر: (إن الساعة لآتية لا ريب فيها) (غافر: 59)، للسائل أن يسأل عن ~~تخصيص آية طه بقوله في وصف الساعة: (أكاد أخفيها) ووصفها في سورة غافر ~~بقوله: (لا ريب فيها)؟ فهذان سؤالان. # والجواب عن الأول منهما: أن آية طه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، يتضمن ~~تأنيسه وتسليته عن حال كفار قريش في (توقفهم عن) الإيمان، فافتتحت السورة ~~بأجل التأنيس وهو قوله تعالى مبشرا لنبيه، عليه السلام، مقسما على ذلك: (ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (طه: 2)، ثم تابع التعريف بتعظيم الكتاب، وذكر ~~منزلته سبحانه وتعالى بما انفرد فيه من ملك السماوات والأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى، ووصفه بأنه يعلم السر وأخفى، وانفراده بأسمائه الحسنى، ثم عرف ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بابتداء (أمر) موسى، عليه السلام، (إلى قوله): (إن ~~الساعة آتية أكاد أخفيها) (طه: 15) تعريفا بعظيم خفاء أمر الساعة وتغيب ~~كنهها عن الخلق حتى كأن أمرها لم يخبر عنه ولا وقع تعريف بشيء منه، فهو ~~إخبار بفرط إخفاء أمرها، وذلك إعلام بوصف وحال من قد تقرر بوقوعها يقينه، ~~وانطوى على علم كيانها إيمانه، ولما كان هذا الخطاب والتعريف لمن جرى ذكره ~~من تنزهه صلى الله عليه وسلم عن الارتياب في أمر الساعة، لم يحتج إلى نفي ~~الريب، إذ مقام النبوى في الإيمان بها المقام الذي لا يداني، فلم يكن نفي ~~الارتياب ليلائم ولا يناسب، وإنما عرفوا بحال وصف تابع. # # PageV02P335 # أما آية غافر، في أكثر الخطاب المتقدم قبلها، من أول السورة إليها، خطاب ~~لقريش وسائر كفار العرب. وهم المجادلون في أمر الساعة، والجاهلون بكيانها، ~~والقائلون: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين) ~~(المؤمنون: 37)، فقدم لهم قبل ذكر الآيات قوله تعالى: (لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس) (غافر: 57)، فذكروا بما لا يمكن لأحد من ~~المخلوقين إلا الاعتراف بعظيم أمره والعجز عنه، وهو بدخول اللام ونفي الريب ~~في ذلك، وذلك أوضح شيء في المناسبة، فكل من الآيتين وارد على أتم مناسبة، ~~ولا يمكن أن يقع الوارد ms377 في سورة غافر في سورة طه. ولا الوارد في سورة طه في ~~سورة غافر، والله أعلم بما أراد. # والجواب عن الثاني: أن آية طه وردت أثناء خطاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالتأنيس والتسلية عما يلقاه من مكابدة قريش وسائر كفار (العرب)، ~~وتعريفه بما جرى لموسى، عليه السلام، وظهوره على فرعون، فلم يكن ليناسب ذلك ~~تأكيد الخبر عن أمر الساعة، إذ هو، عليه السلام، من أمرها على أوضح الجادة. # أما آية غافر فإن قبلها تعنيفا لكفار من قريش وغيرها، وعلى ذلك استمرت ~~الآيات من أول السورة إلى قوله: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان) (غافر: 56)، إلى قوله: (قليلا ما تتذكرون) (غاف: 58)، فناسب ذلك من ~~حالهم تأكيد الإخبار عن إتيان الساعة بدخول اللام، وصيرورة الآية بذلك في ~~قوة المقيس عليه تحقيقا للأمر وتأكيدا لما في طي ذلك من وعيدهم بسوء مآلهم، ~~فورد كل من الآيتين على ما يناسب، والله أعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة طه - قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لي صدري ~~* ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من ~~أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ~~ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا * قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) (طه: 24 - ~~36)، وفي سورة الشعراء: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم ~~فرعون ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ~~فأرسل إلى هارون * ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون) (الشعراء: 10 - 14)، وفي ~~سورة القصص: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من ~~الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين * قال ~~رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن # # PageV02P336 # قتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف ~~أن يكذبون * قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ~~بآياتنا أنتما ومن اتبعكما ms378 الغالبون) (القصص: 32 - 35) إلى قوله: (ومن ~~اتبعكما الغالبون) (القصص: 35). للسائل أن يسأل عن اختلاف المحكي من قول ~~موسى، عليه السلام، حين بعث إلى فرعون مع اتحاد القضية في السور الثلاث وقد ~~وقع في كل سورة منها ما ليس في الأخرى، فيسأل عن هذا؟ وعن وجه اختصاص كل ~~سورة بما ورد فيها؟ # والجواب عن السؤال الأول: أن قول موسى، عليه السلام، لا توقف في أنه لم ~~ترد حكايته إلا بالمعنى لاختلاف اللسانين كما تقدم، وإذا تقرر كونها ~~بالمعنى، والترادف فيما بين اللغتين في كل لفظتين يراد بهما معنى واحد غير ~~مطرد، فلا إشكال في أن المعنى قد يتوقف حصوله على الكمال على تعبيرين أو ~~أكثر، لا سيما مع ما في اللسان العربي من الاشتراك والعموم والخصوص ~~والإطلاق والتقييد والحقيقة والمجاز وغير ذلك من عوارض الألفاظ، فكيف ينكر ~~اختلاف التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ وعبارات مختلفة، بل نقول إنه لو ~~كان المحكي قولا عربيا وحكي بالمعنى لما استنكر اختلاف العبارة، فكيف مع ~~اختلاف اللسانين؟ والحاصل من قول موسى، عليه السلام، في هذه السور الثلاث ~~سؤاله ربه شرح صدره وتيسير أمره وإطلاق لسانه وتشكيه منه والتعاون بأخيه ~~هارون، عليهما السلام، وخوفه أن يكذب وذكره ما تقدم منه من قتل القبطي، على ~~هذه القضيات السبع دار المحكي من كلامه، عليه السلام، وقد يرد في سورة منها ~~بعض ذلك مما ليس في الأخرى، ولم يتعارض شيء من ذلك، فارتفع الإشكال المتوهم ~~جملة. # والجواب عن السؤال الثاني: أن الوارد في سورة طه من قوله: (قال رب اشرح ~~لي صدري) (طه: 25) إلى أن قيل له: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) (طه: 36) ~~مناسب لما بينت عليه السورة من التأنيس والبشارة لنبينا صلى الله عليه وسلم ~~من لدن افتتاحها بقوله: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (طه: 2) إلى ختامها ~~بقوله لنبيه عليه السلام: (لا نسألك رزقا نحن نرزقك) (طه: 132) وقوله ~~تهديدا ووعيدا لأعداء نبيه صلى الله عليه وسلم: (قل كل متربص فتربصوا ... ) ~~(طه: 135)، ولا توقف في بيان هذا التناسب. ms379 # وأما سورة الشعراء وسورة القصص فإنما بناؤها على قصص موسى عليه السلام، ~~أما الشعراء فمبينة على ابتداء الرسالة ودعائه فرعون ومراجعة إياه إلى نجاة ~~بني إسرائيل وإغراق فرعون، وأما سورة القصص فمبينة على ابتداء امتحان بني ~~إسارئيل بذبح الأبناء واستحياء النساء للخدمة والمهنة، وتخليص موسى، عليه ~~السلام، من ذلك، وتكفل # # PageV02P337 # الله سبحانه من ابتداء ونشأة، إلى توجهه إلى مدين ورجوعه من عند شعيب، ~~عليهما السلام، إلى ما تخلل ذلك وما أعقبت به، إلى أخذ فرعون وهلاكه، ولما ~~كانت سورة الشعراء مذكورا فيها قصص الرسل مع أممهم ابتداء واختتاما فيما ~~يخص حال الرسالة، إلى أخذ كل طائفة بما أخذت به، خصت من قصص موسى، عليه ~~السلام، بما يلائم دعاء ومحاورة، إلى أخذ فرعون وملئه. # ولما كان قوله تعالى في سورة القصص: (نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون ~~بالحق) (القصص: 3) تأنيسا وتنبيها لنبينا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ~~(وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) (هود: 120)، وفي آخر ~~السورة الإفصاح من هذا التأنيس برجوعه إلى مكة بعد أن أخرج عنها، عليها ~~السلام، مهاجرا لأجل قومه، قال تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد) (القصص: 85)، ناسب ذلك من قصص موسى، عليه السلام، خروجه إلى مدين ~~ورجوعه إلى مصر، فتناسب هذا أكمل مناسبة في السور الثلاث، (وإذا عتبر ذلك ~~علم أنه لا يناسب كل سورة من الثلاث) إلا ما خصت به، والله أعلم بما أراد. ### | الآية الرابعة # من سورة طه: غ - قوله تعالى: (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني ~~إسرائيل) (طه: 47)، وفي سورة الشعراء: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب ~~العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل) (الشعراء: 16 - 17)، ففي الأولى: ~~(فأتياه) وفي الثانية: (فأتيا فرعون)، وفي الأولى: (إنا رسولا ربك) ~~بالتثنية والإضافة إلى ضمير الخطاب وفي الثانية: (إنا رسول رب العالمين)، ~~فورد هنا (رسول) بلفظ الإفراد وإضافة رب (إلى) العالمين، والظاهر أن أمر ~~موس وهارون، عليهما السلام، في الآيتين كان أول أمر أمرا به في إرسالهما ms380 ~~إلأى فرعون، وأن أمرهما معا بهذا لم يتكرر، وقد تقدم في سورة طه أمر موسى، ~~عليه لاسلام منفردا عن أخيه هارون في أول تكليم الله تعالى، وأمره بخلع ~~نعليه، وإعطائه آيتي العصا واليد، وأمره بالذهاب إلى فرعون، وطلبه شرح ~~صدره، إلى طلبه المعونة بأخيه هارون، وبعد ذلك أمرا معا بما في هاتين ~~الآيتين، ثم لم يتكرر حسبما ذكرناه بمقتضى الظاهر، فللسائل أن يسأل عن وجه ~~الاختلاف فيهما؟ ووجه اختصاص كل سورة بما ورد فيها؟ # والجواب عن الأول: ما تقدم من أن الإخبار عن ذلك كله في كتابنا معتمد فيه ~~المعنى، وقد تقدم بيان ذلك مستوفى، وأما وجه التخصيص، فإن ورود اسم فرعون ~~مضمرا في قوله: (فأتياه) إنما ذلك لتقدم ذكره في قوله: (اذهبا إلى فرعون ~~إنه طغى # # PageV02P338 # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر) (طه: 43 - 44)، فلم تكن إعاجى اسمه ظاهرا ~~مع الاتصال والقرب، إذ لم يفصل بين ظاهره ومضمره إلا كلمتان. أما آية ~~الشعراء فقد اجتمع فيها أمران: أحداهما الفصل بين مضمر الاسم وظاهره، مع ~~إتيان الظاهر مضافا إليه فضلة إلى ما ذكر إليه من الفصل ببضع وعشرين كلمة، ~~والثاني أن أمر موسى، عليه السلام، أولا إنما ورد بإتيان قوم فرعون، قال ~~تعالى: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون ألا يتقون) ~~(الشعراء: 10 - 11)، فقد يتوهم أن الجاري على هذا أن لو قيل عوض قوله: ~~(فأتيا فرعون) فأتياه، إلا أنه لم يقصد إلا ذكر متبوعهم، فلم يكن بد من ~~الإفصاح باسمه غير مضمر. # وأما قوله تعالى في الأولى: (فقولا إنا رسولا ربك) (طه: 47) بتثنية لف ~~الرسول فوارد على اللغة الشهيرة، أما قوله في الثانية: (إنا رسول رب ~~العالمين) (الشعراء: 16) فعلى لغة من يقول رسول للواحد والاثنين والجمع ~~والمذكر والمؤنث، وعلى ذلك قول الهذلي: # ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر # فورد (الأول) في الترتيب على اللغة الشهيرة، والثاني على اللغة الأخرى ~~على ما تقدم في مثل هذا، وعكس الوارد مخالف للترتيب ولا يناسب. # وأما قوله: (إنا رسولا ms381 ربك) بإضافة اسمه تعالى إلى ضمير الخطاب، فإنه ~~يناسب من حيث ما فيه من (التلطف) والرفق لما تقدمه من قوله تعالى (فقولا له ~~قولا لينا) (طه: 44)، وقد تفسر هذا القول وتبين ما فيه من التلطف بقوله ~~تعالى في سورة النازعات: (فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى) ~~(النازعات: 18 - 19)، وناسب هذا ما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا صلى ~~الله عليه وسلم وتأميس موسى كليمه صلى الله عليه وسلم بقوله: (وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى) (طه: 13) وما بعد إلى قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا ~~موسى) (طه: 36) وما بعد، فلما كان بناء هذه السورة بجملتها على التلطلف ~~(والتأنيس ناسب ذلك ما أمر به موسى، عليه السلام، من دعاء فرعون آنسه ~~وألطفه)، وأمر موسى، عليه السلام، وأخوه هارون بذلك فقيل لهما: (فقولا له ~~قولا لينا)، وجرى على ذلك (قوله): (إنا رسولا ربك)، فأشعرت هذه الإضافة ~~بالتلطف الرباني، ولما لم تكن سورة الشعراء مبنية على ما ذكر، وإنما تضمنت ~~تعنيف فرعون وملئه وإغراقهم وأخذ المكذبين للرسل بتكذيبهم، وهذا في طرف من ~~التلطف، ورد فيها: (فقولا إنا رسول رب # # PageV02P339 # العالمين) بإضافة اسمه سبحانه (إلى العالمين) ليحصل منه أنه مالك الكل ~~وأنهم تحت قهره تعالى وفي قبضته، وعدل عن الإضافة إلى ضمير الخطاب إذ لم ~~يقصد هنا ما تقدم من التلطف، ونظير الوارد في هاتين الآيتين قوله تعالى في ~~سورة الأنعام: (ولو شاء الله ما فعلوه) (الأنعام: 137)، فقف على ذلك في ~~سورة الأنعام، وقد تبين جليل النظم وعلي التناسب في كل ما تقدم، وأن عكس ~~الوارد في هذه الآي لا يناسب، والله سبحانه أعلم. ### | الآية الخامسة # من سورة طه: غ - قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها ~~سبلا) (طه: 53)، وقال في سورة الزخرف: (الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم ~~فيها سبلا لعلكم تهتدون) (الزخرف: 10)، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف بين ~~سلك وجعل؟ ووجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيها؟ # والجواب عن ذلك: أن ms382 العبارتين في السورتين معناهما متقارب وهو ما هيأه ~~سبحانه لعباده من المذكور في قوله: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها) (الملك: 15)، والمراد (بسلك) وجعل ما خلق وذلل سبحانه منها وهيأه ~~لتصرفنا في معايشنا ومنافعها. # والجواب عن الثاني أن اختصاص كل واحدة من العبارتين بموضعها في آية طه ~~مقصود بها التلطف بالدعاء إلى الله (عز وجل) على ما تقدم من أمره تعالى ~~لموسى وهارون، عليهما السلام، في قوله: ((فقولا له قولا لينا) (طه: 44)، ~~فلما بني الكلام على هذا وأعقب بقوله: (وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم) (طه: 53 - 54)، - ولا إشكال في ~~أن هذا من التلطف والرفق في الدعاء - ناسب ذلك العبارة بسلك عما أنهج تعالى ~~من السبل ولاطرق لمرافق العباد ومصالحهم، وهي منبئة عما تعطيه جعل في الآية ~~الأخرى مع زيادة الوضوح وكمال التهيئة، فهي أنسب لما قصد في هذه السورة، ~~تقول: منهج سالك أي واضح، ولو قلت مجعول لم يعط هذا المعنى من الوضوح. أما ~~آية الزخرف فمبنية على توبيخ من كفر من العرب وترقيعهم، ألا ترى قوله ~~سبحانه: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) (الزخرف: 5)، وقوله ~~إخبارا عن مكذبي الأمم: (وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) ~~(الزخرف: 7)، وقوله: (فأهلكنا أشد منهم بطشا) (الزخرف: 8) أي من هؤلاء ~~الذين # # PageV02P340 # كذبوك يا محمد، فهذا كله توبيخ للجاحدين والمعاندين، وتأمل ما افتتحت به ~~السورة من قوله: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (الزخرف: 3)، ~~والتعقل لا يستلزم الاهتداء والإيمان، ألا ترى قوله تعالى: (أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون) (البقرة: 75)، فأين موقع قوله: (لعلكم تعقلون) من قوله: (لعلكم ~~تهتدون) و (لعلكم تفلحون) و (لعلكم تذكرون)؟ فتدبر ذلك يلح لك الفرق، فناسب ~~هذا ما ينبئ عن الخلق والاختراع من غير زيادة، فعبر هنا بجعل. # وأيضا فقد اكتنف لفظ جعل في الزخرف قوله: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون) ms383 (الزخرف: 3)، وقوله بعدها: (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) ~~(الزخرف: 12)، فناسب هذا ذكر الجعل، ولم يناسب هنا هذه المناسبة لفظ سلك، ~~فجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. ### | الآية السادسة # من سورة طه: غ - قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما) (طه: 112)، وفي سورة الأنبياء: (فمن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون) (الأنبياء: 94)، فوردت آية طه منسوقة ~~على ما قبلها بالواو، والثانية بالفاء المقتضية في مثل هذا استئناف التفصيل ~~مع بنائه على ما قبله بمقتضى الفاء، ثم أعقب الأولى بقوله: (فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما) والثانية بقوله: (فلا كفران لسعيه) ومقصود الآيتين واحد، فللسائل ~~أن يسأل عن الفرق؟ # والجواب عن الأول: أن قوله: (ومن يعمل) بواو النسق ورد في مقابلة ما ~~تقدمه من المعنى الحاصل من قوله: (وعنت الوجوه للحي القيوم) (طه: 111) وقد ~~خاب من حمل ظلما لأن عنت الوجوه ذلتها في القيامة، ومنه قولهم: العاني ~~للأسير، فمن حمل ظلما خاب وخسر، ومن قدم خيرا وعمل صالحا فر يخاف ظلما أي ~~زيادة في سيئاته، ولا هضما أي نقصا في حسناته، وهذا معنى الكلام، والله ~~أعلم، فهذا موضع الواو ولا مدخل فيه للفاء. أما قوله في الأنبياء: (فمن ~~يعمل من الصالحات) (الأنبياء: 94) فافتتح تفصيل أحوال الفريقين لما قال ~~تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) (الأنبياء: 93)، والمراد ~~اختلافهم وافتراقهم في المذاهب والأديان، ابتع ذلك تعالى ببيان حال المحسن ~~والمسيء في افتراقهم، فاستؤنف تفصيل جزائهم فقال: (فمن يعمل من الصالحات ~~وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) (الأنبياء: 94) إلى ما بعد وفي قوله تعالى: ~~(وحرام على قرية # # PageV02P341 # أهلكناها أنهم لا يرجعون) (الأنبياء: 95) إلى ما يتلوه بيان جزاء المسمى ~~وحكمه، وربطت الفاء ما فصل من الجزاء بما وقع الجزاء المفصل مربوطا به ~~ومنبها عليه، فالموضوع للفاء ولا مدخل للواو هنا. # وأما تعقيب آية طه بقوله: (فلا يخاف ظلما ولا هضما) (طه: 112)، فإفصاح ~~بالتأنيس المناسب لما بنيت عليه، وقد وضح هذا في الآية ms384 المترجم عليها قبل ~~التي تلي هذا، ولم تبن آية ### | سورة الأنبياء # على ما ذكر فجيء فيها بما يناسب، وورد كل على ما يجب، ولا يلائم عكس ~~الوارد ولا يناسب، والله أعلم. ### | الآية السابعة # من سورة طه قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون ~~في مساكنهم) (طه: 128)، وفي سورة السجدة: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم ~~من القرون يمشون في مساكنهم) (السجدة: 26)، فلحقت همزة الاستفهام الواردة ~~هنا تقريرا وتوبيخا حرف العطف متقدمة قبله كما يجب واختلف حرف العطف، ~~فلسسائل أن يسأل: لم اختصت الأولى بالفاء من حروف العطف والثانية بالواو؟ ~~وعن زيادة (من) في سورة السجدة؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن قوله في الآية الأولى: (أفلم يهد لهم) ~~كلام لم يتقدمه ما يكون هذا معطوفا عليه، وإنما هو كلام مستأنف مبتدأ، ألا ~~ترى ما تقدم قبله من قوله تعالى إخبارا عمن أعرض عما جاءت به الرسل فقال ~~تعالى: (ومن أعرض عن ذكري) - أي بإعراضه عن إتباع الرسل - (فإن له معيشة ~~ضنكا) (طه: 124) إلى قوله: (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) (طه: 127)، هذا إخبار ~~عن جزاء من أعرض ولم يؤمن، ثم ورد ما بعد مستأنفا واردا مورد ما يرد من ~~الكلام التفاتا، وهذا مراد أبي محمد بن عطية، ثم ابتدأ توبيخهم وتذكيرهم ~~فقال تعالى: (أفلم يهد لهم)، والضمير المجرور لكفار قريش ومن كان معهم، أي ~~أفلم يتبين لهم، والفاعل ما يفهم من جملة الكلام وسياقه، أي أفلم يهد لهم ~~هذا المشاهد لهم الواضح من تقلبهم في بلاء عاد وثمود يمشون في مساكنهم ~~ويعاينون آثار هلاكهم، وكم مفعولة بأهلكنا. واستمر الكلام مع المذكورين إلى ~~آخر السورة، وإذا كان قوله: (أفلم يهد لهم) مبتدأ مستأنفا فالموضع للفاء، ~~وهذا كقوله في سورة الرعد: (أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا) (الرعد: 31)، وقوله في سورة القتال: (أفلا يتدبرون القرآن أم ~~على قلوب أقفالها) (محمد: 24)، وما أتى مثل هذا مما الوجه فيه الاستئناف، ~~ولم يقصد عطفه # # PageV02P342 # على ما قلبه، ms385 وإنما ارتباطه بما تقدمه من جهة المعنى، ولا مدخل فيه للعطف ~~مع أن الالتحام حاصل من وجه كما بينا. # وأما آية السجدة فالواو فيها عاطفة على مقدر لما قال الله تعالى: (ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) (السجدة: 22)، كأن قد قيل: أفلا ~~تذكروا ولم يعرضوا: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون) (السجدة: ~~26) أولم يبين لهم إهلاك من تقدمهم من القرون، وقال الزمخشري في الواو في: ~~(أولم يهد) للعطف على معطوف عليه منوي من جنس المعطوف والضمير في لهم لأهل ~~مكة، قلت وهذا هو عين ما قدمنا، وإنما لم تكن الواو هنا لغير العطف لأن ~~الواو لا يستأنف بها بخلاف الفاء كما قدمنا، فاختلف المقصود في الآيتين ~~ووضح وجه مجيء الفاء في آية طه والواو في آية السجدة. # وأما زيادة ((من)) في قوله في آية السجدة: (من قبلهم) فإنها مقصود فيها ~~استغراق عموم لمناسبة ما تقدم هذه الآية من حصر التقسيم في قوله: (أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) (السجدة: 18) وأعقب: (به) ما يفهمه قوله: ~~(إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون) (السجدة: 26)، إذ ليس هنا الوارد كالوارد في ~~سورة طه من قوله: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) (طه: 128)، فهذا يشعر ~~بخصوص يناسبه سقوط (من) الاستغراقية، وما في آية السجدة يشعر بعموم ~~واستغراق تناسبه (من) في قوله: (من قبلهم)، فجاء كل على ما يناسب ويجب، ~~والله أعلم. # الآية الثامنة من سورة طه قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) (طه: 130)، وفي سورة ق: (فاصبر على ما ~~يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) (ق: 39)، فقال في ~~الأولى: (وقبل غروبها) وفي الثانية: (وقبل الغروب)، وفي سورة الطور: (واصبر ~~لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار ~~النجوم) (الطور: 48 - 49)، (فيسأل عن الفرق)؟ # والجواب أن ذلك، والله أعلم: لرعي الفواصل ومقاطع الآي، ألا ترى ما تقدم ~~قبل آية ق من قوله: ms386 (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وما مسنا من لغوب) (ق: 38)، فناسب هذا قوله: (وقبل الغروب)، وأما آية طه ~~فقد اكتنفها أي مقاطعها الألف المفتوح ما قبلها نطقا وتقديرا، فجاء ذلك على ~~ما يجب في السورتين. # # PageV02P343 # فصل: وأما قوله تعالى في السورتين: (وسبح بحمد ربك) بناء على المتقدم ~~فيهما من قوله تعالى: (واصبر لحكم ربك) واتصاله به فبين الوضوح، لن المراد ~~أمره عليه السلام بالصبر على أذاهم في قولهم كاهن ومجنون وساحر إلى غير ذلك ~~مما نزه الله نبيه، عليه السلام، منه فأمر (بالصبر) على ذلك وأمر أن يستعين ~~بصبره وصلاته كما قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة: 45)، وهو ~~المراد أيضا هنا، وعن الصلاة عبر بالتسبيح في قول أكثر المفسرين، وإن أريد ~~بالتسبيح معنى التنزيه بالذكر المعروف فذلك أيضا بين والمعنى متعارف، ويكون ~~مأمورا بالصبر والذكر والتنزيه، فالالتحام بين، وإنما المشكل قوله تعالى في ~~سورة ص: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ... ) (ص: 17)، وربط قوله: ~~(واذكر عبدنا داوود) بما قبله ومطابقته إياه، وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بما ~~جرى فيه على شنيع المرتكب وسوء الأدب، بناء على استبداد العبيد وفعلهم ما ~~لا يرضاه الخالق سبحانه ولا يريد، فجعل لله شركاء، وأفرد العباد بأفعالهم ~~استبدادا وملكا، وأجاب (بناء) على ما أصل ولم يوفق في هذا الموضوع لوجه ~~المطابقة ولا حصل، وأذكر إن شاء الله ذلك في أول آية من سورة ص على أوضح ~~منهج بحلول الله تعالى. # **** # # PageV02P344 ### | سورة الأنبياء ### | الآية الأولى # منها قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون) (الأنبياء: 2)، وفي سورة الشعراء: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن ~~محدث إلا كانوا عنه معرضين) (الشعراء: 5)، فورد في الأولى: (من ربهم) وفي ~~الثانية: (من الرحمن) مع اجتماع الآيتين في أن التذكير لا يجدي على ما ذكر ~~في الآيتين، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أن هذين الاسمين العظيمين وهما: الرب والرحمان ~~تواردا في الكتاب العزيز كثيرا، أول ذلك في ms387 الفاتحة، ثم إن اسمه سبحانه ~~الرجمان يغلب وروده حيث يراد الإشارة إلى العفو والإحسان والرفق بالعباد ~~والتلطف والتأنيس، فمن مراده في التأنيس، فمن مراده في التأنيس البسملة، ~~وأم القرآن، وصدر سورة طه، وآية الشعراء المتكلم فيها، وما ورد من مثل ~~الوارد في سورة الفرقان في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن) ~~(الفرقان: 60)، فتحقيق الاعتبار يقتضي تأويله بالرجوع إلى ما ذكرنا، وأما ~~اسمه الرب فيعم وروده طرفي الترغيب والترهيب. # أما الترغيب فبين، وأما الترهيب فحيث يرد معنى ملكيته سبحانه لهم، ~~وانفراده بإيجادهم، وإدرار أرزاقهم، وبيان انفراده تعالى بذلك، ثم هم ذلك ~~على كفرهم. ولما تقدم قبل آية الأنبياء من الأخبار ما طيه وعيد وترهيب مع ~~تلطفه سبحانه بهم بتذكيرهم لم يكم ليناسب ذلك ورود اسمه الرحمان، ألا ترى ~~أن قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم) (الأنبياء: 1) أشد تخويفا للمخاطبين، ~~ثم لفظ الناس لفظ لا يخص به المؤمنون، إنما يرد حيث يراد عموم المخاطبين، ~~ويكثر حيث يراد الوعيد والإنذار والتخويف والدعاء الأولى إلى العبادة ~~والدخول في الإسلام، وأما ما ذكر بعد وصفه بالغفلة والإعراض وما انجر مع ~~ذلك فأهل الكفر والتكذيب، والسورة مكية ولفظ الناس عام كما تقدم، إلا أن ~~قوله بعد: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) (الأنبياء: 3) خاص بمن حكى قولهم ~~الذي أسروه وهو: (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) ~~(الأنبياء: 3) # # PageV02P345 # أما آية الشعراء فمبينية على تأنيس النبي صلى الله عليه وسلم وإعلامه أن ~~توقف قومه عن الإيمان إنما هو بقدرته تعالى عليهم، ولو شاء لأراهم آية ~~تبهرهم كشق الجبل فوق بني إسرائيل. وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: (إن نشأ ~~ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) (الشعراء: 4)، ثم رجع ~~الكلام إلى تعنيف المكذبين، فلما كان بناء الآية على التأنيس والتلطف ~~بنبينا صلى الله عليه وسلم، وإعلامه بأن تأخير العذاب عنهم إنما هو إبقاء ~~منه تعالى ليستجيب من قدر له الإيمان منهم، فأشاء إلى هذا وناسبه اسمه ~~الرحمان، فقال تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ms388 إلا كانوا عنه ~~معرضين) (الشعراء: 5)، فقد وضح ورود كل من الآيتين في موضعه على ما يجب ~~ويناسب، والله أعلم بما أراد. ### | الآية الثانية # - قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر ~~آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون) (الأنبياء: 36)، وفي سورة الفرقان: ~~(وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا ~~عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ... ) (الفرقان: 41 - 42)، هنا سؤالان: ~~أحدهما ظهور الفاعل في الآية الأولى وإضماره في الثانية، والثاني ما وجه ~~تعقيب الآية الثانية بما أعقبت به؟ # والجواب عن الأول، والله أعلم: أن الكفار المعاصرين لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يتقدم قبل آية الأنبياء أو فيما يليها من آي السورة أو يقرب ~~منها خطاب يعنيهم ويخصهم من غيرهم، إنما تقدم قبلها قوله تعالى: (أولم ير ~~الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل ~~شيء حي أفلا يؤمنون) (الأنبياء: 30)، وهذا يتناول كل كافر ملف ذي عقل كان ~~من العرب أو من غيرهم معاصر أو غير معاصر، ثم لم يقع بعد هذه الآية ما ~~يعارض عمومها، فلهذا تعين إظهار الفاعل في قوله: (وإذا رآك الذين كفروا) ~~(الأنبياء: 36) إذ قيل: وإذا رأوك، لما كان يمكن رجوعه إلا للمذكورين قبل ~~في قوله: (أولم ير الذين كفروا) (الأنبياء: 30)، وليس خاصا بالمعاصرين، فلم ~~يكن ليناسب. # أما آية الفرقان فإن قبلها قوله تعالى: (لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة) (الفرقان: 32)، والمنزل عليه القرآن معلوم صلى الله عليه وسلم، ~~فالقائلون معاصرون وهم الذين عنوا على القطع بقوله: (وقال الذين كفروا لولا ~~نزل عليه القرآن جملة واحدة)، فلما تقدم # # PageV02P346 # ذكرهم غير متناول غيرهم، وعنوا بالذكر، واحتيج بعد إلى الإخبار عنهم، أتى ~~بضميرهم، إذ هو أوجز وقد علم، (فقيل): (وإذا رآك)، ولم يكن الإضمار ليناسب ~~في آية الأنبياء، ولم يمكن الإظهار هنا، فورد كل على ما يجب ويناسب، والله ~~أعلم. # والجواب عن السؤال الثاني: أنه لما تقدم في سورة الأنبياء قوله تعالى: ~~(أم ms389 اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) (الأنبياء: 21)، وقوله: (لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا) (الأنبياء: 22)، وقوله: (أم اتخذوا من دونه آلهة) ~~(الأنبياء: 24)، فتكرر ذكر مرتكبهم في اتخاذهم معبوادات لا تغني عنهم، ~~ناسبه قولهم: (أهذا الذي يذكر آلهتكم) (الأنبياء: 36). # أما آية الفرقان فقد تقدمها قوله: (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق) (الفرقان: 7)، فأنكروا كون الرسول من البشر، (فجرى مع ذلك وناسبه ~~قولهم: (أهذا الذي بعث الله رسولا) (الفرقان: 41) تعجبا واستبعادا أن يكون ~~الرسل من البشر)، وقد رد ذلك عليهم بقوله: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) (الفرقان: 20)، فوضح التناسب ~~فيها، والله أعلم. ### | الآية الثالثة # قوله تعالى: (ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) (الأنبياء: 45)، قراءة ~~الجماعة إلا ابن عامر: (ولا يسمع الصم الدعاء)، وقرأ ابن عامر: (ولا تسمع ~~الصم الدعاء) بضم التاء وفتح الميم من الصم، وفي النمل والروم: (ولا تسمع ~~الصم الدعاء) (النمل: 80). قراءة ابن كثير بضم الياء وفتح الميم كقراءة ~~الجماعة في آية الأنبياء، وقراءة الباقين: (ولا تسمع الصم) بضم التاء وفتح ~~الميم كقراءة ابن عامر في الأنبياء، فاستوت الآي الثلاث في ورود القراءتين ~~على الجملة وفي المعنى المقصود، ثم ختمت الأولى بقوله: (إذا ما ينذرون)، ~~وآيتا النمل والروم بقوله: (إذا ولوا مدبرين)، فيسأل عن ذلك. # والجواب، والله أعلم: أن آية الأنبياء قد تقدمها أمره، عليه السلام، ~~بخطاب حاضريه، وإنذارهم بما أوحي إليه، وإعلامهم بأن إنذاره إياهم لا يجدي ~~عليهم، تسلية له، عليه السلام، وإعلاما بما سبق لهم أزلا، فقال تعالى: (قل ~~إنما أنذركم بالوحي)، ثم قال لهم: (ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) ~~(الأنبياء: 45)، فأعلمهم بإعلام الله تعالى بأنهم صموا عن سماعه، ومنعوا ~~ثمرته من الإجابة لما سبق عليهم فقيل: (إذا ما ينذرون)، أي أنهم وقت ~~إنذارهم ممنوعون عن السمع، كما قال تعالى: (إنا جعلنا على # # PageV02P347 # قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) (الكهف: 57)، وكما ورد قبل آيتي ~~النمل والروم وقوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى) (الروم: 52) إلحاقا ms390 لحال ~~المخاطبين بهم في عدم الجدوى عليهم، ناسب ذلك قوله: (إذا ولوا مدبرين)، ~~فوضح التناسب في نظام هذه الآي، وإن العكس لا يناسب، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # قوله تعالى في إبراهيم: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم ~~لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) (الأنبياء: 52 - 53)، وفي ~~سورة الشعراء: (واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * ~~قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ~~ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) (الشعراء: 69 - ~~74)، فورد في الأولى: (وجدنا آباءنا) وفي الثانية: (قالوا بل وجدنا ~~آباءنا)، فيسأل عن زيادة (بل) في الثانية؟ وقد يسأل عن المختلف من حكاية ~~قول إبراهيم، عليه السلام في الأولى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون) (الأنبياء: 52) وفي الثانية: (ما تعبدون) وظاهر القصة أنها واحدة ~~وقد اختلف المحكي؟ # والجواب عن الأول، والله أعلم: أن جوابهم في الموضعين ليس جوابا لسؤال ~~واحد، وإنما ورد (جوابا) لسؤالين، فاختلف بحسبهما، فسؤاله في آية الأنبياء ~~سؤال مطلع على معبوداتهم ما هي؟ بعد أن شاهد عبادتهم لها، ولزومهم إياها، ~~وكيفية صورها. فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي ملازمون، ~~فلم يجدوا جوابا إلا اعترافهم بأنها تماثيل مصورة منحوته، والتماثيل ما جعل ~~من الصور مثالا لغيره ونحي به نحوه، فأقروا بالعجز عن جواب مقنع، واستشعروا ~~ما يلزمهم في عبادة ما يصنعونه بأيديهم، وتقدم وجودهم وجوده، فرجعوا إلى ~~التقليد فوقع جوابهم على ما تقدم. # وأما آية الشعراء فإن سؤال إبراهيم، عليه السلام، إياهم بقوله: (ما ~~تعبدون) ورد (مورد) سؤال عن ماهية معبوادتهم وكيفيتها، وكأنه، عليه السلام، ~~لم يشاهدها، وعلم أنهم يعبدون ما لايعبد، فسألهم عن ما هيته فجاوبوه: (نعبد ~~أصناما فنظل لها عاكفين) فجاوبوه معترفين بماهية معبوداتهم على ما أمرهم ~~عليه، وطابق جوابهم سؤاله، فأردف، عليه السلام، بسؤال آخر، قاصدا تعجيزهم ~~والقطع بهم فقال: (قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون) ~~(الشعراء: 72 - 73) أي إذا كانوا هكذا مستبدين ms391 غير مفترقين فذلك عذر في ~~عبادتكم إياهم، فلما استشعروا ما يلزمهم عدلوا عن الجواب، # # PageV02P348 # وأضربوا عن طرفي الإثبات والنفي إلى تقليد الآباء وقالوا: (بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون) (الشعراء: 74)، وحصل من جوابهم بمفهوم الإضراب ببل أن ~~آلهتهم لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، إذ لو اتصفت بوجود هذه الصفات لما عدلوا ~~إلى الإضراب. # فإن قيل إنما أضربوا عن أن يجيبوا بنفي أو بإثبات فكيف يقال: إن اعترافهم ~~حاصل بأنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر؟ فأقول: لو وجدوا أدنى شبهة لتراموا ~~عليها، فقد وضح أن جوابهم هنا بناء على ما بنوه جوابا عليه لا يمكن غيره ~~إلا بمخالفتهم المحسوس لو أنهم قالوا: إنها تسمع أو تنفع أو تضر، أو نسبتهم ~~أنفسهم إلى ما عذر لعاقل في ارتكابه، ولا شبهة لو أفصحوا جوابا بأنها لا ~~تسمع ولا تنفع ولا تضر، ثم استمروا على عبادتهم إياها، فأضربوا عن ذلك إلى ~~اعتمادهم على تعبد آبائهم، وجعلوا ذلك حجة على مرتكبهم على وهن هذا ~~التعليق، ولهذا قيل لهم: (قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) ~~(الأنبياء: 54)، إن جوابهم هنا ببل لازم لما قصده، ولا يمكن بسقوطها، وإن ~~جوابهم في آية الأنبياء لا يمكن فيه بل بوجه، فورد كل على ما يجب ويناسب، ~~والله أعلم. # والجواب عن السؤال الثاني أنه لا حامل على القول بأن القصة واحدة، وإذا ~~أمكن أن يكون ذلك في محلين ووقتين لم يلزم اتحاد الجواب، فلا سؤال، والله ~~أعلم. ### | الآية الخامسة # قوله تعالى: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) (الأنبياء: 70)، وفي ~~الصافات: (فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين) (الصافات: 98)، هنا سؤالان: ~~أحدهما: ما وجه الاختلاف مع اتحاد المقصود في الموضعين؟ والثاني: ما وجه ~~اختصاص كل من الموضعين بما ورد فيه؟ # والجواب عن السؤالين معا: أن الخاسر عندنا من فقد ما بيده من مال أو سبب ~~كان يعتمده لدنياه ومعاشه، أو محاولة فسدت عليه فساءت حاله، لذلك ومهما ~~استحكمت حاله في ذلك كان أخسر، وقد جعل سبحانه في الخسران المبين من خسر ~~الدنيا ms392 والآخرة، وأعلمنا تعالى أن الأخسرين لا يقام لهم (وزن في القيامة، ~~قال تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) (الكهف: 103) إلى قوله: (فحبطت ~~أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) (الكهف: 105)، فلا أدون حالا من ~~هؤلاء. ولما أراد قوم إبراهيم، عليه السلام، به الكيد ألحقهم تعالى بهؤلاء ~~عقوبة توافق مرتكبهم وسوء انتحالهم، والأخسرون هم الأسفلون، وهذا كان مطلب ~~الكافر في الآخرة وتمنيه لو بلغه إلحاق من أضله من الجن # # PageV02P349 # والإنس بهذا النمط، قال تعالى مخبرا عن حالهم في الآخرة: (ربنا أرنا ~~اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين) ~~(فصلت: 29)، فالصفتان من الخسران والسفالة غاية حالة الكافر، ومن كان من ~~الأسفلين فقد خسر خسرانا مبينا، فلا تضاد بين الصفتين سوى أن السفول لاحق ~~في ذات المسفل، والخسران حقيقة في خارج عنه، فالسفول أبلغ، فقد ما هو لاحق ~~خارجي، وأخر ما لا يتعدى ذات المتصف تكملة وتتمة، إذ هو أبلغ على ما يجب ~~وعلى ما قدمنا من رعي الترتيب، والتسفل (ضد) التعالي، فورد كل على ما يجب ~~ويناسب، وقيل روعي في آية والصافات مقابلة قولهم: ابنوا له بنيانا، لأنه ~~يفهم منه إرادتهم علو أمرهم بفعلهم ذلك، فقوبلوا بالضد، فجعلوا الأسفلين. ~~قال معناه صاحب الدرة، وهو حسن، والله أعلم. ### | الآية السادسة # قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين) (الأنبياء: 83 - 84)، وفي سورة ص: (واذكر عبدنا أيوب إذ ~~نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ~~ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب) (ص: 41 - 43)، ~~ففي آية الأنبياء: (رحمة من عندنا) وفي آية ص: (رحمة منا)، وفي آية ~~الأنبياء: (وذكرى للعابدين)، وفي آية ص: (لأولي الألباب)، فيسأل عن الفرق ~~بين الوصفين؟ ووجه الاختصاص؟ # والجواب على الجملة، والله أعلم: أنه لما ورد في الأنبياء تلطف أيوب عليه ~~السلام بقوله: (وأيوب إذ نادى ربه ms393 أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) ~~(الأنبياء: 83)، فلما تلطف في سؤاله، ولم يفصح، عليه السلام، تلطفا وتضرعا ~~بعظيم ما أصابه من البلاء إفصاحه في آية ص بقوله: (مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب) (ص: 41)، فبني كل (من الأيتين) على ما يباسبه، فقيل جوابا على عظيم ~~تضرعه وتلطفه في قوله: (مسني الضر) ما يلائم لطيف هذه الشكوى، وعلى قوله ~~(مسني الشيطان بنصب وعذاب) ما يناسب إفصاحه بهذه البلوى، فقيل بناء على ~~الأول: (فكشفنا ما به من ضر) (الأنبياء: 84)، وقيل بناء على الثانية: (اركض ~~برجلك) (ص: 42)، لما وقع ذكر الشيطان، وأنه السبب في ذلك الامتحان، جووب ~~باستعمال سبب فقيل له: اركض برجلك واغتسل وذلك يذهب عنك ما مسك به الشيطان، ~~وحين لم يذكر، عليه السلام، واسطة جووب برفع ما به بغير واسطة سبب، فقيل ~~جوابا لقوله: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) (الأنبياء: 84)، وبني على ~~الأول قوله: (رحمة # # PageV02P350 # من عندنا) لتمكن (عند) فيما قصد، وعلى الثاني: (رحمة منا) إذ ليس موقعها ~~موقع (من عندنا)، ثم قيل في الأولى: (وذكرى للعابدين) مناسبة لما تقدم، ~~وقيل في الثانية: (لأولي الألباب) مناسبة أيضا، إذ اعتبار أولي الألباب ~~يورثهم مقام العابدين، وهو أسنى مقام، وكل ذلك بعد مقامات عليه وأوال ~~جليلة، وقد جرى مع (كل) مقام ما يناسبه، ووضح أن كلا من هذه المبينات على ~~ما قبلها لا يناسبه غير ما بني عليه، والله أعلم. # وأما وجه خصوص الواقع في كل من السورتين بموضعه، فإن سورة الأنبياء لما ~~رود فيها من قصص الأنبياء المذكورين قبل ذكر أيوب، عليه السلام، إعلاء ~~مقاماتهم، ولم يرد في ذلك ما يخرج عن هذا، وذلك من لدن قوله تعالى: (ولقد ~~آتينا إبراهيم رشده) (الأنبياء: 51) إلى قوله: (وكنا لهم حافظين) ~~(الأنبياء: 82)، ناسب ذلك من قصة أيوب، عليه السلام، ما يلائم هذا الغرض، ~~فلما ورد في ص ما بني عليه قوله تعالى: (وظن داوود أنما فتناه) (ص: 24) إلى ~~قوله: (فغفرنا له ذلك ... ) (ص: 25) وما بني عليه (قوله): (ولقد فتنا ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا) ms394 (ص: 34) ظغلى قوله: (قال رب اغفر لي) (ص: ~~35)، ناسب ذلك أيضا ما أعقبت به من قصة أيوب، عليهم السلام، فتأمل الوارد ~~من قصص داود وسليمان في قوله في الأنبياء: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث) (الأنبياء: 78) إلى قوله: (فهل أنتم شاكرون) (الأنبياء: 80)، ~~والوارد من قصصهما في سورة ص، واعتبر ذلك، فإن الفرق في ذلك بين، وقد تنزل ~~على كل من هذه القصص في السورتين ما يناسبهما من قصص أيوب، وإذا استوضحت ~~ذلك علمت أن كلا منهما لا يناسبهما من قصص أيوب، وإذا استوضحت ذلك علمت أن ~~كلا منهما لا يناسبه غير موضعه، ثم إن كلا من الآيتين في السورتين قد جرى ~~على ما اتصل به مما تقدمه وتأخر عنه من فواصل الآي ومقاطعها، فلو وردت على ~~العكس لما ناسب آية منها ما اتصل بها، فحصل التناسب في اللفظ والمعنى على ~~أوضح شيء، وأنه لا يمكن عكس الوارد على ما قد تمهد بوجه، والله أعلم بما ~~أراد. ### | الآية السابعة # من سورة الأنبياء قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا) ~~(الأنبياء: 91)، وفي سورة التحريم: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا) (التحريم: 12)، فيسأل عن وجه الاختلاف في الضميرين مع ~~اتحاد المعنى المقصود من الواقع به الثناء وإن اختلف الحامل على ذكر قصتها ~~في الموضعين؟ وعن وجه اختصاص كل واحد من الموضعين بالوارد (فيه)؟ # والجواب عن الأول، والله أعلم: بعد تسلمي اتحاد المعنى الواقع به البناء، ~~إن الضمير في الأولى عائد إلى ما أشير إليه بالموصول الذي هو التي، وهي ~~مريم ابنة عمران # # PageV02P351 # المفتتح باسمها في آية التحريم، أعيد الضمير هنا إليها من حيث إن ذلك ~~تخصيص وتكريم جليل وآية باهرة، وقد قصد ههنا تشريفها وتشريف ابنها، عليه ~~السلام، بالذكر في قوله: (وجعلناها وابنها آية) (الأنبياء: 91)، ولم يقع في ~~آية التحريم ذكر ابنها، فلما اتسع المقصود هنا بذكر من لم يذكر هناك، وقصد ~~من التشريف ما هو أكثر، ناسبه التوسعة في عودة الضمير، فأعيد إلى الذات ~~المطهرة (بجملتها، ms395 فقيل): (فرجها فنفخنا فيها من روحنا)، وأفهم ذلك ما ~~أفهمه الضمير الخاص بمحل النفخ من غير إشكال، وقيل في آية التحريم: (فيه) ~~لعوده إلى الموضع المخصوص على ما يجب، لم يقصد هنا من توسع المدح ما قصد في ~~الأولى، وإنما قصد بآية التحريم تخصيصها في ذاتها بعظيم إيمانها، وتصديقها، ~~وإثباتها في القانتين، وتشبيه حالها في سابق سعادتها بالمذكورة قبلها، ~~واجتماعهما في ضرب المثل بهما للمؤمنين، فالحامل على ذكرها هنا غير الحامل ~~في سورة الأنبياء مع اتحاد الوصف الواقع به التمدح، مع تناظر الألفاظ ~~(وتشاكلها)، وهي قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنها) (الأنبياء: 91)، فاجتمع في هذا الموضع ما قصد من مدحها ~~ومدح ابنها، عليه السلام، مع مضارعة الألفاظ وتشاكلها، فجاء كل على ما ثبت ~~فيه، ولم يقصد في التحريم غير ذكرها بالحال التي ناسبتها فيها امرأة فرعون، ~~ولم يوسع الكلام بذكر ابنها، عليه السلام، كما ذكر في الأخرى، ولا هنا ~~داعية تشاكل كما هناك، فلهذا ورد الضمير على ما ورد من الخصوص فقيل: (فيه). # والجواب، عن وجه اختصاص كل واحد من الموضعين بالوارد فيه: أن آية ~~الأنبياء ورت منسوقة على آيات تضمنت ذكر جملة من الرسل، موصوفين بخصائص ~~عليه وآيات نبوية، أولهم إبراهيم، عليه السلام، ثم ابنه إساحاق ثم ابنه ~~يعقوب ثم نوح ولوط وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو ~~النون وزكرياء، فلما ذكر هؤلاء العلية، عليهم السلام، بخصائص ومنح ناسب ذلك ~~ذكر مريم وابنها بما منحا عليهما السلام. وأما آية التحريم فمقصود فيها ذكر ~~عظيمتين جليلتين يبين بهما حكم سبقية القدر بالإيمان والكفر، وهما قضية ~~امرأتي نوح ولوط، وإن انضواءهما إلى هذين النبيين الكريمين، عليهما السلام، ~~انضواء الزوجية التي لا أقرب منها، ومع ذلك لم يغنيا عنهما من الله شيئا، ~~وقصة امرأة فرعون وقد انضوت إلى أكفر كافر، فلم يضرها كفره، ثم ذكرت مريم، ~~عليها السلام، للالتقاء في الاختصاص وسبقية السعادة، ولم يدع داع إلى ذكر ~~ابنها فلا وجه لذكره هنا، وأما آيةالأنبياء ms396 فلذكره هناك أوضح حامل، فجاء كل ~~على ما يجب، ولا يمكن فيه عكس الوارد، والله أعلم. # # PageV02P352 ### | الآية الثامنة # من سورة الأنبياء قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ~~* وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) (الأنبياء: 92 - 93)، وفي سورة ~~المؤمنون: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم ~~بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) (المؤمنون: 52 - 53)، للسائل أن يسأل ~~عن قوله في الأولى: (فاعبدون) وفي الثانية: (فاتقون)؟ وفي الأولى: ~~(وتقطعوا) وفي الثانية (فتقطعوا)؟ وفيها أيضا: (زبرا) ولم يرد في الأولى؟ ~~وأتبعت الأولى بقوله: (كل إلينا راجعون) والثانية بقوله: (كل حزب بما لديهم ~~فرحون)؟ فهذه أربعة مواضع مما يسأل عنها؟ # فأقول تمهيدا للجواب: الأمة هنا الملة، وقوله: (إن هذه) إشارة إلى ملة ~~الإسلام، قال الزمخشري: أي ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ~~لا تنحرفون عنها، ملة واحدة وغير مختلفة، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون، ~~والخطاب للناس كافة، قال: والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على ~~طريقة الالتفات، كأنه ينفي عنهم ما أسمدوه، ويقبح عندهم فعله، ويقول لهم: ~~ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، قال والمعنى جعلوا أمر ~~دينهم فيما بينهم قطعا كما تتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه فيصير لهذا نصيب ~~ولذالك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى، ثم توعدهم ~~بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو يحاسبهم ويجازيهم، هذا معنى ~~كلامه. # ونرجع إلى الجواب (فنقول: الجواب) عن الأول أن سورة الأنبياء لم يرد فيها ~~ذكر لفظ التقوى في أمر ولا خبر من أولها إلى آخرها، وورد الأمر بالعبادة في ~~قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون) (الأنبياء: 25). وأما سورة المؤمنون فتكرر فيها ذكر التقوى في ~~ثلاثة مواضع، أولها - قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) (المؤمنون: 23)، وفي ما بعد ~~الآية المتكلم فيها (قل أفلا تتقون) ms397 (المؤمنون: 87)، فروعي في الأولى ما ~~تقدمها، ونوسب بالثانية ما اكتنفها، وأيضا فإن العبادة مأمور بها ليحصل ~~الاتقاء، فهي مقدمة في الطلب لتحصيل ما يتسبب عنها إذا كانت الإجابة، وعلى ~~ذلك ورد دعاء الخلق، قال تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة: 21)، وفي سورة المؤمنون المذكورة: ~~(ولقد أرسلنا نوحا # # PageV02P353 # إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) ~~(المؤمنون: 23)، فالاتصاف بالتقوى ثان عن الاتصاف بالعبادة، فقيل في ~~الأنبياء: (فاعبدون) وفي سورة المؤمنون: (فاتقون)، وكلاهما ذكر على مقتضى ~~الترتيب، وأيضا فإنا إذا اعتبرنا ما قدم من قصص الرسل في السورتين وجدنا ~~الوارد في سورة الأنبياء مقصورا على ذكر منحهم وتخليصهم وتأييدهم من لدن ~~قوله تعالى في إبراهيم: (ولقد آتينا إبراهيم رشده) (الأنبياء: 51)، وقوله: ~~(وكانوا لنا عابدين) (الأنبياء: 73)، فتضمنت هذه الآي بضعة عشر نبيا، أولهم ~~إبراهيم وآخرهم من أعقب ذكره بالآية المذكورة، وقد اقتصر من قصصهم في هذه ~~الآي على ما يطلع المؤمنين على تكفله سبحانه بالمصطفين من عباده وما اختصهم ~~به، ولم يرد مع ذلك تكذيب قومهم لهم، ولا ما يرجع إلى هذا وكل هذا تأنيس ~~وذكر نعم وآلاء وألطاف يناسبها قوله: (فاعبدون) لكونه أمرا بالعبادة مجردا ~~عما في قوله: (فاتقون) من التخويف. # وأما الوارد في سورة طه فمتضمن الطرف الذي عدل عنه في سورة الأنبياء، وهو ~~ذكر جواب الأمم للرسل وقبيح تكذيبهم إياهم وشنيع ردهم وقبيح مقالهم كقول ~~قوم نوح، عليه السلام: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) ~~(المؤمنون: 24)، (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * إن هو إلا رجل به جنة) ~~(المؤمنون: 24 - 25)، ثم بالغوا في الاستهزاء بقولهم في إخبار الله تعالى ~~عنهم: (فتربصوا به حتى حين) (المؤمنون: 25)، وقول أهل القرون المذكورين بعد ~~قوم نوح لنبيهم: (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما ~~تشربون) (المؤمنون: 33)، وقوله: (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون) ~~(المؤمنون: 34) إلى قوله: (إن هو إلا رجل افترى على ms398 الله كذبا وما نحن له ~~بمؤمنين) (المؤمنون: 38)، وقوله تعالى لما تواتر ذكر إرسال الرسل وتكذيب ~~قومهم لهم فقال تعالى: (كل ما جاء أمة رسولها كذبوه) (المؤمنون: 44) إلى ~~قوله: (فبعدا لقوم لا يؤمنون) (المؤمنون: 44)، وقال تعالى مخبرا عن قوم ~~موسى: (فاستكبروا وكانوا قوما عالين) (المؤمنون: 46)، فناسب هذا التخويف ~~بقوله عقب هذا: (فاتقون)، كما ناسب ما تقدم في آية سورة الأنبياء قوله ~~تعالى: (فاعبدون)، ولم يكن ليناسب ورود واحدة منها موضع الأخرى، فجاء كل ~~على ما يجب، ولا يمكن خلافه. # والجواب عن السؤال الثاني، وهو الفرق بين قوله في سورة الأنبياء ~~(وتقطعوا)، وفي سورة المؤمنون (فتقطعوا) بفاء التعقيب: أنه ورد في آي ~~الأنبياء قبل هذه الآية تأنيسا لنبيا صلى الله عليه وسلم قوله: (وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) (الأنبياء: 7) # # PageV02P354 # وقوله: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7)، ثم قال: ~~(وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) (الأنبياء: 8) إلى ~~قوله: (ثم صدقناهم الوعد) (الأنبياء: 9)، فنبهوا على السؤال، ثم ذكر من قصص ~~الأنبياء أوضحه وأجلاه لمن اعتبر، وأورد ذلك إيراد التلطف بذكر تخليص أولئك ~~العيلة، عليهم السلام، وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون * وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه) ~~(الأنبياء: 25 - 26)، ونظير هذا قوله تعالى: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت ~~من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن) (الرعد: ~~30). فهذه الآي في قوة أن لو قيل: نحن نبين لهم وهم يكفرون، فهو سبحانه ~~يذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم أحوال الأمم مع الرسل مع مشاهدة الآيات ~~تأنيسا له صلى الله عليه وسلم وتذكيرا بالصبر على قومه، (فعلى) هذا المنهج ~~جرى الوارد من قوله: (وتقطعوا أمرهم) (الأنبياء: 93) أي نبهناهم على ~~السؤال، وأوضحنا (لهم) أمر من تقدمهم وعاقبة الاستجابة لمن تمسك بهدي ~~المذكورين، وهم مع ذلك على عنادهم وافتراقهم، وكأن الكلام وارد مورد التعجب ~~من أمرهم، ولم يشبه شدة الوعيد ليبقى رجاؤه، عليه السلام، في استجابتهم، ~~فلم ms399 يخل معنى الكلام مع الإخبار بتفرقهم عن بعض إبقاء تأنيس مناسبا لما ~~تقدمه، ولهذا لم يقع بعد الآية تسجيل بتصميم على الكفر ولا إمعان في طرف ~~التخويف الوارد في آية المؤمنون من قوله: (كل حزب بما لديهم فرحون) ~~(المؤمنون: 53) إلى قوله: (بل لا يشعرون) (المؤمنون: 56) كما في آية ~~الأنبياء آنفا. # أما قوله في المؤمنون: (فتقطعوا أمرهم بينهم) (المؤمنون: 53) فمنزل على ~~ما قبله منزلة قوله في سورة النحل: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله) (النحل: 36) إلى قوله: (ومنهم من حقت عليه الضلالة) (النحل: 36)، ~~وهذا وعيد شديد لمن حقت عليه كلمة العذاب ولم يجد عليه التذكار، فكان مجموع ~~هذه الآي في قوة أن لو قيل لهم: قد بين لكم، وأطلعتم على مآل من كذب، ~~وخوطبتم بما قيل للرسل: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) (المؤمنون: 51)، ~~وملة الكل ملة واحدة، ولم تؤمروا بما لا تطيقونه، فتقطعتم. إلا أن الكلام ~~صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كما جرى في سورة الأنبياء فقيل: ~~(فتقطعوا أمرهم) أي فتفرقوا وما أجدي عليهم القرآن شيئا، فهذه الآية أشد في ~~التخويف والترهيب من الأخرى، وكل يناسب ما قبله. ولو وردت إحداهما موضع ~~الأخرى لما ناسب، والله أعلم. # # PageV02P355 # والجواب عن السؤال الثالث: أن قوله في آية المؤمنون (زبرا) تأكيد ~~لافتراقهم، وانتصابه على الحال الواردة بيانا وتأكيدا لقبح تفرقهم وشنيع ~~مرتكبيهم، فناسب ذلك مقصود هذه الآية هنا من التخويف والإنذار، ولم يكن ~~ليناسب آية الأنبياء لبنائها على غير ما قصد هنا، لما تقدمها من تأنيس ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، وتعريفه بما منح سبحانه متقدمي الرسل، وما ~~أعقبهم صبرهم على أممهم، وهو، عليه السلام، قد قيل له: (أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده) (الأنعام: 90)، فقدم له، عليه السلام، في سورة ~~الأنبياء من قصصهم ما ثبت فؤاده، وصار جليل هذا التأنيس مما بنيت عليه ~~السورة، وعلى ذلك جرت سورة مريم وسورة طه على ما مهدته وبسطته في ترتيب هذه ~~السور الكريمة، فمن حيث الإشارة إلى ما ذكر لم يكن ليناسب ms400 ذلك تأكيد ~~افتراقهم وتشتتهم، ولما رجع الكلام للآية الثانية، بعد تثبيته، عليه ~~السلام، وتأنيسه، إلى التعريف بمرتكبات الأمم، وذكر ما استحقوا به ما ~~عوقبوا به، وإن كلا من المكذبين أخذ بذنبه، كان ذلك مظنة تأكيد المرتكب، ~~فقيل: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا) (المؤمنون: 53)، والله أعلم. # والجواب عن السؤال الرابع: أن تعقيب آية الأنبياء بقوله: (كل إلينا ~~راجعون) (الأنبياء: 93) وإن كان وعيدا وتهديدا فليس في شدة التهديد ومخوف ~~الوعيد كالواقع في سورة المؤمنون، يوضح ذلك ويبينه ما اتصل بكل من الآيتين ~~من قوله في آية الأنبياء: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) ~~(الأنبياء: 94)، فذكر عند وجوعهم إليه سبحانه جزاء من أجاب وأحسن، وطوى ~~الكلام عن الإفصاح بحكم الطرف الآخر من ذكر من أساء، فلم يجر لهم ذكر مفصح ~~به كما في الطرف الآخر، مع أن إجمال قوله تعالى: (كل إلينا راجعون) ~~(الأنبياء: 93) وما أعقب به من قوله: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) ~~(الأنبياء: 94) كقوله في آية المؤمنون: (فذرهم في غمرتهم حتى حين) ~~(المؤمنون: 54) وقوله: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون) (المؤمنون: 55 - 56) فقد وضح مناسبة المتبع به في كل ~~من الآيتين لما تقدمه، ولم يكن ليناسب عكس الوارد، والله أعلم. # # PageV02P356 ### | سورة الحج ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين ~~لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ~~ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ... ) (الحج: 5)، وفي سورة ~~المؤمن: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم ~~لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ~~ولعلكم تعقلون) (غافر: 67)، ففي الأولى: (ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ~~لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل ms401 مسمى) ولم يقع التعريف بهذه ~~الأحوال من الانتقال عن العلقة، وهو الدم المتعقد المتغير عن النظفة، وهو ~~هنا المني المنفصل يصير (هنا) دما جامدا، ثم يصير مضغة، والمضغة قطعة لحم ~~قدر ما يمضغ مثله، ثم قد يتم سبحانه خلق تلك النطفة وتخطيطها وتصويرها على ~~ما يشاء من هيئة وصورة ولونية كما قال تعالى: (هو الذي يصوركم في الأرحام ~~كيف يشاء) (آل عمران: 6)، وقد لا يتم، فينقص من خلقها ما يشاء من الأعضاء ~~والحواشي، وإلى هاتين الحالتين الإشارة، والله أعلم، بقوله: (مخلقة وغير ~~مخلقة)، أي تامة الخلق وغير تامة، فأشار تضعيف لفظ مخلقة إلى هذا فقيل ~~مخلقة وغير مخلقة، أما السقط المولود لغير التمام فحصل من مفهوم قوله تعالى ~~بعد: (ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى) (الحج: 5)، إذ مفهوم هذه - ~~والله أعلم - أن بعض ذلك لا يقره تعالى وهو السقط، هذا - والله أعلم - إلى ~~ما قدمنا، قوله: (إلى أجل مسمى) أي الأجل الذي يشاء تعالى إبراز الموجود ~~فيه وولادته، فهذه الانتقالات والأحوال قد اختصت بها هذه الآية، ولم ترد في ~~آية سورة المؤمن مع البادي في اتحاد المقصود في الموضوعين، فلسائل أن يسأل ~~عن وجه ما ورد في الآيتين؟ # والجواب، والله أعلم: أن آية سورة الحج مقصود فيها إقامة البرهان على ~~البعث الأخراوي وبسط الدلالات على كيفية وإرغام منكرية، ألا ترى أن هذه ~~الأحوال # # PageV02P357 # والانتقالات على ما وضح من التدريج لا تكون إلا من فاعل قادر مختار عليم ~~حكيم، وقد فسر مقصود هذه الآية وزاده إيضاحا قوله تعالى: (وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه ### | .... # ) (يس: 78)، وقال تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده ### | .... # ) (الأنبياء: 104)، ويزيد هذا المقصود أيضا بيانا تعقيب آية الحج بقوله: ~~(وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج) (الحج: 5)، فهذا إحياء بعد الموت، ثم قال تعالى: (ذلك بأن الله هو ~~الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير) (الحج: 6)، فتأمل هذا التعقيب ~~وافتتاح الآية بقوله: (إن كنتم في ريب من البعث) ms402 (الحج: 5)، واعتبر ما ~~انطوت عليه هذه الآي يلح لك ما تقدم من مقصودها. # أما آية سورة المؤمن فلم تتجرد لهذا الغرض وإن تضمنت ذلك بالإيجاز، وإنما ~~بناؤها على تذكير الخلق وتنبيههم على وحدانيته سبحانه وانفراده بالخلق ~~والأمر وتنزيهه عن الشركاء والأنداد ونفي ما عبد من دونه تعالى، وتأمل ما ~~تقدم من لدن قوله تعالى: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس) (غافر: ~~57) الآية المذكورة وما بعدها يبن لك ما قصد بهذه الآية، وإنما اختصت عن ~~آية سورة الحج بما ذكرنا، واختصت تلك بما تقدم، فلذلك زيد فيها من التفصيل ~~ما تقدم، ولم يكن العكس ليناسب، والله أعلم بما أراد. ### | الآية الثانية # قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق) (الحج: 22)، وفي سورة السجدة: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) (السجدة: 20)، هنا ~~سؤالان: الأول قوله في آية الحج: (منغم) ولم يرد ذلك في سورة السجدة؟ ~~والثاني ما أعقبت به كل من الآيتين؟ # الجواب عن الأول: أن زيادة قوله: (من غم) في الآية الأولى مناسب لما ورد ~~قبله وبعده من تفصيل الجزاء في الطرفين بعد ذكر الحالين من نعيم أو عذاب ~~لما قال تعالى: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم ~~الحميم) (الحج: 19) إلى قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد) (الحج: 21)، وقال ~~في الطرف الآخر: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ) (الحج: ~~23) إلى قوله: (ولباسهم فيها حرير) (الحج: 23)، ففصل حال هؤلاء، فناسب هذا ~~زيادة: (من غم)، ونظير هذا التفصيل قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) # # PageV02P358 # (النساء: 57) إلى قوله: (ظلا ظليلا) (النساء: 57)، والإطناب يناسب ~~الإطناب، ولما قال في سورة السجدة: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم ~~جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) ~~(السجدة: 19 - 20)، فلم يقع تفصيل في الطرفين، وأوجز الكلام ناسبة الإيجاز، ~~فلم يرد هنا قوله: (منغم)، ونظير هذا في ms403 إيجاز الجزاء قوله تعالى جزاء من ~~الطرفين: (فإن الجحيم هي المأوى) (النازعات: 41)، فلم يقع وصف الجزاء ولا ~~تفصيل هذه كآية السجدة من غير فرق، وللإطناب في التفصيل زيد في آية الحج ما ~~حذف للإيجاز في آية السجدة، وورد كل على ما يجب ويناسب، ولم يكن عكس الوارد ~~ليناسب على ما تمهد. # والجواب عن الثاني: أن آية السجدة لما قيل فيها: (وأما الذين فسقوا)، ~~والفسق الخروج، وقد يكون إلى معصية دون الكفر، ويكون إلى الكفر حين كذبوا ~~بالوعد والوعيد الاخراوي، فقيل لهم: (ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون) (السجدة: 20)، أما آية الحج فتقدم قبل ذكر الإفصاح بكفرهم في قوله: ~~(فالذين كفروا) (الحج: 19)، فلم يحتج إلى التعريف الوارد في سورة السجدة، ~~فجاء كل على ما يجب ويناسب، ونظير الواقع في آية السجدة وصف النار واتباعها ~~بصفة المعذب بها قوله تعالى في سورة سبأ: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ~~ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) (سبأ: ~~42)، لما تنزل عذابهم على الظلم، والظلم يقع على الكفر وعلى ما دونه، فاتبع ~~الوعيد بما يبين أن المراد ظلم التكذيب والكفر لا ظلم معصية دون الكفر، كما ~~بين في سورة السجدة أن المراد بالفسق الكفر لا فسق معصية دونه، فوضح ما ~~قلته. والحمد لله. # فأما ما وقع في هاتين الآيتين من التذكير والتأنيث في الموصول والضمير في ~~قوله: (الذي كنتم به تكذبون) (السجدة: 20)، وقوله في الآية الأخرى: (التي ~~كنتم بها تكذبون) (سبأ: 42)، مع التساوي فيما جرى عليه الوصف، فإن ذلك ~~لرجوع الوصف في آية السجدة إلى العذاب وهو مذكر، ورجوعه في آية سبأ إلى ~~النار وهي مؤنثة، ويذكر وجه التخصيص في سورة سجدة لقمان إن شاء الله تعالى. ### | الآية الثالثة # - قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) (الحج: 45)، وقال ~~تعالى بعد هذا: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة) (الحج: 48)، يسأل عن ~~الفرق الموجب لاختلاف الواقع في الآيتين؟ # # PageV02P359 # والجواب: أن الآية الأولى تنزلت على ما ذكر قبلها ممن ms404 أهلك من القرون ~~والأمم السالفة بتكذيبهم للرسل، ممن قال فيهم بعد تفصيل ذكرهم: (وأصحاب ~~مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم) (الحج: 44)، وأما الآية الثانية ~~فوقع قبلها ذكر اسنعجالهم العذاب تكذيبا واستبعادا في قوله: (ويستعجلونك ~~بالعذاب) (الحج: 47)، فعرفوا بأن تأخيره عنهم إملاء للمكذبين به: (إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما) (آل عمران: 178)، وقيل في حالهم في التكذيب ~~واستبعاد وقوع العذاب، قد جرى لمن قبلهم من المكذبين ثم جاءهم ما كذبوا به ~~وحل بهم ما استبعدوه فقال تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها) (الحج: 48)، فاستعجالهم العذاب أوجب تعريفهم بحال غيرهم ممن ناسب ~~حالهم لعلهم يتذكرون، يزيد ذلك بيانا قوله: (وإلي المصير) (الحج: 48)، وكأن ~~الكلام في قوة أن لو قيل لهم: إنما يعجل من يخاف الفوت، أما إذا كان مرجع ~~الكل ومصيرهم إليه فيأخذ المكذب متى شاء، وإن أخره فإملاه لزيادة محنه، ~~فوضح ما بين الآيتين، وأنه لا يمكن على ما تمهد وقوع واحدة منهما في موضع ~~الأخرى، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة الحج قوله تعالى: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) (الحج: ~~47)، وفي سورة السجدة: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) (السجدة: 5)، وفي سورة المعارج: (تعرج ~~الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (المعارج: 4)، يسأل ~~عن وجه الفرق؟ وما معنى تقدير اليوم بما ذكر تعالى؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن المراد تبيين أفعال سبحانه، وأنه لا تكلف ~~فيها ولا معالجة: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس: 82)، ~~فكأن قد قيل لهم: إذا شاء هذابكم كان، فإنه سبحانه المتعالي عن التعاون ~~والمعالجة والافتقار، فإذا قدر الشيء وأراد إنفاذه كان وتحصل في الوقت ~~الوجيز القريب، منه ما تصدرون حصوله ومعالجة وقوعه في ألف سنة من أيامكم أو ~~ما تقدرون تهيئة ونفوذه بألف سنة من أيامكم على مألوفكم، وإذا أراد سبحانه ~~وقوع ذلك كان (عن أمره كن) أعجل من كل ms405 عاجل، إذ ليست أفعاله كأفعال خلقه ~~التي يحتاجون فيها إلى العون والعلاج والآلات، تعالى الله عن شبه خلقه، فلم ~~يستعجلون ما لا تكلف في وقوعه وحلوله؟ فإنما يمنع من استعجاله ربطه بأجل، ~~إذا بلغ الأجل كان وقوعه، وهو يوم القيامة، وهو الأجل المسمى، ومن شاء ~~تعجيل عذابه في دنياه أو ما شاء من امتحانه حل به إذا آن وقته، وتوقفه عمن ~~قدره عليه إملاء وزيادة في امتحانه، (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها) (الحج: # # PageV02P360 # 48)، (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (الأعراف: 34)، ~~وعلى هذا قوله: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ### | .... # ) (السجدة: 5)، المراد أن بعد هذه المسافة لا تحول دون استعجال نفوذه ~~تدبيره وإمضاء مقاديره، وأنه سبحانه ليديرها ثم ترجع إليه في وقت لو وكل ~~ذلك إليكم وكان من مقدوراتكم لفعلتموه في ألف سنة على نحو ما تقدم في الآية ~~الأخرى. # وأما آية المعارج فالمراد باليوم المذكور فيها يوم القيامة، الواقع فيها ~~حساب الخلائق، ووزن أعمالهم، وفصل ما بينهم، إلى استقرار أهل الجنة في ~~الجنة وأهل النار في النار، ففيه من الأعمال المتعلقة بالخلق ما يتقدر ~~وقوعه وتخلصه من أيام الدنيا على متعارفها، مع عظيم أهواله وشدة كروبه، ~~وأيام الأهوال والشدائد توصف بالطول لعظيم أهوالها، مع ما يقتضي فيه. مقدر ~~من أيامنا بخمسين ألف سنه، وهو على مؤمن التقي كصلاة صلاها، قال تعالى: ~~(فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير) ~~(المدثر: 8 - 10)، ويدل على أن المراد به يوم القيامة ما ذكره الله سبحانه ~~عقب تقديره من وصفه بقوله: (يوم تكون السماء كالمهل) (المعارج: 8) إلى ~~قوله: (ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه) (المعارج: 14). ### | الآية الخامسة # من سورة الحج قوله تعالى: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق ~~كريم) (الحج: 50)، وبعد هذه الآية قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم) (الحج: 56)، يسأل عن وجه ~~الاختلاف فيما ذكر من الجزاء مع اتفاق وصفهم بالإيمان ms406 وعمل الصالحات؟ # والجواب عنه أن الآية الأولى إخبار لهم عند دعائهم قبل: أن ((آمنوا))، ~~ألا ترى أن قبله أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما يقول لهعم ~~في قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) (الحج: 49)، ثم ~~أخبرهم بمآلهم إن آمنوا من غفران ما تقدم لهم من أعمال المخالفات ~~والمجترخحات، والرزق الكريم، ولما ذكر في الآية الأولى حالهم في الدار ~~الأخرى بعد انصرام الدنيا، وحصول اتصافهم بالإيمان وأعمال الطاعات، أخبروا ~~فيها بالحاصل من المغفرة، وبين لهم الرزق الكريم وأنه نعيم الجنة والخلود ~~الأبدي فيها، فالآية الأولى تضمنت وعدهم إن آمنوا، وذلك عند دعائهم إلى ~~الإيمان، ويزيدك في ذلك بيانا نداؤهم في دعائهم إلى الاستجابة بقوله: (يا ~~أيها الناس) (الحج: 49)، ولو كانوا قد حصل لهم الإيمان لوسموا بذلك في ~~خطابهم، فكأن يقال: يا أيها # # PageV02P361 # الذين آمنوا، فإنما دعوا بما به (يدعى) من لم يحصل له الإيمان ولا اتصف ~~به، وبشروا إن آمنوا، ثم أخبروا ثانيا بالحاصل لهم بيانا لمضمن البشارة ~~الأولى وإخبارا لهم بغاية الجزاء، فالآية الثانية بيان وتفصيل لما أجمل في ~~الآولى، مرتب عليه وآت بعده بما يجب فيما يأتي فيه الإجمال والتفصيل، ~~فكأنهم قالوا: ما الرزق الكريم؟ فقيل لهم: جنات النعيم، فورد كل من الآيتين ~~على ما يجب ويناسب، ولا يلائم ما ورد من الجزاء في الآية الثانية - على ~~تمهيد - ما وقع دعاء أو خطابا في الأولى، ولا ما بني على الآية الأولى أن ~~وقع إخبارا في الثانية، بل ورد كل على ما يجب، والله أعلم. ### | الآية السادسة # من سورة الحج قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل) (الحج: 62)، وفي سورة لقمان: (وأن ما يدعون من دونه الباطل) ~~(لقمان: 30)، للسائل أن يسأل عن التأكيد بزيادة ((هو)) في سورة الحج وسقوطه ~~من سورة لقمان؟ # ووجه ذلك، والله أعلم: أن سورة الحج ورد فيها ما يستدعي هذا التأكيد ~~بالضمير المنفصل ويناسبه، وهو تكرر الإشارة إلى آلهتهم والإفصاح بذكرهم ms407 ~~تعريفا بوهن مرتكبهم وشنيع حالهم، وأوضح هذا المتكرر وأشده ملاءمة الإتيان ~~بهذا الضمير المعد فصلا أو مبتدأ قوله تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (الحج: 31)، وقوله في ~~آخر السورة: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) (الحج: 73)، فهذه الآية والتي ~~ذكرنا قبلها أنسب شيء لقوله: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه ~~هو الباطل) (الحج: 62)، فورد قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) الآية ~~بناء على قوله: (ومن يشرك بالله)، وتمهيدا وتوظئه لما وبخوا به بعدها ~~وقرعوا مما لا يجدون عليه جوابا من قوله: (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) (الحج: 73) إلى قوله: (ما قدروا ~~الله حق قدره) (الحج: 74). (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل) (الحج62)، فتأمل عظيم هذه المناسبة والتئام هذه الآية العظيمة، ولو ~~لم تتقدم الآية المتقدمة من قوله: (ومن يشرك بالله) (الحج: 31) الآية لكانت ~~الأخيرة وهي قوله: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا) (الج: 73) ~~والتقديم والتأخير مما يرتكبه العرب كثيرا، ويوجد في فصيح كلامهم، ومن نحو ~~هذه الآية التي بنينا مفهومها على تقدير التقديم والتأخير قوله تعالى في ~~سورة البقرة: (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها) (البقرة: # # PageV02P362 # 72)، فتأخر هذا في الترتيب والتلاوة عن قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه ~~إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) (البقرة: 67). وفعلهم متقدم من جهة معناه ~~لأنهم إنما أمروا بذبح البقرة عند تشاجرهم في أمر القتيل المشار إليه، ~~فالآيتان في قوة أن لو قيل: وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها فأمرتم بذبح ~~البقرة فأوضح لكم ذلك حكم القتيل، فعلى هذا كانت تكون آية سورة الحج لو لم ~~يرد قوله أولا: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ### | .... # ) الآية، فكان ترتيب الآية على قصور أفهامنا وما عليه ترتيب الكتاب ~~العزيز أعلى ms408 نظما وأجل، ولكن أفهامنا قاصرة: (يا أيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا ~~الله حق قدره) (الحج: 73 - 74) (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه ~~هو الباطل) (الحج: 62)، فقدم وأخر لعامل أيضا على التقديم والتأخير لسنا ~~الآن له، فهذه كأية البقرة سواء، ولما لم يقع في سورة لقمان مثل هذا لم يرد ~~فيها التأكيد، وذلك أبين شيء وأنسبه، وإعراب هذا الضمير مبتدأ أو فصلا، ~~وثمرته التأكيد لما ذكر، والله أعلم. ### | الآية السابعة # من سورة الحج: (قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله ~~لهو الغني الحميد) (الحج: 64)، وفي سورة لقمان: (لله ما في السماوات والأرض ~~إن الله هو الغني الحميد) (لقمان: 26)، للسائل أن يسأل عن زيادة (ما) في ~~قوله في الآية الأولى: (وما في الأرض)؟ وزيادة لام الابتداء المؤكد في ~~الجملة التي هي خبر إن وسقوط الحرفين في آية لقمان؟ # والجواب: أن الزيادتين معا للتأكيد، لا تدخل اللام الخبر لغير ذلك، ~~وتكرار الموصول أيضا لذلك فدخلتا في آية الحج لما قدرت الآية قبلها من ~~السورة من بنائها على مقصود التأكيد فجواب هذين السؤالين حاصل مما تقدم. ~~والله أعلم. # ****** # # PageV02P363 ### | سورة المؤمنون ### | الآية الأولى # منها قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) ~~والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~(6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (المؤمنون: 1 - 11)، وفي سورة المعارج: (إن ~~الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) ~~إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق ~~معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم ~~من عذاب ms409 ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم ~~حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~(32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) ~~أولئك في جنات مكرمون) (المعارج: 19 - 35)، للسائل أن يسأل عما اختلف في ~~هاتين السورتين من هذه الأوصاف بالتكرار فيهما والزيادة مع اتحاد مرماهما ~~من ذكر حلي المؤمنون وأوصافهم التي بها نجاتهم بتوفيق الله إياهم؟ ففي ~~الأولى: ذكر الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، والتنصيص على الزكاة، ~~ولم يرد إفصاح بهذه الخصال الثلاث في سورة المعارج، وفي سورة المعارج ~~المداومة على الصلاة، وتعيين ذوي الحق في المال بأنهم السائل والمحروم، ~~وذكر التصديق بيوم الدين، والدين الجواء، وذكر الإشفاق من عذاب ربهم وأنه ~~غير مأمون، وذكر القيام بالشهادة، ولم يقع إفصاح بهذه الخصال الخمس من سورة ~~المؤمنون، وتوارد على الاتفاق في السورتين التساوي على حفظ الفروج، وذكر ~~الأمانة، والعهد والمحافظة على الصلاة، أربعتها، فهذه ثلاثة سؤالات: أحدها ~~التكرر والاتفاق؟ والثاني وجه ما اختصت به سورة المؤمنون؟ والثالث (وجه) ما ~~اختصت به سورة المعارج؟ # والجواب عن الأول: أن حفظ الفروج أحد الأصول الخمسة التي اتفقت فيها # # PageV02P364 # الشرائع، ولم يخالف فيها أحد من العقلاء، وهي: حفظ النفوس، والأموال، ~~والفروج، والعقول، والأعراض. # وأما الأمانة فلا يتم حفظ هذه الخصال إلا بها، فهي الأصل لتلك الأصول، ~~والضابط لجميع التكاليف، وزمام الأديان، وفي الحديث: (الدين الأمانة ولا ~~دين لمن لا أمانة له)، وهي التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبت عن ~~حملها، وهي بالجملة ملاك الددين. # وأما الوفاء بالعهد فلاحق بالأمانة في نصاب التأكيد، قال تعالى: (وأوفوا ~~بالعهد) (الإسراء: 34)، وتكرر الأمر بذلك لعظيم قدر الأمانة و (العهد). # وأما المحافظة على الصلوات، رعيا لأوقاتها، وكيفية أدائها، وما تنظوي ~~عليه من جميع مطلوباتها ومتعلقاتها، وما تستلزمه وتستتعبه حتى تكون ناهية ~~عن الفحشاء والمنكر، فذلك كل الدين، والمعبر به عن أخص صفات الناجين في ~~قوله تعالى إخبارا عن ms410 جواب الهالكين: (قالوا لم نك من المصلين) (المدثر: ~~43)، فموقع هذه الخصال الأربع وضمها لما سواها من المطالب الإيمانية، ~~واشتمالها على جميعها، أوجب تعيينها بالذكر، ولم يكن ليحصل من ذكر غيرها ما ~~حصل من التنصيص عليها فتكررت في السورتين، ونص فيهما عليها لأنها أمهات لما ~~سواها. # فإن قلت: فإن الزكاة شقيقة الصلاة في التأكيد لأنها أم العبادات المالية، ~~ولهذا قاتل أبو بكر مانعيها ورجع الصحابة، رضي الله عنهم، إلى قوله، وقل ما ~~يرد الأمر بالصلاة في كتاب الله إلا مقرونا به الأمر بالزكاة، قال تعالى: ~~(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (التوبة: 5)، وهذا ~~هو الذي تهدي إليه الصديق، رضي الله عنه، غير متذكر في الوقت والله أعلم ~~للآية، وإذا وضح ذلك فللقائل أن يقول: فلم لم تذكر مع أنها من الأمهات؟ ~~والجواب عن هذا - والله أعلم - أن وصف الحق بمعلوم في قوله: (والذين في ~~أموالهم حق معلوم) جار مجرى الإفصاح بذكر الزكاة، إذ لا مطلوب معلوما مقدرا ~~في المال إلا الزكاة، فقام الوصف مقام الإفصاح بذكرها. # والجواب عن السؤال الثاني، وهو وجه ما خصت به آية المؤمنون، وهو أنه ~~افتتحها تعالى بقوله: (قد أفلح المؤمنون)، والمفلح الظافر ببغيته، ابتداء ~~من أوصاف المفلحين بأجل خصالهم، وهو خشوعهم في صلاتهم المنبئ بعظيم خوفهم ~~الذي لا يمكن معه # # PageV02P365 # تفريط ولا فتور في العبادة، ثم قال: (والذين هم عن اللغو معرضون)، ومن ~~أعرض عن اللغو سلم من كل ما يشين دينه، وحصل من هذا وما قبله ترك ~~الممخالفات جملة، ثم قال: (والذين هم للزكاة فاعلون) (المؤمنون: 4)، وهذه ~~أخت الصلاة، قال تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم) (التوبة: 5)، وقال بعد: (فإخوانكم في الدين) (التوبة: 11)، وقد حصل ~~بحصول هذه الخصائص ما به وصف المتقون في قوله: (يؤمنون بالغيب) إلى قوله: ~~(وأولئك هم المفلحون) (البقرة: 5)، فوضح منه أن هذه أخص صفات من أفلح وفاز ~~برضى الله سبحانه، فهذا ما أوجب تخصيص هذه السورة بالإفصاح بهذه الأوصاف ~~الثلاثة. # وأما ما خصت به سورة المعارج ms411 - وهو الجواب الثالث - إنه سبحانه لما وصف ~~الإنسان بقوله: (إن الإنسان خلق هلوعا) (المعارج: 19)، والهلوع الفزع ~~الشديد يقال هلع بكسر ثانية فهو هلع وهلوع، ثم ذكر سبحانه ما يثمره للإنسان ~~هلعه فقال: (إذا مسه الشر جزوعا) (المعارج: 20)، والجزع ضد الصبر، (وإذا ~~مسه الخير منوعا) (المعارج: 21) والمنع ضد الإعطاء وكلا الوصفين من الجزع ~~والمنع مذموم، مأمور شرعا بضدهما من الصبر والإيثار، وقد أثنى سبحانه على ~~الصابرين والمؤثرين، فالهلع من أرذل صفات الإنسان، فذكر تعالى صفات من سلم ~~منه، وأنهم المداومون على صلاتهم، لأن المداومة على الصلاة عنوان على تلقي ~~الأوامر بالقبول والامتثال، ولا يكون ذلك إلا عن يقين صادق، وقد قال تعالى: ~~(وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك) (طه: 132)، ومن ~~تيقن أن خالقه تكفل له برزقه أجمل في الطلب، وذهب عنه الجزع، ومن علم الحق ~~في ماله من زكاة مفروضة أو صدقة مندوب إليها لم يكن منوعا للخير، فإذا اتصف ~~بما ذكر، وكان ذلك عن تصديق يقيني بيوم حسابه، وإشفاق من عذاب ربه وعقابه، ~~ولم يأمن المكر (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (الأعراف: 99)، فمن ~~كان هكذا فليس بهلوع، فلهذا استثنى من اتصف بهذه الصفات الجليلة عن مسببات ~~الهلع من المنع والجزع، فلهذا وجه تخصيص هذه السورة بالإفصاح بما خصت به من ~~هذه الأوصاف مفحصا به. # وإنما قلت: مفصحا به لأن ما ذكر في هذه السورة مما لم يقع به إفصاح في ~~سورة المؤمنون داخل تحت ما ذكر هناك، كما أن ما أفصح به هناك داخل تحت ما ~~ذكر مفصحا به هنا. ألا ترى أن أفعال المكلفين من الأحكام الخمسة وهي: ~~الواجب والمحظور والمندوب والككروه والمباح، كل ذلك داخل تحت ضابط الأمانة ~~والوفاء بالعهد، ومن # # PageV02P366 # أوفى بما عهد عليه الله في أمانة فقد أتى ووفي بجميع التكاليف الشرعية ~~أخذا وتركا، وكذا الصلاة الموصوفة تماما وخشوعا بأنها ناهية عن الفحشاء ~~والمنكر، إلا أن الإفصاح والتنصيص النطقي حكم، عليه بنينا ما تقدم، فقد ~~وةضحت النسبة فيما خصت به ms412 كل واحدة من السورتين، ووجه ما اتفقنا في وروده ~~مفصحا به، والله سبحانه أعلم. # وأما الشهادة فداخلة تحت الأمانة، ووجه تخصيص هذه السورة بالإفصاح بها ~~أنها الثانية في الترتيب الثابت، فاستوفت وأكدت ما أشير إليه في الأخرى، ~~والله أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة المؤمنون قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام: (فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) (المؤمنون: 24)، ~~وفي القصة الثانية بعد: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء ~~الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم) (المؤمنون: 33)، ~~في هاتين الآيتين سؤالان، الأول: لم قدم المجرور في القصة الثانية على ~~الصفة فقيل: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا) (المؤمنون: 33) ولم يؤخر ~~عنها كما ورد في قصة نوح مع الاتفاق في وصف الملأ في القصتين بالكفر؟ ~~والسؤال الثاني: وجه زيادة ما عطف على الوصف بالكفر في القصة الثانية من ~~قوله: (وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا) (المؤمنون: 33) مع ~~استحقاقهم العذاب بمجرد كفرهم، فما ثمرة الزيادة عليه؟ # والجواب عن الأول: أن المجرور الذي هو: (من قومه) رافع إمكان أن يكون ~~القائلون غيرهم. ويليه في الحاجة إلى ذكره وسمهم بالكف، لأنه سبب أخذهم ~~وهلاكهم، إلا أنه لما كان قد يفهمه سياق الكلام لم يلزم الإفصاح (به) في كل ~~موضع وإن أفصح به هنا، ألا ترى أنه لم يرد في قصة نوح، عليه السلام، من ~~سورة الأعراف، أما الإفصاح بالمجرور فالإفصاح به أو بضمير يقوم مقامة ضروري ~~لابد منه ليحصل منه تخصيص اعتناء برفع المفهوم ورفع احتماله جملة يقدم في ~~فصيح الكلام وإن كان فضلة ومنه: # لتقربن قربا جلزيا ما دام فيهن فصيل حيا # أي ما دام في هذه النوق، فرفع بتقديم المجرور احتمال أن يكون المراد ما ~~دام في الوجود، وقد تقدم مصل هذا، فكما يقدم على الخبر فكذلك يقم على الصفة ~~للحاجة إليه. # فإن قلت: لا فرق بين هذه القصة وقصة نوح قبلها في الحاجة إلى هذا المجرور ~~أو ms413 ما يقوم مقامه فلم لم يقدم هناك؟ قلت: لم يرد هناك غير صفة واحدة جعلت ~~مع # # PageV02P367 # موصوفها كشيء واحد وإن كان الوصف بموصول، والموصول يطول بصلته، إلا أن ~~طوله بصلته لا يزيله عن تقديره باسم واحد، فمن حيث جعلت الصفة مع موصوفها ~~كشيء واحد للحاجة إليها، وكونها مفردة، قرنت بموصوفها وتأخر المجرور، فقال ~~تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه) (المؤمنون: 24)، وحيث لم يقع ~~الاكتفاء بصفة واحدة وزيد عليها، ولا يمكن جعل صفتين فما زاد مع موصوفها ~~كشيء واحد، قدم المجرور، فقال تعالى: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا ~~وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا) (المؤمنون: 33)، فوقع ~~المجرور في كل من الآيتين على ما يجب، وعطفت الصفات بعضها على بعض لورودها ~~غير صفة. # والجواب عن السؤال الثاني: أن وجه الزيادة على الوصف بالكفر في قوله ~~تعالى: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في ~~الحياة الدنيا) (المؤمنون: 33)، (أنها) منبئة بأن المذكورين في القصة ~~الثانية ليسوا في شمول الكفر إياهم واستيلائه على معظمهم كقوم نوح، عليه ~~السلام، بل الإيمان في هؤلاء أفشى وأكثر، قال تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا ~~هودا والذين آمنوا معه برحمة منا) (هود: 58)، ولم يقع هنا وصف من آمن من ~~قوم هود بقلة ولا بكثرة، فبقى الاحتمال في الطرفين على حد سواء، إلا أنه ~~ورد في وصف الملأ المكذبين من قوم هو في هذه السورة، ممن أفصح بالرد ~~والتكذيب وصد الناس عن اتباعه، ما يشعر بأنهم ليسوا أكثر قومه، وذلك لما ~~وصفهم به بعد الكفر من التكذيب والإتراف وهو التععم والترفيه، والعقل شاهد ~~أن المترفين ليسوا جميعهم، أما الكفر فلا يبعد اتصاف أمة بأسرها به، ويبعد ~~اتصاف جميعهم بالامتداد في التنعم والترفه، بل ذلك يمتنع به أن يتصف به ~~الأكثر، فأشعر وصفهم بما ذكر بعد كفرهم بكثرة ما ذكر فيمن عداهم بخلاف ~~الحال في قوم نوح، وأشعر أيضا بامتدادهم وتمكنهم في دنياهم أكثر من غيرهم، ~~قال تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ms414 ذات العماد (7) التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد) (الفجر: 6 - 8)، فأشعرت زيادة الوصف بتوسع الحال وامتداد ~~الآماد، فلم يكن بد من وصفهم بما ذكر. ### | الآية الثالثة # من سورة المؤمنون - قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء ~~فبعدا للقوم الظالمين) (المؤمنون: 41)، ثم قال تعالى عند ذكر القرون: ~~(فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون) (المؤمنون: ~~44)، فقال في الأولى: (فبعدا للقوم الظالمين) (المؤمنون: 41)، ثم قال في ~~الثانية: (فبعدا لقوم لا يؤمنون) (المؤمنون: 44)، للسائل أن يسأل عن الفرق؟ # # PageV02P368 # والجواب، أن الآية الأولى في أمة معينة، قد بين حالها وقبيح مرتكبها، ~~وتحصل العلم بكفرهم وظلمهم أنفسهم، فقيل: (فبعدا للقوم الظالمين) ~~(المؤمنون: 41)، ووقوع اسم الظلم عليهم على أتم ما يقع عليه، من عدم ~~الإيمان، وارتكاب العظائم من كفر وتكذيب وقبيح الرد، على ما تفصل في الآي ~~قبلها، وأما قوله بعد: ((فبعدا لقوم لا يؤمنون) (المؤمنون: 44) فورد عقب ~~إجمال إخبار بطوائف وأمم اجتمعوا في التكذيب ورد ما جائتهم به رسلهم، فأعقب ~~بوصف إذا وجد كان ما سواه من قول وعمل مناسبا له وبحسبه وهو عدم الإيمان، ~~ولم يكن وصفهم بالظلم ليعطي ذلك لوقوعه على الظلم بالكفر وعلى الظلم بمعصية ~~والمعصية ليست كفرا، ألا ترى أن بعض من يقع عليه اسم الظلم ويوسم به قد ~~يكون مبقى عليه اسم الإيمان، بل لم يقترن به ما يقتضي كفره، أما من اتصف ~~بعدم الإيمان فلا فلاح معه، فلما اجتمع هؤلاء الظائف في عدم الإيمان وسموا ~~به، ولما كان عدم الإيمان حاصلا لمن تقدم بما ذكر من تكذيبهم وأخذهم ~~بالصيحة وجعلهم غثاء أعقب وصفهم بما ينبئ بالزيادة على كفرهم، إذ الكفر ~~حاصل. # فإن قلت: فقد تقدم في وصف هؤلاء الأمم: (كل ما جاء أمة رسولها كذبوه) ~~(المؤمنون: 44)، وحصل من ذلك عدم إيمانهم فلم كرر؟ ولم لم يوصفوا بالظلم؟ ~~قلت: لم يقع في ذكر هؤلاء تفصيل مرتكباتهم كما ورد فيمن تقدمهم، فناسب ~~إجمال الواقع من التكذيب إجال الوصف بعدم الإيمان، وجاء كل من ذلك على ما ~~يجب، والله أعلم. ms415 ### | الآية الرابعة # من سورة المؤمنون - قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ~~من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين) (المؤمنون: 81 - 83)، وفي سورة النمل: ~~(وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا ~~نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين) (النمل: 67 - 68)، للسائل ~~أن يسأل عن تقديم المضمر المذكور والمعطوف عليه على المفعول الذي (هو) ~~((هذا)) في آية المؤمنون وعكس ذلك في آية النمل؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أنه لما تقدم قبل آية المؤمنون قوله تعالى: ~~(أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) (المؤمنون: 68)، ~~فتقدم التعريف في هذه الآية أن آباءهم قد جاءتهم الرسل، وأنذروا كما أنذر ~~هؤلاء، لهذا قالوا: (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين) (المؤمنون: 83)، ولما لم يتقدم في آية النمل # # PageV02P369 # ذكر إنذار آبائهم كان أهم شيء ذكر الموعود به الذي هو (هذا)، فقالوا: ~~(لقد وعدنا هذا). ### | الآية الخامسة # - قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله ~~قل أفلا تذكرون) (المؤمنون: 84 - 85)، ثم قال في الآية التي تليها: ~~(سيقولون لله قل أفلا تتقون) (المؤمنون: 87)، وفي الآية التالية: (سيقولون ~~لله قل فأنى تسحرون) (المؤمنون: 89)، للسائل أن يسأل عن الوجه فيما أعقبت ~~به كل آية من هذه؟ # والجواب عن ذلك بوجهين: أحدهما. أن كل توبيخ أعقب به في الآيات الثلاث ~~مناسب للتذكير الواقع قبله المترتب عليه الجواب بالتوبيخ، أما الأولى فإنه ~~لما قيل فيها: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون) (المؤمنون: 84)، ~~والمراد الأرض ومن فيها وما فيها وما اشتملت عليه من بحارها وأنهارها ~~وأشجارها وجبال إرسائلها ومختلف عوالمها وما انطوت عليه واشتملت، هذا هو ~~المراد بقوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها) (المؤمنون: 84)، فوقع ~~الاجتزاء بمن فيها عما فيها إيجازا لحصول ذلك في قوة الكلام، كما قال: (ألا ~~إن لله من في السماوات ومن في الأرض) ms416 (يونس: 66)، وقال تعالى: (إنا نحن نرث ~~الأرض ومن عليها) (مريم: 40)، وليس المراد في هاتين الآيتين تخصيص ما تقع ~~عليه (من) فكذلك قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها) (المؤمنون: 84)، إذ ~~مقصود الآية الاعتبار والاستدلال بمصنوعاته (سبحانه) على انفراده بالخلق ~~والأمر، قال تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين) (الذاريات: 20) فكأن قد قيل ~~لهم إذا أقررتم بأن ذلك (كله) ملك لله تعالى وخلقه فهلا اعترتم بما في ~~الأرض من الآيات، واستدللتم بذلك على نفي الشريك والند للمنفرد بملك الأرض ~~والسماوات إذ: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (الأنبياء: 22) (ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) (الأعراف: 3)، وهلا استدللتم بتكرر ~~إنبات النبات وعودة إخراج الثمرات على إحياء الأموات (كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون) (الأعراف: 57)، ثم لما قال تعالى: (قل من رب السماوات السبع ~~ورب العرش العظيم) (المؤمنون: 86)، وذلك الخلق أعظم من خلقكم وخلق الأرض ~~الحاملة لكم، وأخبر بقوله: (سيقولون لله) (المؤمنون: 87) فقل لهم إذا ~~أقررتم أنه مالك ذلك على عظيم أمره أفلا أتقيتموه إذ أنتم في قبضته ~~بإقراركم، ثم لما قال: (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون) (المؤمنون: 88) (فبلغوا) بلإقرار بذلك مع (عظيم) ما قرروا ~~عليه قبله # # PageV02P370 # مبلغ غاية توجب الإيمان للمعتبر بما قيل لهم وذكروا به من علم هذا، وثيل ~~لهم من علم هذا ثم لم يطع من له ذلك ويفرده تعالى بالعبادة فهو مسحور (فأنى ~~تسحرون) (المؤمنون: 89) أي كيف تسحرون؟ # والجواب الثاني، وهو أجرى مع ظاهر الآية، من غير تكلف تقدير، وليس بخلاف ~~للأول إلا في عبارة، وهو أن تقول: إن تذكيرهم ورد أولا بذكر ما كانوا يقرون ~~ولا يتوقفون فيه وهو ملكه سبحانه الأرض ومن فيها قال تعالى: (ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) (لقمان: 25)، والخالق مالك لما خلقه، ~~فكأن قد قيل لهم: إذا علمتم بانفراده سبحانه بذلك فهلا أفردتموه بالعبادة ~~واستدللتم بالبدأة على العودة (أفلا تذكرون)؟ ثم ذكروا بربوبيته سبحانه ~~وملكه السماوات والسبع والعرش، فاعترفوا إلى اعترافهم بما ms417 تقدم وإقرارهم ~~بملكه لما ذكر وقدرته وقهره. ولو سبقت لهم سعادة لكان تذكرهم لذلك يؤثر ~~خوفهم من عذابه، فلما لم يقع ذلك منهم قبل لهم: (قل أفلا تتقون) (المؤمنون: ~~87)، ثم ذكروا بعظيم سلطانه تعالى، وعلو قهره لجميع الموجودات، وكونها في ~~قبضته، وأنه ذكروا بعظيم سلطانه تعالى، وعلو قهره لجميع الموجودات، وكونها ~~في قبضته، وأنه لا حكم لأحد عليه تعالى فقال: (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو ~~يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون) (المؤمنون: 88)، ثم ذكر اعترافهم بهذا ~~في قوله: (سيقولون لله) (المؤمنون: 89)، فلما تم تقديرهم على جميع ما تقدم ~~مما ذكروا به، واعترافهم بكل ذلك، ولم يعقبهم إقرارهم ولا اعترافهم ~~والإيمان والانقياد، كانوا كمن فقد عقله أو سحر، فاختل نظره وعقله، فقيل ~~لهم كيف تسحرون ما بالكم أنى تستحرون؟ (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ~~(91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون) (المؤمنون: 91 - 92)، فقد وضح ~~تناسب هذا كله، وتبين التحامه. # **** # # PageV02P371 ### | سورة النور ### | الآية الأولى # (منها قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) ~~(النور: 10)، (وبعد ذلك): (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف ~~رحيم) (النور: 20)، يسأل عن وجه الاختلاف في المعطوفات في الآيتين من ~~الصفات العلية إخبارا من قوله في الأولى: (وأن الله تواب حكيم) (النور: 10) ~~وفي الثانية: (وأن الله رءوف رحيم) (النور: 20)؟ وهل كان يناسب عكس الوارد؟ # والجواب أن الآية الأولى لما اتبنت على آية التلاعن، وفيها من الستر على ~~المسلمين ممن امتحن بتلك البلية، ومن إخفاء الحكمة في حكم التلاعن وشرعيته ~~على ما استقر (عليه) أمره، مما يعجز عن فهمه كل معتبر، أعقبت بالصفتين ~~المناسبتين لما ذكرنا مما هو غيرر خاف فقيل: (وأن الله تواب حكيم) (النور: ~~10)، ولما تقدم قبل ### | الآية الثانية # قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم في الدنيا والآخرة) (النور: 19)، وجرى بظاهر هذه الآية ms418 من الوعيد ما ~~يشتد خوف كل مؤمن (منه)، أعقب ذلك بصفتين مبقيتين رجاء المؤمنين، ومشعرتين ~~بأن هذا العذاب أن نفذ الوعيد به ليسس الخلود في النار، وما لم يكن من فاعل ~~ذلك كفر باعتقاد حلية تلك المعصية أو التكذيب بالعويد أو التلبس بما هو ~~كفر، وأنه إذا لم يكن شيء من هذا فلا قاطع عن التوبة، فقال: (وأن الله رءوف ~~رحيم) (النور: 20)، فقد وضح أن ورود كل من هذه الصفات المعطوفة على ما يجب ~~ويناسب، وأن العكس لا يناسب، والله أعلم. # ومما يسأل عنه هنا جواب لولا كيف تقديره ولم حذف؟ وإن لم يكن هذا من ~~مقصود هذا الكتاب. والجواب عنه أن التقدير في الآية الأولى: لفصح فاعل ذلك، ~~أو ما يرجع إلى هذا، وجوابها في الثانية: لعجل عذاب فاعل ذل من حيث إشاعة ~~الفاحشة في المؤمنين، أو لأهلكهم، وأما مسوغ الحذف فطول الكلام بالمعطوف، ~~والطول داع للحذف فحذف ذلك ولدلالة ما تقدم عليه وذلك كثير في كلامهم. # الآية الثانية من سورة النور قوله تعالى: (كذلك يبين الله لكم الآيات ~~والله عليم حكيم) (النور: 58)، ثم قال: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا كما استأذن # # PageV02P372 # الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم) (النور: 59)، ~~للسائل أن يقول: لم قال في الأولى: (الآيات) وفي الثانية: (آياته؟) # والجواب أنه لما تقارب اللفظ الواحد عدل عن تكراره بلفظ واحد فيما تقارب، ~~على عادة العرب في استثقالها تكرر اللفظ الواحد بعينه في بيت واحد من الشعر ~~أو ما تقارب من الكلام، ما لم يحمل على ذلك حامل من المعنى، فجيء بالآيات ~~في الأولى معرفا بالألف واللام للعهد فيما تقدم من المعتبرات الواضحة ~~الدلالة، وفي الآية الثانية مضافا إلى الضمير (المتصل) لتحصل نسبة الآيات ~~لمن هي له تعالى، كانت الثانية هي المضافة لأنها مع ما تعطيه من النسبة ~~مبينة للأولى بيانا تأكيديا، إذ من المعلوم أنها آياته سبحانه، فجاء ذلك ~~على ما يجب، ومن الوارد على هذا الرعي - والله أعلم - قوله في سورة ms419 البقرة: ~~(كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) (البقرة: 219، ثم قال تعالى بعد ~~آي: (ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) (البقرة: 221)، فهذا مثل الوارد في ~~سورة البقرة، والله أعلم. # **** # # PageV02P373 ### | سورة الفرقان ### | الآية الأولى # (منها) قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) ~~(الفرقان: 3)، وفي سورة يس: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) (يس: ~~74)، للسائل أن يسأل عن ورود اسمه سبحانه مضمرا في قوله سبحانه: (من دونه) ~~في سورة الفرقان ومظهرا في قوله: (من دون الله) في سورة يس ما وجه ذلك؟ # والجواب عنه: أن آية الفرقان تقدم قبلها اسمه سبحانه مكنيا عنه جل وتعالى ~~في قوله: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا * الذي له ~~ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا) (الفرقان: 1 - 2)، فورد اسمه سبحانه مكنيا عنه ثماني مرات: ~~أولها الموصول (وهو) الذي من قوله: (تبارك الذي)، وفاعل نزل المضمر، ~~والضمير في (عبده) والموصول الثاني، والضمير المجرور باللام، والضمير ~~الفاعل في (ولم يتخذ ولد)، والضمير في (له) المجرور، والضمير الفاعل في ~~(وخلق)، فلما تكرر اسمه مكنيا عنه ثماني مرات جرى بعد ذلك في قوله: ~~(واتخذوا من دونه) مضمرا على حكم ما تقدم، ولو ورد مظهرا لم يكن ليناسب، ~~وأما الوارد في سورة يس فتقدم قبل الآية قوله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا ~~بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين) (يس: 60)، فلم يكن ورود ~~اسم الله تعالى هنا مضمرا ليناسبه لو قيل: (واتخذوا من دونه لما تقدم قبله ~~ذكر الشيطان وتحذيرهم من عبادته، فجاء كل من الآيتين على ما يجب ويناسب. # **** # # PageV02P374 ### | سورة الشعراء ### | الآية الأولى # (منها) قوله تعالى: (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون) (الشعراء: 50)، ~~وفي سورة الزخرف: (وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون) (الزخرف: ~~13 - 14)، للسائل أن يسأل عن تخصيص خبر إن هنا بزياد لام التأكيد وحذفها من ~~الأولى؟ # والجواب: أنه لما كان قول السحرة (لا ضير ms420 إنا إلى ربنا منقلبون) ~~(الشعراء: 50)، جوابا لفرعون لما توعدهم بقوله: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ولأصلبنكم أجمعين) (الشعراء: 49) فجاوبوه بقولهم (لاضير) - أي لا ضرر ~~- (إنا إلى ربنا منقلبون)، أي إذا فعلت بنا ذلك فإنا منقلبون إلى ربنا ~~ومجازون على صبرنا، فجاوبوه معزين أنفسهم ومتناسين بما ينتظرون من الثواب ~~وعظيم الجزاء بسبقهم إلى الإيمان وصبرهم أن فعل بهم ذلك الإمتحان، فليس ~~موضع قسم ولا تأكيد بما هو إخبار عن رجائهم وما ينتظرونه ثوابا على ~~إيمانهم، فلا مدخل للام التأكيد هنا. # وأما آية الزخرف فمبينة على ما تقدمها من الإخبار عن مشركي العرب في قوله ~~تعالى (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) ~~(الزخرف: 9)، والمراد بذلك إقامة الحجة عليهم في إنكار البعث، فطابق ذلك ~~وناسبه تأكيد قول المؤمنين المقول لهم: (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ~~ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * ~~وإنا إلى ربنا لمنقلبون) (الزخرف: 13 - 14)، فأكذ هذا وضمن معنى القسم، ~~وأحرز ذلك تقديم ما النافية في قولهم: (وما كنا له مقرنين)، فوطأت ما في ~~هذه الجملة من معنى القسم وأشرعت به، ثم جيء بالجملة مؤكدة بحرفي التأكيد ~~وهما إن واللام، فدخلت إن على الاسم واللام على الخبر لما تقدم منهم إنكار ~~البعث جاوبهم المؤمنون، فكأنهم قالوا: والله إنه لحق، فسوغ دخول اللام ما ~~قصد من هذا الغرض، وليس ذلك في آية الشعراء، فورد كل على ما يناسب، والله ~~أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة الشعراء قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين) (الشعراء: 69 - ~~71)، وفي سورة الصافات: (وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم ~~(84) إذ قال لأبيه وقومه # # PageV02P375 # ماذا تعبدون * أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين) ~~(الصافات: 83 - 87)، يسأل عن زيادة اسم الإشارة في قوله: (ماذا تعبدون) ~~وسقوطها في سورة الشعراء؟ # والجواب عن ذلك أن قصص الرسل، عليهم السلام، مع أممهم لم تأت ms421 في القرآن ~~العظيم على نهج واحد في الدعاء والجواب والمراجعة والمحاورة، ولا يمكن ذلك ~~لاختلاف طباع الأمم وأغراضهم واختلاف الحالات، ولكل مقام مقال، فمرة ترد ~~القصة على الدعاء وإبداء الحجة والتوبيخ من غير ذكر شيء من جواب المدعوين ~~سوى الإخبار بتكذيبهم، ومرة يورد من مقالات الأمم لرسلهم اليسير، ومرة يمد ~~إطناب الكلام في المحاورات بين الرسل والأمم. # فمن الضرب الأول قول إبراهيم، عليه السلام، في سورة الصافات: (ماذا ~~تعبدون) إلى آخر القصة، ولم يرد فيها كلمة واحدة من مراجعتهم له سوى الوارد ~~من قولهم: (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم) (الصافات: 97)، وليس ~~هذا بمراجعة له ولا جوابا على كلامه، عليه السلام. # ومن الضرب الثاني آية الشعراء فإنه ذكر فيها جوابهم بقوله تعالى مخبرا ~~عنهم: (قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين) (الشعراء: 71)، ثم لما سألهم، ~~عليه السلام، تقريعا لهم وتوبيخا فقال: (هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ~~ينفعونكم أو يضرون) (الشعراء: 72 - 73) جاوبوا بقولهم: (قالوا بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون) (الشعراء: 74). # ومن الضرب الثالث قصة شعيب، عليه السلام، في سورة هود وأشباهها، وتأمل ~~القصص الواردة في القرآن تجدها جارية على ما ذكرته، فلما كان في آية ~~الصافات دعاء إبراهيم، عليه السلام، لهم مبينا حالهم الشنيع وسيء مرتكبهم ~~ممتد الإطناب فيما يقطع بهم من قوله: (أئفكا آلهة دون الله تريدون) ~~(الصافات: 86) وقوله: (قال أتعبدون ما تنحتون) (الصافات: 95)، وعيوا ~~بالجواب ولم يحك عنهم غير قولهم: (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم) ~~(الصافات: 97)، ناسب ذلك زيادة اسم الإشارة، ولما كانت آية الشعراء واردة ~~على غير هذا النهج ناسب سقوط اسم الإشارة فقيل: (ما تعبدون) ولم يقل (ماذا) ~~كما في آية الصافات، ومن المفهوم عن العرب أن المستفهم إذا قصد التقريع ~~والتوبيخ أطال كلامه إدلاء بحجته وتعنيفا لمن يخالفه، والمقهور أبدا محصور. # وقوله: (ما تعبدون) جملة تقدم فيها المفعول وهو ما الاستفهامية، فهو في ~~موضع نصب بالفعل بعدها، وقوله في الآية الأخرى: (ماذا) استفهام أيضا ركبت ~~فيه (ما) مع اسم # # PageV02P376 # الإشارة وجعلااسما واحدا في ms422 موضع نصب بالفعل (بعدها)، ويمكن تركها على ~~بابها من الاستفهام غير مركبة وتكون (ذا) اسما موصولا في موضع رفع خبر ~~للمبتدأ الذي هو (ما)، والجملة من قوله: (تعبدون) صلة، والجملة من المبتدأ ~~والخبر محكية بعد القول، كأنه قال: أي شيء (الذي تبعدونه، وحذف الضمير ~~الرابط لأنه ضمير نصب منفصل، وليس في الصلة ضمير غيره، فحسن حذفه. ### | الآية الثالثة # من سورة الشعراء - قوله تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ~~ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين) (الشعراء: 78 - ~~81)، يسأل عن زيادة الضمير في قوله: (والذي هو يطعمني ويسقين) وفي قوله: ~~(فهو يشفين)؟ ولم لم يدخل في قوله: (والذي يميتني ثم يحيين)؟ # والجواب: أن أمر الإماتة والإحياء لا مطمع فيه لأحد بخلاف أمر الإطعام ~~والسقي، إذ قد يتوهم من ضعف نظره أن ذلك مما تصح فيه النسبة لغيره تعالى إذ ~~يقال: أطعمني فلان وسقاني، ويسبق إلى الوهم الاستقلال، وإنما ذلك على ~~المجاز، ولا يقال أمات فلان فلانا أو أحياه إلا ويسبق إلى الوهم ما الأمر ~~عليه من المجاز، فلما كان أمر الإماتة والإحياء ونسبة ذلك إليه تعالى مما ~~لا يخفى على أد لم يحتج إلى الضمير، واحتيج إليه فيما قبل لرفع الإيهام، إذ ~~مفهومه أنه هو لا غيره يطعمني ويسقيني، فاحتيج إلى (هو) هنا ليحرز ما ~~ذكرنا، ولم يحتج إليه في قوله: (والذي يميتني ثم يحيين) لأنه لا يتوهم (أن) ~~غيره يفعل ذلك، فجاء كل على ما يجب ويناسب، وسنزيد هذا بيانا في سورة النجم ~~إن شاء الله، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة الشعراء قوله تعالى في قصة صالح، عليه السلام: (ما أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين) (الشعراء: 154)، وفي قصة شعيب، عليه ~~السلام: (وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين) (الشعراء: 186)، ~~يسأل عن زيادة الواو العاطفة هنا ولم تثبت في قصة صالح؟ # والجواب عنه - والله أعلم - أن ذلك لرعي المناسبة، بيان ذلك ما ثبت قبل ~~الآية الثانية من قوله تعالى ms423 حكاية لما عد شعيب في أمره قومه وذكر من ~~مرتكباتهم في قوله: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * واتقوا ~~الذي خلقكم والجبلة الأولين) (الشعراء: 181 - 184)، فهذه خمس معطوفات من ~~مأمور به ومنهي عنه، طابقها العطف في حوابهم من # # PageV02P377 # قوله تعالى: حكياة عنهم: (قالوا إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا بشر ~~مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين) (الشعراء: 185 - 186)، فهذه مناسبة واضحة، ~~ولما تقدم في قصة صالح، عليه السلام، قوله: (أتتركون في ما هاهنا آمنين * ~~في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون) (الشعراء: 146 - 152)، فلم يقع في هذه القصة من المعطوفات أمرا ~~أو نهيا سوى قوله: (وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين) (الشعراء: 150 - ~~151)، فناسب ذلك ورود جوابهم في دعوى المماثلة في الشرية بغير حرف النسق ~~فقالوا: (وما أنت إلا بشر مثلنا) بخلاف الآية الثانية، وجاء كل على ما يجب ~~ويناسب، ولا يناسب عكس الوارد، والله أعلم. # **** # # PageV02P378 ### | سورة النمل ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا ~~موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإني غفور رحيم) (النمل: 10 - 11)، وفي سورة القصص: (أقبل ولا تخف إنك من ~~الآمنين) (القصص: 31)، للسائل أن يسأل عن القول لموسى، عليه السلام، عقب ~~قوله عندما وللى مدبرا (لما رأى) من فعل الله سبحانه في عصاه حين ألقاها من ~~اهتزازها كأنها جان، فنودي تأنيسا وإعلاما بما الأمر عليه، ولا شك أن ذلك ~~في مقام واحد وحال ابتداء أمره ورسالته، فالمعنى واحد، فما وجه اختلاف ~~العبارة؟ فأقول جوابا لهذا السؤال - وأسأل الله توفيه وعصمته - إنه قد تقدم ~~في سورةطه أن الوارد من هذا القصص إنما أخبرنا به على المعنى، وإنما خوطبنا ~~باللسان العربي، وخاطب موسى باللسان العبراني، (وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان ms424 قومه) (إبراهيم: 4)، وجل كلام ربنا عن الحرف والصوت وعن شبه كلام ~~البشر، وبسط هذا في مظانه، وإذا تقرر أنا إنما خوطبنا بلساننا، وأن ~~الاختلاف والتفاوت فيما بين الألسنة معلوم، والمعاني لا تخلتف، فالمراد من ~~الوارد في السورتين أن موسى، عليه السلام، أمن من خوفه الذي لحقه، وأعلم ~~أنه من الآمنين، وأن الآمنين لديه سبحانه هم المرسلون، ومن اهتدى بهديهم ~~ممن سبقت له الحسنى، ومن لحق بهم ممن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء وسبقت له من ~~الله الحسنى، فهؤلاء هم الآمنون لدينه سبحانه بما سبق لهم، ولا يجب عليه ~~سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه، فهذا الحاصل من المقول لموسى، عليه السلام، ~~في السورتين من غير اختلاف في شيء من معناه، وهو المراد بقوله سبحانه: (ولا ~~تخف إنك من الآمنين) (القصص: 31)، وبقوله: (لا تخف إني لا يخاف لدي ~~المرسلون * إلا من ظلم ... ) (النمل: 10 - 11)، والاستثناء منقطع، وليس ~~المراد إلا من ظلم من الرسل، ولا يكون من الاستثناء المتصل كما قاله بعض ~~المحرفين من ذوي الضلال، فإن الرسل، عليهم السلام، معصومون من الكفر مطلقا ~~باتفاق من أهل القبلة إلا ما قالته الشوذية ومن قال بقولهم من المارقين ممن ~~لا عبرة به، والظلم هنا هو الكفر فما دون، وقد عصم الله الرسل ومن شاء ~~عصمته من # # PageV02P379 # ذلك ممن سواهم، ثم إن من كان ظالما لنفسه بالكفر أو بما دون الكفر ثم بدل ~~حسنا بعد سوء فإنه راج ما وعد (الله) سبحانه، ومن مات على ظلمه ولم يكن ~~كفرا فهو في المشيئة، (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء) (النساء: 48)، فما أفهمت آية النمل من هذا فهو المراد بآية القصص من ~~قوله: (إنك من الآمنين)، ولم يقع في آية النمل (ذكر) غير المرسلين ممن لم ~~يظلم نفسه إيجازا، لأنه من المعلوم أنه إذا كان حال الظالم لنفسه المبدل ~~حسنا بعد سوء على ما ذكرنا من الرجاء فحال من لم يظلم نفسه أولى، فسمع ~~موسى، عليه السلام، من ms425 كلام ربه ما حصل به المعنى المقصود، ثم اختلف ~~التعبير عندنا عن ذلك والمعنى (واحد)، فلا اختلاف. # فإن قيل: فما وجه اختصاص آية النمل بما ورد فيها وآية القصص بما ورد ~~فيها؟ # قلت: (هذا) سؤال لازم على شرطنا، والجواب عنه - إن شاء الله - أن سورة ~~النمل لما ورد فيها قصة بلقيس وقومها، وعبادتهم الشمس حسب ما ورد في السورة ~~في قوله: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) (النمل: 24)، ثم هداها ~~الله بسليمان، عليه السلام، حتى قالت: (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين) (النمل: 44)، ناسب هذا قوله تعالى في تأنيس موسى، عليه ~~السلام،: (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء) (النمل: 11)، ولما ورد في آخر ### | سورة القصص # : (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا) ~~(القصص: 83)، وهي آي عامة في كل متصف بالإيمان متمسك بما في الآية، وقد ~~أشارت إلى أمنهم لأنهم ممن سبقت لهم الحسنى، وقد نص الكتاب على أنهم آمنون ~~لديه سبحانه حين قال: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) ~~(الأنبياء: 101)، ثم قال: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) (الأنبياء: 103) فهم ~~آمنون، فناسب قوله سبحانه: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا ~~في الأرض ولا فسادا) (القصص: 83)، ما خصت به هذه السورة من قوله في قصة ~~موسى، عليه السلام: (إنك من الآمنين). # وجواب ثان، وهو أن الآمنين لما تقدم بيان أنهم المرسلون ومن ظلم من غيرهم ~~(ثم) بدل حسنا بسوء، وحصل في طي هذا الكلام وضمنه أن من لم يظلم نفسه من ~~غير المسلمين فلا توقف أنه من الآمنين، فلما تحصل بيان الآمنين وقعت الإالة ~~في آية القصص على ذلك، ولم يحتج إلى تفصيل أحوالهم اكتفاء بما تقدم فقيل: ~~(إنك من الآمنين)، وهذا الوجه الثاني كاف في حصول التناسب، والله أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة النمل، قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين # # PageV02P380 # اصطفى) (النمل: 59)، إلى قوله: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ~~(النمل: 64)، للسائل ms426 أن يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به كل آية منها ~~وإبداء التناسب في ذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أن الآية الأولى لما نبهوا فيها ذكروا بما تشهد ~~العقول بديهيا وتعترف بدلالته - إذ لا إشكال فيه - من أن السماوات والأرض ~~تشهد بإحكام منعتها، وإتقان خلقها، وما أودع سبحانه فيها من العجائب ~~والآيات المشاهدة للعيان، مع انسحاب التغير على جميعها وعلى ما فيها، بأن ~~لها موجودا أوجدها وأحكم صنعتها وإتقانها، وأنه لا يمكن أن أوجدت أنفسها ~~ولا أوجدها غيرها مما يماثلها في شواهد الافتقار وانسحاب التغير، وذلك ما ~~لا تنفك عنه سائر الموجودات فيشهد العقل بأن لها موجدا من غير جنسها ~~متعاليا عن شبهها. إذ لو شبهها لافتقر إلى موجد آخر، فلبيان الأمر ما أعقبت ~~هذه الآية الأولى بقوله: (بل هم قوم يعدلون) (النمل: 60)، أي أن الأمر غير ~~خاف ولكنهم يعدلون عنه، وكذا قيل لهم في دعائهم إلى الإيمان في أول سورة ~~البقرة حين ذكروا بقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ... ) ~~(البقرة: 21) إلى قوله: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) (البقرة: ~~22)، فهذا كقوله: (بل هم قوم يعدلون) من غي فرق، لما ذكروا في الموضعين ~~بخلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات، وإنبات ~~الحدائق العجيبة، وكانوا يتعرفون بخلقه سبحانه جميع ذلك (ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) (العنكبوت: 61)، (ولئن ~~سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله) ~~(العنكبوت: 63)، فاعترافهم بهذا ثم يجعلون له تعالى الند والشريك عدول واضح ~~بعد قيام الحجو عليهم، فقيل هنا: (بل هم قوم يعدلون). # ثم لما ذكروا بما هو أخفى في قوله تعالى: (أمن جعل الأرض قرارا) (النمل: ~~61)، فإن تمهيد الأرض للسكني، وتفجير الأنهار خلالها، وحجز ما بين العذب ~~والمالح من مياهها، ليس مما ظهور الاعتبار به وبيانه في الجلاء والوضوح ~~كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء إلى ما في الآية، فلما كان التذكير بما ~~في الآية الثانية أخفى أعقب هذا بقوله: (بل أكثرهم لا ms427 يعلمون) (النمل: 61)، ~~ثم تدرج الاعتبار إلى ما هو أخفى فقيل: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) (النمل: 62)، وخفاء الاعتبار بهذا واضح، ولا ~~يحصل عليه إلا من أمعن النظر فيما تقدم قبله، فأعقب هذا لخفائه بقوله: ~~(قليلا ما تذكرون) (النمل: 62)، ثم أعقب بما لا يمكن أن # # PageV02P381 # يتعاطاه أحد مع وضوح الأمر عند تدبره وهو قوله تعالى: (أمن يهديكم في ~~ظلمات البر والبحر ... ) (النمل: 63)، ذلك مما لا يتصور فيه من العاقل ~~التسليم، فأعقب بحسب ذلك والتفات ما قبله بقوله: (تعالى الله عما يشركون) ~~(النمل: 63)، ثم ختم ما قدم من هذه المعتبرات الجليلة بما لا يحصل الاعتبار ~~إلا بعد إحكام النظر فيما قبله، والاعتراف بما يجب لله سبحانه من الاتصاف ~~بالعلم والقدرة، إذ بهما وبقوبتها تتم وتثبتت العةدة والبدأة، إلى ما يجب ~~له سبحانه من الصفات العلى التي يثمر العلم بثبوتها له سبحانه النظر التام ~~الصحيح والاعتبار بما تقدم في الآيات قبل هذه، فلما كمل ذكر ما به (يحصل ~~الاعتراف) والإيمان، ويستوضح منه (أنه) سبحانه المنفرد بالخلق والأمر ~~والمالك للدارين، أعقب بطلب المعاند بالبرهان على ما يديعه، فقيل: (قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (النمل: 64) أي إن صدقتم أن لله شريكا في ~~ملكه تعالى: (تعالى الله عما يشركون) (النمل: 63)، فقد وضح أن كل معقب به ~~آية من هذه الآيات، المذكر بها من استبصر والقاطعة بكل من أشرك وكفر، جار ~~على أوضح مناسبة. # **** # # PageV02P382 ### | سورة القصص ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) (القصص 20)، وفي ~~سورة يس: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين) (يس: ~~20)، للسائل أن يسأل عن تأخير الفاعل عن المجرور في سورة يس ولم يأت متقدما ~~يلي الفعل كما ورد في سورة القصص؟ # والجواب عن ذلك، بعد تسليم أن وروده في سورة القصص متقدما فقيل: (وجاء ~~رجل) وارد فلى ما يجب، لأن مرتبة الفاعل التقديم، ولا يتأخر عن ولايته ~~الفعل إلا لعارض من جهة اللفظ أو من جهة المعنى أو ms428 اتساعا، وذلك غير الأولى ~~أعني إذا كان تأخره لمجرد الاتساع. وإذا تقرر هذا فإنما السؤال عن وجه ~~تأخره في سورة يس؟ ووجه ذلك - والله أعلم - أن تقديم المجرور الذي هو قوله: ~~(من أقصى المدينة) مشيرا إلى إحراز معنى جليل مطلع على حكم السوابق من بعد ~~مسافة عن داعية إلى الهداية، فلم (يضره) بعد الدار وكفر من باشر الرسل ~~وشافههم فلم ينتفع بقرب الدار، وذلك بحسب ما قدر لكل من المكلفين وسبق له، ~~وحاصل الإخبار من هذه الآيات مثال لحال كفار قريش من أهل مكة، وحال الأنصار ~~من أهل المدينة، حين جاء هؤلاء وآمنوا به صلى الله عليه وسلم مع بعد دراهم، ~~وعاند عتاة قريش (فكفروا) مع لالتحام في النسب واتحاد الدار، ويوضح هذا أن ~~السورة مكية، وإنما افتتحت بذكر قريش وهم المعنيون بقوله: (لتنذر قوما ما ~~أنذر آباؤهم فهم غافلون) (يس: 6) إلى ما بعد من الآيات، والإخبار بأن ذلك ~~لا يجدي عليهم في قوله: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) ~~(يس: 10)، فهذا الإخبار بحال كفار قريش، ثم قال تعالى: (إنما تنذر من اتبع ~~الذكر ... ) (يس: 11)، أي من انقاد وأصغى إليك وإن بعدت داره وهذا حال ~~الأنصار، ثم قال: (واضرب لهم مثلا) (يس: 13) أي الفريقين ممن كفر مع قرب ~~داره ومن آمن مع بعد داره، وذكر تعالى أصحاب القرية (وحالهم مع من أرسل ~~إليهم، وأنهم أرسل إليهم اثنان ثم عززوا بثالث، فجاوبهم أصحاب القرية) ~~المخاطبون مجاوبة الرد والتكذيب فقالوا: (ما أنتم إلا بشر مثلنا) (يس: 15) ~~كما قالت قريش: (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في # # PageV02P383 # الأسواق) (الفرقان: 7)، ثم ذكر تعالى قول الرسل لأصحاب القرية: (قالوا ~~ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون *وما علينا إلا البلاغ المبين) (يس: 16 - 17)، ~~وقول أصحاب القرية: (إنا تطيرنا بكم) (يس: 18). فلما ذكر سبحانه هذه ~~المخاورة والمراجعة قال تعالى: (وجاء من أقصى المدينة) (يس: 20) أي ممن لم ~~يحضر معهم ولا شاهد ما طال من مراجعتهم، فجاء بحسب ما سبق له من السعادة ~~يقول: (يا قوم اتبعوا ms429 المرسلين) (يس: 20) إلى ما أخبر تعالى من قوله، ~~فمجيئه من أقصى المدينة مثال لمن بعد فلم يضره بعده، وذكره المراجعين للرسل ~~من أصحاب القرية مثال لمن قرب وطالت مباشرته وشاهد الآيات فلم ينفعه قربه، ~~فلما قصد في آية يس مثال من ذكر من الفريقين خصت من تقديم المجرور على ~~الفاعل ما يحرز المعنى المقصود، فهو من قبيل ما قدم للاعتبار والتهمم، وقد ~~تقدم في مواضع إنشاد سيبويه، رحمة (الله) عليه: # لتقربن قربا جلزيا ما دام فيهن فصيل حيا # فلإحراز هذا المعنى قدم هذا المجرور وتأخر الفاعل. # أما آية القصص فلم يقصد فيها شيء من هذا فجاءت على ما يجب ما تقديم ~~الفاعل، وتناسب هذا كله، ووضح أن كلا من الموضوعين لا يناسبه ولا يلائمه ~~غير الوارد فيه، والله أعلم بما أراد. ### | الآية الثانية # من سورة القصص قوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) (القصص: 60)، وفي سورة ~~الشورى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى ~~للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (الشورى: 36)، يسأل عن زيادة قوله: ~~(وزينتها) في الأولى؟ وعن تعقيبها بقوله: (أفلا تعقلون) وتعقيب الثانية ~~بقوله: (للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)؟ # والجواب عن الأول: أن سورة القصص تضمنت ذكر قارون وما أتيه من المال الذي ~~هو زينة الجياة الدنيا، قال تعالى: (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة) (القصص: 76)، ثم أخبر تعالى عن زهوه واختياله بماله ~~وظنه استحقاقه إياه، قال تعالى: (فخرج على قومه في زينته) (القصص: 79) حتى ~~قال من غفل عن آخرته ولم يعلم ما أعد الله فيها للمؤمنين: (يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون) (القصص: 79)، فقدم سبحانه للمعتبرين من عباده المؤمنين ~~وتنبيها للغالفين لتحصل السلامة للسعداء ممن عصم بما ابتلى به قالرون فقال ~~تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند # # PageV02P384 # الله) - أي المؤمنين - (خير وأبقى) (القصص: 60)، وقد أخبرهم سبحانه في ~~موضع آخر أن الدنيا وحياتها غرور، ms430 وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار، وبعد ~~تحذير المؤمنين وردت قصة قارون فالتحمت الآية بتلك القصة، وقيل هنا: ~~(وزينتها) كما قيل في تلك: (فخرج على قومه في زينته) (القصص: 79)، ومن الذي ~~يعدل عما عند الله سبحانه إلى ما جعله تعالى سببا لإهلاك المشركين؟ فتناسب ~~هذا كله وتلاءم. # ولم يقع في آية الشورى ذكر (وزينتها) إذ لم يرد فيها ما ورد هنا مما ~~استدعى هذه المناسبة، ولم يرد في سورة الشورى من أولها إلى آخرها ذكر بسط ~~حال دنياوي لأحد، بل تضمنت حقارة الدنيا ونزارة رزقها، وأنه مقدور غير ~~مبسوط، وتلك حال الأكثر، فقال تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء) (الشورى: 27)، وقال عند ذكر من اختار الدنيا ~~ومال إليها: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها) (الشورى: 20)، فقال: (منها) بأداة التبعيض، فلم يقع في ~~هذه السورة ما يستدعي ذكر الزينة المالية، فلذلك لم تذكر، والله أعلم # والجواب عن السؤال الثاني أن قوله تعالى في آية القصص (أفلا تعقلون) ~~ملتحم أوضح التحام بما اتصل به من قوله: (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ~~كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين) (القصص: ~~61)، فكأن قد قيل بعد قوله: (وما عند الله خير وأبقى) فكأن قد قيل: أفلا ~~تعقلون ما بين الأمرين، ثم أخبر بقوله: (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ~~كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين) في العذاب ~~الذي لا أخر له، فقوله: (أفلا تعقلون) من تمام ما قبله وذلك بين التناسب. # ولما ورد قبل آية الشورى: (وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة ~~وفريق في السعير) (الشورى: 7)، قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) ~~(الشورى: 13) إلى قوله: (فادع واستقم كما أمرت) (الشورى: 15). وقوله: (ألا ~~إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد) (الشورى: 18)، قوله: (ترى ~~الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم) (الشورى: ms431 22)، وقوله: (وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير) (الشورى: 31)، ناسب هذا المتقدم من التخويف ما ~~ينبئ المؤمنين المستجيبين بأصناف قوله: (وما عند الله خير وأبقى) بقوله ~~تعالى: (للذين آمنوا) أي صدقوا بكل هذا وعلى # # PageV02P385 # انفراده سبحانه بالخلق والأمر فتوكلوا عليه، فأعقبت كل آية منها بما ~~يناسبها ووردت على ما يجب، والله أعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة القصص - قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون) (القصص: 71)، ~~ثم قال تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة ~~من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) (القصص: 72)، للسائل ~~أن يسأل لم قدن الليل؟ ولم ختمت الأولى بقوله: (أفلا تسمعون)، والثانية ~~بقوله: (أفلا تبصرون)؟ # والجواب عن الأول أن تقديم الليل على النهار جار على ما بنت العرب عليه ~~حساب شهورها من تقديم الليل وجعل النهار تابعا له، ولم يرد في كتاب الله ~~تعالى على كثرة ترداده إلا ذلك. # والجواب عن السؤال الثاني: أن قوله تعالى في آية الأولى: (أفلا تسمعون) ~~مناسب للمدرك ليلا من ضربي ما يعتبر به من المسموعات والمبصرات، إذ الليل ~~حائل دون المبصرات، وإنما تدرك فيه المسموعات لأن ظلمة الليل غير مانعة من ~~إدراكها، فجيء بما يناسب، وجيء مع ذكر النهار بما يناسب أيضا، فقيل: (أفلا ~~تبصرون)، لأن المبصرات تدرك نهارا ولا تدرك ليلا، فجيء مع كل بما يناسب، ~~والله أعلم. # *** # # PageV02P386 ### | سورة العنكبوت ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) (العنكبوت: ~~8)، وفي سورة لقمان: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من ~~أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) ms432 (لقمان: 14 - 15)، وفي ~~سورة الأحقاف: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ... ) إلى قوله: (من المسلمين) (الأحقاف: 15)، ~~اشتملت هذه الآي في السور الثلاث على التعريف بما يجب من حقوق الوالدين، ~~وما يرعى لهما، ومنتهى ذلك وغايته، وقد اجتمعت في هذا المعنى، ثم اختلف ~~إيرادها، ففي العنكبوت والأحقاف حسنا ولم يرد ذلك في سورة لقمان، وفي ~~العنكيوت (لتشرك) بتعدية الفعل باللام وفي لقمان: (على أن تشرك بي) فعدى ~~بعلى، وفي لقمان: (وصاحبهما في الدنيا معروفا) ولم يرد ذلك في السورتين، ~~وفي لقمان: (حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين) وفي الأحقاف: (وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهر)، وفي لقمان والأحقاف ذكر الأم منصوصا عليها وورد ذكرها ~~في العنكبوت مجملا، وفي العنكبوت ولقمان التعريف بالرجوع إليه سبحانه ولم ~~يرد ذلك في الأحقاف، فيسأل عن هذا؟ وعن وجه اختصاص كل سورة من الثلاث بما ~~خصت به؟ وإن كان ذلك حاصلا من جواب ما تقدم، فتلك تسعة أسئلة. # والجواب عن الأول: أن بناء آية العنكبوت على قص سعد بن أبي وقاص وما كان ~~من فعل أمة وحلفها على ألا تأكل ولا تشرب ولا تستظل حتى يرجع سعد إلى ~~دينها، والقصة مشهورة، فنزلت الآية، ولما لم يقصد غير هذا اكتفى بالتنبيه ~~على الإحسان بهما ما لم يدعوا معا أو أحدهما إلى الشرك، ولما كان حكما لا ~~يخص أبا من أم لم يحتج إلى التنصيص على أحدهما، فوقع الاكتفاء هنا بقوله: ~~(حسنا)، ونصبه على الحال لأن المصدر إذا حذف اكتفاء بصفته فانتصابها عند ~~سيبويه، رحمه الله، على الحال ذكر ذلك # # PageV02P387 # في باب (وأما ورود حسنا في الأحقاف)، فلما قصد فيها من البسط والإطالة ~~حسبما تبين بعد وقد انجر في هذا الجواب عن السؤال (السابع). # والجواب عن السؤال الثاني: أن النهي عن الشرك ورد في سورة العنكبوت لبناء ~~الآية وما قبلها على ذكر ذلك، وهو المراد بالفتنة الوارد ذكرها في مطلع ~~السورة. وورد في آية لقمان لما تقدم من قول لقمان لابنه: ms433 (يا بني لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: 13)، ولم يرد في سورة الأحقاف لأن آية ~~الأحقاف فيمن كان مؤمنا، ألا ترى قوله: (أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني ~~من المسلمين) (الأحقاف: 15) إلى ما بعد هذا، ولا مدخل هناك للشرك. # والجواب عن السؤال الثالث: أن وقله في سورة العنكبوت: (لتشرك بي) بتعدية ~~الفعل باللام وتعديته في آية لقمان بعلى فإنما ذلك لفرق ما بين الآيتين في ~~السورتين، من حيث بناء آية العنكبوت على الإيجاز فناسب ذلك الاكتفاء ~~باللام، وبناء آية لقمان على الإطالة فناسب ذلك لتعدية بعلى، ولو قدرنا عكس ~~الوارد لما ناسب، فجاء مل على ما يناسب. # والجواب عن السؤال الرابع: أن قوله في آية لقمان: (وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا) أمر بالرفق بهما والقيام من حقهما بما ليس بمعصية، ولما كان مبنى ~~الآية على الأمر بما يفعل بهما ومعهما من غير (تقدم) مطلب لهما، وإنما ذلك ~~على التعريف بما ينبغي أن يكون الأمر معهما، ناسبة الوارد هنا من قوله: ~~(وصاحبهما في الدنيا معروفا)، ولما كانت آية العنكبوت مبنية على حكم من طلب ~~من الأبوين الشرك والرجوع إلى الكفر كما تقدم، لم يناسب ذلك أن يقال فيهما: ~~(وصاحبهما في الدنيا معروفا) لما كان يكون فيه - بالسابق من ظاهر الكلام - ~~من الإذن في الصغو إلى مطلبهما، وهو ما لا يمكن أن يؤذن فيه لا ظاهرا ولا ~~باطنا، فلم يرد هنما ما كان يوهم جوازا ولو في إراءتهما الانقياد لهما في ~~الظاهر مع اعتقاد ما يجب اعتقاده في الباطن من التوحيد كما في آية الإكراه ~~من قوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) (النحل: 106)، وإنما ~~قصد هنا العزم على ما هو الحق، وألا يصغى إلى مرادهما لا ظاهرا ولا باطنا ~~إذا جاهدا في طلب الشرك، فلك يكن ليناسب ولا ليلائم ورود: (وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا) في آية العنكبوت بوجه. # وأما آية الأحقاف فمبنية وواردة على ms434 حال إيمان الموصى بوالديه، وقد علم ~~المؤمن # # PageV02P388 # ما يلزمه من أبويه المؤمنين، وأنه أكبر من الموصى به في آية لقمان، فجاء ~~كل على ما يجب. # والجواب عن السؤال الخامس: أن قوله: (وهنا على وهن) المراد به الضعف، ~~وقوله في الأحقاف: (حملته أمه كرها ووضعته كرها) المراد أنها حملته ووضعته ~~على صفة من المشقة تكره ولا تراد، فتحصل من الآيتين الإخبار بحاليهما من ~~الضعف والكراهة فلا تعارض. # والجواب عن السؤال السادس: أن قوله تعالى في سورة لقمان: (وفصاله في ~~عامين) وقوله في الأحقاف: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) لا تعارض بينهما ~~لأنهما إخباران عن قضيتين، لأن الحمل والفصال مدتان، ومدة الحمل غير مدة ~~الرضاع، فأخبر في الآية الواحدة عن مجرد مدة الرضاع، وفي الثانية عن ~~المدتين، وقد تقدم التنبيه على انجرار السؤال السابع (ص913). # والجواب عن السؤال الثامن: من أن قوله تعالى في العنكبوت ولقمان: (إلي ~~مرجعكم) تحذير من طاعتهما في الشرك وإبلاغ في النهي عن الصغو إليهما في ذلك ~~إلى الغاية لئلا يظن أن ذلك كآية الإكراه (كما) تقدم، ولما لم يقع في آية ~~الأحقاف ذكر الشرك، وكانت فيمن كان على إيمان، وقد علم المؤمن رجوعه إلى ~~ربه، لم يردف فيها ذكر ذلك. # والجواب عن السؤال التاسع: حاصل في الجواب المتقدم، وتلخيصه أن تخصيص هذه ~~السورة بما ورد فيها مختلف بهذا السياق لما لم يذكر، وقد مر. أما آية ~~العنكبوت فلما تقدم ذكره من قصة سعد. وأما آية لقمان فلتقدم قوله تعالى: ~~(وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) ~~(لقمان: 13)، وأما سورة الأحقاف فلما انجر في جواب السؤال الرابع. ### | الآية الثانية # من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في ~~السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) (العنكبوت: 22)، وفي سورة ~~الشروى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) ~~(الشورى: 31)، للسائل أن يسأل عن زيادة الواو في سورة العنكبوت من قوله: ms435 ~~(ولا في السماء) ولم يرد ذلك في سورة الشورى؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أنه لما تقدم فيها قوله تعالى: (أم حسب الذين ~~يعملون # # PageV02P389 # السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون) (العنكبوت: 4)، وهذا من أشد الوعيد إذ ~~حاصله أنه لا يفوته سبحانه أحد ولا مهرب منه تعالى إلا إليه، ناسب هذا قوله ~~تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء)، كما قال: (أين ما ~~تكونوا يأت بكم الله جميعا) (القرة: 148) إلى ما ورد من هذا، وذلك تناسب ~~بين، ولما لم يرد في سورة الشورى من أولها إلى الآية مثل هذا الوعيد ~~الشديد، ولا كان فيها ما يستدعي في هذا التعميم والاستيفاء الوعيدي، وردت ~~الآية مناسبة، لذلك، فقال تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض)، ولم يكن ~~التعميم هنا ليناسب، فورد كل على ما يجب، والله سبحانه أعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه ~~أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) (العنكبوت: ~~24)، وورد بعد هذا: (خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين) (العنكبوت: 44)، فأفرد هنا آية وجمع في الأولى فقال: (الآيات)، ~~مع أن هذه الثانية أعظم: قال تعالى: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس) (غافر: 57)، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أن الإشارة في الآية الأولى بقوله: (إن في ذلك ~~لآيات) ليست لقصة إبراهيم، عليه السلام، وإنجائه من النار فقط بل الإشارة ~~لمجموع معتبرات، منها لبث نوح، عليه السلام، في قوله ألف سنة إلا خمسين ~~عاما يدعوهم إلى الله ويريهم الآيات فما آمن معه إلا قليل، ومنها آية أخذهم ~~بالطوفان وتعميم الغرق لجميع أهل الأرض، ومنها إنجاء أهل السفينة وجعلها ~~آية للعالمين، ومنها ما أحيلوا عليه من الاعتبار بمن قبلهم في قوله: (وإن ~~تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم .. ) (العنكبوت: 18)، ومنها دعاء إبراهيم، ~~عليه السلام وعظيم بيانه وما استجر دعاؤه إياهم من الآيات والبراهين على ~~نبوته، ومنها ما أيلوا عليه آخر ms436 الآيات في قوله: (أولم يروا كيف يبدئ الله ~~الخلق ثم يعيده) (العنكبوت: 19)، فلما تقدم تفصيل الآيات ورد التنبيه ~~بالإشارة إلى جميعها فقيل: (إن في ذلك لآيات). # أما قوله في الآية الأخرى: (إن في ذلك لآية) فالإشارة إلى المصدر وهو ~~الخلق المفهوم من قوله: (خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية)، ~~كما ورد في قوله تعالى: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) (المائدة: 8)، فالضمير ~~للمصدر وهو العدل المفهوم من وقله: (اعدلوا)، وهذا جار في الضمير واسم ~~الإشارة ومتردد في كلام العرب، فكل من الآيتين على ما يجب. # # PageV02P390 ### | الآية الرابعة # من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين ~~آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا ~~الكافرون * وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا ~~إلا الظالمون) (العنكبوت: 47 - 49)، للسائل أن يسأل عن وسم الجاحدين أولا ~~بالكافرين ثم وسموا بعد بالظالمين، والظلم يصح إطلاقه على ما دون الكفر، ~~فقد يسبق إلى الوهم أنه لو ورد وسمهم أولا بالظلم ثم ثانيا بالكفر لكان ~~أنسب؟ # والجواب: أن الظلم وإن كان يطلق على الكفر وعلى ما دونه قال تعالى: ~~(والكافرون هم الظالمون) (البقرة: 254)، فإنه إذا ذكر بعد الكفر ووصف به من ~~قد وصف بالكفر أفهم زيادة مرتكب على الكفر، قال تعالى: (إن الذين كفروا ~~وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم ... ) ~~(النساء: 168 - 169)، وعلى هذا ورد في القرآن وقد تقدم ذلك. فقد وضح ما ~~وردت عليه آيتا العنكبوت، وليس من المشكل. ### | الآية الخامسة # من سورة العنكبوت - قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) (العنكبوت: 61)، وفي سورة ~~لقمان: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون) (لقمان: 25)، وفي سورة الزخرف: (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) (الزخرف: 9)، وتواردت ms437 هذه ~~الآي الثلاث على معنى واحد وهو تقريرهم على ما كانوا يعترفون به من انفراده ~~سبحانه بخلق السماوات والأرض واعترافهم بذلك إن سئلوا، ثم اتبع ذلك في سورة ~~العنكبوت بقوله: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) (العنكبوت: 63)، ~~فأعلم تعالى أنهم لو سئلوا أيضا عن هذا لاعترفوا، ثم اختلف ما أعقبت به هذه ~~الآي من وصفهم حيث وصفوا فيها بعد فرض سؤالهم واعترافهم، فأعقب الأولى ~~بقوله: (فأنى يؤفكون)، وآية لقمان بقوله: (قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون)، وآية العنكبوت الثانية بقوله: (قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعقلون)، ولم يرد في آية الزخرف إتباع بوصف، فللسائل أن يسأل عن اتاد مقصود ~~هذه الآي أو تفصيله؟ وعن وجه اختلاف الدليل فيما ورد في التعقيب به في هذه ~~الآي؟ # والجواب عن الأول: أن المقصود فيها ليس واحدا، أما الثلاث آيت الأول ~~فالمراد # # PageV02P391 # منها استدلال بهذا الخلق العظيم، وما هو عليه من جليل التناسب، وإتقان ~~الصنعة وإحكامها من غير تفاوت ولا فطور، على واحدانية تعالى، وانفراده ~~بالخلق والأمر، واتصافه بالعلم والقدرة إلى ما يجب له تعالى من صفات ~~الكمال، والتعالي عن شبه الخليقة، ولوضوح هذا الدليل ما أخبر تعالى عنهم ~~أنهم لو سئلوا لاعترفوا فقال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله) (لقمان: 25)، وأما قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ~~ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله) (العنكبوت: 63)، فمقصودها ~~إقامة البرهان على الإحياء من بعد الموت، وبيان ذلك بمثال (مشاهد) للعالم ~~يحصل عن اعتباره جواز ما قصد تمثيله، وبذلك أفصحت آية الأعراف في تعقيبها ~~بقوله: (كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) (الأعراف: 57)، وذلك أبين شيء، فقد ~~اختلف المقصد كما تقدم. # ووجه تخصيص سورة العنكبوت بهذه الآية مناسبتها لما تردد فيها وتكرر من ~~ذكر العودة الأخراوية أو الإشارة إليها في ما نيف على عشرى مواضع، أولها: ~~قوله: (من كان يرجو لقاء الله فإن ms438 أجل الله لآت وهو السميع العليم) ~~(العنكبوت: 5)، وآخرها ما ورد قبل الآية المتكلم فيها من قوله: (كل نفس ~~ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) (العنكبوت: 57) وما اتصل بها، وأنصها في ~~المقصود قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على ~~الله يسير) (العنكبوت: 19) إلى قوله: (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) ~~(العنكبوت: 20)، فناسب ما تردد في هذه السورة من هذه الآي إيراد آية المثال ~~المذكورة، ولما لم يرد في السورتين الأخريين مثل الوارد المتكرر في سورة ~~العنكبوت لم يكن ليناسبها ورود آية المثال مناسبتها حيث وردت. # والجواب عن السؤال الثاني، وهو توجيه اختلاف الحال فيما وقع فيه التعقيب ~~في هذه الآي، أن ذلك مبنى على الترتيب الثابت في الكتاب العزيز (لما) ذكر ~~تعالى حالهم لو سئلوا عن خلق السماوات والأرض وتسخير النيرين، ولا إشكال ~~فيه لمن وفق، قال تعالى: (فأنى يؤفكون) (العنكبوت: 61) أي كيف يصرفون عن ~~الدلالة مع وضوحها، ثم قال عقب آية لقمان: (بل أكثرهم لا يعلمون) (لقمان: ~~25)، وحصل مما أعقبت به الآيتان ما في قوة أن لو قيل: كيف يصرفون مع بيان ~~الأمر ما ذلك إلا لمنعهم عن العلم: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) ~~(الكهف: 57). # وأما ختام آية الزخرف بقوله: (ليقولن خلقهن العزيز العليم) (الزخرف: 9) # # PageV02P392 # فاعتراف تام منهم بوصفه سبحانه بالقدرة والعلم، وإذا اعترفوا بذلك لم يبق ~~إلا العناد بما قدر عليهم، ومناسبة هذا الختام على ما تمهد من رعي الترتيب، ~~وكأن هذه الآية الأخيرة في قوة أن لو قيل: وإذا حقق عليهم وتوبعوا في ~~سؤالهم اعترفوا بالأمر على ما هو عليه، فكفرهم بعد ذلك اتباع للهوى وضلال ~~على علم، والتناسب في هذا كله بين. # وأما آية العنكبوت الثانية وهي قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من ~~السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله) (العنكبوت: 63) ثم ~~قال: (قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) (العنكبوت: 63) فوصف أكثرهم هنا ~~بعدم العقل، فوجه ذلك - والله أعلم - التعريف بإفراط قصورهم حتى استحقوا ~~الوصف بصفات ms439 البهائم ومن لا يصح خطابه، وذلك أن العقل فضل الإنسان، وبه ~~امتيازه عن البهيمة، ولا يمكن العلم بشيء إلا بعد حصوله والاتصاف به، وهو ~~مناط التكليف. وهو عند المتكلمين عبارة عن علوم ضوروية، وليس كل العلوم ~~الضرورية، وهو مع هذا خصيصة جليلة إن عدمت لم يكن التكليف ولا وجود علم، ~~وأضداد العلم العامة والخاصة أضداد للعقل، وهو من قولهم عقلت البعير إذا ~~أمسكته بعقال، وبه وضع خطاب المكلفين، فإذا فقد لحق فاقده بالبهائم، ثم ~~نقول إن إنزال الماء من السماء وهو ماء واحد المادة، فمن عقل هذا هقل وجود ~~الإنسان من نظفة واحدة كواحدة الماء المازل من السماء، ثم يكون عن تلك ~~النطفة شكل الإنساء، وما ينطوي عليه خلقه وتشتمل عليه جملته والمادة واحدة، ~~فالتلاقي والشبه بين الماءين وما يوجده سبحانه عنهما أوضح شيء لمن عقل، ~~فكيف يستبعد العودة من يشاهد ذلك أو يعتبر به. # وقد أرانا سبحانه في ماء السماء وما يكون عنه الإحياء بعد الموت ما أوضحه ~~في قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء ~~فيحيي به الأرض بعد موتها ... ) (الروم: 24) ما فيه أبين دليل لمن وفقه ~~سبحانه للنظر والاعتبار، لا توقف فيه، وجعل ذلك متكررا، ونبه تعالى عليه ~~بقوله: (كذلك نخرج الموتى) (الأعراف: 57)، وقال تعالى: (الله الذي يرسل ~~الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج ~~من خلاله) (الروم: 8)، وقوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها) (فاطر: 9). # *** # # PageV02P393 ### | سورة الروم ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها) ~~(الروم: 9)، وفي سورة فاطر: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في ~~السماوات ولا في الأرض) (فاطر: 44)، وفي سورة غافر: (أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة ms440 الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا ~~في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق) (غافر: 21)، وفي ~~آخرها: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا ~~أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) (غافر: ~~82)، للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات مع اتفاقها في المعنى المقصود ~~بها؟ وعن (وجه) اختصاص كل موضع من مواضعها بما خص به منها؟ والجواب عن ~~السؤالين معا: أن هذه الآيات لم يختلف المقصود بها وهو التنبيه على ~~الاعتبار بحال من تقدم من القرون ما يلائم ما جرى في تلك السورة قبل ذلك ~~الموضع أو بعده من إشارة أو تعريف إخبارا من غير تنبيه أو تحريك إلى ~~الاعتبار بهم، فحين جيء بالتنبيه بقوله: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف) روعي ما ورد قبل أو بعد من إخبار أو إشارة، لذلك فبني ما عرض عليهم ~~وحركوا به من التنبيه ثم أفصح به في آية التنبيه (تأكيدا لموجب يستدعيه، ~~فلرعي هذا اختلف التنبيه) الوارد في هذه المواضع، لا لاختلاف في المعنى. ~~بيان ذلك أن آية الروم، وهي أولى تلك الآيات، فقد ورد فيما بعدها من تلك ~~السورة قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ~~فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين) (الروم: 47)، فهذا ~~تعريف منه سبحانه بما فعل بأولئك الذيم كانوا من قبل هؤلاء وجاءتهم ~~البينات، فذكر في أول السورة من حالهم هذا، ولم يذكر ما فعل بمن كذب منهم ~~ولا بمن آمن، فعرفت الآية الأخيرة بذلك، وأنه سبحانه انتقم منهم لاجترامهم ~~بالتكذيب، وعرف # # PageV02P394 # بنصر مؤمنيهم ونجاتهم، فحصل من الآيتين التعريف التام بما جرى منهم ~~ابتداء وانتهاء، وصار مجموع الآيتين من الالتحام كأن قد قيل: ألوم يسيروا ~~في الأرض فينظرا كيف كام عاقبة الذين من قبلهم مع زيادة قوتهم وانتشارهم ~~وطول أعمارهم أكثر من هؤلاء، فجاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا فانتقمنا ممن ~~أجرم وكذب، ونصرنا من ms441 آمن، وكان حقا علينا نصر المؤمنين، وما ظلمنا من ~~انتقمنا منه: (فما كان الله ليظلمهم ... ) (الروم: 9)، فتأمل وضوح هذا كله ~~وتناسبه والتئامه. # فإن قيل: فلم لم يرد ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما أجرموا متصلا بما تقدم ~~من التذكير بالاعتبار بهم وكان يحصل ذلك كله في كلام متصل بعضه ببعض؟ ولم ~~وقع ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما كذبوا متأخرا عن الوارد من حالهم أولا ~~(التي) أمر هؤلاء ونهوا عن الاعتبار بها؟ قلت: جرى ذلك على المعتاد منه ~~سبحانه في دعاء الخلق إلى الإيمان من التطلف والرفق في الدعاء، وبذلك أمر ~~رسله، عليهم السلام، فقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، وقال لموسى، ~~عليه السلام: (وذكرهم بأيام الله) (إبراهيم: 5) أي بنعمة وآلائه قبلهم، ~~وقال لبني إسرائيل: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) (البقرة: 47)، وقال: ~~(يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم) (طه: 80)، وهذا في القرآن كثير، ~~فلما أمر هؤلاء وذكروا بالاعتبار بمن تقدم من القرون، ولم يتقدم قبل الآية ~~إلا التلطف والتأنيس، لم يكن ليناسب ذلك من أخذالمكذبين إلا ما يكون إيماء ~~وإشارة لا إفصاحا، فلذلك اكتفى أولا من الإشارة إلى أخذهم بقوله سبحانه: ~~(فما كان الله ليظلمهم) (الروم: 9)، وترك الإفصاح بالانتقام إلى أن ورد ~~إخبارا منه سبحانه لنبيه، عليه السلام، في غير معرض الدعاء إلى الإيمان ~~فقال تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ~~فانتقمنا من الذين أجرموا) (الروم: 47)، وحصل التعريف بغاية حال المذكورين ~~قبل في تكذيبهم، فهذا موجب تفريق هذا الإخبار، والله أعلم. # فإن قلت: فقد ورد في آية غافر من هذه الآي مجموع التنبيه والأخذ متصلا ~~على غير ما قصدت الآية، قلت: ذلك لسبب اقتضاه يذكر بعد، فآيات الدعاء إلى ~~الله تعالى إنما ترد في الأغلب على ما ذكرنا من التطلف والإبقاء على العباد ~~وذكر الإحسان والرفق، وقد ترد على غير هذا لداع وحامل، والأكثر ما ذكرته. ~~وأا آية فاطر فقد تقدمها قوله تعالى إخبارا لنبيه ms442 وتأنيسا: (وإن يكذبوك فقد ~~كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ثم ~~أخذت الذين كفروا) (فاطر: 25 - 26)، فقيل بعد هذه # # PageV02P395 # فيما هو منها ومرتبط بمعناها: ((أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة) (فاطر: 44) فأخذتهم يا محمد ~~بتكذيبهم وكفرهم، ولم يفت منهم أحد لأني عليم بأحوالهم القدير الذي لا يعجز ~~في شيء ولا يفوتني هارب، وتأمل التحام هذا كله وتناسبه وكيف تم الاختبار ~~وكمل انتهاء وابتداء، وتأمل كيف وقع الاكتفاء في آية الاعتبار بالإيمان إلى ~~أخذهم بقوله: (وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض) ~~(فاطر: 44) إحالة على ما تقدم في إخبار نبيه، عليه السلام، بأخذهم في قوله: ~~(ثم أخذت الذين كفروا) (فاطر: 26)، والتحم هذا كله وتناسب. # وأما الآية الأولى من سورة غافر فوردت على الجمع بين التنبيه للاعتبار ~~بمن تقدم وبين أخذهم، ولم يرد فيها التفصيل الوارد فيما تقدم، فقال تعالى: ~~(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا ~~هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله ~~من واق) (غافر: 21)، ثم اتبع الآية بما يؤكد أخذهم، وذكرت العلة في ذلك من ~~كفرهم، واجتمع في هذه الآية ما افترق في غيرها فقال تعالى: (ذلك بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب) (غافر: ~~22)، فتحصل منها التعريف بأخذهم وذكر العلة الموجبة لذلك من تكذيبهم وكفرهم ~~متصلا ذلك كله بعضه ببعض، ولم تجر هذه الآية في التلطف في الدعاء والتنبيه ~~على ما جرت نظائرها مما تقدم ونبه عليه، وسبب ذلك أنه تقدم في أول هذه ~~السروة من الإخبار بسوء مراجعتهم وقبيح معاملتهم مع أنبيائهم ما يوجب سريع ~~الأخذ وينافر التلطف، وذلك قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من ~~بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) ~~(غافر: 5)، فلما تقدم هذا من جوابهم بالباطل وما هموا به من أخذ رسلهم ms443 ~~وامتحانهم زائدا إلى التكذيب ناسب هذا تعجيل أخذهم، فوردت آية التنبيه على ~~ذلك، ولهذا اختصت من التأكد ما لم يرد مثله فيما تقدمها: (كانوا هم أشد)، ~~فوكد بالضمير تخصيصا وتعيينا للمذكورين قبل من قوم نوح والأحزاب، ثم اتبع ~~ذلك بقوله في قراءة ابن عامر بتخصيص من وعظ بذلك وخوطب فقيل: (منكم)، ~~فتقابل التأكيد في الطرفين تأكيدا يناسب ما بنيت عليه الآية ويشهد له، ~~ولرعي ما تقدم من السبب الأول وردت الآية الأخيرة من قوله في آخر السورة: ~~(أفلم يسيروا في الأرض ... ) (غافر: 82) إلى قوله: (فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون) (غافر: 82)، ثم أعقب هذا بقوله: (لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا ~~بما عندهم من العلم) (غافر: 83) إشارة إلى ما كانوا يظنونه علما ويجادلون ~~به من قولهم: # # PageV02P396 # (أساطير الأولين)، وقولهم: (ما هذا إلا سحر مفترى) (القصص: 36)، وقولهم: ~~(لو نشاء لقلنا مثل هذا) (الأنفال: 31)، إلى ما ورد من متعلقاتهم ~~ومجاوباتهم المشار إليه في قوله: (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق) (الكهف: 56)، فسماه سبحانه علما في قوله: (فرحوا بما عندهم من العلم) ~~(غافر: 83) بحسب اعتقادهم وظنهم، كما قال تعالى: (أين شركائي) (القصص: 62) ~~أي في زعمهم، وهو سبحانه المنزه عن الشريك والنظير، أو يكون (عندهم من ~~العلم) (غافر: 83) المراد به ما كان لدى من تعاطى النظر منهم فلم يوفق، من ~~استبعاد العودة الأخراوية، وإنكار حشر الأجساد بعد تفرق الأشلاء والأجزاء ~~وصيرورة بعضها غذاء لحيوان آخر ولتفرقها وفنائها، قالوا: (قال من يحيي ~~العظام وهي رميم) (يس: 78)، وقالوا: (أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون) ~~(الإسراء: 49)، وهو نظر مبني على قاعدتين واهيتين، وهما: إنكار القدرة، ~~وإنكار علمه تعالى بالجزيئات وعليهما بنى منكرو حشر الأجساد من الفلاسفة، ~~وهو قول زعيمهم أرسطوا ومن تبعه من المشائين ومن قال بقولهم، وليس مما ~~اتفقوا عليه، فقد نقلوا عن أفلاطون وغيره من زعمائهم مخالفة هذا القول ~~وموافقة المتشرعين في حشر الأجساد، وقد نقلوا عن جالينوس التوقف، وقد رام ~~بعض متفلسفة الإسلام الجمع بين المرتكبين فقال: تحشر الأجساد على تأويل لا ~~يعمله المتشرعون ms444 وذلك لما أرغمه من براهين الشريعة. ولما بنى المنكرون ~~مذهبهم على إنكار القدرة والعلم بالجزيئات اطراد في الكتاب العزيز، مهما ~~ذكرت العودة الأخراوي، أن يناط بها وصفه سبحانه بالعلم والقدرة إفصاحا أو ~~إشارة بينه إطرادا لا ينكسر إرغاما للمنكر الجاحد وحجة قاطعة بالمعاند، ~~وقال تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) إلى قوله: (وهو العزيز الحكيم) ~~(الروم: 27)، فوصفه سبحانه بالعزيز إشارة إلى القدرة وأشار قوله: (الحكيم) ~~إلى العلم، وقال تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم) (يس: 78) ثم قال: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) ~~(يس: 79) فقوله: (يحييها) و (أنشأها) إشارة إلىى القدرة، وقد وقع الإفصاح ~~بها بعد في قوله: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم) (يس: 81) وبسط هذا ورد أقوال هؤلاء الكفرة مستوفي في مضانه، وقد شفي ~~في أئمتنا، رضي الله عنهم، وكتاب الله سبحانه (وتعالى) واف لمن وافق لتدبره ~~وأعتباره بالبراهين القاطعة وبخصومنا، فما كان بأيدي من قدم ذكره من ~~الشبهات فيها ذكرنا هو الذي فرحوا به وأعتقدوه علما، فورد التعبير على ~~معتقدهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فقد وضع وجه مناسبة هذا لقوله ~~تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) وتبين ما أوجب خصوص كل آية ~~من هذه الأربع ومواضعها، والله أعلم. # PageV02P397 ### | الآيةالثانية # من سورة الروم - قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ~~ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من ~~السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) (الروم: ~~21 - 24)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل آية من هذه الأربع بما ختمت به ~~من وصف المعتبرين؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن ms445 الآية الأولى لما انطوت من حكمته سبحانه ~~في سبب التناسل والتكاثر على ما أبداه تعالى في خلق الأزواج منا ليحصل ~~السكن وعدم التنافر، ثم غرس سبحانه المودة والرحمة في قلب كل واحد من ~~الزوجين ليتم الالتئام ويحصل التعاون على ما به قوام العيش، إلى ما يتعلق ~~بهذا ويرجع إليه مما يحصل على عجائبه ولا يحاط ببعض الحكمة فيه إلا بمداومة ~~الفكر وطول الاعتبار، ناسب هذا إعقاب هذه الآية بوصف التفكر فقال تعالى: ~~(إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). ولما كان خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الألسنة والألوان مع عظيم الأمر في ذلك باد منه الشهادة بأن وراء ذلك موجدا ~~متنزها عن شبه هذه الأجرام، ومتعاليا عن تعبير مختلف الألسنة والألوان، ولم ~~تكن شهادة هذه بحيث تخفى حتى يحتاج فيها إلى طول التفكير في البادي لمتصف ~~بالعقل وإن اتسع النظر في عجائب ما انطوت عليه الأجرام السماوية وانتشرت ~~وجوه الاعتبارات اتساعا تنحسر العقول دونه وتكل الأذهان عن درك أدناه، ~~ولهذا تحصل ذكر الاعتبارات اتساعا تنحسر العقول دونه وتكل الأذهان عن درك ~~أدناه، ولهذا تحصل ذكر الاعتبار بالسماوات والأرض فقيل: (إن في خلق ~~السماوات والأرض) (البقرة: 164)، وقيل: (في السماوات والأرض) (البقرة: ~~116)، وقيل: (وفي الأرض آيات) (الذاريات: 20)، فأشير أولا إلى خلق أجرامها ~~وصورها، وأشير ثانيا إلى خلق ما فيها، فهذا بحر لا تدركه الدلاء، وباب لا ~~يسعه تدوين ولا إملاء، ومع ذلك فإن ربنا سبحانه ذكر عباده من ذلك بما تبدو ~~شهادته فقال: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها ~~من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) ~~(ق: 6 - 7) إلى ما يتلو هذا مما يشهد بأول اعتبار مما لاتكل عنه البصائر ~~والأبصار، وتأمل لطف دعائه سبحانه الخلق إلى عبادته في قوله: (يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) (البقرة: 21) إلى قوله: (الذي جعل لكم الأرض ~~فراشا والسماء بناء) (البقرة: 22) إلى أشباه هذه، فلما كان هذا الضرب من ~~الاعتبار يحصل بأوله المقصود لكل أحد قال تعالى: ms446 (إن في # # PageV02P398 # ذلك لآيات للعالمين) (الروم: 22)، فوضح تناسب هذا الختام، ولاح التلاحم ~~والالتئام. # ولما كان أمر الليل والنهار منصوصا على رحمة الخلائق بهما في عدة آيات ~~بقوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب) (الإسراء: ~~12)، وقوله: (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا) (غافر: ~~61)، وقوله: (وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا) (النبأ: 10 - 11)، ~~إلى غير هذه من الآيات، فتحصل من مجموعها وفاء الاعتبار بهما وما فيهما، ~~ومستند ذلك المحرك للاعتبار به السماع والأخبار الواردة به أعقب بقوله: ~~(لآيات لقوم يسمعون) (الروم: 23). # وأما إراءته سبحانه البرق خوفا وطمعا، وإنزال الماء من السماء، وإحياء ~~الأرض بعد موتها، فلا تحصل ثمرة الاعتبار به إلا لمن أطال الاعتبار وأمعن ~~النظر وبالغ في ذلك، ولما كان حصول الثمرة المطلوبة هنا يتوقف على ما ذكر ~~أعقب بقوله: (لقوم يعقلون). ### | الآية الثالثة # من سورة الروم - قوله تعالى: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) (الروم: 37)، وفي سورة الزمر: (أولم ~~يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) (الزمر: 52)، ففي آية الروم: ~~(أولم يروا) وفي الأخرى: (أولم يعلموا)، فللسائل أن يسأل عن الفرق؟ # والجواب، والله أعلم: أن سورة الروم لما تقدم فيها قوله تعالى: (أولم ~~يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) ~~(الروم: 8)، وقوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم) (الروم: 9)، والتفكر تردد نظر ومباثه واعتبار، والنظر ~~المحال عليه فيما حضوا عليه من سيرهم في الأرض إنما هو استعلام وبحث ~~واعتبار بحال من تقدمهم، ناسب ذلك قوله تعالى: (أولم يروا)، لأن قول القائل ~~منا لغيره: ما ترى في هذا الأمر؟ إنما يريد ابحث عما يتردد في خاطرك ويختلج ~~في فكرك وعرفني بما يظهر لك وتختاره، وكذا قول القائل: افعل في هذه القضية ~~بما أراك الله، إنما يريد اجتهد وامض فيها من المتردد في خاطرك ms447 ما تراه ~~أولى، والحاصل من الرأي هنا في مثل هذا غالب ظن وليس بعلم لإمكان الخطأ ~~فيما يراه، إذ لسنا بمعصومين، ولو فرضنا العصمة لكان الحاصل علما، وفي كتاب ~~الله سبحانه قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاحكم بينهم بما أراك الله، ~~وإنما أحيل، عليه السلام، على اجتهاده والاعتبار بما لديه من الوحي وما ~~أنزل عليه، إلا أنه، عليه لاسلام، على اجتهاده والاعتبار بما لديه من الوحي ~~وما أنزل عليه، إلا أنه، عليه السلام، مكتنف بالعصمة والحفظ من الخطأ ~~والغلط فيما يراه مما يرجع إلى التبليغ وتقعيد أحكام شريعته، فالحاصل # # PageV02P399 # عن نظره صلى الله عليه وسلم وما يراه علم، وأنا عن نظر غيره ممن ليس ~~بمعصوم فظن كما تقدم. ولفظ رأى يصلح في الحالين، ويقع بالاشتراك على ~~المعنيين وعلى الإبصار، فناسب لتردد لفظه بين هذه المعاني، وإن كان في سورة ~~الروم يراد به العلم، ما تقدم في السورتين قوله: (أولم يتفكروا) وقوله: ~~(أولم يسيروا في الأرض) لجامع التردد حاصل في المتواطئ بلحظ التشخص، فوضح ~~التناسب. # وأما سورة الزمر فلم يتقدم (بها ما تقدم) في سورة الروم مما يستدعي ذلك ~~التناسب، فجيء بقوله: (أولم يعلموا)، فطوبق باللفظ المعنى من حيث لا تردد ~~فيهما ولا اشتراك، وأيضا فقد تقدم في هذه السورة قوله تعالى: (فاعبد الله ~~مخلصا) (الزمر: 2) وقوله: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا) (الزمر: 11) ~~وقوله: (قل الله أعبد مخلصا له ديني) (الزمر: 14)، والإخلاص مسبب عن العلم، ~~وهو ثمرته، أعني ثمرة العلم، فناسب هذا قوله: (أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر) (الزمر: 52)، فإنهم تسبب عن علمهم الإخلاص إن سبقت ~~سابقة سعادة، فناسب هذا أتم مناسبة، فهذا وجه ثان من الجواب، وكأنه مما قدم ~~فيه المسبب وهو الإخلاص بين يدي سببه وهو العلم، ووضح على هذا أن ما ورد ~~هنا لم يكن ليناسب ما في سورة الروم، ولا ما ورد في سورة الروم ليناسب ما ~~في سورة الزمر، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة الروم قوله تعالى: (فأقم ms448 وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله يومئذ يصدعون) (الروم: 43)، وفي سورة الشورى قوله تعالى: ~~(استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ ~~يومئذ وما لكم من نكير) (الشورى: 47)، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف ما وقع ~~به الإتباع في الآيتين فقيل في الأولى: (يومئذ يصدعون) وفي الثانية: (ما ~~لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير)؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الروم إنما أعقبت بقوله: (يومئذ ~~يصدعون) تمهيدا لما اتصل بها من تفصيل الأحوال في قوله: (من كفر فعليه كفره ~~ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) (الروم: 44)، لأن تصدعهم يراد به افتراقهم ~~كما في قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) (الروم: 14)، فالمراد ~~يومئذ يصدعون إلى ما أعد لكل منهم بحسب مرتكبه وحاله في كفره وإيمانه، وقد ~~تضمن قوله: (فعليه كفره) جزاؤه، وأشار إلى تفصيل أحوالهم في عذابهم كل بحسب ~~مرتكبه: (جزاء وفاقا) (النبأ: # # PageV02P400 # 26)، وكان الكلام في قوة أن لو قيل: فعليه مطابق كفره من العذاب، وكذلك ~~تضمن قوله في الناجين: (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) من تفصيل الأحوال ~~في الثواب كل بحسب ما مهد لنفسه كما في قوله: (إنما تجزون ما كنتم تعملون) ~~(الطور: 16)، فعبر عن ذلك بأوجز عبارة وأوفاها بالمقصود، وقدمت الإشارة إلى ~~ذلك التفصيل في الطرفين بقوله: (يومئذ يصدعون). # وأما آية الشورى فإنه تقدم قبلها قوله تعالى: (ومن يضلل الله فما له من ~~ولي من بعده) (الشورى: 44)، والولي من يرجع إليه انضواء واعتمادا، ثم قال ~~تعالى مخبرا عن الظالمين في نفي الولي والنصير عنهم: (وما كان لهم من ~~أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل) (الشورى: 46)، ~~فلما نفى عنهم الأولياء الناصرين والسبيل إلى التخلص ناسب ذلك أمره تعالى ~~العباد بالاستجابة له فقال: (استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ~~من الله) (الشورى: 47) أي أنه آت لا محالة: (ما لكم من ملجإ يومئذ) أي ms449 من ~~ولي ترجعون إليه أو يدفع عنكم، (وما لكم من نكير) أي إنكار، فلا تعلق لكم ~~ولا ينفعكم إنكاركم إن تعلقتم، فحذر تعالى عباده من حال الظالمين في عدم ~~الولي والناصر، وأمرهم بالاستجابة قبل التورط وانقطاع الطمع والرجاء في ~~التخلص، وعدم جدوى الإنكار لمن ظن التعلق به، فحذرهم مما امتحن به غيرهم ~~بعد ذكر حال من امتحن، فناسب ذلك لكه أوضح تناسب. ### | الآية الخامسة # من سورة الروم - قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم ~~من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله) (الروم: 46) وفي سورة ~~الجاثية: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله) (الجاثية: 12)، للسائل أن يسأل عن زيادة (فيه) في سورة الجاثية وكونه ~~لم يثبت في سورة الروم؟ # والجواب، أن هذا لا إشكال فيه، لأن البحر لم يجر له ذكر في آية الروم، ~~فلم يكن للضمير ما يرجع إليه، فلم يؤت به بهذا، ولو قصد محل جري الفلك ألزم ~~الإتيان بالظاهر (ولقيل): ولتجري الفلك في البحر، وهو مفهوم من السياق، فلم ~~يحتج إليه هناك. أما آية الجاثية فإنه لما قدم فيها ذكر البحر جيء بالضمير ~~المجرور العائد إليه على ما ينبغي، وكان له مفسرا، فحسن الإتيان به بخلاف ~~آية الروم، فالفرق بينهما لا خفاء به. # # PageV02P401 ### | سورة لقمان ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها ~~كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم) (لقمان: 7)، وفي سورة الجاثية: (ويل ~~لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم) (الجاثية: 7، 8) للسائل أن يسأل عن تخصيص آية لقمان ~~بقوله: (كأن في أذنيه وقرا)؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الجاثية لما تقدم فيها: (ويل لكل ~~أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا)، فوصفه بسماع آيات ~~الله لم يكن ليطابقه ذكر الوقر في الأذن لأنه قد ذكر سماعه الآيات، والوقر ~~مانع من السمع، فلم يناسب الإعلام بالسماع ذكر الوقر ms450 المانع منه. فإن قيل: ~~لو ذكر هنا الوقر في الأذنين لم يكن ليكون إلا تأكيدا لبيان توليه وإعراضه ~~فكان يناسب، قلت لو وكد بذلك لاقتضى مقاربة عدم السماع، وليس المراد - واله ~~أعلم - إلا أنه سمع وأعرض، فكأنه لم يسمع، ليجري الوارد هنا مع قوله تعالى ~~فيمن صمم على كفره من يهود: (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) (البقرة: 75)، وإذا أريد إبقاء ~~سماعهم، ولم يرد منعه البتة، لم يناسبه التأكيد المقرب من المنع من أن ~~التنبيه الواقع (مراد)، فحصل المقصود، والله أعلم. ولما لم يقع ذكر سماع ~~الآيات في آية لقمان، وتقدم ذكر المشار إليه فيها بقوله: (ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا) (لقمان: 6)، ~~وهذه زيادة مرتكب، فناسبها ذكر زيادة الوقر. مع أنه لم يرد فيها ذكر سماعه ~~الآيات كما ورد في آيةالجاثية، فازداد وضوح التلاؤم، وإن عكس الوارد لا ~~يلائم، والله أعلم بما أراد. ### | الآية الثانية # من سورة لقمان - قوله تعالى: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) (لقمان: 17)، (وقال في ~~سورة) الشورى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) (الشورى: 43)، يسأل ~~عن مقتضى توكيد الخبر في هذه الآية وسقوط التوكيد من الأولى؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الشورى، لما دخلها معنى القسم، وكانت # # PageV02P402 # على تقديره، إذ اللام في قوله: (ولمن صبر وغفر) توطئة له ودالة على تضمين ~~الآية معناه، وناسب ذلك زيادة لام التأكيد في خبر إن، وذلك ظاهر في معنى ~~الآية. وأما آية لقمان فقوله فيها: (إن ذلك لمن عزم الأمور) مجرد إخبار عن ~~حال ما وقعت الوصية به، ولا مدخل للقسم هنا ولا معنى له، فلم تدخل لام ~~التأكيد في الخبر إذ ليس في الآية معنى قسم يستدعيها، ولا وقع في اللفظ ما ~~يطابقها، فورد كل على ما يجب ويناسب، ولو قدر العكس لما ناسب، والله ms451 أعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة لقمان قوله تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما ~~تعملون خبير) (لقمان: 29)، وفي سورة فاطر: (يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم) ~~(فاطر: 13)، وفي سورة الزمر: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار) (الزمر: ~~5)، للسائل أن يسأل عن قوله في سورة لقمان: (إلى أجل) بإلى، وفي السورتين ~~بعد (لأجل) فجر أجل باللام مع اتحاد المعنى، فما الفرق؟ # والجواب، والله أعلم: أن آية لقمان تقدمها التنبيه على الاعتبار بها ~~بقوله: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) ثم ~~قال: (وسخر الشمس والقمر) فعطف بواو النسق المقتضية الجمع، فدخل هذا مع ما ~~قبله تحت حكم التنبيه بقوله: (ألم تر)، وحكم التنبيه بالاعتبار منسحب على ~~المجموع للاشتراك في اللفظ والمعنى، فطال الكلام بحسب ما اتقضاه مقصوده، ~~فناسب طوله الجر بما يناسبه مما لا يخرج عن معنى اللام الجارة وهو إلى، ~~فانجر الأجل بها. ولما بنيت الآيتان بعد على إيجاز ليس في آية لقمان ناسبه ~~الجر باللام اكتفاء بما يحرز المعنى المقصود ويناسب التركيب، وورد كل على ~~ما يناسب أتم مناسبة، والله أعلم. # **** # # PageV02P403 ### | سورة السجدة ### | الآية الأولى # منها) قوله تعالى: (وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) ~~(السجدة: 20)، وفي سورة سبأ: (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي ~~كنتم بها تكذبون) (سبأ: 42)، للسائل أن يسأل عن صرف الوصف إلى العذاب أولا ~~فذكر فقيل: (الذي كنتم به تكذبون) وصرفه ثانيا إلى النار فقيل: (التي كنتم ~~بها) فأنث الموصول والضمير، ما وجه ذلك؟ # والجواب: أنهم يكذبون بالنار وبعذابها، وقد ورد العذاب مضافا إليها في ~~السورتين، والعذاب مذكر والنار مؤنثة، وعودة الضمير إلى كل من المضافين ~~تحصل المقصود على السواء، فإنما يبقى السؤال عن تخصيص ms452 كل واحدة من السورتين ~~بما ورد فيها؟ # والجواب عنه: أن آية السجدة اقترن بها ما يستدعي أن يناسب وهو قوله ~~تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) (السجدة: 21)، فلما ~~تفصل ذكر العذاب إعلاما بإلحاق ضريبة الأدنى والأكبر بمن جرى الوعيد لهم، ~~والعذاب مذكر، وقد تكرر، فتأكد رعيه، فناسبه عودة الضمير قبله إلى العذاب ~~المضاف إلى النار مذكرا ليجري ذلك كله مجرى واحدا. ولما لم يكن يتلو آية ~~سورة سبأ ولا قبلها ما يستدعي ذلك، أعيد الضمير إلى النار مؤنثا، ليحصل في ~~السورتين ورود الوجهين الجائزين كما تقدم مع التناسب، والله أعلم. # *** # # PageV02P404 ### | سورة الأحزاب ### | الآية الأولى # منها قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما) ~~(الأحزاب: 8)، وفيما بعد من السورة: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب ~~المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) (الأحزاب: 24)، (يسأل عما أعقبت به كل من ~~الآيتين مع تقارب ما بني عليه التعقيب)؟ # والجواب، والله أعلم: أاختلاف العقيب مرعي فيه ما تقدم قبل كل واحدة من ~~الآيتين، أما الأولى فالمتقدم قبلها قوله تعالى: (ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين) (الأحزاب: 1)، ثم لم يعد الكلام إلى شيء من مرتكبات المنافقين ~~ولا تفصيل أحوالهم، فناسب هذا قوله: (وأعد للكافرين عذابا أليما) (الأحزاب: ~~8)، والكافر بالنفاق كاكافر المتظاهر بكفره. وأما ### | الآية الثانية # فتقدمها قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا) (الأحزاب: 12)، ثم تتابعت الآي بعد معرفة بسوء ~~مرتكبهم وقبيح أفعالهم في ثماني آيات أو نحوها إلى قوله: (لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة) (الأحزاب: 21)، ثم أعقب هذا بذكر حال المؤمنين، وذكر ~~بأحسن ما يتحلى به الصادق في إيمانه، فقال تعالى: (ولما رأى المؤمنون ~~الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا ~~إيمانا وتسليما) (الأحزاب: 22). إلى عظيم ما وصفهم به سبحانه، ثم أعقب بذكر ~~حال الفريقين فقال: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو ~~يتوب عليهم) (الأحزاب: 24)، (وقد أبقى سبحانه عليهم بقوله: (إن شاء أو يتوب ms453 ~~عليهم)) جريا على المطرد من عظيم حمله وسعة عفوه. ورحمته، وكل من هذا وارد ~~على أعظم مناسبة. قلت: وهذا (مما) يشبه المتشابه من الضرب الذي بني عليه ~~هذا الكتاب وليس منه. # الآية الثانية من سورة الأحزاب قوله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا) (الأحزاب: 38)، وفي آخر السورة: (سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) (الأحزاب: 62) للسائل أن ~~يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به كل آية منها؟ ففي الأولى: (وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا)، وفي عقب الثانية (ولن تجد لسنة الله تبديلا). # # PageV02P405 # ووجه ذلك، والله أعلم: أن الآية الأولى معقب (بها) قصة زينب أم المؤمنين ~~وزيد بن حارثة، رضى الله عنهما وما جرى في ذلك إلى أن تزوجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (فهذه الآية تأنيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم)، وإعلام ~~له أن تلك سنته سبحانه في عبادة التي شاءها وقدرها حكما ثابتا فيمن تقدم من ~~الرسل والأنبياء ومن اهتدى بهديهم، فلا حرج عليك يا محمد فلا تصغ إلى قول ~~منافق (يقول) تزوج محمد حليلة ابنه، فإن زيدا ليس ابنك: (ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم) (الأحزاب: 40)، وأنا شئت تزويجك إياها وحكمت به في سابق ~~عملي بعد تطليق زيد لها وانفصاله عنها: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) ~~(الأحزاب: 37) ليعلم أن تلك سنتك وسنة أمتك بعدم (لكي لا يكون على المؤمنين ~~حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) (الأحزاب: 37)، فهذه الآيات ~~تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، وتلسلية له عن خوض المنافقين، وتنزيه ~~لقدره العلي وتبرئة من كل متوهم فيه أدنى نقص، ورفع لما يتوهم ويقدر وليس ~~على ظاهره السابق من قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه) (الأحزاب: 37). فهذه آية تعلق (بها) من كان في قبله ~~مرض وتهجموا على باد من مفهومها، ms454 فقالوا: إنه عليه السلام رآها فمال إليها ~~وأحبها في حكاية ذكرها المفسرون، يبطلها ويردها المقطوع به من أن زينب نشأت ~~معه، ولم يزل يراها لمكان قرابتها منه، وقوله لزيد عتيقه الذي أنهم عليه ~~بالعتق: اتق الله - يريد اتق الله فيما تذكر عن زينب، لأن زيدا نسب إليها ~~نشوزا وتوقفا عن طاعته، فأمره بتقوى الله في أمرها والتثبت فيما يحكيه عنها ~~مما كان يظنه نشوزا، وكانت زينب، رضى الله عنها، أعظم قدرا من أن تقع في ~~معصية النشوز عمدا، ولكن الزوجين يطلب كل منهما غاية في الوفاء يرى عند ~~غلبة (حب) هذا المطلب عليه ما يقتصر عنه نشوزا، ففي الجاري من هذا قال له ~~عليه السلام، اتق الله، وأخفى عنه ما كان تقدم له الإخبار به بالوحي من أنه ~~سيطلقها وأنه، عليه السلام اتق الله، وأخفى عنه ما كان تقدم له الإخبار به ~~بالوحي من أنه سيطلقها وأنه، عليه السلام، سيتزوجها، فهذا الذي أفخفاه، ~~عليه السلام، في نفسه ولك يتكلم به حتى أبداه الله، وقوله تعالى: (وتخشى ~~الناس) أي تخشى كلام المنافقين وقولهم إن محمدا تزوج امرأة ابنه، من حيث ~~كان، عليه السلام، قد تبناه قبل الوحي، وقصة ذلك معروفة مشهورة، فكانوا ~~يقولون: زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند ~~الله) (الأحزاب: 5)، فقيل له، عليه السلام، وقد أدرك الاستيحاء من أن يتكلم ~~المنافقون بذلك وخشية منهم فقال له: لا تخش أحدا إنما جريت في ذلك كله # PageV02P406 # على ما بين الله لك من الشرع الذي جعله سبحانه سبيلك ودينك الذي تدعو ~~إليه، وطريق من تقدمك من الرسل الذين يبلغون رسالات الله ويخشوننه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله، فالله أحق أن تخشاه أنت يا محمد، ولا تصغ إلى أحد، ~~ولا تستحي منه، فإنك على صراط مستقيم، فقد وضح ما أخفاه في نفسه وهذا الذي ~~أبداه تعالى، ألا ترى أنه سبحانه قد وعد أنه يبدي ما أخفاه صلى الله عليه ~~وسلم في نفسه، فهل ترى في تلك القصة خلاف ms455 ما نطق به كتابه من قوله تعالى: ~~(فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) (الأحزاب: 37)، وكانت زينب تفخر بهذا ~~وتقول لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: زوجكن أهلوكن زوجني الله من فوق ~~سبع سماوات، فهذا إخباره سبحانه وما أبداه مما أخفاه نبيه صلى الله عليه ~~وسلم في نفسه وما سوى هذا فاختلاق. ونقول: وقد تسامح المفسرون هنا، وتبع ~~آخرهم أولهم في نقل ما كان الواجب تركه، إذ هو خلاق القرآن لمن وفق لتدبره ~~ولحظ شهادة بعضه لبعض، فهذا مقصود هذه الآية، ولمجموع ما ذكرنا أعقبت ~~بقوله: (وكان أمر الله قدرا مقدورا) (الأحزاب: 38). وقد اتبعت الآية بذكر ~~من سن سبحانه حكم هذه الآية لهم، وأنهم الرسل، عليه السلام، فقال: (الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) (الأحزاب: 39)، فتأمل ~~هذا التعقيب، وقد قيل له، عليه السلام، في قوله تعالى: (سنة من قد أرسلنا ~~قبلك من رسلنا) (الإسراء: 77)، وقيل له: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده) (الأنعام: 90)، وعرفنا ربنا سبحانه أن نبينا كذلك فعل فقال: (وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم) (الشورى: 52). # وأما الآية الثانية فإنه سبحانه لما قال: (لئن لم ينته المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا ~~قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) (الأحزاب: 60 - 61) أتبع ~~تعالى بالإخبار أن تلك سنته الجارية في الذين خلوا من قبل، وهذا كقوله: ~~(سنت الله التي قد خلت في عباده) (غافر: 85)، فأعلم أنها سنته الجارية ~~فيهم: (ولن تجد لسنة الله تبديلا) (الأحزاب: 62)، وقد تكرر هذا في مواضع من ~~كتاب الله سبحانه، ووضح هذا التناسب في كل من الإعقابين، والله سبحانه أعلم ~~بما أراد. # ***** # # PageV02P407 ### | سورة سبأ # قوله تعالى: (إن في ذلك لآية لكل عبد منيب) (سبأ: 9)، وقال بعد: (إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور) (سبأ: 19) بالإفراد في الأولى والجمع في الثانية، ~~فللسائل أن يسأل عن ذلك؟ # والجواب عنه، أن الإشارة أولا إلى قوله تعالى: (أفلم يروا إلى ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ms456 إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم ~~كسفا من السماء) (سبأ: 9)، ولم يتقدم ما حركوا إلأى الاعتبار به غير هذا، ~~وقد انضم ذلك تحت ما الموصولة، ولفظها مفرد فروعي من حيث اللفظ فقيل: (إن ~~في ذلك لآية) بالإفراد. وأما الثانية فتقدم قبلها قوله: (ولقد آتينا داوود ~~منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد) (سبأ: 10)، ثم قال: ~~(ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه) (سبأ: 12)، ثم قال: (يعملون له ما يشاء من محاريب) ~~(سبأ: 13) إلى قوله: (ما لبثوا في العذاب المهين) (سبأ: 14)، ثم قال: (لقد ~~كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال ### | .... # ) (سبأ: 15)، فذكر سبحانه بالاعتبار بما منح داود من تسبيح الجبال والطير ~~معه وإلانة الحديد، وبما سخر لسيلمان، عليهما السلام، من الريح تحمله ~~وجنوده حيث شاء في السرعة التي أشارت إليها الآية، وإسالة عين القطر له وهو ~~النحاس المذاب، وعينه معدنه، وعمل الجن بين يديه تسخيرا فيما يريده من عمل ~~ما شاء مما في قواهم، ثم ذكر ما كان لسبأ في مساكنهم من آية الجنتين عن ~~يمين وشمال وأكلهم منها وتنعيمهم إلى أن أعرضوا فأرسل عليهم سيل العرم إلى ~~آخر قصتهم، فهذه المعتبرات لم تدخل تحت موصول ولا اسم مفرد يضم جميعها بل ~~ذكرت مفصلة، فقيل إشارةإلى جميعهما: (إن في ذلك لآيات)، ولا يمكن إلا هذا ~~إذ لم يتقدم مفرد من موصول أو غيرذلك ما يجمع الكل يرجع إليه الضمير مفردا ~~كما في الآية الأخرى، فقيل هنا: (لآيات) ولم يمكن إفرادها هنا، وأمكن في ~~الآية الأخرى لوحدية الموصول الجامع لما تفصل بعده، فروعي لفظه لأن ذلك ~~أوجز من رعي معناه. # ثم إن المعلوم من لسان العرب إذا تقدم من الأسماء المفردة ما له لفظ ~~ومعنى فإن # # PageV02P408 # رعي لفظه في عودة ضمير أو تفسير أولى، ثم قد يراعى المعنى لد فيعود ~~الضمير بحسبه من تثنية أو جمع، ومن هذا قوله تعالى: (ومن يؤمن بالله ms457 ويعمل ~~صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) (الطلاق: 11)، ~~فقوله: (يؤمن) (ويعمل) (وندخله) رعي للفظ (من) وهو مفرد فعاد الضمير إليه ~~مفردا، (وقوله بعد: (خالدين) ورجوعإلى المعنى، ويقل رعي المعنى بديها في ~~هذه الألفاظ التي هي مفردات) تتها كثرة، ومنه بين الكتاب. # تعال فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من ياذيب يصطحبان # فقال: يصطحبان، فأعاد على معنى من، والإعادة إلى اللفظ أكثر، وعليه قيل ~~في الآية الأولى: (إن في ذلك لآية) بالإفراد على الأولى والأكثر مع جواز ~~وروده عائدا على المعنى إن اعتضد ذلك. # أما الآية الثانية فجمع آيات فيها لا يمكن خلافه، فورد كل على ما يجب، ~~ويمتنع العكس لما ذكر. فإن قيل: (إن) قوله تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم ~~... )، استئناف باللام التي تقع جوابا للقسم، فقد يقال إنها تقطع ما بعدها ~~عما قبلها. وإذا أمكن هذا فما المانع من رجوع اسم الإشارة إلى ما بعد قوله ~~تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم ... ) (سبأ: 15) وتلك قصة مفردة فكان يكون ~~الواردهنا أي الآية على الإفراد رعيا لمعنى القصة؟ # فالجواب أنا لو فرضنا هذا الاعتراض لازما لقلنا: إن قصة سبأ قد انطوت على ~~تفصيل يقتضي جمع آيات، إلا أن الاعتراض أولا غير لازم (إذ) قد يشار إلى ~~مجموع قصص تفصلت ودخل كل قصة في أولها هذه اللام، فلم يمنع ذلط من عودة اسم ~~الإشارة إلى الجميع كقوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم) (القمر: 43)، ~~والإشارة بأولئكم إلى كل من تقدم ذكره من أول قصة نوح، عليه السلام، إلى ~~قصة آل فرعون، وقد ابتدئت كل قصة منها (بلقد)، ثم أشير (بعد) إلى الجميع ~~ليعتبر بأحوالهم، فكذلك في الىية التي نحن فيها، فسقط الاعتراض، وتبين أن ~~لك (آية) واردة على أوضح التناسب، والله أعلم. # سورة الملائكة: قد تقدم ما فيها، وكذلك سورة يس. # ***** # # PageV02P409 ### | سورة الصافات ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين * أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون) (الصافات: 15 - 16)، وقال فيما بعد: (قال قائل ms458 منهم ~~إني كان لي قرين * يقول أإنك لمن المصدقين * أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمدينون) (الصافات: 51 - 53)، للسائل أن يسأل عن قوله أولا: (أإنا ~~لمبعوثون) وثانيا: (أإنا لمدينون) لم اختلفا مع أن مرادهم في الموضوعين ~~إنكار البعث بعد الموت؟ # والجواب: أن االموضع الأول لم يتقدمه شيء يوجد عدولهم عن التعبير عن ~~معتقاداتهم (في إنكار الإحياء بعد الموت فورد على ما يطابق معتقادهم)، وأما ~~الآية الأخرى فقد تمهد قبلها ذكر الجزاء الأخراوي وذكر السؤال، فأول ذلك ~~ذكر ما يقال لهم إذا حشروا قال تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون) (الصافات: 24) ~~وقول بعد: (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون) (الصافات: 39)، وقوله بعد: ~~(وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) (الصافات: 27)، وهذا في الأخرة إلى قوله: ~~(قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول) (الصافات: 51 - 52)، وهذا قول الكافر ~~وقد باشر العذاب، فأخبر عن قرينه الذي قيد له المشار إليه بقوله: (ومن يعش ~~عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) (الزخرف: 36)، فأخبر عنه سبحانه ~~أنه كان يقول له في دنياه: (أإنك لمن المصدقين * أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمدينون) (الصافات: 52 - 53) أي لم لمجزيون بأعمالهم وما ~~إجترحناه في دنيانا، وفي طي قولهم: (أإنا لمدينون) إنكار للبعث لإنكارهم ما ~~ينبني عليه ويترتب بعده من الجزاء، وقد تقدم ذكر الجزاء فناسبه ذكر تعجبهم ~~منكرين وقوعه، ولم يكن ليحسن وقوع (لمدينون) في الآية الأولى إذا كان يكون ~~هناك غير مفصح بإنكارهم البعث ولا ورد قبلهع ما يستدعيه، فجاء كل على ما ~~يجب ويناسبه، والله أعلم. ### | الآية الثانية # (من سورة الصافات) قوله تعالى في ختام قصة نوح، عليه السلام: (إنا كذلك ~~نجزي المحسنين) (الصافات: 80) ثم أعقب القصص الثلاث بمثل هذا، أعني قصة ~~إبراهيم وقصة موسى وهارون وقصة إلياس، إلا أنه ورد في قصة إبراهيم عليه ~~السلام: (سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين) (الصافات: 109 - 110)، ~~فسقط منه لفظ # # PageV02P410 # (إن) وثبت في القصص الأخر، فيسأل عن وجه القصاص في قصة إبراهيم دون غيرها ~~بذلك؟ # والجواب، والله أعلم: أنه تقدم ms459 في قصة إبراهيم بعينها قوله: (وناديناه أن ~~يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين) (الصافات: 104 - ~~105)، ثم لما كرر ليبني عليه قوله: (إنه من عبادنا المؤمنين) (الصافات: ~~111)، كما في نظائره من ختام القصص الآخر كرر قوله (كذلك) لبناء علة الجزاء ~~وموجبه عليه، كما تكرر قوله: (أنكم) في قوله: (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما أنكم مخرجون) (المؤمنون: 35)، (فكرر) (أنكم) تأكيدا ليبني ~~عليه الخبر فكذلك كررت هنا الجملة (بأسرها) وهي قوله (كذلك نجزي المحسنين) ~~ليبني عليها ما ورد علة موجبه لجزائهم لتجري هذه القصة مجرى نظائرها، ولم ~~يكرر حرف التأكيد والضمير المنصوب به إيجازا واختصارا لذكره فيما تقدم في ~~القصة نفسها، فوضح أنه لا فرق بينها وبين ما اكتنفها من القصص الوارد فيها ~~ذكر (إن) بوجه. # فإن قيل: ولم آخر قوله: (إنه من عبادنا المؤمنين) (الصافات: 111)، عن ~~قوله أولا (إنا كذلك نجزي المحسنين) (الصافات: 105) من الجمل الوارده مورد ~~جمل الإعتراض إشادة بجلالة إبراهيم وإعلاما بعظيم (جلاله فقال تعالى: (إن ~~هذا لهو البلاء المبين) (الصافات: 106)، ثم أكد) عظيم الإعتناء به فقال: ~~(وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم) ~~(الصافات: 107 - 109)، ولما طال الكلام بما ورد تتميما وتكميلا لحاله، عليه ~~السلام، وبعد عن قوله: (كذلك نجزي المحسنين) أعيد منه الجملة الواقعة خبرا ~~لأن ينبني عليه ما بني على نظائره من قوله (إنه من عبادنا المؤمنين) فقصة ~~إبراهيم عليه السلام، أوفى هذه القصص تعريفا بكمال الحال، ولم ينقص منها ~~شيء من الأخبار بصفة الجزاء وسببه كما في غيرها زاد فيها ما ورد اعتراضا ~~كما تبين وذلك لما زاد في قصته من عظيم ابتلاءه زياده والله أعلم بما اراد، ### | الآية الثالثة # من سورة الصافات - غ - فقوله تعالى: (فبشرناه بغلام حليم) (الصافات: ~~101)، وفي الذاريات: (قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم) (الذاريات: 28) ~~والمبشر به واحد والقصة واحدة. فللسائل أن يسأل عن موجب إختلاف الصفتين في ~~السورتين؟ # والجواب أن موجب تخصيص الآية الأولى بصفة الحلم ما اقترن بها من قوله ~~تعالى: (فلما ms460 بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى) # # PageV02P411 # (الصافات: 102)، وجواب أبنه، عليهما السلام، بقوله: (يا أبت افعل ما ~~تؤمر) (الصافات: 102) وأتباعه ذلك تسلية لأبنه وامتثالا لأمر ربه: ((ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين) (الصافات: 102)، فلما دل جوابه على عظيم حاله) ~~وتلقيه عظيم هذا الأبتلاء بالرضا والصبر التام إمتثلا لأمر رببه (وإرضاء ~~لأبنه، كان ذلك مبينا لجليل حلمه ووفور كماله) في حاله ما وصفه في سنه ~~بالأولية والابتداء. أما آية سورة الذاريات فلم يقع فيها ذكر هذه القصة، ~~فورد فيها وصفه بالعلم المحرز بجليل نبوته، ولو ورد في السورتين عكس الوصف ~~الوارد لما ناسب هذه المناسبة الحاصلة، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة الصافات: (وأبصرهم فسوف يبصرون) (الصافات: 175) ثم قال: (وأبصر ~~فسوف يبصرون) (الصافات: 179)، يسأل عن الضمير المفعول وثبوته أولا في قوله: ~~(وأبصرهم) وسقوطه ثانيا في قوله (وأبصر)؟ وعن وجه التكرار؟ # والجواب عن ذلك: أن التكرار تأكيد وتشديد في الوعيد، وتناسب ذلك بين ~~مألوف في كلام العرب، وأما سقوط الضمير في الثاني فيحرز عموما لهم ولغيرهم ~~في الوعيد لأن قوله: (وأبصرهم) المراد به أمره، عليه السلام، بأن يترقب ما ~~ينزل (بهم) ويحل بساحتهم من الانتقام، وإعلامه صلى الله عليه وسلم، في ~~بكفايته إياهم كما قال تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين) (الحجر: 95) فكان ~~كذلك، وقال تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (القمر: 45)، ففعل بهم ذلك ~~يوم بدر، فقدم (الله) سبحانه تأنيس نبيه، عليه السلام، بإخباره إياه في هذا ~~الوعيد (لهم) بأخذهم وقطع دابرهم، ثم أردف هذا الوعيد بوعيد ثان فيه عموم ~~يشملهم ولا يرجع عن تناول غيرهم ممن سلك مسلكهم، ويشعر بحاله هو، عليه ~~السلام، وحال من أذعنواستجاب له فقال: (وأبصر) أي ترقب ما أفعل لك من ~~تأييدك ونصرك وجزائك الأخراوي وجزاء من آمن بك بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر، وما أفعل بمن عاداك وعاندك ممن باشرك بتمرده وطغيانه ~~أو بعد عنك، من أخذهم وقطع دابرهم ووبيل جزائهم الأخراوي، هذا ms461 مفهوم لا ~~يرجع إطلاق قوله: (وأبصر) عن عطائه وتعميمه، ذلك كله مما يعتضد من مواضع ~~أخر، وتأمل ما فعل سبحانه بكسرى حين مزق كتابه صلى الله عليه وسلم تمردا ~~وطغيانا وإن لم يباشره، لما جاوز حد كفره إلى التمرد والطغيان مزق هو وآله ~~كل ممزق. # أما قوله: (وأبصرهم) فخاض التناول للمباشرين لمكان القييد بإعمال الفعل ~~في ضميرهم، فهو وإن تناول أخذهم في الدنيا وتمكين نبيه والمسلمين منهم، ثم ~~عقابهم # # PageV02P412 # الأخراوي ليبلغ بالتهديد والوعيدأقصى ما يحتلمه، فإنه لا يتعداهم إلى ~~غيرهم وأما قوله (وأبصر) بإطلاق الفعل عن التقييد فقابل غير ممتنع عن ~~تناولهم ومن سواهم من كل من خالفه، عليه السلام، وعاداه، ومقتضى الوعيد لهم ~~ومقصود بشارته له، عليه السلام، يحبذان أن إطلاق الأمرين وتعميم الطرفين من ~~الوعيد والبشارة، فقد وضح أنه لا تكرار في الحقيقة، بل ورد ذلك كله على ما ~~يلائم ويناسب، وعبر عن ذلك كله بعبارة الإبصار إشعارا بقربه، فكأنه بمنزلة ~~المعاين المدرك بالبصر لتعجيل الدنياوي منه وتحقيق وقوع الأخراوي وتقنه، ~~فكل هذا على أوضح مناسبة والله أعلم. # ***** # # PageV02P413 ### | سورة ص ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر ~~كذاب) (ص: 4) وفي سورة ق: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا ~~شيء عجيب) (ق: 2)، للسائل أن يسأل عن ورود قوله في ص: (وقال الكافرون) بواو ~~النسق وفي سورة ق بفاء التعقيب والإخبار عن حالهم واحد؟ # والجواب - والله أعلم - أن آية ص وردت مورد الإخبار بمرتكبات من أفعال ~~كفار العرب وأقوالهم فجيء بتلك الجمل منسوقا بعضها على بعض، فأخبر تعالى ~~أنهم في عزة وشقاق، وأنهم عجبوا أن جاءهم منذر منهم ولم يكن من الملائكة ~~كما قالوا: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا) (الفرقان: 21)، وأنهم ~~رموه بالسحر والكذب، وتعجبوا من جعله الآلهة إلها واحدا، وأنهم تمالؤوا على ~~قولهم: (أن امشوا واصبروا على آلهتكم)، وأنهم قالوا: (ما سمعنا بهذا في ~~الملة الآخرة) (ص: 7) أي في ملة عيسى، عليه السلام، ومن هذا قولهم في ms462 إخبار ~~الله تعالى عنهم: (أآلهتنا خير أم هو) (الزخرف: 58)، وتحريهم على الإفصاح ~~بمرتكب النصارى في التثليث، وأنهم أقرب الملل إليهم وآخر من تقدمهم وهم ~~مثلثون، فكيف تجعل أنت يا محمد الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب، فجعلوا ~~ما جاء به اختلافا وتقويلا، إلى ما ارتكبوه من هذا، فلما قصد هنا الإخبار ~~بجملة مرتكباتهم جاءت منسوقا بعضها على بعض بالواو التي لا تقضي ترتيبا ولا ~~تعقيبا. # وأما آية ق فمقصود بها التعريف بتعجبهم من البعث الأخراوي واتسبعادهم ~~إياه، ولم يقصد هناك غير ما قصده، ألا ترى إقامة الدلالة عليهم باعتبار خلق ~~السماوات، وتزيينها بالنجوم، وإحكام صنعها، ومد الأرض، وإرسائها بالجبال، ~~وإخراج أصناف النبات، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الجنات وضروب الحبوب ~~والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد، ثم قال: (كذلك الخروج) (ق: 11)، (كما ~~بدأنا أول خلق نعيده) (الأنبياء: 104)، (أوليس الذي خلق السماوات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم) (يس: 81)، فلما كان قولهم: (هذا شيء عجيب) مبينا ~~على ما جاءهم به، عليه السلام، وأعلمهم من البعث بعد الموت جعل الأول - ~~أعني مجيئه، مخبرا بذلك - سببا في # # PageV02P414 # تعجيزهم فربط فيه بالفاء، أي عجبوا من البعث بعد الموت فقالوا كذا، فجيء ~~لكل بما يحرزه، ولم تكن الفاء لتقع هناك، ولا الواو لتقع هنا، بل ورد كل ~~على ما يجب، والله أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة ص - قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~(12) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب) (ص: 12 - 13)، وفي سورة ~~ق: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط ~~(13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع) (ق: 12 - 14)، للسائل أن يسأل عن وجه ورود ~~هاتين الآيتين في السورتين على خلاف الترتيب المتقرر من ذكر الرسل وأممهم ~~وما جرى بين الرسل والأمم في سورة الأعراف وهود والشعراء؟ ثم عن وجه الخلاف ~~الوارد في سياق آيتي صاد وقاف من جهة الترتيب في السورتين؟ ووجه اختصاص كل ~~واحدة منهما بما ورد فيها؟ وتعقيب آية ص بقوله: (فحق عقاب) (ص: 14) وآية ms463 ق ~~بقوله: (فحق وعيد) (ق: 14)؟ فهذه أربعة أسئلة. # والجواب عن ذلك - والله أعلم: عن الجملة أن الوارد في السور الثلاث مقصود ~~فيه إخبار الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من الرسل المذكورين ~~مع أممهم تثبيتا لفؤاده صلى الله عليه وسلم وتأنيسا، قال تعالى: (وكلا نقص ~~عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) (هود: 120)، فذكر أنباءهم، عليه ~~السلام، على الترتيب في أزمنتهم وإرسالهم، أما سورة ص وسورة ق فلم يبين ما ~~ورد فيهما على ذلك القصد، وإنما بناء ما في السورتين من ذلك على تسليته صلى ~~الله عليه وسلم فيما كان يكابده من عتاة قريش وكفار العرب في توقفهم عن ~~الإيمان، فجرد لهذا القصد ذكر عتاة قريش وكفار العرب في توقيفهم عن ~~الإيمان، فجرد لهذا القصد ذكر عتاة المكذبين وأخذه سبحانه إياهم، وقيل له، ~~عليه السلام، تعريفا بمآل كفار قريش: (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما ~~لها من فواق) (ص: 15) مخالفا لإيراد ما في هاتين السورتين ما تقدم في ~~غيرهما لاختلاف المقاصد، وجاء في كل واحدة منهما من الترتيب ما يلائم ~~ويناسب على ما تبين بحلول الله تعالى. # فإن قيل: فإن سورة الحج ورد فيها ذكر الأمم السالفة المكذبين في قوله ~~تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ### | .... # ) (الحج: 42 - 44) فجرد ذكرهم عن ذكر الرسل إخبارا بمجرد تكذيبهم وأخذهم ~~كما في سورة ص وسورة ق، وقد وردت # # PageV02P415 # علي الترتيب الوارد في السور الثلاث، فقد خالفت مقصود ما في تلك السور، ~~ثم جرت على ما فيها من الترتيب، فما الفرق بينهما وبين هاتين السورتين؟ ~~قلت: الفرق بينهما أن مقصد آية سورة الحج الإخبار بتكذيب أولئك الأمم ~~وأخذهم تسلية لنبينا صلى الله علية وسلم من غير زيادة لما تعرضت لة آية ص ~~وآية ق، وأما هاتان الآيتان فقد انجز فيهما مع ذكر التكذيب والأخذ التعريف ~~بتعزز عتاة قريش ومن وافقهم وذكر شقاقهم. وقبيح ردهم وتعاميهم ms464 عن النظر في ~~الآيات والاعتبار بما نصب منها في الأرض والسماوات، فلهذا المنجر هنا ~~انفردت سورة ص وسورة ق بالوارد فيهما من الترتيب عن سورة الحج. # فإن قلت: فإذا اجتمعت السورتان فيما ذكر فما وجه اختصاص كل واحدة منهما ~~بما خصت به عن أختها من الترتيب؟ قلت: أما آية ص فوجه اختصاصها بما ورد ~~ترتيبها عليه أنه سبحانه لما وصف كفار قريش والعرب بالاعتزاز والشقاق في ~~قوله: (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) (ص: 2)، ثم أعقب بذكر القرون المهلكة ~~في قوله: (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) (ص: 3)، ثم أعاد ذكرهم مفصلا قرنا ~~قرنا وأمة أمة، كان الأنسب لما قدم من ذكر عتو كفار العرب وشقاقهم ذكر أعتى ~~القرون من الأمم وأجرمهم، فذكر قوم نوح من حيث لم يجد عليهم نكرار الإنذار ~~مع طول الأمد، قال تعالى مخبرا عن طول مدتهم وبعد إجابتهم قال نوح: (رب إني ~~دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) (نوح: 5 - 6)، إلى ~~قوله: (وأصروا واستكبروا استكبارا) (نوح: 7)، إلى دعائه، عليه السلام، ~~عليهم عند قطع رجائه منهم بقولة: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~(26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) (نوح: 26 - 27)، ~~إلى ما وصفهم سبحانه به وأنه لم يؤمن منهم مع نوح إلا القليل، فوجود ما ~~تحلت به عتاه قريش ومتمردو كفار العرب من العزة والشقاق في قوم نوح أوضح ~~شيئ، ثم اتبع ذكرهم بدعاء عاد الموصوفين بالقوةوالطغيان القائلين: من أشد ~~منا قوة، والقائلين لنبيهم عليه السلام: (سواء علينا أوعظت أم لم تكن من ~~الواعظين) (الشعراء: 136)، إلى قوله: (وما نحن بمعذبين) (الشعراء: 138)، ثم ~~اتبع بذكر فرعون ذي الأوتاد، والمراد هو وآله وقومه. وقد تكرر في القرآن مع ~~ذكر فرعون وعلوه في الأرض وطغيانه مع ما أوضح شنيع مرتكبة وبعد شقاقه، ثم ~~اتبع بمن ذكر بعدهم مراعي في ذلك مناسبة ما قدم، ثم ذكر اجتماعهمفي موجب ~~تمردهموعتوهم وهو تكذيبهم للرسل، فقال تعالى: (إن كل إلا كذب الرسل فحق ms465 ~~عقاب) (ص: 14) ثم أعاد الكلام إلى كفار قريش والعرب المبدو بهم والمنبهين ~~لو تنبهوا بأخذ من عاند وكذب ممن تقدمهم فقال: (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة ~~واحدة ما لها من فواق) (ص: 15)، # # PageV02P416 # أي إنهم إن تمادوا على شقاقهم فلا فرق بينهم وبين ما تقدمهم من هؤلاء ~~القرون (وقد خلت من قبلهم المثلات) (الرعد: 6)، (فهل ينتظرون إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم) (يونس: 102)، ثم أتبع سبحانه بذكر شنيع مرتكبهم في ~~استعجالهم العذاب وقولهم: (عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب) (ص: 16)، فأنبأ ~~تعالى باستحكام كفرهم وتكذبيهم واستهزائهم الموجب لتعجيل أخذهم، ثم أنصرف ~~الكلام إلى أمره سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على معاندتهم وردي ~~مقالتهم، وتذكر أخيه داود والاعتبار بأمره، وتسخيره سبحانه له الجبال، ~~وحشره له الطير منقادة إلى أمره، وإلانته له الحديد، وقلوب الآدميين أهين ~~وأقرب، فلو شاء لهدى هؤلاء كما سخر الجبال لداود (ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها) (السجدة: 13) وهذا وجه ذكر داود، عليه السلام، هنا، لا ما قاله ~~الزمخشري، وقد تقدم (الإيماء) إليه عند قوله تعالى في سورة طه: (فاصبر على ~~ما يقولون) (طه: 130) ويستوفي عقب هذا بحول الله، فهذا وجه اختصاص آية ص ~~بما ورد فيها من الترتيب في ذكر القرون المهلكة بتكذيبها. # وأما آية ق فوجه الوارد فيها من إتباع ذكر قوم نوح بذكر أصحاب الرس ~~ومخالفة الوارد في سورة ص، إن آية ق قد انفردت عن آية ص بما قصد فيها مفصحا ~~به، من ذكر تعامي كفار قريش والعرب عن النظر في خلق السماوات والأرض، ~~والاعتبار بمن تقدمهم من الأمم، وأخذهم بتكذيبهم، ففي آية ص ذكر تجبرهم ~~وشقاقهم وطغيانهم، وفي ق ذكر تعاميهم عم الاعتبار والنظر، فبدأ سبحانه ~~بتذكيرهم بذكر حال السماء وإتقانهم فقال: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ~~كيف بنيناها وزيناها) (ق: 6) إلى قوله: (كذلك الخروج) (ق: 11)، والمراد ~~أنهم لو وقفوا فأمعنوا النظر في بناء السماء، وتزيينها بما جعل تعالى فيها ~~من نجومها، وسلامتها من فطور أو فروج، وفي امتداد الأرض وإرسائها ms466 بالجبال، ~~وإنبات ما فيها من كل زوج بهيج، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الجنات وحب ~~الحصيد والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد، وإحياء البلاد الميته، وتكرر ذلك ~~عليها، فلو اعتبروا بهذا لاستوضحوا العودة والبعثة، الأخراوية (كذلك ~~الخروج) (ق: 11)، (كما بدأنا أول خلق نعيده) (الأنبياء: 104)، فلما ذكرهم ~~سبحانه بخلق السماوات والأرض أعقب ذلك تتميما جاريا على التذكير المتكرر في ~~الكتاب بذكر القرون السالفة المهلكة بتكذيبها فقال: (كذبت قبلهم قوم نوح) ~~(ق: 12)، ولما (بني) (ما) تقدم من الاعتبار على الإشارة إلى الاستيفاء (في ~~عجائب الأرض والسماء، ناسب ذلك بناء ذكر من نبه عليه ممن هلك # # PageV02P417 # (بتضييع) نظره واعتباره على الاستيفاء)، فذكر طرفان ليحصل حصر من بينهما ~~أمة ممن تقدم وهم قوم نوح وأمة ممن تأخر وهم أصحاب الرس، ليحصل ما بينهما ~~بإشارة الطرفين كما قال سبحانه في سورة الفرقان: (وعادا وثمود وأصحاب الرس ~~وقرونا بين ذلك كثيرا) (الفرقان: 38)، وهذه الآية وآية ق مشيرتان إلى تأخير ~~أصحاب الرس عن كل من ذكر في الفرقان من الأمم المهلكين بتكذيبهم ممن عين ~~ذكره، والله أعلم. # وقد اختلف المفسرون في أصحاب الرس، والواقع في مختلف أقوالهم في ذلك ~~ثمانية أقوال، ومن جملتها أنهم أصحاب الأخدود، وقيل كانوا قوما قتلوا نبيهم ~~ورموه في بئر لهم، زاد بعضهم أنه كان اسم نبيهم حنظلة، وقيل هم من قوم ~~شعيب، عليه السلام، وقيل غير ذلك، والمقطوع به ما نطق به القرآن من وجود ~~قرون كثيرة بين قوم نوح وأصحاب الرس، ويظهر من هذا الوارد في سورة ق أن ~~مقصود الآية من استيفاء القرون المأخوذين بتكذيبهم غير وارد في غيرها، ألا ~~ترى أنه قد أفصح فيها بثمانية قرون منصوص عليها، وهم قوم نوح، وأصحاب الرس، ~~وثمود، وعاد، وفرعون، وأخوان لوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبع والمراد هو ~~وقومه، ولم يرد في أوفى المتكرر من الكتاب العزيز غير سبعة. والأكثر ستة، ~~فدل على قصد الاستيفاء في هذه السورة على كل حال، فقد ورد قوم نوح وأصحاب ~~الرس طرفين لمن بينهما من القرون، ومقصود بهما ms467 - والله أعلم - استيفاء ما ~~بينهما، إشعارا، (في هذه الورة وإفصاحا بكثرة من بيمهما بقوله في سورة ~~الفرقان (وقرونا بين ذلك كثيرا) (الفرقان: 38). # وأما الوارد بعد الطرفين في سورة ق من ذكر ثمود وعاد ومن ذكر بعد، فقد ~~يكون - والله أعلم - من قبيل ما ورد في القرآن ممن شمله لفظ متقبل غير مصرح ~~ثم نص عليه اعتناء واهتمام مع كونه قد ضمه ذلك اللفظ المتقدم، كقوله تعالى: ~~(وجبريل وميكال) (البقرة: 98) بعد دخولها تحت لفظ الملائكة، وعلى كل حال ~~فأصحاب الرس متأخرون عن قرون كثيرة بعد قوم نوح بنص القرآن، والله سبحانه ~~أعلم. # فلما ورد هنا ما يشير إلى الاستيفاء بالاعتبار بهم جريا مع ما تقدم من ~~استيفاء الاعتبار بعجائب الأرض والسماء قدم ما يحصل بتقديمه ما اشير إليه ~~من الاستيفاء، ولم يكن القصد هنا ما قصد في آية ص، فجاء كل على ما يجب، ~~والله أعلم. # وأما المعقب به كل واحدة من الآيتين من قوله في سورة ص: (إن كل إلا كذب ~~الرسل فحق عقاب) (ص: 14)، وقوله بعد آية ق: (فحق وعيد) (ق: 14)، مراعي في # # PageV02P418 # ذلك فواصل (في كل من السورتين وإلا فالعقاب والوعيد حق على كل من هؤلاء ~~المكذبين، فإنما روعي الفواصل)، فقوله قبل آية ص: (بل هم في شك من ذكري بل ~~لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب) (ص: 8 - 9)، ~~واستمرت وفاصل الآي هكذا إلا ما بعد الآية فاستجعى ذلك مناسبة الآية ~~المتكلم فيها فقيل: (إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب) (ص: 14)، وأما آية ق ~~فوسب بها أيضا ما تقدم من قوله: (ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد) (ق: 9) ثم قال: (والنخل باسقات لها طلع نضيد) (ق: 10) ~~وورد أيضا في الفواصل بعدها: (أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد) (ق: 15)، إلى بضع عشرة آية جارية في مقاطعها على ما ذكر، فناسب ذلك ~~قوله: (كل كذب الرسل فحق وعيد) (ق: 14) وجاء كل على ما يناسب، وذلك واضح. ### | الآية ms468 الثالثة # من سورة ص: غ - قوله تعالى: (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ~~*اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب) (ص: 16 - 17) ~~وفي سورة الأحقاف: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) (الأحقاف: 35) وفي ~~سورة القلم: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) (القلم: 48)، ورد في هذه ~~السور الثلاث أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر، محالا في الأولى عل الاعتبار ~~بحال داود وأبنائه وفي الثانية: على أولي العزم في أهتدائه وأقتدائه، وفي ~~الثالثة منبها بالجار لذي النون في مغاضبته وندائه، والمتردد في غير هذه ~~الآي إنما هو أمره، عليه السلام، فاصبر غير مناط بذكر أحد من الرسل، كقوله ~~تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله) (النحل: 127)، وكقوله: (واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف: 28)، وقوله: (فاصبر ~~على ما يقولون وسبح بحمد ربك) (ق: 39)، وقوله: (واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا) (الطور: 48)، إلى غير هذا من الآي، فللسال أن يسأل عن وجه ذلك؟ ~~وعن اختصاص كل سورة من الثلاث بما ورد فيها إذ ليست الإحالة فيها على حد ~~سواء؟ فهذان سؤالان. # والجواب عن السؤال، والله أعلم: أن تكرر أمره، عليه السلام، بالصبر في ~~الآيات المترددة على كثرتها أدل دليل على الاعتناء به صلى الله عليه وسلم ~~لعظم أمر الصبر وشدة الحاجة إليه في كل مطلب ديني من أخذ أو ترك، ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم في صفته: " الصبر ضياء"، وقال تعالى في قصة أيوب وحال ~~أبتلائه: (إنا وجدناه صابرا نعم العبد) (ص: 44) وقال تعالى: (إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر: 10)، وقال تعالى: # # PageV02P419 # (إن الله مع الصابرين) (الأنفال: 10) وقال تعالى: (ولا يلقاها إلا ~~الصابرون) (القصص: 80)، وأحوج الخلق إلى الصبر الرسل، عليهم السلام، لعظم ~~ما يلقونه من مكابدة الخلق، فلشدة الحاجة إلى الصبر ما تكرر في عدة آيات ~~أمرا له عليه السلام، ولأمته. # والجواب عن السؤال الثاني: أن أمره، عليه السلام، بالاقتداء بالرسل قد ~~ورد وتكرر في غير أية، وتردد أيضا أمره بالاقتداء ms469 بأبيه إيراهيم، عليهما ~~السلام، لعظم مقام إبراهيم وجليل خلته وابوته وتنبيها للعرب لرجوعهم إليه ~~انتسابا وإعترافهم مقرين بتعظيمه. # وأما تخصيص السور الثلاث بتعيين ما ورد فيهما فلما نذكره من الوجه الحامل ~~والمناسبة في النظم، أما سورة ص فوجه إختصاصها فيها إلتئام نظم الآية بما ~~تقدمها، وإرتباط قوله تعالى فيها: (واذكر عبدنا داوود) (ص: 17)، بما اتصل ~~به من قوله (اصبر على ما يقولون) بيان النظم في ذلك وإلتئامه أوضح إلتئام، ~~إن الله سبحانه لما ذكر حال العتاة من كفار قريش وشنيع مقالهم لنبيه، صلى ~~الله عليه وسلم، من لدن قولهم (ساحر كذاب) (ص: 4) إلى ختمهم ما ذكر تعالى ~~من سوء مراجعتهم بقولهم إستهذاء وتكذيبا: (عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب) ~~(ص: 16) أتبع ذلك ملاطفة وتأنيسا لنبيه، صلى الله عليه وسلم، بقوله: (اصبر ~~على ما يقولون) (ص: 17) (تذكيرا له بأن الجاري من ذلك إنما هو على ما شاءه ~~لهم في أزله وقدره عليهم، فليس خارجا عن إرادته، فكأنه يقول لنبيه، عليه ~~السلام، أصبر على ما) يرد منهم وما يقولونه فإنه مرادي منهم في سابق قدري، ~~ولو شئت لهديت قلوبهم وسخرتها لإجابتك، فقد سخرت الجبال مع داود والطير ~~وإلنت له الحديد وقبل الادمي ألين وأقرب: (اصبر على ما يقولون) (السجدة: ~~13) فإذا علمت أن قلوبهم بيدي اقلبها كيف شئت، فأصبر على ما يقولون، واعتبر ~~بما سخرته لداود وأقتد لما منحته من الايد والقوة، فهذا وجه النظم ~~والارتباط في هذه الآي، والله أعلم. # وقد تعرض أبو الفضل بن الخطيب في تفسيره الكبير لتوجيه النظم فيما قدمناه ~~فقال: إن قيل أي تعلق بين قوله تعالى: (اصبر على ما يقولون): ((واذكر عبدنا ~~داوود) قولنا: من وجوه. # الأول: كأنه قيل: إن كنت قد شاهدت من هؤلاء الجهال جرائتهم على الله ~~وإنكارهم الحشر والنشر فذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله ومن يوم ~~الحشر فإنه بقدر ما يزداد أحد الضدين شرفا يزداد الأخر نقصانا. أنتهى معنى ~~كلامه. قلت وهذا الذي حكاه ضعيف، لأن هذا الكلام يثمر التعجب ms470 من فعل الله ~~سبحانه ولا يثمر تسلية ولا تأنيسا وهما أنسب في الموضع وذكر وجها ثانيا وهو ~~أنه كأنه قيل لنبينا، صلى # # PageV02P420 # الله عليه وسلم: ولا يضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم إن خالفوك ~~فالأكابر من الأنبياء موافقوك، قلت: وهذا أضعف من الاول، لأنه، عليه الصلاة ~~والسلام إنما يأنس بمصداقية من امته، وأيضا فقد كان ذكر إبراهيم لو قصد هذا ~~الغرض من الموافقة أنسب لتعظيم العرب إياه وللاتفاق عليه ولعظم خلته، وذكر ~~وجه ثالثا وهو أن الخصمين الذين دخلا على داود، عليه السلام، كانا من ~~البشر، وإنما دخل عليه بقصد قتله، فخاف داود ومع ذلك لم يتعرض لإيذاهما ولا ~~دعى عليهما بل استغفر لهما، فأمر نبيا عليه السلام أن يقتضي به في حسن ~~الخلق. قلت: وهذا ضعيف كالذي قبله، وذكر الأمام أبو الفضل غير هذه الوجوه ~~مما دون هذه في القوة ثم أعقب هذا بأن قال: ولي هنا وجه آخر أقوى وأحسن من ~~كل ما تقدم، ثم أعتمد في هذا التوجيه على أن قوله تعالى: (واذكر عبدنا ~~داوود) ليس مما تقدمهم، وإنما هو وجه اتصاله به، وأن العقلاء قالوا من ~~ابتلي بخصم جاهل مقر متعصب وراءه قد خاض في التعصب والاقرار وجب عليه أن ~~يقطع الكلام معه في (تلك) المسئلة، لأنه كلما كان خوضه في تقريره أكثر كان ~~بعده عن القبول أشد، فالوجه حين إذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسئلة، وأن ~~يؤخد في كلام آخر أجنبي عن المسئلة الأولى (بالكلية، ويطنب في ذلك الكلام ~~الاجنبي، فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبي ونسي تلك المسئل الأولى) ~~أدرك له أثناء الكلام في هذا الفصل الأجنبي مقدمة تناسب ذلك المطلوب الأول، ~~فيحصل عن ذلك تسليم المتعصب لهذه المقدمه، لذا اسلمها فحين إذ يتمسك بها في ~~(ثبات) المطلوب الأول، فيتمكن من إنقيادة ويرجى رجوعه إلى ما طلب به أولا، ~~هذا معنى ما أرده أبو الفضل في هذا الفصل، ثم أشار إلى أن المدرج في هذا ~~الكلام من المقدمة المناسبة إلى المطلب ms471 الأول لقوله تعالى: (وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا) (ص: 27)، إلى قوله: (كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) (ص: 29) قلت: وعندي أن ما ذكره ~~من هذا وأن العقلاء قالوه، إن كانت العرب تفعله ويعرف من كلامها إرتكابه ~~فإن ما يكون - والله أعلم - على أوضح وأنسب مما ذكره، والذي اراه جاريا على ~~هذا المنهج الذي آراه - والله أعلم - قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد (1) بل ~~عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) أإذا متنا وكنا ~~ترابا ذلك رجع بعيد) (ق: 1 - 3) فهذا إنكار منهم للبعث الأخراوي واستبعاد، ~~وهو نحو من الوارد في سورة ص، فأعقب تعالى ذلك بقوله مما يشبه الالتفات، ~~وهو الذي زعم أبو الفضل أن العقلاء يرتكبونه عن لوز الخصم والأخذ فيما هو ~~كالأجنبي، فقال تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ~~وما لها # PageV02P421 # من فروج (6) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج) (ق: 6 - 7) إلى قوله في ماء السماء: (وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج) (ق: 11)، فبعد العدول عن جوابتهم في قولهم: (ذلك رجع بعيد) وذكر ~~اختلاطهم المسبب عن تكذيبهم وتجبرهم المعبر عنهم بقوله: (بل كذبوا بالحق ~~لما جاءهم فهم في أمر مريج) (ق: 5) أي مختلط، صرف تعالى الكلام إلي نبيه ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فقال: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم) (ق: 6) ~~إلى قوله: (وأحيينا به بلدة ميتا) (ق: 11) وذلك كله مدرك مشاهد لهم، لا ~~يمكنه التوقف في شيء منه، ولا حفظ عنهم إنكاره، فعند تكرر هذا قال تعالى: ~~(كذلك الخروج) فهذا - والله أعلم - أقرب فيما ذكره أبو الفضل فزعم أن ~~العقلاء يرتكبونه. # وأما الوارد في سورة ص فيبعد - والله أعلم - أن يكون من هذا، ثم أن القول ~~بأن الوارد في سورة ص من قوله: (واذكر عبدنا داوود) أجنبي عما قبله، وغير ~~مناسب البته، وأنه إنما أوتي به لما ذكر من شغل الخصم المتعصب عن ذلك الوجه ~~الذي ذكر بعيد بالكلية، وإن ورد شيء مما ms472 يمكن أن يقال أنه من ذلك الضرب فلا ~~أنسب أن يكون منه الوارد في سورة ق لا الوارد في سورة ص، وإذا تأملته وضح ~~لك ذلك، وأن الوجه في نظم الكلام ماقدمته أولا وهو مما لا غبار عليه، والله ~~أعلم. # وقد تعرض الزمخشري لما تقدم في هذا الآي، فأجاب عن ذلك بما جرى فيه على ~~شنيع المرتكب وسوء الأدب، بناء على استبداد العبيد، وفعلهم ما لا يرضاه ~~الخالق سبحانه ولا يريد، فجعل لله شركاء، وأفرد العباد بأفعالهم واستبدادا ~~أو ملكا، فأجاب بناء على ما اتصل، وما وفق في هذا الموضوع لوجه المطابقة ~~ولا حصل، فإن قلت كيف تطابق قوله: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود) ~~حتى عطف أحدهم على صاحبه؟ ثم (قال): قلت: كأنه قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، اصبر على ما يقولون، وعظم امر معصية (الله) في أعينهم بذكر قصة داود، ~~وهو أنه نبي من أنبياء الله تعالى قد أولاه ما اولاه من النبوة والملك ~~لكرامته عليه ورأفته لديه، ثم ذل ذله فبعث الله الملائكه ووبخه عليها على ~~طريق التمثيل والتعريض، حتى فطن لما وقع فيه فاستغفر ربه، وأناب، ووجد منه ~~ما يحكي من بكاءه الدائم. وغمه الواصب، ونقش جنايته في بطن كفه حتى لا يزال ~~مجددا للندم عليها، فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم؟ أو قال له صلى الله ~~عليه وسلم: اصبر على ما يقولون، وصن نفسك، وحافظ عليها إن تذل فيما كلفت من ~~مصابرتهم وتحمل آذاهم، وأذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف ذل تلك الذلة ~~اليسيرة فلقي من توبيخ الله ونسبته # # PageV02P422 # إلى البغي ما لقي. انتهى جوابه. وقد اجتمع فيهم مخالفة الصواب والبعد عن ~~المطابقة فإن تعظيم معصية الله، كما قال الزمخشري - فذكر قصة داود لقوم غير ~~مؤمنين بأحد من الأنبياء فالتذكير بذلك لمن يقول استهزاء وكفرا: (عجل لنا ~~قطنا قبل يوم الحساب) (ص: 16) فتذكيرهم بهذا مع ذكر الأنبياء بلفظ الذلل ~~أقرب شيء لاستمرارهم على الاستهذاء (والكفر) مع عصمة الأنبياء عما وقع عليه ~~الذلل ms473 حقيقة. ثم قوله في الجواب الثاني عن داود، عليه السلام: أنه لقي من ~~توبيخ الله وتظليمه ونسبته للبغي، هذا كله خلف من المرتكب واطلاق لا يجوز ~~في حق الأنبياء، فقد جمع جوابه سوء الادب وشنيع المرتكب والبعد عن ~~المطابقة، والذي جوابنا به لا غبار عليه ولا توقف في مطابقته، نسأل الله ~~سبحانه أن ينفعنا بذلك يوم تبلى السرائر. # ****** # # PageV02P423 ### | سورة الزمر ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له ~~الدين (2) ألا لله الدين الخالص) (الزمر: 2 - 3)، وقال فيما بعد: (إنا ~~أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه) (الزمر: 41)، للسائل أن ~~يسأل عن قوله أولا: (إليك) وثانيا (عليك) وهل بينهما فرق يوجب خصوص كل ~~واحدة من العبارتين بمكانها؟ # والجواب: أن (إليك) وعليك) هنا مترادفتان على معنى واحد من معنى الخطاب، ~~فتارة يراعى وصول المنزل بواسطة الملك، وتارة يراعي وصوله من عند الله ~~سبحانه من غير واسطة، فإذا روعي هذا قيل عليك، وإذا روعي الأول قيل إليك، ~~قال تعالى: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) (البقرة: 4)، وقال تعالى: (الحمد ~~لله الذي أنزل على عبده الكتاب) (الكهف: 1)، والأول أكثر فبدئ هنا به. # ثم إنه ورد في ### | الآية الثانية # : (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق)، واللام الجارة في قوله (للناس) ~~تفيد الاختصاص وترادف كثيرا لفظة: (إلى)، تقول الأمر لزيد والأمر إلى زيد، ~~قال تعالى: (وأمره إلى الله ومن عاد) (البقرة: 275)، وقال: (قل إن الأمر ~~كله لله) (آل عمران: 154)، فلو وردت الآية الثانية بإلى فقيل: إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب للناس، لكان ذلك كالمرادف لقوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب إلأى ~~الناس، وكان يكون فيه إيصال الفعل إلى مجرورين بحرف واحد، وليس أحدهما ~~معطوفا على الآخر، والعرب لا تقضي الفعل مما يطلب إلا واحدا، فلا تقضيه ~~ظرفي زمان بغير حرف تشريك، ولا ظرفي مكان، ولا تقضي مفعولين لفعل متعد إلى ~~واحد، ولا ثلاثة مفعولين لمتعد إلى مفعولين إلا على طريفة البدلية، ولا يصح ~~ذلك في الآية، أو على التشريك بحرف العطف، وليس ms474 ذلك في الآية أيضا، فجيء ~~بالآيتين على ما يناسب ويلائم، والله أعلم. # الآية الثانية من سورة الزمر قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله ~~مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول المسلمين) (الزمر: 11 - 12)، ~~للسائل أن يسأل لم عدي الفعل الذي هو أمرت أولا بغير حرف جر ثم عدي ثانيا ~~في قوله: (أمرت لأن أكون) بحرف الجر؟ # # PageV02P424 # والجواب عن ذلك: أن العرب تقول: أمرتك الخير وأمرتك بالخير، فعدي هذا ~~الفعل بنفسه وبحرف الجر، وهو الأصل فيه، والحذف فصيح كثير، ويلحق إذ ذاك ~~بباب أعطى وكسا في أحكامه، ومنه: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب # والآية من قوله: (أمرت أن أكون) مثل البيت، وإذ تقرر هذا فمفعول أمرت ~~الأول - وهو الضمير - مقام مقام الفاعل، والثاني أن يكون وصل الفعل إليه ~~بنفسه، والأصل بأن أكون. وأما قوله: (أمرت لأن أكون) فأقول إنه محذوف منه ~~حرف الجر كالأول، تقديره: وأمرت بأن أكون، فحذف منه حرف الجر الذي هو أصل ~~الفعل أن يصل به وهو الباء، وأما اللام في: (لأن أكون) فمبقاة من محذوف ~~يفهمه سياق الكلام مع الحرف المبني من، تقديره: وأمرت لعلمي أولا أن أكون ~~أول المؤمنين. ألا ترى أن الوارد في الآيتين أمران: أولهما عام والثاني ~~خاص، لأن أمره، عليه السلام، بالعبادة والإخلاص أمر له ولأمته. قال تعالى: ~~(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (البينة: 5)، فالآية من قبيل ~~ما توجه فيه الخطاب له عليه السلام والمراد هو وأمته، والخطاب يأتي كذلك، ~~ويأتي أوله خاص وآخره عام. ومنه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) ~~(الطلاق: 1)، وإذا ورد بصورة الخصوص به كان أمرا ونهيا فأمته داخلة معه في ~~ذلك الحكم ما لم ينص على خصوصه كقوله: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ~~اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك) (الأحزاب: 50)، فحكمه، ~~عليه السلام، وحكم أمته في هذا واحد، ثم ms475 قال تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) ~~(الأحزاب: 50)، فأفرده سبحانه بجواز الموجوبة بالنص على ذلك، ولولا قوله ~~تعالى: (خالصة لك من دون المؤمنين) لكان حكم أمته في ذلك كحكمه، وإذ تقرر ~~هذا فقوله: (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) أمر خاص به، ولا يشركه فيه غيره، ~~ونظير هذا قوله: (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) (الأنعام: 14)، والمعنى ~~يحرز ذلك، بل لا يمكن خلافه، وذلك أن (الحكم من الأمر والنهي إذا جاء به ~~الملك وتلقى منه صلى الله عليه وسلم ما خوطب به وصدق به وأسلم وجهه لربه ~~وبعد ذلك يتلقاه منه، عليه السلام، من حضره وخاطبه به، ولا طريق # # PageV02P425 # لأحد أن يتلقى حكما إلا منه، عليه السلام بعد تلقيه هو ذلك من جبريل، ~~فهو، عليه السلام، أول مؤمن وأول مسلم، ولا تمكن تلك الأولية لغيره، ولا ~~نسبة إليها لأحد فقد وضح وجه دخول هذه اللام في قوله له: (لأن أكون). ### | الآية الثالثة # من سورة الزمر قوله تعالى: (ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما) (الزمر: ~~21)، وفي سورة الحديد: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم ~~يكون حطاما) (الحديد: 20)، فورد هنا: (ثم يكو) وفي الأولى: (ثم يجعله) مكان ~~(ثم يكون) فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ وهل كان يمكن أن يرد في الأولى: (ثم ~~يكون) وفي الثانية (ثم يجعله)؟ # والجواب، والله أعلم: أنه لا يناسب كلا من الموضعين إلا ما ورد فيه، ولا ~~يجوز على رعي التناسب اللازم رعيه في الكتاب العزيز غير ما ورد عليه ~~الموضعان، ووجه ذلك أن آية الزمر وردت مورد التنبيه على الاعتبار، وبالنصية ~~على ذلك افتتحت الآية فقال تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~هو وأمته: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) (الزمر: 21)، والمراد به ~~المطر، فسلكه ينابيه في الأرض أي أنقذه وأراه في الأرض فبرزت عيونها وجرت ~~مياهها من تلك المادة السماوية (وإن من الحجارة لما ms476 يتفجر منه الأنهار) ~~(البقرة: 74)، فيخرج به سبحانه الزرع المختلف الألوان والطعوم المتباينة: ~~(يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل) (الرعد: 4)، (ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يجعله حطاما) (الزمر: 21) فنسب سبحانه كل حالة من تقلبات الزرع ~~إلى نفسه، وتنقلاته من لدن خروجه ونباته وما بعد ذلك إلى تخلصه إلى نفسه، ~~إذ لا طمع لمخلوق في إعادة شيء من ذلك، ثم قال تعالى: (إن في ذلك لذكرى ~~لأولي الألباب) (الزمر: 21)، فافتتحت الآية واختتمت بالتنبيه على الاعتبار، ~~فلما كان مبناها على ذلك ناسب نسبة الفعل إليه تعالى فقال: (ثم يجعله). # وأما آية الحديد فوردت مثالا للدنيا وابتداء غرورها، وصغو الكافر الغافل ~~إلى ذلك، وإرعاضه عن سرعة تقلبها وزوارها وفنائها، فلما قصد هنا المثال ~~ناسب هذا المقصود قوله: (ثم يكون حطاما)، إذ لم يتقدم في أول الآية النسبة ~~للفاعل اكتفاء بما هو غير خاف على كل ذي عقل سليم، فجرى آخرها على ما يجري ~~عليه أولها، كما جرى في آية الزمر (من آخرها من التنبيه على ما جرى عليه ~~أولها، وتناسب ذلك كله، وورد على ما يجب، ولم يكن بناء على ما صدرت به كل ~~آية منهما أن يكون في آية الزمر): (ثم يكون) ولا في آية الحديد: (ثم ~~يجعله)، بل ورد كل على ما يناسب، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة الزمر قوله تعالى: (وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما # # PageV02P426 # كانوا به يستهزئون) (الزمر"48)، وفي سورة الجاثية: (وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا) (الجاثية: 33)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية الزمر بقوله: (ما ~~كسبوا) وآية الجاثية بقوله (ما عملوا) مع أن المقصد في الموضعين واحد وهو ~~أنه لم يغب من أعمالهم السيئة شيء؟ # والجواب عنه، أن العمل أعم من الكسب لأن الكسب واقع على ما للإنسان فيه ~~تعمل وعلاج، وقد يطلق على غير الإنسان إذا كان الواقع منه ذلك حيوانا يصح ~~منه القصد كالجوارح المعلمة وشبهها، ومنها قوله: # وتجر مجرية لها لحمى إلى أجر حواشب # وأجر جمع جرو، وأما ms477 العمل فيقع على ذلك وعلى ما جرى من فاعله وإن لم يكن ~~منه قصد ولا تعمل ولا هو فاعل حقيقة، فيطلق على ما لا يطلق فيه الكسب، ومنه ~~بيت الكتاب: # حتى شآها كليل موهنا عمل باتت طرابا وبات الليل لم ينم # فوصف البرق بأنه عمل، ومقصود الآية أنه بدا لهم كل ما كان منهم على ~~الاستيفاء، لأنه إخبار موعظة وتهديد وإشعار بالوعيد، فيناسبه ما يجري في ~~المناقشة. وإذا كان المعنى على ما ذكرنا فالمطابق لهذا ما ورد في الجاثية ~~من التعبير ببدأ والعمل، وعلى هذا ورد قوله في سورة النحل وعيد للمقول ~~فيهم: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين ~~من قبلهم وما ظلمهم الله ... ) (النحل: 33) ثم قال: (فأصابهم سيئات ما ~~عملوا) (النحل: 34)، ولم يرد هنا: (ما كسبوا) لأنه من قصد التوسعة ~~(والاستيفاء) (مما يبدون من أعمالهم ويظهر الاستيفاء لذلك)، وكذلك الوارد ~~في الجاثية، وإذا وضح هذا بفينبغي السؤال عما ورد في سورة الزمر، ولم عدل ~~به عن هذا فقيل: (ما كسبوا)؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أنه إنما ورد تتمة لما تقدمه من قوله تعالى: ~~(ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب ~~يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) (الزمر: 47)، فقوله: ~~(ما لم يكونوا يحتسبون) يتناول ما قدموه من سيئ أعمالهم غافلين عنه وناسين ~~إياه، كان مما قصدوه فيه أنفسهم أو دون ذلك فقد حمل من هذا مع بعده ما تحصل ~~من قوله: (وبدا لهم سيئات ما عملوا)، وكان قوله مع ذلك: (وبدا لهم سيئات ما ~~كسبوا) كالتتمة المؤكدة ومتناولا ما قصدوه وأعملوا أنفسهم # # PageV02P427 # فيه، حصل من مجموع ذلك المكتسب وغير المكتسب، فلا فرق بين آية الزمر وآية ~~الجاثية. # ولو قيل في آية الزمر: (ماعملوا) لكان تكرارا لأن ذلك حاصل مما قبلها، ~~ولو قيل في آية الجاثية (ماكسبوا) لما كان وافيا بما بينا قبل أنه مقصود ~~الكلام، فتبين خصوص كل من الواردين بموضعه، ms478 وأن عكس الوارد لا يمكن. # فإن قلت: ما الوجه هنا من قوله: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) ~~(الزمر: 47)؟ تلك هي نكرة موصوفة كقولهم: مررت بما معجب لك. وإذ ذاك يحرز ~~ما تقرر من المعنى بإبهامها، كما أن ما الاستفهامية حيث يقصد الإبهام ~~تعظيما للأمر وتفخيما كقوله تعالى: (الحاقة * ما الحاقة) (الحاقة: 1 - 2) ~~وقوله: (القارعة * ما القارعة) (القارعة: 1 - 2) تحرز لإبهامها من عظيم أمر ~~الحاقة والقارعة ما لايفي به الوصف، والإبهام مقصود في التعظيم والتفخيم ~~للأمر المعبر بها عنه. # فإن قلت: إن (ما) يقل وقوعها نكرة موصوفة، قلت: بل هي حيث يقصد بها هذا ~~المعنى موجودة في كثير من كلامهم وإن كانت الموصولة أكثر منها، إلا أن ~~الموصولة لا تحرز ما ذكرنا من المعنى إحرازها. # فإن قلت: إنما يصح ما اعتمدت من المعنى على القول بتكليف ما لايطاق، وذلك ~~أمر لم يكلف به: قلت إما أنه من الأمر فصحيح وقد امتحن به من قبلنا، وحمل ~~عليهم بنص القرآن، وأما أنه مما لا يطاق فلا يبلغ هذا، بل نقول: إنه يطاق ~~بمشقة، والآية ليست نصا في هذه الأمة بل ولا في أهل الشرائع وحدهم، وإنما ~~هي فيمن ينكر البعث الأخراوي ومن جارهم، ويبين ذلك ما قد ورد قبل آية ~~الجاثية من قوله: (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها ... ) ~~(الجاثية: 32)، وهو قول من لا يصدق بالبعث وليس هذا من أتباع الرسل، ثم إن ~~تخويفها يعم جميع المكلفين، والمؤمن الموفق أشد الخلق خوفا منها: (فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون) (الأعراف: 99)، ثم إنا نقول بجواز التكليف ~~بما لا يطاق هقلا ونمنعه شرعا، وبسط هذا في مظانه. ### | الآية الخامسة # من سورة الزمر - قوله تعالى في أهل النار: (إذا جاءوها فتحت أبوابها) ~~(الزمر: 71)، ثم قال تعالى في أهل الجنة: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) ~~(الزمر: 73)، للسائل أن يسأل عن زيادة الواو في قوله: (وفتحت) في الآية ~~الثانية؟ # والجواب، والله أعلم: أن (إذا) في مثل هذا االكلام جارية مجرى ms479 أدوات ~~الشرط في احتياج الفعل بعدها إلى الجواب، إلا أن جوابها في قول البصريين لا ~~ينجزم إلا في # # PageV02P428 # الشعر، وأهل الكوفة يرون أنها تجزم في الكلام، وقد اتفقنا في استدعائها ~~الجواب، فوقع جوابها في الآية الأولى منطوقا به وهو قوله: (فتحت أبوابها)، ~~فلا مدخل. وأما الآية الثانية فجوابها محذوف مقدر، وقوله: (وفتحت أبوابها) ~~كلام معطوف على ما قبله كما عطف عليه ما بعده، ولو كان جوابا لكان مقتضاه ~~أنها لا تفتح إلا عند مجيئهم، كالحال في أهل النار، وليس كذلك، والله أعلم. ~~ألا ترى قوله تعالى في سورة ص: (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب * جنات عدن ~~مفتحة لهم الأبواب) (ص: 49 - 50) فانتصاب (مفتحة) إنما هو على الحال، ~~والحال قيد فيما قبلها. # فإذا قلت: جاء زيد ضاحكا فالمعنى: جاء زيد متصفا وقت مجيئه بالضحك، ~~فالضحك خيئة حين المجيء وليس المراد أن ضحكه بعد المجيء، وإنما المعنى أن ~~تلك صفته التي جاء عليها بل تقدمت مجيئه ولهذا قال سيبويه رحمه الله قول ~~بعض العرب مررت برجل معه صقر (صائدا به غدا، فقدره: مررت برجل معه صقر) ~~مقدرا الصيد به غدا، فقدره بما هو حاصل ثابت وقت المرور، ولهذا قالوا في ~~قول العرب: قمت وأوك عينه أنه من الشاذ النادر ونحوه ما أنشدوه من قول ~~الشاعر: # فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنهم مالكا # فهذا في غاية القلة، ويححسن ورود الماضي حالا إذا كانت معه قد لاقتضائها ~~القرب، حتى يزول احتمال أن يكون منقطعا فيضاد مقود الحال، فإن قويت الدلالة ~~عليه من المعنى جاز وروده في فصيح الكلام، وعليه جاء قوله في قراءة الأكثر ~~(أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم ### | .... # ) (النساء: 90) لدلالة المعنى، وقرأ يعقوب (حصرت صدورهم) فبينت قراءته ما ~~قرأ به الجماعة، فقد تبين أن قوله تعالى: (فتحت أبوابها) معطوف على قوله: ~~(جاءوها) وليس جوابا، ومما يبين ما ذكرناه في معنى الآية ويشهد له إخباره ~~صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه أول من يفتح وأول من يقرع باب الجنة، فقد ~~أوضح هذا ms480 أن الداخلين تالون له وبعده فيجدونها مفتوحة الأبواب، وإذا لم ~~يتوقف فتح أبوابها على مجيئهم فليس قوله: (وفتحت أبوابها) جوابا لو فرضنا ~~أن لا يعتد بالواو كما يقول أهل الكوفة. # فإن قيل: فما جواب إذا؟ قلت: الجواب - والله أعلم - مقدر بعد، يفسره ~~المعنى، كأن قد قيل: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين أنسوا وأمنوا أو ما يرجع إلى هذا المعنى ~~ويحرزه، وإذ ذلك # # PageV02P429 # يقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) (فاطر: 34)، وقد نقل منسوبا إلى ~~أهل الكوفة أن الواو قد تزاد في الجواب في مثل هذا، وعليه عندهم ما ورد في ~~مثل قول امرئ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # قالو: قوله: وانتحى جواب (لما) والواو زائدة، وعند غيرهم أن قوله: ~~(وانتحى) معطوف على (أجزنا)، والجواب محذوف أي أنسنا أو تحدثنا أو ما يحرز ~~هذا المعنى، ومن محسنات الحذف الطول هنا وفي الآية الكريمة، ثم إن الآية قد ~~اوضح مقصودها ما ورد في سورة ص. # فإن قيل: إن قوله في تقدير الجواب في البيت: أنسنا أو تحدثنا التقدير ~~فليس ذلك بمعين، ولا يحذف الجواب أو الخبر أو ما يحذف إلا بعد أن يتعين؟ ~~فلاجواب إنا لم نقدر ما يتغاير معناه، ولا شك أن المراد تعيينه إنما هو ~~المعنى، ثم نحوم على ما نحصله من العبارة اللفظية مما يرجع إلى معنى واحد، ~~هذا قول المحصلين، وهذا رد على من جعل خبر المبتدأ في قولهم: كل رجل وضعيته ~~هذا المعطوف الذي: هو وضعيته، وقال إن الفائدة قد حصلت بذلك وتم الكلام، ~~وتأول كلام سيبويه على هذا وقال: إن الذي قدره الفارسي وغيره، فقولهم واحد. ~~فقال: تقدير سيبويه تقدير معنى، وإنما كلامنا في تقدير الإعراب وما يجوز ~~حذفه من اللفظ وما لا يجوز، وجوابه أن سيبويه وأبا علي مومن قال بقولهما ~~إنما اعتمدوا في الدلالة على أن الخبر محذوف ما تعطيه وتدل عليه واو مع في ~~قوله: (وضيعته) التي اتفق الكل وأنت معهم أنها بمعنى (مع) ms481 فلدلت على معنى ~~الالتزام، فلا مبالاة بالاختلاف في تقدير الألفاظ المترادفة ما لم يختلف ~~المعنى، فتقدير مقرونان أن متلازمان أو متلاصقان إلى ما يحرز معنى الاجتماع ~~الذي تعطيه وتقتضيه واو مع لاتضييق في ذلك، وشأن من اغتر بنظره فلم يتلبث، ~~ولم يتهم نفسه، ولا بالي بمخالفته الجماهيير في كل صناعة، أنه قل ايصيب، ~~والناس في هذه المسألة متفقون على ما اعتمده سيبويه والفارسي، ولم يجعل ~~واحدا منهم خلافا إلا ما زعمه هذا القائل، وقد خرج بنا (الكلام) إلى ما ~~موضعه أولى به، وأما الآية فقد (وضح) أمرها، والحمد لله. # **** # # PageV02P430 ### | سورة المؤمن ### | الآية الأولى # منها - غ - قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء) (غافر: 7)، وفي سورة ~~الشورى: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) (الشورى: 5)، ~~للسائل أن يسأل عن الوجه في تخصيص سؤال الاستغفار للمؤمنين في الأولى ~~وتعميمه في الثانية؟ # والجواب، والله أعلم: أن ذلك جار بحسب المناسبة، ولما تقدم الآية الأولى ~~فيما ختمت به سورة الزمر من ذكر المتقين في قوله تعالى: (وسيق الذين اتقوا ~~ربهم إلى الجنة زمرا) (الزمر: 73)، وقول الداخلين عند دخولهم الجنة: (سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين) (الزمر73)، وقول الداخلين عند دخولها: (الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده) (الزمر74)، إلى ختام السورة، ثم تبع ذلك قوله تعالى ~~في مطلع سورة المؤمن: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول) ~~(غافر: 3)، ناسب هذا استغفار الملائكة للمتصفين بصفات المذكورين، ويشهد ~~لهذا ما ورد بعده من قوله تعالى مخبرا عن ملائكته بقولهم داعين: (فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك) (غافر: 7)، وأما قوله تعالى أثناء هذه الآية: ~~(ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد) ~~(غافر: 4)، وقوله: (كذبت قبلهم قوم نوح) (غافر: 5) إلى قوله: (فأخذتهم)، ~~فتأنيس للمؤمنين وباعث على شكر النعمة على ما من به عليهم من هدايتهم ~~وسلامتهم من موجب أخذ من كذب وعاند، فبان التناسب في هذا كله. # وأما سورة الشورى فتقدمها قوله ms482 تعالى في خاتمة سورة السجدة: (قل أرأيتم ~~إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد) (فصلت: 52) ~~إلى قوله: (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم) (فصلت: 54)، (ثم) اتبع هذا في ~~مطلع سورة الشورى بقوله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم) (الشورى: 5)، فناسب هذا استغفارهم لمن في الأرض لعظيم ما ~~تقدم منهم مما أشار إليه قوله: (تكاد السماوات يتفطرن)، فلولا حلمه تعالى ~~لتعجل هلاكهم، فاستغافر الملائكة إبقاء سبحانه عليهم إذ لا يفوتونه، وقد ~~يؤمن من سبقت له السعادة منهم، فقد # # PageV02P431 # وضح مناسبة الوارد في الموضعين لما بني عليه، وإن عكس الوارد غير مناسب، ~~والله أعلم بما أراد. ### | الآية الثانية # من سورة المؤمن - قال تعالى: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (غافر: 57)، وقال: (وما يستوي الأعمى والبصير ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون * إن الساعة ~~لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (غافر: 58 - 59)، ثم قال: ~~(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين * الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو ~~فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) (غافر: 60 - 61)، للسائل أن يسأل ~~عن اختصاص كل آية من هذه الثلاث بما فصلت به؟ فقيل في الأولى: (لا يعلمون)، ~~وفي الثانية: (لا يؤمنون)، وفي الثالثة: (لا يشكرون). # والجواب عن ذلك مجملا، والله أعلم: أن المخاطبين ممن عقل لو نظروا ~~واعتبروا لعملوا، ولو علموا لآمنوا، ولو آمنوا واستوضحوا النعم لشكروا، ~~وبسط هذا الإجمال أن قوله تعالى: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس) ~~(غافر: 57) مبسوط الدلالة فى آية البقرة وهى قوله: (ن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار ... ) (البقرة: 164) ثم ورد فى الكتاب العزيز ~~بيان الدلالة بكل فصل من هذه الآيه فقال تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) (ق: 6) وقال تعالى: (ولقد زينا ms483 ~~السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) (الملك: 5) وقال تعالى: ~~(وجعلنا السماء سقفا محفوظا) (الانبياء: 32) وقال تعالى: (الله الذي رفع ~~السماوات بغير عمد ترونها) (الرعد: 2) الى ما جعل تعالى فيها من آيات الشمس ~~والقمر والنجوم والكواكب السيارة وجريها فى بروجها: (لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) (يس: 40) إلى إدخال ~~الليل على النهار والنهار على الليل بتدرج لا يخل الابصار، إلى إنزال القطر ~~من السماء إلى الأرض عند حاجتها فتنبت من كل زوج بهيج وتخرج من أنواع ~~الثمرات مختلفات الألوان والطعوم: (يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل) (الرعد: 4) الى جعل الأرض مهادا، وإرسائها بالجبال، وجرى الأنهار ~~بالمنافع، وتهيئة البحار لرجوع ما يفضل عن حاجة الأرض وعمارها من الحيوان ~~العاقل وغير العاقل إليها، وتسنيد الأرض لجرى المياه # # PageV02P432 # لئلا تقف فتضر معالمها ولا يتم لهم النفع بها، وهذا مع دحوها دحوا يتهيأ ~~به التصرف والمشى فى مناكبها لمصالح الخليقه ومنافعهم، وجعل ماء البحر ~~مالحا لئلا تتغير رائحته لطول مكثه، وتسخير الحيوان لتحريك مياه البحار من ~~اسفلها، وتسخير الرياح المختلفه لتحريكها من اعلاها، فيحرز ذلك بقاء مياهها ~~سالمه من النتن والجمود على مرور الايام وليصل العباد إلى منافعهم بالتصرف ~~فيها إلى حيث شاؤوا باختلاف الرياح الحاملة (فيها) والمبددة لما يتصاعدمن ~~أبخرة الخلق وانفاسهم، إذ لولا تبديدها لركدت فى الجو واضرت العالم، إلى ~~تقلب فصول السنة بتصاعد الشمس من برج الجدى إلى سرطانها ثم انحدارها الى ~~الجدى جريا محكم الترتيب لانتقال النبات بإذن الله، وإصلاح ابدان الحيوان، ~~وإنضاج الفواكه وتهيئتها بالانتفاع بها. وتلوينها وترطيبها بحركة الشمس ~~والقمر، إلى ما يقصر عن استيعابه الذكر، ذلك تقدير العزيز العليم، أفيتكون ~~شئ من هذا بنفسه، أو يوجده نظيره ومماثله فى الافتقار والاضطرار؟ لقد شهدت ~~الجمله ودلت أجزاؤها على الخالق المنزه عن سماتها، المتعالى عن شبهها، ~~المتقدس عن الند والمثل والشريك والنظير، المنفرد بالخلق والتدبير، (لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (الانبياء: 22) فحق اللآيه الكريمه المشيرة ~~إلى ms484 ما وقع الإيماء إلى بعضه أن يكون ختامها: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ~~(غافر: 57). # ثم قال تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير) (غافر: 58) فضرب سبحانه المثل ~~بذكر الاعمى والبصير، وهما حالا المعتبر بخلق السماوات والأرض وغير ~~المعتبر، وحالا المؤمن الموفق للاعتبار والمسيئ بتركه، ثم أعقب بذكر الساعة ~~التى لا يعلم كنهها إلا من الخبر الصدق، فحق لهذه الآيه أن يكون ختامها: ~~(ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (غافر 59). لو اعتبروا أولا ونظروا فى معجزات ~~الرسل لوضح لهم صحة ما جاؤوا به وصدقوا بالساعة. # ثم أعقب من ذكر نعمه بجعل الليل سكنا لراحة الحيوان وسكونه والنهار مبصرا ~~- أى يبصر فيه - لتصرف الخلق فى معائشهم، إلى ما ينجر فى الليل والنهار مما ~~لا يحصى، وأوضحها ما نصت عليه الآيه، فحق لهذه أن يكون ختامها: (ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون) (غافر: 61)، فقد تبين مناسبة هذه الخواتم لما ختم به، ~~والله سبحانه أعلم. # ***** # # PageV02P433 ### | سورة السجدة ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ... ) ~~(فصلت: 9) الآيات، فقد تقدم ذكرها في سورة الأعراف. ### | الآية الثانية # منها - قوله تعالى: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ~~بما كانوا يعملون) (فصلت: 20)، وفي سورة الزخرف: (حتى إذا جاءنا قال يا ليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين) (الزخرف: 38)، وقد تقدم في سورة الزمر قوله تعالى ~~في أهل النار: (إذا جاءوها فتحت أبوابها) (الزمر: 71)، وفي أهل الجنة: ~~(وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) ~~(الزمر: 73)، للسائل أن يسأل عن زيادة (ما) في وقله في سورة السجدة: (حتى ~~إذا ما جاءوها) وسقوطها في سوى هذه الآية؟ # والجواب، والله أعلم: أن (إذا) تزاد بعدها (ما) كثيرا فصيحا، وقد لا ~~تزاد، وكلا المرتكبين فصيح. إذا تقرر هذا فمن المعلوم أيضا أن العرب مع ~~أنهم يؤثرون إيجاز الكلام في الأكثر قد يختارون الطول وإطناب الكلام في بعض ~~المواضع، وذلك بحسب ما تدعو إليه الحال: # يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء # وإذا تأملت آية السجدة ms485 وجدتها مبنية على ما يستدعي الإطالة وينافر ~~الإيجاز لقصد استيفاء ما تضمنت من حال أهل النار في امتحانهم، ألا ترى ~~تخصيصها بما ذكر فيها من شهادة الأسماع والأبصار والجلود، وعتبهم جلودهم في ~~الشهادة عليهم بقولهم: (لم شهدتم علينا) (فصلت: 21، ومجاوبة الجلود بقولها: ~~(أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) (فصلت: 21)، إلى آخر ما كلمتهم به، ألا ترى ~~أن الوارد هنا من قصصهم قد نيف على عشر آيات، وأن آية الزخرف وهي أطول ~~البواقي ورد مضمونها في أربع آيات، وأما آية الزمر فلم تبلغ واحدة منها ~~صلاص آيات. فزيدت - ما - في آي السجدة مناسبة لما انجر في ذلك المقصود بها ~~من الإطناب والالستيفاء، ولم تزد في البواقي لما بنيت عليه من الإيجاز، ~~فجاء كل منها على ما يلائم ويناسب، ولم يكن ليناسب عكس الوارد على ما تمهد، ~~والله أعلم. # # PageV02P434 ### | الآية الثالثة # من سورة السجدة - قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب) (فصلت: 45)، وفي ### | سورة الشورى # : (ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا ~~الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) (الشورى: 14)، للسائل أن يسأل عن خلو آية ~~السجدة من ذكر النهاية المذكورة في (الآية) الأخرى؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الشورى تقدم قبلها ذكر تلك الغاية ~~والأجل في قوله: (وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في ~~السعير) (الشورى: 7)، فهذا هو الوقت الموعود والأجل المسمى، فلما تقدم ذمره ~~وقعت الإحالة عليه في قوله: (أجل مسمى)، (وأما) آية السجدة فلم يتقدم ~~(فيها) ذكر هذه الغاية على الوفاء بخ وبما فيه، وأما قوله تعالى فيها: ~~(ويوم يحشر أعداء الله إلى النار) (فصلت: 19) فأشار إلى وقت حشرهم وإدخالهم ~~في النار، وإنما ذلك فعل يقصد هؤلاء في ذلك اليوم وبعض ما فيه، فأوقع اسم ~~اليوم على الوقت الذي يؤمر فيه بهؤلاء إلى النار، كما قال تعالى: (ومن ~~يولهم يومئذ دبره) (الأنفال: 16) أي قت ms486 القتال، فوقع اسم اليوم على الوقت، ~~إذ لا يتقيد لقاء العدو وقتاله بيوم برأسه ولا بنهار دون ليل، فإنما وقع ~~اليوم في قوله: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار) (فصلت: 19) الآية على وقت ~~من اليوم يتقيد به بعض أفعال ذلك اليوم، أما تفصيل ما فيه من استغراق ~~الفريقين والإفصاح باسمه فإنما ذلك يث ذكر، فكان هناك ما يحال عليه، وقد ~~تكرر ذكره في قوله تعالى في سورة التغابن: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم ~~التغابن) (التغابن: 9)، فلتدم ذكره موفى التعريف باسمه وقعت الإحالة عليه ~~والإشارة بقوله: (إلى أجل مسمى)، فقد وضح ورود كل من الآيتين على ما يناسب، ~~ولا يناسب عكس الوارد، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # من سورة السجدة قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل ممن هو في شقاق بعيد) (فصلت: 52)، وفي سورة الأحقاف: (قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم) (الأحقاف: 10)، قد يسأل عن وقوع - ثم - في الأولى ووقوع واو ~~النسق مكانها في الآية الثانية؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن ثم للترتيب الزماني واقتضاء المهلة فيه، ~~وتأتي أيضا لبيان رتبة ما يعطف بها، وأن له موقعا وخطرا وبه اعتناء، وقد مر ~~بيان ذلك. وإن تفاوت الرتب كتفاوت الزمان، ولا توقف في أن كفرهم بالقرآن ~~بعد علمهم أنه من عند الله # # PageV02P435 # (أو ثبوت أنه من عند الله كما هو) وكما قد علم من سعد بالإيمان به وإن ~~كذبوه، فلا شك أن ذلك مرتكب شنيع وضلال بعيد، فجيء هنا بثم لتحرز عظيم ~~اجترامهم وشنيع مرتكبه، فجاءت على ما يجب. # ولما قصد في آية الأحقاف زيادة شهادة عليهم بتصديق من تقرر عنده علم ~~الكتاب المنزل قبل كتابنا، ممن يعرف علمه، فشهد بما عنده من العلم، أن هذا ~~الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو من عند الله، وكان ذلك أبين ~~في الحجة عليهم فلم يرد بثم لاقتضائها مهلة لم ms487 تقصد هنا، وبيان النظم ~~الجليل الوارد في الآية بما تقدره تقريبا لإفهامنا أن كأن قد قيل لهم: يا ~~محمد أرأيتم إن كان القرآن من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ~~فكفرتم وآمن ذلك الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان فكيف تكون حالكم؟ # واقتضى حكم هذا معنى الآية، ففي الكلام تقديم (وتأخير) اقتضاه جليل نظم ~~الكتاب وعلى براعته، وإذا كان المعنى على تشريك ما تأخر في التركيب من ~~قوله: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله أن كان من عند الله لم يكن ليصبح ~~بين المنسوقين المحمول أحدهما على الآخر بما يقتضي الجمع من غير فتور ولا ~~مهلة الفصل بثم لأنها منافرة لهذا الغرض، فورد هذا بالواو ليحرز ما قررناه ~~من المعنى، ووردت الآية الأولى بثم لتحرز معناها أيضا، وجاء كل على ما يجب ~~ويناسب، ولا يمكن خلافه، والله أعلم. # **** # # PageV02P436 ### | سورة الشورى ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء ~~عقيما إنه عليم قدير) (الشورى: 49 - 50)، ثم قال تعالى: (وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~إنه علي حكيم) (الشورى: 51)، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به ~~كل آية من هاتين الآيتين فقيل في الأولى: (إنه عليم قدير) وفي الثانية: ~~(إنه علي حكيم) وهل كان يمكن عكس الواقع؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآية الأولى لما تضمنت الإعلام بانفراده ~~سبحانه بملك السماوات والأرض وقهره جميع (من) فيهن، وأنه الخالق لكل شيء ~~فلا اختيار لمخلوق ولا مشيئة، وكل صادر منه إحسان، فيهب لمن يشاء إناثا، ~~وقدم ذكر الإناث لكراهة العرب إياهن، فأشار بتقديم ذكرهن إلى أن فلعهم ~~وكراهتهم معارضة لما نفذت به مشيئته، ثم قال: (ويهب لمن يشاء الذكور)، وجاء ~~لفظ الذكور معرفا ليشير بما تعطيه الألف واللام من العهدية إلى حالهم من ~~الفضل ودرجة التقدم ms488 على الإناث، فكأنه في قوة أن لو قيل: الذين من أمرهم و ~~(من) شأنهم، بتوازن تقديم الإناث وتعريف الذكور، فقدم ذكر الإناث لإرغام ~~العرب، وعرف الذكرو لشرف المنزلة، ثم قال: (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا) أي ~~على التساوي عددا، ثم قال: (ويجعل من يشاء عقيما)، فجعل من هذا كله أن ~~الفعل لا يشركه فيه غيره، يفعل في ذلك كله ما أراده. فلما تضمنت الآية قهر ~~العباد وانفراده سبحانه بالخلق والأمر ناسبها الختام بقوله تعالى: (إنه ~~عليم قدير) أي عليم بوجه الحكمة في ذلك، قدير على ما يريده. # ولما قال في الآية بعد: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) (الشورى: 51) فأوضحت الآية علي ~~كماله تعالى وتنزيهه عن سمات الحدوث وأن المخصوصين من البشر للسفارة ~~والرسالة إنما خطابه سبحانه لهم بهذه الوجوه المفصحة بتنزيهه عن شبه ~~خليقته، فلا يصلون إلى ما يتقرر عنهم # # PageV02P437 # من خطابه تعالى إلا بأحد هذه الوجوه، وهي الوحي مناما أو إلهاما، وخلقا ~~في قلب النبي، وعن هذا الضرب عبر بالوحي، ومنه قول إبراهيم، عليه السلام، ~~لابنه: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) (الصافات: 102)، أو من وراء ~~حجاب كتكليم موسى عليه السلام، أو إرساله سبحانه ملكا من القربين لديه يوحي ~~بإذنه ما يشاء كما كان جبريل، عليه السلام، وهو المعروف بهذه الخصيصة، ~~والمعد من الملائكة للسفارة بينه سبحانه وبين رسله، يأتيهم بما يرسله تعالى ~~به من القصص والأوامر والنواهي، فبهذه الطرق الثلاث وصول الرسل والأنبياء ~~إلى ما عندهم من الله تعالى، وقد حصل من ذلك الإعلام بتنزيهه سبحانه ~~وتعاليه عن التكييف، فناسب هذا ختام هذه الآية بقوله تعالى: (إنه علي حكيم) ~~أي علي عن مداناة البشر إلا باللطف والإحسان، حكيم في أفعالخ. فتبين وجه ~~مناسبة هذا إتمام ما به ختم كما ناسب الختام قبله وهو قوله: (إنه عليم ~~قدير) ما أعقب به، فوضح أن كل ختام منهما لا يلائم غير موضعه، وأنه لو ختمت ~~هذه ms489 الأخيرة بما به ختمت الأولى والأولى بما به ختمت هذه لم يكن ليناسب هذه ~~المناسبة الحاصلة، والله أعلم بما أراد. # **** # # PageV02P438 ### | سورة الزخرف ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ~~إن هم إلا يخرصون) (الزخرف: 20)، وقال في الجاثية: (وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يظنون) (الجاثية: 24)، فأعقب في الأولى قوله: (ما لهم بذلك من علم) ~~بقوله: (إن هم إلا يخرصون)، وأعقب في الثانية قوله: (ما لهم بذلك من علم) ~~بقوله: (إن هم إلا يظنون)، فللسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل من الموضعين ~~بما به أعقب؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنهم لما قالوا: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم) ~~فتعلقوا في احتجاجهم بقول الحق، وهو أنه سبحانه لا يجري في ملكه إلا ما ~~يريده ويشاؤه، ثم في اختصصهم من أسمائه الرحمن عضد لتعلقهم وتقوية لما رأوا ~~الاحتجاج به، وكأنهم قالوا: إذا كان متصفا بالرحمة ولا استبداد لأحد من ~~الخلق بشيء من أفعالهم وإنما يجري ما يصدر عنهم بحسب مشيئته وإرادته، وقد ~~جرى منا ما نحن عليه من عبادة أصنامنا وما اتخذناه من معبوداتنا، وليس لنا ~~استبداد بما يصدر عنا فهو مراد له وبمشيئته وهو رحمة لأنه الرحمن، فلو كانت ~~الرحمة في تركنا معبوداتنا لشاء ذلك (لنا) لأن الرحمن لا يكون منه إلا ما ~~هو رحمة، وإنما الفعل له لا لنا، فلو شاء أن لا نعبدها ما عبدناها، فلما ~~تعلقوا بما يبدو منه أن لديهم علما، أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أنه لا علم عندهم، ولا قالوا ذلك عن معتقد تركن إليه قلوبهم، إنما هو تخرص ~~قولي لا علم وراءه، ومن وحي الشياطين لأنهم أولياؤهم كما قال تعالى: (وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) (الأنعام: 121)، فكرمهم تخرص ~~بالقول لا علم وراءه، إذ اللام في القدر وأحكامه، وإن الإدارة تخالف الرضا، ~~وإن الآمر قد يأمر بما لا يريده، ms490 وإنه سبحانه قد يريد إيقاع ما لا يرضاه، ~~وبيان ما تبني عليه التكاليف وتتعلق به الأوامر والنواهي من القدرة الكسبية ~~التي بمعرفتها وثبوتها حصول السلامة من مذهب الجبر، وبإنكارها التورط في ~~مذهب الاعتزال أو قول أهل القدر، وكلا المذهبين ضلال ونزوح عن الحق، وكل من ~~المذهبين له تهجم سبقية إلى الأذهان، يدفعها التوفيق؟ إلى النظر الصحيح، ~~وإلا كان التخرص المورط في الضلالات، وهنا بحار طامية من دقائق العلم ~~والنظر لا شيء عند هؤلاء الكفار منها (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) ~~(يونس: 29، (وإن هم إلا يخرصون) (يونس: 66)، فقد وضح التناسب في هذا. # # PageV02P439 # وأما ### | الآية الثانية # فإنه تعالى لما حكى عنهم قولهم منكريم للبعث الأخراوي: (وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) (الجاثية: 24) أي وما ~~يهلكنا إلا تعاقب الأيام والليالي، فلم ينسبوا الإحياء والإماتة لفاعل ~~مختار يميت ويحيي، وبنوا على ذلك إنكار العودة، أخبر تعاىل عنهم أنهم لا ~~متعلق لهم إلا مجرد ظن لا مستند له فقال: (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يظنون) (الجاثية: 24)، فأخبر تعالى أن مرجعهم إلى الظن، وإن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا، وتناسب هذا واضح لا خفاء به. # الآية الثانية من سورة الزخرف قوله تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) (الزخرف: 22)، ثم قال: (وكذلك ما أرسلنا ~~من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون) (الزخرف: 23)، للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لقول ~~الفريق الأول: (وإنا على آثارهم مهتدون) وقول الفريق الثاني: (وإنا على ~~آثارهم مقتدون) مع الاتفاق من جميعهم في قولهم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة) ~~أي على دين وملة، ثم وقع الاختلاف في وصف أنفسهم في اتباع آبائهم بالاهتداء ~~والاقتداء؟ # ووجه ذلك، والله أعلم: أن ما تقدم الآية الأولى خكاية قول كفار العرب ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسامعين منه القرآن المسمى هدى ~~في غير موضع كقوله سبحانه: (هدى ms491 للمتقين) (البقرة: 2)، وقوله: (هذا هدى) ~~(الجاثية: 11)، وقوله: (هدى ورحمة للمحسنين) (لقمان: 3)، فلما دعاهم صلى ~~الله عليه وسلم ليهتدوا بهديه قابلوا دعاءه بقولهم: إنهم مهتدون وإنهم ~~وجدوا آباءهم على أمة وإن ما وجدوهم عليه هدى، فقالوا: (إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة) أي على دين وإنا على آثارهم مهتدون كهديهم، فلما دعاهم زعموا أنهم ~~على هدى، وهذا أبين تناسب. # وأما الآية الثانية فحكاية أقوال قرون مختلفة، وقد ذكر تعالى من قول ~~بعضهم: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) (الأنبياء: 53)، وفي موضع آخر: ~~(كذلك يفعلون) (الشعراء: 74)، فهذا اتباع مجرد عن ادعاء كونه هدى أو غير ~~هدى، فهو اعتراف بتقليد واتباع تعظيم لفعل آباهم من غير ادعاء شبهة، فلم ~~يكن ليطابق هذا إلا الوارد في قوله تعالى عنهم: (وإنا على آثارهم مقتدون)، ~~فجاء كل على ما يناسب، والله أعلم. # ******* # # PageV02P440 ### | سورة الجاثية ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم ~~وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون * واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله ~~من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون) (الجاثية: 3 - 5)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل آية من هذه ~~الثلاث بما به خصت خواتمها من صفات المعتبرين بها، فقيل في الأولى: ~~(للمؤمنين)، وفي الثانية: (لقوم يوقنون)، وفي الثالثة: (لقوم يعقلون)؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن خلق السماوات والأرض للمعتبر المنصف كاف ~~في التصديق بحدوثهما وافتقارهما من حيث إن وجودهما أو عدمهما من قبيل ~~الجائز، والتخصيص بأحد الجائزين لا يكون إلا بمخصص مقتض هذا الجائز الواقع، ~~ثم ذلك المخصص لا يكون مماثلا وإلا لافتقر إلى مخصص، وذلك مؤد إلى التسلسل ~~وهو محال، وأيضا فليس أحد المتماثلين في إيجاب حكم المماصلة بأولى مما ~~يوجبه الآخر، وهذا كله محال، فلابد من صناع متعال عنه شبه المصنوع، منزه عن ~~المماثل والنظير وسمات الحدوث، متصف بالكمال لكمال المصنوع وإتقانه، متصف ~~بالعلم والقدرة والإرادة، إلى ما هو سبحانه أهله، وإذا حصل الاعتراف ~~بالصانع علم المعترف بما ms492 ذكرنا أنه تعالى قادر على خلق ما يشاء، وإلى هذا ~~أشار قوله تعالى: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى وهو الخلاق العليم) (يس: 81)، فمن اعتبر بالسماوات والأرض أو بخلقهما ~~إذ يمكن في قوله: (إن في السماوات والأرض) أن يؤخذ على (أن) لا مضاف ~~محذوفا، وأن يكون على حذف المضاف، أي إن في خلق السماوات والأرض، وطريقة ~~الاعتبار واحدة على التقديرين لمن اعتبروا، فمن اعتبر وأنصف آمن، قال ~~تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين) (الجاثية: 3)، فحصل لهم ~~الإيمان، فوسموا قبل حصوله بما يؤوله أمرهم - إذا اعتبروا - إليه، فهو من ~~قبيل التسمية بالمآل، ومنه قوله تعالى: (إني أراني أعصر خمرا) (يوسف: 36). # ثم قال تعالى: (وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون) (الجاثية: ~~4)، والمراد أن المعتبر بالسماوات والأرض إذا حسن اعتباره وأنصف من نفسه ~~حصل له الإيمان بالصانع سبحانه، فإذا أضاف إلى ذلك الاعتبار بخلق الإنسان ~~وتطوره في الأرحام من حال النطفة، إلى حال العلقة، إلى حال المضغة، إلى حال ~~العظام وكسوتها باللحم، إلى الإبراز # # PageV02P441 # إلى عالم الشهادة بشرا سويا محكما متناسب الأعضاء تام الخلق، إلى تدريجه ~~بعد هذا، وكل ذلك من غير توقف شيء من صفاته وخواصه على اختيار أب أو أم، ~~إلى اختلاف الألسنة والألوان والصور إلى ما يتعلق بذلك، واعتبر بخلق ~~الحيوانات وما بث سبحانه في الأرض برها وبحرها من ذلك، وركون كل ذي شكل إلى ~~شكله، وقيام أغذية الجميع بما يصلح لهم، وتسخير المسخر منها للآدمي ~~وإيناسه، وتوحش المتوحش، وإجراء الجميع على اختلاف الأحوال في ذلك، ففي ~~الاعتبار بذلك كله ما يثمر للمؤمن اليقين ويرقيه إلى أعالي درجات المتقين. ~~ثم إذا اعتبر بما أشارت إليه الآية الثاثة، من اختلاف الليل والنهار، ~~وتهيئة الليل للسكون والاستراحى والنهار للتصريف في المعاش والحاجات، ~~وتداولهما كالمتعاوضين في الطول والقصر، وإيلاج أحدهما في الآخر إيلاجا ~~خفيا حتى لا يدخل أحدهما على الآخر دفعة فيضر (بأبصار) الحيوان، إلى ما ~~يتعلق بهذا ويرجع إليه، فمن أحكم تدبر ذلك ms493 واعتبر به، واعتبر جري الرياح ~~ومنافعخا من سوقها للسحاب والأمطار وإحياء الأرض بالماء النازل منها بعد ~~موت الأرض وإخراجها ضروب النبات لانتعاش الحيوان ومصالحه، فإذا اعتبر ~~المؤمن الموقن بهذا أعقبه ثبات يقينه وتمكن دينه فآمن وأيقن وعقل عن ربه، ~~فانتفت الشبهات، وأفصحت بالبراهين الآيات، قال تعالى: (وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون) (العنكبوت: 43). # فتأمل كيف جعل سبحانه تعقل الأمثال موقفا على العالمين، وإنما تحصل لهم ~~الاتصاف بأن كانوا عاللمين بما منحوه كم كمال عقولهم، فتبين التدريج الوارد ~~في الآيات، وأنه لا يلائم آية منها ما ختم به غيرها، بل كان كل ختام من ~~الأوصاف الثلاثة لا يليق بغير موضعه، وتأمل آية البقرة وهي قوله تعالى: (إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس) إلى قوله: (لآيات لقوم يعقلون) (البقرة: 164) فأجمعت آية ~~البقرة ما وقع في هذه الآيات الثلاث من سورة الجاثية منسوقا ذلك بعضه على ~~بعض غير مستأنف الابتداء للاعتبار به كما ورد في هذه الآي، بل ورد مجموعة ~~في آية واحدة، كيف ختم ذلك بقوله: (لآيات لقوم يعقلون) كما ختمت هذه الآي ~~الثلاث بقوله: (لآيات لقوم يعقلون) إعلاما بشرف العقل الذي به - بإذن الله ~~- يحصل الإيمان ثم اليقين ثم الثبات المحصل للكمال بحصول العلم الحاصر لذلك ~~كله. # سورة الأحقاف، قد تقدم ما فيها # ******* # # PageV02P442 ### | سورة القتال ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ~~(محمد: 9)، وفيما بعد من هذه السورة: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر) (محمد: 26)، للسائل أن يسأل عن وجه ورود (أنزل) ~~في الأولى وفي الثانية (نزل) مضعفا؟ # والجواب، والله أعلم: أن ذلك مفهوم مما تقدم في (أول) سورة آل عمران ~~باعتبار ما يخص هذه السورة، وهو أن المتقدم من أول هذه السورة إلى قوله بعد ~~الآية المتكلم فيها: (وأن الكافرين لا مولى لهم) (محمد: 11) يقصد ممن ~~تضمنته هذه الآي من الكفار غير مشركي العرب من ms494 قريش وغيرهم، ولا شك أن ~~كفرهم منسحب على كل المنزل من القرآن وما تقدم نزوله من التوارة وغيرها من ~~الكتب، فلم يكن ليلائم ذلك عبارة نزل المبينة عن تنجيم المنزل، ولم ينزل ~~كذلك غير القرآن، وهم ينكرون كل الكتاب المنزلة ويكرهونها فقيل هنا: (كرهوا ~~ما أنزل الله). # أما ### | الآية الثانية # فالمراد بها ذوو النفاق والمرتدون على أدبارهم، ويبين ذلك ما تقدمها من ~~قوله تعالى: (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ~~الموت) (محمد: 20)، وهؤلاء هم المنافقون، ولم يقع فيما بعد عدول عنهم إلى ~~قوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) (محمد: 25) وإنما هؤلاء قوم كفروا ~~بعد؟ إسلامهم، وهم القائلون بمقتضى نفاقهم وما أبطنوه من الكفر لغيرهم ~~(سنطيعكم في بعض الأمر) (محمد: 26)، ولهؤلاء اطلاع على المنزل من القرآن ~~وخصوص كراهية له، وهي المهيجة لنفاقهم، فهو الذي كرهوه حقيقة فقيل هنا: ~~(كرهوا ما نزل الله) بلفظ التضعيف إذ الإشارة إلى القرآن، وهذه صفته أعني ~~ما يشيير إليه التضعيف من التنجيم في النزول، فكل من الموضعين وارد على ~~أنسب نظام وأتمه. # الآية الثانية: غ - قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا) ~~(محمد: 20)، (ثم قال): (فإذا أنزلت سورة)، فورد الفعل ألولا مضاعفا وثانيا ~~غير مضعف؟ # ووجه ذلك، والله أعلم: أن المؤمنين هم الذين يودون نزول السورة، وطلبهم # # PageV02P443 # نزلوها إنما هو على ما اعتادوه جاريا في غيرها من التنجيم وتفصيل النزول، ~~فالملائم هنا عبارة التضعيف. وقوله: (فإذا أنزلت سورة) إنما المراد تحصيلها ~~بجملتها بعدكمالها وذلك مفهوم من سياق الكلام، والملائم - لما تحصل وتم - ~~عبارة الإنزال من غير تضعيف. فكل من الموضعين وارد على أنسب نظم، والعكس ~~غير ملائم، والله أعلم. # ***** # # PageV02P444 ### | سورة الفتح ### | الآية الأولى # منها - قوله: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما) (الفتح: 4)، ثم ~~قال بعد: (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما) (الفتح: 7)، ~~للسائل أن يسأل عن تعقيب جنود السماوات في الآية الأولى بقوله: (وكان ms495 الله ~~عليما حكيما) وتعقيب الثانية بقوله: (وكان الله عزيزا حكيما)؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن ### | الآية الثانية # لما تقدمها قوله تعالى: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما * ~~ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا) ~~(الفتح: 5 - 6)، ناسب هذا المتقدم، من فعله تعالى بالفريقين، من مجازاة ~~المؤمنين بالنعيم المقيم، وتعذيب المنافقين وغضبه عليهم ولعنهم وإعداده لهم ~~جنهم، وصفه تعالى بالعزة ليعلم أنه سبحانه لا مغالب له وأن الكل تحت قهره، ~~إذ لعزته يفعل في الكل ما يريده وما تقتضيه حكمته، إذ هو العزيز في ملكه ~~الحكيم في أفعاله. # ولما لم يتقدم لاآية المتقدمة ما يقتضي القصر كهذه، وإنما قبلها قوله ~~سبحانه: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم) (الفتح: 4)، وهذا تعريف بإنعامه سبحانه ورحمته، فأعلم سبحانه أنه ~~العليم بمن يرحمه، كما قال تعالى: (ربكم أعلم بكم) (الإسراء: 54)، وقال ~~تعالى: (وهو أعلم بالمهتدين) (النحل: 125)، وقال تعالى: (الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته) (الأنعام: 124)، وجاء كل من الآيتين على ما يجب، والله أعلم. # الآية الثانية: غ - قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا) (الفتح: 11)، وفيما بعد منها: (سيقول ~~المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم) (الفتح: 15)، ففي ~~الآية الأولى إفراده، عليه السلام، بخطابهم له في قوله تعالى افصاحا بحرف ~~الخطاب: (لك) ولم يرد ذلك في الثانية؟ # # PageV02P445 # ووجه ذلك أن المخبر عنهم من المخلفين طلبوا منه صلى الله عليه وسلم ~~الاستغفار لهم لتخلفهم عنه، وأفردوه بخطابهم إذ ليس ذلك من مطلوبهم لغيره ~~فوردت العبارة عن ذلك بإفراد الخطاب. وأعلم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بنفاقهم وكذبهم في اعتذارهم فقال تعالى: (يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم) (الفتح: 11). # وأما الآية الثانية فليس قولهم: (ذرونا نتبعكم) خطابا خاصا له صلى الله ~~عليه وسلم، بل هو خطاب له وللمؤمنين، ms496 والسياق يفصح بذلك، وما أمره به، عليه ~~السلام، من مجاوبتهم في قوله لهم: (لن تتبعونا) فلم يرد هنا إفراده صلى ~~الله عليه وسلم بخطابهم له كما ورد في الأولى، وجاء كل على ما يناسب. # فإن قيل: إن خطابهم له خاص كالأول ولكن خاطبوه مخاطبة التعظيم بقولهم: ~~(ذرونا نتبعكم)، قلت: وعلى (فرض) هذا فمراعاة الألفاظ في التعظيم أكيدة جدا ~~وبها إحرازه، وعلى هذا لايلائم هنا الخطاب كيف ما قدر إلا بصورة ما للجميع، ~~والله أعلم بما أرد. # الآية الثالثة من سورة الفتح - قوله تعالى: (قل فمن يملك لكم من الله ~~شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا) ~~(الفتح: 11)، ثم قال فيما بعد: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن ~~مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا) (الفتح: 24)، ~~للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف الوصفين الواقع بهما ختام الآيتين وهما ~~(خبير) في الأولى و (بصير) في الثانية؟ # والجواب عنه: أنه قد تقدم قبل الآية الأولى قوله تعالى: (سيقول لك ~~المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ~~ما ليس في قلوبهم) (الفتح: 11) فناسب هذا وصفه تعالى بالخبير لأن الخبير هو ~~العليم بما خفي وبطن، فتأمل مناسبة هذا لقوله: (يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم). # وأما الآية الثانية فتقدمها قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (الفتح: 24) وليس في هذا ~~إبطان شيء أظهر خلافه، فكان إيراد وصفه سبحانه ببصير أنسب، وورد كل على ما ~~يجب. # ******** # سورة الحجرات، قد تقدم ما فيها # ******** # # PageV02P446 ### | سورة ق # قوله تعالى: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما ~~لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم) (ق: 22 - 24)، ثم قال بعد هذا: (الذي جعل مع ~~الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد * قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن ~~كان في ضلال بعيد) (ق: 26 - 27). # يسأل عن ثبوت واو العطف في قوله أولا: (وقال قرينه) ولم ms497 يثبت الواو في ~~الآيةالثانية؟ # والجواب عن ذلك: أن الآية معطوفة على ما قبلها من آيات هي إخبار عما ~~يلقاه الإنسان المتقدم ذكره من الأهوال والشدائد في المواقف الأخراوية وما ~~بين يديها، أولها قوله: (وجاءت سكرة الموت بالحق) (ق: 19)، ثم قال: (ونفخ ~~في الصور ذلك يوم الوعيد * وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) (ق: 20 - 21)، ثم ~~قال: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد) (ق: 23)، فهذه إخبارات عن شدائد بعضها ~~تلو بعض، فطابق ذلك ورود بعضها معطوفا على بعض. وأما قوله: (قال قرينه ربنا ~~ما أطغيته) فهو إخبار مبتدأ مستأنف معرف بتبرئ قرينه من جملة ما تأبطه ~~واجترحه، ولا طريق لعطف ذلك على ما قبله، إنما هو استئناف إخبار، فورد كل ~~من الآيتين على ما يجب ويناسب. # ****** # # PageV02P447 ### | سورة الذاريات ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى: (إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع) (الذاريات: ~~5 - 6)، وفي الطور: (إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع) (الطور: 7 - 8)، ~~وفي المرسلات: (إنما توعدون لواقع) (المرسلات: 7)، للسائل أن يسأل عن موجب ~~اختلاف العبارة عما وقع القسم عليه؟ وما جووب به مع أن المراد بذلك كله ~~الجزاء الأخراوي؟ # والجواب، والله أعلم: أن سورة الذاريات تقدمها في سورة ق إخباره سبحانه ~~بالعودة الأخراوية وإقامة البرهان على ذلك لمن وفق لاعتباره فقال تعالى: ~~(أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج)، إلى ~~قوله: (كذلك الخروج) (ق: 6 - 11)، ثم أعقب بذكر مكذبي الأمم وما حق عليهم ~~من الوعيد الأخراوي بعد أخذ كل منهم في الدنيا بذنبه، ثم استمرت آي هذه ~~السورة على هذا المنهج من ذكر البعث وحصر أعمال المكلفين وكتبها عليهم، مع ~~علمه سبحانه بما توسوس به نفوسهم ووقوع الجزاء على ذلك، غفلة المكذب عن ذلك ~~كله حتى يكشف له الغطاء فيشاهد ما لم يكن يحتسبه، أعقب بإزلاف الجنة ~~للمتقين ووصفهم بما منحهم ووعدهم عليه، ثم أعقب بأمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر والتزام ما أمره به، وأن يذكر بالقرآن المستجيبين الخائفين ~~وعيده سبحانه، فلما ms498 اشتملت السورة على أوعاد وجزاء أعقبت بالقسم على ذلك، ~~من صدق وعده سبحانه ووعيده، ووقوع الحساب على الأعمال، فقال تعالى: ~~(والذاريات ذروا) (الذاريات: 1) إلى قوله: (إنما توعدون لصادق (5) وإن ~~الدين لواقع) (الذاريات: 5 - 6)، وتناسب النظم في ذلك كله أبين تناسب. # أما سورة الطور فالقسم فيها مرتبط بما أتصل به ووقع عليه القسم من قوله ~~تعالى خاتمة سورة الذاريات: (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا ~~يستعجلون * فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون) (الذاريات: 59 - 60) ~~فأتبع قسما على هذا بقوله: (والطور) (الطور: 1) إلى قوله: (إن عذاب ربك ~~لواقع *ما له من دافع) (الطور: 7 - 8). # وأما قوله في سورة المرسلات: (إنما توعدون لواقع) فمرتبط بما بنيت عليه ~~سورة الإنسان، فإنها بجملتها درات آياتها وجرت على ما به ختمت من قوله ~~تعالى: (يدخل من # # PageV02P448 # يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما) (الإنسان: 31)، فتحصل مجرد ~~وعد ووعيد، ولم تخرج السورة عن ذكر الفريقين ممن وعد وتوعد، فناسب ذلك قوله ~~تعالى جوابا للقسم: (إنما توعدون لواقع) فجاء كل من المواضع الثلاثة على ما ~~يناسب، ولا يلائم النظم في ثلاثتها غير ما ورد عليه، والله أعلم. ### | الآية الثانية # - قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) (الذاريات: 15 - ~~17) إلى قوله (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (الذاريات: ~~23)، وفي سورة الطور: (إن المتقين في جنات ونعيم) (الطور: 17) إلى قوله: ~~(كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون) (الطور: 19). للسائل أن يسأل عن وجه ~~اختلاف الإخبار عن أهل الجنة في هاتين السورتين؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن هاتين السورتين اتحدتا في القصد من وعيد ~~كفار قريش والعرب ذوي العناد والتكذيب والإخبار بجزائهم الأخراوي، فعلى هذا ~~مبنى السورتين، ولهذا افتتحتا بالقسم على ذلك كما تقدم، والموعود به فيهما ~~جزاء فريقي السعادة والشقاء، وإليه الإشارة بقوله: (وإن الدين لواقع)، وهو ~~حساب الكل وجزاؤهم بما سلف من جميعهم من خير أو شر. ms499 فلم يكن بد من ذكر أهل ~~النعيم ذوي الاستجابة والتصديق للرسل، والإخبار بحال الفريقين على ما هو ~~الجاري المطرد في الكتاب العزيز، أعني أنه إذا ذكر حال المكذبين أتبع بحال ~~المصدقين، أو ذكر حال ذوي الاستجابة والتصديق) بحال من كان على الضد منهم، ~~وهذا قانون مطرد، فلمجموع هذين: من أن الكل هم المرادون بمقتضى قوله تعالى: ~~((إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع) (الذاريات: 5 - 6)، وأنه إذا ذكر ~~أحد الفريقين أتبع بذكر الفريق الآخر، فلهذا ما ذكر فريق المتقين وجزاؤهم ~~مع أن مبتى السورتين على ما ذكر، فبدئ فيهما بذكر حال المعاندين، وبذلك ~~ختمت كل سورة منهما، ثم ذكر بعد المبدو به في السورتين حال المتقين، ونص في ~~السورة الأولى على أسنى أعمالهم وأجل ملتزماتهم المستتبعة لما (سواها) من ~~سائر أعمالهم المترتب عليها جزاؤهم فقال تعالى: (آخذين ما آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) (الذاريات: 16 - 19)، فذكرهم ~~الله تعالى بالإحسان، وقيام الليل، والاستغفار بالأسحار، والمساهمة في ~~أموالهم للسائل والمحروم، وكأن هذه أمهات اقتصر منا عليها، وأمعن في ~~الثانية بذكر الجزاء وضروب النعم. في مجموع السورتين الوفاء بذكر أعمالهم ~~وجزائهم فقيل في الأولى: (إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم) ~~(الذاريات: 15 - 16) فهذا # # PageV02P449 # من ذكر جزائهم الموفى في الثانية معظمه في قوله تعالى: (إن المتقين في ~~جنات ونعيم) (الطور: 17) في آيات إلى قوله: (إنه هو البر الرحيم) (الطور: ~~28)، وحصل في هذا استيفاء كثير من جزائهم. وفي السورة قبل ما عليه يترتب ~~ذلك من أعمالهم، فارتبطت الآيتان، (وتبين) أنه لا اختلاف بينهما. وفي ختم ~~كل واحدة من السورتين بمثل ما به بدئت إشعار ببنائهما على (كل) ما قدمنا من ~~وعيد من ذكر، وأن ما ذكر فيهما من حال أهل الجنة أعمالا وجزاء فلما قدم ~~ذكره من الارتباط بين الجزاءين في آي الوعد والوعيد متى ذكر أحدهما، والله ~~أعلم بما أراد. ### | الآية الثالثة # - وهي من تمام ما ms500 قبلها - وذلك قوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل ~~والمحروم) (الذاريات: 19)، وفي سورة الحج: (والذين في أموالهم حق معلوم * ~~للسائل والمحروم) (المعارج: 24 - 25)، يسأل عن وجه زيادة الصفة في سورة ~~المعارج من قوله: (معلوم) وسقوط ذلك في الذاريات؟ وهل كان يناسب عكس ~~الوارد؟ # والجواب، والله أعلم: أن آية المعارج قد تقدمها متصلا بها قوله تعالى: ~~(إلا المصلين) (المعارج: 22)، والمراد بالصلاة هنا المكتوبة، وأيضا يقرن ~~بها في آي الكتاب الزكاة المفروضة، وبها فسر المفسرون الحق المعلوم في آية ~~المعارج. قال الزمخشري لنها مقدرة ملعومة. قلت: وليس في المال حق مقدر ~~معلوم وقتا ونصابا ووجوبا غيرها، فلما أريد بالحق هنا الزكاة أتبع بوصف ~~يححرز المقصود، ولما قصد في آية الذاريات غير هذا المقصد بدليل ما تقدمها ~~من قوله تعالى: (آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون) (الذاريات: 16 - 18)، ~~فوصف هؤلاء بطول صلاتهم وتهجدهم ومداومتهم الاستغفار في الأسحار، فذكروا ~~بزيادة من التطوع والنفل على ما فرض عليهم و (من الزيادة في أعمالهم على ما ~~فرض عليهم) مما يعد تاركه إذا تركه مهملا، (فناسب هذا) الإطلاق الوارد في ~~إنفاقهم ليفهم الزيادة على ما فرض عليهم من الزكاة المقدرة، ولم يكن ليناسب ~~هنا الإشارة إلى قدر المنفوق كما في سورة المعارج، ولم يكن عكس الوارد ~~ليناسب، فورد كل على ما يجب، والله أعلم. ### | الآية الرابعة # قوله تعالى: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع ~~الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين) (الذاريات: 50 - 51)، للسائل أن يسأل ~~عن وجه تكرر قوله تعالى: (إني لكم منه نذير مبين)؟ وعن الإنذارين: في ~~التوجه له سبحانه في كل المطلوبات وعتماد تلقي كل من عنده، ومن أن يشرك به ~~سبحانه أو يعبد معه سواه؟ فعلى # # PageV02P450 # هذين الضربين ورد التحذير والإنذار، وهما الواردان في قوله تعالى: ~~(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) (النساء: 36)، فأمر سبحانه بعبادته وأن ~~لا يعبد معه غيره. # والجواب: أنه سبحانه لما قدم ms501 من المعتبرات الدالة على وجوده تعالى، ~~وانفراده بالإيجاد والخلق ما قدم في السورة قبلها من قوله: (أفلم ينظروا ~~إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) (ق: 6) إلى قوله: ~~(تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) (ق: 8)، ثم قال: (ونزلنا من السماء ماء مباركا) ~~(ق: 9) إلى قوله: (رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج) (ق: 11)، ~~ثم ذكر تعالى أخذه للمذكبين من القرون السالفة فقال: (كذبت قبلهم قوم نوح) ~~(ق: 12) إلى قوله: (فحق وعيد) (ق: 14)، ثم ذكر تعالى أنه خلق الإنسان، ~~وعلمه تعالى بما توسوس به نفسه، وقربه تعالى منه قرب العلم والإحاطة لا قرب ~~المكانية والمسافة، ثم ذكر إحصاء الحفظة على المكلفين ولزومهم إلى موت ~~الإنسان وبعثه، ومجيء كل نفس في القايمة معها سائق وشهيد، ولم يقع عدول عن ~~هذه الإنذارات والإخبارات الأخراوية والاعتبارات الجلية إلى قوله تعالى ~~(إعلاما) لنبيه صلى الله عليه وسلم بمقال المدعويين وأمرا له بتذكيرهم ~~بالقرآن فقال: (نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من ~~يخاف وعيد) (ق: 45)، ثم أقسم تعالى على صدق تلك المواعد والإخبارات فقال ~~تعالى: (والذاريات ذروا) (الذاريات: 1) إلى قوله: (إنما توعدون لصادق * وإن ~~الدين لواقع) (الذاريات: 5 - 6)، ثم سؤالهم عن يوم الحساب سؤال استهزاء ~~واستعجال تكذيب فقال: (يسألون أيان يوم الدين) (الذارات: 12)، إلى ذكر ~~حالهم وحال المتقين، والإشارة إلى جزاء الفريقين، ثم أعقب بذكر الآيات في ~~الأرض وفي أنفسنا وأن رزق العباد وما يوعدون في السماء، وأقسم تعالى على ~~ذلك بقوله: (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (الذاريات: ~~23)، ثم اعترض سبحانه بذكر ضيق إبراهيم وقصتهم، ثم عطف على التذكار ~~والتنبيه المتقدم في قوله: (وفي الأرض آيات للموقنين)، وقال: (وفي موسى ... ~~) (الذاريات: 38)، فذكر إرساله، وأخذ فرعون وجنوده بتكذيبهم، ثم ذكر عادا ~~وأخذها، وثمود، وقوم نوح، واقتصر على ذكر تكذيبهم وأخذهم نبيها بأوالهم ~~مرتبطا بأول التنبيه بقوله: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها ~~من ms502 كل زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) (ق: 6 - 8)، وارتبط أول ~~التنبيه بآخره معقبا بقوله: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) ~~والأرض فرشناها فنعم الماهدون) (الذاريات: 47 - 48)، فهذا من تمام قوله: ~~(أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ... ) (ق: 6). وقد ورد أثناء ذلك قوله # # PageV02P451 # فيمن أشرك به سبحانه قوله: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير) ~~(ق: 24 - 25) إلى قوله: (فألقياه في العذاب الشديد) (ق: 26)، فلما حصل ~~التنبيه بعدة آيات وأوضح بينات على انفراده سبحانه، وحصل ذكر من أشرك به، ~~واتصل ذلك ولم ينقطع بعضه من بع، أعقب بقوله: (ففروا إلى الله) (الذاريات: ~~50) المنفرد بخلقكم وإيجادكم، والمنعم عليكم بما أنعم من واضح الأدلة عليه ~~سبحانه: (إني لكم منه نذير مبين) (الذاريات: 50) أي من عذابه وأخذه كما فعل ~~بمن كذب قبلكم، مبين بما أوضح لكم من البراهين (ولا تجعلوا مع الله إلها ~~آخر إني لكم منه نذير مبين) (الذاريات: 51)، فقد تبين ارتباط كل من الآيتين ~~بما تقدم، وأن الثانية مؤكدة للأولى. وورد ذلك على أتم مناسبة، والله أعلم ~~بما أراد. # ***** # # PageV02P452 ### | سورة الطور ### | الآية الأولى # منها: غ - قوله تعالى: (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون) (الطور: ~~24)، وفي سورة الواقعة: (يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق) ~~(الواقعة: 17 - 18)، وفي سورة الإنسان: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا ~~رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) (الإنسان: 19)، فورد في سورة الطور: (غلمان ~~لهم) وفي السورتين: (ولدان) والمراد في السور الثلاث الخدام. للسائل أن ~~يسأل عن الموجب لتخصيص كل آية بما ورد فيها؟ # والجواب، والله أعلم: يترتب على تمهيد، وهو أن الغلام هو الطار الشارب، ~~وقيل باستصحابه هذا الاسم إلى أن يشيب، والجمع غلمان. وأما الوليد فاسم ~~للمولود حين يولد، وهو فعيل وهي بنيه مبالغة، وفائدتها هنا استحكام الصغر، ~~وجمعه ولدان، وعلى هذا لايرادف أحد الاسمين الآخر. فإن ورد أحدهما في موضع ~~الآخر فعلى المجاز والتوسع، والأصل ما مهد. وإذا تقرر هذا فوجه ورود ~~الغلمان في سورة الطور - والله أعلم - مناسبة اللفظ باتساع مواقعه في أحد ~~القولين وهي استصحاب اسم ms503 الغلومية إلى المشيب، أو لاحتياج التوسع فيما ~~يطوفون به ويستخدمون فيه بحسب أسنانهم لمن تقدم من صنفي المخدومين وهم ~~الآباء والأبناء في قوله: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم) (الطور: 21)، فذكر هنا الآباء الداخلون الجنة مجازاة على أعمالهم، ~~والأبناء من الذرية ممن لم يبلغ سن التكليف فدخل الجنة بغير عمل، فناسب ~~الاتساع. # وأما آية الواقعة فلم يقع فيها ذكر الاتباع فناسب ذلك ذكر الولدان الذيم ~~لا تحتمل أسنانهم خدمة الغلمان، فناسب الاقتصار الاقتصار والتوسع التوسع، ~~ووضح أن العكس لا يناسب، والله أعلم. # ووصف الولدان بقوله: (مخلدون) إعلامما بأنهم باقون على مقتضى سن الوليدية ~~لا تتغير أحوالهم عن ذلك، وإلا فالخلود الأخراوي عام (الهم) ولغيرهم. # وجواب ثان: وهو أنه لما ذكرت الذرية في سورة الطور بما كان يوهم ذكرهم من ~~حيث دخولهم الجنة بغير عمل أنهم فيها خدام لمن اتبعوه بين قوله تعالى: ~~(ويطوف عليهم # # PageV02P453 # غلمان لهم) (الطور: 24) أن الكل من تابع ومتبوع مخدومون، وقيل: (لهم) ~~باللام المقتضية الملك مع كون الضمير في لهم للكل من متبوع وتابع إشعارا ~~لأنهم ملكهم غلمان لهم، يتصرفون في كل بما يؤمرون به وينهون عنه، ولما لم ~~(يقع) في سورة الواقعة وسورة الإنسان ذكر الأتباع من الذرية لم يرد فيهما ~~إلا اسم الولدان، وهم في الخدمة بمقتضى أسنانهم دون الغلمان، وتناسب هذا، ~~والله أعلم. ### | الآية الثانية # من سورة الطور - قوله تعالى: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون * أم يريدون ~~كيدا فالذين كفروا هم المكيدون) (الطور: 41 - 42)، وفي سورة القلم: (أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون * فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو ~~مكظوم) (القلم: 47 - 48)، للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب هذه الآية في ~~السورتين بما ورد فيهما؟ ووجه المناسبة في ذلك؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه جل وتعالى أرغم معاندي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقطع تعلقهم، وأوضح عجزهم، وأوقفهم على قبيح تكذيبهم وشنيع ~~مرتكبهم في بضع وعشرين آية من سورة الطور وسورة القلم، وفي سورة الطور ~~أكثرها، وباقيها ms504 في سورة القلم، وتصل محصورا فيها كل متعلق بمجادلتهم ظنا ~~أو توهما، وقدم ذلك في السورتين حال المتقين وما منحوه، على تفصيل في سورة ~~الطور واستيفاء يناسب ما فصل أيضا من حال المعاندين في متعلقاتهم، وإيجاز ~~في سورة القلم يناسب الوارد فيها من ذلك التعلق، مكتفي من ذلك في (وصف) ~~المتقين بقوله تعالى: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم) (القلم: 34). فلما ~~تقعد في السورتين حال المتقين أعقب بتوبيخ من ارتكب ضد حالهم، فبدأ سبحانه ~~في سورة الطور بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم أمرا له باستمراره على ~~الدعاء (إلى ربه): (فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون) (الطور: 29)، ~~فنفي عنه ما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم بهاتين، وقد علموا براءته من ~~ذلك واعترفوا به في الخبر الصحيح بل كانوا يعلمون صدقة قال تعالى: (قد نعلم ~~إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) ~~(الأنعام: 33)، فهذا إخبار منه سبحانه بمعتقدهم فيه، ولكنهم كانوا يرون أن ~~رميه بالتكهن والجنون كأنه مخيل في توقفهم عن تصديقة واتباعه لذلك أكد ~~سبحانه نفي ذلك عنه بالقسم في السورتين فقال (فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ~~ولا مجنون) (الطور: 29)، وهذا في قوة القسم الصريح، وقال في سورة القلم ~~مفصحا بذلك: (ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون) (القلم: 1 - ~~2)، ثم كرر ذلك توبيخا لقائله فقال: (ويقولون إنه لمجنون) (القلم: 51)، ولم ~~يتكرر في السورتين مفصحا به من الصادر عنهم فيما كانوا يرمونه به غير صفة ~~الجنون، ثم # # PageV02P454 # قال تعالى قاطعا بهم في احتجاجهم (أم يقولون شاعر) (الطور: 30)، وقد ~~عرفوا أن ما جادلهم به ليس بشعر، ثم قال تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) ~~(الطور: 32)، ومن المعلوم الذي قد علموه هم أن عقولهم لا ترجع ذلك من ~~مقالهم فكيف تأمرهم به؟ ثم قال: (أم يقولون تقوله) (الطور: 33) أي فإن ~~قالوا - فليأتوا بمثله وعجزهم عن ذلك قاطع هذا التعليق، ثم قال: (أم خلقوا ~~من غير شيء) (الطور: 35)، وقد كذبوا أنفسهم بهذا واعترفوا ms505 بخلق الله تعالى ~~إياهم: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) (الزخرف: 87)، ثم قال: (أم هم ~~الخالقون) (الطور: 35) (أم خلقوا السماوات والأرض) (الطور: 36)، وقد أخبر ~~تعالى عنهم بقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) ~~(لقمان: 25) فلا تعلق لهم بشيء من هذه المرتكبات لتكذيبهم أنفسهم وكل ما ~~يقدر أن يتعلقوا به من المذكور بعد هذا من قوله: (أم عندهم خزائن ربك) ~~(الطور: 37) إلى قوله: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون) (الطور: 40) لا ~~توقف في اضحلال تعلقهم به، فلم يبق بعد وضوح الحق إلا الضلال ولما بلغ ~~المتقرر من رد متعلقاتهم الغاية في قطع كل متوهم من متوهماتهم المفروضة قال ~~تعالى: (أم عندهم الغيب) (الطور: 41)، وهذا آخر ما يتوهم متعلقا لهم وإن لم ~~يقولوه، فلم يبق لهم إلا أعمال المكيدة فأخبر تعالى أنهم: (هم المكيدون) ~~(الطور: 42) (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (القمر: 45)، فقد وضح وجه تعقيب آي ~~سورة الطور بهذه الآية. # ولما كمل في سورة (نوالقلم) ذكر كل ما يمكن تعلقهم به، واستوفي ما قد وقع ~~منهم وما يشبه ذلك مما لم يقولوه لبعده كادعاء اطلاع الغيب واستراق السمع، ~~وادعاء خلق السماوات والأرض، وإيجادهم من غير صانع مريد مختار قادر، أو أن ~~خزائنه سبحانه عندهم، فلما لم يبق ما يتوهم إمكان تصوره، وانقطع تعلقهم، ~~وتبين أن توقفهموامتناعهم عناد بين، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وإن ~~يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر) (القلم: 51)، فأرغمهم ~~وفضحهم وأعقب الآية من قوله: (أم عندهم الغيب) (القلم: 47) في سورة القلم ~~بالأمر بالصبر لكمال ما قصد من قطعهم بكل جهة واستيضاح تمردهم من بعد ما ~~تبين لهم الحق إلا الصبر عليهم حتى يحكم الله فيهم بما شاء، وقال له تحذيرا ~~من أنن تدركه السآمة والضجر: (ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم) ~~(القلم: 48) وبان أيضا وجه هذا التعقيب. # ولما كانت سورة الطور متقدمة في الترتيب المستقر، وورد بعدها في سورة ~~القلم ما # # PageV02P455 # هو راجع إلى الوارد في الطور ومن تمامه أعقبت الآية هناك ms506 بقوله: (أم ~~يريدون كيدا) (الطور: 42)، وأعلم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن كيدهم ~~راجع عليهم، وأن ما راموه حال بهم: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) (الطارق: ~~17) تأنيسا له، عليه السلام، وإعلاما أن العاقبة له، وأنه سيستجيب له غيرهم ~~ممن سبقت له الحسنى فأناب وتذكر، قال تعالى: (وما هو إلا ذكر للعالمين) ~~(القلم: 52)، وجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم. # ***** # # PageV02P456 ### | سورة النجم ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس) ~~(النجم: 22 - 23)، وقال بعدها: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى * وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا) (النجم: 27 - 28)، للسائل أن يسأل عن تعقيب قوله أولا: ~~(إن يتبعون إلا الظن) بقوله: (وما تهوى الأنفس) وثانيا بقوله: (وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا)؟ وما الفائدة من تقديم ما قدم وتأخير ما أخر؟ وهل كان ~~العكس مناسب؟ # والجواب، والله أعلم: أنه لما قال تعالى قبل هذا: (أفرأيتم اللات والعزى ~~* ومناة الثالثة الأخرى) (النجم: 19 - 20) فذكر أصنامهم وتسميتهم إياها ~~آلهة واتخاذها معبودات، وذكر تعالى في مواضع أخر أنهم جعلوا الملائكة ~~إناثا) (الزخرف: 19) وأنهم بنات الله .. قال تعالى: (ويجعلون لله البنات ~~سبحانه) (النحل: 75)، وكرهوا البنات لأنفسهم وإليه الإشارة بقوله: (ولهم ما ~~يشتهون) (النحل: 75) (أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون)، قال تعالى مخاطبا نبيه ~~صلى اله عليه وسلم ومعلما بحالهم وتوبيخا لهم (وتقريعا) (مع) إبقاء أعظم ~~التلطف وأجل الحلم: (ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى) (النجم: ~~21 - 22) أي جائزة، ثم عرفهم بما لا جواب لهم عليه وأنه مرتكب لا مستند له ~~فقال: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) ~~(النجم: 23) إلا اتباع ظن وهوى: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس) ~~(النجم: 23)، ثم نبه تعالى على الرحمة بما جاءهم به نبيه صلى الله عليه ms507 ~~وسلم فقال: (ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (النجم: 23)، وعرفهم بما تشهد ~~العقول بتصديقه لإدراك ذلك إدراكا ضروريا فقال تعالى: (أم للإنسان ما تمنى) ~~(النجم: 24) أي الجاري في الوجود أن الإنسان قد يتمنى الشيء فلا يدركه إذا ~~لم يقدر له وقد يجيئه ما لا يريده لا بحسب تمنى المتمني منكم إلا أن شاء ~~ذلك، ثم أخبر تعالى عن الملائكة وأشار إلى على أقدارهم فقال: (وكم من ملك ~~في السماوات لا تغني # # PageV02P457 # شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) (النجم: 26)، فقطع ~~تعالى بهم (في قولهم) في آلهتهم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ~~(الزمر: 3)، ثم صرف تعالى الخطاب إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ~~(إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة) (النجم: 27)، ولم يقل له: إن ~~قومك، أو (إن) العرب، أو ما يحرز هذا المعنى، وإبقاء عليهم، وأخبر أنهم لا ~~علم عندهم ((إن يتبعون إلا الظن) (النجم: 27)، ثم قال: (وإن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا) (النجم: 28)، فهذا موضع قوله: (وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا) وأما الموضع الأول فموضع ذكر اتباعهم أهواءهم، لما أوضح تعالى (لهم) ~~أن ليس للإنسان ما يتمناه فبضل هوى الأنفس ولم يبق إلا مجرد ظن، أخبر تعالى ~~أن الظن لا يغني من الحق شيئا. فتناسب هذا كله، وتبين أن كلا من المعقب ~~(به) في الموضعين لا يصح في غير موضعه، ولا يمكن العكس، والله أعلم. # ***** # # PageV02P458 ### | سورة القمر # قوله تعالى: (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف ~~كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (القمر: 18 - ~~22)، للسائل أن يسأل عن تكرر قوله تعالى (فكيف كان عذابي ونذر) في قصة عاد ~~مرتين ولم يقع في قصة قوم نوح وقصة ثمود بعد إلا مرة واحدة فما وجه تكرار ~~ذلك في قصة عاد مرتين؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن عادا لما كذبوا هودا، عليه ms508 السلام، ~~امتحنوا بالقحط ثلاث سنين، واشتد الأمر عليهم حتى بعثوا وجوههم إلى مكة ~~ليستسقوا لهم، وقد اشتد الأمر عليهم، وهذا أشد تخويف لو وفقوا للتذكر، وقد ~~خوف بذك آل فرعون قال تعالى (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ~~لعلهم يذكرون) (الأعراف: 130)، فخوفت بذلك عاد، فلما لم يجد ذلك عليهم مع ~~أليم أمتحانهم به أهلكوا بالريح العقيم، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ~~فامتحنوا بعذابين، وإنما كان أخذ قوم نوح قبلهم وهلاكهم بالطوفان، ولم ~~يتعرف من الكتاب العزيز أنه تقدمهم قبله أخذ بغيره من ضورب من أهلك به ~~غيرهم، وكذلك ثمود أخذوا بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والحجارة، وإنكا تكرر ~~الإمتحان بعد عاد على آل فرعون فأخذوا بضروب من العذاب والامتحان إلى أن ~~أغرق الله آخرهم مع فرعون، وممن أشار الكتاب العزيز إلى تنوع أخذهم قوم ~~شعيب، ولم يقع ذكرهم في هذه السورة، فلما أخذت عاد بالسنين ثم اسؤصلوا ~~بالريح العقيم ورد متكررا، فأشار قوله أولا: (فكيف كان عذابي ونذر) إلى ما ~~قدم لهم من منع المطر وشدة السنين عليهم وما أنذروا به من ذلك، وأشار قوله ~~ثانيا: (فكيف كان عذابي ونذر) إلى استئصالهم بالريح العقيم، ويجري مع ذكره ~~ويشير إليه قوله تعالى: (قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب) (الأعراف: ~~71)، والرجس هنا العذاب ومنه أخذهم بالسنين، وأما الريح العقيم فمن غضبه ~~سبحانه إلى ما يلحقهم منه في الآخرة، قال تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا ~~لعنة ويوم القيامة) (هود: 60)، فتكرر قوله تعالى: (فكيف كان عذابي ونذر) ~~مرتين مشيرا إلى ما قدم لهم مما باشروه وشاهدوه من العذاب بالسنين وقطه ~~دابرهم واستئصالهم بالريح العقيم وجاريا مع هذا التنويع من امتحانهم في ~~الدنيا والآخرة. # # PageV02P459 # ولما لم يذكر من حال قوم نوح وقوم صالح وقوم لوط مثل هذا التنويع لم ~~يتكرر ما ورد في أعقاب قصصهم من قوله: (فكيف كان عذابي ونذر)، وتناسب ذكل ~~كله أتم مناسبة، وجرى مع كل قصة ما يلائمها فإن قيل: فإن آل فرعون قد تكرر ~~عليهم الامتحان قال ms509 تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) (الأعراف: 130) ~~وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ولم يقع التنبيه على تعذيبهم وإنذارهم متكررا ~~كما وقع في قصة عاد؟ فالجواب أن قصة آل فرعون لم يقع تعقيبها بقوله: (فكيف ~~كان عذابي ونذر) كما ورد في القصص الثلاث، وإذا لم يرد تعقيبها بذلك فقد ~~سقط السؤال عن التكرر، ثم أعقبت بما يحرز امتحانهم بأشد امتحان وهو قوله ~~تعالى (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) (القمر: 42). فلما خالف إيرادها تلك القصص ~~ولم يجر في ذلك التعقيب مجراها لم يلزم السؤال المفروض، والله أعلم (بما ~~أراد). # وأما الجواب عن قصة عاد فإنما اختص ما نزل فيها من كتاب الله بذكر عذابين ~~أحدهما قوله تعالى: (لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا) (فصلت: 16) ~~والثاني قوله: (ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) (فصلت: 16)، فأشار قوله ~~أولا: (فكيف كان عذابي ونذر) إلى عذابهم في الدنيا، وأشار التكرار إلى عذاب ~~الآخرة. وهذا الجواب، والله أعلم: بعيد لأن سورة القمر بأسرها مقصودها ~~تذكير كفار العرب من قريش بغيرهم بما نزل بمن تقدمهم من كذبي الأمم، وإنما ~~ذكروا بحاصل قد وقع بمن سلك مسلكهم ليتعرفوا خبره فيتعظوا، وعلى هذا جرى ~~تذكارهم في الكتاب العزيز، فتارة بما يشاهد من خلق السماوات والأرض وشبه ~~ذلك، وتارة بما يعلم خبرا. أما وعظهم بعذاب الآخرة وهم يكفرون بالرحمن ~~فبعيد ولا يطابق قوله عقب كل قصة: (فهل من مدكر) ولا قوله: (ولقد تركناها ~~آية فهل من مدكر) (القمر: 15) فتأمله، وهو أعمد جوابي صاحب كتاب الدرة ~~وأراه (لايصلح)، والله أعلم. # ****** # # PageV02P460 ### | سورة الرحمن ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان ~~* وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (الرحمن: 7 - 9)، للسائل أن ~~يسأل عن وجه تكرر (لفظ) الميزان ثلاث مرات؟ ووجه تخصيص السورة بذلك؟ # والجواب عن ذلك - والله أعلم - أن المراد بذكر الميزان إعلام العباد بما ~~به قوام أحوالهم واستقامة أديانهم من إجراء أمورهم على العدل الذي أمر ~~سبحانه في قوله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا ms510 حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل) (النساء: 58)، وفي قوله: (اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى) (المائدة: 8)، وفي قوله: (وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (الحجرات: ~~9)، وفي الحديث: إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة. وتكرر في ~~الكتاب العزيز الوصية بالوفاء في الكيل والوزن المحسوسين لبيان الأمر فيهما ~~فقال تعالى: (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم) (الإسراء: ~~35)، وذك سبحانه من بخس فيهما، وجعل جزاءه الويل والهلاك فقال: (ويل ~~للمطففين) (المطففين: 1)، وأعلمنا سبحانه بعاقبة (قوم) شعيب، عليه السلام، ~~في ذلك، وأخذهم بالصيحة وعذاب يوم الظلة، وأعلمنا سبحانه بوزن أعمال العباد ~~يوم القيامة فقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا) (الأنبياء: 47)، وتكررت الآيات والأحاديث معلمة بذلك ليشاهد العباد ~~عظيم العدل واستيفاء جزاء الأعمال مرئيا محسوسا جاريا على مألوفهم في ~~دنياهم مشاهدا للصالح والطالح على المعتقد المتقرر عند كافة أهل السنة. ~~فلما كانت الاستقامة في الكيل والوزن مشعرة بالاستقامة فيما سواهما وتأكدا ~~لأنفسهما (ولما وراءهما أكد سبحانه الأمر بذلك، وأخبر بوضعه للخلق ~~فيالقيامة) ليمتثلوا بذلك أمره، فقال تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان) ~~(الرحمن: 7)، وقال مفسرا وآمرا: (ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن ~~بالقسط ولا تخسروا الميزان) (الرحمن: 8 - 9)، و (أن) في قوله: (ألا تطغوا) ~~يحتمل أن تكون علة أي لئلا تطغوا في الميزان، وأن تكون حرف عبارة وتفسير ~~نائبة مناب أي ومقدرة لها كالواقعة في قوله تعالى: (وانطلق الملأ منهم أن ~~امشوا واصبروا) (ص: 6)، وكرر لفظ الميزان جريا على عادة العرب فيما لها به ~~اعتناء وتهمم كقول الخنساء: # # PageV02P461 # وإن صخر لوالينا وسيدنا ... وإن صخرا إذ نشتو لنحار # وإن صخرا لتأتم الحداة به ... كأنه علم في رأسه نار # فكررت ذكر صخر ثلاث مرات ظاهرا غير مضمر، وكقول آخر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغض الموت ذا الغنى والفقيرا # فكرر لفظ الموت ثلاث مرات في بيت واحد. وقال: # ليت الغراب غداة ينعب دائبا ... كان الغراب مقطع الأوداج # وهذا موجود في كلامهم كثيرا إذا قصدوا الاهتمام والاعتناء والتهويل ~~والاستعظام، ومن الوارد في هذا ms511 في التنزيل: (الحاقة * ما الحاقة) (الحاقة: ~~1 - 2) (القارعة * ما القارعة) (القارعة: 1 - 2)، وما ورد من هذا. وأما ~~تخصيص هذه السورة بذكر الميزان وأكيده والوصاة بحفظه وفاء والتزاما - وهو ~~الجواب الثاني - فمن حيث إن بناء السورة على إعلام الثقلين بنعمة سبحانه ~~لديهم، وإقامة الحجة عليهم، وتعريفهم (بأنهم) لو وفقوا للحظ نعمة تعالى وما ~~بث في السماوات والأرض وخلوقاتهما من عجائب صنعه ما كفر منهم أحد ولا كذب، ~~وإنما أتى على من قدم ذكره من الأمم المكذبة في سورة القمر المتصلة بهذه ~~لعدولهم عن النظر السديد اعتمادا على الأهواء ونبذا للعدل، والإنصاف ولو ~~اعتبروا بخلق الإنسان وما منح وعلم من البيان وشرف به على سائر الحيوان، ~~واعتبروا بآيتي الشمس والقمر وجريهما بحسبان لتفصيل الفصول وربط الأزمان، ~~وتعاقب الملوين للتصرف والاستراحة (ولتعلموا عدد السنين والحساب) (الإسراء: ~~12) (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار) (يس: 40)، ~~فلو اعتبروا بهذا وما يستدعيه وينجر معه، وبالنبات نجما وشجرا، ورفع ~~السماء، ووضع الميزان للأنام، إخراج ضورب الأطعمة وأصناف الفواكه منها، ~~واختلاف أنواعها في الطعن واللون والروائح مع اتحاد المادة: (يسقى بماء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل) (الرعد: 4)، وكيف مرج سبحانه البحرين: ~~(هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج) (الفرقان: 53)، وقد حجز سبحانه ما # # PageV02P462 # بينهما وأحكم فلا يلتقيان التقاء يعود بعدم المنفعة على العباد، وأخرج ~~منها اللؤلؤ والمرجان. وأجرى فيهما السفن بإجراء الرياح، وأقام على الجميع ~~دلائل الافتقار والحدوث، وحكم عليهم بالفناء والعجز: (هل من شركائكم من ~~يفعل من ذلكم من شيء) (الروم: 40)، وما من معتبر من هذه إلا كان في مشاهدته ~~مفصحا بلسان حاله: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) (البقرة: 22)، فلو ~~اعتبر أولئك الأمم ببعض المنصوبات للاعتبار من المنبه عليه في سورة الرحمن ~~لدلهم ذلك على الصانع الذي ليس كمثله شيء، ولنبذوا معبوداتهم من دونه جل ~~وتعالى وأجابوا الرسل فلم يهلكوا، ولكنهم انحرفوا عن ميدان الإنصاف فكذبوا ~~فهلكوا، فلبناء السورة على هذا اختصت بذكر الميزان مكررا مؤكدا على ما وقع ~~فيها. ولما ms512 لم ترد هذه الأغراض في غير هذه السورة مبنية على ما تقدمها في ~~السورة قبلها من أخذ المكذبين على الصفة الواردة فيها، وانفردت هي بما ~~قدم؟، كانت مظنة الاعتناء بما ينسحب على كل طرق السلامة في كل عمل، وهو ~~العدل الذي به قوام المخلوقات، والوزن بالقسط الذي تستوضح كل نفس في ~~القيامة (به) ما لها وعليها، ولم تكن غير هذه السورة لتكون أولى بذكر ذلك ~~فيها منها، والله أعلم. # الآية الثانية من سورة الرحمن قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~(الرحمن: 13)، للسائل أن يسأل عن وجه تكرار هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، ما ~~وجه ذلك؟ وهل لتخصيص هذا العدد سبب موجب؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه افتتح سبحانه السورة بذكر ضروب من النعم ~~تجل عن الإحاطة بوصفها، ويعجز العارفون عن شكرها، وكلها دلائل للمعتبر ~~واضحة، وشواهد قاطعة بانفراده سبحانه بالخلق والاقتراع والإنشاء والإبداع، ~~فقال تعالى: (الرحمن * علم القرآن) (الرحمن: 1 - 2)، وخص سبحانه من أسمائه: ~~(الرحمن) مناسبة لما رحم به عباده، فبدأ سبحانه بتعليمه القرآن، ولا نعمة ~~أعظم من ذلك إذ بتعليمه البيان المتوصل به إلى الإبانة عما في نفسه ~~واستيضاح ما انبهم عليه وإيضاح ذلك لغيره، وبخ يعرف قدر النعمة بالقرآن، ثم ~~أردف فذكر نعمة الشمس والقمر، ونبه تعالى على جريهما في بروجهما بحسبان ~~ولما يدرك العالم من منافعهما إنضاجا وتيبيسا وإضاءة وحسبانا: (ولتعلموا ~~عدد السنين والحساب) (الإسراء: 12) ثم قال تعالى تحريكا للمعتبرين وإيقاظا ~~للمتفكرين: (والنجم والشجر يسجدان) (الرحمن: 6)، والنجم ما نجم من النبات ~~وارتفع عن أرضه، ثم قال: (والسماء رفعها) (الرحمن: 7)، فأشار إلى جعلها ~~سقفا محفوظا من # # PageV02P463 # غير عمد مزينة بالنجوم للدلالة ورجم الشياطين، وقد مر التنبيه بما فيها ~~وفي خلقها من العبر، ثم قال: (ووضع الميزان) (الرحمن: 7)، وقد تقدم الكلام ~~في ذلك، ثم قال: (والأرض وضعها للأنام) (الرحمن: 10) للمشي في مناكبها ~~والاكل مما بث فيها والاعتبار بها وبعجائبها، وعجائب السماوات والأرض أكثر ~~من أن تحصى بالعد، قال تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين) ~~(الجاثية: 3)، ثم ذكر ms513 تعالى بعض ما بثه فيها من الرزق فقال: (فيها فاكهة ~~والنخل ذات الأكمام * والحب ذو العصف والريحان) (الرحمن: 11 - 12). ولما ~~كانت هذه النعم مشاهدة للخلائق، ولا طمع لأحد في نسبتها إلى غيره سبحانه، ~~قد شهدت العقول وعرفت انفراده سبحانه بإيجادها واختراعها، أتبع ذلك بتقرير ~~الثقلين وتعجيز الفريقين فقال لهما عقب هذه الضروب الثمانية: (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) (الرحمن: 13)، أي أمن هذه ما يمكن للجاحد أن يكذب به ~~ويتعاطاه لغيره سبحانه في وضوح شهادتها لخالقه (وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها) (آل عمران: 83)، ثم عرفنا سبحانه بخلقه الثقلين ~~وبالمادة التي أوجد منها كلا من الصنفين فقال: (خلق الإنسان من صلصال ~~كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار) (الرحمن: 14 - 15)، أينسب ذلك إلى ~~غيره؟ أيستبد به سواه؟ ثم أتبع سبحانه بأنه (رب المشرقين ورب المغربين) ~~(الرحمن: 17) أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف إشارة إلى الغايتين في الانتهاء ~~من رأس الجدي إلى رأس السرطان) ثم بخلق البحرين الحلو والمالح والتقائهما ~~وفصلهما، ثم بما يخرج منها للانتفاع والزينة، ثم بتسخير السفن وجريها، ثم ~~بذكر فناء كل من عليها وبقائه سبحانه، ثم بافتقار أهل السماوات والأرض إليه ~~جل وتعالى وسؤالهم إياه شؤونهم وحاجاتهم كل يوم، وأعقب كل قصة من هذه ~~بتقرير الثقلين وتعجيزهم لقيام الحجة عليهم فقال: (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان)، وتكررت الآية بتكرر القضايا، وكلها مما لا مطمع لأحد في ادعائه، ~~فقامت الحجة بها، وكانت سبعا جريا على سنة ما وقع التنبيه به من تحريك ~~المعتبرين، واطرد هذا العدد في ذلك فقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين) (المؤمنين: 12) إلى تمام سبعة اطوار آخرها قوله تعالى: (ثم ~~أنشأناه خلقا آخر) (المؤمنين: 14)، وقال عقب هذا: (ولقد خلقنا فوقكم سبع ~~طرائق) (المؤمنين: 17). ولما ذكر سبحانه الحالات التعبدية التي بها خلاص ~~المكلفين ذكر سبعا فقال: (قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون) ~~(المؤمنين: 1 - 2) # PageV02P464 # فعد للمؤمنين خصالا سبعا جعلهم بها وارثين نعيمة وساكنين جنته فقال: ~~(أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها ms514 خالدون) (المؤمنين: ~~10 - 11)، وهذا العدد مطرد جار في أشياء يشهد اطراده فيها على قصد حكمة ~~تقتضيها، فمنها ما ذكر آنفا ومنها أن أم القرآن سبع آيات، والأيام سبع، ~~(والسماوات سبع)، والأرض (سبعة) مثلها، وأبواب جهنم سبعة، (وحد) الإثغار ~~سبعة أعوام، ويعق عن المولود يوم سابعه، ومن مسنوناته، عليه السلام سبع ~~قضايا وعيدية: أولها قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيه الثقلان) (الرحمن: 31) إلى ~~قوله: (يطوفون بينها وبين حميم آن) (الرحمن: 44) معقبا فيها كل قضية بقوله ~~تعالى مقرعا وقامعا للمعاندين بقوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان). # ثم انصرفت الآي إلى فريق النجاة ووعدهم بما أعد تعالى لهم فقال تعالى: ~~(ولمن خاف مقام ربه جنتان) (الرحمن: 46)، واستمرت الآي فيما أعد تعالى لهم ~~وإعطاهم إلى قوله: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (الرحمن: 60) مختتمة كل ~~قضية منها بقوله في ثماني كرات في أعقاب ثماني قضايا على ما تقدم: (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان). وكانت هذه ثمانية لكونها في أهل الجنة فجاءت على وفق ~~أبوابها، ويشهد لهذا القصد تعقيبها بمثلها عددا فيما زادهم في قوله تعالى: ~~(ومن دونهما جنتان) (الرحمن: 62) إلى آخر السورة:، وهي ثماني آيات كعدد ما ~~قبلها معقبة كل آية منها بقوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) رعيا لما ذكرنا. ~~فتحصل في المجموع العدد المتقدم، ولم تكن الزيادة على ذلك لتناسب إذ لا ~~قضية سوى هذه المعقبات، كما أن النقص من هذا العدد لا يناسب لطلب كل قضية ~~لذلك الإعقاب تناسبا وتوازنا على ما تقدم من الرعي، فورد ذلك كله على الوجه ~~الذي لا يناسب خلافه، والله أعلم. # فإن قلت ما وجه اختصاص سورة الرحمن بهذا التعقيب مما هو إيقاظ للغافلين ~~وتنبيه للمؤمنين وتقريع وتوبيخ للغافلين؟ وما وجه ذلك؟ فالجواب: ( ### | ....... # **** # # PageV02P465 ### | سورة الواقعة # قوله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) ~~(الواقعة: 58 - 59)، وبعد ذلك: (أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون) (الوقعة: 63 - 64)، وبعده: (أفرأيتم الماء الذي تشربون) (الوقعة: ~~68)، ثم قال: (أفرأيتم النار التي تورون) (الواقعة: 71)، للسائل أن يسأل عن ~~وجه هذا الترتيب؟ وهل ms515 كان يمكن تقديم أحد هذه النعم المنعم بها على ما وقع ~~في الآية متقدما عليه؟ # والجواب عن هذه أن ذكر المتنعم متقدم في الرتبة على ما ذكر من النعم، لأن ~~النعم إنما خلقت للمتنعم بها ومن أجله، فذكره أولا بين اللزوم، فلهذا تقدم ~~ذكر خلق الإنسان المتنعم بالنعم فقال تعالى: (أفرأيتم ما تمنون)، وأما ~~تقديم الأكل على الشرب فمعقول الرتبة وبحسب ذلك ورد المقول المنقول فقال ~~تعالى: (كلوا واشربوا) (الطور: 19)، فالشرب في الغالب للاستمراء وليس أوليا ~~في الغذاء ولا متعمدا في الجسوم الحيوانية للنماء، وإنما ورد ذكره مع الأكل ~~تاليا لكونه في الرتبة ثانيا فقال تعالى: (كلوا واشربوا). وأما النار ~~فللمنافع من الإنضاج والإسخان والإضاءة فهي متممة وليست كالأكل والشرب ~~مدعمة، إذ لم تكن كالأولى في الغذاء والنماء فليس من المناسبة تقدم ذكرها ~~على الماء. # وورد عقب الآية الأولى قوله: (فلولا تذكرون) (الواقعة: 62) وعقب الثانية ~~(فلولا تشكرون) (الواقعة: 70)، ووجه المناسبة أن الآية الأولى لمن تدبرها ~~تذكرة بالعودة الأخراوية قال تعالى: (كما بدأكم تعودون) (الأعراف: 29)، ~~فأعقب بالتخصيص على التذكر بالبداءة على العودة. وأما الآية الثانية ~~فمستدعية الشكر على عذوبة الماء ولو شاء لجعله أجاجا، فخلقة وجعله عذبا ~~فوجب شكره تعالى على النعمة بذلك. # ****** # # PageV02P466 ### | سورة الحديد ### | الآية الأولى # منها - قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات والأرض) (الحديد: 1)، وفي ~~سائر المسبحات «وما في الأرض»، ثم في سورة الحديد وسورة الحشر وسورة الصف: ~~"سبح" بلفظ الماضي، وفي سورة الجمعة والتغابن " يسبح" بلفظ المضارع، فهذان ~~سؤالان؟ # والجواب عن الأول، والله أعلم: أن كون " ما " لم تتكرر في هذه السورة ~~إنما ذلك ليطابق بالكلام ما اتصل به من قوله تعالى: (له ملك السماوات ~~والأرض) (الحديد: 2)، فلما لم تكن هذه الآية مستدعية لفظة " ما " روعي ذلك ~~فيما قبلها لتناسب الآيتين، مع حصول ما تعطيه " ما " من المعنى، فلو وردت ~~لم تكن لتكون إلا تأكيدا، وكان يسقط التناسب اللفظي، ثم قد ورد بعد هذا ~~قوله: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) (الحديد: 4)، فتناسب هذا ~~كله ms516 على ما يجب. أما المسحبات فلم يرد فيها ما يستدعى هذه المناسبة، فوردت ~~على ما هو أنسب لما يفهم لفظ المضارع في التمادي والتكرر، والله أعلم. # والجواب عن السؤال الثاني: أن لفظ الماضي في " سبح " ولفظ المضارع في " ~~يسبح " يحرزان الاستمرار والدوام، ولا تحرز إحدى العبارتين ذلك بالتأويل ~~والتقدير، فكان الجمع بين محرزي ذلك أولى. وإنما تقدم الماضي لثبات رتبته ~~وجودا قبل المضارع، ثم اتبع بما يقتضي الاستمرار، وكان ورود أكثرها على ~~التعبير بالماضي لأنه أوضح في استحكام الثبات وامتداده، فورد هذا كله على ~~أنسب وجه. ### | الآية الثانية # من سورة الحديد - قوله تعالى: (له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو ~~على كل شيء قدير) (الحديد: 2)، ثم ورد بعد قوله: (له ملك السماوات والأرض ~~وإلى الله ترجع الأمور) (الحديد: 5) للسائل أن يسأل عن إعادة قوله: " له ~~ملك السموات والأرض" مع قرب هاتين الآيتين وعن تعقيب الأولي بقوله " وهو ~~على كل شئ قدير" والثانية بقوله: " وإلى الله ترجع الأمور". # والجواب الأول: أن إعادة قوله: " له ملك السموات والأرض " إنما أعيد ~~ليبني عليه قوله: " وإلى الله ترجع الأمور". لما تقدم وصفه سبحانه أنه ~~المسبح المتعالي ذو العزة # # PageV02P467 # والحكمة، وأنه الذي له ملك السماوات والأرض، والقدير على كل شئ والأول ~~والآخر، والظاهر والباطن، العليم بكل شئ، والخالق للسماوات والأرض، والذي ~~أستوي على العرض بالقهر والقدرة، (والعلمي بما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وأنه مع الكل بالعلم) والإحاطة والبصر ~~(بأعمالهم)، أكد ما تقدم بإخباره تعالى بأنه له ملك السماوات والأرض (وإليه ~~رجوع أمر الخلائق، فلا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يصدر شئ إلا منه وعن ~~قضائه، فتكرر قوله: (له ملك السماوات والأرض) (الحديد: 2) لبناء ما ذكر ~~عليه أبين شئ لحصول الجمل المفصلة قبله تحت مفهومه، فقد تبين وجه التكرار ~~ووجه تعقيب المكرر بقوله: (وهو على كل شئ قدير)، فلما تقدم متصلا به قوله " ~~يحي ويميت" فالمراد وهو على كل شئ قدير من الإماتة والإحياء وغير ذلك مما ms517 ~~يدخل تحت حكم القدرة، فهذا التعقيب أنسب شئ وأوضحه، والله اعلم. ### | الآية الثالثة # من سورة الحديد: غ قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ~~بين أيديهم) (الحديد: 12)، وفي سورة التحريم: (يوم لا يخزي الله النبي ~~والذين آمنوا معه نورهم يسعى) (التحريم: 8)، قدم الفعل في الأولى وأخر في ~~الثانية؟ # ووجه ذلك، والله أعلم: أن قوله في سورة التحريم (الذين آمنوا معه) يفهم ~~من حيث المعية قرب المنزلة وعلو الحال فتقدم ثبوته، فناسب ذلك ورود الجملة ~~الاسمية هنا لما تقتضيه من الثبات وتقدمه واستحكامه. أما قوله في سورة ~~الحديد: (يسعى نورهم بين أيديهم) فبشارة للمؤمنين، ولم يأت هنا كونهم مع ~~نبيهم، فلم يتحصل مما يفهم تمكن المنزلة وثبوتها ما تحصل في آية التحريم ~~إنما هذه بشارة، فناسبها التجدد والحدوث، فناسب ذلك الفعل بما يعطيه من ~~المعنى فقيل " يسعى نورهم بين أيديهم " ليفهم التكرر وحدوث الشئ بعد الشئ، ~~فورد كل على ما يجب ويناسب. ### | الآية الرابعة # : غ - قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها) (الحديد: 22)، وفي سورة التغابن: (ما أصاب من مصيبة إلا ~~بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) (التغابن: 11)، للسائل أن يسأل عما زيد ~~في آية الحديد من قوله " في الأرض ولا في أنفسكم" إلى ما بعد مما خلت منه ~~آية التغابن مع اتحادهما فيما انطوت عليه من المعنى؟ # فأقول - وأسأل الله التوفيق - إن المسبحات الخمس وهي: سورة الحديد وسورة ~~الحشر وسورة الصف وسورة الجمعة وسورة التغابن، مع اشتراك خمستها في مطالعها ~~لم تتلاق منها في عدة معان وترادف ألفاظ واحدة مع أخرى تلاقي هاتين ~~السورتين أعنى # # PageV02P468 # سورة الحديد وسورة التغابن، ألا ترى اجتماع السورتين في ذكر خلق السماوات ~~والأرض، والإعلام بإحاطة علمه سبحانه، وما يترتب على ذلك من الجزاء ~~الأخراوي وذكر الأموال والأولاد والفتنة بهما، وتحقير أمر الدنيا وما انطوت ~~عليه الإشارة إلى تفصيل أحوال الخلق وجزائهم الأخراوي، وإن كل واقع في ~~الوجود واقع بإذنه سبحانه وتقديره وانطواء ms518 كل واحدة من هاتين السورتين على ~~جملة من أسمائه سبحانه، ولم يرد في غيرهما من السور الخمس المذكورة من ذلك ~~ما يجاربهما فيما اشتركتا فيه من الأسماء العلية، وإن كانت سورة الحشر قد ~~انطوت من ذلك على نحو ما انطوت عليه سورة الحديد إلا أنها لم تلتق معهما في ~~موافقة ما اجتمعتا عليه من تعيين عدة منهما (فلما) اتفقت السورتان فيما ~~ذكر، ولم يجتمع معهما غيرهما من المسبحات في ذلك ولا قارب، مع طول سورة ~~الحشر ومجاراتها في الطول سورة الحديد، وكون سورة التغابن لا تقارب واحدة ~~منهما في الطول)، ومع ذلك فقد شاركت سور ة الحديد في تلك الأغراض الجليلة ~~والمقاصد العظيمة وجارتها في ذلك عددا واستيفاء، وعريت سائر المسبحات عن ~~التعرض لذلك أو الوفاء منه بما وفتا به وعرفتا من حاله. فلما اتفقتا في هذا ~~كله، وكانت سورة الحديد أمعن في كل ضرب مما ذكر وأوفي تعريفا وأمد تفصيلا، ~~وكانت هذه الآية المتكلم فيها من جملة ما اتفقت السورتان فيه ورودا واتحاد ~~معنى، أجريت في كل واحدة من السورتين من التفصيل في الأولى والاستيفاء ~~والإجمال في الثانية والاكتفاء على ما جرت (به) سائر الآي فيما اشتركت فيه ~~السورتان مما ذكر قبل، فناسب ذلك ما زيد فيها في الآية المذكورة فقيل: (ما ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) ~~(الحديد: 22) مناسبة لما بنيت عليه السورة من الوفاء بالأغراض المذكورة. ~~وقيل في آية التغابن: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) (التغابن: 11) ~~مناسبة للإجمال الوارد فيها من ذلك المشترك. وتحصل نظم السورتين على أتم ~~مناسبة وأجل تلاؤم، وجرى ذلك على مسلك العرب وتفننها في كلامها وتصرفها إذا ~~أطالت لداع موجب وفصلت أو أوجزت لمقتضى من المعنى وأجملت: # يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء # ولا يمكن على ما تبين عكس الوارد في السورتين بوجه، والله أعلم بما أراد. # **** # # PageV02P469 ### | سورة المجادلة # قوله تعالى: (وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم) (المجادلة: 4)، وقال ~~بعد: ms519 (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد ~~أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين) (المجادلة: 5)، يسأل عن تعقيب ~~الأولى بقوله: " وللكافرين عذاب أليم" والثانية بقوله " وللكافرين عذاب ~~مهين"؟ ووجه اختصاص كل موضع بالوارد فيه؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآية الأولى لما تقدمها ذكر الظهار، وقد ~~سماه سبحانه منكرا من القول وزورا، وشرع الكفارة فيه رحمة وتداركا للواقع ~~فيه إذا اتعظ وأناب، وجعلها (على التدرج) من تحرير رقبة للواجد القادر ~~عليها، وإلا فحكمة صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن عجز عن ~~الصيام فإطعام ستين مسكينا، ثم قال: (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) (المجادلة: ~~4) أي أن الانقياد لأمر الله سبحانه (والتزام حدوده عنوان كبير على كمال ~~الأديان والتزام ما به التخلص لديه سبحانه، فشرع لكم الحدود، فمن التزمها ~~ولم يتعداها فذلك المؤمن، ومن تنكب عنها وحاد عن التزامها فتلك صفة ~~الكافرين: (وللكافرين عذاب أليم) (المجادلة: 4)، ووصف العذاب بالإيلام ~~ليكون أوقع (وذلك أوقع)، وذلك بين التناسب. # وأما الآية الثانية فتقدمها قوله: (إن الذين يحادون الله ورسوله) ~~(المجادلة: 5)، والمحادة المشاقة والمحاربة، ولذلك كان جزاؤهم أن كبتوا ~~وأذلوا قال تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين) ~~(المجادلة: 20)، فلما تعزز هؤلاء وارتكبوا المحادة والمشاقة كان جزاؤهم ~~إكباتهم وإذلالهم وأهانتهم في مقابلة تعززهم كفرا وعنادا، فقال تعالى في ~~جزاء هؤلاء: (وللكافرين عذاب مهين) (المجادلة: 5) أي مذل لهم قامع لعنادهم، ~~وهذا بين التناسب، والله أعلم. # ***** # # PageV02P470 ### | سورة الحشر # قوله تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) ~~(الحشر: 13)، ثم قال بعد: (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون) (الحشر: 14)، (فيسأل عن اختصاص كل آية بما أعقبت به من قوله في ~~الأولي: (لا يفقهون) وفي الثانية: (لا يعقلون)؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الله تعالى لما أخبر عن يهود والمنافقين ~~بسوء أحوالهم وأن الرعب قد سكن قلوبهم حتى كأن خوفهم من أصحاب رسول الله ~~صلي الله عليه وسلم أشد من خوفهم من الله، ms520 قال تعالى " لأنتم أشد رهبة في ~~صدورهم من الله " فناسب هذا نفي فهمهم وانسلاخهم عن النظر والتدبر ~~والتوفيق، فقال تعالى " " ذلك بأنهم قوم لا يفقهون"، ثم اتبع ذلك بالتعريف ~~بشدة بأسهم بينهم وشتات أحوالهم فقال تعالى " (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى"، ~~فناسب هذا ما يفهم عدم الثبوت على شئ والرجوع إلى قانون يقفون عنده ~~ويرتبطون إليه فقال تعالى: " ذلك بأنهم قوم لا يعقلون "، والعقل هو علوم ~~ضرورية يوقف عند مقضاه ويحكم بما أمضاه ولا يتعدى، ويحصل من ذلك الثبوت، ~~واشتقاقه من قولهم: عقلت البعير إذا ربطته بعقال، وهو الحبل وشبهه مما ~~يتقيد به. ولما نفي عنهم الارتباط مع صفهم بشتات القلوب وجودا فقال: ~~(تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) (الحشر: 14)، أخبر تعالى أن سبب ذلك " أنهم لا ~~يعقلون، وتناسب هذا أبين شئ، ولا يناسب الأولى قبلها إلا ما أعقبت به، ~~والله أعلم. # *** # # PageV02P471 ### | سورة الممتحنة # قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) (الممتحنة: ~~4) وبعد هذا: (قد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) ~~(الممتحنة: 6)، فيسأل عن موجب إعادة قوله: " لقد كان لكم يهم أسوة حسنة "؟ ~~وعن متعلق كل واحدة من الآيتين هل كان يصلح ورود كل واحدة منها مكان ~~الأخرى؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه تعالى لما أمر المؤمنين ألا يتخذوا ~~أعداءه وأعداءهم أولياء بإلقاء أسباب المودة والنصيحة لهم، وسبب نزول هذه ~~السورة قصة حاطب بن أبي بلتعة، رحمه الله، فى كتابة إلى أهل مكة يخبرهم ~~ببعض أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يريده فيهم، ودفعة ذلك إلى ~~ظعينة، ونزول الوحي بذلك، فبعث رسول الله صلي الله عليه وسلم عليا والمقداد ~~وأمرهما أن يأتيا روضة حاج، وقال لهما: إن بها ظعينة معها كتاب إلى أهل ~~مكة، فذهب علي والمقداد وأمرهما أن يأتيا روضة حاج، وقال لهما: إن بها ~~ظعينة معها كتاب إلى أهل مكة، فذهب علي والمقداد، رضي الله عنهما، فوجدا ~~الظعينة كما أخبرهما صلي الله عليه وسلم. وأنكرت الكتاب، فاشتد عليها علي، ms521 ~~رضي الله عنه، وقال: لتخرجن الكتاب او لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، ~~فأتي به علي، رضي الله عنه، رسول الله صلي الله عليه وسلم فإذا الكتاب من ~~حاطب، فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم، وتبرأ حاطب من أن يكون فعل ذلك ~~نفاقا، واعتذر بما قبله منه رسول الله صلي الله عليه وسلم، فنزل القرآن ~~بتصديقه في اعتذاره فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء) (الممتحنة: 1)، فأمر تعالى بالتبري منهم وذكر كفرهم بما جاء ~~المؤمنين (من الحق) وإخراجهم الرسول والمؤمنين من مكة من أجل إيمانهم، ~~وتوعد فاعل ذلك فأخبر أنه قد ضل سواء السبيل، وقبل تعالى توبة حاطب، وأمر ~~بالاقتداء إبراهيم، عليه السلام، يحن تبرأ هو ومن معه من المؤمنين من قولهم ~~إلا ما كان من موعدة إبراهيم لأبيه بالاستغفار إلى أن تبين له أنه عدو الله ~~تبرأ منه، فقال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم) (الممتحنة: 4). ~~فلما أوضح تعالى من ذلك ما فيه شفاء المؤمنين اتبعه تعالى بالقسم المؤكد ~~لذلك فقال: (قد كان لكم فيهم أسوة حسنة) (الممتحنة: 6)، ودلت اللام الموطئة ~~للقسم في " لقد كان " على تأكيد ما تقدمه من الأمر بالاقتداء والتأسي # # PageV02P472 # بإبراهيم، عليه السلام، ومن كان معه فقال تعالى " لقد كان لكم فيهم " (أي ~~المذكورين) أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، ثم قال: " ومن يتول" ~~أي عن الاقتداء والتأسي بمن أرشد سبحانه إلى التأسي به فيما ذكر: (فإن الله ~~هو الغني الحميد) (الممتحنة: 6)، فالأولى تنبيه وإرشاد، والثانية تأكيد، ~~وسبب كل آية منهما الذي به اتصالها وتعلقها بين، ولا يلائم كل واحدة ولا ~~يناسبها غير موضعها، والله أعلم. # **** # # PageV02P473 ### | سورة المنافقين # قوله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ~~ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون) (المنافقين: 7)، ثم ~~قال تعال: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) (المنافقين: 8)، للسائل ~~أن يسأل عن نفي الفقه ms522 عنهم أولا ونفي العلم في الآية الثانية؟ وهل كان يمكن ~~وقوع ما نفي في الأولى منفيا في الثانية ووقوع ما نفي في الثانية في ~~الأولى؟ # والجواب، والله أعلم: أن الاعتزار بالدين والاطلاع على تشريف المؤمن به ~~واعتزازه بسببه أمر لا يوصل إليه إلا بعلم ويقين لا طريق لمنافق إليه ما ~~دام على نفاقه، وإنما يعلمه ويصل إلى رحمة الله به المؤمن العالم حق العلم ~~بما منح الله المؤمنين، من الاعتزاز بدينه سبحانه، والاعتصام بإتباع نبيه ~~صلي الله عليه وسلم، والتمسك بما جاء به، فنفي ذلك عن المنافقين بين لا ~~خفاء فيه، ولا يناسب سواه. وأما ما رامه من قطع الرفد والإنفاق وما يرجع ~~إلى ذلك عن المؤمنين حتى يتفرقوا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ويفردوه، ~~فإن ذلك أمر لو تثبتوا فيه مع كفرهم ونفاقهم وأمعنوا النظر لعلموا بجري ~~العادة أن أرزاق العالم لا تتوقف على منع مانع منهم، بل مشيئة جميعهم في ~~هذا غير نافذة، وأن وصول أرزاق العباد إليهم أمر ليس لمخلوق (فيه) كنزول ~~المطر وإرسال الرياح، وذلك مما لا طمع لمخلوق في إرساله ولا إمساكه. فلو ~~فقه المنافقون، وتفهموا السنة الجارية لما فاهوا بمقالهم، (ولكن المنافقين ~~لا يفقهون)، فنفي الفقه عنهم هنا أنسب شئ، فلا يلائم وقوع أحد المنفيين في ~~موضع الآخر، والله أعلم. # **** # # PageV02P474 ### | سورة التغابن ### | الآية الأولى # منها قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير) (التغابن: 1)، وقال تعالى بعد: (يعلم ما في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون) (التغابن: 4) للسائل أن يسأل ~~عن تكرر " ما " في أول السورة وتركها في الآية بعدها؟ وهل كانت الفائدة ~~تحصل بعكس ذلك؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآيتين معا قصد بهما الاستيفاء والإحاطة ~~بكل المسبحين وبما أحاط به علمه سبحانه، وقد اقترن ب ### | الآية الثانية # واتصل بها قوله سبحانه: (ويعلم ما تسرون وما تعلنون) فحصل من ذلك إحاطة ~~علمه سبحانه بما ظهر وما بطن وما ms523 اشتملت عليه السماوات والأرض، فلما اقترن ~~بهذه الآية ما يعطى إحاطة علمه سبحانه بجزئيات " ما" في الجملة وأنه لا ~~يغيب عنه شئ لم يحتج في قوله: (يلم ما في السموات والأرض) إلى إعادة " ما " ~~لأن ذلك يكون كالتكرار الذي لا يحرز معنى. # وأما الآية الأولى فلم يقترن بها ما يعطى ملفوظا به مع أنه قد قصدت ~~الإحاطة، فلم يكن بد من إعادة - ما - استئناف إحصاء وتأكيد، فلا يلائم كلا ~~من الموضعين إلا ما ورد فيه. # الآية الثانية من سورة التغابن - قوله تعالى (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار) (التغابن: 9)، وفي ### | سورة الطلاق # : (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار) ~~(الطلاق: 11)، للسائل أن يسأل عن زيادة: "يكفر عنه سيئاته " في سورة ~~التغابن ولم يرد في سورة الطلاق مع أن المقصود واحد في الآيتين؟ # والجواب عنه، والله أعلم: أنه لما تقدم في سورة التغابن قوله تعالى مخبرا ~~عن المكذبين: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) (التغابن: 7)، وقوله تعالى ~~على لسان نبيه صلي الله عليه وسلم: (بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم) ~~(التغابن: 7)، ثم قال تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ~~والله بما تعملون خبير) (التغابن: 8)، فأعلم تعالى بقوله (والله بما تعملون ~~خبير) وبين أنه تعالى لا يخفى عليه شئ من أعمال المكلفين، وأن المنبأ به كل # # PageV02P475 # أعمالهم من غير فوات شئ، ثم ذكر تعالى جمعهم ليوم الجمع، ثم أنس المؤمنين ~~فقال: " ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا "، وفي قوله تعالى: " ويعمل صالحا " ~~إشارة إلى المؤمنين الموعودين هنا، وليس من شرطهم استيفاء أعمال الطاعات إذ ~~يحرز التنكير في قوله: " ويعمل صالحا" ويشعر بهذا المعنى، وما لم تكن ~~العصمة فالتقصير حاصل، ولا انفكاك عن مجترجات، وقد سمع المؤمن " " لتنبؤون ~~بما عملتم " فأشفق من تقصيره وهناته، وتوقع مخوف سيئاته، وتشوف إلى تعرف ~~تفصيل الحال في المنبأ به من الأعمال ليعلم المآل، فوجوب على الكمال بكيفية ~~ما به تقابل أعماله فقيل: (ومن يؤمن ms524 بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته) ~~(التغابن: 9) إذ لابد من محتاج إلى تكفيره إذا كانت السلامة وسبقت السعادة ~~ثم قال: "ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار" إلى آخر الآية، فهذا وجه ~~زيادة قوله تعالى: "يكفر عنه سيئاته" في هذه الآية. ويشهد لهذا المفهوم ~~قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) (الأنبياء: ~~94) إلى غيرها من الآيات. # وأما آية الطلاق فلا داعي فيها إلى زيادة قوله: "يكفر عنه سيئاته" بل ~~سياقها يستدعي ألا يكون ذلك فيها لأن قبلها: (فاتقوا الله يا أولي الألباب) ~~(الطلاق: 10)، والأمر بالتقوى يعم ولا يخص، ثم قال تعالى: (قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا (10) رسولا) (الطلاق: 10 - 11) إلى قوله: (ليخرج الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات) (الطلاق: 11)، أشار إلى النمط الأعلى من المؤمنين ~~المستوفين أعمال الطاعات، أشار إلى ذلك لفظ: "الصالحات" بالألف واللام، ~~وهذه حال المخلصين المحسنين (من المستجيبين)، ثم تدارك تعالى من لم يبلغ ~~حال هؤلاء من المؤمنين ولحق بهم في النجاة فقال تعالى: (ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار)، فناسب حال المتقدمين من ~~ذوي الإحسان ألا يقع إفصاح يشعر بعصيان " هم القوم لا يشقي بهم جليسهم "، ~~فوقع الاكتفاء بإيماء "ويعمل صالحا " وقوله " يدخله جنات" وقوله: "قد أحسن ~~الله له رزقا" (الطلاق: 11) فجاء كل من الآيتين على ما يلائم ويناسب، ولم ~~يكن ليناسب ورود العكس. # **** # # PageV02P476 ### | سورة الطلاق ### | الآية الأولى # - قوله تعالي: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) ~~(الطلاق: 2 - 3)، ثم قال: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسر) (الطلاق: 4) ~~ثم قال بعد: (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) (الطلاق: 5) ~~للسائل أن يسأل عن تكرر الأمر بتقواه تعالى أثناء ما ذكره سبحانه من الطلاق ~~والعدة وما يرجع إليهما؟ وعن وجه تخصيص هذا العدد والجزاء على ذلك بقوله في ~~الأولى: (يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) وفي الثانية (يجعل له من ~~أمره يسرا) وفي الثالثة: (يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا). # ويمكن ms525 أن يجاب عن ذلك، والله أعلم: بأن الأوامر التى دارت عليها هذه ~~السورة وبنيت عليها ثلاثة، الأول: الأمر بالمحافظة على إيقاع الطلاق إذا ~~ضمت إليه الضرورة في وقته لاستقبال العدة حتى لا يقع إضرار بالمطلقة بتطويل ~~عدتها. والثاني: الأمر بإحصاء العدة والمحافظة عليها، وألا تخرج المعتدة من ~~بيتها حيث وقع عليها الطلاق ولا تبيت عنه، إلى ما يرجع إلى هذا، والثالث: ~~إنفاذ ما يقع الاعتماد عليه في إمساك أو مفارقة، من حسن الصحبة والجميل ~~العشرة إن اعتمد الإمساك (أو بالإمتاع) والتلطف رعيا لما تقدم من الصحبة إن ~~عول على المفارقة، فعلى هذه القضايا الثلاث بناء هذه السورة، وعلي الوعظ في ~~ذلك والتأكيد بالتزام تقوي الله والتزام ما حد سبحانه فيما ذكر. ولرعي هذه ~~الأوامر الثلاثة ما ورد الإخبار بجزاء من اتقاه سبحانه في ثلاث كرات، ~~فبإزاء أول قضية من أوامر السورة قوله تعالي: " ومن يتق الله "، أي في ~~إيقاع الطلاق في محله ووقته كما أوضح صلي الله عليه وسلم في قضية عبد الله ~~بن عمر المشهورة، " يجعل له مخرجا " بحكمه نفسه إن لحقه ندم كما قال تعالي: ~~(لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) (الطلاق: 1) أي من تقلب الأحوال ~~وصيرورة البغض ودا فيجد السبيل إلى المراجعة سهلا بالتزامه الوجه الجاري ~~على السنة وأخذه بالطاعة فينشرح صدره بتيسير أمره ويكثر رزقه بتقوى ربه: ~~(ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) (الطلاق2 - 3)، ~~ومن يتق الله في صبره أيام العدة على ما يلزمه من نفقة وسكنى - حيث يلزم ~~ذلك وإن طالت الأيام - فكأن طولها مع ما يتكلفه فيها مظنة للضجر وكرب # # PageV02P477 # النفس، فإذا اتقى الله في ذلك (يسر عليه) تلك المشقة. وقرب عليه أمرها ~~وإن بعدت المشقة، وأنسة في وحشتها وجعل له من أمره يسرا. فإذا اتقى الله ~~عند تمامها والإشراف على انفصالها، وأخذ بالسنة، واتقى الله فيما يختاره ~~تعالى له ويقضيه من إمساك أو فراق، فيلتزم المعروف إن أمسك، ويتبع كل سيئة ~~جرت حال طلاقه وغضبه - من ms526 قبح كلام أو قصد مضرة وإن كانت بأدنى إيلام أو ~~إساءة معاملة تنافر المجاملة والمكارمة - بحسنة تقابلها وتمحوها من إظهار ~~التندم، وطلاقة البشر، والإغضاء عن كل ما جرى أيام المنافرة، ويستبدل ~~المناقشة بالمياسرة، فإذا فعل هذا واتقى الله في ذلك كفر عنه سيئاته وأعظم ~~أجره جزاء على تلك الأعمال، ويشهد لما تمهد من جزاء تقوى الله سبحانه في ~~تلك الحالات ما أفصح به ما بعد من الآيات، قال تعالى: (أسكنوهن من حيث ~~سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ~~حتى يضعن حملهن) (الطلاق: 6) إلى قوله سبحانه: (سيجعل الله بعد عسر يسرا) ~~(الطلاق: 7)، وتأمل جري هذه الآيات والوصايا الجليلة وما تشير إليه من ~~الإشفاق وجميل التجمل والإنفاق مع ما تقدم تجده جاريا على أوضح التناسب ~~وألج الالتئام، والله أعلم بما أراد. # **** # # PageV02P478 ### | سورة الملك # قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) ~~أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير) (الملك: 16 ~~- 17)، للسائل أن يسأل عن وجه تقديم التوعد (بخسف الأرض على التوعد) بإرسال ~~الحاسب من السماء؟ ولم اختير تقديم الوعيد بالخسف؟ وما الفرق بين الوارد ~~هنا والوارد في قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم) (الأنعام: 65)؟ # والجواب: والله أعلم: أنه لما تقدم ما اتصل به التوعد من قوله تعالى: (هو ~~الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها) (الملك: 15) فحضر في النفوس ~~عند ذلك وتقرر تذكرة هذه النعمة وجليل الامتنان بها شاهدا حاضرا للمتذكر ~~وعليها قراره حال تذكرة وتنعمه بالتقلب فيها حين خطابه متصلا غير منفصل ~~وملتصقا غير متباعد كان أنسب شئ لهذه في الموعظة تذكيرة اتعاظا بخسفها من ~~تحته، حتى كأن ذلك الأمر جاء منه لا من خارج عنه. # أما آية الأنعام فتقدمها قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم ~~حفظة) (الأنعام: 61)، فصرف هذا الخطاب تفكر النفس في عين الجهة التى ذكر ~~منها القهر، فكان ms527 أنسب شئ ذكر التخويف من تلك الجهة بخلاف آية الملك. فكل ~~آية من هاتين (الآيتين) تبين حال الأخرى، وإن التناسب إنما هو فيما وردت ~~عليه كل آية منهما، وإن العكس غير مناسب، والله أعلم. # **** # # PageV02P479 ### | سورة القلم # قوله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم) (القلم: 10 - ~~11) إلى قوله: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين*سنسمه على ~~الخرطوم) (القلم: 15 - 16)، وقال في سورة المطففين: (الذين يكذبون بيوم ~~الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم) (المطففين: 11 - 12) إلى قوله: ~~(أساطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطفيين: ~~13 - 14)، للسائل أن يسأل عن التعقيب في الأولى بقوله: (سنسمه على الخرطوم) ~~وفي الثانية بقوله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) مع اتحاد وصف ~~من اعقب بهذا المعقب حاله وحكي مقاله؟ وهل كان يجوز تعقيب آية سورة القلم ~~(بما أعقبت به آية التطفيف وآية التطفيفي بما أعقبت به آية القلم)؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية القلم نزلت في شخص بعينه، قيل هو ~~الأخنس بن شريق، وقيل الوليد بن المغيرة وكان مظهرا لعداوة رسول الله صلي ~~الله عليه وسلم، وهو القائل: سأنزل مثل ما أنزل الله، وكان من أكثر قريش ~~مالا وولدا، فلهذا قيل فيه: (أن كان ذا مال وبنين) (القلم: 14)، وهو القائل ~~يوم مات إبراهيم ابن النبي صلي الله عليه وسلم: أصبح محمد أبتر، أي لا ولد ~~له، فأنزل الله تعالى علي رسوله صلي الله عليه وسلم: (إن شانئك هو الأبتر) ~~(الكوثر: 3)، والشانئ المبغض. وأسلم ولده فقطعه الله بالإسلام عنه، فكان هو ~~الأبتر كما أخبر الله نبيه، وصار أولاده في عداد المسلمين الذين هم أولاد ~~رسول الله صلي الله عليه وسلم وأزواجه أمهاتهم، ففي هذا نزلت الآية من ~~قوله: (ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد ~~أثيم) (القلم: 10 - 12) إلى آخرها، فأغنى استيفاء صفاته المذمومة عن تعيين ~~اسمه بقوله سبحانه: (سنسمه على الخرطوم) إخبار منه تعالى بأول عقاب ينزل ~~بعدو الله ms528 المذكور - والخرطوم الأنف - فكان ذلك يوم بدر، فهذا وعيد لخاص ~~معين أنزل به معجلة، ولعذاب الآخرة أكبر. # وأما آية المطففين فليست في معينين بغير مرتكباتهم قال تعالى: (وما يكذب ~~به) (المطففين: 12) أي بيوم الدين وهو يوم الجزاء (إلا كل معتد أثيم) مكذب ~~بالوحي، # # PageV02P480 # (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) (المطففين: 13) فقال تعالى: ~~(كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففين: 14) أي أن المانع لهم ~~من فهم الوحي وأعلم بأنه منزل من عند الله ما غطى قلوبهم من الرين، وهو ما ~~يغشى القلب ويمنعه من الوصول إلى ما ينفعه، وأعاد الضمير في قلوبهم على ~~المعنى من حيث أن المراد هنا جميع من وقع عليهم: " كل " بخلاف أية القلم ~~فإن " كل " فيها واقعة على مفرد، وعبر بكل ليعم المقصود بذلك المراد ومن ~~كان على صفته إبلاغا في ذمة، والضمير فى سنسمه لمفرد كما تقدم، ولفظ - كل - ~~مطابق بمعناه، وقد تبين أنه لا يصح في كل موضع من السورتين إلا ما وقع به ~~التعقيب به، فلا يناسب آية القلم ما أعقبت به آية سورة التطفيف ولا آية ~~التطفيف ما أعقبت به آية سورة القلم، وأن كل آية منها أعقبت بما هو مناسب ~~لا يلائم غيره، والله أعلم. # **** # # PageV02P481 ### | سورة الحاقة # قوله تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ~~ما تذكرون) (الحاقة: 41 - 42)، للسائل أن يسأل عن الوجه في نفي الإيمان ~~عنهم عقب تنزيه ما جاء به صلي الله عليه وسلم من القرآن عن أن يكون شعرا ~~ونفي التذكر عنهم عقب تنزيهه عن أن يكون من قبيل قول الكهان؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن نفي كون القرآن من أقوال الكهنة أمر لا ~~يحتاج إلى كبير (نظر ولا استعمال طول فكر، بل يوصل إلى ذلك بأدنى التفات، ~~فناسب هذا نفي: التذكر، وأما تنزيهه عن إلحاقه بقبيل الشعر وما يرجع إلى ~~نحو ذلك من أقوال الخطباء وأسجاعهم فقد توهم الجاحد الظلوم المتعامي عن ~~النظر وصرف التفكير إلى تدبره والإصغاء ms529 إلى سماعه، المترامي إلى التعلق ~~بأدنى شبهة يستريح إليها رجوعه إلى ذلك. فناسب هذا نفي التصديق لأنه إنما ~~يكون عن ركوب إلى نظر وتفكر، فجاء كل عل ما يناسب، والله أعلم. # **** # # PageV02P482 ### | سورة نوح (عليه السلام) # قد تقدم ما في سورة المعارج - وقوله في سورة نحو، عليه السلام: (ولا تزد ~~الظالمين إلا ضلالا) (نوح: 24) وبعده: (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) (نوح: ~~28)، للسائل أن يسأل عن وجهه اختلاف ما دعا به نوح صلي الله عليه وسلم على ~~قومه من الموضعين؟ # والجواب عن ذلك أن نوحا، عليه السلام، لما ذكر أولا في إخبار الله سبحانه ~~عنه عصيان قومه له وقولهم: (لا تذرن آلهتكم) (نوح: 23) أي لا تتركوها (ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا) (نوح: 23) إلى قوله: (وقد أضلوا كثيرا) (نوح: 24)، ~~أردف هذا بما يناسبه من الدعاة في زيادة ضلالهم، ولم يدع هنا بهلاكهم. # وأما الآية الثانية فتقدمها دعاؤه، عليه السلام، بهلاكهم وأخذهم في قوله: ~~(رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) (نوح: 26)، فأتبع ذلك بما يناسب ~~فقال: (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) (نوح: 28) أي هلاكا. # **** # # PageV02P483 ### | سورة الجن # غ - قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) (الجن: 26) للسائل ~~أن يسأل عن قوله تعالى: (على غيبه). بإعادة الظاهر مضافا إلى الضمير، هل ~~ذلك من قبيل ما تكرره العرب لتفخيم الأمر وتعظيمه؟ كما قال قائلهم. # لا أري الموت يسبق الموت شئ نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # وقال تعالى: (الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة) (الحاقة: 1 ~~- 3)، وقال تعالى: (القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة) ~~(القارعة: 1 - 3)، فيكون قوله: (على غيبه) واقعا موقع: "عليه"، وتكون الآية ~~على هذا مثل قوله: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) ~~(النمل: 65) وما ورد من مثله وهو الذي يقتضيه قوله تعالى في مطلع هذه ~~الآية: (عالم الغيب)، فلا يجب يكون بين الآي الواردة في هذا المعنى خلاف، ~~ويكون مجمل جميعها على العموم؟ أم يراد بهذه (الآية) خصوص لم يرد بسواها من ~~الآي الآخر وإن ms530 كان داخلا تحت عموم تلك الآي؟ # والجواب، والله أعلم: أن هذه الآية مراد بها خصوص ما انفرد سبحانه بعلمه ~~ولم يطلع عليه أحد من خلقه ولا يظهر سبحانه عليه إلا من ارتضاه من رسله مع ~~سلوك الرصد من الملائكة بين يديه ومن خلفه حفظا لغيبه تعالى من مسترق سمع ~~أو مستطلع، فهذا غيب لا سبيل لأحد من الخلق إليه على مقتضى الآية لا بتكهن ~~ولا تنجيم ولا زجر ولا غير ذلك، وهو كوقوع الساعة وتجليها لوقتها إلى غيرها ~~من غيوب استأثر سبحانه بها ولم يعلم أحدا بشئ منها ما هية فيتشوف مخلوق إلى ~~تعرف وقت شئ منها أو كيفية ظهور أو غاية إذ لولا الإخبار الصدق بماهية ~~الساعة لما وقع لأحد من العالم تشوف إلى تعرف قيامها ولا كنا لنعلم ما ~~الساعة، وإذا لم نعلم ماهية مغيب ما لم نتشوف إلى تعرف ماهو تابع للماهية، ~~فلهذا ضاق عنها نطاق التمثيل حتى أوهم كلام بعض الجلة أن المراد بهذا الغيب ~~الذي استأثر سبحانه بعلمه إنما هو علم الساعة، وان ما سواها يمكن الوصول ~~إليه بالكهانة والتنجيم والإلهام وغير ذلك، ولو أن هذا القائل أراد ظاهر ما ~~يسبق من كلامه لما سلم له، لأنه لو لم نسمع باسم الساعة لعجزنا عن تعرف ~~موجود مقدر الوقوع يسمي # # PageV02P484 # بهذا الاسم، فالذي يجب أن يفهم عن هذا القائل أنه يريد أن لله غيوبا لا ~~تحصي لا يظهر عليها أحدا من خلقه على مقتضى هذه الآية الخاصة بهذا المعنى ~~المجردة له، ومن نحو هذا ما يشير إليه قوله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شاء) (البقرة: 255)، وإذا أظهر تعالى شيئا من هذا الغيب فإنما ~~يدركه الخلق أو من شاء الله منهم بعد ظهوره وكيانه، فيعلم إذ ذاك وقد كان ~~هذا الظاهر في غيبه الذي انفرد به عن خلقه لم يعلم أحد من الخلق له ماهية ~~إلا بعد ظهوره، وما غاب عن الخلق أكثر. هذا - والله أعلم - هو المراد بهذا ~~الغيب المذكور هنا، وعليه يحمل ms531 ما قدم عما ذكر وإن أوهم من حيث حصر التمثيل ~~أنه غيب الساعة خاصة، وهو ولا بد لم يرد ذلك وغنما أراد غيب الساعة وما كان ~~مثله مما لم تذكر له ماهية، فلم يكن التمثيل كما تقدم إلا بما أعلمنا ~~بماهيته فصح السؤال عنه. # وأما أمر الساعة فهذا - والله أعلم - ما يمكن أن يقال إنه الذي تجردت له ~~آية سورة الجن، وأما الوارد في قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السماوات ~~والأرض الغيب إلا الله) (النمل: 65) وما ورد من مثله فليس بخاص بل هو عام ~~على إطلاقه وعمومه، ومصرف المنع إلى الإحاطة والاستيفاء والتيقن وحصر ~~جزئيات المعلومات، فلا يعلم ذلك علم استيفاء وإحاطة إلا الله. فهو الذي ~~أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا، ثم لا يمتنع إظهاره سبحانه من شاء من ~~خلقه من غير الرسل على ما شاء مما أشير إليه ولا يتجزأ ما أطلعهم عليه مما ~~عنده سبحانه، ويدخل تحت هذا العموم العلم الذي استأثر سبحانه بعلمه وانفرد ~~به دون خلقه، إلا أن حكم ذلك على ما تقدم وتقرر، ومن نحو العموم الواقع هنا ~~قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض) (الجاثية: 27)، فهذا كقوله: (ولله ~~غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله) (هود: 123)، فملك السماوات ~~والأرض له سبحانه لا شريك له في ذلك ثم قد قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) (آل عمران: 26)، وأعلمنا سبحانه ~~أن نبيه سليمان طلب ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأتاه الله ذلك، وليس ما ~~أوتيه هذا النبي الكريم صلي الله عليه وسلم جزاءا له نسبة إلى ملك الله ~~تعالى، ولا يمكن توهم ذلك. وإذا كان ما أوتي سليمان، عليه السلام، هذه حالة ~~فكيف ما أوتيه غيره مما لا يبلغ معشار ما أوتيه سليمان، عليه السلام؟ فكذا ~~الأمر في الغيب، فلا يعلم غيب السماوات والأرض على ما هو علم إحاطة وتفصيل ~~إلا هو سبحانه، يطلع من يشاء من خلقه على ما شاء من ذلك، ms532 ولا يتجزأ ما اطلع ~~عليه الكل من نبي ومن سواه مما لم يطلعهم عليه، ثم إن ما عند من سوى ~~الأنبياء والمصطفين من العباد لا يعلم أنهم تيقنوا ذلك، فإذا لم يكن علمهم ~~علم تيقن وتحقيق فإطلاق اسم العلم عليه مجاز بل هو ظن وإن قوي إذ لم بصحبه ~~اليقين ولا الاستيفاء ولا الإحاطة # # PageV02P485 # بالجزئيات فالمتصف به ليس بعالم غيب على الحقيقة، وبهذه الصفة القاصرة هو ~~العلم الموجود عند الكهان وغيرهم ممن لم يستمد من الوحى، وما تسلمه ~~الشريعة، فنفى الإتصاف بعلم الغيب عمن عري عن التيقن أو من لم يحط علمه ~~بجزئيات ما يعلمه ولم يستوفه وجه واضح، والإطلاق بأنه ليس عالما بالغيب ~~إطلاق صحيح، ثم إن القول بأنه مخير بغيب وبعض تفاصيل عن مغيبات غير معارض ~~ولا متناقض، فلا يلزم على ذلك اعتراض بعلم شق وسطيح وما أخبرا به، لأنهما ~~وإن أخبرا بعجائب وتفاصيل فقد فاتهما غير ذلك من جزئيات في معلومهما الذي ~~أخبرا به لم يخبرا بها ولا أحاطا بعلمهما. وكذا غيرهما من الكهان ~~والمنجمين، فقد وضح محمل آيات العموم. # وأما آية سورة الجن فمحملها على الخصوص كما تقدم، ومما يزيد ذلك وضوحا ~~ويعضد ما قدمنا من المفهوم في الضربين أن الله سبحانه لما ذكر المغيبات ~~الخمس فقال: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام) ~~(لقمان: 34) إلى آخرها أفرد علم الساعة بقوله: (إن الله عنده علم الساعة)، ~~وعبارة: " عند" تقتضى بوضعها خصوصا وقربا وتمكنا، وكذا أورد تعالى هذا ~~الإخبار حيث تكرر قال تعالى بعد: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما ~~علمها عند ربي) (الأعراف 187)، وقال تعال: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين) (الملك: 25 - ~~26)، فجرى هذا الإخبار مقيدا بعبارة "عند" حيث تكرر ولم يشترك معها في آية ~~لقمان ما ذكر بعدها في الدخول تحت حكم " عند" وما تقتضيه من الخصوص بل قال ~~تعالى: (وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام) (لقمان: 34) إلى ما ms533 بعده فتفصيل ~~هذا الإخبار والتفصيل في نظم الآية يفهم منع التساوي، ولا شك أن عدم اعتبار ~~الجزئيات في تركيب الألفاظ يؤدي إلى عدم فهم ما انتظم منها. # فإن قيل: إنما ورد بعد ذكر الساعة من قوله تعالى: (وينزل الغيث) إلى ما ~~بعد مفصولا عن حكم " عند" ليفهم التكرار، إذ المعلوم أن تكرر نزول الغيث - ~~مهما كانت الحاجة إيه - هو عين الإنعام والإحسان إلى العباد، فلهذا ورد ~~بلفظ يقتضي التكرر وهو لفظ المستقبل من الفعل، فأحرز بذلك هذا الإنعام ~~العظيم والتذكير به، فهو كالوارد في قوله تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق) (ص: 18) (ولم يقل) مسبحات، وقال تعالى: (أولم يروا ~~إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن) (الملك: 19)، وهذا كثير فالإحراز ورد تفصيل ~~الإخبار. قلت: قصد هذا المعنى بين الإمكان وإحراز - عند - # # PageV02P486 # ما تقتضيه من معناها كذلك، ولا تعارض بين المقصدين، والإيجاز مقتض حصول ~~المعنيين فجئ بما يحرزهم بأوجز لفظ وأبلغ عبارة، والله أعلم. # فإن قلت: فإن التعبير " بعند" قد ورد من الضرب العام من الغيب قال تعالى: ~~(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) (الأنعام: 59)، وهي استعارة عبر بها ~~عن التوصل للغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفاتح إلى المغيب عن الإنسان مما ~~لا يصل إليه من ليست عنده مفاتحه، وقد دخل ذلك تحت حكم " عند" ومقتضاها من ~~الاختصاص، مع أن الآية لم يرد فيها خصوص على علم الساعة على ما تقدم. ~~فالجواب أن هذا مما يزيد ما تقدم وضوحا إذ قد تبين قبل أن المراد من ذكر ~~الغيب في كتاب الله ضربان. أحدهما خاص وهو المراد في سورة الجن وغنه لا ~~مطمع لأحد من الخلق في الوصول إلى شئ منه على ما مر في ذكر الآية، والثاني ~~عام على ما تقدم والوصول إلى علمه علم استيفاء وحصر بجزئياته مقدرا وغاية ~~وتيقنا لذلك كله جملة وتفصيلا ممنوع، فهو لاحق من هذه الجهة بخصوص الضرب ~~الأول، فلا يحيط بعلمه على ما تبين إلا الله تعالى، فحق لهذا الضرب إذا ~~أريد به ما ms534 ذكرنا من الدخول تحت حكم " عند" وهو المراد بهذه الآية، ألا تري ~~أنها مفصحة بذلك في قوله تعالى: (ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة ~~إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) ~~(الأنعام: 59) فقد وفت هذه الآية بتفاصيل المغيبات وحصرها والإحاطة بها بكل ~~جهاتها ولا يعلمها على ذلك إلا الله سبحانه. # ولنتبع هذا بكلام من تعرض لبسط المراد من آية الجن فأقول: وقع في التفسير ~~المنسوب لفخر الدين أبي الفضل بن الخطيب رحمه الله، بعد تقرير مفهوم آية ~~سورة الجن وأن أراد وأن المراد بها ما تقدم من التخصيص، فقال في رده على ~~الزمخشري ومن قال بقوله في إنكار كرامات الأولياء واستجراره مع ذلك إنكار ~~التكهن والتنجيم وما يرجع إلى هذا، ودعواه أن هذا نص القرآن تعلقا بهذه ~~الآية، فقال أبو الفضل ردا على من ذكرت: واعلم أنه لابد من القطع بأن ليس ~~مراد الله من هذه الآية أنه لا يطلع أحدا على شئ من المغيبات إلا الرسل، ~~بدليل ما ثبت من الأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين، ~~وإخبارهما بظهور نبينا محمد صلي الله عليه وسلم، (وتعيين زمانه، وشهرتهما ~~بهذا العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار نبينا صلي الله عليه وسلم)، ~~فثبت أنه تعالى قد يطلع على ما يشاء من الغيب غير الرسل. ودليل ثان وهو أن ~~جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة التعبير، وأن المعبر يخبر عن ~~وقوع الأشياء الآتية في المستقبل فتقع كما أخبر. ودليل ثالث وهو أن الكاهنة ~~البغدادية التى نقلها السلطان سنجر بن # # PageV02P487 # ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن الأحوال الآتية في المستقبل، وذكر ~~ما وقع على وفق إخبارها. قال أبو الفضل بن الخطيب: وإنا قد رأينا أناسا من ~~المحققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة ~~إخبارا على سبيل التفصيل وجاءت تلك الوقائع على وفق خبرها. قال وبالغ أبو ~~البركات في كتاب المعتبر في ms535 شرح حالها وقال: تفحصت عن حالها مدة من ثلاثين ~~سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا. ودليل رابع: أنا ~~شاهدنا أصحاب الإلهامات الصادقة، وليس هذا مختصا بالأولياء بل قد يوجد في ~~السحرة من يكون كذلك، ونري الأخبار النجومية قد تكون مطابقة موافقة للأمور ~~وإن كانوا قد يكذبون في كثير منها، وإذا كان ذلك مشاهدا محسوسا فالقول بأن ~~القرآن مما يدل على خلافة مما يجر إلى الطعن في القرآن وذلك باطل، فعلمنا ~~أن الأولى الصحيح ما ذكرناه، والله أعلم. # ونشير إلى ما قدم قبل كلامه هذا وهو أن قوله تعالى (على غيبة) ليس فيه ~~عموم، فيكفي في مقتضاه ألا يطلع سبحانه ولا يظهر خلفه على غيب واحد من ~~غيوبه، فيحمل على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية عقب قوله: (قل ~~إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا) (الجن: 25) يعن وقوع ~~القيامة، فإنه من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد بالجملة، فقوله: " على ~~غيبه" لفظ مفرد مضاف فيكفي في العمل به إرادة غيب واحد، وأما العموم فليس ~~في الآية لفظ يدل عليه. انتهى معنى كلام أبي الفضل، رحمة الله. وقد تحصل ~~مضمنة فيما تقدم بأوفى مما أوردنا من كلامه. # فإن قلت: قد تبين ما بين الضربين من العموم والخصوص، واتضحت الحال فيهما، ~~فما وجه انتظام ما ورد في آية لقمان مع ذكر الساعة، وظاهر ما تقدم من ~~التأويل حاكم بالفرق، وإن أمر الساعة يخالف بخصوصه ما ذكر معها من الأربع، ~~والحديث الصحيح قد ورد على مقتضى ظاهر الآية حين ذكر، عليه السلام، مجيبا ~~للسائل فأتبع بقوله: في خمس لا يعلمهن إلا الله، وذلك ملحق لهذه الأربع، ~~بحكم الساعة في خصوص غيبها؟ # فأقول، وأسأل الله توفيقه: إن الحديث الصحيح مشير إلى هذه الغيوب، وإنها ~~في استعلامها والإطلاع علي ما شاء تعالى أن يطلع عليه منها ليست على منهج ~~واحد، ألا ترى أن منها أمورا يعظم موقعها في العالم ويعم ويخص كتقلب الدهور ~~والدول وتغير الحالات التي ms536 تعم وما يرجع إلى هذا، وهذه هي المرادة بحديث ~~ابن عباس الذي أخرجه الترمذى، قال: " بينما رسول الله صلي الله عليه وسلم ~~جالس في نفر من أصحابه إذ رمى # # PageV02P488 # بنجم فاستنار، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ما كنتم تقولون لمثل ~~هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم، ~~فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم فإنه لا يرمي به لموت واحد ولا لحياته ~~ولكن ربنا تبارك اسمه وتعالى إذا قضى أمرا سبح حملة العرض وسبح أهل السماء ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح إلى هذه السماء، ثم يسأل ~~أهل السماء السادسة أهل السماء السابعة ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم ~~يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا وتختطف الشياطين ~~السمع فيرمون - يعنى بالشهب - فيقذفون على أوليائهم فما جاؤوا به على وجه ~~فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون". وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري، ~~وهو أن نبي الله صلي الله عليه وسلم قال: إذا قضي الله الأمر في السماء ~~ضربت (الملائكة) بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا: ماذا؟ قال ربكم، قالوا: للذي قال الحق وهو العلي الكبير، ~~فيسمعهما مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه ~~فحرقها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها ~~الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه ~~الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، ~~فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا وكذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التى ~~سمعت من السماء". # قلت: وهذان الحديثان وما ورد من مثلهما معرفة بقضايا ترتج لها السماوات ~~وتستطلعها الملائكة السبع بجملتها وتختطفها الشياطين مترصدين لتلقفها، ولا ~~يختص بها صنف من الملائكة عن غيرهم، إما ما يتكرر في عالم الغيب من الكون ~~والفساد، من متوالي إيجاد الآحاد، وتكرر نزول الأمطار. وشبه ذلك، فلا ~~يستطلعها من الملائكة ms537 إلا آحاد وكلوا بها، وإن تكاثروا عددا فليس ذلك ~~كالمتقدم في الحديثين لعظيم عمومه، من ذلك حديث ابن مسعود: " يجمع خلق ~~أحدكم في بطن أمة أربعين يوما ثم يكون علقة ثم يكون مضغة، إلى قوله في ~~الحديث: أذكر أم أنثي أشقي أم سعيد ... الحديث، وكما أشار إليه حديث " " ~~(بياض بالاصل) وقوله فيه: اسق حديقة فلان، إلى ما يرجع إلى هذا القبيل، ولا ~~توقف في أن أربعة الغيوب المذكورة مع الساعة في سورة لقمان راجعه إلى قبيل ~~ما ذكرنا، وذلك كله ليس من تلك المقدورات العامة، بل هى بالنسبة إلى تلك ~~جزئيات يعلمها من وكيل بها من الملائكة، ولا يستخبرها أهل السماوات، ولا ~~تترصدها الشياطين ترصد تلك القضايا العامة، وصحيح الحديث قاض بالفرق البين. # # PageV02P489 # فأشارت الآيات الأربع والأحاديث المشار إليها إلى أن هذا الضرب من ~~المغيبات كأنها تلي في حالها الغيبي ما ذكر معها من أمر الساعة وللساعة ~~خصوص ما تقتضيه " عند" كما تقدم، فهذا - والله أعلم - وجه انتظام هذه ~~الغيوب الأربعة مع ذكر الساعة، وتحصل بهذا الاعتبار تفصيل الغيوب إلى عام ~~وخاص وخاص من ذلك الخاص، وهذا الخاص الأخير لا يعلمه مطلقا إلا المنفرد ~~بعلمه سبحانه، ثم لا يحيط بالضربين قبله على ما أشير إليه من تفصيل أحكامها ~~على الاستيفاء والإحاطة والحصر إلا هو سبحانه، وأنه تعالى المنفرد بكل ~~الغيوب، ولا يعلمها أحد على ما هي عنده كما وضح قبل وتبين، ولم يبق ~~للطاعنين مدخل بوجه ولا على حال. # وأما تخصيص آية سورة الجن بما ورد فيها فوجه ذلك - والله أعلم - إما لم ~~تقدم من قول الجن في إخبار الله تعالى عنهم: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن ~~يجد له شهابا رصدا) (الجن: 8 - 9)، فلما تقدم هذا من قولهم وإخبارهم عما ~~كانت الحال عليه قبل بعثة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأن في ذلك من ~~قولهم واطلاعهم على الغيوب أو الكثير منها، أعلم تعالى أن من الغيب ما ms538 ليس ~~لهم ولا لغيرهم مطمع في الإطلاع عليه، وأنهم في ترصدهم ومقاعدهم للسمع ~~ممنوعون هم ومن سواهم عما انفرد بعلمه سبحانه وحكم أن لا يطلع عليه أحد من ~~خلقه، فهذا وجه ورود هذه الآية هنا. وهنا انتهى ما ألهم الله تعالى إليه في ~~هذه الآية مما تعرض إليه الإمام أبو الفضل رحمه الله وبسطناه بما يدفع ما ~~يوهمه موجز كلامه في التمثيل للغيب المخصوص، فبسطته بما أرجو أنه مراده ~~ودافع لما يعترض عليه فيه حين أجمل في إغفاله توجيه تخصيص الغيوب الأربعة ~~بذكرها مع غيب الساعة في سورة لقمان ووجه اختصاص سورة الجن بالوارد فيها، ~~وأتيت في ذلك بما ألهم الله سبحانه إليه، وأرجو أنه شاف إن شاء الله، وإن ~~تحمل غفلة أو سهوا فأسأل الله عفوه في ذلك، وعذري أنى لم أجد في ذلك من ~~تعرض لشئ من هذا إلا ما قدمت ذكره مع إشكال الأمر في ذلك)، والله سبحانه ~~أعلم بما أراد. # **** # # PageV02P490 ### | سورة المزمل والمدثر # غ - قوله تعالى في أولاهما: (يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا) ~~(المزمل: 1 - 2) إلى ما بعده وقال في أول سورة المدثرتلوها: (يا أيها ~~المدثر (1) قم فأنذر) (المرثر: 1 - 2) إلى ما بعده، للسائل أن يسأل عما ورد ~~في هاتين السورتين من تسميه صلى الله عليه وسلم في الأولى بالمزمل وفي ~~الثانية بالمدثر؟ وأمره في الأولى بقايم الليل وما أعقب به ذلك في الثانية ~~بإنذار الخلق ودعائهم إلى الله، ما وجه هذا التخصيص في السورتين بما ذكرنا ~~من التسمية والأمر؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الله سبحانه أمرنا في كتابه العزيز ~~بتعزيز نبينا صلى الله عليه وسلم وتوقيره، ونهانا أن نجري في خطابه على حد ~~تخاطبنا فقال تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) ~~(النور: 63)، وجرى المسلمون بتوفيق الله على ذلك في دعائهم إياه: يا رسول ~~الله، يا نبي الله، غير رافعي أصواتهم في ندائه ودعائه على مقتضى أمره ~~سبحانه بذلك. ثم إن العرب قد علم من حالهم في ذلك أن ms539 السيد خاطب عبده ~~متلطفا به ومشيرا إلى مكانته لديه أو قصد تأنيسه خاطبه باسم يشتقه من حال ~~أو صفة يكون العبد عليها، ويعدل عن معروف اسميته ليريه مكانته ويظهر كريم ~~تحفيه به وعظيم تلطفه كقول نبينا صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه في ~~قضيته المعلومة، وقد وجده نائما، وقد أثر التراب في جنبه: قم أبا تراب، ~~فعلى ذلك جرى الوارد في نداء نبينا صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين ~~بالمزمل والمدثر. وخصت هاتان السورتان بهما لبنائهما على ما ابتدئ به صلى ~~الله عليه وسلم. # فأما تعقيب كل من الاسمين في السورتين بما أعقب به فعلى مقتضى كل واحدة ~~من السورتين وما بنينا عليه، أما الأولة فمبناها على أوامر من جليل أعمال ~~الطاعات مما يزلف عند الله سبحانه، من قيام الليل، وترتيل القرآن، والتجلد ~~والتحمل لتلقي أوامر الكتاب ونواهيه المفهوم في قوله تعالى: (إنا سنلقي ~~عليك قولا ثقيلا) (المزمل: 5)، والأمر بذكر اسمه تعالى تضرعا وسءالا، ~~والتبتل إليه سبحانه، واعتماده تعالى وكيلا، والصبر على قول الضالين من ~~الكفار، والأمر بجميل هجرهم، فهذه أمور ثمانية بين صريح ومكني. وأما سورة ~~المدثر فمتضمنها من الأوامر دون ما في السورة قبلها عددا، وليس أكثرها من ~~نمط تلك الأوامر، وهي مع ذلك أوامر أولة في الأكثر، فنوسب بين # # PageV02P491 # تلك الأوامر العلية من سورة المزمل وبين ما تقدمها في الترتيب الثابت من ~~قوله تعالى في سورة الجن: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ~~ارتضى من رسول) (الجن: 26 - 27) ليعلم نبينا صلى الله عليه وسلم أنه أمام ~~المرتضين من أولئك المصطفين بما خص صلى الله عليه وسلم من الأمر بقيام ~~الليل والترتيل وجليل التلقي والامتثال لما ألفي عليه اعتناء وتخصيصا ~~محفوظا فيه مشيرا عليه من القول الثقيل، كما نوسب بين أمره، عليه السلام، ~~بالدعاء والإنذار والتأنيس فيمن أفرط تمردا وعنادا من عتاة الكفار حين قيل ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم تهديدا لعدوه وإعلاما بما يعقبه كفره: (ذرني ومن ~~خلقت وحيدا) (المدثر: 11) إلى ms540 قوله: (سأرهقه صعودا) (المدثر: 17)، وقوله ~~(سأصليه سقر) (المدثر: 26)، فحصل من مجموع متقدم الإنذار والإعلام بعاقبة ~~المعاندين من الكفار ما تحصل من قوله تعالى في سورة الغاشية تعريفا لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم: (فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر) (الغاشية: ~~21 - 22)، وانتظم أول (هذا) الكلام العلي وآخره أجل انتظام، وورد كل على ما ~~يجب، ولا يلائم غيره، والله سبحانه أعلم بما أراد. ### | الآية الثانية # من سورة المدثر - قوله تعالى: (إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم ~~قتل كيف قدر) (المدثر: 18 - 20)، للسائل أن يسأل عن تكرر قوله: (قدر) ثلاث ~~مرات في كلام متصل متقارب؟ # والجواب، والله أعلم: أن قوله: (إنه فكر وقدر) إخبار عن حال الوليد ~~المنزل فيه هذا حين قال لقريش: إن الناس يريدون الموسم فليكم قولكم في محمد ~~واحدا، وفكر في أقرب ما يمكن أن تستمال به العرب وتصدق قريشا، ورأى الوليد ~~أنهم مكذبون بأول نظر إن قالوا إنه شاعر مجنون أوكاهن أوساحر، ووافقته قريش ~~لوضوح ذلك من أمره، عليه السلام، مع تصميمهم على عناده، وبهذا أنسه تعالى ~~في قوله: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) (الأنعام: ~~33). وروي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو ~~من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه ~~لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى. # ولما كلم قريشا في شأنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: (تزعمون أن محمدا ~~لمجنون فهل رأيتموه يخرق، وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه قط يتكهن، وتزعمون ~~أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط، وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه ~~شيئا من الكذب، فقالوا في كل ذلك: اللهم لا. وعلى هذا من كلام الوليد ورد ~~الوارد بما جاء بطريقة ما تعجب العرب من مثله من قوله: (إنه فكر وقدر (18) ~~فقتل كيف قدر) (المدثر: 18 - 19)، كما # # PageV02P492 # تقول (العرب) قاتله (الله) ما أشعره، لا يريدون دعاء على من يقولون له ~~ذلك وإنما يقولون متعجبين، وإنما ms541 نزل القرآن بلسانهم، فقوله (فقتل كيف قدر) ~~مناط بمن يصح منه التعجب، والله سبحانه متعال عن ذلك، وكأن قد قيل لهم: هذا ~~مما تتعجبون منه وتقولون هذا الكلام، فقوله تعالى: (إنه فكر وقدر) إخبار عن ~~حال الوليد وتفكره فيما يقول وتقديره ما يرد عليه إذ قال بأنه عليه السلام ~~شاعر أو مجنون أو غير ذلك مما رموه به، وأنهم مكذبون في كل ما يرومون رميه ~~به من ذلك لبيان حاله عليه السلام، وقوله: (فقتل كيف قدر) تعجب من إصابته ~~في نفي الجنون والتكهن والشعر عنه صلي الله عليه وسلم في قوله: لقد سمعت من ~~محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، فصدق تقديره في هذا لو ~~أتم الله له الأمر. فالأول إخبار أعنى قوله: (إنه فكر وقدر)، والثاني تعجب ~~عن إصابة تقديره بعد الفكر وهو قوله: (فقتل كيف قدر)، والثالث وهو قوله: ~~(ثم قتل كيف قدر) تأكيد للتعجب من حالة في تحويمه لوا سابقة: (سأرهقه ~~صعودا)، والسابقة هي التي حملته على أدباره واستكباره فقال: (فقال إن هذا ~~إلا سحر يؤثر) (المدثر: 24)، فنكص على عقبيه لما سبق له بعد مقاربته ~~وتحويمه، (وبإزاء) ما تقدم من مقاربته وتحويمه في تنزيهه النبي صلي الله ~~عليه وسلم عما رموه به ورد اتعجب، وفي طي الكلام شديد توعده على كفره بعد ~~أن تبين له الأمر فضل على علم، ومثل هذا التكرار استعظاما للواقع موجود في ~~فصيح كلامهم، ومنه قول الشاعر. # ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي. # وجاء بثم لتحرز نية اعتناء بهذا المعطوف بها وأنه أكد من الأول فوضح وجه ~~ورود ما يتوهم تكرارا واستدعاء مقصود الكلام إياه، والله سبحانه أعلم. # الآية الثالثة من سورة المدثر قوله تعالى: (كلا بل لا يخافون الآخرة (53) ~~كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله) ~~(المدثر53 - 56)، وقال في سورة الإنسان: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا (29) وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما) ms542 ~~(الإنسان: 29 - 30). للسائل أن يسأل عما بين الآيتين من الاختلاف؟ وورود ~~الضمير في قوله: " إنه " في الأولي مذكرا وتأنيثه في الثانية؟ # والجواب، أن هذا مما لا إشكال فيه لأن المذكر به عظة أو موعظة وهو أيضا ~~وعظ وتنبيه. فتارة تراعى العرب في مثل هذا جهة التذكير وتارة تراعي جهة ~~التأنيث، فتحمل # # PageV02P493 # الضمير على ما تقدره من تأنيث وتذكير، وهذا كثير ومنه قول بعض العرب: ~~فلان جاءته كتابي (فمزقها) فيسأل عن التأنيث في قوله: جاءته وفي قوله ~~فمزقها فيقال: أليست بصحيفة، وقال تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) ~~(البقرة: 275). # وأما فواصل الآيتين ومقاطعهما فمراعي فيها موافقة ما اتصل بها للتناسب مع ~~اتحاد المعنى، ألا تري صحة بناء ما في آية الإنسان على ما في آية المدثر لو ~~قيل في الكلام إنه تذكرة فمن شاء ذكره فاتخذ إلى ربه سبيلا بتذكير ما ذكر ~~به، ثم اقتضت الفواصل المناسبة. ولما اكتنفت آية المدثر فواصل تكون في ~~الوقف هاء من لدن قوله تعالى: (كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة) ~~(المدثر: 50 - 51) إلى قوله: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) (المدثر: 56) ~~ناسبها قوله: (فمن شاء ذكره). وأما آية سورة الإنسان فما قبلها وما بعدها ~~من الفواصل مستدع أيضا ورود الهاء على ما وردت فقيل: (فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا) ليجري على ما تقدم في قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا) (الإنسان: 23) وما بعد، ولم يكن ليناسب هنا ما ورد في سورة المدثر ~~من قوله تعالى: (فمن شاء ذكره)، كما لا يناسب قوله تعالى: (فمن شاء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا) ما ورد في سورة المدثر، فكل هذا لا إشكال فيه لرعي المناسبة ~~وحصولها في كل من السورتين على أتم وجه، والله أعلم. # **** # # PageV02P494 ### | سورة القيامة # قوله تعالى: (إذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر) ~~(القيامة7 - 9) يسأل عن إعادة القمر في الفاصلتين؟ # والجواب عنه أن ذلك لبيان أهوال القيامة وتعظيمها، والعرب تستعمل هذا ~~فيما تقصد به التهويل والتعظيم، ومنه لا أري الموت يسبق الموت ms543 شئ نغص الموت ~~ذا الغنى والفقير فكررت المو ثلاث مرات تعظيما لأمره، كما قال تعال (قل هو ~~نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون) (ص67 - 68) وقد اجتمع في آية القيامة قصد ~~التعظيم ورعي الأسجاع فتأكد الحامل على التكرير، وإذا تكرر احد النيرين ~~المراد اجتماعهما أغنى ن تكرر الآخر، وطلبت الفواصل منها ما يناسب فجاء على ~~أتم وجه في البلاغة، والله أعلم. ### | الآية الثانية # قوله تعالى: (أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى) (القيامة: 34 - 35) ~~يسأل عن إعادة اللفظ وفائدة ذلك؟ ويستجر من ذلك استدعاء اشتقاق اللفظ ~~ومعناه. # والجواب عن ذلك: والله أعلم: أنه لما تقدم وصف المجرم المكذب بقوله: (فلا ~~صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى) (القيامة: 31 ~~- 33) - أي يختال في مشيته ويتبختر عضدا لتكذيبه وإغناء بكفره - كان مظنة ~~للتعريف بسوء عاقبته واستحقاقه العذاب فقيل: # (أولى لك فأولى)، فعدل بالكلام عن إخبار الغيبة إلى الخطاب تحكيما ~~لاستحقاقه نيل الجزاء على فعله، وهو كلام يقال لمستوجب الامتحان، جار مجرى ~~الدعاء # وقد جعله بعضهم مقلوبا من قولك: ويل، فهو على هذا من الدعاء بالويل، وكأن ~~قد قيل للمخاطب به أعظم الويل وأشده له، ويستجر التعجب الجاري من الدعاء، ~~وكأن قد قيل في هذه الآية: الويل له ثم أشد الويل له، فأكد بتكرير اللفظ ~~إشعارا بالأهلية والاستحقاق كما قالوا: ويلا له ويلا ويلا. وعطف بثم ~~المقتضية رتبة في المعطوف بها وضرب تهمم واعتناء ليكون الدعاء ثانيا للمولي ~~به تأكيدا أبلغ من الأول، وذلك من معنى "ثم" وهو هنا قائم مقام مهلة الزمان ~~ليبلغ عندها (معه) الغاية فيما قصد منه. # # PageV02P495 # ويبين المعنى المفهوم هنا من لفظة: (أولى) قوله تعالى في سورة القتال: ~~(ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) (محمد: ~~20)، فلما ذكر سبحانه من حال المنافقين عند نزول سورة محكمة واضحة المقاصد ~~ما ذكر مما يشهد بقبح ضمائرهم وسوء سرائرهم اتبعه بالدعاء عليهم ms544 فقال: ~~(فأولى لهم) (محمد: 20)، كأن قد قال: فأشد الويل لهم. قال (سبحانه) لنبيه ~~عليه السلام: (طاعة وقول معروف) (محمد: 21)، (قدرة سيبويه، رحمه الله: طاعة ~~وقول معروف) أمثل، ونظير هذا الوارد في سورة القتال، وبيان مناسبة التحامة ~~قوله تعالى: (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا*إذا رأتهم من مكان بعيد) ~~(الفرقان: 11 - 12) إلى قوله: (وادعوا ثبورا كثيرا) (الفرقان: 14)، ثم قال: ~~(قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) (الفرقان: 15)، فقوله: (قل ~~أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ### | .... # ) الآية إلى آخرها مع ماقبله نظير قوله في القتال: (طاعة وقول معروف) مع ~~من قبله. # ***** # # PageV02P496 ### | سورة الإنسان # قوله تعالى: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قوارير ~~من فضة قدروها تقديرا) (الإنسان: 15 - 16)، ثم قال بعد: (ويطوف عليهم ولدان ~~مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) (الإنسان: 19)، للسائل أن يسأل عن ~~بناء الفعل في الآية الأولى لمهول ولم يسم الفاعل وبنائه في الثانية ~~للفاعل؟ ولم يذكر مستدعاه المجرور فلم يقل بكذا، ما الفائدة في ذلك؟ وهل ~~الفاعل في الآية الثانية هو الذي لم يسم أولا في قوله: (ويطاف عليهم)؟ # والجواب عن ذلك أن بناء الآيتين في هذه السورة على تعظيم حال أهل الجنة ~~وما أعد الله لهم، فذكر فيها ما يطاف (به) عليهم من أواني الفضة والأكواب ~~بالطعام والشراب، وما يمزج به شرابهم من الزنجبيل والعين التي تسمى ~~سلسبيلا، ثم ذكر الطائفون عليهم بذلك، ووصفوا بكونهم ولدانا لا أثر عليهم ~~للعياء ولا يلحقهم في طوافهم مشقة وأنهم كالؤلؤ المنثور حسنا وتناسبا، فلما ~~ذكرت أحوالهم على التفصيل، وقصد الاستيفاء لما منحوه، ناسب ذلك إيراد ~~تنعمهم مفصلا بذكر المطاف به مستوفى، ثم ذكر الطائفون وقدم المطاف به لأنه ~~الذي تنمهم تناولا واتصالا وتطعما وغذاء مأكلا ومشربا، فكان أهم للتقديم، ~~ثم أعقب بذكر الطائفين وهم الولدان المخلدون، فكمل مفصلا تفصيلايحرز ~~الاعتناء في التعريف والثناء، وقد جمعت هذا المفصل آية واحدة وهي المفسرة ~~لما ذكرته من (أن) الطائفين بأواني الفضة والأكواب هم الولدان المذكورون ~~بعد وذلك قوله ms545 تعالى في سورة الواقعة: (يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) ~~بأكواب وأباريق وكأس من معين) (الواقعة: 17 - 18)، وضح الجواب عن الأسئلة ~~الثلاثة على أبين وجه، والله أعلم. # ***** # # PageV02P497 ### | سورة المرسلات # قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) للسائل أن يسأل عن تكريرها عشر مرات؟ ~~وعن الترتيب فيما تخلل متكرر هذه الآية من الآيات وإبداء الفائدة في كل آية ~~واختصاصها بموضوعها؟ وعن الفرق الوارد من هذه الآية هنا وفي سورة التطفيف ~~من حيث تكررت هنا ولم تتكرر في سورة التطفيف؟ فهذه ثلاثة سؤالات في ثانيها ~~تفصيل. # والجواب عن الأول: أن سورة الإنسان لما تضمنت التعريف بحال الفريقين ذوي ~~السعادة وأهل الشقاء، وابتدئت بذكر حال المكذبين فقال تعالى: (إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا) (الإنسان: 4)، ثم أردف هذا بالتعريف بحال ~~وي التنعم وجرى في وصفهم إطناب، ثم عاد الكلام إلى حال من تقدم (فقال: (إن ~~هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا) (الإنسان: 27)،فلما قدم هذا ~~من وعد الكافرين أقسم تعالى على وقوعه إبلاغا في الإنذار فقال تعالى: ~~(والمرسلات عرفا) (المرسلات: 1) إلى قوله: (إنما توعدون لواقع) (المرسلات: ~~7)، ثم عرف سبحانه بصفة يوم الوقوع، وكأنه على تقدير سؤال كأن قد قيل: ومتى ~~ذلك؟ فقال: (فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت) (المرسلات: 8 - 9) إلى ~~قوله: (ليوم الفصل) (المرسلات: 13)، ثم أكد هول ذلك اليوم بسؤاله صلي الله ~~عليه وسلم عن تعرفه فقال: (وما أدراك ما يوم الفصل) (المرسلات: 14) تعظيما ~~لأمره وإنباء بأهواله وشدائده، ثم قال: (ويل يومئذ للمكذبين) (المرسلات: ~~15)، ثم تكرر هذا الدعاء بالويل الحال بهم سبع مرات - رعيا لما تقدم في ~~سورة الرحمن - آخرها: (فإن كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين) ~~(المرسلات: 39 - 40)، ثم رجع الكلام إلى التعريف بحال الناجين في آيات ثلاث ~~لم يتخللها الدعاء بالويل لئلا يشوب بشارتهم تنقيص فقال تعالى (إن المتقين ~~في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون) إلى قوله: (إنا كذلك نجزي المحسنين) ~~(المرسلات: 41 - 44)، ثم عادت الآي إلى ما بنيت عليه السورة من وعيد ~~المكذبين وتخويفهم إلى آخر السورة، وتكرر فيها ذلك الدعاء ms546 بالويل للمكذبين ~~ثلاث مرات، طوبق بها عدد آيات وصف المتقين ليكون زيادة في تنكيل المكذبين ~~وتحسرهم بسماع حال من حاله على الضد منهم، فتلك العشرة التى تضمنتها ~~السورة. # فإن قلت: لم فصل بين ما جرى من الآي المتقدمة وبين هاتين الآيتين من ~~قوله: (المرسلات: 46) مع أن جميعها راجع إلى مقصد واحد # # PageV02P498 # من تقريع المكذبين ووصف أحوالهم، لم فصل بين ذلك بكر المتقين وأحوالهم؟ ~~قلت: بدأ أولا بتوبيخهم في عدم اعتبارهم بما ذكروا به من إهلاك من تقدمهم ~~ممن كذب، وبدأة خلقهم من ماء مهين، وجعل الأرض تكفت إحياءهم وموتاهم، ثم ~~عرفوا بجزائهم الأخراوي وما يشاهدون ويقال لهم عند مصيرهم إلى العذاب ووصف ~~جهنم، ثم أعقب بذكر الضد من حال المتقين ليكون زائدا ومحركا لندم المكذبين ~~حين لا ينفع الندم، وتم هذا المقصد على أتم مناسبة، ثم رجع إلى الضرب الآخر ~~المتقدم من التوبيخ بذكر حالهم الدنياوي في تنعمهم (وتمتعهم)، وأورد ذلك ~~بصغية الأمر تهكما بهم وقيل: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) (المرسلات: ~~48)، فلم يكن الوارد في هاتين الآيتين ليناسب ما تقدم من توبيخهم، ففصل ~~عنه. # والجواب عن السؤال الثاني: أن وجه الترتيب فيما تخلل متكرر آية الدعاء من ~~الآيات أنه لما ذكر سبحانه أهوال ذلك اليوم في قوله: (فإذا النجوم طمست) ~~(المرسلات: 8) أعقب تعالى بتوبيخ المكذبين على غفلتهم عن التذكر بأخذ من ~~تقدم من مكذبي الأمم وإهلاكهم بجزائهم فقال تعالى: (ألم نهلك الأولين) ~~(المرسلات: 16) أي فهلا اتعظوا بهم، كما قال تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن) (الأنعام: 6)، وقال تعالى: (وقد خلت من قبلهم المثلات) ~~(الرعد: 6)، (أكفاركم خير من أولئكم) (القمر: 43)، ثم أردف سبحانه بقوله: ~~(ألم نخلقكم من ماء مهين) (المرسلات: 20)، فذكر بأصل الخلقة وتطور الإنسان ~~وتقلبه إلى كمال أمره بتعرف الخطاب وكمال التعقل كما قال تعالى: (أولم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) (يس: 77)، ثم ذكر سبحانه ~~خلي الأرض ومنافعها وما بها أرساها من الجبال وفجر فيها من المياه لسقينا، ~~فحصل التذكير ms547 بضروب ثلاثة وهي: إهلاك الأمم السالفة بتكذيبهم، وخلق ~~الإنسان، وخلق الأرض وما جعل فيها، ثم أعقب بما ياقل لهم في الآخرة وما ~~يشاهدونه مما يحل بهم جزاء على تكذيبهم وتعاميهم عن الاعتبار فقال (انطلقوا ~~إلى ما كنتم به تكذبون) (المرسلات: 29) إلى قوله: (فإن كان لكم كيد فكيدون) ~~(المرسلات: 39) ثم ذكر تعالى حال المتقين ومصيرهم في ثلاث آيات تأنيسا ~~للمؤمنين، وعلى المطرد في الكتاب العزيز من ذكر الإعقاب، متى ذكر أحد ~~الفريقين من أهل النجاة وأهل الامتحان أن يعقب بذكر الفريق الآخر ثم عاد ~~الكلام إلى تهديد من قدم وأعقب بما يلائم من امتناعهم عن الاستجابة ~~والخشوع. # والجواب عن السؤال الثالث: أن سورة التطفيف لم تبن على التفصيل المقصود ~~هنا فلم تتكرر فيها آية الدعاء، والله أعلم. # **** # # PageV02P499 ### | سورة التساؤل # قوله تعالى: (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون)، يسأل عن تكرر التهديد ~~وفائدته؟ # والجواب عن ذلك: قد تقدم أن العرب متى تهممت بشئ أرادته لتحققه وقرب ~~وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيدا، وكأنها تقيم تكرارها مكان القسم ~~عليه والاجتهاد في الدعاء عليه حيث يقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم ~~وكأن مخاطباتهم جارية فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة ~~عليهم في عجزهم عن المعارضة، وقد تقدم هذا وتقرر، وعلى ذلك يجري ما ورد في ~~هذا الوعيد. ومنه قوله تعالى: (فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر) (المدثر: ~~19 - 20) وقوله: (أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى) (القيامة: 34 - 35) ~~ومنه: (لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين) (التكاثر: 6 - 7) وهو ~~كثير. ### | الآية الثانية # - قوله تعالى: (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا ~~(25) جزاء وفاقا) (النبأ: 24 - 26)، (وقال في أهل الجنة) (إن للمتقين مفازا ~~(31) حدائق وأعنابا) (النبأ: 31 - 32) إلى قوله: (جزاء من ربك عطاء حسابا) ~~(النبأ: 36)، للسائل أن يسأل عن موجب الفرق بين الفريقين حتى قيل في أهل ~~النار: (جزاء وفاقا) وفي أهل الجنة (جزاء من ربك عطاء حسابا) مع أن كل ذلك ~~جزاء؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الله سبحانه ms548 أعلمنا أنه يجازي على الحسنة ~~بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، على ما لا عين رأي ولا أن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر، قال تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (الأنعام: 160)، ~~وقال تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) (البقرة: 261)، وقال ~~تعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) ~~(السجدة: 17)، وقال: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون) ~~(فصلت: 31) وقال تعالى في الجزاء على السيئات: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ~~(الشورى: 40)، وقال تعالى: (إنما تجزون ما كنتم تعملون) (الطور: 16)، فحصل ~~من هذا أن حكم السيئات المقابلة بأمثالها، وذلك فيمن نفذ عليه الوعيد ولم ~~يغفر له، إذ المعتقد أنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، وأنه لا يخلد ~~في النار إلا الكافر، # # PageV02P500 # فإذا تقرر ما ذكرنا فاعلم أن تسميه ما يمنحه الله سبحانه أهل الجنة جزاء ~~إنما ذلك فضل منه سبحانه، إذ الجزاء لهم على أعمالهم أكثر من أعمالهم بوعده ~~سبحانه، فإذا إنما حاصلة عطاء وإحسان وإنعام، وإنما سمى جزاء من حيث قوبل ~~به عمل وارتبط به بحسب الإنعام، إذ لا يجب عليه شئ، فهذا حال الجزاء ~~والإحسان. # وأما الطرف الآخر فاسم الجزاء عليه أوقع وأطبق من حيث المقابلة، فلهذا ~~قيل في هذا (جزاء وفاقا) كما قال تعالى: (لا ظلم اليوم) (غافر: 17) (إنما ~~تجزون ما كنتم تعملون) (الطور16)، وأما الجزاء الإحسانى فقد فاق الوفاق ~~وعجز عنه التقدير، فلهذا أعقب قوله تعالى: (جزاء) بما يشعر بجريانه على حكم ~~الإنعام والإحسان فقال تعالى (من ربك)، وفي هذه الإضافة ما يشعر بعظيم ~~الرحمة وزلفى القرب بقوله: (من ربك)، ثم قال: (عطاء) فاعلم أنه لا يماثل ما ~~ارتبط به من عمل العبد بل يفوق رجاء العبد وتقديره، ثم قال تعالى: (حسابا) ~~فأشار إلى التضعيف المتقدم، ولم يكن ليلائم جزاء السيئة أن يقال فيها: (من ~~ربك)، ولا لتسمى عطاء ولا حسابا لما ms549 بيناه، فورد كل على ما يناسب، ولا يمكن ~~فيه العكس، والله أعلم # فإن قيل: قد ورد التصنيف فى جزاء السيئات قال تعالى: (أولئك لم يكونوا ~~معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب) ~~(هود: 20). # فالجواب أن التضعيف هنا ليس على الحد المتقدم في تضعيف جزاء الحسنة، فإن ~~المراد هناك أن الحسنة الواحدة يتضاعف عليها الجزاء بعشر أمثالها إلى أكثر ~~كما تقدم، وأما المراد بتضاعف عليها الجزاء بعشر أمثالها إلى أكثر كما ~~تقدم، وأما المراد بتضعيف العذاب بتكثيره بحسب تكثير المجترحات، لأن السيئة ~~الواحدة لا يضاعف الجزاء عليها بدليل قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ~~(الشورى: 40)، وقد تمهد هذا، وتقدم بقبل قوله في أهل الامتحان: (يضاعف لهم ~~العذاب) ما يشهد بما ذكرته يبين المراد وهو قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون) (هود: 18 - 19)، فهؤلاء كذبوا على ~~ربهم وصدوا عن سبيله وبغوها عوجا، وكفروا بالجزاء، فهذه مرتكبات عذبوا بكل ~~مرتكب (منها) فتضاعف عليهم العذاب لتضاعف مرتكباتهم، لكل مرتكب منها عذاب ~~يخصه فليس ما ذكر من التضعيف في هذا الطرف على حد ما في الطرف الآخر، وقد ~~بين القرآن ذلك بغير الجواب عن تخليدهم وكيف نبه عليه أنه وفاق لكفرهم. # ***** # # PageV02P501 ### | سورة النازعات # قوله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى) (النازعات: 34)، (وقال) في سورة ~~(فإذا جاءت الصاخة) (عبس: 33) والمراد بهما القيامة. يسأل عن وجه افتراق ~~العبارة؟ وهل كان يحسن ورود الصاخة هنا والطامة هناك؟ # والجواب ن ذلك، والله أعلم: أن الطامة والصاخة وإن أريد بهما في السورتين ~~شئ واحد فإن اسم الطامة أرهب وأنبأ بأهوال القيامة لأنها من قولهم طم السبل ~~إذا علا وغلب. وأما الصاخة فالصيحة الشديدة من قولهم صخ بأذنيه مثل أصاخ ~~فاستعيرت من أسماء القيامة مجازا لأن الناس يصيخون لها، فلما كانت الطامة ~~أبلغ في الإشارة ms550 إلى أهوالها خص بها أبلغ الصورتين في التخويف والإنذار، ~~وعلى ذلك بنيت سورة النازعات، ألا ترى قوله: (يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها ~~الرادفة) (النازعات: 6 - 7) ووصف الطامة بالكبرى، وما أتبع به بعد، وابتداء ~~السورة وختامها، فكلها تخويف وترهيب، فناسبها أشد العبارتين موقعا وأرهبها. # وأما سورة عبس وتولى فلم تبن على ذلك الغرض وإنما بنيت على قصة عبد الله ~~بن أم مكتوم الأعمى، وذلك مشهور، ثم ورد قوله: (فإذا جاءت الصاخة) عقب ~~التذكير بقوله: (كلا إنها تذكرة) (عبس: 11) والتحريك للاعتبار بقوله: ~~(فلينظر الإنسان إلى طعامه) (عبس: 24) إلى قوله: (متاعا لكم ولأنعامكم) ~~(عبس: 32)، ثم اتبع بعد ذكر الصاخة بقوله (وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة ~~مستبشرة) (عبس: 38 - 39). فسورة "النازعات" على الجملة أشد في التخويف ~~والترهيب فناسبها أبلغ العبارتين من أسماء القيامة في التخويف (والإنذار ~~بحالها، وليست سورة " عبس وتولى "كسورة "النازعات " في التخويف) والترهيب ~~فناسبها إيراد اسم القيامة بالصاخة، إذ ليس في الإرهاب كالطامة فجاء كل على ~~ما يناسب، ولا يناسب عكس الوارد على ما تمهد، والله أعلم. # ****** # # PageV02P502 ### | سورة التكوير # قوله تعالى: (وإذا البحار سجرت) (التكوير: 6)، وفي سورة: (وإذا البحار ~~فجرت) (الإنفطار: 3)، يسأل عن اختصاص الأولى بقوله: "سجرت" والثانية بقوله ~~"فجرت"؟ والجواب عن ذلك - والله أعلم - أن قوله: "سجرت" معناه ملئت، من ~~قولك سجرت التنور إذا ملائته بالحطب، وقرئ مخففا ومثقلا والمعنى واحد، ~~والمراد اجتماع مياهها وأما قوله: "فجرت" فتح بعضها واختلط العذب بالمالح ~~فصار بحرا واحدا بزوال البرزخ الحاجز بينهما، وكل من الإخبارين (يؤدي معنى ~~غير المعنى الآخر، فإن الامتلاء غير الانفجار، ثم كل من الإخبارين) مناط ~~بالآخر لما بينهما من الشبه، ولهذا جرى كلام أكثر المفسرين على تفسير كل ~~واحد من اللفظين بما يحرز المجموع من معنييهما، وتفاصيل ذلك على ما ذكرته ~~مما يقتضى التباين لا الترادف، والإخبار بكل واحد منهما مقصود معتمد لكمال ~~المراد. # وإنما خصت سورة الإنفطار بلفظ الإنفجار ليناسب مطلع السورة وافتتاحها، ~~ألا ترى في انفجار العذب إلى المالح والمالح إلى العذب وبعضها إلى بعض ~~انفطار ناسب انشقاق السماء ms551 وانفطارها. فانفطار السماء، وانفجار البحار، ~~وبعثرة القبور، وانتشار النجوم، كل ذلك متناسب أوضح تناسب وأبينه. وحشر ~~الوحوش وتزويج النفوس، وتسجير البحار، هذا كله اجتماع وائتلاف يناسب بعضه ~~بعضا، كما أن انفطار السماء، وانتثار الكوكب، وتفجر البحار، وبعثرة القبور، ~~يناسب بعض ذلك بعضا، فالتحام هذه الجمل في السورتين أبين التحام وأوضحه ~~ملاءمة وتناسبا. فورد كل من ذلك على ما يجب ويناسب، والله أعلم بما أراد. # الآية الثانية (منها) قوله تعالى: (علمت نفس ما أحضرت) (التكوير: 14)، ~~وفي سورة الإنفطار: (علمت نفس ما قدمت وأخرت) (الانفطار: 5)، (للسائل أن ~~يسأل عن موجب الاختلاف مع اتحاد المقصود في السورتين)؟ # والجواب عن ذلك (والله أعلم) أن المعنى في الآيتين واحد، إذ الذي تحضره ~~كل نفس هو الذي قدمت من عملها وأخرت، إلا أن كلا من الموضوعين في السورتين ~~خص بما يناسبه. # أما الآية الأولى فإنه لما انحصر فيها وفيما قبلها من أول قوله: (إذا ~~الشمس # # PageV02P503 # كورت) (التكوير: 1) إلى آخر قوله: (وإذا الجنة أزلفت) (التكوير: 13) ~~الأهوال، من لدن ابتداء نفخة الصعق، إلى انتهاء تلك المقامات بتسعير ~~الجحيم، وإزلاف الجنة، وهو عبارة عن إدنائها لداخلها، وجئ بتلك الإخبارات ~~منسوقة بالواو المقتضية الجمع حتى كأن تلك المقامات قد عبر (عنها) بلفظ ~~واحد وتحصلت حاضرة للتصور الذهني، ناسب ذلك تقدير الأعمال المترتب عليها ~~الجزاء حاضرة والعبارة عنها بما يحصل ذلك، فقيل: (علمت نفس ما أحضرت) ~~(التكوير: 14)، وكأن قد قيل: إذا حضرت هذه الأهوال مدركة للعيان حضرت ~~أعمالكم بالتذكير لها ومطالعتها مكتوبة محصورة في الصحف التى لا تغادر صغير ~~ولا كبيرة إلا محصاة فيها، يبين هذا قوله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى ~~(34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى) (النازعات: 34 - 35) وقوله تعالى: (ووجدوا ~~ما عملوا حاضرا) (الكهف 49). # أما الآية الثانية فإنه لما كان قوله: (علمت نفس ما أحضرت) (التكوير: 14) ~~غير مفصح باستيفاء أعمال الخلائق جئ بهذه الآية بعدها مشيرة إلى الحصر بما ~~أشير إليه من ضبط طرفي أعمال المكلفين فقيل: (علمت نفس ما أحضرت) (التكوير: ~~14) من متقدم عملها ومتأخرة، واقتضى التناسب تقدم ms552 الإحضار حيث ذكر، وتأخير ~~ذكر التقديم والتأخير حيث ذكر، واتصل كل بما يشاكله ويلائمه، ولا يمكن ~~سواه، إذ التعريف بالإحضار والحصر بذكر ما قدم وما أخر مقصود، معتمد، إما ~~أن يذكر ذلك على الاستيفاء في كل من السورتين من غير تفصيل، وذلك تكرار من ~~غير داع ولا مسوغ له، وأما أن يذكر مفصلا على غير ما ورد وذلك غير مناسب، ~~فلم يبق إلا وروده على أتم الملائمة والمناسبة، وهذا على رعي ترتيب القرآن ~~على ما تقرر عليه، فعرفت الآيتان بإحصاء الأعمال المحضرة ما تقدم منها وما ~~تأخر أي ما عمله المكلف في أول عمره وبدء تكليفه وفي آخر عمره وختم عمله ~~كما أخبر تعالى من قوله كما أخبر تعالى من قول المجرمين: (مال هذا الكتاب ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (الكهف: 49) فقدم ذكر إحضارها أولا ~~ليناسب به ما تقدم، وآخر ذكر إحصائها ليعلم بالحصر والإستيفاء، وجاء كل على ~~ما يناسب، والله سبحانه أعلم بما أراد. # **** # # PageV02P504 ### | سورة الإنشقاق # قوله فيها: (وأذنت لربها وحقت) (الإنشقاق: 2)، وتكرر ذلك بعد لا سؤال فيه ~~لأن كل واحد من الإخبارين معقب به غير ما أعقب به الآخر، فالأول إخبار عن ~~السماء في طاعتها وانقيادها، والآخر إخبار عن الأرض بمثل ذلك، وإن كل واحدة ~~منهما سمعت وانقادت، انفطرت السماء وتشققت وانتثرت نجومها، وأزيلت الجبال ~~عن الأرض فامتدت وألقت ما تحمله من الأموات وغير ذلك مما استودعته من ~~المعادن والكنوز وتخلت عنها سامعة مطيعة، وإن كان الإخبار الأول عن السماء ~~والآخر عن الأرض فلا تكرار. # آية ثانية منها قوله (تعالى): (بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم ~~بما يوعون) (الإنشقاق: 22 - 23)، وفي سورة البروج: (بل الذين كفروا في ~~تكذيب (19) والله من ورائهم محيط) (البروج: 19 - 20)، للسائل أن يسأل عن ~~اختصاص الأول بقوله: " يكذبون " بلفظ المضارع والثانية بقوله: (في تكذيب) ~~بلفظ المصدر مع اتحاد المعنى المقصود؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الانشقاق تقدمها وعيد أخراوي كله لم ~~يقع بعد وهم مكذبون بجميعه، فجئ هنا باللفظ المقول ms553 على الاستقبال - وإن كان ~~يصلح للحال - ليطابق الإخبار، لأنه عما يأتى ولم يقع بعد، فجئ بما يطابقه ~~في استقباله. فأما آية البروج فقد تقدمها قوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود ~~(17) فرعون وثمود) (البروج: 17 - 18)، وحديث هؤلاء وأخذهم بتكذيبهم قد تقدم ~~ومضى زمانه، وهؤلاء مستمرون على تكذيبهم فقيل: (في تكذيب)، وجئ بالمصدر ~~ليحرز تماديهم وأن ذلك شأنهم أبدا فيما أخبرهم به وفيما يدعوهم إليه ~~وينهاهم عنه، ولفظ المصدر أعطى لما قصد من هذا من لفظ المضارع، فجئ في كل ~~من الآيتين بما يناسب. # ****** # # PageV02P505 ### | سورة البلد # الآية الأولى منها - قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا ~~البلد) (البلد: 1 - 2) للسائل أن يسأل عن تكرير لفظ البلد وجعله معطوفا ~~وفاصلة في الآيتين؟ وكيف موقع ذلك في البلاغة وعند الفصحاء؟ # والجواب أنه قد تقدم أن العرب مهما اعتنت بشئ وتهممت به كررته، وإن ذلك ~~منفصيح كلامهم، وإن منه قولهم. # وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... البيتين # والبلد الحرام لم يزل معظما عند العرب، وما (دام) شأنه كذلك فتكريره ~~مستحسن، مع أن التكرير هنا ليس كالتكرير الواقع في قوله. # لا أري الموت يسبق الموت شئ نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # وقال الآخر: # ليت الغراب غداة ينعب دائبا كان الغراب مقطع الأوداج # لأن هذا مما أوقعوا فيه الظاهر موقع المضمر المحتاج إليه في ربط الخبر، ~~وفجاؤوا به ظاهرا تهويلا لأمر الموت فقال: " يسبق الموت"، وهو يريد يسبقه، ~~وهو ضمير لازم جعل موضعه الظاهر تعظيما له، والكلام واحد حصل فيه الربط ~~بإعادة الاسم ظاهرا، وكذا فعل الآخر في قوله: " كان الغراب مقطع الأوداج "، ~~أعاد الظاهر موضع الضمير، وارتبط الكلام وحسن إعادة الظاهر لما قصد من ~~التهويل والتشنيع وعظيم ما توهم من التفاؤل به، وهذا فيما وقع في جملة ~~واحدة، وأما ما يقع من تكرير المكرر في جملتين إذا كرر اعتناء أو تهويلا ~~فأفصح عندهم من الواقع في جملة واحدة لحصول مناسبة تحسن كقوله في عجز البيت ~~المتقدم. # # PageV02P506 # ... نغص الموت ذا الغني والفقيرا # فتكرير الموت هنا أوسع في ms554 التهويل من تكراره في قوله صدر البيت: " يسبق ~~الموت شئ "، لأنا إذا عللنا هذا إنما نقول أعاد الظاهر موضع المضمر لما ~~أراد من تعظيم الموت وتهويل أمره، فإذا عللنا تكريره في قوله: " نغص الموت ~~ذا الغنى والفقيرا " عللناه بهذا وبأن الكلام جملتان فحسن فيهما ما لا يحسن ~~في الجملة الواحدة. وإذا تقرر هذا فاعلم أن الواقع في الآية العلية أجل في ~~البلاغة من هذا كله وأعظم موقعا في الفصاحة لا تساع مجال التوسع، ألا ترى ~~أن البلد معظم فهذا مسوغ كاف، والكلام جملتان وهذا مسوغ أيضا، والجملة ~~الواقع فيها التكرر جملة اعتراض، وجمل الاعتراض كالكلام الأجنبي بوجه عام، ~~إنما يؤتي بالجملة تشديدا وإنباء بما يقصد من اعتناء أو تحرير كلام، فلكون ~~جمل الاعتراض أجنبية في الأصل عن الكلام حسن فيها ما لا يحسن في غيرها، ~~فساغ التكرير وحسن في الآية من هذه الأوجه الثلاثة. إلا أن القسم إنما وقع ~~بقوله: (أقسم بهذا البلد ووالد وما ولد)، وليس قوله: (أنت حل بهذا البلد) ~~مما وقع به القسم بوجه، وإنما هي جملة اعتراض سيقت بيانا لعظم قدره صلي ~~الله عليه وسلم وأن هذا البلد العظيم الحرمة أحل له ولم يحل لأحد غيره. ~~فكأن قد قيل: أقسم بهذا البلد العظيم لدينا وقد حللناه لك على عظم قدره، ~~وذكره ظاهرا لما يحرز هذا المعنى من تعظيمه لما فيه من التنبيه والتحريك، ~~فسيقت هذه الجملة اعتراضا وكلاما قائما بنفسه. ليس من المقسم به في شئ، ~~وإنما جئ به لما ذكر. وإذا تباين الكلام بجهة ما لم يستثقلوا فيه إعادة ~~الظاهر إذ هو بمثابة ما الثاني فيه غير الأول، فوضح أن الآية واردة على ~~أعلى وجوه البلاغة وأفصح الكلام، وأنه لو جئ هنا بالمضمر مكان الظاهر لم ~~يكن بوجه، والله أعلم ### | الآية الثانية # من سورة البلد - قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) (البلد: 4)، وفي ~~سورة التين والزيتون: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) (التين: 4)، إن ~~سئل عن قوله في الأولى: "في كبد" وفي الثانية: "في ms555 أحسن تقويم"؟ # فالجواب عنه: أنهما حالان من حالات الإنسان لا تعارض بينهما لأن مصرف كل ~~من هاتين الحالتين بين، وكلام المفسرين في ذلك شاف، وليس هذا بالجملة من ~~الغرض المبنى عليه هذا الكتاب إذ لا إشكال فيه. # ***** # # PageV02P507 ### | سورة ألم نشرح لك صدرك # قوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا) (الشرح: 5 - 6) ~~يسأل عن وجه التكرير؟ # والجواب عنه: أن هذه السورة تضمنت ذكر إنعامه سبحانه على نبيه صلي الله ~~عليه وسلم، ثم اتبعت تلك المنح الجليلة بما تشركه فيه أمته من التأنيس ~~بتيسير ما عرض فيه عسر للمؤمن في أمر دينه ودنياه، فقال تعالى: (فإن مع ~~العسر يسرا)، فبشر عباده بأن العسر يتبعه اليسر، وتأكد ذلك بأن المؤكدة ~~للخبر، وزيد تأكيدا بالتكرير وتوسيع التأنيس بالإشعار الحاصل من تنكير ~~اليسر وتعريف العسر، فإن العرب إذا أعادت الاسم بأداة العهد - وهي الألف ~~واللام - كان المذكور ثانيا هو المذكور أولا وسواء كان المذكور أولا نكرة ~~أو معرفة، تقول: لقيت رجلا فأكرمت الرجل، إنما تريد الرجل الذي لقيته. فإن ~~قلت: (لقيت) رجلا فأكرمت رجلا كان الثاني غير الأول، هكذا كلامهم. وقد وقع ~~اليسر في الآية منكرا في الموضعين فأشعر بالتوسعة، ولهذا قيل: " لن يغلب ~~عسر يسرين "، فتحصل من التكرير وتنكير ما نكر توسعة طرف الرجاء والتأنيس، ~~وذلك المناسب لما بنيت عليه السورة، والله أعلم. # ****** # # PageV02P508 ### | سورة القلم # قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق) (العلق: 1 ~~- 2) يسأل عن تكرير "خلق"؟ # والجواب عنه: أنهما قصدان، فالمراد أولا خلق المخلوقات وشتى العوالم، ~~والمراد ثانيا تخصيص خلق الإنسان وأنه خلقه من علق، ولا تكرير على هذا. # **** # # PageV02P509 ### | سورة التكاثر # قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون) (التكاثر3 - 4)، ~~يسأل عن تكرير قوله: (سوف تعلمون)؟ # الجواب: أنه تهديد ووعيد فناسبه التكرير تحقيقا وتثبيتا كقوله: (الحاقة ~~(1) ما الحاقة) (الحاقة: 1 - 2)، و (القارعة (1) ما القارعة) (القارعة: 1 - ~~2) وما أتى من مثل هذا، ودخلت " ثم " العاطفة في المعطوف بها كما دخلت في ~~قوله: (ثم قتل كيف ms556 قدر) (المدثر: 20) وقد تقدم. # ****** # # PageV02P510 ### | سورة الكافرين # للسائل أن يسأل عن تكرير ما ورد فيها؟ والجواب أنها لم تتكرر فيها آية ~~واحدة إذا اعتبرت أن كل آية منها تفيد من المعنى وتحرر ما لا تفيده الأخرى ~~بذلك التحرير، فكأنها متباينة الألفاظ لتباين معانيها مع جليل التشاكل وعلي ~~التلاؤم والتناسب. # بيان ذلك أنه ورد في سبب نزول هذه السورة أن قريشا قالوا لرسول الله صلي ~~الله عليه وسلم: أعبد آلهتنا سنة ونعد إلهك سنة، وروي أنهم قالوا: تعالى ~~فلنشترك في عبادة ألهتنا وإلهك فنأخذ الخير حيث كان، فتبرأ صلي الله عليه ~~وسلم من مقالهم وأنزل الله السورة فتلاها عليهم وهم مجتمعون في المسجد. ~~فقوله: (لا أعبد ما تعبدون) (الكافرين: 2) أي لا أفعل ذلك يما أستقبله من ~~زماني ولا أنتم تفعلونه فيما يستقبل، وهذا إخبار منه سبحانه عن أولئك ~~العصبة أنهم لا يؤمنون، وهم الذين قتلهم (الله) يوم بدر، فهو إخبار بغيب. ~~ثم قال تعالى: (ولا أنا عابد ما عبدتم) (الكافرين: 4) أي ولا أنا متصف فيما ~~مضى من عمري إلى الآن بعبادة ألهتكم ولا كنتم أنتم فيما مضى متصفين بعبادة ~~الله سبحانه، فحصل من ذلك الإخبار عن حال ما يستقبل منه صلي الله عليه وسلم ~~ومنهم وعن حال ما مضى وتقدم منه صلي الله عليه وسلم ومنهم، فعبر عن أربعة ~~أحوال متباينة وهي: احله، عليه السلام، فيما يستقبل وحالهم، وحاله فيما ~~تقدم قبل وحالهم، فعبر عن هذه الأربعة بأربع آيات، فلا تكرار. # فإن قلت: فكيف تنزيل آي السورة على هذا؟ قلت: إن لا النافية إذا دخلت على ~~المضارع المبهم مجردة عن قرينة من لفظ () خلصته للاستقبال، وقد دخلت في أول ~~آية على قوله: " أعبد " فتخلص هذا الإخبار لما يستقبل، ثم بنيت الجملة من ~~قوله: " ولا أنتم عابدون ما أعبد " على ما قبلها ليتقابل الإخبار ويلتئم ~~نظم الكلام، وجئ فيه بالجملة الاسمية لأنها تحرز من حيث تسلط النفي على ~~الصفة أنها لا توجد فيهم ولا يتصرفون بها في شئ مما يستقبلونه، ففي الصفة ~~أحرز ms557 بتعميم ما يستقبل من نفي الفعل. # فإن قيل: فإذا كان نفي الصفة على ما ذكر فلم لم يأت كذلك أولا فكأن يقال: ~~لا # # PageV02P511 # أنا عابد ما تعبدون (أو ما أنا عابد) ما تعبدون؟ قلت: لم يكن كذلك ~~لأمرين: أحدهما أنه جواب لقولهم: أعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فلما كان ~~جوابا لفعل أتي فيه بالفعل نفيا لعين ما طلبوه ولو نفي الاسم لما كان ~~مطابقا لقولهم، والثاني أن الجملة الأسمية إنما نفيها بما لا بلا، وما ليست ~~بمخلصة للاستقبال، ونفي المستقبل مقصود، فلم يكن بد مما يحرزه، فهذا ما حمل ~~أولا على ما عليه الكلام. وأما الجملة المنفية على هذه وهي قوله: (ولآ انتم ~~عابدون ما أعبد) فتنبيه لما قصد تعريفهم به، إذ هي طرف معرف بحالهم بناء ~~على ما تقدمها من بيان حاله، عليه السلام، فهي جملة جوابهم، وبناؤها على ما ~~تخلص استقباله مغن عن الأداة المخلصة لأن حكمها حكم ما بنيت عليه، وتم بها ~~أنه قد وقع الفعل المبهم في صلة ما وهي معمولة لاسم الفاعل المجموع الواقع ~~خبرا عن " أنتم " ولا يعمل إلا بمعنى الحال والاستقبال، ولكن المعتمد ~~الجوابية على ما تقرر فقد تبين أن قوله: (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد) إخبار عما يستقبل من الزمان وعن حاله، عليه السلام، فيه ~~وحالهم فيه أيضا. ثم قال: (ولا أنا عابد ما عبدتم) فهذا نفي لما تقدم ومضى ~~على كفاية الحال الماضية ولهذا عمل اسم الفاعل في " ما". ولما كان الإفصاح ~~هنا بالماضي يحرز المقصود جاءت الجملة اسمية لتحصل الماضي والحال. أما ~~الماضي فمهوم ببنية الفعل وهو قوله (ما عبدتم) ولو لم يقع الإفصاح بالفعل ~~لأفهم السياق ما ذكر لأنه قد تقدم ما يستقبل في حق الفريقين فلم يبق إلا ما ~~مضى، ولا مانع من اللفظ، فتعين المقصود. # أما الحال فإن الجملة الاسمية إذا دخل عليها النفى حملت على الحال ما لم ~~يقع في الكلام ما يقيدها بغيره، فإن قيل: التقييد بقوله: (ما عبدتم) قلت: ms558 ~~قوله: (ما عبدتم) من صلة ما بعد حصول المبتدأ الذي هو أنا وهو اسم الفاعل، ~~فحصل من قوله: (ولا أنا عابد) نفي اتصافه صلي الله عليه وسلم في الحال ~~بعباده آلهتهم، وإنما الحال عندنا الماضي غير المنقطع، قال سيبويه، رحمة ~~الله، معرفا بما يطلق عليه اسم الحال فقال:، وهو كائن لم ينقطع، فحصل عن ~~المبتدأ والخبر من قوله: (ولا أنا عابد ما عبدتم) الإخبار عن حالة المستمرة ~~على ذلك فيما تقدم متصلة غير منفصلة، وحصل من الجملة الخبرية الواقعة صلة ~~وهي: " عبدتم " أنهم لم يفعلوا ذلك فيما مضى، وقد حصل فيما تقدم استمرارهم ~~على ذلك حال الإخبار، وزيد بيانا وتأكيدا لقوله بعد: (ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد) وقد حصل أيضا فيما تقدم أن تلك حالهم فيما يستقبلونه، فيحصل المجموع ~~أنه صلي الله عليه وسلم تبرأ من عبادة آلهتهم فيما مضى وفي الحال وما يأتي، ~~(وأنهم ما عبدوا الله كما يجب له سبحانه فيما مضى ولا في الحال ولا يفعلون ~~ذلك فيما يأتي)، # # PageV02P512 # وهو الحاصل من قوله سبحانه: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون) ~~(يونس: 96). ثم قال سبحانه على لسان نبيه صلي الله عليه وسلم: (ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد)، هذا في مقابلة قوله: (ولا أنا عابد ما عبدتم) فهو إخبار ~~عن حالة صلي الله عليه وسلم فيما مضى وتقدم من عمره صلي الله عليه وسلم، ~~وقد تبين ما قيل. # فإن قيل: لم لم يقل هنا: ولا أنتم عابدون ما عبدت فكان يجرى جري ما بني ~~عليه وقوبل (به)؟ قلت لو قيل: " ما عبدت " لأوهم انقطاعا، لأن قول القائل: ~~فعلت لا يقتضى الدوام والإتصال، ولكن وإن كان هناك مفهوما فيما تقدم من ~~مقصود الكلام بالجملة فإن الأولى رفع الاحتمال من اللفظ كما أحرز المعنى، ~~وهو الجاري في الكتاب العزيز. ثم قال (لكم دينكم ولي دين) (الكافرين: 6) ~~فحصل التبري، وتوضح التفصيل المتقدم. # ***** # # PageV02P513 ### | سورة الإخلاص # قوله تعالى: (قل هو الله أحد) (الإخلاص: 1)، قيل في " أحد " هنا: أنه ~~بمعنى واحد وأصله وحد، ms559 وربما يعتضد من قال بهذا بقراءة من قرأ: " قل هو ~~الله الواحد " فيجعل هذه القراءة مفسرة للاخرى وهي قراءة شاذة خارجة عن خط ~~المصحف فليست مما يقطع به، وربما عضد هذا القول أيضا بأن أحدا الواقع في ~~الجواب إنما ينبغى أن يكون بمعنى واحد ومرادفا له لأنه قد صح عن أئمة ~~اللسان اتفاقهم على (أن) أحدا لفظ يخص الواجب من الكلام ويقع عاما، فتقول: ~~ما جاءنى أحد، فيحصل منه النفى العام، ولا تقول: جاءنى أحد. قال سيبويه، ~~رحمة الله: لوقلت كان أحد من آل فلان لم يكن كلاما، فإذا ورد في واجب ~~فنيبغي أن يحمل على أنه بمعنى واحد، إذ قد تبين أن أحدا المقتضى العموم ~~والاستغراق لا يرد في واجب ولا يتكلم به فيه، وعلى هذا كلام العرب، فحصل ~~منه أن أحدا لفظ مجمل يكون للفي العام، فهذا لا يقع في (كل) واجب، ويكون ~~بمعنى واحد فيقع في الواجب وغيره، والواقع في سورة الإخلاص من هذا القبيل ~~أعنى الذي أحد فيه بمعنى واحد. # فإن قلت: فكيف تري موقع هذا التفسير؟ قلت: أما القول بأن أحدا هنا مرادف ~~لواحد وبمعناه من كل جهة فقول ليس ببدع، ولذلك جري عليه أكثر كلام ~~المفسرين، ولكن فيه ادعاء ترادف للفظين من غير حامل قطعي أكثر من وقوع أحد ~~في قولك أحد عشر، وواحد وعشرون وشبه ذلك، ولا ينكر من كلامهم الاستغناء ~~بالشئ عن الشئ لتقارب ما أو نسبة واشتراك في طرف ما، وما أراك تجد في ~~كلامهم لفظ أحد المجرد عن التركيب والإضافة والعطف وأرادا في معنى واحد ~~ومرادفا له على القطع أبدا. وإذا ثبت هذا وجب إجراء الكلام على إبقاء كل ~~واحدة من اللفظتين على ما استقر لها في المعنى وإلا يعدل عن ذلك ما وجدت ~~عنه مندوحة. # وقد أوضح الاعتبار الفرق بين أحد وواحد من جهة اللفظ وحكمه ومن جهة ~~المعنى. أما الفارق اللفظي فإن لفظ واحد قد فرقوا فيه بين المذكر والمؤنث، ~~قالوا: واحد وواحدة فألحقوا مؤنثة الهاء، وجمعوه فقالوا: ms560 وحدان. وأما أحد ~~فلم يلحقوه علامة تأنيث ولا جمعوه. # وفرق ثان وهو أنهم استعملوا واحدا في الواجب وغير الواجب تقول: جاءني رجل # # PageV02P514 # واحد ومررت برجل واحد، قال تعالى (وإلهكم إله واحد) (البقرة: 163) و ~~(إنما الله إله واحد) (النساء: 171) و (قل إنما أعظكم بواحدة) (سبأ: 46) أي ~~بخصلة واحدة أو بموعظة واحدة، ومن غير الواجب (فقالوا أبشرا منا واحدا ~~نتبعه) (القمر: 24)، (أجعل الآلهة إلها واحدا) (ص: 5)، أما أحد فلا يقع ~~مفردا عن إضافة أو تركيب في كلام واجب أصلا، فلا تقول: جاءنى أحد ولا مررت ~~بأحد ولا ورد في كتاب الله سبحانه في كلام واجب إلا قوله سبحانه: (قل هو ~~الله أحد) ويقع في غير الواجب وهو بابه الذي اختص به، تقول: ما جاءنى أحد ~~وما مررت بأحد، قال تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا) (الكهف: 26)، (ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا) (الكهف: 110)، (ولا أشرك بربي أحدا) (الكهف 38)، (لن ~~يجيرني من الله أحد) (الجن 22)، (ولن نشرك بربنا أحدا) (الجن: 2) وذلك كثير ~~جدا. # وفرق ثالث وهو أن واحدا يقع تابعا في أكثر موارده، وهو الوجه فيه، لأنه ~~يجري صفة وإن كان الوصف به عارضا كما في الأعداد، كلنه (قد) أجرى صفة، وحكم ~~ما ليس بخاص من الصفات لزوم التبعية، ولا يقع أحد تابعا أصلا إلا في نادر ~~فلا تقول: جاءنى رجل أحد كما تقول: رجل واحد ولا ما شابه ذلك فهذه فروق ~~(ثلاثة) من جهة حكم اللفظ. # وأما الفرق من جهة المعنى فإن واحدا يقع على كل مفرد كان، مما يتصف ~~بالعقل والعلم أو لا يتصف، تقول: رجل واحد وجمل واحد، وهذا خلاف حكم أحد ~~فإنه لا يقع إلا لأولى العلم والعقل من الملائكة والإنس والجن. # وفرق ثان، وهو أنك تقول: ما جاءني رجل (واحد) فيحتمل ذلك ثلاث معان: ~~أحدها أن تريد ما جاءني (رجل واحد بل جاءنى) أكثر، والثاني أن تريد ما جاء ~~رجل عناء وقوة بل جاء الضعفاء، والثالث أن تريد النفي العام أي ما جاءنى ~~رجل واحد ولا أكثر ولا قوي ms561 ولا ضعيف. والثالث أن تريد النفي العام أي ما ~~جاءنى رجل واحد ولا أكثر ولا قوي ولا ضعيف. فإذا قلت ما جاءنى أحد لم يتحمل ~~غير معنى واحد وهو النفي العام وهذا أوضح فارق بين لفظ واحد (وأحد). # فإن قلت: قد تقرر فرق (ما) بين لفظ واحد وأحد (فما الحاصل المعتمد في ~~معنى أحد) ومقتضاه؟ قلت: معناه وحدة لا غيرية معها ولا أثنينية، وإليه يشير ~~ما فسره به أهل اللغة، قال صاحب العين: الوحد المنفرد وهو أوحد في هذا ~~الأمر أي منفرد. وقد استشعر الفرق بين المفسرين من قال: أحد بمعنى واحد فرد ~~من جميع جهات الوحدانية: (ليس كمثله شيء) (الشورى: 11) وهو قول بعض جلة ~~المفسرين وقد أحسن. أما اقتصاد الزمخشري على تزاكيه في البيان وتوفر حظه من ~~علم اللسان على أن قال ك أحد بمعنى واحد وأصله وحد ولم يزد على هذا فغير ~~مناسب لمسلكه. وقال بعض الأئمة # # PageV02P515 # الفرق بين أحد وواحد أن الواحد المنفرد بالذات والأحد المنفرد بالمعنى ~~ومنه في أسمائه تعالى: الواحد - الأحد. وقيل واحد اسم لمفتاح العدد ومن ~~جنسه وأحد لنفي ما يذكر معه من العدد، وقيل أحد يدل على محض الوحدة، ألا ~~ترى أنه ناف لما يرد معه يريد في نحو قولك: ما أتانى أحد لانتفاء الواحد ~~وما سواه، بخلاف قولك: ما أتانى واحد إذ قد يحتمل أن يراد أنه أتاك أكثر من ~~واحد، وقد تقدم هذا، ولا يحتمل ذلك قولك: ما أتانى أحد. ومن المعلوم المطرد ~~أن حكم اللفظ المنفى لا يغاير موجبه في غر ما اقتضته أداة النفي ن وأن يبقي ~~الكلام فيما عدا حكم النفي على ما كان ولا يتغير منه شئ سوي انتقاله من ~~الإيجاب إلى النفي، وكذلك الحكم في كل أداة تدخل على لفظ الواجب من ثمن أو ~~استفهام أو عرض أو غير ذلك، هكذا كلام العرب. ولفظ أحد لا يتناول بوضعه غير ~~الوحدة فلو تكلم به في الواجب فقيل جاءني أحد لكان معناه: أحد لا ثاني له ~~بوجه، ولو ms562 قلت: جاءني واحد لم يلزم فيه ذلك بل كان يحتمل أن تريد: جاءني ~~واحد يعتد به ويعتمد، ولم ينتف أن يجيء معه من لا يعتد به أو يعتمد عليه، ~~إذ ليس يمنع بوضعه الزائد على واحد إذا غايره من حيث ذكر. فإذا تقرر أن حكم ~~أحد من مقتضى الوحدة ما ذكر، تبين أنه لايتصور ولا يصح بمعناه في واجب حيث ~~يراد المخلوق المحدث، لأن كلا من المخلوقات له النظير والمثيل، حتى إن ~~المتباعدات والمتباينات متماثلة من حيث الافتقار وانسحاب سمات الحدوث ~~ودلائل عدم الاستقلال إلى غير ذلك من شواهد الحدوث، فكلها لا تنفك عن وجود ~~النظراء والأنداد، فلم يصح وقوع لفظ أحد في كلام واجب يقع فيه لفظ أحد ~~لمخلوق لما تبين، وصح ورود ذلك في حق الخالق جل جلاله لانفراده بالوحدانية ~~وتنزيهه عن النظير والمثيل، فورد لفظ أحد حيث صح معناه من الكلام الواجب، ~~(وأمتنع) حيث لا يصح معناه. أما غير الواجب فيصح فيه معنى أحد لصحة معنى ~~الكلام، لأنك إذا قلت: ما أتاني أحد انتفى كل ما يمكن وصفه بالإتيان بمقتضى ~~العموم، فانتفي ما وقع عليه لفظ أحد وانتفي النظير والمثيل، وصح هذا في ~~المخلوق. بخلاف أن لو قلت: أتاني أحد فإنك فيه تتكلم بما لا يصح معنى ولا ~~يعقل، إذ ليس في المخلوقات من لا مثيل له. # فلما كان لفظ أحد بالنظر إلى المخلوقين يصح معناه في غير الواجب ورد من ~~كلامهم حيث يصح معناه وامتنع حيث لا يستقيم معناه، ووضع قول أئمة اللسان ~~أنه لا يرد في الواجب، يريدون في محاورات المخلوقين وتخاطبهم، إذ لا يصح ~~معناه هناك، فأما في حق الخالق جل جلاله فهو موضعه الذي يصح فيه ولا ~~يتعداه، ولم يتعرض النحويون لعلة امتناعه في الواجب، بل اكتفوا بتقرير ~~السماع من غير تعرض للعلة، إذ لا يبني لهم على ذلك قانون تتسع جهاته وتنتشر ~~مسائلة. وإذ وضحت العلة تبين وجه وروده في السورة الكريمة، ولم يحتج إلى ~~ادعاء اشتراك ولا تأويل، والله أعلم. # ***** # # PageV02P516 ### | سورة ms563 الفلق # قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن ~~شر حاسد إذا حسد) (الفلق: 3 - 5)، للسائل أن يسأل عن التقييد بالظرف في ~~قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب) وفي قوله: (ومن شر حاسد إذا حسد) فلم ~~تقع الاستعاذة من شر هذين بتقييد الوقوب في الغاسق ووقع الحسد من الحاسد ~~ويطلق حكم الاستعاذة من شر النفاثات وهن الساحرات، ولم يقل إذا نفثن أو ~~سحرن فيقيد كما قيد ما قبل وما بعد، فما الفرق؟ # والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن قوله سبحانه في سورة: (ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى) (طه: 69)، إطلاق حاكم بتماديه وتمادي حكمه على تلك الصفة ~~المذمومة، فلم يكن التقييد في آية الفلق لو قيل: إذا كذا ليطابق ما ورد في ~~سورة طه من الإطلاق. ثم إن السحر كفر، وقد ذكر سبحانه قول الملكين للطالب ~~تعلمه: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) (البقرة: 102) أي بتعلم السحر، (ولا ~~بسحركم سحر الساحر ولا يسمي ساحرا إلا باعتقاد. فتبين أن السحر شر مطلق)، ~~فورد التعوذ منه مطلقا غير مقيد بوقوع أو () وتأثير الكواكب وذلك كفر، وما ~~أجرى الله سبحانه من التأثير في العالم عند تلاقيها وتقابلها وتنازرها وما ~~في ذلك من تفصيل التناظر، كل ذلك فعل الله سبحانه ولا تأثير إلا له جل ~~وتعالى، (ويقتل الساحر ولا استتابة) في قول. # أما الغاسق فإن الليل إذا أظلم، وليس الشر منه بما هو ليل مظلم إنما هو ~~ستر لذوي الشر لاحتجابهم بظلمته عن أعين الناس فيوقعون فيه شرهم، فالشر فيه ~~لا منه. ألا تري أنه لأهل الخير رحمة ونعمة، وكذلك لكل من لا يترصده لشر، ~~قال تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله) (القصص: 73) أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضل الله في النهار. ~~وتردد ذكر الليل في غير ما آية في كتاب الله معدودا في نعم الله تعالى على ~~عباده، وهو شقيق النهار في تلك. ثم إنه من حيث هو لباس وستر عن الأعين ms564 ~~فيمكن فيه لأهل الشر ما لا يمكنهم في نهارهم، فيستحكم فيه # # PageV02P517 # شرهم عند امتداد ظلمته لأمنهم من الناس في ذلك. فتبين أنه ليس شرا بما هو ~~ليل إنما الشر فيه وعنده لا به بما هو ليل ولا منه، ولا يتمكن مطلوق ذوي ~~الشر إلا في ظلمته، فنسبة الشر إليه بهذا الوجه، والإضافة في لسان العرب ~~تكون بأدنى ملابسة، قال تعالى: (لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) (النازعات: ~~46) والضحى ليس للعشية وإنما هما طرفان للنهار فصحت الإضافة بهذا القدر، ~~وقال تعالى: (بل مكر الليل والنهار) (سبأ: 33) والليل والنهار لا يمكران ~~غنما يكون المكر فيهما، قال معناه سيبويه، رحمه الله. # وأما الحاسد فإن القائم بنفسه من هذه الصفة قبل أن يمضى يمكن أن ينفذها ~~حسدا ويمكن أن ينفذها غبطة، فإذا لا يتبين كونه حسدا إلا بعد أن يمضى ~~ويوقع، ألا تري اتحاد ما يقوم بالنفس أولا من هذه الصفة. بيان ذلك أن كل ~~عاقل - بما هو عاقل - إذا رأي نعمة على غيره من دين أو دنيا أعجبته وتمناها ~~لنفسه، فإن أراد زوالها عمن ظهرت عليه وانفراده هو بها فهذا هو الحسد ~~المذموم، وإن تمنى مثلها أو أكثر وبقاء تلك على صاحبها فهذه هي الغبطة، وهي ~~من صفات المؤمنين. فقد وضح أنه إنما يكون حسدا ويوصف بتلك الصفة عند ظهوره ~~وقوعه على الصفة المذمومة وأما قبل ذلك فلا شر فيه ولا هو شر، ألا تري أن ~~الحساد لو قامت به تلك الفة ثم تذكر واستغفر لمن رأي النعمة به والخير وركن ~~قله إلى ذلك لم يؤاخذ شرعا بتلك الهمة والخطرة، وقد نص الشترع على ذلك، ~~واتفق العلماء والقاضي أبو بكر ومن قال بقوله على تلقى الوارد في هذا عن ~~الشارع، عليه السلام، منزلا على ما ذكرته. فلما كان حال الحسد على ما ذكر ~~وحال الغاسق على ما تقدم ذلك وقع التقييد في الإستعاذة من شرهما بالظرف ~~فقيل: (إذا وقب) و (إذا حسد)، ولم يقع تقييد في الإستعاذة من شر السحرة، ~~وجاء كل من ms565 ذلك على ما يجب ويناسب، ولا يمكن خلافه، والله أعلم. # ****** # # PageV02P518 ### | سورة قل أعوذ برب الناس # قوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس) (الناس: 1) إلى آخر السورة، يسأل عن ~~تكرار الناس في قوله تعالى (ملك الناس (2) إله الناس) (الناس: 2 - 3)؟ وما ~~وجه ذلك. # والجواب، أن التبعية في ملك الناس على عطف البيان ولا تحسن فيه الإضافة ~~إلى الضمير لأن ذلك يؤدي إلى تعرف الأسمين بضمير الأول الذي عليه حملهما، ~~فكأن يكون الأول في حكم الأعراف من اللفظ التابع له وذلك عكس ما عليه عطف ~~البيان، أما إذا أضيف التابع لما أضيف إليه متبوعه فإنه إذ ذاك لا يكون ~~مساويا له، وذلك هو الجاري المطرد في هذا الضرب من التوابع - أعني أن يكون ~~في الأغلب الكثير مساويا للأول أو أعرف - فلهذا جاء مضافا إلى الظاهر هنا ~~والله أعلم. # ***** # PageV02P519 ms566