######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012400 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي (المتوفى: 709هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 709 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012400 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12400 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12400 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد القادر محمد مايو #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418 هـ - 1997 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار القلم العربي، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### |EDITOR| # مقدمة المحقق # الحمد لله رب العالمين بالغ الفضل والإحسان، والصلاة والسلام على نبيه ~~الأمين محمد بن عبد الله خيرة الأخيار من بني عدنان، المرسل رحمة للعالمين، ~~وبعد فقد من الله تعالى على عبده الفقير إلى كرمه وعفوه صاحب التحقيق فهداه ~~إلى كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية» ليخرج به من ظلمات ~~القدم والغمرة إلى أنوار الحداثة والشهرة وهو من مقتتيات مكتبتي المتواضعة ~~مذ كنت طالبا من طلاب كلية الآداب بالجامعة السورية بدمشق عام/ 1955/ م، ~~وظل غائبا عن النظر حاضرا في الوجدان والفكر إلى أن برز لي فجأة كالصديق ~~الموافي في ساعة الشدة وأنا مشغول بالتصنيفات العديدة التي أصدرتها دار ~~القلم العربي بحلب، واقترحت على صاحب الدار أن ننفض عن هذا المؤلف الجليل ~~غبار الزمن فوافق في الحال لدى رؤية النسخة التي أملكها من الكتاب وتقع في ~~مائتين وتسع وسبعين صفحة وليس بها من تاريخ ولا دليل على المحقق سوى عبارة ~~ذيلت الغلاف بعد العنوان، وتقول العبارة التي هدفها التجارة: [يطلب من مكتب ~~عز للتوريدات- مكتبة قومسيون- ميدان الأزهر بمصر] . # وقد بادرت منذ اضطلاعي بعبء تحقيق الكتاب إلى التماس طبعاته المختلفة في ~~كل ما يقع تحت يدي ولكنني آثرت مؤخرا النموذج الذي توفر بحوزتي لأنه قديم ~~ولأنه بخلوه من الضبط والتشكيل والفهرسة والهوامش المضيئة، يسمح لي بالمزيد ~~من التدخل والاجتهاد في ترجيح وجوه الكلام بعضها على بعض فيكون لي دور ~~المحقق وإن لم أعتمد على الأصل المخطوط. وقد كان لي بتوفيق من الله وبإخلاص ~~النية فضل ضبط النص التاريخي بالشكل وشرح غريب مفرداته بالإضافة إلى ترجمة ~~الأعلام ترجمة موجزة كافية وبذلك المجهود ألحقت النص التاريخي بالنص الأدبي ~~فائدة وأثرا متداولا. وما يهمني أن يعرفه القارئ لهذا الكتاب أن اعتمادي ~~كان على أربع طبعات من طبعات الفخري بالرموز والتواريخ الآتية: # أولا: (عز) وهي المتوفرة لدى المحقق بلا تاريخ. # ثانيا: (ألما) وهي الطبعة الأولى بألمانيا عام/ 1858/ م. # PageV01P005 # ثالثا: (رحما) وهي الصادرة عن المطبعة الرحمانية بمصر/ 1340/ ه و/ 1921/ ~~م. # رابعا: (بيروت) وهي الصادرة عن ms001 دار بيروت للطباعة والنشر/ 1385/ ه و/ ~~1966/ م. # تقع طبعة (عز) كما ذكرنا في (279) صفحة من القطع المتوسط بورق أصفر. # وتقع طبعة (ألما) في (390) صفحة من القطع المتوسط، يقابلها تقديم ودراسة ~~باللغة الألمانية بقلم المستشرق W.Ahlwardt. وتقع طبعة (رحما) في (253) ~~صفحة من القطع فوق المتوسط مع مقدمة قصيرة للناشر محمود توفيق الكتبي. # وتقع طبعة بيروت في (340) صفحة عدا الفهارس بورق أبيض صقيل وهي الطبعة ~~الأكثر حداثة وإتقانا. # وقبل استعراض الأوراق المذكورة يهمنا الإلمام بترجمة لحياة المؤلف: ابن ~~طباطبا مع ملمح كلي وموجز جدا لكتاب الفخري ليكون ذلك عونا للقارئ في قطع ~~المسافة بين أول الكتاب وآخره في ألفة ومحبة للمادة التاريخية وهي الغنية ~~غنى غزيرا بالحكايا والطرائف. # أما المؤلف فهو: # محمد بن علي بن محمد بن طباطبا العلوي. كنيته أبو جعفر، وشهرته بابن ~~الطقطقي [1] على خلاف في ضبطها، وختامها بالياء أو الألف المقصورة. # كان أبوه نقيب الأشراف العلوية بالحلة والنجف وكربلاء، وقد خلف أباه في ~~تلك PageV01P006 # الرتبة. # تزوج بامرأة فارسية من خراسان وأقام بالموصل، وتقرب إلى واليها فخر الدين ~~عيسى بن إبراهيم بإهدائه كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول ~~الإسلامية» الذي فرغ من تأليفه عام/ 701/ ه، وجعل نسبته إليه باسم «الفخري» ~~. # وقد عقد جلال الدين السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء» فصلا في دولة بني ~~طباطبا العلوية الحسنية فقال: «وقام منهم بالخلافة أبو عبد الله محمد بن ~~إبراهيم طباطبا في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة [1] » . ويبدو أن ~~المذكور هو الجد الذي نسب إليه ابن طباطبا المؤرخ، وله خبر مفصل في كتاب ~~الأعلام للزركلي ج 5 ص 293. ولم تمدنا المراجع بتفصيلات عن حياة صاحب ~~الفخري سوى أنه تزوج من فارسية وزار مراغة بأذربيجان واستقر بالموصل وتوفي ~~فيها عام/ 709/ ه. وقد أبدى انحيازا للمغول وتهيبا لسلطانهم ولمن حكموا تحت ~~رايتهم بالإضافة إلى علويته. # أما كتاب «الفخري» فقد حوى جزأين هامين: الأول، موضوعة الآداب العامة ~~للسلاطين ومعاشريهم، وثانيهما التأريخ لثلاث من الدول: هي: دولة الخلفاء ~~الراشدين، ودولة بني أمية، والدولة العباسية، وقد تعرض بذكر ms002 وجيز للدول ~~العارضة على الكيان العباسي كالدولة العلوية المعروفة بالفاطمية مثلا. # وكانت خطته أن يذكر الخلفاء والسلاطين وأعمالهم ثم يثني بذكر من استوزره ~~من الوزراء، ملما بطرائف الوقائع من الحكايات على وجه الاستطراد لدفع الملل ~~عن القارئ.. وهذا ما يجعل كتاب «الفخري» أهلا للمطالعة من جهتين، جهة ~~التاريخ، وجهة الطرائف والحكايات العجيبة. فهو كتاب تاريخ وكتاب أدب ~~ومسامرة في آن معا، وقد تقلد بقلادة الأشعار في كثير من صفحاته، وكأن ~~الناثر العربي سواء أكان مؤرخا أو عالما أم فيلسوفا، لا يستغني عن الاغتراف ~~من معين الشعر PageV01P007 # الذي هو ديوان العرب. # ويذكر الأستاذ عبد الوهاب الصابوني في كتابه «عيون المؤلفات» أن عنده من ~~كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية» طبعتين الأولى تامة ~~ولكنها غير محققة طبعت في مصر/ 1927/ م، والثانية منقحة مصححة تاريخها/ ~~1938/ م وقد راجعها ونقحها محمد عوض إبراهيم بك وعلي الجارم بك، ولولا أنني ~~قد اطلعت على هذه الحقيقة بعد فراغي من تحقيق طبعة (عز) المتوفرة لدي لنظرت ~~بشكل أو بآخر في هاتين الطبعتين. على أنني كنت قد بينت حرصي على الانفراد ~~بالجهد في الطبعة غير المنقحة ليكون لي فضل الجدة والابتكار في إخراج العمل ~~شكلا ومضمونا. # ومهما يكن، فللقارئ العربي أن يغتنم في كتاب «الفخري» مرجعا مختصرا ~~ومفيدا بين المراجع التاريخية الأخرى المستفيضة مثل «تاريخ الأمم والملوك» ~~لمحمد بن جرير الطبري، أو «الكامل في التاريخ» لعلي بن محمد المعروف بابن ~~الأثير الجزري وغيرهما.. ورغم انحياز صاحب الفخري إلى علويته وحملته على ~~عديد من خلفاء الدولتين الأموية والعباسية يجد القارئ في الكتاب مرجعا هاما ~~في تاريخ العرب والإسلام وها هو الآن نص محقق من نصوص الأدب والطرائف.. # اسأل الله تعالى أن يجعل لي فيه ذخرا ليوم الدين، وأن يجعل فيه مددا ~~لطلاب المعرفة والعبرة التاريخية، وهو على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. # حلب 10/ 2/ 1418 ه 16/ 6/ 1997 م عبد القادر محمد مايو الحلبي القسطلي # PageV01P008 # الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية # PageV01P009 # مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم 1 الحمد لله ms003 مسبب الأسباب، ومفتح الأبواب. مقدر ~~الأمور، ومدبر الدهور. # واجب الوجود، وخالق الأخلاق والجود. مفيض العقل. وواهب الكل. أقر أنه ~~المالك وأن الوجود مملوك لعظمته. وأشهد أنه الفاطر. وأن الغيب غير مستور ~~لحكمته. وأعوذ بجلال عزه من ذل الحجاب، وبفضل جوده من نقاش الحساب، وبخافي ~~علمه مما في الكتاب من العذاب، وأصلي على النفوس العلوية المطهرة من ~~الأدناس، وعلى الأجسام الأرضية المنزهة عن الأرجاس. وأخص من بينهم بأفضل ~~الصلوات الزاكيات، وأكمل التحيات الناميات، من نادى والألسن حداد، وأرشد ~~والأكباد غلاظ والقلوب جلاد- محمدا النبي الأمي ذا التأييدات الإلهية، ~~والتأكيدات الجلالية، وآله الطيبين وأصحابه الصالحين، الذين كانوا صدقوه ~~وقد أرسل، ونصروه وقد خذل، ما سمح جواد ووري زناد. # وبعد، فإن أفضل ما نظر فيه خواص الملوك، وسلكوا إليه أفضل السلوك بعد ~~نظرهم في أمر الأمة، وقيامهم فيما استودعوه بالحجة، هو النظر في العلوم، ~~والإقبال على الكتب التي صدرت عن شرائف الفهوم، فأما فضيلة العلم فظاهرة ~~ظهور الشمس عرية من الشك واللبس، فمما جاء من ذلك في التنزيل قوله تعالى: # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون 39: 9 [1] ، ومما جاء في الحديث- ~~صلوات الله وسلامه على من نسب إليه-: «إن الملائكة لتضع [2] أجنحتها لطالب ~~العلم» . وأما فضيلة الكتب فقد قالوا: إن الكتاب هو الجليس الذي لا ينافق، ~~ولا يمل ولا يعاتبك إذا جفوته، ولا يفشي سرك. وقال المهلب [3] لبنيه: يا ~~بني: إذا PageV01P011 # وقفتم في الأسواق فلا تقفوا إلا على من يبيع السلاح، أو يبيع الكتب. # وكان الفتح بن خاقان [1] إذا كان جالسا في حضرة المتوكل، وأراد أن يقوم ~~إلى المتوضأ، أخرج من ساق موزته كتابا لطيفا، فلا يزال يطالعه في ممره ~~وعوده فإذا وصل إلى الحضرة أعاده إلى ساق موزته. # أرسل بعض الخلفاء في طلب بعض العلماء ليسامره، فلما جاء الخادم إليه وجده ~~جالسا وحواليه كتب، وهو يطالع فيها: فقال له: إن أمير المؤمنين يستدعيك ~~قال: قل له: عندي قوم من الحكماء أحادثهم، فإذا فرغت منهم حضرت. فلما عاد ~~الخادم إلى الخليفة وأخبره بذلك، قال ms004 له: ويحك! من هؤلاء الحكماء الذين ~~كانوا عنده؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما كان عنده أحد! قال: فأحضره ~~الساعة كيف كان. فلما حضر ذلك العالم، قال له الخليفة: من هؤلاء الحكماء ~~الذين كانوا عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين: # لنا جلساء ما نمل حديثهم ... أمينون مأمونون غيبا ومشهدا # يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... ورأيا وتأديبا ومجدا وسؤددا # فإن قلت: أموات. فلم تعد أمرهم ... وإن قلت: أحياء. فلست مفندا # (طويل) فعلم الخليفة أنه يشير بذلك إلى الكتب، ولم ينكر عليه تأخره. # وقال الجاحظ: دخلت على محمد بن إسحاق [2] أمير بغداد، في أيام ولايته وهو ~~جالس في الديوان، والناس مثول بين يديه كأن على رءوسهم الطير، ثم دخلت إليه ~~بعد مدة وهو معزول، وهو جالس في خزانة كتبه، وحواليه الكتب والدفاتر ~~والمحابر والمساطر. فما رأيته أهيب منه في تلك الحال!. # وقال المتنبي: # أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب # (طويل) PageV01P012 # والعلم يزين الملوك أكثر مما يزين السوقة، وإذا كان الملك عالما صار ~~العالم ملكا وأصلح ما نظر فيه الملوك ما اشتمل على الآداب السلطانية، ~~والسير التاريخية المطوية على ظرائف الأخبار، وعجائب الآثار، على أن ~~الوزراء كانوا قديما يكرهون أن الملوك يقفون على شيء من السير والتواريخ، ~~خوفا أن يتفطن الملوك إلى أشياء لا يحب الوزراء أن يتفطن لها الملوك. # طلب المكتفي [1] من وزيره كتبا يلهو بها؟ ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم ~~الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك، وعرضه عليه قبل حمله إلى الخليفة، فحصلوا ~~شيئا من كتب التاريخ، وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة من وقائع ~~الملوك، وأخبار الوزراء ومعرفة التحيل في استخراج الأموال، فلما رآه ~~الوزير، قال لنوابه والله إنكم أشد الناس عداوة لي، أنا قلت لكم: حصلوا له ~~كتبا يلهو بها، ويشتغل بها عني وعن غيري فقد حصلتم له ما يعرفه مصارع ~~الوزراء، ويوجده الطريق إلى استخراج المال، ويعرفه خراب البلاد من عمارتها! ~~ردوها، وحصلوا له كتبا فيها حكايات تلهيه، وأشعار تطربه. # وكانوا يكرهون أيضا أن ms005 يكون في الخلفاء والملوك فطانة ومعرفة بالأمور ~~ولما مات المكتفي، عزم وزيره على مبايعة عبد الله بن المعتز [2] ، وكان عبد ~~الله فاضلا لبيبا محصلا، فخلا به بعض عقلاء الكتاب وقال له: أيهذا الوزير: ~~هذا الرأي الذي قد رأيته في مبايعة ابن المعتز ليس بصواب، قال الوزير: كيف ~~ذلك؟ # قال: أي حاجة لك أن تجلس على سرير الخلافة من يعرف الذراع والميزان ~~والأسعار، ويفهم الأمور، ويعرف القبيح من الحسن، ويعرف دارك وبستانك ~~وضيعتك؟ الرأي أن تجلس صبيا صغيرا فيكون اسم الخلافة له، ومعناها لك، ~~فتربيه إلى أن يكبر، فإذا كبر عرف لك حق التربية، وتكون أنت قد قضيت أوطارك ~~PageV01P013 # مدة صغره، فشكره الوزير على ذلك، وعدل عن عبد الله بن المعتز إلى ~~المقتدر، وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة. # وكان بدر الدين لؤلؤ [1] صاحب الموصل- رحمه الله- أكثر ما يجري في مجلس ~~أنسه إيراد الأشعار المطربة، والحكايات الملهية، فإذا دخل شهر رمضان أحضرت ~~له كتب التواريخ والسير، وجلس الزين الكاتب وعز الدين المحدث يقرءان عليه ~~أحوال العالم. # وهذا التقرير يستدعي شرح حال: وذلك أني حين أحلني حكم القضاء بالموصل ~~الحدباء، حللتها غير متعرض لوبلها أو طلها، ودخلتها كما قال عز من قائل: ~~ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها 28: 15 [2] ، وكنت بنيت عزمي على ~~المقام فيها بقدر ما ينكسر البرد، ثم التوجه بعد ذلك إلى تبريز، فحين ~~استقررت بالموصل، بلغني من عدة جهات مختلفة، ومن ذوي آراء غير مؤتلفة، ~~غزارة فضل صاحبها الأعظم المولى المخدوم الملك المعظم، أفضل الملوك ~~وأعظمهم، وأكرم الحكماء وأحلمهم، فخر الملة والدين، الممنوح بخصائص لو كانت ~~للدهر لما شكا صرفه حر ولما مس أحدا منه ضر، ولو كانت للبحر لما كان ماؤه ~~ملحا أجاجا، ولا خاف راكبه منه أمواجا، ولو ظفرت بها الأقمار، لما لحقها ~~السرار، عيسى [3] الذي أحيا ميت الفضائل، ونشر طي الفواضل، وأقام سوق ~~المكارم في عصر كسدت فيه سوقها وأنهض مقعدات المحاسن بعد ما عجزت عن حمل ~~أجسامها سوقها، وذب عن الأحرار في زمان هم فيه أقل ms006 من القليل، وملأ أيديهم ~~من عطائه بأياد واضحة الغرة والتحجيل وأفاء عليهم ظل رأفة لا ينتقل، وخفض ~~لهم جناح رحمة فما بيني يتفضل عليهم ويتطول، كلما ازداد دولة وتمكينا ~~PageV01P014 # زاد تواضعا ولينا، وكلما بلغ من الملك غاية، رفع للكرم راية ابن إبراهيم ~~أعز الله نصره، وأنفذ نهيه وأمره، الذي أنسى ذكر الأجواد، ورزانة الأطواد ~~وشجاعة الآساد: # للشمس فيه وللرياح وللسحاب ... وللبحار وللأسود شمائل # (كامل) الذي هو في جبهة هذا الدهر غرة، وفي قلادته درة لا تدانيها في ~~الدنيا درة الذي صدق أخبار الماضين، وحقق ما نسخ من مآثر الأولين. # وقد قال ابن الرومي: # أظن بأن الدهر ما زال هكذا ... وأن حديث الجود ليس له أصل # وهب أنه كان الكرام كما حكوا ... أما كان فيهم واحد وله نسل؟! # (طويل) فلو شاهد لصدق ما سمع من أخبار أهل الكرم، ولما اختلجت بين جنبيه ~~عوارض التهم، الحاكم الذي إذا سلط ذهنه الشريف، وفكره اللطيف، على القضايا ~~الديوانية، والأمور السلطانية ذلت له الصعاب، ولانت له الصم الصلاب، وظهرت ~~له الخفايا، وتعذر أن يقال: في الزوايا خبايا. # أما قوة العدل عنده فسليمة، قواعدها لديه قويمة، فلا تجزعنك هيبته ~~المرهوبة فإن وراءها رأفة بالضعيف، ورقة على الفقير، وجبرا للكسير. # وله من الصفح الجميل عوائد ... أسر الطليق بها، وفك العاني [1] # (كامل) ولقد حضرت يوما مجلسه الرفيع وكان يوم غيث، وقد تقدم بصيانة الباب ~~فلما كثر الغيث، قال للحجاب: من حضر الباب وله حاجة فعرفونا بها، ثم قال: # إن أحدا لا يحضر في مثل هذا الوقت إلا لضرورة، ولا يجوز أن يرد خائبا، ~~فبالله هل يأتي في هذا الكتاب الذي يريد أن يكون مشتملا على محاسن الآثار، ~~إلا ما هو PageV01P015 # من جنس هذه الحكاية؟. # وأما قوة السياسة عنده فعظيمة، لم تعترضها هضيمة [1] ، فلا تغرنكم رقته ~~وابتسامه، فإن وراء ذلك صرامة يخضع لها الأسود، وشهامة يحذرها السيد ~~والمسود. # هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا ... على الدر، واحذره إذا كان مزبدا # (طويل) وأما قوة الذكاء والتيقظ فهو فيها كما ms007 قال المتنبي: # تعرف في عينه حقيقته ... كأنه بالذكاء مكتحل # أشفق عند اتقاد فكرته ... عليه منها، أخاف يشتعل # (منسرح) وأما قوة العقل الغزير، والتمييز الصحيح، فإني لأظن أن عقلاء ~~الملوك الماضين لو عاشوا وشاهدوه لتعلموا منه كيف يساس الجمهور، وكيف تدبر ~~الأمور وأما قوة الكرم الذي تجاوز الحد وخرج، فحدث عن البحر ولا حرج، فلو ~~عاش الكرام الذين ضربت بهم الأمثال وعدمت لهم النظراء والأمثال، لتعلموا ~~منه غوامض الكرم ولتلقفوا منه محاسن الشيم، ولو أنصفت لتركت وصف هذه القوة ~~من قواه عجزا عن الإحاطة بكنه وصفها، وقصورا عن القيام بواجب وصفها، ولكني ~~أقول بحسب الجهد والطاقة: إن احتقاره للدنيا احتقار الأولياء، واستصغاره ~~لها استصغار الزهاد: # فلو جاد بالدنيا وثنى بضعفها ... لظن من استصغاره أنه ضنا # (طويل) يعطي عطاء من يبقى الذكر ويحييه، وينفد المال ويفنيه. # أعاذل، إن الجود ليس بمهلكي ... ولا يخلد النفس الشحيحة لومها [2] # وتذكر أخلاق الفتى، وعظامه ... مغيبة في الترب بال رميمها # (طويل) PageV01P016 # بهمة نالت السماء، وجاوزت الجوزاء، ومن هناك حصل له الأنس بعلم النجوم ~~فإنه أخذ علمها بالارتقاء إليها والاقتراب، لا بالحساب والأصطرلاب [1] ، ~~بلغ السماء علوا فشافهته بأسرارها كواكبها، وفرع [2] الأفلاك سموا فحدثته ~~بأخبارها، مشارقها ومغاربها: # له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # (طويل) لا تستقر في خزائنه نفائس أمواله، وليس لها بيت يحفظها سوى بيوت ~~سؤاله [3] : # إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلت إلى طرق العلياء تستبق # لا يألف الدرهم المنقوش صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق # (بسيط) لا يفعل السكر في كرمه إلا كما يفعل الصحو في إمطار ديمه [4] # يعيد عطايا سكره عند صحوه ... ليعلم أن الجود منه على علم # ويسلم في الإحسان من قول قائل ... تكرم لما خامرته [5] ابنة الكرم # (طويل) ومن أسرار كرمه أنه منزه عن التبذير، وإن كان أكثر من الكثير لأنه ~~موضوع في أجل مواضعه، وواقع في أفضل مواقعة، فمتى تعرض آمل أو عن سائل [6] ~~، بادر إلى إرفاده (7) مبادرة السيل إلى وهاده. PageV01P017 # عشق المكارم فاستهام بذكرها ... والمكرمات قليلة العشاق # وأقام ms008 سوقا للثناء، ولم تكن ... سوق الثناء تعد في الأسواق # فاذكر صنائعه فلسن صنائعا ... لكنهن قلائد الأعناق # والثم أنامله فلسن أناملا ... لكنهن مفاتح الأرزاق # (كامل) وكأني بك أيها الناظر في هذا الكتاب قد استعظمت ما سمعت، فإن عرض ~~لك الشك فانظر أعيان هذا العصر، تجدهم يناقشون على الذرة [1] ، وتجده لا ~~يلتفت إلى الدرة، وتجدهم يحرصون على اقتناء الذخائر، وتجده لا يحرص إلا على ~~الذكر السائر والصيت الطائر، وتجدهم قد شغفتهم محبة الأولاد، وتجده قد ~~شغفته محبة السؤال والقصاد، وتجدهم يهربون من المغارم [2] وتجده يعدها من ~~أفضل المغانم ثم ارجع البصر تجد المدائح عندهم كاسدة، وتجدها عنده نافقة، ~~وتأمل تبصر المكارم لديهم جامدة وتبصرها لديه دافقة، وانظر بابه تجده عامرا ~~بوفود الثناء غاصا بالأدباء والشعراء والفضلاء والفصحاء. # يسقط الطير حيث يلتقط الحب ... وتغشى منازل الكرماء [3] # (خفيف) وتالله ما الدنيا إلا دنياه، ولا العيش إلا عيشه الذي أعطاه الله. # ما العيش أن يمسي الفتى ... متشبعا ضخم الجزاره # العيش أن يشجي الفتى ... أعداءه، ويعز جاره # حتى يخاض [4] ويرتجى ... ويرى له نشب وإ # ويروح إما للكتابة ... سعيه، أو للإماره PageV01P018 # رجعنا إلى حكاية الحال، وإتمام المقال: فلفقت المقادير أن جرى ذكري بين ~~يديه وعرض شيء من أمري عليه فلمح بذكاء قلبه، وصحة حدسه من تلك الأنباء ~~حقيقة حالي قبل اللقاء، وتقدم بالحضور في خدمته، فلما حضرت راعني ما شاهدت ~~من كمال هيئته وراقني ما عاينت من جمال صورته، وشريف سيرته فكان أول ما ~~أنشدته قول المتنبي: # وما زلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كل ركب له ذكر # وأستعظم الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر [1] # (طويل) ثم تابع من ألطافه ما غرس به ودا، وجنى منه ثناء وحمدا، فرأيت أن ~~أخدم حضرته بتأليف هذا الكتاب، ليكون تذكرة له، وتذكرة لي عنده، يذكرني به ~~إذا غبت عن عالي جنابه، وانفصلت عن فسيح رحابه. # وهذا كتاب تكلمت فيه على أحوال الدول وأمور الملك، وذكرت فيه ما استظرفته ~~من أحوال الملوك الفضلاء، واستقريته من سير الخلفاء والوزراء ms009 وبنيته على ~~فصلين [2] : # فالفصل الأول تكلمت فيه على الأمور السلطانية والسياسات الملكية وخواص ~~الملك التي يتميز بها عن السوقة [3] ، والتي تجب أن تكون موجودة أو معدومة ~~فيه وما يجب له على رعيته وما يجب لهم عليه، ورصعت الكلام فيه بالآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية، والحكايات المستطرفة والأشعار المستحسنة. # والفصل الثاني: تكلمت فيه على دولة من مشاهير الدول التي كانت طاعتها ~~عامة، ومحاسنها تامة، ابتدأت فيه بدولة الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان ~~PageV01P019 # وعلي- رضي الله عنهم- على الترتيب الذي وقع، ثم بالدولة التي تسلمت الملك ~~منها وهي الدولة الأموية، ثم بالدولة التي تسلمت الملك منها وهي الدولة ~~الأموية، ثم بالدولة التي تسلمت الملك منها، وهي الدولة العباسية ثم بالدول ~~التي وقعت في أثناء الدول الكبار، كدولة بني بويه، وكدولة بني سلجوق وكدولة ~~الفاطميين بمصر على وجه الإيجاز، فإنها دول وقعت في أثناء دولة بني العباس ~~ولكنها لم تكن طاعتها عامة، فأتكلم على دولة دولة بمجموع ما حصل في ذهني من ~~الهيئة الاجتماعية التي أفادتنيها مطالعة السير والتواريخ، فأذكر كيف كان ~~ابتداؤها وانتهاؤها، وطرفا ممتعا من محاسن ملوكها، وأخبار سلاطينها، فإن شذ ~~شيء من أحوالها عن ذهني، واحتجت إلى إثباته: من حكاية ظريفة، أو بيت شعر ~~نادر، أو آية أو حديث نبوي، أخذته من مظانه، ثم إذا ذكرت دولة فدولة تكلمت ~~على كليات أمورها، ثم ذكرت واحدا واحدا من ملوكها، وما جرى في أيامه من ~~الوقائع المشهورة والحوادث المأثورة، فإذا انقضت أيام ذلك الملك، ذكرت ~~وزراءه واحدا واحدا وظرائف ما جرى لهم، فإذا انقضت أيام الملك ووزرائه ~~ابتدأت بالملك الذي بعده وبما جرى في أيامه، وبسير وزرائه كذلك، إلى آخر ~~الدولة العباسية. # والتزمت فيه أمرين: أحدهما: ألا أميل فيه إلا مع الحق، ولا أنطق فيه إلا ~~بالعدل، وأن أعزل سلطان الهوى، وأخرج من حكم المنشأ والمربى، وأفرض نفسي ~~غريبا منهم، وأجنبيا بينهم. وثانيهما: أن أعبر عن المعاني بعبارات واضحة ~~تقرب من الأفهام لينتفع بها كل أحد، عادلا عن العبارات المستصعبة التي يقصد ~~فيها إظهار الفصاحة، ms010 وإثبات البلاغة، فطالما رأيت مصنفي الكتب قد اعترضتهم ~~محبة إظهار الفصاحة والبلاغة فخفيت أغراضهم، واعتاصت معانيهم، فقلت الفائدة ~~بمصنفاتهم من ذلك كتاب القانون في الطب لأبي علي الحسين [1] بن سينا ~~البخاري، فإنه حشاه بالعبارات الغامضة، والتراكيب المستغلقة، فبطل غرضه من ~~PageV01P020 # الانتفاع بكتابه، ولذلك ترى عامة الأطباء قد عدلوا عن كتابه إلى «الملكي» ~~السهل العبارة، المفهم الإشارة. # وهذا كتاب يحتاج إليه من يسوس الجمهور، ويدبر الأمور، وإن أنصفه الناس ~~أخذوا أولادهم بتحفظه، وتدبر معانيه، بعد أن يتدبروه هم، فما الصغير بأحوج ~~إليه من الكبير، ولا الملك العام الطاعة، بأحوج إليه من ملك مدينة ولا ذوو ~~الملك بأحوج إليه من ذوي الأدب، فإن من ينصب نفسه لمفاوضة الملوك، ~~ومجالستهم ومذاكرتهم، يحتاج إلى أكثر مما في هذا الكتاب، فعلى أقل الأقسام ~~لا يسعه تركه. # وهذا الكتاب إن نظر بعين الإنصاف رئي أنفع من «الحماسة» التي لهج الناس ~~بها، وأخذوا أولادهم بحفظها فإن «الحماسة» [1] لا يستفاد منها أكثر من ~~الترغيب في الشجاعة والضيافة وشيء يسير من الأخلاق في الباب المسمى بباب ~~الأدب، والتأنس بالمذاهب الشعرية. وهذا الكتاب يستفاد منه هذه الخصال ~~المذكورة ويستفاد منه قواعد السياسة، وأدوات الرئاسة. فهذا فيه ما في ~~«الحماسة» ، وليس في الحماسة، ما فيه. وإنه ليفيد العقل قوة، والذهن حدة، ~~والبصيرة نورا، وهو للخاطر الذكي بمنزلة المسن الجيد للفولاذ، وهو أيضا ~~أنفع من «المقامات» [2] التي الناس فيها معتقدون، وفي تحفظها راغبون، إذ ~~«المقامات» لا يستفاد منها سوى التمرن على الإنشاء، والوقوف على مذاهب ~~النظم والنثر. نعم، وفيها حكم وحيل وتجارب، إلا أن ذلك مما يصغر الهمة، إذ ~~هو مبني على السؤال والاستجداء والتحيل القبيح على النزر الطفيف، فإن نفعت ~~من جانب، ضرت من جانب وبعض الناس تنبهوا على هذا من المقامات الحريرية ~~والبديعية، فعدل ناس إلى «نهج البلاغة» من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب- عليه السلام- PageV01P021 # فإنه الكتاب الذي يتعلم منه الحكم والمواعظ، والخطب والتوحيد والشجاعة ~~والزهد وعلو الهمة، وأدنى فوائده الفصاحة والبلاغة، وعدل الناس إلى ~~«اليمني» للعتبي [1] ، وهو كتاب ms011 صنفه مؤلفه ليمين الدولة محمود بن سبكتكين ~~[2] يشتمل على سير جماعة من الملوك بالبلاد الشرقية، عبر فيه بعبارات حظها ~~من الفصاحة وافر وصاحبها إن لم يكن ساحرا فهو كاتب ماهر، والعجم مشغوفون به ~~مجدون في طلبه وهو لعمري كتاب يشتمل على ظرائف حكم، وبدائع سير، مع ما فيه ~~من فنون البلاغة، وأنواع الفصاحة، ولعل قائلا أن يقول: لقد بالغ في وصف ~~كتابه، وحشا ما شاء في جرابه، والمرء مفتون بابنه وشعره، فإن اعتراه ريب ~~فليتأمل الكتب المصنفة في هذا الفن، فلعله لا يرى فيها كتابا أجمع للمعنى ~~الذي قصد به من هذا الكتاب. # وهو أعز الله نصره [3] ، وسر بدوام السعادة سره، قد أغناه الله بالذهن ~~القاهر والفضل الباهر، عن هذا الكتاب وعن أمثاله، ولكن مهامه الشريفة ربما ~~أضجرته وأنسته، فإذا روح فكره الشريف بالنظر فيه دفع به الملال، وتذكر به ~~ما أنسته الأشغال. # ومن ألطاف الله تعالى أسأل ألا يخلي هذا الكتاب من فائدتين، إحداهما ~~تخصني: وهي أن يقع عنده بموقع الاستصواب، فأبرأ من عهدة الخجل، والأخرى ~~تخصه: وهي ألا يعدمه الانتفاع به في القول والعمل، إنه ولي كل نعمة ومسدي ~~[4] كل عارفة. PageV01P022 ### | الفصل الأول في الأمور السلطانية والسياسات الملكية # أما الكلام على أصل الملك وحقيقته، وانقسامه إلى رياسات دينية ودنيوية، ~~من خلافة وسلطنة، وإمارة وولاية، وما كان من ذلك على وجه الشرع وما لم يكن ~~ومذاهب أصحاب الآراء في الإمامة، فليس هذا الكتاب موضوعا للبحث عنه، وإنما ~~هو موضوع للسياسات والآداب التي ينتفع بها في الحوادث الواقعة، والوقائع ~~الحادثة، وفي سياسة الرعية وتحصين المملكة، وفي إصلاح الأخلاق والسيرة. # فأول ما يقال: إن الملك الفاضل هو الذي اجتمعت فيه خصال وعدمت فيه خصال، ~~فأما الخصال التي يستحب أن توجد فيه: فمنها العقل: وهو أصلها وأفضلها وبه ~~تساس الدول بالملك، وفي هذا الوصف كفاية. # ومنها العدل: وهو الذي تستغزر به الأموال، وتعمر به الأعمال، وتستصلح به ~~الرجال: # ولما فتح السلطان «هولاكو» [1] بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، أمر أن ~~يستفتي العلماء، ms012 أيهما أفضل، السلطان الكافر العادل، أم السلطان المسلم ~~الجائر؟ ثم جمع العلماء بالمستنصرية [2] لذلك، فلما وقفوا على الفتيا ~~أحجموا عن الجواب، وكان رضي الدين علي بن طاووس [3] حاضرا هذا المجلس، وكان ~~مقدما، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا، ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر ~~على المسلم الجائر فوضع الناس خطوطهم بعده. # ومنها العلم: وهو ثمرة العقل، وبه يستبصر الملك فيما يأتيه ويذره ويأمن ~~الزلل في قضاياه وأحكامه، وبه يتزين الملك في عيون العامة ويصير به معدودا ~~في خواص الملوك. PageV01P023 # قال بعض الحكماء: الملك إذا كان خلوا من العلم كان كالفيل الهائج، لا يمر ~~بشيء إلا خبطه، ليس له زاجر من عقل، ولا رادع من علم. # واعلم أنه ليس المراد بالعلم في الملوك هو تصور المسائل المشكلة، والتبحر ~~في غوامض العلوم، والإغراق في طلبها، قال معاوية: ما أقبح بالملك أن يبالغ ~~في تحصيل علم من العلوم! وإنما المراد من العلوم في الملك، هو ألا يكون له ~~أنس بها إلا بحيث يمكنه أن يفاوض أربابها فيها، مفاوضة يندفع بها الحال ~~الحاضر ولا ضرورة في ذلك إلى التدقيق. # كان مؤيد الدين محمد بن العلقمي وزير المستعصم [1]- وهو آخر وزراء الدولة ~~العباسية- يفاوض كل من يدخل عليه من العلماء مفاوضة عاقل لبيب محصل ولم يكن ~~له بالعلوم ملكة، ولا كان مرتاضا بها رياضة طائلة. # كان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، لكثرة مجالسة الأفاضل وخوضه في الأشعار ~~والحكايات، يستنبط المعاني الحسنة على النكت اللطيفة، مع أنه كان أميا لا ~~يكتب ولا يقرأ. # وكان عز الدين عبد العزيز بن جعفر النيسابوري [2]- رضي الله عنه- لمجالسة ~~أهل الفضل، ولكثرة معاشرتهم له، يتنبه على معان حسنة، ويحل الألغاز المشكلة ~~أسرع منهم، ولم يكن له حظ من علم، وما كان يظهر للناس إلا أنه رجل فاضل ~~وخفي ذلك حتى على الصاحب علاء الدين، فإن ابن الكبوش الشاعر البصري عمل ~~بيتين في الصاحب ونسبهما إلى عبد العزيز وهما: # عطا ملك عطاؤك ملك مصر ... وبعض عبيد دولتك العزيز # تجازي كل ذي ذنب بعفو ... ومثلك ms013 من يجازي أو يجيز # (وافر) PageV01P024 # فأنشدهما عبد العزيز بحضرة الصاحب وادعاهما، وخفي الأمر على الصاحب وما ~~أدري من أيهما أعجب؟! أمن الصاحب كيف خفي عنه حال عبد العزيز مع أنه السنين ~~الطويلة يعاشره في سفر وحضر، وجد وهزل؟ أم من عبد العزيز كيف رضي لنفسه مثل ~~هذه الرذيلة، وأقدم على مثل هذا مع الصاحب وما خاف من تنبه الصاحب ~~واسترذاله لفعله. # وتختلف علوم الملوك باختلاف آرائهم، فأما ملوك الفرس: فكانت علومهم حكما ~~ووصايا، وآدابا وتواريخ، وهندسة وما أشبه ذلك. وأما علوم ملوك الإسلام ~~فكانت علوم اللسان، كالنحو واللغة، والشعر والتواريخ، حتى إن اللحن كان ~~عندهم من أفحش عيوب الملك، وكانت منزلة الإنسان تعلو عندهم بالحكاية ~~الواحدة وبالبيت الواحد من الشعر، بل باللفظة الواحدة من اللغة. وأما في ~~الدولة المغولية: # فرفضت تلك العلوم كلها، ونفقت فيها علوم أخر: وهي علم السياقة والحساب ~~لضبط المملكة وحصر الدخل والخرج، والطب لحفظ الأبدان والأمزجة، والنجوم ~~لاختيار الأوقات وما عدا ذلك من العلوم والآداب فكاسد عندهم، وما رأيته ~~نافقا إلا بالموصل في أيام ملكها المشار إليه، مد الله ظله ونشر فضله. # ومنها الخوف من الله تعالى، وهذه الخصلة هي أصل كل بركة، فإن الملك متى ~~خاف الله أمنه عباد الله روي أن عليا أمير المؤمنين- عليه السلام- استدعى ~~بصوته بعض عبيده فلم يجبه، فدعاه مرارا فلم يجبه، فدخل عليه رجل، وقال: يا ~~أمير المؤمنين إنه بالباب واقف، وهو يسمع صوتك ولا يكلمك! فلما حضر العبد ~~عنده، قال: أما سمعت صوتي؟ قال: بلى، قال: فما منعك من إجابتي؟ قال: أمنت ~~عقوبتك، قال علي عليه السلام: الحمد لله الذي خلقني ممن يأمنه خلقه. وما ~~أحسن قول أبي نواس [1] لهارون الرشيد: PageV01P025 # قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله # (كامل) ولم يكن الرشيد يخاف الله، وأفعاله بأعيان آل علي، وهم أولاد بنت ~~نبيه لغير جرم، تدل على عدم خوفه من الله تعالى، ولكن أبا نواس جرى في قوله ~~على عادة الشعراء. # ومنها العفو. عن الذنوب، وحسن الصفح عن ms014 الهفوات: وهذه أكبر خصال الخير ~~وبها تستمال القلوب، وتصلح النيات، فمما جاء في التنزيل من الحث على ذلك ~~قوله تعالى شأنه: وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم 24: 22 [1] ~~، وكان المأمون حليما حسن الصفح معروفا بذلك، هجاه دعبل الشاعر بأشعار ~~كثيرة من جملتها: # إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد # فلما بلغه هذا القول لم يزد على أن قال: قاتله الله ما أشد بهتانه، متى ~~كنت خاملا وفي حجر الخلافة نشأت وبدرها أرضعت؟! ولما بلغه أن دعبلا قد هجاه ~~قال من أقدم على هجاء وزيري أبي عباد [2] ، كيف لا يقدم على هجائي؟! وهذا ~~الكلام ظاهره غير مستقيم، وهو يحتاج إلى تأويل، فإنه عكس المعهود، قد كان ~~ينبغي أن يقول الوزير: من أقدم على هجاء الخليفة كيف لا يقدم على هجائي ~~ومعنى قول المأمون: أن من أقدم على هجاء أبي عباد مع حدته وهوجه وتسرعه- ~~وكان أبو عباد كذلك- كيف لا يقدم علي في حلمي وصفحي؟!. # ولولا خوف الإطالة لذكرت جماعة من حلماء الملوك في هذا الموضع، ولكن ليس ~~هذا الفصل موضوعا للسمر وسيرد من ذلك ما يمنع- إن شاء الله- في الفصل ~~الثاني. PageV01P026 # ومنهم من يرى أن الحقد خصلة محمودة في الملك، قال بزرجمهر [1] : # يجب أن يكون الملك أحقد من جمل، وأنا أناظره في هذا القول فأقول: كيف ~~يقال كذلك والملك متى كان حقودا فسدت نيته لرعيته فمقتهم، وقلل الالتفات ~~إليهم بالشفقة عليهم ومتى أحسوا بذلك تغيرت نياتهم له، وفسدت بواطنهم، وهل ~~يتمكن الملك مما يريده من مهمات مملكته، وبلوغ أغراضه كما في نفسه، إلا ~~بصفاء قلوب رعيته؟ وأي حكمة في ذلك؟ وهل فيه سوى تنغيص عيش الملك وتبغيض ~~رعيته إليه، وإيحاشهم منه؟ قال شاعر العرب [2] : # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا # (طويل) خصوصا والناس مركبون على الخطأ، ومجبولون على تشمير الطباع، فما ~~أكثر ما تصدر منهم موجبات الحقد! فلا يزال الملك طول دهره يعاني من الغيظ ms015 ~~والحقد عليهم، ما ينغص عليه لذته، ويشغله عن كثير من مهام مملكته، وما أكثر ~~ما رأينا الرعية أو الجند قد وثبوا على ملوكهم، فسلبوهم رداء المملكة بل ~~رداء الحياة! فابتدئ من عمر بن الخطاب، وقد وثب عليه لؤلؤة [3] عبد المغيرة ~~بن شعبة فقتله، ثم ثن بعثمان بن عفان- رضي الله عنه- وانظر كيف اجتمع عليه ~~رعيته من كل جانب، فحاصروه في داره أياما ثم دخلوا عليه فقتلوه، والمصحف في ~~حجره حتى قطرت قطرات من دمه على المصحف، ثم ثلث بعلي بن أبي طالب- عليه ~~السلام- وقد ضربه عبد الرحمن بن ملجم- لعنه الله- بسيفه على أم رأسه ~~PageV01P027 # بالكوفة فقتله، وكان ابن ملجم من الخوارج، هذا في الصدر الأول والناس ناس ~~والدين دين، ثم تنقل دولة فدولة، وأياما، فأياما، إلى أواسط دولة بني ~~العباس، فانظر منذ عهد المتوكل إلى عهد المقتفي ما جرى على واحد واحد من ~~الخلفاء من القتل والخلع والنهب، بسبب تغير نيات جنده ورعيته. فهذا سمل [1] ~~، وذاك قتل، والآخر عزل. ثم اسرح طرفك في الدولتين البويهية والسلجوقية تر ~~من هذا الباب عجبا. ثم ارجع البصر إلى أونكخان ملك الترك، كيف لما تنكرت ~~نيته على جنكزخان [2] ، وحقد عليه أشياء عرضها عليه عنده حساده، وأراد ~~الوقيعة به وأعلمه بذلك الصبيان فرحل من ليلته، ثم حشد وجمع ووثب على ~~أونكخان فقتله وملك ممالكه- تعلم أن الحقد من أضر الأشياء للملك، وأن أوفق ~~الأشياء له الصفح والعفو والغفران والتناسبي. وما أحسن قول القائل: # اقبل من الناس ما تيسر ... ودع من الناس ما تعسر # فإنما الناس من زجاج ... إن لم ترفق به تكسر # (منسرح) وقد مدح بعض الشعراء الحقد، ولم يسمع بمن مدح الحقد غير هذا، ~~فقال: # وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض # فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على سالف الفرض # إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فهي ناهيك من أرض # (طويل) هذا قول لا يعرج عليه. وإن عرج عليه أحد فليعرج عليه غير الملك، ~~فإن الملك ms016 أحوج الخلق إلى استصلاح النيات، واستصفاء القلوب. # ومن الخصال التي يستحب أن تكون في الملك، الكرم: وهو الأصل في استمالة ~~القلوب، وتحصيل النصائح من العالم، واستخدام الأشراف. قال الشاعر: ~~PageV01P028 # إذا ملك لم يكن ذا هبه [1] ... فدعه فدولته ذاهبه # (متقارب) ومما جاء في الحديث النبوي- صلوات الله على صاحبه- «تجاوزوا عن ~~ذنب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر، وفاتح عليه كلما افتقر» . وقال ~~علي- عليه السلام- «: الجود حارس الأعراض» . واعلم أنه لم تتضمن سيرة من ~~حكايات الجود مثل ما نقل عن قان العادل (وهو أوكتاي بن جنكزخان) ، فإنه غبر ~~[2] في وجوه جميع كرام الملوك. # مناقب تفتق ما رقعتم ... من جود كعب [3] وسماح حاتم # (رجز) ومن الاتفاقات الحسنة، وجوده في عصر المستنصر بالله. وكان المستنصر ~~أكرم من الريح، ولكن أين يقع جوده من جودقان؟ ومن أين للمستنصر [4] مال يفي ~~بعطايا قان؟. # ومنها الهيبة: وبها يحفظ نظام المملكة، ويحرس من أطماع الرعية. وقد كان ~~الملوك يبالغون في إقامة الهيبة والناموس، حتى بارتباط الأسود والفيلة ~~والنمور، وبضرب البوقات الكبار كبوق النفير، والدباب [5] والقصع، ورفع ~~السناجق [6] وخفق الألوية على رءوسهم. كل ذلك لإثبات الهيبة في صدور ~~الرعية، ولإقامة ناموس المملكة. كان عضد الدولة إذا جلس على سريره أحضرت ~~الأسود والفيلة والنمور في السلاسل، وجعلت في حواشي مجلسه، تهويلا بذلك على ~~الناس، وترويعا لهم. PageV01P029 # ومنها السياسة: وهي رأس مال الملك، وعليها التعويل في حقن الدماء، وحفظ ~~الأموال، ومنع الشرور، وقمع الدعار [1] والمفسدين، والمنع من التظالم ~~المؤدي إلى الفتنة والاضطراب. # ومنها الوفاء بالعهد: قال تعالى سلطانه: وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسؤلا 17: 34 [2] . وهو الأصل في تسكين القلوب، وطمأنينة النفوس، ووثوق ~~الرعية بالملك إذا طلب الأمان منه خائف، أو أراد المعاهدة منه معاهد. # ومنها الاطلاع على غوامض أحوال المملكة ودقائق أمور الرعية، ومجازاة ~~المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته. كان أردشير [3] الملك يقول لمن شاء ~~من أشراف رعيته وأوضاعهم: كان البارحة من حالك كيت وكيت حتى صار يقال إن ~~أردشير يأتيه ملك من السماء يخبره بالأمور. وما ذاك إلا لتيقظه ms017 وتصفحه. # فهذه عشر خصال من خصال الخير، من كن فيه استحق الرئاسة الكبرى. # ولو نظر أصحاب الآراء والمذاهب حق النظر، وتركوا الهوى، لكانت هذه ~~الشرائط هي المعتبرة في استحقاق الإمامة، وما عداها فغير طائل. وقال ~~بزرجمهر [4] . ينبغي أن يكون الملك كالأرض في كتمان سره وصبره، وكالنار على ~~أهل الفساد وكالماء في لينه لمن لاينه، وينبغي أن يكون أسمع من فرس، وأبصر ~~من عقاب، وأهدى من قطاة، وأشد حذرا من غراب، وأعظم إقداما من الأسد، وأقوى ~~وأسرع وثوبا من الفهد وينبغي للملك ألا يستبد برأيه وأن يشاور في الملمات ~~خواص الناس وعقلاءهم ومن يتفرس فيه الذكاء والعقل وجودة الرأي، وصحة ~~التمييز ومعرفة الأمور. ولا ينبغي أن تمنعه عزة الملك من إيناس المستشار به ~~وبسطه، واستمالة قلبه حتى يمحضه النصيحة فإن أحدا لا ينصح بالقسر ولا يعطي ~~نصيحته إلا بالرغبة، وما أحسن قول الشاعر في هذا المعنى: PageV01P030 # أهان وأقصى ثم يستنصحونني ... ومن ذا الذي يعطي نصيحته قسرا؟! # (طويل) قال الله تعالى: وشاورهم في الأمر 3: 159 وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يشاور أصحابه دائما. # لما كانت وقعة بدر [1] خرج- صلى الله عليه وسلم- من المدينة في جماعة من ~~المسلمين، فلما وصلوا بدرا نزلوا على غير ماء، فقام إليه رجل [2] من أصحابه ~~وقال: يا رسول الله: نزولك ها هنا شيء أمرك الله به أو هو من عند نفسك قال: ~~بل هو من عند نفسي، قال يا رسول الله: إن الصواب أن ترحل وتنزل على الماء ~~فيكون الماء عندنا، فلا نخاف العطش، وإذا جاء المشركون لا يجدون ماء، فيكون ~~ذلك معينا لنا عليهم، قال رسول الله، صدقت، ثم أمر بالرحيل، ونزل على ~~الماء، واختلف المتكلمون في كون الله تعالى أمر رسوله بالاستشارة، مع أنه ~~أيده ووفقه، وفي ذلك أربعة وجوه: أحدها: أنه- عليه السلام- أمر بمشاورة ~~الصحابة استمالة لقلوبهم وتطييبا لنفوسهم. والثاني: أنه أمر بمشاورتهم في ~~الحرب ليستقر له الرأي الصحيح فيعمل عليه. والثالث: أنه أمر بمشاورتهم لما ~~فيها من النفع والمصلحة. والرابع: أنه إنما أمر بمشاورتهم ms018 ليقتدي به الناس، ~~وهذا عندي أحسن الوجوه وأصلحها. قالوا: الخطأ مع المشورة، أصلح من الصواب ~~مع الانفراد والاستبداد، وقال صاحب كليلة ودمنة [3] : # لا بد لملك من مستشار مأمور يفضي إليه بسره، ويعاونه على رأيه، فإن ~~المستشير- وإن كان أفضل من المستشار وأكمل عقلا وأصح رأيا- قد يزداد برأي ~~المشير رأيا، كما تزداد النار بالدهن ضوءا ونورا، قال الشاعر: PageV01P031 # إذا أعوز الرأي المشورة فاستشر ... برأي نصيح أو مشورة حازم [1] # (طويل) واعلم أن للملك أمورا تخصه يتميز بها عن السوقة، فمنها: أنه إذا ~~أحب شيئا أحبه الناس، وإذا أبغض شيئا أبغضه الناس، وإذا لهج بشيء لهج به ~~الناس إما طبعا أو تطبعا، ليتقربوا بذلك إلى قلبه، ولذلك قيل: الناس على ~~دين ملوكهم فانظر كيف كان زي الناس في زمن الخلفاء، فلما ملكت هذه الدولة- ~~أسبغ الله إحسانها وأعلى شأنها- غير الناس زيهم في جميع الأشياء، ودخلوا في ~~زي ملوكهم بالنطق واللباس، والآلات والرسوم والآداب، من غير أن يكلفوهم ذلك ~~أو يأمروهم به أو ينهوهم عنه، ولكنهم علموا أن زيهم الأول مستهجن في نظرهم، ~~مناف لاختيارهم فتقربوا إليهم بزيهم وما زال الملوك في كل زمان يختارون زيا ~~وفنا، فيميل الناس إليه ويلهجون به، وهذا من خواص الدولة وأسرار الملك. # ومن خواص الملك: أن صحبته تورث التيه والكبر، وتقوي القلب وتكبر النفس ~~وليس صحبة غير الملك تفعل ذلك، ومن خواصه: أنه إذا أعرض عن إنسان وجد ذلك ~~الإنسان في نفسه ضعفا، وإن لم ينله بمكروه، وإذا أقبل على إنسان وجد ذلك ~~الإنسان في نفسه قوة، وإن لم يصبه منه خير، بل مجرد الإعراض، والإقبال يفعل ~~ذلك، وليس أحد من الناس بهذه المنزلة غير السلطان. # وأما الخصال التي يستحب أن تكون معدومة فيه: فقد ذكرها ابن المقفع في ~~كلام له قال: ليس للملك أن يغضب، لأن القدرة من وراء حاجته، وليس له أن ~~يكذب لأنه لا يقدر أحد على إلزامه بغير ما يريد، وليس له أن يبخل، لأنه أقل ~~الناس عذرا في خوف الفقر، وليس له أن يكون حقودا، ms019 لأن قدره قد عظم عن ~~المجازاة لأحد على إساءة صدرت منه، وليس له أن يحلف إذا حدث، لأن الذي يحمل ~~الإنسان على اليمين في حديثه خلال: إما مهانة يجدها في نفسه واحتياج إلى ~~PageV01P032 # أن يصدقه الناس، وإما عي وحصر وعجز عن الكلام، فيريد أن يجعل اليمين تتمة ~~لكلامه أو حشوا فيه، وإما أن يكون قد عرف أنه مشهور عند الناس بالكذب، فهو ~~يجعل نفسه بمنزلة من لا يصدق ولا يقبل قوله إلا باليمين، وحينئذ كلما ازداد ~~إيمانا ازداد الناس له تكذيبا، والملك بمعزل عن هذه الدنايا كلها، وقدره ~~أكبر من ذلك. # ومن الخصال التي يستحب أن تكون معدومة في الملك: الحدة، فإنها ربما أصدرت ~~عنه فعلا يندم عليه حين لا ينفع الندم، وأكثر ما ترى الحداد من الرجال ~~سريعي الرجوع، ولذلك قال- عليه الصلاة والسلام-: «خير أمتي حدادها» . ومن ~~الخصال التي يستحب عدمها في الملك: الضجر والسأم والملل، فذلك من أضر ~~الأمور وأفسدها لحاله. # واعلم أن للملك على رعيته حقوقا، وأن لهم عليه حقوقا، فأما الحقوق التي ~~تجب للملك على رعيته، فمنها الطاعة: وهي الأصل الذي ينتظم به صلاح أمور ~~الجمهور، ويتمكن به الملك من الإنصاف للضعيف من القوي، والقسمة بالحق، ومما ~~جاء في التنزيل من الحث على ذلك- وهي الآية المشهورة في هذا المعنى- قوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~4: 59 [1] . # ومن أمثالهم: «لا إمرة لمن لا يطاع» [2] . ولم ينقل في تاريخ ولا تضمنت ~~سيرة من السير، أن دولة من الدول رزقت من طاعة جندها ورعاياها، ما رزقته ~~هذه الدولة القاهرة المغولية [3] ، فإن طاعة جندها ورعاياها لها، طاعة لم ~~ترزقها دولة من الدول. # فأما الدولة الكسروية [4] : فإنها على عظمها وفخامتها، لم تبلغ ذلك، وقد ~~PageV01P033 # كان النعمان بن المنذر [1] ملك الحيرة نائبا لكسرى على العرب، وبين ~~الحيرة والمدائن التي كانت سرير ملك الأكاسرة فراسخ معدودة والنعمان في كل ~~أيامه قد عصا على كسرى وإذا حضر مجلسه تبسط وتجرأ على مجاوبته، وكان متى ~~أراد خلع طاعته دخل ms020 البرية فأمن شره. # وأما الدول الإسلامية: فلا نسبة لها إلى هذه الدولة حتى تذكر معها، فأما ~~خلافة الأربعة الأول: وهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان- ~~رضي الله عنهم- وعلي بن أبي طالب- عليه السلام- فإنها كانت أشبه بالرتب ~~الدينية من الرتب الدنيوية في جميع الأشياء، كان أحدهم يلبس الثوب من ~~الكرباس الغليظ، وفي رجله نعلان من ليف، وحمائل سيفه ليف، ويمشي في الأسواق ~~كبعض الرعية، وإذا كلم أدنى الرعية أسمعه أغلظ من كلامه، وكانوا يعدون هذا ~~من الدين الذي بعث به النبي صلوات الله عليه وسلامه، قيل إن عمر ابن الخطاب ~~جاءته برود من اليمن ففرقها على المسلمين فكان نصيب كل رجل من المسلمين ~~بردا واحدا، وكان نصيب عمر كنصيب واحد من المسلمين، قيل: # ففصله عمر ثم لبسه، وصعد المنبر فأمر الناس بالجهاد فقام إليه رجل من ~~المسلمين وقال: لا سمعا وطاعة، قال لم ذلك؟ قال: لأنك استأثرت علينا، قال ~~عمر: بأي شيء استأثرت؟ قال: إن الأبراد اليمنية لما فرقتها حصل لكل واحد من ~~المسلمين برد منها، وكذلك حصل لك، والبرد الواحد لا يكفيك ثوبا، وتراك قد ~~فصلته قميصا تاما، وأنت رجل طويل، فلو لم تكن قد أخذت أكثر منه لما جاءك ~~منه قميص فالتفت عمر إلى ابنه عبد الله وقال: يا عبد الله أجبه عن كلامه، ~~فقام عبد الله ابن عمر وقال: إن أمير المؤمنين عمر لما أراد تفصيل برده لم ~~يكفه، فناولته من بردي لأتممه له، فقال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة [2] ~~. # وهذه السير ليست من طرز ملوك الدنيا، وهي بالنبوات والأمور الأخروية ~~أشبه. PageV01P034 # وأما خلافة بني أمية: فكانت قد عظمت وتفخم أمرها، وعرضت مملكتها [1] ولكن ~~طاعتهم لم تكن كطاعة هؤلاء، وكان بنو أمية في الشام، وكان بنو هاشم ~~بالمدينة لا يلتفتون إليهم، وإذا دخل الرجل الهاشمي على الخليفة من بني ~~أمية أسمعه غليظ الكلام وقال له كل قول صعب. # وأما الدولة العباسية: فلم تبلغ طاعة الناس لها ما بلغت هذه الدولة [2] ، ~~مع أن مدتها طالت حتى تجاوزت ms021 خمسمائة سنة، ومملكتها عرضت حتى إن بعضهم جبى ~~معظم الدنيا. وستقع الإشارة إلى ذلك عند الكلام على دولة بني العباس. # وحاصل الدنيا في أيام الرشيد، في حسبة جامعة تشتمل عليها كتب التواريخ- ~~يدل على ذلك. فأما أوائلهم: فجبوا شطرا صالحا من الدنيا. وقويت شوكتهم. # كالمنصور والمهدي والرشيد والمأمون والمعتصم والمعتضد والمتوكل. ومع ذلك ~~لم تكن دولتهم تخلو من ضعف ووهن من عدة جهات: منها امتناع الروم عليهم، ~~وقيام الحرب بينهم وبين ملوكها النصارى في كل سنة على ساق. ومع ذلك كانت ~~جبايتها تستصعب عليهم وملوكها لا يزالون على الامتناع منهم، وقد كان من أمر ~~المعتصم وعمورية ما بلغك ولعل طرفا منه يبلغك في هذا الكتاب: عند الكلام في ~~الدولة العباسية. # ومن أسباب الوهن الواقع في دولتهم خروج الخوارج في كل وقت. فأما المنصور: ~~فلم يشرب ريقا حلوا من ذلك، وخرج عليه النفس الزكية محمد بن عبد الله بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب- عليهم السلام- بالحجاز فجرت بينه وبينه حروب ~~أفضت إلى إرسال عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس إلى ~~الحجاز لمحاربة النفس الزكية، فقتله بموضع قريب من المدينة يقال له أحجار ~~الزيت. وذلك في سنة كذا [3] ، ولذلك سمي النفس الزكية قتيل أحجار الزيت ~~PageV01P035 # وخرج عليه أخو النفس الزكية. وهو إبراهيم بن عبد الله بالبصرة فقلق ~~المنصور لذلك غاية القلق وقام وقعد حتى توجه إليه عيسى بن موسى فقتله بقرية ~~قريبة من الكوفة يقال لها باخمرى [1]- رضي الله عنه- ومن هاهنا حقد المنصور ~~على العلويين وفعل بهم تلك الأفاعيل. ولعل طرفا منها يبلغك في هذا الكتاب ~~إذا انتهيت من الكلام إلى الدولة العباسية. وكذلك جرى أمر الخوارج مع خليفة ~~خليفة، حتى كان الرعية لا ينامون في بيوتهم آمنين ولا يزالون يتوقعون ~~الفتنة والحرب، كما كان حال أهل قزوين في مجاورة قلاع الملاحدة. # حدثني الملك إمام الدين يحيى بن الافتخاري- رضي الله عنه- قال: # أذكر ونحن بقزوين إذا جاء الليل جعلنا جميع مالنا من أثاث وقماش ورحل في ~~سراديب لنا ms022 في دورنا غامضة خفية، ولا نترك على وجه الأرض شيئا، خوفا من ~~كبسات الملاحدة. فإذا أصبحنا أخرجنا أقمشتنا، فإذا جاء الليل فعلنا كذلك. ~~ولأجل ذلك كثر حمل القزاونة للسكاكين وكثر حملهم للسلاح. وما زال الملاحدة ~~على ذلك حتى كان من أمر شمس الدين قاضي قزوين، وتوجهه إلى قان وإحضار ~~العسكر وتخريب قلاع الملاحدة ما كان. وليس هذا الموضع موضع استيفاء الكلام ~~في هذا، فإنه اعترض وليس بمقصود. # وكما جرى للموفق بن المتوكل في مرابطة الزنج أربع عشرة سنة [2] : # ما زال يصابرهم من البصرة وواسط طول هذه المدة حتى أفناهم، وكان لطول ~~المدة قد ابتنى الزنج هناك مدائن، ثم خربت وآثارها الآن باقية. # وأما أواخرهم: - أعني أواخر خلفاء بني العباسي- فضعفوا غاية الضعف حتى ~~عصت تكريت عليهم، وفي ذلك يقول شاعرهم: # في العسكر المنصور نحن عصابة ... من دولة أخسس بنا من معشر PageV01P036 # خذ عقلنا من عقدنا فيما ترى ... من خسة ورقاعة وتهور # تكريت [1] تعجزنا ونحن بعقلنا ... نمضي لنأخذ ترمذا [2] من سنجر [3] # (كامل) وكانوا- أعنى المتأخرين من خلفاء بني العباس- قد اقتصروا في آخر ~~الأمر على مملكة العراق فحسب، حتى إن ((إربل [4] ، لم تكن في حكمهم. # وما زالت خارجة عن حكمهم إلى أن مات مظفر الدين بن زين الدين علي كوجك ~~صاحب إربل وذلك في أيام المستنصر [5] ، فعين علي شرف الدين إقبال الشرابي، ~~وكان مقدم الجيوش ليتوجه إلى إربل ليفتحها، وجهزه بالعساكر فتوجه الشرابي ~~اليها وأقام عليها أياما محاصرا ثم فتحها فضربت البشائر ببغداد يوم وصول ~~الطائر بفتحها. فانظر الى دولة تضرب البشائر على أبواب صاحبها، ويزين البلد ~~لأجل فتح قلعة إربل، التي هي اليوم في هذه الدولة من أحقر الأعمار وأصغرها ~~وأهونها بلى قد كان ملوك الأطراف، مثل ملوك الشام ومصر وصاحب الموصل، ~~يحملون إليهم في كل سنة شيئا على سبيل الهدية والمصانعة ويطلبون منهم ~~تقليدا بولاية بلادهم، بحيث يتسلطون بذلك على رعيتهم، ويوجبون عليهم طاعتهم ~~بذلك السبب ولعل الخلفاء قد كانوا يعوضون ملوك الأطراف عن هداياهم بما ~~يناسبها، أو يفضل عنها كل ذلك ms023 لحفظ الناموس الظاهر، وليكون لهم في البلاد ~~والأطراف السكة والخطبة، حتى صار يضرب مثلا لمن له ظاهر الأمر وليس له من ~~باطنه شيء أن يقال قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكة والخطبة، يعنى قنع منه ~~بالاسم دون الحقيقة فهذه جمل من أحوال الدولة العباسية. PageV01P037 # وأما الدولتان البويهية [1] والسلجوقية [2] : فلم تعرض مملكتهما مع قوة ~~شوكة ملوكهما كعضد الدولة في بني بويه، وطغرلبك في بني سلجوق، ولم تعم ~~طاعتهما ولم يشمل ملكهما. وأما الدولة الخوارزمشاهية: - مع أن جريدة ~~السلطان جلال الدين اشتملت على أربعمائة ألف مقاتل- فلم يعرض ملكها أيضا، ~~ولا تجاوزت النواحي القريبة منها، بل جلال الدين غزا أطراف الهند. # ومن الحقوق الواجبة للملك على الرعية التعظيم والتفخيم لشأنه في الباطن ~~والظاهر وتعويد النفس ذلك ورياضتها بحيث تصير ملكة مستقرة، وتربية الأولاد ~~على ذلك وتأديبهم به ليتربى هذا المعنى معهم. # وها هنا موضع حكاية: وهي أن سلطان هذا العصر- ثبت الله قواعد دولته وبسط ~~في الخافقين ظل معدلته- لما ورد إلى بغداد في سنة ثمان وتسعين وستمائة دخل ~~المستنصرية [3] لمشاهدتها والتفرج فيها. وكانت قبل وروده إليها قد زينت ~~وجلس المدرسون على سددهم، والفقهاء بين أيديهم، في أيديهم أجزاء القرآن وهم ~~يقرءون منها، فاتفق أن الركاب السلطاني بدأ بالاجتياز على طائفة الشافعية، ~~ومدرسها الشيخ جمال الدين عبد الله بن العاقولي، وهو رئيس الشافعية ببغداد، ~~فلما نظروا إليه قاموا قياما فقال للمدرس المذكور: كيف جاز أن تقوموا لي ~~وتتركوا كلام الله؟ فأجاب المدرس بجواب لم يقع بموقع الاستصواب في الحضرة ~~السلطانية- أعلى الله في الدنيا كلمتها وفي الآخرة درجتها- ثم بعد ذلك حكي ~~لي المدرس المذكور صورة السؤال والجواب فأما السؤال: فهو ما حكيته، وأما ~~جوابه فلم PageV01P038 # أضبطه، وقلت له: قد كان يمكن أن يقال في جواب هذا السؤال: إن تركنا ~~للمصحف إن كان في أيدينا، واشتغالنا بغيره لم يحرم علينا في شريعتنا، ولا ~~جعل علينا في ذلك حرج، ثم إن هذا المصحف الذي تركناه وقمنا بين يدي ~~السلطان، قد أمرنا فيه بتعظيم سلاطيننا. # ومن الحقوق الواجبة للملك ms024 على رعيته: النصيحة، فمما جاء في الحديث- صلوات ~~الله وسلامه على من نسب إليه- قوله صلى الله عليه وسلم: # «الدين النصيحة» ، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولجماعة ~~المسلمين» . ومنها ترك اغتياب الملك في ظهر الغيب، قال صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تسبوا الولاة، فإنهم إن أحسنوا، كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن ~~أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنما هم نقمة ينتقم الله بها ممن يشاء، ~~فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية والغضب، واستقبلوها بالاستكانة والتضرع» . ~~وأما الحقوق الواجبة للرعية على الملك فمنها: حماية البيضة [1] ، وسد ~~الثغور وتحصين الأطراف، وأمن السوابل، وقمع الدعار [2] ، فهذه حقوق تلزم ~~السلطان تجري مجرى الفروض الواجبة، وبهذه الأمور تجب طاعته على رعيته وبنحو ~~من هذا احتج الخوارج على أمير المؤمنين علي- عليه السلام- عقيب انقضاء حرب ~~صفين قالوا له: أنت فرطت في حفظ هذا الثغر- يعني ثغر الشأم- بتحكيمك ~~الحكمين، فأنت مخطئ مفرط، فليس لك علينا طاعة: فإن اعترفت بهذا الخطأ ~~واستغفرت رجعنا إلى طاعتك، وقاتلنا معك العدو. فعرفهم- عليه السلام- أنه ~~غلب رأيه في قضية التحكيم وأن التحكيم لم يكن رأيه فأصروا على قولهم ولم ~~يقبلوا ونابذوه وقاتلوه، حتى كانت الوقعة المشهورة بالنهروان. PageV01P039 # ومن الحقوق الواجبة للرعية على الملك: الرفق بهم، والصبر على صادرات ~~هفواتهم، قال صلوات الله عليه وسلامه: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا ~~كان الخرق [1] في شيء إلا شانه» وقد روي عنه- صلوات الله عليه وسلامه: «من ~~الرفق أشياء لا تليق إلا بمنصب النبوة» كان صلاح الدين يوسف ابن أيوب صاحب ~~مصر والشأم، كثير الرفق موصوفا به. دخل مرة الحمام عقيب مرضة طويلة أضعفته ~~وانتهكت قوته فأدخل الحمام وهو في غاية من الضعف، فطلب من مملوك كان واقفا ~~على رأسه ماء حارا فأحضر له في طاسة ماء شديد الحرارة، فلما قرب منه اضطربت ~~يد المملوك فوقعت الطاسة عليه فأحرق الماء جسده، فلم يؤاخذه ولا بكلام. ثم ~~طلب منه بعد ذلك بساعة ماء باردا. فأحضر له في تلك الطاسة ماء شديد البرد، ~~فحين قرب منه اتفق له ما ms025 اتفق في المرة الأولى، من اضطراب يده ووقوع الطاسة ~~عليه، بذلك المساء الشديد البرد فغشي عليه وكاد يموت، فلما أفاق قال للملوك ~~إن كنت تريد قتلي فعرفني. ولم يزد على هذه الكلمة (رضي الله عنه) . قيل: ~~تقدم رجل أبخر [2] إلى بعض الرؤساء يشاوره فقال له تنح عني فقد آذيتني. قال ~~الرجل: لا كرامة لا عزازة. ما رأسناك وقمنا بين يديك إلا حتى تحتمل منا ما ~~هو أشد من هذا وتصبر منا على ما هو أعظم منه. ومما يجب للرعية على الملك: ~~ردع قويهم عن ضعيفهم، وإنصاف ذليلهم من عزيزهم وإقامة الحدود [3] فيهم، ~~وإقرار حقوقهم مقارها، وإغاثة ملهوفهم، وإجابة مستصرخهم، والتسوية في حكمه ~~بين الأبعد منهم والأقرب، والأذل والأعز. قال عمر بن الخطاب لرجل: إني لا ~~أحبك قال: فتنقصني من حقي شيئا؟ قال عمر: # لا. قال الرجل: فما يفرح بالحب بعد هذا إلا النساء!. # ويجب للملك أن يعرف نعمة الله عليه بأن اصطفاه لهذه المرتبة العلية دون ~~سائر الخلق، وبأن جعله يفزع منه كل أحد ولم يجعله يفزع من أحد، فلا يزال ~~لها PageV01P040 # ذاكرا شاكرا. فأما الذكر: فلامتثال قوله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث 93: ~~11 [1] . # وأما الشكر: فلطلب المزيد لقوله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم 14: 7 [2] . # ويجب أن يكون بينه وبين ربه معاملة سرية لا يعلم بها إلا الله، فتلك ~~المعاملة تقي مصارع السوء، وهذه العبارة مقبولة عند جميع أصحاب الملل، وعند ~~الحكماء أيضا هي مقبولة، ويمكن تأويلها على هذا المطلوب بحسب اعتقادهم. # ويجب أن يكون له دعوات يناجي بها ربه، وهي دعوات تليق بالملوك ولا تصلح ~~للعوام، ولا بأس ان أثبت في هذا الموضع فصلا من الدعاء الملكي. وهذا مما ~~اقترحته أنا ولم أعلم أن أحدا تنبه عليه. PageV01P041 # فصل من الدعاء مختصراللهم إني أبرأ إليك من حولي وقوتي، وألجأ إلى حولك وقوتك، أحمدك على أن ~~أوجدتني من العدم، وفضلتني على كثير من الأمم، وجعلت في يدي زمام خلقك ~~واستخلفتني على أرضك. اللهم فخذ بيدي في المضايق واكشف لي وجوه الحقائق ~~ووفقني ms026 لما تحب، واعصمني من الزلل، ولا تسلب عني ستر إحسانك وقني مصارع ~~السوء واكفني كيد الحساد وشماتة الأضداد، والطف بي في سائر متصرفاتي، ~~واكفني من جميع جهاتي. يا أرحم الراحمين!! ويحسن بالملك الفاضل إكرام فضلاء ~~رعيته واختصاصهم بالبر. قال بعض الحكماء: لا يجوز أن يكون الفاضل من الرجال ~~إلا مع الملوك مكرما، أو مع النساك متبتلا [1] ، كالفيل لا يحسن أن يرى إلا ~~في موضعين: إما في البرية وحشيا وإما للملوك مركبا. كما قال الشاعر: # كمثل الفيل إما عند ملك ... وإما في مراتعه منيعا # (وافر) ومما يكره للملك: مخالطة الأنذال والسوقة والجهال فإن سماع ~~ألفاظهم الساقطة ومعانيهم المرذولة، وعباراتهم الدنية، مما يحط الهمة ويضع ~~المنزلة، ويصدئ القلب ويزري [2] بالملك. ومخالطة الأشراف ومعاشرة أفاضل ~~الرجال، مما يعلي الهمة ويذكي القلب، ويفتق الذهن ويبسط اللسان. وتلك قاعدة ~~مطردة للملوك، ما زالوا يدخلون إليهم عوام الرعية ويعاشرونهم ويستخدمونهم، ~~ولم يخل أحد من الخلفاء من مثل هذا وكأن لسان حالهم يقول: نحن نخلي الكبار ~~كبارا، فإذا اختصصنا عاميا نوهنا بذكره وقدمناه حتى يصير من الخواص. كما ~~أننا إذا أعرضنا [3] عن أحد من الخواص أرذلناه حتى يصير من أراذل العوام. ~~PageV01P042 # وكذلك هو، فإن هذه خاصية من خواص الملك، وقد سبق ذكرها وكل هذا مأخوذ من ~~الخواص الإلهية، فإن العناية الإلهية إذا صدرت ذرة منها إلى النفوس، صار ~~ذلك الإنسان نبيا أو إماما أو ملكا. وإذا صدرت في حق الزمان صار ذاك اليوم ~~يوم العيد الكبير، وليلة القدر، وأيام الحج، وأيام المواسم والزيارات لسائر ~~الأمم، وإذا صدرت تلك الذرة في حق المكان، صار بيت مكة، والبيت المقدس ~~والمشاهد والجوامع والزيارات والمتعبدات، ومواضع التقربات. # وها هنا موضع حكاية: كان ببغداد حمال يقال له: عبد الغني بن الدرنوس ~~فتوصل في أيام المستنصر [1] حتى صار براجا [2] في بعض أبراج دار الخليفة، ~~فما زال يحسن التوصل إلى ولد المستنصر وهو المستعصم آخر الخلفاء، وكان في ~~زمن أبيه محبوسا فما زال هذا البراج يتعهده بالخدمة طول مدة الأيام ~~المستنصرية إلى أن توفي ms027 المستنصر وجلس على سرير الخلافة ولده أبو أحمد عبد ~~الله المستعصم، فعرف لهذا البراج حق الخدمة، ورتبة متقدم البراجين، وفي آخر ~~الأمر استحبه في باطن داره، واختصه وقدمه حتى بلغ إلى أنه صار إذا دخل إلى ~~الوزير ينهض له، ويخلي المجلس من جميع الناس، إذا كان ابن الدرنوس حاضرا ~~وسبب إخلاء المجلس الوزيري عند حضور ابن الدرنوس أنه يمكن أن يكون قد جاء ~~في مشافهة من عند الخليفة. ولقب: نجم الدين الخاص، وصار من أخص الناس ~~بالخليفة. وبلغ من منزلته أنه كان يتعصب لصاحب الديوان يعرض مطالعاته ~~ومهامه على يد نجم الدين الخاص، وكان يمده في كل سنة بمال طائل حتى يحفظ ~~غيبه، ويزكيه في الحضرة الخليفية. وجرى بيني وبين جمال الدين علي بن محمد ~~الدستجرداني- رحمه الله- كلام في معنى هذا ابن الدرنوس، فصوبت أنا رأي ~~المستعصم في الإحسان إليه، وقلت: إنه خدمه وأثبت عليه حقا، وقد كافأه فلا ~~عيب في هذا. وقال جمال الدين- رحمه الله- ما معناه: إن تسليطه لمثل ذلك ~~PageV01P043 # الأحمق على أعراض الناس وأموالهم، وإدخاله في المملكة حتى كاد أن يولي ~~الوزراء ويعزلهم، قبيح من المستعصم ودليل على جهله، وإلا فإن كان مراده ~~الإحسان إليه مكافأة له على سابق خدمته، فقد كان يحب أن يكون ذلك بمال ~~يعطاه أو برفع منزلة لا يختل بسببها أمر في المملكة ولا يتطرق بها قدح في ~~عقل الخليفة، وكان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدق من نظري، والحق في ~~جانبه- رحمه الله- وكانت هذه المفاوضة بيني وبينه في كتاب كتبته فيه اقتضى ~~الحال ذكر هذه القضية وكتب هو الجواب عنه، وأعاد كتابي إلي لأني التمست منه ~~إعادة كتابي، والكتابان هما في هذا التاريخ عندي بخطي وخطه رحمه الله. # ومما يليق بالملك ويكمل فضله: أن يكون عالي الهمة رحيب الصدر محبا ~~للرئاسة معدا لها أسبابها، طامح البصر إليها معملا فكره في توسيع مملكته ~~وعلو درجته، غير مخلد إلى التنعم ولا جانح إلى الترف، ولا منهمك في اللذات. ~~قال بعض حكماء الفرس: همم الناس صغار، وهمم ms028 الملوك كبار. وألباب الملوك ~~مشغولة بكل شيء عظيم وألباب السوقة [1] مشغولة بأيسر الأشياء. وليعلم الملك ~~أن الرئاسة عروس مهورها الأنفس. نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين علي- ~~عليه السلام- في صفين [2] فالتفت إلى عمرو بن العاص وقال: من يطلب عظيما ~~يخاطر بعظيم. وإني نظرت فيما أحاول فإذا الموت في طلب العز، أحسن عاقبة من ~~الحياة مع الذل، قال بعض الشعراء: # هي النفس إن ماتت فقد مات قبلها ... كرام وإن تسلم فللحدثان # إذا النفس لم تشره إلى طلب العلا ... فتلك من الأموات في الحيوان # (طويل) ومن الغاية في المعنى قول امرئ القيس: # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني- ولم أطلب- قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي PageV01P044 # ومما يكمل فضيلة الملك: أن تكون قوة الاختيار عنده سليمة لم تعترضها آفة ~~فيكون يختار الرجال اختيارا فاضلا، كان الناصر [1] آية الدنيا في اختيار ~~الرجال فكان من توصلاته إلى معرفة الرجل إن أشكل عليه، أن يشيع بين الناس ~~أنه يريد أن يوليه المنصب الفلاني، ثم يتمادى في إبرام ذلك أياما، فيمتلئ ~~البلد بالأراجيف، لذلك الرجل فيفترق فيه الناس: فقوم يصوبون ذلك الرأي ~~ويصفون فضائل الرجل، وقوم يغلطون الخليفة ويذكرون عيوب الرجل، وللخليفة ~~عيون وأصحاب أخبار لا يؤبه لهم، يخالطون أصناف الناس، فيكتب أصحاب الأخبار ~~إليه بما الناس فيه من الغليان في ذلك، فيعرف بصحة نظره وتمييزه أي القولين ~~أرجح وأصوب، فإن رجح في نظره تفضيل الرجل، ولاه وخلع عليه، وإن ترجح عنده ~~قول الطاعنين عليه وتبين له نقصه، تركه وأعرض عنه وفي الجملة فحسن الاختيار ~~أصل عظيم، قال الشاعر: # من كان راعيه ذئبا في حلوبته [2] ... فهو الذي نفسه في أمره ظلما # يرجو كفايته والغدر عادته ... ومن يرد خائنا يستشعر الندما # (بسيط) ومما يكره للملوك: المبالغة في الميل إلى النساء، والانهماك في ~~محبتهن، فأما مشاورتهن في الأمور: فمجلبة للعجز، ومدعاة إلى الفساد، ومنبهة ~~[3] على ضعف الرأي اللهم إلا أن تكون مشاورتهن يراد بها مخالفتهن، كما قال- ~~عليه السلام-: «شاوروهن وخالفوهن» وفي هذا الحديث سؤال ms029 وجواب. # إن قال قائل: إذا كان المراد مخالفتهن في آرائهن فأي فائدة في الأمر ~~بمشاورتهن وقد كان يكفي في هذا أن يقال خالفوهن فيما يشرن به؟ فالجواب من ~~وجهين: أحدهما: أن الأمر الأول للإباحة، والأمر الثاني للوجوب. يعني إذا ~~شاورتموهن فخالفوهن. والآخر: أن الصواب لا يزال في خلاف آرائهن، فإذا أشكل ~~PageV01P045 # عليكم الصواب فشاوروهن فإذا ملن إلى شيء فاعلموا أن الصواب في خلافه. وفي ~~هذا تظهر فائدة الأمر بمشاورتهن يعني بها يستدل على الصواب. وحدث أن عضد ~~الدولة [1] فنا خسرو بن بويه شغفته امرأة من جواريه حبا، فاشتغل بها عن ~~تدبير المملكة، حتى ظهر الخلل في مملكته، فخلا به وزيره وقال له: أيها ~~الملك: ان هذه الجارية قد شغلتك عن مصالح دولتك حتى لقد تطرق النقص عليها ~~من عدة جهات، وما سبب ذلك الا اشتغالك عن إصلاح دولتك بهذه الأمة، والصواب ~~أن تتركها وتلتفت إلى إصلاح ما قد فسد من مملكتك قال: فبعد أيام جلس عضد ~~الدولة على مشترف له على دجلة، ثم استدعى الجارية فحضرت، فشاغلها ساعة حتى ~~غفلت عن نفسها، ثم دفعها إلى دجلة فغرقت وتفرغ خاطره من حبها، واشتغل ~~بإصلاح أمور دولته، فاستعظم الناس هذا الفعل من عضد الدولة، ونسبوه فيه إلى ~~قوة النفس، حين قويت نفسه على قتل محبوبته. # وأنا أستدل بهذا الفعل على ضعف نفس عضد الدولة لا على قوتها، فإنه لو لم ~~يحس من نفسه بالانفعال العظيم لحبها، لما توصل إلى إعدامها، ولو تركها حية ~~ثم أعرض عنها لكان ذلك هو الدليل على قوة نفسه. # ولكل صنف من الرعية صنف من السياسة فالأفاضل يساسون بمكارم الأخلاق ~~والإرشاد اللطيف، والأوساط يساسون بالرغبة الممزوجة بالرهبة، والعوام ~~يساسون بالرهبة، وإلزامهم الجدد [2] المستقيم، وقسرهم [3] على الحق الصريح. # واعلم أن الملك لرعيته كالطبيب للمريض: إن كان مزاجه لطيفا لطف له ~~التدبير ودس له الأدوية المكروهة في الأشياء الطيبة، وتحيل عليه بكل ممكن ~~حتى يبلغ غرضه من برئه، وإن كان مزاجه غليظا عالجه بمر العلاج وصريحه ~~وشديدة. ولذلك لا ينبغي ms030 للملك أن يتهدد من يكفى في تأديبه الإعراض ~~والتقطيب، PageV01P046 # وكذلك لا ينبغي أن يحبس من يكفي في تأديبه التهديد، كما أنه لا ينبغي أن ~~يضرب من يكفي في تأديبه الحبس، ولا أن يقتل بالسيف من يكفي في تأديبه ضرب ~~العصا وتمييز هذه الحالات، بعضها من بعض أعني معرفة المزاج الذي يكفي فيه ~~التهديد ولا يحتاج إلى الحبس. أو يكفي فيه الحبس ولا يحتاج إلى الضرب- ~~يحتاج إلى لطف حدس وصحة تمييز وصفاء خاطر ويقظة تامة وفطانة كاملة. فما أشد ~~ما تتشابه الأخلاق. وتلتبس الأمزجة والطباع. # ويجب على الملك أن ينظر في أمر القتل وإزهاق النفس، فيعلم أنه الحادث ~~الذي لا حياة للحيوان بعده في الدنيا، وأنه لو اجتهد أهل الأرض كلهم على ~~إعادته إلى الحياة لم يقدروا على ذلك. وبحسب هذا الحال، يجب أن يكون تثبته ~~في إزهاق النفس وهدم الصورة وتأنيه وترويه، حتى تقوم الأدلة على وجوب ~~القتل، فإذا وجب استعمله على الوضع المعهود، من غير تأنق فيه وتنوع غريب، ~~وتمثيل بالمقتول. ورد عن سيد البشر- صلوات الله عليه وسلامه-: «إياكم ~~والمثلة [1] ولو بالكلب العقور [2] » . لما ضرب ابن ملجم- لعنه الله- علي ~~بن أبي طالب بالسيف قبض ابن ملجم وحبس حتى ينظر ما يكون من أمر علي- عليه ~~السلام- فجمع علي ولده وخاصته وقال: يا بني عبد المطلب- لا تجتمعوا من كل ~~صوب تقولون قتل أمير المؤمنين لا تمثلوا [3] بالرجل، فإني سمعت رسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم- ينهى عن المثلة ولو بالكلب العقور. وانظروا إذا أنا مت ~~من ضربي، فاضربوا الرجل ضربة بضربة [4] . # ومن فوائد التأني والتثبت في القتل. الأمن من الندم حين لا يجدي الندم. ~~PageV01P047 # كان أفاضل الملوك والخلفاء يستعملون هذه الخصلة كثيرا، فلا يسرعون إلى ~~قتل رجل معروف مشهور، خوفا أن يحتاجوا إليه بعد ذلك، فيتعذر عليهم بل كانوا ~~يحبسونه في غوامض دورهم، ويقيمون له كل ما يحتاج إليه من أطعمة شهية، ~~وفواكه وثلج وأشربة وفرش وثير، ويحملون إليه كتبا يلهو بها ويقطعون خبره عن ~~الناس، حتى يثبت في نفوس أهله وأصحابه أنه قد هلك، ms031 ثم تستصفى أمواله وأموال ~~أصحابه، وتستخرج ذخائره وودائعه، ويصير في عداد الموتى. فلا يزال كذلك، حتى ~~تدعوهم الحاجة إليه فيخرجوه مكرما وقد تأدب وتهذب. # من لم يؤدبه والداه ... أدبه الليل والنهار # (منسرح) وهاهنا مزلة ربما وقع فيها أفاضل الملوك، وهي أن بعض الملوك ربما ~~كان معجبا بنفسه، محبا لأن ينتشر عنه حديث صرامة وشهامة، وسياسة قاهرة. # فيستهين بالقتل ويسهل أمره ويبادر إليه. وغرضه إثبات الهيبة وإقامة ~~السياسة، من غير التفات إلى ما في طي ذلك من إزهاق النفس، التي حرمت إلا ~~بالحق. وهذا من أخطر الأمور على الملك والصواب ألا يزال في نفسه كارها ~~للقتل، صادفا عنه مهما أمكن، حتى تدعو إليه ضرورة ليس فيها حيلة، فحينئذ ~~يقدم عليه بنفس قوية وجنان ثابت. فإن قتل واحد أصلح من تركه حتى يحتاج إلى ~~قتل خمسة، وقتل خمسة خير من تركهم حتى يدب فسادهم حتى تبلغ الحاجة إلى قتل ~~مائة، ومن أجل ذلك قال الله تعالى: ولكم في القصاص حياة 2: 179 [1] وقيل: ~~القتل أنفى للقتل. قال الشاعر: # بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما ... حتى يراق على جوانبه الدم [2] # (طويل) PageV01P048 # وقال المتنبي: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # (كامل) أوصى بعض الحكماء بعض الملوك قال: أيها الملك، إنما هو سيفك ~~ودرهمك فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك. جاء رجل الى رسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم- وقال له يا رسول الله خذ الحد مني. فأعرض عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والتفت إلى يمينه، فدار الرجل حتى حاذاه وأعاد ~~القول فأعرض- عليه السلام- عنه مرة أخرى، فعاود القول والتمس أخذ الحد منه ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم إزهاق نفسه، والتفت إلى أهل الرجل ~~وأصحابه كمن يعلمهم الاعتذار عنه، وقال: كأنه متغير في عقله- قالوا يا رسول ~~الله ما نعرفه إلا عاقلا. فحينئذ لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم- حيلة، ~~فأمر باستيفاء الحد منه. والمطامير الغامضة التخليد فيها يقوم مقام القتل، ~~مع الأمن من الندم المخشي فيه. وأما أصناف ms032 العقوبات. فيجب على الملك الكامل ~~أن ينعم النظر فيها أيضا. فكم من عقوبة قد أتت على مهجة المعاقب، من غير أن ~~يراد إزهاق نفسه. وأصعب ما فيها التعذيب بالنار وهي عقوبة غير مباركة، لأن ~~العقوبة بالنار مختصة بالله- عز وجل- فلا يجوز للعبد أن يشاركه فيها. ~~والنظر في أصناف العقوبات موكل إلى نظر الملك الفاضل، وبحسب ما يقتضيه ~~الحال الحاضر، ولكن الأصل الكلي فيه، أن يكون الملك في نفسه كارها لذلك غير ~~متحل به، لا يبادر إليه ولا يقدم عليه، إلا إذا دعت إليه ضرورة ماسة لا ~~يقضى فيها حق نفسه، ولا يشقى بها غيظ صدره. وهذا مقام صعب لا يرتقي إليه ~~أحد، إلا من أخذ التوفيق بيده- قيل- إن عليا عليه السلام- صرع في بعض حروبه ~~رجلا، ثم قعد على صدره ليحتز رأسه، فبصق ذلك الرجل في وجهه، فقام علي- عليه ~~السلام- وتركه. فلما سئل عن سبب قيامه وتركه قتل الرجل، بعد التمكن منه، ~~قال: إنه لما بصق في وجهي اغتظت منه فخفت إن قتلته أن يكون للغضب والغيظ ~~نصيب في قتله. وما كنت أن أقتله إلا خالصا لوجه الله تعالى. # PageV01P049 # قال أبرويز [1] : الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال، ويسفهون بالأيدي ~~لا بالألسن. وقد نظم هذا المعنى شاعر العرب [2] فقال: # وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # (طويل) ومما يكره للملك- الانهماك في اللذات وسماع الأغاني، وقطع الزمان ~~بذلك قال الشاعر أبو الفتح البستي:. # إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب # أما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو والطرب # (بسيط) وما دخل الخذلان على ملك من طريق اللهو واللعب، كما دخل على جلال ~~الدين [3] بن خوارزم شاه- فإنه لما هرب من المغول تبعوه، فكان إذا رحل عن ~~بلدة نزلوها بعده، وإذا أصبح في مكان أمسوا هم في المكان يريدون قصده. وهو ~~مع ذلك مواصل لشرب الخمر، عاكف على الدف والزمر، لا ينام ألا سكران، ولا ~~يصبح إلا مخمورا نشوان. وعسكره في كل يوم يقل، وأمره كل يوم يزيد اضطرابا، ~~ورأيه في ms033 كل لحظة يفيل، وحده يفل، وهو لا يشعر بذلك ولا يلتفت إليه، حتى ~~قال شاعره يخاطبه: # شاها ز مى گواه چه بر خواهد، خاست ... وز مستى هر زمان چه بر خواهد خاست ~~PageV01P050 # شه مست وجهان خراب ودشمن پس و پيش ... پيداست كزين ميان چه بر خواهد خاست ~~[1] # (دو بيت) وممن دخل عليه النقص من الملوك بسبب اللهو واللعب- محمد بن ~~زبيدة الأمين كان كثير اللهو واللعب منهمكا في اللذات. قيل- إنه لعب يوما ~~هو ووزيره الفضل بن الربيع بالنرد، فتراهنا في خاتميهما، فغلب الأمين فأخذ ~~الخاتم، وأرسل في الحال وأحضر صائغا. وكان على خاتمه مكتوبا «الفضل بن ~~الربيع» ، فقال للصائغ- اكتب تحته (يصفع) ، فنقش الصائغ ذلك في الحال، ثم ~~أعاد الخاتم إلى الفضل بن الربيع وهو لا يعلم ما نقش عليه، ثم مضت على ذلك ~~مدة، فبعد أيام دخل الفضل بن الربيع عليه. وهو لا يعلم ما نقش عليه فقال ~~له- ما على خاتمك مكتوب؟ قال اسمي واسم أبي فتناوله الأمين ثم قال له- ما ~~هذا المكتوب تحت اسمك فلما قرأه الفضل بن الربيع فهم القضية، وقال: لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا والله هو الخذلان المبين! أنا وزيرك ~~ولي اليوم كذا وكذا يوما أختم الكتب بهذا إلى الأطراف، وهو على هذه الصفة ~~هذا والله آخر الدولة ودمارها والله لا أفلحت ولا أفلحنا معك! فكانت الفتنة ~~بعد ذلك بيسير. # وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللعب، وسماع الأغاني، لا ~~يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين ~~معه على التنغم واللذات، لا يراعون له صلاحا، وفي بعض الأمثال (الحائن لا ~~يسمع صياحا) [2] وكتبت له الرقاع [3] من العوام، وفيها أنواع التحذير، ~~وألقيت وفيها الأشعار في أبواب دار الخلافة، فمن ذلك: # قل للخليفة مهلا ... أتاك ما لا تحب PageV01P051 # ها قد دهتك فنون ... من المصائب غرب [1] # فانهض بعزم وإلا ... غشاك ويل وحرب # كسر وهتك [2] وأسر ... ضرب ونهب وسلب # (مجتث) وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصمية، من قصيدة أولها: # يا ms034 سائلي ولمحض الحق يرتاد ... أصخ فعندي نشدان وإنشاد # وا ضيعة الناس والدين الحنيف وما ... تلقاه من حادثات الدهر بغداد # هتك وقتل وأحداث يشيب بها ... رأس الوليد وتعذيب وأصفاد [3] # (بسيط) كل ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني، واستماع المثالث والمثاني [4] ~~وملكه قد أصبح واهي المباني. # ومما اشتهر عنه: أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ [5] صاحب الموصل، يطلب منه ~~جماعة من ذوي الطرب، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه، يطلب منه ~~منجنيقات وآلات الحصار، فقال بدر الدين: انظروا إلى المطلوبين، وابكوا على ~~الإسلام وأهله! وبلغني أن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي [6] ، كان في ~~أواخر الدولة المستعصمية ينشد دائما: # كيف يرجى الصلاح من أمر قوم ... ضيعوا الحزم فيه أي ضياع # فمطاع المقال غير سديد ... وسديد المقال غير مطاع # (خفيف) PageV01P052 # قالوا: ولا ينبغي للرجل الكامل إلا أن يكون في الغاية القصوى من طلب ~~الرئاسة أو في الغاية القصوى من تركها: # إذا ما لم تكن ملكا مطاعا ... فكن عبدا لخالقه مطيعا # وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تهواه فأتركها جميعا # (وافر) ها هنا موضع حكاية تشتمل على أدوات الرئاسة: قيل: ورد أبو طالب ~~الجارحي الكاتب- ولم يكن في عصره أكتب ولا أفضل منه- إلى (الري) [1] قاصدا ~~حضرة ابن العميد [2] ، فلم يجد عنده قبولا، ولا رأى عنده ما يحب، ففارقه ~~وقصد أذربيجان وسار إلى ملكها، وكان فاضلا لبيبا، اختبره وعرف فضله، فلما ~~سأله المقام عنده وأفضل عليه، فأقام لديه على أفضل حال، فكتب إلى ابن ~~العميد يوبخه على جهل حقه وتضييعه لمثله، فمن جملة الكتاب: # حدثني: بأي شيء تحتج إذا قيل لك، لم سميت الرئيس؟ وإذا قيل لك ما ~~الرئاسة؟ أتدري ما الرئاسة؟ الرئاسة، أن يكون باب الرئيس مصونا في وقت ~~الصون ومفتوحا في وقت الفتح، وأن يكون مجلسه عامرا بأفاضل الناس، وخيره ~~واصلا إلى كل أحد، وإحسانه فائضا، ووجهه مبسوطا، وخادمه مؤدبا، وحاجبه ~~كريما طلقا وبوابه لطيفا، ودرهمه مبذولا، وطعامه مأكولا، وجاهه معرضا، ~~وتذكرته مسودة بالصلات والجوائز والصدقات، وأنت!! فبابك لا يزال مقفلا، ~~ومجلسك ms035 خاليا وخيرك مقنوطا منه، وإحسانك غير مرجو، وخادمك مذموما، وحاجبك ~~هرارا [3] وبوابك شرس الأخلاق، ودرهمك في العيوق [4] ، وتذكرتك محشوة ~~بالقبض على فلان واستئصال [5] فلان، ونفي فلان، فبالله عليك هل عندك ~~PageV01P053 # غير هذا؟ ولولا أن أكون قد دست بساطك، وأكلت من طعامك، لأشعت هذه الرقعة، ~~ولكني أرعى لك حق ما ذكرت، فلا يعلم بها، إلا الله وأنت، وو الله ثم والله ~~ثم والله، ما لها عندي نسخة ولا رآها مخلوق غيري، ولا علم بها فأبطلها أنت ~~إذا وقفت عليها وأعدمها، والسلام على من اتبع الهدى. # ويجب أن يكون الملك مجازيا على الإحسان بمثله، وعلى الإساءة بمثلها لتكون ~~رعيته دائما راجين لبره، خائفين من سطوته. وما أحسن قول النابغة للنعمان بن ~~المنذر في هذا الباب!! وهو: # ومن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك، وادلله على الرشد # ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد [1] # (بسيط) وقالت الفرس: فساد المملكة واستجراء الرعية وخراب البلاد، بإبطال ~~الوعد والوعيد. ولا يليق بالملك الفاضل أن يكون افتخاره بزخارف الملك، مما ~~حوته واشتملت عليه خزائنه من نفائس الذخائر، وطرائف المقتنيات فإن تلك ~~ترهات لا حقائق لها، ولا معرج لفاضل عليها، وكذلك لا ينبغي له أن يكون فخره ~~بالآباء والأجداد، وإنما ينبغي أن يكون فخره بالفضائل التي حصلها، والأخلاق ~~التي كملها، والآداب التي استفادها، والأدوات التي استجادها. # افتخر بعض الأغنياء عند بعض الحكماء بالآباء والأجداد، وبزخارف المال ~~المستفاد، فقال له ذلك الحكيم: إن كان في هذه الأشباه فخر، فينبغي أن يكون ~~الفخر لها لا لك، وإن كان آباؤك كما ذكرت أشرافا، فالفخر لهم لا لك. # قال العسجدي: كان بعض الحكماء إذا وصف عنده إنسان يقول: هو عصامي أم ~~عظامي؟ فإن قيل له: هو عصامي نبل في عينه. وإن قيل: هو عظامي لم يكترث به ~~وقوله عصامي إشارة إلى قول القائل: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما PageV01P054 # وصيرته ملكا هماما [1] # (رجز) يعني أنه بعقله وبنفسه صار رئيسا، وقوله عظامي يعني أنه يفتخر ~~بالآباء والأجداد والعظام النخرة. قال ms036 العسجدي [2] لبعض أصحاب ابن العميد ~~[3] ذي الكفايتين: كيف رأيت الوزير؟ فقال: رأيته يابس العود، ذميم العهود، ~~سيئ الظن بالمعبود. فقال العسجدي: أما رأيت تلك الأبهة والصيت، والموكب ~~والتجمل الظاهر والدار الجليلة والفرش السني، والحاشية الجميلة؟ فقال ذلك ~~الرجل: الدولة غير السؤدد والسلطنة غير الكرم، والحظ غير المجد. أين الزوار ~~والمنتجعون؟ # وأين الآملون والشاكرون؟ وأين الواصفون الصادقون؟ وأين المنصرفون الراضون ~~وأين الهبات وأين التفضلات؟ وأين الخلع والتشريفات؟ وأين الهدايا وأين ~~الضيافات هيهات هيهات لا تجيء الرئاسة بالترهات، ولا يحصل الشرف ~~بالخزعبلات! أما سمعت قول الشاعر: # أبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح، في فرط إعجابه # ولا في فراهة برذونه [4] ... ولا في ملاحة أثوابه # ولكنه في الفعال الجميل ... والكرم الأشرف النابه # (متقارب) ولمؤلف هذا الكتاب- أصلح الله شأنه، وصانه عما شأنه- في هذا ~~المعنى # ليس فضل الفتى على الناس في ثوب ... ودار وبغلة ولجام # إنما الفضل في تفقد جار ... ونسيب وصاحب وغلام # (خفيف) PageV01P055 # قالوا- السياسات خمسة أنواع- سياسة المنزل، والقرية، والمدينة، والجيش ~~والملك. فمن حسنت سياسته في منزله، حسنت سياسته في قريته. ومن حسنت سياسته ~~في قريته، حسنت سياسته في مدينته، ومن حسنت سياسته في مدينته حسنت سياسته ~~للجيش، ومن حسنت سياسته للجيش، حسنت سياسته للملك. وأنا لا أرى هذا لازما: ~~فكم من عامي حسن السياسة لمنزله، ليس له قوة سياسة الأمور الكبار. وكم من ~~ملك حسن السياسة لمملكته، ليس يحسن سياسة منزله والمملكة تحرس بالسيف وتدبر ~~بالقلم. واختلفوا في السيف والقلم أيهما أفضل وأولى بالتقديم: # فقوم يرون أن يكون القلم غالبا للسيف، واحتجوا على مذهبهم لأن السيف يحفظ ~~القلم فهو يجري معه مجرى الحارس والخادم، وقوم يرون أن يكون السيف هو ~~الغالب، واحتجوا بأن القلم يخدم السيف لأنه يحصل لأصحاب السيوف أرزاقهم فهو ~~كالخادم له. وقوم قالوا: هما سواء ولا غنى لأحدهما عن الآخر. قالوا المملكة ~~تخصب بالسخاء، وتعمر بالعدل وتثبت بالعقل، وتحرس بالشجاعة، وتساس بالرياسة. ~~وقالوا: الشجاعة لصاحب الدولة. ومن وصايا الحكماء: اجعل قتال عدوك آخر ~~حيلتك، وانتهز الفرصة وقت إمكانها، وكل [1] الأمور إلى ms037 أكفائها. # ومن ركب ظهر العجلة لم يأمن الكبوة ومن عادى من لا طاقة له به فالرأي له ~~مداراته وملاطفته، والتضرع إليه حتى يخلص من شره ببعض وجوه الخلاص. # قالوا: وينبغي للملك ملاطفة أعدائه وإخوان أعدائه فبدوام الإحسان اليهم ~~تزول عداوتهم. وإن أصروا على عدوانه بعد إحسانه، كانوا قد بغوا عليه، ومن ~~بغي عليه فلينصرنه الله. وعظ بعض الحكماء بعض أفاضل الملوك فقال: الدنيا ~~دول فما كان فيها لك أتاك على ضعفك، وما كان فيها عليك لم تدفعه بقوتك. ~~والشر مخوف، ولا يخافه إلا العاقل والخير مرجو يطلبه كل أحد وطالما تأتى ~~الخير من ناحية الشر، وتأتى الشر من جهة الخير، وهذا مأخوذ من قوله عز وجل: ~~وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون 2: 216 [2] PageV01P056 # وها هنا موضع حكاية. تقدم نور الدين [1] صاحب الشأم إلى أسد الدين شيركوه ~~[2] عم صلاح الدين يوسف بن أيوب بالتوجه إلى مصر لأمر ندبه إليه فقال أسد ~~الدين شيركوه: يا مولانا. ما أتمكن من هذا دون أن يجيء صحبتي يوسف ابن أخي- ~~يعني صلاح الدين- قال فتقدم نور الدين إلى صلاح الدين بالتوجه صحبة عمه أسد ~~الذين شيركوه، فاستعفاه صلاح الدين من التوجه وقال: ليس لي استعداد. فتقدم ~~نور الدين بإزاحة علله، وجزم عليه في التوجه قال صلاح الدين فخرجت مع عمي ~~كارها وأنا كمن يقاد إلى المذبح، فلما وصلنا مصر وأقمنا بها مدة، كان مني ~~ما كان من تملك مصر، ثم ملكها صلاح الدين وعرضت مملكتها، وتملك الشأم [3] ~~وسيأتيك نبأ هذا مفصلا مشروحا عند الكلام على الدولة الصلاحية إن شاء الله ~~تعالى ووفق ما قالوا: العدو عدوان، عدو ظلمك، وعدو ظلمته. فأما العدو الذي ~~ظلمته، فلا تثق إليه واحترز منه مهما أمكنك، وأما العدو الذي ظلمك، فلا ~~تخفه كل الخوف، فإنه ربما استحيا من ظلمك وندم، فرجع لك إلى ما تحب منه وإن ~~أصر على ظلمك انتصف لك منه من إليه يلجأ المظلومون. # وربما نفع ms038 العدو وضر الصديق! قال الإسكندر [4] : انتفعت بأعدائي أكثر مما ~~انتفعت بأصدقائي، لأن أعدائي كانوا يعيرونني ويكشفون لي عيوبي، وينبهونني ~~بذلك على الخطأ فأستدركه. وكان أصدقائي يزينون لي الخطأ ويشجعونني عليه ~~وقال الشاعر: # وما ساءني إلا الذين عرفتهم ... جزى الله خيرا كل من لست أعرف # (طويل) وقيل للإسكندر: بم نلت هذه المملكة العظيمة على حداثة السن؟ قال: # باستمالة الأعداء وتصييرهم بالبر والإحسان أصدقاء. وتعاهد الأصدقاء أعظم ~~الإحسان وأبلغ الإكرام. PageV01P057 # قال بعض الحكماء: لا يرد بأس العدو القاهر مثل التذلل والخضوع كما أن ~~النبات الرطب يسلم من الريح العاصفة بلينه، لأنه يميل معها كيف مالت. وما ~~لهج [1] الملوك بشيء أشد من لهجهم بالصيد والقنص، وهو الشيء الذي طالما ~~اتفقت فيه النكت العجيبة، والطرف الغريبة، وكان المعتصم ألهج الناس به: بنى ~~في أرض دجيل [2] حائطا طوله فراسخ كثيرة، وكان إذا ضرب حلقة يضايقونها ولا ~~يزالون يحدون الصيد حتى يدخلوه وراء ذلك الحائط، فيصير بين الحائط وبين ~~دجلة، فلا يكون للصيد مجال فإذا انحصر في ذلك الموضع دخل هو وولده وأقاربه ~~وخواص حاشيته، وتأنقوا في القتل وتفرجوا فقتلوا ما قتلوا وأطلقوا الباقي. ~~وقيل: # إن المعتصم دوغ [3] عدة من حمر الوحوش وأطلقها، لأنه بلغه أن أعمارها ~~طويلة وها هنا موضع حكاية طريفة عجيبة: حدثني صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر ~~الأرموي، قال: حدثني مجاهد الدين أيبك الدويدار [4] الصغير. قال: خرجنا مرة ~~في خدمة الخليفة المستعصم إلى الصيد، وضربنا حلقة حلقة قريبا من الجلهمة- ~~وهي قرية بين بغداد والحلة- ثم تضايقت الحلقة حتى صار الفارس منا يصيد ~~الحيوان بيده، فخرج في جملة حمر الوحش حمار كبير الجثة، عليه وسم، فقرأناه ~~وإذا هو وسم المعتصم. قال: فلما رآه المستعصم وسمه بوسمه وأطلقه. وكان بين ~~المعتصم والمستعصم حدود خمسمائة [5] سنة! ومن طريف ما سمعت من امر الصيد، ~~ما حدثني به رجل من أهل الأدب ببغداد قال: حدثني محمد بن صالح البازياري ~~[6] قال: تصيدنا بين يدي السلطان (أباقا) [7] يوما، فطار- ونحن بين يديه- ~~ثلاثة كراكي [8] على سمت مستقيم PageV01P058 # فأطلقنا شاهينا فعلا وانحط على ms039 الأعلى من الكراكي فلطمه، فوقع على الثاني ~~فكسره، ثم وقعا كلاهما على الثالث فكسراه، ووقعت الثلاثة بين يدي السلطان، ~~قال: فتعجب من ذلك غاية العجب، وخلع علينا جميعنا. وقال الصاحب علاء الدين ~~في جهان كشاي: إن حلقة جنكزخان كان أمدها مسير ثلاثة شهور. وما أرى هذا إلا ~~مستبعدا. وما لهج الملوك بالصيد هذا اللهج الشديد. ولا كلفوا به هذا الكلف ~~العظيم. وأطلقوا للبازيارية الأموال الجليلة، وأقطعوهم الإقطاعات السنية، ~~وسهلوا عليهم حجابهم، وقطعوا معظم زمانهم فيه باطلا ولا عبثا. فإن القنص ~~يشتمل على فوائد كثيرة جليلة النفع. منها- وهو الغرض الأشرف منه- تمرين ~~العساكر على الركض والكر والعطف، وتعويدهم الفروسية، وإدمانهم للرمي ~~بالنشاب، والضرب بالسيف والدبوس، واعتياد القتل والسفك، وتقليل المبالاة ~~بإراقة الدماء وغصب النفوس. ومنها اختبار الخيول، ومعرفة سبقها وصبرها على ~~دوام الركض ومنها أن حركة الصيد حركة رياضية تعين على الهضم وتحفظ صحة ~~المزاج ومنها: فضل لحم الصيد على باقي اللحوم، لأنه بقلقه من الجوارح تثور ~~حرارته الغريزية، فتزيد في حرارة الإنسان. قال بعض الحكماء- وخير اللحم ما ~~أقلقه الجارح إقلاقا. ومنها- الطرف العجيبة التي تتفق فيه، وقد تقدم ذكر ~~شيء منها. # وكان يزيد بن معاوية أشد الناس كلفا بالصيد، لا يزال لاهيا به، وكان يلبس ~~كلاب الصيد الأساور من الذهب، والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبدا ~~يخدمه. قيل: إن عبيد الله بن زياد أخذ من بعض أهل الكوفة أربعمائة ألف ~~دينار جباية وجعلها في خزن بيت المال. فرحل ذلك الرجل من الكوفة وقصد دمشق ~~ليشكو حاله إلى يزيد- وكانت دمشق في تلك الأيام فيها سرير الملك- فلما وصل ~~الرجل إلى ظاهر دمشق، سأل عن يزيد فعرفوه أنه في الصيد، فكره أن يدخل دمشق ~~وليس يزيد حاضرا فيها. فضرب مخيمه ظاهر المدينة وأقام به ينتظر عود يزيد من ~~الصيد. فبينما هو في بعض الأيام جالس في خيمته، لم يشعر إلا بكلبة قد دخلت ~~عليه الخيمة، وفي قوائمها الأساور الذهب، # PageV01P059 # وعليها جل [1] يساوي مبلغا كثيرا، وقد بلغ منها العطش والتعب، وقد كادت ~~تموت تعبا وعطشا، ms040 فعلم أنها ليزيد، وأنها قد شذت منه. فقام إليها وقدم لها ~~ماء، وتعهدها بنفسه. فما شعر إلا بشاب حسن الصورة على فرس جميل، وعليه زي ~~الملوك، وقد علته غبرة فقام إليه وسلم عليه، فقال له- أرأيت كلبة عابرة ~~بهذا الموضع؟ فقال- نعم يا مولانا، ها هي في الخيمة قد شربت ماء واستراحت، ~~وقد كانت لما جاءت إلى ها هنا، جاءت على غاية من العطش والتعب. فلما سمع ~~يزيد كلامه، نزل ودخل الخيمة، ونظر إلى الكلبة وقد استراحت، فجذب بجلها ~~ليخرج بها فشكا الرجل إليه حاله، وعرفه ما أخذ منه عبيد الله بن زياد. فطلب ~~دواة وكتب له برد ماله وخلعة سنية، وأخذ الكلبة وخرج. فرد الرجل [2] من ~~ساعته إلى الكوفة ولم يدخل دمشق. # وكان السلطان مسعود [3] يبالغ أيضا في ذلك، ويلبس الكلاب الجلال الأطلس ~~الموشاة، ويسورها بالأساور. وكان يقلل في بعض الوقت الالتفات إلى أمين ~~الدولة ابن التلميذ [4] الطبيب النصراني، وكان فاضلا ظريفا فقال: # من كان يلبس كلبه ... وشيا ويقنع لي بجلدي # فالكلب خير عنده ... مني، وخير منه عندي # (كامل) وحدثني الأمير فخر الدين بغدي بن قشتمر قال- ضرب جدي الملك قشتمر ~~حلقة للصيد، فوقع فيها إنسان قصير جدا، كصغير يكون عمره خمس سنين، وقد طالت ~~أظفاره وشعر بدنه طولا مفرطا. قال: فامسكوه وأحضروه بين يدي PageV01P060 # الناصر [1] فاستنطقوه فلم ينطق، فأحضروا له الطعام فلم يأكل والماء فلم ~~يشرب، فاجتهدوا معه بكل ممكن على أن يتكلم، وهو صامت لا ينطق ببنت شفة. ~~فقال له بعض الحاضرين: فأي شيء تريد؟ فلم يتكلم. فقال له: تريد نطلقك؟ فحرك ~~رأسه يعني نعم. قال: فتقدم الناصر بإطلاقه. فلما أطلق عدا أشد من عدو ~~الغزال ثم دخل البرية. سئل بزرجمهر [2] عن أردشير [3] فقال: أحيا الليل ~~للحكمة، وفرغ النهار للسياسة وقيل له: لأي حال عم كسرى بمعروفه جميع رعيته ~~قال: خوفا أن يفوته المستحق قيل له: فكيف يمكن أن يعم بمعروفه جميع رعيته؟ # قال: نعم كان ينوي لهم الخير، فإذا نوى لهم الخير فقد عمهم بمعروفه. روي ~~عن عمر بن ms041 الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع ~~بالقرآن. قالوا: لأن الناس يخافون من عواجل العقوبة أشد مما يخافون من ~~آجلها. # ومما لا يليق بالملك الكامل- الإفاضة في مجلسه في وصف الطعام والنساء ~~لئلا يشارك بذلك العامة. لأن العامة قد قنعوا من عيشهم باليسير واقتصروا ~~عليه، وتركوا الأمور الكبار. فإذا أرادوا أن يفيضوا في حديث، لم يكن لهم ~~إلا وصف أنواع الأطعمة ووصف أصناف النساء. وقال الأحنف بن قيس [4] : جنبوا ~~مجالسنا ذكر الطعام والنساء. قال أبرويز لابنه: لا توسعن جندك فيستغنوا ~~عنك، ولا تضيق عليهم فيضجروا منك، وأعطهم عطاء قصدا، وأمنعهم منعا جميلا، ~~ووسع عليهم في الرجاء ولا توسع عليهم في العطاء. ولما سمع المنصور هذا ~~الكلام صادف منه موضعا قابلا للشح الغالب عليه، فقال: هذا هو رأي. وهذا ~~معنى قول القائل: أجع كلبك يتبعك. فقام إليه بعض القواد وقال: يا أمير ~~المؤمنين أخاف أن يلوح له غيرك برغيف فيدعك ويتبعه! قالوا: سياسة الرئاسة، ~~PageV01P061 # أشد من الرئاسة. كما أن سياسة الخدمة أشد من الخدمة. وكما أن التوقي بعد ~~شرب الدواء أشد من الدواء. كذلك رب الصنيعة، أشد من الصنيعة، وعلى الرئيس ~~أن يصبر على مضض الرئاسة. قال بعض حكماء الترك، ينبغي أن يكون في قائد ~~الجيش عشر خصال من أخلاق الحيوان- جرأة الأسد، وحملة الخنزير [1] ، وروغان ~~الثعلب، وصبر الكلب على الجراح، وغارة الذئب، وحراسة الكركي، وسخاء الديك ~~وشفقة الدجاجة على الفراريج، وحذر الغراب، وسمن تعرو، (وهي دابة تكون ~~بخراسان تسمن على السفر والكمد) . قالوا: # والفاضل من طلاب الرئاسة هو الذي يكون مطبوعا على المعرفة، مخلوقا فيه ~~صحة التمييز مكتسبا للعلم بما جرى في الدنيا من تصاريف الدهور، وتنقل الدول ~~عارفا بمداراة الأعداء كتوما لشره، إذا كان قطب السياسة عليه يدور. وأن ~~يستمد لعقله من عقول العقلاء، فإن العقل الفرد لا يقوم بنفسه. وينبغي أن ~~يكون ذا روية عند اشتباه الآراء، وعزيمة عند اختلاف الأهواء، حتى يكشف. # وأما الحزم فهو الأصل الذي يبني عليه في تحصين المملكة. وقد كان يجب ~~تقديمه ms042 وذكره في أول الكتاب عند أخواته من الخصال المحمودة، ولكن العقل ~~يشتمل عليه ويستلزمه، فأكتفي بذكره عنه. ولا بأس بذكر نبذة في هذا الموضع ~~منه. قالوا: أحزم الملوك من ملك جده هزله، وقهر رأيه هواه، وعبر عن ضميره ~~فعله، ولم يختدعه رضاه عن حظه، ولا غضبه عن كيده. وكان يقال: # الحازم من الملوك من يبعث العيون [2] على نفسه ويتفقدها، حتى لا يكون ~~الناس بعيبه أعلم منه بعيب نفسه. وقالوا: أحزم الملوك من حمل رعيته على ~~التخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، بالرفق والتوصل الحسن والتأني اللطيف. ~~وخطر لي في هذا المعنى سر لطيف وهو أن الرعية إذا تدرجوا إلى التخلق بأخلاق ~~الملك والتأدب بآدابه، صاروا مستحسنين لصادرات أحواله وأفعاله لأنهم هم ~~يفعلونها ويعتمدونها PageV01P062 # فلا يصير أحد منهم يذم سيرته، ولا يزري عليه، ومتى كانت طباعهم منافية ~~لطباعه، وأخلاقهم مضادة لأخلاقه، أغروا بالإزراء عليه، والذم لأفعاله، وهذا ~~سر لطيف منطو في قولهم! وقالوا: أحزم الملوك من تقدم بإحكام الأمر قبل نزول ~~حاجته. وتدارك المهم قبل وقوعه. قيل للإسكندر [1] : ما علامة دوام الملك؟ ~~قال: الاقتداء بالحزم والجد في كل الأمور. قيل: فما علامة زواله؟ قال الهزل ~~فيه. وقال أنوشروان [2] : الحزم حفظ ما وليت وترك ما كفيت. وقال آخر أحزم ~~الملوك من ملك أمره، ودبر خصاله، وقمع شهوته وقهر نوازعه. قالوا: # ينبغي أن يكون أول أمر الملك الحزم، فإذا وقع الأمر فينبغي أن يكون حينئذ ~~الجد والاجتهاد. قيل لبعض فضلاء الملوك: نراك إذا وفد عليك وافد أطلت ~~مجالسته، وربما لا يكون أهلا لذلك. قال: إن حقيقة حال الرجل لا تبين في ~~مجلس أو مجلسين، فأنا أطاول عشرته وأختبره في عدة مجالس، فإن كان فاضلا ~~اصطفيته، وإن كان ناقصا تركته. وقال آخر: لا ينبغي لأحد أن يدع الحزم لظفر ~~ناله عاجز، ولا يرغب في تضييعه لنكبة دخلت على حازم. قالوا: من لم يقدمه ~~الحزم أخره العجز. وقيل لعبد الملك [3] بن مروان: ما الحزم؟ قال: اختداع ~~الناس بالمال واستمالتهم به، فإنهم أتباعه، أين كان كانوا، وكيف مال ms043 مالوا. ~~وقال بعض الملوك لبعض الحكماء: متى تكون الثقة بالعدو حزما؟ قال: إذا ~~شاورته في أمر هو لك وله. وقال مسلمة بن عبد الملك [4] : ما فرحت بظفر ~~ابتدأته بعجز، ولا ندمت على مكروه ابتدأته بحزم. PageV01P063 # ومما يجب على الملك الفاضل: إمعان النظر في أمر الأسرار، وصونها وتحصينها ~~وحراستها من الإفشاء والذياع، وهذا باب يحتاج فيه إلى التأني التام، فكم من ~~مملكة خربت وكم من نفس تلفت بسبب ظهور سر واحد! وحفظ السر وكتمانه من أفضل ~~ما اعتنى به الإنسان، فمما جاء في ذلك في الحديث «من كتم سره ملك أمره» ~~وقال علي- عليه السلام- «الرأي تحصين السر» . أسر بعض الناس إلى رجل حديثا ~~وأمره بكتمانه، فلما انقضى الحديث قال له: فهمت؟ قال: نسيت. وقال عمرو بن ~~العاص [1] : إذا أفشيت سري إلى صديقي فأذاعه كان اللوم لي لا له. قيل له: ~~وكيف ذلك؟ قال: لأني أنا كنت أولى بصيانته منه. ومن أناشيد هذا الباب: # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # (طويل) قالوا: لا ينبغي أن يكون سر الملك إلا عند واحد، فإنه إذا كان عند ~~واحد كان أحرى ألا يظهر، إما رغبة وإما رهبة، لأنه إن ظهر تحقق الملك أن ~~ظهوره قد كان من جهة ذلك الرجل، ومتى كان السر عند جماعة ثم ظهر، أحال كل ~~واحد منهم على الآخر، فإن عاقبهم الملك جميعا كان قد ظلمهم إلا واحدا، وإن ~~ترك معاقبتهم طمعوا وتطرفوا على إفشاء أسراره. قال الشاعر: # وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفي # (متقارب) فإن احتاج الملك إلى إظهار سره لجماعة فأصلح ماله أن يفضي به ~~إلى كل واحد منهم على سبيل الانفراد، ويوصيه بالكتمان ويوهمه أنه ما أفضى ~~إلى غيره به، فذلك أجدر لأن ينكتم السر. شاور بعض ملوك الفرس وزراءه في ~~أمر، فقال واحد منهم: لا ينبغي للملك أن يستشير بأحدنا إلا خاليا به، فإنه ~~أكتم للسر PageV01P064 # وأحزم في الرأي، وأجدر بالسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة [1] بعض. # وما اعتنت دولة ms044 بتحصين الأسرار والمبالغة في حفظها كالدولة العباسية، فإن ~~لها من هذا الباب عجائب، وكم من نعمة أزالوها عن أربابها، ونفس أزهقوها ~~بسبب كلمة منقولة، أو حكاية مقولة. جرى في أيام الناصر [2] قضية ظريفة لا ~~بأس بذكرها ها هنا. # كان للناصر ولدان هما ولدا ولده، وكان قد أقطعهما بلاد خوزستان [3] ~~وتوجها إليها وأقاما بها ففي بعض الليالي أفكر الناصر في أمرهما واشتاقهما، ~~وخاف عليهما من حادث يحدث بتلك الناحية، فأرسل في الحال إلى وزيره القمي ~~[4] وقال له: أرسل في هذه الساعة إليهما من يأمرهما بالوصول إلى بغداد، ولا ~~تشعر بهذا مخلوقا. فأحضر الوزير نجابا في ذلك الحال. وكان جماعة من ~~النجابين يبيتون في كل ليلة بباب الديوان، يبيت أحدهم وتحت رأسه راحلته ~~وزاده ونفقته، وقد ودع أهله، فإن عرض في الليل مهم توجه فيه فلما حضر ~~النجاب بين يدي الوزير شافهه بالمراسلة، وقال له تخرج في هذه الساعة، وإياك ~~أن يعلم هذا أحد فيكون عوضه نفسك. ثم تقدم الوزير يحمل مفتاح باب من أبواب ~~السور له، فلما مضى ليخرج اجتاز ببعض الدروب وامرأتان في منظرتين متقابلتين ~~تتحدثان، فقالت إحداهما للأخرى: ترى هذا النجاب إلى أين يمشي في هذا الوقت؟ ~~فقالت لها الأخرى يمشي إلى دستر لإحضار أولاد الخليفة فإنه قد خاف عليهما ~~وقد اشتاقهما لأن جدتهما هناك قد طالت. فلما سمع النجاب ذلك ترجع من ساعته ~~إلى الديوان، واستأذن على الوزير. فلما علم الوزير برجوعه انزعج لذلك ~~وأحضره، وسأله عن سبب عوده، فقال له: يا مولانا جرى الساعة في الدرب ~~الفلاني كيت وكيت، وخفت أن أتوجه PageV01P065 # وينتشر هذا الحديث، فما تشكون في أنني أنا الذي أظهرته فيكون ذلك سبب ~~هلاكي، فقال الوزير: قد عرفنا ذلك اخرج وتوجه في أمان الله تعالى فإن ~~الشياطين تنقل عظائم الأخبار. ومما يجري هذا المجرى، ما حدثني به بعض أهل ~~بغداد. قال: حدثني صديق لي قال: كنا نتمشى في دولاب بستان البقل، وقد أمعنا ~~في الدخول إلى أقصاه، فسمعنا صوت قائل يقول: مات أباقا [1] ، قال: فنظرنا ms045 ~~فلم نبصر أحدا. ثم إننا أرحنا اليوم، فلما فشا الخبر كان كما قال. قيل: إن ~~صاحب الموصل- وأظنه بدر الدين [2]- قال لمجد الدين بن الأثير الجزري [3] : ~~أريد أن تعين لي في هذه الساعة على رجل دين أمين يكون موضعا للسر أحمله ~~مشافهة سرية إلى الخليفة، ويتوجه في هذه الساعة فأفكر ابن الأثير ساعة ثم ~~قال يا مولانا: # ما أعرف أحدا بهذه الصفة إلا أخي [4] . قال: فقم وعرفه ذلك. وأرسله إلى ~~داره، وحكى لأخيه ما جرى عند السلطان، وقال له يا أخي والله ما شهدت لك إلا ~~بما أعرفه منك، فتوجه إلى خدمة السلطان، وامتثل ما يشير به. فحضر ابن ~~الأثير عند السلطان وشافهه بالمراسلة، وقال له: تتوجه في هذه الساعة. فحضر ~~ابن الأثير إلى داره ليودع أخاه فوجده قائما في الدهليز ينتظره، فقال له: ~~شافهك السلطان بالحديث. قال: نعم، قال: فما هو؟ قال: يا أخي الساعة شهدت لي ~~عنده بالدين والأمانة وحفظ السر، فيجوز أن أكذبك في الحال؟ قال لي شيئا ما ~~أقوله إلا لمن أمرني أن أقوله له. قال فبكى مجد الدين أخوه ودعا له. ومن ~~الأشعار المقولة في ذلك قول الحماسي: PageV01P066 # وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها [1] # لكل امرئ شعب من القلب فارغ ... وموضع نجوى لا يرام اطلاعها # يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # (طويل) ومن جيد ما قيل في ذلك: # لا تسألي القوم: ما مالي وكثرته ... وسائلي القوم: ما مجدي وما خلقي # هل أطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السر فيه ضربة العنق # (بسيط) ومن جيده قول الصابئ: # فقل لصديقي كن على السر آمنا ... إذا لم يكن بيني وبينك ثالث # (طويل) وقال الآخر: # وإنك كلما استودعت سرا ... أنم من النسيم على الرياض [2] # (وافر) ولمؤلف هذا الكتاب في ذلك من جملة أبيات: # وما احتفر الأصحاب للسر حفرة ... كصدري ولو جار الشراب على عقلي # (طويل) وقوله في ذلك أيضا: # وإن يكن الزجاج ينم طبعا ... فسيدنا أنم من الزجاج # (وافر) ومن الأمور ms046 التي يجب تدقيق الفكر فيها، والتثبت التام والتأني في ~~تأملها: # حديث السعايات والنمائم. فكم من نمام أو ساع قد شفى غيظه بإيقاع مسكين ~~بين يدي ملك قاهر، في تهمة هو بريء منها، ثم اشتبه الأمر على الحاكم فأهلك ~~الرجل البريء بغير ذنب، ثم لما علم ندم حين لا ينفع الندم، فعم الضرر بذلك ~~الساعي PageV01P067 # والمسعي إليه، لأنهما أهلكا دينهما بما فعلاه. والمسعى به لتعجله ~~العقوبة. فعم الضرر الثلاثة، ومما جاء في ذلك في التنزيل: يا أيها الذين ~~آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما ~~فعلتم نادمين 49: 6 [1] ومما جاء في الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يرفعن إلينا عورة [2] أخيه المسلم» . رفع إنسان إلى يحيى بن خالد ~~[3] بن برمك قصة يقول فيها: إنه قد مات رجل تاجر غريب، وقد خلف جارية حسناء ~~وولدا رضيعا، ومالا كثيرا، والوزير أحق بهذا. فكتب يحيى بن خالد على رأس ~~القصة: أما الرجل فرحمه الله. وأما الجارية: فصانها الله، وأما الطفل: ~~فرعاه الله. وأما المال: فثمره الله. وأما الساعي إلينا بذلك: فلعنه الله. ~~قيل: لما تولى عبد العزيز بن مروان [4] دمشق- ولم يكن في بني أمية ألب منه ~~وكان حدث السن- طمع فيه أهل دمشق، وقالوا: # صبي لا علم له بالأمور، وسيسمع كل ما نقول له فقام إليه رجل وقال: أصلح ~~الله الأمير. نصيحة!! فقال: ليت شعري ما هذه النصيحة، التي قد ابتدأتني بها ~~من غير يد سبقت مني إليك؟ هات نصيحتك. قال: لي جار وهو عاص خالع للطاعة- ~~وذكر له عيوبا- فقال له عبد العزيز: إنك أيها الرجل ما اتقيت الله تعالى، ~~ولا أكرمت أميرك ولا حفظت جوارك! إن شئت نظرنا فيما تقول، فإن كنت صادقا لم ~~ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن استقلتنا أقلناك. فقال: بل ~~أقلني أيها الأمير، قال: اذهب حيث شئت، لا صحبك الله، إني أراك شر رجل!. ~~PageV01P068 # كان الوزير علي بن محمد بن الفرات وزير المقتدر يبغض السعاة. فكان إذا ~~رفع أحد إليه قصة ms047 فيها سعاية بأحد، يخرج حاجبه إلى الباب، والناس على ~~طبقاتهم وقوف فيقول: أين صاحب هذه السعاية؟ قد قال لك الوزير: كذا وكذا ~~فيفتضح ذلك الرجل في ذلك الجمع، فترك الناس السعايات في أيامه. قال عبد ~~الرحمن بن عوف [1]- رضي الله عنه-: «من عرف فاحشة فأفشاها كان هو الذي ~~أتاها» كتب قباذ [2] الملك لابنه كسرى عهدا، فمن جملته «يا بني: لا تدخل في ~~مشورتك بخيلا فإنه يقصر بك عن غاية الفضل، ولا جبانا فإنه يضيق عليك الأمور ~~عند انتهاز الفرصة. يا بني: ليكن أبغض رعيتك إليك أكثرهم تكشيفا لمعايب ~~الناس، فإن في الناس عيوبا أنت أحق من سترها وكره ما تكشف من غائبها فإنما ~~إليك الحكم على ما ظهر، والله يحكم فيم غاب. فاذكره للرعية ما تكره لنفسك ~~واستر العورة يستر الله عليك ما تحب ستره. ولا تعجل إلى صديق ساع، فإن ~~الساعي غاش وإن قال قول النصيح. وأعط الناس من عفوك مثل ما تحب أن يعطيك من ~~فوقك» . # ومن مليح ما قيل في ذلك قول مهيار [3] يخاطب بعض الوزراء: # يا سيف نصري والمهند تابعي ... وربيع دهري والزمان مصاف [4] PageV01P069 # ومعيد أيامي علي بدائنا [1] ... سمنا وهن على الأنام عجاف # أخلاقك الغر السجايا مالها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف؟ [2] # والإفك [3] في مرآة رأيك ما له ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف؟ # (كامل) ومن مليح قول القائل: # سعى إليك بني الواشي فلم ترني ... أهلا لتكذيب ما ألقى من الخبر # ولو سعى بك عندي في الذكرى ... طيف الخيال لبعت النوم بالسهر # (بسيط) اختلفوا في الملك القاهر العسوف، والملك المقتصد الضعفى: ففضلوا ~~القاهر العسوف واحتجوا بأن القوي العسوف يكف الأطماع عن رعيته، ويحميهم من ~~غيره بقوته. وله أنفة تعصمهم من شر غيره، فتكون رعيته بمثابة من كفي شر ~~جميع الناس وابتلي بشر واحد. وأما المقتصد الضعيف: فيهمل رعيته فيسلط عليهم ~~كل أحد ويدوسهم كل حافر، فيكونون بمثابة من كفي شر واحد وابتلي بشر جميع ~~الناس، وبين الحالين بون بعيد. # وقال بعض الحكماء. سلطان يخافه الرعية، خير من سلطان ms048 يخافها. قال ~~أنوشروان: عندي لمن عرض دمه سفكه، ولمن جاوز حده تقويمه، ولمن تعدى طوره ~~قمعه. قال بعض الحكماء: أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا بالانفراد. # فالملك متى وقع فيه الاشتراك فسد. وأما الذي لا يصلح إلا بالاشتراك- ~~فالرأي، متى وقع فيه الاشتراك وثق فيه بالصواب. ولا يجوز لملك أن يصغر في ~~نفسه أمر عدوه، وإن كان صغيرا في نفس الأمر. ولا يجوز لجلساء الملك أن ~~يصغروا أمر عدوه، فإنهم إن صغروه حتى ظفر به العدو كان وهنا له، إذ قد غلبه ~~عدو صغير وإن ظفر هو بالعدو لم يكن قد صنع طائلا. لما رجع رسول الله- صلى ~~الله عليه PageV01P070 # وسلم- من وقعة بدر ومعه الأسرى والغنائم، وقد قتل الله رءوس المشركين، ~~تلقاه الناس من ظاهر المدينة عن أميال فجعلوا يهنئونه بالفتح، وجعل الناس ~~يسأل بعضهم بعضا عمن هلك وسلم، فقال بعض الصحابة: والله ما قتلنا إلا عجائز ~~صلعا. فأقبل عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- باللوم ولم يزل كالمعرض ~~عنه، ثم قال له: أولئك يا ابن أخي الملأ. ومن مليح ما رأيت في هذا المعنى، ~~قول حكيم الهند لبعض ملوكهم: لا تحقرن أمر الأعداء وإن صغروا، فإن الزبير ~~[1] إذا جمع جعل منه حبل يشد به الفيل. وإغباب [2] الرأي من الأمور المهمة. ~~وأجود الرأي ما وقع فيه التأني والتثبت، وبذلك يؤمن زلل الرأي. قال الأحنف ~~بن قيس [3] لأصحاب علي- عليه السلام- أغبوا [4] الرأي فإن إغبابه يكشف لكم ~~عن محضبه. # واستشير بعض العقلاء في أمر فسكت، فقيل له: لم لا تتكلم؟ فقال: ما أحب ~~الخبز إلا بائتا [5] ، ولما عزم الخوارج على مبايعة عبد الله بن وهب [6] ~~فرغوا من البيعة قال: اتركوا الرأي يغب- أي يأتي عليه يوم وليلة- وكان ~~يستعيذ بالله من الرأي الفطير. [7] قالوا: مر الحارث بن زيد بالأحنف بن ~~قيس، فقال له: لولا أنك عجلان لشاورتك PageV01P071 # وهذا دليل على كراهيتهم للرأي الفطير. وكانوا لا يشاورون الجائع حتى ~~يشبع، ولا الأسير حتى يطلق، ولا الطالب حتى يببلغ حاجته، ولا العطشان حتى ~~يروى، ولا الضال حتى يهتدي. وقال بعض ms049 الشعراء يصف عاقلا: # عليم بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه # وما أعرف أحسن من قول ابن الرومي [1] في تفصيل الرأي المختمر على الرأي ~~الفطير: # نار الروية نار جد منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح # وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح # (بسيط) ومما يوجبه العقل الصحيح، أن الإنسان لا يدخل في أمر يعسر الخروج ~~منه، قال الشاعر: # ما من الحزم أن تقارب أمرا ... تطلب البعد منه بعد قليل # فإذا ما هممت بالشيء فانظر ... كيف منه الخروج بعد الدخول # (خفيف) قالوا: وأفضل من ذلك أن الإنسان لا يدخل نفسه في أمر يحتاج في ~~الخروج منه إلى فكر، قال معاوية بن العاص- رضي الله عنهما- ما بلغ من ~~دهائك؟ قال: ما دخلت في أمر إلا وأحسنت الخروج منه، فقال معاوية: لكني أنا ~~ما دخلت في أمر أحتاج في الخروج منه إلى فكر. # ومن الأمور المهمة للملك، حسن نظره في إرسال الرسل، فبالرسول يستدل على ~~حال المرسل. قال بعض الحكماء: إذا غاب عنكم حال الرجل، ولم تعلموا مقدار ~~عقله، فانظروا إلى كتابه ورسوله، فهما شاهدان لا يكذبان. ويجب أن يكون في ~~الرسول خصال- منها العقل، ليميز به الأمر المستقيم من المعوج. PageV01P072 # والأمانة والعفاف لئلا يخون مرسلة، فكم من رسول برقت له بارقة طمع من جهة ~~من أرسل إليه، فحفظ جانبه وترك جانب مرسلة. أرسل معاوية- رضي الله عنه إلى ~~ملك الروم رسولا من أقاربه كان يعتمد عليه لتقرير أمر الهدنة، واشترط ~~معاوية شروطا غليظة، فلما حضر الرسول عند ملك الروم، اجتهد به على تخفيف ~~تلك الشروط فلم يقبل. فخلا به وقال له: بلغني أنك فقير، وأنك إذا أردت ~~الركوب إلى معاوية تستعير الدواب. قال: كذلك هو. # قال: فما أراك تعمل لنفسك شيئا، وهذا المال الذي عندنا كثير، فخذ منه ما ~~يغنيك إلى الأبد ودع معاوية. وأحضر له عشرين ألف دينار فأخذها وخفف له ~~الشروط وأمضى الهدنة، ثم رجع إلى معاوية. فلما نظر معاوية في الكتاب علم ~~بالحال فقال له: ما أراك عملت إلا له! ms050 وعزم على مؤاخذته، فقال له: يا أمير ~~المؤمنين، أقلني [1] قال: قد أقلتك، وأعرض عنه [2] . وفيما فعل كمال الدين ~~محمد بن الشهرزوري [3] حين أرسله أتابك زنكي صاحب الموصل إلى بغداد لتقرير ~~أمر الراشد [4]- منبهة على وجوب تدقيق النظر في اختيار الرسل- وذلك أنه لما ~~خلع الراشد ببغداد فارقها وحضر إلى الموصل مستعينا بأتابك زنكي، وخلا به ~~ووعده ومناه أنه إن عاد إلى الخلافة أن يفعل معه ويصنع فتهوس أتابك زنكي ~~بذلك وضمن له صلاح الحال مع السلطان مسعود، ثم إن أتابك زنكي عزم على ~~مراسلة الديوان ببغداد في هذا المعنى فاختار للرسالة كمال الدين بن ~~الشهرزوري قاضي الموصل، فأرسله ووصاه بالاحتجاج والمبالغة في تقرير أمر ~~الراشد ونقض ما PageV01P073 # أبرموه من خلافة المقتفى [1] فتوجه كمال الدين إلى بغداد، قال ابن الأثير ~~صاحب التاريخ [2]- حكى لي كمال الدين المذكور، قال: لما حضرت بالديوان قيل ~~لي: # تبايع أمير المؤمنين؟ فقلت أمير المؤمنين عندنا بالموصل وله في أعناق ~~الخلق بيعة متقدمة قال- وطال الحديث في ذلك، وعدت إلى منزلي فلما جاء الليل ~~جاءتني عجوز سرا واجتمعت بي وأبلغتني رسالة من المقتفى، مضمونها المعاتبة ~~لي على ما قلت واستنزالي عنه، فقلت: غدا أخدم خدمة يظهر أثرها، فلما كان ~~الغد، حضرت بالديوان وقيل لي في معنى البيعة، فقلت: أنا رجل فقيه قاض، ولا ~~يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدم. فأحضروا الشهود فشهدوا ~~عندي بفسق الراشد فقلت: هذا ثابت لا كلام فيه، ولكن لا بد لنا في هذه ~~الدعوى من نصيب، لأن أمير المؤمنين المقتفى حصلت له خلافة الله في أرضه ~~والسلطان فقد استراح ممن كان يقصده فنحن بأي شيء نرجع؟ فرفع الأمر إلى ~~المقتفى، فأمر أن يعطى أتابك [3] زنكي [4] صريفين ودرب هارون وحربي ملكا، ~~فبايعت المقتفي وعدت، وقد حصل لي مال صالح وتحف وهدايا. وما أدري والله من ~~أي حاليه أعجب؟! من فعله هذا وخيانته لمرسله وتسويد وجهه مع من استجار به، ~~فإنه لم يكن الفائدة من إرسال كمال الدين إلا تقوية أمر المقتفى ms051 وتأكيد خلع ~~الراشد، أم من حكايته عن نفسه مثل هذه الفعلة؟!. # وكذلك ما جرى لعميد الملك الكندري وزير السلطان طغرلبك: أرسله السلطان ~~طغرلبك ليخطب له امرأة، فمضى الكندري وخطبها لنفسه وتزوجها PageV01P074 # وعصى على طغرلبك. فلما ظفر به طغرلبك [1] لم يقتله، واستبقاه في خدمته ~~احتياجا إلى كفايته. # ومن الأشعار المقولة في ذلك قول القائل: # إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه # (متقارب) وأجود من هذا المعنى وأكمل قول الآخر: # إذا أرسلت في أمر رسولا ... فأفهمه وأرسله أديبا # فإن ضيعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علم الغيوبا # (وافر) ومما يزين الملك، اصطناع العوارف إلى أشراف رعيته، فبذلك تميل ~~أعناقهم إليه ويدخلون بذلك في زمرة خدمه وحاشيته. وما زال أفاضل الملوك ~~يلحظون هذا المعنى فيفضلون دائما على أشراف رعيتهم أنواع الإفضال ليسترقوهم ~~بذلك. كان معاوية- رضي الله عنه- أشد الملوك لهجا بهذا المعنى. كان يعطي ~~عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن العباس- رضي الله عنهما- في كل ~~سنة جملا طائلة من المال. وكفاك من ذلك، أن عقيل بن أبي طالب- رضي الله ~~عنه- فارق أخاه علي بن أبي طالب- عليه السلام- وقصد معاوية مستميحا وما ذاك ~~لشح عند أمير المؤمنين- عليه السلام- فإنه كان- صلوات الله عليه وسلامه- ~~يباري الريح جودا وكرما، وكان جميع ما يدخل له من أملاكه يخرجه في الصدقات ~~والمبرات، ولكن عقيلا كان يريد من مال المسلمين أكثر من حقه، وما كان دين ~~أمير المؤمنين- عليه السلام- يقتضي ذلك وكان معاوية- رضي الله عنه- يعطي ~~لأجل مصلحة الدنيا، ولا يفكر فيما كان يفكر فيه أمير المؤمنين- عليه ~~السلام- وانظر إلى كمال الدين حيدرة [2] ابن عبيد الله الحسيني الموصلي ~~وكان شيخ أهله ومقدمهم سنا وزهدا وفضلا وورعا كيف استماله صاحب الموصل ~~PageV01P075 # بدر الدين [1] بما أسداه إليه من الإنعام حتى مدحه، وانخرط في زمرة ~~شعرائه، فمن شعره فيه: # هنيئا بجد ساعدتك سعوده ... وتم له يوم التفاخر عيده # وبشرى بإقبال أهل بشيره ... كما وفدت عند الهناء وفوده # وأنى لبدر الدين ذي الفخر والعلا ... نديد، وكلا، أن يصاب نديده # (طويل) ومع أنه صار من ms052 شعرائه، وانخرط في زمرة مداحه، كان بدر الدين، بعد ~~موت كمال الدين حيدرة إذا اجتاز على ترتبه- وهي تربة مفردة ظاهر الموصل ~~جنوبية قبلية- يترك العسكر ويدخل إليه يزوره، ويدعو لنفسه عند ضريحه. # (رحمهما الله تعالى) PageV01P076 ### | الفصل الثاني في الكلام على دولة دولة # وفيه: # الدولة الأولى: دولة الأربعة الراشدين الدولة الثانية: الدولة الأمية ~~الدولة الثالثة: الدولة العباسية # PageV01P077 # لقد تم الكلام على الأمور السلطانية والسياسات الملكية، وعلم بذلك سيرة ~~الملك الفاضل المستحق للرئاسة، وخواص الملك التي يتميز بها عن الرعايا، ~~والحقوق الواجبة لذلك على رعيته، والحقوق الواجبة لهم عليه واندرج في أثناء ~~ذلك الكلام على كليات أحوال الدول على سبيل الإجمال. وكل ما مضى في هذه ~~الأوراق من اللطائف والمحاسن فقد وفر الله تعالى منه حظ المولى الملك ~~الفاضل، حاطه الله تعالى بأنواع ألطافه، وبلغه أقصى الغايات من إسعاده ~~وإسعافه، لأن الله تعالى هداه بسابق عنايته إلى محاسن الشيم، وفضله بخافي ~~لطفه على كثير من الأمم. # وهذا أوان الشروع في الكلام على دولة دولة: # PageV01P078 الدولة الأولى: دولة الأربعة وهم المعروفون بالخلفاء الراشدين # قال محمد بن علي بن طباطبا مؤلف هذا الكتاب المعروف بالفخري في الآداب ~~السلطانية والدول الإسلامية: أما الدولة الأولى، وهي دولة الأربعة فإن ~~ابتداءها كان منذ قبض رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- وبويع أبو بكر بن ~~قحافة- رضي الله عنه- وذلك في سنة اثنتي عشرة من الهجرة وانتهاؤها حين قتل ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- عليه السلام- وذلك في سنة أربعين من الهجرة ~~واعلم أنها دولة لم تكن من طرز دول الدنيا، وهي بالأمور النبوية والأحوال ~~الأخروية أشبه. والحق في هذا أن زيها قد كان زي الأنبياء وهديها هدي ~~الأولياء. # وفتوحها فتوح الملوك الكبار. فأما زيها: فهو الخشونة في العيش، والتقلل ~~في المطعم والملبس، كان أحدهم يمشي في الأسواق راجلا وعليه القميص الخلق ~~المرقوع إلى نصف ساقه، وفي رجله تاسومة [1] وفي يده درة [2] فمن وجب عليه ~~حد استوفاه منه. وكان طعامهم من أدنى أطعمة فقرائهم، ضرب أمير المؤمنين ~~عليه السلام، المثل بالعسل والخبز النقي فقال ms053 في بعض كلامه. ولو شئت ~~لاهتديت إلى مصفى هذا العسل بلباب هذا البر. واعلم أنهم لم يتقللوا في ~~أطعمتهم وملبوسهم فقرا ولا عجزا عن أفضل لباس وأشهى مطعم، ولكنهم كانوا ~~يفعلون ذلك مواساة لفقراء رعيتهم، وكسرا للنفس عن شهواتها، ورياضة لها ~~لتعتاد أفضل حالاتها. # وإلا فكل واحد منهم كان صاحب ثروة ضخمة، ونخل وحدائق وغير ذلك من الأسباب ~~ولكن أكثر خرجهم كان في وجوه البر والقرب كان لأمير المؤمنين علي ارتفاع ~~طائل من أملاكه يخرجه جميعه على الفقراء والضعفاء ويقتنع هو وعياله بالثوب ~~الغليظ من الكرباس [3] ، وبالقرص من خبز الشعير. وأما فتوحها وحروبها فإن ~~خيلها بلغت إفريقية وأقصى. PageV01P079 # خراسان وعبرت النهر، فإن عبيد الله بن عباس تولى إمارة سمرقند [1] وبها ~~مات وفيها قبره فأول حروبها قتال أهل الردة. ### || شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار # لما قبض رسول الله صلوات الله عليه وسلامه، ارتد ناس من الأعراب عن ~~الإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة، وقالوا لو كان محمد نبيا لما مات. # فوعظهم ذوو اللب والعقل، وقالوا لهم أخبرونا عن الأنبياء- عليهم السلام- ~~هل تقرون بنبوتهم؟ قالوا: نعم، قالوا: فهل ماتوا؟ قالوا: نعم. قالوا: فما ~~الذي تنكرونه من نبوة محمد- عليه السلام-؟ فلم ينجع القول فيهم. فجهز أبو ~~بكر- رضي الله عنه- إلى طائفة منهم جيشا، فتوجهت الجيوش إليهم وقاتلتهم، ~~وكانت الغلبة للجيوش الإسلامية فأبادتهم قتلا وأسرا، ورجع من تبقى منهم إلى ~~الإسلام وأدى الزكاة ومن فتوحها الكبار فتح الشأم. ### || شرح كيفية ذلك # لما كانت سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهي السنة التي توفي فيها أبو بكر ~~ورجع أبو بكر- رضي الله عنه- من الحج- شرع في تجهيز الجيوش إلى الشأم فبعث ~~عسكرا كثيفا جعل على كل قطعة منه أميرا، وسمى لكل أمير بلدا إن فتحه ~~واستولى عليه كان له ثم أمدهم بخالد بن الوليد- رضي الله عنه- في عشرة آلاف ~~فتكمل بالشأم ستة وأربعون ألف مقاتل، وجرت بينهم وقائع وحروب امتدت إلى أن ~~مات أبو بكر، وبويع عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- فعزل عمر خالد بن ~~الوليد- رضي الله عنهما- عن إمارة الجيش، ms054 وكان قد أمر، ثم أمر على الناس ~~PageV01P080 # أبا عبيدة بن الجراح- رضي الله عنه- فورد رسول عمر إلى الجيش بالشأم ~~بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بتوليته وعزل خالد. واتفق وصول الرسول وهم مشغولون ~~بالحرب فجعل الناس يسألون الرسول عن سبب قدومه، فأخبرهم بالسلامة ووعدهم أن ~~وراءه مددا لهم، وكتم عنهم موت أبي بكر ثم وصل إلى أبي عبيدة بن الجراح ~~فأخبره سرا بموت أبي بكر، وناوله كتاب عمر بتوليته وعزل خالد. فاستحيا أبو ~~عبيدة من خالد وكره أن يعلمه بالعزل، وهو قد بذل جهده في القتال فكتم أبو ~~عبيدة الخبر عن خالد وصبر حتى تم الفتح وكتب الكتاب باسم خالد، ثم أعلمه ~~بموت أبي بكر، وبعزله فسلم إليه الجيش. وكان فتح دمشق في سنة أربع عشرة من ~~الهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وفي الدولة المذكورة كان ~~فتح العراق، وأخذ الملك من الأكاسرة. ### || شرح مبدإ الحال في انتقال الملك من الأكاسرة إلى العرب # إن الله تعالى بسابق علمه وبالغ حكمته وعزة قدرته، إذا أراد أمرا هيأ ~~أسبابه وقد وصف نفسه عز وجل بقوله قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء ~~قدير 3: 26 [1] ولما أراد- جل شأنه، وعز سلطانه- نقل الملك عن فارس إلى ~~العرب أصدر من المنذرات بذلك ما ملأ به قلوبهم وقلوب أوليائهم رعبا. فأول ~~ذلك: ارتجاس [2] الإيوان [3] وسقوط الشرفات منه، وذلك عند ميلاد الرسول- ~~عليه أفضل الصلوات- وخمود نار فارس ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وذلك في ~~عهد أنوشروان العادل. فلما رأى أنوشروان سقوط الشرفات وانشقاق الإيوان غمه ~~ذلك ولبس تاجه وجلس على سريره، وأحضر وزراءه وشاورهم في PageV01P081 # ذلك. ففي تلك الحال وصل كتاب من فارس بخمود النار، فازداد كسرى غما إلى ~~غمه وفي تلك الحال قام الموبذان [1] وقص الرؤيا التي رآها، قال: رأيت- أصلح ~~الله الملك- كأن إبلا ضعافا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في ~~بلادها فقال له كسرى: فأي شيء يكون تأويل ms055 هذا؟ قال أصلح الله الملك، حادث ~~يحدث من جهة العرب وفشا الحديث بذلك بين العجم وتحدث به الناس فسكن الرعب ~~قلوبهم وثبتت هيبة العرب في نفوسهم. ثم تتابعت أمثال هذه المنذرات الخواذل ~~إلى آخر الأمر: فإن رستم لما خرج لمحاربة سعد بن أبي وقاص رأى في منامه كان ~~ملكا قد نزل من السماء، وجمع قسي الفرس وختم عليها وصعد بها إلى السماء، ثم ~~انضم إلى ذلك ما كانوا يشاهدونه من سداد منطق العرب، وطمأنينة نفوسهم، وشدة ~~صبرهم على الشدائد ثم ما جرى في آخر الأمر من اختلاف كلمتهم بعد موت شهريار ~~وجلوس يزدجرد على سرير المملكة وهو صبي حدث ضعيف الرأي. ثم الطامة الكبرى ~~وهي انعكاس الريح عليهم في حرب القادسية، حتى أعمتهم بالغبار وعمتهم ~~بالدمار، وفيها قتل رستم [2] وانفل جيشهم. فانظر إلى هذه الخواذل، واعلم أن ~~لله أمرا هو بالغه. ### || شرح الحال في تحيز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس # كان ثغر [3] فارس من أثقل الثغور على العرب، وأعظمها في نفوسهم وأكثرها ~~هيبة. وكانوا يكرهون غزوة ويجنبون عنه استعظاما لشأن الأكاسرة، ولما هو ~~مشهور من تدويخهم الأمم، حتى كان آخر أيام أبي بكر- رضي الله عنه- فقام رجل ~~من الصحابة يقال له: المثنى [4] بن حارثة- رضي الله عنه- وندب PageV01P082 # الناس إلى قتال فارس وهون عليهم الأمر، وشجعهم على ذلك، فانتدب معه جماعة ~~وتذكر الناس ما كان رسول الله- صلوات الله عليه- يعدهم به من تملك كنوز ~~الأكاسرة. # ولم يتم في ذلك أمر في خلافة أبي بكر، حتى كانت أيام عمر بن الخطاب- رضي ~~الله عنهما- وكتب إليه المثنى بن حارثة يخبره باضطراب أمور الفرس وبجلوس ~~يزدجرد بن شهريار [1] على سرير الملك وبصغر سنه وكان قد جلس على السرير ~~وعمره إحدى وعشرون سنة- فقوي حينئذ طمع العرب في غزو الفرس. # فخرج عمر- رضي الله عنه- وعسكر ظاهر المدينة، والناس لا يعلمون أين يريد، ~~وكانوا لا يتجاسرون على سؤاله عن شيء حتى إن بعضهم سأله مرة عن وقت الرحيل ~~فزجره ولم يعلمه، فكانوا إذا أعضل عليهم أمر، وكان لا بد لهم ms056 من استعلامه ~~منه استعانوا عليه بعثمان بن عفان أو بعبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنهما- ~~وإذا اشتد الأمر عليهم ثلثوا بالعباس- رضي الله عنه فقال عثمان لعمر: يا ~~أمير المؤمنين ما بلغك وما الذي تريد؟ فنادى عمر رضي الله عنه- الصلاة ~~جامعة. فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر ووعظهم وندبهم إلى غزو الفرس وهون ~~عليهم الأمر. فأجابوا جميعا بالطاعة، ثم سألوه أن يسير معهم فقال: أفعل ذلك ~~إلا أن يجيء رأي هو خير من هذا. ثم بعث إلى أصحاب الرأي وأعيان الصحابة ~~وعقلائهم فأحضرهم واستشارهم، فأشاروا عليه بأن يقيم ويبعث رجلا من كبار ~~الصحابة ويكون هو من ورائه يمده بالأمداد. فإن كان فتح فهو المطلوب، وإن ~~هلك الرجل أرسل رجلا آخر. فلما انعقد إجماعهم على هذا الرأي صعد عمر ~~المنبر- وكانوا إذا أرادوا يكلمون الناس كلاما عاما صعد أحدهم المنبر وخاطب ~~الناس بما يريد- فلما صعد عمر قال: «أيها الناس إني كنت عازما على الخروج ~~معكم، وإن ذوي اللب والرأي منكم قد صرفوني عن هذا الرأي، وأشاروا ~~PageV01P083 # «بأن أقيم وأبعث رجلا من الصحابة يتولى أمر الحرب» ثم استشارهم فيمن ~~يبعث، وفي تلك الحال وصل إليه كتاب من سعد بن أبي وقاص وكان غائبا في بعض ~~الأعمال، فأشاروا على عمر بسعد رضي الله عنهما- وقالوا: إنه الأسد عاديا. # ووافق ذلك حسن رأي من عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سعد بن أبي وقاص، ~~فاستحضره وولاه حرب العراق وسلم الجيش إليه- فسار سعد بالناس، وسار عمر بن ~~الخطاب- رضي الله عنه- معهم فراسخ [1] ، ثم وعظهم وحثهم على الجهاد وودعهم، ~~وانصرف إلى المدينة، وتوجه سعد، فجعل ينتقل في البرية التي بين الحجاز ~~والكوفة يستعلم الأخبار، ورسل عمر تأتيه وكتبه يشير عليه فيها بالرأي بعد ~~الرأي، ويمده بالجنود بعد الجنود، حتى استقر رأيه على قصد القادسية وهي ~~كانت باب مملكة الفرس. فلما نزل سعد بالقادسية احتاج هو ومن معه إلى ~~الأقوات فبعث ناسا وأمرهم بتحصيل شيء من الغنم والبقر، وقد أجفل أهل السواد ~~قدامهم، فوجدوا رجلا فسألوه عن الغنم والبقر فقال: لا علم ms057 لي بذلك وإذا هو ~~الراعي، وقد أدخل الدواب في أجمة هناك. قالوا: فصاح ثور منها: كذب الراعي ~~ها نحن في هذه الأجمة. فدخلوا إليها واستاقوا منها عدة، وأحضروها إلى سعد ~~فاستبشروا بذلك وعدوها نصرة من الله تعالى. والثور إن لم يكن قد تلفظ بحروف ~~يكذب بها الراعي فإن صياحه في تلك الساعة حتى يستدل بصياحه على الدواب عند ~~شدة الحاجة إليها تكذيب صريح للراعي. وهو من الاتفاقات العظيمة الدالة على ~~النصر والدولة والاستبشار به واجب. وحين ورد الخبر إلى العجم بوصول سعد ~~بالجيش، ندبوا له رستم [2] في ثلاثين ألف مقاتل، وكان جيش العرب من سبعة ~~آلاف إلى ثمانية آلاف. ثم اجتمع إليهم بعد ذلك ناس فالتقوا، فكان العجم ~~يضحكون من نبل العرب ويشبهونها بالمغازل. # وها هنا موضع حكاية تناسب ذلك، لا بأس بإيرادها: حدثني فلك الدين ~~PageV01P084 # محمد [1] بن أيدمر قال: كنت في عسكر الدويدار الصغير لما خرج إلى لقاء ~~التتر بالجانب الغربي من مدينة السلام، في واقعتها العظمى سنة ست وخمسين ~~وستمائة قال: فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل، فكان الفارس منا يخرج إلى ~~المبارزة، وتحته، فرس عربي وعليه سلاح تام كأنه وفرسه الجبل العظيم، ثم ~~يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنه حمار، وفي يده رمح كأنه المغزل، ~~وليس عليه كسوة ولا سلاح فيضحك منه كل من رآه. ثم ما تم النهار حتى كانت ~~لهم الكرة [2] فكسرونا كسرة عظيمة كانت مفتاح الشر ثم كان من الأمر ما كان. # ثم ترددت الرسل بين رستم وسعد، فكان البدوي يأتي إلى باب رستم وهو جالس ~~على سرير الذهب، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذهب، وفرش له الفرش ~~المنسوج بالذهب وقد لبس العجم التيجان وأظهروا زينتهم وأقاموا الفيلة في ~~حواشي المجلس. فيجيء البدوي، وفي يده رمحه، وهو متقلد سيفه متنكب قوسه ~~فيربط فرسه قريبا من سرير رستم، فيصيح العجم عليه ويهمون بمنعه فيمنعهم ~~رستم ثم يستدنيه [3] فيمشي إليه متكئا على رمحه يطأ به ذلك الفراش وتلك ~~الوسائد فيخرقها بزج رمحه وهم ينظرون. ms058 فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث، ~~فكان رستم لا يزال يسمع منهم حكما وأجوبة تروعه وتهوله. # فمن ذلك أن سعدا- رضي الله عنه- كان يبعث في كل مرة رسولا. فقال رستم ~~لبعض من أرسل إليه: لم لم يبعثوا إلينا صاحبنا بالأمس؟ قال: لأن أميرنا ~~يعدل بيننا في الشدة والرخاء. وقال يوما لآخر: ما هذا المغزل الذي في يدك؟ # يعني رمحه فقال: إن الجمرة لا يضرها قصرها، وقال مرة أخرى لآخر: ما بال ~~سيفك أراه رثا؟ فقال: إنه خلق المغمد حديد المضرب. فراع رستم ما رأى من ~~أمثال هذا وقال لأصحابه: انظروا فإن هؤلاء لا يخلو أمرهم من أن يكون صدقا ~~أو PageV01P085 # كذبا، فإن كانوا كاذبين فإن قوما يحفظون أسرارهم هذا الحفظ، ولا يختلفون ~~في شيء. وقد تعاهدوا على كتمان سرهم هذا التعاقد، بحيث لا يظهر أحد سرهم- ~~لقوم في غاية الشدة والقوة وإن كانوا صادقين فهؤلاء لا يقف حذاءهم أحد. ~~فصاحوا حوله، وقالوا: الله الله أن تترك ما أنت عليه لشيء رأيته من هؤلاء ~~الكلاب، بل صمم على حربهم. فقال رستم: هو ما أقول لكم. ولكنني معكم على ما ~~تريدون. # ثم اقتتلوا أياما كان في آخرها انعكاس الريح عليهم حتى أعماهم الغبار، ~~فقتل رستم، وانفل [1] الجيش، وغنمت أموالهم وأجفل [2] الفرس يطلبون مخاضات ~~دجلة ليقعوا في الجانب الشرقي وقد تبعهم سعد عبر المخاضات، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة أخرى بجلولاء [3] ، وغنم أموالهم وأسر بنتا لكسرى ثم كتب سعد إلى ~~عمر- رضي الله عنهما- بالفتح، وقد كان عمر في تلك الأيام شديد التطلع إلى ~~أمر الجيش، فكان كل يوم يخرج إلى ظاهر المدينة راجلا يتنسم الأخبار، لعل ~~أحدا يصل فيخبره بما كان منهم، فوصل البشير من عند سعد بالفتح فرآه عمر ~~فقال له: # من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: فما فعل سعد والجيش؟ قال: فتح الله ~~عليهم. كل ذلك والرجل سائر على ناقته وعمر يمشي في ركابه، وهو لا يعلم أنه ~~عمر. فلما اجتمع الناس وسلموا على عمر بإمرة المؤمنين عرفه البدوي فقال: ~~هلا أعلمتني- رحمك الله- أنك أمير ms059 المؤمنين؟ قال: لا بأس عليك يا أخي. ثم ~~كتب عمر إلى سعد: قف مكانك ولا تتبعهم، واقتنع بهذا، واتخذ للمسلمين دار ~~هجرة ومدينة يسكنونها، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا، فاتخذ لهم سعد الكوفة، ~~واختط بها المسجد الجامع، واختط الناس المنازل ومصرها [4] سعد، ثم حكم في ~~المدائن، وملك الكنوز والذخائر. PageV01P086 ### || ذكر طرف مستملحة وقعت حينئذ # منها: أن بعض العرب ظفر بجراب فيه كافور [1] ، فأحضره إلى أصحابه فظنوه ~~ملحا فطبخوا طعاما ووضعوا فيه كافورا، فلم يروا له طعما ولم يعلموا ما هو، ~~فرآه رجل فعرف ما فيه، فاشتراه منهم بقميص خلق [2] يساوي درهمين. # ومنها: أن بدويا ظفر بحجر من الياقوت كبير يساوي مبلغا عظيما فلم يدر ~~قيمته، فرآه بعض من يعرف قيمته فاشتراه منه بألف درهم، فبعد ذلك عرف البدوي ~~قيمته ولامه أصحابه وقالوا له: هلا طلبت فيه أكثر من ذلك؟ قال: لو علمت أن ~~وراء الألف عددا أكثر من الألف لطلبته. ومنها: أن بعضهم كان يأخذ في يده ~~الذهب الأحمر ويقول: من يأخذ الصفراء ويعطيني البيضاء؟ يرى أن الفضة خير من ~~الذهب!. ### || ذكر ما آلت إليه حال يزدجرد # ثم إن يزدجرد [3] هرب إلى خراسان، وما زال أمره يضعف حتى قتل في سنة إحدى ~~وثلاثين من الهجرة بخراسان، وهو آخر ملوك الأكاسرة [4] ، وفي الدولة ~~المذكورة دونت الدواوين، وفرض العطاء للمسلمين، ولم يكونوا قبل ذلك يعرفون ~~ما الديوان. شرح كيفية تدوين الدواوين # كان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدنيا. وكان لا ~~يزال فيهم دائما من يبذل شطرا صالحا من ماله في وجوه البر والقرب، وكانوا ~~لا PageV01P087 # يريدون على إسلامهم ونصرهم لنبيهم- صلوات الله عليه وسلامه- جزاء إلا من ~~عند الله تعالى ولم يفرض النبي- صلوات الله عليه وسلامه- ولا أبو بكر رضي ~~الله عنه لهم عطاء مقررا ولكن كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبا من ~~الغنائم قررته الشريعة لهم. وإذا ورد إلى المدينة مال من بعض البلاد، أحضر ~~إلى مسجد الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- وفرق فيهم على حسب ما يراه (صلى ~~الله عليه وسلم) ms060 وجرى الأمر على ذلك مدة خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) فلما ~~كانت سنة خمس عشرة من الهجرة،- وهي خلافة عمر رضي الله عنه- رأى أن الفتوح ~~قد توالت، وأن كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأن الحمول من الذهب والجواهر ~~النفيسة، والثياب الفاخرة قد تتابعت فرأى التوسيع على المسلمين وتفريق تلك ~~الأموال فيهم. ولم يكن يعرف كيف يصنع، وكيف يضبط ذلك. وكان بالمدينة بعض ~~مرازبة [1] الفرس. فلما رأى حيرة عمر قال له: يا أمير المؤمنين: إن ~~للأكاسرة شيئا يسمونه ديوانا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذ منه شيء. ~~وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل. فتنبه عمر- رضي الله ~~عنه- وقال: صفه لي فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودون الدواوين وفرض ~~العطاء فجعل لكل واحد من المسلمين نوعا مقررا، وفرضوا لزوجات الرسول- صلوات ~~الله عليه وسلامه- ولسراريه وأقاربه حتى استنفد الحاصل ولم يدخر في بيت ~~المال شيئا. قالوا، فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين: لو تركت في بيوت ~~الأموال شيئا يكون عدة لحادث إن حدث: فزجره عمر وقال: # كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي. إني لا ~~أعد للحادث الذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، فهي عدتنا التي بها [2] بلغنا ~~ما بلغناه ثم إن عمر رأى أن يجعل العطاء على حسب السبق إلى الإسلام، وإلى ~~نصرة الرسول- عليه الصلاة والسلام- في مواطن حروبه. ثم استخدم الكتاب في ~~PageV01P088 # الدواوين وأمرهم بترتيب الطبقات وضبط العطاء. فقالوا: بمن نبدأ يا أمير ~~المؤمنين؟ فأشار ناس من الصحابة عليه بأن يبدأ بنفسه، وقالوا: أنت أمير ~~المؤمنين، وتقديمك واجب. فكره عمر ذلك وقال: ابدءوا بالعباس عم رسول الله- ~~صلوات الله عليه- وببني هاشم، ثم بمن بعدهم طبقة طبقة وضعوا آل الخطاب حيث ~~وضعهم الله عز وجل. فاعتمد ما أشار به، وجرى الأمر على ذلك مدة خلافته ~~وخلافة عثمان، رضي الله عنهما. ثم في آخر خلافته خطر له تغيير هذا الرأي، ~~وأن يفرض لكل واحد من المسلمين أربعة آلاف وقال ألف يجعلها لعياله إذا خرج ~~إلى الحرب، وألف يتجهز ms061 بها، وألف يصحبها معه، وألف يرتفق [1] بها. # فمات عمر- رضي الله عنه- قبل إتمام هذا الرأي ومن وقائعها المشهورة وقعة ~~الجمل. ### || شرح مبدإ وقعة الجمل وكيفية الحال في ذلك # لما قتل عثمان بن عفان- رضي الله عنه- اجتمع الناس وقصدوا منزل أمير ~~المؤمنين علي- عليه السلام- وسألوه تولي أمرهم، فأبى عليهم. وقال: لا حاجة ~~لي في أمركم. فألحوا عليه إلحاحا شديدا، واجتمعوا إليه من كل صوب، يسألونه ~~ذلك حتى أجاب، فبايعه الناس فسار فيهم بسيرة الحق، لا تأخذه في الله لومة ~~لائم، وكانت حركاته وسكناته- عليه السلام- جميعها لله، وفي الله، لا يقضي ~~بها حق أحد. # وكان لا يأخذ ولا يعطي إلا بالحق والعدل، حتى إن أخاه عقيلا وهو ابن أبيه ~~وأمه طلب من بيت المال شيئا لم يكن له بحق، فمنعه عليه السلام وقال: يا ~~أخي: ليس لك في هذا المال غير ما أعطيتك، ولكن اصبر حتى يجيء مالي وأعطيك ~~منه ما تريد. فلم يرض عقيل هذا الجواب وفارقه وقصد معاوية- رضي الله عنه- ~~بالشأم، وكان لا يعطي ولديه الحسن والحسين- عليهما السلام- أكثر من حقهما ~~فانظر إلى رجل حمله ورعه [2] على هذا الصنيع بولديه، وبأخيه من PageV01P089 # أبويه. # فلما سار فيهم هذه السيرة، ثقل على بعض الناس فعله، وكرهوا مكانه. # فخرج الزبير وطلحة- رضي الله عنهما- بعد ما بايعاه إلى مكة، وكانت عائشة ~~زوجة الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- بمكة. قد خرجت إليها ليالي حوصر ~~عثمان بن عفان- رضي الله عنه- فاتفقا معها على عدم الرضا بإمارة علي، وعلى ~~الطلب بدم عثمان، ونسبوا عليا- عليه السلام- إلى أنه ألب [1] الناس على ~~عثمان وجرأهم على قتله وما زال علي عليه السلام من أكبر المساعدين لعثمان ~~الذابين عنه، وما زال عثمان يلجأ إليه في دفع الناس عنه فيقوم- عليه ~~السلام- في دفعهم عنه القيام المحمود- وفي آخر الأمر لما حوصر عثمان، أرسل ~~علي- عليه السلام- ابنه الحسن- عليه السلام- لنصرة عثمان رضي الله عنه. ~~فقيل: إن الحسن عليه السلام استقتل مع عثمان، وكان عثمان يسأله أن يكف ~~فيقسم عليه وهو يبذل نفسه في نصرته. وأما طلحة- رضي الله عنه- فإنه كان من ~~أكبر المساعدين على عثمان. وهذا ما تشهد به ms062 جميع التواريخ. # وأما عائشة- رضي الله عنها- فإنها كانت قد خرجت من المدينة إلى مكة ليالي ~~حوصر عثمان بن عفان، ثم رجعت من مكة إلى المدينة، فلقيها في الطريق بعض ~~أخوالها فقالت له: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان، قالت: فما صنع الناس بعده؟ ~~قال: بايعوا عليا، قالت: ليت هذه [2] انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك!! ~~ثم رجعت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه. ~~فقال لها الرجل: لم؟ والله إن أول من أمال حروفه [3] لأنت، والله لقد كنت ~~تقولين: اقتلوا (نعثلا) فقد كفر- وكان ذلك لقبا لعثمان- فقالت: # إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول. ~~ولما رجعت إلى مكة اتفقت مع الزبير وطلحة على ما ذكرناه، من الطلب بدم ~~عثمان، PageV01P090 # وسخط إمارة علي، واتفق معهم مروان بن الحكم- وهو ابن عم عثمان- وقالوا ~~للناس: إن الغوغاء [1] من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة، اجتمعوا على هذا ~~الرجل المسكين- يعني عثمان- فقتلوه ظلما وعدوانا، فسفكوا الدم الحرام في ~~البلد الحرام في الشهر الحرام. ثم استمالوا أناسا وعزموا على قصد البصرة ~~واستمالة أهلها والتقوا بها على قتال علي- عليه السلام- فلما انتهى ذلك إلى ~~أمير المؤمنين قام فخطب الناس وأعلمهم الحال، وقال: إنها فتنة وسأمسك الأمر ~~ما استمسك بيدي. ثم بلغه ما هم فيه من الجموع والتصميم على الحرب فنهد ~~إليهم في جيش من المهاجرين والأنصار. # وقد كانت عائشة- رضي الله عنها- في توجهها إلى البصرة اجتازت بماء يقال ~~له: الحوأب، فنبحتها كلابه. فقالت للدليل: ما اسم هذا الموضع؟ قال: # الحوأب فصرحت بأعلى صوتها وقالت: ردوني إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 ~~سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول عند نسائه: «أيتكن تنبحها كلاب ~~الحوأب؟» ثم عزمت على الرجوع، فقالوا لها: إن الدليل كذب ولم يعرف الموضع. # وقالوا لها: إن لم تسيري من هذا الموضع وإلا أدرككم [2] علي بن أبي طالب ~~فيه فهلكتم فسارت وسار علي- عليه السلام- فالتقى الجمعان بظاهر البصرة، ~~وجرت خطوب وحروب، ففي بعضها التقى- عليه السلام- وطلحة والزبير، فقال علي- ~~عليه السلام- لطلحة: يا طلحة: تطلب بدم ms063 عثمان؟ فلعن الله قتلة عثمان، يا ~~طلحة: أجئت بعرس [3] رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- تقاتل بها وخبأت ~~عرسك في البيت؟ أما بايعتني؟ قال: بايعتك والسيف على عنقي. فقال علي- عليه ~~السلام- للزبير: يا زبير: ما أخرجك؟ قال: أنت، ولا أراك أهلا لهذا الأمر ~~ولا أولى به منا. فقال علي- عليه السلام-: لقد كنا نعدك من بني PageV01P091 # المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا عبد الله بن الزبير. وذكره على ~~أشياء وقال له: أتذكر لما قال رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- لتقاتلنه ~~وأنت ظالم له؟ قال: اللهم نعم، ولو ذكرت لما سرت مسيري هذا، وو الله لا ~~أقاتلك أبدا؟ فانصرف أمير المؤمنين- عليه السلام- إلى أصحابه وقال: أما ~~الزبير: فقد أعطى الله عهدا ألا يقاتلكم ثم إن الزبير عزم على ترك الحرب ~~فخدعه ابنه عبد الله، وما برح به حتى كفر [1] عن يمينه وقاتل، ولما تراءى ~~الجمعان كان عسكر عائشة وطلحة والزبير- رضي الله عنهم- ثلاثين ألفا، وعسكر ~~علي- عليه السلام- عشرين ألفا، فقبل أن تتشب الحرب وعظهم أمير المؤمنين- ~~عليه السلام- وندبهم إلى الصلح، وبذل لهم كل ما ليس عليه فيه غضاضة من جهة ~~الدين. فمالوا شيئا إلى الصلح، وباتوا على ذلك ثم في الغداة نشب القتال بين ~~القبيلين وجرت مناوشات وحروب، أفضت إلى نصرة جيش أمير المؤمنين- عليه ~~السلام-. # فأما الزبير لما رأى النصرة عليهم رد رأس فرسه ومر فتبعه رجل من عرب ~~البصرة فتبعه عمير بن جرموز فقتله بوادي السباع، وأتى إلى علي- عليه ~~السلام- بسيفه فقال للحاجب: استأذن لقاتل الزبير، فقال علي- عليه السلام-: # بشر قاتل ابن صفية بالنار (وصفية أم الزبير وهي عمة أمير المؤمنين- عليه ~~السلام) ولما رأى سيفه قال: سيف طالما جلا الكروب عن وجه رسول الله صلوات ~~الله عليه!!. وأما طلحة: فجاءه سهم في رجله فأعطبه، فدخل البصرة رديفا ~~لغلامه وقد امتلأ خفه دما، وهو يقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى. فمات ~~بدار خربة من دور البصرة، وقبره اليوم بالبصرة في مشهد محترم عندهم، إذا ~~اعتصم به خائف أو طريد، لا يجسر أحد كائنا من كان على إخراجه ms064 منه. ولأهل ~~البصرة في طلحة اعتقاد عظيم إلى يومنا، وقيل: إن الذي قتل طلحة مروان بن ~~الحكم. PageV01P092 # وأما عائشة- رضي الله عنها-: فإنها كانت على جمل في هودج، وقد ألبس ~~هودجها الدروع والنسائج الحديد، فلما اشتد القتال وانفلت جموعها عرقب [1] ~~الجمل فوقع، ورفع هودجها حملا ووضع في مكان بعيد عن الناس وكان أخوها محمد ~~بن أبي بكر من أصحاب علي- عليه السلام- وابن زوجته أسماء بنت عميس [2]- رضي ~~الله عنها- فأمره علي- عليه السلام- أن يمضي إلى أخته وينظر أهي سليمة أم ~~أصابها شيء من جراح؟ فمضى فرآها سليمة، ثم أدخلها ليلا إلى البصرة، ثم إن ~~أمير المؤمنين- عليه السلام- أذن للناس في دفن القتلى، وكانوا عشرة آلاف من ~~القبيلين ثم أمر عليه السلام- بجمع الأسلاب، وأدخلها إلى المسجد الجامع ~~بالبصرة، ونادى في الناس من عرف من قماشه فليأخذه ثم إن أمير المؤمنين- ~~عليه السلام- أحسن إلى عائشة غاية الإحسان، وجهزها بكل ما ينبغي لمثلها، ~~وأذن لها في الرجوع إلى المدينة وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من ~~أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات لأجل ~~مؤانستها في الطريق، وسيرها في صحبة أخيها محمد بن أبي بكر مكرمة محترمة. ~~فلما كان يوم رحيلها حضر علي- وحضر الناس فقالت عائشة- رضي الله عنها-: يا ~~بني (وإنما قالت ذلك لأن نساء النبي عليه السلام هن أمهات المؤمنين كذلك ~~قال الله تعالى ورسوله صلوات الله عليه) : «لا يعتب بعض على بعض إنه والله ~~ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها [3] وإنه ~~على معتبتي [4] لمن الأخيار» وقال علي- عليه السلام-: «صدقت والله، ما كان ~~بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة» PageV01P093 # ثم سارت وشيعها عليه السلام أميالا، وأرسل بنيه معها مسيرة يوم، وتوجهت ~~إلى مكة وأقامت بها إلى أيام الحج، ثم حجت وانصرفت إلى المدينة، وكانت وقعة ~~الجمل في سنة ست وثلاثين من الهجرة. ومن وقائعها المشهورة وقعة صفين: ### || شرح كيفية الحال في ذلك # لما انصرف أمير المؤمنين- عليه السلام- من وقعة الجمل، أرسل ms065 إلى معاوية- ~~رضي الله عنه- يعرفه اجتماع الناس على بيعته، ويعلمه ما كان من وقعة الجمل ~~ويأمره بالدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار. وكان معاوية- رضي الله ~~عنه- أميرا بالشأم من قبل عثمان- رضي الله عنه- وكان ابن عمه [1] فلما ورد ~~إلى معاوية- رضي الله عنه- رسول أمير المؤمنين علي- عليه السلام- خاف ~~معاوية- رضي الله عنه- من علي- عليه السلام- وعلم أنه متى استتب الأمر عزله ~~ولم يستعمله. وقد كان ابن عباس [2] والمغيرة [3] بن شعبة- رضي الله عنهما- ~~أشارا على أمير المؤمنين- عليه السلام- أن يقر معاوية- رضي الله عنه- ~~بالشأم مدة حتى يبايع الناس ويتمكن ثم يعزله بعد ذلك. فلم يطعهما عليه ~~السلام، وقال: إني إن أقررته على إمارته ولو يوما واحدا، كنت عاصيا في ذلك ~~اليوم الله تعالى. ولم تكن الخدع والحيل من مذهب علي- عليه السلام- ولم يكن ~~عنده غير مر الحق. فحين ورد الرسول إلى معاوية- رضي الله عنه- طاوله، ثم ~~استشار بعمرو بن العاص- رضي الله عنه- وكان أحد الدهاة، وكان معاوية- رضي ~~الله عنه- قد تألفه واستماله ليتقوى برأيه ودهائه PageV01P094 # فأشار عمرو بن العاص على معاوية- رضي الله عنهما- أن يظهر قميص الدم الذي ~~قتل فيه عثمان بن عفان وأصابع زوجته- رضي الله عنهما- ويعلق ذلك على ~~المنبر، ثم يجمع الناس ويبكي عليه ويلصق قتل عثمان بعلي- رضي الله عنهم- ~~ويطالبه بدمه ليميل إليه أهل الشأم ويقاتلوا معه. فأخرج معاوية- رضي الله ~~عنه- القميص والأصابع وعلقه على المنبر وبكى واستبكى الناس، وذكرهم بمصاب ~~عثمان- رضي الله عنه- فانتدب أهل الشأم من كل جانب، وبذلوا له الطلب بدم ~~عثمان رضي الله عنه والقتال معه على كل من آوى قتلته ثم كتب معاوية- رضي ~~الله عنه إلى أمير المؤمنين- عليه السلام- كتابا يذكر فيه ذلك فحينئذ تجهز ~~علي- عليه السلام- للقتال وكاتب الناس ليجتمعوا معه، وكذلك صنع معاوية- رضي ~~الله عنه- ثم التقوا بصفين [1] من أرض الشأم فجرت بينهم مناوشات وحروب كان ~~أولها: أن معاوية وأصحابه- رضي الله عنهم- سبقوا إلى شريعة [2] الماء ~~فملكوها. ومنعوا أصحاب أمير المؤمنين- عليه السلام- من الماء، ولم يكن هناك ~~شريعة غيرها. فلما أخبر علي- عليه السلام- بذلك أرسل إلى معاوية- رضي الله ~~عنه- يقول له: إن مذهبنا ألا نبدأكم بقتال حتى نحتج عليكم، وننظر فيما جئنا ~~له وتنظرون. وقد منع أصحابك الناس ms066 من الماء، فابعث حتى يخلوا سبيل الماء، ~~وإن شئتم أن نترك ما جئنا له وتكون مقاتلتنا على الماء، فيكون الغالب هو ~~الشارب، فعلنا ذلك. فقال معاوية- رضي الله عنه- لأصحابه ما تشيرون؟ قال قوم ~~من بني أمية: نرى أن تمنعه الماء حتى يموتوا عطشا أو يرجعوا لطلب الماء ~~فتكون هزيمة، فقال عمرو بن العاص- رضي الله عنه- «أرى أن نخلي لهم سبيل ~~الماء، فإن القوم لا يعطشون وأنت ريان» فأخر معاوية- رضي الله عنه- الجواب ~~وقال: سأنظر، فاقتتل الناس على الماء، وأمد علي- عليه السلام- أصحابه وأمد ~~معاوية- رضي الله عنه- أصحابه، ونشبت الحرب PageV01P095 # والتحم القتال، فملك أصحاب علي- عليه السلام- الشريعة، فأرادوا منع أصحاب ~~معاوية- رضي الله عنه- فأرسل إليهم علي- عليه السلام- وقال خذوا حاجتكم من ~~الماء ولا تمنعوهم منه. ودام على ذلك مدة حتى كاد عسكر علي- عليه السلام- ~~أن يغلبوا، وظهرت أمارات الفتح، فخاف عمرو بن العاص- رضي الله عنه- من ~~الهلاك، فأشار على معاوية- رضي الله عنه- برفع المصاحف على الرماح، والدعاء ~~إلى ما فيها من أمر الله عز وجل. فلما رفعت المصاحف فتر أكثر الناس عن ~~الحرب، وجاءوا إلى أمير المؤمنين- عليه السلام- وقالوا: يا علي أجب إلى ~~كتاب الله- عز وجل- فو الله إن لم تفعل لنحملنك كارها إلى معاوية- رضي الله ~~عنه- أو لنفعلن بك كما فعلنا بابن عفان- رضي الله عنه- فقال لهم علي- عليه ~~السلام- يا قوم إنها خدعة منهم، وإنهم ليس فيهم من يعمل بهذه المصاحف. أو ~~لستم على بينة من ربكم، فامضوا لشأنكم وقاتلوا عدوكم. فلم يفعلوا وغلبوه، ~~فأجاب إلى ترك القتال، ثم أرسل إلى معاوية- رضي الله عنه- رسولا يقول له: ~~ما الذي تريد برفع هذه المصاحف؟ قال: نحكم منا رجلا ومنكم رجلا، ونقسم على ~~الرجلين أن ينصحا الأمة ويعملا بما في كتاب الله- عز وجل- وما لم يجداه في ~~كتاب الله حملاه على السنة والجماعة، فأي شيء حكما به قبلناه. فتراضى الناس ~~جميعا بذلك إلا أمير المؤمنين- عليه السلام- فإنه رضي كارها مغلوبا. ونفر ~~يسير من بطائنه كالأشتر [1] وابن عباس [2]- رضي الله عنهم- وغيرهما. وانعقد ~~الإجماع على تحكيم رجلين. فأما أهل الشأم: فاتفقوا على أن يكون الحكم من ~~جهتهم عمرو ابن العاص- رضي الله عنه- داهية العرب. ms067 وأما أهل العراق: فطلبوا ~~أبا موسى PageV01P096 # [1] الأشعري- رضي الله عنه- وكان شيخا مغفلا فلم يستصلحه أمير المؤمنين- ~~عليه السلام- للتحكيم، وقال: إن كان ولا بد من التحكيم، فدعوني أرسل عبد ~~الله ابن عباس. فقالوا: لا والله هو أنت وأنت هو، قال: فالأشتر. قالوا: فهل ~~سعر الأرض غير الأشتر؟ قال: فقد أبيتم إلا أبا موسى. قالوا: نعم. قال: ~~فافعلوا ما شئتم فاتفق الناس على أبي موسى وعمرو بن العاص- رضي الله عنهما- ~~وتواعدوا إلى شهور، وسكنت الحرب، وانصرف الناس إلى أمصارهم، ورجع معاوية- ~~رضي الله عنه- إلى الشأم وأمير المؤمنين- عليه السلام- إلى العراق ثم بعد ~~شهور سار الحكمان ليجتمعا بدومة الجندل [2] وكانت ميعاد الحكمين، وسار ناس ~~من الصحابة ليشهدوا ذلك المقام. وكان أمير المؤمنين عليه السلام- قد أرسل ~~صحبة أصحابه عبد الله بن العباس- رضي الله عنه- فلما اجتمع الحكمان قال ~~عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى: ألست تعلم أن عثمان قتل ~~مظلوما؟ قال: أشهد. قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: ~~بلى. قال: فما منعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس ~~ليست له سابقة، فقل: وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم، والطالب بدمه، الحسن ~~السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة [3] زوج النبي- صلوات الله عليه- ~~وكاتبه وقد صحبه وعرض عمرو لأبي موسى بولاية، ووعده عن معاوية بأشياء، فأبى ~~موسى وقال معاذ الله أن أولي لمعاوية وأن أقبل في حكم الله رشوة! فقال له ~~عمرو: فما تقول في ابني عبد الله؟ وكان لعمرو ابن العاص ابن اسمه عبد الله ~~[4] من خيار الصحابة، رضي الله عنهم، فأباه أبو موسى وقال لعمرو: إنك ~~PageV01P097 # غمسته معك في هذه الفتنة، ولكن هل لك في إحياء اسم عمر بن الخطاب؟ وندبه ~~إلى عبد الله بن عمر فأباه عمرو. فلما لم يتفقا قال له عمرو: يا أبا موسى ~~فأي شيء هو رأيك؟ قال أبو موسى: رأيي أن نخلع عليا ومعاوية- رضي الله ~~عنهما- من هذا الأمر ونريح الناس من هذه الفتنة، وندع أمر الناس شورى ~~فيختار المسلمون لأمرهم من يجمعون عليه. قال عمرو- رضي ms068 الله عنه- نعم ما ~~رأيت وأنا معك على ذلك. ولاح لعمرو وجه الحيلة. وكان قد عود أبا موسى ~~الأشعري أن يتقدمه في الكلام، يقول له: أنت صاحب رسول الله- صلى الله عليه ~~وآله وسلم- وأكبر سنا. فتعود أبو موسى أن يتكلم قبل عمرو فتقدم أبو موسى ~~وقال: إني وعمرا قد اتفقنا على أمر نرجو فيه صلاح المسلمين. فتقدم عمرو ~~وقال: صدق وبر، تقدم يا أبا موسى: وأعلم الناس بما اتفقنا عليه فقام ابن ~~عباس وقال لأبي موسى ويحك إني لأظنه قد خدعك، وقد أوهمك أنه اتفق معك على ~~ما تريد، ثم قدمك لتعترف به، فإذا اعترفت أنكره، فإنه رجل غادر. فإن كنتما ~~قد اتفقتما على شيء فقدمه ليقوله قبلك: فقال أبو موسى: إنا قد اتفقنا، ثم ~~قال إننا قد اتفقنا على أن نخلع عليا ومعاوية وندع أمر المسلمين شورى، ~~يختارون من أجمعوا عليه. وإني قد خلعت عليا ومعاوية من الخلافة كما يخلع ~~الخاتم من الإصبع. فتقدم عمرو بن العاص- رضي الله عنه- وقال أيها الناس قد ~~سمعتم ما قال، وأنه قد خلع صاحبه، وأنا أيضا قد خلعته معه وأثبت صاحبي ~~معاوية، فأنكر أبو موسى وقال: إنه غدر وكذب، وما على هذا اتفقنا. فلم يستمع ~~إليه، وتفرق الناس، ومضى عمرو بن العاص وأهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه ~~بالخلافة، ومضى ابن عباس وأصحاب علي- عليه السلام- إلى أمير المؤمنين ~~وأخبروه بما جرى وأما أبو موسى: فإن أهل الشأم تطلبوه فهرب إلى مكة، وعلى ~~ذلك انفصل أمر صفين وكان ابتداؤه في سنة ست وثلاثين وانقضاؤها [1] في سنة ~~سبع وثلاثين PageV01P098 ### || حديث الخوارج وما كان منهم وما آلت بهم الحال إليه # لما جرى أمر التحكيم على الوجه المشروح، عاد الذين أشاروا بالتحكيم ~~وألزموا أمير المؤمنين- عليه السلام- الرضا به فندموا عليه ونفروا وأتوا ~~عليا- عليه السلام- وقالوا: لا حكم إلا لله. قال علي- عليه السلام-: لا حكم ~~إلا لله. قالوا: فما لك حكمت الرجال؟ قال: إني لم أرض بقضية التحكيم، وأنتم ~~الذين رضيتموها. وإني أعلمتكم أنها مكيدة من أهل الشأم وأمرتكم بقتال عدوكم ~~منهم فأبيتم إلا ms069 التحكيم وغلبتموني على رأيي. فلما لم يبق بد من التحكيم، ~~استوثقت وشرطت على الحكمين أن يعملا بكتاب الله عز وجل، وأن يحييا ما أحيا ~~الكتاب، ويميتا ما أمات. فاختلفا وخالفا كتاب الله وعملا بالهوى. فنحن على ~~الرأي الأول في قتالهم. قال الخوارج: أما نحن فلا ريب أنا رضينا بالتحكيم ~~أول الأمر، لكننا ندمنا عليه وعلمنا أنا كنا مخطئين فأنت إن أقررت على نفسك ~~بالكفر واستغفرت الله من خطيئتك وتضييعك وتحكيمك الرجال رجعنا معك إلى قتال ~~عدوك وعدونا، وإلا فها نحن قد نابذناك. فوعظهم بكل قول، وبصرهم بكل وجه فلم ~~يرجعوا. # واجتمعوا أمما من أهل البصرة والكوفة وغيرهم وقصدوا النهروان [1] . وكان ~~رأيهم أن يأتوا بعض المدن الحصينة فيتحصنوا بها ويقاتلوا فيها. وصدرت منهم ~~أمور متناقضة تدل على أنهم يخبطون خبط عشواء: منها أن رطبة سقطت من نخلة ~~فتناولها رجل ووضعها في فيه فقالوا له: أكلتها غصبا وأخذتها بلا ثمن ~~فألقاها. ومنها: أن خنزيرا لبعض أهل القرى مر بهم فضربه أحدهم بسيفه فعقره ~~فقالوا هذا فساد في الأرض، فمضى الرجل إلى صاحب الخنزير وأرضاه ومنها: أنهم ~~كانوا يقتلون النفس التي حرمت إلا بالحق [2] : قتلوا عبد الله بن خباب- رضي ~~الله عنه- وكان خباب من كبار الصحابة. وقتلوا عدة نساء وسبوا وفعلوا أفاعيل ~~من PageV01P099 # هذا القبيل. فلما بلغ عليا- عليه السلام- أمرهم وقد كان خطب الناس في ~~الكوفة وندبهم إلى قتال أهل الشأم وإعادة الحرب جذعة قالوا: يا أمير ~~المؤمنين: أين نمضي وندع هؤلاء الخوارج يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟ سر ~~بنا إليهم فإذا فرغنا من قتالهم رجعنا إلى قتال أعدائنا من أهل الشأم: ~~فسار- عليه السلام- بالناس إلى الخوارج فلقيهم على النهروان وأبادهم. ~~فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا. ### || كرامة لأمير المؤمنين علي صلوات الله عليه # لما التقى الخوارج بالنهروان أجفلوا قدامه إلى ناحية الجسر. فظن الناس ~~أنهم قد عبروا الجسر، فقالوا لعلي- عليه السلام-: يا أمير المؤمنين: إنهم ~~قد عبروا الجسر فالقهم قبل أن يبعدوا. فقال أمير المؤمنين- عليه السلام-: ~~ما عبروا، وإن مصارعهم دون الجسر، وو الله لا يقتل منكم ms070 عشرة ولا يبقى منهم ~~عشرة فشك الناس في قوله فلما أشرفوا على الجسر رأوهم لم يعبروا فكر أصحاب ~~أمير المؤمنين- عليه السلام- وقالوا له: هو كما قلت يا أمير المؤمنين. قال: # نعم والله ما كذبت ولا كذبت. فلما انفصلت الوقعة وسكنت الحرب اعتبر ~~القتلى من أصحاب علي- عليه السلام- فكانوا سبعة. وأما الخوارج: فذهبت طائفة ~~منهم قبل أن تنشب الحرب وقالوا: والله ما ندري على أي شيء نقاتل علي- بن ~~أبي طالب؟ سنأخذ ناحية حتى ننظر إلى ماذا يؤول الأمر. وأما الباقون: فثبتوا ~~وقاتلوا فهلكوا جميعهم. ثم إن أمير المؤمنين- عليه السلام- لما انقضى أمر ~~الخوارج رجع إلى الكوفة، وندب [1] الناس إلى قتال أهل الشام فتثاقلوا. ~~فأعاد القول عليهم ووعظهم وحثهم على الجهاد فقالوا: يا أمير المؤمنين: كلت ~~سيوفنا وفنيت نبالنا، ومللنا من الحرب فأمهلنا نصلح أمورنا ونتوجه- وكان قد ~~عسكر ظاهر الكوفة- فأمهلهم وأمرهم أن يوطنوا نفوسهم على الحرب، ونهاهم عن ~~غشيان [2] أهاليهم حتى يرجعوا من الشأم. فصاروا يتسللون ويدخلون الكوفة حتى ~~خلا المعسكر منهم. PageV01P100 # فبطل رأيه- عليه السلام- وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين. ### || وفاة الأربعة # وفاة أبي بكر- رضي الله عنه-أول من مات منهم أبو بكر. مات بالمدينة حتف أنفه في سنة ثلاث عشرة. وكان ~~مرضه انتقاض [1] لسعة الحية التي لسعته ليلة الغار [2] ودفن عند النبي- ~~صلوات الله عليه وسلامه- في بيت عائشة ابنته- رضي الله عنها- زوج الرسول. ~~وكان الرسول- صلوات الله عليه- لما قبض في بيتها. فدفن أبو بكر عنده، وعهد ~~إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- واستخلفه على الأمة بعده. مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه # لما وضع عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الخراج اغتاظ من ذلك أبو لؤلؤة ~~غلام المغيرة بن شعبة. لأنه كان قد وضع الخراج على مولاه. وكان عمر ابن ~~الخطاب لقي أبا لؤلؤة فقال له: اصنع لي رحى فقال أبو لؤلؤة: لأصنعن لك رحى ~~تدور مع الدهر. فقال عمر: يهددني العبد فطعنه وهو في الصلاة فبقي ثلاثة ~~أيام ومات ودفن في تربة النبي- عليه السلام- وذلك في سنة ثلاث وعشرين من ~~الهجرة، وأما أبو لؤلؤة: فاجتمع الناس عليه فقتل منهم جماعة، ms071 ثم أخذ وقتل. ### || ذكر الشورى وصفة الحال في ذلك # (قال محمد بن علي بن طباطبا) : لما طعن عمر اجتمع إليه الناس وسألوه عمن ~~يتولى بعده، فجعل الأمر شورى- والشورى في اللغة: هي المشاورة- ومعنى هذا: ~~أن عمر لما أحس بالموت نظر فيمن يعهد إليه ويوليه أمر الأمة، فلم ~~PageV01P101 # يصح رأيه في رجل واحد. فجعلها في ستة من أكابر الصحابة، وهم أصحاب الشورى ~~أمير المؤمنين علي- عليه السلام- وعثمان بن عفان، وطلحة، والزبير وعبد ~~الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص- رضي الله عنهم- وقال: كل من هؤلاء صالح ~~للأمر بعدي. وأمرهم أن يتشاوروا ثلاثة أيام، ثم يجمعوا على واحد من هؤلاء ~~الستة. وكان طلحة- رضي الله عنه- غائبا، فقال عمر: إن قدم طلحة قبل الأيام ~~الثلاثة وإلا فأمضوا أمركم. وأقام عليهم رجلا من الأنصار وقال: إن الله أعز ~~بكم الإسلام فاختر خمسين رجلا من الأنصار، واستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا ~~رجلا. وقال: إن اجتمعوا خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشدخ [1] رأسه ~~بالسيف. وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، وإن رضي ثلاثة منهم رجلا ~~فحكموا عبد الله بن عمر- يعني ابنه- فبأي الفريقين. # حكم فليختاروا رجلا منهم- وكان قد أمر بحضور ابنه في ذلك المقام مشيرا ~~ولم يجعل له من الأمر شيئا- فإن لم تختاروا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع ~~الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه ~~الناس» فلم يجر مما قال شيء، بل لما مات بويع عثمان بن عفان وكان من الأمر ~~ما كان. ### || مقتل عثمان بن عفان # (قال ابن طباطبا) : وسببه أن ناسا من المسلمين نقموا عليه تجاوزه لطريقة ~~صاحبيه أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- من التقلل والكف عن اموال المسلمين ~~وكان هو قد فرق جملة منها على أقاربه ووسع على عياله وأهله. فمن جملة ما ~~فعل: أنه أعطى عبد الله بن خالد [2] بن أسيد خمسين ألف درهم، وأعطى ~~PageV01P102 # مروان بن الحكم [1] خمسة عشر ألفا، ولم يكن المسلمون اعتادوا مثل هذا ~~التبذير، وعهدهم قريب بضبط أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- فنفروا من ذلك، ms072 ~~وجرت بينهم وبينه معاتبات ومقاولات. فاعتذر إليهم بأن أبا بكر وعمر- رضي ~~الله عنهما- منعا أنفسهما وأهلهما احتسابا لله، وتركا حق نفوسهما، وأنا ~~صاحب عيال مددت يدي فوسعت علي وعلى أهلي بشيء من هذا المال، فإن سخطتم هذا ~~فأمري لأمركم تبع. فقالوا أحسنت وأنصفت إذ أعطيت عبد الله بن خالد خمسين ~~ألفا، ومروان خمسة عشر ألفا؟ قال: فإني أستعيد ذلك منهما. واستعاد ما ~~أعطاهما. وكان إذا عاتبوه على صادرات أموره التي يحمله عليها ويحسنها له ~~مروان بن الحكم، يعتذر مرة، ويلتزم لهم ما يشيرون به عليه، ويحتج مرة. وفشا ~~الأمر فاجتمع ناس من أهل الأمصار على حربه فجاء أهل مصر وناس من كل صقع ~~وعزموا على قتله. فخرج ليلا وجاء إلى أمير المؤمنين- عليه السلام- وقال له: ~~يا ابن عم لي عليك حق وقد قصدتك، ولك عند هؤلاء القوم منزلة وهم يقبلون ~~قولك، وقد ترى جرأتهم علي، فاخرج إليهم وردهم عني، فركب علي- عليه السلام- ~~ورد الناس عنه وضمن لهم حسن السيرة فرجعوا ثم أعضل [2] الخطب وزين له مروان ~~بن الحكم أمورا نقمها الناس، فاجتمعوا عليه من كل صوب وأحاطوا به وحصروه في ~~داره، فأرسل إلى علي- عليه السلام- يستنصره فأرسل إليه ابنه الحسن- عليه ~~السلام- فقاتل عنه قتالا شديدا، حتى كان يستكفه [3] وهو يقاتل عنه ويبذل ~~نفسه دونه. وتكاثر الناس عليه فدخلوا عليه الدار وخبطوه بالسيوف، وهو صائم ~~والمصحف في حجره، وهو يقرأ فيه فوقع المصحف PageV01P103 # بين يديه وسال الدم عليه فقامت زوجته «نائلة» [1] لتتلقى عنه الضرب ~~بيدها، فأصاب السيف أصابعها فأبانها- وهي الأصابع التي كان يعلقها معاوية ~~رضي الله عنه على منبر الشام مع قميص عثمان ليرقق الناس- فولت المرأة دهشة. ~~ثم قتل عثمان رضي الله عنه واحتزوا رأسه، فوقع نساؤه عليه وصحن وبكين. فقال ~~بعضهم: دعوه فتركوه. ثم داس رجل من أهل الكوفة يقال له عمير [2] بن ضابىء ~~البرجمي أضلاعه فكسرها ثم نهبت داره حتى أخذ ما على النساء. ثم حمل في ~~تابوت بعد أيام ليدفن، فقعد جماعة على الطريق يريدون رجمه. فأرسل أمير ~~المؤمنين علي- عليه السلام- إليهم فردهم عن ms073 ذلك، ودفن قريبا من البقيع. ثم ~~بعد ذلك اشترى معاوية- رضي الله عنه- ما حول قبره ومزجه بمقابر المسلمين ~~وأباح للناس الدفن حوله وكان ذلك سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وسمي يوم قتله ~~يوم الدار. لأنهم هجموا عليه في داره وقتلوه بها. ### || مقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام # (قال محمد بن علي بن طباطبا صاحب الفخري) : نقل من عدة جهات، أن أمير ~~المؤمنين علي- بن أبي طالب- عليه السلام- كان يقول دائما: ما يمنع أشقاكم ~~أن يخضب هذه من هذا؟ يعني لحيته بدم رأسه! وكان إذا رأى عبد الرحمن [3] ابن ~~ملجم- لعنه الله- ينشد: PageV01P104 # أريد حباءه [1] فيريد قتلي ... عذيرك [2] من خليلك من مراد # (وافر) وكان يقال له إذا جرى على لفظه مثل هذا: يا أمير المؤمنين: فلم لا ~~تقتله؟ فيقول: كيف أقتل قاتلي؟ وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم- أعلمه بذلك في جملة ما أعلمه به. ومما يؤكد هذا ما روي عن أنس بن ~~مالك [3]- رضي الله عنه- قال: مرض علي- عليه السلام- فدخلت عليه أعوده ~~وعنده أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- فجلسنا عنده ساعة، فأتى رسول الله- ~~صلوات الله عليه- فنظر في وجهه، فقال له أبو بكر- رضي الله عنه- يا نبي ~~الله: إنا نراه مائتا فقال: «لن يموت هذا الآن، ولن يموت حتى يملأ غيظا ولن ~~يموت إلا مقتولا» . وكان علي- عليه السلام- دائما يحسن إلى ابن ملجم لعنه ~~الله. قالوا: فلما دخل شهر رمضان من سنة أربعين، كان علي- عليه السلام- ~~يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين، وليلة عند ابن أخيه عبد الله بن ~~جعفر الطيار عليهم السلام، فإذا أكل لا يزيد على ثلاث لقم ويقول: إنما هي ~~ليلة أو ليلتان، ويأتي أمر الله وأنا خميص. فلم يمض إلا ليال قلائل حتى قتل ~~عليه السلام. وقيل: إنه قتل في شهر ربيع الآخر. والأول أصح وهو المعول ~~عليه. ### || وأما كيفية قتله- عليه السلام-: # فهي أنه خرج من داره بالكوفة أول الفجر ~~فجعل ينادي: الصلاة يرحمكم الله فضربه ابن ملجم- لعنه الله- بالسيف على أم ~~رأسه وقال: الحكم لله لا لك يا علي، وصاح الناس وهرب ابن ms074 ملجم، فقال أمير ~~المؤمنين. لا يفوتكم الرجل، فشد الناس عليه فأخذوه، واستناب علي- عليه ~~السلام- في صلاة الصبح بعض أصحابه وأدخل داره فقال: أحضروا الرجل ~~PageV01P105 # عندي، فلما حضر عنده قال له: يا عدو الله، ألم أحسن إليك؟ قال: بلى، قال ~~فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر ~~خلقه، فقال أمير المؤمنين «لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق ~~الله» ثم قال عليه السلام: «النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن ~~بقيت رأيت فيه رأيي. يا بني عبد المطلب: لا تجمعوا من كل صوب تقولون: قتل ~~أمير المؤمنين. ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي» ثم التفت إلى ابنه الحسن- عليه ~~السلام وقال: «انظر يا حسن إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا ~~تمثلن بالرجل، فإني سمعت رسول الله- صلوات الله عليه- يقول: «إياكم والمثلة ~~[1] ولو بالكلب العقور [2] » . ثم وصى بنيه بتقوى الله تعالى وبإقامة ~~الصلاة لوقتها. وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، وغفر الذنب وكظم ~~الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت للأمر ~~والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب ~~الفواحش. ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض- صلوات الله ~~عليه وسلامه- فلما قبض بعث الحسن- عليه السلام- إلى ابن ملجم فأحضره، فقال ~~للحسن: هل لك في أمر؟ إني والله قد أعطيت الله عهدا ألا أعاهد عهدا إلا ~~وفيت به. وإني عاهدت الله عند الحطيم [3] أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت ~~دونهما. فخل بيني وبين معاوية حتى أمضي وأقتله ولك عهد الله على أني إن لم ~~أقتله أو قتلته وسلمت، أن أجيء إليك حتى أضع يدي في يدك» فقال الحسن: لا ~~والله حتى تذوق النار. ثم قدمه فقتله، وأخذه الناس فأدرجوه [4] في بواري ~~[5] وأحرقوه بالنار. PageV01P106 # وأما مدفن أمير المؤمنين عليه السلام: فإنه دفن ليلا بالغري [1] ، ثم عفا ~~قبره إلى أن ظهر حيث مشهده الآن (صلوات الله عليه وسلامه) . # وأما السبب الذي حمل ابن ملجم- لعنه ms075 الله- على قتله، فهو أن ابن ملجم كان ~~أحد الخوارج، فاجتمع برجلين من الخوارج، وتذاكروا من قتل أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) منهم بالنهروان. وقالوا: ما في الحياة بعد أصحابنا نفع، ~~وتواعدوا على أن يقتل كل واحد منهم واحدا من ثلاثة: علي بن أبي طالب، ~~ومعاوية وعمرو ابن العاص (رضي الله عنهم) فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا، ~~وقال الآخر: أنا أكفيكم معاوية وقال الآخر: أنا أكفيكم عمرا. فأما ابن ملجم ~~لعنه الله: فإنه رأى امرأة جميلة من بنات الخوارج فهويها فخطبها فقالت له: ~~أريد كذا وكذا، وأريد أن تقتل علي بن أبي طالب، فقال لها: ما جئت إلا ~~لقتله، والتزم لها أن يقتله، ثم قتله وقتل بعده. وأما الآخر فإنه مضى إلى ~~معاوية فقعد له حتى خرج فضربه بالسيف على فخذه فلم يصنع طائلا. وتطبب لها ~~معاوية فبرئ وقتل الرجل، وقيل، لم يقتله. وأما الآخر فمضى إلى مصر لقتل ~~عمرو بن العاص فقعد له، فاتفق أن عمرا انحرف مزاجه في تلك الليلة، فلم يخرج ~~في صبيحتها إلى الصلاة واستناب بعض أصحابه فلما طلع أعتقده الرجل عمرا ~~فضربه فقتله، فقبضوه وأحضروه إلى عمرو، فلما رأى الناس يسلمون عليه ~~بالإمارة قال من هذا؟ قالوا: الأمير عمرو ابن العاص، قال: فمن قتلت، قالوا: ~~نائبة. وكان اسمه خارجة فقال الرجل لعمرو ابن العاص: أما والله يا فاسق ما ~~أردت غيرك! فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة. ثم قدمه عمرو فقتله. ولما ~~بلغ عائشة (رضي الله عنها) قتل علي عليه السلام قالت: # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر [2] # (طويل) PageV01P107 ### | ### || الدولة الثانية: الدولة الأموية وهي التي تسلمت الملك من الدولة الأولى # لما قتل أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- بايع الناس الحسن بن علي- ~~عليهما السلام- فمكث شهورا حتى اجتمع هو ومعاوية، فتصالحا للمصلحة الحاضرة ~~التي كان الحسن- عليه السلام- أعلم بها، وسلم الخلافة إليه وتوجه نحو ~~المدينة. وبويع معاوية- رضي الله عنه- بالخلافة العامة، ودعي بأمير ~~المؤمنين، وذلك في سنة أربعين من الهجرة. ### || ذكر شيء من سيرة معاوية، ووصف طرف من ms076 حاله # هو معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كان ~~أبوه أبو سفيان أحد أشياخ مكة، أسلم في السنة التي فتح الرسول- صلى الله ~~عليه وآله وسلم- فيها مكة. وأسلم معاوية وكتب الوحي في جملة من كتبه بين ~~يدي الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- وكانت أمه هند بنت عتبة شريفة في ~~قريش أسلمت عام الفتح، وكانت في وقعة أحد. لما صرع حمزة بن عبد المطلب- رضي ~~الله عنه- عم رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- من طعنة الحربة التي ~~طعنها. جاءت هند فمثلت بحمزة، وأخذت قطعة من كبده فمضغتها حنقا عليه، لأنه ~~كان قد قتل رجالا من أقاربها. فلذلك يقال لمعاوية ابن آكلة الأكباد. # ولما فتح النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مكة، حضرت إليه متنكرة في جملة ~~نساء من نساء مكة أتين لمبايعته. فلما تقدمت هند لمبايعته اشترط- صلوات ~~الله عليه وآله- شروط الإسلام عليها، وهو لا يعلم أنها هند فأجابته بأجوبة ~~قوية على خوفها منه، فلما قال لها وقالت، قال لها- صلوات الله عليه # PageV01P109 # وآله وسلم-: «تبايعنني على ألا تقتلن أولادكن؟» وكانوا في الجاهلية ~~يقتلون الأولاد- فقالت هند: «أما نحن فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم ~~بدر» فقال: «وعلى ألا تعصينني في معروف؟» قالت: «ما جلسنا هذا المجلس وفي ~~عزمنا أن نعصيك» قال: «وعلى ألا تسرقن؟» قالت: «والله ما سرقت عمري شيئا، ~~اللهم إلا أنني كنت آخذ من مال أبي سفيان شيئا في بعض الوقت» وكان أبو ~~سفيان زوجها حاضرا، فحينئذ علم رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أنها ~~هند، فقال هند؟ قالت: نعم، يا رسول الله! فلم يقل شيئا لأن الإسلام جب [1] ~~ما قبله. وأما معاوية- رضي الله عنه- فكان عاقلا في دنياه، لبيبا عالما ~~حليما، ملكا قويا، جيد السياسة حسن التدبير لأمور الدنيا، عاقلا حكيما ~~فصيحا، بليغا يحلم في موضع الحلم، ويشتد في موضع الشدة، إلا أن الحلم كان ~~أغلب عليه. وكان كريما باذلا للمال، محبا للرئاسة مشغولا بها. كان يفضل على ~~أشراف رعيته كثيرا. فلا يزال أشراف قريش مثل عبد الله بن ms077 العباس، وعبد الله ~~ابن الزبير، وعبد الله بن جعفر الطيار وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن ~~أبي بكر، وأبان بن عثمان بن عفان، وناس من آل أبي طالب- رضي الله عنهم- ~~يفدون عليه بدمشق فيكرم مثواهم، ويحسن قراهم، ويقضي حوائجهم ولا يزالون ~~يحدثونه أغلظ الحديث ويجبهونه أقبح الجبه [2] ، وهو يداعبهم تارة، ويتغافل ~~عنهم أخرى، ولا يعيدهم إلا بالجوائز السنية، والصلات الجمة، قال يوما لقيس ~~بن (سعد بن عبادة) [3]- رضي الله عنه- وهو رجل من الأنصار: «يا قيس والله ~~كنت أود أن تنكشف الحروب التي كانت بيني وبين علي- عليه السلام- وأنت حي» ~~فقال قيس: (والله إني كنت أكره أن تنكشف تلك الحروب وأنت أمير المؤمنين) ~~PageV01P110 # فلم يقل له شيئا. وهذا من أجل ما كانوا يخاطبونه به!. # وبعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلها الأنصاري، وقال لابنه: ~~خذها وامض إلى معاوية، فاضرب بها وجهه، وردها عليه. وأقسم على ابنه أن يفعل ~~ذلك. فجاء ابنه إلى معاوية ومعه الدراهم، قال: يا أمير المؤمنين: # إن أبي فيه حدة وسرعة. وقد أمرني بكيت وكيت، وأقسم علي، وما أقدر على ~~مخالفته. فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك أبوك وارفق بعمك. # فاستحيا الصبي ورمى بالدراهم، فضاعفها معاوية وحملها إلى الأنصاري. وبلغ ~~الخبر يزيد ابنه، فدخل على معاوية غضبان وقال: «لقد أفرطت في الحلم حتى خفت ~~أن يعد ذلك منك ضعفا وجبنا» فقال معاوية: «أي بني: إنه لا يكون مع الحلم ~~ندامة ولا مذمة، فامض لشأنك، ودعني ورأيي» وبمثل هذه السيرة صار خليفة ~~العالم وخضع له من أبناء المهاجرين والأنصار، كل من يعتقد أنه أولى منه ~~بالخلافة. وكان معاوية- رضي الله عنه- من أدهى الدهاة: روي أن عمر بن ~~الخطاب- رضي الله عنه- قال لجلسائه: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما، وعندكم ~~معاوية؟! ومن دهائه ما اعتهده من استمالة عمرو بن العاص. وكان عمرو بن ~~العاص أحد الدهاة، وكان أول ما نشبت الفتنة بين أمير المؤمنين علي- عليه ~~السلام- ومعاوية معتزلا للفريقين، فرأى معاوية أن يستميله ويتقوى برأيه، ~~ودهائه ومكره فاستماله ووصل حبله بحبله [1] وولاه ms078 مصر ودخل معه في تلك ~~المداخل، وفعل في صفين تلك الأفاعيل. ولم يكن بينهما مع ذلك مودة قلبية، ~~وكانا يتباغضان سرا، وربما ظهر ذلك على صفحات وجوههما. وفلتات ألسنتهما: # طلب أمير المؤمنين- عليه السلام- في صفين [2] من معاوية أن يخرج إلى ~~مبارزته فقال له عمرو بن العاص- رضي الله عنه-: قد أنصفك ولا يحسن بك ~~النكول عن مبارزته فقال له معاوية: غششتني وأحببت قتلي. ألست تعلم أن ابن ~~PageV01P111 # أبي طالب لا يبرز له أحد إلا قتله؟!. # وقال معاوية يوما لجلسائه: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد: أعجب الأشياء هذا ~~السحاب الراكد بين السماء والأرض، لا يدعمه شيء من تحته، ولا هو منوط بشيء ~~من فوقه. وقال أخر: أعجب الأشياء حظ يناله جاهل، وحرمان يناله عاقل. وقال ~~آخر: أعجب الأشياء ما لم ير مثله. وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء أن ~~المبطل يغلب المحق (يعرض بعلي عليه السلام ومعاوية) فقال معاوية بل أعجب ~~الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحق إذا كان لا يخاف. (يعرض بعمرو ومصر) ~~فنفث كل منهما بما في صدره من الآخر!. # واعلم أن معاوية كان مربي دول، وسائس أمم، وراعي ممالك. ابتكر في الدولة ~~أشياء لم يسبقه أحد إليها، منها: أنه أول من وضع الحشم للملوك، ورفع الحراب ~~بين أيديهم، ووضع المقصورة التي يصلي الملك أو الخليفة بها في الجامع ~~منفردا من الناس. وذلك لخوفه مما جرى لأمير المؤمنين- عليه السلام- فصار ~~يصلي منفردا في مقصورة، فإذا سجد قام الحرس على رأسه بالسيوف. وهو أول من ~~وضع البريد لوصول الأخبار بسرعة. ### || كلام في معنى البريد # البريد: أن يجعل خيل مضمرات في عدة أماكن، فإذا وصل صاحب الخبر المسرع ~~إلى مكان منها، وقد تعب فرسه، ركب غيره فرسا مستريحا. وكذلك يفعل في المكان ~~الآخر حتى يصل بسرعة. وأما معناه اللغوي: فالبريد هو اثنا عشر ميلا. وأظن ~~أن الغاية التي كانوا قدروها بين بريد وبريد، هي هذا القدر. # وقال الصاحب علاء الدين عطا ملك في جهان كشاي: «ومن جملة الأشياء وضعهم ~~البريد بكل مكان طلبا ms079 لحفظ الأموال، وسرعة وصول الأخبار ومتجددات الأحوال» ~~وما أرى للبريد فائدة سوى سرعة وصول الأخبار فأما حفظ الأموال: فأي تعلق له ~~بذلك؟!. # PageV01P112 # ومما اخترع معاوية- رضي الله عنه- من أمور الملك: ديوان الخاتم. # وهذا ديوان معتبر من أكبر الدواوين، ولم تزل السنة جارية به إلى أواسط ~~دولة بني العباس فأسقط، ومعناه: أن يكون ديوان، وبه نواب فإذا صدر توقيع من ~~الخليفة بأمر من الأمور، أحضر التوقيع إلى ذلك الديوان، وأثبتت نسخته فيه، ~~وحزم بخيط وختم بشمع- كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة- وختم بخاتم صاحب ~~ذلك الديوان. # وكان الذي حمل معاوية- رضي الله عنه- على اختراع هذا الديوان، أنه أحال ~~رجلا على زياد بن أبيه أمير العراق بمائة ألف درهم، فمضى ذلك الرجل وقرأ ~~الكتاب (وكانت تواقيعهم تصدر غير مختومة فجعل المائة مائتين) فلما رفع زياد ~~حسابه إلى معاوية- رضي الله عنه- أنكر معاوية ذلك، وقال: ما أحلته إلا ~~بمائة ألف، ثم استعادها منه ووضع ديوان الخاتم، فصارت التواقيع تصدر منه ~~مختومة، لا يدري أحد ما فيها، ولا يتمكن أحد من تغييرها. وكان معاوية- رضي ~~الله عنه- مصروف الهمة إلى تدبير أمر الدنيا، يهون عليه كل شيء إذا انتظم ~~أمر الملك. فانظر إلى وصف عبد الملك بن مروان له، فإنه لحظ فيه هذا المعنى. ~~قالوا: إن عبد الملك بن مروان مر بقبر معاوية- رضي الله عنه فترحم عليه، ~~فقال له رجل: قبر من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: «قبر رجل كان والله فيما ~~علمته ينطق عن علم، ويسكت عن حلم. كان إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى» ووصفه ~~أيضا عبد الله بن العباس- وكان من النقاد- فقال: «ما رأيت أليق من أعطاف ~~[1] معاوية بالرياسة والملك» . وقال له بعض بني أمية: «والله لو قدرت أن ~~تستكثر [2] بالزنج لاستكثرت بهم لينتظم لك أمر الملك» . # وكان معاوية- رضي الله عنه- نهما شحيحا عند الطعام، على كرمه وسماحته. ~~فأما نهمه. فقالوا: إنه كان يأكل في كل يوم خمس أكلات أخرهن PageV01P113 # أغلظهن [1] ، ثم يقول: يا غلام: ارفع فو الله ما شبعت، ولكن مللت. وروي ~~أنه أصلح له عجل مشوي ms080 فأكل معه دستا [2] من الخبز السميذ [3] ، وأربع فراني ~~[4] وجديا حارا، وآخر باردا سوى الألوان ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلى ~~[5] الرطب فأتى عليه وأما شحه على الأكل: فإن ابن أبي بكرة دخل عليه ومعه ~~ابنه، فجعل ابنه يأكل أكلا مفرطا، ومعاوية يلحظه وفطن ابن أبي بكرة لحنق ~~معاوية- رضي الله عنه- ففي الغد حضر الأب وليس معه ابنه، فقال له معاوية: ~~ما فعل ابنك؟ قال: يا أمير المؤمنين: انحرف مزاجه. قال: قد علمت أن تلك ~~الأكلة ما كانت تتركه حتى تهيضه وها هنا موضع حكاية حسنة، تدل على كرم ~~ومروءة ونبل: كان بعض الوزراء مشغوفا بالأكل، ويحب كل من يأكل معه وكل من ~~كان أكثر أكلا كان أقرب إلى قلبه فاتفق أنه قصده بعض الأكابر من العلويين ~~وكل عليه [6] وجوها من خراج وضمان وغير ذلك، وطلبه بها، فوكل عليه في نفس ~~داره أعني دار الوزير. ففي بعض الأيام مد السماط بين يدي الوزير، فقال ~~العلوي للموكلين به: إني جائع، فهل تأذنون أن أخرج إلى السماط وأنتم معي، ~~فآكل وأعود إلى هذا الموضع؟ وكان العلوي قد فطن لطبع الوزير في ذلك، ~~فاستحيوا منه، وأذنوا له في ذلك فخرج، وجلس في أخريات السماط وجعل يأكل ~~بينهم فلحظه الوزير وهو مقبل على الأكل، فاستدناه ورفعه إلى صدر المجلس ~~وقدم له من أطائب ذلك الطعام. ولما بالغ في الأكل زادت بشاشة الوزير ~~وطلاقته. فلما رفع الطعام استدعى الوزير كانونا فيه نار، وأحضر الحساب الذي ~~رفع على الرجل به، وقال: أيها السيد: قد أراحك الله من هذا المال، وأنت في ~~PageV01P114 # حل منه وو الله وحق جدك- صلوات الله عليه- ليس عندي بهذا الحساب ولا في ~~الديوان به غير هذه النسخة. ثم ألقاها في الكانون فاحترقت وأفرج عنه وأذن ~~له في الرواح إلى منزله. # وكانت وفاة معاوية رضي الله عنه في سنة ستين من الهجرة. ولما أدركته ~~الوفاة أوصى إلى ابنه يزيد وصية تدل على عقله ولبه، وخبرته بالأمور ومعرفته ~~بالرجال فلم يعمل يزيد بشيء منها وقد أثبتها ها ms081 هنا لحسنها وسدادها. # قالوا: لما مرض معاوية- رضي الله عنه- مرضه الذي مات فيه، دعا ابنه يزيد ~~فقال له: «يا بني! إني كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت لك ~~الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. # فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم وتعهد من غاب، ~~وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أيسر ~~من أن يشهر مائة ألف سيف. وانظر أهل الشام، وليكونوا بطانتك، فإن رابك من ~~عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن ~~أقاموا بها تغيرت أخلاقهم وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا ~~أربعة من قريش: الحسين بن علي وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهم- فأما ابن عمر: فرجل قد وقذته [1] ~~العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك. وأما الحسين بن علي: فهو رجل خفيف، ~~ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه. فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ~~ماسة، وحقا عظيما، وقرابة من محمد صلوات الله عليه وسلامه. وأما ابن أبي ~~بكر، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله. ليست له همة إلا في النساء ~~واللهو. وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته ~~فرصة وثب فذاك ابن الزبير. فإن هو وثب عليك فظفرت به فقطعه إربا إربا واحقن ~~دماء [2] قومك ما استطعت. PageV01P115 # وفي هذه الوصية دليل على ما سبق من وفور رغبته في تدبير الملك، وشدة كلفه ~~بالرياسة. ثم ملك بعده ابنه يزيد # كان موفر الرغبة في اللهو والقنص، والخمر والنساء والشعر، وكان فصيحا ~~كريما شاعرا مفلقا [1] . قالوا: بدئ الشعر بملك، وختم بملك. إشارة إلى امرئ ~~القيس وإليه، فمن شعره: # جاءت بوجه كأن البدر برقعة [2] ... نورا على مائس [3] كالغصن معتدل # إحدى يديها تعاطيني [4] مشعشعة [5] ... كخدها عصفرته [6] صبغة الخجل # ثم استبدت وقالت، وهي عالمة ... بما تقول وشمس الراح لم تفل [7] # لا ترحلن ms082 فما أبقيت من جلدي ... ما أستطيع به توديع مرتحل # ولا من النوم ما ألقى الخيال به ... ولا من الدمع ما أبكي على الطلل # كانت ولايته على أصح القولين ثلاث سنين وستة أشهر. ففي السنة الأولى قتل ~~الحسين بن علي عليهما السلام، وفي السنة الثانية نهب المدينة وأباحها ثلاثة ~~أيام وفي السنة الثالثة غزا الكعبة. # فنبدأ بشرح قتل الحسين عليه السلام. ### || شرح كيفية الحال في ذلك على وجه الاختصار # هذه قضية لا أحب بسط القول فيها استعظاما لها واستفظاعا، فإنها قضية لم ~~يجر في الإسلام أعظم فحشا منها. ولعمري إن قتل أمير المؤمنين- عليه السلام- ~~هو الطامة الكبرى، ولكن هذه القضية جرى فيها من القتل الشنيع والسيء، أو ~~PageV01P116 # التمثيل ما تقشعر له الجلود. واكتفيت أيضا عن بسط القول فيها بشهرتها، ~~فإنها أشهر الطامات. فلعن الله كل من باشرها وأمر بها، ورضي بشيء منها ولا ~~تقبل الله منه صرفا ولا عدلا وجعله من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا 18: 103- 104 [1] . وجملة ما ~~جرى في ذلك: # أن يزيد- لعنه الله- لما بويع لم يكن له هم إلا تحصيل بيعة الحسين- رضي ~~الله عنه- والنفر الذي حذره أبوه منهم. فأرسل إلى الوليد بن عتبة بن أبي ~~سفيان وهو يومئذ أمير المدينة، يأمره بأخذ البيعة عليهم. فاستدعاهم فحضر ~~الحسين- عليه السلام- عنده، فأخبره بموت معاوية- رضي الله عنه- ودعاه إلى ~~البيعة. # فقال له الحسين- عليه السلام- «مثلي لا يبايع سرا، ولكن إذا اجتمع الناس، ~~نظرنا ونظرت» ثم خرج الحسين- عليه السلام- من عنده وجمع أصحابه، وخرج من ~~المدينة قاصدا مكة متأبيا من بيعة يزيد، آنفا من الانخراط في زمرة رعيته. ~~فلما استقر بمكة اتصل [2] بأهل الكوفة تأبيه من بيعة يزيد وكانوا يكرهون ~~بني أمية، خصوصا يزيد، لقبح سيرته ومجاهرته بالمعاصي، واشتهاره بالقبائح. # فراسلوا الحسين- عليه السلام- وكتبوا إليه، يدعونه إلى قدوم الكوفة ~~ويبذلون له النصرة على بني أمية. واجتمعوا وتحالفوا على ذلك، وتابعوا الكتب ~~إليه في هذا المعنى. فأرسل إليهم ابن عمه مسلم [3] بن عقيل بن أبي طالب- ~~رضي الله عنه- فلما وصل إلى الكوفة فشا ms083 الخبر إلى عبيد الله بن زياد [4]- ~~لعنه الله وأحله دار الخزي- وكان يزيد قد أمره على الكوفة، حين بلغه مراسلة ~~أهلها الحسين- عليه السلام- وكان مسلم قد التجأ إلى دار هانئ بن عروة [5]- ~~رضي الله عنه- PageV01P117 # وكان من أشرف أهل الكوفة، فاستدعاه عبيد الله بن زياد، فطلبه منه فأبى، ~~فضرب وجهه بالقضيب فهشمه، ثم أحضر مسلم بن عقيل- رضي الله عنهما- فضربت ~~عنقه فوق القصر فهوى رأسه، وأتبع جثته رأسه. وأما هانئ: فأخرج إلى السوق ~~فضربت عنقه. وفي ذلك يقول الفرزدق [1] : # وإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل # إلى بطل قد هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار [2] قتيل # ثم إن الحسين- عليه السلام- خرج من مكة متوجها إلى الكوفة، وهو لا يعلم ~~بحال مسلم فلما قرب من الكوفة علم بالحال، ولقيه ناس فأخبروه الخبر وحذروه ~~فلم يرجع، وصمم على الوصول إلى الكوفة لأمر هو أعلم به من الناس. # فأرسل ابن زياد إليه عسكرا أميره عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقاتل الحسين- ~~عليه السلام- وأصحابه حين التقى الجمعان، قتالا لم يشاهد أحد مثله، حتى فني ~~أصحابه، وبقي هو عليه السلام وخاصته، فقاتلوا أشد قتال رآه الناس. ثم قتل ~~الحسين- عليه السلام- قتلة شنيعة. ولقد ظهر منه- عليه السلام- من الصبر ~~والاحتساب والشجاعة والورع والخبرة التامة بآداب الحرب والبلاغة، ومن أهله ~~وأصحابه- رضي الله عنهم- من النصر له، والمواساة بالنفس، وكراهية الحياة ~~بعده، والمقاتلة بين يديه عن بصيرة- ما لم يشاهد مثله. ووقع النهب والسبي ~~في عسكره وذراريه- عليه السلام- ثم حمل النساء ورأسه- صلوات الله عليه- إلى ~~يزيد بن معاوية بدمشق، فجعل ينكت ثنايا [3] الحسين- عليه السلام- بالقضيب، ~~ثم رد نساءه إلى المدينة. # وكان قتل الحسين- عليه السلام- في يوم عاشوراء [4] ، من سنة إحدى وستين. ~~PageV01P118 ### || شرح كيفية وقعة الحرة # ثم ثنى بقتال أهل مدينة رسول الله صلوات الله عليه وسلامه، وهي وقعة ~~الحرة (بالحاء المفتوحة غير معجمة) : ومبدأ الأمر فيها: أن أهل المدينة ~~كرهوا خلافة يزيد وخلعوه، وحصروا من كان بها من بني أمية وأخافوهم، فأرسل ~~بنو أمية رسولا إلى يزيد يعلمه حالهم. فلما وصل الرسول إلى يزيد ms084 وأخبره ~~بذلك تمثل # لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان # (طويل) ثم ندب إليها عمر بن سعيد، فأحجم عنها، وأرسل يقول له: إني قد ~~ضبطت لك الأمور والبلاد، وأما الآن إذا صارت دماء قريش تهراق بالصعيد، فلا ~~أحب أن أتولى ذلك. فندب عبيد الله بن زياد لذلك، فاعتذر وقال: والله لا ~~جمعتهما للفاسق: أقتل ابن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وأغزو ~~مدينته والكعبة فندب إليها مسلم بن عقبة المري، وكان شيخا كبيرا مريضا، إلا ~~أنه كان أحد جبابرة العرب وشياطينهم، وقيل: إن أباه [1] قال له: إن خالفك ~~أهل المدينة فارمهم بمسلم بن عقبة. فتوجه إليها مسلم بن عقبة وهو مريض، ~~فحاصرها من جهة الحرة (وهو موضع بظاهر المدينة) فنصب لمسلم بن عقبة كرسي ~~بين الصفين، وجلس يحرض أصحابه على القتال حتى فتحها. وقتل في تلك الوقعة ~~جماعة من أعيانها، فيقال: إن أبا سعيد الخدري [2]- رضي الله عنه- صاحب رسول ~~الله- صلى الله عليه وآله وسلم- خاف، فأخذ سيفه وخرج إلى كهف هناك ليدخل ~~إليه ويعتصم به فتبعه بعض أهل الشأم، فخافه أبو سعيد وسل سيفه عليه ليروعه، ~~فسل الآخر سيفه. فلما وصل إلى أبي سعيد قال له: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ~~ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك 5: 28 [3] فقال له الشأمي: من أنت؟ قال: أنا ~~أبو سعيد. قال: صاحب رسول الله؟ قال: نعم، فمضى وتركه ثم أباح مسلم بن عقبة ~~PageV01P119 # المدينة ثلاثا، فقتل ونهب وسبى [1] وسمي مسلم بن عقبة مسرفا. ### || شرح كيفية غزو الكعبة # ثم ثلث يزيد بغزو الكعبة، فأمر مسلم بن عقبة بقصدها وغزوها بعد فراغه من ~~أمر المدينة. فتوجه مسلم إليها وكان عبد الله بن الزبير بها، وقد دعا إلى ~~نفسه وتبعه أهل مكة، فمات مسلم في الطريق واستخلف على الجيش رجلا كان يزيد ~~أوصاه بتأميره إن هلك. فمضى بالجيش إلى مكة وحصرها، وبرز ابن الزبير إليه ~~في أهل مكة ونشبت الحرب، وقال راجز أهل الشأم: # خطارة مثل الفنيق المزبد ... يرمى بها أعواد هذا المسجد # (رجز) وهم ms085 في ذلك إذ ورد نعي يزيد فرجعوا. ### || ثم ملك بعده ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية # كان صبيا ضعيفا، ملك أربعين يوما، وقيل ثلاثة أشهر. ثم قال للناس: # إني ضعفت عن أمركم فالتمست لكم مثل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فلم ~~أجد، فالتمست ستة مثل أهل الشورى فلم أجد، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له ~~من أحببتم، فما كنت لأتزودها ميتا، وما استمتعت بها حيا ثم دخل داره وتغيب ~~أياما ومات، وقيل مات مسموما، وليس له من الأخبار ما يؤثر ### || ثم ملك بعده مروان بن الحكم: # هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد ~~مناف. # ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية، ماج الناس: فأراد أهل الشأم بني أمية ~~وأراد غيرهم عبد الله بن الزبير، ثم غلب من رأيه في بني أمية. لكنهم ~~اختلفوا فيمن يولونه. فمال ناس منهم إلى خالد بن معاوية، وكان فصيحا بليغا، ~~PageV01P120 # وقيل إنه أصاب عمل الكيمياء، وكان صبيا. ومال ناس إلى مروان بن الحكم ~~لسنه وشيخوخته، ولأنه قاد الجنود وفتح مصر، وكرهوا خالدا لصبوته، ثم بايعوا ~~مروان وكان يقال له: ابن الطريد وذلك لأن أباه الحكم طرده رسول الله- صلى ~~الله عليه وآله وسلم- عن المدينة فلما ولي عثمان بن عفان- رضي الله عنه رده ~~إليها، وأنكر المسلمون ذلك منه فاحتج بأن رسول الله- صلى الله عليه وآله ~~وسلم- وعده برده، ورويت أحاديث وأخبار في لعنة من في صلبه وضعفها قوم. # وكان مروان حين بويع قد تزوج أم خالد زوجة يزيد بن معاوية ليصغر بذلك من ~~شأن خالد فيسقط عن درجة الخلافة، فدخل خالد يوما على مروان فشتمه مروان ~~ونسبه إلى الحمق، ليصغر أمره عند أهل الشام فخجل خالد ودخل على أمه وأخبرها ~~بما قال له مروان، فقالت: لا يعلمن أحد أنك أعلمتني وأنا أكفيك. ثم إن ~~مروان نام عندها ليلة، فوضعت على وجهه وسادة ولم ترفعها حتى مات. وأراد ~~ابنه عبد الملك أن يقتلها فقيل له: يتحدث الناس أن أباك قتلته امرأة ~~فتركها. وكانت ولاية ms086 مروان تسعة أشهر وبعض شهر، ذلك تأويل قول أمير ~~المؤمنين: إن له امرأة [1] كلعقة الكلب أنفه. # وفي تلك الأيام أخذت الشيعة بثأر الحسين- عليه السلام-. ### || شرح كيفية ذلك على وجه الاختصار # لما هدأت الفتنة بعد قتل الحسين- عليه السلام- وهلك يزيد بن معاوية اجتمع ~~ناس من أهل الكوفة وندموا على خذلانهم الحسين- عليه السلام- ومقاتلتهم له ~~ونصرهم لقتلته بعد إرسالهم إليه، واستدعائهم منه، القدوم عليهم وبذلهم له ~~النصر وتابوا من ذلك، فسموا: التوابين. ثم إنهم تحالفوا على بذل نفوسهم ~~وأموالهم في الطلب بثأره، ومقاتلة قتلته وإقرار الحق مقره في رجل من آل بيت ~~نبيهم- صلوات الله عليه وسلامه- وأمروا عليهم رجلا منهم يقال له: سليمان بن ~~PageV01P121 # صرد [1]- رضي الله عنه- فكاتب الشيعة بالأمصار يندبهم إلى ذلك فأجابوه ~~الموافقة والمسارعة. ثم ظهر في تلك الأيام المختار بن أبي عبيد الثقفي [2] ~~، وكان رجلا شريفا في نفسه، عالي الهمة كريما: فدعا محمد بن علي بن أبي ~~طالب- عليه السلام- وهو المعروف بابن الحنفية وكانت تلك الأيام أيام فتن ~~وذلك أن مروان كان خليفة بالشأم ومصر، مبايعا على سرير الملك، وعبد الله بن ~~الزبير خليفة بالحجاز والبصرة، مبايع معه الجنود والسلاح والمختار بن أبي ~~عبيد بالكوفة ومعه الناس والجنود والسلاح، وقد أخرج أمير الكوفة عنها، وصار ~~وهو أميرها يدعو إلى محمد بن الحنفية. # ثم إن المختار قويت شوكته ففتك بقتلة الحسين، فضرب عنق عمر بن سعد [3] ~~وابنه، وقال: هذا بالحسين وابنه علي، وو الله لو قتلت به ثلثي قريش ما وفوا ~~بأنملة من أنامله. ثم إن مروان أرسل عبيد الله بن زياد [4] في جيش كثيف، ~~فأرسل إليه المختار إبراهيم ابن مالك الأشتر فقتله بنواحي الموصل، وأرسل ~~برأسه إلى المختار فألقي في القصر. فيقال إن حية دقيقة تخطت رءوس القتلى، ~~ودخلت في فم عبيد الله فخرجت من منخره ثم دخلت في منخره فخرجت من فيه. فعلت ~~PageV01P122 # ذلك مرارا ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل أخاه مصعبا وكان شجاعا، إلى ~~المختار فقتله ومات مروان بن الحكم في سنة خمس وستين وبويع ابنه عبد الملك ### || ثم ms087 ملك ابنه عبد الملك بن مروان # كان عبد الملك لبيبا عاقلا، عالما ملكا جبارا قوي الهيبة شديد السياسة، ~~حسن التدبير للدنيا. في أيامه نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، ~~واخترعت سياقة المستعربين. وهو أول من نهى الرعية عن كثرة الحديث بحضرة ~~الخلفاء ومراجعتهم، وكانوا يتجرءون عليهم. (وقد تقدم شرح ذلك) وهو الذي سلط ~~الحجاج بن يوسف على الناس، وغزا الكعبة، وقتل عبد الله بن الزبير وأخاه ~~مصعبا من قبله. # ومن طريف ما وقع في ذلك: أن عبد الملك لما أرسل يزيد بن معاوية الجيش ~~لقتال أهل المدينة وغزو الكعبة، امتعض عبد الملك من ذلك غاية الامتعاض ~~وقال: ليت السماء انطبقت على الأرض! فلما صار خليفة فعل ذلك وأشد منه: # فإنه أرسل الحجاج [1] لحصار ابن الزبير وغزو مكة، وكان عبد الملك قبل ~~الخلافة أحد فقهاء المدينة، وكان يسمى: حمامة المسجد، لمداومته تلاوة ~~القرآن. فلما مات أبوه وبشر بالخلافة أطبق المصحف، وقال: هذا فراق بيني ~~وبينك. وتصدى لأمور الدنيا. وقيل: إنه قال يوما لسعيد بن المسيب [2] : يا ~~سعيد: قد صرت أفعل الخير فلا أسر به، وأصنع الشر فلا أساء به: فقال له سعيد ~~بن المسيب الآن تكامل فيك موت القلب. وفي أيامه قتل عبد الله بن الزبير ~~وأخوه مصعب أمير العراق. # فأما عبد الله بن الزبير: فإنه كان قد اعتصم بمكة، وبايعه أهل الحجاز ~~PageV01P123 # وأهل العراق. وكان عظيم الشح، فلذلك لم يتم أمره. فأرسل الحجاج إليه ~~فحاصره بمكة ورمى الكعبة بالمنجنيق، وحاربه وخذله أهله وأصحابه، فدخل على ~~أمه وقال لها: «يا أمت، قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي غير ~~نفر يسير ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة. والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا ~~فما رأيك؟» فقالت له: «أنت أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنك على حق فامض لشأنك ~~ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد ~~أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن» فقال: # يا أمت «إني أخاف ms088 إن قتلوني أن يمثلوا بي» قالت: «يا بني، إن الشاة لا ~~يضرها سلخها بعد ذبحها» وما زالت تحرضه بهذا وأشباهه حتى خرج، فصمم على ~~المناجزة فقتل. وأرسل الحجاج بالبشارة إلى عبد الملك، وكان ذلك سنة ثلاث ~~وسبعين. # وأما أخوه مصعب بن الزبير أمير العراق: فكان شجاعا جميلا، جليل القدر ~~ممدوحا. تزوج سكينة بنت الحسين- عليه السلام- وعائشة بنت طلحة، وجمعهما في ~~داره. وكانتا من أعظم النساء قدرا ومالا وجمالا، فقال عبد الملك يوما ~~لجلسائه، من أشجع الناس؟ قالوا: أنت. قال: لا لكن أشجع الناس من جمع في ~~داره بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين. يعني مصعبا. ثم تجهز عبد ~~الملك لقتال مصعب وودع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فلما ودعها بكت ~~فبكى جواريها لبكائها، فقال عبد الملك: قاتل لله كثير عزة [1] ، كأنه شاهد ~~هذا حين قال: # إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها PageV01P124 # نهته فلما لم تر النهي نافعا ... بكت فبكى مما شجاها قطينها [1] # (الطويل) ثم سار إلى حرب مصعب، فالتقيا بأرض دجيل، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~وقتل مصعب وذلك في سنة إحدى وسبعين. # وكان عبد الملك أديبا ذكيا فاضلا، قال الشعبي [2] ، ما ذاكرت أحدا إلا ~~وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان، فإني ما ذاكرته حديثا إلا ~~زادني فيه ولا شعرا إلا زادني فيه. # وقيل لعبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب، قال: «شيبني صعود المنابر والخوف ~~من اللحن» (وكان اللحن عندهم في غاية القبح) ومن آرائه ما أشار به وهو صبي ~~على مسلم بن عقبة المري، حين أرسله يزيد بن معاوية لقتال أهل المدينة ~~فوصلها وبنو أمية محاصرون بها ثم أخرجوا، فلما لقيهم مسلم بن عقبة استشار ~~بعبد الملك بن مروان وكان حدثا، فقال له: الرأي أن تسير بمن معك، فإذا ~~انتهيت إلى أدنى نخلها نزلت، فاستظل الناس في ظله وأكلوا من صفوه. فإذا ~~أصبحت مضيت وتركت المدينة على اليسار، ثم درت بها حتى تأتيهم من قبل الحرة ~~مشرقا، ثم تستقبل القوم. فإذا ms089 استقبلتهم وقد طلعت الشمس عليهم، طلعت بين ~~أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم، بل يصيب أهل المدينة أذاها ويرون من ائتلاف بيضكم ~~وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم ما داموا مغربين. ثم قاتلهم ~~واستعن بالله. وقال عبد الملك يوما لجلسائه: ما تقولون في قول القائل: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا حربا ممن يهيم بها بعدي # (طويل) PageV01P125 # قالوا: معنى حسن. قال: هذا ميت كثير الفضول، ليس هذا معنى جيدا. # قالوا: صدقت، قال: فكيف كان ينبغي أن يقول؟ فقال رجل منهم: كان ينبغي أن ~~يقول: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكل بدعد من يهيم بها بعدي # (طويل) قال عبد الملك: ما أحسنت. قالوا فكيف ينبغي أن يكون؟ قال: ينبغي ~~أن يقول: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي # (طويل) قالوا: أنت يا أمير المؤمنين أشعر الثلاثة. ولما اشتد مرضه قال: # أصعدوني على شرف، فأصعدوه إلى موضع عال، فجعل يتنسم الهواء ثم قال: يا ~~دنيا: ما أطيبك؟ إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير وإن كنا منك لفي غرور. # وتمثل بهذين البيتين: # إن تناقش يكن نقاشك يا ... رب عذابا، لا طوق لي بالعذاب # أو تجاوز فأنت رب صفوح ... عن مسيء ذنوبه كالتراب # (خفيف) ولما مات صلى عليه ابنه الوليد فتمثل هشام ابنه الآخر: # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # (طويل) فقال له الوليد: اسكت، فأنت تتكلم بلسان شيطان. ألا قلت كما قال ~~الآخر إذا سيد منا مضى قام سيد قئول لما قال الكرام فعول (طويل) وأوصى عبد ~~الملك بن مروان أخاه عبد العزيز حين مضى إلى مصر أميرا عليها فقال له: ~~«ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور، فإنه» # PageV01P126 # «أبلغ بك» [1] وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك فإنه وجهك ولسانك. ولا يقفن ~~أحد ببابك إلا أعلمك مكانه، لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده. وإذا خرجت إلى ~~مجلسك فابدأ بالسلام يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك. وإذا انتهى إليك ~~مشكل فاستظهر ms090 عليه بالمشاورة، فإنها تفتح مغاليق الأمور، وإذا سخطت على أحد ~~فأخر عقوبته، فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه، أقدر منك على ردها بعد ~~إمضائها» وكانت وفاته في سنة ست وثمانين. ### || ثم ملك ابنه الوليد # كان الوليد من أفضل خلفائهم سيرة عند أهل الشأم، بنى الجوامع، جامع دمشق، ~~وجامع المدينة (على ساكنها أفضل السلام) والمسجد الأقصى. وأعطى المجذمين، ~~ومنعهم من سؤال الناس. وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا وفتح في خلافته ~~فتوحا عظاما، منها الأندلس وكاشغر، والهند، وكان شديد التكلف بالعمارات ~~والأبنية، واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم ~~بعضا عن الأبنية والعمارات، وكان أخوه سليمان يحب الطعام، فكان الناس في ~~خلافته إذا التقوا، سأل بعضهم بعضا عن الطعام. وكان عمر بن عبد العزيز صاحب ~~عبادة وتلاوة، فكان الناس إذا تلاقوا في أيامه سأل بعضهم بعضا ما وردك ~~الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ وكم تقوم من الشهر؟ وهذا من خواص الملك التي ~~تقدم شرحها وكان لحانا لا يحسن النحو وعاتبه أبوه عبد الملك على اللحن. ~~وقال له: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم، فدخل الوليد بيتا، وأخذ معه ~~جماعة من علماء النحو وأقام مدة يشتغل فيه، فخرج أجهل مما كان يوم دخوله. ~~فلما بلغ ذلك عبد الملك قال: قد أعذر!. PageV01P127 ### || ثم ملك بعده أخوه سليمان بن عبد الملك # كانت أيامه ذات فتوح متوالية، وكان غيورا شديد الغيرة، وكان نهما فيقال ~~إن الطباخ كان يأتيه بالشواء فلا يصبر حتى يبرد، فيأخذه بكمه، وكان فصيحا ~~بليغا ### || وها هنا موضع حكاية: # قال الأصمعي [1] : كنت مرة أفاوض هارون الرشيد، ~~فجرى حديث أصحاب النهم، فقلت: كان سليمان بن عبد الملك شديد النهم، وكان ~~إذا أتاه الطباخ بشواء تلقاه فأخذه بأكمامه، فقال الرشيد: ما أعلمك يا ~~أصمعي بأخبار الناس لقد اعترضت منذ أيام جباب سليمان فوجدت أثر الدهن في ~~أكمامها فظننته طيبا. قال الأصمعي: ثم أمر لي بجبة منها. وقيل: إن سليمان ~~لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة ms091 فقال: أنا الملك الفتى؟ ثم ~~نظرت إليه جارية من جواريه فقال ما تنظرين؟ قالت: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... على أن لا بقاء للإنسان # ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس، غير أنك فاني # (خفيف) فلم تمض إلا جمعة واحدة حتى مات. وكانت وفاته في سنة تسع وتسعين. ### || ثم ملك بعده عمر بن عبد العزيز بن مروان # لما مرض سليمان بن عبد الملك مرضته التي مات فيها، عزم على أن يبايع لبعض ~~أولاده، فنهاه بعض أصحابه، أو قال له: يا أمير المؤمنين: إنه مما يحفظ ~~الخليفة في قبره أن يستحفظ على الناس رجلا صالحا. فقال سليمان: أستخير الله ~~وأفعل. ثم استشاره في عمر بن عبد العزيز، فأشار عليه به وأثنى عليه خيرا ~~فكتب سليمان عهده إلى عمر ابن عبد العزيز وختمه، ودعا أهل بيته وقال: ~~بايعوا لمن عهدت إليه في هذا الكتاب ولم يعلمهم به فبايعوا، ثم لما مات ~~جمعهم ذلك PageV01P128 # الرجل الذي أشار إليه بعمر بن عبد العزيز وقد كتم موت سليمان عنهم، وقال ~~لهم: # بايعوا مرة أخرى، فبايعوا، فلما رأى أنه قد أحكم الأمر، أعلمهم بموت ~~سليمان. # وكان عمر بن عبد العزيز من خيار الخلفاء، عالما زاهدا، عابدا تقيا ورعا. ~~سار سيرة مرضية، ومضى حميدا. وهو الذي قطع السب عن أمير المؤمنين- صلوات ~~الله عليه وسلامه- وكان بنو أمية يسبونه على المنابر. قال عمر بن عبد ~~العزيز: كان أبي عبد العزيز بن مروان يمر في خطبته يهدها هدا، حتى إذا وصل ~~إلى ذكر أمير المؤمنين علي- عليه السلام- تتعتع، قال: فقلت له ذلك فقال: يا ~~بني: أدركت هذا مني؟ قلت: نعم قال: يا بني: اعلم أن العوام لو عرفوا من علي ~~بن أبي طالب ما نعرفه نحن، لتفرقوا عنا إلى ولده، فلما ولي عمر بن عبد ~~العزيز الخلافة قطع السب وجعل مكانه قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون 16: 90 [1] ومدحه الشعراء على ذلك: فممن مدحه على ذلك كثير ms092 عزة [2] ~~بقوله # وليت فلم تشتم عليا، ولم تخف ... بريا، ولم تتبع مقالة مجرم # وقلت فصدقت الذي قلت بالذي ... فعلت، فأضحى راضيا كل مسلم # وقد لبست لبس الهلوك [3] ثيابها ... وأبدت لك الدنيا بخد ومعصم # وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم # فأعرضت عنها مشتمئزا كأنما ... سقتك مدوفا [4] من سمام وعلقم # وقد كنت منها في جبال أرومها [5] ... ومن بحرها في زاخر السيل مفعم [6] # (طويل) PageV01P129 # ورثاه الشريف الرضي الموسوي [1] بقوله: # يا ابن عبد العزيز لو بكت العين ... فتى من أمية لبكيتك # أنت أنقذتنا من السب والشتم ... فلو أمكن الجزاء جزيتك # غير أني أقول: إنك قد طبت ... وإن لم يطب ولم يزك بيتك # دير سمعان لا عدتك الغوادي [2] ... خير ميت من آل مروان ميتك # (خفيف) وإليه الإشارة بقولهم: الأشج والناقص [3] أعدلا بني مروان. # وسيجيء ذكر الناقص فيما بعد إن شاء الله تعالى وكانت وفاته بدير سمعان في ~~سنة إحدى ومائة. ### || ثم ملك بعده يزيد بن عبد الملك # كان خليع بني أمية، شغف بجاريتين: اسم إحداهما «سلامة» واسم الأخرى ~~«حبابة» فقطع معهما زمانه. قالوا فغنت يوما حبابة: # بين التراقي [4] واللهاة [5] حرارة ... ما تطمئن ولا تسوغ [6] فتبرد # (كامل) فأهوى يزيد بن عبد الملك ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين: لنا فيك ~~حاجة فقال: والله لأطيرن، قالت: فعلى من تدع الأمة؟ قال: عليك: وقبل يدها، ~~PageV01P130 # فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك! فانظر إلى هذا وإلى أبيه ~~عبد الملك حين خرج إلى قتال مصعب بن الزبير، وصدته عاتكة بنت يزيد بن ~~معاوية فلم يلتفت إليها، واستشهد بذينك البيتين! وقد سبق شرح ذلك في ترجمة ~~عبد الملك بن مروان. ولم تكن دولة يزيد طائلة، ولا وقع فيها من الفتوح ~~والوقائع ما تحسن حكايته. وكانت وفاته في سنة خمس ومائة عشقا وصبابة. ### || ثم ملك بعده أخوه هشام بن عبد الملك # كان هشام بخيلا شديد البخل، إلا أنه كان غزير العقل حليما عفيفا. امتدت ~~أيامه وجرى فيها وقائع. فمن وقائعها الشهيرة: قتل زيد بن علي بن الحسين ms093 بن ~~علي بن أبي طالب عليه السلام. ### || شرح مقتل زيد بن علي بن الحسين إمام الزيدية رضي الله عنه # كان زيد من عظماء أهل البيت- عليهم السلام- علما وزهدا وورعا وشجاعة ~~ودينا وكرما. وكان دائما يحدث نفسه بالخلافة، ويرى أنه أهل لذلك. # وما زال هذا المعنى يتردد في نفسه، ويظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه، ~~حتى كانت أيام هشام بن عبد الملك، فاتهمه بوديعة لخالد بن عبد الله القسري ~~أمير الكوفة، فحمله إلى يوسف بن عمر أميرها في ذلك العصر، فاستخلفه أن ما ~~لخالد عنده مال، وخلى سبيله فخرج ليتوجه إلى المدينة فتبعه أهل الكوفة ~~وقالوا له: أين تذهب- يرحمك الله- ومعك مائة ألف سيف نضرب بها دونك، وليس ~~عندنا من بني أمية إلا نفر قليل؟ لو أن قبيلة واحدة منا صمدت لهم لكفتهم ~~بإذن الله، ورغبوه بهذا، وأمثاله، فقال لهم: يا قوم إني أخاف غدركم، فإنكم ~~فعلتم بجدي الحسين- عليه السلام- ما فعلتم، وأبى عليهم. فقالوا: نناشدك ~~الله إلا ما رجعت، ونحن نبذل أنفسنا دونك، ونعطيك من الأيمان والعهود ~~والمواثيق ما تثق به، فإنا نرجو أن تكون المنصور. وأن يكون هذا الزمان الذي ~~يهلك فيه بنو أمية. فلم يزالوا به # PageV01P131 # حتى ردوه. فلما رجع إلى الكوفة أقبلت الشيعة تختلف [1] إليه يبايعونه، ~~حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألفا من أهل الكوفة، سوى أهل المدائن والبصرة، ~~وواسط والموصل [2] . وأهل خراسان والري وجرجان والجزيرة وأقاموا بالكوفة ~~شهورا ثم تم الأمر لزيد وخفقت الألوية على رأسه. قال: الحمد لله الذي أكمل ~~لي ديني، والله إني كنت أستحيي من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أن ~~أرد عليه الحوض [3] غدا، ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنه عن منكر فلما ~~اجتمع الناس مع زيد أظهر أمره، ونابذ من خالفه فجمع له يوسف [4] بن عمر ~~جموعا وبرز إليه وعبأ كل منهما أصحابه والتقى الفريقان، وجرى بينهم قتال ~~شديد فتفرق أصحاب زيد عنه وخذلوه، فبقي في شرذمة يسيرة فأبلى هو- رضي الله ~~عنه- بلاء حسنا، وقاتل قتالا شديدا فجاءه سهم فأصاب جبينه فطلب حدادا فنزع ms094 ~~السهم من جبينه فكانت فيه نفسه فمات- رضي الله عنه- من ساعته، فحفر له ~~أصحابه قبرا في ساقية ودفنوه فيه وأجروا الماء على قبره خوفا أن يمثلوا به، ~~فلما استظهر يوسف بن عمر أمير الكوفة تطلب قبر زيد فلم يعرفه، فدله عليه ~~بعض العبيد فنبشه وأخرجه فصلبه، فبقي مدة مصلوبا، ثم أحرق وذرى رماده في ~~الفرات (رضي الله عنه وسلم عليه، ولعن ظالميه وغاصبيه حقه، فلقد مضى شهيدا ~~مظلوما) . # وفي أيامه انبثت دعاة بني العباس في البلاد الشرقية، وتحركت الشيعة خفية ~~وغزت جنود هشام الترك بما وراء النهر، وكانت لجنوده الغلبة، ثم بعد ذلك قتل ~~خاقان. PageV01P132 ### || ثم ملك بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك # كان من فتيان بني أمية وظرفائهم، وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم، منهمكا في ~~اللهو والشرب وسماع الغناء، وكان شاعرا محسنا، له أشعار حسنة في العتاب ~~والغزل ووصف الخمر. فمن جيد شعره ما كتبه إلى هشام بن عبد الملك وقد عزم ~~على خلفه- وكان هشام لما رأى استهتار الوليد بالمعاصي وعكوفه على اللذات، ~~طمع في الخلافة لابنه، وأراده على أن يخلع نفسه- وتناوله بلسانه وتهدده- ~~فكتب إليه الوليد بن يزيد: # كفرت يدا [1] من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن # رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني # أراك على الباقين تجني ضغينة ... فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني # كأني بهم يوما وأكثر قولهم: ... ألا ليت أنا! حين «يا ليت» لا يغني # (طويل) وقد سرق الناس معانيه وأودعوها أشعارهم. فممن سرق معانيه أبو نواس ~~أخذ معانيه في وصفه الخمر. # ومما يحكى عن الوليد بن يزيد: أنه استفتح فألا في المصحف فخرج واستفتحوا ~~وخاب كل جبار عنيد 14: 15 فألقاه ورماه بسهام وقال: # تهددني بجبار عنيد ... نعم، أنا ذاك جبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم بعث ... فقل: يا رب خرقني الوليد # (وافر) فلم يلبث بعد هذا إلا يسيرا [2] حتى قتل. وكان السبب في قتله: أنه ~~كان قبل الخلافة على ما وصفنا من اللهو والشرب، وانتهاك حرمات ms095 الله (عز ~~وجل) فلما أفضت إليه الخلافة لم يزد إلا انهماكا في اللذات، واستهتارا ~~بالمعاصي، وضم PageV01P133 # إلى ذلك ما ارتكبه من إغضاب أكابر أهله، والإساءة إليهم وتنفيرهم. ~~فاجتمعوا عليه مع أعيان رعيته وهجموا عليه وقتلوه وكان المتولي لذلك يزيد ~~بن الوليد بن عبد الملك، وذلك في سنة ست وعشرين ومائة. ### || ثم ملك بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك # كان يظهر التنسك، وكان يقال: إنه قدري. وسمي: «الناقص» لأنه نقص من ~~أعطيات أهل الحجاز ما كان قد زادهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فسمي ~~الناقص لهذا السبب، ولما بويع بالخلافة خطب الناس، وقال لهم كلاما حسنا أنا ~~مثبته ها هنا لحسنه. خطبهم وذكر الوليد بن يزيد وإلحاده، وقال: سيرته كانت ~~خبيثة كان منتهكا لحرمات الله فقتلته. ثم قال: أيها الناس: إن لكم علي ألا ~~أضع حجرا على حجر، ولا لبنة، على لبنة، ولا أكري [1] نهرا، ولا أكنز مالا، ~~ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد ثغرة وخصاصة [2] أهله منه بما ~~يغنيهم. فما فضل [3] منه نقلته إلى البلد الآخر الذي يليه، ولا أغلق بابي ~~دونكم، ولكم أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم كل شهر حتى يكون أقصاكم كأدناكم. ~~فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسمع والطاعة وحسن المؤازرة. وإن لم أحرف ~~[4] ، فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب. وإن كنتم تعلمون أن أحدا ممن يعرف ~~بالصلاح يعطيكم من نفسه ما قد بذلت لكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من ~~يبايعه معكم. إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . # أقول: إن هذا الكلام حسن بالنسبة إلى ذلك الزمان وإلى اصطلاح أهله، فإن ~~هذه الشرائط هي التي كانت معتبرة عندهم في استحقاق الرئاسة. فأما في هذا ~~العصر فلو افتخر ملك من الملوك بأنه لا يكري نهرا ولا يضع حجرا على حجر، ~~PageV01P134 # أو ندب رعيته إلى تمليك غيره لعد سفيها، ولكان جديرا في اصطلاحهم بأن ~~يملك غيره. # وفي تلك الأيام شرع حبل بني أمية يضطرب، وشرعت الدولة العباسية تنبع [1] ~~وانبعثت الدعاة في الأمصار. ms096 وكانت وفاته في سنة ست وعشرين ومائة. ### || ثم ملك بعده أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان # كانت تلك الأيام أيام فتن، وكان حبل بني أمية قد اضطرب. فلما مات يزيد ~~ابن الوليد بن عبد الملك بويع أخوه إبراهيم بيعة لم تكن بطائل [2] . فكان ~~ناس يسلمون عليه بالخلافة، وناس بالإمارة، وناس ربما يسلمون عليه بواحدة ~~منهما. # واضطرب أمره فمكث سبعين يوما، وسار إليه مروان بن محمد بن مروان فخلعه، ~~وبويع له بالخلافة وجلس على سرير المملكة، وذلك بعد حروب وفتن ووقائع يشيب ~~منها الولدان. ### || ثم ملك بعده مروان بن محمد بن مروان # هو آخر خلفاء بني أمية، وعنه انتقلت الدولة إلى بني العباس، ويقال له: # الجعدي، ويقال له: الحمار. وإنما لقب بالحمار، قالوا لصبره في الحرب، ~~وكان شجاعا صاحب دهاء ومكر. وكانت أيامه أيام فتن وهرج ومرج. ولم تطل أيامه ~~حتى هزمته الجيوش العباسية وتبعته إلى بلاد مصر، فقتل بقرية اسمها «بوصير» ~~من قرى الصعيد وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وفي أيامه خرج عبد الله بن ~~معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. PageV01P135 ### || شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار # لما اضطرب حبل بني أمية وبويع مروان ثارت الفتن بين الناس، واختلفت ~~كلمتهم، فكل يرى رأيا ويذهب مذهبا. وكان بالكوفة رجل من ولد جعفر الطيار- ~~عليه السلام- اسمه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ~~وكان فاضلا شاعرا فحدثته نفسه بالأمر. ورأى أهل الكوفة اختلاف الأمور بدمشق ~~واضطراب حبل بني أمية، فحضروا إلى هذا عبد الله وبايعوه، واجتمعوا حوله ~~خلائق: فبرز إليهم أمير الكوفة يومئذ فقاتلهم بمن معه، وتصابر [1] الفريقان ~~مدة ففي آخر الأمر طلب أهل الكوفة لأنفسهم ولعبد الله بن معاوية بن عبد ~~الله بن جعفر الأمان من أمير الكوفة، ليتوجهوا أين شاءوا من بلاد الله. ~~وكان أمير الكوفة ومن معه قد ملوا القتال فأعطاهم الأمان، فتوجه عبد الله ~~إلى المدائن [2] وعبر دجلة، وغلب على حلوان [3] وما قاربها- ثم توجه إلى ~~بلاد ms097 العجم فغلب على تلك الجبال وهمذان وأصفهان والري والتحق به قوم من بني ~~هاشم وبقي على ذلك مدة. # وكان أبو مسلم الخراساني قد قويت شوكته، فسار إلى هذا عبد الله فقتله. # ثم أظهر الدولة العباسية، ثم ظهرت الدولة العباسية واشتهرت دعوتها. ~~PageV01P136 الكلام على الدولة العباسية ### || ذكر انتقال الملك من بني أمية إلى بني العباس # لا بد قبل الخوض في ذلك من مقدمة، يشرح فيها ابتداء أمر أبى مسلم ~~الخراساني فإنه رجل الدولة وصاحب الدعوة، وعلى يده كان الفتح. ### || شرح ابتداء أمر أبي مسلم الخراساني ونسبه # أما نسبه: ففيه اختلاف كثير لا فائدة في استقصاء القول فيه، فقيل: هو حر ~~من ولد بزرجمهر، وإنه ولد بأصفهان ونشأ بالكوفة، فاتصل بإبراهيم الإمام ابن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فغير اسمه وكناه بأبي مسلم وثقفه وفقهه ~~حتى كان منه ما كان. وقيل: هو عبد، تنقل في الرق حتى إبراهيم الإمام، فلما ~~رآه أعجبه سمته وعقله، فابتاعه من مولاه وثقفه وفهمه، وصار يرسله إلى شيعته ~~وأصحاب دعوته بخراسان وما زال على ذلك حتى كان من الأمر ما كان. # وأما هو: فإنه لما قويت شوكته، ادعى أنه ابن سليط بن عبد الله بن العباس ~~ثم ترسل أبو مسلم لإبراهيم الإمام إلى خراسان ودعا إليه سرا. وما زال على ~~ذلك حتى ظهرت الدعوة وتم الأمر. ### || مقدمة أخرى قبل الخوض فيها # قال الله تعالى: وتلك الأيام نداولها بين الناس 3: 140 [1] . # وعزى بعض الحكماء بعض الملوك عن مملكة خرجت عنه فقال: لو بقيت لغيرك لما ~~وصلت إليك. # واعلم- علمت الخير- أن هذه دولة من كبار الدول، ساست العالم سياسة ممزوجة ~~بالدين والملك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تدينا، والباقون ~~يطيعونها رهبة أو رغبة، ثم مكثت فيها الخلافة والملك حدود ستمائة سنة، ثم ~~PageV01P137 # طرأت عليها دول كدولة بني بويه [1] ، وكانت عظمتها كما علمت، وفيها كبشهم ~~وفحلهم عضد الدولة فناخسرو وكدولة بني سلجوق [2] وفيها مثل طغرلبك. ~~وكالدولة الخوارزمشاهية [3] وفيها مثل علاء الدين، وجريدة عسكره مشتملة على ~~أربعمائة ألف مقاتل. ms098 وكدولة الفاطميين بمصر، وقد وجهوا عسكرا صحبة عبد من ~~عبيدهم اسمه جوهر [4] لم ير عسكر أكثف منه، حتى قال فيه شاعرهم وهو محمد بن ~~هانئ [5] المغربي: # فلا عسكر من قبل عسكر جوهر ... تخب المطايا فيه عشرا وتوضع # (طويل) وكخوارج خرجوا في أثنائها بجموع كثيرة، وحشود عظيمة. كل ذلك ولم ~~يزل مملكهم، ولم تقو دولة على إزالة ملكهم ومحو أثرهم، بل كان الملك من ~~هؤلاء المذكورين يجمع ويحتشد ويجر العساكر العظيمة، حتى يصل إلى بغداد، ~~فإذا وصل التمس الحضور بين يدي الخليفة، فإذا حضر قبل الأرض بين يديه، وكان ~~قصارى ما يتمناه أن يوليه الخليفة ويعقد له لواء ويخلع عليه. فإذا فعل ~~PageV01P138 # الخليفة ذلك قبل الملك الأرض بين يديه، ومشى في ركابه راجلا، والغاشية ~~[1] تحت إبطه، كما فعل مسعود السلطان مع المسترشد فإن المسترشد وقعت بينه ~~وبين مسعود منابذة أدت إلى محاربة، فخرج المسترشد بعسكر كثيف وصحبته جميع ~~أرباب الدولة، فالتقى هو والسلطان مسعود [2] بظاهر مراغة فاقتتلوا ساعة، ثم ~~انكشف الغبار وقد انهزم أصحاب المسترشد، واستولى عسكر مسعود، فانجلى الغبار ~~والخليفة ثابت على ظهر فرسه، وفي يده المصحف وحواليه القراء والقضاة ~~والوزراء لم ينهزم أحد منهم، وإنما انهزم المقاتلون. فلما نظر السلطان ~~مسعود إليهم، أرسل من قاد دابة الخليفة وأدخله إلى خيمة قد نصبت له وأخذ ~~أرباب دولته فحبسهم في قلعة قريبة من تلك النواحي، ثم غنموا جميع ما كان في ~~عسكر الخليفة. وبعد أيام اجتمع السلطان بالخليفة وعاتبه على فعله، ثم تقرر ~~بينهم أمر الصلح فاصطلحا، وركب الخليفة إلى مخيم عظيم ضربه لأجله السلطان. ~~فلما ركب الخليفة أخذ السلطان مسعود الغاشية ومشى في ركابه، ثم جرى من قتل ~~المسترشد ما نذكره بعد هذا. # فهذه الدول جميعها طرأت على دولة بني العباس، ولم تقو نفس أحد على إزالة ~~ملكهم ومحو آثارهم. وكانت لهم في نفوس الناس منزلة لا تدانيها منزلة أحد ~~آخر من العالم، حتى إن السلطان «هولاكو» لما فتح بغداد، وأراد قتل الخليفة ~~أبي أحمد عبد الله المستعصم- ألقوا إلى سمعه ms099 أنه متى قتل الخليفة اختل نظام ~~العالم واحتجبت الشمس وامتنع القطر والنبات. فاستشعر لذلك، ثم سأل بعض ~~العلماء في حقيقة الحال عن ذلك فذكر ذلك العالم له الحق في هذا، وقال: إن ~~علي ابن أبي طالب كان خيرا من هذا الخليفة بإجماع العالم، ثم قتل ولم تجر ~~هذه المحذورات، وكذلك الحسين. وكذلك أجداد هذا الخليفة، قتلوا وجرى عليهم ~~كل مكروه، وما احتجبت الشمس ولا امتنع القطر فحين سمع زال ما كان قد حصل في ~~PageV01P139 # خاطره، واعتذر ذلك العالم عن هذا القول بأن هيبة السلطان كانت عظيمة ~~وسطوته مرهوبة، فما تجاسرت أن أقول بين يديه غير الحق. فهذا كان اعتقاد ~~الناس في بني العباس. وما قويت دولة من الدول على إزالة مملكتهم ومحو أثرهم ~~سوى هذه الدولة القاهرة. نشر الله إحسانها وأعلى شأنها. # فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة، محا أثر بني العباس كل ~~المحو، وغير جميع قواعدهم. حتى إن الذي كان يتلفظ باسم بني العباس كان على ~~خطر من ذلك. ### || وها هنا موضع حكاية # حدثني نصر المليسي الحبشي أحد خدام السلطان- مد الله معدلته [1] ، وأعلى ~~في الدارين درجته- وكان قبل ذلك للخليفة المستعصم قال: لما ملكت بغداد ~~أخرجوني وأنا صغير في جملة الخدم، فلازمنا خدمة الدركاه [2] أياما. فلما ~~بعدنا من بغداد أحضرنا السلطان هولاكو يوما بين يديه، وكان علينا زي ~~الخلافة، فقال: # أنتم كنتم قبل هذا للخليفة، وأنتم اليوم لي. فينبغي أن تخدموني خدمة جيدة ~~بنصيحة وتزيلوا من قلوبكم اسم الخليفة، فذاك شيء كان ومضى. وإن آثرتم تغيير ~~هذا الزي، والدخول في زينا كان أصلح. قال: قلنا: السمع والطاعة. ثم غيرنا ~~زينا ودخلنا زيهم. ### || شرح ابتداء الدولة العباسية # روي أن الرسول- صلوات الله عليه- كان يجري على لفظه الشريف ما معناه ~~البشارة بدولة هاشمية. فزعم ناس أنه قال: تكون لرجل من ولدي. وزعم ناس أنه- ~~عليه الصلاة والسلام- قال لعمه العباس- رضي الله عنه وسلم-: # إنها تكون في ولدك، وأنه حين أتاه بابنه عبد الله أذن في أذنه وتفل في ~~فيه، وقال PageV01P140 # «اللهم فقهه في ms100 الدين وعلمه التأويل» ثم دفعه إلى أبيه وقال له: خذ إليك ~~أبا الأملاك. فمن زعم هذا الزعم قال: إن الدولة العباسية هي الدولة المبشر ~~بها، وكانت دولة بني أمية مكروهة عند الناس ملعونة مذمومة، ثقيلة الوطأة ~~مستهترة بالمعاصي والقبائح فكان الناس من أهل الأمصار ينتظرون هذه الدولة ~~صباح مساء، وكان محمد بن علي بن أبي طالب- عليه السلام- وهو المعروف بابن ~~الحنفية، قد اعتقد فيه أنه صاحب الدولة بعد قتل أخيه الحسين- عليه السلام- ~~ما عدا الإمامية، فإن اعتقادهم إمامة علي بن الحسين زين العابدين- عليه ~~السلام- وإمامة بنيه واحدا بعد واحد إلى القائم محمد بن الحسن (عليه ~~السلام) . # فلما مات محمد بن الحنفية [1]- عليه السلام- أوصى إلى ابنه أبي هاشم عبد ~~الله. وكان أبو هاشم من رجال أهل البيت- عليهم السلام- فاتفق أنه قصد دمشق ~~وافدا على هشام بن عبد الملك، فبره هشام ووصله، ثم رأى من فصاحته ورياسته ~~وعلمه ما حسده عليه وخاف منه، فبعث إليه وقد رجع إلى المدينة من سمه في ~~لبن. فلما علم بذلك عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان نازلا ~~بالحميمة من أرض الشأم، فأعلمه أنه ميت وأوصى إليه، وكان صحبته جماعة من ~~الشيعة فسلمهم إليه وأوصاه فيهم ثم مات- رضي الله عنه- فتهوس محمد بن عبد ~~الله بالخلافة منذ يومئذ، وشرع في بث الدعوة سرا، وما زال الأمر على ذلك ~~حتى مات وخلف أولاده. وهم جماعة: منهم إبراهيم الإمام، والسفاح والمنصور، ~~فقام إبراهيم الإمام بالأمر بعد أبيه، واستكثر من إرسال الدعاة إلى ~~الأطراف، خصوصا إلى خراسان فإنهم كانوا أشد وثوقا بأهل خراسان من غيرهم من ~~أهل الأمصار. PageV01P141 # أما أهل الحجاز. فقليلون. وأما أهل الكوفة والبصرة، فكان أهل البيت ~~مذعورين لما جرى منهم على أمير المؤمنين- عليه السلام- والحسن والحسين- ~~عليهما السلام- من الخذلان والغدر، وسفك الدم. وأما أهل الشام ومصر- فهواهم ~~في بني أمية، وحب بني أمية رسخ في قلوبهم. فلم يبق لهم من يسكنون إليه من ~~أهل الأمصار إلا أهل خراسان. # وكان يقال- إن الرايات السود الناصرة لأهل البيت تخرج من خراسان. # فأرسل إبراهيم ms101 الإمام جماعة من الدعاة إلى خراسان، وكاتب مشايخها ~~ودهاقينها فأجابوه ودعوا إليه سرا. وأرسل في آخر الأمر أبا مسلم، فمضى إلى ~~هناك وجمع الجموع. كل ذلك والأمر سر، والدعوة مخفية لم تظهر بعد. # فلما كانت أيام مروان الحمار بن محمد بن مروان- آخر خلفاء بني أمية- كثر ~~الهرج والمرج، ونما الشر وثارت الفتن، واضطرب حبل بني أمية، واختلفت كلمتهم ~~وقتل بعضهم بعضا- أظهر أبو مسلم دعوة بني العباس، واجتمع إليه كل من له في ~~ذلك رأي من أهل خراسان، وجر عسكرا كثيفا ليقاتل به أمير خراسان وهو نصر بن ~~سيار [1] . فلما بلغ نصرا حال أبي مسلم وجموعه، راعه ذلك فكتب إلى مروان ~~الحمار: # أرى بين الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام # فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام # فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها كلام # فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟ # فكتب إليه مروان: إن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم أنت هذا الداء ~~الذي قد ظهر عندك. فقال نصر بن سيار لأصحابه: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا ~~نصر عنده. وتواترت الأخبار إلى مروان بهذا الأمر، وحبله كلما جاء خبر ~~PageV01P142 # يضطرب، وأمره في كل يوم يضعف. ثم بلغه أن الذي تدعو الدعاة إليه هو ~~إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخو السفاح والمنصور، فأرسل ~~إليه وقبض عليه، وأحضره إلى حران فحبسه فيها، ثم سمه في الحبس فمات. # ثم جرت بين أبي مسلم وبين نصر بن سيار وغيره من أمراء خراسان حروب ~~ووقائع، كانت الغلبة فيها للمسودة وهم عسكر أبي مسلم، وإنما سموا- المسودة ~~لأن الزي الذي اختاروه لبني العباس هو لون السواد. فانظر إلى قدرة الله ~~تعالى وأنه إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وإذا أراد أمرا فلا مرد لأمره. # لما قدر الله انتقال الملك إلى بني العباس هيأ جميع الأسباب- فكان ~~إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالحجاز أو بالشام ~~جالسا على مصلاه مشغولا بنفسه وعبادته ms102 ومصالح عياله، ليس عنده من الدنيا ~~طائل، وأهل خراسان يقاتلون عنه ويبذلون نفوسهم وأموالهم دونه، وأكثرهم لا ~~يعرفه ولا يفرق بين اسمه وشخصه. وانظر إلى إبراهيم الإمام، هو بتلك الحالة ~~من الانقطاع بداره واعتزال الدنيا وهو بالحجاز أو بالشام، وله مثل هذا ~~العسكر العظيم في خراسان يبذلون نفوسهم دونه، لا ينفق عليهم مالا، ولا يعطي ~~أحدهم دابة ولا سلاحا. بل هم يجبون إليه الأموال ويحملون إليه الخراج في كل ~~سنة. # ولما قدر الله تعالى خذلان مروان، وانقراض ملك بني أمية، وكان مروان ~~خليفة مبايعا، ومعه الجنود والأموال والسلاح، والدنيا بأجمعها عنده، والناس ~~يتفرقون عنه وأمره يضعف، وحبله يضطرب، فما زال يضمحل حتى هزم وقتل، فتعالى ~~الله!!. # ولما غلب أبو مسلم على خراسان واستولى على كورها [1] وقويت شوكته سار إلى ~~العراق بالجنود. وكان لما قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه بحران [2] ~~وكان لهم بها شيعة- منهم أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال. وكان من كبار ~~PageV01P143 # الشيعة بالكوفة وصار بعد ذلك وزيرا للسفاح، ثم قتله السفاح، وسيرد ذكره ~~عند ذكر الوزراء. فأخلى لهم أبو سلمة الخلال دارا بالكوفة، وأمر لهم بها، ~~وتولى خدمتهم بنفسه، وكتم أمرهم، واجتمعت الشيعة إليه، وقويت شوكتهم. فوصل ~~أبو مسلم بالجنود من خراسان إلى الكوفة. فدخل على بني العباس وقال: أيكم ~~ابن الحارثية؟ فقال له المنصور: هذا- وأشار إلى السفاح وكانت أمه حارثية- ~~فسلم أبو مسلم عليه بالخلافة [1] بين يديه إلى الجامع، فصلى وصعد المنبر ~~وأظهر الدعوة وخطب الناس وبويع بالخلافة. وذلك في سنة مائة واثنتين ~~وثلاثين، وهذا أول دولة بني العباس، وآخر دولة بني أمية. # ثم عسكر السفاح ظاهر الكوفة، ووفد عليه الناس من الأمصار يبايعونه. # فلما اجتمع عنده الناس وقويت شوكته، ندب رجلا من أقاربه لقتال مروان ~~الحمار، فانتدب لذلك عمه عبد الله بن علي وكان من رجال بني العباس، فتوجه ~~عبد الله بن علي إلى مروان فلقيه بالزاب [2] ، ومع مروان مائة وعشرون ألف ~~مقاتل ولا يكون مع عبد الله بن علي إلا الأقل من ذلك فصنع الله تعالى ms103 لعبد ~~الله بن علي أنواع الصنع، وخذل مروان كل الخذلان، فانظر واعتبر!. ### || شرح كيفية الوقعة بالزاب وخذلان مروان وانهزامه # لما التقى على الزاب مروان الحمار وعبد الله بن علي، قال مروان لبعض ~~أصحابه إن غابت شمس هذا النهار ولم يقاتلون [3] فالخلافة فينا، ونحن نسلمها ~~في آخر الزمان إلى المسيح عليه السلام، وأمر أصحابه بالكف عن القتال، وقصد ~~أن ينقضي النهار ولا يقع قتال. ثم أرسل إلى عبد الله بن علي يسأله ~~الموادعة، فقال PageV01P144 # عبد الله: كذب لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله تعالى. # فكان من الاتفاقات الطريفة، أن صهر مروان حمل على قطعة من عسكر عبد الله ~~بن علي فرده مروان وشتمه فلم يقبل، ونشب القتال. فأمر عبد الله بن علي ~~أصحابه بالمناجزة [1] فجثوا على الركب وأشرعوا الرماح. ونادى عبد الله بن ~~علي: يا رب حتى متى نقتل فيك؟ ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم ~~الإمام! واشتد القتال، فصار مروان إذا أمر طائفة من العسكر بشيء قالوا: قل ~~للطائفة الأخرى وبلغ من أمره أنه قال لصاحب شرطته: انزل إلى الأرض، فقال: # لا والله، لا ألقي نفسي في التهلكة. فقال له مروان: لأفعلن بك، وتهدده. ~~فقال: # وددت أنك تقدر على ذلك. ثم رأى مروان فترة أصحابه ومناجزة أصحاب عبد الله ~~ابن علي فوضع مروان ذهبا كثيرا قدام الناس، وقال: أيها الناس: قاتلوا وهذا ~~المال لكم فصار الناس يمدون أيديهم إلى المال، ويتناولون منه شيئا شيئا، ~~فقال بعض الناس لمروان، إن الناس قدموا أيديهم إلى المال، ولا نأمن أنهم ~~يذهبون به فأمر ابنه أن يسير في أواخر العسكر، فمن وجد معه شيئا من المال ~~قتله. فرجع ابنه برايته ليتعهد ما قال فرأى الناس الراية راجعة، فنادوا: ~~الهزيمة الهزيمة. # فانهزم الناس ومروان أيضا، وعبروا دجلة، فكان من غرق أكثر ممن قتل وتلا ~~عبد الله بن علي: وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم ~~تنظرون 2: 50 [2] ثم انتقل إلى عسكر مروان، وغنم ما فيه، وأقام به سبعة ~~أيام. ms104 ### || شرح مقتل مروان الحمار [3] # ثم إن مروان مضى منهزما حتى وصل الموصل، فقطع أهلها الجسر ومنعوه من ~~العبور، فنادى أصحابه، يا أهل الموصل، هذا أمير المؤمنين يريد العبور. ~~فناداهم أهل الموصل، كذبتم، أمير المؤمنين لا يفر. وسبه أهل الموصل ~~PageV01P145 # وقالوا له: الحمد لله الذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم. الحمد لله الذي ~~أتانا بأهل بيت نبينا. فلما سمع ذلك سار إلى بلد وعبر دجلة وأتى حران، ثم ~~منها إلى دمشق ثم منها إلى مصر وتبعه عبد الله بن علي، ثم أرسل خلفه بعض ~~أصحابه فرآه بقرية من قرى الصعيد اسمها «بوصير» فخرج إليهم ليلا مروان ~~وقاتلهم، فقال لجند بني العباس أميرهم: إن أصبحنا ورأوا قلتنا أهلكونا ولم ~~ينج منا أحد، فناجزوا القوم. وكسر جفن [1] سيفه، وفعل أصحابه مثله، وحملوا ~~عليهم فانهزموا. وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه فصرعه، وصاح صائح، ~~صرع أمير المؤمنين! فابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة فاحتز رأسه، ثم ~~نفض الرأس وقطع لسانه فأكلته هرة كانت هناك. ثم حمل الرأس إلى السفاح فوصل ~~إليه وهو بالكوفة، فلما رآه سجد، ثم رفع رأسه وقال: الحمد لله الذي أظهرني ~~[2] عليك، وأظفرني بك، ولم يبق ثأري قبلك وتمثل [3] : # لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني [4] # (بسيط) ثم صفا الملك للسفاح. ### | ### || وهي التي تسلمت الملك من الدولة الأموية # واعلم أن الدولة العباسية كانت دولة ذات خدع ودهاء وغدر، وكان قسم التحيل ~~والمخادعة فيها أوفر من قسم القوة والشدة، خصوصا في أواخرها. فإن المتأخرين ~~منهم بطلوا قوة الشدة والنجدة، وركنوا إلى الحيل والخدع وفي مثل ذلك يقول ~~كشاجم [5] مشيرا إلى موادعة أصحاب السيوف، وعداوة أصحاب الأقلام ومقاتلة ~~بعضهم لبعض: PageV01P146 # هنيئا لأصحاب السيوف بطالة ... تقضى بها أوقاتهم في التنعم # فكم فيهم من وادع العيش لم يهج ... لحرب ولم ينهد لقرن [1] مصمم # يروح ويغدو عاقدا في نجاده ... حساما سليم الحد لم يتثلم # ولكن ذوو الأقلام في كل ساعة ... سيوفهم ليست تجف من الدم # (طويل) وفيها يقول بعض الشعراء، حين ms105 قتل المتوكل وزيره محمد بن عبد الملك ~~الزيات: # يكاد القلب من جزع يطير ... إذا ما قيل: قد قتل الوزير # أمير المؤمنين قتلت شخصا ... عليه رحاكم كانت تدور [2] # فمهلا يا بني العباس مهلا ... لقد كويت بغدركم الصدور # (وافر) إلا أنها كانت دولة كثيرة المحاسن جمة والمكارم. أسواق العلوم ~~فيها قائمة وبضائع الآداب فيها نافقة، وشعائر الدين فيها معظمة، والخيرات ~~فيها دارة [3] ، والدنيا عامرة، والحرمات مرعية، والثغور محصنة، وما زالت ~~على ذلك حتى كانت أواخرها فانتشر الجبر [4] واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة. ~~وسيرد ذلك في موضعه مشروحا إن شاء الله تعالى. وهذا أوان الشروع في ذكر ~~خليفة خليفة. ### || أول خليفة ملك منهم: السفاح # هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد ~~المطلب بويع في سنة مائة واثنتين وثلاثين. PageV01P147 # كان كريما حليما وقورا عاقلا كاملا، كثير الحياء حسن الأخلاق. ولما بويع ~~واستوسق [1] له الأمر تتبع بقايا بني أمية ورجالهم، فوضع السيف فيهم. # وفي بعض أيامه كان جالسا في مجلس الخلافة، وعنده سليمان بن هشام بن عبد ~~الملك وقد أكرمه السفاح، فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده: # لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا [2] # فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا # (خفيف) فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح وأخذ سليمان ~~فقتل. # ودخل عليه شاعر آخر وقد قدم الطعام، وعنده نحو سبعين رجلا من بني أمية. # فأنشده: # أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل [3] من بني العباس # طلبوا وتر [4] هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وياس # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة [5] وغراس # ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي [6] # ولقد غاظني وغاظ سوائي [7] ... قربهم من نمارق وكراسي # أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإنعاس # واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس # والقتيل الذي بحران أضحى ... ثاويا بين غربة وتناس # (خفيف) PageV01P148 # فالتفت أحدهم إلى من بجانبه وقال: قتلنا العبد! ثم أمر بهم السفاح فضربوا ~~بالسيوف حتى قتلوا، وبسط النطوع ms106 عليهم وجلس فوقهم فأكل الطعام، وهو يسمع ~~أنين بعضهم، حتى ماتوا جميعا. # وبالغ بنو العباس في استئصال شأفة بني أمية [1] ، حتى نبشوا قبورهم ~~بدمشق: فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه- فلم يجدوا فيه إلا ~~خيطا مثل الهباء ونبشوا قبر يزيد. فوجدوا فيه حطاما كأنه الرماد. ولما قتل ~~رجالهم واستصفى أموالهم قال: # بني أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لي منكم بالأول الماضي # يطبب النفس أن النار تجمعكم ... عوضتم من لظاها شر معتاض # منيتم- لا أقال الله عثرتكم- ... بليث غاب إلى الأعداء نهاض # إن كان غيظي لفوت منكم فلقد ... رضيت منكم بما ربي به راض # (بسيط) ثم لم تطل مدة السفاح حتى مات بالأنبار [2] ، في سنة مائة وست ~~وثلاثين. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لا بد قبل الخوض في ذلك من تقديم كلمات في هذا المعنى، فأقول: # الوزير وسيط بين الملك ورعيته، فيجب أن يكون في طبعه شطر يناسب طباع ~~الملوك، وشطر يناسب طباع العوام، ليعامل كلا من الفريقين بما يوجب له ~~القبول والمحبة. والأمانة والصدق رأس ماله. قيل: إذا خان السفير بطل ~~التدبير. # وقيل: ليس لمكذوب رأي. والكفاءة والشهامة من مهماته، والفطنة والتيقظ ~~والدهاء والحزم من ضرورياته. ولا يستغني أن يكون مفضالا مطعاما، ليستميل ~~بذلك الأعناق، وليكون مشكورا بكل لسان. والرفق والأناة والتثبت في الأمور، ~~والحلم والوقار والتمكن ونفاذ القول، مما لا بد له منه. PageV01P149 # لما استوزر الناصر وزيره مؤيد الدين محمد بن برز القمي خلع عليه خلع ~~الوزارة ثم جلس القمي في منصب الوزارة والناس جميعا بين يديه فبرز من حضرة ~~الخليفة مكتوب لطيف في قدر الخنصر بخط يد الناصر، فقرئ على الجمع فكان فيه. ### || «بسم الله الرحمن الرحيم. # محمد بن برز القمي نائبنا في البلاد والعباد، ~~فمن أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن أطاع الله أدخله ~~الجنة ومن عصاه فقد عصانا، ومن عصانا فقد عصى الله، ومن عصى الله أدخله ~~النار» . # فنبل [1] القمي بهذا التوقيع في عيون الناس، وجلت مكانته، وقامت له ~~الهيبة في الصدور. # والوزارة لم ms107 تمتهد قواعدها وتتقرر قوانينها، إلا في دولة بني عباس. فأما ~~قبل ذلك، فلم تكن مقننة القواعد، ولا مقررة القوانين بل كان لكل واحد من ~~الملوك أتباع وحاشية، فإذا حدث أمر استشار بذوي الحجا [2] والآراء الصائبة، ~~فكل منهم يجرى مجرى وزير. فلما ملك بنو العباس تقررت قوانين الوزارة وسمي ~~الوزير وزيرا، وكان قبل ذلك يسمى كاتبا أو مشيرا. # قال أهل اللغة: الوزير: الملجأ والمعتصم. والوزير. الثقل فالوزير إما ~~مأخوذ من الوزر فيكون معناه أن يحمل الثقل، أو يكون مأخوذا من الوزر، فيكون ~~المعنى أنه يرجع ويلجأ إلى رأيه وتدبيره. وكيف تقلبت لفظة «وزر» كانت دالة ~~على الملجأ والثقل. # أول وزير وزر لأول خليفة عباسي، حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال. # كان مولى لبني الحارث بن كعب. قيل في تلقيبه بالخلال ثلاثة أوجه: أحدها ~~أن منزله بالكوفة كان قريبا من محلة الخلالين [3] . وكان يجالسهم فنسب ~~إليهم، كما PageV01P150 # نسب الغزالي إلى الغزالين، وكان يجالسهم كثيرا. ورأيت في تسمية الغزالي ~~وجها آخر: قيل: كان من رأيه الصدقة على النساء العجائز اللواتي يحضرن إلى ~~دار الغزل ليبعن غزلهن، فيرى ضعفهن وفقرهن ونزارة [1] مكسبهن، فيرق لهن ~~فيتصدق عليهن كثيرا، ويأمر بالصدقة عليهن فنسب إلى ذلك. وثانيها، أنه كان ~~له حوانيت يعمل فيها الخل فنسب إلى ذلك وثالثها أنها نسبة إلى خلل السيوف، ~~وهي أغمادها. # كان أبو سلمة من مياسير [2] أهل الكوفة، وكان ينفق ماله على رجال الدعوة ~~وكان سبب وصلته إلى بني العباس أنه كان صهرا لبكير بن ماهان، وكان بكير بن ~~ماهان كاتبا خصيصا بإبراهيم الإمام فلما أدركته الوفاة قال لإبراهيم الإمام ~~إن لي صهرا بالكوفة يقال له أبو سلمة الخلال. قد جعلته عوضي في القيام بأمر ~~دعوتكم. ثم مات فكتب إبراهيم الإمام إلى أبي سلمة يعلمه بذلك ويأمره بما ~~يريد من أمر الدعوة وقام أبو سلمة بأمر دعوتهم قياما عظيما فلما سبر [3] ~~أحوال بني العباس عزم على العدول عنهم إلى بني علي- عليه السلام- فكاتب ~~ثلاثة من أعيانهم: # جعفر بن محمد الصادق- عليهما السلام- وعبد الله المحض بن ms108 حسن بن حسن ابن ~~علي بن أبي طالب- عليهم السلام- وعمر الأشرف بن زين العابدين- عليه السلام- ~~وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال له: اقصد أولا جعفر بن محمد الصادق، ~~فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، وإن لم يجب فالق عبد الله المحض، فإن ~~أجاب فأبطل كتاب عمر، وإن لم يجب فالق عمر، فذهب الرسول إلى جعفر ابن محمد- ~~عليه السلام- أولا، ودفع إليه كتاب أبي سلمة فقال ما لي ولأبي سلمة وهو ~~شيعة [4] لغيري؟ فقال له الرسول: اقرأ الكتاب فقال الصادق- عليه السلام- ~~لخادمه: أدن السراج مني، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتى احترق فقال ~~PageV01P151 # الرسول: ألا تجيبه؟ قال: قد رأيت الجواب. ثم مضى الرسول إلى عبد الله ~~المحض ودفع إليه الكتاب فقرأه وقبله وركب في الحال إلى الصادق- عليه ~~السلام- وقال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الخلافة، قد وصل على يد ~~بعض شيعتنا من أهل خراسان فقال له الصادق- عليه السلام-: ومتى صار أهل ~~خراسان شيعتك؟ أنت وجهت إليهم أبا مسلم؟ هل تعرف أحدا منهم باسمه أو بصوته؟ ~~فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرفهم وهم لا يعرفونك؟ فقال عبد الله: # كان هذا الكلام منك لشيء، فقال الصادق قد علم الله أني أوجب النصح على ~~نفسي لكل مسلم فكيف أدخره عنك؟ فلا تمن نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتم ~~لهؤلاء وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك. فانصرف عبد الله غير راض. وأما عمر ~~بن زين العابدين، فإنه رد الكتاب وقال: أنا لا أعرف صاحبه، فأجيبه، ثم غلب ~~أبو سلمة على رأيه وعملت الدعوة عملها وبويع السفاح ونم [1] الخبر إليه ~~فحقدها على أبي سلمة وقتله. ### || ذكر شيء من سيرته ومقتله # كان أبو سلمة سمحا كريما مطعاما كثيرا، مشغوفا بالتنوق [2] في السلاح ~~والدواب، فصيحا عالما بالأخبار والأشعار والسير والجدل والتفسير، حاضر ~~الحجة ذا يسار ومروءة ظاهرة فلما بويع السفاح استوزره وفوض الأمور إليه ~~وسلم إليه الدواوين ولقب وزير آل محمد، وفي النفس أشياء. وخاف السفاح إن هو ~~قتل وزيره أبا سلمة أن يستشعر أبو مسلم ويتنمر، فتلطف لذلك، وكتب إلى ms109 أبي ~~مسلم كتابا يعلمه فيه بما عزم عليه أبو سلمة من نقل الدولة عنهم، ويقول له: ~~إنني قد وهبت جرمه لك- وباطن الكتاب يقتضي تصويب الرأي في قتل أبي سلمة- ~~وأرسل الكتاب مع أخيه المنصور. فلما قرأ أبو مسلم الكتاب فطن لغرض السفاح. # فأرسل قوما من أهل خراسان قتلوا أبا سلمة، فقال الشاعر: PageV01P152 # إن الوزير وزير آل محمد ... أودى [1] ، فمن يشناك [2] كان وزيرا # إن السلامة قد تبين وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا ### || # (كامل) واختلفوا فيمن وزر للسفاح بعده. فقيل: أبو الجهم. وقيل: عبد ~~الرحمن. فأما أبو الجهم فوزر للسفاح مدة، فلما أفضت الخلافة إلى المنصور ~~كان في نفسه منه أمور فسمه في سويق [3] اللوز فلما أحس بالسم قام ليذهب، ~~فقال له المنصور: إلى أين؟ قال: إلى حيث بعثتني يا أمير المؤمنين. # وأما الصولي [4] فقال: إن السفاح استوزر بعد أبي سلمة خالد بن برمك. ### || ذكر وزارة خالد بن برمك وشيء من سيرته # هذا خالد هو جد البرامكة. وفي تلك الأيام نبغت الدولة البرمكية وامتدت ~~إلى أن انقضت في أيام الرشيد. # وكان خالد بن برمك من رجال الدولة العباسية فاضلا جليلا كريما، حازما ~~يقظا استوزره السفاح وخف على قلبه، وكان يسمى وزيرا. وقيل: إن كل من ~~استوزره بعد أبي سلمة كان يتجنب أن يسمى: وزيرا، تطيرا مما جرى على أبي ~~سلمة ولقول من قال: # إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا # (كامل) قالوا: فكان خالد بن برمك يعمل عمل الوزراء ولا يسمى وزيرا. ~~PageV01P153 # كان خالد عظيم المنزلة عند الخلفاء قيل: إن السفاح قال له يوما: يا خالد ~~ما رضيت حتى استخدمتني! ففزع خالد وقال: كيف يا أمير المؤمنين وأنا عبدك ~~وخادمك؟ فضحك وقال: إن «ريطة» ابنتي تنام مع ابنتك في مكان واحد، فأقوم ~~بالليل فأجدهما قد سرح [1] الغطاء عنهما، فأرده عليهما فقبل خالد يده وقال: ~~مولى يكتسب الأجر في عبده وأمته [2] . # وكثر الوافدون على باب خالد بن برمك، ومدحه الشعراء، وانتجعه [3] الناس ~~وكان الوافدون قبل ذلك يسمون سؤالا، فقال خالد: ms110 إني أستقبح هذا الاسم لمثل ~~هؤلاء وفيهم الأشراف والأكابر. فسماهم، الزوار. وكان خالد أول من سماهم ~~بذلك. فقال له بعضهم: والله ما ندري أي أياديك عندنا أجل أصلتنا أم ~~تسميتنا؟ إن أول من فعل ذلك المساور بن النعمان، في دولة بني أمية. # ولما بنى المنصور مدينة بغداد. «بغداد» عظمت النفقة عليه، فأشار عليه أبو ~~أيوب المورياني بهدم إيوان كسرى [4] واستعمال أنقاضه. فاستشار المنصور خالد ~~بن برمك في ذلك فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنه آية الإسلام. فإذا ~~رآه الناس علموا أن مثل هذا البناء لا يزيله إلا أمر سماوي. وهو مع ذلك ~~مصلى علي بن أبي طالب- عليه السلام- والمؤنة في نقضه أكثر من نفعه. فقال له ~~المنصور: أبيت يا خالد إلا ميلا إلى العجمية! ثم أمر المنصور بهدمه فهدمت ~~منه ثلمة [5] ، فبلغت النفقة عليها أكثر مما حصل منها. فأمسك المنصور عن ~~هدمه وقال: يا خالد: قد صرنا إلى رأيك وتركنا هدم الإيوان، قال يا أمير ~~المؤمنين: أنا الآن أشير بهدمه، لئلا يتحدث الناس أنك عجزت عن هدم ما بناه ~~غيرك. فأعرض عنه وأمسك عن هدمه- كتب بعض الشعراء إلى خالد بن برمك في يوم ~~PageV01P154 # نوروز [1]- وقد أهدى الناس إلى خالد هدايا فيها جامات [2] من فضة وذهب # ليت شعري أما لنا منك حظ ... يا هدايا الوزير في النوروز # ما على خالد بن برمك في الجو ... د نوال ينيله بعزيز # ليت لي جام فضة من هداياه ... ، سوى ما به الأمير مجيزي # (خفيف) فأمر له بجميع ما كان حاضرا بين يديه من الجامات والأواني الفضية ~~والذهبية فبلغت مالا جليلا. # ولما تولى المنصور الخلافة أقره على وزارته، وأكرمه واستشاره. # انقضت وزارة السفاح، وبانقضائها انقضى الكلام على دولته. ### || ثم ملك بعد أخوه أبو جعفر المنصور # بويع في سنة مائة وست وثلاثين. ### || ذكر شيء من سيرته، وما وقع في أيامه من الحوادث والوقائع. # كان المنصور من عظماء الملوك وحزمائهم وعقلائهم وعلمائهم، وذوي الآراء ~~الصائبة منهم والتدبيرات السديدة، وقورا شديد الوقار، حسن الخلق في الخلوة، ~~من أشد الناس ms111 احتمالا لما يكون من عبث أو مزاح، فإذا لبس ثيابه وخرج إلى ~~المجلس العام، تغير لونه واحمرت عيناه، وانقلبت جميع أوصافه. قال يوما ~~لبنيه: يا بني: إذا رأيتموني قد لبست ثيابي وخرجت إلى المجلس، فلا يدنون ~~أحد مني مخافة أن أعره [3] بشيء. قالوا: وكان المنصور يلبس الخشن وربما رقع ~~قميصه. وقيل ذلك لجعفر بن محمد الصادق- عليهما السلام- فقال: الحمد لله ~~الذي ابتلاه بفقر نفسه في ملكه. قالوا: ولم يكن يرى في دار المنصور لهو ~~ولعب أو ما يشبه اللهو واللعب. PageV01P155 # حدث بعض مواليه قال: كنت مرة واقفا على رأسه فسمع صوتا عاليا، فقال: انظر ~~ما الصوت؟ قال: فنظرت فإذا هو بعض خدمه يلعب بالطنبور [1] ، وحوله جماعة من ~~جواريه يضحكن منه. قال: فأخبرته الخبر، فتنمر وقال: # وأي شيء يكون الطنبور؟ قال: فوصفته له، فقال: وأنت ما يدريك بالطنبور؟ # قلت: يا أمير المؤمنين رأيته بخراسان. فقام المنصور حتى جاء إلى الخادم، ~~فلما بصر به الجواري تفرقن فأمر فضرب رأس الخادم بالطنبور حتى تكسر ~~الطنبور، ثم أخرجه فباعه. # وكان المنصور من أشد الناس شغفا بابنه المهدي، فكان إذا جنى أحد جناية أو ~~أخذ من أحد مالا، جعله في بيت المال مفردا وكتب عليه اسم صاحبه، فلما ~~أدركته الوفاة قال لابنه المهدي: يا بني إني قد أفردت كل شيء أخذته من ~~الناس على وجه الجناية والمصادرة، وكتبت عليه أسماء أصحابه. فإذا وليت أنت ~~فأعده على أربابه ليدعو لك الناس ويحبوك. # قال يزيد بن عمر بن هبيرة [2] : ما رأيت رجلا في حرب أو سلم أمكر ولا ~~أنكر ولا أشد تيقظا من المنصور. لقد حاصرني تسعة شهور ومعي فرسان العرب، ~~فجهدنا كل الجهد حتى ننال من عسكره شيئا فما قدرنا لشدة ضبطه لعسكره وكثرة ~~تيقظه. ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء، ثم انقضى ذلك وما في رأسي شعرة ~~سوداء. # واعلم أن المنصور هو الذي أصل الدولة، وضبط المملكة، ورتب القواعد وأقام ~~الناموس، واخترع أشياء. فمن جملة ما اخترع: فرس النوبة، ولم يكن الملوك ~~قبله يعرفون ذلك، ms112 وسبب ذلك يأتي فيما بعد. ومن جملة ما اخترع: عمل الخيش ~~الكتان في الصيف، ولم يكن الناس قبله يعرفون ذلك. وكان الأكاسرة يطينون كل ~~يوم من أيام الصيف بيتا يسكنونه، ثم في الغد يطين بيت آخر. PageV01P156 # وكان المنصور مبخلا يضرب بشحه الأمثال. وقيل كان كريما: وإنه لما حج أفضل ~~على أهل الحجاز، فكان يسمون عامه عام الخصب. والصحيح أنه كان رجلا حازما ~~يعطي في موضع العطاء، ويمنع في موضع المنع. وكان المنع عليه أغلب. # وجرى في أيامه شيء طريف: وهو أن قوما من أهل خراسان يقال لهم: # الراوندية كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى ~~فلان- رجل من كبارهم- وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور وأن جبرائيل ~~هو فلان- عن رجل آخر- فلما ظهروا أتوا قصر المنصور فطافوا حوله، وقالوا: # هذا قصر ربنا. فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم مائتي رجل، فغضب الباقون ~~واجتمعوا. وفتحوا السجون وأخرجوا أصحابهم منها، وقصدوا المنصور وحاربوه. ~~فخرج المنصور إليهم ماشيا، ولم يكن في بابه في ذلك الوقت دابة، فصار بعد ~~ذلك اليوم تربط له دابة في باب القصر لا تزال واقفة، وصارت تلك سنة للخلفاء ~~بعده وللملوك. فلما خرج المنصور أتي بدابة فركبها وهو يريدهم حتى تكاثروا ~~عليه، وكادوا يقتلونه. وجاء معن بن زائدة [1] وكان مستخفيا من المنصور، جاء ~~متلثما، ووقف بين يدي المنصور والمنصور لا يعرفه فقاتل بين يديه قتالا ~~شديدا وأبلى بلاء حسنا. وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها بيد حاجبه ~~الربيع، فأتى معن وقال: تنح فأنا أحق منك بهذا اللجام في هذا الوقت. فقال ~~المنصور: صدق، ادفع اللجام إليه فلم يزل يقاتل حتى انكشفت الحال وظفر ~~بالراوندية، فقال له المنصور: من أنت؟ قال: طلبتك [2] يا أمير المؤمنين معن ~~بن زائدة. فقال قد آمنك الله على نفسك وأهلك ومالك، ومثلك يصطنع [3] . ~~وأحسن إليه وولاه اليمن. # والمنصور هو الذي بنى مدينة بغداد. PageV01P157 ### || شرح كيفية الحال في بناء بغداد # كان المنصور قد بنى في أوائل دولتهم مدينة بنواحي الكوفة وسماها- ~~«الهاشمية» - ووقعت واقعة الراوندية فيها، فكره ms113 سكناها لذلك، ولمجاورة أهل ~~الكوفة فإنه كان لا يأمنهم على نفسه، وكانوا قد أفسدوا جنده. # فخرج بنفسه يرتاد بغداد كما بناها أبو جعفر المنصور، نقلا عن مذكرات ~~جامعية للمحقق عام/ 1955/ م، مما رسمه الدكتور شاكر مصطفى لطلابه على سبورة ~~قائمة المحاضرات في كلية الآداب في الجامعة السورية بدمشق. # PageV01P158 # له موضعا يسكنه ويبني فيه مدينة له ولعياله، ولأهله ولجنده. فانحدر إلى ~~جرجرايا [1] وأصعد إلى الموصل، ثم أرسل جماعة من الحكماء ذوي اللب والعقل ~~وأمرهم بارتياد موضع، فاختاروا له مدينته التي تسمى: مدينة المنصور. وهي ~~بالجانب الغربي قريبة من مشهد موسى والجواد- عليهما السلام- فحضر إلى هناك ~~واعتبر [2] المكان ليلا ونهارا فاستطابه، وبنى به المدينة. # ومن طريف ما اتفق من ذلك، أن راهبا من رهبان الدير المعروف بدير الروم ~~سأل بعض أصحاب المنصور: من يريد أن يبني في هذا الموضع مدينة؟ # فقال له ذلك الرجل: أمير المؤمنين المنصور خليفة الناس. قال: ما اسمه؟ ~~قال: # عبد الله. قال: فهل له اسم غير هذا؟ قال: اللهم لا، إلا أن كنيته أبو ~~جعفر، ولقبه المنصور. قال الراهب: فاذهب إليه وقل له: لا يتعب نفسه في بناء ~~هذه المدينة، فإنا نجد في كتبنا أن رجلا اسمه مقلاص يبني ها هنا مدينة ~~ويكون لها شأن من الشأن، وأن غيره لا يتمكن من ذلك. فجاء ذلك الرجل إلى ~~المنصور وأخبره بما قال الراهب فنزل المنصور عن دابته وسجد طويلا ثم قال: ~~أما والله كان اسمي مقلاصا وكان هذا اللقب قد غلب علي ثم ذهب عني. # وذاك أن لصا كان في صباي يسمى مقلاصا وكان تضرب به الأمثال، وكانت لنا ~~عجوز تربيني، فاتفق أن صبيان المكتب جاءوا يوما إلي وقالوا لي: # نحن اليوم أضيافك. ولم يكن معي ما أنفقه عليهم. وكان للعجوز غزل فأخذته ~~وبعته بما أنفقته عليهم، فلما علمت أني سرقت غزلها سمتني مقلاصا. وغلب هذا ~~اللقب علي ثم ذهب عني. والآن عرفت أني أبني هذه المدينة. # ونبهه بعض عقلاء النصارى على فضيلة مكانها فقال: يا أمير المؤمنين تكون ~~على ms114 الصراة بين دجلة مع الفرات، فإذا حاربك أحد كانت دجلة والفرات خنادق ~~لمدينتك ثم إن الميرة [3] تأتيك في دجلة من ديار بكر [4] تارة، ومن البحر ~~PageV01P159 # والهند والصين والبصرة، وفي الفرات من الرقة والشأم، وتجيئك الميرة أيضا ~~من خراسان وبلاد العجم في شط تامرا. وأنت يا أمير المؤمنين: بين أنهار، لا ~~يصل عدوك إليك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر أو أخربت القنطرة، لم ~~يصل إليك عدوك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة، وواسط والموصل والسواد. # وأنت قريب من البر والبحر والجبل. فازداد المنصور جدا وحرصا على بنائها، ~~وكاتب الأطراف بإنفاذ [1] الصناع والفعلة وأمر باختيار قوم من ذوي العدالة ~~والعقل والعلم والأمانة والمعرفة بالهندسة ليتولوا قسمة المدينة وعملها، ~~وشرع فيها سنة خمس وأربعين ومائة. # وكان أبو حنيفة [2]- رضي الله عنه- صاحب المذهب يعد اللبن والآجر وهو ~~الذي اخترع عده بالقصب اختصارا وجعل المنصور عرض السور من أساسه خمسين ~~ذراعا، ومن أعلاه عشرين ذراعا، ووضع بيده أول لبنة وقال: بسم الله والحمد ~~لله إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.. 7: 128 [3] ~~ثم قال: ابنوا فابتدأ بها سنة خمس وأربعين ومائة، وتممها في سنة ست وأربعين ~~ومائة، وجعلها مدورة وجعل قصره في وسطها لئلا يكون أحد أقرب إليه من الآخر. ~~وبلغ الخرج عليها أربعة ألف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهما. ولما فرغت ~~حاسب القواد بما كان حول عليهم لعمارتها، فألزمهم بالبواقي حتى استوفى من ~~بعضهم ما اقتضاه الحساب خمسة عشر درهما. # أسماؤها: يقال: بغداد، وكان هناك موضع يسمى: بغداد فسميت المدينة باسمه ~~ويقال: بغداذ بالذال المعجمة، ويقال بغدان بالنون، ويقال: الزوراء وكان ~~موضعها يسمى الزوراء قديما، وقيل: لأن قبلتها غير مستقيمة، ويحتاج المصلى ~~في مسجدها الجامع أن ينحرف إلى جهة اليسار قليلا. ويقال: مدينة المنصور. ~~PageV01P160 # ويقال: دار السلام. وقيل: إنها مدينة مباركة مسعودة، لم يمت فيها خليفة ~~قط. # فمدينة المنصور هي بغداد القديمة، وهذه بغداد التي هي بالجانب الشرقي، ~~استجدت بعد ذلك. # وهو الذي فعل ببني الحسن ما فعل- أخذ مشايخ السادات ms115 منهم- وهم عبد الله ~~المحض بن الحسن بن علي بن أبي طالب- عليهم السلام- وكان شيخ الطالبيين في ~~عصره، وبنيه وإخوته سادات بني الحسن- عليهم السلام- فحبسهم عنده وماتوا في ~~حبسه. # روي أنه خرج حاجبه فقال: من كان على الباب من بني الحسين فليدخل فدخل ~~مشايخ بني الحسين عليهم السلام ثم خرج فقال: من كان بالباب من بني الحسن ~~فليدخل. فدخل مشايخ بني الحسن عليهم السلام فعدل بهم إلى مقصورة ثم أدخل ~~الحدادين من باب آخر فقيدهم وحملهم إلى العراق فحبسهم حتى ماتوا في حبسه من ~~الكوفة، لا جزاه الله خيرا عن فعله. # ومن طريف ما وقع في ذلك، أن رجلا من بني الحسن- عليه السلام- جاء حتى وقف ~~على المنصور، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت حتى تحبسني عند أهلي فإني لا أريد ~~الدنيا بعدهم، فحبسه معهم. وكان ذلك الرجل علي بن حسن بن حسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب. وكان منهم محمد بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب.- عليهم السلام- وكان من أحسن الناس صورة، وكان يسمى الديباج ~~الأصفر لحسنه وجماله فأحضره المنصور وقال له: # أنت الديباج الأصفر؟ قال: كذا يقولون. قال: لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا، ~~ثم أمر به فبنى عليه أسطوانة وهو حي، فمات فيها. # PageV01P161 ### || ذكر السبب في فعل المنصور ما فعل ببني الحسن عليهم السلام # كان بنو هاشم الطالبيون والعباسيون قد اجتمعوا في ذيل [1] دولة بني أمية ~~وتذكروا حالهم وما هم عليه من الاضطهاد، وما قد آل إليه أمر بني أمية من ~~الاضطراب وميل الناس إليهم ومحبتهم لأن تكون لهم دعوة ثم قالوا لا بد لنا ~~من رئيس نبايعه. واتفقوا على أن يدعوا الناس سرا ثم قالوا: لا بد لنا من ~~رئيس نبايعه فاتفقوا على مبايعة «النفس الزكية» محمد بن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسن بن علي بن أبي طالب- عليهم السلام- وكان من سادات بني هاشم ~~ورجالهم، فضلا وشرفا وعلما. وكان هذا المجلس قد حضره أعيان بني هاشم علويهم ~~وعباسيهم، فحضره من أعيان الطالبيين- الصادق جعفر بن محمد- عليهما ms116 السلام- ~~وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وابناه محمد «النفس ~~الزكية» وإبراهيم قتيل باخمرى [2] ، وجماعة من الطالبيين. ومن أعيان ~~العباسيين- السفاح والمنصور، وغيرهما من آل العباس فاتفق الجميع على مبايعة ~~«النفس الزكية» إلا الإمام جعفر بن محمد الصادق، فإنه قال لأبيه عبد الله ~~المحض: إن ابنك لا ينالها- يعني الخلافة- ولن ينالها إلا صاحب القباء [3] ~~الأصفر- يعني المنصور وكان على المنصور حينئذ قباء أصفر. قال المنصور فرتبت ~~العمال في نفسي من تلك الساعة. ثم اتفقوا على مبايعة النفس الزكية فبايعوه ~~ثم ضرب الدهر ضربه، وانتقل الملك إلى بني العباس كما تقدم شرحه، ثم انتقل ~~من السفاح إلى المنصور فلم يكن له همة سوى طلب «النفس الزكية» ليقتله أو ~~ليخلعه. وأغراه بذلك أن الناس كانوا شديدي الميل إلى النفس الزكية، وكانوا ~~يعتقدون فيه الفضل والشرف والرئاسة فطلبه المنصور من أبيه عبد الله المحض- ~~وكان عبد الله المحض من رجال بني هاشم وساداتهم- فألزمه المنصور بإحضار ~~ابنيه محمد النفس الزكية PageV01P162 # وإبراهيم، فقال لا علم لي بهما. وكانا قد تغيبا خوفا منه. فلما طول القول ~~لأبيهما عبد الله قال: كم تطول!! والله لو كانا تحت قدمي لما رفعتهما ~~عنهما. سبحان الله! آتيك بولدي لتقتلهما! فقبض عليه وعلى أهله من بني ~~الحسن، وكان من أمرهم ما تقدم شرحه- رضي الله عنهم وسلم عليهم. ### || شرح خروج النفس الزكيةهو محمد بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) . كان النفس الزكية من سادات بني هاشم ورجالهم فضلا وشرفا ودينا ~~وعلما وشجاعة، وفصاحة ورياسة وكرامة ونبلا. وكان في ابتداء الأمر قد شيع ~~بين الناس أنه «المهدي» الذي بشر به، وأثبت أبوه هذا في نفوس طوائف من ~~الناس وكان يروى أن الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- قال: «لو بقي من ~~الدنيا يوم لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث فيه مهدينا أو قائمنا، اسمه ~~كاسمي واسم أبيه كاسم أبي» فأما الإمامية: فيروون هذا الحديث خاليا «من اسم ~~أبيه كاسم أبي» . # فكان عبد الله المحض يقول للناس عن ms117 ابنه محمد: هذا هو المهدي الذي بشر ~~به. هذا محمد بن عبد الله. ثم ألقى الله محبته على الناس فمالوا إليه كافة، ~~ثم عضد ذلك أن أشراف بني هاشم بايعوه ورشحوه للأمر، فقدموه على نفوسهم ~~فزادت رغبته في طلب الأمر. وزادت رغبة الناس فيه، وما زال متغربا منذ أفضت ~~الدولة إلى بني العباس خوفا منهم على نفسه. فلما علم بما جرى لوالده ولقومه ~~ظهر بالمدينة وأظهر أمره، وتبعه أعيان المدينة، ولم يتخلف عنه إلا نفر ~~يسير، ثم غلب على المدينة وعزل عنها أميرها من قبل المنصور، ورتب عليها ~~عاملا وقاضيا، وكسر أبواب السجون وأخرج من بها، واستولى على المدينة. # ومنذ خرج محمد بن عبد الله وفعل ما فعل بالمدينة توجه رجل يقال له: «أوس ~~العامري» من المدينة إلى المنصور في تسعة أيام وقدم ليلا، فوقف على أبواب ~~المدينة فصاح حتى علموا به فأدخلوه فقال الربيع الحاجب: ما حاجتك في هذه # PageV01P163 # الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال لا بد لي منه. فدخل الربيع وأخبر ~~المنصور خبره وأدخله إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله ~~بالمدينة وفعل وصنع. قال: أنت رأيته؟ قال: نعم وعاينته على منبر رسول الله- ~~صلوات الله عليه وسلامه- وخاطبته. فأدخله المنصور بيتا. ثم تواترت الأخبار ~~عليه بذلك فأخرجه وقال له: سوف أفعل معك وأصنع وأغنيك. في كم ليلة وصلت من ~~المدينة قال: في تسع ليال، فأعطاه تسعة آلاف درهم. ثم قام المنصور وقعد، ~~وتراخت المدة حتى تكاتبا وتراسلا. فكتب كل واحد منهما إلى صاحبه كتابا ~~نادرا معدودا من محاسن الكتب، احتج فيه وذهب في الاحتجاج كل مذهب. وفي آخر ~~الأمر ندب ابن أخيه عيسى بن موسى لقتاله، فتوجه إليه عيسى بن موسى في عسكر ~~كثيف، فالتقوا في موضع قريب من المدينة، فكانت الغلبة لعسكر المنصور، فقتل ~~محمد بن عبد الله وحمل رأسه إلى المنصور، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة، ~~ثم خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله قتيل «باخمرى» بالبصرة. ### || شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار ms118 # كان إبراهيم بن عبد الله في حال تغيبه يحضر إلى عسكر المنصور متخفيا ~~وربما جلس على السماط، وكان المنصور شديد الطلب له. فخرج من مدينة المنصور ~~ومضى إلى البصرة وأظهر أمره ودعا إلى نفسه، فتبعه جماعة وكثرت جموعه. فأرسل ~~المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى بعد رجوعه من قتل النفس الزكية، فتوجه عيسى ~~بن موسى إليه بخمسة عشر ألف مقاتل، فالتقوا بقرية يقال لها: «باخمرى» قريبة ~~من الكوفة فكانت الغلبة لعسكر المنصور، وقتل إبراهيم في المعركة، وذلك في ~~سنة خمس وأربعين ومائة (رحمه الله تعالى) . # وكانت أيام المنصور ذات فتوق [1] وأحداث، فممن خرج عليه، عمه عبد الله بن ~~علي وكان السفاح أرسله إلى قتال مروان الحمار كما تقدم شرحه، ثم مات ~~PageV01P164 # السفاح وتولى المنصور الخلافة وعبد الله بن علي بالشأم، فطمع في الخلافة ~~وخطب الناس وقال إن السفاح ندب بني العباس لقتال مروان فلم ينتدب غيري، ~~وإنه قال لي: إن ظهرت عليه وكانت الغلبة لك، فأنت ولي العهد بعدي، وشهد له ~~جماعة بذلك، فبايعه الناس. ولما اتصل الخبر بالمنصور أقامه ذلك وأقعده، ~~فقال له أبو مسلم الخراساني: إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك، وإن شئت ~~أتيت خراسان، وأمددتك بالجنود وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن علي، فأمره ~~بالمسير إلى حرب عبد الله، فسار أبو مسلم بعسكر كثيف فتطاول الأمد بينهما ~~شهورا. كانت في آخرها الغلبة لعسكر أبي مسلم، فهرب عبد الله بن علي إلى ~~البصرة ونزل على أخيه سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، فشفع سليمان فيه ~~إلى المنصور، وطلب له الأمان فآمنه المنصور، وكتب له كتابا بليغا التزم فيه ~~بكل شيء. فلما جاء إليه حبسه ومات في حبسه، فقيل: إنه بنى له بيتا وجعل ~~أساساته ملحا، ثم أجرى الماء فيه فسقط البيت عليه فمات، والمنصور هو الذي ~~قتل أبا مسلم الخراساني. ### || شرح الحال في ذلك # كان في نفس المنصور قديما حزازات [1] من أبي مسلم، وكان بينهما تباغض. ~~وقد كان المنصور أشار على أخيه السفاح ms119 بقتله فامتنع السفاح وقال: كيف يكون ~~ذلك مع حسن بلائه في دولتنا، فلما ولي المنصور الخلافة أرسل أبا مسلم إلى ~~الشأم لحرب عمه عبد الله بن علي بن العباس كما تقدم شرحه، فلما ظفر أبو ~~مسلم وغنم جميع ما كان في عسكر عبد الله بن علي، وانهزم عبد الله إلى ~~البصرة، أرسل المنصور بعض خدمه ليحتاط على ما في العسكر من الأموال فغضب ~~أبو مسلم وقال: أمين على الدماء خائن في الأموال! وشتم المنصور، وكتب بعض ~~أصحاب الأخبار بذلك إلى المنصور وعزم أبو مسلم على الخلاف وأن يتوجه ~~PageV01P165 # إلى خراسان ولا يحضر عند المنصور، فخاف المنصور أن يتوجه أبو مسلم إلى ~~خراسان بهذه الصفة فتفسد عليه الأمور هناك. # وكان أبو مسلم رجلا مهيبا داهية شجاعا لبيبا جريئا على الأمور، فطنا ~~عالما قد سمع الحديث [1] وعلم أن من كل شيء. فكتب إليه المنصور يطيب نفسه ~~ويسكنه ويعده الجميل، ويستدعي منه الحضور. فأجاب بأني على الطاعة، وأني ~~متوجه إلى خراسان فإن أصلحت نفسك كنت سامعا مطيعا، وإن أبيت إلا أن تعطي ~~نفسك سؤلها كنت قد نظرت لنفسي بالحال التي تقارنها السلامة! فاشتد خوف ~~المنصور منه وحنقه عليه، وكتب إليه كتابا معناه: إنك لست في نظرنا بهذه ~~الصفة التي قد وسمت بها نفسك، وإن حسن بلائك في دولتنا يغنيك عن هذا القول. # واستدعى منه الحضور وقال لوجوه بني هاشم: اكتبوا أنتم أيضا إليه فكتبوا ~~إليه يقبحون عليه خلاف المنصور ومشاقته ويحسنون له الحضور عنده والاعتذار ~~إليه، وأرسل المنصور الكتب على يد رجل عاقل من أصحابه، وقال له: امض إليه ~~وحدثه ألين حديث تحدثه أحدا، فإن رجع فارجع به حتى تقدم به علي، وإن أصر ~~على المشاقة [2] وصمم على التوجه، وأيست منه ولم يبق لك حيلة، فقل له: يقول ~~لك فلان: لست من العباس وبرئت من محمد إن مضيت على هذه الحال، ولم تعد أن ~~يتولى حربك غيري، وعلي كذا وكذا إن لم أتول أنا ذلك بنفسي. فمضى الرسول ~~إليه وناوله الكتب فقرأها، والتفت ms120 إلى صديق له يقال له: مالك بن الهيثم ~~وقال له: ما الرأي؟ قال: الرأي ألا ترجع إليه، فإنك إن رجعت إليه قتلك، وإن ~~مضيت على طريقك حتى تصل إلى الري [3] وهم جندك فتقيم وتنظر في أمرك. # فإن حدث لك حادث، كانت خراسان من ورائك. فعزم أبو مسلم على ذلك وقال ~~للرسول: قل لصاحبك: إنه ليس من رأيي الحضور عندك، وأنا متوجه إلى ~~PageV01P166 # خراسان. فقال له الرسول: يا أبا مسلم: أنت ما زلت أمين آل محمد، فأنشدك ~~الله ألا تسم نفسك بسمة العصيان والشقاق. والرأي أن تحضر عند أمير المؤمنين ~~وتعتذر إليه فلن ترى عنده إلا ما تحب. فقال له أبو مسلم: متى كنت تخاطبني ~~بمثل هذا الخطاب؟ فقال الرجل: سبحان الله! أنت دعوتنا إلى ولاية هؤلاء ~~القوم ونصرهم، وقلت لنا من خالفهم فاقتلوه. فلما دخلنا معك فيما ندبتنا ~~إليه [1] ، رجعت عنه وأنكرته علينا! فقال أبو مسلم: هو ما قلت لك، ولست ~~أرجع. فقال له: # فليس عندك غير هذا؟ قال: نعم. فخلا به وأبلغه ما قال المنصور، فوجم وأطرق ~~ساعة ثم قال: أرجع وأعتذر إليه. ورجع. ثم سلم عسكره إلى بعض أصحابه وقال ~~له: إن جاءك كتابي، وهو مختوم بنصف خاتمي فهو كتابي: وإن كان مختوما بكل ~~الخاتم فاعلم أنه ليس ختمي. وأوصاه بما أراد. ثم سار إلى المنصور فلقيه ~~بالمدائن. فلما علم المنصور بوصوله أمر الناس جميعا بتلقيه، فلما دخل عليه ~~قبل يده فأدناه منه وأكرمه، ثم أمره بأن يعود إلى خيمته ويستريح، ويدخل ~~الحمام ويعود من الغد. فمضى فلما أصبح أتاه رسول المنصور يستدعيه، وقد أعد ~~المنصور جماعة من أصحابه خلف الستور بأيديهم السلاح فأوصاهم أنه إذا ضرب ~~بإحدى يديه على الأخرى يخرجون فيقتلون أبا مسلم. فلما دخل أبو مسلم عليه ~~قال له: أخبرني عن سيفين وجدتهما في عسكر عبد الله بن علي فقال أبو مسلم: ~~هذا أحدهما- وكان في يده سيف- فأخذه المنصور ووضعه تحت مصلاه، ثم شرع في ~~توبيخه وتقريعه على ذنب ذنب، وأبو مسلم يعتذر عن كل واحد ms121 بعذر. فعدد عليه ~~عدة ذنوب، فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين مثلي لا يقال له هذا ولا تعدد ~~عليه مثل هذه الذنوب بعد ما فعلت فاغتاظ المنصور وقال أنت فعلت! والله لو ~~كانت مكانك أمة سوداء [2] لفعلت ما فعلت، وهل نلت ما نلت إلا بنا وبدولتنا؟ ~~فقال أبو مسلم: دع هذا فقد أصبحت لا أخشى غير الله، فضرب المنصور بيده على ~~PageV01P167 # الأخرى فخرج أولئك النفر وخبطوه بالسيوف، فصاح: استبقني يا أمير المؤمنين ~~لعدوك، فقال المنصور: وأي عدو لي أعدى منك؟ ثم أمر به فلف في بساط. # ودخل عيسى بن موسى فقال: أين أبو مسلم يا أمير المؤمنين، فقال المنصور: # هو ذاك في البساط، فقال: قتلته؟ قال: نعم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ~~2: 156، بعد بلائه وفعله وأمانه! وكان المنصور قد آمنه وكفل عيسى بن موسى ~~على ذلك، فقال له المنصور: خلع الله قلبك! والله ليس لك على وجه الأرض عدو ~~أعدى منه وهل كان لكم ملك في حياته؟ ثم أمر المنصور بمال لجنده فتفرقوا، ~~وتصرف المنصور في خراسان. وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة. # وفي عقب قتل أبي مسلم خرج رجل اسمه سنباذ بخراسان يطلب بثأر أبي مسلم ~~الخراساني. ### || شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار # كان هذا سنباذ رجلا مجوسيا من بعض قرى نيسابور [1] ، وكان من أصحاب أبي ~~مسلم وصنائعه. فظهر غضبا لقتل أبي مسلم، وكثر أشياعه، وأطاعه أكثر أهل ~~الجبال، وغلب على كثير من بلاد خراسان. فلما بلغ المنصور خبره أرسل إليه ~~عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والري، وكان هذا سنباذ قد أفسد في ~~البلاد التي غلب عليها فسادا كثيرا وسبى الذراري، وأظهر أنه يريد أن يمضي ~~إلى الحجاز ويهدم الكعبة فلما التقى هو وعسكر المنصور، كان سنباذ قد أخذ ~~معه عدة من النساء المسلمات اللواتي قد سباهن وهن على جمال، فأمر سنباذ ~~بإخراج النساء المسبيات قدام عسكره فخرج النساء حواسر [2] على الجمال، وصحن ~~صيحة واحدة وا محمداه! فنفرت الجمال وكرت راجعة على عسكر سنباذ ففرقتهم، ms122 ~~فتبعها PageV01P168 # عسكر المنصور ودخلوا خلف الجمال فوضعوا فيهم السيوف وأبادوهم قتلا. وكان ~~عدة القتلى نحوا من ستين ألفا. وقد دل الاستقراء على أن من اخترع دولة ~~وأحدثها لم يستمتع بها في أغلب الأحوال. قال صلوات الله عليه: «لا تتمنوا ~~الدول فتحرموها» وكأن المخترع للدولة يكون عنده من الدالة [1] والتبسط ما ~~تأنف من احتماله نفوس الملوك. فكلما زاد تبسطه زادت الأنفة عندهم حتى ~~يوقعوا به. # والمنصور خلع ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد وجعلها في ابنه محمد ~~المهدي. ### || شرح كيفية الحال في ذلك # هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أمير الكوفة وهو ~~ابن أخي المنصور. كان عيسى بن موسى قد جعله إبراهيم الإمام ولي عهد بعد ~~المنصور، وأخذ له البيعة على الناس وحلفهم له، فلما كبر المهدي بن المنصور ~~شغف المنصور به شغفا شديدا، فأحب أن يبايع له بالخلافة، فخلع عيسى بن موسى ~~وأشهد عليه بالخلع، وبايع للمهدي وجعل عيسى بن موسى بعده. ### || شرح كيفية خلع عيسى بن موسى # قد اختلف أرباب السير في كيفية خلعه. فقيل: إن المنصور التمس منه ذلك ~~وكان يكرمه ويجلسه عن يمينه، ويجلس المهدي عن يساره. فلما فاوضه المنصور في ~~خلع نفسه قال: يا أمير المؤمنين: كيف أصنع بالأيمان [2] التي في رقبتي في ~~رقاب الناس بالعتاق والطلاق؟ والحج والصدقة؟ ليس إلى الخلع سبيل. فتغير ~~PageV01P169 # المنصور عليه وباعده بعض المباعدة، وصار يأذن للمهدي قبله ويجلسه دون ~~المهدي، وصار يتقصد أذاه فكان يكون عيسى بن موسى جالسا فيحفر الحائط الذي ~~يليه وينثر التراب على رأسه فيقول لبنيه: تنحوا، ثم يقوم هو فيصلي، والتراب ~~ينثر عليه ثم يؤذن له فيدخل على المنصور والتراب عليه لا ينفضه فيقول له ~~المنصور: يا عيسى ما يدخل أحد علي بمثل ما تدخل أنت به من الغبار والتراب، ~~أفكل هذا من الشارع فيقول عيسى: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين. ولا يشكو!. # وقيل: بل وضع المنصور الجند فصاروا يشتمون عيسى بن موسى إذا رأوه وينالون ~~منه، ms123 فلما شكا ذلك إلى المنصور قال له يا ابن أخي: إني والله أخافهم عليك ~~وعلى نفسي، فإنهم قد أشربت قلوبهم حب هذا الفتى- يعني المهدي- فلو قدمته ~~بين يديك! فخلع عيسى نفسه وبايع المهدي. ولما رآه بعض أهل الكوفة وقد جعل ~~المهدي قدامه في الخلافة، وصار هو بعده قال: هذا الذي كان غدا فصار بعد غد ~~وقيل بل اشتراها المنصور منه بمال مبلغه أحد عشر ألف ألف درهم. وقيل بل ~~أرسل إليه خالد بن برمك فأخذ معه جماعة من أهل المنصور نحو ثلاثين رجلا، ~~ومضى إلى عيسى فخاطبه في أن يخلع نفسه فأبى. فلما أبى قال خالد للجماعة، ~~نشهد عليه أنه قد خلع نفسه ونحقن بذلك دمه، ونسكن الفتنة. # فشهدوا عليه بذلك فقامت البينة به، وأنكر عيسى فلم يلتفت إليه، وتم خلعه ~~وبويع للمهدي. والله أعلم أي ذلك كان، والمنصور هو الذي بنى الرصافة لابنه ~~المهدي. ### || شرح السبب في بنائها # كان الجند قد شغبوا على المنصور، فقال المنصور لقثم بن العباس بن عبيد ~~الله ابن العباس ما ترى التياث [1] الجند؟ وإني خائف أن تجتمع كلمتهم! فقال ~~له يا أمير المؤمنين الرأي أن تعبر ابنك إلى الجانب الشرقي وتعبر معه قطعة ~~من العسكر وتبني له مدينة فيصير هو في مدينة وعسكر بالجانب الشرقي، وأنت في ~~مدينة وعسكر بالغربي. فإن رأيك حدث من أحد الجانبين استعنت عليه بالجانب ~~الآخر، PageV01P170 # فقبل قوله وبنى الرصافة. وتمت الرصافة وصار الخلفاء بعد ذلك يدفنون ~~موتاهم بها وبنوا بها الترب الجليلة وحملوا إليها من الفرش العظيم والآلات ~~الجليلة ما يتجاوز الحصر ووقفوا عليها من النواحي والأقرحة [1] والعقارات ~~جملة كثيرة وكانت في أيامهم حرما إذا لجأ إليها الخائف أمن. # ومات المنصور محرما بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة؟ فكتم الربيع [2] أمره ~~لأجل البيعة للمهدي. فيقال إنه أجلسه وسنده وجعل على وجهه كلة خفيفة، يرى ~~وجهه منها ولا يفهم أمره. وأذن لوجوه بني هاشم، فلما دخلوا ووقفوا بين يديه ~~وهم يحسبون أنه حي تقدم الربيع إليه كأنه يشاوره ثم عاد إليهم، وقال: ms124 أمير ~~المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهدي، فبايع الناس طرا [3] . # وقيل: إن المهدي لما بلغه ذلك استخف بالربيع وقال: ما منعتك هيبة أمير ~~المؤمنين من هذا الفعل به. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لم تكن الوزارة في أيامه طائلة، لاستبداده واستغنائه برأيه وكفاءته، مع ~~أنه كان يشاور في الأمر دائما. وإنما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزارة، ~~وكانوا لا يزالون على وجل منه وخوف، فلا يظهر لهم أبهة ولا رونق. ### || وزارة أبي أيوب المورياني للمنصور # موريان قرية من قرى الأهواز [4] . كان المنصور قد اشتراه صبيا قبل ~~PageV01P171 # الخلافة وثقفه فاتفق أنه أرسله مرة إلى أخيه السفاح وهو خليفة، وأرسل معه ~~هدية، فلما رآه السفاح أعجبته هيئته وفصاحته وصباحته، فقال له: يا غلام، ~~لمن أنت قال: لأخي أمير المؤمنين، قال: بل أنت لي، واحتبسه عنده. وكتب إلى ~~المنصور يعلمه أنه قد أخذه وأعتقه. واختص بالسفاح مدة خلافته، ثم نمت حاله ~~وتزايدت نعم الله عنده حتى قلده المنصور وزارته. وكان لبيبا بصيرا بالأمور ~~عاقلا فطنا، ذكيا فاضلا، كريما غزير المروءة. # PageV01P172 ### || مكرمة # حدث ابن شبرمة [1] قال: زوجت ابني على صداق مبلغه ألفا درهم، فجعلت أفكر ~~فيمن أستعين به على ذلك، فأتيت أبا أيوب المورياني وزير المنصور فذكرت له ~~ذلك، فقال: قد أمرنا لك بهذا القدر. فجزيته خيرا وقمت لأخرج فقال: # لا تعجلن. اجلس. ثم قال: إذا دفعت المهر فما يحتاج ابنك إلى نفقة؟ ثم ~~قال: # أعطوه ألفي درهم للنفقة. وذهبت لأقوم، فقال: لا تعجل، أفلا يحتاج إلى ~~خادم أعطوه ألفي درهم لخادم، فما زال يأمر لي في كل مرة بألفين، حتى تكمل ~~ما أمر لي به خمسين ألف درهم. ### || ذكر القبض على أبي أيوب سليمان المورياني # كان أبو أيوب يحب جمع المال ليتقرب به إلى المنصور إذا خافه، فقال له ~~المنصور يوما: ما ترى حال صالح ابني؟ ليس له ضيعة! فقال أبو أيوب: يا أمير ~~المؤمنين: بالأهواز مزارع عاطلة تحتاج إلى ثلاثمائة ألف درهم، تعمر بها ~~ويقوم منها حاصل جيد. فأطلق له ثلاثمائة ألف درهم، ms125 وأمره بعمارتها لابنه ~~صالح فأخذ أبو أيوب المال ولم يعمل في الضيعة شيئا، وصار في رأس كل سنة ~~يحمل عشرين ألف درهم ويقول: هذه حاصل الضيعة المستجدة. فانكتم الحال عن ~~المنصور مدة، ثم إن أعداء أبي أيوب وجدوا هذا طريقا إلى السعاية به، ~~فأعلموا المنصور الحال، فانحدر بنفسه إلى هناك، فأمر أبو أيوب أن تبنى بيوت ~~على جانب الشط ويغرس فيها كرم ويخضر حواليها. فلما فعل ذلك اجتاز المنصور ~~بها PageV01P173 # فقال له أبو أيوب: هذه هي الضيعة. فرأى المنصور العمارة والخضرة فكاد ~~الأمر يشتبه عليه، فأعلمه أعداء أبي أيوب صورة الحال، فركب بنفسه وأخذ ~~الأدلاء معه وطاف الضيعة فوجدها عاطلة لا عمارة فيها، فعرف القصة وتنبه على ~~خيانة أبي أيوب فنكبه وقتله، وقتل أقاربه واستصفى أموالهم. وقال ابن حبيبات ~~الشاعر الكوفي في ذلك: # قد وجدنا الملوك تحمد من ... أعطته طوعا أزمة التدبير # فإذا ما رأوا له النهي والأمر ... أتوه من بأسهم بنكير # شرب الكأس بعد حفص سليمان ... ودارت عليه كف المدير # ونجا خالد بن برمك منها ... إذ دعوه من بعدها بالأمير # أسوأ العالمين حالا لديهم ... من تسمى بكاتب أو وزير # (خفيف) ### || وزارة الربيع بن يونس للمنصور # هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن كيسان، هو أبو فروة مولى عثمان ~~ابن عفان. كان يقال: إن الربيع لقيط، ولذلك قال يوما لرجل كرر الترحم على ~~أبيه في حضرة المنصور. كم تكرر ذكر أبيك وتترحم عليه؟ فقال له الرجل: # إنك معذور في ذلك لأنك لم تذق حلاوة الآباء. قالوا: والصحيح أنه ابن يونس ~~بن محمد بن أبي فروة [1] ، وبلغني أن علاء الدين عطا ملك بن الجويني [2] ~~صاحب PageV01P174 # الديوان كان ينتسب إلى الفضل بن الربيع. ولقد عجبت من الصاحب علاء الدين- ~~مع نبله واطلاعه على السير والتواريخ- كيف رضي أن ينتسب إلى الفضل بن ~~الربيع! فإن كان قد انتحل هذا النسب، ففضيحة ظاهرة، وإن كان حقا فلقد كان ~~العقل الصحيح يقتضي ستره، فإنه نسب لا يوجد أرذل منه. # فإن أبا فروة كان ساقطا، وكان ms126 عبدا للحارث حفار القبور بمكة، والحارث ~~مولى عثمان بن عفان، فأبو فروة عبد عبد عثمان، وفي ذلك يقول الشاعر: # وإن ولا [1] كيسان للحارث الذي ... ولى زمنا حفر القبور بيثرب [2] # (طويل) وأبو فروة خرج على عثمان يوم الدار [3] ، وكفاه بذلك عارا! فانظر ~~هل ترى نسبا أسقط أو أرذل من هذا؟ وأعجب من رأي الصاحب علاء الدين في هذا ~~خلو حضرته ممن يعرف هذا القدر، فينبهه عليه. # كان الربيع جليلا نبيلا منفذا للأمور، مهيبا فصيحا، كافيا حازما، عاقلا ~~فطنا خبيرا بالحساب والأعمال، حاذقا بأمور الملك، بصيرا بما يأتي ويذر محبا ~~لفعل الخير. # روي أن المنصور أحضر يوما إنسانا ذكر له أنه وثب على عامله ببعض النواحي ~~فقال المنصور ويحك! أنت المتوثب على فلان العامل؟ والله لأنثرن من لحمك ~~أكثر مما يبقى منه على عظمك، وكان شيخا كبيرا، فأنشد بصوت ضعيف. # أتروض عرسك [4] بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم # (كامل) فقال المنصور: يا ربيع. ما يقول؟ فقال: يقول: # العبد عبدكم والأمر أمركم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف؟ PageV01P175 # فقال: قد عفونا عنه، فلينصرف. ورأى المنصور يوما في بستانه شجيرة من شجر ~~الخلاف [1] فلم يدر ما هي، فقال: يا ربيع ما هذه الشجرة؟ فقال الربيع: # إجماع ووفاق، وكره أن يقال: خلاف، فاستعقله المنصور واستحسن قوله. # ولم يزل الربيع وزيرا للمنصور إلى أن مات المنصور، وقام الربيع بأخذ ~~البيعة للمهدي على ما تقدم وصفه، وهو آخر وزراء المنصور، وقتله الهادي، ~~وكان سبب قتله أنه أهدى جارية حسناء إلى المهدي بن المنصور، فوهبها المهدي ~~لابنه موسى الهادي فغلب حبها عليه وأولدها أولاده فلما صار الهادي خليفة، ~~سعى إليه أعداء الربيع فناوله الهادي قدحا فيه عسل مسموم. فشربه فمات ~~ليومه، وذلك في سنة سبعين ومائة. # انقضت أيام المنصور ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ابنه محمد المهدي # هو أبو عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وقد مر نسبه. # بويع له بالخلافة بمكة، في سنة ثمان وخمسين ومائة. # كان المهدي شهما فطنا كريما شديدا على أهل الإلحاد والزندقة. ms127 لا تأخذه في ~~إهلاكهم لومة لائم، وكانت أيامه شبيهة بأيام أبيه في الفتوق والحوادث ~~والخوارج وكان يجلس في كل وقت لرد المظالم. # روي عنه: أنه كان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ~~ردي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى!. # وحدث عنه: أنه خرج متنزها ومعه رجل من خواصه اسمه عمرو، فانقطعا في الصيد ~~عن العسكر فجاع المهدي، فقال: هل من شيء يؤكل؟ فقال له PageV01P176 # عمرو: أرى كوخا، فقصدوه فإذا فيه نبطي [1] وعنده مبقلة [2] ، فسلموا عليه ~~فرد السلام، فقالوا: هل من طعام؟ فقال: عندي ربيثاء [3] ، وهو نوع من ~~الصحناء- وعندي خبز شعير فقال المهدي: إن كان عندك زيت فقد أكملت الضيافة، ~~قال: # نعم، وكراث [4] فأتاهما بذلك فأكلا حتى شبعا، فقال المهدي لعمرو: قل في ~~هذا شعرا فقال: # إن من يطعم الرييثاء بالزيت ... وخبز الشعير بالكراث # لجدير بصفعة أو بثنتين ... لسوء الصنيع، أو بثلاث # (خفيف) فقال المهدي: بئس ما قلت. إنما كان ينبغي أن تقول: # لجدير ببدرة [5] أو بثنتين ... لحسن الصنيع أو بثلاث # قال: ووافاهم العسكر والخزائن والخدم، فأمر للنبطي بثلاث بدر وانصرف وفي ~~أيامه ظهر المقنع بخراسان. ### || شرح كيفية الحال في ذلك # كان هذا المقنع رجلا أعور قصيرا من أهل مرو، وكان قد عمل وجها من ذهب ~~وركبه، على وجهه لئلا يرى وجهه، وادعى الإلهية، وكان يقول: إن الله خلق آدم ~~فتحول في صورته، ثم في صورة نوح، وهكذا هلم جرا إلى أبي مسلم الخراساني ~~وسمى نفسه هاشما، وكان يقول بالتناسخ. وبايعه خلق من ضلال الناس وكانوا ~~يسجدون إلى ناحيته أين كانوا من البلاد، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم ~~أعنا واجتمع إليه خلق كثير. PageV01P177 # فأرسل المهدي إليه جيشا فاعتصم منهم بقلعة هناك، وطاولوه فضجر وضجر ~~أصحابه. فطلب أكثرهم الأمان وبقي معه نفر يسير وهو في القلعة محاصر فأضرم ~~نارا عظيمة وأحرق جميع ما بالقلعة من دابة وثوب ومتاع، ثم جميع نسائه [1] ~~وأولاده وقال لأصحابه: من أحب منكم الارتفاع معي إلى السماء فليلق نفسه في ~~هذه النار، ثم ألقى ms128 فيها نفسه وأولاده ونساءه، خوفا أن يظفر بجثته أو ~~بحرمة. فلما احترقوا فتحت أبواب القلعة، فدخلها عسكر المهدي فوجدوها خالية ~~خاوية. # ولما ولي المهدي الخلافة جدد الكلام في خلع عيسى بن موسى والبيعة لولديه: ~~موسى الهادي، وهارون الرشيد. وقد تقدم شرح كيفية خلعه في أيام المنصور، ~~وأنه قدم المهدي عليه. فلما ولي المهدي أراد لبنيه ما أراد المنصور له فطلب ~~من عيسى بن موسى أن يخلع نفسه فأبى، فأرهبه وأرغبه حتى أجاب، وأشهد عليه ~~بالخلع، وبايع لولديه الهادي والرشيد. # وكان المهدي ينظر في الدقائق من الأمور، وكذلك كان أبوه فتقدم المهدي حين ~~ولي برد نسب آل زياد [2] بن أبيه إلى عبيد الثقفي، وإسقاطهم، من ديوان ~~قريش. وبرد نسب آل أبي بكرة إلى ولاء رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- ~~وكتب الكتب بذلك، فاعتمد ما رسم به، ثم بعد ذلك ارتشى العمال من بني زياد ~~وأعادوهم إلى ديوان قريش. وغزا المهدي الروم عدة دفعات وكانت له الغلبة. # ومات المهدي بماسبذان، واختلف في سبب موته. # فقيل: إنه طرد ظبيا في بعض متصيداته فدخل الظبي إلى باب خربة، فدخل فرس ~~المهدي خلفه فدقه باب الخربة، فقطع ظهره فمات من ساعته. وقيل: # إن بعض جواريه جعلت سما في بعض المآكل لجارية أخرى، فأكل المهدي منه ~~PageV01P178 # وهو لا يعلم فمات. وذلك في سنة تسع وستين ومائة. وقال أبو العتاهية يصف ~~جواريه وقد برزن بعد موته وعليهن المسوح: # رحن في الوشي وأقبلن عليهن المسوح [1] ... كل نطاح من الدهر له يوم نطوح # لست بالباقي ولو عمرت ما عمر نوح ... فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح # (رمل) ### || شرح حال الوزارة في أيامه # في أيامه ظهرت أبهة الوزارة بسبب كفاءة وزيره أبي عبيد الله معاوية بن ~~يسار فإنه جمع له حاصل المملكة، ورتب الديوان، وقرر القواعد. وكان كاتب ~~الدنيا وأوحد الناس حذقا وعلما وخبرة. ### || وهذا شرح طرف من حاله. ### || وزارة أبي عبيد الله معاوية بن يسار للمهدي # هو من موالي الأشعريين [2] . كان كاتب المهدي ونائبة قبل الخلافة، ضمه ~~المنصور ms129 إليه، وكان قد عزم أن يستوزره، لكنه آثر به ابنه المهدي، فكان ~~غالبا على أمور المهدي لا يعصي له قولا، وكان المنصور لا يزال يوصيه فيه ~~ويأمره بامتثال [3] ما يشير به، فلما مات المنصور وجلس المهدي على سرير ~~الخلافة، فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه الدواوين. وكان مقدما في صناعته ~~فاخترع أمورا: منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة- وكان السلطان يأخذ عن ~~الغلات خراجا PageV01P179 # فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه الدواوين. وكان مقدما في صناعته فاخترع ~~أمورا: منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة- وكان السلطان يأخذ عن الغلات ~~خراجا مقررا ولا يقاسم- فلما ولي أبو عبيد الله الوزارة قرر أمر المقاسمة، ~~وجعل الخراج على النخل والشجر، واستمر الحال في ذلك إلى يومنا، وصنف كتابا ~~في الخراج، وذكر فيه أحكامه الشرعية ودقائقه وقواعده، وهو أول من صنف كتابا ~~في الخراج، وتبعه الناس بعد ذلك فصنفوا كتب الخراج، وكان شديد التكبر ~~والتجبر. # روي أن الربيع لما قدم من مكة بعد موت المنصور، وأخذ البيعة للمهدي حضر ~~من ساعة وصوله إلى باب أبي عبيد الله، فقال له ابنه الفضل: يا أبي، نبدأ به ~~قبل أمير المؤمنين، وقبل منزلنا؟ قال: نعم يا بني، هو صاحب الرجل والغالب ~~على أمره. قال: فوصل الربيع إلى باب أبي عبيد الله الوزير فوقف ساعة حتى ~~خرج الحاجب ثم دخل فاستأذن له فأذن له. فلما دخل عليه لم يقم له، ثم سأله ~~عن مسيره وحاله فأخبره وشرع الربيع يحدثه بما جرى في مكة من موت المنصور ~~واجتهاده في أخذ البيعة للمهدي، فسكته وقال: قد بلغني الخبر فلا حاجة إلى ~~إعادته فاغتاظ الربيع ثم قام فخرج، وقال لابنه الفضل: علي كذا وكذا إن لم ~~أبذل مالي وجاهي في مكروهة وإزالة نعمته. ومضى الربيع إلى المهدي فاستحجبه ~~[1] واختص به كما كان مع أبيه فشرع في إفساد حال أبي عبيد الله الوزير بكل ~~وجه، فلم يتفق له ذلك. فخلا ببعض أعدائه وقال له: قد ترى ما فعل معك أبو ~~عبيد الله- وكان قد أساء إليه- وما فعل ms130 معي أيضا فهل عندك تدبير في أمره؟ ~~قال الرجل لا والله ما عندي حيلة تنفذ عليه فإنه أعف الناس يدا ولسانا، ~~ومذهبه مذهب مستقيم وحذقه في صناعته ما عليه مزيد وعقله وكفاءته كما علمت. ~~ولكن ابنه رديء الطريقة مذموم السيرة، والقول يسرع إليه. فإن تهيأ حيلة من ~~جهة ابنه فعسى ذلك فقبله الربيع بين عينيه، ولاح له وجه الحيلة عليه، فسعى ~~بابنه [2] إلى المهدي PageV01P180 # أنواعا من السعايات وأخذ يرميه بالزندقة [1] . وكان المهدي شديدا على أهل ~~الإلحاد والزندقة، لا يزال يتطلع عليهم ويفتك بهم. فلما رسخ في ذهن المهدي ~~زندقة ابن الوزير استدعى به، فسأله عن شيء من القرآن العزيز فلم يعرف فقال ~~لأبيه وكان حاضرا: ألم تخبرني أن ابنك يحفظ القرآن؟ قال بلى يا أمير ~~المؤمنين ولكن فارقني مذ مدة فنسيه. فقال له: قم فتقرب إلى الله بدمه. فقام ~~أبو عبيد الله فعثر ووقع وارتعد، فقال له العباس بن محمد عم المهدي: يا ~~أمير المؤمنين، إن رأيت أن تعفي الشيخ من قتل ولده، ويتولى ذلك غيره. فأمر ~~المهدي بعض من كان حاضرا بقتله فضربت عنقه. واستمر أبوه على حاله من الخدمة ~~إلا أنه ظهر عليه الانكسار وتنمر قلبه [2] ، وتنمر قلب المهدي منه. فدخل ~~بعض الأيام على المهدي ليعرض عليه كتبا قد وردت من بعض الأطراف، فتقدم ~~المهدي بإخلاء المجلس فخرج كل من به إلا الربيع، فلم يعرض أبو عبيد الله ~~شيئا من الكتب، وطلب أن يخرج الربيع فقال له المهدي: يا ربيع اخرج. فتنحى ~~الربيع قليلا، فقال المهدي: ألم آمرك بالخروج؟ قال: يا أمير المؤمنين، كيف ~~أخرج وأنت وحدك وليس معك سلاح؟ وعندك رجل من أهل الشأم اسمه معاوية، وقد ~~قتلت بالأمس ولده، وأوغرت صدره- على هذه الحال وأخرج؟! فثبت هذا المعنى في ~~نفس المهدي إلا أنه قال: يا ربيع، إني فكيف أدعك معه أثق بأبي عبيد الله في ~~كل حال. وقال لأبي عبيد الله الوزير: اعرض ما تريد فليس دون الربيع سر. ثم ~~قال بعد ذلك المهدي للربيع: إني أستحي ms131 من أبي عبيد الله بسبب قتل ولده ~~فأحجبه عني. # فحجب عنه، وانقطع بداره، واضمحل أمره، وتهيأ للربيع ما أراده من إزالة ~~نعمته ومات أبو عبيد الله معاوية بن يسار في سنة سبعين ومائة. PageV01P181 ### || وزارة أبي عبيد الله يعقوب بن داود للمهدي # هو من الموالي. قال الصولي [1] : كان داود أبوه وإخوته كتابا لنصر بن ~~سيار أمير خراسان. كان يعقوب بن داود يتشيع، وكان في ابتداء أمره مائلا إلى ~~بني عبد الله بن الحسن، وجرت له خطوب في ذلك. ثم إن المهدي خاف من بني ~~الحسن أن يحدثوا أمرا لا يتدارك، فطلب رجلا ممن له أنس ببني الحسن ليستعين ~~به على أمرهم، فدله الربيع على يعقوب بن داود لصداقة كانت بين الربيع ~~وبينه، وليتفقا على إزالة دولة أبي عبيد الله معاوية الوزير. فاستحضره ~~المهدي وخاطبه، فرأى أكمل الناس عقلا وأفضلهم سيرة فشغف به واستخلصه لنفسه. ~~ثم استوزره وفوض الأمور إليه. # وقيل إن السبب في وزارته غير هذا. وهو أن يعقوب بن داود قرر للربيع مائة ~~ألف دينار إن حصلت له الوزارة، فجعل الربيع يثني عليه في الخلوات عند ~~المهدي فطلب المهدي أن يراه. فلما حضر بين يديه رأى أكمل الناس خلقا وفضلا ~~ثم قال له: يا أمير المؤمنين، ها هنا أمور لا تنتهي إلى علمك، فإن وليتني ~~عرضها عليك بذلت جهدي في نصيحتك فقربه وأدناه فصار يعرض عليه من المصالح ~~والمهمات والنصائح الجليلة ما لم يكن يعرض عليه من قبل فاستخصه وكتب كتابا ~~بأنه أخوه في الله تعالى، واستوزره وفوض إليه الأمور كلها وسلم إليه ~~الدواوين، وقدمه على جميع الناس حتى قال بشار [2] يهجوه: # بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خلافة الله بين الناي والعود [3] ~~PageV01P182 # وذلك لأن المهدي اشتغل باللهو واللعب وسماع الأغاني، وفوض الأمور إلى ~~يعقوب بن داود. وكان أصحاب المهدي يشربون عنده النبيذ، وقيل: ما كان هو ~~يشرب معه، فنهاه يعقوب بن داود عن ذلك ووعظه. وقال أبعد الصلوات في المسجد ms132 ~~تفعل هذا؟ فلم يلتفت إليه. وفي ذلك يقول الشاعر للمهدي: # فدع عنك يعقوب بن داود جانبا ... وأقبل على صهباء [1] طيبة النشر [2] # (طويل) ثم إن السعاة ما زالوا يسعون بيعقوب بن داود إلى المهدي حتى نكبه، ~~وجعله في «المطبق» وهو حبس التخليد [3] . فلم يزل على ذلك مدة أيام المهدي ~~حتى أخرجه الرشيد. ### || شرح السبب في القبض عليه وكيفية ما جرى # حدث يعقوب بن داود قال استدعاني المهدي يوما فدخلت عليه، وهو في مجلس في ~~وسط بستان، ورءوس الشجر مع أرض ذلك المجلس، وقد امتلأت رءوس الشجر من ~~الأزهار المتنوعة، وقد فرش المجلس بفرش موردة، وبين يديه جارية حسناء لم أر ~~أحسن وجها منها، فقال لي: يعقوب. كيف ترى هذا المجلس قلت: في غاية الحسن، ~~فهنأ الله أمير المؤمنين قال: فهو لك وجميع ما فيه ومائة ألف درهم وهذه ~~الجارية ليتم سرورك. فدعوت له قال: ولي إليك حاجة أريد أن تضمن لي قضاءها ~~قلت: يا أمير المؤمنين، أنا عبدك الطائع لجميع ما تأمر به، فدفع إلي رجلا ~~علويا وقال: أحب أن تكفيني أمره، فإني خائف أن يخرج علي. # قال: فقلت: السمع والطاعة قال: تحلف لي؟ فحلفت له بالله أن أفعل ما يريد. ~~PageV01P183 # ثم نقل جميع ما كان في المجلس إلى منزلي، والجارية أيضا فمن شدة سروري ~~بالجارية جعلتها في موضع قريب من مجلسي وليس بيني وبينها سوى ستر رقيق. # قال: وأدخلت العلوي إلي وخاطبته، فرأيت أتم الناس عقلا، فقال لي يا يعقوب ~~تلقى الله بدمي، وأنا ابن علي بن أبي طالب وابن فاطمة- رضي الله عنهما- ~~وليس لي إليك ذنب؟ قال فقلت: لا والله، خذ هذا المال وأنج بنفسك. قال: # والجارية تسمع كل ذلك فأرسلت إلى المهدي دسيسا [1] أعلمه بالقصة، فأرسل ~~المهدي، وشحن [2] الدروب بالرجال حتى حصل العلوي وجعله في بيت قريب من ~~مجلسه، ثم استدعاني فحضرت، فقال: يا يعقوب، ما فعلت بالعلوي؟ قلت: # قد أراح الله منه أمير المؤمنين، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: بالله؟ قلت، ~~إي والله، قال: فضع يدك على رأسي ms133 واحلف به، قال يعقوب: فوضعت يدي على رأسه ~~وحلفت به، فقال لبعض الخدم. أخرج إلينا من في هذا البيت قال: فأخرج العلوي. ~~فلما رأيته امتنع الكلام علي وتحيرت في أمري، فقال المهدي: يا يعقوب قد حل ~~لي دمك، احملوه إلى «المطبق» قال يعقوب فدليت بحبل في بئر مظلمة لا أرى ~~فيها الضوء، وكان يأتيني في كل يوم ما أتقوت به، فمكثت مدة لا أدري كم هي، ~~وذهب بصري ففي بعض الأيام دلي لي حبل وقيل: اصعد، قد جاء الفرج. فصعدت وقد ~~طال شعري وأظافيري، فأدخلت الحمام وأصلحوا شأني وألبسوني ثيابا، ثم قادوني ~~إلى مجلس فقيل لي سلم على أمير المؤمنين. فقلت: # السلام عليك يا أمير المؤمنين، وقيل لي: على أي أمراء المسلمين سلمت؟ ~~قلت: # على أمير المؤمنين المهدي، فسمعت قائلا من صدر المجلس يقول: رحم الله ~~المهدي: ثم قيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فقلت السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين فقيل لي: على أي أمراء المؤمنين سلمت؟ فقلت: على أمير المؤمنين ~~الهادي، فسمعت قائلا يقول من صدر المجلس: رحم الله الهادي. ثم قيل لي سلم، ~~فسلمت PageV01P184 # فقيل لي: على من سلمت؟ قلت: على أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقال: # وعليك السلام يا يعقوب ورحمة الله وبركاته، أعزز علي بما نالك فجعلت ~~المهدي في حل ودعوت للرشيد وشكرته على خلاصي. ثم قال: ماذا تريد يا يعقوب؟ ~~قلت يا أمير المؤمنين، ما بقي في مستمع ولا بلاغ، وأريد المجاورة بمكة، ~~فأمر لي بما يصلحني. ثم توجه يعقوب إلى مكة وجاور بها، ولم تطل أيامه حتى ~~مات هناك سنة ست وثمانين ومائة. ### || وزارة الفيض بن أبي صالح للمهدي # هو من أهل نيسابور، وكانوا نصارى، فانتقلوا إلى بني العباس وأسلموا. # وتربى الفيض في الدولة العباسية وتأدب وبرع، وكان سخيا مفضالا متخرقا في ~~ماله جوادا عزيز النفس، كبير الهمة كثير الكبر والتيه، حتى قال فيه بعض ~~الشعراء: # أبا جعفر جئناك نسأل نائلا [1] ... فأعوزنا من دون نائلك البشر # فما برقت بالوعد منك غمامة ... يرجى بها من سيب ms134 نائلك القطر # فلو كنت تعطينا المنى وزيادة ... لنغصها منك التجبر والكبر # (طويل) قالوا: كان يحيى بن خالد بن برمك إذا استعظم أحد كرمه وجوده قال: ~~لو رأيتم الفيض لصغر عندكم أمري. وفي الفيض يقول أبو الأسود الحماني الشاعر ~~يمدحه: # ولائمة لأمتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: لن يقدح اللوم في البحر # أرادت لتثني [2] الفيض عن سنن الندى [3] ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن ~~القطر؟ PageV01P185 # مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن [1] في البلد القفر # كأن وفود الفيض لما تحملوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر # (طويل) قالوا: كان الفيض بن أبي صالح متوجها في بعض الأيام إلى بعض ~~أغراضه فصادفه صديق له، فسأله الفيض إلى أين يذهب، فقال: إن وكيل السيدة أم ~~جعفر زبيدة قد حبس فلانا على بقية ضمان، مبلغها مائة ألف دينار، وفلان- ~~يعني المحبوس- صديقي وصديقك أيضا وأنا متوجه إلى الوكيل المذكور لأشفع فيه ~~فهل لك أن تصل جناحي وتساعدني على هذه المكرمة؟ فقال الفيض: إي والله. # ثم مضى معه فحضر عند وكيل أم زبيدة. وشفعا في الرجل المحبوس، فقال ~~الوكيل: الأمر في هذا إليها، وما أستطيع أن أفرج عنه إلا بقولها، ولكني ~~أخاطبها وأحسن لها الإفراج عنه. ثم كتب إليها شيئا، فخرج الجواب أنه لا بد ~~من استيفاء هذا المال، ولا سبيل إلى قبول شفاعة في هذا الباب فاعتذر الوكيل ~~إليهما وأراهما الخط، فقال الرجل للفيض: قم حتى نمضي فقد فعلنا ما يجب ~~علينا، فقال الفيض: # لا والله، ما فعلنا ما يجب علينا، فكأننا ما جئنا هنا إلا لنؤكد حبس ~~صاحبنا. قال الرجل فما تصنع؟ قال الفيض: حيث قد تعذر علينا خلاصه من هذه ~~الجهة، نؤدي عنه هذا المال من خاصنا ونخرجه أنت نصفه، وأنا نصفه. فأجاب ~~الرجل إلى ذلك فقالا للوكيل: كم لك عليه؟ قال: مائة ألف دينار قالا: هي ~~علينا وهذا خطنا بها، فادفع إلينا صاحبنا، قال: هذا أيضا لا أقدر أن أفعله، ~~حتى أعلمها بالحال، قالا: # فأعلمها. فكتب إليها الوكيل يخبرها بما ms135 قال الفيض وبصورة الحال، فخرج ~~الخادم وقال: لا يكون الفيض أكرم منا، قد وهبناه المائة الألف فادفع إليهم ~~صاحبهم، فأخذاه وخرجا. وكان الفيض قد وصف للمهدي لما عزم على القبض على ~~يعقوب PageV01P186 # ابن داود، فلما قبض عليه أحضر الفيض واستوزره وفوض الأمور إليه. ومات ~~المهدي وهو وزيره، فلما ولي الهادي لم يستوزره. وبقي الفيض إلى أول أيام ~~الرشيد، ثم مات، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة. انقضت أيام المهدي ووزرائه ### || ثم ملك بعده ابنه موسى الهادي # بويع له بالخلافة في سنة تسع وستين ومائة. # كان الهادي متيقظا غيورا، كريما شهما أيدا، شديد البطش جريء القلب مجتمع ~~الحس، ذا إقدام وعزم وحزم. حدث عبد الله بن مالك- وكان يتولى شرطة المهدي- ~~قال: كان المهدي يأمرني بضرب ندماء الهادي ومغنيه وحبسهم صيانة له عنهم، ~~فكنت أفعل ما يأمرني به المهدي. وكان الهادي يرسل إلي في التخفيف عنهم فلا ~~أفعل، فلما مات المهدي وولي الهادي، أيقنت بالتلف، فاستحضرني يوما، فدخلت ~~عليه وهو جالس على كرسي- والسيف والنطع بين يديه، فسلمت، فقال: لا سلم الله ~~عليك، أتذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني وضربه فلم تقبل قولي؟ وكذلك فعلت ~~في فلان- وعدد ندماءه فلم تلتفت إلى قولي قلت: نعم، أفتأذن في ذكر الحجة؟ ~~قال: نعم، قلت: ناشدتك الله، لو أنك قلدتني ما قلدني المهدي، وأمرتني بما ~~أمر، فبعث إلي بعض بنيك بما يخالف أمرك فاتبعت قوله وتركت قولك، أكان يسرك ~~ذلك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذلك كنت لأبيك. فاستدناني فقبلت يده، ~~ثم: أمر لي: بالخلع، وقال: وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشدا. فمضيت مفكرا ~~في أمري وأمره، وقلت: حدث يشرب، والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ~~ووزراؤه وكتابه وكأني بهم حين # PageV01P187 # يغلب الشراب عليه يغلبون على رأيه ويحسنون له هلاكي؟ قال: فإني لجالس ~~وعندي بنية لي، والكانون بين يدي، وقدامي رقاق وكامخ [1] ، وأنا أشطره ~~بالكامخ وأسخنه بالنار وآكل وأطعم الصغيرة- وإذا بوقع حوافر الخيل، فظننت ~~أن الدنيا قد زلزلت، فقلت: هذا ما كنت أخافه وإذا الباب قد ms136 فتح، وإذا الخدم ~~قد دخلوا والهادي في وسطهم على دابة، فلما رأيته وثبت فقبلت يده ورجله ~~وحافر فرسه فقال لي: يا عبد الله: إني فكرت في أمرك فقلت: ربما سبق إلى ~~ذهنك أني إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا حسن رأيي فيك فيقلقك ذلك فصرت إلى ~~منزلك لأؤنسك وأعلمك أن ما كان عندي من الحقد عليك قد زال جميعه. فهات ~~وأطعمني مما كنت تأكل، لتعلم أني قد تحرمت بطعامك، فيزول خوفك. فأدنيت إليه ~~من ذلك الرقاق والكامخ فأكل، ثم قال: هاتوا ما صحبناه لعبد الله فدخل ~~أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها. فقال: هذه لك، فاستعن بها على أمرك واحفظ ~~هذه البغال عندك لعلي أحتاج إليها لبعض أسفاري- ثم انصرف. ومن كلامه ما ~~قاله لإبراهيم ابن مسلم بن قتيبة، وقد مات له ولد فجاء الهادي يعزيه وكان ~~عنده بمنزلة عظيمة، فقال له: «يا إبراهيم، سرك ابنك وهو عدو وفتنة، وحزنك ~~وهو صلاة ورحمة؟» فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين: ما بقي مني جزء فيه حزن ~~إلا وقد امتلأ عزاء. وفي أيامه خرج صاحب فخ [2] ، وهو الحسين بن علي بن ~~الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) . ### || شرح كيفية الوقعة بفخ # كان الحسين بن علي من رجال بني هاشم وسادتهم وفضلائهم، وكان قد عزم على ~~الخروج، واتفق معه جماعة من أعيان أهل بيته، ثم وقع من عامل المدينة تهضم ~~[3] لبعض آل علي (عليه السلام) . فثار آل أبي طالب بسبب ذلك، PageV01P188 # واجتمع إليهم ناس كثيرون، وقصدوا دار الإمارة فتحصن منهم عاملها، فكسروا ~~السجون وأخرجوا من بها. وبويع الحسين بن علي- عليه السلام- ثم نما أمرهم، ~~فأرسل إليهم محمد بن سليمان- وقالوا: سليمان بن المنصور- في عسكر فالتقوا ~~بموضع يقال له فخ بين مكة والمدينة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم قتل الحسين ~~بن علي- رضي الله عنه- وحمل رأسه إلى موسى الهادي، فلما وضع الرأس بين يديه ~~قال لمن أحضره: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقل ما أجزيكم به ~~حرمانكم. ولم يطلق لهم شيئا. # وكان الحسين بن علي- رضي ms137 الله عنه- صاحب فخ شجاعا كريما. قدم على المهدي ~~فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة ~~لا يملك ما يلبسه إلا فروا ما تحته قميص (رضي الله عنه وسلم عليه) . # ولم تطل مدة الهادي، فيقال: إن أمه الخيزران أمرت جواريها بقتله، فجلسوا ~~على وجهه حتى مات. وسبب ذلك قد اختلف فيه، فقيل. إن الخيزران كانت متبسطة ~~[1] في دولة المهدي تأمر وتنهى، وتشفع وتبرم وتنقض، والمواكب تروح وتغدو ~~إلى بابها. فلما ولي الهادي وكان شديد الغيرة كره ذلك، وقال لها: ما هذه ~~المواكب التي يبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف ~~يذكرك، أو بيت يصونك؟ والله- وإلا أنا نفي من قرابة رسول الله- صلى الله ~~عليه وسلم- لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد قوادي وخاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ~~ماله. ثم قال لأصحابه: أيما خير، أنا وأمي أم أنتم وأمهاتكم؟ # قالوا: بل أنت وأمك، قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقال: ~~فعلت PageV01P189 # أم فلان وصنعت أم فلان؟ قالوا: لا نحب ذلك، قال: فما بالكم تأتون أمي ~~فتتحدثون بحديثها؟ فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها. ثم بعث لها طعاما مسموما ~~فلم تأكل منه، ثم قتلته. # وقيل: بل السبب أن الهادي عزم على خلع أخيه هارون الرشيد وأخذ البيعة ~~لابنه جعفر، فخافت الخيزران على هارون- وكانت تحبه- ففعلت بالهادي ما فعلت ~~ومات الهادي في سنة سبعين ومائة، والليلة التي مات فيها هي ليلة مات فيها ~~خليفة وجلس خليفة، وولد خليفة، وقد كانوا يحدثون أنه سيكون ليلة كذلك. # فالخليفة الذي مات فيها هو الهادي، والذي جلس فيها على سرير الخلافة هو ~~الرشيد والذي ولد فيها هو المأمون. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة استوزر الربيع بن يونس. وقد سبق شرح طرف من سيرته ~~ونسبه. ثم استوزر بعده إبراهيم بن ذكوان الحراني. # PageV01P190 ### || وزارة إبراهيم بن ذكوان الحراني للهادي # كان إبراهيم قد اتصل بالهادي في أيام حداثته [1] ، كان يدخل إليه مع معلم ~~كان يعلم الهادي، فخف إبراهيم على قلب الهادي ms138 وصار لا يصبر عنه، ثم سعى به ~~إلى المهدي فكره لابنه صحبته، فنهاه عنه فما انتهى، فتهدده بالقتل، والهادي ~~لا يباعده فاشتدت به السعايات إلى المهدي، فأرسل إلى ابنه الهادي أن أرسل ~~إلي إبراهيم الحراني وإلا خلعتك من الخلافة، فأرسله إليه صحبة بعض خدمه ~~مرفها، فوصل إليه والمهدي يريد الركوب إلى الصيد، فلما رآه قال: يا ~~إبراهيم، والله لأقتلنك، والله لأقتلنك والله لأقتلنك. ثم قال: احفظوه حتى ~~أعود من الصيد. فأقبل على الدعاء والتضرع فاتفق أن المهدي أكل الطعام ~~المسموم كما تقدم شرحه فمات من ساعته، وتخلص الحراني وجلس الهادي على سرير ~~الخلافة. ثم بعد ذلك بمديدة [2] استوزر الحراني، ولم تطل الأيام حتى مات ~~الهادي. # انقضت أيام الهادي ووزرائه. ### || ثم ملك بعده أخوه هارون الرشيد. # خلافة هارون الرشيد بويع بالخلافة في سنة سبعين ومائة. # كان الرشيد من أفاضل الخلفاء وفصحائهم، وعلمائهم وكرمائهم. كان يحج سنة ~~ويغزو سنة، كذلك مدة خلافته إلا سنين قليلة. قالوا: وكان يصلي في كل يوم ~~مائة ركعة، وحج ماشيا، ولم يحج خليفة ماشيا غيره. وكان إذا حج حج معه مائة ~~PageV01P191 # من الفقهاء وأبناؤهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة ~~والكسوة الظاهرة. وكان يتشبه في أفعاله بالمنصور إلا في بذل المال، فإنه ~~خليفة أسمح منه بالمال وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر. وكان يحب ~~الشعر والشعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، وكان ~~يحب المديح، ولا سيما من شاعر فصيح ويجزل العطاء عليه. # قال الأصمعي: صنع الرشيد طعاما: وزخرف [1] مجالسه وأحضر أبا العتاهية [2] ~~وقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا. فقال أبو العتاهية: # عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور # فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال: # يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح أو البكور # فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال: # فإذا النفوس تقعقعت [3] ... في ظل حشرجة [4] الصدور # فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور # (كامل) فبكى الرشيد، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير ms139 المؤمنين لتسره ~~فحزنته! فقال الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا منه. # وكان الرشيد يتواضع للعلماء، قال أبو معاوية الضرير وكان من علماء الناس: ~~أكلت مع الرشيد يوما فصب على يدي الماء رجل، فقال لي: يا أبا معاوية ~~PageV01P192 # أتدري من صب الماء على يدك؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: أنا، فقلت: # يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا إجلالا للعلم؟ قال: نعم. # في أيامه خرج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن. ### || شرح كيفية الحال في خروج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي- بن أبي طالب عليه السلام # كان يحيى بن عبد الله قد خاف مما جرى على أخويه: النفس الزكية وإبراهيم ~~قتيل باخمرى. فمضى إلى الديلم [1] فاعتقدوا فيه استحقاق الإمامة وبايعوه ~~واجتمع إليه الناس من الأمصار وقويت شوكته. فاغتم الرشيد لذلك وندب إليه ~~الفضل بن يحيى في خمسين ألفا، وولاه جرجان وطبرستان والري وغير ذلك. # فتوجه ابن يحيى بالجنود فلطف بيحيى بن عبد الله وحذره وخوفه ورغبه، فمال ~~يحيى إلى الصلح وطلب أمانا بخط الرشيد، وأن يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء، ~~وجلة بني هاشم، فأجابه الرشيد إلى ذلك وسر به، وكتب له أمانا بليغا بخطه، ~~وشهد عليه فيه القضاة والفقهاء ومشايخ بني هاشم، وسير الأمان مع هدايا ~~وتحف، فقدم يحيى مع الفضل فلقيه الرشيد في أول الأمر بكل ما أحب، ثم حبسه ~~عنده، واستفتى الفقهاء في نقض اليمين، فمنهم من أفتى بصحته فحاجه. ومنهم من ~~أفتى ببطلانه فأبطله، ثم قتله بعد ظهور آية له عظيمة. PageV01P193 ### || شرح الآية التي ظهرت في قضية يحيى بن عبد الله # حضر رجل من آل الزبير بن العوام عند الرشيد، وسعى بيحيى، وقال: # إنه بعد الأمان فعل وصنع ودعا الناس إلى نفسه. فأحضره الرشيد من محبسه، ~~وجمع بينه وبين الزبيري، وسأله عن ذلك، فأنكر واقعة الزبيري، فقال له يحيى ~~إن كنت صادقا فاحلف فقال الزبيري: والله الطالب الغالب- وأراد أن يتمم ~~اليمين- فقال له يحيى: دع هذه اليمين، فإن الله تعالى ms140 إذا مجده العبد لم ~~يعجل عقوبته ولكن احلف له بيمين البراءة وهي يمين عظمي، صورتها أن يقول عن ~~نفسه: # بريء من حول الله وقوته، ودخل في حول نفسه وقوتها إن كان كذا وكذا. فلما ~~سمع الزبيري هذه اليمين ارتاع لها وقال: ما هذه اليمين الغريبة؟ وامتنع من ~~الحلف بها. فقال له الرشيد: ما معنى امتناعك؟ إن كنت صادقا فيما تقول فما ~~خوفك من هذه اليمين؟ فحلف بها، فما خرج من المجلس حتى ضرب برجله ومات وقيل ~~ما انقضى النهار حتى مات، فحملوه إلى القبر وحطوه فيه وأرادوا أن يطموا ~~القبر بالتراب، فكانوا كلما جعلوا التراب فيه ذهب التراب ولا ينطم القبر ~~فعلموا أنها آية سماوية، فسقفوا القبر وراحوا. وإلى ذلك أشار أبو فراس بن ~~حمدان [1] في ميميته بقوله: # يا جاهدا في مساويهم يكتمها ... غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم؟ # ذاق الزبيري [2] غب الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة [3] الأقوال والتهم ~~PageV01P194 # ومع ظهور مثل هذه الآية العظيمة قتل يحيى في الحبس شر قتلة. # وكانت دولة الرشيد من أحسن الدول، وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا وأوسعها ~~رقعة مملكة. جبى الرشيد معظم الدنيا، وكان أحد عماله صاحب مصر ولم يجتمع ~~على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء، والقراء والقضاة والكتاب ~~والندماء ما اجتمع على باب الرشيد. وكان يصل كل واحد منهم أجزل صلة، ويرفعه ~~إلى أعلى درجة. وكان فاضلا شاعرا، راوية للأخبار والآثار والأشعار صحيح ~~الذوق والتمييز، مهيبا عند الخاصة والعامة. # قبض على موسى بن جعفر- عليهما السلام- وأحضره في قبة إلى بغداد فحبسه ~~بدار السندي [1] بن شاهك، ثم قتل وأظهر أنه مات حتف أنفه [2] . PageV01P195 ### || شرح كيفية الحال في ذلك # كان بعض حساد موسى بن جعفر من أقاربه قد وشى به إلى الرشيد، وقال له: إن ~~الناس يحملون إلى موسى خمس أموالهم، ويعتقدون إمامته، وإنه على عزم الخروج ~~عليك، وكثر في القول، فوقع ذلك عند الرشيد بموقع أهمه وأقلقه، ثم أعطى ~~الواشي مالا أحاله به على البلاد، فلم يستمتع به، وما وصل المال من البلاد ~~إلا وقد مرض ms141 مرضة شديدة ومات فيها. # وأما الرشيد: فإنه حج في تلك السنة، فلما ورد المدينة قبض على موسى ابن ~~جعفر- عليهما السلام- وحمله في قبة إلى بغداد، فحبسه عند السندي بن شاهك ~~وكان الرشيد بالرقة فأمر بقتله فقتل قتلا خفيا، ثم أدخلوا عليه جماعة من ~~العدول [1] بالكوخ ليشاهدوه، إظهارا أنه مات حتف أنفه (صلوات الله عليه ~~وسلامه) . # ومات الرشيد بطوس [2] ، وكان خرج إلى خراسان لمحاربة رافع بن الليث ابن ~~نصر بن سيار [3] ، وكان هذا رافع قد خرج وخلع الطاعة، وتغلب على سمرقند [4] ~~وقتل عاملها، وملكها وقويت شوكته، فخرج الرشيد بنفسه إليه، فمات بطوس في ~~سنة ثلاث وتسعين ومائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة استوزر كاتبه قبل الخلافة يحيى بن خالد بن برمك، وظهرت ~~دولة بني برمك مذ حينئذ.؟ PageV01P196 ### || شرح أحوال الدولة البرمكية وذكر مبدئها ومآلها # كانوا قديما على دين المجوس، ثم أسلم من أسلم منهم وحسن إسلامهم، وقد ~~ذكرنا وزارة جدهم خالد بن برمك في أيام المنصور، ونذكر ها هنا وزارة ~~الباقين وقبل الخوض في ذلك، فهذه كلمات تعرف منها نبذة من أحوال هذه ~~الدولة. # اعلم أن هذه الدولة كانت غرة في جبهة الدهر، وتاجا على مفرق العصر ضربت ~~بمكارمها الأمثال، ومنحتها أوفر إسعادها، فكان يحيى وبنوه كالنجوم زاهرة ~~والبحور زاخرة، والسيول دافعة، والغيوث ماطرة، أسواق الآداب عندهم نافقة ~~ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية والدنيا في أيامهم عامرة وأبهة المملكة ~~ظاهرة، وهم ملجأ اللهف [1] ، ومعتصم الطريد [2] ولهم يقول أبو نواس: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد # (طويل) ### || ذكر وزارة يحيى بن خالد للرشيد # لما جلس الرشيد على سرير المملكة، استوزر يحيى بن خالد بن برمك، وكان ~~كاتبه ونائبة ووزيره قبل الخلافة، فنهض يحيى بن خالد بأعباء الدولة أتم ~~نهوض، وسد الثغور وتدارك الخلل، وجبى الأموال وعمر الأطراف، وأظهر رونق ~~الخلافة، وتصدى لمهمات المملكة، وكان كاتبا بليغا، لبيبا أديبا سديدا، صائب ~~الآراء حسن التدبير ضابطا لما تحت يده قويا على الأمور، جوادا يباري الريح ~~كرما وجودا، ms142 ممدحا بكل لسان، حليما عفيفا وقورا مهيبا، وله يقول القائل: # لا تراني مصافحا كف يحيى ... إنني إن فعلت ضيعت مالي # لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال # ومن آراء يحيى السديدة، ما قاله للهادي وقد عزم على أن يخلع أخاه هارون ~~من الخلافة ويبايع لابنه جعفر بن الهادي- وكان يحيى كاتب الرشيد وهو يترجى ~~أن يتولى هارون الخلافة فيصير هو وزير الدولة- فخلا الهادي بيحيى ~~PageV01P197 # ووهب له عشرين ألف دينار وحادثة في خلع هارون أخيه والمبايعة لجعفر ابنه، ~~فقال له يحيى: «يا أمير المؤمنين، إن فعلت حملت الناس على نكث الأيمان [1] ~~ونقض العهود، وتجرأ الناس على مثل ذلك ولو تركت أخاك هارون على ولاية ~~العهد، ثم بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوكد في بيعته، فترك الهادي الأمر مدة ~~ثم غلب عليه حب الولد، فأحضر يحيى مرة ثانية وفاوضه في ذلك، فقال له يحيى: # يا أمير المؤمنين، لو حدث بك حادث الموت، وقد خلعت أخاك وبايعت لابنك ~~جعفر وهو صغير دون البلوغ- أفترى كانت خلافته تصح، وكان مشايخ بني هاشم ~~يرضون ذلك ويسلمون الخلافة إليه؟ قال: لا، قال يحيى: فدع هذا الأمر حتى ~~يأتيه عفوا، ولو لم يكن المهدي بايع لهارون لوجب أن تبايع أنت له لئلا تخرج ~~الخلافة من بني أبيك، فصوب الهادي رأيه، وكان الرشيد بعد ذلك يرى هذه من ~~أعظم أيادي يحيى بن خالد عنده. # ومن مكارمه: قيل: إن الرشيد لما نكب البرامكة واستأصل شأفتهم، حرم على ~~الشعراء أن يرثوهم، وأمر بالمؤاخذة على ذلك، فاجتاز بعض الحراس ببعض ~~الخربات فرأى إنسانا واقفا، وفي يده رقعة فيها شعر يتضمن رثاء البرامكة، ~~وهو ينشد ويبكي فأخذه الحرس فأتي به إلى الرشيد وقص عليه الصورة، فاستحضره ~~الرشيد وسأله عن ذلك فاعترف به، فقال له الرشيد، أما سمعت تحريمي لرثائهم؟ # لأفعلن بك ولأصنعن فقال: يا أمير المؤمنين، إن أذنت لي في حكاية حالي ~~حكيتها، ثم بعد ذلك أنت ورأيك قال: قل، قال: إني كنت من أصغر كتاب يحيى بن ~~خالد وأرقهم حالا، فقال ms143 لي يوما: أريد أن تضيفني في دارك يوما، فقلت: يا ~~مولانا أنا دون ذلك، وداري لا تصلح لهذا، قال: لا بد من ذلك، قلت: فإن كان ~~لا بد فأمهلني مدة حتى أصلح شأني ومنزلي، ثم بعد ذلك أنت ورأيك، قال: كم ~~أمهلك؟ # قلت: سنة، قال: كثير قلت فشهورا، قال: نعم فمضيت وشرعت في إصلاح المنزل ~~وتهيئة أسباب الدعوة فلما تهيأت الأسباب أعلمت الوزير بذلك، فقال: نحن ~~PageV01P198 # غدا عندك، فمضيت وتهيأت في الطعام والشراب وما يحتاج إليه فحضر الوزير في ~~غد ومعه ابناه جعفر والفضل وعدة يسيرة من خواص أتباعه، فنزل عن دابته ونزل ~~ولداه جعفر والفضل، وقال: يا فلان أنا جائع فعجل لي بشيء، فقال لي الفضل ~~ابنه: الوزير يحب الفراريج المشوية فعجل منها ما حضر، فدخلت وأحضرت منها ~~شيئا فأكل الوزير ومن معه، ثم قام يتمشى في الدار وقال: يا فلان فرجنا في ~~دارك، فقلت يا مولانا هذه هي داري ليس لي غيرها، قال: بل لك غيرها قلت ~~والله ما أملك سواها، فقال: هاتوا بناء، فلما حضر قال له: افتح في هذا ~~الحائط بابا، فمضى ليفتح، فقلت: يا مولانا، كيف يجوز أن يفتح باب إلى بيوت ~~الجيران، والله أوصى بحفظ الجار؟ قال: لا بأس في ذلك، ثم فتح الباب، فقام ~~الوزير وأبناؤه فدخلوا فيه وأنا معهم، فخرجوا منه إلى بستان حسن كثير ~~الأشجار، والماء يتدفق فيه، وبه من المقاصير والمساكن ما يروق كل ناظر، ~~وفيه من الآلات والفرش والخدم والجواري كل جميل بديع، فقال: هذا المنزل ~~وجميع ما فيه لك، فقبلت يده ودعوت له وتحققت القصة، فإذا هو من يوم حادثني ~~في معنى الدعوة قد أرسل واشترى الأملاك المجاورة لي وعمرها دارا حسنة، ونقل ~~إليها من كل شيء وأنا لا أعلم، وكنت أرى العمارة فأحسبها لبعض الجيران، ~~فقال لابنه جعفر: يا بني، هذا منزل وعيال، فالمادة من أين تكون له؟ قال ~~جعفر: قد أعطيته الضيعة الفلانية بما فيها وسأكتب له بذلك كتابا، فالتفت ~~إلى ابنه الفضل، وقال له: # يا ms144 بني، فمن الآن إلى أن يدخل دخل هذه الضيعة ما الذي ينفق؟ فقال الفضل: ~~علي عشرة آلاف دينار أحملها إليه، فقال: فعجلا له ما قلتما، فكتب لي جعفر ~~بالضيعة وحمل الفضل إلي المال فأثريت وارتفعت حالي، وكسبت بعد ذلك معه مالا ~~طائلا، أنا أتقلب فيه إلى اليوم فو الله يا أمير المؤمنين ما أجد فرصة ~~أتمكن فيها الثناء عليهم والدعاء لهم إلا انتهزتها مكافأة لهم على إحسانهم ~~ولن أقدر على مكافأتهم! فان كنت قاتلي على ذلك فافعل ما بدا لك. فرق الرشيد ~~لذلك وأطلقه، وأذن لجميع الناس في رثائهم. # PageV01P199 # قيل: إن هارون حج ومعه يحيى بن خالد بن برمك، ومعه ولداه الفضل وجعفر ~~فلما وصلوا إلى مدينة الرسول- صلوات الله عليه- جلس الرشيد ومعه يحيى ~~فأعطيا الناس، وجلس الأمين ومعه الفضل بن يحيى فأعطيا الناس، وجلس المأمون ~~ومعه جعفر فأعطيا الناس، فأعطوا في تلك السنة ثلاث أعطيات ضربت بكثرتها ~~الأمثال، وكانوا يسمونه عام الأعطيات الثلاث، وأثرى الناس بسبب ذلك. # وفي ذلك يقول الشاعر: # أتانا بنو الآمال من آل برمك ... فيا طيب أخبار ويا حسن منظر # لهم رحلة في كل عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المستر # إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر # فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى ... بمكة ما تمحو ثلاثة أقمر # فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر # إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه ... وناهيك من راع له ومدبر # (طويل) كان يحيى يقول: ما خاطبني أحد إلا هبته حتى يتكلم فإذا تكلم كان ~~بين اثنتين إما أن تزيد هيبته، أو تضمحل. وكان يقول: المواعيد شباك الكرام ~~يصيدون بها محامد الأحرار. كان يحيى إذا ركب يعد صررا في كل صرة مائتا درهم ~~يدفعها إلى المتعرضين له. ### || سيرة ولده الفضل بن يحيى # كان الفضل من كرام الدنيا وأجواد أهل عصره. وكان قد أرضعته أم هارون ~~الرشيد، وأرضعت أمه الرشيد، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة: [1] ~~PageV01P200 # كفى لك فخرا أن أكرم حرة ... غذتك بثدي والخليفة واحد ms145 # لقد زنت يحيى في المشاهد كلها ... كما زان يحيى خالدا في المشاهد # (طويل) ولاه الرشيد خراسان فخرج إليه أبو الهول الشاعر مادحا. معتذرا من ~~شعر كان هجاه به، فأنشده: # سرى نحوه من غضبة الفضل عارض ... له لجة فيها البوارق والرعد # وكيف ينام الليل ملق فراشه ... على مدرج يعتاده الأسد الورد # وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى على مثله الحقد # فجد بالرضا لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد # (طويل) فقال له الفضل: لا أحتمل تفريقك بين رضاي وإحساني، وهما مقرونان ~~فإن أردتهما معا وإلا فدعهما معا، ثم وصله ورضي عنه. # حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: كنت قد ربيت جارية حسنة الوجه ~~وثقفتها وعلمتها حتى برعت، ثم أهديتها إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: # يا إسحاق إن رسول صاحب مصر قد ورد إلي يسألني حاجة أقترحها عليه، فدع هذه ~~الجارية عندك فإنني سأطلبها وأعلمه أني أريدها، فإنه سوف يحضر إليك يساومك ~~فيها، فلا تأخذ فيها أقل من خمسين ألف دينار، قال إسحاق: فمضيت بالجارية ~~إلى منزلي، فجاء إلي رسول صاحب مصر وسألني عن الجارية، فأخرجتها إليه، فبذل ~~فيها عشرة آلاف دينار فامتنعت، فصعد إلى عشرين ألف دينار، فامتنعت، فصعد ~~إلى ثلاثين ألفا، فما ملكت نفسي حتى قلت له: بعتك، وسلمت الجارية إليه ~~وقبضت منه المال، ثم إنني أتيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: # يا إسحاق: بكم بعت الجارية؟ قلت بثلاثين ألف دينار، قال: ألم أقل لك لا ~~تأخذ منه أقل من خمسين ألفا؟ قلت: فداك أبي وأمي والله ما ملكت نفسي منذ ~~سمعت لفظة ثلاثين ألفا! فتبسم ثم قال: إن رسول صاحب الروم قد سألني أيضا ~~حاجة، وسأقترح عليه هذه الجارية وأدله عليك، فخذ جاريتك وانصرف إلى منزلك، ~~فإذا # PageV01P201 # ساومك فيها فلا تأخذ منه أقل من خمسين ألف دينار فأخذت الجارية وانصرفت ~~إلى منزلي، فأتاني رسول صاحب الروم وساومني في الجارية فطلبت خمسين ألفا، ~~فقال: هذا كثير ولكن تأخذ ms146 مني ثلاثين ألفا، فو الله ما ملكت نفسي منذ سمعت ~~لفظة ثلاثين ألفا حتى قلت له: قد بعتك! ثم قبضت المال منه وسلمت الجارية ~~إليه، ومضيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال: ما صنعت؟ وبكم بعت الجارية ~~يا إسحاق؟ قلت: بثلاثين ألفا، قال: سبحان الله! ما أوصيتك ألا تأخذ فيها ~~أقل من خمسين ألفا، قلت: جعلت فداك! والله إني لما سمعت قوله: ثلاثين ألفا ~~استرخت جميع أعضائي! فضحك وقال: خذ جاريتك واذهب إلى منزلك، ففي غد يجيء ~~إليك رسول صاحب خراسان فقو نفسك، ولا تأخذ منه أقل من خمسين ألفا قال ~~إسحاق. فأخذت الجارية ومضيت إلى منزلي، فجاءني رسول صاحب خراسان وساومني ~~فيها، فطلبت خمسين ألفا، فقال لي: هذا كثير، ولكن تأخذ ثلاثين ألفا فقويت ~~نفسي وامتنعت فصعد معي إلى أربعين ألف دينار فكاد عقلي يذهب من الفرح ولم ~~أتمالك أن قلت له: بعتك. فأحضر المال وأقبضنيه وسلمت الجارية إليه ومضيت من ~~الغد إلى الفضل. فقال لي: يا إسحاق، بكم بعت الجارية؟ قلت بأربعين ألفا، ~~والله لما سمعتها منه كاد عقلي يذهب، وقد حصل عندي- جعلت فداك- مائة ألف ~~دينار ولم يبق لي أمل، فأحسن الله جزاءك، فأمر بالجارية فأخرجت إلي، وقال: ~~يا إسحاق: خذ جاريتك وانصرف. قال إسحاق: فقلت: هذه الجارية والله أعظم ~~الناس بركة فأعتقتها وتزوجتها فولدت لي أولادي. # قيل: إن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ~~حضر يوما عند الفضل بن يحيى ومعه سفط فيه جوهر، وقال له: إن حاصلي قد قصر ~~عما أحتاج إليه، وقد علاني دين مبلغه ألف درهم، وإني أستحي أن أعلم أحدا ~~بذلك وآنف أن أسأل أحدا من التجار أن يقرضني ذلك، وإن كان معي رهن يفي ~~بالقيمة وأنت- أبقاك الله- لك تجار يعاملونك، وأنا أسألك أن تقترض لي من ~~أحدهم هذا المبلغ وتعطيه هذا الرهن، فقال له الفضل: السمع والطاعة، ولكن ~~نجح هذه الحاجة أن تقيم عندي هذا اليوم، فأقام ثم إن الفضل أخذ السفط منه ~~وهو مختوم ms147 # PageV01P202 # بختمه، وأرسل معه ألف ألف درهم، ونفذ الدراهم والسفط إلى منزله، وأخذ خط ~~وكيله بقبضه، وأقام محمد في دار الفضل إلى آخر النهار، ثم انصرف إلى داره، ~~فوجد السفط ومعه ألف ألف درهم فسر بذلك سرورا عظيما، فلما كان الغد بكر إلى ~~الفضل ليشكره على ذلك فوجده قد بكر إلى دار الرشيد فمضى محمد إلى الرشيد، ~~فلما علم الفضل به خرج من باب آخر ومضى إلى دار أبيه فمضى محمد إليه وشكره ~~على فعله، وقال له: إني بكرت إليك لأشكرك على إحسانك، فقال له الفضل: إني ~~فكرت في أمرك فرأيت أن هذه الألف ألف التي حملتها أمس إليك لتقضي بها دينك ~~ثم تحتاج فتقترض، فبعد قليل يعلوك مثلها، فبكرت اليوم إلى أمير المؤمنين ~~وعرضت عليه حالك، وأخذت لك مائة ألف ألف درهم أخرى، ولما حضرت إلى أمير ~~المؤمنين خرجت أنا بباب آخر، وكذلك فعلت لما حضرت إلى باب أبي، لأني ما كنت ~~أوثر أن ألقاك حتى يحمل المال إلى منزلك، وقد حمل. # فقال له محمد: بأي شيء أجازيك على هذا الإحسان؟ ما عندي شيء أجازيك به ~~إلا أني ألتزم بالأيمان المؤكدة وبالطلاق والعتاق والحج، أني ما أقف على ~~باب غيرك ولا أسأل سواك. # قالوا وحلف محمد أيمانا مؤكدة وكتب بها خطه، وأشهد بها عليه أنه لا يقف ~~بباب غير باب الفضل بن يحيى، فلما ذهبت دولة البرامكة وتولى الفضل بن ~~الربيع، فلم يفعل والتزم باليمين، فلم يركب إلى أحد، ولم يقف على باب أحد ~~حتى مات. ### || سيرة جعفر بن يحيى البرمكي # كان جعفر بن يحيى فصيحا لبيبا ذكيا فطنا، كريما حليما، وكان الرشيد يأنس ~~به أكثر من أنسه بأخيه الفضل! لسهولة أخلاق جعفر، وشراسة أخلاق الفضل. وقال ~~الرشيد يوما ليحيى: يا أبي ما بال الناس يسمون الفضل الوزير الصغير ولا ~~يسمون جعفرا بذلك؟ فقال يحيى: إن خدمتك ومنادمتك يشغلانه عن ذلك. فجعل إليه ~~أمر دار الرشيد: فسمي بالوزير الصغير أيضا. # PageV01P203 # قال الرشيد يوما ليحيى: قد أحببت أن أنقل ديوان الخاتم ms148 من الفضل إلى جعفر ~~وقد استحييت من مكاتبته في هذا المعنى، فاكتب أنت إليه، فكتب يحيى إلى ~~الفضل: «قد أمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن تحول الخاتم من يمينك ~~إلى شمالك، فأجابه الفضل: «قد سمعت لما أمر أمير المؤمنين في أخي، وما ~~انتقلت عني نعمة صارت إليه ولا غربت عني رتبة طلعت عليه!» فقال جعفر: # لله در أخي، ما أكيس نفسه وأظهر دلائل الفضل عليه، وأقوى منة العقل عنده، ~~وأوسع في البلاغة ذرعه!. # قيل: إن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يوما للشرب، وأحب الخلوة، فأحضر ندماءه ~~الذين يأنس بهم وجلس معهم، وقد هيئ المجلس ولبسوا الثياب المصبغة. (وكانوا ~~إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو، لبسوا الثياب الحمر والصفر والخضر) ثم أن ~~جعفر بن يحيى تقدم إلى الحاجب ألا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من ~~الندماء كان قد تأخر عنهم، اسمه: عبد الملك بن صالح [1] ، ثم جلسوا يشربون ~~ودارت الكاسات وخفقت العيدان، وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له: عبد ~~الملك بن صالح ابن علي بن العباس، كان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان ~~الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه، وبذل له على ذلك أموالا جليلة ~~فلم يفعل، فاتفق أن هذا عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ~~ليخاطبه في حوائج له، فظن الحاجب أنه عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر ابن ~~يحيى بالإذن له، وألا يدخل غيره، فأذن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح ~~العباسي على جعفر بن يحيى، فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن ~~القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح ~~أيضا للقصة، وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى فانبسط عبد الملك وقال: لا ~~بأس عليكم، أحضروا لنا من هذه الثياب المصبغة شيئا وأحضر له. PageV01P204 # قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه، وقال: اسقونا من ~~شرابكم فسقوه رطلا، وقال: ارفقوا بنا فليس لنا عادة بهذا ثم باسطهم ms149 ~~ومازحهم، وما زال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر ~~بذلك فرحا شديدا، وقال له: ما حاجتك؟ قال: جئت- أصلحك الله- في ثلاث حوائج، ~~أريد أن تخاطب الخليفة فيها: أولها: أن علي دينا مبلغه ألف درهم أريد قضاءه ~~وثانيها؟: أريد ولاية لابني يشرف بها قدره، وثالثها: أن تزوج ولدي بابنة ~~الخليفة فإنها بنت عمه، وهو كفء لها، فقال له جعفر بن يحيى- قد قضى الله ~~هذه الحوائج الثلاث، أما المال، ففي هذه الساعة يحمل إلى منزلك، وأما ~~الولاية، فقد وليت ابنك مصر، وأما الزواج، فقد زوجته فلانة ابنة مولانا ~~أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، فانصرف في أمان الله، فراح عبد ~~الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد حضر جعفر عند الرشيد ~~وعرفه ما جرى وأنه قد ولى ابنه مصر وزوجه ابنته فعجب الرشيد من ذلك وأمضى ~~العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له التقليد بمصر وأحضر ~~القضاة والشهود وعقد العقد. # وقيل: إن جعفر بن يحيى كان بينه وبين صاحب مصر عداوة ووحشة، وكان كل ~~منهما مجانبا للآخر، فزور بعض الناس كتابا عن لسان جعفر بن يحيى إلى صاحب ~~مصر، مضمونه: أن حامل هذا الكتاب من أخص أصحابنا، وقد آثر التفرج في الديار ~~المصرية، فأريد أن تحسن الالتفات إليه، وبالغ في الوصية، ثم أخذ الكتاب ~~ومضى إلى مصر وعرضه على صاحبها، فلما وقف عليه تعجب منه وفرح به، إلا أنه ~~حصل عنده ارتياب وشك في هذا الكتاب، فأكرم الرجل وأنزله في دار حسنة، وأقام ~~له ما يحتاج إليه، وأخذ الكتاب منه وأرسله إلى وكيله ببغداد وقال له: قد ~~وصل شخص من أصحاب الوزير بهذا الكتاب، وقد ارتبت به، فأريد أن تتفحص لي عن ~~حقيقة الحال في ذلك، وهل هذا خط الوزير أم لا؟ وأرسل كتاب الوزير صحبة ~~مكتوبة إلى وكيله فجاء الوكيل إلى وكيل الوزير وحدثه بالقصة وأراه الكتاب، ~~فأخذه وكيل الوزير ودخل إلى الوزير وعرفه الحال، فلما # PageV01P205 # وقف جعفر بن ms150 يحيى على الكتاب علم أنه مزور عليه وكان عنده جماعة من ~~ندمائه ونوابه فرمى الكتاب عليهم، وقال لهم: أهذا خطي؟ فتأملوه وأنكروه ~~كلهم وقالوا هذا مزور، فعرفهم صورة الحال وأن الذي زور هذا الكتاب موجود ~~بمصر عند صاحبها، وأنه ينتظر عود الجواب بتحقيق حاله، وقال لهم: ما ترون، ~~وكيف ينبغي أن نفعل في هذا؟ فقال بعضهم: ينبغي أن يقتل هذا الرجل حتى تنحسم ~~هذه المادة، ولا يرجع أحد يتجرأ على مثل هذا الفعل، وقال آخر: ينبغي أن ~~تقطع يمينه التي زور بها هذا الخط، وقال آخر: ينبغي أن يوجع ضربا ويطلق حال ~~سبيله وكان أحسنهم محضرا من قال: ينبغي أن تكون عقوبته على هذا الفعل ~~حرمانه، وأن يعرف صاحب مصر بحاله ليحرمه فيكفيه من العقوبة أن قطع هذه ~~المسافة البعيدة من بغداد إلى مصر ثم يرجع خائبا، فلما فرغوا من حديثهم قال ~~جعفر: سبحان الله! أليس فيكم رجل رشيد؟ قد علمتم ما كان بيني وبين صاحب مصر ~~من العداوة والمجانبة، وأن كل واحد منا كانت تمنعه عزة النفس أن يفتح باب ~~الصلح، فقد قيض الله لنا رجلا فتح بيننا باب المصالحة والمكاتبة، وأزال ~~بيننا تلك العداوة، فكيف يكون جزاؤه ما ذكرتم من الإساءة؟ ثم أخذ القلم ~~وكتب على ظاهر الكتاب إلى صاحب مصر: سبحان الله! كيف حصل لك الشك في خطي؟ ~~هذا خط يدي، والرجل من أعز أصحابي، وأريد أن تحسن إليه وتعيده إلي سريعا، ~~فإني مشتاق إليه محتاج إلى حضوره، فلما وصل الكتاب وفي ظاهره خط الوزير إلى ~~صاحب مصر كاد يطير من الفرح، وأحسن إلى الرجل غاية الإحسان ووصله بمال ~~كبير، وتحف جميلة، ثم إن الرجل رجع إلى بغداد وهو أحسن الناس حالا، فحضر ~~إلى مجلس جعفر بن يحيى، فلما دخل سلم عليه ووقع يقبل الأرض ويبكي، فقال له ~~جعفر: من أنت يا أخي؟ قال: يا مولانا أنا عبدك وصنيعتك المزور الكذاب فعرفه ~~جعفر وبش له وأجلسه بين يديه وسأله عن حاله وقال له: كم وصل إليك منه ms151 فقال ~~مائة ألف دينار، فاستقلها جعفر وقال: لازمنا حتى نضاعفها لك، فلازمه مدة ~~فكسب معه مثلها، وما زالت دولة البرامكة في علو وارتفاع وتزايد، حتى انحرفت ~~عنهم الدنيا. # PageV01P206 ### || أمارة تدل على انحراف دولتهم # حدث بختيشوع [1] الطبيب قال: دخلت يوما على الرشيد وهو جالس في قصر الخلد ~~من مدينة السلام، وكان البرامكة يسكنون بحذائه من الجانب الآخر، وبينهم ~~وبينه عرض دجلة، قال: فنظر الرشيد فرأى اعتراك الخيول وازدحام الناس على ~~باب يحيى بن خالد، فقال: جزى الله يحيى خيرا! تصدى للأمور وأراحني من الكد، ~~ووفر أوقاتي على اللذة، ثم دخلت إليه بعد أوقات وقد شرع يتغير عليهم، فنظر ~~فرأى الخيول كما رآها تلك المرة فقال: استبد يحيى بالأمور دوني، فالخلافة ~~على الحقيقة له وليس لي منها إلا اسمها؟ قال: فعلمت أنه سينكبهم ثم نكبهم ~~عقيب ذلك. ### || شرح السبب في نكبة البرامكة وكيفية الحال في ذلك # اختلف أصحاب السير والتواريخ في السبب في ذلك، فقيل: إن الرشيد ما كان ~~يصبر عن أخته عباسة ولا عن جعفر بن يحيى، فقال له: أزوجكها حتى يحل لك ~~النظر إليها، فكانا يجتمعان وهما شابان، ثم يقوم الرشيد عنهما ويخلوان ~~بأنفسهما، حتى علم الرشيد فكان ذلك سبب نكبة البرامكة. # وقيل: كان سبب ذلك أن الرشيد كلف جعفر بن يحيى قتل رجل من آل أبي طالب، ~~فتحرج جعفر من ذلك وأطلق الطالبي، وسعي إلى الرشيد بجعفر، فقال له ما فعل ~~الطالبي؟ قال: هو في الحبس، قال الرشيد: بحياتي؟! ففطن جعفر فقال لا ~~وحياتك، ولكن أطلقته لأني علمت أنه ليس عنده مكروه، فقال الرشيد: نعم ما ~~فعلت! فلما قام جعفر قال الرشيد: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم نكبهم. ~~PageV01P207 # وقيل إن أعداء البرامكة، مثل الفضل بن الربيع، ما زالوا يسعون بهم إلى ~~الرشيد ويذكرون استبدادهم بالملك، واحتجانهم [1] للأموال، حتى أوغروا صدره ~~فأوقع بهم. # وقيل: إن جعفرا والفضل ابني يحيى بن خالد، ظهر منهما من الإدلال ما لا ~~تحتمله نفوس الملوك، فنكبهم لذلك. # وقيل: إن يحيى بن خالد رئي وهو ms152 بمكة يطوف حول البيت ويقول: اللهم إن كان ~~رضاك في أن تسلبني نعمتك عندي، وتسلبني أهلي ومالي وولدي، فاسلبني إلا ~~الفضل ولدي، ثم ولى، فلما مشى قليلا عاد وقال: يا رب إنه سمج بمثلي أن ~~يستثني عليك اللهم والفضل، فنكبهم الرشيد بعد قليل. ### || شرح مقتل جعفر بن يحيى والقبض على أهله # كان الرشيد قد حج، فلما عاد من الحج سار من الحيرة إلى الأنبار في السفن ~~وركب جعفر بن يحيى إلى الصيد، وجعل يشرب تارة ويلهو أخرى وتحف الرشيد ~~وهداياه تأتيه، وعنده بختيشوع الطبيب، وأبو زكار الأعمى يغنيه، فلما أظل ~~المساء دعا الرشيد مسرورا الخادم- وكان مبغضا لجعفر- وقال: اذهب فجئني برأس ~~جعفر ولا تراجعني، فوافاه مسرور بغير إذن وهجم عليه وأبو زكار يغنيه: # فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي # (وافر) فلما دخل مسرور قال له جعفر بن يحيى: لقد سررتني بمجيئك، وسؤتني ~~بدخولك علي بغير إذن! فقال: الذي جئت له أعظم! أجب أمير المؤمنين إلى ما ~~يريد بك، فوقع على رجليه فقبلهما، وقال له: عاود أمير المؤمنين فإن الشراب ~~قد حمله على ذلك، وقال: دعني أدخل داري فأوصي، فقال الدخول لا سبيل إليه ~~PageV01P208 # وأما الوصية: فأوص بما بدا لك. فأوصى، ثم حمله إلى منزل الرشيد وعدل به ~~إلى قبة وضرب عنقه وأتى برأسه على ترس إلى الرشيد وببدنه في نطع، ووجه ~~الرشيد فقبض على أبيه وإخوته وأهله وأصحابه، وحبسهم بالرقة واستأصل شأفتهم ~~ومن طريف ما وقع في ذلك، ما رواه العمراني المؤرخ قال: حدث فلان قال: دخلت ~~الديوان فنظرت في بعض تذاكر النواب، فرأيت فيها أربعمائة ألف دينار ثم خلعة ~~لجعفر بن يحيى الوزير، ثم دخلت بعد أيام فرأيت تحت ذلك عشرة قراريط ثمن نفط ~~وبواري لإحراق جثة جعفر بن يحيى فعجبت من ذلك. # ثم استوزر الرشيد بعد البرامكة الفضل بن الربيع وكان حاجبه. ### || وزارة أبي العباس الفضل بن الربيع # قد مضى ذكر أبيه، وأما الفضل فكان حاجبا للمنصور والمهدي والهادي ~~والرشيد، فلما نكب الرشيد البرامكة استوزره ms153 بعدهم. # كان الفضل بن الربيع شهما خبيرا بأحوال الملوك وآدابهم، ولما ولي الوزارة ~~تهوس بالأدب، وجمع إليه أهل العلم، فحصل منه ما أراد في مدة يسيرة، وكان ~~أبو نواس [1] من شعرائه المنقطعين إليه، فمن شعره في آل الربيع: # عباس عباس إذا اضطرم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع # (كامل) وما زال الفضل بن الربيع على وزارته إلى أن مات الرشيد بطوس، فجمع ~~الفضل العسكر وما فيه، ورجع إلى بغداد، وسيرد باقي سيرته في أيام الأمين. # انفضت أيام الرشيد. PageV01P209 ### || ثم ملك الأمين: محمد بن زبيدة # أمه أم جعفر، زبيدة بنت جعفر بن المنصور، وليس في خلفاء بني العباس من ~~أمه وأبوه هاشميان سواه، كان الأمين كثير اللهو واللعب، منقطعا إلى ذلك ~~مشتغلا به عن تدبير مملكته، قال ابن الأثير المؤرخ الجزري: لم نجد للأمين ~~شيئا من سيرته نستحسنه فنذكره، وقال غيره: كان الأمين فصيحا بليغا كريما ~~وفيه يقول بعض الشعراء يمدحه، ويعرض بهجو المأمون أخيه: # لم تلده أمة ... تعرف في السوق التجارا # لا ولا، حد ولا خان ... ولا في الخزي جارا # (رمل) يعرض بالمأمون، لأن الرشيد كان قد حده في خمر. # كان الرشيد قد بايع للأمين بولاية العهد وللمأمون بعده، وكتب الكتب بذلك ~~وأشهد فيها الشهود، وأرسل نسخها إلى الأمصار، فعلقت نسخة من تلك النسخ على ~~الكعبة وأكد ذلك بكل ما إليه السبيل، فلما مات بطوس كان المأمون في خراسان، ~~ومعه جماعة من أكابر القواد، ووزيره الفضل بن سهل وكان الأمين ببغداد، وكان ~~الفضل بن الربيع وزير الرشيد مع الرشيد بطوس، فلما مات الرشيد جمع الفضل ~~جميع ما في العسكر- وكان الرشيد قد أوصى به للمأمون- وتوجه الفضل إلى بغداد ~~فاستوزره الأمين، ثم اشتغل باللهو واللعب ومعاشرة المجان، فأشار الفضل بن ~~سهل وزير المأمون على المأمون بإظهار الورع والدين وحسن السيرة، فأظهر ~~المأمون حسن السيرة واستمال القواد وأهل خراسان، وكان كلما اعتمد الأمين ~~حركة ناقصة، اعتمد المأمون حركة سديدة، ثم نشأت العداوة بينهما، وحسن الفضل ~~بن الربيع وغيره له أن يخلع أخاه المأمون من ms154 ولاية العهد، ويبايع لابنه ~~موسى، فخلعه وبايع موسى، وسماه الناطق بالحق وبسبب ذلك كانت الفتنة ببغداد ~~بين الأمين والمأمون، وكان في آخرها قتل الأمين. # PageV01P210 ### || شرح الفتنة بين الأمين والمأمون # كان الفضل بن الربيع وزير الأمين قد خلف المأمون لما فعله عند موت الرشيد ~~بطوس، من إحضار جميع ما كان في عسكره إلى الأمين بعد أن كان الرشيد قد أشهد ~~به للمأمون، فخاف الفضل بن الربيع من المأمون أنه إن ولي الخلافة كافأه على ~~فعله فحسن للأمين خلع المأمون والبيعة لابنه موسى، واتفق مع الفضل جماعة ~~على ذلك، فمال الأمين إلى أقوالهم، ثم إنه استشار عقلاء أصحابه فنهوه عن ~~ذلك، وحذروه عاقبة البغي ونكث العهود والمواثيق، وقالوا له: لا تجرئ القواد ~~على النكث للأيمان وعلى الخلع فيخلعوك فلم يلتفت إليهم، ومال إلى رأي الفضل ~~بن الربيع، وشرع في خدع المأمون باستدعائه إلى بغداد فلم ينخدع، وكتب ~~يعتذر، وترددت المراسلات والمكاتبات بينهما حتى رق المأمون، وعزم الإجابة ~~إلى خلع نفسه، ومبايعة موسى بن الأمين، فخلا به وزيره الفضل بن سهل وشجعه ~~على الامتناع وضمن له الخلافة، وقال: هي في عهدتي فامتنع المأمون، ونهض ~~الفضل بن سهل بأمر المأمون واستمال له الناس وضبط له الثغور والأمور، ~~واشتدت العداوة بين الأخوين: الأمين والمأمون، وقطعت الدروب بينهما من ~~بغداد إلى خراسان، وفتشت الكتب وصعب الأمر، وقطع الأمين خطبة المأمون في ~~بغداد وقبض على وكلائه، وكذا فعل المأمون بخراسان، ونما الشر بينهما وكان ~~بقدر ما عند المأمون من التيقظ والضبط، عند الأمين من الإهمال والتفريط [1] ~~والغفول فمما يحكى من تفريط الأمين وجهله، أنه كان قد أرسل إلى حرب أخيه ~~رجلا من أصحاب أبيه يقال له علي بن عيسى بن ماهان، وأرسل معه خمسين ألفا، ~~فيقال: # إنه ما رئي قبل ذلك ببغداد عسكر أكثف منه، وحمل السلاح الكثير والأموال ~~الوافرة وخرج معه مشيعا مودعا، وكان أول بعث بعثه إلى أخيه فمضى علي بن ~~عيسى بن ماهان في ذلك العسكر الكثيف، وكان شيخا من شيوخ الدولة جليلا ~~مهيبا، ms155 فالتقى بطاهر بن الحسين ظاهر الري [2] ، وعسكر طاهر حدود أربعة ألف ~~فارس، PageV01P211 # فاقتتلوا قتالا شديدا، كانت الغلبة فيه لطاهر، وقتل علي بن عيسى وجيء ~~برأسه إلى طاهر فكتب طاهر إلى المأمون كتابا نسخته: # «أما بعد فهذا كتابي إلى أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- ورأس علي ابن ~~عيسى بين يدي، وخاتمه في يدي، وجنده تحت أمري، والسلام» . # وأرسل الكتاب على البريد، فوصل إلى المأمون في ثلاثة أيام، وبينهما مسيرة ~~مائتين وخمسين فرسخا [1] ، ثم إن نعي علي بن عيسى ورد إلى الأمين وهو يصطاد ~~السمك، فقال للذي أخبره بذلك: دعني، فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين، وأنا إلى ~~الآن ما اصطدت شيئا- وكان كوثر خادما له وكان يحبه- ولقد كانت أمه زبيدة ~~أسد رأيا منه فإن علي بن عيسى لما أرسله الأمين إلى خراسان بالجيش حضر إلى ~~باب زبيدة ليودعها فقالت له: يا علي، إن أمير المؤمنين- وإن كان ولدي وإليه ~~انتهت شفقتي- فإني على عبد الله- تعني المأمون- منعطفة مشفقة لما يحدث عليه ~~من مكروه وأذى وإنما ولدي ملك نافس أخاه في سلطانه، فاعرف لعبد الله حق ~~ولادته وأخوته، ولا تجبهه بالكلام فإنك لست نظيرا له ولا تقتسره اقتسار ~~العبيد، ولا توهنه بقيد أو غل ولا تمنع عنه جارية أو خادما، ولا تعنف عليه ~~في السير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله وخذ بركابه إذا ركب، وإن ~~شتمك فاحتمل منه، ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت: إذا صار إليك فقيده بهذا ~~القيد. فقال لها سأفعل ما أمرت به، وكان الناس يجزمون بنصرة علي بن عيسى ~~استعظاما له ولعسكره، واستصغارا لمن يلتقيه من جند المأمون فقدر الله خلاف ~~ما جزموا به، وكان من الأمر ما كان. # وكانت تلك الأيام أيام فتن وحروب، فمما جرى من ذلك: أن الحسين بن علي بن ~~عيسى بن ماهان وكان أحد الأمراء شغب على الأمين، وخلعه وحبسه وبايع للمأمون ~~وتبعه ناس من العسكر فاجتمع ناس آخرون وقالوا: إن كان الحسين ابن علي بن ~~عيسى يريد أن يأخذ وجها عند المأمون بما فعل، فلنأخذن نحن ms156 وجها PageV01P212 # عند خليفتنا الأمين بفكه وتخليصه، وإجلاسه على السرير فاقتتل الفريقان ~~فغلب أصحاب الأمين فدخلوا عليه محبسه وأخرجوه وأجلسوه على سرير الخلافة، ~~وقاتلوا حسينا وغلبوا عليه وأحضروه أسيرا إلى الأمين، فعاتبه فاعتذر إليه ~~وعفا عنه، ثم خلع عليه وولاه العسكر وأمره بمحاربة المأمون، فخرج وهرب ~~فأرسل الأمين الجند خلفه فلحقوا به وقتلوه وحملوا رأسه إلى الأمين، فما زال ~~الشر ينمي والاختلاف يزيد، حتى أرسل المأمون هرثمة وطاهر بن الحسين- وهما ~~من أعيان أمرائه- بعسكر كثيف، لمحاصرة بغداد ومحاربة الأمين، فحاصرا بغداد ~~مدة، وقاتلا بعساكرهما قتالا شديدا، وجرت بين القبيلين وقائع كثيرة كان في ~~آخرها الغلبة لعسكر المأمون وقتل الأمين وحمل رأسه إلى أخيه المأمون ~~بخراسان، وذلك في سنة ثمان وتسعين ومائة. # وأما حال الوزارة في أيامه، فإنه لم يستوزر غير الفضل بن الربيع وزير ~~أبيه وقد سبق شرح طرف من سيرته عند ذكر وزارته للرشيد. # انقضت أيام الأمين. ### || ثم ملك بعده أخوه عبد الله المأمون # بويع له البيعة العامة ببغداد في سنة ثمان وتسعين ومائة وكان المأمون من ~~أفضل خلفائهم وعلمائهم، وحكمائهم وحلمائهم وكان فطنا شديدا كريما. # حدث عنه، أنه لما كان بدمشق أضاق إضاقة شديدة وقل المال عنده فشكا ذلك ~~إلى أخيه المعتصم- وكان له بيده أعمال- فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين، ~~كأنك بالمال قد وافاك بعد أسبوع، فوصل في تلك الأيام من الأعمال التي كان ~~المعتصم يتولاها ثلاثون ألف ألف ألف درهم (الألف مكررة ثلاث مرات) فقال ~~ليحيى بن أكثم: اخرج بنا لننظر إلى هذا المال، فخرج وخرج الناس وكان قد زين ~~الحمل وزخرف فنظر المأمون منه إلى شيء حسن كثير، فاستعظم الناس ذلك ~~واستبشروا به، فقال المأمون: إن انصرافنا إلى منازلنا بهذا المال وانصراف ~~الناس خائبين لؤم فأمر كاتبه أن يوقع لهذا بألف ألف، ولذاك بمثلها، ولآخر ~~بأكثر منها، # PageV01P213 # حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف ألف درهم (والألف مكررة ثلاث مرات) ورجله ~~في الركاب، ثم حول الباقي على عارض الجيش برسم مصالح الجند، واعلم أن ~~المأمون كان من عظماء الخلفاء، ومن ms157 عقلاء الرجال، وله اختراعات كثيرة في ~~مملكته. # منها: أنه هو أول من فحص منهم عن علوم الحكمة، وحصل كتبها وأمر بنقلها ~~إلى العربية وشهرها، وحل إقليدس [1] ، ونظر في علوم الأوائل، وتكلم في الطب ~~وقرب أهل الحكمة. # ومن اختراعاته: مقاسمة أهل السواد [2] بالخمسين، وكانت المقاسمة المعهودة ~~النصف. # ومن اختراعاته: إلزام الناس أن يقولوا بخلق القرآن، وفي أيامه نشأت هذه ~~المقالة ونوظر [3] فيها أحمد بن حنبل [4] وغيره، ولما مات المأمون أوصى ~~أخاه المعتصم بها، فلما ولي المعتصم تكلم فيها وضرب أحمد بن حنبل، وسيرد ~~خبر ذلك في موضعه. # ومن اختراعاته: نقل الدولة من بني العباس إلى بني علي- عليه السلام- ~~وتغيير الناس السواد بلباس الخضرة، وقالوا: هو لباس أهل الجنة. ### || شرح الحال في ذلك # كان المأمون قد فكر في حال الخلافة بعده، وأراد أن يجعلها في رجل يصلح ~~لها لتبرأ ذمته- كذا زعم- فذكر أنه اعتبر أحوال أعيان البيتين: البيت ~~PageV01P214 # العباسي، والبيت العلوي، فلم ير فيهما أصلح ولا أفضل، ولا أورع ولا أدين، ~~من علي بن موسى الرضا- عليهما السلام- فعهد إليه، وكتب بذلك كتابا بخطه، ~~وألزم الرضا- عليه السلام- بذلك، فامتنع ثم أجاب، ووضع خطه في ظاهر كتاب ~~المأمون بما معناه: إني قد أجبت امتثالا للأمر، وإن كان الجفر والجامعة ~~يدلان على ضد ذلك، وشهد عليهما بذلك الشهود. # وكان الفضل بن سهل وزير المأمون هو القائم بهذا الأمر والمحسن له، فبايع ~~الناس لعلي بن موسى من بعد المأمون، وسمي الرضا من آل محمد (صلوات الله ~~عليه) . # وأمر المأمون الناس بخلع لباس السواد ولبس الخضرة، وكان هذا في خراسان ~~فلما سمع العباسيون ببغداد فعل المأمون، من نقل الخلافة عن البيت العباسي ~~إلى البيت العلوي، وتغيير لباس آبائه وأجداده بلباس الخضرة- أنكروا ذلك ~~وخلعوا المأمون من الخلافة غضبا من فعله، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي ~~وكان فاضلا شاعرا، فصيحا أديبا، مغنيا حاذقا، وإليه أشار أبو فراس بن حمدان ~~في ميميته بقوله: # منكم علية أم منهم وكان لكم ... شيخ المغنين إبراهيم أم لهم؟ [1] # (بسيط) وكانت تلك الأيام أيام فتن وحروب، فلما بلغ المأمون ms158 ذلك قام وقعد، ~~فقتل الفضل بن سهل، ومات بعده علي بن موسى من أكل عنب، فقيل: إن المأمون ~~لما PageV01P215 # رأى إنكار الناس ببغداد لما فعله، من نقل الخلافة إلى بني علي، وأنهم ~~نسبوا ذلك إلى الفضل بن سهل، ورأى الفتنة قائمة- دس جماعة على الفضل بن سهل ~~فقتلوه في الحمام، ثم أخذهم وقدمهم ليضرب أعناقهم، فقالوا له: أنت أمرتنا ~~بذلك ثم تقتلنا! فقال لهم: أنا أقتلكم بإقراركم، وأما ما ادعيتموه علي من ~~أني أمرتكم بذلك فدعوى ليس لها بينة. ثم ضرب أعناقهم وحمل رءوسهم إلى الحسن ~~بن سهل، وكتب يعزيه ويوليه مكانه وانضم إلى ذلك أمور أخرى سنذكرها عند ذكر ~~وزارة الفضل. ثم دس إلى علي بن موسى الرضا- عليه السلام- سما في عنب- وكان ~~يحب العنب- فأكل منه واستكثر فمات من ساعته، ثم كتب إلى بني العباس ببغداد ~~يقول لهم: إن الذي أنكرتموه من أمر علي بن موسى قد زال، وإن الرجل مات، ~~فأجابوه أغلظ جواب، وكان الفضل بن سهل قد استولى على المأمون، ومت أمتانا ~~[1] كثيرة بقيامه في أمره، واجتهاده في أخذ الخلافة له، فكان قد قطع ~~الأخبار عنه ومتى علم أن أحدا قد دخل عليه أو أعلمه بخبر سعى في مكروهة، ~~فامتنع الناس من كلام المأمون فانطوت الأخبار عنه، فلما ثارت الفتنة ببغداد ~~وخلع المأمون، وبويع إبراهيم بن المهدي وأنكر العباسيون على المأمون فعله ~~كتم الفضل بن سهل عن المأمون مدة، فدخل عليه علي بن موسى الرضا- عليهما ~~السلام- وقال له: # يا أمير المؤمنين: إن الناس ببغداد قد أنكروا عليك مبايعتي بولاية العهد، ~~وتغيير لباس السواد، وقد خلعوك، وبايعوا عمك إبراهيم بن المهدي، وأحضر إليه ~~جماعة من القواد ليخبروه بذلك، فلما سألهم المأمون أمسكوا وقالوا: نخاف من ~~الفضل، فإن كنت تؤمننا من شره أخبرناك، فأمنهم وكتب لهم خطه، فأخبروه بصورة ~~الحال وعرفوه خيانة الفضل وتعمية الأمور عليه، وستره الأخبار عنه، وقالوا ~~له: الرأي أن تسير بنفسك إلى بغداد وتستدرك أمرك، وإلا خرجت الخلافة من ~~يدك، فكان بعد هذا بقليل قتل الفضل، وموت الرضا على ms159 ما تقدم شرحه. ~~PageV01P216 # ثم جد المأمون في المسير إلى بغداد، فوصلها وقد هرب إبراهيم بن المهدي ~~والفضل بن الربيع، فلما دخل البلد تلقاه العباسيون وكلموه في ترك لباس ~~الخضرة والعود إلى السواد واجتمعت به زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله ~~بن العباس- وكانت في طبقة المنصور، وكان بنو العباس يعظمونها، وإليها ينسب ~~الزينبيون- فقالت له: يا أمير المؤمنين: ما الذي دعاك إلى نقل الخلافة من ~~بيتك إلى بيت علي قال: يا عمة: إني رأيت عليا حين ولي الخلافة أحسن إلى بني ~~العباس، فولى عبد الله البصرة، وعبيد الله اليمن، وقثم سمرقند [1] ، وما ~~رأيت أحدا من أهل بيتي حين افضى الأمر إليهم، كافئوه على فعله في ولده، ~~فأحببت أن أكافئه على إحسانه فقالت له: يا أمير المؤمنين: إنك على بر بني ~~علي والأمر فيك، أقدر منك على برهم والأمر فيهم، ثم سألته تغيير لباس ~~الخضرة فأجابها إلى ذلك، وأمر الناس بتغييره والعود إلى لباس السواد، ثم إن ~~المأمون عفا عن عمه إبراهيم بن المهدي، ولم يؤاخذه، وأحسن إليه وصار من ~~ندمائه، وكذلك فعل مع الفضل بن الربيع، وكان حليما، كان يقول: لو عرف الناس ~~حبي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب. # في أيامه خرج محمد بن جعفر الصادق عليهما السلام بمكة، وبويع بالخلافة ~~وسموه أمير المؤمنين، وكان بعض أهله قد حسن له ذلك حين رأى كثرة الاختلاف ~~ببغداد، وما بها من الفتن، وخروج الخوارج، وكان محمد بن جعفر شيخا من شيوخ ~~آل أبي طالب يقرأ عليه العلم، وكان روى عن أبيه عليه السلام علما جما، فمكث ~~بمكة مدة، وكان الغالب على أمره ابنه وبعض بني عمه فلم تحمد سيرتهما، وأرسل ~~المأمون إليهم عسكرا فكانت الغلبة له، وظفر به المأمون وعفا عنه. # وفي أيامه خرج أبو السرايا وقويت شوكته، ودعا إلى بعض أهل البيت، فقاتله ~~الحسن بن سهل فكانت الغلبة للجيش المأموني وقتل أبو السرايا، ثم صفا الملك ~~بعد ذلك للمأمون وسكنت الفتن، وقام المأمون بأعباء الخلافة وتدبير المملكة ~~PageV01P217 # قيام حزماء الملوك وفضلائهم، وفي ms160 آخرها خرج إلى الثغر بطرسوس [1] فمات به ~~وذلك في سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيه يقول بعض الشعراء: # ما رأينا النجوم أغنت عن المأمون ... في ظل ملكه المحروس # غادروه بعرصتي طرسوس ... مثلما غادروا أباه بطوس # (خفيف) ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أول وزرائه بنو سهل، وكانت دولتهم في جبهة الدهر غرة، وفي مفرق العصر ~~درة، وكانت مختصرة الدولة البرمكية، وهم صنائع البرامكة [2] ، فالوزير ~~الأول للمأمون منهم الفضل بن سهل. ### || وزارة ذي الرئاستين الفضل بن سهل للمأمون # سمي ذا الرئاستين لجمعه بين السيف والقلم، قالوا: كان الفضل بن سهل من ~~أولاد ملوك الفرس المجوس، وكان قهرمانا ليحيى بن خالد، وكان أبوه سهل ~~مجوسيا فأسلم في أيام الرشيد، قالوا: لما رأى الفضل بن سهل نجابة المأمون ~~في صباه ونظر في طالعة وكان خبيرا بعلم النجوم فدلته النجوم على أنه يصير ~~خليفة لزم ناحيته وخدمه ودبر أموره، حتى أفضت الخلافة إليه فاستوزره. # كان الفضل سخيا كريما، يجاري البرامكة في جوده، شديد العقوبة سهل ~~الانعطاف، حليما بليغا عالما بآداب الملوك، بصيرا بالحيل جيد الحدس محصلا ~~للأموال وكان يقال له الوزير الأمير. # كان مسلم بن الوليد [3] الشاعر نديما للفضل بن سهل قبل وزارته، وكان قد ~~PageV01P218 # أنشده قوله: # وقائل ليست له همة ... كلا، ولكن ليس لي مال # لا جدة ينهض عزمي بها ... والناس سؤال وبخال # فاصبر على الدهر إلى دولة ... يرفع فيها حالك الحال # (سريع) فلما علت حال الفضل وتولى الوزارة، قصده مسلم بن الوليد، فلما رآه ~~سر به قال له: هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال، وأمر له بثلاثين ألف ~~درهم، وولاه بريد جرجان، فاستفاد من ثم مالا طائلا، قالوا: كانت همة ذي ~~الرئاستين عالية جدا من قبل أن يعظم أمره، قال له مؤدب المأمون يوما في ~~أيام الرشيد: إن المأمون لجميل الرأي فيك، وإني لا أستبعد أن يحصل لك من ~~جهته ألف ألف درهم فاعتاظ الفضل من ذلك وقال له: ألك علي حقد؟ ألي إليك ~~إساءة؟ فقال له المؤدب لا والله، ما قلت هذا ms161 إلا محبة لك، فقال: أتقول لي ~~إنك تحصل معه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته لأكتسب منه مالا قل أو جل [1] ، ~~ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب، قال: فو الله ما طالت ~~المدة حتى بلغ ما أمل وقتل الفضل بن سهل على الصورة التي تقدم شرحها، وذلك ~~في سنة اثنتين ومائتين وفيه يقول الشاعر: # لفضل بن سهل يد ... يقصر عنها المثل # فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل [2] # (متقارب) PageV01P219 ### || وزارة أخيه الحسن بن سهل للمأمون # استوزره المأمون بعد أخيه الفضل ومال إليه، وتلافاه جبرا لمصابه بقتل ~~أخيه وتزوج ابنته بوران، وانحدر في أهله وأصحابه وعساكره وأمرائه إلى فم ~~الصلح بواسط [1] فقام الحسن بن سهل في إنزالهم قياما عظيما، وبذل من ~~الأموال ونثر من الدرر ما يفوت حد الكثرة، حتى إنه عمل بطاطيخ من عنبر وجعل ~~في وسط كل واحدة منها رقعة بضيعة من ضياعه ونثرها، فمن وقعت في يده بطيخة ~~منها فتحها وتسلم الضيعة التي فيها وكانت دعوة عظيمة تتجاوز حد التجمل ~~والكثرة حتى إن المأمون نسبه إلى ذلك إلى السرف، وقالوا جملة ما أخرج على ~~دعوة فم الصلح خمسون ألف ألف درهم. # كان الحسن بن سهل قد فرش للمأمون حصيرا منسوجا من الذهب ونثر عليه ألف ~~لؤلؤة من كبار اللؤلؤ، فلما رآه المأمون قال: قاتل الله أبا نواس! كأنه ~~شاهد مجلسنا هذا حيث يقول: # كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # (بسيط) قالوا: قدم رجل إلى باب الحسن بن سهل يلتمس صلته وعارفته [2] ~~فاشتغل عنه مديدة فكتب إليه: # المال والعقل مما يستعان به ... على المقام بأبواب السلاطين # وأنت تعلم أني منهما عطل [3] ... إذا تأملتني يا ابن الدهاقين [4] # أما تدلك أثوابي على عدمي [5] ... والوجه أني رئيس في المجانين # والله يعلم ما للملك من رجل ... سواك يصلح للدنيا وللدين # (بسيط) PageV01P220 # فأمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته: # أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلا ولو أنظرتنا لم يقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تسل ms162 ... ونكون نحن كأننا لم نسأل # (كامل) وكان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون، وكان المأمون ~~شديد المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضر عنده طاوله في الحديث، وكلما أراد ~~الانصراف منعه فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت الملازمة، فصار يتراخى عن ~~الحضور بمجلس المأمون ويستخلف أحد كتابه كأحمد بن أبي خالد وأحمد بن أبي ~~يوسف وغيرهما، ثم عرضت له سوداء [1] كان أصلها جزعه على أخيه، فانقطع بداره ~~ليتطبب واحتجب عن الناس إلا أنه بقي أعلى الخلق مكانة، واستوزر المأمون ~~أحمد ابن أبي خالد، فكان أحمد في كل وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل، وإذا حضر ~~الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانة، ولما انقطع الحسن بن سهل بمنزله ~~هجاه بعض الشعراء بقوله: # تولت [2] دولة الحسن بن سهل ... ولم أبلل [3] لهاني من نداها # فلا تجزع على ما فات منها ... وأبكى الله عيني من بكاها # (وافر) ومات الحسن بن سهل في سنة ست وثلاثين ومائتين في أيام المتوكل. ### || وزارة أحمد بن أبي خالد الأحول للمأمون # هو من الموالي، كان أحمد جليل القدر من عقلاء الرجال، وكان كاتبا سديدا ~~فصيحا لبيبا، بصيرا بالأمور، قال له المأمون: إن الحسن بن سهل قد لزم ~~منزله، وإنني أريد أن أستوزرك، فتنصل [4] أحمد من الوزارة، وقال: يا أمير ~~PageV01P221 # المؤمنين، أعفني من التسمي بالوزارة، وطالبني بالواجب فيها، واجعل بيني ~~وبين العامة منزلة يرجوني لها صديقي، ويخافني لها عدوي، فما بعد الغايات ~~إلا الآفات فاستحسن المأمون جوابه وقال لا بد من ذلك، واستوزره. # كان المأمون لما ولى طاهر بن الحسين خراسان، استشار فيه أحمد بن أبي خالد ~~فصوب أحمد الرأي في تولية طاهر، فقال المأمون لأحمد: إني أخاف أن يغدر ~~ويخلع ويفارق الطاعة، فقال أحمد: الدرك في ذلك علي، فولاه المأمون، فلما ~~كان بعد مدة أنكر المأمون عليه أمورا، وكتب إليه يتهدده فيه، فكتب طاهر ~~جوابا أغلظ فيه للمأمون ثم قطع اسمه من الخطبة ثلاث جمع، فبلغ ذلك المأمون، ~~فقال لأحمد بن أبي خالد، أنت الذي أشار بتولية طاهر وضمنت ms163 ما يصدر منه، وقد ~~ترى ما صدر منه من قطع الخطبة ومفارقة الطاعة، فو الله لئن لم تتلطف لهذا ~~الأمر وتصلحه كما أفسدته، ضربت عنقك! فقال أحمد: يا أمير المؤمنين طب نفسا ~~فبعد أيام يأتيك البريد بهلاكه، ثم إن أحمد بن خالد أهدى لطاهر هدايا فيها ~~كوامخ مسمومة، وكان طاهر يحب الكامخ [1] ، فأكل منها فمات من ساعته، وقيل: ~~إن أحمد بن أبي خالد لما تولى طاهر خراسان حسب هذا الحساب، فوهبه خادما ~~وناوله سما، وقال له: متى قطع خطبة المأمون فاجعل له هذا السم في بعض ما ~~يحب من المآكل، فلما قطع طاهر خطبة المأمون جعل الخادم له السم في كامخ، ~~فأكل منه فمات في ساعته، ووصل الخبر على البريد بموته إلى المأمون بعد أيام ~~فكان ذلك مما عظم به أمر أحمد بن أبي خالد. # ومات أحمد حتف أنفه سنة عشر ومائتين. PageV01P222 ### || وزارة أحمد بن يوسف بن القاسم للمأمون # كان من الموالي، وكان كاتبا فاضلا، أديبا شاعرا، فطنا بصيرا بأدوات الملك ~~وآداب السلاطين، قالوا لما مات أحمد بن أبي خالد استشار المأمون الحسن ابن ~~سهل فيمن يوليه الوزارة، فأشار عليه بأحمد بن يوسف، وأبي عباد بن يحيى، ~~وقال: هما أعرف الناس بطبع أمير المؤمنين، فقال له: اختر أحدهما، فاختار له ~~أحمد بن يوسف ففوض المأمون إليه وزارته، استشار المأمون أحمد بن يوسف في ~~رجل، فوصفه أحمد بن يوسف وذكر محاسنه، فقال له المأمون يا أحمد، لقد مدحته ~~على سوء رأيك فيه ومعاداته لك! فقال أحمد: لأني لك كما قال الشاعر: # كفى ثمنا بما أسديت [1] أني ... صدقتك في الصديق وفي عدائي # وأني حين تندبني [2] لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائي [3] # (وافر) وله أشعار حسنة فمنها: # قلبي يحبك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبك # لأكون فردا في هواك ... فليت شعري كيف قلبك؟! # (كامل) وأهدى يوم نوروز إلى المأمون هدية قيمتها ألف ألف درهم، وكتب ~~معها: # على العبد حق فهو لا بد فاعله ... وإن عظم المولى وجلت فواضله # ألم ترنا نهدي إلى الله ms164 ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله # (طويل) فقال المأمون: عاقل أهدى حسنا، وكان سبب موته أنه دخل يوما إلى ~~المأمون والمأمون يتبخر، فأخرج المأمون المجمرة من تحته وقال: اجعلوها تحت ~~أحمد- تكرمة له- فنقل أعداؤه إلى المأمون أنه قال: ما هذا البخل بالبخور؟ ~~هلا PageV01P223 # أمر لي ببخور مستأنف [1] ؟ فاغتاظ المأمون لذلك، وقال: ينسبني إلى البخل ~~وقد علم أن نفقتي في كل يوم ستة آلاف دينار! وإنما أردت إكرامه بما كان تحت ~~ثيابي ثم دخل عليه وهو يتبخر مرة أخرى فقال المأمون، اجعلوا تحته في مجمرة ~~قطع عنبر وضموا عليه شيئا يمنع البخار أن يخرج، ففعلوا ذلك به، فصبر عليه ~~حتى غلبه الأمر فصاح: الموت الموت، فكشفوا عنه وقد غشي عليه فانصرف إلى ~~منزله، فمكث فيه شهورا عليلا من ضيق النفس حتى مات بهذه العلة، وقيل: بل ~~مات كمدا لبادرة بدرت منه، فاطرحه [2] المأمون لأجلها. ### || وزارة أبي عباد ثابت بن يحيى بن يسار الرازي للمأمون # كان أبو عباد كاتبا حاذقا بالحساب، سريع الحركات أهوج محمقا، قالوا: # كان المأمون ينشد إذا رآه مقبلا قول دعبل [3] فيه: # وكأنه من دير هرقل مفلت ... حرب يجر سلاسل الأقياد # (كامل) قيل للمأمون: إن دعبلا الشاعر هجاك، فقال: من أقدم على هجاء أبي ~~عباد كيف لا يهجوني؟ ومعنى هذا الكلام: من أقدم على هجاء أبي عباد مع هوجه ~~وجنونه وحدته، كيف لا يقدم على هجائي مع حلمي ومحبتي للصفح؟!. # وكان أبو عباد شديد الحدة سريع الغضب، ربما اغتاظ من بعض من يكون بين ~~يديه، فرماه بدواته أو شتمه فأفحش، فدخل إليه الغالبي الشاعر وأنشده: # لما أنخنا بالوزير ركابنا ... مستعصمين بجوده أعطانا # ثبتت رحى ملك الإمام [4] بثابت ... وأفاض فينا العدل والإحسانا # يقري [5] الوفود طلاقة وسماحة ... والناكثين [6] مهندا وسنانا ~~PageV01P224 # من لم يزل للناس غيثا ممرعا ... متخرقا [1] في جوده معوانا # (كامل) فلما وصل إلى قوله: في جوده، وقف وارتج عليه، وصار يكرر، في جوده ~~في جوده، مرارا حتى ضجر أبو عباد، وغلبت عليه السوداء فقال: يا شيخ. # فقل صفعانا وخلصنا، ms165 فضحك جميع من كان بالمجلس، وذهب غيظه هو أيضا فضحك مع ~~الناس وأتم الغالبي قافيته بقوله معوانا، ثم وصله. ### || وزارة أبي عبد الله محمد يزداد بن سويد للمأمون وهو آخر وزرائه # هم من خراسان، كانوا مجوسا ثم أسلموا، واتصلوا بالخلفاء، وسويد أول من ~~أسلم منهم، وكان قد مات أبوه وهو صغير، فأسلمته أمه إلى بعض كتاب العجم ~~فنفذ نفاذا محمودا، وتعلم آدابا كثيرة من آداب الفرس، ثم واظب على ملازمة ~~الديوان بمرو [2] ، وحضر صاحب الديوان في يوم مطير، وتخلف جميع الكتاب ~~والنواب عن الحضور، وكان سويد جد محمد حاضرا، فاحتاج صاحب الديوان إلى عمل ~~حسبة فلم يكن عنده بالديوان أحد، فتولى هو عملها بنفسه، وشرع فيها فكتب ~~بعضها، ثم غلبه نعاس، وحانت منه التفاتة فرأى سويدا فسلم الحسبة إليه، وقال ~~له: احتفظ بها حتى أنتبه، ثم نام صاحب الديوان فتصفح سويد الحسبة وتممها ~~وبيضها في نسخة حسنة بخط مليح وضبط صحيح، وانتبه صاحب الديوان وطلب منه ~~الحسبة فدفعها إليه فوجدها مفروغا منها على أتم قاعدة وأحسن وجه، فقال: # يا صبي: من عمل هذه الحسبة؟ قال: أنا. قال: أفتحسن الكتابة؟ قال: نعم. # فأمره بلزوم سدته [3] التي كان فيها حسابه وأصول أعماله، وما يحب أن ~~يحتفظ به وقرر له معيشة، وتنقل في الخدمات حتى حصل أموالا جليلة وارتفع ~~قدره، ثم PageV01P225 # تأدب محمد وبرع في كل شيء فاستوزره المأمون وفوض إليه جميع الأمور، كان ~~محمد شاعرا فصيحا، فمن شعره: # لقد فتنت بمقلتها فتون ... وخانت في الهوى من لا يخون # وتزعم أنني أهوى سواها ... فكيف وما تخطتها العيون # أيا من حبها في القلب مني ... مكان الروح مستتر كمين # ويا من تدعي أني خؤون ... وهذا في هواها لا يكون # خذي عهدي على عيني وطرفي ... وحسبك ضامنا أني أمين # (وافر) ومات المأمون وهو وزيره. # انقضت أيام المأمون ووزرائه. ### || ثم ملك بعده أخوه المعتصم أبو إسحاق محمد # بويع يوم وفاة المأمون، وقد تقدم ذكر السنة، كان المعتصم سديد الرأي شديد ~~المنة، يحمل ألف رطل ويمشي بها خطوات، ms166 وكان موصوفا بالشجاعة، وسمي: المثمن ~~من أحد عشر وجها: هو الولد الثامن من العباس، والثامن من الخلفاء، وتولى ~~الخلافة وعمره ثماني عشرة سنة [1] ، وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر، ~~وتوفي وله ثمان وأربعون سنة، وولد في شعبان وهو الشهر الثامن وخلف ثمانية ~~ذكور، وثماني بنات وغزا ثماني غزوات، وخلف ثمانية آلاف ألف درهم. # كانت أيام المعتصم أيام فتوح وحروب، وهو الذي فتح عمورية. PageV01P226 ### || شرح الحال في ذلك # كان السبب في غزو المعتصم عمورية، أن ملك الروم خرج إلى بلاد المسلمين ~~فنهب حصنا من حصونهم يقال له زبطرة، وقتل من به من الرجال وسبى الذرية ~~والنساء فيقال: إنه كان في جملة السبي امرأة هاشمية، فسمعت وهي تقول: # وا معتصماه! فبلغ المعتصم ما فعله ملك الروم بالمسلمين فاستعظمه وكثر ~~عليه، وبلغه ما قالت الهاشمية فقال وهو في مجلسه: لبيك لبيك! ونهض من ساعته ~~وصاح في قصره: الرحيل الرحيل! ثم ركب دابته وسمط [1] خلفه شكالا [2] وسكة ~~حديد وحقيبة بها زاده، ثم برز وأمر العساكر بالتبريز، وتجهز تجهزا لم يتجهز ~~بمثله خليفة، فلما اجتمعت عساكره وفرغ من تجهيزه وعزم على المسير، أحضر ~~القضاة والشهود، فأشهدهم أنه وقف أملاكه وأمواله على ثلاثة أثلاث، ثلث لله ~~تعالى وثلث لولده وأقاربه، وثلث لمواليه، ثم سار فظفر ببعض أهل الروم فسأله ~~عن أحصن مدنهم وأعظمها وأعزها عندهم، فقال له الرومي: إن عمورية هي عين ~~بلادهم، فتوجه المعتصم إليها، وجمع عساكره عليها، وحاصرها ثم فتحها ودخل ~~إليها وقتل فيها وفي بلادهم، وسبى وأسر وبالغ في ذلك حتى هدم عمورية وعفى ~~آثارها، وأخذ بابا من أبوابها- وهو باب حديد عظيم الحجم- فأحضره إلى بغداد ~~وهو الآن على أحد أبواب الخلافة يسمى باب العامة، وكان قد صحبه أبو تمام ~~الطائي [3] فمدحه بقصيدته البائية التي أولها: # السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب # (بسيط) وفيها يقول للمعتصم: PageV01P227 # خليفة الله جازى الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب # بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب # ومن جملتها ms167 ما يشير به إلى مبالغة المعتصم في قتالهم واستئصاله إياهم: # لم تطلع الشمس منهم يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على عزب # ومن جملتها ما يدل على شدة ما كان عنده من الحقد عليهم وهو قوله: # ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعك الخرب [1] # ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدك الترب [2] # وكانت وقعة عمورية في سنة ثلاث وعشرين ومائتين. # والمعتصم هو الذي بنى سر من رأى. ### || شرح السبب في بناء سامرا وكيفية الحال في ذلك # كانت بغداد دار الملك، بها سرير الخلافة من بعد المنصور، إلا أن هارون ~~الرشيد أحب الرقة بالشأم فأقام بها، ومع ذلك فكانت الرقة كالمتنزه، وقصوره ~~وخزائنه ونساؤه وأولاده ببغداد بقصر الخلد، ومن ولي بعده من الخلفاء كان ~~سرير ملكهم ببغداد. # فلما كانت أيام المعتصم خاف من بها من العسكر ولم يثق بهم، فقال: # اطلبوا لي موضعا أخرج إليه وأبني فيه مدينة وأعسكر به، فإن رابني من ~~عساكر بغداد حادث كنت بنجوة، وكنت قادرا على أن آتيهم في البر وفي الماء، ~~فوقع اختياره على سامرا فبناها وخرج إليها. # وقيل: إن المعتصم استكثر من المماليك، فضاقت بهم بغداد وتأذى بهم الناس ~~وزاحموهم في دورهم، وتعرضوا للنساء، فكان في كل يوم ربما قتل منهم ~~PageV01P228 # جماعة فركب المعتصم يوما فلقيه رجل شيخ، فقال للمعتصم: يا أبا إسحاق: ~~فأراد الجند ضربه فمنعهم المعتصم، وقال له ما لك يا شيخ؟ فقال: لا جزاك ~~الله خيرا عن الجوار! جاورتنا مدة فرأيناك شر جار، جئتنا بهؤلاء العلوج [1] ~~من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا، ~~والله لنقاتلنك بسهام السحر- يعني الدعاء- والمعتصم يسمع ذلك، فدخل منزله ~~ولم ير راكبا إلا في يوم مثل ذلك اليوم، فركب وصلى بالناس العيد، وسار إلى ~~موضع سامرا فبناها، وكان ذلك في سنة إحدى وعشرين ومائتين. # ولما مرض المعتصم مرضته التي مات فيها نزل في سفينة ومعه زنام الزامر [2] ~~وكان أوحد وقته فجعل يجتاز على قصوره وبساتينه بشاطئ ms168 دجلة ويقول لزنام: ~~ازمر: # يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى # لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى # والعيش أحلى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى # (سريع) ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيل: ليست حيلة! ثم مات. وذلك في سنة ~~سبع وعشرين ومائتين. PageV01P229 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أول وزرائه كاتبه قبل الخلافة الفضل بن مروان، كان من البردان [1] ، وكان ~~عاميا لا علم عنده ولا معرفة، وكان رديء السيرة جهولا بالأمور، وفيه يقول ~~بعض شعراء عصره: # تفرعنت [2] يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل # ثلاثة أملاك [3] مضوا لسبيلهم ... أبادهم التقييد والأسر والقتل # (طويل) والثلاثة هم الفضل بن يحيى بن خالد، والفضل بن سهل، والفضل بن ~~الربيع وكان الفضل بن مروان قد تمكن من المعتصم وحسده الناس على منزلته ~~عنده، ثم نكبه وأخذ جميع أمواله وعف عن نفسه، فبقي مدة ينتقل في الخدمات ~~حتى مات في أيام المستعين. ### || وزارة أحمد بن عمار بن شاذي للمعتصم # ثم وزر له أحمد بن عمار، كان رجلا موسرا من أهل المذار فانتقل إلى البصرة ~~واشترى بها أملاكا وكثر ماله، وكان طحانا، ثم أصعد إلى بغداد واتسع بها ~~حاله فقالوا كان يخرج في الصدقة كل يوم مائة دينار، وكان الفضل بن مروان قد ~~وصفه بالأمانة عند المعتصم، فلما نكب الفضل لم يقع نظر المعتصم على غير ~~أحمد بن عمار فاستوزره، وكان جاهلا بآداب الوزارة، وفيه يقول بعض شعراء ~~عصره: # سبحان ربي الخالق الباري ... صرت وزيرا يا ابن عمار # وكنت طحانا على بغلة ... بغير دكان ولا دار PageV01P231 # كفرت بالمقدار [1] إن لم تكن ... قد جزت في ذا كل مقدار # (سريع) فمكث مدة في وزارة المعتصم، حتى ورد كتاب من بعض العمال يذكر فيه ~~خصب الناحية وكثرة الكلإ، فسأل المعتصم أحمد بن عمار عن الكلإ فلم يدر ما ~~يقول فدعا محمد بن عبد الملك الزيات، وكان أحد خواصه وأتباعه فسأله عن ~~الكلإ، فقال: أول النبات يسمى بقلا، فإذا طال قليلا ms169 فهو كالكلإ، فإذا يبس ~~وجف فهو الحشيش فقال المعتصم لأحمد بن عمار: انظر أنت الدواوين وهذا يعرض ~~علي الكتب، ثم استوزره، وصرف ابن عمار صرفا جميلا. ### || وزارة محمد بن عبد الملك الزيات للمعتصم # كان أبوه تاجرا في أيام المأمون موسرا، ونشأ محمد فتأدب وقرأ وفهم، وكان ~~ذكيا فبرع في كل شيء حتى صار نادرة وقته عقلا وفهما، وذكاء وكتابة، وشعرا ~~وأدبا وخبرة بآداب الرئاسة، وقواعد الملوك، حتى كانت أيام المعتصم فاستوزره ~~على ما تقدم شرحه، فنهض بأعباء الوزارة نهوضا لم يكن لمن تقدمه من أضرابه، ~~وكان جبارا متكبرا، فظا غليظ القلب، خشن الجانب مبغضا إلى الخلق، ومات ~~المعتصم وهو وزيره وكان المعتصم قد أمر لابنه الواثق بمال، وأحال به على ~~ابن الزيات فمنعه، وأشار على المعتصم ألا يعطيه شيئا، فقبل المعتصم قوله ~~ورجع فيما كان أمر به للواثق من ذلك فكتب بخطه كتابا بالحج والعتق والصدقة ~~أنه إن ولي الخلافة ليقتلن ابن الزيات شر قتلة. # فلما مات المعتصم وجلس الواثق على سرير الخلافة ذكر حديث ابن الزيات ~~فأراد أن يعاجله فخاف ألا يجد مثله، فقال للحاجب: أدخل إلي عشرة من الكتاب ~~فلما دخلوا عليه اختبرهم فما كان فيهم من أرضاه، فقال للحاجب: أدخل من ~~الملك PageV01P232 # محتاج إليه، محمد بن الزيات، فأدخله، فوقف بين يديه خائفا، فقال للخادم: # أحضر إلي المكتوب الفلاني، فأحضر له الكتاب الذي كان كتب وحلف فيه ليقتلن ~~ابن الزيات فدفعه إلى ابن الزيات وقال: اقرأه، فلما قرأه، قال: يا أمير ~~المؤمني أنا عبد إن عاقبته فأنت حاكم فيه، وإن كفرت عن يمينك واستبقيته كان ~~أشبه بك. فقال الواثق: والله ما أبقيتك إلا خوفا من خلو الدولة من مثلك! ~~وسأكفر عن يميني، فإني أجد عن المال عوضا ولا أجد عن مثلك عوضا، ثم كفر عن ~~يمينه واستوزره وفوض الأمور إليه، وكان ابن الزيات شاعرا مجيدا فمن شعره ~~يرثي المعتصم ويمدح الواثق: # قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالماء والطين # اذهب فنعم المعين أنت على ... الدنيا ونعم المعين ms170 للدين # لا يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون [1] # (منسرح) ثم إن محمد بن عبد الملك الزيات مكث في وزارة الواثق مدة خلافته، ~~لم يستوزر غيره حتى مات الواثق، وولي أخوه المتوكل فقبض عليه وقتله. # قيل: إن ابن الزيات عمل تنورا من حديد ومساميره إلى داخل، ليعذب به من ~~يريد عذابه، فكان هو أول من جعل فيه، وقيل له: ذق ما كنت تريد أن تذيق ~~الناس!. # انقضت أيام المعتصم ووزرائه. ### || ثم ملك بعده هارون الواثق بويع سنة سبع وعشرين ومائتين # كان الواثق من أفاضل خلفائهم، وكان فاضلا لبيبا، فطنا فصيحا شاعرا وكان ~~يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته، ولما ولي الخلافة أحسن إلى بني عمه ~~الطالبيين [2] وبرهم ولم يقع في أيامه من الفتوح الكبار والحوادث المشهورة ~~ما يؤثر PageV01P233 # ومات الواثق في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # # لم يستوزر الواثق سوى محمد بن عبد الملك الزيات وزير أبيه، وقد سبق طرف ~~من حاله ومات الواثق وهو وزيره. # انقضت أيام الواثق. ### || ثم ملك بعده أخوه جعفر المتوكل # كان المتوكل شديد الانحراف عن آل علي- عليه السلام- وفعل من حرث قبر ~~الحسين- عليه السلام- ما فعل، وأبى الله إلا أن يتم نوره، وقال من يعتذر ~~له: إنه كان كأخيه وكالمأمون في الميل إلى بني علي- عليه السلام- وإنما كان ~~حوله جماعة منحرفون عن أهل البيت- عليهم السلام- فكانوا دائما يحملونه على ~~الوقيعة فيهم والأول أصح، ولا ريب أنه كان شديد الانحراف عن هذه الطائفة، ~~ولذلك قتله ابنه غيرة وحمية. ### || شرح مقتله على سبيل الاختصار # كانت بينه وبين ابنه المنتصر مباينة، وكان كل منهما يكره الآخر ويؤذيه، ~~فاتفق المنتصر مع جماعة من الأمراء على قتله وقتل الفتح بن خاقان [1] ، ~~وكان أكبر أمرائه وأفضلهم، فهجموا عليه وهو يشرب، فخبطوه بالسيف فقتلوه ~~وقتلوا الفتح معه وأشاعوا أن الفتح قتله فقتلناه به، وجلس ابنه على السرير ~~بعده. وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين. PageV01P234 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة استوزر محمد بن عبد الملك الزيات أياما، ثم نكبه ms171 وقبض ~~عليه وقتله كما تقدم شرحه، ثم استكتب [1] رجلا من كتابه يقال له: أبو ~~الوزير، من غير أن يسميه بالوزارة فكتب له مديدة يسيرة، ثم نكبه وأخذ منه ~~مائتي ألف دينار، واستوزر الجرجرائي. ### || وزارة أبي جعفر محمد بن الفضل الجرجرائي للمتوكل # كان شيخا ظريفا، حسن الأدب، عالما بالغناء مشتهرا به، فخف على قلب ~~المتوكل فاستوزره مديدة، ثم كثرت السعايات به، فعزله المتوكل، وقال: قد ~~ضجرت من المشايخ، أريد حدثا أستوزره، فأشير عليه بعبيد الله بن يحيى بن ~~خاقان. ### || وزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان # كان عبيد الله حسن الخط، وله معرفة بالحساب والاستيفاء [2] ، إلا أنه كان ~~مخلطا [3] ، وكان مجدودا [4] ، فكانت سعادته تغطي عيوبه، وكان كريما حسن ~~الأخلاق. # وكان كرمه أيضا يستر كثيرا من عيوبه، وكان فيه تعفف، قيل: إن صاحب مصر ~~حمل إليه مائتي ألف دينار وثلاثين سفطا من الثياب المصرية، فلما أحضرت بين ~~يديه، قال لوكيل صاحب مصر: لا والله! لا أقبلها ولا أثقل عليه PageV01P235 # بذلك، ثم فتح الأسفاط وأخذ منها منديلا لطيفا وضعه تحت فخذه، وأمر بالمال ~~فحمل إلى خزانة الديوان وصحح بها، وأخذ به دورا لصاحب مصر. # وكانت سيرة عبيد الله هينة، والجند يحبونه، فلما جرت مفتنة عند قتل ~~المتوكل خاف عبيد الله فاجتمع الجند على بابه وقالوا له: أنت أحسنت إلينا ~~في حال وزارتك وأقل ما يجب لك علينا أن نحتفظ بك ونحرسك في مثل هذه الفتنة. # انقضت أيام المتوكل ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ابنه محمد المنتصر # بويع في صبيحة الليلة التي قتل أبوه بها، كان المنتصر شهما فاتكا سفاكا ~~للدم ولما قتل أباه تحدث الناس بأنه لا يطول له العمر بعده، وشبهوه بشيرويه ~~[1] بن كسرى حين قتل أباه، ولم يستمتع بالملك بعده، قالوا لما قتل المنتصر ~~أباه وبويع له بالخلافة جلس على بساط لم ير الناس مثله، وعليه كتابة عجيبة ~~بالفارسية، فنظر إليها المنتصر واستحسنها، وقال لمن حضر: هل تعرفون معناها؟ ~~فأحجموا وقالوا لا نعرف فاستحضر رجلا عجميا غريبا وأمره بقراءتها، فأحجم ~~الرجل، فقال ms172 له المنتصر: قل وما عليك بأس، فليس لك ذنب، فقال الرجل: على ~~هذه البساط مكتوب، أنا شيرويه بن كسرى، قتلت أبي فلم أتمتع بالملك بعده إلا ~~ستة أشهر فتطير المنتصر من ذلك، ونهض من مجلسه مغضبا، فلم تتم ستة أشهر حتى ~~مات، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومائتين. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة استوزر كاتبه أحمد بن الخصيب. PageV01P236 ### || وزارة أحمد بن الخصيب للمنتصر # كان أحمد مقصرا في صناعته، مطعونا عليه في عقله، وكانت فيه مروءة وحدة ~~[1] وطيش، فمن احتمله بلغ منه ما أراد، فعرض له رجل من أرباب الحوائج وألح ~~عليه حتى ضايقه، وضغط رجله بالركاب، فاحتد أحمد وأخرج رجله من الركاب وركله ~~بها في صدره، فقال فيه بعض الشعراء: # قل للخليفة يا ابن عم محمد ... أشكل وزيرك إنه ركال [2] # قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصدور مجال # (كامل) ومات المنتصر وأحمد بن الخصيب وزيره. # انقضت أيام المنتصر. ### || ثم ملك بعده المستعين وهو أحمد بن المعتصم # لما مات المنتصر اجتمع الأمراء وأكابر المماليك، وقالوا: متى ولينا أحدا ~~من ولد المتوكل طالبنا بدمه وأهلكنا، فأجمعوا على مبايعة المستعين وقالوا ~~هو ابن مولانا المعتصم فإذا ما بايعناه لم تخرج الخلافة من ولد المعتصم، ~~فبايعوه في سنة ثمان وأربعين ومائتين وكانت تلك أيام فتن وحروب وخروج ~~خوارج، فممن خرج فيها قتيل شاهي أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين ~~بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) . ### || شرح الحال في ذلك # كان يحيى بن عمر قتيل شاهي [3] ، قدم من خراسان في أيام المتوكل، وهو في ~~ضائقة وعليه دين، فكلم بعض أكابر أصحاب المتوكل في ذلك، فأغلظ له ~~PageV01P237 # وحبسه بسامرا، ثم كفله أهله فأطلق، وانحدر إلى بغداد فأقام بها مدة على ~~حال غير مرضية من الفقر، وكان- رضي الله عنه- دينا خيرا أعمالا حسن السيرة، ~~فرجع إلى سامرا مرة ثانية، وكلم بعض أمراء المتوكل في حاله، فأغلظ له وقال، ~~لأي حال يعطى مثلك؟ فرجع إلى ms173 بغداد وانحدر منها إلى الكوفة، ودعا الناس إلى ~~الرضا من آل محمد، فتبعه ناس من أهل الكوفة من ذوي البصائر في التشيع، وناس ~~من الأعراب ووثب في الكوفة وأخذ ما في بيت المال ففرقه على أصحابه، وأخرج ~~من في السجون، وطرد عن الكوفة عاملها وكثرت جموعه فأرسل إليه أمير بغداد- ~~وهو محمد بن عبد الله بن طاهر- عسكرا فالتقوا بشاهي وهي قرية قريبة من ~~الكوفة- وكانت الغلبة لعسكر ابن طاهر، وانكشف الغبار ويحيى بن عمر قتيل ~~فحمل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداد، فجلس محمد بن عبد الله بن ~~طاهر للهناء بذلك، فدخل عليه الناس أفواجا يهنئونه، وفي جملتهم رجل من ولد ~~جعفر بن أبي طالب- عليهم السلام- فقال له أيها الأمير: إنك لتهنأ بقتل رجل ~~لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيا لعزي به، فأطرق محمد بن عبد ~~الله ساعة، ثم نهض وصرف الناس، ورثاه الشعراء، فممن رثاه ابن الرومي [1] ~~بجيميته التي أولها: # أمامك فانظر أي نهجيك تنهج ... طريقان شتى: مستقيم وأعوج # ومنها: # سلام وريحان وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظل سجسج [2] # ولا برح القاع الذي أنت جاره ... يرف عليه الأقحوان المفلج [3] ~~PageV01P238 # وهي قصيدة شاعرة، تناول فيها بني العباس بأشياء تركناها تحرجا، وكانت ~~وقعة شاهي في سنة خمسين ومائتين، وخرج عليه غيره من الطالبيين، فكانت ~~الغلبة في جميع تلك الحروب له. # واعلم أن المستعين كان مستضعفا في رأيه وعقله، وكانت أيامه كثيرة الفتن ~~ودولته شديدة الاضطراب، ولم يكن فيه من الخصال المحمودة إلا أنه كان كريما ~~وهوبا وخلع في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ثم قتل بعد ذلك. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # # لما ولي المستعين أقر أحمد بن الخصيب على وزارته شهرين، ثم استوزر بعده ~~أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد. ### || وزارة أبي صالح بن محمد بن يزداد # كان عنده أدب وفضل، وكانت توقيعاته وأجوبته من أحسن التوقيعات والأجوبة. # ومن توقيعاته إلى رجل: «ليس عليك بأس ما لم يكن منك بأس» . # قالوا: ولما تولى أبو ms174 صالح بن يزداد الوزارة للمستعين، ضبط الأموال، فصعب ~~ذلك على أمراء الدولة- وكان قد ضيق عليهم- فتهددوه بالقتل فهرب، ثم اختلفت ~~الأحوال، واستكتب المستعين تارة محمد بن الفضل الجرجرائي، وشجاع ابن القاسم ~~لكن لم يتسم أحد منهم بالوزارة، ولم تطل تلك الأيام، وكانت ذات فتن وحروب ~~واختلاف كثير. # انقضت أيام المستعين ووزرائه. ### || ثم ملك بعده المعتز بالله # هو أبو عبد الله بن محمد بن المتوكل، بويع بالخلافة سنة اثنتين وخمسين ~~ومائتين عقيب خلع المستعين، وكان المعتز جميل الشخص حسن الصورة، ولم يكن ~~بسيرته ورأيه وعقله بأس، إلا أن الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكل # PageV01P239 # على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير، إن شاءوا ~~أبقوه وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه. # لما جلس المعتز على سرير الخلافة، قعد خواصه وأحضروا المنجمين، وقالوا ~~لهم انظروا كم يعيش؟ وكم يبقى في الخلافة؟ وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال: ~~أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته، فقالوا له: فكم تقول إنه يعيش وكم ~~يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك، فلم يبق في المجلس إلا من ضحك. # وفي أيام المعتز ظهر يعقوب بن الليث الصفار [1] ، واستولى على فارس، وجمع ~~جموعا كثيرة، ولم يقدر المعتز على مقاومته، ثم إن الأتراك ثاروا بالمعتز ~~وطلبوا منه مالا فاعتذر إليهم، وقال: ليس في الخزائن شيء، فاتفقوا على خلعه ~~وقتله، فحضروا إلى بابه وأرسلوا إليه وقالوا له: اخرج إلينا، فاعتذر بأنه ~~شرب دواء، فهجموا عليه وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس، ~~فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، ثم ~~جعلوه في بيت، وسدوا بابه حتى مات بعد أن أشهدوا عليه أنه خلع نفسه، وذاك ~~في سنة خمس وخمسين ومائتين. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أول وزرائه أبو الفضل جعفر بن محمود الإسكافي. ### || وزارة الإسكافي للمعتز # لم يكن له علم ولا أدب، لكنه كان يستميل القلوب بالمواهب والعطايا، وكان ~~المعتز يكرهه، وكانوا ينسبونه إلى التشيع، ومال إليه بعض الأتراك وكرهه ~~البعض الآخر وثارت بسببه فتنة، ms175 فعزله المعتز. PageV01P240 ### || وزارة أبي موسى عيسى بن فرخان شاه للمعتز # كان كريما، قيل عنه: إنه كان قبل الوزارة يتولى بعض الدواوين فعزل عنه ~~وله به استحقاق مبلغه ألف دينار، فتلطف بالذي تولى بعده حتى كتب له وأحاله ~~بذلك على بعض النواب، فلما حصل المال كتب ذلك النائب إلى عيسى بن فرخان شاه ~~يعلمه أن المال قد حصل، ويستأذنه في حمله إليه- وكان صديقا له- فكتب إليه، ~~إن فلانا الشاعر لازمني مدة، وما حصل له من جهتي شيء، فادفع هذا المال ~~إليه، فدفع المال إلى الشاعر فأخذه وانصرف، وجرت بسببه أيضا فتنة بين ~~الأتراك فعزله المعتز. ### || وزارة أبي جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباري للمعتز # كان أحد الكتاب الحذاق الأذكياء، قالوا: كان يحفظ وجوه المال جميعها دخلا ~~وخرجا على ذهنه، وقالوا: إنه ضاعت مرة حسبة من الديوان فأوردها من خاطره ~~فلما وجدت الحسبة كانت كما قال من غير زيادة ولا نقيصة، ثم إن الأتراك ~~وثبوا على أحمد بن إسرائيل فأخذوه وضربوه واستصفوا أمواله، وشفع فيه المعتز ~~وأمه إلى متقدم الأتراك- وهو صالح بن وصيف- فلم يلتفت إليهما وحبسه، وضربه ~~بعد ذلك في أيام المهتدي حتى مات. # ولما فعل صالح بن وصيف بأحمد بن إسرائيل ما فعل، استحضر جعفر بن محمود ~~الإسكافي واستوزره ثانية- وقد سبق ذكره- ولما تولى الوزارة في المرة ~~الثانية قال بعض الشعراء: # يا نفس لا تولعي بتفنيد [1] ... وعللي القلب بالمواعيد # وانتظري قد رأيت ما ساقه ... الله إلى جعفر بن محمود # (منسرح) انقضت أيام المعتز ووزرائه. PageV01P241 ### || ثم ملك بعده المهتدي بالله # هو أبو عبد الله محمد بن الواثق، كان المهتدي من أحسن الخلفاء مذهبا ~~وأجملهم طريقة وسيرة، وأظهرهم ورعا، وأكثرهم عبادة، كان يتشبه بعمر بن عبد ~~العزيز، ويقول: إني أستحي أن يكون في بني أمية مثله، ولا يكون مثله في بني ~~العباس، وكان يجلس للمظالم فيحكم حكما يرتضيه الناس، وكان يتقلل في مأكوله ~~وملبوسه. # حدث بعض الهاشميين قال: كنت عند المهتدي في بعض ليالي رمضان، فقمت ~~لأنصرف، فأمرني بالجلوس فجلست، حتى صلى المهتدي بنا المغرب، ثم ms176 أمر بإحضار ~~الطعام فأحضر طبق خلاف [1] وعليه رغفان، وفي إناء ملح، وفي إناء خل، فأكل ~~وأكلت أكلا مقصرا ظنا مني أنه يحضر طعام أجود من ذلك، فلما رأى أكلي كذلك ~~قال: أما كنت صائما؟ قلت: بلى، قال: أفلست تريد الصوم غدا قلت: وكيف لا وهو ~~شهر رمضان! فقال: كل واستوف عشاءك فليس ها هنا غير ما ترى، فعجبت وقلت: لم ~~يا أمير المؤمنين، وقد أسبغ الله عليك نعمه ووسع رزقه؟ فقال: إن الأمر كما ~~تقول والحمد لله، ولكني كرهت أن يكون في بني أمية مثل عمر بن عبد العزيز ~~وألا يكون في بني العباس مثله. # وكان المهتدي قد اطرح [2] الملاهي وحرم الغناء والشراب، ومنع أصحابه من ~~الظلم والتعدي. # في أيام المهتدي خرج صاحب الزنج، وسيرد خبره في أيام المعتمد إن شاء الله ~~تعالى. # كان المهتدي قتل بعض الموالي، فشغب عليه الأتراك وهاجوا، وأخذوه أسيرا ~~وعذبوه ليخلع نفسه فلم يفعل، فخلعوه هم ومات، وذلك في سنة ست وخمسين ~~ومائتين. PageV01P242 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة أقر جعفر بن محمود الإسكافي على وزارته، ثم عزله ~~واستوزر سليمان بن وهب. ### || وزارة سليمان بن وهب بن سعيد للمهتدي # هم من قرية من أعمال واسط، وكانت لهم كفاية، وكانوا نصارى ثم أسلموا ~~وخدموا في الدواوين حتى آلت بهم الحال إلى ما آلت. # كان أبو أيوب سليمان بن وهب أحد كتاب الدنيا ورؤسائها فضلا وأدبا وكتابة ~~في الدرج والدستور، وأحد عقلاء العالم وذوي الرأي منهم. # حدث ابنه عبيد الله قال: حدثني أبي قال: كان مبدأ سعادتي أني كنت وأنا ~~صبي بين يدي محمد بن يزداد وزير المأمون، وكنا جماعة من الصبيان بين يديه، ~~إذا راح في الليل إلى داره وبات واحد منا في دار المأمون بالنوبة، لمهم ~~عساه يعرض في الليل قال: فكانت ليلة نوبتي، فخرج خادم وقال: ها هنا أحد من ~~نواب محمد بن يزداد؟ فقال الحاجب له: نعم، ها هو ذا، فأدخلني إلى المأمون، ~~فقال لي: اعمل نسخة في المعنى الفلاني، ووسع ms177 بين سطورها وأحضرها لأصلح منها ~~ما أريد إصلاحه، قال: فخرجت سريعا وكتبت الكتاب بغير نسخة، وبيضته وأحضرته ~~إليه، فلما رآني قال: كتبت النسخة؟ قلت: بل كتبت الكتاب، فقال: # بيضته؟ قلت: نعم، فزاد في نظره إلي كالمتعجب مني، فلما قرأه تبينت ~~الاستحسان على وجهه، ورفع رأسه إلي وقال: ما أحسن ما كتبت يا صبي! ولكن ~~أريد أن تقدم هذا السطر وتؤخر هذا السطر، وخط عليهما بقلمه، فأخذت الكتاب ~~وخرجت وجلست ناحية ثم محوت السطرين وعملت ما أراد، وجئته بالكتاب، وكان قد ~~ظن أني أبطله وأكتب غيره، فلما قرأه لم يعرف موضع المحو فاستحسنه وقال: يا ~~صبي: لا أدري من أي شيء أعجب-! أمن جودة محوك أم من سرعة فهمك، أم من حسن ~~خطك، أم من سرعتك! بارك الله فيك! فقبلت يده وخرجت، # PageV01P243 # وكان ذلك أول علو منزلتي، وصار المأمون لا يجري مهم إلا قال: هاتوا ~~سليمان ابن وهب، ولما جرت له هذه القضية كتب إليه بعض الشعراء: # أبوك كلفك الشأو البعيد كما ... قدما تكلفه وهب أبو حسن # فلست تحمد إن أدركت غايته ... ولست تعذر مسبوقا فلا تهن # (بسيط) حدث أحمد بن المدبر قال: كنا في حبس الواثق أنا وسليمان بن وهب ~~وأحمد بن إسرائيل، مطالبين بالأموال، فقال لنا سليمان بن وهب يوما: قد رأيت ~~في المنام كأن قائلا يقول لي: يموت الواثق بعد شهر، فاستغاث أحمد بن ~~إسرائيل وقال له: والله لا تزال حتى تسفك دماؤنا! وخاف أشد خوف أن يشيع هذا ~~الحديث عنا، قال ابن المدبر: فعددت من ذلك اليوم ثلاثين يوما، فلما كان يوم ~~ثلاثين قال لي أحمد بن إسرائيل: أين مصداق القول وصحة المنام؟ وكان قد حصر ~~التاريخ وحسب ونحن لا نعلم، فقال له سليمان بن وهب: الرؤيا تصدق وتكذب، ~~فلما كانت العشاء الآخرة إذ طرق علينا الباب طرقا شديدا وصائح يصيح: ~~البشارة البشارة، مات الواثق، فاخرجوا أين شئتم، فضحك أحمد بن إسرائيل ~~وقال: قوموا فقد تحققت الرؤيا وجاء الفرج فقال سليمان بن وهب: كيف نقدر أن ~~نمشي ms178 مشاة ومنازلنا بعيدة، ولكن نبعث فنحضر دواب نركبها، فاغتاظ أحمد بن ~~إسرائيل وقويت السوداء عليه، وكان شكس الأخلاق وقال له: ويحك يا سليمان! ~~تنتظر مجيء فرسك حتى يتولى خليفة آخر فيقال له: في الحبس جماعة من الكتاب، ~~فيقول: يتركون على حالهم حتى ننظر في أمورهم، فنلبث في الحبوس زيادة على ~~هذا، ويكون سبب ذلك توجهك راكبا إلى منزلك يا فاعل يا صانع! فضحكنا وخرجنا ~~مشاة في الليل، واجمع رأينا على أن نستتر عند بعض أصحابنا حتى تتحقق ~~الأخبار فو الله لقد رأينا في طريقنا رجلين يقول أحدهما للآخر: إن هذا ~~الخليفة الجديد قد عرف أحوال المحبسين من الكتاب وأصحاب الجرائم فقال: لا ~~يفرج عن أحد حتى انظر في حاله، فتخفينا إلى أن أمننا الله تعالى في أسرع ~~وقت وله الحمد، ومن شعره: # PageV01P244 # نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأديب # قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب [1] # ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولي منهما نصيب # (منسرح) وكانت بنو وهب من رؤساء الناس وحذاقهم، وفضلائهم وكرمائهم، وكانت ~~دولتهم ناضرة، وأيامهم مشرقة، والأدب في أيامهم قائم المواسم، والكرم واضح ~~المعالم وخلع المهتدي ووزيره. # انقضت أيام المهتدي بالله ووزرائه. ### || ثم ملك بعده المعتمد على الله هو أبو العباس أحمد بن المتوكل، بويع سنة ست وخمسين ومائتين، كان المعتمد ~~مستضعفا، وكان أخوه الموفق طلحة الناصر هو الغالب على أموره، وكانت دولة ~~المعتمد دولة عجيبة الوضع: كان هو وأخوه الموفق طلحة كالشريكين في الخلافة ~~للمعتمد الخطبة والسكة [2] والتسمي بإمرة المؤمنين، ولأخيه طلحة الأمر ~~والنهي، وقود العساكر ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وترتيب الوزراء ~~والأمراء، وكان المعتمد مشغولا عن ذلك بلذاته، وفي تلك الأيام كانت وقائع ~~صاحب الزنج. ### || شرح حال صاحب الزنج ونسبه وما آل أمره عليه # ظهر في تلك الأيام رجل يقال له: علي بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) . فأما نسبه: فليس عند النسابين ~~بصحيح، وهم يعدونه من الأدعياء. وأما حاله: فإنه كان ms179 رجلا فاضلا ~~PageV01P245 # فصيحا بليغا لبيبا، استمال قلوب العبيد من الزنج بالبصرة ونواحيها، ~~فاجتمع إليه منهم خلق كثيرون وناس آخرون من غيرهم، وعظم شأنه وقويت شوكته ~~وكان في مبدإ حاله فقيرا لا يملك سوى ثلاثة أسياف، حتى إنه أهدي له فرس فلم ~~يكن له لجام ولا سرج يركبه بهما فركبه بحبل. فاتفقت له حروب وغزوات نصر ~~فيها فأثرى [1] بسببها وعظم حاله ونهبه وانبث عسكر السودان في البلاد ~~العراقية والبحرين وهجر، ونهد [2] إليه الموفق طلحة بعساكر كثيفة، فالتقيا ~~بين البصرة وواسط ودامت الحرب بينهما سنين كثيرة وبنوا مدائن هناك وأقام كل ~~من الفريقين يرابط للفريق الآخر، وفي آخر الأمر كانت الغلبة للجيش العباسي، ~~فأبادوهم قتلا وأسرا، وقتل صاحب الزنج وانتهت مدينته، وكان قد بناها وسماها ~~«المختارة» وحمل رأسه إلى بغداد، وكان يوما مشهودا. # وقيل: إن عدد القتلى في تلك الوقائع كان ألفي ألف وخمسمائة ألف إنسان ~~ومات المعتمد سنة تسع وسبعين ومائتين. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # قد تقدم أن أخاه الموفق كان هو المستولي على الخلافة، فكان يعزل الوزراء ~~ويوليهم. ### || وزارة أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان للمعتمد # لما ولي الخلافة المعتمد اتفقت الآراء على عبيد الله بن خاقان، فأحضر ~~واستوزر على كره شديد منه، وتقص وتنصل، وكان عبيد الله خبيرا بأحوال ~~الرعايا، والأعمال ضابطا للأموال، وقد تقدم ذكره في خلافة المتوكل. ~~PageV01P246 ### || وزارة الحسن بن مخلد للمعتمد # وزر له لما مات عبيد الله بن يحيى، استوزر المعتمد الحسن بن مخلد [1] ، ~~وكان كاتبا لأخيه الموفق، فاجتمعت له وزارة المعتمد، وكتابة الموفق، كان ~~الحسن بن مخلد من دير قنى، ويقال: إن أباه كان معبرانيا، فخرج من ابنه ما ~~خرج، وكان الحسن أحد كتاب الدنيا، قالوا: كان له دفتر صغير يعمله بيده، فيه ~~أصول أموال الممالك ومحمولاتها بتواريخها، فلا ينام كل ليلة حتى يقرأه، ~~ويتحقق ما فيه، بحيث لو سئل الغد عن شيء كان منه، أجاب من خاطره بغير توقف ~~ولا مراجعة دستور، قال الحسن بن مخلد: كنت مرة واقفا بين يدي ms180 الموفق بن ~~المتوكل فرأيته يلمس ثوبه بيده، وقال لي: يا حسن، قد أعجبني هذا الثوب، كم ~~عندنا في الخزائن منه. فأخرجت في الحال من خفي دستورا فيه جمل ما في ~~الخزائن من الأمتعة والثياب مفصلة، فوجدت فيها من جنس ذلك الثوب ستة آلاف ~~ثوب، فقال لي: يا حسن، نحن عراة، اكتب إلى البلاد في استعمال ثلاثين ألف ~~ثوب من جنسه وحملها في أسرع مدة. # ثم عزله المعتمد واستوزر سليمان بن وهب، وقد سبق وصف طرف من حاله وشرعت ~~من تلك الأيام دولة بني وهب نتبع. ### || وزارة أبي الصقر إسماعيل بن بلبل # استوزره الموفق لأخيه المعتمد. وكان أبو الصفر كريما مطعاما متجملا، بلغ ~~من الوزارة مبلغا عظيما، وجمع له السيف والقلم، فنظر في أمر العساكر أيضا ~~وسمي الوزير الشكور، كان في صباه على طريقة غير مرضية، فبلغ ما بلغ، ومدحه ~~الشعراء كالبحتري، وابن الرومي، وغيرهما، وهجوه، وكان أبو الصقر ينتسب إلى ~~بني شيبان ورأيت نسبه مرفوعا إلى شيبان بخط بعض النساب، وقوم PageV01P247 # غمزوه وقالوا: هو دعي وكان ابن الرومي قد مدحه بقصيدة نونية طويلة أولها: # أجنت لك الوصل أغصان وكثبان ... فيهن نوعان: تفاح ورمان # غصون بان عليها الدهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل البان # (بسيط) فسمى الناس هذه القصيدة: دار البطيخ لكثرة ما فيها من ذكر ~~الفواكه. # وكان الموضع الذي تباع فيه الفواكه يسمى: دار البطيخ، ومن جملة هذه ~~القصيدة: # قالوا: أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان # كم من أب قد علا بابن له شرفا ... كما علا برسول الله عدنان # فلما سمع أبو الصقر قوله، «قالوا: أبو الصقر من شيبان، قلت لهم: # كلا» ظن أن ابن الرومي قد هجاه بها باطلا، وأنه عرض بأنه دعي، واشتبه على ~~أبي صقر الأمر فاستكتم ظنه وأعرض عنه، وتوصل ابن الرومي إلى إفهامه صورة ~~الحال، فلم يقبل في ذلك قول قائل. وقيل له: يا سبحان الله-! فانظر إلى ~~البيت الثاني وحسن معناه، فإنه معنى مخترع، ما مدح أحد بمثله قبلك، ms181 فلم يصغ ~~وجزم بأن ابن الرومي هجاه وأفحش في هجائه، فمما هجاه به قوله: # عجب الناس من أبي الصقر إذ ... ولي بعد الإجارة الديوانا # إن للحظ كيمياء إذا ما ... مس كلبا أصاره إنسانا # (خفيف) وقوله: # مهلا أبا الصقر فكم طائر ... خر صريعا بعد تحليق # زوجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق # لا قدست نعمى تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق # (سريع) # ما بال فرخ أبوه بلبل ربح [1] ... يكنى أبا الصقر يا أهل الدواوين # عروه من كنية ليست تليق به ... يدعى أبا الصقر من كان ابن شاهين # (بسيط) PageV01P248 # وقبض عليه المعتمد وحبسه وعاقبه، ثم قتله في محبسه واصطفى أمواله. # واعلم أن هؤلاء وزراء المعتمد كالحسن بن مخلد، وسليمان بن وهب، وأبي ~~الصقر بن بلبل، تولوا الوزارة وعزلوا مرارا مرتين وثلاثة. ### || وزارة أحمد بن صالح بن شيرزاد القطربلي للمعتمد # استوزره الموفق لأخيه المعتمد، وكان أحمد كاتبا بليغا، فاضلا عارفا بما ~~يلزم مثله معرفته، مجيدا في النظم والنثر، وصف أحمد امرأة كاتبة، فقال: كأن ~~خطها حسن صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن ~~قلمها بعض أناملها، ومكث أحمد بن شيرزاد في وزارته نحوا من شهر، ثم مرض ~~ومات وذلك في سنة ست وستين ومائتين. ### || وزارة عبيد الله بن سليمان بن وهب للمعتمد # كان عبيد الله بن سليمان من كبار الوزراء ومشايخ الكتاب، وكان بارعا في ~~صناعته، حاذقا ماهرا، لبيبا جليلا، ماتت للمعتضد جارية كان يحبها فجزع ~~عليها فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلك يا أمير المؤمنين تهون المصائب ~~عليه، لأنك تجد من كل مفقود عوضا، ولا يجد أحد منك عوضا، وكأن الشاعر عناك ~~بقوله: # يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # (بسيط) وفي عبيد الله بن سليمان يقول الشاعر: # إذا أبو قاسم جادت يداه لنا ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر # وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر # وإن أضاءت لنا أضواء غرته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر # من لم يبت حذرا من حد ms182 صولته [1] ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر ~~PageV01P249 # ينال بالظن ما يعيا العيان له ... والشاهدان عليه: العين والأثر # (بسيط) ومات عبيد الله في سنة ثمان وثمانين ومائتين. # انقضت أيام المعتمد ووزرائه. ### || ثم ملك بعده المعتضد ابن أخيه # هو أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، بويع سنة تسع وسبعين ~~ومائتين، كان المعتضد شهما عاقلا فاضلا، حمدت سيرته، ولي والدنيا خراب ~~والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا حتى عمرت مملكته، وكثرت الأموال، وضبطت ~~الثغور، وكان قوي السياسة شديدا على أهل الفساد حاسما لمواد أطماع عساكره ~~عن أذى الرعية، محسنا إلى بني عمه من آل أبي طالب، وكانت أيامه أيام فتوق ~~وخوارج كثيرين، منهم عمرو بن الليث الصفار، كان قد عظم شأنه وفخم، واستولى ~~على أكثر بلاد العجم، وكان يقول: لو شئت أن أعقد على نهر بلخ جسرا من ذهب ~~لفعلت وكان مطبخه يحمل على ستمائة جمل، فآلت عاقبته إلى القيد والأسر ~~والذل، فقام المعتضد في إصلاح المتشعب من مملكته، والعدل في رعيته، حتى مات ~~وفي الخزائن بضعة عشر ألف ألف دينار (الألف مكررة مرتين) ومات سنة تسع ~~وثمانين ومائتين. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أقر عبيد الله بن سليمان على وزارته، وقد مضى نبذة من أخباره، فلما مات ~~عبيد الله عزم المعتضد على أن يستأصل شأفة أولاده ويستصفي أموالهم، فحضر ~~القاسم بن عبيد الله واستعان بيدر المعتضدي، وكتب خطا بألفي ألف دينار ~~فاستوزره المعتضد. # PageV01P250 ### || وزارة القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب # كان القاسم بن عبيد الله من دهاة العالم ومن أفاضل الوزراء، وكان شهما ~~فاضلا لبيبا محصلا، كريما مهيبا جبارا، وكان يطعن في دينه، وهو الذي قتل ~~ابن الرومي بالسم، وكان ابن الرومي منقطعا إليهم يمدحهم، وكانوا يقصرون في ~~حقه في بعض الأوقات فهجاهم، وكان هجاء، وفي بني وهب يقول ابن المعتز: # لآل سليمان بن وهب صنائع ... لدي ومعروف إلي تقدما # هم ذللوا لي الدهر بعد شماسه ... وهم غسلوا من ثوب والدي الدما # (طويل) ومات المعتضد وهو وزيره. # انقضت أيام ms183 المعتضد ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ابنه المكتفي بالله # هو أبو محمد علي بن المعتضد، بويع في سنة تسع وثمانين ومائتين. # كان المكتفي من أفاضل الخلفاء، هو الذي بنى المسجد الجامع بالرحبة ببغداد ~~وفي أيام المكتفي ظهر القرامطة، وهم قوم من الخوارج، خرجوا وقطعوا الدرب ~~على الحاج واستأصلوا شأفتهم، وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة، وسرح المكتفي إليهم ~~جيوشا كثيرة فأوقع بهم، وقتل بعض زعمائهم. # والمكتفي هو الذي بنى التاج بالدار الشاطئية ببغداد، وكانت وفاة المكتفي ~~سنة خمس وتسعين ومائتين. # PageV01P251 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما مات المعتضد كان المكتفي بالرقة، فقام الوزير القاسم بن عبيد الله ~~بأخذ البيعة للمكتفي القيام المرضي، وكتب إليه يعلمه ذلك، ووجه إليه ~~بالبردة والقضيب [1] فجاء المكتفي إلى بغداد وأقره على الوزارة ولقبه ~~ألقابا، وجل أمر القاسم في أيام المكتفي وعظم شأنه، فلما أدركته الوفاة ~~أشار على المكتفي بالعباس بن الحسن فاستوزره. PageV01P252 ### || وزارة العباس بن الحسن # قال الصولي [1] : من أعجب ما شاهدت من تقلب الدنيا وتصاريف الأمور أنني ~~رأيت العباس بن الحسن في أول الأربعاء قبل أن يموت الوزير القاسم بن عبيد ~~الله وقد حضر إلى داره وقبل يد ولده، ثم في آخر اليوم المذكور مات القاسم ~~وخلع المكتفي على العباس بن الحسن واستوزره، فجاء ولد الوزير القاسم بن ~~عبيد فقبل يده. # كان العباس بن الحسن ذا دهاء ومكر وأدب وافر. وكان ضعيفا في الحساب ولم ~~تكن سيرته محمودة. وكان عاكفا على لذاته والأمور مهملة، وكان يقول لنوابه ~~بالأعمال: أنا أوقع إليكم وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. ولم تزل الأمور ~~تضطرب في أيامه حتى وثب عليه الحصين بن حمدان وجماعة من الجند فقتلوه، وذلك ~~في أيام المقتدر. انقضت أيام المكتفي ووزرائه. ### || ثم ملك بعده المقتدر بالله # هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، بويع له بالخلافة في سنة خمس وتسعين ~~ومائتين وعمره ثلاث عشرة سنة. # وكان المقتدر سمحا كثير الإنفاق، رد رسوم الخلافة من التجمل وسعة ~~الإدارات والمعاش، وكثرة الخلع والصلات. كان في داره أحد عشر ألف خادم من ms184 ~~الروم والسودان، وكانت خزانة الجوهر في أيامه مترعة بالجواهر النفيسة، فمن ~~جملتها: الفص الياقوت الذي اشتراه الرشيد بثلاثمائة ألف دينار، والدرة ~~اليتيمة التي كان وزنها ثلاثة مثاقيل، إلى غير ذلك من الجواهر النفيسة، ~~ففرقه جميعه وأتلفه في أيسر مدة وفي أيامه قتل الحلاج. PageV01P253 ### || شرح الحال في ذلك # كان الحلاج- واسمه الحسين بن منصور، ويكنى: أبا الغيث- أصله مجوسي من أهل ~~فارس. ونشأ بواسط [1] وقيل: بتستر [2] ، وخالط الصوفية وتتلمذ لسهل ~~التستري، ثم قدم بغداد ولقي أبا القاسم الجنيد [3] وكان الحلاج يلبس الصوف ~~والمسوح [4] تارة، والثياب المصبغة تارة، والعمامة الكبيرة والدراعة تارة ~~والقباء وزي الجند تارة. وطاف بالبلاد ثم قدم في آخر الأمر بغداد وبنى بها ~~دارا واختلفت آراء الناس واعتقاداتهم فيه، وظهر منه تخليط، وتنقل من مذهب ~~إلى مذهب، واستغوى العامة بمخاريق [5] كان يعتملها، منها: أنه كان يحفر في ~~بعض قوارع الطرقات موضعا ويضع فيه زقا [6] فيه ماء، ثم يحفر في موضع آخر ~~ويضع فيه طعاما، ثم يمر بذلك الموضع ومعه أصحابه فيحتاجون هناك إلى ماء ~~يشربونه ويتوضئون به، فيأتي هو إلى ذلك الموضع الذي قد حفره وينبش فيه ~~بعكاز، فيخرج الماء فيشربون ويتوضئون ثم يفعل كذلك في الموضع الآخر عند ~~جوعهم فيخرج الطعام من بطن الأرض، يوهمهم أن ذلك من كرامات الأولياء. # وكذلك كان يصنع بالفواكه، يدخرها ويحفظها، ويخرجها في غير وقتها. فشغف ~~الناس به، وتكلم بكلام الصوفية، وكان يخلطه بما لا يجوز ذكره من الحلول [7] ~~المحض، وله أشعار، فمنها: PageV01P254 # حبيبي غير منسوب ... إلى شيء من الحيف [1] # سقاني مثلما يشر ... ب فعل الضيف بالضيف # فلما دارت الكاس ... دعا بالنطع [2] والسيف # كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصيف # (هزج) وكثر شغف الناس به وميلهم إليه. وكان يقول لأصحابه: أنتم موسى ~~وعيسى ومحمد وآدم، انتقلت أرواحهم إليكم. فلما نما هذا الفساد منه تقدم ~~المقتدر إلى وزيره حامد بن العباس بإحضاره ومناظرته، فأحضره الوزير وجمع له ~~القضاة والأئمة، ونوظر فاعترف بأشياء أوجبت قتله، فضرب ألف سوط على أن يموت ~~فما مات، فقطعت يداه ورجلاه ms185 وحز رأسه وأحرقت جثته، وقال لأصحابه عند قتله ~~لا يهولنكم هذا فإني أعود إليكم بعد شهر، قالوا: وأنشد قبل قتله: # طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرا # أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرا # (وافر) وذلك في سنة تسع وثلاثمائة، وقبره ببغداد بالجانب الغربي قريب من ~~مشهد معروف الكرخي [3] (رضي الله عنه) . # وفي تلك الأيام اقتلع القرامطة الحجر الأسود، ومكث في أيديهم أكثر من ~~عشرين سنة، حتى رد على يد الشريف يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن ~~الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) . ~~PageV01P255 # واعلم أن دولة المقتدر كانت دولة ذات تخليط كثير، لصغر سنه ولاستيلاء أمه ~~ونسائه وخدمه عليه. فكانت دولته تدور أمورها على تدبير النساء والخدم وهو ~~مشغول بلذته، فخربت الدنيا في أيامه. وخلت بيوت الأموال. واختلفت الكلمة. # فخلع ثم أعيد. ثم قتل. وفي تلك الأيام نبعت الدولة الفاطمية بالمغرب. ### || شرح حال الدولة العلوية وابتدائها وانتهائها على سبيل الاختصار # هذه دولة اتسعت أكناف مملكتها وطالت مدتها، فكان ابتداؤها حين ظهر المهدي ~~بالمغرب في سنة ست وتسعين ومائتين. وانتهاؤها في سنة سبع وستين وخمسمائة ~~وكادت هذه الدولة أن تملك ملكا عاما، وأن تدين الأمم لها. وإليها أشار ~~الرضي الموسوي [1]- قدس الله روحه- بقوله: # ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول قاطع وأنف حمي # وإباء محلق بي عن الضيم ... كما زاغ طائر وحشي # أحمل الضيم في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي # من أبوه أبي، ومولاه مولاي ... إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيدا الناس ... جميعا: محمد وعلي # إن ذلي بذلك الجو عز ... وأوامي [2] بذلك الربع ري # (خفيف) PageV01P256 ### || شرح ابتداء هذه الدولة # أول خلفائهم المهدي بالله، وهو أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل ~~الثالث ابن أحمد بن إسماعيل الثاني، بن محمد بن إسماعيل الأعرج بن جعفر ~~الصادق (عليهم السلام) ، وقد روي نسبهم على صورة أخرى، وفيه اختلاف كثير، ~~والصحيح أنهم علويون إسماعيليون صحيحو الاتصال، وهذه الصورة ms186 التي أوردتها ~~ها هنا هي المعول عليها وبها خطوط مشايخ النسابين. # وكان المهدي من رجال بني هاشم في عصره، قيل: إنه ولد ببغداد سنة ستين ~~ومائتين، وقيل: ولد بسلمية [1] ، ثم وصل إلى مصر في زي التجار، وأظهر أمره ~~بالمغرب ودعا الناس إلى نفسه، فمالوا إليه وتبعه خلق كثيرون، وسلموا عليه ~~بالخلافة وقويت شوكته وعظم حاله، ثم انفصل إلى أرض القيروان [2] وبنى مدينة ~~سماها المهدية واستقر بها، وملك إفريقية وبلاد المغرب وتلك النواحي جميعها، ~~ثم ملك الإسكندرية وجبى خراجها وخراج بعض الصعيد، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة، ثم تسلم الخلافة منه واحد بعد واحد، حتى انتهت النوبة إلى ~~العاضد آخر خلفائهم، وهو أبو محمد عبد الله بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين ~~الله. ### || شرح انتهائها # بويع العاضد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وهو طفل، فقام بأمر دولته ~~الأمراء والوزراء، حتى توجه أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~إلى مصر لما ظهر من اختلال أحوال الدولة لصغر الخليفة، واختلاف آراء وزرائه ~~وأمرائه وسار صلاح الدين مع عمه أسد الدين شيركوه كارها، فلم تطل مدة أسد ~~الدين شيركوه فمات [3] ، فاستولى صلاح الدين على المملكة، واستوزره ~~PageV01P257 # العاضد وخلع عليه خلع الوزارة في سنة أربع وستين وخمسمائة وتمكن صلاح ~~الدين من الدولة وقدم عليه أهله، فأقطعهم الإقطاعات السنية، وأزال أيدي ~~أصحاب العاضد وتفرد بالحكم. ومرض العاضد وتطاولت أمراضه، ثم مات في سنة سبع ~~وستين وخمسمائة. وأحجم الناس [1] فيمن يدعى له بالخلافة على المنابر، فلما ~~كان يوم الجمعة صعد رجل أعجمي إلى المنبر وخطب وذكر الخليفة المستضيء [2] ~~فلم ينكر أحد عليه واستمر الحال في مصر بالخطبة للعباسيين، وانقرضت دولة ~~الفاطميين منها، واستقل صلاح الدين يوسف بن أيوب بملك مصر من غير منازع، ~~وحبس من كان تخلف من أقارب العاضد، وقبض على الخزائن والأموال، ومن جملتها ~~الجبل الياقوت، وزنه ستة عشر مثقالا. قال ابن الأثير المؤرخ: أنا رأيته ~~ووزنته ومن جملتها نصاب زمرد طوله أربع أصابع، في عرض عقد، ووجدوا طبلا ~~بالقرب من موضع ms187 العاضد، فظنوه عمل للعب، فسخروا من العاضد، فألقاه أحدهم من ~~يده فكسره وإذا الطبل قد عمل لأجل القولنج [3] فندموا على كسره وكان ذلك في ~~أيام الخليفة المستضيء من بني العباس فوردت البشائر إليه بفتح مصر وبإقامة ~~الخطبة له بها، فأظهر السرور ببغداد وهنأه الشعراء وأرسل المستضيء تقليد ~~السلطنة إلى صلاح الدين بالتفويض والتحكيم. فسبحان من يؤتي الملك من يشاء ~~وينزع الملك ممن يشاء!. ### || رجعنا إلى تتمة خلافة المقتدر # وخلع المقتدر، وبويع عبد الله بن المعتز فمكث يوما واحدا في الخلافة، ثم ~~استظهر المقتدر عليه فأخذه وقتله ولم يعد عبد الله بن المعتز في الخلفاء ~~لقصر الزمان الذي تولى فيه، وجرت بين المقتدر وبين مؤنس المظفر أمير الجيوش ~~منافرة أدت إلى حرب قتل فيها المقتدر وقطع رأسه، وحمل إلى ما بين يدي مؤنس ~~المظفر ومكثت جثته مرمية على قارعة الطريق، وذلك في سنة عشرين وثلاثمائة. ~~PageV01P258 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما جلس المقتدر على سرير الخلافة أقر العباس بن الحسن وزير أخيه المكتفي ~~على وزارته، فلما قتل العباس بن الحسين وجرت الفتنة بين المقتدر وبين عبد ~~الله بن المعتز واستظهر المقتدر، أحضر ابن الفرات واستوزره. ### || وزارة ابن الفرات # قال الصولي [1] : هم من «صريفين» من أعمال دجيل [2] ، قال: وبنو الفرات ~~من أجل الناس فضلا وكرما، ونبلا ووفاء ومروءة. وكان هذا أبو الحسن علي بن ~~الفرات من أجل الناس وأعظمهم كرما وجودا. وكانت أيامه مواسم للناس وكان ~~المقتدر لما جرت له الفتنة وخلع، وبويع ابن المعتز ثم استظهر المقتدر عليه ~~واستقرت الخلافة للمقتدر، وأرسل إلى أبي الحسن علي بن الفرات فأحضره ~~واستوزره وخلع عله. فنهض بتسكين الفتنة أحسن نهض ودبر الدولة في يوم واحد ~~وقرر القواعد، واستمال الناس، ولم يبت تلك الليلة إلا والأمور مستقيمة ~~للمقتدر، وأحوال دولته قد تمهدت وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المقتدرية: # ودبرت في ساعة دولة ... تميل بغيرك في أشهر # (متقارب) وتولى ابن الفرات الوزارة ثلاث دفعات للمقتدر، قالوا: كان إذا ~~ولي ابن الفرات الوزارة يغلو الشمع والثلج ms188 والكاغد، لكثرة استعماله لذلك، ~~لأنه ما كان يشرب أحد كائنا من كان في داره في الفصول الثلاثة إلا الماء ~~المثلوج، ولا كان أحد يخرج من عنده بعد المغرب إلا وبين يديه شمعة كبيرة ~~نقية. صغيرا كان أو كبيرا. وكان في داره حجرة معروفة بحجرة الكاغد، كل من ~~دخل واحتاج إلى شيء من الكاغد أخذ حاجته منها. PageV01P259 # حدث عنه أنه قال: ما رأيت أحدا من أرباب الحوائج إلا كان اهتمامي ~~بالإحسان إليه أشد من اهتمامه قال: وكان قبل الوزارة يجعل لجلسائه وندمائه ~~مخاد [1] يتكئون عليها، فلما ولي الوزارة لم يحضر الفراشون للندماء ~~والجلساء تلك المخاد، فأنكر ذلك عليهم وأمر بإحضار المخاد، وقال: لا يراني ~~الله يرتفع شأني بحط منزلة أصحابي. ولما جرت فتنة ابن المعتز واستظهر ~~المقتدر واستوزر أبا الحسن بن الفرات أحضرت إلى ابن الفرات [2] رقاع من ~~جماعة أرباب الدولة تنطق بميلهم إلى ابن المعتز وانحرافهم عن المقتدر، ~~فأشار عليه بعض الحاضرين بأن يفتحها ويطالعها، ليعرف بها العدو من الصديق، ~~فأمر ابن الفرات بإحضار الكانون وفيه نار، فلما أحضر جعل تلك الرقاع فيه ~~بمحضر من الناس، ولم يقف على شيء منها، وقال للحاضرين: هذه رقاع أرباب ~~الدولة، فلو وقفنا عليها تغيرت نياتنا لهم ونياتهم لنا فإن عاقبناهم أهلكنا ~~رجال الدولة، وكان في ذلك أتم الوهن على المملكة، وإن تركناهم كنا قد ~~تركناهم ونياتهم متغيرة، وكذلك نياتنا فلا ننتفع. # وما زال ابن الفرات ينتقل في الوزارة إلى المرة الثالثة فقبض عليه وقتل ~~وذلك في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ### || وزارة الخاقاني # هو أبو علي محمد بن عبيد الله بن يحيى خاقان لما قبض المقتدر على ابن ~~الفرات في المرة الأولى أحضره- وكان خائفا من ابن الفرات- فطيب قلبه ~~واستوزره وخلع عليه خلع الوزارة. # كان الخاقاني سيئ السيرة والتدبير، كثير التولية والعزل. قيل: إنه ولى في ~~يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة، وأخذ من كل واحد رشوة فانحدر واحد واحد ~~حتى اجتمعوا جميعهم في بعض الطريق، فقالوا كيف نصنع؟ فقال أحدهم: # إن أردتم النصفة [3] فينبغي ms189 أن ينحدر إلى الكوفة آخرنا عهدا بالوزير فهو ~~الذي PageV01P260 # ولايته صحيحة لأنه لم يأت بعده أحد. فاتفقوا على ذلك، فتوجه الرجل الذي ~~جاء في الآخر نحو الكوفة، وعاد الباقون إلى الوزير ففرقهم في عدة أعمال. ~~وهجاه الشعراء فمما قيل فيه: # للدواوين مذ وليت عويل ... ولمال الخراج سقم طويل # يتلقى الخطوب حين ألمت ... منك رأي غث وعقل ضئيل # إن سمنتم من الخيانة والجور ... فللإرتفاع جسم نحيل # (خفيف) ومما قيل فيه: # وزير لا يمل من الرقاعه ... يولي ثم يعزل بعد ساعة # ويدني من تعجل منه مال ... ويبعد من توسل بالشفاعة # (وافر) وقبض المقتدر عليه وحبسه، واستوزر علي بن عيسى بن الجراح. ### || وزارة علي بن عيسى للمقتدر # كان علي بن عيسى شيخا من شيوخ الكتاب، فاضلا دينا، ورعا متزهدا متورعا ~~قال الصولي: ولا أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبه علي بن عيسى، في زهده ~~وعفته وحفظه للقرآن وعلمه بمعانيه، وكتابته وحسابه، وصدقاته ومبراته قالوا ~~كان دخل علي بن عيسى من ضياعه في كل سنة نيفا وثمانين ألف دينار، ينفق ~~نصفها على الفقراء والضعفاء. ونصفها على نفسه وعلى عياله وأصحابه ونهض ~~بأمور الوزارة وضبط الدواوين والأعمال، وقرر القواعد، وكانت أيامه أحسن ~~أيام وزير. قالوا: ما كان يعاب على ابن عيسى بشيء أكثر من قولهم: إنه كان ~~ينظر كثيرا في جزئيات الأمور، فربما شغلته عن الكليات. ولما ولي الوزارة ~~فشت صدقاته ومبراته، ووقف وقوفا كثيرة من ضياع السلطان وأفرد لها ديوانا ~~سماه ديوان البر [1] ، جعل حاصله لإصلاح الثغور [2] وللحرمين الشريفين: ~~وكان PageV01P261 # يجلس لرد المظالم من الفجر إلى العصر واقتصر على أقل الطعام وأخشن ~~الملبوس وولي الوزارة للمقتدر مرارا، كان هو وأبو الحسن علي بن الفرات ~~يتناوبان الوزارة مرة هذا ومرة ذاك. ### || وزارة حامد بن العباس # كان حامد يتولى دائما أعمال السواد، ولم يكن له خبرة بأعمال الحضرة. # وكان كريما مفضالا، جميل الحاشية رئيسا في نفسه، غزير المروءة، قاسي ~~القلب في استخراج المال. قليل التثبت، سريع الطيش والحدة، إلا أن كرمه كان ~~يغطي على ذلك. ms190 # حدث عنه أنه دخل مرة إلى دار المقتدر. فطلب منه بعض خواص الخليفة شعيرا ~~لدوابه، فأخذ الدواة ووقع له بمائة كر [1] فقال له آخر من الخواص: أنا أيضا ~~محتاج إلى عليق لدوابي، فوقع بمائة كر، وما زال يطلب منه واحد واحد من خواص ~~الخليفة وهو يوقع، حتى فرق ألف كر في ساعة واحدة. ولما عرف المقتدر قلة فهم ~~حامد وقلة خبرته بأمور الوزارة، أخرج عليه علي بن عيسى بن الجراح من الحبس، ~~وضمه إليه وجعله كالنائب له، فكان علي بن عيسى لخبرته هو الأصل، فكل ما ~~يعقده ينعقد، وكل ما يحله ينحل. وكان اسم الوزارة لحامد وحقيقتها لعلي بن ~~عيسى، حتى قال بعض الشعراء: # قل لابن عيسى قولة ... يرضى بها ابن مجاهد # أنت الوزير وإنما ... سخروا بلحية حامد # جعلوه عندك سترة ... لصلاح أمر فاسد # مهما شككت فقل له: ... كم واحدا في واحد؟ # (كامل) PageV01P262 # وكان حامد يلبس السواد ويجلس في دست الوزارة [1] وعلي بن عيسى يجلس بين ~~يديه كالنائب، وليس عليه سواد ولا شيء من زي الوزارة، إلا أنه هو الوزير ~~على الحقيقة فقال بعض الشعراء: # أعجب من كل ما رأينا ... أن وزيرين في بلاد # هذا سواد [2] بلا وزير ... وذا وزير بلا سواد # (منسرح) ثم عزل حامد، واستوزر المقتدر بعده علي بن الفرات، وسلمه إليه ~~فقتله سرا. ### || وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله ابن يحيى بن خاقان # لم تطل أيامه، ولم تكن له سيرة تؤثر وتسطر، واختلت الأمور عليه فصودر ~~وعزل. ثم توفي في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ### || وزارة أبي العباس أحمد بن عبيد الله بن أحمد ابن الخصيب للمقتدر # كان صالح الأدب جيد العقل مليح الخط بليغا، يذاكر بجميل الأخبار والأشعار ~~كان السبب في ولايته أمرا عجيبا. وهو أن أبا العباس المذكور كان ~~PageV01P263 # يلاطف أصحاب المقتدر ويتودد إليهم ويهاديهم، وكان يحبونه ويتعصبون له ~~دائما ويصفونه عند المقتدر فاتفق أن حصل فتق [1] من الفتوق ببعض الجهات ~~فجهز المقتدر جيشا وأرسله صحبة بعض أمرائه إلى تلك الجهة، ثم ms191 كان المقتدر ~~شديد التطلع إلى أخبار هذا الجيش، فأرسل ابن الخصيب طيورا صحبة بعض ثقاته ~~مع الجيش، وقال لصاحبه: سرح كل يوم طيورا وعليها الأخبار ساعة فساعة، فكانت ~~ترد الأخبار على الطيور إلى أحمد بن عبيد الله بن الخصيب فيعرضها على ~~المقتدر ساعة بعد ساعة حتى إن المقتدر لم يفته من أمر الجيش شيء فتعجب ~~المقتدر من ذلك وقال: من أين يعلم أحمد بن الخصيب أخبار هذا الجيش؟ فعرف ~~الصورة وقيل له: من تسمو همته إلى مثل هذا وليس له تعلق بهذه القضية، فكيف ~~يكون جده واجتهاده إذا صار وزيرا؟ فاستوزره. # قالوا: وكان أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن الخصيب عفيفا متورعا من مال ~~السلطان والرعية، مجانبا للخيانة، محافظا على الأمانة. ثم ضعف أمره وانحرفت ~~عنه السيدة أم المقتدر- وكان كاتبها قبل الوزارة- فعزل وقبضت أمواله [2] ~~وذلك في سنة أربع عشرة وثلاثمائة. ### || وزارة أبي علي محمد بن علي بن مقلة للمقتدر # هو صاحب الخط الحسن المشهور، الذي تضرب بحسنة الأمثال. وهو أول من استخرج ~~هذا الخط ونقله من الوضع الكوفي إلى هذا الوضع، وتبعه بعده ابن البواب [3] ~~. كان في ابتداء أمره يخدم في بعض الدواوين في كل شهر بستة دنانير ثم إنه ~~تعلق بأبي الحسن بن الفرات الوزير واختص به، وكان ابن الفرات كالبحر سماحا ~~وجودا، فرفع من قدره وأعلى من شأنه، فمكث بين يديه يعرض عليه رقاعا في ~~مهمات الناس، وينتفع بسبب ذلك، وكان ابن الفرات يأمر بالتحصيل PageV01P264 # من هذه الجهة إيثارا لنفعه، فما زال على ذلك حتى علت حاله وكثر ماله، ~~ولما ولي ابن الفرات الوزارة الثانية تمكن ابن مقلة في دولته، ونبعت حاله ~~وعرض جاهه، ثم إن الشيطان نزع بينه وبين أبي الحسن علي بن الفرات فاستوحش ~~كل منهما من صاحبه، فكفر ابن مقلة إحسان ابن الفرات، ودخل في جملة أعدائه ~~والسعاة عليه، حتى جرت النكبة على ابن الفرات، فلما رجع ابن الفرات إلى ~~الوزارة قبض عليه وصادره على مائة ألف دينار أدتها عنه زوجته، وكانت ذات ~~مال ms192 طائل، وكانت لابن مقلة يد طولى في الكتابة والإنشاء، وكانت توقيعاته ~~غير مذمومة في فنها، وله شعر فمنه: # جربني الدهر على صرفه [1] ... فلم أخر [2] عند التصاريف # ألفت يوميه [3] ويا ربما ... يؤلف شيء غير مألوف # (سريع) حدث أبو عبد الله أحمد بن إسماعيل المعروف بزنجي كاتب ابن الفرات ~~قال لما نكب ابن مقلة وحبس لم أدخل إليه في محبسه، ولا كاتبته ولا توجعت ~~له، على ما بيني وبينه من المودة والصداقة، خوفا من ابن الفرات. فلما طالت ~~به المحنة كتب إلي رقعة فيها: # ترى حرمت [4] كتب الأخلاء بينهم ... أبن لي، أم القرطاس [5] أصبح غاليا؟ # فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا؟ # صديقك من راعاك في كل شدة ... وكل تراه في الرخاء مراعيا # فهبك عدوي لا صديقي فإنني ... رأيت الأعادي يرحمون الأعاديا # (طويل) PageV01P265 # ومن شعره ما كتب به إلى ولده وقد مرض: # لقاك ربك صحة وسلامة ... ووقاك بي من طارق الأدواء # ذكرت شكاتك لي وكأسي في يدي ... فمزجتها دمعي مكان الماء # (كامل) ومن شعره: # لست ذا ذلة إذا عضني الدهر ... ولا شامخا إذا واتاني # أنا نار في مرتقى نفس الحاسد ... ، ماء جار مع الإخوان # (خفيف) استوزره المقتدر وخلع عليه خلع الوزارة في سنة ست عشرة، واستقل ~~بأعباء الوزارة أمرا ونهيا، وبذل فيها ما مبلغه خمسمائة ألف دينار، ثم عزل ~~وقبض عليه ثم أعيد. وما زال تتقلب به الأحوال حتى استوزره الراضي، ثم جرت ~~خطوب أوجبت أن الراضي حبسه بداره وضيق عليه، وسعى به أعداؤه إلى الراضي، ~~وخوفوه من غائلته فقطع يده اليمنى ومكث في الحبس مدة مقطوع اليد، وكان ينوح ~~على يده ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا مصحفا، وكذا وكذا حديثا من أحاديث ~~الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم ووقعت إلى شرق الأرض وغربها تقطع كما تقطع ~~أيدي اللصوص؟. # ومن شعره يشير إلى قطع يده. # ما مللت الحياة لكن توثقت ... بأيمانهم فبانت يميني # ثم أحسنت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني # ليس بعد اليمين لذة عيش ms193 ... يا حياتي بانت يميني [1] فبيني # وفي ذلك يقول بعض الشعراء: (خفيف) # لئن قطعوا إحدى يديه مخافة ... لأقلامه لا للسيوف الصوارم # فما قطعوا رأيا إذا ما أجاله ... رأيت الردى بين اللها [2] والغلاصم [3] # (طويل) PageV01P266 # ولما قطع الراضي يد ابن مقلة كتب باليسار مثلما كان يكتب باليمين، ثم شد ~~على يده المقطوعة قلما وكتب بها، فلم يفرق بين خطه قبل قطعها وبعده. # ومن الاتفاقات العجيبة أنه تولى الوزارة ثلاث دفعات، وسافر ثلاث دفعات ~~ودفن ثلاث دفعات: دفن بدار الخليفة لما قتل، بها وذلك بعد قطع يده بمديدة ~~[1] ثم سأل أهله تسليمه إليهم فدفنوه، ثم طلبته زوجته فنبشته ودفنته ~~بدارها. ### || وزارة أبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد للمقتدر # لم يكن له سيرة تؤثر وتروى، ولم يكن من ذوي اللب، وإنما نال ما نال بالجد ~~والبخت. # قيل: إنه دخل مرة على القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد والمكتفي، فرحب ~~به الوزير، وأقبل عليه بوجهه وأكرمه إكراما خارجا عن العادة لأمثاله، فسئل ~~الوزير عن سبب ذلك فقال: رأيت في منامي كأن على رأسي قلنسوة وقد أخذها هذا ~~وجعلها على رأسه، ولا بد أن هذا الفتى يلي الوزارة، فكان كما قال: # ولم تحمد سيرته في وزارته. # وكان المقتدر لما عزل ابن مقلة استشار علي بن عيسى بن الجراح فيمن ~~يستوزره فأشار عليه بهذا، فاستوزره في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، ثم قبض ~~عليه واستوزر الكلوذاني. ### || وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني للمقتدر # لم تطل أيامه، ولم يتمكن مما أراد، وكثرت المصادرات في أيامه، وشغب الجند ~~عليه وشتموه ورجموه وهو في السفينة، فحلف أنه لا يدخل بعد ذلك في الوزارة ~~وانقطع بداره وأغلق بابه، فكانت وزارته مدة شهرين. PageV01P267 ### || وزارة الحسين بن القاسم بن عبيد الله ابن سليمان بن وهب للمقتدر # كان يقال له أبو الجمال، قيل: إنه أعرق الناس في الوزارة، وهو وزير ~~المقتدر وأبوه القاسم وزير المعتضد والمكتفي، وجده عبيد الله وزير المعتضد، ~~وأبو جده سليمان بن وهب وزير المهتدي، وفي ذلك يقول الشاعر له: ms194 # يا وزير ابن وزير ... ابن وزير ابن وزير # نسقا كالدر إذ ... نظم في عقد النحور # (رمل) لم يكن الحسين بن القاسم بارعا في صناعته، ولا شكرت سيرته في ~~وزارته ولم تطل له المدة حتى عجز واختلت الأحوال عليه. مدحه عبيد الله بن ~~عبيد الله بن طاهر بقوله: # إن أكن مهديا لك الشعر إني ... لابن بيت تهدى له الأشعار # غير أني أراك من أهل بيت ... ما على المرء أن يسودوه عار # (خفيف) وهجاه جحظة بقوله: # إذا كان الوزير أبا الجمال ... ومحتسب البلاد الدانيالي # فعد عن البلاد فعن قليل ... ترى الأيام في صور الليالي # تقضت بهجة الدنيا وولت ... وآذن كل شيء بارتحال # (وافر) ولما ظهر للمقتدر نقصه وعجزه قبض عليه وصادره. ثم بقي إلى أيام ~~الراضي وأبعد عن العراق، فلما تولى ابن مقلة الوزارة تقدم بقتله، وأرسل ~~إليه من قطع رأسه وحمل رأسه إلى دار الخلافة في سفط، فجعل السفط في ~~الخزانة، وكانت لهم عادة بمثل ذلك. فحدث أنه لما وقعت الفتنة ببغداد في ~~أيام المتقي أخرج من الخزانة سقط فيه يد مقطوعة ورأس مقطوع، وعلى اليد رقعة ~~ملصقة عليها # PageV01P268 # مكتوب: هذه اليد يد أبي علي بن مقلة، وهذا الرأس رأس الحسين بن القاسم ~~وهذه اليد هي التي وقعت بقطع هذا الرأس، فعجب الناس من ذلك. ### || وزارة أبي الفضل جعفر بن الفرات # لم تطل أيامه، ولم تكن له سيرة مأثورة وقتل المقتدر وهو وزيره، فاستتتر. # انقضت أيام المقتدر ووزرائه. ### || ثم ملك بعده أخوه القاهر # هو أبو منصور محمد المعتضد، بويع سنة عشرين وثلاثمائة. # وكان مهيبا مقداما على سفك الدماء، أهوج محبا لجمع الأموال، رديء السياسة ~~صادر جماعة من أمهات أولاد المقتدر، وصادر أم المقتدر فعلقها برجل واحدة ~~منكسة الرأس، وعذبها بصنوف عظيمة من الضرب والإهانة، واستخرج منها مائة ~~وثلاثين ألف دينار، وبقيت بعد ذلك أياما قليلة، وماتت حزنا على ولدها ومما ~~جرى عليها من العذاب. # وفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة خلع القاهر. # وكان سبب ذلك: أن وزيره ابن مقلة كان قد استتر ms195 خوفا منه فكان يفسد عليه ~~قلوب الجند ويحذرهم منه وحسن لهم أن هجموا عليه وخلعوه وسملوه حتى سالت ~~عيناه على خديه، ثم حبس في دار السلطنة، ومكث في الحبس مدة ثم أخرج منه عند ~~تقلب الأحوال، وكان مرة يحبس ومرة يفرج عنه، فخرج يوما ووقف بجامع المنصور ~~يطلب الصدقة من الناس، وقصد بذلك التشنيع [1] على المستكفي، فرآه بعض ~~الهاشميين فمنعه من ذلك وأعطاه خمسمائة درهم. ولم يجر في أيامه من الحوادث ~~المشهورة ما يؤثر. PageV01P269 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # استوزر ابن مقلة وزير أخيه، وهي الوزارة الثانية، وقد تقدم شرح طرف من ~~سيرته فلا حاجة إلى إعادته. ثم استوزر محمد بن القاسم بن عبيد الله بن ~~سليمان بن وهب، ولم يتمكن من الوزارة ولا طالت أيامه، ثم قبض عليه ونكبه، ~~واتفق أن عرض له قولنج فمات بعقب ذلك. انقضت أيام القاهر ووزرائه. # في تلك الأيام نبعت الدولة البويهية. ### || شرح حال دولة آل بويه وابتدائها وانتهائها # أما نسبهم فيرتفع من بويه إلى واحد واحد من ملوك الفرس حتى يتصل بيهوذا ~~بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل- عليه السلام- وكذلك إلى آدم أبي ~~البشر، وليسوا من الديلم، وإنما سموا بالديلم، لأنهم سكنوا بلاد الديلم [1] ~~. # أما ابتداؤها: فإنها دولة نبعت بما لم يكن في حساب الناس، ولم يخطر بعضه ~~ببال أحد، فدوخت الأمم وأذلت العالم واستولت على الخلافة، فعزلت الخلفاء ~~وولتهم، واستوزرت الوزراء وصرفتهم، وانقادت لأحكامها أمور بلاد العجم وأمور ~~العراق، وأطاعتهم رجال الدولة بالاتفاق. هذا بعد الضيق والفقر، والذل ~~والمسكنة ومعاناة الحاجة والاضطهاد، فإن جدهم أبا شجاع بويه وأباه وجده، ~~كانوا كآحاد الرعية الفقراء ببلاد الديلم، وكان بويه صياد السمك، وقد كان ~~معز الدولة بعد تملكه البلاد يعترف بنعمة الله تعالى، ويقول: كنت أحتطب ~~الحطب على رأسي. # فكان من مبدإ دولتهم ما حدث به شهريار بن رستم الديلمي قال: كان أبو شجاع ~~بويه في مبدإ أمره صديقا لي، فدخلت عليه يوما وقد ماتت زوجته أم أولاده ~~الثلاثة الذين تملكوا البلاد، وهم: عماد الدولة ms196 أبو الحسن علي، وركن الدولة ~~أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسين أحمد- وقد اشتد حزن أبي شجاع بويه ~~على زوجته فعزيته وسكنت قلقه، ونقلته إلى منزلي وأحضرت له طعاما وجمعت إليه ~~PageV01P270 # أولاده الثلاثة فبينما هم عندي إذ مر بالباب شخص يقول: المنجم المعزم ~~مفسر المنامات، كاتب الرقى [1] والطلسمات.. فاستدعاه أبو شجاع بويه وقال ~~له: قد رأيت البارحة رؤيا ففسرها لي، ثم قص عليه الرؤيا، فقال المنجم، هذا ~~منام عظيم لا أفسره إلا بخلعة وفرس، فقال له بويه: والله ما أملك إلا ~~الثياب التي على جسدي، وإن أعطيتك إياها بقيت عريانا، قال المنجم: فعشرة ~~دنانير، فقال له بويه: والله ما أملك دينارين فكيف عشرة؟ ثم إنه أعطاه شيئا ~~يسيرا، فقال المنجم: اعلم أنه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ~~ويعلو ذكرهم في الآفاق، ويولد لهم جماعة ملوك، فقال له بويه: أما تستحي؟ ~~أتسخر بنا؟ أنا رجل فقير مضطر، وأولادي هؤلاء فقراء مساكين فمن أين هم ~~والملك؟ فقال له المنجم: # فأخبرني عن وقت ولادة واحد واحد من أولادك فأخبره بويه بذلك، فجعل ينظر ~~في اصطرلابه [2] وتقاويمه، ثم نهض المنجم وقبل يد عماد الدولة أبي الحسن ~~علي وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثم يملك هذا من بعده وقبض على يد ~~أخيه أبي علي الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع بويه وقال لأولاده: اصفعوه فقد ~~أفرط بالسخرية بنا، فصفعوه ونحن نضحك منه، فقال المنجم: لا بأس بهذا إذا ~~ذكرتم لي هذا الحال عند ولايتكم، فأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم وانصرف. # وأما ترقي أولاد أبي شجاع بويه: فإنهم دخلوا في زي الأجناد وانضافوا إلى ~~العساكر، وما زالوا ينتقلون في خدمة ملوك العجم من واحد إلى واحد، ومن حال ~~إلى حال، حتى ارتفع حال عماد الدولة وتولى الكرخ [3]- ولاه إياه مرداويج ~~[4]- ثم تنقل منها إلى غيرها، حتى تملك قطعة من أعمال فارس، ثم عرضت مملكته ~~حتى كتب إلى الراضي الخليفة يسأله أن يقاطعه على أعمال فارس في كل سنة بعد ~~النفقات والإطلاقات بما يحمله ms197 إلى دار الخلافة، وهو ثمانمائة ألف ألف ~~PageV01P271 # درهم، على أن يبعث الخليفة إليه بخلعة السلطنة والمنشور. فبعث الراضي ~~إليه بذلك على يد رسول أرسله إليه وأوصاه ألا يسلم الخلعة [1] والمنشور ~~إليه حتى يقبض منه المال، فلما وصل الرسول إليه غالطه وأخذ الخلعة منه ~~فلبسها، والمنشور فقرأه على رءوس الأشهاد، وقويت نفسه بذلك ووعد الرسول ~~بالمال ودافعه مدة، فمات الرسول عنده، وتقلبت الأحوال بالخلافة فكسر المال ~~واستبد بالأمر. وكان عماد الدولة أول ملوكهم، ثم ملك منهم واحد بعد واحد ~~حتى انقضت دولتهم. # وأما انتهاؤها ففي آخر أمرها ضعف حالها، وما زال يتزايد ضعفها حتى انتهت ~~نوبة الملك إلى عز الدولة بن جلال الدولة أبي طاهر، فجرى بينه وبين كاليجار ~~حروب أفضت إلى أنه هرب منه وأقام بشيراز ومات في سنة إحدى وأربعين ~~وأربعمائة وعليه انقرض ملكهم. ### || ثم ملك بعد القاهر ابن أخيه الراضي بالله # هو أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد. بويع في سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة. # كان شاعرا فصيحا لبيبا ختم الخلفاء في أشياء، منها: أنه آخر خليفة دون له ~~شعر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الملك، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة ~~وآخر خليفة جالس الندماء ووصل إليه العلماء، وآخر خليفة كانت مراتبه ~~وجوائزه وخدمه وحجابه تجري على قواعد الخلفاء المتقدمين. # وفي أيامه سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة عظم أمر مرداويج بأصبهان، وهو رجل ~~خرج بتلك النواحي، وقيل: إنه يريد أن يأخذ بغداد وينقل الدولة إلى الفرس ~~ويبطل دولة العرب، فورد الخبر في أيام الراضي بأن غلمان مرداويج اتفقوا ~~عليه فقتلوه. PageV01P272 # وفي أيام الراضي ارتفع أمر أبي الحسن علي بن بويه. # وفي أيام الراضي ضعف أمر الخلافة العباسية، فكانت فارس في يد علي ابن ~~بويه والري وأصفهان والجبل في يد أخيه الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر ~~وديار ربيعة ومضر في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج، ثم ~~أيدي الفاطميين والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الأموي، وخراسان والبلاد ~~الشرقية في يد نصر بن ms198 أحمد الساماني. وكانت وفاة الراضي في سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أول وزرائه علي بن مقلة، وهي الوزارة الثالثة من وزارات ابن مقلة، بذل ~~فيها خمسمائة ألف دينار حتى استوزره الراضي، ثم شغب الجند وجرت فتنة أوجبت ~~عزله فعزله الراضي واستوزر عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح، وقد مضى ~~من أخبار ابن مقلة ما فيه كفاية. ### || وزارة عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح # لما قبض الراضي على ابن مقلة أحضر علي بن عيسى بن الجراح وأراده على ~~الوزارة، فأبى وامتنع وأظهر العجز، فاستشاره فيمن يوليه فأشار بأخيه عبد ~~الرحمن بن عيسى فأحضره، وقلده الوزارة وركب الموكب بين يديه، ثم لم تطل ~~أيامه، واختلت الأمور عليه، فاستعفى من الوزارة. فقبض عليه، ولم يكن له ~~سيرة تؤثر. ### || وزارة أبي جعفر بن محمد بن القاسم الكرخي للراضي بالله # لما قبض الراضي على عبد الرحمن بن عيسى، استوزر أبا جعفر محمد ابن القاسم ~~الكرخي، وكان قصيرا جدا في غاية القصر، فاحتاجوا أنهم قطعوا من قوائم سرير ~~الخلافة أربع أصابع حتى يتمكن الكرخي الوزير من مسارة الخليفة، # PageV01P273 # وتطير [1] الناس من ذلك وقالوا: هذا مؤذن [2] بنقض [3] الدولة. فكان ~~الأمر كما قالوا، واختلفت الأحوال عليه، واضطربت الأمور لديه، فاستتر، ~~قالوا: لما أراد الاستتار قلع رأس مزملة [4] وجلس فيها وأخرجت المزملة على ~~أنها مزملة، وهو في وسطها وما زال مستترا حتى ظهر وصودر ثم خلص [5] . ### || وزارة سليمان بن الحسن بن مخلد للراضي بالله # لما عجز الكرخي عن النهوض بأعباء الوزارة واستتر، أحضر الراضي بالله ~~سليمان بن الحسن بن مخلد واستوزره وخلع عليه خلع الوزارة. ثم إنه عجز عن ~~تدبير الأمور لتغلب أصحاب السيوف على المملكة. فلما رأى الخليفة الراضي عجز ~~وزيره سليمان بن الحسن بن مخلد أرسل إلى ابن رائق [6]- وهو أكبر الأمراء- ~~فاستماله وسلم الأمور إليه ورتبه أمير الأمراء، وكلفه تدبير المملكة فانضم ~~إليه أمراء العسكر وصاروا حزبا واحدا، وحضروا بين يدي الخليفة، فأجلسهم فوق ~~الوزير واستبد ابن رائق أمير الأمراء بالأمور، ms199 وولى النظار والعمال ورفعت ~~المطالعات إليه، ورد الحكم في جميع الأمور إلى نظره، ولم يبق للوزير سوى ~~الاسم من غير حكم ولا تدبير. ومن تلك الأيام اضطهدت الخلافة العباسية، ~~وخرجت الأمور منها، واستولى الأعجام والأمراء وأرباب السيوف على الدولة، ~~وجبوا الأموال وكفوا يد الخليفة وقرروا له شيئا يسيرا وبلغة قاصرة، ووهن من ~~يومئذ أمر الخلافة. PageV01P274 ### || وزارة أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات للراضي بالله # لما استولى أمير الأمراء ابن رائق على الأمور أشار على الراضي بالله بأن ~~يولي الوزارة للفضل بن الفرات، ظنا منه أنه يجنذب له الأموال، فأحضره ~~الراضي وقلده الوزارة. # حدث أبو الحسن بن ثابت بن سنان، عن أبي الحسن علي بن هشام قال: # لما تقلد الفضل بن جعفر بن الفرات الوزارة لقيت ابن مقلة وكان معزولا ~~مستترا فقلت له: يقبح بك يا سيدنا أن تتأخر عن لقاء هذا الوزير وتهنئته ~~بوزارته، فقال: # ما آمنه ولا لي حاجة إلى الاجتماع به، فقلت: ينبغي أن تكتب إليه رقعة ~~تعتذر فيها عن تأخرك وتهنئه تهنئة تقوم مقام حضورك، فقال: أخاف أن يجيبني ~~بما يستدعي حضوري وأنشدني لنفسه: # وقائلة: قد أضعت الصواب ... بتركك هذا الوزير الجديدا # فقلت لها: لا عداك السرور ... ولا كان قولك إلا سديدا # أمثلي تطاوعه نفسه ... على أن يرى خاضعا مستزيدا # (متقارب) كان رجلا متهورا وسيع الصدر شريف النفس عالي الهمة، تنقل في ~~الخدمات وتقلبت به الأحوال من عسر ويسر، ومصادرة وعزل، حتى أدى به سعة صدره ~~وقوة نفسه وكبر همته إلى جمع العساكر وركوب الأخطار. ثم تغلب على أعمال ~~خوزستان والبصرة، فاستوزره الراضي، ثم عزله وقلد الوزارة سليمان بن الحسن ~~بن مخلد، وقد مر ذكره فلا حاجة إلى إعادته، وهو آخر وزرائه. # انقضت أيام الراضي بالله بن المقتدر ووزرائه. ### || ثم ملك بعده أخوه المتقي بالله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله # بويع له سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ولم يكن له من السيرة ما يؤثر واضطربت ~~عليه الأمور، واستولى عليه رجل من أمراء الديلم يقال له: # PageV01P275 # «توزون ms200 [1] » فهرب المتقي ومعه ابنه وأهله إلى الموصل خوفا على نفسه من ~~حرب ببغداد. # وجرت في تلك الأيام حروب وفتن، ونهبت دار الخلافة وأخذ ما كان بها. # ثم إن توزون كتب إلى المتقي يستميله، وحلف له أيمانا غليظة أنه لا يناله ~~مكروه من جهته فاغتر المتقي بذلك، وانحدر من الموصل إلى بغداد، ووصل إلى ~~السندية من نهر عيسى فخرج توزون إلى تلقيه والناس كافة، فلما رآه توزون قبل ~~الأرض وكان قد أوصى جماعة من أصحابه سرا أن يحتاطوا به، فاحتاطوا به، ~~وأدخلوه إلى خيمته، ثم قبض عليه وسمل عينيه، وخلعه وبايع المستكفي، ومات ~~المتقي في سنة خمسين وثلاثمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أقر سليمان بن الحسن بن مخلد على وزارته أربعة أشهر، ثم استوزر أبا الخير ~~أحمد بن محمد بن ميمون، ولم يكن له سوى الاسم من الوزارة، ولم يكن له سيرة ~~تؤثر. ثم أمور أدت إلى القبض عليه وإلى عزله. ### || وزارة أبي عبد الله البريدي للمتقي # قد سبق حال تغلبه وقوة نفسه وجمعه للعساكر، ثم إنه في أيام المتقي وصل ~~إلى بغداد ومعه جموع كثيرة، فأظهر المتقي السرور به، ثم استوزره وهو كاره ~~لذلك. وجرت بينه وبين المتقي مراسلات أدت إلى أنه أرهبه وأفزعه، فحمل إليه ~~خمسمائة ألف دينار ووقعت حروب بين البريدي وأمراء العسكر فنهبوا داره ~~وانهزم إلى واسط، فكان وقوع اسم الوزارة عليه دون شهر [2] . PageV01P276 ### || وزارة أبي إسحاق محمد بن إبراهيم الإسكافي المعروف بالقراريطي للمتقي # لم تطل أيامه، فلبث في الوزارة حدود أربعين يوما. سبب وزارته أنه حضر ~~يوما مجلس أمير الأمراء وهو يصادر قوما من الكتاب ويعسفهم، وهم يلطون [1] ~~عليه فخلا القراريطي ببعض أصحاب أمير الأمراء وقال له: إن استوزرني الأمير ~~نهضت له بأضعاف هذا وجمعت له الأموال، وما أحوجه إلى هذا الصداع؟ فاستوزره ~~توزون بعد يومين، ثم بعد يومين قبض عليه واستوزر الكرخي، فلم تطل أيامه ~~أيضا، ولبث فيها نحو خمسين يوما. ### || وزارة البريدي مرة ثانية # استوزره المتقي وكاتبه بالإصعاد [2] إلى بغداد، فأصعد من واسط ms201 فاستوزر. ~~ومكث في الوزارة دون شهر، ولم يستتب له أمر، وجرت بينه وبين المتقي حروب ~~وكانت تلك الأيام أيام فتن. ولما تولى أبو عبيد الله البريدي الوزارة هجاه ~~أبو الفرج الأصفهاني مصنف كتاب الأغاني بقصيدة طويلة أولها: # يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي [3] ... قد تولى الوزارة ابن البريدي # (خفيف) (منها) # يا لقومي لحر صدري وعولي [4] ... وغليلي وقلبي المعمود [5] # حين سار الخميس [6] يوم خميس ... بالبريدي في ثياب سود [7] PageV01P277 # قد حباه بها الإمام اصطفاء ... واعتمادا منه لغير عميد [1] # خلع [2] تخلع العلا ولواء ... عقده حل عقدة المعقود ### || وزارة أبي العباس أحمد بن عبيد الله الأصفهاني للمتقي # مكث في الوزارة حدود خمسين يوما، ولم يكن له علم ولا نظر في الأمور وضعف ~~أمر الوزارة والوزراء في تلك الأيام ضعفا كثيرا. ### || وزارة أبي الحسن علي بن أبي علي بن مقلة للمتقي # استوزره المتقي ولم تطل أيامه وخلع المتقي وهو وزيره. انقضت أيام المتقي ~~ووزرائه. ### || ثم ملك بعده أبو القاسم عبد الله المستكفي ابن المكتفي بن المعتضد # بويع له سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ورد الخبر إليه بوصول معز الدولة ~~ابن بويه فخاف خوفا شديدا، واضطرب الناس، وأهدى المستكفي إلى معز الدولة ~~ألطافا وفاكهة ووصل معز الدولة إلى حضرة المستكفي فرد إليه إمارة الأمراء ~~وأعطاه الطوق والسوار وآلة السلطنة، وعقد له لواء. وهو أول ملوك بني بويه ~~في الحضرة الخليفية، وهو الذي لقبه معز الدولة، ولقب أخاه الآخر عماد ~~الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم على الدينار والدرهم، ونزلت الديلم دور الناس ~~ببغداد، ولم يكن يعرف ذلك من قبل. ثم إن معز الدولة ركب يوما إلى دار ~~الخلافة وسلم على المستكفي وقبل الأرض بين يديه، وأمر المستكفي فطرح كرسي ~~فجلس عليه معز الدولة، ثم تقدم إلى المستكفي رجلان من الديلم بمواطأة معز ~~الدولة فمدا أيديهما نحوه، فظن المستكفي أنهما يريدان تقبيل يده، فمد يده ~~فجذباها ونكساه من السرير ووضعا عمامته في عنقه وسحباه، ونهض معز الدولة ~~وضربت البوقات والطبول، واختلط الناس ودخل الديلم إلى حرم الخليفة، وحمل ~~المستكفي ms202 إلى دار معز الدولة PageV01P278 # فاعتقل بها، وخلع من الخلافة ونهبت داره وسملت عيناه. ولم يزل في دار ~~السلطنة معتقلا حتى توفي في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أول وزرائه السامري أبو الفرج محمد بن علي. لم يكن له حكم ولا استبداد ~~ولم تطل أيامه وقبض عليه، وهجاه بعض الشعراء بقوله: # الآن إن كفر المقتر رزقه [1] ... قالوا: كفرت فخف عقاب النار # أأكون رجلي مركبي [2] وجنيبتي [3] ... خفي [4] ، على ذل بذاك وعار # و (السرمن رائي [5] في إصطبله ... مائتا عتيق فاره مختار # كلب حمار بالخيول، وكاتب ... فطن يضيق به كراء [6] حمار # أنا قد دهشت فعرفوني أنتم ... هذا من الإنصاف في الأقدار؟ # (كامل) ثم اضطربت أحوال الخلافة، ولم يبق لها رونق ولا وزارة، وتملك ~~البويهيون وصارت الوزارة من جهتهم والأعمال إليهم، وقرر للخلفاء شيء طفيف ~~برسم إخراجاتهم. # انقضت أيام المستكفي ووزرائه. ### || ثم ملك بعده المطيع لله أبو القاسم الفضل بن المقتدر # بويع سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وكان أمره ضعيفا في أيامه رد الحجر ~~الأسود إلى مكانه وكانت القرامطة الخوارج قد أخذوه ثم ردوه وقالوا: قد ~~أخذناه بأمر ورددناه بأمر. وقوي الفالج على المطيع وثقل لسانه فدخل عليه ~~سبكتكين PageV01P279 # حاجب معز الدولة فدعاه إلى خلع نفسه ومبايعة ولده الطائع، ففعل ذلك وعقد ~~الأمر لولده وخلع نفسه. ومات في سنة أربع وستين وثلاثمائة. ### || ثم ملك بعده ابنه عبد الكريم أبو بكر الطائع لأمر الله # بويع له سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. كان الطائع شديد المنة وكان قد استفحل ~~عنده في البستان كبش جبلي، ما جسر أحد أن يدنو منه. فخرج الطائع إليه فحمل ~~الكبش عليه فثبت له حتى مكن يديه من قرنيه، ثم استدعى نجارا وأمره بقطع ~~قرنيه بالمنشار، فقطعهما النجار وهما في يد الطائع. # وفي أيامه قويت شوكة آل بويه، ووصل عضد الدولة إلى بغداد. وانتشر حكم ~~البويهيين. ثم قبض البويهيون على الطائع في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. # وبويع بعده للقادر: # انقضت أيام الطائع لله. ### || ثم ملك بعده القادر أبو العباس أحمد ابن ms203 إسحاق بن المقتدر # بويع له سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. # كان القادر من أفاضل خلفائهم، حسن الطريقة والسمت. كثير الخير والدين ~~والمعروف والعبادة. تزوج بنت بهاء الدولة بن عضد الدولة على صداق مبلغه ~~مائة ألف دينار. وفي أيامه تراجع وقار الدولة العباسية ونما رونقها، وأخذت ~~أمورها في القوة. ومكث القادر في الخلافة مدة طويلة، ومات في سنة اثنتين ~~وعشرين وأربعمائة. # PageV01P280 ### || ثم ملك بعده ابنه أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله # بويع في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. # كان القائم من أفاضل خلفائهم وصلحائهم. وطالت مدته في الخلافة وزاد به ~~وقار الدولة ونمت قوتها. وفي أيامه انقرضت دولة بني بويه، وظهرت دولة بني ~~سلجوق. ### || شرح حال الدولة السلجوقية وابتدائها وانتهائها # هذه دولة قوية قويت شوكتها. وعرضت مملكتها ونفذت تقدماتها في الحضرة ~~الخليفية. واستولت على الخلافة. وخطب لها على المنابر. وضربت أسماء ملوكها ~~على الدرهم والدينار. ### || ذكر ابتداء حالهم # هم قوم أصلهم من الترك الخزر. وكانوا يخدمون مع ملوك الترك. ونشأ جدهم ~~سلجوق وكانت أمارات النجابة لائحة عليه، ودلائل السعادة ظاهرة على حركاته ~~فقربه ملك الترك واختص به ولقبه «شباشي» ، ومعناه في لغتهم: قائم الجيش. ~~فنبغ سلجوق بعلو همته، واستمال قلوب الرجال بكرمه وعقله، وانقادت الأكابر ~~إليه. فيقول: إن زوجة ملك الترك قالت لزوجها: إني أتوسم في سلجوق تغلبا ~~عليك والرأي عندي أن تقتله فقد كثر ميل الناس إليه. فقال لها: سوف أبصر ما ~~أصنع في أمره ثم أحس سلجوق بشيء من ذلك العزم، وظهر له التغير فجمع عشيرته ~~ومن تبعه وحالفهم، واستجلب من أطاعه، وصار قائدا معظما للغز [1] ونفر بهم ~~من بلاد الترك إلى بلاد المسلمين، فلما دخلها أظهر الإسلام ليكون ~~PageV01P281 # المسلمون عونا له وليمكنوه من المراعي والمساكن، فنزل بالجند وشرع في غزو ~~من قاربه من أصناف الترك وكان لملك الترك إتاوة [1] على تلك البلاد ~~المتاخمة له فقطعها سلجوق وطرد نوابه ومات سلجوق وعمره مائة سنة. ثم نشأ ~~أولاده في القوة والنعمة والدولة، واستولوا على كل موضع استضعفوه من بلاد ~~العجم، وما ms204 زال أمرهم ينمى حتى ملك طغرلبك (وهو أول سلاطينهم) طائفة من ~~بلاد العجم، وما زال أمره يقوى حتى تغلب البساسيري على بغداد ونهبها وقتل ~~من بها. وأخرج الخليفة القائم فحبسه بقلعة الحديثة وكانت فتنة البساسيري ~~فتنة عظيمة، فحينئذ كتب القائم إلى طغرلبك السلطان يستدعيه إلى بغداد ~~لينصره على البساسيري، فسار طغرلبك بعساكره إلى بغداد فلما سمع البساسيري ~~بذلك انتفض عليه أمره وفارق بغداد، دخل طغرلبك إلى بغداد، وأعاد رونق ~~الدولة الخليفية وخطب له بالسلطنة على منابر بغداد، وكان ذلك أول سلطنتهم ~~بالحضرة وأما انتهاؤها: فإنها ما زالت أمورها تضعف حتى انقرضت بالكلية في ~~أيام الناصر، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة فتعالى الله! ومات القائم في سنة ~~سبع وستين وأربعمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # وزر له فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير. PageV01P282 ### || وزارة ابن جهير # كان فخر الدولة من عقلاء الرجال ودهاتهم، كان في ابتداء أمره فقيرا مدقعا ~~وترامت به الأسباب، فمن مبادئها: أنه كان جالسا بالكوخ يوما، فعبر عليه ~~غسال ممن يغسل بالخربات ومعه فصوص عتق قد استحالت ألوانها، فاشتراها منه ~~بثلاثة دنانير وجلا بعضها، فخرج أحدها ياقوتا أحمر، وخرج الآخر فيروزجا ~~جيدا فصاغ لكل واحد منهما خاتما من ذهب. ثم إنه تقلبت به الأمور حتى مضى في ~~رسالة إلى ملك الروم فأهدى إليه الخاتمين، فأعطاه عشرين ألف دينار، فكانت ~~أصل غناه ونعمته، ثم تنقل في الخدمات حتى اتصل بابن مروان صاحب ديار بكر ~~[1] فخدمه مدة وأثرى [2] عنده ثروة ضخمة، فسمت همته إلى وزارة الخليفة، ~~فأرسل سرا إلى القائم، وعرض عليه نفسه، وبذل له ثلاثين ألف دينار، فأرسل ~~القائم بعض خواصه في رسالة إلى ابن مروان، وكان غرضه من إرسال ذلك الرسول ~~أن يجتمع بفخر الدولة سرا، وقرر معه ما أراد، ثم لما أراد الرسول الرجوع ~~إلى بغداد خرج فخر الدولة كأنه يودعه، فانحدر معه إلى بغداد، وكان قبل ذلك ~~قد فرق أمواله بالبلاد وأنفذ منها شيئا إلى بغداد. # فلما وصل الرسول إلى بغداد، وصحبته فخر ms205 الدولة، أرسل القائم إليه أصحابه ~~يتلقونه، ثم خلع عليه خلع الوزارة، ونهض فخر الدولة بأمور الوزارة أحسن ~~نهوض. وكانت الأطراف المتاخمة للعراق عاصية على الخليفة، وكان ملوكها ~~أصدقاء فخر الدولة، فكاتبهم وراسلهم، واستمالهم فدخلوا في طاعة الخليفة ثم ~~عزل فخر الدولة عن الوزارة، بسبب كدر جرى بينه وبين نظام الملك وزير ~~السلطان ثم أعيد فخر الدولة إلى الوزارة، ولما أعيد إلى منصبه قال ابن ~~الفضل الشاعر يمدحه: PageV01P283 # قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به # ما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه [1] # (رجز) ولما عاد إلى الوزارة فرح الناس به فرحا شديدا، فيقال: إن سقاء ذبح ~~ثورا له لم يكن يملك غيره وتصدق بلحمه، فأعطاه الوزير بغلا بآلته، وأعطاه ~~معه شيئا من الذهب. ### || وزارة رئيس الرؤساء علي بن الحسين بن أحمد ابن محمد عمر بن المسلمة # كان وزير القائم قبل ابن جهير. ومن أجله وقعت فتنة البساسيري، وكان قبل ~~الوزارة أحد المعدلين [2] ببغداد، وممن له معرفة بالفقه. وأنس بالعلم ~~ورواية الحديث وجل أمره، وعظمت منزلته، ووقع بينه شر وبين البساسيري أبي ~~الحارث التركي وكان أحد الأمراء فاقتضى الحال أن البساسيري هرب، ثم جمع ~~الجموع وورد إلى بغداد واستولى عليها، ثم ظفر بابن المسلمة رئيس الرؤساء ~~فمثل به. # فمن جملة ما فعل به، أنه حبسه ثم أخرجه مقيدا وعليه جبة صوف وطرطور [3] ~~من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة فيها جلود مقطعة شبيهة بالتعاويذ، وأركب ~~حمارا وطيف به في المحال ووراءه من يضربه بجلد وينادي عليه، ورئيس الرؤساء ~~يقرأ: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء 3: 26 ~~[4] وشهره في البلد. # فلما اجتاز بالكرخ نثر عليه أهل الكرخ المداسات الخلع وبصقوا في وجهه ~~ووقف بإزاء دار الخلافة من الجانب الغربي، ثم أعيد وقد نصبت له خشبة في ~~PageV01P284 # باب خراسان، فأنزل عن الحمار، وخيط عليه جلد ثور قد سلخ في الحال وجعلت ~~قرونه على رأسه، علق بكلاب في حلقه، واستبقي في الخشبة إلى ms206 أن مات من يومه. # انقضت أيام القائم بأمر الله ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ابن ابنه المقتدي بأمر الله # وهو أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم، بويع في سنة سبع وستين ~~وأربعمائة. # كان المقتدي عالي الهمة خبيرا بالأمور من أفاضل خلفائهم، واتفق له مع ~~السلطان ملك شاه واقعة عجيبة: كان السلطان ملك شاه قد قصد بغداد فوصلها في ~~سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وقد تغيرت نيته مع المقتدي، فأرسل ملك شاه إلى ~~المقتدي يقول له: تخرج من بغداد وتسكن أي بلد شئت، فانزعج المقتدي من ذلك ~~وطلب منه أن يمهله شهرا، فقال ملك شاه: ولا ساعة واحدة. وترددت الرسل ~~بينهما، ثم استقرت الحال بواسطة تاج الملك أبي الغنائم وزير ملك شاه أن ~~يؤخره عشرة أيام، فقال ملك شاه: يجوز، ففي عيد الفطر صلى السلطان وخرج إلى ~~الصيد فحم وافتصد [1] فتوفي في نصف شوال، وضبطت زوجته زبيدة خاتون العسكر ~~بعد موته، واستقر مع المقتدي ترتيب ابنها محمود في السلطنة، وعمره يومئذ ست ~~سنين فخطب له وخلع [2] المقتدي عليه، وخرج العسكر وخاتون وابنها محمود بن ~~ملك شاه إلى أصفهان، وكفى الله شر ملك شاه المقتدي، وتوفي المقتدي فجأة في ~~سنة سبع وثمانين وأربعمائة. PageV01P285 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع المقتدي بالخلافة أقر فخر الدولة بن جهير وزير أبيه على وزارته ~~وقد مضى من سيرته ما يغني عن ذكر شيء آخر. ### || وزارة ابنه عميد الدولة محمد بن محمد ابن محمد بن جهير للمقتدي # كان القائم والمقتدي يرسلانه في رسائل إلى السلاطين فتنجح على يده، وكان ~~فاضلا حصيفا [1] ، فاستحلاه نظام الملك وزير السلطان، وكان يعجب منه ويقول: ~~وددت أني ولدت مثله، ثم زوجه ابنته. واستوزره المقتدي، وفوض الأمور إليه، ~~ثم عزله فشفع له نظام الملك فأعيد إلى الوزارة. # ثم وقع بين عميد الدولة وبين سلاطين العجم وقعة، فطلبوا من الخليفة عزله ~~وأشار أصحاب الخليفة بذلك فعزله، وحبس بباطن دار الخلافة، ثم أخرج ميتا ~~فدفن وكان يقول الشعر، فمن شعره: # إلى متى أنت في ms207 حل وترحال ... تبغي العلا والمعالي مهرها غالي # يا طالب المجد دون المجد ملحمة ... في طيها خطر بالنفس والمال # ولليالي صروف [2] قلما انجذبت ... إلى مراد امرئ يسعى بلا مال # (بسيط) ### || وزارة أبي شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين الهمذاني للمقتدي # كان رجلا دينا، خيرا كثير الخير والبر والصدقة. وقف له على ثبت [3] خرج ~~على وجوه البر والصدقات خاصة بما قدره مائة وعشرون ألف دينار، وكان ~~PageV01P286 # الذي أورد هذا الثبت كاتبا من جملة عشرة كتبة يكتبون صدقاته خاصة. ولما ~~ولي ظهير الدين المذكور كتب إليه ابن الحريري صاحب المقامات: # هنيئا لك الفخر فافخر هنيئا ... كما قد رزقت مكانا عليا # وبت كآبائك الأكرمين ... لدست [1] الوزارة كفؤا رضيا # تحملت أعباءها يافعا ... كما أوتي الحكم [2] يحيى صبيا # (متقارب) كان يصلي الظهر ويحضر لكشف المظالم إلى وقت العصر، وكان الحجاب ~~ينادون في الناس: من كانت له حاجة فليعرضها. # ومن مناقبه: أنه لما وقعت الفتن بين السنية والشيعة بالكرخ وباب البصرة ~~من مدينة السلام، تغاضى عن إراقة الدماء غاية التغاضي، حتى قال له المقتدي: # إن الأمور لا تمشي بهذا اللين الذي تستعمله، وقد أطمعت الناس بحلمك ~~وتجاوزك، ولا بد من نقض دور عشرة من كبار أهل المحال حتى تقوم السياسة ~~وتسكن هذه الفتن. فأرسل الوزير إلى المحتسب وقال له: قد تقدم الخليفة بنقض ~~دور عشرة من كبار أهل المحال ولا تمكنني المراجعة فيهم، وما آمن أن يكون ~~فيهم أحد غير مستحق للمؤاخذة، أو أن يكون الملك ليس له، فأريد أن تبعث ~~ثقاتك إلى هذه المحال وتشتري أملاك هؤلاء المتهمين فإذا صارت الأملاك لي ~~نقضتها وأسلم بذلك من الإثم ومن سخط الخليفة. ونقده الثمن في الحال، ففعل ~~المحتسب ذلك، ثم بعد ذلك أرسل ونقضها. وحج بيت الله تعالى. ولم يؤرخ عن ~~وزير أنه حج في أيام وزارته إلا هذا، فإن الوزارء قبله كانوا يحجون بعد ~~خلوهم من الوزارة، إلا البرامكة فإنهم حجوا في حال وزارتهم. وطلب السلطان ~~جلال الدولة ملك شاه من المقتدي عزل هذا الوزير، فخرج توقيع ms208 المقتدي بعزله ~~على حالة جميلة لم يصرف بمثلها وزير، وانصرف إلى داره وهو ينشد: ~~PageV01P287 # تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق # (وافر) ثم اعتزل وتزهد ولبس ثياب القطن وتوجه إلى الحج، وأقام بمدينة ~~الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- فكان يكنس المسجد النبوي ويفرش الحصر ~~ويشعل المصابيح وعليه ثوب من غليظ الخام، وبدأ يحفظ القرآن وختمه هناك. وله ~~شعر لا بأس به فمنه قوله: # إن من شتت الجميع من الشمل ... قدير بأن يجمع أهلا # لست مستيئسا وإن طال هجر ... رب هجر يكون عقباه وصلا # وإذا أعقب الوصال فراق ... كان ذاك الوصال في القلب أحلى # (خفيف) ومات- رضي الله عنه- في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. # انقضت أيام المقتدي بأمر الله ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ابنه المستظهر بالله أبو العباس أحمد # بويع له بالخلافة في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. # كان المستظهر كريما وصولا، حسن الأخلاق كبير الهمة سهل العريكة مهذب ~~الخلال، محبا للخير مبغضا للظلم. في أيامه تفاقم حال الباطنية [1] واستولوا ~~على المعاقل والحصون بخراسان. وكان أصل دعوتهم بخراسان الحسن بن صباح [2] ~~وهو رجل أصله من مرو، وسافر إلى مصر وأخذ من دعاة آل أبي طالب بها المذاهب، ~~وكان رجلا ذا دهاء وصاحب حيل، ثم إنه رجع من مصر إلى خراسان وصار داعيا لآل ~~أبي طالب وتوصل بأنواع التوصلات حتى ملك قلعة من بلاد الديلم PageV01P288 # تعرف بالروذبار فلما ملكها قوي أمره واستغوى طوائف من الناس، وفشا مذهب ~~الباطنية ونما، وأعتقده خلق من الأكابر في باطن الأمر. وما زال يستفحل ~~أمرهم إلى أن قصدت العساكر المغولية قلاعهم وفعلت بها ما فعلت. ومات ~~المستظهر في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لم يكن للوزارة في أيامه كبير أبهة. فمن وزرائه زعيم الرؤساء أبو القاسم ~~علي بن فخر الدولة بن جهير، لم تطل أيامه. ولم يكن له من السير ما يؤثر، ~~وبعد يسير من وزارته عزل وقبض عليه. ### || وزارة أبي المعالي هبة الله بن محمد ابن المطلب للمستظهر # كان رجلا كافيا من كفاة الدولة العباسية، واستوزره ms209 المستظهر بعد زعيم ~~الرؤساء ابن جهير، وكان قبل الوزارة يتولى ديوان الزمام. فحدث عنه بعض ~~أصحابه قال: دخلت يوما الوزارة وهو صاحب ديوان. فرأيته مفكرا مضطرب الخاطر، ~~فسألته عن السبب فقال: كنت قد أنهيت إلى المستظهر في السنة الخالية اجتهادي ~~في عمارة البلاد وضبطي وتثميري للحاصل، وقلت قد حصل في هذه السنة اثنا عشر ~~ألف كر وفي السنة المستقبلة يحصل عشرون ألف كر، فخرج جوابه يشكرني ويثني ~~علي وشرفني بشيء من ثيابه، فسررت وقلت: هذه ثمرة الاجتهاد. ثم جردت همتي ~~للعمارة وانبعثت بجهدي وطاقتي في عمارة المستقبل، فاتفق أن انفجر بثق [1] ~~فتلف من الارتفاع شيء كثير، وجرت أحوال أخر اقتضت خفوق الارتفاع بحيث نقص ~~عن ارتفاع السنة الخالية فكتبت مطالعة إلى الخليفة أعرفه فيها بخفوق ~~الارتفاع، وذكرت له كمية الحاصل ولم أشرح له السبب في PageV01P289 # نقيصة الارتفاع، وقلت في نفسي: إن سالني عن السبب شرحته له، فخرج جوابه ~~إلي يشكرني ويثني علي وشرفني بشيء من ثيابه كما فعل في السنة الخالية، فقلت ~~في نفسي: وا ويلاه! هذا حالي معه في حالة الاجتهاد والتقصير، وقد شكرني على ~~الحالتين المتناقضتين، وهذا يدل على أنه لا يفكر فيما يقوله ويفعله، فما ~~يؤمنني أن بعض من هو قريب إليه من أعدائي يعرض عليه في أمري ما يكون سببا ~~لهلاكي فلا يتأمل القضية بل يتقدم بما يوافق غرض العدو؟ قال الحاكي: فقلت ~~له يعيذك الله ويقيك مما تحذر، وما برحت حتى سليته وأزلت غمه. وكان هذا أبو ~~المعالي بن المطلب من علماء الوزراء وأفاضلهم وأخيارهم. # انقضت أيام المستظهر بالله ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله # بويع في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. # كان المسترشد رجلا فاضلا، ولما بويع بالخلافة هرب أخوه الأمير أبو الحسن ~~وأخفى نفسه، ومضى إلى الحلة [1] مستجيرا بدبيس [2] بن صدقة صاحب الحلة وكان ~~دبيس بن صدقة أحد أجواد الدنيا، وكان صاحب الدار والجار، والحمى والذمار ~~وكانت أيامه أعيادا، وكانت الحلة في زمانه محط الرحال، وملجأ بني الآمال، ms210 ~~ومأوى الطريد، ومعتصم الخائف الشريد. فأكرمه دبيس إكراما زائدا عن الحد، ~~وأفرد له دارا وأكرمه إكراما كثيرا، ومكث عنده مدة على أحسن حال. فلما علم ~~أخوه المسترشد بالله أنه عند دبيس قلق لذلك، وخاف من أمر يحدث من ناحيته ~~فبعث نقيب النقباء علي بن طراد الزيني إلى الحلة بخاتمه وأمانه، وأمره أن ~~يأخذ PageV01P290 # البيعة على دبيس ويطلب منه أن يسلم إليه الأمير أبا الحسن فقال دبيس: أما ~~البيعة فالسمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين، وبايع، وأما تسليم جاري فلا ~~والله لا أسلمه إليكم وهو جاري ونزيلي ولو قتلت دونه. إلا إن اختار. فأبى ~~الأمير أبو الحسن التوجه صحبة النقيب إلى أخيه فمضى النقيب وحده. ثم بعد ~~ذلك ظفر به المسترشد فسجنه في بعض دوره في حالة جميلة. وجرت بين الخليفة ~~المسترشد وبين السلطان مسعود وحشة، وتفاقم الأمر فيها وأفضى الحال إلى ~~الحرب، فتوجه الخليفة المسترشد وصحبته العسكر وأرباب الدولة وتجهز مسعود ~~للقائهم فلما التقوا والتحم القتال انكسر عسكر المسترشد، واستظهر السلطان ~~مسعود عليهم ونهب عسكره من العسكر الخليفي أموالا عظيمة، فيقال: إن صناديق ~~المال كانت على مائة وسبعين بغلا، وهي أربعة آلاف ألف دينار، وكان الرحل ~~على خمسمائة جمل وكان معه عشرة آلاف عمامة، وعشرة آلاف جبة، وعشرة آلاف ~~قباء [1] ، كل ذلك من فاخر الثياب، كان قد أعدها للتشريفات إن ظفر، فيقال ~~إن جملة ما نهب عشرة ألف ألف دينار، ونهى مسعود عن إراقة الدماء، وقبض على ~~أصحاب الخليفة وحملهم إلى القلعة وأما الخليفة فأفرد له خيمة ووكل به ~~جماعة، وسار مسعود والخليفة معه إلى مراغة [2] ، فوصل كتاب السلطان سنجر ~~[3] إلى مسعود يأمره بالإحسان إلى الخليفة وإعادته إلى بغداد مكرما معززا، ~~وأن يرد عليه أمواله وأن يجعل له من الحشم والبرك والأسباب أعظم وأجمل مما ~~ذهب منه ويعيده إلى بغداد على أتم حال فامتثل مسعود جميع ذلك، وصنع له من ~~البرك والأسرة والخيم والحمول أشياء جميلة ووقع العزم على العود إلى بغداد ~~واتفقت غفلة عن مسعود PageV01P291 # والعسكر، فهجم جماعة من الباطنية ms211 على المسترشد فضربوه بالسكاكين في مخيمه ~~بقرية بينها وبين مراغة فرسخ واحد وقتلوا معه جماعة من أصحابه وحين علم ~~مسعود بذلك ركب منزعجا مظهرا للجزع وأخذ القوم فقتلهم، ثم نقل المسترشد على ~~رءوس العلماء والأمراء إلى مراغة فدفن بها وقبره الآن بها معروف تحت قبة ~~حسنة، رأيتها عند وصولي إلى مراغة في سنة سبع وتسعين وستمائة. # واختلف الناس عند قتل المسترشد في سبب قتله، فقال قوم: إن مسعودا لم يعلم ~~بذلك ولا رضي به. وقال قوم: بل مسعود هو الذي واطأ الباطنية على قتله ~~وأمرهم بذلك، لأنه خافه حيث قويت نفسه على جمع الجموع وجر الجيوش، ولم ~~يمكنه قتله ظاهرا، ففعل ما فعل من الإحسان إليه ظاهرا ثم إنه أخرج جماعة من ~~أهل الجرائم فقتلهم وأوهم الناس أنه قد قتل قتلته، ثم أطلقهم سرا، وذلك في ~~سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # من أفاضل وزرائه أبو علي الحسن بن علي بن صدقة، كان فاضلا نحريرا عالما ~~بقوانين الرئاسة خيرا، استوزره المسترشد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، ولقبه ~~بجلال الدين سيد الوزراء صدر الشرق والغرب ظهير أمير المؤمنين، كانت له ~~معرفة بالحساب وأعمال السواد، غير أنه لا ينسب إليه شيء من الكرم. # ثم إن المسترشد قبض عليه وعزله عن الوزارة، ولم يكن ذلك عن إرادة من ~~المسترشد، وإنما دعته الضرورة إلى القبض عليه، لأن وزير السلطان كان يتعصب ~~عليه. # ثم بعد ذلك بمديدة زال المانع، فأعاده المسترشد إلى وزارته، وخلع عليه ~~خلع الوزارة وتقدم إلى أرباب الدولة بالسعي بين يديه إلى الديوان، وهو أول ~~وزير مشى أرباب الدولة بين يديه رجالة [1] . PageV01P292 # كان الوزير ابن صدقة جالسا يوما في دست الوزارة فدخل عليه سديد الدولة ~~ابن الأنباري كاتب الإنشاء، وفي كمه أبيات قد هجاه فيها الوزير، فسقطت ~~الرقعة من كمه، فمد الوزير يده سريعا وتناولها، فكان فيها من جملة أبيات: # أنت الذي كونه فساد ... في عالم الكون والفساد # (بسيط) فلما رآها سديد الدولة في يد الوزير سقطت قوته خوفا وخجلا، ms212 فلما ~~قرأها الوزير فطن للقصة وصرف الهجو عن نفسه إلى سديد الدولة، وقال: أعرف ~~هذه الأبيات ومن جملتها: # ولقبوه السديد جهلا ... وهو بريء من السداد # ونظم الوزير هذا البيت في الحال، فاستحيا السديد بن الأنباري وأمسك عن ~~الجواب. ولما عزم السلطان سنجر على الوصول إلى بغداد وتوعد الخليفة كتب ~~إليه الوزير ابن صدقة- «والله لئن تحركت لأقطعن جميع ما وراءك عنك وأقطعك ~~عنه ولئن سرت فرسخا لأسيرن فرسخين» . # ومرض الوزير أبو علي بن صدقة في آخر أيامه فعاده المسترشد وأنشده: # دفعنا بك الآفات حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا # (طويل) ولم يزل أمره يضمحل حتى توفي في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ### || وزارة الشريف أبي القاسم علي بن طراد الزينبي # هو أبو القاسم علي بن طراد بن محمد نقيب النقباء بن الحسن بن محمد بن عبد ~~الوهاب بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي ~~ابن عبد الله ابن عباس. وإنما عرفوا بالزينبيين لأن أمهم زينب بنت سليمان ~~بن علي بن عبد الله بن العباس، عرفوا بها. كان مترويا من المعرفة بقوانين ~~الوزارة وأسباب الرئاسة وهو الذي جمع الناس على خلع الراشد، وقام في خلعه ~~وأخذ البيعة # PageV01P293 # للمقتفي القيام العظيم واتفق مع السلطان مسعود على ذلك، ووزر لخليفتين ~~المسترشد والمقتفي. # ولما استوزره المسترشد وشافهه بالولاية قال له: كل من ردت إليه الوزارة ~~شرف بها إلا أنت فإن الوزارة شرفت بك. وحمل إليه الدست الكامل من دار ~~الخليفة، وتقدم إلى أرباب المناصب بالسعي بين يديه إلى الديوان، ومكث على ~~ذلك مديدة، ثم قبض عليه المسترشد وعزله، ثم أعاده إلى أجمل ما كان عليه. ~~فلما خرج المسترشد إلى حرب مسعود كما تقدم شرحه، خرج الوزير معه، فلما جرى ~~على المسترشد ما جرى حظي الوزير عند السلطان مسعود وقربه وأعلى محله ~~واستصحبه إلى بغداد، وقام الوزير بين يديه في خلع الراشد وإجلاس المقتفي ~~القيام الذي عرفه له مسعود وشكره عليه. وباقي أخباره ترد عند ذكر وزارته ms213 ~~للمقتفي. ### || وزارة الوزير أبي نصر أحمد بن الوزير نظام الملك للمسترشد # كان كريما جميل الصورة وزر للمسترشد بالله فشكرت سيرته، ولما عزم ~~المسترشد على عمارة سور بغداد قسط على الناس خمسة عشر ألف دينار، فقام ~~الوزير أبو نصر بها وأداها عن الناس من ماله، ولم تطل أيامه، فتوفي في سنة ~~أربع وأربعين وخمسمائة [1] . ### || وزارة أنوشروان خالد بن محمد القاشاني للمسترشد # كان رجلا من أفاضل الناس، وأعيانهم وأخيارهم، تولى الوزارة للسلاطين ~~وللخلفاء، وكان يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك، ثم يخطب لها فيجيب كارها ~~هو الذي صنف له ابن الحريري المقامات الحريرية، وإليه أشار في أولها بقوله: # «فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم» . PageV01P294 # طلب الأرجاني الشاعر من الوزير أنوشروان خيمة، فأرسل إليه بدنانير كثيرة ~~وقال له- اشتر بها خيمة، فقال الأرجاني في ذلك. # لله در ابن خالد رجلا ... أحيا لنا الجود بعد ما ذهبا # سألته خيمة ألوذ بها ... فجاد لي ملء خيمة ذهبا # (منسرح) وكان أنوشروان بن خالد كثير التواضع مشهورا بذلك، يقوم لكل من ~~يدخل عليه، فهجاه ابن الهبارية الشاعر بقوله: # هذا تواضعك المشهور عن ضعة ... تبدو فمن أجلها بالكبر تتهم # قعدت عن صلة الراجي وقمت له ... فذا وثوب على الطلاب لا لهم # وفيه يقول أيضا يشير إلى كثرة قيامه: (بسيط) # رأيت مشروبه يعبى ... مزاودا في يد الغلام # فما به حاجة إليه ... فإنه دائم القيام # (بسيط) وكان بين أنوشروان بن خالد وبين الوزير الزينبي عداوة وتباغض ~~وتنافس على الوزارة، فعزل الوزير الزينبي وتولى أنوشروان بن خالد، فتقرب ~~الناس إليه بثلب الزينبي فدخل الحيص بيص [1] الشاعر عليه وأنشده قصيدة ~~أولها: # شكرا لدهري بالضمير وبالفم ... لما أعاض بمنعم عن منعم # (كامل) يشير إلى أنوشروان وإلى الزينبي، فاستحسن الناس منه ذلك واستدلوا ~~به على وفاته وحريته ثم إن أنوشروان بن خالد مات، وأعيد الزينبي إلى ~~الوزارة، فتقرب الناس إليه بمسبة أنوشروان، فدخل عليه الحيص بيص وأنشده: # بقيت ولا زلت بك النعل إنني ... فقدت اصطباري يوم فقد ابن خالد # (طويل) ومات أنوشروان في سنة اثنتين ms214 وثلاثين وخمسمائة. # انقضت أيام المسترشد بالله ووزرائه. PageV01P295 ### || ثم ملك بعده ابنه الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد # بويع له بالخلافة عقيب وصول الخبر بقتل أبيه سنة تسع وعشرين وخمسمائة ~~وجهز الراشد عسكرا كثيفا وتوجه لمحاربة مسعود، نحو العراق طالبا لتملكه، ~~فوصل إلى بغداد في خمسة آلاف فارس ودخلها، فكف الراشد عن حربه وخرج منها ~~متوجها إلى الموصل، ودخل السلطان مسعود بغداد واستبد بتدبير الأمور فيها، ~~وأظهر العدل ومنع الجند من الأذى، وجمع القضاة والشهود وأخذ خطوطهم بالقدح ~~في الراشد وكتب محضرا بخلع الراشد وأثبته على القضاة وتولى ذلك له الوزير ~~الزينبي، وكان مسعود قد استشار الزينبي فيمن يوليه الخلافة فقال له يا ~~مولانا، هناك رجل يصلح لها فسأله عن اسمه فقال له: يا مولانا إن سميته أخاف ~~أن يقتل ولكن إذا دخلنا بغداد سميته لك. فلما احتاجوا إلى إجلاس خليفة سمى ~~الزينبي له أبا عبد الله محمدا المقتفي عم الراشد، فبايع له وأجلسه على ~~سرير الخلافة. ثم إن الراشد لم يتم له بالموصل أمر فسار عنها إلى أصفهان، ~~فوثب عليه جماعة من الملاحدة فقتلوه على باب أصفهان. ذلك في سنة اثنتين ~~وثلاثين وخمسمائة وقبره هناك معروف. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما أفضت الخلافة إليه استوزر جلال الدين أبا الرضا محمد بن صدقة، ولم ~~تطل أيامه، وخاف مما جرى، فالتجأ إلى زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل [1] ~~فأجاره وأصلح أمره. ثم لما خرج الراشد من بغداد استخدم هذا أبو الرضا في ~~بعض الخدمات غير الوزارة، ومات في سنة ست وخمسين وخمسمائة، ولم يكن له من ~~السيرة ما يؤثر. # انقضت أيام الراشد، ووزرائه. PageV01P296 ### || ثم ملك بعده عمه المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر # بويع له بالخلافة سنة ثلاثين وخمسمائة. # كان المقتفي من أفاضل الخلفاء، ولما أجلسه مسعود وبايع له، وكان قد أخذ ~~جميع ما بدار الخلافة من ذهب أو أثاث ورحل وغير ذلك، وتصرف نوابه في جميع ~~جميع أعمال العراق- أرسل إلى المقتفي يقول له: اذكر ما تحتاج إليه ms215 أنت وكل ~~من يتعلق بك حتى أعين لك به إقطاعات، فأرسل إليه المقتفي يقول: عندنا ~~بالدار ثمانون بغلا تنقل الماء من دجلة ليشربه عيالنا، فانظر أنت كم يحتاج ~~إليه من يشرب في كل يوم ماء يحمله ثمانون بغلا؟ فقال مسعود: لقد أجلسنا في ~~الخلافة رجلا عظيما، فالله تعالى يكفينا شره. وجرت في أيامه فتن وحروب بينه ~~وبين سلاطين العجم كانت الغلبة فيها له. وثار في أيامه العيارون والمفسدون، ~~فنهض بقمعهم أتم نهوض. وتوفي المقتفي في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أول وزرائه الزينبي أبو القاسم علي بن طراد العباسي وزير أخيه المسترشد ~~استوزره حين بويع، لأنه هو الذي قام في بيعته وأشار على مسعود به، ومكث مدة ~~في وزارة المقتفي، ثم جرت بينه وبينه وحشة خاف فيها منه، فاستجار بدار ~~السلطان وأقام بها مدة معتصما من المقتفي، إلى أن روسل الخليفة من جهة ~~السلطان في معناه فأذن في عوده إلى داره مكرما، فانصرف إلى داره وأقام بها ~~على قدم البطالة واضمحل أمره ورق حاله، ولقي شقاء عظيما وضائقة شديدة، حتى ~~إنه مرض فاشتهت نفسه شيئا من المشموم فلم يقدر على ثمنه، وقد كان أنفق أكثر ~~ماله لما كان مستجيرا بدار السلطان على خواتينه [1] وأتباعه وأرباب دولته، ~~وكانت مواهبه دارة على أكثر أرباب الدولة وغيرهم من العلماء والوافدين ~~والطالبين PageV01P297 # ولما مرض مرضته التي مات فيها كتب إليه المقتفي رقعة يستميله فيها ويعده ~~بكل جميل فتمثل الوزير: # أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل # (طويل) وقال: وصيتي حفظ حرمي وأطفالي، فلما توفي قام المقتفي بجميع ما ~~يحتاج إليه أولاده وصغاره، وأجرى عليهم الجرايات [1] الكثيرة. ### || وزارة نظام الدين أبي نصر المظفر بن محمد ابن جهير البغدادي للمقتفي # كان له أنس بالعلوم وخاصة بالحديث النبوي- صلوات الله على صاحبه- ولم تطل ~~أيامه، ولم يكن له من السيرة ما يؤثر. ### || وزارة مؤتمن الدولة أبي القاسم علي ابن صدقة للمقتفي # بيته بيت مشهور بالوزارة معروف بالرياسة، وكان مؤتمن الدولة حسن ms216 الصورة ~~والخلق، لكن لا علم عنده بقوانين الوزارة، وكان كثير التعبد والصدقة، ~~استوزره الخليفة المقتفي لأمر الله، قالوا: كان هذا مؤتمن الدولة الوزير ~~قليل الاشتغال بالعلم وكان ضعيف القراءة في الكتب، وكان قد أدمن في قراءة ~~جزء واحد من أجزاء القرآن وفي كتاب واحد من كتب الأدب، فكان لا يزال الجزء ~~المذكور والكتاب بين يديه يقرأ فيهما قراءة جيدة، فخفي على الناس حاله مدة ~~وزارته فلما مات ظهر ذلك عنه، ولم يكن له من السيرة ما يؤثر. PageV01P298 ### || وزارة عون الدين أبي المظفر يحيى بن هبيرة للمقتفي # أول منشئه من قرية تعرف بالدور من أعمال دجيل [1] ، تعرف اليوم بدور ~~الوزير نسبة إلى ابن هبيرة، وكان أبوه أكارا [2] بالقرية المذكورة، وكان ~~يحث ولده على تحصيل الأدب وإدراك الفوائد، وكان يردده صغيرا إلى بغداد ~~ويحضره إلى مجالس الصدور وصدور المجالس، وكان هو كما قيل: # ولها من نفسها طرب ومات أبوه وهو صبي، فتفرد بالاشتغال، وتقلبت به تصاريف ~~الأمور، ومرت عليه شدائد، وكابد من الفقر أهوالا، وتنقل في الخدمات، فكان ~~لا ينتقل من خدمة إلا إلى أكبر منها، وما زال ينتقل من خدمة إلى أخرى أرفع ~~منها حتى تقلد الوزارة للمقتفي فمكث فيها مدة، ومشاهرته في كل سنة مائة ألف ~~دينار، وكان كريما جوادا سمحا لا يخرج من السنة وفي خزانته منها درهم واحد، ~~وكان المقتفي والمستنجد يقولان: ما وزر لبني العباس كيحيى بن هبيرة في جميع ~~أحواله، وكانت له في قمع الدولة السلجوقية يد قوية وحيل مرضية، وكان وقورا ~~حليما متواضعا، لما تولى الوزارة دخل الديوان وعليه الخلع، فرأى غلاما من ~~غلمان الديوان واقفا عن بعد فاستدناه وتبسم في وجهه، وأمر له بذهب وكسوة، ~~ثم قال: لا إله إلا الله أذكر مرة، وقد دخلت هذا الديوان وجلست في بعض ~~المجالس، فجاء هذا الغلام وجذبني بيدي وقال: قم فليس هذا مكانك، وقد رأيته ~~الساعة واقفا، وأثر الخوف ظاهر عليه، فأحببت أن أؤانسه وأزيل رعبه، ورأى ~~يوما في الديوان جنديا فقال لحاجبه: أعط هذا الجندي ms217 عشرين دينارا وكر [3] ~~حنطة، وقل له: لا يدخل الديوان ولا يرينا وجهه، فتغامز الناس وتشوفوا إلى ~~معرفة السبب في ذلك وفطن الوزير لذلك، فقال لهم: كان هذا الجندي شحنة في ~~قريتنا، فقتل شخص من أهل PageV01P299 # القرية فجاء هذا الشحنة [1] وأخذ جماعة من أهل القرية وأخذني معهم مكتوفا ~~في عرض الفرس، وبالغ في أذاي وضربي، ثم أخذ من كل واحد منهم شيئا وأطلقهم ~~وبقيت أنا معه، فقال لي: أعطني شيئا أخلصك، فقلت: والله ما أملك شيئا، ~~فأعاد علي الضرب والإهانة، ثم قال لي: اذهب إلى لعنة الله، ثم أطلقني، فأنا ~~لا أحب أن أرى صورة وجهه. # ومن أفكاره اللطيفة، أن الوزراء كانوا قبله يلقبون ألقابا من جملتها: سيد ~~الوزراء، فتقدم هو إلى الكتاب ألا يكتبوا هذا اللقب في ألقابه، وقال إنني ~~افتكرت في هذا فرأيت الله تعالى قد سمى هارون وزيرا، حتى قال (عز من قائل) ~~حكاية عن موسى- عليه السلام-: واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ~~أزري [2] 20: 29- 31 وسمعت عن (النبي عليه السلام) أنه قال: «لي وزيران من ~~أهل السماء: جبرائيل ومكيائيل، ووزيران من أهل الأرض: أبو بكر وعمر» وقال ~~عليه السلام: «إن الله تعالى اختار لي أصحابا فجعلهم وزراء وأنصارا» وحدث ~~عنه بعض مجالسيه قال: كنا يوما عنده فدخل الحاجب وقال: # يا مولانا بالباب رجل سوادي، يذكر أنه فلان بن فلان، ومعه شملة مكورة، ~~وهو يطلب الحضور بين يديك فعرفه الوزير وقال له: أدخله، وقال: فدخل شيخ ~~طويل من أهل السواد عليه ثياب غليظة من القطن وعمامة فوط ملونة، وفي رجله ~~جمجمان [3] فسلم على الوزير وقال: يا سيدي أم الصغيرات- يعني زوجته- لما ~~علمت أني أجيء إلى بغداد قالت لي: سلم على الشيخ يحيى بن هبيرة واستوحش له ~~[4] ، وقد خبزت لك هذا الخبز على اسمك، فتبسم الوزير وهش به وقال: جزاها ~~الله خيرا وحل تلك الشملة فإذا فيها خبز شعير مشطور بكامخ التوت، فأخذ ~~الوزير منه رغيفين وقال: هذا نصيبي من هذه الهدية، وفرق الباقي على ~~PageV01P300 # الصدور [1] الحاضرين، وسأل ms218 الرجل عن حوائجه وحوائج زوجته فقضاها، وقال ~~للحاضرين: هذا كان جاري في قريتي وشريكي في زريع [2] وأعرف منه الأمانة. # ومن حيله أنه كان ببعض بلاد العجم رجل كلما أقيمت الخطبة يوم الجمعة في ~~الجامع يقوم ويذم الخليفة، ويدعو للسلطان، فاتصل ذلك بالوزير ابن هبيرة، ~~فأحضر شخصا من أهل بغداد وأمره أن يسافر إلى تلك البلدة، وأعطاه عشرة ~~دنانير ذهبا وقارورة [3] فيها خطر [4] ، وقال له: إذا دخلت ذلك البلد، ~~وحضرت يوم الجمعة في الجامع، ورأيت الرجل الذي يسب الخليفة فانهض إليه، ~~وأنت على زي التجار وأمن على كلامه، وأظهر البكاء عند مسبة الخليفة، وقل: ~~إي والله، فعل الله به وصنع وهل غربني عن عيالي ووطني وأفقرني غيره، ثم ~~افعل في الجمعة الثانية كذلك، وقل له: قد حلفت أني أملأ فمك دنانير، وضع ~~هذه الدنانير حشو فمه وأخرج عنه وبادر إلى استعمال هذا الخطر على وجهك ~~ولحيتك، فإنه يحدث في الوجه سمرة، وفي شيب للحية سوادا، وغير زيك حتى لا ~~تعرف فتهلك، ففعل الرجل ذلك، وكانت الدنانير مسمومة، فلما راح ذلك الرجل ~~إلى بيته ما زال يتقلقل حتى مات من يومه، واستعمل الرجل المنفذ الصبغ، ~~فأخفى نفسه ورجع إلى بغداد ومن حيله أنه كان يكتب إلى ملوك الأطراف ملطفات ~~[5] صغارا في رق خفيف ويشق في جلد ساق الركابي بمقدار ما يدخلها فيه ثم ~~يتركه حتى يلتحم ويسيره إلى حيث أراد، ومن قوة جأشه وثباته، أنه كان يوما ~~جالسا بالديوان وبين يديه الأمراء والصدور والأكابر، فسقطت من السقف حية ~~كبيرة، فوقعت على كتف الوزير وسرحت من كتفه إلى حجره، فنفر كل من كان هناك ~~من أرباب الدولة عن مستقره وانزعجوا عن مراتبهم، والوزير جالس لم يتحرك عن ~~مكانه ولا تغير عن PageV01P301 # دسته [1] ، ما كأن وقع عليه شيء، ثم أمر المماليك بقتلها فقتلت بين يديه. # وفي الجملة، فكان ابن هبيرة من أفاضل الوزراء وأعيانهم وأجدهم، له في ~~تدبير الدولة وضبط المملكة اليد الطولى، وله في العلوم والتصانيف التبريز ~~[2] على أهل عصره وله أشعار كثيرة، ms219 فمنها: # يقين الفتى يزري [3] بحالة حرصه ... فقوة ذا عن ضعف ذا تتحصل # إذا قل مال المرء قل صديقه ... وقبح منه كل ما كان يجمل # (طويل) وفي آخر أيامه عرض له تزايد البلغم فمات وهو ساجد، وذلك في سنة ~~ستين وخمسمائة. # انقضت أيام المقتفي لأمر الله ووزرائه. ### || ثم ملك بعده المستنجد بالله المظفر يوسف # بويع عقب موت أبيه في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. # كان المستنجد شهما عارفا بالأمور، لما ولي الخلافة أزال المكوس والمظالم، ~~إلا أنه فعل قبيحة: حل المقاطعات وأعادها إلى الخراج، فشق ذلك على العلويين ~~بالكوفة والمشاهد مشقة عظيمة، ونسبوا هذا الفعل إلى ابن هبيرة ولعنوه ~~بالمشاهد. # وفي أيامه ابتدأ فتح مصر وضعفت دولة الفاطميين بها، وفي أيام ولده ~~المستضيء تكامل فتحها على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب. # ومات المستنجد مخنوقا في الحمام، وخنقه أكابر دولته عقيب مرضة صعبة كانت ~~قد عرضت له لأنهم خافوه على أنفسهم، وذلك في سنة ست وستين وخمسمائة. ~~PageV01P302 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة أقر ابن هبيرة وزير أبيه على وزارته، وزاد في رفع ~~منزلته، وقد مضى من سيرة ابن هبيرة ما يغني عن الإعادة. ### || وزارة ولده محمد بن يحيى بن هبيرة # لقبه عز الدين، ناب عن الوزارة بعد وفاة والده، وكان فاضلا رئيسا عبقا ~~بالسيادة، شاعرا رشيق المعاني، خبيرا بالأدب والحديث النبوي، وحبس بعد موت ~~أبيه ولم يعلم خبره بعد الحبس، وروي عنه هذان البيتان، أنهما له. # كم منحت الأحداث صبرا جميلا ... ولكم خلت صابها سلسبيلا # ولكم قلت للذي ظل يلحاني ... على الوجد والأسى سل سبيلا # (خفيف) ### || وزارة شرف الدين أبي جعفر محمد بن أبي الفتح بن البلدي للمستنجد بالله # كان قبل الوزارة ناظرا بواسط، فأبان في مدة ولايته عليها عن قوة وجلادة ~~وارتفاعات نامية وحلوم دارة، فعظمت منزلته عند المستنجد، وكوتب عن الخليفة ~~إلى واسط بما يقضي أن يكون وزيره، وتأكد الحال في ذلك، فحكم حكم الوزراء ~~وهو بواسط، ووقع وكاتب ملوك الأطراف وهو بواسط، ثم أصعد إلى بغداد ms220 فخرج ~~الموكب لتلقيه، وفيه جميع أعيان الدولة، وكان عضد الدين أبو الفرج محمد بن ~~رئيس الرؤساء أستاذ الدار بينه وبين ابن البلدي كدر، فكره عضد الدين الخروج ~~إلى تلقيه، وقد كان الخليفة تقدم إليه بالخروج، فبذل خمسة آلاف دينار على ~~أن يعفى من الخروج إليه، فقال الخليفة: إن عجلها نقدا أعفيته من الخروج، ~~فوزنت في الحال وحملت، فلما صارت في الخزن تقدم الخليفة إليه بالخروج لتلقي ~~الوزير، وقيل له: هذا المال جناية عن كونك تكره ما نؤثر، وتراجع في ~~التقدمات الشريفة، فذهب المال منه وخرج عابرا إلى الجانب الغربي صحبة ~~الموكب، ومضى الناس # PageV01P303 # كلهم إلى صرصر فتلقوه هناك، فلما وقعت عين عضد الدين أستاذ الدار على ~~الوزير أراد عضد الدين أن يترجل، فصاح به الوزير: والله لئن ترجلت ترجلت ~~أنا أيضا، فتقدمه [1] ، ثم اعتنقا على ظهور الدواب، وسار بين يديه ووصل ~~الوزير إلى محاذاة التاج [2] ، وعبر في سفينة وحضر بين يدي الخليفة فشافهه ~~بالوزارة، وخلعت عليه خلع الوزارة، وأكد عليه النهوض بالمهام الديوانية ~~فنهض بأعباء الوزارة، وما زال أمره على السداد إلى أن جرى للمستنجد ما جرى، ~~من تغلب عضد الدين أستاذ الدار وأكابر الأمراء عليه وإدخاله الحمام وهو ~~مريض حتى مات من الحرارة، ثم إن عضد الدين أستاذ الدار أخرج ولده المستضيء ~~وبايعه، وشرط عليه شروطا وأحلفه عليها أيمانا مؤكدة، منها أن يكون هو ~~وزيرا، وأن يكون ولده أستاذ الدار، وفلان أمير العسكر، وفلان كذا وكذا، ~~فالتزم المستضيء لهم بذلك وحلف أيمانا غليظة، ثم بويع المستضيء في باطن ~~الدار البيعة الخاصة، واستدعي الوزير ابن البلدي ليبايع فلما حضر الدار عدل ~~به إلى مكان وضربت عنقه، وأخرج فرمي على مزبلة بباب المراتب، ثم سحب وألقي ~~في دجلة، وكان حسن الطريقة مشكور الأخلاق. # انقضت أيام المستنجد ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ولده المستضيء أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله # بويع في سنة ست وستين وخمسمائة، ولم يكن بسيرته بأس، وفي أيامه وردت ~~البشائر إلى بغداد بفتح مصر وانقراض الدولة الفاطمية. PageV01P304 # ولما جلس ms221 على سرير الخلافة تقدم بقتل ابن البلدي وزير أبيه، وتوفي في سنة ~~خمس وسبعين وخمسمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أول وزرائه عضد الدين أبو الفرج محمد بن أبي الفتوح عبد الله بن رئيس ~~الرؤساء الذي كان قبل ذلك أستاذ الدار. # كان عضد الدين من أفاضل الناس وأعيانهم، وكان أستاذ الدار في أيام ~~المستنجد فلما جرى للمستنجد ما جرى استولى عضد الدين، ونهض في إخراج ~~المستضيء من الحبس ومبايعته وإحلافه فاستوزره المستضيء، ونهض عضد الدين ~~بأعباء الوزارة نهوضا مرضيا وفرق في يوم جلوسه في دست الوزارة ذهبا كثيرا ~~وحنطة على المقيمين بالمشاهد والجوامع والمدارس والربط، وتلطف بالأمور ~~تلطفا لم يكن في حساب الناس وبيته مشهور بالرياسة، يعرفون ببيت الرفيل وكان ~~ابن التعاويذي [1] الشاعر البغدادي شاعرهم ومنقطعا إليهم وأنفق جل عمره ~~معهم، ولهم يخاطب بقوله: # قضيت شطر العمر في مدحكم ... ظنا بكم أنكم أهله # وعدت أفنيه هجاء لكم ... فضاع فيكم عمري كله # (سريع) وله فيهم مدائح كثيرة فمن جملتها: # وما زلت في آل الرفيل بمعزل ... عن الجور مبذولا لي الأمن والخصب # فإن أقترف ذنبا بمدح سواهم ... فإن خماص [2] الطير يقنصها الحب ~~PageV01P305 # وإن عاد لي عطف الوزير محمد ... فقد أكثب [1] النائي ولان لي الصعب # وزير إذا اعتل الزمان فرأيه ... هناء [2] به تطلى خلائقه الجرب # (طويل) وما زال أمر عضد الدين يجري على السداد حتى عزله المستضيء وقبض ~~عليه وصورة عزله: كان يوما جالسا في الدست فهجم عليه خادم من خدم الخليفة ~~فقال له: قد استغني عنك، ثم أطبق دواته ودخل الأتراك والجند إلى دوره ~~فنهبوا ما بها ودخل العوام أيضا، وكسرت الصناديق الآبنوس [3] والعاج ~~بالدبابيس [4] وأخذ جميع ما كان بها، فخرج عضد الدين وهو يتشاهد ويقول ~~للأتراك: أما تستحيون مني؟ أما دخلتم داري؟ أما أكلتم زادي؟ فلم ينفعه ذلك، ~~فلم يمض إلا ساعة واحدة حتى صارت داره بلاقع [5] ، ثم حمل إلى الحريم ووكل ~~به هناك مدة ثم أعاده المستضيء إلى الوزارة وحكمه وبسطه، فصفت له الدنيا ~~وعظم شأنه وكثرت خيراته وهباته وأحبه ms222 الناس، وكان سخيا وهوبا شريف النفس، ~~قيل إنه ما اشترى لداره قط سكرا بأقل من ألف دينار. # حدث عنه بعض مماليكه قال: احتاج مرة إلى ألف دينار، فأنفت نفسه أن ~~يقترضها من أولاده أو من غيرهم، وكان يأنس بي فقال: يا ولدي، قد احتجت إلى ~~ألف دينار أعيدها عليك بعد أيام، فقلت: السمع والطاعة يا مولاي، ثم مضيت ~~وأحضرت له خمسة آلاف دينار، وقلت: يا مولاي، هذه والله اكتسبتها منك فخذ ~~منها ما شئت، فأطرق ساعة ثم قال: والله لا أخذت منها حبة واحدة، خذها ~~وانصرف، ثم أنشد: # والصاحب المتبوع يقبح أن يرى ... متتبعا ما في يدي أتباعه PageV01P306 # ولم يزل أمره في الوزارة الثانية جاريا على السداد حتى كان آخر مدته، ~~فطلب من الخليفة الأذن له في الحج فأذن له، فتجهز تجهزا لم ير مثله، ثم عبر ~~إلى الجانب الغربي من مدينة السلام ليتوجه إلى الحلة والكوفة، ومنها إلى ~~مكة، وبين يديه جميع أرباب الدولة، فلقيه رجل عند محلة هناك تعرف بقطفتا، ~~فقال: # يا مولانا مظلوم مظلوم وناوله قصة، فتناولها الوزير منه، فوثب عليه وثبة ~~عالية وضربه بسكين في ترقوته [1] ووثب عليه آخر من الجانب الآخر فضربه في ~~خاصرته، ووثب آخر وبيده سكين مسلولة فلم يصل إليه، وتكاثرت الناس على ~~الثلاثة فقتلوهم، ثم مات الوزير وصلي عليه ودفن في تربتهم، وقيل: إن ~~الثلاثة الذين قتلوه كانوا من الباطنية من جبل السماق. # وحكى بعض أهل قطفتا قال: دخلت قبل قتل الوزير بساعتين إلى مسجد هناك ~~فرأيت به ثلاثة رجال وقد قدموا واحدا منهم إلى المحراب وأناموه ثم صلى ~~الرجلان الآخران عليه صلاة الميت، ثم قام ونام آخر وصلى الآخران عليه، حتى ~~صلى كل واحد منهم على الآخر، وأنا أراهم وهم لا يرونني فعجبت مما فعلوا، ثم ~~لما قتل الوزير وقتل الثلاثة، تأملت وجوههم فإذا هم هم. ### || وزارة ظهير الدين أبي بكر منصور بن أبي القاسم نصر بن العطار # كان تاجرا في ابتداء أمره، ثم مازج المتصرفين ونفق على المستضيء فاستوزره ~~وكان ms223 ثقيل الوطأة على الرعية، وكانت العامة تبغضه، فبقي إلى أن مات ~~المستضيء وولي الناصر، وهو آخر وزراء المستضيء. # انقضت أيام المستضيء ووزرائه. PageV01P307 ### || ثم ملك بعده ابنه الإمام الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله # بويع بالخلافة في سنة خمس وسبعين وخمسمائة. # كان الناصر من أفاضل الخلفاء وأعيانهم، بصيرا بالأمور مجربا سائسا، مهيبا ~~مقداما، عارفا شجاعا، متأيدا حاد الخاطر والنادرة، متوقد الذكاء والفطنة، ~~بليغا غير مدافع عن فضيلة علم، ولا نادرة فهم، يفاوض العلماء مفاوضة خبير، ~~ويمارس الأمور السلطانية ممارسة بصير، وكان يرى رأي الإمامية [1] ، طالت ~~مدته، وصفا له الملك وأحب مباشرة أحوال الرعية بنفسه، حتى كان يتمشى في ~~الليل في دروب بغداد ليعرف أخبار الرعية وما يدور بينهم، وكان كل أحد من ~~أرباب المناصب والرعايا يخافه ويحاذره بحيث كأنه يطلع عليه في داره، وكثرت ~~جواسيسه وأصحاب أخباره عند السلاطين وفي أطراف البلاد، وله في مثل هذه قصص ~~غريبة، وصنف كتبا، وسمع الحديث النبوي- صلوات الله على صاحبه- وأسمعه، ولبس ~~لباس الفتوة وألبسه وتفتى له خلق كثيرون من شرق الأرض وغربها ورمى بالبندق ~~[2] ورمى له ناس كثيرون، وكان باقعة زمانه ورجل عصره في أيامه انقرضت دولة ~~آل سلجوق بالكلية وكان للناصر من المبار والوقوف ما يفوت الحصر وبنى من دور ~~الضيافات والمساجد والربط [3] ما يتجاوز حد الكثرة، وكان مع ذلك يبخل، وكان ~~وقته مصروفا إلى تدبير أمور المملكة وإلى التولية والعزل والمصادرة وتحصيل ~~الأمور، يقال عنه: إنه ملأ بركة من الذهب فرآها يوما وقد بقي يعوزها حتى ~~تملأ وتفيض شيء يسير، فقال: ترى أعيش حتى أملأها، فمات قبل ذلك، ويقال إن ~~المستنصر شاهد هذه البركة فقال: ترى أعيش حتى أفنيها! وكذلك فعل، مات ~~الناصر في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. PageV01P308 ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع الناصر بالخلافة أقر ابن العطار وزير أبيه على قاعدته أياما ~~يسيرة [1] ثم نكبه وقبض عليه وحبسه في باطن دار الخلافة، ثم أخرج بعد أيام ~~ميتا، فسلم إلى أخته لتجهزه وتدفنه، فغسلته وأخرجته في تابوت ms224 على رأس حمال ~~لتدفنه، فغمز به بعض الناس فرجموه، فرمى الحمال بالتابوت وهرب، فأخذه ~~العوام وأخرجوه من التابوت ومثلوا به، وشدوا في رجله حبلا وسحبوه، ووضعوا ~~في يده خشبة، ونادوا به: يا مولانا ظهير الدين، وقع لنا!. # ومن طريف ما وقع في ذلك: أن بعض الأتراك عمر حماما وجعل مجراته تجوز على ~~دار بعض الجيران، فتأذى الجار بتلك المجراة، فشكا ذلك إلى الوزير فزبره [2] ~~ولم يأخذ بيده وقال له: إن لم تسكت وإلا جعلت رأسك في المجراة، فيقال: إن ~~ابن العطار لما سحبه العوام ومثلوا به اجتازوا به على باب الحمام المذكور، ~~فاتفق أنه وقع في المجراة فسحبوه فيها خطوات، فتعجب الناس من ذلك ### || وزارة جلال الدين أبي المظفر عبيد الله # كان في ابتداء أمره أحد الشهود المعدلين، ثم تقلبت به الأحوال حتى بلغ ~~الوزارة وأرسله الناصر صحبة عسكر كثيف إلى محاربة السلطان طغرل بن أرسلان ~~بن طغرل السلجوقي، فالتقيا، فكانت الغلبة لعسكر السلطان، وانهزم عسكر ~~الخليفة وثبت الوزير فأسر، ومكث مدة في الأسر، ثم أطلق فوصل إلى بغداد ~~متخفيا، ولم تطل مدته بعد ذلك. ### || وزارة معز الدين سعيد بن علي بن جديدة الأنصاري # كان رجلا فاضلا متصونا، موسرا كثير المال، روي أن نقيب البصرة أبا جعفر ~~محمد بن أبي طالب الشاعر، أصعد [3] إلى بغداد متظلما إلى هذا الوزير من ~~PageV01P309 # ناظر البصرة وأنشده قصيدة من جملتها: # وقبائل الأنصار غير قليلة ... لكن بنو عم هم الأخيار # منهم أبو أيوب [1] حل محمد ... في داره واختاره المختار [2] # أنا منه في النسب الصريح وأنت من ... ذاك القبيل فلي بذاك جوار # ولقد نزلت عليك مثل نزوله ... في دار جدك والنزيل يجار # فعلام أظلم والنبي محمد ... أنمى [3] إليه وقومك الأنصار # (كامل) قالوا فلما سمعها الوزير رق له وبكى، وخلع عليه [4] وقضى حوائجه ~~وأنصفه من ناظر البصرة وعزله، ومات الوزير المذكور معزولا في سنة ست عشرة ~~وستمائة. ### || وزارة مؤيد الدين أبي المظفر محمد ابن أحمد بن القصاب # هو أعجمي الأصل، كان أبوه يبيع اللحم عن رأس درب ms225 البصريين ببغداد ونشأ هو ~~مشتغلا بالعلوم والآداب، وبرع في علوم المتصرفين، كالحساب ومعرفة الكروث ~~والمساحات والمقاسات، ثم تبصر بأسباب الوزارة، وكانت نفسه قوية وهمته عالية ~~قاد العساكر وفتح الفتوح، وجمع بين رياستي السيف والقلم، ومضى إلى بلاد ~~خوزستان وفتحها وقرر أمورها وقواعدها، ثم مضى إلى بلاد العجم وصحبته ~~العساكر فملك أكثرها، ثم أدركه أجله فمات هناك. PageV01P310 ### || وزارة السيد نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الرازي للناصر # هو مازندراني [1] المولد والأصل، رازي [2] المنشأ، بغدادي التدير والوفاة ~~كان من كفاة الرجال وفضلائهم وأعيانهم وذوي الميزة منهم، اشتغل بالآداب في ~~صباه فحصل منها طرفا صالحا، ثم تبصر بأمور الدواوين ففاق فيها. # كان في ابتداء أمره ينوب عن النقيب عز الدين المرتضى القمي نقيب بلاد ~~العجم كلها، ومنه استفاد قوانين الرئاسة، وكان عز الدين النقيب من أماجد ~~العالم وعظماء السادات، فلما قتل النقيب عز الدين- قتله علاء الدين خوارزم ~~شاه- هرب ولده النقيب شرف الدين محمد وقصد مدينة السلام مستجيرا بالخليفة ~~الناصر، وصحبته نائبة نصير الدين بن المهدي، وكان من عقلاء الرجال، فاختبره ~~الناصر فرآه عاقلا لبيبا سديدا فصار يستشير به سرا فيما يتعلق بملوك ~~الأطراف، فوجد عنده خبرة تامة بأحوال سلاطين العجم، ومعرفة بأمورهم ~~وقواعدهم وأخلاق كل واحد منهم، فكان الناصر كلما استشار به في شيء من ذلك ~~يجده مصيبا عين الصواب فاستخلصه لنفسه ورتبه أولا نقيب الطالبيين، ثم فوض ~~إليه أمور الوزارة فمكث فيها مدة تجري أموره على أتم سداد وكان كريما وصولا ~~عالي الهمة شريف النفس، حدث عنه أنه كان يوما جالسا في دست الوزارة وفي يده ~~قطعة عود كبيرة فرأى الوزير بعض الصدور الحاضرين وهو يلح بالنظر إليها، ~~فقال له: تعجبك هذه؟ فدعا له، فوهبه إياها، وقام الرجل ليخرج فلما بعد عن ~~مجلس الوزير استدعاه بسرعة، وقال له: تريد أن تفضحنا وتصدق المثل فينا ~~(بخره عريان) ثم أمر فخلع عليه، ودفع إليه تخت ثياب [3] ، وقال له: تبخر في ~~هذه الثياب ومدحه الأبهري الشاعر الأعجمي بقصيدة مشهورة في العجم من جملة ~~مدحها: PageV01P311 # وزير ms226 مشرق ومغرب نصير ملت ودين ... كه باد رايت عاليش تا ابد منصور # صرير كلك تو در كشف مشكلات أمور ... كه هم چونغمة داود در اداء زبور [1] # (بسيط) وأرسلها الأبهري صحبة بعض التجار مع بعض القفول، وقال للتاجر ~~أوصلها إلى الوزير، وإن قدرت ألا تعلمه من قائلها فافعل، فلما عرضت القصيدة ~~على الوزير استحسنها وطلب التاجر ودفع إليه ألف دينار ذهبا، وقال، هذه ~~تسلمها إلى الأبهري ولا تعلمه ممن هي!!. # وقبض الناصر عليه كارها لأمور اقتضت ذلك، وكان القبض عليه في سنة أربع ~~وستمائة، ونقل إلى دار في دار الخلافة، فأقام بها تحت الاستظهار على حالة ~~الإكرام والمراعاة، إلى أن مات تحت الاستظهار في سنة سبع عشرة وستمائة. ### || وزارة مؤيد الدين محمد بن عبد الكريم برز [2] القمي للناصر # هو قمي الأصل والمولد، بغدادي المنشأ والوفاة، ينتسب إلى المقداد بن ~~الأسود الكندي، كان رحمه الله بصيرا بأمور الملك، خبيرا بأدوات الرئاسة، ~~عالما بالقوانين عارفا باصطلاح الدواوين، خبيرا بالحساب، ريان من فنون ~~الأدب، حافظا لمحاسن الأشعار، راويا لطرائف الأخبار، وكان جلدا على ممارسة ~~الأمور الديوانية ملازما لها من الغدوة إلى العشية، وكان في ابتداء أمره قد ~~تعلق بخدمة سلاطين العجم، وكان يلوذ ببعض وزراء العجم بأصفهان في حال صباه ~~ولم يبلغ العشرين من عمره، وكان ذلك الوزير قد ضجر من الكتاب الذين بين ~~يديه، ونسبهم إلى أنهم يخافون تقدماته، فأبعدهم عنه واستكتب القمي ظنا منه ~~أنه لمجرد حداثة سنه لا يقدم على مخالفة ما يشير به فمكث القمي يكتب بين ~~يديه مدة، ففي PageV01P312 # بعض الأيام أحضرت بين يدي الوزير جملة من الثياب النسيج، بعضها صحيح ~~وبعضها مقطوع، فأحضر القمي بين يديه ليثبت عددها ويحملها إلى الخزانة، وكان ~~الوزير يورد عليه كذا وكذا ثوبا صحاحا فيكتب القمي كذا وكذا ثوبا، وما يكتب ~~لفظة «صحاحا» ، فقال له الوزير: لم لا تكتب كما أقول لك؟ فقال: يا مولانا ~~لا حاجة إلى ذكر الصحاح، فإني إذا وصلت إلى ذكر ثوب مقطوع ذكرت تحته أنه ~~مقطوع، فتخصيص المقطوع ms227 بالذكر يدل على أن ما لم يوصف بالقطع صحيح فقال ~~الوزير: لا بل اكتب كما أقول لك فراجعه القمي، فحرد [1] الوزير لذلك، ~~وارتفع صوته والتفت إلى الحاضرين وقال: أنا عزلت الكتاب الكبار الذين كانوا ~~عندي لأجل مخالفتهم ولجاجهم فيما أقوله واستكتبت هذا الصبي ظنا مني أنه ~~لحداثة سنه لا يكون عنده من التجرؤ والمخالفة ما عندهم، فإذا هو أشد مخالفة ~~من أولئك، فخرج بعض خدام السلطان من بين يديه- وكان جالسا قريبا من مجلس ~~الوزير- وسأل عن كثرة الصياح وحرد الوزير، فعرف الخادم صورة ما جرى بين ~~الوزير والقمي فدخل وحكى للسلطان ما قيل، فقال له: اخرج وقل للوزير الحق ما ~~أعمده [2] الصبي الكاتب، وصار الخادم يستشيره ويسكن إليه ويأنس به، فاتفق ~~أن السلطان عين على هذا الخادم وعلى رجل آخر ليتوجها في رسالة إلى ديوان ~~الخليفة، فالتمس الخادم أن يكون القمي صحبته، فتوجهوا إلى بغداد وحضر ~~الخادم ورفيقه عند الوزير ابن القصاب فشافهاه بالرسالة وسمعا الجواب، وكان ~~جوابا غير مطابق للرسالة ولكنه كان نوعا من المغالطة، فقنع الخادم ورفيقه ~~بذلك الجواب، وما تنبها على فساده، وخرجا فرجع القمي ووقف بين يدي الوزير ~~وحادثة سرا وقال له: يا مولانا الجواب غير مطابق لما أنهاه المماليك، فقال ~~له الوزير: # صدقت ولكن دعهم على غباوتهم ولا تفطنهم إلى ذلك، فقال السمع والطاعة، ثم ~~إن ابن القصاب كتب إلى الخليفة يقول له: إنه قد وصل إلى صحبة خادم السلطان ~~فلان PageV01P313 # شاب قمي قد جرى من تنبهه كيت وكيت، ومثل هذا يجب أن يصطنع ويحسن إليه ~~ويستخدم، فكتب الخليفة يأمره بألا يمكنه من التوجه معهم، فعمل له حجة وقطع ~~عنهم، فتوجهوا وأقام القمي ببغداد، فعين عليه في كتابة الإنشاء، فمكث على ~~ذلك مدة، ثم تولى الوزارة وتمكن في الدولة تمكنا لم يتمكن مثله أحد من ~~أمثاله، وكان أوحد زمانه في كل شيء حسن، كثير البر والخير والصدقات. # حدث عنه مملوكه بدر الدين أياز قال: طلب ليلة من الليالي حلاوة النبات ~~فعمل في الحال منها صحون كثيرة، ms228 وأحضرت بين يديه في ذلك الليل فقال لي: # يا أياز تقدر تدخر هذه الحلاوة لي موفرة إلى يوم القيامة؟ فقلت: يا ~~مولانا وكيف يكون ذلك؟ وهل يمكن هذا؟ قال: نعم، تمضي في هذه الساعة إلى ~~مشهد موسى والجواد- عليهما السلام- وتضع هذه الأصحن قدام أيتام العلويين، ~~فإنها تدخر لي موفرة إلى يوم القيامة، قال أياز: فقلت: السمع والطاعة، ~~ومضيت- وكان نصف الليل- إلى المشهد وفتحت الأبواب وأنبهت الصبيان الأيتام ~~ووضعت الأصحن بين يديهم ورجعت. # وما زال القمي على سداد من أمره، تولى الوزارة للناصر، ثم للظاهر ثم ~~للمستنصر حتى قبض عليه المستنصر وحبسه في باطن دار الخلافة مدة فمرض وأخرج ~~مريضا فمات- رحمه الله- في سنة تسع وعشرين وستمائة. # انقضت أيام الناصر لدين الله ووزرائه. # PageV01P314 ### || ثم ملك بعده ولده أبو نصر محمد الظاهر بأمر الله ابن الناصر لدين الله # بويع في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. # لم تطل أيامه، ولم يجر فيها ما يسطر، سوى احتراق القبة الشريفة بمشهد ~~موسى والجواد- عليهما السلام- فشرع الظاهر في عمارتها، فمات ولم تفرغ ~~فتممها المستنصر. # وأيضا فإن الظاهر هو الذي عمل هذا الجسر الموجود الآن في بغداد، ولما فرغ ~~عمل الشعراء فيه المدائح ووصفوا الجسر فيها، فممن نظم في ذلك شعرا، موفق ~~الدين القاسم بن أبي الحديد كاتب الإنشاء، وهو قوله: # أمام يحرم ذل السؤال ... ويعمل بالكرم الواجب # أقام طريقا على دجلة ... لذي القصد منه وللذاهب # فعارض جسرا على جانب ... بجسر جديد على جانب # كسطرين في كاغذ أبيض ... أجادهما قلم الكاتب # كمخنقتي [1] عنبر [2] ضمتا ... بياض الترائب من كاعب # كصفين من إبل أصبحا ... وقوفا على جدد [3] لاحب [4] # (متقارب) ومات الظاهر في سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # أقر القمي على وزارته ولم يستوزر غيره. PageV01P315 ### || ثم ملك بعده ولده أبو جعفر المنصور المستنصر بالله # بويع بالخلافة في سنة ثلاث وعشرين وستمائة. # كان المستنصر شهما جوادا يباري الريح كرما وجودا، وكانت هباته وعطاياه ~~أشهر من أن يدل عليه وأعظم من أن تحصى، ولو قيل: إنه لم يكن في خلفاء بني ~~العباس مثله ms229 لصدق القائل. وله الآثار الجليلة: منها- وهي أعظمها- ~~المستنصرية وهي أعظم من أن توصف، وشهرتها تغني عن وصفها ومنها: خان حربي ~~وقنطرتها وخان نهر سابس بأعمال واسط، وخان الخرنيني، وغير ذلك من المساجد ~~والربط ودور الضيافات، وكان المستنصر يقول: إني أخاف أن الله لا يثيبني على ~~ما أهبه وأعطيه لأن الله تعالى يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~3: 92 [1] وأنا والله لا فرق عندي بين التراب والذهب. # كانت أيامه طيبة والدنيا في زمانه ساكنة، والخيرات دارة [2] والأعمال ~~عامرة وفي أيامه فتحت إربل، أرسل المستنصر إليها إقبالا الشرابي وصحبته ~~عارض الجيوش، وذلك عند وفاة صاحبها مظفر الدين بن زين الدين علي كوجك. # ومات المستنصر في سنة أربعين وستمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة أقر القمي وزير أبيه وجده على وزارته سنوات، ثم قبض ~~عليه وجرى له ما تقدم من شرحه. ### || وزارة نصير الدين أبي الأزهر أحمد ابن محمد بن الناقد # ثم استوزر المستنصر بعد القمي أبا الأزهر أحمد بن الناقد، كان في ابتداء ~~أمره وكيلا، فمكث مدة في الوكالة ثم منها إلى الوزارة، فنهض بأعبائها نهوضا ~~حسنا وقام بضبط المملكة قياما مرضيا، وكان عظيم الأمانة قوي السياسة شديد ~~الهيبة على المتصرفين حاسما لمواد الأطماع والفساد، قيل: إنه هجي ببيتين ~~فلما PageV01P316 # سمعهما استحسنهما وهما: # وزيرنا زاهد والناس قد زهدوا ... فيه فكل عن اللذات منكمش # أيامه مثل شهر الصوم خالية ... من المعاصي وفيها الجوع والعطش # (بسيط) وما زالت السعادة تخدمه إلى آخر عمره، فمن جملة سعادته- وهو من ~~الاتفاقات العجيبة- ما حدث عنه، وهو أنه قبل الوزارة عمل في بعض الأعياد ~~سنبوسجا كثيرا، وأحب أن يداعب بعض أصحابه، فأمر أن يحشى سبعون سنبوسجة بحب ~~قطن ونخالة وتجعل مفردة، وعمل سنبوسجا كثيرا كجاري العادة، وركب إلى دار ~~الخليفة فطلب منه عمل شيء من السنبوسج، فذكر أن عنده شيئا مفروغا منه، وأمر ~~خادما له بإحضار ما عنده من السنبوسج، فمضى الخادم عن غير معرفة بذلك ~~المحشو بحب القطن ومزج الجميع ووضعه في الأطباق ليحمله ms230 إلى دار الخليفة، ~~فجاء الجواري والخدم وقالوا: أعطونا حصتنا من هذا، فأخذوا منه مائة ~~سنبوسجة، وحمل الخادم الأطباق بما فيها إلى دار الخليفة، فلما حمل السنبوسج ~~وصار بدار الخليفة ورجع ابن الناقد إلى داره سأل عن السنبوسج المحشو بحب ~~القطن، فقالوا له: ما عرفنا بشيء من ذلك، وفلان الخادم جاء ومزج الجميع ~~وأخذه ومضى، فلم يشك أنه هالك وكادت تسقط قوته خوفا وخجلا، فقال: أما تخلف ~~منه شيء قط؟ قالوا: قد اقتطع الجواري والخدم منه حدود مائة سنبوسجة، فقال: ~~أحضروها فأحضرت وفتحت بين يديه، فوجد السبعين سنبوسجة المحشوة بحب القطن قد ~~حصلت بأيدي الجواري والخدم في جملة ما أخذوه لأنفسهم، لم تشذ منهم واحدة ~~إلى دار الخليفة، ومات نصير الدين في سنة اثنتين وأربعين وستمائة في خلافة ~~المستعصم. # انقضت أيام المستنصر ووزرائه. ### || ثم ملك بعده ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم بالله # بويع له بالخلافة في سنة أربعين وستمائة، وهو آخر الخلفاء. # كان المستعصم رجلا خيرا متدينا لين الجانب سهل العريكة عفيف اللسان حمل ~~كتاب الله تعالى، وكتب خطا مليحا وكان سهل الأخلاق، وكان خفيف الوطأة إلا ~~أنه كان مستضعف الرأي ضعيف البطش، قليل الخبرة بأمور المملكة مطموعا # PageV01P317 # فيه، غير مهيب في النفوس، ولا مطلع على حقائق الأمور، وكان زمانه ينقضي ~~أكثره بسماع الأغاني والتفرج على المساخرة، وفي بعض الأوقات يجلس بخزانة ~~الكتب جلوسا ليس فيه كبير فائدة، وكان أصحابه مستولين عليه، وكلهم جهال من ~~أراذل العوام، إلا وزيره مؤيد الدين محمد بن العلقمي فإنه كان من أعيان ~~الناس وعقلاء الرجال، وكان مكفوف اليد مردود القول، يترقب العزل والقبض ~~صباح مساء. # وكانت عادة الخلفاء أكثرهم أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم- وبذلك جرت سنتهم ~~إلى آخر أيام المستنصر- فلما ولي المستعصم أطلق أولاده الثلاثة ولم يحبسهم ~~وهم: الأمير الكبير أبو العباس أحمد، والعامة تسميه أبا بكر، وليس بصحيح، ~~وإنما سموه بذلك، لأنه لما نهب الكرخ نسب الأمر في ذلك إليه وقيل إنه هو ~~الذي أشار بذلك والأمير الأوسط وهو أبو الفضائل عبد الرحمن كان ms231 شهما، خرج ~~إلى بين يدي السلطان هولاكو، ووقع كلامه بموضع الاستحسان في الحضرة ~~السلطانية، والأمير الأصغر أبو المناقب. # حدثني صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر الأرموي- وكان قد صار في آخر أيام ~~المستعصم مقربا عنده ومن خواصه، وكان قد استجد في آخر أيامه خزانة كتب ونقل ~~إليها من نفائس الكتب وسلم مفاتيحها إلى عبد المؤمن، فصار عبد المؤمن يجلس ~~بباب الخزانة ينسخ له ما يريد، وإذا خطر للخليفة الجلوس في خزانة الكتب جاء ~~إليها وعدل عن الخزانة الأولى التي كانت مسلمة إلى الشيخ صدر الدين علي ابن ~~النيار، قال (أعني عبد المؤمن) : كنت مرة جالسا في حجرة صغيرة وأنا أنسخ ~~وهناك مرتبة برسم الخليفة إذا جاء إلى هناك جلس عليها، وقد بسطت عليها ~~ملحفة لترد عنها الغبار، فجاء خويدم صغير ونام قريبا من المرتبة المذكورة ~~واستغرق في النوم، فتقلب حتى تلفف في تلك الملحفة المبسوطة على المرتبة ثم ~~تقلب حتى صارت رجلاه على المسند، قال: وأنا مشغول بالنسخ فأحسست بوطء في ~~الدهليز، فنظرت فإذا هو الخليفة وهو يستدعيني بالإشارة ويخفف وطأه، فقمت ~~إليه منزعجا وقبلت الأرض، فقال لي: هذا الخويدم الذي قد نام حتى تلفف في ~~هذه الملحفة وصارت رجلاه على المسند متى هجمت عليه حتى يستيقظ ويعلم أني ~~شاهدته على هذه الحال فتنفطر مرارته من الخوف، فأيقظه أنت برفق فإني سأخرج # PageV01P318 # إلى البستان، ثم أعود، قال: وخرج الخليفة فدخلت إلى الخويدم وأيقظته ~~فانتبه، ثم أصلحنا المرتبة، ثم دخل الخليفة. # وحدثني بعض أهل بغداد قال: حدثت أن الشيخ صدر الدين بن التيار شيخ ~~الخليفة قال: دخلت مرة إلى خزانة الكتب على عادتي وفي كمي منديل فيه رقاع ~~كثيرة لجماعة من أرباب الحوائج، فطرحت المنديل وفيه الرقاع في موضعي، ثم ~~قمت لبعض شأني، فلما عدت إلى الخزانة بعد ساعة حللت الرقاع من المنديل حتى ~~أتأملها وأقدم منها المهم، فرأيتها جميعها وعليها توقيع الخليفة بالإجابة ~~إلى جميع ما فيها، فعلمت أن الخليفة قد جاء إلى الخزانة عند قيامي فرأى ~~المنديل وفيه الرقاع ففتحها ms232 ووقع على جميعها والمستعصم هو آخر خلفاء الدولة ~~العباسية ببغداد. ولم يجر في أيام المستعصم شيء يؤثر سوى نهب الكرخ، وبئس ~~الأثر ذلك!. # وفي آخر أيامه قويت، الأراجيف [1] بوصول عسكر المغول صحبة السلطان هولاكو ~~فلم يحرك ذلك منه عزما، ولا نبه منه همة، ولا أحدث عنده هما، وكان كلما سمع ~~عن السلطان من الاحتياط والاستعداد شيء ظهر من الخليفة نقيضه من التفرط ~~والإهمال، ولم يكن يتصور حقيقة الحال في ذلك، ولا يعرف هذه الدولة- يسر ~~الله إحسانها وأعلى شأنها- حق المعرفة. وكان وزيره مؤيد الدين بن العلقمي ~~يعرف حقيقة الحال في ذلك، ويكاتبه بالتحذير والتنبيه، ويشير عليه بالتيقظ ~~والاحتياط والاستعداد وهو لا يزداد إلا غفولا. وكان خواصه يوهمونه أنه ليس ~~في هذا كبير خطر ولا هناك محذور، وأن الوزير إنما يعظم هذا لينفق سوقه ~~ولتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر فيقتطع منها لنفسه. # وما زالت غفلة الخليفة تنمي [2] ويقظة الجانب الآخر تتضاعف، حتى وصل ~~العسكر السلطاني إلى همذان وأقام بها مديدة، ثم تواترت الرسل السلطانية إلى ~~الديوان المستعصمي، فوقع التعيين من ديوان الخليفة على ولد أستاذ الدار، ~~وهو شرف الدين عبد الله بن الجوزي، فبعث رسولا إلى خدمة الدركاه [3] ~~السلطانية بهمذان، فلما وصل وسمع جوابه علم أنه جواب مغالطة ومدافعة، ~~فحينئذ PageV01P319 # وقع الشروع في قصد بغداد وبث العساكر إليها، فتوجه عسكر كثيف من المغول، ~~والمقدم عليهم باجو، إلى تكريت ليعبروا من هناك إلى الجانب الغربي ويقصدوا ~~بغداد من غربها، ويقصدها العسكر السلطاني من شرقيها، فلما عبر عسكر باجو من ~~تكريت، وانحدر إلى أعمال بغداد أجفل الناس من دجيل والإسحاقي ونهر ملك ونهر ~~عيسى، ودخلوا إلى المدينة بنسائهم وأولادهم، حتى كان الرجل أو المرأة يقذف ~~بنفسه في الماء، وكان الملاح إذا عبر أحد في سفينة من جانب إلى جانب يأخذ ~~أجرته سوارا من ذهب أو طرازا من زركش أو عدة من الدنانير. فلما وصل العسكر ~~السلطاني إلى دجيل- وهو يزيد على ثلاثين ألف فارس- خرج إليه عسكر الخليفة ~~صحبة مقدم الجيوش مجاهد الدين أيبك الدويدار ms233 وكان عسكره في غاية القلة، ~~فالتقوا بالجانب الغربي من بغداد قريبا من البلد، فكانت الغلبة في أول ~~الأمر لعسكر الخليفة، ثم كانت الكرة للعسكر السلطاني فأبادوهم قتلا وأسرا، ~~وأعانهم على ذلك نهر فتحوه في طول الليل، فكثرت الوحول في طريق المنهزمين ~~فلم ينج منهم إلا من رمى نفسه في الماء أو من دخل البرية ومضى على وجه ~~الشأم ونجا الدويدار في جمعية من عسكره ووصل إلى بغداد، وساق باجو حتى دخل ~~البلد من جانبه الغربي، ووقف بعساكره محاذي التاج، وجاست عساكره خلال ~~الديار وأقام محاذي التاج أياما. # وأما حال معسكر السلطاني فإنه في يوم الخميس رابع محرم من سنة ست وخمسين ~~وستمائة ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب يعقوبا بحيث عمت البلد فانزعج ~~الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمناير [1] يتشوفون، فانكشفت ~~الغبرة عن عساكر السلطان وخيوله ولفيفه وكراعه وقد طبق وجه الأرض وأحاط ~~ببغداد من جميع جهاتها، ثم أسرعوا في استعمال أسباب الحصار، وشرع العسكر ~~الخليفي في المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع عشر من محرم، فلم يشعر ~~الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى برج العجمي من ~~ناحية باب من أبواب بغداد يقال له باب كلواذى. # وكان هذا البرج أقصر أبراج السور، وتقحم العسكر السلطاني هجوما ودخولا، ~~فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه ~~PageV01P320 # جملة فما الظن بتفاصيله: # وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن ظنا ولا تسأل عن الخبر # وأمر السلطان بخروج الخليفة وولده ونسائه إليه فخرجوا، فحضر الخليفة بين ~~يدي الدركاه، فيقال إنه عوتب ووبخ بما معناه نسبة العجز والتفريط والغفول ~~إليه، ثم أوصل إلى الياسا وولده الأكبر والأوسط أما بناته فأسرن، ثم استشهد ~~المستعصم في رابع صفر سنة ست وخمسين وستمائة. ### || شرح حال الوزارة في أيامه # لما بويع بالخلافة أقر وزير أبيه، وهو نصير الدين بن الناقد على وزارته ~~إلى أن توفي، فلما توفي استوزر مؤيد الدين محمد بن العلقمي. ### || وزارة مؤيد الدين أبي طالب محمد ms234 بن أحمد بن العلقمي # هو أسدي، أصلهم من النيل، وقيل لجده العلقمي، لأنه حفر النهر المسمى ~~بالعلقمي، وهو الذي برز الأمر الشريف السلطاني بحفره، وسمي القازاني، اشتغل ~~في صباه بالأدب ففاق فيه، وكتب خطا مليحا، وترسل ترسلا فصيحا، وضبط ضبطا ~~صحيحا، وكان رجلا فاضلا كاملا لبيبا، كريما وقورا، محبا للرئاسة كثير ~~التجمل رئيسا متمسكا بقوانين الرئاسة، خبيرا بأدوات السياسة، لبيق [1] ~~الأعطاف [2] بآلات الوزارة، وكان يحب أهل الأدب ويقرب أهل العلم، اقتنى ~~كتبا كثيرة نفيسة. # حدثني ولده شرف الدين أبو القاسم علي- رحمه الله- قال: اشتملت خزانة ~~والدي على عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب، وصنف الناس له الكتب، فممن صنف ~~له الصغاني [3] اللغوي، صنف له «العباب» ، وهو كتاب عظيم كبير في لغة ~~العرب، وصنف له عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد كتاب شرح نهج ~~PageV01P321 # البلاغة يشتمل على عشرين مجلدا، فأثابهما وأحسن جائزتهما، وكان ممدحا، ~~مدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء، فممن مدحه كمال الدين بن البوقي بقصيدة من ~~جملتها: # مؤيد الدين أبو طالب ... محمد بن العلقمي الوزير # (سريع) وهذا بيت حسن جمع فيه بين لقبه وكنيته واسم أبيه وصنعته وكان مؤيد ~~الدين الوزير عفيفا عن أموال الديوان وأموال الرعية، متنزها مترفعا قيل إن ~~بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها ~~عشرة آلاف دينار، فلما وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة وقال: إن ~~صاحب الموصل قد أهدى لي هذا واستحييت منه أن أرده إليه، وقد حملته وأنا ~~أسأل قبوله فقبل، ثم إنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئا من لطائف بغداد ~~قيمته اثنا عشر ألف دينار، والتمس منه ألا يهدي إليه شيئا بعد ذلك. # وكان خواص الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه، وكان الخليفة يعتقد فيه ~~ويحبه وكثروا عليه عنده، فكف يده عن أكثر الأمور ونسبه الناس إلى أنه خامر ~~[1] وليس ذلك بصحيح، ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه ~~الدولة، فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى ~~الوزير، وأحسن إليه وحكمه، ms235 فلو كان قد خامر على الخليفة لما وقع الوثوق ~~إليه. # حدثني كمال الدين أحمد بن الضحاك- هو ابن أخت الوزير مؤيد الدين بن ~~العلقمي- قال لما نزل السلطان هولاكو على بغداد أرسل يطلب أن يخرج الوزير ~~إليه قال: فبعث الخليفة فطلب الوزير فحضر عنده وأنا معه، وقال له الخليفة: ~~قد أنفذ السلطان يطلبك وينبغي أن تخرج إليه، فجزع الوزير من ذلك، وقال يا ~~مولانا: # إذا خرجت فمن يدبر البلد، ومن يتولى المهام؟ فقال الخليفة: لا بد أن ~~تخرج، قال: فقال: السمع والطاعة، ثم مضى إلى داره وتهيأ للخروج ثم خرج، ~~فلما حضر بين يدي السلطان وسمع كلامه وقع بموقع الاستحسان، وكان الذي تولى ~~تربيته في الحضرة السلطانية الوزير السعيد نصير الدين محمد الطوسي- قدس ~~الله PageV01P322 # روحه- فلما فتحت بغداد سلمت إليه وإلى علي بهدار الشحنة [1] ، فمكث ~~الوزير شهورا، ثم مرض ومات- رحمه الله- في جمادى الأولى سنة ست وخمسين ~~وستمائة. # انقضت دولة بني العباس ووزرائهم، وبذلك انقضى الكتاب والحمد لله وحده ~~وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين وسلامه. # فرغ من تأليفه واستنساخه مؤلفه في مدة أولها جمادى الآخرة من سنة أحدى ~~وسبعمائة، وآخرها خامس شوال من السنة المذكورة بالموصل الحدباء، وهذا خط ~~يده تجاوز الله عنه. # تم الكتاب PageV01P323 ms236