######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010372 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن الطقطقي #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي (المتوفى : 709هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 709 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفخري في الآداب السلطانية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراث السياسي #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الفخري في الآداب السلطانية #META# 030.LibURI :: JK_010372 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الفصل الأول # في الأمور السلطانية والسياسات الملكية # أما الكلام على أصل الملك وحقيقته وانقسامه إلى رياسات دينية ودنيوية، من ~~خلافة وسلطنة وإمارة وولاية، وما كان من ذلك على وجه الشرع وما لم يكن، ~~ومذهب أصحاب الآراء في الإمامة، فليس هذا الكتاب موضوعا للبحث عنه، وإنما ~~هو موضوع للسياسات والآداب التي ينتفع بها في الحوادث الواقعة، والوقائع ~~الحادثة، وفي سياسة الرعية وتحصين المملكة، وفي إصلاح الأخلاق والسيرة. ~~فأول ما يقال أن الملك الفاضل هو الذي اجتمعت فيه خصال وعدمت فيه خصال. ~~فأما الخصال التي يستحب أن توجد فيه فمنها العقل وهو أصلها وأفضلها، وبه ~~تساس الدول بل الملل، وفي هذا الوصف كفاية. # ومنها العدل وهو الذي تستعزز به الأموال، وتعمر به الأعمال، وتستصلح به ~~الرجال. # ولما فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة أمر أن يستفتى ~~العلماء أيما أفضل: السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟ ثم ~~جمع العلماء بالمستنصرية لذلك، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب، ~~وكان رضي الدين علي بن طاووس حاضرا هذا المجلس، وكان مقدما محترما، فلما ~~رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم ~~الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعده. # ومنها العلم وهو ثمرة العقل وبه يستبصر الملك فيما يأتيه ويذره، ويأمن ~~الزلل في قضاياه وأحكامه، وبه يتزين الملك في عيون العامة والخاصة، ويصير ~~به معدودا في خواص الملوك. # قال بعض الحكماء: الملك إذا كان خلوا من العلم كان كالفيل الهائج لا يمر ~~بشيء إلا خبطه، ليس له زاجر من عقل، ولا رادع من علم. واعلم أنه ليس المراد ~~بالعلم في الملوك هو تصور المسائل المشكلة والتبحر في غوامض العلوم ~~والإغراق في طلبها. قال معاوية: ما أقبح بالملك أن يبالغ في تحصيل علم من ~~العلوم. وإنما المراد من العلوم في الملك هو ألا يكون له أنس بها إلا بحيث ~~يمكنه أن يفاوض أربابها فيها مفاوضة يندفع بها الحال الحاضر، ولا ضرورة في ~~ذلك إلى التدقيق. # كان مؤيد الدين محمد بن العلقمي ms001 وزير المستعصم وهو آخر وزراء الدولة ~~العباسية، يفاوض كل من يدخل عليه من العلماء مفاوضة عاقل لبيب محصل، ولم ~~يكن له بالعلوم ملكة ولا كان مرتاضا بها رياضة طائلة. كان بدر الدين لؤلؤ ~~صاحب الموصل لكثرة مجالسة الأفاضل وخوضه في الأشعار والحكايات يستنبط ~~المعاني الحسنة، ويتنبه على النكت اللطيفة، مع أنه كان أميا لا يكتب ولا ~~يقرأ. وكان عز الدين عبد العزيز بن جعفر النيسابوري، رضي الله عنه، لمجالسة ~~أهل الفضل ولكثرة معاشرتهم له، صار يتنبه على معان حسنة، ويحل أنه رجل ~~فاضل، وخفي ذلك حتى على الصاحب علاء الدين، فإن ابن الكبوش الشاعر البصري ~~عمل بيتين في الصاحب ونسبهما إلى عبد العزيز وهما: # عطا ملك عطاؤك ملك مصر ... وبعض عبيد دولتك العزيز # تجازي كل ذي ذنب بعفو ... ومثلك من يجازي أو يجيز # فأنشدهما عبد العزيز بحضرة الصاحب وادعاهما، وخفي الأمر على الصاحب، وما ~~أدري من أيهما أعجب! أمن الصاحب كيف خفي عنه حال عبد العزيز مع أنه السنين ~~الطويلة يعاشره في سفر وحضر وجد وهزل؟ أم من عبد العزيز كيف رضي لنفسه مثل ~~هذه الرذيلة، وأقدم على مثل هذا مع الصاحب، وما خاف من تنبه الصاحب ~~واسترذاله لفعله؟ # اختلاف علوم الملوك # وتختلف علوم الملوك باختلاف آرائهم، فأما ملوك الفرس فكانت علومهم حكما ~~ووصايا وآدابا وتواريخ وهندسة وما أشبه ذلك، وأما علوم ملوك الإسلام فكانت ~~علوم اللسان كالنحو واللغة والشعر والتواريخ، حتى إن اللحن كان عندهم من ~~أفحش عيوب الملك، وكانت منزلة الإنسان تعلو عندهم بالحكاية الواحدة وبالبيت ~~الواحد من الشعر، بل باللفظة الواحدة من اللغة، وأما في الدولة المغولية ~~فرفضت تلك العلوم كلها ونفقت فيها علوم أخر، وهي علم السياقة والحساب لضبط ~~المملكة وحصر الدخل والخرج، والطب لحفظ الأبدان والأمزجة، والنجوم لاختيار ~~الأوقات، وماعدا ذلك من العلوم والآداب فكاسد عندهم، وما رأيته نافقا إلا ~~بالموصل في أيام ملكها المشار إليه مد الله ظله ونشر فضله. # الخوف من الله PageV01P001 ومنها الخوف من الله تعالى، وهذه الخصلة هي ~~أصل كل بركة، ms002 فإن الملك متى خاف الله أمنه عباد الله. روي أن عليا أمير ~~المؤمنين، عليه السلام، استدعى بصوته بعض عبيدة فلم يجبه، فدعاه مرارا فلم ~~يجبه، فدخل عليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين إنه بالباب واقف، وهو يسمع ~~صوتك ولا يكلمك. فلما حضر العبد عنده قال: أما سمعت صوتي؟ قال: بلى، قال: ~~فما منعك من إجابتي؟ قال: أمنت عقوبتك، قال علي، عليه السلام : الحمد لله ~~الذي خلقني ممن يأمنه خلقه. وما أحسن قول أبي نواس لهارون الرشيد: # قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله # ولم يكن الرشيد يخاف الله، وأفعاله بأعيان آل علي وهم أولاد بنت نبيه ~~لغير جرم تدل على عدم خوفه من الله تعالى، ولكن أبا نواس جرى في قوله على ~~عادة الشعراء. # العفو عن الذنوب # ومنها العفو عن الذنوب وحسن الصفح عن الهفوات، وهذه أكبر خصال الخير وبها ~~تستمال القلوب، وتصلح النيات؛ فمما جاء في التنزيل من الحث على ذلك قوله ~~تعالى شأنه: وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم؛ وكان المأمون ~~حليما حسن الصفح معروفا بذلك. هجاه دعبل الشاعر بأشعار كثيرة من جملتها: # إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد # فلما بلغه هذا القول لم يزد على أن قال: قاتله الله ما أشد بهتانه! متى ~~كنت خاملا وفي حجر الخلافة نشأت، وبدرها أرضعت؟ ولما بلغه أن دعبلا قد هجاه ~~قال: من أقدم على هجاء وزيري أبي عباد كيف لا يقدم على هجائي؟ وهذا الكلام ~~ظاهر غير مستقيم وهو يحتاج إلى تأويل، فإنه عكس المعهود. وقد كان ينبغي أن ~~يقول الوزير: من أقدم على هجاء الخليفة كيف لا يقدم على هجائي؟ ومعنى قول ~~المأمون أن من أقدم على هجاء أبي عباد مع حدته وهوجه وتسرعه، وكان أبو عباد ~~كذلك، كيف لا يقدم علي في حلمي وصفحي. ولولا خوف الإطالة لذكرت جماعة من ~~حلماء الملوك في هذا الموضع، ولكن ليس هذا الفصل موضوعا للسمر، ms003 وسيرد من ~~ذلك ما يمتع إن شاء الله في الفصل الثاني. # الحقد مفسدة للنيات # ومنهم من يرى أن الحقد خصلة محمودة في الملك، قال بزرجمهر: يجب أن يكون ~~الملك أحقد من جمل، وأنا أناظره في هذا القول فأقول: كيف يقال كذلك والملك ~~متى كان حقودا فسدت نيته لرعيته، فمقتهم وقلل الالتفات إليهم الشفقة عليهم، ~~ومتى أحسوا بذلك تغيرت نياتهم له، وفسدت بواطنهم، وهل يتمكن الملك مما ~~يريده من مهمات مملكته وبلوغ أغراضه كما في نفسه إلا بصفاء قلوب رعيته؟ وأي ~~حكمة في ذلك؟ وهل فيه سوى تنغيص عيش الملك وتبغيض رعيته إليه وإيحاشهم منه؟ ~~قال شاعر العرب: # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ~~PageV01P002 خصوصا والناس مركبون على الخطإ، مجبولون على تشمير الطباع، فما ~~أكثر ما تصدر منهم موجبات الحقد، فلا يزال الملك طول دهره يعاني من الغيظ ~~والحقد عليهم ما ينغص عليه لذته، ويشغله عن كثير من مهام مملكته. وما أكثر ~~ما رأينا الرعية أو الجند قد وثبوا على ملوكهم، فسلبوهم رداء المملكة بل ~~رداء الحياة، فابتدئ من عمر بن الخطاب، وقد وثب عليه أبو لؤلؤة عبد المغيرة ~~بن شعبة فقتله، ثم ثن بعثمان بن عفان، رضي الله عنه، وانظر كيف اجتمع عليه ~~رعيته من كل جانب فحاصروه في داره أياما، ثم دخلوا عليه فقتلوه والمصحف في ~~حجره حتى قطرت قطرات من دمه على المصحف، ثم ثلث بعلي بن أبي طالب، عليه ~~السلام، وقد ضربه عبد الرحمن بن ملجم، لعنه الله، بسيفه على أم رأسه ~~بالكوفة فقتله، وكان ابن ملجم من الخوارج. هذا في الصدر الأول والناس ناس، ~~والدين دين. ثم تنقل دولة فدولة وأياما فأياما إلى أواسط دولة بني العباس، ~~فانظر منذ عهد المتوكل إلى عهد المقتفي ما جرى على واحد واحد من الخلفاء من ~~القتل والخلع والنهب، بسبب تغير نيات جنده ورعيته، فهذا سمل وذاك قتل ~~والآخر عزل. ثم اسرح طرفك في الدولتين البويهية والسلجوقية تر من هذا الباب ~~عجبا، ثم ارجع البصر ms004 إلى أونكخان ملك الترك، كيف لما تنكرت نيته على ~~جنكزخان وحقد عليه أشياء عرضها عليه عنده حساده، وأراد الوقيعه به وأعلمه ~~بذلك الصبيان فرحل من ليلته، ثم حشد وجمع ووثب على أونكخان فقتله وملك ~~ممالكه، تعلم أن الحقد من أضر الأشياء للملك، وأن أوفق الأشياء له الصفح ~~والعفو والغفران والتناسي، وما أحسن قول القائل: # إقبل من الناس ما تيسر ... ودع من الناس ما تعسر # فإنما الناس من زجاج ... إن لم ترفق به تكسر # وقد مدح بعض الشعراء الحقد. ولم يسمع بمن مدح الحقد غير هذا فقال: # وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض # فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على سالف القرض # إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض # وهذا قول لا يعرج عليه. وإن عرج عليه أحد فليعرج عليه غير الملك فإن ~~الملك أحوج الخلق إلى استصلاح النيات واستصفاء القلوب. # الكرم يستميل القلوب # ومن الخصال التي يستحب أن تكون في الملك الكرم وهو الأصل في استمالة ~~القلوب وتحصيل النصائح من العالم واستخدام الأشراف؛ قال الشاعر: # إذا ملك لم يكن ذا هبة ... فدعه فدولته ذاهبة # ومما جاء في الحديث النبوي، صلوات الله على صاحبه: تجاوزوا عن ذنب السخي، ~~فإن الله آخذ بيده كلما عثر، وفاتح عليه كلما افتقر؛ وقال علي، عليه ~~السلام: الجود حارس الأعراض. واعلم أنه لم تتضمن سيرة من حكايات الجود مثل ~~ما نقل عن قان العادل وهو أوكتاي بن جنكزخان، فإنه غبر في وجوه جميع كرام ~~الملوك: # مناقب تفتق ما رقعتم ... من وجود كعب وسماح حاتم # ومن الاتفاقات الحسنة وجوده في عصر المستنصر بالله ، وكان المستنصر أكرم ~~من الريح، ولكن أين يقع جوده من جود قان؟ ومن أين للمستنصر مال يفي بعطايا ~~قان؟ # الهيبة تحفظ نظام الملك # ومنها الهيبة وبها يحفظ نظام المملكة ويحرس من أطماع الرعية، وقد كان ~~الملوك يبالغون في إقامةالهيبة والناموس، حتى بارتباط الأسود والفيلة ~~والنمور، وبضرب البوقات الكبار ms005 كبوق النفير، والدبادب والقصع ورفع السناجق ~~وخفق الألوية على رؤوسهم، كل ذلك لإثبات الهيبة في صدور الرعية ولإقامة ~~ناموس المملكة. كان عضد الدولة إذا جلس على سريره أحضرت الأسود والفيلة ~~والنمور في السلاسل وجعلت في حواشي مجلسه تهويلا بذلك على الناس وترويعا ~~لهم. # السياسة والوفاء بالعهد # ومنها السياسة وهي رأس مال الملك، وعليها التعويل في حقن الدماء وحفظ ~~الأموال ومنع الشرور وقمع الدعار والمفسدين، والمنع من التظالم المؤدي إلى ~~الفتنة والاضطراب. # ومنها الوفاء بالعهد، قال تعالى سلطانه: وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسؤولا؛ وهو الأصل في تسكين القلوب، وطمأنينة النفوس، ووثوق الرعية بالملك ~~إذا طلب الأمان منه خائف، أو أراد المعاهدة منه معاهد. # الاطلاع على الغوامض PageV01P003 ومنها الاطلاع على غوامض أحوال المملكة، ~~ودقائق أمور الرعية، ومجازاة المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته. وكان ~~أردشير الملك يقول لمن شاء من أشراف رعيته وأوضاعهم : كان البارحة من حالك ~~كيت وكيت، حتى صار يقال إن أردشير يأتيه ملك من السماء يخبره بالأمور، وما ~~ذاك إلا لتيقظه وتصفحه. # عشر خصال الخير # فهذه عشر خصال من خصال الخير، من كن فيه استحق الرياسة الكبرى، ولو نظر ~~أصحاب الآراء والمذاهب حق النظر، وتركوا الهوى، لكانت هذه الشرائط هي ~~المعتبرة في استحقاق الإمامة وما عداها فغير طائل. وقال بزرجمهر: ينبغي أن ~~يكون الملك كالأرض في كتمان سره وصبره، وكالنار على أهل الفساد، وكالماء في ~~لينه لمن لاينه، وينبغي أن يكون أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من ~~قطاة، وأشد حذرا من غراب، وأعظم إقداما من الأسد، وأقوى وأسرع وثوبا من ~~الفهد، وينبغي للملك ألا يستبد برأيه وأن يشاور في الملمات خواص الناس ~~وعقلاءهم ومن يتفرس فيه الذكاء والعقل وجودة الرأي وصحة التمييز ومعرفة ~~الأمور، ولا ينبغي أن تمنعه عزة الملك من إيناس المستشار به وبسطه واستمالة ~~قلبه، حتى يمحضه النصيحة، فإن أحدا لا ينصح بالقسر، ولا يعطي نصيحته إلا ~~بالرغبة، وما أحسن قول الشاعر في هذا المعنى: # أهان وأقصى ثم يستنصحونني ... ومن ذا الذي يعطي نصيحته ms006 قسرا # المشاورة والاستبداد بالرأي # قال الله تعالى: وشاورهم في الأمر وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~يشاور أصحابه دائما. # لما كانت وقعة بدر خرج، صلى الله عليه وسلم، من المدينة في جماعة من ~~المسلمين، فلما وصلوا بدرا نزلوا على غير ماء، فقام إليه رجل من أصحابه ~~وقال: يا رسول الله نزولك هاهنا شيء أمرك الله به أو هو من عند نفسك ؟ قال: ~~بل هو من عند نفسي، قال: يا رسول الله إن الصواب أن ترحل وتنزل على الماء ~~فيكون الماء عندنا فلا نخاف العطش، وإذا جاء المشركون لا يجدون ماء، فيكون ~~ذلك معينا لنا عليهم؛ فقال رسول الله: صدقت، ثم أمر بالرحيل ونزل على ~~الماء. واختلف المتكلمون في كون الله تعالى أمر رسوله بالاستشارة مع أنه ~~أيده ووفقه، وفي ذلك أربعة وجوه: أحدها أنه، عليه السلام، أمر بمشاورة ~~الصحابة استمالة لقلوبهم، وتطييبا لنفوسهم؛ الثاني أنه أمر بمشاورتهم في ~~الحرب ليستقر له الرأي الصحيح فيعمل عليه؛ الثالث أنه أمر بمشاورتهم لما ~~فيها من النفع والمصلحة؛ الرابع أنه إنما أمر بمشاورتهم ليقتدي به الناس، ~~وهذا عندي أحسن الوجوه وأصلحها. # قالوا: الخطأ مع المشورة أصلح من الصواب مع الانفراد والاستبداد، وقال ~~صاحب كليلة ودمنة: لا بد للملك من مستشار مأمون يفضي إليه بسره، ويعاونه ~~على رأيه، فإن المستشير وإن كان أفضل من المستشار وأكمل عقلا وأصح رأيا قد ~~يزداد برأي المشير رأيا، كما تزداد النار بالدهن ضوءا ونورا؛ قال الشاعر: # إذا أعوز الرأي المشورة فاستشر ... برأي نصيح أو مشورة حازم # الناس على دين ملوكهم # واعلم أن للملك أمورا تخصه يتميز بها عن السوقة، فمنها أنه إذا أحب شيئا ~~أحبه الناس، وإذا أبغض شيئا أبغضه الناس، وإذا لهج بشيء لهج به الناس إما ~~طبعا أو تطبعا ليتقربوا بذلك إلى قلبه، ولذلك قيل: الناس على دين ملوكهم. ~~فانظر كيف كان زي الناس في زمن الخلفاء، فلما ملكت هذه الدولة وأسبغ الله ~~إحسانها وأعلى شأنها غير الناس زيهم في جميع الأشياء، ودخلوا في زي ملوكهم ms007 ~~بالنطق واللباس والآلات والرسوم والآداب، من غير أن يكلفوهم ذلك أو يأمروهم ~~به أو ينهوهم عنه، ولكنهم علموا أن زيهم الأول مستهجن في نظرهم، مناف ~~لاختيارهم، فتقربوا إليهم بزيهم؛ وما زال الملوك في كل زمان يختارون زيا ~~وفنا فيميل الناس إليه ويلهجون به؛ وهذا من خواص الدولة وأسرار الملك. # ومن خواص الملك أن صحبته تورث التيه والكبر وتقوي القلب وتكبر النفس، ~~وليس صحبة غير الملك تفعل ذلك، ومن خواصه أنه إذا أعرض عن إنسان وجد ذلك ~~الإنسان في نفسه ضعفا وإن لم ينله بمكروه، وإذا أقبل على إنسان وجد ذلك ~~الإنسان في نفسه قوة وإن لم يصبه منه خير، بل مجرد الإعراض والإقبال يفعل ~~ذلك، وليس أحد من الناس بهذه المنزلة غير السلطان. # الخصال غير المستحبة PageV01P004 وأما الخصال التي يستحب أن تكون معدومة ~~فيه فقد ذكرها ابن المقفع في كلام له قال: ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من ~~وراء حاجته، وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على إلزامه بغير ما يريد، ~~وليس له أن يبخل لأنه أقل الناس عذرا في خوف الفقر، وليس له أن يكون حقودا ~~لأن قدره قد عظم عن المجازاة لأحد على إساءة صدرت منه، وليس له أن يحلف إذا ~~حدث لأن الذي يحمل الإنسان على اليمين في حديثه خلال: إما مهانة يجدها في ~~نفسه واحتياج إلى أن يصدقه الناس، وإما عي وحصر وعجز عن الكلام فيريد أن ~~يجعل اليمين تتمة لكلامه أو حشوا فيه، وإما أن يكون قد عرف أنه مشهور عند ~~الناس بالكذب فهو يجعل نفسه بمنزلة من لا يصدق ولا يقبل قوله إلا باليمين، ~~وحينئذ كلما ازداد أيمانا ازداد الناس له تكذيبا، والملك بمعزل عن هذه ~~الدنايا كلها وقدره أكبر من ذلك. # ومن الخصال التي يستحب أن تكون معدومة في الملك الحدة فإنها ربما أصدرت ~~عنه فعلا يندم عليه حين لا ينفع الندم، وأكثر ما ترى الحداد من الرجال ~~سريعي الرجوع ولذلك قال، عليه الصلاة والسلام: خير أمتي حدادها. # ومن الخصال ms008 التي يستحب عدمها في الملك الضجر والسأم والملل فذلك من أضر ~~الأمور وأفسدها لحاله. # حقوق الملك # واعلم أن للملك على رعيته حقوقا وأن لهم عليه حقوقا، فأما الحقوق التي ~~تجب للملك على رعيته فمنها الطاعة، وهي الأصل الذي ينتظم به صلاح أمور ~~الجمهور ويتمكن به الملك من الإنصاف للضعيف من القوي، والقسمة بالحق، ومما ~~جاء في التنزيل من الحث على ذلك وهي الآية المشهورة في هذا المعنى قوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم؛ ~~ومن أمثالهم: لا إمرة لمن لا يطاع. ولم ينقل في تاريخ ولا تضمنت سيرة من ~~السير أن دولة من الدول رزقت من طاعة جندها ورعاياها ما رزقته هذه الدولة ~~القاهرة المغولية، فإن طاعة جندها ورعاياها لها طاعة لم ترزقها دولة من ~~الدول. # الدولة الكسروية # فأما الدولة الكسروية فإنها على عظمها وفخامتها لم تبلغ ذلك، وقد كان ~~النعمان بن المنذر ملك الحيرة نائبا لكسرى على العرب، وبين الحيرة والمدائن ~~التي كانت سرير ملك الأكاسرة فراسخ معدودة ، والنعمان في كل أيامه قد عصى ~~على كسرى، وإذا حضر مجلسه تبسط وتجرأ على مجاوبته، وكان متى أراد خلع طاعته ~~دخل البرية فأمن شره. # الدول الإسلامية # وأما الدول الإسلامية فلا نسبة لها إلى هذه الدولة حتى تذكر معها، فأما ~~خلافة الأربعة الأول، وهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ~~رضي الله عنهم، وعلي بن أبي طالب، عليه السلام، فإنها كانت أشبه بالرتب ~~الدينية من الرتب الدنيوية في جميع الأشياء، كان أحدهم يلبس الثوب من ~~الكرباس الغليظ، وفي رجله نعلان من ليف، وحمائل سيفه ليف ويمشي في الأسواق ~~كبعض الرعية، وإذا كلم أدنى الرعية أسمعه أغلظ من كلامه. وكانوا يعدون هذا ~~من الدين الذي بعث به النبي، صلوات الله عليه وسلامه. قيل: إن عمر بن ~~الخطاب جاءته برود من اليمن ففرقها على المسلمين، فكان نصيب كل رجل من ~~المسلمين بردا واحدا، وكان نصيب عمر كنصيب واحد من المسلمين ، قيل ففصله ~~عمر ثم لبسه ms009 وصعد المنبر فأمر الناس بالجهاد، فقام إليه رجل من المسلمين ~~وقال: لا سمعا وطاعة، قال : لم ذلك؟ قال: لأنك استأثرت علينا، قال عمر: بأي ~~شيء استأثرت؟ قال: إن الأبراد اليمنية لما فرقتها حصل لكل واحد من المسلمين ~~برد منها، وكذلك حصل لك، والبرد الواحد لا يكفيك ثوبا، ونراك قد فصلته ~~قميصا تاما، وأنت رجل طويل، فلو لم تكن قد أخذت أكثر منه لما جاءك منه ~~قميص، فالتفت عمر إلى ابنه عبد الله وقال: يا عبد الله أجبه عن كلامه، فقام ~~عبد الله بن عمر وقال: إن أمير المؤمنين عمر لما أراد تفصيل برده لم يكفه، ~~فناولته من بردي ما تممه به، فقال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة . # وهذه السير ليست من طرز ملوك الدنيا وهي بالنبوات والأمور الأخروية أشبه. # خلافة بني أمية PageV01P005 وأما خلافة بني أمية فكانت قد عظمت وتفخم ~~أمرها وعرضت مملكتها، ولكن طاعتهم لم تكن كطاعة هؤلاء، كان بنو أمية في ~~الشأم وكان بنو هاشم بالمدينة لا يلتفتون إليهم، وإذا دخل الرجل الهاشمي ~~على الخليفة من بني أمية أسمعه غليظ الكلام، وقال له كل قول صعب. # الدولة العباسية # وأما الدولة العباسية فلم تبلغ طاعة الناس لها ما بلغت هذه الدولة ، مع ~~أن مدتها طالت حتى تجاوزت خمسمائة سنة، ومملكتها عرضت حتى إن بعضهم جبى ~~معظم الدنيا. وستقع الاشارة إلى ذلك عند الكلام على دولة بني العباس، وحاصل ~~الدنيا في أيام الرشيد في حسبة جامعة تشتمل عليه كتب التواريخ يدل على ذلك. ~~فأما أوائلهم فجبوا شطرا صالحا من الدنيا، وقويت شوكتهم كالمنصور والمهدي ~~والرشيد والمأمون والمعتصم والمعتضد والمتوكل، ومع ذلك لم تكن دولتهم تخلو ~~من ضعف ووهن من عدة جهات، منها امتناع الروم عليهم، وقيام الحرب بينهم وبين ~~ملوكها النصارى في كل سنة على ساق، ومع ذلك كانت جبايتها تستصعب عليهم، ~~وملوكها لا يزالون على الامتناع منهم، وقد كان من أمر المعتصم وعمورية ما ~~بلغك، ولعل طرفا منه يبلغك في هذا الكتاب عند الكلام في الدولة العباسية . # ومن أسباب ms010 الوهن الواقع في دولتهم خروج الخوارج في كل وقت. فأما المنصور ~~فلم يشرب ريقا حلوا من ذلك، وخرج عليه النفس الزكية محمد ابن عبد الله بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، بالحجاز، فجرت بينه وبينه حروب ~~أفضت إلى إرسال عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس إلى ~~الحجاز لمحاربة النفس الزكية، فقتله بموضع قريب من المدينة يقال له أحجار ~~الزيت، وذلك في سنة كذا، ولذلك سمي النفس الزكية قتيل أحجار الزيت، وخرج ~~عليه أخو النفس الزكية وهو إبراهيم ابن عبد الله بالبصرة فقلق المنصور لذلك ~~غاية القلق وقام وقعد، حتى توجه إليه عيسى بن موسى فقتله بقرية قريبة من ~~الكوفة يقال لها باخمرى، فهو يعرف بقتيل باخمري، رضي الله عنه، ومن هاهنا ~~حقد المنصور على العلويين وفعل بهم تلك الأفاعيل، ولعل طرفا منها يبلغك في ~~هذا الكتاب، إذا انتهيت من الكلام على الدولة العباسية، وكذلك جرى أمر ~~الخوارج مع خليفة خليفة، حتى كان الرعية لا ينامون في بيوتهم آمنين، ولا ~~يزالون يتوقعون الفتنة والحرب، كما كان حال أهل قزوين في مجاورة قلاع ~~الملاحدة. # حدثني الملك إمام الدين يحيى بن الافتخاري، رضي الله عنه، قال: أذكر ونحن ~~بقزوين إذا جاء لليل جعلنا جميع ما لنا من أثاث وقماش ورحل في سراديب لنا ~~في دورنا غامضة خفية، ولا نترك على وجه الأرض شيئا خوفا من كبسات الملاحدة، ~~فإذا أصبحنا أخرجنا أقمشتنا، فإذا جاء الليل فعلنا كذلك، ولأجل ذلك كثر حمل ~~القزاونة للسكاكين وكثر حملهم للسلاح، وما زال الملاحدة على ذلك حتى كان من ~~أمر شمس الدين قاضي قزوين، وتوجهه إلى قان وإحضار العسكر وتخريب قلاع ~~الملاحدة ما كان، وليس هذا الموضع موضع استيفاء الكلام في هذا، فإنه اعترض ~~وليس بمقصود. # وكما جرى للموفق بن المتوكل في مرابطة الزنج أربع عشرة سنة، ما زال ~~يصابرهم من البصرة وواسط طول هذه المدة حتى أفناهم، وكان لطول المدة قد ~~ابتنى الزنج هناك مدائن ثم خربت وآثارها الآن ms011 باقية. # أواخر العباسيين # وأما أواخرهم، أعني أواخر خلفاء بني العباس، فضعفوا غاية الضعف حتى عصت ~~تكريت عليهم، وفي ذلك يقول شاعرهم: # في العسكر المنصور نحن عصابة ... من دولة أخسس بنا من معشر # خذ عقلنا من عقدنا فبما ترى ... من خسة ورقاعة وتهور # تكريت تعجزنا ونحن بعقلنا ... نمضي لنأخذ ترمذا من سنجر PageV01P006 ~~وكانوا، أعني المتأخرين من خلفاء بني العباس، قد اقتصروا في آخر الأمر على ~~مملكة العراق فحسب، حتى إن إربل لم تكن في حكمهم، وما زالت خارجة عن حكمهم ~~إلى أن مات مظفر الدين علي كوجك صاحب إربل، وذلك في أيام المستنصر، فعين ~~علي شرف الدين إقبال الشرابي، وكان مقدم الجيوش ليتوجه إلى إربل ليفتحها، ~~وجهزه بالعساكر، فتوجه الشرابي إليها وأقام عليها أياما محاصرا ثم فتحها، ~~فضربت البشائر ببغداد يوم وصول الطائر بفتحها. فانظر إلى دولة تضرب البشائر ~~على أبواب صاحبها ويزين البلد لأجل فتح قلعة إربل التي هي اليوم في هذه ~~الدولة من أحقر الأعمال وأصغرها وأهونها، بلى قد كان ملوك الأطراف مثل ملوك ~~الشأم ومصر وصاحب الموصل يحملون إليهم في كل سنة شيئا على سبيل الهدية ~~والمصانعة، ويطلبون منهم تقليدا بولاية بلادهم بحيث يتسلطون بذلك على ~~رعيتهم، ويوجبون عليهم طاعتهم بذلك السبب. ولعل الخلفاء قد كانوا يعوضون ~~ملوك الأطراف عن هداياهم بما يناسبها أو يفضل عنها، كل ذلك لحفظ الناموس ~~الظاهر، وليكون لهم في البلاد والأطراف السكة والخطبة، حتى صار يضرب مثلا ~~لمن له ظاهر الأمر وليس له من باطنه شيء أن يقال: قنع فلان من الأمر ~~الفلاني بالسكة والخطبة، يعني قنع منه بالاسم دون الحقيقة، فهذه جمل من ~~أحوال الدولة العباسية. # وأما الدولتان البويهية والسلجوقية فلم تعرض مملكتها مع قوة شوكة ملوكهما ~~كعضد الدولة في بني بويه وطغرلبك في بني سلجوق، ولم تعم طاعتهما ولم يشمل ~~ملكهما. وأما الدولة الخوارزمشاهية مع أن جريدة السلطان جلال الدين اشتملت ~~على أربعمائة ألف فلم يعرض ملكها أيضا، ولا تجاوزت النواحي القريبة منها، ~~بلى جلال الدين غزا أطراف الهند. # من حقوق ms012 الملك # ومن الحقوق الواجبة للملك على الرعية التعظيم والتفخيم لشأنه في الباطن ~~والظاهر وتعويد النفس ذلك ورياضتها به، بحيث تصير ملكة مستقرة وتربية ~~الأولاد على ذلك وتأديبهم به ليتربى هذا المعنى معهم. # وهاهنا موضع حكاية وهي أن سلطان هذا العصر، ثبت الله قواعد دولته، وبسط ~~في الخافقين ظل معدلته، لما ورد إلى بغداد في سنة ثمان وتسعين وستمائة دخل ~~المستنصرية لمشاهدتها والتفرج فيها، وكانت قبل وروده إليها قد زينت وجلس ~~المدرسون على سددهم والفقهاء بين أيديهم وفي أيديهم أجزاء القرآن وهم ~~يقرأون منها، فاتفق أن الركاب السلطاني بدأ بالاجتياز على طائفة الشافعية، ~~ومدرسها الشيخ جمال الدين عبد الله بن العاقولي، وهو رئيس الشافعية ببغداد، ~~فلما نظروا إليه قاموا قياما، فقال للمدرس المذكور: كيف جاز أن تقوموا لي ~~وتتركوا كلام الله؟ فأجاب المدرس بجواب لم يقع بموقع الاستصواب في الحضرة ~~السلطانية، أعلى الله في الدنيا كلمتها، وفي الآخرة درجتها. ثم بعد ذلك حكى ~~لي المدرس المذكور صورة السؤال والجواب. فأما السؤال فهو ما حكيته، وأما ~~جوابه فلم أضبطه، وقلت له قد كان يمكن أن يقال في جواب هذا السؤال: إن ~~تركنا للمصحف إذا كان في أيدينا واشتغالنا بغيره لم يحرم علينا في شريعتنا ~~ولا جعل علينا في ذلك حرج، ثم إن هذا المصحف الذي قد تركناه وقمنا بين يدي ~~السلطان قد أمرنا فيه بتعظيم سلاطيننا. # ومن الحقوق الواجبة للملك على رعيته النصيحة، فمما جاء في الحديث، صلوات ~~الله وسلامه على من نسب إليه، قوله، صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة ~~قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولجماعة المسلمين. # ومنها ترك اغتياب الملك في ظهر الغيب، قال، صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا ~~الولاة فإنهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساءوا فعليهم ~~الوزر وعليكم الصبر، وإنما هم نقمة ينتقم الله بها ممن يشاء، فلا تستقبلوا ~~نقمة الله بالحمية والغضب واستقبلوها بالاستكانة والتضرع # حقوق الرعية PageV01P007 وأما الحقوق الواجبة للرعية على الملك فمنها ~~حماية البيضة وسد الثغور وتحصين الأطراف ms013 وأمن السوابل وقمع الدعار، فهذه ~~حقوق تلزم السلطان تجري مجرى الفروض الواجبة، وبهذه الأمور تجب طاعته على ~~رعيته. وبنحو من هذا احتج الخوارج على أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ~~عقيب انقضاء حرب صفين، قالوا له: أنت فرطت في حفظ هذا الثغر، يعني ثغر ~~الشأم، بتحكيمك الحكمين، فأنت مخطىء مفرط، فليس لك علينا طاعة، فإن اعترفت ~~بهذا الخطأ واستغفرت رجعنا إلى طاعتك وقاتلنا معك العدو. فعرفهم، عليه ~~السلام، أنه غلب رأيه في قضية رأيه في قضية التحكيم، وأن التحكيم لم يكن من ~~رأيه، فأصروا على قولهم ولم يقبلوا ونابذوه وقاتلوهم، حتى كانت الوقعة ~~المشهورة بالنهروان. # ومن الحقوق الواجبة للرعية على الملك الرفق بهم والصبر على صادرات ~~هفواتهم. قال، صلوات الله عليه وسلامه: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا ~~كان الخرق في شيء إلا شأنه. وقد روي عنه، صلوات الله عليه وسلامه: من الرفق ~~أشياء لا تليق إلا بمنصب النبوة كان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر ~~والشأم كثير الرفق موصوفا به، دخل مرة إلى الحمام عقيب مرضة طويلة أضعفته ~~وانتهكت قوته، فأدخل الحمام وهو في غاية الضعف، فطلب من مملوك كان واقفا ~~على رأسه ماء حارا، فأحضر له في طاسة ماء شديد الحرارة، فلما قرب منه ~~اضطربت يد المملوك فوقعت الطاسة عليه فأحرق الماء جسده، فلم يؤاخذه ولا ~~بكلام، ثم طلب منه بعد ذلك بساعة ماء باردا، فأحضر له في تلك الطاسة ماء ~~شديد البرد، فحين قرب منه اتفق له ما اتفق في المرة الأولى من اضطراب يده ~~ووقوع الطاسة عليه بذلك الماء الشديد البرد، فغشي عليه وكاد يموت. فلما ~~أفاق قال للمملوك : إن كنت تريد قتلي فعرفني، ولم يزد على هذه الكلمة، رضي ~~الله عنه. قيل: تقدم رجل أبخر إلى بعض الرؤساء يشاوره فقال له: تنح عني فقد ~~آذيتني، قال الرجل : لا كرامة ولا عزازة ما رأسناك وقمنا بين يديك إلا حتى ~~تحتمل منا ما هو أشد من هذا وتصبر منا على ما هو أعظم منه. ومما ms014 يجب للرعية ~~على الملك ردع قويهم عن ضعيفهم وإنصاف ذليلهم من عزيزهم وإقامة الحدود فيهم ~~وإقرار حقوقهم مقارها وإغاثة ملهوفهم وإجابة مستصرخهم والتسوية في حكمه بين ~~الأبعد منهم والأقرب والأذل والأعز. قال عمر بن الخطاب لرجل: إني ل اأحبك، ~~قال: فتنقصني من حقي شيئا؟ قال عمر: لا. قال الرجل: فما يفرح بالحب بعد هذا ~~إلا النساء. # على الملك عرفان نعمة الله عليه # ويجب للملك أن يعرف نعمة الله عليه بأن اصطفاه لهذه المرتبة العلية دون ~~سائر الخلق ، وبأن جعله يفزع منه كل أحد ولم يجعله يفزع من أحد، فلا يزال ~~لها ذاكرا شاكرا، فأما الذكر فلامتثال قوله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث ~~وأما الشكر فلطلب المزيد لقوله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم ويجب أن يكون ~~بينه وبين ربه معاملة سرية لايعلم بها إلآ الله، فتلك المعاملة تقي مصارع ~~السوء، وهذه العبارة مقبولة عند جميع أصحاب الملل، وعند الحكماء أيضا هي ~~مقبولة، ويمكن تأويلها على هذا المطلوب بحسب اعتقادهم . # ويجب أن يكون له دعوات يناجي بها ربه، وهي دعوات تليق بالملوك لا تصلح ~~للعوام، ولا بأس أن أثبت في هذا الموضع فصلا من الدعاء الملكي وهذا مما ~~اقترحته أنا ولم أعلم أن أحدا تنبه عليه. # الدعاء الملكي # اللهم إني أبرأ إليك من حولي وقوتي، وألجأ إلى حولك وقوتك. أحمدك على أن ~~أوجدتني من العدم، وفضلتني على كثير من الأمم. وجعلت في يدي زمام خلقك، ~~واستخلفتني على أرضك. اللهم فخذ بيدي في المضايق، واكشف لي وجوه الحقائق. ~~ووفقني لما تحب. واعصمني من الزلل ولا تسلب عني ستر إحسانك وقني مصارع ~~السوء واكفني كيد الحساد، وشماتة الأضداد. والطف بي في سائر متصرفاتي، ~~واكفني من جميع جهاتي. يا أرحم الراحمين. # ويحسن بالملك الفاضل إكرام فضلاء رعيته واختصاصهم بالبر، قال بعض ~~الحكماء: لا يجوز أن يكون الفاضل من الرجال إلا مع الملوك مكرما أو مع ~~النساك متهتلا كالفيل لا يحسن أن يرى إلا في موضعين: إما في البرية وحشيا، ~~وإما للملوك مركبا؛ كما قال الشاعر: # كمثل ms015 الفيل إما عند ملك ... وإما في مراتعه منيعا # ما يكره للملك PageV01P008 ومما يكره للملك مخالطة الأنذال، والسوقة ~~والجهال. فإن سماع ألفاظهم الساقطة ومعانيهم المرذولة وعباراتهم الدنية مما ~~يحط الهمة ويضع المنزلة ويصدىء القلب ويزري بالملك. ومخالطة الأشراف ~~ومعاشرة أفاضل الرجال مما يعلي الهمة ويذكي القلب ويفتق الذهن ويبسط اللسان ~~. وتلك قاعدة مطردة للملوك، وما زالوا يدخلون إليهم عوام الرعية ويعاشرونهم ~~ويستخدمونهم، ولم يخل أحد من الخلفاء من مثل هذا، وكأن لسان حالهم يقول: ~~نحن نخلي الكبار كبارا فإذا اختصصنا عاميا نوهنا بذكره وقدمناه حتى يصير من ~~الخواص، كما أننا إذا أعرضنا عن أحد من الخواص أرذلناه حتى يصير من أراذل ~~العوام، وكذلك هو فإن هذه خاصية من خواص الملك، وقد سبق ذكرها، وكل هذا ~~مأخوذ من الخواص الإلهية، فإن العناية الإلهية إذا صدرت ذرة منها إلى ~~النفوس صار ذلك الإنسان نبيا أو إماما أو ملكا، وإذا صدرت في حق الزمان صار ~~ذلك اليوم يوم العيد الكبير وليلة القدر وأيام الحج وأيام المواسم ~~والزيارات لسائر الأمم، وإذا صدرت تلك الذرة في حق المكان صار بيت مكة ~~والبيت المقدس والمشاهد والجوامع والزيارات والمتعبدات ومواضع التقربات. # وههنا موضع حكاية: كان ببغداد حمال يقال له عبد الغني بن الدرنوس، فتوصل ~~في أيام المستنصر حتى صار براجا في بعض أبراج دار الخليفة، فما زال يحسن ~~التوصل إلى ولد المستنصر وهو المستعصم آخر الخلفاء، وكان في زمن أبيه ~~محبوسا. فما زال هذا البراج يتعهده بالخدمة طول مدة الأيام المستنصرية إلى ~~أن توفي المستنصر، وجلس على سرير الخلافة ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم، ~~فعرف لهذا البراج حق الخدمة، ورتبه متقدم البراجين، وفي آخر الأمر استحجبه ~~في باطن داره، واختصه وقدمه حتى بلغ إلى أنه صار إذا دخل إلى الوزير ينهض ~~له ويخلي المجلس من جميع الناس إذا كان ابن الدرنوس حاضرا، وسبب إخلاء ~~المجلس الوزيري عند حضور ابن الدرنوس أنه يمكن أن يكون قد جاء في مشافهة من ~~عند الخليفة، ولقب نجم الدين الخاص، وصار من ms016 أخص الناس بالخليفة، وبلغ من ~~منزلته أنه كان يتعصب لصاحب الديوان عند الخليفة، وكان صاحب الديوان يعرض ~~مطالعاته ومهامه على يد نجم الدين الخاص، وكان يمده في كل سنة بمال طائل ~~حتى يحفظ غيبه ويزكيه في الحضرة الخليفية . # وجرى بيني وبين جمال الدين علي بن محمد الدستجرداني، رحمه الله، كلام في ~~معنى هذا ابن الدرنوس، فصوبت أنا رأي المستعصم في الإحسان إليه، وقلت: إنه ~~خدمه وأثبت عليه حقا وقد كافأه فلا عيب في هذا، وقال جمال الدين، رحمه الله ~~، ما معناه: إن تسليطه لمثل ذلك الأحمق على أعراض الناس وأموالهم وإدخاله ~~في المملكة حتى كاد أن يولي الوزراء ويعزلهم قبيح من المستعصم دليل على ~~جهله، وإلا فإن كان مراده الإحسان إليه مكافأة له على سابق خدمته فقد كان ~~يجب أن يكون ذلك بمال يعطاه برفع منزلة لا يختل بسببها أمر في المملكة، ولا ~~يتطرق بها قدح في عقل الخليفة. وكان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدق من ~~نظري، والحق في جانبه، رحمه الله. وكانت هذه المفاوضة بيني وبينه في كتاب ~~كتبته إليه اقتضى الحال فيه ذكر هذه القضية، وكتب هو الجواب عنه وأعاد ~~كتابي إلي لأني التمست منه إعادة كتابي، والكتابان هما في هذا التاريخ عندي ~~بخطي وخطه، رحمه الله. # ما يليق بالملك الفاضل # ومما يليق بالملك الفاضل ويكمل فضله أن يكون عالي الهمة رحيب الصدر محبا ~~للرياسة معدا لها أسبابها طامح البصر إليها معملا فكره في توسيع مملكته ~~وعلو درجته غير مخلد إلى التنعم ولا جانح إلى الترف ولا منهمك في اللذات. ~~قال بعض حكماء الفرس: همم الناس صغار، وهمم الملوك كبار، وألباب الملوك ~~مشغولة بكل شيء عظيم، وألباب السوقة مشغولة بأيسر الأشياء. وليعلم الملك أن ~~الرياسة عروس مهورها الأنفس. # نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين علي، عليه السلام، في صفين، فالتفت ~~إلى عمرو بن العاص وقال: من يطلب عظيما يخاطر بعظيم، وإن نظرت فيما أحاول ~~فإذا الموت في طلب العز أحسن عاقبة من الحياة مع الذل ؛ قال ms017 بعض الشعراء: # هي النفس إن ماتت فقد مات قبلها ... كرام وإن تسلم فللحدثان # إذا النفس لم تشره إلى طلب العلى ... فتلك من الأموات في الحيوان ~~PageV01P009 ومن الغاية في هذا المعنى قول امرىء القيس: # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ، ولم أطلب، قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # ومما يكمل فضيلة الملك أن تكون قوة الاختيار عنده سليمة لم تعترضها آفة ~~فيكون يختار الرجال اختيارا فاضلا . # الناصر واختيار رجاله # كان الناصر آية الدنيا في اختيار الرجال، فكان من توصلاته إلى معرفة ~~الرجل إن أشكل عليه حاله أن يشيع بين الناس أنه يريد أن يوليه المنصب ~~الفلاني، ثم يتمادى في إبرام ذلك أياما فيمتلىء البلد بالأراجيف لذلك ~~الرجل، فيفترق فيه الناس، فقوم يصوبون ذلك الرأي ويصفون فضائل الرجل، وقوم ~~يغلظون الخليفة ويذكرون عيوب الرجل، وللخليفة عيون وأصحاب أخبار لا يؤبه ~~لهم يخالطون أصناف الناس، فيكتب أصحاب الأخبار إليه بما الناس فيه من ~~الغليان في ذلك، فيعرف بصحة نظره وتمييزه أي القولين أرجح وأصوب، فإن رجح ~~في نظره تفضيل الرجل ولاه وخلع عليه، وإن ترجح عنده قول الطاعنين عليه ~~وتبين له نقصه تركه وأعرض عنه. وفي الجملة فحسن الاختيار أصل عظيم ، قال ~~الشاعر: # من كان راعيه ذئبا في حلوبته ... فهو الذي نفسه في أمره ظلما # يرجو كفايته والغدر عادته ... ومن يرد خائنا يستشعر الندما # ما يكره للملوك # ومما يكره للملوك المبالغة في الميل إلى النساء والانهماك في محبتهن وقطع ~~الزمان بالخلوة معهن، فأما مشاورتهن في الأمور فمجلبة للعجز ومدعاة إلى ~~الفساد ومنبهة على ضعف الرأي ، اللهم إلا أن تكون مشاورتهن يراد بها ~~مخالفتهن، كما قال، عليه السلام: شاوروهن وخالفوهن؛ وفي هذا الحديث سؤال ~~وجواب، إن قال قائل: إذا كان المراد مخالفتهن في آرائهن فأي فائدة في الأمر ~~بمشاورتهن، وقد كان يكفي في هذا أن يقال خالفوهن فيما يشرن به، فالجواب من ~~وجهين: أحدهما أن الأمر الأول للإباحة، والأمر الثاني للوجوب، يعني إذا ~~شاورتموهن فخالفوهن، والأخر أن ms018 الصواب لا يزال في خلاف آرائهن، فإذا أشكل ~~عليكم الصواب فشاوروهن، فإذا ملن إلى شيء فاعلموا أن الصواب في خلافه، وفي ~~هذا تظهر فائدة الأمر بمشاورتهن يعني بها يستدل على الصواب. # وحدث أن عضد الدولة فناخسرو بن بويه شغفته امرأة من جواريه حبا وغلب ~~عليه، فاشتغل بها عن تدبير المملكة حتى ظهر الخلل في مملكته، فخلا به وزيره ~~وقال له: أيها الملك إن هذه الجارية قد شغلتك عن مصالح دولتك، حتى لقد تطرق ~~النقص عليها من عدة جهات، وما سبب ذلك إلا اشتغالك عن إصلاح دولتك بهذه ~~الأمة، والصواب أن تتركها وتلتفت إلى إصلاح ما قد فسد من مملكتك. قال: فبعد ~~أيام جلس عضد الدولة على مشترف له على دجلة، ثم استدعى جارية فحضرت فشاغلها ~~ساعة حتى غفلت عن نفسها ثم دفعها إلى دجلة فغرقت، وتفرغ خاطره من حبها ~~واشتغل بإصلاح أمور دولته، فاستعظم الناس هذا الفعل من عضد الدولة ونسبوه ~~فيه إلى قوة النفس حين قويت نفسه على قتل محبوبه. # وأنا أستدل بهذ الفعل على ضعف نفس عضد الدولة لا على قوتها، فإنه لو لم ~~يحس من نفسه بالانفعال العظيم لحبها لما توصل إلى عدمها، ولو تركها حية ثم ~~أعرض عنها لكان ذلك هو الدليل على قوة نفسه. # أصناف السياسة # ولكل صنف من الرعية صنف من السياسة ، فالأفاضل يساسون بمكارم الأخلاق ~~والارشاد اللطيف، والأوساط يساسون بالرغبة الممزوجة بالرهبة، والعوام ~~يساسون بالرهبة وإلزامهم الجدد المستقيم وقسرهم على الحق الصريح . ~~PageV01P010 واعلم إن الملك لرعيته كالطبيب المريض إن كان مزاجه لطيفا له ~~التدبير ودس له الأدوية المكروهة في الأشياء الطبية، وتحيل عليه بكل ممكن ~~حتى يبلغ غرضه من برئه، وإن كان مزاجه غليظا عالجه بمر العلاج وصريحه ~~وشديده، ولذلك لا ينبغي للملك أن يتهدد من يكفي في تأديبه الإعراض ~~والتقطيب، وكذلك لا ينبغي أن يحبس من يكفي في تأديبه التهديد، كما أنه لا ~~ينبغي أن يضرب من يكفي في تأديبه الحبس، ولا أن يقتل بالسيف من يكفي في ~~تأديبه العصا. وتمييز هذه ms019 الحالات بعضها من بعض أعني معرفة المزاج الذي ~~يكفي فيه التهديد ول ايحتاج إلى الحبس أو يكفي فيه الحبس ولا يحتاج إلى ~~الضرب، يحتاج إلى لطف حدس وصحة تمييز وصفاء خاطر ويقظة تامة وفطانة كاملة، ~~فما أشد ما تشتبه الأخلاق وتلتبس الأمزجة والطباع. # إياكم والمثلة # ويجب على الملك أن ينظر في أمر القتل وإزهاق النفس فيعلم أنه الحادث الذي ~~لا حياة للحيوان بعده في الدنيا، وأنه لو اجتهد أهل الأرض كلهم على إعادته ~~إلى الحياة لم يقدروا على ذلك، وبحسب هذا الحال يجب أن يكون تثبته في إزهاق ~~النفس وهدم الصورة وتأنيه وترويه حتى تقوم الأدلة على وجوب القتل، فإذا وجب ~~استعمله على الوضع المعهود من غير تأنق فيه وتنوع غريب وتمثيل بالمقتول. ~~ورد عن سيد البشر، صلوات الله عليه وسلامه: إياكم والمثلة ولو بالكلب ~~العقور ؛ ولما ضرب ابن ملجم، لعنه الله، علي بن أبي طالب بالسيف قبض ابن ~~ملجم وحبس حتى ينظر ما يكون من أمر علي، عليه السلام، فجمع علي ولده وخاصته ~~وقال: يابني عبد المطلب لا تجتمعوا من كل صوب تقولون قتل أمير المؤمنين قتل ~~أمير المؤمنين، لا تمثلوا بالرجل فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ينهى عن المثلة ولو بالكلب العقور، وانظروا إذا أنا مت من ضربتي هذه ~~فاضربوا الرجل ضربة بضربة. # من فوائد التأني و التثبت # ومن فوائد التأني والتثبت في القتل الأمن من الندم حين لا يجدي الندم. ~~كان أفاضل الملوك والخلفاء يستعملون هذه الخصلة كثيرا، فلا يسرعون إلى قتل ~~رجل معروف مشهور خوفا من أن يحتاجوا إليه بعد ذلك فيتعذر عليهم، بل كانوا ~~يحبسونه في غوامض دورهم ويقيمون له كل ما يحتاج إليه من أطعمة شهية وفواكه ~~وثلج وأشربة وفرش وثير، ويحملون إليه كتبا يلهو بها، ويقطعون خبره عن الناس ~~حتى يثبت في نفوس أهله وأصحابه أنه قد هلك، ثم يستصفى أمواله وأموال أصحابه ~~ويستخرج ذخائره وودائعه ويصير في عداد الموتى، فلا يزال كذلك حتى تدعوهم ~~الحاجة إليه فيخرجوه مكرما وقد ms020 تأدب وتهذب: # من لم يؤدبه والداه ... أدبه الليل والنهار # القتل أنفى للقتل # وهاهنا مزلة ربما وقع فيها أفاضل الملوك، وهي أن بعض الملوك ربما كان ~~معجبا بنفسه محبا لأن ينتشر عنه حديث صرامة وشهامة وسياسة قاهرة فيستهين ~~بالقتل ويسهل أمره ويبادر إليه، وغرضه إثبات الهيبة وإقامة السياسة من غير ~~التفات إلى ما في طي ذلك من إزهاق النفس التي حرمت إلا بالحق، وهذا من أخطر ~~الأمور على الملك، والصواب ألا يزال في نفسه كارها للقتل صادفا عنه مهما ~~أمكن حتى تدعو إليه ضرورة ليس فيها حيلة، فحينئذ يقدم عليه بنفس قوية وجنان ~~ثابت، فإن قتل واحد أصلح من تركه حتى يحتاج إلى قتل خمسة، وقتل خمسة خير من ~~تركهم حتى يدب فسادهم حتى تبلغ الحاجة إلى قتل مائة، ومن أجل ذلك قال الله ~~تعالى: ولكم في القصاص حياة ؛ وقيل : القتل أنفى للقتل؛ وقال الشاعر: # بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من القتل # وقال المتنبي : # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # أوصى بعض الحكماء بعض الملوك قال: أيها الملك إنما هو سيفك ودرهمك فازرع ~~بهذا من شكرك واحصد بهذا من كفرك. جاء رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وقال له: يا رسول الله إني زنيت فخذ الحد مني، فأعرض عنه رسول الله ~~والتفت إلى يمينه، فدار الرجل حتى حاذاه وأعاد القول، فأعرض، عليه السلام، ~~عنه مرة أخرى، فعاود القول والتمس أخذ الحد منه، فكره رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، إزهاق نفسه فقال له كمن يعلمه: PageV01P011 لا تكون قد قبلت أو ~~عانقت أو ألممت ولم تفعل. قال: لا يا رسول الله ولكن زنيت. فالتفت رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أهل الرجل وأصحابه كمن يعلمهم أيضا الاعتذار ~~عنه وقال: كأنه متغير في عقله، قالوا: لا يا رسول الله ما نعرفه إلا عاقلا، ~~فحينئذ لم يبق للنبي، صلى الله عليه وسلم، حيلة فأمر باستيفاء الحد منه. # أصناف العقوبات # والمطامير الغامضة ms021 التخليد فيها يقوم مقام القتل مع الأمن من الندم ~~المخشي فيه. وأما أصناف العقوبات على الملك الكامل أن ينعم النظر فيها ~~أيضا، فكم من عقوبة قد أتت على مهجة المعاقب من غير أن يراد إزهاق نفسه. ~~وأصعب ما فيها التعذيب بالنار، وهي عقوبة غير مباركة، لأن العقوبة بالنار ~~مختصة بالله عز وجل فلا يجوز للعبد أن يشاركه فيها. والنظر في أصناف ~~العقوبات موكل إلى نظر الملك الفاضل، وبحسب ما يقتضيه الحال الحاضر، ولكن ~~الأصل الكلي فيه أن يكون الملك في نفسه كارها لذلك غير متحل به، ولا يبادر ~~إليه ولا يقدم عليه إلا إذا دعت إليه ضرورة ماسة لا يقضي فيها حق نفسه ولا ~~يشفي بها غيظ صدره، وهذا مقام صعب لا يرتقي إليه أحد إلا من أخذ التوفيق ~~بيده . # قيل إن عليا، عليه السلام، صرع في بعض حروبه رجلا ثم قعد على صدره ليحتز ~~رأسه، فبصق ذلك الرجل في وجهه فقام علي، عليه السلام، وتركه، فلما سئل عن ~~سبب قيامه وتركه قتل الرجل بعد التمكن منه قال: إنه لما بصق في وجهي اغتظت ~~منه فخفت إن قتلته أن يكون للغضب والغيظ نصيب في قتله، وما كنت أحب أن ~~أقتله إلا خالصا لوجه الله تعالى. # قال ابرويز: الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال. ويسفهون بالأيدي لا ~~بالألسن؛ وقد نظم هذا المعنى شاعر العرب فقال: # وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # الملك والانهماك في اللذات # ومما يكره للملك الانهماك في اللذات وسماع الأغاني وقطع الزمان بذلك؛ قال ~~الشاعر أبو الفتح البستي: # إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب # أما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو والطرب # وما دخل الخذلان على ملك من طريق اللهو واللعب كما دخل على جلال الدين بن ~~خوارزمشاه، فإنه لما هرب من المغول تبعوه فكان إذا رحل عن بلدة نزلوها ~~بعده، وإذا أصبح في مكان أمسوا هم في المكان يريدون قصده، وهو مع ذلك مواصل ~~لشرب الخمر عاكف على ms022 الدف والزمر لا ينام إلا سكران ولا يصبح إلا مخمورا ~~نشوان، وعسكره في كل يوم يقل وأمره في كل يوم يزداد اضطرابا ورأيه في كل ~~لحظة يفيل وحده يفل، وهو لا يشعر بذلك ولا يلتفت إليه. # الأمين ولهوه ولعبه # وممن دخل النقص عليه من الملوك بسبب اللهو واللعب محمد بن زبيدة الأمين، ~~كان كثير اللهو واللعب منهمكا في اللذات، قيل إنه لعب يوما هو ووزيره الفضل ~~بن الربيع بالنرد فتراهنا في خاتميهما ، فغلب الأمين فأخذ الخاتم، وأرسل في ~~الحال وأحضر صائغا ، وكان مكتوبا على خاتمه : الفضل ابن الربيع، فقال ~~للصائغ: اكتب تحته ينكح، فنقش الصائغ ذلك في الحال ثم أعاد الخاتم إلى ~~الفضل بن الربيع، وهو لا يعلم ما نقش عليه، ثم مضت على ذلك مدة، فيعد أيام ~~دخل الفضل بن الربيع عليه فقال له: ما على خاتمك مكتوب؟ قال: اسمي واسم ~~أبي، فتناوله الأمين ثم قال له: ما هذا المكتوب تحت اسمك؟ فلما قرأه الفضل ~~بن الربيع فهم القضية وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا ~~والله هو الخذلان المبين، أنا وزيرك ولي اليوم كذا وكذا يوما أختم الكتب ~~بهذا إلى الأطراف وهو على هذه الصفة؟! هذا والله آخر الدولة ودمارها، والله ~~لا أفلحت ولا أفلحنا معك! فكانت الفتنة بعد ذلك بيسير. # آخر الخلفاء اللاهين # وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني، لا ~~يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين ~~معه على التنعم واللذات، لا يراعون له صلاحا، وفي بعض الأمثال: الحائن لا ~~يسمع صياحا. وكتبت له الرقاع من العوام، وفيها أنواع التحذير وألقيت فيها ~~الأشعار في أبواب دار الخلافة ، فمن ذلك : # قل للخليفة مهلا ... أتاك ما لا تحب PageV01P012 ها قد دهتك فنون ... من ~~المصائب غرب # فانهض بعزم وإلا ... غشاك ويل وحرب # كسر وهتك وأسر ... ضرب ونهب وسلب # وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصمية من قصيدة أولها: # يا سائلي ولمحض الحق يرتاد ... أصخ فعندي نشدان وإنشاد # واضيعة ms023 الناس والدين الحنيف وما ... تلقاه من حادثات الدهر بغداد # هتك وقتل وأحداث يشيب بها ... رأس الوليد وتعذيب وأصفاد # كل ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني واستماع المثالث والمثاني، وملكه قد ~~أصبح واهي المباني. # ومما اشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه جماعة ~~من ذوي الطرب، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه يطلب منه ~~منجنيقات وآلات الحصار، فقال بدر الدين: انظروا إلى المطلوبين وابكوا على ~~الإسلام وأهله. وبلغني أن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي كان في أواخر ~~الدولة المستعصمية ينشد دائما : # كيف يرجى الصلاح في أمر قوم ... ضيعوا الحزم فيه أي ضياع # فمطاع المقال غير سديد ... وسديد المقال غير مطاع # قالوا: ولا ينبغي للرجل الكامل إلا أن يكون في الغاية القصوى من طلب ~~الرياسة أو في الغاية القصوى من تركها: # إذا ما لم تكن ملكا مطاعا ... فكن عبدا لخالقه مطيعا # وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تهواه فاتركها جميعا # أدوات الرياسة # وهاهنا موضع حكاية تشتمل على أدوات الرياسة، قيل: ورد أبو طالب الجارحي ~~الكاتب ولم يكن في عصره أكتب ولا أفضل منه إلى الري قاصدا حضرة ابن العميد، ~~فلم يجد عنده قبولا ولا رأى عنده ما يحب، ففارقه وقصد أذربيجان وسار إلى ~~ملكها، وكان فاضلا لبيبا، فلما اختبره وعرف فضله سأله المقام عنده وأفضل ~~عليه، فأقام لديه على أفضل حال، فكتب إلى ابن العميد يوبخه على جهل حقه ~~وتضييعه لمثله، فمن جملة الكتاب: حدثني بأي شيء تحتج إذا قيل لك لم سميت ~~الرئيس؟ وإذا قيل لك ما الرياسة؟ أتدري ما الرياسة ؟ الرياسة أن يكون باب ~~الرئيس مصونا في وقت الصون، ومفتوحا في وقت الفتح، وأن يكون مجلسه عامرا ~~بأفاضل الناس وخيره واصلا إلى كل أحد، وإحسانه فائضا، ووجهه مبسوطا، وخادمه ~~مؤدبا، وحاجبه كريما طلقا، وبوابه لطيفا، ودرهمه مبذولا وطعامه مأكولا، ~~وجاهه معرضا، وتذكرته مسودة بالصلات والجوائز والصدقات، وأنت فبابك لا يزال ~~مقفلا، ومجلسك خاليا، وخيرك مقنوطا منه، وإحسانك غير مرجو، وخادمك مذموم، ~~وحاجبك ms024 هرار، وبوابك شرس الأخلاق، ودرهمك في العيوق، وتذكرتك محشوة بالقبض ~~على فلان واستئصال فلان ونفي فلان، فبالله عليك هل عندك غير هذا؟ ولولا أن ~~أكون قد دست بساطك، وأكلت من طعامك، لأشعث هذه الرقعة، ولكني أرعى لك حق ما ~~ذكرت، فلا يعلم بها إلا الله وأنت، ووالله ثم والله ثم والله مالها عندي ~~نسخة ولا رآها مخلوق غيري ولا علم بها، فأبطلها أنت إذا وقفت عليها وأعدمها ~~والسلام على من اتبع الهدى. # الجزاء على الإحسان والإساءة # ويجب أن يكون الملك مجازيا على الإحسان بمثله وعلى الإساءة بمثلها، لتكون ~~رعيته دائما راجين لبره خائفين من سطوته؛ وما أحسن قول النابغة للنعمان بن ~~المنذر في هذا الباب وهو : # ومن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد # ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد # وقالت الفرس: فساد المملكة واستجراء الرعية وخراب البلاد بإبطال الوعد ~~والوعيد، ولا يليق بالملك الفاضل أن يكون افتخاره بزخارف الملك مما حوته ~~يده، واشتملت عليه خزانته من نفائس الذخائر وطرائف المقتنيات، فإن تلك ~~ترهات لا حقائق لها، ولا معرج لفاضل عليها، وكذلك لا ينبغي له أن يكون فخره ~~بالآباء والأجداد، وإنما ينبغي أن يكون فخره بالفضائل التي حصلها، والأخلاق ~~التي كملها، والآداب التي استفادها، والأدوات التي استجادها. PageV01P013 ~~افتخر بعض الأغنياء عند بعض الحكماء بالآباء والأجداد وبزخارف المال ~~المستفاد، فقال له ذلك الحكيم: إن كان في هذه الأشياء فخر فينبغي أن يكون ~~الفخر لها لا لك، وإن كان آباؤك كما ذكرت أشرافا فالفخر لهم لا لك. # قال العسجدي: كان بعض الحكماء إذا وصف عنده إنسان يقول: هو عصامي أم ~~عظامي؟ فإن قيل له هو عصامي نبل في عينه، وإن قيل هو عظامي لم يكترث به. ~~وقوله عصامي إشارة إلى قول القائل: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما # وصيرته ملكا هماما # يعني أن بعقله وبنفسه صار رئيسا؛ وقوله عظامي يعني أنه يفتخر بالآباء ~~والأجداد والعظام النخرة. قال العسجدي لبعض أصحاب ابن العميد ذي الكفايتين: ~~كيف رأيت ms025 الوزير؟ فقال: رأيته يابس العود، ذميم العهود، سيء الظن بالمعبود. ~~فقال العسجدي: أما رأيت تلك الأبهة والصيت والموكب والتجمل الظاهر والدار ~~الجليلة والفرش السني والحاشية الجميلة؟ فقال ذلك الرجل: الدولة غير ~~السؤدد. والسلطنة غير الكرم. والحظ غير المجد. أين الزوار والمنتجعون؟ وأين ~~الآملون والشاكرون ؟ وأين الواصفون الصادقون؟ وأين المنصرفون الراضون؟ وأين ~~الهبات وأين التفضلات؟ وأين الخلع والتشريفات ؟ وأين الهدايا وأين الضيافات ~~؟ هيهات هيهات لا تجيء الرياسة بالترهات ولا يحصل الشرف بالخزعبلات، أما ~~سمعت قول الشاعر: # أبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح في فرط إعجابه # ولا في فراهة برذونه ... ولا في ملاحة أثوابه # ولكنه في الفعال الجمي ... ل والكرم الأشرف النابه # ولمؤلف هذا الكتاب ، أصلح الله شأنه، وصانه عما شانه، في هذا المعنى: # ليس فضل الفتى على الناس في ثو ... ب ودار وبغلة ولجام # إنما الفضل في تفقد جار ... ونسيب وصاحب وغلام # أنواع السياسات الخمسة # قالوا: السياسات خمسة أنواع، سياسة المنزل والقرية والمدينة والجيش ~~والملك، فمن حسنت سياسته في منزله حسنت سياسته في قريته، ومن حسنت سياسته ~~في قريته حسنت سياسته في مدينته ، ومن حسنت سياسته في مدينته حسنت سياسته ~~للجيش، ومن حسنت سياسته للجيش حسنت سياسته للملك. وأنا لا أرى هذا لازما، ~~فكم من عامي حسن السياسة لمنزله ليس له قوة سياسة الأمور الكبار، وكم من ~~ملك حسن السياسة لمملكته ليس يحسن سياسة منزله، والمملكة تحرس بالسيف وتدبر ~~بالقلم، واختلفوا في السيف والقلم أيهما أفضل وأولى بالتقديم ، فقوم يرون ~~أن يكون القلم غالبا للسيف، واحتجوا على مذهبهم لأن السيف يحفظ القلم فهو ~~يجري معه مجرى الحارس والخادم، وقوم يرون أن يكون السيف هو الغالب، واحتجوا ~~بأن القلم يخدم السيف لأنه يحصل لأصحاب السيوف أرزاقهم فهو كالخادم له. ~~وقوم قالوا: هما سواء ولا غنى لأحدهما عن الآخر. قالوا: المملكة تخصب ~~بالسخاء وتعمر بالعدل وتثبت بالعقل وتحرس بالشجاعة وتساس بالرياسة، وقالوا: ~~الشجاعة لصاحب الدولة. # ومن وصايا الحكماء: اجعل قتال عدوك آخر حيلتك، وانتهز الفرصة وقت ~~إمكانها، وكل الأمور إلى أكفائها، ومن ms026 ركب ظهر العجلة لم يأمن الكبوة، ومن ~~عادى من لا طاقة له به فالرأي له مداراته وملاطفته والتضرع إليه، حتى يخلص ~~من شره ببعض وجوه الخلاص. # قالوا: وينبغي للملك ملاطفة أعدائه وإخوان أعدائه، فبدوام الإحسان إليهم ~~تزول عداوتهم، وإن أصروا على عداوته بعد إحسانه كانوا قد بغوا عليه، ومن ~~بغي عليه لينصرنه الله. # وعظ بعض الحكماء بعض أفاضل الملوك فقال: الدنيا دول فما كان فيها لك أتاك ~~على ضعفك، وما كان فيها عليك لم تدفعه بقوتك، والشر مخوف ولا يخافه إلا ~~العاقل، والخير مرجو يطلبه كل أحد، وطالما تأتى الخير من ناحية الشر، وتأتى ~~الشر من جهة الخير، وهذا مأخوذ من قوله عز وجل: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون # حكاية PageV01P014 وهاهنا موضع حكاية : تقدم نور الدين صاحب الشأم إلى ~~أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين يوسف بن أيوب بالتوجه إلى مصر لأمر ندبه ~~إليه، فقال أسد الدين شيركوه: يا مولانا ما أتمكن من هذا دون أن يجيء صحبتي ~~يوسف ابن أخي، يعني صلاح الدين، قال: فتقدم نور الدين إلى صلاح نور الدين ~~بالتوجه صحبة عمه أسد الدين شيركوه، فاستعفاه صلاح الدين من التوجه وقال: ~~ليس لي استعداد، فتقدم نور الدين بإزاحة علله وجزم عليه في التوجه، قال ~~صلاح الدين: فخرجت مع عمي كارها وأنا كمن يقاد إلى المذبح، فلما وصلنا مصر ~~وأقمنا بها مدة كان مني ما كان من تملك مصر. ثم تملكها صلاح الدين وعرضت ~~مملكته وتملك الشأم بعدها، وسيأتيك نبأ هذا مفصلا مشروحا عند الكلام على ~~الدولة الصلاحية إن شاء الله تعالى ووفق. # العدو عدوان # قالوا: العدو عدوان، عدو ظلمك وعدو ظلمته، فأما العدو الذي ظلمته فلا تثق ~~إليه واحترز منه مهما أمكنك، وأما العدو الذي ظلمك فلا تخفه كل الخوف فإنه ~~ربما استحيا من ظلمك وندم فرجع لك إلى ما تحب منه، وإن أصر على ظلمك انتصف ~~لك منه من إليه يلجأ المظلومون. ms027 # وربما نفع العدو وضر الصديق، قال الاسكندر: انتفعت بأعدائي أكثر مما ~~انتفعت بأصدقائي، لأن أعدائي كانوا يعيرونني ويكشفون لي عيوبي وينبهونني ~~بذلك على الخطأ فأستدركه، وكان أصدقائي يزينون لي الخطأ ويشجعونني عليه، ~~وقال الشاعر: # وما ساءني إلا الذين عرفتهم ... جزى الله خيرا كل من لست أعرف # حسن سياسة الإسكندر # وقيل للإسكندر: بم نلت هذه المملكة العظيمة على حداثة السن؟ قال: ~~باستمالة الأعداء وتصييرهم بالبر والإحسان أصدقاء، وتعاهد الأصدقاء بأعظم ~~الإحسان وأبلغ الإكرام. قال بعض الحكماء: لا يرد بأس العدو القاهر مثل ~~التذلل والخضوع، كما أن النبات الرطب يسلم من الريح العاصفة بلينه لأنه ~~يميل معها كيف مالت. وما لهج الملوك بشيء أشد من لهجهم بالصيد والقنص، وهو ~~الشيء الذي طالما اتفقت فيه النكت العجيبة، و الطرف الغريبة. وكان المعتصم ~~ألهج الناس به، بنى في أرض دجيل حائطا طوله فراسخ كثيرة، وكان إذا ضرب حلقة ~~يضايقونها ولا يزالون يحدون الصيد حتى يدخلوه وراء ذلك الحائط، فيصير بين ~~الحائط وبين دجلة، فلا يكون للصيد مجال، فإذا انحصر في ذلك الموضع دخل هو ~~وولده وأقاربه وخواص حاشيته وتأنقوا في القتل وتفرجوا فقتلوا ما قتلوا ~~وأطلقوا الباقي، وقيل: إن المعتصم دوغ عدة من حمر الوحش وأطلقها لأنه بلغه ~~أن أعمارها طويلة. # المعتصم في الصيد # وهاهنا موضع حكاية طريفة عجيبة: حدثني صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر ~~الأرموي قال: حدثني مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير قال: خرجنا مرة في ~~خدمة الخليفة المعتصم إلى الصيد، وضربنا حلقة قريبا من الجلهمة، وهي قرية ~~بين بغداد والحلة، ثم تضايقت الحلقة حتى صار الفارس منا يصيد الحيوان بيده، ~~فخرج في جملة حمر الوحش حمار كبير الجثة عليه وسم فقرأناه وإذا هو وسم ~~المعتصم، قال: فلما رآه المستعصم وسمه بوسمه وأطلقه، وكان بين المعتصم وبين ~~المستعصم حدود خمسمائة سنة. # حديث طريف عن الصيد PageV01P015 ومن طريف ما سمعت من أمر الصيد ما حدثني ~~به رجل من أهل الأدب ببغداد قال: حدثني محمد بن صالح البازياري قال: تصيدنا ~~بين يدي السلطان أباقا ms028 يوما، فطار ونحن بين يديه ثلاثة كراكي على سمت ~~مستقيم، فأطلقنا شاهينا فعلا وانحط على الأعلى من الكراكي فلطمه فوقع على ~~الثاني فكسره ثم وقعا كلاهما على الثالث فكسراه ووقعت الثلاثة بين يدي ~~السلطان، قال: فتعجب من ذلك غاية التعجب وخلع علينا جميعنا. وقال الصاحب ~~علاء الدين في جهان كشاي: إن حلقة جنكزخان كان أمدها مسير ثلاثة شهور وما ~~أرى هذا إلا مستبعدا، وما لهج الملوك بالصيد هذا اللهج الشديد، ولا كلفوا ~~به هذا الكلف العظيم وأطلقوا للبازيارية الأموال الجليلة، وأقطعوهم ~~الاقطاعات السنية، وسهلوا عليهم حجابهم وقطعوا معظم زمانهم فيه باطلا ولا ~~عبثا، فإن القنص يشتمل على فوائد كثيرة جليلة النفع، منها، وهو الغرض ~~الأشرف منه، تمرين العساكر على الركض والكر والعطف، وتعويدهم الفروسية، ~~وإدمانهم للرمي بالنشاب والضرب بالسيف والدبوس، واعتياد القتل والسفك ~~وتقليل المبالاة بإراقة الدماء وغصب النفوس، ومنها اختبار الخيول ومعرفة ~~سبقها وصبرها على دوام الركض، ومنها أن حركة الصيد حركة رياضية تعين على ~~الهضم وتحفظ صحة المزاج، ومنها فضل لحم الصيد على باقي اللحوم لأنه بقلقه ~~من الجوارح تثور حرارته الغريزية فتزيد من حرارة الإنسان، قال بعض الحكماء: ~~وخير اللحم ما أقلقه الجارح إقلاقا، ومنها الطرف العجيبة التي تتفق فيه، ~~وقد تقدم ذكر شيء منها . # لهو يزيد بن معاوية # وكان يزيد بن معاوية أشد الناس كلفا بالصيد لا يزال لاهيا به، وكان يلبس ~~كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبدا ~~يخدمه، قيل: إن عبيد الله بن زياد أخذ من بعض أهل الكوفة أربعمائة ألف ~~دينار جناية وجعلها في خزن بيت المال، فرحل ذلك الرجل من الكوفة وقصد دمشق ~~ليشكو حاله إلى يزيد، وكانت دمشق في تلك الأيام فيها سرير الملك، فلما وصل ~~الرجل إلى ظاهر دمشق سأل عن يزيد فعرفوه أنه في الصيد، فكره أن يدخل دمشق ~~وليس يزيد حاضرا فيها، فضرب مخيمه ظاهر المدينة وأقام به ينتظر عود يزيد من ~~الصيد، فبينا هو في بعض الأيام جالس في خيمته لم يشعر ms029 إلا بكلبة قد دخلت ~~عليه الخيمة، وفي قوائمها الأساور الذهب، وعليها جل يساوي مبلغا كثيرا، وقد ~~بلغ منها العطش والتعب وقد كادت تموت تعبا وعطشا، فعلم أنها ليزيد وأنها قد ~~شذت منه، فقام إليها وقدم لها ماء وتعهدها بنفسه، فما شعر إلا بشاب حسن ~~الصورة على فرس جميل وعليه زي الملوك، وقد علته غبرة، فقام إليه وسلم عليه، ~~فقال له: أرأيت كلبة عابرة بهذا الموضع؟ فقال: نعم يا مولانا هاهي في ~~الخيمة قد شربت ماء واستراحت، فجذب بحبلها ليخرج فشكا الرجل إليه حاله، ~~وعرفه ما أخذ منه عبيدة الله بن زياد، فطلب دواة وكتب له برد ماله وخلعة ~~سنية، وأخذ الكلبة وخرج، فرد الرجل من ساعته إلى الكوفة ولم يدخل دمشق . # السلطان مسعود يسور الكلاب # وكان السلطان مسعود يبالغ أيضا في ذلك ويلبس الكلاب الجلال الأطلس ~~الموشاة ويسورها بالأساور، وكان يقلل في بعض الوقت الالتفات إلى أمين ~~الدولة ابن التلميذ الطبيب النصراني، وكان فاضلا ظريفا، فقال: # من كان يلبس كلبه ... وشيا ويقنع لي بجلدي # فالكلب خير عنده ... مني وخير منه عندي # إنسان في حلقة صيد # وحدثني الأمير فخر الدين بغدي بن قشتمر قال: ضرب جدي الملك قشتمر حلقة ~~للصيد، فوقع فيها إنسان قصير جدا كصغير يكون عمره خمس سنين، وقد طالت ~~أظفاره وشعر بدنه طولا مفرطا، قال: فأمسكوه وأحضروه بين يدي الناصر، ~~فاستنطقوه فلم ينطق، فأحضروا له الطعام فلم يأكل، والماء فلم يشرب، ~~فاجتهدوا معه بكل ممكن على أن يتكلم وهو صامت لا ينطق ببنت شفة، فقال له ~~بعض الحاضرين: فأي شيء تريد ؟ فلم يتكلم. فقال له: تريد نطلقك؟ فحرك رأسه ~~يعني نعم، قال: فتقدم الناصر بإطلاقه فلما أطلق عدا أشد من عدو الغزال ثم ~~دخل البرية. # كسرى ورعيته PageV01P016 سئل بزرجمهر عن أردشير فقال: أحيا الليل للحكمة ~~وفرغ النهار للسياسة. وقيل له: لأي حال عم كسرى بمعروفه جميع رعيته؟ قال: ~~خوفا من أن يفوته المستحق. قيل له: فكيف يمكن أن يعم بمعروفه جميع رعيته؟ ~~قال: نعم كان ينوي لهم الخير ms030 فإذا نوى لهم الخير فقد عمهم بمعروفه. # روي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: يزع الله بالسلطان أكثر ~~مما يزع بالقرآن، قالوا: لأن الناس يخافون من عواجل العقوبة أشد مما يخافون ~~من آجلها. # ما لا يليق بالملك الكامل # ومما لا يليق بالملك الكامل الإفاضة في مجلسه في وصف الطعام والنساء لئلا ~~يشارك بذلك العامة، لأن العامة قد قنعوا من عيشهم باليسير واقتصروا عليه ~~وتركوا الأمور للكبار، فإذا أرادوا أن يفيضوا في حديث لم يكن لهم إلا وصف ~~أنواع الأطعمة ووصف أصناف النساء. قال الأحنف بن قيس: جنبوا مجالسنا ذكر ~~الطعام والنساء، فإني أبغض أن يكون الرجل وصافا لبطنه مداحا لفرجه مائلا ~~بصغوه إلى النساء. # قال أبرويز لابنه: لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك، ولا تضيق عليهم ~~فيضجروا منك، وأعطهم عطاء قصدا، وامنعهم منعا جميلا، ووسع عليهم في الرجاء، ~~ولا توسع عليهم في العطاء. ولما سمع المنصور هذا الكلام صادف منه موضعا ~~قابلا للشح الغالب عليه، فقال: هذا هو الرأي، وهذا معنى قول القائل: أجع ~~كلبك يتبعك، فقام إليه بعض القواد وقال: يا أمير المؤمنين أخاف أن يلوح له ~~غيرك برغيف فيدعك ويتبعه. # سياسة الرياسة # قالوا: سياسة الرياسة أشد من الرياسة. كما أن سياسة - الخدمة أشد من ~~الخدمة، وكما أن التوقي بعد شرب الدواء أشد من الدواء، كذلك رب الصنيعة أشد ~~من الصنيعة. وعلى الرئيس أن يصبر على مضض الرياسة. # قال بعض حكماء الترك: ينبغي أن يكون في قائد الجيش عشر خصال من أخلاق ~~الحيوان، جرأة الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وصبر الكلب على ~~الجراح، وغارة الذئب، وحراسة الكركي، وسخاء الديك، وشفقة الدجاجة على ~~الفراريج، وحذر الغراب، وسمن تعرو، وهي دابة تكون بخراسان تسمن على السفر ~~والكد. # قالوا: والفاضل من طلاب الرياسة هو الذي يكون مطبوعا على المعرفة، مخلوقا ~~فيه صحة التمييز، مكتسبا للعلم بما جرى في الدنيا من تصاريف الدهور وتنقل ~~الدول، عارفا بمداراة الأعداء، كتوما لسره، إذ كان قطب السياسة عليه يدور، ~~وأن يستمد لعقله من ms031 عقول العقلاء، فإن العقل الفرد لا يقوم بنفسه، وينبغي ~~أن يكون ذا روية عند اشتباه الآراء، وعزيمة عند اختلاف الأهواء حتى يكشف. # تحصين المملكة بالحزم # وأما الحزم فهو الأصل الذي يبنى عليه في تحصين المملكة، وقد كان يجب ~~تقديمه وذكره في أول الكتاب عند أخواته من الخصال المحمودة، ولكن العقل ~~يشتمل عليه ويستلزمه فأكتفي بذكره عنه ، ولا بأس بذكر نبذة في هذا الموضع ~~منه. قالوا: أحزم الملوك من ملك جده هزله، وقهر رأيه هواه، وعبر عن ضميره ~~فعله، ولم يختدعه رضاه عن حظه ولا غضبه عن كيده. وكان يقال: الحازم من ~~الملوك من يبعث العيون على نفسه ويتفقدها حتى لا يكون الناس بعيبه أعلم منه ~~بعيب نفسه. وقالوا: حزم الملوك من حمل رعيته على التخلق بأخلاقه والتأدب ~~بآدابه بالرفق والتوصل الحسن والتأني اللطيف. وخطر لي في هذا المعنى سر ~~لطيف، وهو أن الرعية إذا تدارجوا إلى التخلق بأخلاق الملك والتأدب بآدابه ~~صاروا مستحسنين لصادرات أحواله وأفعاله، لأنهم هم يفعلونها ويعتمدونها فلا ~~يصير أحد منهم يذم سيرته، ولا يزري عليه، ومتى كانت طباعهم منافية لطباعه ~~وأخلاقهم مضادة لأخلاقه أغروا بالازراء عليه والذم لأفعاله، وهذا سر لطيف ~~منطو في قولهم. # وقالوا: أحزم الملوك من تقدم بإحكام الأمر قبل نزول حاجته، وتدارك المهم ~~الخطر قبل وقوعه. قيل للاسكندر: ما علامة دوام الملك؟ قال: الاقتداء بالحزم ~~والجد في كل الأمور. قيل: فما علامة زواله؟ قال: الهزل فيه. وقال أنوشروان: ~~الحزم حفظ ما وليت وترك ما كفيت. وقال آخر: أحزم الملوك من ملك أمره ودبر ~~خصاله وقمع شهوته وقهر نوازعه. قالوا: ينب غي أن يكون أول أمر الملك الحزم، ~~فإذا وقع الأمر فينبغي أن يكون حينئذ الجد والاجتهاد. PageV01P017 قيل لبعض ~~فضلاء الملوك: نراك إذا وفد عليك وافد أطلت مجالسته، وربما لا يكون أهلا ~~لذلك، قال: إن حقيقة حال الرجل لا تبين في مجلس أو مجلسين، فأنا أطاول ~~عشرته وأختبره في عدة مجالس، فإن كان فاضلا اصطفيته، وإن كان ناقصا تركته. ~~وقال آخر: لا ينبغي لأحد ms032 أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز، ولا يرغب في تضييعه ~~لنكبة دخلت على حازم. قالوا: من لم يقدمه الحزم أخره العجز. وقيل لعبد ~~الملك بن مروان: ما الحزم؟ قال: اختداع الناس بالمال واستمالتهم به، فإنهم ~~أتباعه أين كان كانوا وكيف مال مالوا. وقال بعض الملوك لبعض الحكماء: متى ~~تكون الثقة بالعدو حزما؟ قال: إذا شاورته في أمر هو لك وله. وقال مسلمة بن ~~عبد الملك: ما فرحت بظفر ابتدأته بعجز، ولا ندمت على مكروه ابتدأته بحزم. # ما يجب على الملك الفاضل # ومما يجب على الملك الفاضل إمعان النظر في أمر الأسرار وصونها وتحصينها ~~وحراستها من الإفشاء والذياع، وهذا باب يحتاج فيه إلى التأني التام، فكم من ~~مملكة خربت، وكم من نفس تلفت بسبب ظهور سر واحد. وحفظ السر وكتمانه من أفضل ~~ما اعتنى به الإنسان. فمما جاء في ذلك في الحديث: من كتم سره ملك أمره ، ~~وقال علي، عليه السلام: الرأي تحصين السر. # أسر بعض الناس إلى رجل حديثا وأمره بكتمانه، فلما انقضى الحديث قال له: ~~فهمت؟ قال: بل نسيت ، وقال عمرو بن العاص : إذا أفشيت سري إلى صديقي فأذاعه ~~كان اللوم لي لا له. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأني أنا كنت أولى بصيانته ~~منه؛ ومن أناشيد هذا الباب : # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # قالوا: لا ينبغي أن يكون سر الملك إلا عند واحد، فإنه إذا كان عند واحد ~~كان أحرى ألا يظهر إما رغبة وإما رهبة، لأنه إن ظهر تحقق الملك أن ظهوره قد ~~كان من جهة ذلك الرجل، ومتى كان السر عند جماعة ثم ظهر أحال كل واحد منهم ~~على الآخر، فإن عاقبهم الملك جميعا كان قد ظلمهم إلا واحدا، وإن ترك ~~معاقبتهم طمعوا وتطرقوا على إفشاء أسراره؛ قال الشاعر: # وسرك ما كان عند امرىء ... وسر الثلاثة غير الخفي # فإن احتاج الملك إلى أظهار سره لجماعة فأصلح ماله أن يفضي به إلى كل واحد ~~منهم على سبيل الانفراد، ويوصيه بالكتمان ms033 ويوهمه أنه ما أفضى إلى غيره به، ~~فذلك أجدر لأن ينكتم السر. شاور بعض ملوك الفرس وزراءه في أمر، فقال واحد ~~منهم: لا ينبغي للملك أن يستشير بأحدنا إلا خاليا به، فإنه أكتم للسر وأحزم ~~في الرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض. # وما اعتنت دولة بتحصين الأسرار والمبالغة في حفظها كالدولة العباسية ، ~~فإن لها من هذا الباب عجائب، وكم من نعمة أزالوها عن أربابها، ونفس أزهقوها ~~بسبب كلمة منقولة أو حكاية مقولة. # قضية ظريفة # جرى في أيام الناصر قضية ظريفة لا بأس بذكرها هاهنا: PageV01P018 كان ~~للناصر ولدان هما ولدا ولده، وكان قد أقطعهما بلاد خوزستان وتوجها إليها ~~وأقاما بها، ففي بعض الليالي أفكر الناصر في أمرهما واشتاقهما وخاف عليهما ~~من حادث يحدث بتلك الناحية، فأرسل في الحال إلى وزيره القمي وقال له: أرسل ~~في هذه الساعة إليهما من يأمرهما بالوصول إلى بغداد ولا تشعر بهذا مخلوقا. ~~فأحضر الوزير نجابا في ذلك الحال، وكان جماعة من النجابين يبيتون في كل ~~ليلة بباب الديوان، يبيت أحدهم وتحت رأسه راحلته وزاده ونفقته وقد ودع ~~أهله، فإن عرض في الليل مهم توجه فيه، فلما حضر النجاب بين يدي الوزير ~~شافهه بالمراسلة، وقال له: تخرج في هذه الساعة وإياك أن يعلم هذا أحد فيكون ~~عوضه نفسك. ثم تقدم الوزير يحمل مفتاح باب من أبواب السور له، فلما مضى ~~ليخرج اجتاز ببعض الدروب، وامرأتان في منظرتين متقابلتين تتحدثان، فقالت ~~إحداهما للأخرى: ترى هذا النجاب إلى أين يمشي في هذا الوقت؟ فقالت لها ~~الأخرى: يمشي إلى دستر لإحضار ولدي الخليفة، فإنه قد خاف عليهما وقد ~~اشتاقهما لأن مدتهما هناك قد طالت. فلما سمع النجاب ذلك رجع من ساعته إلى ~~الديوان واستأذن على الوزير، فلما علم الوزير برجوعه انزعج لذلك وأحضره ~~وسأله عن سبب عوده، فقال له: يا مولانا جرى الساعة في الدرب الفلاني كيت ~~وكيت، وخفت أن أتوجه وينتشر هذا الحديث فما تشكون في أنني أنا الذي أظهرته، ~~فيكون ذلك سبب هلاكي. فقال له الوزير: ms034 قد عرفنا ذلك، اخرج وتوجه في أمان ~~الله فإن الشياطين تنقل عظائم الأخبار. # ومما يجري هذا المجرى ما حدثني به بعض أهل بغداد، قال: حدثني صديق لي ~~قال: كنا نتمشى في دولاب بستان البقل، وقد أمعنا في الدخول إلى أقصاه، ~~فسمعنا صوت قائل يقول: مات أباقا، قال: فنظرنا فلم نبصر أحدا، ثم إننا ~~أرخنا اليوم، فلما فشا الخبر كان كما قال . # موضع السر # قيل: إن صاحب الموصل وأظنه بدر الدين قال لمجد الدين بن الأثير الجزري: ~~أريد أن تعين لي في هذه الساعة على رجل دين أمين يكون موضعا للسر، حتى ~~أحمله مشافهة سرية إلى الخليفة ويتوجه في هذه الساعة، فأفكر ابن الأثير ~~ساعة ثم قال: يا مولانا ما أعرف أحدا بهذه الصفة إلا أخي. قال: فقم وعرفه ~~ذلك. وأرسله إلى داره. وحكى لأخيه ما جرى عند السلطان، وقال له: يا أخي ~~والله ما شهدت لك إلا بما أعرفه منك، فتوجه إلى خدمة السلطان وامتثل ما ~~يشير به. فحضر ابن الأثير عند السلطان وشافهه بالمراسلة، وقال له: تتوجه في ~~هذه الساعة . فحضر ابن الأثير إلى داره ليودع أخاه فوجده قائما في الدهليز ~~ينتظره، فقال له: شافهك السلطان بالحديث؟ قال: نعم، قال: فما هو؟ قال : يا ~~أخي الساعة شهدت لي عنده بالدين والأمانة. وحفظ السر فيجوز أن أكذبك في ~~الحال؟ قال لي شيئا ما أقوله إلا لمن أمرني أن أقوله له. قال: فبكى مجد ~~الدين أخوه ودعا له. # ومن الأشعار المقولة في ذلك قول الحماسي: # وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها # لكل امرىء شعب من القلب فارغ ... وموضع نجوى لا يرام اطلاعها # يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # ومن جيد ما قيل في ذلك: # لا تسألي القوم ما مالي وكثرته ... وسائلي القوم ما مجدي وما خلقي # هل أطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السر فيه ضربة العنق # ومن جيده قول الصابىء: # فقل لصديقي: كن على السر آمنا ... إذا لم يكن بيني وبينك ms035 ثالث # وقول الآخر: # وإنك كلما استودعت سرا ... أنم من النسيم على الرياض # ولمؤلف هذا الكتاب في ذلك من جملة أبيات : # وما احتفر الأصحاب للسر حفرة ... كصدري ولو جار الشراب على عقلي # وله في ذلك أيضا : # وإن يكن الزجاج ينم طبعا ... فسيدنا أنم من الزجاج # السعايات والنمائم PageV01P019 ومن الأمور التي يجب تدقيق الفكر فيها، ~~والتثبت التام والتأني في تأملها، حديث السعايات والنمائم، فكم من نمام أو ~~ساع قد شفى غيظه بإيقاع مسكين بين يدي ملك قاهر في تهمة هو بريء منها، ثم ~~اشتبه الأمر على الحاكم فاهلك الرجل البريء بغير ذنب، ثم لما علم بصورة ~~الحال ندم حين لا ينفع الندم فعم الضرر بذلك الثلاثة: الساعي والمسعي إليه ~~لأنهما أهلكا دينهما بما فعلاه، والمسعي به لتعجله العقوبة، فعم الضرر ~~الثلاثة، ومما جاء في ذلك التنزيل: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين؛ ومما جاء في ~~الحديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعن إلينا عورة أخيه المسلم ~~رفع إنسان إلى يحيى بن خالد بن برمك قصة يقول فيها: إنه قد مات رجل تاجر ~~غريب، وقد خلف جارية حسناء وولدا رضيعا ومالا كثيرا، والوزير أحق بهذا، ~~فكتب يحيى بن خالد على رأس القصة: أما الرجل فرحمه الله، وأما الجارية ~~فصانها الله، وأما الطفل فرعاه الله، وأما المال فثمره الله، وأما الساعي ~~إلينا بذلك فلعنه الله. # قيل: لما تولى عبد العزيز بن مروان دمشق ولم يكن في بني أمية ألب منه، ~~وكان حديث السن، طمع فيه أهل دمشق، وقالوا: صبي لا علم له بالأمور وسيسمع ~~كل ما نقول له، فقام إليه رجل وقال: أصلح الله الأمير نصيحة، فقال: ليت ~~شعري ما هذه النصيحة التي قد ابتدأتني بها من غير يد سبقت مني إليك؟ هات ~~نصيحتك، قال: لي جار وهو عاص خالع للطاعة، وذكر له عيوبا، فقال له عبد ~~العزيز: إنك أيها الرجل ما اتقيت الله تعالى ولا أكرمت أميرك ولا حفظت ms036 ~~جوارك، إن شئت نظرنا فيما تقول، فإن كنت صادقا لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت ~~كاذبا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك. فقال : بل أقلني أيها الأمير. قال : ~~اذهب حيث شئت لا صحبك الله، إني أراك شر رجل. # كان الوزير علي بن محمد بن الفرات وزير المقتدر يبغض السعاة، فكان إذا ~~رفع أحد إليه قصة فيها سعاية بأحد يخرج حاجبه إلى الباب، والناس على ~~طبقاتهم وقوف، فيقول: أين صاحب هذه السعاية ؟ قد قال لك الوزير كذا وكذا، ~~فيفتضح ذلك الرجل في ذلك الجمع، فترك الناس السعايات في أيامه. # قال عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه: من عرف فاحشة فأفشاها كان هو الذي ~~أتاها. # كتب قباذ الملك لابنه كسرى عهدا، فمن جملته: يا بني لا تدخل في مشورتك ~~بخيلا فإنه يقصر بك عن غاية الفضل، ولا جبانا فإنه يضيق عليك الأمور عند ~~انتهاز الفرصة، يا بني ليكن أبغض رعيتك إليك أكثرهم تكشيفا لمعايب الناس، ~~فإن في الناس عيوبا أنت أحق من سترها وكره ما تكشف من غائبها ، فإنما إليك ~~الحكم على ما ظهر والله يحكم فيما غاب، فاكره للرعية ما تكره لنفسك، واستر ~~العورة يستر الله عليك ما تحب ستره، ولا تعجل إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش ~~وإن قال قول النصيح، وأعط الناس من عفوك مثل ما تحب أن يعطيك من فوقك. # ومن مليح ما قيل في ذلك قول مهيار يخاطب بعض الوزراء : # يا سيف نصري والمهند تابعي ... وربيع دهري والزمان مصاف # ومعيد أيامي على بدائنا ... سمنا وهن على الأنام عجاف # أخلاقك الغر السجايا مالها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف # والإفك في مرآه رأيك ماله ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف # ومن مليح ذلك قول القائل: # سعى إليك بي الواشي فلم ترني ... أهلا لتكذيب ما ألقى من الخبر # ولو سعى بك عندي في ألذ كرى ... طيف الخيال لبعت النوم بالسهر # أي ملك أفضل؟ # اختلفوا في الملك القاهر العسوف والملك المقتصد الضعيف، ففضلوا القاهر ~~العسوف، واحتجوا بأن القوي العسوف يكف الأطماع عن رعيته ويحميهم ms037 من غيره ~~بقوته، وله أنفة تعصمهم من شر غيره، فتكون رعيته بمثابة من كفي شر جميع ~~الناس وابتلي بشر واحد. وأما المقتصد الضعيف فيهمل رعيته فيتسلط عليهم كل ~~أحد، ويدوسهم كل حافر، فيكونون بمثابة من كفي شر واحد وابتلي بشر جميع ~~الناس، وبين الحالين بون بعيد. # وقال بعض الحكماء: سلطان يخافه الرعية خير من سلطان يخافها. قال ~~أنوشروان: عندي لمن عرض دمه سفكه، ولمن جاوز حده تقويمه، ولمن تعدى طوره ~~قمعه. PageV01P020 قال بعض الحكماء: أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا ~~بالتفرد الاستبداد ، ولا يصلح الآخر إلا بالاشتراك، فأما الذي لا يصلح إلا ~~بالانفراد فالملك متى وقع فيه الاشتراك فسد ، وأما الذي لا يصلح إلا ~~بالاشتراك فالرأي متى وقع فيه الاشتراك وثق فيه بالصواب. # ولا يجوز للملك أن يصغر في نفسه أمر عدوه وإن كان صغيرا في نفس الأمر، ~~ولا يجوز لجلساء الملك أن يصغروا أمر عدوه عنده، فإنهم إن صغروه حتى ظفر به ~~العدو كان وهنا له إذ قد غلبه عدو صغير، وإن ظفر هو بالعدو لم يكن قد صنع ~~طائلا. لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من وقعة بدر ومعه الأسرى ~~والغنائم، وقد قتل الله رؤوس المشركين، تلقاه الناس من ظاهر المدينة عن ~~أميال فجعلوا يهنئونه بالفتح، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضا عمن هلك وسلم، ~~فقال بعض الصحابة: والله ما قتلنا إلا عجائز صلعا، فأقبل عليه رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، باللوم ولم يزل كالمعرض عنه، ثم قال له: أولئك يا ابن ~~أخي الملا. # لا تحقرن الأعداء # ومن مليح ما رأيت في هذا المعنى قول حكيم الهند لبعض ملوكهم : لا تحقرن ~~أمر الأعداء وإن صغروا فإن الزئبر إذا جمع جعل منه حبل يشد به الفيل ~~المغتلم. وإغباب الرأي من الأمور المهمة، وأجود الرأي ما وقع فيه التأني ~~والتثبت، وبذلك يؤمن زلل الرأي. قال الأحنف بن قيس لأصحاب علي، عليه ~~السلام: أغبوا الرأي فإن إغبابه يكشف لكم عن محضه. # الرأي الفطير # واستشير بعض العقلاء في أمر فسكت، ms038 فقيل له: لم لا تتكلم؟ فقال : ما أحب ~~الخبز إلا بائتا، ولما عزم الخوارج على مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي ~~أرادوه للرأي ، فقال: ما أنا والرأي الفطير والكلام المقتضب، فلما فرغوا من ~~البيعة قال: اتركوا الرأي يغب، أي يأتي عليه يوم وليلة، وكان يستعيذ بالله ~~من الرأي الفطير. قالوا: مر الحارث بن زيد بالأحنف بن قيس ، فقال له: لولا ~~أنك عجلان لشاورتك، وهذا دليل على كراهيتهم للرأي الفطير. وكانوا لا ~~يشاورون الجائع حتى يشبع، ولا الأسير حتى يطلق، ولا الطالب حتى يبلغ حاجته، ~~ولا العطشان حتى يروى، ولا الضال حتى يهتدي، و لا الحاقن حتى يخفف ما عنده؛ ~~وقال بعض الشعراء يصف عاقلا: # عليم بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه # وما أعرف أحسن من قول ابن الرومي في تفضيل الرأي المختمر على الرأي ~~الفطير: # نار الروية نار جد منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح # وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح # ومما يوجبه العقل الصحيح أن الإنسان لا يدخل في أمر يعسر الخروج منه؛ قال ~~الشاعر: # ما من الحزم أن تقارب أمرا ... تطلب البعد منه بعد قليل # فإذا ما هممت بالشيء فانظر ... كيف منه الخروج بعد الدخول # قالوا: وأفضل من ذلك أن الإنسان لا يدخل نفسه في أمر يحتاج في الخروج منه ~~إلى فكر. قال معاوية لعمرو بن العاص، رضي الله عنهما: ما بلغ من دهائك ؟ ~~قال: ما دخلت في أمر إلا وأحسنت الخروج منه، فقال معاوية: لكني أنا ما دخلت ~~في أمر أحتاج في الخروج منه إلى فكر. # الرسول مرآة المرسل # ومن الأمور المهمة للملك حسن نظره في إرسال الرسل، فبالرسول يستدل على ~~حال المرسل. قال بعض الحكماء: إذا غاب عنكم حال الرجل ولم تعلموا مقدار ~~عقله فانظروا إلى كتابه ورسوله، فهما شاهدان لا يكذبان. ويجب أن يكون في ~~الرسول خصال منها العقل ليميز به الأمر المستقيم من المعوج. والأمانة ~~والعفاف لئلا يخون مرسله، فكم من رسول برقت له بارقة طمع من جهة من أرسل ms039 ~~إليه فحفظ جانبه وترك جانب مرسله. أرسل معاوية . PageV01P021 رضي الله عنه، ~~إلى ملك الروم رسولا من أقاربه كان يعتمد عليه لتقرير أمر الهدنة، واشترط ~~معاوية شروطا غليظة ، فلما حضر الرسول عند ملك الروم اجتهد به على تخفيف ~~تلك الشروط فلم يقبل، فخلا به وقال له: بلغني أنك فقير، وأنك إذا أردت ~~الركوب إلى معاوية تستعير الدواب، قال: كذلك هو، قال: فما أراك تعمل لنفسك ~~شيئا وهذا المال الذي عندنا كثير، فخذ منه ما يغنيك إلى الأبد ودع معاوية؛ ~~وأحضر له عشرين ألف دينار، فأخذها وخفف له الشروط وأمضى أمر الهدنة. ثم رجع ~~إلى معاوية، فلما نظر معاوية في الكتاب علم بالحال، فقال له: ما أراك عملت ~~إلا له. وعزم على مؤاخذته، فقال له: يا أمير المؤمنين أقلني، قال: قد ~~أقلتك، وأعرض عنه. وفيما فعل كمال الدين محمد بن الشهرزوري حين أرسله أتابك ~~زنكي صاحب الموصل إلى بغداد لتقرير أمر الراشد منبهة على وجوب تدقيق النظر ~~في اختيار الرسل، وذاك أنه لما خلع الراشد الخليفة ببغداد فارقها وحضر إلى ~~الموصل مستسعدا بأتابك زنكي، وخلا به ووعده ومناه أنه إن عاد إلى الخلافة ~~أن يفعل معه ويصنع، فتهوس أتابك زنكي بذلك وضمن له صلاح الحال مع السلطان ~~مسعود، ثم إن أتابك زنكي عزم على مراسلة الديوان ببغداد في هذا المعنى، ~~فاختار للرسالة كمال الدين بن الشهرزوري قاضي الموصل، فأرسله ووصاه ~~بالاحتجاج والمبالغة في تقرير أمر الراشد ونقض ما أبرموه من خلافة المقتفي، ~~فتوجه كمال الدين إلى بغداد. # قال ابن الأثير صاحب التاريخ : حكى لي والدي قال: حكى لي كمال الدين ~~المذكور قال: لما حضرت بالديوان قيل لي: تبايع أمير المؤمنين؟ فقلت: أمير ~~المؤمنين عندنا بالموصل، وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة. قال: وطال الحديث ~~في ذلك وعدت إلى منزلي، فلما جاء الليل جاءتني عجوز سرا واجتمعت بي، ~~وأبلغتني رسالة من المقتفي مضمونها المعاتبة لي على ما قلت واستنزالي عنه، ~~فقلت: غدا أخدم خدمة يظهر أثرها. فلما كان الغد حضرت بالديوان وقيل لي ms040 في ~~معنى البيعة، فقلت: أنا رجل فقيه قاض ولا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت ~~عندي خلع المتقدم، فأحضروا الشهود فشهدوا عندي بفسق الراشد، فقلت: هذا ثابت ~~لا كلام فيه، ولكن لابد لنا في هذه الدعوى من نصيب، لأن أمير المؤمنين ~~المقتفي حصلت له خلافة الله في أرضه والسلطان، فقد استراح ممن كان يقصده ، ~~فنحن بأي شيء نرجع؟ فرفع الأمر إلى المقتفي فأمر أن يعطى أتابك زنكي صريفين ~~ودرب هرون وحربى ملكا، فبايعت المقتفي وعدت وقد حصل لي مال صالح وتحف ~~وهدايا. وما أدري والله من أي حاليه أعجب: من فعله هذا وخيانته لمرسله ~~وتسويد وجهه مع من استجار به، فإنه لم يكن الفائدة من إرسال كمال الدين إلا ~~تقوية أمر المقتفي وتأكيد خلع الراشد، أم من حكايته عن نفسه مثل هذه الفعلة ~~؟ وكذلك ما جرى لعميد الملك الكندري وزير السلطان طغرلبك، أرسله السلطان ~~طغرلبك ليخطب له امرأة فمضى الكندري وخطبها لنفسه وتزوجها، وعصى على ~~طغرلبك، فلما ظفر به طغرلبك لم يقتله ولكن خصاه، واستبقاه في خدمته احتياجا ~~إلى كفاءته. # ومن الأشعار المقولة في ذلك قول القائل: # إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه # وأجود من هذا المعنى وأكمل قول الآخر : # إذا أرسلت في أمر رسولا ... فأفهمه وأرسله أديبا # فإن ضيعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علم الغيوبا # زين الملك في اصطناع العوارف PageV01P022 ومما يزين الملك اصطناع العوارف ~~إلى أشراف رعيته، فبذلك تميل أعناقهم إليه ويدخلون بذلك في زمرة خدمه ~~وحاشيته، ومازال أفاضل الملوك يلحظون هذا المعنى فيفضلون دائما على أشراف ~~رعيتهم أنواع الافضال ليسترقوهم بذلك. كان معاوية، رضي الله عنه ، أشد ~~الملوك لهجا بهذا المعنى، كان يعطي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الله ~~بن العباس، رضي الله عنهما، في كل سنة جملا طائلة من المال، وكفاك من ذلك ~~أن عقيل بن أبي طالب، رضي الله عنه ، فارق أخاه علي بن أبي طالب، عليه ~~السلام، وقصد معاوية مستميحا، وما ذاك لشح ms041 عند أمير المؤمنين، عليه السلام، ~~فإنه كان، صلوات الله عليه وسلامه، يباري الريح جودا وكرما، وكان جميع ما ~~يدخل له من أملاكه يخرجه في الصدقات والمبرات، ولكن عقيلا كان يريد من مال ~~المسلمين أكثر من حقه، وما كان دين أمير المؤمنين، عليه السلام، يقتضي ذلك. ~~وكان معاوية، رضي الله عنه، يعطي لأجل مصلحة الدنيا ولا يفكر فيما كان يفكر ~~فيه أمير المؤمنين، عليه السلام. وانظر إلى كمال الدين حيدرة ابن عبيد الله ~~الحسيني الموصلي، وكان شيخ أهله ومقدمهم سنا وزهدا وفضلا وورعا، كيف ~~استماله صاحب الموصل بدر الدين بما أسداه إليه من الإنعام حتى مدحه وانخرط ~~في زمرة شعرائه، فمن شعره فيه: # هنيئا بجد ساعدتك سعوده ... وتم له يوم التفاخر عيده # وبشرى بإقبال أهل بشير ... كما وفدت عند الهناء وفوده # وأنى لبدر الدين ذي الفخر والعلى ... نديد وكلا أن يصاب نديده # ومع أنه صار من شعرائه وانخرط في زمرة مداحه، كان بدر الدين بعد موت كمال ~~الدين حيدرة إذا أجتاز على تربته، وهي تربة مفردة ظاهر الموصل جنوبية ~~قبلية، يترك العسكر ويدخل إليه يزوره ويدعو لنفسه عند ضريحه، رحمهما الله ~~تعالى . # الفصل الثاني # في الكلام على دولة دولة # لقد تم الكلام على الأمور السلطانية والسياسات الملكية ، وعلم بذلك سيرة ~~الملك الفاضل المستحق للرياسة، وخواص الملك التي يتميز بها عن الرعايا، ~~والحقوق الواجبة للملك على رعيته، والحقوق الواجبة لهم عليه. واندرج في ~~أثناء ذلك الكلام على كليات أحوال الدول على سبيل الإجمال. وكل ما مضى في ~~هذه الأوراق من اللطائف والمحاسن فقد وفر الله تعالى منه حظ المولى الملك ~~الفاضل، حاطه الله تعالى بأنواع الطافه، وبلغه أقصى الغايات من إسعاده ~~وإسعافه، لأن الله تعالى هداه بسابق عنايته إلى محاسن الشيم وفضله بخافي ~~لطفه على كثير من الأمم. # الدولة الأولى وهي دولة الأربعة أي # دولة الخلفاء الراشدين # وهذا أوان الشروع في الكلام على دولة دولة أما الدولة الأولى وهي دولة ~~الأربعة فإن ابتداءها كان منذ قبض رسول الله، صلوات الله عليه وسلامه ms042 ~~PageV01P023 وبويع أبو بكر بن أبي قحافة، رضي الله عنه، وذلك في سنة اثنتي ~~عشرة من الهجرة، وانتهاؤها حين قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه ~~السلام، وذلك في سنة أربعين من الهجرة. واعلم أنها دولة لم تكن من طرز دول ~~الدنيا، وهي بالأمور النبوية والأحوال الأخروية أشبه، والحق في هذا أن زيها ~~قد كان زي الأنبياء، وهديها هدي الأولياء، وفتوحها فتوح الملوك الكبار، ~~فأما زيها فهو الخشونة في العيش والتقلل في المطعم والملبس، كان أحدهم يمشي ~~في الأسواق راجلا وعليه القميص الخلق المرقوع إلى نصف ساقه، وفي رجله ~~تاسومة، وفي يده درة، فمن وجب عليه حد استوفاه منه. وكان طعامهم من أدنى ~~أطعمة فقرائهم، ضرب أمير المؤمنين، عليه السلام، المثل بالعسل والخبز ~~النقي، فقال في بعض كلامه: ولو شئت لاهتديت إلى مصفى هذا العسل بلباب هذا ~~البر . واعلم أنهم لم يتقللوا في أطعمتهم وملبوسهم فقرا ولا عجزا عن أفضل ~~لباس وأشهى مطعم، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك مواساة لفقراء رعيتهم، وكسرا ~~للنفس عن شهواتها، ورياضة لها لتعتاد أفضل حالاتها، وإلا فكل واحد منهم كان ~~صاحب ثروة ضخمة ونخل وحدائق وغير ذلك من الأسباب، ولكن أكثر خرجهم كان في ~~وجوه البر والقرب. كان لأمير المؤمنين علي، عليه السلام، ارتفاع طائل من ~~أملاكه يخرجه جميعه على الفقراء والضعفاء، ويقنع هو وعياله بالثوب الغليظ ~~من الكرباس، وبالقرص من خبز الشعير. وأما فتوحها وحروبها فإن خيلها بلغت ~~إفريقية وأقاصي خراسان وعبرت النهر، فإن عبيد الله بن العباس تولى إمارة ~~سمرقند وبها مات وفيها قبره. # فأول حروبها قتال أهل الردة. # قتال أهل الردة # شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار: لما قبض رسول الله ، صلوات ~~الله عليه وسلامه، ارتد ناس من الأعراب عن الإسلام، وامتنعوا عن أداء ~~الزكاة، وقالوا: لو كان محمد نبيا لما مات، فوعظهم ذوو اللب والعقل، وقالوا ~~لهم: أخبرونا عن الأنبياء، عليهم السلام، هل تقرون بنبوتهم؟ قالوا: نعم، ~~قالوا: فهل ماتوا؟ قالوا: نعم ؟ قالوا: فما الذي تنكرونه من نبوة محمد، ~~عليه ms043 السلام؟ فلم ينجع القول فيهم، فجهز أبو بكر، رضي الله عنه، إلى كل ~~طائفة منهم جيشا، فتوجهت الجيوش إليهم وقاتلتهم وكانت الغلبة للجيوش ~~الإسلامية فأبادتهم قتلا وأسرا، ورجع من تبقى منهم إلى الإسلام وأدى ~~الزكاة. # ومن وقائعها فتنة مسيلمة الكذاب # فتنة مسيلمة الكذاب # شرح ذلك على وجه الاختصار : ظهر في أيام أبي بكر، رضي الله عنه، رجل يقال ~~له مسيلمة ادعى أنه نبي وأن الوحي ينزل عليه من السماء، واجتمع إليه ناس ~~كثيرون من قبيلته وغيرهم. ثم ظهرت امرأة اسمها سجاح ادعت أيضا أنها نبية ~~وأن الوحي ينزل عليها، وتبعها بنو تميم وهم قبيلتها. ثم سارت لقتال مسيلمة، ~~وكانت جموعها أكثر من جموعه، فلما علم مسيلمة بمسيرها إليه قال لأصحابه: ما ~~الرأي ؟ قالوا: أن تسلم الأمر إليها فلا طاقة لنا بها وبمن معها. فقال ~~مسيلمة : دعوني أنظر في أمري؛ ففكر وكان داهية، فأرسل إليها وقال: ينبغي أن ~~نجتمع أنا وأنت في موضع، ونتدارس ما نزل إلينا من الوحي، فمن كان على الحق ~~تبعه الآخر؛ فأجابته إلى ذلك، وأمر مسيلمة أن تضرب قبة من أدم ويستكثر فيها ~~من العود، وقال : إن المرأة إذا شمته ذكرت الباه. ثم اجتمع بها في القبة ~~وخادعها وواقعها. فلما قام عنها قالت: إن مثلي لا يجري أمرها هكذا، ولكن ~~إذا خرجت اعترفت لك بالحق واخطبني إلى قومي فإنهم يزوجونك، ثم أقود بني ~~تميم معك. فلما خرجت قالت: إنه قرأ علي ما نزل عليه من الوحي فوجدته حقا، ~~وقد سلمت الأمر إليه. ثم خطبها فزوجوه، وجعل مهرها إعفاءهم من صلاة العصر. ~~قالوا: فبنو تميم بالرمل إلى الآن لا يصلون العصر ويقولون: هذا مهر ~~كريمتنا. # فلما بلغ ذلك أبا بكر، رضي الله عنه، جهز إليهم جيشا أميره خالد بن ~~الوليد، فاقتتلوا أشد قتال رآه المسلمون، ثم كانت الغلبة للجيش الإسلامي ~~فقتل مسيلمة . # ومن فتوحها الكبار فتح الشأم # فتح الشأم # شرح كيفية ذلك: PageV01P024 لما كانت سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهي السنة ~~التي توفي فيها أبو بكر، ورجع أبو ms044 بكر، رضي الله عنه، من الحج شرع في تجهيز ~~الجيوش إلى الشأم، فبعث عسكرا كثيفا جعل على كل قطعة منه أميرا وسمى لكل ~~أمير بلدا إن فتحه واستولى عليه كان له، ثم أمدهم بخالد بن الوليد، رضي ~~الله عنه، في عشرة آلاف، فتكمل بالشأم ستة وأربعون ألف مقاتل، وجرت بينهم ~~وقائع وحروب امتدت إلى أن مات أبو بكر، وبويع عمر بن الخطاب، رضي الله ~~عنهما ، فعزل عمر خالد بن الوليد رضي الله عنهما عن إمارة الجيش وكان قد ~~أمر ثم أمر على الناس أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فورد رسول عمر إلى ~~الجيش بالشأم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بتوليته وعزل خالد، واتفق وصول ~~الرسول وهم مشغولون بالحرب، فجعل الناس يسألون الرسول عن سبب قدومه، ~~فأخبرهم بالسلامة ووعدهم أن وراءه مددا لهم، وكتم عنهم موت أبي بكر، ثم وصل ~~إلى أبي عبيدة بن الجراح فأخبره سرا بموت أبي بكر وناوله كتاب عمر بتوليته ~~وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة من خالد وكره أن يعلمه بالعزل، وهو قد بذل ~~جهده في القتال، فكتم أبو عبيدة الخبر عن خالد وصبر حتى تم الفتح وكتب ~~الكتاب باسم خالد، ثم أعلمه بموت أبي بكر وبعزله فسلم إليه الجيش. وكان فتح ~~دمشق في سنة أربع عشرة من الهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. # وفي الدولة المذكورة كان فتح العراق وأخذ الملك من الأكاسرة . # انتقال الملك من الأكاسرة إلى العرب # شرح مبدأ الحال في انتقال الملك من الأكاسرة إلى العرب : إن الله تعالى ~~بسابق علمه وبالغ حكمته وعزة قدرته إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وقد وصف نفسه ~~عز وجل بقوله: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. ولما أراد ~~جل شأنه، وعز سلطانه، نقل الملك عن فارس إلى العرب أصدر من المنذرات بذلك ~~ما ملأ به قلوبهم وقلوب أوليائهم رعبا. فأول ذلك ارتجاس الإيوان ms045 وسقوط ~~الشرفات منه، وذلك عند ميلاد الرسول عليه أفضل الصلوات، وخمود نار فارس ولم ~~تكن خمدت قبل ذلك بألف عام وذلك في عهد أنوشروان العادل، فلما رأى أنوشروان ~~سقوط الشرفات وانشقاق الإيوان غمه ذلك ولبس تاجه وجلس على سريره وأحضر ~~وزراءه وشاورهم في ذلك، ففي تلك الحال وصل كتاب من فارس بخمود النار فازداد ~~كسرى غما إلى غمه، وفي تلك الحال قام الموبذان وقص الرؤيا التي رآها، قال: ~~رأيت، أصلح الله الملك، كأن إبلا ضعفا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة ~~وانتشرت في بلادها، فقال له كسرى: فأي شيء يكون تأويل هذا ؟ قال: أصلح الله ~~الملك، حادث يحدث من جهة العرب. وفشا الحديث بذلك بين العجم، وتحدث به ~~الناس فسكن الرعب قلوبهم، وثبتت هيبة العرب في نفوسهم، ثم تتابعت أمثال هذه ~~المنذرات الخوذال إلى آخر الأمر، فإن رستم لما خرج لمحاربة سعد بن أبي ~~وقاص، رأى في منامه كأن ملكا قد نزل من السماء وجمع قسي الفرس وختم عليها ~~وصعد بها إلى السماء، ثم انضم إلى ذلك ما كانوا يشاهدونه من سداد منطق ~~العرب وطمأنينة نفوسهم وشدة صبرهم على الشدائد، ثم ما جرى في آخر الأمر من ~~اختلاف كلمتهم بعد موت شهريار وجلوس يزدجرد على سرير المملكة، وهو صبي حدث ~~ضعيف الرأي، ثم الطامة الكبرى وهي انعكاس الريح عليهم في حرب القادسية حتى ~~أعمتهم بالغبار، وعمتهم بالدمار، وفيها قتل رستم وانفل جيشهم. فانظر إلى ~~هذه الخواذل، واعلم أن لله أمرا هو بالغه. # شرح الحال في # تجهيز الجيش إلى العراق # واستخلاص الملك من فارس PageV01P025 كان ثغر فارس من أثقل الثغور على ~~العرب وأعظمها في نفوسهم وأكثرها هيبة، وكانوا يكرهون غزوه ويجنبون عنه ~~استعظاما لشأن الأكاسرة، ولما هو مشهور من تدويخهم الأمم، حتى كان آخر أيام ~~أبي بكر، رضي الله عنه، فقام رجل من الصحابة يقال له المثنى بن حارثة، رضي ~~الله عنه، وندب الناس إلى قتال فارس وهون عليهم الأمر، وشجعهم على ذلك، ~~فانتدب معه جماعة وتذكر الناس ما كان رسول ms046 الله، صلوات الله عليه، يعدهم به ~~من تملك كنوز الأكاسرة. ولم يتم في ذلك أمر في خلافة أبي بكر، حتى كانت ~~أيام عمر ابن الخطاب، رضي الله عنهما، وكتب إليه المثنى بن حارثة يخبره ~~باضطراب أمور الفرس وبجلوس يزدجرد بن شهريار على سرير الملك وبصغر سنه، ~~وكان قد جلس على السرير وعمره إحدى وعشرون سنة، فقوي حينئذ طمع العرب في ~~غزو الفرس، فخرج عمر، رضي الله عنه، وعسكر ظاهر المدينة، والناس لا يعملون ~~أين يريد، وكانوا لا يتجاسرون على سؤاله عن شيء، حتى إن بعضهم سأله مرة عن ~~وقت الرحيل فزجره ولم يعلمه، فكانوا إذا أعضل عليهم أمر، وكان لابد لهم من ~~استعلامه منه، استعانوا عليه بعثمان بن عفان أو بعبد الرحمن بن عوف، رضي ~~الله عنهما، وإذا اشتد الأمر عليهم ثلثوا بالعباس، رضي الله عنه. فقال ~~عثمان لعمر: يا أمير المؤمنين ما بلغك وما الذي تريد؟ فنادى عمر، رضي الله ~~عنه: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر، ووعظهم وندبهم إلى ~~غزو الفرس وهون عليهم الأمر، فأجابوا جميعا بالطاعة ثم سألوه أن يسير معهم ~~بنفسه فقال: أفعل ذلك إلا أن يجيء رأي هو خير من هذا. ثم بعث إلى أصحاب ~~الرأي وأعيان الصحابة وعقلائهم فأحضرهم واستشارهم فأشاروا عليه بأن يقيم ~~ويبعث رجلا من كبار الصحابة ويكون هو من ورائه يمده بالأمداد، فإن كان فتح ~~فهو المطلوب، وإن هلك الرجل أرسل رجلا آخر. # فلما انعقد إجماعهم على هذا الرأي صعد عمر المنبر، وكانوا إذا أرادو ~~يكلمون الناس كلاما عاما صعد أحدهم المنبر، وخاطب الناس بما يريد، فلما صعد ~~عمر قال: أيها الناس إني كنت عازما الخروج معكم، وإن ذوي اللب والرأي منكم ~~قد صرفوني عن هذا الرأي وأشاروا بأن أقيم وأبعث رجلا من الصحابة يتولى أمر ~~الحرب ؛ ثم استشارهم فيمن يبعث. وفي تلك الحال وصل إليه كتاب من سعد بن أبي ~~وقاص، وكان غائبا في بعض الأعمال، فأشاروا على عمر بسعد، رضي الله عنهما ، ~~وقالوا إنه الأسد عاديا، ووافق ذلك ms047 حسن رأي من عمر بن الخطاب، رضي الله ~~عنه، في سعد بن أبي وقاص، ووافق ذلك حسن رأي من عمر بن الخطاب، رضي الله ~~عنه، في سعد بن أبي وقاص، فاستحضره وولاه حرب العراق وسلم الجيش إليه. فسار ~~سعد بالناس وسار عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، معهم فراسخ، ثم وعظهم وحثهم ~~على الجهاد وودعهم وانصرف إلى المدينة، وتوجه سعد، فجعل ينتقل في البرية ~~التي بين الحجاز والكوفة ويستعلم الأخبار، ورسل عمر تأتيه، وكتبه يشير عليه ~~فيها بالرأي بعد الرأي، ويمده بالجنود بعد الجنود حتى استقر رأيه على قصد ~~القادسية، وهي كانت باب مملكة الفرس. فلما نزل سعد بالقادسية احتاج هو ومن ~~معه إلى الأقوات فبعث ناسا وأمرهم بتحصيل شيء من الغنم والبقر، وقد أجفل ~~أهل السواد قدامهم، فوجدوا رجلا فسألوه عن الغنم والبقر فقال: لا علم لي ~~بذلك، وإذا هو الراعي، وقد أدخل الدواب في أجمة هناك، قالوا فصاح ثور منها: ~~كذب الراعي، ها نحن في هذه الأجمة. فدخلوا إليها واستاقوا منها عدة ~~وأحضروها إلى سعد، فاستبشروا بذلك وعدوها نصرة من الله تعالى. والثور إن لم ~~يكن قد تلفظ بحروف يكذب بها الراعي فإن صياحه في تلك الساعة حتى يستدل ~~بصياحه على الدواب عند شدة الحاجة إليها تكذيب صريح للراعي، وهو من ~~الاتفاقات العظيمة الدالة على النصر والدولة، والاستبشار به واجب. وحين ورد ~~الخبر إلى العجم بوصول سعد بالجيش ندبوا له رستم في ثلاثين ألف مقاتل وكان ~~جيش العرب من سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف. ثم اجتمع إليهم بعد ذلك ناس، ~~فالتقوا فكان العجم يضحكون من نبل العرب ويشبهونها بالمغازل. # وهاهنا موضع حكاية تناسب ذلك لا بأس بإيرادها: PageV01P026 حدثني فلك ~~الدين محمد بن أيدمر قال: كنت في عسكر الدويدار الصغير لما خرج إلى لقاء ~~التتر بالجانب الغربي من مدينة السلام، في واقعتها العظمى سنة ست وخمسين ~~وستمائة، قال: فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل، فكان الفارس منا يخرج إلى ~~المبارزة ، وتحته فرس عربي، وعليه سلاح تام كأنه وفرسه الجبل ms048 العظيم، ثم ~~يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنه حمار وفي يده رمح كأنه المغزل، ~~وليس عليه كسوة ولا سلاح، فيضحك منه كل من رآه. ثم ما تم النهار حتى كانت ~~لهم الكرة فكسرونا كسرة عظيمة كانت مفتاح الشر، ثم كان من الأمر ما كان. # ثم ترددت الرسل بين رستم وسعد، فكان البدوي يأتي إلى باب رستم وهو جالس ~~على سرير الذهب، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذهب، وفرش له الفرش ~~المنسوج بالذهب، وقد لبس العجم التيجان وأظهروا زينتهم وأقاموا الفيلة في ~~حواشي المجلس. فيجيء البدوي، وفي يده رمحه ، وهو متقلد سيفه متنكب قوسه، ~~فيربط فرسه قريبا من سرير رستم فيصيح العجم عليه ويهمون بمنعه فيمنعهم رستم ~~ثم يستدنيه فيمشي إليه متكئا على رمحه، يطأ به ذلك الفرش وتلك الوسائد ~~فيخرقها بزج رمحه، وهم ينظرون، فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث، فكان رستم ~~لا يزال يسمع منهم حكما وأجوبة تروعه وتهوله. # فمن ذلك أن سعدا ، رضي الله عنه، كان يبعث في كل مرة رسولا. فقال رستم ~~لبعض من أرسل إليه: لم لم يبعثوا إلينا صاحبنا بالأمس؟ قال: لأن أميرنا ~~يعدل بيننا في الشدة والرخاء. وقال يوما لآخر: ما هذا المغزل الذي في يدك؟ ~~يعني رمحه، فقال: إن الجمرة لا يضرها قصرها. وقال مرة أخرى لآخر: ما بال ~~سيفك أراه رثا؟ فقال: إنه خلق المغمد حديد المضرب. فراع رستم ما رأى من ~~أمثال هذا وقال لأصحابه: انظروا فإن هؤلاء لا يخلو أمرهم من أن يكون صدقا ~~أو كذبا، فإن كانوا كاذبين، فإن قوما يحفظون أسرارهم هذا الحفظ، ولا ~~يختلفون في شيء، وقد تعاهدوا على كتمان سرهم هذا التعاقد، بحيث لا يظهر أحد ~~منهم سرهم، لقوم في غاية الشدة والقوة، وإن كانوا صادقين فهؤلاء لا يقف ~~حذاءهم أحد. فصاحوا حوله وقالوا: الله! الله! أن تترك ما أنت عليه لشيء ~~رأيته من هؤلاء الكلاب، بل صمم على حربهم . فقال رستم: هو ما أقول لكم ~~ولكني معكم على ما تريدون. ثم اقتتلوا أياما ms049 كان في آخرها انعكاس الريح ~~عليهم حتى أعماهم الغبار. فقتل رستم وانفل الجيش، وغنمت أموالهم، وأجفل ~~الفرس يطلبون مخاضات دجلة ليقعوا في الجانب الشرقي، وتبعهم سعد وعبر ~~المخاضات، وقتل منهم مقتلة عظيمة بجلولاء وغنم أموالهم وأسر بنتا لكسرى. ثم ~~كتب سعد إلى عمر، رضي الله عنهما، بالفتح، وقد كان عمر في تلك الأيام شديد ~~التطلع إلى أمر الجيش، فكان في كل يوم يخرج إلى ظاهر المدينة راجلا يتنسم ~~الأخبار، لعل أحدا يصل فيخبره بما كان منهم، فوصل البشير من عند سعد ~~بالفتح، فرآه عمر فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: فما فعل سعد ~~والجيش؟ قال: فتح الله عليهم؛ كل ذلك والرجل سائر على ناقته وعمر يمشي في ~~ركابه، وهو لا يعلم أنه عمر. فلما اجتمع الناس وسلموا على عمر بإمرة ~~المؤمنين عرفه البدوي، فقال: هلا أعلمتني، رحمك الله ، أنك أمير المؤمنين؟ ~~قال: لا بأس عليك يا أخي. ثم كتب عمر إلى سعد: قف مكانك ولا تتبعهم واقنع ~~بهذا واتخذ للمسلمين دار هجرة ومدينة يسكنونها، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا. ~~فاتخذ لهم سعد الكوفة، واختط بها المسجد الجامع واختط الناس المنازل ومصرها ~~سعد، ثم حكم في المدائن وملك الكنوز والذخائر. # ذكر طرف مستملحة وقعت حينئذ # منها أن بعض العرب ظفر بجراب فيه كافور، فأحضره إلى أصحابه فظنوه ملحا، ~~فطبخوا طعاما ووضعوا فيه كافورا فلم يروا له طعما ولم يعلموا ما هو. فرآه ~~رجل فعرف ما فيه فاشتراه منهم بقميص خلق يساوي درهمين. # ومنها أن بدويا ظفر بحجر من الياقوت كبير يساوي مبلغا عظيما فلم يدر ~~قيمته، فرآه بعض من يعرف قيمته فاشتراه منه بألف درهم، فبعد ذلك عرف البدوي ~~قيمته ولامه أصحابه وقالوا له: هلا طلبت فيه أكثر من ذلك؟ قال: لو علمت أن ~~وراء الألف عددا أكثر من الألف لطلبته. # ومنها أن بعضهم كان يأخذ في يده الذهب الأحمر ويقول: من يأخذ الصفراء ~~ويعطيني البيضاء؟ يرى أن الفضة خير من الذهب. # ذكر ما آلت إليه حال يزدجرد ms050 PageV01P027 ثم إن يزدجر هرب إلى خراسان، ~~ومازال أمره يضعف حتى قتل في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بخراسان، وهو آخر ~~ملوك الأكاسرة. # وفي الدولة المذكورة دونت الدواوين، وفرض العطاء للمسلمين، ولم يكونوا ~~قبل ذلك يعرفون ما الديوان. # ؟شرح كيفية تدوين الدواوين # كان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدنيا. وكان لا ~~يزال فيهم دائما من يبذل شطرا صالحا من ماله في وجوه البر والقرب. وكانوا ~~لا يريدون على إسلامهم ونصرهم لنبيهم، صلوات الله عليه وسلامه، جزاء إلا من ~~عند الله تعالى. ولم يفرض النبي، صلوات الله عليه وسلامه، ولا أبو بكر، رضي ~~الله عنه، لهم عطاء مقررا. ولكن كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبا من ~~الغنائم قررته الشريعة لهم. وإذا ورد إلى المدينة مال من بعض البلاد أحضر ~~إلى مسجد الرسول، صلوات الله عليه وسلامه، وفرق فيهم على حسب ما يراه، صلى ~~الله عليه وسلم، وجرى الأمر على ذلك مدة خلافة أبي بكر، رضي الله عنه. فلما ~~كانت سنة خمس عشرة من الهجرة وهي خلافة عمر، رضي الله عنه، رأى أن الفتوح ~~قد توالت، وأن كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأن الحمول من الذهب والفضة والجواهر ~~النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت، فرأى التوسيع على المسلمين وتفريق تلك ~~الأموال فيهم ولم يكن يعرف كيف يصنع وكيف يضبط ذلك. وكان بالمدينة بعض ~~مرازبة الفرس. فلما رأى حيرة عمر قال له: يا أمير المؤمنين إن للأكاسرة ~~شيئا يسمونه ديوانا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذ منه شيء، وأهل ~~العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل. فتنبه عمر، رضي الله عنه، ~~وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان. ففطن عمر لذلك ودون الدواوين وفرض العطاء، ~~فجعل لكل واحد من المسلمين نوعا مقررا، وفرض لزوجات الرسول، صلوات الله ~~عليه وسلامه، ولسراريه وأقاربه حتى استنفد الحاصل ولم يدخر في بيت المال ~~شيئا. قالوا: فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت ~~الأموال شيئا يكون عدة لحادث إن حدث. فزجره عمر وقال: ms051 كلمة ألقاها الشيطان ~~على فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي. إني لا أعد للحادث الذي يحدث ~~سوى طاعة الله ورسوله، فهي عدتنا التي بها بلغنا ما بلغناه . # ثم إن عمر رأى أن يجعل العطاء على حسب السبق إلى الإسلام وإلى نصرة ~~الرسول، عليه الصلاة والسلام، وفي مواطن حروبه. ثم استخدم الكتاب في ~~الدواوين وأمرهم بترتيب الطبقات وضبط العطاء. فقالوا: بمن نبدأ يا أمير ~~المؤمنين؟ فأشار ناس من الصحابة عليه بأن يبدأ بنفسه، وقال: ابدأوا بالعباس ~~عم رسول الله، صلوات الله عليه، وببني هاشم ثم بمن بعدهم طبقة بعد طبقة، ~~وضعوا آل الخطاب حيث وضعهم الله عز وجل. فاعتمد ما أشار به وجرى الأمر على ~~ذلك مدة خلافته وخلافة عثمان، رضي الله عنهما. ثم في آخر خلافته خطر له ~~تغيير هذا الرأي، وأن يفرض لكل واحد من المسلمين أربعة آلاف، وقال ألف ~~يجعلها نفقة لعياله إذا خرج إلى الحرب، وألف يتجهز بها، وألف يصحبها معه، ~~وألف يرتفق بها. فمات عمر، رضي الله عنه، قبل إتمام هذا الرأي. # ومن وقائعها المشهورة وقعة الجمل. # وقعة الجمل # شرح مبدأ وقعة الجمل وكيفية الحال في ذلك: لما قتل عثمان بن عفان، رضي ~~الله عنه، اجتمع الناس وقصدوا منزل أمير المؤمنين، عليه السلام، وسألوه ~~تولي أمرهم، فأبى عليهم وقال: لا حاجة لي في أمركم . فألحوا عليه إلحاحا ~~شديدا واجتمعوا إليه من كل صوب يسألونه ذلك حتى أجاب. فبايعه الناس فسار ~~فيهم بسيرة الحق لا تأخذه في الله لومة لائم. وكانت حركاته وسكناته عليه ~~السلام جميعها لله وفي الله لا يقضي بها حق أحد. وكان لا يأخذ ولا يعطي إلا ~~بالحق والعدل، حتى إن أخاه عقيلا وهو ابن أبيه وأمه طلب من بيت المال شيئا ~~لم يكن له بحق فمنعه عليه السلام وقال: يا أخي ليس لك في هذا المال غير ما ~~أعطيتك ، ولكن اصبر حتى يجيء مالي وأعطيك منه ما تريد. فلم يرض عقيل هذا ~~الجواب وفارقه وقصد معاوية رضي الله عنه بالشأم، وكان ms052 لا يعطي ولديه الحسن ~~والحسين عليهما السلام أكثر من حقهما. فانظر إلى رجل حمله ورعه على هذا ~~الصنيع بولديه وبأخيه من أبويه. PageV01P028 فلما سار فيهم هذه السيرة ثقل ~~على بعض الناس فعله، وكرهوا مكانه. فخرج الزبير وطلحة، رضي الله عنهما، ~~بعدما بايعاه إلى مكة، وكانت عائشة زوجة الرسول، صلوات الله عليه وسلامه، ~~بمكة، قد خرجت إليها ليالي حوصر عثمان بن عفان رضي الله عنه. فاتفقا معها ~~على عدم الرضا بإمارة علي وعلى الطلب بدم عثمان. ونسبوا عليا عليه السلام ~~إلى أنه ألب الناس على عثمان وجرأهم على قتله. ومازال علي عليه السلام من ~~أكبر المساعدين لعثمان الذابين عنه، ومازال عثمان يلجأ في دفع الناس عنه ~~فيقوم عليه السلام في دفعهم عنه القيام المحمود. وفي آخر الأمر لما حوصر ~~عثمان أرسل علي، عليه السلام، ابنه الحسن، عليه السلام، لنصرة عثمان يسأله ~~أن يكف فيقسم عليه وهو يبذل نفسه في نصرته، وأما طلحة، رضي الله عنه، فإنه ~~كان من أكبر المساعدين على عثمان وهذا تشهد به جميع التواريخ. # وأما عائشة رضي الله عنها، فإنها كانت قد خرجت من المدينة إلى مكة ليلة ~~حوصر عثمان بن عفان ثم رجعت من مكة إلى المدينة فلقيها في الطريق بعض ~~أخوالها فقالت له: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان. قالت: فما صنع الناس بعده ؟ ~~قال: بايعوا عليا. قالت : ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك. ثم ~~رجعت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه، فقال ~~لها الرجل: لم؟ والله إن أول من أمال حروفه لأنت، والله لقد كنت تقولين: ~~اقتلوا نعثلا فقد كفر، وكان ذلك لقبا لعثمان، فقالت: إنهم استتابوه ثم ~~قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول. # ولما رجعت إلى مكة اتفقت مع الزبير وطلحة على ما ذكرناه من الطلب بدم ~~عثمان وسخط إمارة علي، واتفق معهم مروان بن الحكم وهو ابن عم عثمان، وقالوا ~~للناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا ms053 الرجل ~~المسكين ، يعني عثمان ، فقتلوه ظلما وعدوانا فسفكوا الدم الحرام في البلد ~~الحرام في الشهر الحرام ، ثم استمالوا أناسا وعزموا على قصد البصرة ~~واستمالة أهلها والتقوي بها على قتال علي، عليه السلام. فلما انتهى ذلك إلى ~~أمير المؤمنين قام فخطب الناس وأعلمهم الحال، وقال: إنها فتنة وسأمسك الأمر ~~ما استمسك بيدي. ثم بلغه ما هم فيه من الجموع والتصميم على الحرب والتصميم ~~على الحرب فنهد إليهم في جيش من المهاجرين والأنصار. # وقد كانت عائشة، رضي الله عنها، في توجهها إلى البصرة اجتازت بماء يقال ~~له الحوأب، فنبحتها كلابه. فقالت للدليل: ما اسم هذا الموضع؟ قال: الحوأب. ~~فصرخت بأعلى صوتها وقالت: ردوني إنا لله وإنا إليه راجعون سمعت رسول الله، ~~صلى الله عليه وآله، يقول عند نسائه: أيتكن تنبحها كلاب الحوأب . ثم عزمت ~~على الرجوع، فقالوا لها إن الدليل كذب ولم يعرف الموضع، وقالوا لها: إن لم ~~تسيري من هذا الموضع وإلا أدرككم علي بن أبي طالب فيه فهلكتم. فسارت وسار ~~علي، عليه السلام، فالتقى الجمعان بظاهر البصرة، وجرت خطوب وحروب، ففي ~~بعضها التقى عليه السلام وطلحة بن الزبير، فقال علي عليه السلام لطلحة: يا ~~طلحة تطلب بدم عثمان؟ فلعن الله قتلة عثمان، يا طلحة؟ أجئت بعرس رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت؟ أما بايعتني؟ قال: ~~بايعتك والسيف على عنقي. فقال علي عليه السلام، للزبير: يا زبير ما أخرجك؟ ~~قال: أنت، ولا أراك أهلا لهذا الأمر ولا أولى به منا. فقال علي، عليه ~~السلام: لقد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا ~~عبد الله بن الزبير. وذكره علي أشياء وقال له: أتذكر لما قال رسول الله، ~~صلوات الله عليه وسلامه: لتقاتلنه وأنت ظالم له؟ قال: اللهم، نعم. ولو ذكرت ~~لما سرت مسيري هذا، ووالله لا أقاتلك أبدا. فانصرف أمير المؤمنين إلى ~~أصحابه وقال: أما الزبير فقد أعطى الله عهدا ألا يقاتلكم. ثم إن الزبير عزم ~~على ترك الحرب فخدعه ms054 ابنه عبد الله وما برح به حتى كفر عن يمينه وقاتل. ~~ولما تراءى الجمعان كان عسكر عائشة وطلحة والزبير، رضي الله عنهم، ثلاثين ~~ألفا. وكان عسكر علي، عليه السلام، عشرين ألفا فقبل أن تنشب الحرب وعظهم ~~أمير المؤمنين، عليه السلام، وندبهم إلى الصلح، وباتوا على ذلك. ثم في ~~الغداة نشب القتال بين القبيلتين. وجرت مناوشات وحروب أفضت إلى نصرة جيش ~~أمير المؤمنين، عليه السلام. PageV01P029 فأما الزبير فإنه لما رأى النصرة ~~عليهم رد رأس فرسه ومر، فتبعه رجل من عرب البصرة فتبعه عمير بن جرموز فقتله ~~بوادي السباع، وأتى إلى علي، عليه السلام، بسيفه فقال للحاجب: استأذن لقاتل ~~الزبير. فقال علي، عليه السلام: بشر قاتل ابن صفية بالنار. وصفية أم الزبير ~~وهي عمة أمير المؤمنين، عليه السلام. ولما رأى سيفه قال: سيف طالما جلا ~~الكروب عن وجه رسول الله، صلوات الله عليه. # وأما طلحة فجاءه سهم عائر في رجله فأعطبه، فدخل البصرة رديفا لغلامه وقد ~~امتلأ خفه دما وهو يقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى. فمات بدار خربة من ~~دور البصرة، وقبره اليوم بالبصرة في مشهد محترم عندهم، إذا اعتصم به خائف ~~أو طريد لا يجسر أحد كائنا من كان على إخراجه منه، ولأهل البصرة في طلحة ~~اعتقاد عظيم إلى يومنا، وقيل إن الذي قتل طلحة مروان ابن الحكم. # وأما عائشة ، رضي الله عنها، فإنها كانت على جمل في هودج وقد ألبس هودجها ~~الدروع والنسائج الحديد. فلما اشتد القتال وانفلت جموعها عرقب الجمل فوقع ~~ورفع هودجها حملا ووضع في مكان بعيد عن الناس. وكان أخوها محمد بن أبي بكر ~~من أصحاب علي، عليه السلام، وابن زوجته أسماء بنت عميس، رضي الله عنها، ~~فأمره علي، عليه السلام، أن يمضي إلى أخته وينظر أهي سليمة أم أصابها شيء ~~من جراح فمضى إليها فرآها سليمة ثم أدخلها ليلا إلى البصرة ثم إن أمير ~~المؤمنين عليه السلام أذن للناس في دفن القتلى وكانوا عشرة آلاف من ~~القبيلتين. ثم أمر، عليه السلام، بجمع الأسلاب، وأدخلها ms055 إلى المسجد الجامع ~~بالبصرة، ونادى في الناس: من عرف شيئا من قماشه فليأخذه. ثم إن أمير ~~المؤمنين، عليه السلام، أحسن إلى عائشة غاية الإحسان وجهزها بكل ما ينبغي ~~لمثلها، وأذن لها في الرجوع إلى المدينة، وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها ~~إلا من أحب المقام. واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ~~لأجل مؤانستها في الطريق. وسيرها صحبة أخيها محمد بن أبي بكر مكرمة محترمة ~~فلما كان يوم رحيلها حضر علي، عليه السلام، وحضر الناس فقالت عائشة رضي ~~الله عنها: يا بني - وإنما قالت ذلك لأن نساء النبي، عليه السلام، هن أمهات ~~المؤمنين، كذلك قال الله تعالى ورسوله، صلوات الله عليه - لا يعتب بعض على ~~بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة ~~وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار. وقال علي، عليه السلام: صدقت والله ~~ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة. # ثم سارت وشيعها عليه السلام أميالا، وأرسل بنيه معها مسيرة يوم، وتوجهت ~~إلى مكة وأقامت بها إلى أيام الحج ثم حجت وانصرفت إلى المدينة . # وكانت وقعة الجمل في سنة ست وثلاثين من الهجرة. ومن وقائعها المشهورة ~~وقعة صفين. # وقعة صفين # شرح كيفية الحال في ذلك: PageV01P030 لما انصرف أمير المؤمنين، عليه ~~السلام، من وقعة الجمل، أرسل إلى معاوية، رضي الله عنه، يعرفه اجتماع الناس ~~على بيعته، ويعلمه ما كان من وقعة الجمل، ويأمره بالدخول فيما دخل فيه ~~المهاجرون والأنصار. وكان معاوية، رضي الله عنه، أميرا بالشأم من قبل ~~عثمان، رضي الله عنه، و كان ابن عمه. فلما ورد إلى معاوية، رضي الله عنه، ~~رسول أمير المؤمنين علي، عليه السلام، خاف معاوية، رضي الله عنه، من علي، ~~عليه السلام، وعلم أنه متى استتب الأمر له عزله ولم يستعمله. وقد كان ابن ~~عباس والمغيرة بن شعبة، رضي الله عنهما، بالشأم مدة حتى يبايع الناس ويتمكن ~~ثم يعزله بعد ذلك. فلم يطعهما، عليه السلام، وقال: إني ms056 إن أقررته على ~~إمارته ولو يوما واحدا كنت عاصيا في ذلك اليوم لله تعالى، ولم تكن الخدع ~~والحيل من مذهب علي، عليه السلام، ولم يكن عنده غير مر الحق. فحين ورد ~~الرسول إلى معاوية، رضي الله عنه، طاوله، ثم استشار بعمرو بن العاص، رضي ~~الله عنه، وكان أحد الدهاة، وكان معاوية، رضي الله عنه، قد تألفه واستماله ~~ليتقوى برأيه ودهائه، فأشار عمرو بن العاص على معاوية، رضي الله عنهم، وأن ~~يظهر قميص الدم الذي قتل فيه عثمان بن عفان وأصابع زوجته، رضي الله عنهما، ~~ويعلق ذلك على المنبر، ثم يجمع الناس ويبكي عليه ويلصق قتل عثمان بعلي، رضي ~~الله عنهم. ويطالب بدمه، ليميل إليه أهل الشأم ويقاتلوا معه، فأخرج معاوية، ~~رضي الله عنه، القميص والأصابع وعلقه على المنبر وبكى واستبكى الناس وذكرهم ~~بمصاب عثمان ، رضي الله عنه. فانتدب أهل الشأم من كل جانب وبذلوا له الطلب ~~بدم عثمان، رضي الله عنه، والقتال معه على كل من آوى قتلته. # ثم كتب معاوية، رضي الله عنه، إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، كتابا ~~يذكر فيه ذلك. فحينئذ تجهز علي، عليه السلام، للقتال وكاتب الناس ليجتمعوا ~~معه، وكذلك صنع معاوية، رضي الله عنه، ثم التقوا بصفين من أرض الشأم فجرت ~~بينهم مناوشات وحروب كان أولها أن معاوية وأصحابه، رضي الله عنهم ، سبقوا ~~إلى شريعة الماء فملكوها ومنعوا أصحاب أمير المؤمنين، عليه السلام، من ~~الماء، ولم يكن هناك شريعة غيرها، فلما أخبر علي، عليه السلام، بذلك أرسل ~~إلى معاوية ،رضي الله عنه، رسولا يقول له: بذلك أرسل إلى معاوية ، رضي الله ~~عنه، رسولا يقول له: إن مذهبنا ألا نبدأكم بقتال حتى نحتج عليكم وننظر فيما ~~جئنا له وتنظرون، وقد منع أصحابك الناس من الماء فابعث حتى يخلوا سبيل ~~الماء، وإن شئتم أن نترك ما جئنا له وتكون مقاتلتنا على الماء فيكون الغالب ~~هو الشارب فعلنا ذلك. فقال معاوية، رضي الله عنه، لأصحابه: ما تشيرون ؟ قال ~~قوم من بني أمية: نرى أن تمنعهم الماء حتى يموتوا ms057 عطشا أو يرجعوا لطلب ~~الماء فتكون هزيمة. فقال عمرو بن العاص، رضي الله عنه: أرى أن تخلي لهم ~~سبيل الماء فإن القوم لا يعطشون وأنت ريان. فأخر معاوية، رضي الله عنه، ~~الجواب وقال: سأنظر. فاقتتل الناس على الماء، وأمد علي، عليه السلام، ~~أصحابه، وأمد معاوية، رضي الله عنه، أصحابه، ونشبت الحرب والتحم القتال، ~~فملك أصحاب علي، عليه السلام، الشريعة، فأرادوا منع أصحاب معاوية، فأرسل ~~إليهم علي، عليه السلام، وقال: خذوا حاجتكم من الماء ولا تمنعوهم منه. ودام ~~على ذلك مدة حتى كاد عسكر علي، عليه السلام، أن يغلبوا وظهرت إمارات الفتح، ~~فخاف عمرو بن العاص، رضي الله عنه، من الهلاك، فأشار على معاوية، رضي الله ~~عنه، برفع المصاحف فتر أكثر الناس عن الحرب، وجاءوا إلى أمير المؤمنين، ~~عليه السلام، وقالوا: يا علي أجب إلى كتاب الله، عز وجل، فوالله إن لم تفعل ~~لنحملنك كارها إلى معاوية، رضي الله عنه، أو لنفعلن بك كما فعلنا بابن ~~عفان، رضي الله عنه. فقال لهم علي، عليه السلام: يا قوم إنها خدعة منهم، ~~وإنهم ليس فيهم من يعمل بهذه المصاحف، أولستم على بينة من ربكم؟ فامضوا ~~لشأنكم وقاتلوا عدوكم. فلم يفعلوا وغلبوه فأجاب إلى ترك القتال، ثم أرسل ~~إلى معاوية، رضي الله عنه، رسولا يقول له: ما الذي تريد برفع هذه المصاحف؟ ~~قال: نحكم منا رجلا ومنكم رجلا ونقسم على الرجلين أن ينصحا الأمة ويعملا ~~بما في كتاب الله، عز وجل، وما لم يجداه في كتاب الله حملاه على السنة ~~والجماعة فأي شيء حكما به قبلناه. PageV01P031 فتراضى الناس جميعا بذلك إلا ~~أمير المؤمنين، عليه السلام، فإنه رضي كارها مغلوبا ونفر يسير من بطائنه ~~كالأشتر وابن عباس، رضي الله عنهم، وغيرهما. وانعقد الاجماع على تحكيم ~~رجلين. فأما أهل الشأم فاتفقوا على أن يكون الحكم من جهتهم عمرو بن العاص، ~~رضي الله عنه، داهية العرب. وأما أهل العراق فطلبوا أبا موسى الأشعري، رضي ~~الله عنه، وكان شيخا مغفلا فلم يستصلحه أمير المؤمنين، عليه السلام، ~~للتحكيم، وقال: ms058 إن كان ولابد من التحكيم فدعوني أرسل عبد الله بن عباس، ~~فقالوا: لا والله هو أنت وأنت هو. قال: فالأشتر؟ قالوا: فهل سعر الأرض غير ~~الأشتر ؟ قال: فقد أبيتم إلا أبا موسى ؟ قالوا : نعم. قال: فافعلوا ما شئتم ~~. فاتفق الناس على أبي موسى وعمرو بن العاص، رضي الله عنهما، وتواعدوا إلى ~~شهور وسكنت الحرب وانصرف الناس إلى أمصارهم ورجع معاوية، رضي الله عنه، إلى ~~الشأم وأمير المؤمنين، عليه السلام، إلى العراق. # ثم بعد شهور سار الحكمان ليجتمعا بدومة الجندل وكانت ميعاد الحكمين، وسار ~~ناس من الصحابة ليشهدوا ذلك المقام. وكان أمير المؤمنين، عليه السلام، قد ~~أرسل صحبة أصحابه عبد الله بن العباس، رضي الله عنه. فلما اجتمع الحكمان ~~قال عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل ~~مظلوما؟ قال : أشهد. قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: ~~بلى. قال عمرو: فما منعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول ~~الناس ليست له سابقة فقل وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه ~~الحسن السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج النبي، صلوات الله عليه، ~~وكاتبه وقد صحبه. وعرض عمرو لأبي موسى بولاية ووعده عن معاوية بأشياء، فأبى ~~أبو موسى وقال: معاذ الله أن أولي معاوية وأن أقبل في حكم الله رشوة. فقال ~~له عمرو: فما تقول في ابني عبد الله؟ وكان لعمرو بن العاص ابن اسمه عبد ~~الله من خيار الصحابة، رضي الله عنهم، فأباه أبو موسى وقال لعمرو: إنك ~~غمسته معك في هذه الفتنة، ولكن هل لك في إحياء اسم عمر بن الخطاب؟ وندبه ~~إلى عبد الله بن عمر فأباه عمرو. فلما لم يتفقا قال له عمرو: يا أبا موسى ~~فأي شيء هو رأيك ؟ قال أبو موسى: رأيي أن نخلع عليا ومعاوية، رضي الله ~~عنهما، من هذا الأمر ونريح الناس من هذه الفتنة وندع أمر الناس شورى فيختار ~~المسلمون لأمرهم من يجمعون عليه. قال عمرو، رضي الله عنه: ms059 نعم ما رأيت، ~~وأنا معك على ذلك. ولاح لعمرو وجه الحيلة، وكان قد عود أبا موسى الأشعري أن ~~يتقدمه في الكلام، يقول له: أنت صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأكبر ~~سنا. فتعود أبو موسى أن يتكلم قبل عمرو، فتقدم أبو موسى وقال: إني وعمرا قد ~~اتفقنا على أمر نرجو فيه صلاح المسلمين. فتقدم عمر وقال: صدق وبر، تقدم يا ~~أبا موسى وأعلم الناس بما اتفقنا عليه. فقام ابن عباس وقال لأبي موسى: ويحك ~~إني لأظنه قد خدعك وقد أوهمك أنه اتفق معك على ما تريد ثم قدمك لتعترف به ~~فإذا اعترفت أنكره فإنه رجل غادر فإن كنتما قد اتفقتما على شيء فقدمه ~~ليقوله قبلك. فقال أبو موسى: إنا قد اتفقنا، ثم قال: إننا قد اتفقنا على أن ~~نخلع عليا ومعاوية وندع أمر المسلمين شورى يختارون من أجمعوا عليه إني قد ~~خلعت عليا ومعاوية من الخلافة كما يخلع الخاتم من الإصبع. فتقدم عمرو بن ~~العاص، رضي الله عنه، وقال: أيها الناس قد سمعتم ما قال وأنه قد خلع صاحبه ~~وأنا أيضا قد خلعته معه وأثبت صاحبي معاوية. فأنكر أبو موسى وقال: إنه غدر ~~وكذب وما على هذا اتفقنا. فلم يسمع منه، وتفرق الناس. # ومضى عمرو بن العاص وأهل الشأم إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة. ومضى ~~ابن عباس وأصحاب علي، عليه السلام، إلى أمير المؤمنين وأخبروه بما جرى. ~~وأما أبو موسى فإن أهل الشأم تطلبوه فهرب إلى مكة. # وعلى ذلك انفصل أمر صفين، وكان ابتداؤه في سنة ست وثلاثين وانقضاؤه في ~~سنة سبع وثلاثين. # حديث الخوارج وما كان منهم وما آلت بهم الحال إليه: PageV01P032 لما جرى ~~أمر التحكيم على الوجه المشروح عاد الذين أشاروا بالتحكيم وألزموا أمير ~~المؤمنين، عليه السلام، الرضا به فندموا عليه ونفروا وأتوا عليا، عليه ~~السلام، وقالوا: لا حكم إلا لله. قال علي، عليه السلام: لا حكم إلا لله. ~~قالوا: فما لك حكمت الرجال؟ قال: إني لم أرض بقضية التحكيم وأنتم الذين ~~رضيتموها، وإني أعلمتكم أنها مكيدة ms060 من أهل الشأم، وأمرتكم بقتال عدوكم ~~منهم، فأبيتم إلا التحكيم، وغلبتموني على رأيي، فلما لم يبق بد من التحكيم، ~~وغلبتموني على رأيي، قبما لم يبق بد من التحيكم ، استوثقت وشرطت على ~~الحكمين أن يعملا بكتاب الله، عز وجل، وأن يحييا ما أحيا الكتاب، ويميتا ما ~~أمات، فاختلفا وخالفا كتاب الله وعملا بالهوى، فنحن على الرأي الأول في ~~قتالهم. قال الخوارج :أما نحن فلا ريب أنا رضينا بالتحكيم في أول الأمر ~~لكننا ندمنا عليه وعلمنا أنا كنا مخطئين، فأنت إن أقررت على نفسك بالكفر ~~واستغفرت الله من خطأتك وتضييعك وتحكيمك الرجال رجعنا معك إلى قتال عدوك ~~وعدونا وإلا فها نحن قد نابذناك. فوعظهم بكل قول وبصرهم بكل وجه فلم ~~يرجعوا، واجتمعوا أمما من أهل البصرة والكوفة وغيرهم وقصدوا النهروان وكان ~~رأيهم أن يأتوا بعض المدن الحصينة فيتحصنوا بها ويقاتلوا فيها. وصدرت منهم ~~أمور متناقضة تدل على أنهم يخبطون خبط عشواء. # منها أن رطبة سقطت من نخلة فتناولها رجل ووضعها في فيه فقالوا له: أكلتها ~~غصبا وأخذتها بلا ثمن، فألقاها. ومنها أن خنزيرا لبعض أهل القرى مر بهم ~~فضربه أحدهم بسيفه فعقره فقالوا: هذا فساد في الأرض، فمضى الرجل إلى صاحب ~~الخنزير وأرضاه. ومنها أنهم كانوا يقتلون النفس التي حرمت إلا بالحق، قتلوا ~~عبد الله بن خباب، رضي الله عنه، وكان خباب من كبار الصحابة، وقتلوا عدة ~~نساء وسبوا وفعلوا أفاعيل من هذا القبيل. # فلما بلغ عليا، عليه السلام، أمرهم وقد كان خطب الناس في الكوفة وندبهم ~~إلى قتال أهل الشأم وإعادة الحرب جذعة قالوا: يا أمير المؤمنين أين نمضي ~~وندع هؤلاء الخوارج يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟! سر بنا إليهم فإذا فرغنا ~~من قتالهم رجعنا إلى قتال أعدائنا من أهل الشأم . فسار، عليه السلام، ~~بالناس إلى الخوارج فلقيهم على النهروان وأبادهم، فكأنما قيل لهم موتوا ~~فماتوا. # كرامة لأمير المؤمنين علي # صلوات الله عليه # لما التقى الخوارج بالنهروان أجفلوا قدامه إلى ناحية الجسر. فظن الناس ~~أنهم قد عبروا الجسر، فقالوا لعلي، عليه السلام: ms061 يا أمير المؤمنين إنهم قد ~~عبروا الجسر فالقهم قبل أن يبعدوا، فقال أمير المؤمنين، عليه السلام: ما ~~عبروا وإن مصارعهم دون الجسر، ووالله لا يقتل منكم عشرة ولا يبقى منهم ~~عشرة. فشك الناس في قوله، فلما أشرفوا على الجسر رأوهم لم يعبروا، فكبر ~~أصحاب أمير المؤمنين ،عليه السلام، وقالوا له: هو كما قلت يا أمير ~~المؤمنين، قال: نعم ، والله ما كذبت ولا كذبت. فلما انفصلت الوقعة وسكنت ~~الحرب اعتبر القتلى من أصحاب علي، عليه السلام، فكانوا سبعة، وأما الخوارج ~~فذهبت طائفة منهم قبل أن تنشب الحرب، وقالوا: والله ما ندري على أي شيء ~~نقاتل علي بن أبي طالب، سنأخذ ناحية حتى ننظر إلى ماذا يؤول الأمر. وأما ~~الباقون فثبتوا وقاتلوا فهلكوا جميعهم. ثم إن أمير المؤمنين، عليه السلام، ~~لما انقضى أمر الخوارج رجع إلى الكوفة وندب الناس إلى قتال أهل الشأم ~~فتثاقلوا. فأعاد القول عليهم ووعظهم وحثهم على الجهاد فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين كلت سيوفنا وفنيت نبالنا ومللنا الحرب فأمهلنا نصلح أمورنا ~~ونتوجه. وكان قد عسكر ظاهر الكوفة فأمهلهم وأمرهم أن يوطنوا نفوسهم على ~~الحرب ونهاهم عن غشيان أهاليهم حتى يرجعوا من الشأم، فصاروا يتسللون ~~ويدخلون الكوفة حتى خلا المعسكر منهم. فبطل رأيه، عليه السلام، وكان ذلك في ~~سنة ثمان وثلاثين. # وفاة الأربعة # وفاة أبي بكر رضي الله عنه PageV01P033 أول من مات منهم أبو بكر، مات ~~بالمدينة حتف أنفه في سنة ثلاث عشرة. وكان مرضه انتقاض لسعة الحية التي ~~لسعته ليلة الغار. ودفن عند النبي، صلوات الله عليه وسلامه، في بيت عائشة ~~ابنته، رضي الله عنها، زوج الرسول، وكان الرسول، صلوات الله عليه، لما قبض ~~قبض في بيتها، فدفن أبو بكر عنده وعهد إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ~~واستخلفه على الأمة بعده. # مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ~~الخراج اغتاظ من ذلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لأنه كان قد وضع ~~الخراج على مولاه. وكان عمر بن الخطاب ms062 لقي أبا لؤلؤة فقال له: اصنع لي رحى. ~~فقال أبو لؤلؤة : لأصنعن لك رحى تدور مع الدهر. فقال عمر: يهددني العبد. ~~فطعنه، وهو في الصلاة، فبقي ثلاثة أيام ومات، ودفن في تربة النبي، عليه ~~السلام، وذلك في سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وأما أبو لؤلؤة فاجتمع الناس ~~عليه فقتل منهم جماعة ثم أخذ فقتل. # ذكر الشورى وصفة الحال في ذلك لما طعن عمر اجتمع إليه الناس وسألوه عمن ~~يتولى الأمر بعده، فجعل الأمر شورى. والشورى في اللغة هي المشاورة. ومعنى ~~هذا أن عمر لما أحس بالموت نظر فيمن يعهد إليه ويوليه أمر الأمة، فلم يصح ~~رأيه في رجل واحد، فجعلها في ستة من أكابر الصحابة: وهم أصحاب الشورى أمير ~~المؤمنين علي، عليه السلام، وعثمان بن عفان وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن ~~عوف وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم، وقال : كل من هؤلاء صالح للأمر بعدي. ~~وأمرهم أن يتشاوروا ثلاثة أيام ثم يجمعوا على واحد من هؤلاء الستة. وكان ~~طلحة، رضي الله عنه، غائبا فقال عمر: إن قدم طلحة قبل الأيام الثلاثة وإلا ~~فامضوا أمركم. وأقام عليهم رجلا من الأنصار وقال: إن الله أعز بكم الاسلام ~~فاختر خمسين رجلا من الأنصار واستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا. وقال: ~~إن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف؛ وإن اتفق ~~أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما؛ وإن رضي ثلاثة منهم رجلا وثلاثة رجلا ~~فحكموا عبد الله بن عمر - يعني ابنه - فبأي الفريقين حكم فليختاروا رجلا ~~منهم - وكان قد أمر بحضور ابنه في ذلك المقام مشيرا ولم يجعل له من الأمر ~~شيئا - فإن لم تختاروا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد ~~الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس . فلم يجر ~~مما قال شيء. بل لما مات بويع عثمان بن عفان وكان من الأمر ما كان. # مقتل عثمان بن عفان PageV01P034 وسببه أن ناسا من المسلمين نقموا عليه ~~تجاوزه لطريقة صاحبيه أبي بكر وعمر، رضي ms063 الله عنهما، من التقلل والكف عن ~~أموال المسلمين، وكان هو قد فرق جملة منها على أقاربه ووسع على عياله ~~وأهله. فمن جملة ما فعل أنه أعطى عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألف درهم ~~وأعطى مروان بن الحكم خمسة عشر ألفا. ولم يكن المسلمون اعتادوا مثل هذا ~~التبذير، وعهدهم قريب بضبط أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما. فنفروا من ذلك ~~وجرت بينهم وبينه معاتبات ومقاولات. فاعتذر إليهم بأن أبا بكر وعمر، رضي ~~الله عنهما ، منعا أنفسهما وأهلهما احتسابا لله وتركا حق نفوسهما ، وأنا ~~صاحب عيال مددت يدي فوسعت علي وعلى أهلي بشيء من هذا المال فإن سخطتم هذا ~~فأمري لأمركم تبع. فقالوا: أأحسنت وأنصفت إذ أعطيت عبد الله بن خالد خمسين ~~ألفا ومروان خمسة عشر ألفا ؟ قال: فإني أستعيد ذلك منهما. واستعاد ما ~~أعطاهما. وكان إذا عاتبوه على صادرات أموره التي يحمله عليها ويحسنها له ~~مروان بن الحكم، يعتذر مرة ويلتزم لهم ما يشيرون به عليه؛ ويحتج مرة، وفشا ~~الأمر فاجتمع ناس من أهل الأمصار على حربه. فجاء أهل مصر وناس من كل صقع ~~وعزموا على قتله. فخرج ليلا وجاء إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، وقال له: ~~يا ابن عم، لي عليك حق وقد قصدتك، ولك عند هؤلاء القوم منزلة، وهم يقبلون ~~قولك وقد ترى جرأتهم علي، فاخرج إليهم وردهم عني. فركب علي، عليه السلام، ~~ورد الناس عنه، وضمن لهم عنه حسن السيرة ، فرجعوا ثم أعضل الخطب وزين له ~~مروان بن الحكم أمورا نقمها الناس. فاجتمعوا عليه من كل صوب وأحاطوا به ~~وحصروه في داره فأرسل إلى علي، عليه السلام، يستنصره ، فأرسل له ابنه ~~الحسن، عليه السلام، فقاتل عنه قتالا شديدا حتى كان يستكفه وهو يقاتل عنه ~~ويبذل نفسه دونه، وتكاثر الناس عليه فدخلوا عليه الدار وخبطوه بالسيوف، وهو ~~صائم، والمصحف في حجره وهو يقرأ فيه، فوقع المصحف بين يديه وسال الدم عليه. ~~فقامت زوجته نائلة لتلقي عنه الضرب بيدها، فأصاب السيف أصابعها فأبانها - ~~وهي الأصابع التي كان يعلقها ms064 معاوية، رضي الله عنه، على منبر الشأم مع قميص ~~عثمان ليرقق الناس بذلك - فولت المرأة دهشة. ثم قتل عثمان، رضي الله عنه، ~~واحتزوا رأسه. فوقع نساؤه عليه وصحن وبكين فقال بعضهم: دعوه، فتركوه. ثم ~~داس رجل من أهل الكوفة يقال له عمير بن ضابىء البرجمي أضلاعه فكسرها. ثم ~~نهبت داره حتى أخذ ما على النساء. ثم حمل في تابوت بعد أيام ليدفن فقعد ~~جماعة على الطريق يريدون رجمه، فأرسل أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ~~إليهم فردهم عن ذلك ودفن قريبا من البقيع. ثم بعد ذلك اشترى معاوية، رضي ~~الله عنه، ما حول قبره ومزجه بمقابر المسلمين، وأباح للناس الدفن حوله؛ ~~وكان ذلك في سنة خمس وثلاثين من الهجرة وسمي يوم قتله يوم الدار لأنهم ~~هجموا عليه في داره وقتلوه بها. # مقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام نقل من عدة جهات أن أمير المؤمنين، ~~عليه السلام، كان يقول دائما: ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه من هذا: يعني ~~لحيته بدم رأسه، وكان إذا رأى عبد الرحمن بن ملجم، لعنه الله، ينشد: # أريد حباءه فيريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد PageV01P035 وكان يقال ~~له إذا جرى على لفظه مثل هذا: يا أمير المؤمنين فلم لا تقتله؟ فيقول كيف ~~أقاتل قاتلي! وهذا يدل على أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعلمه بذلك ~~في جملة ما أعلمه به. ومما يؤكد هذا ما روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، ~~قال: مرض علي، عليه السلام، فدخلت عليه أعوده وعنده أبو بكر وعمر، رضي الله ~~عنهما، فجلسنا عنده ساعة فأتى رسول الله، صلوات الله عليه، فنظر في وجهه ~~فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: يا نبي الله إنا نراه مائتا، فقال: لن يموت ~~هذا الآن ولن يموت حتى يملأ غيظا ولن يموت إلا مقتولا . وكان علي، عليه ~~السلام، دائما يحسن إلى ابن ملجم، لعنه الله. قالوا : فلما دخل شهر رمضان ~~من سنة أربعين كان علي، عليه السلام، يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند ms065 الحسين ~~وليلة عند ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار، عليهم السلام، فإذا أكل لا ~~يزيد على ثلاث لقم ويقول: إنما هي ليلة أوليلتان ويأتي أمر الله وأنا خميص. ~~فلم يمض إلا ليال قلائل حتى قتل، عليه السلام. وقيل أنه قتل في شهر ربيع ~~الآخر ، والأول أصح وهو المعول عليه. # كيفية قتل علي عليه السلام وأما كيفية قتله، عليه السلام، فهي أنه خرج من ~~داره بالكوفة أول الفجر فجعل ينادي: الصلاة يرحمكم الله. فضربه ابن ملجم، ~~لعنه الله، بالسيف على أم رأسه وقال : الحكم لله لا لك يا علي. وصاح الناس ~~وهرب ابن ملجم فقال أمير المؤمنين: لا يفوتكم الرجل. فشد الناس عليه فأخذوه ~~. واستناب علي، عليه السلام، في صلاة الصبح بعض أصحابه وأدخل داره فقال: ~~أحضروا الرجل عندي؛ فلما حضر عنده قال له: يا عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: ~~بلى. قال : فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل ~~به شر خلقه. فقال أمير المؤمنين: لا أراك إلا مقتولا به ولا أراك إلا من شر ~~ما خلق الله ؟ ثم قال، عليه السلام: النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما ~~قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي. يا بني عبد المطلب لا تتجمعوا من كل صوب ~~تقولون قتل أمير المؤمنين . ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي. ثم التفت إلى ابنه ~~الحسن، عليه السلام، وقال: انظر يا حسن إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ~~ضربة بضربة ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله ، صلوات الله عليه ، ~~يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور . ثم وصى بنيه بتقوى الله تعالى، ~~وبإقامة الصلاة لوقتها ، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، وغفر ~~الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، ~~والتثبت للأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، واجتناب الفواحش، ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى ~~قبض، صلوات الله عليه وسلامه. فلما قبض بعث الحسن، عليه السلام، إلى ابن ~~ملجم ms066 فأحضره فقال للحسن: هل لك في أمر؟ إني والله قد أعطيت الله عهدا ألا ~~أعاهد عهدا إلا وفيت به، وإني عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية ~~أو أموت دونهما، فخل بيني وبين معاوية حتى أمضي وأقتله. ولك عهد الله علي ~~أني إن لم أقتله أو قتلته وسلمت أن أجيء إليك حتى أضع يدي في يدك. فقال ~~الحسن : لا والله حتى تذوق النار. ثم قدمه فقتله وأخذه الناس فأدرجوه في ~~بواري وأحرقوه بالنار. # وأما مدفن أمير المؤمنين، عليه السلام، فإنه دفن ليلا بالغري. ثم عفي ~~قبره إلى أن ظهر حيث مشهده الآن، صلوات الله عليه وسلامه. PageV01P036 وأما ~~السبب الذي حمل ابن ملجم لعنه الله، على فعله فهو أن ابن ملجم كان أحد ~~الخوارج فاجتمع برجلين من الخوارج، وتذاكروا من قتل أمير المؤمنين، عليه ~~السلام، منهم بالنهروان ، وقالوا: ما في الحياة بعد أصحابنا نفع. وتواعدوا ~~على أن يقتل كل واحد منهم واحدا من ثلاثة: علي بن أبي طالب ومعاوية وعمرو ~~ابن العاص، رضي الله عنهم. فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا ، وقال الآخر: ~~أنا أكفيكم معاوية، وقال الآخر: أنا أكفيكم عمرا. فأما ابن ملجم ، لعنه ~~الله، فإنه رأى امرأة جميلة من بنات الخوارج فهويها فخطبها. فقالت له: أريد ~~كذا وكذا وأريد أن تقتل علي بن أبي طالب. فقال لها: ما جئت إلا لقتله، ~~والتزم لها أن يقتله ثم قتله وقتل بعده. وأما الآخر فإنه مضى إلى معاوية ~~فقعد له حتى خرج فضربه بالسيف على طرف أليته فلم يصنع طائلا، وتطبب لها ~~معاوية فبرىء وقتل الرجل. وقيل لم يقتله. وأما الآخر فمضى ظغلى مصر لقتل ~~عمرو بن العاص فقعد له. فاتفق أن عمرا انحرف مزاجه في تلك الليلة فلم يخرج ~~في صبيحتها إلى الصلاة، واستناب بعض أصحابه. فلما طلع اعتقده الرجل عمرا ~~فضربه فقتله. فقبضوه وأحضروه إلى عمرو. فلما رأى الناس يسلمون عليه ~~بالإمارة قال: من هذا؟ قالوا: الأمير عمرو بن العاص ، قال: فمن قتلت؟ ~~قالوا: نائبه، وكان اسمه خارجة، فقال ms067 الرجل لعمرو بن العاص: أما والله يا ~~فاسق ما أردت غيرك. فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة. ثم قدمه عمرو ~~فقتله. ولما بلغ عائشة، رضي الله عنها، قتل علي، عليه السلام، قالت: # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر. # الدولة الأموية # وهي التي تسلمت الملك من الدولة الأولى لما قتل أمير المؤمنين، صلوات ~~الله عليه، بايع الناس الحسن بن علي ، عليهما السلام. فمكث شهورا حتى اجتمع ~~هو ومعاوية فتصالحا للمصلحة الحاضرة الني كان الحسن، عليه السلام، أعلم ~~بها. وسلم الخلافة إليه وتوجه نحو المدينة وبويع معاوية، رضي الله عنه، ~~بالخلافة العامة ودعي بأمير المؤمنين، وذلك في سنة أربعين من الهجرة. # معاوية أمير المؤمنين # ذكر شيء من سيرة معاوية ووصف طرف من حاله: هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن ~~حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. كان أبوه أبو سفيان أحد أشياخ مكة ~~أسلم في السنة التي فتح الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، فيها مكة وأسلم ~~معاوية وكتب الوحي في جملة من كتبه بين يدي الرسول، صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وكانت أمه هند بنت عتبة شريفة في قريش أسلمت عام الفتح. وكانت في ~~وقعة أحد لما صرع حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، عم رسول الله، صلى ~~الله عليه وآله، من طعنة الحربة التي طعنها جاءت هند فمثلت بحمزة وأخذت ~~قطعة من كبده فمضغتها حنقا عليه لأنه كان قد قتل رجالا من أقاربها، فلذلك ~~يقال لمعاوية ابن آكلة الأكباد. # ولما فتح النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، مكة حضرت إليه متنكرة في جملة ~~نساء من نساء مكة أتين ليبايعنه، فلما تقدمت هند لمبايعته اشترط، صلوات ~~الله عليه وآله، شروط الإسلام عليها، وهو لا يعلم أنها هند، فأجابته بأجوبة ~~قوية على خوفها منه. فمما قال لها وقالت قال لها، صلوات الله عليه وآله ~~وسلم: تبايعنني على ألا تقتلن أولادكن وكانوا في الجاهلية يقتلون الأولاد. ~~فقالت هند: أما نحن فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا ms068 يوم بدر. فقال: وعلى ~~ألا تعصينني في معروف قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي عزمنا أن نعصيك، قال: ~~وعلى ألا تسرقن قالت: والله ما سرقت عمري شيئا اللهم إلا أنني كنت آخذ من ~~مال أبي سفيان شيئا في بعض الوقت. # وكان أبو سفيان زوجها حاضرا فحينئذ علم رسول الله، صلى الله عليه وآله، ~~أنها هند، فقال: هند؟ قالت: نعم يا رسول الله. فلم يقل شيئا لأن الإسلام جب ~~ما قبله. ثم قال: وعلى أن لا تزنين. قالت: وهل تزني الحرة؟ قالوا: فالتفت ~~رسول الله، صلى الله عليه وآله، إلى العباس، رضي الله عنه، وتبسم. ~~PageV01P037 وأما معاوية، رضي الله عنه، فكان عاقلا في دنياه لبيبا عالما ~~حليما ملكا قويا جيد السياسة حسن التدبير لأمور الدنيا عاقلا حكيما فصيحا ~~بليغا يحلم في موضع الحلم ويشتد في موضع الشدة إلا أن الحلم كان أغلب عليه. ~~وكان كريما باذلا للمال محبا للرياسة مشغوفا بها، كان يفضل على أشراف رعيته ~~كثيرا. فلا يزال أشراف قريش مثل عبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير ~~وعبد الله بن جعفر الطيار وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبان ~~بن عثمان بن عفان وناس من آل أبي طالب، رضي الله عنهم يفدون عليه بدمشق ~~فيكرم مثواهم ويحسن قراهم ويقضي حوائجهم، ولا يزالون يحدثونه أغلظ الحديث ~~ويجبهونه أقبح الجبه، وهو يداعبهم تارة ويتغافل عنهم أخرى ولا يعيدهم إلا ~~بالجوائز السنية والصلات الجمة. قال يوما لقيس بن سعد بن عبادة ، رضي الله ~~عنه، وهو رجل من الأنصار: يا قيس والله كنت أود أن تنكشف الحروب التي كانت ~~بيني وبين علي، عليه السلام، وأنت حي فقال قيس: والله إني كنت أكره أن ~~تنكشف تلك الحروب وأنت أمير المؤمنين فلم يقل له شيئا. وهذا من أجمل ما ~~كانوا يخاطبونه به. # وبعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلها الأنصاري وقال لابنه: ~~خذها وامض إلى معاوية فاضرب بها وجهه وردها عليه، وأقسم على ابنه أن يفعل ~~ذلك. فجاء ابنه إلى ms069 معاوية ومعه الدراهم فقال: يا أمير المؤمنين إن أبي فيه ~~حدة وسرعة وقد أمرني بكيت وكيت وأقسم علي وما أقدر على مخالفته. فوضع ~~معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك أبوك وارفق بعمك. فاستحيا الصبي ~~ورمى بالدراهم فضاعفها معاوية وحملها إلى الأنصاري. وبلغ الخبر يزيد ابنه، ~~فدخل على معاوية غضبان وقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعد ذلك منك ~~ضعفا وجبنا فقال معاوية: أي بني إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمة فامض ~~لشأنك ودعني لرأيي . وبمثل هذه السيرة صار خليفة العالم وخضع له من أبناء ~~المهاجرين والأنصار كل من يعتقد أنه أولى منه بالخلافة. وكان معاوية، رضي ~~الله عنه، من ادهى الدهاة . روي أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال ~~لجلسائه: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية؟ ومن دهائه ما اعتهده ~~من استمالة عمرو بن العاص . وكان عمرو ابن العاص أحد الدهاة وكان أول ما ~~نشبت الفتنة بين أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ومعاوية معتزلا للفريقين. ~~فرأى معاوية أن يستميله ويتقوى برأيه ودهائه ومكره، فاستماله ووصل حبله ~~بحبله، وولاه مصر، ودخل معه في تلك المداخل، وفعل في صفين تلك الأفاعيل. ~~ولم يكن بينهما مع ذلك مودة قلبية وكانا يتباغضان سرا. وربما ظهر ذلك على ~~صفحات وجوههما وفلتات ألسنتهما. طلب أمير المؤمنين، عليه السلام، في صفين ~~من معاوية أن يخرج إلى مبارزته. فقال له عمرو بن العاص، رضي الله عنه: قد ~~أنصفك ولا يحسن النكول عن مبارزته. فقال له معاوية: غششتني وأحببت قتلي. ~~ألست تعلم أن ابن أبي طالب لا يبرز له أحد إلا قتله؟ وقال معاوية يوما ~~لجلسائه: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين ~~السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه. وقال آخر: ~~أعجب الأشياء حظ يناله جاهل وحرمان يناله عاقل. وقال آخر: أعجب الأشياء ما ~~لم ير مثله. وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحق؛ يعرض ~~بعلي، عليه السلام، ms070 ومعاوية. فقال معاوية : بل أعجب الأشياء أن يعطى ~~الإنسان ما لا يستحق إذا كان لا يخاف؛ يعرض بعمرو ومصر، فنفث كل منهما بما ~~في صدره من الآخر. # واعلم أن معاوية كان مربي دول وسائس أمم وراعي ممالك، ابتكر في الدولة ~~أشياء لم يسبقه أحد إليها، منها: أنه أول ن وضع الحشم للملوك ورفع الحراب ~~بين أيديهم ووضع المقصورة التي يصلي الملك أو الخليفة بها في الجامع منفردا ~~من الناس وذلك لخوفه مما جرى لأمير المؤمنين، عليه السلام، فصار يصلي ~~منفردا في مقصورة فإذا سجد قام الحرس على رأسه بالسيوف. # وهو أول من وضع البريد لوصول الأخبار بسرعة. # كلام في معنى البريد: PageV01P038 البريد أن يجعل خيل مضمرات في عدة ~~أماكن. فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها وقد تعب فرسه ركب غيره ~~فرسا مستريحا. وكذلك يفعل في المكان الآخر والآخر حتى يصل بسرعة. وأما ~~معناه اللغوي فالبريد هو اثنا عشر ميلا، وأظن أن الغاية التي كانوا قدروها ~~بين بريد وبريد هي هذا القدر. وقال الصاحب علاء الدين عطا ملك في جهان ~~كشاي: ومن جملة الأشياء وضعهم البريد بكل مكان طلبا لحفظ الأموال وسرعة ~~وصول الأخبار ومتجددات الأحوال وما أرى للبريد فائدة سوى سرعة وصول ~~الأخبار. فأما حفظ الأموال فأي تعلق له بذلك؟ ومما اخترع معاوية، رضي الله ~~عنه، من أمور الملك ديوان الخاتم. وهذا ديوان معتبر من أكابر الدوواين لم ~~تزل السنة جارية به إلى أواسط دولة بني العباس فأسقط. ومعناه أن يكون ديوان ~~وبه نواب فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور أحضر التوقيع إلى ذلك ~~الديوان وأثبتت نسخته فيه وخزم بخيط وختم بشمع كما يفعل في هذا الزمان بكتب ~~القضاة وختم بخاتم صاحب ذلك الديوان. # وكان الذي حمل معاوية، رضي الله عنه، على اختراع هذا الديوان أنه أحال ~~رجلا على زياد ابن أبيه أمير العراق بمائة ألف درهم، فمضى ذلك الرجل وقرأ ~~الكتاب وكانت تواقيعهم تصدر غير مختومة فجعل المائة مائتين. فلما رفع زياد ~~حسابه إلى معاوية، ms071 رضي الله عنه، أنكر معاوية ذلك وقال: ما أحلته إلا بمائة ~~ألف. ثم استعادها منه ووضع ديوان الخاتم. فصارت التواقيع تصدر منه مختومة ~~لا يدري أحد ما فيها ولا يتمكن أحد من تغييرها. # وكان معاوية، رضي الله عنه، مصروف الهمة إلى تدبير أمر الدنيا، يهون عليه ~~كل شيء إذا انتظم أمر الملك، فانظر إلى وصف عبد الملك بن مروان له، فإنه ~~لحظ فيه هذا المعنى. قالوا إن عبد الملك بن مروان مر بقبر معاوية، رضي الله ~~عنه، فترحم عليه. فقال له رجل: قبر من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: قبر رجل ~~كان والله فيما علمته ينطق عن علم، ويسكت عن حلم. كان إذا أعطى أغنى، وإذا ~~حارب أفنى. ووصفه أيضا عبد الله بن العباس، وكان من النقاد، فقال: ما رأيت ~~أليق من أعطاف معاوية بالرياسة والملك. وقال له بعض بني أمية: والله لو ~~قدرت أن تستكثر بالزنج لاستكثرت بهم لينتظم لك أمر الملك وكان معاوية، رضي ~~الله عنه، نهما شحيحا عند الطعام على كرمه وسماحته. فأما نهمه، فقالوا إنه ~~كان يأكل في كل يوم خمس أكلات آخرهن أغلظهن. ثم يقول: يا غلام ارفع، فوالله ~~ما شبعت ولكن مللت. وروي أنه أصلح له عجل مشوي فأكل معه دستا من الخبز ~~السميذ وأربع فراني وجديا حارا وآخر باردا سوى الألوان. ووضع بين يديه مائة ~~رطل من الباقلى الرطب، فأتى عليه. وأما شحه على الأكل فإن ابن أبي بكرة دخل ~~عليه ومعه ابنه فجعل ابنه يأكل أكلا مفرطا ومعاوية يلحظه، وفطن ابن أبي ~~بكرة لحنق معاوية وأراد أن ينهى ابنه عن كثرة الأكل، فلم يتفق له ذلك، ~~وخرجا من عند معاوية ، رضي الله عنه. ففي الغد حضر الأب وليس معه ابنه. ~~فقال له معاوية: ما فعل ابنك؟ قال: يا أمير المؤمنين انحرف مزاجه. قال: قد ~~علمت أن تلك الأكلة ما كانت تتركه حتى تهيضه. # وهاهنا موضع حكاية حسنة تدل على كرم ومروءة ونبل: كان بعض الوزراء مشغوفا ~~بالأكل ويحب كل من يأكل معه ms072 وكل من كان أكثر أكلا كان أقرب إلى قلبه. فاتفق ~~أنه قصد بعض الأكابر من العلويين، وكمل عليه وجوها من خراج وضمان وغير ذلك ~~وطالبه بها فوكل عليه في نفس داره، أعني دار الوزير. ففي بعض الأيام مد ~~السماط بين يدي الوزير. فقال العلوي للموكلين به: إني جائع، فهل تأذنون أن ~~أخرج إلى السماط وأنتم معي فآكل وأعود إلى هذا الموضع؟ وكان العلوي قد فطن ~~لطبع الوزير في ذلك، فاستحيوا منه وأذنوا له في ذلك. فخرج وجلس في أخريات ~~السماط وجعل يأكل بنهم فلحظه الوزير وهو مقبل على الأكل فاستدناه ورفعه إلى ~~صدر المجلس وقدم إليه من أطايب ذلك الطعام . وكلما بالغ في الأكل زادت ~~بشاشة الوزير وطلاقته. فلما رفع الطعام استدعى الوزير كانونا فيه نار وأحضر ~~الحساب الذي رفع على الرجل به وقال: أيها السيد قد أراحك الله من هذا المال ~~وأنت في حل منه. ووالله وحق جدك، صلوات الله عليه، ليس عندي بهذا الحساب ~~ولا في الديوان به غير هذه النسخة. ثم ألقاها في الكانون فاحترقت وأفرج عنه ~~وأذن له في الرواح إلى منزله. PageV01P039 ومما عظم على الناس عامة وعلى ~~بني أمية خاصة قضية الاستلحاق، وهي أن معاوية، رضي الله عنه، استلحق زياد ~~ابن أبيه وجعله أخا له ليتكثر به ويتقوى برأيه ودهائه. # استلحاق معاوية لزياد ابن أبيه: شرح كيفية الاستلحاق على وجه الاختصار: ~~كانت سمية أم زياد بغيا من بغايا العرب، ولها زوج اسمه عبيد، فاتفق أن أبا ~~سفيان، وهو أبو معاوية، نزل بخمار يقال له أبو مريم، فطلب أبو سفيان منه ~~بغيا. فقال له أبو مريم: هل لك في سمية؟! وكان أبو سفيان يعرفها. فقال: ~~هاتها على طول ثديها وذفر بطنها. فأتاه بها فوقع أبو سفيان عليها فعلقت منه ~~بزياد ثم وضعته على فراش زوجها عبيد. # فلما نشأ زياد تأدب وبرع وتقلب في الأعمال فولاه عمر بن الخطاب، رضي الله ~~عنه، عملا فأحسن القيام به. فحضر يوما مجلس عمر وفيه أكابر الصحابة وأبو ~~سفيان في جملة ms073 القوم ، فخطب زياد خطبة بليغة لم يسمعوا بمثلها. فقال عمرو ~~بن العاص: لله در هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه، فقال ~~أبو سفيان: والله إني لأعرف أباه الذي وضعه في رحم أمه، وعنى نفسه. فقال له ~~أمير المؤمنين علي، عليه السلام: يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أن عمر لو ~~سمع هذا القول منك لكان إليك سريعا. # فلما ولي، عليه السلام، الخلافة، استعمل زيادا على فارس فضبطها وحمى ~~قلاعها وقام فيها مقاما مرضيا واشتهرت كفاءته واتصل الخبر بمعاوية، رضي ~~الله عنه، فساءه أن يكون من أصحاب علي، عليه السلام، رجل مثل زياد ، وأراده ~~لنفسه. فكتب إليه كتابا يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان ويقول له: أنت ~~أخي، فلم يلتفت زياد إليه. وبلغ الخبر أمير المؤمنين عليا، عليه السلام، ~~فكتب إلى زياد: إني وليتك ما وليتك، وأنا أراك له أهلا. وقد كانت من أبي ~~سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب لك ميراثا ولا تحل له نسبا. ~~وإن معاوية، رضي الله عنه، يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه ~~وعن شماله، فاحذر ثم احذر والسلام. # فلما قتل علي، عليه السلام، جد معاوية في استصفاء مودة زياد واستمالته ~~وترغيبه إلى الانخراط في زمرته، فنشأ بينهما حديث ولادة أبي سفيان واتفقا ~~على الاستلحاق، وحضر شهود مجلس معاوية، رضي الله عنه، فشهدوا بأن زيادا ولد ~~أبي سفيان. فمن جملة الشهود أبو مريم الخمار الذي أحضر سمية إلى أبي سفيان، ~~وكان أبو مريم الخمار الذي أحضر سمية إلى أبي سفيان ، وكان أبو مريم هذا قد ~~أسلم وحسن إسلامه، فقال له: بم تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أشهد أن أبا سفيان ~~حضر عندي وطلب مني بغيا. فقلت له: ليس عندي إلا سمية. فقال: هاتها على ~~قذرها ووضرها، فأتيته بها فخلا معها فخرجت من عنده وإنها لتقطر منيا. فقال ~~له زياد: مهلا يا أبا مريم! فإنما دعيت شاهدا ولم تدع شاتما، فاستلحقه ~~معاوية، رضي الله عنه. قالوا: وكان هذا ms074 الاستلحاق أول ما ردت به أحكام ~~الشريعة علانية، فإن رسول الله، صلوات الله عليه ، قضى بالولد للفراش ~~وللعاهر الحجر. # واعتذر قوم لمعاوية بأن قالوا : إنما جاز استلحاق معاوية زيادا لأن أنكحة ~~الجاهلية كانت أنواعا، فمن جملتها أن الجماعة إذا جامعوا بغيا ثم ولدت تلك ~~البغي ألحقت الولد بمن شاءت منهم؛ والقول في ذلك قولها. فلما جاء الإسلام ~~حرم هذا النكاح إلا أنه أقر كل ولد على نسبه إلى الأب الذي عرف به من أي ~~نكاح كان من أنكحتهم ، ولم يفرق الإسلام بين شيء من ذلك. # قال آخرون: صدقتم في هذا، لكن معاوية، رضي الله عنه، توهم أن ذلك على هذه ~~الصورة، ولم يفرق بين ما استلحق في الجاهلية والإسلام، فإن زيادا لم يكن ~~يعرف في الجاهلية بأبي سفيان ولم يكن منسوبا إلا إلى عبيد، فكان يقال زياد ~~بن عبيد، وبين الصورتين بون. وقال الشاعر مشيرا إلى هذه القضية : # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة عن الرجل اليماني # أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زان # فأقسم أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان PageV01P040 ثم صار ~~زياد من رجال معاوية وأعضاده، فولاه البصرة وخراسان وسجستان، وأضاف إليه ~~الهند والبحرين وعمان، وأضاف إليه في آخر الأمر الكوفة. وكتب زياد على ~~كتبه: من زياد بن أبي سفيان، وكانوا قبل ذلك يقولون له زياد بن عبيد تارة ~~وتارة زياد بن سمية، ومن يتحرى الصدق يقول زياد ابن أبيه. # وكان زياد أحد الدهاة عظيم السياسة قوي الهيبة صحيح العقل سديدا شهما ~~فطنا بليغا. # وكانت وفاة معاوية، رضي الله عنه، في سنة ستين من الهجرة. ولما أدركته ~~الوفاة أوصى إلى ابنه يزيد وصية تدل على عقله ولبه وخبرته بالأمور ومعرفته ~~بالرجال، فلم يعمل يزيد بشيء منها. وقد أثبتها هاهنا لحسنها وسدادها. # وصية معاوية لابنه: قالوا: لما مرض معاوية، رضي الله عنه، مرضه الذي مات ~~فيه دعا ابنه يزيد فقال له: يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك ~~الأمور وذللت لك ms075 الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. ~~فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعهد من غاب. وانظر ~~أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كل يوم عاملا فافعل. فإن عزل عامل أيسر من أن ~~يشهر مائة ألف سيف. وانظر أهل الشأم وليكونوا بطانتك فإن رابك من عدوك شيء ~~فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بها ~~تغيرت أخلاقهم. وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة من ~~قريش: الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله ~~عنهم. فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك. ~~وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه. فإن خرج ~~وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد، صلوات ~~الله عليه وسلامه. وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ~~ليست له همة إلا في النساء واللهو. وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك ~~مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير. فإن هو وثب عليك فظفرت ~~به فقطعه إربا إربا. واحقن دماء قومك ما استطعت. # وفي هذه الوصية دليل على ما سبق من وفور رغبته في تدبير الملك وشدة كلفه ~~بالرياسة. # يزيد بن معاوية # ثم ملك بعده ابنه يزيد كان موفر الرغبة في اللهو والقنص والخمر والنساء ~~والشعر. وكان فصيحا كريما شاعرا مفلقا. قالوا بدىء الشعر بملك وختم بملك، ~~إشارة إلى امرىء القيس وإليه. فمن شعره: # جاءت بوجه كأن البدر برقعه ... نورا على مائس كالغصن معتل # إحدى يديها تعاطيني مشعشعة ... كخدها عصفرته صبغة الخجل # ثم استبدت وقالت، وهي عالمة ... بما تقول وشمس الراح لم تفل: # لا ترحلن فما أبقيت من جلدي ... ما أستطيع به توديع مرتحل # ولا من النوم ما ألقى الخيال به ... ولا من الدمع ما أبكي على الطلل # كانت ولايته على أصح ms076 القولين ثلاث سنين وستة أشهر. ففي السنة الأولى قتل ~~الحسين بن علي، عليهما السلام، وفي السنة الثانية نهب المدينة وأباحها ~~ثلاثة أيام، وفي السنة الثالثة غزا الكعبة. # فنبدأ بشرح قتل الحسين، عليه السلام. # مقتل الحسين : شرح كيفية الحال في ذلك على وجه الاختصار: هذه قضية لا أحب ~~بسط القول فيها استعظاما لها واستفظاعا. فإنها قضية لم يجر في الإسلام أعظم ~~فحشا منها. ولعمري إن قتل أمير المؤمنين، عليه السلام، هو الطامة الكبرى. ~~ولكن هذه القضية جرى فيها من القتل الشنيع والسبي أو التمثيل ما تقشعر له ~~الجلود. واكتفيت أيضا عن بسط القول فيها بشهرتها فإنها أشهر الطامات. فلعن ~~الله كل من باشرها وأمر بها ورضي بشيء منها ولا تقبل الله منه صرفا ولا ~~عدلا وجعله من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا وجملة ما جرى في ذلك أن يزيد، لعنه الله، لما بويع لم يكن ~~له هم إلا تحصيل بيعة الحسين، رضي الله عنه، والنفر الذي حذره أبوه منهم. ~~فأرسل إلى الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان، وهو يومئذ أمير المدينة، يأمره ~~بأخذ البيعة عليهم. PageV01P041 فاستدعاهم فحضر الحسين، عليه السلام، عنده، ~~فأخبره بموت معاوية، رضي الله عنه، ودعاه إلى البيعة فقال له الحسين، عليه ~~السلام: مثلي لا يبايع سرا ولكن إذا اجتمع الناس نظرنا ونظرت . ثم خرج ~~الحسين، عليه السلام، من عنده وجمع أصحابه وخرج من المدينة قاصدا مكة ~~متأبيا من بيعة يزيد آنفا من الانخراط في زمرة رعيته. # فلما استقر بمكة اتصل بأهل الكوفة تأبيه من بيعة يزيد، وكانوا يكرهون بني ~~أمية، خصوصا يزيد لقبح سيرته ومجاهرته بالمعاصي واشتهاره بالقبائح. فراسلوا ~~الحسين، عليه السلام، وكتبوا إليه الكتب يدعونه إلى قدوم الكوفة ويبذلون له ~~النصرة على بني أمية. واجتمعوا وتحالفوا على ذلك وتابعوا الكتب إليه في هذا ~~المعنى. فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، رضي الله عنه، فلما ~~وصل إلى الكوفة فشا الخبر إلى عبيد الله بن زياد، لعنه ms077 الله ، وأحله دار ~~الخزي، وكان يزيد قد أمره على الكوفة حين بلغه مراسلة أهلها الحسين، عليه ~~السلام. وكان مسلم قد التجأ إلى دار هانىء بن عروة، رضي الله عنه، وكان من ~~أشراف أهل الكوفة، فاستدعاه عبيد الله بن زياد وطلبه منه فأبى، فضرب وجهه ~~بالقضيب فهشمه، ثم أحضر مسلم بن عقيل، رضي الله عنهما، فضربت عنقه فوق ~~القصر فهوى رأسه وأتبع جثته رأسه. وأما هانىء فأخرج إلى السوق فضربت عنقه، ~~وفي ذلك يقول الفرزدق: # وإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل # إلى بطل قد هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل # ثم إن الحسين، عليه السلام، خرج من مكة متوجها إلى الكوفة، وهو لا يعلم ~~بحال مسلم. فلما قرب من الكوفة علم بالحال ولقيه ناس فأخبروه الخبر وحذروه ~~فلم يرجع، وصمم على الوصول إلى الكوفة لأمر هو أعلم به من الناس. فأرسل ابن ~~زياد إليه عسكرا أميره عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقاتل الحسين، عليه السلام، ~~وأصحابه حين التقى الجمعان قتالا لم يشاهد أحد مثله، حتى فني أصحابه وبقي ~~هو، عليه السلام، وخاصته فقتلوا أشد قتال رآه الناس ثم قتل الحسين عليه ~~السلام قتلة شنيعة. ولقد ظهر منه، عليه السلام، من الصبر والاحتساب ~~والشجاعة والورع والخبرة التامة بآداب الحرب والبلاغة، ومن أهله وأصحابه، ~~رضي الله عنهم، من النصر له والمواساة بالنفس وكراهية الحياة بعده ~~والمقاتلة بين يديه عن بصيرة ما لم يشاهد مثله، ووقع النهب والسبي في عسكره ~~وذراريه، عليهم السلام، ثم حمل النساء ورأسه، صلوات الله عليه، إلى يزيد بن ~~معاوية بدمشق، فجعل ينكت ثنايا الحسين، عليه السلام، بالقضيب، ثم رد نساءه ~~إلى المدينة. # وكان قتل الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين. # شرح كيفية وقعة الحرة # ثم ثنى بقتال أهل مدينة سيدنا رسول الله، صلوات الله عليه وسلامه، وهي ~~وقعة الحرة. ومبدأ الأمر فيها أن أهل المدينة كرهوا خلافة يزيد وخلعوه، ~~وحصروا من كان بها من بني ms078 أمية وأخافوهم. فأرسل بنو أمية رسولا إلى يزيد ~~يعلمه حالهم. فلما وصل الرسول إلى يزيد وأخبره بذلك ثمثل: # لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان PageV01P042 ثم ~~ندب إليها عمرو بن سعيد فأحجم عنها، وأرسل يقول له: إني قد ضبطت لك الأمور ~~والبلاد، وأما الآن إذ صارت دماء قريش تهراق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك. ~~فندب عبيد الله بن زياد لذلك فاعتذر وقال: والله لا جمعتهما للفاسق، أقتل ~~ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأغزو مدينته والكعبة! فندب إليها مسلم ~~بن عقبة المري، وكان شيخا كبيرا مريضا إلا أنه كان أحد جبابرة العرب ~~وشياطينهم، وقيل إن أباه قال له: إن خالفك أهل المدينة فارمهم بمسلم بن ~~عقبة. فتوجه إليها مسلم بن عقبة وهو مريض فحاصرها من جهة الحرة، وهو موضع ~~بظاهر المدينة، فنصب لمسلم بن عقبة كرسي بين الصفين، وجلس يحرض أصحابه على ~~القتال حتى فتحها. وقتل في تلك الوقعة جماعة من أعيانها، فيقال إن أبا سعيد ~~الخدري، رضي الله عنه، صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم وآله، خاف فأخذ ~~سيفه وخرج إلى كهف هناك ليدخل إليه ويعتصم به، فتبعه بعض أهل الشأم، فخافه ~~أبو سعيد وسل سيفه عليه ليروعه، فسل الآخر سيفه. فلما وصل إلى أبي سعيد قال ~~له: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك . فقال له ~~الشأمي: من أنت ؟ قال: أنا أبو سعيد. قال: صاحب رسول الله؟ قال: نعم. فمضى ~~وتركه. ثم أباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا فقتل ونهب وسبى. # فقيل: إن الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان إذا زوج ابنته لا يضمن ~~بكارتها ويقول: لعلها قد افتضت في وقعة الحرة. وسمي مسلم بن عقبة مسرفا. # شرح كيفية غزو الكعبة # ثم ثلث يزيد بغزو الكعبة فأمر مسلم بن عقبة بقصدها وغزوها بعد فراغه من ~~أمر المدينة. فتوجه مسلم إليها، وكان عبد الله بن الزبير بها وقد دعا إلى ~~نفسه وتبعه أهل مكة، فمات مسلم في الطريق ms079 واستخلف على الجيش رجلا كان يزيد ~~أوصاه بتأميره إن هلك، فمضى بالجيش إلى مكة وحصرها وبرز ابن الزبير إليه في ~~أهل مكة ونشبت الحرب؛ وقال راجز أهل الشأم: # خطارة مثل الفنيق المزبد ... يرمى بها أعواد هذا المسجد # وهم في ذلك، إذ ورد نعي يزيد فرجعوا ثم ملك بعده ابنه معاوية بن يزيد بن ~~معاوية # معاوية بن يزيد بن معاوية # كان صبيا ضعيفا، ملك أربعين يوما، وقيل ثلاثة أشهر، ثم قال للناس: إني ~~ضعفت عن أمركم فالتمست لكم مثل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فلم أجد، ~~فالتمست ستة مثل أهل الشورى فلم أجد، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من ~~أحببتم، فما كنت لأتزودها ميتا وما استمتعت بها حيا. ثم دخل داره وتغيب ~~أياما ومات، وقيل مات مسموما وليس له من الأخبار ما يؤثر. # ثم ملك بعده مروان بن الحكم. # مروان بن الحكم # هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ولما مات ~~معاوية بن يزيد بن معاوية ماج الناس، فأراد أهل الشأم بني أمية وأراد غيرهم ~~عبد الله بن الزبير، ثم غلب من رأيه في بني أمية، لكنهم اختلفوا فيمن ~~يولونه، فمال ناس منهم إلى خالد بن يزيد بن معاوية، وكان فصيحا بليغا، وقيل ~~إنه أصاب عمل الكيمياء، وكان صبيا. ومال ناس إلى مروان بن الحكم لسنه ~~وشيخوخته، وكرهوا خالدا لصبوته. ثم بايعوا مروان وقاد الجنود وفتح مصر. ~~وكان يقال له ابن الطريد، وذلك لأن أباه الحكم طرده رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، عن المدينة: فلما ولي عثمان بن عفان، رضي الله عنه، رده إليه، ~~وأنكر المسلمون ذلك منه، فاحتج بأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم وآله، ~~وعده برده، ورويت أحاديث وأخبار في لعنة الحكم ابن العاص ولعنة من في صلبه، ~~وضعفها قوم. # وكان من أراد ذم مروان وعيبه يقول له: يا ابن الزرقاء! قالوا وكانت ~~الزرقاء جدتهم من ذوات الرايات التي يستدل بها على بيوت البغايا في ~~الجاهلية فلذلك كانوا ms080 يذمون بها. # وكان مروان حين بويع قد تزوج أم خالد زوجة يزيد بن معاوية، ليصغر بذلك ~~شأن خالد فيسقط عن درجة الخلافة. فدخل خالد يوما على مروان فقال له مروان: ~~يا ابن الرطبة! ونسبه إلى الحمق، ليصغر أمره عند أهل الشام. فخجل خالد ودخل ~~على أمه وأخبرها بما قال له مروان، فقالت: لا يعلمن أحد أنك أعلمتني وأنا ~~أكفيك. ثم إن مروان نام عندها ليلة فوضعت على وجهه وسادة ولم ترفعها حتى ~~مات. وأراد ابنه عبد الملك أن يقتلها، فقيل له: يتحدث الناس أن أباك قتلته ~~امرأة، فتركها. PageV01P043 وكانت ولاية مروان تسعة أشهر وبعض شهر، وذلك ~~تأويل قول أمير المؤمنين: إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه. # وفي تلك الأيام أخذت الشيعة بثأر الحسين، عليه السلام. # أخذ الشيعة بثأر الحسين # شرح كيفية ذلك على وجه الاختصار : لما هدأت الفتنة بعد قتل الحسين، عليه ~~السلام، وهلك يزيد بن معاوية اجتمع ناس من أهل الكوفة وندموا على خذلانهم ~~الحسين، عليه السلام، ومقاتلتهم له ونصرهم لقتلته بعد إرسالهم إليه، ~~واستدعائهم منه القدوم عيهم وبذلهم له النصر، وتابوا من ذلك فسموا ~~التوابين. ثم إنهم تحالفوا على بذل نفوسهم وأموالهم في الطلب بثأره ومقاتلة ~~قتلته، وإقرار الحق مقره في رجل من آل بيت نبيهم، صلوات الله عليه وسلامه، ~~وأمروا عليهم رجلا منهم يقال له سليمان بن صرد، رضي الله عنه. فكاتب الشيعة ~~بالأمصار يندبهم إلى ذلك، فأجابوه بالموافقة والمسارعة. ثم ظهر في تلك ~~الأيام المختار ابن عبيد الثقفي، وكان رجلا شريفا في نفسه عالي الهمة ~~كريما، فدعا إلى محمد ابن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وهو المعروف ابن ~~الحنفية. # وكانت تلك الأيام فتن، وذلك أن مروان كان خليفة بالشأم ومصر مبايعا جالسا ~~على سرير الملك، وعبد الله بن الزبير خليفة بالحجاز والبصرة مبايع، معه ~~الجنود والسلاح، والمختار بن أبي عبيد بالكوفة ومعه الناس والجنود والسلاح ~~وقد أخرج أمير الكوفة عنها، وصار هو أميرها يدعو إلى محمد بن الحنفية. # ثم إن المختار قويت شوكته ففتك بقتلة ms081 الحسين، فضرب عنق عمر ابن سعد ~~وابنه، وقال: هذا بالحسين وابنه علي! ووالله لو قتلت به ثلثي قريش ما وفوا ~~بأنملة من أنامله. ثم إن مروان أرسل عبيد الله بن زياد في جيش كثيف، فأرسل ~~إليه المختار إبراهيم بن مالك الأشتر فقتله بنواحي الموصل وأرسل برأسه إلى ~~المختار فألقي في القصر؛ فيقال: إن حية دقيقة تخطت رؤوس القتلى، ودخلت في ~~فم عبيد الله فخرجت من منخره، ثم دخلت في منخره فخرجت من فيه؛ فعلت ذلك ~~مرارا. ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل أخاه مصعبا وكان شجاعا إلى المختار ~~فقتله. # ومات مروان بن الحكم في سنة خمس وستين وبويع ابنه عبد الملك. # ثم ملك ابنه عبد الملك بن مروان. # عبد الملك بن مروان # كان عبد الملك لبيبا عاقلا عالما ملكا جبارا، قوي الهيبة شديد السياسة ~~حسن التدبير للدنيا. في أيامه نقل الديوان من الفارسية إلى العربية واخترعت ~~سياقة المستعربين، وهو أول من نهى الرعية عن كثرة الحديث بحضرة الخلفاء ~~ومراجعتهم، وكانوا يتجرأون عليهم، وقد تقدم شرح ذلك. وهو الذي سلط الحجاج ~~بن يوسف على الناس وغزا الكعبة وقتل عبد الله بن الزبير وأخاه مصعبا من ~~قبله. # ومن طريف ما وقع في ذلك أن عبد الملك لما أرسل يزيد بن معاوية الجيش ~~لقتال أهل المدينة وغزو الكعبة امتعض عبد الملك من ذلك غاية الامتعاض، ~~وقال: ليت السماء انطبقت على الأرض. فلما صار خليفة فعل ذلك وأشد منه، فإنه ~~أرسل الحجاج لحصار ابن الزبير وغزو مكة، وكان عبد الملك قبل الخلافة أحد ~~فقهاء المدينة، وكان يسمى حمامة المسجد لمداومته تلاوة القرآن. فلما مات ~~أبوه وبشر بالخلافة أطبق المصحف، وقال: هذا فراق بيني وبينك، وتصدى لأمور ~~الدنيا. وقيل إنه قال يوما لسعيد بن المسيب: يا سعيد قد صرت أفعل الخير فلا ~~أسر به وأصنع الشر فلا أساء به، فقال له سعيد بن المسيب: الآن تكامل فيك ~~موت القلب. # في أيامه قتل عبد الله بن الزبير وأخوه مصعب أمير العراق . # مقتل عبد الله بن ms082 الزبير : PageV01P044 فأما عبد الله بن الزبير فإنه كان ~~قد اعتصم بمكة وبايعه أهل الحجاز وأهل العراق، وكان عظيم الشح فلذلك لم يتم ~~أمره، فأرسل الحجاج إليه فحاصره بمكة ورمى الكعبة بالمنجنيق، وحاربه وخذله ~~أهله وأصحابه، فدخل على أمه وقال لها: يا أمت قد خذلني الناس حتى ولدي ~~وأهلي، ولم يبق معي غير مفر يسير ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة، والقوم ~~يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ فقالت له: أنت أعلم بنفسك، إن كنت ~~تعلم أنك على حق فامض لشأنك ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية، وإن كنت ~~إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن معك، وكم خلودك في الدنيا؟ ~~القتل أحسن فقال: يا أمت! إني أخاف إن قتلوني أن يمثلوا بي. قالت: يا بني ~~إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها. ومازالت تحرضه بهذا وأشباهه حتى خرج ~~فصمم على المناجزة فقتل، وأرسل الحجاج بالبشارة إلى عبد الملك، وكان ذلك ~~سنة ثلاث وسبعين. # مقتل مصعب بن الزبير : وأما أخوه مصعب بن الزبير أمير العراق فكان شجاعا ~~جميلا جليل القدر ممدحا، تزوج سكينة بنت الحسين، عليه السلام، وعائشة بنت ~~طلحة وجمعها في داره، وكانتا من أعظم النساء قدرا ومالا وجمالا. فقال عبد ~~الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ قالوا: أنت. قال: لا، لكن أشجع الناس ~~من جمع في داره بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، يعني مصعبا. ثم تجهز ~~عبد الملك لقتال مصعب وودع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية. فلما ودعها بكت ~~فبكى جواريها لبكائها. فقال عبد الملك: قاتل الله كثير عزة كأنه شاهد هذا ~~حين قال: # إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها # نهته فلما لم تر النهي نافعا ... بكت فبكى مما شجاها قطينها # ثم ثار إلى حرب مصعب، فالتقيا بأرض دجيل، فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل ~~مصعب، وذلك في سنة إحدى وسبعين. # وكان عبد الملك أديبا ذكيا فاضلا. قال الشعبي: ما ذاكرت أحدا إلا وجدت لي ~~الفضل عليه ms083 إلا عبد الملك بن مروان، فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه، ~~ولا شعرا إلا زادني فيه. # وقيل لعبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب. قال: شيبني صعود المنابر والخوف ~~من اللحن. وكان اللحن عندهم في غاية القبح. ومن آرائه ما أشار به، وهو صبي، ~~على مسلم بن عقبة المري حين أرسله يزيد بن معاوية لقتال أهل المدينة، ~~فوصلها وبنو أمية محاصرون بها، ثم أخرجوا. فلما لقيهم مسلم ابن عقبة استشار ~~بعبد الملك بن مروان، وكان حدثا، فقال له: الرأي أن تسير بمن معك، فإذا ~~انتهيت إلى أدنى نخلها نزلت، فاستظل الناس في ظله وأكلوا من صفوه، فإذا ~~استصبحت مضيت وتركت المدينة على اليسار. ثم درت بها حتى تأتيهم من قبل ~~الحرة مشرقا، ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد طلعت الشمس عليهم طلعت ~~بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم، بل يصيب أهل المدينة أذاها ويرون من ائتلاف ~~بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم ماداموا مغربين، ثم ~~قاتلهم واستعن بالله. # وقال عبد الملك يوما لجلسائه: ما تقولون في قول القائل: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا حربا ممن يهيم بها بعدي # قالوا: معنى حسن. قال: هذا ميت كثير الفضول، ليس هذا معنى جيدا. قالوا: ~~صدقت. قال: فكيف كان ينبغي أن يقول؟ فقال رجل منهم: كان ينبغي أن يقول: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكل بدعد من يهيم بها بعدي # قال عبد الملك: هذا ميت ديوث. قالوا: فكيف ينبغي أن يكون؟ قال: كان ينبغي ~~أن يقول: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي # قالوا: أنت يا أمير المؤمنين أشعر الثلاثة. # ولما اشتد مرضه قال: اصعدوني على شرف، فأصعدوه إلى موضع عال، فجعل يتنسم ~~الهواء، ثم قال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن ~~كنا منك لفي غرور. وتمثل بهذين البيتين : # إن تناقش يكن نقاشك يا ر ... ب عذابا لا طوق لي بالعذاب # أو تجاوز فأنت رب صفوح ... عن مسيء ذنوبه ms084 كالتراب # ولما مات صلى عليه ابنه الوليد، فتمثل هشام ابنه الآخر: # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # فقال له الوليد: اسكت فأنت تتكلم بلسان شيطان، ألا قلت كما قال الآخر: ~~PageV01P045 إذا سيد منا مضى قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول # وصية عبد الملك لأخيه: وأوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز، حين ~~مضى إلى مصر أميرا عليها، فقال له : ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في ~~الأمور، فإنه أبلغ بك، وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ~~ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده، وإذا ~~خرجت إلى مجلسك فابدأ بالسلام يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا ~~انتهى إليك مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة فإنها تفتح مغاليق الأمور، وإذا ~~سخطت على أحد فأخر عقوبته، فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه أقدر منك على ~~ردها بعد إمضائها. # وكانت وفاته في سنة ست وثمانين ثم ملك ابنه الوليد. # الوليد بن عبد الملك كان الوليد من أفضل خلفائهم سيرة عند أهل الشأم. بنى ~~الجوامع: جامع دمشق وجامع المدينة، على ساكنها أفضل السلام، والمسجد ~~الأقصى، وأعطى المجذمين ومنعهم من سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ~~ضرير قائدا، وفتح في خلافته فتوحا عظاما: منها الأندلس وكاشغر والهند. وكان ~~شديد الكلف بالعمارات والأبنية واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون ~~في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن الأبنية والعمارات. # وكان أخوه سليمان يحب الطعام والنكاح، فكان الناس في خلافته إذا التقوا ~~سأل بعضهم بعضا عن الطعام والنكاح . # وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة وتلاوة. فكان الناس إذا تلاقوا في ~~أيامه سأل بعضهم بعضا: ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تقوم من ~~الشهر؟ وهذا من خواص الملك التي تقدم شرحها. # وكان لحانا لا يحسن النحو، فدخل عليه يوما بعض الأعراب فتقرب إليه بقرابة ~~بينه وبينه. فقال له الوليد: من ختنك؟ وفتح النون. فظن الأعرابي أنه يسأل ~~عن الختان. فقال: بعض الأطباء. ms085 فقال له سليمان أخوه: إنما يقول لك أمير ~~المؤمنين من ختنك، وضم سليمان النون. فقال الأعرابي: نعم ختني فلان، وذكر ~~قرابته. # وعاتبه أبوه عبد الملك على اللحن، وقال له: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن ~~كلامهم. فدخل الوليد بيتا وأخذ معه جماعة من علماء النحو، وأقام مدة يشتغل ~~فيه، فخرج أجهل مما كان يوم دخوله؛ فلما بلغ ذلك عبد الملك قال: قد أعذر. # ثم ملك بعده أخوه سليمان بن عبد الملك. # سليمان بن عبد الملك كانت أيامه ذات فتوح متوالية، وكان غيورا شديد ~~الغيرة، وكان نهما؛ فيقال إن الطباخ كان يأتيه بالشواء فلا يصبر حتى يبرد ~~فيأخذه بكمه، وكان فصيحا بليغا. # وهاهنا موضع حكاية: قال الأصمعي: كنت مرة أفاوض هرون الرشيد، فجرى حديث ~~أصحاب النهم، فقلت: كان سليمان بن عبد الملك شديد النهم، وكان إذا أتاه ~~الطباخ بشواء تلقاه فأخذه بأكمامه. فقال الرشيد: ما أعلمك يا أصمعي بأخبار ~~الناس! لقد اعترضت منذ أيام جباب سليمان فوجدت أثر الدهن في أكمامها فظننته ~~طيبا. قال الأصمعي: ثم أمر لي بجبة منها. # وقيل: إن سليمان لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة، فقال: ~~أنا الملك الفتى، ثم نظرت إليه جارية من جواريه، فقال : ما تنظرين؟ قالت: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان # ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان # فلم تمض إلا جمعة واحدة حتى مات. وكانت وفاته في سنة تسع وتسعين. # ثم ملك بعده عمر بن عبد العزيز بن مروان. # عمر بن عبد العزيز # لما مرض سليمان بن عبد الملك مرضته التي مات فيها، عزم على أن يبايع لبعض ~~أولاده، فنهاه بعض أصحابه، وقال له: يا أمير المؤمنين إنه مما يحفظ الخليفة ~~في قبره، أن يستحفظ على الناس رجلا صالحا. فقال سليمان: أستخير الله وأفعل. ~~ثم استشاره في عمر بن عبد العزيز، فأشار عليه به وأثنى عليه خيرا. فكتب ~~سليمان عهده إلى عمر بن عبد العزيز وختمه ودعا أهل بيته، ms086 وقال: بايعوا لمن ~~عهدت إليه في هذا الكتاب، ولم يعلمهم به، فبايعوا. ثم لما مات جمعهم ذلك ~~الرجل الذي أشار عليه بعمر بن عبد العزيز، وقد كتم موت سليمان عنهم، وقال ~~لهم: بايعوا مرة أخرى، فبايعوا. فلما رأى أنه قد أحكم الأمر أعلمهم بموت ~~سليمان. PageV01P046 وكان عمر بن عبد العزيز من خيار الخلفاء عالما زاهدا ~~عابدا تقيا ورعا، سار سيرة مرضية ومضى حميدا. هو الذي قطع السب عن أمير ~~المؤمنين، صلوات الله عليه وسلامه، وكان بنو أمية يسبونه على المنابر. قال ~~عمر بن عبد العزيز: كان أبي عبد العزيز بن مروان يمر في خطبته يهذها هذا، ~~حتى إذا وصل إلى ذكر أمير المؤمنين علي، عليه السلام، تتعتع. قال فقلت له ~~ذلك فقال: يا بني أدركت هذا مني؟ قلت: نعم . قال: يا بني اعلم أن العوام لو ~~عرفوا من علي بن أبي طالب ما نعرفه نحن لتفرقوا عنا إلىولده. فلما ولي عمر ~~بن عبد العزيز الخلافة قطع السب وجعل مكانه قوله تعالى: إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون. ومدحه الشعراء على ذلك. # فممن مدحه على ذلك كثير عزة بقوله: # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف ... بريا ولم تتبع مقالة مجرم # وقلت فصدقت الذي قلت بالذي ... فعلت فأضحى راضيا كل مسلم # وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... وأبدت لك الدنيا بخد ومعصم # وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم # فأعرضت عنها مشمئزا كأنما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم # وقد كنت منها في جبال أرومها ... ومن بحرها في زاخر السيل مفعم # ورثاه الشريف الرضي الموسوي بقوله: # يا ابن عبد العزيز لو بكت العي ... ن فتى من أمية لبكيتك # أنت أنقذتنا من السب والشت ... م فلو أمكن الجزاء جزيتك # غير أني أقول إنك قد طب ... ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك # دير سمعان لاعدتك الغوادي ... خير ميت من آل مروان ميتك # وإليه الإشارة بقولهم : الأشج والناقص أعدلا بني مروان وسيجيء ذكر الناقص ms087 ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى وكانت وفاته بدير سمعان في سنة إحدى ومائة ثم ~~ملك بعده يزيد بن عبد الملك # يزيد بن عبد الملك # كان خليع بني أمية، شغف بجاريتين إسم إحداهما سلامة واسم الأخرى حبابة، ~~فقطع معهما زمانه. قالوا فغنت يوما حبابة: # بين التراقي واللهاة حرارة ... ما تطمئن ولا تسوغ فتبرد # فأهوى يزيد بن عبد الملك ليطير. فقالت: يا أمير المؤمنين لنا فيك حاجة. ~~فقال: والله لأطيرن. قالت: فعلى من تدع الأمة؟ قال: عليك، وقبل يدها. فخرج ~~بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك! فانظر إلى هذا وإلى أبيه عبد ~~الملك حين خرج إلى قتال مصعب بن الزبير وصدته عاتكة بنت يزيد بن معاوية فلم ~~يلتفت إليها، واستشهد بذينك البيتين، وقد سبق شرح ذلك في ترجمة عبد الملك ~~بن مروان. # ولم تكن دولة يزيد طائلة، ولا وقع فيها من الفتوح والوقائع ما تحسن ~~حكايته. وكانت وفاته في سنة خمس ومائة عشقا وصبابة. # ثم ملك بعده أخوه هشام بن عبد الملك . # هشام بن عبد الملك # كان هشام بخيلا شديد البخل إلا أنه كان غزير العقل حليما عفيفا، امتدت ~~أيامه وجرى فيها وقائع، فمن وقائعها الشهيرة قتل زيد بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب، عليه السلام. # شرح مقتل زيد بن علي # بن الحسين إمام الزيدية رضي الله عنه PageV01P047 كان زيد من عظماء أهل ~~البيت، عليهم السلام، علما وزهدا وورعا وشجاعة ودينا وكرما، وكان دائما ~~يحدث نفسه بالخلافة ويرى أنه أهل لذلك، وما زال هذا المعنى يتردد في نفسه، ~~ويظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه، حتى كانت أيام هشام بن عبد الملك، ~~فاتهمه بوديعة لخالد بن عبد الله القسري أمير الكوفة، فحمله إلى يوسف بن ~~عمر أميرها في ذلك العصر فاستحلفه أن ما لخالد عنده مالا وخلى سبيله. فخرج ~~ليتوجه إلى المدينة فتبعه أهل الكوفة وقالوا له: أين تذهب، يرحمك الله، ~~ومعك مائة ألف سيف نضرب بها دونك، وليس عندنا من بني أمية إلا نفر قليل، لو ms088 ~~أن قبيلة واحدة منا صمدت لهم لكفتهم بإذن الله. ورغبوه بهذا وأمثاله، فقال ~~لهم: يا قوم إني أخاف غدركم، فإنكم فعلتم بجدي الحسين، عليه السلام، ما ~~فعلتم، وأبى عليهم. فقالوا: نناشدك الله إلا ما رجعت، ونحن نبذل أنفسنا ~~دونك ونعطيك من الأيمان والعهود والمواثيق ما تثق به. فإنا نرجو أن تكون ~~المنصور وأن يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية. فلم يزالوا به حتى ~~ردوه. فلما رجع إلى الكوفة أقبلت الشيعة تختلف إليه يبايعونه، حتى أحصى ~~ديوانه خمسة عشر ألفا من أهل الكوفة، سوى أهل المدائن والبصرة وواسط ~~والموصل وأهل خراسان والري وجرجان والجزيرة، وأقاموا بالكوفة شهورا. # ثم لما تم الأمر لزيد وخفقت الألوية على رأسه، قال: الحمد لله الذي أكمل ~~لي ديني، والله إني كنت أستحيي من رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، أن ~~أرد عليه الحوض إذا ولم آمر في أمته بمعروف ولم أنه عن منكر. فلما اجتمع ~~الناس مع زيد أظهر أمره، ونابذ من خالفه فجمع له يوسف بن عمر جموعا وبرز ~~إليه، وعبى كل منهما أصحابه والتقى الفريقان وجرى بينهما قتال شديد، فتفرق ~~أصحاب زيد عنه وخذلوه، فبقي في شرذمة يسيرة فأبلى هو، رضي الله عنه، بلاء ~~حسنا، وقاتل قتالا شديدا، فجاءه سهم فأصاب جبينه، فطلب حدادا فنزع السهم من ~~جبينه، فكانت فيه نفسه، فمات، رضي الله عنه، من ساعته. فحفر له أصحابه في ~~ساقية ودفنوه فيها وأجروا الماء على قبره خوفا من أن يمثلوا به. فلما ~~استظهر يوسف بن عمر أمير الكوفة تطلب قبر زيد فلم يعرفه، فدله عليه بعض ~~العبيد فنبشه وأخرجه فصلبه، فبقي مدة مصلوبا، ثم أحرق وذري رماده في ~~الفرات، رضي الله عنه وسلم عليه، ولعن ظالميه وغاصبيه حقه، فلقد مضى شهيدا ~~مظلوما. # وفي أيامه انبثت دعاة بني العباس في البلاد الشرقية، وتحركت الشيعة خفية، ~~وغزت جنود هشام الترك بما وراء النهر، وكانت لجنوده الغلبة ثم بعد ذلك قتل ~~خاقان. # ثم ملك بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك. # الوليد ms089 بن يزيد # كان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم، منهمكا في ~~اللهو والشرب وسماع الغناء، وكان شاعرا محسنا له أشعار حسنة في العتاب ~~والغزل ووصف الخمر. فمن جيد شعره ما كتبه إلى هشام بن عبد الملك، وقد عزم ~~على خلعه. وكان هشام لما أرى استهتار الوليد بالمعاصي وعكوفه على اللذات، ~~طمع في الخلافة لابنه وأراده على أن يخلع نفسه، وتناوله بلسانه وتهدده ، ~~فكتب إليه الوليد بن يزيد: # كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن # رأيتك تبني جاهدا في قطعيتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني # أراك على الباقين تجني ضغينة ... فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني # كأني بهم يوما وأكثر قولهم: ... ألا ليت أنا حين يا ليت لا يغني # وقد سرق الناس معانيه وأودعوها أشعارهم. فممن سرق معانيه أبو نواس، أخذ ~~معانيه في وصف الخمر. # ومما يحكى عن الوليد بن زيد أنه استفتح فألا في المصحف، فخرج: واستفتحوا ~~وخاب كل جبار عنيد فألقاه ورماه بسهام وقال: # تهددني بجبار عنيد ... نعم أنا ذاك جبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم بعث ... فقل: يا رب خرقني الوليد PageV01P048 فلم ~~يلبث بعد هذا إلا يسيرا حتى قتل. وكان السبب في قتله أنه كان قبل الخلافة ~~على ما وصفنا من اللهو والشرب وانتهاك حرمات الله، عز وجل، فلما أفضت إليه ~~الخلافة لم يزدد إلا انهماكا في اللذات، واستهتارا بالمعاصي، وضم إلى ذلك ~~ما ارتكبه من إغضاب أكابر أهله والإساءة إليهم وتنفيرهم، فاجتمعوا عليه مع ~~أعيان رعيته، وهجموا عليه وقتلوه. وكان المتولي لذلك يزيد ابن الوليد بن ~~عبد الملك، وذلك في سنة ست وعشرين ومائة. # ثم ملك بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك . # يزيد بن الوليد # كان يظهر التنسك، وكان يقال إنه قدري، وسمي الناقص لأنه نقص من أعطيات أل ~~الحجاز ما كان قد زادهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك فسمي الناقص لهذا ~~السبب. ولما بويع بالخلافة خطب الناس وقال لهم كلاما حسنا أنا ms090 مثبته هاهنا ~~لحسنه. # خطبهم وذكر الوليد بن يزيد وإلحاده، وقال: سيرته كانت خبيثة وكان منتهكا ~~لحرمات الله فقتله. ثم قال: أيها الناس إن لكم علي ألا أضع حجرا على حجر ~~ولا لبنة ولا أكري نهرا ولا أكنز مالا ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى ~~أسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل منه نقلته إلى البلد الآخر الذي ~~يليه، ولا أغلق بابي دونكم، ولكم أعطياتكم في كل سنة وأرزاقكم كل شهر، حتى ~~يكون أقصاكم كأدناكم، فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسمع والطاعة وحسن ~~الموازرة، وإن لم أف فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب، وإن كنتم تعلمون أن أحدا ~~ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه ما قد بذلت لكم، وأردتم أن تبايعوه، فأنا ~~أول من يبايعه معكم، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # أقول إن هذا الكلام حسن بالنسبة إلى ذلك الزمان وإلى اصطلاح أهله. فإن ~~هذه الشرائط هي التي كانت معتبرة عندهم في استحقاق الرياسة، فأما في هذا ~~العصر فلو افتخر ملك من الملوك بأنه لا يكري نهرا ولا يضع حجرا على حجر أو ~~ندب رعيته إلى تمليك غيره لعد سفيها، ولكان جديرا في اصطلاحهم بأن يملك ~~غيره. # وفي تلك الأيام شرع حبل بني أمية يضطرب، وشرعت الدولة العباسية تنبع، ~~وانبعثت الدعاة في الأمصار. # وكانت وفاته في سنة ست وعشرين ومائة. # ثم ملك بعده أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان # إبراهيم بن الوليد # كانت تلك الأيام أيام فتن وكان حبل بني أمية قد اضطرب، فلما مات يزيد بن ~~الوليد بن عبد الملك بويع أخوه إبراهيم بيعة لم تكن بطائل. فكان ناس يسلمون ~~عليه بالخلافة، وناس بالإمارة، وناس لربما لا يسلمون عليه بواحدة منهما، ~~واضطرب أمره فمكث سبعين يوما، وسار إلى مروان بن محمد بن مروان فخلعه وبويع ~~له بالخلافة وجلس على سرير المملكة، وذلك بعد حروب وفتن ووقائع يشيب منها ~~الطفل. # ثم ملك بعده مروان بن محمد بن مروان. # مروان بن محمد بن ms091 مروان # هو آخر خلفاء بني أمية، وعنه انتقلت الدولة إلى بني العباس، ويقال له ~~الجعدي ويقال له الحمار، وإنما لقب بالحمار؛ قالوا لصبره في الحرب، وكان ~~شجاعا صاحب دهاء ومكر، وكانت أيامه أيام فتن وهرج ومرج، ولم تطل أيامه حتى ~~هزمته الجيوش العباسية وتبعته إلى بلاد مصر، فقتل بقرية اسمها بوصير من قرى ~~الصعيد، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة. # في أيامه خرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. # خروج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب : شرح كيفية ~~الحال في ذلك على سبيل الاختصار : لما اضطرب حبل بني أمية وبويع مروان ثارت ~~الفتن بين الناس واختلفت كلمتهم، فكل يرى رأيا ويذهب مذهبا، وكان بالكوفة ~~رجل من ولد جعفر الطيار، عليه السلام، اسمه عبد الله بن معاوية بن عبد الله ~~بن جعفر بن أبي طالب، وكان فاضلا شاعرا، فحدثته نفسه بالأمر، ورأى أهل ~~الكوفة اختلاف الأمور بدمشق واضطرب حبل بني أمية، فحضروا إلى عبد الله هذا ~~وبايعوه واجتمعوا حوله خلائق. فبرز إليهم أمير الكوفة يومئذ فقاتلهم بمن ~~معه وتصابر الفريقان مدة، ففي آخر الأمر طلب أهل الكوفة لأنفسهم ولعبد الله ~~ابن معاوية بن عبد الله بن جعفر الأمان من أمير الكوفة ليتوجهوا أين شاؤوا ~~من بلاد الله، وكان أمير الكوفة ومن معه قد ملوا من القتال، فأعطاهم ~~الأمان. PageV01P049 فتوجه عبد الله إلى المدائن وعبر دجلة وغلب على حلوان ~~وما قاربها، ثم توجه إلى بلاد العجم فغلب على تلك الجبال وهمذان وأصفهان ~~والري، والتحق به قوم من بني هاشم ، وبقي على ذلك مدة. # وكان أبو مسلم الخراساني قد قويت شوكته فسار إلى عبد الله هذه فقتله ثم ~~أظهر الدولة العباسية. ثم ظهرت الدولة العباسية واشتهرت دعوتها. # ذكر انتقال الملك من بني أمية إلى بني العباس: لابد قبل الخوض في ذلك من ~~مقدمة يشرح فيها ابتداء أمر أبي مسلم الخراساني، فإنه رجل الدولة وصاحب ~~الدعوة، وعلى يده كان الفتح. # شرح ابتداء أمر ms092 أبي مسلم الخراساني ونسبه: أما نسبه ففيه اختلاف كثير لا ~~فائدة في استقصاء القول فيه. فقيل: هو حر من ولد بزرجمهر وإنه ولد بأصفهان ~~ونشأ بالكوفة، فاتصل بإبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس، فغير اسمه وكناه بأبي مسلم وثقفه وفقهه حتى كان منه ما كان . # وقيل هو عبد تنقل في الرق حتى وصل إلى إبراهيم الإمام، فلما رآه أعجبه ~~سمته وعقله، فابتاعه من مولاه وثقفه وفهمه، وصار يرسله إلى شيعته وأصحاب ~~دعوته بخراسان، ومازال على ذلك حتى كان من الأمر ما كان. # وأما هو فإنه لما قويت شوكته ادعى أنه ابن سليط بن عبد الله بن العباس. ~~ولسليط هذا خبر هذا موضع شرحه على سبيل الاختصار: كان لعبد الله بن عباس ~~جارية فوقع عليها مرة من المرات ثم اعتزلها مدة، فاستنكحها عبدا فوطئها ~~فولدت منه غلاما سمته سليطا ثم ألصقته بعبد الله بن العباس؛ وأنكره عبد ~~الله ولم يعترف به. ونشأ سليط وهو أكره الخلق إلى عبد الله ابن عباس؛ فلما ~~مات عبد الله نازع سليط ورثته في ميراثه وأعجب ذلك بني أمية ليغضوا من علي ~~بن عبد الله بن عباس، فأعانوه وأوصوا قاضي دمشق في الباطن، فمال إليه في ~~الحكم وحكم له بالميراث، وجرت في ذلك خطوب ليس هذا موضعا لشرحها، فادعى أبو ~~مسلم حين قويت شوكته أنه من ولد سليط هذا. # ثم ترسل أبو مسلم لإبراهيم الإمام إلى خراسان ودعا إليه سرا، ومازال على ~~ذلك حتى ظهرت الدعوة وتم الأمر. # مقدمة أخرى قبل الخوض فيها: قال الله تعالى: وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وعزى بعض الحكماء بعض الملوك عن مملكة خرجت عنه، فقال: لو بقيت لغيرك ~~لما وصلت إليك. # واعلم - علمت الخير - أن هذه دولة من كبار الدول، ساست العالم سياسة ~~ممزوجة بالدين والملك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تدينا، والباقون ~~يطيعونها رهبة أو رغبة، ثم مكثت فيها الخلافة والملك حدود ستمائة سنة، ثم ~~طرت عليها دول كدولة بني بويه، وكانت عظمتها كما ms093 علمت، وفيها كبشهم وفحلهم ~~عضد الدولة فناخسرو، وكدولة بني سلجوق وفيها مثل طغرلبك، وكالدولة ~~الخوارزمشاهية وفيها مثل علاء الدين، وجريدة عسكره مشتملة على أربعمائة ألف ~~مقاتل، وكدولة الفاطميين بمصر وقد وجهوا عسكرا صحبة عبد من عبيدهم اسمه ~~جوهر لم ير عسكر أكثف منه حتى قال فيه شاعرهم، وهو محمد بن هانىء المغربي: # فلا عسكر من قبل عسكر جوهر ... تخب المطايا فيه عشرا وتوضع PageV01P050 ~~وكخوارج خرجوا في أثنائها بجموع كثيرة، وحشور عظيمة. كل ذلك ولم يزل ملكهم، ~~ولم تقو دولة على إزالة ملكهم ومحو أثرهم، بل كان الملك من هؤلاء المذكورين ~~يجمع ويحتشد ويجر العساكر العظيمة، حتى يصل إلى بغداد، فإذا وصل التمس ~~الحضور بين يدي الخليفة، فإذا حضر قبل الأرض بين يديه. وكان قصارى ما ~~يتمناه أن يوليه الخليفة يعقد له لواء ويخلع عليه، فإذا فعل الخليفة ذلك ~~قبل الملك الأرض بين يديه ومشى في ركابه راجلا، والغاشية تحت إبطه، كما فعل ~~مسعود السلطان مع المسترشد. فإن المسترشد وقعت بينه وبين مسعود منابذة أدت ~~إلى محاربة، فخرج المسترشد بعسكر كثيف، وصحبته جميع أرباب الدولة، فالتقى ~~هو والسلطان مسعود بظاهر مراغة فاقتتلوا ساعة. ثم انكشف الغبار وقد انهزم ~~أصحاب المسترشد، واستولى عسكر مسعود، فانجلى الغبار والخليفة ثابت على ظهر ~~فرسه، وفي يده المصحف وحواليه القراء والقضاة والوزراء لم ينهزم أحد منهم، ~~وإنما انهزم المقاتلون. فلما نظر السلطان مسعود إليهم أرسل من قاد دابة ~~الخليفة وأدخله إلى خيمة قد نصبت له، وأخذ أرباب دولته فحبسهم في قلعة ~~قريبة من تلك النواحي. ثم غنموا جميع ما كان في عسكر الخليفة، وبعد أيام ~~اجتمع السلطان بالخليفة وعاتبه على فعله، ثم تقرر بينهم أمر الصلح فاصطلحا ~~وركب الخليفة إلى مخيم عظيم ضربه لأجله السلطان، فلما ركب الخليفة أخذ ~~السلطان مسعود الغاشية ومشى في ركابه، ثم جرى من قتل المسترشد ما نذكره بعد ~~هذا. # فهذه الدول جميعها طرت على دولة بني العباس، ولم تقو نفس أحد على إزالة ~~ملكهم ومحو آثارهم، وكانت لهم في نفوس الناس ms094 منزلة لا تدانيها منزلة أحد ~~آخر من العالم، حتى إن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وأراد قتل الخليفة أبي ~~أحمد عبد الله المستعصم، ألقوا إلى سمعه أنه متى قتل الخليفة اختل نظام ~~العالم واحتجبت الشمس وامتنع القطر والنبات. فاستشعر لذلك ثم سأل بعض ~~العلماء في حقيقة الحال عن ذلك فذكر ذلك العالم له الحق في هذا، وقال: إن ~~علي بن أبي طالب كان خيرا من هذا الخليفة بإجماع العالم ثم قتل ولم تجر هذه ~~المحذورات، وكذلك الحسين وكذلك أجداد هذا الخليفة قتلوا وجرى عليهم كل ~~مكروه وما احتجبت الشمس ولا امتنع القطر. فحين سمع ذلك زال ما كان قد حصل ~~في خاطره، واعتذر ذلك العالم عن هذا القول، بأن هيبة السلطان كانت عظيمة ~~وسطوته مرهوبة، فما تجاسرت أن أقول بين يديه غير الحق. # فهذا كان اعتقاد الناس في بني العباس، وما قويت دولة من الدول على إزالة ~~مملكتهم ومحو أثرهم سوى هذه الدولة القاهرة نشر الله إحسانها وأعلى شأنها. ~~فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة محا أثر بني العباس كل ~~المحو، وغير جميع قواعدهم، حتى إن الذي كان يتلفظ باسم بني العباس كان على ~~خطر من ذلك. # وهاهنا موضع حكاية: حدثني في نصر المليسي الحبشي أحد خدام السلطان، مد ~~الله معدلته، وأعلى في الدارين درجته، وكان قبل ذلك للخليفة المستعصم، قال: ~~لما ملكت بغداد أخرجوني وأنا صغير في جملة الخدم، فلازمنا خدمة الدركاه ~~أياما. فلما بعدنا عن بغداد أحضرنا السلطان هولاكو يوما بين يديه، وكان ~~علينا زي دار الخلافة، فقال: أنتم كنتم قبل هذا للخليفة، وأنت اليوم لي، ~~فينبغي أنكم تخدمون خدمة جيدة بنصيحة، وتزيلون من قلوبكم اسم الخليفة، فذاك ~~شيء كان ومضى، وإن آثرتم تغيير الزي والدخول في زينا كان أصلح. قال : فقلنا ~~السمع والطاعة، ثم غيرنا زينا ودخلنا في زيهم. # شرح ابتداء الدولة العباسية : PageV01P051 روي أن الرسول، صلوات الله ~~عليه وسلامه، كان يجري على لفظه الشريف ما معناه: البشارة بدولة هاشمية. ~~فزعم ناس أنه قال: تكون ms095 لرجل من ولدي. وزعم ناس أنه، عليه الصلاة السلام، ~~قال لعمه العباس، رضي الله عنه وسلم عليه: إنها تكون في ولدك. وأنه حين ~~أتاه بابنه عبد الله أذن في أذنه وتفل في فيه، وقال: اللهم فقهه في الدين ~~وعلمه التأويل. ثم دفعه إلى أبيه وقال له: خذ إليك أبا الأملاك. فمن زعم ~~هذا الزعم قال: إن الدولة العباسية هي الدولة المبشر بها، وكانت دولة بني ~~أمية مكروهة عند الناس ملعونة مذمومة ثقيلة الوطأة مستهترة بالمعاصي ~~والقبائح، فكان الناس من أهل الأمصار ينتظرون هذه الدولة صباح مساء. وكان ~~محمد بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وهو المعروف بابن الحنفية، قد اعتقد ~~فيه الناس أنه صاحب الدولة بعد قتل أخيه الحسين، عليه السلام، ما - عدا ~~الإمامية فإن اعتقادهم إمامة علي بن الحسين زين العابدين، عليه السلام، ~~وإمامة بنيه واحد بعد واحد إلى القائم محمد بن الحسن، عليه السلام. # فلما مات محمد بن الحنفية، عليه السلام، أوصى إلى ابنه أبي هاشم عبد ~~الله، وكان أبو هاشم من رجال أهل البيت، عليهم السلام، فاتفق أنه قصد دمشق ~~وافدا على هشام بن عبد الملك. فبره هشام ووصله، ثم رأى من فصاحته ورياسته ~~وعلمه ما حسده عليه وخاف منه، فبعث إليه، وقد رجع إلى المدينة، من سمه في ~~لبن. فلما علم بذلك عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان نازلا ~~بالحميمة من أرض الشأم ، فأعلمه أنه ميت وأوصى إليه، وكان صحبته جماعة من ~~الشيعة فسلمهم إليه وأوصاه فيهم. ثم مات، رضي الله عنه، فتهوس محمد بن علي ~~بن عبد الله بالخلافة منذ يومئذ، وشرع في بث الدعاة سرا، ومازال الأمر على ~~ذلك حتى مات، وخلف أولاده، وهم جماعة: منهم إبراهيم الإمام والسفاح ~~والمنصور، فقام إبراهيم الإمام بعد أبيه واستكثر من إرسال الدعاة إلى ~~الأطراف، خصوصا إلى خراسان، فإنهم كانوا أشد وثوقا بأهل خراسان من غيرهم من ~~أهل الأمصار. # أما أهل الحجاز فقليلون، وأما أهل الكوفة والبصرة فكان أهل البيت مذعورين ~~منهم ms096 لما جرى منهم على أمير المؤمنين، عليه السلام، والحسن والحسين، عليهما ~~السلام، من الخذلان والغدر وسفك الدم، وأما أهل الشأم ومصر فهواهم في بني ~~أمية وحب بني أمية قد رسخ في قلوبهم، فلم يبق لهم من يسكنون إليه من أهل ~~الأمصار إلا أهل خراسان. # وكان يقال إن الرايات السود الناصرة لأهل البيت تخرج من خراسان، فأرسل ~~إبراهيم الإمام جماعة من الدعاة إلى خراسان وكاتب مشايخها ودهاقينها، ~~فأجابوه ودعوا إليه سرا، وأرسل في آخر الأمر أبا مسلم، فمضى إلى هناك وجمع ~~الجموع. كل ذلك والأمر سر والدعوة مخفية لم تظهر بعد. # فلما كانت أيام مروان الحمار بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية، كثر ~~الهرج والمرج ونمى الشر وثارت الفتن، واضطرب حبل بني أمية واختلفت كلمتهم ~~وقتل بعضهم بعضا، فأظهر أبو مسلم دعوة بني العباس واجتمع إليه كل من له في ~~ذلك رأي من أهل خراسان، وجر عسكرا كثيفا ليقاتل به أمير خراسان، وهو نصر بن ~~سيار. فلما بلغ نصرا حال أبي مسلم وجموعه، راعه ذلك فكتب إلى مروان الحمار: # أرى بين الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام # فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام # فإن النار بالعودين تذكي ... وإن الحرب أولها كلام # فقلت، من التعجب: ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟ # فكتب إليه مروان : إن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم أنت هذا الداء ~~الذي قد ظهر عندك. فقال نصر بن سيار لأصحابه: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا ~~نصر عنده. وتواترت الأخبار إلى مروان بهذا الأمر، وحبله، كلما جاء خير، ~~اضطرب، وأمره في كل يوم يضعف. ثم بلغه أن الذي تدعو الدعاة إليه هو إبراهيم ~~بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أخو السفاح والمنصور. فأرسل إليه ~~وقبض عليه وأحضره إلى حران فحبسه فيها ثم سمه في الحبس، فمات. PageV01P052 ~~ثم جرت بين أبي مسلم وبين نصر بن سيار وغيره من أمراء خراسان حروب ووقائع، ~~كانت الغلبة فيها للمسودة، وهم عسكر أبي ms097 مسلم. وإنما سموا المسودة لأن الزي ~~الذي اختاروه لبني العباس هو لون السواد. فانظر إلى قدرة الله تعالى، وأنه ~~إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وإذا أراد أمرا فلا مرد لأمره. # لما قدر انتقال الملك إلى بني العباس هيأ لهم جميع الأسباب. فكان إبراهيم ~~الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالحجاز أو بالشأم جالسا على ~~مصلاه مشغولا بنفسه وعبادته ومصالح عياله، ليس عنده من الدنيا طائل، وأهل ~~خراسان يقاتلون عنه ويبذلون نفوسهم وأموالهم دونه، وأكثرهم لا يعرفه ولا ~~يفرق بين اسمه وشخصه. وانظر إلى إبراهيم الإمام، هو بتلك الحالة من ~~الانقطاع بداره واعتزال الدنيا هو بالحجاز أو بالشأم، وله مثل هذا العسكر ~~العظيم في خراسان يبذلون نفوسهم دونه، لا ينفق عليهم مالا ولا يعطي أحدهم ~~دابة ولا سلاحا، بل هم يجبون إليه الأموال ويحملون إليه الخراج في كل سنة. # ولما قدر الله تعالى خذلان مروان وانقراض ملك بني أمية، كان مروان خليفة ~~مبايعا ومعه الجنود والأموال والسلاح، والدنيا بأجمعها عنده، والناس ~~يتفرقون عنه، وأمره يضعف وحبله يضطرب. فمازال يضمحل حتى هزم وقتل فتعالى ~~الله. # ولما غلب أبو مسلم على خراسان واستولى على كورها وقويت شوكته، سار إلى ~~العراق بالجنود. وكان لما قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه بحران خاف ~~أخواه السفاح والمنصور وجماعة من أقاربهم فهربوا وقصدوا الكوفة، وكان لهم ~~بها شيعة، منهم أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وكان من كبار الشيعة ~~بالكوفة، وصار بعد ذلك وزيرا للسفاح ثم قتله السفاح، وسيرد ذكره عند ذكر ~~الوزراء، فأخلى لهم أبو سلمة الخلال دارا بالكوفة وأمر لهم بها وتولى ~~خدمتهم بنفسه وكتم أمرهم. واجتمعت الشيعة إليه وقويت شوكتهم، فوصل أبو مسلم ~~بالجنود من خراسان إلى الكوفة ، فدخل على بني العباس وقال: أيكم ابن ~~الحارثية؟ فقال له المنصور: هذا، وأشار إلى السفاح. وكانت أمه حارثية، فسلم ~~أبو مسلم عليه بالخلافة، وخرج السفاح ومعه إخوته وعمومته وأقاربه وأكابر ~~الشيعة، وأبو مسلم بين يديه إلى الجامع، فصلى وصعد المنبر وأظهر الدعوة ms098 ~~وخطب الناس وبويع بالخلافة، وذلك في سنة مائة واثنتين وثلاثين. # وهذا أول دولة بني العباس وآخر دولة بني أمية. # ثم عسكر السفاح ظاهر الكوفة ووفد عليه الناس من الأمصار يبايعونه. فلما ~~اجتمع عنده الناس وقويت شوكته ندب رجلا من أقاربه لقتال مروان الحمار، ~~فانتدب لذلك عمه عبد الله بن علي، وكان من رجال بني العباس، فتوجه عبد الله ~~بن علي إلى مروان فلقيه بالزاب ومع مروان مائة وعشرون ألف مقاتل، ولا يكون ~~مع عبد الله بن علي إلا الأقل من ذلك، فصنع الله تعالى لعبد الله بن علي ~~أنواع الصنع، وخذل مروان كل الخذلان، فانظر واعتبر. # شرح كيفية الوقعة بالزاب وخذلان مروان وانهزامه: PageV01P053 لما التقى ~~على الزاب مروان الحمار وعبد الله بن علي، قال مروان لبعض أصحابه: إن غابت ~~شمس هذا النهار ولم يقاتلونا، فالخلافة فينا ونحن نسلمها في آخر الزمان إلى ~~المسيح، عليه السلام، وأمر أصحابه بالكف عن القتال، وقصد أن ينقضي النهار ~~ولا يقع قتال. ثم أرسل إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة، فقال عبد الله: ~~كذب، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل، إن شاء الله تعالى. فكان من الاتفاقات ~~الطريفة أن صهر مروان حمل على قطعة من عسكر عبد الله ابن علي فرده مروان ~~وشتمه فلم يقبل، ونشب القتال. فأمر عبد الله بن علي أصحابه بالمناجزة فجثوا ~~على الركب وأشرعوا الرماح، ونادى عبد الله بن علي: يا رب حتى متى نقتل فيك؟ ~~ونادى: يا أهل خراسان يا لثارات إبراهيم الإمام! واشتد القتال فصار مروان ~~إذا أمر طائفة من العسكر بشيء قالوا: قل للطائفة الأخرى. وبلغ من أمره أنه ~~قال لصاحب شرطته: انزل إلى الأرض. فقال: لا والله لا ألقي نفسي في التهلكة، ~~فقال له مروان: لأفعلن بك، وتهدده، فقال: وددت أنك تقدر على ذلك. ثم رأى ~~مروان فترة أصحابه ومناجزة أصحاب عبد الله بن علي، فوضع مروان ذهبا كثيرا ~~قدام الناس، وقال: أيها الناس قاتلوا، وهذا المال لكم. فصار الناس يمدون ~~أيديهم إلى المال ويتناولون منه ms099 شيئا شيئا، فقال بعض الناس لمروان: إن ~~الناس قدموا أيديهم إلى المال ولا نأمن أنهم يذهبون به. فأمر ابنه أن يسير ~~في أواخر العسكر فمن وجد معه شيئا من المال قتله، فرجع ابنه برايته ليتعهد ~~ما قال فرأى الناس الراية راجعة فنادوا: الهزيمة الهزيمة. فانهزم الناس ~~ومروان أيضا وعبروا دجلة، فكان من غرق أكثر ممن قتل. وتلا عبد الله بن علي: ~~وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ثم انتقل إلى ~~عسكر مروان وغنم ما فيه، وأقام به سبعة أيام. # شرح مقتل مروان الحمار: ثم إن مروان مضى منهزما حتى وصل الموصل، فقطع ~~أهلها الجسر ومنعوه من العبور، فنادى أصحابه: يا أهل الموصل هذا أمير ~~المؤمنين يريد العبور فناداهم أهل الموصل: كذبتم! أمير المؤمنين لا يفر. ~~وسبه أهل الموصل وقالوا له: الحمد لله الذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم، ~~الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا! فلما سمع ذلك سار إلى بلد وعبر دجلة ~~وأتى حران، ثم منها إلى دمشق، ثم منها إلى مصر، وتبعه عبد الله بن علي، ثم ~~أرسل خلفه بعض أصحابه فرآه بقرية من قرى الصعيد اسمها بوصير. فخرج إليهم ~~ليلا مروان وقاتلهم، فقال لجند بني العباس أميرهم: إن أصبحنا ورأوا قلتنا ~~أهلكونا ولم ينج منا أحد، فناجزوا القوم، وكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله ~~وحملوا عليهم فانهزموا. وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه فصرعه، وصاح ~~صائح: صرع أمير المؤمنين، فابتدروه فسبق إليه رجل من أهل الكوفة فاحتز رأسه ~~ثم نفض الرأس وقطع لسانه فأكلته هرة كانت هناك. ثم حمل الرأس إلى السفاح، ~~فوصل إليه وهو بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه وقال: الحمد لله الذي ~~أظهرني عليك وأظفرني بك ولم يبق ثأري قبلك! وتمثل: # لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني # ثم صفا الملك للسفاح # الدولة العباسية # وهي التي تسلمت الملك من الدولة الأموية واعلم أن الدولة العباسية كانت ~~دولة ذات خدع ودهاء وغدر، وكان قسم التحيل والمخادعة ms100 فيها أوفر من قسم ~~القوة والشدة، خصوصا في أواخرها، فإن المتأخرين منهم بطلوا قوة الشدة ~~والنجدة وركنوا إلى الحيل والخدع. وفي مثل ذلك يقول كشاجم مشيرا إلى موادعة ~~أصحاب السيوف وعداوة أصحاب الأقلام ومقاتلة بعضهم لبعض: # هنيئا لأصحاب السيوف بطالة ... تقضى بها أوقاتهم في التنعم # فكم فيهم من وادع العيش لم يهج ... لحرب ولم ينهد لقرن مصمم # يروح ويغدو عاقدا في نجاده ... حساما سليم الحد لم يتثلم # ولكن ذوو الأقلام في كل ساعة ... سيوفهم ليست تجف من الدم # وفيها يقول بعض الشعراء حين قتل المتوكل وزيره محمد بن عبد الملك الزيات ~~: # يكاد القلب من جزع يطير ... إذا ما قيل قد قتل الوزير # أمير المؤمنين قتلت شخصا ... عليه رحالكم كانت تدور PageV01P054 فمهلا يا ~~بني العباس مهلا ... لقد كويت بغدركم الصدور # إلا أنها كانت دولة كثيرة المحاسن جمة المكارم، أسواق العلوم فيها قائمة، ~~وبضائع الآداب فيها نافقة ، وشعائر الدين فيها معظمة، والخيرات فيها دارة، ~~والدنيا عامرة، والحرمات مرعية، والثغور محصنة، ومازالت على ذلك حتى كانت ~~أواخرها فانتشر الجبر، واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة. وسيرد ذلك في موضعه ~~مشروحا، إن شاء تعالى. وهذا أوان الشروع في ذكر خليفة خليفة. # أول خليفة ملك منهم السفاح. # خلافة أبي العباس السفاح # هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد ~~المطلب، بويع في سنة مائة واثنتين وثلاثين. # كان كريما حليما وقورا عاقلا كاملا كثير الحياء حسن الأخلاق، ولما بويع ~~واستوسق له الأمر تتبع بقايا بني أمية ورجالهم فوضع السيف فيهم. # وفي بعض أيامه كان جالسا في مجلس الخلافة وعنده سليمان بن هشام بن عبد ~~الملك وقد أكرمه السفاح فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده: # لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا # فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح وأخذ سليمان فقتل. ودخل ~~عليه شاعر آخر وقد قدم الطعام وعنده نحو سبعين رجلا من بني أمية فأنشده: ms101 # أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العباس # طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وياس # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس # ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي # ولقد غاظني وغاض سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي # أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والإتعاس # واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس # والقتيل الذي بحران أضحى ... ثاويا بين غربة وتناس # فالتفت أحدهم إلى من بجانبه وقال: قتلنا العبد. ثم أمر بهم السفاح فضربوا ~~بالسيوف حتى قتلوا. وبسط النطوع عليهم وجلس فوقهم فأكل الطعام، وهو يسمع ~~أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا . # وبالغ بنو العباس في استئصال شأفة بني أمية حتى نبشوا قبورهم بدمشق، ~~فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل ~~الهباء، ونبشوا قبر يزيد فوجدوا فيه حطاما كأنه الرماد، ولما قتل رجالهم ~~واستصفى أموالهم قال: # بني أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لي منكم بالأول الماضي # يطيب النفس أن النار تجمعكم ... عوضتم من لظاها شر معتاض # منيتم، لا أقال الله عثرتكم، ... بليث غاب إلى الأعداء نهاض # إن كان غيظي لفوت منكم فلقد ... رضيت منكم بما ربي به راض # ثم لم تطل مدة السفاح حتى مات بالأنبار في سنة مائة وست وثلاثين. # شرح حال الوزارة في أيامه: لابد قبل الخوض في ذلك من تقديم كلمات في هذا ~~المعنى فأقول: الوزير وسيط بين الملك ورعيته، فيجب أن يكون في طبعه شطر ~~يناسب طباع الملوك، وشطر يناسب طباع العوام، ليعامل كلا من الفريقين بما ~~يوجب له القبول والمحبة، والأمانة والصدق رأس ماله. قيل: إذا خان السفير، ~~بطل التدبير. وقيل: ليس لمكذوب رأي، والكفاءة والشهامة من مهماته، والفطنة ~~والتيقظ والدهاء والحزم من ضرورياته، ولا يستغنى أن يكون مفضالا مطعاما ~~ليستميل بذلك الأعناق وليكون مشكورا بكل لسان. والرفق والأناة والتثبت في ~~الأمور والحلم والوقار والتمكن ونفاذ القول مما لابد - له منه. # لما استوزر الناصر وزيره مؤيد الدين محمد بن برز القمي خلع عليه خلع ms102 ~~الوزراة، ثم جلس القمي في منصب الوزراة والناس جميعا بين يديه، فبرز من ~~حضرة الخليفة مكتوب لطيف في قدر الخنصر بخط يد الناصر، فقرىء على الجمع ~~فكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، محمد بن بزر القمي نائبنا في البلاد ~~والعباد، فمن أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن أطاع الله ~~أدخله الجنة، ومن عصاه فقد عصانا، ومن عصانا فقد عصى، الله ومن عصى الله ~~أدخله النار PageV01P055 فنبل القمي بهذا التوقيع في عيون الناس وجلت ~~مكانته وقامت له الهيبة في الصدور. # والوزارة لم تتمهد قواعدها وتتقرر قوانينها إلا في دولة بني العباس. فأما ~~قبل ذلك فلم تكن مقننة القواعد، ولا مقررة القوانين، بل كان لكل واحد من ~~الملوك أتباع وحاشية فإذا حدث أمر استشار بذوي الحجا والآراء الصائبة، فكل ~~منهم يجري مجرى وزير؛ فلما ملك بنو العباس تقررت قوانين الوزارة وسمي ~~الوزير وزيرا، وكان قبل ذلك يسمى كاتبا أو مشيرا. # قال أهل اللغة: الوزر الملجأ والمعتصم، والوزر الثقل، فالوزير إما مأخوذ ~~من الوزر فيكون معناه أنه يحمل الثقل أو يكون مأخوذا من الوزر فيكون المعنى ~~أنه يرجع ويلجأ إلى رأيه وتدبيره، وكيف تقلبت لفظة وزر كانت دالة على ~~الملجأ والثقل. # ذكر وزارة أبي سلمة الخلال: أول وزير وزر لأول خليفة عباسي حفص بن سليمان ~~أبو سلمة الخلال، كان مولى لبني الحارث بن كعب. قيل في تلقيبه بالخلال ~~ثلاثة أوجه: أحدها أن منزله بالكوفة كان قريبا من محلة الخلالين وكان ~~يجالسهم، فنسب إليهم، كما نسب الغزالي إلى الغزالين وكان يجالسهم كثيرا. ~~ورأيت في تسمية الغزالي وجها آخر قيل كان من رأيه الصدقة على النساء ~~العجائز اللواتي يحضرن إلى دار الغزل ليبعن غزلهن فيرى ضعفهن وفقرهن ونزارة ~~مكسبهن فيرق لهن فيتصدق عليهن كثيرا ويأمر بالصدقة عليهن، فنسب إلى ذلك. ~~وثانيها أنه كان له حوانيت يعمل فيه الخل فنسب إلى ذلك. وثالثها أنها نسبة ~~إلى خلل السيوف وهي أغمادها . # كان أبو سلمة من مياسير أهل الكوفة، وكان ينفق ماله على رجال الدعوة، ms103 ~~وكان سبب وصلته إلى بني العباس أنه كان صهرا لبكير بن ماهان ، وكان بكير ~~ابن ماهان كاتبا خصيصا بإبراهيم الإمام، فلما أدركته الوفاة قال لإبراهيم ~~الإمام: إن لي صهرا بالكوفة يقال له أبو سلمة الخلال قد جعلته عوضي في ~~القيام بأمر دعوتكم ثم مات. فكتب إبراهيم الإمام إلى أبي سلمة يعلمه بذلك ~~ويأمره بما يريد من أمر الدعوة، وقال أبو سلمة بأمر دعوتهم قياما عظيما. ~~فلما سبر أحوال بني العباس عزم على العدول عنهم إلى بني علي، عليه السلام، ~~فكاتب ثلاثة من أعيانهم جعفر بن محمد الصادق، عليهما السلام، وعبد الله ~~المحض بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، وعمر الأشرف بن زين ~~العابدين، عليه السلام، وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال له: اقصد أولا ~~جعفر بن محمد الصادق فإن أجاب فأبطل الكتابين الأخرين، وإن لم يجب فالق عبد ~~الله المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب عمر، وإن لم يجب فالق عمر. # فذهب الرسول إلى جعفر بن محمد، أولا ودفع إليه كتاب أبي سلمة ، فقال: ما ~~- لي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري. فقال له الرسول: اقرأ الكتاب. فقال ~~الصادق، عليه السلام، لخادمه: أدن السراج مني، فأدناه، فوضع الكتاب على ~~النار حتى احترق. فقال الرسول: ألا تجيبه؟ قال: قد رأيت الجواب. ثم مضى ~~الرسول إلى عبد الله المحض ودفع إليه الكتاب فقرأه وقبله وركب في الحال إلى ~~الصادق، عليه السلام، وقال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الخلافة، وقد ~~وصل علي يد بعض شيعتنا من أهل خراسان. فقال له الصادق، عليه السلام: ومتى ~~صار أهل خراسان شيعتك؟ أأنت وجهت إليهم أبا مسلم؟ هل تعرف أحدا منهم باسمه ~~أو بصورته، فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرفهم وهم لا يعرفونك؟ فقال عبد ~~الله: كأن هذا الكلام منك لشيء. فقال الصادق: قد علم الله أني أوجب النصح ~~على نفسي لكل مسلم فكيف أذخره عنك؟ فلا تمن نفسك الأباطيل فإن هذه الدولة ~~ستتم لهؤلاء، وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك. ms104 فانصرف عبد الله من عنده غير ~~راض. وأما عمر بن زين العابدين فإنه رد الكتاب وقال: أنا لا أعرف صاحبه ~~فأجيبه، ثم غلب أبو سلمة على رأيه وعملت الدعوة عملها، وبويع السفاح ونم ~~الخبر إليه فحقدها على أبي سلمة وقتله. # ذكر شيء من سيرته ومقتله: PageV01P056 كان أبو سلمة سمحا كريما مطعاما ~~كثير البذل مشغوفا بالتنوق في السلاح والدواب، فصيحا عالما بالأخبار ~~والأشعار والسير والجدل والتفسير، حاضر الحجة ذا يسار ومروءة ظاهرة. فلما ~~بويع السفاح استوزره وفوض الأمور إليه وسلم إليه الدواوين ولقب وزير آل ~~محمد، وفي النفس أشياء. وخاف السفاح إن هو قتل وزيره أبا سلمة أن يستشعر ~~أبو مسلم ويتنمر، فتلطف لذلك، وكتب إلى أبي مسلم كتابا يعلمه فيه بما عزم ~~عليه أبو سلمة من نقل الدولة عنهم، ويقول له: إنني قد وهبت جرمه لك، وباطن ~~الكتاب يقتضي تصويب الرأي في قتل أبي سلمة . وأرسل الكتاب مع أخيه المنصور، ~~فلما قرأ أبو مسلم الكتاب فطن لغرض السفاح فأرسل قوما من أهل خراسان قتلوا ~~أبا سلمة ، فقال الشاعر: # إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا # إن السلامة قد تبين وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا # انقضت وزارة أبي سلمة. # اختلفوا فيمن وزر للسفاح بعده فقيل أبو الجهم وقيل عبد الرحمن، فأما أبو ~~الجهم فوزر للسفاح مدة، فلما أفضت الخلافة إلى المنصور كان في نفسه منه ~~أمور فسمه في سويق اللوز، فلما أحس بالسم قام ليذهب، فقال له المنصور: إلى ~~أين؟ قال: إلى حيث بعثتني يا أمير المؤمنين . # وأما الصولي فقال: إن السفاح استوزر بعد أبي سلمة خالد بن برمك. # ذكر وزارة خالد بن برمك وشيء من سيرته: هذا خالد هو جد البرامكة. وفي تلك ~~الأيام نبغت الدولة البرمكية وامتدت إلى أن انقضت في أيام الرشيد وكان خالد ~~بن برمك من رجال الدولة العباسية فاضلا جليلا كريما حازما يقظا، استوزر ~~السفاح وخف على قلبه، وكان يسمى وزيرا، وقيل: إن كل من استوزره بعد أبي ~~سلمة كان يتجنب أن ms105 يسمى وزيرا تطيرا مما جرى على أبي سلمة ولقول من قال: # إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا # قالوا فكان خالد بن برمك يعمل عمل الوزراء ولا يسمى وزيرا. # كان خالد عظيم المنزلة عند الخلفاء. قيل إن السفاح قال له يوما: يا خالد ~~ما رضيت حتى استخدمتني. ففزع خالد وقال: كيف يا أمير المؤمنين، وأنا عبدك ~~وخادمك! فضحك وقال: إن ريطة ابنتي تنام مع ابنتك في مكان واحد، فأقوم ~~بالليل فأجدهما قد سرح الغطاء عنهما فأرده عليهما. فقبل خالد يده وقال: ~~مولى يكتسب الأجر في عبده وأمته. # وكثر الوافدون على باب خالد بن برمك، ومدحه الشعراء وانتجعه الناس. وكان ~~الوافدون قبل ذلك يسمون سؤالا. فقال خالد: إني أستقبح هذا الاسم لمثل ~~هؤلاء، وفيهم الأشراف والأكابر، فسماهم الزوار، وكان خالد أول من سماهم ~~بذلك. فقال له بعضهم: والله ما ندري أي أياديك عندنا أجل أصلتنا أم ~~تسميتنا؟ وقيل: إن أول من فعل ذلك المساور بن النعمان في دولة بني أمية. # ولما بنى المنصور مدينة بغداد عظمت النفقة عليه، فأشار عليه أبو أيوب ~~المورياني بهدم إيوان كسرى واستعمال أنقاضه، فاستشار المنصور خالد بن برمك ~~في ذلك، فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه آية الإسلام، فإذا رآه الناس ~~علموا أن مثل هذا البناء لا يزيله إلا أمر سماوي، وهو مع ذلك مصلى علي بن ~~أبي طالب، عليه السلام، والمؤنه في نقضه أكثر من نفعه. فقال له المنصور: ~~أبيت يا خالد إلا ميلا إلى العجمية! ثم أمر المنصور بهدمه فهدمت منه ثلمة ~~فبلغت النفقة عليها أكثر مما حصل منها، فأمسك المنصور عن هدمه وقال: يا ~~خالد قد صرنا إلى رأيك وتركنا هدم الإيوان. قال: يا أمير المؤمنين أنا الآن ~~أشير بهدمه لئلا يتحدث الناس أنك عجزت عن هدم ما بناه غيرك. فأعرض عنه ~~وأمسك عن هدمه. # كتب بعض الشعراء إلى خالد بن برمك في يوم نوروز، وقد أهدى الناس إلى خالد ~~هدايا فيها جامات من فضة وذهب: # ليت شعري أما ms106 لنا منك حظ ... يا هدايا الوزير في النوروز # ما على خالد بن برمك في الجو ... د نوال ينيله بعزيز # ليت لي جام فضة من هدايا ... ه سوى ما به الأمير مجيزي # إنما أبتغيه للعسل المم ... زوج بالمال لا لبول العجوز # فأمر له بجميع ما كان حاضرا بين يديه من الجامات والأواني الفضية ~~والذهبية فبلغت مالا جليلا. # ولما تولى المنصور الخلافة أقره على وزارته وأكرمه واستشاره. PageV01P057 ~~انقضت وزارة وزراء السفاح وبانقضائها انقضى الكلام على دولته. # ثم ملك بعده أخوه أبو جعفر المنصور. # خلافة أبي جعفر المنصور # بويع في سنة مائة وست وثلاثين ذكر شيء من سيرته وما وقع في أيامه من ~~الحوادث والوقائع: كان المنصور من عظماء الملوك وحزمائهم وعقلائهم وعلمائهم ~~وذوي الآراء الصائبة منهم والتدبيرات السديدة، وقورا شديد الوقار حسن الخلق ~~في الخلوة، من أشد الناس احتمالا لما يكون من عبث أو مزاح، فإذا لبس ثيابه ~~وخرج إلى المجلس العام تغير لونه واحمرت عيناه وانقلبت جميع أوصافه. قال ~~يوما لبنيه: يا بني إذا رأيتموني قد لبست ثيابي وخرجت إلى المجلس فلا يدنون ~~أحد مني مخافة أن أعره بشيء. قالوا: وكان المنصور يلبس الخشن وربما رقع ~~قميصه، وقيل ذلك لجعفر بن محمد الصادق، عليهما السلام، فقال: الحمد لله ~~الذي ابتلاه بفقر نفسه في ملكه. قالوا: ولم يكن يرى في دار المنصور لهو ~~ولعب أو ما يشبه اللهو واللعب. # حدث بعض مواليه قال: كنت مرة واقفا على رأسه فسمع صوتا عاليا فقال لي: ~~انظر ما هذا الصوت؟ قال: فنظرت فإذا هو بعض خدمه يلعب بالطنبور وحوله جماعة ~~من جواريه يضحكن منه. قال: فأخبرته الخبر، فتنمر وقال: وأي شيء يكون ~~الطنبور؟ قال: فوصفته له. فقال: وأنت ما يدريك بالطنبور؟ قلت: يا أمير ~~المؤمنين رأيته بخراسان. فقام المنصور حتى جاء إلى الخادم، فلما بصر به ~~الجواري تفرقن، فأمر فضرب رأس الخادم بالطنبور حتى تكسر الطنبور ثم أخرجه ~~فباعه. # وكان المنصور من أشد الناس شعفا بابنه المهدي، فكان إذا جنى أحدا جناية ~~أو أخذ من ms107 أحد مالا جعله في بيت المال مفردا وكتب عليه اسم صاحبه. فلما ~~أدركته الوفاة قال لابنه المهدي: يا بني إني قد أفردت كل شيء أخذته من ~~الناس على وجه الجناية والمصادرة وكتبت عليه أسماء أصحابه، فإذا وليت أنت ~~فأعده على أربابه ليدعو لك الناس ويحبوك. # قال يزيد بن عمر بن هبيرة: ما رأيت رجلا في حرب أوسلم أمكر ولا أنكر ولا ~~أشد تيقظا من المنصور، لقد حاصرني تسعة شهور ومعي فرسان العرب فجهدنا كل ~~الجهد حتى ننال من عسكره شيئا فما قدرنا لشدة ضبطه لعسكره وكثرة تيقظه، ~~ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء ثم انقضى ذلك وما في رأسي شعرة سوداء. # واعلم أن المنصور هو الذي أصل الدولة وضبط المملكة ورتب القواعد وأقام ~~الناموس واخترع أشياء. فمن جملة ما اخترع فرس النوبة، ولم يكن الملوك قبله ~~يعرفون ذلك، وسبب ذلك يأتي فيما بعد. ومن جملة ما اخترع عمل الخيش الكتان ~~في الصيف ولم يكن الناس قبله يعرفون ذلك، وكان الأكاسرة يطينون كل يوم من ~~أيام الصيف بيتا يسكنونه، ثم في الغد يطين بيت آخر. # وكان المنصور مبخلا يضرب بشحه الأمثال. وقيل: كان كريما وإنه لما حج أفضل ~~على أهل الحجاز فكانوا يسمون عامه عام الخصب. والصحيح أنه كان رجلا حازما ~~يعطي في موضع العطاء ويمنع في موضع المنع، وكان المنع عليه أغلب. ~~PageV01P058 وجرى في أيامه شيء طريف، وهو أن قوما من أهل خراسان يقال لهم ~~الراوندية كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى ~~فلان رجل من كبارهم، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأن جبرائيل ~~هو فلان عن رجل آخر. فلما ظهروا أتوا قصر المنصور فطافوا حوله وقالوا: هذا ~~قصر ربنا، فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم مائتي رجل، فغضب الباقون ~~واجتمعوا وفتحوا السجون وأخرجوا أصحابهم منها وقصدوا المنصور وحاربوه، فخرج ~~المنصور إليهم ماشيا، ولم يكن في بابه في ذلك الوقت دابة، فصار بعد ذلك ~~اليوم تربط له دابة في باب القصر لا تزال واقفة، وصارت ms108 تلك سنة للخلفاء ~~بعده وللملوك. فلما خرج المنصور أتي بدابة فركبها وهو يريدهم حتى تكاثروا ~~عليه وكادوا يقتلونه. وجاء معن بن زائدة وكان مستخفيا من المنصور، جاء ~~متلثما ووقف بين يدي المنصور والمنصور لا يعرفه، فقاتل بين يديه قتالا ~~شديدا وأبلى بلاء حسنا. وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها بيد حاجبه ~~الربيع، فأتى معن وقال : تنح فأنا أحق منك بهذا اللجام في هذا الوقت! فقال ~~المنصور: صدق، ادفع اللجام إليه، فلم يزل يقاتل حتى انكشفت الحال وظفر ~~بالراوندية. فقال له المنصور: من أنت؟ قال : طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن ~~زائدة. فقال: قد آمنك الله على نفسك وأهلك ومالك، ومثلك يصطنع. وأحسن إليه ~~وولاه اليمن. # والمنصور هو الذي بنى مدينة بغداد. # شرح كيفية الحال في بناء بغداد: كان المنصور قد بنى في أوائل دولتهم ~~مدينة بنواحي الكوفة وسماها الهاشمية، ووقعت وقعة الراوندية فيها فكره ~~سكناها لذلك ولمجاورة أهل الكوفة، فإنه كان لا يأمنهم على نفسه، وكانوا قد ~~أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد له موضعا يسكنه وبيني فيه مدينة له ولعياله ~~ولأهله ولجنده، فانحدر إلى جرجرايا وأصعد إلى الموصل، ثم أرسل جماعة من ~~الحكماء ذوي اللب والعقل وأمرهم بارتياد موضع، فاختاروا له مدينته التي ~~تسمى مدينة المنصور، وهي بالجانب الغربي، قريبة من مشهد موسى والجواد ~~عليهما السلام، فحضر إلى هناك واعتبر المكان ليلا ونهارا فاستطابه وبنى به ~~المدينة . # ومن طريف ما اتفق في ذلك أن راهبا من رهبان الدير المعروف الآن بدير ~~الروم سأل بعض أصحاب المنصور: من يريد أن يبني في هذا الموضع مدينة؟ فقال ~~له ذلك الرجل: أمير المؤمنين المنصور خليفة الناس. قال: ما اسمه؟ قال: عبد ~~الله. قال: فهل له اسم غير هذا؟ قال: اللهم لا، إلا أن كنيته أبو جعفر ~~ولقبه المنصور. قال الراهب: فاذهب إليه وقل له لا يتعب نفسه في بناء هذه ~~المدينة، فإنا نجد في كتبنا أن رجلا اسمه مقلاص يبني هاهنا مدينة ويكون لها ~~شأن من الشأن، وأن غيره لا يتمكن من ذلك. ms109 فجاء ذلك الرجل إلى المنصور ~~وأخبره بما قال الراهب، فنزل المنصور عن دابته وسجد طويلا ثم قال: أما ~~والله كان اسمي مقلاصا، وكان هذا اللقب قد غلب علي ثم ذهب عني، وذاك أن لصا ~~كان في صباي يسمى مقلاصا وكانت تضرب به الأمثال، وكانت لنا عجوز تربيني، ~~فاتفق أن صبيان المكتب جاؤوا يوما إلي وقالوا لي: نحن اليوم أضيافك، ولم ~~يكن معي ما أنفقه عليهم، وكان للعجوز غزل فأخذته وبعته بما أنفقته عليهم. ~~فلما علمت أني سرقت غزلها سمتني مقلاصا وغلب هذا اللقب علي ثم ذهب عني، ~~والآن عرفت أني أبني هذه المدينة. # ونبهه بعض عقلاء النصارى على فضيلة مكانها فقال: يا أمير المؤمنين تكون ~~على الصراة بين دجلة والفرات فإذا حاربك أحد كانت دجلة والفرات خنادق ~~لمدينتك، ثم إن الميرة تأتيك في دجلة من ديار بكر تارة ومن البحر والهند ~~والصين والبصرة، وفي الفرات من الرقة والشأم، وتجيئك الميرة أيضا من خراسان ~~وبلاد العجم في شط تامرا. وأنت يا أمير المؤمنين بين أنهار لا يصل عدوك ~~إليك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر أو أخربت القنطرة لم يصل إليك ~~عدوك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والسواد. وأنت قريب من البر ~~والبحر والجبل. فازداد المنصور جدا وحرصا على بنائها، وكاتب الأطراف بإنفاذ ~~الصناع والفعلة، وأمر باختيار قوم من ذوي العدالة والعقل والعلم والأمانة ~~والمعرفة بالهندسة ليتولوا قسمة المدينة وعملها، وشرع فيها في سنة خمس ~~وأربعين ومائة. # وكان أبو حنيفة، رضي الله عنه، صاحب المذهب يعد اللبن والآجر. ~~PageV01P059 وهو الذي اخترع عده بالقصب اختصارا. وجعل المنصور عرض السور من ~~أساسه خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا، ووضع بيده أول لبنة وقال: بسم ~~الله والحمد لله، الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ثم ~~قال: ابنوا. فابتدأ بها في سنة خمس وأربعين ومائة، وتممها في سنة ست ~~وأربعين ومائة، وجعلها مدورة، وجعل قصره في وسطها، لئلا يكون أحد أقرب إليه ~~من الآخر، وبلغ الخرج عليها أربعة آلاف ms110 ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين ~~درهما. ولما فرغت حاسب القواد بما كان حول عليهم لعمارتها فألزمهم بالبواقي ~~حتى استوفى من بعضهم ما اقتضاه الحساب خمسة عشر درهما. # أسماؤها: يقال بغداد، وكان هناك موضع يسمى بغداد فسميت المدينة باسمه. ~~ويقال بغداذ، بالذال المعجمة. ويقال بغدان، بالنون. ويقال الزوراء، وكان ~~موضعها يسمى الزوراء قديما، وقيل لأن قبلتها غير مستقيمه يحتاج المصلي في ~~مسجدها الجامع أن ينحرف إلى جهة اليسار قليلا. ويقال مدينة المنصور. ويقال ~~دار السلام. وقيل إنها مدينة مباركة مسعودة لم يمت فيها خليفة قط، فمدينة ~~المنصور هي بغداد القديمة، وهذه بغداد التي هي بالجانب الشرقي استجدت بعد ~~ذلك. # وهو الذي فعل ببني الحسن ما فعل، أخذ مشايخ السادات منهم، وهم: عبد الله ~~المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، وكان شيخ ~~الطالبيين في عصره وبينه وإخوته وبني إخوته سادات بني الحسن، عليهم السلام، ~~فحبسهم عنده وماتوا في حبسه. # روي أنه خرج حاجبه فقال: من كان على الباب من بني الحسين فليدخل. # فدخل مشايخ بني الحسين، عليهم السلام، ثم خرج فقال: من كان بالباب من بني ~~الحسن فليدخل. فدخل مشايخ بني الحسن، عليه السلام، فعدل بهم إلى مقصورة، ثم ~~أدخل الحدادين من باب آخر فقيدهم وحملهم إلى العراق فحبسهم حتى ماتوا في ~~حبسه بالكوفة، لا جزاه الله خيرا عن فعله. # ومن طريف ما وقع في ذلك أن رجلا من بني الحسن، عليه السلام، جاء حتى وقف ~~على المنصور، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت حتى تحبسني عند أهلي فإني لا أريد ~~الدنيا بعدهم، فحبسه معهم. وكان ذلك الرجل علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب. وكان منهم محمد بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب، عليهم السلام، وكان من أحسن الناس صورة، وكان يسمى الديباج ~~الأصفر لحسنه وجماله، فأحضره المنصور وقال له : أنت الديباج الأصفر؟ قال: ~~كذا يقولون. قال: لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا، ثم أمر به فبنى ms111 عليه ~~أسطوانة وهو حي فمات فيها. # ذكر السبب في فعل المنصور ما فعل ببني الحسن، عليهم السلام: كان بنو هاشم ~~الطالبيون والعباسيون قد اجتمعوا في ذيل دولة بني أمية وتذاكروا حالهم وما ~~هم عليه من الاضطهاد وما قد آل إليه أمر بني أمية من الاضطراب، وميل الناس ~~إليهم ومحبتهم لأن تكون لهم دعوة، واتفقوا على أن يدعوا الناس سرا، ثم ~~قالوا لابد لنا من رئيس نبايعه، فاتفقوا على مبايعة النفس الزكية محمد بن ~~عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، وكان محمد ~~من سادات بني هاشم ورجالهم فضلا وشرفا وعلما، وكان هذا المجلس قد حضره ~~أعيان بني هاشم علويهم وعباسيهم ، فحضره من أعيان الطالبيين: الصادق جعفر ~~بن محمد، عليهما السلام، وعبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~وابناه محمد النفس الزكية وإبراهيم قتيل باخمري وجماعة من الطالبيين، ومن ~~أعيان العباسيين: السفاح والمنصور وغيرهما من آل العباس. فاتفق الجميع على ~~مبايعة النفس الزكية، إلا الإمام جعفر بن محمد الصادق، فإنه قال لأبيه عبد ~~الله المحض: إن ابنك لا ينالها يعني الخلافة، ولن ينالها إلا صاحب القباء ~~الأصفر، يعني المنصور، وكان على المنصور حينئذ قباء أصفر. PageV01P060 قال ~~المنصور: فرتبت العمال في نفسي من تلك الساعة. ثم اتفقوا على مبايعة النفس ~~الزكية فبايعوه، ثم ضرب الدهر ضربه، وانتقل الملك إلى بني العباس كما تقدم ~~شرحه، ثم انتقل من السفاح إلى المنصور، فلم يكن له همة سوى طلب النفس ~~الزكية ليقتله أو ليخلعه، وأغراه بذلك أن الناس كانوا شديدي الميل إلى ~~النفس الزكية، وكانوا يعتقدون فيه الفضل والشرف والرياسة. فطلبه المنصور من ~~أبيه عبد الله المحض، وكان عبد الله المحض من رجال بني هاشم وساداتهم ، ~~فألزمه المنصور بإحضار ابنيه محمد النفس الزكية وإبراهيم. فقال: كم تطول؟ ~~والله لو كانا تحت قدمي لما رفعتهما عنهما، سبحان الله، آتيك بولدي ~~لتقتلهما! فقبض عليه وعلى أهله من بني الحسن، وكان من أمرهم ما تقدم شرحه، ~~رضي الله ms112 عنهم وسلم عليهم . # ذكر خروج النفس الزكية: هو محمد بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب، عليهم السلام. # كان النفس الزكية من سادات بني هاشم ورجالهم فضلا وشرفا ودينا وعلما ~~وشجاعة وفصاحة ورياسة وكرامة ونبلا. وكان في ابتداء الأمر قد شيع بين الناس ~~أنه المهدي الذي بشر به، وأثبت أبوه هذا في نفوس طوائف من الناس. وكان يروى ~~أن الرسول، صلوات الله عليه وسلامه، قال: لو بقي من الدنيا يوم لطول الله ~~ذلك اليوم حتى يبعث فيه مهدينا أو قائمنا، اسمه كاسمي واسم أبيه كاسم أبي. ~~فأما الإمامية فيروون هذا الحديث خاليا من: واسم أبيه كاسم أبي. # فكان عبد الله المحض يقول للناس عن ابنه محمد: هذا هو المهدي الذي بشر ~~به، هذا محمد بن عبد الله. ثم ألقى الله محبته على الناس فمالوا إليه كافة، ~~ثم عضد ذلك أن أشراف بني هاشم بايعوه ورشحوه للأمر فقدموه على نفوسهم، ~~فزادت رغبته في طلب الأمر، وزادت رغبة الناس فيه،وما - زال متغربا منذ أمضت ~~الدولة إلى بني العباس خوفا منهم على نفسه فلما علم بما جرى لوالده ولقومه ~~ظهر بالمدينة وأظهر أمره وتبعه أعيان المدينة، ولم يتخلف عنه إلا نفر يسير، ~~ثم غلب على المدينة وعزل عنها أميرها من قبل المنصور، ورتب عليها عاملا ~~وقاضيا وكسر أبواب السجون وأخرج من بها واستولى على المدينة. # ومنذ خرج محمد بن عبد الله وفعل ما فعل بالمدينة توجه رجل يقال له أوس ~~العامري من المدينة إلى المنصور في تسعة أيام وقدم ليلا، فوقف على أبواب ~~المدينة فصاح حتى علموا به فأدخلوه. فقال الربيع الحاجب: ما حاجتك في هذه ~~الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال: لابد - لي منه، فدخل الربيع وأخبر ~~المنصور خبره وأدخله إليه، فقال: يا أمير المؤمنين خرج محمد بن عبد الله ~~بالمدينة وفعل وصنع. قال: أنت رأيته ؟ قال: نعم! وعاينته على منبر رسول ~~الله، صلوات الله عليه وسلامه، وخاطبته. فأدخله المنصور بيتا. ثم تواترت ~~الأخبار عليه بذلك، فأخرجه ms113 وقال له: سوف أفعل معك وأصنع وأغنيك. في كم ليلة ~~وصلت من المدينة؟ قال: في تسع ليال. فأعطاه تسعة آلاف درهم. # ثم قام المنصور وقعد وتراخت المدة حتى تكاتبا وتراسلا، فكتب كل واحد ~~منهما إلى صاحبه كتابا نادرا معدودا من محاسن الكتب احتج فيه وذهب في ~~الاحتجاج كل مذهب. وفي آخر الأمر ندب ابن أخيه عيسى بن موسى لقتاله، فتوجه ~~إليه عيسى بن موسى في عسكر كثيف فالتقوا في موضع قريب من المدينة، فكانت ~~الغلبة لعسكر المنصور، فقتل محمد بن عبد الله وحمل رأسه إلى المنصور وذلك ~~في سنة خمس وأربعين ومائة. # ثم خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله قتيل باخمري بالبصرة. # ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله: شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل ~~الاختصار: كان إبراهيم بن عبد الله في حال تغيبه يحضر إلى عسكر المنصور ~~متخفيا، وربما جلس على السماط، وكان المنصور شديد الطلب له. فخرج من مدينة ~~المنصور ومضى إلى البصرة وأظهر أمره ودعا إلى نفسه، فتبعه جماعة وكثرت ~~جموعه. فأرسل المنصور إليه ابن أخيه عيسى بن موسى بعد رجوعه من قتل النفس ~~الزكية. فتوجه عيسى بن موسى إليه بخمسة عشر ألف مقاتل فالتقوا بقرية يقال ~~لها باخمري قريبة من الكوفة، فكانت الغلبة لعسكر المنصور، وقتل إبراهيم في ~~المعركة، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة، رحمه الله تعالى. # ذكر خروج عبد الله بن علي: PageV01P061 وكانت أيام المنصور ذات فتوق ~~وأحداث. فممن خرج عليه عمه عبد الله ابن علي، وكان السفاح أرسله إلى قتال ~~مروان الحمار، كما تقدم شرحه. ثم مات السفاح وتولى المنصور الخلافة، وعبد ~~الله بن علي بالشام، فطمع في الخلافة وخطب الناس وقال: إن السفاح ندب بني ~~العباس لقتال مروان، فلم ينتدب غيري، وإنه قال لي: إن ظهرت عليه وكانت ~~الغلبة لك فأنت وولي العهد بعدي. وشهد له جماعة بذلك، فبايعه الناس. # ولما اتصل الخبر بالمنصور أقامه ذلك وأقعده. فقال له أبو مسلم الخراساني: ~~إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك، وإن شئت أتيت ms114 خراسان، وأمددتك ~~بالجنود، وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن علي. فأمره بالمسير إلى حرب عبد ~~الله. فسار أبو مسلم بعسكر كثيف، فتطاول الأمد بينهما شهورا كانت في آخرها ~~الغلبة لعسكر أبي مسلم. فهرب عبد الله بن علي إلى البصرة ونزل على أخيه ~~سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. فشفع سليمان فيه إلى المنصور وطلب له ~~الأمان ، فآمنه المنصور وكتب له كتابا بليغا التزم فيه بكل شيء. فلما جاء ~~إليه حبسه ومات في حبسه. فقيل إنه بنى له بيتا وجعل في أساساته ملحا ثم ~~أجرى الماء فيه فسقط البيت عليه فمات. # والمنصور هو الذي قتل أبا مسلم الخراساني. # قتل أبي مسلم الخراساني: شرح كيفية الحال في ذلك: كان في نفس المنصور ~~قديما حزازات من أبي مسلم، وكان بينهما تباغض. وقد كان المنصور أشار على ~~أخيه السفاح بقتله فامتنع السفاح وقال: كيف يكون ذلك مع حسن بلائه في ~~دولتنا؟ فلما ولي المنصور الخلافة أرسل أبا مسلم إلى الشأم لحرب عمه عبد ~~الله بن علي بن العباس، كما تقدم شرحه. فلما ظفر أبو مسلم وغنم جميع ما كان ~~في عسكر عبد الله بن علي وانهزم عبد الله إلى البصرة، أرسل المنصور بعض ~~خدمه ليحتاط على باقي العسكر من الأموال. فغضب أبو مسلم وقال: أمين على ~~الدماء خائن في الأموال! وشتم المنصور. وكتب بعض أصحاب الأخبار بذلك إلى ~~المنصور، وعزم أبو مسلم على الخلاف وأن يتوجه إلى خراسان ولا يحضر عند ~~المنصور، فخاف المنصور أن يتوجه أبو مسلم إلى خراسان بهذه الصفة فتفسد عليه ~~الأمور هناك. # وكان أبو مسلم رجلا مهيبا داهية شجاعا لبيبا جريئا على الأمور فطنا ~~عالما، قد سمع الحديث وعلم من كل شيء. فكتب إليه المنصور يطيب نفسه ويسكنه ~~ويعده الجميل ويستدعي منه الحضور. فأجاب بأني على الطاعة وأني متوجه إلى ~~خراسان، فإن أصلحت نفسك كنت سامعا مطيعا، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك سؤلها ~~كنت قد نظرت لنفسي بالحال التي تقارنها السلامة. فاشتد خوف المنصور منه ms115 ~~وحنقه عليه وكتب إليه كتابا معناه أنك لست في نظرنا بهذه الصفة التي قد ~~وسمت بها نفسك، وإن حسن بلائك في دولتنا يغنيك عن هذا القول؛ واستدعى منه ~~الحضور، وقال لوجوه بني هاشم: اكتبوا أنتم أيضا إليه. فكتبوا إليه يقبحون ~~عليه خلاف المنصور ومشاققته ويحسنون له الحضور عنده والاعتذار إليه. وأرسل ~~المنصور الكتب على يد رجل عاقل من أصحابه، وقال له: امض إليه وحدثه ألين ~~حديث تحدثه أحدا، فإن رجع فارجع به حتى تقدم به علي، وإن أصر على المشاققة ~~وصمم على التوجه وأيست منه ولم يبق لك حيلة فقل له: يقول لك فلان لست من ~~العباس وبرئت من محمد إن مضيت على هذه الحال ولم تعد أن يتولى حربك غيري، ~~وعلي كذا وكذا إن لم أتول أنا ذلك بنفسي. PageV01P062 فمضى الرسول إليه ~~وناوله الكتب فقرأها والتفت إلى صديق له يقال له مالك بن الهيثم، وقال له: ~~ما الرأي؟ قال: الرأي ألا ترجع إليه، فإنك إن رجعت إليه قتلك، وإن مضيت على ~~طريقك حتى تصل إلى الري، وهم جندك، فتقيم وتنظر في أمرك، فإن حدث لك حادث ~~كانت خراسان من ورائك. فعزم أبو مسلم على ذلك وقال للرسول: قل لصاحبك إنه ~~ليس من رأيي الحضور عندك، وأنا متوجه إلى خراسان. فقال له الرسول: يا أبا ~~مسلم أنت مازلت أمين آل محمد فأنشدك الله ألا تسم نفسك بسمة العصيان ~~والشقاق، والرأي أن تحضر عند أمير المؤمنين وتعتذر إليه فلن ترى عنده إلا ~~ما تحب. فقال له أبو مسلم: متى كنت تخاطبني بمثل هذا الخطاب؟ فقال الرجل: ~~سبحان الله، أنت دعوتنا إلى ولاية هؤلاء القوم ونصرهم وقلت لنا: من خالفهم ~~فاقتلوه، فلما دخلنا معك فيما ندبتنا إليه رجعت عنه وأنكرته علينا! فقال ~~أبو مسلم: هو ما قلت لك ولست أرجع. فقال له: فليس عندك غير هذا؟ قال: نعم! ~~فخلا - به وأبلغه ما قال المنصور. فوجم وأطرق ساعة ثم قال: أرجع وأعتذر ~~إليه. ورجع، ثم سلم عسكره إلى بعض أصحابه وقال له: إن ms116 جاءك كتابي وهو مختوم ~~بنصف خاتمي فهو كتابي، وإن كان مختوما بكل الخاتم فاعلم أنه ليس ختمي، ~~وأوصاه بما أراد. ثم سار إلى المنصور فلقيه بالمداين. # فلما علم المنصور بوصوله أمر الناس جميعا بتلقيه. فلما دخل عليه قبل يد ~~فأدناه وأكرمه، ثم أمره أن يعود إلى خيمته ويستريح ويدخل الحمام ويعود من ~~الغد. فمضى، فلما أصبح أتاه رسول المنصور يستدعيه، وقد أعد المنصور جماعة ~~من أصحابه خلف الستور بأيديهم السلاح، فأوصاهم أنه إذا ضرب بإحدى يديه على ~~الأخرى يخرجون فيقتلون أبا مسلم. فلما دخل أبو مسلم عليه قال له: أخبرني عن ~~سيفين وجدتهما في عسكر عبد الله بن علي. فقال أبو مسلم: هذا أحدهما، وكان ~~في يده سيف، فأخذه المنصور ووضعه تحت مصلاه، ثم شرع في توبيخه وتقريعه على ~~ذنب ذنب، وأبو مسلم يعتذر عن كل واحد بعذر، فعدد عليه عدة ذنوب. فقال أبو ~~مسلم: يا أمير المؤمنين مثلي لا يقال له هذا ولا تعدد عليه مثل هذه الذنوب ~~بعدما فعلت. فاغتاظ المنصور وقال: يا ابن اللخناء أنت فعلت! والله لو كانت ~~مكانك أمة سوداء لفعلت ما فعلت، وهل نلت ما نلت إلا بنا وبدولتنا؟ فقال أبو ~~مسلم: دع هذا فقد أصبحت لا أخشى غير الله. فضرب المنصور بيده على الأخرى ~~فخرج أولئك النفر وخبطوه بالسيوف، فصاح استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك. ~~فقال المنصور: وأي عدو لي أعدى منك؟ ثم أمر به فكف في بساط. ودخل عيسى بن ~~موسى فقال: أين أبو مسلم يا أمير المؤمنين؟ فقال المنصور: هو ذاك في ~~البساط. فقال: قتلته؟ قال: نعم! قال: إنا لله وإنا إليه راجعون بعد بلائه ~~وفعله وأمانه! وكان المنصور قد آمنه وكفل عيسى بن موسى على ذلك. فقال له ~~المنصور: خلع الله قلبك، والله ليس لك على وجه الأرض عدو أعدى منه، وهل كان ~~لكم ملك في حياته؟ ثم أمر المنصور بمال لجنده فتفرقوا، وتصرف المنصور في ~~خراسان، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة. # وفي عقب قتل أبي مسلم خرج رجل ms117 اسمه سنباذ بخراسان يطلب بثأر أبي مسلم ~~الخراساني. # سنباذ يطلب بثأر أبي مسلم: شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار: ~~PageV01P063 كان هذا سنباذ رجلا مجوسيا من بعض قرى نيسابور، وكان من أصحاب ~~أبي مسلم وصنائعه؛ فظهر غضبا لقتل أبي مسلم، وكثر أشياعه وأطاعه أكثر أهل ~~الجبال، وغلب على كثير من بلاد خراسان. فلما بلغ المنصور خبره أرسل إليه ~~عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والري، وكان هذا سنباذ قد أفسد في ~~البلاد التي غلب عليها فسادا كثيرا وسبى الذراري، وأظهر أنه يريد أن يمضي ~~إلى الحجاز ويهدم الكعبة. فلما التقى وهو وعسكر المنصور كان سنباذ قد أخذ ~~معه عدة من النساء المسلمات اللواتي قد سباهن وهن على جمال، فأمر سنباذ ~~بإخراج النساء المسبيات قدام عسكره، فخرج النساء حواسر على الجمال وصحن ~~صيحة واحدة: وامحمداه! فنفرت الجمال وكرت راجعة على عسكر سنباذ ففرقتهم، ~~فتبعها عسكر المنصور ودخلوا خلف الجمال فوضعوا فيهم السيوف وأبادوهم قتلا، ~~وكان عدة القتلى نحوا من ستين ألفا، وقد دل الاستقراء على أن من اخترع دولة ~~وأحدثها لم يستمتع بها في أغلب الأحوال. قال، صلوات الله عليه: لا تتمنوا ~~الدول فتحرموها، وكأن المخترع للدولة يكون عنده من الدالة والتبسط ما تأنف ~~من احتماله نفوس الملوك، فكلما زاد تبسطه زادت الأنفة عندهم حتى يوقعوا به. # والمنصور خلع ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد وجعلها في ابنه محمد ~~المهدي. # خلع المنصور لابن أخيه عيسى بن موسى: شرح كيفية الحال في ذلك: هو عيسى بن ~~موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أمير الكوفة، هو ابن أخي ~~المنصور. كان عيسى بن موسى قد جعله إبراهيم الإمام ولي عهد بعد المنصور ~~وأخذ له البيعة على الناس وحلفهم له. فلما كبر المهدي بن المنصور شغف ~~المنصور به شغفا شديدا فأحب أن يبايع له بالخلافة، فخلع عيسى بن موسى وأشهد ~~عليه بالخلع، وبايع للمهدي وجعل عيسى بن موسى بعده. # شرح كيفية خلع عيسى بن موسى: قد اختلف أرباب ms118 السير في كيفية خلعه، فقيل ~~إن المنصور التمس منه ذلك، وكان يكرمه ويجلسه عن يمينه ويجلس المهدي عن ~~يساره، فلما فاوضه المنصور في خلع نفسه، قال: يا أمير المؤمنين كيف أصنع ~~بالأيمان التي في رقبتي وفي رقاب الناس بالعتاق والطلاق والحج والصدقة؟ ليس ~~إلى الخلع سبيل. فتغير المنصور عليه وباعده بعض المباعدة، وصار يأذن للمهدي ~~قبله ويجلسه دون المهدي، وصار يتقصد أذاه، فكان يكون عيسى بن موسى جالسا ~~فيحفر الحائط الذي يليه وينثر التراب على رأسه، فيقول لبنيه: تنحوا، ثم ~~يقوم هو فيصلي، والتراب ينتثر عليه، ثم يؤذن له فيدخل على المنصور والتراب ~~عليه لا ينفضه، فيقول له المنصور: يا عيسى ما يدخل أحد علي بمثل ما تدخل ~~أنت به من الغبار والتراب، أفكل هذا من الشارع؟ فيقول عيسى: أحسب ذلك يا ~~أمير المؤمنين، ولا يشكو. # وقيل: إنه سقاه بعض ما يتلفه فمرض مدة ثم أفاق منه، فلم يزل هذا الأذى ~~يتكرر عليه حتى خلع نفسه وبايع. # وقيل: بل وضع المنصور الجند فصاروا يشتمون عيسى بن موسى إذا رأوه وينالون ~~منه. فلما شكا ذلك إلى المنصور قال له: يا ابن أخي إني والله أخافهم عليك ~~وعلى نفسي، فإنهم قد أشربت قلوبهم حب هذا الفتى، يعني المهدي، فلو قدمته ~~بين يديك. فخلع عيسى نفسه وبايع المهدي. ولما رآه بعض أهل الكوفة وقد جعل ~~المهدي قدامه في الخلافة وصار هو بعده قال: هذا الذي كان غدا فصار بعد غد. ~~وقيل بل اشتراها المنصور منه بمال مبلغه أحد عشر ألف ألف درهم. وقيل بل ~~أرسل إليه خالد بن برمك فأخذ معه جماعة من أهل المنصور نحو ثلاثين رجلا ~~ومضى إلى عيسى فخاطبه في أن يخلع نفسه فأبى، ونسكن هذه الفتنة. فشهدوا عليه ~~بذلك فقامت البينة به. وأنكر عيسى فلم يلتفت إليه، وتم خلعه وبويع للمهدي ، ~~والله أعلم أي ذلك كان. # والمنصور هو الذي بنى الرصافة لابنه المهدي. # المنصور يبني الرصافة لابنه المهدي: شرح السبب في بنائها: PageV01P064 ~~كان الجند قد شغبوا على المنصور، فقال ms119 المنصور لقثم بن العباس بن عبيد الله ~~بن العباس: ما ترى التياث الجند؟ وإني خائف أن تجتمع كلمتهم! فقال له: يا ~~أمير المؤمنين الرأي أن تعبر ابنك إلى الجانب الشرقي وتعبر معه قطعة من ~~العسكر وتبني له مدينة، فيصير هو في مدينة وعسكر بالجانب الشرقي، وأنت في ~~مدينة وعسكر بالغربي، فإن رابك حدث من أحد الجانبين استعنت عليه بالجانب ~~الآخر. فقبل قوله وبنى الرصافة. وتمت الرصافة، وصار الخلفاء بعد ذلك يدفنون ~~موتاهم بها، وبنوا بها الترب الجليلة وحملوا إليها من الفرش العظيم والآلات ~~الجليلة ما يتجاوز الحصر، ووقفوا عليها من النواحي والأقرحة والعقارات جملة ~~كثيرة، وكانت في أيامهم حرما إذا لجأ إليها الخائف أمن. # موت المنصور : ومات المنصور محرما بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، فكتم ~~الربيع أمره لأجل البيعة للمهدي. فيقال إنه أجلسه وسنده وجعل على وجهه كلة ~~خفيفة يرى وجهه منها ولا يفهم أمره، وأذن لوجوه بني هاشم. فلما دخلوا ~~ووقفوا بين يديه وهم يحسبون أنه حي تقدم الربيع إليه كأنه يشاوره ثم عاد ~~إليهم وقال: أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهدي. فبايع الناس طرا. # وقيل إن المهدي لما بلغه ذلك استخف بالربيع وقال: ما منعتك هيبة أمير ~~المؤمنين من هذا الفعل به! شرح حال الوزارة أيام المنصور: لم تكن الوزارة ~~في أيامه طائلة لاستبداده واستغنائه برأيه وكفاءته مع أنه كان يشاور في ~~الأمور دائما، وإنما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء. وكانوا لا يزالون ~~على وجل منه وخوف فلا يظهر لهم أبهة ولا رونق. # وزارة أبي أيوب المورياني: موريان قرية من قرى الأهواز. # كان المنصور قد اشتراه صبيا قبل الخلافة وثقفه، فاتفق أنه أرسله مرة إلى ~~أخيه السفاح وهو خليفة، وأرسل معه هدية، فلما رآه السفاح أعجبته هيئته ~~وفصاحته وصباحته، فقال له: يا غلام لمن أنت؟ قال: لأخي أمير المؤمنين قال ~~:بل أنت لي واحتسبه عنده وكتب إلى المنصور يعلمه أنه قد أخذه وأعتقه. واختص ~~بالسفاح مدة خلافته، ثم نمت حاله وتزايدت نعم الله عنده حتى قلده المنصور ms120 ~~وزارته، وكان لبيبا بصيرا بالأمور عاقلا فطنا ذكيا فاضلا كريما غزير ~~المروءة. # مكرمة: حدث ابن شبرمة قال: زوجت ابني على صداق مبلغه ألف درهم، فجعلت ~~أفكر فيمن أستعين به على ذلك، فأتيت أبا أيوب المورياني وزير المنصور فذكرت ~~له ذلك. فقال: قد أمرنا لك بهذا القدر. فجزيته خيرا وقمت لأخرج، فقال: ~~أعطوه ألفي درهم للنفقة، وذهبت لأقوم، فقال: لا تعجل، أفلا يحتاج إلى خادم؟ ~~أعطوه ألفي درهم لخادم. فما زال يأمر لي في كل مرة بألفين ألفين حتى تكمل ~~ما أمر به خمسين ألف درهم. # ذكر القبض على أبي أيوب المورياني: كان أبو أيوب يحب جمع المال ليتقرب به ~~إلى المنصور إذا خافه. فقال له المنصور يوما: ما ترى حال صالح ابني ليس له ~~ضيعة ؟ فقال أبو أيوب: يا أمير المؤمنين بالأهواز مزارع عاطلة تحتاج إلى ~~ثلاثمائة ألف درهم تعمر بها ويقوم منها حاصل جيد. فأطلق له ثلاثمائة ألف ~~درهم وأمره بعمارتها لابنه صالح. فأخذ أبو أيوب المال ولم يعمل في الضيعة ~~شيئا، وصار في رأس كل سنة يحمل عشرين ألف درهم ويقول: هذه حاصل الضيعة ~~المستجدة. فانكتم الحال عن المنصور مدة، ثم إن أعداء أبي أيوب وجدوا هذا ~~طريقا إلى السعاية به، فأعلموا المنصور الحال فانحدر بنفسه إلى هناك، فأمر ~~أبو أيوب أن تبنى بيوت على جانب الشط ويغرس فيها كرم ويخضر حواليها. فلما ~~فعل ذلك اجتاز المنصور بها. فقال له أبو أيوب: هذه هي الضيعة، فرأى المنصور ~~العمارة والخضرة فكاد الأمر يشتبه عليه، فأعلمه أعداء أبي أيوب صورة الحال، ~~فركب بنفسه وأخذ الأدلاء معه وطاف الضيعة فوجدها عاطلة لا عمارة فيها، فعرف ~~القصة وتنبه على خيانة أبي أيوب، فنكبه وقتله وقتل أقاربه واستصفى أموالهم، ~~وقال ابن حبيبات الشاعر الكوفي في ذلك: # قد وجدنا الملوك تحسد من أع ... طته طوعا أزمة التدبير # فإذا ما رأوا له النهي والأم ... رضي الله عنه أتوه من بأسهم بنكير # شرب الكأس بعد حفص سلي ... مان ودارت عليه كف المدير # ونجا خالد بن برمك ms121 منها ... إذ دعوه من بعدها بالأمير PageV01P065 أسوأ ~~العالمين حالا لديهم ... من تسمى بكاتب أو وزير # وزارة الربيع بن يونس: هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن كيسيان، ~~هو أبو فروة مولى عثمان بن عفان. كان يقال إن الربيع لقيط ولذلك قال يوما ~~لرجل كرر الترحم على أبيه في حضرة المنصور: كم تكرر ذكر أبيك وتترحم عليه؟ ~~فقال له الرجل: إنك معذور في ذلك لأنك لم تذق حلاوة الآباء. قالوا: والصحيح ~~أنه ابن يونس بن محمد بن أبي فروة . # ولكنه لغير رشدة. قالوا: وقع يونس بن محمد على جارية لهم فولدت له ~~الربيع، فأنكره يونس فبيع وتنقل في الرق حتى وصل إلى بني العباس. وبلغني أن ~~علاء الدين عطا ملك بن الجويني صاحب الديوان كان ينتسب إلى الفضل بن ~~الربيع. ولقد عجبت من الصاحب علاء الدين مع نبله وفضله واطلاعه على السير ~~والتواريخ كيف رضي أن ينتسب إلى الفضل بن الربيع. فإن كان قد انتحل هذا ~~النسب ففضيحة ظاهرة، وإن كان حقا فلقد كان العقل الصحيح يقتضي ستره فإنه ~~نسب لا يوجد أرذل منه، ولا أفضح ولا أسقط. أما أولا فلأن الفضل بن الربيع ~~لم يكن حرا في نفسه وكان مرميا بالفاحشة. و أما ثانيا فلأن الربيع وإن كان ~~جليلا كافيا إلا أنه كان مدخول النسب؛ فكان يقال إنه لقيط، وتارة يقال إنه ~~ولد زنا، وأحسن أحواله أن يكون صحيح الاتصال إلى أبي فروة مولى عثمان بن ~~عفان، رضي الله عنه، وفي ذلك أتم العار. # فإن أبا فروة كان ساقطا وكان عبدا للحرث حفار القبور بمكة، والحرث مولى ~~عثمان بن عفان، فأبو فروة عبد عبد عثمان، وفي ذلك يقول الشاعر: # وان ولا كيسان للحرث الذي ... ولي زمنا حفر القبور بيثرب # وأبو فروة خرج على عثمان يوم الدار، وكفاه بذلك عارا، فانظر هل ترى نسبا ~~أسقط أو أرذل من هذا؟ وأعجب من رأي الصاحب علاء الدين في هذا خلو حضرته ممن ~~يعرف هذا القدر فينبهه عليه. # كان الربيع جليلا نبيلا ms122 منفذا للأمور مهيبا فصيحا كافيا حازما عاقلا ~~فطنا، خبيرا بالحسابا والأعمال، حاذقا بأمور الملك، بصيرا بما يأتي ويذر، ~~محبا لفعل الخير. # روي أن المنصور أحضر يوما إنسانا ذكر له أنه وثب على عامله ببعض النواحي، ~~فقال له المنصور: ويحك! أنت المتوثب على فلان العامل؟ والله لأنثرن من لحمك ~~أكثر مما يبقى منه على عظمك! وكان شيخا هرما، فأنشد بصوت ضعيف: # أتروض عرسك بعدما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم # فقال المنصور : يا ربيع ما يقول؟ فقال يقول: # العبد عبدكم والأمر أمركم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف؟ # فقال: قد عفونا عنه، فلينصرف. ورأى المنصور يوما في بستانه شجيرة من شجر ~~الخلاف فلم يدر ما هي، فقال: يا ربيع ما هذه الشجرة ؟ فقال الربيع: إجماع ~~ووفاق. وكره أن يقال خلاف. فاستعقله المنصور واستحسن قوله. ولم يزل الربيع ~~وزيرا للمنصور إلى أن مات المنصور وقام الربيع بأخذ البيعة للمهدي على ما ~~تقدم وصفه ، وهو آخر وزراء المنصور، وقتله الهادي. وكان سبب قتله أنه أهدى ~~جارية حسناء إلى المهدي بن المنصور، فوهبها المهدي لابنه موسى الهادي، فغلب ~~حبها عليه وأولدها أولاده. فلما صار الهادي خليفة سعى إليه أعداء الربيع، ~~وقالوا له: إنه إذا رأى بنيك، قال: والله ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب من ~~أم هؤلاء. فعظم ذلك على الهادي وعلى بنيه وعلى الجارية أيضا، فناوله الهادي ~~قدحا فيه عسل مسموم فشربه فمات ليومه، وذلك في سنة سبعين ومائة. # انقضت أيام المنصور ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه محمد المهدي . # خلافة محمد المهدي # هو أبو عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وقد مر نسبه. بويع له ~~بالخلافة بمكة في سنة ثمان وخمسين ومائة. # كان المهدي شهما فطنا كريما، شديدا على أهل الإلحاد والزندقة، لا تأخذه ~~في إهلاكهم لومة لائم، وكانت أيامه شبيهة بأيام أبيه في الفتوق والحوادث ~~والخوارج، وكان يجلس في كل وقت لرد المظالم. # روي عنه أنه كان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا علي القضاة ، فلو لم يكن ~~ردي للمظالم إلا للحياء منهم ms123 لكفى. PageV01P066 وحدث عنه أنه خرج متنزها ~~ومعه رجل من خواصه اسمه عمرو، فانقطعا في الصيد عن العسكر، فجاع المهدي، ~~فقال: هل من شيء يؤكل؟ فقال له عمرو: أرى كوخا، فقصدوه فإذا فيه نبطي وعنده ~~مبقلة. فسلموا عليه فرد السلام. فقالوا: هل من طعام؟ قال: عندي ربيثاء، وهو ~~نوع من الصحناء، وعندي خبز شعير. فقال المهدي: إن كان عندك زيت فقد أكملت ~~الضيافة. قال: نعم وكراث. فأتاهما بذلك فأكلا حتى شبعا، فقال المهدي لعمرو: ~~قل في هذا شعرا؛ فقال: # إن من يطعم الربيثاء بالزي ... ت وخبز الشعير بالكراث # لجدير بصفعة أو بثنتي ... ن لسوء الصنيع أو بثلاث # فقال المهدي: بئس ما قلت، إنما كان ينبغي أن تقول: # لجدير ببدرة أو بثنتي ... ن لحسن الصنيع أو بثلاث # قال: ووافاهم العسكر والخزائن والخدم. فأمر للنبطي بثلاث بدر، وانصرف، ~~وفي أيامه ظهر المقنع بخراسان. # ظهور المقنع بخراسان: شرح كيفية الحال بذلك: كان هذا المقنع رجلا أعور ~~قصيرا من أهل مرو، وكان قد عمل وجها من ذهب وركبه على وجهه لئلا يرى وجهه، ~~وادعى الإلهية، وكان يقول: إن الله خلق آدم فتحول في صورته ثم في صورة نوح، ~~وهكذا هلم جرا إلى أبي مسلم الخراساني، وسمى نفسه هاشما. وكان يقول ~~بالتناسخ، وبايعه خلق من ضلال الناس، وكانوا يسجدون إلى ناحيته أين كانوا ~~من البلاد، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنا. واجتمع إليه خلق كثير. # فأرسل المهدي إليه جيشا فاعتصم منهم بقلعة هناك، وطاولوه فضجر وضجر ~~أصحابه فطلب أكثرهم الأمان، وبقي معه نفر يسير، وهو في القلعة محاصر، فأضرم ~~نارا عظيمة وأحرق جميع ما بالقلعة من دابة وثوب ومتاع، ثم جمع نساءه ~~وأولاده وقال لأصحابه: من أحب منكم الارتفاع معي إلى السماء فليلق نفسه في ~~هذه النار. ثم ألقى فيها نفسه وأولاده ونساءه خوفا أن يظفر بجثته أو بحرمه. ~~فلما احترقوا فتحت أبواب القلعة فدخلها عسكر المهدي فوجدوها خالية خاوية. # ولما ولي المهدي الخلافة جدد الكلام في خلع عيسى بن موسى والبيعة لولديه ~~موسى الهادي ms124 وهارون الرشيد، وقد تقدم شرح كيفية خلعه في أيام المنصور، وأنه ~~قدم المهدي عليه، فلما ولي المهدي أراد لبنيه ما أراد المنصور له، فطلب من ~~عيسى بن موسى أن يخلع نفسه فأبى، فأرهبه وأرغبه حتى أجاب، وأشهد عليه ~~بالخلع، وبايع لولديه الهادي والرشيد. # وكان المهدي ينظر في الدقائق من الأمور، وكذلك كان أبوه، فتقدم المهدي ~~حين ولي برد نسب آل زياد ابن أبيه إلى عبيد الثقفي، وإسقاطهم من ديوان ~~قريش، وبرد نسب آل أبي بكرة إلى ولاء رسول الله، صلوات الله عليه وسلامه، ~~وكتب الكتب فاعتنمد ما رسم به، ثم بعد ذلك ارتشى العمال من بني زياد ~~وأعادوهم إلى ديوان قريش. وغزا المهدي الروم عدة دفعات وكانت له الغلبة ، ~~ومات المهدي بماسبذان، واختلف في سبب موته. # موت المهدي: فقيل إنه طرد ظبيا في بعض متصيداته، فدخل الظبي إلى باب ~~خربة، فدخل فرس المهدي خلفه فدقه باب الخربة فقطع ظهره فمات من ساعته. وقيل ~~إن بعض جواريه جعلت سما في بعض المآكل لجارية أخرى فأكل المهدي منه، وهو لا ~~يعلم، فمات. وذلك في سنة تسع وستين ومائة. وقال أبو العتاهية يصف جواريه، ~~وقد برزن بعد موته وعليهن المسوح: # رحن في الوشي وأقبل ... ن عليهن المسوح # كل نطاح من الده ... رضي الله عنه له يوم نطوح # لست بالباقي ولو عم ... رت ما عمر نوح # فعلى نفسك نح إنكنت لابد تنوح # شرح حال الوزارة في أيامه: في أيامه ظهرت أبهة الوزارة بسبب كفاءة وزيره ~~أبي عبيد الله معاوية ابن يسار، فإنه جمع له حاصل المملكة ورتب الديوان ~~وقرر القواعد. وكان كاتب الدنيا، وأوحد الناس حذقا وعلما وخبرة، وهذا شرح ~~طرف من حاله. # وزارة أبي عبيد الله معاوية بن يسار: PageV01P067 هو من موالي الأشعريين، ~~كان كاتب المهدي ونائبه قبل الخلافة ضمه المنصور إليه، وكان قد عزم على أن ~~يستوزره، لكنه آثر به ابنه المهدي، فكان غالبا على أمور المهدي لا يعصي له ~~قولا، وكان المنصور لا يزال يوصيه فيه ويأمره بامتثال ما يشير به. ms125 فلما مات ~~المنصور وجلس المهدي على سرير الخلافة فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه ~~الدواوين، وكان مقدما في صناعته فاخترع أمورا، منها أنه نقل الخراج إلى ~~المقاسمه، وكان السلطان يأخذ عن الغلات خراجا مقررا ولا يقاسم، فلما ولي ~~أبو عبيد الله الوزارة قرر أمر المقاسمة، وجعل الخراج على النخل والشجر، ~~واستمر الحال في ذلك إلى يومنا، وصنف كتابا في الخراج ذكر فيه أحكامه ~~الشرعية ودقائقه وقواعده. وهو أول من صنف كتابا في الخراج، وتبعه الناس بعد ~~ذلك فصنفوا كتب الخراج، وكان شديد التكبر والتجبر. # روي أن الربيع لما قدم من مكة بعد موت المنصور وأخذ البيعة للمهدي حضر من ~~ساعة وصوله إلى باب أبي عبيد الله، فقال له ابنه الفضل: يا أبي نبدأ به قبل ~~أمير المؤمنين وقبل منزلنا؟ قال: نعم يا بني، هو صاحب الرجل والغالب على ~~أمره. قال: فوصل الربيع إلى باب أبي عبيد الله بن الوزير فوقف ساعة حتى خرج ~~الحاجب، ثم دخل فاستأذن له فأذن له، فلما دخل عليه لم يقم له ثم سأله عن ~~مسيره وحاله فأخبره، وشرع الربيع يحدثه بما جرى في مكة من موت المنصور ~~واجتهاده في أخذ البيعة للمهدي. فسكته وقال: قد بلغني الخبر، فلا حاجة إلى ~~إعادته. فاغتاظ الربيع ثم قام فخرج وقال لابنه الفضل: علي كذا وكذا إن لم ~~أبذل مالي وجاهي في مكروهه وإزالة نعمته. ومضى الربيع إلى المهدي فاستحجبه ~~واختص به كما كان مع أبيه، فشرع في إفساد حال أبي عبيد الله الوزير بكل ~~وجه، فلم يتفق له ذلك، فخلا ببعض أعدائه وقال له: قد ترى ما فعل معك أبو ~~عبيد الله، وكان قد أساء إليه، وما فعل معي أيضا، فهل عندك تدبير في أمره؟ ~~قال الرجل: لا والله ما عندي حيلة تنفذ عليه فإنه أعف الناس فرجا ويدا ~~ولسانا، ومذهبه مذهب مستقيم، وحذقه في صناعته ما عليه مزيد، وعقله وكفاءته ~~كما علمت، ولكن ابنه رديء الطريقة مذموم السيرة، والقول يسرع إليه، فإن ~~تهيأ حيلة من جهة ابنه ms126 فسعى ذلك. فقبل الربيع بين عينيه ولاح له وجه الحيلة ~~عليه، فعسى بابنه إلى المهدي أنواعا من السعايات فتارة يرميه ببعض حرم ~~المهدي وتارة يرميه بالزندقة. وكان المهدي شديدا على أهل الإلحاد والزندقة ~~لا يزال يتطلع عليهم ويفتك بهم. فلما رسخ في ذهن المهدي زندقة ابن الوزير ~~استدعى به فسأله عن شيء من القرآن العزيز فلم يعرف. فقال لأبيه: وكان ~~حاضرا: ألم تخبرني أن ابنك يحفظ القرآن؟ قال: بلى، يا أمير المؤمنين، ولكن ~~فارقني مذ مدة فنسيه. فقال له: قم فتقرب إلى الله بدمه. فقام أبو عبيد الله ~~فعثر ووقع وارتعد. فقال العباس بن محمد عم المهدي: يا أمير المؤمنين إن ~~رأيت أن تعفي الشيخ من قتل ولده ويتولى ذلك غيره؟ فأمر المهدي بعض من كان ~~حاضرا بقتله، فضربت عنقه. # واستمر أبوه على حاله من الخدمة إلا أنه ظهر عليه الانكسار، وتنمر قلبه ~~وتنمر أيضا قلب المهدي منه. فدخل بعض الأيام على المهدي ليعرض عليه كتبا قد ~~وردت من بعض الأطراف، فتقدم المهدي بإخلاء المجلس، فخرج كل من به إلا ~~الربيع فلم يعرض أبو عبيد الله شيئا من تلك الكتب، وطلب أن يخرج الربيع. ~~فقال له المهدي: يا ربيع اخرج. فتنحى الربيع قليلا. فقال المهدي: ألم آمرك ~~بالخروج؟ قال: يا أمير المؤمنين كيف أخرج وأنت وحدك وليس معك سلاح، وعندك ~~رجل من أهل الشأم اسمه معاوية وقد قتلت بالأمس ولده وأوغرت صدره، فكيف أدعك ~~معه على هذه الحال وأخرج؟ فثبت هذا المعنى في نفس المهدي إلا أنه قال: يا ~~ربيع إني أثق بأبي عبيد الله في كل حال، وقال لأبي عبيد الله الوزير: اعرض ~~ما تريد فليس دون الربيع سر. ثم قال بعد ذلك المهدي للربيع: إني استحيي من ~~أبي عبيد الله بسبب قتل ولده فاحجبه عني. فحجب عنه وانقطع بداره واضمحل ~~أمره وتهيأ للربيع ما أراده من إزالة نعمته. ومات أبو عبيد الله معاوية بن ~~يسار في سنة سبعين ومائة. # وزارة أبي عبد الله يعقوب بن داود : PageV01P068 هو من ms127 الموالي. قال ~~الصولي: كان داود أبوه وإخوته كتابا لنصر بن سيار أمير خراسان. كان يعقوب ~~بن داود يتشيع وكان في ابتداء أمره مائلا إلى بني عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن، وجرت له خطوب في ذلك. ثم إن المهدي خاف من بني الحسن أن يحدثوا أمرا ~~لا يتدارك فطلب رجلا ممن له أنس ببني الحسن ليستعين به على أمرهم، فدله ~~الربيع على يعقوب بن داود لصداقة كانت بين الربيع وبينه، وليتفقا على إزالة ~~دولة أبي عبيد الله معاوية الوزير. فاستحضره المهدي وخاطبه فرأى أكمل الناس ~~عقلا وأفضلهم سيرة، فشغف به واستخلصه لنفسه ثم استوزره وفوض الأمور إليه. # وقيل: إن السبب في وزارته غير هذا، وهو أن يعقوب بن داود قرر للربيع مائة ~~ألف دينار إن حصلت له الوزارة، فجعل الربيع يثني عليه في الخلوات عند ~~المهدي، فطلب المهدي أن يراه، فلما حضر بين يديه رأى أكمل الناس خلقا ~~وفضلا. # ثم قال له: يا أمير المؤمنين هاهنا أمور لا تنتهي إلى علمك فإن وليتني ~~عرضها عليك بذلت جهدي في نصيحتك، فقربه وأدناه. فصار يعرض عليه من المصالح ~~والمهمات والنصائح الجليلة ما لم يكن يعرض عليه من قبل، فاستخصه وكتب كتابا ~~بأنه أخوه في الله تعالى، واستوزره وفوض إليه الأمور كلها وسلم إليه ~~الدواوين وقدمه على جميع الناس، حتى قال بشار يهجوه: # بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خلافة الله بين الناي والعود # وذلك لأن المهدي اشتغل باللهو واللعب وسماع الأغاني وفوض الأمور إلى ~~يعقوب بن داود. وكان أصحاب المهدي يشربون عنده النبيذ. وقيل: ما كان هو ~~يشرب معهم. فنهاه يعقوب بن داود عن ذلك ووعظه وقال: أبعد الصلوات في المسجد ~~تفعل هذا؟ فلم يلتفت إليه؛ وفي ذلك يقول الشاعر للمهدي: # فدع عنك يعقوب بن داود جانبا ... وأقبل على صهباء طيبة النشر # ثم إن السعاة مازالوا يسعون بيعقوب بن داود إلى المهدي حتى نكبه وجعله في ~~المطبق، وهو حبس التجليد، فلم يزل على ms128 ذلك مدة أيام المهدي ومدة أيام ~~الهادي حتى أخرجه الرشيد . # شرح السبب في القبض عليه وكيفية ما جرى: حدث يعقوب بن داود قال: استدعاني ~~المهدي يوما فدخلت عليه وهو في مجلس في وسط بستان، ورؤوس الشجر مع أرض ذلك ~~المجلس وقد امتلأت رؤوس الشجر من الأزهار المتنوعة، وقد فرش المجلس بفرش ~~موردة، وبين يديه جارية حسناء، لم أر أحسن وجها منها. فقال لي: يا يعقوب ~~كيف ترى هذا المجلس؟ قلت: في غاية الحسن، فهنأ الله أمير المؤمنين. قال: ~~فهو لك وجميع ما فيه ومائة ألف درهم وهذه الجارية ليتم سرورك. فدعوت له. ~~قال: ولي إليك حاجة أريد أن تضمن لي قضاءها. قلت: يا أمير المؤمنين أنا ~~عبدك الطائع لجميع ما تأمر به. فدفع إلي رجلا علويا، وقال: أحب أن تكفيني ~~أمره، فإني خائف أن يخرج علي. قال فقلت: السمع والطاعة. قال: تحلف لي؟ ~~فحلفت له بالله أن أفعل ما يريد. # ثم نقل جميع ما كان في المجلس إلى منزلي والجارية أيضا. فمن شدة سروري ~~بالجارية جعلتها في موضع قريب من مجلسي ليس بيني وبينها سوى ستر رقيق، قال: ~~وأدخلت العلوي إلى وخاطبته فرأيته أتم الناس عقلا. فقال لي: يا يعقوب تلقى ~~الله بدمي، وأنا ابن علي بن أبي طالب وابن فاطمة، رضي الله عنها، وليس لي ~~إليك ذنب؟ قال فقلت: لا والله، خذ هذا المال وانج بنفسك. # قال: والجارية تسمع كل ذلك، فأرسلت إلى المهدي دسيسا أعلمه بالقصة. فأرسل ~~المهدي وشحن الدروب بالرجال حتى حصل العلوي وجعله في بيت قريب من مجلسه، ثم ~~استدعاني فحضرت، فقال: يا يعقوب ما فعلت بالعلوي؟ قلت: قد أراح الله منه ~~أمير المؤمنين. قال: مات؟ قلت: نعم. قال: بالله! قلت: إي والله. قال: فضع ~~يدك على رأسي واحلف به. قال يعقوب: فوضعت يدي على رأسه وحلفت به. فقال لبعض ~~الخدم: أخرج إلينا من في هذا البيت. قال: فأخرج العلوي. فلما رأيته امتنع ~~الكلام علي وتحيرت في أمري. فقال المهدي: يا يعقوب قد حل لي دمك، ms129 احملوه ~~إلى المطبق. PageV01P069 قال يعقوب : فدليت بحبل في بئر مظلمة لا أرى فيها ~~الضوء، وكان يأتيني في كل يوم ما أتقوت به. فمكثت مدة لا أدري كم هي، وذهب ~~بصري. ففي بعض الأيام دلي لي حبل وقيل اصعد قد جاء الفرج. فصعدت وقد طال ~~شعري وأظافيري، فأدخلت الحمام وأصلحوا شأني وألبسوني ثيابا ثم قادوني إلى ~~مجلس، وقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين. فقيل لي: على أي أمراء المسلمين سلمت؟ قلت: على أمير المؤمنين ~~المهدي. فسمعت قائلا من صدر المجلس يقول: رحم الله المهدي، ثم قيل لي: سلم ~~على أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقيل لي على أي ~~أمراء المسلمين سلمت؟ فقلت: على أمير المؤمنين الهادي. فسمعت قائلا يقول من ~~صدر المجلس: رحم الله الهادي. ثم قيل لي: سلم. فسلمت. فقيل لي: على من ~~سلمت؟ قلت: على أمير المؤمنين هارون الرشيد. فقال: وعليك السلام يا يعقوب ~~ورحمة الله وبركاته، أعزز علي بما نالك. # فجعلت المهدي في حل، ودعوت للرشيد وشكرته على خلاصي. ثم قال: ما تريد يا ~~يعقوب؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما بقي في مستمتع ولا بلاغ، وأريد المجاورة ~~بمكة. فأمر لي بما يصلحني، ثم توجه يعقوب إلى مكة وجاور بها ولم تطل أيامه ~~حتى مات هناك سنة ست وثمانين ومائة. # وزارة الفيض بن أبي صالح: هو من أهل نيسابور، وكانوا نصارى، فانتقلوا إلى ~~بني العباس وأسلموا. وتربى الفيض في الدولة العباسية وتأدب وبرع، وكان سخيا ~~مفضالا متخرقا في ماله جوادا عزيز النفس كبير الهمة كثير الكبر والتيه، حتى ~~قال فيه بعض الشعراء: # أبا جعفر جئناك نسأل نائلا ... فأعوزنا من دون نائلك البشر # فما برقت بالوعد منك غمامة ... يرجى بها من سيب نائلك القطر # فلو كنت تعطينا المنى وزيادة ... لنغصها منك التجبر والكبر # قالوا: كان يحيى بن خالد بن برمك إذا استعظم أحد كرمه وجوده قال: لو ~~رأيتم الفيض لصغر عنكم أمري. وفي الفيض يقول أبو الأسود الحماني الشاعر ~~يمدحه: # ولائمة ms130 لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: لن يقدح اللوم في البحر # أرادت لتثني الفيض عن سنن الندى، ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر # مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر # كان وفود الفيض لما تحملوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر # قالوا: كان الفيض بن أبي صالح متوجها في بعض الأيام إلى بعض أغراضه ~~فصادفه صديق له، فسأله الفيض إلى أين يذهب. فقال: إن وكيل السيدة أم جعفر ~~زبيدة قد حبس فلانا على بقية ضمان مبلغها مائة ألف دينار، وفلان، يعني ~~المحبوس، صديقي وصديقك أيضا، وأنا متوجه إلى الوكيل المذكور لأشفع فيه، فهل ~~لك أن تصل جناحي وتساعدني على هذه المكرمة؟ فقال الفيض: إي والله ! ثم مضى ~~معه فحضر عند وكيل أم جعفر زبيدة وشفعا في الرجل المحبوس. # فقال الوكيل: الأمر في هذا إليها وما أستطيع أن أفرج عنه إلا بقولها، ~~ولكني أخاطبها وأحسن لها الإفراج عنه. # ثم كتب إليها شيئا. فخرج الجواب أنه لابد من استيفاء هذا المال منه، ولا ~~سبيل إلى قبول شفاعة في هذا الباب، فاعتذر الوكيل إليهما وأراهما الخط. ~~فقال الرجل للفيض: قم حتى نمضي، فقد فعلنا ما يجب علينا. فقال الفيض: لا ~~والله ما فعلنا ما يجب علينا فكأننا ما جئنا إلى هنا إلا لنؤكد حبس صاحبنا. ~~قال الرجل: فما نصنع؟ قال الفيض: حيث قد تعذر علينا خلاصه من هذه الجهة ~~نؤدي عنه هذا المال من خاصنا ونخرجه، أنت نصفه وأنا نصفه. فأجاب الرجل إلى ~~ذلك. فقالا للوكيل: كم لك عليه؟ قال: مائة ألف دينار. قالا: هي علينا، وهذا ~~خطنا بها فادفع إلينا صاحبنا. قال: مائة ألف دينار . قالا: هي علينا، وهذا ~~خطنا بها فادفع إلينا صاحبنا. قال: هذا أيضا لا أقدر أن أفعله حتى أعلمها ~~بالحال. قالا: فأعلمها. فكتب إليها الوكيل يخبرها بما قال الفيض وبصورة ~~الحال. فخرج الخادم وقال: لا يكون الفيض أكرم منا، وقد وهبناه المائة ~~الألف، فادفع إليهم صاحبهم. فأخذاه وخرجا. PageV01P070 وكان الفيض قد ms131 وصف ~~للمهدي لما عزم على يعقوب بن داود، فلما قبض عليه أحضر الفيض واستوزره وفوض ~~الأمور إليه. ومات المهدي، وهو وزيره، فلما ولي الهادي لم يستوزره ، وبقي ~~الفيض إلى أول أيام الرشيد، ثم مات، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة. # انقضت أيام المهدي ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه موسى الهادي. # خلافة موسى الهادي # بويع له بالخلافة في سنة تسع وستين ومائة. # كان الهادي متيقظا غيورا كريما شهما أيدا شديد البطش جريء القلب مجتمع ~~الحس ذا إقدام وعزم وحزم. حدث عبد الله بن مالك، وكان يتولى شرطة المهدي، ~~قال: كان المهدي يأمرني بضرب ندماء الهادي ومغنيه وحبسهم صيانه له عنهم. ~~فكنت أفعل ما يأمرني به المهدي، وكان الهادي يرسل إلي في صيانه له عنهم. ~~فكنت أفعل ما يأمرني به المهدي، وكان الهادي يرسل إلي في التخفيف عنهم فلا ~~أفعل. فلما مات المهدي وولي الهادي أيقنت بالتلف، فاستحضرني يوما فدخلت ~~عليه وهو جالس على كرسي والسيف والنطع بين يديه، فسلمت، فقال: لا سلم الله ~~عليك، أتذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني وضربه فلم تقبل قولي؟ وكذلك فعلت ~~في فلان وفلان، وعدد ندماءه، فلم تلتفت إلى قولي. قلت: نعم، أفتأذن في ذكر ~~الحجة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك الله لو أنك قلدتني ما قلدني المهدي وأمرتني ~~بما أمر فبعث إلي بعض بنيك بما يخالف أمرك فاتبعت قوله وتركت قولك، أكان ~~يسرك ذلك؟ قال: لا. قلت: فكذلك أنا لك وكذلك كنت لأبيك. # فاستدناني، فقبلت يده. ثم أمر لي بالخلع وقال: وليتك ما كنت تتولاه، فامض ~~راشدا. فمضيت مفكرا في أمري وأمره، وقلت حدث يشرب، والقوم الذين عصيته في ~~أمرهم هم ندماؤه ووزراءه وكتابه، وكأني بهم حين يغلب الشراب عليه يغلبون ~~على رأيه ويحسنون له هلاكي. قال: فإني لجالس وعندي بنية لي، والكانون بين ~~يدي، وقدامي رقاق وكامخ وأنا أشطره بالكامخ وأسخنه بالنار وآكل وأطعم ~~الصغيرة، وإذا بوقع حوافر الخيل فظننت أن الدنيا قد زلزلت، فقلت: هذا ما ~~كنت أخافه. وإذا الباب قد فتح وإذا ms132 الخدم قد دخلوا والهادي في وسطهم على ~~دابته. فلما رأيته وثبت فقبلت يده ورجله وحافر فرسه. فقال لي: يا عبد الله ~~إني فكرت في أمرك فقلت: ربما سبق إلى ذهنك أني إذا شربت وحولي أعداؤك ~~أزالوا حسن رأيي فيك فيقلقك ذلك، فصرت إلى منزلك لأؤنسك وأعلمك أن ما كان ~~عندي من الحقد عليك قد زال جميعه، فهات وأطعمني مما كنت تأكل، لتعلم أني قد ~~تحرمت بطعاملك، فيزول خوفك. فأدنيت إليه من ذلك الرقاق الكامخ فأكل، ثم ~~قال: هاتوا ما - صحبناه لعبد الله. فدخل أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها. ~~فقال: هذه لك فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك لعلي أحتاج إليها ~~لبعض أسفاري. ثم انصرف. # ومن كلامه ما قاله لإبراهيم بن مسلم بن قتيبة، وقد مات له ولد، فجاء ~~الهادي يعزيه، وكان عنده بمنزلة عظيمة، فقال له: يا إبراهيم سرك ابنك، وهو ~~عدو وفتنة، وحزنك، وهو صلاة ورحمة. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين ما بقي ~~مني جزء فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء. # في أيامه خرج صاحب فخ، وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب، عليه السلام. # شرح كيفية الوقعة بفخ: كان الحسين بن علي من رجال بني هاشم وسادتهم ~~وفضلائهم ، وكان قد عزم على الخروج واتفق معه جماعة من أعيان أهل بيته، ثم ~~وقع من عامل المدينة تهضم لبعض آل علي، عليه السلام، فثار آل أبي طالب بسبب ~~ذلك، واجتمع إليهم ناس كثيرون وقصدوا دار الإمارة فتحصن منهم عاملها، ~~فكسروا السجون وأخرجوا من بها، وبويع الحسين بن علي، عليه السلام، ثم نمى ~~أمرهم، فأرسل إليهم محمد بن سليمان، وقالوا: سليمان بن المنصور في عسكر، ~~فالتقوا بموضع يقال له فخ بين مكة والمدينة، فاقتتلوا قتالا شديدا. ثم قتل ~~الحسين ابن علي، رضي الله عنه، وحمل رأسه إلى موسى الهادي، فلما وضع الرأس ~~بين يديه ، قال لمن أحضره : كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت، إن أقل ~~ما أجزيكم به حرمانكم. ولم يطلق لهم ms133 شيئا. وكان الحسين بن علي، رضي الله ~~عنه، صاحب فخ شجاعا كريما، قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار ففرقها ~~في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروا ما ~~تحته قميص، رضي الله عنه وسلم عليه. # موت الهادي: PageV01P071 ولم تطل مدة الهادي، فيقال: إن أمه الخيزران ~~أمرت جواريها بقتله ، فجلسوا على وجهه حتى مات. وسبب ذلك قد اختلف فيه، ~~فقيل: إن الخيزران كانت متبسطة في دولة المهدي تأمر وتنهي وتشفع وتبرم ~~وتنقض، والمواكب تروح وتغدو إلى بابها. فلما ولي الهادي وكان شديد الغيرة ~~كره ذلك، وقال لها: ما هذه المواكب التي تبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك ؟ ~~أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك! والله وإلا أنا نفي من ~~قرابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من ~~قوادي وخاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله. ثم قال لأصحابه: أيما خير أنا وأمي ~~أم أنتم وأمهاتكم ؟ قالوا: بل أنت وأمك. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال ~~بخبر أمه، فيقال : فعلت أم فلان وصنعت أم فلان؟ قالوا: لا نحب ذلك. قال: ~~فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها؟ فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها، ثم ~~بعث لها طعاما مسموما فلم تأكل منه ثم قتلته. # وقيل: بل السبب أن الهادي عزم على خلع أخيه هارون الرشيد والبيعة لابنه ~~جعفر، فخافت الخيزران على هارون وكانت تحبه ففعلت بالهادي ما فعلت. ومات ~~الهادي في سنة سبعين ومائة. والليلة التي مات فيها هي ليلة مات فيها خليفة ~~وجلس خليفة وولد خليفة. وقد كانوا يحدثون أنه سيكون ليلة كذلك، فالخليفة ~~الذي مات فيها هو الهادي، والذي جلس فيها على سرير الخلافة هو الرشيد، ~~والذي ولد فيها هو المأمون. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع بالخلافة استوزر الربيع بن يونس، وقد ~~سبق شرح طرف من سيرته ونسبه، ثم استوزره بعده إبراهيم بن دكوان الحراني. # وزارة إبراهيم بن دكوان الحراني: كان إبراهيم قد اتصل بالهادي في أيام ~~حداثته؛ ms134 كان يدخل إليه مع معلم كان يعلم الهادي، فخف إبراهيم على قلب ~~الهادي وألفه وصار لا يصبر عنه، ثم سعى به إلى المهدي فكره لابنه صحبته ~~فنهاه عنه فما انتهى، فتهدده بالقتل والهادي لا يباعده، فاشتدت به السعايات ~~إلى المهدي فأرسل إلى ابنه الهادي أن أرسل إلى إبراهيم الحراني وإلا خلعتك ~~من الخلافة. فأرسله إليه صحبة بعض خدمه مرفها ، فوصل إليه والمهدي يريد ~~الركوب إلى الصيد، فلما رآه قال: يا إبراهيم، والله لأقتلنك والله لأقتلنك ~~والله لأقتلنك! ثم قال: احفظوه حتى أعود من الصيد. فأقبل على الدعاء ~~والتضرع. فاتفق أن المهدي أكل الطعام المسموم، كما تقدم شرحه، فمات من ~~ساعته، وتخلص الحراني، وجلس الهادي على سرير الخلافة، ثم بعد ذلك بمديدة ~~استوزر الحراني، ولم تطل الأيام حتى مات الهادي. # انقضت أيام الهادي ووزرائه. # ثم ملك بعده أخوه هارون الرشيد # خلافة هارون الرشيد # بويع بالخلافة سنة سبعين ومائة كان الرشيد من أفاضل الخلفاء وفصحائهم ~~وعلمائهم وكرمائهم، كان يحج سنة ويغزو، كذلك مدة خلافته إلا سنين قليلة. ~~قالوا: وكان يصلي في كل يوم سنة مائة ركعة، وحج ماشيا ولم يحج خليفة ماشيا ~~غيره، وكان إذا حج معه مائة من الفقهاء وأبناؤهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة ~~رجل بالنفقة السابقة والكسوة الظاهرة. وكان يشتبه في أفعاله بالمنصور إلا ~~في بذل المال، فإنه لم ير خليفة أسمح منه بالمال، وكان لا يضيع عنده إحسان ~~محسن ولا يؤخر، وكان يحب الشعر والشعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه ويكره ~~المراء في الدين، وكان يحب المديح لاسيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه. # قال الأصمعي: صنع الرشيد طعاما وزخرف مجالسه وأحضر أبا العتاهية وقال له: ~~صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا. فقال أبو العتاهية: # عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور # فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال: # يسعى عليك بما اشتهي ... ت لدى الرواح أو البكور # فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال: # فإذا النفوس تقعقعت ... في ظل حشرجة الصدور # فهناك تعلم موقنا ... ما ms135 كنت إلا في غرور PageV01P072 فبكى الرشيد، فقال ~~الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فحزنته! فقال الرشيد: دعه ~~فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا منه. وكان الرشيد يتواضع للعلماء. قال أبو ~~معاوية الضرير، وكان من علماء الناس: أكملت مع الرشيد يوما فصب على يدي ~~الماء رجل، فقال لي: يا أبا معاوية ! أتدري من صب الماء على يديك؟ فقلت: لا ~~يا أمير المؤمنين. قال: أنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا إجلالا ~~للعلم؟ قال: نعم في أيامه خرج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن شرح كيفية ~~الحال في خروج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن ابن علي بن أبي طالب، عليه ~~السلام: كان يحيى بن عبد الله قد خاف مما جرى على أخويه النفس الزكية ~~وإبراهيم قتيل باخمري، فمضى إلى الديلم فاعتقدوا فيه استحقاق الإمامة ~~وبايعوه، واجتمع إليه الناس من الأمصار وقويت شوكته، فاغتم الرشيد لذلك ~~وندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفا وولاه جرجان وطبرستان والري وغير ~~ذلك، فتوجه يحيى بالجنود، فلطف بيحيى بن عبد الله وحذره وخوفه ورغبه، فمال ~~يحيى إلى الصلح وطلب أمانا بخط الرشيد وأن يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء ~~وجلة بني هاشم. فأجابه الرشيد إلى ذلك وسر به وكتب له أمانا بليغا بخطه ~~وشهد عليه فيه القضاة والفقهاء ومشايخ بني هاشم وسير الأمان مع هدايا وتحف، ~~فقدم يحيى مع الفضل فلقيه الرشيد في أول الأمر بكل ما أحب ثم حبسه عنده، ~~واستفتى الفقهاء في نقض الأمان، فمنهم من أفتى بصحته فحاجه، ومنهم من أفتى ~~ببطلانه فأبطله، ثم قتله بعد ظهور آية له عظيمة. # شرح الآية التي ظهرت في قضية يحيى بن عبد الله: حضر رجل من آل الزبير بن ~~العوام عند الرشيد، وسعى بيحيى، وقال إنه بعد الأمان فعل وصنع، ودعا الناس ~~إلى نفسه، فأحضره الرشيد من محبسه، وجمع بينه وبين الزبيري، وسأله عن ذلك، ~~فأنكر، فوافقه الزبيري. فقال له يحيى: إن كنت صادقا فاحلف. فقال الزبيري: ~~والله ms136 الطالب الغالب، وأراد أن يتمم اليمين. فقال له يحيى: دع هذه اليمين، ~~فإن الله تعالى إذا مجده العبد لم يعجل عقوبته، ولكن احلف له بيمين ~~البراءة، وهي يمين عظمى، صورتها أن يقول عن نفسه: برىء من حول الله وقوته، ~~ودخل في حول نفسه وقوتها إن كان كذا وكذا. فلما سمع الزبيري هذه اليمين ~~ارتاع لها وقال: ما هذه اليمين الغريبة! وامتنع من الحلف بها. فقال له ~~الرشيد: ما معنى امتناعك إن كنت صادقا فيما تقول؟ فما خوفك من هذه اليمين؟ ~~فحلف بها، فما خرج من المجلس حتى ضرب برجله ومات. # وقيل ما انقضى النهار حتى مات، فحملوه إلى القبر وحطوه فيه، وأرادوا أن ~~يطموا القبر بالتراب، فكانوا كلما جعلوا التراب فيه ذهب التراب ولا ينطم ~~القبر، فعلموا أنها آية سماوية، فسقفوا القبر وراحوا. وإلى ذلك أشار أبو ~~فراس بن حمدان في ميميته بقوله: # يا جاهدا في مساويهم يكتمها ... غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم # ذاق الزبيري غب الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهم # ومع ظهور مثل هذه الآية العظيمة قتل يحيى في الحبس شر قتلة. # وكانت دولة الرشيد من أحسن الدول وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا، وأوسعها ~~رقعة مملكة، جبى الرشيد معظم الدنيا، وكان أحد عماله صاحب مصر، ولم يجتمع ~~على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتاب ~~والندماء والمغنين ما اجتمع على باب الرشيد، وكان يصل كل واحد منهم أجزل ~~صلة ويرفعه إلى أعلى درجة. وكان فاضلا شاعرا راوية للأخبار والآثار ~~والأشعار، صحيح الذوق والتمييز مهيبا عند الخاصة والعامة. # قبض على موسى بن جعفر، عليهما السلام، وأحضره في قبة إلى بغداد فحبسه ~~بدار السندي بن شاهك، ثم قتل وأظهر أنه مات حتف أنفه. # قتل موسى بن جعفر: شرح كيفية الحال في ذلك: كان بعض حساد موسى بن جعفر من ~~أقاربه قد وشى به إلى الرشيد وقال له: إن الناس يحملون إلى موسى خمس ~~أموالهم، ويعتقدون إمامته، وإنه على عزم الخروج عليك، وكثر في القول. فوقع ~~ذلك عند الرشيد ms137 بموقع أهمه وأقلقه، ثم أعطى الواشي مالا أحاله به على ~~البلاد، فلم يستمتع به، وما وصل المال من البلاد إلا وقد مرض مرضة شديدة ~~ومات فيها. PageV01P073 وأما الرشيد فإنه حج في تلك السنة. فلما ورد ~~المدينة قبض على موسى ابن جعفر، عليهما السلام، وحمله في قبة إلى بغداد ~~فحبسه عند السندي بن شاهك، وكان الرشيد بالرقة فأمر بقتله، فقتل قتلا خفيا. ~~ثم أدخلوا عليه جماعة من العدول بالكرخ ليشاهدوه إظهارا أنه مات حتف أنفه، ~~صلوات الله عليه وسلامه. # موت الرشيد: ومات الرشيد بطوس، وكان خرج إلى خراسان لمحاربة رافع بن ~~الليث بن نصر بن سيار، وكان هذا رافع قد خرج وخلع الطاعة وتغلب على سمرقند ~~وقتل عاملها وملكها وقويت شوكته، فخرج الرشيد بنفسه إليه فمات بطوس في سنة ~~ثلاث وتسعين ومائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع بالخلافة استوزر كاتبه، قبل الخلافة، ~~يحيى بن خالد بن برمك، وظهرت دولة بني برمك مذ حينئذ. # شرح أحوال الدولة البرمكية وذكر مبدئها ومآلها: كانوا قديما على دين ~~المجوس، ثم أسلم من أسلم منهم، وحسن إسلامهم، وقد ذكرنا وزارة جدهم خالد بن ~~برمك في أيام المنصور، ونذكر هاهنا وزارة الباقين. وقبل الخوض في ذلك، فهذه ~~كلمات تعرف منها نبذة من أحوال هذه الدولة. # اعلم أن هذه الدولة كانت غرة في جبهة الدهر، وتاجا على مفرق العصر. ضربت ~~بمكارمها الأمثال، وشدت إليها الرحال، ونيطت بها الآمال. وبذلت لها الدنيا ~~أفلاذ أكبادها، ومنحتها أوفر إسعادها. فكان يحيى وبنوه كالنجوم زاهرة، ~~والبحور زاخرة، والسيول دافعة، والغيوث ماطرة، أسواق الآداب عندهم نافقة، ~~ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية. والدنيا في أيامهم عامرة. وأبهة المملكة ~~ظاهرة. وهم ملجأ اللهف، ومعتصم الطريد، ولهم يقول أبو نواس: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد # ذكر وزارة يحيى بن خالد للرشيد: لما جلس الرشيد على سرير المملكة استوزر ~~يحيى بن خالد بن برمك، وكان كاتبه ونائبه ووزيره قبل الخلافة. فنهض يحيى بن ~~خالد بأعباء الدولة أتم نهوض، وسد ms138 الثغور وتدارك الخلل، وجبى الأموال وعمر ~~الأطراف وأظهر رونق الخلافة، وتصدى لمهمات المملكة. وكان كاتبا بليغا لبيبا ~~أديبا سديدا صائب الآراء حسن التدبير، ضابطا لما تحت يده قويا على الأمور ~~جوادا يباري الريح كرما وجودا ممدحا بكل لسان، حليما عفيفا وقورا مهيبا، ~~وله يقول القائل: # لا تراني مصافحا كف يحيى ... إنني إن فعلت ضيعت مالي # لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال # ومن آراء يحيى السديدة ما قاله للهادي وقد عزم على أن يخلع أخاه هارون من ~~الخلافة ويبايع لابنه جعفر بن الهادي، وكان يحيى كاتب الرشيد، وهو يترجى أن ~~يتولى هارون الخلافة فيصير هو وزير الدولة، فخلا الهادي بيحيى، ووهب له ~~عشرين ألف دينار وحادثه في خلع هارون أخيه والمبايعة لجعفر ابنه، فقال له ~~يحيى: يا أمير المؤمنين، إن فعلت حملت الناس على نكث الأيمان ونقض العهود، ~~وتجرأ الناس على مثل ذلك، ولو تركت أخاك هارون على ولاية العهد ثم بايعت ~~لجعفر بعده كان ذلك أوكد على بيعته. فترك الهادي مدة ثم غلب عليه حب الولد ~~فأحضر يحيى مرة ثانية وفاوضه في ذلك. فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين لو ~~حدث بك حادث الموت وقد خلعت أخاك وبايعت لابنك جعفر وهو صغير دون البلوغ ~~أفترى كانت خلافته تصح وكان مشايخ بني هاشم يرضون ذلك ويسلمون الخلافة ~~إليه؟ قال: لا. قال يحيى: فدع هذا الأمر حتى تأتيه عفوا، ولو لم يكن المهدي ~~بايع لهارون لوجب أن تبايع أنت له لئلا تخرج الخلافة من بني أبيك. فصوب ~~الهادي رأيه، وكان الرشيد بعد ذلك يرى هذه من أعظم أيادي يحيى بن خالد ~~عنده. # ومن مكارمه: قيل: إن الرشيد لما نكب البرامكة واستأصل شأفتهم حرم على ~~الشعراء أن يرثوهم، وأمر بالمؤاخذة على ذلك. فاجتاز بعض الحرس ببعض الخربات ~~فرأى إنسانا واقفا وفي يده رقعة فيها شعر يتضمن رثاء البرامكة، وهو ينشده ~~ويبكي، فأخذه الحرس فأتى به إلى الرشيد وقص عليه الصورة. فاستحضره الرشيد ~~وسأله عن ذلك، فاعترف به. فقال له الرشيد: ms139 أما سمعت تحريمي لرثائهم؟ لأفعلن ~~بك ولأصنعن. فقال: يا أمير المؤمنين إن أذنت لي في حكاية حالي حكيتها، ثم ~~بعد ذلك أنت ورأيك. قال: قل. PageV01P074 قال: إني كنت من أصغر كتاب يحيى ~~بن خالد وأرقهم حالا، فقال لي يوما: أريد أن تضيفني في دارك يوما. فقلت: يا ~~مولانا أنا دون ذلك، وداري لا تصلح لهذا. قال: لا - بد من ذلك. قلت: فإن ~~كان لا - بد فأمهلني مدة حتى أصلح شأني ومنزلي ثم بعد ذلك أنت ورأيك. قال: ~~كم أمهلك؟ قلت: سنة. قال: كثير. قلت: فشهورا. قال: نعم. فمضيت وشرعت في ~~إصلاح المنزل وتهيئة أسباب الدعوة. فلما تهيأت الأسباب أعلمت الوزير بذلك. ~~فقال: نحن غدا عندك. فمضيت وتهيأت في الطعام والشراب وما يحتاج إليه، فحضر ~~الوزير في غد ومعه ابناه جعفر والفضل وعدة يسيرة من خواص أتباعه، فنزل عن ~~دابته ونزل ولداه جعفر والفضل، وقال: يا فلان أنا جائع فعجل لي بشيء. فقال ~~له الفضل ابنه: الوزير يحب الفراريج المشوية فعجل منها ما حضر. فدخلت ~~وأحضرت منها شيئا، فأكل الوزير ومن معه، ثم قام يتمشى في الدار وقال: يا ~~فلان فرجنا في دارك. فقلت : يا مولانا هذه هي داري ليس لي غيرها. قال: بلى ~~لك غيرها. قلت: والله ما أملك سواها. فقال: هاتوا بناء. فلما حضر قال له: ~~افتح في هذا الحائط بابا. فمضى ليفتح، فقلت: يا مولانا! كيف يجوز أن يفتح ~~باب إلى بيوت الجيران والله أوصى بحفظ الجار؟ قال: لا بأس في ذلك. # ثم فتح الباب، فقام الوزير وأبناؤه فدخلوا فيه وأنا معهم فخرجوا منه إلى ~~بستان حسن كثير الأشجار، والماء يتدفق فيه، وبه من المقاصير والمساكن ما ~~يروق كل ناظر، وفيه من الآلات والفرش والخدم والجواري كل جميل بديع. فقال: ~~هذا المنزل وجميع ما فيه لك. # فقبلت يده ودعوت له، وتحققت القصة فإذا هو من يوم حادثني في معنى الدعوة ~~قد أرسل واشترى الأملاك المجاورة لي وعمرها دارا حسنة، ونقل إليها من كل ~~شيء وأنا لا أعلم. وكنت ms140 أرى العمارة فأحسبها لبعض الجيران. # فقال لابنه جعفر: يا بني هذا منزل وعيال، فالمادة من أين تكون له؟ قال ~~جعفر: قد أعطيته الضيعة الفلانية بما فيها وسأكتب له بذلك كتابا. فالتفت ~~إلى ابنه الفضل وقال له: يا بني فمن الآن إلى أن يدخل دخل هذه الضيعة ما ~~الذي ينفق؟ فقال الفضل: علي عشرة آلاف دينار أحملها إليه. فقال: فعجلا له ~~ما قلتما. فكتب لي جعفر بالضيعة، وحمل الفضل إلي المال، فأثريت وارتفعت ~~حالي، وكسبت بعد ذلك معه مالا طائلا أنا أتقلب فيه إلى اليوم، فوالله يا ~~أمير المؤمنين ما أجد فرصة أتمكن فيها من الثناء عليهم والدعاء لهم إلا ~~انتهزتها مكافأة لهم على إحسانهم، ولن أقدر على مكافأته، فإن كنت قاتلي على ~~ذلك فافعل ما بدا لك! فرق الرشيد لذلك وأطلقه وأذن لجميع الناس في رثائهم. # قيل: إن هارون الرشيد حج ومعه يحيى بن خالد بن برمك ومعه ولداه الفضل ~~وجعفر. فلما وصلوا إلى مدينة الرسول، صلوات الله عليه، جلس الرشيد ومعه بن ~~يحيى فأعطيا الناس، وجلس الأمين ومعه الفضل بن يحيى فأعطيا الناس، وجلس ~~المأمون ومعه جعفر فأعطيا الناس، فأعطوا في تلك السنة ثلاث أعطيات ضربت ~~بكثرتها الأمثال، وكانوا يسمونه عام الأعطيات الثلاث، وأثرى الناس بسبب ~~ذلك؛ وفي ذلك يقول الشاعر: # أتانا بنوا الآمال من آل برمك ... فيا طيب أخبار ويا حسن منظر # لهم رحلة في كل عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المستر # إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى جعفر # فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى ... بمكة ما تمحو ثلاثة أقمر # فما خلقت إلا لجود أكفهم، ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر # إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه ... وناهيك من راع له ومدبر # كان يحيى يقول: ما خاطبني أحد إلا هبته حتى يتكلم، فإذا تكلم كان بين ~~اثنتين، إما أن تزيد هيبته أو تضمحل. # وكان يقول: المواعيد شباك الكرام يصيدون بها محامد الأحرار. # كان يحيى إذا ركب يعد صررا، في كل صرة مائتا درهم يدفعها إلى المتعرضين ms141 ~~له. # سيرة ولد الفضل بن يحيى: كان الفضل من كرام الدنيا وأجواد أهل عصره، وكان ~~قد أرضعته أم هارون الرشيد وأرضعت أمه الرشيد، وفي ذلك يقول مروان بن أبي ~~حفصة: # كفى لك فخرا أن أكرم حرة ... غذتك، بثدي، والخليفة، واحد # لقد زنت يحيى في المشاهد كلها ... كما زان يحيى خالدا في المشاهد ~~PageV01P075 ولاه الرشيد خراسان، فخرج إليه أبو الهول الشاعر مادحا معتذرا ~~من شعر كان هجاه به، فأنشده: # سرى نحوه من غضبة الفضل عارض ... له لجة فيها البوارق والرعد # وكيف ينام الليل ملق فراشه ... على مدرج يعتاده الأسد الورد # ومالي إلى الفضل بن يحيى بن خالدمن الجرم ما يخشى على مثله الحقد # فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد # فقال له الفضل: لا أحتمل تفريقك بين رضاي وإحساني وهما مقرونان فإن ~~أردتهما معا وإلا فدعهما معا. ثم وصله ورضي عنه. # حدث إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: كنت قد ربيت جارية حسنة الوجه وثقفتها ~~وعلمتها حتى برعت، ثم أهديتها إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: يا إسحق إن رسول ~~صاحب مصر قد ورد إلي يسألني حاجة اقترحها عليه، فدع هذه الجارية عندك فإنني ~~سأطلبها وأعلمه أني أريدها، فإنه سوف يحضر إليك ويساومك فيها فلا تأخذ فيها ~~أقل من خمسين ألف دينار. # قال إسحق: فمضيت بالجارية إلى منزلي، فجاء إلي رسول صاحب مصر وسألني عن ~~الجارية، فأخرجتها إليه، فبذل فيها عشرة آلاف دينار فامتنعت، فصعد إلى ~~عشرين ألف دينار فامتنعت، فصعد إلى ثلاثين ألف دينار، فما ملكت نفسي حتى ~~قلت له: بعتك، وسلمت الجارية إليه وقبضت منه المال. ثم إنني أتيت من الغد ~~إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: يا إسحق بكم بعت الجارية؟ قلت: بثلاثين ألف ~~دينار. قال: ألم أقل لك لا تأخذ منه أقل من خمسين ألفا؟ قلت: فداك أبي ~~وأمي، والله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفا. فتبسم ثم قال: إن ~~رسول صاحب الروم قد سألني أيضا حاجة وسأقترح عليه هذه الجارية وأدله ms142 عليك، ~~فخذ جاريتك وانصرف إلى منزلك فإذا ساومك فيها فلا تأخذ منه أقل من خمسين ~~ألف دينار. # فأخذت الجارية وانصرفت إلى منزلي، فأتاني رسول صاحب الروم وساومني في ~~الجارية فطلبت خمسين ألفا. فقال: هذا كثير ولكن تأخذ مني ثلاثين ألفا. ~~فوالله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفا حتى قلت له: قد بعتك. ثم ~~قبضت المال منه وسلمت الجارية إليه. ومضيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، ~~فقال: ما صنعت؟ وبكم بعت الجارية يا إسحق؟ قلت: بثلاثين ألفا. قال: سبحان ~~الله! ما أوصيتك ألا تأخذ فيها أقل من خمسين ألفا؟ قلت: جعلت فداك، والله ~~إني لما سمعت قوله ثلاثين ألفا استرخت جميع أعضائي. فضحك وقال: خذ جاريتك ~~واذهب إلى منزلك ففي غد يجيء إليك رسول صاحب خراسان فقو نفسك ولا تأخذ منه ~~أقل من خمسين ألفا. # قال إسحق: فأخذت الجارية ومضيت إلى منزلي، فجاءني رسول صاحب خراسان ~~وساومني فيها، فطلبت خمسين ألفا. فقال لي: هذا كثير ولكن تأخذ ثلاثين ألفا، ~~فقويت نفسي وامتنعت، فصعد معي إلى أربعين ألف دينار، فكاد عقلي يذهب من ~~الفرح ولم أتمالك أن قلت له: بعتك، فأحضر المال وأقبضنيه وسلمت الجارية ~~إليه. ومضيت من الغد إلى الفضل، فقال لي: يا إسحق بكم بعت الجارية؟ قلت: ~~بأربعين ألفا، ووالله لما سمعتها منه كاد عقلي يذهب، وقد حصل عندي، جعلت ~~فداك، مائة ألف دينار ولم يبق لي أمل، فأحسن الله جزاءك. # فأمر بالجارية فأخرجت إلي، وقال: يا إسحق خذ جاريتك وانصرف. قال إسحق ~~فقلت: هذه الجارية، والله، أعظم الناس بركة فأعتقتها وتزوجتها فولدت لي ~~أولادي. # قيل: إن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~حضر يوما عند الفضل بن يحيى ومعه سفط فيه جوهر، وقال له: إن حاصلي قد قصر ~~عما أحتاج إليه، وقد علاني دين مبلغه ألف ألف درهم، وإني أستحي أن أعلم ~~أحدا بذلك، وآنف أن أسأل أحدا من التجار أن يقرضني ذلك وإن كان معي رهن يفي ~~بالقيمة، ms143 وأنت، أبقاك الله، لك تجار يعاملونك، وأنا أسألك أن تقترض لي من ~~أحدهم هذا المبلغ وتعطيه هذا الرهن. فقال له الفضل: السمع والطاعة، ولكن ~~نجح هذه الحاجة أن تقيم عندي هذا اليوم. فأقام عنده. ثم إن الفضل أخذ السفط ~~منه وهو مختوم بختمه، وأرسل معه ألف ألف درهم ونفذ الدراهم والسفط إلى ~~منزله وأخذ خط وكيله بقبضه. وأقام محمد في دار الفضل إلى آخر النهار، ثم ~~انصرف إلى داره فوجد السفط ومعه ألف ألف درهم، فسر بذلك سرورا عظيما. ~~PageV01P076 فلما كان من الغد بكر إلى الفضل ليشكره على ذلكب، فوجده قد بكر ~~إلى دار الرشيد، فمضى محمد إلى دار الرشيد. فلما علم الفضل به خرج من باب ~~آخر ومضى إلى دار أبيه، فمضى محمد إليه فحين علم به خرج بباب آخر ومضى إلى ~~منزله، فمضى محمد إليه واجتمع به وشكره على فعله، وقال له: إني بكرت إليك ~~لأشكرك على إحسانك. فقال له الفضل: إني فكرت في أمرك فرأيت أن هذه الألف ~~ألف التي حملتها أمس إليك تقضي بها دينك ثم تحتاج فتقترض، فبعد قليل يعلوك ~~مثلها، فبكرت اليوم إلى أمير المؤمنين وعرضت عليه حالك وأخذت لك مائة ألف ~~ألف درهم أخرى، ولما حضرت إلى أمير المؤمنين خرجت أنا بباب آخر، وكذلك فعلت ~~لما حضرت إلى باب أبي لأني ما كنت أوثر أن ألقاك حتى يحمل المال إلى منزلك، ~~وقد حمل. # قال له محمد: بأي شيء أجازيك على هذا الإحسان؟ ما عندي شيء أجازيك به إلا ~~أني ألتزم بالأيمان المؤكدة وبالطلاق والعتاق والحج أني ما أقف على باب ~~غيرك ولا أسأل سواك. قالوا: وحلف محمد أيمانا مؤكدة وكتب بها خطه وأشهد بها ~~عليه أنه لا يقف بباب غير الفضل بن يحيى. فلما ذهبت دولة البرامكة وتولى ~~الفضل بن الربيع الوزارة بعدهم احتاج محمد. فقالوا له: لو ركبت إلى الفضل ~~بن الربيع. فلم يفعل، والتزم باليمين فلم يركب إلى أحد ولم يقف على باب أحد ~~حتى مات. # سيرة جعفر بن يحيى البرمكي: ms144 كان جعفر بن يحيى فصيحا لبيبا ذكيا فطنا ~~كريما حليما، وكان الرشيد يأنس به أكثر من أنسه بأخيه الفضل لسهولة أخلاق ~~جعفر وشراسة أخلاق الفضل. قال الرشيد يوما ليحيى: يا أبي! ما بال الناس ~~يسمون الفضل الوزير الصغير ولا يسمون جعفرا بذلك؟ فقال يحيى: لأن الفضل ~~يخلفني. قال: فضم إلى جعفر أعمالا كأعمال الفضل. فقال يحيى: إن خدمتك ~~ومنادمتك تشغلانه عن ذلك. فجعل إليه أمر دار الرشيد فسمي بالوزير الصغير ~~أيضا. # قال الرشيد يوما ليحيى: قد أحببت أن أنقل ديوان الخاتم من الفضل إلى جعفر ~~وقد استحييت من مكاتبته في هذا المعنى، فاكتب أنت إليه. # فكتب يحيى إلى الفضل: قد أمر أمير المؤمنين، أعلى الله أمره، أن تحول ~~الخاتم من يمينك إلى شمالك. فأجابه الفضل: قد سمعت لما أمر به أمير ~~المؤمنين في أخي، وما انتقلت عني نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت ~~عليه فقال جعفر: لله در أخي ما أكيس نفسه وأظهر دلائل الفضل عليه وأقوى منة ~~العقل عنده وأوسع في البلاغة ذرعه. # قيل: إن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يوما للشرب وأحب الخلوة فأحضر ندماءه ~~الذين يأنس بهم مجلس معهم، وقد هيء المجلس ولبسوا الثياب المصبغة. وكانوا ~~إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو لبسوا الثياب الحمر والصفر والخضر. ثم إن ~~جعفر بن يحيى تقدم إلى الحاجب ألا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من ~~الندماء كان قد تأخر عنهم اسمه الملك بن صالح. ثم جلسوا يشربون ودارت ~~الكاسات وخفقت العيدان. # وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله ~~ابن العباس، وكان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان الرشيد قد التمس منه أن ~~ينادمه ويشرب معه، وبذل له على ذلك أموالا جليلة فلم يفعل، فاتفق أن هذا ~~عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظن ~~الحاجب أنه هو عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر بن يحيى بالإذن له وألا ~~يدخل ms145 غيره، فأذن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح العباسي على جعفر ابن ~~يحيى. فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت ~~على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضا للقصة وظهر له ~~الخجل في وجه جعفر بن يحيى. فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم، أحضروا ~~لنا من هذه الثياب المصبغة شيئا. فأحضر له قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط ~~جعفربن يحيى ويمازحه وقال اسقونا من شرابكم فسقوه رطلا وقال :ارفعوا بنا ~~فليس لنا بهذا ثم باسطهم ومازحهم ومازال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال ~~انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحا شديدا وقال له: ما حاجتك؟ قال: جئت، ~~أصلحك الله، في ثلاث حواشج أريد أن تخاطب الخليفة فيها، أولها أن علي دينا ~~مبلغه ألف ألف درهم أريد قضاءه، وثانيهما أريد ولاية لابني يشرف بها قدره، ~~وثالثها أريد أن تزوج ولدي بابنة الخليفة فإنها بنت عمه وهو كفء لها. ~~PageV01P077 فقال له جعفر بن يحيى: قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث، أما ~~المال ففي هذه الساعة يحمل إلى منزلك، وأما الولاية فقد وليت ابنك مصر، ~~وأما الزواج فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا ~~وكذا، فانصرف في أمان الله. # فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد حضر جعفر ~~عند الرشيد وعرفه ما جرى، وأنه قد ولاه مصر وزوجه ابنته ، فعجب الرشيد من ~~ذلك وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له التقليد ~~بمصر وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد. # وقيل: إن جعفر بن يحيى كان بينه وبين صاحب مصر عداوة ووحشة، وكان كل ~~منهما مجانبا للآخر، فزور بعذ الناس كتابا عن لسان جعفر بن يحيى إلى صاحب ~~مصر، مضمونه أن حامل هذا الكتاب من أخص أصحابنا وقد آثر التفرج على الديار ~~المصرة فأريد أن تحسن الالتفات إليه، وبالغ في الوصية، ثم أخذ الكتاب ومضى ~~إلى مصر وعرضه على صاحبها. فلما وقف ms146 عليه تعجب منه وفرح به إلا أنه حصل ~~عنده ارتياب وشك في الكتاب، فأكرم الرجل وأنزله في دار حسنة وأقام له ما ~~يحتاج إليه وأخذ الكتاب منه وأرسله إلى وكيله ببغداد وقال له: قد وصل شخص ~~من أصحاب الوزير بهذا الكتاب، وقد ارتبت به، فأريد أن تتفحص لي عن حقيقة ~~الحال في ذلك، وهل هذا خط الوزير أم لا؟ وأرسل كتاب الوزير صحبة مكتوبة إلى ~~وكيله. # فجاء الوكيل إلى وكيل الوزير وحدثه بالقصة وأراه الكتاب، فأخذه وكيل ~~الوزير ودخل إلى الوزير وعرفه الحال، فلما وقف جعفر بن يحيى على الكتاب علم ~~أنه مزور عليه، وكان عنده جماعة من ندمائه ونوابه فرمى الكتاب عليهم، وقال ~~لهم: أهذا خطي؟ فتأملوه وأنكروه كلهم وقالوا: هذا مزور على الوزير. فعرفهم ~~صورة الحال وأن الذي زور هذا الكتاب موجود بمصر عند صاحبها، وأنه ينتظر عود ~~الجواب بتحقيق حاله، وقال لهم : ما ترون وكيف ينبغي أن نفعل في هذا؟ فقال ~~بعضهم: ينبغي أن يقتل هذا الرجل حتى تنحسم هذه المادة ولا يرجع أحد يتجرى ~~على مثل هذا الفعل. وقال آخر: ينبغي أن تقطع يمينه التي زور بها هذا الخط. ~~وقال آخر: ينبغي أن يوجع ضربا ويطلق حال سبيله. وكان أحسنهم محضرا من قال: ~~ينبغي أن تكون عقوبته على هذا الفعل حرمانه وأن يعرف صاحب مصر بحاله ~~ليحرمه، فيكفيه من العقوبة أنه قد قطع هذه المسافة البعيدة من بغداد إلى ~~مصر ثم يرجع خائبا. # فلما فرغوا من حديثهم قال جعفر: سبحان الله! أليس فيكم رجل شديد؟ قد ~~علمتم ما كان بيني وبين صاحب مصر من العداوة والمجانبة، وأن كل واحد منا ~~كانت تمنعه عزة النفس أن يفتح باب الصلح، فقد قيض الله لنا رجلا فتح بيننا ~~باب المصالحة والمكاتبة وأزال بيننا تلك العداوة ، فكيف يكون جزاؤه ما ~~ذكرتم من الإساءة؟ ثم أخذ القلم وكتب على ظاهر الكتاب إلى صاحب مصر: سبحان ~~الله! كيف حصل لك الشك في خطي؟ هذا خط يدي والرجل من أعز أصحابي وأريد أن ms147 ~~تحسن إليه وتعيده إلي سريعا فإني مشتاق إليه، محتاج إلى حضوره. # فلما وصل الكتاب وفي ظاهره خط الوزير إلى صاحب مصر كاد يطير من الفرح، ~~وأحسن إلى الرجل غاية الإحسان وواصله بمال كثير وتحف جميلة. # ثم إن الرجل رجع إلى بغداد وهو أحسن الناس حالا فحضر إلى مجلس جعفر ابن ~~يحيى. فلما دخل سلم عليه ووقع يقبل الأرض ويبكي، فقال له جعفر: من أنت يا ~~أخي؟ قال: يا مولانا أنا عبدك وصنيعتك المزور الكذاب المتجري! فعرفه جعفر ~~وبش به وأجلسه بين يديه وسأله عن حاله، وقال له: كم وصل إليك منه؟ فقال: ~~مائة ألف دينار. فاستقلها جعفر وقال: لازمنا حتى نضاعفها لك. فلازمه مدة ~~فكسب معه مثلها. # ومازالت دولة البرامكة في علو وارتفاع وتزايد حتى انحرفت عنهم الدنيا. # أمارة تدل على انحراف دولتهم: PageV01P078 حدث بختيشوع الطبيب قال: دخلت ~~يوما على الرشيد وهو جالس في قصر الخلد في مدينة السلام، وكان البرامكة ~~يسكنون بحذائه من الجانب الآخر، وبينهم وبينه عرض دجلة، قال: فنظر الرشيد ~~فرأى اعتراك الخيول وازدحام الناس على باب يحيى بن خالد، فقال: جزى الله ~~يحيى خيرا، تصدى للأمور وأراحني من الكد ووفر أوقاتي على اللذة. ثم دخلت ~~عليه بعد أوقات، وقد شرع يتغير عليهم، فنظر فرأى الخيول كما رآها تلك ~~المرة، فقال: استبد يحيى بالأمور دوني، فالخلافة على الحقيقة له وليس لي ~~منها إلا اسمها. قال: فعلمت أنه سينكبهم، ثم نكبهم عقيب ذلك. # شرح السبب في نكبة البرامكة وكيفية الحال في ذلك: اختلف أصحاب السير ~~والتواريخ في السبب في ذلك. فقيل: إن الرشيد ما كان يصبر عن أخته عباسة ولا ~~- عن جعفر بن يحيى، فقال له: أزوجكها حتى يحل لك النظر إليها، ثم لا ~~تقربها. فكان يجتمعان وهما شابان ثم يقوم الرشيد عنهما، ويخلوان بأنفسهما، ~~فجامعها جعفر فحبلت منه وولدت ولدين وكتمت الأمر في ذلك حتى علم الرشيد ~~فكان ذلك سبب نكبة البرامكة. # وقيل: كان سبب ذلك أن الرشيد كلف جعفر بن يحيى قتل رجل من آل أبي ms148 طالب ~~فتحرج جعفر من ذلك وأطلق الطالبي، وسعي إلى الرشيد بجعفر. فقال له: ما فعل ~~الطالبي؟ قال: هو في الحبس. قال الرشيد: بحياتي؟ ففطن جعفر فقال: لا، ~~وحياتك! ولكن أطلقته لأني علمت أنه ليس عنده مكروه. فقال له الرشيد: نعم ما ~~فعلت! فلما قام جعفر قال الرشيد: قتلني الله إن لم أقتلك. ثم نكبهم. # وقيل: إن أعداء البرامكة مثل الفضل بن الربيع مازالوا يسعون بهم إلى ~~الرشيد، ويذكرون له استبدادهم بالملك واحتجانهم للأموال حتى أوغروا صدره ~~فأوقع بهم. # وقيل: إن جعفرا والفضل ابني يحيى بن خالد ظهر منهما من الإدلال ما لا ~~تحتمله نفوس الملوك فنكبهم لذلك. # وقيل: إن يحيى بن خالد رئي، وهو بمكة، يطوف حول البيت ويقول: اللهم إن ~~كان رضاك في أن تسلبني نعمتك عندي وتسلبني أهلي ومالي وولدي فاسلبني إلا ~~الفضل ولدي، ثم ولى. فلما مشى قليلا عاد وقال: يا رب إنه سمج بمثلي أن ~~يستثني عليك، اللهم والفضل! فنكبهم الرشيد بعد قليل. # شرح مقتل جعفر بن يحيى والقبض على أهله: كان الرشيد قد حج، فلما عاد من ~~الحج سار من الحيرة إلى الأنبار في السفن، وركب جعفر بن يحيى إلى الصيد ~~وجعل يشرب تارة ويلهو أخرى وتحف الرشيد وهداياه تأتيه، وعنده بختيشوع ~~الطبيب وأبو ذكار الأعمى يغنيه. فلما أظل المساء دعا الرشيد مسرورا الخادم، ~~وكان مبغضا لجعفر، وقال: اذهب فجئني برأس جعفر ولا تراجعني. فوافاه مسرور ~~بغير إذن وهجم عليه وأبو ذكار يغنيه: # فلا تبعد فكل فتى سيأتيعليه الموت يطرق أويغادي # فلما دخل مسرور قال له جعفر بن يحيى: لقد سررتني بمجيئك وسوءتني بدخولك ~~علي بغير إذن. فقال: الذي جئت له أعظم، أجب أمير المؤمنين إلى ما يريد بك. ~~فوقع على رجليه فقبلهما، وقال له: عاود أمير المؤمنين فإن الشراب قد حمله ~~على ذلك، وقال: دعني أدخل داري فأوصي! فقال: الدخول لا سبيل إليه، وأما ~~الوصية فأوص بما بدا لك؛ فأوصى. ثم حمله إلى منزل الرشيد وعدل به إلى قبة ~~وضرب عنقه، وأتى برأسه على ms149 ترس إلى الرشيد وببدنه في نطع. ووجه الرشيد فقبض ~~على أبيه وإخوته وأهل وأصحابه وحبسهم بالرقة واستأصل شأفتهم. # ومن طريف ما وقع في ذلك ما رواه العمراني المؤرخ قال: حدث فلان قال: دخلت ~~الديوان فنظرت في بعض تذاكر النواب فرأيت فيها أربعمائة ألف دينار ثمن خلعة ~~لجعفر بن يحيى الوزير، ثم دخلت بعد أيام فرأيت تحت ذلك عشرة قراريط ثمن نفط ~~وبواري لإحراق جثة جعفر بن يحيى، فعجبت من ذلك. # ثم استوزر الربيع بعد البرامكة الفضل بن الربيع، وكان حاجبه. # وزارة أبي العباس الفضل بن الربيع: قد مضى ذكر أبيه. وأما الفضل فكان ~~حاجبا للمنصور والمهدي والهادي والرشيد، فلما نكب الرشيد البرامكة استوزره ~~بعدهم. # كان الفضل بن الربيع شهما خبيرا بأحوال الملوك وآدابهم، ولما ولي الوزارة ~~تهوس بالأدب، وجمع إليه أهل العلم فحصل منه ما أراد في مدة يسيرة؛ وكان أبو ~~نواس من شعرائه المنقطعين إليه، فمن شعره في آل الربيع: # عباس عباس إذا اضطرم الوغى ... والفضل فضل، والربيع ربيع PageV01P079 ~~ومازال الفضل بن الربيع على وزارته، إلى أن مات الرشيد بطوس، فجمع الفضل ~~العسكر وما فيه، ورجع إلى بغداد. وسيرد باقي سيرته في أيام الأمين. # انقضت أيام الرشيد ثم ملك بعده ابنه الأمين محمد بن زبيدة # خلافة الأمين محمد بن زبيدة # أمه أم جعفر، زبيدة بنت جعفر المنصور. وليس في خلفاء بني العباس من أمه ~~وأبوه هاشميان سواه. كان الأمين كثير اللهو واللعب، منقطعا إلى ذلك مشتغلا ~~به عن تدبير مملكته. قال ابن الأثير المؤرخ الجزري: لم نجد للأمين شيئا من ~~سيرته نستحسنه فنذكره. وقال غيره: كان الأمين فصيحا بليغا كريما، وفيه يقول ~~بعض الشعراء يمدحه ويعرض بهجو المأمون أخيه: # لم تلده أمة تع ... رف في السوق التجارا # لا ولا حد ولا خا ... ن ولا في الخزي جارا # يعرض بالمأمون لأن الرشيد كان قد حده في جارية وجد معها اللهم أو في خمر ~~كان الرشيد قد بايع للأمين بولاية العهد وللمأمون بعده، وكتب الكتب بذلك ~~وأشهد فيها الشهود وأرسل نسخها ms150 إلى الأمصار، فعلقت نسخة من تلك النسخ على ~~الكعبة وأكد ذلك بكل ما إليه السبيل. فلما مات بطوس كان المأمون في خراسان ~~ومعه جماعة من أكابر القواد ووزيره الفضل بن سهل، وكان الأمين ببغداد، وكان ~~الفضل بن الربيع وزير الرشيد مع الرشيد بطوس. فلما مات الرشيد جمع الفضل ~~جميع ما في العسكر، وكان الرشيد قد أوصى به للمأمون، وتوجه الفصل إلى ~~بغداد، فاستوزره الأمين، ثم اشتغل باللهو واللعب ومعاشرة المجان. فأشار ~~الفضل بن سهل وزير المأمون على المأمون بإظهار الورع والدين وحسن السيرة، ~~فأظهر المأمون حسن السيرة، واستمال القواد وأهل خراسان، وكان كلما اعتمد ~~الأمين حركة ناقصة اعتمد المأمون حركة شديدة. ثم نشأت العداوة بينهما وحسن ~~الفضل بن الربيع وغيره له أن يخلع أخاه المأمون من ولاية العهد ويبايع ~~لابنه موسى، فخلعه وبايع لابنه موسى وسماه الناطق بالحق، وبسبب ذلك كانت ~~الفتنة ببغداد بين الأمين والمأمون وكان في آخرها قتل الأمين. # شرح الفتنة بين الأمين والمأمون: كان الفضل بن الربيع وزير الأمين قد خاف ~~المأمون لما فعله عند موت الرشيد بطوس من إحضار جميع ما كان في عسكره إلى ~~الأمين، بعد أن كان الرشيد قد أشهد به للمأمون. فخاف الفضل بن الربيع من ~~المأمون أنه إن ولي الخلافة كافأه على فعله، فحسن للأمين خلع المأمون ~~والبيعة لابنه موسى، واتفق مع الفضل جماعة على ذلك. فمال الأمين إلى ~~أقوالهم، ثم إنه استشار عقلاء أصحابه فنهوه عن ذلك وحذروه عاقبة البغي ونكث ~~العهود والمواثيق، وقالوا له: لا تجرىء القواد على النكث للأيمان وعلى ~~الخلع فيخلعوك. فلم يلتفت إليهم ومال إلى رأي الفضل بن الربيع، وشرع في خدع ~~المأمون باستدعائه إلى بغداد؛ فلم ينخدع وكتب يعتذر. وترددت المراسلات ~~والمكاتبات بينهما حتى رق المأمون وعزم على الإجابة إلى خلع نفسه ومبايعة ~~موسى بن الأمين ، فخلا به وزيره الفضل بن سهل وشجعه على الامتناع وضمن له ~~الخلافة، وقال: هي في عهدتي. فامتنع المأمون، ونهض الفضل بن سهل بأمر ~~المأمون، واستمال له الناس وضبط له الثغور ms151 والأمور. واشتدت العداوة بين ~~الأخوين الأمين والمأمون، وقطعت الدروب بينهما من بغداد إلى خراسان وفتشت ~~الكتب وصعب الأمر، وقطع الأمين خطبة المأمون في بغداد وقبض على وكلائه. ~~وكذلك فعل المأمون بخراسان ونما الشر بينهما، وكان بقدر ما عند المأمون من ~~التيقظ والضبط عند الأمين من الإهمال والتفريط والغفول. # فمما يحكى من تفريط الأمين وجهله أنه كان قد أرسل إلى حرب أخيه رجلا من ~~أصحاب أبيه يقال له علي بن عيسى بن ماهان، وأرسل معه خمسين ألفا، فيقال: ~~إنه ما - رثي قبل ذلك ببغداد عسكر أكثف منه، وحمل معه السلاح الكثير ~~والأموال الوافرة وخرج معه مشيعا مودعا، وكان أول بعث بعثه إلى أخيه. فمضى ~~علي بن عيسى بن ماهان في ذلك العسكر الكثيف، وكان شيخا من شيوخ الدولة ~~جليلا مهيبا، فالتقى بطاهر بن الحسين ظاهر الري، وعسكر طاهر حدود أربعة ~~آلاف فارس، فاقتتلوا قتالا شديدا كانت الغلبة فيه لطاهر، وقتل علي بن عيسى ~~وجيء برأسه إلى طاهر، فكتب طاهر إلى المأمون كتابا نسخته: PageV01P080 أما ~~بعد فهذا كتابي إلى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، ورأس علي بن عيسى بين ~~يدي وخاتمه في يدي وجنده تحت أمري والسلام. # وأرسل الكتاب على البريد فوصل إلى المأمون في ثلاثة أيام وبينهما مسيرة ~~مائتين وخمسين فرسخا. ثم إنه نعي علي بن عيسى ورد إلى الأمين وهو يصطاد ~~السمك فقال الذي أخبره بذلك دعني فإن كوثراقد اصطاد سمكتين وأنا إلى الآن ~~ما اصطدت شيئا! وكان كوثر خادما خصيصا له وكان يحبه. # ولقد كانت أمه زبيدة أسد رأيا منه، فإن علي بن عيسى لما أرسله الأمين إلى ~~خراسان بالجيش حضر إلى باب زبيدة ليودعها، فقالت له: يا علي إن أمير ~~المؤمنين وإن كان ولدي وإليه انتهت شفقتي فإني على عبد الله، تعني المأمون، ~~منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنما ولدي ملك نافس أخاه في ~~سلطانه، فاعرف لعبد الله حق ولادته وأخوته، ولا تجبهه بالكلام فإنك لست ~~نظيرا له، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ms152 أو غل، ولا تمنع عنه ~~جارية أو خادما، ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب ~~قبله، وخذ بركابه إذا ركب، وإن شتمك فاحتمل منه، ثم دفعت إليه قيدا من فضة ~~وقالت: إذا صار إليك فقيدة بهذا القيد. فقال لها: سأفعل ما أمرت به. # وكان الناس يجزمون بنصرة علي بن عيسى استعظاما له ولعسكره واستصغارا لمن ~~يلتقيه من جند المأمون. فقدر الله خلاف ما جزموا به، وكان من الأمر ما كان. # وكانت تلك الأيام أيام فتن وحروب. فمما جرى من ذلك أن الحسين ابن علي بن ~~عيسى بن ماهان كان أحد الأمراء شغب على الأمين وخلعه وحبسه وبايع للمأمون، ~~وتبعه ناس من العسكر، فاجتمع ناس آخرون من العسكر وقالوا: إن كان الحسين بن ~~علي بن عيسى يريد أن يأخذ وجها عند المأمون بما فعل فلنأخذن نحن وجها عند ~~خليفتنا الأمين بفكه وتخليصه وإجلاسه على السرير. # فاقتتل الفريقان فغلب أصحاب الأمين فدخلوا عليه محبسه وأخرجوه وأجلسوه ~~على سرير الخلافة ، وقاتلوا حسينا وغلبوا عليه وأحضروه أسيرا إلى الأمين، ~~فعاتبه، فاعتذر إليه وعفا عنه. ثم خلع عليه وولاه العسكر وأمره بمحاربة ~~المأمون. فخرج وهرب. فأرسل الأمين الجند خلفه، فلحقوه وقتلوه وحملوا رأسه ~~إلى الأمين. فما زال الشر ينمى والاختلاف يزيد حتى أرسل المأمون هرثمة ~~وطاهر بن الحسين، وهما من أعيان أمرائه، بعسكر كثيف لمحاصرة بغداد ومحاربة ~~الأمين. فحاصرا بغداد مدة وقاتلا بعساكرهما قتالا شديدا، وجرت بين ~~القبيلتين وقائع كثيرة كان في آخرها الغلبة لعسكر المأمون وقتل الأمين، ~~وحمل رأسه إلى أخيه المأمون بخراسان، وذلك في سنة ثمان وتسعين ومائة. # وأما حال الوزارة في أيامه فإنه لم يستوزر غير الفضل بن الربيع وزير ~~أبيه، وقد سبق شرح طرف من سيرته عند ذكر وزارته للرشيد. # انقضت أيام الأمين . # ثم ملك بعده أخوه عبد الله المأمون # خلافة عبد الله المأمون # بويع له البيعة العامة ببغداد في سنة ثمان وتسعين ومائة، كان المأمون من ~~أفاضل خلفائهم وعلمائهم وحكمائهم وحلمائهم، وكان فطنا شديدا كريما. # حدث ms153 عنه أنه لما كان بدمشق أضاق إضاقة شديدة وقل المال عنده، فشكا ذلك ~~إلى أخيه المعتصم، وكان له بيده أعمال. فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين ~~كأنك بالمال وقد وافاك بعد أسبوع. فوصل في تلك الأيام من الأعمال التي كان ~~المعتصم يتولاها ثلاثون ألف ألف ألف درهم، الألف مكررة ثلاث مرات. فقال ~~ليحيى بن أكثم: اخرج بنا لننظر إلى هذا المال. فخرج، وخرج الناس، وكان قد ~~زين الحمل وزخرف، فنظر المأمون منه إلى شيء حسن كثير، فاستعظم الناس ذلك ~~واستبشروا به. فقال المأمون: إن انصرافنا إلى منازلنا بهذا المال وانصراف ~~الناس خائبين لؤم. فأمر كاتبه أن يوقع لهذا بألف ألف، ولذاك بمثلها، ولآخر ~~بأكثر منها، حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف ألف درهم، والألف مكررة ثلاث ~~مرات، ورجله في الركاب، ثم حول الباقي على عارض الجيش برسم مصالح الجند. # واعلم أن المأمون كان من عظماء الخلفاء ومن عقلاء الرجال وله اختراعات ~~كثيرة في مملكته . # منها: أنه هو أول من فحص منهم عن علوم الحكمة وحصل كتبها وأمر بنقلها إلى ~~العربية وشهرها وحل إقليدس ونظر في علوم الأوائل، وتكلم في الطب وقرب أهل ~~الحكمة. PageV01P081 ومن اختراعاته : مقاسمة أهل السواد بالخمسين، وكانت ~~المقاسمة المعهودة النصف. # ومن اختراعاته: إلزام الناس أن يقولوا بخلق القرآن، وفي أيامه نشأت هذه ~~المقالة ونوظر فيها أحمد بن حنبل وغيره. ولما مات المأمون أوصى أخاه ~~المعتصم بها، فلما ولي المعتصم تكلم فيها وضرب أحمد بن حنبل ، وسيرد خبر ~~ذلك في موضعه. # ومن اختراعاته: نقل الدولة من بني العباس إلى بني علي عليه السلام، ~~وتغيير الناس السواد بلباس الخضرة ، وقالوا: هو لباس أهل الجنة. # نقل الدولة من بني العباس إلى بني علي: شرح كيفية الحال في ذلك: كان ~~المأمون قد فكر في حال الخلافة بعده وأراد أن يجعلها في رجل يصلح لها لتبرأ ~~ذمته، كذا زعم، فذكر أنه اعتبر أحوال أعيان البيتين البيت العباسي والبيت ~~العلوي، فلم ير فيهما أصلح ولا أفضل ولا أورع ولا أدين من علي بن موسى ms154 ~~الرضا، عليهما السلام، فعهد إليه وكتب بذلك كتابا بخطه وألزم الرضا، عليه ~~السلام، بذلك فامتنع. ثم أجاب ووضع خطه في ظاهر كتاب المأمون بما معناه: ~~إني قد أجبت امتثالا للأمر وإن كان الجفر والجامعة يدلان على ضد ذلك، وشهد ~~عليهما بذلك الشهود. # وكان الفضل بن سهل وزير المأمون هو القائم بهذا الأمر والمحسن له، فبايع ~~الناس لعلي بن موسى من بعد المأمون وسمي الرضا من آل محمد، صلوات الله ~~عليه. # وأمر المأمون الناس بخلع لباس السواد ولبس الخضرة، وكان هذا في خراسان. ~~فلما سمع العباسيون ببغداد ما فعل المأمون من نقل الخلافة عن البيت العباسي ~~إلى البيت العلوي وتغيير لباس آبائه وأجداده بلباس الخضرة أنكروا ذلك ~~وخلعوا المأمون من الخلافة غضبا من فعله، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، ~~وكان فاضلا شاعرا فصيحا أديبا مغنيا حاذقا، وإليه أشار أبو فراس بن حمدان ~~في ميميته بقوله: # منكم عليه أم منهم وكان لكم ... شيخ المغنين إبراهيم أم لهم # وكانت تلك الأيام أيام فتن ووقائع وحروب، فلما بلغ المأمون ذلك قام وقعد ~~فقتل الفضل بن سهل. ومات بعده علي بن موسى من أكل عنب، فقيل: إن المأمون ~~لما رأى إنكار الناس ببغداد لما فعله من نقل الخلافة إلى بني علي، وانهم ~~نسبوا ذلك إلى الفضل بن سهل ورأى الفتنة قائمة، دس جماعة على الفضل بن سهل ~~فقتلوه في الحمام. ثم أخذهم وقدمهم ليضرب أعناقهم، فقالوا له: أنت أمرتنا ~~بذلك ثم تقتلنا! فقال لهم: أنا أقتلكم بإقراركم، وأما ما ادعيتموه علي من ~~أني أمرتكم بذلك فدعوى ليس لها بينه. ثم ضرب أعناقهم وحمل رؤوسهم إلى الحسن ~~بن سهل وكتب يعزيه ويوليه مكانه، وانضم إلى ذلك أمور أخرى سنذكرها عند ذكر ~~وزارة الفضل. # ثم دس إلى علي بن موسى الرضا، عليه السلام، سما في عنب، وكان يحب العنب، ~~فأكل منه واستكثر فمات من ساعته. ثم كتب إلى بني العباس ببغداد يقول لهم: ~~إن الذي أنكرتموه من أمر علي بن موسى قد زال وإن الرجل مات. فأجابوه ms155 أغلظ ~~جواب. PageV01P082 وكان الفضل بن سهل قد استولى على المأمون ومت امتاتا ~~كثيرة بقيامه في أمره واجتهاده في أخذ الخلافة له، فكان قد قطع الأخبار ~~عنه، ومتى علم أن أحدا قد دخل عليه وأعلمه بخبر سعى في مكروهه وعاقبه. ~~فامتنع الناس من كلام المأمون، فانطوت الأخبار عنه. فلما ثارت الفتنة ~~ببغداد وخلع المأمون وبويع إبراهيم بن المهدي وأنكر العباسيون على المأمون ~~فعله كتم الفضل بن سهل ذلك عن المأمون مدة، فدخل عليه علي بن موسى الرضا، ~~عليهما السلام، وقال له: يا أمير المؤمنين إن الناس ببغداد قد أنكروا عليك ~~مبايعتي بولاية العهد وتغيير لباس السواد وقد خلعوك وبايعوا عمك إبراهيم ~~المهدي. وأحضر إليه جماعة من القواد ليخبروه بذلك. فلما سألهم المأمون ~~أمسكوا وقالوا: نخاف من الفضل، فإن كنت تؤمننا من شره أخبرناك، فآمنهم وكتب ~~لهم خطه، فأخبروه بصورة الحال وعرفوه خيانة الفضل وتعمية الأمور عليه وستره ~~الأخبار عنه، وقالوا له: الرأي أن تسير بنفسك إلى بغداد وتستدرك أمرك وإلا ~~خرجت الخلافة من يدك. فكان بعد هذا بقليل قتل الفضل وموت الرضا على ما تقدم ~~شرحه. ثم جد المأمون في المسير إلى بغداد، فوصلها وقد هرب إبراهيم بن ~~المهدي والفضل بن الربيع، فلما دخل البلد تلقاه العباسيون وكلموه في ترك ~~لباس الخضرة والعود إلى السواد، واجتمعت به زينب بنت سليمان بن علي بن عبد ~~الله بن العباس، وكانت في طبقة المنصور، وكان بنو العباس يعظمونها، وإليها ~~ينسب الزينبيون. فقال له: يا أمير المؤمنين ما الذي دعاك إلى نقل الخلافة ~~من بيتك إلى بيت علي؟ قال: يا عمة إني رأيت عليا حين ولي الخلافة أحسن إلى ~~بني العباس، فولى عبد الله البصرة، وعبيد الله اليمن، وقثم سمرقند، ما رأيت ~~أحدا من أهل بيتي حين أفضى الأمر إليهم كافأوه على فعله في ولده، فأحببت أن ~~أكافيه على إحسانه. فقال له: يا أمير المؤمنين إنك على بر بني علي والأمر ~~فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم. ثم سألته تغيير لباس الخضرة، فأجابها ~~إلى ms156 ذلك، وأمر الناس بتغييره والعود إلى لباس السواد. ثم إن المأمون عفا عن ~~عمه إبراهيم بن المهدي ولم يؤاخذه وأحسن إليه وصار من ندمائه، وكذلك فعل مع ~~الفضل بن الربيع، وكان حليما. وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا ~~إلي بالذنوب. # ذكر خروج محمد بن جعفر الصادق: في أيامه خرج محمد بن جعفر الصادق، عليهما ~~السلام، بمكة، وبويع بالخلافة وسموه أمير المؤمنين. وكان بعض أهله قد حسن ~~له ذلك حين رأى كثرة الاختلاف ببغداد وما بها من الفتنة وخروج الخوارج. ~~وكان محمد بن جعفر شيخا من شيوخ آل أبي طالب يقرأ عليه العلم. وكان روى عن ~~أبيه، عليه السلام، علما جما، فمكث بمكة مدة، وكان الغالب على أمره ابنه ~~وبعض بني عمه فلم يحمد سيرتهما، وأرسل المأمون إليهم عسكرا فكانت الغلبة ~~له، وظفر به المأمون وعفا عنه. # ذكر خروج أبي السرايا وموت المأمون: وفي أيامه خرج أبو السرايا وقويت ~~شوكته ودعا إلى بعض أهل البيت، فقاتله الحسن بن سهل، فكانت الغلبة للجيش ~~المأموني وقتل أبو السرايا. ثم صفا الملك بعد ذلك للمأمون وسكنت الفتن، ~~وقام المأمون بأعباء الخلافة وتدبير المملكة قيام حزماء الملوك وفضلائهم، ~~وفي آخرها خرج إلى الثغر بطرسوس فمات به، وذلك في سنة ثماني عشرة ومائتين، ~~وفيه يقول بعض الشعراء: # ما رأينا النجوم أغنت عن المأ ... مون في ظل ملكه المحروس # غادروه بعرصتي طرسوس ... مثلما غادروا أباه بطوس # شرح حال الوزارة في أيامه: أول وزرائه بنو سهل، وكانت دولتهم في جبهة ~~الدهر غرة. وفي مفرق العصردرة. وكانت مختصرة الدولة البرمكية، وهم صنائع ~~البرامكة، فالوزير الأول للمأمون منهم الفضل بن سهل. # وزارة ذي الرياستين الفضل بن سهل: سمي ذا الرياستين لجمعه بين السيف ~~والقلم. قالوا: كان الفضل بن سهل من أولاد ملوك الفرس المجوس، وكان قهرمانا ~~ليحيى بن خالد، وكان أبوه سهل مجوسيا فأسلم في أيام الرشيد. قالوا: لما رأى ~~الفضل بن سهل نجابة المأمون في صباه ونظر في طالعه، وكان خبيرا بعلم ~~النجوم، فدلته النجوم على أن ms157 يصير خليفة، فلزم ناحيته وخدمه ودبر أموره حتى ~~أفضت الخلافة إليه فاستوزره . PageV01P083 كان الفضل سخيا كريما يجاري ~~البرامكة في جوده، شديد العقوبة سهل الانعطاف، حليما بليغا عالما بآداب ~~الملوك بصيرا بالحيل جيد الحدس محصلا للأموال، وكان يقال له الوزير الأمير. # كان مسلم بن الوليد الشاعر نديما للفضل بن سهل قبل وزارته، وكان قد أنشد ~~قوله: # وقائل: ليست له همة، ... كلا ولكن ليس لي مال # لا جدة ينهض عزمي بها ... والناس سؤال وبخال # فاصبر على الدهر إلى دولة ... يرفع فيها حالك الحال # فلما علت حال الفضل وتولى الوزارة قصده مسلم بن الوليد، فلما رآه سر به ~~وقال له: هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال، وأمر له بثلاثين ألف درهم ~~وولاه بريد جرجان، فاستفاد من ثم مالا طائلا. # قالوا: كانت همة ذي الرياستين عالية جدا من قبل أن يعظم أمره. قال له ~~مؤدب المأمون يوما في أيام الرشيد: إن المأمون لجميل الرأي فيك، وإني لا ~~أستبعد أن يحصل من جهته ألف ألف درهم. فاغتاظ الفضل من ذلك وقال له: ألك ~~علي حقد؟ ألي إليك إساءة؟ فقال له المؤدب: لا؟ والله ما قلت هذا إلا محبة ~~لك. فقال: أتقول لي إنك تحصل معه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته لأكتسب منه ~~مالا قل أو جل، ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب. قال: ~~فوالله ما طالت المدة حتى بلغ ما أمل. # وقتل الفضل بن سهل على الصورة التي تقدم شرحها، وذلك في سنة اثنتين ~~ومائتين، وفيه يقول الشاعر: # لفضل بن سهل يد ... يقصر عنها المثل # فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل # وزارة أخيه الحسن بن سهل: استوزره المأمون بعد أخيه الفضل ومال إليه ~~وتلافاه جبرا لمصابه بقتل أخيه، وتزوج ابنته بوران، وانحدر في أهله وأصحابه ~~وعساكره وأمرائه إلى فم الصلح بواسط، فقام الحسن بن سهل في إنزالهم قياما ~~عظيما، وبذل من الأموال ونثر من الدرر ما يفوت حد الكثرة، حتى إنه عمل ~~بطاطيخ من عنبر وجعل في وسط ms158 كل واحدة منها رقعة بضيعة من ضياعه ونثرها، فمن ~~وقعت في يده بطيخة منها فتحها وتسلم الضيعة التي فيها. وكانت دعوة عظيمة ~~تتجاوز حد التجمل والكثرة، حتى إن المأمون نسبه في ذلك إلى السرف. وقالوا: ~~جملة ما أخرج على دعوة فم الصلح خمسون ألف ألف درهم. # كان الحسن بن سهل قد فرش للمأمون حصيرا منسوجا من الذهب ونثر عليه ألف ~~لؤلؤة من كبار اللؤلؤ، فلما رآه المأمون قال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد ~~مجلسنا هذا حيث يقول: # كأنه صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # قالوا: قدم رجل إلى باب الحسن بن سهل يلتمس صلته وعارفته فاشتغل عنه ~~مديدة، فكتب إليه: # المال والعقل مما يستعان به ... على المقام بأبواب السلاطين # وأنت تعلم أني منهما عطل ... إذا تأملتني يا ابن الدهاقين # أما تدلك أثوابي على عدمي ... والوجه أني رئيس في المجانين # والله يعلم ما للملك من رجل ... سواك يصلح للدنيا وللدين # فأمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته: # أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلا، ولو أنظرتنا لم يقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نسأل # وكان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون. وكان المأمون شديد ~~المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضر عند طاوله في الحديث، وكلما أراد الانصراف ~~منعه، فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت عليه الملازمة، فصار يتراخى عن الحضور ~~بمجلس المأمون ويستخلف أحد كتابه كأحمد بن أبي خالد وأحمد بن يوسف وغيرهما. ~~ثم عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه، فانقطع بداره ليتطبب، واحتجب عن ~~الناس، إلا أنه أعلى الخلق مكانة. واستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد، فكان ~~أحمد في كل وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل، وإذا حضر الحسن دار المأمون كان ~~أعلى الناس مكانة، ولما انقطع الحسن بن سهل بمنزله هجاه بعض الشعراء بقوله: # تولت دولة الحسن بن سهل ... ولم أبلل لهاتي من نداها # فلا تجزع على ما فات منها، ... وأبكى الله عيني من بكاها # ومات الحسن بن ms159 سهل في سنة ست وثلاثين ومائتين في أيام المتوكل. ~~PageV01P084 وزارة أحمد بن أبي خالد الأحول: هو من الموالي. كان أحمد جليل ~~القدر من عقلاء الرجال. وكان كاتبا شديدا فصيحا لبيبا بصيرا بالأمور. قال ~~له المأمون: إن الحسن بن سهل قد لزم منزله، وإني أريد أن أستوزرك. فتنصل ~~أحمد من الوزارة وقال: يا أمير المؤمنين اعفني من التسمي بالوزارة وطالبني ~~بالواجب فيها، واجعل بيني وبين العامة منزلة يرجوني لها صديقي ويخافني لها ~~عدوي، فما بعد الغايات إلا الآفات. فاستحسن المأمون جوابه وقال: لا - بد من ~~ذلك، واستوزره. # كان المأمون لما ولي طاهر بن الحسين خراسان استشار فيه أحمد بن أبي خالد، ~~فصوب أحمد الرأي في تولية طاهر. فقال المأمون لأحمد: إني أخاف أن يغدر ~~ويخلع ويفارق الطاعة. فقال أحمد: الدرك في ذلك علي. # فولاه المأمون، فلما كان بعد مدة أنكر المأمون عليه أمورا، وكتب إليه ~~كتابا يتهدده فيه، فكتب طاهر جوابا أغلظ فيه للمأمون، ثم قطع اسمه من ~~الخطبة ثلاث جمع. فبلغ ذلك المأمون، فقال لأحمد بن أبي خالد: أنت الذي أشار ~~بتولية طاهر وضمنت ما يصدر منه، وقد ترى ما صدر منه من قطع الخطبة ومفارقة ~~الطاعة، فو الله لئن لم تتلطف لهذا الأمر وتصلحه كما أفسدته وإلا ضربت ~~عنقك. فقال أحمد: يا أمير المؤمنين طب نفسا، فبعد أيام يأتيك البريد ~~بهلاكه. ثم إن أحمد بن خالد أهدى لطاهر هدايا فيها كواميخ مسمومة، وكان ~~طاهر يحب الكامخ، فأكل منها فمات من ساعته. # وقيل: إن أحمد بن خالد لما تولى طاهر خراسان حسب هذا الحساب فوهبه خادما ~~وناوله سما، وقال له: متى قطع خطبة المأمون فاجعل له هذا السم في بعض ما ~~يحب من المآكل. فلما قطع طاهر خطبة المأمون جعل الخادم له السم في كامخ ~~فأكل منه فمات في ساعته. # ووصل الخبر على البريد بموته إلى المأمون بعد أيام فكان ذلك مما عظم به ~~أمر أحمد بن أبي خالد. ومات أحمد حتف أنفه سنة عشر ومائتين . # وزارة أحمد بن يوسف ms160 بن القاسم: كان من الموالي، وكان كاتبا فاضلا أديبا ~~شاعرا فطنا بصيرا بأدوات الملك وآداب السلاطين. # قالوا: لما مات أحمد بن أبي خالد استشار المأمون الحسن بن سهل فيمن يوليه ~~الوزارة، فأشار عليه بأحمد بن يوسف وأبي عباد بن يحيى، وقال: هما أعرف ~~الناس بطبع أمير المؤمنين. فقال له: اختر لي أحدهما. فاختار له أحمد بن ~~يوسف ففوض المأمون إليه وزارته. استشار المأمون أحمد بن يوسف في رجل فوصفه ~~أحمد بن يوسف وذكر محاسنه، فقال له المأمون: يا أحمد لقد مدحته على سوء ~~رأيك فيه ومعاداته لك، فقال أحمد: لأني لك كما قال الشاعر: # كفى ثمنا بما أسديت أني ... صدقتك في الصديق وفي عدائي # وأني حين تندبني لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائي # وله أشعار حسنة، فمنها: # قلبي يحبك يا منى ... قلبي، ويبغض من يحبك # لأكون فردا في هوا ... ك، فليت شعري كيف قلبك # وأهدى يوم نوروز إلى المأمون هدية قيمتها ألف ألف درهم وكتب معها: # على العبد حق فهو لابد فاعله ... وإن عظم المولى وجلت فواضله # ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله # فقال المأمون: عاقل أهدى حسنا. # وكان سبب موته أنه دخل يوما إلى المأمون والمأمون يتبخر، فأخرج المأمون ~~المجمرة من تحته وقال: اجعلوها تحت أحمد تكرمة له. فنقل أعداؤه إلى المأمون ~~أنه قال: ما هذا البخل بالبخور! هلا أمر ببخور مستأنف؟ فاغتاظ المأمون لذلك ~~وقال: ينسبني إلى البخل وقد علم أن نفقتي في كل يوم ستة آلاف دينار! وإنما ~~أردت إكرامه بما كان تحت ثيابي. ثم دخل عليه وهو يتبخر مرة أخرى فقال ~~المأمون: اجعلوا تحته في مجمرة قطع عنبر وضموا عليه شيئا يمنع البخار أن ~~يخرج. ففعلوا ذلك به. فصبر عليه حتى غلبه الأمر فصاح: الموت الموت! فكشفوا ~~عنه وقد غشي عليه، فانصرف إلى منزله فمكث فيه شهورا عليلا من ضيق النفس حتى ~~مات بهذه العلة. وقيل: بل مات كمدا لبادرة بدرت منه فاطرحه المأمون لأجلها. # وزارة أبي عباد ثابت ms161 بن يحيى بن يسار الرازي: كان أبو عباد كاتبا حاذقا ~~بالحساب سريع الحركات أهوج محمقا، قالوا: كان المأمون ينشد إذا رآه مقبلا ~~قول دعبل فيه: # وكأنه من دير هرقل مفلت ... حرب يجر سلاسل الأقياد PageV01P085 قيل ~~للمأمون: إن دعبلا الشاعر هجاك. فقال: من أقدم على هجاء أبي عباد كيف لا ~~يهجوني؟ ومعنى هذا الكلام: من أقدم على هجاء أبي عباد مع هوجه وجنونه وحدته ~~كيف لا يقدم على هجائي مع حلمي ومحبتي للصفح؟ وكان أبو عباد شديد الحدة ~~سريع الغضب، ربما اغتاظ من بعض من يكون بين يديه فرماه بدواته أو شتمه ~~فأفحش، فدخل إليه الغالبي الشاعر وأنشده: # لما أنخنا بالوزير ركابنا ... مستعصمين بجوده أعطانا # ثبتت رحا ملك الإمام بثابت ... وأفاض فينا العدل والإحسانا # يقري الوفود طلاقة وسماحة ... والناكثين مهندا وسنانا # من لم يزل للناس غيثا ممرعا ... متخرقا في جوده معوانا # فلما وصل إلى قوله في جوده وقف وأرتج عليه، وصار يكرر: يا شيخ! فقل ~~قرنانا أو: صفعانا، وخلصنا. فضحك جميع من كان بالمجلس، وذهب غيظه هو أيضا ، ~~فضحك مع الناس، وأتم الغالبي قافيته بقوله معوانا، ثم وصله. # وزارة أبي عبد الله محمد بن يزداد بن سويد: هم من خراسان، كانوا مجوسا ثم ~~أسلموا واتصلوا بالخلفاء. وسويد أول من أسلم منهم، وكان قد مات أبوه وهو ~~صغير، فأسلمته أمه إلى بعض كتاب العجم فنفذ نفاذا محمودا ، وتعلم آدابا ~~كثيرة من آداب الفرس، ثم واظب على ملازمة الديوان بمرو. فحضر صاحب الديوان ~~في يوم مطير وتخلف جميع الكتاب والنواب عن الحضور، وكان سويد جد محمد ~~حاضرا. فاحتاج صاحب الديوان إلى عمل حسبة، فلم يكن عنده بالديوان كاتب، ~~فتولى هو علمها بنفسه وشرع فيها فكتب بعضها. ثم غلبه نعاس وحانت منه ~~التقاتة فرأى سويدا، فسلم الحسبة إليه وقال له: احتفظ بها حتى أنتبه. ثم ~~نام صاحب الديوان. فتصفح سويد الحسبة وتممها وبيضها في نسخة حسنة بخط مليح ~~وضبط صحيح، وانتبه صاحب الديوان وطلب منه الحسبة فدفعها إليه فوجدها مفروغا ~~منها على أتم قاعدة ms162 وأحسن وجه، فقال: يا صبي من عمل هذه الحسبة؟ قال: أنا. ~~قال: أفتحسن الكتابة؟ قال: نعم. فأمره بلزوم سدته التي كان فيها حسابه ~~وأصول أعماله وما يجب أن يحتفظ به، وقرر له معيشة. وتنقل في الخدمات حتى ~~حصل أموالا جليلة وارتفع قدره، ثم تأدب محمد وبرع في كل شيء، فاستوزره ~~المأمون وفوض إليه جميع الأمور. وكان محمد شاعرا فصيحا ، فمن شعره: # لقد فتنت بمقلتها فتون ... وخانت في الهوى من لا يخون # وتزعم أنني أهوى سواها، ... فكيف وما تخطتها العيون؟ # أيا من حبها في القلب مني ... مكان الروح مستتر كمين # ويا من تدعي أني خؤون ... وهذا في هواها لا يكون # خذي عهدي على عيني وطرفي ... وحسبك ضامنا أني أمين # ومات المأمون وهو وزيره انقضت أيام المأمون ووزرائه ثم ملك بعده أخوه ~~المعتصم أبو إسحق محمد . # خلافة المعتصم # بويع يوم وفاة المأمون، وقد تقدم ذكر السنة. # كان المعتصم سديد الرأي، شديد المنة، يحمل ألف رطل ويمشي بها خطوات، وكان ~~موصوفا بالشجاعة، وسمي المثمن من أحد عشر وجها: هو الثامن من ولد العباس، ~~والثامن من الخلفاء، وتولى الخلافة وعمره ثماني عشرة سنة، وكانت خلافته ~~ثماني سنين وثمانية أشهر، وتوفي وله ثمان وأربعون سنة، وولد في شعبان، وهو ~~الشهر الثامن، وخلف ثمانية ذكور، وثماني بنات، وغزا ثماني غزوات، وخلف ~~ثمانية آلاف ألف درهم. # فتح عمورية : كانت أيام المعتصم أيام فتوح وحروب؛ هو الذي فتح عمورية. # شرح الحال في ذلك: PageV01P086 كان السبب في غزو المعتصم عمورية أن ملك ~~الروم خرج إلى بلاد المسلمين فنهب حصنا من حصونهم يقال له زبطرة، وقتل من ~~به من الرجال وسبى الذرية والنساء، فيقال إنه كان من جملة السبي امرأة ~~هاشمية، فسمعت وهي تقول: وامعتصماه! فبلغ المعتصم ما فعله ملك الروم ~~بالمسلمين، فاستعظمه وكبر عليه، وبلغه ما قالت الهاشمية، فقال وهو في ~~مجلسه: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: الرحيل الرحيل! ثم ركب ~~دابته وسمط خلفه شكالا وسكة حديد وحقيبة فيها زاده، ثم برز وأمر العساكر ~~بالتبريز وتجهز ms163 تجهزا لم يتجهز بمثله خليفة، فلما اجتمعت عساكره وفرغ من ~~تجهيزه وعزم على المسير أحضر القضاة والشهود فأشهدهم أنه قد وقف أملاكه ~~وأمواله على ثلاثة أثلاث: ثلث لله تعالى، وثلث لولده وأقاربه، وثلث ~~لمواليه. ثم سار فظفر ببعض أهل الروم، فسأله عن أحصن مدنهم وأعظمها وأعزها ~~عندهم، فقال له الرومي: إن عمورية هي عين بلادهم. فتوجه المعتصم إليها وجمع ~~عساكره عليها وحاصرها ثم فتحها ودخل إليها وقتل فيها وفي بلادهم، وسبى وأسر ~~وبالغ في ذلك حتى هدم عمورية وعفى آثارها، وأخذ بابا من أبوابها، وهو باب ~~حديد عظيم الحجم، فأحضره إلى بغداد، وهو الآن على أحد أبواب دار الخلافة ~~يسمى باب العامة. وكان قد صحبه أبو تمام الطائي فمدحه أبو تمام الطائي ~~فمدحه بقصيدته البائية التي أولها: # السيف أصدق أنباء من الكتب، ... في حده الحد بين الجد واللعب # وفيها يقول للمعتصم: # خليفة الله ! جازى الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب # بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا في جسر من التعب # ومن جملتها ما يشير به إلى مبالغة المعتصم في قتالهم واستئصاله إياهم: # لم تطلع الشمس منهم يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على عزب # ومن جملتها ما يدل على شدة ما كان عنده من الحقد عليهم، وهو قوله: # ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربى من ربعك الخرب # ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدك الترب # وكانت وقعة عمورية في سنة ثلاث وعشرين ومائتين . # والمعتصم هو الذي بنى سر من رأى . # شرح السبب في بناء سامرا أو كيفية الحال في ذلك: كانت بغداد دار الملك ~~وبها سرير الخلافة بعد المنصور، إلا أن هارون الرشيد أحب الرقة بالشأم ~~فأقام بها، ومع ذلك فكانت الرقة له كالمنتزه، وقصوره وخزائنه ونساؤه ~~وأولاده ببغداد بقصر الخلد، ومن ولي بعده من الخلفاء كان سرير ملكهم ببغداد ~~. # فلما كانت أيام المعتصم خاف من بها من العسكر، ولم يثق بهم، فقال: اطلبوا ~~لي موضعا أخرج إليه وأبني فيه ms164 مدينة وأعسكر به، فإن رابني من عساكر بغداد ~~حادث كنت بنجوة، وكنت قادرا على أن آتيهم في البر وفي الماء. فوقع اختياره ~~على سامرا فبناها وخرج إليها. # وقيل: إن المعتصم استكثر من المماليك، فضاقت بهم بغداد وتأذى بهم الناس ~~وزاحموهم في دورهم، وتعرضوا بالنساء، فكان في كل يوم ربما قتل منهم جماعة، ~~فركب المعتصم يوما فلقيه رجل شيخ، فقال للمعتصم: يا أبا إسحاق! فأراد الجند ~~ضربه، فمنعهم المعتصم وقال له: ما - لك يا شيخ؟ فقال: لا جزاك الله خيرا عن ~~الجوار! جاورتنا مدة فرأيناك شر جار، جئتنا بهؤلاء العلوج من غلمانك ~~الأتراك فأسكنتهم بيننا، فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا، والله ~~لنقاتلنك بسهام السحر! يعني الدعاء. والمعتصم يسمع ذلك، فدخل منزله ولم ير ~~راكبا إلا في يوم مثل ذلك اليوم ، فركب وصلى بالناس العيد وسار إلى موضع ~~سامرا فبناها، وكان ذلك في سنة إحدى وعشرين ومائتين. # موت المعتصم: ولما مرض المعتصم مرضته التي مات فيها نزل في سفينة ومعه ~~زنام الزامر وكان أوحد وقته، فجعل يجتاز على قصوره وبساتينه بشاطىء دجلة ~~ويقول لزنام: ازمر # يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى # لم أبك اطلالك، لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى # والعيش أحلى ما بكاه الفتى،لابد للمحزون أن يسلى # ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيل، ليست حيلة. ثم مات، وذلك في سنة سبع ~~وعشرين ومائتين. # شرح حال الوزارة في أيامه : PageV01P087 أول وزرائه كاتبه، قبل الخلافة، ~~الفضل بن مروان، كان من البردان وكان عاميا لا علم عنده ولا معرفة، وكان ~~رديء السيرة جهولا بالأمور؛ فيه يقول بعض شعراء عصره: # تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل # ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم، ... أبادهم التقييد والأسر والقتل # الثلاثة هم: الفضل بن يحيى بن خالد، والفضل بن سهل، والفضل بن الربيع. ~~وكان الفضل بن مروان قد تمكن من المعتصم وحسده الناس على منزلته عنده، ثم ~~نكبه وأخذ جميع أمواله وعف عن نفسه، فبقي مدة يتنقل في الخدمات حتى مات في ~~أيام ms165 المستعين. # وزارة أحمد بن عمار بن شاذي : ثم وزر له أحمد بن عمار. كان رجلا موسرا من ~~أهل المذار، فانتقل إلى البصرة واشترى بها أملاكا وكثر ماله، وكان طحانا، ~~ثم أصعد إلى بغداد واتسع بها حاله، فقالوا: كان يخرج في الصدقة كل يوم مائة ~~دينار، وكان الفضل بن مروان قد وصفه بالأمانة عند المعتصم، فلما نكب الفضل ~~لم يقع نظر المعتصم على غير أحمد بن عمار فاستوزره، وكان جاهلا بآداب ~~الوزارة، وفيه يقول بعض شعراء عصره: # سبحان ربي الخالق الباريء، ... صرت وزيرا يا ابن عمار # وكنت طحانا على بغلة ... بغير دكان ولا دار # كفرت بالمقدار إن لم تكن ... قد جزت في ذا كل مقدار # فمكث مدة في وزارة المعتصم حتى ورد كتاب من بعض العمال يذكر فيه خصب ~~الناحية وكثرة الكلإ. فسأل المعتصم بن عمار عن الكلإ فلم يدر ما يقول، فدعا ~~محمد بن عبد الملك الزيات، وكان أحد خواصه وأتباعه، فسأله عن الكلإ، فقال: ~~أول النبات يسمى بقلا، فإذا طال قليلا فهو الكلإ، فإذا يبس وجف فهو الحشيش. ~~فقال المعتصم لأحمد بن عمار: انظر أنت في الدواوين وهذا يعرض علي الكتب. ثم ~~استوزره ، وصرف ابن عمار صرفا جميلا . # وزارة محمد بن عبد الملك الزيات: كان أبوه تاجرا في أيام المأمون موسرا، ~~ونشأ محمد فتأدب وقرأ وفهم، وكان ذكيا فبرع في كل شيء حتى صار نادرة وقته ~~عقلا وفهما وذكاء وكتابة وشعرا وأدبا وخبرة بآداب الرياسة وقواعد الملوك، ~~حتى كانت أيام المعتصم فاستوزره، على ما تقدم شرحه، فنهض بأعباء الوزارة ~~نهوضا لم يكن لمن تقدمه من أضرابه. وكان جبارا متكبرا فظا غليظ القلب خشن ~~الجانب مبغضا إلى الخلق. ومات المعتصم وهو وزيره. وكان المعتصم قد أمر ~~لابنه الواثق بمال وأحال به على ابن الزيات فمنعه، وأشار على المعتصم ألا ~~يعطيه شيئا، فقبل المعتصم قوله ورجع فيما كان أمر به للواثق من ذلك. فكتب ~~بخطه كتابا وحلف فيه بالحج والعتق والصدقة أنه إن ولي الخلافة ليقتلن ابن ~~الزيات شر قتلة. فلما ms166 مات المعتصم وجلس الواثق على سرير الخلافة ذكر حديث ~~ابن الزيات فأراد أن يعاجله، فخاف ألا يجد مثله، فقال للحاجب: أدخل إلي ~~عشرة من الكتاب. فلما دخلوا عليه اختبرهم فما كان فيهم من أرضاه. فقال ~~للحاجب: أدخل من الملك محتاج إليه محمد بن الزيات. فأدخله، فوقف بين يديه ~~خائفا. فقال لخادم: أحضر إلي المكتوب الفلاني. فأحضر له الكتاب الذي كان ~~كتبه وحلف فيه ليقتلن ابن الزيات، فدفعه إلى ابن الزيات وقال: اقرأه. فلما ~~قرأه قال: يا أمير المؤمنين أنا عبد إن عاقبته فأنت حاكم فيه، وإن كفرت عن ~~يمينك واستبقيته كان أشبه بك. فقال الواثق: والله ما أبقيتك إلا خوفا من ~~خلو الدولة من مثلك وسأكفر عن يميني، فإني أجد عن المال عوضا ولا أجد عن ~~مثلك عوضا. ثم كفر عن يمينه واستوزره وقدمه وفوض الأمور إليه. وكان ابن ~~الزيات شاعرا مجيدا، فمن شعره يرثي المعتصم ويمدح الواثق: # قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالماء والطين # اذهب فنعم المعين أنت على ال ... دنيا ونعم المعين للدين # لا يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون # ثم إن محمد بن عبد الملك الزيات مكث في وزارة الواثق مدة خلافته، لم ~~يستوزر غيره حتى مات الواثق وولي أخوه المتوكل، فقبض عليه وقتله. # قيل: إن ابن الزيات عمل تنورا من حديد ومساميره إلى داخل ليعذب به من ~~يريد عذابه، فكان هو أول من جعل فيه، وقيل له: ذق ما كنت تذيق الناس . ~~PageV01P088 انقضت أيام المعتصم ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه هارون الواثق. بويع سنة سبع وعشرين ومائتين. # خلافة هارون الواثق # كان الواثق من أفاضل خلفائهم، وكان فاضلا لبيبا فطنا فصيحا شاعرا، وكان ~~يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته، ولما ولي الخلافة أحسن إلى بني عمه ~~الطالبيين وبرهم، ولم يقع في أيامه من الفتوح الكبار والحوادث المشهورة ما ~~يؤثر. ومات الواثق في سنة وثلاثين ومائتين . # شرح حال الوزارة في أيامه : لم يستوزر الواثق سوى محمد بن عبد الملك ~~الزيات وزير أبيه، وقد سبق طرف ms167 من حاله، ومات الواثق وهو وزيره. # انقضت أيام الواثق . # ثم ملك بعده أخوه جعفر المتوكل # خلافة جعفر المتوكل # كان المتوكل شديد الانحراف عن آل علي، عليه السلام، وفعل من حرث قبر ~~الحسين، عليه السلام، ما فعل، وأبى الله إلا أن يتم نوره، وقال من يعتذر ~~له: إنه كان كأخيه وكالمأمون في الميل إلى بني علي، عليه السلام، وإنما كان ~~حوله جماعة منحرفون عن أهل البيت، عليهم السلام، فكانوا دائما يحملونه على ~~الوقيعة فيهم. والأول أصح، ولا ريب أنه كان شديد الانحراف عن هذه الطائفة ~~ولذلك قتله ابنه غيرة وحمية. # شرح مقتله على سبيل الاختصار: كانت بينه وبين ابنه المنتصر مبانية، وكان ~~كل منهما يكره الآخر ويؤذيه. فاتفق المنتصر مع جماعة من الأمراء على قتله ~~وقتل الفتح بن خاقان، وكان أكبر أمرائه وأفضلهم، فهجموا عليه وهو يشرب ~~فخبطوه بالسيوف فقتلوه وقتلوا الفتح معه، وأشاعوا أن الفتح قتله فقتلناه ~~به. وجلس ابنه على السرير بعده، وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين. # شرح حال الوزراة في أيامه لما بويع بالخلافة استوزر محمد بن عبد الملك ~~الزيات أياما، ثم نكبه وقبض عليه وقتله، كما تقدم شرحه، ثم استكتب رجلا من ~~كتابه يقال له أبو الوزير من غير أن يسميه بالوزارة، فكتب له مديدة يسيرة ~~ثم نكبه وأخذ منه مائتي ألف دينار، واستوزر الجرجراي . # وزارة أبي جعفر محمد بن الفضل الجرجراي: كان شيخا ظريفا حسن الأدب عالما ~~بالغناء مشتهرا به، فخف على قلب المتوكل فاستوزره مديدة ثم كثرت السعايات ~~به فعزله المتوكل، وقال: قد ضجرت من المشايخ، أريد حدثا أستوزره، فأشير ~~عليه بعبيد الله بن يحيى ابن خاقان. # وزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان: كان عبيد الله حسن الخط، وله معرفة ~~بالحساب والاستيفاء، إلا أنه كان مخلطا، وكان مجدودا، فكانت سعادته تغطي ~~عيوبه، وكان كريما حسن الأخلاق، وكان كرمه أيضا يستر كثيرا من عيوبه، وكان ~~فيه تعفف. قيل: إن صاحب مصر حمل إليه مائتي ألف دينار وثلاثين سفطا من ~~الثياب المصرية، فلما أحضرت بين ms168 يديه قال لوكيل صاحب مصر: لا والله لا ~~أقبلها ولا أثقل عليه بذلك. ثم فتح الأسفاط وأخذ منها منديلا لطيفا وضعه ~~تحت فخذه وأمر بالمال فحمل إلى خزانة الديوان وصحح بها، وأخذ به دورا لصاحب ~~مصر. # وكانت سيرة عبيد الله هينة، والجند يحبونه. فلما جرت الفتنة عند قتل ~~المتوكل خاف عبيد الله، فاجتمع الجند على بابه وقالوا له: أنت أحسنت إلينا ~~في حال وزارتك وأقل ما يجب لك علينا أن نحتفظ بك ونحرسك في مثل هذه الفتنة ~~ولازموا بابه وحفظوه. ومات المتوكل وهو وزيره. # انقضت أيام المتوكل ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه محمد المنتصر. بويع في صبيحة الليلة التي قتل أبوه بها. # خلافة المنتصر بن المتوكل # كان المنتصر شهما فاتكا سفاكا للدم. لما قتل أباه تحدث الناس بأنه لا ~~يطول له العمر بعده، وشبهوه بشيرويه بن كسرى حين قتل أباه ولم يستمتع ~~بالملك بعده. قالوا: لما قتل المتنصر أباه وبويع له بالخلافة جلس على بساط ~~لم ير الناس مثله، وعليه كتابة عجيبة بالفارسية، فنظر إليها المنتصر ~~واستحسنها وقال لمن حضر: هل تعرفون معناها؟ فأحجموا وقالوا: لا نعرف. ~~فاستحضر رجلا عجميا غريبا وأمره بقراءتها. فأحجم الرجل. فقال له المنتصر: ~~قل، وما عليك بأس، فليس لك ذنب. فقال الرجل: على هذا البساط مكتوب : أنا ~~شيرويه بن كسرى قتلت أبي فلم أتمتع بالملك بعد إلا ستة أشهر. فتطير المنتصر ~~من ذلك ونهض من مجلسه مغضبا. فلم تتم ستة أشهر حتى مات، وذلك في سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين. # كما بويع بالخلافة كاتبه أحمد بن الخصيب وزارة أحمد بن الخصيب: ~~PageV01P089 كان أحمد مقصرا في صناعته، مطعونا عليه في عقله، وكانت فيه ~~مروءة وحدة وطيش، فمن احتمله بلغ منه ما أراد ، فعرض له رجل من أرباب ~~الحوائج وألح عليه حتى ضايقه وضغط رجله بالركاب ، فاحتد أحمد وأخرج رجله من ~~الركاب وركله بها في صدره، فقال فيه بعض الشعراء: # قل للخليفة يا ابن عم محمد ... أشكل وزيرك إنه ركال # قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصدور ms169 مجال # ومات المنتصر وأحمد بن الخصيب وزيره. انقضت أيام المنتصر. # ثم ملك بعده المستعين . هو أحمد بن محمد بن المعتصم . # خلافة المستعين # لما مات المنتصر اجتمع الأمراء وأكابر المماليك وقالوا: متى ولينا أحدا ~~من ولد المتوكل طالبنا بدمه وأهلكنا، فأجمعوا على مبايعة المستعين وقالوا: ~~هو ابن ابن مولانا المعتصم، فإذا بايعناه لم تخرج الخلافة من ولد المعتصم، ~~فبايعوه في سنة ثمان وأربعين ومائتين. وكانت أيام فتن وحروب خوارج، فممن ~~خرج فيها قتيل شاهي أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين ابن زيد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام. # خروج يحيى بن عمر: شرح الحال في ذلك: كان يحيى بن عمر قتيل شاهي قدم من ~~خراسان في أيام المتوكل، وهي في ضائقة وعليه دين، فكلم بعض أكابر أصحاب ~~المتوكل في ذلك فأغلظ له وحبسه بسامرا، ثم كفله أهله فأطلق وانحدر إلى ~~بغداد، فأقام بها مدة على حال غير مرضية من الفقر، وكان، رضي الله عنه، ~~دينا خيرا عمالا حسن السيرة، فرجع إلى سامرا مرة ثانية، وكلم بعض أمراء ~~المتوكل في حاله، فأغلظ له وقال: لأي حال يعطى مثلك؟ فرجع إلى بغداد وانحدر ~~منها إلى الكوفة ودعا الناس إلى الرضى من آل محمد. فتبعه ناس من أهل الكوفة ~~من ذوي البصائر في التشييع وناس من الأعراب، ووثب في الكوفة وأخذ ما في بيت ~~المال ففرقه على أصحابه، وأخرج من في السجون وطرد عن الكوفة عاملها وكثرت ~~جموعه. فأرسل إليه أمير بغداد، وهو محمد بن عبد الله بن طاهر، عسكرا، ~~فالتقوا بشاهي، وهي قرية قريبة من الكوفة، فكانت الغلبة لعسكر ابن طاهر، ~~وانكشف الغبار ويحيى بن عمر قتيل، فحمل رأسه إلى محمد ابن عبد الله بن طاهر ~~ببغداد. فجلس محمد بن عبد الله بن طاهر للهناء بذلك، فدخل عليه الناس ~~أفواجا يهنئونه، وفي جملتهم رجل من ولد جعفر بن أبي طالب، عليه السلام، ~~فقال له: أيها الأمير إنك لتهنأ بقتل رجل لو كان لرسول الله، صلى ms170 الله عليه ~~وسلم، حيا لعزي به. فأطرق محمد بن عبد الله ساعة ثم نهض وصرف الناس، ورثاه ~~الشعراء، ممن رثاه ابن الرومي بجيميته التي أولها: # أمامك فانظر أي نهجيك تنهج، ... طريقان شتى: مستقيم وأعوج # منها: # سلام وريحان وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظل سجسج # ولا برح القاع الذي أنت جاره ... يرف عليه الأقحوان المفلج # وهي قصيدة شاعرة تناول فيها بني العباس بأشياء تركناها تحرجا . # وكانت وقعة شاهي في سنة خمسين ومائتين. وخرج عليه غيره من الطالبيين ~~فكانت الغلبة في جميع تلك الحروب له. # موت المستعين: واعلم أن المستعين كان مستضعفا في رأيه وعقله وتدبيره. ~~وكانت أيامه كثيرة الفتن ودولته شديدة الاضطراب، ولم يكن فيه من الخصال ~~المحمودة إلا أنه كان كريما وهوبا. وخلع في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ثم ~~قتل بعد ذلك. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما ولي المستعين أقر أحمد بن الخصيب على ~~وزارته شهرين، ثم استوزر بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد . # وزارة أبي صالح محمد بن يزداد: كان عنده أدب وفضل، وكانت توقيعاته ~~وأجوبته من أحسن التوقيعات والأجوبة. # ومن توقيعاته إلى رجل: ليس عليك بأس ما لم يكن منك بأس قالوا: ولما تولى ~~أبو صالح بن يزداد الوزارة للمستعين ضبط الأموال، فصعب ذلك على أمراء ~~الدولة وكان قد ضيق عليهم، فتهددوه بالقتل فهرب، ثم اختلفت الأحوال، ~~واستكتب المستعين تارة محمد بن الفضل الجرجراي وشجاع بن القاسم، ولكن لم ~~يتسم أحد منهما بالوزارة، ولم تطل تلك الأيام، وكانت ذات فتن وحروب واختلاف ~~كثير. # انقضت أيام المستعين ووزرائه. # ثم ملك بعده المعتز بالله. هو أبو عبد الله محمد بن المتوكل. # خلافة المعتز بالله PageV01P090 بويع بالخلافة سنة اثنتين وخمسين ومائتين ~~عقيب خلع المستعين، وكان المعتز جميل الشخص حسن الصورة، ولم يكن بسيرته ~~ورأيه وعقله بأس، إلا أن الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكل على ~~المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير إن شاؤوا أبقوه ~~وإن شاؤوا خلعوه وإن شاؤوا قتلوه. # لما جلس المعتز على ms171 سرير الخلافة قعد خواصه وأحضروا المنجمين، وقالوا ~~لهم: انظروا كم يعيش وكم يبقى في الخلافة؟ وكان بالمجلس بعض الظرفاء، فقال: ~~أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته! فقالوا له: فكم تقول إنه يعيش؟ ~~وكيف يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك. فلم يبق في المجلس إلا من ضحك. # موت المعتز بالله: وفي أيام المعتز ظهر يعقوب بن الليث الصفار واستولى ~~على فارس وجمع جموعا كثيرة، ولم يقدر المعتز على مقاومته. ثم إن الأتراك ~~ثاروا بالمعتز وطلبوا منه مالا. فاعتذر إليهم وقال: ليس في الخزائن شيء. ~~فاتفقوا على خلعه وقتله، فحضروا إلى بابه وأرسلوا إليه وقالوا له: اخرج ~~إلينا، فاعتذر بأنه شرب دواء، فهجموا عليه وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه ~~وأقاموه في الشمس، فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه ~~وهو يتقي بيده، ثم جعلوه في بيت وسدوا بابه حتى مات، بعد أن أشهدوا عليه ~~أنه خلع نفسه، وذاك في سنة خمس وخمسين ومائتين . # شرح حال الوزارة في أيامه: أول وزرائه أبو الفضل جعفر بن محمود الإسكافي ~~وزارة الإسكافي: لم يكن له علم ولا أدب ولكنه كان يستميل القلوب بالمواهب ~~والعطايا، وكان المعتز يكرهه، وكانوا ينسبونه إلى التشيع. ومال إليه بعض ~~الأتراك وكرهه البعض الآخر، وثارت بسببه فتنه، فعزله المعتز. # وزارة أبي موسى عيسى بن فرخان شاه: كان كريما، قيل عنه: إنه كان قبل ~~الوزارة يتولى بعض الدواوين فعزل عنه وله به استحقاق مبلغه ألف دينار، ~~فتلطف بالذي تولى بعده حتى كتب له وأحاله بذلك إلى بعض النواب. فلما حصل ~~المال كتب ذلك النائب إلى عيسى بن فرخان شاه يعلمه أن المال قد حصل ~~ويستأذنه في حمله إليه، وكان صديقا له، فكتب إليه: إن فلانا الشاعر لازمني ~~مدة وما حصل له من جهتي شيء فادفع هذا المال إليه. فدفع المال إلى الشاعر ~~فأخذه وانصرف. وجرت بسببه أيضا فتنة بين الأتراك فعزله المعتز. # وزارة أبي جعفر أحمد بن اسرائيل الأنباري: كان أحد الكتاب الحذاق ~~الأذكياء، قالوا: كان يحفظ وجوه المال جميعها دخلا ms172 وخرجا على ذهنه، قالوا: ~~إنه ضاعت مرة حسبة من الديوان فأوردها من خاطره، فلما وجدت الحسبة كانت كما ~~قال من غير زيادة و لا نقيصة. ثم إن الأتراك وثبوا على أحمد بن إسرائيل ~~فأخذوه وضربوه واستصفوا أمواله، وشفع فيه المعتز وأمه إلى متقدم الأتراك، ~~وهو صالح بن وصيف، فلم يلتفت إليهما وحبسه، وضربه بعد ذلك في أيام المهتدي ~~حتى مات. # ولما فعل صالح بن وصيف بأحمد بن اسرائيل ما فعل استحضر جعفر بن محمود ~~الإسكافي واستوزره للمعتز ثانية، وقد سبق ذكره. ولما تولى الوزارة في المرة ~~الثانية قال بعض الشعراء: # يا نفس لا تولعي بتفنيد ... وعللي القلب بالمواعيد # وانتظري ، قد رأيت ما ساقه الل ... ه إلى جعفر بن محمود # انقضت أيام المعتز ووزرائه. # ثم ملك بعده المهتدي بالله. هو أبو عبد الله محمد بن الواثق # خلافة المهتدي بالله # كان المهتدي من أحسن الخلفاء مذهبا وأجملهم طريقة وسيرة وأظهرهم ورعا ~~وأكثرهم عبادة، كان يتشبه بعمر بن عبد العزيز ويقول: إني أستحيي أن يكون في ~~بني أمية مثله ولا يكون مثله في بني العباس . وكان يجلس للمظالم فيحكم حكما ~~يرتضيه الناس، وكان يتكلل في مأكوله وملبوسه. PageV01P091 حدث بعض ~~الهاشميين قال: كنت عند المهتدي في بعض ليالي رمضان فقمت لأنصرف، فأمرني ~~بالجلوس فجلست حتى صلى المهتدي بنا المغرب، ثم أمر بإحضار الطعام، فأحضر ~~طبق خلاف وعليه رغفان، وفي إناء ملح، وفي إناء خل، فأكل وأكلت أكلا مقصرا ~~ظنا مني أنه يحضر طعام أجود من ذلك. فلما رأى أكلي كذلك قال: أما كنت ~~صائما؟ قلت: بلى. قال: أفلست تريد الصوم غدا؟ قلت: وكيف لا، وهو شهر رمضان! ~~فقال: كل واستوف عشاءك فليس هاهنا غير ما ترى! فعجبت وقلت: لم ذلك يا أمير ~~المؤمنين وقد أسبغ الله عليك نعمه ووسع رزقه؟ فقال: إن الأمر كما تقول، ~~والحمد لله، ولكني كرهت أن يكون في بني أمية مثل عمر بن عبد العزيز وألا ~~يكون في بني العباس مثله. # وكان المهتدي قد اطرح الملاهي وحرم الغناء والشراب ومنع ms173 أصحابه من الظلم ~~والتعدي. # في أيام المهتدي خرج صاحب الزنج، وسيرد خبره في أيام المعتمد ، إن شاء ~~الله تعالى. # موت المهتدي بالله: كان المهتدي قتل بعض الموالي فشغب عليه الأتراك، ~~وهاجوا وأخذوه أسيرا وعذبوه ليخلع نفسه فلم يفعل، فخلعوه هم ومات، وذلك في ~~سنة ست وخمسين ومائتين. # شرح حال الوزارة في أيامه : لما بويع بالخلافة أقر جعفر بن محمود ~~الإسكافي على وزارته، ثم عزله واستوزر سليمان بن وهب. # وزارة سليمان بن وهب بن سعيد: هم من قرية من أعمال واسط، وكانت لهم تناية ~~وكانوا نصارى ثم أسلموا وخدموا في الدواوين حتى آلت بهم الحال إلى ما آلت. # كان أبو أيوب سليمان بن وهب أحد كتاب الدنيا ورؤسائها فضلا وأدبا وكتابة ~~في الدرج والدستور، وأحد عقلاء العالم وذوي الرأي منهم. # حدث ابنه عبيد الله قال: حدثني أبي قال: كان مبدأ سعادتي أني كنت وأنا ~~صبي بين يدي محمد بن يزداد وزير المأمون، وكنا جماعة من الصبيان بين يديه، ~~إذا راح في الليل إذا داره بات واحد منا في دار المأمون بالنوبة لمهم عساه ~~يعرض في الليل . # قال: فكانت ليلة نوبتي فخرج خادم وقال: هاهنا أحد من نواب محمد بن ~~يزاداد؟ فقال الحجاب له: نعم هاهو ذا، فأدخلني إلى المأمون، فقال لي: اعمل ~~نسخة في المعنى الفلاني ووسع بين سطورها وأحضرها لأصلح منها ما أريد ~~إصلاحه. قال: فخرجت سريعا وكتبت الكتاب بغير نسخة وبيضته وأحضرته إليه. ~~قلما رآني قال: كتبت النسخة؟ قلت: بل كتبت الكتاب. فقال: بيضته؟ قلت: نعم. ~~فزاد في نظره إلي كالمتعجب مني، فلما قرأه تبينت الاستحسان على وجهه، ورفع ~~رأسه إلي وقال: ما أحسن ما كتبت يا صبي! ولكن أريد أن تقدم هذا السطر وتؤخر ~~هذا السطر، وخط عليهما بقلمه. # فأخذت الكتاب وخرجت وجلست ناحية ثم محوت السطرين وعملت ما أراد وجئته ~~بالكتاب، وكان قد ظن أني أبطله وأكتب غيره، فلما قرأه لم يعرف موضع المحو، ~~فاستحسنه وقال: يا صبي لا أدري من أي شيء أعجب أمن جودة محوك ms174 أم من سرعة ~~فهمك أم من حسن خطك أم من سرعتك ؟ بارك الله فيك. فقبلت يده وخرجت. وكان ~~ذلك أول علو منزلتي، وصار المأمون لا يجري مهم إلا قال: هاتوا سليمان بن ~~وهب. ولما جرت له هذه القضية كتب إليها بعض الشعراء: # أبوك كلفك الشأو البعيد كما ... قدما تكلفه وهب أبو حسن # فلست تحمد إن أدركت غايته ... ولست تعذر مسبوقا فلا تهن # موت الواثق: حدث أحمد بن المدبر قال: كنا في حبس الواثق أنا وسليمان بن ~~وهب وأحمد بن إسرائيل مطالبين بالأموال، فقال لنا سليمان بن وهب يوما: قد ~~رأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: يموت الواثق بعد شهر، فاستغاث أحمد بن ~~إسرائيل وقال له: والله لا تزال حتى تسفك دماؤنا، وخاف أشد خوف أن يشيع هذا ~~الحديث عنا. قال ابن المدبر: فعددت من ذلك اليوم ثلاثين يوما، فلما كان يوم ~~ثلاثين قال لي أحمد بن إسرائيل: أين مصداق القول وصحة المنام ؟ وكان قد حضر ~~التاريخ وحسب ونحن لا نعلم. فقال له سليمان بن وهب: الرؤيا تصدق وتكذب . ~~PageV01P092 فلما كانت العشاء الآخرة طرق الباب علينا طرقا شديدا وصائح ~~يصيح: البشارة البشارة، مات الواثق، فاخرجوا أين شئتم! فضحك أحمد بن ~~إسرائيل وقال: قوموا فقد تحققت الرؤيا وجاء الفرج. فقال سليمان بن وهب: كيف ~~نقدر أن نمشي مشاة ومنازلنا بعيدة، ولكن نبعث فنحضر دواب نركبها. فاغتاظ ~~أحمد بن اسرائيل وقويت السوداء عليه، وكان شكس الأخلاق، وقال له: ويحك يا ~~سليمان تنتظر مجيء فرسك حتى يتولى خليفة آخر فيقال له: في الحبس جماعة من ~~الكتاب، فيقول: يتركون على حالهم حتى ننظر في أمورهم، فنلبث في الحبوس ~~زيادة على هذا، ويكون سبب ذلك توجهك راكبا إلى منزلك يا فاعل! يا صانع! ~~فضحكنا وخرجنا مشاة في الليل وأجمع رأينا على أن نستتر عند بعض أصحابنا حتى ~~تتحقق الأخبار. # فوالله رأينا في طريقنا رجلين يقول أحدهما للآخر: إن هذا الخليفة الجديد ~~قد عرف أحوال المحبسين من الكتاب وأصحاب الجرائم فقال: لا يفرج عن أحد حتى ms175 ~~أنظر في حاله، فتخفينا إلى أن من الله تعالى في أسرع وقت وله الحمد، ومن ~~شعره: # نوائب الدهر أدبتني، ... وإنما يوعظ الأديب # قد ذقت حلوا وذقت مرا، ... كذاك عيش الفتى ضروب # ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولي منهما نصيب # وكان بنو وهب من رؤساء الناس وحذاقهم وفضلائهم وكرمائهم، وكانت دولتهم ~~ناضرة وأيامهم مشرقة والأدب في زمانهم قائم المواسم، والكرم واضح المعالم، ~~وخلع المهتدي وهو وزيره. # انقضت أيام المهتدي بالله ووزرائه ثم ملك بعده المعتمد على الله. هو أبو ~~العباس أحمد بن المتوكل . # خلافة المعتمد على الله # بويع سنة ست وخمسين ومائتين، كان المعتمد مستضعفا وكان أخوه الموفق طلحة ~~الناصر هو الغالب على أموره، وكانت دولة المعتمد دولة عجبية الوضع، كان هو ~~وأخوه الموفق طلحة كالشريكين في الخلافة، للعمتمد الخطبة والسكة والتسمي ~~بإمرة المؤمنين، ولأخيه طلحة الأمر والنهي وقود العساكر ومحاربة الأعداء ~~ومرابطة الثغور وترتيب الوزراء والأمراء، وكان المعتمد مشغولا عن ذلك ~~بلذاته. # وفي تلك الأيام كانت وقائع صاحب الزنج شرح حال صاحب الزنج ونسبه وما آل ~~أمره عليه: ظهر في تلك الأيام رجل يقال له علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن ~~زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام. فأما نسبه فليس ~~عند النسابين بصحيح، وهو يعدونه من الأدعياء، وأما حاله فإنه كان رجلا ~~فاضلا فصيحا بليغا لبيبا، استمال قلوب العبيد من الزنج بالبصرة ونواحيها، ~~فاجتمع إليه منهم خلق كثيرون، وناس آخرون من غيرهم، وعظم شأنه وقويت شوكته، ~~وكان في مبدأ حاله فقيرا لا يملك سوى ثلاثة أسياف، حتى إنه أهدي له فرس فلم ~~يكن له لجام ولا سرج يركبه بهما، فركبه بحبل. فاتفقت له حروب وغزوات نصر ~~فيها فأثرى بسببها وعظم حاله ونهبه، وانبث عسكره السودان في البلاد ~~العراقية والبحرين وهجر، ونهد إليه الموفق طلحة بعساكر كثيفة فالتقيا بين ~~البصرة وواسط، ودامت الحرب بينهما سنين كثيرة، وبنوا مدائن هناك، وأقام كل ~~من الفريقين يرابط الفريق الآخر. وفي آخر الأمر كانت الغلبة للجيش ms176 العباسي ~~فأبادوهم قتلا وأسرا، وقتل صاحب الزنج وانتهبت مدينته، وكان قد بناها ~~وسماها المختارة، وحمل رأسه إلى بغداد، وكان يوما مشهودا. وقيل إن عدد ~~القتلى في تلك الوقائع كان ألفي ألف وخمسمائة ألف إنسان. # ومات المعتمد سنة تسع وسبعين ومائتين. # شرح حال الوزارة في أيامه: قد تقدم أن أخاه الموفق كان هو المستولي على ~~الخلافة فكان يعزل الوزراء ويوليهم. # وزارة أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: لما ولي الخلافة المعتمد ~~اتفقت الآراء على عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فأحضر واستوزر على كره شديد ~~منه وتفص وتنصل. وكان عبيد الله خبيرا بأحوال الرعايا والأعمال ضابطا ~~للأموال، وقد تقدم ذكره في خلافة المتوكل. # وزارة الحسن بن مخلد: PageV01P093 وزر له لما مات عبيد الله بن يحيى. ~~استوزر المعتمد الحسن بن مخلد، وكان كاتبا لأخيه الموفق، فاجتمعت له وزارة ~~المعتمد وكتابه الموفق. وكان الحسن بن مخلد من دير قنى. ويقال إن أباه كان ~~معبرانيا فخرج من ابنه ما خرج. وكان الحسن أحد كتاب الدنيا. قالوا: كان له ~~دفتر صغير يعمله بيده فيه أصول أموال الممالك ومحمولاتها بتواريخها، فلا ~~ينام كل ليلة حتى يقرأه ويتحقق ما فيه بحيث لو سئل في الغد عن أي شيء كان ~~منه أجاب من خاطره بغير توقف ولا مراجعة دستور. # قال الحسن بن مخلد: كنت مرة واقفا بين يدي الموفق بن المتوكل فرأيته يلمس ~~ثويه بيده، وقال لي: يا حسن قد أعجبني هذا الثوب، كم عندنا في الخزائن منه؟ ~~فأخرجت في الحال من خفي دستورا فيه جمل ما في الخزائن من الأمتعة والثياب ~~مفصلة، فوجدت فيها من جنس ذلك الثوب ستة آلاف ثوب. فقال لي: يا حسن! نحن ~~عراة، اكتب إلى البلاد في استعمال ثلاثين ألف ثوب من جنسه وحملها في أسرع ~~مدة. # ثم عزله المعتمد واستوزر سليمان بن وهب، وقد سبق وصف طرف من حاله. وشرعت ~~من تلك الأيام دولة بني وهب تنبع. # وزارة أبي الصقر إسماعيل بن بلبل: استوزره الموفق لأخيه المعتمد. وكان ~~أبو الصقر ms177 كريما مطعاما متجملا، بلغ من الوزارة مبلغا عظيما، وجمع له السيف ~~والقلم، فنظر في أمر العساكر أيضا، وسمي الوزير الشكور. كان في صباه على ~~طريقة غير مرضية فبلغ ما بلغ. ومدحه الشعراء كالبحتري وابن الرومي وغيرهما ~~وهجوه. وكان أبو الصقر ينتسب إلى بني شيبان، ورأيت نسبه مرفوعا إلى شيبان ~~بخط بعض النساب، وقوم غمزوه وقالوا: هو دعي؛ وكان ابن الرومي قد مدحه ~~بقصيدة نونية طويلة أولها: # أجنت لك الوصل أغصان وكثبان ... فيهن نوعان: تفاح ورمان # غصون بان عليها الدهر فاكهة، ... وما الفواكه مما يحمل البان # فسمى الناس هذه القصيدة دار البطيخ لكثرة ما فيها من ذكر الفواكه، وكان ~~الموضع الذي تباع فيه الفواكه يسمى دار البطيخ ،ومن جملة هذه القصيدة : # قالوا: أبو الصقر من شيبان، قلت لهم: ... كلا لعمري ولكن منه شيبان # كم من أب قد علا، بابن له، شرفا، ... كما علا برسول الله عدنان # فلما سمع أبو الصقر قوله: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم كلا ظن أن ~~ابن الرومي قد هجاه بهذا باطنا وأنه عرض بأنه دعي، واشتبه على أبي الصقر ~~الأمر فاستحكم ظنه وأعرض عنه. وتوصل ابن الرومي إلى إفهامه صورة الحال فلم ~~يقبل في ذلك قول قائل، وقيل له: يا سبحان الله، فانظر إلى البيت الثاني ~~وحسن معناه فإنه معنى مخترع ما مدح أحد بمثله قبلك! فلم يصغ وجزم بأن ابن ~~الرومي هجاه وحرمه، فهجاه ابن الرومي وأفحش في هجائه، فمما هجاه به قوله: # عجب الناس من أبي الصقر إذ ... ولي بعد الإجازة الديوانا # إن للحظ كيمياء إذا ما ... مس كلبا أصاره إنسانا # وقوله: # مهلا أبا الصقر، فكم طائر ... خر صريعا بعد تحليق # زوجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق # لا قدست نعمى تسربلتها، ... كم حجة فيها لزنديق # ومن غريب قوله فيه: # ما بال فرخ أبوه بلبل ربح ... يكنى أبا الصقر يا أهل الدواوين # عروة من كنية ليست تليق به ... يدعى أبا الصقر من كان ابن شاهين # وقبض عليه المعتمد وحبسه وعاقبه، ثم قتله ms178 في محبسه واستصفى أمواله. # واعلم أن هؤلاء وزراء المعتمد كالحسن بن مخلد، وسليمان بن وهب، وأبي ~~الصقر بن بلبل تولوا الوزارة وعزلوا مرارا، مرتين وثلاثا. # وزارة أحمد بن صالح بن شيرزاد القطربلي: استوزره الموفق لأخيه المعتمد، ~~وكان أحمد كاتبا فاضلا عارفا بما يلزم مثله معرفته، مجيدا في النظم والنثر. ~~وصف أحمد امرأة كاتبة فقال: كأن خطها حسن صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، ~~وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بيانها سحر مقلتها، ~~وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مقطها قلب عاشقها. ومكث أحمد بن شيرزاد في ~~وزارته نحوا من شهر، ثم مرض ومات، وذلك في سنة ست وستين ومائتين. # وزارة عبيد الله بن سليمان بن وهب: PageV01P094 كان عبيد الله بن سليمان ~~من كبار الوزراء ومشايخ الكتاب، وكان بارعا في صناعته حاذقا ماهرا لبيبا ~~جليلا. ماتت للمعتضد جارية كان يحبها فجزع عليها. فقال له عبيد الله بن ~~سليمان: مثلك يا أمير المؤمنين تهون المصائب عليه لأنك تجد من كل مفقود ~~عوضا، ولا يجد أحد منك عوضا، وكأن الشاعر عناك بقوله: # يبكي علينا ولا نبكي على أحد! ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # وفي عبيد الله بن سليمان يقول الشاعر: # إذا أبو قاسم جادت يداه لنا ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر # وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر # وإن أضاءت لنا أضواء غرته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر # من لم يبت حذرا من حد صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر # ينال بالظن ما يعيا العيان له، ... والشاهدان عليه: العين والأثر # ومات عبيد الله في سنة ثمان وثمانين ومائتين. # انقضت أيام المعتمد ووزرائه. # ثم ملك بعده المعتضد ابن أخيه. # خلافة المعتضد # هو أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، بويع سنة تسع وسبعين ~~ومائتين. # كان المعتضد شهما عاقلا فاضلا حمدت سيرته، ولي والدنيا خراب والثغور ~~مهملة، فقام قياما مرضيا حتى عمرت مملكته وكثرت الأموال وضبطت الثغور. وكان ~~قوي السياسة شديدا على أهل الفساد حاسما لمواد أطماع عساكره عن أذى ms179 الرعية، ~~محسنا إلى بني عمه من آل أبي طالب، وكانت أيامه أيام فتوق وخوارج كثيرين، ~~منهم عمرو بن الليث الصفار، كان قد عظم شأنه وفخم أمره واستولى على أكثر ~~بلاد العجم، وكان يقول: لو شئت أن أعقد على نهر بلخ جسرا من ذهب لفعلت. ~~وكان مطبخه يحمل ستمائة جمل، فآلت عاقبته إلى القيد والأسر والذل، فقام ~~المعتضد في إصلاح المتشعب من مملكته والعدل في رعيته حتى مات وفي الخزائن ~~بضعة عشر ألف ألف دينار، الألف مكررة مرتين. ومات سنة تسع وثمانين ومائتين. # شرح الوزراة في أيامه: أقر عبيد الله بن سليمان على وزارته ، وقد مضى ~~نبذة من أخباره، فلما مات عبيد الله عزم المعتضد على أن يستأصل شأفة أولاده ~~ويستصفي أموالهم، فحضر القاسم بن عبيد الله واستعان ببدر المعتضدي، وكتب ~~خطا بألفي ألف دينار، فاستوزره المعتضد. # وزارة القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب: كان القاسم بن عبيد الله من ~~دهاة العالم ومن أفاضل الوزراء، وكان شهما فاضلا لبيبا محصلا كريما مهيبا ~~جبارا، وكان يطعن في دينه، وهو الذي قتل ابن الرومي بالسم، وكان ابن الرومي ~~منقطعا إليهم يمدحهم، وكانوا يقصرون في حقه في بعض الأوقات فهجاهم، وكان ~~هجاء؛ وفي بني وهب يقول ابن المعتز: # لآل سليمان بن وهب صنائع ... لدي ومعروف إلى تقدما # هم ذللوا لي الدهر بعد شماسه ... وهم غسلوا من ثوب والدي الدما # ومات المعتضد وهو وزيره انقضت أيام المعتضد ووزرائه ثم ملك بعده ابنه ~~المكتفي بالله. # ؟خلافة المكتفي بالله هو أبو محمد علي بن المعتضد، بويع في سنة تسع ~~وثمانين ومائتين. # كان المكتفي من أفاضل الخلفاء. هو الذي بنى المسجد الجامع بالرحبة ~~ببغداد. وفي أيام المكتفي ظهر القرامطة، وهم قوم من الخوارج، خرجوا وقطعوا ~~الدرب على الحاج واستأصلوا شأفتهم وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة، وسرح المكتفي ~~إليهم جيوشا كثيرة فأوقع بهم وقتل بعض زعمائهم. # والمكتفي هو الذي بنى التاج بالدار الشاطئية ببغداد. وكانت وفاة المكتفي ~~سنة خمس وتسعين ومائتين. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما مات ms180 المعتضد كان المكتفي بالرقة، فقام ~~الوزير القاسم بن عبيد الله بأخذ البيعة للمكتفي القيام المرضي، وكتب إليه ~~يعلمه ذلك، ووجه إليه بالبردة والقضيب. فجاء المكتفي إلى بغداد وأقر على ~~الوزارة ولقبه ألقابا، وجل أمر القاسم في أيام المكتفي وعظم شأنه، فلما ~~أدركته الوفاة أشار على المكتفي بالعباس بن الحسن فاستوزره. # وزارة العباس بن الحسن: PageV01P095 قال الصولي: من أعجب ما شاهدت من ~~تقلب الدنيا وتصاريف الأمور أنني رأيت العباس بن الحسن في أول الأربعاء قبل ~~أن يموت الوزير القاسم بن عبيد الله وقد حضر إلى داره قبل يد ولده، ثم في ~~آخر اليوم المذكور مات القاسم وخلع المكتفي على العباس بن الحسن واستوزره، ~~فجاء ولد الوزير القاسم بن عبيد الله فقبل يده. # كان العباس بن الحسن ذا دهاء ومكر وأدب وافر، وكان ضعيفا في الحساب، ولم ~~تكن سيرته محمودة، وكان عاكفا على لذاته والأمور مهملة، وكان يقول لنوابه ~~بالأعمال: أنا أوقع إليكم وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. ولم تزل الأمور ~~تضطرب في أيامه حتى وثب عليه الحسين بن حمدان وجماعة من الجند فقتلوه، وذلك ~~في أيام المقتدر. # انقضت أيام المكتفي ووزرائه ثم ملك بعده المقتدر بالله. # ؟خلافة المقتدر بالله # هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، بويع له بالخلافة في سنة خمس وتسعين ~~ومائتين، وعمره ثلاث عشرة سنة وكان المقتدر سمحا كريما كثير الإنفاق، رد ~~رسوم الخلافة من التجمل وسعة الإدرارات والمعاش وكثرة الخلع والصلات. وكان ~~في داره أحد عشر ألف خادم خصي من الروم والسودان، وكانت خزانة الجوهر في ~~أيامه مترعة بالجواهر النفيسه، فمن جملتها الفص الياقوت الذي اشتراه الرشيد ~~بثلثمائة ألف دينار، والدرة اليتيمة التي كان وزنها ثلاثة مثاقيل، إلى غير ~~ذلك من الجواهر النفيسة، ففرقه جميعه وأتلفه في أيسر مدة . # وفي أيامه قتل الحلاج. # قتل الحلاج : شرح الحال في ذلك: كان الحلاج، واسمه الحسين بن منصور ويكنى ~~أبا الغيث، أصله مجوسي من أهل فارس، ونشأ بواسط، وقيل بتستر وخالط الصوفية ~~وتتلمذ لسهل التستري، ثم قدم بغداد ولقي أبا القاسم ms181 الجنيدي، وكان الحلاج ~~مخلطا يلبس الصوف والمسوح تارة، والثياب المصبغة تارة، والعمامة الكبيرة ~~والدراعة تارة، والقباء وزي الجند تارة، وطاف بالبلاد ثم قدم في آخر الأمر ~~بغداد وبنى بها دارا، واختلفت آراء الناس واعتقاداتهم فيه وظهر منه تخليط، ~~وتنقل من مذهب إلى مذهب، واستغوى العامة بمخاريق كان يعتمدها، منها أنه كان ~~يحفر في بعض قوارع الطرقات موضعا ويضع فيه زقا فيه ماء ثم يحفر في موضع آخر ~~ويضع فيه طعاما، ثم يمر بذلك الموضع ومعه أصحابه فيحتاجون هناك إلى ماء ~~يشربونه ويتوضأون به. فيأتي هو إلى ذلك الموضع الذي قد حفره وينبش فيه ~~بعكاز فيخرج الماء فيشربون ويتوضأون، ثم يفعل كذلك في الموضع الآخر عند ~~جوعهم فيخرج الطعام من بطن الأرض، ويوهمهم أن ذلك من كرامات الأولياء، ~~وكذلك كان يصنع بالفواكه يدخرها ويحفظها ويخرجها في غير وقتها، فشغف الناس ~~به، وتكلم بكلام الصوفية، وكان يخلطه بما لا يجوز ذكره من الحلول المحض، ~~وله أشعار، فمنها: # حبيبي غير منسوب ... إلى شيء من الحيف # سقاني مثلما يشر ... ب فعل الضيف بالضيف # فلما دارت الكأس ... دعا بالنطع والسيف # كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصيف # وكثر شغف الناس به وميلهم إليه حتى كانت العامة تستشفي ببوله، وكان يقول ~~لأصحابه: أنتم موسى وعيسى ومحمد وآدم، انتقلت أرواحهم إليكم. فلما نمى هذا ~~الفساد منه تقدم المقتدر إلى وزيره حامد بن العباس بإحضاره ومناظرته، ~~فأحضره الوزير وجمع له القضاة والأئمة ونوظر فاعترف بأشياء أوجبت قتله، ~~فضرب ألف سوط على أن يموت، فما مات، فقطعت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت ~~جثته. وقال لأصحابه عند قتله: لا يهولنكم هذا، فإني أعود إليكم بعد شهر. ~~قالوا: وأنشد قبل قتله: # طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرا # أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرا # وذلك في سنة تسع وثلثمائة. وقبره ببغداد بالجانب الغربي قريب من مشهد ~~معروف بالكرخي، رضي الله عنه. # وفي تلك الأيام اقتلع القرامطة الحجر الأسود ومكث في أيديهم أكثر من ~~عشرين سنة حتى ms182 رد على يد الشريف يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر ابن يحيى بن ~~الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام. ~~PageV01P096 واعلم أن دولة المقتدر كانت دولة ذات تخليط كثير لصغر سنه ~~ولاستيلاء أمه ونسائه وخدمه عليه. فكانت دولته تدور أمورها على تدبير ~~النساء والخدم، وهو مشغول بلذته، فخربت الدنيا في أيامه وخلت بيوت الأموال ~~واختلفت الكلمة فخلع ثم أعيد ثم قتل. # وفي تلك الأيام نبعت الدولة الفاطمية بالمغرب # الدولة الفاطمية # شرح حال الدولة العلوية وابتدائها وانتهائها على سبيل الاختصار: هذه دولة ~~اتسعت أكناف مملكتها وطالت مدتها، فكان ابتداؤها حين ظهر المهدي بالمغرب في ~~سنة ست وتسعين ومائتين، وانتهاؤها في سنة سبع وستين وخمسمائة، وكادت هذه ~~الدولة أن تملك ملكا عاما وأن تدين الأمم لها، وإليها أشار الرضي الموسوي، ~~قدس الله روحه، بقوله: # ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول قاطع وأنف حمي # وإباء محلق بي عن الضي ... م كما زاغ طائر وحشي # أحمل الضيم في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي # من أبوه ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيدا الن ... اس جميعا محمد وعلي # إن ذلي بذلك الجو عز ... ووأوامي بذلك الربع ري # شرح ابتداء هذه الدولة : أول خلفائهم المهدي بالله، وهو أبو محمد عبيد ~~الله بن أحمد بن اسمعيل الثالث بن أحمد بن إسمعيل الثاني ابن محمد بن ~~إسمعيل الأعرج بن جعفر الصادق، عليهم السلام، وقد روي نسبهم على صورة أخرى ~~وفيه اختلاف كثير، والصحيح أنهم علويون وإسماعيليون صحيحو الاتصال. وهذه ~~الصورة التي أوردتها هاهنا هي المعول عليها وبها خطوط مشايخ النسابين . # وكان المهدي من رجال بني هاشم في عصره، قيل إنه ولد ببغداد سنة ستين ~~ومائتين، وقيل ولد بسلمية، ثم وصل إلى مصر في زي التجار، وأظهر أمره ~~بالمغرب ودعا الناس إلى نفسه، فمالوا إليه وتبعه خلق كثيرون وسلموا عليه ~~بالخلافة وقويت شوكته وعظم حاله، ثم انفصل إلى ارض القيروان وبنى مدينة ~~سماها المهدية واستقر بها، وملك ms183 إفريقية وبلاد المغرب وتلك النواحي جميعها، ~~ثم ملك الاسكندرية وجبى خراجها وخراج بعض الصعيد، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ~~وثلثمائة، ثم تسلم الخلافة منه واحد بعد واحد حتى انتهت النوبة إلى العاضد ~~آخر خلفائهم، وهو أبو محمد عبد الله ابن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين الله. # شرح انتهائها: بويع العاضد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وهو طفل، فقام ~~بأمر دولته الأمراء والوزراء، حتى توجه أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب، إلى مصر، لما ظهر من اختلال أحوال الدولة لصغر الخليفة ~~واختلاف آراء وزارئه وأمرائه، وسار صلاح الدين مع عمه أسد الدين شيركوه ~~كارها، فلم تطل مدة أسد الدين شيركوه فمات، فاستولى صلاح الدين على المملكة ~~واستوزره العاضد وخلع عليه خلع الوزارة في سنة أربع وستين وخمسمائة، وتمكن ~~صلاح الدين من الدولة، وقدم عليه أهله فأقطعهم الإقطاعات السنية، وأزال ~~أيدي أصحاب العاضد وتفرد بالحكم. ومرض العاضد وتطاولت أمراضه، ثم مات في ~~سنة سبع وستين وخمسمائة، وأحجم الناس فيمن يدعى له بالخلافة على المنابر، ~~فلما كان يوم الجمعة صعد رجل أعجمي إلى المنبر وخطب وذكر الخليفة المستضيء ~~فلم ينكر أحد عليه، واستمر الحال في مصر بالخطبة للعباسيين، وانقرضت دولة ~~الفاطميين منها، واستقل صلاح الدين يوسف بن أيوب بملك مصر من غير منازع، ~~وحبس من كان تخلف من أقارب العاضد، وقبض على الخزائن والأموال، ومن جملتها ~~الجبل الياقوت وزنه ستة عشر مثقالا. قال ابن الأثير المؤرخ: أنا رأيته ~~ووزنته. ومن جملتها نصاب زمرد طوله أربع أصابع في عرض عقد. ووجدوا طبلا ~~بالقرب من موضع العاضد فظنوه عمل للعب فسخروا من العاضد، فألقاه أحدهم من ~~يده فكسره، وإذا الطبل قد عمل لأجل القولنج، فندموا على كسره. وكان ذلك في ~~أيام الخليفة المستضيء من بني العباس، فوردت البشائر إليه بفتح مصر وبإقامة ~~الخطبة له بها، فأظهر السرور ببغداد، وهنأه الشعراء. وأرسل المستضيء تقليد ~~السلطنة إلى صلاح الدين بالتفويض والتحكيم، فسبحان من يؤتي الملك من يشاء ~~وينزع الملك ممن يشاء. # موت المقتدر: PageV01P097 وخلع المقتدر، ms184 وبويع عبد الله بن المعتز فمكث ~~يوما واحدا في الخلافة ثم استظهر المقتدر عليه، فأخذه وقتله. ولم يعد عبد ~~الله بن المعتز في الخلفاء لقصر الزمان الذي تولى فيه. وجرت بين المقتدر ~~وبين مؤنس المظفر أمير الجيوش منافرة أدت إلى حرب قتل فيها المقتدر وقطع ~~رأسه وحمل إلى بين يدي مؤنس المظفر، ومكثت جثته مرمية على قارعة الطريق، ~~وذلك في سنة عشرين وثلثمائة . # شرح حال الوزارة في أيامه: لما جلس المقتدر على سرير الخلافة أقر العباس ~~بن الحسن وزير أخيه المكتفي على وزارته. فلما قتل العباس بن الحسن وجرت ~~الفتنة بين المقتدر وبين عبد الله ابن المعتز واستظهر المقتدر أحضر ابن ~~الفرات واستوزره. # وزارة ابن الفرات: قال الصولي: هم من صريفين من أعمال دجيل، قال: وبنوا ~~الفرات من أجل الناس فضلا وكرما ونبلا ووفاء ومروءة، وكان هذا أبو الحسن ~~علي بن الفرات من أجل الناس وأعظمهم كرما وجودا، وكانت أيامه مواسم للناس. ~~وكان المقتدر، لما جرت له الفتنة وخلع وبويع ابن المعتز ثم استظهر المقتدر ~~عليه واستقرت الخلافة للمقتدر، راسل إلى أبي الحسن علي بن الفرات فأحضره ~~واستوزره وخلع عليه، فنهض بتسكين الفتنة أحسن نهوض ودبر الدولة في يوم ~~واحد، وقرر القواعد واستمال الناس ولم يبت تلك الليلة إلا والأمور مستقيمة ~~للمقتدر وأحوال دولته قد تمهدت؛ وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المقتدرية: # ودبرت في ساعة دولة ... تميل بغيرك في أشهر # وتولى ابن الفرات الوزارة ثلاث دفعات للمقتدر. قالوا: كان إذا ولي ابن ~~الفرات الوزراة يغلو الشمع والثلج والكاغد لكثرة استعماله لذلك، لأنه ما ~~كان يشرب أحد كائنا من كان في داره في الفصول الثلاثة إلا الماء المثلوج، ~~ولا كان أحد يخرج من عنده بعد المغرب إلا وبين يديه شمعة كبيرة نقية، صغيرا ~~كان أو كبيرا. وكان في داره حجرة معروفة بحجرة الكاغد، كل من دخل واحتاج ~~إلى شيء من الكاغد أخذ حاجته منها. # حدث عنه أنه قال: ما رأيت أحدا ببابي من أرباب الحوائج إلا كان اهتمامي ~~بالإحسان إليه ms185 أشد من اهتمامه. قال: وكان قبل الوزارة يجعل لجلسائه وندمائه ~~مخاد يتكئون عليها، فلما ولي الوزارة لم يحضر الفراشون للندماء والجلساء ~~تلك المخاد، فأنكر ذلك عليهم وأمر بإحضار المخاد، وقال: لا يراني الله ~~يرتفع شأني بحط منزلة أصحابي. ولما جرت فتنة ابن المعتز واستظهر المقتدر ~~واستوزر أبا الحسن بن الفرات أحضرت إلى ابن الفرات رقاع من جماعة أرباب ~~الدولة تنطق بميلهم إلى ابن المعتز وانحرافهم عن المقتدر، فأشار عليه بعض ~~الحاضرين بأن يفتحها ويطالعها ليعرف بها العدو من الصديق، فأمر ابن الفرات ~~بإحضار الكانون وفيه نار، فلما أحضر جعل تلك الرقاع فيه بمحضر من الناس ولم ~~يقف على شيء منها، وقال للحاضرين: هذه رقاع أرباب الدولة، فلو وقفنا عليها ~~تغيرت نياتنا لهم ونياتهم لنا، فإن عاقبناهم أهلكنا رجال الدولة، وكان في ~~ذلك أتم الوهن على المملكة، وإن تركناهم كنا قد تركناهم ونياتهم متغيرة، ~~وكذلك نياتنا فلا ننتفع بهم، ومازال ابن الفرات ينتقل في الوزارة إلى المرة ~~الثالثة فقبض عليه وقتل، وذلك في سنة اثنتي عشرة وثلثمائة . # وزارة الخاقاني : هو أبو علي محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان. لما ~~قبض المقتدر على ابن الفرات في المرة الأولى أحضره، وكان خائفا من ابن ~~الفرات فطيب قلبه واستوزره وخلع عليه خلع الوزارة. # كان الخاقاني سيء السيرة والتدبير، كثير التولية والعزل، قيل إنه ولي في ~~يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة، وأخذ من كل واحد رشوة، فانحدر واحد واحد ~~حتى اجتمعوا جميعهم في بعض الطريق، فقالوا: كيف نصنع؟ فقال أحدهم: إن أردتم ~~النصفة فينبغي أن ينحدر إلى الكوفة آخرنا عهدا بالوزير فهو الذي ولايته ~~صحيحة لأنه لم يأت بعده أحد. فاتفقوا على ذلك، فتوجه الرجل الذي جاء في ~~الأخير نحو الكوفة وعاد الباقون إلى الوزير ففرقهم في عدة أعمال. وهجاه ~~الشعراء، فمما قيل فيه: # للدواوين مذ وليت عويل ... ولمال الخراج سقم طويل # يتلقى الخطوب حين ألمت ... منك رأي غث وعقل ضئيل # إن سمنتم من الخيانة والجو ... ر فللارتفاع جسم نحيل # ومما قيل ms186 فيه: PageV01P098 وزير لا يمل من الرقاعه ... يولي ثم يعزل بعد ~~ساعة # ويدني من تعجل منه مال ... ويبعد من توسل بالشفاعة # إذا أهل الرشا صاروا إليه ... فأحظى القوم أوفرهم بضاعه # وقبض المقتدر عليه وحبسه واستوزر علي بن عيسى بن الجراح . # وزارة علي بن عيسى : كان علي بن عيسى شيخا من شيوخ الكتاب، فاضلا دينا ~~ورعا متزهدا. قال الصولي: وما أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبه علي بن ~~عيسى في زهده وعفته وحفظه للقرآن وعلمه بمعانيه وكتابته وحسابه وصدقاته ~~ومبراته . # قالوا: كان دخل على بن عيسى من ضياعه في كل سنة نيفا وثمانين ألف دينار ~~ينفق نصفها على القفراء والضعفاء، ونصفها على نفسه وعلى عياله وأصحابه، ~~ونهض بأمور الوزارة، وضبط الدواوين والأعمال وقرر القواعد، وكانت أيامه ~~أحسن أيام وزير. قالوا: ما كان يعاب على بن عيسى بشيء أكثر من قولهم إنه ~~كان ينظر كثيرا في جزئيات الأمور فربما شغلته عن الكليات. ولما ولي الوزارة ~~فشت صدقاته ومبراته ووقف وقوفا كثيرة من ضياع السلطان وأفرد لها ديوانا ~~سماه ديوان البر، جعل حاصله لإصلاح الثغور وللحرمين الشريفين، وكان يجلس ~~لرد المظالم من الفجر إلى العصر، واقتصر على أقل الطعام وأخشن الملبوس، ~~وولي الوزارة للمقتدر مرارا، كان هو وأبو الحسن علي بن الفرات يتناوبان ~~الوزارة مرة هذا ومرة ذاك. # وزارة حامد بن العباس كان حامد يتولى دائما أعمال السواد، ولم يكن له ~~خبرة بأعمال الحضرة، وكان كريما مفضالا متجملا جميل الحاشية رئيسا في نفسه ~~غزير المروءة قاسي القلب في استخراج المال قليل التثبت سريع الطيش والحدة، ~~إلا أن كرمه كان يغطي على ذلك. # حدث عنه أنه دخل مرة إلى دار المقتدر فطلب منه بعض خواص الخليفة شعيرا ~~لدوابه، فأخذ الدواة ووقع له بمائة كر، فقال له آخر من الخواص: أنا أيضا ~~محتاج إلى عليق دوابي، فوقع له بمائة كر في ساعة واحدة، ولما عرف المقتدر ~~قلة فهم حامد وقلة خبرته بأمور الوزارة أخرج إليه علي بن عيسى بن الجراح من ~~الحبس وضمه إليه وجعله ms187 كالنائب له، فكان علي بن عيسى لخبرته هو الأصل، فكل ~~ما يعقده ينعقد وكل ما يحله ينحل، وكان اسم الوزارة لحامد وحقيقتها لعلي بن ~~عيسى ، حتى قال بعض الشعراء: # قل لابن عيسى قولة ... يرضى بها ابن مجاهد # أنت الوزير وإنما ... سخروا بلحية حامد # جعلوه عند سترة ... لصلاح أمر فاسد # مهما شككت فقل له: ... كم واحدا في واحد # وكان حامد يلبس السواد ويجلس في دست الوزارة، وعلي بن عيسى يجلس بين يديه ~~كالنائب وليس عليه سواد ولاشيء من زي الوزراء، إلا أنه هو الوزير على ~~الحقيقة، فقال بعض الشعراء: # أعجب من كل ما رأينا ... أن وزيرين في بلاد # هذا سواد بلا وزير ... وذا وزير بلا سواد # ثم عزل حامد واستوزر المقتدر بعده علي بن الفرات وسلمه إليه فقتله سرا. # وزارة ابن خاقان أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن يحيى لم ~~تطل أيامه. ولم تكن له سيرة تؤثر وتسطر، واختلت الأمور عليه فصودر وعزل، ثم ~~توفي في سنة اثنتي عشرة وثلثمائة . # وزارة أبي العباس أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخصيب PageV01P099 كان ~~صالح الأدب جيد العقل مليح الخط بليغا، يذاكر بجميل الأخبار والأشعار. كان ~~السبب في ولايته أمرا عجيبا، وهو أن أبا العباس المذكور كان يلاطف أصحاب ~~المقتدر ويتودد إليهم ويهاديهم، وكانوا يحبونه ويتعصبون له دائما ويصفونه ~~عند المقتدر، فاتفق أن حصل فتق من الفتوق ببعض الجهات، فجهز المقتدر جيشا ~~وأرسله صحبة بعض أمرائه إلى تلك الجهة. ثم كان المقتدر شديد التطلع إلى ~~أخبار هذا الجيش فأرسل ابن الخصيب طيورا صحبة بعض ثقاته مع الجيش، وقال ~~لصاحبه: سرح كل يوم طيورا وعليها الأخبار ساعة فساعة. فكانت ترد الأخبار ~~على الطيور إلى أحمد بن عبيد الله بن الخصيب فيعرضها على المقتدر ساعة بعد ~~ساعة حتى إن المقتدر لم يفته من أمر الجيش شيء. فتعجب المقتدر من ذلك وقال: ~~من أين يعلم أحمد بن الخصيب أخبار هذا الجيش؟ فعرف الصورة ، وقيل له: من ~~تسمو همته إلى مثل هذا وليس ms188 له تعلق بهذه القضية فكيف يكون جده واجتهاده ~~إذا صار وزيرا ؟ فاستوزره. # قالوا: وكان أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن الخصيب عفيفا متورعا عن مال ~~السلطان والرعية، مجانبا لخيانة، محافظا على الأمانة، ثم ضعف أمره وانحرفت ~~عنه السيدة أم المقتدر، وكان كاتبها قبل الوزارة، فعزل وقبضت أمواله، وذلك ~~في سنة أربع عشرة وثلثمائة. # وزراة أبي علي محمد بن علي بن مقلة: هو صاحب الخط الحسن المشهور الذي ~~تضرب بحسنه الأمثال، وهو أول من استخرج هذا الخط ونقله من الوضع الكوفي إلى ~~هذا الوضع، وتبعه بعده ابن البواب. كان في ابتداء أمره يخدم في بعض ~~الدواوين في كل شهر بستة دنانير، ثم إنه تعلق بأبي الحسن بن الفرات الوزير ~~واختص به، وكان ابن الفرات كالبحر سماحا وجودا ، فرفع من قدره وأعلى من ~~شأنه، فمكث بين يديه يعرض عليه رقاعا في مهمات الماس وينتفع بسبب ذلك، وكان ~~ابن الفرات يأمره بالتحصيل من هذه الجهة إيثارا لنفعه، فمازال على ذلك حتى ~~علت حاله وكثر ماله، ولما ولي ابن الفرات الوزارة الثانية تمكن ابن مقلة في ~~دولته ونبعت حاله وعرض جاهه. ثم إن الشيطان نزغ بينه وبين أبي الحسن علي بن ~~الفرات، فاستوحش كل منهما من صاحبه، فكفر ابن مقلة إحسان ابن الفرات ودخل ~~في جملة أعدائه والسعاة عليه حتى جرت النكبة على ابن الفرات، فلما رجع ابن ~~الفرات إلى الوزارة قبض عليه وصادره على مائة ألف دينار أدتها عنه زوجته، ~~وكانت ذات مال طائل، وكانت لابن مقلة يد طولى في الكتابة والإنشاء، وكانت ~~توقيعاته غير مذمومة في فنها، وله شعر، فمنه: # جربني الدهر على صرفه ... فلم أخر عند التصاريف # ألفت يوميه، ويا ربما ... يؤلف شيء غير مألوف # حدث أبو عبد الله أحمد بن اسماعيل المعروف بزنجي كاتب ابن الفرات قال: ~~لما نكب ابن مقلة وحبس لم أدخل إليه في محبسه ولا كاتبته ولا توجعت له على ~~ما بيني وبينه من المودة والصداقة خوفا من ابن الفرات، فلما طالت به المحنة ~~كتب إلي ms189 رقعة فيها: # ترى حرمت كتب الإخلاء بينهم، ... أبن لي، أم القرطاس أصبح غاليا # فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ماهيا # صديقك من راعاك في كل شدة ... وكلا تراه في الرخاء مراعيا # فهلك عدوي لا صديقي فإنني ... رأيت الأعادي يرحمون الأعاديا # ومن شعره ما كتب به إلى ولده وقد مرض: # لقاك ربك صحة وسلامة ، ... ووقاك بي من طارق الأهواء # ذكرت شكاتك لي وكأسي في يدي، ... فمزجتها دمعي مكان الماء # ومن شعره: # لست ذا ذلة إذا غضني الده ... ر ولا شامخا إذا واتاني # أنا نار في مرتقى نفس الحا ... سد ماء جار مع الإخوان PageV01P100 ~~استوزره المقتدر وخلع عليه خلع الوزراة في سنة ست عشرة وثلثمائة، واستقل ~~بأعباء الوزارة أمرا ونهيا وبذل فيها ما مبلغه خمسمائة ألف دينار، ثم عزل ~~وقبض عليه ثم أعيد، ومازال تتقلب به الأحوال حتى استوزره الراضي، ثم جرت ~~خطوب أوجبت أن الراضي حبسه بداره وضيق عليه. وسعى به أعداؤه إلى الراضي ~~وخوفوه من غائلته فقطع يده اليمنى ، ومكث في الحبس مدة مقطوع اليد، وكان ~~ينوح على يده ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا مصحفا، وكذا وكذا حديثا من ~~أحاديث الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، ووقعت إلى شرق الأرض وغربها، تقطع ~~كما تقطع أيدي اللصوص! ومن شعره يشير إلى قطع يده: # ما مللت الحياة لكن توثق ... ت بأيمانهم فبانت يميني # ثم أحسنت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني # ليس بعد اليمين لذة عيش، ... يا حياتي بانت يميني فبيني # وفي ذلك يقول بعض الشعراء: # لئن قطعوا إحدى يديه مخافة ... لأقلامه لا للسيوف الصوارم # فما قطعوا رأيا إذا ما أجاله ... رأيت الردى بين اللها والغلاصم # ولما قطع الراضي يد ابن مقلة كتب باليسار مثلما كان يكتب باليمين، ثم شد ~~على يده المقطوعة قلما وكتب بها، فلم يفرق بين خطه قبل قطعها وبعده. # ومن الاتفاقات العجبية أنه تولى الوزارة ثلاث دفعات وسافر ثلاث دفعات ~~ودفن ثلاث دفعات؛ دفن بدار الخليفة لما قتل بها وذلك بعد قطع ms190 يده بمديدة، ~~ثم سأل أهله تسليمه إليهم فنبش وسلم إليهم فدفنوه، ثم طلبته زوجته فنبشته ~~ودفنته بدارها. # وزارة أبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد: لم يكن له سيرة تؤثر وتروى، ~~ولم يكن من ذوي اللب، وإنما نال ما نال بالجد والبخت. # قيل: إنه دخل مرة على القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد والمكتفي، فرحب ~~به الوزير وأقبل عليه بوجهه وأكرمه إكراما خارجا عن العادة لأمثاله، فسئل ~~الوزير عن سبب ذلك ، فقال: رأيت في منامي كأن على رأسي قلنسوة وقد أخذها ~~هذا وجعلها على رأسه، ولابد أن هذا الفتى يلي الوزارة. فكان كما قال. ولم ~~تحمد سيرته في وزارته. # وكان المقتدر لما عزل ابن مقلة استشار علي بن عيسى بن الجراح فيمن ~~يستوزره فأشار عليه بهذا ، فاستوزره في سنة ثماني عشرة وثلثمائة ، ثم قبض ~~عليه واستوزر الكلوذاني . # وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني: لم تطل أيامه ولم يتمكن ~~مما أراد وكثرت المصادرات في أيامه وشغب الجند عليه وشتموه ورجموه وهو في ~~السفينه، فحلف أنه لا يدخل بعد ذلك في الوزارة، وانقطع بداره وأغلق بابه، ~~فكانت وزارته مدة شهرين. # وزارة الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب: كان يقال له أبو ~~الجمال، قيل: إنه أعرق الناس في الوزارة، هو وزير المقتدر، وأبوه القاسم ~~وزير المعتضد والمكتفي، وجده عبيد الله وزير المعتضد وأبو جده سليمان بن ~~وهب وزير المهتدي، وفي ذلك يقول الشاعر له: # يا وزيرا ابن وزير اب ... ن وزير ابن وزير # نسقا كالدر إذ نظ ... م في عقد النحور # لم يكن الحسين بن القاسم بارعا في صناعته، ولا شكرت سيرته في وزارته، ولم ~~تطل له المدة حتى عجز واختلت الأحوال عليه؛ مدحه عبيد الله بن عبد الله بن ~~طاهر بقوله: # إن أكن مهديا لك الشعر إني ... لابن بيت تهدى له الأشعار # غير أني أراك من أهل بيت ... ما على المرء أن يسودوه عار # وهجاه جحظة بقوله: # إذا كان الوزير أبا الجمال ... محتسب البلاد الدانيالي # فعد ms191 عن البلاد، فعن قليل ... ترى الأيام في صور الليالي # تقضت بهجة الدنيا وولت ... وآذن كل شيء بارتحال PageV01P101 ولما ظهر ~~للمقتدر نقصه وعجزه قبض عليه وصادره، ثم بقي إلى أيام الراضي وأبعد عن ~~العراق. فلما تولى ابن مقلة الوزارة تقدم بقتله وأرسل إليه من قطع رأسه، ~~وحمل رأسه إلى دار الخلافة في سفط، فجعل السفط في الخزانة، وكانت لهم عادة ~~بمثل ذلك، فحدث أنه لما وقعت الفتنة ببغداد في أيام المتقي أخرج من الخزانة ~~سفط فيه يد مقطوعة ورأس مقطوع، وعلى اليد رقعة ملصقة عليها مكتوب: هذه اليد ~~يد أبي علي بن مقلة، وهذا الرأس رأس الحسين ابن القاسم، وهذه اليد هي التي ~~وقعت بقطع هذا الرأس. فعجب الناس من ذلك. # وزارة أبي الفضل جعفر بن الفرات: لم تطل أيامه ولم تكن له سيرة مأثورة ، ~~وقتل المقتدر وهو وزيره فاستتر، انقضت أيام المقتدر ووزرائه ثم ملك بعد ~~أخوه القاهر. # خلافة القاهر # هو أبو منصور محمد بن المعتضد، بويع سنة عشرين وثلثمائة. # وكان مهيبا مقداما على سفك الدماء أهوج محبا لجمع الأموال رديء السياسة، ~~صادر جماعة من أمهات أولاد المقتدر، وصادر أم المقتدر فعلقها برجل واحدة ~~منكسة الرأس وعذبها بصنوف عظيمة من الضرب والإهانة، واستخرج منها مائة ~~وثلاثين ألف دينار، وبقيت بعد ذلك أياما قليلة وماتت حزنا على ولدها ومما ~~جرى عليها من العذاب. # وفي سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة خلع القاهر. وكان سبب ذلك أن وزيره ابن ~~مقلة كان قد استتر خوفا منه، فكان يفسد عليه قلوب الجند ويحذرهم منه، وحسن ~~لهم أن هجموا عليه وخلعوه وسملوه حتى سالت عيناه على خديه، ثم حبس في دار ~~السلطنة ومكث في الحبس مدة ، ثم أخرج منه عند تقلب الأحوال، وكان مرة يحبس ~~ومرة يفرج عنه، فخرج يوما ووقف بجامع المنصور يطلب الصدقة من الناس، وقصد ~~بذلك التشنيع على المستكفي، فرآه بعض الهاشميين فمنعه من ذلك وأعطاه ~~خمسمائة درهم. ولم يجر في أيامه من الحوادث المشهورة ما يؤثر. # شرح حال الوزارة في أيامه : استوزر ابن ms192 مقلة وزير أخيه، وهي الوزارة ~~الثانية، وقد تقدم شرح طرف من سيرته فلا حاجة إلى إعادته. ثم استوزر محمد ~~بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ولم يتمكن من الوزارة ولا طالت ~~أيامه، ثم قبض عليه ونكبه، واتفق أن عرض له قولنج فمات بعقب ذلك. # انقضت أيام القاهر ووزرائه. في تلك الأيام نبعت الدولة البويهية. # دولة آل بويه: شرح حال دولة آل بويه وابتدائها وانتهائها: أما نسبهم ~~فيرتفع من بويه إلى واحد واحد من ملوك الفرس حتى يتصل بيهوذا بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم الخليل، عليه السلام، وكذلك إلى آدم أبي البشر، وليسوا من ~~الديلم وإنما سموا بالديلم لأنهم سكنوا بلاد الديلم . # أما ابتداؤها: فإنها دولة نبعت بما لم يكن في حساب الناس، ولم يخطر بعضه ~~ببال أحد، فدوخت الأمم وأذلت العالم واستولت على الخلافة، فعزلت الخلفاء ~~وولتهم، واستوزرت الوزراء وصرفتهم، وانقادت لأحكامها أمور بلاد العجم وأمور ~~العراق، وأطاعتهم رجال الدولة بالاتفاق. هذا بعد الضيق والفقر والذلة ~~والمسكنة ومعاناة الحاجة والاضطهاد، فإن جدهم أبا شجاع بويه وأباه وجده ~~كانوا كآحاد الرعية الفقراء ببلاد الديلم، وكان بويه صياد السمك، وقد كان ~~معز الدولة بعد تملكه البلاد يعترف بنعمة الله تعالى ويقول: كنت أحتطب ~~الحطب على رأسي. # فكان من مبدأ دولتهم ما حدث به شهريار بن رستم الديلمي قال: كان أبو شجاع ~~بويه في مبدإ أمره صديقا لي، فدخلت عليه يوما وقد ماتت زوجته أم أولاده ~~الثلاثة الذين تملكوا البلاد، وهم عماد الدولة أبو الحسن علي وركن الدولة ~~أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسين أحمد، وقد اشتد حزن أبي شجاع بويه ~~على زوجته، فعزيته وسكنت قلقه ونقلته إلى منزلي وأحضرت له طعاما وجمعت إليه ~~أولاده الثلاثة، فبينا هم عندي إذ مر بالباب شخص يقول: المنجم المعزم، مفسر ~~المنامات، كاتب الرقي والطلسمات. فاستدعاه أبو شجاع بويه وقال له: قد رأيت ~~البارحة رؤيا ففسرها لي. # رأيت كأني أبول فتخرج مني نار عظيمة ثم إنها استطالت وعلت حتى كانت تبلغ ~~السماء ms193 ثم انفرجت فصارت ثلاث شعب وتولد من تلك الشعب عدة شعب فأضاءت الدنيا ~~بتلك النيران . PageV01P102 فقال المنجم: هذا منام عظيم ولا أفسره إلا ~~بخلعة وفرس. فقال له بويه: والله ما أملك إلا الثياب التي على جسدي، وإن ~~أعطيتك إياها بقيت عريانا. قال: المنجم: فعشرة دنانير. فقال له بويه: والله ~~ما أملك دينارين فكيف عشرة؟ ثم إنه أعطاه شيئا يسيرا، فقال المنجم: اعلم ~~أنه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ويعلو ذكرهم في الآفاق، ~~كما علت تلك النار، ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب ~~المتفرقة. فقال له بويه: أما تستحي تسخر بنا؟ أنا رجل فقير مضطر، وأولادي ~~هؤلاء فقراء مساكين، فمن أين هم والملك؟ فقال له المنجم: فأخبرني عن وقت ~~ولادة واحد واحد من أولادك . فأخبره بويه بذلك، فجعل ينظر في اصطرلابه ~~وتقاويمه، ثم نهض المنجم وقبل عماد الدولة أبي الحسن علي وقال: هذا والله ~~الذي يملك البلاد، ثم يملك هذا من بعده، وقبض على يد أخيه أبي علي الحسن، ~~فاغتاظ منه أبو شجاع بويه وقال لأولاده: اصفعوه فقد أفرط في السخرية بنا. ~~فصفعوه ونحن نضحك منه، فقال المنجم: لا بأس بهذا إذا ذكرتم لي هذا الحال ~~عند ولايتكم. فأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم وانصرف. # وأما ترقي أولاد أبي شجاع بويه، فإنهم دخلوا في زي الأجناد وانضافوا إلى ~~العساكر، ومازالوا ينتقلون في خدمة ملوك العجم من واحد إلى واحد ومن حال ~~إلى حال حتى ارتفع حال عماد الدولة وتولى الكرج، ولاه إياها مرداويج، ثم ~~تنقل منها إلى غيرها حتى تملك قطعة من أعمال فارس، ثم عرضت مملكته حتى كتب ~~إلى الراضي الخليفة يسأله أن يقاطعه على أعمال فارس، ثم عرضت مملكته حتى ~~كتب إلى الراضي الخليفة يسأله أن يقاطعه على أعمال فارس في كل سنة بعد ~~النفقات والإطلاقات بما يحمله إلى دار الخلافة، وهو ثمانمائة ألف ألف درهم، ~~على أن يبعث الخليفة إليه بخلعة السلطنة والمنشور. فبعث الراضي إليه بذلك ~~على يد رسول أرسله إليه ms194 وأوصاه ألا يسلم الخلعة والمنشور إليه حتى يقبض منه ~~المال. فلما وصل الرسول إليه غالطه وأخذ الخلعة منه فلبسها والمنشور فقرأه ~~على رؤوس الأشهاد، وقويت نفسه بذلك، ووعد الرسول بالمال ودافعه مدة، فمات ~~الرسول عنده وتقلبت الأحوال بالخلافة فكسر المال واستبد بالأمر. وكان عماد ~~الدولة أول ملوكهم، ثم ملك منهم واحد بعد واحد حتى انقضت دولتهم . # وأما انتهاؤها: ففي آخر أمرها ضعف حالها، ومازال يتزايد ضعفها حتى انتهت ~~نوبة الملك إلى عز الدولة بن جلال الدولة أبي طاهر، فجرى بينه وبين كاليجار ~~حروب أفضت إلى أنه هرب منه وأقام بشيراز، ومات في سنة إحدى وأربعين ~~وأربعمائة، وعليه انقرض ملكهم. # ثم ملك بعد القاهر ابن أخيه الراضي بالله. # ؟خلافة الراضي بالله # هو أبو العباس أحمد بن المقتدر بن المعتضد، بويع في سنة اثنتين وعشرين ~~وثلثمائة . # كان شاعرا فصيحا لبيبا ختم الخلفاء في أشياء، منها أنه آخر خليفة دون له ~~شعر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الملك، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة، ~~وآخر خليفة جالس الندماء ووصل إليه العلماء، وآخر خليفة كانت مراتبه ~~وجوائزه وخدمه وحجابه تجري على قواعد الخلفاء المتقدمين. # وفي أيامه سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة عظم أمر مرداويج بأصفهان، وهو رجل ~~خرج بتلك النواحي، وقيل إنه يريد أن يأخذ بغداد وينقل الدولة إلى الفرس ~~ويبطل دولة العرب، فورد الخبر في أيام الراضي بأن غلمان مرداويج اتفقوا ~~عليه فقتلوه. # وفي أيام الراضي ارتفع أمر أبي الحسن علي بن بويه. # وفي أيام الراضي ضعف أمر الخلافة العباسية، فكانت فارس في يد علي ابن ~~بويه، والري وأصفهان والجبل في يد أخيه الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر ~~وديار ربيعة ومضر في أيدي بني حمدان، ومصر والشأم في يد محمد ابن طغج، ثم ~~في أيدي الفاطميين، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الأموي، وخراسان ~~والبلاد الشرقية في يد نصر بن أحمد الساماني. وكانت وفاة الراضي في سنة تسع ~~وعشرين وثلثمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: أول وزرائه أبو علي بن مقلة، وهي ms195 الوزارة ~~الثالثة من وزارات ابن مقلة، بذل فيها خمسمائة ألف دينار حتى استوزره ~~الراضي، ثم شغب الجند وجرت فتنة أوجبت عزله، فعزله الراضي واستوزر عبد ~~الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح، وقد مضى من أخبار ابن مقلة ما فيه ~~كفاية. # وزراة عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح: PageV01P103 لما قبض الراضي على ابن ~~مقلة أحضر علي بن عيسى بن الجراح وأراده على الوزارة، فأبى وامتنع وأظهر ~~العجز، فاستشاره فيمن يوليه، فاشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى، فأحضره وقلده ~~الوزارة وركب والموكب بين يديه، ثم لم تطل أيامه واختلت الأمور عليه ~~فاستعفى من الوزارة فقبض عليه، ولم يكن له سيرة تؤثر. # وزارة أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي: لما قبض الراضي على عبد الرحمن بن ~~عيسى استوزر أبا جعفر بن القاسم الكرخي، وكان قصيرا جدا في غاية القصر. ~~فاحتاجوا أنهم قطعوا من قوائم سرير الخلافة أربع أصابع حتى يتمكن الكرخي ~~الوزير من مشاورة الخليفة، وتطير الناس من ذلك، وقالوا هذا مؤذن بنقض ~~الدولة، فكان الأمر كما قالوا عليه، واختلفت الأحوال واضطربت الأمور لديه ~~فاستتر قالوا : لما أراد الاستتار قلع رأس مزملة وجلس فيها وأخرجت المزملة ~~على أنها مزملة وهو في وسطها، ومازال مستترا حتى ظهر وصودر ثم خلص. # وزارة سليمان بن الحسن بن مخلد: لما عجز الكرخي عن النهوض بأعباء الوزارة ~~واستتر، أحضر الراضي بالله سليمان بن الحسن بن مخلد واستوزره وخلع عليه خلع ~~الوزارة، ثم إنه عجز عن تدبير الأمور لتغلب أصحاب السيوف على المملكة، فلما ~~رأى الخليفة الراضي عجز وزيره سليمان بن الحسن بن مخلد أرسل إلى ابن رائق، ~~وهو أكبر الأمراء، فاستماله وسلم الأمور إليه ورتبه أمير الأمراء وكلفه ~~تدبير المملكة، فانضم إليه أمراء العسكر وصاروا حزبا واحدا وحضروا بين يدي ~~الخليفة فأجلسهم فوق الوزير، واستبد ابن رائق أمير الأمراء بالأمور وولى ~~النظار والعمال ورفعت المطالعات إليه، ورد الحكم في جميع الأمور إلى نظره، ~~ولم يبق للوزير سوى الاسم من غير حكم ولا تدبير. ومن تلك الأيام اضطهدت ms196 ~~الخلافة العباسية، وخرجت الأمور منها، واستولى الأعاجم والأمراء وأرباب ~~السيوف على الدولة، وجبوا الأموال وكفوا يد الخليفة وقرروا له شيئا يسيرا ~~وبلغة قاصرة، ووهن من يومئذ أمر الخلافة. # وزارة أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات: لما استولى أمير الأمراء ابن ~~رائق على الأمور أشار على الراضي بالله بأن يولي الوزارة للفضل بن جعفر بن ~~الفرات، ظنا منه أنه يجتذب له الأموال، فأحضره الراضي وقلده الوزارة حدث ~~أبو الحسن بن ثابت بن سنان عن أبي الحسن علي بن هشام قال: لما تقلد الفضل ~~بن جعفر بن الفرات الوزارة لقيت ابن مقلة وكان معزولا مستترا، فقلت له: ~~يقبح بك يا سيدنا أن تتأخر عن لقاء هذا الوزير وتهنئه بوزارته. فقال: ما ~~آمنه ولا لي حاجة إلى الاجتماع به. فقلت: ينبغي أن تكتب إليه رقعة تعتذر ~~فيها تأخرك وتهنئه تهنئة تقوم مقام حضورك. فقال: أخاف أن يجيبني بما يستدعي ~~حضوري؛ وأنشدني لنفسه: # وقائلة: قد أضعت الصواب ... بتركك هذا الوزير الجديدا # فقلت لها: لا عداك السرور ... ولا كان قولك إلا سديدا # أمثلي تطاوعه نفسه ... على أن يرى خاضعا مستزيدا # كان رجلا متهورا واسع الصدر شريف النفس عالي الهمة، تنقل في الخدمات ~~وتقلبت به الأحوال من عسر ويسر ومصادرة وعزل، حتى أدى به سعة صدره وقوة ~~نفسه وكبر همته إلى جمع العساكر وركوب الأخطار، ثم تغلب على أعمال خورستان ~~والبصرة، فاستوزره الراضي ثم عزله وقلد الوزارة سليمان بن الحسن بن مخلد، ~~وقد مر ذكره فلا حاجة إلى إعادته، وهو آخر وزرائه. # انقضت أيام الراضي بالله بن المقتدر ووزرائه . # ثم ملك بعده أخوه المتقي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله. # خلافة المتقي لله # بويع له سنة تسع وعشرين وثلثمائة، ولم يكن له من السيرة ما يؤثر، واضطربت ~~عليه الأمور، واستولى عليه رجل من أمراء الديلم يقال له توزون، فهرب المتقي ~~ومعه ابنه وأهله إلى الموصل خوفا على نفسه من حرب ببغداد. PageV01P104 وجرت ~~في تلك الأيام حروب وفتن، ونهبت دار الخلافة وأخذ ما كان بها، ms197 ثم إن توزون ~~كتب إلى المتقي يستميله وحلف له أيمانا غليظة أن لا يناله مكروه من جهته، ~~فاغتر المتقي بذلك وانحدر من الموصل إلى بغداد ووصل إلى السندية من نهر ~~عيسى، فخرج توزون إلى تلقيه والناس كافة. فلما رآه توزون قبل الأرض، وكان ~~قد أوصى جماعة من أصحابه سرا أن يحتاطوا به، فاحتاطوا به وأدخلوه إلى ~~خيمته، ثم قبض عليه وسمل عينيه وخلعه وبايع المستكفي. ومات المتقي في سنة ~~خمسين وثلثمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: أقر سليمان بن الحسن بن مخلد على وزارته أربعة ~~أشهر، ثم استوزر أبا الخير أحمد بن محمد بن ميمون، ولم يكن له سوى الاسم من ~~الوزارة، ولم يكن له سيرة تؤثر، ثم جرت أمور أدت إلى القبض عليه وإلى عزله. # وزارة أبي عبد الله البريدي: قد سبق حال تغلبه وقوة نفسه وجمعه للعساكر، ~~ثم إنه في أيام المتقي وصل إلى بغداد ومعه جموع كثيرة، فأظهر المتقي السرور ~~به ثم استوزره وهو كاره لذلك، وجرت بينه وبين المتقي مراسلات أدت إلى أنه ~~أرهبه وأفزعه، فحمل إليه خمسمائة ألف دينار، ووقعت حروب بين البريدي وأمراء ~~العسكر، فنهبوا داره وانهزم إلى واسط، فكان وقوع اسم الوزارة عليه دون شهر. # وزارة أبي اسحق محمد بن إبراهيم الإسكافي المعروف بالقراريطي: لم تطل ~~أيامه فلبث في الوزارة حدود أربعين يوما، وكان سبب وزارته أنه حضر يوما ~~مجلس أمير الأمراء وهو يصادر قوما من الكتاب ويعسفهم وهم يلطون عليه، فخلا ~~القراريطي ببعض أصحاب أمير الأمراء وقال له: إن استوزرني الأمير نهضت له ~~بأضعاف هذا وجمعت له الأموال، وما أحوجه إلى هذا الصداع. فاستوزره توزون ~~بعد يومين، ثم بعد أيام قبض عليه واستوزره الكرخي، فلم تطل أيامه أيضا، ~~ولبث فيها نحو خمسين يوما. # وزارة البريدي مرة ثانية: استوزره المتقي وكاتبه بالإصعاد إلى بغداد، ~~فأصعد من واسط فاستوزر، ومكث في الوزارة دون شهر ولم يستتب له أمر، وجرت ~~بينه وبين المتقي حروب، وكانت تلك الأيام أيام فتن. ولما تولى أبو عبد الله ~~البريدي ms198 الوزارة هجاه أبو الفرج الأصفهاني مصنف كتاب الأغاني بقصيدة طويلة ~~أولها: # يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي ... قد تولى الوزارة ابن البريدي # منها : # يا لقومي لحر صدري وعولي ... وغليلي وقلبي المعمود # حين سار الخميس يوم خميس ... بالبريدي في ثياب سود # قد حباه بها الإمام اصطفاء ... واعتمادا منه لغير عميد # خلع تخلع العلى ولواء ... عقده حل عقدة المعقود # وزارة أبي العباس أحمد بن عبيد الله الأصفهاني : مكث في الوزارة حدود ~~خمسين يوما، ولم يكن له علم ولا نظر في الأمور وضعف أمر الوزارة والوزراء ~~في تلك الأيام ضعفا كثيرا. # وزارة أبي الحسين علي بن أبي محمد بن مقلة: استورزه المتقي ولم تطل ~~أيامه، وخلع المتقي وهو وزيره. # انقضت أيام المتقي ووزرائه ثم ملك بعده أبو القاسم عبد الله المستكفي بن ~~المكتفي بن المعتضد . # خلافة المستكفي PageV01P105 بويع له سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة. ورد ~~الخبر إليه بوصول معز الدولة ابن بويه فخاف خوفا شديدا، واضطرب الناس، ~~وأهدى المستكفي إلى معز الدولة ألطافا وفاكهة. ووصل معز الدولة إلى حضرة ~~المستكفي فرد إليه إمارة الأمراء وأعطاه الطوق والسوار وآلة السلطنة وعقد ~~له لواء. وهو أول ملوك بني بويه في الحضرة الخليفية، وهو الذي لقبه معز ~~الدولة، ولقب أخاه الآخر عماد الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم على الدينار ~~والدرهم. ونزلت الديلم دور الناس ببغداد ولم يكن يعرف ذلك من قبل. ثم إن ~~معز الدولة ركب يوما إلى دار الخلافة وسلم على المستكفي وقبل الأرض بين ~~يديه، وأمر المستكفي فطرح كرسي فجلس عليه معز الدولة، ثم تقدم إلى المستكفي ~~رجلان من الديلم بمواطأة معز الدولة فمدا أيديهما نحوه، فظن المستكفي أنهما ~~يريدان تقبيل يده، فمد يده فجذباها ونكساه من السرير ووضعا عمامته في عنقه ~~وسحباه. ونهض معز الدولة، وضربت البوقات والطبول، واختلط الناس ودخل الديلم ~~إلى حرم الخليفة، وحمل المستكفي إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، وخلع من ~~الخلافة ونهبت داره وسملت عيناه، ولم يزل في دار السلطنة معتقلا حتى توفي ~~سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة. # شرح حال ms199 الوزارة في أيامه: أول وزرائه السامري أبو الفرج محمد بن علي، لم ~~يكن له حكم ولا استبداد ولم تطل أيامه وقبض عليه؛ وهجاه بعض الشعراء بقول: # الآن إن كفر المقتر رزقه ... قالوا: كفرت فخف عقاب النار # أأكون رجلي مركبي وجنيبتي ... خفي على ذل بذاك وعار # والسر من رائي في إصطبله ... مائتا عتيق فاره مختار # كلب حمار بالخيول، وكاتب ... فطن يضيق به كراء حمار # أنا قد دهشت فعرفوني أنتم ... هذا من الإنصاف في الأقدار! # ثم اضطربت أحوال الخلافة ولم يبق لها رونق ولا وزارة وتملك البويهيون، ~~وصارت الوزارة من جهتهم والأعمال إليهم، وقرر للخلفاء شيء طفيف برسم ~~إخراجاتهم. # انقضت أيام المستكفي ووزرائه. # ثم ملك بعده المطيع لله أبو القاسم الفضل بن المقتدر. # خلافة المطيع لله # بويع سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وثلثمائة، وكان أمره ضعيفا، في أيامه رد ~~الحجر الأسود إلى مكانه، وكانت القرامطة الخوارج قد أخذوه ثم ردوه، وقالوا ~~قد أخذناه بأمر ورددناه بأمر. وقوي الفالج على المطيع وثقل لسانه فدخل عليه ~~سبكتكين حاجب معز الدولة فدعاه إلى خلع نفسه ومبايعة ولده الطائع، ففعل ذلك ~~وعقد الأمر لولده وخلع نفسه، ومات في سنة أربع وستين وثلثمائة. # ثم ملك بعده ابنه عبد الكريم أبو بكر الطائع لأمر الله. بويع له سنة ثلاث ~~وستين وثلاثمائة. # خلافة الطائع لأمر الله # كان الطائع شديد المنة، كان قد استفحل عنده في البستان كبش جبلي وما جسر ~~أحد أن يدنو منه فخرج الطائع إليه فحمل الكبش عليه فثبت له حتى مكن يديه من ~~قرنيه، ثم استدعى نجارا وأمره بقطع قرنيه بالمنشار، فقطعهما النجار وهما في ~~يد الطائع. # وفي أيامه قويت شوكة آل بويه ووصل عضد الدولة إلى بغداد وانتشر حكم ~~البويهيين، ثم قبض البويهيون على الطائع في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، ~~وبويع بعده للقادر. # انقضت أيام الطائع لله. # ثم ملك بعده القادر أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر. بويع له سنة ~~إحدى وثمانين وثلاثمائة. # خلافة القادر # كان القادر من أفاضل خلفائهم، حسن الطريقة والسمت، كثير الخير ms200 والدين ~~والمعروف والعبادة، تزوج بنت بهاء الدولة بن عضد الدولة على صداق مبلغه ~~مائة ألف دينار، وفي أيامه تراجع وقار الدولة العباسية ونمى رونقها وأخذت ~~أمورها في القوة. ومكث القادر في الخلافة مدة طويلة، ومات في سنة اثنتين ~~وعشرين وأربعمائة. # ثم ملك بعده ابنه أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله. بويع في سنة ~~اثنتين وعشرين وأربعمائة . # خلافة القائم بأمر الله # كان القائم من أفاضل خلفائهم وصلحائهم. وطالت مدته في الخلافة وزاد به ~~وقار الدولة ونمت قوتها. وفي أيامه انقرضت دولة بني بويه وظهرت دولة بني ~~سلجوق. # شرح حال الدولة السلجوقية وابتدائها وانتهائها: PageV01P106 هذه دولة ~~قويت شوكتها وعرضت مملكتها ونفذت تقدماتها في الحضرة الخليفية، واستولت على ~~الخلافة، وخطب لها على المنابر، وضربت أسماء ملوكها على الدرهم والدينار. # ذكر ابتداء حالهم: هم قوم أصلهم من الترك الخزر، وكانوا يخدمون مع ملوك ~~الترك. ونشأ جدهم سلجوق وكانت أمارات النجابة لائحة عليه، ودلائل السعادة ~~ظاهرة على حركاته، فقربه ملك الترك واختص به ولقبه شباشي، ومعناه في لغتهم ~~قائد الجيش. فنبغ سلجوق بعلو همته واستمال قلوب الرجال بكرمه وعقله ~~وانقادات الأكابر إليه. فيقال إن زوجة ملك الترك قالت لزوجها: إني أتوسم في ~~سلجوق تغلا عليك، والرأي عندي أن تقتله فقد كثر ميل الناس إليه. فقال لها: ~~سوف أبصر ما أصنع في أمره. # ثم أحس سلجوق بشيء من ذلك العزم، وظهر له التغير، فجمع عشيرته ومن تبعه ~~وحالفهم، واستجلب من أطاعه، وصار قائدا معظما للغز، ونفر بهم من بلاد الترك ~~إلى بلاد المسلمين. فلما دخلها أظهر الإسلام، ليكون المسلمون عونا له ~~وليمكنوه من المراعي والمساكن. فنزل بالجند وشرع في غزو من قاربه من أصناف ~~الترك، وكان لملك الترك إتاوة على تلك البلاد المتاخمة له، فقطعها سلجوق ~~وطر نوابه، ومات سلجوق وعمره مائة سنة. # ثم نشأ أولاده في القوة والنعمة والدولة فاستولوا على كل موضع استضعفوه ~~من بلاد العجم. ومازال أمرهم ينمى حتى ملك طغرلبك، وهو أول سلاطينهم، طائفة ~~من بلاد العجم. ومازال أمره يقوى حتى ms201 تغلب البساسيري على بغداد ونهبها وقتل ~~من بها، وأخرج الخليفة القائم فحبسه بقلعة الحديثة. # وكانت فتنة البساسيري فتنة عظيمة. فحينئذ كتب القائم إلى طغرلبك السلطان ~~يستدعيه إلى بغداد لينصره على البساسيري، فسار طغرلبك بعساكره إلى بغداد، ~~فلما سمع البساسيري بذلك انتفض عليه أمره وفارق بغداد، ودخل طغرلبك إلى ~~بغداد وأعاد رونق الدولة الخليفية، وخطب له بالسلطنة على منابر بغداد . # وكان ذلك أول سلطنتهم بالحضرة. وأما انتهاؤها فإنها مازالت أمورها تضعف ~~حتى انقرضت بالكلية في أيام الناصر، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة، فتعالى ~~الله. ومات القائم في سنة سبع وستين وأربعمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: وزر له فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن ~~جهير وزارة ابن جهير : كان فخر الدولة من عقلاء الرجال ودهاتهم. كان في ~~ابتداء أمره فقيرا مدقعا وترامت به الأسباب. فمن مبادئها أنه كان جالسا ~~بالكرخ يوما فعبر عليه غسال ممن يغسل بالخربات ومعه فصوص عتق قد استحالت ~~ألوانها، فاشتراها منه بثلاثة دنانير وجلا بعضها، فخرج أحدها ياقوتا أحمر، ~~وخرج الآخر فيروزجا جيدا، فصاغ لكل واحد منهما خاتما من ذهب. ثم إنه تقلبت ~~به الأمور حتى مضى في رسالة إلى ملك الروم فمد له الخاتمين، فأعطاه عشرين ~~ألف دينار فكانت أصل غناه ونعمته. # ثم تنقل في الخدمات حتى اتصل بابن مروان صاحب ديار بكر فخدمه مدة وأثرى ~~عنده ثروة ضخمة، فسمت همته إلى وزارة الخليفة، فأرسل سرا إلى القائم وعرض ~~عليه نفسه وبذل له ثلاثين ألف دينار. فأرسل القائم بعض خواصه في رسالة إلى ~~ابن مروان، وكان غرضه من إرسال ذلك الرسول أن يجتمع بفخر الدولة سرا، وقرر ~~معه ما أراد. ثم لما أراد الرسول الرجوع إلى بغداد خرج فخر الدولة كأنه ~~يودعه فانحدر معه إلى بغداد، وكان قبل ذلك قد فرق أمواله بالبلاد وأنفذ ~~منها شيئا إلى بغداد. # فلما وصل الرسول إلى بغداد وصحبته فخر الدولة أرسل القائم إليه أصحابه ~~يتلقونه، ثم خلع عليه خلع الوزارة. ونهض فخر الدولة بأمور الوزراة أحسن ~~نهوض، وكانت ms202 الأطراف المتاخمة للعراق عاصية على الخليفة وكان ملوكها أصدقاء ~~فخر الدولة فكاتبهم وراسلهم واستمالهم فدخلوا في طاعة الخليفة. ثم عزل فخر ~~الدولة عن الوزارة بسبب كدر جرى بينه وبين نظام الملك وزير السلطان. ثم ~~أعيد فخر الدولة إلى الوزارة. ولما أعيد إلى منصبه قال ابن الفضل الشاعر ~~يمدحه: # قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به # ما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه # ولما عاد إلى الوزارة فرح الناس به فرحا شديدا، فيقال: إنه سقاء ذبح ثورا ~~له لم يكن يملك غيره وتصدق بلحمه، فأعطاه الوزير بغلا بآلته وأعطاه معه ~~شيئا من الذهب. PageV01P107 ولما مات القائم قام الوزير فخر الدولة بأخذ ~~البيعة للمقتدي أحسن قيام. وكانت مدة وزارته للخليفتين القائم والمقتدي خمس ~~عشرة سنة وشهرا، ومات بعد ذلك في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. # وزارة رئيس الرؤساء علي بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عمر بن المسلمة: ~~كان وزير القائم قبل ابن جهير، ومن أجله وقعت فتنة البساسيري، وكان قبل ~~الوزارة أحد المعدلين ببغداد وممن له معرفة بالفقه وأنس بالعلم ورواية ~~الحديث، وجل أمره، وعظمت منزلته، ووقع بينه شر وبين البساسيري أبي الحارث ~~التركي، وكان أحد الأمراء، فاقتضى الحال أن البساسيري هرب ثم جمع الجموع ~~وورد إلى بغداد واستولى عليها، ثم ظفر بابن المسلمة رئيس الرؤساء فمثل به. # فمن جملة ما فعل به أنه حبسه ثم أخرجه مقيدا وعليه جبة صوف وطرطور من لبد ~~أحمر وفي رقبته مخنقة فيها جلود مقطعة شبيهة بالتعاويذ، وأركب حمارا وطيف ~~به في المحال ووراءه من يضربه بجلد وينادي عليه، ورئيس الرؤساء يقرأ: قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وشهرة في البلد. # فلما اجتاز بالكرخ نثر عليه أهل الكرخ المداسات الخلع وبصقوا في وجهه، ~~ووقف بإزاء دار الخلافة من الجانب الغربي، ثم أعيد وقد نصبت له خشبة في باب ~~خراسان، فأنزل عن الحمار وخيط عليه جلد ثور قد سلخ في الحال وجعلت قرونه ms203 ~~على رأسه وعلق بكلاب في حلقه، واستبقي في الخشبة حيا إلى أن مات من يومه. # انقضت أيام القائم بأمر الله ووزرائه. # ثم ملك بعده ابن ابنه المقتدي بأمر الله، وهو أبو القاسم عبد الله بن ~~الذخيرة ابن القائم. بويع في سنة سبع وستين وأربعمائة. # ؟خلافة المقتدي بأمر الله كان المقتدي عالي الهمة خبيرا بالأمور، من ~~أفاضل خلفائهم، اتفق مع السلطان ملكشاه واقعة عجبية. كان السلطان ملكشاه قد ~~قصد بغداد فوصلها في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وقد تغيرت نيته على ~~المقتدي، فأرسل ملكشاه إلى المقتدي يقول له: تخرج من بغداد وتسكن أي بلد ~~شئت. فانزعج المتقدي من ذلك وطلب منه أن يمهله شهرا. فقال ملكشاه: ولا ساعة ~~واحدة. وترددت الرسل بينهما، ثم استقرت الحال بوساطة تاج الملك أبي الغنائم ~~وزير ملكشاه أن يؤخره عشرة أيام. فقال ملكشاه: يجوز. ففي عيد الفطر صلى ~~السلطان وخرج إلى الصيد، فحم وافتصد، فتوفي في نصف شوال، وضبطت زوجته زبيدة ~~خاتون العسكر بعد موته، واستقر مع المقتدي ترتيب ابنها محمود في السلطنة، ~~وعمره يومئذ ست سنين، فخطب له وخلع المقتدي عليه، وخرج العسكر وخاتون ~~وابنها محمود بن ملكشاه إلى أصفهان وكفى الله المقتدي شر ملكشاه. وتوفي ~~المقتدي فجأة في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع المقتدي بالخلافة أقر فخر الدولة بن ~~جهير وزير أبيه على وزارته، وقد مضى من سيرته ما يغني عن ذكر شيء آخر. # وزارة ابنه عميد الدولة محمد بن محمد بن محمد بن جهير: كان القائم ~~والمقتدي يرسلانه في رسائل إلى السلاطين فتنجح على يده. وكان فاضلا حصيفا، ~~فاستحلاه نظام الملك وزير السلطان، وكان يعجب منه ويقول: وددت أني ولدت ~~مثله. ثم زوجه ابنته واستوزره المقتدي وفوض الأمور إليه، ثم عزله فشفع له ~~نظام الملك فأعيد إلى الوزارة. # فقال ابن الهبارية الشاعر في ذلك يهجو عميد الدولة: # لولا صفية ما استوزرت ثانية ... فاشكر حرا صرت مولانا الوزير به # صفية هي بنت نظام الملك الوزير التي تزوجها عميد الدولة. ms204 # ثم وقع بين عميد الدولة وبين سلاطين العجم وقعة فطلبوا من الخليفة عزله، ~~وأشار أصحاب الخليفة بذلك فعزله، وحبس بباطن دار الخلافة ثم أخرج ميتا ~~فدفن، وكان يقول الشعر. فمن شعره: # إلى متى أنت في حل وترحال ... تبغي العلى والمعالي مهرها غالي # يا طالب المجد دون المجد ملحمة ... في طيها خطر بالنفس والمال # ولليالي صروف قلما انجذبت ... إلى مراد امرىء يسعى بلا مال # وزارة أبي شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين الهمذاني: PageV01P108 كان ~~رجلا دينا خيرا كثير الخير والبر والصدقة، وقف له على ثبت خرج على وجوه ~~البر والصدقات خاصة بما قدره مائة وعشرون ألف دينار، وكان الذي أورد هذا ~~الثبت كاتبا من جملة عشرة كتبة يكتبون صدقاته خاصة، ولما ولي ظهير الدين ~~المذكور كتب إليه ابن الحريري صاحب المقامات: # هنيئا لك الفخر فافخر هنيا ... كما قد رزقت مكانا عليا # وبت كآبائك الأكرمين ... لدست الوزراة كفأ رضيا # تحملت أعباءها يافعا ... كما أوتي الحكم يحيى صبيا # كان يصلي الظهر ويجلس لكشف المظالم إلى وقت العصر، وكان الحجاب ينادون في ~~الناس: من كانت له حاجة فليعرضها. # ومن مناقبه أنه لما وقعت الفتن بين السنة والشيعة بالكرخ وباب البصرة من ~~مدينة السلام تغاضى عن إراقة الدماء غاية التغاضي، حتى قال له المقتدي: إن ~~الأمور لا تمشي بهذا اللين الذي تستعمله، وقد أطمعت الناس بحلمك وتجاوزك، ~~ولابد من نقض دور عشرة من كبار أهل المحال حتى تقوم السياسة وتسكن هذه ~~الفتن. # فأرسل الوزير إلى المحتسب وقال له: قد تقدم الخليفة بنقض دور عشرة من ~~كبار أهل المحال ولا تمكنني المراجعه فيهم، وما آمن أن يكون فيهم أحد غير ~~مستحق للمؤاخذة، أو أن يكون الملك ليس له، فأريد أن تبعث ثقاتك إلى هذه ~~المحال وتشتري أملاك هؤلاء المتهمين، فإذا صارت الأملاك لي نقضتها، وأسلم ~~بذلك من الإثم ومن سخط الخليفة، ونقده الثمن في الحال. ففعل المحتسب ذلك، ~~ثم بعد ذلك أرسل ونقضها. # وحج بيت الله تعالى، ولم يؤرخ عن وزير أنه حج في أيام وزارته ms205 إلا هذا، ~~فإن الوزراء قبله كانوا يحجون بعد خلوهم في الوزارة، إلا البرامكة فإنهم ~~حجوا في حال وزارتهم. # وطلب السلطان جلال الدولة ملكشاه من المقتدي عزل هذا الوزير، فخرج توقيع ~~المقتدي بعزله على حالة جميلة لم يصرف بمثلها وزير. وانصرف إلى داره وهو ~~ينشد: # تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق # ثم اعتزل وتزهد ولبس ثياب القطن وتوجه إلى الحج، وأقام بمدينة الرسول، ~~صلوات الله عليه وسلامه، فكان يكنس المسجد النبوي ويفرش الحصر ويشعل ~~المصابيح وعليه ثوب من غليظ الخام، وبدأ بحفظ القرآن وختمه هناك، وله شعر ~~لا بأس به، فمنه قوله: # إن من شتت الجميع من الشم ... ل قدير بأن يجمع أهلا # لست مستيئسا وإن طال هجر، ... رب هجر يكون عقباه وصلا # وإذا أعقب الوصال فراقا ... كان ذاك الوصال في القلب أحلى # ومات، رضي الله عنه، في سنة عشرة وخمسمائة. # انقضت أيام المقتدي بأمر الله ووزرائه . # ثم ملك بعده ابنه المستظهر بالله أبو العباس أحمد. بويع له بالخلافة في ~~سنة سبع وثمانين وأربعمائة. # ؟؟خلافة المستظهر بالله # كان المستظهر كريما وصولا: حسن الأخلاق كبير الهمة سهل العريكة مهذب ~~الخلال محبا للخير مبغضا للظلم. في أيامه تفاقم حال الباطنية واستولوا على ~~المعاقل والحصون بخراسان، وكان أصل دعوتهم بخراسان الحسن بن صباح، وهو رجل ~~أصله من مرو وسافر إلى مصر، وأخذ من دعاة آل أبي طالب بها المذاهب، وكان ~~رجلا ذا دهاء وصاحب حيل، ثم إنه رجع من مصر إلى خراسان وصار داعيا لآل أبي ~~طالب، وتوصل بأنواع التوصلات حتى ملك قلعة من بلاد الديلم تعرف بالروذبار. ~~فلما ملكها قوي أمره واستغوى طوائف من الناس وفشا مذهب الباطنية ونمى، ~~واعتقده خلق من الأكابر في باطن الأمر، ومازال يستفحل أمرهم إلى أن قصدت ~~العساكر المغولية قلاعهم وفعلت بها ما فعلت. ومات المستظهر في سنة اثنتي ~~عشرة وخمسمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: لم يكن للوزارة في أيامه كبير أبهة، فمن ~~وزرائه زعيم الرؤساء أبو القاسم علي بن فخر الدولة بن جهير، لم ms206 تطل أيامه ~~ولم يكن له من السيرة ما يؤثر. وبعد يسير من وزارته عزل وقبض عليه. # وزارة أبي المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب: PageV01P109 كان رجلا ~~كافيا من كفاة الدولة العباسية. استوزره المستظهر بعد زعيم الرؤساء ابن ~~جهير، وكان قبل الوزارة يتولى ديوان الزمام. فحدث عنه بعض أصحابه قال: دخلت ~~يوما إليه قبل الوزارة وهو صاحب ديوان فرأيته مفكرا مضطرب الخاطر، فسألته ~~عن السبب، فقال: كنت قد أنهيت إلى المستظهر في السنة الخالية اجتهادي في ~~عمارة البلاد وضبطي للارتفاع وتثميري للحاصل وقلت: قد حصل في هذه السنة ~~اثنا عشر ألف كر، وفي السنة المستقبلية يحصل عشرون ألف كر، فخرج جوابه ~~يشكرني ويثني علي، وشرفني بشيء من ثيابه، فسررت وقلت: هذه ثمرة الاجتهاد، ~~ثم جردت همتي للعمارة وانبعثت بجهدي وطاقتي في عمارة المستقبل، فاتفق أن ~~انفجر بثق فتلف من الارتفاع شيء كثير، وجرت أحوال أخر اقتضت خفوق الارتفاع ~~بحيث نقص عن ارتفاع السنة الخالية جملة. فكتبت مطالعة إلى الخليفة أعرفه ~~فيها بخفوق الارتفاع، وذكرت له كمية الحاصل، ولم أشرح له السبب في نقيصة ~~الارتفاع، وقلت في نفسي: إن سألني عن السبب شرحته له، فخرج جوابه إلي ~~يشكرني ويثني علي وشرفني بشيء من ثيابه كما فعل في السنة الخالية، فقال في ~~نفسي: واويلاه هذا حالي معه في حالة الاجتهاد والتقصير! وقد شكرني على ~~الحالتين المتناقضتين. وهذا يدل على أنه لا يفكر فيما يقوله ويفعله، فما ~~يؤمنني أن بعض من هو قريب إليه من أعدائي يعرض عليه في أمري ما يكون سببا ~~لهلاكي، فلا يتأمل القضية بل يتقدم بما يوافق غرض العدو؟ قال الحاكي فقلت ~~له: يعيذك الله ويقيك مما تحذر. وما برحت حتى سليته وأزلت غمه. وكان هذا ~~أبو المعالي بن المطلب من علماء الوزراء وأفاضلهم وأخيارهم. # انقضت أيام المستظهر بالله ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله. بويع في ~~سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. # خلافة المسترشد # كان المسترشد رجلا فاضلا. لما بويع بالخلافة هرب أخوه الأمير ms207 أبو الحسن ~~وأخفى نفسه، ومضى إلى الحلة مستجيرا بدبيس بن صدقة صاحب الحلة، وكان دبيس ~~بن صدقة أحد أجواد الدنيا. كان صاحب الدار والجار، والحمى والذمار، وكانت ~~أيامه أعيادا وكانت الحلة في زمانه محط الرحال، وملجأ بني الآمال، ومأوى ~~الطريد، ومعتصم الخائف الشريد. فأكرمه دبيس إكراما زائدا عن الحد، وأفرد له ~~دارا وأكرمه إكراما كثيرا، ومكث عنده مدة على أحسن حال. فلما علم أخوه ~~المسترشد بالله أنه عند دبيس قلق لذلك وخاف من أمر يحدث من ناحيته، فبعث ~~نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي إلى الحلة بخاتمه وأمانه، وأمره أن يأخذ ~~البيعة على دبيس ويطلب منه أن يسلم إليه الأمير أبا الحسن. # فقال دبيس: أما البيعة فالسمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين، وبايع. وأما ~~تسليم جاري فلا والله لا أسلمه إليكم وهو جاري ونزيلي ولو قتلت دونه إلا أن ~~أختار. فأبى الأمير أبو الحسن التوجه صحبة النقيب إلى أخيه، فمضى النقيب ~~وحده. # ثم بعد ذلك ظفر به المسترشد فسجنه في بعض دوره على حالة جميلة. وجرت بين ~~الخليفة المسترشد وبين السلطان مسعود وحشة وتفاقم الأمر فيها، وأفضى الحال ~~إلى الحرب، فتوجه الخليفة المسترشد وصحبته العسكر وأرباب الدولة، وتجهز ~~مسعود للقائهم. فلما التقوا والتحم القتال انكسر عسكر الدولة، وتجهز مسعود ~~للقائهم. فلما التقوا والتحم القتال انكسر عسكر المسترشد، واستظهر السلطان ~~مسعود عليهم ونهب عسكره من العسكر الخليفي أموالا عظيمة. فيقال إن صناديق ~~المال كانت على مائة وسبعين بغلا وهي أربعة آلاف ألف دينار وكان الرجل على ~~خمسمائة جمل وكان معه عشرة آلاف عمامة، وعشرة آلاف جبة، وعشرة آلاف قباء، ~~كل ذلك من فاخر الثياب، كان قد أعدها للتشريفات إن ظفر، فيقال إن جملة ما ~~يهب عشرة آلاف ألف دينار. # ونهى مسعود عن إراقة الدماء، وقبض على أصحاب الخليفة وحملهم إلى القلعة، ~~وأما الخليفة فأفرد له خيمة ووكل به جماعة. # موت المسترشد: PageV01P110 وسار مسعود والخليفة معه إلى مراغة، فوصل كتاب ~~السلطان سنجر إلى مسعود يأمره بالإحسان إلى الخليفة وإعادته إلى بغداد ~~مكرما معززا، ms208 وأن يتلافى الحال معه، وأن يرد عليه أمواله وأن يجعل له من ~~الحشم والبرك والأسباب أعظم وأجمل مما ذهب منه، ويعيده إلى بغداد على أتم ~~حال. فامتثل مسعود جميع ذلك وصنع له من البرك والأسرة والخيم والحمول أشياء ~~جميلة، ووقع العزم على العود إلى بغداد. واتفقت غفلة من مسعود والعسكر فهجم ~~جماعة من الباطنية على المسترشد فضربوه بالسكاكين في مخيمه بقرية بينها ~~وبين مرغة فرسخ واحد، وقتلوا معه جماعة من أصحابه. وحين علم مسعود بذلك ركب ~~منزعجا مظهرا للجزع وأخذ القوم فقتلهم، ثم نقل المسترشد على رؤوس العلماء ~~والأمراء إلى مراغة فدفن بها. وقبره الآن بها معروف تحت قبة حسنة رأيتها ~~عند وصولي إلى مراغة في سنة سبع وتسعين وستمائة. # واختلف الناس عند قتل المسترشد في سبب قتله؛ فقال قوم: إن مسعودا لم يعلم ~~بذلك ولا رضي به، وقال قوم: بل مسعود هو الذي واطأ الباطنية على قتله ~~وأمرهم بذلك، لأنه خافه حيث قويت نفسه على جمع الجموع وجر الجيوش، ولم ~~يمكنه قتله ظاهرا ففعل ما فعل من الإحسان إليه ظاهرا ثم قتله باطنا، ثم إنه ~~أخرج جماعة من أهل الجرائم فقتلهم وأوهم الناس أنه قد قتل قتلته، ثم أطلقهم ~~سرا. وذلك في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: من أفاضل وزرائه أبو علي الحسن بن علي بن ~~صدقة، كان فاضلا نحريرا عالما بقوانين الرياسة خيرا. استوزره المسترشد سنة ~~ثلاث عشرة وخمسمائة، ولقبه بجلال الدين سيد الوزراء صدر الشرق والغرب ظهير ~~أمير المؤمنين، وكانت له معرفة بالحساب وأعمال السواد، غير أنه لا ينسب ~~إليه شيء من الكرم. # ثم إن المسترشد قبض عليه وعزله عن الوزارة، ولم يكن ذلك عن إرادة من ~~المسترشد، وإنما دعته الضرورة إلى القبض عليه لأن وزير السلطان كان يتعصب ~~عليه. # ثم بعد ذلك بمديدة زال المانع فأعاده المسترشد إلى وزارته وخلع عليه خلع ~~الوزارة وتقدم إلى أرباب الدولة بالسعي بين يديه إلى الديوان. وهو أول وزير ~~مشى أرباب الدولة بين يديه رجالة. # كان ms209 الوزير ابن صدقة يوما جالسا في دست الوزارة فدخل عليه سديد الدولة بن ~~الأنباري كاتب الإنشاء، وفي كمة أبيات قد هجا فيها الوزير، فسقطت الرقعة من ~~كمة فمد الوزير يده سريعا وتناولها، فكان فيها من جملة أبيات: # أنت الذي كونه فساد ... في عالم الكون والفساد # فلما رآها سديد الدولة في يد الوزير سقطت قوته خوفا وخجلا، فلما قرأها ~~الوزير فطن القصة وصرف الهجو عن نفسه إلى سديد الدولة، وقال: أعرف هذه ~~الأبيات، ومن جملتها: # ولقبوه السديد جهلا ... وهو بريء من السداد # ونظم الوزير هذا البيت في الحال، فاستحيا السديد بن الأنباري وأمسك عن ~~الجواب. # ولما عزم السلطان سنجر على الوصول إلى بغداد وتوعد الخليفة، كتب إليه ~~الوزير ابن صدقة: والله لئن تحركت لأقطعن جميع ما وراءك عنك وأقطعك عنه، ~~ولئن سرت فرسخا لأسيرن إليك فرسخين. # ومرض الوزير أبو علي بن صدقة في آخر أيامه، فعاده المسترشد، وأنشده: # دفعنا بك الآفات حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا # ولم يزل أمره يضمحل حتى توفي في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. # وزارة الشريف أبي القاسم علي بن طراد الزينبي: هو أبو القاسم علي بن طراد ~~بن محمد نقيب النقباء ابن أبي القاسم علي نقيب النقباء ابن الحسن بن محمد ~~بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس. وإنما عرفوا بالزينبين لأن أمهم زينب بنت ~~سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، عرفوا بها. # كان مترويا من المعرفة بقوانين الوزارة وأسباب الرياسة، وهو الذي جمع ~~الناس على خلع الراشد، وقام في خلعه وأخذ البيعة للمقتفي القيام العظيم، ~~واتفق مع السلطان مسعود على ذلك، ووزر لخليفتين المسترشد والمقتفي. ~~PageV01P111 ولما استوزره المسترشد وشافهه بالولاية، قال له: كل من ردت ~~إليه الوزارة شرف بها إلا أنت فإن الوزارة شرفت بك، وحمل إليه الدست الكامل ~~من دار الخليفة، وتقدم إلى أرباب المناصب بالسعي بين يديه إلى الديوان، ~~ومكث على ذلك مديدة ms210 ثم قبض عليه المسترشد وعزله، ثم أعاده إلى أجمل ما كان ~~عليه. # فلما خرج المسترشد إلى حرب مسعود، كما تقدم شرحه، خرج الوزير معه. فلما ~~جرى على المسترشد ما جرى حظي الوزير عند السلطان مسعود وقربه وأعلى محله ~~واستصحبه صحبته إلى بغداد. وقام الوزير بين يديه في خلع الراشد وإجلاس ~~المقتفي القيام الذي عرفه مسعود وشكره عليه. وباقي أخباره ترد عند ذكر ~~وزارته للمقتفي. # وزارة الوزير أبي نصر أحمد بن الوزير نظام الملك: كان كريما جميل الصورة، ~~وزر للمسترشد بالله فشكرت سيرته. لما عزم المسترشد على عمارة سور بغداد قسط ~~على الناس خمسة عشر ألف دينار، فقام الوزير أبو نصر بها وأداها عن الناس من ~~ماله. ولم تطل أيامه فتوفي في سنة أربع وأربعين وخمسمائة. # وزارة أنوشروان بن خالد بن محد القاشاني: كان رجلا من أفاضل الناس ~~وأعيانهم وأخيارهم، تولى الوزارة للسلاطين وللخلفاء. وكان يستقيل من ~~الوزارة فيجاب إلى ذلك ثم يخطب لها فيجيب كارها. هو الذي صنف له ابن ~~الحريري المقامات الحريرية، وإليه أشار في أولها بقوله: فأشار من إشارته ~~حكم وطاعته غنم طلب الأرجاني الشاعر من الوزير أنوشروان خيمة، فأرسل إليه ~~بدنانير كثيرة وقال له: اشتر بها خيمة؛ فقال الأرجاني في ذلك: # لله در ابن خالد رجلاأحيا لنا الجود بعدما ذهبا # سألته خيمة ألوذ بها ... فجاد لي ملء خيمة ذهبا # وكان أنوشروان بن خالد كثير التواضع مشهورا بذلك يقوم لكل من يدخل عليه، ~~فهجاه ابن الهبارية الشاعر بقوله: # هذا تواضعك المشهور عن ضعة ... تبدو فمن أجلها بالكبر تتهم # قعدت عن صلة الراجي وقمت له، ... فذا وثوب على الطلاب لا لهم # وفيه يقول أيضا يشير إلى كثرة قيامه: # رأيت مشروبه يعبى ... مزاودا في يد الغلام # فقلت: لا يعرضن لشرب ال ... دواء من غير ما سقام # فما به حاجة إليه ... فإنه دائم القيام # وكان بين أنوشروان بن خالد وبين الوزير الزينبي عداوة وتباغض وتنافس على ~~الوزارة ، فعزل الوزير الزينبي وتولى أنوشروان بن خالد، فتقرب الناس إليه ~~بثلب الزينبي؛ فدخل الحيص ms211 بيص الشاعر عليه وأنشده قصيدة أولها: # شكرا لدهري بالضمير وبالفم ... لما أعاض بمنعم عن منعم # يشير إلى أنوشروان وإلى الزينبي. فاستحسن الناس منه ذلك واستدلوا به على ~~وفائه وحريته. ثم إن أنوشروان بن خالد مات وأعيد الزينبي إلى الوزارة فتقرب ~~الناس إليه بمسبة أنوشروان؛ فدخل عليه الحيص بيص وأنشده: # بقيت ولازلت بك النعل، إنني ... فقدت اصطباري يوم فقد ابن خالد # ومات أنوشروان في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. # انقضت أيام المسترشد بالله ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه الرشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد. # ؟خلافة الرشد بالله # بويع له بالخلافة عقيب وصول الخبر بقتل أبيه سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ~~وجهز الراشد عسكرا كثيفا وتوجه لمحاربة مسعود، وتوجه مسعود نحو العراق ~~طالبا لتملكه، فوصل إلى بغداد في خمسة آلاف فارس ودخلها، فكف الراشد عن ~~حربه وخرج منها متوجها إلى الموصل، ودخل السلطان مسعود بغداد واستبد بتدبير ~~الأمور فيها وأظهر العدل ومنع الجند من الأذى، وجمع القضاة والشهود وأخذ ~~خطوطهم بالقدح في الراشد وكنب محضرا بخلع الراشد وأثبته على القضاة، وتولى ~~ذلك له الوزير الزينبي. PageV01P112 وكان مسعود قد استشار الزينبي فيمن ~~يوليه الخلافة فقال له: يا مولانا هناك رجل يصلح لها. فسأله عن اسمه فقال ~~له: يا مولانا إن سميته أخاف أن يقتل، ولكن إذا دخلنا بغداد سميته لك. فلما ~~احتاجوا إلى إجلاس خليفة سمى الزينبي له أبا عبد الله محمدا المقتفي عم ~~الراشد، فبايع له وأجلسه على سرير الخلافة. ثم إن الراشد لم يتم له بالموصل ~~أمر، فسارعنها إلى أصفهان، فوثب عليه جماعة من الملاحدة فقتلوه على باب ~~أصفهان، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وقبره هناك معروف. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما أفضت الخلافة إليه استوزر جلال الدين أبا ~~الرضا محمد بن صدقة ولم تطل أيامه، وخاف مما جرى فالتجأ إلى زنكي بن آقسنقر ~~صاحب الموصل، فأجاره وأصلح أمره. ثم لما خرج الراشد من بغداد استخدم هذا ~~أبو الرضا في بعض الخدمات غير الوزارة. ومات في سنة ست وخمسين وخمسمائة. ms212 ~~ولم يكن له من السيرة ما يؤثر. # انقضت أيام الراشد ووزرائه. # ثم ملك بعده عمه المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر. بويع ~~له بالخلافة سنة ثلاثين وخمسمائة. # خلافة المقتفي لأمر الله # كان المقتفي من أفاضل الخلفاء، ولما أجلسه مسعود وبايع له، وكان قد أخذ ~~جميع ما بدار الخلافة من ذهب أو أثاث ورحل وغير ذلك، وتصرف نوابه في جميع ~~أعمال العراق، أرسل إلى المقتفي يقول له: اذكر ما تحتاج إليه أنت وكل من ~~يتعلق بك حتى أعين لك به إقطاعات. فأرسل إليه المقتفي يقول: عندنا بالدار ~~ثمانون بغلا تنقل الماء من دجلة ليشربه عيالنا فانظر أنت كم يحتاج إليه من ~~يشرب في كل يوم ماء يحمله ثمانون بغلا. فقال مسعود: لقد أجلسنا في الخلافة ~~رجلا عظيما فالله تعالى يكفينا شره. # وجرت في أيامه فتن وحروب بينه وبين سلاطين العجم، كانت الغلبة فيها له. ~~وثار في أيامه العيارون والمفسدون فنهض بقمعهم أتم نهوض. وتوفي المقتفي في ~~سنة خمس وخمسين وخمسمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه : أول وزرائه الزينبي أبو القاسم علي بن طراد ~~العباسي وزير أخيه المسترشد، استوزره حين بويع لأنه هو الذي قام في بيعته ~~وأشار على مسعود به، ومكث مدة في وزارة المقتفي، ثم جرت بينه وبينه وحشه ~~خاف فيها منه فاستجار بدار السلطان، وأقام بها مدة معتصما من المقتفي إلى ~~أن روسل الخليفة من جهة السلطان في معناه، فأذن في عوده إلا داره مكرما، ~~فانصرف إلى داره وأقام بها على قدم البطالة، واضمحل أمره ورق حاله ولقي ~~شقاء عظيما وضائقة شديدة، حتى إنه مرض فاشتهت نفسه شيئا من المشموم فلم ~~يقدر على ثمنه، وقد كان أنفق أكثر ماله لما كان مستجيرا بدار السلطان على ~~خواتينه وأتباعه وأرباب دولته، وكانت مواهبه دارة على أكثر أرباب الدولة ~~وغيرهم من العلماء والوافدين والطالبين، ولما مرض مرضته التي مات فيها كتب ~~إليه المقتفي رقعة يستميله فيها ويعده بكل جميل، فتمثل الوزير: # أنت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين ms213 لا ينفع الوصل # وقال: وصيتي حفظ حرمي وأطفالي. فلما توفي قام المقتفي بجميع ما يحتاج ~~إليه أولاده وصغاره وأجرى عليهم الجرايات الكثيرة. # وزارة نظام الدين أبي نصر المظفر بن علي بن محمد بن جهير البغدادي: كان ~~له أنس بالعلوم وخاصة بالحديث النبوي، صلوات الله على صاحبه. ولم تطل ~~أيامه، ولم يكن له من السيرة ما يؤثر. # وزارة مؤتمن الدولة أبي القاسم علي بن صدقة : بيته بيت مشهور بالوزارة ~~معروف بالرياسة. وكان مؤتمن الدولة حسن الصورة والخلق لكن لا علم عنده ~~بقوانين الوزارة، وكان كثير التعبد والصدقة. استوزره الخليفة المقتفي لأمر ~~الله. قالوا: كان هذا مؤتمن الدولة الوزير قليل الاشتغال بالعلم، وكان ضعيف ~~القراءة في الكتب، وكان قد أمن في قراءة جزء واحد من أجزاء القرآن وفي كتاب ~~واحد من كتب الأدب، فكان لا يزال الجزء المذكور والكتاب بين يديه يقرأ ~~فيهما قراءة جيده، فخفي على الناس حاله مدة وزارته، فلما مات ظهر ذلك عنه. ~~ولم يكن له من السيرة ما يؤثر. # وزارة عون الدين أبي المظفر يحيى بن هبيرة: PageV01P113 أول منشئه من ~~قرية تعرف بالدور من أعمال دجيل، تعرف اليوم بدور الوزير نسبة إلى هبيرة، ~~وكان أبوه أكارا بالقرية المذكورة. وكان يحث ولده على تحصيل الأدب وإدراك ~~الفوائد، وكان يردده صغيرا إلى بغداد ويحضره إلى مجالس الصدور وصدور ~~المجالس، وكان هو كما قيل: # ولها من نفسها طرب # ومات أبوه وهو صبي فتفرد بالاشتغال وتقلبت به تصاريف الأمور ومرت عليه ~~شدائد، وكابد من الفقر أهوالا، وتنقل في الخدمات فكان لا ينتقل من خدمة إلا ~~إلى أكبر منها، ومازال ينتقل من خدمة إلى أخرى أرفع منها حتى تقلد الوزارة ~~للمقتفي، فمكث فيها مدة ومشاهرته في كل سنة مائة ألف دينار. # وكان كريما جوادا سمحا لا يخرج من السنة وفي خزانته منها درهم واحد، وكان ~~المقتفي والمستنجد يقولان: ما وزر لبني العباس كيحيى بن هبيرة في جميع ~~أحواله. # وكان له في قمع الدولة السلجوقية يد قوية وحيل مرضية. # وكان وقورا حليما متواضعا. لما ms214 تولى الوزارة دخل الديوان وعليه الخلع، ~~فرأى غلاما من غلمان الديوان واقفا عن بعد، فاستدناه وتبسم في وجهه وأمر له ~~بذهب وكسوة، ثم قال: لا إله إلا الله، أذكر مرة وقد دخلت هذا الديوان وجلست ~~في بعض المجالس، فجاء هذا الغلام وجذبني بيدي وقال: قم فليس هذا مكانك، وقد ~~رأيته الساعة واقفا وأثر الخوف ظاهر عليه فأحببت أن أوانسه وأزيل رعبه. # ورأى يوما في الديوان جندبا، فقال لحاجبه: أعط هذا الجندي عشرين دينارا ~~وكر حنطة وقل له لا يدخل الديوان ولا يرينا وجهه. فتغامز الناس وتشوفوا إلى ~~معرفة السبب في ذلك. وفطن الوزير لذلك فقال لهم: كان هذا الجندي شحنة في ~~قريتنا، فقتل شخص من أهل القرية، فجاء هذا الشحنة وأخذ جماعة من أهل القرية ~~وأخذني معهم مكتوفا في عرض الفرس، وبالغ في أذاي وضربي ثم أخذ من كل واحد ~~منهم شيئا وأطلقه، وبقيت أنا معه، فقال لي: أعطني شيئا أخلصك. فقلت: والله ~~ما أملك شيئا. فأعاد علي الضرب والإهانة، ثم قال لي: اذهب إلى لعنة الله، ~~ثم أطلقني، فأنا لا أحب أن أرى صورة وجهه. # ومن أفكاره اللطيفة أن الوزراء كانوا قبله يلقبون ألقابا من جملتها سيد ~~الوزراء، فتقدم هو إلى الكتاب ألا يكتبوا هذا اللقب في ألقابه، وقال: إنني ~~فكرت في هذا فرأيت الله تعالى قد سمى هارون وزيرا، حتى قال عز من قائل ~~حكاية عن موسى، عليه السلام: واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ~~أزري . وسمعت عن النبي، عليه السلام، أنه قال: لي وزيران من أهل السماء ~~جبرائيل وميكائيل ووزيران من أهل الأرض أبو بكر وعمر. وقال، عليه السلام: ~~إن الله تعالى اختار لي أصحابا فجعلهم وزراء وأنصارا وحدث عنه بعض مجالسيه، ~~قال: كنا يوما عنده فدخل الحاجب وقال: يا مولانا بالباب رجل سوادي، يذكر ~~أنه فلان بن فلان ومعه شملة مكورة وهو يطلب الحضور بين يديك. فعرفه الوزير ~~وقال له: أدخله. قال: فدخل شيخ طويل من أهل السواد عليه ثياب غليظة من ~~القطن ms215 وعمامة فوط ملونة، وفي رجله جمجمان، فسلم على الوزير وقال: يا سيدي، ~~أم الصغيرات، يعني زوجته، لما علمت أني أجيء إلى بغداد قالت لي: سلم على ~~الشيخ يحيى ابن هبيرة واستوحش له، وقد خبزت لك هذا الخبيز على اسمك. فتبسم ~~الوزير وهش به وقال: جزاها الله خيرا. وحل تلك الشملة فإذا فيها خبز شعير ~~مشطور بكامخ التوث. فأخذ الوزير منه رغيفين وقال: هذا نصيبي من هذه الهدية، ~~وفرق الباقي على الصدور الحاضرين. وسأل الرجل عن حوائجه وحوائج زوجته ~~فقضاها، وقال للحاضرين: هذا كان جاري في قريتي وشريكي في زريع وأعرف منه ~~الأمانة. PageV01P114 ومن حيله أنه كان ببعض بلاد العجم رجل كلما أقيمت ~~الخطبة يوم الجمعة في الجامع يقوم ويذم الخليفة، ويدعو للسلطان، فاتصل ذلك ~~بالوزير ابن هبيرة، فأحضر شخصا من أهل بغداد وأمره أن يسافر إلى تلك ~~البلدة، وأعطاه عشرة دنانير ذهبا وقارورة فيها خطر، وقال له إذا دخلت ذلك ~~البلد وحضرت يوم الجمعة في الجامع ورأيت الرجل الذي يسب الخليفة فانهض ~~إليه، وأنت على زي التجار، وأمن على كلامه، وأظهر البكاء عند مسبة الخليفة، ~~وقل: إي والله! فعل الله به وصنع، وهل غربني عن عيالي ووطني وأفقرني غيره؟ ~~ثم افعل في الجمعة الثانية كذلك وقل له: قد حلفت أني أملأ فمك دنانير، وضع ~~هذه الدنانير حشو فمه، وأخرج عنه وبادر إلى استعمال هذا الخطر على وجهك ~~ولحيتك، فإنه يحدث في الوجه سمرة وفي شيب اللحية سوادا، وغير زيك حتى لا ~~تعرف فتهلك. ففعل الرجل ذلك، وكانت الدنانير مسمومة، فلما راح ذلك الرجل ~~إلى بيته مازال يتقلقل حتى مات من يومه. واستعمل الرجل المنفذ الصبغ فأخفى ~~به نفسه ورجع إلى بغداد. # ومن حيله أنه كان يكتب إلى ملوك الأطراف ملطفات صغارا في رق خفيف ويشق في ~~جلد ساق الركابي بمقدار ما يدخلها فيه ثم يتركه حتى يلتحم، ويسيره إلى حيث ~~أراد. ومن قوة جأشه وثباته أنه كان يوما جالسا بالديوان، وبين يديه الأمراء ~~والصدور والأكابر، فسقطت من السقف حية كبيرة ms216 فوقعت على كتف الوزير وسرحت من ~~كتفه إلى حجره، فنفر كل من كان هناك من أرباب الدولة عن مستقره وانزعجوا عن ~~مراتبهم والوزير جالس لم يتحرك عن مكانه ولا تغير من دسته، ما كان وقع عليه ~~شيء، ثم أمر المماليك بقتلها، فقتلت بين يديه. # وفي الجملة فكان ابن هبيرة من أفاضل الوزراء وأعيانهم وأما جدهم، له في ~~تدبير الدولة وضبط المملكة اليد الطولى، وله في العلوم والتصانيف التبريز ~~على أهل عصره، وله أشعار كثيرة، فمنها: # يقين الفتى يزرى بحالة حرصه ... فقوة ذا عن ضعف ذا تتحصل # إذا قل مال المرء قل صديقه ... وقبح منه كل ما كان يجمل # وفي آخر أيامه عرض له تزايد البلغم فمات وهو ساجد، وذلك في سنة ستين ~~وخمسمائة. # انقضت أيام المقتفي لأمر الله ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه المستنجد بالله أبو المظفر يوسف. بويع عقيب موت أبيه في ~~سنة خمس وخمسين وخمسمائة. # خلافة المستنجد بالله # كان المستند شهما عارفا بالأمور. لما ولي الخلافة أزال المكوس والمظالم، ~~إلا أنه فعل فعلة قبيحة، حل المقاطعات وأعادها إلى الخراج، فشق ذلك على ~~العلويين بالكوفة والمشاهد مشقة عظيمة، ونسبوا هذا الفعل إلى ابن هبيرة ~~ولعنوه بالمشاهد. # وفي أيامه ابتدأ فتح مصر، وضعفت دولة الفاطميين بها. وفي أيام ولده ~~المستضيء تكامل فتحها على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب . # ومات المستنجد مخنوقا في الحمام، خنقه أكابر دولته عقيب مرضة صعبة كانت ~~قد عرضت له، لأنهم خافوه على أنفسهم، وذلك في سنة ست وستين وخمسمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع بالخلافة أقر ابن هبيرة وزير أبيه ~~على وزارته وزاد في رفع منزلته، وقد مضى من سيرة ابن هبيرة ما يغني عن ~~الإعادة. # وزارة ولده محمد بن يحيى بن هبيرة: لقبه عز الدين. ناب عن الوزارة بعد ~~وفاة والده، وكان فاضلا رئيسا عبقا بالسيادة، شاعرا رشيق المعاني خبيرا ~~بالأدب والحديث النبوي، وحبس بعد موت أبيه ولم يعلم خبره بعد الحبس؛ وروي ~~عنه هذان البيتان أنهما له: # كم منحت الأحداث صبرا ms217 جميلا ... ولكم خلت صابها سلسبيلا # ولكم قلت للذي ظل يلحا ... ني على الوجد والأسى: سل سبيلا # وزارة شرف الدين أبي جعفر محمد بن أبي الفتح بن البلدي: كان قبل الوزارة ~~ناظرا بواسط، فأبان في مدة ولايته عليها عن قوة وجلادة وارتفاعات نامية ~~وحلوم دارة، فعظمت منزلته عند المستنجد وكوتب عن الخليفة إلى واسط بما يقضي ~~أن يكون وزيره، وتأكد الحال في ذلك، فحكم حكم الوزراء وهو بواسط، ووقع ~~وكاتب ملوك الأطراف وهو بواسط، ثم أصعد إلى بغداد، فخرج الموكب لتلقيه، ~~وفيه جميع أعيان الدولة. PageV01P115 وكان عضد الدين أبو الفرج محمد ابن ~~رئيس الرؤساء أستاذ الدار، بينه وبين ابن البلدي كدر، فكره عضد الدين ~~الخروج إلى تلقيه، وقد كان الخليفة تقدم إليه بالخروج، فبذل خمسة آلاف ~~دينار على أن يعفى من الخروج إليه. فقال الخليفة: إن عجلها نقدا أعفيته من ~~الخروج. فوزنت في الحال وحملت. فلما صارت في الخزن تقدم الخليفة إليه ~~بالخروج لتلقي الوزير. وقيل له: هذا المال جناية عن كونك تكره ما نؤثر، ~~وتراجع في التقدمات الشريفة. فذهب المال منه، وخرج عابرا إلى الجانب الغربي ~~صحبة الموكب. ومضى الناس كلهم إلى صرصر فتلقوه هناك. فلما وقعت عين عضد ~~الدين أستاذ الدار على الوزير أراد عضد الدين أن يترجل، فصاح به الوزير: ~~والله لئن ترجلت ترجلت أنا أيضا، فخدمه. ثم اعتنقا على ظهور الدواب. وسار ~~بين يديه، ووصل الوزير إلى محاذاة التاج، وعبر في سفينة وحضر بين يدي ~~الخليفة فشافهه بالوزارة. وخلعت عليه خلع الوزارة، وأكد عليه النهوض ~~بالمهام الديوانية. فنهض بأعباء الوزارة، ومازال أمره على السداد إلى أن ~~جرى للمستنجد ما جرى من تغلب عضد الدين أستاذ الدار وأكابر الأمراء عليه، ~~وإدخاله الحمام وهو مريض، حتى مات من الحرارة. # ثم إن عضد الدين أستاذ الدار أخرج ولده المستضيء وبايعه وشرط عليه شروطا ~~وأحلفه عليها أيمانا مؤكدة، منها أن يكون هو وزيرا، وأن يكون ولده أستاذ ~~الدار، وفلان أمير العسكر، وفلان كذا وكذا، فالتزم المستضيء لهم بذلك وحلف ~~أيمانا غليظة، ms218 ثم بويع المستضيء في باطن الدار البيعة الخاصة واستدعي ~~الوزير ابن البلدي ليبايع. فلما حضر الدار عدل به إلى مكان وضربت فيه عنقه ~~وأخرج فرمي على مزبلة بباب المراتب، ثم سحب وألقي في دجلة. وكان حسن ~~الطريقة مشكور الأخلاق. # انقضت أيام المستنجد بالله ووزرائه. # ثم ملك بعده ولده المستضيء أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله. # خلافة المستضيء # بويع في سنة ست وستين وخمسمائة. لم يكن بسيرته بأس، في أيامه وردت ~~البشائر إلى بغداد بفتح مصر وانقراض الدولة الفاطمية. # ولما جلس على سرير الخلافة تقدم بقتل ابن البلدي وزير أبيه. وتوفي في سنة ~~خمس وسبعين وخمسمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه : أول وزرائه عضد الدين أبو الفرج محمد بن أبي ~~الفتوح عبد الله ابن رئيس الرؤساء الذي كان قبل ذلك أستاذ الدار. # كان عضد الدين من أفاضل الناس وأعيانهم، وكان أستاذ الدار في أيام ~~المستنجد، فلما جرى للمستنجد ما جرى استولى عضد الدين ونهض في إخراج ~~المستضيء من الحبس ومبايعته واحلافه، فاستوزره المستضيء، ونهض عضد الدين ~~بأعباء الوزارة نهوضا مرضيا، وفرق في يومه جلوسه في دست الوزارة ذهبا كثيرا ~~وحنطة على المقيمين بالمشاهد والجوامع والمدارس والربط، وتلطف بالأمور ~~تلطفا لم يكن في حساب الناس. وبيته بيت مشهور بالرياسة يعرفون قديما ببيت ~~الرفيل ، وكان ابن التعاويذي الشاعر البغدادي شاعرهم ومنقطعا إليهم وأنفق ~~جل عمره معهم، ولهم يخاطب بقوله: # قضيت شطر العمر في مدحكم ... ظنا بكم أنكم أهله # وعدت أفنيه هجاء لكم ... فضاع فيكم عمري كله # وله فيهم مدائح كثيرة، فمن جملتها : # ومازلت في آل الرفيل بمعزل ... عن الجور مبذولا لي الأمن والخصب # فإن اقترف ذنبا بمدح سواهم ... فإن خماص الطير يقنصها الحب # وإن عاد لي عطف الوزير محمد ... فقد أكثب النائي ولان لي الصعب # وزير إذا اعتل الزمان فرأيه ... هناء به تطلى خلائقه الجرب # ومازال أمر عضد الدين يجري على السداد حتى عزله المستضيء وقبض عليه. ~~PageV01P116 وصورة عزله: كان يوما جالسا في الدست فهجم عليه خادم من خدم ~~الخليفة فقال له: قد ms219 استغني عنك! ثم أطبق دواته ودخل الأتراك والجند إلى ~~دروه فنهبوا ما بها، ودخل العوام أيضا وكسرت الصناديق الآبنوس والعاج ~~بالدبابيس وأخذ جميع ما كان بها، فخرج عضد الدين وهو يتشاهد ويقول للأتراك: ~~أما تستحيون مني؟ أما دخلتم داري؟ أما أكلتم زادي؟ فلم ينفعه ذلك. فلم يمض ~~إلا ساعة واحدة حتى صارت داره بلاقع، ثم حمل إلى الحريم ووكل به هناك مدة، ~~ثم أعاده المستضيء إلى الوزارة وحكمه وبسطه، فصفت له الدنيا وعظم شأنه ~~وكثرت خيراته وهباته وأحبه الناس. وكان سخيا وهوبا شريف النفس. قيل: إنه ما ~~اشترى لداره قط سكرا بأقل من ألف دينار. # حدث عنه بعض مماليكه قال: احتاج مرة إلى ألف دينار فأنفت نفسه أن يقترضها ~~من أولاده أو من غيرهم، وكان يأنس بي، فقال لي: يا ولدي قد احتجت إلى ألف ~~دينار أعيدها عليك بعد أيام. فقلت: السمع والطاعة يا مولاي! ثم مضيت وأحضرت ~~له خمسة آلاف دينار، وقلت: يا مولاي هذه، والله، اكتسبتها منك، فخذ منها ما ~~شئت. فأطرق ساعة ثم قال: والله لا أخذت منها حبة واحدة، خذها وانصرف ؛ ثم ~~أنشد: # والصاحب المتبوع يقبح أن يرى ... متتبعا ما في يدي أتباعه # ولم يزل أمره في الوزارة الثانية جاريا على السداد حتى كان آخر مدته، ~~فطلب من الخليفة الإذن له في الحج، فأذن له، فتجهز تجهزا لم ير مثله. ثم ~~عبر إلى الجانب الغربي من مدينة السلام ليتوجه إلى الحلة والكوفة ومنها إلى ~~مكة، وبين يديه جميع أرباب الدولة، فلقيه رجل عند محلة هناك تقرف بقطفتا، ~~فقال: يا مولانا مظلوم مظلوم! وناوله قصة، فتناولها الوزير منه، فوثب عليه ~~وثبة عالية وضربه بسكين في ترقوته، ووثب عليه آخر من الجانب الآخر فضربه في ~~خاصرته، ووثب آخر وبيده سكين مسلولة فلم يصل إليه، وتكاثر الناس على ~~الثلاثة فقتلوهم، ثم مات الوزير وصلي عليه ودفن في تربتهم. وقيل: إن ~~الثلاثة الذين قتلوه كانوا من الباطنية من جبل السماق. # وحكى بعض أهل قطفتا قال: دخلت قبل قتل الوزير بساعتين ms220 إلى مسجد هناك ~~فرأيت به ثلاثة رجال، وقد قدموا واحدا منهم إلى المحراب وأناموه، ثم صلى ~~الرجلان الآخران عليه صلاة الميت، ثم قام ونام آخر وصلى الآخران عليه، حتى ~~صلى كل واحد منهم على الآخر، وأنا أراهم وهم لا يرونني، فعجبت مما فعلوا. ~~ثم لما قتل الوزير وقتل الثلاثة تأملت وجوههم فإذا هم هم. # وزارة ظهير الدين أبي بكر منصور بن أبي القاسم نصر بن العطار: كان تاجرا ~~في ابتداء أمره، ثم مازج المتصرفين ونفق على المستضيء فاستوزره. وكان ثقيل ~~الوطأة على الرعية، وكانت العامة تبغضه، فبقي إلى أن مات المستضيء وولي ~~الناصر، وهو آخر وزراء المستضيء. # انقضت أيام المستضيء ووزرائه. # ثم ملك بعده ابنه الإمام الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء ~~بأمر الله. # خلافة الناصر لدين الله # بويع بالخلافة في سنة خمس وسبعين وخمسمائة. # كان الناصر من أفاضل الخلفاء وأعيانهم، بصيرا بالأمور مجربا سائسا مهيبا ~~مقداما عارفا شجاعا متأيدا، حاد الخاطر والنادرة، متوقد الذكاء والفطنة، ~~بليغا غير مدافع عن فضيلة علم، ولا نادرة فهم، يفاوض العلماء مفاوضة خبير ~~ويمارس الأمور السلطانية ممارسة بصير، وكان يرى رأي الإمامية. طالت مدته ~~وصفا له الملك وأحب مباشرة أحوال الرعية بنفسه، حتى كان يتمشى في الليل في ~~دروب بغداد ليعرف أخبار الرعية وما يدور بينهم، وكان كل أحد من أرباب ~~المناصب والرعايا يخافه ويحاذره، بحيث كأنه يطلع عليه في داره، وكثرت ~~جواسيسه وأصحاب أخباره عند السلاطين وفي أطراف البلاد، وله في مثل هذه قصص ~~غريبة. وصنف كتبا، وسمع الحديث النبوي، صلوات الله على صاحبه، وأسمعه، ولبس ~~لباس الفتوة، وألبسه، وتفتى له خلق كثيرون من شرق الأرض وغربها، ورمى ~~بالبندق له ناس كثيرون، وكان باقعة زمانه ورجل عصره. # وفي أيامه انقرضت دولة آل سلجوق بالكلية. PageV01P117 وكان للناصر من ~~المبار والوقوف ما يفوت الحصر، وبنى من دور الضيافات والمساجد والربط ما ~~يتجاوز حد الكثرة. وكان مع ذلك يبخل، وكان وقته مصروفا إلى تدبير أمور ~~المملكة وإلى التولية والعزل والمصادرة وتحصيل الأموال. يقال عنه: ms221 إنه ملأ ~~بركة من الذهب فرآها يوما وقد بقي يعوزها حتى تمتلىء وتفيض شيء يسير، فقال: ~~ترى أعيش حتى أملأها! فمات قبل ذلك. # ويقال: إن المستنصر شاهد هذه البركة فقال : ترى أعيش حتى أفنيها! وكذلك ~~فعل. # مات الناصر في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع الناصر بالخلافة أقر ابن العطار وزير ~~أبيه على قاعدته أياما يسيرة، ثم نكبه وقبض عليه وحبسه في باطن دار ~~الخلافة، ثم أخرج بعد أيام ميتا فسلم إلى أخته لتجهزه وتدفنه، فغسلته ~~وأخرجته في تابوت على رأس حمال لتدفنه، فغمز بعض الناس فرجموه، فرمى الحمال ~~بالتابوت وهرب، فأخذه العوام وأخرجوه من التابوت ومثلوا به وشدوا في رجله ~~حبلا وسحبوه ووضعوا في يده خشبة ولطخوها بالعذرة، ونادوا به: يا مولانا ~~ظهير الدين وقع لنا! ومن طريف ما وقع في ذلك أن بعض الأتراك عمر حماما وجعل ~~مجراته تجوز على دار بعض الجيران، فتأذى ذلك الجار بتلك المجراة، فشكا ذلك ~~إلى الوزير، فزبره ولم يأخذ بيده، وقال له: إن لم تسكت وإلا جعلت رأسك في ~~المجراة، فيقال: إن ابن العطار لما سحبه العوام ومثلوا به اجتازوا به على ~~باب الحمام المذكور فاتفق أنه وقع في المجراة فسحبوه فيها خطوات فتعجب ~~الناس من ذلك. # وزارة جلال الدين أبي المظفر عبيد الله: كان في ابتداء أمره أحد الشهود ~~المعدلين، ثم تقلبت به الأحوال حتى بلغ الوزارة، وأرسله الناصر صحبة عسكر ~~كثيف إلى محاربة السلطان طغرل ابن أرسلان بن طغرل السلجوقي، فالتقيا، فكانت ~~الغلبة لعسكر السلطان وانهزم عسكر الخليفة، وثبت الوزير فأسر. ومكث مدة في ~~الأسر، ثم أطلق، فوصل إلى بغداد متخفيا، ولم تطل مدته بعد ذلك. # وزارة معز الدين سعيد بن علي بن حديدة الأنصاري: كان رجلا فاضلا متصونا ~~موسرا كثير المال. روي أن نقيب البصرة أبا جعفر محمد بن أبي طالب الشاعر ~~أصعد إلى بغداد متظلما إلى هذا الوزير من ناظر البصرة، وأنشد قصيدة، من ~~جملتها: # وقبائل الأنصار غير قليلة ... لكن بنو غنم هم ms222 الأخيار # منهم أبو أيوب حل محمد ... في داره واختاره المختار # أنا منه في النسب الصريح وأنت من ... ذاك القبيل، فلي بذاك جوار # ولقد نزلت عليك مثل نزوله ... في دار جدك والنزيل يجار # فعلام أظلم، والنبي محمد ... أنمى إليه، وقومك الأنصار # قالوا: فلما سمعها الوزير رق له وبكى وخلع عليه ووصله وقضى حوائجه وأنصفه ~~من ناظر البصرة وعزله. ومات الوزير المذكور معزولا في سنة ست عشرة وستمائة ~~. # وزارة مؤيد الدين أبي المظفر محمد بن أحمد بن القصاب: هو أعجمي الأصل، ~~كان أبوه يبيع اللحم على رأس درب البصريين ببغداد، ونشأ هو مشتغلا بالعلوم ~~والآداب، وبرع في علوم المتصرفين كالحساب ومعرفة الكروث والمساحات ~~والمقاسمات ، ثم تبصر بأسباب الوزارة، وكانت نفسه قوية وهمته عالية، قاد ~~العساكر، وفتح الفتوح، وجمع بين رياستي السيف والقلم، ومضى إلى بلاد ~~خوزستان وفتحها وقرر أمورها وقواعدها، ثم مضى إلى بلاد العجم وصحبته ~~العساكر فملك أكثرها، ثم أدركه أجله فمات هناك. # وزارة السيد نصير الدين ناصر بن مهدي العلوم الرازي: هو مازندراني المولد ~~والأصل، رازي المنشأ، بغدادي التدير والوفاة. كان من كفاة الرجال وفضلائهم ~~وأعيانهم وذوي الميزة منهم. اشتغل بالآداب في صباه فحصل منها طرفا صالحا، ~~ثم تبصر بأمور الدواوين ففاق فيها. PageV01P118 كان في ابتداء أمره ينوب عن ~~النقيب عز الدين المرتضى القمي نقيب بلاد العجم كلها، ومنه استفاد قوانين ~~الرياسة. وكان عز الدين النقيب من أماجد العالم وعظماء السادات، فلما قتل ~~النقيب عز الدين، قتله علاء خوارزمشاه، هرب ولده النقيب شرف الدين محمد ~~وقصد مدينة السلام، مستجيرا بالخليفة الناصر، وصحبته نائبه نصير الدين بن ~~المهدي، وكان من عقلاء الرجال، بالخليفة الناصر، وصحبته نائبه نصير الدين ~~بن المهدي، وكان من عقلاء الرجال، فاختبره الناثر فرآه عاقلا لبيبا سديدا، ~~فصار يستشير به سرا فيما يتعلق بملوك الأطراف، فوجد عنده خبرة تامة بأحوال ~~اللاطين العجم ومعرفة بأمورهم وقواعدهم وأخلاق كل واحد منهم، فكان الناصر ~~كلما استشار به في شيء من ذلك يجده مصيبا عين الصواب، فاستخلصه لنفسه ورتبه ~~أولا نقيب الطالبيين، ms223 ثم فوض إليه أمور الوزارة، فمكث فيها مدة تجري أموره ~~على أتم سداد، وكان كريما وصولا عالي الهمة شريف النفس. # حدث عنه أنه كان يوما جالسا في دست الوزارة وفي يده قطعة عود كبيرة، فرأى ~~الوزير بعض الصدور الحاضرين وهو يلح بالنظر إليها، فقال له: تعجبك هذه؟ ~~فدعا له، فوهبه إياها، وقام الرجل ليخرج، فلما بعد عن مجلس الوزير استدعاه ~~بسرعة وقال له: تريد أن تفضحنا وتصدق المثل فينا: بخره عريان! ثم أمر فخلع ~~عليه ودفع إليه تخت ثياب، وقال له: تبخر في هذه الثياب؛ ومدحه الأبهري ~~الشاعر الأعجمي بقصيدة مشهورة في العجم، من جملة مدحها: # وزير مشرق ومغرب نصير ملت ودين ... كه بادرايت عاليش تا أبد منصور # صرير كلك تودر كشف مشكلات أمور ... كه هم جو نغمه دا د در أداءو زبور # وأرسلها الأبهري صحبة بعض التجار مع بعض القفول، وقال للتاجر: أوصلها إلى ~~الوزير وإن قدرت ألا تعلمه من قائلها فافعل. فلما عرضت القصيدة على الوزير ~~استحسنها وطلب التاجر ودفع إليه ألف دينار ذهبا، وقال: هذه تسلمها إلى ~~الأبهري ولا تعلمه ممن هي. # وقبض الناصر عليه كارها لأمور اقتضت ذلك، وكان القبض عليه في سنة أربع ~~وستمائة، ونقل إلى دار في دار الخلافة، فأقام بها تحت الاستظهار على حالة ~~الإكرام والمراعاة إلى أن مات تحت الاستظهار في سنة سبع عشرة وستمائة. # وزارة مؤيد الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم بررالقمي: هو قمي الأصل ~~والمولد. بغدادي المنشإ والوفاة. ينتسب إلى المقداد بن الأسود الكندي. كان ~~رحمه الله بصيرا بأمور الملك خبيرا بأدوات الرئاسة عالما بالقوانين. عارفا ~~باصطلاح الدواوين. خبيرا بالحساب. ريان من فنون الأدب. حافظا لمحاسن ~~الأشعار. راويا لطرائف الأخبار. وكان جلدا على ممارسة الأمور الديوانية، ~~ملازما لها من الغدوة إلى العشية. PageV01P119 وكان في ابتداء أمره قد تعلق ~~بخدمة سلاطين العجم، وكان يلوذ ببعض وزراء العجم بأصفهان في حال صباه ولم ~~يبلغ العشرين من عمره، وكان ذلك الوزير قد ضجر من الكتاب الذين بين يديه ~~ونسبهم إلى أنهم ms224 يخالفون تقدماته، فأبعدهم عنه واستكتب القمي ظنا منه أنه ~~لمجرد حداثة سنه لا يقدم على مخالفة ما يشير به، فمكث القمي يكتب بين يديه ~~مدة، ففي بعض الأيام أحضرت بين يدي الوزير جملة من الثياب النسيج بعضها ~~صحيح وبعضها مقطوع، فأحضر القمي بين يديه ليثبت عددها ويحملها إلى الخزانة، ~~وكان الوزير يورد عليه كذا وكذا ثوبا صحاحا، فيكتب القمي: كذا وكذا ثوبا، ~~وما يكتب لفظة صحاحا، فقال له الوزير: لم لا تكتب كما أقول لك؟ فقال يا ~~مولانا! لا حاجة إلى ذكر الصحاح، فإني إذا وصلت إلى ذكر ثوب مقطوع ذكرت ~~تحته أنه مقطوع، فتخصيص المقطوع بالذكر يدل على أن ما لم يوصف بالقطع صحيح. ~~فقال الوزير: لا، بل اكتب كما أقول. فراجعه القمي، فحرد الوزير لذلك وارتفع ~~صوته والتفت إلى الحاضرين وقال: أنا عزلت الكتاب الكبار الذين كانوا عندي ~~لأجل مخالفتهم ولجاجهم فيما أقوله، واستكتبت هذا الصبي ظنا مني أنه لحداثة ~~سنه لا يكون عنده من التجرؤ والمخالفة ما عندهم، فإذا هو أشد مخالفة من ~~أولئك. فخرج بعض خدام السلطان من بين يديه، وكان جالسا قريبا من مجلس ~~الوزير، وسأل عن كثرة الصباح وحرد الوزير، فعرف الخادم صورة ما جرى بين ~~الوزير والقمي، فدخل وحكى للسلطان ما قيل. فقال له: اخرج وقل للوزير: الحق ~~ما اعتهده الصبي الكاتب. فنبل القمي في عيون الناس، وعلت منزلته وأنس القمي ~~بهذا الخادم، وصار الخادم يستشيره ويسكن إليه ويأنس به. # فاتفق أن السلطان عين على هذا الخادم وعلى رجل آخر ليتوجها في رسالة إلى ~~ديوان الخليفة، فالتمس الخادم أن يكون القمي صحبته، فأرسل صحبته، فتوجهوا ~~إلى بغداد وحضر الخادم ورفيقه عند الوزير ابن القصاب، فشافهاه بالرسالة ~~وسمعا الجواب، وكان جوابا غير مطابق للرسالة، ولكنه كان نوعا من المغالطة، ~~فقنع الخادم ورفيقه بذلك الجواب، وماتنبها على فساده، وخرجا. فرجع القمي ~~ووقف بين يدي الوزير وحادثه سرا وقال له: يا مولانا! الجواب غير مطابق لما ~~أنهاه المماليك. فقال له الوزير: صدقت. ولكن دعهم على غباوتهم ms225 ولا تفطنهم ~~إلى ذلك. فقال: السمع والطاعة. # ثم إن ابن القصاب كتب إلى الخليفة يقول له: إنه قد وصل صحبة خادم السلطان ~~فلان شاب قمي قد جرى من تنبهه كيت وكيت، ومثل هذا يجب أن يصطنع ويحسن إليه ~~ويستخدم. فكتب الخليفة إليه يأمره بألا يمكنه من التوجه معهم، فعمل به حجة ~~وقطع عنهم، فتوجهوا، وأقام القمي ببغداد فعين عليه في كتابة الإنشاء، فمكث ~~على ذلك مدة، ثم تولى الوزارة وتمكن في الدولة تمكنا لم يتمكن مثله أحد من ~~أمثاله، وكان أوحد زمانه في كل شيء حسن كثير البر والخير والصدقات. # حدث عنه مملوكه بدر الدين آياز قال: طلب ليلة من الليالي حلاوة النبات، ~~فعمل منها في الحال صحون كثيرة وأحضرت بين يديه في ذلك الليل، فقال لي: يا ~~آياز تقدر تدخر هذه الحلاوة لي موفرة إلى يوم القيامة؟ فقلت: يا مولانا ~~وكيف يكون ذلك وهل يمكن هذا؟ قال: نعم! تمضي في هذه الساعة إلى مشهد موسى ~~والجواد، عليهما السلام، وتضع هذه الأصحن قدام أيتام العلويين، فإنها تدخر ~~لي موفرة إلى يوم القيامة. قال آياز فقلت: السمع والطاعة، ومضيت، وكان نصف ~~الليل، إلى المشهد وفتحت الأبواب وأبهت الصبيان الأيتام ووضعت الأصحن بين ~~يديهم ورجعت. # ومازال القمي على سداد من أمره، تولى الوزارة للناصر ثم للظاهر قم ~~للمستنصر حتى قبض عليه المستنصر وحبسه في باطن دار الخلافة مدة، فمرض وأخرج ~~مريضا، فمات، رحمه الله، في سنة تسع وعشرين وستمائة. # انقضت أيام الناصر لدين الله ووزرائه ثم ملك بعده ولده أبو نصر محمد ~~الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله. # خلافة الظاهر بأمر الله # بويع في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. # لم تطل أيامه ولم يجر فيها ما يسطر سوى احتراق القبة الشريفة بمشهد موسى ~~والجواد، عليهما السلام، فشرع الظاهر في عمارتها، فمات ولم تفرغ، فتممها ~~المستنصر. PageV01P120 وأيضا فإن الظاهر هو الذي عمل هذا الجسر الجديد ~~الموجود الآن ببغداد، ولما فرغ عمل الشعراء فيه المدائح ووصفوا الجسر فيها، ~~فممن نظم في ذلك شعرا موفق ms226 الدين القاسم بن أبي الحديد كاتب الإنشاء، وهو ~~قوله: # إمام يحرم ذل السؤال ... ويعمل بالكرم الواجب # أقام طريقا على دجلة ... لذي القصد منه وللذاهب # فعارض حسرا على جانب ... بجسر جديد على جانب # كسطرين في كاغد أبيض ... أجادهما قلم الكاتب # كمخنقتي عنبر ضمتا ... بياض الترائب من كاعب # كصفين من إبل أصبحا ... وقوفا على جدد لاحب # ومات الظاهر في سنة ثلاث وعشرين وستمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: أقر القمي وزير أبيه على وزارته، ولم يستوزر ~~غيره. # ثم ملك بعده ولده أبو جعفر المنصور المستنصر بالله. # خلافة المستنصر بالله # بويع له بالخلافة في سنة ثلاث وعشرين وستمائة. # كان المستنصر شهما جوادا يباري الريح كرما وجودا، وكانت هباته وعطاياه ~~أشهر من أن يدل عليها وأعظم من أن تحصى، ولو قيل إنه لم يكن في خلفاء بني ~~العباس مثله لصدق القائل. وله الآثار الجليلة، منها وهي أعظمها المستنصرية، ~~وهي أعظم من أن توصف، وشهرتها تغني عن وصفها، ومنها خان حربى وقنطرتها وخان ~~نهر سابس بأعمال واسط، وخان الخرنيني وغير ذلك من المساجد والربط ودور ~~الضيافات. وكان المستنصر يقول: إني أخاف أن الله لا يثيبني على ما أهبه ~~وأعطيه لأن الله تعالى يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وأنا، ~~والله، لا فرق عندي بين التراب والذهب. كانت أيامه طيبة، والدنيا في زمانه ~~ساكنة، والخيرات دارة والأعمال عامرة، وفي أيامه فتحت إربل، أرسل المستنصر ~~إليها إقبالا الشرابي وصحبته عارض الجيوش، وذلك عند وفاة صاحبها مظفر الدين ~~بن زين الدين علي كوجك. ومات المستنصر في سنة أربعين وستمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع بالخلافة أقر القمي وزير أبيه وجده ~~على وزارته سنوات. ثم قبض عليه وجرى له ما تقدم شرحه. # وزارة نصير الدين أبي الأزهر أحمد بن محمد بن الناقد: ثم استوزر المستنصر ~~بعد القمي أبا الأزهر أحمد بن الناقد. كان في ابتداء أمره وكيلا للمستنصر، ~~فمكث مدة في الوكالة، ثم انتقل منها إلى أستأذية الدار، ثم منها إلى ~~الوزارة ، فنهض فأعبائها نهوضا ms227 حسنا، وقام بضبط المملكة قياما مرضيا، وكان ~~عظيم الأمانة، قوي السياسة، شديد الهيبة على المتصرفين، حاسما لمواد ~~الأطماع والفساد؛ قيل إنه هجي ببيتين، فما سمعهما استحسنهما، وهما: # وزيرنا زاهد والناس قد زهدوا ... فيه، فكل عن اللذات منكمش # أيامه مثل شهر الصوم خالية ... من المعاصي وفيها الجوع والعطش # ومازالت السعادة تخدمه إلى آخر عمره. فمن جملة سعادته، وهو من الاتفاقات ~~العجيبة، وما حدث عنه، وهو أنه قبل الوزارة عمل في بعض الأعياد سنبوسجا ~~كثيرا، وأحب أن يداعب بعض أصحابه، فأمر أن يحشى سبعون سنبوسجة بحب قطن ~~ونخالة وتجعل مفردة، وعمل سنبوسجا كثيرا كجاري العادة، وركب إلى دار ~~الخليفة فطلب منه عمل شيء من السنبوسج، فذكر أن عنده شيئا مفروغا منه، وأمر ~~خادما له بإحضار ما عنده من السنبوسج، فمضى الخادم عن غير معرفة بذلك ~~المحشو بحب القطن ومزج الجميع ووضعه في الأطباق ليحمله إلى دار الخليفة. ~~فجاء الجواري والخدم وقالوا: أعطونا حصتنا من هذا، فأخذوا منه مائة ~~سنبوسجة، وحمل الخادم الأطباق بما فيها إلى دار الخليفة، فلما حمل السنبوسج ~~وصار بدار الخليفة ورجع ابن الناقد إلى داره سأل عن السنبوسج المحشو بحب ~~القطن، فقالوا له: ما عرفنا بشيء من ذلك، وفلان الخادم جاء ومزج الجميع ~~وأخذه ومضى. فلم يشك أنه هالك، وكادت تسقط قوته خوفا وخجلا، فقال: أما تخلف ~~منه شيء قط؟ قالوا: قد اقتطع الجواري والخدم منه حدود مائة سنبوسجة. فقال: ~~أحضروها. فأحضرت وفتحت بين يديه فوجد السبعون سبنوسجة المحشوة بحب القطن قد ~~حصلت بأيدي الجواري والخدم في جملة ما أخذوه لأنفسهم، لم تشذ منها واحدة ~~إلى دار الخليفة. # ومات نصير الدين في سنة اثنتين وأربعين وستمائة في خلافة المستعصم. # انقضت أيام المستنصر ووزرائه. PageV01P121 ثم ملك بعده ولده أبو أحمد عبد ~~الله المستعصم بالله. # خلافة المستعصم بالله # هو آخر خلفاء بني العباس # بويع له بالخلافة في سنة أربعين وستمائة. # كان المستعصم رجلا خيرا متدينا لين الجانب سهل العريكة عفيف اللسان، حمل ~~كتاب الله تعالى، وكتب خطا مليحا، وكان سهل الأخلاق، ms228 وكان خفيف الوطأة إلا ~~أنه كان مستضعف الرأي ضعيف البطش قليل الخبرة بأمور المملكة مطموعا فيه غير ~~مهيب في النفوس ولا مطلع على حقائق الأمور. وكان زمانه ينقضي أكثره بسماع ~~الأغاني والتفرج على المساخرة ، وفي بعض الأوقات يجلس بخزانة الكتب جلوسا ~~ليس فيه كبير فائدة، وكان أصحابه مستولين عليه وكلهم جهال من أرذال العوام ~~إلا وزيره مؤيد الدين محمد بن العلقمي، فإنه كان من أعيان الناس وعقلاء ~~الرجال، وكان مكفوف اليد مردود القول يترقب العزل والقبض صباح مساء. # وكانت عادة الخلفاء أكثرهم أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم، وبذلك جرت سنتهم ~~إلى آخر أيام المستنصر، فلما ولي المستعصم أطلق أولاده الثلاثة ولم يحبسهم، ~~وهم: الأمير الكبير أبو العباس أحمد، والعامة تسمية أبا بكر، وليس بصحيح، ~~وإنما سموه بذلك لأنه لما نهب الكرخ نسب الأمر في ذلك إليه، وقيل: إنه هو ~~الذي أشار بذلك. والأمير الأوسط وهو أبو الفضائل عبد الرحمن، كان شهما، خرج ~~إلى بين يدي السلطان هولاكو ووقع كلامه بموقع الاستحسان في الحضرة ~~السلطانية. والأمير الأصغر أبو المناقب. # حدثني صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر الأرموي، وكان قد صار في آخر أيام ~~المستعصم مقربا عنده ومن خواصه، وكان قد استجد في آخر أيامه خزانة كتب، ~~ونقل إليها من نفائس الكتب وسلم مفاتيحها إلى عبد المؤمن، فصار عبد المؤمن ~~يجلس بباب الخزانة ينسخ له ما يريد. وإذا خطر للخليفة الجلوس في خزانة ~~الكتب جاء إليها وعدل عن الخزانة الأولى التي كانت مسلمة إلى الشيخ صدر ~~الدين علي بن النيار، قال، أعني عبد المؤمن: كنت مرة جالسا في حجرة صغيرة ~~وأنا أنسخ وهناك مرتبة برسم الخليفة، إذا جاء إلى هناك جلس عليها وقد بسطت ~~عليها ملحفة لترد عنها الغبار، فجاء خويدم صغير ونام قريبا من المرتبة ~~المذكورة واستغرق في النوم، فتقلب حتى تلفف في تلك الملحفة المبسوطة على ~~المرتبة، ثم تقلب حتى صارت رجلاه على المسند، قال: وأنا مشغول بالنسخ، ~~فأحسست بوطء في الدهليز، فنظرت، فإذا هو الخليفة وهو يستدعيني بالإشارة ~~ويخفف وطأه، ms229 فقمت إليه منزعجا وقبلت الأرض، فقال لي: هذا الخويدم الذي قد ~~نام حتى تلفف في هذه الملحفة وصارت رجلاه على المسند متى هجمت عليه حتى ~~يستيقظ ويعلم أني قد شاهدته على هذه الحال تتفطر مرارته من الخوف، فأيقظه ~~أنت برفق فإني سأخرج إلى البستان ثم أعود. قال: وخرج الخليفة فدخلت إلى ~~الخويدم وأيقظته فانتبه ثم أصلحنا المرتبة ثم دخل الخليفة. # وحدثني بعض أهل بغداد قال: حدثت أن الشيخ صدر الدين بن النيار شيخ ~~الخليفة قال: دخلت مرة إلى خزانة الكتب على عادتي، وفي كمي منديل فيه رقاع ~~كثيرة لجماعة من أرباب الحوائج، فطرحت المنديل وفيه الرقاع في موضعي، ثم ~~قمت لبعض شأني. فلما عدت إلى الخزانة بعد ساعة حللت الرقاع من المنديل حتى ~~أتأملها وأقدم منها المهم، فرأيتها جميعها وعليها توقيع الخليفة بالإجابة ~~إلى جميع ما فيها، فعلمت أن الخليفة قد جاء إلى الخزانة عند قيامي فرأى ~~المنديل وفيه الرقاع ففتحها ووقع على جميعها. # والمستعصم هو آخر خلفاء الدولة العباسية ببغداد. ولم يجر في أيام ~~المستعصم شيء يؤثر سوى نهب الكرخ وبئس الأثر ذلك. # وفي آخر أيامه قويت الأراجيف بوصول عسكر المغول صحبة السلطان هولاكو، فلم ~~يحرك ذلك منه عزما ولا نبه منه همة ولا أحدث عنده هما، وكان كلما سمع عن ~~السلطان من الاحتياط والاستعداد شيء ظهر من الخليفة نقيضه من التفريط ~~والإهمال، ولم يكن يتصور حقيقة الحال في ذلك ولا يعرف هذه الدولة، يسر الله ~~إحسانها وأعلى شأنها، حق المعرفة. وكان وزيره مؤيد الدين بن العلقمي يعرف ~~حقيقة الحال في ذلك ويكاتبه بالتحذير والتنبيه ويشير عليه بالتيقظ ~~والاحتياط والاستعداد، وهو لا يزداد إلا غفولا، وكان خواصه يوهمونه أنه ليس ~~في هذا كبير خطر ولا هناك محذور، وأن الوزير إنما يعظم هذا لينفق سوقه ~~ولتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر فيقتطع منها لنفسه. PageV01P122 ~~ومازالت غفلة الخليفة تنمى ويقظة الجانب الآخر تتضاعف حتى وصل العسكر ~~السلطاني إلى همذان وأقام بها مديدة. ثم تواترت الرسل السلطانية إلى ~~الديوان المستعصمي فوقع التعيين ms230 من ديوان الخليفة على ولد أستاذ الدار، وهو ~~شرف الدين عبد الله بن الجوزي، فبعث رسولا إلى خدمة الدركاه السلطانية ~~بهمذان. فلما وصل وسمع جوابه علم أنه جواب مغالطة ومدافعة، فحينئذ وقع ~~الشروع في قصد بغداد وبث العساكر إليها. فتوجه عسكر كثيف من المغول، ~~والمقدم عليهم باجو، إلى تكريت ليعبروا من هناك إلى الجانب الغربي ويقصدوا ~~بغداد من غربيها ويقصدها العسكر السلطاني من شرقيها. فلما عبر عسكر باجو من ~~تكريت وانحدر إلى أعمال بغداد أجفل الناس من دجيل والاسحاقي ونهر ملك ونهر ~~عيسى ودخلوا إلى المدينة بنسائهم وأولادهم، حتى كان الرجل أو المرأة يقذف ~~بنفسه في الماء، وكان الملاح إذا عبر أحدا في سفينة من جانب إلى جانب يأخذ ~~أجرته سوارا من ذهب أو طرازا من زركش أو عدة من الدنانير. # فلما وصل العسكر السلطاني إلى دجيل، وهو يزيد على ثلاثين ألف فارس، خرج ~~إليه عسكر الخليفة صحبة مقدم الجيوش مجاهد الدين أبيك الدويدار، وكان عسكرا ~~في غاية القلة ، فالتقوا بالجانب الغربي من بغداد قريبا من البلد، فكانت ~~الغلبة في أول الأمر لعسكر الخليفة، ثم كانت الكرة للعسكر السلطاني ~~فأبادرهم قتلا وأسرا وأعانهم على ذلك نهر فتحوه في طول الليل، فكثرت الوحول ~~في طريق المنهزمين فلم ينج منهم إلا من رمى نفسه في الماء أو من دخل البرية ~~ومضى على وجهه إلى الشأم. ونجا الدويدار في جمعية من عسكره ووصل إلى بغداد، ~~وساق باجو حتى دخل البلد من جانبه الغربي، ووقف بعساكره محاذي التاج، وجاست ~~عساكره خلال الديار، وأقام محاذي التاج أياما. # وأما حال العسكر السلطاني فإنه في يوم الخميس رابع محرم من سنة ست وخمسين ~~وستمائة ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب يعقوبا بحيث عمت البلد، فانزعج ~~الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمناير يتشوفون، فانكشفت الغبرة عن ~~عساكر السلطان وخيوله ولفيفه وكراعه وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من ~~جميع جهاتها. ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار، وشرع العسكر الخليفي في ~~المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع ms231 عشر من محرم. فلم يشعر الناس إلا ~~ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى برج العجمي من ناحية باب من ~~أبواب بغداد يقال له باب كلواذى. # وكان هذا البرج أقصر أبراج السور، وتقحم العسكر السلطاني هجوما ودخولا، ~~فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه جملة، ~~فما الظن بتفاصيله. # وكان ما كان مما لست أذكره ... فطن طنا ولا تسأل عن الخبر # وأمر السلطان بخروج الخليفة وولده ونسائه إليه، فخرجوا. فحضر الخليفة بين ~~يدي الدركاه، فيقال : إنه عوتب ووبخ بما معناه نسبة العجز والتفريط والغفول ~~إليه، ثم أوصل إلى إلياسا هو وولداه الأكبر والأوسط، وأما بناته فأسرن. ثم ~~استشهد المستعصم في رابع صفر سنة ست وخمسين وستمائة. # شرح حال الوزارة في أيامه لما بويع بالخلافة أقر وزير أبيه، وهو نصير ~~الدين أحمد بن الناقد، على وزارته إلى أن توفي. فلما توفي استوزر مؤيد ~~الدين محمد بن العلقمي. # وزارة مؤيد الدين بن أبي طالب محمد بن أحمد بن العلقمي: هو أسدي، أصلهم ~~من النيل، وقيل لجده العلقمي لأنه حفر النهر المسمى بالعلقمي، وهو الذي برز ~~الأمر الشريف السلطاني بحفره، وسمي القازاني؛ اشتغل في صباه بالأدب ففاق ~~فيه، وكتب خطا مليحا، وترسل ترسلا فصيحا، وضبط ضبطا صحيحا، وكان رجلا فاضلا ~~كاملا لبيبا كريما وقورا محبا للرياسة كثير التجمل، رئيسا متمسكا بقوانين ~~الرياسة خبيرا بأدوات السياسة لبيق الأعطاف بآلات الوزارة، وكان يحب أهل ~~الأدب ويقرب أهل العلم، اقتنى كتبا كثيرة نفيسة. PageV01P123 حدثني ولده ~~شرف الدين أبو القاسم علي، رحمه الله، قال: اشتملت خزانة والدي على عشرة ~~آلاف مجلد من نفائس الكتب. وصنف الناس له الكتب، فمن صنف له الصاغاني ~~اللغوي، صنف له العباب، وهو كتاب عظيم كبير في لغة العرب؛ وصنف له عز الدين ~~عبد الحميد بن أبي الحديد كتاب شرح نهج البلاغة؛ وصنف له عز الدين عبد ~~الحميد بن أبي الحديد كتاب شرح نهج البلاغة، يشتمل على عشرين مجلدا، ~~فأثابهما وأحسن جائزتهما. وكان ممدحا، مدحه الشعراء، وانتجعه الفضلاء. ms232 فممن ~~مدحه كمال الدين بن البوقي بقصيدة من جملتها: # مؤيد الدين أبو طالب ... محمد بن العلقمي الوزير # وهذا بيت حسن جمع فيه بين لقبه وكنيته واسمه واسم أبيه وصنعته، وكان مؤيد ~~الدين الوزير عفيفا عن أموال الديوان وأموال الرعية متنزها مترفعا. # قيل: إن بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ~~ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار، فلما وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة ~~الخليفة، وقال: إن صاحب الموصل قد أهدى لي هذا واستحييت منه أن أرده إليه ~~وقد حملته وأنا أسال قبوله، فقبل. ثم إنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته ~~شيئا من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر ألف دينار، والتمس منه ألا يهدي إليه ~~شيئا بعد ذلك. # وكان خواص الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه، وكان الخليفة يعتقد فيه ~~ويحبه، وكثروا عليه عنده، فكف يده عن أكثر الأمور، ونسبه الناس إلى أنه ~~خامر، وليس ذلك بصحيح. ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه ~~الدولة، فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى ~~الوزير، وأحسن إليه وحكمه. فلو كان قد خامر على الخليفة لما وقع الوثوق ~~إليه. # حدثني كمال الدين أحمد بن الضحاك، وهو ابن أخت الوزير مؤيد الدين ابن ~~العلقمي، قال: لما نزل السلطان هولاكو على بغداد أرسل يطلب أن يخرج الوزير ~~إليه، قال: فبعث الخليفة فطلب الوزير فحضر عنده وأنا معه، فقال له الخليفة: ~~قد أنفذ السلطان يطلبك وينبغي أن تخرج إليه. فخرج الوزير من ذلك وقال: يا ~~مولانا إذا خرجت فمن يدبر البلد ومن يتولى المهام؟ فقال له الخليفة: لابد ~~أن تخرج. قال: فقال السمع والطاعة. ثم مضى إلى داره وتهيأ للخروج ثم خرج. ~~فلما حضر بين يدي السلطان وسمع كلامه وقع بموقع الاستحسان. وكان الذي تولى ~~تربيته في الحضرة السلطانية الوزير السعيد نصير الدين محمد الطوسي، قدس ~~الله روحه. فلما فتحت بغداد سلمت إليه وإلى علي بهادر الشحنة. فمكث الوزير ~~شهورا، ثم مرض ومات، رحمه الله، في جمادى الأولى سنة ms233 ست وخمسين وستمائة. # انقضت دولة بني العباس ووزرائهم. وبذلك انقضى الكتاب، والحمد لله وحده، ~~وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين وسلامه. # فرغ من تأليفه واستنساخه مؤلفه في مدة أولها جمادى الآخرة من سنة إحدى ~~وسبعمائة وآخرها خامس شوال من السنة المذكورة بالموصل الحدباء. وهذا خط يده ~~، تجاوز الله عنه. # 1 PageV01P124 ms234