######OpenITI# #META# Author: النسفي #META# Title: مدارك التنزيل وحقائق التأويل #META# Date: ت 710 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # { بسم الله الرحمن الرحيم } قراء المدينة والبصرة ~~والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من ~~السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك للابتداء بها، وهو مذهب أبي حنيفة ومن ~~تابعه رحمهم الله، ولذا لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة ~~على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله، ~~ولذا يجهرون بها في الصلاة وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر ~~بتجريد القرآن عما ليس منه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من تركها فقد ~~ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله. ولنا حديث أبي هريرة قال: سمعت ~~النبي عليه السلام يقول: # " قال الله تعالى قسمت الصلاة أي الفاتحة بيني وبين عبدي نصفين ~~ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد { الحمد لله رب العلمين } ~~قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال { الرحمن الرحيم } قال ~~الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال { ملك يوم الدين } قال: ~~مجدني عبدي. وإذا قال { إياك نعبد وإياك نستعين } قال: ~~هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال { اهدنا الصراط ~~المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين } قال: هذا لعبدي ولعبدي ما ~~سأل " # فالابتداء بقوله { الحمد لله } دليل على أن التسمية ليست من ~~الفاتحة، وإذا لم تكن من الفاتحة لا تكون من غيرها إجماعا، والحديث ~~مذكور في صحاح المصابيح. وما ذكروا لا يضرنا لأن التسمية آية من القرآن ~~أنزلت للفصل بين السور عندنا ذكره فخر الإسلام في المبسوط. وإنما يرد ~~علينا أن لو لم نجعلها آية في القرآن وتمام تقريره في «الكافي». # وتعلقت الباء بمحذوف تقديره: باسم الله أقرأ أو أتلو، لأن الذي يتلو ~~التسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال باسم الله والبركات كان ~~المعنى باسم الله أحل وباسم الله أرتحل، وكذا الذابح وكل فاعل يبدأ في ~~فعله باسم الله كان مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له. وإنما قدر المحذوف ~~متأخرا لأن الأهم من الفعل ms0001 والمتعلق به هو المتعلق به، وكانوا يبدأون ~~بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات وباسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى ~~اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذا بتقديمه وتأخير الفعل. وإنما قدم ~~الفعل في # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] لأنها أول سورة نزلت في قول، وكان الأمر بالقراءة أهم فكان ~~تقديم الفعل أوقع. ويجوز أن يحمل { اقرأ } على معنى افعل القراءة ~~وحققها كقولهم فلان يعطي ويمنع غير متعد إلى مقروء به، وأن يكون { ~~باسم ربك } مفعول { اقرأ } الذي بعده. # واسم الله يتعلق بالقراءة تعلق الدهن بالإنبات في قوله # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] على معنى متبركا باسم الله أقرأ ففيه تعليم عباده كيف ~~يتبركون باسمه وكيف يعظمونه. وبنيت الباء على الكسر لأنها تلازم الحرفية ~~والجر فكسرت لتشابه حركتها عملها، والاسم من الأسماء التي بنوا أوائلها ~~على السكون كالابن والابنة وغيرهما؛ فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة ~~تفاديا عن الابتداء بالساكن تعذرا، وإذا وقعت في الدرج لم يفتقر إلى ~~زيادة شيء. ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال «سم» ~~و«سم» وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز كيد ودم وأصله «سمو» بدليل تصريفه ~~كأسماء وسمي وسميت. واشتقاقه من السمو وهو الرفعة لأن التسمية تنويه ~~بالمسمى وإشادة بذكره، وحذفت الألف في الخط هنا وأثبتت في قوله: { ~~اقرأ باسم ربك } لأنه اجتمع فيها أي في التسمية مع أنها ~~تسقط في اللفظ لكثرة الاستعمال، وطولت الباء عوضا عن حذفها، وقال عمر بن ~~عبد العزيز لكاتبه: طول الباء وأظهر السينات ودور الميم، والله أصله ~~الإله ونظيره الناس أصله الأناس، حذفت الهمزة وعوض منها حرف التعريف. ~~والإله من أسماء الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على ~~المعبود بالحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا. وأما الله ~~بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره، وهو اسم غير صفة ~~لأنك تصفه ولا تصف به، لا تقول شيء إله كما لا تقول شيء رجل، وتقول الله ~~واحد صمد، ولأن صفاته تعالى لا بد ms0002 لها من موصوف تجري عليه فلو جعلتها ~~كلها صفات لبقيت صفات غير جارية على اسم موصوف بها وذا لا يجوز. ولا ~~اشتقاق لهذا الاسم عند الخليل والزجاج ومحمد ابن الحسن والحسين بن الفضل. ~~وقيل: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدا معنى واحد وصيغة هذا ~~الاسم وصيغة قولهم «أله» إذا تحير ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أن ~~الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن ولذا كثر الضلال وفشا الباطل ~~وقل النظر الصحيح. وقيل: هو من قولهم أله يأله إلاها إذا عبد فهو مصدر ~~بمعنى مألوه أي معبود كقوله # هذا خلق الله # [لقمان: 11] أي مخلوقه. وتفخم لامه إذا كان قبلها فتحة أو ضمة، وترقق ~~إذا كان قبلها كسرة. ومنهم من يرققها بكل حال، ومنهم من يفخم بكل حال ~~والجمهور على الأول. والرحمن فعلان من رحم وهو الذي وسعت رحمته كل شيء ~~كغضبان من غضب وهو الممتلىء غضبا، وكذا الرحيم فعيل منه كمريض من مرض. ~~وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم لأن في الرحيم زيادة واحدة وفي ~~الرحمن زيادتين، وزيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى، ولذا جاء في الدعاء ~~يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن. # وقالوا: الرحمن خاص تسمية لأنه لا يوصف به غيره، وعام معنى لما بينا. ~~والرحيم بعكسه لأنه يوصف به غيره ويخص المؤمنين ولذا قدم الرحمن وإن كان ~~أبلغ والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى. يقال: فلان عالم ذو فنون ~~نحرير لأنه كالعلم لما لم يوصف به غير الله، ورحمة الله إنعامه على عباده ~~وأصلها العطف وأما قول الشاعر في مسيلمة: # وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا # فباب من تعنتهم في كفرهم. ورحمن غير منصرف عند من زعم أن الشرط انتفاء ~~فعلانة إذ ليس له فعلانة، ومن زعم أن الشرط وجود فعلي صرفه إذ ليس له ~~فعلى، والأول أوجه. # { الحمد } الوصف بالجميل على جهة التفضيل، وهو رفع بالابتداء وأصله ~~النصب. وقد قرىء بإضمار فعله على أنه من المصادر المنصوبة بأفعال مضمرة ~~في ms0003 معنى الإخبار كقولهم شكرا وكفرا. والعدول عن النصب إلى الرفع ~~للدلالة على ثبات المعنى واستقراره والخبر. { لله } واللام متعلق ~~بمحذوف أي واجب أو ثابت. وقيل: الحمد والمدح أخوان وهو الثناء والنداء ~~على الجميل من نعمة وغيرها. تقول: حمدت الرجل على إنعامه وحمدته على ~~شجاعته وحسبه، وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح ~~قال: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة # يدي ولساني والضمير المحجبا # أي القلب، والحمد باللسان وحده وهو إحدى شعب الشكر ومنه الحديث # " الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده " # وجعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان أشيع لها من الاعتقاد وآداب ~~الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال، ونقيض الحمد ~~الذم ونقيض الشكر الكفران. وقيل: المدح ثناء على ما هو له من أوصاف ~~الكمال ككونه باقيا قادرا عالما أبديا أزليا، والشكر ثناء على ما هو ~~منه من أوصاف الإفضال والحمد يشملهما. والألف واللام فيه للإستغراق عندنا ~~خلافا للمعتزلة، ولذا قرن باسم الله لأنه اسم ذات فيستجمع صفات الكمال ~~وهو بناء على مسألة خلق الأفعال وقد حققته في مواضع. { رب ~~العلمين } الرب المالك ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل ~~من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. تقول ربه يربه ربا فهو رب، ~~ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل. ولم يطلقوا الرب ~~إلا في الله وحده وهو في العبيد مع التقييد # إنه ربي أحسن مثواي # [يوسف: 23] # قال ارجع إلى ربك # [يوسف: 50]، وقال الواسطي: هو الخالق ابتداء، والمربي غذاء، والغافر ~~انتهاء. وهو اسم الله الأعظم والعالم كل ما علم به الخالق من الأجسام ~~والجواهر والأعراض، أو كل موجود سوى الله تعالى سمي به لأنه علم على ~~وجوده. وإنما جمع بالواو والنون مع أنه يختص بصفات العقلاء أو ما في ~~حكمها من الأعلام لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم. # { الرحمن الرحيم } ذكرهما قد مر وهو دليل على أن التسمية ~~ليست من الفاتحة إذ لو كانت ms0004 منها لما أعادهما لخلو الإعادة عن الإفادة. # { ملك }: عاصم وعلي ملك: غيرهما وهو الاختيار عند البعض لاستغنائه ~~عن الإضافة ولقوله: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] ولأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا، ولأن أمر الملك ينفذ ~~على المالك دون عكسه. وقيل: المالك أكثر ثوابا لأنه أكثر حروفا. وقرأ ~~أبو حنيفة والحسن رضي الله عنهما «ملك» { يوم الدين } أي يوم الجزاء ~~ويقال كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى، وهذه إضافة اسم الفاعل إلى الظرف ~~على طريق الاتساع كقولهم: # يا سارق الليلة أهل الدار # أي مالك الأمر كله في يوم الدين. والتخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله ~~وحده، وإنما ساغ وقوعه صفة للمعرفة مع أن إضافة اسم الفاعل إضافة غير ~~حقيقية لأنه أريد به الاستمرار فكانت الإضافة حقيقية، فساغ أن يكون صفة ~~للمعرفة، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه ربا ~~أي مالكا للعالمين ومنعما بالنعم كلها ومالكا للأمر كله يوم الثواب ~~والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: { الحمد لله } ~~دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه. ~~{ إياك نعبد وإياك نستعين } «إيا» عند الخليل وسيبويه ~~اسم مضمر، والكاف حرف خطاب عند سيبويه ولا محل له من الإعراب. وعند ~~الخليل هو اسم مضمر أضيف «إيا» إليه لأنه يشبه المظهر لتقدمه على الفعل ~~والفاعل. وقال للكوفيون: إياك بكمالها اسم وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، ~~والمعنى نخصك بالعبادة وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل، ونخصك بطلب ~~المعونة، وعدل عن الغيبة إلى الخطاب للالتفات، وهو قد يكون من الغيبة إلى ~~الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة # [يونس: 22]، وقوله: # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحبا فسقناه # [فاطر: 9]، وقول امريء القيس: # تطاول ليلك بالإثمد # ونام الخلي ولم ترقد # وبات وباتت له ليلة # كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبإ جاءني # وخبرته عن أبي الأسود # فالتفت في الأبيات الثلاثة حيث لم ms0005 يقل ليلي وبت وجاءك، والعرب يستكثرون ~~منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبوب عند ~~السامع وأحسن تطرية لنشاطه وأملأ لاستلذاذ إصغائه، وقد تختص مواقعه ~~بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة والعلماء النحارير وقليل ما ~~هم. ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء، وأجرى ~~عليه تلك الصفات العظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية ~~الخضوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات ~~فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك. # وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى ~~الإجابة، أو لنظم الآي كما قدم الرحمن، وإن كان الأبلغ لا يقدم. وأطلقت ~~الاستعانة لتتناول كل مستعان، فيه، ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه ~~على أداء العبادات ويكون قوله: «اهدنا» بيانا للمطلوب من المعونة كأنه ~~قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: { اهدنا الصراط المستقيم } أي ~~ثبتنا على المنهاج الواضح كقولك للقائم: قم حتى أعود إليك أي أثبت على ما ~~أنت عليه. أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال. وهدى يتعدى بنفسه ~~إلى مفعول واحد، فأما تعديه إلى مفعول آخر فقد جاء متعديا إليه بنفسه ~~كهذه الآية، وقد جاء متعديا باللام وبإلى كقوله تعالى: # هدانا لهذا # [الأعراف: 43] وقوله: # هداني ربي إلى صرط مستقيم # [الأنعام: 161]. والسراط: الجادة من سرط الشيء إذا ابتلعه كأنه يسرط ~~السابلة إذا سلكوه. والصراط من قلب السين صادا لتجانس الطاء في الإطباق ~~لأن الصاد والضاد والطاء والظاء من حروف الإطباق، وقد تشم الصاد صوت ~~الزاي لأن الزاي إلى الطاء أقرب لأنهما مجهورتان وهي قراءة حمزة، والسين ~~قراءة ابن كثير في كل القرآن وهي الأصل في الكلمة، والباقون بالصاد ~~الخالصة وهي لغة قريش وهي الثابتة في المصحف الإمام، ويذكر ويؤنث كالطريق ~~والسبيل، والمراد به طريق الحق وهو ملة الإسلام. # { صراط الذين أنعمت عليهم } بدل من الصراط وهو في حكم ~~تكرير العامل، وفائدته التأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم تفسيره صراط ~~المسلمين ليكون ذلك شهادة ms0006 لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده ~~وهم المؤمنون و الأنبياء عليهم السلام أو قوم موسى صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يغيروا { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } بدل ~~من الذين أنعمت عليهم، يعني أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله ~~والضلال أو صفة للذين، يعني أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة ~~الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال. وإنما ساغ وقوعه صفة للذين ~~وهو معرفة و «غير» لا يتعرف بالإضافة لأنه إذا وقع بين متضادين وكانا ~~معرفتين تعرف بالإضافة نحو »عجبت من الحركة غير السكون«. والمنعم عليهم ~~والمغضوب عليهم متضادان، ولأن الذين قريب من النكرة لأنه لم يرد به قوم ~~بأعيانهم »وغير المغضوب عليهم« قريب من المعرفة للتخصيص الحاصل له ~~بإضافته، فكل واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه فاستويا. ~~»وعليهم« الأولى محلها النصب على المفعولية، ومحل الثانية الرفع على ~~الفاعلية. وغضب الله إرادة الانتقام من المكذبين وإنزال العقوبة بهم وأن ~~يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على ما تحت يده. وقيل: المغضوب عليهم هم ~~اليهود لقوله تعالى: # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] والضالون هم النصارى لقوله تعالى # قد ضلوا من قبل # [المائدة: 77]، »ولا« زائدة عند البصريين للتوكيد، وعند الكوفيين هي ~~بمعنى غير. آمين صوت سمي به الفعل الذي هو استجب كما أن رويد اسم لأمهل. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى ~~آمين فقال: «افعل» وهو مبني وفيه لغتان: مد ألفه وقصرها وهو الأصل والمد ~~بإشباع الهمزة قال: # يا رب لا تسلبني حبها أبدا # ويرحم الله عبدا قال آمينا # وقال: آمين فزاد الله ما بيننا بعدا. قال عليه السلام: # " لقنني جبريل آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب " # وقال: إنه كالختم على الكتاب. وليس من القرآن بدليل أنه لم يثبت في ~~المصاحف. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-5] # { بسم الله الرحمن الرحيم الم } ونظائرها أسماء ~~مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فالقاف تدل على ms0007 أول حروف ~~قال، والألف تدل على أوسط حروف قال، واللام تدل على الحرف الأخير منه ~~وكذلك ما أشبهها. والدليل على أنها أسماء أن كلا منها يدل على معنى في ~~نفسه ويتصرف فيها بالإمالة والتفخيم وبالتعريف والتنكير و الجمع والتصغير ~~وهي معربة، وإنما سكنت سكون زيد وغيره من الأسماء حيث لا يمسها إعراب ~~لفقد مقتضيه. وقيل: إنها مبنية كالأصوات نحو «غاق» في حكاية صوت الغراب، ~~ثم الجمهور على أنها أسماء السورة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أقسم ~~الله بهذه الحروف. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنها اسم الله الأعظم. ~~وقيل: إنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. وما سميت معجمة ~~إلا لإعجامها وإبهامها. وقيل: ورود هذه الأسماء على نمط التعديد كالإيقاظ ~~لمن تحدى بالقران. وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه ~~عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ليؤديهم النظر إلى أن ~~يستيقنوا إن لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله ~~بعد المراجعات المتطاولة وهم أمراء الكلام إلا لأنه ليس من كلام البشر ~~وأنه كلام خالق القوى والقدر، وهذا القول من الخلافة بالقبول بمنزل. ~~وقيل: إنما وردت السور مصدرة بذلك ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا ~~بوجه من الإغراب وتقدمة من دلائل الإعجاز، وذلك أن النطق بالحروف أنفسها ~~كانت العرب فيه مستوية الأقدام الأميون منهم وأهل الكتاب بخلاف النطق ~~بأسامي الحروف فإنه كان مختصا بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، ~~وكان مستبعدا من الأمي التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، فكان حكم ~~النطق بذلك من اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئا من أهله حكم الأقاصيص ~~المذكورة في القرآن التي لم تكن قريش ومن يضاهيهم في شيء من الإحاطة بها ~~في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي وشاهد لصحة نبوته. # واعلم أن المذكور في الفواتح نصف أسامي حروف المعجم وهي الألف واللام ~~والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء ~~والقاف والنون في ms0008 تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم. وهي مشتملة على ~~أنصاف أجناس الحروف، فمن المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين ~~والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء ~~والقاف والياء والنون، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف، ~~ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين ~~والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء، ومن المنفتحة ~~نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء ~~والقاف والياء والنون، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء، ومن ~~المنخفضة نصفها واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين ~~والحاء والنون، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء وغير المذكورة من ~~هذه الأجناس مكثورة بالمذكورة منها. # وقد علمت أن معظم الشيء ينزل منزلة كله، فكأن الله تعالى عدد على العرب ~~الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما مر من التبكيت لهم وإلزام ~~الحجة إياهم. وإنما جاءت مفرقة على السور لأن إعادة التنبيه على المتحدى ~~به مؤلفا منها لا غير أوصل إلى الغرض، وكذا كل تكرير ورد في القرآن ~~فالمطلوب منه تمكين المكرر في النفوس وتقريره. ولم تجىء على وتيرة واحدة ~~بل اختلفت أعداد حروفها مثل: ص و ق و ن وطه وطس ويس وحم والم والر وطسم ~~والمص والمر وكهيعص وحم عسق. فوردت على حرف وحرفين وثلاثة وأربعة وخمسة ~~كعادة افتنانهم في الكلام. وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى ~~خمسة أحرف فسلك في الفواتح هذا المسلك. «والم» آية حيث وقعت، وكذا { المص ~~} آية و { المر } لم تعد آية وكذا { الر } لم تعد آية في سورها الخمس و { ~~طسم } آية في سورتيها و { طه } و { يس } آيتان و { وطس } ليست بآية و { ~~حم } آية في سورها كلها و { حم عسق } آيتان و { كهيعص } آية و { ص } و ~~{ ن } و { ق } ثلاثتها لم تعد آية وهذا عند الكوفيين ومن عداهم لم يعد ~~شيئا منها آية، وهذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور. # ويوقف على جميعها وقف التمام ms0009 إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما ~~بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات، أو جعلت ~~وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله # الم الله # [آل عمران: 1] أي هذه الم ثم ابتدأ فقال: # لا إله إلا هو الحي القيوم # [آل عمران: 1] ولهذه الفواتح محل من الإعراب فيمن جعلها أسماء للسور ~~لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام وهو الرفع على الابتداء، أو النصب أو ~~الجر لصحة القسم بها وكونها بمنزلة الله والله على اللغتين، ومن لم ~~يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل في مذهبه كما لا محل ~~للجملة المبتدأة وللمفردات المعدودة. # { ذلك الكتاب } أي ذلك الكتاب الذي وعد به على لسان موسى وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام، أو «ذلك» إشارة إلى «الم»، وإنما ذكر اسم ~~الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة، لأن الكتاب إن كان خبره كان ذلك ~~في معناه ومسماه مسماه فجاز إجراء حكمه عليه بالتذكير والتأنيث، وإن كان ~~صفته فالإشارة به إلى الكتاب صريحا لأن اسم الإشارة مشار به إلى الجنس ~~الواقع صفة له، تقول: هند ذلك الإنسان أو ذلك الشخص فعل كذا، ووجه تأليف ~~ذلك الكتاب مع «الم» إن جعلت «الم» إسما للسورة أن يكون «الم» مبتدأ ~~و«ذلك» مبتدأ ثانيا و«الكتاب» خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول، ومعناه ~~أن ذلك هو الكتاب الكامل كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص كما تقول: ~~هو الرجل أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات ~~الخصال، وأن يكون «الم» خبر مبتدأ محذوف أي هذه «الم» جملة «وذلك الكتاب» ~~جملة أخرى، وإن جعلت «الم» بمنزلة الصوت كان «ذلك» مبتدأ خبره «الكتاب» ~~أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل. # { لا ريب } لا شك وهو مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة. وحقيقة الريبة ~~قلق النفس واضطرابها ومنه قوله عليه السلام: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة " # أي فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر، ms0010 وكونه ~~صحيحا صادقا مما تطمئن له وتسكن، ومنه ريب الزمان وهو ما يقلق النفوس ~~ويشخص بالقلوب من نوائبه. وإنما نفى الريب على سبيل الاستغراق وقد ارتاب ~~فيه كثير لأن المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة ~~وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه لا أن أحدا لا يرتاب، ~~وإنما لم يقل «لا فيه ريب» كما قال # لا فيها غول # [الصافات:47] لأن والمراد في إيلاء الريب حرف النفي نفي الريب عنه ~~وإثبات أنه حق لا باطل كما يزعم الكفار، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد ~~عن المراد وهو أن كتابا آخر فيه ريب لا فيه كما قصد في قوله تعالى: # لا فيها غول # [الصافات: 47]، تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول ~~كما تغتالها هي. والوقف على «فيه» هو المشهور. وعن نافع وعاصم أنهما ~~وقفا على «ريب». ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا والتقدير: لا ريب فيه. # { فيه هدى } فيه بإشباع كل هاء مكي ووافقه حفص في # فيه مهانا # [الفرقان:69] وهو الأصل كقولك مررت به ومن عنده وفي داره. وكما لا يقال ~~في داره ومن عنده وجب أن لا يقال فيه. وقال سيبويه ما قاله مؤد إلى الجمع ~~بين ثلاثة أحرف سواكن: الياء قبل الهاء، والهاء إذا الهاء المتحركة في ~~كلامهم بمنزلة الساكنة لأنها الهاء خفية والخفي قريب من الساكن، والياء ~~بعدها. والهدى مصدر على فعل كالبكي وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل ~~وقوع الضلالة في مقابلته في قوله: # أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى # [البقرة: 16] وإنما قيل هدى { للمتقين } والمتقون مهتدون لأنه ~~كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة على ما هو ثابت ~~فيه واستدامته كقوله: { اهدنا الصراط المستقيم } ، أو لأنه ~~سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين كقوله عليه السلام # " من قتل قتيلا فله سلبه " # وقول ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض ~~المريض، فسمى المشارف للقتل والمرض قتيلا ومريضا. ولم يقل: هدى ~~للضالين. ms0011 لأنهم فريقان فريق علم بقاءهم على الضلالة، وفريق علم أن مصيرهم ~~إلى الهدى وهو هدى لهؤلاء فحسب، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل ~~هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة ~~التي ذكرنا فقيل «هدى للمتقين» مع أن فيه تصديرا للسورة التي هي أولى ~~الزهراوين وسنام القرآن بذكر أولياء الله. والمتقى في اللغة اسم فاعل من ~~قولهم: وقاه فاتقى، ففاؤها واو ولامها ياء، وإذا بنيت من ذلك افتعل قلبت ~~الواو تاء وأدغمتها في التاء الأخرى فقلت اتقى. والوقاية فرط الصيانة، ~~وفي الشريعة من يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك. ومحل ~~«هدى» الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع «لا ريب فيه» لذلك، أو ~~النصب على الحال من الهاء في «فيه» والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن ~~يقال: إن قوله «الم» جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، ~~«وذلك الكتاب» جملة ثانية، «ولا ريب فيه» ثالثة، و«هدى للمتقين» رابعة. ~~وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف عطف ~~وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى ~~معتنقة لها وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة، بيان ذلك أنه نبه أولا على ~~أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال ~~فكان تقريرا لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان ~~شهادة وتسجيلا بكماله لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص ~~مما للباطل والشبهة. وقيل لعالم: فيم لذتك؟ قال: في حجة تتبختر اتضاحا ~~وفي شبهة تتضاءل افتضاها. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه ~~يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ~~ونظمت هذا النظم الرشيق من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إن ~~المطلوب بألطف وجه، وفي الثانية ما في ms0012 التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ~~ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف، ووضع المصدر الذي هو ~~«هدى» موضع الوصف الذي هو «هاد» كأن نفسه هداية وإيراده منكرا ففيه ~~إشعار بأنه هدى لا يكتنه كنهه. والإيجاز في ذكر المتقين كما مر. # { الذين } في موضع رفع أو نصب على المدح أي هم الذين يؤمنون أو أعني ~~الذين يؤمنون، أو هو مبتدأ وخبره «أولئك على هدى»، أو جر على أنه صفة ~~للمتقين، وهي صفة واردة بيانا وكشفا للمتقين كقولك «زيد الفقيه» المحقق ~~لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من الإيمان الذي هو أساس ~~الحسنات، والصلاة والصدقة فهما العبادات البدنية والمالية وهما العيار ~~على غيرهما، ألا ترى أن النبي عليه السلام سمى الصلاة عماد الدين، وجعل ~~الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة، وسمى الزكاة قنطرة الإسلام فكان ~~من شأنهما استتباع سائر العبادات، ولذلك اختصر الكلام بأن استغنى عن عد ~~الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين ~~العبادتين، أو صفة مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها كقولك: زيد الفقيه ~~المتكلم الطبيب، ويكون المراد بالمتقين الذين يجتنبون السيئات { ~~يؤمنون } يصدقون وهو إفعال من الأمن وقولهم: آمنه أي صدقه وحقيقته ~~أمنه التكذيب والمخالفة، وتعديته بالباء لتضمنه معنى أقر واعترف. # { بالغيب } بما غاب عنهم مما أنبأهم به النبي عليه السلام من أمر ~~البعث والنشور والحساب وغير ذلك، فهو بمعنى الغائب تسمية بالمصدر من قولك ~~«غاب الشيء غيبا». هذا إن جعلته صلة للإيمان، وإن جعلته حالا كان بمعنى ~~الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيبة، ~~والإيمان الصحيح أن يقر باللسان ويصدق بالجنان والعمل ليس بداخل في ~~الإيمان. { ويقيمون الصلاة } أي يؤدونها فعبر عن الأداء بالإقامة ~~لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت وهو القيام وبالركوع والسجود ~~والتسبيح لوجودها فيها، أو أريد بإقامة الصلاة تعديل أركانها من أقام ~~العود إذا قومه، أو الدوام عليها والمحافظة من قامت السوق إذا نفقت لأنه ~~إذا حوفظ عليها ms0013 كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإذا أضيعت ~~كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه، والصلاة فعلة من صلى كالزكاة من ~~زكى، وكتابتها بالواو على لفظ المفخم. وحقيقة صلى حرك الصلوين أي ~~الأليتين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده. وقيل للداعي مصل تشبيها ~~له في تخشعه بالراكع والساجد { ومما رزقناهم } أعطيناهم. و ~~«ما» بمعنى «الذي» { ينفقون } يتصدقون. أدخل «من» التبعيضية صيانة ~~لهم عن التبذير المنهي عنه وقدم المفعول دلالة على كونه أهم والمراد به ~~الزكاة لاقترانه بالصلاة التي هي أختها أو هي غيرها من النفقات في سبل ~~الخير لمجيئه مطلقا، وأنفق الشيء وأنفده أخوان كنفق الشيء ونفد، وكل ما ~~جاء مما فاؤه نون وعينه فاء فدال على معنى الخروج والذهاب. ودلت الآية ~~على أن الأعمال ليست من الإيمان حيث عطف الصلاة والزكاة على الإيمان ~~والعطف يتقضي المغايرة. # { والذين يؤمنون } هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وأضرابه من الذين آمنوا بكل وحي أنزل من عند الله وأيقنوا بالآخرة ~~إيقانا زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، ثم إن عطفتهم على الذين ~~يؤمنون بالغيب دخلوا في جملة المتقين، وإن عطفتهم على المتقين لم يدخلوا ~~فكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك، أو المراد به ~~وصف الأولين ووسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك: هو الشجاع ~~والجواد، وقوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # والمعنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه { بما أنزل إليك } ~~يعني القرآن المراد جميع القرآن لا القدر الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم، ~~لأنه الإيمان بالجميع واجب. وإنما عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه ~~مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد، ولأنه إذا كان بعضه نازلا ~~وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل. { وما أنزل من قبلك } ~~يعني سائرالكتب المنزلة على النبيين عليهم الصلاة والسلام { ~~وبالآخرة } وهي تأنيث الآخر الذي هو ms0014 ضد الأول وهي صفة والموصوف ~~محذوف وهو الدار بدليل قوله: # تلك الدار الآخرة # [القصص: 83] وهي من الصفات الغالبة وكذلك الدنيا. وعن نافع أنه خففها ~~بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام. { هم يوقنون } الإيقان ~~إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. { أولئك على هدى } ~~الجملة في موضع الرفع إن كان «الذين يؤمنون بالغيب» مبتدأ وإلا فلا محمل ~~لها، ويجوز أن يجري الموصول الأول على «المتقين» وأن يرتفع الثاني على ~~الإبتداء و«أولئك» خبره، ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا بأهل ~~الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون ~~أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله. ومعنى الاستعلاء في ~~«على هدى» مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت ~~حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونحوه «هو على الحق وعلى الباطل» وقد ~~صرحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركبا، وامتطى الجهل، واقتعد غارب ~~الهوى. ومعنى هدى { من ربهم } أي أوتوه من عنده. ونكر «هدى» ليفيد ~~ضربا مبهما لا يبلغ كنهه كأنه قيل على أي هدى ونحوه «لقد وقعت على لحم» ~~أي على لحم عظيم. # { وأولئك هم المفلحون } أي الظافرون بما طلبوا الناجون ~~عما هربوا؛ فالفلاح درك البغية والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت ~~له وجوه الظفر، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته في الفاء ~~والعين نحو «فلق وفلز وفلى»، وجاء العطف هنا بخلاف قوله: # أولئك كالأنعم بل هم أضل أولئك هم ~~الغفلون # [الأعراف: 179] لاختلاف الخبرين المقتضيين للعطف هنا واتحاد الغفلة ~~والتشبيه بالبهائم ثم، فكانت الثانية مقررة للأولى فهي من العطف بمعزل، ~~وهم فصل. # وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة والتوكيد وإيجاب أن ~~فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره، أو هو مبتدأ و«المفلحون» خبره، ~~والجملة خبر «أولئك» فانظر كيف قرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص ~~المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره، ~~ففيه تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى فهي ms0015 ثابتة لهم بالفلاح. ~~وتعريف المفلحون ففيه دلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم ~~يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت ~~من هو؟ فقيل: زيد التائب أي هو الذي أخبرت بتوبته. وتوسيط الفصل بينه ~~وبين «أولئك» ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما ~~قدموا. اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة ~~البقرة [الآيتان: 6، 7]. # لما قدم ذكر أوليائه بصفاتهم المقربة إليه، وبين أن الكتاب هدى لهم ~~قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ~~بقوله: ### || [2.6-10] # { إن الذين كفروا } الكفر ستر الحق بالجحود، والتركيب دال ~~على الستر ولذا سمي الزراع كافرا وكذا الليل. ولم يأت بالعاطف هنا كما ~~في قوله: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفى جحيم # [الأنفطار: 13، 14] لأن الجملة الأولى هنا مسوقة بيانا لذكر الكتاب لا ~~خبرا عن المؤمنين وسيقت الثانية للإخبار عن الكفار بكذا، فبين الجملتين ~~تفاوت في المراد وهما على حد لا مجال للعطف فيه، ولئن كان مبتدأ على ~~تقرير فهو كالجاري عليه، والمراد بالذين كفروا أناس بأعيانهم علم الله ~~أنهم لا يؤمنون كأبي جهل وأبي لهب وأضرابهما. { سواء عليهم ~~ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } بهمزتين كوفي، وسواء بمعنى ~~الاستواء، وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى: # إلى كلمة سواء # [آل عمران: 64]، أي مستوية، وارتفاعه على أنه خبر لإن و«أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم» مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: إن الذين كفروا مستو عليهم ~~إنذارك وعدمه. أو يكون «سواء» خبرا مقدما و«أأنذرتهم أم لم تنذرهم» في ~~موضع الابتداء أي سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر ل «إن» وإنما ~~جاز الإخبار عن الفعل مع أنه خبر أبدا لأنه من جنس الكلام المهجور فيه ~~جانب اللفظ إلى جانب المعنى. والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء وقد ~~انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا. قال سيبويه: جرى هذا على حرف ~~الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك «اللهم اغفر لنا أيتها ~~العصابة» ms0016 يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام كما جرى ذلك ~~على صورة النداء ولا نداء. والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر على ~~المعاصي { لا يؤمنون } جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبر ل «إن»، ~~والجملة قبلها اعتراض أو خبر بعد خبر. والحكمة في الإنذار مع العلم ~~بالإصرار إقامة الحجة وليكون الإرسال عاما وليثاب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. # { ختم الله على قلوبهم } قال الزجاج: الختم التغطية لأن ~~في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلع عليه. وقال ~~ابن عباس: طبع الله على قلوبهم فلا يعقلون الخير. يعني أن الله طبع عليها ~~فجعلها بحيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ولا يدخلها ما ليس فيها من ~~الإيمان. وحاصل الختم والطبع خلق الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا فلا ~~يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه. وعند المعتزلة أعلام محض على القلوب ~~بما يظهر للملائكة أنهم كفار فيلعنونهم ولا يدعون لهم بخير. وقال بعضهم: ~~إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز والخاتم في الحقيقة الكافر، إلا أنه ~~تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى ~~السبب فيقال: بنى الأمير المدينة، لأن للفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل ~~والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له، فإسناده إلى الفاعل ~~حقيقة. # وقد يسند إلى هذه الأشياء مجازا لمضاهاتها الفاعل في ملابسة الفعل كما ~~يضاهي الرجل الأسد في جرأته فيستعار له إسمه وهذا فرع مسألة خلق الأفعال ~~{ وعلى سمعهم } وحد السمع كما وحد البطن في قوله: # كلوا من بعض بطنكم تعفوا # لأمن اللبس ولأن السمع مصدر في أصله يقال: سمعت الشيء سمعا وسماعا، ~~والمصدر لا يجمع لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير فلا يحتاج فيه إلى ~~التثنية والجمع فلمح الأصل. وقيل: المضاف محذوف أي وعلى مواضع سمعهم ~~وقرىء «وعلى أسماعهم». { وعلى أبصرهم غشوة } بالرفع ~~خبر ومبتدأ، والبصر: نور العين وهو ما يبصر به الرائي، كما أن البصيرة ~~نور القلب وهي ما به يستبصر ويتأمل وكأنهما ms0017 جوهران لطيفان خلقهما الله ~~تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار. والغشاوة: الغطاء فعالة من غشاه ~~إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة والقلادة. ~~والأسماع داخلة في حكم الختم لا في حكم التغشية لقوله: # وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشوة # [الجاثية: 23]، ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم. ونصب المفضل وحده غشاوة ~~بإضمار «جعل» وتكرير الجار في قوله «وعلى سمعهم» دليل على شدة الختم في ~~الموضعين. قال الشيخ الإمام أبو منصور بن علي رحمه الله: الكافر لما لم ~~يسمع قول الحق ولم ينظر في نفسه وفي غيره من المخلوقات ليرى آثار الحدوث ~~فيعلم أن لا بد من صانع، جعل كأن على بصره وسمعه غشاوة، وإن لم يكن ذلك ~~حقيقة وهذا دليل على أن الأسماع عنده داخلة في حكم التغشية. والآية حجة ~~لنا على المعتزلة في الأصلح فإنه أخبر أنه ختم على قلوبهم ولا شك أن ترك ~~الختم أصلح لهم. { ولهم عذاب عظيم } العذاب مثل النكال بناء ~~ومعنى لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول نكل عنه، والفرق ~~بين العظيم والكبير أن العظيم يقابل الحقير والكبير يقابل الصغير فكأن ~~العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثة ~~والأحداث جميعا تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره. ومعنى التنكير ~~أن على أبصارهم نوعا من التغطية غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي ~~عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب لا يعلم ~~كنهه إلا الله. # { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم ~~الأخر } افتتح سبحانه وتعالى بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه ~~قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين قلوبا وألسنة، ثم ثلث بالمنافقين ~~الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا ~~بالكفر استهزاء وخداعا ولذا نزل فيهم # إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145] وقال مجاهد: أربع آيات من أول السورة في نعت المؤمنين، ~~وآيتان في ذكر الكافرين، وثلاث عشرة آية في المنافقين، نعى عليهم فيها ms0018 ~~نكرهم وخبثهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم ~~وعمههم ودعاهم صما بكما عميا، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة ~~المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على ~~الجملة. وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفا وحذفها كاللازم مع لام التعريف ~~لا يكاد يقال الأناس ويشهد لأصله إنسان وأناسي وإنس، وسموا به لظهروهم ~~وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم. ووزن ناس فعال لأن الزنة ~~على الأصول فإنك تقول وزن قه افعل وليس معك إلا العين، وهو من أسماء ~~الجمع ولام التعريف فيه للجنس ومن موصوفة ويقول صفة لها كأنه قيل ومن ~~الناس ناس يقولون كذا. وإنما خصوا الإيمان بالله وباليوم الآخر وهو الوقت ~~الذي لا حد له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، وإنما سمي بالآخر لتأخره ~~عن الأوقات المنقضية أو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة ~~الجنة وأهل النار النار لأنهم أوهموا في هذا المقال أنهم أحاطوا بجانبي ~~الإيمان أوله وآخره، وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل ~~المبدأ وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه، ومسائل المعاد وهي العلم ~~بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة. وفي ~~تكرير الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة ~~والاستحكام. وإنما طابق قوله { وما هم بمؤمنين } وهو في ذكر شأن ~~الفاعل لا الفعل، قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهو في ذكر شأن الفعل ~~لا الفاعل لأن المراد إنكار ما ادعوه ونفيه على أبلغ وجه وآكده وهو إخراج ~~ذواتهم من أن تكون طائفة من المؤمنين، ونحوه قوله تعالى: # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين ~~منها # [المائدة: 37]، فهو أبلغ من قولك «وما يخرجون منها». وأطلق الإيمان في ~~الثاني بعد تقييده في الأول لأنه يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة ~~المذكور عليه، ويحتمل أن يراد نفي أصل الإيمان وفي ضمنه نفي المذكور ~~أولا. والآية تنفي قول الكرامية: إن الإيمان هو الإقرار باللسان لا غير ~~لأنه نفى عنهم اسم الإيمان ms0019 مع وجود الإقرار منهم، وتؤيد قول أهل السنة ~~إنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان. ودخلت الباء في خبر «ما» مؤكدة للنفي ~~لأنه يستدل به السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام، ومن موحد اللفظ ~~فلذا قيل يقول وجمع «وما هم بمؤمنين» نظرا إلى معناه. # { يخدعون الله } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذف المضاف ~~كقوله # واسئل القرية # [يوسف: 82] كذا قاله أبو علي رحمه الله وغيره، أي يظهرون غير ما في ~~أنفسهم. # فالخداع إظهار غير ما في النفس، وقد رفع الله منزلة النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث جعل خداعه خداعه وهو كقوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم # [الفتح: 10] وقيل: معناه يخادعون الله في زعمهم لأنهم يظنون أن الله ممن ~~يصح خداعه، وهذا المثال يقع كثيرا لغير اثنين نحو قولك «عاقبت اللص». ~~وقد قرىء «يخدعون الله» وهو بيان ليقول أو مستأنف كأنه قيل: ولم يدعون ~~الإيمان كاذبين وما منفعتهم في ذلك؟ قيل: يخادعون الله، ومنفعتهم في ذلك ~~متاركتهم عن المحاربة التي كانت مع من سواهم من الكفار وإجراء أحكام ~~المؤمنين عليهم ونيلهم من الغنائم وغير ذلك. قال صاحب الوقوف: الوقف لازم ~~على «بمؤمنين» لأنه لو وصل لصار التقدير وما هم بمؤمنين مخادعين فينتفي ~~الوصل كقولك «ما هو برجل كاذب» والمراد نفي الإيمان عنهم وإثبات الخداع ~~لهم. ومن جعل «يخادعون» حالا من الضمير في يقول والعامل فيها «يقول» ~~والتقدير يقول آمنا بالله مخادعين أو حالا من الضمير في «بمؤمنين» ~~والعامل فيها اسم الفاعل والتقدير وما هم بمؤمنين في حال خداعهم لا يقف ~~والوجه الأول: { والذين ءامنوا } أي يخادعون رسول الله والمؤمنين ~~بإظهار الإيمان وإضمار الكفر. { وما يخدعون إلا أنفسهم } ~~أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن ~~ضررها يلحقهم. وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم ~~خدعوا أنفسهم وما يخادعون. أبو عمرو ونافع ومكي للمطابقة وعذر الأولين أن ~~خدع وخادع هنا بمعنى واحد، والنفس ذات الشيء وحقيقته. ثم قيل للقلب ~~والروح ms0020 النفس لأن النفس بهما، وللدم نفس لأن قوامها بالدم، وللماء نفس ~~لفرط حاجتها إليه، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم، والمعنى بمخادعتهم ~~ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم. { وما يشعرون } ~~أن حاصل خداعهم يرجع إليهم والشعور علم الشيء علم حس من الشعار وهو ثوب ~~يلي الجسد، ومشاعر الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور، والمعنى أن لحوق ضرر ~~ذلك بهم كالمحسوس وهم، لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. # { فى قلوبهم مرض } أي شك ونفاق لأن الشك تردد بين الأمرين ~~والمنافق متردد. في الحديث # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين " # والمريض متردد بين الحياة والموت، ولأن المرض ضد الصحة والفساد يقابل ~~الصحة فصار المرض اسما لكل فساد والشك والنفاق فساد في القلب. { ~~فزادهم الله مرضا } أي ضعفا عن الانتصار وعجزا عن الاقتدار. ~~وقيل: المراد به خلق النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله كما عرف في زيادة ~~الإيمان. { ولهم عذاب أليم } فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم { بما ~~كانوا يكذبون } كوفي. أي بكذبهم في قولهم: آمنا بالله وباليوم ~~الآخر، فما مع الفعل بمعنى المصدر، والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما ~~هو به يكذبون غيرهم أي بتكذيبهم النبي عليه السلام فيما جاء به. وقيل: هو ~~مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل صدق ونظيرهما بان الشيء وبين. ### || [2.11-16] # { وإذا قيل لهم } معطوف على «يكذبون» ويجوز أن يعطف على «يقول ~~آمنا» لأنك لو قلت ومن الناس من إذا قيل لهم { لا تفسدوا في ~~الأرض } لكان صحيحا، والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه ~~منتفعا به، وضده الصلاح وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة. ~~والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء ~~الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية، وكان فساد ~~المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين ~~بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم. ~~{ قالوا إنما نحن مصلحون } بين المؤمنين والكافرين ~~بالمداراة يعني أن صفة المصلحين خلصت لنا ms0021 وتمحضت من غير شائبة قادح فيها ~~من وجه من وجوه الفساد، لأن «إنما» لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على ~~حكم كقولك «إنما ينطلق زيد وإنما زيد كاتب» و «ما» كافة لأنها تكفها عن ~~العمل. { ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ~~} أنهم مفسدون فحذف المفعول للعمل به. «ألا» مركبة من همزة الاستفهام ~~وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل ~~على النفي أفاد تحققا كقوله تعالى: # أليس ذلك بقدر # [القيامة: 40]، ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها ~~إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، وقد رد الله ما ادعوه من الانتظام في ~~جملة المصلحين أبلغ رد وأدله على سخط عظيم والمبالغة فيه من جهة ~~الاستئناف، وما في «ألا» و «إن» من التأكيد وتعريف الخبر وتوسيط الفصل ~~وقوله «لا يشعرون». # { وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء } نصحوهم من وجهين: أحدهما تقبيح ما ~~كانوا عليه لبعده عن الصواب وجره إلى الفساد، وثانيهما تبصيرهم الطريق ~~الأسد من اتباع ذوي الأحلام، فكان من جوابهم أن سفهوهم لتمادي ~~جهلهم، وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. وإنما صح إسناد «قيل» إلى ~~«لا تفسدوا» و«آمنوا» مع أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يصح، لأنه إسناد ~~إلى لفظ الفعل والممتنع إسناد الفعل إلى معنى الفعل فكأنه قيل: وإذا قيل ~~لهم هذا القول ومنه زعموا مطية الكذب. و «ما» في كما كافة في «ربما»، أو ~~مصدرية كما في # بما رحبت # [التوبة: 25] واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ومن معه وهم ناس معهودون، أو عبد الله بن سلام وأشياعه أي كما آمن ~~أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية، أو جعل ~~المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم، والكاف في «كما» ~~في موضع النصب لأنه صفة مصدر محذوف أي إيمانا مثل إيمان الناس ومثله كما ~~آمن السفهاء. # والاستفهام في «أنؤمن» للإنكار، في «السفهاء» مشار ms0022 بها إلى الناس، وإنما ~~سفهوهم وهم العقلاء المراجيح لأنهم لجهلهم اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق ~~وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها والسفه سخافة العقل ~~وخفة الحلم. { ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا ~~يعلمون } أنهم هم السفهاء. وإنما ذكر هنا «لا يعلمون» وفيما تقدم ~~«لا يشعرون» لأنه قد ذكر السفه وهوجهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا ~~له، ولأن الإيمان يحتاج فيه إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، ~~أما الفساد في الأرض فأمر مبني على العادات فهو كالمحسوس. والسفهاء خبر ~~«إن» و «هم» فصل أو مبتدأ والسفهاء خبرهم والجملة خبر «إن». # { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } وقرأ أبو ~~حنيفة رحمه الله «وإذا لاقوا» يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبا ~~منه. الآية الأولى في بيان مذهب المنافقين والترجمة عن نفاقهم، وهذه في ~~بيان ما كانوا يعملون مع المؤمنين من الاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه ~~المصادقين وإيهامهم أنهم معهم. { وإذا خلوا إلى ~~شيطينهم } خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، وبإلى أبلغ لأن فيه ~~دلالة الابتداء والانتهاء أي إذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم، ويجوز ~~أن يكون من خلا بمعنى مضى. وشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم ~~وهم اليهود. وعن سيبويه أن نون الشياطين أصلية بدليل قولهم «تشيطن»، وعنه ~~أنها زائدة واشتقاقه من «شطن» إذا بعد لبعده من الصلاح والخير، أو من شاط ~~إذا بطل ومن أسمائه الباطل. { قالوا إنا معكم } إنا مصاحبوكم ~~وموافقوكم على دينكم. وإنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم ~~بالاسمية محققة ب «إن» لأنهم في خطابهم مع المؤمنين في ادعاء حدوث ~~الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان، إما لأن أنفسهم لا ~~تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك، وإما لأنه لا يروج عنهم ~~لو قالوه على لفظ التأكيد والمبالغة، وكيف يطمعون في رواجه وهم بين ~~ظهراني المهاجرين والأنصار. وأما خطابهم مع إخوانهم فقد كان عن رغبة وقد ~~كان متقبلا منهم رائجا عنهم فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتأكيد. وقوله { ~~إنما ms0023 نحن مستهزءون } تأكيد لقوله «إنا معكم» لأن معناه ~~الثبات على اليهودية، وقوله «إنما نحن مستهزئون» رد للإسلام ودفع لهم ~~منهم لأن المستهزىء بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به، ~~ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو استنئاف كأنهم اعترضوا عليهم بقولهم حين ~~قالوا إنا معكم إن كنتم معنا فلم توافقون المؤمنين فقالوا إنما نحن ~~مستهزئون. والاستهزاء السخرية والاستخفاف وأصل الباب الخفة من الهزء وهو ~~القتل السريع، وهزأ يهزأ مات على المكان. # { الله يستهزىء بهم } أي يجازيهم على استهزائهم فسمى جزاء ~~الاستهزاء باسمه كقوله تعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194] فسمى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن ~~الجزاء سيئة واعتداء، وهذا لأن الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى من حيث ~~الحقيقة لأنه من باب العبث وتعالى عنه. قال الزجاج: هو الوجه المختار. ~~واستئناف قوله تعالى «الله يستهزىء بهم» من غير عطف في غاية الجزالة ~~والفخامة، وفيه أن الله هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس ~~استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال والذل والهوان. ولما ~~كانت نكايات الله وبلاياه تنزل عليهم ساعة فساعة قيل «الله يستهزىء بهم» ~~ولم يقل الله مستهزىء بهم ليكون طبقا لقوله «إنما نحن مستهزؤون» { ~~ويمدهم } أي يمهلهم عن الزجاج { في طغينهم } في غلوهم في ~~كفرهم { يعمهون } حال أي يتحيرون ويترددون وهذه الآية حجة على ~~المعتزلة في مسألة الأصلح. { أولئك } مبتدأ خبره. { الذين ~~اشتروا الضللة بالهدى } أي استبدلوها به واختاروها ~~عليه. وإنما قال اشتروا الضلالة بالهدى ولم يكونوا على هدى لأنها في قوم ~~آمنوا ثم كفروا، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فلما جاءهم كفروا به، أو جعلوا لتمكنهم منه كأن الهدى قائم فيهم ~~فتركوه بالضلالة، وفيه دليل على جواز البيع تعاطيا لأنهم لم يتلفظوا ~~الشراء ولكن تركوا الهدى بالضلالة عن اختيارهم، وسمي ذلك شراء فصار ~~دليلا لنا على أن من أخذ شيئا من غيره ترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه ms0024 ~~وإن لم يتكلم به. والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء، يقال ضل منزله ~~فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. { فما ربحت تجرتهم } ~~الربح الفضل على رأس المال، والتجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري ~~للربح، وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد المجازي، ومعناه فما ربحوا ~~في تجارتهم إذ التجارة لا تربح، ولما وقع شراء الضلالة بالهدى مجازا ~~أتبعه ذكر الربح والتجارة ترشيحا له كقوله: # ولما رأيت النسر عز ابن دأية # وعشش في وكريه جاش له صدري # لما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر. ~~{ وما كانوا مهتدين } لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون ~~العالمون بما يربح فيه ويخسر. والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال ~~والربح وهؤلاء قد أضاعوهما، فرأس مالهم الهدى ولم يبق لهم مع الضلالة، ~~وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأغراض ~~الدنيوية لأن الضال خاسر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح. ~~وقيل: «الذين» صفة «أولئك» و«فما ربحت تجارتهم» إلى آخر الآية في محل رفع ~~خبر «أولئك». ### || [2.17-19] # { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } لما جاء بحقيقة ~~صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان، ولضرب الأمثال ~~في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر، ولقد كثر ~~ذلك في الكتب السماوية ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل ~~كلامهم هو المثل وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم ~~قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ولم يضربوا مثلا إلا قولا ~~فيه غرابة ولذا حوفظ عليه فلا يغير. وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو ~~القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال ~~الذي استوقد نارا، وكذلك قوله # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد: 35] أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة الشأن، ثم ~~أخذ في بيان عجائبها ولله المثل الأعلى أي الوصف الذي له شأن من العظمة ~~والجلالة ووضع «الذي» موضع الذين ms0025 كقوله # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69] فلا يكون تمثيل الجماعة بالواحدة، أو قصد جنس المستوقدين، ~~أو أريد الفوج الذي استوقد نارا على أن ذوات المنافقين لم يشبهوا بذات ~~المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة ~~المستوقد. ومعنى استوقد أوقد، ووقود ووقود النار سطوعها، والنار جوهر ~~لطيف مضيء حار محرق، واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة ~~واضطرابا. { فلما أضاءت ما حوله } الإضاءة فرط الإنارة ~~ومصداقه قوله # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا # [يونس: 5] وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما ~~حوله، والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ~~وجواب فلما { ذهب الله بنورهم } وهو ظرف زمان والعامل فيه ~~جوابه مثل «إذا».و«ما» موصولة و«حوله» نصب على الظرف أو نكرة موصوفة ~~والتقدير: فلما أضاءت شيئا ثابتا حوله. وجمع الضمير وتوحيده للحمل على ~~اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى. والنور ضوء النار وضوء كل نير، ومعنى أذهبه ~~أزاله وجعله ذاهبا، ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به. والمعنى أخذ بنورهم ~~وأمسكه وما يمسك فلا مرسل له فكان أبلغ من الإذهاب. ولم يقل ذهب الله ~~بضوئهم لقوله «فلما أضاءت» لأن ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على ~~الزيادة والمراد إزالة النور عنهم رأسا، ولو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم ~~الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورا، ألا ترى كيف ذكر عقيبه { ~~وتركهم في ظلمت } والظلمة عرض ينافي النور. وكيف جمعها وكيف ~~نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله { ~~لا يبصرون } وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، فإذا علق بشيئين ~~كان مضمنا معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه «وتركهم في ظلمات» ~~أصله «هم في ظلمات» ثم دخل «ترك» فنصب الجزأين والمفعول الساقط من «لا ~~يبصرون» من قبيل المتروك المطروح لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير ~~متعد أصلا. # وإنما شبهت حالهم بحال المستوقد لأنهم غب الإضاءة وقعوا في ظلمة وحيرة، ~~نعم المنافق خابط ms0026 في ظلمات الكفر أبدا ولكن المواد ما استضاؤوا به ~~قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور ~~هذه الكلمة ظلمة النفاق المفضية بهم إلى ظلمة العقاب السرمدي. وللآية ~~تفسير آخر وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا ~~التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، ~~والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات وتنكير ~~النار للتعظيم. { صم بكم عمى } أي هم صم، كانت حواسهم سليمة ~~ولكن لما سدوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ~~وأن ينظروا أو يتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أنفت مشارعهم. وطريقته عند ~~علماء البيان طريقة قولهم: هم ليوث للشجعان وبحور للأسخياء إلا أن هذا ~~في الصفات وذلك في الأسماء، وما في الآية تشبيه بليغ في الأصح لا استعارة ~~لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون، والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر ~~المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد به المنقول عنه ~~والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام { فهم لا يرجعون ~~} لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها لتنوع ~~الرجوع إلى الشيء. وعنه أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين ~~في مكانهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون. # { أو كصيب من السماء فيه ظلمت ورعد وبرق } ~~ثنى الله سبحانه وتعالى في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف والإيضاح. وشبه ~~المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارا وإظهاره الإيمان بالإضاءة ~~وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وهنا شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب ~~تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات، وما ~~فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من ~~جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى أو كمثل ذوي صيب فحذف «مثل» لدلالة ~~العطف عليه «وذوي» لدلالة «يجعلون» عليه. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء ~~بهذه الصفة فلقوا منها ما لقوا، فهذا تشبيه أشياء بأشياء إلا أنه لم يصرح ~~بذكر المشبهات كما ms0027 صرح في قوله: # وما يستوي الأعمى والبصير والذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت ولا المسيء # [غافر: 58]، وقول امرىء القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى وكرها العناب والحشف البالي # بل جاء به مطويا ذكره على سنن الاستعارة. والصحيح أن التمثيلين من جملة ~~التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به. # بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض لم يأخذ هذا ~~بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما فعل امرؤ القيس، وتشبه كيفية حاصلة من ~~مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها كقوله ~~تعالى: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها # [الجمعة: 5] الآية. فالمراد تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من ~~التوارة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين ~~عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك إلا ~~بما يمر بدفيه من الكد والتعب. وكقوله: # واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلنه ~~من السماء # [الكهف: 45]، فالمراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر فهو تشبيه ~~كيفية بكيفة، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ~~ومصيرة شيئا واحدا فلا. فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما ~~خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من ~~طفئت ناره بعد أيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة ~~المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق، والتمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على ~~فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى ~~الأغلظ. وعطف أحد التمثيلين على الآخر ب «أو» لأنها في أصلها لتساوي ~~شيئين فصاعدا في الشك عند البعض، ثم استعيرت لمجرد التساوي كقولك «جالس ~~الحسن أو ابن سيرين» تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا، وقوله تعالى: # ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا # [الدهر: 24]، أي الآثم والكفور سيان في وجوب العصيان فكذا هنا معناه أن ~~كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين ms0028 القصتين وأن الكيفيتين سواء في ~~استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن ~~مثلتها بهما جميعا فكذلك. والصيب: المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع يقال ~~للسحاب صيب أيضا. وتنكير «صيب» لأنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت ~~النار في التمثيل الأول، والسماء هذه المظلة. وعن الحسن أنها موج مكفوف. ~~والفائدة في ذكر السماء. والصيب لا يكون إلا من السماء أنه جاء بالسماء ~~معرفة فأفاد أنه غمام أخذ بآفاق السماء ونفى أن يكون من سماء أي من أفق ~~واحد من بين سائر الآفاق، لأن كل أفق من آفاقها سماء، ففي التعريف مبالغة ~~كما في تنكير صيب وتركيبه وبنائه، وفيه دليل على أن السحاب من السماء ~~ينحدر ومنها يأخذ ماءه، وقيل: إنه يأخذ من البحر ويرتفع. # «ظلمات» مرفوع بالجار والمجرور لأنه قد قوي لكونه صفة لصيب بخلاف ما لو ~~قلت ابتداء «فيه ظلمات» ففيه خلاف بين الأخفش وسيبويه. # والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب لاصطكاك أجرامه، أو ملك يسوق السحاب. ~~والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع، والضمير في ~~«فيه» يعود إلى الصيب فقد جعل الصيب مكانا للظلمات، فإن أريد به السحاب ~~فظلماته إذا كان أسحم مطبقا، ظلمتا سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة ~~الليل. وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه بتتابع القطر وظلمة أظلال غمامه مع ~~ظلمة الليل. وجعل الصيب مكانا للرعد والبرق على إرادة السحاب به ظاهر، ~~وكذا إن أريد به المطر لأنهما ملتبسان به في الجملة. ولم يجمع الرعد ~~والبرق لأنهما مصدران في الأصل، يقال رعدت السماء رعدا وبرقت برقا ~~فروعي حكم الأصل بأن ترك جمعهما. ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع ~~منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. { يجعلون ~~أصبعهم في ءاذانهم } الضمير لأصحاب الصيب وإن كان محذوفا ~~كما في قوله: # أو هم قائلون # [الأعراف: 4] لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه. ولا محل ل «يجعلون» ~~لكونه مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول ~~فكأن ms0029 قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم. ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقال: يكاد البرق يخطف ~~أبصارهم. وإنما ذكر الأصابع ولم يذكر الأنامل ورؤوس الأصابع هي التي تجعل ~~في الأذان اتساعا كقوله: # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] والمراد إلى الرسغ، ولأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ~~ليس في ذكر الأنامل. وإنما لم يذكر الأصبع الخاص الذي تسد به الأذن لأن ~~السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن، ولم يذكر ~~المسبحة لأنها مستحدثة غير مشهورة. { من الصوعق } متعلق ب ~~«يجعلون» أي من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم. والصاعقة قصفة رعد ~~تنقض معها شقة من نار. قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار ~~لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة ~~الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو نصفها ثم طفئت. ويقال: صعقته ~~الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي: مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق { حذر ~~الموت } مفعول له، والموت فساد بنية الحيوان أو عرض لا يصح معه إحساس ~~معاقب للحياة { والله محيط بالكفرين } يعني: أنهم لا ~~يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط فهو مجاز وهذه الجملة اعتراض لا ~~محل لها. ### || [2.20-24] # { يكاد البرق يخطف أبصرهم } الخطف الأخذ بسرعة، و ~~«كاد» يستعمل لتقريب الفعل جدا، وموضع يخطف نصب لأنه خبر «كاد». { ~~كلما أضاء لهم } «كل» ظرف و «ما» نكرة موصوفة معناها الوقت، ~~والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه، والعامل فيه جوابها وهو { ~~مشوا فيه } أي في ضوئه وهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول: كيف ~~يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين ~~بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما ~~يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك ~~الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين. و ~~«أضاء» متعد كلما نور لهم ms0030 ممشى ومسلكا أخذوه، والمفعول محذوف. أو غير ~~متعد أي كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره. والمشي جنس الحركة المخصوصة ~~فإذا اشتد فهو سعي فإذا ازداد فهو عدو. { وإذا أظلم عليهم } ~~«أظلم» غير متعد وذكر مع «أضاء» «كلما» ومع «أظلم» «إذا» لأنهم حراص على ~~وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ~~ولا كذلك التوقف. { قاموا } وقفوا وثبتوا في مكانهم ومنه قام الماء ~~إذا جمد. { ولو شاء الله لذهب بسمعهم } بقصيف الرعد { ~~وأبصرهم } بوميض البرق. ومفعول «شاء» محذوف لدلالة الجواب عليه ~~أي ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما ولقد تكاثر هذا الحذف ~~في «شاء» وأراد لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو ~~قوله: # فلو شئت أن أبكي دما لبكيته # عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # وقوله تعالى: # لو أردنا أن نتخذ لهوا # [الأنبياء: 17]. # ولو أراد الله أن يتخذ ولدا # { إن الله على كل شيء قدير } أي إن الله قادر على كل ~~شيء. # لما عدد الله فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم ~~وأحوالهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند الله ~~ويرديها أقبل عليهم بالخطاب وهو من الالتفات المذكور فقال: { يا أيها ~~الناس } قال علقمة: ما في القرآن «يا أيها الناس» فهو خطاب لأهل مكة، ~~وما فيه «يا أيها الذين آمنوا» فهو خطاب لأهل المدينة، وهذا خطاب لمشركي ~~مكة، و «يا» حرف وضع لنداء البعيد، وأي والهمزة للقريب، ثم استعمل في ~~مناداة من غفا وسها وإن قرب ودنا تنزيلا له منزلة من بعد ونأى، فإذا ~~نودي به القريب المقاطن فذاك للتوكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معتنى ~~به جدا. وقول الداعي «يا رب» وهو أقرب إليه من حبل الوريد استقصار منه ~~لنفسه واستبعاد لها عن مظان الزلفى هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتفريط ~~مع فرط التهالك على استجابة دعوته. # و «أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن «ذو» و «الذي» وصلتان ~~إلى الوصف بأسماء الأجناس ms0031 ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ~~ما يزيل إبهامه فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى ~~يتضح المقصود بالنداء. فالذي يعمل فيه «يا أي»، أي والتابع له صفته نحو ~~«يا زيد الظريف» إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن ~~الصفة، وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لتأكيد معنى النداء ~~وللعوض عما يستحقه أي من الإضافة. وكثر النداء في القرآن على هذه الطريقة ~~لأن ما نادى الله به عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده أمور عظام ~~وخطوب جسام، يجب عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم إليها وهم عنها ~~غافلون، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. { اعبدوا ربكم } ~~وحدوه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل عبادة في القرآن فهي توحيد { ~~الذي خلقكم } صفة موضحة مميزة لأنهم كانوا يسمون الآلهة أربابا. ~~والخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء، وعند المعتزلة إيجاد الشيء على ~~تقدير واستواء، وهذا بناء على أن المعدوم شيء عندهم لأن الشيء ما صح أن ~~يعلم ويخبر عنه عندهم، وعندنا هو اسم للموجود. خلقكم بالإدغام: أو عمرو. ~~{ والذين من قبلكم } احتج عليهم بأنه خالقهم وخالق من قبلهم ~~لأنهم كانوا مقرين بذلك فقيل لهم: إن كنتم مقرين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا ~~تعبدوا الأصنام. { لعلكم تتقون } أي اعبدوا على رجاء أن تتقوا ~~فتنجوا بسببه من العذاب. و «لعل» للترجي والإطماع ولكنه إطماع من كريم ~~فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه، وبه قال سيبويه. وقال قطرب: هو بمعنى ~~«كي» أي لكي تتقوا. { الذي جعل لكم الأرض } أي صير ومحل ~~«الذي» نصب على المدح أو رفع بإضمار هو «فراشا» بساطا تقعدون عليها ~~وتنامون وتتقلبون وهو مفعول ثان لجعل، وليس فيه دليل على أن الأرض مسطحة ~~أو كرية إذ الافتراش ممكن على التقديرين. { والسماء بناء } سقفا ~~كقوله تعالى: # وجعلنا السماء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32]، وهو مصدر سمي به المبنى. { وأنزل من السماء ~~ماء } مطرا { فأخرج به } بالماء، نعم خروج الثمرات بقدرته ~~ومشيئته وإيجاده ولكن جعل الماء ms0032 سببا في خروجها كماء الفحل في خلق الولد ~~وهو قادر على إنشاء الكل بلا سبب كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له ~~في إنشاء الأشياء مدرجا لها من حال إلى حال وناقلا من مرتبة إلى مرتبة، ~~حكما وعبرا للنظار بعيون الاستبصار. و «من» في { من الثمرت } ~~للتبعيض أو للبيان { رزقا } مفعول له إن كانت «من» للتبعيض، ومفعول به ~~ل «أخرج» إن كانت للبيان. # وإنما قيل الثمرات دون الثمر والثمار وإن كان الثمر المخرج بماء السماء ~~كثيرا، لأن المراد جماعة الثمرة، ولأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض ~~لالتقائها في الجمعية. { لكم } صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، ~~وإن جعل اسما للمعنى فهو مفعول به كأنه قيل رزقا وإياكم. { فلا ~~تجعلوا لله أندادا } هو متعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا ~~تجعلوا له أندادا لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل له ند ~~ولا شريك. ويجوز أن يكون الذي «رفعا» على الابتداء وخبره «فلا تجعلوا». ~~ودخول الفاء لأن الكلام يتضمن الجزاء أي الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة ~~والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء. المثل والند ~~ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوىء، ومعنى قولهم ليس لله ند ولا ضد نفي ~~ما يسد مسده ونفي ما ينافيه { وأنتم تعلمون } أنها لا تخلق ~~شيئا ولا ترزق والله الخالق الرازق، أو مفعول «تعلمون» متروك أي وأنتم ~~من أهل العلم. وجعل الأصنام لله أندادا غاية الجهل، والجملة حال من ~~الضمير في «فلا تجعلوا». # ولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك لخلقهم أحياء قادرين ~~وخلق الأرض التي هي مثواهم ومستقرهم، وخلق السماء التي هي كالقبة ~~المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار وما سواه عز وجل من شبه عقد ~~النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها ~~أشباه النسل من الثمار رزقا لبني آدم، فهذا كله دليل موصل إلى التوحيد ~~مبطل للإشراك، لأن شيئا من المخلوقات لا يقدر على إيجاد شيء منها، عطف ~~على ذلك ما هو الحجة على إثبات ms0033 نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما يقرر ~~إعجاز القرآن فقال: # { وإن كنتم في ريب مما نزلنا } «ما» نكرة موصوفة أو ~~بمعنى الذي { على عبدنا } محمد عليه السلام، والعبد اسم لمملوك من ~~جنس العقلاء، والمملوك موجود قهر بالاستيلاء. وقيل: نزلنا دون أنزلنا لأن ~~المراد به النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي ~~وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان هذا من عند الله لم ينزل هكذا نجوما سورة ~~بعد سورة وآيات غب آيات على حسب النوازل وعلى سنن ما نرى عليه أهل ~~الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا، شيئا فشيئا ~~لا يلقي الناظم ديوان شعره دفعة، ولا يرمي الناثر بخطبه ضربة، فلو أنزله ~~الله لأنزله جملة قال الله تعالى: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان ~~جملة وحدة # [الفرقان: 32]، فقيل: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على تدريج ~~{ فأتوا بسورة } أي فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا ~~نجما فردا من نجومه سورة من أصغر السور. # والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات. وواوها إن ~~كانت أصلا فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن ~~محدودة محوزة على حيالها كالبلد المسور، أو لأنها محتوية على فنون من ~~العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإما أن تسمى ~~بالسورة التي هي الرتبة لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها ~~القارىء، وهي أيضا في نفسها مرتبة طوال وأوساط وقصار، أو لرفعة شأنها ~~وجلالة محلها في الدين. وإن كانت منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من ~~القرآن كالسؤرة التي هي البقية من الشيء. وأما الفائدة في تفصيل القرآن ~~وتقطيعه سورا فهي كثيرة، ولذا أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل والزبور ~~وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السورة، وبوب المصنفون في كل فن ~~كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. منها أن الجنس إذا انطوت تحته ~~أنواع واشتمل على أصناف كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا، ومنها أن ~~القارىء ms0034 إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له ~~وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومن ثم جزأ ~~القراء القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا وأخماسا، ومنها أن الحافظ إذا حذق ~~السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة ~~فيعظم عنده ما حفظه ويجل في نفسه، ومنه حديث أنس رضي الله عنه كان الرجل ~~إذا قرأ البقرة وآل عمران جل فينا. ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة ~~تامة أفضل. { من مثله } متعلق ب «سورة» صفة لها والضمير لما ~~نزلنا أي بسورة كائنة من مثله يعني فأتوا بسورة مما هو على صفته في ~~البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم، أو لعبدنا أي فأتوا بمن هو على ~~حاله من كونه أميا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء. ولا قصد إلى مثل ~~ونظير هنالك. ورد الضمير إلى المنزل أولى لقوله تعالى: # فأتوا بسورة مثله # [يونس: 38]. # فأتوا بعشر سور مثله # [هود: 13]. # على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون ~~بمثله # [الإسراء: 88]. ولأن الكلام مع رد الضمير إلى المنزل أحسن ترتيبا. وذلك ~~أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه وهو مسوق إليه فإن المعنى وإن ~~ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله. ~~وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله، ولأن ~~هذا التفسير يلائم قوله { وادعوا شهداءكم } جمع شهيد بمعنى ~~الحاضر أو القائم بالشهادة { من دون الله } أي غير الله وهو متعلق ~~ب «شهداءكم أي ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم ~~يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق أو من يشهد لكم بأنه مثل القرآن { ~~إن كنتم صدقين } إن ذلك مختلق وأنه من كلام محمد عليه السلام. # وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا ~~أنتم ms0035 بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك. # { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة } لما أرشدهم إلى الجهة التي ~~منها يتعرفون صدق النبي عليه السلام، قال لهم: فإذا لم تعارضوه وبان ~~عجزكم ووجب تصديقه فآمنوا وخافوا العذاب المعد لمن كذب وعاند. وفيه ~~دليلان على إثبات النبوة صحة كون المتحدى به معجزا، والإخبار بأنهم لن ~~يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله. ولما كان العجز عن المعارضة قبل ~~التأمل كالشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واعتمادهم على بلاغتهم، ~~سيق الكلام معهم على حسب حسبانهم فجيء ب «إن» الذي للشك دون «إذا» الذي ~~للوجوب، وعبر عن الإتيان بالفعل لأنه فعل من الأفعال. والفائدة فيه أنه ~~جار مجرى الكتابة التي تعطيك اختصارا إذ لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى ~~لفظ الفعل لاستطيل أن يقال «فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة ~~من مثله». ولا محل لقوله «ولن تفعلوا» لأنها جملة اعتراضية، وحسن هذا ~~الاعتراض أن لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله «ولن تفعلوا» و «لا» و ~~«لن» أختان في نفي المستقبل إلا أن في «لن» تأكيدا. وعن الخليل أصلها ~~«لا أن»، وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نونا، وعند سيبويه حرف موضوع ~~لتأكيد نفي المستقبل، وإنما علم أنه إخبار عن الغيب على ما هو به حتى صار ~~معجزة لأنهم لو عارضوه بشيء لاشتهر فكيف والطاعنون فيه أكثر عددا من ~~الذابين عنه؟ وشرط في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله لأنهم ~~إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق الرسول، وإذا صح ~~عندهم صدقه ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد استوجبوا النار فقيل لهم: إن ~~استبنتم العجز فاتركوا العناد، فوضع «فاتقوا النار» موضعه لأن اتقاء ~~النار سبب ترك العناد وهو من باب الكناية وهي من شعب البلاغة، وفائدته ~~الإيجاز الذي هو من حلية القرآن. والوقود ما ترفع به النار يعني الحطب، ~~وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح. وصلة الذي والتي تجب أن تكون ~~معلوما للمخاطب فيحتمل ms0036 أن يكونوا سمعوا من أهل الكتاب أو من رسول الله، ~~أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى: # نارا وقودها الناس والحجارة # [التحريم: 6]. وإنما جاءت النار منكرة ثم ومعرفة هنا لأن تلك الآية نزلت ~~بمكة ثم نزلت هذه الآية بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا. # ومعنى قوله تعالى: «وقودها الناس والحجارة» أنها نار ممتازة عن غيرها من ~~النيران بأنها تتقد بالناس والحجارة وهي حجارة الكبريت، فهي أشد توقدا ~~وأبطأ خمودا وأنتن رائحة وألصق بالبدن أو الأصنام المعبودة فهي أشد ~~تحسيرا. وإنما قرن الناس بالحجارة لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا ~~حيث عبدوها وجعلوها لله أندادا ونحوه قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] أي حطبها، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا في ~~إيلامهم. { أعدت للكفرين } هيئت لهم. وفيه دليل على أن ~~النار مخلوقة خلافا لما يقوله جهم سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع ~~الترهيب تنشيطا لاكتساب ما يزلف وتثبيطا عن اقتراف ما يتلف، فلما ذكر ~~الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم ~~بقوله: ### || [2.25-27] # { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } والمأمور ~~بقوله «وبشر» الرسول عليه السلام أو كل أحد، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن ~~الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. ~~وهو معطوف على «فاتقوا» كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر ~~يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. أو جملة وصف ثواب المؤمنين معطوفة على ~~جملة وصف عقاب الكافرين كقولك «زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمرا ~~بالعفو والإطلاق». والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ومن ثم قال ~~العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر. فبشروه فرادى ~~عتق أولهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال: «أخبرني» ~~مكان «بشرني» عتقوا جميعا، لأنهم أخبروه، ومنه البشرة لظاهر الجلد، ~~وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21] فمن العكس في الكلام الذي يقصد ms0037 به الاستهزاء الزائد في ~~غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك. ~~والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم. والصالحات كل ما استقام من ~~الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة واللام للجنس. والآية حجة على من جعل ~~الأعمال إيمانا لأنه عطف الأعمال الصالحة على الإيمان والمعطوف غير ~~المعطوف عليه. ولا يقال إنكم تقولون يجوز أن يدخل المؤمن الجنة بدون ~~الأعمال الصالحة والله تعالى بشر بالجنة لمن آمن وعمل صالحا، لأن ~~البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان، ولا نجعل ~~لصاحب الكبيرة البشارة المطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء ~~غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة. { أن لهم ~~جنت } أي بأن لهم جنات. وموضع «أن» وما عملت فيه النصب ب «بشر» ~~عند سيبويه خلافا للخليل وهو كثير في التنزيل. والجنة البستان من النخل ~~والشجر المتكاثف، والتركيب دائر على معنى الستر ومنه الجن والجنون ~~والجنين والجنة والجان والجنان، وسميت دار الثواب جنة لما فيها من ~~الجنان. والجنة مخلوقة لقوله تعالى: # اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35] خلافا لبعض المعتزلة. ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أن الجنة ~~اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال ~~العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان. { تجري من تحتها ~~الأنهر } الجملة في موضع النصب صفة لجنات، والمراد من تحت أشجارها ~~كما ترى الأشجار النابتة على شواطىء الأنهار الجارية. وأنهار الجنة تجري ~~في غير أخدود. وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها ~~مطردة والجري الأطراد. والنهر المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر يقال ~~للنيل: نهر مصر، واللغة الغالة نهر ومدار التركيب على السعة، وإسناد ~~الجري إلى الأنهار مجازي. # وإنما عرف الأنهار لأنه يحتمل أن يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام ~~من تعريف الإضافة كقوله تعالى: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4]، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى: # فيها أنهار من ماء غير ءاسن # [محمد: 15]، الآية والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة ms0038 الكبرى ولذا ~~قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها. # { كلما رزقوا } صفة ثانية ل «جنات» أو جملة مستأنفة لأنه لما ~~قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ~~ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس فقيل: إن ثمارها ~~أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا ~~الله. { منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي } أي ~~«كلما رزقوا» من الجنات، من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ~~ذلك، «رزقا» قالوا ذلك. ف «من» الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية ~~لأن الرزق قد ابتدىء من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدىء من ثمرة، ~~ونظيره أن تقول: رزقني فلان فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه. فيقال: ~~من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمان. وليس المراد من الثمرة ~~التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة وإنما المراد نوع من أنواع الثمار. { ~~رزقنا } أي رزقناه فحذف العائد { من قبل } أي من قبل هذا، فلما ~~قطع عن الإضافة بنى، والمعنى هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه بدليل قوله ~~{ وأتوا به متشبها } وهذا كقولك «أبو يوسف أبو حنيفة» تريد ~~أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته. والضمير في «به» يرجع إلى المرزوق في ~~الدنيا والآخرة جميعا لأن قوله «هذا الذي رزقنا من قبل» انطوى تحته ذكر ~~ما رزقوه في الدارين، وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن ~~أجناسا أخر، لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما ~~لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ~~ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتا بينا كان استعجابه به أكثر واستغرابه ~~أوفر. وتكريرهم هذا القول عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر ~~وتمادي الحال في ظهور المزية، وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي ~~تعجبهم في كل أوان أو إلى الرزق كما أن هذا إشارة إليه، والمعنى ms0039 أن ما ~~يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه كما يحكى عن الحسن: يؤتى ~~أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من ~~قبل فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف. وعنه عليه السلام: # " والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها ~~فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدلها الله مكانها مثلها فإذا أبصروها ~~والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك " # وقوله: «وأتوا به متشابها» جملة معترضة للتقرير كقولك «فلان أحسن بفلان ~~ونعم ما فعل» ورأى من الرأي كذا وكان صوابا، ومنه # وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون # [النمل: 34]. { ولهم فيها أزوج } «أزواج» مبتدأ و«لهم» الخبر ~~و«فيها» ظرف للإستقرار. { مطهرة } من مساوي الأخلاق، لا طمحات ولا ~~مرحات، أو مما يختص بالنساء بالحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من البول ~~والغائط وسائر الأقذار والأدناس. ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان ~~فصيحتان، ولم يقل طاهرة لأن { مطهرة } أبلغ لأنها تكون للتكثير، ~~وفيها إشعار بأن مطهرا طهرهن وما ذلك إلا الله عز وجل. { وهم فيها ~~خلدون } الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وفيه بطلان ~~قول الجهمية فإنهم يقولون بفناء الجنة وأهلها لأنه تعالى وصف بأنه الأول ~~الآخر، وتحقيق وصف الأولية بسبقه على الخلق أجمع فيجب تحقيق وصف الآخرية ~~بالتأخر عن سائر المخلوقات، وذا إنما يتحقق بعد فناء الكل فوجب القول به ~~ضرورة، ولأنه تعالى باق وأوصافه باقية فلو كانت الجنة باقية مع أهلها ~~لوقع التشابه بين الخالق والمخلوق وذا محال. قلنا: الأول في حقه هو الذي ~~لا ابتداء لوجوده، والآخر هو الذي لا انتهاء له، وفي حقنا الأول هو الفرد ~~السابق والآخر هو الفرد اللاحق، واتصافه بهما لبيان صفة الكمال ونفي ~~النقيصة والزوال، وذا في تنزيهه عن احتمال الحدوث والفناء لا فيما قالوه، ~~وأنى يقع التشابه في البقاء وهو تعالى باق لذاته وبقاؤه واجب الوجود ~~وبقاء الخلق به وهو جائز الوجود. # لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب به مثلا ضحكت ~~اليهود وقالوا ms0040 ما يشبه هذا كلام الله فنزل. # { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة } ~~أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها لحقارتها. وأصل ~~الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، ولا يجوز ~~على القديم التغير خوف والذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه به، ~~ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحي رب محمد أن ~~يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت، فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب ~~على السؤال، وهو فن من كلامهم بديع وفيه لغتان: التعدي بنفسه وبالجار. ~~يقال: استحييته واستحييت منه وهما محتملتان هنا، وضرب المثل صنعه من ضرب ~~اللبن وضرب الخاتم. و «ما» هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة ~~أبهمته إبهاما وزادته عموما كقولك: «أعطني كتابا ما» تريد أي كتاب ~~كان، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله تعالى: # فبما نقضهم ميثقهم # [النساء: 155]، كأنه قال: لا يستحي أن يضرب مثلا ألبتة. وبعوضة عطف ~~بيان ل «مثلا» أو مفعول ل «يضرب» و«مثلا» حال من النكرة مقدمة عليه، ~~أو انتصبا مفعولين على أن «ضرب» بمعنى «جعل» واشتقاقها من البعض وهو ~~القطع كالبضع والعضب. يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه، ~~والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت. { فما فوقها } فما ~~تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة، ~~أو فما زاد عليها في الحجم كأنه أراد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل ~~بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة. ولا يقال كيف يضرب المثل بما ~~دون البعوضة وهي النهاية في الصغر لأن جناح البعوضة أقل منها وأصغر ~~بدرجات وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا للدنيا. { فأما ~~الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق } الضمير للمثل أو لأن ~~يضرب والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب { من ~~ربهم } في موضع النصب على الحال والعامل معنى الحق وذو الحال ~~الضمير المستتر فيه { وأما الذين ms0041 كفروا فيقولون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا } ويوقف عليه إذ لو وصل لصار ما بعده ~~صفة له وليس كذلك. وفي قولهم «ماذا أراد الله بهذا مثلا» استحقار كما ~~قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله ابن عمرو: يا عجبا لابن عمرو هذا ~~محقرة له. و«مثلا» نصب على التمييز أو على الحال كقوله # هذه ناقة الله لكم ءاية # [الأعراف: 73] وأما حرف فيه معنى الشرط ولذا يجاب بالفاء، وفائدته في ~~الكلام أن يعطيه فضل توكيد. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت توكيده وأنه لا ~~محالة ذاهب قلت: أما زيد فذاهب، ولذا قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من ~~شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير يفيد كونه تأكيدا وأنه في معنى الشرط. وفي ~~إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا ~~يقولون، إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بليغ بعلمهم أنه الحق، ونعي ~~على الكافرين إغفالهم حظهم ورميهم بالكلمة الحمقاء. و«ماذا» فيه وجهان: ~~أن يكون «ذا» اسما موصولا بمعنى الذي و«ما» استفهاما فيكون كلمتين، ~~وأن تكون «ذا» مركبة مع «ما» مجعولتين اسما واحدا للاستفهام فيكون كلمة ~~واحدة، ف «ما» على الأول رفع بالابتداء وخبره «ذا» مع صلته أي أراد، ~~والعائد محذوف. وعلى الثاني منصوب المحل ب «أراد» والتقدير: أي شيء أراد ~~الله. والإرادة مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك، وهي عند ~~المتكلمين معنى يقتضي تخصيص المفعولات بوجه دون وجه، والله تعالى موصوف ~~بالإرادة على الحقيقة عند أهل السنة. وقال معتزلة بغداد: إنه تعالى لا ~~يوصف بالإرادة على الحقيقة. # فإذا قيل أراد الله كذا فإن كان فعله فمعناه أنه فعل وهو غير ساه ولا ~~مكره عليه، وإن كان فعل غيره فمعناه أنه أمر به. { يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا } جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين ~~ب «أما»، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به ~~كلاهما موصوف بالكثرة، وأن العلم بكونه حقا من باب الهدى، وأن الجهل ~~بحسن مورده من باب الضلالة. وأهل الهدى كثير في أنفسهم ms0042 وإنما يوصفون ~~بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال، ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة ~~وإن قلوا في الصورة. # إن الكرام كثير في البلاد وإن # قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا # والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد، والهداية خلق فعل الاهتداء، هذا هو ~~الحقيقة عند أهل السنة، وسياق الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة من ~~الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل ليس ~~بموضع الاستنكار والاستغراب لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف ~~المعنى وإدناء المتوهم من المشاهد. فإن كان المتمثل له عظيما كان ~~المتمثل به كذلك، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك، ألا ترى أن الحق ~~لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور، وأن الباطل لما كان بضد ~~صفته تمثل له بالظلمة، ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أندادا ~~لله لا حال أحقر منها وأقل، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف ~~والوهن، وجعلت أقل من الذباب وضربت لها البعوضة؟ فالذي دونها مثلا لم ~~يستنكر ولم يستبدع ولم يقل للمتمثل استحى من تمثيلها بالبعوضة لأنه مصيب ~~في تمثيله، محق في قوله، سائق للمثل على قضية مضربه، ولبيان أن المؤمنين ~~الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور يناظر العقل إذا سمعوا بهذا ~~التمثيل علموا أن الحق، وأن الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم إذا سمعوه ~~كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب هدى ~~المؤمنين وضلال الفاسقين. والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس ~~يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وخشاش الأرض فقالوا: أجمع من ذرة، وأجرأ ~~من الذباب، وأسمع من قراد، وأضعف من فراشة، وآكل من السوس، وأضعف من ~~البعوضة، وأعز من مخ البعوض، ولكن ديدن المحجوج والمبهوت أن يرضى لفرط ~~الحيرة بدفع الواضح وإنكار اللائح. { وما يضل به إلا ~~الفسقين } هو مفعول «يضل» وليس بمنصوب على الاستثناء لأن «يضل» لم ~~يستوف مفعوله. والفسق: الخروج عن القصد. والفاسق في الشريعة: الخارج عن ~~الأمر بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين ms0043 منزلة المؤمن ~~والكافر عند المعتزلة وسيمر عليك ما يبطله إن شاء الله. # { الذين ينقضون عهد الله } النقض: الفسخ وفك التركيب. ~~والعهد: الموثق. والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار اليهود ~~المتعنتون أو منافقوهم أو الكفار جميعا. # وعهد الله ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ~~ووثقه عليهم، أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله ~~بمعجزاته صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ذكره، أو أخذ الله العهد عليهم أن لا ~~يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل: عهد ~~الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم عليه ~~السلام بأن يقروا بربوبيته وهو قوله تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني آدم # [الأعراف: 172] الآية، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا ~~الدين وهو قوله تعالى: # وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم # [الأحزاب: 7] وعهد خص به العلماء وهو قوله تعالى: # وإذا أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران: 187]، { من بعد ميثقه } أصله من الوثاقة وهي إحكام ~~الشيء، والضمير للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم، ~~ويجوز أن يكون بمعنى توثقته كما أن الميعاد بمعنى الوعد أو لله تعالى أي ~~من بعد توثقته عليهم و «من» لابتداء الغاية { ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل } هو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، أو قطعهم ~~ما بين الأنبياء من الوصلة والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ~~ببعض. والأمر طلب الفعل بقول مخصوص على سبيل الاستعلاء، و «ما» نكرة ~~موصوفة أو بمعنى الذي و «أن يوصل» في موضع جر بدل من الهاء أي بوصله، أو ~~في موضع رفع أي هو أن يوصل { ويفسدون في الأرض } بقطع السبيل ~~والتعويق عن الإيمان { أولئك } مبتدأ { هم } فصل والخبر { ~~الخسرون } أي المغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل ~~والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب. ### || [2.28-32] # { كيف تكفرون بالله } معنى الهمزة التي في «كيف» مثله في ~~قولك: أتكفرون بالله ومعكم وما ms0044 يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو ~~الإنكار والتعجب، ونظيره قولك: أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح؟ ~~والواو في { وكنتم أموتا } نطفا في أصلاب آبائكم للحال و «قد» ~~مضمرة. والأموات جمع ميت كالأقوال جمع قيل، ويقال لعادم الحياة أصلا ميت ~~أيضا كقوله تعالى: # بلدة ميتا # [الفرقان: 49] { فأحيكم } في الأرحام { ثم يميتكم } عند ~~انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } للبعث { ثم إليه ترجعون ~~} تصيرون إلى الجزاء، أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور. ~~وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب ~~الموت بلا تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك ~~تتراخى عن الموت إن أريد النشور، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم ~~بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور. وإنما أنكر اجتماع ~~الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم على ~~الكفر، ولأنها تشتمل على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر. # { هو الذي خلق لكم ما في الأرض } أي لأجلكم ولانتفاعكم ~~به في دنياكم ودينكم. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه ~~من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم، وما فيه من التذكير بالآخرة ~~لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها. وقد استدل الكرخي وأبو بكر ~~الرازي والمعتزلة بقوله «خلق لكم» على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ~~خلقت مباحة في الأصل. { جميعا } نصب على الحال من «ما» { ثم ~~استوى إلى السماء } الاستواء: الاعتدال والاستقامة. يقال: استوى ~~العود أي قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل أي قصده قصدا ~~مستويا من غير أن يلوي على شيء ومنه قوله تعالى: # ثم استوى إلى السماء # [فصلت: 11]، أي أقبل وعمد إلى خلق السموات بعد ما خلق ما في الأرض من ~~غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء جهات العلو كأنه ~~قيل: ثم استوى إلى فوق. والضمير في { فسواهن } مبهم يفسره { سبع ~~سموت } كقولهم «ربه رجلا». وقيل: الضمير راجع إلى السماء ولفظها ms0045 ~~واحد ومعناها الجمع لأنها في معنى الجنس. ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن ~~وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن. «وثم» هنا لبيان فضل ~~خلق السموات على خلق الأرض، ولا يناقض هذا قوله # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات: 30] لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء وأما دحوها فمتأخر. ~~وعن الحسن: خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ~~ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منها السموات وأمسك الفهر في موضعها ~~وبسط منها الأرض فذلك قوله تعالى: # كانتا رتقا # [الأنبياء: 30]، وهو الالتزاق { وهو بكل شيء عليم } فمن ثم ~~خلقهن خلقا مستويا محكما من غير تفاوت من خلق ما في الأرض على حسب ~~حاجات أهلها ومنافعهم. وهو وأخواته مدني غير ورش، «وهو» هو وأبو عمرو ~~وعلي، جعلوا الواو كأنها في نفس الكلمة فصار بمنزلة عضد وهم يقولون في ~~عضد عضد بالسكون. # ولما خلق الله تعالى الأرض أسكن فيها الجن وأسكن في السماء الملائكة ~~فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر ~~البحار ورؤوس الجبال وأقاموا مكانهم فأمر نبيه عليه السلام أن يذكر قصتهم ~~فقال: # { وإذ قال ربك للملئكة } «إذ» نصب بإضمار «اذكر». ~~والملائكة جمع ملأك كالشمائل جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. { ~~إني جاعل } أي مصير من جعل الذي له مفعولان وهما { في الأرض ~~خليفة } وهو من يخلف غيره «فعيلة» بمعنى «فاعلة» وزيدت الهاء ~~للمبالغة والمعنى: خليفة منكم لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم ~~وذريته. ولم يقل خلائف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم. واستغنى بذكره ~~عن ذكر بنيه كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك «مضر وهاشم»، أو أريد ~~من يخلفكم أوخلقا يخلفكم فوحد لذلك، أو خليفة مني لأن آدم كان خليفة ~~الله في أرضه وكذلك كل نبي، قال الله تعالى: # يا داوود إنا جعلنك خليفة في الأرض # [ص: 26]، وإنما أخبرهم بذلك ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به ~~فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، أو ليعلم عباده المشاورة في ~~أمورهم قبل أن يقدموا ms0046 عليها وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن ~~المشاورة. { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } تعجب من ~~أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يجهل، وإنما ~~عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى، أو من جهة اللوح أو قاسوا أحد الثقلين ~~على الآخر. { ويسفك الدماء } أي يصب. والواو في { ونحن ~~نسبح } للحال كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان؟ { ~~بحمدك } في موضع الحال أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك كقوله ~~تعالى: # وقد دخلوا بالكفر # [المائدة: 61]، أي دخلوا كافرين. { ونقدس لك } ونطهر أنفسنا لك. ~~وقيل: التسبيح والتقديس تبعيد الله من السوء من سبح في الأرض وقدس فيها ~~إذا ذهب فيها وأبعد. { قال إني أعلم ما لا تعلمون } أي ~~أعلم من الحكم في ذلك ما هو خفي عليكم يعني يكون فيهم الأنبياء والأولياء ~~والعلماء. و «ما» بمعنى «الذي» وهو مفعول أعلم والعائد محذوف أي ما لا ~~تعلمونه. «إنى» حجازي وأبو عمرو. # { وعلم ءادم } هو اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزو ~~واشتقاقهم آدم من أديم الأرض أو من الأدمة كاشتقاقهم يعقوب من العقب ~~وإدريس من الدرس وإبليس من الإبلاس. # { الأسماء كلها } أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه ~~معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء إذ الإسم يدل على المسمى وعوض منه ~~اللام كقوله تعالى: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4]، ولا يصح أن يقدر وعلم آدم مسميات الأسماء على حذف المضاف ~~وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن التعليم تعلق بالأسماء لا بالمسميات لقوله ~~تعالى: «أنبئوني بأسماء هؤلاء» - و- «أنبئهم بأسمائهم»، ولم يقل «أنبئوني ~~بهؤلاء وأنبئهم بهم». ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه ~~الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا ~~وهذا اسمه كذا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: علمه اسم كل شيء حتى القصعة ~~والمغرفة. { ثم عرضهم على الملئكة } أي عرض المسميات، ~~وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم. وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم ~~عن الإنباء على سبيل التبكيت { فقال أنبئوني ms0047 } أخبروني { ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صدقين } في زعمكم أني أستخلف في ~~الأرض مفسدين سفاكين للدماء، وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من ~~الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن ~~يستخلفوا. { قالوا سبحنك } تنزيها لك أن يخفى عليك شيء أو عن ~~الاعتراض عليك في تدبيرك. وأفادتنا الآية أن علم الأسماء فوق التخلي ~~للعبادة فكيف بعلم الشريعة؟! وانتصابه على المصدر تقديره سبحت الله ~~تسبيحا { لا علم لنا إلا ما علمتنا } وليس فيه علم ~~الأسماء، و «ما» بمعنى «الذي»، والعلم بمعنى المعلوم أي لا معلوم لنا، ~~إلا الذي علمتنا. { إنك أنت العليم } غير المعلم { الحكيم ~~} فيما قضيت وقدرت. والكاف اسم «إن» و «أنت» مبتدأ وما بعده خبره والجملة ~~خبر «إن»، أو «أنت» فصل والخبر «العليم». و«الحكيم» خبر ثان. ### || [2.33-38] # { قال ياءادم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم } سمى كل شيء باسمه. { قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السموات والأرض } أي أعلم ما غاب فيهما عنكم ~~مما كان ومما يكون. { وأعلم ما تبدون } تظهرون. { وما ~~كنتم تكتمون } تسرون. # { وإذا قلنا للملئكة اسجدوا لآدم } أي اخضعوا له ~~وأقروا بالفضل له. عن أبي بن كعب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذلك ~~انحناء ولم يكن خرورا على الذقن. والجمهور على أن المأمور به وضع الوجه ~~على الأرض. وكان السجود تحية لآدم عليه السلام في الصحيح إذ لو كان لله ~~تعالى لما امتنع عنه إبليس. وكان سجود التحية جائزا فيما مضى ثم نسخ ~~بقوله عليه السلام لسلمان حين أراد أن يسجد له # " لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا لله تعالى» ". # { فسجدوا إلا إبليس } الاستثناء متصل لأنه كان من الملائكة ~~كذا قاله علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، ولأن الأصل أن ~~الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12]، وقوله: # كان من الجن # [الكهف: 50] معناه صار من الجن كقوله # فكان من المغرقين # [هود: 43]. وقيل: الاستثناء منقطع لأنه لم يكن من الملائكة بل ms0048 كان من ~~الجن بالنص وهو قول الحسن وقتادة، ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من ~~النور، ولأنه أبى وعصى واستكبر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ولا ~~يستكبرون عن عبادته. ولأنه قال: # أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني # [الكهف: 50]، ولا نسل للملائكة. وعن الجاحظ أن الجن والملائكة جنس واحد، ~~فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن. { ~~أبى } امتنع مما أمر به { واستكبر } تكبر عنه. { وكان من ~~الكفرين } وصار من الكافرين بإبائه واستكباره ورده الأمر لا بترك ~~العمل بالأمر، لأن ترك السجود لا يخرج من الإيمان ولا يكون كفرا عند أهل ~~السنة خلافا للمعتزلة والخوارج، أو كان من الكافرين في علم الله أي وكان ~~في علم الله أنه يكفر بعد إيمانه لأنه كان كافرا أبدا في علم الله وهي ~~مسألة الموافاة. # { وقلنا يئادم اسكن } أمر من سكن الدار يسكنها سكنى إذا ~~أقام فيها ويقال سكن المتحرك سكونا { أنت } تأكيد للمستكن في «اسكن» ~~ليصح عطف { وزوجك } عليه { الجنة } هي جنة الخلد التي وعدت ~~للمتقين للنقل المشهور واللام للتعريف. وقالت المعتزلة: كانت بستانا ~~باليمن لأن الجنة لا تكليف فيها ولا خروج عنها. قلنا: إنما لا يخرج منها ~~من دخلها جزاء. وقد دخل النبي عليه السلام ليلة المعراج ثم خرج منها، ~~وأهل الجنة يكلفون المعرفة والتوحيد. # { وكلا منها } من ثمارها فحذف المضاف. { رغدا } وصف للمصدر أي ~~أكلا رغدا واسعا { حيث شئتما } شئتما وبابه بغير همز: أبو ~~عمرو. وحيث للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما { ولا تقربا ~~هذه الشجرة } أي الحنطة. ولذا قيل: كيف لا يعصي الإنسان وقوته ~~من شجرة العصيان، أو الكرمة لأنها أصل كل فتنة، أو التينة. { فتكونا ~~} جزم عطف على «تقربا» أو نصب جواب للنهي. { من الظلمين } من ~~الذين ظلموا أنفسهم أو من الضارين أنفسهم. { فأزلهما ~~الشيطن عنها } أي عن الشجرة، أي فحملهما الشيطان على الزلة ~~بسببها. وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها أو فأزلهما عن الجنة بمعنى ~~أذهبهما عنها وأبعدهما. «فأزالهما» حمزة. وزلة ms0049 آدم بالخطأ في التأويل إما ~~بحمل النهي على التنزيه دون التحريم، أو بحمل اللام على تعريف العهد وكأن ~~الله تعالى أراد الجنس والأول الوجه. وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم ~~الزلة على الأنبياء عليهم السلام كما قال مشايخ بخارى. فإنه اسم الفعل ~~يقع على خلاف الأمر من غير قصد إلى الخلاف كزلة الماشي في الطين. وقال ~~مشايخ سمرقند: لا يطلق اسم الزلة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية. وإنما ~~يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه. { فأخرجهما مما ~~كانا فيه } من النعيم والكرامة، أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في ~~«عنها». وقد توصل إلى إزلالهما بعدما قيل له # فاخرج منها فإنك رجيم # لأنه منع عن دخولها على جهة التكرمة كدخول الملائكة لا عن دخولها على ~~جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. وروي أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة فدخل ~~في فم الحية حتى دخلت به. وقيل: قام عند الباب فنادى. { وقلنا ~~اهبطوا } الهبوط النزول إلى الأرض. والخطاب لآدم وحواء وإبليس وقيل ~~والحية والصحيح لآدم وحواء. والمراد هما وذريتهما لأنهما لما كانا أصل ~~الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم ويدل عليه قوله تعالى: # قال اهبطا منها جميعا # [طه: 123] { بعضكم لبعض عدو } المراد به ما عليه الناس من ~~التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض. والجملة في موضع الحال من الواو في ~~«اهبطوا» أي اهبطوا متعادين. { ولكم في الأرض مستقر } موضع ~~استقرار أو استقرار. { ومتع } وتمتع بالعيش. { إلى حين } إلى ~~يوم القيامة أو إلى الموت. قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة ~~حزنا طويلا. # { فتلقى ءادم من ربه كلمات } أي استقبلها بالأخذ ~~والقبول والعمل بها. وبنصب «آدم» ورفع «كلمات»: مكي على أنها استقبلته ~~بأن بلغته واتصلت به وهنا قوله تعالى: # ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخسرين # [الأعراف: 23]. وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل ~~من الذنوب. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن أحب الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا ~~آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللهم ms0050 وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا ~~إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ~~ألم تنفخ في من روحك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ ألم تسكنى جنتك؟ وهو تعالى ~~يقول: بلى بلى. قال: فلم أخرجتني من الجنة؟ قال: بشؤم معصيتك. قال: فلو ~~تبت أراجعي أنت إليها؟ قال: نعم { فتاب عليه } فرجع عليه بالرحمة ~~والقبول. واكتفى بذكر توبة آدم لأن حواء كانت تبعا له، وقد طوى ذكر ~~النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك. { إنه هو التواب } الكثير ~~القبول للتوبة. { الرحيم } على عباده. { قلنا اهبطوا منها ~~جميعا } حال أي مجتمعين. وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد، أو لأن الهبوط ~~الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض، أو لما نيط به ~~من زيادة قوله. { فإما يأتينكم مني هدى } أي رسول أبعثه ~~إليكم، أو كتاب أنزله عليكم بدليل قوله تعالى: { والذين كفروا ~~وكذبوا بآيتنا } في مقابلة قوله { فمن تبع هداي } أي ~~بالقبول والإيمان به. { فلا خوف عليهم } في المستقبل { ولا ~~هم يحزنون } على ما خلفوا. والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط ~~الأول كقولك «إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك». «فلا خوف» بالفتح في كل ~~القرآن: يعقوب. ### || [2.39-43] # { والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك } مبتدأ ~~والخبر { أصحب النار } أي أهلها ومستحقوها. والجملة في موضع ~~الرفع خبر المبتدأ أعني والذين { هم فيها خلدون } { يا بني ~~إسرءيل } هو يعقوب عليه السلام وهو لقب له ومعناه في لسانهم صفوة ~~الله أو عبد الله. فإسرا هو العبد أو الصفوة، وإيل هو الله بالعبرية، وهو ~~غير منصرف لوجود العلمية والعجمة. { اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } ذكرهم النعمة أن لا يخلوا بشكرها ويطيعوا ~~مانحها. وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من ~~فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل والتوبة عليهم، وما ~~أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم ms0051 المبشر به في ~~التوراة والإنجيل. { وأوفوا } أدوا وافيا تاما، يقال وفيت له ~~بالعهد فأنا واف به وأوفيت له بالعهد فأنا موف به، والاختيار أوفيت، ~~وعليه نزل التنزيل. { بعهدي } بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي ~~والطاعة لي، أو من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز. { أوف ~~بعهدكم } بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم. والعهد يضاف ~~إلى المعاهد والمعاهد جميعا. وعن قتادة: هما لئن أقمتم # ولأكفرن # وقال أهل الإشارة: أوفوا في دار محنتي، على بساط خدمتي، بحفظ حرمتي، أوف ~~في دار نعمتي، على بساط كرامتي، بسرور رؤيتي. { وإيى فارهبون ~~} فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك «زيدا رهبته» وهو أوكد في إفادة الاختصاص ~~من # إياك نعبد # [الفاتحة: 4] «وإياي» منصوب بفعل مضمر دل عليه ما بعده وتقديره ~~فارهبوا إياي فارهبون، وحذف الأول لأن الثاني يدل عليه. وإنما لم ينتصب ~~بقوله «فارهبون» لأنه أخذ مفعوله وهو الياء المحذوفة وكسرة النون دليل ~~الياء كما لا يجوز نصب زيد في «زيدا فاضربه» ب «اضرب» الذي هو ظاهر. # { وءامنوا بما أنزلت } يعني القرآن { مصدقا } حال مؤكدة ~~من الهاء المحذوفة كأنه قيل أنزلته مصدقا { لما معكم } من ~~التوراة يعني في العبادة والتوحيد والنبوة وأمر محمد عليه السلام { ولا ~~تكونوا أول كافر به } أي أول من كفر به أو أول حزب أو فوج ~~كافر به، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به. وهذا تعريض بأنه كان يجب ~~أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، والضمير في به يعود إلى ~~القرآن. { ولا تشتروا } ولا تستبدلوا. { بآيتي } بتغييرها ~~وتحريفها. { ثمنا قليلا } قال الحسن: هو الدنيا بحذافيرها. وقيل: ~~هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو اتبعوا رسول ~~الله. { وإيى فاتقون } فخافوني «فارهبوني» «فاتقوني» بالياء ~~في الحالين وكذلك كل ياء محذوفة في الخط: يعقوب. # { ولا تلبسوا الحق بالبطل } لبس الحق بالباطل خلطه. ~~والباء، إن كانت صلة مثلها في قولك «لبست الشيء بالشيء» خلطته به، كان ~~المعنى ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق ms0052 المنزل بالباطل ~~الذي كتبتم حتى لا يميز بين حقها وباطلكم. وإن كانت باء الاستعانة كالتي ~~في قولك «كتبت بالقلم»، كان المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها ~~بباطلكم الذي تكتبونه. { وتكتموا الحق } هو مجزوم داخل تحت حكم ~~النهي بمعنى ولا تكتموا، أو منصوب بإضمار «أن»، والواو بمعنى الجمع، أي ~~ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كقولك «لا تأكل السمك وتشرب ~~اللبن». وهما أمران متميزان، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في ~~التوراة ما ليس منها، وكتمانهم الحق أن يقولوا لا نجد في التوراة صفة ~~محمد أو حكم كذا { وأنتم تعلمون } في حال علمكم أنكم لابسون ~~وكاتمون وهو أقبح لهم لأن الجهل بالقبيح ربما عذر مرتكبه. { وأقيموا ~~الصلوة وآتوا الزكوة } أي صلاة المسلمين وزكاتهم. { ~~واركعوا مع الراكعين } منهم لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم أي ~~أسلموا واعملوا عمل أهل الإسلام. وجاز أن يراد بالركوع الصلاة كما يعبر ~~عنها بالسجود، وأن يكون أمرا بالصلاة مع المصلين يعني في الجماعة، أي ~~صلوها مع المصلين لا منفردين. ### || [2.44-53] # والهمزة في { أتأمرون الناس } للتقرير مع التوبيخ والتعجب من ~~حالهم. { بالبر } أي سعة الخير والمعروف ومنه البر لسعته، ويتناول كل ~~خير ومنه قولهم «صدقت وبررت». وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من ~~أقاربهم وغيرهم باتباع محمد عليه السلام ولا يتبعونه. وقيل: كانوا يأمرون ~~بالصدقة ولا يتصدقون وإذا أتوا بالصدقات ليفرقوها خانوا فيها. { ~~وتنسون أنفسكم } وتتركونها من البر كالمنسيات. { وأنتم ~~تتلون الكتب } تبكيت أن تتلون التوراة وفيها نعت محمد عليه ~~السلام أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل. { ~~أفلا تعقلون } أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم ~~استقباحه عن ارتكابه وهو توبيخ عظيم. { واستعينوا } على حوائجكم ~~إلى الله { بالصبر والصلوة } أي بالجمع بينهما وأن تصلوا ~~صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ~~ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع ~~واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا ~~على البلايا والنوائب ms0053 بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه نعى إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع وصلى ~~ركعتين ثم قال: # " واستعينوا بالصبر والصلاة " # وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات ومنه قيل لشهر رمضان شهر الصبر. ~~وقيل: الصلاة الدعاء أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى ~~الدعاء والابتهال إلى الله في دفعه. { وإنها } الضمير للصلاة أو ~~للاستعانة. { لكبيرة } لشاقة ثقيلة من قولك «كبر علي هذا الأمر» ~~{ إلا على الخشعين } لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على ~~متاعبها فتهون عليهم، ألا ترى إلى قوله: { الذين يظنون أنهم ~~ملقوا ربهم } أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه. ~~وفسر «يظنون» ب «يتيقنون» لقراءة عبد الله «يعلمون»، أي يعلمون أنه لا ~~بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج ~~الثواب كانت عليه مشقة خالصة. والخشوع الإخبات والتطامن وأما الخضوع ~~فاللين والانقياد. وفسر اللقاء بالرؤية وملاقو ربهم بمعاينوه بلا كيف. { ~~وأنهم إليه رجعون } لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه. # { خلدون يبني إسرءيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } التكرير للتأكيد { وأني فضلتكم } نصب ~~عطف على «نعمتي» أي اذكروا نعمتي وتفضيلي. { على العلمين } على ~~الجم الغفير من الناس يقال «رأيت عالما من الناس» والمراد الكثرة. { ~~واتقوا يوما } أي يوم القيامة وهو مفعول به لا ظرف. { لا ~~تجزي نفس } مؤمنة. # { عن نفس } كافرة { شيئا } أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق ~~التي لزمتها. و«شيئا» مفعول به أو مصدر أي قليلا من الجزاء، والجملة ~~منصوبة المحل صفة ويوما والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره لا تجزى ~~فيه و { ولا يقبل منها شفاعة } «ولا تقبل» بالتاء:مكي وبصري، والضمير في ~~«منها» يرجع إلى النفس المؤمنة أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة، وقيل: ~~كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا فهو كقوله: # فما تنفعهم شفعة الشفعين # وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة ms0054 للعصاة مردود لأن المنفي شفاعة ~~الكفار وقد قال عليه السلام # " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي من كذب بها لم ينلها " # { ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية لأنها معادلة للمفدي. { ~~ولا هم ينصرون } يعاونون وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس ~~الكثيرة، وذكر لمعنى العباد أو الأناسي. # { وإذ نجينكم من ءال فرعون } أصل آل أهل ولذلك يصغر ~~بأهيل فأبدلت هاؤه ألفا وخص استعماله بأولى الخطر كالملوك وأشباههم فلا ~~يقال آل الإسكاف والحجام، وفرعون علم لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم ~~وكسرى لملك الفرس. { يسومونكم } حال من «آل فرعون» أي يولونكم من ~~سامه خسفا إذا أولاه ظلما، وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنها بمعنى ~~يبغونكم { سوء العذاب } ويريدونكم عليه ومساومة البيع مزيدة أو ~~مطالبة، وسوء مفعول ثان ل «يسومونكم» وهو مصدر سيىء. يقال: أعوذ بالله ~~من سوء الخلق و«سوء» الفعل يراد قبحهما، ومعنى سوء العذاب، والعذاب كله ~~سيىء أشده وأفظعه. { يذبحون أبناءكم } بيان لقوله «يسومونكم» ~~ولذا ترك العاطف { ويستحيون نساءكم } يتركون بناتكم أحياء ~~للخدمة، وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود ~~يزول ملكه بسببه كما أنذروا نمرود فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ ~~وكان ما شاء الله { وفي ذلكم بلاء } محنة إن أشير بذلكم إلى صنع ~~فرعون، ونعمة إن أشير به إلى الانتجاء. { من ربكم } ، صفة ل ~~«بلاء» { عظيم } صفة ثانية. # { وإذ فرقنا } فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. ~~وقرىء «فرقنا» أي فصلنا يقال: فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن ~~المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط. { بكم البحر } كانوا ~~يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم، أو فرقناه بسببكم، أو ~~فرقناه ملتبسا بكم فيكون في موضع الحال. روي أن بني إسرائيل قالوا ~~لموسى عليه السلام: أين أصحابنا فنحن لا نرضى حتى نراهم، فأوحى الله إليه ~~أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا ~~كلامهم. { فأنجينكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم ~~تنظرون } إلى ذلك وتشاهدونه ولا تشكون فيه. وإنما ms0055 قال { وإذ ~~وعدنا موسى } لأن الله تعالى وعده الوحي ووعده هو المجيء للميقات ~~إلى الطور. # «وعدنا» حيث كان بصري. لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن ~~لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله تعالى موسى أن ينزل عليه التوراة وضرب له ~~ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وقال { أربعين ليلة } لأن ~~الشهور غررها بالليالي و«أربعين» مفعول ثان ل «واعدنا» لا ظرف لأنه ليس ~~معناه واعدناه في أربعين ليلة { ثم اتخذتم العجل } أي إلها ~~فحذف المفعول الثاني ل «اتخذتم»، وبابه بالإظهار مكي وحفص { من ~~بعده } من بعد ذهابه إلى الطور، { وأنتم ظلمون } أي بوضعكم ~~العبادة غير موضعها والجملة حال أي عبدتموه ظالمين. { ثم عفونا ~~عنكم } محونا ذنوبكم عنكم. { من بعد ذلك } من بعد اتخاذكم ~~العجل. { لعلكم تشكرون } لكي تشكروا النعمة في العفو عنكم. # { وإذ ءاتينا موسى الكتب والفرقان } يعني الجامع ~~بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة ~~ونظيره «رأيت الغيث والليث» تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة. أو ~~التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من ~~الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام. وقيل: الفرقان انفلاق البحر ~~أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه { لعلكم تهتدون } لكي ~~تهتدوا. ### || [2.54-59] # { وإذ قال موسى لقومه } للذين عبدوا العجل. { يقوم ~~إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل } معبودا { ~~فتوبوا إلى بارئكم } هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت. ~~وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم إبرياء ~~من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة { ~~فاقتلوا أنفسكم } قيل: هو على الظاهر وهو البخع. وقيل: معناه ~~قتل بعضهم بعضا. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة فقتل ~~سبعون ألفا. { ذلكم } التوبة والقتل { خير لكم عند ~~بارئكم } من الإصرار على المعصية. { فتاب عليكم إنه ~~هو التواب } المفضال بقبول التوبة وإن كثرت { الرحيم } يعفو ~~الحوبة وإن كبرت. والفاء الأولى للتسبيب لأن الظلم سبب التوبة، والثانية ~~للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة ms0056 فاقتلوا أنفسكم إذ الله تعالى جعل ~~توبتهم قتل أنفسهم، والثالثة متعلقة بشرط محذوف كأنه قال فإن فعلتم فقد ~~تاب عليكم. { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة } عيانا وانتصابها على المصدر كما تنصب القرفصاء ~~بفعل الجلوس، أو على الحال من «نرى» أي ذوي جهرة. { فأخذتكم ~~الصعقة } أي الموت. قيل: هي نار جاءت من السماء فأحرقتهم. روي أن ~~السبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الانطلاق إلى الجبل قالوا ~~له: نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة. فقال موسى: سألته ~~ذلك فأباه علي. فقالوا: إنك رأيت الله تعالى فلن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة. فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم. وتعلقت المعتزلة بهذه الآية في ~~نفي الرؤية لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت. ~~قلنا: إنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم: إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة كفر منهم. ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته ~~حتى يروا ربهم جهرة، والإيمان بالانبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز ~~اقتراح الآيات عليهم. ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد. ~~{ وأنتم تنظرون } إليها حين نزلت. { ثم بعثنكم } ~~أحييناكم وأصله الإثارة { من بعد موتكم لعلكم تشكرون ~~} نعمة البعث بعد الموت. { وظللنا عليكم الغمام } جعلنا ~~الغمام يظلكم وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من ~~الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى ~~{ وأنزلنا عليكم المن } الترنجبين وكان ينزل عليهم مثل ~~الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. { والسلوى } ~~كان يبعث الله عليهم الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل ~~منها ما يكفيه. # وقلنا لهم { كلوا من طيبت } لذيذات أو حلالات { ما ~~رزقنكم وما ظلمونا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ~~ظلمونا { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أنفسهم مفعول ~~«يظلمون» وهو خبر «كان». { وإذ قلنا } لهم بعدما خرجوا من التيه. { ~~ادخلوا هذه القرية } أي ms0057 بيت المقدس أو أريحاء. والقرية ~~المجتمع من قريت لأنها تجمع الخلق، أمروا بدخولها بعد التيه. { فكلوا ~~منها } من طعام القرية وثمارها. { حيث شئتم رغدا } واسعا { ~~وادخلوا الباب } باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون ~~إليها، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام وإنما دخلوا ~~الباب في حياته ودخلوا بيت المقدس بعده. { سجدا }. # حال وهو جمع ساجد، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله ~~تعالى وتواضعا له. { وقولوا حطة } فعلة من الحط كالجلسة وهي خبر ~~مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة، والأصل النصب وقد قرىء به بمعنى ~~حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات. وقيل: أمرنا حطة أي أن ~~نحط في هذه القرية ونستقر فيها. وعن علي رضي الله عنه: وهو بسم الله ~~الرحمن الرحيم. وعن عكرمة: هو لا إله إلا الله. { نغفر لكم ~~خطيكم } جمع خطيئة وهي الذنب. «يغفر»: مدني «تغفر»: شامي. { ~~وسنزيد المحسنين } أي من كان محسنا منكم. كانت تلك الكلمة ~~سببا في زيادة ثوابه ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة. { فبدل ~~الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } فيه حذف ~~وتقديره فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولا غير الذي قيل لهم، ف ~~«بدل» يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى آخر بالباء، فالذي مع الباء متروك ~~والذي بغير باء موجود، يعني وضعوا مكان حطة قولا غيرها أي أمروا بقول ~~معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم ~~يمتثلوا أمر الله. وقيل: قالوا مكان حطة حنطة. وقيل: قالوا بالنبطية حطا ~~سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم وعدولا عن طلب ما عند ~~الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا. { فأنزلنا على الذين ~~ظلموا رجزا } عذابا. وفي تكرير «الذين ظلموا» زيادة في تقبيح ~~أمرهم وإيذان بإنزال الرجز عليهم لظلمهم. { من السماء } صفة لرجز ~~{ بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. روي أنه مات منهم في ساعة ~~بالطاعون أربعة وعشرون ألفا وقيل سبعون ألفا. ### || [2.60-61] ms0058 # { وإذ استسقى موسى لقومه } موضع إذ نصب كأنه قيل: ~~واذكروا إذا استسقى أي استدعي أن يسقي قومه. { فقلنا اضرب ~~بعصاك الحجر } عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له ~~اضرب بعصاك الحجر. واللام للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه ~~حجر طوري حمله معه وكان مربعا له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث ~~أعين لكل سبط عين وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر إثنا عشر ميلا، أو ~~للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وهذا أظهر في الحجة وأبين في ~~القدرة. { فانفجرت } الفاء متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أي سالت ~~بكثرة، أو فإن ضربت فقد انفجرت وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام ~~بليغ. { منه اثنتا عشرة عينا } على عدد الأسباط وقرىء بكسر ~~الشين وفتحها وهما لغتان، وعينا تمييز. { قد علم كل أناس } ~~كل سبط { مشربهم } عينهم التي يشربون منها. وقلنا لهم { كلوا } ~~من المن والسلوى. { واشربوا } من ماء العيون. { من رزق الله ~~} أي الكل مما رزقكم الله. { ولا تعثوا في الأرض } لا تفسدوا ~~فيها. والعيث أشد الفساد { مفسدين } حال مؤكدة أي لا تتمادوا في ~~الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه. { وإذ قلتم ~~يموسى لن نصبر على طعام وحد } هو ما رزقوا في التيه ~~من المن والسلوى. وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان لأنهم أرادوا ~~بالواحد ما لا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل ~~يوم لا يبدلها يقال لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا ويراد بالوحدة نفي ~~التبدل والاختلاف. أو أرادوا أنهما ضرب واحد لأنهما معا من طعام أهل ~~التلذذ والترف وكانوا من أهل الزراعات فأرادوا ما ألفوا من البقول ~~والحبوب وغير ذلك { فادع لنا ربك } سله وقل له أخرج لنا { ~~يخرج لنا } يظهر لنا ويوجد { مما تنبت الأرض من ~~بقلها } هو ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايب البقول ~~كالنعناع والكرفس والكراث ونحوهما مما يأكل الناس. { وقثآئها } ~~يعني الخيار { وفومها } هو الحنطة أو ms0059 الثوم لقراءة ابن مسعود ~~و«ثومها» { وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي ~~هو أدنى } أقرب منزلة وأدون مقدارا والدنو والقرب يعبر بهما عن ~~قلة المقدار { بالذي هو خير } أرفع وأجل. { اهبطوا مصرا ~~} من الأمصار أي انحدروا إليه من التيه. وبلاد التيه ما بين بيت المقدس ~~إلى قنسرين وهي اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ، أو مصر فرعون. وإنما ~~صرفه من وجود السببين وهما التأنيث والتعريف لإرادة البلد، أو لسكون وسطه ~~كنوح ولوط وفيهما العجمة والتعريف { فإن لكم } فيها { ما ~~سألتم } أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في التيه. # { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } أي الهوان والفقر ~~يعني جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم فيها كما يكون في القبة من ~~ضربت عليه، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط ~~فيلزمه. فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة وفقر إما على الحقيقة وإما ~~لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية. «عليهم الذلة»: حمزة وعلي ~~وكذا كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة وبكسر الهاء والميم: أبو عمرو. وبكسر ~~الهاء وضم الميم: غيرهم. { وباءوا بغضب من الله } من قولك ~~«باء فلان بفلان» إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له. أي صاروا ~~أحقاء بغضبه. وعن الكسائي حفوا { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من ضرب ~~الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب. { بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيت الله ويقتلون النبيين } بالهمزة: نافع وكذا ~~بابه. أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء. وقد قتلت اليهود شعياء وزكريا ~~ويحيى صلوات الله عليهم. والنبي من النبإ لأنه يخبر عن الله تعالى ~~«فعيل» بمعنى «مفعل» أو بمعنى «مفعل». أو من نبا أي ارتفع، والنبوة ~~المكان المرتفع. { بغير الحق } عندهم أيضا فإنهم لو أنصفوا لم ~~يذكروا شيئا يستحقون به القتل عندهم في التوراة. وهو في محل النصب على ~~الحال من الضمير في «يقتلون» أي يقتلونهم مبطلين { ذلك } تكرار ~~للإشارة. { بما عصوا وكانوا يعتدون } بسبب ارتكابهم أنواع ~~المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء مع كفرهم بآيات الله وقتلهم ~~الأنبياء. وقيل: هو ms0060 اعتداؤهم في السبت. ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر ~~وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا ~~فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتلهم الأنبياء، أو ~~ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا. ### || [2.62-67] # { إن الذين ءامنوا } بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم ~~المنافقون. { والذين هادوا } تهودوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل ~~في اليهودية وهو هائد والجمع هود. { والنصرى } جمع نصران كندمان ~~وندامى يقال رجل نصران وامرأة نصرانة. والياء في نصراني للمبالغة كالتي ~~في «أحمري» سموا نصارى لأنهم نصروا المسيح. { والصبئين } ~~الخارجين من دين مشهور إلى غيره من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا ~~عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة. وقيل: هم يقرؤون الزبور. { ~~من ءامن بالله واليوم الآخر } من هؤلاء الكفرة إيمانا ~~خالصا { وعمل صلحا فلهم أجرهم } ثوابهم { عند ~~ربهم } في الآخرة { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~} ومحل «من آمن» الرفع إن جعلته مبتدأ خبره فلهم أجرهم، والنصب إن جعلته ~~بدلا من اسم إن والمعطوف عليه. فخبر إن في الوجه الأول الجملة كما هي، ~~وفي الثاني «فلهم» والفاء لتضمن «من» معنى الشرط. # { وإذ أخذنا ميثقكم } بقبول ما في التوراة. { ورفعنا ~~فوقكم الطور } أي الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وذلك أن موسى ~~عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة ~~فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع الطور ~~من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم حتى ~~قبلوا وقلنا لكم. { خذوا ما ءاتينكم } من الكتاب أي التوراة { ~~بقوة } بجد وعزيمة { واذكروا ما فيه } واحفظوا ما في ~~الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه { لعلكم تتقون } ~~رجاء منكم أن تكونوا متقين. { ثم توليتم } ثم أعرضتم عن الميثاق ~~والوفاء به. { من بعد ذلك } من بعد القبول { فلولا فضل ~~الله عليكم ورحمته } بتأخير العذاب عنكم أو بتوفيقكم ~~للتوبة. { لكنتم من الخسرين } الهالكين في العذاب. # { ولقد علمتم } عرفتم فيتعدى إلى مفعول واحد { الذين ms0061 ~~اعتدوا منكم في السبت } هو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم ~~السبت. وقد اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة ~~وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ~~ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا ~~مضى تفرقت فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان ~~تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد فكانوا يسدون مشارعها من البحر ~~فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم. { فقلنا ~~لهم كونوا } بتكويننا إياكم { قردة خسئين } خبر كان أي ~~كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغاروالطرد. يعني المسخة { ~~نكلا } عبرة تنكل من اعتبر بها أن تمنعه. # { لما بين يديها } لما قبلها. { وما خلفها } وما بعدها ~~من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر ~~بها من بلغتهم من الآخرين. { وموعظة للمتقين } الذين نهوهم ~~عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متق سمعها. # { وإذ قال موسى لقومه } أي واذكروا إذ قال موسى، وهو معطوف ~~على نعمتي في قوله # اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم # [البقرة: 40] كأنه قال: اذكروا ذاك واذكروا إذ قال موسى. وكذلك هذا في ~~الظروف التي مضت أي اذكروا نعمتي، واذكروا وقت إنجائنا إياكم، واذكروا ~~وقت فرقنا، واذكروا نعمتي، واذكروا وقت استسقاء موسى ربه لقومه. والظروف ~~التي تأتي إلى قوله # وإذا ابتلى إبرهيم ربه # [البقرة: 124]. { إن الله يأمركم أن } أي بأن { ~~تذبحوا بقرة } قال المفسرون: أول القصة مؤخر في التلاوة وهو ~~قوله تعالى «وإذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها». وذلك أن رجلا موسرا اسمه ~~«عاميل» قتله بنو عمه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون ~~بديته فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله. ~~{ قالوا أتتخذنا هزوا } أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو ~~الهزء نفسه لفرط الاستهزاء. «هزأ» بسكون الزاي والهمزة: حمزة، وبضمتين ~~والواو: حفص. غيرهما بالتثقيل والهمزة. { قال أعوذ بالله } ~~العياذ واللياذ من واد واحد. { أن أكون من الجهلين } لأن ~~الهزء ms0062 في مثل هذا من باب الجهل والسفه، وفيه تعريض بهم أي أنتم جاهلون ~~حيث نسبتموني إلى الاستهزاء. ### || [2.68-72] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } سؤال عن حالها ~~وصفتها لأنهم كانوا عالمين بماهيتها، لأن «ما» وإن كانت سؤالا عن الجنس، ~~و «كيف» عن الوصف ولكن قد تقع «ما» موقع «كيف»، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ~~ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشان، ~~و«ما هي» خبر ومبتدأ. { قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~فارض } مسنة، وسميت فارضا لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها. ~~وارتفع «فارض» لأنه صفة ل «بقرة»، وقوله: { ولا بكر } فتية عطف ~~عليه. { عوان } نصف. { بين ذلك } بين الفارض والبكر، ولم يقل ~~بين ذينك مع أن «بين» يقتضي شيئين فصاعدا لأنه أراد بين هذا المذكور، ~~وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في ~~قوله: # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # إن أردت الخطوط فقل كأنها. وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما، فقال: ~~أردت كأن ذاك. { فافعلوا ما تؤمرون } أي تؤمرونه بمعنى تؤمرون ~~به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير. # { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } موضع ~~«ما» رفع لأن معناه الاستفهام تقديره: ادع لنا ربك يبين لنا أي شيء ~~لونها. { قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها } الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه يقال في التوكيد أصفر ~~فاقع، وهو توكيد لصفراء وليس خبرا عن اللون إلا أنه ارتفع اللون به ~~ارتفاع الفاعل، ولا فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها، وفي ذكر ~~اللون فائدة التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل شديدة ~~الصفرة صفرتها فهو من قولك جد جده { تسر النظرين } لحسنها. ~~والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. عن علي رضي الله عنه: من ~~لبس نعلا صفراء قل همه لقوله تعالى: «تسر الناظرين»، { قالوا ادع ~~لنا ربك يبين لنا ms0063 ما هى } تكرير للسؤال عن حالها وصفتها ~~واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها، وعن النبي عليه السلام # " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم " # والاستقصاء شؤم { إن البقر تشبه علينا } إن البقر ~~الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا { وإنا إن شاء ~~الله لمهتدون } إلى البقرة المراد ذبحها أو إلى ما خفي علينا من ~~أمر القاتل، و«إن شاء الله» اعتراض بين اسم «إن» وخبرها. وفي الحديث # " لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " # أي لو لم يقولوا إن شاء الله { قال إنه يقول إنها بقرة ~~لا ذلول تثير الأرض } لا ذلول صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، ~~يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض { ولا تسقي الحرث } ولا هي من ~~النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروق، و «لا» الأولى نافية والثانية ~~مزيدة لتوكيد الأولى لأن المعنى لا ذلول تثير الأرض أي تقلبها للزراعة ~~وتسقي الحرث على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية { ~~مسلمة } عن العيوب وآثار العمل. # { لا شية فيها } لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة فهي ~~صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية إذا خلط ~~بلونه لون آخر. { قالوا الئن جئت بالحق } أي بحقيقة وصف ~~البقرة وما بقي إشكال في أمرها، «جئت» وبابه بغير همز: أبو عمرو { ~~فذبحوها } فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها { وما ~~كادوا يفعلون } لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة في ظهور القاتل، روي ~~أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم ~~إني استودعتكها لابني حتى يكبر وكان برا بوالديه. فشبت البقرة وكانت من ~~أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا ~~وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين ~~سنة، وهذا البيان من قبيل تقييد المطلق فكان نسخا والنسخ قبل الفعل جائز ~~وكذا قبل التمكن منه عندنا خلافا للمعتزلة. { وإذ قتلتم نفسا ~~} بتقدير «واذكروا»، خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم. ms0064 { فادرأتم ~~فيها } فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي ~~يدفع، أو تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فيدفع المطروح عليه ~~الطارح، أو لأن الطرح في نفسه دفع، وأصاله تدارأتم ثم أرادوا التخفيف ~~فقلبوا التاء دالا لتصير من جنس الدال التي هي فاء الكلمة ليمكن ~~الإدغام، ثم سكنوا الدال إذ شرط الإدغام أن يكون الأول ساكنا وزيدت همزة ~~الوصل لأنه لا يمكن الابتداء بالساكن، «فاداراتم» بغير همز: أبو عمر. { ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون } مظهر لا محالة ما كتمتم ~~من أمر القتل لا يتركه مكتوما، وأعمل مخرج على حكاية ما كان مستقبلا في ~~وقت التدارؤ، وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ~~ادارأتم. ### || [2.73-74] # و { فقلنا } والضمير في { اضربوه } يرجع إلى النفس، والتذكير ~~بتأويل الشخص والإنسان، أو إلى القتيل لما دل عليه ما كنتم تكتمون. { ~~ببعضها } ببعض البقرة وهو لسانها أو فخذها اليمنى أو عجبها، والمعنى ~~فضربوه فحيى فحذف ذلك لدلالة { كذلك يحيى الله الموتى } ~~عليه. روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله تعالى وقال قتلني فلان وفلان ~~لابني عمه ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك، وقوله ~~«كذلك يحيي الله الموتى» إما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن النبي عليه ~~السلام، وإما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم ~~كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة. { ويريكم ءايته } دلائله ~~على أنه قادر على كل شيء { لعلكم تعقلون } فتعملون على قضية ~~عقولكم وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم ~~الاختصاص، والحكمة في ذبح البقرة وضربه ببعضها وإن قدر على إحيائه بلا ~~واسطة التقرب به، الإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب والتعليم لعباده ~~ترك التشديد في الأمور والمسارعة إلى امتثال أوامر الله من غير تفتيش ~~وتكثير سؤال وغير ذلك. وقيل: إنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها من ~~البهائم لأنها أفضل قرابينهم، ولعبادتهم العجل فأراد الله تعالى أن يهون ~~معبودهم عندهم، وكان ينبغي أن يقدم ذكر القتيل ms0065 والضرب ببعض البقرة على ~~الأمر بذبحها وأن يقال: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة ~~واضربوه ببعضها، ولكنه تعالى إنما قص قصص بني إسرائيل تعديدا لما وجد ~~منهم من الجنايات وتقريعا لهم عليها، وهاتان القصتان وإن كانتا متصلتين ~~فتستقل كل واحدة منهما بنوع من التقريع. فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء ~~وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية للتقريع على قتل ~~النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة الأمر بذبح ~~البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب ~~المراد في تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية ~~استئناف قصة برأسها إن وصلت بالأولى بضمير البقرة لا باسمها الصريح في ~~قوله «اضربوه ببعضها» ليعلم أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وقصة ~~واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة. وقيل: هذه القصة تشير إلى أن من أراد ~~إحياء قلبه بالمشاهدات فليمت نفسه بأنواع المجاهدات. ومعنى { ثم ~~قست قلوبكم } استبعاد القسوة { من بعد } ما ذكر مما يوجب لين ~~القلوب ورقتها. وصفة القلوب بالقسوة مثل لنبوها عن الاعتبار والاتعاظ. من ~~بعد { ذلك } إشارة إلى إحياء القتيل أو إلى جميع ما تقدم من الآيات ~~المعدودة { فهى كالحجارة } فهي في قسوتها مثل الحجارة { أو ~~أشد قسوة } منها. # وأشد معطوف على الكاف تقديره أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه. أو هي في أنفسها أشد قسوة. يعني أن من عرف حالها شبهها ~~بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلا، أو من عرفها شبهها ~~بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة. وإنما لم يقل أقسى لكونه أبين وأدل ~~على فرط القسوة. وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس كقولك «زيد كريم ~~وعمرو أكرم». { وإن من الحجارة } بيان لزيادة قسوة قلوبهم على ~~الحجارة { لما يتفجر منه الأنهر } «ما» بمعنى «الذي» ~~في موضع النصب وهو اسم «إن» واللام للتوكيد. والتفجر التفتح بالسعة ~~والكثرة. { وإن منها لما يشقق } أصله يتشقق وبه قرأ ~~الأعمش فقلبت التاء شينا وأدغمت { فيخرج منه الماء ms0066 } يعني أن ~~من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير، ومنها ما ينشق ~~انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا وقلوبهم لا تندى. { ~~وإن منها لما يهبط } يتردى من أعلى الجبل { من خشية ~~الله } قيل: هو مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما ~~يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به. وقيل: المراد به ~~حقيقة الخشية على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز. وليس شرط خلق ~~الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة وعلى ~~هذا قوله: # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل # [الحشر: 21]، الآية. يعني وقلوبهم لا تخشى. { وما الله بغفل ~~عما تعملون } وبالياء مكي وهو وعيد. ### || [2.75-81] # { أفتطمعون } الخطاب لرسول الله والمؤمنين. { أن يؤمنوا ~~لكم } أن يؤمنوا لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم كقوله تعالى: # فئامن له لوط # [العنكبوت: 26]، يعني اليهود. { وقد كان فريق منهم } طائفة ~~فيمن سلف منهم. { يسمعون كلم الله } أي التوراة. { ثم ~~يحرفونه } كما حرفوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآية ~~الرجم. { من بعد ما عقلوه } من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم. { ~~وهم يعلمون } أنهم كاذبون مفترون. والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا ~~فلهم سابقة في ذلك. { وإذا لقوا } أي المنافقون أو اليهود. { ~~الذين آمنوا } أي المخلصون من أصحاب محمد عليه السلام. { قالوا } ~~أي المنافقون { آمنا } بأنكم على الحق وأن محمدا هو الرسول المبشر به. ~~{ وإذا خلا بعضهم } الذين لم ينافقوا { إلى بعض } إلى ~~الذين نافقوا { قالوا } عاتبين عليهم { أتحدثونهم } أتخبرون ~~أصحاب محمد عليه السلام { بما فتح الله عليكم } بما بين ~~الله لكم في التوراة من صفة محمد عليه السلام { ليحاجوكم به ~~عند ربكم } ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم ~~به وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب ~~الله تعالى هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد؟ وقيل: هذا على إضمار ~~المضاف أي عند كتاب ربكم. وقيل: ليجادلوكم ويخاصموكم به بما قلتم لهم ms0067 عند ~~ربكم في الآخرة يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه. { أفلا ~~تعقلون } أن هذه حجة عليكم حيث تعترفون به ثم لا تتابعونه { أولا ~~يعلمون أن الله يعلم } جميع { ما يسرون وما ~~يعلنون } ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان. # { ومنهم } ومن اليهود { أميون } لا يحسنون الكتب فيطالعوا ~~التوراة ويتحققوا ما فيها { لا يعلمون الكتب } التوراة { ~~إلا أمانى } إلا ما هم عليه من أمانيهم وأن الله يعفو عنهم ~~ويرحمهم ولا تمسهم النار إلا أياما معدودة، أو إلا أكاذيب مختلقة سمعوها ~~من علمائهم فتقبلوها على التقليد ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت ~~منذ أسلمت، أو إلا ما يقرؤون من قوله: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخرها لا في حمام المقادر # أي لا يعلمون هؤلاء حقيقة المنزل وإنما يقرؤون أشياء أخذوها من أحبارهم. ~~والاستثناء منقطع. { وإن هم } وما هم { إلا يظنون } لا ~~يدرون ما فيه فيجحدون نبوتك بالظن. ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع ~~العلم ثم العوام الذين قلدوهم { فويل } في الحديث # " ويل واد في جهنم " # { للذين يكتبون الكتب } المحرف { بأيديهم } من ~~تلقاء أنفسهم من غير أن يكون منزلا. # وذكر الأيدي للتأكيد وهو من مجاز التأكيد { ثم يقولون هذا ~~من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } عوضا يسيرا. ~~{ فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم ~~مما يكسبون } من الرشا. { وقالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة } أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل. وعن ~~مجاهد رضي الله عنه: كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب ~~مكان كل ألف سنة يوما. { قل أتخذتم عند الله عهدا } أي ~~عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار { فلن يخلف الله ~~عهده } متعلق بمحذوف تقديره إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله ~~عهده { أم تقولون على الله ما لا تعلمون } «أم» إما أن ~~تكون معادلة أي أتقولون على الله ما تعلمون أم تقولون عليه ما لا تعلمون، ~~أو منقطعة أي بل أتقولون على الله ما لا تعلمون. { بلى } إثبات لما ~~بعد النفي ms0068 وهو لن تمسنا النار أي بلى تمسكم أبدا بدليل قوله «هم فيها ~~خالدون» { من كسب سيئة } شركا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما رضي ~~الله عنهم { وأحطت به خطيئته } وسدت عليه مسالك النجاة بأن ~~مات على شركه، فأما إذا مات مؤمنا فأعظم الطاعات وهو الإيمان معه فلا ~~يكون الذنب محيطا به فلا يتناوله النص، وبهذا التأويل يبطل تشبث ~~المعتزلة والخوارج. وقيل: استولت عليه كما يحيط العدو ولم ينفض عنها ~~بالتوبة، «خطياته» مدني. { فأولئك أصحب النار هم ~~فيها خلدون }. ### || [2.82-85] # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات أولئك ~~أصحب الجنة هم فيها خلدون * وإذ أخذنا ~~ميثق بنى إسرءيل } الميثاق العهد المؤكد غاية التأكيد { لا ~~تعبدون إلا الله } إخبار في معنى النهي كما تقول تذهب إلى ~~فلان تقول له كذا تريد الأمر. وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه ~~سورع إلى الامتثال والانتهاء وهو يخبر عنه، وتنصره قراءة أبي «لا ~~تعبدوا»، وقوله «وقولوا» والقول مضمر. «لا يعبدون»: مكي وحمزة وعلي لأن ~~بني إسرائيل اسم ظاهر والأسماء الظاهرة كلها غيب. ومعناه أن لا يعبدوا ~~فلما حذفت «أن» رفع. { وبالولدين إحسنا } أي وأحسنوا ~~ليلتئم عطف الأمر وهو قوله «وقولوا» عليه. { وذي القربى } القرابة ~~{ واليتمى } جمع يتيم وهو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم ~~لقوله عليه السلام # " لا يتم بعد البلوغ " # { والمسكين } جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة. { وقولوا ~~للناس حسنا } قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه. «حسنا»: حمزة ~~وعلي. { وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة ثم ~~توليتم } عن الميثاق ورفضتموه { إلا قليلا منكم } قيل: ~~هم الذين أسلموا منهم { وأنتم معرضون } وأنتم قوم عادتكم ~~الإعراض والتولية، عن المواثيق. # { وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون دماءكم ولا ~~تخرجون أنفسكم من ديركم } أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض. ~~جعل غير الرجل نفسه إذ اتصل به أصلا أو دينا. وقيل: إذا قتل غيره ~~فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه { ثم أقررتم } بالميثاق واعترفتم ~~على أنفسكم بلزومه { وأنتم تشهدون } عليها كما تقول: فلان مقر ~~على نفسه بكذا شاهد عليها. أو وأنتم تشهدون اليوم ms0069 يا معشر اليهود على ~~إقرار أسلافكم بهذا الميثاق { ثم أنتم هؤلاء } استبعاد لما ~~أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم ~~وشهادتهم. «أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» بمعنى «الذين» { تقتلون ~~أنفسكم } صلة «»«هؤلاء». و«هؤلاء» مع صلته خبرا «أنتم» { ~~وتخرجون فريقا منكم من ديرهم } غير مراقبين ميثاق ~~الله { تظهرون عليهم } بالتخفيف كوفي أي تتعاونون. وبالتشديد ~~غيرهم. فمن خفف فقد حذف إحدى التائين. ثم قيل: هي الثانية لأن الثقل بها. ~~وقيل: الأولى. ومن شدد قلب التاء الثانية ظاء وأدغم. { بالإثم ~~والعدون } بالمعصية والظلم. { وإن يأتوكم أسرى ~~تفدوهم } «تفدوهم»: أبو عمرو. «أسرى تفدوهم» مكي وشامي. «أسرى ~~تفدوهم»: حمزة «أسارى تفادوهم»: علي. فدى وفادى بمعنى. و«أسارى» حال وهو ~~جمع أسير وكذلك أسرى. والضمير في { وهو محرم عليكم } للشأن ~~أو هو ضمير مبهم تفسيره { إخراجهم أفتؤمنون ببعض ~~الكتب } بفداء الأسرى. { وتكفرون ببعض } بالقتال ~~والإجلاء. قال السدي: أخذ الله عليكم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج ~~وترك المظاهرة وفداء الأسير فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء. { ~~فما جزاء من يفعل ذلك } هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ~~ببعض { منكم إلا خزي } فضيحة وهوان { في الحيوة ~~الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب ~~} وهو الذي لا روح فيه ولا فرح أو إلى أشد من عذاب الدنيا { وما ~~الله بغفل عما تعملون } بالياء مكي ونافع وأبو بكر. ### || [2.86-91] # { أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا ~~بالآخرة } اختاروها على الآخرة اختيار المشتري { فلا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينصرون } ولا ينصرهم أحد بالدفع ~~عنهم. { ولقد ءاتينا موسى الكتب } التوراة. أتاه جملة { ~~وقفينا من بعده بالرسل } يقال: قفاه إذا اتبعه من القفا ~~نحو ذنبه من الذنب وقفاه به إذا أتبعه إياه. يعني وأرسلنا على أثره ~~الكثير من الرسل وهم يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء ~~وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.صلوات الله عليهم ~~{ وآتينا عيسى ابن مريم البينات } هي بمعنى الخادم، ووزن مريم عند ~~النحويين «مفعل» لأن «فعيلا» لم يثبت في الأبنية، البينات المعجزات ~~الواضحات كإحياء ms0070 الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات. { ~~وأيدنه بروح القدس } أي الطهارة وبالسكون حيث كان: مكي. ~~أي بالروح المقدسة كما يقال «حاتم الجود» ووصفها بالقدس للاختصاص ~~والتقريب. أو بجبريل عليه السلام لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، وذلك ~~لأنه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله. أو بالإنجيل كما قال في ~~القرآن # روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، أو باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره. { ~~أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى } تحب { أنفسكم ~~استكبرتم } تعظمتم عن قبوله { ففريقا كذبتم } كعيسى ~~ومحمد عليهما السلام { وفريقا تقتلون } كزكريا ويحيى عليهما ~~السلام. ولم يقل قتلتم لوفاق الفواصل، أو لأن المراد وفريقا تقتلونه بعد ~~لأنكم تحومون حول قتل محمد عليه السلام لولا أني أعصمه منكم ولذلك ~~سحرتموه وسممتم له الشاة. والمعنى ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما ~~آتيناهم فكلما جاءكم رسول منهم بالحق استكبرتم عن الإيمان به، فوسط ما ~~بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجب من شأنهم. { وقالوا ~~قلوبنا غلف } جمع أغلف أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما ~~جاء به محمد عليه السلام ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لا يختن { بل ~~لعنهم الله بكفرهم } فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك ~~لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم. ~~{ فقليلا ما يؤمنون } ف «قليلا» صفة مصدر محذوف أي فإيمانا ~~قليلا يؤمنون. و«ما» مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب. وقيل: القلة بمعنى ~~العدم. غلف تخفيف غلف وقرىء به جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن ~~مستغنون بما عندنا عن غيره، أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقا ~~لقبلنا. # { ولما جاءهم } أي اليهود { كتب من عند الله } أي ~~القرآن { مصدق لما معهم } من كتابهم لا يخالفه { وكانوا ~~من قبل } يعني القرآن { يستفتحون على الذين كفروا } ~~يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث ~~في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، ويقولون لأعدائهم المشركين: قد ~~أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم ms0071 معه قتل عاد وإرم. # { فلما جاءهم ما عرفوا } «ما» موصولة أي ما عرفوه وهو فاعل ~~«جاء». { كفروا به } بغيا وحسدا وحرصا على الرياسة. { ~~فلعنة الله على الكفرين } أي عليهم وضعا للظاهر موضع ~~المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم. واللام للعهد أو للجنس ~~ودخلوا فيه دخولا أوليا، وجواب «لما» الأولى مضمر وهو نحو كذبوا به أو ~~أنكروه، أو كفروا جواب الأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد. و «ما» في { ~~بئسما } نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أي بئس شيئا { اشتروا ~~به أنفسهم } أي باعوه والمخصوص بالذم. { أن يكفروا بما ~~أنزل الله } يعني القرآن. { بغيا } مفعول له أي حسدا وطلبا ~~لما ليس لهم، وهو علة اشتروا { أن ينزل الله } لأن ينزل. أو على ~~أن ينزل أي حسدوه على أن ينزل الله. { من فضله } الذي هو الوحي { ~~على من يشاء من عباده } وهو محمد عليه السلام. { فبآءو ~~بغضب على غضب } فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبي ~~الحق وبغوا عليه أو كفروا بمحمد بعد عيسى عليهما السلام، أو بعد قولهم ~~عزيز ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك. { وللكفرين ~~عذاب مهين } مذل. «بئسما» وبابه غير مهموز: أبو عمرو. و«ينزل» ~~بالتخفيف: مكي وبصري. { وإذا قيل لهم } لهؤلاء اليهود. { ~~آمنوا بما أنزل الله } يعني القرآن، أو مطلق يتناول كل كتاب { ~~قالوا نؤمن بما أنزل علينا } أي التوراة. { ويكفرون ~~بما وراءه } أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة. { ~~وهو الحق مصدقا لما معهم } غير مخالف له وفيه رد ~~لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها، و«مصدقا» ~~حال مؤكدة. { قل فلم تقتلون أنبياء الله } أي فلم قتلتم ~~فوضع المستقبل موضع الماضي ويدل عليه قوله { من قبل إن كنتم ~~مؤمنين } أي من قبل محمد عليه السلام، اعتراض عليهم بقتلهم ~~الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء. ~~قيل: قتلوا في يوم واحد ثلثمائة نبي في بيت المقدس. ### || [2.92-97] # { ولقد جاءكم موسى بالبينت } بالآيات التسع وأدغم ~~الدال في الجيم حيث كان أبو ms0072 عمرو وحمزة وعلي. { ثم اتخذتم ~~العجل } إلها { من بعده } من بعد خروج موسى عليه السلام إلى ~~الطور. { وأنتم ظلمون } هو حال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون ~~العبادة غير موضعها، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. { وإذ ~~أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما ~~آتيناكم بقوة } كرر ذكر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع ~~الأولى. { واسمعوا } ما أمرتم به في التوراة. { قالوا سمعنا ~~} قولك { وعصينا } أمرك وطابق قوله جوابهم من حيث إنه قال لهم ~~اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة. { ~~وأشربوا في قلوبهم العجل } أي تداخلهم حبه والحرص على ~~عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله: «في قلوبهم»، بيان لمكان الإشراب ~~والمضاف وهو الحب محذوف. { بكفرهم } بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه. ~~{ قل بئسما يأمركم به إيمنكم } بالتوراة لأنه ليس في ~~التوراة عبادة العجل، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم وكذا إضافة الإيمان ~~اليهم. { إن كنتم مؤمنين } تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم ~~له. { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } أي الجنة. { عند ~~الله } ظرف، و «لكم» خبر «كان» { خالصة } حال من الدار الآخرة أي ~~سالمة لكم ليس لأحد سواكم فيها حق يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا { من دون الناس } هو للجنس. { فتمنوا الموت ~~إن كنتم صدقين } فيما تقولون لأن من أيقن أنه من أهل الجنة ~~اشتاق إليها تخلصا من الدار ذات الشوائب كما نقل عن العشرة المبشرين ~~بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه. { ولن يتمنوه ~~أبدا } هو نصب على الظرف أي لن يتمنوه ما عاشوا { بما قدمت ~~أيديهم } بما أسلفوا من الكفر بمحمد عليه السلام وتحريف كتاب الله ~~وغير ذلك وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله # ولن تفعلوا # [البقرة: 24]، ولو تمنوه لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث. { والله ~~عليم بالظلمين } تهديد لهم. # { ولتجدنهم أحرص الناس } مفعولا وجد - «هم» - و «أحرص» ~~- { على حيوة } التنكير يدل على أن المراد حياة ms0073 مخصوصة وعلى ~~الحياة المتطاولة ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة «أبي» على الحياة ~~{ ومن الذين أشركوا } هو محمول على المعنى لأن معنى أحرص ~~الناس أحرص من الناس، نعم قد دخل الذين أشركوا تحت الناس ولكنهم أفردوا ~~بالذكر لأن حرصهم شديد كما أن جبريل وميكائيل خصا بالذكر وإن دخلا تحت ~~الملائكة، أو أريد وأحرص من الذين أشركوا فحذف لدلالة أحرص الناس عليه، ~~وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا ~~الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد في الحرص من ~~له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ، وإنما زاد حرصهم على ~~الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لعلمهم بحالهم والمشركون ~~لا يعلمون ذلك. # وقوله: { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } بيان ~~لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف. وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم ~~كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو قول ~~الأعاجم زي هزارسال. وقيل: «ومن الذين أشركوا» كلام مبتدأ أي ومنهم ناس ~~يود أحدهم على حذف الموصوف، والذين أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود ~~لأنهم قالوا عزيز ابن الله. والضمير في { وما هو بمزحزحه من ~~العذاب } لأحدهم. وقوله { أن يعمر } فاعل «بمزحزحه» أي وما ~~أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره، ويجوز أن يكون «هو» مبهما و«أن يعمر» ~~موضحه. والزحزحة التبعيد والإنحاء. قال في جامع العلوم وغيره: «لو يعمر» ~~بمعنى «أن يعمر»، ف «لو» هنا نائبة عن «أن» و «أن» مع الفعل في تأويل ~~المصدر وهو مفعول «يود» أي يود أحدهم تعمير ألف سنة. { والله بصير ~~بما يعملون } أي بعمل هؤلاء الكفار فيجازيهم عليه. وبالتاء: ~~يعقوب. # { قل من كان عدوا لجبريل } بفتح الجيم وكسر الراء بلا ~~همز: مكي. وبفتح الراء والجيم والهمز مشبعا: كوفي غير حفص. وبكسر الراء ~~والجيم بلا همز: غيرهم. ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة ومعناه عبد الله ~~لأن «جبر» هو العبد بالسريانية و «إيل» اسم الله. روي أن ابن صوريا ms0074 من ~~أحبار اليهود حاج النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عمن يهبط عليه بالوحي ~~فقال: جبريل. فقال: ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا بك وقد عادانا مرارا، ~~وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثنا من يقتله ~~فلقيه ببابل غلاما مسكينا فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره ~~بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي ذنب تقتلونه. { ~~فإنه نزله } فإن جبريل نزل القرآن، ونحو هذا الإضمار أعني ~~إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على ~~نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته. { على قلبك } أي ~~حفظه إياك. وخص القلب لأنه محل الحفظ كقوله: # نزل به الروح الأمين * على قلبك # [الشعراء: 193-194]، وكان حق الكلام أن يقال على قلبي ولكن جاء على ~~حكاية كلام الله كما تكلم به، وإنما استقام أن يقع فإنه «نزله» جزاء ~~للشرط لأن تقديره إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث ~~نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في ~~إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. وقيل: جواب الشرط محذوف تقديره من ~~كان عدوا لجبريل فليمت غيظا فإنه نزل الوحي على قلبك { بإذن ~~الله } بأمره { مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى ~~للمؤمنين } رد على اليهود حين قالوا إن جبريل ينزل بالحرب والشدة ~~فقيل: فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا. ### || [2.98-105] # { من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل ~~وميكل } بصري وحفص. و «ميكائل» باختلاس الهمزة ك «ميكاعل»: مدني. ~~و«ميكائيل» بالمد وكسر الهمزة مشبعة: غيرهم. وخص الملكان بالذكر لفضلهما ~~كأنهما من جنس آخر إذ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. { ~~فإن الله عدو للكفرين } أي لهم فجاء بالظاهر ليدل ~~على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء ~~ومن عاداهم عاداه الله { ولقد أنزلنا إليك ءايت ~~بينت وما يكفر بها إلا الفسقون } المتمردون من ~~الكفرة واللام للجنس والأحسن أن تكون إشارة ms0075 إلى أهل الكتاب. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا ~~بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك بها فنزلت الواو في { ~~أوكلما } الواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات البينات. ~~وكلما { عهدوا عهدا نبذه } نقضه ورفضه وقال { فريق ~~منهم } لأن منهم من لم ينقض { بل أكثرهم لا يؤمنون } ~~بالتوراة وليسوا من الدين في شيء فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا ~~يبالون به. { ولما جاءهم رسول من عند الله } محمد صلى ~~الله عليه وسلم { مصدق لما معهم نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتب } أي التوراة والذين أوتوا الكتاب اليهود ~~{ كتب الله } يعني التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها، أو كتاب الله القرآن ~~نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. { وراء ظهورهم } مثل لتركهم ~~وإعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه ~~{ كأنهم لا يعلمون } أنه كتاب الله. # { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } أي نبذ اليهود كتاب ~~الله واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها { على ملك ~~سليمن } أي على عهد ملكه في زمانه، وذلك أن الشياطين كانوا ~~يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما يسمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى ~~الكهنة وقد دونوها في كتب يقرأونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن ~~سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم ~~سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والريح. ~~{ وما كفر سليمن } تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان ~~من اعتقاد السحر والعمل به { ولكن الشياطين } هم الذين { ~~كفروا } باستعمال السحر وتدوينه. و«لكن» بالتخفيف «الشياطين» بالرفع: ~~شامي وحمزة وعلي. # { يعلمون الناس السحر } في موضع الحال أي كفروا معلمين ~~الناس السحر قاصدين به إغواءهم وإضلالهم { وما أنزل على ~~الملكين } الجمهور على أن «ما» بمعنى «الذي» هو نصب عطف على ~~«السحر» أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أو على «ما تتلوا» أي ms0076 واتبعوا ~~ما أنزل على الملكين { ببابل هروت ومروت } علمان لهما ~~وهما عطف بيان للملكين، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله ~~للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا إن كان فيه رد ما لزم في شرط ~~الإيمان، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه لئلا يغتر به كان ~~مؤمنا، قال الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله: القول بأن السحر على ~~الإطلاق كفر خطأ بل يجب البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك رد ما لزم في ~~شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا. # ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث، وما ليس بكفر وفيه ~~إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وتقبل ~~توبته إذا تاب. ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم. ~~وقيل: أنزل أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل. قيل: إنهما ملكان ~~اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم فكانا يحكمان في ~~الأرض ويصعدان بالليل، فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرآهما ~~إنسان فقتلاه فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فهما يعذبان منكوسين ~~في جب ببابل وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها. { وما يعلمان من ~~أحد } وما يعلم الملكان أحدا { حتى يقولا } حتى ينبهاه ~~وينصحاه ويقولا له { إنما نحن فتنة } ابتلاء واختبار من الله. ~~{ فلا تكفر } بتعلمه والعمل به على وجه يكون كفرا { ~~فيتعلمون منهما } الفاء عطف على قوله «يعلمون الناس السحر» ~~أي يعلمونهم فيتعلمون من السحر والكفر اللذين دل عليهما قوله «كفروا» - و ~~- «يعلمون الناس السحر» أو على مضمر والتقدير: فيأتون فيتعلمون. والضمير ~~لما دل عليه «من أحد» أي فيتعلم الناس من الملكين ما { يفرقون به بين ~~المرء وزوجه } أي علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين بأن ~~يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه. وللسحر حقيقة عند أهل السنة ~~كثرهم الله وعنده المعتزلة هو تخييل وتمويه. { وما هم بضآرين ~~به } بالسحر { من أحد إلا بإذن الله } بعلمه ms0077 ومشيئته { ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } في الآخرة وفيه ~~دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية. { ~~ولقد علموا } أي اليهود { لمن اشتراه } أي استبدل ما تتلو ~~الشياطين من كتاب الله { ماله في الآخرة من خلق } من نصيب ~~{ ولبئس ما شروا به أنفسهم } باعوها وإنما نفى العلم عنهم ~~بقوله { لو كانوا يعلمون } مع إثباته لهم بقوله «ولقد علموا» ~~على سبيل التوكيد القسمي لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم جعلهم حين لم ~~يعلموا به كأنهم لا يعلمون. # { ولو أنهم ءامنوا } برسول الله والقرآن { واتقوا } ~~الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين { ~~لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } أن ~~ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا، لكنه جهلهم لما تركوا العمل بالعلم ~~والمعنى: لأثيب من عند الله ما هو خير، وأوثرت الجملة الاسمية على ~~الفعلية في جواب «لو» لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها. ~~ولم يقل لمثوبة الله خير لأن المعنى لشيء من الثواب خير لهم. وقيل: «لو» ~~بمعنى التمني كأنه قيل: وليتهم آمنوا ثم ابتدأ «لمثوبة من عند الله خير». # { يعلمون يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا ~~رعنا وقولوا انظرنا } كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئا من العلم: راعنا يا رسول الله أي راقبنا ~~وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو ~~سريانية وهي «راعينا»، فلما سمعوا بقول المؤمنين «راعنا» افترصوه وخاطبوا ~~به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في ~~معناها وهو «انظرنا» من نظره إذا انتطره. { واسمعوا } وأحسنوا سماع ~~ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان ~~واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو ~~واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا ~~وعصينا. { وللكفرين } ولليهود الذين سبوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { عذاب أليم } مؤلم. { ما يود ms0078 الذين كفروا ~~من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل عليكم } ~~وبالتخفيف: مكي وأبو عمرو. { من خير من ربكم } «من» الأولى ~~للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، والثانية ~~مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية. والخير الوحي وكذلك ~~الرحمة. { والله يختص برحمته من يشاء } يعني أنهم يرون ~~أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من ~~الوحي والله يختص بالنبوبة من يشاء { والله ذو الفضل العظيم ~~} فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم ولما طعنوا في النسخ ~~فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم ~~بخلافه ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا نزل: ### || [2.106-112] # { ما ننسخ من ءاية أو ننسها } تفسير النسخ لغة التبديل، ~~وشريعة بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره ~~بطريق التراخي فكان تبديلا في حقنا بيانا محضا في حق صاحب الشرع. وفيه ~~جواب عن البداء الذي يدعيه منكروه أعني اليهود ومحله حكم يحتمل ~~الوجود والعدم في نفسه لم يلحق به ما ينافي النسخ من توقيت أو تأبيد، ثبت ~~نصا أو دلالة. وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل ~~خلافا للمعتزلة. وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقا ومختلفا ويجوز ~~نسخ التلاوة والحكم، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف ~~بالحكم مثل الزيادة على النص فإنه نسخ عندنا خلافا للشافعي رحمه الله. ~~والإنساء أن يذهب بحفظها عن القلوب «أو ننسأها» مكي وأبو عمرو أي نؤخرها ~~من نسأت أي أخرت { نأت بخير منها } أي نأت بآية خير منها ~~للعباد أي بآية العمل بها أكثر للثواب. { أو مثلها } في ذلك إذ لا ~~فضيلة لبعض الآيات على البعض { ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير } أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله { ألم ~~تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } فهو يملك ~~أموركم ويدبرها وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ. { وما لكم ~~من دون الله من ولي } يلي أمركم ms0079 { ولا نصير } ناصر ~~يمنعكم من العذاب { أم تريدون } «أم» منقطعة وتقديره بل أتريدون { ~~أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } روي أن ~~قريشا قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبا ووسع لنا أرض مكة فنهوا أن ~~يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا اجعل لنا إلها. ~~{ ومن يتبدل الكفر بالإيمن } ومن ترك الثقة بالآيات ~~المنزلة وشك فيها واقترح غيرها { فقد ضل سواء السبيل } قصده ~~ووسطه. # { ود كثير من أهل الكتب لو يردونكم } أن ~~يردوكم { من بعد إيمنكم كفارا } حال من «كم» أي يردونكم ~~عن دينكم كافرين، نزلت حين قالت اليهود للمسلمين بعد واقعة أحد: ألم تروا ~~إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق لما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير ~~لكم. { حسدا } مفعول له أي لأجل الحسد وهو الأسف على الخير عند الغير ~~{ من عند أنفسهم } يتعلق ب «ود» أي ودوا من عند أنفسهم ومن ~~قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق لأنهم ودوا ذلك { من ~~بعد ما تبين لهم الحق } أي من بعد علمهم بأنكم على الحق، ~~أو ب «حسدا» أي حسدا متبالغا منبعثا من أصل نفوسهم. # { فاعفوا واصفحوا } فاسلك بهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم ~~من الجهل والعداوة { حتى يأتى الله بأمره } بالقتال { ~~إن الله على كل شىء قدير } فهو يقدر على الانتقام ~~منهم. { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير } من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما { تجدوه ~~عند الله } تجدوا ثوابه عنده { إن الله بما تعملون ~~بصير } فلا يضيع عنده عمل عامل. والضمير في { وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصرى } لأهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت ~~النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين ثقة بأن ~~السامع يرد إلى كل فريق قوله، وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين ~~الفريقين وتضليل كل واحد منهما صاحبه، ألا ترى إلى قوله ms0080 تعالى: { ~~وقالت اليهود ليست النصرى على شىء وقالت ~~النصرى ليست اليهود على شىء }؟ وهود جمع هائد كعائذ ~~وعوذ وواحد اسم كان للفظ «من»، وجمع الخبر لمعناه. { تلك ~~أمانيهم } أشير بها إلى الأماني المذكورة وهي أمنيتهم ألا ينزل ~~على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يردوهم كفارا، وأمنيتهم أن لا ~~يدخل الجنة غيرهم أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم. والأمنية أفعولة من ~~التمني مثل الأضحوكة. { قل هاتوا برهنكم } هلموا حجتكم على ~~اختصاصكم بدخول الجنة. وهات بمنزلة هاء بمعنى أحضر وهو متصل بقولهم«لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى» و«تلك أمانيهم» اعتراض. { إن ~~كنتم صدقين } في دعواكم. { بلى } إثبات لما نفوه من دخول ~~غيرهم الجنة. { من أسلم وجهه لله } من أخلص نفسه له لا ~~يشرك به غيره. { وهو محسن } مصدق بالقرآن. { فله أجره } ~~جواب «من أسلم». و«هو» كلام مبتدأ متضمن لمعنى الشرط و«بلى» رد لقولهم. { ~~عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. ### || [2.113-120] # { وقالت اليهود ليست النصرى على شىء وقالت ~~النصرى ليست اليهود على شىء } أي على شيء يصح ويعتد ~~به. والواو في { وهم يتلون الكتب } للحال والكتاب للجنس أي ~~قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة ~~والإنجيل وآمن به ألا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر. ~~{ كذلك } مثل ذلك القول الذي سمعت به { قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم } أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب ~~كعبدة الأصنام والمعطلة، قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء، وهذا توبيخ ~~عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم { فالله ~~يحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكل فريق منهم من ~~العقاب اللائق به. # { ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن يذكر ~~فيها اسمه } موضع «من» رفع على الابتداء وهو استفهام و«أظلم» خبره ~~والمعنى: أي أحد أظلم؟ و«أن يذكر» ثاني مفعولي «منع» لأنك تقول منعته كذا # وما منعنا أن نرسل بالأيت ms0081 # [الإسراء: 59]. # وما منع الناس أن يؤمنوا # [الكهف:55] [الإسراء:94]. ويجوز أن يحذف حرف الجر مع «أن» أي من أن يذكر ~~وأن تنصبه مفعولا له بمعنى منعها كراهة أن يذكر وهو حكم عام لجنس مساجد ~~الله وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم. والسبب فيه طرح النصارى في ~~بيت المقدس الأذى، ومنعهم الناس أن يصلوا فيه، أو منع المشركين رسول الله ~~أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. وإنما قيل مساجد الله وكان المنع ~~على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم ورد عاما وإن ~~كان السبب خاصا كقوله تعالى: # ويل لكل همزة # [الهمزة: 1] والمنزول فيه الأخنس بن شريق. { وسعى فى خرابها } ~~بانقطاع الذكر والمراد ب «من» العموم كما أريد العموم بمساجد الله. { ~~أولئك } المانعون { ما كان لهم أن يدخلوها } أي ما ~~كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله { إلا خائفين } حال من الضمير ~~في «يدخلوها» أي على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا ~~بهم فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى: ما ~~كان الحق إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. روي أنه لا يدخل بيت المقدس ~~أحد من النصارى إلا متنكرا خيفة أن يقتل. وقال قتادة: لا يوجد نصراني في ~~بيت المقدس إلا بولغ ضربا. ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك " # وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ~~تعالى: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53] { لهم فى الدنيا خزى } قتل وسبي للحربي وذلة ~~بضرب الجزية للذمي { ولهم فى الأخرة عذاب عظيم } أي ~~النار. # { ولله المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب كلها ~~له وهو مالكها ومتوليها { فأينما } شرط { تولوا } مجزوم به أي ~~ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله ~~تعالى: # فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]، والجواب { فثم وجه الله } أي جهته التي أمر ~~بها ورضيها. والمعنى أنكم إذا منعتم ms0082 أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت ~~المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها ~~وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان. { إن الله ~~وسع عليم } أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم ~~بمصالحهم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت في صلاة المسافر على الراحلة ~~أينما توجهت. وقيل: عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما ~~أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا. هو حجة على الشافعي رحمه الله فيما إذا ~~استدبر. وقيل: فأينما تولوا للدعاء والذكر. { وقالوا اتخذ ~~الله ولدا } يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزيز ابن الله. ~~«قالوا»: شامي فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها، وحذفه ~~باعتبار أنه استئناف قصة أخرى. { سبحنه } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ~~{ بل له ما في السموت والأرض } أي هو خالقه ومالكه ومن ~~جملته المسيح وعزيز والولادة تنافي الملك. { كل له قنتون } ~~منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره. والتنوين في «كل» عوض عن ~~المضاف إليه أي كل ما في السموات والأرض، أو كل من جعلوه لله ولدا له ~~قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم. وجاء ب ~~«ما» الذي لغير أولي العلم مع قوله «قانتون» كقوله # " سبحان ما سخركن لنا " # { بديع السموت والأرض } أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال ~~سبق. وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدعت ولهذا قيل لمن خالف السنة ~~والجماعة مبتدع لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة ~~والتابعون رضي الله عنهم. { وإذا قضى أمرا } أي حكم أو قدر { ~~فإنما يقول له كن فيكون } هو من «كان» التامة أي أحدث ~~فيحدث وهذا مجاز عن سرعة التكوين وتمثيل ولا قول ثم. وإنما المعنى أن ~~ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون، ويدخل تحت الوجود من غير ~~امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا ~~يمتنع ولا يكون منه إباء. # وأكد بهذا ms0083 استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت صفاته ~~مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثم. والوجه الرفع في «فيكون» ~~وهو قراءة العامة على الاستئناف أي فهو يكون، أو على العطف على «يقول». ~~ونصبه ابن عامر على لفظ «كن» لأنه أمر وجواب الأمر بالفاء نصب. وقلنا: إن ~~«كن» ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذ قضى أمرا فإنما يكونه ~~فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون، وإذا كان كذلك فلا معنى ~~للنصب. وهذا لأنه لو كان أمرا فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا ~~يخاطب ب «كن» أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب. # { وقال الذين لا يعلمون } من المشركين أو من أهل الكتاب، ~~ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به { لولا يكلمنا الله } هلا ~~يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى استكبارا منهم وعتوا { أو ~~تأتينآ ءاية } جحودا لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات ~~واستهانه بها { كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم تشبهت قلوبهم } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى ~~{ قد بينا الآيت لقوم يوقنون } أي لقوم ينصفون ~~فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها ~~{ إنا أرسلنك بالحق بشيرا } للمؤمنين بالثواب { ~~ونذيرا } للكافرين بالعقاب { ولا تسئل عن أصحب ~~الجحيم } ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك ~~في دعوتهم وهو حال ك «نذيرا» وبشيرا و«بالحق» أي وغير مسؤول أو ~~مستأنف. قراءة نافع و«لا تسأل» على النهي ومعناه ما وقع فيه الكفار من ~~العذاب كما تقول: كيف فلان سائلا عن الواقع في بلية فيقال لك: لا تسأل ~~عنه. وقيل: نهى الله نبيه عن السؤال عن أحوال الكفرة حين قال ليت شعري ما ~~فعل أبواي. # { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى حتى ~~تتبع ملتهم } كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا ~~حتى تتبع ملتنا إقناطا منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فذكر الله ~~عز وجل كلامهم. { قل إن هدى الله ms0084 } الذي رضي لعباده { هو ~~الهدى } أي الإسلام. وهو الهدى كله ليس وراءه هدى والذي تدعون إلى ~~اتباعه ما هو هدى إنما هو هوى. ألا ترى إلى قوله { ولئن اتبعت ~~أهواءهم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع { بعد الذي جاءك ~~من العلم } أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين ~~المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة { ملك من الله ~~} من عذاب الله { من ولي ولا نصير } ناصر. ### || [2.121-124] # { الذين } مبتدأ { ءاتينهمالكتب } صلته وهم مؤمنو أهل ~~الكتاب وهو التوراة والإنجيل، أو أصحاب النبي عليه السلام والكتاب ~~القرآن. { يتلونه } حال مقدرة من «هم» لأنهم لم يكونوا تالين له وقت ~~إيتائه، ونصب على المصدر. { حق تلاوته } أي يقرأونه حق قراءته في ~~الترتيل وأداء الحروف والتدبر والتفكر، أو يعملون به ويؤمنون بما فيه ~~مضمونه ولا يغيرون ما فيه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم. { ~~أولئك } مبتدأ خبره { يؤمنون به } والجملة خبر «الذين» ~~ويجوز أن يكون «يتلونه» خبرا، والجملة خبر آخر. { ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخسرون } حيث اشتروا الضلالة بالهدى { ~~يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت ~~عليكم } أي أنعمتها عليكم { وأنى فضلتكم على ~~العلمين } وتفضيلي إياكم على عالمي زمانكم { واتقوا يوما ~~لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ~~ولا تنفعها شفعة ولا هم ينصرون } «هم» رفع بالابتداء ~~والخبر «ينصرون». والجمل الأربع وصف ل «يوما» أي واتقوا يوما لا تجزى ~~فيه ولا يقبل فيه ولا تنفعها فيه ولا هم ينصرون فيه. وتكرير هاتين ~~الآيتين لتكرار المعاصي منهم، وختم قصة بني إسرائيل بما بدأ به. # { وإذ } أي واذكر إذ { ابتلى إبرهيم ربه بكلمت } ~~اختبره بأوامر ونواه. والاختبار منا لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ~~ما قد علم، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعا ~~فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى. وقيل: اختبار الله عبده مجاز عن تمكينه ~~من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ~~ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ms0085 ذلك. وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه: ~~«إبراهيم ربه»، يرفع إبراهيم وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما، أي ~~دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا. { ~~فأتمهن } أي قام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير ~~تفريط وتوان ونحوه # وإبرهيم الذى وفى # [النجم: 37] ومعناه في قراءة أبي حنيفة رحمه الله فأعطاه ما طلبه لم ~~ينقص منه شيئا. والكلمات على هذا ما سأل إبراهيم ربه في قوله: # رب اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126]. # واجعلنا مسلمين لك # [البقرة: 128]. # وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة: 129]. # ربنا تقبل منا # [البقرة: 127]. والكلمات على القراءة المشهورة خمس في الرأس: الفرق وقص ~~الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق. وخمس في الجسد: الختان وتقليم ~~الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: هي ثلاثون سهما من الشرائع: عشر في براءة # التئبون # [الآية: 12]، الآية وعشر في الأحزاب # إن المسلمين والمسلمت # [الأحزاب:35] الآية، وعشر في «المؤمنين» و«المعارج» إلى قوله { ~~يحافظون } وقيل: هي مناسك الحج { قال إنى جعلك للناس ~~إماما } هو اسم من يؤتم به أي يأتمون بك في دينهم. # { قال ومن ذريتى } أي واجعل من ذريتي إماما يقتدى به. ذرية ~~الرجل أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء. فعيلة من الذرء أي الخلق فأبدلت ~~الهمزة ياء. { قال لا ينال عهدي الظلمين } بسكون الياء: ~~حمزة وحفص أي لا تصيب الإمامة أهل الظلم من ولدك أي أهل الكفر. أخبر أن ~~إمامة المسلمين لا تثبت لأهل الكفر وأن من أولاده المسلمين والكافرين قال ~~الله تعالى: # وبركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما ~~محسن وظلم لنفسه مبين # [الصافات: 113]. والمحسن المؤمن والظالم الكافر. قالت المعتزلة: هذا ~~دليل على أن الفاسق ليس بأهل للإمامة قالوا: وكيف يجوز نصب الظالم ~~للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالما في نفسه فقد ~~جاء المثل السائر «من استرعى الذئب ظلم». ولكنا نقول: المراد بالظالم ~~الكافر هنا إذ هو الظالم المطلق. وقيل: إنه سأل أن يكون ولده نبيا كما ~~كان هو فأخبر أن الظالم ms0086 لا يكون نبيا. ### || [2.125-137] # { وإذ جعلنا البيت } أي الكعبة وهو اسم غالب لها كالنجم ~~للثريا { مثابة للناس } مباءة ومرجعا للحجاج والعمار يتفرقون ~~عنه ثم يثوبون إليه { وأمنا } وموضع أمن فإن الجاني يأوي إليه فلا ~~يتعرض له حتى يخرج وهو دليل لنا في الملتجىء إلى الحرم. { واتخذوا ~~من مقام إبرهيم مصلى } وقلنا أتخذوا منه موضع صلاة تصلون ~~فيه. وعنه عليه السلام أنه أخذ بيد عمر فقال # " هذا مقام إبراهيم " # فقال عمر أفلا نتخذه مصلى فقال عليه السلام # " لم أومر بذلك " # فلم تغب الشمس حتى نزلت. وقيل: مصلى مدعى، ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه ~~أثر قدميه. وقيل: الحرم كله مقام إبراهيم. «واتخذوا» شامي ونافع بلفظ ~~الماضي عطفا على «جعلنا» أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به ~~لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها { وعهدنا إلى ~~إبرهيم وإسمعيل } أمرناهما { أن طهرا بيتى } بفتح ~~الياء: مدني وحفص أي بأن طهرا أو أي طهرا والمعنى طهراه من الأوثان ~~والخبائث والأنجاس كلها { للطائفين } للدائرين حوله { ~~والعكفين } المجاورين الذين عكفوا عنده أي أقاموا لا يبرحون أو ~~المعتكفين. وقيل: للطائفين للنزاع إليه من البلاد والعاكفين والمقيمين ~~من أهل مكة. { والركع السجود } والمصلحين جمعا راكع وساجد. # { وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا } أي اجعل هذا البلد أو ~~هذا المكان { بلدا آمنا } ذا أمن كعيشة راضية أو آمنا من فيه كقولك ~~«ليل نائم» فهذا مفعول أول. و«بلدا» مفعول ثان و«آمنا» صفة له. { ~~وارزق أهله من الثمرت } لأنه لم يكن لهم ثمرة. ثم أبدل { ~~من ءامن منهم بالله واليوم الأخر } من أهله بدل ~~البعض من الكل أي وارزق المؤمنين من أهله خاصة. قاس الرزق على الإمامة ~~فخص المؤمنين به. قال الله تعالى جوابا له { ومن كفر } أي وارزق من ~~كفر { فأمتعه قليلا } تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا إلى حين ~~أجله. «فأمتعه»: شامي { ثم أضطره } ألجئه { إلى عذاب ~~النار وبئس المصير } المرجع الذي يصير إليه النار فالمخصوص ~~بالذم محذوف. # { وإذ يرفع } حكاية حال ماضية { إبرهيم القواعد } هي ~~جمع قاعدة ms0087 وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة ومعناها الثابتة. ~~ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى ~~هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر. { من البيت } بيت الله وهو ~~الكعبة { وإسمعيل } هو عطف على إبراهيم وكان ابراهيم يبني ~~وإسماعيل يناوله الحجارة { ربنا } أي يقولان ربنا. وهذا الفعل في محل ~~النصب على الحال وقد أظهره عبد الله في قراءته ومعناه يرفعانها قائلين ~~ربنا { تقبل منا } تقربنا إليك ببناء هذا البيت { إنك أنت ~~السميع } لدعائنا { العليم } بضمائرنا ونياتنا. # وفي إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام تفخيم لشأن المبين. { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك } مخلصين لك أوجهنا من قوله # أسلم وجهه لله # [البقرة: 112] أو مستسلمين يقال أسلم له واستسلم إذا خضع وأذعن، والمعنى ~~زدنا إخلاصا وإذعانا لك. { ومن ذريتنا } واجعل من ذريتنا { ~~أمة مسلمة لك } و«من» للتبعيض أو للتبيين. وقيل: أراد ~~بالأمة أمة محمد عليه السلام وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى ~~بالشفقة كقوله تعالى: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6]. { وأرنا مناسكنا } منقول من «رأى» بمعنى أبصر أو ~~عرف ولذا لم يتجاوز مفعولين أي وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها. ~~وواحد المناسك منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ~~ناسك. «وأرنا»: مكي قاسه على فخذ في فخذ، وأبو عمرو يشم الكسرة. { وتب ~~علينا } ما فرط منا من التقصير أو استتابا لذريتهما { إنك أنت ~~التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم } في الأمة المسلمة ~~{ رسولا منهم } من أنفسهم فبعث الله فيهم محمدا عليه السلام، ~~قال عليه السلام # " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي " # { يتلوا عليهم آيتك } يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من ~~دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ورسلك { ويعلمهم الكتب } ~~القرآن { والحكمة } السنة وفهم القرآن { ويزكيهم } ويطهرهم ~~من الشرك وسائر الأرجاس { إنك أنت العزيز } الغالب الذي لا يغلب ~~{ الحكيم } فيما أوليت. # { ومن يرغب عن ملة إبرهيم } استفهام بمعنى الجحد وإنكار ~~أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم. والملة ~~السنة والطريقة كذا عن الزجاج { إلا ms0088 من } في محل الرفع على البدل ~~من الضمير في «يرغب»، وصح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك «هل جاءك أحد ~~إلا زيد» والمعنى وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من { سفه نفسه } أي ~~جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه. فوضع سفه موضع جهل وعدي كما عدي، أو معناه ~~سفه في نفسه فحذف في كما حذف «من» في قوله # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] أي من قومه، وعلى في قوله: # ولا تعزموا عقدة النكاح # [البقرة: 235]. أي على عقدة النكاح والوجهان عن الزجاج. وقال الفراء: هو ~~منصوب على التمييز وهو ضعيف لكونه معرفة. { ولقد اصطفينه في ~~الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصلحين } بيان لخطأ ~~رأي من يرغب عن ملته لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة ~~من طريقته منه { إذ قال } ظرف لاصطفيناه، أو انتصب بإضمار «اذكر» ~~كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة ~~مثله. # { له ربه أسلم } أذعن أو أطع أو أخلص دينك لله { قال ~~أسلمت لرب العلمين } أي أخلصت أو انقدت. # { ووصى } «وأوصى» مدني وشامي. { بها } بالملة أو بالكلمة وهي ~~أسلمت لرب العالمين { إبرهيم بنيه ويعقوب } هو معطوف على ~~إبراهيم داخل في حكمه والمعنى ووصى بها يعقوب بنيه أيضا { يا بنى } ~~على إضمار القول { إن الله اصطفى لكم الدين } أي أعطاكم ~~الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام ووفقكم للأخذ به { فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } فلا يكن موتكم إلا على حال ~~كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال ~~الإسلام إذا ماتوا كقولك «لا تصل إلا وأنت خاشع» فلا تنهاه عن الصلاة ~~ولكن عن ترك الخشوع في صلاته. # { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت } أم منقطعة ~~ومعنى الهمزة فيها الإنكار. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم ~~حاضرين يعقوب عليه السلام إذ حضره الموت أي حين احتضر، والخطاب للمؤمنين ~~بمعنى ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. ms0089 أو متصله ~~ويقدر قبلها محذوف والخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على ~~اليهودية كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر ~~يعقوب الموت { إذ قال } بدل من «إذ» الأولى والعامل فيهما شهداء أو ~~ظرف ل «حضر» { لبنيه ما تعبدون } ما استفهام في محل النصب ب ~~«تعبدون» أي أي شيء تبعدون؟ و «ما» عام في كل شيء أو هو سؤال عن صفة ~~المعبود كما تقول «ما زيد» تريد أفقيه أم طبيب. { من بعدى } من بعد ~~موتي. { قالوا نعبد إلهك وإله آبائك } أعيد ذكر ~~الإله لئلا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار. { إبرهيم ~~وإسمعيل وإسحق } عطف بيان لآبائك، وجعل إسماعيل من جملة ~~آبائه وهو عمه لأن العم أب قال عليه السلام في العباس # " هذا بقية آبائي ". # { إلها وحدا } بدل من إله آبائك كقوله: # بالناصية * ناصية كذبة # [العلق: 15، 16] أو نصب على الاختصاص أي نريد بإله آبائك إلها واحدا. ~~{ ونحن له مسلمون } حال من فاعل «نعبد» أو جملة معطوفة على ~~«نعبد» أو جملة اعتراضية مؤكدة. { تلك } إشارة إلى الأمة المذكورة ~~التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون { أمة قد خلت } مضت { ~~لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } أي إن أحدا لا ينفعه كسب ~~غيره متقدما كان أو متأخرا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا ~~فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم { ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون } ولا تؤاخذون بسيئاتهم. # { وقالوا كونوا هودا أو نصرى } أي قالت اليهود كونوا ~~هودا وقالت النصارى كونوا نصارى. وجزم { تهتدوا } لأنه جواب الأمر. ~~{ قل بل ملة إبرهيم } بل نتبع ملة إبراهيم { حنيفا } حال ~~من المضاف إليه نحو «رأيت وجه هند قائمة». والحنيف المائل عن كل دين باطل ~~إلى دين الحق. { وما كان من المشركين } تعريض بأهل الكتاب ~~وغيرهم لأن كلا منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك. { قولوا ~~} هذا خطاب للمؤمنين أو للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم ~~على الباطل { آمنا بالله وما أنزل إلينا ms0090 } أي القرآن { ~~وما أنزل إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق ~~ويعقوب والأسباط } السبط الحافد وكان الحسن والحسين سبطي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر. ~~ويعدى «أنزل» ب «إلى» و «على» فلذا ورد هنا ب «إلى» وفي آل عمران ب« ~~على» { وما أوتى موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم } أي لا نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. وأحد في معنى الجماعة ولذا صح دخول ~~بين عليه. { ونحن له مسلمون } لله مخلصون { فإن ءامنوا ~~بمثل ما ءامنتم به فقد اهتدوا } ظاهر الآية مشكل لأنه ~~يوجب أن يكون لله تعالى مثل وتعالى عن ذلك. فقيل: الباء زائدة و«مثل» صفة ~~مصدر محذوف تقديره فإن آمنوا إيمانا مثل إيمانكم والهاء يعود إلى الله ~~عز وجل، وزيادة الباء غير عزيز قال الله تعالى: # والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها # [يونس: 27] والتقدير جزاء سيئة مثلها كقوله في الآية الأخرى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] وقيل: المثل زيادة أي فإن آمنوا بما آمنتم به يؤيده قراءة ~~ابن مسعود رضي الله عنه بما آمنتم به. و«ما» بمعنى «الذي» بدليل قراءة ~~أبي «بالذي آمنتم به». وقيل: الباء للاستعانة كقولك «كتبت بالقلم» أي فإن ~~دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها { وإن تولوا } ~~عما تقولون لهم ولم ينصفوا أو إن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان ~~بها { فإنما هم في شقاق } أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب ~~الحق في شيء { فسيكفيكهم الله } ضمان من الله لإظهار رسوله ~~عليهم وقد أنجز وعده بقتل بعضهم وإجلاء بعضهم، ومعنى السين أن ذلك كائن ~~لا محالة وإن تأخر إلى حين. { وهو السميع } لما ينطقون به { ~~العليم } بما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه فهو وعيد لهم، ~~أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما ~~تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك. ### || [2.138-143] # { صبغة ms0091 الله } دين الله وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله: «آمنا ~~بالله». وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها ~~الصبغ، والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس. والأصل فيه أن ~~النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو ~~تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانيا حقا، ~~فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغته ~~ولم نصبغ صبغتكم. وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة كقولك لمن يغرس الأشجار إغرس ~~كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرم. { ومن أحسن من الله ~~صبغة } تمييز أي لا صبغة أحسن من صبغته يريد الدين أو التطهير. { ~~ونحن له عبدون } عطف على «آمنا بالله» وهذا العطف يدل على أن ~~قوله: «صبغة الله» داخل في مفعول «قولوا آمنا» أي قولوا هذا وهذا «ونحن ~~له عابدون» ويرد قول من زعم أن صبغة الله بدل من «ملة إبراهيم» أو نصب ~~على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن ~~التئامه. وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول ما ~~قالت حذام. # { قل أتحاجوننا فى الله } أي أتجادلوننا في شأن الله ~~واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا ~~وترونكم أحق بالنبوة منا { وهو ربنا وربكم } نشرك جميعا في ~~أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده { ولنا ~~أعملنا ولكم أعملكم } يعني أن العمل هو أساس الأمر ~~وكما أن لكم أعمالا فلنا كذلك { ونحن له مخلصون } أي نحن له ~~موحدون نخصه بالإيمان وأنتم به مشركون، والمخلص أحرى بالكرامة وأولى ~~بالنبوة من غيره. { أم تقولون } بالتاء شامي وكوفي غير أبي بكر. ~~و«أم» على هذا معادلة للهمزة في «أتحاجوننا» يعني أي الأمرين تأتون: ~~المحاجة في حكم الله أم إدعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ أو ~~منقطعة أي بل أتقولون. «يقولون»: غيرهم بالياء، وعلى هذا لا تكون الهمزة ~~إلا منقطعة. { إن إبرهيم وإسمعيل وإسحق ~~ويعقوب ms0092 والأسباط كانوا هودا أو نصارى } ثم أمر نبيه ~~عليه السلام أن يقول مستفهما رادا عليهم بقوله: { قل ءأنتم ~~أعلم أم الله } يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله: # ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن حنيفا ~~مسلما # [آل عمران: 67]. { ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده ~~من الله } أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادة الله ~~لإبراهيم بالحنيفية. والمعنى أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا ~~هذه الشهادة وهم عالمون بها، أو أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد ~~أظلم منا فلا نكتمها. # وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه السلام بالنبوة في كتبهم ~~وسائر شهاداته. و«من» في قوله «من الله» مثلها في قولك «هذه شهادة مني ~~لفلان» إذا شهدت له في أنها صفة لها. { وما الله بغفل عما ~~تعملون } من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة. { تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون ~~عما كانوا يعملون } كررت للتأكيد أو لأن المراد بالأول ~~الأنبياء عليهم السلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى. # { سيقول السفهاء من الناس } الخفاف الأحلام فأصل السفه ~~الخفة، وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ، أو ~~المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء، أو المشركون لقولهم «رغب عن قبلة ~~آبائه ثم رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم». وفائدة الإخبار بقولهم قبل ~~وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد، وإعداد الجواب قبل الحاجة ~~إليه أقطع للخصم فقبل الرمي يراش السهم. { ما ولهم } ما صرفهم { ~~عن قبلتهم التى كانوا عليها } يعنون بيت المقدس. ~~والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأن المصلي يقابلها { قل ~~لله المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها ~~له { يهدى من يشآء } من أهلها { إلى صرط مستقيم } ~~طريق مستو. أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا ~~بالتوجه إليها، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى ~~الكعبة وطورا إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده. ms0093 { ~~وكذلك جعلنكم } ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم فالكاف ~~للتشبيه و «ذا» جر بالكاف واللام للفرق بين الإشارة إلى القريب والإشارة ~~إلى البعيد والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب. { أمة وسطا } ~~خيارا. وقيل: للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية ~~أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم، أو عدولا لأن الوسط عدل ~~بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض. أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين ~~المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطا بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو ~~النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا ~~مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا { لتكونوا شهداء } غير منصرف ~~لمكان ألف التأنيث { على الناس } صلة شهداء { ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } عطف على «لتكونوا». روي أن الأمم يوم القيامة ~~يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا ~~وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد عليه السلام فيشهدون فتقول الأمم: من أين ~~عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان ~~نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد عليه السلام فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد ~~بعدالتهم. # والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة. ~~ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى: # كنت أنت الرقيب عليهم # [المائدة: 17]. وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح ~~إلا بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيدا يزكيكم ويعلم ~~بعدالتكم. واستدل الشيخ أبو منصور رحمه الله بالآية على أن الإجماع حجة ~~لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، والعدل هو المستحق للشهادة ~~وقبولها فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله. وأخرت صلة الشهادة ~~أولا وقدمت آخرا لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي ~~الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. { وما جعلنا القبلة ~~التى كنت عليها } أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي ~~الكعبة، فالتي كنت عليها ليست بصفة للقبلة بل هي ثاني مفعولي جعل. روي أن ~~رسول الله صلى الله ms0094 عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة ~~إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود ثم حول إلى الكعبة. { ~~إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه } أي وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت ~~عليها أولا بمكة إلا امتحانا للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام ~~الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه يرجع فيرتد عن الإسلام ~~عند تحويل القبلة. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: معنى قوله «لنعلم» أي ~~لنعلم كائنا أو موجودا ما قد علمناه أنه يكون ويوجد، فالله تعالى عالم ~~في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ولا ~~يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف ~~يعلمه موجودا، فإذا صار موجودا يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوما له ~~موجودا كائنا، والتغير على المعلوم لا على العلم. أو لنميز التابع من ~~الناكص كما قال تعالى: # ليميز الله الخبيث من الطيب # [الأنفال: 37] فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز، أو ~~ليعلم رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ~~ذاته لأنهم خواصه أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ~~ذوب الذهب «فلنلقه في النار لنعلم أيذوب». { وإن كانت } أي التحويلة ~~أو الجعلة أو القبلة. و«إن» هي المخففة، واللام في { لكبيرة } أي ~~ثقيلة شاقة وهي خبر «كان» واللام فارقة { إلا على الذين هدى ~~الله } أي هداهم الله فحذف العائد أي إلا على الثابتين الصادقين في ~~اتباع الرسول. { وما كان الله ليضيع إيمنكم } أي ~~صلاتكم إلى بيت المقدس؛ سمى الصلاة إيمانا لأن وجوبها على أهل الإيمان ~~وقبولها من أهل الإيمان وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان. ولما توجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من ~~إخواننا؟ فنزلت. ثم علل ذلك فقال { إن الله بالناس لرؤوف } ~~مهموز مشبع: حجازي وشامي وحفص. «رؤوف» غيرهم بوزن ms0095 «فعل» وهما للمبالغة. ~~{ رحيم } لا يضيع أجورهم، والرأفة أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في ~~الرحمن الرحيم. ### || [2.144-147] # { قد نرى تقلب وجهك في السماء } تردد وجهك وتصرف ~~نظرك في جهة السماء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن ~~يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود، ولأنها ادعى للعرب إلى ~~الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم. { فلنولينك } فلنعطينك ~~ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا جعلته واليا له، أو ~~فلنجعلك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس. { قبلة ترضاها } تحبها ~~وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها وواقفت مشيئة الله وحكمته. { ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي نحوه. و«شطر» نصب ~~على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن ~~استقبال عين القبلة متعسر على النائي. وذكر المسجد الحرام دون الكعبة ~~دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. روي أنه عليه السلام قدم ~~المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه إلى الكعبة. { ~~وحيث ما كنتم } من الأرض وأردتم الصلاة { فولوا وجوهكم ~~شطره وإن الذين أوتوا الكتب ليعلمون أنه ~~الحق } أي التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يصلي إلى القبلتين. { من ربهم ~~وما الله بغفل عما يعملون } بالياء مكي وأبو عمرو ~~ونافع وعاصم، وبالتاء غيرهم. فالأول وعيد للكافرين بالعقاب على الجحود ~~والإباء، والثاني وعد للمؤمنين بالثواب على القبول. والأداء. # { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب } أراد ذوي العناد ~~منهم { بكل ءاية } برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق { ~~ما تبعوا قبلتك } لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد ~~الحجة إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على ~~الحق. وجواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. # { وما أنت بتابع قبلتهم } حسم لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا ~~في ذلك قولوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ~~وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ووحدت القبلة، ms0096 وإن كان لهم قبلتان فلليهود ~~قبلة وللنصارى قبلة لاتحادهم في البطلان. { وما بعضهم بتابع ~~قبلة بعض } يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن ~~القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك، فاليهود تستقبل بيت ~~المقدس، والنصارى مطلع الشمس. { ولئن اتبعت أهواءهم من ~~بعد ما جاءك من العلم } أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة ~~بأن القبلة هي الكعبة وأن دين الله هو الإسلام { إنك إذا لمن ~~الظلمين } لمن المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين ~~وتهييج للثبات على الحق وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى. # وقيل: الخطاب في الظاهر للنبي عليه السلام والمراد أمته، ولزم الوقف على ~~«الظالمين» إذ لو وصل لصار { الذين ءاتينهم الكتب } ~~صفة للظالمين. وهو مبتدأ والخبر { يعرفونه } أي محمدا عليه السلام ~~أو القرآن أو تحويل القبلة. والأول أظهر لقوله { كما يعرفون ~~أبناءهم } قال عبد الله بن سلام: أنا أعلم به مني بابني فقال له ~~عمر: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته خانت ~~فقبل عمر رأسه. { وإن فريقا منهم } أي الذين لم يسلموا { ~~ليكتمون الحق } حسدا وعنادا { وهم يعلمون } لأن الله ~~تعالى بينه في كتابهم. { الحق } مبتدأ خبره { من ربك } واللام ~~للجنس أي الحق من الله لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله ~~كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو ~~الباطل، أو للعهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ومن ربك خبر بعد خبر أو حال. { ~~فلا تكونن من الممترين } الشاكين في أنه من ربك. ### || [2.148-151] # { ولكل } من أهل الأديان المختلفة. { وجهة } قبلة. وقرىء بها. ~~والضمير في { هو } لكل. وفي { موليها } للوجهة. أي هو موليها وجهة ~~فحذف أحد المفعولين أو هو لله تعالى. أي الله موليها إياه. «هو مولاها»: ~~شامي أي هو مولى تلك الجهة قد وليها. والمعنى ولكل أمة قبلة يتوجه إليها ms0097 ~~منكم ومن غيركم. { فاستبقوا } أنتم { الخيرات } فاستبقوا إليها ~~غيركم من أمر القبلة وغيره. { أين ما تكونوا } أنتم وأعداؤكم { ~~يأت بكم الله جميعا } يوم القيامة فيفصل بين المحقق والمبطل، ~~أو ولكل منكم يا أمة محمد وجهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو ~~غربية، فاستقبلوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن ~~اختلفت أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعا ويجمعكم ~~ويجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام. { ~~إن الله على كل شىء قدير * ومن حيث خرجت } ~~ومن أي بلد خرجت للسفر { فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~} إذا صليت. # { وإنه } وإن هذا المأمور به { للحق من ربك وما ~~الله بغفل عما تعملون } وبالياء: أبو عمرو. # { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } وهذا ~~التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة ~~فكرر عليهم ليثبتوا على أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت ~~فوائدها { لئلا يكون للناس عليكم حجة } أي قد عرفكم ~~الله جل ذكره أمر الاحتجاج في القبلة بما قد بين في قوله: # ولكل وجهة هو موليها # لئلا يكون للناس لليهود عليكم حجة في خلاف ما في التوراة من تحويل ~~القبلة. وأطلق اسم الحجة على قول المعاندين لأنهم يسوقونه سياق الحجة. { ~~إلا الذين ظلموا منهم } استثناء من «الناس» أي لئلا يكون ~~حجة لأحد من اليهود إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى ~~الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة ~~الأنبياء عليهم السلام. أو معناه لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ~~ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب إلا ~~الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة حين يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ~~ويوشك أن يرجع إلى دينهم. ثم استأنف منبها بقوله: { فلا تخشوهم ~~} فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم { واخشونى } فلا ~~تخالفوا أمري { ولأتم نعمتى عليكم ms0098 } أي عرفتكم لئلا يكون ~~عليكم حجة ولأتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى الكعبة. { ولعلكم ~~تهتدون } ولكي تهتدوا إلى قبلة إبراهيم. # الكاف في { كما أرسلنا فيكم } إما أن يتعلق بما قبله أي ولأتم ~~نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال ~~الرسول، أو بما بعده أي كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة ~~أذكركم بالثواب، فعلى هذا يوقف على «تهتدون» وعلى الأول لا. { رسولا ~~منكم } من العرب { يتلوا عليكم } يقرأ عليكم { ~~ءايتنا } القرآن { ويزكيكم ويعلمكم الكتب } ~~القرآن { والحكمة } السنة والفقه { ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون } ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي. ### || [2.152-158] # «فاذكروني» بالمعذرة { أذكركم } بالمغفرة أو بالثناء والعطاء، أو ~~بالسؤال والنوال، أو بالتوبة وعفو الحوبة، أو بالإخلاص والخلاص، أو ~~بالمناجاة والنجاة. { واشكروا لي } ما أنعمت به عليكم { ولا ~~تكفرون } ولا تجحدوا نعمائي. # { يأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر } فبه ~~تنال كل فضيلة { والصلوة } فإنها تنهى عن كل رذيلة { إن الله ~~مع الصبرين } بالنصر والمعونة { ولا تقولوا لمن ~~يقتل فى سبيل الله } نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر ~~رجلا. { أموات } أي هم أموات { بل أحياء } أي هم أحياء { ~~ولكن لا تشعرون } لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حسا. ~~عن الحسن رضي الله عنه أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على ~~أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون ~~غدوا وعشيا فيصل إليهم الوجع. وعن مجاهد: يرزقون ثمر الجنة ويجدون ~~ريحها وليسوا فيها. { ولنبلونكم } ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه ~~فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا. { ~~بشىء } بقليل من كل واحدة من هذه البلايا وطرف منه. وقلل ليؤذن أن كل ~~بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليهم، ويريهم أن رحمته معهم في ~~كل حال، وأعلمهم بوقوع البلوى قبل وقوعها ليوطنوا نفوسهم عليها. { من ~~الخوف } خوف الله والعدو { والجوع } أي القحط أو صوم شهر رمضان { ~~ونقص من الأموال } بموت المواشي أو الزكاة، وهو عطف على شيء، ms0099 ~~أو على الخوف أي وشيء من نقص الأموال. { والأنفس } بالقتل والموت. أو ~~بالمرض والشيب { والثمرت } ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ~~ثمرة الفؤاد { وبشر الصبرين } على هذه البلايا أو ~~المسترجعين عند البلايا لأن الاسترجاع تسليم وإذعان وفي الحديث من ~~استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا ~~يرضاه. وطفىء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " إنا لله وإنا إليه راجعون " # فقيل: أمصيبة هي؟ قال. # " نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة ". # والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة. { ~~الذين } نصب صفة للصابرين. ولا وقف عليه بل يوقف على «راجعون». ومن ~~ابتدأ ب «الذين» وجعل الخبر «أولئك» يقف على «الصابرين» لا على ~~«راجعون». والأول الوجه لأن الذين وما بعده بيان للصابرين. { إذا ~~أصبتهم مصيبة } مكروه. اسم فاعل من أصابته شدة أي لحقته. ~~ولا وقف على «مصيبة» لأن { قالوا } جواب «إذا» و«إذا» وجوابها صلة ~~«الذين». { إنا لله } إقرار له بالملك. { وإنا إليه ~~رجعون } إقرار على نفوسنا بالهلك. { أولئك عليهم صلوت ~~من ربهم ورحمة } الصلاة: الحنو والتعطف فوضعت موضع الرأفة، ~~وجمع بينها وبين الرحمة كقوله # رأفة ورحمة # [الحديد: 27] # رءوف رحيم # [التوبة: 117]. والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة بعد رحمة. { ~~وأولئك هم المهتدون } لطريق الصواب حيث استرجعوا وأذعنوا ~~لأمر الله. قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعم العلاوة أي الصلاة ~~والرحمة والاهتداء. ### || [2.159-164] # { إن الصفا والمروة } هما علمان للجبلين. { من شعائر ~~الله } من أعلام مناسكه ومتعبداته جمع شعيرة وهي العلامة { فمن ~~حج البيت } قصد الكعبة { أو اعتمر } زار الكعبة، فالحج: ~~القصد، والاعتمار: الزيارة، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين ~~المعروفين وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان. { فلا جناح ~~عليه } فلا إثم عليه { أن يطوف بهما } ، أي يتطوف فأدغم ~~التاء في الطاء. وأصل الطوف المشي حول الشيء والمراد هنا السعي بينهما. ~~قيل: كان على الصفا «إساف» وعلى المروة «نائلة» وهما صنمان يروى أنهما ~~كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة ms0100 فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، ~~فلما طالت المدة عبدا من دون الله. وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما ~~فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل ~~الجاهلية فرفع عنهم الجناح بقوله «فلا جناح». وهو دليل على أنه ليس بركن ~~كما قال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى. وكذا قوله { ومن تطوع ~~خيرا } أي بالطواف بهما مشعر بأنه ليس بركن. «ومن يطوع»: حمزة وعلي أي ~~يتطوع فأدغم التاء في الطاء { فإن الله شاكر } مجاز على القليل ~~كثيرا { عليم } بالأشياء صغيرا أو كبيرا. { إن الذين ~~يكتمون } من أحبار اليهود { ما أنزلنا } في التوراة { من ~~البينت } من الآيات الشاهدة على أمر محمد عليه السلام { ~~والهدى } الهداية إلى الإسلام بوصفه عليه السلام { من بعد ما ~~بينه } أوضحناه { للناس في الكتاب } في التوراة لم ندع ~~فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين فكتموه { أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللعنون } الذين يتأتى منهم اللعن وهم ~~الملائكة والمؤمنون من الثقلين { إلا الذين تابوا } عن الكتمان ~~وترك الإيمان { وأصلحوا } ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط ~~منهم { وبينوا } وأظهروا ما كتموا { فأولئك أتوب ~~عليهم } أقبل توبتهم { وأنا التواب الرحيم * إن ~~الذين كفروا وماتوا وهم كفار } يعني الذين ماتوا من ~~هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا { أولئك عليهم لعنة الله ~~والملئكة والناس أجمعين } ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم ~~أمواتا. والمراد بالناس المؤمنون أو المؤمنون والكافرون إذ بعضهم يلعن ~~بعضا يوم القيامة قال الله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38]. { خلدين } حال من هم في «عليهم» { فيها } في ~~اللعنة أو في النار إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا { لا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } من الإنظار أي لا ~~يمهلون أو لا ينتظرون ليعتذروا أو لا ينظر إليهم نظر رحمة { ~~وإلهكم إله وحد } فرد في ألوهيته لا شريك له فيها ولا ~~يصح أن يسمى غير إلها { لا إله إلا هو } تقرير للوحدانية ينفي ~~غيره وإثباته. # وموضع «هو» رفع لأنه بدل من موضع «لا إله» ولا يجوز النصب هنا لأن ms0101 البدل ~~يدل على أن الاعتماد على الثاني، والمعنى في الآية على ذلك والنصب يدل ~~على أن الاعتماد على الأول. ورفع «الرحمن الرحيم» أي المولى لجميع ~~النعم أصولها وفروعها ولا شيء سواه بهذه الصفة فما سواه إما نعمة وإما ~~منعم عليه على أنه خبر مبتدأ، أو على البدل من «هو» لا على الوصف لأن ~~المضمر لا يوصف. ولما عجب المشركون من إله واحد وطلبوا آية على ذلك نزل { ~~إن في خلق السموت والأرض واختلف الليل ~~والنهار } في اللون والطول والقصر وتعاقبهما في الذهاب والمجيء { ~~والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس } ~~بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو بنفع الناس و«من» في { وما أنزل ~~الله من السماء } لابتداء الغاية وفي { من ماء } مطر لبيان ~~الجنس لأن ما ينزل من السماء مطر وغيره. ثم عطف على «أنزل» { فأحيا ~~به } بالماء { الأرض بعد موتها } يبسها ثم عطف على «فأحيا» { ~~وبث } وفرق { فيها } في الأرض { من كل دابة } هي كل ما يدب ~~{ وتصريف الرياح } «الريح»: حمزة وعلي. أي وتقليبها في مهابها ~~قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا، وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة ~~وعقما ولواقح. وقيل: تارة بالرحمة وطورا بالعذاب. { والسحاب ~~المسخر } المذلل المنقاد لمشيئة الله تعالى فيمطر حيث شاء { بين ~~السماء والأرض } في الهواء { لآيت لقوم يعقلون } ~~ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها ~~وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها. وفي الحديث ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها ~~أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. ### || [2.165-176] # ومن الناس أي ومع هذا البرهان النير من الناس { من يتخذ من دون الله ~~أندادا } أمثالا من الأصنام { يحبونهم } يعظمونهم ويخضعون لهم ~~تعظيم المحبوب { كحب الله } كتعظيم الله والخضوع له أي يحبون ~~الأصنام كما يحبون الله يعني يسوون بينهم وبينه في محبتهم لأنهم كانوا ~~يقرون بالله ويتقربون إليه. وقيل: يحبونهم كحب المؤمنين الله { ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } من المشركين لآلهتهم ~~لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال، والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى ~~الله عند الشدائد فيفزعون ms0102 إليه ويخضعون { ولو يرى } «ترى»: نافع ~~وشامي على خطاب الرسول أو كل مخاطب، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما { ~~الذين ظلموا } إشارة إلى متخذي الأنداد { إذ يرون } ~~«يرون»: شامي { العذاب أن القوة لله جميعا } حال { ~~وأن الله شديد العذاب } شديد عذابه أي ولو يعلم هؤلاء ~~الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شيء ~~من الثواب والعقاب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا ~~العذاب يوم القيامة لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة، ~~فحذف الجواب لأن «لو» إذا جاء فيما يشوق إليه أو يخوف منه قلما يوصل ~~بجواب ليذهب القلب فيه كل مذهب. و «لو» يليها الماضي. وكذا «إذا» وضعها ~~لتدل على الماضي، وإنما دخلتا على المستقبل هنا لأن إخبار الله تعالى عن ~~المستقبل باعتبار صدقه كالماضي { إذ تبرأ } مدغمة الذال في التاء ~~حيث وقعت: عراقي غير عاصم. وهو بدل من «إذ يرون العذاب». { الذين ~~اتبعوا } أي المتبعون وهم الرؤساء { من الذين اتبعوا } ~~من الأتباع { ورأوا العذاب } الواو فيه للحال أي تبرأوا في حال ~~رؤيتهم العذاب { وتقطعت } عطف على «تبرأ» { بهم الأسباب } ~~الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب. # { وقال الذين اتبعوا } أي الاتباع { لو أن لنا ~~كرة } رجعة إلى الدنيا { فنتبرأ } نصب على جواب التمني لأن ~~لو في معنى التمني والمعنى ليت لنا كرة فنتبرأ { منهم كما ~~تبرءوا منا } الآن { كذلك } مثل ذلك الإراء الفظيع { ~~يريهم الله أعملهم } أي عبادتهم الأوثان { حسرت ~~عليهم } ندامات. وهي مفعول ثالث ل «يريهم» ومعناه أن أعمالهم تنقلب ~~عليهم حسرات فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم. { وما هم بخرجين ~~من النار } بل هم فيها دائمون. ونزل فيمن حرموا على أنفسهم البحائر ~~ونحوها. { يأيها الناس كلوا } أمر إباحة { مما فى ~~الأرض } «من» للتبعيض لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول { حللا } ~~مفعول «كلوا» أو حال مما في الأرض { طيبا } طاهرا من كل شبهة { ~~ولا تتبعوا خطوت الشيطن } طرقه التي يدعوكم ms0103 إليها ~~بسكون الطاء: أبو عمر غير عباس ونافع وحمزة وأبو بكر. # والخطوة في الأصل ما بين قدمي الخاطي. يقال اتبع خطواته إذا اقتدى به ~~واستن بسنته. { إنه لكم عدو مبين } ظاهر العداوة لاخفاءه ~~به. وأبان متعد ولازم. ولا يناقض هذه الآية قوله تعالى: # والذين كفروا أولياؤهم الطغوت # [البقرة: 257] أي الشيطان لأنه عدو للناس حقيقة ووليهم ظاهرا فإنه ~~يريهم في الظاهر الموالاة ويزين لهم أعمالهم ويريد بذلك هلاكهم في ~~الباطن. { إنما يأمركم } بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور ~~عداوته أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم { بالسوء } بالقبيح { ~~والفحشاء } وما يتجاوز الحد في القبح من العظائم. وقيل: السوء ما ~~لاحد فيه والفحشاء ما فيه حد { وأن تقولوا } في موضع الجر بالعطف ~~على «بالسوء» أي وبأن تقولوا { على الله ما لا تعلمون } هو ~~قولكم هذا حلال وهذا حرام بغير علم، ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى ~~مما لا يجوز عليه. # { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } الضمير ~~للناس. وعدل بالخطاب عنهم على طريق الالتفاف. قيل: هم المشركون. وقيل: ~~طائفة من اليهود لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان ~~واتباع القرآن، { قالوا بل نتبع ما ألفينا } وجدنا { ~~عليه ءاباءنا } فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم فرد الله عليهم بقوله ~~{ أولو كان آباؤهم } الواو للحال والهمزة بمعنى الرد والتعجب ~~معناه أيتبعونهم ولو كان آباؤهم { لا يعقلون شيئا } من الذين { ~~ولا يهتدون } للصواب. ثم ضرب لهم مثلا فقال { ومثل الذين ~~كفروا } المضاف محذوف أي ومثل داعي الذين كفروا { كمثل الذى ~~ينعق } يصيح والمراد { بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~} البهائم. والمعنى مثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء ~~إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار كمثل الناعق ~~بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر ~~لها ولا تفقه شيئا آخر كما يفهم العقلاء. والنعقيق: التصويت، يقال نعق ~~المؤذن ونعق الراعي بالضأن والنداء ما يسمع والدعاء قد يسمع وقد ms0104 لا يسمع. ~~{ صم } خبر مبتدأ مضمر أي هم صم { بكم } خبر ثان { عمى } عن ~~الحق خبر ثالث { فهم لا يعقلون } الموعظة، ثم بين أن ما حرمه ~~المشركون حلال فقال: # { يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقنكم } من مستلذاته أو من حلالاته { واشكروا لله } ~~الذي رزقكموها { إن كنتم إياه تعبدون } إن صح أنكم تختصونه ~~بالعبادة وتقرون أنه معطي النعم. ثم بين المحرم فقال { إنما حرم ~~عليكم الميتة } وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح ~~وإنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه، أي ما حرم عليكم إلا الميتة { ~~والدم } يعني السائل لقوله في موضع آخر: # أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145]. قد حلت الميتتان والدمان بالحديث # " أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال " # { ولحم الخنزير } يعني الخنزير بجميع أجزائه، وخص اللحم لأنه ~~المقصود بالأكل. { وما أهل به لغير الله } أي ذبح للأصنام ~~فذكر عليه غير اسم الله، وأصل الإهلال رفع الصوت أي رفع به الصوت للصنم، ~~وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى. { فمن اضطر } أي ألجىء ~~بكسر النون: بصري وحمزة وعاصم لالتقاء الساكنين أعني النون والضاد وبضمها ~~غيرهم لضمة الطاء. { غير } حال أي أكل غير { باغ } للذة وشهوة { ~~ولا عاد } متعد مقدار الحاجة. وقول من قال غير باغ على الإمام ولا ~~عاد في سفر حرام ضعيف لأن سفر الطاعة لا يبيح بلا ضرورة، والحبس بالحضر ~~يبيح بلا سفر، ولأن بغيه لا يخرج عن الإيمان فلا يستحق الحرمان. والمضطر ~~يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع، ~~لأن الإباحة للاضطرار فتقدر بقدر ما تندفع الضرورة { فلا إثم ~~عليه } في الأكل { أن الله غفور } للذنوب الكبائر فأنى ~~يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار { رحيم } حيث رخص. # ونزل في رؤساء اليهود وتغييرهم نعت النبي عليه السلام وأخذهم على ذلك ~~الرشا { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ~~الكتب } في صفة محمد عليه السلام { ويشترون به ثمنا ~~قليلا } أي عوضا أو ذا ثمن { أولئك ما يأكلون في ms0105 ~~بطونهم } ملء بطونهم تقول: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه { ~~إلا النار } لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه ~~أكل النار. ومنه قولهم «أكل فلان الدم» إذا أكل الدية التي هي بدل منه ~~قال: # يأكلن كل ليلة إكافا # أي ثمن إكاف فسماه إكافا لتلبسه به بكونه ثمنا له. { ولا ~~يكلمهم الله يوم القيمة } كلاما يسرهم ولكن بنحو ~~قوله: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. { ولا يزكيهم } ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم أو لا ~~يثني عليهم { ولهم عذاب أليم } مؤلم فحرف النفي مع الفعل خبر ~~«أولئك» و«أولئك» مع خبره خبر «إن» والجمل الثلاث معطوفة على خبر «إن» ~~فقد صار ل «إن» أربعة أخبار من الجمل. { أولئك الذين ~~اشتروا الضللة بالهدى والعذاب بالمغفرة } ~~بكتمان نعت محمد عليه السلام { فما أصبرهم على النار } فأي ~~شيء أصبرهم على عمل يؤدي إلى النار؟ وهذا استفهام معناه التوبيخ. { ~~ذلك بأن الله نزل الكتب بالحق } أي ذلك العذاب ~~بسبب أن الله نزل ما نزل من الكتب بالحق. { وإن الذين ~~اختلفوا } أي أهل الكتاب { فى الكتب } هو للجنس أي في كتب ~~الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل { لفى شقاق } خلاف { ~~بعيد } عن الحق أو كفرهم ذلك بسبب أن الله نزل القرآن بالحق كما ~~يعلمون، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شقاق بعيد عن الهدى. ### || [2.177-188] # { ليس البر أن تولوا } أي ليس البر توليتكم { وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب } والخطاب لأهل الكتاب لأن قبلة ~~النصارى مشرق بيت المقدس، وقبلة اليهود مغربه، وكل واحد من الفريقين يزعم ~~أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم بأن البر ليس فيما أنتم عليه فإنه ~~منسوخ { ولكن البر } بر { من ءامن بالله } أو ذا ~~البر من آمن والقولان على حذف المضاف والأول أجود. والبر اسم للخير ولكل ~~فعل مرضي. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل: ليس ~~البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ~~ولكن البر الذي يجب الاهتمام به بر ms0106 من آمن وقام بهذه الأعمال. «ليس البر» ~~بالنصب على أنه خبر «ليس» واسمه «أن تولوا»: حمزة وحفص. «ولكن البر»: ~~نافع وشامي. وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت «ولكن البر» وقرىء ~~«ولكن البار». { واليوم الآخر } أي يوم البعث { والملئكة ~~والكتب } أي جنس كتب الله أو القرآن { والنبيين وءاتى ~~المال على حبه } أي على حب الله أو حب المال أو حب الإيتاء ~~يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه { ذوى القربى } أي القرابة ~~وقدمهم لأنهم أحق. قال عليه الصلاة والسلام: # " صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك صدقة وصلة ". # { واليتمى } والمراد الفقراء من ذوي القربى واليتامى، وإنما ~~أطلق لعدم الإلباس. { والمسكين } المسكين الدائم السكون إلى ~~الناس لأنه لا شيء له كالسكير للدائم السكر { وابن السبيل } ~~المسافر المنقطع وهو جنس وإن كان مفردا لفظا، وجعل ابنا للسبيل ~~لملازمته له أو الضيف { والسائلين } المستطعمين { وفي الرقاب ~~} وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم أو في الأسارى { وأقام ~~الصلوة } المكتوبة { وءاتى الزكوة } المفروضة. قيل: هو ~~تأكيد للأول. وقيل: المراد بالأول نوافل الصدقات والمبار. { ~~والموفون } عطف على من آمن { بعهدهم إذا عهدوا } الله ~~والناس { والصبرين } نصب على المدح والاختصاص إظهارا لفضل الصبر ~~في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. { فى البأساء } الفقر ~~والشدة { والضراء } المرض والزمانة { وحين البأس } وقت ~~القتال { أولئك الذين صدقوا } أي أهل هذه الصفة هم الذين ~~صدقوا في الدين { وأولئك هم المتقون }. روي أنه كان بين ~~حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية وكان لأحدهما طول على الآخر ~~فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد ~~فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزل. ~~{ يأيها الذين ءامنوا كتب } أي فرض { عليكم ~~القصاص } وهو عبارة عن المساواة وأصله من قص أثره واقتصه إذا اتبعه ~~ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار { في القتلى } جمع قتيل. # والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى { الحر ~~بالحر } مبتدأ وخبر أي الحر مأخوذ أو مقتول بالحر { والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى } وقال ms0107 الشافعي رحمه الله: لا يقتل ~~الحر بالعبد لهذا النص وعندنا يجزي القصاص بين الحر والعبد بقوله تعالى: # أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]. كما بين الذكر والأنثى وبقوله عليه السلام # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدا قتلوا ~~به، وبأن تخصيص الحكم بنوع لا ينفيه عن نوع آخر بل يبقى الحكم فيه ~~موقوفا على ورود دليل آخر وقد ورد كما بينا. { فمن عفى له من ~~أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسن } قالوا: العفو ضد العقوبة. يقال: عفوت عن فلان إذا صفحت ~~عنه وأعرضت عن أن تعاقبه وهو يتعدى ب «عن» إلى الجاني وإلى الجناية # ثم عفونا عنكم # (البقرة؛ 52) # ويعفوا عن السيئت # [الشورى: 25] وإذا اجتمعا عدي إلى الأول باللام فتقول # " عفوت له عن ذنبه " # ومنه الحديث عفوت لكم عن صدقه الخيل والرقيق وقال الزجاج: من عفي له أي ~~من ترك له القتل بالدية. وقال الأزهري: العفو في اللغة الفضل ومنه: # يسئلونك ماذا ينفقون قل * العفو # [البقرة: 219]. ويقال: عفوت لفلان بمال إذا أفضلت له وأعطيته، وعفوت له ~~عما لي عليه إذا تركته. ومعنى الآية عند الجمهور: فمن عفي له من جهة أخيه ~~شيء من العفو على أن الفعل مسند إلى المصدر كما في سير بزيد بعض السير ~~والأخ ولي المقتول. وذكر بلفظ الأخوة بعثا له على العطف لما بينهما من ~~الجنسية والإسلام، ومن هو القاتل المعفو له عما جنى وترك المفعول الآخر ~~استغناء عنه. وقيل: أقيم «له» مقام «عنه» والضمير في «له» و«أخيه» ل من، ~~وفي «إليه» للأخ أو للمتبع الدال عليه فاتباع لأن المعنى فليتبع الطالب ~~القاتل بالمعروف بأن يطالبه مطالبة جميلة، وليؤد إليه المطلوب أي القاتل ~~بدل الدم أداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه. وإنما قيل شيء من العفو ~~ليعلم أنه إذا عفا عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط ~~القصاص. ومن فسر «عفى» بترك جعل «شيء» مفعولا به، وكذا من فسره ب ~~«أعطى» يعني أن الولي إذا ms0108 أعطى له شيء من مال أخيه يعني القاتل بطريق ~~الصلح فليأخذه بمعروف من غير تعنيف، وليؤده القاتل إليه بلا تسويف. ~~وارتفاع اتباع بأنه خبر مبتدأ مضمر أي فالواجب «اتباع» { ذلك } الحكم ~~المذكور من العفو وأخذ الدية { تخفيف من ربكم ورحمة } ~~فإنه كان في التوراة القتل لا غير، وفي الإنجيل العفو بغير بدل لا غير، ~~وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيرا. # والآية تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن للوصف بالإيمان بعد وجود القتل ~~ولبقاء الأخوة الثابتة بالإيمان ولاستحقاق التخفيف والرحمة { فمن ~~اعتدى بعد ذلك } التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل ~~أو القتل بعد أخذ الدية { فله عذاب أليم } نوع من العذاب شديد ~~الألم في الآخرة { ولكم في القصاص حيوة } كلام فصيح لما فيه ~~من الغرابة، إذ القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل ظرفا للحياة. وفي ~~تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بينة لأن المعنى ولكم في هذا الجنس من ~~الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة ~~بواحد متى اقتدروا فكان القصاص حياة وأي حياة. أو نوع من الحياة وهي ~~الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالقصاص من القاتل، لأنه ~~إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص ارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو من القود ~~فكان شرع القصاص سبب حياة نفسين. { يأولي الألبب } يا ذوي ~~العقول { لعلكم تتقون } القتل حذرا من القصاص. # { كتب } فرض { عليكم إذا حضر أحدكم الموت } أي ~~إذا دنا منه فظهرت أمارته { إن ترك خيرا } مالا كثيرا لما روي ~~عن علي رضي الله عنه إن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه وقال: ~~قال الله تعالى: «إن ترك خيرا». والخير هو المال الكثير وليس لك مال ~~وفاعل كتب { الوصية للولدين والأقربين } وكانت الوصية ~~للوارث في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث كما بيناه في شرح المنار. ~~وقيل: هي غير منسوخة لأنها نزلت في حق من ليس بوارث بسبب الكفر لأنهم ~~كانوا حديثي عهد بالإسلام، يسلم الرجل ولا يسلم ms0109 أبواه وقرائبه، والإسلام ~~قطع الإرث فشرعت الوصية فيما بينهم قضاء لحق القرابة ندبا وعلى هذا لا ~~يراد بكتب فرض { بالمعروف } بالعدل وهو أن لا يوصي للغني ويدع ~~الفقير ولا يتجاوز الثلث { حقا } مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا { على ~~المتقين } على الذين يتقون الشرك { فمن بدله } فمن غير ~~الإيصاء عن وجهه إن كان موافقا للشرع من الأوصياء والشهود { بعد ما ~~* سمعه } أي الإيصاء { فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه } فما إثم التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي ~~والموصى له لأنهما بريئان من الحيف { إن الله سميع } لقول ~~الموصي { عليم } بجور المبدل { فمن خاف } علم وهذا شائع في ~~كلامهم يقولون أخاف أن ترسل السماء ويريدون الظن الغالب الجاري مجرى ~~العلم { من موص } «موص»: كوفي غير حفص. { جنفا } ميلا عن الحق ~~بالخطإ في الوصية { أو إثما } تعمدا للحيف { فأصلح بينهم ~~} بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع { فلا ~~إثم عليه } حينئذ لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل ~~بالباطل، ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم. # وقيل: هذا في حال حياة الموصي أي فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع ~~فنهاه عن ذلك وحمله على الصلاح فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولا { ~~إن الله غفور رحيم }. { يأيها الذين ءامنوا ~~كتب } أي فرض { عليكم الصيام } هو مصدر صام والمراد صيام شهر ~~رمضان { كما كتب } أي كتابة مثل ما كتب فهو صفة مصدر محذوف { على ~~الذين من قبلكم } على الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام ~~إلى عهدكم فهو عبادة قديمة، والتشبيه باعتبار أن كل أحد له صوم أيام أي ~~أنتم متعبدون بالصيام في أيام كما تعبد من كان قبلكم { لعلكم ~~تتقون } المعاصي بالصيام لأن الصيام أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة ~~السوء، أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين إذ الصوم شعارهم. # وانتصاب { أياما } بالصيام أي كتب عليكم أن تصوموا أياما { ~~معدودت } موقتات بعدد معلوم أي قلائل وأصله أن المال القليل يقدر ~~بالعدد ms0110 لا الكثير { فمن كان منكم مريضا } يخاف من الصوم زيادة ~~المرض { أو على سفر } أو راكب سفر { فعدة } فعليه عدة أي ~~فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره، والعدة بمعنى المعدود أي أمر أن يصوم ~~أياما معدودة مكانها { من أيام أخر } سوى أيام مرضه وسفره. ~~وأخر لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام لأن الأصل في «فعلى» صفة أن ~~تستعمل في الجمع بالألف واللام كالكبرى والكبر والصغرى والصغر { وعلى ~~الذين يطيقونه } وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر لهم إن ~~أفطروا { فدية طعام مسكين } نصف صاع من بر أو صاع من غيره، ف ~~«طعام» بدل من «فدية». «فدية طعام مساكين». مدني وابن ذكوان. وكان ذلك في ~~بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم فرخص لهم في ~~الإفطار والفدية، ثم نسخ التخيير بقوله: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه». ~~ولهذا كرر قوله: «فمن كان منكم مريضا أو على سفر». لأنه لما كان مذكورا ~~مع المنسوخ ذكر مع الناسخ ليدل على بقاء هذا الحكم. وقيل: معناه لا ~~يطيقونه فأضمر «لا» لقراءة حفصة كذلك وعلى هذا لا يكون منسوخا. { فمن ~~تطوع خيرا } فزاد على مقدار الفدية { فهو خير له } فالتطوع أو ~~الخير خير له يطوع بمعنى يتطوع: حمزة وعلي { وأن تصوموا } أيها ~~المطيقون { خير لكم } من الفدية وتطوع الخير وهذا في الابتداء. ~~وقيل: وأن تصوموا في السفر والمرض خير لكم لأنه أشق عليكم { إن كنتم ~~تعلمون } شرط محذوف الجواب. # { شهر رمضان } مبتدأ خبره { الذى أنزل فيه القرآن } ~~أي ابتدىء فيه إنزاله وكان في ليلة القدر أو أنزل في شأنه القرآن وهو ~~قوله تعالى: «كتب عليكم الصيام» وهو بدل من الصيام أو خبر مبتدأ محذوف أي ~~هو شهر. والرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وجعل ~~علما، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من ~~حر الجوع ومقاساة شدته، ولأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها ~~فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. فإن قلت: ما وجه ما جاء في الحديث ms0111 «من ~~صام رمضان إيمانا واحتسابا» مع أن التسمية واقعة مع المضاف والمضاف ~~إليه جميعا؟ قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس. «القران» حيث كان غير ~~مهموز: مكي. وانتصب { هدى للناس وبينت من الهدى ~~والفرقان } على الحال أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات ~~واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل، ذكر أولا أنه ~~هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق بين الحق والباطل من ~~وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال. { فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه } فمن كان شاهدا أي حاضرا مقيما غير ~~مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر. و«الشهر» منصوب على الظرف وكذا الهاء ~~في «ليصمه» ولا يكون مفعولا به لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر ~~{ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر } «فعدة» مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه عدة أي صوم عدة { يريد ~~الله بكم اليسر } حيث أباح الفطر بالسفر والمرض { ولا ~~يريد بكم العسر } ومن فرض الفطر على المريض والمسافر حتى لو ~~صاما تجب عليهما الإعادة فقد عدل عن موجب هذا { ولتكملوا ~~العدة } عدة ما أفطرتم بالقضاء إذا زال المرض والسفر، والفعل المعلل ~~محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره لتعلموا ولتكملوا العدة { ~~ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ~~} شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخص له ~~بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر. فقوله:« لتكملوا» ~~علة الأمر بمراعاة العدة و«لتكبروا» علة ما علم من كيفية القضاء والخروج ~~من عهدة الفطر «ولعلكم تشكرون» علة الترخيص وهذا نوع من اللف اللطيف ~~المسلك. وعدي التكبير ب «على» لتضمنه معنى الحمد كأنه قيل: لتكبروا الله ~~أي لتعظموه حامدين على ما هداكم إليه. و«لتكملوا» بالتشديد: أبو بكر. ~~ولما قال إعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم ~~بعيد فنناديه؟ نزل { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ~~علما وإجابة لتعاليه عن القرب مكانا { أجيب دعوة ms0112 الداع إذا ~~دعان } «الداعي» «دعاني» في الحالين: سهل ويعقوب، ووافقهما أبو عمرو ~~ونافع غير قالون في الوصل. # غيرهم بغير ياء في الحالين. ثم إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف ~~فيه، غير أن إجابة الدعوة تخالف قضاء الحاجة فإجابة الدعوة أن يقول العبد ~~يا رب فيقول الله لبيك عبدي، وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن وقضاء الحاجة ~~إعطاء المراد وذا قد يكون ناجزا وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة ~~وقد تكون الخيرة له في غيره { فليستجيبوا لى } إذا دعوتهم ~~للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم { وليؤمنوا ~~بى } واللام فيهما للأمر { لعلهم يرشدون } ليكونوا على رجاء ~~من إصابة الرشد وهو ضد الغي. كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب ~~والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر ~~حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة.ثم إن عمر رضي الله عنه ~~واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى ~~النبي عليه السلام وأخبره بما فعل فقال عليه السلام ما كنت جديرا بذلك ~~فنزل { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } إي الجماع { ~~إلى نسائكم } عدى ب «إلى» لتضمنه معنى الإفضاء وإنما كنى عنه ~~بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يقل الإفضاء إلى نسائكم استقباحا ~~لما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم، ولما كان الرجل ~~والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس ~~المشتمل عليه بقوله تعالى: { هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن } وقيل: لباس أي ستر عن الحرام، و«هن لباس لكم» استئناف كالبيان ~~لسبب الإحلال وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة ~~قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن فلذا رخص لكم في مباشرتهن { علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } تظلمونها بالجماع ~~وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب فيه ~~زيادة وشدة { فتاب عليكم } حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور { ~~وعفا عنكم } ما فعلتم قبل الرخصة ms0113 { فالئن بشروهن } ~~جامعوهن في ليالي الصوم وهو أمر إباحة وسميت المجامعة مباشرة لالتصاق ~~بشرتيهما { وابتغوا ما كتب الله لكم } واطلبوا ما قسم ~~الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة ~~وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو وابتغوا المحل ~~الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم { ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~} هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود { من ~~الخيط الأسود } وهو ما يمتد من سواد الليل شبها بخيطين أبيض ~~وأسود لامتدادهما { من الفجر } بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا ~~من غيره، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر، أو ~~«من» للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله. # وقوله «من الفجر» أخرجه من باب الاستعارة وصيره تشبيها بليغا كما أن ~~قولك «رأيت أسدا» مجاز فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيها. وعن عدي ابن ~~حاتم قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فنظرت إليهما ~~فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فأخبرت النبي عليه السلام بذلك فقال: إنك ~~لعريض القفا أي سليم القلب لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة ~~فطنته، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل. وفي قوله { ثم أتموا ~~الصيام إلى اليل } أي الكف عن هذه الأشياء دليل على جواز النية ~~بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي ~~الوصال، وعلى وجوب الكفارة في الأكل والشرب، وعلى أن الجنابة لا تنافي ~~الصوم { ولا تبشروهن وأنتم عكفون في المسجد ~~} معتكفون فيها، بين أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف. ~~والجملة في موضع الحال، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد ~~وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد { تلك } الأحكام التي ذكرت { حدود ~~الله } أحكامه المحدودة { فلا تقربوها } بالمخالفة والتغيير { ~~كذلك يبين الله آياته } شرائعه { للناس لعلهم ~~يتقون } المحارم. # { ولا تأكلوا أمولكم بينكم } أي لا يأكل ms0114 بعضكم مال بعض ~~{ بالبطل } بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه { وتدلوا ~~بها إلى الحكام } ولا تدلوا بها فهو مجزوم داخل في حكم النهي ~~يعني ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام { لتأكلوا } ~~بالتحاكم { فريقا } طائفة { من أموال الناس بالإثم } ~~بشهادة الزور أو بالأيمان الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ~~ظالم. وقال عليه السلام للخصمين # " إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي ~~له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذون منه ~~شيئا فإن ما أقضى له قطعة من نار " # فبكيا وقال كل واحد منهما حقي لصاحبي. وقيل: وتدلوا بها وتلقوا بعضها ~~إلى حكام السوء على وجه الرشوة. يقال أدلى دلوه أي ألقاه في البئر ~~للاستقاء. { وأنتم تعلمون } أنكم على الباطل وارتكاب المعصية مع ~~العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق. ### || [2.189-202] # قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم ~~يزيد حتى يمتلىء ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على ~~حالة واحدة كالشمس؟ فنزل { يسئلونك عن الأهلة } جمع هلال ~~سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته { قل هى مواقيت للناس ~~والحج } أي معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم ~~وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك، ومعالم للحج ~~يعرف بها وقته. كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ~~ولا دارا ولا فسطاطا من باب، فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر ~~بيته منه يدخل ويخرج، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل { ~~وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } أي ليس ~~البر بتحرجكم من دخول الباب، ولا خلاف في رفع البر هنا لأن الآية ثمة ~~تحتمل الوجهين كما بينا فجاز الرفع والنصب ثمة، وهذه لا تحتمل إلا وجها ~~واحدا وهو الرفع إذ الباء لا تدخل إلا على خبر «ليس» { ولكن ~~البر } بر ms0115 { من اتقى } ما حرم الله. «البيوت» وبابه مدني وبصري ~~وحفص وهو الأصل مثل كعب وكعوب، ومن كسر الباء فلمكان الياء بعدها ولكن هي ~~توجب الخروج من كسر إلى ضم وكأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن ~~الحكمة في نقصانها وتمامها. معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا ~~حكمة فدعوا السؤال عنه وانظروا في خصلة واحدة تفعلونها مما ليس من البر ~~في شيء وأنتم تحسبونها برا، فهذا وجه اتصاله بما قبله. ويحتمل أن يكون ~~ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت الحج لأنه كان من أفعالهم في ~~الحج، ويحتمل أن يكون هذا تمثيلا لتعكيسهم في سؤالهم وإن مثلهم فيه كمثل ~~من يترك باب البيت ويدخل من ظهره، والمعنى ليس البر وما ينبغي أن تكونوا ~~عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر ~~على مثله. # { وأتوا البيوت من أبوبها } وباشروا الأمور من وجوهها ~~التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، أو المراد وجوب الاعتقاد بأن جميع ~~أفعاله تعالى حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا ~~يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارنة الشك # لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # [الأنبياء: 23] { واتقوا الله } فيم أمركم به ونهاكم عنه { ~~لعلكم تفلحون } لتفوزوا بالنعيم السرمدي. # { وقتلوا في سبيل الله } المقاتلة في سبيل الله الجهاد ~~لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين { الذين يقتلونكم } ~~يناجزونكم القتال دون المحاجزين وعلى هذا يكون منسوخا بقوله تعالى: # وقاتلوا المشركين كافة # [التوبة: 36] وقيل: هي أول آية نزلت في القتال فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف، أو الذين يناصبونكم القتال دون من ~~ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء، أو الكفرة ~~كلهم لأنهم قاصدون لمقاتلة المسلمين فهم في حكم المقاتلة { ولا ~~تعتدوا } في ابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عنه من النساء والشيوخ ~~ونحوهما أو بالمثلة { إن الله لا يحب المعتدين * ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وجدتموهم. والثقف ms0116 الوجود على ~~وجه الأخذ والغلبة { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي من ~~مكة وعدهم الله تعالى فتح مكة بهذه الآية وقد فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح { والفتنة أشد من ~~القتل } أي شركهم بالله أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم. وقيل: ~~الفتنة عذاب الآخرة. وقيل: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان فيعذب به ~~أشد عليه من القتل. وقيل لحكيم: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه ~~الموت. فقد جعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت. { ~~ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقتلوكم فيه } أي ولا تبدأوا بقتالهم في الحرم حتى يبدأوا ~~فعندنا المسجد الحرم يقع على الحرم كله { فإن قتلوكم ~~فاقتلوهم } في الحرم فعندنا يقتلون في الأشهر الحرم لا في الحرم ~~إلا أن يبدأوا بالقتال معنا فحينئذ نقتلهم وإن كان ظاهر قوله «واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم» يبيح القتل في الأمكنة كلها لكن لقوله «ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه» خص الحرم إلا عند البداءة منهم كذا في ~~شرح التأويلات { كذلك جزاء الكفرين } مبتدأ وخبر. «ولا ~~تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم»: حمزة وعلي { فإن انتهوا } عن ~~الشرك والقتال { فإن الله غفور } لما سلف من طغيانهم { ~~رحيم } بقبول توبتهم وإيمانهم. { وقتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة } شرك و«كان» تامة و«حتى» بمعنى «كي» أو «إلى أن» { ~~ويكون الدين لله } خالصا ليس للشيطان فيه نصيب أي لا يعبد دونه ~~شيء { فإن انتهوا فلا عدون إلا على الظلمين } ~~فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنه لا عدوان إلا على الظالمين ولم ~~يبقوا ظالمين، أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين، سمى جزاء ~~الظالمين ظلما للمشاكلة كقوله { فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه }. قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام ~~وهو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ~~ذي القعدة { الشهر الحرام } مبتدأ خبره { بالشهر الحرام ~~} أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه يعني تهتكون حرمته عليهم كما ~~هتكوا حرمته عليكم { والحرمت ms0117 قصاص } أي وكل حرمة يجري فيها ~~القصاص من هتك حرمة أي حرمة كانت اقتص منه بأن تهتك له حرمه، فحين هتكوا ~~حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا وأكد ذلك بقوله { فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم } من شرطية والباء غير زائدة والتقدير بعقوبة مماثلة ~~لعدوانهم، أو زائدة وتقديره عدوانا مثل عدوانهم { واتقوا الله } ~~في حال كونكم منتصرين فمن اعتدى عليك فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم. # { واعلموا أن الله مع المتقين } بالنصر { ~~وأنفقوا فى سبيل الله } تصدقوا في رضا الله وهو عام في ~~الجهاد وغيره { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أي ~~أنفسكم والباء زائدة، أو ولا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال «أهلك فلان ~~نفسه بيده» إذا تسبب لهلاكها. والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله ~~لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو ~~عن الإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو والتهلكة ~~والهلاك والهلك واحدة { وأحسنوا } الظن بالله في الإخلاف { إن ~~الله يحب المحسنين } إلى المحتاجين. # { وأتموا الحج والعمرة لله } وأدوهما تأمين ~~بشرائطهما وفرائضهما لوجه الله تعالى بلا توان ولا نقصان. وقيل: الإتمام ~~يكون بعد الشروع فهو دليل على أن من شرع فيهما لزمه إتمامهما وبه نقول: ~~إن العمرة تلزم بالشروع. ولا تمسك للشافعي رحمه الله بالآية على لزوم ~~العمرة لأنه أمر بإتمامها، وقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع أو إتمامهما ~~أن تحرم بهما من دويرة أهلك أو أن تفرد لكل واحد منهما سفرا أو أن تنفق ~~فيهما حلالا أو أن لا تتجر معهما { فإن أحصرتم } يقال أحصر ~~فلان إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز، وحصر إذا حبسه عدو عن المضي. ~~وعندنا الإحصار يثبت بكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما لظاهر النص، وقد ~~جاء في الحديث من كسر أو عرج فقد حل أي جاز له أن يحل وعليه الحج من ~~قابل. وعند الشافعي رحمه الله: الإحصار بالعدو وحده. وظاهر النص ms0118 يدل على ~~أن الإحصار يتحقق في العمرة أيضا لأنه ذكر عقبهما { فما استيسر ~~من الهدى } فما تيسر منه. يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب ~~واستصعب. والهدي جمع هدية يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم ~~محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدى من بعير ~~أو بقرة أو شاة «فما» رفع بالابتداء أي فعليكم ما استيسر، أو نصب أي ~~فأهدوا له ما استيسر { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدى محله } الخطاب للمحصرين أي لا تحلوا بحلق الرأس حتى ~~تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب نحره ~~فيه وهو الحرم، وهو حجة لنا في أن دم الإحصار لا يذبح إلا في الحرم على ~~الشافعي رحمه الله إذ عنده يجوز في غير الحرم { فمن كان منكم ~~مريضا } فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى الحلق { أو به أذى من ~~رأسه } وهو القمل أو الجراحة { ففدية } فعليه إذا حلق فدية { ~~من صيام } ثلاثة أيام { أو صدقة } على ستة مساكين لكل مسكين ~~نصف صاع من بر { أو نسك } شاة وهو مصدر أو جمع نسيكة { فإذا ~~أمنتم } الإحصار أي فإذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة { فمن ~~تمتع } استمتع { بالعمرة إلى الحج } واستمتاعه بالعمرة ~~إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل انتفاعه بالتقرب بالحج. # وقيل: إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم ~~بالحج { فما استيسر من الهدى } هو هدي المتعة، وهو نسك يؤكل ~~منه ويذبح يوم النحر. # { فمن لم يجد } الهدي { فصيام ثلثة أيام في ~~الحج } فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت الحج وهو أشهره ما بين ~~الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج { وسبعة إذا رجعتم } إذا ~~نفرتم وفرغتم من أفعال الحج { تلك عشرة كاملة } في وقوعها ~~بدلا من الهدي أو في الثواب، أو المراد رفع الإبهام فلا يتوهم في الواو ~~أنها بمعنى الإباحة كما في «جالس الحسن وابن سيرين»، ألا ترى أنه لو ~~جالسهما ms0119 أو واحدا منهما كان ممتثلا { ذلك } إشارة إلى التمتع عندنا ~~إذ لا تمتع ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندنا، وعند الشافعي رحمه الله ~~إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئا { لمن ~~لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } هم أهل ~~المواقيت فمن دونها إلى مكة { واتقوا الله } فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه في الحج وغيره { واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } لمن لم يتقه. # { الحج } أي وقت الحج كقولك «البرد شهران» { أشهر ~~معلومت } معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم وهي شوال وذو القعدة ~~وعشر ذو الحجة. وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر أن شيئا من أفعال الحج لا ~~يصح إلا فيها وكذا الإحرام عند الشافعي رحمه الله، وعندنا وإن انعقد لكنه ~~مكروه، وجمعت أي الأشهر لبعض الثالث، أو لأن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء ~~الواحد بدليل قوله تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] { فمن فرض } ألزم نفسه بالإحرام { فيهن الحج ~~} في هذه الأشهر { فلا رفث } هو الجماع أو ذكره عند النساء أو ~~الكلام الفاحش { ولا فسوق } هو المعاصي أو السباب لقوله عليه السلام # " سباب المؤمن فسوق " # أو التنابز بالألقاب لقوله تعالى: # بئس الاسم الفسوق # [الحجرات: 11] { ولا جدال في الحج } ولامراء مع الرفقاء والخدم ~~والمكارين. وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع ~~الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن. والمراد ~~بالنفي وجوب انتفائها وأنها حقيقة بأن لاتكون. وقرأ أبو عمرو ومكي ~~الأولين بالرفع فحملاهما على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا ~~فسوق، والثالث بالنصب على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ~~ولا خلاف في الحج. ثم حث على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان ~~القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق ~~والأخلاق الجميلة بقوله تعالى: { وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله } اعلم بأنه عالم به يجازيكم عليه ورد قول من نفى ~~علمه بالجزئيات. كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون ms0120 فيكونون ~~كلا على الناس فنزل فيهم { وتزودوا } أي تزودوا واتقوا الاستطعام ~~وإبرام الناس والتثقيل عليهم { فإن خير الزاد التقوى } أي ~~الإتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم، أو تزودوا للمعاد باتقاء المحظورات ~~فإن خير الزاد اتقاؤها { واتقون } وخافوا عقابي وهو مثل # دعان # [البقرة: 186] { يأولي الالبب } يا ذوي العقول يعني أن قضية ~~اللب تقوى الله ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له. # ونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر وقالوا هؤلاء الداج وليسوا ~~بالحاج { ليس عليكم جناح أن تبتغوا } في أن تبتغوا في ~~مواسم الحج { فضلا من ربكم } عطاء وتفضلا وهو النفع والربح ~~بالتجارة والكراء { فإذا أفضتم } دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو ~~صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول { من عرفت } هي ~~علم للموقف سمي بجمع كأذرعات. وإنما صرفت لأن التاء فيها ليست للتأنيث بل ~~هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث، وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم ~~عليه السلام فلما رآها عرفها. وقيل: التقى فيها آدم وحواء فتعارفا، وفيه ~~دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاصة لا تكون إلا بعده { فاذكروا ~~الله } بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات أو بصلاة المغرب ~~والعشاء { عند المشعر الحرام } هو قزح وهو الجبل الذي يقف ~~عليه الإمام وعليه الميقدة. والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة، ووصف ~~بالحرام لحرمته. وقيل: المشعر الحرام مزدلفة، وسميت المزدلفة جمعا لأن ~~آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها، أو لأنه ~~يجمع فيها بين الصلاتين، أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون ~~بالوقوف فيها { واذكروه كما هداكم } «ما» مصدرية أوكافة ~~اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، أو اذكروه كما علمكم كيف ~~تذكرونه ولا تعدلوا عنه { وإن كنتم من قبله } من قبل الهدى { ~~لمن الضالين } الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه و«إن» ~~مخففة من الثقيلة واللام فارقة { ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس } ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة. # قالوا: هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى ms0121 جمع وكانوا يقفون بجمع ~~وسائر الناس بعرفات ويقولون: نحن قطان حرمه فلا نخرج منه. وقيل: الإفاضة ~~من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى. والمراد بالناس على هذا ~~الجنس ويكون الخطاب للمؤمنين { واستغفروا الله } من مخالفتكم ~~في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم أو من تقصيركم في أعمال الحج { إن ~~الله غفور رحيم } بكم { فإذا قضيتم منسككم } ~~فإذا فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ونفرتم { فاذكروا ~~الله كذكركم ءاباءكم } أي فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم ~~آباءكم. والمعنى فأكثروا من ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر ~~آبائكم ومفاخرهم وأيامهم. وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى ~~وبين الجبل فيعددون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم { أو أشد ~~ذكرا } أي أكثر. وهو في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله ~~«كذكركم» كما تقولون كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا و«ذكرا» ~~تمييز. # { فمن الناس من يقول } فمن الذين يشهدون الحج من يسأل الله ~~حظوظ الدنيا فيقول { ربنا ءاتنا فى الدنيا } اجعل إيتاءنا أي ~~إعطاءنا في الدنيا خاصة يعني الجاه والغنى { وما له فى الآخرة ~~من خلق } نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لكفره بالآخرة. والمعنى ~~أكثروا ذكر الله ودعاءه لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا ~~أغراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين فكونوا من المكثرين أي من الذين ~~قيل فيهم { ومنهم } ومن الذين يشهدون الحج { من يقول ربنا ~~ءاتنا فى الدنيا حسنة } نعمة وعافية، أو علما وعبادة. { ~~وفي الآخرة حسنة } عفوا ومغفرة، أو المال والجنة، أو ثناء ~~الخلق ورضا الحق، أو الإيمان والأمان، أو الإخلاص والخلاص، أو السنة ~~والجنة، أو القناعة والشفاعة، أو المرأة الصالحة والحور العين، أو العيش ~~على سعادة والبعث من القبور على بشارة. { وقنا عذاب النار } ~~احفظنا من عذاب جهنم، أو عذاب النار امرأة السوء. { أولئك } أي ~~الداعون بالحسنتين { لهم نصيب مما كسبوا } من جنس ما كسبوا ~~من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة، أو من ms0122 أجل ما ~~كسبوا، أو سمى الدعاء كسبا لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب، ~~ويجوز أن يكون أولئك للفريقين وأن لكل فريق نصيبا من جنس ما كسبوا { ~~والله سريع الحساب } يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد ~~فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على ~~كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر من نقمته. ~~وروي أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة وروي في مقدار لمحة. ### || [2.203-214] # { واذكروا الله فى أيام معدودت } هي أيام التشريق ~~وذكر الله فيها التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار { فمن تعجل ~~} فمن عجل في النفر أو استعجل النفر. وتعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى ~~عجل. يقال تعجل في الأمر واستعجل ومتعديين يقال تعجل الذهاب واستعجله ~~والمطاوعة أوفق لقوله و«من تأخر» { فى يومين } من هذه الأيام ~~الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين ~~من هذه الأيام الثلاثة { فلا إثم عليه } فلا يأثم بهذا التعجل { ~~ومن تأخر } حتى رمى في اليوم الثالث { فلا إثم عليه ~~لمن اتقى } الصيد أو الرفث والفسوق أو هو مخير في التعجل. والتأخر ~~وإن كان التأخر أفضل فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر ~~بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. وقيل: كان أهل الجاهلية فريقين ~~منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفي ~~المأثم عنهما { واتقوا الله } في جميع الأمور { واعلموا ~~أنكم إليه تحشرون } حين يبعثكم من القبور. كان الأخنس بن ~~شريق حلو المنطق إذا لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألان له القول ~~وادعى أنه يحبه وأنه مسلم وقال يعلم الله أني صادق فنزل فيه. # { ومن الناس من يعجبك قوله } يروقك ويعظم في قلبك ومنه ~~الشيء العجيب الذي يعظم في النفس { في الحيوة الدنيا } «في» ~~يتعلق بالقول أي يعجبك ما يقول في معنى الدنيا لأنه يطلب بادعاء المحبة ~~حظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، أو ب «يعجبك» أي يعجبك حلو كلامه في ~~الدنيا ms0123 لا في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة { ويشهد ~~الله على ما فى قلبه } أي يحلف ويقول الله شاهد على ما في ~~قلبي من محبتك ومن الإسلام { وهو ألد الخصام } شديد الجدال ~~والعداوة للمسلمين، والخصام والمخاصمة والإضافة بمعنى في لأن «أفعل» يضاف ~~إلى ما هو بعضه تقول: زيد أفضل القوم ولا يكون الشخص بعض الحدث فتقديره ~~ألد في الخصومة، أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب والتقدير: وهو أشد الخصوم ~~خصومة. { وإذا تولى } عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق { ~~سعى فى الأرض ليفسد } كما فعل بثقيف فإنه كان بينه وبينهم ~~خصومة فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم { فيها ويهلك ~~الحرث والنسل } أي الزرع والحيوان، أو إذا كان واليا فعل ما ~~يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر ~~الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الخرث والنسل. { والله ~~لا يحب الفساد * وإذا قيل له } للأخنس { اتق الله ~~} في الإفساد والإهلاك { أخذته العزة بالإثم } حملته النخوة ~~وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه وألزمته ارتكابه، أو الباء للسبب ~~أي أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه وهو الكفر { فحسبه ~~جهنم } أي كافيه { ولبئس المهاد } أي الفراش جهنم. # ونزل في صهيب حين أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفرا كانوا ~~معه فاشترى نفسه بماله منهم وأتى المدينة، أو فيمن يأمر بالمعروف وينهى ~~عن المنكر حتى يقتل { ومن الناس من يشرى نفسه } يبيعها { ~~ابتغاء } لابتغاء { مرضات الله والله رءوف بالعباد ~~} حيث أثابهم على ذلك { يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في ~~السلم } وبفتح السين حجازي وعلي، وهو الاستسلام والطاعة أي استسلموا ~~لله وأطيعوه أو الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم ~~وكتابهم، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم { كافة } لا يخرج أحد ~~منكم يده عن طاعته حال من الضمير في «ادخلوا» أي جميعا، أو من السلم ~~لأنها تؤنث كأنهم أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها، أو في شعب الإسلام ~~وشرائعه كلها، وكافة من الكف كأنهم كفوا أن يخرج ms0124 منهم أحد باجتماعهم { ~~ولا تتبعوا خطوت الشيطن } وساوسه { إنه لكم ~~عدو مبين } ظاهر العداوة { فإن زللتم } ملتم عن الدخول في ~~السلم { من بعد ما جاءتكم البينت } أي الحجج الواضحة ~~والشواهد اللائحة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق { فاعلموا ~~أن الله عزيز } غالب لا يمنعه شيء من عذابكم { حكيم } لا ~~يعذب إلا بحق. وروي أن قارئا قرأ «غفور رحيم» فسمعه أعرابي لم يقرأ ~~القرآن فأنكره وقال ليس هذا من كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند ~~الزلل والعصيان لأنه إغراء عليه. # { هل ينظرون } ما ينتظرون { إلا أن يأتيهم الله } أي ~~أمر الله وبأسه كقوله: # أو يأتى أمر ربك # [النحل: 33]. # فجاءها بأسنا # [الأعراف: 4] أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة ~~عليه بقوله: «فاعلموا أن الله عزيز» { في ظلل } جمع ظلة وهي ما أظلك ~~{ من الغمام } الحساب. وهو للتهويل إذ الغمام مظنة الرحمة أنزل ~~منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول { والملئكة } أي وتأتي ~~الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم أو المراد حضورهم يوم القيامة { وقضى ~~الأمر } أي وتم أمر إهلاكهم وفرغ منه { وإلى الله ترجع ~~الأمور } أي أنه ملك العباد بعض الأمور فترجع إليه الأمور يوم ~~النشور. «ترجع الأمور» حيث كان: شامي وحمزة وعلي. { سل } أصله اسأل ~~فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار «سل». ~~وهو أمر للرسول أو لكل أحد وهو سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة. # { بنى إسرءيل كم آتينهم من آية بينة } على أيدي ~~أنبيائهم وهي معجزاتهم أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام. ~~و«كم» استفهامية أو خبرية { ومن يبدل نعمة الله } هي آياته ~~وهي أجل نعمة من الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم ~~إياها، إن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125] أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد عليه السلام { ~~من بعد ما جاءته } من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها ms0125 ~~فكأنها غائبة عنه { فإن الله شديد العقاب } لمن استحقه. # { زين للذين كفروا الحيوة الدنيا } المزين هو ~~الشيطان زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا ~~يريدون غيرها، أو الله تعالى يخلق الشهوات فيهم ولأن جميع الكائنات منه ~~ويدل عليه قراءة من قرأ «زين للذين كفروا الحياة الدنيا» { ويسخرون ~~من الذين ءامنوا } كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود ~~وعمار وصهيب ونحوهم أي لا يريدون غير الدنيا وهم يسخرون ممن لا حظ له ~~فيها أو ممن يطلب غيرها { والذين اتقوا } عن الشرك وهم هؤلاء ~~الفقراء { فوقهم يوم القيمة } لأنهم في جنة عالية وهم في ~~نار هاوية { والله يرزق من يشاء بغير حساب } بغير ~~تقتير يعني أنه يوسع على من أراد التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره، ~~وهذه التوسعة عليكم من الله لحكمة وهي استدارجكم بالنعمة ولو كانت كرامة ~~لكان المؤمنون أحق بها منكم { كان الناس أمة وحدة } متفقين ~~على دين الإسلام من آدم إلى نوح عليهما السلام، أو هم نوح ومن كان معه في ~~السفينة فاختلفوا { فبعث الله النبيين } ويدل على حذفه قوله ~~تعالى: # ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه # [البقرة: 213] وقراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا» وقوله ~~تعالى: # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا # [يونس: 19] أو كان الناس أمة واحدة كفارا فبعث الله النبيين فاختلفوا ~~عليهم والأول الأوجه { مبشرين } بالثواب للمؤمنين { ومنذرين } ~~بالعقاب للكافرين وهما حالان { وأنزل معهم الكتب } أي مع ~~كل واحد منهم كتابه { بالحق } بتبيان الحق { ليحكم } الله أو ~~الكتاب أو النبي المنزل عليه { بين الناس فيما اختلفوا ~~فيه } في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق. { وما اختلف ~~فيه } في الحق { إلا الذين أوتوه } أي الكتاب المنزل لإزالة ~~الاختلاف أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب { من بعد ما ~~جاءتهم البينت } على صدقه { بغيا بينهم } مفعول له ~~أي حسدا بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم { فهدى ~~الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه } أي هدى الله ~~الذين آمنوا للحق ms0126 الذي اختلف فيه من اختلف فيه { من الحق } بيان ~~لما اختلفوا فيه { بإذنه } بعلمه { والله يهدى من يشاء ~~إلى صراط مستقيم } { أم حسبتم } أم منقطعة لا متصلة ~~لأن شرطها أن يكون قبلها همزة الاستفهام كقولك «أعندك زيد أم عمرو» أي ~~أيهما عندك؟ وجوابه زيد إن كان عنده زيد، أوعمرو إن كان عنده عمرو. # وأما «أم» المنقطعة فتقع بعد الاستفهام وبعد الخبر وتكون بمعنى بل ~~والهمزة، والتقدير: بل أحسبتم ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان ~~واستبعاده. لما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء ~~البينات تشجيعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات ~~والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته ~~وعداوتهم له، قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ أم حسبتم { أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم } أي ولم يأتكم وفي «لما» ~~معنى التوقع يعني أن إتيان ذلك متوقع منتظر. { مثل الذين ~~خلوا } مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدة { من قبلكم } من ~~النبيين والمؤمنين { مستهم } بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلا ~~قال: كيف كان ذلك المثل فقيل: مستهم { البأساء } أي البؤس { ~~والضراء } المرض والجوع { وزلزلوا } وحركوا بأنواع البلايا ~~وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة { حتى يقول الرسول ~~والذين ءامنوا معه } إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من ~~المؤمنين فيها { متى نصر الله } أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم ~~صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة فقيل ~~لهم { ألا إن نصر الله قريب } إجابة لهم إلى طلبهم من عاجل ~~النصر. «يقول» بالرفع: نافع على حكاية حال ماضية نحو «شربت الإبل حتى ~~يجيء البعير يجر بطنه». وغيره بالنصب على إضمار «أن» ومعنى الاستقبال ~~لأن «أن» علم له. ولما قال عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير وله مال عظيم: ~~ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ نزل. ### || [2.215-218] # { يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ~~فللولدين والأقربين واليتمى والمسكين ~~وابن السبيل } فقد تضمن قوله ما أنفقتم من ms0127 خير بيان ما ينفقونه ~~وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا ~~يعتد بها إلا أن تقع موقعها عن الحسن هي في التطوع { وما تفعلوا ~~من خير فإن الله به عليم } فيجزى عليه { كتب ~~عليكم القتال } فرض عليكم جهاد الكفار { وهو كره لكم ~~} من الكراهة فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقولها: # فإنما هي إقبال وإدبار # كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له أوهو فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى ~~المخبوز أي وهو مكروه لكم { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم } فأنتم تكرهون الغزو وفيه إحدى الحسنيين إما الظفر ~~والغنيمة وإما الشهادة والجنة { وعسى أن تحبوا شيئا } وهو ~~القعود عن الغزو { وهو شر لكم } لما فيه من الذل والفقر وحرمان ~~الغنيمة والأجر { والله يعلم } ما هو خير لكم { وأنتم لا ~~تعلمون } ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم، ونزل في سرية ~~بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المشركين وقد أهل هلال رجب ~~وهم لا يعلمون ذلك فقالت قريش: قد استحل محمد عليه السلام الشهر الحرام ~~شهرا يأمن فيه الخائف. # { يسئلونك عن الشهر الحرام } أي يسألك الكفار أو ~~المسلمون عن القتال في الشهر الحرام. # { قتال فيه } بدل الاشتمال من «الشهر». وقرىء «عن قتال فيه» على ~~تكرير العامل كقوله: # للذين استضعفوا لمن آمن منهم # [الأعراف:75]. # { قل قتال فيه كبير } أي إثم كبير. «قتال» مبتدأ و«كبير» خبره ~~وجاز الابتداء بالنكرة لأنها قد وصفت ب «فيه» وأكثر الأقاويل على أنها ~~منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. { وصد عن سبيل الله } أي منع المشركين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت عام الحديبية وهو مبتدأ { ~~وكفر به } أي بالله عطف على صد { والمسجد الحرام } «عطف ~~على سبيل الله» أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه ~~معطوف على الهاء في به أي كفر به وبالمسجد الحرام، ولا يجوز عند البصريين ~~العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فلا ms0128 تقول: مررت به وزيد ولكن ~~تقول وبزيد، ولو كان معطوفا على الهاء هنا لقيل وكفر به وبالمسجد ~~الحرام. { وإخراج أهله } أي أهل المسجد الحرام وهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وهو عطف على «صد» أيضا { منه } من ~~المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة { أكبر عند الله } أي مما ~~فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن ~~{ والفتنة } الإخراج أو الشرك { أكبر من القتل } في ~~الشهر الحرام، أو تعذيب الكفار المسلمين أشد قبحا من قتل هؤلاء المسلمين ~~في الشهر الحرام { ولا يزالون يقتلونكم حتى ~~يردوكم عن دينكم } أي إلى الكفر وهو إخبار عن دوام عداوة ~~الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم. # «حتى» معناها التعليل نحو «فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة» أي يقاتلونكم ~~كي يردوكم. وقوله تعالى: { إن استطاعوا } استبعاد لاستطاعتهم ~~كقولك لعدوك «إن ظفرت بي فلا تبق علي» وأنت واثق بأنه لا يظفر بك { ومن ~~يرتدد منكم عن دينه } ومن يرجع عن دينه إلى دينهم { فيمت ~~وهو كافر } أي يمت على الردة { فأولئك حبطت ~~أعملهم في الدنيا والآخرة } لما يفوتهم بالردة مما ~~للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام وفي الآخرة من الثواب وحسن المآب { ~~وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون } وبها احتج ~~الشافعي رحمه الله على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت عليها. وقلنا: قد ~~علق الحبط بنفس الردة بقوله تعالى: # ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله # [المائدة: 5] والأصل عندنا أن المطلق لا يحمل على المقيد، وعنده يحمل ~~عليه فهو بناء على هذا. # ولما قالت السرية أيكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله نزل { إن ~~الذين ءامنوا والذين هاجروا } تركوا مكة وعشائرهم { ~~وجهدوا في سبيل الله } المشركين ولا وقف عليه لأن { ~~أولئك يرجون رحمت الله } خبر «إن». قيل: من رجا طلب ومن ~~خاف هرب { والله غفور رحيم } نزل في الخمر أربع آيات نزل ~~بمكة: # ومن ثمرت النخيل والأعنب تتخذون منه سكرا # [النحل: 67]. فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم ms0129 إن عمر ونفرا من ~~الصحابة قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة ~~للمال فنزل: ### || [2.219-223] # { يسئلونك عن الخمر والميسر } فشربها قوم وتركها ~~آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف جماعة فشربوا وسكروا فأم بعضهم فقرأ «قل ~~يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون» فنزل # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء: 43] فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك جماعة فلما سكروا ~~منها تخاصموا وتضاربوا فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ~~فنزل { إنما الخمر والميسر } إلى قوله # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب. وعن علي رضي الله عنه: لو وقعت ~~قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها، ولو وقعت في بحر ثم جف ~~ونبت فيه الكلأ لم أرعه. والخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب، ~~وسميت بمصدر خمره خمرا إذا ستره لتغطيتها العقل. والميسر القمار مصدر من ~~يسر كالوعد من فعله يقال يسرته إذا أقمرته، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ ~~مال الرجل بيسر وسهولة بلا كد وتعب، أو من اليسار كأنه سلب يساره. وصفة ~~الميسر أنه كانت لهم عشرة أقداح سبعة منها عليها خطوط وهو الفذ وله سهم، ~~والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله ~~خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلى وله سبعة، وثلاثة أغفال لا نصيب لها وهي ~~المنيح والسفيح والوغد، فيجعلون الأقداح في خريطة ويضعونها على يد عدل ثم ~~يجلجلها ويدخل يده ويخرج باسم رجل قدحا قدحا منها، فمن خرج له قدح من ~~ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح ما لا ~~نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء ~~إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، وفي ~~حكم الميسر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما، والمعنى يسألونك عما ~~في تعاطيهما بدليل { قل فيهما إثم كبير } بسبب التخاصم ~~والتشاتم وقول الفحش والزور «كثير»: حمزة وعلي. { ومنفع للناس ~~} بالتجارة ms0130 في الخمر والتلذذ بشربها، وفي الميسر بارتقاق الفقراء أو نيل ~~المال بلا كد { وإثمهما } وعقاب الإثم في تعاطيهما { أكبر من ~~نفعهما } لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيها الآثام من وجوه ~~كثيرة. # { ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو } أي الفضل أي ~~أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة، وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضا ~~فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل، وإذا كان صانعا ~~أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل فنسخت بآية الزكاة. «العفو»: أبو عمرو؛ فمن ~~نصبه جعل «ماذا» اسما واحدا في موضع النصب ب « ينفقون» والتقدير: قل ~~ينفقون العفو، ومن رفعه جعل «ما» مبتدأ وخبره «ذا» مع صلته ف «ذا» بمعنى ~~«الذين»و«ينفقون» صلته أي ما الذي ينفقون فجاء الجواب «العفو» أي هو ~~العفو فإعراب الجواب كإعراب السؤال ليطابق الجواب السؤال. # { كذلك } الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبيينا مثل هذا ~~التبيين { يبين الله لكم الآيت لعلكم تتفكرون ~~فى الدنيا } أي في أمر الدنيا { والآخرة } و «وفي» يتعلق ~~بتتفكرون أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما أصلح لكم، أو ~~تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع، ويجوز أن يتعلق ب ~~«يبين» أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم ~~تتفكرون. ولما نزل # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما # [النساء: 10] اعتزلوا اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم وذكروا ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل. # { ويسئلونك عن اليتمى قل إصلاح لهم خير } ~~أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم { وإن ~~تخالطوهم } وتعاشروهم ولم تجانبوهم { فإخوانكم } فهم إخوانكم ~~في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه { والله يعلم المفسد } ~~لأموالهم { من المصلح } لها فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا ~~تتحروا غير الإصلاح { ولو شاء الله } إعناتكم { لأعنتكم } ~~لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم { إن ~~الله عزيز } غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم { حكيم } لا ~~يكلف إلا وسعهم وطاقتهم. # ولما سأل مرثد النبي صلى الله عليه وسلم عن أن ms0131 يتزوج عناق وكانت مشركة ~~نزل { ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن } أي لا ~~تتزوجوهن. يقال نكح إذا تزوج وأنكح غيره زوجه { ولأمة مؤمنة ~~خير من مشركة ولو أعجبتكم } ولو كان الحال أن ~~المشركة تعجبكم وتحبونها { ولا تنكحوا المشركين } ولا ~~تزوجوهم بمسلمة كذا قاله الزجاج. وقال جامع العلوم: حذف أحد المفعولين ~~والتقدير ولا تنكحوهن المشركين { حتى يؤمنوا ولعبد ~~مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم }. ثم بين علة ذلك ~~فقال { أولئك } وهو إشارة إلى المشركات والمشركين { يدعون ~~إلى النار } إلى الكفر الذي هو عمل أهل النار فحقهم أن لا يوالوا ~~ولا يصاهروا { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة } ~~أي وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما ~~فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم { بإذنه } بعلمه أو بأمره { ~~ويبين آيته للناس لعلهم يتذكرون } يتعظون. # كانت العرب لم يؤاكلوا الحائض ولم يشاربوها ولم يساكنوها كفعل اليهود ~~والمجوس، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: يا ~~رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزل { ويسئلونك عن ~~المحيض } هو مصدر يقال حاضت محيضا كقولك «جاء مجيئا» { قل هو ~~أذى } أي المحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه { فاعتزلوا ~~النساء في المحيض } فاجتنبوهن أي فاجتنبوا مجامعتهن. # وقيل: إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا ~~يعتزلونهن في كل شيء، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين. ثم عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف رحمهما الله يجتنب ما اشتمل عليه الإزار، ومحمد رحمه الله لا ~~يوجب إلا اعتزال الفرج. وقالت عائشة رضي الله عنها: يجتنب شعار الدم وله ~~ما سوى ذلك. { ولا تقربوهن } مجامعين أو ولا تقربوا مجامعتهن { ~~حتى يطهرن } بالتشديد كوفي غير حفص أي يغتسلن وأصله «يتطهرون» ~~فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجيهما. غيرهم «يطهرن» أي ينقطع دمهن، ~~والقراءتان كآيتين فعملنا بهما وقلنا له أن يقربها في أكثر الحيض بعد ~~انقطاع الدم وإن لم تغتسل عملا بقراءة التخفيف، وفي أقل منه لا يقربها ~~حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة عملا بقراءة التشديد، والحمل على ms0132 ~~هذا أولى من العكس لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عرف، وعند ~~الشافعي رحمه الله لا يقربها حتى تطهر وتتطهر دليله قوله تعالى: { ~~فإذا تطهرن فأتوهن } فجامعوهن فجمع بينهما { من حيث ~~أمركم الله } من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل ~~{ إن الله يحب التوابين } من ارتكاب ما نهوا عنه أو ~~العوادين إلى الله تعالى وإن زلوا فزلوا والمحبة لمعرفته بعظم عفو الله ~~حيث لا ييأس { ويحب المتطهرين } بالماء أو المتنزهين من ~~أدبار النساء أو من الجماع في الحيض أو من الفواحش. # كان اليهود يقولون إذا أتى الرجل أهله باركة أتى الولد أحول فنزل { ~~نساؤكم حرث لكم } مواضع حرث لكم وهذا مجاز شبهن بالمحارث ~~تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور والولد ~~بالنبات، ووقع قوله «نساؤكم حرث لكم» بيانا وتوضيحا لقوله: «فأتوهن من ~~حيث أمركم الله». أي إن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان ~~الفرث تنبيها على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لإقضاء ~~الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتي الذي نيط به هذا المطلوب { فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم } جامعوهن متى شئتم أو كيف شئتم باركة أو ~~مستلقية أو مضطجعة بعد أن يكون المأتي واحدا وهو موضع الحرث وهو تمثيل، ~~أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا ~~يحظر عليكم جهة دون جهة. وقوله: «هو أذى فاعتزلوا النساء»، «من حيث أمركم ~~الله فأتوا حرثكم أنى شئتم». من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، ~~فعلى كل مسلم أن يتأدب بها ويتكلف مثلها في المحاورات والمكاتبات { ~~وقدموا لأنفسكم } ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو ~~خلاف ما نهيتم عنه، أو هو طلب الولد أو التسمية على الوطء { واتقوا ~~الله } فلا تجترئوا على المناهي { واعلموا أنكم ملقوه ~~} صائرون إليه فاستعدوا للقائه { وبشر المؤمنين } بالثواب يا ~~محمد. وإنما جاء «يسألونك» ثلاث مرات بلا واو ثم مع الواو ثلاثا لأن ~~سؤالهم عن تلك الحوارث الأول كأنه وقع ms0133 في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف ~~العطف لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الحوادث الأخر في ~~وقت واحد فجيء بحرف الجمع. لذلك. ### || [2.224-228] # { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } العرضة فعلة ~~بمعنى مفعول كالقبضة وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء ~~فيتعرض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه. تقول فلان عرضة دون الخير، وكان ~~الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى ~~أحد أوعبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر ~~في يمينه فقيل لهم ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي حاجزا لما حلفتم ~~عليه، وسمي المحلوف عليه يمينا بتلبسه باليمين كقوله عليه السلام # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه " # وقوله { أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } ~~عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى ~~والإصلاح بين الناس. واللام تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم ~~برزخا، ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق «أن تبروا» بالفعل أو ~~بالعرضة أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا «والله ~~سميع» لأيمانكم «عليم» بنياتكم. # { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم } اللغو ~~الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره، ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد ~~به في الأيمان وهو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه والأمر بخلافه، ~~والمعنى لا يعاقبكم «بلغو» اليمين الذي يحلفه أحدكم، وعند الشافعي رحمه ~~الله هو ما يجري على لسانه من غير قصد للحلف نحو «لا والله» و «بلى ~~والله». { ولكن يؤاخذكم } ولكن يعاقبكم { بما كسبت ~~قلوبكم } بما اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف ~~على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس، وتعلق الشافعي بهذا ~~النص على وجوب الكفارة في الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد، والمؤاخذة ~~غير مبينة هنا وبينت في المائدة فكان البيان ثمة بيانا هنا، وقلنا: ~~المؤاخذة هنا مطلقة. ms0134 وهي في دار الجزاء والمؤاخذة ثم مقيدة بدار الابتلاء ~~فلا يصح حمل البعض على البعض { والله غفور حليم } حيث لم ~~يؤاخذكم باللغو في «أيمانكم». # { للذين يؤلون } يقسمون وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه و«من» ~~في { من نسائهم } يتعلق بالجار والمجرور أي للذين كما تقول لك مني ~~نصرة ولك مني معونة أي للمؤلين من نسائهم { تربص أربعة ~~أشهر } أي استقر للمؤلين ترقب أربعة أشهر لا ب «يؤلون» لأن آلى ~~يعدى ب «على» يقال آلى فلان على امرأته، وقول القائل «آلى فلان من ~~امرأته» وهم توهمه من هذه الآية. ولك أن تقول عدي ب «من» لما في هذا ~~القسم من معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم { فإن فآءوا } في ~~الأشهر لقراءة عبد الله فإن فاءوا فيهن أي رجعوا إلى الوطء عن الإصرار ~~بتركه { فإن الله غفور رحيم } حيث شرع الكفارة { وإن ~~عزموا الطلق } بترك الفيء فتربصوا إلى مضي المدة { فإن ~~الله سميع } لإيلائه { عليم } بنيته وهو وعيد على إصرارهم ~~وتركهم الفيئة، وعند الشافعي رحمه الله معناه فإن فاءوا وإن عزموا بعد ~~مضي المدة لأن الفاء للتعقيب. # وقلنا قوله: «فإن فاءوا». «وإن عزموا» تفصيل لقوله «للذين يؤلون» من ~~نسائهم والتفصيل يعقب المفصل كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم ~~أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول. { والمطلقت ~~} أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء. { يتربصن بأنفسهن } ~~خبر في معنى الأمر وأصل الكلام ولتتربص المطلقات، وإخراج الأمر في صورة ~~الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله ~~فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا، ونحوه قولهم في ~~الدعاء «رحمك الله» أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنما وجدت الرحمة ~~فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل تأكيد لأن الجملة ~~الاسمية تدل على الدوام والثبات بخلاف الفعلية. وفي ذكر الأنفس تهييج لهن ~~على التربص وزيادة بعث، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن ~~أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. ms0135 # { ثلثة قروء } جمع قرء أو قرء وهو الحيض لقوله عليه السلام # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # وقوله # " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " # ولم يقل طهران. وقوله تعالى: # واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلثة أشهر # [الطلاق: 4]. فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار، ولأن المطلوب من ~~العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك ~~كان الاستبراء من الأمة بالحيضة، ولأنه لو كان طهرا كما قال الشافعي ~~لانقضت العدة بقرأين وبعض الثالث فانتقص العدد عن الثلاثة، لأنه إذا ~~طلقها لآخر الطهر فذا محسوب من العدة عنده، وإذا طلقها في آخر الحيض فذا ~~غير محسوب من العدة عندنا، والثلاث اسم خاص لعدد مخصوص لا يقع على ما ~~دونه. ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت وامرأة مقرىء. وانتصاب «ثلاثة» على ~~أنه مفعول به أي يتربصن مضي ثلاثة قروء أو على الظرف أي يتربصن مدة ثلاثة ~~قروء، وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء لاشتراكهما ~~في الجمعية اتساعا، ولعل القروء كانت أكثر استعمالا في جمع قرء من ~~الأقراء فأوثر عليه تنزيلا لقليل الاستعمال منزلة المهمل. # { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى ~~أرحامهن } من الولد أو من دم الحيض أو منهما، وذلك إذا أرادت ~~المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع، ولئلا يشفق ~~على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض قد طهرت ~~استعجالا للطلاق، ثم عظم فعلهن فقال { إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر } لأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترىء على مثله من ~~العظائم { وبعولتهن } البعول جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع ~~{ أحق بردهن } أي أزواجهن أولى برجعتهن، وفيه دليل أن الطلاق ~~الرجعي لا يحرم الوطء حيث سماه زوجا بعد الطلاق { في ذلك } في مدة ~~ذلك التربص، والمعنى أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار ~~قوله على قولها وكان هو أحق منها لا أن لها حقا في الرجعة { إن ~~أرادوا } { إصلحا } لما بينهم وبينهن وإحسانا إليهن ms0136 ولم ~~يريدوا مضارتهن { ولهن مثل الذى عليهن } ويجب لهن من ~~الحق على الرجال من المهر والنفقة وحسن العشرة وترك المضارة مثل الذي يجب ~~لهم عليهن من الأمر والنهي { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكر في ~~الشرع وعادات الناس، فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس له. # والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل، ~~فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما ~~يليق بالرجال { وللرجال عليهن درجة } زيادة في الحق ~~وفضيلة بالقيام بأمرها وإن اشتركا في اللذة والاستمتاع أو بالإنفاق وملك ~~النكاح { والله عزيز } لا يعترض عليه في أموره { حكيم } لا ~~يأمر إلا بما هو صواب وحسن. ### || [2.229-232] # { الطلق مرتان } الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم ~~أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع، والإرسال ~~دفعة واحدة. ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله # ثم ارجع البصر كرتين # [الملك: 4] أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين وهو دليل لنا في أن الجمع ~~بين الطلقتين والثلاثة بدعة في طهر واحد، لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق ~~لأنه وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر وإلا يؤدي إلى الخلف في خبر الله ~~تعالى، لأن الطلاق على وجه الجمع قد يوجد. وقيل: قالت أنصارية: إن زوجي ~~قال: لا أزال أطلقك ثم أراجعك فنزلت «الطلاق مرتان» أي الطلاق الرجعي ~~مرتان لأنه لا رجعة بعد الثالث { فإمساك بمعروف } برجعة، ~~والمعنى فالواجب عليكم إمساك بمعروف { أو تسريح بإحسن } بأن ~~لا يراجعها حتى تبين بالعدة. وقيل: بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث. ~~ونزل في جميلة وزوجها ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها وقد ~~أعطاها حديقة فاختلعت منه بها وهو أول خلع كان في الإسلام { ولا ~~يحل لكم } أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء ~~عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون { أن تأخذوا ممآ ~~آتيتموهن شيئا } مما أعطيتموهن من المهور { إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله } إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة ms0137 حدود ~~الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها ~~{ فإن خفتم } أيها الولاة، وجاز أن يكون أول خطاب للأزواج وآخره ~~للحكام { ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما } ~~فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت { فيما افتدت ~~به } فيما افتدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر. «إلا ~~أن يخافا» حمزة على البناء للمفعول وإبدال «ألا يقيما» من ألف الضمير وهو ~~من بدل الاشتمال نحو «خيف زيد تركه إقامة حدود الله». { تلك حدود ~~الله } أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء والطلاق والخلع وغير ذلك ~~{ فلا تعتدوها } فلا تجاوزوها بالمخالفة { ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظلمون } الضارون أنفسهم. { ~~فإن طلقها } مرة ثالثة بعد المرتين، فإن قلت الخلع طلاق عندنا ~~وكذا عند الشافعي رحمه الله في قول، فكأن هذه تطليقة رابعة. قلت: الخلع ~~طلاق ببدل فيكون طلقة ثالثة، وهذه بيان لتلك أي فإن طلقها الثالثة ببدل ~~فحكم التحليل كذا { فلا تحل له من بعد } من بعد التطليقة ~~الثالثة { حتى تنكح زوجا غيره } حتى تتزوج غيره. والنكاح ~~يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج، وفيه دليل على أن النكاح ~~ينعقد بعبارتها، والإصابة شرطت بحديث العسيلة كما عرف في أصول الفقه، ~~والفقه فيه أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلصا لم تحل له إلا ~~بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه { فإن طلقها } الزوج الثاني ~~بعد الوطء { فلا جناح عليهما } على الزوج الأول وعليها { أن ~~يتراجعا } أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج { إن ظنا ~~أن يقيما حدود الله } إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق ~~الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه ~~إلا الله { وتلك حدود الله يبينها } وبالنون: المفضل { ~~لقوم يعلمون } يفهمون ما بين لهم. # { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } أي آخر عدتهن ~~وشارفن منتهاها، والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها. يقال لعمر ~~الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهى به ms0138 أجل. { فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف } أي فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار ~~بالمراجعة، وإما أن يخليها حتى تنقضي عدتها وتبين من غير ضرار { ولا ~~تمسكوهن ضرارا } مفعول له أو حال أي مضارين، وكان الرجل يطلق ~~المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجة ولكن ليطول ~~العدة عليها فهو الإمساك ضرارا { لتعتدوا } لتظلموهن أو لتلجئوهن ~~إلى الافتداء { ومن يفعل ذلك } يعني الإمساك للضرار { فقد ~~ظلم نفسه } بتعريضها لعقاب الله { ولا تتخذوا آيت ~~الله هزوا } أي جدوا بالأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق ~~رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزوا. يقال لمن لم يجد في الأمر إنما أنت ~~لاعب وهازىء { واذكروا نعمت الله عليكم } بالإسلام ~~وبنبوة محمد عليه السلام { وما أنزل عليكم من الكتب ~~والحكمة } من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ~~{ يعظكم به } بما أنزل عليكم وهو حال { واتقوا الله } ~~فيما امتحنكم به { واعلموا أن الله بكل شىء عليم } ~~من الذكر والاتقاء والاتعاظ وغير ذلك وهو أبلغ وعد ووعيد. { وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن فدل سياق ~~الكلامين على افتراق البلوغين لأن النكاح يعقبه هنا وذا يكون بعد العدة، ~~وفي الأولى الرجعة وذا يكون في العدة { فلا تعضلوهن } فلا ~~تمنعوهن. العضل: المنع والتضييق { أن ينكحن } من أن ينكحن { ~~أزوجهن } الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن، وفيه إشارة إلى انعقاد ~~النكاح بعبارة النساء، والخطاب للأزواج الذي يعضلون نساءهم بعد انقضاء ~~العدة ظلما ولا يتركونهن يتزوجن من شئن من الأزواج، سموا أزواجا باسم ~~ما يؤول إليه. أو للأولياء في عضلهن أن يرجعن إلى أزواجهن الذين كانوا ~~أزواجا لهن، سموا أزواجا باعتبار ما كان. نزلت في معقل ابن يسار حين ~~عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأول. # أو للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا ~~في حكم العاضلين { إذا ترضوا بينهم } إذا تراضى الخطاب ~~والنساء { بالمعروف } بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط، أو ~~بمهر المثل والكفء لأن عند عدم أحدهما ms0139 للأولياء أن يتعرضوا. والخطاب في { ~~ذلك } للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واحد { يوعظ به من كان ~~منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } فالموعظة إنما تنجع ~~فيهم { ذلكم } أي ترك العضل والضرار { أزكى لكم وأطهر } ~~أي لكم من أدناس الآثام أو أزكى وأطهر وأفضل وأطيب { والله يعلم ~~} ما في ذلك من الزكاء والطهر { وأنتم لا تعلمون } ذلك. ### || [2.233-240] # { والولدت يرضعن أولدهن } خبر في معنى الأمر المؤكد ~~ك { يتربصن } وهذا الأمر على وجه الندب أو على وجه الوجوب إذا لم ~~يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزا عن ~~الاستئجار، أو أراد الوالدات المطلقات وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع ~~{ حولين } ظرف { كاملين } تأمين وهو تأكيد لأنه مما يتسامح فيه ~~فإنك تقول: أقمت عند فلان حولين ولم تستكملهما { لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة } بيان لمن توجه إليه الحكم أي هذا الحكم لمن أراد ~~إتمام الرضاعة. والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم، وعليه أن ~~يتخذ له ظئرا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر ~~عليه، ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة { وعلى ~~المولود له } الهاء يعود إلى اللام الذي بمعنى «الذي»، والتقدير: ~~وعلى الذي يولد له وهو الوالد، و«له» في محل الرفع على الفاعلية ك ~~«عليهم» في # المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] وإنما قيل «على المولود له» دون الوالد ليعلم أن الوالدات ~~إنما ولدن لهم إذ الأولاد للآباء والنسب إليهم لا إليهن فكان عليهم أن ~~يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظار، ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد ~~حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله: # واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا # [لقمان: 33] { رزقهن وكسوتهن بالمعروف } بلا إسراف ~~ولا تقتير، وتفسيره ما يعقبه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ~~ولا يتضارا { لا تكلف نفس إلا وسعها } وجدها أو قدر ~~إمكانها. والتكليف إلزام ما يؤثره في الكلفة. وانتصاب «وسعها» على ms0140 أنه ~~مفعول ثان ل «تكلف» لا على الاستثناء ودخلت إلا بين المفعولين. # { لا تضار } مكي وبصري بالرفع على الإخبار ومعناه النهي وهو يحتمل ~~البناء للفاعل والمفعول وأن يكون الأصل «تضارر» بكسر الراء أو «تضارر» ~~بفتحها. الباقون «لا تضار» على النهي والأصل «تضارر» أسكنت الراء الأولى ~~وأدغمت في الثانية فالتقى الساكنان ففتحت الثانية لالتقاء الساكنين { ~~ولدة بولدها } أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف ~~به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في ~~شأن الولد، وأن تقول بعدما ألفها الصبي أطلب له ظئر أو ما أشبه ذلك { ~~ولا مولود له بولده } أي ولا يضار مولود له امرأته بسبب ~~ولده بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها أو يأخذه منها وهي ~~تريد إرضاعه. وإذا كان مبنيا للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من ~~قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد، أو تضار ~~بمعنى تضر والباء من صلته أي لا تضر والدة ولدها فلا تسيء غذاءه وتعهده ~~ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها ~~أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد. # وإنما قيل «بولدها» و«بولده» لأنه لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف ~~إليها الولد استعطافا لها عليه وذلك الوالد { وعلى الوارث } عطف ~~على قوله «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن» وما بينهما تفسير للمعروف ~~معترض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وعلى وارث الصبي عند عدم الأب «مثل ~~ذلك» أي مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة. واختلف فيه؛ ~~فعند ابن أبي ليلى: كل من ورثه، وعندنا: من كان ذا رحم محرم منه لقراءة ~~ابن مسعود رضي الله عنه «وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك»، وعند ~~الشافعي رحمه الله: لا نفقة فيما عدا الولاد. { فإن أرادا } يعني ~~الأبوين { فصالا } فطاما صادرا { عن تراض منهما وتشاور ~~} بينهما { فلا جناح عليهما } في ذلك زادا على الحولين أو ms0141 ~~نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد، والتشاور استخراج الرأي من شرت العسل إذا ~~استخرجته، وذكره ليكون التراضي عن تفكر فلا يضر الرضيع، فسبحان الذي أدب ~~الكبير ولم يهمل الصغير واعتبر اتفاقهما، لأن للأب النسبة والولاية وللأم ~~الشفقة والعناية. { وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولدكم } أي لأولادكم عن الزجاج. وقيل: استرضع منقول من أرضع، ~~يقال أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي معدى إلى مفعولين أي أن ~~تسترضعوا المراضع أولادكم فحذف أحد المفعولين يعني غير الأم عند إبائها ~~أو عجزها { فلا جناح عليكم إذا سلمتم } إلى المراضع { ~~ما ءاتيتم } ما أردتم إيتاءه من الأجرة. أتيتم مكي من أتى إليه ~~إحسانا إذا فعله ومنه قوله # كان وعده مأتيا # [مريم: 61] أي مفعولا، والتسليم ندب لا شرط للجواز { بالمعروف } ~~متعلق ب «سلمتم» أي سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور { ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير } لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها. # { والذين يتوفون منكم } تقول توفيت الشيء واستوفيته إذا ~~أخذته وافيا تاما أي تستوفى أرواحهم { ويذرون } ويتركون { ~~أزوجا يتربصن بأنفسهن } أي وزوجات الذين يتوفون منكم ~~يتربصن أي يعتددن، أو معناه يتربصن بعدهم بأنفسهن فحذف بعدهم للعلم به. ~~وإنما احتيج إلى تقديره لأنه لا بد من عائد يرجع إلى المبتدأ في الجملة ~~التي وقعت خبرا. «يتوفون»: المفضل أي يستوفون آجالهم { أربعة ~~أشهر وعشرا } أي وعشر ليال والأيام داخلة معها ولا يستعمل ~~التذكير فيه ذهابا إلى الأيام تقول صمت عشرا ولو ذكرت لخرجت من كلامهم ~~{ فإذا بلغن أجلهن } فإذا انقضت عدتهن { فلا جناح ~~عليكم } أيها الأئمة والحكام { فيما فعلن فى أنفسهن } ~~من التعرض للخاطب { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكره الشرع { ~~والله بما تعملون خبير } عالم بالبواطن. # { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء } الخطبة الاستنكاح، والتعريض أن تقول لها إنك لجميلة أو صالحة ~~ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس ~~نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح فلا يقول إني أريد أن أتزوجك. ~~والفرق بين الكناية ms0142 والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع ~~له، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج ~~للمحتاج إليه جئتك: لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: # وحسبك بالتسليم مني تقاضيا # فكأنه إمالة الكلام إلى غرض يدل على الغرض { أو أكننتم فى ~~أنفسكم } أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ~~ولا مصرحين { علم الله أنكم ستذكرونهن } لا محالة ~~ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فاذكروهن { ولكن لا ~~تواعدوهن سرا } جماعة لأنه مما يسر أي لا تقولوا في العدة إني ~~قادر على هذا العمل { إلا أن تقولوا قولا معروفا } وهو ~~أن تعرضوا ولا تصرحوا.و«إلا» متعلق ب «لا تواعدوهن» أي لا تواعدوهن ~~مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة { ولا تعزموا عقدة ~~النكاح } من عزم الأمر وعزم عليه. وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد ~~النكاح لأن العزم على الفعل يتقدمه فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى، ~~ومعناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو ولا تقطعوا عقدة النكاح لأن حقيقة ~~العزم القطع ومنه الحديث # " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " # وروي لمن لم يبيت الصيام أي ولا تعزموا على عقدة النكاح { حتى ~~يبلغ الكتب أجله } حتى تنقضي عدتها. وسميت العدة كتابا ~~لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته { ~~واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم } من العزم على ~~ما لا يجوز { فاحذروه } ولا تعزموا عليه { واعلموا أن ~~الله غفور حليم } لا يعاجلكم بالعقوبة. # ونزل فيمن طلق امرأته ولم يكن سمى لها مهرا ولا جامعها { لا جناح ~~عليكم } لا تبعة عليكم من إيجاب مهر { إن طلقتم النساء } ~~شرط، ويدل على جوابه «لا جناح عليكم» والتقدير: إن طلقتم النساء فلا جناح ~~عليكم { ما لم تمسوهن } ما لم تجامعوهن، و«ما» شرطية أي إن لم ~~تمسوهن «تماسوهن»: حمزة وعلي حيث وقع لأن الفعل واقع بين اثنين { أو ~~تفرضوا لهن فريضة } إلا أن تفرضوا لهن فريضة أو حتى تفرضوا، ms0143 ~~وفرض الفريضة تسمية المهر وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف المسمى ~~إن سمى لها مهر، وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصف مهر المثل بل تجب ~~المتعة، والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله «وإن طلقتموهن» إلى قوله ~~«فنصف ما فرضتم» فقوله «فنصف ما فرضتم» إثبات للجناح المنفي ثمة { ~~ومتعوهن } معطوف على فعل محذوف تقديره فطلقوهن ومتعوهن. # والمتعة درع وملحفة وخمار { على الموسع } الذي له سعة { قدره ~~} مقداره الذي يطيقه. قدره فيهما: كوفي غير أبي بكر وهما لغتان { وعلى ~~المقتر } الضيق الحال. { قدره } ولا تجب المتعة عندها إلا لهذه ~~وتستحب لسائر المطلقات { متعا } تأكيد لمتعوهن أي تمتيعا { ~~بالمعروف } بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة { حقا } صفة ل ~~«متاعا» أي متاعا واجبا عليهم أو حق ذلك حقا { على المحسنين ~~} على المسلمين، أو على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع. وسماهم قبل ~~الفعل محسنين كقوله عليه السلام «من قتل قتيلا فله سلبه» وليس هذا ~~الإحسان هو التبرع بما ليس عليه إذ هذه المتعة واجبة. # ثم بين حكم التي سمى لها مهرا في الطلاق قبل المس فقال { وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } «أن» مع الفعل بتأويل ~~المصدر في موضع الحر أي من قبل مسكم إياهن { وقد فرضتم } في موضع ~~الحال { لهن فريضة } مهرا { فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون } يريد المطلقات. و «أن» مع الفعل في موضع النصب على الاستثناء ~~كأنه قيل: فعليكم نصف ما فرضتم في جميع الأوقات إلا وقت عفوهن عنكم من ~~المهر. والفرق بين الرجال «يعفون» «والنساء «يعفون» أن الواو في الأول ~~ضميرهم والنون علم الرفع، والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهن، ~~والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل { أو يعفوا } عطف على محله { ~~الذى بيده عقدة النكاح } هو الزوج كذا فسره علي رضي الله ~~عنه وهو قول سعيد ابن جبير وشريح ومجاهد وأبي حنيفة والشافعي على الجديد ~~رضي الله عنهم، وهذا لأن الطلاق بيده فكان بقاء العقد بيده، والمعنى أن ~~الواجب شرعا هو النصف إلا أن ms0144 تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل تفضلا، وعند ~~مالك والشافعي في القديم هو الولي. قلنا: هو لا يملك التبرع بحق الصغيرة ~~فكيف يجوز حمله عليه؟ { وأن تعفوا } مبتدأ خبره { أقرب ~~للتقوى } والخطاب للأزواج والزوجات على سبيل التغليب ذكره الزجاج ~~أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له، وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو ~~للأزواج { ولا تنسوا الفضل } التفضل { بينكم } أي ولا ~~تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض { إن الله بما تعملون بصير ~~} فيجازيكم على تفضلكم. # { حفظوا على الصلوت } داوموا عليها بمواقيتها وأركانها ~~وشرائطها { والصلوة الوسطى } بين الصلوات أي الفضلى من قولهم ~~للأفضل الأوسط. وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل. وهي ~~صلاة العصر عند أبي حنيفة رحمه الله وعليه الجمهور لقوله عليه السلام يوم ~~الأحزاب # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم نارا " # وقال عليه السلام # " إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان حتى توارت بالحجاب " # وفي مصحف حفصة «والصلاة الوسطى صلاة العصر» ولأنها بين صلاتي الليل ~~وصلاتي النهار، وفضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم. ~~وقيل: صلاة الظهر لأنها في وسط النهار، أو صلاة الفجر لأنها بين صلاتي ~~النهار وصلاتي الليل، أو صلاة الغرب لأنها بين الأربع والمثنى، ولأنها ~~بين صلاتي مخافتة وصلاتي جهر، أو صلاة العشاء لأنها بين وترين، أو هي غير ~~معينة كليلة القدر ليحفظوا الكل. { وقوموا لله } في الصلاة { ~~قنتين } حال أي مطيعين خاشعين أو ذاكرين الله في قيامكم. والقنوت ~~أن تذكر الله قائما أو مطيلين القيام { فإن خفتم } فإن كان بكم ~~خوف من عدو أو غيره { فرجالا } حال أي فصلوا راجلين وهو جمع راجل ~~كقائم وقيام { أو ركبانا } وحدانا بإيماء ويسقط عنه التوجه إلى ~~القبلة { فإذا أمنتم } فإذا زال خوفكم { فاذكروا الله } ~~فصلوا صلاة الأمن { كما علمكم } أي ذكرا مثل ما علمكم { ما ~~لم تكونوا تعلمون } من صلاة الأمن. # { والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية ~~لأزواجهم } بالنصب شامي وأبو عمرو وحمزة وحفص أي فليوصوا وصية عن ~~الزجاج. غيرهم بالرفع أي ms0145 فعليهم وصية { متعا } نصب بالوصية لأنها ~~مصدر أو تقديره متعوهن متاعا { إلى الحول } صفة ل «متاعا» { ~~غير إخراج } مصدر مؤكد كقولك «هذا القول غير ما تقول»، أو بدل من ~~«متاعا» والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا ~~بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن ~~من مساكنهن، وكان ذلك مشروعا في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا # إلى قوله # أربعة أشهر وعشرا # والناسخ متقدم عليه تلاوة ومتأخر نزولا كقوله تعالى: # سيقول السفهاء من الناس # [البقرة: 142]. مع قوله تعالى: # قد نرى تقلب وجهك في السماء # [البقرة: 144]. { فإن خرجن } بعد الحول { فلا جناح ~~عليكم فيما فعلن فى أنفسهن } من التزين والتعرض للخطاب ~~{ من معروف } مما ليس بمنكر شرعا { والله عزيز حكيم } ~~فيما حكم. ### || [2.241-251] # { وللمطلقت متع } أي نفقة العدة { بالمعروف حقا ~~} نصب على المصدر { على المتقين * كذلك يبين الله ~~لكم آيته لعلكم تعقلون } هو في موضع الرفع لأنه خبر ~~«لعل»، وإن أريد به المتعة فالمراد غير المطلقة المذكورة وهي على سبيل ~~الندب # { ألم تر } تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين ~~وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام ~~جرى مجرى المثل في معنى التعجيب { إلى الذين خرجوا من ~~ديرهم } من قرية قيل: واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين ~~فأماتهم الله ثم أحياهم بدعاء حزقيل عليه السلام. وقيل: هم قوم من بني ~~إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذرا من الموت فأماتهم الله ~~ثمانية أيام ثم أحياهم { وهم ألوف } في موضع النصب على الحال، وفيه ~~دليل على الألوف الكثيرة لأنها جمع كثرة وهي جمع ألف لا آلف { حذر ~~الموت } مفعول له { فقال لهم الله موتوا } أي فأماتهم ~~الله، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل ~~واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة، وفيه تشجيع للمسلمين ~~على الجهاد، وأن الموت إذا لم ms0146 يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون ~~في سبيل الله { ثم أحيهم } ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم ~~الله وفضائه، وهو معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم أحياهم، ولما كان ~~معنى قوله «فقال لهم الله موتوا» فأماتهم كان عطفا عليه معنى { إن ~~الله لذو فضل على الناس } حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر ~~أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم، أو لذو فضل على الناس حيث أحيا أولئك ~~ليعتبروا فيفوزوا ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور { ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } ذلك. والدليل على أنه ساق هذه القصة ~~بعثا على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله وهو قوله. # { وقتلوا في سبيل الله } فحرض على الجهاد بعد الإعلام لأن ~~الفرار من الموت لا يغني، وهذا الخطاب لأمة محمد عليه السلام أو لمن ~~أحياهم { واعلموا أن الله سميع } يسمع ما يقوله المتخلفون ~~والسابقون { عليم } بما يضمرونه { من } استفهام في موضع رفع ~~بالابتداء { ذا } خبره { الذى } نعت ل «ذا» أو بدل منه { يقرض ~~الله } صلة الذي سمى ما ينفق في سبيل الله قرضا لأن القرض ما يقبض ~~ببدل مثله من بعد، سمى به لأن المقرض يقطعه من ماله فيدفعه إليه. والقرض ~~القطع ومنه المقراض، وقرض الفأر والانقراض فنبههم بذلك على أنه لا يضيع ~~عنده وأنه يجزيهم عليه لا محالة { قرضا حسنا } بطيبة النفس من ~~المال الطيب، والمراد النفقة في الجهاد لأنه لما أمر بالقتال في سبيل ~~الله ويحتاج فيه إلى المال حيث على الصدقة ليتهيأ أسباب الجهاد { ~~فيضاعفه له } بالنصب: عاصم على جواب الاستفهام. # وبالرفع: أبو عمر ونافع وحمزة وعلي عطفا على «يقرض»، أو هو مستأنف أي ~~فهو يضاعفه. «فيضعفه»: شامي. «فيضعفه»: مكي. { أضعافا } في موضع ~~المصدر { كثيرة } لا يعلم كنهها إلا الله. وقيل: الواحد بسبعمائة. { ~~والله يقبض ويبصط } يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا ~~تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة. و«يبصط» حجازي وعاصم ~~وعلي { وإليه ترجعون } فيجازيكم على ما قدمتم. ms0147 # { ألم تر إلى الملإ } الأشراف لأنهم يملأون القلوب جلالة ~~والعيون مهابة { من بنى إسرءيل } «من» للتبعيض { من بعد ~~موسى } من بعد موته و«من» لابتداء الغاية { إذ قالوا } حين قالوا ~~{ لنبى لهم } هم شمعون أو يوشع أو اشمويل { ابعث لنا ~~ملكا } أنهض للقتال معنا أميرا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي ~~إلى أمره { نقتل } بالنون والجزم على الجواب { فى سبيل الله ~~} صلة نقاتل { قال } النبي { هل عسيتم } «عسيتم» حيث كان: نافع. ~~{ إن كتب عليكم القتال } شرط فاصل بين اسم «عسى» وخبره وهو ~~{ ألا تقتلوا } والمعنى: هل قاربتم أن لا تقاتلوا يعني هل ~~الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون، فأدخل «هل» مستفهما عما هو ~~متوقع عنده، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب ~~في توقعه { قالوا وما لنا ألا نقتل فى سبيل الله ~~} وأي داع لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه { وقد أخرجنا من ~~ديرنا وأبنائنا } الواو في «وقد» للحال وذلك أن قوم جالوت ~~كانوا يسكنون بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين ~~يعنون إذا بلغ الأمر منا هذا المبلغ فلا بد من الجهاد { فلما كتب ~~عليهم القتال } أي أجيبوا إلى ملتمسهم { تولوا } أعرضوا ~~عنه { إلا قليلا منهم } وهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد ~~أهل بدر { والله عليم بالظلمين } وعيد لهم على ظلمهم بترك ~~الجهاد. { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم ~~طالوت } هو اسم أعجمي كجالوت وداود، ومنع من الصرف للتعريف والعجمة { ~~ملكا } حال { قالوا أنى يكون له الملك علينا } أي ~~كيف ومن أين وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له { ونحن أحق ~~بالملك منه } الواو للحال { ولم يؤت سعة من المال ~~} أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك ~~وأنه فقير لا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت ~~في سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام، والملك في سبط يهوذا وهو كان من سبط ~~بنيامين، وكان رجلا سقاء أو دباغا ms0148 فقيرا. # وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكا فأتى بعصا يقاس بها من يملك ~~عليهم فلم يساوها إلا طالوت { قال إن الله اصطفه ~~عليكم } الطاء في «اصطفاه» بدل من التاء لمكان الصاد الساكنة أي ~~اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه. ثم ذكر ~~مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة ~~فقال { وزاده بسطة } مفعول ثان { في العلم والجسم } ~~قالوا: كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته، وأطول من كل ~~إنسان برأسه ومنكبه. والبسطة السعة والامتداد، والملك لا بد أن يكون من ~~أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيما لأنه ~~أعظم في النفوس وأهيب في القلوب. { والله يؤتى ملكه من ~~يشاء } أي الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك ~~بالوراثة { والله وسع } أي واسع الفضل والعطاء على من ليس له سعة ~~من المال ويغنيه بعد الفقر { عليم } بمن يصطفيه للملك فثمة طلبوا من ~~نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت. # { وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت } أي صندوق التوراة، وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه ~~فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. { فيه سكينة من ربكم ~~} سكون وطمأنينة { وبقية } هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء ~~من التوراة ونعلا موسى وعمامة هارون عليهما السلام { مما ترك ءال ~~موسى وءال هرون } أي مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم ~~شأنهما { تحمله الملئكة } يعني التابوت وكان رفعه الله بعد ~~موسى فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، والجملة في موضع الحال ~~وكذا «فيه سكينة». «ومن ربكم» نعت ل «سكينة» و«مما ترك» نعت ل «بقية» { ~~إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } إن في رجوع ~~التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين. # { فلما فصل طالوت } خرج { بالجنود } عن بلده إلى جهاد ~~العدو و«بالجنود» في موضع الحال أي مختلطا بالجنود وهم ثمانون ألفا، ~~وكان الوقت قيظا ms0149 وسألوا أن يجري الله لهم نهرا { قال إن الله ~~مبتليكم } مختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر { بنهر } وهو نهر ~~فلسطين ليتميز المحقق في الجهاد من المعذر { فمن شرب منه } كرعا ~~{ فليس مني } فليس من أتباعي وأشياعي { ومن لم يطعمه } ~~ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه { فإنه منى } وبفتح الياء: ~~مدني وأبو عمرو. # واستثنى { إلا من اغترف } من قوله «فمن شرب منه فليس مني» ~~والجملة الثانية في حكم المتأخرة عن الاستثناء إلا أنها قدمت للعناية { ~~غرفة بيده } «غرفة»: حجازي وأبو عمرو بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى ~~المغروف ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع، والدليل عليه { ~~فشربوا منه } أي فكرعوا { إلا قليلا منهم } وهم ~~ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا { فلما جاوزه } أي النهر { هو } ~~طالوت { والذين ءامنوا معه } أي القليل { قالوا لا ~~طاقة لنا اليوم } أي لا قوة لنا { بجالوت } هو جبار من ~~العمالقة من أولاد عمليق بن عاد وكان في بيضته ثلثمائة رطل من الحديد { ~~وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } ~~يوقنون بالشهادة. قيل: الضمير في «قالوا» للكثير الذين انخذلوا والذين ~~يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه. وروي أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه ~~وإداوته والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش { كم من فئة ~~قليلة } «كم» خبرية وموضعها رفع بالابتداء { غلبت } خبرها { فئة ~~كثيرة بإذن الله } بنصره { والله مع الصبرين } ~~بالنصر. # { ولما برزوا لجالوت وجنوده } خرجوا لقتالهم { ~~قالوا ربنا أفرغ } أصبب { علينا صبرا } على القتال { ~~وثبت أقدامنا } بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا { ~~وانصرنا على القوم الكفرين } أعنا عليهم { فهزموهم ~~} أي طالوت والمؤمنون جالوت وجنوده { بإذن الله } بقضائه { ~~وقتل داوود جالوت } كان بيشا أو داود في عسكر طالوت مع ستة من ~~بنيه وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم، فأوحى الله إلى نبيهم أن ~~داود هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد مر في طريقه بثلاثة ~~أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت فحملها ~~في مخلاته ورمى بها جالوت ms0150 فقتله وزوجه طالوت بنته، ثم حسده وأراد قتله ثم ~~مات تائبا { وآته الله الملك } في مشارق الأرض المقدسة ~~ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود { والحكمة ~~} والنبوة { وعلمه مما يشاء } من صنعة الدروع وكلام الطيور ~~والدواب وغير ذلك. { ولولا دفع الله الناس } هو مفعول به { ~~بعضهم } بدل من «الناس» «دفاع»: مدني مصدر دفع أو دافع { ببعض ~~لفسدت الأرض } أي ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ويكف ~~بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها من الحرث والنسل، أو ~~ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بغلبة ~~الكفار وقتل الأبرار وتخريب البلاد وتعذيب العباد { ولكن الله ~~ذو فضل على العلمين } بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على ~~المعتزلة في مسألة الأصلح { تلك } مبتدأ خبره { آيات الله } يعني ~~القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت ~~وإظهاره على الجبابرة على يد صبي { نتلوها } حال من آيات الله، ~~والعامل فيه معنى الإشارة، أو آيات الله بدل من «تلك» «ونتلوها» الخبر. { ~~عليك بالحق } باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم ~~كذلك { وإنك لمن المرسلين } حيث تخبر بها من غير أن تعرف ~~بقراءة كتاب أو سماع من أهله. ### || [2.252-257] # { تلك الرسل } إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه ~~السورة من آدم إلى داود أو التي ثبت علمها عند رسول الله عليه السلام { ~~فضلنا بعضهم على بعض } بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم ~~فيها كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان. ~~ثم بين ذلك بقوله { منهم من كلم الله } أي كلمه الله حذف ~~العائد من الصلة يعني منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى ~~عليه السلام { ورفع بعضهم } مفعول أول { درجت } مفعول ~~ثان أي بدرجات أو إلى درجات يعني ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان ~~بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه هو المفضل عليهم بإرساله إلى الكافة، ms0151 وبأنه أوتي ما لم يؤته ~~أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف أو أكثر، وأكبرها القرآن لأنه ~~المعجزة الباقية على وجه الدهر. وفي هذا الإبهام تفخيم وبيان أنه العلم ~~الذي لا يشتبه على أحد، والمتميز الذي لا يلتبس. وقيل: أريد به محمد ~~وإبراهيم وغيرهما من أولي العزم من الرسل { وءاتينا عسى ابن ~~مريم البينات } كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك ~~{ وأيدنه بروح القدس } قويناه بجبريل أو بالإنجيل { ~~ولو شاء الله ما اقتتل } أي ما اختلف لأنه سببه { الذين ~~من بعدهم } من بعد الرسل { من بعد ما جاءتهم ~~البينت } المعجزات الظاهرات { ولكن اختلفوا } ~~بمشيئتي. ثم بين الاختلاف فقال { فمنهم من ءامن ومنهم ~~من كفر } بمشيئتي. يقول الله أجريت أمور رسلي على هذا، أي لم يجتمع ~~لأحد منهم طاعة جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته بل اختلفوا عليه فمنهم ~~من آمن ومنهم من كفر { ولو شاء الله ما اقتتلوا } كرره ~~للتأكيد أي لو شئت أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكي إلا ما ~~يوافق مشيئتي، وهذا يبطل قول المعتزلة لأنه أخبر أنه لو شاء أن لا ~~يقتتلوا لم يقتتلوا وهم يقولون شاء أن لا يقتتلوا فاقتتلوا { ولكن ~~الله يفعل ما يريد } أثبت الإرادة لنفسه كما هو مذهب أهل ~~السنة. { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقنكم ~~} في الجهاد في سبيل الله، أو هو عام في كل صدقة واجبة { من قبل أن ~~يأتى يوم لا بيع فيه } أي من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون ~~فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما ~~تنفقونه { ولا خلة } حتى يسامحكم أخلاؤكم به { ولا شفعة } ~~أي للكافرين، فأما المؤمنون فلهم شفاعة أو إلا بإذنه { والكفرون ~~هم الظلمون } أنفسهم بتركهم التقديم ليوم حاجاتهم، أو الكافرون ~~بهذا اليوم هم الظالمون. # «لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة»: مكي وبصري { الله لا إله ~~إلا هو } «لا» مع اسمه وخبره وما أبدل من موضعه في موضع الرفع خبر ~~المبتدأ وهو ms0152 «الله» { الحى } الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء { ~~القيوم } الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه { لا تأخذه سنة ~~} نعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور { ولا نوم } عن المفضل: السنة ~~ثقل في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب وهو تأكيد للقيوم، لأن ~~من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوما، وقد أوحى إلى موسى عليه السلام: ~~قل لهؤلاء إني أمسك السموات والأرض بقدرتي فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا. ~~{ له ما في السموات وما في الأرض } ملكا وملكا { من ~~ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ليس لأحد أن يشفع عنده ~~إلا بإذنه وهو بيان لملكوته وكبريائه، وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم ~~القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، وفيه رد لزعم الكفار أن الأصنام تشفع ~~لهم { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ما كان قبلهم ~~وما يكون بعدهم والضمير لما في السماوات والأرض لأن فيهم العقلاء { ولا ~~يحيطون بشيء من علمه } من معلومه يقال في الدعاء «اللهم ~~اغفر علمك فينا» أي معلومك { إلا بما شاء } إلا بما علم { وسع ~~كرسيه السموات والأرض } أي علمه ومنه الكراسة لتضمنها ~~العلم والكراسي العلماء، وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي ~~العالم وهو كقوله تعالى: # ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما # [غافر: 7] أو ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك أو عرشه كذا عن ~~الحسن، أو هو سرير دون العرش في الحديث # " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بفلاة وفضل العرش على ~~الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة " # أو قدرته بدليل قوله { ولا يئوده } ولا يثقله ولا يشق عليه { ~~حفظهما } حفظ السموات والأرض { وهو العلى } في ملكه وسلطانه ~~{ العظيم } في عزه وجلاله أو العلي المتعالي عن الصفات التي لا تليق ~~به العظيم، المتصف بالصفات التي تليق به، فهما جامعان لكمال التوحيد. ~~وإنما ترتبت الجمل في آية الكرسي بلا حرف عطف لأنها وردت على سبيل ~~البيان؛ فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه ~~عنه، والثانية لكونه مالكا ms0153 لما يدبره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة ~~لإحاطته بأحوال الخلق، والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو ~~لجلاله وعظم قدره. وإنما فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد، منه ما ~~روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا ~~الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه ~~الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله " # وقال عليه السلام # " سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد ~~الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم ~~الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي ~~" # وقال # " ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا ~~يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " # وقال # " من قرأ آية الكرسي عند منامه بعث إليه ملك يحرسه حتى يصبح " # وقال # " من قرأ هاتين الآيتين حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح، وإن قرأهما حين ~~يصبح حفظ بهما حتى يمسي: آية الكرسي وأول «حم المؤمن» إلى { إليه ~~المصير } " # لاشتمالهما على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا ~~مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذاكرا له كان أفضل من سائر الأذكار وبه ~~يعلم أن أشرف العلوم علم التوحيد. # { لا إكراه فى الدين } أي لا إجبار على الدين الحق وهو دين ~~الإسلام. وقيل: هو إخبار في معنى، النهي، وروي أنه كان لأنصاري ابنان ~~فتنصرا فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا فاختصما ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل ~~بعضي في النار وأنا أنظر؟ فنزلت فخلاهما. قال ابن مسعود وجماعة: كان هذا ~~في الابتداء ثم نسخ بالأمر بالقتال { قد تبين الرشد من ~~الغي } قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة { فمن يكفر ~~بالطغوت } بالشيطان أو الأصنام { ويؤمن بالله فقد ~~استمسك } تمسك { بالعروة } أي المعتصم ms0154 والمتعلق { الوثقى ~~} تأنيث الأوثق أي الأشد من الحبل الوثيق المحكم المأمون { لا انفصام ~~لها } لا انقطاع للعروة، وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال ~~بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده، ~~والمعنى فقد عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا تحله شبهة { والله ~~سميع } لإقراره { عليم } باعتقاده. # { الله ولي الذين ءامنوا } أرادوا أن يؤمنوا أي ناصرهم ~~ومتولي أمورهم { يخرجهم من الظلمت } من ظلمات الكفر ~~والضلالة وجمعت لاختلافها { إلى النور } إلى الإيمان والهداية ووحد ~~لاتحاد الإيمان { والذين كفروا } مبتدأ والجملة وهي { ~~أوليآؤهم الطغوت } خبره { يخرجونهم من النور ~~إلى الظلمت } وجمع لأن الطاغوت في معنى الجمع يعني والذين صمموا ~~على الكفر أمرهم على عكس ذلك، أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبهة في ~~الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى ~~نور اليقين، والذين كفروا أولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور البينات ~~الذي يظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة { أولئك أصحب النار ~~هم فيها خلدون }. ثم عجب نبيه عليه السلام وسلاه بمجادلة ~~إبراهيم عليه السلام نمرود الذي كان يدعي الربوبية بقوله. ### || [2.258-271] # { ألم تر إلى الذى حاج إبرهيم فى ربه } في ~~معارضته ربوبية ربه. والهاء في «ربه» يرجع إلى إبراهيم أو إلى الذي حاج ~~فهو ربهما { أن آته الله الملك } # لأن آتاه الله يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر فحاج لذلك، وهو ~~دليل على المعتزلة في الأصلح أوحاج وقت أن أتاه الله الملك { إذ قال ~~} نصب ب «حاج» أو بدل من «أن آتاه» إذا جعل بمعنى الوقت { إبرهيم ~~ربي } «رب»: حمزة { الذى يحيى ويميت } كأنه قال له: من ربك؟ ~~قال: ربي الذي يحيي ويميت { قال } نمرود { أنا أحيى وأميت } ~~يريد أعفو عن القتل وأقتل فانقطع اللعين بهذا عند المخاصمة فزاد إبراهيم ~~عليه السلام ما لا يتأتى فيه التلبيس على الضعفة حيث { قال إبرهيم ~~} عليه السلام { فإن الله يأتى بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب } وهذا ليس بانتقال من حجة إلى حجة كما ~~زعم ms0155 البعض لأن الحجة الأولى كانت لازمة، ولكن لما عاند اللعين حجة ~~الإحياء بتخلية واحد وقتل آخر، كلمه من وجه لا يعاند، وكانوا أهل تنجيم، ~~وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم، والحركة الشرقية ~~المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل ~~فقال: إن ربي يحرك الشمس قسرا على غير حركتها، فإن كنت ربا فحركها ~~بحركتها فهو أهون { فبهت الذى كفر } تحير ودهش { والله لا ~~يهدى القوم الظلمين } أي لا يوفقهم وقالوا: إنما لم يقل ~~نمرود فليأت ربك بالشمس من المغرب لأن الله تعالى صرفه عنه. وقيل: إنه ~~كان يدعي الربوبية لنفسه وما كان يعترف بالربوبية لغيره. ومعنى قوله «أنا ~~أحيي وأميت» أن الذي ينسب إليه الإحياء والإماتة أنا لا غيري، والآية ~~تدل على إباحة التكلم في علم الكلام والمناظرة فيه لأنه قال: «ألم ترى ~~إلى الذي حاج إبراهيم في ربه». والمحاجة تكون بين اثنين فدل على أن ~~إبراهيم حاجه أيضا، ولو لم يكن مباحا لما باشرها إبراهيم عليه السلام ~~لكون الأنبياء عليهم السلام معصومين عن ارتكاب الحرام، ولأنا أمرنا بدعاء ~~الكفرة إلى الإيمان بالله وتوحيده وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا ~~منا الدليل على ذلك، وذا لا يكون إلا بعد المنظارة كذا في شرح التأويلات. # { أو كالذى مر } معناه أو أرأيت مثل الذي فحذف لدلالة «لم تر» ~~عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب، أو هو محمول على المعنى دون اللفظ تقديره: ~~أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر. وقال صاحب الكشف: فيه الكاف زائدة ~~و«الذي» عطف على قوله «إلى الذي حاج» عن الحسن أن المار كان كافرا ~~بالبعث لانتظامه مع نمرود في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي «أنى يحيي» ~~والأكثر أنه عزير أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه ~~إبراهيم عليه السلام و«أنى يحيي» اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياة ~~واستعظام لقدرة المحيي { على قرية } هي بيت المقدس حين خربه ~~بختنصر وهي التي خرج منها الألوف { وهى خاوية على عروشها } ~~ساقطة ms0156 مع سقوفها أو سقطت السقوف ثم سقطت عليها الحيطان وكل مرتفع عرش { ~~قال أنى يحى } أي كيف { هذه } أي أهل هذه { الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه } أي أحياه ~~{ قال } له ملك { كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض ~~يوم } بناء على الظن، وفيه دليل جواز الاجتهاد روي أنه مات ضحى وبعث ~~بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس فقال قبل النظر إلى الشمس «يوما»، ثم ~~التفت فرأى بقية من الشمس فقال «أو بعض يوم» { قال بل لبثت ~~مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك } روي أن طعامه ~~كان تينا وعنبا وشرابه عصيرا ولبنا فوجد التين والعنب كما جنيا ~~والشراب على حاله { لم يتسنه } لم يتغير والهاء أصلية أو هاء سكت ~~واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأن لامها هاء لأن الأصل سنهة والفعل ~~سانهت. # يقال سانهت فلانا أي عاملته سنة أو واو لأن الأصل سنوة والفعل سانيت ~~ومعناه لم تغيره السنون. «لم يتسن» بحذف الهاء في الوصل وبإثباتها في ~~الوقف: حمزة وعلي { وانظر إلى حمارك } كيف تفرقت عظامه ونخرت ~~وكان له حمار قد ربطه فمات وتفتتت عظامه، أو وانظر إليه سالما في مكانه ~~كما ربطته وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء كما ~~حفظ طعامه وشرابه من التغير { ولنجعلك ءاية للناس } فعلنا ~~ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه. وقيل: الواو عطف على محذوف أي ~~لتعتبر ولنجعلك. قيل: أتى قومه راكبا حمارا وقال: أنا عزير فكذبوه ~~فقال: هاتوا التوراة فأخذ يقرؤها عن ظهر قلبه ولم يقرأ التوراة ظاهر أحد ~~قبل عزير فذلك كونه آية. وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخا وهو ~~شاب { وانظر إلى العظام } أي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين ~~تعجب من إحيائهم { كيف ننشزها } نحركها ونرفع بعضها إلى بعض ~~للتركيب.«ننشرها» بالراء: حجازي وبصري نحييها «ثم نكسوها» أي العظام ~~«لحما» جعل اللحم كاللباس مجازا «فلما تبين له» فاعله مضمر تقديره ~~فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير ms0157 { قال أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقولهم «ضربني وضربت زيدا» ويجوز ~~فلما تبين له ما أشكل عليه يعني أمر إحياء الموتى. # «قال اعلم» على لفظ الأمر: حمزة وعلي أي قال الله له اعلم أو هو خاطب ~~نفسه. # { وإذ قال إبرهيم رب أرنى } بصرني { كيف تحى ~~الموتى } موضع «كيف» نصب ب « تحيي» { قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبى } وإنما قال له «أو لم ~~تؤمن» وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا ليجيب بما أجاب به لما فيه من ~~الفائدة الجليلة للسامعين. و«بلى» إيجاب لما بعد النفي معناه بلى آمنت ~~ولكن لأزيد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال، وتظاهر ~~الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف ~~الضروري. واللام تتعلق بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك أراد طمأنينة القلب { ~~قال فخذ أربعة من الطير } طاوسا وديكا وغرابا وحمامة ~~{ فصرهن إليك } وبكسر الصاد: حمزة أي أملهن واضممهن إليك { ~~ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } ثم جزئهن وفرق ~~أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك وفي أرضك وكانت أربعة أجبل أو سبعة. ~~«جزأ» بضمتين وهمز: أبو بكر { ثم ادعهن } قل لهن تعالين بإذن ~~الله { يأتينك سعيا } مصدر في موضع الحال أي ساعيات مسرعات في ~~طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن. وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ~~ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئآتها وحلاها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ~~ولا يتوهم أنها غير تلك، وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ~~ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن ~~يجعل أجزاءها على الجبال عل كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين ~~بإذن الله تعالى فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن ~~فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها { واعلم أن الله عزيز ~~} لا يمتنع عليه ما يريده { حكيم } فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه ~~الحكمة، ولما برهن على قدرته على الإحياء حث على ms0158 الإنفاق في سبيل الله، ~~وأعلم أن من أنفق في سبيله فله في نفقته أجر عظيم وهو قادر عليه فقال: # { مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله } لا ~~بد من حذف مضاف أي مثل نفقتهم { كمثل حبة } أو مثلهم كمثل باذر ~~حبة { أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } ~~المنبت هو الله ولكن الحبة لما كانت سببا أسند إليها الإنبات كما يسند ~~إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقا يتشعب منه ~~سبع شعب لكل واحد سنبلة، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين ~~عيني الناظر والممثل به موجود في الدخن والذرة وربما فرخت ساق البرة في ~~الأرض القوية المغلة فيبلغ حبها هذا المبلغ، على أن التمثيل يصح وإن لم ~~يوجد على سبيل الفرض، والتقدير ووضع سنابل موضع سنبلات كوضع قروء موضع ~~أقراء { والله يضعف لمن يشاء } أي يضاعف تلك المضاعفة لمن ~~يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين، أو يزيد على سبعمائة لمن يشاء. # «يضعف»: شامي و«يضعف»: مكي { والله وسع } واسع الفضل والجود { ~~عليم } بنيات المنفقين. { الذين ينفقون أمولهم فى ~~سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا } هو أن ~~يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأوجب عليه حقا له ~~وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها { ولا أذى } هو أن يتطاول عليه ~~بسبب ما أعطاه. ومعنى «ثم» إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى ~~وأن تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيرا من ~~الدخول فيه بقوله # ثم استقموا # [فصلت: 30] { لهم أجرهم عند ربهم } أي ثواب إنفاقهم { ~~ولا خوف عليهم } من بخس الأجر { ولا هم يحزنون } من ~~فوته، أو لا خوف من العذاب ولا حزن بفوت الثواب. وإنما قال هنا: «لهم ~~أجرهم» وفيما بعد «فلهم أجرهم» لأن الموصول هنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ~~ثمة. # { قول معروف } رد جميل { ومغفرة } وعفو عن السائل إذا وجد ~~منه ما يثقل على المسؤول، أو ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل { ~~خير من ms0159 صدقة يتبعها أذى } وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة ~~لاختصاصه بالصفة { والله غنى } لا حاجة له إلى منفق يمن ويؤذي { ~~حليم } عن معاجلته بالعقوبة وهذا وعيد له. # ثم أكد ذلك بقوله { يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا ~~صدقتكم بالمن والأذى كالذى } الكاف نصب صفة مصدر ~~محذوف والتقدير إبطالا مثل إبطال الذي { ينفق ماله رئاء ~~الناس ولا يؤمن بالله واليوم الأخر } أي لا تبطلوا ~~ثواب صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا ~~يريد بإنفاقه رضا الله ولا ثواب الآخرة، ورئاء مفعول له { فمثله ~~كمثل صفوان عليه تراب } مثله ونفقته التي لا ينتفع بها ~~البتة بحجر أملس عليه تراب { فأصابه وابل } مطر عظيم القطر { ~~فتركه صلدا } أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه { لا ~~يقدرون على شىء مما كسبوا } لا يجدون ثواب شيء مما ~~أنفقوا، أو الكاف في محل النصب على الحال أي لا تطلبوا صدقاتكم مماثلين ~~الذي ينفق. وإنما قال «لا يقدرون» بعد قوله «كالذي ينفق» لأنه أراد بالذي ~~ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق { والله لا يهدي القوم ~~الكفرين } ما داموا مختارين الكفر. # { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغاء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم } أي وتصديقا للإسلام وتحقيقا ~~للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن ~~تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. # و«من» لابتداء الغاية وهو معطوف على المفعول له أي للإبتغاء والتثبيت، ~~والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله { كمثل جنة } بستان ~~{ بربوة } مكان مرتفع، وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا ~~«بربوة»: عاصم وشامي { أصابها وابل فئاتت أكلها } ثمرتها ~~«أكلها»: نافع ومكي وأبو عمرو { ضعفين } مثلي ما كانت تثمر قبل بسبب ~~الوابل { فإن لم يصبها وابل فطل } فمطر صغير القطر ~~يكفيها لكرم منبتها، أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ونفقتهم ~~الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل ~~الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضا الله ms0160 تعالى ~~زاكية عند الله زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده { والله بما ~~تعملون بصير } يرى أعمالكم على إكثار وإقلال ويعلم نياتكم فيهما ~~من رياء وإخلاص. الهمزة في { أيود أحدكم } للإنكار { أن ~~تكون له جنة } بستان { من نخيل وأعناب تجرى من ~~تحتها الأنهر له } لصاحب البستان { فيها } في الجنة { من ~~كل الثمرت } يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها، أو أن ~~النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر وجعل ~~الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما ~~ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. { وأصابه الكبر } الواو للحال ~~ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر، والواو في { وله ذرية ~~ضعفاء } أولاد صغار للحال أيضا، والجملة في موضع الحال من الهاء في ~~«أصابه» { فأصابها إعصار } ريح تستدير في الأرض ثم تستطع نحو ~~السماء كالعمود { فيه } في الإعصار وارتفع { نار } بالظرف إذ جرى ~~الظرف وصفا لإعصار { فاحترقت } الجنة، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال ~~الحسنة رياء فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك حسرة من ~~كانت له جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم فهلكت ~~بالصاعقة { كذلك } كهذا البيان الذي بين فيما تقدم { يبين الله ~~لكم الآيت } في التوحيد والدين { لعلكم تتفكرون } ~~فتنتبهوا. # { تتفكرون يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من ~~طيبت ما كسبتم } من جياد مكسوباتكم، وفيه دليل وجوب الزكاة ~~في أموال التجارة { ومما أخرجنا لكم من الأرض } من الحب ~~والثمر والمعادن وغيرها والتقدير: ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف ~~لذكر الطيبات { ولا تيمموا الخبيث } ولا تقصدوا المال الرديء ~~{ منه تنفقون } تخصونه بالإنفاق وهو في محل الحال أي ولا تيمموا ~~الخبيث منفقين أي مقدرين النفقة { ولستم بأخذيه } وحالكم أنكم ~~لا تأخذونه في حقوقكم { إلا أن تغمضوا فيه } إلا بأن تتسامحوا ~~في أخذه وتترخصوا فيه من قولك «أغمض فلان عن بعض حقه» إذا غض بصره، ويقال ~~للبائع «أغمض» أي لا تستقص كأنك لا تبصر. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يتصدقون ms0161 بحشف التمر وشراره فنهوا ~~عنه. { واعلموا أن الله غني } عن صدقاتكم { حميد } ~~مستحق للحمد أو محمود. # { الشيطن يعدكم } في الإنفاق { الفقر } ويقول لكم إن ~~عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، والوعد يستعمل في الخير والشر { ويأمركم ~~بالفحشاء } ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور ~~والفاحش عند العرب البخيل { والله يعدكم } في الإنفاق { ~~مغفرة منه } لذنوبكم وكفارة لها { وفضلا } وأن يخلف عليكم ~~أفضل مما أنفقتم، أو وثوابا عليه في الآخرة { والله وسع } يوسع ~~على من يشاء { عليم } بأفعالكم ونياتكم. { يؤتى الحكمة من ~~يشاء } علم القرآن والسنة، أو العلم النافع الموصل إلى رضا الله والعمل ~~به، والحكيم عند الله هو العالم العامل { ومن يؤت الحكمة } ~~«ومن يؤت»: يعقوب أي ومن يؤته الله الحكمة { فقد أوتى خيرا ~~كثيرا } تنكير تعظيم أي أوتي خيرا أي خير كثير. { وما يذكر ~~إلا أولوا الألبب } وما يتعظ بمواعظ الله إلا ذوو العقول ~~السليمة أو العلماء العمال، والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في ~~معنى الإنفاق. { وما أنفقتم من نفقة } في سبيل الله أو في ~~سبيل الشيطان { أو نذرتم من نذر } في طاعة الله أو في معصيته ~~{ فإن الله يعلمه } لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه { وما ~~للظلمين } الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي أو ~~ينذرون في المعاصي أو لا يفون بالنذور { من أنصار } ممن ينصرهم من ~~الله ويمنعهم من عقابه. { إن تبدوا الصدقت فنعما هى } ~~فنعم شيئا إبداؤها و «ما» نكرة غير موصولة ولا موصوفة، والمخصوص بالمدح ~~«هي». فنعما «هي» بكسر النون وإسكان العين: أبوعمرو ومدني غير ورش. وبفتح ~~النون وكسر العين: شامي وحمزة وعلي. وبكسر النون والعين: غيرهم. { وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء } وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء { ~~فهو خير لكم } فالإخفاء خير لكم. قالوا: المراد صدقات التطوع ~~والجهر في الفرائض أفضل لنفي التهمة حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف ~~باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوع إن أراد أن يقتدي به كان إظهاره أفضل. ~~{ ويكفر } بالنون وجزم الراء: مدني وحمزة وعلي. بالياء ورفع الراء: ms0162 ~~شامي وحفص. وبالنون والرفع: غيرهم. فمن جزم فقد عطف على محل الفاء وما ~~بعده لأنه جواب الشرط، ومن رفع فعلى الاستئناف والياء على معنى يكفر ~~الله. { عنكم من سيئاتكم } والنون على معنى نحن نكفر { ~~والله بما تعملون } من الإبداء والإخفاء { خبير } عالم. ### || [2.272-282] # { ليس عليك هداهم } لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى ~~الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما ~~عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب { ولكن الله يهدى من ~~يشاء } أو ليس عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك إلى الله ~~{ وما تنفقوا من خير } من مال { فلأنفسكم } فهو ~~لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول ~~عليهم { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } وليست ~~نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون ~~بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله، أو هذا نفي معناه النهي ~~أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله { وما تنفقوا من خير ~~يوف إليكم } ثوابه أضعافا مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن ~~إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها { وأنتم لا تظلمون } ~~ولا تنقصون كقوله: # ولم تظلم منه شيئا # [الكهف: 33]. أي لم تنقص. # الجار في { للفقراء } متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء، أو هو خبر ~~مبتدأ محذوف أي هذه الصدقات للفقراء { الذين أحصروا فى سبيل ~~الله } هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف { لا يستطيعون ~~} لاشتغالهم به { ضربا فى الأرض } للكسب. وقيل: هم أصحاب الصفة ~~وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا ~~عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون ~~النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. { يحسبهم الجاهل } ~~بحالهم. «يحسبهم» وبابه: شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. ~~والباقون بكسر السين. { أغنياء من التعفف } مستغنين من ms0163 أجل ~~تعففهم عن المسألة { تعرفهم بسيمهم } من صفرة الوجوه ورثاثة ~~الحال { لا يسئلون الناس إلحافا } إلحاحا. قيل: هو نفي ~~السؤال والإلحاح جميعا كقوله: # على لا حب لا يهتدي بمناره # يريد نفي المنار والاهتداء به. والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا ~~بشيء يعطاه وفي الحديث # " «إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف " # وقيل: معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا { وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم } لا يضيع عنده. # { الذين ينفقون أمولهم باليل والنهار سرا ~~وعلانية } هما حالان أي مسرين ومعلنين يعني يعمون الأوقات والأحوال ~~بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم ~~يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال. # وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار: ~~عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. أو في ~~علي رضي الله عنه لم يملك إلا أربعة دراهم، تصدق بدرهم ليلا، وبدرهم ~~نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية. { فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~يأكلون الربوا } هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال. ~~وكتب «الربوا» بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلوة والزكوة، وزيدت ~~الألف بعدها تشبيها بواو الجمع. { لا يقومون } إذا بعثوا من قبورهم ~~{ إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطن } أي ~~المصروع لأنه تخبط في المعاملة فجوزي على المقابلة. والخبط: الضرب على ~~غير استواء كخبط العشواء { من المس } من الجنون وهو يتعلق ب «لا ~~يقومون» أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، أو ب ~~«يقوم» أي كما يقوم المصروع من جنونه، والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة ~~مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل: الذين ~~يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون ~~كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا ~~يقدرون على الإيفاض { ذلك } العقاب { بأنهم } بسبب أنهم { ~~قالوا إنما البيع مثل الربوا ms0164 } ولم يقل «إنما الربا ~~مثل البيع» مع أن الكلام في الربا لا في البيع، لأنه جيء به على طريقة ~~المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا ~~وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع. { وأحل الله البيع ~~وحرم الربوا } إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان ~~فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على ~~بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه { فمن جاءه موعظة من ربه ~~} فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا { فانتهى } فتبع النهي ~~وامتنع { فله ما سلف } فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول ~~التحريم { وأمره إلى الله } يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من ~~أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به { ومن عاد } إلى استحلال الربا عن ~~الزجاج أو إلى الربا مستحلا { فأولئك أصحب النار ~~هم فيها خلدون } لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما ~~حرم الله عز وجل فهو كافر فلذا استحق الخلود، وبهذا تبين أنه لا تعلق ~~للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. # { يمحق الله الربوا } يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل ~~فيه { ويربى الصدقت } ينميها ويزيدها أي يزيد المال الذي ~~أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه، وفي الحديث ما نقصت زكاة من مال قط. # { والله لا يحب كل كفار } عظيم الكفر باستحلال الربا { ~~أثيم } متماد في الإثم بأكله. { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا ~~الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } قيل: المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا { ~~يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى ~~من الربوا } أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا ~~فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. روي أنها نزلت في ثقيف. وكان لهم على ~~قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا { إن كنتم ~~مؤمنين } كاملي الإيمان فإن دليل كماله امتثال المأمور به. { فإن ~~لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ~~فاعلموا بها من أذن بالشيء إذا ms0165 علم، يؤيده قراءة الحسن فأيقنوا. ~~«فآذنوا»: حمزة وأبو بكر غير ابن غالب. فأعلموا بها غيركم ولم يقل بحرب ~~الله ورسوله لأن هذا أبلغ، لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند ~~الله ورسوله. وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ~~ورسوله { وإن تبتم } من الارتباء { فلكم رءوس أمولكم ~~لا تظلمون } المديونين بطلب الزيادة عليها { ولا تظلمون } ~~بالنقصان منها. # { وإن كان ذو عسرة } وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة ذو إعسار ~~{ فنظرة } فالحكم أوفى لأمر نظرة أي إنظار { إلى ميسرة } ~~يسار. «ميسرة»: نافع وهما لغتان { وأن تصدقوا } بالتخفيف: عاصم، ~~أي تتصدقوا برؤوس أموالكم أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم. وبالتشديد: ~~غيره. فالتخفيف على حذف إحدى التاءين، والتشديد على الإدغام { خير ~~لكم } في القيامة، وقيل: أريد بالتصديق الإنظار لقوله عليه السلام # " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " # { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به ~~وإن علمه كأنه لا يعلمه. { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله } «ترجعون»: أبو عمرو فرجع لازم ومتعد. قيل: هي آخر آية نزل بها ~~جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة وعاش ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما أو أحدا وثمانين ~~أو سبعة أيام أو ثلاث ساعات { ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت } أي جزاء ما كسبت { وهم لا يظلمون } بنقصان الحسنات ~~وزيادة السيئات. # { يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين } أي إذا ~~داين بعضكم بعضا. يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين معطيا أو آخذا { ~~إلى أجل مسمى } مدة معلومة كالحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج، ~~وإنما احتيج إلى ذكر الدين ولم يقل إذا تداينتم إلى أجل مسمى ليرجع ~~الضمير إليه في قوله { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال ~~فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى ~~مؤجل وحال. # وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق وآمن ms0166 من النسيان وأبعد من الجحود، ~~والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه والأمر للندب. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن المراد به السلم وقال: لما حرم الله الربا أباح السلف. ~~وعنه: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه ~~أطول آية، وفيه دليل على اشتراط الأجل في السلم { وليكتب بينكم ~~} بين المتداينين { كاتب بالعدل } هو متعلق ب «كاتب» صفة له أي ~~كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ~~ينقص، وفيه دليل على أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشروط حتى يجيء ~~مكتوبه معدلا بالشرع، وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا ~~إلا فقيها دينا حتى يكتب ما هو متفق عليه { ولا يأب كاتب } ولا ~~يمتنع واحد من الكتاب { أن يكتب كما علمه الله } مثل ما ~~علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير وكما متعلق بأن يكتب { ~~فليكتب } تلك الكتابة لا يعدل عنها { وليملل الذى ~~عليه الحق } ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق لأنه هو ~~المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به فيكون ذلك إقرارا على نفسه ~~بلسانه. والإملال والإملاء لغتان { وليتق الله ربه } وليتق ~~الله الذي عليه الدين ربه فلا يمتنع عن الإملاء فيكون جحودا لكل حقه { ~~ولا يبخس منه شيئا } ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا في ~~الإملاء فيكون جحودا لبعض حقه { فإن كان الذى عليه الحق ~~سفيها } أي مجنونا لأن السفه خفة في العقل أو محجورا عليه لتبذيره ~~وجهله بالتصرف { أو ضعيفا } صبيا { أو لا يستطيع أن ~~يمل هو } لعي به أو خرس أو جهل باللغة { فليملل وليه } ~~الذي يلي أمره ويقوم به { بالعدل } بالصدق والحق { واستشهدوا ~~شهيدين } واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين { من رجالكم ~~} من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام وشهادة الكفار بعضهم ~~على بعض مقبولة عندنا { فإن لم يكونا } فإن لم يكن الشهيدان { ~~رجلين فرجل وامرأتان } فليشهد رجل وامرأتان وشهادة الرجال ~~مع النساء تقبل فيما ms0167 عدا الحدود والقصاص { ممن ترضون من ~~الشهداء } ممن تعرفون عدالتهم، وفيه دليل على أن غير المرضي شاهد { ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } لأجل أن ~~تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى { إن تضل إحداهما } على الشرط ~~«فتذكر» بالرفع والتشديد: حمزة كقوله: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة: 95]. «فتذكر» بالنصب: مكي وبصري من الذكر لا من الذكر ~~{ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } لأداء الشهادة أو ~~للتحمل لئلا تتوى حقوقهم، وسماهم شهداء قبل التحمل تنزيلا لما يشارف ~~منزلة الكائن، فالأول للفرض والثاني للندب { ولا تسئموا } ولا ~~تملوا قال الشاعر: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبالك يسأم # والضمير في { أن تكتبوه } للدين أو الحق { صغيرا أو كبيرا ~~} على أي حال كان الحق من صغر أو كبر، وفيه دلالة جواز السلم في الثياب ~~لأن ما يكال أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال في الذرعي، ~~ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن تكتبوه مختصرا أو مشبعا أو { إلى ~~أجله } إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته { ذلكم } إشارة ~~إلى أن تكتبوه لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب { أقسط } أعدل من ~~القسط وهو العدل { عند الله } ظرف لأقسط { وأقوم ~~للشهدة } وأعون على إقامة الشهادة وبنى أفعلا التفضيل أي «أقسط» ~~و «أقوم» من أقسط وأقام مذهب سيبويه { وأدنى ألا ترتابوا } ~~وأقرب من انتفاء الريب للشاهد والحاكم وصاحب الحق فإنه قد يقع الشك في ~~المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك، وألف «أدنى» منقلبة من ~~واو لأنه من الدنو { إلا أن تكون تجرة حاضرة } عاصم أي ~~إلا أن تكون التجارة تجارة أو إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة غيره ~~تجارة حاضرة على «كان» التامة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة، أو هي ناقصة ~~والاسم تجارة حاضرة والخبر { تديرونها } وقوله { بينكم } ظرف ~~ل «تديرونها» ومعنى إدارتها بينهم تعاطيها يدا بيد { فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها } يعني إلا أن تتبايعوا بيعا ~~ناجزا يدا بيد فلا بأس أن لا تكتبوها لأنه لا يتوهم فيه ms0168 ما يتوهم في ~~التداين { وأشهدوا إذا تبايعتم } أمر بالإشهاد على التبايع ~~مطلقا ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد من وقوع الاختلاف، أو أريد به ~~وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد ~~كاف فيه دون الكتابة والأمر للندب { ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد } يحتمل البناء للفاعل لقراءة عمر رضي الله عنه «ولا يضارر» ~~وللمفعول لقراءة ابن عباس رضي الله عنهما «ولا يضارر» والمعنى نهي الكاتب ~~والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة ~~والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويلزا، أولا يعطي ~~الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد { وإن ~~تفعلوا } وإن تضاروا { فإنه } فإن الضرار { فسوق بكم } ~~مأثم { واتقوا الله } في مخالفة أوامره { ويعلمكم الله ~~} شرائع دينه { والله بكل شيء عليم } لا يلحقه سهو ولا ~~قصور. ### || [2.283-286] # { وإن كنتم } أيها المتداينون { على سفر } مسافرين { ولم ~~تجدوا كاتبا فرهن } «فرهان»: مكي وأبو عمرو أي فالذي يستوثق ~~به رهن وكلاهما جمع رهن كسقف وسقف وبغل وبغال، ورهن في الأصل مصدر سمي به ~~ثم كسر تكسير الأسماء. ولما كان السفر مظنة لأعواز الكتب والإشهاد، أمر ~~على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق ~~بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد لا أن السفر شرط تجويز الارتهان. ~~وقوله { مقبوضة } يدل على اشتراط القبض لا كما زعم مالك أن الرهن ~~يصح بالإيجاب والقبول بدون القبض { فإن أمن بعضكم بعضا } ~~فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به فلم يتوثق بالكتابة ~~والشهود والرهن { فليؤد الذى اؤتمن أمنته } دينه. ~~وائتمن افتعل من الأمن وهو حث للمديون على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه ~~منه وائتمانه له، وأن يؤدي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. ~~وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه { ~~وليتق الله ربه } في إنكار حقه { ولا تكتموا ~~الشهدة } هذا خطاب للشهود { ومن يكتمها فإنه ءاثم ~~قلبه } ارتفع «قلبه» ب «آثم» على ms0169 الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم ~~قلبه، أو بالابتداء و«آثم» خبره مقدم والجملة خبر «إن». وإنما أسند إلى ~~القلب وحده والجملة هي الآثمة لا القلب وحده، لأن كتمان الشهادة أن ~~يضمرها في القلب ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترفا مكتسبا بالقلب ~~أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما تقول «هذا ~~مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي»، ولأن القلب رئيس ~~الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، ~~فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه، ولأن أفعال ~~القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات ~~الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب، وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام ~~القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~أكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة { والله ~~بما تعملون } من كتمان الشهادة وإظهارها { عليم } لا يخفى عليه ~~شيء. { لله ما فى السموات وما في الأرض } خلقا وملكا ~~{ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } يعني من السوء { ~~يحاسبكم به الله } يكافئكم ويجازيكم ولا تدخل الوساوس وحديث ~~النفس فيما يخفيه الإنسان، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما ~~اعتقده وعزم عليه، والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم ~~معفوة، وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور. # فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره ~~فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة ~~الزنا، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا؟ قيل: لا لقوله عليه السلام: # " إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به " # والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم وأن المؤاخذة في العزم ~~ثابتة وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله، ~~والدليل عليه قوله تعالى: ms0170 # إن الذين يحبون أن تشيع الفحشة # [النور: 19]. الآية. وعن عائشة رضي الله عنها: ما هم العبد بالمعصية من ~~غير عمل يعاقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا. وفي أكثر ~~التفاسير أنه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة رضي الله عنهم وقالوا: ~~أنؤاخذ بكل ما حدثت به أنفسنا فنزل قوله «آمن الرسول» إلى قوله «لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» فتعلق ذلك بالكسب ~~دون العزم. وفي بعضها أنها نسخت بهذه الآية، والمحققون على أن النسخ يكون ~~في الأحكام لا في الأخبار { فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء } برفعهما: شامي وعاصم أي فهو يغفر ويعذب، ويجزمهما: غيرهم عطفا ~~على جواب الشرط، وبالإدغام: أبو عمرو، وكذا في الإشارة والبشارة. وقال ~~صاحب الكشاف: مدغم الراء في اللام لاحن مخطىء، لأن الراء حرف مكرر فيصير ~~بمنزلة المضاعف، ولا يجوز إدغام المضاعف، ورواية عن أبي عمر مخطىء مرتين ~~لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم { ~~والله على كل شىء } من المغفرة والتعذيب وغيرهما { قدير ~~} قادر. { ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون } إن عطف «المؤمنون» على «الرسول» كان الضمير الذي ~~التنوين نائب عنه في { كل } راجعا إلى «الرسول» «والمؤمنون» أي كلهم ~~{ ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله } ووقف ~~عليه، وإن كان مبتدأ كان عليه «كل» مبتدأ ثانيا والتقدير كل منهم و«آمن» ~~خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول، وكان الضمير للمؤمنين ووحد ضمير ~~«كل» في «آمن» على معنى كل واحد منهم آمن. و«كتابه»: حمزة وعلي يعني ~~القرآن أو الجنس { لا نفرق } أي يقولون لا نفرق بل نؤمن بالكل { ~~بين أحد من رسله } «أحد» في معنى الجمع ولذا دخل عليه «بين» ~~وهو لا يدخل إلا على اسم يدل على أكثر من واحد. تقول المال بين القوم ولا ~~تقول المال بين زيد. { وقالوا سمعنا } أجبنا قولك { وأطعنا ~~} أمرك { غفرانك } أي اغفر لنا غفرانك فهو منصوب بفعل مضمر { ~~ربنا وإليك المصير } المرجع، وفيه إقرار بالبعث والجزاء. ms0171 # والآية تدل على بطلان الاستثناء في الإيمان وعلى بقاء الإيمان لمرتكب ~~الكبائر. # { لا يكلف الله نفسا } محكي عنهم أو مستأنف { إلا ~~وسعها } إلا طاقتها وقدرتها لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر عليه ~~المكلف، كذا في شرح التأويلات. وقال صاحب الكشاف: الوسع ما يسع الإنسان ~~ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر ~~عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي ~~أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة { لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت } ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما ~~اكتسبت من شر، وخص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الافتعال للانكماش ~~والنفس تنكمش في الشر وتتكلف للخير { ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا } تركنا أمرا من أوامرك سهوا { أو أخطأنا } ودل هذا ~~على جواز المؤاخذة في النسيان والخطأ خلافا للمعتزلة لإمكان التحرز ~~عنهما في الجملة ولولا جواز المؤاخذة بهما لم يكن للسؤال معنى { ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا } عبأ يأصر حامله أي يحبسه مكانه لثقله ~~استعير للتكليف الشاق من نحو قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة من الجلد ~~والثوب وغير ذلك { كما حملته على الذين من قبلنا } ~~كاليهود { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } من ~~العقوبات النازلة بمن قبلنا { واعف عنا } امح سيئاتنا { واغفر ~~لنا } واستر ذنوبنا وليس بتكرار فالأول للكبائر والثاني للصغائر { ~~وارحمنا } بتثقيل ميزاننا مع إفلاسنا، والأول من المسخ والثاني من ~~الخسف والثالث من الغرق { أنت مولنا } سيدنا ونحن عبيدك أو ~~ناصرنا أو متولي أمورنا { فانصرنا على القوم الكفرين } ~~فمن حق المولى أن ينصر عبيده في الحديث # " من قرأ آمن الرسول إلى آخره في ليلة كفتاه " # وفيه # " من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " # ويجوز أن يقال: قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة لما روي عن علي رضي ~~الله عنه: خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. وقال بعضهم: يكره ذلك بل ~~يقال قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة، ms0172 والله أعلم. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-9] # { الم * الله } حركت الميم لالتقاء الساكنين أعني سكونها وسكون لام ~~«الله» وفتحت لخفة الفتحة، ولم تكسر للياء وكسر الميم قبلها تحاميا عن ~~توالي الكسرات، وليس فتح الميم لسكونها وسكون ياء قبلها إذ لو كان كذلك ~~لوجب فتحها في «حم». ولا يصح أن يقال: إن فتح الميم هو فتحة همزة «الله» ~~نقلت إلى الميم لأن تلك الهمزة همزة وصل تسقط في الدرج وتسقط معها ~~حركتها، ولو جاز نقل حركتها لجاز إثباتها وإثباتها غير جائز. وأسكن يزيد ~~والأعشى الميم وقطعا الألف، والباقون بوصل الألف وفتح الميم و«الله» ~~مبتدأ { لا إله إلا هو } خبره وخبر «لا» مضمر والتقدير: لا ~~إله في الوجود إلا هو، «وهو» في موضع الرفع بدل من موضع «لا»، واسمه { ~~الحي القيوم } خبر مبتدأ محذوف أي هو الحي، أو بدل من «هو» ~~و«القيوم» فيعول من قام وهو القائم بالقسط والقائم على كل نفس بما كسبت { ~~نزل } أي هو نزل { عليك الكتب } القرآن { بالحق } حال ~~أي نزله حقا ثابتا { مصدقا لما بين يديه } لما قبله { ~~وأنزل التوراة والإنجيل } هما اسمان أعجميان وتكلف ~~اشتقاقهما من الورى والنجل، ووزنهما بتفعلة وافعيل إنما يصح بعد كونهما ~~عربيين. وإنما قيل «نزل الكتاب» و«أنزل التوراة والإنجيل» لأن القرآن نزل ~~منجما ونزل الكتابان جملة { من قبل } من قبل القرآن { هدى ~~للناس } لقوم موسى وعيسى أو لجميع الناس { وأنزل الفرقان } ~~أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل، أو الزبور، أو كرر ذكر ~~القرآن بما هو نعت له تفخيما لشأنه { إن الذين كفروا ~~بأيت الله } من كتبه المنزلة وغيرها { لهم عذاب شديد ~~والله عزيز ذو انتقام } ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها ~~منتقم { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء } أي في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض أي هو مطلع على ~~كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه { هو الذي يصوركم ~~في الأرحام كيف يشاء } من الصور المختلفة { لا إله ~~إلا هو العزيز ms0173 } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره. روي أنه ~~لما قدم وفد بني نجران وهم ستون راكبا. أميرهم العاقب وعمدتهم السيد ~~وأسقفهم وحبرهم أبو حارثة خاصموا في أن عيسى إن لم يكن ولدا لله فمن ~~أبوه؟ فقال عليه السلام: # " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ " # قالوا: بلى. قال: # " ألم تعلموا أن الله تعالى حي لا يموت وعيسى يموت، وأن ربنا قيم على ~~العباد يحفظهم ويرزقهم وعيسى لا يقدر على ذلك، وأنه لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء وعيسى لا يعلم إلا ما علم، وإنه صور عيسى في الرحم ~~كيف شاء فحملته أمه ووضعته وأرضعته، وكان يأكل ويحدث وربنا منزه عن ذلك ~~كله " # فانقطعوا فنزل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. # { هو الذي أنزل عليك الكتب } القرآن { منه } من ~~الكتاب { آيت محكمت } أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال ~~والاشتباه { هن أم الكتب } أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها ~~وترد إليها { وأخر } وآيات أخر { متشبهت } مشتبهات ~~محتملات. مثال ذلك # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء، ولا ~~يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] أو المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله نحو قوله: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] الآيات، # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيه # [الأسراء: 23]. الآيات. والمتشابه ما وراءه أو ما لا يحتمل إلا وجها ~~واحدا، وما احتمل أوجها، أو ما يعلم تأويله وما لا يعلم تأويله، أو ~~الناسخ الذي يعمل به والمنسوخ الذي لا يعمل به. وإنما لم يكن كل القرآن ~~محكما لما في المتشابه من الابتلاء به والتمييز بين الثابت على الحق ~~والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم والقرائح في استخراج ~~معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات ~~عند الله تعالى. { فأما الذين في قلوبهم زيغ } ميل عن ~~الحق وهم أهل البدع { فيتبعون ما تشبه } فيتعلقون ~~بالمتشابه الذي يحتمل ما ms0174 يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ~~ما يطابقه من قول أهل الحق { منه ابتغاء الفتنة } طلب أن ~~يفتتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم { وابتغاء تأويله } وطلب أن ~~يؤولوه التأويل الذي يشتهونه { وما يعلم تأويله إلا ~~الله } أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله { ~~والراسخون في العلم } والذين رسخوا أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا ~~فيه بضرس قاطع مستأنف عند الجمهور، والوقف عندهم على قوله «إلا الله» ~~وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وهو مبتدأ عندهم والخبر يقولون ~~«آمنا به» وهو ثناء منه تعالى عليهم بالإيمان على التسليم واعتقاد ~~الحقية بلا تكييف، وفائدة إنزال المتشابه الإيمان به، واعتقاد حقية ما ~~أراد الله به، ومعرفة قصور أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يجعل لهم ~~إليه سبيلا، ويعضده قراءة أبي «ويقول الراسخون» وعبد الله «إن تأويله ~~إلا عند الله». ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأن الراسخين في العلم يعلمون ~~المتشابه و«يقولون» كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون ~~بالتأويل يقولون آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب { كل } من متشابهه ~~ومحكمه { من عند ربنا } من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ~~{ وما يذكر } وما يتعظ وأصله يتذكر { إلا أولوا ~~الألبب } أصحاب العقول، وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن ~~التأمل. وقيل: «يقولون» حال من الراسخين. ### || [3.10-20] # { ربنا لا تزغ قلوبنا } لا تملها عن الحق بخلق الميل في ~~القلوب { بعد إذ هديتنا } للعمل بالمحكم والتسليم للمتشابه { ~~وهب لنا من لدنك رحمة } من عندك نعمة بالتوفيق والتثبيت { ~~إنك أنت الوهاب } كثير الهبة، والآية من مقول الراسخين ويحتمل ~~الاستئناف أي قولوها وكذلك التي بعدها وهي { ربنا إنك جامع ~~الناس ليوم } أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم { لا ريب ~~فيه } لا شك في وقوعه { إن الله لا يخلف الميعاد } ~~الموعد. والمعنى أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك «إن الجواد لا يخيب ~~سائله» أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب. # { إن الذين كفروا } برسول الله { لن ms0175 تغني } تنفع أو ~~تدفع { عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله } من ~~عذابه { شيئا } من الأشياء { وأولئك هم وقود النار } ~~حطبها { كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم } الدأب ~~مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله. ~~والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم ~~من آل فرعون وغيرهم، أو منصوب المحل ب « لن تغني أي لن تغني عنهم مثل ما ~~لم تغن عن أولئك. «كداب» بلا همز حيث كان: أبو عمرو. { كذبوا ~~بئايتنا } تفسير لدأبهم مما فعلوا، أو فعل بهم على أنه جواب سؤال ~~مقدر عن حالهم، ويجوز أن يكون حالا أي قد كذبوا { فأخذهم الله ~~بذنوبهم } بسبب ذنوبهم يقال أخذته بكذا أي جازيته عليه { والله ~~شديد العقاب } شديد عقابه فالإضافة غير محضة { قل للذين ~~كفروا } هم مشركو مكة { ستغلبون } يوم بدر { وتحشرون ~~إلى جهنم } من الجهنام وهي بئر عميقة. وبالياء فيهما: حمزة وعلي ~~{ وبئس المهاد } المستقر جهنم. # { قد كان لكم ءاية } الخطاب لمشركي قريش { في فئتين ~~التقتا } يوم بدر { فئة تقتل في سبيل الله } وهم ~~المؤمنون { وأخرى } وفئة أخرى { كافرة يرونهم ~~مثليهم } يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين، أو مثلي ~~عدد المسلمين ستمائة ونيفا وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ~~ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم. «ترونهم» نافع أي ترون يا مشركي قريش ~~المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. ولا يناقض هذا ما قال في ~~سورة الأنفال # ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44] لأنهم قللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما ~~اجتمعوا كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالتين ~~مختلفتين ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان # [الرحمن: 39]. # وقفوهم إنهم مسؤولون # [الصافات: 24]. وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة ~~وإظهار الآية. و«مثليهم» نصب على الحال لأنه من رؤية العين بدليل قوله { ~~رأي العين } يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها { والله ~~يؤيد بنصره من يشاء } كما ms0176 أيد أهل بدر بتكثيرهم في أعين ~~العدو { إن في ذلك } في تكثير القليل { لعبرة } لعظة { ~~لأولي الأبصر } لذوي البصائر. # { زين للناس } المزين هو الله عند الجمهور للابتلاء كقوله: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم # [الكهف: 7]. دليله قراءة مجاهد «زين للناس» على تسمية الفاعل. وعن ~~الحسن: الشيطان { حب الشهوت } الشهوة توقان النفس إلى الشيء، جعل ~~الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة، أو كأنه أراد تخسيسها ~~بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد ~~على نفسه بالبهيمية { من النساء } والإماء داخلة فيها { ~~والبنين } جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث، ~~وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع { ~~والقنطير } جمع قنطار وهو المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور أو ~~مائة ألف دينار، ولقد جاء الإسلام وبمكة مائة رجل قد قنطروا { ~~المقنطرة } المنضدة أو المدفونة { من الذهب والفضة } ~~سمي ذهبا لسرعة ذهابه بالإنفاق، وفضة لأنها تتفرق بالإنفاق والفض ~~التفريق { والخيل } سميت به لاختيالها في مشيها { المسومة } ~~المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها { ~~والأنعم } هي الأزواج الثمانية { والحرث } الزرع { ذلك } ~~المذكور { متاع الحيوة الدنيا } يتمتع به في الدنيا { ~~والله عنده حسن المأب } المرجع. # ثم زهدهم في الدنيا فقال { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } ~~من الذي تقدم { للذين اتقوا عند ربهم جنت } كلام ~~مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، ف «جنات» مبتدأ «للذين ~~اتقوا» خبره { تجري من تحتها الأنهر } صفة ل «جنات»، ~~ويجوز أن يتعلق اللام ب «خير» واختص المتقين لأنهم هم المنتفعون به. ~~ويرتفع «جنات» على هو جنات وتنصره قراءة من قرأ «جنات» بالجر على البدل ~~من «خير» { خالدين فيها وأزوج مطهرة ورضون من ~~الله } أي رضا الله { والله بصير بالعباد } عالم بأعمالهم ~~فيجازيهم عليها أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذا أعد لهم الجنات. # { الذين يقولون } نصب على المدح أو رفع أو جر صفة للمتقين أو ~~للعباد { ربنا إننا ءامنا } إجابة لدعوتك ms0177 { فاغفر لنا ~~ذنوبنا } إنجازا لوعدك { وقنا عذاب النار } بفضلك { ~~الصبرين } على الطاعات والمصائب وهو نصب على المدح { ~~والصدقين } قولا بإخبار الحق، وفعلا بإحكام العمل، ونية بإمضاء ~~العزم { والقنتين } الداعين أو المطيعين { والمنفقين } ~~المتصدقين { والمستغفرين بالأسحار } المصلين أو طالبين ~~المغفرة، وخص الأسحار لأنه وقت إجابة الدعاء، ولأنه وقت الخلوة. # قال لقمان لابنه: يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت ~~نائم. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، ~~وللإشعار بأن كل صفة مستقلة بالمدح. # { شهد الله } أي حكم أو قال { أنه } أي بأنه { لا إله ~~إلا هو والملئكة } بما عاينوا من عظيم قدرته { وأولوا ~~العلم } أي الأنبياء والعلماء { قائما بالقسط } مقيما ~~للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من ~~إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال ~~مؤكدة من اسم الله تعالى أو من «هو»، وإنما جاز إفراده بنصب الحال دون ~~المعطوفين عليه ولو قلت «جاء زيد وعمرو راكبا» لم يجز لعدم الإلباس فإنك ~~لو قلت «جاءني زيد وهند راكبا» جاز لتميزه بالذكورة أو على المدح. وكرر ~~{ لا إله إلا هو } للتأكيد { العزيز الحكيم } رفع على ~~الاستئناف أي هو العزيز وليس بوصف ل «هو» لأن الضمير لا يوصف يعني أنه ~~العزيز الذي لا يغالب، الحكيم الذي لا يعدل عن الحق { إن الدين ~~عند الله الإسلم } جملة مستأنفة. وقرىء أن الدين على البدل من ~~قوله أنه لا إله إلا هو أي شهد الله أن الدين عند الله الإسلام. قال عليه ~~السلام # " من قرأ الآية عند منامه خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون ~~له إلى يوم القيامة، ومن قال بعدها: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع ~~الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة يقول الله تعالى يوم القيامة: إن ~~لعبدي عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة " # { وما اختلف الذين أوتوا الكتب } أي أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى، واختلافهم أنهم تركوا ms0178 الإسلام وهو التوحيد فثلثت ~~النصارى وقالت اليهود عزير بن الله { إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم } أنه الحق الذي لا محيد عنه { بغيا بينهم } أي ما كان ~~ذلك الاختلاف إلا حسدا بينهم وطلبا منهم للرياسة وحظوظ الدنيا واستتباع ~~كل فريق ناسا لا شبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوة محمد عليه ~~الصلاة والسلام حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هم النصارى واختلافهم ~~في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله { ومن يكفر ~~بآيت الله } بحججه ودلائله { فإن الله سريع الحساب ~~} سريع المجازاة { فإن حاجوك } فإن جادلوك في أن دين الله الإسلام ~~والمراد بهم وفد بني نجران عند الجمهور { فقل أسلمت وجهي ~~لله } أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكا بأن ~~أعبده وأدعو إلها معه، يعني أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ~~ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه ~~ونحوه: # قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا # [آل عمران: 64]. فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو ~~اليقين الذي لا شك فيه فما معنى المحاجة فيه! { ومن اتبعن } عطف ~~على التاء في «أسلمت» أي أسلمت أنا ومن أتبعني وحسن للفاصل، ويجوز أن ~~يكون الواو بمعنى «مع» فيكون مفعولا معه. «ومن اتبعني» في الحالين: سهل ~~ويعقوب وافق أبو عمرو في الوصل. «وجهي»: مدني وشامي وحفص والأعشى ~~والبرجمي. { وقل للذين أوتوا الكتب } من اليهود ~~والنصارى { والأميين } والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب { ~~ءأسلمتم } بهمزتين: كوفي، يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يقتضي ~~حصول الإسلام فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وقيل: لفظه لفظ ~~الاستفهام ومعناه الأمر أي أسلموا كقوله # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] أي انتهوا { فإن أسلموا فقد اهتدوا } فقد ~~أصابوا الرشد حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى { وإن تولوا ~~فإنما عليك البلغ } أي لم يضروك فإنك ms0179 رسول منبه ما عليك ~~إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى { والله بصير ~~بالعباد } فيجازيهم على إسلامهم وكفرهم. ### || [3.21-40] # { إن الذين يكفرون بآيت الله ويقتلون ~~النبيين } هم أهل الكتاب رضوا بقتل آبائهم الأنبياء { بغير حق ~~} حال مؤكدة لأن قتل النبي لا يكون حقا { ويقتلون الذين ~~يأمرون } «ويقاتلون»: حمزة { بالقسط } بالعدل { من الناس ~~} أي سوى الأنبياء. قال عليه السلام # " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ~~فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ~~ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم " # { فبشرهم بعذاب أليم } دخلت الفاء في خبر «إن» لتضمن اسمها ~~معنى الجزاء كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بعذاب أليم بمعنى من يكفر ~~فبشرهم، وهذا لأن «إن» لا تغير معنى الابتداء فهي للتحقيق فكأن دخولها ~~كلا دخول ولو كان مكانها «ليت» أو «لعل» لامتنع دخول الفاء { أولئك ~~الذين حبطت أعملهم } أي ضاعت { في الدنيا ~~والآخرة } فلهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة { وما ~~لهم من نصرين } جمع لوقف رؤوس الآي وإلا فالواحد النكرة في ~~النفي يعم. # { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } ~~يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة. «ومن» للتبعيض ~~أو للبيان { يدعون } حال من «الذين» { إلى كتب الله } أي ~~التوراة أو القرآن { ليحكم بينهم } جعل حاكما حيث كان سببا ~~للحكم أو ليحكم النبي. روي أنه عليه السلام دخل مدراسهم فدعاهم فقال له ~~نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت؟ قال النبي عليه السلام: # " على ملة إبراهيم " # قالا: إن إبراهيم كان يهوديا. قال لهما: إن بيننا وبينكم التوراة ~~فهلموا إليها فأبيا { ثم يتولى فريق منهم } استبعاد ~~لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب { وهم معرضون } ~~وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم { ذلك بأنهم قالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودت } أي ذلك التولي ~~والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار ~~بعد ms0180 أيام قلائل وهي أربعون يوما أو سبعة أيام و«ذلك» مبتدأ «وبأنهم» ~~خبره { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } أي غرهم ~~افتراؤهم على الله وهو قولهم «نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا بذنوبنا ~~إلا مدة يسيرة». # { فكيف إذا جمعنهم ليوم } فكيف يكون حالهم في ذلك ~~الوقت { لا ريب فيه } لا شك فيه { ووفيت كل نفس ما ~~كسبت } جزاء ما كسبت { وهم } يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في ~~معنى كل الناس { لا يظلمون } بزيادة في سيئاتهم ونقصان في حسناتهم. # { قل اللهم } الميم عوض من «يا» ولذا لا يجتمعان، وهذا بعض خصائص ~~هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام ~~التعريف وبقطع همزته في «يا الله» وبالتفخيم { ملك الملك } تملك ~~جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون وهو نداء ثان أي يا مالك ~~الملك { تؤتي الملك من تشاء } تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت ~~له من الملك { وتنزع الملك ممن تشاء } أي تنزعه فالملك ~~الأول عام والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. # " روي أنه عليه السلام حين فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقالت ~~اليهود والمنافقون: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز ~~وأمنع من ذلك " # فنزلت { وتعز من تشاء } بالملك { وتذل من تشاء } بنزعه ~~منه { بيدك الخير } أي الخير والشر فاكتفى بذكر أحد الضدين عن ~~الآخر، أو لأن الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي ~~أنكرته الكفرة فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعداءك { ~~إنك على كل شيء قدير } ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا ~~بإقدارك. وقيل: المراد بالملك ملك العافية أو ملك القناعة. قال عليه ~~السلام # " ملوك الجنة من أمتي القانعون بالقوت يوما فيوما " # أو ملك قيام الليل. وعن الشبلي: الاستغناء بالمكون عن الكونين تعز ~~بالمعرفة أو بالاستغناء بالمكون أو بالقناعة وتذل بأضدادها. ثم ذكر قدرته ~~الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في ~~إخراج أحدهما من الآخر، وعطف ms0181 عليه رزقه بغير حساب بقوله { تولج ~~اليل في النهار وتولج النهار في اليل } فالإيلاج ~~إدخال الشيء في الشيء وهو مجاز هنا أي تنقص من ساعات الليل وتزيد في ~~النهار، وتنقص من ساعات النهار وتزيد في الليل { وتخرج الحي ~~من الميت } الحيوان من النطفة، أو الفرخ من البيضة، أو المؤمن من ~~الكافر { وتخرج الميت من الحي } النطفة من الإنسان، أو ~~البيض من الدجاج، أو الكافر من المؤمن { وترزق من تشاء بغير ~~حساب } لا يعرف الخلق عدده ومقداره وإن كان معلوما عنده، ليدل على أن ~~من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير ~~حساب من يشاء من عباده فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ~~ويؤتيه العرب ويعزهم. وفي بعض الكتب: أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ~~ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن العباد عصوني ~~جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم ~~عليكم. وهو معنى قولهم عليه السلام # " كما تكونوا يولى عليكم الحي من الميت والميت من الحي " # بالتشديد حيث كان: مدني وكوفي غير أبي بكر. # { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء } نهوا أن ~~يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو لصداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، وقد كرر ~~ذلك في القرآن والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان. { ~~من دون المؤمنين } يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن ~~موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم { ومن يفعل ذلك فليس ~~من الله في شيء } أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء ~~لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان { إلا أن تتقوا منهم ~~تقة } إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه أي إلا أن يكون ~~للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة ~~وإبطان المعاداة { ويحذركم الله نفسه } أي ذاته فلا ~~تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد { وإلى الله ~~المصير } أي مصيركم إليه والعذاب معد لديه وهو وعيد آخر. # { قل إن تخفوا ms0182 ما في صدوركم أو تبدوه } من ولاية ~~الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله { يعلمه الله } ولم يخف عليه ~~وهو أبلغ وعيد { ويعلم ما في السموات وما في الأرض } ~~استئناف وليس بمعطوف على جواب الشرط أي هو الذي يعلم ما في السموات وما ~~في الأرض فلا يخفى عليه سركم وعلنكم { والله على كل شيء ~~قدير } فيكون قادرا على عقوبتكم { يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا } «يوم» منصوب ب «تود» ~~والضمير في «بينه» لليوم أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها ~~حاضرين، تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمدا بعيدا أي مسافة ~~بعيدة، أو ب «اذكر» ويقع «تجد» على «ما عملت» وحده ويرتفع «وما عملت» ~~على الابتداء و«تود» خبره أي والذي عملته من سوء تود هي لو تباعد ما ~~بينها وبينه، ولا يصح أن تكون «ما» شرطية لارتفاع «تود»، نعم الرفع جائز ~~إذا كان الشرط ماضيا لكن الجزم هو الكثير. وعن المبرد أن الرفع شاذ. ~~وكرر قوله { ويحذركم الله نفسه } ليكون على بال منهم لا ~~يغفلون عنه { والله رءوف بالعباد } ومن رأفته بهم أن حذرهم ~~نفسه حتى لا يتعرضوا لسخطه، ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذورا لكمال ~~قدرته مرجو لسعة رحمته كقوله تعالى: # إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم # [فصلت: 43]. ونزل حين قال اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه. { قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } محبة ~~العبد لله إيثار طاعته على غير ذلك، ومحبة الله العبد أن يرضى عنه ويحمد ~~فعله. وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ~~يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل، فمن ادعى محبته وخالف ~~سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه. # وقيل: محبة الله معرفته ودوام خشيته ودوام اشتغال القلب به وبذكره ودوام ~~الأنس به. وقيل: هي اتباع النبي عليه السلام في أقواله وأفعاله وأحواله ~~إلا ms0183 ما خص به. وقيل: علامة المحبة أن يكون دائم التفكير، كثير الخلوة، ~~دائم الصمت، لا يبصر إذا نظر، ولا يسمع إذا نودي، ولا يحزن إذا أصيب، ولا ~~يفرح إذا أصاب، ولا يخشى أحدا ولا يرجوه { ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله ~~والرسول } قيل: هي علامة المحبة { فإن تولوا } أعرضوا عن ~~قبول الطاعة، ويحتمل أن يكون مضارعا أي فإن تتولوا { فإن الله ~~لا يحب الكفرين } أي لا يحبهم. # { إن الله اصطفى } اختار { ءادم } أبا البشر { ونوحا } ~~شيخ المرسلين { وآل إبراهيم } إسماعيل وإسحاق وأولادهما { وآل عمران } ~~موسى وهارون هما ابنا عمران بن يصهر. وقيل: عيسى ومريم بنت عمران ابن ~~ماثان وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة { على العلمين } على ~~عالمي زمانهم { ذرية } بدل من «آل إبراهيم وآل عمران» { بعضها ~~من بعض } مبتدأ وخبره في موضع النصب صفة ل «ذرية» يعني أن الآلين ~~ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهارون من عمران، وعمران من ~~يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحاق، ~~وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان وهو يتصل بيهودا بن يعقوب بن ~~إسحاق، وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: بعضها ~~من بعض في الدين { والله سميع عليم } يعلم من يصلح للإصطفاء، ~~أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها { إذ قالت } «وإذ» منصوب به ~~أو بإضمار «اذكر». { امرأت عمرن } هي امرأة عمران بن ماثان أم ~~مريم جدة عيسى وهي حنة بنت فاقوذا { رب إني نذرت لك } أوجبت { ~~ما في بطني محررا } هو حال من «ما» وهي بمعنى الذي أي معتقا ~~لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه، وكان هذا النوع من النذر ~~مشروعا عندهم أو مخلصا للعبادة يقال «طين حر» أي خالص { فتقبل ~~مني } «مني» مدني وأبو عمر، والتقبل: أخذ الشيء على الرضا به { ~~إنك أنت السميع العليم * فلما وضعتها } الضمير ل ~~«ما في بطني» وإنما أنث على تأويل الحبلة أو النفس أو ms0184 النسمة { قالت ~~رب إني وضعتها أنثى } «أنثى» حال من الضمير في «وضعتها» أي ~~وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى، وإنما قالت هذا القول لأن التحرير ~~لم يكن إلا للغلمان فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربها ولتكلمها بذلك على ~~وجه التحزن والتحسر قال الله { والله أعلم بما وضعت } ~~تعظيما لموضوعها أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عزائم ~~الأمور. # «وضعت»: شامي وأبو بكر بمعنى ولعل لله فيه سرا وحكمة، وعلى هذا يكون ~~داخلا في القول. وعلى الأول يوقف عند قوله «أنثى» وقوله: «والله أعلم ~~بما وضعت». ابتداء إخبار من الله تعالى { وليس الذكر } الذي طلبت ~~{ كالأنثى } التي وهبت لها واللام فيهما للعهد { وإني ~~سميتها مريم } معطوف على «إني وضعتها أنثى» وما بينهما جملتان ~~معترضتان. وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة، ~~فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها ~~وأن يصدق فيها ظنها بها، ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من ~~الشيطان بقوله { وإني } «وإني» مدني { أعيذها بك } أجيرها { ~~وذريتها } أولادها { من الشيطن الرجيم } الملعون في ~~الحديث # " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس ~~الشيطان إياه إلا مريم وابنها " # { فتقبلها ربها } قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان ~~الذكر { بقبول حسن } قيل: القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط ~~لما يسعط به وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل ~~قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ ~~وتصلح للسدانة. روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى ~~المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في ~~الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت ~~إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم فقال ~~لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي أختها. فقالوا: لا حتى نقترع عليها. ~~فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى ms0185 نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم ~~زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها. وقيل: هو مصدر على تقدير حذف ~~المضاف أي فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص { ~~وأنبتها نباتا حسنا } مجاز عن التربية الحسنة، قال ابن عطاء: ~~ما كانت ثمرته مثل عيسى فذاك أحسن النبات. «ونباتا» مصدر على خلاف الصدر ~~أو التصدير فنبتت نباتا { وكفلها } «وكفلها»: قبلها أو ضمن القيام ~~بأمرها. وكفلها: كوفي أي كفلها الله زكريا يعني جعله كافلا لها وضامنا ~~لمصالحها { زكريا } بالقصر: كوفي غير أبي بكر في كل القرآن. وقرأ ~~أبو بكر بالمد والنصب هنا. غيرهم بالمد والرفع كالثانية والثالثة ومعناه ~~في العبري: دائم الذكر والتسبيح { كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب } قيل: بنى لها زكريا محرابا في المسجد أي غرفة تصعد إليها ~~بسلم. # وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت ~~المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب وكان لا يدخل عليها إلا هو ~~وحده { وجد عندها رزقا } كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ~~ترضع ثديا قط فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في ~~الشتاء { قال يمريم أنى لك هذا } من أين لك هذا الرزق ~~الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه؟ { قالت هو من ~~عند الله } فلا تستبعد. قيل: تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في ~~المهد { إن الله يرزق من يشاء } من جملة كلام مريم أو من ~~كلام رب العالمين { بغير حساب } بغير تقدير لكثرته أو تفضلا بغير ~~محاسبة ومجازاة على عمل. # { هنالك } في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك ~~الوقت فقد يستعار «هنا» و «حيث» و «ثم» للزمان. لما رأى حال مريم في ~~كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمها حنة ~~في الكرامة على الله، وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أمها كذلك. وقيل: ~~لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر { دعا ms0186 ~~زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية } ~~ولدا والذرية يقع على الواحد والجمع { طيبة } مباركة والتأنيث للفظ ~~الذرية { إنك سميع الدعاء } مجيبه { فنادته ~~الملئكة } قيل: ناداه جبريل عليه السلام. وإنما قيل «الملائكة» ~~لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس كقولهم «فلان يركب الخيل». «فناديه» ~~بالياء والإمالة: حمزة وعلي { وهو قائم يصلي في المحراب } ~~وفيه دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات، وفيها إجابة الدعوات وقضاء ~~الحاجات. وقال ابن عطاء: ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع ~~الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب { إن الله } بكسر الألف: ~~شامي وحمزة وعلى إضمار القول، أو لأن النداء قول. الباقون: بالفتح أي بأن ~~الله { يبشرك } «يبشرك» وما بعده: حمزة وعلي من بشره والتخفيف ~~والتشديد لغتان { بيحيى } هو غير منصرف إن كان عجميا وهو الظاهر ~~فللتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربيا فللتعريف ووزن الفعل ك ~~«يعمر» { مصدقا } حال منه { بكلمة من الله } أي مصدقا ~~بعيسى مؤمنا به فهو أول من آمن به. وسمي عيسى كلمة الله لأن تكون ب ~~«كن» بلا أب، أو مصدقا بكلمة من الله مؤمنا بكتاب منه { وسيدا } هو ~~الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف، وكان يحيى فائقا على قومه لأنه لم ~~يركب سيئة قط ويا لها من سيادة. وقال الجنيد: هو الذي جاد بالكونين عوضا ~~عن المكون { وحصورا } هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصرا لنفسه ~~أي منعا لها من الشهوات { ونبيا من الصلحين } ناشئا من ~~الصالحين لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائنا من جملة الصالحين { قال ~~رب أنى يكون لي غلم } استبعاد من حيث العادة واستعظام ~~للقدرة لا تشكك { وقد بلغني الكبر } كقولهم «أدركته السن ~~العالية» أي أثر في الكبر وأضعفني وكان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ~~ثمان وتسعون { وامرأتي عاقر } لم تلد { قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء } من الأفعال العجيبة. ### || [3.41-57] # { قال رب اجعل لي } «لي» مدني وأبو عمرو { ءاية } علامة ~~أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة بالشكر إذا جاءت { قال آيتك ms0187 ألا ~~تكلم الناس } أي لا تقدر على تكليم الناس { ثلثة أيام ~~إلا رمزا } إلا إشارة بيد أو رأس أوعين أو حاجب وأصله التحرك، يقال ~~ارتمز إذا تحرك. واستثنى الرمز وهو ليس من جنس الكلام لأنه لما أدى ~~مؤدى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاما، أو هو استثناء منقطع. ~~وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة عن تكليمهم خاصة مع ~~إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذا قال { واذكر ربك كثيرا ~~وسبح بالعشي والإبكر } أي في أيام عجزك عن تكليم الناس ~~وهي من الآيات الباهرة والأدلة الظاهرة، وإنما حبس لسانه عن كلام الناس ~~ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره كأنه لما طلب الآية من أجل ~~الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب ما كان ~~منتزعا من السؤال. والعشي من حين الزوال إلى الغروب، والإبكار من طلوع ~~الفجر إلى وقت الضحى. # { وإذ } عطف على «إذ قالت امرأة عمران» أو التقدير واذكر إذا { ~~قالت الملئكة يمريم } روي أنهم كلموها شفاها { إن ~~الله اصطفك } أولا حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة ~~السنية { وطهرك } مما يستقذر من الأفعال { واصطفك } آخرا { ~~على نساء العلمين } بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك ~~لأحد من النساء { يمريم اقنتي لربك } أديمي الطاعة أو أطيلي ~~قيام الصلاة { واسجدي } وقيل: أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود ~~لكونهما من هيئات الصلاة، ثم قيل لها { واركعي مع الركعين } أي ~~ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة، أو وانظمي نفسك في جملة المصلين ~~وكوني في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم { ذلك } إشارة إلى ما سبق من ~~قصة حنة وزكريا ويحيى ومريم { من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك } يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي { وما ~~كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم } أزلامهم وهي قداحهم ~~التي طرحوها في النهر مقترعين، أو هي الأقلام التي كانوا يكتبون التوراة ~~بها اختاروها للقرعة تبركا بها { أيهم يكفل مريم } متعلق ~~بمحذوف دل ms0188 عليه «يلقون» كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يكفل مريم أو ~~ليعلموا أو يقولون { وما كنت لديهم إذ يختصمون } في ~~شأنها تنافسا في التكفل بها { إذ قالت الملئكة } أي اذكر { ~~يمريم إن الله يبشرك بكلمة } أي بعيسى { منه } ~~في موضع جر صفة لكلمة { اسمه } مبتدأ وذكر ضمير الكلمة لأن المسمى بها ~~مذكر { المسيح } خبره والجملة في موضع جر صفة ل «كلمة». # والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله «مشيحا» ~~بالعبرانية ومعناه المبارك كقوله: # وجعلنى مباركا أينما كنت # [مريم: 31]. وقيل: سمي مسيحا لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو ~~لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة لا يستوطن مكانا { عيسى } بدل من المسيح ~~{ ابن مريم } خبر مبتدأ محذوف أي هو ابن مريم، ولا يجوز أن يكون ~~صفة لعيسى لأن اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى ابن مريم. وإنما قال «ابن ~~مريم» إعلاما لها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه «وجيها» ~~ذا جاه وقدر «في الدنيا» بالنبوة والطاعة { والآخرة } بعلو الدرجة ~~والشفاعة { ومن المقربين } برفعه إلى السماء، وقوله «وجيها» ~~حال من «كلمة» لكونها موصوفة وكذا «ومن المقربين» أي وثابتا من ~~المقربين، وكذا «ويكلم الناس» أي ومكلما الناس في المهد حال من ~~الضمير في «يكلم» أي ثابتا في المهد وهو ما يمهد للصبي من مضجعه سمي ~~بالمصدر { وكهلا } عطف عليه أي ويكلم الناس طفلا وكهلا أي يكلم ~~الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة ~~وحالة الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء { ومن ~~الصلحين } حال أيضا والتقدير يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. # { قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ~~قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون } أي إذا قدر تكون شيء كونه من غير تأخير ~~لكنه عبر بقوله «كن» إخبارا عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه { ~~ويعلمه } مدني وعاصم وموضعه حال معطوفة على «وجيها». الباقون: ~~بالنون على أنه كلام مبتدأ { الكتاب } أي الكتابة وكان أحسن ms0189 الناس خطا ~~في زمانه. وقيل: كتب الله { والحكمة } بيان الحلال والحرام أو الكتاب ~~الخط باليد. والحكمة: البيان باللسان { والتوراة والإنجيل * ~~ورسولا } أي ونجعله رسولا أو يكون في موضع الحال أي وجيها في ~~الدنيا والآخرة ورسولا { إلى بني إسرءيل أني } بأني { قد ~~جئتكم بآية من ربكم } بدلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من ~~النبوة { أني أخلق لكم } نصب بدل من «أني قد جئتكم» أو جر بدل ~~من «آية» أو رفع على «هي أني أخلق لكم». «إني»: نافع على الاستئناف { ~~من الطين كهيئة الطير } أي أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير ~~{ فأنفخ فيه } الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير { ~~فيكون طيرا } فيصير طيرا كسائر الطيور. «طائرا»: مدني { ~~بإذن الله } بأمره. قيل: لم يخلق شيئا غير الخفاش { وأبرىء ~~الأكمه } الذي ولد أعمى { والأبرص وأحي الموتى بإذن ~~الله } كرر «بإذن الله» دفعا لو هم من يتوهم فيه اللاهوتية. # روي أنه أحيا سام بن نوح عليه السلام وهم ينظرون إليه فقالوا: هذا سحر ~~مبين فأرنا آية فقال: يا فلان أكلت كذا ويا فلان خبىء لك كذا وهو قوله { ~~وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ~~و«ما» فيهما بمعنى «الذي»، أو مصدرية { إن في ذلك } فيما سبق { ~~لآية لكم إن كنتم مؤمنين * ومصدقا لما بين ~~يدي من التوراة } أي قد جئتكم بآية وجئتكم مصدقا { ~~ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } رد على قوله «بآية ~~من ربكم» أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم. وما حرم الله عليهم في شريعة ~~موسى عليه السلام الشحوم ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر فأحل لهم عيسى ~~بعض ذلك { وجئتكم بأية من ربكم } كرر للتأكيد { ~~فاتقوا الله } في تكذيبي وخلافي { وأطيعون } في أمري { ~~إن الله ربى وربكم } إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن ~~نفسه بخلاف ما يزعم النصارى { فاعبدوه } دوني { هذا صرط ~~مستقيم } يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم. # { فلما أحس عيسى منهم الكفر } علم من اليهود كفرا ~~علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس { قال من أنصاري } ~~«أنصاري» ms0190 مدني وهو جمع ناصر كأصحاب أو جمع نصير كأشراف { إلى الله } ~~يتعلق بمحذوف حال من الياء أي من أنصاري ذاهبا إلى الله ملتجئا إليه { ~~قال الحواريون } حواري الرجل صفوته وخاصته { نحن أنصار ~~الله } أعوان دينه { آمنا بالله واشهد } يا عيسى { بأنا ~~مسلمون } إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيدا لإيمانهم لأن الرسل ~~يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم، وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام ~~واحد { ربنا ءامنا بما أنزلت واتبعنا الرسول } ~~أي رسولك عيسى { فاكتبنا مع الشهدين } مع الأنبياء الذين ~~يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية، أو مع أمة محمد عليه ~~السلام لأنهم شهداء على الناس { ومكروا } أي كفار بني إسرائيل الذين ~~أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه { ومكر الله } أي ~~جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد ~~اغتياله حتى قتل، ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى ~~الجزاء، لأنه مذموم عند الخلق وعلى هذا الخداع والاستهزاء كذا في شرح ~~التأويلات. { والله خير المكرين } أقوى المجازين وأقدرهم ~~على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب { إذ قال الله } ظرف لمكر الله ~~{ يعيسى إني متوفيك } أي مستوفي أجلك ومعناه أني عاصمك من أن ~~يقتلك الكفار ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم { ورافعك إلي } ~~إلى سمائي ومقر ملائكتي { ومطهرك من الذين كفروا } من ~~سوء جوارهم وخبث صحبتهم. # وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته، أو ~~مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن، إذ الواو لا توجب ~~الترتيب. قال النبي عليه السلام # " ينزل عيسى خليفة على أمتي يدق الصليب ويقتل الخنازير ويلبث أربعين ~~سنة، ويتزوج ويولد له ثم يتوفى وكيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في ~~آخرها والمهدي من أهل بيتي وفي وسطها " # أو متوفي نفسك بالنوم ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف وتستيقظ وأنت ~~في السماء آمن مقرب { وجاعل الذين اتبعوك } أي المسلمين ~~لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه ms0191 وكذبوا ~~عليه من اليهود والنصارى { فوق الذين كفروا } بك { إلى ~~يوم القيمة } يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف { ~~ثم إلي مرجعكم } في الآخرة { فأحكم بينكم فيما ~~كنتم فيه تختلفون * فأما الذين كفروا ~~فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما ~~لهم من نصرين * وأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب ~~الظلمين } وتفسير الحكم هاتان الآيتان فيوفيهم حفص. ### || [3.58-69] # { ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ { نتلوه ~~عليك } خبره { من الأيت } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف { ~~والذكر الحكيم } القرآن يعني المحكم، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة ~~حكمه. ونزل لما قال وفد بني نجران هل رأيت ولدا بلا أب. { إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل ءادم } أي إن شأن عيسى وحاله الغريبة ~~كشأن آدم عليه السلام { خلقه من تراب } قدره جسدا من طين وهي ~~جملة مفسرة لحالة شبه عيسى بآدم ولا موضع لها أي خلق آدم من تراب ولم يكن ~~ثمة أب ولا أم، فكذلك حال عيسى مع أن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق ~~للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم ~~لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه، وعن بعض العلماء أنه أسر ~~بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى ~~لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيي الموتى. قال: فحزقيل أولى لأن عيسى ~~أحيا أربعة نفر وحزقيل ثمانية آلاف. فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص. ~~قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما { ثم قال له كن } ~~أي أنشأه بشرا { فيكون } أي فكان وهو حكاية حال ماضية، و «ثم» ~~لترتيب الخبر على الخبر لا لترتيب المخبر عنه { الحق من ربك } ~~خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق { فلا تكن } أيها السامع { من ~~الممترين } الشاكين. ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ويكون من باب التهييج لزيادة الثبات لأنه عليه السلام معصوم من ~~الامتراء { فمن حاجك ms0192 } من النصارى { فيه } في عيسى { من بعد ~~ما جاءك من العلم } من البينات الموجبة للعلم و«ما» بمعنى ~~«الذي» { فقل تعالوا } هلموا والمراد المجيء بالعزم والرأي كما ~~تقول: تعالى نفكر في هذه المسألة { ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } أي يدع كل منا ~~ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة { ثم نبتهل } ثم نتباهل ~~بأن نقول «بهلة الله على الكاذب منا ومنكم». والبهلة بالفتح والضم ~~اللعنة، وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته، وأصل الابتهال هذا ثم يستعمل ~~في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. روي أنه عليه السلام لما ~~دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى ننظر. فقال العاقب. وكان ذا رأيهم - والله ~~لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل وما باهل قوم نبيا قط ~~فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا ألف دينكم ~~فودعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. # فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضنا للحسين آخذا بيد ~~الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول: # " إذا أنا دعوت فأمنوا " # فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ~~يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه ~~الأرض نصراني فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك فصالحهم النبي ~~على ألفي حلة كل سنة فقال عليه السلام # " والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا ~~قردة وخنازير " # وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه لأن ~~ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض ~~أعزته وأفلاذ كبده لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب ~~خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة. وخص الأبناء ~~والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس ~~لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم، وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه لم يرو ms0193 أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك { ~~فنجعل لعنت الله على الكذبين } منا ومنكم في شأن ~~عيسى ونبتهل ونجعل معطوفان على «ندع». # { إن هذا } الذي قص عليك من نبأ عيسى { لهو القصص الحق ~~} هو فصل بين اسم «إن» وخبرها، أو مبتدأ و«القصص الحق» خبره، والجملة خبر ~~«إن» وجاز دخول اللام على الفصل لأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان ~~دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على ~~المبتدأ. و«من» في { وما من إله إلا الله } بمنزلة البناء ~~على الفتح في «لا إله إلا الله» في إفادة معنى الاستغراق، والمراد الرد ~~على النصارى في تثليثهم { وإن الله لهو العزيز } في ~~الانتقام { الحكيم } في تدبير الأحكام { فإن تولوا } أعرضوا ~~ولم يقبلوا { فإن الله عليم بالمفسدين } وعيد لهم ~~بالعذاب المذكور في قوله: { زدنهم عذابا فوق العذاب ~~بما كانوا يفسدون } [النحل: 88]. # { قل يأهل الكتب } هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود ~~المدينة { تعالوا إلى كلمة سواء } أي مستوية { بيننا ~~وبينكم } لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة ~~قوله { ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ~~ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } يعني ~~تعالوا إليها حتى لا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، لأن كل ~~واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فميا أحدثوا من التحريم ~~والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله. # وعن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال # " أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم " # قال: نعم. قال: # " هو ذاك " # { فإن تولوا } عن التوحيد { فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون } أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا ~~مسلمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع: اعترف بأني أنا ~~الغالب وسلم إلي الغلبة. { يأهل الكتب لم تحاجون في ~~إبرهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده } زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا ~~رسول الله صلى الله عليه ms0194 وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما ~~حدثت بعد نزول التوراة والنصرانية بعد نزول الإنجيل وبين إبراهيم وموسى ~~ألف سنة وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا ~~بعد عهده بأزمنة متطاولة. # { أفلا تعقلون } حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. # { هاأنتم هؤلاء } «ها» للتنبيه و«أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» خبره { ~~حججتم } جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء ~~الأشخاص الحمقى. وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم { فيما لكم ~~به علم } مما نطق به التوراة والإنجيل { فلم تحآجون فيما ~~ليس لكم به علم } ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. ~~وقيل: هؤلاء بمعنى «الذين» و«حاججتم» صلته. «ها أنتم» بالمد وغير الهمز ~~حيث كان: مدني وأبو عمرو. { والله يعلم } علم ما حاججتم فيه { ~~وأنتم لا تعلمون } وأنتم جاهلون به. # ثم أعلمهم بأنه بريء من دينهم فقال { ما كان إبرهيم يهوديا ~~ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين } كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به ~~عزيرا والمسيح، أو ما كان من المشركين كما لم يكن منهم { إن أولى ~~الناس بإبرهيم } إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب { ~~للذين اتبعوه } في زمانه وبعده { وهذا النبي } ~~خصوصا خص بالذكر لخصوصيته بالفضل والمراد محمد عليه السلام { ~~والذين ءامنوا } من أمته { والله ولي المؤمنين } ~~ناصرهم. { ودت طائفة من أهل الكتب لو ~~يضلونكم } هم اليهود دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهود { ~~وما يضلون إلا أنفسهم } وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم ~~لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم { وما يشعرون } بذلك. ### || [3.70-82] # { يأهل الكتب لم تكفرون بأيت الله } بالتوراة ~~والإنجيل، وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وغيرها { وأنتم تشهدون } تعترفون بأنها آيات ~~الله أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوة الرسول وأنتم تشهدون نعته في ~~الكتابين، أو تكفرون بآيات الله جميعا وأنتم تعلمون أنها حق { يأهل ~~الكتب لم تلبسون الحق بالبطل } تخلطون الإيمان ~~بموسى وعيسى بالكفر بمحمد صلى الله ms0195 عليه وسلم { وتكتمون الحق } ~~نعت محمد عليه السلام { وأنتم تعلمون } أنه حق { وقالت ~~طائفة من أهل الكتب } فيم بينهم { ءامنوا بالذى ~~أنزل على الذين ءامنوا } أي القرآن { وجه النهار } ~~ظرف أي أوله يعني أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار { ~~واكفروا ءاخره } واكفروا به آخره { لعلهم يرجعون } ~~لعل المسلمين يقولون ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم ~~فيرجعون برجوعكم. # { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن ~~الهدى هدى الله } «ولا تؤمنوا» متعلق بقوله { أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم } وما بينهما اعتراض أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين ~~قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون ~~المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام { ~~أو يحاجوكم عند ربكم } عطف على «أن يؤتى» والضمير في ~~«يحاجوكم» لأحد لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير اتباعكم أن ~~المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة. ومعنى ~~الاعتراض أن الهدى هدى الله من شاء هداه حتى أسلم أو ثبت على الإسلام كان ~~ذلك ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك ~~قوله { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } ~~يريد الهداية والتوفيق، أو يتم الكلام عند قوله «إلا لمن تبع دينكم» أي ~~ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم ~~إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم ~~من رجوع من سواهم. ومعنى قوله «أن يؤتى» لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ~~ذلك ودبرتموه لا لشيء آخر يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يأتي أحد ~~مثل ما أوتيتم من العلم، والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، ويدل عليه ~~قراءة ابن كثير «آن» بالمد والاستفهام يعني الآن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ~~من الكتاب تحسدونهم. ms0196 وقوله «أو يحاجوكم» على هذا معناه دبرتم ما دبرتم ~~لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم ~~عند ربكم { والله وسع } أي واسع الرحمة { عليم } بالمصلحة { ~~يختص برحمته } بالنبوة أو بالإسلام { من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم * ومن أهل الكتب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك } هو عبد الله بن سلام، ~~استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه { ومنهم ~~من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } هو فنحاص بن ~~عازوراء، استودعه رجل من قريش دينارا فجحده وخانه. # وقال: المأمونون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم، والخائنون في ~~القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم { إلا ما دمت عليه قائما ~~} إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما على رأسه ملازما له. «يؤده» ~~و«لا يؤده» بكسر الهاء مشبعة: مكي وشامي ونافع وعلي وحفص، واختلس أبو ~~عمرو في رواية. غيرهم: بسكون الهاء. # { ذلك } إشارة إلى ترك الأداء الذي دل عليه «لا يؤده» { بأنهم ~~قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل } أي تركهم أداء ~~الحقوق بسبب قولهم «ليس علينا من الأميين سبيل» أي لا يتطرق علينا إثم ~~وذم في شأن الأميين يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من ~~حبس أموالهم والإضرار بهم لأنهم ليسوا على ديننا وكانوا يستحلون ظلم من ~~خالفهم وكانوا يقولون لم يجعل لهم في كتابنا حرمة. وقيل: بايع اليهود ~~رجالا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم ~~دينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم { ويقولون على الله ~~الكذب } بادعائهم أن ذلك في كتابهم { وهم يعلمون } أنهم ~~كاذبون { بلى } إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين أي بلى ~~عليهم سبيل فيهم. وقوله { من أوفى بعهده واتقى } جملة ~~مسأنفة مقررة للجملة التي سدت «بلى» مسدها، والضمير في «بعده» يرجع إلى ~~الله تعالى أي كل من أوفى بعهد الله واتقاه { فإن الله يحب ~~المتقين } أي يحبهم فوضع الظاهر موضع الضمير وعموم المتقين قام ~~مقام الضمير الراجع ms0197 من الجزاء إلى «من» ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من ~~الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. قيل: نزلت في عبد الله ~~بن سلام ونحوه من مسلمي أهل الكتاب، ويجوز أن يرجع الضمير إلى «من أوفى» ~~أي كل من أوفى بما عاهد الله عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر فإن ~~الله يحبه. ونزل فيمن حرف التوراة وبدل نعته عليه السلام من اليهود وأخذ ~~الرشوة على ذلك { إن الذين يشترون } يستبدلون { بعهد ~~الله } بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم { ~~وأيمنهم } وبما حلفوا به من قولهم «والله لنؤمنن به ولننصرنه» { ~~ثمنا قليلا } متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك، وقوله ~~«بعهد الله» يقوي رجوع الضمير في «بعهده» إلى الله { أولئك لا ~~خلق لهم فى الآخرة } أي لا نصيب { ولا يكلمهم ~~الله } بما يسرهم { ولا ينظر إليهم يوم القيمة } ~~نظر رحمة { ولا يزكيهم } ولا يثني عليهم { ولهم عذاب ~~أليم } مؤلم. # { وإن منهم } من أهل الكتاب { لفريقا } هم كعب بن الأشرف ~~ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وغيرهم { يلوون ألسنتهم ~~بالكتب } يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف، واللي الفتل ~~وهو الصرف والمراد تحريفهم كآبة الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ~~ذلك. والضمير في { لتحسبوه } يرجع إلى ما دل عليه «يلوون ~~ألسنتهم بالكتب » وهو المحرف، ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم ~~بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه { من الكتب } أي التوراة { وما ~~هو من الكتب } وليس هو من التوراة { ويقولون هو من ~~عند الله } تأكيد لقوله «وما هو من الكتاب» وزيادة تشنيع عليهم { ~~وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون } أنهم كاذبون { ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتب } تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام. وقيل: ~~قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ ~~قال: # " لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق ~~لأهله " # { والحكم } والحكمة وهي السنة أو فصل القضاء { والنبوة ~~ثم ms0198 يقول } عطف على «يؤتيه» { للناس كونوا عبادا لى من ~~دون الله ولكن كونوا ربنيين } ولكن يقول: كونوا ~~ربانيين. والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون وهو شديد التمسك ~~بدين الله وطاعته. وحين مات ابن عباس قال ابن الحنفية: مات رباني هذه ~~الأمة. وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء. وقيل: علماء معلمين. وقالوا: ~~الرباني العالم العامل { بما كنتم تعلمون الكتب } كوفي ~~وشامي أي غيركم غيرهم بالتخفيف { وبما كنتم تدرسون } أي ~~تقرأون، والمعنى بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت ~~الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى ~~به دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ~~ذريعة إلى العمل، فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه ~~بثمرها. وقيل: معنى «تدرسون» تدرسونه على الناس كقوله # لتقرأه على الناس # [الإسراء: 106] فيكون معناه معنى تدرسون من التدريس كقراءة ابن جبير. # { ولا يأمركم } بالنصب عطفا على «ثم يقول» ووجهه أن تجعل «لا» ~~مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله «ما كان لبشر» والمعنى ما كان لبشر أن ~~يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد ثم ~~يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويأمركم { أن تتخذوا ~~الملئكة والنبيين أربابا } كما تقول «ما كان لزيد أن ~~أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي»وبالرفع حجازي وأبو عمرو وعلي على ابتداء ~~الكلام، والهمزة في { أيأمركم بالكفر } للإنكار والضمير في ~~«لا يأمركم» و«أيأمركم» للبشر أو لله. # وقوله { بعد إذ أنتم مسلمون } يدل على أن المخاطبين كانوا ~~مسلمين وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له. # { وإذ أخذ الله ميثق النبيين } هو على ظاهره من أخذ ~~الميثاق على النبيين بذلك، أو المراد ميثاق الأولاد النبيين وهم بنو ~~إسرائيل على حذف المضاف. واللام في { لما ءاتيتكم من كتب ~~وحكمة } لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي ~~«لتؤمنن» لام جواب القسم، وما يجوز أن تكون متضمنة لمعنى الشرط و«لتؤمنن» ~~ساد مسد جواب القسم والشرط جميعا، وأن تكون موصولة بمعنى للذي ms0199 آتيتكموه ~~لتؤمنن به { ثم جاءكم } معطوف على الصلة والعائد منه إلى ما محذوف ~~والتقدير ثم جاءكم به { رسول مصدق لما معكم } للكتاب الذي ~~معكم { لتؤمنن به } بالرسول { ولتنصرنه } أي الرسول وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم «لما آتيتكم» حمزة و «ما» بمعنى الذي، أو مصدرية ~~أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم. ~~واللام للتعليل أي أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أني ~~آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير ~~مخالف. «آتيناكم»: مدني { قال } أي الله { أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصرى } أي قبلتم عهدي، وسمي إصرا لأنه مما يؤصر أي ~~يشد ويعقد { قالوا أقررنا قال فاشهدوا } فليشهد بعضكم على ~~بعض بالإقرار { وأنا معكم من الشهدين } وأنا معكم على ~~ذلك من إقراركم وتشاهدكم من الشاهدين، وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع ~~إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: قال الله للملائكة ~~اشهدوا { فمن تولى بعد ذلك } الميثاق والتوكيد ونقض العهد ~~بعد قبوله وأعرض عن الإيمان بالنبي الجائي { فأولئك هم ~~الفسقون } المتمردون من الكفار. ### || [3.83-97] # { أفغير دين الله } دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة ~~على جملة، والمعنى فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت ~~الهمزة بينهما. ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره: أيتولون فغير دين الله ~~يبغون. وقدم المفعول وهو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث إن ~~الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل { يبغون ~~وله أسلم من فى السموات } الملائكة { والأرض } الإنس ~~والجن { طوعا } بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه { وكرها } ~~بالسيف أو بمعاينة العذاب كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون ~~والإشفاء على الموت، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده. وانتصب { ~~طوعا وكرها } على الحال أي طائعين ومكرهين { وإليه ~~يرجعون } فيجازيكم على الأعمال «يبغون» و«يرجعون» بالياء فيهما: ~~حفص، وبالتاء في الثاني وفتح الجيم أبو عمرو لأن الباغين هم المتولون ~~والراجعون جميع الناس، وبالتاء فيهما وفتح الجيم: غيرهما. ms0200 # { قل ءامنا بالله وما أنزل علينا } أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذا وحد الضمير ~~في «قل» وجمع في «آمنا» أو أمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك ~~إجلالا من الله لقدر نبيه. وعدي «أنزل» هنا بحرف الاستعلاء وفي البقرة ~~بحرف الانتهاء لوجود المعنيين، إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، ~~فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. وقال صاحب اللباب: الخطاب في ~~البقرة للأمة لقوله { قولوا } فلم يصح إلا «إلى» لأن الكتب منتهية إلى ~~الأنبياء وإلى أمتهم جميعا، وهنا قال «قل» وهو خطاب للنبي عليه السلام ~~دون أمته فكان اللائق به «علي» لأن الكتب منزلة عليه لا شركة للأمة فيه، ~~وفيه نظر لقوله تعالى: # وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا بالذى ~~أنزل على الذين ءامنوا # [آل عمران: 72] { وما أنزل على إبرهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط } أولاد يعقوب وكان فيهم أنبياء ~~{ وما أوتى موسى وعيسى والنبيون } كرر في البقرة و«ما ~~أوتي» ولم يكرر هنا لتقدم ذكر الإيتاء حيث قال «لما آتيتكم» { من ~~ربهم } من عند ربهم { لا نفرق بين أحد منهم } في ~~الإيمان كما فعلت اليهود والنصارى { ونحن له مسلمون } موحدون ~~مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكا في عبادتنا { ومن يبتغ غير ~~الإسلم } يعني التوحيد وإسلام الوجه لله أو غير دين محمد عليه ~~السلام { دينا } تمييز { فلن يقبل منه وهو فى الآخرة ~~من الخسرين } من الذين وقعوا في الخسران ونزل في رهط أسلموا ثم ~~رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة. # { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمنهم } ~~والواو في { وشهدوا أن الرسول حق } للحال و «قد» مضمرة أي ~~كفروا وقد شهدوا أن الرسول أي محمدا حق، أو للعطف على ما في إيمانهم من ~~معنى الفعل لأن معناه بعد أن آمنوا { وجاءهم البينت } أي ~~الشواهد كالقرآن وسائر المعجزات { والله لا يهدى القوم ~~الظلمين } أي ما داموا مختارين الكفر، أو لا يهديهم طريق الجنة ~~إذا ماتوا كفارا { أولئك } مبتدأ { جزآؤهم } مبتدأ ثان ~~خبره ms0201 { أن عليهم لعنة الله } وهما خبر «أولئك» أو ~~«جزاؤهم» بدل الاشتمال من «أولئك» { والملئكة والناس ~~أجمعين خلدين } حال من الهاء والميم في «عليهم» { فيها } في ~~اللعنة { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك } الكفر العظيم والارتداد { ~~وأصلحوا } ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح { فإن الله غفور ~~} لكفرهم { رحيم } بهم. # ونزل في اليهود { إن الذين كفروا } بعيسى والإنجيل { بعد ~~إيمنهم } بموسى والتوراة { ثم ازدادوا كفرا } بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن، أو كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما ~~كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك وطعنهم فيه ~~في كل وقت أو نزل في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة. وازديادهم الكفر أن ~~قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون { لن تقبل توبتهم } ~~أي إيمانهم عند البأس لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت قال الله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] { وأولئك هم الضالون * إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض } الفاء في «فلن يقبل» يؤذن بأن الكلام بني على الشرط ~~والجزاء، وأن بسبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر، وترك الفاء ~~فيما تقدم يشعر بأن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب { ~~ذهبا } تمييز { ولو افتدى به } أي فلن يقبل من أحدهم فدية ~~ولو افتدى بملء الأرض ذهبا قال عليه السلام # " يقال للكافر يوم القيامة لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به؟ ~~فيقول: نعم. فيقال له: لقد سئلت أيسر من ذلك " # قيل: الواو لتأكيد النفي { أولئك لهم عذاب أليم } مؤلم { ~~وما لهم من نصرين } معينين دافعين للعذاب. # { لن تنالوا البر } لن تبلغوا حقيقة البر أو لن تكونوا أبرارا ~~أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه { حتى تنفقوا مما تحبون ~~} حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثروها. وعن الحسن: كل من ~~تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو تمرة فهو داخل في هذه الآية. قال ~~الواسطي: الوصول إلى البر ms0202 بإنفاق بعض المحاب وإلى الرب بالتخلي عن ~~الكونين، وقال أبو بكر الوراق: لن تناولوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم. # والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب. وعن عمر بن عبد ~~العزيز أنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها فقيل له: لم لا تتصدق ~~بثمنها؟ قال: لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب. { وما ~~تنفقوا من شىء فإن الله به عليم } أي هو عليكم بكل ~~شيء تنفقونه فيجازيكم بحسبه. و«من» الأولى للتبعيض لقراءة عبد الله «حتى ~~تنفقوا بعض ما تحبون» والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيب ~~تحبونه أو خبيث تكرهونه. ولما قالت اليهود للنبي عليه السلام: إنك تدعي ~~أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال عليه السلام # " كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله " # فقالت اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام نزل ~~تكذيبا لهم. # { كل الطعام } أي المطعومات التي فيها النزاع فإن منها ما هو ~~حرام قبل ذلك كالميتة والدم { كان حلا لبنى إسرءيل } أي ~~حلالا وهو مصدر. يقال حل الشيء حلا ولذا استوى في صفة المذكر والمؤنث ~~والواحد والجمع قال الله تعالى: # لا هن حل لهم # [الممتحنة: 10] { إلا ما حرم إسرءيل } أي يعقوب { على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة } وبالتخفيف مكي وبصري ~~وهو لحوم الإبل وألبانها، وكانا أحب الطعام إليه. والمعنى أن المطاعم ~~كلها لم تزل حلا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل ~~على نفسه، فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل ~~وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه { قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صدقين } أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم ~~بما هو ناطق به من أن تحريم ماحرم عليهم تحريم حادث سبب ظلمهم وبغيهم لا ~~تحريم قديم كما يدعونه، فلم يجرؤوا على إخراج التوراة وبهتوا. وفيه دليل ~~بين على صدق النبي عليه السلام وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه { فمن ~~افترى على الله الكذب } بزعمه أن ذلك كان محرما ms0203 في ملة ~~إبراهيم ونوح عليهما السلام { من بعد ذلك } من بعدما لزمهم من ~~الحجة القاطعة { فأولئك هم الظلمون } المكابرون الذين ~~لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات { قل صدق الله } في ~~إخباره أنه لم يحرم وفيه تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله تعالى صادق فيما ~~أنزل وأنتم الكاذبون { فاتبعوا ملة إبرهيم } وهي ملة ~~الإسلام التي عليها محمد عليه السلام ومن آمن معه حتى تتخلصوا من ~~اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب ~~الله لتسوية أغراضكم، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ~~ولمن تبعه { حنيفا } حال من إبراهيم أي مائلا من الأديان الباطلة { ~~وما كان من المشركين }. # ولما قالت اليهود للمسلمين: قبلتنا قبل قبلتكم نزل { إن أول ~~بيت وضع للناس } والواضع هو الله عز وجل. ومعنى وضع الله بيتا ~~للناس أنه جعله متعبدا لهم فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة وفي ~~الحديث # " إن المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة " # قيل: أول من بناه إبراهيم. وقيل: هو أول بيت حج بعد الطوفان. وقيل: هو ~~أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض. وقيل: هو أول بيت بناه ~~آدم عليه السلام في الأرض. وقوله «وضع للناس» في موضع جر صفة ل «بيت» ~~والخبر { للذى ببكة } أي للبيت الذي ببكة وهي علم للبلد الحرام. ~~ومكة وبكة لغتان فيه. وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد. وقيل: اشتقاقها ~~من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها، أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي ~~تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله. { مباركا } كثير الخير لما يحصل ~~للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيئات { وهدى للعلمين } ~~لأنه قبلتهم ومتعبدهم، و«مباركا وهدى» حالان من الضمير في وضع { فيه ~~ءايت بينت } علامات واضحات لا تلتبس على أحد { مقام ~~إبرهيم } عطف بيان لقوله «آيات بينات». وصح بيان الجماعة بالواحد ~~لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله ~~تعالى، ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد، ms0204 أو لاشتماله ~~على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين ~~آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء ~~عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة على أن { ومن دخله كان ءامنا ~~} عطف بيان ل «آيات» وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية من حيث المعنى ~~لأنه يدل على أمن داخله فكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام لإبراهيم وأمن ~~داخله، والاثنان في معنى الجمع. ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر ~~غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ~~وأمن داخله وكثير سواهما نحو انمحاق الأحجار مع كثرة الرماة، وامتناع ~~الطير من العلو عليه وغير ذلك، ونحوه في طي الذكر قوله عليه السلام # " حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة " # فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا، ~~والثالث مطوي وكأنه عليه السلام ترك ذكر الثالث تنبيها على أنه لم يكن ~~من شأنه أن يذكر شيئا من الدنيا فذكر شيئا هو من الدين. وقيل في سبب ~~هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عليه السلام عن رفع ~~الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. # وقيل: إنه جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه ~~السلام: إنزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه ~~الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى ~~غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه، وأمان من دخله بدعوة إبراهيم عليه ~~السلام # رب اجعل هذا البلد آمنا # [إبراهيم: 35] وكان الرجل لو جنى كل جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب. ~~وعن عمر رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. ~~ومن لزمه القتل في الحل بقود أو ردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له ~~إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر ms0205 إلى الخروج. وقيل: ~~آمنا من النار لقوله عليه السلام من # " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا من النار " # وعنه عليه السلام # " الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " # وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعنه عليه السلام # " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " # { ولله على الناس حج البيت } أي استقر له عليهم فرض ~~الحج «حج البيت»: كوفي غير أبي بكر وهو اسم وبالفتح مصدر. وقيل: هما ~~لغتان في مصدر حج { من } في موضع جر على أنه بدل البعض من الكل { ~~استطاع إليه سبيلا } فسرها النبي عليه السلام بالزاد ~~والراحلة. والضمير في «إليه» للبيت أو للحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيل ~~إليه. ولما نزل قوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت». جمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: # " إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا " # فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ~~ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل { ومن كفر } أي جحد فرضية الحج وهو قول ~~ابن عباس والحسن وعطاء، ويجوز أن يكون من الكفران أي ومن لم يشكر ما ~~أنعمت عليه من صحة الجسم وسعة الرزق ولم يحج { فإن الله غني عن ~~العالمين } مستغن عنهم وعن طاعتهم. وفي هذه الآية أنواع من التأكيد ~~والتشديد: منها اللام و «على» أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس، ومنها ~~الإبدال ففيه تثنية للمراد وتكرير له، ولأن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل ~~بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين، ومنها قوله «ومن كفر» مكان ومن ~~لم يحج تغليظا على تاركي الحج، ومنها ذكر الاستغناء وذلك دليل على المقت ~~والسخط، ومنها قوله «عن العالمين» وإن لم يقل عنه وما فيه من الدلالة على ~~الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا ~~محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط الذي وقع ~~عبارة عنه. ### || [3.98-112] # { قل يأهل الكتب ms0206 لم تكفرون بئايت الله ~~والله شهيد على ما تعملون } الواو للحال والمعنى لم ~~تكفرون بآيات الله الدالة على صدق محمد عليه السلام والحال أن الله شهيد ~~على أعمالكم فيجازيكم عليها؟! { قل يأهل الكتب لم ~~تصدون } الصد المنع { عن سبيل الله من ءامن } عن دين حق ~~علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام، وكانوا يمنعون من أراد ~~الدخول فيه بجهدهم ومحل { تبغونها } تطلبون لها نصب على الحال { ~~عوجا } اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة بتغييركم صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك { وأنتم شهداء } أنها ~~سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل { وما الله بغفل ~~عما تعملون } من الصد عن سبيله وهو وعيد شديد. ثم نهى المؤمنين ~~عن اتباع هؤلاء الصادين عن سبيله بقوله { يأيها الذين ~~ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب ~~يردوكم بعد إيمنكم كفرين } قيل: مر شاس ابن قيس ~~اليهودي على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ~~تحدثهم وتألفهم فأمر شابا من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث لعلهم يغضبون، ~~وكان يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس، ففعل فتنازع ~~القوم عند ذلك وقالوا: السلاح السلاح. فبلغ النبي عليه السلام فخرج إليهم ~~فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال # " أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم " # بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بينكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من ~~الشيطان فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا باكين فنزلت الآية { وكيف ~~تكفرون } معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجب أي من أين يتطرق إليكم ~~الكفر { وأنتم تتلى عليكم ءايت الله } والحال أن آيات ~~الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية { وفيكم ~~رسوله } وبين أظهركم رسول الله عليه السلام ينبهكم ويعظكم ويزيح عنكم ~~شبهكم { ومن يعتصم بالله } ومن يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو ~~حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم { فقد هدى ~~إلى صرط مستقيم } أرشد إلى الدين الحق، أو ومن يجعل ربه ملجأ ~~ومفزعا ms0207 عند الشبه يحفظه عن الشبه. { يأيها الذين ءامنوا ~~اتقوا الله حق تقاته } واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام ~~بالواجب والاجتناب عن المحارم. وعن عبد الله هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر ~~فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. أو هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم ~~بالقسط ولو على نفسه أو بنيه أو أبيه. وقيل: لا يتقي الله عبد حق تقاته ~~حتى يخزن لسانه. # والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد { ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت { ~~واعتصموا بحبل الله } تمكسوا بالقرآن لقوله عليه السلام # " القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من ~~قال به صدق، ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم " # { جميعا } حال من ضمير المخاطبين. وقيل: تمكسوا بإجماع الأمة دليله { ~~ولا تفرقوا } أي ولا تتفرقوا يعني ولا تفعلوا ما يكون عنه التفرق ~~ويزول معه الاجتماع، أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما ~~اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم ~~بعضا { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } ~~كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحروب فألف بين قلوبهم بالإسلام وقذف ~~في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخوانا { وكنتم على شفا ~~حفرة من النار } وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما ~~كنتم عليه من الكفر { فأنقذكم منها } بالإسلام وهو رد على ~~المعتزلة، فعندهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا الله تعالى. والضمير للحفرة ~~أو للنار أو للشفا، وأنث لإضافته إلى الحفرة. وشفا الحفرة: حرفها، ولامها ~~واو فلهذا يثنى شفوان { كذلك } مثل ذلك البيان البليغ { يبين ~~الله لكم آيته } أي القرآن الذي فيه أمر ونهي ووعد ووعيد { ~~لعلكم تهتدون } لتكونوا على رجاء الهداية أو لتهتدوا به إلى ~~الصواب وما ينال به الثواب. # { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف } بما استحسنه الشرع والعقل { وينهون عن ~~المنكر } عما استقبحه الشرع والعقل، ms0208 أو المعروف ما وافق الكتاب ~~والسنة. والمنكر ما خالفهما، أو المعروف الطاعة والمنكر المعاصي. والدعاء ~~إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك وما عطف عليه خاص. و«من» ~~للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا ~~يصلح له إلا من علم بالمعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته فإنه ~~يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب قال الله تعالى: { فأصلحوا ~~بينهما }. ثم قال: # فقتلوا # [الحجرات: 9]. أو للتبيين أي وكونوا أمة تأمرون كقوله تعالى: { كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف } { ~~وأولئك هم المفلحون } أي هم الأخصاء بالفلاح الكامل قال ~~عليه السلام # " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله ~~وخليفة كتابه " # وعن علي رضي الله عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } بالعداوة { ~~واختلفوا } في الديانة وهم اليهود والنصارى فإنهم اختلفوا وكفر ~~بعضهم بعضا { من بعد ما جاءهم البينت } الموجبة للاتفاق ~~على كلمة واحدة وهي كلمة الحق { وأولئك لهم عذاب عظيم } ~~ونصب { يوم تبيض وجوه } أي وجوه المؤمنين بالظرف وهو لهم أو ~~بعظيم أو باذكروا { وتسود وجوه } أي وجوه الكافرين. # والبياض من النور والسواد من الظلمة { فأما الذين اسودت ~~وجوههم } فيقال لهم { أكفرتم } فحذف الفاء، والقول جميعا ~~للعلم به والهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم { بعد إيمنكم } يوم ~~الميثاق فيكون المراد به جميع الكفار وهو قول أبي وهو الظاهر، أو هم ~~المرتدون أو المنافقون أي أكفرتم باطنا بعد إيمانكم ظاهرا، أو أهل ~~الكتاب، وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~اعترافهم به قبل مجيئه { فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة ~~الله } ففي نعمته وهي الثواب المخلد. ثم استأنف فقال { هم فيها ~~خلدون } لا يظعنون عنها ولا يموتون. { تلك آيت الله } ~~الواردة في الوعد والوعيد وغير ذلك { نتلوها عليك } ملتبسة { ~~بالحق } والعدل من جزاء المحسن والمسيء { وما الله يريد ~~ظلما للعلمين } أي لا يشاء أن يظلم هو ms0209 عباده فيأخذ أحدا بغير ~~جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن { ولله ما فى ~~السموت وما فى الأرض وإلى الله ترجع الأمور } ~~فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. «ترجع». شامي وحمزة وعلي. كان ~~عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، ولا دليل فيه على ~~عدم سابق ولا على انقطاع طارىء ومنه قوله. # { كنتم خير أمة } كأنه قيل: وجدتم خير أمة أو كنتم في علم ~~الله أو في اللوح خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة ~~موصوفين به { أخرجت } أظهرت { للناس } اللام يتعلق ب «أخرجت» { ~~تأمرون } كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما تقول «زيد كريم يطعم ~~الناس ويكسوهم» بينت بالإطعام والإلباس وجه الكرم فيه { بالمعروف } ~~بالإيمان وطاعة الرسول { وتنهون عن المنكر } عن الكفر وكل ~~محظور { وتؤمنون بالله } وتدومون على الإيمان به أو لأن الواو ~~لا تقتضي الترتيب { ولو ءامن أهل الكتب } بمحمد عليه ~~السلام { لكان خيرا لهم } لكان الإيمان خيرا لهم مما هم فيه ~~لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العوام، ~~ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما ~~آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوا على الإيمان به من إيتاء ~~الأجر مرتين { منهم المؤمنون } كعبد الله بن سلام وأصحابه { ~~وأكثرهم الفسقون } المتمردون في الكفر. # { لن يضروكم إلا أذى } إلا ضررا مقتصرا على أذى بقول من ~~طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك { وإن يقتلوكم يولوكم ~~الأدبار } منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر { ثم لا ينصرون } ~~ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم، وفيه تثبيت لمن أسلم منهم ~~لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم وهو ابتداء إخبار معطوف على جملة ~~الشرط والجزاء وليس بمعطوف على «يولوكم» إذ لو كان معطوفا عليه لقيل ثم ~~لا ينصروا، وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أم لم يقاتلوا، ~~وتقدير الكلام: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم ms0210 لا ~~ينصرون. # و«ثم» للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من ~~الإخبار بتوليتهم الأدبار. # { ضربت } ألزمت { عليهم الذلة } أي على اليهود { أين ~~ما ثقفوا } وجدوا { إلا بحبل من الله } في محل النصب ~~على الحال، والباء متعلق بمحذوف تقديره إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من ~~الله { وحبل من الناس } والحبل العهد والذمة، والمعنى ضربت ~~عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني ~~ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم ~~إلى الذمة لما قبلوه من الجزية { وباءو بغضب من الله } ~~استوجبوه { وضربت عليهم المسكنة } الفقر عقوبة لهم على ~~قولهم # إن الله فقير ونحن أغنياء # [آل عمران: 181] أو خوف الفقر مع قيام اليسار { ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بئايت الله ويقتلون الأنبياء ~~بغير حق } ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء ~~بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق. ~~ثم قال { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } أي ذلك الكفر ~~وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده. ### || [3.113-122] # { ليسوا سواء } ليس أهل الكتاب مستوين { من أهل ~~الكتب } كلام مستأنف لبيان قوله «ليسوا سواء» كما وقع قوله { ~~تأمرون بالمعروف } بيانا لقوله «كنتم خير أمة» { أمة ~~قائمة } جماعة مستقيمة عادلة من قولك «أقمت العود فقام» أي استقام وهم ~~الذين أسلموا منهم { يتلون ءايت الله } القرآن { ءانآء ~~اليل } ساعاته واحدها «إنى» كمعي أو «إنو» كقنو أو «إنى» ك «نحى». # { وهم يسجدون } يصلون. قيل: يريد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا ~~يصلونها. وقيل: عبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود { ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف ~~} بالإيمان وسائر أبواب البر { وينهون عن المنكر } عن الكفر ~~ومنهيات الشرع { ويسرعون فى الخيرت } يبادرون إليها خشية ~~الفوت. وقوله: «يتلون» و«يؤمنون» في محل الرفع صفتان لأمة أي أمة قائمة ~~تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ~~ساجدين ومن الإيمان بالله، ms0211 لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيرا ~~وكفرهم ببعض الكتب والرسل ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف ~~صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين، ومن ~~المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها، ~~والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به ~~{ وأولئك } الموصوفون بما وصفوا به { من الصلحين } من ~~المسلمين أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم { ~~وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } بالياء فيهما كوفي ~~غير أبي بكر وأبو عمرو. مخير غيرهم بالتاء. وعدي «يكفروه» إلى مفعولين ~~وإن كان شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول شكر النعمة وكفرها ~~لتضمنه معنى الحرمان كأنه قيل: فلن تحرموه أي فلن تحرموا جزاءه { ~~والله عليم بالمتقين } بشارة للمتقين بجزيل الثواب. # { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أمولهم ولا ~~أولدهم من الله شيئا } أي من عذاب الله { وأولئك ~~أصحب النار هم فيها خلدون *مثل ما ينفقون ~~فى هذه الحيوة الدنيا } في المفاخر والمكارم وكسب الثناء ~~وحسن الذكر بين الناس أو ما يتقربون به إلى الله مع كفرهم { كمثل ~~ريح } كمثل مهلك ريح وهو الحرث أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح ~~{ فيها صر } برد شديد عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو مبتدأ وخبر في ~~موضع جر صفة ل «ريح» مثل { أصابت حرث قوم ظلموا ~~أنفسهم } بالكفر { فأهلكته } عقوبة على كفرهم { وما ~~ظلمهم الله } بإهلاك حرثهم { ولكن أنفسهم يظلمون ~~} بارتكاب ما استحقوا به العقوبة، أو يكون الضمير للمنفقين أي وما ظلمهم ~~الله بأن لم يقبل نفقاتهم ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها لائقة ~~للقبول. # ونزل نهيا للمؤمنين عن مصافات المنافقين { يأيها الذين ~~ءامنوا لا تتخذوا بطانة } بطانة الرجل ووليجته خصيصه ~~وصفيه شبه ببطانة الثوب كما يقال «فلان شعاري» وفي الحديث # " الأنصار شعار والناس دثار " # { من دونكم } من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون وهو صفة لبطانة أي ~~بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم { لا يألونكم ms0212 خبالا } في موضع ~~النصب صفة لبطانة يعني لا يقصرون في فساد دينكم يقال «ألا في الأمر يألو» ~~إذا قصر فيه، والخبال الفساد. وانتصب «خبالا» على التمييز أوعلى حذف في ~~أي في خبالكم { ودوا ما عنتم } أي عنتكم ف «ما» مصدرية. ~~والعنت شدة الضرر والمشقة أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر ~~وأبلغه، وهو مستأنف على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة كقوله { قد ~~بدت البغضاء من أفوههم } لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم ~~أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضه للمسلمين { وما تخفى ~~صدورهم } مع البغض لكم { أكبر } مما بدا { قد بينا ~~لكم الآيت } الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء ~~الله ومعاداة أعدائه { إن كنتم تعقلون } ما بين لكم. # { هاأنتم أولاء } «ها» للتنبيه و«أنتم» مبتدأ و«أولاء» خبره أي ~~أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافي أهل الكتاب { تحبونهم ولا ~~يحبونكم } بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل ~~البغضاء، أو أولاء موصول صلته «تحبونهم». والواو في { وتؤمنون ~~بالكتب كله } للحال وانتصابها من «لا يحبونكم» أي لا يحبونكم ~~والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم ~~وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطلهم أصلب ~~منكم في حقكم. وقيل: الكتاب للجنس. { وإذا لقوكم قالوا ~~ءامنا } أظهروا كلمة التوحيد { وإذا خلوا } فارقوكم أو خلا ~~بعضهم ببعض { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } يوصف ~~المغتاظ والنادم بعض الأنامل والبنان والإبهام { قل موتوا ~~بغيظكم } دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد ~~بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله ومالهم في ذلك من ~~الذل والخزي { إن الله عليم بذات الصدور } فهو يعلم ما ~~في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء وما يكون منهم في حال خلو بعضهم ~~ببعض، وهو داخل في جملة المقول أي أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل ~~غيظا إذا خلوا وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو ~~مضمرات الصدور، فلا تظنوا أن ms0213 شيئا من أسراركم يخفى عليه أو خارج عن ~~المقول، أي قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون ~~فإني أعلم بما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم { إن ~~تمسسكم حسنة } رخاء وخصب وغنيمة ونصرة { تسؤهم } تحزنهم ~~إصابتها { وإن تصبكم سيئة } أضداد ما ذكرنا. # والمس مستعار من الإصابة فكأن المعنى واحد، ألا ترى إلى قوله تعالى: # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة # [التوبة: 50] { يفرحوا بها } بإصابتها { وإن تصبروا } على ~~عداوتهم { وتتقوا } ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو وإن تصبروا على ~~تكاليف الدين ومشاقه وتتقوا الله في اجتنابكم محارمه { لا يضركم ~~كيدهم شيئا } مكرهم وكنتم في حفظ الله، وهذا تعليم من الله ~~وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقال الحكماء: إذا ~~أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك. { لا يضركم }:مكي ~~وبصري ونافع من ضاره يضيره بمعنى ضره وهو واضح. والمشكل قراءة غيرهم لأنه ~~جواب الشرط وجواب الشرط مجزوم فكان ينبغي أن يكون بفتح الراء كقراءة ~~المفضل عن عاصم، إلا أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد نحو «مد يا هذا» { ~~إن الله بما يعملون } بالتاء: سهل أي من الصبر والتقوى ~~وغيرهما { محيط } ففاعل بكم ما أنتم أهله. وبالياء: غيره أي أنه عالم ~~بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه. # { وإذ غدوت من أهلك } واذكر يا محمد إذ خرجت غدوة من أهلك ~~بالمدينة، والمراد غدوة من حجرة عائشة رضي الله عنها إلى أحد { تبوىء ~~المؤمنين } تنزلهم وهو حال { مقاعد للقتال } مواطن ومواقف ~~من الميمنة والميسرة والقلب والجناحين والساقة. و«للقتال» يتعلق ب ~~«تبوىء» { والله سميع عليم } سميع لأقوالكم عليم بنياتكم ~~وضمائركم. روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبي فاستشاره فقال: أقم ~~بالمدينة فما خرجنا على عدو قط إلا أصاب منا، وما دخلوا علينا إلا أصبنا ~~منهم. فقال عليه السلام: # " إني رأيت في منامي بقرا مذبحة حولي فأولتها خيرا، ms0214 ورأيت في ذباب ~~سيفي ثلمة فأولتها هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها ~~المدينة، فلم يزل به قوم ينشطون في الشهادة حتى لبس لأمته ثم ندموا " # فقالوا: الأمر إليك يا رسول الله فقال عليه السلام # " لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل " # فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال { ~~إذ همت } بدل من «إذ غدوت» أو عمل فيه معنى «عليم» { طائفتان ~~منكم } خيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس. ~~وكان عليه السلام خرج إلى أحد في ألف، والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم ~~الفتح إن صبروا فانخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: علام نقتل ~~أنفسنا وأولادنا؟ فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله { ~~أن تفشلا } أي بأن تفشلا أي بأن تجبنا وتضعفا والفشل الجبن والخور { ~~والله وليهما } محبهما أو ناصرهما أو متولي أمرهما فما لهما ~~تفشلان ولا تتوكلان على الله { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } أمرهم بأن لا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوضوا أمورهم إلا ~~إليه. # قال جابر: والله ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله ~~بأنه ولينا. ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم ~~بدر وهم في حال قلة وذلة فقال: ### || [3.123-147] # { ولقد نصركم الله ببدر } وهو اسم ماء بين مكة والمدينة ~~كان لرجل يسمى بدرا فسمي به، أو ذكر بدرا بعد أحد للجمع بين الصبر ~~والشكر. { وأنتم أذلة } لقلة العدد فإنهم كانوا ثلثمائة وبضعة ~~عشر، وكان عدوهم زهاء ألف مقاتل والعدد، فإنهم خرجوا على النواضح يعتقب ~~النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد، ومع عدوهم مائة ~~فرس والشكة والشوكة. وجاء بجمع القلة وهو «أذلة» ليدل على أنهم على ذلتهم ~~كانوا قليلا «فاتقوا الله» في الثبات مع رسوله { لعلكم ~~تشكرون } بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من النصر { إذ تقول ~~للمؤمنين } ظرف ل «نصركم» على أن يقول لهم ذلك يوم ms0215 بدر أي نصركم ~~الله وقت مقالتكم هذه، أو بدل ثان من «إذ غدوت» على أن تقول لهم ذلك يوم ~~أحد { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~ءالاف من الملئكة منزلين } «منزلين» شامي. «منزلين» ~~أبو حيوة أي للنصرة. ومعنى «ألن يكفيكم» إنكار أن لا يكفيهم الإمداد ~~بثلاثة آلاف من الملائكة، وجيء ب «لن» الذي هو لتأكيد النفي للإشعار ~~بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر { ~~بلى } إيجاب لما بعد« لن» أي يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية. ثم ~~قال { إن تصبروا } على القتال { وتتقوا } خلاف الرسول عليه ~~السلام { ويأتوكم } يعني المشركين { من فورهم هذا } هو ~~من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم سميت بها الحالة التي لا ريث ~~بها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل «خرج من فوره» كما تقول «من ساعته ~~لم يلبث» ومنه قول الكرخي «الأمر المطلق على الفور لا على التراخي» ~~والمعنى إن يأتوكم من ساعتهم هذه { يمددكم ربكم بخمسة ~~ءالاف من الملئكة } في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن ~~إتيانهم يعني أن الله تعالى يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم { ~~مسومين } بكسر الواو: مكي وأبو عمر وعاصم وسهل أي معلمين أنفسهم أو ~~خيلهم بعلامة يعون بها في الحرب. والسومة العلامة. عن الضحاك: معلمين ~~بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها. غيرهم: بفتح الواو أي معلمين. ~~قال الكلبي: معلين بعمائم صفر مرخاة على اكتافهم، وكانت عمامة الزبير يوم ~~بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك. قال قتادة: نزلت ألفا فصاروا ثلاثة آلاف ~~ثم خمسة آلاف { وما جعله الله } الضمير يرجع إلى الإمداد الذي ~~دل عليه «أن يمدكم» { إلا بشرى لكم } أي وما جعل الله إمدادكم ~~بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون { ولتطمئن قلوبكم ~~به } كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم { ~~وما النصر إلا من عند الله } لا من عند المقاتلة ولا من ~~عند الملائكة ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة { ~~العزيز } الذي لا يغالب في أحكامه { الحكيم } الذي ms0216 يعطي النصر ~~لأوليائه ويبتليهم بجهاد أعدائه. # واللام في { ليقطع طرفا من الذين كفروا } ليهلك طائفة ~~منهم بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء ~~قريش متعلقه بقوله: «ولقد نصركم الله». أو بقوله: «وما النصر إلا من عند ~~الله». أو ب «يمددكم ربكم» { أو يكبتهم } أو يخزيهم ويغيظهم ~~بالهزيمة، وحقيقة الكبت شدة وهن تقع في القلب فيصرع في الوجه لأجله { ~~فينقلبوا خائبين } فيرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم { ليس لك ~~من الأمر شىء } اسم ليس «شيء» والخبر «لك» و«من الأمر» حال من ~~«شيء» لأنها صفة مقدمة { أو يتوب عليهم } عطف على «ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا أو يكبتهم» و«وليس لك من الأمر شيء» اعتراض بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو ~~يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا { أو يعذبهم } إن أصروا على ~~الكفر وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. وعن ~~الفراء «أو» بمعنى «حتى». وعن ابن عيسى بمعنى إلا أن كقولك لألزمنك أو ~~تعطيني حقي أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم ~~أو يعذبهم فتتشفى منهم. وقيل: أراد أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه ~~أن فيهم من يؤمن { فإنهم ظلمون } مستحقون للتعذيب. # { ولله ما فى السموات وما في الأرض } أي الأمر له لا ~~لك لأن ما في السموات وما في الأرض ملكه { يغفر لمن يشاء } ~~للمؤمنين { ويعذب من يشاء } الكافرين { والله غفور ~~رحيم * يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا ~~أضعفا مضعفة } «مضعفة» مكي وشامي. هذا نهي عن الربا مع ~~التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله ~~يقول: إما أن تقضي حقي أو تربي وتزيد في الأجل { واتقوا الله } ~~في أكله { لعلكم تفلحون * واتقوا النار التى ~~أعدت للكفرين } كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: هي أخوف ~~آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم ~~يتقوه في اجتناب محارمه، ms0217 وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين ~~لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله { وأطيعوا الله ~~والرسول لعلكم ترحمون } وفيه رد على المرجئة في قولهم ~~«لا يضر مع الإيمان ذنب ولا يعذب بالنار أصلا» وعندنا غير الكافرين من ~~العصاة قد يدخلها ولكن عاقبة أمره الجنة. وفي ذكره تعالى «لعل» و «عسى» ~~في نحو هذه المواضع وإن قال أهل التفسير إن «لعل» و «عسى» من الله ~~للتحقيق، ما لا يخفى على العارف من دقة مسلك التقوى وصعوبة إصابة رضا ~~الله تعالى وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه. # { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة } ~~«سارعوا»: مدني وشامي. فمن أثبت الواو عطفها على ما قبلها، ومن حذفها ~~استأنفها. ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يوصل ~~إليهما. ثم قيل: هي الصلوات الخمس أو التكبيرة الأولى، أو الطاعة، أو ~~الإخلاص، أو التوبة، أو الجمعة والجماعات. { عرضها السموات ~~والأرض } أي عرضها عرض السماوات والأرض كقوله: # عرضها كعرض السماء والأرض # [الحديد: 21]. والمراد وصفها بالسعة والبسط فشبهت بأوسع ما علمه الناس ~~من خلقه وأبسطه. وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وما ~~روي أن الجنة في السماء السابعة أو في السماء الرابعة فمعناه انها في ~~جهتها لا أنها فيها أو في بعضها كما يقال في الدار بستان وإن كان يزيد ~~عليها لأن المراد أن بابه إليها { أعدت } في موضع جر صفة ل «جنة» ~~أيضا أي جنة واسعة معدة { للمتقين } ودلت الآيتان على أن الجنة ~~والنار مخلوقتان. ثم المتقي من يتقي الشرك كما قال # وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت ~~للذين ءامنوا بالله ورسله # [الحديد: 21] أو من يتقي المعاصي فإن كان المراد الثاني فهي لهم بغير ~~عقوبة، وإن كان الأول فهي لهم أيضا في العاقبة، ويوقف عليه إن جعل { ~~الذين ينفقون فى السراء والضراء } في حال اليسر ~~والعسر مبتدأ وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» وجعل الخبر «أولئك». ~~وإن جعل ms0218 وصفا للمتقين وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» أي أعدت ~~للمتقين والتائبين فلا وقف. فإن قلت: الآية تدل على أن الجنة معدة ~~للمتقين والتائبين دون المصرين. قلت: جاز أن تكون معدة لهما ثم يدخلها ~~بفضل الله وعفوه غيرهما كما يقال «أعدت هذه المائدة للأمير» ثم قد يأكلها ~~أتباعه. ألا ترى أنه قال # واتقوا النار التى أعدت للكفرين # [آل عمران:131] ثم قد يدخلها غير الكافرين بالاتفاق، وافتتح بذكر ~~الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك ~~الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين. ~~وقيل: المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة { ~~والكظمين الغيظ } والممسكين الغيظ عن الإمضاء يقال كظم ~~القربة إذا امتلأها وشد فاها، ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه ~~منه بالصبر ولا يظهر له أثرا. والغيظ: توقد حرارة القلب من الغضب، وعن ~~النبي عليه السلام # " من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا " # { والعفين عن الناس } أي إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي # " ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا ~~من عفا " # وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه { والله ~~يحب المحسنين } اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء ~~المذكورون، أو للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء. عن الثوري: الإحسان أن تحسن ~~إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة. # { والذين إذا فعلوا فحشة } فعلة متزايدة القبح، ويجوز ~~أن يكون و«والذين» مبتدأ خبره «أولئك» { أو ظلموا أنفسهم } ~~قيل: الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، أو الفاحشة الزنا وظلم النفس ~~القبلة واللمسة ونحوهما { ذكروا الله } بلسانهم أو بقلوبهم ~~ليبعثهم على التوبة { فاستغفروا لذنوبهم } فتابوا عنها ~~لقبحهما نادمين. قيل: بكى إبليس حين نزلت هذه الآية { ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله } «من» مبتدأ و«يغفر» خبره، وفيه ضمير يعود ~~إلى «من» و«إلا الله» بدل من الضمير في «يغفر» والتقدير: ولا أحد يغفر ~~الذنوب ms0219 إلا الله، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وفيه ~~تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، ~~وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلت فإن ~~عفوه أجل وكرمه أعظم. { ولم يصروا على ما فعلوا } ولم ~~يقيموا على قبيح فعلهم والإصرار الإقامة قال عليه السلام # " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " # وروي # " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " # { وهم يعلمون } حال من الضمير في «ولم يصروا» أي وهم يعلمون ~~أنهم أساؤوا، أو وهم يعلمون أنه لا يغفر ذنوبهم إلا الله { أولئك ~~} الموصوفون { جزاؤهم مغفرة من ربهم } بتوبته { ~~وجنت } برحمته { تجرى من تحتها الأنهر خلدين ~~فيها ونعم أجر العملين } المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم ~~أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات، نزلت في تمار قال لامرأة تريد ~~التمر: في بيتي تمر أجود، فأدخلها بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فندم. أو ~~في أنصاري استخلفه ثقفي وقد آخى بينهما النبي عليه السلام في غيبة غزوة ~~فأتى أهله لكفاية حاجة فرآها فقبلها فندم فساح في الأرض صارخا فاستعتبه ~~الله تعالى. { قد خلت } مضت { من قبلكم سنن } يريد ما سنه ~~الله تعالى في الأمم المكذبين من وقائعه { فسيروا فى الأرض ~~فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } فتعتبروا بها هذا ~~أي القرآن أو ما تقدم ذكره { بيان للناس وهدى } أي إرشاد { ~~وموعظة } ترغيب وترهيب { للمتقين } عن الشرك { ولا ~~تهنوا } ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة { ولا ~~تحزنوا } على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح، وهو ~~تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية لقلوبهم { ~~وأنتم الأعلون } وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم ~~يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو وأنتم الأعلون بالنصر والظفر ~~في العاقبة وهي بشارة لهم بالعلو والغلبة وإن جندنا لهم الغالبون، أو ~~وأنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته وقتا لهم للشيطان ~~ولإعلاء كلمة الكفر، أو لأن ms0220 قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار { إن ~~كنتم مؤمنين } متعلق بالنهي أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم يعني أن ~~صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وقلة المبالاة بأعدائه، أو ~~ب «الأعلون» أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله به ويبشركم به من الغلبة. # { إن يمسسكم قرح } بضم القاف حيث كان: كوفي غير حفص. ويفتح ~~القاف: غيرهم. وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: بالفتح الجراحة وبالضم ~~ألمها { فقد مس القوم قرح مثله } أي إن نالوا منكم يوم ~~أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن ~~معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا { وتلك } مبتدأ { ~~الأيام } صفته والخبر { نداولها } نصرفها { بين الناس } ~~أي نصرف ما فيها من النعم والنقم نعطي لهؤلاء تارة وطورا لهؤلاء كبيت ~~الكتاب: # فيوما علينا ويوما لنا # ويوما نساء ويوما نسر # { وليعلم الله الذين ءامنوا } أي نداولها لضروب من ~~التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم ~~قبل الوجود { ويتخذ منكم شهداء } وليكرم ناسا منكم ~~بالشهادة يريد المستشهدين يوم أحد، أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على ~~الأمم يوم القيامة من قوله # لتكونوا شهداء على الناس # [البقرة: 143] { والله لا يحب الظلمين } اعتراض بين بعض ~~التعليل وبعض، ومعناه والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان ~~المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون { وليمحص الله ~~الذين ءامنوا } التمحيص: التطهير والتصفية { ويمحق ~~الكفرين } ويهلكهم يعني إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز ~~والاستشهاد والتمحيص، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم } # { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } «أم» منقطعة ومعنى ~~الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا { ولما يعلم الله الذين ~~جهدوا منكم } أي ولما تجاهدون لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل ~~نفي العلم منزلة نفي متعلقة لأنه منتف بانتفائه، تقول: ما علم الله في ~~فلان خيرا أي ما فيه خير حتى يعلمه. و«لما» بمعنى «لم» إلا أن فيه ضربا ~~من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل ms0221 { ~~ويعلم الصبرين } نصب بإضمار «أن» والواو بمعنى الجمع نحو «لا ~~تأكل السمك وتشرب اللبن»، أو جزم للعطف على «يعلم الله»، وإنما حركت ~~الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها. # { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } ~~خوطب به الذين لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهدا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لينالوا كرامة الشهادة، وهم الذين ألحوا على ~~رسول الله في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، يعني ~~وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته { فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون } أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم ~~بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما ~~تسببوا له من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحهم عليه، ثم ~~انهزامهم عنه. وإنما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ~~ما يتضمنه من غلبة الكفار كمن شرب الدواء من طبيب نصراني فإن قصده حصول ~~الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو الله وتنفيقا لصناعته. ~~لما رمى ابن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته أقبل ~~يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة ~~وهو يرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلت محمدا وخرج صارخ ~~قيل هو الشيطان ألا إن محمدا قد قتل. ففشا في الناس خبر قتله فانكفئوا ~~وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: # " إلي عباد الله " # حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله ~~فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فولينا مدبرين فنزل { وما ~~محمد إلا رسول قد خلت } مضت { من قبله الرسل } ~~فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فعليكم ~~أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة ~~وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه { أفإين مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقبكم } الفاء معلقة للجملة ms0222 الشرطية ~~بالجملة التي قبلها على معنى التسبيب، والهمزة لأنكار أن يجعلوا خلو ~~الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل مع علمهم ~~أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين ~~محمد عليه السلام لا للانقلاب عنه، والانقلاب على العقبين مجاز عن ~~الارتداد أو عن الانهزام { ومن ينقلب على عقبيه فلن ~~يضر الله شيئا } وإنما ضر نفسه { وسيجزى الله ~~الشكرين } الذين لم ينقلبوا، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة ~~الإسلام فيما فعلوا. # { وما كان } وما جاز { لنفس أن تموت إلا بإذن الله ~~} أي بعلمه أو بأن يأذن ملك الموت في قبض روحه، والمعنى أن موت الأنفس ~~محال أن يكون إلا بمشيئة الله، وفيه تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء ~~العدو، وإعلام بأن الحذر لا ينفع، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن ~~خاض المهالك واقتحم المعارك { كتبا } مصدر مؤكد لأن المعنى كتب ~~الموت كتابا { مؤجلا } مؤقتا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر { ~~ومن يرد } بقتاله { ثواب الدنيا } أي الغنيمة وهو تعريض ~~بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد { نؤته منها } من ثوابها { ومن ~~يرد ثواب الآخرة } أي إعلاء كلمة الله والدرجة في الآخر { ~~نؤته منها وسنجزى الشكرين } وسنجزي الجزاء المبهم ~~الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد. # { وكأين } أصله أي دخل عليه كاف التشبيه وصارا في معنى «كم» التي ~~للتكثير. وكائن بوزن كاع حيث كان: مكي { من نبى قاتل } «قتل»: ~~مكي وبصري ونافع. { معه } حال من الضمير في قتل أي قتل كائنا معه { ~~ربيون كثير } والربيون الربانيون. وعن الحسن بضم الراء وعن ~~البعض بفتحها، فالفتح على القياس لأنه منسوب إلى الرب، والضم والكسر من ~~تغييرات النسب { فما وهنوا } فما فتروا عند قتل نبيهم { لما ~~أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا } عن الجهاد بعده { ~~وما استكانوا } وما خضعوا لعدوهم، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن ~~عند الإرجاف بقتل رسول الله عليه السلام واستكانتهم لهم حيث أرادوا أن ~~يعتضدوا بابن أبي في طلب ms0223 الأمان من أبي سفيان { والله يحب ~~الصبرين } على جهاد الكافرين. # { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا } أي وما كان قولهم إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب إلى ~~أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما لها { وإسرافنا فى أمرنا } ~~تجاوزنا حد العبودية { وثبت أقدامنا } في القتال { وانصرنا ~~على القوم الكفرين } بالغلبة. وقدم الدعاء بالاستغفار من ~~الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء، لأنه ~~أقرب إلى الإجابة لما فيه من الخضوع والاستكانة. ### || [3.148-156] # { فئاتهم الله ثواب الدنيا } أي النصرة والظفر والغنيمة ~~{ وحسن ثواب الآخرة } المغفرة والجنة. وخص بالحسن دلالة على ~~فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عنده { والله يحب المحسنين ~~} أي هم محسنون والله يحبهم. { يأيها الذين ءامنوا إن ~~تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقبكم } ~~يرجعوكم إلى الشرك { فتنقلبوا خسرين } قيل: هو عام في جميع ~~الكفار وعلى المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء حتى لا يستجروهم ~~إلى موافقتهم. وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم ~~يردوكم إلى دينهم. وقال علي رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين ~~للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم { بل ~~الله مولكم } ناصركم فاستغنوا عن نصرة غيره { وهو خير ~~النصرين * سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } ~~«الرعب» شامي وعلي وهما لغتان. قيل: قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم ~~أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة { بما أشركوا ~~بالله } بسبب إشراكهم أي كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم ~~إشراكهم به { ما لم ينزل به سلطنا } آلهة لم ينزل الله ~~بإشراكها حجة، ولم يرد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم لأن الشرك لا ~~يستقيم أن تقوم عليه حجة، وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جميعا كقوله: # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي ليس بها ضب فينجحر، ولم يعن أن بها ضبا ولا ينجحر { ومأواهم } ~~مرجعهم { النار وبئس مثوى الظلمين } النار فالمخصوص ~~بالذم محذوف. # ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ms0224 أصحابه إلى المدينة قال ناس ~~من أصحابه، من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل { ولقد ~~صدقكم الله وعده } أي حقق { إذ تحسونهم } تقتلونهم ~~قتلا ذريعا. وعن ابن عيسى: حسه أبطل حسه بالقتل { بإذنه } بأمره ~~وعلمه { حتى إذا فشلتم } جبنتم { وتنزعتم فى ~~الأمر } أي اختلفتم { وعصيتم } أمر نبيكم بترككم المركز ~~واشتغالكم بالغنيمة { من بعد مآ أراكم ما تحبون } من ~~الظفر وقهر الكفار. ومتعلق «إذا» محذوف تقديره حتى إذا فشلتم منعكم نصره، ~~وجاز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم { منكم من ~~يريد الدنيا } أي الغنيمة وهم الذين تركوا المركز لطلب الغنيمة. ~~روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة ~~وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت ~~الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم ~~والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يقتلونهم. # حتى إذا فشلوا وتنازعوا فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا ~~هاهنا، فادخلوا عسكر المسلمين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم، وقال بعضهم: لا ~~تخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ثبت مكانه عبد الله بن ~~جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله { ومنكم من ~~يريد الأخرة } فكر المشركون على الرماة وقتلوا عبد الله ابن جبير ~~وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو قوله { ثم ~~صرفكم عنهم } أي كف معونته عنكم فغلبوكم { ليبتليكم } ~~ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر ~~لأنه يجازي على ما يعمله العبد لا على ما يعلمه منه { ولقد عفا ~~عنكم } حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { والله ذو فضل على المؤمنين } بالعفو عنهم وقبول ~~توبتهم، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم، ~~لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة. وانتصب. # { إذ تصعدون } تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض، والإصعاد الذهاب ~~في صعيد الأرض أو ms0225 الإبعاد فيه بصرفكم، أو بقوله «ليبتليكم» أو بإضمار ~~«اذكروا» { ولا تلوون على أحد } ولا تلتفون وهو عبارة عن غاية ~~انهزامهم وخوف عدوهم { والرسول يدعوكم } يقول # " إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة " # والجملة في موضع الحال { فى أخراكم } في ساقتكم وجماعتكم الأخرى ~~وهي المتأخرة. يقال جئت في آخر الناس وأخرهم كما تقول في أولهم وأولاهم ~~بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى { فأثبكم } عطف على «صرفكم» أي ~~فجازاكم الله { غما } حين صرفكم عنهم وابتلاكم { بغم } بسبب غم ~~أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم أمره أو غما مضاعفا، ~~غما بعد غم وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ~~عليه السلام والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر { ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } لتتمرنوا على تجرع الغموم ~~فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع { ولا ما أصبكم } ولا ~~على مصيب من المضار { والله خبير بما تعملون } عالم بعملكم ~~لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية. { ~~ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } ثم ~~أنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا ~~وغلبهم النوم. عن أبي طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط ~~من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه. والأمنة الأمن، و«نعاسا» بدل من ~~«أمنة» أو هو مفعول و«أمنة» حال منه مقدمة عليه نحو «رأيت راكبا رجلا» ~~والأصل أنزل عليكم نعاسا ذا أمنة إذ النعاس ليس هو الأمن، ويجوز أن يكون ~~«أمنة» مفعولا له أو حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع ~~آمن كبار وبررة { يغشى } يعني النعاس. # «تغشى» بالتاء والإمالة: حمزة وعلي أي الأمنة { طائفة منكم } هم ~~أهل الصدق واليقين { وطائفة } هم المنافقون { قد أهمتهم ~~أنفسهم } ما يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها لا هم الدين ولا هم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين رضوان الله عليهم { يظنون ~~بالله غير الحق } في حكم المصدر أي يظنون ms0226 بالله غير الظن الحق ~~الذي يجب أن يظن به وهو أن لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم { ظن ~~الجهلية } بدل منه والمراد الظن المختص بالملة الجاهلية، أو ظن ~~أهل الجاهلية أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله { ~~يقولون هل لنا من الأمر من شىء } هل لنا معاشر المسلمين ~~من أمر الله نصيب قط يعنون النصر والغلبة على العدو { قل إن ~~الأمر } أي النصر والغلبة { كله لله } ولأوليائه المؤمنين # وإن جندنا لهم الغلبون # [الصافات: 173] «كله» تأكيد للأمر و«لله» خبر «أن» «كله» بصري وهو مبتدأ ~~و«لله» خبره والجملة خبر «إن» { يخفون فى أنفسهم ما لا ~~يبدون لك } خوفا من السيف { يقولون } في أنفسهم أو بعضهم لبعض ~~منكرين لقولك لهم «إن الأمر كله لله» { لو كان لنا من الأمر ~~شىء ما قتلنا ههنا } أي لو كان الأمر كما قال محمد # " إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون " # لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة. «قد أهمتهم» ~~صفة ل «طائفة» و«يظنون» خبر ل «طائفة» أو صفة أخرى، أو حال أي قد ~~أهمتهم أنفسهم ظانين. و«يقولون» بدل من «يظنون» و«يخفون» حال من «يقولون» ~~و«قل إن الأمر كله لله» اعتراض بين الحال وذي الحال و«يقولون» بدل من ~~«يخفون» أو استئناف { قل لو كنتم فى بيوتكم } أي من علم ~~الله منه أنه يقتل في هذه المعركة وكتب ذلك في اللوح لم يكن به من وجوده، ~~فلو قعدتم في بيوتكم { لبرز } من بينكم { الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم } مصارعهم بأحد ليكون ما علم ~~الله أنه يكون، والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين ~~وكتب مع ذلك أنهم الغالبون لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين ~~الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم ~~{ وليبتلى الله ما فى صدوركم وليمحص ما فى ~~قلوبكم } وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ويمحص ما في ~~قلوبهم من وساوس الشيطان ms0227 فعل ذلك. # أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص { والله عليم بذات ~~الصدور } بخفياتها. # { إن الذين تولوا منكم } انهزموا { يوم التقى ~~الجمعان } جمع محمد عليه السلام وجمع أبي سفيان للقتال بأحد { ~~إنما استزلهم الشيطن } دعاهم إلى الزلة وحملهم عليها { ~~ببعض ما كسبوا } بتركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالثبات فيه فالإضافة إلى الشيطان لطف وتقريب والتعليل بكسبهم ~~وعظ وتأديب. وكان أصحاب محمد عليه السلام تولوا عنه يوم أحد إلا ثلاثة ~~عشر رجلا منهم أبو بكر وعلي وطلحة وابن عوف وسعد بن أبي وقاص والباقون ~~من الأنصار { ولقد عفا الله عنهم } تجاوز عنهم { إن ~~الله غفور } للذنوب { حليم } لا يعاجل بالعقوبة { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا } كابن أبي ~~وأصحابه { وقالوا لإخونهم } أي في حق إخوانهم في النسب أو في ~~النفاق { إذا ضربوا فى الأرض } سافروا فيها للتجارة أو غيرها { ~~أو كانوا غزى } جمع غاز كعاف وعفى وأصابهم موت أو قتل { لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ~~ذلك حسرة فى قلوبهم } اللام يتعلق ب «لا تكونوا» أي لا ~~تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل الله ذلك حسرة في ~~قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم، أو ب «قالوا» أي قالوا ذلك واعتقدوه ~~ليكون ذلك حسرة في قلوبهم والحسرة الندامة على فوت المحبوب { والله ~~يحيى ويميت } رد لقولهم «إن القتال يقطع الآجال» أي الأمر بيده قد ~~يحيي المسافر والمقاتل. ويميت المقيم والقاعد { والله بما ~~تعملون بصير } فيجازيكم على أعمالكم. «يعملون» مكي وحمزة وعلي أي ~~الذين كفروا. ### || [3.157-170] # { ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم } متم وبابه ~~بالكسر: نافع وكوفي غير عاصم، تابعهم حفص إلا في هذه السورة كأنه أراد ~~الوفاق بينه وبين قتلتم. غيرهم: بضم الميم في جميع القرآن، فالضم من مات ~~يموت، والكسر من مات يمات كخاف يخاف فكما تقول خفت تقول مت { ~~لمغفرة من الله خير مما يجمعون } «ما» بمعنى ~~«الذي» والعائد محذوف وبالياء: حفص { ولئن متم أو قتلتم ~~لإلى الله تحشرون ms0228 } لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم ~~الثواب تحشرون. ولوقوع اسم الله في هذا الموضع مع تقديمه وإدخال اللام ~~على الحرف المتصل به شأن غني عن البرهان. «لمغفرة» جواب القسم وهو ساد ~~مسد جواب الشرط، وكذلك «لالى الله تحشرون» كذب الكافرين أولا في زعمهم ~~أن من سافر من إخوانهم أو غزا لو كان بالمدينة لما مات، ونهى المسلمين عن ~~ذلك لأنه سبب التقاعد عن الجهاد ثم قال لهم: ولئن تم عليكم ما تخافونه من ~~الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة ~~بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا، فإن الدنيا زاد المعاد ~~فإذا وصل العبد إلى المراد لم يحتج إلى الزاد. # { فبما رحمة من الله لنت لهم } «ما» مزيدة للتوكيد ~~والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله. ومعنى الرحمة ربطه ~~على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم { ولو كنت فظا } جافيا { ~~غليظ القلب } قاسيه { لانفضوا من حولك } لتفرقوا عنك ~~حتى لا يبقى حولك أحد منهم { فاعف عنهم } ما كان منهم يوم أحد مما ~~يختص بك { واستغفر لهم } فيما يختص بحق الله إتماما للشفقة ~~عليهم { وشاورهم فى الأمر } أي في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل ~~عليك فيه وحي تطييبا لنفوسهم وترويحا لقلوبهم ورفعا لأقدارهم، ولتقتدي ~~بك أمتك فيها. في الحديث # " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى شاورت فلانا أظهرت ما عندي وما عنده من ~~الرأي. وشرت الدابة استخرجب جريها، وشرت العسل أخذته من مآخذه، وفيه ~~دلالة جواز الاجتهاد وبيانا أن القياس حجة { فإذا عزمت } فإذا ~~قطعت الرأي على شيء بعد الشورى { فتوكل على الله } في إمضاء ~~أمرك على الأرشد لا على المشورة { إن الله يحب ~~المتوكلين } عليه والتوكل الاعتماد على الله والتفويض في الأمور ~~إليه. وقال ذو النون: خلع الأرباب وقطع الأسباب { إن ينصركم ~~الله } كما نصركم يوم ms0229 بدر { فلا غالب لكم } فلا أحد يغلبكم ~~وإنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه وقدرته { وإن ~~يخذلكم } كما خذلكم يوم أحد { فمن ذا الذى ينصركم من ~~بعده } من بعد خذلانه وهو ترك المعونة، أو هو من قولك ليس لك من يحسن ~~إليك من بعد فلان تريد إذا جاوزته، وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى ~~وجوب التوكل عليه { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ~~وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ~~ولأن إيمانهم يقتضي ذلك. # { وما كان لنبى أن يغل } مكي وأبو عمرو وحفص وعاصم أي ~~يخون، وبضم الياء وفتح الغين: غيرهم. يقال غل شيئا من المغنم غلولا ~~وأغل إغلالا إذا أخذه في خفية، ويقال أغله إذا وجده غالا، والمعنى ما ~~صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول، وكذا من قرأ على البناء للمفعول ~~فهو راجع إلى هذا لأن معناه: وما صح له أن يوجد غالا ولا يوجد غالا إلا ~~إذا كان غالا. روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين ~~فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت الآية ~~{ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة } أي يأت ~~بالشيء الذي غله بعينه حاملا له على ظهره كما جاء في الحديث # " أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه " # { ثم توفى كل نفس ما كسبت } تعطي جزاءها وافيا ولم ~~يقل «ثم يوفى ما كسب» ليتصل بقوله «ومن يغلل» بل جيء بعام ليدخل تحته كل ~~كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى وهو أبلغ، لأنه إذا علم ~~الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا مجزي فموفى جزاءه علم أنه غير متخلص من ~~بينهم مع عظم ما اكتسب { وهم لا يظلمون } أي جزاء كل على قدر ~~كسبه { أفمن اتبع رضون الله } أي رضا الله قيل هم ~~المهاجرون والأنصار { كمن باء بسخط من الله } وهم المنافقون ~~والكفار { ومأواه جهنم وبئس المصير } المرجع { هم ~~درجت عند الله } هم ms0230 متفاوتون كما تتفاوت الدرجات أو ذوو ~~درجات، والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين أو التفاوت ~~بين الثواب والعاقب { والله بصير بما يعملون } عالم ~~بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها. # { لقد من الله على المؤمنين }. # على من آمن مع رسول الله عليه السلام من قومه، وخص المؤمنين منهم لأنهم ~~هم المنتفعون بمبعثه { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ~~من جنسهم عربيا مثلهم أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده، والمنة في ~~ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحد فيسهل أخذ ما يجب عليهم ~~أخذه عنه، وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب لهم ~~إلى تصديقه، وكان لهم شرف بكونه منهم. # وفي قراءة رسول الله «من أنفسهم» أي من أشرفهم { يتلوا عليهم ~~ءايته } أي القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من ~~الوحي { ويزكيهم } ويطهرهم بالإيمان من دنس الكفر والطغيان أو يأخذ ~~منهم الزكاة { ويعلمهم الكتب والحكمة } القرآن والسنة ~~{ وإن كانوا من قبل } من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم { ~~لفى ضلل } عمى وجهالة { مبين } ظاهر لا شبهة فيه «إن» مخففة ~~من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والتقدير: وإن الشأن والحديث ~~كانوا من قبل في ضلال مبين. # { أو لما أصبتكم مصيبة } يريد ما أصابهم يوم أحد من ~~قتل سبعين منهم { قد أصبتم مثليها } يوم بدر من قتل سبعين ~~وأسر سبعين وهو في موضع رفع صفة ل «مصيبة» { قلتم أنى هذا } ~~من أين هذا { قل هو من عند أنفسكم } لاختياركم الخروج من ~~المدينة أو لترككم المركز. لما نصب ب «قلتم» و«أصابتكم» في محل الجر ~~بإضافة «لما» إليه وتقديره: أقلتم حين أصابتكم. «وأنى هذا» نصب لأنه مقول ~~والهمزة للتقرير والتقريع، وعطفت الواو هذه الجملة على ما مضى من قصة أحد ~~من قوله: «ولقد صدقكم الله وعده». أو على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا ~~وقلتم حينئذ كذا { إن الله على كل شىء قدير } يقدر على ~~النصر وعلى منعه. # وما أصبكم } «ما» بمعنى «الذي» وهو ms0231 مبتدأ { يوم التقى ~~الجمعان } جمعكم وجمع المشركين بأحد والخبر { فبإذن الله } ~~فكائن بأذن الله أي بعلمه وقضائه { وليعلم المؤمنين * ~~وليعلم الذين نافقوا } وهو كائن ليتميز المؤمنون ~~والمنافقون وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء { وقيل لهم } للمنافقين ~~وهو كلام مبتدأ { تعالوا قاتلوا فى سبيل الله } أي ~~جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون { أو ادفعوا } أي قاتلوا دفعا ~~على أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة. وقيل: أو ادفعوا ~~العدو بتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا لأن كثرة السواد مما تروع ~~العدو { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعنكم } أي لو ~~نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم ~~ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال إنما هو إلقاء النفس في التهلكة { هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمن } يعني أنهم كانوا ~~يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما ~~انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان ~~المظنون بهم واقتربوا من الكفر، أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل ~~الإيمان لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين { ~~يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم } أي يظهرون خلاف ~~ما يضمرون من الإيمان وغيره والتقييد بالأفواه للتأكيد ونفي المجاز { ~~والله أعلم بما يكتمون } من النفاق { الذين قالوا ~~} أي ابن أبي وأصحابه وهو في موضع رفع على «هم الذين قالوا» أو على ~~الإبدال من واو «يكتمون» أو نصب بإضمار «أعني»، أو على البدل من «الذين ~~نافقوا» أو جر على البدل من الضمير «في أفواههم» أو «قلوبهم» { ~~لإخونهم } لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد { ~~وقعدوا } أي قالوا وقد قعدوا عن القتال { لو أطاعونا ما ~~قتلوا } لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والقعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل { قل ~~فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صدقين } بأن ~~الحذر ينفع من القدر فخذوا حذركم من الموت، أو معناه قل إن كنتم صادقين ~~في أنكم وجدتم إلى دفع القتل ms0232 سبيلا وهو القعود عن القتال فجدوا إلى دفع ~~الموت سبيلا. # وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا. # ونزل في قتلى أحد { ولا تحسبن } شامي وحمزة وعلي وعاصم، وبكسر ~~السين غيرهم: والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد { ~~الذين قتلوا } «قتلوا»: شامي { فى سبيل الله أموتا ~~بل أحياء } بل هم أحياء { عند ربهم } مقربون عنده ذوو زلفى { ~~يرزقون } مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون، وهو تأكيد ~~لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله «فرحين» حال ~~من الضمير في «يرزقون» { بما ءاتهم الله من فضله } وهو ~~التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم من ~~كونهم أحياء مقربين معجلا لهم رزق الجنة ونعيمها. وقال النبي عليه ~~السلام # " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في ~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ~~" # وقيل: هذا الرزق في الجنة يوم القيامة وهو ضعيف لأنه لا يبقى للتخصيص ~~فائدة { ويستبشرون بالذين } بإخوانهم المجاهدين الذين { ~~لم يلحقوا بهم } لم يقتلوا فيلحقوا بهم { من خلفهم } ~~يريد الذين من خلفهم قد بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم أو لم يلحقوا بهم ~~لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم { ألا خوف عليهم } بدل من «الذين» ~~والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو ~~أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به. وفي ~~ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم، بعث للباقين بعدهم على الجد في ~~الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء { ولا هم يحزنون }. ### || [3.171-180] # { يستبشرون بنعمة من الله وفضل } يسرون بما أنعم ~~الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة { وأن الله } عطف على ~~النعمة والفضل. «وإن الله»: علي بالكسر على الاستئناف وعلى أن الجملة ~~اعتراض { لا يضيع أجر المؤمنين } بل يوفر عليهم. { ~~الذين استجابوا لله والرسول } مبتدأ خبره «للذين ~~أحسنوا»، أو صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح { من ms0233 بعد ما ~~أصبهم القرح } الجرح. روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا ~~من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب النبي ~~أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين ~~رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان ~~بأصحابه القرح فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت { ~~للذين أحسنوا منهم واتقوا } «من» للتبيين. مثلها في ~~قوله: # وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~منهم مغفرة # [الفتح: 29]. لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا ~~بعضهم { أجر عظيم } في الآخرة. # { الذين قال لهم الناس } بدل من الذين استجابوا { إن ~~الناس قد جمعوا لكم } روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من ~~أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل. فقال عليه السلام # " إن شاء الله " # فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة فألقى الله الرعب في قلبه ~~فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال: يا ~~نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وقد بدا لي أن أرجع فالحق ~~بالمدينة، فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين ~~يتجهزون فقال لهم: أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فوالله لا يفلت منكم ~~أحد فقال عليه السلام # " والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد " # فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون «حسبنا الله ونعم الوكيل» حتى وافوا ~~بدرا وأقاموا بها ثماني ليال وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيرا، ~~ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ولم يكن قتال، ورجع أبو سفيان إلى ~~مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتأكلوا السويق. ~~فالناس الأول نعيم وهو جمع أريد به الواحد أو كان له أتباع يثبطون مثل ~~تثبيطه، والثاني أبو سفيان وأصحابه. { فاخشوهم } فخافوهم { ~~فزادهم } أي المقول الذي هو «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» أو ~~القول، أو نعيم ms0234 { إيمنا } بصيرة وإيقانا { وقالوا حسبنا ~~الله } كافينا الله أي الذي يكفينا الله. # يقال أحسبه الشيء إذا كفاه وهو بمعنى المحسب بدليل أنك تقول «هذا رجل ~~حسبك» فتصف به النكرة لأن إضافته غير حقيقية لكونه في معنى اسم الفاعل { ~~ونعم الوكيل } ونعم الموكول إليه هو { فانقلبوا بنعمة ~~من الله } وهي السلامة وحذر العدو منهم { وفضل } وهو الربح في ~~التجارة فأصابوا بالدرهم درهمين { لم يمسسهم سوء } لم يلقوا ما ~~يسوءهم من كيد عدو وهو حال من الضمير في «انقلبوا»، وكذا «بنعمة» ~~والتقدير: فرجعوا من بدر منعمين بريئين من سوء { واتبعوا رضون ~~الله } بجرأتهم وخروجهم إلى وجه العدو على أثر تثبيطه وهو معطوف على ~~«انقلبوا» { والله ذو فضل عظيم } قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما ~~فعلوا. { إنما ذلكم الشيطن } هو خبر «ذلكم» أي إنما ذلك ~~المثبط هو الشيطان وهو نعيم { يخوف أولياءه } أي المنافقين ~~وهو جملة مستأنفة بيان لشيطنته، أو الشيطان صفة لاسم الإشارة و«يخوف» ~~الخبر { فلا تخافوهم } أي أولياءه { وخافون إن كنتم ~~مؤمنين } لأن الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره. ~~و«خافوني» في الوصل والوقف: سهل ويعقوب، وافقهما أبو عمرو في الوصل. # { ولا يحزنك } «يحزنك» في كل القرآن: نافع إلا في سورة الأنبياء # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] { الذين يسرعون فى الكفر } يعني لا ~~يحزنوك لخوف أن يضروك ألا ترى إلى قوله { إنهم لن يضروا ~~الله شيئا } أي أولياء الله يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر ~~غير أنفسهم وما وبال ذلك عائدا على غيرهم. ثم بين كيف يعود وباله عليهم ~~بقوله { يريد الله ألا يجعل لهم حظا فى الآخرة } ~~أي نصيبا من الثواب { ولهم } بدل الثواب { عذاب عظيم } وذلك ~~أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه، والآية تدل على إرادة الكفر والمعاصي لأن ~~إرادته أن لا يكون لهم ثواب في الآخرة لا تكون بدون إرادة كفرهم ~~ومعاصيهم. # { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمن } أي استبدلوه به ~~{ لن يضروا الله شيئا } هو نصب على المصدر أي شيئا من ~~الضرر. الآية الأولى فيمن ms0235 نافق من المتخلفين أو ارتد عن الإسلام، ~~والثانية في جميع الكفار أو على العكس { ولهم عذاب أليم * ~~ولا يحسبن } وثلاثة بعدها مع ضم الباء في «يحسبنهم» بالياء: مكي ~~وأبو عمرو، وكلها بالتاء: حمزة، وكلها بالياء: مدني وشامي إلا «فلا ~~تحسبنهم» فإنها بالتاء. الباقون: الأوليان بالياء والأخريان ~~بالتاء. { الذين كفروا } فيمن قرأ بالياء رفع أي ولا يحسبن ~~الكافرون. و «أن» مع اسمه وخبره في قوله { أنما نملى لهم ~~خير لأنفسهم } في موضع المفعولين ل «يحسبن» والتقدير: ولا ~~يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيرا لأنفسهم. و«ما» مصدرية وكان حقها في ~~قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف. # وفيمن قرأ بالتاء نصب أي ولا تحسبن الكافرين وأنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~بدل من الكافرين، أي ولا تحسبن أن ما نملي للكافرين خير لهم، و«أن» مع ما ~~في حيزه ينوب عن المفعولين، والإملاء لهم إمهمالهم وإطالة عمرهم. { ~~إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } «ما» هذه حقها أن ~~تكتب متصلة لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها ~~كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيرا لهم؟ فقيل: إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما. والآية حجة لنا على المعتزلة في مسألتي الأصلح وإرادة ~~المعاصي { ولهم عذاب مهين }. # اللام في { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه } من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين لتأكيد النفي { ~~حتى يميز الخبيث من الطيب } حتى يعزل المنافق عن ~~المخلص. «يميز»: حمزة وعلي. والخطاب في «أنتم» للمصدقين من أهل الإخلاص ~~والنفاق كأنه قيل: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم ~~عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره ~~بأحوالكم { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } وما ~~كان الله ليؤتي أحد منكم علم الغيوب فلا تتوهموا عند إخبار الرسل بنفاق ~~الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب إطلاع الله فيخبر عن كفرها ~~وإيمانها { ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء } أي ~~ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ms0236 ويخبره بأن في الغيب كذا وأن فلانا في ~~قلبه النفاق وفلانا في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لا من ~~جهة نفسه. والآية حجة على الباطنية فإنهم يدعون ذلك العلم لإمامهم فإن لم ~~يثبتوا النبوة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرسول، ~~وإن أثبتوا النبوة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله # وخاتم النبيين # [الأحزاب: 40] { فئامنوا بالله ورسله } بصفة الإخلاص { ~~وإن تؤمنوا وتتقوا } النفاق { فلكم أجر عظيم } في ~~الآخرة. # ونزل في مانعي الزكاة { ولا يحسبن الذين يبخلون بما ~~ءاتهم الله من فضله هو خيرا لهم } من قرأ بالتاء ~~قدر مضافا محذوفا أي ولا تحسبن بخل الباخلين و«هو» فصل و«خيرا لهم» ~~مفعول ثان، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعل «يحسبن» ضمير رسول الله أو ~~ضمير أحد، ومن جعل فاعله «الذين يبخلون» كان التقدير: ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بخلهم هو خير لهم و«هو» فصل و«خيرا لهم» مفعول ثان { بل هو ~~} أي البخل { شر لهم } لأن أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبال ~~البخل { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة } تفسير ~~لقوله «بل هو شر لهم» أي سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحق ~~طوقا في أعناقهم كما جاء في الحديث # " من منع زكاة ماله يصير حية ذكرا أقرع له نابان فيطوق في عنقه فينهشه ~~ويدفعه إلى النار " # { ولله ميراث السموات والأرض } وله ما فيهما مما ~~يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في ~~سبيل الله؟ والأصل في ميراث موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. { ~~والله بما تعملون خبير } وبالياء مكي وأبو عمرو، فالتاء ~~على طريقة الالتفات وهو أبلغ في الوعيد، والياء على الظاهر. ### || [3.181-191] # { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء } قال ذلك اليهود حين سمعوا قوله تعالى: # من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245]. وقالوا: إن إله محمد يستقرض منا فنحن إذا أغنياء وهو ~~فقير. ومعنى سماع الله له أنه لم يخف عليه وأنه أعد له كفاء ms0237 من العقاب { ~~سنكتب ما قالوا } سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوا في الصحائف، أو ~~سنحفظه إذ الكتاب من الخلق ليحفظ ما فيه فسمي به مجازا. و«ما» مصدرية أو ~~بمعنى «الذي» { وقتلهم الأنبياء بغير حق } معطوف على ~~«ما». جعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذانا له بأنهما في العظم أخوان، ~~وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول { ~~ونقول } لهم يوم القيامة { ذوقوا عذاب الحريق } أي عذاب ~~النار كما أذقتم المسلمين الغصص. قال الضحاك: يقول لهم ذلك خزنة جهنم، ~~وإنما أضيف إلى الله تعالى لأنه بأمره كما في قوله «سنكتب» «سيكتب» ~~و«قتلهم» و«يقول»: حمزة. { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من عقابهم { بما ~~قدمت أيديكم } أي ذلك العذاب بما قدمتم من الكفر والمعاصي، ~~والإضافة إلى اليد لأن أكثر الأعمال يكون بالأيدي فجعل كل عمل كالواقع ~~بالأيدي على سبيل التغليب، ولأنه يقال للآمر بالشيء فاعله فذكر الأيدي ~~للتحقيق يعني أنه فعل نفسه لا غيره بأمره { وأن الله ليس ~~بظلم للعبيد } وبأن الله لا يظلم عباده فلا يعاقبهم بغير جرم ~~{ الذين قالوا } في موضع جر على البدل من «الذين قالوا» أو نصب ~~بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم. # { إن الله عهد إلينا } أمرنا في التوراة وأوصانا { ألا ~~نؤمن } بأن لا نؤمن { لرسول حتى يأتينا بقربان ~~تأكله النار } أي يقرب قربانا فتنزل نار من السماء فتأكله فإن ~~جئتنا به صدقناك، وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله لأن أكل النار ~~القربان سبب الإيمان للرسول الآتي به لكونه معجزة فهو إذا وسائر ~~المعجزات سواء { قل قد جاءكم رسل من قبلى ~~بالبينت } بالمعجزات سوى القربان { وبالذى قلتم } أي ~~بالقربان يعني قد جاء أسلافكم الذين أنتم على ملتهم ورضوان بفعلهم { ~~فلم قتلتموهم } أي إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا فلم لم ~~تؤمنوا بالذين أتوابه ولم قتلتموهم { إن كنتم صدقين } في قولكم ~~إنما نؤخر الإيمان لهذا { فإن كذبوك فقد كذب رسل من ~~قبلك } فإن كذبك اليهود فلا يهولنك فقد فعلت الأمم بأنبيائها كذلك { ~~جاءو بالبينت } بالمعجزات الظاهرات { والزبر ms0238 } الكتب جمع ~~زبور من الزبر وهو الكتابة. «وبالزبر»: شامي { والكتب } جنسه { ~~المنير } المضيء. قيل: هما واحد في الأصل وإنما ذكرا لاختلاف ~~الوصفين، فالزبور كتاب فيه حكم زاجرة، والكتاب المنير هو الكتاب الهادي. # { كل نفس } مبتدأ والخبر { ذائقة الموت } وجاز الابتداء ~~بالنكرة لما فيه من العموم، والمعنى لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق ~~إلي فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر وذلك قوله { وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيمة } أي تعطون ثواب أعمالكم ~~على الكمال يوم القيامة فإن الدنيا ليست بدار الجزاء { فمن زحزح } ~~بعد، والزحزحة: الإبعاد { عن النار وأدخل الجنة فقد ~~فاز } ظفر بالخير. وقيل: فقد حصل له الفوز المطلق. وقيل: الفوز نيل ~~المحبوب والبعد عن المكروه { وما الحيوة الدنيا إلا ~~متع الغرور } شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر ~~حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، والشيطان هو المدلس الغرور. وعن ~~سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها ~~فإنها متاع بلاغ. وعن الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها { ~~لتبلون } والله لتبلون أي لتختبرن { فى أمولكم } بالإنفاق ~~في سبيل الله وبما يقع فيها من الآفات { وأنفسكم } بالقتل والأسر ~~والجراح وما يرد عليه من أنواع المخاوف والمصائب، وهذه الآية دليل على أن ~~النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطن كما قال بعض أهل ~~الكلام والفلاسفة، كذا في شرح التأويلات { ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتب من قبلكم } يعني اليهود والنصارى { ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } كالطعن في الدين وصد من ~~أراد الإيمان وتخطئة من آمن ونحو ذلك { وأن تصبروا } على أذاهم { ~~وتتقوا } مخالفة أمر الله { فإن ذلك } فإن الصبر والتقوى { ~~من عزم الأمور } من معزومات الأمور أي مما يجب العزم عليه من ~~الأمور، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من ~~الشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من ~~تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه. # { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب ms0239 } ~~واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب { لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه } عن الناس بالتاء على حكاية مخاطبتهم كقوله # وقضينا إلى بنى إسرءيل فى الكتب لتفسدن # [الإسراء: 4] وبالياء: مكي وأبو عمرو وأبو بكر، لأنهم غيب والضمير ~~للكتاب، أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه { فنبذوه ~~وراء ظهورهم } فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم أي لم يراعوه ولم ~~يلتفتوا إليه، والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد، وهو دليل ~~على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا ~~منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم، أو لجر منفعة ~~أو دفع أذية، أو لبخل بالعلم، وفي الحديث # " من كتم علما عن أهله ألجمه الله بلجام من نار " # { واشتروا به ثمنا قليلا } عرضا يسيرا { فبئس ما ~~يشترون }. # والخطاب في { لا تحسبن } لرسول الله وأحد المفعولين { الذين ~~يفرحون } والثاني بمفازة، وقوله «فلا تحسبنهم» تأكيد تقديره: لا ~~تحسبنهم فائزين { بما أتوا } بما فعلوا وهي قراءة أبي و «جاء» و ~~«أتى» يستعملان بمعنى فعل # إنه كان وعده مأتيا # [مريم: 61]. # لقد جئت شيئا فريا # [مريم: 27]. وقرأ النخعي «بما آتوا» أي أعطوا { ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة ~~من العذاب } بمنجاة منه { ولهم عذاب أليم } مؤلم. روي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا ~~الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما ~~فعلوا من تدليسهم، فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي ~~لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن ~~تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه، ناجين من العذاب. ~~وقيل: هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم ~~بذلك إلى أغراضهم، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة. ~~وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس بما ~~ليس فيه. { ولله ملك السموات والأرض } فهو يملك ~~أمرهما، وفيه تكذيب ms0240 لمن قال «إن الله فقير» { والله على كل ~~شيء قدير } فهو يقدر على عقابهم. # { إن في خلق السموات والأرض واختلف اليل ~~والنهار لايات } لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر { ~~لأولى الألبب } لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر، فيرى ~~أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر، لأن جوهرا ما لا ينفك ~~عن عرض حادث وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، ثم حدوثها يدل على محدثها ~~وذا قديم وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى ما لا يتناهى، وحسن صنعه يدل على ~~علمه، وإتقانه يدل على حكمته، وبقاؤه يدل على قدرته، قال عليه السلام # " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " # وحكي أنه كان في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، ~~فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه: لعل فرطة فرطت منك في مدتك. قال: ما ~~أذكر. قالت: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر. قال: لعل. قالت: فما ~~أوتيت إلا من ذاك { الذين } في موضع جر نعت ل «أولي» أو نصب بإضمار ~~أعني أو رفع بإضمارهم { يذكرون الله } يصلون { قياما } قائمين ~~عند القدرة { وقعودا } قاعدين «وعلى جنوبهم» أي مضطجعين عند ~~العجز وقياما وقعودا حالان من ضمير الفاعل في «يذكرون». # و«وعلى جنوبهم» حال أيضا، أو المراد الذكر على كل حال لأن الإنسان لا ~~يخلو عن هذه الأحوال، وفي الحديث # " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " # { ويتفكرون فى خلق السموات والأرض } وما يدل ~~عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها مما تكل ~~الأفهام عن إدراك بعض عجائبه من عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه، وعن ~~النبي عليه السلام # " بينا رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء ~~فقال: أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له " # وقال عليه السلام # " لا عبادة كالتفكر " # وقيل؛ الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، وما جليت القلوب بمثل ~~الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر. ms0241 { ربنا ما خلقت هذا بطلا ~~} أي يقولون ذلك وهو في محل الحال أي يتفكرون قائلين، والمعنى ما خلقته ~~خلقا باطلا بغير حكمة بل خلقته لحكمة عظيمة وهو أن تجعلها مساكن ~~للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك، و«هذا» إشارة إلى الخلق على أن المراد به ~~المخلوق، أو إلى السماوات والأرض لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل: ما ~~خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا { سبحنك } تنزيها لك عن الوصف ~~بخلق الباطل وهو اعتراض { فقنا عذاب النار } الفاء دخلت لمعنى ~~الجزاء تقديره إذا نزهناك فقنا. ### || [3.192-200] # { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أهنته ~~أو أهلكته أو فضحته، واحتج أهل الوعيد بالآية مع قوله: # يوم لا يخزى الله النبى والذين ءامنوا معه # [التحريم: 8]. في أن من يدخل النار لا يكون مؤمنا ويخلد. قلنا: قال ~~جابر: إخزاء المؤمن تأديبه وإن فوق ذلك لخزيا { وما للظلمين } ~~اللام إشارة إلى من يدخل النار والمراد الكفار { من أنصار } من ~~أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين { ربنا إننا سمعنا ~~مناديا } تقول: سمعت رجلا يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف ~~المسموع لأنك وصفته بما يسمع فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف لم يكن منه بد ~~وأن يقال سمعت كلام فلان. والمنادي هو الرسول عليه السلام أو القرآن { ~~ينادى للإيمن } لأجل الإيمان بالله، وفيه تفخيم لشأن المنادي إذ ~~لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان { أن ءامنوا } بأن آمنوا أو ~~أي آمنوا { بربكم فئامنا } قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: ~~فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان { ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا } كبائرنا { وكفر عنا سيئتنا } صغائرنا { ~~وتوفنا مع الأبرار } مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم، ~~والأبرار والمتمسكون بالسنة جمع «بر» أو «بار» ك «رب» وأرباب وصاحب ~~وأصحاب { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } أي على ~~تصديق رسلك، أو ما وعدتنا منزلا على رسلك، أو على ألسنة رسلك، و «على» ~~متعلق ب «وعدتنا» والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء. وإنما ~~طلبوا إنجاز ما وعد الله والله لا يخلف الميعاد لأن معناه طلب التوفيق ~~فيما ms0242 يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، أو المراد اجعلنا ممن لهم الوعد إذ ~~الوعد غير مبين لمن هو، أو المراد ثبتنا على ما يوصلنا إلى عدتك يؤيده ~~قوله { ولا تخزنا يوم القيمة } أو هو إظهار للخضوع ~~والضراعة { إنك لا تخلف الميعاد } هو مصدر بمعنى الوعد. # { فاستجاب لهم ربهم } أي أجاب يقال استجاب له واستجابه { ~~أنى } بأني { لا أضيع عمل عامل منكم } «منكم» صفة ل ~~عامل { من ذكر أو أنثى } بيان ل «عامل» { بعضكم من بعض ~~} الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر كلكم بنو آدم، أو بعضكم من بعض في ~~النصرة والدين، وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما ~~وعد الله به عباده العاملين. عن جعفر الصادق رضي الله عنه: من حزبه أمر ~~فقال خمس مرات: «ربنا»، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ الآيات. ~~{ فالذين هجروا } مبتدأ وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل ~~التعظيم له كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي ~~المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم إلى حيث يأمنون عليه، فالهجرة ~~كائنة في آخر الزمان كما كانت في أول الإسلام { وأخرجوا من ~~ديرهم } التي ولدوا فيها ونشأوا { وأوذوا فى سبيلى } ~~بالشتم والضرب ونهب المال يريد سبيل الدين { وقتلوا وقتلوا } ~~وغزوا المشركين واستشهدوا، «وقتلوا»: مكي وشامي، «وقتلوا وقاتلوا» على ~~التقديم والتأخير: حمزة وعلي. # وفيه دليل على أن الواو لا توجب الترتيب والخبر. { لاكفرن عنهم ~~سيئتهم ولادخلنهم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } وهو جواب قسم محذوف { ثوابا } في موضع المصدر المؤكد ~~يعني إثابة أو تثويبا { من عند الله } لأن قوله «لأكفرن عنهم ~~ولأدخلنهم» في معنى لأثيبنهم { والله عنده حسن الثواب } أي ~~يختص به ولا يقدر عليه غيره. # وروي أن طائفة من المؤمنين قالوا: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد ~~هلكنا من الجوع، فنزل { لا يغرنك تقلب الذين كفروا ~~فى البلد } والخطاب لكل أحد أو للنبي عليه السلام والمراد به ~~غيره، أو لأن مدره القوم ومقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم ms0243 ~~جميعا فكأنه قيل: لا يغرنكم. أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه كقوله # فلا تكونن ظهيرا للكفرين # [القصص: 86] # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام: 14] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 7] # يأيها الذين ءامنوا ءامنوا # (النساء 136). # { متع قليل } خبر مبتدإ محذوف أي تقلبهم في البلاد متاع قليل، ~~وأراد قتله في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعد الله ~~للمؤمنين من الثواب، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل { ~~ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } وساء ما مهدوا ~~لأنفسهم { لكن الذين اتقوا ربهم } عن الشرك { لهم ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها ~~نزلا } النزل والنزل ما يقام للنازل وهو حال من «جنات» لتخصصها ~~بالصفة، والعامل اللام في «لهم» أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقا أو عطاء ~~{ من عند الله } صفة له { وما عند الله } من الكثير الدائم { ~~خير للابرار } مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل. «لكن» ~~بالتشديد: يزيد وهو للاستدراك أي لإبقاء لتمتعهم لكن ذلك للذين اتقوا. ~~ونزلت في ابن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب، أو في أربعين من أهل نجران ~~واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى عليه ~~السلام فأسلموا. # { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله } دخلت لام ~~الابتداء على اسم «إن» لفصل الظرف بينهما { وما أنزل إليكم } ~~من القرآن { وما أنزل إليهم } من الكتابين { خشعين ~~لله } حال من فاعل «يؤمن» لأن من يؤمن في معنى الجمع { لا ~~يشترون بئايت الله ثمنا قليلا } كما يفعل من لم ~~يسلم من أحبارهم وكبارهم وهو حال بعد حال أي غير مشترين { أولئك ~~لهم أجرهم عند ربهم } أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعده ~~في قوله # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص:54] { إن الله سريع الحساب } لنفوذ علمه في كل شيء. ~~{ يأيها الذين ءامنوا اصبروا } على الدين وتكاليفه. قال ~~الجنيد رضي الله ms0244 عنه: الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع { ~~وصابروا } أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد ~~الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا { ورابطوا } وأقيموا في ~~الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو { واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون } الفلاح: البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن ~~المكروه، و «لعل» لتغييب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال. ~~وقيل: اصبروا في محبتي، وصابروا في نعمتي، ورابطوا أنفسكم في خدمتي لعلكم ~~تفلحون تظفرون بقربتي. قال النبي صلى الله عليه وسلم # " اقرأوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما ~~غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما " # والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1-4] # نزلت بالمدينة آياتها مائة وست وسبعون آية # { يا أيها الناس } يا بني آدم { اتقوا ربكم الذى ~~خلقكم من نفس وحدة } فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم ~~{ وخلق منها زوجها } معطوف على محذوف كأنه قيل: من نفس واحدة ~~أنشأها وخلق منها زوجها، والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه ~~أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء من ضلع من أضلاعه { وبث ~~منهما } ونشر من آدم وحواء { رجالا كثيرا ونساء } كثيرة أي ~~وبث منهما نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فوصفها بصفة هي بيان ~~وتفصيل لكيفية خلقهم منها، أو على خلقكم والخطاب في «يا أيها الناس» ~~للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى خلقكم من نفس آدم ~~وخلق منها أمكم حواء وبث منهما رجالا كثيرا ونساء غيركم من الأمم ~~الفائتة للحصر. فإن قلت: الذي تقتضيه جزالة النظم أن يجاء عقيب الأمر ~~بالتقوى بما يعدو إليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل ~~الذي ذكره داعيا إليها؟ قلت: لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن ~~قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء، ومن المقدورات عقاب الكفار والفجار ~~فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه، ولأنه يدل على ~~النعمة ms0245 السابغة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها. قال عليه السلام عند ~~نزول الآية # " خلقت المرأة من الرجل فهمها في الرجل وخلق الرجل من التراب فهمه في ~~التراب " # { واتقوا الله الذى تساءلون به } والأصل «تتساءلون» ~~فأدغمت التاء في السين بعد إبدالها سينا لقرب التاء من السين للهمس. ~~«تساءلون به» بالتخفيف: كوفي على حذف التاء الثانية استثقالا لاجتماع ~~التاءين أي يسأل بعضكم بعضا بالله وبالرحم فيقول بالله وبالرحم: افعل ~~كذا على سبيل الاستعطاف { والأرحام } بالنصب على أنه معطوف على اسم ~~الله تعالى أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور ~~كقولك «مررت بزيد وعمرا»، وبالجر: حمزة على عطف الظاهر على الضمير وهو ~~ضعيف، لأن الضمير المتصل كاسمه متصل والجار والمجرور كشيء واحد فأشبه ~~العطف على بعض الكلمة { إن الله كان عليكم رقيبا } ~~حافظا أو عالما. # { وءاتوا اليتمى أمولهم } يعني الذين ماتت آباؤهم ~~فانفردوا عنهم. واليتم: الانفراد ومنه الدرة اليتيمة، وقيل: اليتم في ~~الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات، وحق هذا الاسم أن ~~يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن ~~يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم ~~عليهم زال هذا الاسم عنهم. # وقوله عليه السلام # " لا يتم بعد الحلم " # تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار. ~~والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا ~~بلغوا بالصغر، وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ ~~أن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار { ~~ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ولا تستبدلوا الحرام ~~وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو ~~اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها. والتفعل ~~بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال { ولا ~~تأكلوا أمولهم إلى أمولكم } «إلى» متعلقة بمحذوف وهي ~~في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم. والمعنى ولا ms0246 تضموها إليها في ~~الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم ~~وتسوية بينه وبين الحلال { إنه } إن أكلها { كان حوبا كبيرا } ~~ذنبا عظيما { وإن خفتم ألا تقسطوا } أي لا تعدلوا. أقسط ~~أي عدل { فى اليتمى } يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو ~~جمع يتيمة ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم لا غير { فانكحوا ما طاب ~~لكم } ما حل لكم { من النساء } لأن منهن ماحرم الله كاللاتي في ~~آية التحريم. وقيل: «ما» ذهابا إلى الصفة لأن ما يجيء في صفات من يعقل ~~فكأنه قيل: الطيبات من النساء، ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير ~~العقلاء ومنه قوله تعالى { وما ملكت أيمنكم } قيل: كانوا ~~لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الجور في ~~حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول ~~المحرمات، أو كانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ولا يتحرجون من ~~الاستكثار من النساء مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن فكأنه قيل: إذا ~~تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذلك. وقيل: وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح ~~اليتامى فانكحوا من البالغات. يقال طابت الثمرة أي أدركت { مثنى ~~وثلث ورباع } نكرات. وإنما منعت الصرف للعدل والوصف، وعليه دل ~~كلام سيبويه ومحلهن النصب على الحال «من النساء» أو «مما طاب» تقديره: ~~فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثا وثلاثا ~~وأربعا أربعا. فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين ~~أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت: الخطاب ~~للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي ~~أطلق له كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم درهمين ~~درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. # وجيء بالواو لتدل على تجويز الجمع بين الفرق، ولو جيء ب «أو» مكانها ~~لذهب معنى التجويز { فإن خفتم ألا تعدلوا } بين هذه ~~الأعداد { فوحدة } فالزموا ms0247 أو فاختاروا واحدة { أو ما ملكت ~~أيمنكم } سوى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير ~~حصر { ذلك } إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري { أدنى ألا ~~تعولوا } أقرب من أن لا تميلوا ولا تجوروا، يقال عال الميزان عولا ~~إذا مال، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. ويحكى عن الشافعي رحمه الله أنه ~~فسر « أن لا تعولوا» أن لا تكثر عيالكم واعترضوا عليه بأنه يقال: أعال ~~يعيل إذا كثر عياله. وأجيب بأن يجعل من قولك «عال الرجل عياله يعولهم» ~~كقولك «مانهم يمونهم» إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، ~~وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال. وكلام مثله ~~من أعلام العلم حقيق بالحمل على السداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى ~~تعولوا كأنه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات { وءاتوا ~~النساء صدقتهن } مهورهن { نحلة } من نحله كذا إذا أعطاه ~~إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا، وانتصابها على المصدر لأن ~~النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قال: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة ~~أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين أي آتوهن ~~صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن ~~طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من الله تعالى عطية من عنده وتفضلا منه عليهن. ~~وقيل: النحلة الملة وفلان ينتحل كذا أي يدين به يعني وآتوهن مهورهن ديانة ~~على أنها مفعول لها. والخطاب للأزواج، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون ~~مهور بناتهم { فإن طبن لكم } للأزواج { عن شىء منه } أي من ~~الصداق إذ هو في معنى الصدقات { نفسا } تمييز وتوحيدها لأن الغرض بيان ~~الجنس والواحد يدل عليه، والمعنى فإن وهبن لكم شيئا من الصدقات وتجافت ~~عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقهم وسوء ~~معاشرتكم. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى ~~الشرط على طيب النفس فقيل« فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا» ولم يقل «فإن ~~وهبن لكم» ms0248 إعلاما بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة { ~~فكلوه } الهاء يعود على «شيء» { هنيئا } لا إثم فيه { مريئا ~~} لا داء فيه، فسرهما النبي عليه السلام أو هنيئا في الدنيا بلا مطالبة، ~~مريئا في العقبى بلا تبعة، وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان ~~سائغا لا تنغيص فيه، وهما وصف مصدر أي أكلا هنيئا مريئا، أو حال من ~~الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة ~~التبعة. هنيا مريا بغير همز: يزيد، وكذا حمزة في الوقف، وهمزهما ~~الباقون. وعن علي رضي الله عنه: إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته ~~ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها عسلا فليشربه بماء السماء فيجمع ~~الله له هنيئا ومريئا وشفاء ومباركا. ### || [4.5-11] # { ولا تؤتوا السفهاء } المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما ~~لا ينبغي ولا قدرة لهم على إصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب ~~للأولياء. وأضاف إلى الأولياء أموال السفهاء بقوله { أمولكم } ~~لأنهم يلونها ويمسكونها { التي جعل الله لكم قيما } أي ~~قواما لأبدانكم ومعاشا لأهلكم وأولادكم. قيما بمعنى قياما: نافع وشامي ~~كما جاء «عوذا» بمعنى «عياذا». وأصل قيام قوام فجعلت الواو ياء لانكسار ~~ما قبلها، وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالا ~~يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس، وعن سفيان وكان له بضاعة ~~يقلبها لولاها لتمندل بي بنو العباس { وارزقوهم فيها } ~~واجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من ~~الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الإنفاق { واكسوهم وقولوا ~~لهم قولا معروفا } قال ابن جريج: عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم ~~سلمنا إليكم أموالكم، وكل ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلا أو شرعا من ~~قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته لقبحه فهو منكر. { وابتلوا ~~اليتمى } واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل ~~البلوغ، فالابتلاء عندنا أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى تتبين حاله فيما ~~يجيء منه، وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة { حتى ~~إذا بلغوا النكاح } أي الحلم لأنه يصلح ms0249 للنكاح عنده ولطلب ما هو ~~مقصود به وهو التوالد { فإن آنستم منهم } تبينتم { رشدا } ~~هداية في التصرفات وصلاحا في المعاملات { فادفعوا إليهم ~~أمولهم } من غير تأخير عن حد البلوغ، ونظم هذا الكلام أن ما بعد ~~«حتى» إلى { فادفعوا إليهم أمولهم } جعل غاية للابتلاء ~~وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله: # حتى ماء دجلة أشكل # والواقعة بعدها جملة شرطية لأن «إذا» متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط ~~«بلغوا النكاح»وقوله: «فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم» جملة ~~من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو «إذا بلغوا النكاح»فكأنه ~~قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط ~~إيناس الرشد منهم. وتنكير الرشد يفيد أن المراد رشد مخصوص وهو الرشد في ~~التصرف والتجارة، أو يفيد التقليل أي طرفا من الرشد حتى لا ينتظر به ~~تمام الرشد وهو دليل لأبي حنيفة رحمه الله في دفع المال عند بلوغ خمس ~~وعشرين سنة. { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ~~} ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم ف «إسرافا» و«بدارا» } مصدران في ~~موضع الحال و«أن يكبروا» في موضع المصدر منصوب الموضع ب «بدارا»، ويجوز ~~أن يكونا مفعولا لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها ~~وتقولون ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا { ~~ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف } قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين ~~أن يكون فقيرا، فالغني يستعف من أكلها أي يحترز من أكل مال اليتيم، ~~واستعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة والفقير يأكل قوتا مقدرا ~~محتاطا في أكله. # عن إبراهيم. ما سد الجوعة ووارى العورة { فإذا دفعتم إليهم ~~أمولهم فأشهدوا عليهم } بأنهم تسلموها وقبضوها دفعا ~~للتجاحد وتفاديا عن توجه اليمين عليكم عند التخاصم والتناكر { وكفى ~~بالله حسيبا } محاسبا فعليكم بالتصادق وإياكم والتكاذب، أو هو ~~راجع إلى قوله «فليأكل بالمعروف» أي ولا يسرف فإن الله يحاسبه عليه ~~ويجازيه به. وفاعل«كفى» لفظة «الله» والباء زائدة و «كفى» يتعدى إلى ~~مفعولين دليله # فسيكفيكهم الله ms0250 # [البقرة: 137]. # { للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون ~~وللنساء نصيب مما ترك الولدن والأقربون } هم ~~المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم { مما قل منه أو كثر ~~} بدل «مما ترك» بتكرير العامل والضمير في «منه» يعود إلى ما ترك ~~«نصيبا» نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا { مفروضا } مقطوعا لا بد ~~لهم من أن يحوزوه. روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ~~ابنا عمه ميراثه عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ~~ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. فجاءت أم كحة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال: إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله ~~فنزلت الآية، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئا فإن الله تعالى قد ~~جعل لهن نصيبا ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن ~~والبنات الثلثين والباقي ابني العم وإذا حضر القسمة أي قسمة التركة أولوا ~~القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين من الأجانب فارزقوهم فأعطوهم منه ~~مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باق لم ينسخ. وقيل: كان ~~واجبا في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث { *** } مقطوعا لا بد لهم من أن ~~يجوزوه. روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ~~ميراثه عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون: لا ~~يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فشكت فقال: # " إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله " # فنزلت الآية، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئا فإن الله تعالى قد ~~جعل لهن نصيبا ولم يبين حتى يبين فنزلت «يوصيكم الله» فأعطى أم كحة ~~الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم { وإذا حضر القسمة } أي قسمة ~~التركة { أولوا القربى } ممن لا يرث { واليتامى والمساكين } من الأجانب { ~~فارزقوهم } فأعطوهم { منه } مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو ~~باق لم ينسخ. # وقيل: كان واجبا في الابتداء ثم نسخ بآية ms0251 الميراث { وقولوا لهم ~~قولا معروفا } عذرا جميلا وعدة حسنة، وقيل: القول المعروف أن ~~يقولوا لهم: خذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. # { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعفا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا } المراد بهم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا ~~على من في حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ~~ضعافا، وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوره حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة ~~والرحمة. «ولو» مع ما في حيزه صلة ل «الذين» أي وليخش الذين صفتهم ~~وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا وذلك عند احتضارهم ~~ خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم. وجواب «لو»: «خافوا»، والقول ~~السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ~~ويدعوهم ب يا بني ويا ولدي. { إن الذين يأكلون أمول ~~اليتمى ظلما } ظالمين فهو مصدر في موضع الحال { إنما ~~يأكلون في بطونهم } ملء بطونهم { نارا } أي يأكلون ما يجر ~~إلى النار فكأنه نار. روي أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان ~~يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل من مال ~~اليتيم في الدنيا { وسيصلون } «وسيصلون» شامي وأبو بكر { ~~سعيرا } نارا من النيران مبهمة الوصف. # { يوصيكم الله } يعهد إليكم ويأمركم { فى أولدكم } في ~~شأن ميراثهم وهذا إجمال تفصيله { للذكر مثل حظ الأنثيين ~~} أي للذكر منهم أي من أولادكم فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم كقولهم ~~«السمن منوان بدرهم» وبدأ بحظ الذكر ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو ~~للأنثى نصف حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك، ولأنهم كانوا يورثون ~~الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم ~~نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما ~~يدلون به. والمراد حال الاجتماع أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له ~~سهمان كما أن لهما سهمين، وأما في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كله، ~~والبنتان تأخذان الثلثين، والدليل ms0252 عليه أنه أتبعه حكم الانفراد بقوله { ~~فإن كن نساء } أي فإن كانت الأولاد نساء خلصا يعني بناتا ليس ~~معهن ابن { فوق اثنتين } خبر ثان لكان أو صفة لنساء أي نساء ~~زائدات على اثنتين { فلهن ثلثا ما ترك } أي الميت لأن الآية ~~لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت { وإن كانت وحدة ~~فلها النصف } أي وإن كانت المولودة منفردة. # «واحدة »: مدني على «كان» التامة والنصب أوفق لقوله «فإن كن نساء». فإن ~~قلت: قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت ~~في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما؟ قلت: ~~حكمهما مختلف فيه؛ فابن عباس رضي الله عنهما نزلهما منزلة الواحدة لا ~~منزلة الجماعة، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أعطوهما حكم الجماعة ~~بمقتضى قوله { للذكر مثل حظ الأنثيين } وذلك لأن من مات ~~وخلف بنتا وابنا فالثلث للبنت والثلثان للابن، فإذا كان الثلث لبنت ~~واحدة كان الثلثان للبنتين، ولأنه قال في آخر السورة { إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك }. والبنتان أمس رحما ~~بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين، ولم ينقصوا حظهما ~~عن حظ من هو أبعد منهما، ولأن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كان أحرى ~~أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها ويكون لأختها معها مثل ما كان ~~يجب لها أيضا مع أخيها لو انفردت معه فوجب لهما الثلثان. وفي الآية ~~دلالة على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى، لأنه جعل للذكر مثل ~~حظ الأنثيين، وقد جعل للأنثى النصف إذا كانت منفردة فعلم أن للذكر في حال ~~الانفراد ضعف النصف وهو الكل. # والضمير في { ولأبويه } للميت والمراد الأب والأم إلا أنه غلب ~~الذكر { لكل وحد منهما السدس } بدل من لأبويه بتكرير ~~العامل وفائدة هذا البدل أنه لو قيل «ولأبويه السدس» لكان ظاهره ms0253 ~~اشتراكهما فيه، ولو قيل «ولأبويه السدسان» لأوهم قسمة السدسين عليهما على ~~التسوية وعلى خلافها، ولو قيل «ولكل واحد من أبويه السدس» لذهبت فائدة ~~التأكيد وهو التفصيل بعد الإجمال. والسدس مبتدأ خبره لأبويه والبدل متوسط ~~بينهما للبيان، وقرأ الحسن السدس والربع والثمن والثلث بالتخفيف { مما ~~ترك إن كان له ولد } هو يقع على الذكر والأنثى { فإن لم ~~يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } أي مما ~~ترك والمعنى وورثه أبواه فحسب، لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين كان ~~للأم ثلث ما يبقى بعد إخراج نصيب الزوج لا ثلث ما ترك، لأن الأب أقوى من ~~الأم في الإرث بدليل أن له ضعف حظها إذا خلصا. فلو ضرب لها الثلث كاملا ~~لأدى إلى حظ نصيبه عن نصيبها؛ فإن امرأة لو تركت زوجا وأبوين فصار للزوج ~~النصف وللأم الثلث والباقي للأب، حازت الأم سهمين والأب سهما واحدا ~~فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين. «فلأمه» بكسر الهمزة: ~~حمزة وعلي لمجاورة كسر اللام { فإن كان له } أي للميت { إخوة ~~فلأمه السدس } إذا كان للميت اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدا، ~~فلأمه السدس. # والأخ الواحد لا يحجب، والأعيان والعلات والأخياف في حجب الأم سواء { ~~من بعد وصية } متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما ~~يليه وحده كأنه قيل: قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية { يوصى بها } هو ~~وما بعده بفتح الصاد: مكي وشامي وحماد ويحيى وافق الأعشى في الأولى وحفص ~~في الثانية لمجاورة «يورث»، وكسر الأولى لمجاورة «يوصيكم الله ». ~~الباقون: بكسر الصادين أي يوصى بها الميت. { أو دين } والإشكال أن ~~الدين مقدم على الوصية في الشرع، وقدمت الوصية على الدين في التلاوة. ~~والجواب إن «أو» لا تدل على الترتيب، ألا ترى أنك إذا قلت «جاءني زيد أو ~~عمرو» كان المعنى جاءني أحد الرجلين فكان التقدير في قوله «من بعد وصية ~~يوصى بها» أو دين من بعد أحد هذين الشيئين: الوصية أو الدين. ولو قيل ~~بهذا اللفظ لم يدر فيه الترتيب، بل يجوز ms0254 تقديم المؤخر وتأخير المقدم كذا ~~هنا. وإنما قدمنا الدين على الوصية بقوله عليه السلام # " ألا إن الدين قبل الوصية " # ولأنها تشبه الميراث من حيث إنها صلة بلا عوض فكان إخراجها مما يشق على ~~الورثة، وكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فقدمت على الدين ليسارعوا ~~إلى إخراجها مع الدين { ءاباؤكم } مبتدأ { وأبناؤكم } عطف عليه ~~والخبر { لا تدرون } وقوله { أيهم } مبتدأ خبره { أقرب ~~لكم } والجملة في موضع نصب ب « تدرون» { نفعا } تمييز والمعنى: ~~فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم ~~أنفع لكم فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة، والتفاوت في السهام بتفاوت ~~المنافع وأنتم لا تدرون تفاوتها فتولى الله ذلك فضلا منه ولم يكلها إلى ~~اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير. وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لا موضع ~~لها من الإعراب { فريضة } نصبت نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضا { ~~من الله إن الله كان عليما } بالأشياء قبل خلقها { ~~حكيما } في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها. ### || [4.12-17] # { ولكم نصف ما ترك أزوجكم } أي زوجاتكم { إن لم ~~يكن لهن ولد } أي ابن أو بنت { فإن كان لهن ولد } ~~منكم أو من غيركم { فلكم الربع مما تركن من بعد ~~وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما ~~تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد ~~فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون ~~بها أو دين } والواحد والجماعة سواء في الربع والثمن، جعل ~~ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجة لدلالة قوله: «للذكر مثل حظ الأنثيين». { ~~وإن كان رجل } يعني للميت وهو اسم «كان» { يورث } من ورث أي ~~يورث منه وهو صفة ل «رجل» { كللة } خبر «كان» أي وإن كان رجل ~~موروث منه كلالة أو يورث خبر «كان» وكلالة حال من الضمير في يورث. ~~والكلالة تطلق على من لم يخلف ولدا ولا ولدا وعلى من ليس بولد ولا والد ~~من المخلفين، وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء ~~{ أو امرأة } عطف على ms0255 رجل { وله أخ أو أخت } أي لأم فإن ~~قلت: قد تقدم ذكر الرجل والمرأة فلم أفرد الضمير وذكره؟ قلت: أما إفراده ~~فلأن «أو» لأحد الشيئين، وأما تذكيره فلأنه يرجع إلى رجل لأنه مذكر مبدوء ~~به، أو يرجع إلى أحدهما وهو مذكر { فلكل وحد منهما السدس ~~فإن كانوا أكثر من ذلك } من واحد { فهم شركاء في ~~الثلث } لأنهم يستحقون بقرابة الأم وهي لا ترث أكثر من الثلث ولهذا ~~لا يفضل الذكر منهم على الأنثى { من بعد وصية يوصى بها ~~أو دين } إنما كررت الوصية لاختلاف الموصين، فالأول الوالدان ~~والأولاد، والثاني الزوجة، والثالث الزوج، والرابع الكلالة. { غير ~~مضار } حال أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته وذلك بأن يوصي بزيادة ~~على الثلث أو لوارث { وصية من الله } مصدر مؤكد أي يوصيكم بذلك ~~وصية { والله عليم } بمن جار أو عدل في وصيته { حليم } على ~~الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد. فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ ~~«يوصي بها»؟ قلت: يضمر «يوصي» فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل «يوصي بها» ~~علم أن ثم موصيا كما كان { رجال } فاعل ما يدل عليه # يسبح # )النور: 36) لأنه لما قيل { يسبح له } علم أن ثم مسبحا فأضمر ~~«يسبح». # واعلم أن الورثة أصناف أصحاب الفرائض وهم الذين لهم سهام مقدرة كالبنت ~~ولها النصف، وللأكثر الثلثان، وبنت الابن وإن سفلت وهي عند عدم الولد ~~كالبنت ولها مع البنت الصلبية السدس، وتسقط بالابن وبنتي الصلب إلا أن ~~يكون معها أو أسفل منها غلام فيعصبها، والأخوات لأب وأم وهن عند عدم ~~الولد وولد الابن كالبنات والأخوات لأب، وهن كالأخوات لأب وأم عند عدمهن، ~~ويصير الفريقان عصبة مع البنت أو بنت الابن، ويسقطن بالابن وابنه وإن ~~سفل، والأب وبالجد عند أبي حنيفة رحمه الله وولد الأم فللواحد السدس ~~وللأكثر الثلث، وذكرهم كأنثاهم ويسقطون بالولد وولد الابن وإن سفل والأب ~~والجد. # والأب وله السدس مع الابن أو ابن الابن وإن سفل، ومع البنت أو بنت الابن ~~وإن سفلت السدس والباقي. والجد وهو أبو ms0256 الأب وهو كالأب عند عدمه إلا في ~~رد الأم إلى ثلث ما يبقى، والأم ولها السدس مع الولد أو ولد الابن وإن ~~سفل، أو الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعدا من أي جهة كانا، وثلث الكل ~~عند عدمهم وثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين في زوج وأبوين أو زوجة ~~وأبوين. والجدة ولها السدس وإن كثرت لأم كانت أو لأب، والبعدى تحجب ~~بالقربى، والكل بالأم والأبويات بالأب، والزوج وله الربع مع الولد أو ولد ~~الابن وإن سفل، وعند عدمه النصف. والزوجة ولها الثمن مع الولد أو ولد ~~الابن وإن سفل وعند عدمه الربع. والعصبات وهم الذين يرثون ما بقي من ~~الفرض وأولاهم. الابن ثم ابنه وإن سفل، ثم الأب ثم أبوه وإن علا، ثم الأخ ~~لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم ~~الأعمام، ثم أعمام الأب، ثم أعمام الجد، ثم المعتق، ثم عصبته على ~~الترتيب. واللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بأخواتهن لا غيرهن. ~~وذوو الأرحام وهم الأقارب الذين ليسوا من العصبات ولا من أصحاب الفرائض ~~وترتيبهم كترتيب العصبات. # { تلك } إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا ~~والمواريث { حدود الله } سماها حدودا لأن الشرائع كالحدود ~~المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزها { ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنت تجري من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خلدا ~~فيها } انتصب «خالدين» و«خالدا» على الحال، وجمع مرة وأفرد أخرى نظرا ~~إلى معنى «من» ولفظها. «ندخله» فيهما: مدني وشامي { وله عذاب ~~مهين } لهوانه عند الله. ولا تعلق للمعتزلة بالآية فإنها في حق ~~الكفار إذ الكافر هو الذي تعدى الحدود كلها، وأما المؤمن العاصي فهو مطيع ~~بالإيمان غير متعد حد التوحيد ولهذا فسر الضحاك المعصية هنا بالشرك. ~~وقال الكلبي: ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمة المواريث ويتعد حدوده ~~استحلالا ثم خاطب الحكام فقال: # { واللفتى } هي جمع «التي» وموضعها رفع بالابتداء { يأتين ~~الفحشة } أي الزنا لزيادتها في ms0257 القبح على كثير من القبائح. يقال ~~أتى الفاحشة وجاءها ورهقها وغشيها بمعنى { من نسائكم } « من» ~~للتبعيض والخبر { فاستشهدوا عليهن } فاطلبوا الشهادة { ~~أربعة منكم } من المؤمنين { فإن شهدوا } بالزنا { ~~فأمسكوهن في البيوت } فاحبسوهن { حتى يتوفاهن ~~الموت } أي ملائكة الموت كقوله # الذين تتوفهم الملئكة # [النحل: 28] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن { أو يجعل ~~الله لهن } قيل «أو» بمعنى «إلا أن» { سبيلا } غير هذه. عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: السبيل للبكر جلد مائة وتغريب عام وللثيب الرجم ~~لقوله عليه السلام # " خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة " # والذان } يريد الزاني والزانية. وبتشديد النون: مكي { يأتينها ~~منكم } أي الفاحشة { فئاذوهما } بالتوبيخ والتعيير وقولوا لهما ~~أما استحييتما أما خفتما الله { فإن تابا } عن الفاحشة { وأصلحا ~~} وغير الحال { فأعرضوا عنهما } فاقطعوا التوبيخ والمذمة { ~~إن الله كان توابا رحيما } يقبل توبة التائب ويرحمه. قال ~~الحسن: أول ما نزل من حد الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم، فكان ~~ترتيب النزول على خلاف ترتيب التلاوة. والحاصل أنهما إذا كانا محصنين ~~فحدهما الرجم لا غير، وإذا كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير، وإن كان ~~أحدهما محصنا والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر ~~الجلد، وقال ابن بحر: الآية الأولى في السحاقات، والثانية في اللواطين، ~~والتي في سورة النور في الزاني والزانية وهو دليل ظاهر لأبي حنيفة رحمه ~~الله في أنه يعزر في اللواطة ولا يحد. وقال مجاهد: آية الأذى في اللواطة ~~{ إنما التوبة } هي من تاب الله عليه إذا قبل توبته أي إنما ~~قبولها { على الله } وليس المراد به الوجوب إذ لا يجب على الله شيء ~~ولكنه تأكيد للوعد يعني أنه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك { ~~للذين يعملون السوء } الذنب لسوء عقابه { بجهالة } في ~~موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء لأن ارتكاب القبيح مما يدعو ~~إليه السفه. وعن مجاهد: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن ms0258 جهالته. وقيل: ~~جهالته اختياره اللذة الفانية على الباقية. وقيل: لم يجهل أنه ذنب ولكنه ~~جهل كنه عقوبته. { ثم يتوبون من قريب } من زمان قريب وهو ما ~~قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله: «حتى إذا حضر أحدهم الموت». فبين أن ~~وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة. وعن الضحاك: كل توبة قبل ~~الموت فهو قريب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قبل أن ينظر إلى ملك ~~الموت. وعنه صلى الله عليه وسلم # " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # و«من» للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية ~~وبين حضرة الموت زمانا قريبا { فأولئك يتوب الله ~~عليهم } عدة بأنه يفي بذلك وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة { ~~وكان الله عليما } بعزمهم على التوبة { حكيما } حكم بكون ~~الندم توبة. ### || [4.18-23] # { وليست التوبة للذين يعملون السيئت حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } أي ولا ~~توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال التكليف بحضور أسباب ~~الموت ومعاينة ملك الموت، فإن توبة هؤلاء غير مقبولة لأنها حالة اضطرار ~~لا حالة اختيار، وقبول التوبة ثواب ولا وعد به إلا لمختار { ولا ~~الذين يموتون } في موضع جر بالعطف على «للذين يعملون السيئات» أي ~~ليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا للذين يموتون { وهم كفار } ~~قال سعيد بن جبير: الآية الأولى في المؤمنين، والوسطى في المنافقين، ~~والآخرى في الكافرين. وفي بعض المصاحف بلامين وهو مبتدأ خبره. { ~~أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } أي هيأنا من العتيد ~~وهو الحاضر أو الأصل أعددنا فقلبت الدال تاء. كان الرجل يرث امرأة مورثه ~~بأن يلقي عليها ثوبه فيتزوجها بلا مهر فنزلت { يأيها الذين ~~ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } أي أن ~~تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات « ~~كرها » بالفتح من الكراهة وبالضم: حمزة وعلي من الإكراه مصدر في موضع ~~الحال من المفعول. والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن ~~تخصيص ms0259 الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه كما في قوله: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملق # [الإسراء: 31]. وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع ~~سوء العشرة لتفتدي منه بمالها وتختلع فقيل { ولا تعضلوهن } وهو ~~منصوب عطفا على «أن ترثوا» و«لا» لتأكيد النفي أي لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء ولا أن تعضلوهن، أو مجزوم بالنهي على الاستئناف فيجوز الوقف حينئذ ~~على « كرها». والعضل: الحبس والتضييق { لتذهبوا ببعض ما ~~ءاتيتموهن } من المهر واللام متعلقة ب «تعضلوا» { إلا أن ~~يأتين بفاحشة } هي النشوز وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء أي إلا أن ~~يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع. وعن الحسن: الفاحشة ~~الزنا فإن فعلت حل لزوجها أن يسألها الخلع { مبينة } وبفتح الياء: ~~مكي وأبو بكر، والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له كأنه قيل: ولا ~~تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو لا تعضلوهن لعلة من ~~العلل إلا لأن يأتين بفاحشة. وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: { ~~وعاشروهن بالمعروف } وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال ~~في القول { فإن كرهتموهن } لقبحهن أو سوء خلقهن { فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه } في ذلك الشيء أو في ~~الكره { خيرا كثيرا } ثوابا جزيلا أو ولدا صالحا. والمعنى فإن ~~كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح ~~في الدين، وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك ولكن للنظر في أسباب ~~الصلاح. # وإنما صح قوله { فعسى أن تكرهوا } جزاء للشرط لأن المعنى: فإن ~~كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا ~~ليس فيما تحبونه. # وكان الرجل إذا رأى امرأة فأعجبته بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى ~~يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها فقيل: { وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج } أي تطليق امرأة وتزوج أخرى { ~~وءاتيتم إحدهن } وأعطيتم إحدى الزوجات، فالمراد بالزوج الجمع ~~لأن الخطاب لجماعة الرجال { قنطارا } مالا عظيما كما في «آل ~~عمران». وقال عمر رضي الله عنه على ms0260 المنبر: لا تغالوا بصدقات النساء. ~~فقالت امرأة: أنتبع قولك أم قول الله: { وءاتيتم إحدهن ~~قنطارا }. فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر، تزوجوا على ما شئتم { فلا ~~تأخذوا منه } من القنطار { شيئا أتأخذونه بهتنا ~~وإثما مبينا } أي بينا، والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح ~~تقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير. وانتصب بهتانا على ~~الحال أي باهتين وآثمين. ثم أنكر أخذ المهر بعد الإفضاء فقال { وكيف ~~تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } أي خلا بلا ~~حائل ومنه الفضاء، والآية حجة لنا في الخلوة الصحيحة أنها تؤكد المهر حيث ~~أنكر الأخذ وعلل بذلك { وأخذن منكم ميثقا غليظا } عهدا ~~وثيقا وهو قول الله تعالى: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن # [البقرة: 229]. والله تعالى أخذ هذا الميثاق عى عباده لأجلهن فهو ~~كأخذهن، أو قول النبي عليه السلام # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله " # ولما نزل «لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها» قالوا: تركنا هذا لا نرثهن ~~كرها ولكن نخطبهن فننكحهن برضاهن فقيل لهم: # { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء } وقيل: ~~المراد بالنكاح الوطء أي لا تطئوا ما وطيء آباؤكم، وفيه تحريم وطء موطوءة ~~الأب بنكاح أو بملك يمين أو بزنا كما هو مذهبنا وعليه كثير من المفسرين. ~~ولما قالوا: كنا نفعل ذلك فكيف حال ما كان منا؟ قال: { إلا ما قد ~~سلف } أي لكن ما قد سلف فإنكم لا تؤاخذون به، والاستثناء منقطع عن ~~سيبويه. ثم بين صفة هذا العقد في الحال فقال { إنه كان فاحشة } ~~بالغة في القبح { ومقتا } وبغضا عند الله وعند المؤمنين وناس منهم ~~يمقتونه من ذوي مروآتهم ويسمونه نكاح المقت وكان المولود عليه يقال له ~~المقتى { وساء سبيلا } وبئس الطريق طريقا ذلك. # ولما ذكر في أول السورة نكاح ما طاب أي حل من النساء وذكر بعض ما حرم ~~قبل هذا وهو نساء الآباء ذكر المحرمات الباقيات وهن سبع من النسب وسبع من ~~السبب، وبدأ بالنسب فقال: ms0261 # { حرمت عليكم أمهتكم } والمراد تحريم نكاحهن عند ~~البعض، وقد ذكرنا المختار في شرح المنار. # والجدة من قبل الأم أو الأب ملحقة بهن { وبنتكم } وبنات الابن ~~وبنات البنت ملحقات بهن، والأصل أن الجمع إذا قوبل بالجمع ينقسم الآحاد ~~على الآحاد فتحرم على كل واحد أمه وبنته { وأخوتكم } لأب وأم أو ~~لأب أو لأم { وعمتكم } من الأوجه الثلاثة { وخلتكم } ~~كذلك { وبنات الأخ } كذلك { وبنات الأخت } كذلك. ثم شرع في ~~السبب فقال { وأمهتكم التي أرضعنكم وأخوتكم ~~من الرضاعة } الله تعالى نزل الرضاعة منزلة النسب فسمى المرضعة، ~~أما للرضيع والمراضعة أختا وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته ~~عمته وكل ولد ولد له من غير الرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته وأخواته ~~لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم ~~إخوته وأخواته لأبيه وأمه ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، ~~وأصله قوله عليه السلام # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # { وأمهت نسائكم } وهن محرمات بمجرد العقد { ~~وربائبكم } سمى ولد المرأة من غير زوجها ربيبا وربيبة لأنه ~~يربهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم ~~يربهما { التى في حجوركم } قال داود: إذ لم تكن في حجره لا ~~تحرم. قلنا: ذكر الحجر على غلبة الحال دون الشرط، وفائدته التعليل ~~للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم كأنكم في العقد على ~~بناتهن عاقدون على بناتكم { من نسائكم اللتي دخلتم ~~بهن } متعلق ب «ربائبكم» أي الربيبة من المرأة المدخول بها حرام على ~~الرجل حلال له إذا لم يدخل بها. والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم «بنى ~~عليها وضرب عليها الحجاب» أي أدخلتموهن الستر والباء للتعدية. واللمس ~~ونحوه يقوم مقام الدخول، وقد جعل بعض العلماء « اللاتي دخلتم بهن» وصفا ~~للنساء المتقدمة والمتأخرة وليس كذلك، لأن الوصف الواحد لا يقع على ~~موصوفين مختلفي العامل، وهذا لأن النساء الأولى مجرورة بالإضافة، ~~والثانية ب «من»، ولا يجوز أن تقول «مررت بنسائك وهربت من نساء زيد ms0262 ~~الظريفات» على أن تكون الظريفات نعتا لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء كذا ~~قال الزجاج وغيره، وهذا أولى مما قاله صاحب الكشاف فيه. { فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } فلا حرج عليكم ~~في أن تتزوجوا بناتهن إذا فارقتموهن أو متن { وحلئل أبنائكم ~~} جمع حليلة وهي الزوجة لأن كل واحد منهما يحل للآخر، أو يحل فراش الآخر ~~من الحل، أو من الحلول { الذين من أصلبكم } دون من تبنيتم ~~فقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب حين فارقها زيد وقال الله ~~تعالى: # لكى لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم # [الأحزاب: 37]. وليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن من الرضاع { وأن ~~تجمعوا بين الأختين } أي في النكاح وهو في موضع الرفع عطف ~~على المحرمات أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين { إلا ما قد سلف ~~} ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله { إن الله كان غفورا ~~رحيما } وعن محمد بن الحسن رحمه الله أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون ~~هذه المحرمات إلا نكاح امرأة الأب ونكاح الأختين فلذا قال فيهما:. # «إلا ما قد سلف» ### || [4.24-35] # { والمحصنت من النساء } أي ذوات الأزواج لأنهن أحصن ~~فروجهن بالتزوج. قرأ الكسائي بفتح الصاد هنا وفي سائر القرآن بكسرها ~~وغيره بفتحها في جميع القرآن { إلا ما ملكت أيمنكم } ~~بالسبي وزوجها في دار الحرب. والمعنى وحرم عليكم نكاح المنكوحات أي ~~اللاتي لهن أزواج إلا ما ملكتموهن بسبيهن وإخراجهن بدون أزواجهن لوقوع ~~الفرقة بتباين الدارين لا بالسبي، فتحل الغنائم بملك اليمين بعد ~~الاستبراء { كتب الله عليكم } مصدر مؤكد أي كتب الله ذلك ~~عليكم كتابا وفرضه فريضة وهو تحريم ما حرم وعطف { وأحل لكم } ~~على الفعل المضر الذي نصب كتاب الله أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحل ~~لكم { ما وراء ذلكم } ما سوى الحرمات المذكورة. «وأحل»: كوفي غير ~~أبي بكر عطف على «حرمت» { أن تبتغوا } مفعول له أي بين لكم ما يحل ~~مما يحرم لأن تبتغوا، أو بدل مما «وراء ذلكم» ومفعول «تبتغوا» مقدر وهو ~~النساء، والأجود أن لا ms0263 يقدر { بأموالكم } يعني المهور، وفيه دليل على أن ~~النكاح لا يكون إلا بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح ~~مهرا، وأن القليل لا يصلح مهرا إذ الحبة لا تعد مالا عادة { ~~محصنين } في حال كونكم محصنين { غير مسفحين } لئلا ~~تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم، ~~ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين. والإحصان العفة وتحصين النفس من ~~الوقوع في الحرام، والمسافح الزاني من السفح وهو صب المني { فما ~~استمتعتم به منهن } فما نكحتموه منهن { فئاتوهن ~~أجورهن } مهورهن لأن المهر ثواب على البضع ف «ما» في معنى النساء ~~و«من» للتبعيض أو للبيان ويرجع الضمير إليه على اللفظ في «به» وعلى ~~المعنى في «فآتوهن» { فريضة } حال من الأجور أي مفروضة، أو وضعت موضع ~~إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة. { ولا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } فيما ~~تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله، أو يزيد لها على مقداره، أو فيما ~~تراضيا به من مقام أو فراق { إن الله كان عليما } بالأشياء ~~قبل خلقها { حكيما } فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي به حفظت ~~الأنساب. وقيل: إن قوله «فما استمتعتم» نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة ~~أيام حين فتح الله مكة على رسوله ثم نسخت. # { ومن لم يستطع منكم طولا } فضلا. يقال «لفلان علي ~~طول» أي فضل وزيادة وهو مفعول «يستطع» { أن ينكح } مفعول الطول فإنه ~~مصدر فيعمل عمل فعله أو بدل من «طولا» { المحصنت ~~المؤمنت } الحرائر المسلمات { فمن ما ملكت ~~أيمنكم من فتيتكم المؤمنت } أي فلينكحن مملوكة ~~من الإماء المسلمات. # وقوله: «من فتياتكم». أي من فتيات المسلمين والمعنى: ومن لم يستطع زيادة ~~في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة، ونكاح الأمة الكتابية ~~يجوز عندنا والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط في ~~الحرائر اتفاقا مع التقييد به. وقال ابن عباس: ومما وسع الله على هذه ~~الأمة نكاح الأمة واليهودية ms0264 والنصرانية وإن كان موسرا، وفيه دليل لنا في ~~مسألة الطول { والله أعلم بإيمنكم } فيه تنبيه على قبول ~~ظاهر إيمانهن، ودليل على أن الإيمان هو التصديق دون عمل اللسان لأن العلم ~~بالإيمان المسموع لا يختلف { بعضكم من بعض } أي لا تستنكفوا من ~~نكاح الإماء فكلكم بنو آدم، وهو تحذير عن التعيير بالأنساب والتفاخر ~~بالأحساب { فانكحوهن بإذن أهلهن } سادتهن وهو حجة لنا في ~~أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم، وأنه ~~ليس للعبد أو للأمة أن يتزوج إلا بإذن المولى { ومن لم يستطع } ~~وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وإضرار وملاك مهورهن مواليهن، فكان أداؤها ~~إليهن أداء إلى الموالي لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، أو التقدير: ~~وآتوا مواليهن فحذف المضاف { محصنت } عفائف حال من المفعول في ~~و«آتوهن» { غير مسفحت } زوان علانية { ولا متخذات ~~أخدان } زوان: سرا والأخدان: الأخلاء في السر { أخدان فإذا ~~أحصن } بالتزويج. «أحصن»: كوفي غير حفص { فإن أتين ~~بفحشة } زنا { فعليهن نصف ما على المحصنت } ~~أي الحرائر { من العذاب } من الحد يعني خمسين جلدة، وقوله: «نصف ما ~~على المحصنات ». يدل على أنه الجلد لا الرجم لأن الرجم لا يتنصف، وأن ~~المحصنات هنا الحرائر اللاتي لم يزوجن { ذلك } أي نكاح الإماء { ~~لمن خشى العنت منكم } لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة ~~الشهوة. وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ~~ضرر أعظم من مواقعة المآثم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الزنا لأنه ~~سبب الهلاك. { وأن تصبروا } في محل الرفع على الابتداء أي وصبركم ~~عن نكاح الإماء متعففين { خير لكم } لأن فيه إرقاق الولد، ولأنها ~~خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة وذلك كله نقصان يرجع إلى الناكح ومهانة والعزة ~~من صفات المؤمنين، وفي الحديث # " الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت " # { والله غفور } يستر المحظور { رحيم } يكشف المحظور { ~~يريد الله ليبين لكم } أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت ~~اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في «لا أبالك» لتأكيد إضافة الأب. ~~والمعنى: يريد الله ms0265 أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفاضل ~~أعمالكم { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } وأن يهديكم ~~مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم ~~لتقتدوا بهم { ويتوب عليكم } ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من ~~الخلاف { والله عليم } بمصالح عباده { حكيم } فيما شرع لهم { ~~والله يريد أن يتوب عليكم } التكرير للتأكيد والتقرير ~~والتقابل { ويريد } الفجرة { الذين يتبعون الشهوت أن ~~تميلوا ميلا عظيما } وهو الميل عن القصد والحق، ولا ميل أعظم ~~منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات. # وقيل: هم اليهود لاستحلالهم الأخوات لأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما ~~حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم ~~حرام، فانكحوا بنات الأخت والأخ فنزلت. يقول: يريدون أن تكونوا زناة ~~مثلهم { يريد الله أن يخفف عنكم } بإحلال نكاح الأمة ~~وغيره من الرخص { وخلق الإنسن ضعيفا } لا يصبر على الشهوات ~~وعلى مشاق الطاعات. { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا ~~أمولكم بينكم بالبطل } بما لم تبحه الشريعة من نحو ~~السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا { إلا أن تكون ~~تجرة } إلا أن تقع تجارة.« تجارة»: كوفي أي إلا أن تكون التجارة ~~تجارة { عن تراض منكم } صفة ل «تجارة» أي تجارة صادرة عن تراض ~~بالعقد أو بالتعاطي. والاستثناء منقطع معناه ولكن اقصدوا كون تجارة عن ~~تراض، أو ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه. وخص التجارة بالذكر لأن ~~أسباب الرزق أكثرها متعلق بها، والآية تدل على جواز البيع بالتعاطي وعلى ~~جواز البيع الموقوف إذا وجدت الإجازة لوجود الرضا، وعلى نفي خيار المجلس ~~لأن فيها إباحة الاكل بالتجارة عن تراض من غير تقييد بالتفرق عن مكان ~~العقد والتقييد به زيادة عن النص { ولا تقتلوا أنفسكم } من ~~كان من جنسكم من المؤمنين لأن المؤمنين كنفس واحدة، أو ولا يقتل الرجل ~~نفسه كما يفعله الجهلة، أو معنى القتل أكل الأموال بالباطل فظالم غيره ~~كمهلك نفسه، أو لا تتبعوا أهواءها فتقتلوها أو تركبوا ما يوجب القتل { ~~إن الله كان بكم رحيما } ولرحمته بكم نبهكم ms0266 على ما فيه ~~صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم. وقيل: معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم ~~أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد رحيما ~~حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة. # { ومن يفعل ذلك } أي القتل أي ومن يقدم على قتل الأنفس { ~~عدونا وظلما } لا خطأ ولا قصاصا وهما مصدران في موضع الحال أو ~~مفعول لهما { فسوف نصليه نارا } ندخله نارا مخصوصة شديدة ~~العذاب { وكان ذلك } أي إصلاؤه النار { على الله يسيرا } ~~سهلا وهذا الوعيد في حق المستحيل للتخليد، وفي حق غيره لبيان استحقاقه ~~دخول النار مع وعد الله بمغفرته. # { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئتكم } عن ابن مسعود رضي الله عنهما: الكبائر كل ما نهى الله ~~عنه من أول سورة النساء إلى قوله:« إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه». وعنه ~~أيضا: الكبائر ثلاث: الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر ~~الله. وقيل: المراد بها أنواع الكفر بدليل قراءة عبد الله «كبير ما تنهون ~~عنه» وهو الكفر { وندخلكم مدخلا } «مدخلا»: مدني وكلاهما ~~بمعنى المكان والمصدر كريما «حسنا». وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ثمان ~~آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.« يريد ~~الله ليبين لكم». «والله يريد أن يتوب عليكم». «يريد الله أن يخفف ~~عنكم».« إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ». «إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به». «إن الله لا يظلم مثقال ذرة». «ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه». ~~«ما يفعل الله بعذابكم». وتشبث المعتزلة بالآية على أن الصغائر واجبة ~~المغفرة باجتناب الكبائر، وعلى أن الكبائر غير مغفورة باطل، لأن الكبائر ~~والصغائر في مشيئته تعالى سواء إن شاء عذب عليهما وإن شاء عفا عنهما ~~لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # فقد وعد المغفرة لما دون الشرك وقرنها بمشيئته تعالى. وقوله: # إن الحسنت يذهبن السيئت # [هود: 114]. فهذه الآية تدل على أن الصغائر والكبائر يجوز أن يذهبا ~~بالحسنات ms0267 لأن لفظ السيئات ينطبق عليهما. # ولما كان أخذ مال الغير بالباطل وقتل النفس بغير حق بتمني مال الغير ~~وجاهه نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال ~~بقوله { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض } لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال ~~العباد وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما ~~قسم له ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ~~ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنى مثل ما لغيره وهو مرخص فيه، والأول ~~منهي عنه. ولما قال الرجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء ~~كالميراث، قالت النساء: يكون وزرنا على نصف وزر الرجال كالميراث نزل { ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما ~~اكتسبن } أي ليس ذلك على حسب الميراث { واسألوا الله من ~~فضله } فإن خزائنه لا تنفد ولا تتمنوا ما للناس من الفضل { إن ~~الله كان بكل شيء عليما } فالتفضيل منه عن علم بمواضع ~~الاستحقاق. قال ابن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي وفي الحديث # " من لم يسأل الله من فضله غضب عليه " # وفيه # " إن الله تعالى ليمسك الخير الكثير عن عبده ويقول: لا أعطي عبدي حتى ~~يسألني " # « وسلوا»: مكي وعلي { ولكل } المضاف إليه محذوف تقديره ولكل أحد أو ~~ولكل مال { جعلنا موالي } وراثا يلونه ويحرزونه { مما ~~ترك الولدن والأقربون } هو صفة مال محذوف أي لكل مال مما ~~تركه الوالدان، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه الموالي تقديره: يرثون ~~مما ترك { والذين عقدت أيمنكم } عاقدتهم أيديكم وهو ~~مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره وهو { فئاتوهم نصيبهم } مع ~~الفاء.«عقدت»: كوفي أي عقدت عهودهم أيمانكم والمراد به عقد الموالاة وهي ~~مشروعة. والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة رضي الله عنهم وهو قولنا. ~~وتفسيره إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول ~~لآخر: واليتك على أن تعقلني إذا ms0268 جنيت وترث مني إذا مت. ويقول الآخر: ~~قبلت. انعقد ذلك ويرث الأعلى من الأسفل { إن الله كان على ~~كل شيء شهيدا } أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد. # { الرجال قوامون على النساء } يقومون عليهن آمرين ناهين كما ~~يقوم الولاة على الرعايا وسموا قواما لذلك { بما فضل الله ~~بعضهم على بعض } الضمير في «بعضهم» للرجال والنساء يعني إنما ~~كانوا مسيطرين عليهن لسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال على بعض وهم ~~النساء بالعقل والعزم والحزم والرأي والقوة والغزو وكمال الصوم والصلاة ~~والنبوة والخلافة والإمامة والأذان والخطبة والجماعة والجمعة وتكبير ~~التشريق عند أبي حنيفة رحمه الله والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف ~~الميراث والتعصيب فيه وملك النكاح والطلاق وإليهم الانتساب وهم أصحاب ~~اللحى والعمائم. { وبما أنفقوا من أمولهم } وبأن نفقتهن ~~عليهم وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم. ثم قسمهن على نوعين. النوع الأول { ~~فالصلحت قنتت } مطيعات قائمات بما عليهن للأزواج { ~~حفظت للغيب } لمواجب الغيب وهو خلاف الشهادة أي إذ كان ~~الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج ~~والبيوت والأموال. وقيل: للغيب لأسرارهم { بما حفظ الله } بما ~~حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج بقوله: # وعاشروهن بالمعروف # [النساء: 19]. أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب، أو بحفظ ~~الله إياهن حيث صيرهن كذلك. والثاني { والتى تخافون ~~نشوزهن } عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج. والنشز: المكان المرتفع ~~والنبوة. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو أن تستخف بحقوق زوجها ولا تطيع ~~أمره { فعظوهن } خوفوهن عقوبة الله تعالى. والضرب والعظة كلام يلين ~~القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة { واهجروهن في ~~المضاجع } في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف وهو كناية عن ~~الجماع، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع { ~~واضربوهن } ضربا غير مبرح. # أمر بوعظهن أولا ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن ~~الوعظ والهجران { فإن أطعنكم } بترك النشوز { فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا } فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى و«سبيلا» مفعول ~~«تبغوا» وهو من بغيت الأمر ms0269 أي طلبته { إن الله كان عليا ~~كبيرا } أي إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من ~~قدرتكم عليهن فاجتنبوا ظلمهن، أو إن الله كان عليا كبيرا وإنكم تعصونه ~~على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن ~~يجني عليكم إذا رجع. # ثم خاطب الولاة بقوله { وإن خفتم شقاق بينهما } أصله ~~«شقاقا بينهما» فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله: # بل مكر اليل والنهار # [سبأ: 33]. وأصله بل مكر في الليل والنهار. والشقاق: العداوة والخلاف، ~~لأن كلا منهما يفعل ما يشق على صاحبه، أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق ~~صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال ~~والنساء { فابعثوا حكما من أهله } رجلا يصلح للحكومة ~~والإصلاح بينها { وحكما من أهلها } وإنما كان بعث الحكمين من ~~أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن ~~إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. ~~والضمير في { إن يريدا إصلحا } للحكمين، وفي { يوفق ~~الله بينهما } للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما ~~صحيحة بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة ~~والوفاق، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق. أو الضميران للحكمين أي إن ~~قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، يوفق الله بينهما فيتفقان على ~~الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد. أو الضميران ~~للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير وأن يزول عنهما الشقاق، ~~يلق الله بينهما الألفة وأبدلهما بالشقاق الوفاق وبالبغضاء المودة { ~~إن الله كان عليما } بإرادة الحكمين { خبيرا } بالظالم من ~~الزوجين وليس لهما ولاية التفريق عندنا خلافا لمالك رحمه الله. ### || [4.36-46] # { واعبدوا الله } قيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا ~~بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود { ولا تشركوا به ~~شيئا } صنما وغيره ويحتمل المصدر أي إشراكا { وبالولدين ~~إحسنا } وأحسنوا بهما إحسانا بالقول والفعل والإنفاق عليهما عند ~~الاحتياج { وبذى القربى } وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم ms0270 ~~أو غيرهما { واليتمى والمسكين والجار ذي ~~القربى } الذي قرب جواره { والجار الجنب } أي الذي جواره ~~بعيد أو الجار القريب النسيب، والجار الجنب الأجنبي { والصحب ~~بالجنب } أي الزوجة: عن علي رضي الله عنه. أو الذي صحبك بأن حصل ~~بجنبك إما رفيقا في سفر أو شريكا في تعلم علم أو غيره أو قاعدا إلى ~~جنبك في مجلس أو مسجد { وابن السبيل } الغريب أو الضعيف { وما ~~ملكت أيمنكم } العبيد والإماء { إن الله لا يحب ~~من كان مختالا } متكبرا يأنف عن قرابته وجيرانه فلا يلتفت إليهم ~~{ فخورا } يعدد مناقبه كبرا فإن عدها اعترافا كان شكورا { ~~الذين يبخلون } نصب على البدل من «من كان مختالا فخورا» ~~وجمع على معنى «من» أو على الذم، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره ~~«هم الذين يبخلون» { ويأمرون الناس بالبخل } «بالبخل»: ~~حمزة وعلي وهما لغتان كالرشد والرشد أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي ~~غيرهم فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء. قيل: البخل أن يأكل بنفسه ~~ولا يؤكل غيره، والشح أن لا يأكل ولا يؤكل، والسخاء أن يأكل ويؤكل، ~~والجود أن يؤكل ولا يأكل. { ويكتمون ما ءاتهمالله من ~~فضله } ويخفون ما أنعم الله عليهم به من المال وسعة الحال، وفي ~~الحديث # " إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يرى نعمته على عبده " # وبنى عامل للرشيد قصرا حذاء قصره فنم به فقال الرجل: يا أمير المؤمنين ~~إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك ~~فأعجبه كلامه. وقيل: نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه ~~السلام. { وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا } أي يهانون ~~به في الآخرة. { والذين ينفقون أمولهم } معطوف على ~~«الذين يبخلون» أو على «الكافرين» { رئاء الناس } مفعول له أي ~~للفخار وليقال ما أجودهم لا لابتغاء وجه الله وهم المنافقون أو مشركو مكة ~~{ ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن ~~الشيطن له قرينا فساء قرينا } حيث حملهم على البخل ~~والرياء وكل شر، ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن ms0271 بهم في النار ~~{ وماذا عليهم لو ءامنوا بالله واليوم الآخر ~~وأنفقوا مما رزقهم الله } وأي تبعة ووبال عليهم في ~~الإيمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ~~ومصلحة في ذلك، وهذا كما يقال للعاق «ما ضرك لو كنت بارا» وقد علم أنه ~~لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ { وكان الله بهم عليما } ~~وعيد. # { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } هي النملة الصغيرة. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه ~~فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة. وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ~~ذرة. { وإن تك حسنة } وإن يك مثقال الذرة حسنة. وإنما أنث ضمير ~~المثقال لكونه مضافا إلى مؤنث. «حسنة»: حجازي على «كان» التامة، وحذفت ~~النون من «تكن» تخفيفا لكثرة الاستعمال { يضعفها } يضاعف ثوابها. ~~«يضعفها»: مكي وشامي { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } ويعط ~~صاحبها من عنده ثوابا عظيما، وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع ~~أنه سمى متاع الدنيا قليلا. وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب ~~الكبيرة مع أن له حسنات كثيرة. { فكيف } يصنع هؤلاء الكفرة من الهيود ~~وغيرهم { إذا جئنا من كل أمة بشهيد } يشهد عليهم بما ~~فعلوا وهو نبيهم { وجئنا بك } يا محمد { على هؤلاء } أي ~~أمتك { شهيدا } حال أي شاهدا على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر ~~وعلى من نافق بالنفاق. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ سورة النساء ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله:« وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا». فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " حسبنا # . " # { يومئذ } ظرف لقوله { يود الذين كفروا } بالله { ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } لو يدفنون فتسوى ~~بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض ~~سواء، أو تصير البهائم ترابا فيودون حالها.« تسوى» بفتح التاء وتخفيف ~~السين والإمالة وحذف إحدى التاءين من «تتسوى»: حمزة وعلي. «تسوى» بإدغام ~~التاء في السين: مدني وشامي ms0272 { ولا يكتمون الله حديثا } ~~مستأنف أي ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. ولما صنع عبد ~~الرحمن بن عوف طعاما وشرابا ودعا نفرا من الصحابة رضي الله عنهم حين ~~كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا فقدموا أحدهم ليصلي بهم المغرب فقرأ «قل ~~يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد» ونزل: { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم ~~سكرى } أي لا تقربوها في هذه الحالة { حتى تعلموا ما ~~تقولون } أي تقرأون، وفيه دليل على أن ردة السكران ليست بردة، لأن ~~قراءة سورة «الكافرين» بطرح اللامات كفر ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم ~~الإيمان، وما أمر النبي عليه السلام بالتفريق بينه وبين امرأته ولا ~~بتجديد الإيمان، ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه ~~مخطئا لا يحكم بكفره { ولا جنبا } عطف على «وأنتم سكارى» لأن محل ~~الجملة مع الواو النصب على الحال كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا ~~جنبا أي ولا تصلوا جنبا. # والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى ~~المصدر الذي هو الإجناب { إلا عابري سبيل } صفة لقوله «جنبا» ~~أي لا تقربوا الصلاة جنبا غير عابري سبيل أي جنبا مقيمين غير مسافرين، ~~والمراد بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين ~~{ حتى تغتسلوا } إلا أن تكونوا مسافرين عادمين الماء متيممين، ~~عبر عن المتيمم بالمسافر لأن غالب حاله عدم الماء وهذا مذهب أبي حنيفة ~~رحمه الله، وهو مروي عن علي رضي الله عنه. وقال الشافعي رحمه الله: لا ~~تقربوا الصلاة أي مواضع الصلاة وهي المساجد، ولا جنبا أي ولا تقربوا ~~المسجد جنبا إلا عابري سبيل إلا مجتازين فيه، فيجوز للجنب العبور في ~~المسجد عند الحاجة. { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جاء أحد منكم من الغآئط } أي المطمئن من الأرض وكانوا ~~يأتونه لقضاء الحاجة فكنى بن عن الحدث { أو لمستم النساء } ~~جامعتموهن كذا عن علي رضي الله عنه وابن عباس { فلم تجدوا ماء } ~~فلم تقدروا على استعماله ms0273 لعدمه أو بعده أو فقد آلة الوصول إليه أو لمانع ~~من حية أو سبع أو عدو { فتيمموا } أدخل في حكم الشرط أربعة وهم: المرضى ~~والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة. والجزاء الذي هو الأمر بالتيمم متعلق ~~بهم جميعا؛ فالمرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه، ~~والمسافرون إذا عدموه لبعده، والمحدثون وأهل الجنابة إذا لم يجدوه لبعض ~~الأسباب فلهم أن يتيمموا. «لمستم»: حمزة وعلي { صعيدا } قال الزجاج: ~~هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره، وإن كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب ~~المتيمم يده ومسح لكان ذلك طهوره. و «من» في سورة المائدة لابتداء الغاية ~~لا للتبعيض { طيبا } طاهرا { فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم } قيل: الباء زائدة { إن الله كان عفوا } ~~بالترخيص والتيسير { غفورا } عن الخطأ والتقصير. # { ألم تر } من رؤية القلب وعدي «بإلى» على معنى «ألم ينته علمك ~~إليهم» أو بمعنى «ألم تنظر إليهم» { إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتب } حظا من علم التوراة وهم أحبار اليهود { يشترون ~~الضللة } يستبدلونها بالهدى وهوالبقاء على اليهودية بعد وضوح ~~الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي ~~العربي المبشر به في التوراة والإنجيل { ويريدون أن تضلوا } ~~أنتم أيها المؤمنون { السبيل } أي سبيل الحق كما ضلوه { والله ~~أعلم } منكم { بأعدائكم } وقد أخبركم بعداوة هؤلاء فاحذروهم ~~ولا تستنصحوهم في أموركم { وكفى بالله وليا } في النفع { ~~وكفى بالله نصيرا } في الدفع فثقوا بولايته ونصرته دونهم، أو ~~لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم. # و «وليا» و «نصيرا» منصوبان على التمييز أو على الحال. # { من الذين هادوا } بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب، أو ~~بيان لأعدائكم، وما بينهما اعتراض، أن يتعلق بقوله «نصيرا» أي ينصركم من ~~الذين هادوا كقوله # ونصرنه من القوم الذين كذبوا بئايتنا # [الأنبياء: 77] أو يتعلق بمحذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون ~~الكلم، فقوم مبتدأ و«يحرفون» صفة له، والخبر « من الذين هادوا»مقدم عليه، ~~وحذف الموصوف وهو قوم وأقيم صفته، وهو { يحرفون الكلم عن ~~موضعه } يميلونه عنها ويزيلونه ms0274 لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما ~~غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها وأزالوه ~~عنها مقامه وذلك نحو تحريفهم «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم ~~«آدم طوال» مكانه. ثم ذكر هنا «عن مواضعه» وفي المائدة # من بعد موضعه # [المائدة: 41] فمعنى «عن مواضعه» على ما بينا من إزالته عن مواضعه التي ~~أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه، ومعنى ~~{ من بعد موضعه } أنه كانت له مواضع هو جدير بأن يكون فيها، ~~فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره والمعنيان ~~متقاربان { ويقولون سمعنا } قولك { وعصينا } أمرك قيل ~~أسروا به { واسمع } قولنا { غير مسمع } حال من المخاطب أي ~~اسمع وأنت غير مسمع وهو قول ذو وجهين يحتمل الذم أي اسمع منا مدعوا عليك ~~بلا سمعت، لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئا فكان أصم غير مسمع، ~~قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم «لا سمعت» دعوة مستجابة، أو اسمع غير ~~مجاب إلى ما تدعوه إليه ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك فكأنك لم تسمع ~~شيئا، أو إسمع غير مسمع كلاما ترضاه فسمعك عنه ناب. ويحتمل المدح أي ~~اسمع غير مسمع مكروها من قولك «أسمع فلان فلانا» إذا سبه. وكذلك قوله { ~~ورعنا } يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل شبه كلمة ~~عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي «راعينا» فكانوا سخرية بالدين ~~وهزؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ينوون به ~~الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام { ليا بألسنتهم ~~} فتلا بها وتحريفا أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ~~«راعنا» موضع «انظرنا» و«غير مسمع» موضع «لا أسمعت مكروها»، أو يفتلون ~~بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا { ~~وطعنا في الدين } هو قولهم: «لو كان نبيا حقا لأخبر بما نعتقد ~~فيه» { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } ولم يقولوا ~~وعصينا { واسمع } ولم يلحقوا به غير مسمع { وانظرنا } مكان ~~«راعنا» { لكان } قولهم ذاك { خيرا لهم ms0275 } عند الله { ~~وأقوم } وأعدل وأسد { ولكن لعنهم الله بكفرهم } ~~طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر { فلا يؤمنون إلا ~~قليلا } منهم قد آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إلا إيمانا ~~قليلا ضعيفا لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره. ### || [4.47-62] # ولما لم يؤمنوا نزل { يأيها الذين أوتوا الكتب ~~ءامنوا بما نزلنا } يعني القرآن { مصدقا لما معكم ~~} يعني التوراة { من قبل أن نطمس وجوها } أي نمحو تخطيط ~~صورها من عين وحاجب وأنف وفم { فنردها على أدبرها } ~~فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن ~~جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر، ردها على ~~أدبارها بعد طمسها فالمعنى: أن نطمس وجوها فننكس الوجوه إلى خلف ~~والأقفاء إلى قدام. وقيل: المراد بالطمس القلب والتغيير كما طمس أموال ~~القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال ~~وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم { أو ~~نلعنهم كما لعنا أصحب السبت } أي نخزيهم بالمسخ ~~كما مسخنا أصحاب السبت. والضمير يرجع إلى الوجوه إن أريد الوجهاء، أو إلى ~~الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات. والوعيد كان معلقا بأن لا يؤمن ~~كلهم وقد آمن بعضهم فإن ابن سلام قد سمع الآية قافلا من الشام فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم مسلما قبل أن يأتي أهله وقال: ما كنت أرى أن ~~أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي. أو أن الله تعالى أوعدهم بأحد ~~الأمرين: بطمس الوجوه أو بلعنهم، فإن كان الطمس تبدل أحوال رؤسائهم فقد ~~كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان. ~~وقيل: هو منتظر في اليهود { وكان أمر الله } أي المأمور به وهو ~~العذاب الذي أوعدوا به { مفعولا } كائنا لا محالة فلا بد أن يقع أحد ~~الأمرين إن لم يؤمنوا. # { إن الله لا يغفر أن يشرك به } إن مات عليه { ~~ويغفر ما دون ذلك } أي ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم ~~التوبة، والحاصل أن الشرك ms0276 مغفور عنه بالتوبة، وأن وعد غفران ما دونه لمن ~~لم يتب أي لا يغفر لمن يشرك وهو مشرك ويغفر لمن يذنب وهو مذنب. قال النبي ~~عليه السلام # " من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا دخل الجنة ولم تضره خطيئته " # وتقييده بقوله { لمن يشاء } لا يخرجه عن عمومه كقوله: # الله لطيف بعباده يرزق من يشاء # [الشورى: 19]. قال علي رضي الله عنه: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه ~~الآية. وحمل المعتزلة على التائب باطل لأن الكفر مغفور عنه بالتوبة لقوله ~~تعالى: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]. فما دونه أولى من أن يغفر بالتوبة. والآية سيقت لبيان ~~التفرقة بينهما وذا فيما ذكرنا { ومن يشرك بالله فقد ~~افترى إثما عظيما } كذب كذبا عظيما استحق به عذابا أليما. # ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصرى # [البقرة: 111]. { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } ~~ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى { ~~بل الله يزكي من يشاء } إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد ~~بها لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية ونحوه: # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32]. { ولا يظلمون } أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على ~~تزكية أنفسهم حق جزائهم، أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ~~ثوابهم { فتيلا } قدر فتيل وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ. { ~~انظر كيف يفترون على الله الكذب } في زعمهم أنهم عند ~~الله أزكياء { وكفى به } بزعمهم هذا { إثما مبينا } من بين ~~سائر آثامهم. # { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } ~~يعني اليهود { يؤمنون بالجبت } أي الأصنام وكل ما عبدوه من دون ~~الله { والطغوت } الشيطان { ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا } وذلك أن حيي بن ~~أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون ~~قريشا ms0277 على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنتم أهل الكتاب ~~وأنتم إلى محمد أقرب منا وهو أقرب منكم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا ~~لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا، فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم ~~سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس عليه اللعنة فيما فعلوا. فقال أبو سفيان: ~~أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقال كعب: أنتم أهدى سبيلا. { أولئك ~~الذين لعنهم الله } أبعدهم من رحمته { ومن يلعن ~~الله فلن تجد له نصيرا } يعتد بنصره. ثم وصف اليهود بالبخل ~~والحسد وهما من شر الخصال، يمنعون ما لهم ويتمنون ما لغيرهم فقال { أم ~~لهم نصيب من الملك } ف «أم» منقطعة ومعنى الهمزة الإنكار أن ~~يكون لهم نصيب من الملك { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } أي ~~لو كان لهم نصيب من الملك أي ملك أهل الدينا أو ملك الله فإذا لا يؤتون ~~أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير: النقرة في ظهر النواة وهو مثل في ~~القلة كالفتيل. # { أم يحسدون الناس على ما ءاتهم الله من فضله ~~} بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد ~~واستقباحه، وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد ~~العز والتقدم كل يوم { فقد ءاتينا ءال إبرهيم الكتب } ~~أي التوراة { والحكمة } الموعظة والفقه { وءتينهم ~~ملكا عظيما } يعني ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وهذا ~~إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم ~~أسلاف محمد عليه السلام، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه ~~{ فمنهم من ءامن به } فمن اليهود من آمن بما ذكر من حديث آل ~~إبراهيم { ومنهم من صد عنه } وأنكره مع علمه بصحته، أو من ~~اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من أنكر نبوته وأعرض ~~عنه { وكفى بجهنم سعيرا } للصادين. # { إن الذين كفروا بئايتنا سوف نصليهم } ~~ندخلهم { نارا كلما نضجت جلودهم } أحرقت { ~~بدلنهم جلودا غيرها } أعدنا تلك الجلود غير محترقة، ~~فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق ~~خلافا ms0278 للكرامية. وعن فضيل: يجعل النضيج غير نضيج { ليذوقوا ~~العذاب } ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: «أعزك الله» أي ~~أدامك على عزك { إن الله كان عزيزا } غالبا بالانتقام لا ~~يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين { حكيما } فيما يفعل بالكافرين { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت سندخلهم ~~جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها ~~أبدا لهم فيها أزوج مطهرة } من الأنجاس والحيض ~~والنفاس { وندخلهم ظلا ظليلا } هو صفة مشتقة من لفظ الظل ~~لتأكيد معناه كما يقال: «ليل أليل» وهو ماكان طويلا فينانا لا وجوب فيه ~~ودائما لا تنسخه الشمس وسجسجا لا حر فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل ~~الجنة. # ثم خاطب الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل بقوله: # { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى ~~أهلها } وقيل: قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله ~~تعالى التي حملها الإنسان، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى { ~~وإذا حكمتم بين الناس } قضيتم { أن تحكموا ~~بالعدل } بالسوية والإنصاف. وقيل: إن عثمان بن طلحة بن عبد الدار ~~كان سادن الكعبة وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مفتاح الكعبة، ~~فلما نزلت الآية أمر عليا رضي الله عنه بأن يرده إليه وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لقد أنزل الله في شأنك قرآنا " # وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فهبط جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا { إن الله ~~نعما يعظكم به } «ما» نكرة منصوبة موصوفة ب «يعظكم به» كأنه ~~قيل: نعم شيئا يعظكم به، أو موصولة مرفوعة المحل صلتها ما بعدها أي نعم ~~الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف أي نعما يعظكم به ذلك وهو ~~المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وبكسر النون وسكون العين: ~~مدني وأبو عمرو، وبفتح النون وكسر العين: شامي وحمزة وعلي. # { إن الله كان سميعا } لأقوالكم { بصيرا } بأعمالكم. # ولما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم ~~بقوله { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ms0279 ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } أي الولاة أو ~~العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمر { فإن تنازعتم فى شيء } ~~فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من أمور الدين { فردوه إلى ~~الله والرسول } أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة { إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر } أي إن الإيمان يوجب الطاعة ~~دون العصيان، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا ~~خالفوه فلا طاعة لهم لقوله عليه السلام # " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". # وحكي أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم: ألستم أمرتم ~~بطاعتنا بقوله: و«أولي الأمر منكم»؟ فقال أبو حازم: أليس قد نزعت الطاعة ~~عنكم إذا خالفتم الحق. بقوله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله» أي ~~القرآن و«الرسول» في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته { ذلك } إشارة إلى ~~الرد أي الرد إلى الكتاب والسنة { خير } عاجلا { وأحسن ~~تأويلا } عاقبة كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه لا يرتشي ودعاه المنافق إلى كعب بن ~~الأشرف ليرشوه، فاحتكما إلى النبي عليه السلام فقضى لليهودي فلم يرض ~~المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر. فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه: قضى ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: ~~أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فأخذ سيفه ~~ثم خرج فضرب به عنق المنافق فقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ~~ورسوله فنزل. # { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وقال جبريل عليه السلام: ~~إن عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنت الفاروق " # { يريدون } حال من الضمير في« يزعمون» { أن يتحاكموا إلى ~~الطغوت } أي كعب بن الأشرف سماه الله طاغوتا لإفراطه في الطغيان ~~وعداوة رسول الله عليه السلام، أو على التشبيه بالشيطان، أو جعل اختيار ~~التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms0280 التحاكم إليه تحاكما ~~إلى الشيطان بدليل قوله { وقد أمروا أن يكفروا به ~~ويريد الشيطن أن يضلهم } عن الحق { ضللا بعيدا ~~} مستمرا إلى الموت { وإذا قيل لهم } للمنافقين { تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول } للتحاكم { رأيت ~~المنفقين يصدون عنك صدودا } يعرضون عنك إلى غيرك ~~ليغروه بالرشوة فيقضي لهم { فكيف } تكون حالهم وكيف يصنعون { إذا ~~أصبتهم مصيبة } من قتل عمر بشرا { بما قدمت ~~أيديهم } من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم { ثم ~~جاءوك } أي أصحاب القتيل من المنافقين { يحلفون بالله } حال ~~{ إن أردنا } ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك { إلا إحسانا } لا ~~إساءة { وتوفيقا } بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، ~~وهذا وعيد لهم على فعلهم وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا ~~يغني عنهم الاعتذار. # وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا ~~بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه ~~وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به. ### || [4.63-76] # { أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم } من ~~النفاق. { فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم ~~قولا بليغا } فأعرض عن قبول الأعذار وعظ بالزجر والإنكار وبالغ في ~~وعظهم بالتخويف والإنذار، أو أعرض عن عقابهم وعظهم في عتابهم وبلغ كنه ما ~~في ضميرك من الوعظ بارتكابهم. والبلاغة أن يبلغ بلسانه كنه ما في جنانه. ~~و«في أنفسهم» يتعلق ب «قل لهم» أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة ~~وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا منهم ويؤثر فيهم. # { وما أرسلنا من رسول } أي رسولا قط { إلا ليطاع ~~بإذن الله } بتوفيقه في طاعته وتيسيره، أو بسبب إذن الله في طاعته ~~وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه لأنه مؤد عن الله فطاعته طاعة الله # ومن يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } بالتحاكم ~~إلى الطاغوت { جاءوك } تائبين من النفاق معتذرين عما ارتكبوا من ~~الشقاق { فاستغفروا الله } من النفاق والشقاق { واستغفر ~~لهم الرسول } بالشفاعة لهم. والعامل في «إذ ms0281 ظلموا» خبر «أن» وهو ~~«جاؤوك» والمعنى: ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم واستغفار ~~الرسول { لوجدوا الله توابا } لعلموه توابا أي لتاب عليهم. ~~ولم يقل «واستغفرت لهم» وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأنه صلى ~~الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول ~~من الله بمكان { رحيما } بهم. قيل: جاء أعرابي بعد دفنه عليه السلام ~~فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله، قلت ~~فسمعنا وكان فيما أنزل عليك: « ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم» الآية. وقد ~~ظلمت نفسي وجئتك أستغفر الله من ذنبي فاستغفر لي من ربي، فنودي من قبره ~~قد غفر لك. # { فلا وربك } أي فوربك كقوله # فوربك لنسئلنهم # [الحجر: 92] «ولا» مزيدة لتأكيد معنى القسم وجواب القسم { لا ~~يؤمنون } أو التقدير: فلا أي ليس الأمر كما يقولون ثم قال « وربك لا ~~يؤمنون» { حتى يحكموك فيما شجر بينهم } فيما اختلف ~~بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه { ثم لا يجدوا فى ~~أنفسهم حرجا } ضيقا { مما قضيت } أي لا تضيق صدورهم من ~~حكمك أو شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين { ~~ويسلموا تسليما } وينقادوا لقضائك انقيادا وحقيقته. سلم نفسه ~~له وأسلمها أي جعلها سالمة له أي خاصة. وتسليما مصدر مؤكد للفعل بمنزلة ~~تكريره كأنه قيل: وينقادوا لحكمك انقيادا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، ~~والمعنى لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك { ولو أنا ~~كتبنا عليهم } على المنافقين أي ولو وقع كتبنا عليهم { أن ~~اقتلوا } «أن» هي المفسرة { أنفسكم } أي تعرضوا للقتل بالجهاد. # أو ولو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم { ~~أو اخرجوا من ديركم } بالهجرة { ما فعلوه } لنفاقهم. ~~والهاء ضمير أحد مصدري الفعلين وهو القتل أو الخروج أو ضمير المكتوب ~~لدلالة كتبنا «عليه» { إلا قليل منهم } «قليلا»: شامي على ~~الاستثناء والرفع على البدل من واو «فعلوه» { ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به } من اتباع رسول الله عليه السلام والانقياد لحكمه { ~~لكان خيرا لهم ms0282 } في الدارين { وأشد تثبيتا } لإيمانهم ~~وأبعد عن الاضطراب فيه { وإذا } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: وماذا ~~يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لاتينهم من ~~لدنا أجرا عظيما } أي ثوابا كثيرا لا ينقطع. # { ولهدينهم صرطا } مفعول ثان { مستقيما } أي ~~لثبتناهم على الدين الحق { ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين } كأفاضل صحابة الأنبياء. والصديق: المبالغ ~~في صدق ظاهره بالمعاملة وباطنه بالمراقبة، أو الذي يصدق قوله بفعله { ~~والشهداء } والذين استشهدوا في سبيل الله { والصلحين } ومن ~~صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم { وحسن أولئك رفيقا } أي وما ~~أحسن أولئك رفيقا وهو كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه { ~~ذلك } مبتدأ خبره { الفضل من الله } أو« الفضل» صفته و«من ~~الله» خبره والمعنى: أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم ~~عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم، أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم ~~من الله. { وكفى بالله عليما } بعباده وبمن هو ~~أهل الفضل ودلت الآية على أن ما يفعل الله بعباده فهو فضل منه ~~بخلاف ما يقوله المعتزلة { يأيها الذين ءامنوا خذوا ~~حذركم } الحذر والحذر بمعنى وهو التحرز وهما كالإثر والأثر. يقال: ~~أخذ حذره إذا تيقظ، واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها ~~نفسه ويعصم بها روحه، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو { فانفروا ~~ثبات } فاخرجوا إلى العدو جماعات متفرقة سرية بعد سرية، فالثباب ~~الجماعات واحدها ثبة. { أو انفروا جميعا } أي مجتمعين أو مع ~~النبي عليه السلام، لأن الجمع بدون السمع لا يتم، والعقد بدون الواسطة لا ~~ينتظم. أو انفروا ثبات إذا لم يعم النفير، أو انفروا جميعا إذا عم ~~النفير. وثبات «حال» وكذا «جميعا». واللام في { وإن منكم لمن ~~} للابتداء بمنزلتها في # إن الله لغفور # [النحل: 18] و «من» موصولة. وفي { ليبطئن } جواب قسم محذوف ~~تقديره: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن والقسم وجوابه صلة من، والضمير ~~الراجع منها إليه ما استكن في { ليبطئن } أي ليتثاقلن وليتخلفن ~~عن الجهاد، وبطؤ بمعنى أبطأ أي تأخر ms0283 ويقال: «ما بطؤ بك» فيتعدى بالباء. # والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله «منكم »أي في الظاهر ~~دون الباطن يعني المنافقين يقولون لم تقتلون أنفسكم تأنوا حتى يظهر الأمر ~~{ فإن أصبتكم مصيبة } قتل أو هزيمة { قال } المبطىء { ~~قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا } ~~«حاضر» فيصيبني مثل ما أصابهم { ولئن أصبكم فضل من الله ~~} فتح أو غنيمة { ليقولن } هذا المبطىء متلهفا على ما فاته من ~~الغنمية لا طلبا للمثوبة { كأن } مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي ~~كأنه { لم تكن } وبالتاء مكي وحفص { بينكم وبينه ~~مودة } وهي اعتراض بين الفعل وهو« ليقولن» وبين مفعوله وهو { ~~يليتنى كنت معهم } والمعنى: كأن لم يتقدم له معكم موادة لأن ~~المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل ~~في الباطن { فأفوز } بالنصب لأنه جواب التمني { فوزا عظيما } ~~فآخذ من الغنيمة حظا وافرا. # { فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون } يبيعون { ~~الحيوة الدنيا بالأخرة } والمراد المؤمنون الذين يستحبون ~~الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، أي إن صد الذين مرضت قلوبهم ~~وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون، والمراد ~~المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، وعطفوا بأن يغيروا ما بهم ~~من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ~~{ ومن يقتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما } وعد الله المقاتل في سبيل الله ~~ظافرا أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله. ~~{ وما لكم } مبتدأ وخبر، وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على ~~الاستبطاء، وفي الإثبات للإنكار { لا تقتلون فى سبيل الله ~~} حال والعامل فيها الاستقرار كما تقول «مالك قائما» والمعنى وأي شيء ~~لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه { والمستضعفين } مجرور ~~بالعطف «على سبيل الله» أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، أو منصوب ~~على الاختصاص منه أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين من ~~المستضعفين، لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المسلمين من أيدي ~~الكفار من ms0284 أعظم الخير وأخصه. والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم ~~المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى ~~الشديد { من الرجال والنساء والولدن } ذكر الولدان تسجيلا ~~بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم ~~وأمهاتهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا ~~لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس عليه السلام. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء ~~والولدان { الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه ~~القرية } يعني مكة { الظلم أهلها } « الظالم» وصف للقرية ~~إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى ~~الأهل كما تقول «من هذه القرية التي ظلم أهلها» { واجعل لنا من ~~لدنك وليا } يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا { واجعل ~~لنا من لدنك نصيرا } ينصرنا عليهم. # كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى ~~المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر ~~وهو محمد عليه السلام، فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر. ولما خرج ~~محمد صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة ~~كما أرادوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ينصر الضعيف من القوي حتى ~~كانوا أعز بها من الظلمة # ثم رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم، ~~وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان بقوله { ~~الذين ءامنوا يقتلون فى سبيل الله والذين ~~كفروا يقتلون فى سبيل الطغوت } أي الشيطان { ~~فقتلوا أولياء الشيطن } أي الكفار { إن كيد ~~الشيطن } أي وساوسه. وقيل: الكيد السعي في فساد الحال على جهة ~~الاحتيال { كان ضعيفا } لأنه غرور لا يؤول إلى محصول، أو كيده في ~~مقابلة نصر الله ضعيف. كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما ~~داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل. ### || [4.77-84] # { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } أي ~~عن القتال { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة فلما ms0285 ~~كتب عليهم القتال } أي فرض بالمدينة { إذا فريق ~~منهم يخشون الناس كخشية الله } يخافون أن يقاتلهم ~~الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه، لا شكا في الدين ولا رغبة ~~عنه ولكن نفورا عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت. قال الشيخ أبو ~~منصور رحمه الله: هذه خشية طبع لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره ~~اعتقادا، فالمرء مجبول على كراهة مافيه خوف هلاكه غالبا، وخشية الله من ~~إضافة المصدر إلى المفعول ومحله النصب على الحال من الضمير في «يخشون» أي ~~يخشون الناس مثل خشية أهل الله أي مشبهين لأهل خشية الله { أو أشد ~~خشية } هو معطوف على الحال أي أو أشد خشية من أهل خشية الله وأو ~~للتخيير أي إن قلت؛ خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب، وإن قلت: إنها ~~أشد فأنت مصيب لأنه حصل لهم مثلها وزيادة. # { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ~~أخرتنا إلى أجل قريب } هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على ~~الفرش، وهو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه ~~بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله { قل متع ~~الدنيا قليل والأخرة خير لمن اتقى } متاع الدنيا ~~قليل زائل ومتاع الآخرة كثير دائم، والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو ~~قليل فكيف القليل الزائل! { ولا تظلمون فتيلا } ولا تنقصون ~~أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه. وبالياء: مكي وحمزة ~~وعلي. ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله: # { أينما تكونوا يدرككم الموت } «ما» زائدة لتوكيد ~~معنى الشرط في «أين» { ولو كنتم فى بروج } حصون أو قصور { ~~مشيدة } مرفعة { وإن تصبهم حسنة } نعمة من خصب ورخاء { ~~يقولوا هذه من عند الله } نسبوها إلى الله { وإن ~~تصبهم سيئة } بلية من قحط وشدة { يقولوا هذه من ~~عندك } أضافوها إليك وقالوا. هذه من عندك وما كانت إلا بشؤمك، وذلك أن ~~المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله تعالى، وإذا أصابهم ~~مكروه نسبوه إلى محمد صلى الله عليه ms0286 وسلم فكذبهم الله تعالى بقوله { قل ~~كل من عند الله } والمضاف إليه محذوف أي كل ذلك فهو يبسط ~~الأرزاق ويقبضها { فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون } يفهمون { حديثا } فيعلمون أن الله هو الباسط القابض وكل ~~ذلك صادر عن حكمة. ثم قال { ما أصابك } يا إنسان خطابا عاما. وقال ~~الزجاج: المخاطب به النبي عليه السلام والمراد غيره { من حسنة } من ~~نعمة وإحسان { فمن الله } تفضلا منه وامتنانا { وما أصبك ~~من سيئة } من بلية ومصيبة { فمن نفسك } فمن عندك أي فبما ~~كسبت يداك. # وما أصبكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. { وأرسلنك للناس رسولا } لا مقدرا حتى ~~نسبوا إليك الشدة، أو أرسلناك للناس رسولا فإليك تبليغ الرسالة وليس ~~إليك الحسنة والسيئة { وكفى بالله شهيدا } بأنك رسوله، وقيل: ~~هذا متصل بالأول أي يكادون يفقهون حديثا يقولون ما أصابك. وحمل المعتزلة ~~الحسنة والسيئة في الآية الثانية على الطاعة والمعصية تعسف بين وقد نادى ~~عليه ما أصابك إذ يقال في الأفعال «ما أصبت» ولأنهم لا يقولون الحسنات من ~~الله خلقا وإيجادا فأنى يكون لهم حجة في ذلك؟ «وشهيدا» تمييز. # { من يطع الرسول فقد أطاع الله } لأنه لا يأمر ولا ~~ينهى إلا بما أمر الله به ونهى عنه، فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة ~~لله { ومن تولى } عن الطاعة فأعرض عنه { فما أرسلنك ~~عليهم حفيظا } تحفط عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم. # { ويقولون } ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشيء { طاعة } خبر ~~مبتدأ محذوف أي أمرنا وشأننا طاعة { فإذا برزوا } خرجوا { من ~~عندك بيت طائفة منهم } زور وسوى فهو من البيتوتة لأنه ~~قضاء الأمر وتدبيره بالليل، أو من أبيات الشعر لأن الشاعر يدبرها ~~ويسويها. وبالإدغام: حمزة وأبو عمرو. { غير الذى تقول } خلاف ما ~~قلت وما أمرت به أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد ~~لا القبول والعصيان لا الطاعة وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون. { ~~والله يكتب ما يبيتون } يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم ~~عليه { فأعرض عنهم } ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم { ~~وتوكل على الله } في ms0287 شأنهم فإن الله يكفيك مضرتهم وينتقم لك ~~منهم إذا قوي أمر الإسلام { وكفى بالله وكيلا } كافيا لمن ~~توكل عليه { أفلا يتدبرون القرءان } أفلا يتأملون معانيه ~~ومبانيه. والتدبر: التأمل والنظر في أدبار الأمر وما يؤول إليه في عاقبته ~~ثم استعمل في كل تأمل. والتفكر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل وهذا يرد ~~قول من زعم من الروافض أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والإمام المعصوم، ويدل على صحة القياس وعلى بطلان ~~التقليد. { ولو كان من عند غير الله } كما زعم الكفار { ~~لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } أي تناقضا من حيث التوحيد ~~والتشريك والتحليل والتحريم، أو تفاوتا من حيث البلاغة فكان بعضه بالغا ~~حد الإعجاز وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، أو من حيث المعاني فكان بعضه ~~إخبارا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، ~~وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالا على معنى فاسد ~~غير ملتئم. # وأما تعلق الملحدة بآيات يدعون فيها اختلافا كثيرا من نحو قوله: # فإذا هى ثعبان مبين # [الأعراف: 107] # كأنها جان # [النمل: 10] # فوربك لنسئلنهم أجمعين # [الحجر: 92]. # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان # [الرحمن: 39]. فقد تفصى عنها أهل الحق وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في ~~مظانها إن شاء الله تعالى: # { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف } هم ناس من ~~ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال، أو المنافقون كانوا إذا ~~بلغهم خبر من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف ~~وخلل { أذاعوا به } أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة. يقال: أذاع السرع ~~وأذاع به، والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف لأن «أو» تقتضي ~~أحدهما { ولو ردوه } أي ذلك الخبر { إلى الرسول } أي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { وإلى أولى الأمر منهم } يعني ~~كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم { ~~لعلمه } لعلم تدبير ما أخبروا به { الذين يستنبطونه ~~منهم } يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ~~ومكائدها، وقيل: ms0288 كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي ~~الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار ~~فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة، ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون ~~تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. والنبط: الماء الذي يخرج من ~~البئر أول ما تحفر، واستنباطه استخراجه فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ~~ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل { ولولا فضل الله ~~عليكم } بإرسال الرسول { ورحمته } بإنزال الكتاب { ~~لاتبعتم الشيطن } لبقيتم على الكفر { إلا قليلا } لم ~~يتبعوه ولكن آمنوا بالعقل كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهما. # لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم ~~خلافها قال { فقاتل فى سبيل الله } إن أفردوك وتركوك وحدك { ~~لا تكلف إلا نفسك } غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد ~~فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود، وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى ~~الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها ~~فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون ولو لم يتبعه ~~أحد لخرج وحده { وحرض المؤمنين } وما عليك في شأنهم إلا ~~التحريض على القتال فحسب لا التعنيف بهم { عسى الله أن يكف ~~بأس الذين كفروا } أي بطشهم وشدتهم وهم قريش وقد كف بأسهم ~~بالرعب فلم يخرجوا. و «عسى» كلمة مطمعة غير أن أطماع الكريم أعود من ~~إنجاز اللئيم { والله أشد بأسا } من قريش { وأشد ~~تنكيلا } تعذيبا وهو تمييز ك«بأسا». ### || [4.85-90] # { ومن يشفع شفعة حسنة } هي الشفاعة في دفع شر أو جلب ~~نفع من جوازها شرعا { يكن له نصيب منها } من ثواب الشفاعة ~~{ ومن يشفع شفعة سيئة } هي خلاف الشفاعة الحسنة. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: ما لها مفسر غيري معناه من أمر بالتوحيد وقاتل أهل ~~الكفر وضده السيئة. وقال الحسن: هو المشي بالصلح وضده النميمة { يكن ~~له كفل منها } نصيب { وكان الله على كل ms0289 شيء ~~مقيتا } مقتدرا من أقات على الشيء اقتدر عليه، أو حفيظا من القوت ~~لأنه يمسك النفس ويحفظها. # { وإذا حييتم } أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في ~~الدارين # فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله # [النور: 61]. # تحيتهم يوم يلقونه سلم # [الأحزاب: 44]. وكانت العرب تقول عند اللقاء: حياك الله أي أطال الله ~~حياتك فأبدل ذلك بعد الإسلام بالسلام { بتحية } هي تفعله من حيا ~~يحيي تحية { فحيوا بأحسن منها } أي قولوا: وعليكم السلام ~~ورحمة الله إذا قال السلام عليكم. وزيدوا «وبركاته» إذا قال «ورحمة ~~الله». ويقال لكل شيء منتهى ومنتهى السلام «وبركاته». { أو ردوها } ~~أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام جوابه بمثله لأن المجيب يرد قول المسلم، ~~وفيه حذف مضاف أي ردوا مثلها. والتسليم سنة والرد فريضة والأحسن فضل. وما ~~من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح ~~القدس وردت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهرا ~~ورواية الحديث وعند مذاكرة العلم والأذان والإقامة. وعند أبي يوسف رحمه ~~الله: لا يسلم على لاعب الشطرنج والنرد والمغني والقاعد لحاجته ومطير ~~الحمام والعاري من غير عذر في حمام أو غيره. ويسلم الرجل إذا دخل على ~~امرأته، والماشي على القاعد، والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب ~~الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، وإذا التقيا ابتدرا. ~~وقيل: «بأحسن منها» لأهل الملة «أو ردوها» لأهل الذمة. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " # أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون «السام عليكم». وقوله عليه السلام # " لاغرار في تسليم " # أي لا يقال «عليك» بل «عليكم» لأن كاتبيه معه { إن الله كان ~~على كل شيء حسيبا } أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها. # { الله } مبتدأ { لا إله إلا هو } خبره أو اعتراض والخبر ~~{ ليجمعنكم } ومعناه: الله والله ليجمعنكم { إلى يوم ~~القيمة } أي ليحشرنكم إليه. والقيامة القيام كالطلابة والطلاب وهي ~~قيامهم من القبور، أو قيامهم للحساب # يوم يقوم الناس لرب العلمين ms0290 # [المطففين: 6] { لا ريب فيه } هو حال من يوم القيامة والهاء يعود ~~إلى اليوم، أو صفة لمصدر محذوف أي جمعا لا ريب فيه، والهاء يعود إلى ~~الجمع { ومن أصدق من الله حديثا } تمييز وهو استفهام ~~بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب ~~عليه لقبحه لكونه إخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه. # { فما لكم } مبتدأ وخبر { في المنفقين فئتين } أي مالكم ~~اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيهم فرقتين، وما ~~لكم لم تقطعوا القول بكفرهم؟ وذلك أن قوما من المنافقين استأذنوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، ~~فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين. فاختلف ~~المسلمون فيهم فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون. و«فئتين » ~~حال كقولك «مالك قائما»، قال سيبويه: إذا قلت «مالك قائما» فمعناه لم ~~قمت؟ ونصبه على تأويل أي شيء يستقر لك في هذه الحال؟ { والله ~~أركسهم } ردهم إلى حكم الكفار { بما كسبوا } من ارتدادهم ~~ولحوقهم بالمشركين فردوهم أيضا ولا تختلفوا في كفرهم { أتريدون أن ~~تهدوا } أن تجعلوا من جملة المهتدين { من أضل الله } من ~~جعله الله ضالا، أو أتريدون أن تسموهم مهتدين وقد أظهر الله ضلالهم ~~فيكون تعييرا لمن سماهم مهتدين. والآية تدل على مذهبنا في إثبات الكسب ~~للعبد والخلق للرب جلت قدرته { ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا } طريقا إلى الهداية. # { ودوا لو تكفرون كما كفروا } الكاف نعت لمصدر محذوف و ~~«ما» مصدرية أي ودوا لو تكفرون كفرا مثل كفرهم { فتكونون } عطف على ~~«تكفرون» «سوآء» أي مستوين أنتم وهم في الكفر { فلا تتخذوا ~~منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله } فلا ~~توالوهم حتى يؤمنوا لأن الهجرة في سبيل الله بالإسلام { فإن ~~تولوا } عن الإيمان { فخذوهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم } كما كان حكم سائر المشركين { ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا } وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا ~~تقبلوا منهم { إلا الذين يصلون إلى قوم } أي ينتهون ~~إليهم ms0291 ويتصلون بهم. والاستثناء من قوله { فخذوهم واقتلوهم } ~~دون الموالاة { بينكم وبينهم ميثق } القوم هم الأسلميون ~~كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع قبل ~~خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ~~وعلى أن من وصل إلى هلال والتجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال، أي ~~فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق { أو جآءوكم } عطف ~~على صفة «قوم» أي إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن ~~القتال لا لكم ولا عليكم أو على صفة الذين أي إلا الذين يتصلون ~~بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم { حصرت صدورهم } حال بإضمار ~~«قد». والحصر: الضيق والانقباض { أن يقتلوكم } عن أن يقاتلوكم أي ~~عن قتالكم { أو يقتلوا قومهم } معكم { ولو شاء الله ~~لسلطهم عليكم } بتقوية قلوبهم وإزالة الحصر عنها { ~~فلقتلوكم } عطف على { لسلطهم } ودخول اللام للتأكيد { ~~فإن اعتزلوكم } فإن لم يتعرضوا لكم { فلم يقتلوكم ~~وألقوا إليكم السلم } أي الانقياد والاستسلام { فما ~~جعل الله لكم عليهم سبيلا } طريقا إلى القتال. ### || [4.91-99] # { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم } بالنفاق { ~~ويأمنوا قومهم } بالوفاق هم قوم من أسد وغطفان، كانوا إذا ~~أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم ~~كفروا ونكثوا عهودهم { كل ما ردوا إلى الفتنة } كلما ~~دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين { أركسوا فيها } قلبوا فيها أقبح ~~قلب وأشنعه وكانوا شرا فيها من كل عدو { فإن لم يعتزلوكم } ~~فإن لم يعتزلوا قتالكم { ويلقوا إليكم السلم } عطف على «لم ~~يعتزلوكم» أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح { ويكفوا أيديهم } ~~عطف عليه أيضا أي ولم يمسكوا عن قتالكم { فخذوهم واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم } حيث تمكنتم منهم وظفرتم بهم { وأولئكم ~~جعلنا لكم عليهم سلطنا مبينا } حجة واضحة لظهور ~~عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بالمسلمين، أو تسلطا ~~ظاهرا حيث أذنا لكم في قتله # { وما كان لمؤمن } وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله { أن ~~يقتل مؤمنا } ابتداء من غير قصاص أي ليس المؤمن ms0292 كالكافر الذي ~~تقدم إباحة دمه { إلا خطئا } إلا على وجه الخطأ وهو استثناء منقطع ~~بمعنى «لكن» أي لكن إن وقع خطأ، ويحتمل أن يكون صفة لمصدر أي إلا قتلا ~~خطأ والمعنى: من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة ~~إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما أو يرمي ~~شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم { ومن قتل مؤمنا خطئا } صفة ~~مصدر محذوف أي قتلا خطأ { فتحرير رقبة } مبتدأ والخبر محذوف أي ~~فعليه تحرير رقبة. والتحرير: الإعتاق، والحر والعتيق الكريم لأن الكرم في ~~الأحرار كما أن اللؤم في العبيد، ومنه عتاق الطير وعتاق الخيل لكرامها. ~~والرقبة: النسمة ويعبر عنها بالرأس في قولهم: «فلان يملك كذا رأسا من ~~الرقيق { مؤمنة } قيل: لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه ~~أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها ~~من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر والكفر موت ~~حكما. # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122]. ولهذا منع من تصرف الأحرار وهذا مشكل إذ لو كان كذلك ~~لوجب في العمد أيضا، لكن يحتمل أن يقال: إنما وجب عليه ذلك لأن الله ~~تعالى أبقى للقتال نفسا مؤمنة حيث لم يوجب القصاص فأوجب عليه مثلها رقبة ~~مؤمنة. { ودية مسلمة إلى أهله } مؤادة إلى ورثته ~~يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء ~~فيقضي منها الدين وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال. # وقد ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها ~~أشيم، لكن الدية على العاقلة والكفارة على القاتل. { إلا أن ~~يصدقوا } إلا أن يتصدقوا عليه بالدية أي يعفوا عنه، والتقدير: ~~فعليه دية في كل حال إلا في حال التصدق عليه بها. # { فإن كان من قوم عدو لكم } فإن كان المقتول خطأ من قوم ~~أعداء لكم أي كفرة فالعدو يطلق على الجمع { وهو مؤمن } أي المقتول ms0293 ~~مؤمن { فتحرير رقبة مؤمنة } يعني إذا أسلم الحربي في دار ~~الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم خطأ تجب الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة ~~وهي الإسلام، ولا تجب الدية لأن العصمة المقومة بالدار ولم توجد { وإن ~~كان } أي المقتول { من قوم بينكم } بين المسلمين { ~~وبينهم ميثق } عهد { فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة } أي وإن كان المقتول ذميا فحكمه حكم ~~المسلم، وفيه دليل على أن دية الذمي كدية المسلم وهو قولنا { فمن لم ~~يجد } رقبة أي لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها { فصيام ~~شهرين } فعليه صيام شهرين { متتابعين توبة من الله ~~} قبولا من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ~~ذلك توبة منه، أو فليتب توبة فهي نصب على المصدر { وكان الله ~~عليما } بما أمر { حكيما } فيما قدر. { ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا } حال من ضمير القاتل أي قاصدا قتله لإيمانه وهو كفر أو ~~قتله مستحلا لقتله وهو كفر أيضا { فجزاؤه جهنم خلدا ~~فيها } أي إن جازاه. قال عليه السلام # " هي جزاؤه إن جازاه " # والخلود قد يراد به طول المقام. وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف ~~قوله تعالى: # ا يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى # [البقرة: 178]: { وغضب الله عليه ولعنه } أي انتقم منه ~~وطرده من رحمته { وأعد له عذابا عظيما } لارتكابه أمرا ~~عظيما وخطبا جسيما. في الحديث # " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم " # { يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل ~~الله } سرتم في طريق الغزو { فتبينوا } «فتثبتوا»: حمزة وعلي ~~وهما من التفعل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا ~~فيه { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم } ~~«السلم»: مدني وشامي وحمزة وهما الاستسلام. وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم ~~الذي هو تحية أهل الإسلام. { لست مؤمنا } في موضع النصب بالقول. ~~وروي أن مرداس بن نهيك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى ~~الخيل ألجأ غنمه إلى منعرج من ms0294 الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل ~~وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد ~~واستاق غنمه فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا ~~وقال # " قتلتموه إرادة ما معه " # ثم قرأ الآية على أسامة. { تبتغون عرض الحيوة الدنيا } ~~تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت ~~وقلة البحث عن حال من تقتلونه. والعرض: المال، سمي به لسرعة فنائه. و ~~«تبتغون» حال من ضمير الفاعل في «تقولوا» { فعند الله مغانم ~~كثيرة } يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من ~~التعرض له لتأخذوا ماله { كذلك كنتم من قبل } أول ما دخلتم في ~~الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير ~~انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم، والكاف في «كذلك» خبر «كان» ~~وقد تقدم عليها وعلى اسمها { فمن الله عليكم } بالاستقامة ~~والاشتهار بالإيمان فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم { ~~فتبينوا } كرر الأمر بالتبين ليؤكد عليهم { إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين ~~محتاطين في ذلك. # { لا يستوى القعدون } عن الجهاد { من المؤمنين ~~غير أولى الضرر } بالنصب: مدني وشامي وعلي لأنه استثناء من ~~القاعدين، أو حال منهم. وبالجر عن حمزة صفة للمؤمنين، وبالرفع غيرهم صفة ~~للقاعدين. والضرر المرض أو العاهة من أعمى أعرج أو زمانة أو نحوها { ~~والمجهدون فى سبيل الله بأمولهم وأنفسهم } ~~عطف على «القاعدون».» ونفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان ~~معلوما، توبيخا للقاعد عن الجهاد وتحريكا له عليه ونحوه # هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9] فهو تحريك لطلب العلم وتوبيخ على الرضا بالجهل { فضل ~~الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم على ~~القعدين } ذكر هذه الجملة بيانا للجملة الأولى وموضحة لما نفى من ~~استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل: ما لهم لا يستوون؟ فأجيب بذلك { ~~درجة } نصب على المصدر لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل؛ ~~فضلهم تفضلة كقولك «ضربه سوطا». ونصب { وكلا } أي وكل فريق ms0295 من ~~القاعدين والمجاهدين لأنه مفعول أول لقوله { وعد الله } والثاني { ~~الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على ~~القاعدين درجة { وفضل الله المجهدين على ~~القعدين } بغير عذر { أجرا عظيما * درجت منه ~~ومغفرة ورحمة } قيل: انتصب «أجرا» بفضل لأنه في معنى أجرهم ~~أجرا و «درجات ومغفرة ورحمة» بدل من «أجرا»، أو انتصب «درجات» نصب ~~«درجة» كأنه قيل: فضلهم تفضيلات كقولك «ضربه أسواطا» أي ضربات، و «أجرا ~~عظيما». على أنه حال من النكرة التي هي «درجات» مقدمة عليها. و«ومغفرة ~~ورحمة». # بإضمار فعلهما أي وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة. وحاصله أن الله تعالى ~~فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة وعلى القاعدين بغير عذر بأمر ~~النبي عليه السلام اكتفاء بغيرهم درجات لأن الجهاد فرض كفاية { وكان ~~الله غفورا } بتكفير العذر { رحيما } بتوفير الأجر. # ونزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى ~~بدر مرتدا فقتل كافرا { إن الذين توفهم الملئكة ~~} يجوز أن يكون ماضيا لقراءة من قرء «توفتهم» ومضارعا بمعنى تتوفاهم، ~~وحذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين. والتوفي: قبض الروح، والملائكة: ~~ملك الموت وأعوانه { ظالمى أنفسهم } حال من ضمير المفعول في ~~«توفاهم» أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة { قالوا } أي ~~الملائكة للمتوفين { فيم كنتم } أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟ ~~ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين. { قالوا كنا ~~مستضعفين } عاجزين عن الهجرة { فى الأرض } أرض مكة فأخرجونا ~~كارهين { قالوا } أي الملائكة موبخين لهم { ألم تكن أرض ~~الله وسعة فتهجروا فيها } أرادوا أنكم كنتم قادرين على ~~الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن ~~الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونصب «فتهاجروا» على جواب ~~الاستفهام { فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا } ~~خبر «إن» «فأولئك» ودخول الفاء لما في «الذين» من الإبهام المشابه ~~بالشرط، أو «قالوا فيم كنتم» والعائد محذوف أي قالوا لهم، والآية تدل على ~~أن لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب ms0296 وعلم أنه يتمكن من إقامته في ~~غيره حقت عليه المهاجرة. وفي الحديث # " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة ~~" # وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم { إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدن } استثنى من ~~أهل الوعيد المستضعفين الذين { لا يستطيعون حيلة } في الخروج ~~منها لفقرهم وعجزهم { ولا يهتدون سبيلا } ولا معرفة لهم ~~بالمسالك. «ولا يستطيعون» صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان. ~~وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف ~~فليس بشيء بعينه كقوله # ولقد أمر على اللئيم يسبني # . ### || [4.100-104] # { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } و «عسى» وإن كان ~~للإطماع فهو من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع أنجز. { وكان الله ~~عفوا غفورا } لعباده قبل أن يخلقهم. # { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما } ~~مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم: ~~الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب. يقال راغمت الرجل ~~إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك { كثيرا وسعة } في ~~الرزق أو في إظهار الدين أو في الصدر لتبدل الخوف بالأمن { ومن ~~يخرج من بيته مهجرا } حال من الضمير في «يخرج» { إلى ~~الله ورسوله } إلى حيث أمر الله ورسوله { ثم يدركه ~~الموت } قبل بلوغه مهاجره وهو عطف على «يخرج» { فقد وقع ~~أجره على الله } أي حصل له الأجر بوعد الله وهو تأكيد للوعد فلا ~~شيء يجب على الله لأحد من خلقه. { وكان الله غفورا رحيما } ~~قالوا: كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة ~~أو قناعة أو زهدا أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله، ورسوله، وإن ~~أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله. # { وإذا ضربتم فى الأرض } سافرتم فيها، فالضرب في الأرض هو ~~السفر { فليس عليكم جناح } حرج { أن تقصروا } في أن ~~تقصروا { من الصلوة } من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ~~ركعتين، وظاهر الآية يقتضي ms0297 أن القصر رخصة في السفر والإكمال عزيمة كما ~~قال الشافعي رحمه الله، لأن «لا جناح» يستعمل في موضع التخفيف والرخصة لا ~~في موضع العزيمة وقلنا: القصر عزيمة غير رخصة ولا يجوز الإكمال لقول عمر ~~رضي الله عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم. وأما الآية فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم ~~أن عليهم نقصانا في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ~~ويطمئنوا إليه { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~إن خشيتم أن يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ، والخوف شرط جواز القصر ~~عند الخوارج بظاهر النص، وعند الجمهور ليس بشرط لما روي عن يعلى بن أمية ~~أنه قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: عجبت مما تعجبت منه فسألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال # " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # وفيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر لأن التصدق بما لا يحتمل ~~التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد، وإن كان المتصدق ممن لا تلزم طاعته ~~كولي القصاص إذا عفا فمن تلزم طاعته أولى،، ولأن حالهم حين نزول الآية ~~كذلك فنزلت على وفق الحال وهو كقوله: # إن أردن تحصنا # [النور: 33]. دليله قراءة عبد الله «من الصلاة أن يفتنكم» أي لئلا ~~يفتنكم على أن المراد بالآية قصر الأحوال وهو أن يومىء على الدابة عند ~~الخوف، أو يخفف القراءة والركوع والسجود والتسبيح كما روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما. { إن الكفرين كانوا لكم عدوا ~~مبينا } فتحرزوا عنهم. # { وإذا كنت } يا محمد { فيهم } في أصحابك { فأقمت لهم ~~الصلوة } فأردت أن تقيم الصلاة بهم وبظاهره تعلق أبو يوسف رحمه الله ~~فلا يرى صلاة الخوف بعده عليه السلام وقال: الأئمة نواب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في كل عصر فكان الخطاب له متناولا لكل إمام كقوله تعالى: # خذ من أمولهم صدقة تطهرهم # [التوبة: 103]. دليله فعل الصحابة رضي الله عنهم بعده عليه السلام { ~~فلتقم طائفة ms0298 منهم معك } فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما ~~معك فصل بهم وتقوم طائفة تجاه العدو { وليأخذوا أسلحتهم } ~~أي الذين تجاه العدو. عن ابن عباس رضي الله عنهما: وإن كان المراد به ~~المصلين فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ~~ونحوهما { فإذا سجدوا } أي قيدوا ركعتهم بسجدتين فالسجود على ~~ظاهره عندنا وعند مالك بمعنى الصلاة { فليكونوا من ورائكم } ~~أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو { ~~ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } في موضع رفع صفة ل ~~«طائفة» { فليصلوا معك } أي ولتحضر الطائفة الواقفة بإزاء ~~العدو فليصلوا معك الركعة الثانية { وليأخذوا حذرهم } ما ~~يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه { وأسلحتهم } جمع سلاح وهو ما ~~يقاتل به. وأخذ السلاح شرط عند الشافعي رحمه الله، وعندنا مستحب، وكيفية ~~صلاة الخوف معروفة { ود الذين كفروا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم } أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في ~~صلاتكم { فيميلون عليكم ميلة وحدة } فيشدون عليكم شدة ~~واحدة { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا } في أن تضعوا { أسلحتكم ~~وخذوا حذركم } رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ~~ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا ~~فيهجم عليهم العدو { إن الله أعد للكفرين عذابا ~~مهينا } أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ~~ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله تعالى. # { فإذا قضيتم الصلوة } فرغتم منها { فاذكروا الله ~~قيما وقعودا وعلى جنوبكم } أي دوموا على ذكر الله في ~~جميع الأحوال، أو فإذا أردتم أداء الصلاة فصلوا قياما إن قدرتم عليه، ~~وقعودا إن عجزتم عن القيام، ومضطجعين إن عجزتم عن القعود { فإذا ~~اطمأننتم } سكنتم بزوال الخوف { فأقيموا الصلوة } ~~فأتموها بطائفة واحدة أو إذا أقمتم فأتموا ولا تقصروا، أو إذا اطمأننتم ~~بالصحة فأتموا القيام والركوع والسجود { إن الصلوة كانت على ~~المؤمنين كتبا موقوتا } مكتوبا محدودا بأوقات معلومة. # { ولا تهنوا } ولا تضعفوا ولا ms0299 تتوانوا { فى ابتغاء القوم ~~} في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم. ثم ألزمهم الحجة بقوله { إن ~~تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون } أي ليس ما تجدون من الألم ~~بالجرح والقتل مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ~~ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أجدر منهم ~~بالصبر لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر ~~الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة { وكان الله عليما } بما ~~يجد المؤمنون من الألم { حكيما } في تدبير أمورهم. # روي أن طعمة بن أبريق أحد بني ظفر سرق درعا من جار له اسمه قتادة ~~بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد ~~بن السمين رجل من اليهود فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما ~~أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل ~~اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ~~ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن ~~صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزل: ### || [4.105-122] # { إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق } أي محقا { ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله } بما عرفك وأوحى به ~~إليك. وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله: بما ألهمك بالنظر في أصوله ~~المنزلة، وفيه دلالة جواز الاجتهاد في حقه { ولا تكن للخائنين ~~} لأجل الخائنين { خصيما } مخاصما أي ولا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر ~~{ واستغفر الله } مما هممت به { إن الله كان غفورا ~~رحيما * ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم } ~~يخونونها بالمعصية جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم لأن الضرر راجع ~~إليهم، والمراد به طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق، أو ذكر ~~بلفظ الجمع ليتناول طعمه وكل من خان خيانته { إن الله لا يحب ~~من كان خوانا ms0300 أثيما } وإنما قيل بلفظ المبالغة لأنه تعالى عالم ~~من طعمة أنه مفرط في الخيانة وركوب المآثم. وروي أن طعمة هرب إلى مكة ~~وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله. وقيل: إذا ~~عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر رضي الله عنه أنه أمر ~~بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال: ~~كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. # { يستخفون } يستترون { من الناس } حياء منهم وخوفا من ضررهم ~~{ ولا يستخفون من الله } ولا يستحيون منه { وهو معهم ~~} وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خاف من سرهم، وكفى بهذه الآية ~~ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياة والخشية من ربهم مع علمهم أنهم ~~في حضرته لا سترة ولا غيبة { إذ يبيتون } يدبرون وأصله أن يكون ~~ليلا { ما لا يرضى من القول } وهو تدبير طعمة أن يرمي ~~بالدرع في دار زيد ليسرق دونه ويحلف أنه لم يسرقها، وهو دليل على أن ~~الكلام هو المعنى القائم بالنفس حيث سمى التدبير قولا { وكان الله ~~بما يعملون محيطا } عالما علم إحاطة. # { هاأنتم هؤلاء } «ها» للتنبيه في «أنتم» و «أولاء»» وهما مبتدأ ~~وخبر { جدلتم } خاصمتم وهي جملة مبينة لوقوع «أولاء» خبرا كقولك ~~لبعض الاسخياء «أنت حاتم تجود بمالك». أو «أولاء» اسم موصول بمعنى ~~«الذين» و «جادلتم» صلته والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم { عنهم } عن طعمة ~~وقومه { في الحيوة الدنيا فمن يجدل الله عنهم ~~يوم القيمة } فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه؟ ~~وقرىء «عنه» أي عن طعمة { أم من يكون عليهم وكيلا } ~~حافظا ومحاميا من بأس الله وعذابه. { ومن يعمل سوءا } ذنبا ~~دون الشرك { أو يظلم نفسه } بالشرك أو سوءا قبيحا يتعدى ضرره ~~إلى الغير كما فعل طعمة بقتادة واليهودي، أو يظلم نفسه بما يختص به ~~كالحلف الكاذب { ثم يستغفر الله } يسأل مغفرته { يجد ~~الله غفورا رحيما } له وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة { ~~ومن يكسب إثما ms0301 فإنما يكسبه على نفسه } لأن ~~وباله عليها { وكان الله عليما حكيما } فلا يعاقب بالذنب غير ~~فاعله { ومن يكسب خطيئة } صغيرة { أو إثما } أو كبيرة، أو ~~الأول ذنب بينه وبين ربه، والثاني ذنب في مظالم العباد { ثم يرم ~~به بريئا } كما رمى طعمة زيدا { فقد احتمل بهتنا } ~~كذبا عظيما { وإثما مبينا } ذنبا ظاهرا، وهذا لأنه بكسب ~~الإثم آثم ويرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، والبهتان كذب يبهت من ~~قيل عليه ما لا علم له به { ولولا فضل الله عليك ~~ورحمته } أي عصمته ولطفه من الإطلاع على سرهم { لهمت ~~طائفة منهم } من بني ظفر، أو المراد بالطائفة بنو ظفر الضمير في ~~«منهم» يعود إلى الناس { أن يضلوك } عن القضاء بالحق وتوخي طريق ~~العدل مع علمهم بأن الجاني صاحبهم { وما يضلون إلا أنفسهم } ~~لأن وباله عليهم { وما يضرونك من شيء } لأنك إنما عملت بظاهر ~~الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك { وأنزل الله ~~عليك الكتب } القرآن { والحكمة } والسنة { وعلمك ~~ما لم تكن تعلم } من أمور الدين والشرائع أو من خفيات الأمور ~~وضمائر القلوب { وكان فضل الله عليك عظيما } فيما علمك ~~وأنعم عليك. # { لا خير في كثير من نجواهم } من تناجي الناس { إلا ~~من أمر بصدقة } إلا نجوى من أمر، وهو مجرور بدل من «كثير» أو ~~من «نجواهم» أو منصوب على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه ~~الخير { أو معروف } أي قرض أو إغاثة ملهوف أو كل جميل، أو المراد ~~بالصدقة الزكاة وبالمعروف التطوع { أو إصلح بين الناس } أي ~~إصلاح ذات البين { ومن يفعل ذلك } المذكور { ابتغاء ~~مرضت الله } طلب رضا الله وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤسا ~~وهو مفعول له. والإشكال أنه قال «إلا من أمر» ثم قال و «من يفعل ذلك» ~~والجواب أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأنه إذا دخل الآمر به ~~في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل، ثم قال و «ومن يفعل ذلك» فذكر ~~الفاعل وقرن به الوعد بالأجر ms0302 العظيم. أو المراد ومن يأمر بذلك فعبر عن ~~الأمر بالفعل { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } «يؤتيه»: أبو عمرو ~~وحمزة. { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى } ومن يخالف الرسول من بعد وضوح الدليل وظهور الرشد { ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي السبيل الذي هم عليه من ~~الدين الحنيفي، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا ~~تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأن الله تعالى جمع بين أتباع غير سبيل ~~المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد فكان ~~اتباعهم واجبا كموالاة الرسول { نوله ما تولى } نجعله واليا ~~لما تولى من الضلال وندعه وما اختاره في الدنيا { ونصله جهنم } ~~في العقبي { وساءت مصيرا } قيل: هي في طعمة وارتداده. # { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } مر تفسيره في هذه السورة { ومن يشرك ~~بالله فقد ضل ضللا بعيدا } عن الصواب { إن يدعون ~~من دونه } ما يعبدون من دون الله { إلا إنثا } جمع أنثى وهي ~~اللات والعزى ومناة، ولم يكن حي من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه ~~أنثى بني فلان. وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله { وإن ~~يدعون } يعبدون { إلا شيطنا } لأنه هو الذي أغراهم على ~~عبادة الأصنام فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة { مريدا } خارجا عن ~~الطاعة عاريا عن الخير ومنه الأمرد { لعنه الله وقال ~~لأتخذن } صفتان يعني شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا ~~القول الشنيع { من عبادك نصيبا مفروضا } مقطوعا واجبا لي ~~في كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد لله. # { ولأضلنهم } بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان ~~إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل { ولأمنينهم } ولألقين في قلوبهم ~~الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال { ولأمرنهم ~~فليبتكن ءاذان الأنعم } البتك: القطع. والتبتيك للتكثير ~~والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام، وكانوا يشقون آذان ~~الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم الانتفاع ~~بها { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله } بفقء عين ~~الحامي وإعفائه عن الركوب، أو بالخصاء ms0303 وهو مباح في البهائم محظور في بني ~~آدم، أو بالوشم أو بنفي الأنساب واستلحاقها، أو بتغيير الشيب بالسواد، أو ~~بالتحريم والتحليل، أو بالتخنث، أو بتبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام ~~لقوله: # لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30]. { ومن يتخذ الشيطن وليا من دون ~~الله } وأجاب إلى ما دعاه إليه { فقد خسر خسرانا مبينا ~~} في الدارين { يعدهم } يوسوس إليهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا ~~حساب { ويمنيهم } ما لا ينالون { وما يعدهم الشيطن ~~إلا غرورا } هو أن يرى شيئا يظهر خلافه { أولئك ~~مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا } معدلا ~~ومفرا. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } ولم يتبعوا ~~الشيطان في الأمر بالكفر { سندخلهم جنت تجري من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا } وقرأ النخعي ~~«سيدخلهم» { وعد الله حقا } مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني ~~مؤكد لغيره { ومن أصدق من الله قيلا } قولا وهو استفهام ~~بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه وهو تأكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات ~~مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه. ### || [4.123-129] # { ليس بأمنيكم } ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها ~~المشركون أن تنفعكم الأصنام { ولا أماني أهل الكتب } ولا ~~على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]. { من يعمل سوءا يجز به } أي من المشركين وأهل ~~الكتاب بدليل قوله { ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا } وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده { ومن يعمل من ~~الصلحت من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } فقوله «وهو ~~مؤمن» حال و «من» الأولى للتبعيض، والثانية لبيان الإبهام في «من يعمل»، ~~وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان { فأولئك يدخلون ~~الجنة } «يدخلون»: مكي وأبو عمرو وأبو بكر { ولا يظلمون ~~نقيرا } قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة والراجع في { ولا ~~يظلمون } لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا. وجاز أن يكون ذكره عند ~~أحد الفريقين دليلا على ذكره عند الآخر. وقوله: { من يعمل سوءا ~~يجز به }.وقوله:« ومن يعمل من الصلحت». بعد ms0304 ذكر ~~تمني أهل الكتاب كقوله # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته # وقوله: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات # عقيب قوله: # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا ~~يعرف لها ربا ولا معبودا سواء { وهو محسن } عامل للحسنات { ~~واتبع ملة إبرهيم حنيفا } مائلا عن الأديان الباطلة وهو ~~حال من المتبع أو من إبراهيم { واتخذ الله إبرهيم خليلا ~~} هو في الأصل المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك، أو يداخلك خلال ~~منزلك، أو يسد خللك كما يسد خلله، فالخلة صفاء مودة توجب الاختصاص بتخلل ~~الأسرار، والمحبة أصفى لأنها من حبة القلب وهي جملة اعتراضية لا محل لها ~~من الإعراب كقوله «والحوادث جمة». وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته ~~وطريقته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن ~~تتبع ملته وطريقته، ولو جعلتها معطوفة على الجمل قبلها ولم يكن لها معنى ~~وفي الحديث # " اتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته ~~بالليل والناس نيام " # وقيل: أوحي إليه إنما اتخذتك خليلا لأنك تحب أن تعطي ولا تعطى. وفي ~~رواية «لأنك تعطي الناس ولا تسألهم». # وفي قوله { ولله ما في السموات وما في الأرض } دليل ~~على أن اتخاذه خليلا لاحتياج الخليل إليه لا لاحتياجه تعالى إليه لأنه ~~منزه عن ذلك { وكان الله بكل شيء محيطا } عالما. # { ويستفتونك في النساء } ويسألونك الإفتاء في النساء ~~والإفتاء تبيين المبهم { قل الله يفتيكم فيهن وما ~~يتلى عليكم في الكتب في يتمى النساء } أي الله ~~يفتيكم والمتلو في الكتاب أي القرآن في معنى اليتامى يعني قوله: # وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتمى # [النساء: 3]. وهو من قولك «أعجبني زيد وكرمه» و «ما يتلى» في محل الرفع ~~بالعطف على الضمير في «يفتيكم» أو على لفظ «الله» و «في يتامى النساء» ~~صلة «يتلى» أي يتلى عليكم في معناهن. ويجوز أن يكون «في يتامى النساء» ~~بدلا من «فيهن» والإضافة بمعنى «من» { التي لا تؤتونهن ms0305 ما ~~كتب لهن } ما فرض لهن من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى ~~نفسه ومالها، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن ~~التزوج حتى تموت فيرثها { وترغبون أن تنكحوهن } أي في أن ~~تنكحوهن لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن { والمستضعفين من ~~الولدن } أي اليتامى وهو مجرور معطوف على «يتامى النساء»، وكانوا في ~~الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء { وأن ~~تقوموا لليتمى } مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى ~~النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا، أو منصوب بمعنى ويأمركم أن تقوموا ~~وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم { بالقسط } ~~بالعدل في ميراثهم ومالهم { وما تفعلوا من خير } شرط وجوابه ~~{ فإن الله كان به عليما } أي فيجازيكم عليه. # { وإن امرأة خفت من بعلها نشوزا } توقعت منه ذلك ~~لما لاح لها من مخايله وأمارته. والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ~~ونفقته وأن يؤذيها بسب أو ضرب { أو إعراضا } عنها بأن يقل محادثتها ~~ومؤانستها بسبب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق أو ملال أو طموح ~~عين إلى أخرى أو غير ذلك { فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما } كوفي. «يصالحا»: غيرهم أي يتصالحا وهو أصله فأبدلت التاء ~~صادا وأدغمت. { صلحا } في معنى مصدر كل واحد من الفعلين. ومعنى الصلح ~~أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها أو تهب له بعض ~~المهر أو كله أو النفقة { والصلح خير } من الفرقة أو من النشوز ~~أو من الخصومة في كل شيء، أو والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من ~~الشرور، وهذه الجملة اعتراض كقوله { وأحضرت الأنفس الشح } أي ~~جعل الشح حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة ~~عليه. والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمح بأن ~~يقسم لها إذا رغب عنها، فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته. «وأحضرت» ~~يتعدى إلى مفعولين والأول «الأنفس». ثم حث على ms0306 مخالفة الطبع ومتابعة ~~الشرط بقوله { وإن تحسنوا } بالإقامة على نسائكم، وإن كرهتموهن ~~وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة { وتتقوا } ~~النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة { فإن الله كان ~~بما تعملون } من الإحسان والتقوى { خبيرا } فيثيبكم عليه. # وكان عمران الخارجي من أدم بني آدم وامرأته من أجملهم فنظرت إليه ~~وقالت: الحمد لله على أني وإياك من أهل الجنة. قال: كيف؟ فقالت: لأنك ~~رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت والجنة موعودة للشاكرين والصابرين { ~~ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } ولن تستطيعوا ~~العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة، فتمام العدل أن يسوى ~~بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والمحالمة والمفاكهة ~~وغيرها. وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة وكان عليه السلام يقسم بين ~~نسائه فيعدل ويقول: # " هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " # يعني المحبة لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. { ولو ~~حرصتم } بالغتم في تجري ذلك { فلا تميلوا كل الميل } ~~فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمها من غير رضا منها ~~يعني أن اجتناب كل الميل في حد اليسر فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم ~~التفريط في العدل كله، وفيه ضرب من التوبيخ. و «كل» نصب على المصدر لأن ~~له حكم ما يضاف إليه { فتذروها كالمعلقة } وهي التي ليست ~~بذات بعل ولا مطلقة { وإن تصلحوا } بينهن { وتتقوا } الجور ~~{ فإن الله كان غفورا رحيما } يغفر لكم ميل قلوبكم ~~ويرحمكم فلا يعاقبكم. ### || [4.130-141] # { وإن يتفرقا } أي إن لم يصطلح الزوجان على شيء وتفرقا بالخلع ~~أو بتطليقه إياها وإيفائه مهرها ونفقة عدتها { يغن الله كلا } ~~كل واحد منهما { من سعته } من غناه أي يرزقه زوجا خيرا من زوجه ~~وعيشا أهنأ من عيشه { وكان الله وسعا } بتحليل النكاح { ~~حكيما } بالإذن في السراح، فالسعة الغنى والقدرة والواسع الغني ~~المقتدر. ثم بين غناه وقدرته بقوله { ولله ما في السموات ~~وما في الأرض } خلقا والمتملكون عبيده رقا. { ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتب } هو اسم للجنس فيتناول الكتب ms0307 السماوية { ~~من قبلكم } من الأمم السالفة وهو متعلق ب « وصينا»أو ب «أتوا» ~~{ وإيكم } عطف على «الذين أوتوا» { أن اتقوا الله } بأن ~~اتقوا أو تكون «أن» المفسرة لأن التوصية في معنى القول، والمعنى أن هذه ~~وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده ولستم بها مخصوصين لأنهم ~~بالتقوى يسعدون عنده { وإن تكفروا } عطف على «اتقوا» لأن المعنى ~~أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا { فإن لله ما ~~في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا } عن ~~خلقه وعن عبادتهم { حميدا } مستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم ~~يحمده أحد. وتكرير قوله: «لله ما في السماوات وما في الأرض». تقرير لما ~~هو موجب تقواه لأن الخلق لما كان كله له وهو خالقهم ومالكهم فحقه أن يكون ~~مطاعا في خلقه غير معصي. وفيه دليل على أن التقوى أصل الخير كله، وقوله: ~~«وإن تكفروا». عقيب التقوى دليل على أن المراد الاتقاء عن الشرك { ~~ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله ~~وكيلا } فاتخذوه وكيلا ولا تتكلوا على غيره. # ثم خوفهم وبين قدرته بقوله { إن يشأ يذهبكم } يعدمكم { ~~أيها الناس ويأت باخرين } ويوجد إنسا آخرين مكانكم أو ~~خلقا آخرين غير الإنس { وكان الله على ذلك قديرا } بليغ ~~القدرة { من كان يريد ثواب الدنيا } كالمجاهد يريد بجهاده ~~الغنيمة { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } فما له يطلب ~~أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما { وكان الله سميعا } ~~للأقوال { بصيرا } بالأفعال وهو وعد ووعيد. # { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط ~~} مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا { شهداء } خبر بعد خبر { ~~لله } أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله { ولو على أنفسكم } ~~ولو كانت الشهادة على أنفسكم والشهادة على نفسه هي الإقرار على نفسه لأنه ~~في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق، وهذا لأن الدعوى والشهادة والإقرار ~~يشترك جميعها في الإخبار عن حق لأحد على أحد غير أن الدعوى إخبار عن حق ~~لنفسه على الغير، والإقرار للغير على نفسه، والشهادة للغير على الغير { ~~أو الولدين والأقربين } أي ولو كانت الشهادة ms0308 على آبائكم ~~وأمهاتكم وأقاربكم { إن يكن } المشهود عليه { غنيا } فلا يمنع ~~الشهادة عليه لغناه طلبا لرضاه { أو فقيرا } فلا يمنعها ترحما ~~عليه { فالله أولى بهما } بالغني والفقير أي بالنظر لهما ~~والرحمة. # وإنما ثنى الضمير في «بهما» وكان حقه أن يوحد، لأن المعنى إن يكن أحد ~~هذين لأنه يرجع إلى ما دل عليه قوله: «غنيا أو فقيرا». وهو جنس الغني ~~والفقير كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الغني والفقير أي بالأغنياء والفقراء ~~{ فلا تتبعوا الهوى } إرادة { أن تعدلوا } عن الحق من العدول ~~أو كراهة أن تعدلوا بين الناس من العدل { وإن تلوا } بواو واحدة ~~وضم اللام: شامي وحمزة من الولاية { أو تعرضوا } أي وإن وليتم ~~إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها. غيرهما: «تلووا» بواوين وسكون اللام ~~من اللي أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن ~~الشهادة بما عندكم وتمنعوها { فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } فيجازيكم عليه. # { يأيها الذين ءامنوا } خطاب للمسلمين { ءامنوا } ~~اثبتوا على الإيمان ودوموا عليه، ولأهل الكتاب لأنهم آمنوا ببعض الكتب ~~والرسل وكفروا ببعض، أو للمنافقين أي يا أيها الذين آمنوا نفاقا آمنوا ~~إخلاصا { بالله ورسوله } أي محمد صلى الله عليه وسلم { ~~والكتب الذي نزل على رسوله } أي الفرقان { ~~والكتب الذى أنزل من قبل } أي جنس ما أنزل على الأنبياء ~~قبله من الكتب ويدل عليه قوله و «كتبه». نزل وأنزل بالبناء للمفعول: مكي ~~وشامي وأبو عمرو، وعلى البناء للفاعل فيهما: غيرهم. وإنما قيل «نزل على ~~رسوله» و «أنزل من قبل» لأن الفرقان نزل مفرقا منجما في عشرين سنة ~~بخلاف الكتب قبله { ومن يكفر بالله وملئكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر } أي ومن يكفر بشيء من ذلك { ~~فقد ضل ضللا بعيدا } لأن الكفر ببعضه كفر بكله. # { إن الذين ءامنوا } بموسى عليه السلام { ثم كفروا } ~~حين عبدوا العجل { ثم ءامنوا } بموسى بعد عوده { ثم كفروا ~~} بعيسى عليه السلام { ثم ازدادوا كفرا } بكفرهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم سبيلا } إلى ms0309 النجاة أو إلى الجنة، أو هم المنافقون ~~آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى، وازدياد الكفر منهم ثباتهم ~~عليه إلى الموت يؤيده قوله { بشر المنفقين } أي أخبرهم ووضع ~~بشر مكانه تهكما بهم { بأن لهم عذابا أليما } مؤلما { ~~الذين } نصب على الذم أو رفع بمعنى أريد الذين أو هم الذين { ~~يتخذون الكفرين أولياء من دون المؤمنين ~~أيبتغون عندهم العزة } كان المنافقون يوالون الكفرة ~~يطلبون منهم المنعة والنصرة ويقولون: لا يتم أمر محمد عليه السلام { ~~فإن العزة لله جميعا } ولمن أعزه كالنبي عليه السلام ~~والمؤمنين كما قال # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. # { وقد نزل عليكم } بفتح النون: عاصم. وبضمها: غيره { في ~~الكتب } القرآن { وقد نزل عليكم في الكتب أن ~~إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم يخوضوا في حديث غيره } حتى ~~يشرعوا في كلام غير الكفر والاستهزاء بالقرآن، والخوض: الشروع و «أن» ~~مخففة من الثقيلة أي أنه إذا سمعتم أي نزل عليكم أن الشأن كذا. والشأن ما ~~أفادته الجملة بشرطها وجزائها و «أن» مع ما في حيزها في موضع الرفع ب ~~«نزل» أو في موضع النصب ب «نزل» والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل ~~عليهم بمكة من قوله: # وإذا رأيت الذين يخوضون في ءايتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68]. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم ~~فيستهزئون به، فنهى المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه، وكان ~~المنافقون بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين بمكة فنهوا أن يقعدوا معهم ~~كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة { إنكم إذا مثلهم } أي في ~~الوزر إذا مكثتم معهم، ولم يرد به التمثيل من كل وجه فإن خوض المنافقين ~~فيه كفر ومكث هؤلاء معهم معصية { إن الله جامع المنفقين ~~والكفرين في جهنم جميعا } لاجتماعهم في الكفر ~~والاستهزاء { الذين } بدل من «الذين يتخذون» أو صفة للمنافقين أو نصب ~~على الذم منهم { يتربصون بكم } ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ~~ظفر أو إخفاق { فإن كان لكم ms0310 فتح من الله } نصرة وغنيمة { ~~قالوا ألم نكن معكم } مظاهرين فأشركونا في الغنيمة { وإن ~~كان للكفرين نصيب } سمى ظفر المسلمين فتحا تعظيما لشأنهم ~~لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء، وظفر الكافرين نصيبا تخسيسا لحظهم ~~لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها. # { قالوا } للكافرين { ألم نستحوذ عليكم } ألم نغلبكم ~~ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم، والاستحواذ الاستيلاء والغلبة { ~~ونمنعكم من المؤمنين } بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ~~ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا ~~نصيبا لنا مما أصبتم { فالله يحكم بينكم } أيها المؤمنون ~~والمنافقون { يوم القيمة } فيدخل المنافقين النار والمؤمنين ~~الجنة { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين ~~سبيلا } أي في القيامة بدليل أول الآية كذا عن علي رضي الله عنه، أو ~~حجة كذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. ### || [4.142-153] # { إن المنفقين يخدعون الله } أي يفعلون ما يفعل ~~المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن ~~الكفر، أو أولياء الله وهم المؤمنون فأضاف خداعهم إلى نفسه تشريفا لهم { ~~وهو خادعهم } وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم ~~معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في ~~العقبى. والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. ~~وقيل: يجزيهم جزاء خداعهم. { وإذا قاموا إلى الصلوة ~~قاموا كسالى } متثاقلين كراهة، أما الغفلة فقد يبتلى بها المؤمن ~~وهو جمع كسلان كسكارى في سكران { يراءون الناس } حال أي يقصدون ~~بصلاتهم الرياء والسمعة. والمرأة مفاعلة من الرؤية لأن المرائي يريهم ~~عمله وهم يرونه استحسانا { ولا يذكرون الله إلا قليلا } ~~ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس، أو لا ~~يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا نادرا. قال الحسن: لو ~~كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيرا { مذبذبين } نصب على الذم ~~أي مرددين يعني ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر فهم مترددون ~~بينهما متحيرون، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يدفع فلا ~~يقر في جانب واحد إلا ms0311 أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب { بين ذلك ~~} بين الكفر والإيمان { لآ إلى هؤلآء } لا منسوبين إلى هؤلاء ~~فيكونوا مؤمنين { ولآ إلى هؤلآء } ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا ~~مشركين { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } طريقا ~~إلى الهدى. # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين ~~أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا } حجة بينه في تعذيبكم { إن ~~المنفقين في الدرك الأسفل من النار } أي في الطبق ~~الذي في قعر جنهم، والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة ~~بعضها فوق بعض. وإنما كان المنافق أشد عذابا من الكافر لأنه أمن السيف ~~في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في العقبى تعديلا، ولأنه مثله في الكفر ~~وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. والدرك بسكون الراء: كوفي غير ~~الأعشى، وبفتح الراء: غيرهم. وهما لغتان، وذكر الزجاج أن الاختيار فتح ~~الراء. { ولن تجد لهم نصيرا } يمنعهم من العذاب { إلا ~~الذين تابوا } من النفاق وهو استثناء من الضمير المجرور في «ولن ~~تجد لهم نصير» { وأصلحوا } ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال ~~النفاق { واعتصموا بالله } ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص { ~~وأخلصوا دينهم لله } لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه { ~~فأولئك مع المؤمنين } فهم أصحاب المؤمنين ورفاقهم في ~~الدارين { وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } ~~فيشاركونهم فيه. # وحذفت الياء في الخط هنا إتباعا للفظ. ثم استفهم مقررا أنه لا يعذب ~~المؤمن الشاكر فقال { ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم } لله { وءامنتم } به ف «ما» منصوبة ب «يفعل» أي أي ~~شيء يفعل بعذابكم؟ فالإيمان معرفة المنعم، والشكر الاعتراف بالنعمة، ~~والكفر بالمنعم والنعمة عناد، فلذا استحق الكافر العذاب. وقدم الشكر على ~~الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه ~~للمنافع فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن ~~به ثم شكر شكرا مفصلا فكان الشكر متقدما على الإيمان { وكان ~~الله شكرا } يجزيكم على شكركم أو يقبل اليسير من العمل ويعطي ~~الجزيل من الثواب { عليما } عالما بما ms0312 تصنعون. # { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } ولا غير ~~الجهر ولكن الجهر أفحش { إلا من ظلم } إلا جهر من ظلم استثنى من ~~الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما ~~فيه من السوء. وقيل: الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلا من ظلم فإنه إن ~~رد عليه مثله فلا حرج عليه # ولمن انتصر بعد ظلمه # [الشورى: 41] { وكان الله سميعا } لشكوى المظلوم { عليما } ~~بظلم الظالم. ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه ~~الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثا على الأفضل، وذكر إبداء الخير ~~وإخفاءه تشبيبا للعفو فقال { إن تبدوا خيرا } مكان جهر السوء { ~~أو تخفوه } فتعملوه سرا ثم عطف العفو عليهما فقال { أو ~~تعفوا عن سوء } أي تمحوه عن قلوبكم والدليل على أن العفو هو ~~المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله { فإن الله كان عفوا ~~قديرا } أي إنه لم يزل عفوا عن الآثام مع قدرته على الانتقام فعليكم ~~أن تقتدوا بسنته. # { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض } كاليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام والإنجيل ~~والقرآن، وكالنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } أي دينا وسطا ~~بين الإيمان والكفر ولا واسطة بينهما { أولئك هم الكفرون ~~} هم الكاملون في الكفر لأن الكفر بواحد كفر بالكل { حقا } تأكيد ~~لمضمون الجملة كقولك «هذا عبد الله حقا» أي حق ذلك حقا وهو كونهم ~~كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا حقا ~~ثابتا يقينا لا شك فيه { وأعتدنا للكفرين عذابا ~~مهينا } في الآخرة { والذين ءامنوا بالله ورسله ~~ولم يفرقوا بين أحد منهم } وإنما جاز دخول «بين» على ~~«أحد» لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما { ~~أولئك سوف يؤتيهم } وبالياء: حفص { أجورهم } أي ~~الثواب الموعود لهم { وكان الله غفورا } يستر السيئات { ~~رحيما } يقبل الحسنات، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة ms0313 في تخليد ~~المرتكب الكبيرة لأنه أخبر أن من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد منهم ~~يؤتيه أجره، ومرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد فيدخل ~~تحت الوعد، وعلى بطلان قول من لا يقول بقدم صفات الفعل من المغفرة ~~والرحمة لأنه قال: «وكان الله غفورا رحيما» وهم يقولون: ما كان الله ~~غفورا رحيما في الأزل ثم صار غفورا رحيما. # ولما قال فنحاص وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا صادقا ~~فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام نزل { ~~يسئلك * أهل الكتب أن تنزل عليهم } وبالتخفيف: ~~مكي وأبو عمرو { كتبا من السماء } أي جملة كما نزلت التوراة ~~جملة، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت. وقال الحسن: ولو سألوه ~~مسترشدين لأعطاهم لأن إنزال القرآن جملة ممكن { فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك } هذا جواب شرط مقدر معناه: إن استكبرت ما سألوه منك ~~فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. وإنما أسند السؤال إليهم وقد وجد من آبائهم ~~في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم ~~وراضين بسؤالهم { فقالوا أرنا الله جهرة } عيانا أي أرنا ~~نره جهرة { فأخذتهم الصعقة } العذاب الهائل أو النار ~~المحرقة { بظلمهم } على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه، أو بالتحكم ~~على نبيهم في الآيات وتعنتهم في سؤال الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة ~~كإنزال القرآن جملة، ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق ~~فإنه قال # رب أرنى أنظر إليك # [الأعراف: 143] وما أخذته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق ~~بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم { ثم اتخذوا العجل ~~} إلها { من بعد ما جاءتهم البينت } التوراة والمعجزات ~~التسع { فعفونا عن ذلك } تفضلا ولم نستأصلهم { وءاتينا ~~موسى سلطنا مبينا } حجة ظاهرة على من خالفه. ### || [4.154-158] # { ورفعنا فوقهم الطور بميثقهم } بسبب ميثاقهم ~~ليخافوا فلا ينقضوه { وقلنا لهم } والطور مطل عليهم { ادخلوا ~~الباب سجدا } أي ادخلوا باب إيلياء مطأطئين عند الدخول رؤوسكم { ~~وقلنا لهم لا تعدوا ms0314 } لا تجاوزوا الحد «تعدوا»: ورش ~~«تعدوا» بإسكان العين وتشديد الدال: مدني غير ورش وهما مدغما «تعتدوا» ~~وهي قراءة أبي إلا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية، ~~وفي رواية نقل فتح التاء إلى العين { فى السبت } بأخذ السمك { ~~وأخذنا منهم ميثقا غليظا } عهدا مؤكدا. # { فبما نقضهم } أي فبنقضهم و «ما» مزيدة للتوكيد والباء يتعلق ~~بقوله «حرمنا عليهم طيبات» تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم، ~~وقوله «فبظلم من الذين هادوا» بدل من قوله «فبما نقضهم» { ميثقهم ~~} ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف ~~عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك { وكفرهم بئايت ~~الله } أي معجزات موسى عليه السلام { وقتلهم الأنبياء } ~~كزكريا ويحيى وغيرهما { بغير حق } بغير سبب يستحقون به القتل { ~~وقولهم قلوبنا غلف } جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء ~~من الذكر والوعظ { بل طبع الله عليها بكفرهم } هو رد ~~وإنكار لقولهم «قلوبنا غلف» { فلا يؤمنون إلا قليلا } كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه { وبكفرهم } معطوف على «فبما نقضهم» أو على ~~ما يليه من قوله: «بكفرهم». ولما تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم ~~بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم عطف بعض كفرهم على بعض: { ~~وقولهم على مريم بهتنا عظيما } هو النسبة إلى ~~الزنا { وقولهم إنا قتلنا المسيح } سمي مسيحا لأن ~~جبريل عليه السلام مسحه بالبركة فهو ممسوح، أو لأنه كان يمسح المريض ~~والأكمة والأبرص فيبرأ فسمي مسيحا بمعنى الماسح { عيسى ابن مريم ~~رسول الله } هم لم يعتقدوه رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول ~~الكفار لرسولنا # يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك. # { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } روي أن ~~رهطا من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك ~~خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي، فمسخ الله من سبهما قردة ~~وخنازير. فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ~~ويطهره من صحبة ms0315 اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ~~ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. ~~وقيل: كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل بيت ~~عيسى ورفع عيسى وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم ~~يظنون أنه عيسى. # وجاز هذا على قوم متعنتين حكم الله بأنهم لا يؤمنون، «وشبه» مسند إلى ~~الجار والمجرور وهو «لهم» كقولك «خيل إليه» كأنه قيل: ولكن وقع لهم ~~التشبيه. أو مسند إلى ضمير المقتول لدلالة «إنا قتلنا» عليه كأنه قيل: ~~ولكن شبه لهم من قتلوه { وإن الذين اختلفوا فيه } في عيسى ~~يعني اليهود قالوا: إن الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، أو اختلف ~~النصارى قالوا: إله وابن إله وثالث ثلاثة { لفى شك منه ما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن } استثناء منقطع لأن اتباع ~~الظن ليس من جنس العلم يعني ولكنهم يتبعون الظن. وإنما وصفوا بالشك وهو ~~أن لا يترجح أحد الجانبين، ثم وصفوا بالظن وهو أن يترجح أحدهما، لأن ~~المراد أنهم شاكون مالهم به من علم ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا فذاك. ~~وقيل: وإن الذين اختلفوا فيه أي في قتله لفي شك منه أي من قتله لأنهم ~~كانوا يقولون إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين ~~عيسى! { وما قتلوه يقينا } أي قتلا يقينا، أو ما قتلوه ~~متيقنين، أو ما قتلوه حقا فيجعل «يقينا» تأكيدا لقوله «وما قتلوه» أي ~~حق انتفاء قتله حقا { بل رفعه الله إليه } إلى حيث لا حكم ~~فيه لغير الله أو إلى السماء { وكان الله عزيزا } في انتقامه من ~~اليهود { حكيما } فيما دبر من رفعه إليه. ### || [4.159-171] # { وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته } «ليؤمنن به» جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن ~~من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ونحوه # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل ~~موته ms0316 بعيسى عليه السلام وبأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين قبل أن تزهق ~~روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف. أو بالكتاب الضميران ~~لعيسى يعني وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب ~~الذين يكونون في زمان نزوله. روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا ~~يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة ~~الإسلام، أو الضمير «في به» يرجع إلى الله أو إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم والثاني إلى الكتابي { ويوم القيمة يكون عليهم ~~شهيدا } يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن ~~الله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبت أحلت لهم } وهي ما ذكر في سورة الأنعام # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر # [الأنعام: 146] الآية. والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ~~ارتكبوه وهو ما عدد قبل هذا { وبصدهم عن سبيل الله } ~~وبمنعهم عن الإيمان { كثيرا } أي خلقا كثيرا أو صدا كثيرا { ~~وأخذهم * الربوا وقد نهوا عنه } كان الربا محرما ~~عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه { وأكلهم أمول الناس ~~بالبطل } بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة { وأعتدنا ~~للكفرين منهم } دون من آمن { عذابا أليما } في الآخرة ~~{ لكن الراسخون فى العلم } أي الثابتون فيه المتقون كابن ~~سلام وأضرابه { منهم } من أهل الكتاب { والمؤمنون } أي ~~المؤمنون منهم والمؤمنون من المهاجرين والأنصار. وارتفع «الراسخون» على ~~الابتداء { يؤمنون } خبره { بما أنزل إليك } أي القرآن { ~~وما أنزل من قبلك } أي سائر الكتب { والمقيمين ~~الصلوة } منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة، وفي مصحف عبد الله ~~«والمقيمون» وهي قراءة مالك بن دينار وغيره { والمؤتون الزكوة ~~} مبتدأ { والمؤمنون بالله واليوم الآخر } عطف عليه ~~والخبر { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } وبالياء: حمزة. # { إنا أوحينا إليك } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء، واحتجاج عليهم بأن ~~شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا { كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده } كهود ms0317 وصالح وشعيب وغيرهم. # { وأوحينا إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق ~~ويعقوب والأسباط } أي أولاد يعقوب { وعيسى وأيوب ~~ويونس وهرون وسليمن وءاتينا داوود زبورا } ~~«زبورا»: حمزة مصدر بمعنى مفعول سمي به الكتاب المنزل على داود عليه ~~السلام { ورسلا } نصب بمضمر في معنى أوحينا إليك وهو أرسلنا ونبأنا { ~~قد قصصنهم عليك من قبل } من قبل هذه السورة { ~~ورسلا لم نقصصهم عليك } سأل أبو ذر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الأنبياء قال # " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا " # قال: كم الرسل منهم؟ قال: # " ثلثمائة وثلاثة عشر أول الرسل آدم وآخرهم نبيكم محمد عليه السلام ~~وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ومحمد عليه السلام " # والآية تدل على أن معرفة الرسل بأعيانهم ليست بشرط لصحة الإيمان بل من ~~شرطه أن يؤمن بهم جميعا إذ لو كان معرفة كل واحد منهم شرطا لقص علينا ~~كل ذلك { وكلم الله موسى تكليما } أي بلا واسطة. # { رسلا مبشرين ومنذرين } الأوجه أن ينتصب على المدح أي ~~أعني رسلا، ويجوز أن يكون بدلا من الأول، وأن يكون مفعولا أي وأرسلنا ~~رسلا. واللام في { لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل } يتعلق ب «مبشرين» ومنذرين والمعنى أن إرسالهم إزاحة ~~للعلة وتتميم لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا ~~من سنة الغفلة، وينبهنا بما وجب الانتباه له، ويعلمنا ما سبيل معرفته ~~السمع كالعبادات والشرائع أعني في حق مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها دون ~~أصولها فإنها مما يعرف بالعقل { وكان الله عزيزا } في العقاب ~~على الإنكار { حكيما } في بعث الرسل للإنذار. # ولما نزل «إنا أوحينا إليك» قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل { لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك } ومعنى شهادة الله بما أنزل ~~إليه إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات إذ الحكيم ~~لا يؤيد الكاذب بالمعجزة { أنزله بعلمه } أي أنزله وهو عالم ~~بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، ~~وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم { ~~والملئكة يشهدون } لك بالنبوة { وكفى بالله ms0318 ~~شهيدا } شاهدا وإن لم يشهد غيره { إن الذين كفروا } ~~بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود { وصدوا عن سبيل ~~الله } ومنعوا الناس عن سبيل الحق بقولهم للعرب «إنا لا نجده في ~~كتابنا» { قد ضلوا ضللا بعيدا } عن الرشد { إن ~~الذين كفروا } بالله { وظلموا } محمدا عليهم السلام بتغيير ~~نعته وإنكار نبوته { لم يكن الله ليغفر لهم } ما داموا ~~على الكفر { ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم ~~خلدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } ~~وكان تخليدهم في جهنم سهلا عليه، والتقدير يعاقبهم خالدين فهوحال مقدرة ~~والآيتان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ويموتون على الكفر. # { يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ~~} أي بالإسلام أو هو حال أي محقا { فئامنوا خيرا لكم } ~~وكذلك { انتهوا خيرا لكم } انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم ~~على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال ~~«خيرا لكم» أي اقصدوا وأتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر ~~والتثليث وهو الإيمان به والتوحيد { وإن تكفروا فإن لله ~~ما فى السموت والأرض } فلا يضره كفركم { وكان الله ~~عليما } بمن يؤمن وبمن يكفر { حكيما } لا يسوي بينهما في الجزاء. # { يأهل الكتب لا تغلوا فى دينكم } لا تجاوزوا الحد ~~فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا إنه ابن الزنا، وغلت ~~النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله { ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق } وهو تنزيهه عن الشريك والولد { إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم } لا ابن الله { رسول الله } خبر ~~المبتدأ وهو «المسيح» و «عيسى» عطف بيان أو بدل { وكلمته } عطف على ~~«رسول الله». وقيل له «كلمة» لأنه يهتدي به كما يهتدي بالكلام { ~~ألقها إلى مريم } حال «وقد» معه مرادة أي أوصلها إليها ~~وحصلها فيها { وروح } معطوف على الخبر أيضا. وقيل له «روح» لأنه كان ~~يحيي الموتى كما سمي القرآن روحا بقوله # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] لما أنه يحيي القلوب { منه } أي بتخليقه وتكوينه ~~كقوله تعالى: ms0319 # وسخر لكم ما فى السموات وما في الارض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] وبه أجاب علي بن الحسين بن واقد غلاما نصرانيا كان ~~للرشيد في مجلسه حيث زعم أن في كتابكم حجة على أن عيسى من الله { ~~فئامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثة } خبر ~~مبتدأ محذوف أي ولا تقولوا الآلهة ثلاثة { انتهوا } عن التثليث { ~~خيرا لكم }. والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ~~ومريم ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله من مريم ألا ترى إلى قوله: # أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]. # وقالت النصرى المسيح ابن الله # [التوبة: 30]. { إنما الله } مبتدأ { إله } خبرة { وحد } ~~توكيد { سبحنه أن يكون له ولد } أسبحه تسبيحا من أن ~~يكون له ولد { له ما في السموت وما فى الأرض } بيان ~~لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه ~~جزءا منه. إذ البنوة والملك لا يجتمعان، على أن الجزء إنما يصح في ~~الأجسام وهو يتعالى عن أن يكون جسما { وكفى بالله وكيلا } ~~حافظا ومدبرا لهما ولما فيهما، ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد ~~يعينه. # ولما قال وفد نجران لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا ~~عيسى؟ قال: # " وأي شيء أقول؟ " # قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله. قال: # " إنه ليس بعار أن يكون عبد الله " # قالوا: بلى، نزل قوله تعالى: ### || [4.172-176] # { لن يستنكف المسيح } أي لن يأنف { أن يكون عبدا ~~لله } هو رد على النصارى { ولا الملئكة } رد على من يعبدهم ~~من العرب وهو عطف على «المسيح» { المقربون } أي الكروبيون الذين ~~حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم. والمعنى: ولا ~~الملائكة المقربون أن يكونوا عبادا لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه ~~إيجازا. وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية ~~وقالوا: الارتقاء إنما يكون إلى الأعلى. يقال: فلان لا يستنكف عن خدمتي ~~ولا أبوه، ولو قال «ولا عبده» لم يحسن وكان معنى قوله «ولا الملائكة ~~المقربون» ولا من هو ms0320 أعلى منه قدرا وأعظم منه خطرا، ويدل عليه تخصيص ~~المقربين. والجواب أنا نسلم تفضيل الثاني على الأول ولكن هذا لا يمس ما ~~تنازعنا فيه، لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من ~~عيسى، ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر. ~~إلى هذا ذهب بعض أهل السنة، ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة ~~الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأسا لا ~~يستنكفون عن عبادته، فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا ~~يعلم ما يعلمون! وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التكون هي التي ~~تورث الحمقى أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد ~~من غير أب وهو يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وينبىء بما يأكلون ~~ويدخرون في بيوتهم، فبرءوه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة ~~أتم منها في المسيح، ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح! ~~والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم السلام أفضل من خواص الملائكة ~~وهم الرسل منهم، كجبريل وميكائيل وعزرائيل ونحوهم، وخواص الملائكة أفضل ~~من عوام المؤمنين من البشر، وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام ~~الملائكة، ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع ~~الهوى في ذات الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء عليهم ~~السلام الملائكة عليهم السلام في العصمة وتفضلوا عليهم في قهر البواعث ~~النفسانية والدواعي الجسدانية، فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف ~~طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثوابا بالحديث { ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر } يترفع ويطلب الكبرياء { ~~فسيحشرهم إليه جميعا } فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم. # ثم فصل فقال: # { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } فإن قلت: ~~التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على الفريقين والمفصل على ~~فريق واحد، قلت: هو مثل قولك «جمع الإمام ms0321 الخوارج» فمن لم يخرج عليه كساه ~~وحمله، ومن خرج عليه نكل به. # وصحة ذلك لوجهين: أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه ~~لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله ~~تعالى بعد هذا: «فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به». والثاني أن ~~الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلا في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل: ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما ~~يصيبه من عذاب الله: { يأيها الناس قد جاءكم برهان من ~~ربكم } أي رسول يبهر المنكر بالإعجاز { وأنزلنا إليكم ~~نورا مبينا } قرآنا يستضاء به في ظلمات الحيرة { فأما ~~الذين ءامنوا بالله واعتصموا به } بالله أو بالقرآن { ~~فسيدخلهم فى رحمة منه } أي جنة { وفضل } زيادة ~~النعمة { ويهديهم } ويرشدهم { إليه } إلى الله أو إلى الفضل أو ~~إلى صراطه { صرطا مستقيما } ف «صراطا» حال من المضاف المحذوف. # { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكللة } كان ~~جابر بن عبد الله مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ~~كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت { إن امرؤا هلك } ارتفع «امرؤ» ~~بمضمر يفسره الظاهر ومحل { ليس له ولد } الرفع على الصفة أي إن ~~هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد الابن وهو مشترك يقع على الذكر ~~والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت { وله أخت } أي لأب ~~وأم أو لأب { فلها نصف ما ترك } أي الميت { وهو يرثها } ~~أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه ~~بعدها { إن لم يكن لها ولد } أي ابن لأن الابن يسقط الأخ ~~دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط، ~~فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد ووكل حكم انتفاء ~~الوالد إلى بيان السنة وهو قوله عليه السلام # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " # والأب أولى من الأخ { فإن كانتا اثنتين } أي فإن كانت الأختان ~~اثنتين دل على ذلك ms0322 وله أخت { فلهما الثلثان مما ترك وإن ~~كانوا إخوة } أي وإن كان من يرث بالإخوة. والمراد بالإخوة الإخوة ~~والأخوات تغليبا لحكم الذكورة { رجالا ونساء } ذكورا وإناثا { ~~فللذكر } منهم { مثل حظ الأنثيين يبين الله ~~لكم } الحق فهو مفعول «يبين» { أن تضلوا } كراهة أن تضلوا { ~~والله بكل شيء عليم } يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1-3] # { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } يقال وفى ~~بالعهد وأوفى به، والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه وهي عقود ~~الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف، أو ما عقد ~~الله عليكم، أو ما تعاقدتم بينكم. والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه ~~من تحليل حلاله وتحريم حرامه، وأنه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل وهو ~~قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } والبهيمة كل ذات أربع ~~قوائم في البر والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان وهي بمعنى «من» كخاتم ~~فضة ومعناه، البهيمة من الأنعام وهي الأزواج الثمانية. وقيل: بهيمة ~~الأنعام: الظباء وبقر الوحش ونحوهما { إلا ما يتلى عليكم } ~~آية تحريمه وهو قوله «حرمت عليكم الميتة» الآية { غير محلي ~~الصيد } حال من الضمير في «لكم» أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين ~~الصيد { وأنتم حرم } حال من «محلى الصيد» كأنه قيل: أحللنا لكم ~~بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يضيق عليكم، ~~والحرم جمع حرام وهو المحرم { إن الله يحكم ما يريد } من ~~الأحكام أو من التحليل والتحريم ونزل نهيا عن تحليل ما حرم { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } ~~جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعارا وعلما للنسك به من مواقف الحج ~~ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها ~~من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر { ولا الشهر الحرام } ~~أي أشهر الحج { ولا الهدى } وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى ~~الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية { ولا القلئد } جمع قلادة ~~وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو ms0323 لحاء شجر أو غيره { ولا ~~ءامين البيت الحرام } ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام ~~وهم الحجاج والعمار، وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن ~~يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به ~~الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله. وأما ~~القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى ~~للاختصاص لأنها أشرف الهدى كقوله: # وجبريل وميكل # [البقرة: 98]. كأنه قيل: والقلائد منها خصوصا، وجاز أن ينهى عن التعرض ~~لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها ~~فضلا أن تحلوها كما قال: # ولا يبدين زينتهن # [النور: 31] فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها { ~~يبتغون } حال من الضمير في «آمين» { فضلا من ربهم } أي ~~ثوابا { ورضونا } وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم ~~تعظيما لهم { وإذا حللتم } خرجتم من الإحرام { فاصطدوا } ~~إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله «غير محلي الصيد وأنتم حرم». # { ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام أن تعتدوا } جرم مثل كسب في تعديته إلى ~~مفعول واحد واثنين، تقول جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا نحو كسبته ~~إياه، وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني «أن تعتدوا» «وأن صدوكم» ~~متعلق بالشنآن بمنعى العلة وهو شدة البغض، وبسكون النون شامي وأبو بكر، ~~والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه. «إن ~~صدوكم» على الشرط: مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو «لا ~~يجرمنكم» ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء ~~الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم { وتعاونوا على البر ~~والتقوى } على العفو والإغضاء { ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدون } على الانتقام والتشفي، أو البر فعل المأمور، والتقوى ترك ~~المحظور، والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور، ويحوز أن يراد العموم ~~لكل بر وتقوى، ولكل إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار { ~~واتقوا الله ms0324 إن الله شديد العقاب } لمن عصاه وما ~~اتقاه. # ثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال { حرمت عليكم ~~الميتة } أي البهيمة التي تموت حتف أنفها { والدم } أي المسفوح ~~وهو السائل { ولحم الخنزير } وكله نجس. وإنما خص اللحم لأنه معظم ~~المقصود { وما أهل لغير الله به } أي رفع الصوت به لغير ~~الله وهو قولهم «باسم اللات والعزى» عند ذبحه { والمنخنقة } التي ~~خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بالشبكة أو غيرها { والموقوذة } التي ~~أثخنوها ضربا بعصا أو حجر حتى ماتت { والمتردية } التي تردت من ~~جبل أو في بئر فماتت { والنطيحة } المنطوحة وهي التي نطحتها أخرى ~~فماتت بالنطح { وما أكل السبع } بعضه ومات بجرحه { إلا ما ~~ذكيتم } إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح، والاستثناء ~~يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمى ~~عليها حلت { وما ذبح على النصب } كانت لهم حجارة منصوبة حول ~~البيت يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب واحدها ~~نصب، أو هو جمع والواحد نصاب { وأن تستقسموا بالأزلام } ~~في موضع الرفع بالعطف على الميتة أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا ~~والاستقسام بالأزلام وهي القداح المعلمة واحدها زلم وزلم، كان أحدهم إذا ~~أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة ~~على واحد منها مكتوب «أمرني ربي» وعلى الآخر «نهاني» والثالث «غفل». ~~فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاده، ~~فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام. # قال الزجاج: لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين «لا تخرج من أجل نجم كذا ~~واخرج لطلوع نجم كذا». وفي شرح التأويلات رد هذا وقال: لا يقول المنجم ~~«إن نجم كذا يأمر بكذا ونجم كذا ينهى عن كذا» كما كان فعل أولئك، ولكن ~~المنجم جعل النجوم دلالات وعلامات على أحكام الله تعالى. ويجوز أن يجعل ~~الله في النجوم معاني وأعلاما يدرك بها الأحكام ويستخرج بها الأشياء ولا ~~لائمة في ذلك إنما ms0325 اللائمة عليه فيما يحكم على الله ويشهد عليه. وقيل: هو ~~الميسر وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة { ذلكم فسق } ~~الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة، ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في ~~الآية. # { اليوم } ظرف ل «يئس» ولم يرد به يوم بعينه وإنما معناه الآن، ~~وهذا كما تقول «أنا اليوم قد كبرت» تريد الآن. وقيل: أريد يوم نزولها وقد ~~نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع { يئس ~~الذين كفروا من دينكم } يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا من ~~دينكم أن يغلبوه لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله { ~~فلا تخشوهم } بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم ~~مغلوبين بعدما كانوا غالبين { واخشون } بغير ياء في الوصل والوقف أي ~~أخلصوا لي الخشية. # { اليوم } ظرف لقوله { أكملت لكم دينكم } بأن كفيتم خوف ~~عدوكم وأظهرتكم عليهم كما يقول الملوك «اليوم كمل لنا الملك» أي كفينا من ~~كنا نخافه، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال ~~والحرام والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس { وأتممت ~~عليكم نعمتي } بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار ~~الجاهلية ومناسكهم { ورضيت لكم الإسلام دينا } حال. اخترته ~~لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] { فمن اضطر } متصل بذكر المحرمات، وقوله «ذلكم ~~فسق» اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذا ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من ~~جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من ~~الملل ومعناه، فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها { في مخمصة } ~~مجاعة { غير } حال { متجانف لإثم } مائل إلى إثم أي غير ~~متجاوز سد الرمق { فإن الله غفور } لا يؤاخذه بذلك { رحيم ~~} بإباحة المحظور للمعذور. ### || [5.4-5] # { يسئلونك } في السؤال معنى القول فلذا وقع بعده { ماذا ~~أحل لهم } كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحل لهم. وإنما لم يقل «ماذا ~~أحل لنا» حكاية لما قالوا، لأن «يسألونك» بلفظ الغيبة كقولك «أقسم زيد ~~ليفعلن» ولو ms0326 قيل «لأفعلن» وأحل لنا لكان صوابا. و«ماذا» مبتدأ و «أحل ~~لهم» خبره كقولك «أي شيء أحل لهم» ومعناه ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم ~~حين تلى عليهم ما حرم عليه من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها ~~فقال: { قل أحل لكم الطيبت } أي ما ليس بخبيث منها أو هو ~~كل ما لم يأت تحريمه في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس { وما ~~علمتم } عطف على «الطيبات» أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف ~~المضاف، أو تجعل «ما» شرطية وجوابها «فكلوا» { من الجوارح } أي ~~الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر ~~والبازي والشاهين، وقيل: هي من الجراحة فيشترط للحل الجرح { مكلبين ~~} حال من «علمتم». وفائدة هذه الحال مع أنه استغنى عنها ب «علمتم» أن ~~يكون من يعلم الجوارح موصوفا بالتكليب، والمكلب مؤدب الجوارح ومعلمها ~~مشتق من الكلب، لأن التأديب في الكلاب أكثر فاشتق من لفظه لكثرته في ~~جنسه، أو لأن السبع يسمى كلبا ومنه الحديث # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # فأكله الأسد. { تعلمونهن } حال أو استئناف ولا موضع له. وفيه ~~دليل على أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علما ~~وأنحرهم دراية، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء ~~النحارير أنامله. { مما علمكم الله } من التكليب { فكلوا ~~مما أمسكن عليكم } الإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه فإن ~~أكل منه لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه، فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا ~~يحرمه وقد عرف في موضعه. # والضمير في { واذكروا اسم الله عليه } يرجع إلى ما أمسكن ~~على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من الجوارح أي ~~سموا عليه عند إرساله { واتقوا الله } واحذروا مخالفة أمره في ~~هذا كله { إن الله سريع الحساب } إنه محاسبكم على أفعالكم ~~ولا يلحقه فيه لبث. { اليوم } الآن { أحل لكم الطيبت ~~} كرره تأكيدا للمنة { وطعام الذين أوتوا الكتب حل ~~لكم } أي ذبائحهم لأن ms0327 سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملة { ~~وطعامكم حل لهم } فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لوكان ~~حراما عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم { والمحصنت ~~من المؤمنت } هن الحرائر أو العفائف، وليس هذا بشرط لصحة ~~النكاح بل هو للاستحباب لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات ونكاح غير ~~العفائف. # وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم وهو معطوف على «الطيبات» أو ~~مبتدأ والخبر محذوف أي والمحصنات من المؤمنات حل لكم { والمحصنت ~~من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } هن الحرائر ~~الكتابيات أو العفائف الكتابيات { إذا آتيتموهن أجورهن } ~~أعطيتموهن مهورهن { محصنين غير مسفحين } متزوجين غير ~~زانين { ولا متخذي أخدان } صدائق والخدن يقع على الذكر ~~والأنثى { ومن يكفر بالإيمن } بشرائع الإسلام وما أحل الله ~~وحرم { فقد حبط } بطل { عمله وهو في الآخرة من ~~الخسرين }. ### || [5.6-11] # { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة ~~فاغسلوا وجوهكم } أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله # فإذا قرأت القرءان # [النحل: 98] أي إذا أردت أن تقرأ القرآن، فعبر عن إرادة الفعل بالفعل ~~لأن الفعل مسبب عن الإرادة فأقيم المسبب مقام السبب لملابسة بينهما طلبا ~~للإيجاز، ونحوه «كما تدين تدان» عبر عن الفعل الابتدائي الذي هو سبب ~~الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه، وتقديره: وأنتم محدثون. عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: أو من النوم لأنه دليل الحدث: وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة يتوضأون لكل صلاة. وقيل: كان الوضوء لكل صلاة ~~واجبا أول ما فرض ثم نسخ { وأيديكم إلى المرافق } «إلى» ~~تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع ~~الدليل فما فيه دليل على الخروج # فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280] لأن الإعسار علة الإنظار وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو ~~دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في الحالتين معسرا وموسرا. وكذلك # أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] لو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك ~~«حفظت القرآن من أوله إلى آخره» لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله، ومنه ~~قوله تعالى: # من المسجد الحرام إلى المسجد ms0328 الأقصى # [الإسراء: 1] لوقوع العلم بأنه عليه السلام لا يسرى به إلى بيت المقدس ~~من غير أن يدخله، وقوله «إلى المرافق» لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ ~~الجمهور بالاحتياط، فحكموا بدخولها في الغسل، وأخذ زفر وداود بالمتيقن ~~فلم يدخلاها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على ~~مرفقيه { وامسحوا برؤوسكم } المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح ~~بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه؛ فأخذ مالك بالاحتياط ~~فأوجب الاستيعاب، والشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، ~~وأخذنا ببيان النبي عليه السلام وهو ما روي أنه مسح على ناصيته وقدرت ~~الناصية بربع الرأس { وأرجلكم إلى الكعبين } بالنصب: شامي ~~ونافع وعلي وحفص. والمعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم ~~إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم على التقديم والتأخير. غيرهم بالجر بالعطف ~~على الرؤوس لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة، تغسل بصب الماء ~~عليها فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه فعطفت على الممسوح لا لتمسح ولكن ~~لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. وقيل: «إلى الكعبين» فجيء ~~بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في ~~الشريعة، وقال في جامع العلوم إنها مجرورة للجوار وقد صح أن النبي عليه ~~السلام رأى قوما يمسحون على أرجلهم فقال: # " ويل للأعقاب من النار " # وعن عطاء: والله ما علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مسح على القدمين وإنما أمر بغسل هذه الأعضاء ليطهرها من الأوساخ ~~التي تتصل بها لأنها تبدو كثيرا، والصلاة خدمة الله تعالى، والقيام بين ~~يديه متطهرا من الأوساخ أقرب إلى التعظيم فكان أكمل في الخدمة كما في ~~الشاهد إذا أراد أن يقوم بين يدي الملك، ولهذا قيل: إن الأولى أن يصلي ~~الرجل في أحسن ثيابه، وإن الصلاة متعمما أفضل من الصلاة مكشوف الرأس لما ~~أن ذلك أبلغ في التعظيم { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ~~فاغسلوا أبدانكم. # { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم } قال الرازي معناه وجاء حتى لا يلزم المريض ms0329 والمسافر التيمم ~~بلا حدث { من الغآئط } المكان المطمئن وهو كناية عن قضاء الحاجة { ~~أو لمستم النساء } جامعتم { فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج } في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم { ولكن يريد ~~ليطهركم } بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء { وليتم ~~نعمته عليكم } وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه { لعلكم ~~تشكرون } نعمته فيثيبكم { واذكروا نعمة الله عليكم ~~} بالإسلام { وميثقه الذى واثقكم به إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا } أي عاقدكم به عقدا وثيقا وهو الميثاق الذي ~~أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا سمعنا ~~وأطعناه. وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان { واتقوا ~~الله } في نقض الميثاق { إن الله عليم بذات الصدور } ~~بسرائر الصدور من الخير والشر وهو وعد ووعيد. # { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله ~~شهدآء بالقسط } بالعدل { ولا يجرمنكم شنئان ~~قوم على ألا تعدلوا } عدي «يجرمنكم» بحرف الاستعلاء مضمنا ~~معنى فعل يتعدى به كأنه قيل: ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم { ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى } أي العدل أقرب إلى التقوى. ~~نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم ~~بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل ~~وهو قوله تعالى: «هو أقرب للتقوى» تعالى وإذا كان وجوب العدل مع الكفار ~~بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه { ~~واتقوا الله } فيما أمر ونهى { إن الله خبير بما ~~تعملون } وعد ووعيد ولذا ذكر بعدها آية الوعد وهو قوله تعالى { ~~وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } ~~«وعد» يتعدى إلى مفعولين: فالأول «الذين آمنوا»، والثاني محذوف استغني ~~عنه بالجملة التي هي قوله { لهم مغفرة وأجر عظيم } ~~والوعيد وهو قوله { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب الجحيم } أي لا يفارقونها. # { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ هم قوم } روي أن رسول الله صلى الله ms0330 عليه وسلم أتى ~~بني قريظة ومعه الشيخان أبو بكر وعمر - والختنان يستقرضهم دية مسلمين ~~قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين فقالوا: نعم يا أبا ~~القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، وعمد ~~عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه فأمسك الله يده ونزل جبريل ~~فأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية. «إذ» ظرف للنعمة ~~{ أن يبسطوا } بأن يبسطوا { إليكم أيديهم } بالقتل يقال ~~بسط لسانه إليه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به { ويبسطوا ~~إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } [الممتحنة: 2] ~~ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به { فكف أيديهم عنكم } ~~فمنعها أن تمد إليكم { واتقوا الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } فإنه الكافي والدافع والمانع. ### || [5.12-19] # { ولقد أخذ الله ميثق بني إسرءيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا } هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش ~~عنها. ولما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير ~~إلى أريحا أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقال لهم: إني ~~كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم، ~~وأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على ~~قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على ~~بني إسرائيل وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث ~~النقباء يتجسسون فرأوا أجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا ~~قومهم وقد نهاهم أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوقنا ويوشع بن ~~نون وكانا من النقباء { وقال الله إنى معكم } أي ناصركم ~~ومعينكم. وتقف هنا لابتدائك بالشرط الداخل عليه اللام الموطئة للقسم وهو ~~{ لئن أقمتم الصلوة وءاتيتم الزكوة } وكانتا ~~فريضتين عليهم { وآمنتم برسلي } من غير تفريق بين أحد منهم { ~~وعزرتموهم } وعظمتموهم أو نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ~~والعزر في اللغة الرد ويقال عزرت فلانا أي أدبته يعني فعلت به ما ~~يردعه عن القبيح كذا قاله الزجاج { وأقرضتم الله قرضا ~~حسنا } بلا من وقيل: ms0331 هو كل خير. واللام في { لأكفرن ~~عنكم سيئتكم } جواب للقسم وهذا الجواب ساد مسد جواب القسم ~~والشرط جميعا { ولأدخلنكم جنت تجري من تحتها ~~الأنهر فمن كفر بعد ذلك منكم } أي بعد ذلك الشرط ~~المؤكد المتعلق بالوعد العظيم { فقد ضل سوآء السبيل } أخطأ ~~طريق الحق، نعم من كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل أيضا ولكن الضلال ~~بعده أظهر وأعظم. # { فبما نقضهم ميثقهم } «ما» مزيد لإفادة تفخيم الأمر { ~~لعنهم } طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم ~~الجزية { وجعلنا قلوبهم قاسية } يابسة لا رحمة فيها ولا ~~لين. «قسية»: حمزة وعلي أي رديئة من قولهم: «درهم قسي» أي رديء { ~~يحرفون الكلم عن موضعه } يفسرونه على غير ما أنزل وهو ~~بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه { ~~ونسوا حظا } وتركوا نصيبا جزيلا وقسطا وافيا { مما ~~ذكروا به } من التوراة يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال ~~حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرفوا التوراة وزلت أشياء منها عن حفظهم. ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه ~~الآية. وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبيان نعته { ولا تزال } يا محمد { تطلع على ~~خآئنة منهم } أي هذه عادتهم وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون ~~الرسل وهؤلاء يخونونك ويهمون بالفتك بك، وقوله «على خائنة» أي على خيانة ~~أو على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة، ويقال: «رجل خائنة» ~~كقولهم «رجل راوية للشعر» للمبالغة. # { إلا قليلا منهم } وهم الذين آمنوا منهم { فاعف عنهم ~~} بعث على مخالفتهم، أو فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم { ~~واصفح إن الله يحب المحسنين } و« من» في قوله: # { ومن الذين قالوا إنا نصرى أخذنا ميثقهم ~~} وهو الإيمان بالله والرسل وأفعال الخير يتعلق بأخذنا أي وأخذنا من ~~الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، فقدم على الفعل الجار والمجرور وفصل بين ~~الفعل والواو بالجار والمجرور. وإنما لم يقل «من النصارى» ms0332 لأنهم إنما ~~سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار ~~الله. ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصارا للشيطان { ~~فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا } فألصقنا ~~وألزمنا من غرى بالشيء إذا لزمه ولصق به ومنه الغراء الذي يلصق به { ~~بينهم } بين فرق النصارى المختلفين { العداوة والبغضاء ~~إلى يوم القيمة } بالأهواء المختلفة { وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } أي في القيامة ~~بالجزاء والعقاب. # { يأهل الكتب } خطاب لليهود والنصارى، والكتاب للجنس { قد ~~جاءكم رسولنا } محمد عليه السلام { يبين لكم كثيرا ~~مما كنتم تخفون من الكتب } من نحو صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومن نحو الرجم { ويعفوا عن كثير } مما تخفونه لا ~~يبينه أو يعفو عن كثير منكم لان يؤاخذه { قد جاءكم من الله ~~نور وكتب مبين } يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك ~~ولإبانته ما كان خافيا على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، أو ~~النور محمد عليه السلام لأنه يهتدى به كما سمي سراجا { يهدي به ~~الله } أي بالقرآن { من اتبع رضوانه } من آمن منهم { ~~سبل السلم } طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله ~~فالسلام السلامة أو الله { ويخرجهم من الظلمت إلى ~~النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام { بإذنه } بإرادته ~~وتوفيقه { ويهديهم إلى صرط مستقيم * لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } ~~معناه بت القول على أن الله هو المسيح لا غير. قيل: كان في النصارى قوم ~~يقولون ذلك، أو لأن مذهبهم يؤدي إليه حيث إنهم اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ~~ويميت { قل فمن يملك من الله شيئا } فمن يمنع من قدرته ~~ومشيئته شيئا { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ومن في الأرض جميعا } أي إن أراد أن يهلك من دعوه ~~إلها من المسيح وأمه يعني أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد. # وعطف «من في الأرض جميعا» على «المسيح وأمه» إبانة أنهما من جنسهم لا ~~تفاوت بينهما وبينهم، والمعنى أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه ~~نقص ms0333 البشرية، ومن لاحت عليه شواهد الحدثية أنى يليق به نعت الربوبية، ولو ~~قطع البقاء عن جميع ما أوجد لم يعد نقص إلى الصمدية. # { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما ~~يخلق ما يشاء } أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى بلا ذكر كما ~~خلق عيسى، ويخلق من ذكر من غير أنثى كما خلق حواء من آدم، ويخلق من غير ~~ذكر وأنثى كما خلق آدم، أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له ~~فلا اعتراض عليه لأنه الفعال لما يريد { والله على كل شيء ~~قدير وقالت اليهود والنصرى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } أي أعزة عليه كالابن على الأب، أو أشياع ابني الله عزير ~~والمسيح كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون، وكما ~~كان يقول رهط مسيلمة نحن أبناء الله ويقول أقرباء الملك وحشمه نحن أبناء ~~الملوك أو نحن أبناء رسل الله { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ~~أي فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار ~~أياما معدودة على زعمكم، وهل يمسخ الأب ولده وهل يعذب الولد ولده ~~بالنار؟ ثم قال ردا عليهم { بل أنتم بشر ممن خلق } أي ~~أنتم خلق من خلقه لا بنوه { يغفر لمن يشاء } لمن تاب عن الكفر ~~فضلا { ويعذب من يشاء } من مات عليه عدلا { ولله ملك ~~السموت والأرض وما بينهما وإليه المصير } فيه ~~تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والبنوة متنافيان. # { يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا } محمد عليه السلام ~~{ يبين لكم } أي الشرائع وحذف لظهوره، أو ما كنتم تخفون وحذف ~~لتقدم ذكره أو لا يقدر المبين ويكون المعنى يبذل لكم البيان وهو حال أي ~~مبينا لكم { على فترة من الرسل } متعلق ب «جاءكم» أي ~~جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، وكان بين عيسى ~~ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو خمسمائة سنة وستون سنة { أن ~~تقولوا } كراهة أن تقولوا { ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~} والفاء في { فقد جاءكم } متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا ms0334 فقد جاءكم ~~{ بشير } للمؤمنين { ونذير } للكافرين، والمعنى الامتنان عليهم ~~بأن الرسول بعث إليهم حتى انطمست آثار الوحي أحوج ما يكونون إليه ليهشوا ~~إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غدا بأنه لم ~~يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم { والله على كل شيء قدير ~~} فكان قادرا على إرسال محمد عليه السلام ضرورة. ### || [5.20-26] # { وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء } لأنه لم يبعث في ~~أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء { وجعلكم ملوكا } لأنه ~~ملكهم بعد فرعون ملكه وبعد الجبابرة ملكهم، ولأن الملوك تكاثروا فيهم ~~تكاثر الأنبياء. وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار وكانت منازلهم ~~واسعة فيها مياه جارية. وقيل: من له بيت وخدم، أو لأنهم كانوا مملوكين في ~~أيدي القبط فأنقذهم الله فسمي إنقاذهم ملكا { وءاتكم ما لم ~~يؤت أحدا من العلمين } من فلق البحر وإغراق العدو وإنزال ~~المن والسلوى وتظليل الغمام ونحو ذلك من الأمور العظام أو أراد عالمي ~~زمانهم { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة } أي المطهرة أو ~~المباركة وهي أرض بيت المقدس أو الشام { التى كتب الله لكم } ~~قسمها لكم أو سماها أو كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم { ولا ~~ترتدوا على أدبركم } ولا ترجعوا على أعقابكم مدبرين ~~منهزمين من خوف الجبابرة جبنا أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم { ~~فتنقلبوا خسرين } فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة. # { قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين } الجبار فعال ~~من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما ~~يريد { وإنا لن ندخلها } بالقتال { حتى يخرجوا ~~منها } بغير قتال { فإن يخرجوا منها } بلا قتال { فإنا ~~دخلون } بلادهم حينئذ { قال رجلان } كالب ويوشع { من الذين ~~يخافون } الله ويخشونه كأنه قيل رجلان من المتقين وهو في محل الرفع صفة ~~ل «رجلان» وكذا { أنعم الله عليهما } بالخوف منه { ~~ادخلوا عليهم الباب } أي باب المدينة { فإذا ~~دخلتموه فإنكم غلبون } أي انهزموا وكانت الغلبة لكم، ~~وإنما علما ذلك بإخبار موسى ms0335 عليه السلام { وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } إذ الإيمان به يقتضي التوكل ~~عليه وهو قطع العلائق وترك التملق للخلائق { قالوا يموسى إنا ~~لن ندخلها } هذا نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد { ~~أبدا } تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول { ما داموا فيها } ~~بيان للأبد { فاذهب أنت وربك } من العلماء من حمله على ~~الظاهر. وقال: إنه كفر منهم وليس كذلك إذ لو قالوا ذلك اعتقادا وكفروا ~~به لحاربهم موسى ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء، ولكن ~~الوجه فيه أن يقال: فاذهب أنت وربك يعينك على قتالك، أو وربك أي وسيدك ~~وهو أخوك الأكبر هارون، أو لم يرد به حقيقة الذهاب ولكن كما تقول «كلمته ~~فذهب يجيبني» تريد معنى الإرادة كأنهم قالوا أريدا قتالهم: { فقاتلا ~~إنا ههنا قعدون } ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم فلما عصوه ~~وخالفوه { قال رب إنى لا أملك } لنصرة دينك { إلا نفسى ~~وأخى } وهو منصوب بالعطف على «نفسي» أو على اسم «إن» أي إني لا أملك ~~إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه، أو مرفوع بالعطف على محل «إن» ~~واسمها، أو على الضمير في «لا أملك» وجاز للفصل أي ولا يملك أخي إلا ~~نفسه، أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي وأخي كذلك، وهذا من البث والشكوى إلى ~~الله ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة وكأنه لم يثق ~~بالرجلين المذكورين كل الوثوق فلم يذكر إلا النبي المعصوم، أو أراد ومن ~~يؤاخيني على ديني { فافرق بيننا وبين القوم ~~الفسقين } فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم ~~عليهم بما هم أهله وهو في معنى الدعاء عليهم، أو فباعد بيننا وبينهم ~~وخلصنا من صحبتهم كقوله: # ونجنى من القوم الظلمين # [التحريم: 11]. # { قال فإنها } أي الأرض المقدسة { محرمة عليهم } لا ~~يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبد كقوله # وحرمنا عليه المراضع # [القصص: 12]. والمراد بقوله «كتب الله لكم» أي بشرط أن تجاهدوا أهلها ~~فلما أبوا الجهاد قيل: فإنها محرمة عليهم، أو المراد فإنها محرمة عليهم: ~~{ أربعين سنة } فإذا مضى ms0336 الأربعون كان ما كتب فقد سار موسى عليه ~~السلام بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتحها وأقام فيها ~~ما شاء الله ثم قبض. و «أربعين» ظرف التحريم والوقف على سنة أو ظرف { ~~يتيهون فى الأرض } أي يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقا ~~أربعين سنة والوقف على «عليهم». وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم المكث ~~فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ. ~~ولما ندم على الدعاء عليهم قيل له: { فلا تأس على القوم ~~الفسقين } فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون. قيل: لم يكن موسى وهارون ~~معهم في التيه لأنه كان عقابا وقد سأل موسى ربه أنه يفرق بينهما وبينهم. ~~وقيل: كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحا لهما وسلاما لا عقوبة. ومات ~~هارون في التيه، وموسى فيه بعده بسنة، ومات النقباء في التيه إلا كالب ~~ويوشع. # ثم أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقص على حاسديه ما جرى ~~بسبب الحسد ليتركوه ويؤمنوا بقوله: ### || [5.27-38] # { واتل عليهم } على أهل الكتاب { نبأ ابنى ءادم } من ~~صلبه هابيل وقابيل، أو هما رجلان من بني إسرائيل { بالحق } نبأ ~~ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين، أو تلاوة ملتبسة بالصدق ~~والصحة، أو واتل عليهم وأنت محق صادق { إذ قربا } نصب بالنبأ أي ~~قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت، أو بدل من النبأ أي اتل عليهم النبأ نبأ ~~ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف { قربانا } ما يتقرب به إلى الله من ~~نسيكة أو صدقة. يقال: قرب صدقة وتقرب بها لأن تقرب مطاوع قرب، والمعنى إذ ~~قرب كل واحد منهما قربانه دليله { فتقبل من أحدهما } قربانه ~~وهو هابيل { ولم يتقبل من الآخر } قربانه وهو قابيل. روي ~~أنه أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت ~~توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسده عليها أخوه وسخط فقال لهما آدم: ~~قربا قربانا فمن أيكما قبل يتزوجها فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار ~~فأكلته فازداد قابيل حسدا وسخطا وتوعده ms0337 بالقتل وهو قوله { قال ~~لأقتلنك } أي قال لهابيل { قال إنما يتقبل الله ~~من المتقين } وتقديره: قال لم تقتلني:؟ قال: لأن الله قبل قربانك ~~ولم يقبل قرباني. فقال: إنما يتقبل الله من المتقين وأنت غير متق فإنما ~~أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي. وعن عامر ابن ~~عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك وقد كنت وكنت؟ قال: ~~إني أسمع الله يقول: «إنما يتقبل الله من المتقين». # { لئن بسطت } مددت { إلى يدك لتقتلنى ما أنا ~~بباسط } بماد { يدى } مدني وأبو عمرو وحفص { إليك لأقتلك ~~إنى أخاف الله رب العلمين } قيل: كان أقوى من القاتل ~~وأبطش منه ولكن تحرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفا من الله تعالى لأن ~~الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت، وقيل: بل كان ذلك واجبا فإن فيه ~~إهلاك نفسه ومشاركة للقاتل في إثمه، وإنما معناه ما أنا بباسط يدي إليك ~~مبتدئا كقصدك ذلك مني، وكان هابيل عازما على مدافعته إذا قصد قتله ~~وإنما قتله فتكا على غفلة منه. «إني أخاف»: حجازي وأبو عمرو { إنى ~~أريد } «إني» مدني { أن تبوء } أن تحتمل أو ترجع { بإثمى } ~~بإثم قتلي إذا قتلتني { وإثمك } الذي لأجله لم يتقبل قربانك وهو ~~عقوق الأب والحسد والحقد، وإنما أراد ذلك لكفره برده قضية الله تعالى أو ~~كان ظالما وجزاء الظالم جائز أن يراد { فتكون من أصحب ~~النار وذلك جزاء الظلمين * فطوعت له نفسه ~~قتل أخيه } فوسعته ويسرته من طاع له المرتع إذا اتسع { فقتله ~~} عند عقبة حراء أو بالبصرة والمقتول ابن عشرين سنة { فأصبح من ~~الخسرين * فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ~~ليريه } أي الله أو الغراب { كيف يوارى سوءة أخيه } ~~عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. # روي أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم، ولما قتله تركه ~~بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة ~~حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله ms0338 غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ~~فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فحينئذ { قال يويلتي ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري } عطف ~~على «أكون» { سوءة أخى فأصبح من الندمين } على قتله ~~لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره ولم يندم ندم التائبين، أو كان الندم ~~توبة لنا خاصة أو على حمله لا على قتله. وروي أنه لما قتله أسود جسده ~~وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلا. فقال: بل قتلته ~~ولذا اسود جسدك. فالسودان من ولده. وما روي أن آدم رثاه بشعر فلا يصح ~~لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. # { من أجل ذلك } بسبب ذلك وبعلته «وذلك» إشارة إلى القتل ~~المذكور. قيل: هو متصل بالآية الأولى فيوقف على «ذلك» أي فأصبح من ~~النادمين لأجل حمله ولأجل قتله. وقيل: هو مستأنف والوقف على «النادمين» و ~~«من» يتعلق ب «كتبنا» لا ب «النادمين» { كتبنا على بنى ~~إسرءيل } خصهم بالذكر وإن اشترك الكل في ذلك لأن التوراة أول كتاب ~~فيه الأحكام { أنه من قتل نفسا } الضمير للشأن و «من» شرطية { ~~بغير نفس } بغير قتل نفس { أو فساد فى الأرض } عطف على ~~«نفس» أي بغير فساد في الأرض وهو الشرك، أو قطع الطريق وكل فساد يوجب ~~القتل { فكأنما قتل الناس جميعا } أي في الذنب. عن الحسن: ~~لأن قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله عليه والعذاب العظيم، ولو قتل الناس ~~جميعا لم يزد على ذلك { ومن أحيها } ومن استنقذها من أسباب ~~الهلكة من قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك { فكأنما أحيا ~~الناس جميعا } جعل قتل الواحد كقتل الجميع، وكذلك الإحياء ترغيبا ~~وترهيبا لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور أن قتلها كقتل الناس جميعا ~~عظم ذلك عليه فثبطه، وكذا الذي أراد إحياءها إذا تصور أن حكمه حكم جميع ~~الناس رغب في إحيائها { ولقد جاءتهم } أي بني إسرائيل { ~~رسلنا } «رسلنا»: أبو عمرو { بالبينت } بالآيات الواضحات { ~~ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك } بعدما كتبنا عليهم أو ms0339 ~~بعد مجيء الرسل بالآيات { فى الأرض لمسرفون } في القتل لا ~~يبالون بعظمته. # { إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله } أي ~~أولياء الله في الحديث «يقول الله تعالى: من أهان لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة» { ويسعون فى الأرض فسادا } مفسدين، ويجوز أن ~~يكون مفعولا له أي للفساد وخبر «جزاء» { أن يقتلوا } وما عطف ~~عليه وأفاد التشديد الواحد بعد الواحد ومعناه أن يقتلوا من غير صلب إن ~~أفردوا القتل { أو يصلبوا } مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ ~~المال { أو تقطع أيديهم وأرجلهم } إن أخذوا المال { ~~من خلف } حال من الأيدي والأرجل أي مختلفة { أو ينفوا من ~~الأرض } بالحبس إذا لم يزيدوا على الإخافة { ذلك } المذكور { ~~لهم خزى فى الدنيا } ذل وفضيحة { ولهم فى الآخرة ~~عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } فتسقط عنهم هذه الحدود لا ما هو حق العباد { فاعلموا ~~أن الله غفور رحيم } يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم. # { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } فلا تؤذوا عباد ~~الله { وابتغوا إليه الوسيلة } هي كل ما يتوسل به أي يتقرب ~~من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من ~~فعل الطاعات وترك السيئات { وجهدوا فى سبيله لعلكم ~~تفلحون * إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى ~~الأرض جميعا } من صنوف الأموال { ومثله معه } وأنفقوه { ~~ليفتدوا به } ليجعلوه فدية لأنفسهم. و «لو» مع ما في حيزه خبر ~~«إن»، ووحد الراجع في «ليفتدوا به» وقد ذكر شيئان لأنه أجرى الضمير مجرى ~~اسم الإشارة كأنه قيل: ليفتدوا بذلك { من عذاب يوم ~~القيمة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم } فلا ~~سبيل لهم إلى النجاة بوجه { يريدون } يطلبون أو يتمنون { أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها ولهم ~~عذاب مقيم } دائم. ### || [5.39-41] # { والسارق والسارقة } ارتفعا بالابتداء والخبر محذوف تقديره: ~~وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة أو الخبر { فاقطعوا أيديهما ~~} أي يديهما والمراد اليمينان بدليل قراءة عبد الله بن مسعود، ودخول ~~الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأن المعنى: والذي سرق ms0340 والتي سرقت فاقطعوا ~~أيديهما. والاسم الموصول يضمن معنى الشرط، وبدأ بالرجل لأن السرقة من ~~الجراءة وهي في الرجال أكثر، وأخر الزاني لأن الزنا ينبعث من الشهوة وهي ~~في النساء أوفر. وقطعت اليد لأنها آلة السرقة ولم تقطع آلة الزنا تفاديا ~~عن قطع النسل. { جزاء بما كسبا } مفعول له { نكلا من ~~الله } أي عقوبة منه وهو بدل من «جزاء» { والله عزيز } غالب لا ~~يعارض في حكمه { حكيم } فيما حكم من قطع يد السارق والسارقة { فمن ~~تاب } من السرقة { من بعد ظلمه } سرقته { وأصلح } برد ~~المسروق { فإن الله يتوب عليه } يقبل توبته { إن ~~الله غفور رحيم } يغفر ذنبه ويرحمه { ألم تعلم } يا ~~محمد أو يا مخاطب { أن الله له ملك السموت والأرض ~~يعذب من يشاء } من مات على الكفر { ويغفر لمن يشاء } ~~لمن تاب عن الكفر { والله على كل شىء } من التعذيب والمغفرة ~~وغيرهما { قدير } قادر. وقدم التعذيب على المغفرة هنا لتقدم السرقة ~~على التوبة. # { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى ~~الكفر } أي لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أي في ~~إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين، فإني ~~ناصرك عليهم وكافيك شرهم. يقال أسرع فيه الشيب أي وقع سريعا فكذلك ~~مسارعتهم في الكفر وقوعهم فيه أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئووها { ~~من الذين قالوا } تبيين لقوله: «الذين يسارعون في الكفر» { ~~ءامنا } مفعول «قالوا» { بأفوههم } متعلق ب «قالوا» أي قالوا ~~بأفواههم آمنا { ولم تؤمن قلوبهم } في محل النصب على الحال { ~~ومن الذين هادوا } معطوف على «من الذين قالوا» أي من المنافقين ~~واليهود. ويرتفع { سمعون للكذب } على أنه خبر مبتدأ مضمر أي ~~هم سماعون والضمير للفريقين، أو سماعون مبتدأ وخبره «من الذين هادوا»، ~~وعلى هذا يوقف «على قلوبهم»، وعلى الأول «على هادوا». ومعنى سماعون للكذب ~~يسمعون منك ليكذبوا عليك بأن يمسخوا ما سمعوا منك بالزيادة والنقصان ~~والتبديل والتغيير { سمعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } أي ~~سماعون منك لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما ms0341 سمعوا ~~منك { يحرفون الكلم من بعد موضعه } أي يزيلونه ~~ويميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ~~ذا موضع. # «يحرفون» صفة لقوم كقوله «لم يأتوك»، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم يحرفون، ~~والضمير مردود على لفظ الكلم { يقولون إن أوتيتم هذا } ~~المحرف المزال عن مواضعه ويقولون مثل يحرفون. وجاز أن يكون حالا من ~~الضمير في «يحرفون» { فخذوه } واعلموا أنه الحق واعملوا به { وإن ~~لم تؤتوه } وأفتاكم محمد بخلافه { فاحذروا } فإياكم وإياه ~~فهو الباطل. روي أن شريفا زنى بشريفة بخيبر وهما محصنان وحدهما الرجم ~~في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطا منهم ليسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا، ~~وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به { ومن ~~يرد الله فتنته } ضلالته وهو حجة على من يقول: يريد الله ~~الإيمان ولا يريد الكفر { فلن تملك له من الله شيئا } ~~قطع رجاء محمد صلى الله عليه وسلم عن إيمان هؤلاء { أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } عن الكفر ~~لعلمه منهم اختيار الكفر وهو حجة لنا عليهم أيضا { لهم فى ~~الدنيا خزى } للمنافقين فضيحة ولليهود جزية { ولهم فى ~~الآخرة عذاب عظيم } أي التخليد في النار. ### || [5.42-50] # { سمعون للكذب } كرر للتأكيد أي هم سماعون ومثله { ~~أكلون للسحت } وهو كل ما لا يحل كسبه وهو من سحته إذا ~~استأصله لأنه مسحوت البركة، وفي الحديث # " هو الرشوة في الحكم " # وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. وبالتثقيل مكي وبصري ~~وعلي { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ~~قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا إذا تحاكم إليه أهل الكتاب ~~بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم. وقيل: نسخ التخيير بقوله: { ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله } { وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا } فلن يقدروا على الإضرار بك لأن الله ~~تعالى يعصمك من الناس { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ~~} بالعدل { إن الله يحب المقسطين } العادلين. ms0342 # { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم ~~الله } تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص ~~في كتابهم الذي يدعون الإيمان به. «فيها حكم الله» حال من التوراة وهي ~~مبتدأ وخبره «عندهم» { ثم يتولون من بعد ذلك } عطف على ~~«يحكمونك» أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا ~~يرضون به { وما أولئك بالمؤمنين } بك أو بكتابهم كما ~~يدعون. # { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى } يهدي للحق { ونور } ~~يبين ما استبهم من الأحكام { يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا } انقادوا لحكم الله في التوراة وهو صفة أجريت للنبيين على ~~سبيل المدح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود لأنهم بعداء عن ملة الإسلام ~~التي هي دين الأنبياء كلهم { للذين هادوا } تابوا من الكفر، ~~واللام يتعلق ب «يحكم» { والربانيون والأحبار } معطوفان ~~على «النبيون» أي الزهاد والعلماء { بما استحفظوا } استودعوا، ~~قيل: ويجوز أن يكون بدلا من «بها» في «يحكم بها» { من كتب الله ~~} «من» للتبيين والضمير في «استحفظوا» للأنبياء والربانيين والأحبار ~~جميعا ويكون الاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه، أو ل «الربانيون ~~والأحبار» ويكون الاستحفاظ من الأنبياء { وكانوا عليه شهداء } ~~رقباء لئلا يبدل { فلا تخشوا الناس } نهي للحكام عن خشيتهم غير ~~الله في حكوماتهم وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل خشية سلطان ~~ظالم أو خيفة أذية أحد { واخشون } في مخالفة أمري وبالياء فيهما: ~~سهل وافقه أبو عمرو في الوصل { ولا تشتروا } ولا تستبدلوا بآيات ~~الله وأحكامه { ثمنا قليلا } وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ~~{ ومن لم يحكم بما أنزل الله } مستهينا به { ~~فأولئك هم الكفرون } قال ابن عباس رضي الله عنهما: من لم ~~يحكم جاحدا فهو كافر، وإن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو عام في اليهود وغيرهم. # { وكتبنا عليهم فيها } وفرضنا على اليهود في التوراة { ~~أن النفس } مأخوذة { بالنفس } مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق ~~{ والعين } مفقوءة { بالعين والأنف } مجدوع { بالأنف ~~والأذن } مقطوعة { بالأذن والسن } مقلوعة { بالسن ~~والجروح قصاص ms0343 } أي ذات قصاص وهو المقاصة ومعناه ما يمكن فيه ~~القصاص وإلا فحكومة عدل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا لا يقتلون ~~الرجل بالمرأة فنزلت. وقوله «أن النفس بالنفس» يدل عى أن المسلم يقتل ~~بالذمي والرجل بالمرأة والحر بالعبد. نصب نافع وعاصم وحمزة المعطوفات ~~كلها للعطف على ما عملت فيه «أن». ورفعها علي للعطف على محل «أن النفس» ~~لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس إجراء ل «كتبنا» مجرى «قلنا»، ~~ونصب الباقون الكل ورفعوا الجروح. والأذن بسكون الذال حيث كان: نافع. ~~والباقون: بضمها وهما لغتان كالسحت والسحت { فمن تصدق } من أصحاب ~~الحق { به } بالقصاص وعفا عنه { فهو كفارة له } فالتصدق به ~~كفارة للمتصدق بإحسانه قال عليه السلام # " من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولدته أمه " # { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظلمون } بالامتناع عن ذلك. # { وقفينا } معنى قفيت الشيء بالشيء جعلته في أثره كأنه جعل في ~~قفاه يقال قفاه بقفوه إذا تبعه { على ءاثرهم } عى آثار النبيين ~~الذين أسلموا { بعيسى ابن مريم مصدقا } هوحال من «عيسى» { ~~لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ~~ومصدقا لما بين يديه من التوراة } أي وآتيناه الإنجيل ثابتا فيه ~~هدى ونور ومصدقا، فنصب «مصدقا» بالعطف على ثابتا الذي تعلق به فيه ~~وقام مقامه فيه. وارتفع «هدى ونور» بثابتا الذي قام مقامه فيه { وهدى ~~وموعظة } انتصبا على الحال أي هاديا وواعظا { للمتقين } ~~لأنهم ينتفعون به { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه } وقلنا لهم احكموا بموجبه، فاللام لام الأمر وأصله الكسر، وإنما ~~سكن استثقالا لفتحة وكسرة وفتحة. «وليحكم» بكسر اللام وفتح الميم: حمزة ~~على أنها لام كي أي وقفينا ليؤمنوا وليحكم. { ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الفسقون } الخارجون عن ~~الطاعة. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: يجوز أن يحمل على الجحود في ~~الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا، لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو ~~الكافر. وقيل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر بنعمة الله ms0344 ظالم في ~~حكمه فاسق في فعله. # { وأنزلنا إليك الكتب } أي القرآن فحرف التعريف فيه ~~للعهد { بالحق } بسبب الحق وإثباته وتبيين الصواب من الخطأ { ~~مصدقا } حال من «الكتاب» { لما بين يديه } لما تقدمه ~~نزولا. # وإنما قيل لما قبل الشيء هو بين يديه لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه ~~فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه { من الكتب } المراد به جنس ~~الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه ~~للجنس، ومعنى تصديقه الكتب موافقتها في التوحيد والعبادة # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25] { ومهيمنا عليه } وشاهدا لأنه يشهد له بالصحة ~~والثبات { فاحكم بينهم بما أنزل الله } أي بما في القرآن ~~{ ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } نهى أن ~~يحكم بما حرفوه وبدلوه اعتمادا على قولهم. ضمن ولا تتبع معنى ولا تنحرف ~~فلذا عدي ب «من» فكأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم، ~~أو التقدير عادلا عما جاءك { لكل جعلنا منكم } أيها الناس { ~~شرعة } شريعة { ومنهجا } وطريقا واضحا. واستدل به من قال إن ~~شريعة من قبلنا لا تلزمنا. ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليه السلام، ~~ثم إنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام، ثم إنزال القرآن على محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وبين أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به فقال في الأول ~~«يحكم به النبيون» وفي الثاني «وليحكم أهل الإنجيل» وفي الثالث «فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله» { ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~وحدة } جماعة متفقة على شريعة واحدة { ولكن } أراد { ليبلوكم ~~} ليعاملكم معاملة المختبر { فى مآءتكم } من الشرائع المختلفة فتعبد ~~كل أمة بما اقتضته الحكمة { فاستبقوا الخيرت } فابتدروها ~~وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة. والمراد بالخيرات كل ما أمر الله ~~تعالى به { إلى الله مرجعكم } استئناف في معنى التعليل لاستباق ~~الخيرات { جميعا } حال من الضمير المجرور والعامل المصدر المضاف لأنه ~~في تقدير: إليه ترجعون { فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } فيخبركم بما لا تشكون معه ms0345 من الجزاء الفاصل بين محقكم ~~ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل. # { وأن احكم } معطوف على «بالحق» أي وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن ~~احكم { بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك } أي يصرفوك وهو مفعول له أي مخافة أن ~~يفتنوك. وإنما حذره وهو رسول مأمون لقطع أطماع القوم { عن بعض ما ~~أنزل الله إليك فإن تولوا } عن الحكم بما أنزل الله ~~إليك وأرادوا غيره { فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم } أي بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه فوضع ~~«ببعض ذنوبهم» موضع ذلك وهذا الإبهام لتعظيم التولي، وفيه تعظيم الذنوب ~~فإن الذنوب بعضها مهلك فكيف بكلها! { وإن كثيرا من الناس ~~لفسقون } لخارجون عن أمر الله { أفحكم الجهلية ~~يبغون } يطلبون. # وبالتاء شامي يخاطب بني النضير في تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " القتلى سواء " # فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ~~ولده على بعض فقرأ هذه الآية. وناصب «أفحكم الجاهلية يبغون» { ومن ~~أحسن } مبتدأ وخبره وهو استفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن { من ~~الله حكما } هو تمييز. واللام في { لقوم يوقنون } للبيان ~~كاللام في # هيت لك # [يوسف: 23] أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام «لقوم يوقنون» فإنهم هم الذين ~~يتبينون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه. وقال أبو علي: معنى لقوم ~~عند قوم لأن اللام و«عند» يتقاربان في المعنى. # ونزل نهيا عن موالاة أعداء الدين. ### || [5.51-55] # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصرى أولياء } أي لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم ~~وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهي بقوله { ~~بعضهم أولياء بعض } وكلهم أعداء المؤمنين، وفيه دليل على أن ~~الكفر كله ملة واحدة { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ~~من جملتهم وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة ~~المخالف في الدين { إن الله لا يهدي القوم الظلمين ~~} لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة { فترى الذين في ~~قلوبهم مرض } نفاق ms0346 { يسرعون } حال أو مفعول ثان لاحتمال ~~أن يكون «فترى» من رؤية العين أو القلب { فيهم } في معاونتهم على ~~المسلمين وموالاتهم { يقولون } أي في أنفسهم لقوله على «ما أسروا» { ~~نخشى أن تصيبنا دائرة } أي حادثة تدور بالحال التي يكونون ~~عليها { فعسى الله أن يأتي بالفتح } لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين { أو أمر من عنده } أي ~~يؤمر النبي عليه السلام بإظهار إسرار المنافقين وقتلهم { فيصبحوا } ~~أي المنافقون { على ما أسروا في أنفسهم } من النفاق { ~~ندمين } خبر «فيصبحوا» { ويقول الذين ءامنوا } أي يقول ~~بعضهم لبعض عند ذلك. «ويقول» بصري عطفا على «أن يأتي» «يقول» بغير واو: ~~شامي وحجازي على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: ~~يقول الذين آمنوا { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمنهم إنهم لمعكم } أي أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان ~~أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار وجهد أيمانهم مصدر في تقدير الحال أي ~~مجتهدين في توكيد أيمانهم { حبطت أعملهم } ضاعت أعمالهم التي ~~عملوها رياء وسمعة لا إيمانا وعقيدة، وهذا من قول الله عز وجل شهادة لهم ~~بحبوط الأعمال وتعجيبا من سوء حالهم { فأصبحوا خسرين } في ~~الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة. # { يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه } ~~من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر. «يرتدد» مدني ~~وشامي { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ~~يرضى أعمالهم ويثني عليهم بها ويطيعونه ويؤثرون رضاه، وفيه دليل نبوته ~~عليه السلام حيث أخبرهم بما لم يكن فكان، وإثبات خلافة الصديق لأنه جاهد ~~المرتدين، وفي صحة خلافته وخلافة عمر رضي الله عنهما. وسئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنهم فضرب على عاتق سلمان وقال «هذا وذووه لو كان الإيمان ~~معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» والراجع من الجزاء إلى الاسم ~~المتضمن لمعنى الشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم { أذلة ~~} جمع ذليل، وأما ذلول فجمعه ذلل. ومن زعم أنه من الذل الذي هو ضد ~~الصعوبة فقد سها لأن ذلولا لا يجمع على ms0347 أذلة. # قال الجوهري: الذل ضد العز، ورجل ذليل بين الذل، وقوم أذلاء وأذلة، ~~والذل بالكسر اللين وهو ضد الصعوبة يقال: دابة ذلول ودواب ذلل { على ~~المؤمنين } ولم يقل للمؤمنين لتضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه ~~قيل: عاكفين عليهم على وجه التذلل والتواضع { أعزة على ~~الكفرين } أشداء عليهم والعزاز الأرض الصلبة فهم مع المؤمنين ~~كالولد لوالده والعبد لسيده ومع الكافرين كالسبع على فريسته { ~~يجهدون في سبيل الله } يقاتلون الكفار وهو صفة ل «قوم» ك ~~«يحبهم» و «أعزة» و «أذلة» { ولا يخفون لومة لائم } الواو ~~يحتمل أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين ~~فإنهم كانوا موالين لليهود، فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم ~~اليهود فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وأما ~~المؤمنون فمجاهدتهم لله لا يخافون لومة لائم. وأن تكون للعطف أي من صفتهم ~~المجاهدة في سبيل الله وهم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين ~~لا تزعهم لومة لائم: واللومة المرة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان ~~كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم واحد من اللوام { ذلك } إشارة ~~إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف ~~اللومة { فضل الله يؤتيه من يشاء والله وسع } كثير ~~الفواضل { عليم } بمن هو من أهلها. # عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله { ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } ~~وإنما يفيد اختصاصهم بالموالاة ولم يجمع الولي وإن كان المذكور جماعة ~~تنبيها على أن الولاية لله أصل ولغيره تبع، ولو قيل إنما أولياؤكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع. ومحل { الذين ~~يقيمون الصلوة } الرفع على البدل من «الذين آمنوا»، أو على هم ~~الذين، أو النصب على المدح { ويؤتون الزكوة }. والواو في { ~~وهم راكعون } للحال أي يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة. قيل: إنها ~~نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه ms0348 ~~كأنه كان مرجا في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل يفسد صلاته. وورد بلفظ ~~الجمع وإن كان السبب فيه واحدا ترغيبا للناس في مثل فعله لينالوا مثل ~~ثوابه. والآية تدل على جواز الصدقة في الصلاة، وعلى أن الفعل القليل لا ~~يفسد الصلاة. ### || [5.56-65] # { ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا } يتخذه ~~وليا أو يكن وليا { فإن حزب الله هم الغلبون } من ~~إقامة الظاهر مقام الضمير أي فإنهم هم الغالبون، أو المراد بحزب الله ~~الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله، واعتضد بمن لا يغالب. ~~وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم أي أصابهم. # وروي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان ~~رجال من المسلمين يوادونهما فنزل { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } يعني ~~اتخاذهم دينكم هزوا ولعبا لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء بل ~~يقابل ذلك بالبغضاء والمنابذة { من الذين أوتوا الكتب } ~~«من» للبيان { من قبلكم والكفار } أي المشركين وهو عطف على ~~«الذين» المنصوبة. و«الكفار» بصري وعلي عطف على الذين المجرورة أي من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار { أولياء واتقوا ~~الله } في موالاة الكفار { إن كنتم مؤمنين } حقا لأن ~~الإيمان حقا يأبى موالاة أعداء الدين { وإذا نديتم إلى ~~الصلوة اتخذوها } أي الصلاة أو المناداة { هزوا ولعبا ~~ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } لأن لعبهم وهزوهم من أفعال ~~السفهاء والجهلة فكأنهم لا عقل لهم، وفيه دليل على ثبوت الأذان بنص ~~الكتاب لا بالمنام وحده { قل يأهل الكتب هل تنقمون ~~منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل } يعني هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالله ~~وبالكتب المنزلة كلها { وأن أكثركم فسقون } وهو عطف على ~~المجرور أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وما أنزل وبأن أكثركم ~~فاسقون، والمعنى أعاديتمونا لأنا اعتقدنا توحيد الله وصدق أنبيائه وفسقكم ~~لمخالفتكم لنا في ذلك؟ ويجوز أن يكون الواو بمعنى «مع» أي ما تنقمون منا ~~إلا الإيمان بالله مع أنكم ms0349 فاسقون. { قل هل أنبئكم بشر ~~من ذلك مثوبة عند الله } أي ثوابا وهو نصب على التمييز ~~والمثوبة وإن كانت مختصة بالإحسان ولكنها وضعت موضع العقوبة كقوله { ~~فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21] وكان اليهود يزعمون أن ~~المسلمين مستوجبون للعقوبة فقيل لهم { من لعنه الله } شر عقوبة ~~في الحقيقة من أهل الإسلام في زعمكم وذلك إشارة إلى المتقدم أي الإيمان ~~أي بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابا أي جزاء، ولا بد من حذف مضاف قبله أو ~~قبل «من» تقديره: بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله { وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة } يعني أصحاب السبت { ~~والخنازير } أي كفار أهل مائدة عيسى عليه السلام، أو كلا المسخين ~~من أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير { وعبد ~~الطغوت } أي العجل أو الشيطان لأن عبادتهم العجل بتزيين الشيطان ~~وهو عطف على صلة «من» كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت. # «وعبد الطاغوت» حمزة جعله اسما موضوعا للمبالغة كقولهم «رجل حذر ~~وفطن» للبليغ في الحذر والفطنة، وهو معطوف على «القردة والخنازير» أي جعل ~~الله منهم عبد الطاغوت { أولئك } الممسوخون الملعونون { شر ~~مكانا } جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله للمبالغة { وأضل عن ~~سواء السبيل } عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة. # ونزل في ناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويظهرون له الإيمان نفاقا. # { وإذا جاءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر ~~وهم قد خرجوا به } الباء للحال أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين ~~وتقديره ملتبسين بالكفر، وكذلك قد دخلوا وهم قد خرجوا ولذا دخلت «قد» ~~تقريبا للماضي من الحال وهو متعلق ب «قالوا آمنا» أي قالوا ذلك وهذه ~~حالهم { والله أعلم بما كانوا يكتمون } من النفاق { ~~وترى كثيرا منهم } من اليهود { يسرعون في الإثم } ~~الكذب { والعدون } الظلم. أو الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما ~~يتعداهم إلى غيرهم، والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة { وأكلهم ~~السحت } الحرام { لبئس ما كانوا يعملون } لبئس شيئا ~~عملوه { لولا } هلا وهو تحضيض { ينههم الربنيون ~~والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ms0350 ~~ما كانوا يصنعون } هذا ذم للعلماء والأول للعامة. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هي أشد آية في القرآن حيث أنزل تارك النهي عن المنكر ~~منزلة مرتكب المنكر في الوعيد. # { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان } روي أن اليهود ~~لعنهم الله لما كذبوا محمدا عليه السلام كف الله ما بسط عليهم من السعة ~~وكانوا من أكثر الناس مالا، فعند ذلك قال فنحاص: يد الله مغلولة ورضي ~~بقوله الآخرون فأشركوا فيه. وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه ~~قوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29]. ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى إنه ~~يستعمل في ملك يعطي ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد، ولو أعطى الأقطع ~~إلى المنكب عطاء جزلا لقالوا ما أبسط يده بالنوال. وقد استعمل حيث لا ~~تصح اليد يقال: بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني ~~كفان، ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية. وقوله ~~«غلت أيديهم» دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله، أو تغل في ~~جهنم فهي كأنها غلت وإنما ثنيت اليد في «بل يداه مبسوطتان» وهي مفردة في ~~«يد الله مغلولة» ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية ~~السخاء له ونفي البخل عنه، فغاية ما يبذله السخي أن يعطيه بيديه { ~~ينفق كيف يشاء } تأكيد للوصف بالسخاء ودلالة على أنه لا ينفق ~~إلا على مقتضى الحكمة { وليزيدن كثيرا منهم } من اليهود { ~~ما أنزل إليك من ربك طغينا وكفرا } أي يزدادون ~~عند نزول القرآن لحسدهم تماديا في الجحود وكفرا بآيات الله، وهذا من ~~إضافة الفعل إلى السبب كما قال «فزادتهم رجسا إلى رجسهم». # { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيمة } فكلمهم أبدا مختلف وقلوبهم شتى لا يقع بينهم اتفاق ولا ~~تعاضد { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ~~كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم ms0351 نصر من الله على أحد قط، ~~وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس. وقيل: كلما حاربوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نصر عليهم. عن قتادة: لا تلقي يهوديا في بلد إلا وقد ~~وجدته من أذل الناس { ويسعون في الأرض فسادا } ويجتهدون في ~~دفع الإسلام ومحو ذكر النبي عليه السلام من كتبهم { والله لا ~~يحب المفسدين * ولو أن أهل الكتب ءامنوا } ~~برسول الله عليه السلام وبما جاء به مع ما عددنا من سيئآتهم { ~~واتقوا } أي وقرنوا إيمانهم بالتقوى { لكفرنا عنهم ~~سيئتهم } ولم نؤاخذهم بها { ولأدخلنهم جنت ~~النعيم } مع المسلمين. ### || [5.66-77] # { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } أي أقاموا ~~أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~وما أنزل إليهم من ربهم } من سائر كتب الله لأنهم مكلفون ~~الإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم. وقيل: هو القرآن. { لأكلوا من ~~فوقهم } يعني الثمار من فوق رؤوسهم { ومن تحت أرجلهم } ~~يعني الزروع وهذه عبارة عن التوسعة كقولهم «فلان في النعمة من فرقه إلى ~~قدمه». ودلت الآية على أن العمل بطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق وهو ~~كقوله تعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السماء والأرض # [الأعراف: 96]. # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 3]. # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا # [نوح: 10] الآيات. # وألو استقموا على الطريقة لأسقينهم ماء ~~غدقا } [الجن:16] { منهم أمة مقتصدة # طائفة حالها أمم في عداوة رسول الله عليه السلام. وقيل: هي الطائفة ~~المؤمنة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى { ~~وكثير منهم ساء ما يعملون } فيه معنى التعجب كأنه قيل: ~~وكثير منهم ما أسوأ عملهم. وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم. # { ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } جميع ما أنزل إليك، ~~وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا ولا خائف أن ينالك مكروه { ~~وإن لم تفعل } وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك { فما بلغت رسالته } ~~«رسالاته»: مدني وشامي وأبو بكر. أي ms0352 فلم تبلغ إذا ما كلفت من أداء ~~الرسالة ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، ~~فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها ~~كان كمن لم يؤمن بكلها لكونها في حكم شيء واحد لدخولها تحت خطاب واحد، ~~والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن. قالت الملحدة ~~لعنهم الله تعالى: هذا كلام لا يفيد وهو كقولك لغلامك: «كل هذا الطعام ~~فإن لم تأكله فإنك ما أكلته»، قلنا: هذا أمر بتبليغ الرسالة في المستقبل ~~أي بلغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل فإن لم تفعل أي إن لم تبلغ ~~الرسالة في المستقبل فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلا، أو بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعدة، فإن لم تبلغ كنت كمن لم ~~يبلغ أصلا، أو بلغ ذلك غير خائف أحدا فإن لم تبلغ على هذا الوصف فكأنك ~~لم تبلغ الرسالة أصلا. ثم قال مشجعا له في التبليغ { والله يعصمك من ~~الناس } يحفظك منهم قتلا فلم يقدر عليه وإن شج في وجهه يوم أحد وكسرت ~~رباعيته أو نزلت بعدما أصابه ما أصابه. # والناس الكفار بدليل قوله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } لا ~~يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. # { قل ياأهل الكتاب لستم على شيء } على دين يعتد به حتى يسمى شيئا ~~لبطلانه { حتى تقيموا التورة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم } ~~يعني القرآن { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا } إضافة زيادة الكفر والطغيان إلى القرآن بطريق التسبيب { فلا تأس ~~على القوم الكافرين } فلا تتأسف عليهم فإن ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك. # { إن الذين آمنوا } بألسنتهم وهم المنافقون ودل عليه قوله: # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم # [آل عمران: 76] { والذين هادوا والصبئون والنصارى } قال سيبويه وجميع ~~البصريين: ارتفع «الصابئون» بالابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما ~~في ms0353 حيز «إن» من اسمها وخبرها كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى { من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } والصابئون كذلك أي من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ~~فقدم وحذف الخبر كقوله # فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # أي فإني لغريب وقيار كذلك، ودل اللام على أنه خبر «إن» ولا يرتفع بالعطف ~~على محل «إن» واسمها لأن ذا لا يصح قبل الفراغ من الخبر. لا تقول «إن ~~زيدا وعمرو منطلقان» وإنما يجوز «إن زيدا منطلق وعمرو»، والصابئون مع ~~خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله «إن الذين آمنوا» إلى آخره، ولا ~~محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها. وفائدة التقديم التنبيه على أن ~~الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا يتاب عليهم إن صح ~~منهم الإيمان فما الظن بغيرهم! ومحل «من آمن» الرفع على الابتداء وخبره ~~«فلا خوف عليهم» والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. ثم الجملة كما هي خبر ~~«إن» والراجح إلى اسم «إن» محذوف تقديره: من آمن منهم. # { لقد أخذنا ميثاق بني إسرآءيل } بالتوحيد { وأرسلنا إليهم رسلا } ~~ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم { كلما جآءهم رسول } جملة ~~شرطية وقعت صفة ل «رسلا» والراجع محذوف أي رسول منهم { بما لا تهوى ~~أنفسهم } بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل ~~بالشرائع، وجواب الشرط محذوف دل عليه { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } ~~كأنه يقول: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه. وقوله «فريقا كذبوا» جواب ~~مستأنف لقائل كأنه يقول: كيف فعلوا برسلهم! وقال «يقتلون» بلفظ المضارع ~~على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل، وتنبيها على أن القتل من ~~شأنهم، وانتصب «فريقا» و«فريقا» على أنه مفعول «كذبوا» و«يقتلون». ~~وقيل: التكذيب مشترك بين اليهود والنصارى، والقتل مختص باليهود فهم قتلوا ~~زكريا ويحيى. # { وحسبوا ألا تكون } «أن لا تكون»: حمزة وعلي وأبو عمرو على «أن» مخففة ~~من الثقيلة أصله أنه لا تكون فخففت «إن» وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم ~~لقوته في ms0354 صدورهم منزلة العلم فلذا دخل فعل الحسبان على «أن» التي هي ~~للتحقيق { فتنة } بلاء وعذاب أي وحسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من ~~الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل. وسد ما يشتمل عليه صلة «أن» وأن ~~من المسند والمسند إليه مسد مفعولي «حسب» { فعموا وصموا } فلم ~~يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا، أو فعموا عن الرشد وصموا عن الوعظ { ثم ~~تاب الله عليهم } رزقهم التوبة { ثم عموا وصموا كثير منهم } ~~هو بدل من الضمير أي الواو وهو بدل البعض من الكل، أو هو خبر مبتدأ محذوف ~~أي أولئك كثير منهم { والله بصير بما يعملون } فيجازيهم بحسب أعمالهم. # { لقد كفر الذين قالوآ إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني ~~إسرءيل اعبدوا الله ربي وربكم } لم يفرق عيسى عليه السلام بينه ~~وبينهم في أنه عبد مربوب ليكون حجة على النصارى { إنه من يشرك بالله } ~~في عبادته غير الله { فقد حرم الله عليه الجنة } التي هي دار ~~الموحدين أي حرمه دخولها ومنعه { ومأوه النار } أي مرجعه { وما ~~للظالمين } أي الكافرين { من أنصار } وهو من كلام الله تعالى أو من ~~كلام عيسى عليه السلام. # { لقد كفر الذين قالوآ إن الله ثالث ثلاثة } أي ثالث ثلاثة آلهة، ~~والإشكال أنه تعالى قال في الآية الأولى «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم» وقال في الثانية «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة» والجواب أن بعض النصارى كانوا يقولون: كان المسيح بعينه هو الله ~~لأن الله ربما يتجلى في بعض الأزمان في شخص فتجلى في ذلك الوقت في شخص ~~عيسى، ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال لا يقدر عليها إلا الله، وبعضهم ~~ذهبوا إلى آلهة ثلاثة: الله ومريم والمسيح وأنه ولد الله من مريم. و «من» ~~في قوله { وما من إله إلا إله وحد } للاستغراق أي وما إله قط في ~~الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله وحده لا شريك له. ~~وفي قوله { وإن لم ينتهوا عما ms0355 يقولون ليمسن الذين كفروا منهم } ~~للبيان كالتي في # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] ولم يقل «ليمسنهم» لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر تكريرا ~~للشهادة عليهم بالكفر، أو للتبعيض أي ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم ~~لأن كثيرا منهم تابوا عن النصرانية { عذاب أليم } نوع شديد الألم من ~~العذاب. { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه } ألا يتوبون بعد هذه ~~الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه وفيه تعجيب ~~من إصرارهم { والله غفور رحيم } يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم. # { ما المسيح ابن مريم إلا رسول } فيه نفي الألوهية عنه { قد خلت من ~~قبله الرسل } صفة لرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من ~~قبله، وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه لأنه ليس إلها ~~بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده كما أحيا العصا وجعلها ~~حية تسعى على يد موسى، وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر وأنثى { ~~وأمه صديقة } أي وما أمه أيضا إلا كبعض النساء المصدقات ~~للأنبياء المؤمنات بهم. ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى: # وصدقت بكلمات ربها وكتبه # [التحريم: 12]. ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله { كانا يأكلان الطعام ~~} لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنقض لم يكن ~~إلا جسما مركبا من لحم وعظم وعروق وأعصاب وغير ذلك ما يدل على أنه ~~مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام { انظر كيف نبين لهم الآيات } أي الأعلام ~~من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم { ثم انظر أنى يؤفكون } كيف يصرفون ~~عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان، وهذا تعجيب من الله تعالى في ~~ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب. # { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } هو عيسى ~~عليه السلام أي شيئا لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من ~~البلاء والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من ~~صحة الأبدان والسعة والخصب، لأن كل ما يستطيعه البشر ms0356 من المضار والمنافع ~~فبتخليقه تعالى فكأنه لا يملك منه شيئا، وهذا دليل قاطع على أن أمره ~~مناف للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا، وصفة الرب أن يكون ~~قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته { والله هو السميع العليم ~~} متعلق ب «أتعبدون» أي أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما ~~تقولونه ويعلم ما تعتقدونه { قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } الغلو ~~مجاوزة الحد، فغلو النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية، وغلو اليهود ~~وضعه عن استحقاق النبوة { غير الحق } صفة لمصدر محذوف أي غلوا غير الحق ~~يعني غلوا باطلا { ولا تتبعوآ أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } أي ~~أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم { وأضلوا كثيرا } ممن تابعهم { وضلوا } لما بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { عن سوآء السبيل } حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه. ### || [5.78-86] # { لعن الذين كفروا من بني إسرئيل على لسان داود وعيسى ابن مريم } قيل: ~~إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية ~~فمسخوا قردة. ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى: اللهم عذب من ~~كفر بعدما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين والعنهم كما ~~لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل { ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون } ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم ثم فسر المعصية والاعتداء ~~بقوله { كانوا لا يتناهون } لا ينهي بعضهم بعضا { عن منكر فعلوه } عن ~~قبيح فعلوه. ومعنى وصف المنكر ب «فعلوه» ولا يكون النهي بعد الفعل أنهم ~~لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا ~~فعله، أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه. يقال: تناهى عن ~~الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه. ثم عجب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك ~~بالقسم بقوله { لبئس ما كانوا يفعلون } وفيه دليل على أن ترك النهي عن ~~المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في ms0357 إعراضهم عنه { ترى كثيرا ~~منهم يتولون الذين كفروا } هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون ~~المشركين ويصافونهم { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم } ~~لبئس شيئا قدموه لأنفسهم سخط الله عليهم أي موجب سخط الله { وفي العذاب ~~هم خالدون } أي في جهنم { ولو كانوا يؤمنون بالله } إيمانا خالصا بلا ~~نفاق { والنبي } أي محمد صلى الله عليه وسلم { ومآ أنزل إليه } يعني ~~القرآن { ما اتخذوهم أوليآء } ما اتخذوا المشركين أولياء يعني أن موالاة ~~المشركين تدل على نفاقهم { ولكن كثيرا منهم فاسقون } مستمرون في ~~كفرهم ونفاقهم، أو معناه ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله وبموسى وما ~~أنزل إليه يعني التوراة ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم ~~المسلمون ولكن كثيرا منهم فاسقون خارجون عن دينهم فلا دين لهم أصلا. # { لتجدن أشد الناس عدوة للذين آمنوا اليهود } هو مفعول ثان ~~ل «تجدن». و«عداوة» تمييز { والذين أشركوا } عطف عليهم { ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } اللام تتعلق ب ~~«عداوة» و «مودة». وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة، وجعل ~~اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، ونبه على تقدم قدمهم ~~فيها بتقديمهم على المشركين { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } أي ~~علماء وعبادا { وأنهم لا يستكبرون } علل سهولة مأخذ النصارى وقرب ~~مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا وأن فيهم تواضعا واستكانة، ~~واليهود على خلاف ذلك، وفيه دليل على أن العلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير ~~وإن كان علم القسيسين، وكذا علم الآخرة وإن كان في راهب، والبراءة من ~~الكبر وإن كانت في نصراني { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } وصفهم برقة القلوب وأنهم يبكون عند ~~استماع القرآن كما روي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع ~~في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون وهم يقرأونه عليهم: هل في ~~كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إلى مريم. # فقرأها إلى قوله: # ذلك عيسى ابن مريم # [طه: 34] وقرأ سورة طه إلى ms0358 قوله: # وهل أتاك حديث موسى # [الآية: 9] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم سورة «يس» فبكوا. «تفيض من ~~الدمع» تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى ~~يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، ~~أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي ~~تسيل من أجل البكاء. و«من» في «مما عرفوا» لابتداءالغاية على أن فيض ~~الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله، «ومن» في «من الحق» لتبيين ~~الموصول الذي هو ما عرفوا، أو للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم ~~فكيف إذا عرفوا كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة { يقولون } حال من ~~ضمير الفاعل في «عرفوا» { ربنآ آمنا } بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والمراد إنشاء الإيمان والدخول فيه { فاكتبنا مع الشاهدين } مع أمة محمد ~~عليه السلام الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة لتكونوا شهداء ~~على الناس، وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك. # { وما لنا لا نؤمن بالله } إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام ~~موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين. وقيل: لما رجعوا ~~إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك. «وما لنا» مبتدأ وخبر و «لا نؤمن» حال ~~أي غير مؤمنين كقولك «مالك قائما» { وما جآءنا } وبما جاءنا { من الحق ~~} يعني محمدا عليه السلام والقرآن { ونطمع } حال من ضمير الفاعل في ~~«نؤمن» والتقدير: ونحن نطمع { أن يدخلنا ربنا } الجنة { مع القوم ~~الصالحين } الأنبياء والمؤمنين { فأثابهم الله بما قالوا } أي بقولهم ~~ربنا آمنا وتصديقهم لذلك { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك جزآء المحسنين } وفيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان كما ~~هومذهب الفقهاء. وتعلقت الكرامية في أن الإيمان مجرد القول بقوله «بما ~~قالوا» لكن الثناء بفيض الدمع في السباق وبالإحسان في السياق يدفع ذلك، ~~وأنى يكون مجرد القول إيمانا وقد قال الله تعالى: # ومن الناس من ms0359 يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين # [البقرة: 8]. نفى الإيمان عنهم مع قولهم «آمنا بالله» لعدم التصديق ~~بالقلب. وقال أهل المعرفة: الموجود منهم ثلاثة أشياء: البكاء على الجفاء، ~~والدعاء على العطاء، والرضا بالقضاء، فمن ادعى المعرفة ولم يكن فيه هذه ~~الثلاثة فليس بصادق في دعواه { والذين كفروا وكذبوا بأياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم } هذا أثر الرد في حق الأعداء، والأول أثر القبول للأولياء، ~~ونزل في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم حلفوا أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ~~ويقوموا الليل ويصوموا النهار ويسيحوا في الأرض ويجبوا مذاكيرهم ولا ~~يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب. ### || [5.87-95] # { ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ما طاب ~~ولذ من الحلال. ومعنى «لا تحرموا» لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا ~~تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم ~~وتقشفا. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذ ~~وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال # " إن المؤمن حلو يحب الحلاوة " # وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي وأصحابه فقعدوا على ~~المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ~~ناحية فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل ~~الحسن عليه وقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه ~~مسلم؟ وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذ ويقول لا أؤدي شكره. فقال: ~~أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إنه جاهل أن نعمة الله عليه في ~~الماء البارد أكبر من نعمته عليه في الفالوذ. { ولا تعتدوا } ولا تجاوزوا ~~الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم، أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم ~~إلى ما حرم عليكم أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات { إن الله لا يحب ~~المعتدين } حدوده. # { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } «حلالا» حال «مما رزقكم ~~الله» { واتقوا الله } توكيد للتوصية بما أمر به وزاده توكيدا بقوله { ~~الذي أنتم به مؤمنون } لأن الإيمان به ms0360 يوجب التقوى فيما أمر به ونهى. # { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمنكم } اللغو ~~في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم، وهو أن يحلف على شيء يرى أنه ~~كذلك وليس كما ظن، وكانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة فلما ~~نزلت تلك الآية قالوا: فكيف أيماننا؟ فنزلت. وعند الشافعي رحمه الله ما ~~يجري على اللسان بلا قصد { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمن } أي بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها. وبالتخفيف: كوفي غير ~~حفص. والعقد: العزم على الوطء، وذا لا يتصور في الماضي فلا كفارة في ~~الغموس. وعند الشافعي رحمه الله القصد بالقلب ويمين الغموس مقصودة فكانت ~~معقودة فكانت الكفارة فيها مشروعة. والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا ~~حنثتم، فخذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوما عندهم، أو بنكث ما عقدتم فحذف ~~المضاف { فكفارته } أي فكفارة نكثه أو فكفارة معقود الأيمان. ~~والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها { إطعام ~~عشرة مسكين } هو أن يغديهم ويعشيهم، ويجوز أن يعطيهم بطريق ~~التمليك وهو لكل أحد نصف صاع من بر أوصاع من شعير أو صاع من تمر. وعند ~~الشافعي رحمه الله مد لكل مسكين { من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم } أي غداء وعشاء من بر إذ الأوسع ثلاث مرات مع الإدام ~~والأدنى مرة من تمر أو شعير { أو كسوتهم } عطف على «إطعام» أو ~~على محل «من أوسط»، ووجهه أن «من أوسط» بدل من «إطعام» والبدل هو المقصود ~~في الكلام وهو ثوب يغطي العورة. # وعن ابن عمر رضي الله عنه: إزار وقميص ورداء { أو تحرير رقبة ~~} مؤمنة أو كافرة لإطلاق النص، وشرط الشافعي رحمه الله الإيمان حملا ~~للمطلق على المقيد في كفارة القتل. ومعنى «أو» التخيير وإيجاب إحدى ~~الكفارات الثلاث { فمن لم يجد } إحداها { فصيام ثلثة ~~أيام } «متتابعة» لقراءة أبي وابن مسعود كذلك { ذلك } المذكور { ~~كفارة أيمنكم إذا حلفتم } وحنثتم فترك ذكر الحنث ~~لوقوع العلم بأن الكفارة لا تجب بنفس الحلف ولذا لم يجز التكفير قبل ~~الحنث { واحفظوا أيمنكم } فبروا فيها ولا تحنثوا إذا ms0361 لم يكن ~~الحنث خيرا أو ولا تحلفوا أصلا { كذلك } مثل ذلك البيان { يبين ~~الله لكم آيته } أعلام شريعته وأحكامه { لعلكم ~~تشكرون } نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه. # { يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر } ~~أي القمار { والأنصاب } الأصنام لأنها تنصب فتعبد { والأزلام } ~~وهي القداح التي مرت { رجس } نجس أو خبيث مستقذر { من عمل ~~الشيطن } لأنه يحمل عليه فكأنه عمله. والضمير في { فاجتنبوه ~~} يرجع إلى الرجس، أو إلى عمل الشيطان، أو إلى المذكور، أو إلى المضاف ~~المحذوف كأنه قيل: إنما تعاطى الخمر والميسر ولذا قال «رجس». { ~~لعلكم تفلحون } أكد تحريم الخمر والميسر من وجوه حيث صدر ~~الجملة بإنما وقرنهما بعبادة الأصنام ومنه الحديث # " شارب الخمر كعابد الوثن " # وجعلهما رجسا من عمل الشيطان ولا يأتي منه إلا الشر البحت، وأمر ~~بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح وإذا كان الاجتناب فلاحا كان ~~الارتكاب خسارا { إنما يريد الشيطن أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة } ذكر ما يتولد ~~منهما من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر، وما ~~يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة، وخص الصلاة من ~~بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال: وعن الصلاة خصوصا. وإنما جمع الخمر ~~والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما آخرا، لأن الخطاب مع ~~المؤمنين وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، ~~وذكر الأنصاب والألزام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعا ~~من أعمال أهل الشرك فكأنه لا مباينة بين عابد الصنم وشارب الخمر ~~والمقامر، ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر { فهل ~~أنتم منتهون } من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل: قد تلي عليكم ما ~~فيهما من أنواع الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم ~~على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول واحذروا } وكونوا حذرين خاشعين لأنهم إذا ~~حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة { فإن توليتم ~~} عن ms0362 ذلك { فاعلموا أنما على رسولنا البلغ ~~المبين } أي فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول لأنه ما كلف إلا ~~البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه. # ونزل فيمن تعاطى شيئا من الخمر والميسر قبل التحريم. # { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~جناح فيما طعموا } أي شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل ~~تحريمهما { إذا ما اتقوا } الشرك { وءامنوا } بالله { ~~وعملوا الصلحات } بعد الإيمان { ثم اتقوا } الخمر ~~والميسر بعد التحريم { وءامنوا } بتحريمهما { ثم اتقوا } ~~سائر المحرمات، أو الأول عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن ~~الشبهات { وأحسنوا } إلى الناس { والله يحب المحسنين ~~}. # ولما ابتلاهم الله بالصيد عام الحديبية وهم محرمون وكثر عندهم حتى كان ~~يغشاهم في زحالهم فيستمكنون من صيده أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم نزل: # { يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء ~~من الصيد تناله أيديكم ورمحكم } ومعنى يبلو يختبر ~~وهو من الله لإظهار ما علم من العبد على ما علم لا لعلم ما لم يعلم، ~~و«من» للتبعيض إذ لا يحرم كل صيد أو لبيان الجنس { ليعلم الله ~~من يخافه بالغيب } ليعلم الله خوف الخائف منه بالامتناع عن ~~الاصطياد موجودا كما كان يعلم قبل وجوده أنه يوجد ليثيبه على عمله لا ~~على علمه فيه { فمن اعتدى } فصاد { بعد ذلك } الابتلاء { ~~فله عذاب أليم } قلل في قوله «بشيء» من الصيد ليعلم أنه ليس من ~~الفتن العظام «وتناله» صفة ل «شيء» { يأيها الذين ءامنوا ~~لا تقتلوا الصيد } أي المصيد إذ القتل إنما يكون فيه { ~~وأنتم حرم } أي محرمون جمع حرام كردح في جمع رداح في محل النصب ~~على الحال من ضمير الفاعل في «تقتلوا» { ومن قتله منكم ~~متعمدا } حال من ضمير الفاعل أي ذاكرا لإحرامه أو عالما أن ما ~~يقتله مما يحرم قتله عليه، فإن قتله ناسيا لإحرامه أو رمى صيدا وهو يظن ~~أنه ليس بصيد فهو مخطىء. وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات ~~الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، لأن مورد الآية فيمن تعمد، فقد روي ~~أنه عن لهم ms0363 في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فقتله فقيل ~~له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت. ولأن الأصل فعل المتعمد والخطأ ملحق ~~به للتغليظ. # وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. { فجزاء مثل ~~ما قتل } كوفي أي فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد وهو قيمة الصيد ~~يقوم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي خير بين أن يهدي من النعم ما ~~قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاما فيعطي كل مسكين نصف صاع ~~من بر أو صاعا من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوما. وعند محمد ~~والشافعي رحمهما الله تعالى مثله نظيره من النعم، فإن لم يوجد له نظير من ~~النعم فكما مر. # «فجزاء مثل» على الإضافة: غيرهم. وأصله فجزاء مثل ما قتل أي فعليه أن ~~يجزي مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول «عجبت من ضرب زيدا ثم من ضرب زيد». { ~~من النعم } حال من الضمير في «قتل» إذ المقتول يكون من النعم أو ~~صفة ل «جزاء» { يحكم به } بمثل ما قتل { ذوا عدل منكم } ~~حكمان عادلان من المسلمين، وفيه دليل على أن المثل القيمة لأن التقويم ~~مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة، ولأن المثل المطلق ~~في الكتاب والسنة والإجماع مقيد بالصورة والمعنى، أو بالمعنى لا بالصورة، ~~أو بالصورة بلا معنى، ولأن القيمة أريدت فيما لا مثل له صورة إجماعا فلم ~~يبق غيرها مرادا إذ لا عموم للمشترك. فإن قلت: قوله «من النعم» ينافي ~~تفسير المثل بالقيمة. قلت: من أوجب القيمة خير بين أن يشتري بها هديا ~~أو طعاما أو يصوم كما خير الله تعالى في الآية، فكان من النعم بيانا ~~للهدي المشتري بالقيمة في أحد وجوه التخيير، لأن من قوم الصيد واشترى ~~بالقيمة هديا فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النعم، على أن التخيير الذي ~~في الآية بين أن يجزي بالهدي أو يكفر بالطعام أو الصوم، إنما يستقيم إذا ~~قوم ونظر بعد التقويم أي الثلاثة يختار، فأما ms0364 إذا عمد إلى النظير وجعله ~~الواجب وحده من غير تخيير، فإذا كان شيئا لا نظير له قوم حينئذ ثم ~~يخير بين الطعام والصيام، ففيه نبو عما في الآية ألا ترى إلى قوله { ~~أوكفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما } كيف خير ~~بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم { هديا } حال من ~~الهاء في «به» أي يحكم به في حال الهدي { بلغ الكعبة } صفة ل ~~«هديا» لأن إضافته غير حقيقية. ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، فأما ~~التصدق به فحيث شئت. وعند الشافعي رحمه الله: في الحرم { أو كفارة ~~} معطوف على «جزاء» { طعام } بدل من «كفارة» أو خبر مبتدأ محذوف أي هي ~~طعام. «أو كفارة طعام» على الإضافة: مدني وشامي. وهذه الإضافة لتبيين ~~المضاف كأنه قيل: أو كفارة من طعام { مسكين } كما تقول «خاتم فضة» ~~أي خاتم من فضة { أو عدل } وقرىء بكسر العين. # قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه كالصوم والإطعام، والعدل ~~مثله من جنسه ومنه «عدلا الحمل». يقال «عندي غلام عدل غلامك» بالكسر إذا ~~كان من جنسه، فإن أريد أن قيمته كقيمته ولم يكن من جنسه قيل «هو عدل ~~غلامك» بالفتح { ذلك } إشارة إلى الطعام { صياما } تمييز نحو «لي ~~مثله رجلا» والخيار في ذلك إلى القاتل، وعند محمد رحمه الله إلى الحكمين ~~{ ليذوق وبال أمره } متعلق بقوله «فجزاء» أي فعليه أن يجازي ~~أو يكفر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام. والوبال المكروه ~~والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى: # فأخذنه أخذا وبيلا # [المزمل: 16] أي ثقيلا شديدا. والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة ~~فلا يستمرأ. { عفا الله عما سلف } لكم من الصيد قبل التحريم { ~~ومن عاد } إلى قتل الصيد بعد التحريم أو في ذلك الإحرام { ~~فينتقم الله منه } بالجزاء وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ~~ينتقم الله منه { والله عزيز } بإلزام الأحكام { ذو انتقام } ~~لمن جاوز حدود الإسلام. ### || [5.96-107] # { أحل لكم صيد البحر } مصيدات البحر مما يؤكل ومما ms0365 لا ~~يؤكل { وطعامه } وما يطعم من صيده. والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ~~ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده { متعا ~~لكم } مفعول له أي أحل لكم تمتيعا لكم { وللسيارة } ~~وللمسافرين. والمعنى: أحل لكم طعامه تمتيعا لتنائكم يأكلونه طريا ~~ولسيارتكم يتزودونه قديدا كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى ~~الخضر. { وحرم عليكم صيد البر } ما صيد فيه وهو ما يفرخ ~~فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كالبط فإنه بري لأنه يتولد في ~~البر والبحر له مرعى كما للناس متجر { ما دمتم حرما } محرمين { ~~واتقوا الله } في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام { الذي ~~إليه تحشرون } # تبعثون فيجزيكم على أعمالكم. # { جعل الله الكعبة } أي صير { البيت الحرام } بدل أو ~~عطف بيان { قياما } مفعول ثان أو «جعل» بمعنى «خلق» و«قياما» حال { ~~للناس } أي انتعاشا لهم في أمر دينهم ونهوضا إلى أغراضهم في معاشهم ~~ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وأنواع منافعهم. قيل: لو تركوه ~~عاما لم ينظروا ولم يؤخروا { والشهر الحرام } والشهر الذي يؤدي ~~فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج ~~فيه شأنا قد علمه الله، أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم. { والهدى } ما يهدى إلى مكة { والقلئد } ~~والمقلد منه خصوصا وهو البدن فالثواب فيه أكثر وبهاء الحج معه أظهر { ~~ذلك } إشارة إلى جعل الكعبة قياما أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام ~~بترك الصيد وغيره { لتعلموا أن الله يعلم ما فى ~~السموت وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ~~} أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض وكيف لا ~~يعلم وهو بكل شيء عليم { اعلموا أن الله شديد العقاب } ~~لمن استخف بالحرم والإحرام { وأن الله غفور } لآثام من عظم ~~المشاعر العظام { رحيم } بالجاني الملتجىء إلى البلد الحرام { ما ~~على الرسول إلا البلغ } تشديد في إيجاب القيام بما أمر ~~به، وأن ms0366 الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ~~ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط { والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون } فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم. # { قل لا يستوي الخبيث والطيب } لما أخبر أنه يعلم ما ~~يبدون وما يكتمون ذكر أنه لا يستوي خبيثهم وطيبهم بل يميز بينهما، فيعاقب ~~الخبيث أي الكافر ويثيب الطيب أي المسلم { ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث فاتقوا الله } وآثروا الطيب وإن قل على ~~الخبيث وإن كثر. # وقيل: هو عام في حلال المال وحرامه وصالح العمل وطالحه وجيد الناس ~~ورديئهم. # { يأولي الألبب } أي العقول الخالصة { لعلكم ~~تفلحون } كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء امتحانا ~~فنزل: # { يأيها الذين ءامنوا لا تسئلوا عن أشياء } ~~قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين: أصله «شيئاء» بهمزتين بينهما ألف ~~وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف ك «حمراء» ~~وهي مفردة لفظا جمع معنى، ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدمت الأولى ~~التي هي لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها «لفعاء»، والجملة الشرطية ~~والمعطوفة عليها أي قوله { إن تبد لكم تسؤكم وإن ~~تسئلوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم } صفة ~~ل «أشياء» أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما ~~دام الرسول بين أظهركم «تبد لكم» تلك التكاليف التي تسوؤكم أي تغمكم وتشق ~~عليكم وتؤمرون بتحملها فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها { عفا ~~الله عنها } عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها { ~~والله غفور حليم } لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار. والضمير في { ~~قد سألها } لا يرجع إلى «أشياء» حتى يعدى ب «عن» بل يرجع إلى ~~المسألة التي دلت عليها «لا تسألوا» أي قد سأل هذه المسألة { قوم من ~~قبلكم } من الأولين { ثم أصبحوا بها } صاروا بسببها { ~~كفرين } كما عرف في بني إسرائيل. # { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام } كان أهل الجاهلية إذا انتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر ~~بحروا إذنها أي شقوها وامتنعوا من ms0367 ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء ولا ~~مرعى واسمها البحيرة. وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برأت من مرضي ~~فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل: كان الرجل ~~إذا أعتق عبدا قال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وكانت الشاة إذا ~~ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في ~~الغنم، وكذا إن كان ذكرا وأنثى وقالوا: أوصلت أخاها فالوصيلة بمعنى ~~الواصلة. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ~~ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. ومعنى «ما جعل» ما شرع ذلك ولا ~~أمر به { ولكن الذين كفروا } بتحريمهم ما حرموا { ~~يفترون على الله الكذب } في نسبتهم هذا التحريم إليه { ~~وأكثرهم لا يعقلون } أن الله لم يحرم ذلك وهم عوامهم { ~~وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول } أي هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة { ~~قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } أي كافينا ذلك، ~~«حسبنا» مبتدأ والخبر «ما وجدنا» «وما» بمعنى «الذي» والواو في { أو ~~لو كان ءاباؤهم } للحال قد دخلت عليها همزة الإنكار وتقديره: ~~أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم { لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ~~} أي الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة { ~~يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم } انتصب ~~«أنفسكم» ب «عليكم» وهو من أسماء الأفعال أي الزموا إصلاح أنفسكم. # والكاف والميم في «عليكم» في موضع جر لأن اسم الفعل هو الجار والمجرور ~~لا على وحدها { لا يضركم } رفع على الاستئناف، أو جزم على جواب ~~الأمر، وإنما ضمت الراء إتباعا لضمة الضاد { من ضل إذا ~~اهتديتم } كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة ~~يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها ~~لا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين، وليس المراد ترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركهما مع القدرة عليهما لا يجوز. { ~~إلى الله مرجعكم ms0368 جميعا } رجوعكم { فينبئكم بما ~~كنتم تعملون } ثم يجزيكم على أعمالكم. # روي أنه خرج بديل مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين مع عدي ~~وتميم وكانا نصرانيين إلى الشام، فمرض بديل وكتب كتابا فيه ما معه ~~وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى ~~أهله. ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فأصاب أهل بديل الصحيفة ~~فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزل: # { يأيها الذين ءامنوا شهدة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت حين الوصية اثنان } ارتفع «اثنان» لأنه ~~خبر المبتدأ وهو «شهادة» بتقدير شهادة بينكم شهادة اثنين، أو لأنه فاعل ~~«شهادة بينكم» أي فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان. واتسع في «بين» فأضيف ~~إليه المصدر. «وإذا حضر» ظرف للشهادة و«حين الوصية» بدل منه، وفي إبداله ~~منه دليل على وجوب الوصية لأن حضور الموت من الأمور الكائنة، «وحين ~~الوصية» بدل منه فيدل على وجوب الوصية ولو وجدت بدون الاختيار لسقط ~~الابتلاء فنقل إلى الوجوب، وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل ~~{ ذوا عدل } صفة ل «اثنان» { منكم } من أقاربكم لأنهم أعلم ~~بأحوال الميت { أو آخران } عطف على «اثنان» { من غيركم } من ~~الأجانب { إن أنتم ضربتم في الأرض } سافرتم فيها. «وأنتم» ~~فاعل فعل يفسره الظاهر { فأصابتكم مصيبة الموت } أو منكم ~~من المسلمين ومن غيركم من أهل الذمة. وقيل: منسوخ إذ لا يجوز شهادة الذمي ~~على المسلم، وإنما جازت في أول الإسلام لقلة المسلمين { تحبسونهما ~~} تقفونهما للحلف هو استئناف كلام أو صفة لقوله «أو آخران من غيركم» أي ~~أو آخران من غيركم محبوسان، «وإن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت» اعتراض بين الصفة والموصوف { من بعد الصلوة } من بعد صلاة ~~العصر لأنه وقت اجتماع الناس. # وعن الحسن رحمه الله: بعد العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون ~~للحكومة بعدهما. وفي حديث بديل أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر فحلفا ثم ms0369 ~~وجد الإناء بمكة فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي. { فيقسمان ~~بالله } فيحلفان به { إن ارتبتم } شككتم في أمانتهما وهو ~~اعتراض بين «يقسمان» وجوابه وهو { لا نشتري } وجواب الشرط محذوف ~~أغنى عنه معنى الكلام والتقدير: إن ارتبتم في شأنهما فحلفوهما { به } ~~بالله أو بالقسم { ثمنا } عوضا من الدنيا { ولو كان } أي المقسم ~~له { ذا قربى } أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم ~~له قريبا منا { ولا نكتم شهدة الله } أي الشهادة التي ~~أمر الله بحفظها وتعظيمها { إنآ إذا } إن كتمنا { لمن الآثمين ~~}. وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين، وإن أريد ~~الوصيان فلم ينسخ تحليفهما. ### || [5.108-115] # { فإن عثر } فإن اطلع { على أنهما استحقا إثما } ~~فعل ما أوجب إثما واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين { فئاخران } ~~فشاهدان آخران { يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم } أي من الذين استحق عليهم الإثم، ومعناه من الذين جني عليهم ~~وهم أهل الميت وعشيرته، وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين حلف ~~رجلان من ورثته إنه إناء صاحبهما وإن شهادتهما أحق من شهادتهما { ~~الأولين } الأحقان بالشهادة لقرابتهما أو معرفتهما. وارتفاعهما على ~~«هما الأوليان» كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان. أو هما بدل من الضمير ~~في «يقومان» أو من ««آخران». «استحق عليهم الأوليان». حفص أي من الورثة ~~الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام ~~بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين. «الأولين»: حمزة وأبو بكر على أنه ~~وصف للذين استحق عليهم مجرور أو منصوب على المدح. وسموا أولين لأنهم ~~كانوا أولين في الذكر في قوله «شهادة بينكم» { فيقسمان بالله ~~لشهدتنا أحق من شهدتهما } أي ليميننا أحق بالقبول ~~من يمين هذين الوصيين الخائنين { وما اعتدينا } وما تجاوزنا الحق ~~في يميننا { إنآ إذا لمن الظلمين } أي إن حلفنا كاذبين { ~~ذلك } الذي مر ذكره من بيان الحكم { أدنى } أقرب { أن يأتوا ~~} أي الشهداء على نحو تلك الحادثة { بالشهدة على وجهها } ~~كما حملوها بلا خيانة فيها { أو يخفوا أن ترد أيمن ~~بعد أيمنهم } أي ms0370 تكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا ~~بظهور كذبهم { واتقوا الله } في الخيانة واليمين الكاذبة { ~~واسمعوا } سمع قبول وإجابة { والله لا يهدي القوم ~~الفسقين } الخارجين عن الطاعة. فإن قلت: ما معنى «أو» هنا؟ قلت: ~~معناه ذلك أقرب من أن يؤدوا الشهادة بالحق والصدق، إما لله أو لخوف ~~العار والافتضاح برد الأيمان، وقد احتج به من يرى رد اليمين على المدعي، ~~والجواب أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ~~ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما فأنكرت الورثة فكانت اليمين على ~~الورثة لإنكارهما الشراء. # { يوم } منصوب ب «اذكروا» أو احذروا { يجمع الله الرسل ~~فيقول ماذا أجبتم } ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم ~~إلى الإيمان؟ وهذا السؤال توبيخ لمن أنكرهم. «وماذا» منصوب ب «أجبتم» ~~نصب المصدر على معنى أي إجابة أجبتم { قالوا لا علم لنا } ~~بإخلاص قومنا دليله { إنك أنت علم الغيوب } أو بما ~~أحدثوا بعدنا دليله «كنت أنت الرقيب عليهم» أو قالوا ذلك تأدبا أي علمنا ~~ساقط مع علمك ومغمور به فكأنه لا علم لنا { إذ قال الله } بدل من ~~«يوم يجمع» { يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ~~وعلى ولدتك } حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين. # والعامل في { إذ أيدتك } أي قويتك «نعمتي» { بروح القدس ~~} جبريل عليه السلام أيد به لتثبت الحجة عليهم، أو بالكلام الذي يحيا به ~~الدين، وأضافه إلى القدس لأنه سبب الطهر من أو ضارم الآثام دليله { ~~تكلم الناس فى المهد } حال أي تكلمهم طفلا إعجازا { ~~وكهلا } تبليغا { وإذ علمتك } معطوف على «إذ أيدتك» ونحوه ~~«وإذ تخلق». «وإذ تخرج». «وإذ كففت». «وإذ أوحيت» { الكتب } الخط { ~~والحكمة } الكلام المحكم الصواب { والتوراة والإنجيل ~~وإذ تخلق } تقدر { من الطين كهيئة الطير } هيئة مثل ~~هيئة الطير { بإذنى } بتسهيلي { فتنفخ فيها } الضمير للكاف ~~لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة ~~المضاف إليها لأنها ليست من خلقه، وكذا الضمير في { فتكون طيرا ~~بإذني } وعطف { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني } على ~~«تخلق» { وإذ تخرج الموتى } من ms0371 القبور أحياء { بإذني } ~~قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية. # { وإذ كففت بني إسرءيل عنك } أي اليهود حين هموا بقتله ~~{ إذ جئتهم } ظرف ل «كففت» { بالبينت فقال الذين ~~كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين } ساحر حمزة ~~وعلي { وإذ أوحيت } ألهمت { إلى الحواريين } الخواص أو ~~الأصفياء { أن آمنوا } أي آمنوا { بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأننا ~~مسلمون } أي اشهد بأننا مخلصون من أسلم وجهه { إذ قال ~~الحواريون } أي اذكروا إذ { يعيسى ابن مريم } «عيسى» نصب ~~على اتباع حركته حركة الابن نحو «يا زيد بن عمرو» { هل يستطيع ~~ربك } هل يفعل أو هل يطيعك ربك إن سألته، فاستطاع وأطاع بمعنى ~~كاستجاب وأجاب. هل تستطيع ربك على أي هل تستطيع سؤال ربك فحذف المضاف، ~~والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله { أن ينزل ~~علينا } «ينزول»: مكي وبصري { مآئدة من السمآء } هي ~~الخوان إذا كان عليه الطعام من ماده إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليها ~~{ قال اتقوا الله } في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات { إن ~~كنتم مؤمنين } إذ الإيمان يوجب التقوى. # { قالوا نريد أن نأكل منها } تبركا { وتطمئن ~~قلوبنا } ونزداد يقينا كقول إبراهيم عليه السلام # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] { ونعلم أن قد صدقتنا } أي نعلم صدقك عيانا ~~كما علمناه استدلالا { ونكون عليها من الشهدين } بما ~~عاينا لمن بعدنا. ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت { قال عيسى ~~ابن مريم اللهم } أصله «يا الله» فحذف «يا» وعوض منه «الميم» ~~{ ربنا } نداء ثان { أنزل علينا مائدة من السماء ~~تكون لنا عيدا } أي يكون يوم نزولها عيدا. # قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيدا، والعيد: السرور العائد ~~ولذا يقال «يوم عيد» فكان معناه: تكون لنا سرورا وفرحا { لأولنا ~~وءاخرنا } بدل من «لنا» بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ~~ديننا، ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم، أو ~~للمتقدمين منا والأتباع { وآية منك } على صحة نبوتي ثم أكد ذلك بقوله ~~{ وارزقنا وأنت خير الرازقين ms0372 } وأعطنا ما سألناك وأنت خير ~~المعطين { قال الله إني منزلها عليكم } بالتشديد: مدني ~~وشامي وعاصم. وعد الإنزال وشرط عليهم شرطا بقوله { فمن يكفر ~~بعد منكم } بعد إنزالها منكم { فإني أعذبه عذابا } أي ~~تعذيبا كالسلام بمعنى التسليم. والضمير في { لآ أعذبه } للمصدر ~~ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء { أحدا من ~~العلمين } عن الحسن أن المائدة لم تنزل ولو نزلت لكانت عيدا إلى ~~يوم القيامة لقوله: «وآخرنا». والصحيح أنها نزلت. فعن وهب نزلت مائدة ~~منكوسة تطير بها الملائكة عليها كل طعام إلا اللحم. وقيل: كانوا يجدون ~~عليها ما شاءوا. وقيل: كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشيا. ### || [5.116-120] # { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم ءأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ~~الجمهور على أن هذا السؤال يكون في يوم القيامة دليله سياق الآية ~~وسباقها. وقيل: خاطبه به حين رفعه إلى السماء دليله لفظ «إذ» { قال ~~سبحنك } من أن يكون لك شريك { ما يكون لي } ما ينبغي لي { ~~أن أقول ما ليس لي بحق } أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله ~~{ إن كنت قلته فقد علمته } إن صح أني قلته فيما مضى فقد ~~علمته، والمعنى: أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقله ولو ~~قلته لعلمته لأنك { تعلم ما في نفسي } ذاتي { ولا أعلم ~~ما في نفسك } ذاتك. فنفس الشيء ذاته وهويته والمعنى: تعلم معلومي ~~ولا أعلم معلومك { إنك أنت علم الغيوب } تقرير للجملتين ~~معا لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلم علام الغيوب ~~لا ينتهي إليه علم أحد. # { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } أي ما أمرتهم إلا ~~بما أمرتني به. ثم فسر ما أمر به فقال: { أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم } ف «أن» مفسرة بمعنى «أي» { وكنت عليهم شهيدا } ~~رقيبا { ما دمت فيهم } مدة كوني فيهم { فلما توفيتني ~~كنت أنت الرقيب عليهم } الحفيظ { وأنت على كل ~~شيء شهيد } من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك ms0373 وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم } قال الزجاج: علم عيسى عليه السلام أن منهم من آمن ومنهم من ~~أقام على الكفر فقال في جملتهم «إن تعذبهم» أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم ~~عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك وأنت العادل في ذلك ~~فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم أي لمن أقلع منهم ~~وآمن فذلك تفضل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، أو ~~عزيز قوي قادر على الثواب، حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. # { قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم } ~~برفع اليوم والإضافة على أنه خبر هذا أي يقول الله تعالى «هذا يوم ينفع ~~الصادقين» فيه صدقهم المستمر في دنياهم وآخرتهم. والجملة من المبتدأ ~~والخبر في محل النصب على المفعولية كما تقول «قال زيد عمرو منطلق»، ~~وبالنصب: نافع. على الظرف أي قال الله هذا لعيسى عليه السلام يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم وهو يوم القيامة { لهم جنت تجري من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم } بالسعي المشكور { ورضوا عنه } بالجزاء الموفور { ~~ذلك الفوز العظيم } لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير ~~باق { لله ملك السموت والأرض وما فيهن } عظم ~~نفسه عما قالت النصارى إن معه إلها آخر { وهو على كل شيء ~~قدير } من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء، نسأله أن يوفقنا لمرضاته ~~ويجعلنا من الفائزين بجناته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-12] # مكية وهي مائة وخمس وستون آية كوفي أربع وستون بصرى # بسم الله الرحمن الرحيم # { الحمد لله } تعليم اللفظ والمعنى مع تعريض الاستغناء أي الحمد ~~له وإن لم تحمدوه { الذى خلق السموت والأرض } جمع ~~السموات لأنها طباق بعضها فوق بعض. والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور ~~فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض. «جعل» يتعدى إلى مفعول واحد إذا ~~كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله { وجعل الظلمت والنور } وإلى ~~مفعولين إن كان بمعنى «صير» كقوله # وجعلوا الملئكة الذين هم ms0374 عباد الرحمن ~~إنثا # [الزخرف: 19] وفيه رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة، وأفرد النور ~~لإرادة الجنس ولأن ظلمة كل شيء تختلف باختلاف ذلك الشيء، نظيره ظلمة ~~الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منها صاحبها، ~~والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات، وقدم الظلمات لقوله عليه ~~السلام: # " خلق الله خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور ~~اهتدى ومن أخطأه ضل " # { ثم الذين كفروا } بعد هذا البيان { بربهم ~~يعدلون } يساوون به الاوثان، تقول عدلت بذا أي ساويته به، والباء في ~~{ بربهم } لا للكفر، أو ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه أي يعرضرن ~~عنه فتكون الباء صلة للكفر وصلة { يعدلون } أي عنه محذوفة، وعطف { ~~ثم الذين كفروا } على { الحمد لله } على معنى أن الله ~~حقيق بالحمد على ما خلق إلا نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون ~~نعمته، أو على خلق السماوات على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه ~~أحد سواه ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه. ومعنى «ثم» استبعاد أن ~~يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته. { هو الذي خلقكم من طين } ~~«من» لابتداء الغاية أي ابتداء خلق أصلكم يعنى آدم منه { ثم قضى ~~أجلا } أي حكم أجل الموت { وأجل مسمى عنده } أجل القيامة، ~~أو الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو ~~البرزخ. أو الأول، والثاني الموت، أو الثاني هو الأول وتقديره: وهو أجل ~~مسمى أي معلوم، و { أجل مسمى } مبتدأ والخبر { عنده } وقدم ~~المبتدأ وإن كان نكرة والخبر ظرفا وحقه التأخير لأنه تخصص بالصفة فقارب ~~المعرفة { ثم أنتم تمترون } تشكون من المرية أو تجادلون من ~~المراء. ومعنى «ثم» استبعاد أن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم ~~وباعثهم { وهو الله } مبتدأ وخبر { السموت وفي الأرض } ~~متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل: وهو المعبود فيهما كقوله # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] أو المعروف بالإلهية فيهما، أو ms0375 هو الذي يقال له الله ~~فيهما، والأول تفريع على أنه مشتق وغيره على أنه غير مشتق { يعلم ~~سركم وجهركم } خبر بعد خبر أو كلام مبتدأ أي هو يعلم سركم ~~وجهركم { ويعلم ما تكسبون } من الخير والشر ويثيب عليه ~~ويعاقب، و «من» في { وما تأتيهم من ءاية } للاستغراق وفي { ~~من ءايت ربهم } للتبعيض أي وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة ~~التي يجب فيها النظر والاعتبار { إلا كانوا عنها معرضين } ~~تاركين للنظر لا يلتفتون إليه لقلة خوفهم وتدبرهم في العواقب { فقد ~~كذبوا } مردود على كلام محذوف كأنه قيل: إن كانوا معرضين على الآيات ~~فقد كذبوا { بالحق لما جاءهم } أي بما هو أعظم آية وأكبرها ~~وهو القرآن الذي تحدوا به فعجزوا عنه { فسوف يأتيهم ~~أنبؤا ما كانوا به يستهزءون } إي أنباء الشيء الذي ~~كانوا به يستهزءون وهو القرآن أي أخباره وأحواله يعني سيعلمون بأي شيء ~~استهزؤوا وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا، أو يوم القيامة، أو عند ~~ظهور الإسلام وعلو كلمته. # { ألم يروا } يعني المكذبين { كم أهلكنا من قبلهم ~~من قرن } هو مدة انقضاء أهل كل عصر وهو ثمانون سنة أو سبعون { ~~مكنهم } في موضع جر صفة ل «قرن» وجمع على المعنى { في ~~الأرض ما لم نمكن لكم } التمكين في البلاد إعطاء المكنة ~~والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة في ~~الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا { وأرسلنا ~~السماء } المطر { عليهم مدرارا } كثيرا وهو حال من السماء ~~{ وجعلنا الأنهر تجري من تحتهم } من تحت أشجارهم ~~والمعنى عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المدرار { ~~فأهلكنهم بذنوبهم } ولم يغن ذلك عنهم شيئا { ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين } بدلا منهم { ولو ~~نزلنا عليك كتبا } مكتوبا { في قرطاس } في ورق { ~~فلمسوه بأيديهم } هو للتأكيد لئلا يقولوا سكرت أبصارنا ومن ~~المحتج عليهم العمى { لقال الذين كفروا إن هذا إلا ~~سحر مبين } تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره { وقالوا لولآ } ~~هلا { أنزل عليه } على النبي صلى الله عليه وسلم ms0376 { ملك } ~~يكلمنا أنه نبي فقال الله { ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر } لقضي أمر هلاكهم { ثم لا ينظرون } لا يمهلون بعد ~~نزوله طرفة عين لأنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما ~~يشاهدون. ومعنى «ثم» بعدما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار، جعل عدم ~~الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأه الشدة أشد من نفس الشدة { ولو ~~جعلنه ملكا } ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا لأنهم كانوا ~~يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ~~ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة { لجعلنه رجلا } لأرسلناه في صورة ~~رجل كما كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أعم الأحوال في صورة دحية، لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم { ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون } ولخلطنا وأشكلنا عليهم من ~~أمره إذا كان سبيله كسبيلك يا محمد، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة ~~الإنسان هذا إنسان وليس بملك. # يقال لبست الأمر على القوم وألبسته إذا أشبهته وأشكلته عليهم. # ثم سلى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه بقوله { ولقد ~~استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا ~~منهم ما كانوا به يستهزءون } فأحاط بهم الشيء الذي ~~كانوا يستهزئون به وهو الحق حيث أهلكوا من أجل استهزائهم به و «منهم» ~~متعلق ب «سخروا» كقوله # فيسخرون منهم # [التوبة: 79] والضمير للرسل والدال مكسورة عند أبي عمرو وعاصم لا لتقاء ~~الساكنين، وضمها غيرهما إتباعا لضم التاء { قل سيروا في الأرض ~~ثم انظروا كيف كان عقبة المكذبين } والفرق بين ~~فانظروا وبين { ثم انظروا } إن النظر جعل مسببا عن السير في ~~«فانظروا» فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين. ومعنى { ~~سيروا في الأرض ثم انظروا } إباحة السير في الأرض للتجارة ~~وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين على ذلك ب «ثم» لتباعد ما بين ~~الواجب والمباح { قل لمن ما في السموت والأرض } «من» ~~استفهام و «ما» معنى الذي في موضع الرفع على الابتداء و «لمن» خبره ms0377 { قل ~~لله } تقرير لهم أي هو لله لا خلاف بيني وبينكم، ولا تقدرون أن ~~تضيفوا منه شيئا إلى غيره { كتب على نفسه الرحمة } أصل ~~كتب أوجب ولكن لا يجوز الإجراء على ظاهره إذ لا يجب على الله شيء للعبد، ~~فالمراد به أنه وعد ذلك وعدا مؤكدا وهو منجزه لا محالة. وذكر النفس ~~للاختصاص ورفع الوسائط، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر و إشراكهم به من لا ~~يقدر على خلق شيء بقوله { ليجمعنكم إلى يوم القيمة ~~} فيجازيكم على إشراككم { لا ريب فيه } في اليوم أو في الجمع { ~~الذين خسروا أنفسهم } نصب على الذم أي أريد الذين خسروا ~~أنفسهم باختيارهم الكفر { فهم لا يؤمنون } وقال الأخفش: «الذين» ~~بدل من «كم» في { ليجمعنكم } أي ليجمعن هؤلاء المشركين الذين ~~خسروا أنفسهم و الوجه هو الأول لأن سيبويه قال: لا يجوز «مررت بي المسكين ~~ولا بك المسكين» فتجعل «المسكين» بدلا من الياء أو الكاف لأنهما في غاية ~~الوضوح فلا يحتاجان إلى البدل والتفسير. ### || [6.13-26] # { وله } عطف على { لله } { ما سكن في اليل ~~والنهار } من السكنى حتى يتناول الساكن والمتحرك أو من السكون ~~ومعناه ما سكن وتحرك فيهما فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر كقوله { ~~تقيكم الحر } [النحل: 82] أي الحر والبرد، و ذكر السكون لأنه ~~أكثر من الحركة وهو احتجاج على المشركين لأنهم لم ينكروا أنه خالق الكون ~~و مدبره { وهو السميع العليم } يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم ~~فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان. # { قل أغير الله أتخذ وليا } ناصرا ومعبودا وهو ~~مفعول ثان ل { اتخذ } والأول { غير } وإنما أدخل همزة الاستفهام ~~على مفعول { اتخذ } لا عليه لأن الإنكار في اتخاذ غير الله وليا لا ~~في اتخاذ الولي فكان أحق بالتقديم { فاطر السموت والأرض } ~~بالجر صفة لله أي مخترعهما. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت معنى ~~الفاطر حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ~~ابتدأتها { وهو يطعم ولا يطعم } وهو يرزق ولا يرزق أي ~~المنافع كلها من عنده ولا ms0378 يجوز عليه الانتفاع { قل إنى أمرت أن ~~أكون أول من أسلم } لأن النبي سابق أمته في الإسلام كقوله: ~~{ وبذلك أمرت وأنت أول المسلمين } [الأنعام: 163] ~~{ ولا تكونن من المشركين } وقيل لي لا تكونن من المشركين ~~ولو عطف على ما قبله لفظا لقيل: وأن لا أكون، والمعنى: أمرت بالإسلام ~~ونهيت عن الشرك { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم } أي إني أخاف عذاب يوم عظيم وهو القيامة إن عصيت ربي فالشرط ~~معترض بين الفاعل والمفعول به محذوف الجواب { من يصرف عنه } ~~العذاب { يومئذ فقد رحمه } الله الرحمة العظمى وهي النجاة. # { من يصرف } حمزة وعلي و أبو بكر. أي من يصرف الله عنه العذاب { ~~وذلك الفوز المبين } النجاة الظاهرة { وإن يمسسك ~~الله بضر } من مرض أو فقر أوغير ذلك من بلاياه { فلا كشف ~~له إلا هو } فلا قادر على كشفه إلا هو { وإن يمسسك بخير } ~~من غنى أو صحة { فهو على كل شيء قدير } فهو قادر على ~~إدامته وإزالته { وهو القاهر } مبتدأ وخبر أي الغالب المقتدر { ~~فوق عباده } خبر بعد خبر أي عال عليهم بالقدرة. والقهر بلوغ ~~المراد بمنع غيره من بلوغه { وهو الحكيم } في تنفيذ مراده { ~~الخبير } بأهل القهر من عباده. # { قل أي شيء أكبر شهدة } { أي شيء } مبتدأ و { ~~أكبر } خبره و { شهادة } تمييز و «أي» كلمة يراد بها بعض ما تضاف ~~إليه، فإذا كانت استفهاما كان جوابها مسمى باسم ما أضيفت إليه. # وقوله { قل الله } جواب أي الله أكبر شهادة ف { الله } مبتدأ ~~والخبر محذوف فيكون دليلا على أنه يجوز إطلاق اسم الشيء على الله تعالى، ~~وهذا لأن الشيء اسم للموجود ولا يطلق على المعدوم والله تعالى موجود ~~فيكون شيئا ولذا نقول الله تعالى شيء لا كالأشياء. ثم ابتدأ { شهيد ~~بينى وبينكم } أي هو شهيد بيني وبينكم، ويجوز أن يكون الجواب { ~~الله شهيد بيني وبينكم } لإنه إذا كان الله شهيدا بينه ~~وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له { وأوحي إلي هذا ~~القرءان لأنذركم به ومن بلغ } أي ومن بلغه ms0379 القرآن إلى ~~قيام الساعة في الحديث # " من بلغه القرآن فكأنما رأى محمد " # صلى الله عليه وسلم و «من» في محل النصب بالعطف على «كم» والمراد به أهل ~~مكة والعائد إليه محذوف أي ومن بلغه، وفاعل { بلغ } ضمير القرآن { ~~أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } ~~استفهام إنكار وتبكيت { قل لا أشهد } بما تشهدون وكرر { قل } توكيدا ~~{ إنما هو إله واحد } «ما» كافة «أن» عن العمل وهو مبتدأ و ~~{ إله } خبره و { واحد } صفة أو بمعنى الذي في محل النصب «إن» وهو مبتدأ ~~وإله خبره والجملة صلة «الذي» و { واحد } خبر «إن» وهذا الوجه أوقع { ~~وإنني بريء مما تشركون } به. # { الذين ءاتينهم الكتب } يعنى اليهود والنصارى. ~~والكتاب:التوراة والإنجيل { يعرفونه } أي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين { كما يعرفون أبناءهم ~~} بحلاهم ونعوتهم وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة ~~نبوته ثم قال { الذين خسروا أنفسهم } من المشركين ومن أهل الكتاب ~~الجاحدين { فهم لا يؤمنون } به { ومن أظلم } استفهام ~~يتضمن معنى النفي أي لا أحد أظلم لنفسه، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، ~~وأشنعه اتخاذ المخلوق معبودا { ممن افترى } اختلق { على ~~الله كذبا } فيصفه بما لا يليق به { أو كذب بئايته } ~~بالقرآن والمعجزات { إنه } إن الأمر والشأن { لا يفلح ~~الظلمون } جمعوا بين أمرين باطلين، فكذبوا على الله مالا حجة عليه ~~وكذبوا بما ثبت بالحجة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وسموا القرآن ~~والمعجزات سحرا. # { ويوم نحشرهم } هو مفعول به والتقدير: واذكر يوم نحشرهم { ~~جميعا } حال من ضمير المفعول { ثم نقول للذين أشركوا ~~} مع الله غيره توبيخا، وبالياء فيهما: يعقوب { أين شركاؤكم } ~~آلهتكم التي جعلتموها شركاء الله { الذين كنتم تزعمون } أي ~~تزعمونهم شركاء فحذف المفعولان { ثم لم تكن } وبالياء: حمزة وعلي ~~{ فتنتهم } كفرهم { إلا أن قالوا والله ربنا ما ~~كنا مشركين } يعني ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم ~~وقاتلوا عليه إلا جحوده والتبرؤ منه والحلف على الانتفاء من التدين به، ~~أو ثم لم يكم جوابهم إلا ms0380 أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب. # وبرفع الفتنة مكي وشامي وحفص؛ فمن قرأ { تكن } بالتاء ورفع الفتنة ~~فقد جعل الفتنة اسم { تكن } و { أن قالوا } الخبر أي لم تكن ~~فتنتهم إلا قولهم، ومن قرأ بالياء ونصب الفتنة جعل { أن قالوا } اسم ~~{ يكن } أي لم يكن فتنتهم إلا قولهم، ومن قرأ بالتاء ونصب الفتنة حمل ~~على المقالة: { ربنا } حمزة وعلي، على النداء أي ياربنا وغيرهما ~~بالجر على النعت من اسم الله { انظر } يامحمد { كيف كذبوا ~~على أنفسهم } بقولهم { ما كنا مشركين } قال مجاهد: إذا ~~جمع الله الخلائق ورأى المشركون سعة رحمة الله وشفاعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للمؤمنين قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل ~~التوحيد فإذا قال لهم الله: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون قالوا: والله ~~ربنا ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم { ~~وضل عنهم } وغاب عنهم { ما كانوا يفترون } إلهيته ~~وشفاعته { ومنهم من يستمع إليك } حين تتلو القرآن. روي ~~أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: والله ما أدري ما ~~يقول محمد ألا إنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن ~~القرون الماضية. فقال أبو سفيان: إني لأراه حقا فقال أبو جهل: كلا فنزلت ~~{ وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية جمع كنان وهو الغطاء ~~مثل عنان وأعنة أن يفقهوه } كراهة أن يفقهوه { وفي ءاذانهم ~~وقرا } ثقلا يمنع من السمع، ووحد الوقر لأنه مصدر وهو عطف على { ~~أكنة } وهو حجة لنا في الأصلح على المعتزلة { وإن يروا كل ~~ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجدلونك ~~يقول الذين كفروا } «حتى» هي التي تقع بعدها الجمل، والجملة ~~قوله { إذا جاؤك يقول الذين كفروا } و { يجادلونك } في موضع الحال، ويجوز ~~أن تكون جارة ويكون { إذا جاءوك } في موضع الجر بمعنى حتى وقت مجيئهم و { ~~يجادلونك } حال و { يقول الذين كفروا } تفسير له، والمعنى أنه بلغ ~~تكذيبهم الآيات إلى ms0381 أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون ~~{ إن هذآ } ما القرآن { إلا أسطير الأولين } فيجعلون ~~كلام الله أكاذيب، وواحد الأساطير أسطورة. # { وهم } أي المشركون { ينهون عنه } ينهون الناس عن القرآن أو ~~عن الرسول واتباعه والإيمان به { وينئون عنه } ويبعدون عنه ~~بأنفسهم فيضلون ويضلون { وإن يهلكون } بذلك { إلا أنفسهم ~~وما يشعرون } أي لا يتعداهم الضرر إلى غيرهم وإن كانوا يظنون أنهم ~~يضرون رسول الله وقيل: عنى به أبو طالب لأنه كان ينهى قريشا عن التعرض ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عنه فلا يؤمن به والأول أشبه. ### || [6.27-35] # { ولو ترى } حذف جوابه أي ولو ترى لشاهدت أمرا عظيما { إذ ~~وقفوا على النار } أروها حتى يعاينوها أو حبسوا على الصراط فوق ~~النار { فقالوا يليتنا نرد } إلى الدنيا تمنوا الرد الدنيا ~~ليؤمنوا وتم تمنيهم ثم ابتدأوا بقوله { ولا نكذب بئايت ~~ربنا ونكون من المؤمنين } واعدين الإيمان كأنهم قالوا: ~~ونحن لا نكذب ونؤمن. { ولا نكذب } { ونكون } حمزة وعلي وحفص ~~على جواب التمني بالواو وبإضمار «أن» ومعناه أن رددنا لم نكذب ونكن من ~~المؤمنين، وافقهما في { ونكون } شامي { بل } للإضراب عن الوفاء بما ~~تمنوا { بدا لهم } ظهر لهم { ما كانوا يخفون } من الناس { ~~من قبل } في الدنيا من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم. وقيل: هو في ~~المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه، أو في أهل الكتاب وأنه ~~يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ولو ردوا } إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار { لعدوا لما ~~نهوا عنه } من الكفر { وإنهم لكذبون } فيما وعدوا من ~~أنفسهم لا يوفون به { وقالوا } عطف على { لعدوا } أي ولو ردوا ~~لكفروا ولقالوا { إن هي إلا حياتنا الدنيا } كما كانوا ~~يقولون قبل معاينة القيامة، أو على قوله { وإنهم لكذبون } ~~أي وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا إن إلا حياتنا الدنيا ~~وهي كناية عن الحياة، أو هو ضمير القصة { وما نحن بمبعوثين }. # { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } مجاز عن الحبس ~~للتوبيخ ms0382 والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه، أو وقفوا ~~على جزاء ربهم { قال } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ماذا قال لهم ربهم إذ ~~وقفوا عليه؟ فقيل: قال { أليس هذا } أي البعث { بالحق } ~~بالكائن الموجود وهذا تعيير لهم على التكذيب للبعث. وقولهم لما كانوا ~~يسمعون من حديث البعث ما هو بحق { قالوا بلى وربنا } أقروا و ~~أكدوا الإقرار باليمين { قال } الله تعالى { فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون } بكفركم. # { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ببلوغ الآخرة ~~وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره لأن منكر البعث منكر للرؤية { ~~حتى } غاية ل { كذبوا } لا ل { خسر } لأن خسرانهم لا غاية له ~~{ إذا جاءتهم الساعة } أي القيامة لأن مدة تأخرها مع تابد ما ~~بعدها كساعة واحدة { بغتة } فجأة وانتصابها على الحال يعني باغتة، أو ~~على المصدر كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة وهي ورود الشيء على صاحبه من ~~غير علمه بوقته { قالوا يحسرتنا } نداء تفجع معناه ياحسرة احضري ~~فهذا أوانك { على ما فرطنا } قصرنا { فيها } في الحياة الدنيا ~~أو في الساعة أي قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها { وهم يحملون ~~أوزارهم } آثامهم { على ظهورهم } خص الظهر لأن المعهود حمل ~~الأثقال على الظهور كما عهد الكسب بالأيدي، وهو مجاز عن اللزوم على وجه ~~لا يفارقهم. # وقيل: إن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحا ~~فيقول: أنا عملك السيء فطالما ركبتني في الدنيا وأنا أركبك اليوم { ألا ~~ساء ما يزرون } بئس شيئا يحملونه، وأفاد «ألا» تعظيم ما يذكر ~~بعده { وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو } جواب ~~لقولهم { إن هى إلا حياتنا الدنيا } واللعب ترك ما ينفع ~~بما لا ينفع، واللهو الميل عن الجد إلى الهزل. قيل: ما أهل الحياة الدنيا ~~إلا أهل لعب ولهو. وقيل: ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو لا تعقب ~~منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة { وللدار } مبتدأ { ~~الآخرة } صفتها: { ولدار الآخرة } بالإضافة: شامي. أي ولدار ~~الساعة الآخرة لأن الشيء لا يضاف إلى صفته. ms0383 وخبر المبتدأ على القراءتين { ~~خير للذين يتقون } وفيه دليل على أن ما سوى أعمال المتقين ~~لعب ولهو { أفلا تعقلون } بالتاء: مدني وحفص. # ولما قال أبو جهل: ما نكذبك يا محمد وإنك عندنا لمصدق وإنما نكذب ما ~~جئتنا به نزل { قد نعلم إنه } الهاء ضمير الشأن { ليحزنك ~~الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك } لا ينسبونك إلى ~~الكذب. وبالتخفيف: نافع وعلى من أكذبه إذا وجده كاذبا { ولكن ~~الظلمين بآيت الله يجحدون } من أقامة الظاهر مقام ~~المضمر، وفيه دلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والتاء يتعلق ب { ~~يجحدون } أو ب { الظلمين } كقوله { فظلموا بها } ~~[الاعراف: 103] والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق ~~بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله، لأن تكذيب ~~الرسول تكذيب المرسل. { ولقد كذبت رسل من قبلك } تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على أن قوله { فإنهم لا ~~يكذبونك } ليس بنفي لتكذيبه وإنما هو من قولك لغلامك إذا أهانه بعض ~~الناس «إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني» { فصبروا } والصبر حبس النفس ~~على المكروه { على ما كذبوا وأوذوا } على تكذيبهم وإيذائهم ~~{ حتى أتهم نصرنا ولا مبدل لكلمت الله } ~~لمواعيده من قوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات: 171، 172] # إنا لننصر رسلنا # [غافر: 51] { ولقد جآءك من نبإى المرسلين } بعض ~~أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين، وأجاز الأخفش أن تكون ~~«من» زائدة والفاعل { نبإ المرسلين } وسيبويه لا يجيز زيادتها ~~في الواجب كان يكبر على النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم ويحب ~~مجيء الآيات ليسلموا فنزل { وإن كان كبر عليك } عظم وشق { ~~إعراضهم } عن الإسلام { فإن استطعت أن تبتغي نفقا ~~} منفذا تنفيذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها { فى ~~الأرض } صفة ل { نفقا } { أو سلما في السماء ~~فتأتيهم } منها { بئاية } فافعل، وهو جواب { فإن ~~استطعت } و { إن استطعتم } وجوابها جواب { وإن كان ~~كبر } والمعنى إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه ~~وأنه لو استطاع أن يأتيهم ms0384 بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها ~~رجاء إيمانهم { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ~~لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن ~~يجمعهم على ذلك كذا قاله الشيخ أبو منصور رحمه الله { فلا تكونن ~~من الجهلين } من الذين يجهلون ذلك. # ثم أخبر أن حرصه على هدايتهم لا ينفع لعدم سمعهم كالموتى بقوله: ### || [6.36-41] # { إنما يستجيب الذين يسمعون } أي إنما يجيب دعاءك ~~الذين يسمعون دعاءك بقلوبهم { والموتى } مبتدأ إي الكفار { ~~يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } فحينئذ يسمعون وأما ~~قبل ذلك فلا { وقالوا لولا نزل عليه } هلا أنزل عليه { ~~ءاية من ربه } كما نقترح من جعل الصفا ذهبا وتوسيع أرض مكة ~~وتفجير الأنهار خلالها { قل إن الله قادر على أن ~~ينزل ءاية } كما اقترحوا { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } إن الله قادر على أن ينزل تلك الآية، أو لا يعلمون ما ~~عليهم في الآية من البلاء لو أنزلت { وما من دابة } هي اسم لما ~~يدب وتقع على المذكر والمؤنث { في الأرض } في موضع جر صفة ل { ~~دابة } { ولا طائر يطير بجناحيه } قيد الطيران ~~بالجناحين لنفي المجاز لأن غير الطائر قد يقال فيه طار إذا أسرع { إلا ~~أمم أمثلكم } في الخلق والموت والبعث والاحتياج إلى مدبر يدبر ~~أمرها { ما فرطنا } ما تركنا { في الكتب } في اللوح ~~المحفوظ { من شيء } من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت، أو ~~الكتاب القرآن. وقوله { من شيء } أي من شيء يحتاجون إليه فهو مشتمل ~~على ما تعبدنا به عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء { ثم إلى ربهم ~~يحشرون } يعني الأمم كلها من الدواب والطيور فينصف بعضها من بعض كما ~~روي أنه يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا. وإنما قال { ~~إلا أمم } مع إفراد الدابة والطائر لمعنى الاستغراق فيهما. ولما ~~ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته قال { ~~والذين كذبوا بايتنا صم } لا يسمعون كلام المنبه { ~~وبكم } لا ينطقون بالحق خابطون { في الظلمت } أي ms0385 ظلمة الجهل ~~والحيرة والكفر، غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه. { صم وبكم } خبر ~~{ الذين } ودخول الواو لا يمنع من ذلك، و { في الظلمت } خبر ~~آخر. ثم قال إيذانا بأنه فعال لما يريد { من يشأ الله يضلله ~~} أي من يشأ الله ضلاله يضلله { ومن يشأ يجعله على صرط ~~مستقيم } وفيه دلالة خلق الأفعال وإرادة المعاصي ونفي الأصلح. # { قل أرءيتكم } وبتليين الهمزة: مدني، وبتركه: علي، ومعناه هل ~~علمتم أن الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم، والضمير الثاني لا محل ~~له من الإعراب والتاء ضمير الفاعل ومتعلق الاستخبار محذوف تقديره أرأيتكم ~~{ إن أتكم عذاب الله أو أتتكم الساعة } من ~~تدعون. ثم بكتهم بقوله { أغير الله تدعون } أي أتخصون آلهتكم ~~بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أم تدعون الله دونها { إن كنتم ~~صدقين } في أن الأصنام آلهة فادعوها لتخلصكم { بل إيه ~~تدعون } بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة { فيكشف ما تدعون ~~إليه } أي ما تدعونه إلى كشفه { إن شاء } إن أراد أن يتفضل عليكم ~~{ وتنسون ما تشركون } وتتركون آلهتكم، أو لا تذكرون آلهتكم في ~~ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر ربكم وحده إذ هو القادر على كشف الضر ~~دون غيره، ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله { أغير الله تدعون ~~} كأنه قيل: أرأيتكم أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله. ### || [6.42-55] # { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } رسلا فالمفعول ~~محذوف فكذبوهم { فأخذنهم بالبأساء والضراء } بالبؤس ~~والضر، والأول القحط والجوع والثاني المرض ونقصان الأنفس والأموال { ~~لعلهم يتضرعون } يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم ~~فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد. # { فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } أي هلا تضرعوا ~~بالتوبة ومعناه نفي التضرع كأنه قيل: يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء ~~ب «لولا» ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم { ~~ولكن قست قلوبهم } فلم يزجروا بما ابتلوا به { وزين ~~لهم الشيطن ما كانوا يعملون } وصاروا معجبين بأعمالهم ~~التي زينها الشيطان لهم { فلما نسوا ما ذكروا به } من ~~البأساء والضراء أي تركوا الاتعاظ به ولم يزجرهم ms0386 { فتحنا عليهم ~~أبوب كل شيء } من الصحة والسعة وصنوف النعمة { فتحنا } ~~شامي { حتى إذا فرحوا بما أوتوا } من الخير والنعمة { ~~أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون } آيسون متحسرون ~~وأصله الإطراق حزنا لما أصابه أو ندما على مافاته و «إذا» للمفاجأة { ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي أهلكوا عن آخرهم ~~ولم يترك منهم أحد { والحمد لله رب العلمين } إيذان ~~بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم وأجزل القسم، أو ~~احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله. # ثم دل على قدرته وتوحيده بقوله { قل أرءيتم إن أخذ الله ~~سمعكم وأبصركم } بأن أصمكم وأعماكم { وختم على ~~قلوبكم } فسلب العقول والتمييز { من إله غير الله ~~يأتيكم به } بما أخذ وختم عليه. { من } رفع بالابتداء و { ~~إله } خبره و { غير } صفة ل { إله } وكذا { يأتيكم } ~~والجملة في موضع مفعولي { أرءيتم } وجواب الشرط محذوف { انظر ~~كيف نصرف } لهم { الآيت } نكررها { ثم هم يصدفون } ~~يعرضون عن الآيات بعد ظهورها، والصدوف الإعراض عن الشيء { قل ~~أرأيتكم إن أتكم عذاب الله بغتة } بأن لم تظهر ~~أماراته { أو جهرة } بأن ظهرت أماراته. وعن الحسن: ليلا أو نهارا ~~{ هل يهلك إلا القوم الظلمون } ما يهلك هلاك تعذيب ~~وسخط إلا الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم { وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } بالجنان والنيران ~~للمؤمنين والكفار، ولن نرسلهم ليقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم ~~بالبراهين القاطعة والأدلة الساطعة { فمن ءامن وأصلح } أي ~~داوم على إيمانه { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فلا ~~خوف يعقوب. # { والذين كذبوا بئايتنا يمسهم العذاب } جعل ~~العذاب ماسا كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام { بما كانوا ~~يفسقون } بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى بالكفر { قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله } أي قسمه بين الخلق وأرزاقه، ~~ومحل { ولا أعلم الغيب } النصب عطفا على محل { عندي ~~خزائن الله } لأنه من جملة المقول كأنه قال: لا أقول لكم هذا ~~القول ولا هذا القول { ولآ أقول لكم إني ملك } أي لا أدعي ما ~~يستبعد في العقول ms0387 أن يكون لبشر من ملك خزائن الله وعلم الغيب ودعوى ~~الملكية، وإنما أدعي ما كان لكثير من البشر وهو النبوة { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلى } أي ما أخبركم إلا بما أنزل الله علي { قل ~~هل يستوي الأعمى والبصير } مثل للضال والمهتدي، أو لمن ~~اتبع ما يوحى إليه ومن لم يتبع، أو لمن يدعي المستقيم وهو النبوة والمحال ~~وهو الإلهية { أفلا تتفكرون } فلا تكونوا ضالين أشباه العميان ~~أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر، أو فتعلموا أن اتباع ما يوحى ~~إلي مما لا بد لي منه، { وأنذر به } بما يوحى { الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم } هم المسلمون المقرون ~~بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه، أو أهل الكتاب ~~لأنهم مقرون بالبعث { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~} في موضع الحال من { يحشروا } أي يخافون أن يحشروا غير منصورين و ~~لا مشفوعا لهم { لعلهم يتقون } يدخلون في زمرة أهل التقوى. # ولما أمر النبي عليه السلام بإنذار غير المتقين ليتقوا، أمر بعد ذلك ~~بتقريب المتقين ونهى عن طردهم بقوله: # { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون ~~عليها. والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام، أو معناه يصلون صلاة الصبح ~~والعصر أو الصلوات الخمس. { بالغدوة } شامي. ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم ~~بقوله { يريدون وجهه } فالوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته، ~~نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين: لو ~~طردت هؤلاء السقاط لجالسناك. فقال عليه السلام: # " ما أنا بطارد المؤمنين " # فقالوا: اجعل لنا يوما ولهم يوما وطلبوا بذلك كتابا فدعا عليا رضي ~~الله عنه ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية فنزلت، فرمى عليه الصلاة ~~والسلام بالصحيفة وأتى الفقراء فعانقهم { ما عليك من حسابهم ~~من شيء } كقوله # إن حسابهم إلا على ربي # [الشعراء: 113] { وما من حسابك عليهم من شيء } وذلك ~~أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم فقال: حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم ~~إليك كما أن حسابك عليك لا ms0388 يتعداك إليهم { فتطردهم } جواب النفي ~~وهو { ما عليك من حسابهم } { فتكون من الظلمين ~~} جواب النهي وهو { ولا تطرد } ويجوز أن يكون عطفا على { ~~فتطردهم } على وجه التسبيب لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم { ~~وكذلك فتنا بعضهم ببعض } ومثل ذلك الفتن العظيم ~~ابتليتا الأغنياء بالفقراء { ليقولوا } أي الأغنياء { أهؤلآء ~~من الله عليهم من بيننا } أي أنعم الله عليهم بالإيمان ~~ونحن المقدمون والرؤساء وهم الفقراء إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحق ~~وممنونا عليهم من بينهم بالخير ونحوه # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # [الأحقاف: 11] { أليس الله بأعلم بالشكرين } بمن ~~يشكر نعمته. # { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل ~~سلم عليكم } إما أن يكون أمرا بتبليغ سلام الله إليهم، وإما ~~أن يكون أمرا بأن يبدأهم بالسلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم. وكذا ~~قوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } من جملة ما يقول ~~لهم ليبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم ومعناه وعدكم بالرحمة ~~وعدا مؤكدا { أنه } الضمير للشأن { من عمل منكم سوءا } ~~ذنبا { بجهالة } في موضع الحال أي عمله وهو جاهل بما يتعلق به من ~~المضرة، أو جعل جاهلا لإيثاره المعصية على الطاعة { ثم تاب من ~~بعده } من بعد السوء أو العمل { وأصلح } أخلص توبته { فأنه ~~غفور رحيم } { أنه } { فإنه } شامي وعاصم. الأول بدل ~~الرحمة، والثاني خبر مبتدأ محذوف أي فشأنه أنه غفور رحيم. { أنه } { ~~فإنه } مدني الأول بدل الرحمة، والثاني مبتدأ. { إنه } { ~~فإنه } غيرهم على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ~~منكم { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين } وبالياء: حمزة وعلي وأبو ~~بكر { سبيل المجرمين } بالنصب: مدني. غيره: بالرفع. فرفع السبيل ~~مع التاء والياء لأنها تذكر وتؤنث، ونصب السبيل مع التاء على خطاب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يقال استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته، والمعنى ~~ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين ~~من هو مطبوع على قلبه ومن يرجى إسلامه ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلا منهم ~~بما يجب أن يعامل به فصلنا ذلك التفصيل. ### || [6.56-67] # { قل إنى نهيت أن أعبد ms0389 الذين تدعون من دون ~~الله } أي صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون ~~الله { قل لا أتبع أهواءكم } أي لا أجري في طريقتكم التي ~~سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيان سبب الذي ~~منه وقعوا في الضلال { قد ضللت إذا } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ~~ضال { وما أنا من المهتدين } وما أنا من المهتدين في شيء ~~يعني أنكم كذلك ولما نفي أن يكون الهوى متبعا نبه على ما يجب اتباعه ~~بقوله { قل إني على بينة من ربي } أي إني من معرفة ربي ~~وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة { وكذبتم به } حيث أشركتم به ~~غيره. وقيل: على بينة من ربي على حجة من جهة ربي وهو القرآن وكذبتم به ~~بالبينة، وذكر الضمير على تأويل البرهان أو البيان أو القرآن. ثم عقبه ~~بما دل على أنهم أحقاء بأن يعاقبوا بالعذاب فقال { ما عندى ما ~~تستعجلون به } يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال: 32] { إن الحكم إلا لله } في تأخير عذابكم { ~~يقص الحق } حجازي وعاصم أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ~~ويقدره من قص أثره. الباقون { يقض الحق } في كل ما يقضي من التأخير ~~والتعجيل، والحق صفة لمصدر يقضي وقوله { وهو خير الفصلين } ~~أي القاضين بالقضاء الحق إذ الفصل هو القضاء، وسقوط الياء من الخط لاتباع ~~اللفظ لالتقاء الساكنين { قل لو أن عندى } أي في قدرتي وإمكاني ~~{ ما تستعجلون به } من العذاب { لقضي الأمر بيني ~~وبينكم } لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي { والله أعلم ~~بالظلمين } فهو ينزل عليكم العذاب في وقت يعلم أنه أردع. # { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } المفاتح ~~جمع مفتح وهو المفتاح، أو هي خزائن العذاب والرزق، أو ما غاب عن العباد ~~من الثواب والعقاب والآجال والأحوال. جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة ~~لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق ~~والأقفال، ومن علم مفاتحها وكيفية فتحها توصل إليها فأراد أنه هو المتوصل ms0390 ~~إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ~~ويعلم فتحها فهو المتوصل إلى ما في المخازن. قيل: عنده مفاتح الغيب وعندك ~~مفاتح الغيب، فمن آمن بغيبه أسبل الله الستر على عيبه { ويعلم ما ~~في البر } من النبات والدواب { والبحر } من الحيوان والجواهر ~~وغيرهما { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } «ما» للنفي ~~و «من» للاستغراق أي يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده { ولا ~~حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس } عطف على { ~~ورقة } وداخل في حكمها وقوله { إلا في كتب مبين } ~~كالتكرير لقوله { إلا يعلمها } لأن معنى { إلا يعلمها } ~~ومعنى { إلا فى كتب مبين } واحد وهو علم الله أو اللوح. # ثم خاطب الكفرة بقوله { وهو الذي يتوفكم باليل } أي ~~يقبض أنفسكم عن التصرف بالتمام في المنام { ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار } كسبتم فيه من الآثام { ثم يبعثكم فيه } ثم ~~يوقظكم في النهار، أو التقدير ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه ~~فقدم الكسب لأنه أهم، وليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا ~~يتوفانا بالنهار فدل أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه { ~~ليقضى أجل مسمى } لتوفى الآجال على الاستكمال { ثم ~~إليه مرجعكم } رجوعكم بالبعث بعد الموت { ثم ينبئكم ~~بما كنتم تعملون } في ليلكم ونهاركم. قال بعض أهل الكلام: أن ~~لكل حاسة من هذه الحواس روحا تقبض عند النوم ثم ترد إليها إذا ذهب ~~النوم، فأما الروح التي تحيا بها النفس فإنها لا تقبض إلا عند انقضاء ~~الأجل. والمراد بالأرواح المعاني والقوى التي تقوم بالحواس ويكون بها ~~السمع والبصر والأخذ والمشي والشم. ومعنى { ثم يبعثكم فيه } ~~أي يوقظم ويرد إليكم أرواح الحواس فيستدل به على منكري البعث لأنه بالنوم ~~يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها فكذا يحيي الأنفس بعد موتها. # { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } ~~ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون ليكون ذلك أزجر للعباد عن ~~ارتكاب الفساد إذا تفكروا أن صحائفهم تقرأ على رؤوس الأشهاد { حتى ms0391 ~~إذا جاء أحدكم الموت } «حتى» لغاية حفظ الأعمال أي وذلك دأب ~~الملائكة مع المكلف مدة الحياة إلى أن يأتيه الممات { توفته ~~رسلنا } أي استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه { توفيه } و { استوفيه ~~} بالإمالة: حمزة { رسلنا } أبو عمرو { وهم لا يفرطون } لا ~~يتوانون ولا يؤخرون { ثم ردوا إلى الله } إلى حكمه وجزائه ~~أي رد المتوفون برد الملائكة { مولهم } مالكهم الذي يلي عليهم ~~أمورهم { الحق } العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وهما صفتان لله { ~~ألا له الحكم } يومئذ لا حكم فيه لغيره { وهو أسرع ~~الحسبين } لا يشغله حساب عن حساب يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب ~~شاة وقيل: الرد إلى من رباك خير من البقاء مع من آذاك. # { قل من ينجيكم } { ينجيكم } ابن عباس { من ~~ظلمت البر والبحر } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما، أو ظلمات ~~البر الصواعق والبحر الأمواج وكلاهما في الغيم والليل { تدعونه } ~~حال من ضمير المفعول في { ينجيكم } { تضرعا } معلنين الضراعة ~~وهو مصدر في موضع الحال، وكذا { وخفية } أي مسرين في أنفسكم { خفية ~~} حيث كان: أبو بكر وهما لغتان { وخفية لئن أنجنا } عاصم ~~وبالإمالة حمزة وعلي. # الباقون { أنجيتنا } والمعنى يقولون لئن خلصنا { من هذه } ~~الظلمات { لنكونن من الشكرين } لله تعالى { قل الله ~~ينجيكم } بالتشديد كوفي { منها } من الظلمات { ومن كل ~~كرب } وغم وحزن { ثم أنتم تشركون } ولا تشكرون. # { قل هو القادر } هو الذي عرفتموه قادرا أو هو الكامل القدرة ~~فاللام يحتمل العهد والجنس { على أن يبعث عليكم عذابا ~~من فوقكم } كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة { أو ~~من تحت أرجلكم } كما غرق فرعون وخسف بقارون، أو من قبل ~~سلاطينكم وسفلتكم، أو هو حبس المطر والنبات { أو يلبسكم شيعا ~~} أو يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ~~ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال { ~~ويذيق بعضكم بأس بعض } يقتل بعضكم بعضا. والبأس السيف ~~وعنه عليه الصلاة والسلام # " سألت الله تعالى أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت ms0392 أرجلهم ~~فأعطاني ذلك أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي ~~بالسيف " # { انظر كيف نصرف الآيت } بالوعد والوعيد { لعلهم ~~يفقهون * وكذب به } بالقرآن أو بالعذاب { قومك } قريش { ~~وهو الحق } أي الصدق أو لا بد أن ينزل بهم { قل لست ~~عليكم بوكيل } بحفيظ وكل إلي أمركم إنما أنا منذر { لكل ~~نباء } لكل شيء ينبأ به يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به { ~~مستقر } وقت استقرار وحصول لا بد منه { وسوف تعلمون } ~~تهديد. ### || [6.68-82] # { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءايتنا } أي القرآن ~~يعني يخوضون فى الاستهزاء بها والطعن فيها، وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ~~ذلك { فأعرض عنهم } ولا تجالسهم وقم عنهم { حتى يخوضوا ~~في حديث غيره } غير القرآن مما يحل فحينئذ يجوز أن تجالسهم { ~~وإما ينسينك الشيطن } ما نهيت عنه { ينسينك } ~~شامي نسي وأنسى واحد { فلا تقعد بعد الذكرى } بعد أن تذكر ~~{ مع القوم الظلمين * وما على الذين يتقون ~~من حسابهم } من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيبا ~~واستهزاء { من شيء } أي وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما ~~يحاسبون عليه من ذنوبهم { ولكن } عليهم أن يذكروهم { ذكرى } إذا ~~سمعوهم يخوضون بالقيام عنهم وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم. ومحل { ذكرى ~~} نصب أي ولكن يذكرونهم ذكرى أي تذكيرا، أورفع والتقدير ولكن عليهم ~~ذكرى؛ { ذكرى } مبتدأ والخبر محذوف. # { لعلهم يتقون } لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم ~~{ وذر الذين اتخذوا دينهم } الذي كلفوه ودعوا إليه وهو ~~دين الإسلام { لعبا ولهوا } سخروا به واستهزءوا. ومعنى { ذرهم ~~} أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، واللهو ما يشغل الإنسان من ~~هوى أو طرب { وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به } وعظ ~~بالقرآن { أن تبسل نفس بما كسبت } مخافة أن تسلم إلى ~~الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها، وأصل الإبسال المنع { ليس لها ~~من دون الله ولي } ينصرها بالقوة { ولا شفيع } يدفع عنها ~~بالمسألة. ولا وقف على { كسبت } في الصحيح لأن قوله { ليس لها } ~~صفة لنفس والمعنى وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة وليا وشفيعا ~~بكسبها { وإن تعدل كل ms0393 عدل } نصب على المصدر وإن تفد كل فداء، ~~والعدل الفدية لأن الفادي يعدل المفدي بمثله، وفاعل { لا يؤخذ ~~منها } لا ضمير العدل لأن العدل هنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ، وأما ~~في قوله { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] فبمعنى المفدى ~~به فصح إسناده إليه { أولئك } إشارة إلى المتخذين من دينهم لعبا ~~ولهوا وهو مبتدأ والخبر { الذين أبسلوا بما كسبوا } ~~وقوله { لهم شراب من حميم } أي ماء سخين حار خبر ثان ل { ~~أولئك } والتقدير: أولئك المبسلون ثابت لهم شراب من حميم أو ~~مستأنف. { وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } بكفرهم. # { قل } لأبي بكر يقل لابنه عبد الرحمن وكان يدعو أباه إلى عبادة ~~الأوثان { أندعوا } أنعبد { من دون الله } الضار النافع { ما ~~لا ينفعنا } ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه { ولا يضرنا } ~~إن تركنا { ونرد } وأنرد { على أعقبنا } راجعين إلى الشرك ~~{ بعد إذ هدنا الله } للإسلام وأنقذنا من عبادة الأصنام { ~~كالذي استهوته الشيطين } كالذي ذهبت به الغيلان ومردة ~~الجن. # والكاف في محل النصب على الحال من الضمير في { نرد على ~~أعقبنا } أي أننكص مشبهين من استهوته الشياطين وهو استفعال من هوى ~~في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه { في الأرض } في المهمه { ~~حيران } حال من مفعول { استهوته } أي تائها ضالا عن الجادة ~~لا يدري كيف يصنع { له } لهذا المستهوي { أصحب } رفقة { ~~يدعونه إلى الهدى } إلى أن يهدوه الطريق. سمي الطريق المستقيم ~~بالهدى يقولون له { ائتنا } وقد اعتسف المهمة تابعا للجن لا يجيبهم ~~ولا يأتيهم، وهذا مبني على ما يقال إن الجن تستهوي الإنسان، والغيلان ~~تستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، ~~والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم { قل إن هدى الله } وهو ~~الإسلام { هو الهدى } وحده وما وراءه ضلال { وأمرنا } محله ~~النصب بالعطف على محل { إن هدى الله هو الهدى } على أنهما ~~مقولان كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا { لنسلم لرب ~~العلمين * وأن أقيموا الصلوة } والتقدير: وأمرنا لأن ~~نسلم ولأن أقيموا أي للإسلام ولإقامة الصلاة ms0394 { واتقوه وهو ~~الذي إليه تحشرون } يوم القيامة { وهو الذي خلق ~~السموت والأرض بالحق } بالحكمة أو محقا { ويوم ~~يقول كن فيكون } على الخبر دون الجواب { قوله الحق } ~~مبتدأ و { يوم يقول } خبره مقدما عليه كما تقول «يوم الجمعة قولك ~~الصدق» أي قولك الصدق كائن يوم الجمعة واليوم بمعنى الحين. والمعنى أنه ~~خلق السماوات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ~~ذلك الشيء، قوله الحق والحكمة أي لا يكون شيئا من السماوات والأرض ~~وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب { وله الملك } مبتدأ وخبر { ~~يوم ينفخ } ظرف لقوله { وله الملك } { في الصور } هو ~~القرن بلغة اليمن أو جمع صورة { علم الغيب } هو عالم الغيب { ~~والشهدة } أي السر والعلانية { وهو الحكيم } في الإفناء ~~والإحياء { الخبير } بالحساب والجزاء. # { وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر } هو اسم أبيه أو لقبه ~~لأنه لا خلاف بين النسابين أن اسم أبيه تارخ، وهو عطف بيان لأبيه وزنه ~~فاعل { أتتخذ أصناما ءالهة } استفهام توبيخ أي أتتخذها ~~آلهة وهي لا تستحق الإلهية { إني أراك وقومك في ضلل ~~مبين * وكذلك } أي وكما أريناه قبح الشرك { نري إبرهيم ~~ملكوت السموت والأرض } أي نري بصيرته لطائف خلق السماوات ~~والأرض، ونرى حكاية حال ماضية. والملكوت أبلغ من الملك لأن الواو والتاء ~~تزادان للمبالغة. # قال مجاهد: فرجت له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى نظره إلى ~~العرش، وفرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى ما فيهن { وليكون من ~~الموقنين } فعلنا ذلك أو ليستدل، وليكون من الموقنين عيانا كما ~~أيقن بيانا { فلما جن عليه اليل } أي أظلم وهو عطف على { ~~قال إبرهيم لأبيه } وقوله: { وكذلك نري إبرهيم } ~~جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه { رءا كوكبا } أي الزهرة ~~أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، ~~فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر ~~والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها ليس بإله ~~لقيام دليل الحدوث فيها، ولأن لها محدثا أحدثها ومدبرا دبر طلوعها ~~وأفولها ms0395 وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. فلما رأى الكوكب الذي كانوا ~~يعبدونه { قال هذا ربي } أي قال لهم هذا ربي في زعمكم، أو المراد ~~أهذا استهزاء بهم وإنكارا عليهم، والعرب تكتفي عن حرب الاستفهام بنغمة ~~الصوت. والصحيح أن هذا قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكي قوله كما ~~هو غير متعصب لمذهبه لأنه أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكر عليه بعد ~~حكايته فيبطله بالحجة { فلما أفل } غاب { قال لا أحب ~~الآفلين } أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال لأن ذلك ~~من صفات الأجسام { فلما رءا القمر بازغا } مبتدئا في ~~الطلوع { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضآلين } نبه قومه على ~~أن من اتخذ القمر إلها فهو ضال، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ ~~وكلاهما انتقال من حال إلى حال لأن الاحتجاج به أظهر لأنه انتقال مع خفاء ~~واحتجاب { فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي } ~~وإنما ذكره لأنه أراد الطالع، أو لأنه جعل المبتدأ مثل الخبر لأنهما شيء ~~واحد معنى، وفيه صيانة الرب عن شبهة التأنيث ولهذا قالوا في صفات الله ~~تعالى علام ولم يقولوا علامة وإن كان الثاني أبلغ تفاديا من علامة ~~التأنيث { هذا أكبر } من باب استعمال النصفة أيضا مع خصومه { ~~فلمآ أفلت قال يقوم إني برىء مما تشركون } من ~~الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها. وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في ~~نفسه فحكاه الله تعالى، والأول أظهر لقوله { يقوم إني برىء ~~مما تشركون } { إنى وجهت وجهي للذى فطر ~~السموت والأرض } أي للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها { ~~حنيفا } حال أي مائلا عن الأديان كلها إلى الإسلام { وما أنا ~~من المشركين } بالله شيئا من خلقه. # { وحاجه قومه } في توحيد الله تعالى ونفى الشركاء عنه { قال ~~أتحآجوني في الله } في توحيده. # { أتحاجوني } مدني وابن ذكوان { وقد هدن } إلى التوحيد، ~~وبالياء في الوصل: أبو عمرو. ولما خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء قال { ~~ولا أخاف ما تشركون به إلا ms0396 أن يشاء ربي شيئا } ~~أي لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا ~~إذا شاء ربي أن يصيبني منها بضر، فهو قادر على أن يجعل فيما شاء نفعا ~~وفيما شاء ضرا لا الأصنام { وسع ربي كل شيء علما } فلا ~~يصيب عبدا شيء من ضر أو نفع إلا بعلمه { أفلا تتذكرون } ~~فتميزوا بين القادر والعاجز { وكيف أخاف ما أشركتم } ~~معبوداتكم وهي مأمونة الخوف { ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به } بإشراكه { عليكم سلطنا } ~~حجة إذ # الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، والمعنى وما لكم تنكرون علي الأمن في ~~موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف { فأي ~~الفريقين } أي فريقي الموحدين والمشركين { أحق بالأمن } من ~~العذاب { إن كنتم تعلمون } ولم يقل «فأينا» احترازا من تزكية ~~نفسه، ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله { الذين ءامنوا ولم ~~يلبسوا إيمنهم بظلم } بشرك عن الصديق رضي الله عنه { ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } تم كلام إبراهيم ~~عليه السلام. ### || [6.83-92] # { وتلك حجتنا } إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام ~~على قومه من قوله { فلما جن عليه اليل } إلى قوله # وهم مهتدون # { ءاتينها إبرهيم على قومه } وهو خبر بعد خبر { ~~نرفع درجت من نشاء } في العلم والحكمة وبالتنوين كوفي ~~وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح { إن ربك حكيم } بالرفع { ~~عليم } بالأهل. # { ووهبنا له } لإبراهيم { إسحق ويعقوب كلا ~~هدينا } أي كلهم وانتصب { كلا } ب { هدينا } { ونوحا ~~هدينا } أي وهدينا نوحا { من قبل } من قبل إبراهيم { ومن ~~ذريته } الضمير لنوح أو لإبراهيم، والأول أظهر لأن يونس ولوطا لم ~~يكونا من ذرية إبراهيم { داود وسليمن وأيوب ويوسف ~~وموسى وهرون } والتقدير: وهدينا من ذريته هؤلاء { وكذلك ~~نجزي المحسنين } ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك، فالكاف في موضع ~~نصب نعت لمصدر محذوف { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ~~كل } أي كلهم { من الصلحين } وذكر عيسى معهم دليل على أن ~~النسب يثبت من قبل الأم أيضا لأنه جعله من ذرية نوح عليه السلام ms0397 وهو لا ~~يتصل به إلا بالأم، وبذا أجيب الحجاج حين أنكر أن يكون بنو فاطمة أولاد ~~النبي عليه السلام { وإسمعيل واليسع } { والليسع } حيث كان ~~بلامين: حمزة وعلي { واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العلمين } بالنبوة والرسالة { ومن ءابائهم } في ~~موضع النصب عطفا على { كلا } أي وفضلنا بعض آبائهم { ~~وذريتهم وإخونهم واجتبينهم وهدينهم ~~إلى صرط مستقيم * ذلك } أي ما دان به هؤلاء المذكورون { ~~هدى الله } دين الله { يهدي به من يشاء من عباده } ~~فيه نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون إن الله شاء هداية الخلق كلهم لكنهم ~~لم يهتدوا { ولو أشركوا } مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من ~~الدرجات العلى { لحبط عنهم ما كانوا يعملون } لبطلت ~~أعمالهم كما قال # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] # أولئك الذين ءاتينهم الكتب } يريد الجنس { ~~والحكم } والحكمة أو فهم الكتاب { والنبوة } وهي أعلى مراتب ~~البشر { فإن يكفر بها } بالكتاب والحكم والنبوة أو بآيات القرآن ~~{ هؤلآء } أي أهل مكة { فقد وكلنا بها قوما } هم ~~الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: { أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده } أو أصحاب النبي عليه السلام، ~~أوكل من آمن به أو العجم. ومعنى توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها ~~والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه. ~~والباء في { ليسوا بها } صلة { كفرين } وفي { بكفرين ~~} لتأكيد النفي { أولئك الذين هدى الله } أي الأنبياء ~~الذين مر ذكرهم { فبهداهم اقتده } فاختص هداهم بالاقتداء ولا ~~تقتد إلا بهم، وهذا معنى تقديم المفعول. # والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون ~~الشرائع فهي مختلفة، والهاء في { اقتده } للوقف تسقط في الوصل، ~~واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف ويحذفها حمزة. وعلى في الوصل ~~ويختلسها: شامي. { قل لا أسئلكم عليه } على الوحي أو على ~~تبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد { أجرا } جعلا. وفيه دليل على أن ~~أخذ الأجر على تعليم القرآن ورواية الحديث لا يجوز { إن هو إلا ~~ذكرى للعلمين } ما القرآن إلا عظة للجن والإنس { وما ~~قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما ms0398 أنزل الله ~~على بشر من شيء } أي ما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده ~~حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم، وذلك من أعظم رحمته # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # [الأنبياء: 107] روي أن جماعة من اليهود منهم مالك بن الصيف كانوا ~~يجادلون النبي عليه السلام فقال النبي عليه السلام له # " أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " # قال: نعم. قال: # " فأنت الحبر السمين " # فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. و { حق قدره } منصوب ~~نصب المصدر. # { قل من أنزل الكتب الذى جاء به موسى نورا } ~~حال من الضمير في { به } أو { من الكتب } { وهدى ~~للناس تجعلونه قرطيس تبدونها وتخفون كثيرا } ~~مما فيه نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعضوه وجعلوه قراطيس مقطعة ~~وورقات مفرقة ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء. وبالياء في ~~الثلاثة: مكي وأبو عمرو { وعلمتم } يا أهل الكتاب بالكتاب { ما ~~لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم } من أمور دينكم ودنياكم { ~~قل الله } جواب أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون أن يناكروك { ثم ~~ذرهم في خوضهم } في باطلهم الذي يخوضون فيه { يلعبون } ~~حال من { ذرهم } أو { من خوضهم } { وهذا كتب ~~أنزلنه } على نبينا عليه السلام { مبارك } كثير المنافع ~~والفوائد { مصدق الذى بين يديه } من الكتب { ولتنذر ~~} وبالياء: أبو بكر، أي الكتاب وهو معطوف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه ~~قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار { أم ~~القرى } مكة، وسميت أم القرى لأنها سرة الأرض وقبلة أهل القرى ~~وأعظمها شأنا ولأن الناس يؤمونها { ومن حولها } أهل الشرق والغرب ~~{ والذين يؤمنون بالآخرة } يصدقون بالعاقبة ويخافونها { ~~يؤمنون به } بهذا الكتاب فأصل الدين خوف العاقبة فمن خافها لم يزل ~~به الخوف حتى يؤمن { وهم على صلاتهم يحافظون } خصت ~~الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على ~~أخواتها ظاهرا. ### || [6.93-103] # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } هو مالك ~~بن الصيف { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } ~~هو مسيلمة الكذاب ms0399 { ومن قال } في موضع جر عطف على { من افترى } ~~أي وممن قال { سأنزل مثل مآ أنزل الله } أي سأقول وأملي هو ~~عبد الله بن سعد ابن أبي سرح كاتب الوحي، وقد أملى النبي عليه السلام ~~عليه { ولقد خلقنا الإنسن } إلى # خلقا ءاخر # [المؤمنون: 14] فجرى على لسانه # فتبارك الله أحسن الخلقين # [المؤمنون: 14]. فقال عليه السلام: # " اكتبها فكذلك نزلت " # فشك وقال: إن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان ~~كاذبا فقد قلت كما قال، فارتد ولحق بمكة. أو النضر ابن الحرث كان يقول: ~~والطاحنات طحنا فالعاجنات عجنا فالخابزات خبزا كأنه يعارض { ولو ~~ترى } جوابه محذوف أي لرأيت أمرا عظيما { إذ الظلمون } ~~يريد الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة فتكون اللام للعهد، ويجوز أن تكون ~~للجنس فيدخل هؤلاء لاشتماله { في غمرات الموت } شدائده وسكراته ~~{ والملئكة باسطوآ أيديهم أخرجوا أنفسكم } أي ~~يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم، ~~وهذه عبارة عن التشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال { اليوم ~~تجزون عذاب الهون } أرادوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة ~~النزع. والهون: الهوان الشديد وإضافة العذاب إليه كقولك «رجل سوء» يريد ~~العراقة في الهوان والتمكن فيه { بما كنتم تقولون على الله ~~غير الحق } من أن له شريكا وصاحبة وولدا. { غير الحق } ~~مفعول { تقولون } أو وصف لمصدر محذوف أي قولا غير الحق { وكنتم ~~عن ءايته تستكبرون } فلا تؤمنون بها { ولقد ~~جئتمونا } للحساب والجزاء { فردى } منفردين بلا مال ولا معين وهو ~~جمع فريد كأسير وأسارى { كما خلقنكم } في محل النصب صفة لمصدر ~~{ جئتمونا } أي مجيئا مثل ما خلقناكم { أول مرة } على ~~الهيئات التي ولدتم عليها في الانفراد { وتركتم ما ~~خولنكم } ملكناكم { وراء ظهوركم } ولم تحتملوا منه ~~نقيرا { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركوءا } في استعبادكم { لقد تقطع ~~بينكم } بينكم وصلكم عن الزجاج والبين: الوصل والهجر قال # فوالله لولا البين لم يكن الهوى # ولولا الهوى ما حن للبين الف # بينكم } مدني وعلي وحفص أي وقع التقطع بينكم { وضل ms0400 عنكم } ~~وضاع وبطل { ما كنتم تزعمون } أنها شفعاؤكم عند الله. # { إن الله فالق الحب والنوى } بالنبات والشجر أي فلق ~~الحب عن السنبلة والنواة عن النخلة، والفلق: الشق، وعن مجاهد: أراد ~~الشقين اللذين في النواة والحنطة { يخرج الحي من الميت } ~~النبات الغض النامي من الحب اليابس { ومخرج الميت من الحي ~~} الحب اليابس من النبات النامي، أو الإنسان من النطفة والنطفة من ~~الإنسان، أو المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، فاحتج الله عليهم بما ~~يشاهدونه من خلقه لأنهم أنكروا البعث فأعلمهم أنه الذي خلق هذه الأشياء ~~فهو يقدر على بعثهم. # وإنما قال { ومخرج الميت } بلفظ اسم الفاعل لأنه معطوف على ~~فالق الحب لا على الفعل { ويخرج الحي من الميت } موقعه ~~موقع الجملة المبينة لقوله { فالق الحب والنوى } لأن فلق الحب ~~والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي ~~في حكم الحيوان دليله قوله: # ويحيي الأرض بعد موتها # [الروم: 19]. { ذلكم الله } ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي ~~تحق له الربوبية لا الأصنام { فأنى تؤفكون } فكيف تصرفون عنه ~~وعن تواليه إلى غيره بعد وضوح الأمر بما ذكرنا { فالق الإصباح } ~~هو مصدر سمي به الصبح أي شاق عمود الصبح عن سواد الليل أو خالق نور ~~النهار { وجعل اليل } { وجعل اليل } كوفي لأن اسم ~~الفاعل الذي قبله بمعنى المضي، فلما كان فالق بمعنى فلق عطف عليه { ~~جعل } لتوافقهما معنى { سكنا } مسكونا فيه من قوله { ~~لتسكنوا فيه } [يونس: 67] أي ليسكن فيه الخلق عن كد المعيشة إلى ~~نوم الغفلة، أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق { والشمس والقمر ~~} انتصبا بإضمار فعل يدل عليه جاعل الليل أي وجعل الشمس والقمر { ~~حسبانا } أي جعلهما على حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما ~~وسيرهما. والحسبان بالضم مصدر حسب كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب { ~~ذلك } إشارة إلى جعلهما حسبانا أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم { ~~تقدير العزيز } الذي قهرهما وسخرهما { العليم } بتدبيرهما ~~وتدويرهما { وهو الذي جعل لكم النجوم } خلقها { ~~لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر } أي في ظلمات ~~الليل ms0401 بالبر وبالبحر، وأضافها إليهما لملابستها لهما أو شبه مشتبهات ~~الطرق بالظلمات { قد فصلنا الآيت لقوم يعلمون } قد ~~بينا الآيات الدالة على التوحيد لقوم يعلمون. # { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } هي آدم عليه السلام ~~{ فمستقر ومستودع } { فمستقر } بالكسر: مكي وبصري. ~~فمن فتح القاف كان المستودع اسم مكان مثله، ومن كسرها كان اسم فاعل ~~والمستودع اسم مفعول يعني فلكم مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، أو ~~مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع { قد ~~فصلنا الآيت لقوم يفقهون } وإنما قيل { يعلمون } ~~ثم { يفقهون } هنا لأن الدلالة ثم أظهر وهنا أدق، لأن إنشاء الإنس ~~من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة أدق فكان ذكر الفقه الدال على ~~تدقيق النظر أوفق { وهو الذي أنزل من السماء ماء } من ~~السحاب مطرا { فأخرجنا به } بالماء { نبات كل شيء } ~~نبت كل صنف من أصناف النامي أي السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف ~~مختلفة { فأخرجنا منه } من النبات { خضرا } أي شيئا غضا ~~أخضر. # يقال أخضر وخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة { نخرج ~~منه } من الخضر { حبا متراكبا } وهو السنبل الذي تراكب حبه { ~~ومن النخل من طلعها قنون } هو رفع بالابتداء { ومن ~~النخل } خبره و { من طلعها } بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع ~~النخل قنوان وهو جمع قنو وهو العذق نظيره «صنو» و «صنوان». { دانية } ~~من المجتني لانحنائها بثقل حملها أو لقصر ساقها، وفيه اكتفاء أي وغير ~~دانية لطولها كقوله # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] { وجنت } بالنصب عطفا على { نبات كل شيء } ~~أي وأخرجنا به جنات { من أعنب } أي مع النخل وكذا { ~~والزيتون والرمان } { وجنت } بالرفع: الأعشى أي وثم ~~جنات من أعناب أي مع النخل { مشتبها وغير متشبه } يقال ~~اشتبه الشيئان وتشابها نحو استويا وتساويا، والافتعال والتفاعل يشتركان ~~كثيرا وتقديره: والزيتون متشابها وغير متشابه، والرمان كذلك يعني بعضه ~~متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم { انظروا إلى ~~ثمره إذآ أثمر } إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفا لا ينتفع به { ~~وينعه ms0402 } ونضجه أي انظروا إلى حال نضجه كيف يعود شيئا جامعا ~~لمنافع، نظر اعتبار واستدلال على قدرة مقدره ومدبره وناقله من حال إلى ~~حال. # { إن في ذلكم لآيت لقوم يؤمنون } { ثمره } ~~وكذا ما بعده: حمزة وعلي جمع ثمار فهو جمع الجمع يقال: ثمرة وثمر وثمار ~~وثمر. # { وجعلوا لله شركاء الجن } إن جعلت { لله شركاء ~~} مفعولي { جعلوا } كان { الجن } بدلا من { شركاء } وإلا كان ~~{ شركاء الجن } مفعولين قدم ثانيهما على الأول، وفائدة التقديم ~~استعظام أن يتخذ لله شريك من كان ملكا أو جنيا أو غير ذلك، والمعنى ~~أنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله { ~~وخلقهم } أي وقد خلق الجن فكيف يكون المخلوق شريكا لخالقه؟ ~~والجملة حال، أو وخلق الجاعلين لله شركاء فكيف يعبدون غيره؟ { ~~وخرقوا له } أي اختلقوا يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه ~~بمعنى، أو هو من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له { بنين } كقول أهل ~~الكتابين في المسيح وعزير { وبنات } كقول بعض العرب في الملائكة. { ~~وخرقوا } بالتشديد للتكثير: مدني لقوله { بنين وبنات } { ~~بغير علم } من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوا من خطأ أو صواب ولكن ~~رميا بقول عن جهالة، وهو حال من فاعل { خرقوا } أي جاهلين بما قالوا { ~~سبحنه وتعلى عما يصفون } من الشريك والولد { ~~بديع السموت والأرض } يقال بدع الشيء فهو بديع وهو من ~~إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها يعني بديع سمواته وأرضه، أو هو بمعنى ~~المبدع أي مبدعها وهو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره { أنى يكون ~~له ولد } أو هو فاعل { تعالى } { ولم تكن له ~~صحبة } أي من أين يكون له ولد والولد لا يكون إلا من صاحبة ولا ~~صاحبة له، ولأن الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسما ~~حتى يكون له ولد { وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } ~~أي ما من شيء إلا وهو خالقه وعالمه ومن كان كذلك كان غنيا عن كل شيء ~~والولد إنما يطلبه المحتاج { ذلكم } إشارة إلى الوصوف بما تقدم من ~~الصفات وهو ms0403 مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة وهي { الله ربكم لا ~~إله إلا هو خلق كل شيء } وقوله { فاعبدوه } ~~مسبب عن مضمون الجملة أي من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق ~~بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه { وهو على كل ~~شيء وكيل } أي هو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال ~~رقيب على الأعمال { لا تدركه الأبصر } لا تحيط به أو أبصار ~~من سبق ذكرهم. # وتشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية، ~~والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده، وما يستحيل عليه الحدود ~~والجهات يستحيل إدراكه لا رؤيته، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة ~~من العلم، ونفى الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود لا يقتضي ~~نفي العلم به فهكذا هذا، على أن مورد الآية وهو التمدح يوجب ثبوت الرؤية ~~إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه لأن كل ما لا يرى لا يدرك، ~~وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية إذ انتفاؤه مع تحقق الرؤية ~~دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات، فكانت الآية حجة لنا عليهم. ~~ولو أمعنوا النظر فيها لاغتنموا التقصي عن عهدتها، ومن ينفي الرؤية يلزمه ~~نفي أنه معلوم موجود وإلا فكما يعلم موجودا بلا كيفية وجهة بخلاف كل ~~موجود لم يجز أن يرى بلا كيفية وجهة بخلاف كل مرئي، وهذا لأن الرؤية تحقق ~~الشيء بالبصر كما هو، فإن كان المرئي في الجهة يرى فيها وإن كان لا في ~~الجهة يرى لا فيها { وهو } للطف إدراكه { يدرك الأبصر ~~وهو اللطيف } أي العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها { الخبير } ~~العليم بظواهر الأشياء وخفياتها وهو من قبيل اللف والنشر. ### || [6.104-114] # { قد جاءكم بصائر من ربكم } البصيرة نور القلب الذي به ~~يستبصر القلب كما أن البصر نور العين الذي به تبصر أي جاءكم من الوحي ~~والتنبيه ما هو للقلوب كالبصائر { فمن أبصر } الحق وآمن { ~~فلنفسه } أبصر وإياها نفع { ومن عمي } عنه وضل { فعليها ~~} فعلى نفسه عمى وإياها ضر بالعمى { وما ms0404 أنا عليكم بحفيظ } ~~أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم. الكاف ~~في { وكذلك نصرف الآيت } في موضع نصب صفة المصدر المحذوف أي ~~نصرف الآيات تصريفا مثل ما تلونا عليك { وليقولوا } جوابه محذوف ~~أي وليقولوا { درست } نصرفها ومعنى { درست } قرأت كتب أهل ~~الكتاب. { دارست } مكي وأبو عمرو أي دارست أهل الكتاب. { درست } شامي ~~أي قدمت هذه الآية ومضت كما # قالوا أساطير الأولين # { ولنبينه } أي القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوما أو ~~الآيات لأنها في معنى القرآن. قيل: اللام الثانية حقيقة، والأولى لام ~~العاقبة والصيرورة أي لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا درست وهو كقوله # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] وهم لم يلتقطوه للعداوة وإنما التقطوه ليصير لهم قرة عين ~~ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة، فكذلك الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ~~ليقولوا درست ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين فشبه به. ~~وقيل: ليقولوا كما قيل لنبينه وعندنا ليس كذلك لما عرف { لقوم ~~يعلمون } الحق من الباطل { اتبع ما أوحي إليك من ~~ربك } ولا تتبع أهواءهم { لا إله إلا هو } اعتراض أكد به ~~إيجاب اتباع الوحي لا محل له من الإعراب أو حال { من ربك } مؤكدة { ~~وأعرض عن المشركين } في الحال إلى أن يرد الأمر بالقتال { ~~ولو شاء الله } أي إيمانهم فالمفعول محذوف { ما أشركوا } ~~بين أنهم لا يشركون على خلاف مشيئة الله ولو علم منهم اختيار الإيمان ~~لهداهم إليه ولكن علم منهم اختيار الشرك فشاء شركهم فأشركوا بمشيئته { ~~وما جعلنك عليهم حفيظا } مراعيا لأعمالهم مأخوذا ~~بإجرامهم { وما أنت عليهم بوكيل } بمسلط. # وكان المسلمون يسبون آلهتهم فنهوا عنه لئلا يكون سبهم سببا لسب الله ~~بقوله: # { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله } منصوب على جواب النهي { عدوا } ظلما وعدوانا { بغير ~~علم } على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به { كذلك } مثل ذلك ~~التزيين { زينا لكل أمة } من أمم الكفار { عملهم } وهو ~~كقوله # أفمن زين له سوء عمله فرءاه ms0405 حسنا فإن الله ~~يضل من يشاء ويهدي من يشاء # [فاطر: 8] وهو حجة لنا في الأصلح { ثم إلى ربهم مرجعهم ~~} مصيرهم { فينبئهم بما كانوا يعملون } فيخبرهم بما ~~عملوا ويجزيهم عليه { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } ~~جهد مصدر وقع موقع الحال أي جاهدين في الإتيان بأوكد الأيمان { لئن ~~جاءتهم ءاية } من مقترحاتهم { ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيت عند الله } وهو قادر عليها لا عندي فكيف آتيكم بها { ~~وما يشعركم } وما يدريكم { إنها } أن الآية المقترحة { إذا ~~جاءت لا يؤمنون } بها يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~بها وأنتم لا تعلمون ذلك، وكان المؤمنون يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك ~~الآية ويتمنون مجيئها فقال الله تعالى: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون على ~~معنى إنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون { أنها } ~~بالكسر: مكي وبصري وأبو بكر على أن الكلام تم قبله أي وما يشعركم ما يكون ~~منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة. ومنهم ~~من جعل «لا» مزيدة في قراءة الفتح كقوله # وحرام على قرية أهلكنها أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95]. { لا تؤمنون } شامي وحمزة. { ونقلب ~~أفئدتهم } عن قبول الحق { وأبصرهم } عن رؤية الحق عند ~~نزول الآية التي اقترحوها فلا يؤمنون بها. قيل: هو عطف على { لا ~~يؤمنون } داخل في حكم { وما يشعركم } أي وما يشعركم أنهم لا ~~يؤمنون وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق ~~{ كما لم يؤمنوا به أول مرة } كما كانوا عند نزول ~~آياتنا أولا لا يؤمنون بها { ونذرهم فى طغيانهم يعمهون ~~} قيل: وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم يعمهون يتحيرون. # { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } كما قالوا: ~~لولا أنزل علينا الملائكة { وكلمهم الموتى } كما قالوا فأتوا ~~بآبائنا { وحشرنا عليهم } جمعنا { كل شيء قبلا } كفلاء ~~بصحة ما بشرنا به وأنذرنا جمع قبيل وهو الكفيل { قبلا } مدني وشامي أي ~~عيانا وكلاهما نصب على الحال { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله } إيمانهم فيؤمنوا وهذا جواب لقول المؤمنين لعلهم ms0406 يؤمنون ~~بنزول الآية { ولكن أكثرهم يجهلون } أي هؤلاء لا ~~يؤمنون إذا جاءتهم الآية المقترحة. # { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } وكما جعلنا لك أعداء ~~من المشركين جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء أعداء لما فيه من الابتلاء الذي ~~هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر وانتصب { شيطين ~~الإنس والجن } على البدل من { عدوا } أو على أنه من المفعول ~~الأول و { عدوا } مفعول ثان { يوحي بعضهم إلى بعض } ~~يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس ~~إلى بعض، وعن مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن لأني ~~إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى ~~المعاصي عيانا. # وقال عليه السلام # " قرناء السوء شر من شياطين الجن " # { زخرف القول } ما زينوه من القول والوسوسة والإغراء على ~~المعاصي { غرورا } خدعا وأخذا على غرة وهو مفعول له { ولو شاء ~~ربك ما فعلوه } أي الإيحاء يعني ولو شاء الله لمنع الشياطين من ~~الوسوسة ولكنه امتحن بما يعلم أنه أجزل في الثواب { فذرهم وما ~~يفترون } عليك وعلى الله فإن الله يخزيهم وينصرك ويجزيهم { ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~} ولتميل إلى زخرف القول قلوب الكفار وهي معطوفة على { غرورا } أي ~~ليغروا ولتصغي إليه { وليرضوه } لأنفسهم { وليقترفوا ~~ماهم مقترفون } من الآثام { أفغير الله أبتغي ~~حكما } أي قل يا محمد أفغير الله أطلب حاكما يحكم بيني وبينكم ويفصل ~~المحق منا من المبطل { وهو الذي أنزل إليكم الكتب } ~~المعجز { مفصلا } حال من الكتاب أي مبينا فيه الفصل بين الحق ~~والباطل والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء. ثم عضد الدلالة على أن ~~القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنه حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له بقوله { ~~والذين ءاتينهم الكتب } أي عبد الله بن سلام وأصحابه ~~{ يعلمون أنه منزل } شامي وحفص { من ربك بالحق ~~فلا تكونن من الممترين } الشاكين فيه أيها السامع، أو فلا ~~تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق ولا يربك ~~جحود أكثرهم وكفرهم ms0407 به. ### || [6.115-127] # { وتمت كلمت ربك } أي ما تكلم به. { كلمت ربك } ~~حجازي وشامي وأبو عمرو أي تم كل ما أخبر به وأمر ونهي ووعد وأوعد { ~~صدقا } في وعده ووعيده { وعدلا } في أمره ونهيه. وانتصبا على ~~التمييز أو على الحال { لا مبدل لكلمته } لا أحد يبدل شيئا ~~من ذلك { وهو السميع } لإقرار من أقر { العليم } بإصرار من ~~أصر أو السميع لما يقولون العليم بما يضمرون. # { وإن تطع أكثر من في الأرض } أي الكفار لأنهم الأكثرون { ~~يضلوك عن سبيل الله } دينه { إن يتبعون إلا ~~الظن } وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق فهم يقلدونهم { وإن ~~هم إلا يخرصون } يكذبون في أن الله حرم عليهم كذا وأحل لهم كذا ~~{ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين } أي هو يعلم الكفار والمؤمنين. من رفع ~~بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام والخبر { يضل } وموضع الجملة نصب ب ~~«يعلم» المقدر لا ب { أعلم } لأن أفعل لا يعمل في الاسم الظاهر ~~النصب ويعمل الجر. وقيل: تقديره أعلم بمن يضل بدليل ظهور الباء بعده في ~~بالمهتدين { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم ~~بئايته مؤمنين } هو مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين ~~يحلون الحرام ويحرمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين إنكم ~~تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم. ~~فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ~~خاصة أي على ذبحه دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم أو مات حتف أنفه { ~~وما لكم ألا تأكلوا } «ما» استفهام في موضع رفع بالابتداء و ~~{ لكم } الخبر أي وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا { مما ذكر اسم ~~الله عليه وقد فصل لكم } بين لكم { ما حرم ~~عليكم } مما لم يحرم بقوله # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] { فصل } و { حرم } كوفي غير حفص وبفتحهما مدني ~~وحفص وبضمهما غيرهم { إلا ما اضطررتم إليه } مما حرم عليكم ~~فإنه حلال لكم في حال الضرورة أي شدة المجاعة إلى أكله { وإن ms0408 ~~كثيرا ليضلون } { ليضلون } كوفي { بأهوائهم بغير ~~علم } أي يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة ~~{ إن ربك هو أعلم بالمعتدين } بالمتجاوزين من الحق ~~إلى الباطل. # { وذروا ظهر الإثم وباطنه } علانيته وسره أو الزنا في ~~الحوانيت والصديقة في السر أو الشرك الجلي والخفي { إن الذين ~~يكسبون الإثم سيجزون } يوم القيامة { بما كانوا ~~يقترفون } يكتسبون في الدنيا { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه } عند الذبح { وأنه } وإن أكله { ~~لفسق وإن الشيطين ليوحون } ليوسوسون { إلى ~~أوليائهم } من المشركين { ليجدلوكم } بقولهم لا تأكلون ~~مما قتله الله وتأكلون مما تذبحون بأيديكم، والآية تحرم متروك التسمية ~~وخصت حالة النسيان بالحديث أو بجعل الناسي ذاكرا تقديرا { وإن ~~أطعتموهم } في استحلال ما حرمه الله { إنكم لمشركون } ~~لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به، ومن حق المتدين أن لا يأكل ~~مما لم يذكر اسم الله عليه لما في الآية من التشديد العظيم. # ومن أول الآية بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه لقوله # أو فسقا أهل لغير الله به # وقال: إن الواو في { وإنه لفسق } للحال لأن عطف الجملة الاسمية ~~على الفعلية لا يحسن فيكون التقدير: ولا تأكلوا منه حال كونه فسقا ~~والفسق مجمل فبين بقوله # أو فسقا أهل لغير الله به # فصار التقدير ولا تأكلوا منه حال كونه مهلا لغير الله به فيكون ما سواه ~~حلالا بالعمومات المحلة منها قوله # قل لا أجد # أي كافرا فهديناه لأن الإيمان حياة القلوب { ميتا } مدني { ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } مستضيئا به ~~والمراد به اليقين { كمن مثله } أي صفته { في الظلمت } أي ~~خابط فيها { ليس بخارج منها } لا يفارقها ولا يتخلص منها وهو ~~حال. قيل: المراد بهما حمزة وأبو جهل. والأصح أن الآية عامة لكل من هداه ~~الله ولكل من أضله الله، فبين أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل ~~مستضيئا يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان، ومثل الكافر مثل من هو في ~~الظلمات التي لا يتخلص منها { كذلك } أي كما ms0409 زين للمؤمن إيمانه { ~~زين للكفرين } بتزيين الله تعالى كقوله # زينا لهم أعملهم # [النمل: 4] { ما كانوا يعملون } أي أعمالهم. # { وكذلك } أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا الناس فيها { ~~جعلنا } صيرنا { في كل قرية أكبر مجرميها ~~ليمكروا فيها } ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي. ~~واللام على ظاهرها عند أهل السنة وليست بلام العاقبة، وخص الأكابر وهم ~~الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من ~~غيرهم، دليله # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # [الشورى: 27] ثم سلى رسوله عليه السلام ووعد له النصرة بقوله { وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم } لأن مكرهم يحيق بهم { وما ~~يشعرون } أنه يحيق بهم { أكبر } مفعول أول والثاني { في ~~كل قرية } و { مجرميها } بدل من { أكبر } أو الأول { ~~مجرميها } والثاني { أكبر } والتقدير: مجرميها أكابر. # ولما قال أبو جهل: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي ~~رهان قالوا منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما ~~يأتيه، نزل { وإذا جآءتهم } أي الأكابر { ءاية } معجزة أو آية ~~من القرآن بالإيمان { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ~~ما أوتي رسل الله } أي نعطي من الآيات مثل ما أعطي الأنبياء ~~فأعلم الله تعالى أنه أعلم بمن يصلح للنبوة فقال تعالى: { الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته } مكي وحفص { رسالاته }: غيرهما { ~~حيث } مفعول به والعامل محذوف والتقدير يعلم موضع رسالته. # { سيصيب الذين أجرموا } من أكابرها { صغار } ذل وهو إن ~~{ عند الله } في القيامة { وعذاب شديد } في الدارين من القتل ~~والأسر وعذاب النار { بما كانوا يمكرون } في الدنيا { فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم } يوسعه ~~وينور قلبه. قال عليه السلام # " إذا دخل النور في القلب انشرح وانفتح " # قيل وما علامة ذلك قال # " الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل ~~نزول الموت " # { ومن يرد } أي الله { أن يضله يجعل صدره ضيقا } ~~{ ضيقا } مكي { حرجا } { حرجا } صفة ل { ضيقا } مدني وأبو ~~بكر بالغافي الضيق { حرجا } غيرهما وصفا بالمصدر ms0410 { كأنما ~~يصعد في السماء } كأنه كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى ~~الإسلام من ضيق صدره عنه إذا ضاقت عليه الأرض، فطلب مصعدا في السماء أو ~~كعازب الرأي طائر القلب في الهواء { يصعد } مكي { يصاعد } أبو بكر ~~وأصله يتصاعد الباقون { إليه يصعد } وأصله يتصعد { كذلك ~~يجعل الله الرجس } العذاب في الآخرة واللعنة في الدنيا { على ~~الذين لا يؤمنون } والآية حجة لنا على المعتزلة في إرادة ~~المعاصي { وهذا صرط ربك } أي طريقه الذي اقتضته الحكمة وسنته ~~في شرح صدر من أراد هدايته وجعله ضيقا لمن أراد ضلاله { مستقيما } ~~عادلا مطردا وهو حال مؤكدة { قد فصلنا الآيت لقوم ~~يذكرون } يتعظون. # { لهم } أي لقوم يذكرون { دار السلم } دار الله يعني الجنة ~~أضافها إلى نفسه تعظيما لها، أو دار السلامة من كل آفة وكدر، أو السلام ~~التحية سميت دار السلام لقوله: # تحيتهم فيها سلم # [يونس: 10]. # إلا قيلا سلما سلما # [الواقعة: 26] { عند ربهم } في ضمانة { وهو وليهم } ~~محبهم أو ناصرهم على أعدائهم { بما كانوا يعملون } بأعمالهم أو ~~متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون أو هو ولينا في الدنيا بتوفيق الأعمال وفي ~~العقبى بتحقيق الآمال. ### || [6.128-140] # { ويوم يحشرهم جميعا } وبالياء حفص أي واذكر يوم نحشرهم أو ~~ويوم نحشرهم قلنا { جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم ~~من الإنس } أضللتم منهم كثيرا وجعلتموهم أتباعكم كما تقول استكثر ~~الأمير من الجنود { وقال أولياؤهم من الإنس } الذين ~~أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم { ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~} أي انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل ~~إليها، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في أغوائهم { ~~وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } يعنون يوم البعث وهذا ~~الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى، والتكذيب ~~بالبعث وتحسر على حالهم { قال النار مثواكم } منزلكم { ~~خلدين فيها } حال والعامل معنى الاضافة كقوله تعالى # أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين # [الحجر: 66] ف { مصبحين } حال من هؤلاء والعامل في الحال معنى ~~الاضافة إذ معناه الممازجة والمضامة والمثوى ليس بعامل لأن المكان لا ~~يعمل في ms0411 شيء { إلا ما شاء الله } أي يخلدون في عذاب النار ~~الأبد كله إلا ما شاء الله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب السعير ~~إلى عذاب الزمهرير { إن ربك حكيم } فيما يفعل بأوليائه وأعدائه ~~{ عليم } بأعمالهم فيجزي كلا على وفق عمله { وكذلك نولي ~~بعض الظلمين بعضا } نتبع بعضهم بعضا في النار، أو نسلط ~~بعضهم على بعض أو نجعل بعضهم أولياء بعض { بما كانوا يكسبون } ~~بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي، ثم يقال لهم يوم القيامة على جهة ~~التوبيخ { يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم } عن الضحاك: بعث إلى الجن رسلا منهم كما بعث إلى الإنس رسلا ~~منهم لأنهم بهم آنس وعليه ظاهر النص، وقال آخرون: الرسل من الإنس خاصة ~~وإنما قيل { رسل منكم } لأنه لما جمع الثقلين في الخطاب صح ذلك وإن ~~كان من أحدهما كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] أو رسلهم رسل نبينا كقوله # ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف: 29] { يقصون عليكم ءايتي } يقرءون كتبي { ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني يوم القيامة { ~~قالوا شهدنا على أنفسنا } بوجوب الحجة علينا وتبليغ الرسل ~~إلينا { وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كفرين } بالرسل. # { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وهو خبر مبتدأ محذوف ~~أي الأمر ذلك { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غفلون } تعليل أي الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك ~~مهلك القرى بظلم على أن «أن» مصدرية، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، ~~والمعنى لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم بسبب ظلم أقدموا ~~عليه أو ظالما، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب ~~لكان ظالما وهو متعال عنه { ولكل } من المكلفين { درجت } ~~منازل { مما عملوا } من جزاء أعمالهم، وبه استدل أبو يوسف ومحمد ~~رحمهما الله على أن للجن الثواب بالطاعة لأنه ذكر عقيب ذكر الثقلين { ~~وما ربك بغفل عما يعملون } بساه عنه وبالتاء شامي. # { وربك الغني } عن عباده وعن عبادتهم { ذو الرحمة } ~~عليهم بالتكليف ليعرضهم للمنافع ms0412 الدائمة { إن يشأ يذهبكم } ~~أيها الظلمة { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق ~~المطيع { كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } من أولاد ~~قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام { ~~إن ما } ما بمعنى الذي { توعدون } من البعث والحساب والثواب ~~والعقاب { لآت } خبر «إن» أي لكائن { وما أنتم بمعجزين } ~~بفائتين رد لقولهم من مات فقد فات. المكانة تكون مصدرا يقال مكن مكانة ~~إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة ~~وقوله { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } يحتمل اعملوا ~~على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، واعملوا على جهتكم وحالكم ~~التي أنتم عليها، ويقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: على مكانتك يا ~~فلان أي اثبت على ما أنت عليه { إني عمل } على مكانتي التي أنا ~~عليها أي اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى ~~مصابرتكم وهو أمر تهديد ووعيد، دليله قوله { فسوف تعلمون من ~~تكون له عقبة الدار } أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة ~~المحمودة، وهذا طريق لطيف في الإنذار { إنه لا يفلح ~~الظلمون } أي الكافرون { مكاناتكم } حيث كان: أبو بكر { يكون } ~~حمزة وعلي. وموضع { من } رفع إذا كان بمعنى «أي» وعلق عنه فعل العلم، أو ~~نصب إذا كان بمعنى الذي { وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام نصيبا } أي وللأصنام نصيبا فاكتفى بدلالة ~~قوله تعالى { فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا } { يزعمهم } علي. وكذا ما بعده أي زعموا أنه لله والله ~~لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة { لشركائنا فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله } أي لا يصل إلى الوجوه التي ~~كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين { وما كان ~~لله فهو يصل إلى شركائهم } من إنفاقهم عليها والإجراء ~~على سدنتها. روي أنهم كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله وأشياء منهما ~~لآلهتهم، فإذا رأوا ما جعلوا لله زاكيا ناميا رجعوا فجعلوه للأصنام، ~~وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها وقالوا: إن ms0413 الله غني، وإنما ذاك ~~لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها. وفي قوله { مما ذرأ } إشارة إلى أن ~~الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه. # ثم ذم صنيعهم بقوله { ساء ما يحكمون } في إيثار آلهتهم على الله ~~وعملهم على ما لم يشرع لهم. وموضع «ما» رفع أي ساء الحكم. حكمهم بأو نصب ~~أي ساء حكما حكمهم. # { وكذلك زين لكثير من المشركين } أي كما زين لهم ~~تجزئة المال زين وأد البنات { قتل } هو مفعول زين { أولدهم ~~شركاؤهم } هو فاعل زين، { زين } بالضم { قتل } بالرفع { ~~أولدهم } بالنصب { شركائهم } بالجر: شامي على إضافة القتل ~~إلى الشركاء أي الشياطين والفصل بينهما بغير الظرف وهو المفعول وتقديره: ~~زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم { ليردوهم } ليهلكوهم ~~بالإغواء { وليلبسوا عليهم دينهم } وليخلطوا عليهم ~~ويشوبوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل حتى زلوا عنه إلى الشرك { ~~ولو شاء الله ما فعلوه } وفيه دليل على أن الكائنات كلها ~~بمشيئة الله تعالى { فذرهم وما يفترون } وما يفترونه من ~~الإفك، أو وافتراءهم لأن ضرر ذلك الافتراء عليهم لا عليك ولا علينا { ~~وقالوا هذه أنعم وحرث } للأوثان { حجر } حرام فعل ~~بمعنى المفعول كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد ~~والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وكانوا إذا عينوا أشياء من ~~حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا { لا يطعمهآ إلا من نشاء ~~بزعمهم } يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء، والزعم قول بالظن ~~يشوبه الكذب { وأنعم حرمت ظهورها } هي البحائر والسوائب ~~والحوامي { وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها } ~~حالة الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام { افتراء عليه } هو ~~مفعول له أو حال أي قسموا أنعامهم قسم حجر، وقسم لا يركب، وقسم لا يذكر ~~اسم الله عليها ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه { سيجزيهم بما ~~كانوا يفترون } وعيد { وقالوا ما في بطون هذه ~~الأنعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا } ~~كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص ~~للذكور لا يأكل منه الإناث، وما ولد ميتا اشترك فيه ms0414 الذكور والإناث. ~~وأنث { خالصة } وهو خبر «ما» للحمل على المعنى لأن «ما» في معنى ~~الأجنة، وذكر { ومحرم } حملا على اللفظ أو التاء للمبالغة كنسابة ~~{ وإن يكن ميتة } أي وإن يكن ما في بطونها ميتة. { وأن ~~تكن ميتة } أبو بكر أي وإن تكن الأجنة ميتة، { وإن تكن ~~ميتة } شامي على «كان» التامة، { يكن ميتة } مكي لتقدم الفعل. ~~وتذكير الضمير في { فهم فيه شركاء } لأن الميتة اسم لكل ميت ذكر ~~أو أنثى فكأنه قيل: وإن يكن ميت فهم فيه شركاء { سيجزيهم ~~وصفهم } جزاء وصفهم الكذب على الله في التحريم { إنه حكيم } ~~في جزائهم { عليم } باعتقادهم { قد خسر الذين قتلوا ~~أولدهم } كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر { قتلوا } ~~مكي وشامي { سفها بغير علم } لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو ~~رازق أولادهم لاهم { وحرموا ما رزقهم الله } من البحائر ~~والسوائب وغيرها { افتراء على الله } مفعول له { قد ضلوا ~~وما كانوا مهتدين } إلى الصواب. ### || [6.141-147] # { وهو الذي أنشأ } خلق { جنت } من الكروم { ~~معروشت } مسموكات مرفوعات { وغير معروشت } متروكات ~~على وجه الأرض لم تعرش، يقال عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف ~~عليه القضبان { والنخل والزرع مختلفا } في اللون والطعم ~~والحجم والرائحة، وهو حال مقدرة لأن النخل وقت خروجه لا أكل فيه حتى يكون ~~مختلفا وهو كقوله # فادخلوها خلدين # [الزمر: 73] { أكله } { أكله } حجازي وهو ثمره الذي يؤكل، ~~والضمير للنخل، والزرع داخل في حكمه لأنه معطوف عليه، أو لكل واحد { ~~والزيتون والرمان متشبها } في اللون { وغير ~~متشبه } في الطعم { كلوا من ثمره } من ثمر كل واحد، ~~وفائدة { إذا أثمر } أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر ~~الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك { وءاتوا حقه } عشره ~~وهو حجة أبي حنيفة رحمه الله في تعميم العشر { يوم حصاده } بصري ~~وشامي وعاصم، وبكسر الحاء غيرهم. وهما لغتان { ولا تسرفوا } ~~بإعطاء الكل وتضييع العيال. وقوله { كلوا } إلى { إنه لا يحب ~~المسرفين } اعتراض { ومن الأنعم حمولة وفرشا } ~~عطف على { جنت } أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل ms0415 الأثقال وما يفرش ~~للذبح، أو الحمولة الكبار التي تصلح للحمل والفرش الصغار كالفصلان ~~والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها { ~~كلوا مما رزقكم الله } أي ما أحل الله لكم منها ولا ~~تحرموها كما في الجاهلية } { ولا تتبعوا خطوت الشيطن ~~} طرقه في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية { إنه لكم عدو ~~مبين } فاتهموه على دينكم { ثمنية أزوج } بدل من { ~~حمولة وفرشا } { من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين } زوجين اثنين يريد الذكر والأنثى، والواحد إذا كان وحده فهو ~~فرد، وإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجا وهما زوجان ~~بدليل قوله # خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم: 45] ويدل عليه قوله { ثمنية أزوج } ثم فسرها بقوله { ~~من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } { ومن ~~الإبل اثنين ومن البقر اثنين } والضأن والمعز جمع ضائن ~~وماعز كتاجر وتجر. وفتح عين المعز: مكي وشامي وأبو عمرو وهما لغتان. # والهمزة في { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين } للإنكار. والمراد ~~بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز، وبالأنثيين الأنثى من الضأن ~~والأنثى من المعز والمعنى إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها ~~شيئا من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما تحمل الإناث، وذلك أنهم كانوا ~~يحرمون ذكورة الأنعام تارة وإناثها طورا وأولادها كيفما كانت ذكورا أو ~~إناثا أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون: قد حرمها الله فأنكر ذلك عليهم. # وانتصب { آلذكرين } ب { حرم } وكذا { أم الأنثيين } أي أم ~~حرم الأنثيين وكذا «ما» في { أما اشتملت } { نبئوني ~~بعلم } أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم { إن ~~كنتم صدقين } في أن الله حرمه. # { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ~~ءآلذكرين } منهما { حرم أم الأنثيين } منهما { أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين } أم ما تحمل إناثها { ~~أم كنتم شهداء } «أم» منقطعة أي بل أكنتم شهداء { إذ ~~وصكم الله بهذا } يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا ~~التحريم. ولما كانوا لا يؤمنون برسول الله وهم يقولون الله حرم هذا الذي ~~نحرمه ms0416 تهكم بهم في قوله { أم كنتم شهداء } على معنى أعرفتم ~~التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم { ~~ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم ~~الظلمين } أي الذين في علمه أنهم يختمون على الكفر. ووقع الفاصل ~~بين بعض المعدود وبعضه اعتراضا غير أجنبي من المعدود، وذلك أن الله ~~تعالى من على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم، فالاعتراض ~~بالاحتجاج على من حرمها يكون تأكيدا للتحليل، والاعتراضات في الكلام لا ~~تساق إلا للتوكيد. # { قل لا أجد في ما أوحي إلي } أي في ذلك الوقت أو في وحي ~~القرآن لأن وحي السنة قد حرم غيره، أو من الأنعام لأن الآية في رد ~~البحيرة وأخواتها. وأما الموقوذة والمتردية والنطيحة فمن الميتة، وفيه ~~تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا يهوى الأنفس { ~~محرما } حيوانا حرم أكله { على طاعم يطعمه } على آكل ~~يأكله { إلا أن يكون ميتة } إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة { ~~أن تكون } مكي وشامي وحمزة { ميتة } شامي { أو دما ~~مسفوحا } مصبوبا سائلا فلا يحرم الدم الذي في اللحم والكبد ~~والطحال { أو لحم خنزير فإنه رجس } نجس { أو فسقا } ~~عطف على المنصوب قبله. وقوله { فإنه رجس } اعتراض بين المعطوف ~~والمعطوف عليه { أهل لغير الله به } منصوب المحل صفة ل { ~~فسقا } أي رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، وسمي بالفسق لتوغله في ~~باب الفسق { فمن اضطر } فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه ~~المحرمات { غير باغ } على مضطر مثله تارك لمواساته { ولا عاد } ~~متجاوز قدر حاجته من تناوله { فإن ربك غفور رحيم } لا ~~يؤاخذه { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر } أي ~~ماله أصبع من دابة أو طائر ويدخل فيه الإبل والنعام { ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم شحومهما } أي حرمنا عليهم لحم كل ~~ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه، ولم يحرم من البقر والغنم إلا الشحوم وهي ~~الثروب وشحوم الكلى { إلا ما حملت ظهورهما } إلا ms0417 ما اشتمل ~~على الظهور والجنوب من السحفة { أو الحوايا } أو ما اشتمل على ~~الأمعاء واحدها حاوياء أو حوية { أو ما اختلط بعظم } وهو ~~الألية أو المخ { ذلك } مفعول ثان لقوله { جزينهم } والتقدير ~~جزيناهم ذلك { ببغيهم } بسبب ظلمهم { وإنا لصدقون } ~~فيما أخبرنا به وكيف نشكر من سبب معصيتهم لتحريم الحلال ومعصية سالفنا ~~لتحليل الحرام حيث قال: # وعفا عنكم فالآن باشروهن { # [البقرة: 187] { فإن كذبوك } فيما أوحيت إليك من هذا { فقل ~~ربكم ذو رحمة وسعة } بها يمهل المكذبين ولا يعاجلهم ~~بالعقوبة { ولا يرد بأسه } عذابه مع سعة رحمته { عن ~~القوم المجرمين } إذا جاء فلا تغتر بسعة رحمته عن خوف نقمته. ### || [6.148-157] # { سيقول الذين أشركوا } إخبار بما سوف يقولونه { لو ~~شآء الله } أن لا نشرك { ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء } ولكن شاء فهذا عذرنا، يعنون أن شركهم وشرك ~~آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك ~~{ كذلك كذب الذين من قبلهم } أي كتكذيبهم إياك. كان ~~تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن ~~اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم ~~معذورون به وهذا مردود لا الإقرار بالمشيئة، أو معنى المشيئة هنا الرضا ~~كما قال الحسن: أي رضي الله منا ومن آبائنا الشرك والشرك مراد لكنه غير ~~مرضي، ألا ترى أنه قال { فلو شاء لهداكم أجمعين } أخبر أنه ~~لو شاء منهم الهدى لآمن كلهم ولكن لم يشأ من الكل الإيمان بل شاء من ~~البعض الإيمان ومن البعض الكفر، فيجب حمل المشيئة هنا على ما ذكرناه ~~دفعا للتناقض { حتى ذاقوا بأسنا } حتى أنزلنا عليهم العذاب { ~~قل هل عندكم من علم } من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما ~~قلتم { فتخرجوه لنا } فتظهروه { إن تتبعون إلا ~~الظن وإن أنتم إلا تخرصون } تكذبون { قل فلله ~~الحجة البلغة } عليكم بأوامره ونواهيه ولا حجة لكم على الله ~~بمشيئته { فلو شاء لهداكم أجمعين } أي فلو شاء هدايتكم وبه ~~تبطل صولة المعتزلة { قل هلم ms0418 شهدآءكم } هاتوا شهداءكم ~~وقربوهم، ويستوي في هذه الكلمة الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند ~~الحجازيين، وبنو تميم تؤنث وتجمع { الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا } أي ما زعموه محرما { فإن شهدوا فلا تشهد ~~معهم } فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم لهم فكأنه ~~شهد معهم مثل شهادتهم فكان واحدا منهم { ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآيتنا } من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة ~~على أن من كذب بآيات الله فهو متبع للهوى إذ لو تبع الدليل لم يكن إلا ~~مصدقا بالآيات موحدا لله { والذين لا يؤمنون بالآخرة } ~~هم المشركون { وهم بربهم يعدلون } يسوون الأصنام. # { قل } للذين حرموا الحرث والأنعام { تعالوا } هو من الخاص الذي ~~صار عاما وأصله أن يقول: من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر ~~حتى عم { أتل ما حرم ربكم } الذي حرمه ربكم { عليكم } ~~من صلة حرم { ألا تشركوا به شيئا } «أن» مفسرة لفعل التلاوة ~~و «لا» للنهي { وبالولدين إحسانا } وأحسنوا بالوالدين ~~إحسانا. ولما كان إيجاب الإحسان تحريما لترك الإحسان ذكر في المحرمات ~~وكذا حكم ما بعده من الأوامر { ولا تقتلوا أولدكم من ~~إملق } من أجل فقر ومن خشيته كقوله # خشية إملق # [الإسراء: 31] { نحن نرزقكم وإياهم } لأن رزق العبيد ~~على مولاهم { ولا تقربوا الفوحش ما ظهر منها } ما ~~بينك وبين الخلق { وما بطن } ما بينك وبين الله، ما ظهر بدل من ~~الفواحش { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق } كالقصاص والقتل على الردة والرجم { ذلكم وصكم ~~به } أي المذكور مفصلا أمركم ربكم بحفظه { لعلكم تعقلون } ~~لتعقلوا عظمها عند الله { ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن } إلا بالخصلة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره { ~~حتى يبلغ أشده } أشده مبلغ حلمه فادفعوه إليه وواحده شد ~~كفلس وأفلس { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } بالسوية ~~والعدل { لا نكلف نفسا إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا ~~تعجز عنه، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد ~~من القسط الذي لا زيادة فيه ولا ms0419 نقصان مما فيه حرج فأمر ببلوغ الوسع وأن ~~ما وراءه معفو عنه { وإذا قلتم فاعدلوا } فاصدقوا { ولو ~~كان ذا قربى } ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من ~~أهل قرابة القائل كقوله # ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين # [النساء: 135] { وبعهد الله } يوم الميثاق أو في الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد والنذر واليمين { أوفوا ذلكم } أي ما مر { ~~وصكم به لعلكم تذكرون } بالتخفيف حيث كان: حمزة ~~وعلي وحفص على حذف إحدى التاءين. غيرهم بالتشديد أصله «تتذكرون» فأدغم ~~التاء الثانية في الذال أي أمركم به لتتعظوا. # { وأن هذا صرطي } ولأن هذا صراطي فهو علة الاتباع بتقدير ~~اللام، { وأن } بالتخفيف شامي، وأصله وأنه على أن الهاء ضمير الشأن ~~والحديث. { وإن } على الابتداء: حمزة وعلي { مستقيما } حال { ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } الطرق المختلفة في الدين ~~من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات { فتفرق ~~بكم عن سبيله } فتفرقكم أيادي سبأ عن صراط الله المستقيم وهو دين ~~الإسلام. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطا مستويا ثم قال # " هذا سبيل الرشد وصراط الله فاتبعوه " # ثم خط على كل جانب ستة خطوط ممالة ثم قال # " هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها " # وتلا هذه الآية. ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقا ستة طرق فتكون ~~اثنين وسبعين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن ~~شيء من جميع الكتب. وعن كعب: إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة { ~~ذلكم وصكم به لعلكم تتقون } لتكونوا على رجاء ~~إصابة التقوى. # ذكر أولا { تعقلون } ثم { تذكرون } ثم { تتقون } لأنهم ~~إذا عقلوا تفكروا ثم تذكروا أي اتعظوا فاتقوا المحارم { ثم ءاتينا ~~موسى الكتب تماما } أي ثم أخبركم إنا آتينا أو هو عطف على { ~~قل } أي ثم قل آتينا، و «ثم» مع الجملة تأتي بمعنى الواو كقوله # ثم الله شهيد # [يونس: 46] { على الذي أحسن } على من كان محسنا صالحا يريد ~~جنس المحسنين دليله قراءة عبد الله { على الذين أحسنوا } أو ms0420 ~~أراد به موسى عليه السلام أي تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في ~~التبليغ في كل ما أمر به { وتفصيلا لكل شيء } وبيانا مفصلا ~~لكل ما يحتاجون إليه في دينهم { وهدى ورحمة لعلهم } أي بني ~~إسرائيل { بلقاء ربهم يؤمنون } يصدقون أي بالبعث والحساب ~~وبالرؤية. # { وهذا } أي القرآن { كتب أنزلنه مبارك } كثير ~~الخير { فاتبعوه واتقوا } مخالفته { لعلكم ترحمون ~~} لترحموا { أن تقولوا } كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا { إنما ~~أنزل الكتب على طائفتين من قبلنا } أي أهل ~~التوراة وأهل الإنجيل، وهذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب { وإن ~~كنا عن دراستهم } عن تلاوة كتبهم { لغفلين } لا علم لنا ~~بشيء من ذلك «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية ~~والأصل: وإنه كنا عن دراستهم غافلين على أن الهاء ضمير الشأن، والخطاب ~~لأهل مكة والمراد إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد صلى الله ~~عليه وسلم كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على ~~طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما { أو تقولوا } كراهة أن ~~تقولوا { لو أنا أنزل علينا الكتب لكنا أهدى ~~منهم } لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا وغزارة حفظنا لأيام العرب { ~~فقد جآءكم بينة من ربكم } أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون ~~من أنفسكم فقد جاءكم ما فيه البيان الساطع والبرهان القاطع، فحذف الشرط ~~وهو من أحاسن الحذوف { وهدى ورحمة فمن أظلم ممن ~~كذب بآيت الله } بعدما عرف صحتها وصدقها { وصدف عنها ~~} أعرض { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب } وهو النهاية في النكاية { بما كانوا يصدفون } ~~بإعراضهم. ### || [6.158-165] # { هل ينظرون } أي أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما ~~يعتقدون من الضلالة فما ينتظرون في ترك الضلالة بعدها { إلا أن ~~تأتيهم الملئكة } أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم { ~~يأتيهم } حمزة وعلي { أو يأتي ربك } أي أمر ربك وهو ~~العذاب أو القيامة، وهذا لأن الإتيان متشابه وإتيان أمره منصوص عليه محكم ~~فيرد إليه { أو يأتي بعض ءايت ربك } أي أشراط الساعة ~~كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك { يوم يأتي بعض ms0421 ءايت ~~ربك لا ينفع نفسا إيمانها } لأنه ليس بإيمان اختياري بل ~~هو إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم { لم تكن ءامنت من ~~قبل } صفة { نفسا } { أو كسبت في إيمنها خيرا } ~~أي إخلاصا كما لا يقبل إيمان الكافر بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل ~~إخلاص المنافق أيضا أو توبته وتقديره: لا ينفع إيمان من لم يؤمن ولا ~~توبة من لم يتب قبل { قل انتظروا } إحدى الآيات الثلاث { إنا ~~منتظرون } بكم إحداها. # { إن الذين فرقوا دينهم } اختلفوا فيه وساروا فرقا كما ~~اختلفت اليهود والنصارى وفي الحديث # " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي ~~الناجية، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية وإلا ~~واحدة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي ~~السواد الأعظم " # وفي رواية # " وهي ما أنا عليه وأصحابي " # وقيل: فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. { فارقوا دينهم } حمزة ~~وعلي أي تركوا { وكانوا شيعا } فرقا كل فرقة تشيع إماما لها { ~~لست منهم في شيء } أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم أو من ~~عقابهم { إنما أمرهم إلى الله ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون } فيجازيهم على ذلك { من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها } تقديره عشر حسنات أمثالها إلا أنه أقيم صفة الجنس المميزة ~~مقام الموصوف { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها وهم لا يظلمون } بنقص الثواب وزيادة العقاب { قل ~~إنني هداني ربي } { ربي } أبو عمرو ومدني { إلى صرط ~~مستقيم دينا } نصب على البدل من محل { إلى صرط ~~مستقيم } لأن معناه هداني صراطا بدليل قوله # ويهديكم صرطا مستقيما # [الفتح: 20] (قيما) «قيما» فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من ~~القائم { قيما } كوفي وشامي وهو مصدر بمعنى القيام وصف به { ملة ~~إبرهيم } عطف بيان { حنيفا } حال من { إبراهيم } { وما ~~كان من المشركين } بالله يا معشر قريش. # { قل إن صلاتي ونسكي } أي عبادتي، والناسك العابد أو ذبحي ~~أو حجي { ومحياي ومماتي } وما أتيته في حياتي وأموت عليه من ~~الإيمان والعمل { لله رب العلمين ms0422 } خالصة لوجهه. # { ومحياي ومماتي } بسكون الياء الأول وفتح الثاني: مدني. ~~وبعكسه غيره { لا شريك له } في شيء من ذلك { وبذلك } الإخلاص ~~{ أمرت وأنا أول المسلمين } لأن إسلام كل نبي متقدم ~~على إسلام أمته. # { قل أغير الله أبغي ربا } جواب عن دعائهم له إلى عبادة ~~آلهتهم. والهمزة للإنكار أي منكر أن أطلب ربا غيره، وتقديم المفعول ~~للإشعار بأنه أهم { وهو رب كل شيء } وكل من دونه مربوب ليس ~~في الوجود من له الربوبية غيره { ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها } جواب عن قولهم # اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطيكم # [العنكبوت: 12] { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا تأخذ ~~نفس آثمة بذنب نفس أخرى { ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } من الأديان التي ~~فرقتموها { وهو الذي جعلكم خلئف الأرض } لأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فأمته قد خلفت سائر الأمم، أو لأن بعضهم ~~يخلف بعضا أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها { ورفع ~~بعضكم فوق بعض } في الشرف والرزق وغير ذلك { درجت } ~~مفعول ثان، أو التقدير إلى درجات، أو هي واقعة موضع المصدر كأنه قيل ~~رفعة بعد رفعة { ليبلوكم فى ما آتكم } فيما أعطاكم من نعمة ~~الجاه والمال كيف تشكرون تلك النعمة وكيف يصنع الشريف بالوضيع والغني ~~بالفقير والمالك بالمملوك { إن ربك سريع العقاب } لمن كفر ~~{ وإنه لغفور رحيم } لمن قام بشكرها، ووصف العقاب بالسرعة ~~لأن ما هو آت قريب # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77] عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من قرأ ثلاث آيات من أول الأنعام حين يصبح وكل الله تعالى به سبعين ~~ألف ملك يحفظونه وكتب له مثل أعمالهم إلى يوم القيامة ". ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-9] # { المص } قال الزجاج: المختار في تفسيره ما قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أنا الله أعلم وأفصل { كتاب } خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب { ~~أنزل إليك } صفته والمراد بالكتاب السورة { فلا يكن فى ~~صدرك حرج منه } شك فيه، وسمي الشك حرجا لأن الشاك ms0423 ضيق الصدر ~~حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه أي لا شك في أنه منزل من الله أو ~~حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، ~~فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم، ~~والنهي متوجه إلى الحرج وفيه من المبالغة ما فيه، والفاء للعطف أي هذا ~~الكتاب أنزلناه إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك. واللام في { ~~لتنذر به } متعلق ب { أنزل } أي أنزل إليك لإنذارك به، أو ~~بالنهي ولأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذا إذا أيقن أنه من عند الله شجعه ~~اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه { وذكرى ~~للمؤمنين } في محل النصب بإضمار فعلها أي لتنذر به وتذكر تذكيرا، ~~فالذكرى اسم بمعنى التذكير، أو الرفع بالعطف على { كتاب } أي هو كتاب ~~وذكرى للمؤمنين، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف، أو الجر بالعطف على محل { ~~لتنذر } أي للإنذار وللذكرى { اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم } أي القرآن والسنة { ولا تتبعوا من دونه } من ~~دون الله { أولياء } أي ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس ~~فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع { قليلا ما ~~تذكرون } حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره و { قليلا } نصب ب ~~{ تذكرون } أي تذكرون تذكرا قليلا. و «ما» مزيدة لتوكيد القلة { ~~تتذكرون } شامي. # { وكم } مبتدأ { من قرية } تبيين والخبر { أهلكنها } أي ~~أردنا إهلاكها كقوله # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6] { فجاءها } جاء أهلها { بأسنا } عذابنا { بياتا ~~} مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين، يقال بات بياتا حسنا { أو هم ~~قائلون } حال معطوفة على { بياتا } كأنه قيل: فجاءهم بأسنا بائتين ~~أو قائلين. وإنما قيل { هم قائلون } بلا «واو» ولا يقال «جاءني زيد ~~هو فارس» بغير واو، لأنه لما عطف على حال قبلها حذفت الواو استثقالا ~~لاجتماع حرفي عطف، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل. وخص هذان ~~الوقتان لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وقوم لوط ~~عليه السلام أهلكوا بالليل وقت ms0424 السحر، وقوم شعيب عليه السلام وقت ~~القيلولة. وقيل { بياتا } ليلا أي ليلا وهم نائمون أو نهارا وهم ~~قائلون { فما كان دعواهم } دعاؤهم وتضرعهم { إذ جاءهم ~~بأسنا } لما جاءهم أوائل العذاب { إلا أن قالوا إنا كنا ~~ظلمين } اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك. # و { دعواهم } اسم «كان» و { أن قالوا } الخبر ويجوز العكس { ~~فلنسئلن الذين أرسل إليهم } أرسل مسند إلى إليهم ~~أي فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم { ~~ولنسئلن المرسلين } عما أجيبوا به { فلنقصن ~~عليهم } على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم { بعلم } عالمين ~~بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم { وما كنا غائبين ~~} عنهم وعما وجد منهم ومعنى السؤال التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا ~~به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم { والوزن } أي وزن الأعمال ~~والتمييز بين راجحها وخفيفها وهو مبتدأ وخبره { يومئذ } أي يوم يسأل ~~الله الأمم ورسلهم فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين { الحق } أي العدل ~~صفته ثم قيل توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان إظهارا للنصفة ~~وقطعا للمعذرة. وقيل: هو عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، والله ~~أعلم بكيفيته { فمن ثقلت موزينه } جمع ميزان أو موزون أي فمن ~~رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات أو ما توزن به ~~حسناتهم { فأولئك هم المفلحون } الفائزون { ومن ~~خفت موزينه } هم الكفار فإنه لا إيمان لهم ليعتبر معه عمل فلا ~~يكون في ميزانهم خير فتخف موازينهم { فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بما كانوا بآيتنا يظلمون } يجحدون فالآيات ~~الحجج والظلم بها وضعها في غير موضعها أي جحودها وترك الانقياد لها. ### || [7.10-21] # { ولقد مكنكم فى الأرض } جعلنا لكم فيها مكانا ~~وقرارا، أو مكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها { وجعلنا لكم ~~فيها معيش } جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب ~~وغيرهما. والوجه تصريح الياء لأنها أصلية بخلاف صحائف فالياء فيها زائدة، ~~وعن نافع أنه همز تشبيها بصحائف { قليلا ما تشكرون } مثل # قليلا ما تذكرون # [الحاقة: 42]. # { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } أي خلقنا أباكم آدم ~~عليه السلام طينا غير مصور ms0425 ثم صورناه بعد ذلك دليله { ثم قلنا ~~للملئكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم ~~يكن من السجدين } ممن سجد لآدم عليه السلام { قال ما ~~منعك ألا تسجد } «ما» رفع أي أي شيء منعك من السجود؟ «ولا» ~~زائدة بدليل # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى # [ص: 75] ومثلها # لئلا يعلم أهل الكتب # [الحديد: 29] أي ليعلم { إذ أمرتك } فيه دليل على أن الأمر ~~للوجوب، والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به للتوبيخ ولإظهار معاندته ~~وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام { قال أنا ~~خير منه خلقتني من نار } وهي جوهر نوراني { وخلقته ~~من طين } وهو ظلماني وقد أخطأ الخبيث بل الطين أفضل لرزانته ووقاره ~~ومنه الحلم والحياء والصبر وذلك دعاه إلى التوبة والاستغفار، وفي النار ~~الطيش والحدة والترفع وذلك دعاه إلى الاستكبار. والتراب عمدة الممالك، ~~والنار عدة المهالك. والنار مظنة الخيانة والإفناء، والتراب مئنة الأمانة ~~والإنماء، والطين يطفيء النار ويتلفها، والنار لا تتلفه. وهذه فضائل غفل ~~عنها إبليس حتى زل بفاسد من المقاييس. وقولنا في القياس أول من قاس إبليس ~~قياس. على أن القياس عند مثبته مردود عند وجود النصوص وقياس إبليس عناد ~~للأمر المنصوص. وكان الجواب ل { ما منعك } أن يقول «منعني كذا» ~~وإنما قال { أنا خير منه } لأنه قد استأنف قصة وأخبر فيها عن ~~نفسه بالفضل على آدم عليه السلام وبعلة فضله عليه فعلم منها الجواب ~~كأنه قال: منعني من السجود فضلي عليه، وزيادة عليه وهي إنكار الأمر ~~واستبعاد أن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله، إذ سجود الفاضل للمفضول ~~خارج عن الصواب { قال فاهبط منها } من الجنة أو من السماء لأنه ~~كان فيها وهي مكان المطيعين والمتواضعين. والفاء في { فاهبط } جواب ~~لقوله { أنا خير منه } أي إن كنت تتكبر فاهبط { فما يكون ~~لك } فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصي { فاخرج إنك ~~من الصغرين } من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه، ~~يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك، وبه علم أن الصغار لازم للاستكبار ~~{ قال أنظرنى ms0426 إلى يوم يبعثون } أمهلني إلى يوم البعث ~~وهو وقت النفخة الأخيرة { قال إنك من المنظرين } إلى النفخة ~~الأولى. # وإنما أجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء، وفيه تقريب لقلوب الأحباب أي ~~هذا بريء بمن يسيئني فكيف بمن يحبني وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل ~~منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال. # { قال فبما أغويتنى } أضللتني أي فبسبب إغوائك إياي. والباء ~~تتعلق بفعل القسم المحذوف تقديره فسبب إغوائك أقسم، أو تكون الباء للقسم ~~أي فأقسم بإغوائك { لأقعدن لهم صرطك المستقيم } ~~لأعترضن لهم على طريق الإسلام مترصدا للرد متعرضا للصد كما يتعرض العدو ~~على الطريق ليقطعه على السابلة. وانتصابه على الظرف كقولك «ضرب زيد ~~الظهر» أي على الظهر. وعن طاوس أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل قدري ~~فقال له طاوس: تقوم أو تقام. فقام الرجل فقيل له: أتقول هذا لرجل فقيه؟ ~~فقال: إبليس أفقه منه { قال رب بمآ أغويتني } وهو يقول أنا ~~أغوي نفسي. # { ثم لآتينهم من بين أيديهم } أشككهم في الآخرة { ~~ومن خلفهم } أرغبهم في الدنيا { وعن أيمنهم } من قبل ~~الحسنات { وعن شمائلهم } من قبل السيئات وهو جمع شمال يعني ثم ~~لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الأغلب. وعن شقيق: ما ~~من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي فيقول لا تخف ~~فإن الله غفور رحيم فاقرأ # وإنى لغفار لمن تاب وامن وعمل صلحا # [طه: 82]. ومن خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي فاقرأ # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود:6] وعن يميني فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ # والعقبة للمتقين # [القصص:83] وعن شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # [سبأ: 54] ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم لمكان الرحمة والسجدة، وقال في ~~الأولين «من» لابتداء الغاية وفي الأخيرين «عن» لأن «عن» تدل على ~~الانحراف { ولا تجد أكثرهم شكرين } مؤمنين قاله ظنا ~~فأصاب لقوله # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ: 20] أو سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى إياهم. # { قال ms0427 اخرج منها } من الجنة أو من السماء { مذءوما } معيبا ~~من ذأمه إذا ذمه والذأم والذم العيب { مدحورا } مطرودا مبعدا من ~~رحمة الله. واللام في { لمن تبعك منهم } موطئة للقسم وجوابه { ~~لأملان جهنم } وهو ساد مسد جواب الشرط { منكم } منك ومنهم ~~فغلب ضمير المخاطب { أجمعين ويا ءادم } وقلنا يا آدم بعد إخراج ~~إبليس من الجنة { اسكن أنت وزوجك الجنة } اتخذها مسكنا { ~~فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا } فتصيرا { من الظلمين فوسوس لهما ~~الشيطن } وسوس إذا تكلم كلاما خفيا يكرره وهو غير متئد، ورجل ~~موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح ولكن موسوس له وموسوس إليه وهو ~~الذي يلقي إليه الوسوسة. # ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه { ليبدي ~~لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } ليكشف لهما ما ستر ~~عنهما من عوراتهما. وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه ~~لم يزل مستقبحا في الطباع والعقول. فإن قلت: ما للواو المضمومة في { ~~ووري } لم تقلب همزة كما في «أو يصل» تصغير واصل وأصله «وويصل» فقلبت ~~الواو همزة كراهة لاجتماع الواوين؟ قلت: لأن الثانية مدة كألف «وارى» ~~فكما لم يجب همزها في «واعد» لم يجب في { وورى } وهذا لأن الواوين إذا ~~تحركتا ظهر فيهما من الثقل ما لا يكون فيهما إذا كانت الثانية ساكنة، ~~وهذا مدرك بالضرورة فالتزموا إبدالها في موضع الثقل لا في غيره. وقرأ عبد ~~الله { أورى } بالقلب { وقال ما نهكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } إلا كراهة أن تكونا ~~ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء. وقرىء { ملكين } ~~لقوله # وملك لا يبلى # [طه: 120] { أو تكونا من الخلدين } من الذين لا يموتون ~~ويبقون في الجنة ساكنين { وقاسمهما } وأقسم لهما { إني لكما ~~لمن النصحين } وأخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه لما كان ~~منه القسم ومنهما التصديق فكأنهما من اثنين. ### || [7.22-36] # { فدلهما } فنزلهما إلى الأكل من الشجرة { بغرور } بما ~~غرهما به من القسم بالله وإنما يخدع المؤمن بالله. وعن ابن عمر ms0428 رضي الله ~~عنهما: من خدعنا بالله انخدعنا له { فلما ذاقا الشجرة } وجدا ~~طعمها آخذين في الأكل منها وهي السنبلة أو الكرم { بدت لهما ~~سوءاتهما } ظهرت لهما عوراتهما لتهافت اللباس عنهما وكانا لا ~~يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وقيل: كان لباسهما من جنس ~~الأظفار أي كالظفر بياضا في غاية اللطف واللين فبقي عند الأظفار تذكيرا ~~للنعم وتجديدا للندم { وطفقا } وجعلا يقال طفق يفعل كذا أي جعل { ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة } يجعلان على عورتهما من ~~ورق التين أو الموز ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل. # { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة } هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطأ. وروي أنه قال لآدم ~~عليه السلام: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ ~~فقال: بلى ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال: فبعزتي لأهبطنك إلى ~~الأرض ثم لا تنال العيش إلا بكد يمين وعرق جبين، فأهبط وعلم صنعة الحديد ~~وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد ودرس وذرى وطحن وعجن وخبز { وأقل لكما ~~إن الشيطن لكما عدو مبين * قالا ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخسرين } فيه دليل لنا على المعتزلة لأن ~~الصغائر عندهم مغفورة { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع ~~لأن إبليس هبط من قبل، ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعا إلى ~~الأرض { بعضكم لبعض عدو } في موضع الحال أي متعادين ~~يعاديهما إبليس ويعاديانه { ولكم فى الأرض مستقر } استقرار ~~أو موضع استقرار { ومتع } وانتفاع بعيش { إلى حين } إلى ~~انقضاء آجالكم. وعن ثابت البناني: لما أهبط آدم عليه السلام وحضرته ~~الوفاة وأحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ~~ربي فإنما أصابني ما أصابني فيك. فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر ~~وترا وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له قبرا ودفنوه بسرنديب ~~بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده { قال فيها تحيون } في ~~الأرض { وفيها تموتون ومنها تخرجون } للثواب والعقاب { ~~تخرجون } حمزة ms0429 وعلي { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا } جعل ما في الأرض منزلا من السماء لأن أصله من الماء وهو منها ~~{ يورى سوءاتكم } يستر عوراتكم { وريشا } لباس الزينة استعير ~~من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يواري ~~سوءاتكم ولباسا يزينكم { ولباس التقوى } ولباس الورع الذي يقي ~~العقاب وهو مبتدأ وخبره الجملة وهي { ذلك خير } كأنه قيل: ولباس ~~التقوى هو خير لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود ~~الذكر، أو { ذلك } صفة للمبتدأ و { خير } خبر المبتدأ كأنه قيل: ~~ولباس التقوى المشار إليه خير، أو { لباس التقوى } خبر مبتدأ ~~محذوف أي وهو لباس التقوى أي ستر العورة لباس المتقين، ثم قال { ذلك ~~خير } وقيل: ولباس أهل التقوى من الصوف والخشن. # { ولباس التقوى } مدني وشامي وعلي عطفا على { لباسا } أي ~~وأنزلنا عليكم لباس التقوى { ذلك من ءايات الله } الدالة على ~~فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس { لعلهم يذكرون } ~~فيعرفوا عظيم النعمة فيه، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر ~~بدو السوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في ~~العري من الفضيحة وإشعارا بأن التستر من التقوى. # { يبنى آدم لا يفتننكم الشيطن كما أخرج ~~أبويكم من الجنة } لا يخدعنكم ولا يضلنكم بأن لا تدخلوا ~~الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها { ينزع عنهما لباسهما ~~} حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما. والنهي ~~في الظاهر للشيطان وفي المعنى لبني آدم أي لا تتبعوا الشيطان فيفتنكم { ~~ليريهما سوءتهما } عوراتهما { إنه } الضمير للشأن والحديث ~~{ يراكم هو } تعديل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو ~~المداجي يكيدكم من حيث لا تشعرون { وقبيله } وذريته أو وجنوده من ~~الشياطين وهو عطف على الضمير في { يراكم } المؤكد ب { هو } ، ولم ~~يعطف عليه لأن معمول الفعل هو المستكن دون هذا البارز وإنما يعطف على ما ~~هو معمول الفعل { من حيث لا ترونهم } قال ذو النون: إن كان ~~هو يراك من حيث لا تراه فاستعن ms0430 بمن يراه من حيث لا يراه وهو الله الكريم ~~الستار الرحيم الغفار. # { إنا جعلنا الشيطين أولياء للذين لا ~~يؤمنون } فيه دلالة خلق الأفعال { وإذا فعلوا فحشة } ~~ما يبالغ في قبحه من الذنوب وهو طوافهم بالبيت عراة وشركهم { قالوا ~~وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها } أي إذا ~~فعلوها اعتذروا بأن آبائهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم ~~بأن يفعلوها حيث أقرنا عليها إذا لو كرهها لنقلنا عنها وهما باطلان، لأن ~~أحدهما تقليد للجهال والثاني افتراء على ذي الجلال { قل إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء } إذ المأمور به لا بد أن يكون حسنا وإن كان ~~فيه على مراتب على ما عرف في أصول الفقه { أتقولون على الله ~~ما لا تعلمون } استفهام إنكار وتوبيخ { قل أمر ربي ~~بالقسط } بالعدل وبما هو حسن عند كل عاقل فكيف يأمر بالفحشاء { ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } وقل أقيموا وجوهكم أي ~~اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود أو في ~~كل مكان سجود { وادعوه } واعبدوه { مخلصين له الدين } أي ~~الطاعة مبتغين بها وجهه خالصا { كما بدأكم تعودون } كما ~~أنشأكم ابتداء يعيدكم، احتج عليه في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، ~~والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة { فريقا ~~هدى } وهم المسلمون { وفريقا } أي أضل فريقا { حق عليهم ~~الضللة } وهم الكافرون { إنهم } إن الفريق الذين حق عليهم ~~الضلالة { اتخذوا الشيطين أولياء من دون الله } أي ~~أنصارا { ويحسبون أنهم مهتدون } والآية حجة لنا على أهل ~~الاعتزال في الهداية والإضلال. # { يبنى ءادم خذوا زينتكم } لباس زينتكم { عند كل ~~مسجد } كلما صليتم. وقيل: الزينة المشط والطيب، والسنة أن يأخذ الرجل ~~أحسن هيئاته للصلاة لأن الصلاة مناجاة الرب فيستحب لها التزين والتعطر ~~كما يجب التستر والتطهر { وكلوا } من اللحم والدسم { واشربوا ~~ولا تسرفوا } بالشروع في الحرام أو في مجاوزة الشبع { إنه لا ~~يحب المسرفين } وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما شئت، واشرب ~~ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة. وكان للرشيد ms0431 طبيب ~~حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء ~~والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان. فقال له علي: قد جمع الله الطب ~~كله في نصف آية من كتابه وهو قوله # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # فقال النصراني: ولم يرو عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا الطب ~~في ألفاظ يسيرة وهي قوله عليه السلام # " المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته " # فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. ثم استفهم ~~إنكارا على محرم الحلال بقوله. # { قل من حرم زينة الله } من الثياب وكل ما يتجمل به { ~~التى أخرج لعباده } أي أصلها يعني القطن من الأرض والقز من ~~الدود { والطيبت من الرزق } والمستلذات من المآكل ~~والمشارب. وقيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها ~~وشحمها ولبنها { قل هى للذين ءامنوا فيالحيوة ~~الدنيا } غير خالصة لهم لأن المشركين شركاؤهم فيها { خالصة ~~يوم القيمة } لا يشركهم فيها أحد. ولم يقل للذين آمنوا ولغيرهم ~~لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة والكفار تبع لهم. { ~~خالصة } بالرفع: نافع ف { هى } مبتدأ خبره { للذين ءامنوا ~~} و { فيالحيوة الدنيا } ظرف للخبر، أو { خالصة } خبر ثان ~~أو خبر مبتدأ محذوف أي هي خالصة، وغيره نصبها على الحال من الضمير الذي ~~في الظرف الذي هو الخبر أي هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال ~~خلوصها يوم القيامة { كذلك نفصل الآيت } نميز الحلال من ~~الحرام { لقوم يعلمون } أنه لا شريك له. # { قل إنما حرم ربي الفوحش } { ربي } حمزة { ~~الفوحش } ما تفاحش قبحه أي تزايد { ما ظهر منها وما بطن ~~} سرها وعلانيتها { والإثم } أي شرب الخمر أو كل ذنب { والبغي } ~~والظلم والكبر { بغير الحق } متعلق بالبغي. ومحل { وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا } حجة النصب ~~كأنه قال حرم الفواحش وحرم الشرك { ينزل } بالتخفيف: مكي وبصري، وفيه ~~تهكم إذ لا يجوز أن ينزل برهانا على أن يشرك به غيره ms0432 { وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون } وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب من ~~التحريم وغيره { ولكل أمة أجل } وقت معين يأتيهم فيه عذاب ~~الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهو وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم ~~عند الله كما نزل بالأمم { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون } قيد بساعة لأنها أقل ما يستعمل في ~~الإمهال { يبنى آدم إما يأتينكم } هي «إن» الشرطية ضمت ~~إليها «ما» مؤكدة لمعنى الشرط، لأن «ما» للشرط ولذا لزمت فعلها النون ~~الثقيلة أو الخفيفة { رسل منكم يقصون عليكم ءايتى } ~~يقرءون عليكم كتبي وهو في موضع رفع صفة ل { رسل } وجواب الشرط { ~~فمن اتقى } الشرك { وأصلح } العمل منكم { فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } أصلا { فلا خوف } يعقوب { ~~والذين كذبوا } منكم { بئايتنا واستكبروا ~~عنها } تعظموا عن الايمان بها { أولئك أصحب النار هم ~~فيها خلدون }. ### || [7.37-43] # { فمن أظلم } فمن أشنع ظلما { ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بئايته } ممن تقول على الله ما لم يقله أو ~~كذب ما قاله { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتب } ما ~~كتب لهم من الأرزاق والأعمار { حتى إذا جاءتهم رسلنا } ملك ~~الموت وأعوانه. و «حتى» غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له وهي «حتى» التي ~~يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هنا الجملة الشرطية وهي { إذا جاءتهم ~~رسلنا } { يتوفونهم } يقبضون أرواحهم وهو حال من الرسل أي ~~متوفيهم و «ما» في { قالوا أين ما كنتم تدعون } في خط ~~المصحف موصولة ب { أين } وحقها أن تكتب مفصولة لأنها موصولة، والمعنى ~~أين الآلهة الذين تعبدون { من دون الله } ليذبوا عنكم { قالوا ~~ضلوا عنا } غابوا عنا فلا نراهم { وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كفرين } اعترفوا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي ~~لتحقيق الخبر. # { قال ادخلوا } أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار: ~~ادخلوا { فى أمم } في موضع الحال أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم ~~{ قد خلت } مضت { من قبلكم من الجن والإنس } من كفار ~~الجن والإنس { فى النار } متعلق ب { أدخلوا } { كلما ~~دخلت أمة } النار { لعنت أختها } شكلها ms0433 في الدين أي ~~التي ضلت بالاقتداء بها { حتى إذا اداركوا فيها } أصله ~~تداركوا أي تلاحقوا واجتمعوا في النار، فأبدلت التاء دالا وسكنت للإدغام ~~ثم أدخلت همزة الوصل { جميعا } حال { قالت أخراهم } منزلة وهي ~~الأتباع والسفلة { لأولهم } منزلة وهي القادة والرءوس. ومعنى { ~~لأولهم } لأجل أولاهم لأن خطابهم مع الله لا معهم { ربنا } يا ~~ربنا { هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا } مضاعفا { ~~من النار قال لكل ضعف } للقادة بالغواية والإغواء وللأتباع ~~بالكفر والاقتداء { ولكن لا تعلمون } ما لكل فريق منكم من ~~العذاب. { لا يعلمون } أبو بكر أي لا يعلم كل فريق مقدار عذاب ~~الفريق الآخر. # { وقالت أولهم لأخراهم فما كان لكم علينا ~~من فضل } عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة { لكل ~~ضعف } أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا متساوون في استحقاق الضعف ~~{ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } بكسبكم وكفركم وهو ~~من قول القادة للسفلة. ولا وقف على { فضل } أو من قول الله لهم ~~جميعا والوقف على { فضل } { إن الذين كذبوا ~~بئايتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبوب ~~السماء } أي لا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة إذ هي في ~~السماء، أو لا يصعد لهم عمل صالح ولا تنزل عليهم البركة، أو لا تصعد ~~أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء، وبالتاء مع ~~التخفيف: أبو عمرو وبالياء معه: حمزة وعلي. # { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم ~~الخياط } حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة أي لا يدخلون الجنة أبدا ~~لأنه علقه بما لا يكون. والخياط والمخيط ما يخاط به وهو الإبرة { ~~وكذلك } ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا { نجزي ~~المجرمين } أي الكافرين بدلالة التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها ~~{ لهم من جهنم مهاد } فراش { ومن فوقهم غواش } ~~أغطية جمع غاشية { وكذلك نجزى الظلمين } أنفسهم بالكفر. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } طاقتها والتكليف إلزام ما فيه كلفة أي مشقة { ~~أولئك } مبتدأ والخبر { أصحب الجنة } والجملة خبر { ~~الذين } ، و { لا نكلف نفسا إلا وسعها ms0434 } اعتراض بين ~~المبتدأ والخبر { هم فيها خلدون * ونزعنا ما فى ~~صدورهم من غل } حقد كان بينهم في الدنيا فلم يبق بينهم إلا ~~التواد والتعاطف، وعن علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ~~وطلحة والزبير منهم { تجرى من تحتهم الأضنهر } حال من «هم» ~~في { صدورهم } والعامل فيها معنى الإضافة { وقالوا الحمد ~~لله الذى هدانا لهذا } لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم ~~وهو الإيمان { وما كنا } { ما كنا } بغير «واو»: شامي على أنها ~~جملة موضحة للأولى { لنهتدى لولا أن هدانا الله } اللام ~~لتوكيد النفي أي وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية الله، وجواب ~~«لولا» محذوف دل عليه ما قبله { لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~} فكان لطفا لنا وتنبيها على الاهتداء فاهتدينا، يقولون ذلك سرورا بما ~~نالوا وإظهارا لما اعتقدوا { ونودوا أن تلكم الجنة } «أن» ~~مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، والجملة بعدها خبرها تقديره ونودوا بأنه ~~تلكم الجنة. والهاء ضمير الشأن، أو بمعنى أي كأنه قيل، لهم تلكم الجنة { ~~أورثتموها } أعطيتموها وهو حال من { الجنة } والعامل فيها ما ~~في { تلك } من معنى الإشارة { بما كنتم تعملون } سماها ~~ميراثا لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات ~~كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة. وقال الشيخ أبو ~~منصور رحمه الله: إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبر ونوحا عليه السلام ~~وأهل الجنة والنار وإبليس، لأنه قال الله تعالى # يضل من يشآء ويهدى من يشآء # [النحل: 93] وقال نوح عليه السلام: # ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم # [هود: 34] وقال أهل الجنة: # وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله # وقال أهل النار: # لو هدانا الله لهديناكم # [ابراهيم: 21] وقال إبليس # فبما أغويتنى ### || [7.44-58] # { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا } «أن» مخففة من ~~الثقيلة أو مفسرة وكذلك { أن لعنة الله على الظالمين } { ما وعدنا ~~ربنا } من الثواب { حقا } حال { فهل وجدتم ما وعد ربكم } من العذاب ms0435 ~~{ حقا } وتقديره وعدكم ربكم فحذف «كم» لدلالة { وعدنا ربنا } عليه. ~~وإنما قالوا لهم ذلك شماتة بأصحاب النار واعترافا بنعم الله تعالى { ~~قالوا نعم } وبكسر العين حيث كان: علي { فأذن مؤذن بينهم } نادى ~~مناد وهو ملك يسمع أهل الجنة والنار { أن لعنة الله على الظالمين } ~~{ أن لعنة } مكي وشامي وحمزة وعلي { الذين يصدون } يمنعون { عن سبيل ~~الله } دينه { ويبغونها عوجا } مفعول ثان ل «يبغون» أي ويطلبون لها ~~الاعوجاج والتناقض { وهم بالآخرة } بالدار الآخرة { كافرون وبينهما } ~~وبين الجنة والنار أو بين الفريقين { حجاب } وهو السور المذكور في قوله: # فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13] { وعلى الأعراف } على أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين ~~الجنة والنار وهي أعاليه جمع عرف، استعير من عرف الفرس وعرف الديك { ~~رجال } من أفاضل المسلمين أو من آخرهم دخولا في الجنة لاستواء حسناتهم ~~وسيآتهم، أو من لم يرض عنه أحد أبويه أو أطفال المشركين { يعرفون كلا } ~~من زمرة السعداء والأشقياء { بسيماهم } بعلامتهم. قيل: سيما المؤمنين ~~بياض الوجوه ونضارتها، وسيما الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون { ونادوا ~~} أي أصحاب الأعراف { أصحاب الجنة أن سلام عليكم } أنه سلام أو أي سلام ~~وهو تهنئة منهم لأهل الجنة { لم يدخلوها } أي أصحاب الأعراف ولا محل له ~~لأنه استئناف كأن سائلا سأل أصحاب الأعراف فقيل { لم يدخلوها } { وهم ~~يطمعون } في دخولها أوله محل وهو صفة ل { رجال }. # { وإذا صرفت أبصارهم } أبصار أصحاب الأعراف، وفيه أن صارفا يصرف ~~أبصارهم لينظروا فيستعيذوا { تلقآء } ظرف أي ناحية { أصحاب النار } ~~ورأوا ما هم فيه من العذاب { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } ~~فاستعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم { ونادى أصحاب ~~الأعراف رجالا } من رءوس الكفرة { يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ أغنى عنكم ~~جمعكم } المال أو كثرتكم واجتماعكم و «ما» نافية { وما كنتم تستكبرون } ~~واستكباركم على الحق وعلى الناس ثم يقولون لهم: # { أهؤلاء } مبتدأ { الذين } خبر مبتدأ مضمر تقديره أهؤلاء هم الذين { ~~أقسمتم } حلفتم في الدنيا، والمشار إليهم فقراء المؤمنين كصهيب وسليمان ~~ونحوهما { لا ينالهم الله برحمة } جواب ms0436 { أقسمتم } وهو داخل في صلة { ~~الذين } تقديره أقسمتم عليهم بأن لا ينالهم الله برحمة أي لا يدخلهم ~~الجنة يحتقرونهم لفقرهم. فيقال لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة } وذلك ~~بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسيماهم وقالوا ما قالوا { لا خوف ~~عليكم ولا أنتم تحزنون ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا ~~من المآء } أن مفسرة. # وفيه دليل على أن الجنة فوق النار { أو مما رزقكم الله } من غيره من ~~الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، أو أريد أو ألقوا علينا مما رزقكم الله ~~من الطعام والفاكهة كقوله: # علفتها تبنا وماءا باردا # أي وسقيتها وإنما سألوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة لأن المتحير ينطق بما ~~يفيد وما لا يفيد { قالوآ إن الله حرمهما على الكافرين } هو تحريم منع ~~كما في # وحرمنا عليه المراضع # [القصص: 12] وتقف هنا إن رفعت أو نصبت ما بعده ذما، وإن جررته وصفا ~~للكافرين فلا. { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } فحرموا وأحلوا ما ~~شاءوا أو دينهم عيدهم { وغرتهم الحيوة الدنيا } اغتروا بطول البقاء { ~~فاليوم ننساهم } نتركهم في العذاب { كما نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا ~~بئاياتنا يجحدون } أي كنسيانهم وجحودهم. # { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه } ميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه { ~~على علم } عالمين بكيفية تفصيل أحكامه { هدى ورحمة } حال من منصوب { ~~فصلناه } كما أن { على علم } حال من مرفوعة { لقوم يؤمنون هل ينظرون } ~~ينتظرون { إلا تأويله } إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه ~~وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد { يوم يأتي تأويله يقول الذين ~~نسوه من قبل } تركوه وأعرضوا عنه { قد جآءت رسل ربنا بالحق } أي تبين ~~وصح أنهم جاءوا بالحق فأقروا حين لا ينفعهم { فهل لنا من شفعآء فيشفعوا ~~لنآ } جواب الاستفهام { أو نرد } جملة معطوفة على الجملة قبلها داخلة ~~معها في حكم الاستفهام كأنه قيل: فهل لنا من شفعاء، أو هل نرد؟ ورافعه ~~وقوعه موقعا يصلح للاسم كقولك ابتداء «هل يضرب زيد»، أو عطف على تقدير: ~~هل يشفع لنا شافع أو هل نرد { فنعمل } جواب ms0437 الاستفهام أيضا { غير الذي ~~كنا نعمل قد خسروآ أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } ما كانوا ~~يعبدونه من الأصنام. # { إن ربكم الله الذي خلق السماوت والأرض في ستة أيام } أراد ~~السموات والأرض وما بينهما وقد فصلها في «حم السجدة» أي من الأحد إلى ~~الجمعة لاعتبار الملائكة شيئا فشيئا، وللإعلام بالتأني في الأمور، ولأن ~~لكل عمل يوما، ولأن إنشاء شيء بعد شيء أدل على عالم مدبر مريد يصرفه ~~على اختياره ويجريه على مشيئته { ثم استوى } استولى { على العرش } أضاف ~~الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه وتعالى مستوليا على جميع المخلوقات، ~~لأن العرش أعظمها وأعلاها. وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار ~~كما تقوله المشبهة باطل، لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان وهو الآن كما ~~كان، لأن التغير من صفات الأكوان. والمنقول عن الصادق والحسن وأبي حنيفة ~~ومالك رضي الله عنهم، أن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان ~~به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة. { يغشى اليل النهار } { ~~يغشى } حمزة وعلي وأبو بكر. # أي يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل { يطلبه حثيثا } حال من الليل أي ~~سريعا. والطالب هو الليل كأنه لسرعة مضيه يطلب النهار { والشمس والقمر ~~والنجوم } أي وخلق الشمس والقمر والنجوم { مسخرات } حال أي مذللات { ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات } شامي { والشمس } مبتدأ والبقية معطوفة ~~عليها والخبر { مسخرات } { بأمره } هو أمر تكوين. ولما ذكر أنه خلقهن ~~مسخرات بأمره قال { ألا له الخلق والأمر } أي هو الذي خلق الأشياء وله ~~الأمر { تبارك الله } كثر خيره أو دام بره من البركة النماء أو من ~~البروك الثبات ومنه البركة { رب العالمين }. # { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية، ~~والتضرع تفعل من الضراعة وهي الذل أي تذللا وتملقا. قال عليه السلام # " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إنه معكم ~~أينما كنتم " # عن الحسن: بين دعوة السر والعلانية سبعون ضعفا. { إنه لا يحب ~~المعتدين } المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره. وعن ابن ~~جريج: الرافعين أصواتهم ms0438 بالدعاء. وعنه: الصياح في الدعاء مكروه وبدعة. ~~وقيل: هو الإسهاب في الدعاء. وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك ~~الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من ~~قول وعمل " # ثم قرأ { إنه لا يحب المعتدين } { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } ~~أي بالمعصية بعد الطاعة، أو بالشرك بعد التوحيد، أو بالظلم بعد العدل { ~~وادعوه خوفا وطمعا } حالان أي خائفين من الرد طامعين في الإجابة، أو من ~~النيران وفي الجنان، أو من الفراق وفي التلاق، أو من غيب العاقبة وفي ~~ظاهر الهداية، أو من العدل وفي الفضل { إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين } ذكر قريب على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة ~~موصوف محذوف أي شيء قريب، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو ~~لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، أو للإضافة إلى المذكر. # { وهو الذي يرسل الرياح } { الريح } مكي وحمزة وعلي { بشرا } { ~~نشرا } حمزة وعلي. مصدر نشر، وانتصابه إما لأن أرسل ونشر متقاربان فكأنه ~~قيل نشرها نشرا، وإما على الحال أي منشورات { بشرا } عاصم تخفيف «بشرا» ~~جمع «بشير»، لأن الرياح تبشر بالمطر { نشرا } شامي تخفيف «نشر» كرسل ~~ورسل وهو قراءة الباقين جمع «نشور» أي ناشرة للمطر { بين يدي رحمته } ~~أمام نعمته وهو الغيث الذي هو من أجل النعم { حتى إذآ أقلت } حملت ~~ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة لأن الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلا ~~{ سحابا ثقالا } بالماء جمع سحابة { سقناه } الضمير للسحاب على اللفظ ~~ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلا ~~{ لبلد ميت } - ميت - لأجل بلد ليس فيه مطر ولسقيه { ميت } مدني ~~وحمزة وعلي وحفص { فأنزلنا به المآء } بالسحاب أو بالسوق وكذلك { فأخرجنا ~~به من كل الثمرات كذلك } مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات { نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون } فيؤديكم التذكر إلى الإيمان بالبعث إذ لا فرق ~~بين الإخراجين، لأن كل واحد منهما ms0439 إعادة الشيء بعد إنشائه { والبلد ~~الطيب } الأرض الطيبة الترب { يخرج نباته بإذن ربه } بتيسيره وهو موضع ~~الحال كأنه قيل: يخرج نباتة حسنا وافيا لأنه واقع في مقابلة { نكدا } ~~{ والذي خبث } صفة للبلد أي والبلد الخبيث { لا يخرج } أي نباته فحذف ~~للاكتفاء { إلا نكدا } هو الذي لا خير فيه وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ ~~وهو المؤمن ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك وهو الكافر، وهذا التمثيل واقع ~~على أثر ذكر مثل المطر وإنزاله بالبلد الميت وإخراج الثمرات به على طريق ~~الاستطراد { كذلك } مثل ذلك التصريف { نصرف الآيات } نرددها ونكررها { ~~لقوم يشكرون } نعمة الله وهم المؤمنون ليتفكروا فيها ويعتبروا بها. ### || [7.59-71] # { لقد أرسلنا } جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا { نوحا إلى قومه } ~~أرسل وهو ابن خمسين سنة وكان نجارا، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ~~وهو اسم إدريس عليه السلام { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره } { غيره } علي. فالرفع على المحل كأنه قيل: ما لكم إله غيره فلا ~~تعبدوا معه غيره، والجر على اللفظ { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ~~يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان. # { قال الملأ } أي الأشراف والسادة { من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ~~} أي بين في ذهاب عن طريق الصواب، والرؤية رؤية القلب { قال يا قوم ليس ~~بي ضلالة } ولم يقل ضلال كما قالوا لأن الضلالة أخص من الضلال فكانت ~~أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كأنه قال: ليس بي شيء من الضلال. ثم استدرك ~~لتأكيد نفي الضلالة فقال { ولكني رسول من رب العالمين } لأن كونه ~~رسولا من الله مبلغا لرسالاته في معنى كونه على الصراط المستقيم فكان ~~في الغاية القصوى من الهدى { أبلغكم رسالت ربي } ما أوحي إلي في ~~الأوقات المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ ~~والبشائر والنظائر. { أبلغكم } أبو عمرو. وهو كلام مستأنف بيان لكونه ~~رسول رب العالمين { وأنصح لكم } وأقصد صلاحكم بإخلاص. يقال نصحته ونصحت ~~له، وفي زيادة اللام مبالغة ms0440 ودلالة على إمحاض النصيحة. وحقيقة النصح ~~إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك أو النهاية في صدق العناية { وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } أي من صفاته يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه على ~~أعدائه وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين { أو عجبتم } الهمزة للإنكار ~~والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم { أن جآءكم } ~~من أن جاءكم { ذكر } موعظة { من ربكم على رجل منكم } على لسان رجل ~~منكم أي من جنسكم، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ~~ويقولون # ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين # يعنون إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة { لينذركم } ليحذركم عاقبة ~~الكفر { ولتتقوا } ولتوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار { ~~ولعلكم ترحمون } ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم { فكذبوه } فنسبوه إلى ~~الكذب { فأنجيناه والذين معه } وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة وقيل ~~تسعة: بنوه سام وحام ويافث، وستة ممن آمن به { في الفلك } يتعلق بمعه ~~كأنه قيل: والذين صحبوه في الفلك { وأغرقنا الذين كذبوا بأياتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين } عن الحق. يقال أعمى في البصر وعم في البصيرة. # { وإلى عاد } وأرسلنا إلى عاد وهو عطف على { نوحا } { أخاهم } واحدا ~~منهم من قولك «يا أخا العرب» للواحد منهم. # وإنما جعل واحدا منهم لأنهم عن رجل منهم أفهم فكانت الحجة عليهم ألزم { ~~هودا } عطف بيان ل { أخاهم } وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ~~{ قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } وإنما لم ~~يقل { فقال } كما في قصة نوح عليه السلام لأنه على تقدير سؤال سائل قال: ~~فما قال لهم هود؟ فقيل: { قال يا قوم اعبدوا الله } وكذلك { قال الملأ ~~الذين كفروا من قومه } وإنما وصف الملأ بالذين كفروا دون الملأ من قوم ~~نوح لأن في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد فأريدت التفرقة ~~بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح عليه السلام مؤمن { إنا لنراك في ~~سفاهة } في خفة حلم وسخافة عقل حيث تهجر ms0441 دين قومك إلى دين آخر. وجعلت ~~السفاهة ظرفا مجازا يعني أنه متمكن فيها غير منفك عنها { وإنا لنظنك ~~من الكاذبين } في ادعائك الرسالة. # { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم ~~رسالات ربي وأنا لكم ناصح } فيما أدعوكم إليه { أمين } على ما أقول ~~لكم. وإنما قال هنا { وأنا لكم ناصح أمين } لقولهم { وإنا لنظنك من ~~الكاذبين } أي ليقابل الاسم الاسم، وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام من ~~ينسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم ~~والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس ~~وأسفههم، أدب حسن وخلق عظيم، وإخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف ~~يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم { أو ~~عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروآ إذ ~~جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح } أي خلفتموهم في الأرض أو في مساكنهم. و ~~«إذ» مفعول به وليس بظرف أي اذكروا وقت استخلافكم { وزادكم في الخلق ~~بصطة } طولا وامتدادا فكان أقصرهم ستين ذراعا وأطولهم مائة ذراع { ~~بصطة }: حجازي وعاصم وعلي { فاذكروا ءالاء الله } في استخلافكم وبسطة ~~أجرامكم وما سواهما من عطاياه. وواحد الآلاء «إلى» نحو «إنى» و «آناء» { ~~لعلكم تفلحون }. # ومعنى المجيء في { قالوا أجئتنا } أن يكون لهود عليه السلام مكان معتزل ~~عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل ~~المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم { لنعبد الله وحده ونذر ما كان ~~يعبد ءابآؤنا } أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة وترك دين ~~الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه حبا لما نشئوا عليه { فأتنا بما ~~تعدنآ } من العذاب { إن كنت من الصادقين } أن العذاب نازل بنا { قال قد ~~وقع } أي قد نزل { عليكم } جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة ~~الواقع كقولك لمن طلب إليك بعض المطالب «قد كان» { من ربكم رجس } ~~عذاب { وغضب } سخط { أتجادلونني في أسمآء سميتموهآ } في أشياء ما ms0442 هي ~~إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم تسمون الأصنام آلهة وهي خالية عن معنى ~~الألوهية { أنتم وءابآؤكم ما نزل الله بها من سلطان } حجة { فانتظروآ ~~} نزول العذاب { إني معكم من المنتظرين } ذلك. ### || [7.72-87] # { فأنجينه والذين معه } أي من آمن به { برحمة ~~منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بئايتنا } ~~الدابر الأصل أو الكائن خلف الشيء، وقطع دابرهم استئصالهم وتدميرهم عن ~~آخرهم { وما كانوا مؤمنين } فائدة نفي الإيمان عنهم مع إثبات ~~التكذيب بآيات الله الإشعار بأن الهلاك خص المكذبين. وقصتهم أن عادا قد ~~تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت، وكانت لهم أصنام يعبدونها صداء ~~وصمود والهباء، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه فأمسك القطر عنهم ثلاث ~~سنين. وكانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج منه عند بيته الحرام ~~فأوفدوا إليه قيل ابن عنز ونعيم بن هزال ومرثد بن سعد وكان يكتم ~~إيمانه بهود عليه السلام وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوز ~~بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فنزلوا عليه بظاهر مكة فقال لهم ~~مرثد: لن تسقوا حتى تؤمنوا بهود فخلفوا مرثدا وخرجوا فقال قيل: اللهم ~~اسق عادا ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ~~ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك، فاختار السوداء على ~~ظن أنها أكثر ماء فخرجت على عاد من واد لهم فاستبشروا وقالوا هذا عارض ~~ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا ~~مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. # { وإلى ثمود } وأرسلنا إلى ثمود. وقريء { وإلى ثمود } بتأويل ~~الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر، ومنع الصرف بتأويل ~~القبيلة، وقيل: سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل وكانت ~~مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام { أخاهم صلحا قال يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم ~~بينة من ربكم } آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي فكأنه قيل: ما ~~هذه البينة؟ فقال: { هذه ناقة الله } وهذه إضافة تخصيص وتعظيم ~~لأنها بتكوينه تعالى ms0443 بلا صلب ولا رحم { لكم ءاية } حال من الناقة ~~والعامل معنى الإشارة في { هذه } كأنه قيل: أشير إليها آية ولكم ~~بيان لمن هي له آية وهي ثمود لأنهم عاينوها { فذروها تأكل فى ~~أرض الله } أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فذروها تأكل في ~~أرض ربها من نبات ربها فليس عليكم مؤنتها { ولا تمسوها بسوء } ~~ولا تضربوها ولا تعقروها ولا تطردوها إكراما لآية الله { فيأخذكم ~~} جواب النهي { عذاب أليم واذكروا إذ جعلكم خلفاء ~~من بعد عاد وبوأكم } ونزلكم، والمباءة المنزل { فى ~~الأرض } في أرض الحجر بين الحجاز والشام { تتخذون من ~~سهولها قصورا } غرفا للصيف { وتنحتون الجبال بيوتا ~~} للشتاء، و { بيوتا } حال مقدرة نحو «خط هذا الثوب قميصا» إذ الجبل ~~لا يكون بيتا في حال النحت ولا الثوب قميصا في حال الخياطة { ~~فاذكروا ءالآء الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } ~~روي أن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوها في الأرض وعمروا ~~أعمارا طوالا، فنحتوا البيوت من الجبال خشية الانهدام قبل الممات، ~~وكانوا في سعة من العيش فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان، ~~فبعث الله إليهم صالحا وكانوا قوما عربا وصالح من أوسطهم نسبا، ~~فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فأنذرهم، فسألوه أن ~~يخرج من صخرة بعينها ناقة عشراء فصلى ودعا ربه فتمخضت تمخض النتوج بولدها ~~فخرجت منها ناقة كما شاؤوا فآمن به جندع ورهط من قومه. # { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } { وقال } ~~شامي { للذين استضعفوا } للذين استضعفهم رؤساء الكفار { ~~لمن ءامن منهم } بدل من { الذين استضعفوا } بإعادة ~~الجار، وفيه دليل على أن البدل حيث جاء كان في تقدير إعادة العامل، ~~والضمير في { منهم } راجع إلى قومه وهو يدل على أن استضعافهم كان ~~مقصورا على المؤمنين، أو إلى { الذين استضعفوا } وهو يدل على ~~أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين { أتعلمون أن صلحا ~~مرسل من ربه } قالوه على سبيل السخرية { قالوا إنا بما ~~أرسل به مؤمنون } وإنما صار هذا جوابا لهم لأنهم سألوهم عن ~~العلم بإرساله أمرا ms0444 معلوما مسلما كأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما ~~أرسل به لا شبهة فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنابه ~~مؤمنون { قال الذين استكبروا إنا بالذى ءامنتم ~~به كفرون } فوضعوا { آمنتم به } موضع أرسل به ردا لما جعله ~~المؤمنون معلوما مسلما { فعقروا الناقة } أسند العقر إلى ~~جميعهم وإن كان العاقر قدار بن سالف لأنه كان برضاهم. وكان قدار أحمر ~~أزرق قصيرا كما كان فرعون كذلك. وقال عليه السلام: # " يا علي، أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك " # { وعتوا عن أمر ربهم } وتولوا عنه واستكبروا وأمر ربهم ما ~~أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله { فذروها تأكل فى ~~أرض الله } أو شأن ربهم وهو دينه # وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا # من العذاب { إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة ~~} الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها { فأصبحوا في ~~دارهم } في بلادهم أو مساكنهم { جثمين } ميتين قعودا. يقال: ~~الناس جثم أي قعود لا حراك بهم ولا يتكلمون { فتولى عنهم } لما ~~عقروا الناقة { وقال يا قوم } عند فراقه إياهم { لقد ~~أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا ~~تحبون النصحين } الآمرين بالهدى لاستحلاء الهوى والنصيحة ~~منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة. # روي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء فقال صالح: تعيشون بعده ثلاثة ~~أيام، تصفر وجوهكم أول يوم، وتحمر في الثاني، وتسود في الثالث، ويصيبكم ~~العذاب في الرابع وكان كذلك. روي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو ~~يبكي، فلما علم أنهم هلكوا رجع بمن معه فسكنوا ديارهم. { ولوطا إذ ~~قال لقومه } أي واذكر لوطا «وإذ» بدل منه { أتأتون ~~الفحشة } أتفعلون السيئة المتمادية في القبح { ما سبقكم ~~بها } ما عملها قبلكم والباء للتعدية ومنه قوله عليه السلام # " سبقك بها عكاشة " # { من أحد } «من» زائدة لتأكيد المنفي وإفادة معنى الاستغراق { من ~~العلمين } «من» للتبعيض وهذه جملة مستأنفة أنكر عليهم أولا بقوله ~~{ أتأتون الفحشة } ثم وبخهم عليها فقال أنتم أول من عملها. ~~وقوله تعالى { إنكم لتأتون الرجال } -أئنكم لتأتون الرجال - ~~بيان ms0445 لقوله { أتأتون الفحشة } والهمزة مثلها في { ~~أتأتون } للإنكار. { إنكم } على الإخبار: مدني وحفص. يقال: أتى ~~المرأة إذا غشيها { شهوة } مفعول له أي للاشتهاء لا حامل لكم عليه ~~إلا مجرد الشهوة، ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمية { من دون ~~النساء } أي لا من النساء { بل أنتم قوم مسرفون } أضرب ~~عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وهو أنهم ~~قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء فمن ثم أسرفوا في باب قضاء ~~الشهوة حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد. # { وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من ~~قريتكم } أي لوطا ومن آمن معه يعني ما أجابوه بما يكون جوابا عما ~~كلمهم به لوط من إنكار الفاحشة، ووصفهم بصفة الإسراف الذي هو أصل الشر، ~~ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه ~~من المؤمنين من قريتهم { إنهم أناس يتطهرون } يدعون ~~الطهارة ويدعون فعلنا الخبيث عن ابن عباس رضي الله عنهما: عابوهم بما ~~يتمدح به { فأنجينه وأهله } ومن يختص به من ذويه أو من ~~المؤمنين { إلا امرأته كانت من الغبرين } من الباقين ~~في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث وكانت كافرة موالية لأهل ~~سدوم، وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت { وأمطرنا عليهم ~~مطرا } وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا قالوا: أمطر الله عليهم ~~الكبريت والنار. وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت حجارة على مسافريهم. ~~وقال أبو عبيدة: أمطر في العذاب ومطر في الرحمة { فانظر كيف كان ~~عقبة المجرمين } الكافرين. # { وإلى مدين } وأرسلنا إلى مدين وهو اسم قبيلة { أخهم ~~شعيبا } يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس ~~للمكاييل والموازين { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } أي ~~معجزة وإن لم تذكر في القرآن { فأوفوا الكيل والميزان } ~~أتموهما والمراد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو يكون الميزان كالميعاد ~~بمعنى المصدر { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } ولا تنقصوا ~~حقوقهم بتطفيف الكيل ونقصان الوزن، وكانوا يبخسون الناس كل ms0446 شيء في ~~مبايعتهم. # «وبخس» يتعدى إلى مفعولين وهما الناس وأشياءهم تقول: بخست زيدا حقه أي ~~نقصته إياه { ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها } بعد ~~الإصلاح فيها أي لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء ~~والأولياء. وإضافته كإضافة # بل مكر اليل والنهار # [سبأ: 33] أي بل مكركم في الليل والنهار { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر ~~من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض { خير ~~لكم } في الإنسانية وحسن الأحدوثة { إن كنتم مؤمنين } ~~مصدقين لي في قولي { ولا تقعدوا بكل صرط } بكل طريق { ~~توعدون } من آمن بشعيب بالعذاب { وتصدون عن سبيل الله } ~~عن العبادة { من ءامن به } بالله وقيل: كانوا يقطعون الطرق. وقيل: ~~كانوا عشارين { وتبغونها } وتطلبون لسبيل الله { عوجا } أي ~~تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتمنعوهم عن سلوكها. ومحل { ~~توعدون } وما عطف عليه النصب على الحال أي لا تقعدوا موعدين وصادين ~~عن سبيل الله وباغين عوجا { واذكروا إذ كنتم قليلا } «إذ» ~~مفعول به غير ظرف أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلا عددكم { ~~فكثركم } الله ووفر عددكم. وقيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط ~~فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا { وانظروا كيف ~~كان عقبة المفسدين } آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم ~~نوح وهود ولوط عليهم السلام { وإن كان طائفة منكم ءامنوا ~~بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } ~~فانتظروا { حتى يحكم الله بيننا } أي بين الفريقين بأن ~~ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم، وهذا وعيد للكافرين بانتقام ~~الله تعالى منهم، أو هو حث للمؤمنين على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من ~~المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم، أو هو خطاب للفريقين ~~أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، والكافرون على ما يسوءهم من إيمان من ~~آمن منهم حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب. { وهو خير ~~الحكمين } لأن حكمه حق وعدل لا يخاف فيه الجور. ### || [7.88-102] # { قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا معك من ~~قريتنا ms0447 أو لتعودن في ملتنا } أي ليكونن أحد الأمرين ~~إما إخراجكم وإما عودكم في الكفر { قال } شعيب { أولو كنا ~~كرهين } الهمزة للاستفهام والواو للحال تقديره أتعيدوننا في ملتكم ~~في حال كراهتنا ومع كوننا كارهين قالوا: نعم. ثم قال شعيب { قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم } وهو ~~قسم على تقدير حذف اللام أي والله لقد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم { بعد إذ نجانا الله منها } خلصنا الله. فإن قلت: ~~كيف قال شعيب { إن عدنا فى ملتكم } والكفر على الأنبياء ~~عليهم السلام محال؟ قلت: أراد عود قومه إلا أنه يضم نفسه في جملتهم وإن ~~كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب { وما يكون لنا } ~~وما ينبغي لنا وما يصح { أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا } إلا أن يكون سبق في مشيئته أن نعود فيها إذ الكائنات كلها ~~بمشيئة الله تعالى خيرها وشرها { وسع ربنا كل شيء علما } ~~تمييز أي هو عالم بكل شيء فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف ~~تتقلب { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا ~~لازدياد الإيقان { ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق } أي الحكم والفتاحة الحكومة والقضاء بالحق بفتح الأمر المغلق ~~فلذا سمي فتحا، ويسمي أهل عمان القاضي فتاحا { وأنت خير ~~الفتحين } كقوله # وهو خير الحكمين # { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن ~~اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخسرون } مغبونون لفوات ~~فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء ~~والتسوية. وجواب القسم الذي وطأته اللام في { لئن اتبعتم } ~~وجواب الشرط { إنكم إذا لخسرون } فهو ساد مسد الجوابين { ~~فأخذتهم الرجفة } الزلزلة { فأصبحوا في دارهم ~~جثمين } ميتين { الذين كذبوا شعيبا } مبتدأ خبره { ~~كأن لم يغنوا فيها } لم يقيموا فيها. غني بالمكان أقام { ~~الذين كذبوا شعيبا } مبتدأ خبره { كانوا هم ~~الخسرين } لا من قالوا لهم إنكم إذا لخاسرون وفي هذا الابتداء ~~معنى الاختصاص كأنه قيل: الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا كأن ~~لم يقيموا في دارهم، لأن ms0448 الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله، الذين ~~كذبوا شعيبا هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه فهم الرابحون، وفي ~~التكرار مبالغة واستعظام لتكذيبهم ولما جرى عليهم. # { فتولى عنهم } بعد أن نزل بهم العذاب { وقال يا قوم ~~لقد أبلغتكم رسلت ربى ونصحت لكم فكيف ~~ءاسى } أحزن { على قوم كفرين } اشتد حزنه على قومه، ثم ~~أنكر على نفسه فقال: كيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم ~~لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم، أو أراد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ ~~والتحذير مما حل بكم فلم تصدقوني فكيف آسى عليكم { وما أرسلنا فى ~~قرية من نبى } يقال لكل مدينة قرية، وفيه حذف أي فكذبوه { إلا ~~أخذنا أهلها بالبأساء } بالبؤس والفقر { والضراء } ~~الضر والمرض لاستكبارهم عن اتباع نبيهم، أو هما نقصان النفس والمال { ~~لعلهم يضرعون } ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر { ~~ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } أي أعطيناهم بدل ما ~~كانوا فيه من البلاء، والمحنة: الرخاء والسعة والصحة { حتى عفوا } ~~كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم «عفا النباب» إذا كثر، ومنه ~~قوله عليه السلام # " واعفوا اللحى ". # وقالوا قد مس ءاباءنا الضراء والسراء } أي قالوا ~~هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا نحو ذلك ~~وما هو بعقوبة الذنب فكونوا على ما أنتم عليه { فأخذنهم ~~بغتة } فجأة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب. # واللام في { ولو أن أهل القرى } إشارة إلى أهل القرى التي ~~دل عليها { وما أرسلنا فى قرية من نبى } كأنه قال: ولو ~~أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا { ءامنوا } بدل كفرهم { ~~واتقوا } الشرك مكان ارتكابه { لفتحنا عليهم } { ~~لفتحنا } شامي { بركت من السماء والأرض } أراد المطر ~~والنبات أو لآتيناهم بالخير من كل وجه { ولكن كذبوا } الأنبياء ~~{ فأخذنهم بما كانوا يكسبون } بكفرهم وسوء كسبهم، ~~ويجوز أن تكون اللام للجنس { أفأمن أهل القرى } يريد الكفار ~~منهم { أن يأتيهم بأسنا } عذابنا { بياتا } ليلا أي وقت ~~بيات، يقال بات بياتا { وهم نائمون أو أمن أهل القرى ~~أن يأتيهم بأسنا ضحى } نهارا. والضحى في الأصل ms0449 ضوء الشمس ~~إذا أشرقت. والفاء والواو في { أفأمن } و { أو أمن } حرفا عطف ~~دخل عليهما همزة الإنكار، والمعطوف عليه { فأخذنهم بغتة } ~~وقوله { ولو أن أهل القرى } إلى { يكسبون } اعتراض بين ~~المعطوف والمعطوف عليه. وإنما عطفت بالفاء لأن المعنى فعلوا وصنعوا ~~فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وأمنوا أن ~~يأتيهم بأسنا ضحى { أو أمن } شامي وحجازي على العطف ب «أو» والمعنى ~~إنكار الأمن من أحد هذين الوجهين من إتيان العذاب ليلا أو ضحى، فإن قلت: ~~كيف دخل همزة الاستفهام على حرف العطف وهو ينافي الاستفهام؟ قلت: التنافي ~~في المفرد لا في عطف جملة على جملة لأنه على استئناف جملة بعد جملة { ~~وهم يلعبون } يشتغلون بما لا يجدي عليهم. # { أفأمنوا } تكرير لقوله { أفأمن أهل القرى } { ~~مكر الله } أخذه العبد من حيث لا يشعر. # وعن الشبلي قدس الله روحه العزيز: مكره بهم تركه إياهم على ما هم عليه. ~~وقالت ابنة الربيع بن خيثم لأبيها: مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ ~~قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله { أن يأتيهم ~~بأسنا بيتا } { فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخسرون } إلا الكافرون الذين خسروا أنفسهم حتى صاروا ~~إلى النار. # { أولم يهد } يبين { للذين يرثون الأرض من بعد ~~أهلها أن لو نشاء أصبنهم بذنوبهم } { أن لو ~~نشاء } مرفوع بأنه فاعل { يهد } «وأن» مخففة من الثقيلة أي أولم ~~يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثونهم أرضهم هذا الشأن، وهو ~~أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم فأهكلنا الوارثين كما ~~أهلكنا الموروثين، وإنما عدي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين { ~~ونطبع } مسأنف أي ونحن نختم { على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون } الوعظ { تلك القرى نقص عليك من ~~أنبائها } كقوله # هذا بعلى شيخا # [هود: 72] في أنه مبتدأ وخبر وحال، أو تكون { القرى } صفة { تلك ~~} و { نقص } خبرا والمعنى: تلك القرى المذكورة من قوم نوح إلى قوم ~~شعيب نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك { ولقد ms0450 ~~جاءتهم رسلهم بالبينت } بالمعجزات { فما كانوا ~~ليؤمنوا } عند مجيء الرسل بالبينات { بما كذبوا من قبل ~~} بما كذبوا من آيات الله من قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى ~~آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل أي استمروا على التكذيب ~~من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين مع تتابع الآيات، واللام ~~لتأكيد النفي. { كذلك } مثل ذلك الطبع الشديد { يطبع الله ~~على قلوب الكفرين } لما علم منهم أنهم يختارون الثبات على ~~الكفر { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } الضمير للناس على ~~الإطلاق يعني أن أكثر الناس نقضوا عهد الله وميثاقه في الإيمان، والآية ~~اعتراض، أو للأمم المذكورين فإنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة ~~لئن أنجيتنا لنؤمنن ثم أنجاهم نكثوا { وإن } وإن الشأن والحديث { ~~وجدنا أكثرهم لفسقين } لخارجين عن الطاعة، والوجود ~~بمعنى العلم بدليل دخول «إن» المخففة واللام الفارقة، ولا يجوز ذلك إلا ~~في المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما. ### || [7.103-129] # { ثم بعثنا من بعدهم } الضمير للرسل في قوله { ولقد ~~جاءتهم رسلهم } أو للأمم { موسى بئايتنا } بالمعجزات ~~الواضحات { إلى فرعون وملإيه فظلموا بها } فكفروا ~~بآياتنا، أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من واد واحد # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] أو فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن، أو لأنه إذا وجب ~~الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلما حيث وضعوا الكفر غير ~~موضعه وهو موضع الإيمان { فانظر كيف كان عقبة ~~المفسدين } حيث صاروا مغرقين { وقال موسى يفرعون } ~~يقال لملوك مصر «الفراعنة» كما يقال لملوك فارس «الأكاسرة»، وكأنه قال: ~~يا ملك مصر واسمه قابوس أو الوليد بن مصعب بن الريان { إنى رسول ~~من رب العلمين } إليك. قال فرعون: كذبت. فقال موسى: { حقيق ~~على أن لا أقول على الله إلا الحق } أي أنا حقيق على ~~قول الحق أي واجب على قول الحق أن أكون قائله والقائم به. { حقيق ~~على } نافع أي واجب علي ترك القول على الله إلا الحق أي الصدق، وعلى ~~هذه القراءة تقف على { العلمين } وعلى الأول ms0451 يجوز الوصل على جعل { ~~حقيق } وصف الرسول، و«علي» بمعنى الباء كقراءة أبي أي إني رسول خليق ~~بأن لا أقول، أو يعلق «على» بمعنى الفعل في الرسول أي إني رسول حقيق جدير ~~بالرسالة أرسلت على أن لا أقول على الله إلا الحق { قد جئتكم ~~ببينة من ربكم } بما يبين رسالتي { فأرسل معى بنى ~~إسرءيل } فخلهم يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم. ~~وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي غلب فرعون على نسل الأسباط واستعبدهم ~~فأنقذهم الله بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف عليه ~~السلام مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام { معى } حفص { قال ~~إن كنت جئت بئاية } من عند من أرسلك { فأت بها إن كنت ~~من الصدقين } فأتني بها لتصح دعواك ويثبت صدقك فيها { ~~فألقى } موسى عليه السلام { عصه } من يده { فإذا هى } { ~~إذا } هذه للمفاجأة وهي من ظروف المكان بمنزلة «ثمة» و«هناك» { ~~ثعبان } حية عظيمة { مبين } ظاهر أمره. روي أنه كان ذكرا فاغرا ~~فاه بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل في الأرض والأعلى على سور ~~القصر، ثم توجه نحو فرعون فهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وحمل على ~~الناس فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا، فصاح فرعون: يا موسى ~~خذه وأنا أومن بك فأخذه موسى فعاد عصا { ونزع يده } من جيبه { ~~فإذا هى بيضاء للنظرين } أي فإذا هي بيضاء للنظارة، ولا ~~تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجمع ~~الناس للنظر إليه. # روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟ فقال: يدك ثم أدخلها في جيبه ~~ونزعها فإذا هي بيضاء غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى عليه السلام آدم ~~شديد الأدمة. # { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لسحر ~~عليم } عالم بالسحر ماهر فيه قد خيل إلى الناس العصاحية والآدم أبيض. ~~وهذا الكلام قد عزي إلى فرعون في سورة «الشعراء» وأنه قال للملأ، وهنا ~~عزي إليهم فيحتمل أنه قد قاله هو وقالوه هم فحكي قوله ms0452 ثمة وقولهم هنا، ~~أو قاله ابتداء فتلقنه منه الملأ فقالوه لأعقابهم { يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم } يعني مصر { فماذا تأمرون } تشيرون ~~من آمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي، وهو من كلام فرعون ~~قاله للملأ لما قالوا له { إن هذا لسحر عليم يريد أن ~~يخرجكم } { قالوا أرجه } بسكون الهاء: عاصم وحمزة أي أخر ~~واحبس أي أخر أمره ولا تعجل، أو كأنه هم بقتله فقالوا: أخر قتله واحبسه ~~ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق { وأخاه } هرون { وأرسل فى ~~المدائن حشرين } جامعين. # { يأتوك بكل سحر عليم } { سحار }: حمزة وعلي. أي ~~يأتوك بكل ساحر عليم مثله في المهارة أو بخير منه { وجاء السحرة ~~فرعون } يريد فأرسل إليهم فحضروا { قالوا إن لنا لأجرا } ~~على الخبر وإثبات الأجر العظيم حجازي وحفص. ولم يقل «فقالوا» لأنه على ~~تقدير سؤال سائل ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب بقوله { قالوا إن لنا ~~لأجرا } لجعلا على الغلبة. والتنكير للتعظيم كأنهم قالوا لا بد لنا ~~من أجر عظيم { إن كنا نحن الغلبين قال نعم } إن لكم ~~لأجرا { وإنكم لمن المقربين } عندي فتكونون أول من يدخل ~~وآخر من يخرج، وكانوا ثمانين ألفا أو سبعين ألفا أو بضعة وثلاثين ألفا ~~{ قالوا يا موسى إما أن تلقى } عصاك { وإما أن ~~نكون نحن الملقين } لما معنا، وفيه دلالة على أن رغبتهم في ~~أن يلقوا قبله حيث أكد ضميرهم المتصل بالمنفصل وعرف الخبر { قال } لهم ~~موسى عليه السلام { ألقوا } تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه كما ~~يفعل المتناظرون قبل أن يتحاوروا الجدال، وقد سوغ لهم موسى ما رغبوا فيه ~~ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم واعتمادا على أن المعجزة لن يغلبها سحر ~~أبدا { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } أروها بالحيل ~~والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا ~~وخشبا طوالا فإذا هي أمثال الحيات قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضا { ~~واسترهبوهم } وأرهبوهم إرهابا شديدا كأنهم استدعوا رهوبتهم ~~بالحيلة { وجاءو بسحر عظيم } في باب السحر أو في عين من رآه. # { وأوحينا إلى موسى أن ms0453 ألق عصاك فإذا هى ~~تلقف } - تلقف - تبتلع { تلقف } حفص { ما يأفكون } «ما» ~~موصولة أو مصدرية يعني ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ~~ويزورونه، أو إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك. روي أنها لما تلقفت ملء الوادي ~~من الخشب والحبال ورفعها موسى فرجعت عصا كما كانت، وأعدم الله بقدرته ~~تلك الأجرام العظيمة، أو فرقها أجزاء لطيفة قالت السحرة: لو كان هذا ~~سحرا لبقيت حبالنا وعصينا { فوقع الحق } فحصل وثبت { وبطل ~~ما كانوا يعلمون } من السحر { فغلبوا هنالك } أي فرعون ~~وجنوده والسحرة { وانقلبوا صغرين } وصاروا أذلاء مبهوتين { ~~وألقى السحرة سجدين } وخروا سجدا لله كأنما ألقاهم ملق ~~لشدة خرورهم، أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا فكانوا أول النهار ~~كفارا سحرة وفي آخره شهداء بررة { قالوا ءامنا برب ~~العلمين رب موسى وهرون } هو بدل مما قبله { قال ~~فرعون ءامنتم به } على الخبر: حفص. وهذا توبيخ منه لهم. ~~وبهمزتين: كوفي غير حفص. فالأولى همزة الاستفهام ومعناه الإنكار ~~والاستبعاد { قبل أن ءاذن لكم } قبل إذني لكم { إن هذا ~~لمكر مكرتموه فى المدينة لتخرجوا منها ~~أهلها } إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن ~~تخرجوا إلى الصحراء لغرض لكم وهو { أن تخرجوا من مصر القبط ~~وتسكنوا بني إسرائيل } { فسوف تعلمون } وعيد أجمله ثم فصله ~~بقوله: # { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق ~~طرفا { ثم لأصلبنكم أجمعين } هو أول من قطع من خلاف ~~وصلب { قالوا إنا إلى ربنا منقلبون } فلا نبالي بالموت ~~لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، أو إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون نقلب ~~إلى الله فيحكم بيننا { وما تنقم منا إلا أن ءامنا ~~بئايت ربنا لما جاءتنا } وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات ~~الله، أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر وهو الإيمان ~~ومنه قوله # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي اصبب صبا ذريعا. والمعنى ~~هب لنا صبرا واسعا وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا كما يفرغ الماء ~~إفراغا ms0454 { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام { وقال ~~الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا فى الأرض } أرض مصر بالاستعلاء فيها وتغيير دين أهلها ~~لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفر { ويذرك وءالهتك } عطف على ~~{ ليفسدوا } قيل: صنع فرعون لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها ~~تقربا إليه كما يعبد عبدة الأصنام الأصنام ويقولون ليقربونا إلى الله ~~زلفى، ولذلك # قال أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] { قال } فرعون مجيبا للملإ { سنقتل أبناءهم ~~ونستحيى نساءهم وإنا فوقهم قهرون } { ~~سنقتل } حجازي أي سنعيد عليهم قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا ~~عليه من الغلبة والقهر وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، ولئلا يتوهم ~~العامة أنه هو المولود الذي تحدث المنجمون بذهاب ملكنا على يده فيثبطهم ~~ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه { قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا } قال لهم ذلك حين جزعوا من قول ~~فرعون سنقتل أبناءهم تسلية لهم ووعدا بالنصر عليهم { إن الأرض } ~~اللام للعهد أي أرض مصر أو للجنس فيتناول أرض مصر تناولا أوليا { ~~لله يورثها من يشاء من عباده } فيه تنميته إياهم أرض مصر ~~{ والعقبة للمتقين } بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين ~~منهم ومن القبط. وأخليت هذه الجملة عن الواو لأنها جملة مستأنفة بخلاف ~~قوله { وقال الملأ } لأنها معطوفة على ما سبقها من قوله { قال ~~الملأ من قوم فرعون } { قالوا أوذينا من قبل أن ~~تأتينا ومن بعد ما جئتنا } يعنون قتل أبنائهم قبل مولد ~~موسى إلى أن استنبىء وإعادته عليهم بعد لك، وذلك اشتكاء من فرعون ~~واستبطاء لوعد النصر { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ~~ويستخلفكم فى الأرض } تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل ~~وكشف عنه وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر { فينظر كيف ~~تعملون } فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة ~~وكفرانها ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. وعن عمرو بن عبيد أنه دخل على ~~المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان، وطلب المنصور زيادة ~~لعمرو فلم توجد فقرأ عمرو هذه الآية، ثم دخل عليه بعد ما ms0455 استخلف فذكر له ~~ذلك وقال: قد بقي { فينظر كيف تعملون }. ### || [7.130-139] # { ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين } سني القحط وهن سبع ~~سنين، والسنة من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم { ونقص من ~~الثمرات } قيل: السنون لأهل البوادي ونقص الثمرات للأمصار { ~~لعلهم يذكرون } ليتعظوا فينتبهوا على أن ذلك لإصرارهم على ~~الكفر، ولأن الناس في حال الشدة أضرع حدودا وأرق أفئدة. وقيل: عاش فرعون ~~أربعمائة سنة لم ير مكروها في ثلثمائة وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك ~~المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية { فإذا جاءتهم ~~الحسنة } الصحة والخصب { قالوا لنا هذه } أي هذه التي ~~نستحقها { وإن تصبهم سيئة } جدب ومرض { يطيروا } أصله ~~«يتطيروا» فأدغمت التاء في الطاء لأنها من طرف اللسان وأصول الثنايا { ~~بموسى ومن معه } تشاءموا بهم وقالوا هذه بشؤمهم ولولا مكانهم ~~لما أصابتنا. وإنما دخل «إذا» في الحسنة وعرفت الحسنة و «إن» في السيئة ~~ونكرت السيئة، لأن جنس الحسنة وقوعه كالكائن لكثرته، وأما السيئة فلا تقع ~~إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها { ألا إنما طائرهم } سبب ~~خيرهم وشرهم { عند الله } في حكمه ومشيئته والله هو الذي قدر ما ~~يصيبهم من الحسنة والسيئة # قل كل من عند الله # [النساء: 78] { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك { ~~وقالوا مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها فما ~~نحن لك بمؤمنين } أصل «مهما» ما ما، فما الأولى للجزاء ضمت ~~إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء في قوك «متى» ما تخرج أخرج # أينما تكونوا # [النساء: 78] # فإما نذهبن بك # [الزخرف: 41] إلا أن الألف قلبت هاء استثقالا لتكرير المتجانسين وهو ~~المذهب السديد البصري، وهو في موضع النصب ب { تأتنا } أي أيما شيء ~~تحضرنا تأتنا به، و { من ءاية } تبيين ل { مهما } والضمير في { ~~به } و { بها } راجع إلى { مهما } إلا أن الأول ذكر على اللفظ ~~والثاني أنث على المعنى لأنها في معنى الآية، وإنما سموها آية اعتبارا ~~لتسمية موسى أو قصدوا بذلك الاستهزاء { فأرسلنا عليهم ~~الطوفان } ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل. قيل: طفا الماء فوق ms0456 ~~حروثهم وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمسا ولا ~~قمرا ولا يقدر أحد أن يخرج من داره. وقيل: دخل الماء في بيوت القبط حتى ~~قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من ~~الماء قطرة، أو هو الجدري أو الطاعون { والجراد } فأكلت زروعهم ~~وثمارهم وسقوف بيوتهم وثيابهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء { ~~والقمل } وهي الدباء وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، أو ~~البراغيث، أو كبار القردان { والضفادع } وكانت تقع في طعامهم ~~وشرابهم حتى إذا تكلم الرجل تقع في فيه { والدم } أي الرعاف. # وقيل: مياههم انقلبت دما حتى إن القبطي والإسرائيلي إذا اجتمعا على ~~إناء فيكون ما يلي القبطي دما. وقيل: سال عليهم النيل دما { ءايت } ~~حال من الأشياء المذكورة { مفصلات } مبينات ظاهرات لا يشكل على ~~عاقل أنها من آيات الله أو مفرقات بين كل آيتين شهر { فاستكبروا } ~~عن الإيمان بموسى { وكانوا قوما مجرمين }. # { ولما وقع عليهم الرجز } العذاب الأخير وهو الدم، أو ~~العذاب المذكور واحدا بعد واحد { قالوا يا موسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك } «ما» مصدرية أي بعهده عندك وهو النبوة، ~~والباء تتعلق ب { ادع } أي ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك { ~~لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل. # فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل } إلى حد من الزمان { هم ~~بلغوه } لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال ~~وكشف العذاب إلى حلوله { إذا هم ينكثون } جواب { لما } أي فلما كشفنا ~~عنهم فاجأوا النكث ولم يؤخروه { فانتقمنا منهم } هو ضد الإنعام ~~كما أن العقاب هو ضد الثواب { فأغرقنهم في اليم } هو البحر ~~الذي لا يدرك قعره، أو هو لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأن ~~المنتفعين به يقصدونه { بأنهم كذبوا بئايتنا ~~وكانوا عنها غفلين } أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات ~~وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها { وأورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون } هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه ~~بالقتل والاستخدام ms0457 { مشرق الأرض ومغربها } يعني أرض مصر ~~والشام { التى باركنا فيها } بالخصب وسعة الأرزاق وكثرة الأنهار ~~والأشجار { وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى ~~إسرءيل } هو قوله: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى ~~الأرض # [الأعراف: 129] أو { ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا فى الأرض } إلى # ما كانوا يحذرون # [القصص: 5]. والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة و«على» صلة { تمت } أي ~~مضت عليهم واستمرت من قولك تم علي الأمر إذا مضى عليه { بما صبروا ~~} بسبب صبرهم وحسبك به حاثا على الصبر ودالا على أن من قابل البلاء ~~بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج { ~~ودمرنا } أهلكنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من ~~العمارات وبناء القصور { وما كانوا يعرشون } من الجنات، أو ما ~~كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره. وبضم ~~الراء: شامي وأبو بكر. وهذا آخر قصة فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله. # ثم أتبعه قصة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون ومعاينتهم ~~الآيات العظام ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر وغير ذلك، ليتسلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مما رآه من بني إسرائيل بالمدينة { وجاوزنا ~~ببنى إسرءيل البحر } روي أنهم عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعدما ~~أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكرا لله { فأتوا على قوم } ~~فمروا عليهم { يعكفون على أصنام لهم } يواظبون على ~~عبادتها وكانت تماثيل بقر. # وبكسر الكاف: حمزة وعلي. { قالوا يا موسى اجعل لنا ~~إلها } صنما نعكف عليه { كما لهم ءالهة } أصنام يعكفون ~~عليها. و «ما» كافة للكاف ولذلك وقعت الجملة بعدها. قال يهودي لعلي رضي ~~الله عنه: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه. فقال: قلتم { اجعل ~~لنا إلها } ولم تجف أقدامكم { قال إنكم قوم ~~تجهلون } تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى فوصفهم ~~بالجهل المطلق وأكده { إن هؤلآء } يعني عبدة تلك التماثيل { ~~متبر } مهلك من التبار { ما هم فيه } أي يتبر الله ويهدم ~~دينهم الذي هم عليه على يدي. وفي إيقاع { هؤلاء } اسما ل «إن» ~~وتقديم خبر ms0458 المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لها واسم لعبدة الأصنام ~~بأنهم هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم ألبتة. # { وبطل ما كانوا يعملون } أي ما عملوا من عبادة الأصنام ~~باطل مضمحل. ### || [7.140-150] # { قال أغير الله أبغيكم إلها } أي أغير المستحق للعبادة أطلب لكم ~~معبودا { وهو فضلكم على العالمين } حال أي على عالمي زمانكم { وإذ ~~أنجيناكم من ءال فرعون } { أنجاكم } شامي { يسومونكم سوء العذاب } ~~يبغونكم شدة العذاب من سام السلعة إذا طلبها، وهو استئناف لا محل له، أو ~~حال من المخاطبين، أو من { آل فرعون } { يقتلون أبنآءكم ويستحيون ~~نسآءكم } { يقتلون } نافع { وفي ذلكم } أي في الإنجاء أو في العذاب { ~~بلآء } نعمة أو محنة { من ربكم عظيم ووعدنا موسى ثلاثين ليلة } ~~لإعطاء التوراة { وأتممناها بعشر } روي أن موسى عليه الصلاة والسلام وعد ~~بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله، فلما ~~هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما وهي شهر ذي ~~القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك، فأوحى الله إليه أما ~~علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك فأمره أن يزيد عليها عشرة ~~أيام من ذي الحجة لذلك { فتم ميقات ربه } ما وقت له من الوقت وضربه له ~~{ أربعين ليلة } نصب على الحال أي تم بالغا هذا العدد، ولقد أجمل ذكر ~~الأربعين في «البقرة» وفصلها هنا { وقال موسى لأخيه هارون } هو عطف بيان ~~{ لأخيه } { اخلفني في قومي } كن خليفتي فيهم { وأصلح } ما يجب أن يصلح ~~من أمور بني إسرائيل { ولا تتبع سبيل المفسدين } ومن دعاك منهم إلى ~~الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه. # { ولما جآء موسى لميقاتنا } لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا. ومعنى اللام ~~الاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا { وكلمه ربه } بلا واسطة ولا كيفية. ~~وروي أنه كان يسمع الكلام من كل جهة. وذكر الشيخ في التأويلات أن موسى ~~عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى، وكان اختصاصه باعتبار ~~أنه أسمعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت ms0459 مكتسبا لأحد من ~~الخلق، وغيره يسمع صوتا مكتسبا للعباد فيفهم منه كلام الله تعالى، فلما ~~سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية بقوله { قال رب أرني ~~أنظر إليك } ثاني مفعولي { أرني } محذوف أي أرني ذاتك أنظر إليك يعني ~~مكني من رؤيتك بأن تتجلى لي حتى أراك { أرني } مكي. وبكسر الراء مختلسة: ~~أبو عمرو، وبكسر الراء مشبعة: غيرهما وهو دليل لأهل السنة على جواز ~~الرؤية، فإن موسى عليه السلام اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله واعتقاد ~~جواز ما لا يجوز على الله كفر { قال لن تراني } بالسؤال بعين فانية بل ~~بالعطاء والنوال بعين باقية، وهو دليل لنا أيضر لأنه لم يقل لن أرى ليكون ~~نفيا للجواز، ولو لم يكن مرئيا لأخبر به بأنه ليس بمرئي إذ الحالة حالة ~~الحاجة إلى البيان { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه } بقي على ~~حاله { فسوف ترياني } وهو دليل لنا أيضا لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل ~~وهو ممكن، وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع ~~يدل على امتناعه، والدليل على أنه ممكن قوله { جعله دكا } ولم يقل ~~«اندك» وما أوجده تعالى كان جائزا أن لا يوجد لو لم يوجده لأنه مختار في ~~فعله، ولأنه تعالى ما أيأسه عن ذلك ولا عاتبه عليه ولو كان ذلك محالا ~~لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السلام بقوله: # إني أعظك أن تكون من الجاهلين # [هود: 46] حيث سأل إنجاء ابنه من الغرق. # { فلما تجلى ربه للجبل } أي ظهر وبان ظهورا بلا كيف. قال الشيخ أبو ~~منصور رحمه الله: معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري إنه تعالى خلق في ~~الجبل حياة وعلما ورؤية حتى رأى ربه، وهذا نص في إثبات كونه مرئيا، ~~وبهذه الوجزة يتبين جهل منكري الرؤية وقولهم بأن موسى عليه السلام كان ~~عالما بأنه لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربه كما أخبر الله تعالى عنهم ~~بقوله # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهره # [البقرة: 55] فلطلب الرؤية ليبين الله تعالى أنه ليس بمرئي ms0460 باطل إذ لو ~~كان كما زعموا لقال أرهم ينظروا إليك ثم يقول له: لن يروني. ولأنها لو لم ~~تكن جائزة لما أخر موسى عليه السلام الرد عليهم بل كان يرد عليهم وقت قرع ~~كلامهم سماعه لما فيه من التقرير على الكفر، وهو عليه السلام بعث لتغييره ~~لا لتقريره، ألا ترى أنهم لما قالوا له { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } ~~لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله # إنكم قوم تجهلون # { جعله دكا } مدكوكا مصدر بمصدر بمعنى المفعول كضرب الأمير والدق ~~والدك أخوان. { دكاء }: حمزة وعلي. أي مستوية بالأرض لا أكمة فيها وناقة ~~دكاء لا سنام لها { وخر موسى صعقا } حال أي سقط مغشيا عليه { فلمآ ~~أفاق } من صعقته { قال سبحانك تبت إليك } من السؤال في الدنيا { وأنا ~~أول المؤمنين } بعظمتك وجلالك، وبأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع ~~جوازها. وقال الكعبي والأصم: معنى قوله { أرني أنظر إليك } أرني آية ~~أعلمك بها بطريق الضرورة كأني أنظر إليك { لن تراني } لن تطيق معرفتي ~~بهذه الصفة { ولكن انظر إلى الجبل } فإني أظهر له آية، فإن ثبت الجبل ~~لتجليها و { استقر مكانه } فسوف تثبت لها وتطيقها. وهذا فاسد لأنه قال { ~~أرني أنظر إليك } ولم يقل «إليها» وقال { لن تراني } ولم يقل لن ترى آيتي ~~وكيف يكون معناه لن ترى آيتي وقد أراه أعظم الآيات حيث جعل الجبل دكا. # { قال يموسى إني اصطفيتك على الناس } اخترتك على أهل ~~زمانك { برسلتي } هي أسفار التوراة { برسالتي }: حجازي { ~~وبكلمي } وبتكليمي إياك { فخذ مآ ءاتيتك } أعطيتك من شرف ~~النبوة والحكمة { وكن من الشكرين } على النعمة في ذلك فهي من ~~أجل النعم. # قيل: خر موسى صعقا يوم عرفة، وأعطي التوراة يوم النحر. ولما كان هارون ~~وزيرا وتابعا لموسى تخصص الاصطفاء بموسى عليه السلام. # { وكتبنا له في الألواح } الألواح التوراة جمع لوح وكانت عشرة ~~ألواح. وقيل: سبعة وكانت من زمرد. وقيل: من خشب نزلت من السماء فيها ~~التوراة { من كل شيء } في محل النصب على أنه مفعول { كتبنا } { ~~موعظة وتفصيلا ms0461 لكل شيء } بدل منه والمعنى كتبنا له كل ~~شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام. ~~وقيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعبر لم يقرأها كلها إلا أربعة نفر: ~~موسى ويوشع وعزير وعيسى { فخذها } فقلنا له خذها عطفا على { كتبنا } ~~والضمير للألواح أو { لكل شيء } لأنه في معنى الأشياء { بقوة } بجد ~~وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل { وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها } أي فيها ما هو حسن وأحسن كالقصاص والعفو والانتصار ~~والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله # واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55] # { سأوريكم دار الفسقين } دار فرعون وقومه وهي مصر، ~~ومنازل عاد وثمود والقرون المهلكة كيف أقفرت منهم لتعتبروا فلا تفسقوا ~~مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم أو جهنم { سأصرف عن ءايتي } ~~عن فهمها. قال ذو النون قدس الله روحه: أبى الله أن يكرم قلوب الباطلين ~~بمكنون حكمة القرآن { الذين يتكبرون } يتطاولون على الخلق ~~ويأنفون عن قبول الحق. وحقيقته التكلف للكبرياء التي اختصت بالباري عزت ~~قدرته { في الأرض بغير الحق } هو حال أي يتكبرون غير محقين ~~لأن التكبر بالحق لله وحده { وإن يروا كل ءاية } من الآيات ~~المنزلة عليهم { لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد ~~} طريق صلاح الأمر وطريق الهدى. { الرشد }: حمزة وعلي. وهما كالسقم ~~والسقم { لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي } ~~الضلال { يتخذوه سبيلا } ومحل { ذلك } الرفع أي ذلك الصرف { ~~بأنهم كذبوا بآيتنا } بسب تكذيبهم { وكانوا عنها ~~غفلين } غفلة عناد واعراض لا غفلة سهو وجهل { والذين كذبوا ~~بئايتنا ولقآء الآخرة } هو من إضافة المصدر إلى المفعول به ~~أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها { حبطت أعملهم } خبر { ~~والذين } { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } وهو تكذيب ~~الأحوال بتكذيب الإرسال. # { واتخذ قوم موسى من بعده } من بعد ذهابه إلى الطور { من حليهم } ~~وإنما نسبت إليهم مع أنها كانت عواري في أيديهم لأن الإضافة تكون لأدنى ~~ملابسة، وفيه دليل على أن من حلف أن لا يدخل دار فلان فدخل ms0462 دارا ~~استعارها يحنث، على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من ~~أملاكهم. # وفيه دليل على أن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها، نعم ~~المتخذ هو السامري ولكنهم رضوا به فأسند الفعل إليهم. والحلي جمع «حلى» ~~وهو اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة { حليهم }: حمزة وعلي للإتباع { ~~عجلا } مفعول { اتخذ } { جسدا } بدل منه أي بدنا ذا لحم ودم كسائر ~~الأجساد { له خوار } هو صورت البقر والمفعول الثاني محذوف أي إلها. ثم ~~عجب من عقولهم السخيفة فقال { ألم يروا } حين اتخذوه إلها { أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى لا ~~يختاروه على من # لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته # [الكهف: 109]. وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركز في العقول من ~~الأدلة وبما أنزل في الكتب. ثم ابتدأ فقال { اتخذوه } إلها فأقدموا على ~~هذا الأمر المنكر { وكانوا ظالمين ولما سقط في أيديهم } ولما اشتد ندمهم ~~على عبادة العجل. وأصله أن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غما فتصير ~~يده مسقوطا فيها لأن فاه وقع فيها وسقط مسند إلى في أيديهم وهو من باب ~~الكناية. وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم ~~كما يقال «حصل في يده مكروه» وإن استحال أن يكون في اليد تشبيها لما ~~يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين { ورأوا أنهم قد ~~ضلوا } وتبينوا ضلالهم تبينا كأنهم أبصروه بعيونهم { قالوا لئن لم ~~يرحمنا ربنا ويغفر لنا } { لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا } حمزة وعلي. ~~وانتصاب { ربنا } على النداء { لنكونن من الخاسرين } المغبونين في ~~الدنيا والآخرة. # { ولما رجع موسى } من الطور { إلى قومه } بني إسرائيل { غضبان } حال ~~من { موسى } { أسفا } حال أيضا أي حزينا { قال بئسما خلفتموني } قمتم ~~مقامي وكنتم خلفائي { من بعدي } والخطاب لعبدة العجل من السامري وأشياعه، ~~أو لهارون ومن معه من المؤمنين، ويدل عليه قوله # اخلفني في قومي ms0463 # والمعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، أو حيث لم ~~تكفوا من عبد غير الله، وفاعل { بئس } مضمر يفسره { ما خلفتموني } ~~والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. ~~ومعنى { من بعدي } بعد قوله { خلفتموني } من بعد ما رأيتم مني من توحيد ~~الله ونفي الشركاء عنه، أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد ~~وأكفهم عن عبادة البقرة حين قالوا # اجعل لنا إلها كما لهم آلهة # ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف { أعجلتم } أسبقتم بعبادة ~~العجل { أمر ربكم } وهو إتياني لكم بالتوراة بعد أربعين ليلة. وأصل ~~العجلة طلب الشيء قبل حينه. وقيل: عجلتم بمعنى تركتم { وألقى الألواح } ~~ضجرا عند استماعه حديث العجل غضبا لله، وكان في نفسه شديد الغضب وكان ~~هارون ألين منه جانبا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى، فتكسرت ~~فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي ~~هدى ورحمة { وأخذ برأس أخيه } بشعر رأسه غضبا عليه حيث لم يمنعهم من ~~عبادة العجل { يجره إليه } عتابا عليه لا هوانا به وهو حال من موسى { ~~قال ابن أم } بني الابن مع الأم على الفتح ك «خمسة عشر» وبكسر الميم: ~~حمزة وعلي وشامي، لأنه أصله أمي فحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة، وكان ~~ابن أمه وأبيه. # وإنما ذكر الأم لأنها كانت مؤمنة ولأن ذكرها أدعى إلى العطف { إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني } أي إني لم آل جهدا في كفهم بالوعظ والإنذار ~~ولكنهم استضعفوني وهموا بقتلي { فلا تشمت بي الأعدآء } الذين عبدوا العجل ~~أي لا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إلي { ولا تجعلني ~~مع القوم الظالمين } أي قرينا لهم بغضبك علي. فلما اتضح له عذر أخيه. ### || [7.151-160] # { قال رب اغفر لي ولأخي } ليرضي أخاه وينفي الشماتة عنه بإشراكه معه في ~~الدعاء، والمعنى اغفر لي ما فرط مني في حق أخي ولأخي إن كان فرط في حسن ~~الخلافة { وأدخلنا في رحمتك } عصمتك في الدنيا وجنتك ms0464 في الآخرة { وأنت ~~أرحم الراحمين إن الذين اتخذوا العجل } إلها { سينالهم غضب من ~~ربهم } هو ما أمروا به من قتل أنفسهم توبة { وذلة في الحيوة الدنيا ~~} خروجهم من ديارهم فالغربة تذل الأعناق أو ضرب الجزية عليهم { وكذلك ~~نجزي المفترين } الكاذبين على الله ولا فرية أعظم من قول السامري «هذا ~~إلهكم وإله موسى» { والذين عملوا السيئات } من الكفر والمعاصي { ثم ~~تابوا } رجعوا إلى الله { من بعدها وءامنوآ } وأخلصوا الإيمان { إن ربك ~~من بعدها } أي السيئات أو التوبة { لغفور } لستور عليهم محاء لما كان ~~منهم { رحيم } منعم عليهم بالجنة. و «إن» مع اسمها وخبرها خبر { الذين ~~} وهذا حكم عام يدخل تحته متخذو العجل وغيرهم عظم جنايتهم أولا، ثم ~~أردفها بعظم رحمته ليعلم أن الذنوب وإن عظمت فعفوه أعظم. ولما كان الغضب ~~لشدته كأنه هو الآمر لموسى بما فعل قيل: # { ولما سكت عن موسى الغضب } وقال الزجاج: معناه سكن وقريء به { أخذ ~~الألواح } التي ألقاها { وفي نسختها } وفيما نسخ منها أي كتب فعلة بمعنى ~~مفعول كالخطبة { هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } دخلت اللام ~~لتقدم المفعول وضعف عمل الفعل فيه باعتباره { واختار موسى قومه } أي من ~~قومه فحذف الجار وأوصل الفعل { سبعين رجلا } قيل: اختار من اثني عشر ~~سبطا من كل سبط ستة فبلغوا اثنين وسبعين رجلا فقال: ليتخلف منكم رجلان ~~فقعد كالب ويوشع { لميقاتنا } لاعتذارهم عن عبادة العجل { فلمآ أخذتهم ~~الرجفة } الزلزلة الشديدة { قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل } بما كان ~~منهم من عبادة العجل { وإياى } لقتلي القبطي { أتهلكنا بما فعل السفهآء ~~منا } أتهلكنا عقوبة بما فعل الجهال منا وهم أصحاب العجل { إن هي إلا ~~فتنتك } ابتلاؤك وهو راجع إلى قوله # فإنا قد فتنا قومك من بعدك # [طه: 85] فقال موسى: هي تلك الفتنة التي أخبرتني بها أو هي ابتلاء الله ~~تعالى عباده بما شاء، # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] { تضل بها } بالفتنة { من تشآء } من علمت منهم اختيار ~~الضلالة { وتهدي } بها { من تشآء } من علمت منهم اختيار الهدى { أنت ~~ولينا } مولانا ms0465 القائم بأمورنا { فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~واكتب لنا } وأثبت لنا واقسم { في هذه الدنيا حسنة } عاقبة وحياة طيبة ~~وتوفيقا في الطاعة { وفي الآخرة } الجنة { إنا هدنآ إليك } تبنا إليك ~~وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب والهود جمع هائد وهو التائب. # { قال عذابي } من صفته أني { أصيب به من أشآء } أي لا أعفو عنه { ورحمتي ~~وسعت كل شيء } أي من صفة رحمتي أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا ~~كافر إلا وعليه أثر رحمتي في الدنيا { فسأكتبها } أي هذه الرحمة { للذين ~~يتقون } الشرك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم { ويؤتون الزكوة } ~~المفروضة { والذين هم بآياتنا } بجميع كتبنا { يؤمنون } لا يكفرون بشيء ~~منها { الذين يتبعون الرسول } الذي نوحي إليه كتابا مختصا به وهو ~~القرآن { النبي } صاحب المعجزات { الأمي الذي يجدونه } أي يجد نعته ~~أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل { مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف } بخلع الأنداد وإنصاف العباد { وينهاهم عن ~~المنكر } عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام { ويحل لهم الطيبات } ما حرم ~~عليهم من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها، أو ما طاب في الشريعة مما ذكر ~~اسم الله عليه من الذبائح وما خلا كسبه من السحت { ويحرم عليهم الخبائث ~~} ما يستخبث كالدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، أو ما خبث ~~في الحكم كالربا والرشوة ونحوهما من المكاسب الخبيثة { ويضع عنهم إصرهم } ~~هو الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحراك لثقله، والمراد التكاليف ~~الصعبة كقتل النفس في توبتهم وقطع الأعضاء الخاطئة. # { آصارهم } شامي على الجمع { والأغلال التي كانت عليهم } هي الأحكام ~~الشاقة نحو: بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقرض ~~موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم وظهور الذنوب على أبواب ~~البيوت، وشبهت بالغل للزومها لزوم الغل { فالذين ءامنوا به } بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم { وعزروه } وعظموه أو منعوه من العدو حتى لا يقوي عليه ~~عدو وأصل العزر المنع ومنه التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح كالحد ~~فهو المنع { ونصروه ms0466 واتبعوا النور الذي أنزل معه } أي القرآن «ومع» ~~متعلق ب { اتبعوا } أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل ~~بسنته { أولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير والناجون من كل شر. # { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم } بعث كل رسول إلى قومه خاصة ~~وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الإنس وكافة الجن { جميعا } حال ~~من { إليكم } { الذي له ملك السموت والأرض } في محل النصب بإضمار ~~أعني وهو نصب على المدح { لآ إله إلا هو } بدل من الصلة وهي { له ملك ~~السماوات والأرض } وكذلك { يحيي ويميت } وفي { لا إله إلا هو } بيان ~~للجملة قبلها لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة، وفي { يحيي ~~ويميت } بيان لاختصاصه بالإلهية إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره { ~~فئامنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته } أي ~~الكتب المنزلة { واتبعوه لعلكم تهتدون } ولم يقل فآمنوا بالله وبي بعد ~~قوله { إني رسول الله إليكم } لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما ~~في الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به هو هذا ~~الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان ~~أنا أو غيري إظهارا للنصفة وتفاديا من العصبية لنفسه { ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق } أي يهدون الناس محقين أو بسبب الحق الذي هم عليه { ~~وبه يعدلون } وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون. # قيل: هم قوم وراء الصين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، ~~أو هم عبد الله بن سلام وأضرابه. # { وقطعناهم } وصيرناهم قطعا أي فرقا وميزنا بعضهم من بعض { اثنتي عشرة ~~أسباطا } كقولك اثنتي عشرة قبيلة، والأسباط أولاد الولد جمع سبط وكانوا ~~اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من ولد يعقوب عليه السلام. نعم مميز ~~ما عدا العشرة مفرد فكان ينبغي أن يقال اثني عشر سبطا، لكن المراد ~~وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وكل قبيلة أسباط لا سبط فوضع «أسباط» موضع ~~«قبيلة» { أمما } بدل من { اثنتي عشرة } أي وقطعناهم أمما لأن ms0467 كل أسباط ~~كانت أمة عظيمة وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى { وأوحينآ إلى ~~موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر } فضرب { فانبجست } فانفجرت ~~{ منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم } هو اسم جمع غير تكسير ~~{ وظللنا عليهم الغمام } وجعلناه ظليلا عليهم في التيه { وأنزلنا عليهم ~~المن والسلوى } وقلنا لهم { كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا } ~~أي وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم { ولكن كانوآ أنفسهم يظلمون } ~~ولكن كانوا يضرون أنفسهم ويرجع وبال ظلمهم إليهم. ### || [7.161-169] # { وإذ قيل لهم } واذكر إذ قيل لهم { اسكنوا هذه ~~القرية } بيت المقدس { وكلوا منها حيث شئتم ~~وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ~~خطيئتكم } { تغفر لكم } مدني وشامي { خطيئتكم } ~~مدني { خطيكم } أبو عمرو { خطئتكم } شامي { سنزيد ~~المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير ~~الذى قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء ~~بما كانوا يظلمون } ولا تناقض بين قوله # اسكنوا هذه القرية وكلوا منها # في هذه السورة وبين قوله في سورة«البقرة» # ادخلوا هذه القرية فكلوا # [البقرة: 85] لوجود الدخول والسكنى. وسواء قدموا الحطة على دخول الباب ~~أو أخروها فهم جامعون بينهما. وترك ذكر الرغد لا يناقض إثباته، وقوله { ~~نغفر لكم خطيكم سنزيد المحسنين } موعد بشيئين ~~بالغفران وبالزيادة، وطرح الواو لا يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على قول ~~القائل: وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: { سنزيد المحسنين } وكذلك ~~زيادة { منهم } زيادة بيان و { أرسلنا } و { أنزلنا } و { ~~يظلمون } و { يفسقون } من واد واحد. # { وسئلهم } واسأل اليهود { عن القرية } أيلة أو مدين وهذا ~~السؤال للتقريع بقديم كفرهم { التى كانت حاضرة البحر } ~~قريبة منه { إذ يعدون فى السبت } إذ يتجاورون حد الله فيه وهو ~~اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه { إذ يعدون } في محل الجر بدل ~~من { القرية } والمراد بالقرية أهلها كأنه قيل: واسألهم عن أهل ~~القرية وقت عدوانهم في السبت وهو من بدل الاشتمال { إذ تأتيهم } ~~منصوب ب { يعدون } أو بدل بعد بدل { حيتانهم } جمع حوت أبدلت ~~الواو ياء لسكونها وانكسار ما ms0468 قبلها { يوم سبتهم شرعا } ~~ظاهرة على وجه الماء جمع شارع حال من الحيتان، والسبت مصدر سبتت اليهود ~~إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد، والمعنى إذ يعدون في تعظيم ~~اليوم وكذا قوله { يوم سبتهم } معناه يوم تعظيمهم أمر السبت ويدل ~~عليه { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } و { يوم } ظرف { ~~لا تأتيهم } { كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون } ~~مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بفسقهم { وإذ قالت } معطوف على { ~~إذ يعدون } وحكمه كحكمه في الإعراب { أمة منهم } جماعة من ~~صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم بعدما ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم ~~لآخرين لا يقلعون عن وعظهم { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } وإنما قالوا ذلك ~~لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم { قالوا معذرة إلى ربكم } - ~~معذرة - أي موعظتنا إبلاء عذر إلى الله لئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى ~~التفريط { معذرة } حفص على أنه مفعول له أي وعظناهم للمعذرة { ~~ولعلهم يتقون } ولطمعنا في أن يتقوا. # { فلما نسوا } أي أهل القرية لما تركوا { ما ذكروا به } ~~ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه { أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء } من العذاب الشديد { وأخذنا الذين ~~ظلموا } الراكبين للمنكر والذين قالوا لم تعظون من الناجين، فعن ~~الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة وهم الذين أخذوا الحيتان { بعذاب ~~بئيس } شديد. يقال: بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد فهو بئيس. { بئس }: ~~شامي { بيس } مدني { بيئس } على وزن فيعل: أبو بكر غير حماد { بما ~~كانوا يفسقون فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا ~~لهم كونوا قردة خسئين } أي جعلناهم قردة أذلاء مبعدين. ~~وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله { فلما نسوا } والعذاب البئيس: هو ~~المسخ. قيل: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير وكانوا يعرفون أقاربهم ~~ويبكون ولا يتكلمون، والجمهور على أنها ماتت بعد ثلاث. وقيل: بقيت ~~وتناسلت. # { وإذ تأذن ربك } أي أعلم وأجرى مجرى فعل القسم، ولذا أجيب ~~بما يجاب به القسم وهو قوله { ليبعثن عليهم } أي كتب على ~~نفسه ليسلطن على اليهود { إلى يوم القيمة من يسومهم } ~~من يوليهم { سوء ms0469 العذاب } فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر ~~الدهر { إن ربك لسريع العقاب } للكفار { وإنه ~~لغفور رحيم } للمؤمنين { وقطعنهم في الأرض } ~~وفرقناهم فيها فلا تخلو بلد عن فرقة { أمما منهم الصلحون } ~~الذين آمنوا منهم بالمدينة أو الذين وراء الصين { ومنهم دون ~~ذلك } ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه وهم الفسقة ومحل { دون ~~ذلك } الرفع وهو صفة لموصوف محذوف أي ومنهم ناس منحطون عن الصلاح { ~~وبلونهم بالحسنت والسيئات } بالنعم والنقم والخصب ~~والجدب { لعلهم يرجعون } ينتهون فينيبون { فخلف من ~~بعدهم } من بعد المذكورين { خلف } وهم الذين كانوا في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والخلف بدل السوء بخلاف الخلف فهو الصالح { ~~ورثوا الكتب } التوراة ووقفوا على ما فيها من الأوامر والنواهي ~~والتحليل والتحريم ولم يعملوا بها { يأخذون عرض هذا ~~الأدنى } هو حال من الضمير في { ورثوا } والعرض: المتاع أي حطام ~~هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها وهو من الدنو بمعنى ~~القرب لأنه عاجل قريب، والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على ~~تحريف الكلم. وفي قوله { هذا الأدنى } تخسيس وتحقير { ~~ويقولون سيغفر لنا } لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، والفعل مسند ~~إلى الأخذ أو إلى الجار والمجرور أي لنا { وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه } الواو للحال أي يرجعون المغفرة وهم مصرون عائدون ~~إلى مثل فعلهم غير تائبين { ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتب } أي الميثاق المذكور في الكتاب { أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق } أي أخذ عليهم الميثاق في كتابهم أن لا يقولوا ~~على الله إلا الصدق، وهو عطف ل { ميثاق الكتب } { ودرسوا ~~ما فيه } وقرءوا ما في الكتاب وهو عطف على { ألم يؤخذ ~~عليهم } لأنه تقرير فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه ~~{ والدار الآخرة خير } من ذلك العرض الخسيس { للذين ~~يتقون } الرشا والمحارم { أفلا تعقلون } أنه كذلك وبالتاء: ~~مدني وحفص. ### || [7.170-179] # { والذين يمسكون بالكتب } { يمسكون } أبو بكر ~~والإمساك والتمسيك ms0470 والتمسك الاعتصام والتعلق بشيء { وأقاموا ~~الصلوة } خص الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة لأنها ~~عماد الدين و { الذين } مبتدأ والخبر { إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين } أي إنا لا نضيع أجرهم. وجاز أن يكون مجرورا عطفا على ~~{ الذين يتقون } و { إنا لا نضيع } اعتراض { وإذ ~~نتقنا الجبل فوقهم } واذكروا إذا قلعناه ورفعناه كقوله # ورفعنا فوقكم الطور # [البقرة: 63] { كأنه ظلة } هي كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب { ~~وظنوا أنه واقع بهم } وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم ~~أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رؤوسهم ~~مقدار عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ. وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ~~ليقعن عليكم. فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه ~~الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه، فلذلك لا ترى ~~يهوديا يسجد على حاجبه الأيسر ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها ~~العقوبة، وقلنا لهم { خذوا ما ءاتينكم } من الكتاب { بقوة ~~} وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه { واذكروا ما فيه } من الأوامر ~~والنواهي ولا تنسوه { لعلكم تتقون } ما أنتم عليه. # { وإذ أخذ ربك من بنى ءادم } أي واذكروا إذ أخذ { من ~~ظهورهم } بدل من { بنى ءادم } والتقدير: وإذ أخذ ربك من ظهور ~~بني آدم { ذريتهم } ومعنى أخذ ذرياتهم من ظهورهم إخراجهم من أصلاب ~~آبائهم { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى شهدنا } هذا من باب التمثيل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة ~~على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة ~~بين الهدى والضلالة، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست ~~بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك { ~~أن تقولوا } مفعول له أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها ~~العقول كراهة أن يقولوا { يوم القيمة إنا كنا عن ~~هذا غفلين } لم ننبه عليه { أو تقولوا } أو كراهة أن ~~يقولوا { إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية ~~من بعدهم } فاقتدينا بهم لأن نصب ms0471 الأدلة على التوحيد وما نبهوا ~~عليه قائم معهم فلا عذر لهم في الإعراض عنه والاقتداء بالآباء، كما لا ~~عذر لآبائهم في الشرك وأدلة التوحيد منصوبة لهم { أفتهلكنا بما ~~فعل المبطلون } أي كانوا السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك وتركه ~~سنة لنا { وكذلك } ومثل ذلك التفصيل البليغ { نفصل الآيت } ~~لهم { ولعلهم يرجعون } عن شركهم نفصلها. # إلى هذا ذهب المحققون من أهل التفسير، منهم الشيخ أبو منصور والزجاج ~~والزمخشري، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهر ~~آدم مثل الذر وأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم بقوله { ألست بربكم } ~~فأجابوه ب { بلى }. قالوا: وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أخرج الله من ظهر آدم ذريته وأراه أياهم ~~كهيئة الذر وأعطاهم العقل وقال: هؤلاء ولدك آخذ عليهم الميثاق أن ~~يعبدوني. قيل: كان ذلك قبل دخول الجنة بين مكة والطائف. وقيل: بعد النزول ~~من الجنة. وقيل: في الجنة. والحجة للأولين أنه قال { من بنى ءادم ~~من ظهورهم } ولم يقل من ظهر آدم، ولأنا لا نتذكر ذلك فأنى يصير ~~حجة. { ذرياتهم } مدني وبصري وشامي { أن تقولوا } { أو ~~تقولوا }: أبو عمرو. # { واتل عليهم } على اليهود { نبأ الذى ءاتينه ~~ءايتنا } هو عالم من علماء بني إسرائيل وقيل: هو بلعم بن باعوراء ~~أوتي علم بعض كتب الله { فانسلخ منها } فخرج من الآيات بأن كفر ~~بها ونبذها وراء ظهره { فأتبعه الشيطن } فلحقه الشيطان ~~وأدركه وصار قرينا له { فكان من الغاوين } فصار من الضالين ~~الكافرين. روي أن قومه طلبوا منه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى فلم ~~يزالوا به حتى فعل وكان عنده اسم الله الأعظم. # { ولو شئنا لرفعنه } إلى منازل الأبرار من العلماء { ~~بها } بتلك الآيات { ولكنه أخلد إلى الأرض } مال إلى ~~الدنيا ورغب فيها { واتبع هواه } في إيثار الدنيا ولذاتها على ~~الآخرة ونعيمها { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه } ~~أي تزجره وتطرده { يلهث أو تتركه } غير مطرود { يلهث } ~~والمعنى فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب ms0472 في أخس أحواله ~~وأذلها وهي حال دوام اللهث به، سواء حمل عليه أي شد عليه وهيج فطرد، أو ~~ترك غير متعرض له بالحمل عليه، وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث ~~إلا إذا حرك، أما الكلب فيلهث في الحالين فكان مقتضى الكلام أن يقال: ~~ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعناه منزلته، فوضع هذا التمثيل موضع ~~فحططناه أبلغ حط. ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال كأنه قيل: كمثل ~~الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالين. وقيل: لما دعا بلعم على موسى ~~خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب. وقيل: معناه هو ضال ~~وعظ أو ترك. وعن عطاء: من علم ولم يعمل فهو كالكلب ينبح إن طرد أو ترك { ~~ذلك مثل القوم الذين كذبوا بئايتنا } من ~~اليهود بعد أن قرءوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر ~~القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه { فاقصص القصص ~~} أي قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم { لعلهم يتفكرون } فيحذرون ~~مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته { ساء مثلا القوم الذين ~~كذبوا بئايتنا } هي مثل القوم فحذف المضاف، وفاعل { ساء } ~~مضمر أي ساء المثل مثلا. # وانتصاب { مثلا } على التمييز { وأنفسهم كانوا يظلمون ~~} معطوف على { كذبوا } فيدخل في حيز الصلة أي الذين جمعوا بين ~~التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، أو منقطع عن الصلة أي وما ظلموا إلا ~~أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول به للاختصاص أي وخصوا أنفسهم بالظلم لم ~~يتعد إلى غيرها { من يهد الله فهو المهتدى } حمل على ~~اللفظ { ومن يضلل } أي ومن يضلله { فأولئك هم ~~الخسرون } حمل على المعنى، ولو كان الهدي من الله البيان كما قالت ~~المعتزلة، لاستوى الكافر والمؤمن إذ البيان ثابت في حق الفريقين فدل أنه ~~من الله تعالى التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما ~~اهتدى المؤمن. # { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ~~هم الكفار من الفريقين المعروضون عن تدبر آيات الله، والله تعالى علم ~~منهم اختيار الكفر فشاء منهم الكفر وخلق ms0473 فيهم ذلك وجعل مصيرهم جهنم لذلك. ~~ولا تنافي بين هذا وبين قوله # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] لأنه إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده، وأما من ~~علم أنه يكفر به فإنما خلقه لما علم أنه يكون منه. فالحاصل أن من علم منه ~~في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة، ومن علم منه أن يكون منه ~~الكفر خلقه لذلك، وكم من عام يراد به الخصوص وقول المعتزلة بأن هذه لام ~~العاقبة أي لما كان عاقبتهم جهنم جعل كأنهم خلقوا لها فرارا عن إرادة ~~المعاصي عدول عن الظاهر { لهم قلوب لا يفقهون بها } الحق ~~ولا يتفكرون فيه { ولهم أعين لا يبصرون بها } الرشد { ~~ولهم ءاذان لا يسمعون بها } الوعظ { أولئك ~~كالأنعم } في عدم الفقه والنظر الاعتبار والاستماع للتفكر { بل ~~هم أضل } من الأنعام لأنهم كابروا العقول وعاندوا الرسول وارتكبوا ~~الفضول، فالأنعام تطلب منافعها وتهرب عن مضارها وهم لا يعلمون مضارهم حيث ~~اختاروا النار، وكيف يستوي المكلف المأمور والمخلى المعذور؟ فالآدمي ~~روحاني شهواني سماوي أرضي، فإن غلب روحه هواه فاق ملائكة السماوات، وإن ~~غلب هواه روحه فاقته بهائم الأرض { أولئك هم الغفلون } ~~الكاملون في الغفلة. ### || [7.180-196] # { ولله الأسماء الحسنى } التي هي أحسن الأسماء لأنها تدل ~~على معان حسنة؛ فمنها ما يستحقه بحقائقه كالقديم قبل كل شيء، والباقي ~~بعد كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، والواحد الذي ليس ~~كمثله شيء، ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها كالغفور والرحيم والشكور ~~والحليم، ومنها ما يوجب التخلق به كالفضل والعفو، ومنها ما يوجب مراقبة ~~الأحوال كالسميع والبصير والمقتدر، ومنها ما يوجب الإجلال كالعظيم ~~والجبار والمتكبر { فادعوه بها } فسموه بتلك الأسماء { وذروا ~~الذين يلحدون فى أسمئه } واتركوا تسمية الذين يميلون عن ~~الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، وذلك أن يسموه بما لا ~~يجوز عليه نحو أن يقولون: يا سخي يا رفيق، لأنه لم يسم نفسه بذلك. ومن ~~الإلحاد تسميته بالجسم والجوهر والعقل والعلة { يلحدون } حمزة لحد ~~وألحد مال { سيجزون ما ms0474 كانوا يعملون }. # { وممن خلقنا } للجنة لأنه في مقابلة # ولقد ذرأنا لجهنم # { أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } في أحكامهم. قيل: ~~هم العلماء والدعاة إلى الدين، وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة { ~~والذين كذبوا بئايتنا سنستدرجهم } سنستدنيهم ~~قليلا قليلا إلى ما يهلكهم { من حيث لا يعلمون } ما يراد ~~بهم وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع إنهماكهم في الغي، فكلما جدد الله ~~عليهم نعمة ازدادوا بطرا وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف ~~النعم ظانين أن ترادف النعم أثره من الله تعالى وتقريب وإنما هو خذلان ~~منه وتبعيد، وهو استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة ~~بعد درجة { وأملى لهم } عطف على { سنستدرجهم } وهو غير ~~داخل في حكم السين أي أمهلهم { إن كيدى متين } أخذي شديد. سماه ~~كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان. ~~ولما نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجنون نزل { أولم ~~يتفكروا ما بصاحبهم } محمد عليه السلام و «ما» نافية بعد ~~وقف أي أولم يتفكروا في قولهم، ثم نفى عنه الجنون بقوله ما بصاحبهم { من ~~جنة } جنون { إن هو إلا نذير مبين } منذر من الله موضع ~~إنذاره { أولم ينظروا } نظر استدلال { فى ملكوت ~~السموت والأرض } الملكوت الملك العظيم { وما خلق الله ~~من شىء } وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها ~~العدد { وأن عسى } «أن» مخففة من الثقيلة وأصله «وأنه عسى»، ~~والضمير ضمير الشأن وهو في موضع الجر بالعطف على { ملكوت } ، والمعنى ~~أولم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى { أن يكون قد اقترب ~~أجلهم } ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ~~ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب { فبأي حديث بعده } بعد ~~القرآن { يؤمنون } إذا لم يؤمنوا به، وهو متعلق ب { عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم } كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب فما ~~لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ ~~وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا؟ ms0475 { من يضلل الله فلا ~~هادي له } أي يضلله الله { ويذرهم } بالياء: عراقي، وبالجزم: ~~حمزة وعلي عطفا على محل { فلا هادي له } كأنه قيل: من يضلل الله ~~لا يهده أحد { ويذرهم } والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم. # الباقون: بالنون { في طغينهم } كفرهم { يعمهون } يتحيرون. ~~ولما سألت اليهود أو قريش عن الساعة متى تكون نزل. # { يسئلونك عن الساعة } وهي من الأسماء الغالبة كالنجم ~~للثريا. وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو لأنها ~~عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق { أيان } متى ~~واشتقاقه من «أي» فعلان منه لأن معناه أي وقت { مرسها } إرساؤها ~~مصدر مثل المدخل بمعنى الإدخال، أو وقت إرسائها أي إثباتها، والمعنى متى ~~يرسيها الله { قل إنما علمها عند ربي } أي علم وقت ~~إرسائها عنده قد استأثر به لم يخبر به أحدا من ملك مقرب ولا نبي مرسل ~~ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو ~~وقت الموت لذلك { لا يجليها لوقتها إلا هو } لا يظهر ~~أمرها لا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده { ثقلت فى السموت ~~واللأرض } أي كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة، ~~ويتمنى أن يتجلى له علمها وشق عليه خفاؤها، وثقل عليه أو ثقلت فيها لأن ~~أهلها يخافون شدائدها وأهوالها { لا تأتيكم إلا بغتة } فجأة ~~على غفلة منكم { يسئلونك كأنك خفي عنها } كأنك عالم بها وحقيقته كأنك ~~بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه ~~استحكم علمه فيه. وأصل هذا التركيب المبالغة، ومنه إحفاء الشارب، أو { ~~عنها } متعلق ب { يسألونك } أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم ~~بها { قل إنما علمها عند الله } وكرر { يسألونك } و ~~{ إنما علمها عند الله } للتأكيد ولزيادة { كأنك ~~حفى عنها } وعلى هذا تكرير العلماء في كتبهم لا يخلون المكرر من ~~فائدة، منهم محمد بن الحسن رحمه الله { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } أنه المختص بالعلم بها { قل لا أملك لنفسى ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء ms0476 الله } هو إظهار للعبودية وبراءة ~~عما يختص بالربوبية من علم الغيب أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب ~~نفع ولا دفع ضرر كالمماليك إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عني { ~~ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسنى السوء } أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير ~~واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها، ولم أكن غالبا مرة ~~ومغلوبا أخرى في الحروب. # وقيل: الغيب الأجل، والخير العمل، والسوء الوجل. وقيل: لاستكثرت لاعتددت ~~من الخصب للجدب. والسوء الفقر وقد رد. { إن أنا إلا نذير ~~وبشير } إن أنا إلا عبد أرسلت نذيرا وبشيرا، وما من شأني أن أعلم ~~الغيب. والسلام في { لقوم يؤمنون } يتعلق بالنذير والبشير لأن ~~النذارة والبشارة إنما ينفعان فيهم، أو بالبشير وحده والمتعلق بالنذير ~~محذوف أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون. # { هو الذى خلقكم من نفس وحدة } هي نفس آدم عليه ~~السلام { وجعل منها زوجها } حواء خلقها من جسد آدم من ضلع من ~~أضلاعه { ليسكن إليها } ليطمئن ويميل لأن الجنس إلى الجنس أميل ~~خصوصا إذا كان بعضا منه، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه ~~لكونه بضعة منه. وذكر { ليسكن } بعدما أنث في قوله { وحدة } ~~منها زوجها ذهابا إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم { فلما ~~تغشاها } جامعها { حملت حملا خفيفا } خف عليها ولم تلق ~~منه ما يلقي بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ولم تستثقله كما ~~يستثقلنه { فمرت به } فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا ~~إزلاق، أو حملت حملا خفيفا يعني النطفة فمرت به فقامت به وقعدت. # { فلما أثقلت } حان وقت ثقل حملها { دعوا الله ~~ربهما } دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعي ~~ويلتجأ إليه فقالا { لئن ءاتيتنا صلحا } لئن وهبت لنا ولدا ~~سويا قد صلح بدنه أو ولدا ذكرا لأن الذكورة من الصلاح { لنكونن ~~من الشكرين } لك. والضمير في { ءاتيتنا } و { لنكونن ~~} لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما. ms0477 # { فلما ءاتهما صلحا } أعطاهما ما طلباه من الولد الصالح ~~السوي { جعلا له شركاء } أي آتى أولادهما له شركاء على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك { فيما ءاتهما } أي آتى ~~أولادهما دليله { فتعلى الله عما يشركون } حيث جمع ~~الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله ~~تسميتهم أولادهم بعبد العزي وعبد مناف وعبد شمس ونحو ذلك، مكان عبد الله ~~وعبد الرحمن وعبد الرحيم، أو يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم آل قصي أي هو الذي خلقكم من نفس واحدة قصي، ~~وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من ~~الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة ~~بعبد مناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار. # والضمير في { أيشركون } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في ~~الشرك. { شركا } مدني وأبو بكر أي ذوي شرك وهم الشركاء. { أيشركون ~~ما لا يخلق شيئا } يعني الأصنام { وهم يخلقون } أجريت ~~الأصنام مجرى أولي العلم بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة، ~~والمعنى أيشركون مالا يقدر على خلق شيء وهم يخلقون لأن الله خالقهم، أو ~~الضمير في { وهم يخلقون } للعابدين أي أيشركون ما لا يخلق شيئا ~~وهم مخلوقو الله فليعبدوا خالقهم، أو للعابدين والمعبودين وجمعهم كأولي ~~العلم تغليبا للعابدين { ولا يستطيعون لهم } لعبدتهم { ~~نصرا ولا أنفسهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها من ~~الحوادث كالكسر وغيره بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم { وإن ~~تدعوهم } وإن تدعوا هذه الأصنام { إلى الهدى } إلى ما هو هدى ~~ورشاد أو إلى أن يهدوكم أي وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير ~~والهدى { لا يتبعوكم } إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما ~~يجيبكم الله. { لا يتبعوكم } نافع { سواء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صمتون } عن دعائهم في أنه لا فلاح ~~معهم ولا يجيبونكم، والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية لرؤوس الآي { ~~إن الذين تدعون من دون الله } أي تعبدونهم وتسمونهم ~~آلهة { عباد أمثالكم } أي مخلوقون ms0478 مملوكون أمثالكم { ~~فادعوهم } لجلب نفع أو دفع ضر { فليستجيبوا لكم } ~~فليجيبوا { إن كنتم صدقين } في أنهم آلهة. ثم أبطل أن يكونوا ~~عبادا أمثالهم فقال { ألهم أرجل يمشون بها } مشيكم { أم ~~لهم أيد يبطشون بها } يتناولون بها { أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها } أي فلم ~~تعبدون ما هو دونكم { قل ادعوا شركاءكم } واستعينوا بهم في ~~عدواتي { ثم كيدون } جميعا أنتم وشركاؤكم. وبالياء: يعقوب وافقه ~~أبو عمرو في الوصل { فلا تنظرون } فإني لا أبالي بكم وكانوا قد ~~خافوه آلهتهم فأمر أن يخاطبهم بذلك. وبالياء يعقوب { إن وليى } ~~ناصري عليكم { الله الذى نزل الكتب } أوحى إلي وأعزني ~~برسالته { وهو يتولى الصلحين } ومن سنته أن ينصر الصالحين ~~من عباده ولا يخذلهم. ### || [7.197-206] # { والذين تدعون من دونه } من دون الله { لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون ~~إليك } يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته ~~إلى الشيء ينظر إليه { وهم لا يبصرون } المرئي. # { خذ العفو } هو ضد الجهد أي ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم ~~ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا كقوله عليه السلام # " يسروا ولا تعسروا " # { وأمر بالعرف } بالمعروف والجميل من الأفعال، أو هو كل خصلة ~~يرتضيها العقل ويقبلها الشرع { وأعرض عن الجهلين } ولا ~~تكافيء السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عليهم، وفسرها جبريل عليه ~~السلام بقوله: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك. وعن الصادق أمر ~~الله نبيه عليه السلام بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم ~~الأخلاق منها { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } وإما ~~ينخسنك منه نخس أي بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به { فاستعذ ~~بالله } ولا تطعه. والنزغ: والنخس كأنه ينخس الناس حين يغريهم على ~~المعاصي. وجعل النزع نازغا كما قيل جد جده، أو أريد بنزغ الشيطان اعتراء ~~الغضب كقول أبي بكر رضي الله عنه: إن لي شيطانا يعتريني { إنه سميع } ~~لنزغه { عليم } بدفعه { إن الذين اتقوا ms0479 إذا مسهم ~~طئف من الشيطن } { طيف } مكي وبصري وعلي أي لمة منه مصدر ~~من قولهم «طاف به الخيال يطيف طيفا». وعن أبي عمرو: هما واحد وهي ~~الوسوسة. وهذا تأكيد لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، ~~وأن عادة المتقين إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته { ~~تذكروا } ما أمر الله به ونهى عنه { فإذا هم مبصرون } ~~فأبصروا السداد ودفعوا وسوسته. وحقيقته أن يفروا منه إلى الله فيزدادوا ~~بصيرة من الله بالله { وإخونهم } وأما إخوان الشياطين من شياطين ~~الإنس فإن الشياطين { يمدونهم فى الغى } أي يكونون مددا لهم ~~فيه ويعضدونهم { يمدونهم } من الإمداد: مدني { ثم لا ~~يقصرون } ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا، وجاز أن ~~يراد بالإخوان الشياطين ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين والأول ~~أوجه، لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا. وإنما جمع الضمير في { ~~إخونهم } والشيطان مفرد لأن المراد به الجنس. # { وإذا لم تأتهم بئاية } مقترحة { قالوا لولا ~~اجتبيتها } هلا اخترتها أي اختلقتها كما اختلقت ما قبلها { قل ~~إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى } ولست بمقترح لها { ~~هذا بصائر من ربكم } هذا القرآن دلائل تبصركم وجوه الحق { ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } به. # { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون } ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة ~~القرآن في الصلاة وغيرها. وقيل: معناه إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند ~~نزوله فاستمعوا له. وجمهور الصحابة رضي الله عنهم على أنه في استماع ~~المؤتم. وقيل: في استماع الخطبة. وقيل: فيهما وهو الأصح { واذكر ~~ربك في نفسك } هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء ~~والتسبيح والتهليل وغير ذلك { تضرعا وخيفة } متضرعا وخائفا { ~~ودون الجهر من القول } ومتكلما كلاما دون الجهر لأن ~~الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر { بالغدو والأصال ~~} لفضل هذين الوقتين. وقيل: المراد إدامة الذكر باستقامة الفكر. ومعنى ~~بالغدو بأوقات الغدو وهي الغدوات، والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل وهو ~~العشي { ولا تكن من الغفلين } من الذين يغفلون عن ذكر الله ~~ويلهون ms0480 عنه { إن الذين عند ربك } مكانة ومنزلة لا مكانا ~~ومنزلا يعني الملائكة { لا يستكبرون عن عبادته } لا ~~يتعظمون عنها { ويسبحونه } وينزهونه عما لا يليق به { وله ~~يسجدون } ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره، والله أعلم. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-5] # مدنية وهي خمس أو ست أو سبع وسبعون آية # { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~} النفل الغنيمة لأنها من فضل الله وعطائه، والأنفال الغنائم. ولقد وقع ~~اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله كيف تقسم ~~ولمن الحكم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فقيل له: قل ~~لهم هي لرسول الله وهو الحاكم فيها خاصة يحكم ما يشاء ليس لأحد غيره فيها ~~حكم. ومعنى الجمع بين ذكر الله والرسول أن حكمها مختص بالله ورسوله يأمر ~~الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس ~~الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد { فاتقوا الله } في الاختلاف ~~والتخاصم وكونوا متآخين في الله { وأصلحوا ذات بينكم } ~~أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال التي تكون أحوال ألفة ومحبة ~~واتفاق، وقال الزجاج: معنى { ذات بينكم } حقيقة وصلكم. والبين ~~الوصل أي فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله به. قال ~~عبادة بن الصامت رضي الله عنه: نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا ~~في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين على السواء { وأطيعوا الله ~~ورسوله } فيما أمرتم به في الغنائم وغيرها { إن كنتم ~~مؤمنين } كاملي الإيمان { إنما المؤمنون } إنما الكاملو ~~الإيمان { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } فزعت ~~لذكره استعظاما له وتهيبا من جلاله وعزه وسلطانه { وإذا تليت ~~عليهم ءايته } أي القرآن { زادتهم إيمنا } ازدادوا ~~بها يقينا وطمأنينة، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، ~~أو زادتهم إيمانا بتلك الآيات لأنهم لم يؤمنوا بأحكامها قبل { وعلى ~~ربهم يتوكلون } يعتمدون ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم لا ~~يخشون ولا يرجون إلا إياه ms0481 { الذين يقيمون الصلوة ومما ~~رزقنهم ينفقون } جمع بين أعمال القلوب من الوجل والإخلاص ~~والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة { أولئك هم ~~المؤمنون حقا } هو صفة لمصدر محذوف أي أولئك هم المؤمنون ~~إيمانا حقا، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي { أولئك هم ~~المؤمنون } كقولك «هو عبد الله حقا» أي حق ذلك حقا. وعن الحسن ~~رحمه الله أن رجلا سأله أمؤمن أنت؟ قال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا ~~مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: { إنما المؤمنون } الآية. فلا ~~أدري أنا منهم أم لا. وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقا ثم لم يشهد ~~أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية، أي كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب ~~المؤمنين حقا فلا يقطع بأنه مؤمن حقا، وبهذا يتشبث من يقول أنا مؤمن إن ~~شاء الله. # وكان أبو حنيفة رحمه الله لا يقول ذلك. وقال لقتادة: لم تستثني في ~~إيمانك؟ قال: اتباعا لإبراهيم في قوله # والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين # [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله # أولم تؤمن قال بلى # [البقرة: 260]، وعن إبراهيم التيمي: قل أنا مؤمن حقا فإن صدقت أثبت ~~عليه، وإن كذبت فكفرك أشد من كذبك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من لم ~~يكن منافقا فهو مؤمن حقا. وقد احتج عبد الله على أحمد فقال: إيش اسمك؟ ~~فقال: أحمد، فقال: أتقول أنا أحمد حقا أو أنا أحمد إن شاء الله؟ فقال: ~~أنا أحمد حقا. فقال: حيث سماك والداك لا تستثني وقد سماك الله في القرآن ~~مؤمنا تستثني. { لهم درجت } مراتب بعضها فوق بعض على قدر ~~الأعمال { عند ربهم ومغفرة } وتجاوز لسيئاتهم { ورزق ~~كريم } صاف عن كد الاكتساب وخوف الحساب. # الكاف في { كما أخرجك ربك } في محل النصب على أنه صفة لمصدر ~~الفعل المقدر، والتقدير: قل الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ~~ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم ms0482 كارهون { من بيتك } ~~يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها لأنها مهاجرة ومسكنة فهي في ~~اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه { بالحق } إخراجا متلبسا بالحكمة ~~والصواب { وإن فريقا من المؤمنين لكرهون } في ~~موضع الحال أي أخرجك في حال كراهتهم. وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام ~~فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان، فأخبر جبريل النبي ~~عليه السلام فأخبر أصحابه فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، ~~فلما خرجوا علمت قريش بذلك فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهو النفير في ~~المثل السائر: لا في العير ولا في النفير. فقيل له: إن العير أخذت طريق ~~الساحل ونجت، فأبى وسار بمن معه إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع فيه ~~لسوقهم يوما في السنة ونزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إن الله ~~وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما قريشا. فاستشار النبي صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه وقال: # " العير أحب إليكم أم النفير " # قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو. فتغير وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم ردد عليهم فقال: # " إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل " # فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو. فقام عند غضب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة ~~فقال انظر أمرك فامض، فوالله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من ~~الأنصار. # ثم قال المقداد بن عمرو: امض لما أمرك الله فإنا معك حيث أحببت، لا نقول ~~لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: # اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون # [المائدة: 24]. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. ما دامت ~~عين منا تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سعد بن معاذ: امض ~~يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر ~~فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، فسر بنا على بركة الله. ففرح ~~رسول ms0483 الله صلى الله عليه وسلم ونشطه قول سعد ثم قال: «سيروا على بركة ~~الله أبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى ~~مصارع القوم» وكانت الكراهة من بعضهم لقوله # وإن فريقا من المؤمنين لكرهون # قال الشيخ أبومنصور رحمه الله: يحتمل أنهم منافقون كرهوا ذلك اعتقادا، ~~ويحتمل أن يكونوا مخلصين، وأن يكون ذلك كراهة طبع لأنهم غير متأهبين له. ### || [8.6-20] # { يجدلونك في الحق } الحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير { بعدما ~~تبين } بعد إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ينصرون ~~وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد وذلك ~~لكراهتهم القتال { كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون } شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة ~~بحال من يعتل إلى القتل ويساق على الصغار إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ~~ناظر إليها لا يشك فيها. وقيل: كان خوفهم لقلة العدد وإنهم كانوا رجالة ~~وماكان فيهم إلا فارسان { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين } «إذ» منصوب ب «اذكر» و { إحدى } مفعول ثان { ~~أنها لكم } بدل من { إحدى الطائفتين } وهما العير ~~والنفير والتقدير: وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم { وتودون ~~أن غير ذات الشوكة تكون لكم } أي العير وذات الشوكة ~~ذات السلاح، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم أي تتمنون أن تكون لكم ~~العير لأنها الطائفة التي لا سلاح لها ولا تريدون الطائفة الأخرى { ~~ويريد الله أن يحق الحق } أي يثبته ويعليه { ~~بكلمته } بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة ~~من نزولهم للنصرة، وبما قضى من قتلهم وطرحهم في قليب بدر { ويقطع ~~دابر الكفرين } آخرهم والدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر. ~~وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة، ~~وسفساف الأمور، والله تعالى يريد معالي الأمور، ونصرة الحق، وعلو الكلمة، ~~وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة وكسر قوتهم ~~بضعفكم وأعزكم وأذلهم { ليحق الحق } متعلق ب { يقطع ms0484 } أو ~~بمحذوف تقديره ليحق الحق { ويبطل البطل } فعل ذلك والمقدر ~~متأخر ليفيد الاختصاص أي ما فعله إلا لهما، وهو إثبات الإسلام وإظهاره، ~~وإبطال الكفر، ومحقه، وليس هذا بتكرار لأن الأول تمييز بين الإرادتين، ~~وهذا بيان لمراده فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم ~~عليها { ولو كره المجرمون } المشركون ذلك # { إذ تستغيثون ربكم } بدل من { إذ يعدكم } أو متعلق ~~بقوله # ليحق الحق ويبطل البطل # واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون ~~أي ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا. وهي طلب الغوث وهو ~~التخليص من المكروه { فاستجاب لكم } فأجاب. وأصل { أني ~~ممدكم } «بأني ممدكم» فحذف الجار وسلط عليه { استجاب } فنصب محله { ~~بألف من الملئكة مردفين } { مردفين } مدني. ~~غيره بكسر الدال. فالكسر على أنهم أردفوا غيرهم، والفتح على أنه أردف كل ~~ملك ملكا آخر. # يقال: ردفه إذا تبعه، وأردفته إياه إذا اتبعه { وما جعله الله ~~} أي الإمداد الذي دل عليه ممدكم { إلا بشرى } إلا بشارة لكم ~~بالنصر { ولتطمئن به قلوبكم } يعني أنكم استغثتم وتضرعتم ~~لقلتكم فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر وتسكينا منكم وربطا ~~على قلوبكم { وما النصر إلا من عند الله } أي ولا تحسبوا ~~النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو وما النصر من ~~الملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله. ~~واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ~~ملك على الميمنة وفيها أبو بكر رضي الله عنه، وميكائل في خمسمائة على ~~الميسرة وفيها علي رضي الله عنه في صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم ~~بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت حتى قال أبو جهل لابن مسعود: من ~~أين كان يأتينا الضرب، ولا نرى الشخص، قال: من قبل الملائكة. قال: فهم ~~غلبونا لا أنتم. وقيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون ~~المؤمنين وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا. { أن الله ~~عزيز } بنصر أوليائه { حكيم ms0485 } بقهر أعدائه. # { إذ يغشيكم } بدل ثان من { إذ يعدكم } أو منصوب بالنصر ~~أو بإضمار اذكر. { يغشيكم } مدني { النعاس } النوم والفاعل هو ~~الله على القراءتين. { يغشيكم النعاس } مكي، وأبو عمرو { ~~ءامنة } مفعول له أي إذ تنعسون أمنة بمعنى أمنا أي لأمنكم، أو مصدر ~~أي فأمنتم أمنة فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس { منه } صفة لها أي ~~أمنة حاصلة لكم من الله { وينزل } بالتخفيف: مكي وبصري، وبالتشديد: ~~وغيرهم { عليكم من السماء ماء } مطرا { ليطهركم به } ~~بالماء من الحدث والجنابة { ويذهب عنكم رجز الشيطن } ~~وسوسته إليهم وتخويفه إياهم من العطش، أو الجنابة من الاحتلام، لأنه من ~~الشيطان وقد وسوس إليهم أن لا نصرة مع الجنابة { وليربط على ~~قلوبكم } بالصبر { ويثبت به الأقدام } أي بالماء إذ ~~الأقدام كانت تسوخ في الرمل، أو بالربط لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر ~~يثبت القدم في مواطن القتال { إذ يوحى } بدل ثالث من { إذ ~~يعدكم } أو منصوب ب { يثبت } { ربك إلى الملئكة ~~أني معكم } بالنصر { فثبتوا الذين ءامنوا } بالبشرى ~~وكان الملك يسير أمام الصف في صورة رجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم { ~~سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب } هو امتلاء القلب ~~من الخوف و { الرعب } شامي وعلي { فاضربوا } أمر للمؤمنين أو ~~الملائكة، وفيه دليل على أنهم قاتلوا { فوق الأعنق } أي أعالي ~~الأعناق التي هي المذابح تطييرا للرؤوس، أو أراد الرؤوس لأنها فوق ~~الأعناق يعني ضرب الهام { واضربوا منهم كل بنان } هي ~~الأصابع يريد الأطراف، والمعنى فاضربوا المقاتل والشوي لأن الضرب إما أن ~~يقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم أن يجمعوا عليهم النوعين { ذلك } ~~إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل وهو مبتدأ خبره { ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله } أي ذلك العقاب وقع عليهم ~~بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم وهي مشتقة من الشق لأن كلا المتعاديين في شق ~~خلاف شق صاحبه، وكذا المعاداة والمخاصمة لأن هذا في عدوة وخصم أي جانب ~~وذاك في عدوة وخصم { ومن يشاقق الله ورسوله فإن ~~الله شديد العقاب } والكاف في ذلك لخطاب الرسول أو ms0486 لكل أحد، ~~وفي { ذلكم } للكفرة على طريقة الالتفات، ومحله الرفع على «ذلكم ~~العقاب أو العقاب» { ذلكم فذوقوه }. # والواو في { وأن للكفرين عذاب النار } بمعنى «مع» أي ~~ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة فوضع الظاهر موضع ~~الضمير. # { ا يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين ~~كفروا زحفا } حال من { الذين كفروا }. والزحف الجيش الذي ~~يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيبا من زحف الصبي إذا دب على استه قليلا ~~قليلا سمي بالمصدر { فلا تولوهم الأدبار } فلا تنصرفوا عنهم ~~منهزمين أي إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل، فلا تفروا فضلا أن ~~تدانوهم في العدد أو تساووهم، أو حال من المؤمنين أو من الفريقين أي إذا ~~لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم. # { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا } مائلا { ~~لقتال } هو الكر بعد الفر يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو من ~~خدع الحرب { أو متحيزا } منضما { إلى فئة } إلى جماعة من ~~المسلمين سوى الفئة التي هو فيها وهما حالان من ضمير الفاعل في { ~~يولهم } { فقد باء بغضب من الله ومأواه ~~جهنم وبئس المصير } ووزن متحيز «متفيعل» لا «متفعل»، لأنه ~~من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوز. ولما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا ~~وكان القاتل منهم يقول تفاخرا قتلت وأسرت قيل لهم { فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم } والفاء جواب لشرط محذوف ~~تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. ولما قال ~~جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرمى بها في ~~وجوههم وقال # " شاهت الوجوه " # فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا قيل { وما رميت } يا محمد { ~~إذ رميت ولكن الله رمى } يعني أن الرمية التي رميتها ~~أنت لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما ~~يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، ~~وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسبا وإلى الله تعالى خلقا لا ~~كما تقول الجبرية والمعتزلة، لأنه ms0487 أثبت الفعل من العبد بقوله { إذ ~~رميت } ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله { ولكن الله ~~رمى } ، { ولكن الله قتلهم } ، { ولكن الله ~~رمى } بتخفيف { لكن } شامي وحمزة وعلي { وليبلي ~~المؤمنين } وليعطيهم { منه بلاء حسنا } عطاء جميلا، ~~والمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل وما فعل إلا لذلك { إن ~~الله سميع } لدعائهم { عليم } بأحوالهم { ذلكم } إشارة إلى ~~البلاء الحسن ومحله الرفع أي الأمر ذلكم { وأن الله موهن ~~كيد الكفرين } معطوف على { ذلكم } أي المراد إبلاء ~~المؤمنين وتوهين كيد الكافرين. # { موهن كيد } شامي وكوفي غير حفص. { موهن كيد } حفص، { ~~موهن } غيرهم. # { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } إن تستنصروا فقد ~~جاءكم النصر عليكم وهو خطاب لأهل مكة، لأنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا ~~بأستار الكعبة قالوا: اللهم إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على الحق ~~فانصرنا. وقيل: { إن تستفتحوا } خطاب للمؤمنين { وإن } للكافرين ~~أي { وإن تنتهوا } عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { فهو } أي ~~الانتهاء { خير لكم } وأسلم { وإن تعودوا } لمحاربته { ~~نعد } لنصرته عليكم { ولن تغنى عنكم فئتكم } جمعكم { ~~شيئا ولو كثرت } عددا { وأن الله مع المؤمنين ~~} بالفتح مدني وشامي وحفص أي ولأن الله مع المؤمنين بالنصر كان ذلك، ~~وبالكسر غيرهم ويؤيده قراءة عبد الله { والله مع المؤمنين } ~~{ يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا ~~تولوا عنه } عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المعنى ~~أطيعوا رسول الله كقوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] ولأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله «الإحسان ~~والإجمال لا ينفع في فلان» أو يرجع الضمير إلى الأمر بالطاعة أي ولا ~~تولوا عن هذا الأمر وأمثاله، وأصله ولا تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفا ~~{ وأنتم تسمعون } أي وأنتم تسمعونه، أو ولا تتولوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا تخالفوه وأنتم تسمعون أي تصدقون لأنكم مؤمنون ~~لستم كالصم المكذبين من الكفرة. ### || [8.21-31] # { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } أي ms0488 ادعوا السماع ~~وهم المنافقون وأهل الكتاب { وهم لا يسمعون } لأنهم ليسوا ~~بمصدقين فكأنهم غير سامعين، والمعنى أنكم تصدقون بالقرآن والنبوة فإذا ~~توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من قسمة الغنائم وغيرها أشبه سماعكم ~~سماع من لا يؤمن. ثم قال { إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون } أي إن شر من يدب على وجه ~~الأرض البهائم، وإن شر البهائم الذين هم صم عن الحق لا يعقلونه، جعلهم من ~~جنس البهائم ثم جعلهم شرها لأنهم عاندوا بعد الفهم وكابروا بعد العقل { ~~ولو علم الله فيهم } في هؤلاء الصم والبكم { خيرا } صدقا ~~ورغبة { لأسمعهم } لجعلهم سامعين حتى يسمعوا سماع المصدقين { ولو ~~أسمعهم لتولوا } عنه أي ولو أسمعهم وصدقوا لارتدوا بعد ذلك ~~ولم يستقيموا { وهم معرضون } عن الإيمان. { يأيها الذين ~~ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } وحد ~~الضمير أيضا كما وحده فيما قبله، لأن استجابة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كاستجابته، والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال وبالدعوة البعث ~~والتحريض { لما يحييكم } من علوم الديانات والشرائع لأن العلم ~~حياة كما أن الجهل موت قال الشاعر # لا تعجبن الجهول حلته # فذاك ميت وثوبه كفن # أو لمجاهدة الكفار لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم، أو للشهادة لقوله ~~تعالى # بل أحياء عند ربهم # [آل عمران: 169] { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه } أي يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص ~~القلب، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله، أو بينه ~~وبين ما تمناه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه { وأنه إليه ~~تحشرون } واعلموا أنكم إليه تحشرون فيثيبكم على حسب سلامة القلوب ~~وإخلاص الطاعة { واتقوا فتنة } عذابا { لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة } هو جواب للأمر أي إن أصابتكم لا ~~تصب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم، وجاز أن تدخل النون المؤكدة في ~~جواب الأمر لأن فيه معنى النهي كما إذا قلت «انزل عن الدابة لا تطرحك» ~~وجاز «لا تطرحنك». و «من» في { منكم } للتبعيض { واعلموا أن ~~الله شديد العقاب } إذا عاقب. # { واذكروا ms0489 إذ أنتم قليل } «إذ» مفعول به لا ظرف أي واذكروا ~~وقت كونكم أقلة أذلة { مستضعفون فى الأرض } أرض مكة قبل ~~الهجرة: يستضعفكم قريش { تخافون أن يتخطفكم الناس } لأن ~~الناس كانوا لهم أعداء مضادين { فأوكم } إلى المدينة { وأيدكم ~~بنصره } بمظاهرة الأنصار وبإمداد الملائكة يوم بدر { ورزقكم ~~من الطيبات } من الغنائم ولم تحل لأحد قبلكم { لعلكم ~~تشكرون } هذه النعم. # { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله } بأن تعطلوا ~~فرائضه { والرسول } بأن لا تستنوا به { وتخونوا } جزم عطف على ~~{ لا تخونوا } أي ولا تخونوا { أمنتكم } فيما بينكم بأن ~~لا تحفظوها { وأنتم تعلمون } تبعه ذلك ووباله، أو وأنتم تعلمون ~~أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو، أو وأنتم ~~علماء تعلمون حسن الحسن وقبح القبيح، ومعنى الخون النقص كما أن معنى ~~الإيفاء التمام، ومنه تخونه إذا انتقصه، ثم استعمل في ضد الأمانة ~~والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه { ~~واعلموا أنما أمولكم وأولدكم فتنة } أي سبب ~~الوقوع في الفتنة وهي الإثم والعذاب، أو محنة من الله ليبلوكم كيف ~~تحافظون فيهم على حدوده { وأن الله عنده أجر عظيم } ~~فعليكم أن تحرصوا على طلب ذلك وتزهدوا في الدنيا ولا تحرصوا على جمع ~~المال وحب الولد { يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا } نصرا لأنه يفرق بين الحق والباطل، ~~وبين الكفر بإذلال حزبه والإسلام بإعزاز أهله، أو بيانا وظهورا يشهر ~~أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض من قولهم «سطع الفرقان» أي طلع ~~الفجر، أو مخرجا من الشبهات وشرحا للصدور، أو تفرقة بينكم وبين غيركم ~~من أهل الأديان وفضلا ومزية في الدنيا والآخرة { ويكفر عنكم ~~سيئاتكم } أي الصغائر { ويغفر لكم } ذنوبكم أي الكبائر { ~~والله ذو الفضل العظيم } على عباده. # { وإذ يمكر بك الذين كفروا } لما فتح الله عليه ذكره ~~مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم واستيلائه ~~عليهم. والمعنى واذكر إذ يمكرون بك، وذلك أن قريشا لما أسلمت الأنصار ~~فرقوا أن ms0490 يتفاقم أمره فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل ~~عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد دخلت مكة فسمعت باجتماعكم ~~فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا. فقال أبو البختري: رأيي أن ~~تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه ~~منها وتتربصوا به ريب المنون. فقال إبليس: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم ~~من قومه ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل ~~وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم. فقال إبليس: بئس ~~الرأي، يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل لعنه الله: أنا أرى ~~أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق ~~دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل ~~عقلناه واسترحنا. فقال اللعين: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأيا، فتفرقوا ~~على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن له الله في الهجرة، ~~فأمر عليا فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر ~~تكرهه. # وباتوا مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا عليا فبهتوا وخيب ~~الله سعيهم واقتفوا أثره فأبطل الله مكرهم { ليثبتوك } ليحبسوك ~~ويوثقوك { أو يقتلوك } بسيوفهم { أو يخرجوك } من مكة { ~~ويمكرون } ويخفون المكايد له { ويمكر الله } ويخفي الله ما ~~أعد لهم حتى يأتيهم بغتة { والله خير المكرين } أي مكره ~~أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا. # كان عليه السلام يقرأ القرآن ويذكر أخبار القرون الماضي في قراءته فقال ~~النضر بن الحارث: لو شئت لقلت مثل هذا. وهو الذي جاء من بلاد فارس بنسخة ~~حديث رستم وأحاديث العجم فنزل { وإذا تتلى عليهم ءايتنا ~~} أي القرآن { قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا إن هذا إلا أسطير الأولين } وهذا صلف منهم ~~ووقاحة، لأنهم دعوا إلى أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا ms0491 القرآن فلم ~~يأتوا به. ### || [8.32-42] # { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا } أي القرآن { هو ~~الحق من عندك } هذا اسم «كان» و «هو» فصل و { الحق } خبر ~~«كان». روي أن النضر لما قال { إن هذا إلا أسطير ~~الأولين } قال له النبي عليه الصلاة والسلام # " ويلك هذا كلام الله " # فرفع النضر رأسه إلى السماء وقال { إن كان هذا هو الحق ~~من عندك } { فأمطر علينا حجارة من السماء } أي إن ~~كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل { ~~أو ائتنا بعذاب أليم } بنوع آخر من جنس العذاب الأليم فقتل ~~يوم بدر صبرا. وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا ~~عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك، قالوا لرسول الله عليه السلام حين ~~دعاهم إلى الحق # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء # ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } اللام لتأكيد النفي والدلالة على أن ~~تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم لأنك بعثت رحمة للعالمين وسنته أن لا ~~يعذب قوما عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم ~~مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } هو في موضع الحال ومعناه نفي الاستغفار عنهم أي ولو ~~كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، أو معناه وما كان الله ~~معذبهم وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من المستضعفين. { وما لهم ألا يعذبهم ~~الله } أي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم، ~~وما لهم ألا يعذبهم الله { وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام } وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما ~~صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وإخراجهم رسول الله ~~والمؤمنين من الصد وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء ~~وندخل من نشاء فقيل { وما كانوا أولياءه } وما ms0492 استحقوا مع ~~إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمر الحرم { إن أولياؤه ~~إلا المتقون } من المسلمين. وقيل: الضميران راجعان إلى الله { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك كأنه استثنى من كان يعلم ~~وهو يعاند أو أردا بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم { وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء } صفيرا كصوت المكاء وهو ~~طائر مليح الصوت، وهو فعال من مكا يمكوا إذا صفر { وتصدية } ~~وتصفيقا تفعلة من الصدى، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون ~~بين أصابعهم ويصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في صلاته يخلطون عليه { فذوقوا العذاب } ~~عذاب القتل والأسر يوم بدر { بما كنتم تكفرون } بسبب كفركم. # ونزل في المطعين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا وكلهم من قريش، وكان ~~يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر { إن الذين كفروا ~~ينفقون أمولهم ليصدوا عن سبيل الله } أي كان ~~غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبيل الله { ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } ثم تكون عاقبة ~~إنفاقها ندما وحسرة، فكأن ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة { ثم ~~يغلبون } آخر الأمر وهو من دلائل النبوة لأنه أخبر عنه قبل وقوعه ~~فكان كما أخبر { والذين كفروا } والكافرون منهم { إلى ~~جهنم يحشرون } لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه. # واللام في { ليميز الله الخبيث } الفريق الخبيث من الكفار { ~~من الطيب } أي من الفريق الطيب من المؤمنين، متعلقة ب { ~~يحشرون } { ليميز } حمزة وعلي { ويجعل الخبيث } الفريق ~~الخبيث { بعضه على بعض فيركمه جميعا } فيجمعه { ~~فيجعله فى جهنم } أي الفريق الخبيث { أولئك } إشارة ~~إلى الفريق الخبيث { هم الخسرون } أنفسهم وأموالهم. # { قل للذين كفروا } أي أبي سفيان وأصحابه { إن ينتهوا } ~~عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في ~~الإسلام { يغفر لهم ما قد سلف } لهم من العداوة { وإن ~~يعودوا } لقتاله { فقد مضت سنت الأولين } بالإهلاك في ~~الدنيا والعذاب في العقبى، أو معناه أن الكفار إذا انتهوا عن ms0493 الكفر ~~وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي، وبه احتج أبو حنيفة رحمه ~~الله في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة { ~~وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } إلى أن لا يوجد فيهم شرك ~~قط { ويكون الدين كله لله } ويضمحل عنهم كل دين باطل ويبقى ~~فيهم دين الإسلام وحده { فإن انتهوا } عن الكفر وأسلموا { ~~فإن الله بما يعملون بصير } يثيبهم على إسلامهم { وإن ~~تولوا } أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا { فاعلموا أن ~~الله مولاكم } ناصركم ومعينكم فثقوا بولايته ونصرته { نعم ~~المولى } لا يضيع من تولاه { ونعم النصير } لا يغلب من ~~نصره. والمخصوص بالمدح محذوف. # { واعلموا أنما غنمتم } «ما» بمعنى «الذي»، ولا يجوز أن ~~يكتب إلا مفصولا إذ لو كتب موصولا لوجب أن تكون «ما» كافة و { ~~غنمتم } صلته والعائد محذوف والتقدير: الذي غنمتموه { من شىء } ~~بيانه قيل حتى الخيط والمخيط { فأن لله خمسه } والفاء إنما ~~دخلت لما في «الذي» من معنى المجازاة و «أن» وما عملت فيه في موضع رفع ~~على أنه خبر مبدأ تقديره: فالحكم أن لله خمسة { وللرسول ولذى ~~القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل } ~~فالخمس كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم على خمسة أسهم: سهم ~~لرسول الله، وسهم لذي قرابته من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس ~~وبني نوفل استحقوه حينئذ بالنصرة لقصة عثمان وجبير بن مطعم، وثلاثة أسهم ~~لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسهمه ساقط بموته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم ولا يعطى ~~أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان على ستة: لله والرسول سهمان، وسهم ~~لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر رضي الله عنه الخمس على ثلاثة، وكذا عمر ~~ومن بعده من الخلفاء رضي الله عنهم، ومعنى { لله وللرسول } ~~لرسول الله كقوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] { إن كنتم ءامنتم بالله } فاعملوا به وارضوا ~~بهذه القسمة فالإيمان يوجب الرضا بالحكم ms0494 والعمل بالعلم { وما ~~أنزلنا } معطوف على { بالله } أي إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل { ~~على عبدنا يوم الفرقان } يوم بدر { يوم التقى ~~الجمعان } الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد ما أنزل عليه من ~~الآيات والملائكة والفتح يومئذ وهو بدل من { يوم الفرقان } { ~~والله على كل شيء قدير } يقدر على أن ينصر القليل على ~~الكثير كما فعل بكم يوم بدر. { إذ أنتم } بدل من { يوم ~~الفرقان } والتقدير: اذكروا إذ أنتم { بالعدوة } شط الوادي، ~~وبالكسر فيهما: مكي وأبو عمرو { الدنيا } القربى إلى جهة المدينة ~~تأنيث الأدنى { وهم بالعدوة القصوى } البعدى عن المدينة ~~تأنيث الأقصى، وكلتاهما فعلى من بنات الواو، والقياس قلب الواو ياء ~~كالعليا تأنيث الأعلى، وأما القصوى فكالقود في مجيئه على الأصل { ~~والركب } أي العير وهو جمع راكب في المعنى { أسفل منكم } نصب ~~على الظرف أي مكانا أسفل من مكانكم يعني في أسفل الوادي بثلاثة أميال، ~~وهو مرفوع المحل لأنه خبر المبتدأ { ولو تواعدتم } أنتم وأهل ~~مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال { لاختلفتم في ~~الميعد } لخالف بعضكم بعضا فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء ~~بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له { ولكن } ~~جمع بينكم بلا ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } من ~~إعزاز دينه وإعلاء كلمته، أو اللام تتعلق بمحذوف أي ليقضي الله أمرا كان ~~ينبغي أن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك. قال الشيخ أبو منصور ~~رحمه الله: القضاء يحتمل الحكم أي ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ~~ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة وهو عز ~~الإسلام وأهله وذل الكفر وحزبه ويتعلق ب { يقضى } { ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة } { حيي } ~~نافع وأبو عمرو، فالإدغام لالتقاء المثلين، والإظهار لأن حركة الثاني غير ~~لازمة، لأنك تقول في المستقبل «يحيا» والإدغام أكثر. # استعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي ليصدر كفر من كفر ms0495 عن وضوح بينة ~~لا عن مخالجة شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم ~~أيضا عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، وذلك ~~أن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه ~~مغالطا لها، ولهذا ذكر فيها مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم ~~مع أنهم قد علموا ذلك كله مشاهدة ليعلم الخلق أن النصر والغلبة لا تكون ~~بالكثرة والأسباب بل بالله تعالى، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها ~~المشركون كان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس بها، ولا ماء بالعدوة الدنيا ~~وهي خبار تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكان العيروراء ~~ظهور العدو مع كثرة عددهم وعدتهم وقلة المسلمين وضعفهم ثم كان ما كان { ~~بينة وإن الله لسميع } لأقوالهم { عليم } بكفر من كفر ~~وعقابه وبإيمان من آمن وثوابه. ### || [8.43-56] # { إذ يريكهم الله } نصب بإضمار «اذكر»، أو هو متعلق بقوله { ~~لسميع عليم } أي بعلم المصالح إذ يقللهم في عينك { في منامك ~~قليلا } أي في رؤياك، وذلك أن الله تعالى أراه إياهم في رؤياه قليلا ~~فأخبر بذلك أصحابه فكان ذلك تشجيعا لهم على عدوهم { ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم } لجبنتم وهبتم الإقدام { ولتنزعتم في ~~الأمر } أمر القتال وترددتم بين الثبات والفرار { ولكن الله ~~سلم } عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف { إنه ~~عليم بذات الصدور } يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن ~~والصبر والجزع. # { وإذ يريكموهم } الضميران مفعولان أي وإذ يبصركم إياهم { إذ ~~التقيتم } وقت اللقاء { في أعينكم قليلا } هو نصب على ~~الحال. وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا. قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم ~~سبعين؟ قال: أراهم مائة وكانوا ألفا { ويقللكم في أعينهم ~~} حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور. قيل: قد قللهم في أعينهم قبل ~~اللقاء ثم كثرهم ms0496 فيما بعده ليجترئوا عليه قلة مبالاة بهم ثم تفجأهم ~~الكثرة فيبهتوا ويهابوا، ويجوز أن يبصروا الكثير قليلا بأن يستر الله ~~بعضهم بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير كما أحدث في أعين ~~الحول ما يرون به الواحد اثنين، قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين ~~وكان بين يديه ديك واحد فقال: مالي لا أرى هذين الديكين أربعة: { ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور } فيحكم فيها بما يريد { ترجع } شامي وحمزة وعلي. # { يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة } إذا ~~حاربتم جماعة من الكفار وترك وصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا ~~الكفار، واللقاء اسم غالب للقتال { فاثبتوا } لقتالهم ولا تفروا { ~~واذكروا الله كثيرا } في مواطن الحرب مستظهرين بذكره مستنصرين ~~به داعين له على عدوكم: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم { لعلكم ~~تفلحون } تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه إشعار بأن على ~~العبد أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلبا وأكثر ما يكون هما، وأن ~~تكون نفسه مجتمعة لذلك وإن كانت متوزعة عن غيره { وأطيعوا الله ~~ورسوله } في الأمر بالجهاد والثبات مع العدو وغيرهما { ولا ~~تنزعوا فتفشلوا } فتجبنوا وهو منصوب بإضمار «أن» ويدل عليه ~~{ وتذهب ريحكم } أي دولتكم يقال: «هبت رياح فلان» إذا دالت له ~~الدولة ونفذ أمره، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته بالريح وهبوبها. # وقيل: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # { واصبروا } في القتال مع العدو وغيره { إن الله مع ~~الصبرين } أي معينهم وحافظهم { ولا تكونوا كالذين ~~خرجوا من ديرهم بطرا ورئاء الناس } هم أهل مكة حين ~~نفروا لحماية العير فأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فأبى ~~أبو جهل وقال: حتى نقدم بدرا ونشرب بها الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا ~~القيان ونطعم بها العرب، فذلك بطرهم ورياؤهم الناس بإطعامهم فوافوها ~~فسقوا كأس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيام، فنهاهم ~~أن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل ms0497 التقوى ~~والكآبة والحزن من خشية الله مخلصين أعمالهم لله. والبطر أن تشغله كثرة ~~النعمة عن شكرها. { ويصدون عن سبيل الله } دين الله { ~~والله بما يعملون محيط } عالم وهو وعيد. # { وإذ زين لهم الشيطن أعملهم وقال لا ~~غالب لكم اليوم من الناس } واذكر إذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووسوس ~~إليهم أنهم لا يغلبون. وغالب مبني نحو «لا رجل» و { لكم } في موضع رفع ~~خبر «لا». تقديره: لا غالب كائن لكم { وإني جار لكم } أي مجير ~~لكم أوهمهم أن طاعة الشيطان مما يجيرهم { فلما تراءت الفئتان ~~} فلما تلاقى الفريقان { نكص } الشيطان هاربا { على عقبيه } ~~أي رجع القهقرى { وقال إني بريء منكم } أي رجعت عما ضمنت ~~لكم من الأمان. روي أن إبليس تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم في ~~جند من الشياطين معه راية، فلما رأى الملائكة تنزل نكص فقال له الحارث بن ~~هشام: أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: { إني أرى ما لا ترون } ~~أي الملائكة وانهزموا فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة. فبلغ ذلك ~~سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا ~~علموا أنه الشيطان { إني أخاف الله } أي عقوبته { والله ~~شديد العقاب } اذكروا { إذ يقول المنفقون } بالمدينة ~~{ والذين في قلوبهم مرض } هو من صفة المنافقين، أو أريد ~~والذين هم على حرف ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام { غر هؤلاء ~~دينهم } يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة ~~عشر إلى زهاء ألف. ثم قال جوابا لهم { ومن يتوكل على الله ~~} يكل إليه أمره { فإن الله عزيز } غالب يسلط القليل الضعيف ~~على الكثير القوي { حكيم } لا يسوي بين وليه عدوه. # { ولو ترى } ولو عاينت وشاهدت لأن «لو» ترد المضارع إلى معنى ~~الماضي كما ترد «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال { إذ } نصب على الظرف { ~~يتوفى الذين كفروا } بقبض أرواحهم { الملئكة } فاعل ~~{ يضربون } حال منهم { وجوههم } إذا أقبلوا { وأدبرهم ~~} ظهورهم وأستاههم إذا أدبروا، أو وجوههم عند الإقدام ms0498 وأدبارهم عند ~~الانهزام. # وقيل: في { يتوفى } ضمير الله تعالى، و { الملئكة } مرفوعة ~~بالابتداء و { يضربون } خبر والأول الوجه، لأن الكفار لا يستحقون أن ~~يكون الله متوفيهم بلا واسطة دليله قراءة ابن عامر { تتوفى } بالتاء { ~~وذوقوا } ويقولون لهم ذوقوا معطوف على { يضربون } { عذاب ~~الحريق } أي مقدمة عذاب النار، أو ذوقوا عذاب الآخرة بشارة لهم به، ~~أو يقال لهم يوم القيامة: ذوقوا. وجواب «لو» محذوف أي لرأيت أمرا ~~فظيعا. # { ذلك بما قدمت أيديكم } أي كسبت وهو رد على الجبرية، ~~وهو من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة. و { ذلك } رفع بالابتداء ~~و { بما قدمت } خبره { وأن الله } عطف عليه أي ذلك العذاب ~~بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبأن الله { ليس بظلم ~~للعبيد } لأن تعذيب الكفار من العدل. وقيل: ظلام للتكثير لأجل ~~العبيد، أو لنفي أنواع الظلم. الكاف في { كدأب ءال فرعون } في ~~محل الرفع أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودأبهم عادتهم وعملهم الذي ~~دأبوا فيه أي داوموا عليه { والذين من قبلهم } من قبل قريش أو ~~من قبل آل فرعون { كفروا } تفسير لدأب آل فرعون { بئايت ~~الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي ~~شديد العقاب } والمعنى جروا على عادتهم في التكذيب فأجرى عليه مثل ~~ما فعل بهم في التعذيب { ذلك } العذاب أو الانتقام { بأن الله ~~لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم } بسبب أن الله لم يصح في حكمته أن يغير ~~نعمته عند قوم حتى يغيروا مابهم من الحال، نعم لم يكن لآل فرعون ومشركي ~~مكة حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة، لكن لما تغيرت الحال المرضية إلى ~~المسخوطة تغيرت الحال المسخوطة إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة ~~الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات فكذبوه وسعوا في ~~إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت فغير الله ما أنعم به عليهم من ~~الإمهال وعاجلهم بالعذاب { وأن الله سميع } لما يقولوا مكذبو ~~الرسل { عليم } بما يفعلون { كدأب ءال فرعون } تكرير ~~للتأكيد، أو لأن في ms0499 الأولى الأخذ بالذنوب بلا بيان ذلك، وهنا بين أن ذلك ~~هو الإهلاك والاستئصال { والذين من قبلهم كذبوا ~~بئايت ربهم } وفي قوله { بآيت ربهم } زيادة دلالة ~~على كفران النعم وجحود الحق { فأهلكنهم بذنوبهم ~~وأغرقنا ءال فرعون } بماء البحر { وكل } وكلهم من غرقى ~~القبط وقتلى قريش { كانوا ظلمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي. # { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا ~~يؤمنون } أي أصروا على الكفر فلا يتوقع منهم الإيمان { الذين ~~عهدت منهم } بدل من { الذين كفروا } أي الذين عاهدتهم ~~من الذين كفروا وجعلهم شر الدواب، لأن شر الناس الكفار وشر الكفار ~~المصرون وشر المصرين الناكثون للعهود { ثم ينقضون عهدهم في ~~كل مرة } في كل معاهدة { وهم لا يتقون } لا يخافون عاقبة ~~الغدر ولا يبالون بما فيه من العار والنار. ### || [8.57-66] # { فإما تثقفنهم في الحرب } فإما تصادفنهم وتظفرن بهم { ~~فشرد بهم من خلفهم } ففرق من محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر ~~قتلة والنكاية فيهم من وراءهم من الكفرة حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد ~~اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم. وقال الزجاج: افعل بهم ما تفرق به جمعهم ~~وتطرد به من عداهم { لعلهم يذكرون } لعل المشردين من ورائهم ~~يتعظون { وإما تخافن من قوم } معاهدين { خيانة } نكثا ~~بأمارات تلوح لك { فانبذ إليهم } فاطرح إليهم العهد { على ~~سواء } على استواء منك ومنهم في العلم بنقض العهد وهو حال من النابذ ~~والمنبوذ إليهم أي حاصلين على استواء في العلم { إن الله لا ~~يحب الخئنين } الناقضين للعهود { ولا يحسبن } بالياء ~~وفتح السين: شامي وحمزة ويزيد وحفص، وبالتاء وفتح السين: أبو كبر، ~~وبالتاء وكسر السين: غيرهم { الذين كفروا سبقوا } فاتوا ~~وأفلتوا من أن يظفر بهم { إنهم لا يعجزون } إنهم لا يفوتون ~~ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم { أنهم } شامي أي لأنهم، وكل ~~واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل غير أن المكسورة على طريقة الاستئناف، ~~والمفتوحة تعليل صريح؛ فمن قرأ بالتاء ف { الذين كفروا } مفعول ~~أول والثاني { سبقوا } ومن قرأ بالياء ف { الذين كفروا } ~~فاعل و { سبقوا } مفعول تقديره أن سبقوا فحذف «أن»، و ms0500 «أن» مخففة من ~~الثقيلة أي أنهم سبقوا فسد مسد المفعولين، أو يكون الفاعل مضمرا أي ولا ~~يحسبن محمد الكافرين سابقين ومن ادعى. تفرد حمزة بالقراءة، ففيه نظر لما ~~بيناه من عدم تفرده بها. وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين. # { وأعدوا } أيها المؤمنون { لهم } لناقضي العهد أو لجميع ~~الكفار { ما استطعتم من قوة } من كل ما يتقوى به في الحرب من ~~عددها وفي الحديث # " ألا إن القوة الرمي " # قالها ثلاثا على المنبر. وقيل: هي الحصون { ومن رباط الخيل } ~~هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال، وخص ~~الخيل من بين ما يتقوى به كقوله # وجبريل وميكل # [البقرة: 98] { ترهبون به } بما استطعتم { عدو الله ~~وعدوكم } أي أهل مكة { وءاخرين من دونهم } غيرهم وهم ~~اليهود، أو المنافقون، أو أهل فارس، أو كفرة الجن. في الحديث # " إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق " # وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن { لا تعلمونهم } لا تعرفونهم ~~بأعيانهم { الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في ~~سبيل الله يوف إليكم } يوفر عليكم جزاؤه { وأنتم لا ~~تظلمون } في الجزاء بل تعطون على التمام { وإن جنحوا } ما لوا ~~جنح له وإليه مال { للسلم } للصلح وبكسر السين: أبو بكر وهو مؤنث ~~تأنيث ضدها وهو الحرب { فاجنح لها } فمل إليها { وتوكل على ~~الله } ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم فإن الله كافيك ~~وعاصمك من مكرهم { إنه هو السميع } لأقوالك { العليم } ~~بأحوالك { وإن يريدوا أن يخدعوك } يمكروا ويغدروا { فإن ~~حسبك الله } كافيك الله { هو الذي أيدك } قواك { ~~بنصره وبالمؤمنين } جميعا أو بالأنصار. # { وألف بين قلوبهم } قلوب الأوس والخزرج بعد تعاديهم مائة ~~وعشرين سنة { لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت ~~بين قلوبهم } أي بلغت عداوتهم مبلغا لو أنفق منفق في إصلاح ذات ~~بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه { ولكن الله ~~ألف بينهم } بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته، فأحدث بينهم ~~التواد والتحاب وأماط عنهم ms0501 التباغض والتماقت { إنه عزير } يقهر ~~من يخدعونك { حكيم } ينصر من يتبعونك. { يأيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } الواو بمعنى ~~«مع» وما بعده منصوب، والمعنى كفاك وكفى أتباعك المؤمنين الله ناصرا. ~~ويجوز أن يكون في محل الرفع أي كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين. قيل: ~~أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم أسلم ~~عمر فنزلت { يأيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال } التحريض المبالغة في الحث على الأمر من الحرض وهو أن ينهكه ~~المرض حتى يشفي على الموت { إن يكن منكم عشرون صبرون ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ~~ألفا من الذين كفروا } هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة ~~من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده { ~~بأنهم قوم لا يفقهون } بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون ~~على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله ~~نصرته، بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله. قيل: كان عليهم ~~أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة، ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم ~~بمقاومة الواحد الاثنين بقوله { الئن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا } { ضعفا } عاصم وحمزة { فإن يكن ~~منكم مائة صابرة } بالياء فيهما: كوفي، وافقه البصري في ~~الأولى والمراد الضعف في البدن { يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصبرين } وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف ~~وبعده، للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت، إذ الحال قد ~~تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة ~~المائة المائتين والألف الألفين. ### || [8.67-75] # { ما كان لنبي } ما صح له ولا استقام { أن يكون له ~~أسرى } { أن تكون }: بصري { حتى يثخن في الأرض } ~~الإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه من الثخانة وهي الغلظ والكثافة حتى يذل ~~الكفر بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر ~~بعد ذلك. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ms0502 بسبعين أسيرا فيهم ~~العباس عمه وعقيل فاستشار النبي عليه السلام أبا بكر فيهم فقال: قومك ~~وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال ~~عمر رضي الله عنه: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة ~~الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء، مكن عليا من عقيل، وحمزة من العباس، ~~ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم. فقال عليه السلام: # " مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم حيث قال: { ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم } )إبراهيم: 36) ومثلك يا عمر كمثل نوح حيث قال: { ~~رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا } )نوح: ~~26) " # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: # " إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم " # فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد فلما أخذوا الفداء نزلت الآية { ~~تريدون عرض الدنيا } متاعها يعني الفداء سماه عرضا لقلة ~~بقائه وسرعة فنائه { والله يريد الآخرة } أي ما هو سبب الجنة ~~من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل { والله عزيز } يقهر الأعداء ~~{ حكيم } في عتاب الأولياء. # { لولا كتب من الله } لولا حكم من الله { سبق } أن لا ~~يعذب أحدا على العمل بالاجتهاد وكان هذا اجتهادا منهم لأنهم نظروا في ~~أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم، وأن فداءهم يتقوى به على ~~الجهاد، وخفي عليهم إن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم، أو ما كتب ~~الله في اللوح أن لا يعذب أهل بدر، أو ألا يؤاخذ قبل البيان والإعذار. ~~وفيما ذكر من الاستشارة دلالة على جواز الاجتهاد فيكون حجة على منكري ~~القياس. { كتاب } مبتدأ و { من الله } صفته أي لولا كتاب ثابت من ~~الله و { سبق } صفة أخرى له، وخبر المبتدأ محذوف أي لولا كتاب بهذه ~~الصفة في الوجود، و { سبق } لا يجوز أن يكون خبرا لأن «لولا» أبدا { ~~لمسكم } لنالكم وأصابكم { فيما أخذتم } من فداء الأسرى { ~~عذاب عظيم } روي أن عمر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول ms0503 الله أخبرني فإن وجدت ~~بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت. # فقال: # " أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه ~~الشجرة " # لشجرة قريبة منه. وروي أنه عليه السلام قال: # " لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ " # لقوله كان الإثخان في القتل أحب إلي { فكلوا مما غنمتم } ~~روي أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها فنزلت. وقيل: هو ~~إباحة للفداء لأنه من جملة الغنائم. والفاء للتسبيب والسبب محذوف، ومعناه ~~قد أحللت لكم الغنائم فكلوا { حللا } مطلقا عن العتاب والعقاب من ~~حل العقال وهو نصب على الحال من المغنوم، أو صفة للمصدر أي أكلا حلالا ~~{ طيبا } لذيذا هنيئا أو حلالا بالشرع طيبا بالطبع { واتقوا ~~الله } فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه { إن الله غفور ~~} لما فعلتم من قبل { رحيم } بإحلال ما غنمتم. { يأيها ~~النبي قل لمن في أيديكم } في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم ~~{ من الاسرى } جمع أسير من الأسارى أبو عمرو جمع أسرى { إن ~~يعلم الله في قلوبكم خيرا } خلوص إيمان وصحة نية { ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } من الفداء، إما أن يخلفكم ~~في الدنيا أضعافه أو يثيبكم في الآخرة { ويغفر لكم والله ~~غفور رحيم } روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مال ~~البحرين ثمانون ألفا، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس ~~أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني ~~وأرجو المغفرة، وكان له عشرون عبدا وإن أدناهم ليتجر في عشرين ألفا ~~وكان يقول: أنجز الله أحد الوعدين وأنا على ثقة من الآخر { وإن ~~يريدوا } أي الأسرى { خيانتك } نكث ما بايعوك عليه من الإسلام ~~بالردة أو منع ما ضمنوه من الفداء { فقد خانوا الله من قبل ~~} في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه { فأمكن منهم ~~} فأمكنك منهم أي أظفرك بهم كما رأيتم يوم بدر فسيمكن منهم إن ~~أعادواالخيانة { والله ms0504 عليم } بالمال { حكيم } فيما أمر في ~~الحال. # { إن الذين ءامنوا وهاجروا } من مكة حبا لله ورسوله { ~~وجهدوا بأمولهم وأنفسهم في سبيل الله } هم ~~المهاجرون { والذين ءاووا ونصروا } أي آووهم إلى ديارهم ~~ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار { أولئك بعضهم أولياء ~~بعض } أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار ~~يتوارثون بالهجرة وبالنصرة دون ذوي القرابات حتى نسخ ذلك بقوله # وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض # وقيل: أراد به النصرة والمعاونة { والذين ءامنوا ولم ~~يهاجروا } من مكة { ما لكم من وليتهم } من توليهم في ~~الميراث { وليتهم } حمزة. # وقيل: هما واحد { من شيء حتى يهاجروا } فكان لا يرث المؤمن ~~الذي لم يهاجر ممن آمن وهاجر، ولما أبقى للذين لم يهاجروا اسم الإيمان ~~وكانت الهجرة فريضة فصاروا بتركها مرتكبين كبيرة، دل على أن صاحب الكبيرة ~~لا يخرج من الإيمان { وإن استنصروكم } أي من أسلم ولم يهاجر { ~~في الدين فعليكم النصر } أي إن وقع بينهم وبين الكفار قتال ~~وطلبوا معونة فواجب عليكم أن تنصروهم على الكافرين { إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق } فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم ~~لأنهم لا يبتدئون بالقتال، إذ الميثاق مانع من ذلك { والله بما ~~تعملون بصير } تحذير عن تعدي حد الشرع. # { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } ظاهره إثبات ~~الموالاة بينهم، ومعناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار وموارثتهم وإيجاب ~~مباعدتهم ومصارمتهم وإن كانوا أقارب وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضا. ثم ~~قال { إلا تفعلوه } أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل ~~المسلمين وتولى بعضهم بعضا حتى في التوارث تفضيلا لنسبة الإسلام على ~~نسبة القرابة، ولم تجعلوا قرابة الكفار كلا قرابة { تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير } تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأن ~~المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الشرك كان الشرك ظاهرا والفساد ~~زائدا { والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل ~~الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا } لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من ~~هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين ~~والعقبى { لهم مغفرة ms0505 ورزق كريم } لا منة فيه ولا تنغيص ~~ولا تكرار، لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الوعد الكريم والأولى ~~للأمر بالتواصل { والذين ءامنوا من بعد } يريد اللاحقين بعد ~~السابقين إلى الهجرة { وهاجروا وجهدوا معكم ~~فأولئك منكم } جعلهم منهم تفضلا وترغيبا { وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض } وأولوا القرابات أولى ~~بالتوارث وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة { في كتب الله } في ~~حكمه وقسمته أوفى اللوح، أو في القرآن وهو آية المواريث وهو دليل لنا على ~~توريث ذوي الأرحام { أن الله بكل شيء عليم } فيقضي بين ~~عباده بما شاء من أحكامه. قسم الناس أربعة أقسام: قسم آمنوا وهاجروا، ~~وقسم آمنوا ونصروا، وقسم آمنوا ولم يهاجروا، وقسم كفروا ولم يؤمنوا. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-8] # مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية كوفي ومائة وثلاثون غيره # لها أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، ~~الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، لأن فيها التوبة على ~~المؤمنين وهي تقشقش من النفاق أي تبرىء منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين ~~وتبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها، وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم وتخزيهم وتدمدم ~~عليهم. وفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال؛ فعن علي وابن عباس رضي الله ~~عنهم، أن بسم الله أمان وبراءة نزلت لرفع الأمان. وعن عثمان رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه سورة أو آية قال: # " اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا " # وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت ~~قصتها تشبه قصة الأنفال لأن فيها ذكر العهود وفي براءة نبذ العهود، فلذلك ~~قرنت بينهما وكانتا تدعيان القرينتين وتعدان السابعة من الطوال وهي سبع. ~~وقيل: اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: الأنفال ~~وبراءة سورة واحدة نزلت في القتال، وقال بعضهم: هما سورتان فتركت بينهما ~~فرجة لقول من قال هما سورتان، وتركت بسم الله لقول من قال هما سورة ~~واحدة. # { براءة } خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة { من الله ورسوله ~~إلى الذين عاهدتم من المشركين } من ms0506 لابتداء الغاية ~~متعلق بمحذوف، وليس بصلة كما في قولك « برئت من الذين»أي هذه براءة واصلة ~~من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم كما تقول «كتاب من فلان إلى فلان»، أو ~~مبتدأ لتخصيصها بصفتها والخبر { إلى الذين عاهدتم } كقولك ~~«رجل من بني تميم في الدار» والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد ~~الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم { فسيحوا فى الأرض ~~أربعة أشهر } فسيروا في الأرض كيف شئتم. والسيح: السير على مهل. ~~روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناسا ~~منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن ~~يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم، وهي الأشهر ~~الحرم في قوله # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها. وكان نزولها سنة تسع ~~من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على موسم سنة تسع، ثم أتبعه عليا راكب ~~العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر. فقال: ~~لا يؤدي عني إلا رجل مني. فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: ~~هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور. فلما كان قبل التروية خطب ~~أبو بكر وحثهم على مناسكهم وقال علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا ~~أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين ~~أو أربعين آية، ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام ~~مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم ~~إلى كل ذي عهد عهده، فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا ~~العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب ~~بالسيوف؛ والأشهر الأربعة: شوال وذو القعدة وذو ms0507 الحجة والمحرم، أو عشرون ~~من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، وكانت ~~حرما لأنهم أمنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو على التغليب لأن ذا الحجة ~~والمحرم منها. والجمهور على إباحة القتال في الأشهر الحرم وأن ذلك قد نسخ ~~{ واعلموا أنكم غير معجزي الله } لا تفوتونه وإن ~~أمهلكم { وأن الله مخزى الكفرين } مذلهم في الدنيا ~~بالقتل وفي الآخرة بالعذاب. # { وأذان من الله ورسوله إلى الناس } ارتفاعه كارتفاع ~~{ براءة } على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها، والأذان بمعنى ~~الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، ~~والفرق بين الجملة الأولى والثانية أن الأولى إخبار بثبوت البراءة، ~~والثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت. وإنما علقت البراءة بالذين عوهدوا ~~من المشركين، وعلق الأذان بالناس، لأن البراءة مختصة بالمعاهدين ~~والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن ~~نكث من المعاهدين ومن لم ينكث { يوم الحج الأكبر } يوم عرفة لأن ~~الوقوف بعرفة معظم أفعال الحج، أو يوم النحر لأن فيه تمام الحج من ~~الطواف، والنحر، والحلق، والرمي، ووصف الحج بالأكبر، لأن العمرة تسمى ~~الحج الأصغر { أن الله برىء من المشركين } أي بأن الله ~~حذفت صلة الأذان تخفيفا { ورسوله } عطف على المنوي في { بريء } ~~أو على الابتداء وحذف الخبر أي ورسوله بريء، وقرىء بالنصب عطفا على إسم ~~«إن»، وبالجر على الجوار، أو على القسم كقولك «لعمرك». وحكي أن أعرابيا ~~سمع رجلا يقرؤها فقال: إن كان الله بريئا من رسوله فأنا منه بريء، ~~فلببه الرجل إلى عمر فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعلم العربية ~~{ فإن تبتم } من الكفر والغدر { فهو } أي التوبة { خير ~~لكم } من الأصرار على الكفر { وإن توليتم } عن التوبة أو ~~تبتم على التولي والإعراض عن الإسلام { فاعلموا أنكم غير ~~معجزى الله } غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه { وبشر ~~الذين كفروا بعذاب أليم } مكان بشارة المؤمنين بنعيم مقيم ~~{ إلا الذين عهدتم من المشركين } استثناء من قوله # فسيحوا فى الأرض # والمعنى: براءة من ms0508 الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم ~~سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم { ثم لم ينقصوكم شيئا } من ~~شروط العهد أي وفوا بالعهد ولم ينقضوه. وقرىء { لم ينقضوكم } أي عهدكم ~~وهو أليق لكن المشهورة أبلغ لأنه في مقابلة التمام { ولم ~~يظهروا عليكم أحدا } ولم يعاونوا عليكم عدوا { ~~فأتموا إليهم عهدهم } فأدوه إليهم تاما كاملا { إلى ~~مدتهم } إلى تمام مدتهم، والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل بعد ~~أن أمروا في الناكثين: لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا ~~تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر { إن الله يحب ~~المتقين } يعني أن قضية التقوى ألا يسوي بين الفريقين فاتقوا الله ~~في ذلك. # { فإذا انسلخ } مضى أو خرج { الأشهر الحرم } التي أبيح ~~فيها للناكثين أن يسيحوا { فاقتلوا المشركين } الذين نقضوكم ~~وظاهروا عليكم { حيث وجدتموهم } من حل أو حرم { وخذوهم } ~~وأسروهم، والأخذ: الأسر { واحصروهم } وقيدوهم وامنعوهم من التصرف ~~في البلاد { واقعدوا لهم كل مرصد } كل ممر ومجتاز ~~ترصدونهم به، وانتصابه على الظرف. { فإن تابوا } عن الكفر { وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر، أو ~~فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم { أن الله غفور } بستر الكفر والغدر ~~بالإسلام { رحيم } برفع القتل قبل الأداء بالإلتزام { وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره } { أحد } مرتفع بفعل ~~شرط مضمر يفسره الظاهر أي وإن استجارك أحد استجارك، والمعنى وإن جاءك أحد ~~من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه واستأمنك ليسمع ما تدعو ~~إليه من التوحيد والقرآن فأمنه { حتى يسمع كلام الله } ~~ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر على أن المستأمن لا يؤذي وليس له الإقامة ~~في دارنا ويمكن من العود { ذلك } أي الأمر بالإجارة في قوله { ~~فأجره } { بأنهم قوم لا يعلمون } بسبب أنهم قوم ~~جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم ~~الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق { كيف يكون للمشركين ~~عهد عند الله وعند رسوله } { كيف } استفهام في معنى ~~الاستنكار أي مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ms0509 ذلك ولا تحدثوا به ~~نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم. ثم استدرك ذلك بقوله { إلا الذين ~~عهدتم } أي ولكن الذين عاهدتم منهم { عند المسجد ~~الحرام } ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة فتربصوا أمرهم ولا ~~تقاتلوهم { فما استقموا لكم } ولم يظهر منهم نكث أي فما ~~أقاموا على وفاء العهد { فاستقيموا لهم } على الوفاء. # و «ما» شرطية أي فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم { إن الله ~~يحب المتقين } يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين. # { كيف وإن يظهروا عليكم } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين ~~على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوما أي كيف يكون لهم عهد وحالهم أنهم إن ~~يظهروا عليكم أي يظفروا بكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق { ~~لا يرقبوا فيكم إلا } لا يراعوا حلفا ولا قرابة { ولا ~~ذمة } عهدا { يرضونكم بأفوههم } بالوعد بالإيمان ~~والوفاء بالعهد وهو كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن ~~مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد { وتأبى قلوبهم } الإيمان ~~والوفاء بالعهد { وأكثرهم فسقون } ناقضون العهد أو متمردون ~~في الكفر، لا مروءة تمنعهم عن الكذب، ولا شمائل تردعهم عن النكث كما يوجد ~~ذلك في بعض الكفرة من التفادي عنهما. ### || [9.9-18] # { اشتروا } استبدلوا { بئايت الله } بالقرآن { ثمنا ~~قليلا } عرضا يسيرا وهو إتباع الأهواء والشهوات { فصدوا عن ~~سبيله } فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم { إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون } أي بئس الصنيع صنيعهم { لا يرقبون فى مؤمن ~~إلا ولا ذمة } ولا تكرار، لأن الأول على الخصوص حيث قال { ~~فيكم } والثاني على العموم لأنه قال { فى مؤمن } { وأولئك ~~هم المعتدون } المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة { فإن ~~تابوا } عن الكفر { وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة ~~فإخونكم } فهم إخوانكم على حذف المبتدأ { فى الدين } لا في ~~النسب { ونفصل الأيت } ونبينها { لقوم يعلمون } يفهمون ~~فيتفكرون فيها وهذا اعتراض، كأنه قيل: وإن من تأمل تفصيلها فهو العالم ~~تحريضا على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة ~~عليها { وإن نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم } أي ~~نقضوا العهود المؤكد بالأيمان { وطعنوا فى دينكم } وعابوه { ~~فقتلوا ms0510 أئمة الكفر } فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع ~~ضميرهم وهم رؤساء الشرك، أو زعماء قريش الذين هموا بإخراج الرسول وقالوا: ~~إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله لأن العهد معقود معه ~~على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة. { أئمة } ~~بهمزتين: كوفي وشامي، الباقون: بهمزة واحدة غير ممدودة بعدها ياء ~~مكسرورة، أصلها «أأممة» لأنها جمع إمام كعماد وأعمدة، فنقلت حركة الميم ~~الأولى إلى الهمزة الساكنة وأدغمت في الميم الأخرى. فمن حقق الهمزتين ~~أخرجهما على الأصل، ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها { إنهم لا أيمان لهم } ~~وإنما أثبت لهم الإيمان في قوله { وإن نكثوا أيمنهم } لأنه ~~أراد أيمانهم التي أظهروها ثم قال { لا إيمن لهم } على الحقيقة ~~وهو دليل لنا على أن يمين الكافر لا تكون يمينا، ومعناه عند الشافعي ~~رحمه الله أنهم لا يوفون بها لأن يمينهم يمين عنده حيث وصفها بالنكث. { ~~لا أيمن } شامي أي لا إسلام { لعلهم ينتهون } متعلق ب { ~~فقتلوا أئمة الكفر } وما بينها اعتراض أي ليكن غرضكم في ~~مقاتلتهم انتهاءهم عما هم عليه بعدما وجد منهم من العظائم، وهذا من غاية ~~كرمه على المسيء. ثم حرض على القتال فقال: # { ألا تقتلون قوما نكثوا أيمنهم } التي حلفوها ~~في المعاهدة { وهموا بإخراج الرسول } من مكة { وهم ~~بدءوكم أول مرة } بالقتال والبادىء أظلم فما يمنعكم من أن ~~تقاتلوهم، وبخهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحض ~~عليها من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب { ~~أتخشونهم } توبيخ على الخشية منهم { فالله أحق أن ~~تخشوه } بأن تخشوه فقاتلوا أعداءه { إن كنتم مؤمنين } ~~فاخشوه أي إن قضية الإيمان الكامل أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي ~~بمن سواه. # ولما وبخهم الله على ترك القتال جرد لهم الأمر به بقوله: # { قتلوهم } ووعدهم النصر ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم بقوله { ~~يعذبهم الله بأيديكم } قتلا { ويخزهم } أسرا { ~~وينصركم عليهم } يغلبكم عليهم { ويشف صدور قوم ~~مؤمنين } طائفة منهم وهم خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه ms0511 وسلم ~~{ ويذهب غيظ قلوبهم } لما لقوا منهم من المكروه وقد حصل ~~الله هذه المواعيد كلها فكان دليلا على صحة نبوته { ويتوب الله ~~على من يشاء } ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره ~~وكان ذلك أيضا، فقد أسلم ناس منهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل ~~بن عمرو، وهي ترد على المعتزلة قولهم «إن الله تعالى شاء أن يتوب على ~~جميع الكفرة لكنهم لا يتوبون باختيارهم». { والله عليم } يعلم ما ~~سيكون كما يعلم ما قد كان { حكيم } في قبول التوبة { أم حسبتم ~~أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا ~~منكم } «أم» منقطعة والهمزة فيها للتوبيخ على وجود الحسبان أي لا ~~تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلص منكم وهم الذين جاهدوا في سبيل ~~الله لوجه الله { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة } أي بطانة من الذين يضادون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ولما معناها التوقع، وقد دلت على أن تبين ~~ذلك متوقع كائن، وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين ~~المخلصين. { ولم يتخذوا } معطوف على { جهدوا } داخل في ~~حيز الصلة كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير ~~المتخذين وليجة من دون الله، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كقولك «ما ~~علم الله مني ما قيل في». تريد ما وجد ذلك مني، والمعنى أحسبتم أن ~~تتركوا بلا مجاهدة ولا براءة من المشركين { والله خبير بما ~~تعملون } من خير أو شر فيجازيكم عليه. # { ما كان للمشركين } ما صح لهم وما استقام { أن يعمروا ~~مساجد الله } { مسجد الله } مكي وبصري يعني المسجد الحرام، ~~وإنما جمع في القراءة بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر ~~جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد، أو أريد جنس المساجد وإذا لم ~~يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو ~~صدر الجنس، وهو آكد إذ طريقه طريق الكناية كما تقول: «فلان لا يقرأ كتب ~~الله» فإنه أنفى لقراءته القرآن ms0512 من تصريحك بذلك { شهدين على ~~أنفسهم بالكفر } باعترافهم بعبادة الأصنام وهو حال من الواو في ~~{ يعمروا } والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين ~~عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته { أولئك حبطت ~~أعملهم وفى النار هم خلدون } دائمون { إنما ~~يعمر مسجد الله } عمارتها رم ما استرم منها وقمها ~~وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث ~~الدنيا، لأنها بنيت للعبادة والذكر ومن الذكر درس العلم { من ءامن ~~بالله واليوم الأخر } ولم يذكر الإيمان بالرسول عليه السلام ~~لما علم أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول لاقترانهما في الأذان ~~والإقامة وكلمة الشهادة وغيرها، أو دل عليه بقوله { وأقام ~~الصلوة وءاتى الزكوة } وفي قوله { ولم يخش إلا ~~الله } تنبيه على الإخلاص، والمراد الخشية في أبواب الدين بأن لا ~~يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف، إذ المؤمن قد يخشى المحاذير ولا ~~يتمالك أن لا يخشاها. # وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها: فأريد نفي تلك الخشية عنهم { ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } تبعيد ~~للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم لأن { ~~عسى } كلمة إطماع، والمعنى إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتدا بها ~~عند الله دون من سواهم. ### || [9.19-26] # { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن ءامن بالله واليوم الأخر وجهد فى سبيل ~~الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم ~~الظلمين } السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة ~~والوقاية، ولا بد من مضاف محذوف تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كمن آمن بالله. وقيل: المصدر بمعنى الفاعل يصدقه قراءة ابن ~~الزبير { سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام } والمعنى إنكار أن يشبه ~~المشركون بالمؤمنين وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوي بينهم، ~~وجعل تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر لأنهم وضعوا المدح والفخر في غير ~~موضعهما. نزلت جوابا لقول العباس حين أسر فطفق علي رضي الله عنه يوبخه ~~بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم تذكر مساوينا وتدع ~~محاسننا. فقيل: أولكم محاسن؟ فقال: نعمر المسجد ms0513 ونسقي الحاج ونفك العاني. ~~وقيل: افتخر العباس بالسقاية وشيبة بالعمارة، وعلي رضي الله عنه بالإسلام ~~والجهاد، فصدق الله تعالى عليا { الذين ءامنوا وهاجروا ~~وجهدوا فى سبيل الله بأمولهم وأنفسهم } أولئك ~~{ أعظم درجة عند الله } من أهل السقاية والعمارة { ~~وأولئك هم الفائزون } لا أنتم والمختصون بالفوز دونهم { ~~يبشرهم ربهم } { يبشرهم } حمزة { برحمة منه ~~ورضون وجنت } تنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف ~~المعرف { لهم فيها } في الجنات { نعيم مقيم } دائم { ~~خلدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم } لا ~~ينقطع. لما أمر الله النبي عليه السلام بالهجرة جعل الرجل يقول لابنه ~~ولأخيه ولقرابته: إنا قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ~~ومنهم من تتعلق به زوجته أو ولده فيقول تدعنا بلا شيء فنضيع فيجلس معهم ~~ويدع الهجرة فنزل { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~ءاباءكم وإخونكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمن } أي آثروه واختاروه { ومن يتولهم منكم } ~~أي ومن يتولى الكافرين { فأولئك هم الظلمون }. # { قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخونكم ~~وأزوجكم وعشيرتكم } أقاربكم وعشيراتكم أبو بكر { ~~وأمول اقترفتموها } اكتسبتموها { وتجرة تخشون ~~كسادها } فوات وقت نفاقها { ومسكن ترضونها أحب ~~إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتى الله بأمره } وهو عذاب عاجل أو ~~عقاب آجل أو فتح مكة { والله لا يهدى القوم الفسقين } ~~والآية تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل ~~اليقين، إذ لا تجد عند أورع الناس ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء ~~والأموال والحظوظ. # { لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة } كوقعة بدر ~~وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة. وقيل: إن المواطن التي نصر ~~الله فيها النبي عليه السلام والمؤمنين ثمانون موطنا، ومواطن الحرب ~~مقاماتها ومواقفها { ويوم } أي واذكروا يوم { حنين } واد بين ~~مكة والطائف كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفا، وبين ~~هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب ~~اليوم من قلة، فساءت رسول الله عليه الصلاة والسلام { إذ } بدل من ms0514 { ~~يوم } { أعجبتكم كثرتكم } فأدركت المسلمين كلمة الإعجاب ~~بالكثرة وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود، فانهزموا حتى بلغ ~~فلهم مكة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وهو ثابت في مركزه ليس ~~معه إلا عمه العباس آخذا بلجام دابته، وأبو سفيان ابن الحارث بن عمه ~~آخذا بركابه فقال للعباس: «صح بالناس» وكان صيتا، فنادى: يا أصحاب ~~الشجرة فاجتمعوا وهم يقولون: لبيك، لبيك نزلت الملائكة عليهم الثياب ~~البيض على خيول بلق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفأ من تراب ~~فرماهم به ثم قال: # " انهزموا ورب الكعبة " # فانهزموا وكان من دعائه عليه السلام يومئذ # " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان " # وهذا دعاء موسى عليه السلام يوم انفلاق البحر { فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } «ما» مصدرية ~~والباء بمعنى «مع» أي مع رحبها وحقيقته ملتبسة برحبها على أن الجار ~~والمجرور في موضع الحال كقولك «دخلت عليه بثياب السفر» أي متلبسا بها، ~~والمعنى لم تجدوا موضعا لفراركم عن أعدائكم فكأنها ضاقت عليكم { ثم ~~وليتم مدبرين } ثم انهزمتم { ثم أنزل الله ~~سكينته } رحمته التي سكنوا بها وأمنوا { على رسوله وعلى ~~المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها } يعني الملائكة ~~وكانوا ثمانية آلاف أو خمسة أو ستة عشر ألفا { وعذب الذين ~~كفروا } بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري. { وذلك جزاء ~~الكفرين }. ### || [9.27-34] # { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } وهم ~~الذين أسلموا منهم { والله غفور } بستر كفر العدو بالإسلام { ~~رحيم } بنصر الولي بعد الانهزام. { يأيها الذين ءامنوا ~~إنما المشركون نجس } أي ذوو نجس وهو مصدر، يقال نجس نجسا ~~وقذر قذرا لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا ~~يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة ~~بعينها مبالغة في وصفهم بها { فلا يقربوا المسجد الحرام ~~} فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية { بعد ~~عامهم هذا } وهو عام تسع من الهجرة حين أمر أبو بكر رضي الله ~~عنه على الموسم، ويكون ms0515 المراد من نهي القربان النهي عن الحج والعمرة وهو ~~مذهبنا ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندنا، ~~وعند الشافعي رحمه الله يمنعون من المسجد الحرام خاصة وعند مالك يمنعون ~~منه ومن غيره. وقيل: نهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن ~~تمكينهم منه { وإن خفتم عيلة } أي فقرا بسبب منع المشركين من ~~الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب { فسوف ~~يغنيكم الله من فضله } من الغنائم أو المطر والنبات أو من ~~متاجر حجيج الإسلام { إن شاء } هو تعليم لتعليق الأمور بمشيئة الله ~~تعالى لتنقطع الآمال إليه { إن الله عليم } بأحوالكم { حكيم ~~} في تحقيق آمالكم، أو عليم بمصالح العباد حكيم فيما حكم وأراد ونزل في ~~أهل الكتاب { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } لأن ~~اليهود مثنية والنصارى مثلثة { ولا باليوم الأخر } لأنهم فيه ~~على خلاف ما يجب حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب { ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله } لأنهم لا يحرمون ما حرم ~~في الكتاب والسنة، أو لا يعملون بما في التوراة والإنجيل { ولا ~~يدينون دين الحق } ولا يعتقدون دين الإسلام الذي هو الحق. ~~يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده { من الذين أوتوا ~~الكتب } بيان للذين قبله، وأما المجوس فملحقون بأهل الكتاب في قبول ~~الجزية، وكذا الترك والهنود وغيرهما بخلاف مشركي العرب لما روي الزهري ~~أن النبي عليه السلام صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب ~~{ حتى يعطوا الجزية } إلى أن يقبلوها، وسميت جزية لأنه مما ~~يجب على أهلها أن يجزوه أي يقضوه، أو هي جزاء على الكفر على التحميل في ~~تذليل { عن يد } أي عن يد مواتية غير ممتنعة ولذا قالوا: أعطى بيده ~~إذا انقاد، وقالوا: نزع يده عن الطاعة. أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا ~~غير نسيئة لا مبعوثا على يد أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ { ~~وهم صغرون } أي تؤخذ منهم على الصغار والذل وهو أن يأتي بها ~~بنفسه ms0516 ماشيا غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمتسلم جالس، وأن يتلتل ~~تلتلة ويؤخذ بتلبيبه ويقال له أد الجزية يا ذمي وإن كان يؤديها ويزخ في ~~قفاه وتسقط بالإسلام. # { وقالت اليهود } كلهم أو بعضهم { عزير ابن الله } ~~مبتدأ وخبر كقوله { المسيح ابن الله } وعزير اسم أعجمي، ولعجمته ~~وتعريفه امتنع صرفه، ومن نون. وهم عاصم وعلي فقد جعله عربيا { ~~وقالت النصرى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفوههم } أي قول لا يعضده برهان ولا يستند إلى بيان، فما هو إلا ~~لفظ يفوهون به فارغ عن معنى تحته كالألفاظ المهملة { يضهئون ~~قول الذين كفروا من قبل } لا بد فيه من حذف مضاف تقديره ~~يضاهي قولهم قولهم، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب ~~مرفوعا يعني أن الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم فيهم غير ~~مستحدث، أو الضمير للنصارى أي يضاهي قولهم { المسيح ابن الله } ~~قول اليهود { عزير ابن الله } لأنهم أقدم منهم { يضهئون ~~} عاصم. وأصل المضاهاة المشابهة، والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم ~~«امرأة ضهياء» وهي التي أشبهت الرجال بأنها لا تحيض كذا قاله الزجاج، { ~~قتلهم الله } أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا { أنى ~~يؤفكون } كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان. # { اتخذوا } أي أهل الكتاب { أحبرهم } علماءهم { ~~ورهبنهم } نساكهم { أربابا } آلهة { من دون الله } ~~حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما يطاع الأرباب ~~في أوامرهم ونواهيهم { والمسيح ابن مريم } عطف على { ~~أحبرهم } أي اتخذوه ربا حيث جعلوه ابن الله { وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها وحدا } يجوز الوقف عليه لأن ما بعده ~~يصلح ابتداء يصلح وصفا لواحدا { لا إله إلا هو ~~سبحنه عما يشركون } تنزيه له عن الإشراك { يريدون أن ~~يطفئوا نور الله بأفوههم ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره ولو كره الكفرون } مثل حالهم في طلبهم أن ~~يبطلوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في ms0517 ~~نور عظيم منبث في الآفاق، يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من ~~الإشراق ليطفئه بنفخه. أجرى { ويأبى الله } مجرى { لا يريد ~~الله } ولذا وقع في مقابله { يريدون } وإلا فلا يقال: كرهت أو ~~أبغضت إلا زيدا. # { هو الذي أرسل رسوله } محمدا عليه السلام { بالهدى ~~} بالقرآن { ودين الحق } الإسلام { ليظهره } ليعليه { على ~~الدين كله } على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين { ~~ولو كره المشركون * يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس } استعار الأكل للأخذ { ~~بالبطل } أي بالرشا في الأحكام { ويصدون } سفلتهم { عن ~~سبيل الله } دينه { والذين يكنزون الذهب ~~والفضة } يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان ~~للدلالة على اجتماع خصلتين ذميمتين فيهم: أخذ الرشا وكنز الأموال والضن ~~بها عن الإنفاق في سبيل الخير. # ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين ~~المرتشين من أهل الكتاب تغليظا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا، وما بلغ أن يزكي فلم يزك فهو ~~كنز وإن كان ظاهرا " # ولقد كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم كعبد الرحمن بن عوف وطلحة ~~يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية، لأن ~~الإعراض اختيار للأفضل والاقتناء مباح لا يذم صاحبه { ولا ~~ينفقونها في سبيل الله } الضمير راجع إلى المعنى لأن كل واحد ~~منهما دنانير ودراهم، فهو كقوله: # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9]. أو أريد الكنوز ولأموال، أو معناه ولا ينفقونها والذهب ~~كما أن معنى قوله: # فإني وقيار بها لغريب # وقيار كذلك. وخصا بالذكر من بين سائر الأموال لأنهما قانون التمول ~~وأثمان الأشياء. وذكر كنزهما دليل على ما سواهما { فبشرهم ~~بعذاب أليم }. ### || [9.35-40] # ومعنى قوله { يوم يحمى عليها في نار جهنم } أن النار ~~تحمي عليها أي توقد، وإنما ذكر الفعل لأنه مسند إلى الجار والمجرور، أصله ~~يوم تحمى النار عليها، فلما حذفت النار قيل { يحمى } لانتقاد الإسناد ~~عن النار إلى عليها كما تقول «رفعت ms0518 القصة إلى الأمير» فإن لم تذكر القصة ~~قلت «رفع إلى الأمير» { فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم } وخصت هذه الأعضاء لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، ~~وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم، أو معناه ~~يكوون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم { هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم } يقال لهم هذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وما ~~علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم وهو توبيخ { فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون } أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه، أو وبال كونكم كانزين. # { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } من ~~غير زيادة، والمراد بيان أن أحكام الشرع تبتني على الشهور القمري ~~المحسوبة بالأهلة دون الشمسية { في كتب الله } فيما أثبته ~~وأوجبه من حكمته أو في اللوح { يوم خلق السموت والأرض ~~منها أربعة حرم } ثلاثة سرد: ذو القعدة للقعود عن القتال، وذو ~~الحجة للحج، والمحرم لتحريم القتال فيه، وواحد فرد وهو رجب لترجيب العرب ~~إياه أي لتعظيمه { ذلك الدين القيم } أي الدين المستقيم لا ما ~~يفعله أهل الجاهلية يعني أن تحريم الأربعة الأشهر هو الدين المستقيم ودين ~~إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب تمسكت به فكانوا يعظمونها ويحرمون القتال ~~فيها حتى أحدثت النسيء فغيروا { فلا تظلموا فيهن } في الحرم ~~أو في الاثني عشر { أنفسكم } بارتكاب المعاصي { وقاتلوا ~~المشركين كافة } حال من الفاعل أو المفعول { كما ~~يقتلونكم كافة } جميعا { واعلموا أن الله مع ~~المتقين } أي ناصر لهم حثهم على التقوى بضمان النصرة لأهلها { ~~إنما النسيء } بالهمزة مصدر نسأه إذا أخره، وهو تأخير حرمة الشهر ~~إلى شهر آخر. وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام ~~وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر حتى ~~رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من بين شهور العام ~~أربعة أشهر { زيادة في الكفر } أي هذا الفعل منهم زيادة في ~~كفرهم { يضل } كوفي غير أبي بكر { به الذين كفروا } ~~بالنسيء. والضمير في { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ~~للنسيء أي إذا أحلوا شهرا من الأشهر الحرم عاما ms0519 رجعوا فحرموه في العام ~~القابل { ليواطئوا عدة ما حرم الله } ليوافقوا العدة ~~التي هي الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين. # واللام تتعلق ب { يحلونه } و { يحرمونه } أو ب { يحرمونه } فحسب ~~وهو الظاهر { فيحلوا ما حرم الله } أي فيحلوا بمواطأة ~~العدة وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال، أو من ترك الاختصاص ~~للأشهر بعينها { زين لهم سوء أعملهم } زين الشيطان لهم ~~ذلك فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة { والله لا يهدي القوم ~~الكفرين } حال اختيارهم الثبات على الباطل. # ا { يأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا } اخرجوا { فى سبيل الله اثاقلتم } تثاقلتم وهو ~~أصله إلا أن التاء أدغمت في الثاء فصارت ثاء ساكنة، فدخلت ألف الوصل لئلا ~~يبتدأ بالساكن أي تباطأتم { إلى الأرض } ضمن معنى الميل والإخلاد ~~فعدي ب «إلى» أي ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ~~أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم، وكان ذلك في غزوة تبوك استنفروا في ~~وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليهم ذلك. وقيل: ماخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة إلا وري عنها بغيرها إلا في غزوة ~~تبوك ليستعد الناس تمام العدة { أرضيتم بالحيوة الدنيا ~~من الآخرة } بدل الآخرة { فما متاع الحيوة الدنيا في ~~الآخرة } في جنب الآخر { إلا قليل * إلا تنفروا } إلى ~~الحرب { يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما ~~غيركم ولا تضروه شيئا } سخط عظيم على المتثاقلين حيث ~~أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم ~~قوما آخرين خيرا منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه لا يقدح ~~تثاقلهم فيها شيئا. وقيل: الضمير في { ولا تضروه } للرسول عليه ~~السلام لأن الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره ووعده كائن لا محالة { ~~والله على كل شيء } من التبديل والتعذيب وغيرهما { قدير * ~~إلا تنصروه فقد نصره الله } إلا تنصروه فسينصره من نصره ~~حين لم يكن معه إلا رجل واحد، فدل بقوله { فقد نصره الله } على ~~أنه ينصره في ms0520 المستقبل كما نصره في ذلك الوقت { إذ أخرجه ~~الذين كفروا } أسند الإخراج إلى الكفار لأنهم حين هموا بإخراجه ~~أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه { ثاني اثنين } أحد اثنين ~~كقوله # ثالث ثلاثة # وهما رسول الله وأبو بكر، وانتصابه على الحال { إذ هما } بدل من { ~~إذ أخرجه } { في الغار } هو نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى ~~مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثا { إذ يقول } بدل ثان { ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } بالنصرة والحفظ. قيل: ~~طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال عليه السلام: # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " # وقيل: لما دخل الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت ~~عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم أعم أبصارهم " # فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه وقالوا: ~~من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله وليس ذلك لسائر الصحابة ~~{ فأنزل الله سكينته } ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن ~~عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه { عليه } على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو على أبي بكر لأنه كان يخاف وكان عليه السلام ساكن القلب { ~~وأيده بجنود لم تروها } هم الملائكة صرفوا وجوه الكفار ~~وأبصارهم عن أن يروه، أو أيده بالملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين { ~~وجعل كلمة الذين كفروا } أي دعوتهم إلى الكفر { ~~السفلى وكلمة الله } دعوته إلى الإسلام { هى } فصل { ~~العليا } { وكلمة الله } بالنصب: يعقوب بالعطف، والرفع على ~~الاستئناف أوجه إذ هي كانت ولم تزل عالية { والله عزيز } يعز ~~بنصره أهل كلمته { حكيم } يذل أهل الشرك بحكمته. ### || [9.41-48] # { انفروا خفافا } في النفور لنشاطكم له { وثقالا } عنه ~~لمشقته عليكم، أو خفافا لقلة عيالكم وثقالا لكثرتها، أو خفافا من ~~السلاح وثقالا منه، أو ركبانا ومشاة أو شبابا وشيوخا، أو مهازيل ~~وسمانا، أو صحاحا ومراضا { وجهدوا بأمولكم ~~وأنفسكم } إيجاب للجهاد بهما إن إمكن، أو بأحدهما على ms0521 حسب الحال ~~والحاجة { في سبيل الله ذلكم } الجهاد { خير لكم } من ~~تركه { إن كنتم تعلمون } كون ذلك خيرا فبادروا إليه. ونزل في ~~المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين { لو كان عرضا } هو ما عرض ~~لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر أي لو ~~كان ما دعوا إليه مغنما { قريبا } سهل المأخذ { وسفرا قاصدا } ~~وسطا مقاربا، والقاصد والقصد المعتدل { لاتبعوك } لوافقوك في ~~الخروج { ولكن بعدت عليهم الشقة } المسافة الشاطة ~~الشاقة { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا ~~معكم }. من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما ~~أخبر، و { بالله } متعلق ب { سيحلفون } ، أو هو من جملة ~~كلامهم، والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون يعني المتخلفين عند رجوعك ~~من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، أو سيحلفون ~~بالله يقولون لو استطعنا. وقوله { لخرجنا } سد مسد جوابي القسم و { لو ~~} جميعا. ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة أو استطاعة الأبدان كأنهم ~~تمارضوا { يهلكون أنفسهم } بدل من { سيحلفون } أو حال ~~منه أي مهلكين، والمعنى أنهم يهلكونها بالحلف الكاذب، أو حال من { ~~لخرجنا } أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة ~~بما نحملها على المسير في تلك الشقة { والله يعلم إنهم ~~لكذبون } فيما يقولون. { عفا الله عنك } كناية عن الزلة ~~لأن العفو رادف لها وهو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب، وفيه ~~دلالة فضله على سائر الأنبياء عليهم السلام حيث لم يذكر مثله لسائر ~~الأنبياء عليهم السلام { لم أذنت لهم } بيان لما كنى عنه بالعفو، ~~ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك ~~بعللهم وهلا استأنيت بالإذن! { حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا وتعلم الكذبين } يتبين لك الصادق في العذر من ~~الكاذب فيه. وقيل: شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر ~~بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من الأسارى، فعاتبه الله. وفيه دليل ~~جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام لأنه عليه السلام إنما فعل ذلك ~~بالاجتهاد، وإنما عوتب مع أن له ذلك ms0522 لتركه الأفضل وهم يعاتبون على ترك ~~الأفضل { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يجهدوا } ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن ~~يجاهدوا { بأمولهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين } عدة لهم بأجزل الثواب. # { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلا { ~~وارتابت قلوبهم } شكوا في دينهم واضطربوا في عقيدتهم { فهم ~~في ريبهم يترددون } يتحيرون لأن التردد ديدن المتحير كما أن ~~الثبات ديدن المتبصر { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له } ~~للخروج أو للجهاد { عدة } أهبة لأنهم كانوا مياسير، ولما كان { ~~ولو أرادوا الخروج } معطيا معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو ~~قيل: { ولكن كره الله انبعاثهم } نهوضهم للخروج كأنه ~~قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم { فثبطهم } ~~فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه ~~{ وقيل اقعدوا } أي قال بعضهم لبعض، أو قاله الرسول عليه السلام ~~غضبا عليهم، أو قاله الشيطان بالوسوسة { مع القعدين } هو ذم ~~لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود في البيوت. # { لو خرجوا فيكم ما زادوكم } بخروجهم معكم { إلا ~~خبالا } إلا فسادا وشرا، والاستثناء متصل لأن المعنى ما زادوكم ~~شيئا إلا خبالا، والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس ~~المستثنى منه كقولك «ما زداوكم خيرا إلا خبالا» والمستثنى منه في هذا ~~الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء ~~متصلا لأن الخبال بعضه { ولأوضعوا خللكم } ولسعوا بينكم ~~بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين. يقال: وضع البعير وضعا إذا أسرع. ~~وأوضعته أنا. والمعنى ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم ~~لأن الراكب أسرع من الماشي. وخط في المصحف { ولا أوضعوا } بزيادة الألف ~~لأن الفتحة كانت تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبا ~~من نزول القرآن وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ~~ألفا وفتحها ألفا أخرى ونحوه { أو لا أذبحنه } [النمل: 21] { ~~يبغونكم } حال من الضمير في { أوضعوا } { إلى الفتنة } أي ~~يطلبون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا ms0523 نياتكم في ~~مغزاكم { وفيكم سمعون لهم } أي نمامون يسمعون حديثكم ~~فينقلونه إليهم { والله عليم بالظلمين } بالمنافقين { ~~لقد ابتغوا الفتنة } بصد الناس أو بأن يفتكوا به عليه ~~السلام ليلة العقبة، أو بالرجوع يوم أحد { من قبل } من قبل غزوة تبوك ~~{ وقلبوا لك الأمور } ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا ~~الآراء في إبطال أمرك { حتى جاء الحق } وهو تأييدك ونصرك { ~~وظهر أمر الله } وغلب دينه وعلا شرعه { وهم كرهون } ~~أي على رغم منهم. ### || [9.49-61] # { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } ولا توقعني في ~~الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، أولا ~~تلقني في الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي. وقيل: قال الجد بن ~~قيس المنافق: قد علمت الأنصار إني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ~~ يعني نساء الروم ولكني أعينك بمالي فاتركني { ألا في الفتنة ~~سقطوا } يعني أن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف { ~~وإن جهنم لمحيطة بالكفرين } الآن لأن أسباب ~~الإحاطة معهم أو هي تحيط بهم يوم القيامة { إن تصبك } في بعض ~~الغزوات { حسنة } ظفر وغنيمة { تسؤهم وإن تصبك مصيبة ~~} نكبة وشدة في بعضها نحو ما جرى يوم أحد { يقولوا قد أخذنا ~~أمرنا } الذي نحن متسمون به من الحذ والتيقط والعمل بالحزم { من ~~قبل } من قبل ما وقع { ويتولوا } عن مقام التحدث بذلك إلى ~~أهاليهم { وهم فرحون } مسرورون { قل لن يصيبنا إلا ما ~~كتب الله لنا } أي قضى من خير أو شر { هو مولنا } أي ~~الذي يتولانا ونتولاه { وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~} وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله { قل هل تربصون ~~بنا } تنتظرون بنا { إلا إحدى الحسنيين } وهما النصرة ~~والشهادة { ونحن نتربص بكم } إحدى السوءيين إما { أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده } وهو قارعة من السماء كما ~~نزلت على عاد وثمود { أو } بعذاب { بأيدينا } وهو القتل على الكفر ~~{ فتربصوا } بنا ما ذكرنا { إنا معكم متربصون } ما ~~هو عاقبتكم { قل أنفقوا } في وجوه البر { طوعا أو كرها } ~~طائعين أو مكرهين ms0524 نصب على الحال. { كرها } حمزة وعلي وهو أمر في معنى ~~الخبر ومعناه { لن يتقبل منكم } أنفقتم طوعا أو كرها ونحوه ~~{ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } [التوبة: 80] وقوله # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت ~~إلينا أو أحسنت، وقد جاز عكسه في قولك «رحم الله زيدا»، ومعنى عدم ~~القبول أنه عليه السلام يردها عليهم ولا يقبلها أو لا يثيبها الله. وقوله ~~{ طوعا } أي من غير إلزام من الله ورسوله و { كرها } أي ملزمين، ~~وسمي الإلزام إكراها لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم ~~كالإكراه { إنكم } تعليل لرد إنفاقهم { كنتم قوما فسقين ~~} متمردين عاتين. # { وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم } وبالياء: ~~حمزة وعلي { إلا أنهم كفروا } أنهم فاعل «منع» وهم و { أن ~~تقبل } مفعولاه أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم { بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلوة إلا وهم كسالى } ~~جمع كسلان { ولا ينفقون إلا وهم كرهون } لأنهم لا ~~يريدون بهما وجه الله تعالى، وصفهم بالطوع في قوله { طوعا } وسلبه ~~عنهم ههنا لأن المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذلك إلا عن كراهة واضطرار لا ~~عن رغبة واختبار. # { فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } الإعجاب ~~بالشيء أن تسر به سرور راض به متعجب من حسنه، والمعنى فلا تستحسن ما ~~أوتوا من زينة الدنيا فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب ~~فيها، أو بالإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له، أو بنهب أموالهم ~~وسبي أولادهم، أو بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها وكل هذا ~~عذاب { وتزهق أنفسهم وهم كفرون } وتخرج أرواحهم، وأصل ~~الزهوق الخروج بصعوبة، ودلت الآية على بطلان القول بالأصلح لأنه أخبر أن ~~إعطاء الأموال والأولاد لهم للتعذيب والأماتة على الكفر وعلى إرادة الله ~~تعالى المعاصي، لأن إرادة العذاب بإرادة ما ms0525 يعذب عليه، وكذا إرادة ~~الإماتة على الكفر { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } لمن ~~جملة المسلمين { وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } ~~يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون بالإسلام تقية { لو ~~يجدون ملجئا } مكانا يلجئون إليه متحصنين من رأس جبل أو قلعة أو ~~جزيرة { أو مغرات } أو غيرانا { أو مدخلا } أو نفقا ~~يندسون فيه وهو مفتعل من الدخول { لولوا إليه } لأقبلوا نحوه ~~{ وهم يجمحون } يسرعون إسراعا لا يردهم شيء من الفرس الجموح { ~~ومنهم } ومن المنافقين { من يلمزك في الصدقت } يعيبك ~~في قسمة الصدقات ويطعن عليك { فإن أعطوا منها رضوا وإن ~~لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } «إذا» للمفاجأة أي وإن ~~لم يعطوا منها فاجئوا السخط، وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين ~~وما فيه صلاح أهله، لأنه عليه السلام استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير ~~الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه. # { ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ~~ورسوله إنا إلى الله رغبون } جواب «لو» محذوف تقديره: ~~ولو أنهم رضوا لكان خيرا لهم، والمعنى ولو أنهم رضوا ما أصابهم به ~~الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا: كفانا فضل الله ~~وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا غنيمة أخرى فيؤتينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله في أن يغنمنا ويخولنا فضله ~~لراغبون. # ثم بين مواضعها التي توضع فيها فقال: # { إنما الصدقت للفقراء والمسكين } قصر جنس ~~الصدقات على الأصناف المعدودة أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه ~~قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم كقولك «إنما الخلافة لقريش» تريد لا تتعداهم ~~ولا تكون لغيرهم، فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها، وأن تصرف إلى بعضها ~~كما هو مذهبنا، وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم ~~قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزأك. وعند الشافعي رحمه الله: لا بد من ~~صرفها إلى الأصناف وهو المروي عن عكرمة. ثم الفقير الذي لا يسأل لأن عنده ~~ما يكفيه للحال ms0526 والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئا فهو أضعف حالا ~~منه، وعند الشافعي رحمه الله على العكس { والعملين عليها } ~~هم السعادة الذين يقبضونها { والمؤلفة قلوبهم } على الإسلام ~~أشراف من العرب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على أن يسلموا ~~وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريرا لهم على الإسلام { وفي الرقاب } ~~هم المكاتبون يعانون منها { والغرمين } الذين ركبتهم الديون { ~~وفي سبيل الله } فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم { وابن ~~السبيل } المسافر المنقطع عن ماله، وعدل عن اللام إلى «في» في ~~الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ~~ذكره، لأن «في» للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ~~ويجعلوا مظنة لها. وتكرير «في» في قوله { وفي سبيل الله وابن ~~السبيل } فيه فضل وترجيح لهذين على الرقاب والغارمين. وإنما وقعت هذه ~~الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات حاصة ~~دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم، حسما لأطماعهم وإشعارا بأنهم بعداء ~~عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها، وما سلطهم على التكلم فيها ولمز ~~قاسمها! وسهم المؤلفة قلوبهم سقط بإجماع الصحابة في صدر خلافة أبي بكر ~~رضي الله عنه لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم، والحكم متى ثبت معقولا ~~لمعنى خاص يرتفع وينتهي بذهاب ذلك المعنى { فريضة من الله } في ~~معنى المصدر المؤكد لأن قوله { إنما الصدقت للفقراء } ~~معناه فرض الله الصدقات لهم { والله عليم } بالمصلحة { حكيم } ~~في القسمة. # { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ~~} الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي ~~هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة، وإيذاؤهم له هو قولهم فيه { هو ~~أذن } قصدوا به المذمة وأنه من أهل سلامة القلوب والعزة، ففسره الله ~~تعالى بما هو مدح له وثناء عليه فقال { قل أذن خير لكم } ~~كقولك «رجل صدق» تريد الجودة والصلاح كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم ~~الأذن، ويجوز أن يريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله ms0527 وليس ~~بأذن في غير ذلك. # ثم فسر كونه أذن خير بأنه { يؤمن بالله } أي يصدق بالله لما قام ~~عنده من الأدلة { ويؤمن للمؤمنين } ويقبل من المؤمنين الخلص ~~من المهاجرين والأنصار، وعدي فعل الإيمان بالباء إلى الله، لأنه قصد به ~~التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به، وإلى المؤمنين باللام لأنه قصد ~~السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده، ~~ألا ترى إلى قوله # وما أنت بمؤمن لنا # [يوسف: 17] كيف ينبو عن الباء { ورحمة } بالعطف على { أذن } { ~~ورحمة }: حمزة عطف على { خير } أي هو أذن خير وأذن رحمة لا يسمع ~~غيرها ولا يقبله { للذين ءامنوا منكم } أي وهو رحمة الذين ~~آمنوا منكم أي أظهروا الإيمان أيها المنافقون حيث يقبل إيمانكم الظاهر ~~ولا يكشف أسراركم ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، أو هو رحمة للمؤمنين ~~حيث استنقذهم من الكفر إلى الإيمان ويشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في ~~الدنيا { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~} في الدارين. ### || [9.62-72] # { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } الخطاب للمسلمين، وكان ~~المنافقون يتكلمون بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد ثم يأتونهم فيعتذرون ~~إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم فقيل لهم { ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } ~~أي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون، فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة ~~والوفاق. وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسول الله ~~فكانا في حكم شيء واحد كقولك «إحسان زيد وإجماله نعشني» أو والله أحق أن ~~يرضوه ورسوله كذلك. # { ألم يعلموا أنه } أن الأمر والشأن { من يحادد ~~الله ورسوله } يجاوز الحد بالخلاف وهي مفاعلة من الحد كالمشاقة ~~من الشق { فأن له } على حذف الخبر أي فحق أن له { نار جهنم ~~خالدا فيها ذلك الخزي العظيم * يحذر ~~المنفقون } خبر بمعنى الأمر أي ليحذر المنافقون { أن تنزل ~~عليهم سورة } { تنزل } بالتخفيف: مكي وبصري { ~~تنبئهم بما في قلوبهم } من الكفر والنفاق، والضمائر ~~للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم دليله { قل ~~استهزءوا } ، أو ms0528 الأولان للمؤمنين، والثالث للمنافقين، وصح ذلك لأن ~~المعنى يقود إليه { قل استهزءوا } أمر تهديد { إن الله ~~مخرج ما تحذرون } مظهر ما كنتم تحذرونه أي تحذرون إظهاره من ~~نفاقكم، وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم وفي استهزائهم ~~بالإسلام وأهله حتى قال بعضهم: وددت أني قدمت فجلدت مائة وأنه لا ينزل ~~فينا شيء يفضحنا { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب } بينا رسول الله يسير في غزوة تبوك وركب من ~~المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح ~~قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات. فأطلع الله نبيه على ذلك فقال: احبسوا ~~علي الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا. فقالوا: يا نبي الله لا والله ما ~~كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه ~~الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر، أي ولئن سألتهم وقلت لهم لم قلتم ذلك؟ ~~لقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب { قل } يا محمد { قل أبالله ~~وءايته ورسوله كنتم تستهزءون } لم يعبأ باعتذارهم ~~لأنهم كانوا كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون، باستهزائهم وبأنه موجود ~~فيهم حتى وبخوا بإخطائهم موقع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف ~~التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد ثبوت الاستهزاء { لا تعتذروا } لا ~~تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم { قد ~~كفرتم } قد أظهرتم كفركم باستهزائكم { بعد إيمنكم } بعد ~~إظهاركم الإيمان { إن نعف عن طائفة منكم } بتوبتهم ~~وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق { نعذب طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين } مصرين على النفاق غير تائبين منه { أن يعف تعذب ~~طائفة } غير عاصم. # { المنفقون والمنفقات } الرجال المنافقون كانوا ~~ثلثمائة والنساء المنافقات مائة وسبعين { بعضهم من بعض } أي ~~كأنهم نفس واحدة، وفيه نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم # ويحلفون بالله إنهم لمنكم # [التوبة:56] وتقرير لقوله # وما هم منكم # [التوبة:56] ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال { ~~يأمرون بالمنكر } بالكفر والعصيان { وينهون عن ~~المعروف } عن الطاعة والإيمان { ويقبضون أيديهم } شحا ~~بالمبار والصدقات والإنفاق في سبيل الله { نسوا ms0529 الله } تركوا أمره ~~أو أغفلوا ذكره { فنسيهم } فتركهم من رحمته وفضله { إن ~~المنفقين هم الفسقون } هم الكاملون في الفسق الذي هو ~~التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجرا أن يلم بما ~~يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف به المنافقون حين بالغ في ذمهم { وعد ~~الله المنفقين والمنفقات والكفار نار جهنم ~~خلدين فيها } مقدرين الخلود فيها { هى } أي النار { حسبهم ~~} فيه دلالة على عظم عذابها وأنه بحيث لا يزاد عليه { ولعنهم ~~الله } وأهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين ~~{ ولهم عذاب مقيم } دائم معهم في العاجل لا ينفكون عنه وهو ما ~~يقاسونه من تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن خوفا من المسلمين وما ~~يحذرونه أبدا من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم. الكاف في { ~~كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر ~~أمولا وأولدا فاستمتعوا بخلقهم ~~فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلقهم } محلها رفع أي أنتم مثل الذين من قبلكم، أو ~~نصب على فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم وهو أنكم استمتعتم بخلاقكم كما ~~استمتعوا بخلاقهم أي تلذذوا بملاذ الدنيا. والخلاق النصيب مشتق من الخلق ~~وهو التقدير أي ما خلق للإنسان بمعنى قدر من خير { وخضتم } في ~~الباطل { كالذي خاضوا } كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوا. ~~والخوض الدخول في الباطل واللهو، وإنما قدم { فاستمتعوا ~~بخلقهم } وقوله (كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } مغن عنه ~~ليذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا والتهائهم بشهواتهم ~~الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة، ثم يشبه بعد ذلك حال ~~المخاطبين بحالهم { أولئك حبطت أعملهم في الدنيا ~~والأخرة } في مقابلة قوله # وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين # [العنكبوت:27] { وأولئك هم الخسرون } # ثم ذكر نبأ من قبلهم فقال: # { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح } هو ~~بدل من { الذين } { وعاد وثمود وقوم إبرهيم ~~وأصحب مدين } وأهل مدين وهم قوم شعيب { والمؤتفكت } ~~مدائن قوم لوط، وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر { أتتهم ~~رسلهم ms0530 بالبينت فما كان الله ليظلمهم } فما صح ~~منه أن يظلمهم بإهلاكهم لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } بالكفر وتكذيب الرسل { ~~والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض } في ~~التناصر والتراحم { يأمرون بالمعروف } بالطاعة والإيمان { ~~وينهون عن المنكر } عن الشرك والعصيان { ويقيمون ~~الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله ~~أولئك سيرحمهم الله } السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة ~~فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في «سأنتقم منك يوما» { إن الله ~~عزيز } غالب على كل شيء قادر عليه فهو يقدر على الثواب والعقاب { ~~حكيم } واضع كلا موضعه { وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنت جنت تجري من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها ومسكن طيبة } يطيب فيها العيش وعن الحسن ~~رحمه الله: قصورا من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد { فى جنت ~~عدن } هو علم بدليل قوله # جنت عدن التى وعد الرحمن # [مريم: 61] وقد عرفت أن «الذي» و «التي» وضعا لوصف المعارف بالجمل وهي ~~مدينة في الجنة { ورضون من الله } وشيء من رضوان الله { ~~أكبر } من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة { ذلك } إشارة إلى ~~ما وعد أو إلى الرضوان { هو الفوز العظيم } وحده دون ما يعده ~~الناس فوزا. ### || [9.73-81] # { يأيها النبى جهد الكفر } بالسيف { ~~والمنفقين } بالحجة { واغلظ عليهم } في الجهادين ~~جميعا ولا تحابهم، وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت ~~فيه يجاهد بالحجة وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها { ومأواه ~~جهنم وبئس المصير } جهنم. أقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين ~~فيسمع من معه. منهم الجلاس بن سويد فقال: والله لئن كان ما يقول محمد ~~حقا لأخواننا الذين خلفناهم وهم سادتنا فنحن شر من الحمير. فقال عامر ~~بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمدا صادق وأنت شر من الحمار. ~~وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضر فحلف بالله ما قال، فرفع ~~عامر يده فقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب ~~فنزل { يحلفون بالله ما قالوا ms0531 ولقد قالوا كلمة ~~الكفر } يعني إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، أو هي ~~استهزاؤهم فقال الجلاس: يا رسول الله والله لقد قلته وصدق عامر فتاب ~~الجلاس وحسنت توبته { وكفروا بعد إسلمهم } وأظهروا كفرهم ~~بعد إظهارهم الإسلام، وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد لأنه قال ~~{ وكفروا بعد إسلمهم } { وهموا بما لم ~~ينالوا } من قتل محمد عليه السلام أو قتل عامر لرده على الجلاس. ~~وقيل: أرادوا أن يتوجوا ابن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ وما نقموا } وما أنكروا وما عابوا { إلا أن أغناهم ~~الله ورسوله من فضله } وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون ~~الغنيمة، فآثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بديته اثني عشر ألفا فاستغنى { فإن يتوبوا } عن النفاق { ~~يك } التوب { خيرا لهم } وهي الآية التي تاب عندها الجلاس { ~~وإن يتولوا } يصروا على النفاق { يعذبهم الله عذابا ~~أليما فى الدنيا والأخرة } بالقتل والنار { وما لهم فى ~~الأرض من ولي ولا نصير } ينجيهم من العذاب. { ومنهم ~~من عهد الله } روي أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع ~~الله يرزقني مالا فقال عليه السلام: # " يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " # فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه. ~~فدعا له فاتخذ غنما فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل ~~واديا وانقطع عن الجمعة والجماعة، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه واد فقال: # " يا ويح ثعلبة " # فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما ~~الناس بصدقاتهم، ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال: ما هذه إلا جزية وقال: ~~ارجعا حتى أرى رأيي، فلما رجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يكلماه: «يا ويح ثعلبة» مرتين، فنزلت فجاء ثعلبة ms0532 بالصدقة فقال: إن ~~الله منعني أن أقبل منك فجعل التراب على رأسه، فقبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها، وجاء بها إلى ~~عمر رضي الله عنه في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان رضي الله عنه ~~{ لئن ءاتنا من فضله } أي المال { لنصدقن } لنخرجن ~~الصدقة والأصل «لنتصدقن» ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها { ~~ولنكونن من الصلحين } بإخراج الصدقة { فلما ~~ءاتاهم من فضله } أعطاهم الله المال ونالوا مناهم { بخلوا ~~به } منعوا حق الله ولم يفوا بالعهد { وتولوا } عن طاعة الله { ~~وهم معرضون } مصرون على الإعراض. # { فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم } فأورثهم البخل نفاقا ~~متمكنا في قلوبهم لأنه كان سببا فيه { إلى يوم يلقونه } أي ~~جزاء فعلهم وهو يوم القيامة { بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون } بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق ~~والصلاح وكونهم كاذبين، ومنه جعل خلف الوعد ثلث النفاق. { ألم ~~يعلموا } يعني المنافقين { أن الله يعلم سرهم } ما ~~أسروه من النفاق بالعزم على إخلاف ما وعدوه { ونجوهم } وما يتناجون ~~به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها { ~~وأن الله علم الغيوب } فلا يخفى عليه شيء { الذين } ~~محله النصب أو الرفع على الذم، أو الجر على البدل من الضمير في { ~~سرهم ونجوهم } { يلمزون المطوعين } يعيبون ~~المطوعين المتبرعين { من المؤمنين في الصدقت } متعلق ب ~~{ يلمزون }. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة ~~فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: كان لي ثمانية آلاف ~~فأقرضت ربي أربعة وأمسكت أربعة لعيالي فقال عليه السلام: # " بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت " # فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفا، ~~وتصدق عاصم بمائة وسق من تمر { والذين } عطف على { المطوعين ~~} { لا يجدون إلا جهدهم } طاقتهم. وعن نافع { جهدهم } ~~وهما واحد. وقيل: الجهد الطاقة والجهد المشقة وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ~~فقال: بت ليلتي أجر بالجرير ms0533 على صاعين فتركت صاعا لعيالي، وجئت بصاع ~~فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وأما صاع ~~أبي عقيل فالله غني عنه { فيسخرون منهم } فيهزءون { سخر ~~الله منهم } جازاهم على سخريتهم وهو خبر غير دعاء { ولهم ~~عذاب أليم } مؤلم. # ولما سأل عبد الله بن عبد الله بن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يستغفر لأبيه في مرضه نزل { استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم } وقد مر أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم ~~استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم { إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم } والسبعون جار مجرى المثل في ~~كلامهم للتكثير وليس على التحديد والغاية، إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن ~~يغفر لهم لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به، والمعنى وإن بالغت في ~~الاستغفار فلن يغفر الله لهم. وقد وردت الأخبار بذكر السبعين وكلها تدل ~~على الكثرة لا على التحديد والغاية، ووجه تخصيص السبعين من بين سائر ~~الأعداد أن العدد قليل وكثير، فالقليل ما دون الثلاث، والكثير الثلاث فما ~~فوقها، وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية. والعدد أيضا نوعان: شفع ~~ووتر، وأول الإشفاع اثنان، وأول الأوتار ثلاثة، والواحد ليس بعدد، ~~والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين لأن فيها أوتارا ثلاثة وأشفاعا ~~ثلاثة، والعشرة كمال الحساب لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى ~~العشرة كقولك «اثنا عشر وثلاثة عشرة» إلى «عشرين»، والعشرون تكرير العشرة ~~مرتين، والثلاثون تكريرها ثلاث مرات وكذلك إلى مائة، فالسبعون يجمع ~~الكثرة والنوع والكثرة منه، وكمال الحساب والكثرة منه، فصار السبعون أدنى ~~الكثير من العدد من كل وجه ولا غاية لأقصاه فجاز أن يكون تخصيص السبعين ~~لهذا المعنى والله أعلم { ذلك } إشارة إلى اليأس من المغفرة { ~~بأنهم } بسبب أنهم { كفروا بالله ورسوله } ولا غفران ~~لكافرين { والله لا يهدى القوم الفسقين } الخارجين عن ~~الإيمان ما داموا مختارين للكفر والطغيان { فرح المخلفون } ~~المنافقون الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لهم ms0534 وخلفهم ~~بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان { ~~بمقعدهم } بقعودهم عن الغزو { خلف رسول الله } مخالفة ~~له وهو مفعول له، أو حال أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له { وكرهوا ~~أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله } ~~أي لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله، ~~وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان ~~{ وقالوا لا تنفروا فى الحر } قال بعضهم لبعض أو قالوا ~~للمؤمنين تثبيطا { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون } استجهال لهم لأن من تصون من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك ~~التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل. ### || [9.82-92] # { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } أي فيضحكون قليلا ~~على فرحهم بتخلفهم في الدنيا ويبكون كثيرا جزاء في العقبى، إلا أنه أخرج ~~على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره. يروي أن أهل ~~النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم { ~~جزاء بما كانوا يكسبون } من النفاق { فإن رجعك ~~الله } أي ردك من تبوك. وإنما قال { إلى طائفة منهم } لأن ~~منهم من تاب من النفاق ومنهم من هلك { فاستأذنوك للخروج } ~~إلى غزوة بدر غزوة تبوك { فقل لن تخرجوا معى أبدا } ~~وبسكون الياء: حمزة وعلي وأبو بكر { ولن تقتلوا معى عدوا ~~} { معى } حفص { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } ~~أول ما دعيتم إلى غزوة تبوك { فاقعدوا مع الخلفين } مع من ~~تخلف بعد. وسأل ابن عبد الله بن أبي وكان مؤمنا أن يكفن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أباه في قميصه ويصلي عليه فقبل، فاعترض عمر رضي الله عنه في ~~ذلك فقال عليه السلام: # " ذلك لا ينفعه وإني أرجو أن يؤمن به ألف من قومه " # فنزل { ولا تصل على أحد منهم } من المنافقين يعني صلاة ~~الجنازة. روي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب التبرك بثوب النبي ~~صلى الله عليه وسلم { مات } صفة ل { أحد } { أبدا } ظرف ل { ~~تصل } وكان ms0535 عليه السلام إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فقيل: { ~~ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فسقون } تعليل للنهي أي أنهم ليسوا بأهل للصلاة ~~عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله { ولا تعجبك أمولهم ~~وأولدهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها فى ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كفرون } التكرير ~~للمبالغة والتأكيد وأن يكون على بال من المخاطب لا ينساه وأن يعتقد أنه ~~مهم، ولأن كل آية في فرقة غير الفرقة الأخرى. # { وإذا أنزلت سورة } يجوز أن يراد سورة بتمامها وأن يراد ~~بعضها كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه { أن ءامنوا ~~بالله } بأن آمنوا أو هي «أن» المفسرة { وجهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم } ذوو الفضل ~~والسعة { وقالوا ذرنا نكن مع القعدين } مع الذين لهم ~~عذر في التخلف كالمرضى والزمنى { رضوا بأن يكونوا مع ~~الخولف } أي النساء جمع «خالفة» { وطبع على قلوبهم } ~~ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق { فهم لا يفقهون } ما في ~~الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الهلاك والشقاوة { لكن ~~الرسول والذين ءامنوا جهدوا *** بأمولهم ~~وأنفسهم } أي إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو من هو خير منهم { ~~وأولئك لهم الخيرات } تناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ. # وقيل: الحور لقوله # فيهن خيرت # [الرحمن: 70] { وأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل ~~مطلوب { أعد الله لهم جنت تجري من تحتها ~~الانهر خلدين فيها ذلك الفوز العظيم } قوله { ~~أعد } دليل على أنها مخلوقة. # { وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } هو من ~~عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى، وحقيقته أن يوهم أن له عذرا فيما فعل ~~ولا عذر له، أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين ~~وهم الذين يعتذرون بالباطل قيل: هم أسد وغطفان قالوا: إن لنا عيالا وإن ~~بنا جهدا فأذن لنا في التخلف { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر بذلك ~~أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان { سيصيب الذين ~~كفروا منهم } من الأعراب { عذاب أليم } في ms0536 الدنيا بالقتل ~~وفي الآخرة بالنار { ليس على الضعفاء } الهرمى والزمنى { ولا ~~على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~} هم الفقراء من مزينة وجهينة وبني عذرة { حرج } إثم وضيق في التأخر { ~~إذا نصحوا الله ورسوله } بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا ~~كما يفعل الناصح بصاحبه { ما على المحسنين } المعذورين ~~الناصحين { من سبيل } أي لا جناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم { ~~والله غفور } يغفر تخلفهم { رحيم } بهم { ولا على ~~الذين إذا مآ أتوك لتحملهم } لتعطيهم الحمولة { قلت ~~} حال من الكاف في { أتوك } و «قد» قبله مضمرة أي إذا ما أتوك قائلا ~~{ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا } هو جواب «إذا» { ~~وأعينهم تفيض من الدمع } أي تسيل كقولك «تفيض دمعا» ~~وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض و «من» للبيان ~~كقولك «أفديك من رجل»، ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز، ويجوز أن ~~يكون { قلت لا أجد } استئنافا كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم ~~تولوا فقيل: ما لهم تولوا باكين؟ فقيل: { قلت لا أجد ما ~~أحملكم عليه } إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض { ~~حزنا } مفعول له { ألا يجدوا ما ينفقون } لئلا يجدوا ما ~~ينفقون ومحله نصب على أنه مفعول له، وناصبة { حزنا } والمستحملون أبو ~~موسى الأشعري وأصحابه، أو البكاؤون وهم ستة نفر من الأنصار. ### || [9.93-100] # { إنما السبيل على الذين يستئذنونك } في التخلف { ~~وهم أغنياء } وقوله { رضوا } استئناف كأنه قيل: ما بالهم ~~استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا { بأن يكونوا مع الخولف } ~~أي بالانتظام في جملة الخوالف { وطبع الله على قلوبهم ~~فهم لا يعلمون * يعتذرون إليكم } يقيمون لأنفسهم ~~عذرا باطلا { إذا رجعتم إليهم } من هذه السفرة { قل لا ~~تعتذروا } بالباطل { لن نؤمن لكم } لن نصدقكم وهو علة ~~للنهي عن الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به { قد ~~نبأنا الله من أخباركم } علة لانتفاء تصديقهم لأنه تعالى ~~إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم لم يستقم مع ذلك ~~تصديقهم في معاذيرهم { وسيرى الله عملكم ورسوله ms0537 } ~~أتنيبون أم تثبتون على كفركم { ثم تردون إلى علم ~~الغيب والشهدة } أي تردون إليه وهو عالم كل سر وعلانية { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } فيجازيكم على حسب ذلك. # { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم } لتتركوهم ولا توبخوهم { فأعرضوا عنهم ~~} فأعطوهم طلبتهم { إنهم رجس } تعليل لترك معاتبتهم أي أن ~~المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم لأنهم أرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم { ~~ومأواهم جهنم } ومصيرهم النار يعني وكفتهم النار عتابا ~~وتوبيخا فلا تتكلفوا عتابهم { جزاء بما كانوا يكسبون } أي ~~يجزون جزاء كسبهم { يحلفون لكم لترضوا عنهم } أي غرضهم ~~بالحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم { فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفسقين } ~~أي فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطا عليهم وكانوا عرضة ~~لعاجل عقوبته وآجلها، وإنما قيل ذلك لئلا يتوهم أن رضا المؤمنين يقتضي ~~رضا الله عنهم. # { الأعراب } أهل البدو { أشد كفرا ونفاقا } من أهل الحضر ~~لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن العلم والعلماء { وأجدر ألا ~~يعلموا } وأحق بأن لا يعلموا { حدود ما أنزل الله على ~~رسوله } يعني حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام ومنه ~~قوله عليه السلام: # " إن الجفاء والقسوة في الفدادين " # يعني الأكرة لأنهم يفدون أي يصيحون في حروثهم والفديد الصياح { ~~والله عليم } بأحوالهم { حكيم } في إمهالهم { ومن ~~الأعراب من يتخذ ما ينفق } أي يتصدق { مغرما } غرامة ~~وخسرانا لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء لا لوجه الله وابتاء ~~المثوبة عنده { ويتربص بكم الدوآئر } أي دوائر الزمان ~~وتبدل الأحوال بدور الأيام لتذهب غلبتكم عليه فيتخلص من إعطاء الصدقة { ~~عليهم دائرة السوء } أي عليهم تدور المصائب والحروب التي ~~يتوقعون وقوعها في المسلمين. # { السوء } مكي وأبو عمرو وهو العذاب، و { السوء } بالفتح ذم ~~للدائرة كقولك «رجل سوء» في مقابلة قولك «رجل صدق» { والله سميع } ~~لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة { عليم } بما يضمرونه. { ومن ~~الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ~~ينفق } في الجهاد والصدقات { قربت } أسبابا للقربة { عند ~~الله } وهو مفعول ms0538 ثان ل { يتخذ } { وصلوت الرسول } أي ~~دعاءه لأنه عليه السلام كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ~~كقوله «اللهم صل على آل أبي أوفى» { ألا إنها } أي النفقة أو صلوات ~~الرسول { قربة لهم } { قربة } نافع. وهذا شهادة من الله ~~للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على ~~طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه، والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، ~~وكذلك { سيدخلهم الله في رحمته } أي جنته وما في السين ~~من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله من المتصدقين، وأن ~~الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها { إن الله غفور } ~~يستر عيب المخل { رحيم } يقبل جهد المقل { والسبقون } مبتدأ ~~{ الأولون } صفة لهم { من المهجرين } تبيين لهم وهم الذين ~~صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدرا أو بيعة الرضوان { ~~والأنصر } عطف على { المهجرين } أي ومن الأنصار وهم أهل ~~بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين { ~~والذين اتبعوهم بإحسان } من المهاجرين والأنصار فكانوا ~~سائر الصحابة. وقيل: هم الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة ~~والخبر { رضي الله عنهم } بأعمالهم الحسنة { ورضوا عنه ~~} بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية { وأعد لهم } عطف ~~على { رضي } { جنت تجري تحتها الأنهر } { من ~~تحتها }: مكي { خلدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم }. ### || [9.101-108] # { وممن حولكم } يعني حول بلدتكم وهي المدينة { من ~~الأعراب منفقون } وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانوا نازلين ~~حولها { ومن أهل المدينة } عطف على خبر المبتدأ الذي هو { ~~ممن حولكم } والمبتدأ { منفقون } ويجوز أن يكون جملة ~~معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت «ومن أهل المدينة قوم» { مردوا ~~على النفاق } أي تمهروا فيه على أن مردوا صفة موصوف محذوف، وعلى ~~الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاما مبتدأ، أو صفة ل { منفقون ~~} فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره، ودل على مهارتهم فيه بقوله { لا ~~تعلمهم } أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوقهم في تحامي ~~ما يشككك في أمرهم. ثم قال { نحن نعلمهم } أي لا ms0539 يعلمهم إلا ~~الله ولا يطلع على سرهم غيره، لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ~~ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين { سنعذبهم ~~مرتين } هما القتل وعذاب القبر، أو الفضيحة وعذاب القبر، أو أخذ ~~الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم { ثم يردون إلى عذاب ~~عظيم } أي عذاب النار. # { وءاخرون } أي قوم آخرون سوى المذكورين { اعترفوا ~~بذنوبهم } أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن ~~اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين وكانوا عشرة، فسبعة منهم ~~لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين، وكانت عادته كلما قدم ~~من سفر فرآهم موثقين فسأل عنهم، ففذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم ~~حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلهم فقال«: # " وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم» " # فنزلت، فأطلقهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق ~~بها وطهرنا فقال: # " «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» " # فنزل # خذ من أمولهم صدقة # { خلطوا عملا صلحا } خروجا إلى الجهاد { وءاخر سيئا ~~} تخلفا عنه، أو التوبة والإثم وهو من قولهم «بعت الشاء شاة ودرهما» أي ~~شاة بدرهم، فالواو بمعنى الباء لأن الواو للجمع والباء للإلصاق ~~فيتناسبان، أو المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر فكل واحد منهما مخلوط ~~ومخلوط به كقولك «خلطت الماء واللبن» تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه ~~بخلاف قولك «خلطت الماء باللبن» لأنك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا ~~به. وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما كأنك ~~قلت «خلطت الماء باللبن واللبن بالماء» { عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله لرءوف رحيم } ولم يذكر توبتهم لأنه ذكر ~~اعترافهم بذنوبهم وهو دليل على التوبة { خذ من أمولهم صدقة ~~} كفارة لذنوبهم. # وقيل: هي الزكاة { تطهرهم } عن الذنوب وهو صفة ل { صدقة } ~~والتاء للخطاب أو لغيبة المؤنث. والتاء في { وتزكيهم } للخطاب لا ~~محالة { بها } بالصدقة والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة ms0540 فيه، أو ~~بمعنى الإنماء والبركة في المال { وصل عليهم } واعطف عليهم ~~بالدعاء لهم وترحم، والسنة أن يدعو المصدق لصاحب الصدقة إذا أخدها { ~~إن صلوتك } { صلاتك } كوفي غير أبي بكر. قيل: الصلاة أكثر من ~~الصلوات لأنها للجنس { صلوتك سكن لهم } يسكنون إليه وتطمئن ~~قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم { والله سميع } لدعائك أو سميع ~~لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم { عليم } بما في ضمائرهم من الندم والغم ~~لما فرط منهم. # { ألم يعلموا } المراد المتوب عليهم أي ألم يعلموا قيل أن يتاب ~~عليهم وتقبل صدقاتهم { أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده } إذا صحت { ويأخذ الصدقت } ويقبلها إذا صدرت على ~~خلوص النية وهو للتخصيص أي إن ذلك ليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها ووجهوها إليها { ~~وأن الله هو التواب } كثير قبول التوبة { الرحيم } ~~يعفو الحوبة. # { وقل } لهؤلاء التائبين { اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون } أي فإن عملكم لا يخفى خيرا كان أو ~~شرا على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم، أو غير التائبين ترغيبا ~~لهم في التوبة، فقد روي أنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا: هؤلاء ~~الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت. ~~وقوله تعالى { فسيرى الله }. وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار ~~والذهول عن التوبة { وستردون إلى علم الغيب } ما يغيب ~~عن الناس { والشهدة } ما يشاهدونه { فينبئكم بما ~~كنتم تعملون } تنبئة تذكير ومجازاة عليه { وءاخرون ~~مرجون لأمر الله } بغير همز: مدني وكوفي غير أبي بكر. { ~~مرجئون } غيرهم من أرجيته وأرجأته إذا أخرته، ومنه المرجئة أي وآخرون من ~~المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم { إما يعذبهم } ~~إن أصروا ولم يتوبوا { وإما يتوب عليهم } إن تابوا وهم ~~ثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة ~~تبوك وهم الذين ذكروا في قوله: # وعلى الثلثة الذين خلفوا # { والله عليم } برجائهم { حكيم } في إرجائهم، وإما للشك وهو ~~راجع إلى العباد أي خافوا عليهم العذاب ms0541 وارجو لهم الرحمة. وروي أنه عليه ~~السلام أمر أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل ~~ذلك الفريق من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن ~~أحدا لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم ونصحت توبتهم ~~فرحمهم الله. # { والذين اتخذوا مسجدا } تقديره: ومنهم الذين اتخذوا. { ~~الذين } بغير واو. مدني وشامي، وهو مبتدأ خبره محذوف أي جازيناهم. ~~روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يأتيهم، فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن ~~عوف وقالوا: نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله يصلي فيه ويصلي فيه أبو ~~عامر الراهب إذا قدم من الشام وهو الذي قال لرسول الله عليه السلام يوم ~~أحد: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم ~~حنين فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه فقال: # " إني على جناح سفر وإذا قدمنا من تبوك إن شاء الله صلينا فيه " # فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت عليه فقال لوحشي قاتل ~~حمزة ومعن بن عدي وغيرهما: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ~~فاهدموه وأحرقوه» ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف ~~والقمامة، ومات أبو عامر بالشام { ضرارا } مفعول له وكذا ما بعد أي ~~مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء { وكفرا } وتقوية للنفاق { ~~وتفريقا بين المؤمنين } لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد ~~قباء فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم { وإرصادا لمن } ~~وإعدادا لأجل من { حارب الله ورسوله } وهو الراهب أعدوه له ~~ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: كل مسجد بني ~~مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب ~~فهو لاحق بمسجد الضرار { من قبل } متعلق ب { حارب } أي من قبل ~~بناء هذا المسجد يعني يوم الخندق ms0542 { وليحلفن } كاذبين { إن ~~أردنا إلا الحسنى } ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة ~~الحسنى وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين { والله يشهد ~~إنهم لكذبون } في حلفهم { لا تقم فيه أبدا } للصلاة ~~{ لمسجد أسس على التقوى } اللام للابتداء و { أسس } ~~نعت له وهو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام ~~مقامه بقباء أو وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم ~~الجمعة، مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة { من أول ~~يوم } من أيام وجوده. قيل: القياس فيه مذ، لأنه لابتداء الغاية في ~~الزمان، و «من» لابتداء الغاية في المكان، والجواب إن من عام في الزمان ~~والمكان { أحق أن تقوم فيه } مصليا { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } قيل: ~~لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقفوا على ~~باب مسجد قباء، فإذا لأنصار جلوس فقال: # " أمؤمنون أنتم؟ " # فسكت القوم. ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، ~~فقال عليه السلام: # " أترضون بالقضاء " # قالوا: نعم. قال: # " أتصبرون على البلاء؟ " # قالوا: نعم. قال: # " أتشكرون في الرخاء؟ " # قالوا: نعم. قال عليه السلام: # " مؤمنون أنتم ورب الكعبة " # فجلس ثم قال: # " يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند ~~الوضوء وعند الغائط؟ " # فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار ~~الماء فتلا النبي عليه السلام: # رجال يحبون أن يتطهروا # قيل: هو عام في التطهر عن النجاسات كلها. وقيل: هو التطهر من الذنوب ~~بالتوبة. ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب ~~للشيء، ومعنى محبة الله إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب ~~بمحبوبه. ### || [9.109-116] # { أفمن أسس بنيانه } وضع أساس ما يبنيه { على تقوى ~~من الله ورضوان خير أم أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار } هذا سؤال تقرير وجوابه مسكوت عنه لوضوحه، والمعنى أفمن ~~أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه، خير أم من أسسه ms0543 ~~على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله شفا جرف هار في ~~قلة الثبات والاستمساك، وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازا ~~عما ينافي التقوى. والشفا: الحرف والشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر ~~أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهيا، والهار الهائر وهو المتصدع الذي ~~أشفى على التهدم والسقوط، ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف، وألفه ليس ~~فاعل إنما هي عينه وأصله «هور» فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ~~ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره { ~~أفمن أسس بنيانه } شامي ونافع { جرف } شامي وحمزة ويحيى { ~~هار } بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ويحيى { فانهار به فى ~~نار جهنم } فطاح به الباطل في نار جهنم. ولما جعل الجرف الهائر ~~مجازا عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليصور ~~أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف هار من أودية جهنم فانهار به ذلك ~~الجرف فهوى في قعرها. قال جابر: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين ~~انهار { والله لا يهدى القوم الظلمين } لا يوفقهم ~~للخير عقوبة لهم على نفاقهم { لا يزال بنيانهم الذى ~~بنوا ريبة فى قلوبهم } لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على ~~شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم { إلا أن تقطع ~~قلوبهم } شامي وحمزة وحفص أي تتقطع. غيرهم { تقطع } أي إلا أن ~~تقطع قلوبهم قطعا وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة ~~مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرا ~~لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه ~~بقتلهم أو في القبور أو في النار، أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها ~~قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم { والله عليم } بعزائمهم { ~~حكيم } في جزاء جرائمهم. # { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأمولهم بأن لهم الجنة } مثل الله إثابتهم بالجنة على ~~بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء. وروي: تاجرهم، فأغلى لهم ~~الثمن. ms0544 وعن الحسن: أنفسا هو خلقها وأموالا هو رزقها. ومر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعرابي وهو يقرؤها فقال: بيع والله مربح لا نقيله ولا ~~نستقيله فخرج إلى الغزو واستشهد { يقتلون فى سبيل الله } ~~بيان محل التسليم { فيقتلون ويقتلون } أي تارة يقتلون العدو ~~وطورا يقتلهم العدو. # { فيقتلون ويقتلون } حمزة وعلي { وعدا عليه } مصدر أي وعدهم ~~بذلك وعدا { حقا } صفته، أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في ~~سبيله وعد ثابت قد أثبته { في التوراة والإنجيل والقرءان ~~} وهو دليل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه. ثم قال { ~~ومن أوفى بعهده من الله } لأن إخلاف الميعاد قبيح لا ~~يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين، ولا ترى ترغيبا في الجهاد ~~أحسن منه وأبلغ { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم ~~به } فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانيا بباق { وذلك هو ~~الفوز العظيم } قال الصادق: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا ~~تبيعوها إلا بها. # { التئبون } رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين ~~المذكورين، أو هو مبتدأ خبره { العبدون } أي الذين عبدوا الله ~~وحده وأخلصوا له العبادة، وما بعده خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على ~~الحقيقة الجامعون لهذه الخصال. وعن الحسن: هم الذين تابوا من الشرك ~~وتبرءوا من النفاق { الحمدون } على نعمة الإسلام { السئحون ~~} الصائمون لقوله عليه السلام # " سياحة أمتي الصيام " # أو طلبة العلم لأنهم يسيحيون في الأرض يطلبونه في مظانه، أو السائرون في ~~الأرض للاعتبار { الركعون السجدون } المحافظون على الصلوات { ~~الآمرون بالمعروف } بالإيمان والمعرفة والطاعة { والناهون ~~عن المنكر } عن الشرك والمعاصي ودخلت الواو للإشعار بأن السبعة عقد ~~تام، أو للتضاد بين الأمر والنهي كما في قوله: # ثيبت وأبكارا # [التحريم: 5] { والحفظون لحدود الله } أوامره ونواهيه، ~~أو معالم الشرع { وبشر المؤمنين } المتصفين بهذه الصفات. # وهم عليه السلام أن يستغفر لأبي طالب فنزل { ما كان للنبى ~~والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولى قربى } أي ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته { ~~من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم } من ms0545 ~~بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك، ثم ذكر عذر إبراهيم فقال { وما ~~كان استغفار إبرهيم لابيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه } أي وعد أبوه إياه أن يسلم أو هو وعد أباه أن يستغفر ~~وهو قوله # لأستغفرن لك # [الممتحنة: 4] دليله قراءة الحسن { وعدها أباه } ومعنى استغفاره ~~سؤاله المغفرة له بعد ما أسلم أو سؤاله إعطاء الإسلام الذي به يغفر له { ~~فلما تبين } من جهة الوحي { له } لإبرهيم { أنه } أن أباه ~~{ عدو لله } بأن يموت كافرا وانقطع رجاؤه عنه { تبرأ ~~منه } وقطع استغفاره { إن إبرهيم لأواه } هو المتأوه شفقا ~~وفرقا، ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته كان يتعطف على أبيه الكافر { ~~حليم } هو الصبور على البلاء الصفوح عن الأذى، لأنه كان يستغفر لأبيه ~~وهو يقول لأرجمنك { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } أي ما أمر الله ~~باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه وبين أنه محظور، ~~لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يخذلهم إلا إذا قدموا عليه ~~بعد بيان حظره وعلمهم بأنه واجب الاجتناب، وأما قبل العلم والبيان فلا، ~~وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين، والمراد ب { ما ~~يتقون } ما يجب اتقاؤه للنهي، فأما ما يعلم بالعقل فغير موقوف على ~~التوقيف { أن الله بكل شىء عليم }. # { إن الله له ملك السموت والأرض يحيى ~~ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ### || [9.117-129] # { لقد تاب الله على النبى } أي تاب عليه من إذنه للمنافقين ~~في التخلف عنه كقوله # عفا الله عنك # [التوبة: 43] { والمهجرين والأنصر } فيه بعث للمؤمنين على ~~التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار { الذين اتبعوه فى ~~ساعة العسرة } في غزوة تبوك ومعناه في وقتها. والساعة مستعملة في ~~معنى الزمان المطلق وكانوا في عسرة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد، ~~ومن الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة، وبلغت ~~بهم الشدة حتى اقتسم ms0546 التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها ~~الماء، ومن الماء حتى نحروا الإبل وعصروا كرشها وشربوه، وفي شدة زمان من ~~حرارة القيظ ومن الجدب والقحط { من بعد ما كاد يزيغ قلوب ~~فريق منهم } عن الثبات على الإيمان أو عن اتباع الرسول في تلك ~~الغزوة والخروج معه. وفي { كاد } ضمير الشأن والجملة بعده في موضع ~~النصب وهو كقولهم «ليس خلق الله مثله» أي ليس الشأن خلق الله مثله { يزيغ ~~} حمزة وحفص { ثم تاب عليهم } تكرير للتوكيد { إنه بهم ~~رءوف رحيم * وعلى الثلثة } أي وتاب على الثلاثة وهم: كعب ~~بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وهو عطف على { النبى } { ~~الذين خلفوا } عن الغزو { حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت } برحبها أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم ~~كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه قلقا وجزعا { وضاقت ~~عليهم أنفسهم } أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور لأنها حرجت من ~~فرط الوحشة والغم { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا ~~إليه } وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره { ثم ~~تاب عليهم } بعد خمسين يوما { ليتوبوا } ليكونوا من جملة ~~التوابين { إن الله هو التواب الرحيم } عن أبي بكر ~~الوراق أنه قال: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق ~~عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة. # { ا يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا ~~مع الصدقين } في إيمانهم دون المنافقين، أو مع الذين لم ~~يتخلفوا، أو مع الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا. والآية تدل ~~على أن الاجماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم { ما ~~كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله } المراد بهذا النفي النهي وخص ~~هؤلاء بالذكر وإن استوى كل الناس في ذلك، لقربهم منه ولا يخفى عليه خروجه ~~{ ولا يرغبوا } ولا أن يضنوا { بأنفسهم عن نفسه } ~~عما يصيب نفسه أي لا يختاروا إبقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد بل أمروا ~~بأن يصحبوه في البأساء والضراء ms0547 ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة { ~~ذلك } النهي عن التخلف { بأنهم } بسبب أنهم { لا يصيبهم ~~ظمأ } عطش { ولا نصب } تعب { ولا مخمصة } مجاعة { فى ~~سبيل الله } في الجهاد { ولا يطأون موطئا } ولا يدوسون ~~مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم { يغيظ ~~الكفار } يغضبهم ويضيق صدورهم { ولا ينالون من عدو ~~نيلا } ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة { ~~إلا كتب لهم به عمل صالح } عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~لكل روعة سبعون ألف حسنة. # يقال: نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوؤهم. وفيه دليل على ~~أن من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ~~ذلك، وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ~~ديارهم مما يغيظهم، وقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لابني عامر وقد ~~قدما بعد تقضي الحرب. والموطىء إما مصدر كالمورد، وإما مكان. فإن كان ~~مكانا فمعنى { يغيظ الكفار } يغيظهم وطؤه { إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين } أي أنهم محسنون والله لا يبطل ثوابهم { ~~ولا ينفقون نفقة } في سبيل الله { صغيرة } ولو تمرة { ~~ولا كبيرة } مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة { ولا ~~يقطعون واديا } أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم وهو كل منفرج بين ~~جبال وآكام يكون منفذا للسيل، وهو في الأصل فاعل من «ودى» إذا سال ومنه ~~الودي، وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض { إلا كتب لهم } من ~~الإنفاق وقطع الوادي { ليجزيهم الله } متعلق ب { كتب } أي ~~أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء { أحسن ما كانوا يعملون } أي ~~يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيرا ~~لأجرهم. # { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } اللام لتأكيد ~~النفي أي أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح للإفضاء إلى ~~المفسدة { فلولا نفر } فحين لم يكن نفير الكافة فهلا نفر { من ~~كل فرقة منهم طائفة } أي من كل جماعة ms0548 كثيرة جماعة قليلة ~~منهم يكفونهم النفير { ليتفقهوا في الدين } ليتكلفوا الفقاهة ~~فيه ويتجشموا المشاق في تحصيلها { ولينذروا قومهم } وليجعلوا ~~مرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم { إذا رجعوا إليهم ~~} دون الأغراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب ~~والملابس { لعلهم يحذرون } ما يجب اجتنابه. وقيل: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث بعثا بعد غزوة تبوك بعد ما أنزل في ~~المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا ~~جميعا عن التفقه في الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى ~~الجهاد، ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد ~~الأكبر، إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثرا من الجهاد بالنصال. # والضمير في { ليتفقهوا } للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من ~~بينهم { ولينذروا قومهم } ولينذر الفرق الباقية قومهم ~~النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم. وعلى ~~الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه { يأيها الذين ~~ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم } يقربون منكم { من ~~الكفار }. القتال واجب مع جميع الكفرة قريبهم وبعيدهم، ولكن الأقرب ~~فالأقرب أوجب. وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم قومه، ثم غيرهم من عرب ~~الحجاز، ثم الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره، وهكذا ~~المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم { وليجدوا فيكم ~~غلظة } شدة وعنفا في المقال قبل القتال { واعلموا أن ~~الله مع المتقين } بالنصرة والغلبة. # { وإذا ما أنزلت سورة } «ما» صلة مؤكدة { فمنهم } فمن ~~المنافقين { من يقول } بعضهم لبعض { أيكم زادته هذه } ~~السورة { إيمنا } إنكارا واستهزاء بالمؤمنين و { أيكم } مرفوع ~~بالابتداء وقيل: هو قول المؤمنين للحث والتنبيه { فأما الذين ~~ءامنوا فزادتهم إيمنا } يقينا وثباتا أو خشية أ و ~~إيمانا بالسورة لأنهم لم يكونوا آمنوا بها تفصيلا { وهم ~~يستبشرون } يعدون زيادة التكليف بشارة التشريف. # { وأما الذين في قلوبهم مرض } شك ونفاق فهو فساد يحتاج ~~إلى علاج كالفساد في البدن { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ~~كفرا مضموما إلى كفرهم { وماتوا وهم كفرون } هو إخبار ms0549 عن ~~إصرارهم عليه إلى الموت { أو لا يرون } يعني المنافقين وبالتاء: ~~حمزة خطاب للمؤمنين { أنهم يفتنون } يبتلون بالقحط والمرض ~~وغيرهما { في كل عام مرة أو مرتين ثم لا ~~يتوبون } عن نفاقهم { ولا هم يذكرون } لا يعتبرون. أو ~~بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوبون بما يرون من دولة ~~الإسلام، ولا هم يذكرون بما يقع بهم من الاصطدام { وإذا أنزلت ~~سورة نظر بعضهم إلى بعض } تغامزوا بالعيون إنكارا ~~للوحي وسخرية به قائلين { هل يراكم من أحد } من المسلمين ~~لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم، أو ~~إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ~~إن قمتم من حضرته عليه السلام { ثم انصرفوا } عن حضرة النبي عليه ~~السلام مخافة الفضيحة { صرف الله قلوبهم } عن فهم القرآن { ~~بأنهم } بسبب أنهم { قوم لا يفقهون } لا يتدبرون حتى ~~يفقهوا { لقد جاءكم رسول } محمد عليه السلام { من ~~أنفسكم } من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم { عزيز عليه ~~ما عنتم } شديد عليه شاق لكونه بعضا منكم عنتكم ولقاؤكم ~~المكروه، فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب { حريص عليكم } على ~~إيمانكم { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رءوف رحيم } قيل: ~~لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~فإن تولوا } فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك { فقل حسبي ~~الله } فاستعن بالله وفوض إليه أمورك فهو كافيك معرتهم وناصرك عليهم { ~~لا إله إلا هو عليه توكلت } فوضت أمري إليه { وهو ~~رب العرش } هوأعظم خلق الله، خلق مطافا لأهل السماء وقبلة للدعاء ~~{ العظيم } بالجر وقرىء بالرفع على نعت الرب جل وعز. # عن أبي: آخر آية نزلت { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ~~الآية. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-2] # مئة وتسعة آيات مكية، وكذا ما بعدها إلى سورة النور # { الر } ونحوه ممال: حمزة وعلي وأبو عمرو، وهو تعديد للحروف على طريق ~~التحدي { تلك ءايت الكتب } إشارة إلى ما تضمنته السورة من ~~الآيات، والكتاب السورة { الحكيم } ذي ms0550 الحكمة لاشتماله عليها، أو ~~المحكم عن الكذب والافتراء والهمزة { أكان للناس عجبا } لإنكار ~~التعجب والتعجب منه { أن أوحينا } اسم " كان " و { عجبا } خبره، ~~واللام في { للناس } متعلق بمحذوف هو صفة ل { عجبا } فلما تقدم صار ~~حالا { إلى رجل منهم أن أنذر الناس } بأن أنذر أو هي ~~مفسرة إذ الإيحاء فيه معنى القول { وبشر الذين ءامنوا أن ~~لهم } بأن لهم. ومعنى اللام في { للناس } أنهم جعلوه لهم أعجوبة ~~يتعجبون منه، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر وأن يكون رجلا من أفناء ~~رجالهم دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد ~~رسولا إلى الناس إلا يتيم أبي طالب: وأن يذكر لهم البعث وينذر بالنيران ~~ويبشر بالجنان، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأن الرسل المبعوثين ~~إلى الأمم لم يكونوا إلا بشرا مثلهم، وإرسال اليتيم أو الفقير ليس ~~بعجب أيضا، لأن الله تعالى إنما يختار للنبوة من جمع أسبابها، والغنى ~~والتقدم في الدنيا ليس من أسبابها. والبعث للجزاء على الخير والشر هو ~~الحكمة العظمى، فكيف يكون عجبا، إنما العجب والمنكر في العقول تعطيل ~~الجزاء { قدم صدق عند ربهم } أي: سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة. ~~ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدما كما ~~سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد، وباعا لأن صاحبها يبوع بها، فقيل " ~~لفلان: قدم في الخير " وإضافتها إلى { صدق } دلالة على زيادة فضل وأنه من ~~السوابق العظيمة، أو مقام صدق، أو سبق السعادة { قال الكفرون ~~إن هذا لساحر مبين } { إن هذا } الكتاب { لسحر } مدني ~~وبصري وشامي، ومن قرأ { لساحر } فهذه إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كذابين في تسميته سحرا. ### || [10.3-4] # { إن ربكم الله الذى خلق السموت والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش } أي استولى فقد يقدس ~~الديان عن المكان والمعبود عن الحدود { يدبر } يقضي ويقدر على مقتضى ~~المحكمة { الأمر } أي أمر الخلق كله وأمر ملكوت السماوات والأرض ~~والعرش. ولما ذكر ما ms0551 يدل على عظمته وملكه من خلق السموات والأرض ~~والاستواء على العرش، أتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة عل العظمة وأنه ~~لا يخرج أمر من الأمور عن قضائه وتقديره وكذلك قوله: { ما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه } دليل على عزته وكبريائه { ذلكم } ~~العظيم الموصوف بما وصف به { الله ربكم } وهو الذي يستحق العبادة ~~{ فاعبدوه } وحدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من إنسان أو ملك فضلا عن ~~جماد لا يضر ولا ينفع { أفلا تذكرون } أفلا تتدبرون فتستدلون ~~بوجوب المصالح والمنافع على وجود المصلح النافع { إليه مرجعكم ~~جميعا } حال أي لا ترجعون لي العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه ~~والمرجع الرجوع أو مكان الرجوع { وعد الله } مصدر مؤكد لقوله إليه ~~مرجعكم { حقا } مصدر مؤكد لقوله: { وعد الله } { إنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه { ~~ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي الحكمة بإبداء الخلق وإعادته هو ~~جزاء المكلفين على أعمالهم { بالقسط } بالعدل وهو متعلق ب { يجزي } ~~أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم أو بقسطهم أي بما أقسطوا وعدلوا ولم ~~يظلموا حين آمنوا إذ الشرك ظلم # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] وهذا أوجه لمقابلة قوله: { والذين كفروا لهم ~~شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ~~ولوجه كلامي ### || [10.5-6] # { هو الذى جعل الشمس ضياء } الياء فيه منقلبة عن واو ~~«ضواء» لكثرة ما قبلها وقلبها قنبل همزة لأنها للحركة أجمل { والقمر ~~نورا } والضياء أقوى من النور فلذا جعله للشمس { وقدره } وقدر ~~القمر أي وقدر مسيره { منازل } أو وقدره ذا منازل كقوله # والقمر قدرناه منازل # [يس:39] { لتعلموا عدد السنين } أي عدد السنين والشهور ~~فاكتفى بالسنين لاشتمالها على الشهور { والحساب } وحساب الآجال ~~والمواقيت المقدرة بالسنين والشهور { ما خلق الله ذلك } ~~المذكور { إلا } ملتبسا { بالحق } الذي هو الحكمة البالغة ولم ~~يخلقه عبثا { يفصل الآيت } مكي وبصري وحفص وبالنون غيرهم { ~~لقوم يعلمون } فينتفعون بالتأمل فيها. # { إن فى اختلف اليل والنهار } في مجيء كل واحد منهما ~~خلف الآخر أو في اختلاف لونيهما { وما خلق الله فى ~~السموت والأرض } من ms0552 الخلائق { لآيت لقوم يتقون ~~} خصهم بالذكر لأنهم يحذرون الآخر فيدعوهم الحذر إلى النظر. ### || [10.7-10] # { إن الذين لا يرجون لقاءنا } لا يتوقعونه أصلا ولا ~~يخطرونه ببالهم لغفلتهم عن التفطن للحقائق أو لا يأملون حسن لقائنا كما ~~يأمله السعداء أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف { ورضوا ~~بالحيوة الدنيا } من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير ~~الباقي { واطمأنوا بها } وسكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها ~~فبنوا شديدا وأملوا بعيدا { والذين هم عن ءايتنا ~~غفلون } لا يتفكرون فيها، ولا وقف عليه لأن خبر «إن» { أولئك ~~مأواهم النار } ف { أولئك } مبتدأ و«مأواهم» مبتدأ ثان و«النار» ~~خبره والجملة خبر أولئك والباء في { بما كانوا يكسبون } يتعلق ~~بمحذوف دل عليه الكلام وهو جوزوا { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحات يهديهم ربهم بإيمانهم } ~~يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السديد المؤدي إلى الثواب ~~ولذا جعل { تجرى من تحتهم الأنهر } بيانا له وتفسيرا، ~~إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها، أو يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم ~~إلى طريق الجنة، ومنه الحديث # " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له: أنا ~~عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صور له ~~عمله في صورة سيئة فيقول له: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار " # وهذا دليل على أن الإيمان المجرد منج حيث قال: { بإيمانهم } ولم يضم ~~إليه العمل الصالح { في جنت النعيم } متعلق ب { تجري } أو ~~حال من { الأنهار } { دعوهم فيها سبحنك اللهم } أي ~~دعاؤهم لأن { اللهم } نداء لله ومعناه: اللهم إنا نسبحك أي يدعون الله ~~بقولهم { سبحانك اللهم } تلذذا بذكره لا عبادة { وتحيتهم فيها ~~سلام } أي يحيي بعضهم بعضا بالسلام أو هي تحية الملائكة إياهم، وأضيف ~~المصدر إلى المفعول أو تحية الله لهم { وءاخر دعوهم } وخاتمة ~~دعائهم الذي هو التسبيح { أن الحمد لله رب العلمين } ~~أن يقولوا الحمد الله رب العالمين { أن } مخففة من الثقيلة وأصله أنه ~~الحمد لله رب العالمين، والضمير للشأن. قيل: أو كلامهم ms0553 التسبيح وآخره ~~التحميد فيبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بالشكر والثناء عليه ~~ويتكلمون بينهما بما أرادوا ### || [10.11-12] # { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير } أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير، فوضع ~~استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته لهم، ~~والمراد أهل مكة وقولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال:32]أي ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ~~ونجيبهم إليه { لقضى إليهم أجلهم } لأميتوا وأهلكوا. { ~~لقضى إليهم أجلهم } شامي على البناء للفاعل وهو الله عز وجل { فنذر ~~الذين لا يرجون لقاءنا فى طغيانهم } شركهم وضلالهم { ~~يعمهون } يترددون، ووجه اتصاله بما قبله أن قوله { ولو يعجل الله } ~~متضمن معنى نفي التعجيل كأنه قيل. ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم ~~أجلهم فنذرهم في طغيانهم أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم ~~إلزاما للحجة عليهم { وإذا مس الإنسن } أصابه والمراد به ~~الكافر { الضر دعانا } أي دعا الله لإزالته { لجنبه } في موضع ~~الحال بدليل عطف الحالين أي { أو قاعدا أو قائما } عليه أي ~~دعانا مضطجعا. وفائدة ذكر هذه الأحوال أن معناه أن المضرور لا يزال ~~داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها ~~سواء كان مضطجعا عاجزا عن النهوض، أو قاعدا لا يقدر على القيام، أو ~~قائما لا يطيق المشي { فلما كشفنا عنه ضره } أزلنا ما به ~~{ مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } أي مضى على طريقته ~~الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد، أو مر عن موقف الابتهال والتضرع لا ~~يرجع إليه كأنه لا عهد له به، والأصل «كأنه لم يدعنا» فخفف وحذف ضمير ~~الشأن { كذلك } مثل ذلك التزيين { زين للمسرفين } ~~للمجاوزين الحد في الكفر زين الشيطان بوسوسته { ما كانوا يعملون ~~} من الإعراض عن الذكر واتباع الكفر. ### || [10.13-15] # { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم } يا أهل مكة { ~~لما ظلموا } أشركوا وهو ظرف { أهلكنا } والواو في { وجاءتهم ~~رسلهم } للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم { ~~بالبينت } بالمعجزات { وما كانوا ليؤمنوا } إن ms0554 بقوا ~~ولم يهلكوا لأن الله علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وهو عطف على { ظلموا ~~} أو اعتراض، واللام لتأكيد النفي يعني أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم ~~للرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة ~~الرسل { كذلك } مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك { نجزي القوم ~~المجرمين } وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { ثم جعلنكم خلئف فى الأرض من ~~بعدهم } الخطاب للذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أي ~~استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناها { لننظر كيف ~~تعملون } أي لننظر أتعملون خيرا أو شرا فنعاملكم على حسب عملكم. و ~~{ كيف } في محل النصب ب { تعملون } لا ب { ننظر } ، لأن معنى الاستفهام ~~فيه يمنع أن يتقدم عليه عامله، والمعنى أنتم بمنظر منا فانظروا كيف ~~تعملون، أبالاعتبار بماضيكم أم الاغترار بما فيكم؟ قال عليه السلام: # " الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون " # { # وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } حال { قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا } لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة ~~الأوثان والوعيد لأهل الطغيان { ائت بقرءان غير هذا } ليس ~~فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك { أو بدله } بأن تجعل مكان آية عذاب ~~آية رحمة وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها، فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه ~~داخل تحت قدرة الإنسان وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة وأن يسقط ذكر ~~الآلهة بقوله: { قل ما يكون لي } ما يحل لي { أن أبدله من ~~تلقائي نفسي } من قبل نفسي { إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي } لا أتبع إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل، لأن ~~الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله { إنى أخاف إن ~~عصيت ربى } بالتبديل من عند نفسي { عذاب يوم عظيم } أي ~~يوم القيامة. وأما الإتيان بقرآن آخر فلا يقدر عليه الإنسان، وقد ظهر لهم ~~العجز عنه إلا أنهم كانوا لا يعترفون بالعجز ويقولون لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا. ولا ms0555 يحتمل أن يريدوا بقوله { أئت بقرآن غير هذا أو بدله } من جهة ~~الوحي لقوله: { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } وغرضهم في هذا ~~الاقتراح الكيد، أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر ~~على مثله فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل فلاختبار الحال، وأنه إن ~~وجد منه تبديل فإما أن يهلكه الله فينجوا منه أولا يهلكه فيسخروا منه، ~~فيجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحا لإفترائه على الله ### || [10.16-17] # { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم } يعني أن تلاوته ~~ليست إلا بمشيئة الله وإظهاره أمرا عجيبا خارجا عن العادات، وهو أن ~~يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء فيقرأ عليكم كتابا فصيحا يغلب ~~كل كلام فصيح ويعلو على كل منثور ومنظوم، مشحونا بعلوم الأصول والفروع ~~والإخبار عن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله { ولا أدراكم به } ~~ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني { فقد لبثت فيكم عمرا ~~من قبله } من قبل نزول القرآن أي فقد أقمت فيما بينكم أربعين سنة ~~ولم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه ولا قدرت عليه، ولا كنت موصوفا بعلم ~~وبيان فتتهموني بإختراعه { أفلا تعقلون } فتعلموا أنه ليس إلا من ~~عند الله لا من مثلي، وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم أئت بقرآن غير هذا من ~~إضافة الافتراء إليه. # { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يحتمل أن ~~يريد افتراء المشركين على الله في أنه ذو شريك وذو ولد، وأن يكون تفاديا ~~مما أضافوه إليه من الافتراء { أو كذب بآياته } بالقرآن، فيه بيان أن ~~الكاذب على الله والمكذب بآياته في الكفر سواء { إنه لا يفلح ~~المجرمون } ### || [10.18-20] # ويعبدون من دون الله مالا يضرهم } إن تركوا عبادتها ~~{ ولا ينفعهم } إن عبدوها { ويقولون هؤلاء } أي الأصنام { ~~شفعؤنا عند الله } أي في أمر الدنيا ومعيشتها لأنهم كانوا لا ~~يقرون بالبعث # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت # [النحل:38] أو يوم القيامة أن يكن بعث ونشور { قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم } أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده ms0556 وهو إنباء بما ~~ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له وهو عالم بجميع المعلومات لم يكن ~~شيئا. وقوله { فى السموت ولا فى الأرض } تأكيد لنفيه لأن ~~ما لم يوجد فيهما فهو معدوم { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } نزه ذاته عن أن يكون له شريك. وبالتاء: حمزة وعلي وما ~~موصولة أو مصدرية، أي عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم { ~~وما كان الناس إلا أمة واحدة } حنفاء متفقين على ملة ~~واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل ~~قابيل هابيل، أو بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين ديارا { ~~فاختلفوا } فصاروا مللا { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك } وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة { لقضي بينهم ~~} عاجلا { فيما فيه يختلفون } فيما اختلفوا فيه وليميز المحق ~~من المبطل وسبق كلمته لحكمة، وهي أن هذه الدار دار تكليف وتلك الدار دار ~~ثواب وعقاب. # { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه } أي آية ~~من الآيات التي اقترحوها { فقل إنما الغيب لله } أي هو ~~المختص بعلم الغيب فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة لا غير { ~~فانتظروا } نزول ما اقترحتموه { إني معكم من ~~المنتظرين } لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات ### || [10.21-22] # { وإذا أذقنا الناس } أهل مكة { رحمة } خصبا وسعة { من ~~بعد ضراء مستهم } يعني القحط والجوع { إذا لهم مكر في ~~ءاياتنا } أي مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها. روي أنه تعالى سلط القحط ~~سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحياة، فلما رحمهم ~~طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويكيدونه ف { إذا } الأولى للشرط، والثانية جوابها وهي للمفاجأة وهو ~~كقوله # وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون # [الروم: 36] أي وإن تصبهم سيئة قنطوا، وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا. ~~والمكر إخفاء الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق، ومعنى مستهم ~~خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم. وإنما قال: { قل الله أسرع ~~مكرا } ولم يصفهم بسرعة المكر لأن ms0557 كلمة المفاجأة دلت على ذلك كأنه ~~قال: وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل ~~أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء { إن رسلنا } يعني الحفظة { ~~يكتبون ما تمكرون } إعلام بأن ما تظنونه خافيا لا يخفى على ~~الله وهو منتقم منكم. وبالياء: سهل. # { هو الذى يسيركم فى البر والبحر } يجعلكم قادرين ~~على قطع المسافات بالأرجل والدواب والفلك الجارية في البحار، أو يخلق ~~فيكم السير { ينشركم } شامي { حتى إذا كنتم فى الفلك } أي ~~السفن { وجرين } أي السفن { بهم } بمن فيها رجوع من الخطاب إلى ~~الغيبة للمبالغة { بريح طيبة } لينة الهبوب لا عاصفة ولا ضعيفة { ~~وفرحوا بها } بتلك الريح للينها واستقامتها { جاءتها } أي ~~الفلك أو الريح الطيبة أي تلقتها { ريح عاصف } ذات عصف أي شديدة ~~الهبوب { وجاءهم الموج } هو ما علا على الماء { من كل مكان ~~} من البحر أو من جميع أمكنة الموج { وظنوا أنهم أحيط ~~بهم } أهلكوا جعل إحاطة العدو بالحي مثلا في الإهلاك { دعوا ~~الله مخلصين له الدين } من غير إشراك به لأنهم لا يدعون ~~حينئذ معه غيره يقولون: { لئن أنجيتنا من هذه } الأهوال ~~أو من هذه الريح { لنكونن من الشكرين } لنعمتك مؤمنين بك ~~متمسكين بطاعتك، ولم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ولكن ~~مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد { حتى } بما في حيزها كأنه قيل: يسيركم ~~حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم ~~الأمواج والظن بالهلاك والدعاء بالإنجاء، وجواب: { إذا } { جاءتها } و { ~~دعوا } بدل من { ظنوا } لأن دعاءهم من لوازم ظنهم للهلاك فهو ملتبس به ### || [10.23-24] # { فلما أنجاهم إذا هم يبغون فى الأرض } يفسدون فيها ~~{ بغير الحق } باطلا أي مبطلين { يأيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم } أي ظلمكم يرجع إليكم كقوله # من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها # [فصلت: 46] { متاع الحيوة الدنيا } حفص أي تتمتعون متاع ~~الحياة الدنيا { وعلى أنفسكم } خبر ل { بغيكم }. غيره بالرفع على أنه ~~خبر { بغيكم } و { على أنفسكم } صلته كقوله # فبغى عليهم # )القصص:76) ومعناه إنما ms0558 بغيكم على أمثالكم، أو هو خبر و { متاع } خبر ~~بعد خبر أو { متاع } خبر مبتدأ مضمر أي هو متاع الحياة الدنيا، وفي ~~الحديث # " أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين ~~الفاجرة " # وروي # " ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي وعن محمد ~~بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر. قال الله تعالى: # إنما بغيكم على أنفسكم ولا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله ومن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه # [الفتح:10] { ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم ~~تعملون } فنخبركم به ونجازيكم عليه # { إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء } من السحاب { فاختلط به } بالماء { نبات الأرض } ~~أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا { مما يأكل الناس } يعني ~~الحبوب والثمار والبقول { والأنعم } يعني الحشيش { حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها } زينتها بالنبات واختلاف ألوانه { ~~وازينت } وتزينت به وهو أصله وأدغمت التاء في الزاي وهو كلام ~~فصيح، جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب ~~الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين { وظن ~~أهلها } أهل الأرض { أنهم قادرون عليها } متمكنون من ~~منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها { أتاها أمرنا } عذابنا وهو ~~ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم { ليلا أو ~~نهارا فجعلناها } فجعلناها زرعا { حصيدا } شبيها بما يحصد ~~من الزرع في قطعه واستئصاله { كأن لم تغن } كأن لم يغن زرعها أي ~~لم يلبث، حذف المضاف في هذه المواضع لا بد منه ليستقيم المعنى { ~~بالأمس } هو مقل في الوقت القريب كأنه قيل { كأن لم تغن } آنفا { ~~كذلك نفصل الآيت لقوم يتفكرون } فينتفعون بضرب ~~الأمثال، وهذا من التشبيه المركب شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض ~~نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعدما التف ~~وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه. وحكمة التشبيه، التنبيه على أن الحياة ~~صفوها شبيبتها وكدرها شيبتها كما أن صفو الماء في أعلى ms0559 الإناء قال # ألم تر أن العمر كأس سلافة # فأوله صفو وآخره كدر # وحقيقته تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على ~~اختلاف التلوين، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس، ورياحين الروح، وزهرة ~~الزهد، وكروم الكرم، وحبوب الحب، وحدائق الحقيقة، وشقائق الطريقة، ~~والخبيثة تخرج خلاف الخلف، وثمام الاسم، وشوك الشرك، وشيح الشح، وحطب ~~العطب، ولعاع اللعب، ثم يدعوه معاده كما يحين للحرث حصاده فتزايله الحياة ~~مغترا كما يهيج النبات مصفرا فتغيب جثة في الرمس كأن لم تغن بالأمس إلى ~~أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث، وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع ~~قليله ويهلك كثيره، ولا بد من ترك ما زاد كما لا بد من أخذ الزاد، وآخذ ~~المال لايخلو من زلة، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة، وجمعه وإمساكه ~~تلف صاحبه، وإهلاكه فما دون النصاب كضحضاح ماء يجاوز بلا احتماء، والنصاب ~~كنهر حائل بين المجتاز. والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي ~~الزكاة، وعمارتها بذل الصلات، فمتى اختلت القنطرة غرقته أمواج القناطير ~~المقنطرة، وعن هذا قال عليه السلام: # " الزكاة قنطرة الإسلام " # وكذا المال يساعد الأوغاد دون الأمجاد كما أن الماء يجتمع في الوهاد دون ~~النجاد، وكذلك الماء لا يجتمع إلا بكد البخيل كما أن الماء لا يجتمع إلا ~~بسد المسيل، ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف. ### || [10.25] # { والله يدعوا إلى دار السلم } هي الجنة أضافها إلى ~~اسمه تعظيما لها، أو السلام السلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه. ~~وقيل: لفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم # إلا قيلا سلاما سلاما # [الواقعة:26] { ويهدى من يشاء } ويوفق من يشاء { إلى صرط ~~مستقيم } إلى الإسلام أو طريق السنة، فالدعوة عامة على لسان رسول ~~الله بالدلالة، والهداية خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية، والمعنى ~~يدعو العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون ### || [10.26-27] # { للذين أحسنوا } آمنوا بالله ورسله { الحسنى } المثوبة ~~الحسنى وهي الجنة { وزيادة } رؤية الرب عز وجل كذا عن أبي بكر ~~وحذيفة وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعبادة ms0560 بن الصامت رضي الله عنهم، وفي ~~بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى. وعن ~~صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دخل أهل الجنة يقول الله تبارك وتعالى: أتريدون شيئا أزيدكم؟ ~~فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: ~~فنرفع الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر ~~إلى ربهم " # ثم تلا { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } والعجب من صاحب الكشاف أنه ذكر ~~هذا الحديث لا بهذه العبارة وقال: إنه حديث مدفوع مع أنه مرفوع قد أورده ~~صاحب المصابيح في الصحاح. وقيل: الزيادة المحبة في قلوب العباد. وقيل: ~~الزيادة مغفرة من الله ورضوان { ولا يرهق وجوههم } ولا يغشى ~~وجوههم { قتر } غبرة فيها سواد { ولا ذلة } ولا أثر هوان، ~~والمعنى ولا يرهقهم ما يرهق أهل النار { أولئك أصحب ~~الجنة هم فيها خلدون } { والذين كسبوا } عطف ~~على { للذين أحسنوا } أي وللذين كسبوا { السيئات } فنون الشرك { ~~جزاء سيئة بمثلها } الباء زائدة كقوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40] أو التقدير جزاء سيئة مقدر بمثلها { وترهقهم ذلة ~~} ذل وهوان { ما لهم من الله } من عقابه { من عاصم } أي لا ~~يعصمهم أحد من سخطه وعقابه { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل ~~مظلما } أي جعل عليها غطاء من سواد الليل أي هم سود الوجوه. و { قطعا } ~~جمع قطعة وهو مفعول ثان { أغشيت }. قطعا مكي وعلي من قوله # بقطع من اليل # [هود: 81] وعلى هذه القراءة { مظلما } صفة لقطع، وعلى الأول حال من { ~~الليل } والعامل فيه { أغشيت } لأن { من الليل } صفة ل { قطعا } فكان ~~إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة، أو معنى الفعل في { من الليل } { ~~أولئك أصحب النار هم فيها خلدون. } ### || [10.28-30] # { ويوم نحشرهم } أي الكفار وغيرهم { جميعا } حال { ثم ~~نقول للذين أشركوا مكانكم } أي الزموا مكانكم لا ~~تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم { أنتم } أكد به الضمير في { مكانكم } ~~لسده مسد قوله الزموا { وشركاؤكم } عطف عليه { فزيلنا } ~~ففرقنا { بينهم } وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم ms0561 في ~~الدنيا { وقال شركاؤهم } من عبدوه من دون الله من أولي العقل أو ~~الأصنام ينطقها الله عز وجل { ما كنتم إيانا تعبدون } إنما ~~كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا الله أندادا فأطعتموهم وهو ~~قوله: { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملئكة ~~أهؤلاء إياكم } إلى قوله: # بل كانوا يعبدون الجن ) # سبأ:41) { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } أي كفى ~~الله شهيدا وهو تمييز { إن كنا عن عبادتكم لغفلين } ~~{ إن } مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية { هنالك } ~~في ذلك المكان أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان { ~~تبلوا كل نفس } تختبر وتذوق { ما أسلفت } من العمل ~~فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن، أنافع أم ضار، أمقبول أم مردود، وقال الزجاج: ~~تعلم كل نفس ما قدمت. { تتلو } حمزة وعلي، أي تتبع ما أسلفت لأن عمله هو ~~الذي يهديه إلى طريق الجنة أو النار، أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير ~~أو شر، كذا على الأخفش { وردوا إلى الله مولهم الحق ~~} ربهم الصادق في ربوبيته لأنهم كانوا يتلون ما ليس لربوبيته حقيقة، أو ~~الذي يتولى حسابهم وثوابهم العدل الذي لا يظلم أحدا { وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله، ~~أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة. ### || [10.31-33] # { قل من يرزقكم من السماء } بالمطر { والأرض } بالنبات ~~{ أمن يملك السمع والأبصر } من يستطيع خلقهما وتسويتهما ~~على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة، أومن يحميهما من الآفات مع ~~كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء { ومن يخرج ~~الحى من الميت ويخرج الميت من الحى } أي الحيوان ~~والفرخ والزرع، والمؤمن والعالم من النطفة، والبيضة والحب والكافر ~~والجاهل وعكسها { ومن يدبر الأمر } ومن يلي تدبير أمر العالم ~~كله جاء بالعموم بعد الخصوص { فسيقولون الله } فسيجيبونك عند ~~سؤالك إن القادر على هذه هو الله { فقل أفلا تتقون } الشرك في ~~العبودية إذ اعترفتم بالربوبية { فذلكم الله } أي من هذه قدرته ~~هو الله { ربكم الحق } الثابت ms0562 ربوبيته ثباتا لا ريب فيه لمن ~~حقق النظر { فماذا بعد الحق إلا الضلال } أي لا واسطة ~~بين الحق والضلال، فمن تخطى الحق وقع في الضلال { فأنى تصرفون ~~} عن الحق إلى الضلال وعن التوحيد إلى الشرك { كذلك } مثل ذلك الحق { ~~حقت كلمت ربك } { كلمات } شامي ومدني، أي كما حق وثبت أن ~~الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك حقت كلمة ربك { ~~على الذين فسقوا } تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه ~~{ أنهم لا يؤمنون } بدل من «الكلمة» أي حق عليهم انتفاء ~~الإيمان، أو حق عليهم كلمة الله أن إيمانهم غير كائن، أو أراد بالكلمة ~~العدة بالعذاب أنهم لا يؤمنون تعليل أي لأنهم لا يؤمنون ### || [10.34-35] # { قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده } إنما ذكر { ثم يعيده } وهم غير مقرين بالإعادة، لأنه لظهور ~~برهانها جعل أمرا مسلما على أن فيهم من يقر بالإعادة أو يحتمل إعادة ~~غير البشر كإعادة الليل والنهار وإعادة الإنزال والنبات { قل الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده } أمر نبيه بأن ينوب عنهم في الجواب ~~يعني أنهم لا تدعهم مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلهم عنهم { ~~فأنى تؤفكون } فكيف تصرفون عن قصد السبيل. # { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق } يرشد إليه ~~{ قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى } يقال هداه ~~للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين ويقال هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال ~~شرى بمعنى اشترى، ومنه قراءة حمزة وعلي { أمن لا يهدي } بمعنى يهتدي { لا ~~يهدى } بفتح الياء والهاء وتشديد الدال: مكي وشامي وورش، وبإشمام ~~الهاء فتحة: أبو عمرو، وبكسر الهاء وفتح الياء: عاصم غير يحيى، والأصل { ~~يهتدي } وهي قراءة عبد الله فأدغمت التاء في الدال وفتحت الهاء بحركة ~~التاء وكسرت لالتقاء الساكنين، وبكسر الياء والهاء وتشديد الدال: يحيى ~~لاتباع ما بعدها وبسكون الهاء وتشديد الدال مدني غير ورش، والمعنى أن ~~الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في ms0563 المكلفين من العقول وأعطاهم من ~~التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وبما وفقهم وألهمهم ووقفهم على ~~الشرائع بإرسال الرسل، فهل من شركائكم - الذين جعلتم أندادا لله - أحد ~~يهدي إلى الحق مثل هداية الله؟ ثم قال: { أفمن يهدي إلى الحق أحق } ~~بالاتباع أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه أولا يهدي غيره إلا أن يهديه ~~الله. وقيل: معناه أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا ~~أن يهدي إلا أن ينقل، أولا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله ~~من حاله إلى أن يجعله حيا ناطقا فيهديه { فما لكم كيف ~~تحكمون } بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد الله ### || [10.36-39] # { وما يتبع أكثرهم } في قولهم للأصنام إنها آلهة وإنها ~~شفعاء عند الله والمراد بالأكثر الجميع { إلا ظنا } بغير دليل وهو ~~اقتداؤهم بأسلافهم ظنا منهم إنهم مصيبون { إن الظن لا يغني ~~من الحق } وهو العلم { شيئا } في موضع المصدر أي إغناء { إن ~~الله عليم بما يفعلون } من اتباع الظن وترك الحق. # { وما كان هذا القرءان أن يفترى من دون الله } ~~أي افتراء من دون الله، والمعنى وما صح وما استقام أن يكون مثله في علو ~~أمره وإعجازه مفترى { ولكن } كان { تصديق الذى بين ~~يديه } وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة { وتفصيل الكتاب } ~~وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع من قوله # كتاب الله عليكم { # [النساء: 24] { لا ريب فيه من رب العلمين } داخل في ~~حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقا وتفصيلا منتفيا عنه الريب ~~كائنا من رب العالمين، ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقا من رب العالمين ~~وتفصيلا منه لا ريب في ذلك، فيكون { من رب العالمين } متعلقا ب { ~~تصديق } و { تفصيل } ويكون { لا ريب فيه } اعتراضا كما تقول «زيد لا شك ~~فيه كريم» { أم يقولون افتراه } بل أيقولون اختلقه { قل } إن ~~كان الأمر كما تزعمون { فأتوا } أنتم على وجه الافتراء { بسورة ~~مثله } أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية { ~~وادعوا من استطعتم ms0564 من دون الله } أي وادعوا من دون ~~الله من استطعتم من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله { إن كنتم ~~صدقين } أنه افتراء { بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله } بل سارعوا إلى التكذيب ~~بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن ~~يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم ~~وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم. ومعنى التوقع في { ولما يأتهم تأويله } ~~أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليدا للآباء، ~~وكذبوه بعد التدبر تمردا وعنادا، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم ~~به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرر ~~عليهم التحدي وجربوا قواهم في المعارضة وعرفوا عجزهم عن مثله فكذبوا به ~~بغيا وحسدا. # { كذلك } مثل ذلك التكذيب { كذب الذين من قبلهم } ~~يعني كفار الأمم الماضية كذبوا رسلهم قبل النظر في معجزاتهم وقبل تدبرها ~~عنادا وتقليدا للآباء، ويجوز أن يكون معنى { ولما يأتهم تأويله } ولم ~~يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته حتى يتبين لهم أهو ~~كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما ~~فيه من الإخبار بالغيوب فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه ~~وبلوغه حد الإعجاز وقبل أن يجربوا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه { ~~فانظر كيف كان عقبة الظلمين } ### || [10.40-42] # { ومنهم من يؤمن به } بالنبي أو بالقرآن أي يصدق به فيه ~~نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند بالتكذيب { ومنهم من لا يؤمن ~~به } لا يصدق به ويشك فيه، أو يكون للاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ~~ومنهم من سيصر { وربك أعلم بالمفسدين } بالمعاندين أو ~~المصرين { وإن كذبوك } وإن تموا على تكذيبك ويئست من إجابتهم { ~~فقل لي عملي } جزاء عملي { ولكم عملكم } جزاء أعمالكم { ~~أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون ~~} فكل مؤاخد بعمله { ومنهم من يستمعون إليك } ومنهم ناس ~~يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعملت الشرائع ولكنهم لا يعون ولا يقبلون ms0565 ~~فهم كالصم { أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون } أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم ~~عقولهم، لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت، ~~فإذا اجتمع سلب العقل والسمع فقد تم الأمر. ### || [10.43-46] # { ومنهم من ينظر إليك } ومنهم ناس ينظرون إليك ويعاينون ~~أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يصدقون { أفأنت تهدى ~~العمى ولو كانوا لا يبصرون } أتحسب أنك تقدر على هداية ~~العمي ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي له في قلبه ~~بصيرة قد يحدس، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء يعني أنهم في اليأس من ~~أن يقبلوا ويصدقوا كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر { إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون } { ولكن الناس } حمزة وعلي. أي لم يظلمهم بسلب آلة ~~الاستدلال ولكنهم ظلموا أنفسهم بترك الاستدلال حيث عبدوا جمادا وهم ~~أحياء { ويوم يحشرهم } وبالياء: حفص { كأن لم يلبثوا ~~إلا ساعة من النهار } استقصروا مدة لبثهم في الدنيا أو في ~~قبورهم لهول ما يرون { يتعارفون بينهم } يعرف بعضهم بعضا ~~كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا وذلك عند خروجهم من القبور، ثم ينقطع ~~التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم { كأن لم يلبثوا } حال من «هم» أي نحشرهم ~~مشبهين بمن لم يلبثوا إلا ساعة. و«كأن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي ~~كأنهم. و { يتعارفون بينهم } حال بعد حال، أو مستأنف على تقديرهم ~~يتعارفون بينهم { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ~~على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هي شهادة من الله على ~~خسرانهم، والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر { وما ~~كانوا مهتدين } للتجارة عارفين بها وهو استئناف فهي معنى التعجب ~~كأنه قيل ما أخسرهم { وإما نرينك بعض الذى نعدهم } ~~من العذاب { أو نتوفينك } قبل عذابهم { فإلينا ~~مرجعهم } جواب { نتوفينك } وجواب { نرينك } محذوف أي وإما نرينك ~~بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في ~~الآخرة { ثم الله شهيد ms0566 على ما يفعلون } ذكرت الشهادة ~~والمراد مقتضاها وهو العقاب كأنه قيل: ثم الله معاقب على ما يفعلون. ~~وقيل: «ثم» هنا بمعنى «الواو». ### || [10.47-50] # { ولكل أمة رسول } يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ويدعوهم ~~إلى دين الحق { فإذا جاء رسولهم } بالبينات فكذبوه ولم يتبعوه { ~~قضى بينهم } بين النبي ومكذبيه { بالقسط } بالعدل فأنجى ~~الرسول وعذب المكذبين، أو لكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه ~~وتدعى به فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم ~~بالقسط { وهم لا يظلمون } لا يعذب أحد بغير ذنبه. ولما قال { ~~وإما نرينك بعض الذي نعدهم } أي من العذاب استعجلوا لما وعدوا من العذاب ~~نزل { ويقولون متى هذا الوعد } أي وعد العذاب { إن ~~كنتم صدقين } أن العذاب نازل وهو خطاب منهم للنبي والمؤمنين { ~~قل } يا محمد { لا أملك لنفسي ضرا } من مرض أو فقر { ولا ~~نفعا } من صحة أو غنى { إلا ما شاء الله } استثناء منقطع أي ~~ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب { لكل ~~أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون } لكل أمة وقت معلوم للعذاب مكتوب في اللوح فإذا ~~جاء وقت عذابهم لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون فلا تستعجلوا { قل ~~أرءيتم إن أتاكم عذابه } الذي تستعجلونه { بياتا } نصب ~~على الظرف أي وقت بيات وهو الليل وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون { أو ~~نهارا } وأنتم مشتغلون بطلب المعاش والكسب { ماذا يستعجل ~~منه المجرمون } أي من العذاب، والمعنى أن العذاب كله مكروه موجب ~~للنفور فأي شيء تستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟ والاستفهام في ~~{ ماذا } يتعلق ب { أرأيتم } لأن المعنى أخبروني ماذا يستعجل منه ~~المجرمون. وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ ~~فيه. ولم يقل «ماذا يستعجلون منه» لأنه أريدت الدلالة على موجب ترك ~~الاستعجال وهو الإجرام، أو { ماذا يستعجل منه المجرمون } جواب الشرط نحو ~~«إن أتيتك ماذا تطعمني» ثم تتعلق الجملة ب { أرأيتم } أو ### || [10.51-54] # { أثم إذا ما وقع } العذاب { ءامنتم به ms0567 } جواب الشرط و { ~~ماذا يستعجل منه المجرمون } اعتراض. والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد ~~وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان. ودخول حرف الاستفهام على « ثم» كدخوله على ~~«الواو» و«الفاء» في { أفأمن أهل القرى } { أو أمن أهل القرى } { ~~الئن } على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب آلآن ~~آمنتم به { وقد كنتم به تستعجلون } أي بالعذاب تكذيبا ~~واستهزاء. { آلان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام: ~~نافع { ثم قيل للذين ظلموا } عطف على «قيل» المضمر قبل { ~~الآن } { ذوقوا عذاب الخلد } أي الدوام { هل تجزون ~~إلا بما كنتم تكسبون } من الشرك والتكذيب. # { ويستنبئونك } ويستخبرونك فيقولون { أحق هو } وهو ~~استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء والضمير للعذاب الموعود { قل } يا ~~محمد { إى وربي } نعم والله { إنه لحق } إن العذاب كائن لا ~~محالة { وما أنتم بمعجزين } بفائتين العذاب وهو لاحق بكم لا ~~محالة { ولو أن لكل نفس ظلمت } كفرت وأشركت وهو صفة ل { ~~نفس } أي ولو أن لكل نفس ظالمة { ما فى الأرض } في الدنيا اليوم من ~~خزائنها وأموالها { لافتدت به } لجعلته فدية لها. يقال فداه ~~فافتدى، ويقال افتداه أيضا بمعنى فداه { وأسروا الندامة لما رأؤا ~~العذاب } وأظهروها من قولهم «أسر الشيء» إذا أظهره، أو أخفوها عجزا عن ~~النطق لشدة الأمر فأسر من الأضداد { وقضى بينهم بالقسط } ~~بين الظالمين والمظلومين دل عل ذلك ذكر الظلم { وهم لا يظلمون } ~~ثم أتبع ذلك الإعلام بأن له الملك كله بقوله ### || [10.55-58] # { ألا إن لله ما فى السموت والأرض } فكيف يقبل ~~الفداء، وأنه المثيب المعاقب وما وعده من الثواب أو العقاب فهو حق لقوله: ~~{ ألا إن وعد الله } بالثواب أو بالعذاب { حق } كائن { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون هو يحى ويميت } هو ~~القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره { وإليه ~~ترجعون } وإلى حسابه وجزائه المرجع فيخاف ويرجى { يأيها ~~الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } أي قد جاءكم كتاب ~~جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد، والموعظة التي تدعو إلى ~~كل مرغوب وتزجر عن ms0568 كل مرهوب، فما في القرآن من الأوامر والنواهي داع إلى ~~كل مرغوب وزاجر عن كل مرهوب إذ الأمر يقتضي حسن المأمور به فيكون مرغوبا ~~هو يقتضي النهي عن ضده وهو قبيح وعلى هذا النهي { وشفاء لما فى ~~الصدور } أي صدوركم من العقائد الفاسدة { وهدى } من الضلالة { ~~ورحمة للمؤمنين } لمن آمن به منكم. # { قل } يا محمد { بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا } أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك فليفرحوا، ~~والتكرير للتأكيد، والتقدير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما ~~عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء ~~داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، أو بفضل ~~الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا وهما كتاب الله والإسلام. في ~~الحديث # " من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين ~~عينيه إلى يوم يلقاه " # وقرأ الآية { هو خير مما يجمعون } وبالتاء شامي، { ~~فلتفرحوا } يعقوب ### || [10.59-60] # { قل أرءيتم } أخبروني { ما أنزل الله لكم من رزق ~~} «ما» منصوب ب { أنزل } أو ب { أرأيتم } أي أخبرونيه # فجعلتم منه حراما وحلالا } فبعضتموه وقلتم هذا حلال ~~وهذا حرام كقوله { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا # [الأنعام: 139] نعم الأرزاق تخرج من الأرض ولكن لما نيطت أسبابها ~~بالسماء نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات، والشمس التي بها النضج ~~وينع الثمار، أضيف إنزالها إلى السماء { قل الله أذن لكم } ~~متعلق ب { أرأيتم } و { قل } تكرير للتوكيد، والمعنى أخبروني الله أذن ~~لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه { أم على الله ~~تفترون } أم أنتم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه، أو الهمزة ~~للإنكار و«أم» منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله تقريرا للإفتراء. ~~والآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط ~~فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان وإلا ~~فهو مفتر على الديان { وما ظن الذين يفترون على الله ~~الكذب } ينسبون ذلك إليه { يوم القيمة } منصوب ms0569 بالظن وهو ~~ظن واقع فيه أي أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم وهو يوم ~~الجزاء بالإحسان والإساءة وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره { إن الله ~~لذو فضل على الناس } حيث أنعم عليهم بالعمل ورحمهم بالوحي ~~وتعليم الحلال والحرام { ولكن أكثرهم لا يشكرون } هذه ~~النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه. ### || [10.61-64] # { وما تكون فى شأن } «ما» نافية والخطاب للنيي صلى الله عليه ~~وسلم والشأن الأمر { وما تتلوا منه } من التنزيل كأنه قيل: وما ~~تتلو من التنزيل { من قرءان } لأن كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل ~~الذكر تفخيم له أو من الله عز وجل { ولا تعملون } أنتم جميعا { ~~من عمل } أي عمل { إلا كنا عليكم شهودا } شاهدين ~~رقباء نحصي عليكم { إذ تفيضون فيه } تخوضون من أفاض في الأمر إذا ~~اندفع فيه { وما يعزب عن ربك } وما يبعد وما يغيب، وبكسر ~~الزاي: على حيث كان { من مثقال ذرة } وزن نملة صغيرة { في ~~الأرض ولا فى السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } ~~رفعهما حمزة على الابتداء والخبر { إلا فى كتب مبين } يعني ~~اللوح المحفوظ، ونصبهما غيره على نفي الجنس، وقدمت الأرض على السماء هنا ~~وفي «سبأ» قدمت السماوات، لأن العطف بالواو وحكمه حكم التثنية { ألا ~~إن أولياء الله } هم الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة، ~~أو هم الذين تولى الله هداهم بالبرهان الذي آتاهم فتولوا القيام بحقه ~~والرحمة لخلقه، أو هم المتحابون في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال ~~يتعاطونها، أوهم المؤمنون المتقون بدليل الآية الثانية { لا خوف ~~عليهم } إذا خاف الناس { ولا هم يحزنون } إذا حزن الناس { ~~الذين ءامنوا } منصوب بإضمار أعني أو لأنه صفة لأولياء، أو مرفوع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا { وكانوا يتقون } ~~الشرك والمعاصي { لهم البشرى في الحياة الدنيا } ما بشر ~~الله به المؤمنين المتقين في غير موضع من كتابه، وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له " # وعنه عليه السلام: # " ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ms0570 والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء ~~من النبوة " # وهذا لأن مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة، وكان في ستة أشهر منها يؤمر في ~~النوم بالإنذار، وستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءا، ~~أو هي محبة الناس له والذكر الحسن، أولهم البشرى عند النزع بأن يرى مكانه ~~في الجنة { وفي الآخرة } هي الجنة { لا تبديل لكلمات ~~الله } تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده { ذلك } إشارة إلى كونهم ~~مبشرين في الدارين { هو الفوز العظيم } وكلتا الجملتين اعتراض، ~~ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام كما تقول «فلان ينطق بالحق والحق ~~أبلج»وتسكت. ### || [10.65-66] # { ولا يحزنك قولهم } تكذيبهم وتهديدهم وتشاورهم في تدبير ~~هلاكك وإبطال أمرك { إن العزة } استئناف بمعنى التعليل كأنه قيل: ~~مالي لا أحزن؟ فقيل: إن العزة { لله } إن الغلبة والقهر في ملكة الله ~~جميعا لا يملك أحد شيئا منهما، لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك ~~عليهم # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # [المجادلة:21] # إنا لننصر رسلنا # [غافر:51] أو به يتعزز كل عزيز فهو يعزك ودينك وأهلك، والوقف لازم على { ~~قولهم } لئلا يصير { إن العزة } مقول الكفار { جميعا } حال { هو ~~السميع } لما يقولون { العليم } بما يدبرون ويعزمون عليه وهو ~~مكافئهم بذلك { ألا إن لله من فى السموت ومن فى ~~الأرض } يعني العقلاء وهم الملائكة والثقلان، وخصهم ليؤذن أن هؤلاء ~~إذا كانوا له وفي ملكته ولا يصلح أحد منهم للربوبية ولا أن يكون شريكا ~~له فيها، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له ندا وشريكا { وما ~~يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } «ما» نافية ~~أي وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء لأن شركة الله في ~~الربوبية محال { إن يتبعون إلا الظن } إلا ظنهم أنهم شركاء ~~الله { وإن هم إلا يخرصون } يحزرون ويقدرون أن تكون شركاء ~~تقديرا باطلا، أو استفهامية أي وأي شيء يتبعون و { شركاء } على هذا نصب ~~ب { يدعون } وعلى الأول ب { يتبع } وكان حقه وما يتبع الذين يدعون من ~~دون الله شركاء شركاء، ms0571 فاقتصر على أحدهما للدلالة والمحذوف مفعول { يدعون ~~} أو موصولة معطوفة على { من } كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من ~~دون الله شركاء أي وله شركاؤهم. # ثم نبه على عظيم قدرته وشمول نعمته على عباده بقوله ### || [10.67-69] # { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } أي جعل ~~لكم الليل مظلما لتستريحوا فيه من تعب التردد في النهار { والنهار ~~مبصرا } مضيئا لتبصروا فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم { إن فى ~~ذلك لآيت لقوم يسمعون } سماع مذكر معتبر { قالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحنه } تنزيه له عن اتخاذ الولد وتعجب ~~من كلمتهم الحمقاء { هو الغني } علة لنفي الولد لأنه إنما يطلب ~~الولد ضعيف ليتقوى به، أو فقير ليستعين به، أو ذليل ليتشرف به، والكل ~~أمارة الحاجة فمن كان غنيا غير محتاج كان الولد عنه منفيا، ولأن الولد ~~بعض الوالد فيستدعي أن يكون مركبا، وكل مركب ممكن، وكل ممكن يحتاج إلى ~~الغير فكان حادثا فاستحال القديم أن يكون له ولد { له ما في ~~السموات وما في الأرض } ملكا ولا تجتمع النبوة معه { إن ~~عندكم من سلطان بهذا } ما عندكم من حجة بهذا القول، والباء ~~حقها أن تتعلق بقوله { إن عندكم } على أن يجعل القول مكانا ل { سلطان } ~~كقولك «ما عندكم بأرضكم موز» كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان، ولما ~~نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين فقال: { أتقولون على الله ~~ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله ~~الكذب } بإضافة الولد إليه { لا يفلحون } لا ينجون من النار ~~ولا يفوزون بالجنة. ### || [10.70-72] # { متع فى الدنيا } أي افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا حيث ~~يقيمون به رياستهم في الكفر ومناصبة النبي صلى الله عليه وسلم بالتظاهر ~~به { ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب ~~الشديد } المخلد # { بما كانوا يكفرون } بكفرهم. # { واتل عليهم } واقرأ عليهم { نبأ نوح } خبره مع قومه ~~والوقف عليه لازم إذ لو وصل لصار «إذ» ظرفا لقوله { واتل } بل التقدير ~~واذكر { إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم } ~~عظم وثقل كقوله # وإنها لكبيرة إلا على ms0572 الخشعين { # [البقرة: 45] { مقامى } مكاني يعني نفسه كقوله # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] أي خاف ربه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، أو مقامي { وتذكيرى بآيات الله } هم كانوا إذا وعظوا ~~الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بينا وكلامهم مسموعا { ~~فعلى الله توكلت } أي فوضت أمري إليه { فأجمعوا ~~أمركم } من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه { وشركاءكم } الواو ~~بمعنى «مع» أي فأجمعوا أمركم مع شركائكم { ثم لا يكن أمركم ~~عليكم غمة } أي غما عليكم وهما والغم والغمة كالكرب والكربة، ~~أو ملتبسا في خفية. والغمة السترة من غمه إذا ستره ومنه الحديث # " لاغمة في فرائض الله " # أي لا تستر ولكن يجاهر بها، والمعنى ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورا ~~عليكم ولكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني به { ثم اقضوا إلي } ذلك ~~الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إلى ما هو حق عندكم من هلاكي كما يقضي ~~الرجل غريمه، أو اصنعوا ما أمكنكم { ولا تنظرون } ولا تمهلوني { ~~فإن توليتم } فإن أعرضتم عن تذكيري ونصحي { فما سألتكم ~~من أجر } فأوجب التولي، أو فما سألتكم من أجر ففاتني ذلك بتوليكم { ~~إن أجرى إلا على الله } وهو الثواب الذي يثيبني به في ~~الآخرة أي ما نصحتكم إلا لله لا لغرض من أغراض، الدنيا وفيه دلالة منع ~~أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم الديني { وأمرت أن أكون ~~من المسلمين } من المستسلمين لأوامره ونواهيه { إن أجري } ~~بالفتح: مدني وشامي وأبو عمرو وحفص. ### || [10.73-76] # { فكذبوه } فداموا على تكذيبه { فنجينه } من الغرق { ~~ومن معه فى الفلك } في السفينة { وجعلناهم خلائف } ~~يخلفون الهالكين بالغرق { وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآيتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } هو ~~تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~مثله وتسلية له. # { ثم بعثنا من بعده } من بعد نوح عليه السلام { رسلا ~~إلى قومهم } أي هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعبا { ~~فجآءوهم بالبينت } بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم { فما ~~كانوا ليؤمنوا } فأصروا على الكفر بعد المجيء { بما ~~كذبوا به من ms0573 قبل } من قبل مجيئهم، يريد أنهم كانوا قبل بعثة ~~الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل ~~وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد { كذلك نطبع } من ذلك الطبع نختم { ~~على قلوب المعتدين } المجاوزين الحد في التكذيب { ثم ~~بعثنا من بعدهم } من بعد الرسل { موسى وهرون إلى ~~فرعون وملإيه بئايتنا } بالآيات التسع { ~~فاستكبروا } عن قبولها وأعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم ~~بعد تبينها ويتعظموا عن قبولها { وكانوا قوما مجرمين } ~~كفارا ذوي آثام عظام فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا على ردها { فلما ~~جاءهم الحق من عندنا } فلما عرفوا أنه هو الحق وأنه من عند ~~الله { قالوا } لحبهم الشهوات { إن هذا لسحر مبين } ~~وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من السحر. ### || [10.77-83] # { قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم } هو إنكار ~~ومقولهم محذوف أي هذا سحر، ثم استأنف إنكارا آخر فقال: { أسحر ~~هذا } خبر ومبتدأ { ولا يفلح السحرون } أي لا يظفر. # { قالوا أجئتنا لتلفتنا } لتصرفنا { عما وجدنا ~~عليه ءاباءنا } من عبادة الأصنام أو عبادة فرعون { وتكون ~~لكما الكبرياء } أي الملك لأن الملوك موصوفون بالكبرياء والعظمة ~~والعلو { فى الأرض } أرض مصر { وما نحن لكما بمؤمنين } ~~بمصدقين فيما جئتما به { ويكن } حماد ويحيى { وقال فرعون ~~ائتونى بكل سحر عليم } { سحار } حمزة وعلي { فلما ~~جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ~~ملقون فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به ~~السحر } «ما» موصولة واقعة مبتدأ، أو { جئتم به } صلتها و { السحر } ~~خبر أي الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحرا من آيات ~~الله. { آلسحر } بعد وقف: أبو عمرو على الاستفهام، فعلى هذه القراءة «ما» ~~استفهامية أي أي شيء جئتم به أهو السحر { إن الله سيبطله } ~~يظهر بطلانه { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } ~~لايثبته بل يدمره { ويحق الله الحق } ويثبته { ~~بكلمته } بأوامره وقضاياه أو يظهر الإسلام بعداته بالنصرة { ~~ولو كره المجرمون } ذلك { فما ءامن لموسى } في أول ~~أوامره { إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون } ~~إلا طائفة ms0574 من ذراري بني إسرائيل كأنه قيل: إلا أولاد من أولاد قومه، وذلك ~~أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع ~~الخوف، أو الضمير في { قومه } لفرعون والذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته ~~وخازنه وامرأة خازنة وماشطته والضمير في { وملإيهم } يرجع إلى فرعون ~~بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو ~~إلى الذرية أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا ~~يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم دليله قوله { أن ~~يفتنهم } يريد أن يعذبهم فرعون { وإن فرعون لعال في ~~الأرض } لغالب فيها قاهر { وإنه لمن المسرفين } في ~~الظلم والفساد وفي الكبر والعتو بادعائه الربوبية. ### || [10.84-87] # { وقال موسى يقوم إن كنتم ءامنتم بالله } صدقتم ~~به وبآياته { فعليه توكلوا } فإليه أسندوا أمركم في العصمة من ~~فرعون { إن كنتم مسلمين } شرط في التوكل الإسلام وهو أن يسلموا ~~نفوسهم لله أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظ للشيطان فيها، لأن التوكل لا ~~يكون مع التخليط { فقالوا على الله توكلنا } إنما قالوا ~~ذلك لأن القوم كانوا مخلصين، لاجرم أن الله قبل توكلهم وأجاب دعاءهم ~~ونجاهم، وأهلك من كانوا يخافونه وجعلهم خلفاء في أرضه، فمن أراد أن يصلح ~~للتوكل على ربه فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للقوم الظلمين } موضع فتنة لهم أي عذاب ~~يعذبوننا أو يفتنوننا عن ديننا أي يضلوننا والفاتن المضل عن الحق { ~~ونجنا برحمتك من القوم الكفرين } أي من تعذيبهم ~~وتسخيرهم { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا } تبوأ المكان اتخذه مباءة كقوله ~~«توطنه» إذا اتخذه وطنا، والمعنى اجعلا بمصر بيوتا من بيوته مباءة ~~لقومكما ومرجعا يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه { واجعلوا ~~بيوتكم قبلة } أي مساجد متوجهة نحو القبلة وهي الكعبة، وكان ~~موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة وكانوا في أول الأمر مأمورين بأن يصلوا في ~~بيوتهم في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم ~~كما كان المسلمون على ms0575 ذلك في أول الإسلام بمكة { وأقيموا ~~الصلوة } في بيوتكم حتى تأمنوا { وبشر المؤمنين } يا ~~موسى، ثنى الخطاب أولا ثم جمع ثم وحد آخرا لأن اختيار مواضع العبادة ~~مما يفوض إلى الأنبياء، ثم جمع لأن اتخاذ المساجد والصلاة فيها واجب على ~~الجمهور، وخص موسى عليه السلام بالبشارة تعظيما لها وللمبشر بها. ### || [10.88-89] # { وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه ~~زينة } هو ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك { ~~وأموالا } أي نقدا ونعما وضيعة { في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك } ليضلوا الناس عن طاعتك كوفي ولا وقف على { الدنيا } لأن قوله { ~~ليضلوا } متعلق ب { آتيت } و { ربنا } تكرار. الأول للإلحاح في التضرع. ~~قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله ~~آتاهم ما آتاهم ليضلوا عن سبيله وهو كقوله # إنما نملى لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178] فتكون الآية حجة على المعتزلة { ربنا اطمس ~~على أمولهم } أي أهلكها وأذهب آثارها لأنهم يستعينون بنعمتك على ~~معصيتك، والطمس المحو والهلاك. قيل: صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة ~~كهيئاتها منقوشة. وقيل وسائر أموالهم كذلك { واشدد على ~~قلوبهم } اطبع على قلوبهم واجعلها قاسية { فلا يؤمنوا } جواب ~~الدعاء الذي هو اشدد { حتى يروا العذاب الأليم } إلى أن ~~يروا العذاب الأليم وكان كذلك، فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرق، وكان ذلك ~~إيمان يأس فلم يقبل. وإنما دعا عليهم بهذا لما أيس من إيمانهم وعلم ~~بالوحي أنهم لا يؤمنون، فأما قبل أن يعلم بأنهم لا يؤمنون فلا يسع له أن ~~يدعو بهذا الدعاء لأنه أرسل إليهم ليدعوهم إلى الإيمان، وهو يدل على أن ~~الدعاء على الغير بالموت على الكفر لا يكون كفرا { قال قد أجيبت ~~دعوتكما } قيل كان موسى عليه السلام يدعو وهارون يؤمن فثبت أن ~~التأمين دعاء فكان إخفاؤه أولى، والمعنى أن كلمة واحدة مستجاب وما طلبتما ~~كائن ولكن في وقته { فاستقيما } فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة ~~والتبليغ { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } ولا ~~تتبعان طريق ms0576 الجهلة الذين لا يعلمون صدق الإجابة وحكمة الإمهال فقد كان ~~بين الدعاء والإجابة أربعون سنة. { ولا تتبعان } بتخفيف النون وكسرها ~~لالتقاء الساكنين تشبيها بنون التثنية: شامي، وخطأه بعضهم لأن النون ~~الخفيفة واجبة السكون. وقيل: هو إخبار عما يكونان عليه وليس بنهي، أو هو ~~حال وتقديره فاستقيما غير متبعين. ### || [10.90-91] # { وجاوزنا ببنى إسرءيل البحر } هو دليل لنا على خلف ~~الأفعال { فأتبعهم فرعون وجنوده } فلحقهم. يقال: تبعته ~~حتى أتبعته { بغيا } تطاولا { وعدوا } ظلما وانتصبا على الحال ~~أو على المفعول له { حتى إذا أدركه الغرق } ولا وقف عليه ~~لأن { قال ءامنت } جواب { إذا } - { أنه } - إنه حمزة وعلي على ~~الاستئناف بدل من { آمنت } وبالفتح غيرهما على حذف الباء التي هي صلة ~~الإيمان { لا إله إلا الذى ءامنت به بنوا إسرءيل ~~وأنا من المسلمين } وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد ~~حيث قال: { آمنت } ثم قال: { وأنا من المسلمين } كرر فرعون المعنى الواحد ~~ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصا على القبول ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته ~~وكانت المرة الواحدة تكفي في حالة الاختيار { الئن } أتؤمن الساعة في ~~وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك. قيل: قال ذلك حين ألجمه ~~الغرق والعامل فيه أتؤمن { وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين } من الضالين المضلين عن الإيمان. روي أن جبريل عليه ~~السلام أتاه بفتيا: ما قول الأميرفي عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفر ~~نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب فيه يقول أبو العباس الوليد بن ~~مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر فلما ~~ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه. ### || [10.92-94] # { فاليوم ننجيك } نلقيك بنجوة من الأرض فرماه الماء إلى الساحل ~~كأنه ثور { ببدنك } في موضع الحال أي الحال التي لا روح فيك وإنما ~~أنت بدن أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عريانا ~~لست إلا بدنا من غير لباس، أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها. وقرأ ~~أبو حنيفة رضي ms0577 الله عنه { بأبدانك } وهو مثل قولهم هو«بأجرامه» أي ببدنك ~~كله وافيا بأجزائه، أو بدروعك لأنه ظاهر بينها { لتكون لمن ~~خلفك ءاية } لمن وراءك من الناس علامة وهم بنو إسرائيل، وكان في ~~أنفسهم أن فرعون أعظم شأنا من أن يغرق. وقيل: أخبرهم موسى بهلاكه فلم ~~يصدقوه فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه. وقيل: { لمن خلفك } لمن يأتي ~~بعدك من القرون ومعنى كونه آية أن يظهر للناس عبوديته وأن ما كان يدعيه ~~من الربوبية محال، وأنه مع ما كان عليه من عظم الملك آل أمره إلى ما ترون ~~لعصيانه ربه فما الظن بغيره { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ~~ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق } منزلا صالحا مرضيا وهو مصر والشام ~~{ ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا } في دينهم { ~~حتى جاءهم العلم } أي التوراة وهم اختلفوا في تأويلها كما ~~اختلف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأويل الآيات من القرآن أو المراد ~~العلم بمحمد واختلاف بني إسرائيل وهم أهل الكتاب اختلافهم في صفته أنه هو ~~أم ليس هو بعد ما جاءهم العلم أنه هو { إن ربك يقضى بينهم ~~يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } يميز الحق ~~من المبطل ويجزي كلا جزاءه. # { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتب من قبلك } لما قدم ذكر بني إسرائيل - وهم ~~قراء الكتاب - ووصفهم بأن العلم قد جاءهم لأن أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكتوب في التوراة والإنجيل وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ~~أراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن وبصحة نبوته صلى الله عليه وسلم ويبالغ ~~في ذلك فقال: فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا، وسبيل من خالجته شبهة أن ~~يسارع إلى حلها بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته أو بمباحثة العلماء ~~فسل علماء أهل الكتاب فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون ~~لمراجعة مثلك فضلا عن غيرك. فالمراد وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ~~ما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصف رسول الله صلى ms0578 الله ~~عليه وسلم بالشك فيه ثم قال: { لقد جاءك الحق من ربك } أي ~~ثبت عندك بالآيات الواضحة والبراهين اللائحة أن ما أتاك هو الحق الذي لا ~~مجال فيه للشك { فلا تكونن من الممترين } الشاكين ولا وقف ~~عليه للعطف. ### || [10.95-96] # { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيت الله ~~فتكون من الخسرين } أي فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء ~~المرية عنك والتكذيب بآيات الله أو هو على طريقة التهييج والإلهاب كقوله # فلا تكونن ظهيرا للكفرين # [القصص:86] # ولا يصدنك عن ءايت الله بعد إذ أنزلت ~~إليك # [القصص:87] ولزيادة التثبيت والعصمة ولذلك قال عليه السلام عند نزوله: # " لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق " # أوخوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد أمته أي وإن كنتم في شك ~~مما أنزلنا إليكم كقوله # وأنزلنا إليكم نورا مبينا # [النساء: 174] أو الخطاب لكل سامع يجوز عليه الشك كقول العرب «إذا عز ~~أخوك فهن» أو «إن» للنفي أي فما كنت في شك فاسأل أي لا نأمرك بالسؤال ~~لأنك شاك ولكن لتزداد يقينا كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء ~~الموتى. فإن قلت: إنما يجيء «إن» للنفي إذا كان بعده «إلا» كقوله: # إن الكفرون إلا فى غرور # [الملك:20] قلت: ذاك غير لازم ألا ترى إلى قوله # إن أمسكهما من أحد من بعده # [فاطر:41] فإن للنفي وليس بعده «إلا» # { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك } ثبت عليهم قول ~~الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا أو قوله # لأملأن جهنم # الآية ولا وقف على { لا يؤمنون } لأن ### || [10.97-98] # ولو جاءتهم كل ءاية } تتعلق بما قبلها { حتى يروا ~~العذاب الأليم } أي عند اليأس فيؤمنون ولا ينفعهم، أو عند القيامة ~~ولا يقبل منهم { فلولا كانت قرية ءامنت } فهلا كانت قرية ~~واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة ~~ولم تؤخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بختفه { فنفعها إيمانها } ~~بأن يقبل الله منها بوقوعه في وقت الاختيار { إلا قوم يونس } ~~استثناء منقطع أي ms0579 ولكن قوم يونس، أو متصل والجملة في معنى النفي كأنه ~~قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل ~~الاستثناء { لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى ~~الحيوة الدنيا ومتعناهم إلى حين } إلى آجالهم. ~~روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم ~~مغاضبا، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح كلهم وعجوا أربعين ~~ليلة وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرقوا بين ~~النساء والصبيان والدواب وأولادها، فحن بعضهم إلى بعض وأظهروا الإيمان ~~والتوبة، فرحمهم وكشف عنهم - وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة - وبلغ من ~~توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل كان يقلع الحجر وقد وضع عليه أساس ~~بنيايه فيرده. وقيل: خرجوا لما نزل بهم العذاب إلى شيخ من بقية علمائهم ~~فقال لهم: قولوا ياحي حين لا حي، وياحي محيي الموتى، وياحي لا إله إلا ~~أنت. فقالوها فكشف الله عنهم. وعن الفضيل قدس الله روحه قالوا: اللهم إن ~~ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل ~~بنا ما نحن أهله. ### || [10.99-101] # { ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم } على وجه ~~الإحاطة والشمول { جميعا } مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه لا ~~يختلفون فيه، أخبر عن كمال قدرته ونفوذ مشيئته أنه لو شاء لآمن من في ~~الأرض كلهم ولكنه شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان به، وشاء ~~الكفر ممن علم أنه يحتار الكفر ولا يؤمن به. وقول المعتزلة: المراد ~~بالمشيئة مشيئة القسر والإلجاء أي لو خلق فيهم الإيمان جبرا لآمنوا لكن ~~قد شاء أن يؤمنوا اختيارا فلم يؤمنوا دليله { أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين } - أي ليس إليك مشيئة الإكراه ~~والجبر في الإيمان إنما ذلك إلي - فاسد لأن الإيمان فعل العبد وفعله ما ~~يحصل بقدرته ولا يتحقق ذلك بدون الاختيار. وتأويله عندنا أن الله تعالى ~~لطفا لو أعطاهم لآمنوا كلهم عن اختيار ولكن علم منهم أنهم لا يؤمنون فلم ~~يعطهم ذلك وهو ms0580 التوفيق. والاستفهام في { أفأنت } بمعنى النفي أي لا تملك ~~أنت يا محمد أن تكرههم على الإيمان لأنه يكون بالتصديق والإقرار ولا يمكن ~~الإكراه على التصديق. # { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } بمشيئته ~~أو بقضائه أو بتوفيقه وتسهيله أو بعلمه { ويجعل الرجس } أي ~~العذاب أو السخط أو الشيطان أي ويسلط الشيطان { على الذين لا ~~يعقلون } لا ينتفعون بعقولهم، { ونجعل } حماد ويحيى { قل ~~انظروا } نظر استدلال واعتبار { ماذا فى السموت والأرض ~~} من الآيات والعبر باختلاف الليل والنهار وخروج الزروع والثمار { وما ~~تغنى الآيت } «ما» نافيه { والنذر } والرسل المنذورون أو ~~الانذارات { عن قوم لا يؤمنون } لا يتوقع إيمانهم وهم الذين ~~لا يعقلون. ### || [10.102-105] # { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم } يعني وقائع الله فيهم كما يقال أيام العرب لوقائعها { قل ~~فانتظروا إنى معكم من المنتظرين ثم ننجى ~~رسلنا } معطوف على كلام محذوف يدل عليه { إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم } كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا على حكاية الأحوال الماضية { ~~والذين ءامنوا } ومن آمن معهم { كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين } أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين ~~و { حقا علينا } اعتراض أي حق ذلك علينا حقا. { ننجي } بالتخفيف: علي ~~وحفص. # { قل يأيها الناس } يا أهل مكة { إن كنتم فى شك من ~~دينى } وصحته وسداده فهذا ديني فاستمعوا وصفه، ثم وصف دينه قال: { ~~فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } أي الأصنام { ~~ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم } يميتكم، وصفه ~~بالتوفي ليريهم أنه الحقيق بأن يخاف ويتقي ويعبدون دون ما لا يقدر على ~~شيء { وأمرت أن أكون من المؤمنين } أي بأن أكون يعني ~~أن الله أمرني بذلك بما ركب في من العقل وبما أوحى إلي في كتابه { ~~وأن أقم وجهك للدين } أي وأوحى إلي أن أقم ليشاكل قوله أي ~~استقم مقبلا بوجهك على ما أمرك الله، أو استقم إليه ولا تلتفت يمينا ولا ~~شمالا { حنيفا } حال من الدين أو الوجه { ولا تكونن من ~~المشركين } ### || [10.106-108] # { ولا تدع ms0581 من دون الله مالا ينفعك } إن دعوته { ولا ~~يضرك } إن خذلته { فإن فعلت } فإن دعوت من دون الله ما لا ~~ينفعك ولا يضرك فكنى عنه بالفعل إيجازا { فإنك إذا من ~~الظلمين } «إذا» جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلا سأل عن ~~تبعة عبادة الأوثان، وجعل { من الظالمين } لأنه لا ظلم أعظم من الشرك. # { وإن يمسسك الله } يصبك { بضر } مرض { فلا كشف ~~له } لذلك الضر { إلا هو } إلا الله { وإن يردك بخير ~~} عافية { فلا راد لفضله } فلا راد لمراده { يصيب به } ~~بالخير { من يشاء من عباده } قطع بهذه الآية على عباده طريق ~~الرغبة والرهبة إلا إليه والاعتماد إلا عليه { وهو الغفور } ~~المكفر بالبلاء { الرحيم } المعافي بالعطاء، أتبع النهي عن عبادة ~~الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر أن الله هو الضار النافع الذي إن ~~أصابك بضر لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي ~~لا شعور به؟ وكذا إن أرادك بخير لم يرد أحد ما يريده بك من الفضل ~~والإحسان فكيف بالأوثان؟ وهو الحقيق إذا بأن توجه إليه العبادة دونها ~~وهو أبلغ من قوله # إن أرادنى الله بضر هل هن كشفت ضره أو ~~أرادنى برحمة هل هن ممسكت رحمته # [الزمر: 38] وإنما ذكر المس في أحدهما والإرادة في الآخر كأنه أراد أن ~~يذكر الأمرين: الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير، وأنه لاراد ~~لما يريد منهما ولا مزيل لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المس ~~وهو الإصابة في أحدهما والإرادة في الآخر ليدل بما ذكر على ما ترك على ~~أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله # يصيب به من يشاء من عباده # { قل ي أيها الناس } يا أهل مكة { قد جاءكم الحق } ~~القرآن أو الرسول { من ربكم فمن اهتدى } اختار الهدى واتبع ~~الحق { فإنما يهتدى لنفسه } فما نفع باختياره إلا لنفسه { ~~ومن ضل فإنما يضل عليها } ومن آثر الضلال فما ضر إلا ~~نفسه ودل اللام و«على» على معنى النفع والضرر { وما أنا عليكم ~~بوكيل ms0582 } بحفيظ موكول إلى أمركم إنما أنا بشير ونذير. ### || [10.109] # { واتبع ما يوحى إليك واصبر } على تكذيبهم وإيذائهم { ~~حتى يحكم الله } لك بالنصر عليهم والغلبة { وهو خير ~~الحكمين } لأنه المطلع على السرائر فلا يحتاج إلى بينة وشهود. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-3] # { الر كتاب } أي هذا كتاب فهو خبر مبتدأ محذوف { أحكمت ءايته } ~~صفة له أي نظمت نظما رصينا محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء ~~المحكم { ثم فصلت } كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد ~~والأحكام والمواعظ والقصص أو جعلت فصولا سورة سورة وآية وآية أو فرقت في ~~التنزيل ولم تنزل جملة، أو فصل فيها ما يحتاج إليه العباد أي بين ولخص. ~~وليس معنى « ثم» التراخي في الوقت ولكن في الحال { من لدن حكيم ~~خبير } صفة أخرى ل { كتاب } أو خبر بعد خبر أوصلة ل { أحكمت } و { ~~فصلت } أي من عنده أحكامها وتفصيلها { ألا تعبدوا إلا الله ~~} مفعول له أي لئلا تعبدوا أو «أن» مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول ~~كأنه قيل قال: لا تعبدوا إلا الله أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله { ~~إننى لكم منه نذير وبشير } أي من الله { وأن ~~استغفروا ربكم } أي أمركم بالتوحيد والاستغفار { ثم ~~توبوا إليه } أي استغفروه من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة { ~~يمتعكم متاعا حسنا } يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة ~~مرضية من عيشة واسعة ونعمة متتابعة { إلى أجل مسمى } إلى أن ~~يتوفاكم { ويؤت كل ذي فضل فضله } ويعط في الآخرة كل من ~~كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه شيئا { وإن ~~تولوا } وإن تتولوا { فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير } هو يوم القيامة. ### || [11.4-8] # { إلى الله مرجعكم } رجوعكم { وهو على كل شىء ~~قدير } فكان قادرا على إعادتكم { ألآ إنهم يثنون ~~صدورهم } يزورون عن الحق وينحرفون عنه لأن من أقبل على الشيء ~~استقبله بصدره ومن أزور عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه { ~~ليستخفوا منه } ليطلبوا الخفاء من الله فلا يطلع رسوله ~~والمؤمنون على ازورارهم ms0583 { ألا حين يستغشون ثيابهم } يتغطون ~~بها أي يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم كراهة لاستماع كلام الله ~~كقول نوح عليه السلام # جعلوا أصبعهم فى ءاذنهم واستغشوا ثيابهم # { يعلم ما يسرون وما يعلنون } أي لا تفاوت في علمه بين ~~إسرارهم وإعلانهم فلا وجه لتوصلهم لي ما يريدون من الاستخفاء والله مطلع ~~على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم ونفاقهم غير نافق عنده قيل نزلت في ~~المنافقين { إنه عليم بذات الصدور } بما فيها. # { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ~~تفضلا لا وجوبا { ويعلم مستقرها } مكانه من الأرض ومسكنه { ~~ومستودعها } حيث كان مودعا قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة ~~{ كل فى كتاب مبين } كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ~~ومستودعها في اللوح يعني ذكرها مكتوب فيه مبين { وهو الذى خلق ~~السموت والأرض } وما بينهما { في ستة أيام } من ~~الأحد إلى الجمعة تعليما للتأني { وكان عرشه على الماء } أي ~~فوقه يعني ما كان تحته خلق قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء، وفيه دليل ~~على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض. قيل بدأه ~~بخلق يا قوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء ثم خلق ريحا فأقر ~~الماء على متنه ثم وضع عرشه على الماء وفي وقوف العرش على الماء أعظم ~~اعتبار لأهل الأفكار { ليبلوكم } أي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما للمتحن فيهما ولم يخلق هذه الأشياء لأنفسها { أيكم أحسن ~~عملا } أكثر شكرا وعنه عليه السلام # " أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله فمن شكر وأطاع ~~أثابه ومن كفر وعصى عاقبه " # ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: { ليبلوكم } أي ليفعل بكم ما يفعل ~~المبتلي لأحوالكم كيف تعملون { ولئن قلت إنكم مبعوثون ~~من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين } أشار بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق ~~بالبعث فإذا جعلوا سحرا فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره { ~~ساحر } حمزة وعلي يريدون الرسول والساحر كاذب مبطل { ولئن أخرنا ~~عنهم العذاب } عذاب الآخرة أو ms0584 عذاب يوم بدر { إلى أمة } ~~إلى جماعة من الأوقات { معدودة } معلومة أو قلائل والمعنى إلى حين ~~معلوم { ليقولن ما يحبسه } ما يمنعه من النزول استعجالا له ~~على وجه التكذيب والاستهزاء { ألا يوم يأتيهم } العذاب { ~~ليس } العذاب { مصروفا عنهم } ويوم منصوب ب { مصروفا } أي ~~ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم { وحاق بهم } وأحاط بهم { ما ~~كانوا به يستهزءون } العذاب الذي كانوا به يستعجلون وإنما وضع ~~يستهزئون موضع يستعجلون لأن استعجالهم كان على وجه الاستهزاء # . ### || [11.9-12] # { ولئن أذقنا الإنسن } هو للجنس { منا رحمة } نعمة ~~من صحة وأمن وجدة. واللام في { لئن } لتوطئة القسم { ثم نزعناها ~~منه } ثم سلبناه تلك النعمة وجواب القسم { إنه ليئوس } شديد ~~اليأس من أن يعود إلى مثل تلك النعمة المسلوبة قاطع رجاءه من سعة فضل ~~الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه { كفور } عظيم الكفران لما سلف له ~~من التقلب في نعمة الله نساء له { ولئن أذقناه نعماء بعد ~~ضراء مسته } وسعنا عليه النعمة بعد الفقر الذي ناله { ~~ليقولن ذهب السيئات عني } أي المصائب التي ساءتني { ~~إنه لفرح } أشر بطر { فخور } على الناس بما أذاقه الله من ~~نعمائه قد شغله الفرح والفخر عن الشكر { إلا الذين صبروا } في ~~المحنة والبلاء { وعملوا الصلحات } وشكروا في النعمة والرخاء ~~{ أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم { وأجر كبير } يعني ~~الجنة كانوا يقترحون عليه آيات تعنتا لا استرشادا لأنهم لو كانوا ~~مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم. ومن اقتراحاتهم # لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك # [الفرقان: 7] وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به فكان يضيق صدر رسول ~~صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فهيجه لأداء ~~الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله: { فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك } أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم ~~وتبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به { وضائق به صدرك } بأن ~~تتلوه عليهم ولم يقل ضيق ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت لأنه عليه ~~السلام كان أفسح الناس صدرا ms0585 ولأنه أشكل ب { تارك } { أن يقولوا } ~~مخافة أن يقولوا { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ~~ملك } هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز لننفقه والملائكة لنصدقه ولم ~~أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه { إنما أنت نذير } أي ليس ~~عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولا عليك أن ~~ردوا أو تهاونوا { والله على كل شىء وكيل } يحفظ ما يقولون ~~وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل، فتوكل عليه وكل أمرك إليه وعليك بتبليغ ~~الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح غير ملتفت إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم ~~واستهزائهم. ### || [11.13-14] # { أم يقولون } «أم» منقطعة { افتراه } الضمير لما يوحى إليك { ~~قل فأتوا بعشر سور } تحداهم أولا بعشر سور ثم بسورة واحدة ~~كما يقول المخابر في الخط لصاحبه: اكتب عشر أسطر نحو ما أكتب فإذا تبين ~~له العجز عن ذلك قال: اقتصرت منك على سطر واحد { مثله } في الحسن ~~والجزالة. ومعنى { مثله } أمثاله ذهابا إلى مماثلة كل واحدة منها له { ~~مفتريات } صفة ل { عشر سور }. لما قالوا افتريت القرآن واختلقته ~~من عندك وليس من عند الله، أرضى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من ~~عند نفسي فأتوا أنتم أيضا بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم فأنتم عرب ~~فصحاء مثلي { وادعوا من استطعتم من دون الله } إلى ~~المعاونة على المعارضة { إن كنتم صدقين } أنه مفترى { فإن ~~لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله وأن لا إله إلا هو } أي أنزل ملتبسا بما لا يعلمه ~~إلا الله من نظم معجز للخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه واعلموا عند ~~ذلك أن لا إله إلا الله وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم، ~~وإنما جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله { لكم فاعلموا } بعد قوله { قل } ~~لأن الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يحدثونهم أو لأن الخطاب للمشركين. ~~والضمير في { فإن لم يستجيبوا } لمن استطعتم أي فإن لم يستجب ms0586 لكم من ~~تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا ~~أنما أنزل بعلم الله أي بإذنه أو بأمره { فهل أنتم مسلمون } ~~متبعون للإسلام بعد هذه الحجة القاطعة. ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه ~~فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقينا على أنه منزل من عند ~~الله وعلى التوحيد فهل أنتم مسلمون مخلصون. ### || [11.15-21] # { من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون } نوصل ~~إليهم أجور أعمالهم وافيه كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون ~~فيها من الصحة والرزق، وهم الكفار أو المنافقون { أولئك الذين ~~ليس لهم فى الأخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها } وحبط في الآخرة ما صنعوه أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم ~~يزيدوا به الآخرة إنما أرادوا به الدنيا وقد وفى إليهم ما أرادوا { ~~وبطل ما كانوا يعملون } أي كان عملهم في نفسه باطلا ~~لأنه لم يعمل لغرض صحيح والعمل الباطل لا ثواب له { أفمن كان على ~~بينة من ربه } أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة ~~من ربه أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم يعني أن بين الفريقين ~~تباينا بينا وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كان ~~على بينة من ربه أي على برهان من الله وبيان أن دين الإسلام وهو دليل ~~العقل { ويتلوه } ويتبع ذلك البرهان { شاهد } يشهد بصحته وهو ~~القرآن { منه } من الله أو من القرآن فقد مر ذكره آنفا { ومن ~~قبله } ومن قبل القرآن { كتاب موسى } وهو التوراة أي ويتلو ذلك ~~البرهان أيضا من قبل القرآن كتاب موسى عليه السلام { إماما } كتابا ~~مؤتما به في الدين قدوة فيه { ورحمة } ونعمة عظيمة على المنزل ~~إليهم وهما حالان { أولئك } أي من كان على بينة { يؤمنون ~~به } بالقرآن { ومن يكفر به } بالقرآن { من الأحزاب } يعني ~~أهل مكة ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~فالنار موعده } مصيره ومورده { فلا تك ms0587 فى مرية } شك { ~~منه } من القرآن أو من الموعد { إنه الحق من ربك ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ~~ربهم } يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم { ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } ويشهد عليهم الأشهاد من ~~الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولدا وشريكا { ~~ألا لعنة الله على الظلمين } الكاذبين على ربهم ~~والأشهاد جمع شاهد كأصحاب وصاحب أو شهيد كشريف وأشراف { الذين ~~يصدون عن سبيل الله } يصرفون الناس عن دينه { ويبغونها ~~عوجا } يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة أو يبغون أهلها أن يعوجوا ~~بالارتداد { وهم بالأخرة هم كفرون } «هم» الثانية لتأكيد ~~كفرهم بالآخرة واختصاصهم به { أولئك لم يكونوا } أي ما كانوا ~~{ معجزين فى الأرض } بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد ~~عقابهم { وما كان لهم من دون الله من أولياء } من ~~يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم ~~إلى هذا اليوم وهو من كلام الأشهاد { يضاعف لهم العذاب } ~~لأنهم أضلوا الناس عن دين الله يضعف مكي وشامي { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } أي استماع الحق { وما كانوا يبصرون ~~} الحق { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حيث اشتروا ~~عبادة الآلهة بعبادة الله { وضل عنهم } وبطل عنهم وضاع ما اشتروه ~~وهو { ما كانوا يفترون } من الآلهة وشفاعتها. ### || [11.22-27] # { لا جرم أنهم فى الأخرة هم الأخسرون } بالصد ~~والصدود وفي لا جرم أقوال أحدها أن لا رد لكلام سابق أي ليس الأمر كما ~~زعموا ومعنى { جرم } كسب وفاعله مضمر و { أنهم في الآخرة } في محل النصب ~~والتقدير كسب قولهم خسرانهم في الآخرة وثانيها أن { لا جرم } كلمتان ~~ركبتا فصار معناهما حقا و«أن» في موضع رفع بأنه فاعل لحق أي حق خسرانهم، ~~وثالثها أن معناه لا محالة. { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات وأخبتوا إلى ربهم } واطمأنوا إليه وانقطعوا ~~إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة { أولئك ~~أصحب الجنة هم فيها خلدون } { مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ~~شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم ms0588 وفريق المؤمنين بالبصير والسميع { هل ~~يستويان } يعني الفريقين { مثلا } تشبيها وهو نصب على التمييز { ~~أفلا تذكرون } فتنتفعون بضرب المثل. # { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير ~~مبين } أي بأني والمعنى أرسلناه ملتبسا بهذا الكلام وهو قوله { إني ~~لكم نذير مبين } بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في «كأن» والمعنى ~~على الكسر وبكسر الألف شامي ونافع وعاصم وحمزة على إرادة القول { أن ~~لا تعبدوا إلا الله } أن مفسرة متعلقة ب { أرسلنا } أو ب ~~{ نذير } { إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم } وصف ~~اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه { فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه } يريد الأشراف لأنهم يملؤون القلوب ~~هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة { ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا } أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا ~~أو ملكا { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~} أخساؤنا جمع الأرذل { بادى } وبالهمزة: أبو عمرو { الرأى } وبغير ~~همز: أبو عمرو أي اتبعوك ظاهر الرأي، أو أول الرأي من بدا يبدو إذا أظهر ~~أو بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولا، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث ظاهر ~~رأيهم أو أول رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه، أرادوا أن ~~اتباعهم لك شيء عن لهم بديهة من غير روية ونظر ولو تفكروا ما اتبعوك. ~~وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا ~~جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم ~~من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه ~~إكرامهم وإهانتهم ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحدا من ~~الله وإنما يبعده ولا يرفعه بل يضعه { وما نرى لكم علينا من ~~فضل } في مال ورأي يعنون نوحا وأتباعه { بل نظنكم ~~كذبين } أي نوحا في الدعوة ومتبعيه في الإجابة والتصديق يعني ~~تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيبا للرياسة. ### || [11.28] # { قال يا قوم أرءيتم } أخبروني { إن كنت على بينة ~~} برهان { من ربى } وشاهد منه يشهد بصحة دعواي { وآتني ms0589 رحمة من عنده ~~} يعني النبوة { فعميت عليكم } -أي خفيت. { فعميت }: حمزة وعلي ~~وحفص أي أخفيت أي فعميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم ~~دليلهم في المفازة بقوا بغيرها، وحقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة ~~جعلت عمياء لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره { أنلزمكموها } أي ~~الرحمة { وأنتم لها كرهون } لا تريدونها، والواو دخلت هنا ~~تتمة للميم. وعن أبي عمرو إسكان الميم ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة ~~خفيفة فظنها الراوي سكونا وهو لحن، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها ~~إلا في ضرورة الشعر. ### || [11.29-32] # { ويقوم لا أسئلكم عليه } على تبليغ الرسالة لأنه ~~مدلول قوله { إني لكم نذير } { مالا } أجرا يثقل عليكم إن أديتم أو ~~علي أن أبيتم { إن أجرى } مدني وشامي وأبو عمرو وحفص { إلا على ~~الله وما أنا بطارد الذين آمنو } جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به ~~أنفة من المجالسة معهم { أنهم ملقوا ربهم } فيشكونني إليه ~~إن طردتهم { ولكنى أراكم قوما تجهلون } تتسافهون على ~~المؤمنين وتدعونهم أراذل، أو تجهلون لقاء ربكم أو أنهم خير منكم { ~~ويقوم من ينصرنى من الله } من يمنعني من انتقامه { إن ~~طردتهم أفلا تذكرون } تتعظون { ولا أقول لكم ~~عندى خزائن الله } فأدعي فضلا عليكم بالغنى حتى تجحدوا فضلي ~~بقولكم { وما نرى لكم علينا من فضل } { ولا أعلم الغيب } حتى ~~أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم وهو معطوف على { عندي خزائن ~~الله } أي لا أقول عندي خزائن الله ولا أقول أنا أعلم الغيب { ولا ~~أقول إنى ملك } حتى تقولوا إلى { ما أنت إلا بشر مثلنا } { ~~ولا أقول للذين تزدرى أعينكم } ولا أحكم على من ~~استرذلتم من المؤمنين لفقرهم { لن يؤتيهم الله خيرا } في ~~الدنيا والآخرة لهوانه عليه مساعدة لكم ونزولا على هواكم { الله ~~أعلم بما فى أنفسهم } من صدق الاعتقاد وإنما على قبول ظاهر ~~إقرارهم إذ لا أطلع على خفي أسرارهم { إنى إذا لمن ~~الظلمين } إن قلت شيئا من ذلك. والازدراء افتعال من زرى عليه إذا ~~عابه وأصله ms0590 تزتري فأبدلت التاء دالا. # { قالوا يا نوح قد جادلتنا } خاصمتنا { فأكثرت ~~جدالنا فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من ~~الصدقين } في وعدك # . ### || [11.33-36] # { قال إنما يأتيكم به الله إن شاء } أي ليس الإتيان ~~بالعذاب إلي وإنما هو إلى من كفرتم به { وما أنتم بمعجزين } ~~أي لم تقدروا على الهرب منه { ولا ينفعكم نصحى } هو إعلام موضع ~~الغي ليتقي والرشد ليقتفي { ولكني } { إني } { نصحي } مدني وأبو عمرو ~~{ إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم } أي يضلكم وهذا شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدما في ~~الحكم لما عرف. تقديره: إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن ~~أردت أن أنصح لكم، وهو دليل بين لنا في إرادة المعاصي { هو ربكم } ~~فيتصرف فيكم على قضية إرادته { وإليه ترجعون } فيجازيكم على ~~أعمالكم { أم يقولون افتراه } بل أيقولون افتراه { قل إن ~~افتريته فعلى إجرامى } أي إن صح أني افتريته فعلي عقوبة ~~إجرامي أي افترائي يقال أجرم الرجل إذا أذنب { وأنا برىء } أي ولم ~~يثبت ذلك وأنا بريء منه. ومعنى { مما تجرمون } من إجرامكم في ~~إسناد الافتراء إلي فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم # { وأوحى إلى نوح أنه لم يؤمن من قومك إلا من ~~قد ءامن } # إقناط من إيمانهم وأنه غير متوقع، وفيه دليل على أن للإيمان حكم التجدد ~~كأنه قال: إن الذي آمن يؤمن في حادث الوقت، وعلى ذلك يخرج الزيادة التي ~~ذكرت في الإيمان بالقرآن { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ~~} فلا تحزن حزن بائس مستكين والابتئاس افتعال من البؤس وهو الحزن والفقر، ~~والمعنى فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام من ~~أعدائك. ### || [11.37-39] # { واصنع الفلك بأعيننا } هو في موضع الحال أي اصنعها ~~محفوظا وحقيقته ملتبسا بأعيننا كأن لله معه أعينا تكلؤه من أن يزيغ في ~~صنعته عن الصواب { ووحينا } وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع. عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها ~~مثل جؤجؤ الطير ms0591 { ولا تخطبنى فى الذين ظلموا } ولا ~~تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك { إنهم ~~مغرقون } محكوم عليهم بالإغراق وقد قضى به وجف القلم فلا سبيل إلى ~~كفه { ويصنع الفلك } حكاية حال ماضية { وكلما مر ~~عليه ملأ من قومه سخروا منه } من عمله السفينة وكان ~~يعملها في برية في أبعد موضع من الماء فكانوا يتضاحكون منه ويقولون له يا ~~نوح صرت بحارا بعدما كنت نبيا { قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم } عند رؤية الهلاك { كما تسخرون } منا عند رؤية ~~الفلك. روي أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة من خشب الساج في سنتين ~~وكان طولها ثلثمائة ذراع أو ألفا ومائتي ذراع وعرضها خمسون ذراعا، أو ~~ستمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في ~~البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، ~~وركب نوح ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد وحمل معه ~~جسد آدم عليه السلام وجعله حاجزا بين الرجال والنساء { فسوف ~~تعلمون من يأتيه } «من» في محل النصب ب «تعلمون» أي فسوف ~~تعلمون الذي يأتيه { عذاب يخزيه } ويعني به إياهم ويريد بالعذاب ~~عذاب الدنيا وهو الغرق { ويحل عليه } وينزل عليه { عذاب ~~مقيم } وهو عذاب الآخرة. ### || [11.40-41] # { حتى } هي التي يبدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط ~~والجزاء وهي غاية لقوله { ويصنع الفلك } أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت ~~الموعد، وما بينهما من الكلام حال من { يصنع } أي يصنعها والحال أنه كلما ~~مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، وجواب { كلما } { سخروا } { وقال } ~~استئناف على تقدير سؤال سائل، أو { قال } جواب و { سخروا } بدل من { مر } ~~أو صفة ل { ملأ } { إذا جاء أمرنا } عذابنا { وفار ~~التنور } هو كناية عن اشتداء الأمر وصعوبته. وقيل: معناه جاش الماء ~~من تنور الخبز، وكان من حجر لحواء فصار إلى نوح عليه السلام. وقيل: ~~التنور وجه الأرض { قلنا احمل فيها } في السفينة { من كل ~~زوجين اثنين } تفسيره في سورة المؤمنين { وأهلك إلا ms0592 من ~~سبق عليه القول } عطف على { اثنين } وكذا { ومن ءامن } ~~أي واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم، واستثنى من أهله من سبق عليه القول ~~إنه من أهل النار وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر ~~بتقديره وإرادته جل خالق العباد عن أن يقع في الكون خلاف ما أراد { وما ~~ءامن معه إلا قليل } قال عليه السلام: # " كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم " # وقيل: كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة. وقيل: كانوا اثنين وسبعين ~~رجالا ونساء وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم، فالجميع ثمانية ~~وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء { وقال اركبوا فيها بسم ~~الله مجراها ومرساها } { بسم الله } متصل ب { اركبوا } ~~حالا من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت ~~إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن المجرى والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران ~~كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف كقولهم «خفوق النجم» ويجوز أن ~~يكون { بسم الله مجرها ومرساها } جملة برأسها غير متعلقة بما قبلها وهي ~~مبتدأ وخبر يعني أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن ~~مجراها ومرساها بذكر اسم الله أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها، وكان إذا ~~أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست: { ~~مجريها } بفتح الميم وكسر الراء من جرى إما مصدر أو وقت: حمزة وعلي وحفص، ~~وبضم الله الميم وكسر الراء: أبو عمرو، والباقون: بضم الميم وفتح الراء { ~~إن ربى لغفور } لمن آمن منهم { رحيم } حيث خلصهم # . ### || [11.42-43] # { وهى تجرى بهم } متصل بمحذوف دل عليه { اركبوا فيها بسم الله ~~} كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون بسم الله وهي تجري بهم أي السفينة تجري ~~وهم فيها { فى موج كالجبال } يريد موج الطوفان وهو جمع موجة ~~كتمر وتمرة وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في ~~خلاله، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها { ونادى نوح ~~ابنه } كنعان. وقيل: يام. والجمهور على أنه ابنه الصلبي. وقيل: كان ~~ابن امرأته { وكان فى معزل ms0593 } عن أبيه السفينة «مفعل» من عزله عنه ~~إذ نجاه وأبعده أو في معزل عن دين أبيه { يبنيى } بفتح الياء: ~~عاصم، اقتصارا عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة من قولك «يا بنيا». ~~غيره بكسر الياء اقتصارا عليه من ياء الإضافة { اركب معنا } في ~~السفينة أي أسلم واركب { ولا تكن مع الكفرين * قال ~~ساوى } ألجأ { إلى جبل يعصمنى من الماء } يمنعني من ~~الغرق { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم } إلا الراحم وهو الله تعالى، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا ~~من رحم الله أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وذلك أنه لما جعل ~~الجبل عاصما من الماء قال له لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى ~~معتصم واحد وهو مكان من رحم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء ~~منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم كقوله # مالهم به من علم إلا اتباع الظن # [النساء: 157] { وحال بينهما الموج } بين ابنه والجبل أو ~~بين نوح وابنه { فكان من المغرقين } فصار أو فكان في علم الله ### || [11.44] # { وقيل يأرض ابلعى ماءك } انشفي وتشربي، والبلع: النشف { ~~ويسمآء أقلعى } أمسكي { وغيض الماء } نقص من غاضه إذا نقصه ~~وهو لازم ومتعد { وقضى الامر } وأنجز ما وعد الله نوحا من إهلاك ~~قومه { واستوت } واستقرت السفينة بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر { ~~على الجودى } وهو جبل بالموصل { وقيل بعدا للقوم ~~للظلمين } أي سحقا لقوم نوح الذين غرقوا. يقال: بعد بعدا ~~وبعدا إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ولذلك اختص بدعاء ~~السوء # والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان وهو النظر فيما ~~فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول: إن الله تعالى ~~لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، ~~وأن نقطع طوفان المساء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض، ~~وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاز ما كنا وعدناه من ms0594 إغراق قومه فقضي، وأن نسوي ~~السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، بني الكلام على تشبيه ~~المراد بالأمر الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان، وتشبيه تكوين ~~المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره العظيم، ~~وأن السماوات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته ~~فيها تغييرا وتبديلا كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا ~~علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه وتحتم بذل المجهود عليهم في ~~تحصيل مراده. ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام فقال عز وجل { وقيل } ~~على سبيل المجاز على الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجعل قرينة ~~المجاز الخطاب للجماد وهو { يا أرض } { ويا سماء } ثم قال مخاطبا لهما ~~{ يا أرض } { ويا سماء } على سبيل الاستعارة للشبه المذكور، ثم استعار ~~لغور الماء في الأرض البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه ~~بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء تشبيها له ~~بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام، ثم قال { ~~ماءك } بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض ~~كاتصال الملك بالمالك، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك ~~الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم التأني، ثم قال { وغيض الماء وقضي ~~الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا } ولم يصرح بمن أغاض الماء، ولا بمن ~~قضى الأمر، وسوى السفينة وقال بعدا، كما لم يصرح بقائل { يا أرض } { ~~ويا سماء } سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام ~~لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وتكوين مكون قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك ~~في فعله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء ~~أقلعي، ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره. # ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما ~~لأنفسهم، إظهارا لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا لظلمهم. # ومن جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم ~~وتأخير ms0595 فيما بين جملها، وذلك أنه اختير «يا» دون أخواتها لكونها أكثر ~~استعمالا، ولدلالتها على بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة ~~والملكوت وإبداء العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به، ~~ولم يقل «يا أرضي» لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب، ولم يقل «يا ~~أيتها الأرض» للاختصار. واختير لفظ الأرض والسماء لكونهما أخف وأدور، ~~واختير { ابلعي } على «ابتلعي» لكونه أخصر وللتجانس بينه وبين { أقلعي } ~~وقيل { أقلعي } ولم يقل «عن المطر»! وكذا لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ~~ويا سماء أقلعي فأقلعت اختصارا، واختير { غيض } على «غيض» وقيل «الماء» ~~دون أن يقول «ماء الطوفان» و { الأمر } ولم يقل« أمر نوح وقومه» لقصد ~~الاختصار والاستغناء بحرف العهد عن ذلك، ولم يقل «وسويت على الجودي» أي ~~أقرت على نحو { قيل } { وغيض } اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة ~~في قوله # وهي تجري بهم # إرادة للمطابقة، ثم قيل { بعدا للقوم } ولم يقل «ليبعد القوم» طلبا ~~للتأكيد مع الاختصار. هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم، وأما من حيث ~~النظر إلى ترتيب الجمل، فذلك أنه قدم النداء على الأمر: ف { قيل يا أرض ~~ابلعي ويا سماء أقلعي } ولم يقل «ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء» جريا على ~~مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر ~~الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترسيخ، ثم قدم أمر الأرض ~~على أمر السماء وابتدأ به لابتداء الطوفان منها، ثم اتبع { وغيض الماء } ~~لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها، ثم ذكر ما هو المقصود القصة وهو قوله ~~{ وقضي الأمر } أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في ~~الفلك وعلى هذا فاعتبر. # ومن جهة الفصاحة المعنوية وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ~~ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق ~~إلى المرتاد ومن جهة الفصاحة اللفظية، فألفاظها على ما ترى عربية ~~مستعملة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسة ~~على الأسلات، كل منها كالماء ms0596 في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم ~~في الرقة، ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل ~~هذه الآية، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك ~~لطائف لا تسع الحصر، ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك ~~أكثر من المسطور. ### || [11.45-48] # { ونادى نوح ربه فقال رب } نداؤه ربه دعاؤه له وهو قوله ~~{ رب } مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله { إن ابنى من ~~أهلى } أي بعض أهلي لأنه كان ابنه من صلبه أو كان ربيبا له فهو بعض ~~أهله { وإن وعدك الحق } وإن كل وعد تعده فهو الحق الثابت ~~الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي فما بال ولدي ~~{ وأنت أحكم الحكمين } أي أعلم الحكام وأعدلهم إذ لا فضل ~~لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل. ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي ~~الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر ~~واستعبر { قال يا نوح إنه ليس من أهلك } ثم علل ~~لانتفاء كونه من أهله بقوله { إنه عمل غير صلح } وفيه ~~إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب وأن نسيبك في دينك وإن كان ~~حبشيا وكنت قرشيا لصيقك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك ~~رحما فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه ~~كقولها: فإنما هي إقبال وإدبار # أو التقدير: إنه ذو عمل، وفيه إشعار بأنه إنما أنجى من أنجى من أهله ~~لصلاحهم لا لأنهم أهله، وهذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوته. { ~~عمل غير صالح } علي قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: كان عند نوح عليه ~~السلام أن ابنه كان على دينه لأنه كان ينافق وإلا لا يحتمل أن يقول { ~~ابني من أهلي } ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي عن سؤال مثله بقوله # ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون # فكان يسأله على الظاهر الذي عنده كما كان أهل النفاق يظهرون الموافقة ~~لنبينا ms0597 عليه السلام ويضمرون الخلاف له ولم يعلم بذلك حتى أطلعه الله ~~عليه، وقوله { ليس من أهلك } أي من الذين وعدت النجاة لهم وهم المؤمنون ~~حقيقة في السر والظاهر { فلا تسألنى } اجتزاء بالكسر عن الياء: ~~كوفي { تسألني } بصري { تسألني } مدني { تسألن } شامي فحذف الياء ~~واجتزأ بالكسرة والنون نون التأكيد { تسألن } مكي { ما ليس لك ~~به علم } بجواز مسألته { إنى أعظك أن تكون من ~~الجهلين } هو كما نهى رسولنا بقوله # فلا تكونن من الجاهلين # { [الأنعام: 35] قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ~~ليس لى به علم } أي من أن أطلب منك من المستقبل ما لا علم لي ~~بصحته تأدبا بأدبك واتعاظا بموعظتك { وإلا تغفر لى } ما فرط ~~مني { وترحمنى } بالعصمة عن العود إلى مثله { أكن من ~~الخسرين قيل ينوح اهبط بسلم منا } بتحية منا أو ~~بسلامة من الغرق { وبركت عليك } هي الخيرات النامية وهي في حقه ~~بكثرة ذريته وأتباعه، فقد جعل أكثر الأنبياء من ذريته وأئمة الدين في ~~القرون الباقية من نسله { وعلى أمم ممن معك } «من» للبيان، ~~فتراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات أو قيل لهم ~~أمم لأن الأمم تتشعب منهم، أو لابتداء الغاية أي على أمم ناشئة ممن معك ~~وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه { وأمم } رفع بالابتداء { ~~سنمتعهم } في الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش صفة والخبر ~~محذوف تقديره، وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأن ممن معك يدل عليه { ~~ثم يمسهم منا عذاب أليم } أي في الآخرة، والمعنى أن ~~السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك. # وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار وكان نوح عليه السلام ~~أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة، وعن محمد ~~بن كعب: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وفيما بعده ~~من المتاع والعذاب كل كافر. ### || [11.49-51] # { تلك } إشارة إلى قصة نوح عليه السلام ومحلها الرفع على الابتداء ~~والجمل بعدها وهي { من أنباء الغيب ms0598 نوحيها إليك ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك } أخبار أي تلك القصة بعض أنباء ~~الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك { من قبل هذا } الوقت أو ~~من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها { فاصبر } على تبليغ الرسالة وأذى ~~قومك كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح وقومه ~~{ إن العقبة } في الفوز والنصر والغلبة { للمتقين } عن ~~الشرك. # { وإلى عاد أخاهم } واحدا منهم، وانتصابه للعطف على { أرسلنا ~~نوحا } أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم { هودا } عطف بيان { قال يا ~~قوم اعبدوا الله } وحدوه { ما لكم من إله غيره } ~~بالرفع: نافع صفة على محل الجار والمجرور، وبالجر: علي على اللفظ { إن ~~أنتم إلا مفترون } تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له ~~شركاء { يقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا ~~على الذى فطرنى } ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن ~~شأنهم النصيحة والنصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء ~~منها لم تنجع ولم تنفع { أفلا تعقلون } إذ تردون نصيحة من لا ~~يطلب عليها أجرا إلا من الله وهو ثواب الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ~~ذلك. ### || [11.52-54] # { ويا قوم استغفروا ربكم } آمنوا به { ثم توبوا ~~إليه } من عبادة غيره { يرسل السماء } أي المطر { عليكم ~~مدرارا } حال أي كثير الدرر { ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم } إنما قصد استمالتهم إلى الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة ~~لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين فكانوا أحوج شيء إلى الماء. وكانوا مدلين ~~بما أوتوا من شدة البطش والقوة. وقيل: أراد القوة بالمال أو على النكاح. ~~وقيل حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم فوعدهم هود عليه ~~السلام المطر والأولاد على الإيمان والاستغفار. وعن الحسن بن علي رضي ~~الله عنهما أنه وفد على معاوية، فلما خرج قال له بعض حجابه: إني رجل ذو ~~مال ولا يولد لي علمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا. فقال الحسن: عليك ~~بالاستغفار، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة ~~مرة، فولد له عشرة بنين، ms0599 فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟ ~~فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود: { ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم } وقول نوح: # ويمددكم بأموال وبنين # [نوح: 12] { ولا تتولوا } ولا تعرضوا عني وعما أدعو إليه { ~~مجرمين } مصرين على إجرامكم وآثامكم # { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة } كذب منهم وجحود كما ~~قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم # لولا أنزل عليه ءاية من ربه # [ الرعد:27] مع فوت آياته الحصر { وما نحن بتاركى ءالهتنا ~~عن قولك } هو حال من من الضمير في { تاركي آلهتنا } كأنه قيل: وما ~~نترك آلهتنا صادرين عن قولك { وما نحن لك بمؤمنين } وما يصح ~~من أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما يدعوهم إليه أقناطا له من الإجابة { إن ~~نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } «إن» حرف نفي ~~فنفى جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم { اعتراك } أصابك { بعض ~~آلهتنا بسوء } بجنون وخبل وتقدير ما نقول قولا إل هذه المقالة أي قولنا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء { قال إنى أشهد الله واشهدوا ~~أنى برىء مما تشركون من دونه } ### || [11.55-57] # أي من إشراككم آلهة من دونه، والمعنى إني أشهد الله أني برىء مما تشركون ~~واشهدوا أنتم أيضا إني برىء من ذلك. وجىء به على لفظ الأمر بالشهادة كما ~~يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: أشهد على أني لا أحبك تهكما به ~~واستهانة بحاله { فكيدونى جميعا } أنتم وآلهتكم { ثم لا ~~تنظرون } لا تمهلون فإني لا أبالي بكم وبكيدكم ولا أخاف معرتكم وإن ~~تعاونتم علي، وكيف تضرني آلهتكم وما هي إلا جماد لا يضر ولا ينفع؟ وكيف ~~تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها بأن تخبلني وتذهب بعقلي؟ { ~~إنى توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة ~~إلا هو ءاخذ بناصيتها } أي مالكها، ولما ذكر توكله على الله ~~وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ~~ربوبيته عليه وعليهم، ومن كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه ~~والأخذ بالناصية تمثيل لذلك { إن ربى ms0600 على صرط مستقيم } ~~إن ربي على الحق لا يعدل عنه، أو إن ربي يدل على صراط مستقيم { فإن ~~تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم } هو ~~في موضع فقد ثبتت الحجة عليكم { ويستخلف ربى قوما غيركم ~~} كلام مستأنف أي ويهلككم الله ويجىء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم ~~وأموالكم { ولا تضرونه } بتوليكم { شيئا } من ضرر قط إذ لا ~~يجوز علي المضار وإنما تضرون أنفسكم { إن ربى على كل شىء ~~حفيظ } رقيب عليه مهيمن فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم، ~~أو من كان رقيبا على الأشياء كلها حافظا لها وكانت الأشياء مفتقرة إلى ~~حفظه عن المضار لم يضر مثله مثلكم. ### || [11.58-61] # { ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه } وكانوا أربعة آلاف { برحمة منا } أي بفضل منا لا بعملهم ~~أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم { ونجيناهم من عذاب غليظ ~~} وتكرار { نجينا } للتأكيد أو الثانية من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه ~~{ تلك عاد } إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال: سيحوا في الأرض ~~فانظروا إليها واعتبروا، ثم استأنف وصف أحوالهم فقال: { جحدوا ~~بآيت ربهم وعصوا رسله } لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد ~~عصوا جميع رسل الله لا نفرق بين أحد من رسله { واتبعوا أمر كل ~~جبار عنيد } يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل لأنهم الذين ~~يجبرون الناس على الأمور ويعاندون ربهم ومعنى اتباع أمرهم طاعتهم { ~~وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة ~~} لما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين { ~~ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد } تكرار ~~«ألا» مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم تهويل لأمرهم وبعث على ~~الاعتبار، بهم والحذر من مثل حالهم، والدعاء ب { بعدا } بعد هلاكهم ~~وهو دعاء بالهلاك للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له { قوم هود } ~~عطف بيان { لعاد } وفيه فائدة لأن عادا عادان: الأولى القديمة التي هي ~~قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم. # { وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا ~~الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من ~~الأرض } لم ينشئكم منها ms0601 إلا هو وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ثم ~~خلقهم من آدم { واستعمركم فيها } وجعلكم عمارها وأراد منكم ~~عمارتها، أو استعمركم من العمر أي أطال أعماركم فيها وكانت أعمارهم من ~~ثلثمائة إلى ألف، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار ~~وعمروا الأعمار الطوال مع ما فيهم من الظلم فسأل نبي من أنبياء زمانهم ~~ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي { ~~فاستغفروه } فاسألوا مغفرته بالإيمان { ثم توبوا إليه ~~إن ربى قريب } داني الرحمة { مجيب } لمن دعاه. ### || [11.62-65] # { قالوا يا صلح قد كنت فينا } فيما بيننا { مرجوا ~~قبل هذا } للسيادة والمشاورة في الأمور أو كنا نرجو أن تدخل في ~~ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } ~~حكاية حال ماضية { وإننا لفى شك مما تدعونا إليه } ~~من التوحيد { مريب } موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي ~~قلق النفس وانتفاء الطمأنينة { قال يقوم أرءيتم إن كنت ~~على بينة من ربى وءاتنى منه رحمة } نبوة، أتى ~~بحرف الشك مع أنه على يقين أنه على بينة لأن خطابه للجاحدين فكأنه قال ~~قدروا أني على بينة من ربي، وأنني نبي على الحقيقة وانظروا إن تابعتكم ~~وعصيت ربي في أوامره { فمن ينصرنى من الله } فمن يمنعني من ~~عذاب الله { إن عصيته } في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان ~~{ فما تزيدوننى } بقولكم: { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } { ~~غير تخسير } بنسبتكم إياي إلى الخسار أو بنسبتي إياكم إلى ~~الخسران. # { يقوم هذه ناقة الله لكم ءاية } نصب على الحال قد ~~عمل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل و { لكم } متعلق { بآية } ~~حالا منها متقدمة، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدمت انتصبت على ~~الحال { فذروها تأكل فى أرض الله } أي ليس عليكم رزقها مع ~~أن لكم نفعها { ولا تمسوها بسوء } عقر أو نحر { فيأخذكم ~~عذاب قريب } عاجل { فعقروها } يوم الأربعاء { فقال } صالح ~~{ تمتعوا } استمتعوا بالعيش { فى داركم } في بلدكم ms0602 وتسمى ~~البلاد الديار لأنه يدار فيها أي يتصرف أو في دار الدنيا { ثلثة ~~أيام } ثم تهلكون فهلكوا يوم السبت { ذلك وعد غير مكذوب ~~} أي غير مكذوب فيه فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به، ~~أو وعد غير كذب على أن المكذوب مصدر كالمعقول. ### || [11.66-68] # { فلما جاء أمرنا } بالعذاب أو عذابنا { نجينا صلحا ~~والذين ءامنوا معه برحمة منا } قال الشيخ رحمه الله: ~~هذا يدل على أن من نجى إنما نجى برحمة الله تعالى لا بعمله كما قال عليه ~~السلام: # " لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله " # { ومن خزى يومئذ } بإضافة الخزي إلى اليوم وانجرار اليوم ~~بالإضافة. وبفتحها مدني وعلي، لأنه مضاف إلى «إذ» وهو مبني، وظروف الزمان ~~إذا أضيفت إلى الأسماء المبهمة والأفعال الماضية بنيت واكتسبت البناء من ~~المضاف إليه كقوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا # والواو للعطف وتقديره: ونجيناهم من خزي يومئذ أي من ذله وفضيحته، ولا ~~خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه. وجاز أن يريد ب { ~~يومئذ } يوم القيامة كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة { إن ربك ~~هو القوى } القادر على تنجية أوليائه { العزيز } الغالب ~~بإهلاك أعدائه { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } أي صيحة ~~جبريل عليه السلام { فأصبحوا فى ديارهم } منازلهم { ~~جثمين } ميتين { كأن لم يغنوا فيها } لم يقيموا فيها { ~~ألا إن ثمود كفروا ربهم } { ثمود } حمزة وحفص { ألا ~~بعدا لثمود } { لثمود } علي: فالصرف للذهاب إلى الحي أو ~~الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة ### || [11.69-72] # { ولقد جاءت رسلنا } جبريل وميكائيل وإسرافيل أو جبريل مع أحد ~~عشر ملكا { إبرهيم بالبشرى } هي البشارة بالولد أو بهلاك قوم ~~لوط والأول أظهر { قالوا سلاما } سلمنا عليك سلاما { قال ~~سلم } أمركم سلام { سلم } حمزة وعلي بمعنى السلام { فما لبث ~~أن جاء بعجل } فما لبث في المجيء به بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه، ~~والعجل ولد البقرة: وكان مال إبراهيم البقر { حنيئذ } مشوي بالحجارة ~~المحماة { فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم } ~~نكر وأنكر بمعنى وكانت عادتهم ms0603 أنه إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا ~~خافوه. والظاهرة أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم ~~لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه دليله قوله { وأوجس منهم ~~خيفة } أي أضمر منم خوفا { قالوا لا تخف إنا أرسلنا ~~إلى قوم لوط } بالعذاب، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم ~~أرسلوا، وإنما قالوا { لا تخف } لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه { ~~وامرأته قائمة } وراء الستر تسمع تحاورهم أو على رؤوسهم تخدمهم ~~{ فضحكت } سرورا بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث، أو من غفلة ~~قوم لوط مع قرب العذاب، أو فحاضت { فبشرنها بإسحق } وخصت ~~بالبشارة لأن النساء أعظم سرورا بالولد من الرجال، ولأنه لم يكن لها ولد ~~وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل { ومن وراء إسحق } ومن بعده { ~~يعقوب } بالنصب: شامي وحمزة وحفص، بفعل مضمر دل عليه فبشرناها أي ~~فبشرناها بإسحاق ووهبنا لها يعقوب من وراء إسحاق. وبالرفع: غيرهم على ~~الابتداء والظرف قبله خبر كما تقول «في الدار زيد». # { قالت يويلتى } الألف مبدلة من ياء الإضافة وقرأ الحسن يا ~~ويلتي بالياء على الأصل { ءألد وأنا عجوز } ابنة تسعين سنة { ~~وهذا بعلى شيخا } ابن مائة وعشرين سنة، { هذا } مبتدأ و { ~~بعلي } خبره و { شيخا } حال، والعامل معنى الإشارة التي دلت عليه ذا أو ~~معنى التنبيه الذي دل عليه «هذا» { إن هذا لشىء عجيب } أن ~~يولد ولد من هرمين وهو استبعاد من حيث العادة. ### || [11.73-75] # { قالوا أتعجبين من أمر الله } قدرته وحكمته. وإنما ~~أنكرت الملائكة تعجبها لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور ~~الخارقة للعادات فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء ~~الناشئات في غير بيت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب وإلى ذلك ~~أشارت الملائكة حيث قالوا { رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت } أرادوا ~~أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت ~~النبوة فليست بمكان عجيب، وهو كلام مستأنف علل به إنكار التعجب كأنه قيل: ~~إياك والتعجب لأن أمثال ms0604 هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل: ~~الرحمة: النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم ~~وكلهم من ولد إبراهيم وأهل البيت نصب على النداء أو على الاختصاص { ~~إنه حميد } محمود بتعجيل النعم { مجيد } ظاهر الكرم بتأجيل ~~النقم # { فلما ذهب عن إبرهيم الروع } الفزع وهو ما أوجس من ~~الخيفة حين نكر أضيافه { وجاءته البشرى } بالولد { ~~يجدلنا فى قوم لوط } أي لما اطمأن قلبه بعد الخوف وملىء ~~سرورا بسبب البشرى فرغ للمجادلة. وجواب { لما } محذوف تقديره أقبل ~~يجادلنا، أو { يجادلنا } جواب { لما } وإنما جيء به مضارعا لحكاية ~~الحال، والمعنى يجادل رسلنا. ومجادلته إياهم أنهم قالوا إنا مهلكو أهل ~~هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون مؤمنا أتهلكونها؟ قالوا: لا، ~~قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا: ~~لا قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا فعند ذلك ~~قال # إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله # العنكبوت: 32) { إن إبرهيم لحليم } غير عجول على كل من أساء ~~إليه أو كثير الاحتمال ممن آذاه، صفوح عمن عصاه { أواه } كثير التأوه ~~من خوف الله { منيب } تائب راجع إلى الله، وهذه الصفات دالة على رقة ~~القلب والرأفة والرحمة فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن ~~يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة كما حمله على الاستغفار ~~لأبيه فقالت الملائكة. ### || [11.76-78] # { يإبرهيم أعرض عن هذا } الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك { ~~إنه قد جاء أمر ربك } قضاؤه وحكمه { وإنهم اتيهم ~~عذاب غير مردود } لا يرد بجدال وغير ذلك عذاب مرتفع باسم ~~الفاعل وهو { آتيهم } تقديره وإنهم يأتيهم. ثم خرجوا من عند إبراهيم ~~متوجهين نحو قوم لوط وكان بين قرية إبراهيم وقوم لوط أربعة فراسخ. # { ولما جاءت رسلنا لوطا } لما أتوه ورأى هيئاتهم وجمالهم { ~~سىء بهم } أحزن لأنه حسب أنهم إنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن ~~مقاومتهم ومدافعتهم { وضاق بهم ذرعا } تمييز أي وضاق بمكانهم ~~صدره { وقال هذا يوم عصيب ms0605 } شديد. روي أن الله تعالى قال ~~لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا ~~بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ ~~قال. أشهد الله إنها لشر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات ~~فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها. { ~~وجاءه قومه يهرعون إليه } يسرعون كأنما يدفعون دفعا { ~~ومن قبل كانوا يعملون السيئات } ومن قبل ذلك الوقت ~~كانوا يعملون الفواحش حتى مرنوا عليها وقل عندهم استقباحها فلذلك جاؤوا ~~يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء { قال يا قوم هؤلآء بناتى } ~~فتزوجوهن أراد أن يقي أضيافه ببناته وذلك غاية الكرم، وكان تزويج ~~المسلمات من الكفار جائزا في ذلك الوقت كما جاز في الابتداء في هذه ~~الأمة، فقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه من عتبه بن أبي لهب ~~وأبي العاص وهما كافران. وقيل كان لهم سيدان مطاعان فأراد لوط أن يزوجهما ~~ابنتيه { هن أطهر لكم } أحل { هؤلاء } مبتدأ { وبناتي } عطف ~~بيان و { هن } فصل و { أطهر } خبر المبتدأ أو { بناتي } خبر و { هن أطهر ~~} مبتدأ وخبر { فاتقوا الله } بإيثارهن عليهم { ولا تخزون ~~} ولا تهينوني ولا تفضحوني من الخزي، أو ولا تخجلوني من الخزاية وهي ~~الحياء، وبالياء: أبو عمرو في الوصل { فى ضيفى } في حق ضيوفي فإنه ~~إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل وذلك من عراقة الكرم وأصالة ~~المروءة { أليس منكم رجل رشيد } أي رجل واحد يهتدي إلى ~~طريق الحق وفعل الجميل والكف عن السوء. ### || [11.79-80] # { قالوا لقد علمت لنا فى بناتك من حق } حاجة لأن ~~نكاح الإناث أمر خارج عن فمذهبنا إتيان الذكران { وإنك لتعلم ~~ما نريد } عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة { قال لو ~~أن لى بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد } جواب« لو» ~~محذوف أي لفعلت بكم ولصنعت. والمعنى لو قويت عليكم بنفسي أو أويت إلى قوي ~~أستند إليه وأتمنع به فيحميني منكم، فشبه القوي العزيز ms0606 بالركن من الجبل ~~في شدته ومنعته. روي أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل ترادهم ما حكى الله ~~عنه وتجادلهم. فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب. ### || [11.81-82] # { قالوا يا لوط } إن ركنك لشديد { إنا رسل ربك } فافتح ~~الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في ~~عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم كما قال الله ~~تعالى # فطمسنا أعينهم # [القمر:37]فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون: النجاء، النجاء ~~فإن في بيت لوط قوما سحرة { لن يصلوا إليك } جملة موضحة للتي ~~قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره { ~~فأسر } { فاسر } بالوصل: حجازي من سرى { بأهلك بقطع من ~~الليل } طائفة منه أو نصفه { ولا يلتفت منكم أحد } بقلبه ~~إلى ما خلف أو لا ينظر إلى ما وراءه أو لا يتخلف منكم أحد { إلا ~~امرأتك } مستثنى من { فأسر بأهلك }. وبالرفع: مكي وأبو عمرو على ~~البدل من أحد، وفي إخراجها مع أهله روايتان. روي أنه أخرجها معهم وأمر أن ~~لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: يا ~~قوماه. فأدركها حجر فقتلها. وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها فإن هواها ~~إليهم فلم يسر بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين # { إنه مصيبها ما أصابهم } أي إن الأمر. وروي أنه قال لهم ~~متى موعد هلاكهم؟ قالوا: { إن موعدهم الصبح } فقال: أريد ~~أسرع من ذلك فقالوا: { أليس الصبح بقريب فلما جاء ~~أمرنا جعلنا عليها سافلها } جعل جبريل عليه السلام ~~جناحه في أسفلها أي أسفل قراها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء ~~نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم وذلك ~~قوله: { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } هي كلمة معربة ~~من سنك كل بدليل قوله # حجارة من طين # )الذاريات:33) { منضود } نعت لسجيل أي متتابع أو مجموع معه للعذاب. ### || [11.83-86] # { مسومة } نعت ل { حجارة { أي معلمة للعذاب. قيل: مكتوب على كل ~~واحد اسم من يرمي به ms0607 { عند ربك } في خزائنه أو في حكمه { وما هى ~~من الظلمين ببعيد } بشيء بعيد، وفيه وعيد لأهل مكة فإن ~~جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ظالمي أمتك ما ~~من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة، أو الضمير ~~للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم. # { وإلى مدين أخهم شعيبا } هو اسم مدينتهم أو اسم جدهم ~~مدين بن إبراهيم أي وأرسلنا شعيبا إلى ساكني مدين أو إلى بني مدين { ~~قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~ولا تنقصوا المكيال } أي المكيل بالمكيال { والميزان } ~~والموزون بالميزان { إنى أراكم بخير } بثروة وسعة تغنيكم عن ~~التطفيف، أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون { وإنى ~~أخاف عليكم عذاب يوم محيط } مهلك من قوله # وأحيط بثمره # [الكهف: 42] وأصله من إحاطة العدو والمراد عذاب الاستئصال في الدنيا أو ~~عذاب الآخرة { ويقوم أوفوا المكيال والميزان } ~~أتموهما { بالقسط } بالعدل. نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا ~~عليه من نقص المكيال والميزان، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في ~~العقول لزيادة الترغيب فيه، وجيء به مقيدا بالقسط أي ليكن الإيفاء على ~~وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان { ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم } البخس: النقص، كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من ~~الأشياء فنهوا عن ذلك { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } ~~العشى والعيث أشد الفساد نحو السرقة والغارة وقطع السبيل، ويجوز أن يجعل ~~البخس والتطفيف عثيا منهم في الأرض { بقيت الله } ما يبقى لكم من ~~الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم { خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين } بشرط أن تؤمنوا. نعم بقية الله خير للكفرة أيضا لأنهم ~~يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف إلا أن فائدتها تظهر مع الإيمان من ~~حصول الثواب مع النجاة من العقاب ولا تظهر مع عدمه لانغماس صاحبها في ~~غمرات الكفر وفي ذلك تعظيم للإيمان وتنبيه على جلالة شأنه، أو المراد إن ~~كنتم مصدقين ms0608 لي فيما أقول لكم وأنصح به إياكم { وما أنا عليكم ~~بحفيظ } لنعمه عليكم فاحفظوها بترك البخس. ### || [11.87-88] # { قالوا يا شعيب أصلوتك } وبالتوحيد. كوفي غير أبي بكر { ~~تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنا أو أن نفعل ~~في أمولنا ما نشؤا } كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات وكان ~~قومه يقولون له ما تستفيد بهذا؟ فكان يقول: إنها تأمر بالمحاسن وتنهى عن ~~القبائح. فقالوا على وجه الاستهزاء أصلواتك تأمرك أن تأمرنا بترك عبادة ~~ما كان يعبد آباؤنا، أو أن نترك التبسط في أموالنا ما نشاء من إيفاء ~~ونقص. وجاز أن تكون الصلوات آمرة مجازا كما سماها الله تعالى ناهية ~~مجازا { إنك لأنت الحليم الرشيد } أي السفية الضال وهذه ~~تسمية على القلب استهزاء، أو إنك حليم رشيد عندنا ولست تفعل بنا ما ~~يقتضيه حالك { قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ~~ربى ورزقنى منه } من لدنه { رزقا حسنا } يعني النبوة ~~والرسالة أو مالا حلالا من غير بخس وتطفيف. وجواب أرأيتم محذوف أي ~~أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي وكنت نبيا على الحقيقة، أيصح لي أن ~~لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا ~~لذلك؟ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ~~ولى عنه وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه ~~فيقول: خالفني إلى الماء يريد، أنه قد ذهب إليه واردا وأنا ذاهب عنه ~~صادرا، ومنه قوله: { وما أريد أن أخلفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه } يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ~~لأستبد بها دونكم { إن أريد إلا الإصلح } ما أريد إلا أن ~~أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر { ما استطعت ~~} ظرف أي مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهدا { ~~وما توفيقى إلا بالله } وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما ~~آتى وآذر إلا بمعونته وتأييده { عليه توكلت } اعتمدت { ~~وإليه أنيب } أرجع في السراء والضرآء. «جرم» مثل «كسب» في تعديه ~~إلى مفعول واحد ms0609 وإلى مفعولين ومنه قوله: ### || [11.89-91] # { ويقوم لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم } أي لا ~~يكسبنكم خلافي إصابة العذاب { مثل ما أصاب قوم نوح أو ~~قوم هود أو قوم صلح } وهو الغرق والريح والرجفة { وما ~~قوم لوط منكم ببعيد } في الزمان فهم أقرب الهالكين منكم، أو ~~في المكان فمنازلهم قريبة منكم أو فيما يستحق به الهلاك وهو الكفر ~~والمساوىء. وسوي في قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث ~~لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما { ~~واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ~~} يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين { ودود } يحب أهل الوفاء من الصالحين ~~{ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } أي لا ~~نفهم صحة ما تقول وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء { وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا } لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على ~~الامتناع منا إن أردنا بك مكروها { ولولا رهطك لرجمنك } ~~ولولا عشيرتك لقتلناك بالرجم وهو شر قتلة وكان رهطه من أهل ملتهم ~~فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم { وما أنت علينا ~~بعزيز } أي لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن ~~الرجم، وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا. وقد دل إيلاء ضميره حرف ~~النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل: وما أنت علينا ~~بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ولذلك ### || [11.92-93] # { قال } في جوابهم { يقوم أرهطى أعز عليكم من ~~الله } ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب. وإنما قال: { أرهطي ~~أعز عليكم من الله } والكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، ~~لأن تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، وحين عز عليهم رهطه دونه ~~كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى إلى قوله تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله { # [النساء: 80] } واتخذتموه وراءكم ظهريا } ونسيتموه ~~وجعلتموه كالشيء المبنوذ وراء الظهر لا يعبأ به والظهري منسوب إلى الظهر ~~والكسر من تغييرات النسب كقولهم في النسبة إلى الأمس ms0610 أمسى { إن ربى ~~بما تعملون محيط } قد أحاط بأعمالكم علما فلا يخفى عليه شيء ~~منها. # { ويا قوم اعملوا على مكانتكم } هي بمعنى المكان ~~يقال: مكان ومكانة ومقام ومقامة، أو مصدر من مكن مكانة فهومكين إذا تمكن ~~من الشيء يعني اعملوا فارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك، والشنآن ~~لي، أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها { إنى عمل } على حسب ~~ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني { سوف تعلمون من ~~يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب } «من» استفهامية معلقة ~~لفعل العلم من عمله فيها كأنه قيل: سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه أي ~~يفضحه، وأينا هو كاذب. أو موصولة قد عمل فيها كأنه قيل: سوف تعلمون الشقي ~~الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب في زعمكم ودعواكم. وإدخال الفاء في ~~{ سوف } وصل ظاهر بحرف وضع للوصل، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف الذي هو ~~جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا ~~وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون. والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة ~~وأبلغهما الاستئناف { وارتقبوا } وانتظروا العاقبة وما أقول لكم { ~~إنى معكم رقيب } منتظر، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب ~~بمعنى الضارب، أو بمعنى المراقب كالعشير بمعنى المعاشر، أو بمعنى المرتقب ~~كالرفيع بمعنى المرتفع. ### || [11.94-97] # { ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة } ~~صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وإنما ذكر في آخر قصة عاد ومدين { ولما جاء } ~~وفي آخر قصة ثمود ولوط { فلما جاء } لأنهما وقعا بعد ذكر الموعد وذلك ~~قوله: # إن موعدهم الصبح # ذلك وعد غير مكذوب # فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب كقولك«وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت ~~وكيت». وأما الأخريان فقد وقعتا مبتدأتين فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع ~~على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة { فأصبحوا فى ديارهم ~~جثمين } الجاثم اللازم لمكانه لا يريم يعني أن جبريل صاح بهم صيحة ~~فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو بغتة { كأن لم يغنوا فيها } ~~كأن لم يقيموا في ديارهم ms0611 أحياء متصرفين مترددين { ألا بعدا ~~لمدين } البعد بمعنى البعد وهو الهلاك كالرشد بمعنى الرشد ألا ترى ~~إلى قوله: { كما بعدت ثمود } وقرىء { كما بعدت } والمعنى في ~~البناءين واحد وهو نقيض القرب إلا أنهم فرقوا بين البعد من جهة الهلاك ~~وبين غيره، فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا: وعد ~~وأوعد. # { ولقد أرسلنا موسى بآيتنا وسلطن مبين } ~~المراد به العصا لأنها أبهرها { إلى فرعون وملإيه ~~فاتبعوا } أي الملأ { أمر فرعون وما أمر فرعون ~~برشيد } هو تجهيل لمتبعيه حيث تابعوه على أمره وهو ضلال مبين، وذلك ~~أنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالظلم والشر الذي لا يأتي إلا من ~~شيطان ومثله بمعزل عن الألوهية. وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين ~~وعلموا أن مع موسى الرشد والحق ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في ~~أمره رشد قط، أو المراد وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله: ### || [11.98-101] # { يقدم قومه يوم القيمة } أي يتقدمهم وهم على عقبه ~~تفسيرا له وإيضاحا أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته والرشد يستعمل في كل ~~ما يحمد ويرتضى كما استعمل الغي في كل ما يذم ويقال قدمه بمعنى تقدمه { ~~فأوردهم النار } أدخلهم. وجيء بلفظ الماضي لأن الماضي يدل على ~~أمر موجود مقطوع به فكأنه قيل: يقدمهم فيوردهم النار لا محالة يعني كما ~~كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه { وبئس ~~الورد } المورد و { المورود } الذي وردوه شبه بالفارط الذي ~~يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردة ثم قال: وبئس الورد ~~المورود الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش والنار ضده ~~{ وأتبعوا فى هذه } أي الدنيا { لعنة ويوم ~~القيمة } أي يلعنون في الدنيا ويلعنون في الآخرة { بئس ~~الرفد المرفود } رفدهم أي بئس العون المعان أو بئس العطاء المعطى ~~{ ذلك } مبتدأ { من أنباء القرى } خبر { نقصه عليك ~~} خبر بعد خبر أي ذلك النبأ بعض أبناء القرى المهلكة مقصوص عليك { ~~منها } من القرى { قائم وحصيد } أي بعضها باق وبعضها عافي ms0612 ~~الأثر كالزرع القائم على ساقه والذي حصد والجملة مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب { وما ظلمنهم } بإهلاكنا إياهم { ولكن ظلموا ~~أنفسهم } بارتكاب ما به أهلكوا { فما أغنت عنهم ~~ءالهتهم } فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله { التى يدعون } ~~يعبدون وهي حكاية حال ماضية { من دون الله من شىء لما جاء ~~أمر ربك } عذابه و { لما } منصوب ب { ما أغنت } { وما ~~زادوهم غير تتبيب } تخسير. يقال: تب إذا خسر وتببه غيره أوقعه ~~في الخسران يعني وما أفادتهم عبادة غير الله شيئا بل أهلكتهم. ### || [11.102-105] # { وكذلك } محل الكاف الرفع أي ومثل ذلك الأخذ { أخذ ربك ~~إذا أخذ القرى } أي أهلها { وهى ظلمة } حال من { القرى ~~} { إن أخذه أليم شديد } مؤلم شديد صعب على المأخوذ وهذا ~~تحذير لكل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها فعلى كل ظالم أن يبادر التوبة ~~ولا يغتر بالإمهال { إن فى ذلك } فيما قص الله من قصص الأمم ~~الهالكة { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الآخرة } أي اعتقد ~~صحته ووجوده { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة لأن عذاب الآخرة دل عليه { ~~يوم مجموع له الناس } وهو مرفوع بمجموع كما يرفع فعله إذا ~~قلت يجمع له الناس. وإنما آثر اسم المفعول على فعله لما في اسم المفعول ~~من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم. وإنه أثبت أيضا لإسناد الجمع إلى ~~الناس وأنهم لا ينفكون منه يجمعون للحساب والثواب والعقاب { وذلك ~~يوم مشهود } أي مشهود فيه فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول ~~به أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد # { وما نؤخره } أي اليوم المذكور. الأجل يطلق على مدة التأجيل ~~كلها وعلى منتهاها، والعد إنما هو للمدة لا لغايتها ومنتهاها، فمعنى قوله ~~{ وما نؤخره } { إلا لاجل معدود } إلا لانتهاء مدة معدودة ~~بحذف المضاف، أو ما نؤخر هذا اليوم إلا لتنتهي المدة التي ضربناها لبقاء ~~الدنيا { يوم يأت } وبالياء مكي، وافقه أبو عمرو ونافع وعلي في ~~الوصل، وإثبات الياء هو الأصل إذ لا علة توجب حذفها، وحذف الياء ~~والاجتزاء عنها بالكسرة كثير ms0613 في لغة هذيل ونظيره # ما كنا نبغ # [الكهف: 64] وفاعل { يأت } ضمير يرجع إلى قوله { يوم مجموع له الناس } ~~لا اليوم المضاف إلى { يأت } و { يوم } منصوب باذكر أو بقوله { لا ~~تكلم } أي لا تتكلم { نفس إلا بإذنه } أي لا يشفع أحد ~~إلا بإذن الله، # من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] { فمنهم } الضمير لأهل الموقف لدلالة { لا تكلم نفس ~~} عليه وقد مر ذكر الناس في قوله { مجموع له الناس } { شقي } معذب { ~~وسعيد } أي ومنهم سعيد أي منعم. ### || [11.106-108] # { فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير } ~~هو أول نهيق الحمار { وشهيق } هو آخره، أو هما إخراج النفس ورده، ~~والجملة في موضع الحال والعامل فيها الاستقرار الذي في النار { ~~خلدين فيها } حال مقدرة { ما دامت السموت والأرض ~~} في موضع النصب أي مدة دوام السماوات والأرض، والمراد سماوات الآخرة ~~وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أن لها سماوات وأرضا قوله # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت # [إبراهيم: 48] وقيل: ما دام فوق وتحت ولأنه لا بد لأهله الآخرة مما ~~يقلهم ويظلهم إما سماء أو عرش وكل ما أظلك فهو سماء، أو هو عبارة عن ~~التأبيد ونفي الانقطاع كقول العرب: ما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات ~~التأبيد { إلا ما شاء ربك } هو استثناء من الخلود في عذاب ~~النار، وذلك لأن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون ~~بالزمهرير وأنواع من العذاب سوى عذاب النار، أو ب { ما شاء } بمعنى من ~~شاء وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم الجهنميون وهم ~~المستثنون من أهل الجنة أيضا لمفارقتهم إياها بكونهم في النار أياما، ~~فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد، ولا سعدوا سعادة من لا ~~تمسه النار، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك وقتادة رضي الله عنهم { إن ~~ربك فعال لما يريد } بالشقي والسعيد { وأما الذين ~~سعدوا } { سعدوا } حمزة وعلي وحفص. سعد لازم وسعده يسعده متعد { ~~ففى الجنة خلدين فيها ما دامت السموت ~~والأرض إلا ما ms0614 شاء ربك } هو استثناء من الخلود في نعيم ~~الجنة وذلك أن لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وهو رؤية الله تعالى ~~ورضوانه، أو معناه إلا من شاء أن يعذبه بقدر ذنبه قبل أن يدخله الجنة. ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الاستثناء في الآيتين لأهل الجنة " # ومعناه ما ذكرنا أنه لا يكون للمسلم العاصي الذي دخل النار خلود في ~~النار حيث يخرج منها، ولا يكون له أيضا خلود في الجنة لأنه لم يدخل ~~الجنة ابتداء، والمعتزلة لما لم يروا خروج العصاة من النار ردوا الأحاديث ~~المروية في هذا الباب # وكفى به إثما مبينا # [النساء: 50] { عطاء غير مجذوذ } غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير ~~نهاية كقوله: # لهم أجر غير ممنون # [الإنشقاق: 25] وهو نصب على المصدر أي أعطوا عطاء. قيل: كفرت الجهمية ~~بأربع آيات { عطاء غير مجذوذ }. # أكلها دائم # [الرعد: 35] # وما عند الله باق # [النحل: 96] # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33] لما قص الله قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحل بهم من نقمه ~~وما أعد لهم من عذابه قال: ### || [11.109] # { فلا تك فى مرية مما يعبد هؤلاء } أي فلا تشك بعدما ~~أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم لما أصاب أمثالهم قبلهم ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة بالانتقام منهم ووعيدا. لهم ~~ثم قال: { ما يعبدون إلا كما يعبد ءابآؤهم من قبل } يريد أن حالهم ~~في الشرك مثل حال آبائهم، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلن بهم مثله، وهو ~~استئناف معناه تعليل النهي عن المرية و«ما» في { مما } و { كما } مصدرية ~~أو موصولة أي من عبادتهم وكعبادتهم، أو مما يعبدون من الأوثان ومثل ما ~~يعبدون منها { وإنا لموفوهم نصيبهم } حظهم من العذاب كما ~~وفينا آباءهم أنصباءهم { غير منقوص } حال من { نصيبهم } أي كاملا # . ### || [11.110-111] # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } التوراة { فاختلف ~~فيه } آمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف في القرآن وهو تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { ولولا ms0615 كلمة سبقت من ربك } ~~إنه لا يعاجلهم بالعذاب { لقضي بينهم } بين قوم موسى أو قومك ~~بالعذاب المستأصل { وإنهم لفى شك منه } من القرآن أو من ~~العذاب { مريب } من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي { ~~وإن كلا } التنوين عوض عن المضاف إليه يعني وإن كلهم أي وإن جميع ~~المختلفين فيه «وإن» مشددة { لما } مخفف: بصري وعلي، «ما» مزيدة جيء ~~بها ليفصل بها بين لام «إن» ولام { ليوفينهم } وهو جواب قسم ~~محذوف، واللام في { لما } موطئة للقسم والمعنى وإن جميعهم والله ليوفينهم ~~{ ربك أعمالهم } أي جزاء أعمالهم من إيمان وجحود وحسن وقبيح. ~~بعكس الأولى: أبو بكر، مخففان: مكي ونافع على إعمال المخففة عمل الثقيلة ~~اعتبارا لأصلها الذي هو التثقيل، ولأن «إن» تشبه الفعل والفعل يعمل قبل ~~الحذف وبعده نحو«لم يكن» «ولم يك» فكذا المشبه به مشددتان غيرهم وهو ~~مشكل. وأحسن ما قيل فيه أنه من لممت الشيء جمعته لما، ثم وقف فصار ~~«لما» ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وجاز أن يكون مثل الدعوى والثروى وما ~~نفيه ألف التأنيث من المصادر. وقرأ الزهري { وإن كلا لما } بالتنوين ~~كقوله: # أكلا لما # [الفجر: 19] وهو يؤيد ما ذكرنا والمعنى، وإن كلا ملمومين أي مجموعين ~~كأنه قيل: وإن كلا جميعا كقوله # فسجد الملئكة كلهم أجمعون # [الحجر: 30] وقال صاحب الإيجاز: «لما» فيه معنى الظرف وقد دخل في الكلام ~~اختصار كأنه قيل: وإن كلا لما بعثوا ليوفينهم ربك أعمالهم. وقال ~~الكسائي: ليس لي بتشديد «لما» علم. { إنه بما يعملون خبير ~~}. ### || [11.112-113] # { فاستقم كما أمرت } فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت ~~بها غير عادل عنها { ومن تاب معك } معطوف على المستتر في { استقم ~~} وجاز للفاصل يعني فاستقم أنت وليستقم من تاب عن الكفر ورجع إلى الله ~~مخلصا { ولا تطغوا } ولا تخرجوا عن حدود الله { إنه بما ~~تعملون بصير } فهو مجازيكم فاتقوه. قيل: ما نزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم آية كانت أشق عليه من هذه الآية ولهذا قال: # " شيبتني هود " # { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ms0616 } ولا تميلوا. قال الشيخ ~~رحمه الله: هذا خطاب لأتباع الكفرة أي لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ~~ظلمهم وفيما يدعونكم إليه { فتمسكم النار } وقيل: الركون إليهم ~~الرضا بكفرهم. وقال قتادة: ولا تلحقوا بالمشركين. وعن الموفق أنه صلى خلف ~~الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه فلما أفاق قيل له فقال: هذا فيمن ركن ~~إلى من ظلم فكيف بالظالم! وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءين { ولا ~~تطغوا } { ولا تركنوا } وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء ~~الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور ~~عاملا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " # ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء ~~فقال: لا، فقيل له: يموت قال: دعه يموت { وما لكم من دون الله ~~من أولياء } حال من قوله { فتمسكم النار } أي فتمسكم النار وأنتم ~~على هذه الحالة، ومعناه وما لكم من دون الله من أولياء يقدرون على منعكم ~~من عذابه ولا يقدر على منعكم منه غيره { ثم لا تنصرون } ثم لا ينصركم هو ~~لأنه حكم بتعذيبكم. ومعنى «ثم» الاستبعاد أي النصرة من الله مستبعدة. ### || [11.114-115] # { وأقم الصلوة طرفى النهار } غدوة وعشية { وزلفا ~~من اليل } وساعات من الليل جمع زلفة وهي ساعاته القريبة من آخر ~~النهار من أزلفه إذا قربه. وصلاة الغدوة الفجر، وصلاة العشية الظهر ~~والعصر لأن ما بعد الزوال عشي، وصلاة الزلف المغرب والعشاء، وانتصاب { ~~طرفي النهار } على الظرف لأنهما مضافان إلى الوقت كقولك «أقمت عنده جميع ~~النهار وأتيته نصف النهار وأوله وآخره». تنصب هذا كله على إعطاء المضاف ~~حكم المضاف إليه { إن الحسنت يذهبن السيئات } إن ~~الصلوات الخمس يذهبن الذنوب وفي الحديث # " إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب " # أو الطاعات. قال عليه السلام: # " أتبع السيئة الحسنة تمحها " # أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر { ذلك } ~~إشارة إلى { فاستقم ms0617 } فما بعده أو القرآن { ذكرى للذكرين } عظة ~~للمتعظين. نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري بائع التمر قال لامرأة: في ~~البيت تمر أجود فدخلت فقبلها فندم فجاءه حاكيا باكيا فنزلت فقال عليه ~~السلام: # " هل شهدت معنا العصر " # قال: نعم. قال: # " هي كفارة لك " # فقيل: أله خاصة؟ قال: # " بل للناس عامة " # { واصبر } على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه فلا يتم ~~شيء منه إلا به { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ~~جاء بما هو مشتمل على جميع الأوامر والنواهي من قوله { فاستقم } إلى قوله ~~{ واصبر } وغير ذلك من الحسنات. ### || [11.116-118] # { فلولا كان من القرون من قبلكم } فهلا كان وهو موضوع ~~للتحضيض ومخصوص بالفعل { أولوا بقية } أولوا فضل وخير، وسمي ~~الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلا ~~في الجودة والفضل. ويقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ومنه قولهم: ~~«في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا» { ينهون عن الفساد فى ~~الأرض } عجب محمدا عليه السلام وأمته أن لم يكن في الأمم التي ذكر ~~الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولى العقل والدين ينهون غيرهم عن ~~الكفر والمعاصي { إلا قليلا ممن أنجينا منهم } استثناء ~~منقطع أي ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم ~~تاركون للنهي. و«من» في { ممن أنجينا } للبيان لا للتبعيض لأن النجاة ~~للناهين وحدهم بدليل قوله: # أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا # [الأعراف:165] { واتبع الذين ظلموا } أي التاركون للنهي عن ~~المنكر، وهو عطف على مضمر أي قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد ~~واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على « نهوا» { ما أترفوا فيه ~~} أي أتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه من حب الرياسة والثروة وطلب ~~أسباب العيش الهنيء، ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذوه وراء ~~ظهورهم { وكانوا مجرمين } اعتراض وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون { ~~وما كان ربك ليهلك القرى } اللام لتأكيد النفي { ~~بظلم } حال من الفاعل أي لا يصح أن يهلك الله القرى ظالما لها { ~~وأهلها } قوم ms0618 { مصلحون } تنزيها لذاته عن الظلم. وقيل: الظلم ~~الشرك أي لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون في المعاملات فيما ~~بينهم لا يضمون إلى شركهم فسادا آخر { ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة } أي متفقين على الإيمان والطاعات عن اختيار ~~ولكن لم يشأ ذلك. وقالت المعتزلة: وهي مشيئة قسر، وذلك رافع للابتداء فلا ~~يجوز { ولا يزالون مختلفين } في الكفر والإيمان أي ولكن شاء ~~أن يكونوا مختلفين لما علم منهم اختيار ذلك. ### || [11.119-123] # { إلا من رحم ربك } إلا ناسا عصمهم الله عن الاختلاف ~~فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه { ولذلك خلقهم } أي ولما ~~هم عليه من الاختلاف فعندنا خلقهم للذي علم أنهم سيصيرون إليه من اختلاف ~~أو اتفاق ولم يخلقهم لغير الذي علم أنهم سيصيرون إليه، كذا في شرح ~~التأويلات { وتمت كلمت ربك } وهي قوله للملائكة لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } لعلمه بكثرة من ~~يختار الباطل. # { وكلا } التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل: وكل نبأ وهو ~~منصوب بقوله { نقص عليك } وقوله: { من أنباء الرسل } ~~بيان لكل وقوله: { ما نثبت به فؤادك } بدل من { كلا } { ~~وجاءك فى هذه الحق } أي في هذه السورة أو في هذه الأنباء ~~المقتصة ما هو حق { وموعظة وذكرى للمؤمنين } ومعنى ~~تثبيت فؤاده زيادة يقينه لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب { وقل للذين ~~لا يؤمنون } من أهل مكة وغيرهم { اعملوا على مكانتكم ~~} على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها { إنا عاملون } على مكانتنا { ~~وانتظروا } بنا الدوائر { إنا منتظرون } أن ينزل بكم نحو ~~ما اقتص الله تعالى من النقم النازلة بأشباهكم { ولله غيب ~~السموت والأرض } لا تخفى عليه خافية مما يجري فيهما فلا تخفى ~~عليه أعمالكم { وإليه يرجع الأمر كله } فلا بد أن يرجع ~~إليه أمرهم وأمرك فينتقم لك منهم. { يرجع } نافع وحفص { فاعبده ~~وتوكل عليه } فإنه كافيك وكافلك { وما ربك بغفل ~~عما تعملون } وبالتاء: مدني وشامي وحفص، أي أنت وهم على تغليب ~~المخاطب. قيل: خاتمة التوراة هذه الآية وفي الحديث # " من أحب أن يكون أقوى ms0619 الناس فليتوكل على الله تعالى ". ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # { الر تلك ءايات الكتب المبين } { تلك } إشارة إلى آيات ~~هذه السورة، و { الكتاب المبين } السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك ~~في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب، أو التي تبين ~~لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا ~~تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت عنه ~~اليهود من قصة يوسف عليه السلام، فقد روي أن علماء اليهود قالوا ~~للمشركين: سلوا محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف ~~عليه السلام { إنا أنزلناه قرانا عربيا } أي أنزلنا هذا ~~الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام في حال كونه قرآنا عربيا، وسمي ~~بعض القرآن قرآنا لأنه اسم جنس يقع على كله وبعضه { لعلكم ~~تعقلون } لكي تفهموا معانيه # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته # [فصلت: 44] { نحن نقص عليك أحسن القصص } نبين لك ~~أحسن البيان. والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها عن الزجاج، وقيل: ~~القصص يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص نقول: قص الحديث يقصه قصصا، ويكون ~~فعلا بمعنى مفعول كالنفض والحسب، فعلى الأول معناه نحن نقص عليك أحسن ~~الاقتصاص { بما أوحينا إليك هذا القرءان } أي ~~بإيحائنا إليك هذه السورة على أن يكون { أحسن } منصوبا نصب المصدر ~~لإضافته إليه والمقصوص محذوف لأن { بما أوحينا إليك هذا القرآن } مغن ~~عنه. والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب فإنك ~~لا ترى اقتصاصه في كتب الأولين مقاربا لاقتصاصه في القرآن. وإن أريد ~~بالقصص المقصوص فمعناه نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان ~~أحسن لما يتضمن من العبر والحكم والعجائب التي ليس في غيره. والظاهر أنه ~~أحسن ما يقتص في بابه كما يقال «فلان أعلم الناس» أي في فنه، واشتقاق ~~القصص من قص أثره إذا تبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا ~~فشيئا { وإن كنت من قبله } الضمير يرجع إلى { ما ms0620 أوحينا } { ~~لمن الغفلين } عنه «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها ~~وبين النافية يعني وإن الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من ~~الجاهلين به # . ### || [12.4] # { إذ قال } بدل اشتمال من { أحسن القصص } لأن الوقت مشتمل على القصص ~~أو التقدير: أذكر إذ قال { يوسف } اسم عبراني لا عربي إذ لو كان ~~عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف { لأبيه } يعقوب { ~~ياأبتي } { أبت } شامي وهي تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة ~~لتناسبهما، لأن كل واحدة منهما زائدة في آخر الاسم ولهذا قلبت هاء في ~~الوقف. وجاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر كما في رجل ربعة، وكسرت التاء ~~لتدل على الياء المحذوفة. ومن فتح التاء فقد حذف الألف من «يا أبتا» ~~واستبقى الفتحة قبلها كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» { إنى ~~رأيت } من الرؤيا لا من الرؤية { أحد عشر كوكبا } أسماؤها ~~ببيان النبي عليه السلام: جريان والذيال والطارق وقابس وعمودان والفليق ~~والمصبح والصروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين { والشمس والقمر } ~~هما أبواه أو أبوه وخالته والكواكب إخوته. قيل: الواو بمعنى «مع» أي رأيت ~~الكواكب مع الشمس والقمر. وأجريت مجرى العقلاء في { رأيتهم لي ~~ساجدين } لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود وكررت الرؤيا ~~لأن الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال، أو الثانية كلام مستأنف على ~~تقدير سؤال وقع جوابا له كأن أباه قال له: كيف رأيتها؟ فقال: رأيتهم لي ~~ساجدين أي متواضعين وهو حال، وكان ابن ثنتي عشرة سنة يومئذ وكان بين رؤيا ~~يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة أو ثمانون. ### || [12.5-6] # { قال يا بني } بالفتح حيث كان. حفص { لا تقصص رءياك } هي ~~بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، وفرق ~~بينهما بحر في التأنيث كما في القربة والقربى { على إخوتك ~~فيكيدوا لك } جواب النهي أي إن قصصتها عليهم كادوك. عرف يعقوب ~~عليه السلام أن الله يصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه ~~حسد الإخوة. وإنما لم يقل فيكيدوك كما قال # فيكدوني # [هود: 55] لأنه ضمن ms0621 معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع ~~إفادة معنى الفعل المضمن فيكون آكد وأبلغ في التخويف وذلك نحو «فيحتالوا ~~لك» ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر وهو { كيدا إن الشيطن ~~للإنسن عدو مبين } ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد ~~والكيد. # { وكذلك } ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك { يجتبيك ~~ربك } يصطفيك، والاجتباء الاصطفاء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته ~~لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته { ويعلمك } كلام مبتدأ غير داخل ~~في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك { من تأويل الأحاديث } أي ~~تأويل الرؤيا، وتأويلها عبارتها وتفسيرها وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا، ~~أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب الله وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة ~~{ ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب } بأن وصل لهم ~~نعمة الدنيا بنعمة الآخرة أي جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكا، ونقلهم ~~عنها إلى الدرجات العلى في الجنة. وآل يعقوب أهله وهم نسله وغيرهم، وأصل ~~آل أهل بدليل تصغيره على« أهيل» إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر، يقال ~~آل النبي وآل الملك ولا يقال آل الحجام، ولكن أهله، وإنما علم يعقوب أن ~~يوسف يكون نبيا وإخوته أنبياء استدلالا بضوء الكواكب فلذا قال { وعلى ~~آل يعقوب } { كما أتمها على أبويك من قبل } أراد ~~الجد وأبا الجد { إبرهيم وإسحق } عطف بيان ل { أبويك } { ~~إن ربك عليم } يعلم من يحق له الاجتباء { حكيم } يضع ~~الأشياء في مواضعها. ### || [12.7-9] # { لقد كان فى يوسف وإخوته } أي في قصتهم وحديثهم { ~~ءايت } علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء. { آية } مكي ~~{ للسائلين } لمن سأل عن قصتهم وعرفها، أو آيات على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم من غير سماع من أحد ~~ولا قراءة كتاب، وأسماؤهم: يهوذا وروبين وشمعون ولاوي وزبولون ويشجر ~~وأمهم ليا ليان، ودان ونفتالي وجاد وآشر من سريتين زلفة وبلهة، فلما ~~توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف. # { إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا } ~~اللام لام الابتداء وفيها تأكيد ms0622 وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا أن زيادة ~~محبته لهما أمر ثابت لاشبهة فيه. وإنما قالوا { وأخوه } وهم إخوته أيضا ~~لأن أمهما كانت واحدة، وإنما قيل { أحب } في الاثنين لأن أفعل من لا يفرق ~~فيه بين الواحد وما فوقه ولا بين المذكر والمؤنث، ولا بد من الفرق مع لام ~~التعريف وإذا أضيف ساغ الأمران. والواو في { ونحن عصبة } للحال ~~أي أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما صغيران لا كفاية فيهما ونحن عشرة ~~رجال كفاة نقوم بمرافقه، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة ~~والمنفعة عليهما { إن أبانا لفى ضلل مبين } غلط في تدبير ~~أمر الدنيا ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا. والعصبة العشرة فصاعدا { ~~اقتلوا يوسف } من جملة ما حكى بعد قوله { إذ قالوا } كأنهم أطبقوا ~~على ذلك إلا من قال: لا تقتلوا يوسف وقيل: الآمر بالقتل شمعون والباقون ~~كانوا راضين فجعلوا آمرين { أو اطرحوه أرضا } منكورة مجهولة ~~بعيدة عن العمران وهو معنى تنكيرها وإخلائها عن الوصف ولهذا الإبهام نصبت ~~نصب الظروف المبهمة { يخل لكم وجه أبيكم } يقبل عليكم ~~إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته لهم ممن ~~يشاركهم فيها فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأن الرجل إذا ~~أقبل على الشيء أقبل بوجهه، وجاز أن يراد بالوجه الذات كما قال # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27] { وتكونوا } مجزوم عطفا على { يخل لكم } { من ~~بعده } من بعد يوسف أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو من بعد ~~قتله أو طرحه فيرجع الضمير إلى مصدر «اقتلوا» أو «اطرحوا» { قوما ~~صلحين } تائبين إلى الله مما جنيتم عليه أو يصلح حالكم عند أبيكم. ### || [12.10-12] # { قال قائل منهم } هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأيا { لا ~~تقتلوا يوسف } فإن القتل عظيم { وألقوه في غيابة ~~الجب } في قعر البئر وما غاب منه عن عين الناظر. غيابات وكذا ما بعده: ~~مدني { يلتقطه بعض السيارة } بعض الأقوام الذين يسيرون في ~~الطريق { إن كنتم فعلين } به شيئا { قالوا يأبانا ~~ملك لا تأمنا على يوسف وإنا له لنصحون } ~~أي ms0623 لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونشفق، عليه وأرادوا بذلك لما ~~عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم وفيه دليل على ~~أنه أحسن منهم، بما أوجب أن لا يأمنهم عليه { أرسله معنا غدا ~~يرتع } نرتع نتسع في أكل الفواكه وغيرها والرتعة السعة { ~~ويلعب } ونلعب نتفرج بما يباح كالصيد والرمي والركض. بالياء ~~فيهما مدني وكوفي، وبالنون فيهما: مكي وشامي وأبو عمرو، وبكسر العين: ~~حجازي من ارتعى يرتعي افتعال من الرعي { وإنا له لحفظون } ~~من أن يناله مكروه. ### || [12.13-15] # { قال إنى ليحزننى أن تذهبوا به } أي يحزنني ذهابكم ~~به واللام لام الابتداء { وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم ~~عنه غفلون } اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا ~~يصبر عنه ساعة وأنه يخاف عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم ~~{ قالوا لئن أكله الذئب } اللام موطئة للقسم والقسم محذوف ~~تقديره والله لئن أكله الذئب. والواو في { ونحن عصبة } أي فرقة ~~مجتمعة مقتدرة على الدفع للحال { إنا إذا لخسرون } جواب ~~للقسم مجزىء عن جزاء الشرط أي إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا ~~إذا وخسرناها، وأجابوا عن عذره الثاني دون الأول لأن ذلك كان يغيظهم. # { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة ~~الجب } أي عزموا على إلقائه في البئر وهي بئر على ثلاثة فراسخ من منزل ~~يعقوب عليه السلام، وجواب «لما» محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوا من ~~الأذى، فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وضربوه ~~وكادوا يقتلونه فمنعهم يهوذا، أرداوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم ~~فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه ~~بالدم فيحتالوا به على أبيهم ودلوه في البئر، وكان فيها ماء فسقط فيه ثم ~~أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي وكان يهوذا يأتيه بالطعام. ويروى أن ~~إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه ~~السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى ms0624 إسحاق وإسحاق ~~إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فأخرجه جبريل وألبسه ~~إياه { وأوحينا إليه } قيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى ~~يحيى وعيسى عليهما السلام. وقيل: كان إذ ذاك مدركا { لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا } أي لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك { وهم لا ~~يشعرون } أنك يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك، وذلك أنهم حين دخلوا ~~عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يديه ثم نقره ~~فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ~~وأنكم ألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس، ~~أو يتعلق { وهم لا يشعرون } ب { أوحينا } أي آنسناه بالوحي وأزلنا عن ~~قلبه الوحشة ولا يشعرون بذلك. } ### || [12.16-18] # { وجاءوا أباهم عشاء } للاستتار والتجسر على الاعتذار { ~~يبكون } حال عن الأعمش لا تصدق باكية بعد إخوة يوسف، فلما سمع صوتهم ~~فزع وقال ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما ~~بالكم وأين يوسف؟ { قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق } ~~أي نتسابق في العدو أو في الرمي. والافتعال والتفاعل يشتركان كالإرتماء ~~والترامي وغير ذلك { وتركنا يوسف عند متعنا فأكله ~~الذئب وما أنت بمؤمن لنا } بمصدق لنا { ولو كنا ~~صدقين } ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف ~~وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا؟! { وجاءوا على قميصه بدم ~~كذب } ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال ~~للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته. روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوا القميص ~~بدمها وزل عنهم أن يمزقوه، وروي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بخبر يوسف ~~صاح بأعلى صوته وقال: أين القيمص، فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب ~~وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم، من هذا أكل ابني ~~ولم يمزق عليه قميصه. وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات كان دليلا ~~ليعقوب على كذبهم { وألقاه على وجهه فارتد بصيرا } ودليلا على براءة ms0625 ~~يوسف حين قد من دبره. ومحل { على قميصه } النصب على الظرف كأنه قيل: ~~وجاؤا فوق قميصه بدم { قال } يعقوب عليه السلام { بل سولت } ~~زينت أو سهلت { لكم أنفسكم أمرا } عظيما ارتكبتموه { ~~فصبر جميل } خبر أو مبتدأ لكونه موصوفا أي فأمري صبر جميل، أو ~~فصبر جميل أجمل وهو ما لا شكوى فيه إلى الخلق { والله المستعان ~~} أي استعينه { على } احتمال { ما تصفون } من هلاك يوسف والصبر ~~على الرزء فيه. ### || [12.19-20] # { وجاءت سيارة } رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة ~~أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه، وكان ~~الجب في قفرة بعيدة من العمران وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف { ~~فأرسلوا واردهم } هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك ~~بن ذعر الخزاعي { فأدلى دلوه } أرسل الدلو ليملأها فتشبث يوسف ~~بالدلو فنزعوه { قال بشرى } كوفي نادى البشرى كأنه يقول: تعالى فهذا ~~أوانك. غيرهم { بشراي } على إضافتها لنفسه أو هو اسم غلامه فناداه مضافا ~~إلى نفسه { هذا غلام } قيل: ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك ~~يبشرهم به { وأسروه } الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة، أو ~~لأخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت ~~يوسف مخافة أن يقتلوه { بضعة } حال أي أخفوه متاعا للتجارة، ~~والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي قطع { والله عليم بما ~~يعملون } بما يعمل أخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع { ~~وشروه } وباعوه { بثمن بخس } مبخوس ناقص عن القيمة نقصانا ~~ظاهرا أو زيف { درهم } بدل من { ثمن } { معدودة } قليلة تعد ~~عدا ولا توزن لأنهم كانوا يعدون ما دون الأربعين ويزنون الأربعين وما ~~فوقها وكانت عشرين درهما { وكانوا فيه من الزهدين } ممن يرغب ~~عما في يده فيبيعه بالثمن الطفيف، أو معنى { وشروه } واشتروه يعني الرفقة ~~من إخوته { وكانوا فيه من الزاهدين } أي غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه ~~آبق. ويروى أن إخوته اتبعوهم وقالوا: استوثقوا منه لا يأبق. و { فيه } ~~ليس من صلة { الزاهدين } أي غير ms0626 راغبين لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، ~~وإنما هو بيان كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه. ### || [12.21-22] # { وقال الذى اشتراه من مصر } هو قطفير وهو العزيز الذي ~~كان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد وقد آمن بيوسف ومات ~~في حياته واشتراه العزيز برنته ورقا وحريرا ومسكا وهو ابن سبع عشرة ~~سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ~~ثلاثين سنة، وآتاه الله الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي ~~وهو ابن مائة وعشرين سنة { لامرأته } راعيل أو زليخا واللام متعلقة ~~ب { قال } لا ب { اشتراه } { أكرمى مثواه } اجعلي منزله ~~ومقامه عندنا كريما أي حسنا مرضيا بدليل قوله # إنه ربي أحسن مثواي # وعن الضحاك: بطيب معاشه ولين لباسه ووطىء فراشه { عسى أن ينفعنا ~~} لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها نستظهر به على بعض ما نحن ~~بسبيله { أو نتخذه ولدا } أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان ~~قطفير عقيما وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك { وكذلك } إشارة إلى ما ~~تقدم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه. والكاف منصوب تقديره ومثل ذلك ~~الإنجاء والعطف { مكنا ليوسف } أي كما أنجيناه وعطفنا عليه ~~العزيز كذلك مكنا له { في الأرض } أي أرض مصر وجعلناه ملكا يتصرف ~~فيها بأمره ونهيه { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } كان ذلك ~~الإنجاء والتمكين { والله غالب على أمره } لا يمنع عما شاء ~~أو على أمر يوسف بتبليغه ما أراد له دون ما أراد إخوته { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } ذلك { ولما بلغ أشده } ~~منتهى استعداد قوته وهو ثمان عشرة سنة أو إحدى وعشرون { آتيناه ~~حكما وعلما } حكمة وهو العلم مع العمل واجتناب ما يجهل فيه أو ~~حكما بين الناس وفقها { وكذلك نجزى المحسنين } تنبيه على ~~أنه كان محسنا في عمله متقيا في عنفوان أمره. ### || [12.23-24] # { وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه } أي طلبت ~~يوسف أن يواقعها والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى ~~خادعته عن نفسه أي فعلت ms0627 فعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن ~~يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحمل ~~لمواقعته إياها { وغلقت الأبواب } وكانت سبعة { وقالت ~~هيت لك } هو اسم لتعال وأقبل وهو مبني على الفتح { هيت } مكي بناه ~~على الضم، { هيت } مدني وشامي واللام للبيان كأنه قيل لك أقول هذا كما ~~تقول هلم لك { قال معاذ الله } أعوذ بالله معاذا { إنه } أي ~~إن الشأن والحديث { ربي } سيدي ومالكي يريد قطفير { أحسن ~~مثواي } حين قال لك { أكرمي مثواه } فما جزاؤه أن إخوته في أهله { ~~إنه لا يفلح الظلمون } الخائبون أو الزناة، أو أراد ~~بقوله { إنه ربي } الله تعالى لأنه مسبب الأسباب { ولقد همت به ~~} هم عزم { وهم بها } هم الطباع مع الامتناع قاله الحسن. وقال ~~الشيخ أبو منصور رحمه الله: وهم بها هم خطرة ولا صنع للعبد فيما يخطر ~~بالقلب ولا مؤاخذة عليه، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من ~~عباده المخلصين. وقيل: هم بها وشارف أن يهم بها، يقال: هم بالأمر إذا ~~قصده وعزم عليه. وجواب { لولا أن رأى برهان ربه } محذوف أي ~~لكان ما كان. وقيل: { وهم بها } جوابه ولا يصح، لأن جواب « لولا» لا ~~يتقدم عليها لأنه في حكم الشرط وله صدر الكلام والبرهان الحجة. ويجوز أن ~~يكون { وهم بها } داخلا في حكم القسم في قوله { ولقد همت به } ويجوز أن ~~يكون خارجا. ومن حق القارىء إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاما ~~برأسه أن يقف على { به } ويبتدىء بقوله { وهم بها } وفيه أيضا إشعار ~~بالفرق بين الهمين. وفسر هم يوسف بأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها ~~الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر البرهان بأنه سمع صوتا إياك وإياها ~~مرتين فسمع ثالثا أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضا على ~~أنملته، وهو باطل، ويدل على بطلانه قوله { هي روادتني عن نفسي } ولو كان ~~ذلك منه أيضا لما برأ نفسه من ذلك، وقوله { كذلك لنصرف عنه السوء ms0628 ~~والفحشاء } ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفا عنه وقوله { ذلك ليعلم أني ~~لم أخنه بالغيب } ولو كان كذلك لخانه بالغيب، وقوله { ما علمنا ~~عليه من سوء } { الآن حصص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين } ولأنه لو وجد منه ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ~~ونوح وذي النون وداود عليهم السلام، وقد سماه الله مخلصا فعلم بالقطع ~~أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظرا في دلائل ~~التحريم حتى استحق من الله الثناء. ومحل الكاف في { كذلك } نصب أي ~~مثل ذلك التثبيت ثبتناه، أو رفع أي الأمر مثل ذلك { لنصرف عنه ~~السوء } خيانة السيد # { والفحشاء } الزنا { إنه من عبادنا المخلصين } ~~بفتح اللام حيث كان: مدني وكوفي أي الذين أخلصهم الله لطاعته، وبكسرها ~~غيرهم أي الذين أخلصوا دينهم لله. ومعنى { من عبادنا } بعض عبادنا أي ~~هومخلص من جملة المخلصين. ### || [12.25] # { واستبقا الباب } وتسابقا إلى الباب، هي للطلب وهو للهرب، على ~~حذف الجار وإيصال الفعل كقوله # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] أو على تضمين { استبقا } معنى ابتدارا ففر منها يوسف ~~فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج ووحد الباب وإن كان ~~جمعه في قوله # وغلقت الأبواب # لأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار ولما هرب يوسف جعل ~~فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج { وقدت قميصه من دبر } ~~اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه { ~~وألفيا سيدها لدا الباب } وصادفا بعلها قطفير مقبلا ~~يريد أن يدخل، فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة ~~ولتخويف يوسف طمعا في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها حيث { قالت ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم } «ما» نافيه أي ليس جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم وهو الضرب ~~بالسياط، ولم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوء لأنها قصدت العموم أي كل ~~من أراد بأهلك سوءا فحقه أن يسجن أو يعذب، لأن ذلك أبلغ فيما قصدت ms0629 من ~~تخويف يوسف. ولما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه. ### || [12.26-31] # { قال هى راودتنى عن نفسى } لولا ذلك لكتم عليها ولم ~~يفضحها { وشهد شاهد من أهلها } هو ابن عم لها، وإنما ألقى ~~الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق ~~لبراءة يوسف. وقيل: كان ابن خال لها وكان صبيا في المهد. وسمي قوله ~~شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها { إن ~~كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذبين ~~وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصدقين } والتقدير: وشهد شاهد فقال: إن كان قميصه: وإنما دل قد ~~قميص من قبل على أنها صادقة لأنه يسرع خلفها ليلحقها فيعثر في مقادم ~~قميصه فيشقه، ولأنه يقبل عليها وهي تدفعه عن نفسه فيتخرق قميصه من قبل. ~~وأما تنكير { قبل } و { دبر } فمعناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال ~~لها دبر، وإنما جمع بين «إن» التي للاستقبال وبين «كان» لأن المعنى أن ~~يعلم أنه كان قميصه قد. # { فلما رأى } قطفير { قميصه قد من دبر } وعلم براءة ~~يوسف وصدقه وكذبها # { قال إنه } إن قولك { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } أو إن هذا ~~الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال { من كيدكن } الخطاب لها ولأمتها ~~{ إن كيدكن عظيم } لأنهن ألطف كيدا وأعظم حيلة وبذلك يغلبن ~~الرجال، والقصريات منهن معهن ما ليس مع غيرهن من البوائق. وعن بعض ~~العلماء: إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن الله تعالى ~~قال: # إن كيد الشيطن ضعيفا # [النساء: 76] وقال لهن { إن كيدكن عظيم } { يوسف } حذف ~~منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث، وفيه تقريب له وتلطيف ~~لمحله { أعرض عن هذا } الأمر واكتمه ولا تتحدث به. ثم قال ~~لراعيل { واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخطئين } ~~من جملة القوم المتعمدين للذنب. يقال: خطىء إذا أذنب متعمدا، وإنما قال ~~بلفظ التذكير تغليبا للذكر على الإناث، وكان العزيز رجلا حليما قليل ~~الغيرة حيث اقتصر ms0630 على هذا القول. # { وقال نسوة } جماعة من النساء وكن خمسا: امرأة الساقي وامرأة ~~الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب. والنسوة اسم ~~مفرد لجمع المرأة وتأنيثها غير حقيقي ولذا لم يقل قالت وفيه لغتان كسر ~~النون وضمها { فى المدينة } في مصر { امرأت العزيز } يردن قطفير، ~~والعزيز الملك بلسان العرب { تراود فتها } غلامها يقال فتاي ~~وفتاتي أي غلامي وجاريتي { عن نفسه } لتنال شهوتها منه { قد ~~شغفها حبا } تمييز أي قد شغفها حبه يعني خرق حبه شغاف قلبها حتى ~~وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب أو جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب { ~~إنا لنراها فى ضلل مبين } في خطأ وبعد عن طريق الصواب { ~~فلما سمعت } راعيل { بمكرهن } باغتيابهن وقولهن امرأة ~~العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها. # وسمي الاغتياب مكرا لأنه في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره. وقيل ~~كانت استكتمتهن سرها فأفشينه عليها { أرسلت إليهن } دعتهن. ~~قيل: دعت أربعين امرأة منهن الخمس المذكورات { وأعتدت } وهيأت ~~افتعلت من العتاد { لهن متكئا } ما يتكئن عليه من نمارق قصدت ~~بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤيته ~~ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها. لأن المتكىء إذا بهت ~~لشيء وقعت يده على يده { وآتت كل واحدة منهن سكينا } وكانوا لا يأكلون ~~في ذلك الزمان إلا بالسكاكين كفعل الأعاجم { وقالت اخرج ~~عليهن } بكسر التاء: بصري وعاصم وحمزة، وبضمها غيرهم. # { فلما رأينه أكبرنه } أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع ~~والجمال الفائق، وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر ~~على نجوم السماء، وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، ~~وكان يشبه آدم يوم خلقه ربه. وقيل: ورث الجمال من جدته سارة. وقيل { ~~أكبرن } بمعنى حضن والهاء للسكت، إذ لا يقال النساء قد حضنه لأنه لا ~~يتعدى إلى مفعول، يقال: أكبرت المرأة حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها ~~بالحيض تخرج من حد الصغر وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله: # خف الله واستر ذا ms0631 الجمال ببرقع # فإن لحت حاضت في الخدور العواتق # { وقطعن أيديهن } وجرحنها كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت ~~يدي تريد جرحتها أي أردن أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهشن لما رأينه ~~فخدشن أيديهن { وقلن حش لله } «حاشا» كلمة تفيد معنى التنزيه ~~في باب الاستثناء تقول: أساء القوم حاشا زيد. وهي حرف من حروف الجر فوضعت ~~موضع التنزيه والبراءة، فمعنى حاشا لله براءة الله وتنزيه الله. وقراءة ~~أبي عمرو «حاشا لله» نحو قولك سقيا لك، كأنه قال براءة، ثم قال: الله، ~~لبيان من يبرأ وينزه، وغيره { حاش لله } بحذف الألف الأخيرة والمعنى ~~تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله { ما ~~هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم } نفين عنه البشرية ~~لغرابة جماله وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا ~~أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان. ### || [12.32-33] # { قالت فذلكن الذى لمتننى فيه } تقول هو ذلك العبد ~~الكنعناني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه، تعني إنكن لم تصورنه حتى ~~صورته وإلا لتعذرنني في الافتتان به { ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم } والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع ~~البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وهذا ~~بيان جلي على أن يوسف عليه السلام بريء مما فسر به أولئك الفريق الهم ~~والبرهان. ثم قلن له: أطع مولاتك، فقالت راعيل: { ولئن لم يفعل ~~ما آمره } الضمير راجع إلى «ما» هي موصولة، والمعنى ما آمره به. فحذف ~~الجار كما في قوله «أمرتك الخير» أو «ما» مصدرية والضمير يرجع إلى يوسف ~~أي ولئن لم يفعل أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه { ليسجنن } ~~ليحبسن والألف في { وليكونا } بدل من النون التأكيد الخفيفة { من ~~الصغرين } مع السراق والسفاك والأباق كما سرق قلبي وأبق مني وسفك ~~دمي بالفراق، فلا يهنأ ليوسف الطعام والشراب والنوم هنالك كما منعني هنا ~~كل ذلك، ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميرا حصل في الحصير ms0632 على ~~الحصير حسيرا. فلما سمع يوسف تهديدها. # { قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه } ~~أسند الدعوة إليهن لأنهن قلن له ما عليك لو أجبت مولاتك، أو افتتنت كل ~~واحدة به فدعته إلى نفسها سرا فالتجأ إلى ربه، قال رب السجن أحب إلي من ~~ركوب المعصية { وإلا تصرف عنى كيدهن } فزع منه إلى الله ~~في طلب العصمة { أصب إليهن } أمل إليهن. والصبوة الميل إلى ~~الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها { وأكن ~~من الجهلين } من الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى ~~لعلمه فهو ومن لم يعلم سواء، أو من السفهاء، فلما كان في قوله { وإلا ~~تصرف عني كيدهن } معنى طلب الصرف والدعاء قال. ### || [12.34-36] # { فاستجاب له ربه } أي أجاب الله دعاءه { فصرف عنه ~~كيدهن إنه هو السميع } لدعوات الملتجئين إليه { ~~العليم } بحاله وحالهن { ثم بدا لهم } فاعله مضمر لدلالة ما ~~يفسر عليه وهو { ليسجننه } والمعنى بدا لهم بداء أي ظهر لهم رأي، والضمير ~~في { لهم } للعزيز وأهله { من بعدما رأوا الآيت } وهي ~~الشواهد على براءته كقد القميص وقطع الأيدي وشهادة الصبي وغير ذلك { ~~ليسجننه } لإبداء عذر الحال وإرخاء الستر على القيل والقال، وما ~~كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها وكان مطواعا لها وحميلا ذلولا، ~~زمامه في يديها وقد طمعت أن يذلله السجن ويسخره لها، أو خافت عليه ~~العيون وظنت فيه الظنون فألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس، إلى أن ~~رضيت بالحجاب، مكان خوف الذهاب، لتشتفي بخبره، إذا منعت من نظره { ~~حتى حين } إلى زمان كأنها اقترحت أن يسجن زمانا حتى تبصر ما يكون ~~منه. # { ودخل معه السجن فتيان } عبدان للملك خبازه وشرابيه ~~بتهمة السم، فأدخلا السجن ساعة أدخل يوسف لأن «مع» يدل على معنى الصحبة ~~تقول: خرجت مع الأمير تريد مصاحبا له فيجب أن يكون دخولهما السجن ~~مصاحبين له { قال أحدهما } أي شرابيه { إنى أرانى } أي في ~~المنام وهي حكاية حال ماضية { أعصر خمرا } أي عنبا تسمية للعنب ~~بما يؤول إليه أو الخمر ms0633 بلغة عمان اسم للعنب { وقال الآخر } أي ~~خبازه { إنى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل ~~الطير منه نبئنا بتأويله } بتأويل ما رأيناه { إنا ~~نراك من المحسنين } من الذين يحسنون عبارة الرؤيا أو من ~~المحسنين إلى أهل السجن فإنك تداوي المريض وتعزي الحزين وتوسع على ~~الفقير، فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا. وقيل: إنهما تحالما له ليمتحناه ~~فقال الشرابي: إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد ~~من عنب فقطفتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته، وقال الخباز: إني رأيت كأن ~~فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، فإذا سباع الطير تنهش منها. ### || [12.37-38] # { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله } أي لبيان ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل { ~~قبل أن يأتيكما } ولما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك ~~فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب، وأنه ~~ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ~~ويقول: يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك وجعل ذلك تخلصا إلى أن ~~يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك. ~~وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه ~~أن يقتبس منه، لم يكن من باب التزكية { ذلكما } إشارة لهما إلى ~~التأويل أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات { مما علمنى ربى } ~~وأوحى به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم { إنى تركت ملة قوم ~~لا يؤمنون بالله وهم بالأخرة هم كفرون } يجوز ~~أن يكون كلاما مبتدأ وأن يكون تعليلا لما قبله أي علمني ذلك وأوحى به ~~إلي لأني رفضت ملة أولئك وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم { ~~واتبعت ملة ءاباءي إبرهيم وإسحق ويعقوب } ~~وهي الملة الحنيفية. وتكرير «هم» للتوكيد وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت ~~النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي ~~رغبتهما في اتباع قوله، والمراد به ترك الابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه ~~{ ما ms0634 كان لنا } ما صح لنا معشر الأنبياء { أن نشرك بالله ~~من شىء } أي شيء كان صنما أو غيره. ثم قال: { ذلك } التوحيد { من ~~فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون } فضل الله فيشركون به ولا ينتهون. ### || [12.39-41] # { يصاحبى السجن } يا ساكني السجن كقوله # أصحاب النار # [البقرة: 39] و # أصحاب الجنة # [البقرة:82] { أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار } يريد التفرق في العدد والتكاثر أي أن تكون ~~أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما أم يكون لكما رب واحد ~~قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية؟ وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ~~ولعبادة الأصنام { ما تعبدون } خطاب لهما ولمن كان على دينهما من ~~أهل مصر { من دونه } من دون الله { إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~} أي سميتم مالا يستحق الإلهية آلهة ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون ~~إلا أسماء لا مسميات لها، ومعنى { سميتموها } سميتم بها يقال: سميته ~~زيدا وسميته يزيد { ما أنزل الله بها } بتسميتها { من ~~سلطن } حجة { إن الحكم } في أمر العبادة والدين { إلا ~~لله } ثم بين ما حكم به فقال { أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم } الثابت الذي دلت عليه البراهين { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وهذا يدل على أن ~~العقوبة تلزم العبد وإن جهل إذا أمكن له العلم بطريقه. # ثم عبر الرؤيا فقال { يصاحبى السجن أما أحدكما } يريد ~~الشرابي { فيسقى ربه } سيده { خمرا } أي يعود إلى عمله { ~~وأما الآخر } أي الخباز { فيصلب فتأكل الطير من ~~رأسه } روي أنه قال للأول: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن ~~حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج ~~وتعود إلى ما كنت عليه. وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم ~~تخرج فتقتل. ولما سمع الخباز صلبه قال: ما رأيت شيئا فقال يوسف { قضى ~~الأمر الذى فيه تستفتيان } أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من ~~أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر. ms0635 ### || [12.42-43] # { وقال للذى ظن أنه ناج منهما } الظان هو يوسف عليه ~~السلام إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو ~~الشرابي أو يكون الظن بمعنى اليقين { اذكرنى عند ربك } صفني عند ~~الملك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة { ~~فأنساه الشيطن } فأنسى الشرابي { ذكر ربه } أن يذكره ~~لربه أو عند ربه، أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره، وفي ~~الحديث # " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعا " # { فلبث فى السجن بضع سنين } أي سبعا عند الجمهور والبضع ~~ما بين الثلاث إلى التسع. # { وقال الملك إنى أرى سبع بقرت سمان ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر ~~يابست } لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة ~~هالته، رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت ~~العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعا أخر يابسات قد ~~استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها. فاستعبرها فلم ~~يجد في قومه من يحسن عبارتها. وقيل: كان ابتداء بلاء يوسف في الرؤيا ثم ~~كان سبب نجاته أيضا الرؤيا. سمان جمع سمين وسمينة، والعجاف: المهازيل ~~والعجف الهزال الذي ليس بعده سمانة، والسبب في وقوع عجاف جمعا لعجفاء ~~وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال حمله على نقيضه وهو سمان، ومن دأبهم ~~حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض. وفي الآية دلالة على أن ~~السنبلات اليابسة كانت سبعا كالخضر لأن الكلام مبني على انصبابه إلى هذا ~~العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى ~~الأخر السبع ويكون قوله { وآخر يابسات } بمعنى وسبعا أخر { يأيها ~~الملأ } كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء # { أفتونى فى رؤيى إن كنتم للرؤيا تعبرون } ~~اللام في { للرؤيا } للبيان، كقوله { وكانوا فيه من الزاهدين ~~} أو لأن المفعول به إذا تقدم على الفعل لم يكن في قوته على العمل فيه ~~مثله إذا تأخر عنه ms0636 فعضد بها، تقول: عبرت الرؤيا وللرؤيا عبرت، أو يكون { ~~للرؤيا } خبر «كان» كقولك «كان فلان لهذا الأمر» إذا كان مستقلا به ~~متمكنا منه، و { تعبرون } خبر آخر أو حال. وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت ~~عاقبتها وآخر أمرها كما تقول «عبرت النهر» إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه ~~وهو عبره ونحوه «أولت الرؤيا» إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها. وعبرت الرؤيا ~~بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير ~~والمعبر. ### || [12.44-45] # { قالوا أضغث أحلام } أي هي أضغاث أحلام أي تخاليطها ~~وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان. وأصل الأضغاث ما ~~جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش، الواحد ضغث فاستعيرت لذلك، ~~والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام. وإنما جمع وهو حلم واحد تزايدا في ~~وصف الحلم بالبطلان، وجاز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها ~~{ وما نحن بتأويل الأحلم بعلمين } أرادوا ~~بالأحلام المنامات الباطلة، فقالوا: ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل ~~للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام ~~بخابرين. # { وقال الذى نجا } من القتل { منهما } من صاحبي السجن { ~~وادكر } بالدال هو الفصيح وأصله «اذتكر» فأبدلت الذال دالا والتاء ~~دالا وأدغمت الأولى في الثانية ليتقارب الحرفين. وعن الحسن: «واذكر» ~~ووجهه أنه قلب التاء ذالا وأدغم أي تذكر يوسف وما شاهد منه { بعد ~~أمة } بعد مدة طويلة وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه وأعضل على ~~الملك تأويلها تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه وطلبه إليه أن ~~يذكره عندالملك { أنا أنبئكم بتأويله } أنا أخبركم به عمن ~~عنده علمه { فأرسلون } وبالياء يعقوب أي فابعثوني إليه لأسأله ~~فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال: ### || [12.46-48] # { يوسف أيها الصديق } أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك ~~لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أول { ~~أفتنا فى سبع بقرت سمان يأكلهن سبع عجاف ~~وسبع سنبلت خضر وأخر يبست لعلى أرجع ~~إلى الناس } إلى الملك وأتباعه { لعلهم يعلمون } فضلك ~~ومكانك من ms0637 العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك { قال تزرعون سبع ~~سنين } هو خبر في معنى الأمر كقوله: # تؤمنون بالله واليوم الأخر وتجهدون # الصف: 11) دليله قوله { فذروه في سنبله } وإنما يخرج الأمر في صورة ~~الخبر للمبالغة في وجود المأمور به فيجعل كأنه موجود فهو يخبر عنه { ~~دأبا } بسكون الهمزة وحفص يحركه وهما مصدرا دأب في العمل، وهو حال من ~~المأمورين أي دائبين { فما حصدتم فذروه فى سنبله } كي لا ~~يأكله السوس { إلا قليلا مما تأكلون } في تلك السنين { ~~ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن } هو من ~~إسناد المجاز جعل كل أهلهن مسندا إليهن { ما قدمتم لهن } أي ~~في السنين المخصبة { إلا قليلا مما تحصنون } تحرزون ~~وتخبئون. ### || [12.49-50] # { ثم يأتى من بعد ذلك عام } أي من بعد أربع عشرة سنة عام ~~{ فيه يغاث الناس } من الغوث أي يجاب مستغيثهم، أو من الغيث أي ~~يمطرون يقال: غيثت البلاد إذا مطرت { وفيه يعصرون } العنب ~~والزيتون والسمسم فيتخذون الأشربة والأدهان. { تعصرون } حمزة فأول ~~البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب. والعجاف واليابسات بسنين ~~مجدبة. ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء ~~مباركا كثير الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحي. # { وقال الملك ائتونى به فلما جاءه الرسول } ~~ليخرجه من السجن { قال ارجع إلى ربك } أي الملك { فاسأله ~~ما بال النسوة } أي حال النسوة { التى قطعن ~~أيديهن } إنما تثبت يوسف وتأنى في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة ~~ليظهر براءة ساحته عما رمي به وسجن فيه لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح ~~أمره عنده ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه ولئلا يقولوا ما خلد في ~~السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير وفيه دليل على أن الاجتهاد في ~~نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، وقال عليه السلام # " لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات ~~العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد ~~عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ms0638 ولو كنت مكانه ولبثت في ~~السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرت الباب ولما ابتغيت العذر إن كان ~~لحليما ذا أناة " # ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من ~~السجن والعذاب واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن { إن ربى ~~بكيدهن عليم } أي إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن ~~عليه. فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة ~~المقطعات أيديهن ودعا امرأة العزيز ثم. ### || [12.51-53] # { قال } لهن { ما خطبكن } ما شأنكن { إذ راودتن يوسف ~~عن نفسه } هل وجدتن منه ميلا إليكن { قلن حاش لله } تعجبا ~~من قدرته على خلق عفيف مثله { ما علمنا عليه من سوء } من ذنب ~~{ قالت امرأت العزيز الئن حصحص الحق } ظهر واستقر { ~~أنا رودته عن نفسه وإنه لمن الصدقين } في ~~قوله { هي روادتني عن نفسي } ولا مزيد على شهادتهم له للبراءة والنزاهة ~~واعترافهن على أنفسهن إنه لم يتعلق بشيء مما قذف به. # ثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز ~~وشهادتها على نفسها فقال يوسف { ذلك } أي امتناعي من الخروج والتثبت ~~لظهور البراءة { ليعلم } العزيز { أنى لم أخنه بالغيب ~~} بظهر الغيب في حرمته، و { بالغيب } حال من الفاعل أو المفعول على معنى ~~وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز { ~~وأن الله } أي وليعلم أن الله { لا يهدى كيد ~~الخئنين } لا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها. ~~ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكيا وليبين أن ما فيه ~~من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال { وما أبرىء نفسى } من الزلل ~~وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال، أو في هذه ~~الحادثة لما ذكرنا من الهم الذي هو الخطرة البشرية لا عن طريق القصد ~~والعزم { إن النفس لأمارة بالسوء } أراد الجنس أي إن هذا ~~الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات { إلا ما رحم ~~ربى } إلا البعض الذي ms0639 رحمه ربي بالعصمة ويجوز أن يكون ما رحم في معنى ~~الزمان أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت العصمة، أو ~~هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا ~~وقت العصمة أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، ~~وقيل: هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ~~ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرىء نفسي ~~مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت { ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءأ إلا أن يسجن } وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها إن كل ~~نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إلا نفسها رحمها الله بالعصمة كنفس ~~يوسف { إن ربى غفور رحيم } استغفرت ربها واسترحمته مما ~~ارتكبت وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأن المعنى يقود إليه. ~~وقيل: هذا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله { ذلك ليعلم } متصل بقوله { ~~فاسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن }. ### || [12.54] # { وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى } أجعله ~~خالصا لنفسي { فلما كلمه } وشاهد منه ما لم يحتسب { قال } ~~الملك ليوسف { إنك اليوم لدينا مكين أمين } ذو مكانة ~~ومنزلة، أمين مؤتمن على كل شيء. روي أن الرسول جاءه ومعه سبعون حاجبا ~~وسبعون مركبا وبعث إليه لباس الملوك فقال: أجب الملك، فخرج من السجن ~~ودعا لأهله: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم ~~أعلم الناس بالأخبار في الواقعات. وكتب على باب السجن: هذه منازل البلواء ~~وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء. ثم اغتسل وتنظف من درن ~~السجن ولبس ثيابا جددا، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك ~~من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية ~~فقال: ما هذا اللسان قال: لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا ~~فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال: أيها الصديق ms0640 إني أحب أن أسمع ~~رؤياي منك. قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن، ووصف ~~السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك وقال له: من حقك أن ~~تجمع الطعام في الأهراء فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك ~~من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك. قال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه؟ ### || [12.55-57] # { قال } يوسف { اجعلنى على خزائن الأرض } ولني على ~~خزائن أرضك يعني مصر { إنى حفيظ } أمين أحفظ ما تستحفظنيه { عليم ~~} عالم بوجوه التصرف. وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما طلبة الملوك ممن ~~يولونه. وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط ~~العدل والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدا غيره ~~لا يقوم مقامه في ذلك فطلبه ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا، وفي ~~الحديث # " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ~~ساعته ولكنه أخر ذلك سنة " # قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان ~~جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة. وإذا علم النبي أو ~~العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك ~~الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا ~~يتعرض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع له. # { وكذلك } ومثل ذلك التمكين الظاهر { مكنا ليوسف فى ~~الأرض } أرض مصر وكان أربعين فرسخا في أربعين، والتمكين الإقدار ~~وإعطاء المكنة { يتبوأ منها حيث يشاء } أي كل مكان أراد أن ~~يتخذه منزلا لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخولها تحت سلطانه. { ~~نشاء } مكي { نصيب برحمتنا } بعطائنا في الدنيا من الملك والغني ~~وغيرهما من النعم { من نشاء } من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك { ~~ولا نضيع أجر المحسنين } في الدنيا { ولأجر الأخرة ~~خير للذين ءامنوا } يريد يوسف وغيره من المؤمنين إلى يوم ~~القيامة { وكانوا يتقون } الشرك والفواحش. قال سفيان بن عيينة: ~~المؤمن يثاب على حسناته ms0641 في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في ا ~~لدنيا وماله في الآخرة من خلاق، وتلا الآية. روي أن الملك توج يوسف وختمه ~~بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر الياقوت، فقال: ~~أما السرير فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من ~~لباسي ولا لباس آبائي فجلس على السرير، ودانت له الملوك وفوض الملك إليه ~~أمره وعزل قطفير ثم مات بعد فزوجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال أليس ~~هذا خيرا مما طلبت! فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفراثيم وميشا ~~وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من ~~الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدارهم والدنانير في السنة ~~الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر في الثانية، ثم ~~بالدواب في الثالثة، ثم بالعبيد والإماء في الرابعة، ثم بالدور والعقار ~~في الخامسة، ثم بأولادهم في السادسة، ثم برقابهم في السابعة، حتى استرقهم ~~جميعا، ثم أعتق أهل مصر عن آخرهم، ورد عليهم أملاكهم، وكان لايبيع لأحد ~~من الممتارين أكثر من حمل بعير، وأصاب أرض كنعان نحو ما أصاب مصر فأرسل ~~يعقوب بنيه ليمتاروا وذلك قوله. ### || [12.58-59] # { وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم } بلا ~~تعريف { وهم له منكرون } لتبدل الزي ولأنه كان من وراء الحجاب ~~ولطول المدة وهو أربعون سنة، وروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال ~~لهم: أخبروني من أنتم وما شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة ~~أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي. ~~فقالوا: معاذ الله نحن بنو نبي حزين لفقد ابن كان أحبنا إليه وقد أمسك ~~أخا له من أمه يستأنس به فقال: ائتوني به إن صدقتم. # { ولما جهزهم بجهازهم قال } أعطى كل واحد منهم حمل ~~بعير، وقرىء بكسر الجيم شاذا { ائتونى بأخ لكم من أبيكم ~~ألا ترون أنى أوفى الكيل } أتمه { وأنا خير ~~المنزلين } كان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم رغبهم بهذا الكلام على ~~الرجوع إليه. ### || [12.60-64] ms0642 # { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى } فلا أبيعكم ~~طعاما { ولا تقربون } أي فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا فهو ~~داخل في حكم الجزاء مجزوم معطوف على محل قوله { فلا كيل لكم } أو هو ~~بمعنى النهي { قالوا سنرود عنه أباه } سنخادعه عنه ونحتال ~~حتى ننزعه من يده { وإنا لفعلون } ذلك لا محالة لانفرط فيه ~~ولا نتوانى. قال: فدعوا بعضكم رهنا، فتركوا عنده شمعون وكان أحسنهم ~~رأيا في يوسف { وقال لفتيانه } كوفي غير أبي بكر { لفتيته } ~~غيرهم، وهما جمع فتى كإخوة وإخوان في أخ، وفعلة للقلة، وفعلان للكثرة أي ~~لغلمانه الكيالين { اجعلوا بضعتهم فى رحالهم } أوعيتهم ~~وكانت نعالا أو أدما أو ورقا وهو أليق بالدس في الرحال { لعلهم ~~يعرفونها } يعرفون حق ردها وحق التكرم بإعطاء البدلين { إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم } وفرغوا ظروفهم { لعلهم ~~يرجعون } لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، أو ربما لا ~~يجدون بضاعة بها يرجعون أو ما فيهم من الديانة يعيدهم لرد الأمانة، أو لم ~~ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنا { فلما رجعوا إلى ~~أبيهم } بالطعام وأخبروه بما فعل { قالوا يأبانا منع منا ~~الكيل } يريدون قول يوسف { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي } ~~لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل { فأرسل معنا ~~أخانا نكتل } نرفع المانع من الكيل ونكتل من الطعام ما نحتاج ~~إليه. { يكتل } حمزة وعلي أي يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا { ~~وإنا له لحفظون } عن أن يناله مكروه # قال هل امنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه ~~من قبل # يعني أنكم قلتم في يوسف { أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإناله لحافظون } ~~كما تقولونه في أخيه ثم خنتم بضمانكم فما يأمنني من مثل ذلك؟ ثم قال { ~~فالله خير حفظا } كوفي غير أبي بكر. فتوكل على الله فيه ~~ودفعه إليهم وهو حال أو تمييز، ومن قرأ { حفظا } فهو تمييز لا غير. { ~~وهو أرحم الرحمين } فأرجو أن ينعم علي بحفظه ولا يجمع علي ~~مصيبتين قال كعب: لما قال { فالله خير ms0643 حفظا } قال الله تعالى وعزتي ~~وجلالي لأردن عليك كليهما. ### || [12.65-68] # { ولما فتحوا متعهم وجدوا بضعتهم ردت ~~إليهم قالوا يأبانا ما نبغى } «ما» للنفي أي ما نبغي في ~~القول ولا تتجاوز الحق أو ما نبغي شيئا وراء ما فعل بنا من الإحسان، أو ~~ما نريد منك بضاعة أخرى، أو للاستفهام أي أي شيء نطلب وراء هذا؟ { ~~هذه بضعتنا ردت إلينا } جملة مستأنفة موضحة لقوله { ~~ما نبغي } والجمل بعدها معطوفة عليها أي أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر ~~بها { ونمير أهلنا } في رجوعنا إلى الملك أي نجلب لهم ميرة وهي ~~طعام يحمل من غير بلدك { ونحفظ أخانا } في ذهابنا ومجيئنا فما ~~يصيبه شيء مما تخافه { ونزداد كيل بعير } نزداد وسق بعير ~~باستصحاب أخينا { ذلك كيل يسير } سهل عليه متيسر لا يتعاظمه { ~~قال لن أرسله معكم حتى تؤتون } وبالياء: مكي { ~~موثقا } عهدا { من الله } والمعنى حتى تعطوني ما أتوثق به من ~~عند الله أي أراد أن يحلفوا له بالله. وإنما جعل الحلف بالله موثقا منه ~~لأن الحلف به مما يؤكد به العهود وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه { ~~لتأتننى به } جواب اليمين لأن المعنى حتى تحلفوا لتأتنني به { ~~إلا أن يحاط بكم } إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به فهو ~~مفعول له، والكلام المثبت وهو قوله { لتأتنني به } في تأويل النفي أي لا ~~تمتنعوا من الإتيان به إلا للإحاطة بكم يعني لا تمتنعوا منه لعلة من ~~العلل إلا لعلة واحدة وهي أن يحاط بكم، فهو استثناء من أعم العام في ~~المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي فلا بد من ~~تأويله بالنفي { فلما ءاتوه موثقهم } قيل: حلفوا بالله رب ~~محمد عليه السلام { قال } بعضهم يسكت عليه لأن المعنى قال يعقوب { ~~الله على ما نقول } من طلب الموثق وإعطائه { وكيل } رقيب ~~مطلع غير أن السكتة تفصل بين القول والمقول وذا لا يجوز، فالأولى يأن ~~يفرق بينهما بالصوت فيقصد بقوة النغمة اسم الله. # { وقال يا بنى لا تدخلوا من باب ms0644 واحد وادخلوا ~~من أبواب متفرقة } الجمهور على أنه خاف عليهم العين لجمالهم ~~وجلالة أمرهم ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في ~~الكرة الأولى، فالعين حق عندنا وجه بأن يحدث الله تعالى عند النظر إلى ~~الشيء والإعجاب به نقصانا فيه وخللاه وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما فيقول: # " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل هامة ومن كل عين لامة " # وأنكر الجبائي العين وهو مردود بما ذكرنا. وقيل: إنه أحب أن لا يفطن بهم ~~أعداؤهم فيحتالوا لإهلاكهم { وما أغنى عنكم من الله من ~~شىء } أي إن كان الله أراد بكم سوءا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أسرت ~~به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة { إن الحكم إلا لله ~~عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } ~~التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه { ولما دخلوا ~~من حيث أمرهم أبوهم } أي متفرقين { ما كان يغنى ~~عنهم } دخولهم من أبواب متفرقة { من الله من شىء } أي شيئا ~~قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك ~~وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم { إلا ~~حاجة } استثناء منقطع أي ولكن حاجة { فى نفس يعقوب قضاها } ~~وهي شفقته عليهم { وإنه لذو علم } يعني قوله وما أغنى عنكم ~~وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر { لما علمناه } لتعليمنا إياه ~~{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك. ### || [12.69-70] # { ولما دخلوا على يوسف اوى إليه أخاه } ضم إليه ~~بنيامين. وروي أنهم قالوا له هذا أخونا قد جئناك به فقال لهم: أحسنتم ~~فأنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين ~~وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال يوسف: بقي أخوكم ~~وحيدا فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله وقال له: أتحب أن أكون أخاك ~~بدل أخيك الهالك؟ قال: ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ~~فبكى يوسف وعانقه ثم { قال } له { إنى أنا أخوك } يوسف ms0645 { ~~فلا تبتئس } فلا تحزن { بما كانوا يعملون } بنا فيما ~~مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير ولا تعلمهم بما أعلمتك وروي ~~أنه قال له فأنا لا أفارقك. قال لقد علمت اغتمام والدي بي فإن حبستك ~~ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك ألا أن أنسبك إلا ما لا يحمد. قال: لا أبالي ~~فافعل ما بدا لك. قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك بأنك سرقته ~~ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم فقال: افعل { فلما جهزهم ~~بجهازهم } هيأ أسبابهم وأوفى الكيل لهم { جعل السقاية فى ~~رحل أخيه } السقاية هي مشربة يسقى بها وهي الصواع. قيل: كان يسقي ~~بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به لعزة الطعام وكان يشبه الطاس من فضة أو ~~ذهب { ثم أذن مؤذن } ثم نادى مناد آذنه أي أعلمه، وأذن أكثر ~~الأعلام ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه. روي أنهم ارتلحوا وأمهلهم يوسف عليه ~~السلام حتى انطلقوا ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا ثم قيل لهم { أيتها ~~العير } هي الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء ~~والمراد أصحاب العير { إنكم لسارقون } كناية عن سرقتهم إياه من ~~أبيه. ### || [12.71-76] # { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا ~~نفقد صواع الملك } هو الصاع { ولمن جاء به حمل ~~بعير وأنا به زعيم } يقوله المؤذن يريد وأنا بحمل البعير ~~كفيل أؤديه إلى من جاء به وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله { ~~قالوا تالله } قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم { لقد ~~علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض } استشهدوا بعلمهم لما ~~ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم حيث دخلوا وأفواه رواحلهم مشدودة لئلا ~~تتناول زرعا أو طعاما لأحد من أهل السوق، ولأنهم ردوا بضاعتهم التي ~~وجدوها في رحالهم { وما كنا سرقين } وما كنا نوصف قط بالسرقة ~~{ قالوا فما جزاؤه } الضمير للصواع أي فما جزاء سرقته { إن ~~كنتم كذبين } في جحودكم وادعائكم البراءة منه { قالوا ~~جزاؤه من وجد فى رحله } أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله، ~~وكان حكم السارق ms0646 في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في جزائه. ~~وقولهم { فهو جزاؤه } تقرير للحكم أي فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه ~~لا غير، أو { جزاؤه } مبتدأ والجملة الشرطية كما هي خبره { كذلك ~~نجزى الظلمين } أي السراق بالاسترقاق { فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعاء أخيه } فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء ~~بنيامين لنفي التهمة حتى بلغ وعاءه فقال: ما أظن هذا أخذ شيئا فقالوا: ~~والله لا نتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا { ثم ~~استخرجها } أي الصواع { من وعاء أخيه } ذكر ضمير الصواع مرات ~~ثم أنثه لأن التأنيث يرجع إلى السقاية، أو لأن الصواع يذكر ويؤنث. # الكاف في { كذلك } في محل النصب أي مثل ذلك الكيد العظيم { كدنا ~~ليوسف } يعني علمناه إياه { ما كان ليأخذ أخاه فى دين ~~الملك } تفسير للكيد وبيان له لأن الحكم في دين الملك أي في سيرته ~~للسارق أن يغرم مثلي ما أخذ لا أن يستعبد { إلا أن يشاء الله } ~~أي ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه { نرفع درجت } ~~بالتنوين: كوفي { من نشاء } أي في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه { ~~وفوق كل ذى علم عليم } فوقه أرفع درجة منه في علمه أو فوق ~~العلماء كلهم عليهم هم دونه في العلم وهو الله عز وجل # . ### || [12.77-78] # { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } أرادوا ~~يوسف. قيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالا صغيرا من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه. ~~وقيل: كان في المنزل دجاجة فأعطاها السائل. وقيل: كانت منطقة لإبراهيم ~~عليه السلام يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق، ثم وقعت إلى ابنته ~~وكانت أكبر أولاده فحضنت يوسف وهي عمته بعد وفاة أمه وكانت لا تصبر، ~~عنه فلما شب أراد يعقوب أن ينزعه منها فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على ~~يوسف تحت ثيابه وقالت: فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها. فوجدوها ~~محزومة على يوسف فقالت: إنه لي سلم أفعل به ما شئت فخلاه يعقوب عندها ~~حتى ماتت. وروي أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم ~~حياء وأقبلوا ms0647 عليه وقالوا له: فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال ~~لنا منكم بلاء متى أخذ هذا الصاع. فقال بنو راحيل الذين لا يزال منكم ~~عليهم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع ~~البضاعة في رحالكم { فأسرها } أي مقالتهم إنه سرق كأنه لم يسمعها { ~~يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر ~~مكانا } تمييز أي أنتم شر منزلة في السرق لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من ~~أبيه { والله أعلم بما تصفون } تقولون أو تكذبون. { ~~قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } في ~~السن وفي القدر { فخذ أحدنا مكانه } أبدله على وجه الاسترهان ~~أو الاستعباد فإن أباه يتسلى به عن أخيه المفقود { إنا نراك من ~~المحسنين } إلينا فأتمم إحسانك أو من عادتك الإحسان فاجر على ~~عادتك ولا تغيرها. ### || [12.79-81] # { قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متعنا عنده } أي نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ فأضيف المصدر إلى ~~المفعول به وحذف من { إنا إذا لظلمون } «إذا» جواب لهم ~~وجزاء لأن المعنى إن أخذنا بدله ظلمنا، وهذا لأنه وجب على قضية فتواكم ~~أخذ من وجد الصاع في رحله واستبعاده فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلما في ~~مذهبكم فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم { فلما استيأسوا } يئسوا ~~وزيادة السين والتاء للمبالغة كما مر في { استعصم } { منه } من يوسف ~~وإجابته إياهم { خلصوا } انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم { ~~نجيا } ذوي نجوى أو فوجا نجيا أي مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا، أو ~~تمحضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك وإفاضتهم فيه بجد واهتمام كأنهم في أنفسهم ~~صورة التناجي وحقيقته. فالنجي يكون بمعنى المناجي كالسمير بمعنى ~~المسامر، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي وكان تناجيهم في تدبير أمرهم على ~~أي صفة يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم { قال كبيرهم } ~~في السن وهو روبيل، أو في العقل والرأي وهو يهوذا، أو رئيسهم وهو شمعون { ~~ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ~~من الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف } «ما» صلة أي ms0648 ومن ~~قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم، أو مصدرية ومحل المصدر ~~الرفع على الابتداء وخبره الظرف وهو من قبل ومعناه وقع من قبل تفريطكم في ~~يوسف { فلن أبرح الأرض } فلن أفارق أرض مصر { حتى يأذن ~~لى أبى } في الانصراف إليه { أو يحكم الله لى } بالخروج ~~منها أو بالموت أو بقتالهم { وهو خير الحكمين } لأنه لا ~~يحكم إلا بالعدل. # { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك ~~سرق } وقرىء { سرق } أي نسب إلى السرقة { وما شهدنا } عليه ~~بالسرقة { إلا بما علمنا } من سرقته وتيقنا إذ الصواع استخرج من ~~وعائه { وما كنا للغيب حفظين } وما علمنا أنه سيسرق حين ~~أعطيناك الموثق. ### || [12.82-84] # { واسئل القرية التى كنا فيها } يعني مصر أي أرسل إلى ~~أهلها فاسألهم عن كنه القصة { والعير التى أقبلنا فيها } ~~وأصحاب العير وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام { ~~وإنا لصدقون } في قولنا فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال ~~لهم أخوهم { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أردتموه ~~وإلا فمن أدرى ذلك الرجل أن السارق يسترق لولا فتواكم وتعليمكم { ~~فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } بيوسف ~~وأخيه وكبيرهم { إنه هو العليم } بحالي في الحزن والأسف { ~~الحكيم } الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة { وتولى عنهم } ~~وأعرض عنهم كراهة لما جاؤوا به { وقال يأسفا على يوسف } أضاف ~~الأسف وهو أشد الحزن والحسرة إلى نفسه. والألف بدل من ياء الإضافة، ~~والتجانس بين الأسف ويوسف غير متكلف ونحوه # اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم # [التوبة:38] # وهم ينهون عنه وينأون عنه # [الأنعام:26] # ويحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف:104] # من سبإ بنبإ # ) النحل:22) وإنما تأسف دون أخيه وكبيرهم لتمادي أسفه على يوسف دون ~~الآخرين، وفيه دليل على أن الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضا عنده طريا ~~{ وابيضت عيناه } إذ أكثر الاستعبار ومحقت العبرة سواد العين ~~وقلبته إلى بياض كدر. وقيل: قد عمي بصره. وقيل: كان قد يدرك إدراكا ~~ضعيفا { من الحزن } لأن الحزن سبب البكاء الذي حدث منه البياض ~~فكأنه ms0649 حدث من الحزن. قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين ~~لقائه ثمانين عاما وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب ويجوز ~~للنبي عليه السلام أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ لأن الإنسان مجبول على أن ~~لا يملك نفسه عند الحزن فلذلك حمد صبره، ولقد بكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ولده إبراهيم، وقال: # " القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم ~~لمحزونون " # وإنما المذموم الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب { ~~فهو كظيم } مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم فعيل ~~بمعنى مفعول بدليل قوله # إذ نادى وهو مكظوم # [القلم: 48] من كظم السقاء إذا شده على ملئه. ### || [12.85-86] # { قالوا تالله تفتأ } أي لا تفتأ فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس ~~إذ لو كان إثباتا لم يكن بد من اللام والنون. ومعنى لا تفتأ لا تزال { ~~تذكر يوسف حتى تكون حرضا } مشفيا على الهلاك مرضا { ~~أو تكون من الهلكين قال إنما أشكو بثى ~~وحزنى إلى الله } البث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه ~~إلى الناس، أي بنشره أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم إنما أشكو إلى ~~ربي داعيا له وملتجئا إليه فخلوني وشكايتي. وروي أنه أوحى إلى يعقوب. ~~إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فوقف ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب ~~خلقي إلي الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاما وادع عليه المساكين. وقيل: ~~اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت { وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } وأعلم من رحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث ~~لا أحتسب، وروي أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ ~~فقال: لا والله هو حي فاطلبه وعلمه هذا الدعاء«ياذا المعروف الدائم الذي ~~لا ينقطع معروفه أبدا ولا يحصيه غيرك فرج عني». ### || [12.87-90] # { يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } فتعرفوا ~~منهما وتطلبوا خبرهما وهو تفعل من الإحساس وهو المعرفة { ولا ~~تايئسوا من روح الله ms0650 } ولا تقنطوا من رحمة الله وفرجه { ~~إنه } إن الأمر والشأن { لا يايئس من روح الله إلا ~~القوم الكفرون } لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ~~ونعمته، وأما الكافر فلا يعرف رحمة الله ولا تقلبه في نعمته فييأس من ~~رحمته، فخرجوا من عند أبيهم راجعين إلى مصر { فلما دخلوا ~~عليه } على يوسف { قالوا يا أيها العزيز مسنا ~~وأهلنا الضر } الهزال من الشدة والجوع { وجئنا ببضاعة ~~مزجاة } مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا لها من أزجيته ~~إذا دفعته وطردته. قيل: كان دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة. وقيل: كانت ~~صوفا وسمنا { فأوف لنا الكيل } الذي هو حقنا { وتصدق ~~علينا } وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة أوزدنا على ~~حقنا أوهب لنا أخانا { إن الله يجزى المتصدقين } ولما ~~قالوا مسنا وأهلنا الضر وتضرعوا إليه وطلبوا منه أن يتصدق عليهم ارفضت ~~عيناه ولم يتمالك أن عرفهم نفسه حيث قال: { قال هل علمتم ما ~~فعلتم بيوسف } أي هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف { وأخيه إذ ~~أنتم جهلون } لا تعلمون قبحه أو إذ أنتم في حد السفه والطيش ~~وفعلهم بأخيه تعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له ~~بأنواع الأذى { قالوا أءنك } بهمزتين: كوفي وشامي { لأنت ~~يوسف } اللام لام الابتداء و { أنت } مبتدأ و { يوسف } خبره، والجملة ~~خبر «إن» { قال أنا يوسف وهذا أخى } وإنما ذكر أخاه وهم ~~قد سألوه عن نفسه لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه { قد من ~~الله علينا } بالألفة بعد الفرقة وذكر نعمة الله بالسلامة ~~والكرامة ولم يبدأ بالملامة { إنه من يتق } الفحشاء { ~~ويصبر } عن المعاصي وعلى الطاعة { فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين } أي أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله ~~على المتقين والصابرين. وقيل: من يتق مولاه ويصبر على بلواه لا يضيع أجره ~~في دنياه وعقباه. ### || [12.91-92] # { قالوا تالله لقد اثرك الله علينا } اختارك وفضلك ~~علينا بالعلم والحلم والتقوى والصبر والحسن { وإن كنا لخطئين ~~} وإن شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم لم ms0651 نتق ولم نصبر لا جرم ~~أن الله أعزك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك { قال لا تثريب ~~عليكم } لا تعيير عليكم { اليوم } متعلق بالتثريب أو ب { يغفر ~~} والمعنى لا أثر بكم اليوم وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم ~~بغيره من الأيام! ثم ابتدأ فقال { يغفر الله لكم } فدعا لهم ~~بمغفرة ما فرط منهم. يقال: غفر الله لك ويغفر لك على لفظ الماضي ~~والمضارع، أو اليوم يغفر الله لكم بشارة بعاجل غفران الله. وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح فقال لقريش: # " ما ترونني فاعلا بكم " # قالوا: نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال: # " أقول ما قال أخي يوسف لا تثريب عليك اليوم " # وروي أن أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت رسول الله ~~فاتل عليه { قال لا تثريب عليكم اليوم } ففعل فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " غفر الله لك ولمن علمك " # ويروى أن أخوته لما عرفوه أرسلوا إليه أنك تدعونا إلى طعامك بكرة ~~وعشيا ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت ~~فيهم فإنهم ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبدا بيع ~~بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم حيث علم الناس أني من حفدة ~~إبراهيم { وهو أرحم الرحمين } أي إذا رحمتكم وأنا الفقير ~~القتور فما ظنكم بالغني الغفور؟ ثم سألهم عن حال أبيه فقالوا: إنه عمي من ~~كثرة البكاء قال: ### || [12.93-94] # { اذهبوا بقميصى هذا } قيل: هو القميص المتواراث الذي كان ~~في تعويذ يوسف، وكان من الجنة أمره جبريل أن يرسله إليه فإن فيه ريح ~~الجنة لا يقع على مبتلي ولا سقيم إلا عوفي { فألقوه على وجه ~~أبى يأت بصيرا } يصر بصيرا. تقول: جاء البناء محكما أي صار، أو ~~يأت إلي وهو بصير. قال يهوذا: أنا أحمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص ~~الجفاء. وقيل: حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين ms0652 ~~فرسخا { وأتونى بأهلكم أجمعين } لينعموا بآثار ملكي كما ~~اغتموا بأخبار هلكي. # { ولما فصلت العير } خرجت من عريش مصر. يقال: فصل من البلد ~~فصولا إذا انفصل منه وجاوز حيطانه { قال أبوهم } لولد ولده ومن ~~حوله من قومه { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله ريح القميص حين ~~أقبل من مسيرة ثمانية أيام { لولا أن تفندون } التفنيد النسبة ~~إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل من هرم. يقال: شيخ مفند. والمعنى لولا ~~تفنيدكم إياي لصدقتموني. ### || [12.95-99] # { قالوا } أي أسباطه { تالله إنك لفى ضللك ~~القديم } لفي ذهابك عن الصواب قديما في إفراط محبتك ليوسف أو في ~~خطئك القديم من حب يوسف وكان عندهم أنه قد مات { فلما أن جاء ~~البشير } أي يهوذا { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص ~~على وجه يعقوب أو ألقاه يعقوب { فارتد } فرجع { بصيرا } يقال: ~~رده فارتد وارتده إذا ارتجعه { قال ألم أقل لكم } يعني قوله ~~{ إني لأجد ريح يوسف } أو قوله { ولا تيأسوا من روح الله } وقوله { إنى ~~أعلم من الله ما لا تعلمون } كلام مبتدأ لم يقع عليه ~~القول أو وقع عليه والمراد قوله { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ قال: هو ملك مصر. ~~فقال: ما أصنع بالملك، على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: ~~الآن تمت النعمة { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنا ~~إنا كنا خطئين } أي سل الله مغفرة ما ارتكبنا في حقك وحق ~~ابنك إنا تبنا واعترفنا بخطايانا { قال سوف أستغفر لكم ~~ربى إنه هو الغفور الرحيم } أخر الاستغفار إلى وقت ~~السحر، أو إلى ليلة الجمعة، أو ليتعرف حالهم في صدق التوبة، أو إلى أن ~~يسأل يوسف هل عفا عنهم. ثم إن يوسف وجه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ~~ليتجهز إليه بمن معه، فلما بلغ قريبا من مصر خرج يوسف والملك في أربعة ~~آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ ~~على يهوذا. # { فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه } ضم ms0653 إليه { ~~أبويه } واعتنقهما. قيل: كانت أمه باقية. وقيل: ماتت وتزوج أبوه ~~خالته والخالة أم كما أن العم أب ومنه قوله # وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق # [البقرة: 133] ومعنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر أنه حين استقبلهم ~~أنزلهم في مضرب خيمة أو قصر كان له ثمة فدخلوا عليه وضم إليه أبويه { ~~وقال } لهم بعد ذلك { ادخلوا مصر إن شآء الله ءامنين } من ملوكها ~~وكانوا لا يدخلونها إلا بجواز أو من القحط. وروي أنه لما لقيه قال يعقوب ~~عليه السلام: السلام عليك يا مذهب الأحزان، وقال له يوسف: يا أبت بكيت ~~علي حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى ولكن خشيت أن ~~يسلب دينك فيحال بيني وبينك. وقيل: إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان ~~وسبعون ما بين رجال ونساء، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف ~~وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرية ألف ألف ~~ومائتي ألف ### || [12.100] # { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا } قيل: ~~لما دخلوا مصر وجلس في مجلسه مستويا على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه ~~فرفعهما على السرير وخروا له يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين سجدا، ~~وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل ~~اليد وقال الزجاج سنة التعظيم في ذلك الوقت أن يسجد للمعظم وقيل ما كانت ~~لا انحناء دون تعفير الجباه وخرورهم سجدا يأباه وقيل وخروا لأجل يوسف ~~سجدا لله شكرا وفيه نبوة أيضا واختلف في استنبائهم { وقال يأبت ~~هذا تأويل رؤيى من قبل قد جعلها } أي الرؤيا { ~~ربي حقا } أي صادقة وكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعين سنة أو ~~ثمانون أو ست وثلاثون أو ثنتان وعشرون { وقد أحسن بى } يقال: ~~أحسن إليه وبه وكذلك أساء إليه وبه { إذ أخرجنى من السجن } ~~ولم يذكر الجب لقوله { لا تثريب عليكم اليوم } { وجاء بكم من ~~البدو } من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه ~~والمناجع { من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين ~~إخوتى } أي أفسد بيننا وأغرى { إن ربى لطيف ms0654 لما يشاء } ~~أي لطيف التدبير { إنه هو العليم الحكيم } بتأخير الآمال ~~إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف. ### || [12.101] # { رب قد اتيتنى من الملك } ملك مصر { وعلمتنى من ~~تأويل الأحاديث } تفسير كتب الله أو تعبير الرؤيا و«من» فيهما ~~للتبعيض إذ لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا وبعض التأويل { فاطر ~~السموت والأرض } انتصابه على النداء { أنت وليي فى ~~الدنيا والآخرة } أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين وتوصل ~~الملك الفاني بالملك الباقي { توفني مسلما } طلب الوفاة على حال ~~الإسلام كقول يعقوب لولده # ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون # [آل عمران: 102] وعن الضحاك: مخلصا. وعن التستري: مسلما إليك أمري ~~وفي عصمة الأنبياء إنما دعا به يوسف ليقتدي به قومه ومن بعده ممن ليس ~~بمأمون العاقبة، لأن ظواهر الأنبياء لنظر الأمم إليهم { وألحقنى ~~بالصلحين } من آبائي أو على العموم. روي أن يوسف أخذ بيد يعقوب ~~فطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الثياب وخزائن ~~السلاح حتى أدخله خزانة القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس ~~وما كتبت إلي على ثمان مراحل. فقال: أمرني جبريل.: قال أو ما تسأله؟ قال: ~~أنت أبسط إليه مني فاسأله. فقال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك # وأخاف أن يأكله الذئب # فهلا خفتني. وروي أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن ~~يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر ~~وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة، فلما تم أمره طلبت نفسه الملك الدائم ~~فتمنى الموت. وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيبا ~~طاهرا، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى ~~هموا بالقتال، فرأوا أن يعملوا له صندوقا من مرمر وجعلوه فيه ودفنوه في ~~النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعا حتى ~~نقل موسى عليه السلام بعد أربعمائة سنة تابوته إلى بيت المقدس. وولد له ~~أفراثيم وميشا، وولد لإفراثيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد ms0655 توارثت ~~الفراعنة من العماليق بعده مصر ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا ~~دين يوسف وآبائه. ### || [12.102-106] # { ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو مبتدأ { من أنباء الغيب نوحيه إليك } خبر ~~إن { وما كنت لديهم } لدى بني يعقوب { إذ أجمعوا ~~أمرهم } عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف في البئر { وهم ~~يمكرون } بيوسف ويبغون له الغوائل، والمعنى أن هذا النبأ غيب لم ~~يحصل لك إلا من جهة الوحي لأنك لم تحضر بني يعقوب حين اتفقوا على إلقاء ~~أخيهم في البئر { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ~~} أراد العموم أو أهل مكة أي وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على ~~إيمانهم { وما تسألهم عليه } على التبليغ أو على القرآن { ~~من أجر } جعل { إن هو إلا ذكر } ما هو إلا موعظة { ~~للعلمين } وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله { وكأين ~~من ءاية } من علامة ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده { فى ~~السموت والأرض يمرون عليها } على الآيات أو على ~~الأرض ويشاهدونها { وهم عنها } عن الآيات { معرضون } لا ~~يعتبرون بها والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر { ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } أي ~~وما يؤمن أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السماوات والأرض إلا ~~وهو مشرك بعبادة الوثن الجمهور على أنها نزلت في المشركين لأنهم مقرون ~~بالله خالقهم ورازقهم، وإذا حزبهم أمر شديد دعوا الله ومع ذلك يشركون به ~~غيره. ومن جملة الشرك ما يقوله القدرية من إثبات قدرة التخليق للعبد، ~~والتوحيد المحض ما يقوله أهل السنة وهو أنه لا خالق إلا الله. ### || [12.107-109] # { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية } عقوبة تغشاهم وتشملهم { ~~من عذاب الله أو تأتيهم الساعة } القيامة { بغتة ~~} حال أي فجأة { وهم لا يشعرون } بإتيانها. # { قل هذه سبيلى } هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان ~~والتوحيد سبيلي، والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان. ثم فسر سبيله بقوله { ~~ادعوا إلى الله على بصيرة } أي ms0656 أدعو إلى دينه مع حجة ~~واضحة غير عمياء { أنا } تأكيد للمستتر في { أدعو } { ومن ~~اتبعنى } عطف عليه أي أدعو إلى سبيل الله أنا ويدعو إليه من اتبعني، ~~أو { أنا } مبتدأ و { على بصيرة } خبر مقدم و { من اتبعني } عطف على { ~~أنا } يخبر ابتداء بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى { ~~وسبحن الله } وأنزهه عن الشركاء { وما أنا من ~~المشركين } مع الله غيره { وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا } لا ملائكة لأنهم كانوا يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة، أو ~~ليست فيهم امرأة { نوحى } بالنون حفص { إليهم من أهل ~~القرى } لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء { ~~أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة ~~الذين من قبلهم ولدار الآخرة } أي ولدار الساعة الآخرة ~~{ خير للذين اتقوا } الشرك وآمنوا به { أفلا تعقلون ~~} وبالياء: مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي. ### || [12.110-111] # { حتى إذا استيئس الرسل } يئسوا من إيمان القوم { ~~وظنوا أنهم قد كذبوا } كذبوا وأيقن الرسل أن قومهم ~~كذبوهم. وبالتخفيف: كوفي أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا أي ~~أخلفوا، أو وظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في ~~أنهم ينصرفون عليهم ولم يصدقوهم فيه { جاءهم نصرنا } للأنبياء ~~والمؤمنين بهم فجأة من غير احتساب { فنجى } بنون واحدة وتشديد الجيم ~~وفتح الياء: شامي وعاصم على لفظ الماضي المبني للمفعول والقائم مقام ~~الفاعل من. الباقون { فننجي } بنونين ثانيتهما ساكنة مخفاة للجيم بعدها ~~وإسكان الياء { من نشاء } أي النبي ومن آمن به { ولا يرد ~~بأسنا } عذابنا { عن القوم المجرمين } الكافرين. # { لقد كان فى قصصهم } أي في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة ~~يوسف وإخوته { عبرة لأولى الألبب } حيث نقل من غاية الحب، ~~إلى غيابة الجب، ومن الحصير، إلى السرير، فصارت عاقبة الصبر سلامة ~~وكرامة، ونهاية المكر وخامة وندامة { ما كان حديثا يفترى } ما ~~كان القرآن حديثا مفترى كما زعم الكفار { ولكن تصديق الذى ~~بين يديه } ولكن تصديق الكتب التي تقدمته { وتفصيل كل ~~شىء } يحتاج إليه في الدين لأنه ms0657 القانون الذي تستند إليه السنة ~~والإجماع والقياس { وهدى } من الضلال { ورحمة } من العذاب { ~~لقوم يؤمنون } بالله وأنبيائه وما نصب بعد «لكن» معطوف على خبر ~~«كان» * عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " علموا أرقاءكم سورة يوسف فأيما عبد تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه ~~هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلما " # قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: في ذكر قصة يوسف عليه السلام وإخوته ~~تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أذى قريش كأنه يقول: إن إخوة ~~يوسف مع موافقتهم إياه في الدين ومع الأخوة عملوا بيوسف ما عملوا من ~~الكيد والمكر وصبر على ذلك، فأنت مع مخالفتهم إياك في الدين أحرى أن تصبر ~~على أذاهم. وقال وهب: إن الله تعالى لم ينزل كتابا إلا وفيه سورة يوسف ~~عليه السلام تامة كما هي في القرآن العظيم، والله أعلم.. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # مكية، وهي ثلاث وأربعون آية كوفي، وخمس وأربعون آية شامي # بسم الله الرحمن الرحيم # { المر } أنا الله أعلم وأرى عن ابن عباس رضي الله عنهما { تلك } ~~إشارة إلى آيات السورة { آياتالكتب } أريد بالكتاب السورة أي تلك ~~الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها { والذي أنزل ~~إليك من ربك } أي القرآن كله { الحق } خبر { والذي } { ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } فيقولون تقوله محمد ~~ثم ذكر ما يوجب الإيمان فقال { الله الذي رفع السموت } ~~أي خلقها مرفوعة لا أن تكون موضوعة فرفعها و { الله } مبتدأ والخبر { ~~الذي رفع السماوات } { بغير عمد } حال وهو جمع عماد أو عمود { ~~ترونها } الضمير يعود إلى السماوات أي ترونها كذلك فلا حاجة إلى ~~البيان أو إلى عمد فيكون في موضع جر على أنه صفة ل { عمد } أي بغير عمد ~~مرئية { ثم استوى على العرش } استولى بالاقتدار ونفوذ ~~السلطان { وسخر الشمس والقمر } لمنافع عباده ومصالح بلاده ~~{ كل يجري لأجل مسمى } وهو انقضاء الدنيا { يدبر ~~الأمر } أمر ملكوته وربوبيته { يفصل الآيت } يبين آياته في ~~كتبه المنزلة { لعلكم بلقآء ربكم توقنون } لعلكم ~~توقنون ms0658 بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع اليه. ### || [13.3-5] # { وهو الذي مد الأرض } بسطها { وجعل فيها رواسي } ~~جبالا ثوابت { وأنهرا } جارية { ومن كل الثمرت جعل ~~فيها زوجين اثنين } أي الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير ~~والكبير وما أشبه ذلك { يغشي اليل النهار } يلبسه مكانه فيصير ~~أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا. يغشي حمزة وعلي وأبو بكر { إن ~~في ذلك لآيت لقوم يتفكرون } فيعلمون أن لها صانعا ~~عليما حكيما قادرا { وفي الأرض قطع متجورت } بقاع ~~مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة إلى سبخة وكريمة إلى زهيدة وصلبة ~~إلى رخوة وذلك دليل على قادر مدبر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه { ~~وجنت } معطوفة على قطع { من أعنب وزرع ونخيل ~~صنون وغير صنون } بالرفع مكي وبصري وحفص عطف على { قطع } ~~غيرهم بالجر بالعطف على { أعناب } ، والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها ~~رأسان وأصلها واحد وعن حفص بضم الصاد وهما لغتان { يسقى بماء ~~وحد } وبالياء عاصم وشامي { ونفضل بعضها على بعض } ~~وبالياء حمزة وعلي { في الأكل } في الثمر. وبسكون الكاف نافع ومكي { ~~إن في ذلك لآيت لقوم يعقلون } عن الحسن مثل اختلاف ~~القلوب في آثارها وأنوارها وأسرارها باختلاف القطع في أنهارها وأزهارها ~~وثمارها { وإن تعجب } يا محمد من قولهم في إنكار البعث { فعجب ~~قولهم } خبر ومبتدأ أي فقولهم حقيق بأن يتعجب منه لأن من قدر على ~~إنشاء ما عدد عليك كان الإعادة أهون شيء عليه وأيسره فكان إنكارهم أعجوبة ~~من الأعاجيب { أءذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد } في محل ~~الرفع بدل من { قولهم }. قرأ عاصم وحمزة كل واحد بهمزتين { أولئك ~~الذين كفروا بربهم } أولئك الكافرون المتمادون في كفرهم { ~~وأولئك الأغلل في أعنقهم } وصف لهم بالإصرار أو من ~~جملة الوعيد { وأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون } دل تكرار أولئك على تعظيم الأمر. ### || [13.6-8] # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } بالنقمة قبل ~~العافية وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب ~~استهزاء منهم بإنذاره { وقد خلت من قبلهم المثلت } أي ms0659 ~~عقوبات أمثالهم من المكذبين فمالهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا والمثلة ~~العقوبة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة. # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40] { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم } أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب ومحله الحال أي ظالمين لأنفسهم ~~قال السدي يعني المؤمنين وهي أرجى آية في كتاب الله حيث ذكر المغفرة مع ~~الظلم وهو بدون التوبة فإن التوبة تزيلها وترفعها { وإن ربك ~~لشديد العقاب } على الكافرين أو هما جميعا في المؤمنين لكنه ~~معلق بالمشيئة فيهما أي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء { ويقول ~~الذين كفروا لولا أنزل عليه اية من ربه } لم ~~يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا ~~فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى فقيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما أنت منذر } إنما أنت رجل ~~أرسلت منذرا مخوفا لهم من سوء العاقبة وناصحا كغيرك من الرسل وما عليك ~~إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر وصحة ذلك حاصلة بأي آية كانت ~~والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوى بها { ولكل قوم هاد } من ~~الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها لا بما يريدون ~~ويتحكمون. # { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد } «ما» في هذه المواضع الثلاثة موصولة أي ~~يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج وحسن ~~وقبح وطول وقصر وغيره ذلك وما تغيضه الأرحام أي ويعلم ما تنقصه يقال غاض ~~الماء وغضته أنا وما تزداده والمراد عدد الولد فإنها تشتمل على واحد ~~واثنين وثلاثة وأربعة أوجسد الولد فإنه يكون تاما ومخدجا أو مدة ~~الولادة فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عندنا وإلى ~~أربع عند الشافعي وإلى خمس عند مالك أو مصدرية أي يعلم حمل كل أنثى ويعلم ~~غيض الأرحام وازديادها { وكل شيء عنده بمقدار } بقدر واحد ~~لا يجازوه ولا ينقص عنه لقوله: # إنا كل شيء خلقنه ms0660 بقدر # [القمر:49] ### || [13.9-11] # { علم الغيب } ما غاب عن الخلق { والشهدة } ما شاهدوه ~~{ الكبير } العظيم الشأن الذي كل شيء دونه { المتعال } المستعلي ~~على كل شيء بقدرته أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها. وبالياء ~~في الحالين مكي { سواء منكم من أسر القول ومن ~~جهر به } أي في علمه { ومن هو مستخف باليل } متوار { ~~وسارب بالنهار } ذاهب في سربه أي في طريقه ووجهه يقال سرب في ~~الأرض سروبا. و { سارب } عطف على { من هو مستخف } لا على { مستخف } أو ~~على { مستخف } غير أن { من } في معنى الاثنين والضمير في { له } مردود ~~على { من } كأنه قيل لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب { معقبت ~~} جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه والأصل معتقبات فأدغمت التاء في ~~القاف أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضا أو ~~لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه { من بين يديه ومن ~~خلفه } أي قدامه ووراءه { يحفظونه من أمر الله } هما ~~صفتان جميعا وليس من أمر الله بصلة للحفظ كأنه قيل له معقبات من أمر ~~الله أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه أو ~~يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب بدعائهم له { إن الله لا ~~يغير ما بقوم } من العافية والنعمة { حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم } من الحال الجميلة بكثرة المعاصي { وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا } عذابا { فلا مرد له } فلا يدفعه شيء ~~{ وما لهم من دونه من وال } من دون الله ممن يلي أمرهم ~~ويدفع عنهم. ### || [13.12-13] # { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } انتصبا على ~~الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع أو على ذا خوف وذا طمع أو من ~~المخاطبين أي خائفين وطامعين والمعنى يخاف من وقوع الصواعق عند لمع البرق ~~ويطمع في الغيث قال أبوالطيب # فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجي # يرجى الحيا ومنه وتخشى الصواعق # أو يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر ومن له بيت يكف ومن البلاد ما لا ~~ينتفع ms0661 أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له نفع فيه { وينشيء ~~السحاب } هو اسم جنس والواحدة سحابة { الثقال } بالماء وهو جميع ~~ثقيلة، تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال { ويسبح الرعد بحمده ~~} قيل يسبح سامعو الرعد من العباد الراجين للمطر أي يصيحون بسبحان الله ~~والحمد لله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « # " الرعد ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب» " # والصوت الذي يسمع زجره السحاب حتى ينتهي إلى حيث أمر { ~~والملئكة من خيفته } ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله { ~~ويرسل الصوعق فيصيب بها من يشاء } الصاعقة: نار تسقط ~~من السماء لما ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده وما ~~دل على قدرته الباهرة ووحدانيته قال: { وهم يجدلون في الله ~~} يعني الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلون في الله حيث ~~ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم: # من يحيي العظم وهى رميم # [يس:78] ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم ~~الملائكة بنات الله. أو الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ~~وذلك أن أربد أخا لبيد بن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين لقتله فرمى الله عامرا بغدة ~~كغدة البعير وموت في بيت سلولية وأرسل على أربد صاعقة فقتله أخبرني عن ~~ربنا أمن نحاس هو أم من حديد # { وهو شديد المحال } أي المماحلة وهي شدة المماكرة والمكايدة ~~ومنه تمحل لكذا إذا تكلف لاستعماله الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا ~~كاده وسعى به إلى السلطان والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتيهم ~~بالهلكة من يحث لا يحتسبون. ### || [13.14-16] # { له دعوة الحق } أضيفت إلى الحق الذي هو ضد الباطل للدلالة ~~على أن الدعوة ملابسة للحق وأنها بمعزل من الباطل والمعنى أن الله سبحانه ~~يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه ~~حقيقا بأنه يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى ms0662 والنفع بخلاف ما لا ~~ينفع ولا يجدي دعاؤه واتصال { شديد المحال } وله دعوة الحق بما قبله على ~~قصة أربد ظاهر لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر ~~وقد دعا رسول الله عليه وعلى صاحبه بقوله: # " اللهم اخسفهما بما شئت " # فأجيب فيهما فكانت الدعوة دعوة حق وعلى الأول وعيد للكفرة على مجادلتهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وإجابة دعوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيهم إن دعا عليهم { والذين يدعون } والآلهة ~~الذين يدعوهم الكفار { من دونه } من دون الله { لا يستجيبون ~~لهم بشيء } من طلباتهم { إلا كبسط كفيه إلى ~~الماء ليبلغ فاه } الاستثناء من المصدر أي من الاستجابة التي دل ~~عليها لا يستجيبون لأن الفعل بحروفه يدل على المصدر وبصيغته على الزمان ~~وبالضرورة على المكان والحال فجاز استثناء كل منها من الفعل فصار ~~التقدير: لا يستجيبون استجابة إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء ~~أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد ~~لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ ~~فاه وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر ~~على نفعهم. واللام في ليبلغ متعلق ب { باسط كفيه } { وما هو ~~ببالغه } وما الماء ببالغ فاه { وما دعاء الكفرين ~~إلا في ضلل } في ضياع لا منفعة فيه لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم ~~وإن دعوا الأصنام لم تستطع إجابتهم # { ولله يسجد من في السموت والأرض } سجود تعبد ~~وانقياد { طوعا } حال يعني الملائكة والمؤمنين { وكرها } يعني ~~المنافقين والكافرين في حال الشدة والضيق { وظللهم } معطوف على { ~~من } جمع ظل { بالغدو } جمع غداة كقنى وقناة { والآصال } جمع ~~أصل أصيل. قيل ظل كل شيء يسجد لله بالغدو والآصال، وظل الكافر يسجد كرها ~~وهو كاره، وظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع { قل من رب ~~السموت والأرض قل الله } حكاية لاعترافهم لأنه إذا قال: ~~لهم من رب السموات والأرض لم يكن لهم ms0663 بد من أن يقولوا: الله، دليله قراءة ~~ابن مسعود وأبي { قالوا الله } أو هو تلقين أي فإن لم يجيبوا فلقنهم فإنه ~~لا جواب إلا هذا { قل أفاتخذتم من دونه أولياء } أبعد ~~أن علمتموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه آلهة { لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا } لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو ~~يدفعوا ضررا عنها فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق ~~المثيب المعاقب فما أبين ضلالتكم. # { قل هل يستوي الأعمى والبصير } أي الكافر والمؤمن أو ~~من لا يبصر شيئا ومن لا يخفى عليه شيء { أم هل تستوى ~~الظلمت والنور } ملل الكفر والإيمان. { يستوي } كوفي غير حفص ~~{ أم جعلوا لله شركاء } بل أجلعوا ومعنى الهمزة الإنكار { ~~خلقوا كخلقه } خلقوا مثل خلقه وهو صفة ل { شركاء } أي أنهم لم ~~يتخذوا الله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله { فتشابه الخلق ~~عليهم } فاشتبه عليهم مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا قدر ~~هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة فنتخذهم له شركاء ~~ونعبدهم كما يعبد ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر ~~عليه الخلق فضلا أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق { قل الله ~~خلق كل شيء } أي خالق الأجسام والأعراض لا خالق غير الله ولا ~~يستقيم أن يكون له شريك في الخلق فلا يكون له شريك في العبادة، ومن قال ~~إن الله لم يخلق أفعال الخلق وهم خلقوها فتشابه الخلق على قولهم { وهو ~~الواحد } المتوحد بالربوبية { القهار } لا يغالب وما عداه مربوب ~~ومقهور ### || [13.17] # { أنزل } أي الواحد القهار وهو الله سبحانه { من السماء } من ~~السحاب { مآء } مطرا { فسالت أودية } جمع واد وهو الموضع ~~الذي يسيل فيه الماء بكثرة وإنما نكر لأن المطر لا يأتي إلا على طريق ~~المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض { بقدرها } ~~بمقدارها الذي علم الله أنه نافع للممطور عليهم ضار { فاحتمل ~~السيل } أي رفع { زبدا } هو ما علا على وجه الماء من الرغوة ~~والمعنى علاه زبد { رابيا } منتفخا مرتفعا على ms0664 وجه السيل { ~~ومما يوقدون عليه } بالياء كوفي غير أبي بكر و«من» لابتداء ~~الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء أو للتبعيض أي وبعضه زبد { في ~~النار } حال من الضمير في عليه أي ومما توقدون عليه ثابتا في النار { ~~ابتغاء حلية } مبتغين حلية فهو مصدر في موضع الحال من الضمير في ~~توقدون { أو متع } من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني ~~وما يتمتع به في الحضر والسفر وهو معطوف على { حلية } أي زينة من الذهب ~~والفضة { زبد } خبث وهو مبتدأ { مثله } نعت له و { مما توقدون } ~~خبر له أي لهذه الفلزات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء. # { كذلك يضرب الله الحق والبطل } أي مثل الحق ~~والباطل { فأما الزبد فيذهب جفاء } حال أي متلاشيا وهو ~~ما تقذفه القدر عند الغليان والبحر عند الطغيان والجفء الرمي وجفأت الرجل ~~صرعته { وأما ما ينفع الناس } من الماء والحلي والأواني { ~~فيمكث في الأرض } فيثبت الماء في العيون والآبار والحبوب ~~والثمار وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة { كذلك يضرب ~~الله الأمثال } ليظهر الحق من الباطل وقيل هذا مثل ضربه الله للحق ~~وأهله والباطل وحزبه فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل ~~به أودية الناس فيحيون به وينفعهم بأنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون ~~به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفات وإن ذلك ماكث في ~~الأرض باق بقاء ظاهرا يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة ~~متطاولة. وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمي ~~به. وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب. قال الجمهور وهذا مثل ضربه ~~الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل فالماء القرآن نزل لحياة الجنان ~~كالماء للأبدان والأدوية للقلوب. ومعنى { بقدرها } بقدر سعة القلب وضيقه، ~~والزبد هواجش النفس ووساوس الشيطان، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق ~~فكما يذهب الزبد باطلا ويبقى صفو الماء كذلك تذهب هواجس النفس ووساوس ~~الشيطان ويبقى الحق كما هو وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية ~~والأخلاق الزكية وأما متاع الحديد ms0665 والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة ~~بالإخلاص المعدة للخلاص فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب كما أن ~~تلك الجواهر بعضها أداة النفع في الكسب وبعضها آلة الدفع في الحرب وأما ~~الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل. ### || [13.18-20] # واللام في { للذين استجابوا } أي أجابوا متعلقة ب { يضرب } ~~أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا { لربهم ~~الحسنى } وهي صفة لمصدر { استجابوا } أي استجابوا الاستجابة الحسنى ~~{ والذين لم يستجيبوا له } أي للكافرين الذين لم يستجيبوا ~~أي هما مثلا الفريقين. وقوله { لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه لافتدوا به } كلام مبتدأ في ذكر ما ~~أعد لغير المستجيبين أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ~~ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله والوجه أن الكلام قد تم على الأمثال وما ~~بعده كلام مستأنف والحسنى مبتدأ خبره { للذين استجابوا } والمعنى لهم ~~المثوبة الحسنى وهي الجنة { والذين لم يستجيبوا } مبتدأ خبره «لو» مع ما ~~في حيزه { أولئك لهم سوء الحسب } المناقشة فيه في ~~الحديث « # " من نوقش الحساب عذب» " # { ومأواهم جهنم } ومرجعهم بعد المحاسبة الناس { وبئس ~~المهاد } المكان الممهد والمذموم محذوف أي جهنم، دخلت همزة الإنكار ~~على الفاء في { أفمن يعلم } لإنكار أن تقع شبهة ما بعد ما ضرب من ~~المثل في أن حال من علم { أنما أنزل إليك من ربك ~~الحق } فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب وهو ~~المراد بقوله: { كمن هو أعمى } كبعد ما بين الزبد والماء والخبث ~~والإبريز { إنما يتذكر أولوا الألبب } أي الذين ~~عملوا على قضايا عقولهم فنظروا واستبصروا. # { الذين يوفون بعهد الله } متبدأ والخبر { أولئك لهم عقبى ~~الدار } كقوله # والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم اللعنة # [الرعد:25] وقيل هو صفة لأولي الألباب والأول أوجه وعهد الله ما عقدوه ~~على أنفسهم من الشهادة بربوبيته وأشهدهم على أنفسهم من الشهادة بربوبيته ~~ألست بربكم قالوا بلى # ولا ينقضون الميثق # ما أوثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم ~~وبين الله وبين العباد تعميم بعد تخصيص ### || [13.21-23] # { والذين يصلون ms0666 ما أمر الله به أن يوصل } من ~~الأرحام والقرابات ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان # إنما المؤمنون إخوة # بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ونصرتهم والذب عنهم والشفقة عليهم وإفشاء ~~السلام عليهم وعيادة مرضاهم ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران ~~والرفقاء في السفر { ويخشون ربهم } أي وعيده كله { ~~ويخافون سوء الحساب } خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا { ~~والذين صبروا } مطلق فيهما يصير عليه من المصائب في النفوس ~~والأموال ومشاق التكاليف { ابتغاء وجه ربهم } لا ليقال ما ~~أصبره وأحمله للنوازل وأوقره عند الزلازل ولا لئلا يعاب في الجزع { ~~وأقاموا الصلاة } داوموا على إقامتها { وأنفقوا مما ~~رزقناهم } أي من الحلال وإن كان الحرام رزقا عندنا { سرا ~~وعلانية } يتناول النوافل لأنها في السر أفضل والفرائض لأن ~~المجاهرة بها أفضل نفيا للتهمة { ويدرءون بالحسنة ~~السيئة } ويدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرهم أو ~~إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا وإذا أذنبوا تابوا ~~وإذا هربوا أنابوا وإذا رأوا منكرا أمروا بتغييره فهذه ثمانية أعمال ~~تشير إلى ثمانية أبواب الجنة { أولئك لهم عقبى الدار } ~~عاقبة الدنيا وهي الجنة لأنها التي أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ~~ومرجع أهلها. # { جنت عدن } بدل من عقبى الدار { يدخلونها ومن صلح ~~} أي آمن { من ءابائهم وأزوجهم وذريتهم } وقرىء ~~صلح والفتح أفصح و { من } في محل الرفع بالعطف على الضمير في { يدخلونها ~~} وساغ ذلك وإن لم يؤكد لأن ضمير المفعول صار فاصلا وأجاز الزجاج أن ~~يكون مفعولا معه ووصفهم بالصلاح ليعلم أن الأنساب لا تنفع بنفسها ~~والمراد أبو كل واحد منهم فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم { ~~والملئكة يدخلون عليهم من كل باب } في قدر كل ~~يوم وليلة ثلاث مرات بالهدايا وبشارات الرضا ### || [13.24-27] # { سلم عليكم } في موضع الحال إذ المعنى قائلين سلام عليكم أو ~~مسلمين { بما صبرتم } متعلق بمحذوف تقديره هذا بما صبرتم أي هذا ~~الثواب بسبب صبركم عن الشهوات أو على أمر الله أو بسلام أي ms0667 نسلم عليكم ~~ونكرمكم بصبركم والأول أوجه { فنعم عقبى الدار } الجنات { ~~والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } من بعد ~~ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول { ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون في الأرض } بالكفر والظلم { ~~أولئك لهم اللعنة } الإبعاد من الرحمة { ولهم سوء ~~الدار } يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة عقبى الدار ~~وأن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها { الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر } أي ويضيق لمن يشاء والمعنى الله وحده وهو ~~يبسط الرزق ويقدر دون غيره { وفرحوا بالحيوة الدنيا } بما ~~بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم ولم ~~يقابلوه بالشكر حتى يؤجروا بنعيم الآخرة { وما الحيوة الدنيا ~~في الآخرة إلا متع } وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم ~~الآخرة ليس إلا شيئا نزرا يتمتع به كعجلة الراكب وهو ما يتعجله من ~~تميرات أو شربة سويق. # { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ~~ربه } أي الآية المقترحة { قل إن الله يضل من يشاء } ~~باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات { ويهدي إليه من أناب } ~~ويرشد إلى دينه من رجع إليه بقلبه ### || [13.28-31] # { الذين آمنوا } هم الذين أو محله النصب بدل من { من } { ~~وتطمئن قلوبهم } تسكن { بذكر الله } على الدوام أو ~~بالقرآن أو بوعده { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ~~بسبب ذكره تطمئن قلوب المؤمنين { الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات } مبتدأ # { طوبى لهم } خبره وهو مصدر من طاب كبشرى ومعنى طوبى لك أصبت ~~خيرا وطيبا ومحلها النصب أو الرفع كقولك طيبا لك وطيب لك وسلاما لك ~~وسلام لك. واللام في { لهم } للبيان مثلها في سقيا لك والواو في { طوبى } ~~منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها كموقن والقراءة في { وحسن مئاب } ~~مرجع. بالرفع والنصب تدل على محليها { كذلك أرسلناك } مثل ذلك ~~الإرسال أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات ثم فسر كيف ~~أرسله فقال { في أمة قد خلت من قبلها أمم } أي أرسلناك ~~في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر ms0668 الأمم وأنت خاتم الأنبياء { ~~لتتلو عليهم الذى أوحينا إليك } لتقرأ عليهم ~~الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك { وهم يكفرون } وحال هؤلاء أنهم ~~يكفرون { بالرحمن } بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء { ~~قل هو ربي } ورب كل شيء { لا إله إلا هو } أي هو ربي ~~الواحد المتعالي عن الشركاء { عليه توكلت } في نصرتي عليكم { ~~وإليه متاب } مرجعي فيثيبني على مصابرتكم. { متابي } و { عقابي } ~~و { مآبي } في الحالين: يعقوب. # { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } عن مقارها { أو ~~قطعت به الأرض } حتى تتصدع وتتزايل قطعا { أو كلم به ~~الموتى } فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية ~~في الإنذار والتخويف فجواب «لو» محذوف. أو معناه ولو أن قرآنا وقع به ~~تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى وتنبيهم لما آمنوا به ولما ~~تنبهوا عليه كقوله: # ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة # [الأنعام: 111] الآية { بل لله الأمر جميعا } بل لله القدرة ~~على كل شيء وهو قادر على الآيات التي اقترحوها { أفلم يايئس ~~الذين ءامنوا } أفلم يعلم وهي لغة قوم من النخع وقيل إنما استعمل ~~اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون ~~كما استعمل النسيان في معنى الترك لتضمن ذلك، دليله قراءة علي رضي الله ~~عنه { أفلم يتبين } وقيل إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوي السنات وهذه ~~والله فرية ما فيها مرية { أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~} من كفرهم وسوء أعمالهم { قارعة } داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في ~~كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم { أو ~~تحل قريبا من دارهم } أو تحل القارعة قريبا منهم فيفزعون ~~ويتطاير عليهم شررها ويتعدى إليهم شرورها { حتى يأتي وعد ~~الله } أي موتهم أو القيامة أو ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا ~~برسول الله من العداوة والتكذيب قارعة لأن جيش رسول الله يغير حول مكة ~~ويختطف منهم أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم بجيشك يوم الحديبية حتى ~~يأتي ms0669 وعد الله أي فتح مكة { إن الله لا يخلف الميعاد } أي ~~لا خلف في موعده. ### || [13.32] # { ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين ~~كفروا } الإملاء الإمهال وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن { ~~ثم أخذتهم فكيف كان عقاب } وهذا وعيد لهم وجواب عن ~~اقتراحهم الآيات على رسول الله استهزاء به وتسلية له ### || [13.33-35] # { أفمن هو قائم } احتجاج عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله ~~الذي هو رقيب { على كل نفس } صالحة أو طالحة { بما كسبت } ~~يعلم خيره وشره ويعد لكل جزاءه كمن ليس كذلك. ثم استأنف فقال { ~~وجعلوا لله شركاء } أي الأصنام { قل سموهم } أي سموهم ~~له من هم ونبئوه بأسمائهم ثم قال: { أم تنبئونه بما لا ~~يعلم فى الأرض } على «أم» المنقطعة أي بل أتنبئونه بشركاء لا ~~يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السماوات والأرض فإذا لم يعلمهم علم ~~أنهم ليسوا بشيء والمراد نفي أن يكون له شركاء { أم بظهر من ~~القول } بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة ~~كقوله # ذلك قولهم بأفوههم # [التوبه: 30] # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموهآ # [يوسف: 40] { بل زين للذين كفروا مكرهم } كيدهم ~~للإسلام بشركهم { وصدوا عن السبيل } عن سبيل الله بضم الصاد ~~كوفي وبفتحها غيرهم ومعناه وصدوا المسلمين عن سبيل الله { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } من أحد يقدر على هدايته { لهم ~~عذاب فى الحيوة الدنيا } بالقتل والأسر وأنواع المحن { ~~ولعذاب الأخرة أشق } أشد لدوامه { وما لهم من الله ~~من واق } من حافظ من عذابه. # { مثل الجنة التى وعد المتقون } صفتها التي هي في ~~غرابة المثل وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم مثل ~~الجنة أو الخبر { تجرى من تحتها الأنهر } كما تقول صفة زيد ~~أسمر { أكلها دائم } ثمرها دائم الوجود لا ينقطع { وظلها } ~~دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس { تلك عقبى الذين ~~اتقوا } أي الجنة الموصوفة عقبى تقواهم يعني منتهى أمرهم { ~~وعقبى الكفرين النار } ### || [13.36-38] # { والذين ءاتينهم الكتب } يريد من أسلم ms0670 من اليهود ~~كابن سلام ونحوه ومن النصارى بأرض الحبشة { يفرحون بما أنزل ~~إليك ومن الأحزاب } أي ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه ~~والسيد والعاقب وأشياعهما { من ينكر بعضه } لأنهم كانوا لا ~~ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم وكانوا ~~ينكرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من ~~الشرائع { قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك ~~به } هو جواب للمنكرين أي قل إنما أمرت فيما أنزل إلى بأن أعبد الله ~~ولا أشرك به فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون ~~مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به { إليه ادعوا } خصوصا ~~لا أدعو إلى غيره { وإليه } لا إلى غيره { مئاب } مرجعي وأنتم ~~تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم { وكذلك أنزلنه } ومثل ذلك ~~الإنزال أنزلناه مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه ~~والإنذار بدار الجزاء { حكما عربيا } حكمة عربية مترجمة بلسان ~~العرب وانتصابه على الحال كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أمور يشاركهم فيها فقيل { ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما ~~جاءك من العلم } أي بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين ~~الساطعة { مالك من الله من ولى ولا واق } أي لا ينصرك ~~ناصر ولا يقيك منه واق وهذا من باب التهييج والبعث للسامعين على الثبات ~~في الدين وأن لا يزال زال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة وإلا فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من شدة الثبات بمكان. وكانوا يعيبونه بالزواج ~~والولاد ويقترحون عليه الآيات وينكرون النسخ فنزل { ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ~~نساءا وأولادا { وما كان لرسول أن يأتى بئاية إلا ~~بإذن الله } أي ليس في وسعه إتيان الآيات على ما يقترحه قومه ~~وإنما ذلك إلى الله { لكل أجل كتاب } لكل وقت حكم يكتب على ~~العباد أي يفرض عليهم على ما تقتضيه حكمته ### || [13.39-40] # { يمحو الله ما يشاء } ينسخ ما ms0671 يشاء نسخه { ويثبت } بدله ~~ما يشاء أو يتركه غير منسوخ أو يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء ويثبت غيره ~~أو يمحو كفر التائبين ويثبت إيمانهم أو يميت من حان أجله وعكسه { ويثبت ~~} مدني وشامي وحمزة وعلي { وعنده أم الكتب } أي أصل كل كتاب ~~وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه { وإن ما نرينك ~~بعض الذى نعدهم أو نتوفينك } وكيفما دارت الحال ~~أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم أو توفيناك قبل ذلك { ~~فإنما عليك البلغ } فيما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب ~~{ وعلينا الحساب } وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك ~~فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم { أو لم يروا أنا ~~نأتى الأرض } أرض الكفرة { ننقصها من أطرافها } بما ~~نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام وذلك ~~من آيات النصرة والغلبة، والمعنى عليك البلاغ الذي حملته ولا تهتم بما ~~وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من النصرة والظفر { والله ~~يحكم لا معقب لحكمه } لا راد لحكمه والمعقب الذي يكر على ~~الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقبه أي يقفيه أي بالرد والإبطال ومنه قيل ~~لصاحب الحق معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب والمعنى أنه حكم ~~للإسلام بالغلبة والإقبال وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس، ومحل { لا معقب ~~لحكمه } النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه كما تقول: ~~جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة له تريد حاسرا { وهو سريع ~~الحساب } فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا ### || [13.41-43] # { وقد مكر الذين من قبلهم } أي كفار الأمم الخالية ~~بأنبيائهم والمكر إرادة المكروه في خفية ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة ~~إلى مكره فقال { فلله المكر جميعا } ثم فسر ذلك بقوله { ~~يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفر لمن ~~عقبى الدار } يعني العاقبة المحمودة لأن من علم ما تكسب كل نفس ~~وأعد لها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة ~~عما يراد بهم الكافر. على إرادة الجنس حجازي ms0672 وأبو عمرو # { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } المراد بهم كعب بن ~~الأشرف ورؤساء اليهود قالوا: لست مرسلا ولهذا قال عطاء هي مكية إلا هذه ~~الآية { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } بما أظهر ~~من الأدلة على رسالتي والباء دخلت على الفاعل و { شهيدا } تمييز { ~~ومن عنده علم الكتب } قيل هو الله عز وجل، والكتاب: اللوح ~~المحفوظ دليله قراءة من قرأ { ومن عنده علم الكتاب } أي ومن لدنه علم ~~الكتاب لأن علم من علمه من فضله ولطفه، وقيل ومن هو علماء أهل الكتاب ~~الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم وقال ابن سلام: في نزلت هذه ~~الآية وقيل هو جبريل عليه السلام و { من } في موضع الجر بالعطف على لفظ { ~~الله } أو في موضع الرفع بالعطف على محل الجار والمجرور إذ التقدير كفى ~~الله وعلم الكتاب يرتفع بالمقدر في الظرف فيكون فاعلا لأن الظرف صلة ل ~~«من» و«من» هنا بمعنى الذي والتقدير من ثبت عنده علم الكتاب وهذا لأن ~~الظرف إذا وقع صلة يعمل عمل الفعل «نحو مررت بالذي في الدار أخوه» فأخوه ~~فاعل كما تقول «بالذي استقر في الدار أخوه» وفي القراءة بكسر ميم «من» ~~يرتفع العلم بالابتداء. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-3] # مكية: اثنتان وخمسون آيه # { آلر كتاب } هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب يعني السورة، والجملة ~~التي هي { أنزلنه إليك } في موضع الرفع صفة للنكرة { ~~لتخرج الناس } بدعائك إياهم { من الظلمت إلى النور ~~} من الضلالة إلى الهدى { بإذن ربهم } بتيسيره وتسهيله مستعار من ~~الإذن الذي هو تسهيل الحجاب وذلك ما يمنحهم من التوفيق { إلى صرط } ~~بدل من { النور } بتكرير العامل { العزيز } الغالب بالانتقام { ~~الحميد } المحمود على الإنعام { الله } بالرفع مدني وشامي على هو ~~«الله» وبالجر غيرهما على أنه عطف بيان للعزيز الحميد { الذى له ما ~~فى السموت وما فى الأرض } خلقا وملكا. ولما ذكر الخارجين ~~من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل وهو نقيض الوأل وهو ~~النجاة وهو اسم معنى كالهلاك فقال: { وويل للكفرين من ~~عذاب ms0673 شديد } وهو مبتدأ وخبر، وصفة { الذين يستحبون } ~~يختارون ويؤثرون { الحيوة الدنيا على الأخرة ويصدون ~~عن سبيل الله } عن دينه { ويبغونها عوجا } يطلبون لسبيل ~~الله زيغا واعوجاجا والأصل ويبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل. { الذين ~~} مبتدأ خبره { أولئك فى ضلل بعيد } عن الحق. ووصف الضلال ~~بالبعد من الإسناد والمجازي والبعد في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد ~~عن طريق الحق فوصف به فعله كما تقول جد جده، أو مجرور صفة للكافرين، أو ~~منصوب على الذم أو مرفوع على أعني الذين أوهم الذين. ### || [14.4-5] # { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } إلا ~~متكلما بلغتهم { ليبين لهم } ما هو مبعوث به وله فلا يكون لهم ~~حجة على الله ولا يقولون له: لم نفهم ما خوطبنا به. فإن قلت: إن رسولنا ~~صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس جميعا بقوله # قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف:158]بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة ~~فلغيرهم الحجة قلت: لا يخلو ما إن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا # حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل ~~فتعين أن ينزل بلسان واحد، وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه ~~ولأنه أبعد من التحريف والتبديل { فيضل الله من يشاء } من آثر ~~سبب الضلالة { ويهدى من يشاء } من آثر سبب الاهتداء { وهو ~~العزيز } فلا يغالب على مشيئته { الحكيم } فلا يخذل إلا أهل ~~الخذلان { ولقد أرسلنا موسى بآيتنا } التسع { أن ~~أخرج قومك } بأن أخرج أو أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول ~~كأنه قيل: أرسلناه وقلنا له أخرج قومك { من الظلمت إلى ~~النور وذكرهم بأيام الله } وأنذرهم بوقائعه التي وقعت ~~على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود، ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها ~~أو بأيام الإنعام حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وفلق ~~لهم البحر { إن فى ذلك لآيت لكل صبار } على البلايا { ~~شكور } على العطايا كأنه قال لكل مؤمن إذ الإيمان نصفان نصف صبر ms0674 ونصف ~~شكر # . ### || [14.6-7] # { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب } «إذ» ظرف للنعمة بمعنى الإنعام أي إنعامه عليكم ذلك الوقت، ~~أو بدل اشتمال من نعمة الله أي اذكروا وقت إنجائكم { ويذبحون ~~أبناءكم } ذكر في البقرة # يذبحون # [البقرة: 49] وفي الأعراف # يقتلون # [الأعراف: 141] بلا واو، وهنا مع الواو. والحاصل أن التذبيح حيث طرح ~~الواو جعل تفسيرا للعذاب وبيانا له، وحيث أثبت الواو جعل التذبيح من ~~حيث إنه زاد على جنس العذاب كأنه جنس آخر { ويستحيون نساءكم ~~وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم } الإشارة إلى العذاب ~~والبلاء المحنة أو إلى الإنجاء والبلاء النعمة. # ونبلوكم بالشر والخير فتنة { # [الأنبياء: 35] { وإذ تأذن ربكم } أي آذن ونظير «تأذن» ~~و«آذن» توعد وأوعد. ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل: ~~وإذ آذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك والشبه وهو من جملة ما ~~قال موسى لقومه، وانتصابه للعطف على { نعمة الله عليكم } كأنه قيل: وإذ ~~قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم والمعنى ~~وإذ تأذن ربكم فقال: { لئن شكرتم } يا بني إسرائيل ما خولتكم من ~~نعمة الإنجاء وغيرها { لأزيدنكم } نعمة إلى نعمة فالشكر قيد ~~الموجود وصيد المفقود وقيل: إذا سمعت النعمة نغمة الشكر تأهبت للمزيد. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لئن شكرتم بالجد في الطاعة لأزيدنكم بالجد ~~في المثوبة { ولئن كفرتم } ما أنعمت به عليكم { إن عذابى ~~لشديد } لمن كفر نعمتي، أما في الدنيا فسلب النعم وأما في العقبى ~~فتوالى النقم. ### || [14.8-10] # { وقال موسى إن تكفروا أنتم } يا بني إسرائيل { ومن فى ~~الأرض جميعا } والناس كلهم { فإن الله لغنى } عن شكركم ~~{ حميد } وإن لم يحمده الحامدون وأنتم ضررتم أنفسكم حيث حرمتموها ~~الخير الذي لا بد لكم منه { ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود } من كلام موسى لقومه أو ~~ابتداء خطاب لأهل عصر محمد عليه السلام { والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله } جملة من مبتدأ ms0675 وخبر وقعت اعتراضا، أو عطف ~~{ الذين من بعدهم } على { قوم نوح } و { لا يعلمهم إلا الله } اعتراض، ~~والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وروى أنه عليه ~~السلام قال عند نزول هذه الآية: كذب النسابون { جاءتهم رسلهم ~~بالبينت } بالمعجزات { فردوا أيديهم فى ~~أفواههم } الضميران يعودان إلى الكفرة أي أخذوا أناملهم بأسنانهم ~~تعجبا أو عضوا عليها تغيظا، أو الثاني يعود إلى الأنبياء أي رد القوم ~~أيديهم في أفواه الرسل كيلا يتكلموا بما أرسلوا به { وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفى شك مما ~~تدعوننا إليه } من الإيمان بالله والتوحيد { مريب } موقع في ~~الريبة { قالت رسلهم أفى الله شك } أدخلت همزة الإنكار ~~على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل ~~الشك لظهور الأدلة وهو جواب قولهم # وإنا لفي شك # { فاطر السموات والأرض يدعوكم } إلى الإيمان { ~~ليغفر لكم من ذنوبكم } إذا آمنتم ولم تجيء مع «من» إلا في ~~خطاب الكافرين كقوله: # واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم # [نوح:4،3] # يقومنا أجيبوا داعى الله وءامنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم # [الاحقاف:31] وقال في خطاب المؤمنين: { هل أدلكم على ~~تجرة } إلى أن قال: # يغفر لكم ذنوبكم # [الصف: 11،10] وغير ذلك مما يعرف بالاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين ~~الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد { ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى } إلى وقت قد سماه وبين مقداره. # { قالوا } أي القوم { إن أنتم } ما أنتم { إلا بشر ~~مثلنا } لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة ~~دوننا { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءاباؤنا } ~~يعني الأصنام { فأتونا بسلطن مبين } بحجة بينة وقد جاءتهم ~~رسلهم بالبينات، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتا ~~ولجاجا ### || [14.11-12] # { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم } ~~تسليم قولهم إنهم بشر مثلهم { ولكن الله يمن على من ~~يشاء من عباده } بالإيمان والنبوة كما من علينا { وما كان ms0676 ~~لنا أن نأتيكم بسلطن إلا بإذن الله } جواب ~~لقولهم: { فأتونا بسلطان مبين } والمعنى أن الإتيان بالآية التي قد ~~اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله ~~تعالى { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أمر منهم ~~للمؤمنين كافة بالتوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا كأنهم قالوا: ومن ~~حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم ألا ~~ترى إلى قوله: { وما لنا ألا نتوكل على الله } معناه ~~وأي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه { وقد هدانا سبلنا } وقد فعل ~~بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه ~~سلوكه في الدين قال أبو تراب: التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب ~~بالربوبية والشكر عند العطاء والصبر عند البلاء { ولنصبرن على ~~ما آذيتمونا } جواب قسم مضمر أي حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا ~~يمسكوا عن دعائهم { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } ~~أي فليثبت المتوكلون على توكلهم حتى لا يكون تكرارا. ### || [14.13-16] # { وقال الذين كفروا لرسلهم } { سبلنا } { لرسلهم } ~~أبو عمرو { لنخرجنكم من أرضنا } من ديارنا { أو ~~لتعودن في ملتنا } أي ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم ~~وحلفوا على ذلك والعود بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب أو خاطبوا ~~به كل رسول ومن آمن معه فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد { ~~فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظلمين } القول ~~مضمر أو أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه { ولنسكننكم ~~الأرض من بعدهم } أي أرض الظالمين وديارهم. في الحديث: # " من آذى جاره ورثه الله داره " # { ذلك } الإهلاك والإسكان أي ذلك الأمر حق { لمن خاف مقامي } ~~موقفي وهو موقف الحساب أو المقام مقحم أو خاف قيامي عليه بالعلم كقوله: # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33] والمعنى أن ذلك حق للمتقين { وخاف وعيد } { عذابي } ~~وبالياء يعقوب { واستفتحوا } واستنصروا الله على أعدائهم وهو ~~معطوف على أوحى إليهم { وخاب كل جبار } وخسر كل متكبر بطر { ~~عنيد } مجانب للحق. معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد ~~وهم ms0677 قومهم وقيل: الضمير للكفار ومعناه واستفتح الكفار على الرسل ظنا ~~منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح ~~باستفتاحه { من ورآئه } من بين يديه { جهنم } وهذا وصف حاله ~~وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف ~~حاله في الآخرة حيث يبعث ويوقف { ويسقى } معطوف على محذوف تقديره من ~~ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى { من ماء صديد } ما يسيل من ~~جلود أهل النار، و { صديد } عطف بيان لماء لأنه مبهم فبين بقوله { صديد } ### || [14.17-19] # { يتجرعه } يشربه جرعة جرعة { ولا يكاد يسيغه } ولا ~~يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة كقوله: # لم يكد يراها # [النور: 40] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها { ويأتيه الموت ~~من كل مكان } أي أسباب الموت من كل جهة أو من كل مكان من جسده ~~وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها ~~مهلكا { وما هو بميت } لأنه لو مات لاستراح { ومن ورائه ~~} ومن بين يديه { عذاب غليظ } أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا ~~أشد مما قبله وأغلظ. وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. # { مثل الذين } مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليكم مثل الذين { ~~كفروا بربهم } والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله { ~~أعمالهم كرماد } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف ~~مثلهم فقيل أعمالهم كرماد { اشتدت به الريح } { الرياح } مدني ~~{ في يوم عاصف } جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح ~~كقولك:«يوم ماطر»، وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام ~~وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهها في حبوطها ~~لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيرته الريح العاصف ~~{ لا يقدرون } يوم القيامة { مما كسبوا } من أعمالهم { ~~على شيء } أي لا يرون له أثرا من ثواب كما لا يقدر من الرماد ~~المطير في الريح على شيء { ذلك هو الضلال البعيد } إشارة ~~إلى بعد ضلالهم عن ms0678 طريق الحق أو عن الثواب { ألم تر } ألم تعلم ~~الخطاب لكل أحد { أن الله خلق السموت والأرض } { ~~خالق } مضافا حمزة وعلي { بالحق } بالحكمة والأمر العظيم ولم ~~يخلقها عبثا { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } أي ~~هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر على شكلهم أو على خلاف ~~شكلهم إعلاما بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم ### || [14.20-21] # { وما ذلك على الله بعزيز } بمتعذر. # { وبرزوا لله جميعا } ويبرزون يوم القيامة وإنما جيء به ~~بلفظ الماضي لأن ما أخبر به عز وجل لصدقه كأنه قد كان ووجد. ونحوه # ونادى أصحب الجنة # [الأعراف: 44] # ونادى أصحب النار # [الأعراف:50] وغير ذلك، ومعنى بروزهم لله والله تعالى لا يتوارى عنه شيء ~~حتى يبرز لهم أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ~~ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا ~~أن الله لا تخفى عليه خافية، أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه ~~{ فقال الضعفاء } في الرأي وهم السفلة والأتباع وكتب الضعفاء ~~بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو { ~~للذين استكبروا } وهم السادة والرؤساء الذين استغووهم وصدوهم ~~عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم { إنا كنا لكم تبعا } ~~تابعين. جمع تابع على تبع كخادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع والتبع ~~الأتباع يقال: تبعه تبعا { فهل أنتم مغنون عنا من ~~عذاب الله من شيء } فهل تقدرون على دفع شيء مما نحن فيه. و«من» ~~الأولى للتبيين والثانية للتبعيض كأنه قيل فهل أنتم مغنون عنا بعض الشيء ~~الذي هو عذاب الله أو هما للتبعيض أي فهل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض ~~عذاب الله ولما كان قول الضعفاء توبيخا لهم وعتابا على استغوائهم لأنهم ~~علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم { قالوا } لهم مجيبين معتذرين ~~{ لو هدانا الله لهديناكم } أي لو هدانا الله إلى الإيمان ~~في الدنيا لهديناكم إليه أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب ~~لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا ms0679 بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق ~~الهلكة { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } مستويان علينا ~~الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية. روى أنهم يقولون في النار تعالوا نجزع ~~فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون ~~خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر ثم يقولون { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } ~~واتصاله بما قبله من حيث إن عتابهم لهم كان جزعا مما هم فيه فقالوا لهم: ~~سواء علينا أجزعنا أم صبرنا يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في عقاب ~~الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ ولا ~~فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر { ما لنا من محيص } منجى ~~ومهرب جزعنا أم صبرنا، ويجوز أن يكون هذا من كلام الضعفاء والمستكبرين ~~جميعا. ### || [14.22] # { وقال الشيطن لما قضي الأمر } حكم بالجنة والنار ~~لأهليهما وفرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وروي ~~أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبا. على منبر من نار فيقول لأهل النار { ~~إن الله وعدكم وعد الحق } وهو البعث والجزاء على ~~الأعمال فوفى لكم بما وعدكم { ووعدتكم } بأن لا بعث ولا حساب ولا ~~جزاء { فأخلفتكم } كذبتكم { وما كان لي عليكم من ~~سلطن } من تسلط واقتدار { إلا أن دعوتكم } لكني دعوتكم ~~إلى الضلالة بوسوستي وتزييني والاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس ~~السلطان { فاستجبتم } فأسرعتم إجابتي { فلا تلوموني } لأن ~~من تجرد للعداوة لا يلام إذا دعا إلى أمر قبيح مع أن الرحمن قد قال لكم: # لا يفتننكم الشيطن كما أخرج أبويكم من ~~الجنة # { [الأعراف: 27] { ولوموا أنفسكم } حيث اتبعتموني بلا حجة ولا ~~برهان وقول المعتزلة هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو ~~السعادة ويحصلها لنفسه وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا ~~التزيين باطل لقوله: لو هدانا الله أي إلى الإيمان # لهديناكم # [إبراهيم: 21] كما مر { ما أنا بمصرخكم وما أنتم ~~بمصرخي } لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ ~~الإغاثة { بمصرخي } حمزة اتباعا للخاء غيره بفتح الياء لئلا تجتمع ~~الكسرة والياءان ms0680 بعد كسرتين وهو جمع مصرخ فالياء الأولى يا الجمع ~~والثانية ضمير المتكلم { إني كفرت بما أشركتمون } وبالياء ~~بصري و«ما» مصدرية { من قبل } متعلق ب { أشركتموني } أي كفرت اليوم ~~بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا كقوله # ويوم القيامة يكفرون بشرككم # [فاطر: 14] ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له كقوله: # أنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم # [الممتحنة: 4] أو من قبل متعلق { بكفرت } و«ما» موصولة أي كفرت من قبل ~~حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل. تقول: أشركني ~~فلان أي جعلني له شريكا، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله طاعتهم له فيما ~~كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وهذا آخر قول الشيطان وقوله: { إن ~~الظلمين لهم عذاب أليم } قول الله عز وجل. وقيل: هو من ~~تمام إبليس وإنما حكى الله عز وجل ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفا ~~للسامعين. ### || [14.23-24] # { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحات ~~جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها } عطف ~~على { برزوا } { بإذن ربهم } متعلق ب { أدخل } أي أدخلتهم ~~الملائكة الجنة بإذن الله وأمره { تحيتهم فيها سلم } هو ~~تسليم بعضهم على بعض في الجنة أو تسليم الملائكة عليهم { ألم تر ~~كيف ضرب الله مثلا } أي وصفه وبينه { كلمة طيبة } ~~نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة { كشجرة طيبة } وهو تفسير لقوله: { ~~ضرب الله مثلا } نحو شرف الأمير زيدا كساه حلة وحمله على فرس، أو انتصب ~~{ مثلا } و { كلمة } ب { ضرب } أي ضرب كلمة طيبة مثلا يعني جعلها ~~مثلا ثم قال { كشجرة طيبة } على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة طيبة ~~{ أصلها ثابت } أي في الأرض ضارب بعروقه فيها { وفرعها } ~~وأعلاها ورأسها { في السماء } والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أصلها ~~تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، وكما أن ~~الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملا فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملا ولكن ~~الأشجار لا تراد إلا للثمار فما أقوات النار إلا من الأشجار إذا اعتادت ~~الإخفار في عهد الأثمار. ms0681 والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة ~~وشجرة التين ونحو ذلك والجمهور على أنها النخلة، فعن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: # " إن الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ " # فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبيا فوقع في قلبي أنها النخلة فهبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ألا إنها النخلة " # فقال عمر: يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم ### || [14.25-27] # { تؤتي أكلها كل حين } تعطي ثمرها كل وقت وقتها الله ~~لإثمارها { بإذن ربها } بتيسير خالقها وتكوينه { ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } لأن في ضرب ~~الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني. # { ومثل كلمة خبيثة } هي كلمة الكفر { كشجرة خبيثة } ~~هي كل شجرة لا يطيب ثمرها وفي الحديث: أنها شجرة الحنظل { اجتثت من ~~فوق الأرض } استؤصلت جثتها وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها وهو في ~~مقابلة { أصلها ثابت } { ما لها من قرار } أي استقرار يقال قر ~~الشيء قرارا كقولك ثبت ثبوتا، شبه بها القول الذي لا يعضد بحجة فهو ~~داحض غير ثابت { يثبت الله الذين ءامنوا } أي يديمهم ~~عليه { بالقول الثابت } هو قول «لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله» { في الحياة الدنيا } حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا كما ثبت ~~الذين فتنهم أصحاب الأخدود وغير ذلك { وفي الآخرة } الجمهور على أن ~~المراد به في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب، فعن البراء أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال: # " ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ~~ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله { يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت } ثم يقول الملكان: عشت سعيدا ومت ~~حميدا نم نومة العروس " # { ويضل الله الظلمين } فلا يثبتهم على القول ms0682 الثابت في ~~مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأزل { ويفعل ~~الله ما يشاء } فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين ### || [14.28-31] # { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله } أي شكر ~~نعمة الله { كفرا } لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، ~~فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا وهم أهل مكة، كرمهم بمحمد ~~عليه السلام فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر { وأحلوا ~~قومهم } الذين تابعوهم على الكفر { دار البوار } دار الهلاك { ~~جهنم } عطف بيان { يصلونها } يدخلونها { وبئس القرار ~~} وبئس المقر جهنم { وجعلوا لله أندادا } أمثالا في العبادة ~~أو في التسمية { ليضلوا عن سبيله } وبفتح الياء: مكي وأبو ~~عمرو { قل تمتعوا } في الدنيا والمراد به الخذلان والتخلية. وقال ~~ذو النون: التمتع أن يقضي العبد ما استطاع من شهوته { فإن ~~مصيركم إلى النار } مرجعكم إليها. # { قل لعبادي الذين ءامنوا } خصهم بالإضافة إليه تشريفا. ~~وبسكون الياء شامي وحمزة وعلي والأعشى { يقيموا الصلاة ~~وينفقوا مما رزقناهم } المقول محذوف لأن { قل } تقتضي ~~مقولا وهو أقيموا وتقديره: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة ~~وينفقوا. وقيل إنه أمر وهو المقول والتقدير ليقيموا ولينفقوا، فحذف اللام ~~لدلالة قل عليه، ولو قيل يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز ~~{ سرا وعلانية } انتصبا على الحال أي ذوي سر وعلانية يعني مسرين ~~ومعلنين، أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية، أو على المصدر أي إنفاق سر ~~وإنفاق علانية، والمعنى إخفاء التطوع وإعلان الواجب { من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلل } أي لا انتفاع فيه ~~بمبايعة ولا مخالة والخلال المخالة، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله. ~~بفتحهما: مكي وبصري، والباقون بالرفع والتنوين ### || [14.32-34] # { الله } مبتدأ { الذي خلق السموت والأرض } خبره { ~~وأنزل من السماء ماء } من السحاب مطرا { فأخرج به ~~من الثمرت رزقا لكم } من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به ~~رزقا هو ثمرات أو { من الثمرات } مفعول { أخرج } و { رزقا } حال من ~~المفعول { وسخر لكم الفلك لتجري فى البحر ~~بأمره ms0683 وسخر لكم الأنهر * وسخر لكم الشمس ~~والقمر دائبين } دائمين وهو حال من الشمس والقمر أي يدأبان في ~~سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان ~~والنبات { وسخر لكم اليل والنهار } يتعاقبان خلفة ~~لمعاشكم وسباتكم { وآتاكم من كل ما سألتموه } «من» ~~للتبعيض أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه، أو وآتاكم من كل شيء سألتموه وما ~~لم تسألوه ف { ما } موصولة والجملة صفة لها، وحذفت الجملة الثانية لأن ~~الباقي يدل على المحذوف كقوله # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] { من كل } عن أبي عمرو { وما سألتموه } نفي ومحله النصب ~~على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه أو «ما» موصولة أي وآتاكم من ~~كل ذلك ما احتجتم إليه فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال { وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها } لا تطيقوا عدها وبلوغ ~~آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال وأما التفصيل فلا يعلمه إلا ~~الله { إن الإنسان لظلوم } بظلم النعمة بإغفال شكرها { ~~كفار } شديد الكفران لها أو ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة ~~يجمع ويمنع والإنسان للجنس فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان ~~منه. ### || [14.35-37] # { وإذ قال إبرهيم } واذكر إذ قال إبراهيم { رب اجعل ~~هذا البلد } أي البلد الحرام { آمنا } ذا أمن والفرق بين هذه ~~وبين ما في البقرة أنه قد سأل فيها أن يجعله من جملة البلدان التي يأمن ~~أهلها، وفي الثاني أن يخرجه من صفة الخوف إلى الأمن كأنه قال هو بلد مخوف ~~فاجعله آمنا { واجنبني } وبعدني أي ثبتني وأدمني على اجتناب ~~عبادتها كما قال # واجعلنا مسلمين لك # [البقرة: 128] أي ثبتنا على الإسلام { وبني } أراد بنيه من صلبه { ~~أن نعبد الأصنام } من أن نعبد الأصنام { رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس } جعلن مضلات على طريق التسبيب لأن ~~الناس ضلوا بسببهن فكأنهم أضللنهم { فمن تبعني } على ملتي وكان ~~حنيفا مسلما مثلي { فإنه مني } أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي { ~~ومن عصانى } فيما دون الشرك { فإنك غفور رحيم } أو ومن ~~عصاني عصيان شرك فإنك غفور رحيم ms0684 إن تاب وآمن { ربنا إني ~~أسكنت من ذريتي } بعض أولادي وهم إسمعيل ومن ولد منه { ~~بواد } هو واد مكة { غير ذي زرع } لا يكون فيه شيء من زرع قط { ~~عند بيتك المحرم } هو بيت الله سمي به لأن الله تعالى حرم ~~التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعا ~~يهابه كل جبار، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، أو لأنه حرم ~~على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه { ربنا ~~ليقيموا الصلاة } اللام متعلقة ب { أسكنت } أي ما أسكنتهم بهذا ~~الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك ~~{ فاجعل أفئدة من الناس } أفئدة من أفئدة الناس و«من» ~~للتبعيض لما روي عن مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم عليه فارس والروم ~~والترك والهند. أو للابتداء كقولك: «القلب مني سقيم» تريد قلبي فكأنه قيل ~~أفئدة ناس، ونكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة لأنها في ~~الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة { تهوي إليهم } تسرع إليهم من ~~البلاد الشاسعة وتطير نحوهم شوقا { وارزقهم من الثمرت } مع ~~سكناهم واديا ما فيه شيء منها بأن تجلب إليهم من البلاد الشاسعة { ~~لعلهم يشكرون } النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس ~~فيه شجر ولا ماء. ### || [14.38-39] # { ربنا } النداء المكرر دليل التضرع واللجإ إلى الله { إنك ~~تعلم ما نخفي وما نعلن } تعلم السر كما تعلم العلن { وما ~~يخفى على الله من شيء فى الأرض ولا في السماء } ~~من كلام الله عز وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام، أو من كلام إبراهيم ~~و«من» للاستغراق كأنه قيل: وما يخفى على الله شيء ما { الحمد لله ~~الذي وهب لي على الكبر } «على» بمعنى «مع» وهو في موضع ~~الحال أي وهب لي وأنا كبير { إسمعيل وإسحق } روي أن ~~إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي ~~عشرة سنة. وروي أنه ولد له إسمعيل لأربع وستين، وإسحاق لتسعين، وإنما ~~ذكر حال ms0685 الكبر لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم لأنها حال وقوع اليأس من ~~الولادة، والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجل النعم، ولأن الولادة في ~~تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم { إن ربي لسميع الدعاء ~~} مجيب الدعاء من قولك «سمع الملك كلام فلان» إذا تلقاه بالإجابة ~~والقبول، ومنه سمع الله لمن حمده وكان قد دعا ربه وسأله الولد فقال: # رب هب لي من الصلحين # فشكر الله ما أكرمه به من إجابته. وإضافة السميع إلى الدعاء من إضافة ~~الصفة إلى مفعولها وأصله «لسميع الدعاء» وقد ذكر سيبويه فعيلا في جملة ~~أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل كقولك«هذا رحيم أباه» ### || [14.40-43] # { رب اجعلني مقيم الصلوة ومن ذريتي } وبعض ذريتي ~~عطفا على المنصوب في اجعلني وإنما بعض لأنه علم بأعلام الله أنه يكون في ~~ذريته كفار، عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يزال من ولد إبراهيم ناس على ~~الفطرة إلى أن تقوم الساعة { ربنا وتقبل دعاء } بالياء في ~~الوصل والوقف: مكي، وافقه أبو عمرو وحمزة في الوصل. الباقون بلا ياء أي ~~استجب دعائي أو عبادتي # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله # [مريم: 48] { ربنا اغفر لي ولوالدي } أي آدم وحواء أو ~~قاله قبل النهي واليأس عن إيمان أبويه { وللمؤمنين يوم ~~يقوم الحساب } أي يثبت أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسنادا ~~مجازيا مثل # واسأل القرية # [يوسف: 82] { ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل ~~الظلمون } تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، والخطاب لغير الرسول عليه ~~السلام وإن كان للرسول فالمراد تثبيته عليه السلام على ما كان عليه من ~~أنه لا يحسب الله غافلا كقوله: # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام: 14] # ولا تدع مع الله إلها آخر # [القصص: 88] وكما جاء في الأمر # يأيها الذين ءامنوا آمنوا بالله ورسوله # [النساء:136] وقيل: المراد به الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون لا ~~يخفى عليه منه شيء، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد ~~والتهديد كقوله: # والله بما تعملون عليم # [البقرة: 283] { إنما يؤخرهم } أي عقوبتهم { ليوم ~~تشخص فيه الأبصر } أي أبصارهم لا تقر في ms0686 أماكنها من هول ما ~~ترى { مهطعين } مسرعين إلى الداعي { مقنعي رؤوسم } ~~رافعيها { لا يرتد إليهم طرفهم } لا يرجع إليهم نظرهم ~~فينظروا إلى أنفسهم { وأفئدتهم هواء } صفر من الخير لا تعي ~~شيئا من الخوف، والهواء الذي لم تشغله الأجرام فوصف به فقيل: قلب فلان ~~هواء إذا كان جبانا لا قوة في قلبه ولا جراءة. وقيل: جوف لا عقول لهم ### || [14.44-48] # { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب } أي يوم القيامة. ~~و { يوم } مفعول ثان ل { أنذر } لا ظرف إذ الإنذار لا يكون في ذلك اليوم ~~{ فيقول الذين ظلموا } أي الكفار { ربنا أخرنا ~~إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } أي ~~ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا ~~فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك فيقال لهم: { أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } أي حلفتم في الدنيا ~~أنكم إذا متم لا تزالون عن تلك الحالة ولا تنتقلون إلى دار أخرى يعني ~~كفرتم بالبعث كقوله: # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # [النحل:38] و { ما لكم } جواب القسم. وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: { ~~أقسمتم } ولو حكى لفظ المقسمين لقيل ما لنا من زوال، أو أريد باليوم يوم ~~هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء الملائكة ~~بلا بشرى فإنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب. # يقال: سكن الدار وسكن فيها ومنه { وسكنتم في مسكن الذين ~~ظلموا أنفسهم } بالكفر لأن السكنى من السكون وهو اللبث والأصل ~~تعديته ب «في» نحو «قر في الدار وأقام فيها» ولكنه لما نقل إلى سكون خاص ~~تصرف فيه فقيل: «سكن الدار» كما قيل «تبوأها»، ويجوز أن يكون سكنوا من ~~السكون أي قروا فيها واطمأنوا طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلهم في الظلم ~~والفساد لا يحدثونها بما لقي الأولون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم ~~فيعتبروا ويرتدعوا { وتبين لكم } بالأخبار أو المشاهدة وفاعل { ~~تبين } مضمر دل عليه الكلام أي تبين لكم حالهم و { كيف } ليس بفاعل ~~لأن ms0687 الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وإنما نصب { كيف } بقوله { فعلنا ~~بهم } أي أهلكناهم وانتقمنا منهم { وضربنا لكم الأمثال } ~~أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم ~~{ وقد مكروا مكرهم } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه ~~جهدهم وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وبطلان الإسلام { وعند الله ~~مكرهم } وهو مضاف إلى الفاعل كالأول والمعنى ومكتوب عند الله مكرهم ~~فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو إلى المفعول أي عند الله مكرهم ~~الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون { وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال } بكسر اللام الأولى ونصب ~~الثانية والتقدير: وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعبر عن النبي عليه السلام بالجبال لعظم شأنه، و«كان تامة» و«إن» نافية ~~واللام مؤكدة لها كقوله # وما كان الله ليعذبهم # [الأنفال: 33] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل ~~لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا دليله ~~قراءة ابن مسعود { وما كان مكرهم } وبفتح اللام الأولى ورفع الثانية ~~علي، أي وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقطع عن ~~أماكنها ف «إن» مخففة من «إن» واللام مؤكدة. # { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } يعني قوله # إنا لننصر رسلنا # [غافر: 51] # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] { مخلف } مفعول ثان ل { تحسبن } وأضاف { مخلف } إلى { ~~وعده } وهو المفعول الثاني له والأول { رسله } والتقدير مخلف رسله وعده ~~وإنما قدم المفعول الثاني على الأول ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا ~~كقوله: # إن الله لا يخلف الميعاد # [آل عمران: 9] ثم قال { رسله } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا فكيف ~~يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته { إن الله عزيز } غالب لا ~~يماكر { ذو انتقام } لأوليائه من أعدائه وانتصاب { يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسموت } على الظرف للانتقام أو على ~~إضمار اذكر والمعنى يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه ~~المعروفة وتبدل السماوات غير السماوات وإنما ms0688 حذف لدلالة ما قبله عليه ~~والتبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك «بدلت الدراهم دنانير» وفي ~~الأوصاف كقولك «بدلت الحلقة خاتما» إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها ~~من شكل إلى شكل واختلف في تبديل الأرض والسماوات فقيل تبدل أوصافها وتسير ~~عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: هي تلك الأرض وإنما تغير. وتبدل السماء بانتثار ~~كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا. وقيل: تخلق ~~بدلها أرض وسماوات أخر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يحشر الناس على أرض ~~بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة. وعن علي رضي الله عنه: تبدل أرضا من ~~فضة وسماوات من ذهب { وبرزوا } وخرجوا من قبورهم { لله ~~الواحد القهار } هو كقوله: # لمن الملك اليوم لله الوحد القهار # [غافر: 16] لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى ~~غيره كان الأمر في غاية الشدة ### || [14.49-50] # { وترى المجرمين } الكافرين { يومئذ } يوم القيامة { ~~مقرنين } قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين أو قرنت أيديهم إلى ~~أرجلهم مغللين { في الأصفاد } متعلق ب { مقرنين } أي يقرنون في ~~الأصفاد أو غير متعلق به والمعنى مقرنين مصفدين، والأصفاد القيود أو ~~الأغلال { سرابيلهم } قمصهم { من قطران } هو ما يتحلب من شجر ~~يسمى الأبهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته وحره ومن ~~شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود ~~أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته ~~وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح على أن التفاوت بين ~~القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة ~~فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا ~~الأسامي والمسميات ثمة نعوذ بالله من سخطه وعذابه من «قطر آن» زيد عن ~~يعقوب نحاس مذاب بلغ حره إناه { وتغشى وجوههم النار } ~~تعلوها باشتعالها وخص الوجه لأنه أعز موضع في ظاهر ms0689 البدن كالقلب في باطنه ~~ولذا قال # تطلع على الأفئدة # [الهمزة: 7] ### || [14.51-52] # { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } أي يفعل بالمجرمين ~~ما يفعل ليجزي كل نفس مجرمة ما كسبت أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه ~~إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المؤمنين بطاعتهم { إن ~~الله سريع الحساب } يحاسب جميع العباد في أسرع من لمح البصر { ~~هذا } أي ما وصفه في قوله: { ولا تحسبن } إلى قوله: { سريع الحساب } ~~{ بلغ للناس } كفاية في التذكير والموعظة { ولينذروا به ~~} بهذا البلاغ وهو معطوف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا { ~~وليعلموا أنما هو إله واحد } لأنهم إذا خافوا ما ~~أنذروا به دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد لأن الخشية ~~أم الخير كله { وليذكر أولوا الألبب } ذوو العقول. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-2] # { الر تلك ءايت الكتب وقرءان مبين } { تلك } ~~إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب، والقرآن المبين السورة، ~~وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا ~~وأي قرآن مبين كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال وللغرابة في البيان { ~~ربما } بالتخفيف: مدني وعاصم، وبالتشديد غيرهما، و«ما» هي الكافة ~~لأنها حرف يجر ما بعده، ويختص الاسم النكرة فإذا كفت وقع بعدها الفعل ~~الماضي والاسم. وإنما جاز { يود الذين كفروا } لأن المترقب ~~في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ~~ود، ووداتهم تكون عند النزع أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال ~~المسلمين، وإذا رأوا المسلمين يخرجون من النار فيتمنى الكافر لو كان ~~مسلما، كذا روى عن ابن عباس رضي الله عنهما { لو كانوا ~~مسلمين } حكاية ودادتهم. وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر ~~عنهم كقولك: «حلف بالله ليفعلن» ولو قيل: «حلف يالله لأفعلن» و«لو كنا ~~مسلمين» لكان حسنا وإنما قلل ب «رب» لأن أهوال القيامة تشغلهم عن ~~التمني فإذا أفاقوا من سكرات العذاب ودوا لو كانوا مسلمين. وقول من قال: ~~إن «رب» يعني بها الكثرة سهو لأنه ضد ما يعرفه أهل اللغة لأنها وضعت ~~للتقليل ms0690 ### || [15.3-6] # { ذرهم } أمر إهانة أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودعهم عن النهي عما هم ~~عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة وخلهم { يأكلوا ويتمتعوا ~~} بدنياهم { ويلههم الأمل } ويشغلهم أملهم وأمانيهم عن الإيمان ~~{ فسوف يعلمون } سوء صنيعهم، وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ ~~والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين. { ومآ ~~أهلكنا من قرية إلا ولها كتب معلوم } ولها ~~كتاب جملة واقعة صفة ل { قرية } والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما ~~في # وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون # [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف إذ الصفة ملتصقة ~~بالموصوف بلا واو فجيء بالواو تأكيدا لذلك. والوجه أن تكون هذه الجملة ~~حالا ل { قرية } لكونها في حكم الموصوفة كأنه قيل: وما أهلكنا قرية من ~~القرى لا وصفا. وقوله: { كتاب معلوم } أي مكتوب معلوم وهو أجلها الذي ~~كتب في اللوح المحفوظ وبين ألا ترى إلى قوله: { ما تسبق من ~~أمة أجلها } في موضع كتابها { وما يستئخرون } أي عنه ~~وحذف لأنه معلوم، وأنث الأمة أولا ثم ذكرها آخرا حملا على اللفظ ~~والمعنى. { وقالوا } أي الكفار { يأيها الذى نزل ~~عليه الذكر } أي القرآن { إنك لمجنون } يعنون محمدا ~~عليه السلام، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء كما قال فرعون # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27] وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون ~~والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم سائغ ومنه # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21] # إنك لانت الحليم الرشيد # [هود:87] والمعنى إنك لتقول قول المجانين حيث تدعى أن الله نزل عليك ~~الذكر ### || [15.7-11] # { لو ما تأتينا بالملئكة إن كنت من الصدقين ~~} «لو» ركبت مع «لا» و«ما» لامتناع الشيء لوجود غيره أو للتحضيض، و«هل» ~~ركبت مع «لا» للتحضيض فحسب، والمعنى هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك، ~~أو هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا { ما ~~ننزل الملئكة } كوفي غير أبي بكر، { تنزل الملائكة } ~~أبو بكر { تنزل الملائكة } أي تتنزل: غيرهم { إلا بالحق } ~~إلا تنزيلا ملتبسا بالحكمة { وما كانوا إذا منظرين ms0691 } { ~~إذا } جواب لهم وجزاء الشرط مقدر تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا ~~منظرين إذا وما أخر عذابهم { إنا نحن نزلنا الذكر } ~~للقرآن { وإنا له لحفظون } وهو رد لإنكارهم واستهزائهم في ~~قولهم: { يا أيها الذي نزل عليه الذكر } ولذلك قال: { إنا نحن } فأكد ~~عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو الذي نزله محفوظا من الشياطين ~~وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب ~~المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا ~~فيما بينهم بغيا فوقع التحريف، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه وقد جعل ~~قوله: { وإنا له لحافظون } دليلا على أنه منزل من عنده آية إذ لو كان من ~~قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام ~~سواه، أو الضمير في { له } لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله: # والله يعصمك # { [المائدة:67] ولقد أرسلنا من قبلك فى شيع ~~الأولين } أي ولقد أرسلنا من قبلك رسلا في الفرق الأولين، والشيعة: ~~الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة { وما يأتيهم } حكاية حال ماضية ~~لأن ما لا تدخل على المضارع إلا وهو في معنى الحال وعلى ماض إلا وهو ~~قريب من الحال { من رسول إلا كانوا به يستهزءون } ~~يعزي نبيه عليه السلام ### || [15.12-18] # { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } أي كما سلكنا الكفر ~~أو الاستهزاء في شيع الأولين نسلكه أي الكفر أو الاستهزاء في قلوب ~~المجرمين من أمتك من اختار ذلك. يقال: سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته إذا ~~أدخلته فيها وهو حجة على المعتزلة في الأصلح وخلق الأفعال { لا ~~يؤمنون به } بالله أو بالذكر وهو حال { وقد خلت سنة ~~الأولين } مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسله ~~وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم { ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السمآء } ولو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء { ~~فظلوا فيه يعرجون } يصعدون { لقالوا إنما سكرت ~~أبصرنا } حيرت أو حبست من الإبصار أو من السكر، { سكرت } مكي أي ~~حبست كما ms0692 يحبس النهر من الجري، والمعنى أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم ~~في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ويسر لهم معراج يصعدون فيه ~~إليها ورأوا من العيان ما رأوا لقالوا هو شيء نتخايله لا حقيقة له ~~ولقالوا { بل نحن قوم مسحورون } قد سحرنا محمد بذلك، أو ~~الضمير للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا لقالوا ~~ذلك. وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون وقال: ~~إنما ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيرا للأبصار { ~~ولقد جعلنا فى السمآء } خلقنا فيها { بروجا } نجوما أو ~~قصورا فيها الحرس أو منازل للنجوم { وزينها } أي السماء { ~~للنظرين وحفظنها } أي السماء { من كل شيطن ~~رجيم } ملعون أو مرمي بالنجوم { إلا من استرق السمع } ~~أي المسموع و«من» في محل النص على الاستثناء { فأتبعه شهاب } ~~نجم ينقض فيعود { مبين } ظاهر للمبصرين. قيل: كانوا لا يحجبون عن ~~السماوات كلها فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد ~~محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها ### || [15.19-22] # { والأرض مددنها } بسطناها من تحت الكعبة، والجمهور على أنه ~~تعالى مدها على وجه الماء { وألقينا فيها روسي } في الأرض ~~جبالا ثوابت { وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } وزن ~~بميزان الحكمة وقدر بمقدار تقتضيه لا تصلح فيه زيادة ولا نقصان، أوله وزن ~~وقدر في أبواب المنفعة والنعمة، أو ما يوزن كالزعفران والذهب والفضة ~~والنحاس والحديد وغيرها، وخص ما يوزن لانتهاء الكيل إلى الوزن { ~~وجعلنا لكم فيها } في الأرض { معيش } ما يعاش به من ~~المطاعم جمع معيشة وهي بياء صريحة بخلاف الخبائث ونحوها فإن تصريح الياء ~~فيها خطأ { ومن لستم له برزقين } { من } في محل النصب ~~بالعطف على { معايش } أو على محل { لكم } كأنه قيل وجعلنا لكم فيها معايش ~~وجعلنا لكم من لستم له برازقين، أو جعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له ~~برازقين وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين يظنون أنهم يرزقونهم ~~ويخطئون فإن الله هو الرزاق يرزقهم وإياهم، ويدخل ms0693 فيه الأنعام والدواب ~~ونحو ذلك. ولا يجوز أن يكون محل { من } جرا بالعطف على الضمير المجرور ~~في { لكم } لأنه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار { وإن ~~من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم } ذكر الخزائن تمثيل والمعنى وما من شيء ينتفع به ~~العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إلا ~~بمقدار معلوم فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور { وأرسلنا ~~الرياح لواقح } جمع لاقحة أي وأرسلنا الرياح حوامل بالسحاب لأنها ~~تحمل السحاب في جوفها كأنها لاقحة بها من لقحت الناقة حملت وضدها العقيم. ~~{ الريح } حمزة { فأنزلنا من السمآء مآء ~~فأسقيناكموه } فجعلناه لكم سقيا { ومآ أنتم له ~~بخزنين } نفى عنهم ما اثبته لنفسه في قوله: { وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه } كأنه قال: نحن الخازنون للماء على معنى نحن القادرون على ~~خلقه في السماء وإنزاله منها، وما أنتم عليه بقادرين دلالة عظيمة على ~~قدرته وعجزهم ### || [15.23-29] # وإنا لنحن نحيي ونميت } أي نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء، ~~أو نميت عند انقضاء الآجال ونحيي لجزاء الأعمال على التقديم والتأخير إذ ~~الواو للجمع المطلق { ونحن الورثون } الباقون بعد هلاك الخلق ~~كلهم. وقيل: للباقي وارث استعارة من وارث الميت لأنه يبقى بعد فنائه { ~~ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستخرين } من تقدم ولادة وموتا ومن تأخر، أو من خرج من أصلاب ~~الرجال ومن لم يخرج بعد، أو من تقدم في الإسلام أو في الطاعة أو في صف ~~الجماعة أو في صف الحرب ومن تأخر، { وإن ربك هو يحشرهم } ~~أي هو وحده يقدر على حشرهم ويحيط بحصرهم { إنه حكيم عليم } ~~باهر الحكمة واسع العلم. { ولقد خلقنا الإنسن } أي آدم { ~~من صلصل } طين يابس غير مطبوخ { من حمإ } صفة { لصلصال } أي ~~خلقه من صلصال كائن من حمإ أي طين أسود متغير { مسنون } مصور # وفي الأول كان ترابا فعجن بالماء فصار طينا فمكث فصار حمأ فخلص فصار ~~سلالة فصور ويبس فصار صلصالا فلا تناقض { والجآن } أبا الجن كآدم ~~للناس أو ms0694 هو إبليس وهو منصوب بفعل مضمر يفسره { خلقنه من قبل ~~} من قبل آدم { من نار السموم } من نار الحر الشديد النافذ في ~~المسام. قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من سموم النار التي خلق الله ~~منها الجان { وإذ قال ربك } واذكر وقت قوله { للملئكة ~~إنى خلق بشرا من صلصل من حمإ مسنون فإذا ~~سويته } أتممت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها { ونفخت فيه ~~من روحى } وجعلت فيه الروح وأحييته وليس ثمة نفخ وإنما هو تمثيل ~~والإضافة للتخصيص { فقعوا له سجدين } هو أمر من وقع يقع أي ~~اسقطوا على الأرض يعني اسجدوا له، ودخل الفاء لأنه جواب «إذا» وهو دليل ~~على أنه يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل ### || [15.30-35] # { فسجد الملئكة كلهم أجمعون } فالملائكة جمع عام ~~محتمل للتخصيص فقطع باب التخصيص بقوله { كلهم } وذكر الكل احتمل تأويل ~~التفرق فقطعه بقوله { أجمعون } { إلا إبليس } ظاهر الإستثناء يدل ~~على أنه كان من الملائكة لأن المستثنى يكون من جنس المستثنى منه. وعن ~~الحسن أن الاستثناء منقطع ولم يكن هو من الملائكة. قلنا: غير المأمور لا ~~يصير بالترك ملعونا. و في الكشاف كان بينهم مأمورا معهم بالسجود فغلب ~~اسم الملائكة ثم استثنى بعد التغليب كقولك «رأيتهم إلا هندا» { أبى ~~أن يكون مع السجدين } امتنع أن يكون معهم و { أبى } استئناف ~~على تقدير قول قائل يقول: هلا سجد؟ فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه. وقيل: ~~معناه ولكن إبليس أبى. { قال يا بليس مالك ألا تكون ~~مع السجدين } حرف الجر مع أن محذوف تقديره مالك في أن لا تكون ~~مع الساجدين أي أي غرض لك في إبائك السجود { قال لم أكن لأسجد ~~} اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني أن أسجد { لبشر خلقته من ~~صلصل من حمإ مسنون قال فاخرج منها } من السماء ~~أو من الجنة أو من جملة الملائكة { فإنك رجيم } مطرود من رحمة ~~الله ومعناه ملعون لأن اللعنة هي الطرد من الرحمة والإبعاد منها { ~~وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } ضرب يوم الدين ~~حدا للعنة لأنه ms0695 أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم، والمراد به إنك مذموم ~~مدعو عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين من غير أن تعذب فإذا ~~جاء ذلك اليوم عذبت بما ينسى اللعن معه ### || [15.36-42] # { قال رب فأنظرنى } فأخرني { إلى يوم يبعثون قال ~~فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } { ~~يوم الدين } و { يوم يبعثون } و { يوم الوقت المعلوم } في معنى واحد، ~~ولكن خولف بين العبارات سلوكا بالكلام طريقة البلاغة. وقيل: إنما سأل ~~الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت لأنه لا يموت يوم البعث أحد ~~فلم يجب إلى ذلك وانظر إلى آخر أيام التكليف { قال رب بمآ ~~أغويتنى } الباء للقسم و«ما» مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم ومعنى ~~أقسم بإغوائك إياي { لازينن لهم } المعاصي ونحو قوله { بما ~~أغويتني لأزينن لهم } # فبعزتك لاغوينهم # [ص: 82] في أنه إقسام إلا أن أحدهما إقسام بصفه الذات والثاني بصفة ~~الفعل، وقد فرق الفقهاء بينهما فقال العراقيون: الحلف بصفة الذات كالقدرة ~~والعظمة والعزة يمين، والحلف بصفة الفعل كالرحمة والسخط ليس بيمين. ~~والأصح أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يمينا ~~ومالا فلا، والآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال. وحملهم على التسبيب ~~عدول عن الظاهر { فى الأرض } في الدنيا التي هي دار الغرور، وأراد ~~إني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء ~~فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر. { ولأغوينهم ~~أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } وبكسر اللام: ~~بصري ومكي وشامي استثنى المخلص لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا ~~يقبلونه منه. { قال هذا صرط على مستقيم إن عبادى ~~ليس لك عليهم سلطن إلا من اتبعك من ~~الغاوين } أي هذا طريق حق علي أن أراعيه وهو أن لا يكون لك سلطان ~~على عبادي إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته. وقيل: معنى { على } إلي. { ~~على } يعقوب من علو الشرف والفضل ### || [15.43-48] # { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } الضمير للغاوين { ~~لها سبعة أبواب لكل باب منهم } من أتباع إبليس { ~~جزء مقسوم } نصيب ms0696 معلوم مفرز.قيل: أبواب النار أطباقها وأدراكها، ~~فأعلاها للموحدين يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، والثاني لليهود، والثالث ~~للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع ~~للمنافقين { إن المتقين فى جنت وعيون } وبضم العين: ~~مدني وبصري وحفص. المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه. ~~وقال في الشرح: إن دخل أهل الكبائر في قوله # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم # فالمراد بالمتقين الذين اتقوا الكبائر وإلا فالمراد به الذين اتقوا ~~الشرك { ادخلوها } أي يقال لهم ادخلوها { بسلام } حال أي سالمين ~~أو مسلما عليكم تسلم عليكم الملائكة { ءامنين } من الخروج منهما ~~والآفات فيها وهو حال أخرى { ونزعنا ما فى صدورهم من غل ~~} وهو الحقد الكامن في القلب أي إن كان لأحدهم غل في الدنيا على آخر نزع ~~الله ذلك في الجنة من قلوبهم وطيب نفوسهم. وعن علي رضي الله عنه: أرجو أن ~~أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. وقيل: معناه طهر الله قلوبهم من أن ~~يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع منها كل غل وألقى فيها التوادد ~~والتحابب { إخوانا } حال { على سرر متقبلين } كذلك ~~قيل تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين يرى ~~بعضهم بعضا { لا يمسهم فيها نصب } في الجنة تعب { وما ~~هم منها بمخرجين } فتمام النعمة بالخلود، ولما أتم ذكر الوعد ~~والوعيد أتبعه. ### || [15.49-54] # { نبىء عبادى أني أنا الغفور الرحيم وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم } تقريرا لما ذكر وتمكينا له في ~~النفوس. قال عليه السلام: # " لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع ~~نفسه في العبادة ولما أقدم على ذنب " # وعطف { ونبئهم } وأخبر أمتك. عطفه على { نبىء عبادي } ليتخذوا ما ~~أحل من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين ~~ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم { عن ضيف إبراهيم } أي ~~أضيافه وهو جبريل عليه السلام مع أحد عشر ملكا، والضيف يجىء واحدا ~~وجمعا لأنه مصدر ضافه { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } ~~أي ms0697 نسلم عليك سلاما أو سلمنا سلاما { قال } أي إبراهيم { إنا ~~منكم وجلون } خائفون لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن ~~وبغير وقت { قالوا لا توجل } لا تخف { إنا نبشرك } ~~استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل أي إنك مبشر آمن فلا توجل. ~~وبالتخفيف وفتح النون: حمزة { بغلم عليم } هو إسحاق لقوله في ~~سورة هود # فبشرناها بإسحاق { # [هود: 71] { قال أبشرتمونى على أن مسنى الكبر } ~~أي أبشرتموني مع مس الكبر بأن يولد لي أي إن الولادة أمر مستنكر عادة مع ~~الكبر { فبم تبشرون } هي «ما» الاستفهامية دخلها معنى التعجب ~~كأنه قيل: فبأي أعجوبة تبشرون، وبكسر النون والتشديد: مكي، والأصل ~~«تبشرونني» فأدغم نون الجمع في نون العماد ثم حذفت الياء وبقيت الكسرة ~~دليلا عليها. { تبشرون } بالتخفيف: نافع، والأصل «تبشرونني» فحذفت الياء ~~اجتزاء بالكسرة وحذف نون الجمع لاجتماع النونين، والباقون: بفتح النون، ~~وحذف المفعول والنون نون الجمع ### || [15.55-60] # { قالوا بشرنك بالحق } باليقين الذي لا لبس فيه { فلا ~~تكن من القنطين } من الآيسين من ذلك { قال } أي إبراهيم { ~~ومن يقنط } وبكسر النون: بصري وعلي { من رحمة ربه إلا ~~الضآلون } إلا المخطئون طريق الصواب أو إلا الكافرون كقوله: # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون # [يوسف: 87] أي لم أستنكر ذلك قنوطا من رحمته ولكن استبعادا له في ~~العادة التي أجراها. { قال فما خطبكم } فما شأنكم { أيها ~~المرسلون قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين ~~} أي قوم لوط { إلآ ءال لوط } يريد أهله المؤمنين، والاستثناء منقطع ~~لأن القوم موصوفون بالإجرام والمستثني ليس كذلك، أو متصل فيكون استثناء ~~من الضمير في { مجرمين } كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط ~~وحدهم، والمعنى يختلف باختلاف الاستثناءين لأن آل لوط مخرجون في المنقطع ~~من حكم الإرسال يعنى أنهم ارسلوا إلى القوم المجرمين خاصة ولم يرسلوا إلى ~~آل لوط أصلا، ومعنى ارسالهم إلى القوم المجرمين كإرسال السهم إلى المرمى ~~في أنه في معنى التعذيب والإهلاك كأنه قيل: إنا أهلكنا قوما مجرمين ولكن ~~آل لوط أنجيناهم. وأما في المتصل ms0698 فهم داخلون في حكم الإرسال يعني أن ~~الملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء. وإذا انقطع ~~الاستثناء جرى { إنا لمنجوهم أجمعين } مجرى خبر لكن في ~~الاتصال بآل لوط لأن المعنى. لكن آل لوط منجون، وإذا اتصل كان كلاما ~~مستأنفا كأن إبراهيم عليه السلام قال لهم: فما حال آل لوط؟ فقالوا: إنا ~~لمنجوهم { إلا امرأته } مستثنى من الضمير المجرور في { لمنجوهم } ~~وليس باستثناء من الاستثناء، لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما ~~اتحد الحكم فيه بأن يقول «أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته» وهنا قد اختلف ~~الحكمان لأن إلا آل لوط متعلق ب { أرسلنا } أو ب { مجرمين } و { إلا ~~امرأته } متعلق ب { منجوهم } فكيف يكون استثناء من استثناء. { لمنجوهم } ~~بالتخفيف: حمزة وعلي { قدرنآ } وبالتخفيف: أبو بكر { إنها ~~لمن الغبرين } الباقين في العذاب. قيل: لو لم تكن اللام في ~~خبرها لوجب فتح «إن» لأنه مع اسمه وخبره مفعول { قدرنا } ولكنه كقوله # ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون # { الصافات: 158) وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم ولم يقولوا ~~قدر الله لقربهم كما يقول خاصة الملك أمرنا بكذا والآمر هو الملك. ### || [15.61-66] # { فلما جآء ءال لوط المرسلون قال إنكم قوم ~~منكرون } أي لا أعرفكم أي ليس عليكم زي السفر ولا أنتم من أهل الحضر ~~فأخاف أن تطرقوني بشر { قالوا بل جئنك بما كانوا فيه ~~يمترون } أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما فيه سرورك ~~وتشفيك من أعدائك وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله فيمترون فيه أي ~~يشكون ويكذبونك { وأتينك بالحق } باليقين من عذابهم { ~~وإنا لصدقون } في الإخبار بنزوله بهم { فأسر بأهلك ~~بقطع من اليل } في آخر الليل أو بعد ما يمضي شيء صالح من ~~الليل { واتبع أدبرهم } وسر خلفهم لتكون مطلعا عليهم وعلى ~~أحوالهم { ولا يلتفت منكم أحد } لئلا يروا ما ينزل بقومهم ~~من العذاب فيرقوا لهم، أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير ~~وترك التواني والتوقف لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة { ~~وامضوا حيث ms0699 تؤمرون } حيث أمركم الله بالمضي إليه وهو الشام ~~أو مصر { وقضينآ إليه ذلك الأمر } عدى { قضينا } ب «إلى» ~~لأنه ضمن معنى أوحينا كأنه قيل: وأوحينا إليه مقضيا مبتوتا، وفسر ذلك ~~الأمر بقوله { أن دابر هؤلآء مقطوع } وفي إبهامه وتفسيره ~~تفخيم للأمر ودابرهم آخرهم أي يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد { ~~مصبحين } وقت دخولهم في الصبح وهو حال من { هؤلاء } ### || [15.67-72] # { وجآء أهل المدينة } سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور ~~{ يستبشرون } بالملائكة طمعا منهم في ركوب الفاحشة { قال } لوط ~~{ إن هؤلآء ضيفى فلا تفضحون } بفضيحة ضيفي لأن من أساء ~~إلى ضيفي فقد أساء إلي { واتقوا الله ولا تخزون } أي ولا ~~تذلوني بإذلال ضيفي من الخزي وهو الهوان. وبالياء فيهما: بعقوب { ~~قالوا أولم ننهك عن العلمين } عن أن تجير منهم أحدا ~~أو تدفع عنهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد، وكان عليه السلام يقوم بالنهي ~~عن المنكر والحجز بينهم وبين المتعرض له فأوعدوه وقالوا # لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين # [الشعراء: 167] أو عن ضيافة الغرباء { قال هؤلآء بناتى } ~~فانكحوهن وكان نكاح المؤمنات من الكفار جائزا ولا تتعرضوا لهم { إن ~~كنتم فعلين } إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما ~~حرم فقالت الملائكة للوط عليه السلام { لعمرك إنهم لفى ~~سكرتهم } أي في غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطإ الذي ~~هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم من ترك البنين إلى البنات { ~~يعمهون } يتحيرون فيكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك، أو الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط ~~تعظيما له. والعمر والعمر واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم ~~بالمفتوح إيثارا للأخف لكثرة دور الحلف على ألسنتهم ولذا حذفوا الخبر ~~وتقديره لعمرك قسمي ### || [15.73-87] # { فأخذتهم الصيحة } صيحة جبريل عليه السلام { مشرقين } ~~داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس { فجعلنا عليها سافلها } ~~رفعها جبريل عليه السلام إلى السماء ثم قلبها والضمير لقرى قوم لوط { ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن فى ms0700 ذلك ~~لآيت للمتوسمين } للمتفرسين المتأملين كأنهم يعرفون باطن ~~الشيء بسمة ظاهرة { وإنها } وإن هذه القرى يعني آثارها { ~~لبسبيل مقيم } ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد. وهم يبصرون تلك ~~الآثار وهو تنبيه لقريش كقوله # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وباليل # { [الصافات:137] إن فى ذلك لآية للمؤمنين } لأنهم ~~المنتفعون بذلك. { وإن كان أصحب الأيكة } وإن الأمر والشأن ~~كان أصحاب الأيكة أي الغيضة { لظلمين } لكافرين وهم قوم شعيب عليه ~~السلام { فانتقمنا منهم } فأهلكناهم لما كذبوا شعيبا { ~~وإنهما } يعني قرى قوم لوط والأيكة { لبإمام مبين } ~~لبطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به فسمى به الطريق ومطمر البناء لأنهما ~~مما يؤتم به { ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين } ~~هم ثمود، والحجر واديهم وهو بين المدينة والشام المرسلين يعني بتكذيبهم ~~صالحا لأن كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعا، فمن كذب واحدا ~~منهم فكأنما كذبهم جميعا، أو أراد صالحا ومن معه من المؤمنين كما قيل ~~«الخبيبون» في ابن الزبير وأصحابه { وءاتينهم ءايتنا ~~فكانوا عنها معرضين } أي أعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها { ~~وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا } أي ينقبون في الجبال ~~بيوتا أو يبنون من الحجارة { ءامنين } لوثاقة البيوت واستحكامها من ~~أن تنهدم ومن نقب اللصوص والأعداء، أو آمنين من عذاب الله يحسبون أن ~~الجبال تحميهم منه { فأخذتهم الصيحة } العذاب { مصبحين ~~} في اليوم الرابع وقت الصبح { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } من بناء البيوت الوثيقة واقتناء الأموال النفيسة. { وما ~~خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~} إلا خلقا ملتبسا بالحق لا باطلا وعبثا أو بسبب العدل والإنصاف يوم ~~الجزاء على الأعمال { وإن الساعة } أي القيامة لتوقعها كل ساعة { ~~لآتية } وإن الله ينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك ~~وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهم، إلا لذلك # { فاصفح الصفح الجميل } فأعرض عنهم إعراضا جميلا بحلم ~~وإغضاء.قيل: هو منسوخ بآية السيف، وإن أريد به المخالفة فلا يكون منسوخا ~~{ إن ربك هو الخلق } الذي خلقك وخلقهم { العليم } ~~بحالك وحالهم فلا يخفي عليه ما يجري بينكم وهو ms0701 يحكم بينكم { ولقد ~~ءاتينك سبعا } أي سبع آيات وهي الفاتحة أو سبع سور وهي الطوال، ~~واختلف في السابعة فقيل الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة بدليل عدم ~~التسمية بينهما، وقيل سورة يونس أو أسباع القرآن { من المثاني } ~~هي من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة مما يتكرر في الصلاة، أو من ~~الثناء لاشتمالهما على ما هو ثناء على الله، والواحدة مثناة أو مثنية صفة ~~للآية. # وأما السور أو الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد ~~والوعيد ولما فيها من الثناء كأنها تثني على الله، وإذا جعلت السبع مثاني ~~فمن للتبيين، وإذا جعلت القرآن مثاني ف «من» للتبعيض { والقرءان ~~العظيم } هذا ليس بعطف الشيء على نفسه لأنه إذا أريد بالسبع الفاتحة ~~أو الطوال فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن لأنه اسم يقع على البعض كما ~~يقع على الكل دليله قوله # بما أوحينا إليك هذا القرءان # [يوسف: 3] يعني سورة يوسف، وإذا أريد به الأسباع فالمعنى ولقد آتيناك ~~ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي الجامع لهذين النعتين وهو ~~التثنية أو الثناء والعظم. ثم قال لرسوله ### || [15.88-89] # { لا تمدن عينيك } أي لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ~~{ إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أصنافا من الكفار ~~كاليهود والنصارى والمجوس يعني قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن ~~عظمت فهي إليها حقيرة وهي القرآن العظيم فعليك أن تستغني به ولا تمدن ~~عينيك إلى متاع الدنيا. وفي الحديث # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # وحديث أبي بكر # " من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر ~~عظيما وعظم صغيرا " # { ولا تحزن عليهم } أي لا تتمن أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم ~~لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام والمسلمون { واخفض جناحك ~~للمؤمنين } وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وطب نفسا عن إيمان ~~الأغنياء { وقل } لهم { إنى أنا النذير المبين } أنذركم ~~ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم ### || [15.90-94] # { كمآ أنزلنا } متعلق بقوله { ولقد آتيناك } أي أنزلنا عليك مثل ms0702 ~~ما أنزلنا { على المقتسمين } وهم أهل الكتاب { الذين ~~جعلوا القرءان عضين } أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى ~~الشاة إذا جعلها أعضاء حيث قالوا بعنادهم: بعضه. حق موافق للتوراة ~~والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه. وقيل ~~كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم سورة البقرة لي، ويقول الآخر سورة آل ~~عمران لي. أو أريد بالقرآن ما يقرؤونه من كتبهم وقد اقتسموه؛ فاليهود ~~أقرت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض، ~~ويجوز أن يكون { الذين جعلوا القرآن عضين } منصوبا ب { النذير } أي ~~أنذر المعضين الذين يجزئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا ~~على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم ~~فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر: ~~كذاب، والآخر: شاعر فأهلكهم الله. { لا تمدن عينيك } على الوجه الأول ~~اعتراض بينهما، لأنه لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~تكذيبهم وعداوتهم اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الإلتفات ~~إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الأمر بأن يقبل بكليته على المؤمنين. { ~~فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون ~~} أقسم بذاته وربوبيته ليسألن يوم القيامة واحدا واحدا من هؤلاء ~~المقتسمين عما قالوه في رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في القرآن أو في ~~كتب الله { فاصدع بما تؤمر } فاجهر به وأظهره. يقال: صدع ~~بالحجة إذا تكلم بها جهارا من الصديع وهو الفجر، أو فاصدع فافرق بين ~~الحق والباطل من الصدع في الزجاجة وهو الإبانة بما تؤمر به من الشرائع ~~فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # { وأعرض عن المشركين } هو أمر استهانة بهم ### || [15.95-99] # { إنا كفيناك المستهزئين } الجمهور على أنها نزلت في خمسة ~~نفر كانوا يبالغون في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به ~~فأهلكهم الله وهم: الوليد بن المغيرة مر بنبال فتعلق بثوبه ms0703 سهم فأصاب ~~عرقا في عقبه فقطعه فمات، والعاص بن وائل دخل في أخمصه شوكة فانفتخت ~~رجله فمات، والأسود بن عبد المطلب عمي، والأسود ابن عبد يغوث جعل ينطح ~~رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، والحارث بن قيس امتخط قيحا ~~ومات { الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر فسوف ~~يعلمون } عاقبة أمرهم يوم القيامة { ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك بما يقولون } فيك أو في القرآن أو في الله { ~~فسبح بحمد ربك وكن من السجدين } فافزع فيما ~~نابك إلى الله، والفزع إلى الله هو الذكر الدائم وكثرة السجود يكفك ويكشف ~~عنك الغم { واعبد ربك } ودم على عبادة ربك { حتى يأتيك ~~اليقين } أي الموت يعني ما دمت حيا فاشتغل بالعبادة وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-2] # كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة ونزول العذاب بهم يوم بدر ~~استهزاء وتكذيبا بالوعد فقيل لهم: { أتى أمر الله } أي هو ~~بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظرا لقرب وقوعه { فلا تستعجلوه ~~سبحنه وتعلى عما يشركون } تبرأ جل وعز عن أن يكون ~~له شريك وعن إشراكهم، ف { ما } موصولة أو مصدرية، واتصال هذا باستعجالهم ~~من حيث إن استعجالهم استهزاء وتكذيب وذلك من الشرك { ينزل ~~الملئكة } وبالتخفيف مكي وأبو عمرو { بالروح } بالوحي أو ~~بالقرآن لأن كلا منهما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد أو يحيي ~~القلوب الميتة بالجهل { من أمره على من يشآء من عباده ~~أن أنذروا } أن مفسرة لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول ~~ومعنى أنذروا { أنه لآ إله إلا أنا فاتقون } أعلموا ~~بأن الأمر ذلك من نذرت بكذا إذا علمته، والمعنى أعلموا الناس قولي لا ~~إله إلا أنا فاتقون فخافون. وبالياء: يعقوب، ثم دل على وحدانيته وأنه ~~لا إله إلا هو بما ذكر مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض ~~وهو قوله ### || [16.3-6] # { خلق السموت والأرض بالحق تعلى عما ~~يشركون } وبالتاء في الموضعين: حمزة وعلي. وخلق الإنسان وما يكون ~~منه وهو ms0704 قوله { خلق الإنسن من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين } أي فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح لخصومه مبين لحجته ~~بعدما كان نطفة لا حس به ولا حركة، أو فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه ~~قائل من يحيى العظام وهي رميم. وهو وصف للإنسان بالوقاحة والتمادي في ~~كفران النعمة وخلق ما لا بد منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وحمل أثقاله ~~وسائر حاجاته وهو قوله { والأنعم خلقها لكم } وهي الأزواج ~~الثمانية وأكثر ما يقع على الإبل، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله # والقمر قدرنه منازل # [ياس: 39] أو بالعطف على الإنسان أي خلق الإنسان والأنعام ثم قال خلقها ~~لكم أي ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان { فيها دفء } هو اسم ما ~~يدفأ به من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر { ومنفع } وهي نسلها ~~ودرها { ومنها تأكلون } قدم الظرف وهو يؤذن بالاحتصاص، وقد يؤكل ~~من غيرها لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما ~~الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به وكالجاري ~~مجرى التفكه { ولكم فيها جمال حين تريحون } تردونها من ~~مراعيها إلى مراحها بالعشي { وحين تسرحون } ترسلونها بالغداة إلى ~~مسارحها. من الله تعالى بالتجمل بها كما من بالاتنفاع بها لأنه من ~~أغراض أصحاب المواشي لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها بالغداة ~~تزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وفرحت أربابها وكسبتهم الجاه والحرمة ~~عند الناس. وإنما قدمت الإراحة على التسريح لأن الجمال في الإراحة أظهر ~~إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ### || [16.7-9] # { وتحمل أثقالكم } أحمالكم { إلى بلد لم تكونوا ~~بلغيه إلا بشق الأنفس } وبفتح الشين: أبو جعفر وهما ~~لغتان في معنى المشقة. وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه وشقا وحقيقته ~~راجعة إلى الشق الذي هو الصدع، وأما الشق فالنصف كأنه يذهب نصف قوته لما ~~ينال من الجهد. والمعنى وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه لو لم ~~تخلق الإبل إلا بجهد ومشقة فضلا أن تحملوا أثقالكم على ظهوركم، أو معناه ~~لم تكونوا بالغيه بها ms0705 إلا بشق الأنفس. وقيل: أثقالكم أبدانكم ومنه ~~الثقلان للجن والإنس ومنه # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2] أي بني آدم { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث ~~رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح { والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة } عطف على الأنعام أي وخلق هذه ~~للركوب والزينة، وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله على حرمة أكل لحم الخيل ~~بأنه علل خلقها للركوب والزينة ولم يذكر الأكل بعدما ذكره في الأنعام، ~~ومنفعة الأكل أقوى، والآية سيقت لبيان النعمة ولا يليق بالحكيم أن يذكر ~~في مواضع المنة أدنى النعمتين ويترك أعلاهما. وانتصاب { زينة } على ~~المفعول له عطفا على محل { لتركبوها } وخلق مالا تعلمون من أصناف خلائقه ~~وهو قوله { ويخلق ما لا تعلمون } ومن هذا وصفه يتعالى عن أن ~~يشرك به غيره { وعلى الله قصد السبيل } المراد به الجنس ~~ولذا قال { ومنها جائر } والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد. ~~يقال: سبيل قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا ~~يعدل عنه، ومعناه أن هداية الطريق الموصل إلى الحق عليه كقوله # إن علينا للهدى # [الليل: 12]وليس ذلك للوجوب إذ لا يجب على الله شيء ولكن يفعل ذلك ~~تفضلا. وقيل: معناه وإلى الله. وقال الزجاج: معناه وعلى الله تبيين ~~الطريق الواضح المستقيم والدعاء إليه بالحجج { ومنها جائر } أي من السبيل ~~مائل عن الاستقامة { ولو شآء لهداكم أجمعين } أراد هداية ~~اللطف بالتوفيق والإنعام بعدالهدى العام. ### || [16.10-13] # { هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~} { لكم } متعلق ب «أنزل» أو خبر ل «شراب» وهو ما يشرب { ومنه ~~شجر } يعني الشجر الذي ترعاه المواشي { فيه تسيمون } من سامت ~~الماشية إذا رعت فهي سائمة وأسامها صاحبها وهي من السومة وهي العلامة ~~لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض { ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والاعنب ومن كل الثمرت } ~~ولم يقل كل الثمرات لأن كلها لا تكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض ~~بعض من كل للتذكرة { إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون } ~~فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته والآية ms0706 الدلالة الواضحة { وسخر ~~لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرت بأمره } بنصب الكل: علي وجعل النجوم مسخرات والنجوم ~~مسخرات فقط: حفص { والشمس والقمر والنجوم مسخرات } شامي على الابتداء ~~والخبر { إن فى ذلك لآيت لقوم يعقلون } جمع الآية. ~~وذكر العقل لأن الآثار العلوية أطهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين ~~شهادة للكبرياء والعظمة { وما ذرأ لكم فى الأرض } معطوف على ~~{ الليل والنهار } أي ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك { ~~مختلفا } حال { ألوانه إن فى ذلك لآية لقوم ~~يذكرون } يتعظون ### || [16.14-16] # { وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا } هو السمك، ووصفه بالطراوة لأن الفساد، يسرع إليه فيؤكل سريعا ~~طريا خيفة الفساد وإنما لا يحنث بأكله إذا حلف لا يأكل لحما لأن مبني ~~الإيمان على العرف. ومن قال لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحما، فجاء ~~بالسمك كان حقيقا بالإنكار { وتستخرجوا منه حلية } هي ~~اللؤلؤ والمرجان { تلبسونها } المراد بلبسهم لبس نسائهم ولكنهن ~~إنما يتزين بها من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم. { وترى الفلك ~~مواخر } جواري تجري جريا وتشق الماء شقا والمخرشق الماء بحيزومها { ~~فيه } في البحر { ولتبتغوا من فضله } هو عطف على محذوف أي ~~لتعتبروا ولتبتغوا وابتغاء الفضل التجارة { ولعلكم تشكرون } ~~الله على ما أنعم عليكم به { وألقى فى الأرض رواسي } جبالا ~~ثوابت { أن تميد بكم } كراهية أن تميل بكم وتضطرب أو لئلا تميد ~~بكم لكن حذف المضاف أكثر. قيل: خلق الله الأرض فجعلت تميد فقالت ~~الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر ~~الملائكة مم خلقت { وأنهرا } وجعل فيها أنهارا لأن ألقى فيه معنى ~~جعل { وسبلا } طرقا { لعلكم تهتدون } إلى مقاصدكم أو إلى ~~توحيد ربكم { وعلامت } هي معالم الطرق وكل ما يستدل به السابلة من ~~جبل وغير ذلك { وبالنجم هم يهتدون } المراد بالنجم الجنس أو ~~هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدى. فإن قلت: { وبالنجم هم يهتدون } ~~مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه النجم مقحم فيه هم كأنه قيل: وبالنجم خصوصا ~~هؤلاء خصوصا يهتدون فمن المراد بهم؟ قلت: ms0707 كأنه أراد قريشا فلهم اهتداء ~~بالنجوم في مسايرهم ولهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب ~~عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا ### || [16.17-21] # { أفمن يخلق } أي الله تعالى { كمن لا يخلق } أي الأصنام ~~وجيء ب { من } الذي هو لأولي العلم لزعمهم حيث سموها آلهة وعبدوها ~~فأجروها مجرى أولي العلم، أو لأن المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من ~~أولي العلم فكيف بما لا علم عنده. وإنما لم يقل أفمن لا يخلق كمن يخلق مع ~~اقتضاء المقام بظاهره إياه لكونه إلزاما للذين عبدوا الأوثان وسموها ~~آلهة تشبيها بالله لأنهم حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه ~~والعبادة له فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها فأنكر عليهم ~~ذلك بقوله { أفمن يخلق كمن لا يخلق } وهو حجة على المعتزلة في خلق ~~الأفعال { أفلا تذكرون } فتعرفون فساد ما أنتم عليه { وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها } لا تضبطوا عددها ولا تبلغه ~~طاقتكم فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر، وإنما اتبع ذلك ما ~~عدد من نعمه تنبيها على أن ما رواءها لا ينحصر ولا يعد { إن الله ~~لغفور رحيم } يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها ~~عنكم لتفريطكم. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } ~~من أقوالكم وأفعالكم وهو وعيد { والذين يدعون } والآلهة الذين ~~يدعوهم الكفار { من دون الله } وبالتاء: غير عاصم { لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات } أي هم أموات { ~~غير أحيآء وما يشعرون أيان يبعثون } نفى عنهم ~~خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، ~~وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون أموات جاهلون بالبعث، ومعنى { أموات ~~غير أحياء } أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات أي ~~غير جائز عليها الموت وأمرهم بالعكس من ذلك. والضمير في { يبعثون } ~~للداعين أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم ~~لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء أعمالهم منهم على عبادتهم، ~~وفيه دلالة على أنه لا ms0708 بد من البعث ### || [16.22-26] # { إلهكم إله وحد } أي ثبت بما مر أن الإلهية لا تكون ~~لغير الله وأن معبودكم واحد { فالذين لا يؤمنون بالآخرة ~~قلوبهم منكرة } للوحدانية { وهم مستكبرون } عنها وعن ~~الإقرار بها { لا جرم } حقا { أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون } أي سرهم وعلانيتهم فيجازيهم وهو وعيد { إنه لا ~~يحب المستكبرين } عن التوحيد يعني المشركين. { وإذا قيل ~~لهم } لهؤلاء الكفار { ماذا أنزل ربكم قالوا ~~أسطير الأولين } { ماذا } منصوب ب { أنزل } أي أي شيء ~~أنزل ربكم، أو مرفوع على الابتداء أي أي شيء أنزله ربكم و { أساطير } ~~خبر مبتدأ محذوف. قيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أساطير الأولين أي أحاديث الأولين ~~وأباطيلهم واحدتها أسطورة، وإذا رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخبرونهم بصدقه وأنه نبي فهم الذين قالوا خيرا { ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار ~~الذين يضلونهم } أي قالوا ذلك إضلالا للناس فحملوا أوزار ~~ضلالهم كاملة وبعض أوزار من ضل بضلالهم وهو وزر الإضلال لأن المضل والضال ~~شريكان واللام للتعليل { بغير علم } حال من المفعول أي يضلون من ~~لا يعلم أنهم ضلال { ألا سآء ما يزرون } محل «ما» رفع { قد ~~مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنينهم من ~~القواعد } أي من جهة القواعد وهي الأساطين، وهذا تمثيل يعني أنهم ~~سووا منصوبات ليمكروا بها رسل الله فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات ~~كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين، فأتى البنيان من الأساطين بأن ~~ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا، والجمهور على أن المراد به نمرود بن ~~كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع وقيل فرسخان فأهب ~~الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا فأتى الله أي أمره بالاستئصال ~~{ فخر عليهم السقف من فوقهم وأتهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون } من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون. ### || [16.27-29] # { ثم يوم القيمة يخزيهم } يذلهم بعذاب ms0709 الخزي سوى ما ~~عذبوا به في الدنيا { ويقول أين شركآئي } على الإضافة إلى ~~نفسه حكاية لإضافتهم ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم { الذين ~~كنتم تشقون فيهم } تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم { ~~تشاقون } نافع أي تشاقونني فيهم لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله { ~~قال الذين أوتوا العلم } أي الأنبياء والعلماء من أممهم ~~الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم ويشاقونهم ~~يقولون ذلك شماتة بهم أو هم الملائكة { إن الخزى اليوم } ~~الفضيحة { والسوء } # العذاب { على الكفرين الذين تتوفهم ~~الملئكة } وبالياء: حمزة وكذا ما بعده { ظالمي أنفسهم } ~~بالكفر بالله { فألقوا السلم } أي الصلح والاستسلام أي أخبتوا ~~وجاؤوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق وقالوا { ما كنا ~~نعمل من سوء } وجحدوا ما وجد منهم من الكفران والعداوة فرد عليهم ~~أولو العلم وقالوا { بلى إن الله عليم بما كنتم ~~تعملون } فهو يجازيكم عليه وهذا أيضا من الشماتة وكذلك { ~~فادخلوا أبواب جهنم خلدين فيها فلبئس مثوى ~~المتكبرين } جهنم. ### || [16.30-33] # { وقيل للذين اتقوا } الشرك { ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا } وإنما نصب هذا ورفع { أساطير } لأن التقدير هنا أنزل ~~خيرا فأطبقوا الجواب على السؤال وثمة التقدير هو أساطير الأولين فعدلوا ~~بالجواب عن السؤال { للذين أحسنوا فى هذه الدنيا } ~~أي آمنوا وعملوا الصالحات أو قالوا: لا إله إلا الله { حسنة } ~~بالرفع أي ثواب وأمن وغنيمة وهو بدل من { خيرا } حكاية لقول { الذين ~~اتقوا } أي قالوا هذا القول فقدم عليه تسميته خيرا. ثم حكاه، أو هو كلام ~~مستأنف عدة للقائلين وجعل قولهم من جملة إحسانهم { ولدار الاخرة ~~خير } أي لهم في الآخرة ما هو خير منها كقوله # فآتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة # [آل عمران: 148] { ولنعم دار المتقين } دار الآخرة فحذف ~~المخصوص بالمدح لتقدم ذكره { جنت عدن } خبر لمبتدأ محذوف أو هي ~~المخصوص بالمدح { يدخلونها } حال { تجرى من تحتها ~~الأنهر لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزي الله ~~المتقين الذين تتوفهم الملئكة طيبين } ~~طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم { يقولون ~~سلم عليكم ms0710 } قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك، ~~فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ويبشره بالجنة ~~ويقال لهم في الآخرة { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ~~} بعملكم { هل ينظرون } ما ينتظر هؤلاء الكفار { إلا أن ~~تأتيهم الملئكة } لقبض أرواحهم. وبالياء: علي وحمزة { أو ~~يأتى أمر ربك } أي العذاب المستأصل أو القيامة { كذلك } ~~مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب { فعل الذين من قبلهم ~~وما ظلمهم الله } بتدميرهم { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } حيث فعلوا ما استحقوا به التدمير ### || [16.34-38] # { فأصابهم سيئات ما عملوا } جزاء سيئات أعمالهم { ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } وأحاط بهم جزاء ~~استهزائهم: { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما ~~عبدنا من دونه من شىء نحن ولآ ءابآؤنا } هذا كلام ~~صدر منهم استهزاء ولو قالوه اعتقادا لكان صوابا { ولا حرمنا من ~~دونه من شىء } يعني البحيرة والسائبة ونحوهما { كذلك فعل ~~الذين من قبلهم } أي كذبوا الرسل وحرموا الحلال وقالوا مثل ~~قولهم استهزاء { فهل على الرسل إلا البلغ المبين } ~~إلا أن يبلغوا الحق ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه { ولقد بعثنا ~~فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله } بأن وحدوه { ~~واجتنبوا الطغوت } الشيطان يعني طاعته { فمنهم من ~~هدى الله } لاختيارهم الهدى { ومنهم من حقت عليه ~~الضللة } أي لزمته لاختياره إياها { فسيروا فى الأرض ~~فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } حيث أهلكهم الله ~~وأخلى ديارهم عنهم. ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على إيمانهم وأعلمه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة فقال { إن تحرص ~~على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل } بفتح الياء ~~وكسر الدال: كوفي. الباقون: بضم الياء وفتح الدال، والوجه فيه أن { من ~~يضل } مبتدأ و { لا يهدي } خبره { وما لهم من نصرين } ~~يمنعونهم من جريان حكم الله عليهم ويدفعون عنهم عذابه الذي أعد لهم. { ~~وأقسموا بالله جهد أيمنهم } معطوف على { وقال الذي ~~أشركوا } { لا يبعث الله من يموت بلى } هو إثبات لما بعد ~~النفي أي بلى يبعثهم { وعدا عليه ms0711 حقا } وهو مصدر مؤكد لما دل ~~عليه { بلى } لأن { يبعث } موعد من الله وبين أن الوفاء بهذا الوعد حق { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن وعده حق أو أنهم ~~يبعثون ### || [16.39-42] # { ليبين لهم } متعلق بما دل عليه { بلى } أي يبعثهم ليبين لهم، ~~والضمير ل { من يموت } وهو يشمل المؤمنين والكافرين { الذى ~~يختلفون فيه } هو الحق { وليعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كذبين } في قولهم { لا يبعث الله من يموت } { ~~إنما قولنا لشىء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } أي فهو يكون، وبالنصب: شامي وعلي، على جواب. كن { قولنا } ~~مبتدأ و { أن نقول } خبره و { كن فيكون } من «كان» التامة التي بمعنى ~~الحدوث والوجود أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث ~~بلا توقف، وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد تبين أن مرادا لا يمتنع عليه، وأن ~~وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ~~ورد على المأمور المطيع المتمثل ولا قول ثم. والمعنى أن إيجاد كل مقدور ~~على الله بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات؟ ~~{ والذين هجروا فى الله } في حقه ولوجهة { من بعد ~~ما ظلموا } هم رسول الله وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى ~~الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين، ومنهم ~~من هاجر إلى المدينة { لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } صفة ~~للمصدر أي تبوئة حسنة أو لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم ~~أهلها ونصروهم { ولأجر الآخرة أكبر } الوقف لازم عليه لأن ~~جواب { لو كانوا يعلمون } محذوف والضمير للكفار أي لو علموا ~~ذلك لرغبوا في الدين أو للمهاجرين أي لو كانوا يعلمون لزادوا في اجتهادهم ~~وصبرهم { الذين صبروا } أي هم الذين صبروا أو أعني الذين صبروا، ~~وكلاهما مدح أي صبروا على مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل ~~قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤوسهم، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل ~~الله { وعلى ربهم يتوكلون } أي يفوضون ms0712 الأمر إلى ربهم ~~ويرضون بما أصابهم في دين الله. ولما قالت قريش: الله أعظم من أن يكون ~~رسوله بشرا نزل ### || [16.43-47] # { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } ~~ يوحى اليهم على ألسنة الملائكة. { نوحي } حفص { فاسألوا أهل ~~الذكر } أهل الكتاب ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا ~~بشرا. وقيل للكتاب الذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين { إن كنتم لا ~~تعلمون بالبينات والزبر } أي بالمعجزات والكتب والباء ~~يتعلق ب { رجالا } صفة له أي رجالا ملتبسين بالبينات، أو بأرسلنا ~~مضمرا كأنه قيل: بم أرسل الرسل؟ فقيل: بالبينات، أو ب { يوحي } أي يوحي ~~إليهم بالبينات أو ب { لا تعلمون } ، وقوله: { فاسألوا أهل الذكر } ~~اعتراض على الوجوه المتقدمة وقوله { وأنزلنا إليك الذكر } ~~القرآن { لتبين للناس ما نزل إليهم } في الذكر مما ~~أمروا به ونهوا عنه ووعدوا به وأوعدوا { ولعلهم يتفكرون } ~~في تنبيهاته فينتبهوا { أفأمن الذين مكروا السيئات } ~~أي المكرات السيئات، وهم أهل مكة وما مكروا به رسول الله عليه السلام { ~~أن يخسف الله بهم الأرض } كما فعل بمن تقدمهم { أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي بغتة { أو ~~يأخذهم فى تقلبهم } متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم { فما ~~هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف } متخوفين وهو أن ~~يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم العذاب وهم متخوفون متوقعون وهو خلاف ~~قوله # من حيث لا يشعرون # [الزمر: 25] { فإن ربكم لرؤوف رحيم } حيث يحلم عنكم ~~ولا يعاجلكم مع استحقاقكم، والمعنى أنه إذا لم يأخذكم مع ما فيكم فإنما ~~رأفته تقيكم ورحمته تحميكم. ### || [16.48-50] # { أولم يروا } وبالتاء: حمزة وعلي وأبو بكر { إلى ما خلق ~~الله } «ما» موصولة ب { خلق الله } وهو مبهم بيانه { من شىء ~~يتفيؤا ظلله } أي يرجع من موضع إلى موضع. وبالتاء: بصري { ~~عن اليمين } أي الأيمان { والشمآئل } جمع شمال { سجدا ~~لله } حال من الظلال. عن مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء { وهم ~~دخرون } صاغرون وهو حال من الضمير في { ظلاله } لأنه في معنى الجمع ~~وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل. وجمع ms0713 بالواو والنون لأن الدخور من ~~أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب. والمعنى أو لم يروا إلى ~~ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها أي ~~ترجع الظلال من جانب إلى جانب، منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما ~~سخرها له من التفيؤ والأجرام في أنفسها، داخرة أيضا صاغرة منقادة لأفعال ~~الله فيها غير ممتنعة { ولله يسجد ما فى السموت وما ~~فى الأرض من دآبة } «من» بيان لما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا على أن في السماوات خلقا يدبون فيها كما تدب الأناسي في الأرض، ~~أو بيان لما في الأرض وحده والمراد بما في السماوات ملائكتهن، وبقوله { ~~والملئكة } ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم. قيل: المراد بسجود ~~المكلفين طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم انقيادهم لإرادة الله. ومعنى ~~الانقياد يجمعهما فلم يختلفا فلذا جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. وجيء ب ~~«ما» إذ هو صالح للعقلاء وغيرهم ولو جيء ب «من» لتناول العقلاء خاصة { ~~وهم لا يستكبرون يخفون ربهم } هو حال من الضمير في ~~{ لا يستكبرون } أي لا يستكبرون خائفين { من فوقهم } إن علقته ب ~~{ يخافون } فمعناه يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته ب ~~{ ربهم } حالا منه فمعناه يخافون ربهم غالبا لهم قاهرا كقوله # وهو القاهر فوق عباده # { [الانعام:61،18] ويفعلون ما يؤمرون } وفيه دليل على أن ~~الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي وأنهم بين الخوف والرجاء. ### || [16.51-59] # { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما ~~هو إله واحد } فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما ~~وراء الواحد والاثنين فقالوا عندي رجال ثلاثة، لأن المعدود عار عن ~~الدلالة على العدد الخاص، فأما رجل ورجلان فمعدودان فيهما دلالة على ~~العدد فلا حاجة إلى أن يقال «رجل واحد ورجلان اثنان». قلت: الاسم الحامل ~~لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص. فإذا ~~أريدت الدلالة على أن المعني به منهما هو العدد شفع بما يؤكده فدل به ~~على القصد إليه والعناية به، ألا ترى ms0714 أنك لو قلت «إنما هو إله» ولم ~~تؤكده بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية { فإيي ~~فارهبون } نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم وهو من طريقة الالتفات ~~وهو أبلغ في الترغيب من قوله «فإياي فارهبوه». { فارهبوني } يعقوب { ~~وله ما فى السموات والأرض وله الدين } أي الطاعة { ~~واصبا } واجبا ثابتا لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم ~~عليه، وهو حال عمل فيه الظرف، أو وله الجزاء دائما يعني الثواب والعقاب ~~{ أفغيرالله تتقون وما بكم من نعمة } وأي شيء ~~اتصل بكم من نعمة عافية وغنى وخصب { فمن الله } فهو من الله { ~~ثم إذا مسكم الضر } المرض والفقر والجدب { فإليه ~~تجئرون } فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار رفع الصوت بالدعاء ~~والاستغاثة { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق ~~منكم بربهم يشركون } الخطاب في و { ما بكم من نعمة } إن ~~كان عاما فالمراد بالفريق الكفرة، وإن كان الخطاب للمشركين فقوله { منكم ~~} للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون ~~فيهم من اعتبر كقوله # فلما نجهم إلى البر فمنهم مقتصد # [لقمان: 32] { ليكفروا بمآ ءاتينهم } من نعمة الكشف ~~عنهم كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ثم أوعدهم فقال { ~~فتمتعوا فسوف تعلمون } هو عدول إلى الخطاب على التهديد { ~~ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقنهم } ~~أي لآلهتهم، ومعنى { لا يعلمون } أنهم يسمونها آلهة ويعتقدون فيها أنها ~~تضر وتنفع وتشفع عند الله وليس كذلك لأنها جماد لا تضر ولا تنفع، أو ~~الضمير في { لا يعلمون } للآلهة أي لأشياء غير موصوفة بالعلم ولا تشعر ~~أجعلوا لها نصيبا في أنعامهم وزروعهم أم لا، وكانوا يجعلون لهم ذلك ~~تقربا إليهم { تالله لتسئلن } وعيد { عما كنتم ~~تفترون } من أنها آلهة وأنها أهل للتقرب إليها { ويجعلون ~~لله البنت } كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله { ~~سبحنه } تنزيه لذاته من نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم { ~~ولهم ما يشتهون } يعني البنين. # ويجوز في «ما» الرفع على الابتداء و { لهم } الخبر، والنصب على العطف ms0715 ~~على { البنات } ، و { سبحانه } اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه أي ~~وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور { وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا } أي صار فظل وأمسى وأصبح وبات ~~تستعمل بمعنى الصيرورة لأن أكثر الوضع يتفق بالليل فيظل نهاره مغتما ~~مسود الوجه من الكآبة والحياء من الناس { وهو كظيم } مملوء حنقا ~~على المرأة { يتوارى من القوم من سوء ما بشر به } ~~يستخفى منهم من أجل سوء المبشر به ومن أجل تعييرهم ويحدث نفسه وينظر { ~~أيمسكه على هون } أيمسك ما بشر به على هون وذل { أم ~~يدسه فى التراب } أم يئده { ألا سآء ما يحكمون } حيث ~~يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا ~~الوصف. ### || [16.60-62] # { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } صفة السوء ~~وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث، ووأدهن خشية الإملاق { ~~ولله المثل الأعلى } وهو الغني عن العالمين والنزاهة عن ~~صفات المخلوقين { وهو العزيز } الغالب في تنفيذ ما أراد { ~~الحكيم } في إمهال العباد { ولو يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم } بكفرهم ومعاصيهم { ما ترك عليها } على الأرض { ~~من دآبة } قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين. عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه: إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود رضي ~~الله عنه: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. { من دابة } من مشرك يدب { ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى } أي أجل كل أحد أو وقت تقتضيه الحكمة أو القيامة { فإذا ~~جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~ويجعلون لله ما يكرهون } ما يكرهونه لأنفسهم من البنات ~~ومن شركاء في رياستهم ومن الاستخفاف برسلهم، ويجعلون له أرذل أموالهم ~~ولأصنامهم أكرمها { وتصف ألسنتهم الكذب } مع ذلك أي ~~ويقولون الكذب { أن لهم الحسنى } عند الله وهي الجنة إن كان ~~البعث حقا كقوله # ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى # [فصلت: 50] و { أن لهم الحسنى } بدل من { الكذب } { لا جرم أن ~~لهم النار وأنهم مفرطون } { مفرطون } نافع { ~~مفرطون ms0716 } أبو جعفر. فالمفتوح بمعنى مقدمون إلى النار معجلون إليها من ~~أفرطت فلانا وفرطته في طلب الماء إذا قدمته، أو منسيون متروكون من أفرطت ~~فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته. والمكسور المخفف من الإفراط في المعاصي، ~~والمشدد من التفريط في الطاعات أي التقصير فيها. ### || [16.63-66] # { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } أي ~~أرسلنا رسلا إلى من تقدمك من الأمم { فزين لهم الشيطن ~~أعمالهم } من الكفر والتكذيب بالرسل { فهو وليهم ~~اليوم } أي قرينهم في الدنيا تولى إضلالهم بالغرور، أو الضمير لمشركي ~~قريش أي زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، أو هو على ~~حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم { ولهم عذاب أليم } في ~~القيامة { ومآ أنزلنا عليك الكتب } القرآن { إلا ~~لتبين لهم } للناس { الذى اختلفوا فيه } هو البعث ~~لأنه كان فيهم من يؤمن به { وهدى ورحمة } معطوفان على محل { ~~لتبين } إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل ~~الكتاب. ودخلت اللام على { لتبيين } لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل { ~~لقوم يؤمنون والله أنزل من السمآء مآء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها إن فى ذلك لآية ~~لقوم يسمعون } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لا ~~يسمع. { وإن لكم فى الأنعم لعبرة نسقيكم ~~مما فى بطونه } وبفتح النون: نافع وشامي وأبو بكر. فال الزجاج: ~~سقيته وأسقيته بمعنى واحد. ذكر سيبويه الأنعام في الأسماء المفردة ~~الواردة على أفعال ولذا رجع الضمير إليه مفردا، وأما في بطونها في سورة ~~«المؤمنين» فلأن معناه الجمع وهو استئناف كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقال { ~~نسقيكم مما في بطونه } { من بين فرث ودم لبنا خالصا } ~~أي يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ ~~لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله. قيل ~~إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه ~~لبنا وأعلاه دما، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري ~~الدم في العروق واللبن في الضروع ms0717 ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر، وفي ذلك ~~عبرة لمن اعتبر. وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب ~~كتمييز اللبن من بين فرث ودم { سآئغا للشاربين } سهل المرور في ~~الحلق، ويقال: لم يغص أحد باللبن قط. و«من» الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ~~ما في بطونها، والثانية لابتداء الغاية. ### || [16.67-68] # ويتعلق { ومن ثمرت النخيل والأعنب } بمحذوف تقديره ~~ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما وحذف لدلالة { نسقيكم } ~~قبله عليه وقوله { تتخذون منه سكرا } بيان وكشف عن كنه ~~الإسقاء، أو تتخذون ومنه من تكرير الظرف للتوكيد، والضمير في { منه } ~~يرجع إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير، والسكر الخمر سميت بالمصدر من ~~سكر سكرا وسكرا نحو رشد رشدا ورشدا. ثم فيه وجهان: أحدهما أن الآية ~~سابقة على تحريم الخمر فتكون منسوخة، وثانيهما أن يجمع بين العتاب ~~والمنة. وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى ~~يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما ~~الله إلى حد السكر، ويحتجان بهذه الآية وبقوله عليه السلام: # " الخمر حرام لعينها والسكر من كل شراب " # وبأخبار جمة { ورزقا حسنا } هو الخل والرب والتمر والزبيب وغير ~~ذلك { إن فى ذلك لآية لقوم يعقلون } { وأوحى ~~ربك إلى النحل } وألهم { أن اتخذى من الجبال ~~بيوتا } هي «أن» المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول. قال الزجاج: ~~واحد النحل نحلة كنخل ونخلة والتأنيث باعتبار هذا، و«من» في { من الجبال ~~} { ومن الشجر ومما يعرشون } يرفعون من سقوف البيت أو ~~ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تعسل فيها ~~للتبعيض لأنها لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش والضمير في ~~{ يعرشون } للناس، وبضم الراء: شامي وأبو بكر ### || [16.69] # { ثم كلي من كل الثمرت } أي ابني البيوت ثم كلي كل ثمرة ~~تشتهينها فإذا أكلتها { فاسلكى سبل ربك } فادخلي الطرق التي ~~ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من ~~بيوتك فاسلكي إلى بيوتك ms0718 راجعة سبل ربك لا تضلين فيها { ذللا } جمع ~~ذلول وهي حال من السبل لأن الله تعالى ذللها وسهلها، أو من الضمير في { ~~فاسلكي } أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة { يخرج من ~~بطونها شراب } يريد العسل لأنه مما يشرب تلقيه من فيها { ~~مختلف ألوانه } منه أبيض وأصفر وأحمر من الشباب والكهول ~~والشيب أو على ألوان أغذيتها { فيه شفآء للناس } لأنه من جملة ~~الأدوية النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل. وليس ~~الغرض أنه شفاء لكل مريض كما أن كل دواء كذلك، وتنكيره لتعظيم الشفاء ~~الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء لأن النكرة في الإثبات تخص، وشكا رجل ~~استطلاق بطن أخيه فقال عليه السلام: # " اسقه عسلا " # فجاءه وقال: زاده شرا فقال عليه السلام: # " صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا " # فسقاه فصح. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: # " العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: ~~القرآن والعسل " # ومن بدع الروافض أن المراد بالنحل علي وقومه. وعن بعضهم أن رجلا قال ~~عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم. فقال له رجل: جعل ~~الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي، وحدث به المنصور ~~فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم { إن فى ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون } في عجيب أمرها فيعلمون أن الله أودعها علما بذلك ~~وفطنها كما أعطى أولي العقول عقولهم. ### || [16.70-71] # { والله خلقكم ثم يتوفكم } بقبض أرواحكم من ~~أبدانكم { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } إلى أخسه ~~وأحقره وهو خمس وسبعون سنة أو ثمانون أو تسعون { لكى لا يعلم ~~بعد علم شيئا } لينسى ما يعلم أو لئلا يعلم زيادة علم على علمه ~~{ إن الله عليم } بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل أو إلى ~~الإفناء من الإحياء { قدير } على تبديل ما يشاء كما يشاء من الأشياء { ~~والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق } أي جعلكم ~~متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم { فما ~~الذين فضلوا } في ms0719 الرزق يعني الملاك { برآدي } بمعطي { ~~رزقهم على ما ملكت أيمنهم } فكان ينبغي أن تردوا ~~فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس والمطعم { فهم فيه ~~سوآء } جملة اسمية وقعت في موضع جملة فعلية في موضع النصب لأنه جواب ~~النفي بالفاء وتقديره: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ~~فيستووا مع عبيدهم في الرزق، وهو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء ~~فقال لهم: أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا ~~تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي ~~لي شركاء؟ { أفبنعمة الله يجحدون } وبالتاء: أبو بكر، ~~فجعل ذلك من جملة جحود النعمة. ### || [16.72-75] # { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } أي من جنسكم ~~{ وجعل لكم من أزوجكم بنين وحفدة } جمع حافد وهو ~~الذي يحفد أي يسرع في الطاعة والخدمة ومنه قول القانت # وإليك نسعى ونحفد # واختلف فيه فقيل: هم الأختان على البنات وقيل: أولاد الأولاد. والمعنى ~~وجعل لكم حفدة أي خدما يحفدون في مصالحكم ويعينونكم { ورزقكم من ~~الطيبات } أي بعضها لأن كل الطيبات في الجنة وطيبات الدنيا أنموذج ~~منها { أفبالبطل يؤمنون } هو ما يعتقدونه من منفعة الأصنام ~~وشفاعتها { وبنعمت الله } أي الإسلام { هم يكفرون } أو ~~الباطل الشيطان والنعمة محمد صلى الله عليه وسلم أو الباطل ما يسول لهم ~~الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم { ~~ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من ~~السموت والأرض شيئا } أي الصنم وهو جماد لا يملك أن يرزق ~~شيئا، فالرزق يكون بمعنى المصدر وبمعنى ما يرزق، فإن أردت المصدر نصبت ~~به { شيئا } أي لا يملك أن يرزق شيئا، وإن أردت المرزوق كان { شيئا } ~~بدلا منه أي قليلا، و { من السماوات والأرض } صلة للرزق إن كان مصدرا ~~أي لا يرزق من السماوات مطرا ولا من الأرض نباتا، وصفة إن كان اسما ~~لما يرزق، والضمير في { ولا يستطيعون } لما لأنه في معنى الآلهة ~~بعدما قال لا يملك على اللفظ، والمعنى لا ms0720 يملكون الرزق ولا يمكنهم أن ~~يملكوه ولا يتأتى ذلك منهم { فلا تضربوا لله الأمثال } ~~فلا تجعلوا لله مثلا فإنه لا مثل له أي فلا تجعلوا له شركاء { أن ~~الله يعلم } أنه لا مثل له من الخلق { وأنتم لا تعلمون ~~} ذلك أو إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك والوجه ~~الأول. ثم ضرب المثل فقال: { ضرب الله مثلا عبدا } هو بدل من ~~{ مثلا } { مملوكا لا يقدر على شىء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا ~~وجهرا } مصدران في موضع الحال أي مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل ~~من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر مالك قد رزقه الله مالا ~~فهو يتصرف فيه وينفق منه ما شاء. وقيد بالمملوك ليميزه من الحر لأن اسم ~~العبد يقع عليهما جميعا إذ هما من عباد الله وب { لا يقدر على شيء } ~~ليمتاز من المكاتب والمأذون فيهما يقدران على التصرف. و«من» موصوفة أي ~~وحرا رزقناه ليطابق عبدا، أو موصولة { هل يستوون } جمع الضمير ~~لإرادة الجمع أي لا يستوي القبيلان { الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون } بأن الحمد والعبادة لله ثم زاد في البيان ~~فقال: ### || [16.76-77] # { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا ~~يقدر على شىء } الأبكم الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم { ~~وهو كل على مولاه } أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله { ~~أينما يوجهه لا يأت بخير } حيثما يرسله ويصرفه في مطلب ~~حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح { هل يستوى هو ومن ~~يأمر بالعدل } أي ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد ~~وديانة فهو يأمر الناس بالعدل والخير { وهو } في نفسه { على صرط ~~مستقيم } على سيرة صالحة ودين قويم، وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما ~~يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمته وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا ~~تنفع { ولله غيب السموت والأرض } أي يختص به علم ما ~~غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه، أو أراد بغيب السماوات ms0721 والأرض يوم ~~القيامة على أن علمه غائب عن أهل السماوات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم ~~{ ومآ أمر الساعة } في قرب كونها وسرعة قيامها { إلا ~~كلمح البصر } كرجع طرف، وإنما ضرب به المثل لأنه لا يعرف زمان ~~أقل منه { أو هو } أي الأمر { أقرب } وليس هذا لشك المخاطب ولكن ~~المعنى، كونوا في كونها على هذا الاعتبار. وقيل: بل هو أقرب { إن ~~الله على كل شىء قدير } فهو يقدر على أن يقيم الساعة ~~ويبعث الخلق لأنه بعض المقدورات ثم دل على قدرته بما بعده فقال: ### || [16.78-80] # { والله أخرجكم من بطون أمهتكم } وبكسر الألف ~~وفتح الميم: علي اتباعا لكسرة النون وبكسرهما: حمزة، والهاء مزيدة في ~~أمهات للتوكيد كما زيدت في «أراق» فقيل «أهراق» وشذت زيادتها في الواحدة ~~{ لا تعلمون شيئا } حال أي غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي ~~خلقكم في البطون { وجعل لكم السمع والأبصر ~~والأفئدة لعلكم تشكرون } أي وما ركب فيكم هذه الأشياء ~~إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به من شكر ~~المنعم وعبادته والقيام بحقوقه. والأفئدة في فؤاد كالأغربة في غراب وهو ~~من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة لعدم السماع في غيرها { ألم ~~يروا } وبالتاء: شامي وحمزة { إلى الطير مسخرت } مذللات ~~للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك { فى جو ~~السمآء } هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو { ما ~~يمسكهن } في قبضهن وبسطهن ووقوفهن { إلا الله } بقدرته، ~~وفيه نفي لما يصوره الوهم من خاصية القوى الطبيعية { إن فى ذلك ~~لآيت لقوم يؤمنون } بأن الخلق لا غنى به عن الخالق { ~~والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } هو فعل بمعنى مفعول ~~أي ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف { وجعل لكم من ~~جلود الأنعم بيوتا } هي قباب الأدم { تستخفونها } ~~ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل { يوم ظعنكم } بسكون ~~العين: كوفي وشامي، وبفتح العين: غيرهم. والظعن بفتح العين وسكونها ~~الارتحال { ويوم إقمتكم } قراركم في منازلكم، والمعنى أنها ~~خفيفة عليكم في ms0722 أوقات السفر والحضر على أن اليوم بمعنى الوقت { ومن ~~أصوافها } أي أصواف الضأن { وأوبارها } وأوبار الإبل { ~~وأشعارهآ } وأشعار المعز { أثاثا } متاع البيت { ومتعا } ~~وشيئا ينتفع به { إلى حين } مدة من الزمان ### || [16.81-83] # { والله جعل لكم مما خلق ظللا } كالأشجار والسقوف ~~{ وجعل لكم من الجبال أكننا } جمع كن وهو ما سترك من ~~كهف أو غار { وجعل لكم سرابيل } هي القمصان والثياب من الصوف ~~والكتاب والقطن { تقيكم الحر } وهي تقي البرد أيضا إلا أنه ~~اكتفى بأحد الضدين، ولأن الوقاية من الحر أهم عندهم لكون البرد يسيرا ~~محتملا { وسربيل تقيكم بأسكم } ودروعا من الحديد ترد عنكم ~~سلاح عدوكم في قتالكم، والبأس: شدة الحرب والسربال عام يقع على ما كان من ~~حديد أو غيره { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون } أي تنظرون في نعمته الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له { ~~فإن تولوا } أعرضوا عن الإسلام { فإنما عليك ~~البلغ المبين } أي فلا تبعة عليك في ذلك لأن الذي عليك هو ~~التبليغ الظاهر وقد فعلت { يعرفون نعمت الله } التي عددناها ~~بأقوالهم فإنهم يقولون إنها من الله { ثم ينكرونها } بأفعالهم ~~حيث عبدوا غير المنعم أو في الشدة ثم في الرخاء { وأكثرهم ~~الكفرون } أي الجاحدون غير المعترفين، أو نعمة الله نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عنادا وأكثرهم الجاحدون ~~المنكرون بقلوبهم، و«ثم» يدل على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة ~~لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر ### || [16.84-88] # { ويوم } انتصابه ب «اذكر» { نبعث } نحشر { من كل أمة ~~شهيدا } نبيا يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب والإيمان والكفر { ~~ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار، والمعنى لا حجة ~~لهم ولا عذر { ولا هم يستعتبون } ولا هم يسترضون، أي: لا يقال ~~لهم ارضوا اربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل. ومعنى «ثم» أنهم يمنون أي: ~~يبتلون بعد شهادة الأنبياء عليهم السلام بما هو اطم وأغلب منها، وهو أنهم ~~يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة { وإذا ~~رءا الذين ظلموا } كفروا { العذاب ms0723 فلا يخفف ~~عنهم } أي العذاب بعد الدخول { ولا هم ينظرون } يمهلون قبله ~~{ وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم } أوثانهم التي ~~عبدوها { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا } أي آلهتنا التي ~~جعلناها شركاء { الذين كنا ندعوا من دونك } أي نعبد { ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون } أي أجابوهم ~~بالتكذيب لأنها كانت جمادا لا تعرف من عبدها، ويحتمل أنهم كذبوهم في ~~تسميتهم شركاء وآلهة تنزيها لله عن الشرك { وألقوا } يعني الذين ~~ظلموا { إلى الله يومئذ السلم } إلقاء السلم الاستسلام ~~لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا { وضل عنهم } ~~وبطل عنهم { ما كانوا يفترون } من أن لله شركاء وأنهم ينصرونهم ~~ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم { الذين كفروا } في أنفسهم ~~{ وصدوا عن سبيل الله } وحملوا غيرهم على الكفر { ~~زدنهم عذابا فوق العذاب } أي عذابا بكفرهم وعذابا ~~بصدهم عن سبيل الله { بما كانوا يفسدون } بكونهم مفسدين الناس ~~بالصد ### || [16.89] # { ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم } يعني نبيهم لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم { ~~وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلآء } على أمتك { ~~ونزلنا عليك الكتب تبيانا } بليغا { لكل شىء ~~} من أمور الدين. أما في الأحكام المنصوصة فظاهر، وكذا فيما ثبت بالسنة ~~أو بالإجماع أو بقول الصحابة أو بالقياس، لأن مرجع الكل إلى الكتاب حيث ~~أمرنا فيه باتباع رسوله عليه السلام وطاعته بقوله: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [المائدة: 92] وحثنا على الإجماع فيه بقوله: # ويتبع غير سبيل المؤمنين # [النساء: 115] وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع ~~أصحابه بقوله: # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # وقد اجتهدوا وقاسوا ووطئوا طرق الاجتهاد والقياس مع أنه أمرنا به بقوله # فاعتبروا يا أولي الأبصار # [الحشر: 2]فكانت السنة والإجماع وقول الصحابي والقياس مستندة إلى تبيان ~~الكتاب فتبين أنه كان تبيانا لكل شيء { وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين } ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم بالجنة. ### || [16.90-91] # { إن الله يأمر بالعدل } بالتسوية في الحقوق فيما بينكم ~~وترك الظلم وإيصال كل ذي حق إلى حقه { والإحسان } إلى من أساء إليكم ~~أو ms0724 هما الفرض والندب لأن الفرض لا بد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب { ~~وإيتآء ذى القربى } وإعطاء ذي القرابة وهو صلة الرحم { ~~وينهى عن الفحشآء } عن الذنوب المفرطة في القبح { ~~والمنكر } ما تنكره العقول { والبغي } طلب التطاول بالظلم ~~والكبر { يعظكم } حال أو مستأنف { لعلكم تذكرون } ~~تتعظون بمواعظ الله. وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون فإنه قال: ما ~~كنت أسلمت إلا حياء منه عليه السلام لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام، ولم ~~يستقر الإيمان في قلبي حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في ~~قلبي فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه ~~لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر. وقال أبو ~~جهل: إن إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق وهي أجمع آية في القرآن للخير والشر، ~~ولهذا يقرءها كل خطيب على المنبر في آخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل ~~مأمور ومنهي. { وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم } هي ~~البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # { [الفتح: 10] ولا تنقضوا الأيمن } أيمان البيعة { بعد ~~توكيدها } بعد توثيقها باسم الله. و«أكد» و«وكد» لغتان فصيحتان ~~والأصل الواو والهمزة بدل منها { وقد جعلتم الله عليكم ~~كفيلا } شاهدا ورقيبا لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه { ~~إن الله يعلم ما تفعلون } من البر والحنث فيجازيكم به ### || [16.92-94] # { ولا تكونوا } في نقض الأيمان { كالتى نقضت غزلها ~~من بعد قوة } كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته ~~فجعلته { أنكثا } جمع نكث وهو ما ينكث فتله. قيل: هي ريطة وكانت ~~حمقاء تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن { ~~تتخذون أيمنكم } حال ك { أنكاثا } { دخلا } أحد ~~مفعولي { تتخذ } أي ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلا { بينكم } أي ~~مفسدة وخيانة { أن تكون أمة } بسبب أن تكون أمة يعني جماعة قريش ~~{ هى أربى من أمة } هي أزيد عددا وأوفر مالا من أمة من ~~جماعة المؤمنين. { هي أربى } مبتدأ ms0725 وخبر، في موضع الرفع صفة ل { أمة } و ~~{ أمة } فاعل { تكون } وهي تامة و { هي } ليست بفصل لوقوعها بين نكرتين { ~~إنما يبلوكم الله به } الضمير للمصدر أي إنما يختبركم ~~بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما وكدتم من أيمان ~~البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم ~~وقلة المؤمنين وفقرهم { وليبينن لكم يوم القيمة ~~ما كنتم فيه تختلفون } إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب ~~والعقاب، وفيه تحذير عن مخالفة ملة الإسلام { ولو شآء الله ~~لجعلكم أمة وحدة } حنيفة مسلمة { ولكن يضل من ~~يشآء } من علم منه اختيار الضلالة { ويهدي من يشآء } من علم ~~منه اختيار الهداية { ولتسئلن عما كنتم تعملون } يوم ~~القيامة فتجزون به. { ولا تتخذوا أيمنكم دخلا ~~بينكم } كرر النهي عن اتخاذ الإيمان دخلا بينهم تأكيدا عليهم ~~وإظهارا لعظمه { فتزل قدم بعد ثبوتها } فتزل أقدامكم عن ~~محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها. وإنما وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل ~~قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن تثبت عليه فكيف بأقدام كثيرة { ~~وتذوقوا السوء } في الدنيا { بما صددتم } بصدودكم { عن ~~سبيل الله } # وخروجكم عن الدين، أو بصدكم غيركم لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا ~~لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها { ولكم عذاب عظيم } في ~~الآخرة ### || [16.95-97] # { ولا تشتروا } ولا تستبدلوا { بعهد الله } وبيعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { ثمنا قليلا } عرضا من الدنيا يسيرا ~~كأن قوما ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش ~~واستضعافهم المسلمين، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ~~ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم الله { إنما ~~عند الله } من ثواب الآخرة { هو خير لكم إن كنتم ~~تعلمون ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفد وما عند ~~الله } من خزائن رحمته { باق } لا ينفد { ولنجزين } ~~وبالنون: مكي وعاصم { الذين صبروا } على أذى المشركين ومشاق ~~الإسلام { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون من عمل ~~صلحا من ذكر أو أنثى } «من» مبهم يتناول النوعين إلا ms0726 أن ~~ظاهره للذكور فبين بقوله { من ذكر أو أنثى } ليعم الموعد النوعين { ~~وهو مؤمن } شرط الإيمان لأن أعمال الكفار غير معتد بها وهو يدل ~~على أن العمل ليس من الإيمان { فلنحيينه حيوة طيبة } ~~أي في الدنيا لقوله { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون } وعده الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله # فاتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة # [آل عمران: 148] وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا ~~يعيش عيشا طيبا إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه ~~وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى. وأما الفاجر فأمره بالعكس، إن كان ~~معسرا فظاهر، وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه. وقيل: ~~الحياة الطيبة القناعة أو حلاوة الطاعة أو المعرفة بالله، وصدق المقام مع ~~الله، وصدق الوقوف على أمر الله، والإعراض عما سوى الله ### || [16.98-101] # { فإذا قرأت القرءان } فإذا أردت قراءة القرآن { ~~فاستعذ بالله } فعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأنها سبب له، ~~والفاء للتعقيب إذ القراءة المصدرة بالاستعاذة من العمل الصالح المذكور { ~~من الشيطن } يعني إبليس { الرجيم } المطرود أو الملعون. قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي: «قل أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام» { إنه ليس له } ~~لإبليس { سلطن } تسلط وولاية { على الذين ءامنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون } فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه ~~{ إنما سلطنه على الذين يتولونه } يتخذونه ~~وليا ويتبعون وساوسه { والذين هم به مشركون } الضمير يعود ~~إلى ربهم أو إلى الشيطان أي بسببه { وإذا بدلنآ ءاية مكان ~~ءاية } تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع ~~بالشرائع لحكمة رآها وهو معنى قوله { والله أعلم بما ينزل ~~} وبالتخفيف: مكي وأبو عمرو { قالوا إنما أنت مفتر } هو ~~جواب { إذا } . وقوله: { والله أعلم بما ينزل } اعتراض، كانوا يقولون إن ~~محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا فيأتيهم بما هو ~~أهون، ولقد ms0727 افتروا فقد كان ينسخ الأشق بالأهون والأهون بالأشق { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } الحكمة في ذلك ### || [16.102-103] # { قل نزله روح القدس } أي جبريل عليه السلام أضيف إلى ~~القدس وهو الطهر كما يقال «حاتم الجود»؛ والمراد الروح المقدس وحاتم ~~الجواد والمقدس المطهر من المآثم { من ربك } من عنده وأمره { ~~بالحق } حال أي نزله ملتبسا بالحكمة { ليثبت الذين ~~ءامنوا } ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا، والحكمة ~~لأنه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، حكم لهم بثبات القدم وصحة ~~اليقين وطمأنينة القلوب { وهدى وبشرى } مفعول لهما معطوفان على ~~محل { ليثبت } والتقدير تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة { للمسلمين } ~~وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. { ولقد نعلم ~~أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } أرادوا به غلاما كان ~~لحويطب قد أسلم وحسن إسلامه، اسمه عائش أو يعيش وكان صاحب كتب، أو هو جبر ~~غلام رومي لعامر بن الحضرمي، أو عبدان: جبر، ويسار، كانا يقرآن التوراة ~~والإنجيل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ما يقرآن، أو سلمان ~~الفارسي { لسان الذى يلحدون إليه } وبفتح الياء والحاء: ~~حمزة وعلي { أعجمى وهذا لسان عربى مبين } أي لسان ~~الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان أعجمي غير بين، وهذا ~~القرآن لسان عربي مبين ذو بيان وفصاحة ردا لقولهم وإبطالا لطعنهم، وهذه ~~الجملة أعني { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } لا محل لها لأنها مستأنفة ~~جواب لقولهم. واللسان اللغة. ويقال: ألحد القبر ولحده وهو ملحد وملحود ~~إذا أمال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه، ثم استعير لكل إمالة عن ~~الاستقامة فقالوا: ألحد فلان في قوله، وألحد في دينه ومنه الملحد لأنه ~~أمال مذهبه عن الأديان كلها ### || [16.104-106] # { إن الذين لا يؤمنون بآيت الله } أي القرآن { لا ~~يهديهم الله } ما داموا مختارين الكفر { ولهم عذاب ~~أليم } في الآخرة على كفرهم { إنما يفترى الكذب } على ~~الله { الذين لا يؤمنون بآيت الله } أي إنما يليق ~~افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقابا عليه وهو رد لقولهم ms0728 { ~~إنما أنت مفتر } { وأولئك } إشارة إلى { الذين لايؤمنون } أي ~~وأولئك { هم الكذبون } على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن ~~تكذيب آيات الله أعظم الكذب أو وأولئك هم الكاذبون في قولهم { إنما أنت ~~مفتر } جوزوا أن يكون { من كفر بالله من بعد إيمنه } ~~شرطا مبتدأ وحذف جوابه لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر بالله ~~فعليهم غضب { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن ~~} ساكن به. { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي طاب به ~~نفسا واعتقده { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~عظيم } وأن يكون بدلا من { الذين لا يؤمنون بآيات الله } على أن يجعل ~~{ وأولئك هم الكاذبون } اعتراضا بين البدل والمبدل منه. والمعنى: إنما ~~يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره فلم يدخل ~~تحت حكم الإفتراء ثم قال: { ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~} وأن يكون بدلا من المبتدأ الذي هو { أولئك } أي ومن كفر بالله من بعد ~~إيمانه هم الكاذبون، أو من خبر الذي هو { الكاذبون } أي وأولئك هم من كفر ~~بالله من بعد ايمانه وأن ينتصب على الذم. روى أن ناسا من أهل مكة ~~فتنوا فارتدوا، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد ~~للإيمان منهم عمار، وأما أبواه ياسر وسمية فقد قتلا وهما أول قتيلين في ~~الإسلام فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عمارا كفر فقال: # " كلا إن عمارا ملىء إيمانا من قرنة إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ~~ودمه " # فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال: # " مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت " # وما فعل أبو عمار أفضل لأن في الصبر على القتل إعزازا للإسلام ### || [16.107-110] # { ذلك } إشارة إلى الوعيد وهو لحوق الغضب والعذاب العظيم { ~~بأنهم استحبوا } آثروا { الحيوة الدنيا علىو ~~الآخرة } أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة { وأن الله لا ~~يهدى القوم الكفرين } ما داموا مختارين للكفر { أولئك ~~الذين ms0729 طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصرهم } فلا يتدبرون ولا يصغون إلى المواعظ ولا يبصرون طريق ~~الرشاد { وأولئك هم الغفلون } أي الكاملون في الغفلة لأن ~~الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها { لا جرم أنهم ~~فى الآخرة هم الخسرون }. { ثم إن ربك } «يدل» على ~~تباعد حال هؤلاء من حال أولئك { للذين هجروا } من مكة أي أنه ~~لهم لا عليهم يعني أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم كما يكون الملك ~~للرجل لا عليه فيكون محميا منفوعا غير مضرور { من بعد ما ~~فتنوا } بالعذاب والإكراه على الكفر { فتنوا }: شامي أي بعد ما ~~عذبوا المؤمنين ثم أسلموا { ثم جهدوا } المشركين بعد الهجرة { ~~وصبروآ } على الجهاد { إن ربك من بعدها } من بعد هذه ~~الأفعال وهي الهجرة والجهاد والصبر { لغفور } لهم لما كان منهم من ~~التكلم بكلمة الكفر تقية { رحيم } لا يعذبهم على ما قالوا في حالة ~~الإكراه ### || [16.111-112] # { يوم تأتى } منصوب ب { رحيم } أو ب «اذكر» { كل نفس ~~تجدل عن نفسها } وإنما أضيفت النفس إلى النفس لأنه يقال لعين ~~الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره والنفس الجملة كما هي، فالنفس الأولى هي ~~الجملة، والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ~~ذاته لا يهمه شأن غيره كل يقول: نفسي نفسي. ومعنى المجادلة عنها ~~الاعتذار عنها كقولهم: # هؤلاء أضلونا # [الأعراف:38] # ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا # [الأحزاب: 67]الآية # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] { وتوفى كل نفس ما عملت } تعطى جزاء ~~عملها وافيا { وهم لا يظلمون } في ذلك. { وضرب الله ~~مثلا قرية } أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم ~~الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز ~~أن يراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت ~~هذه حالها فضربها الله مثلا لمكة إنذرا من مثل عاقبتها { كانت ~~ءامنة } من القتل والسبى { مطمئنة } لا يزعجها خوف لأن ~~الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف { يأتيها رزقها ~~رغدا } واسعا { من كل مكان } من كل ms0730 بلد { فكفرت } أهلها ~~{ بأنعم الله } جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو ~~جمع نعم كبؤس وأبؤس { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ~~بما كانوا يصنعون } الإذاقة واللباس استعارتان والإذاقة ~~المستعارة موقعة على اللباس المستعار، ووجه صحة ذلك أن الإذاقة جارية ~~عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها ~~فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر ~~والألم بما يدرك من طعم المر والبشع. وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله ~~على اللابس ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث، وأما إيقاع الإذاقة ~~على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه ~~قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف. ### || [16.113-116] # { ولقد جاءهم رسول منهم } أي محمد صلى الله عليه وسلم { ~~فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظلمون } أي في حال ~~التباسهم بالظلم قالوا: إنه القتل بالسيف يوم بدر. روى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجه إلى أهل مكة في سني القحط بطعام ففرق فيهم فقال: # " الله لهم بعد أن أذاقهم الجوع " # { فكلوا مما رزقكم الله } على يدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم { حللا طيبا } بدلا عما كنتم تأكلونه حراما خبيثا من ~~الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب { واشكروا ~~نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون } تطيعون أو إن صح ~~زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة لأنها شفعاؤكم عنده. ثم عدد عليهم ~~محرمات الله ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم فقال: { إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ ~~أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فإن الله غفور رحيم } «إنما» للحصر أي المحرم هذا دون البحيرة ~~وأخواتها وباقي الآية قد مر تفسيره { ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب } هو منصوب ب { لا تقولوا } أي ولا وتقولوا ~~الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: # ما فى بطون هذه الانعم خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزوجنا # [الأنعام: 139] من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي أو إلى القياس ms0731 ~~المستنبط منه. واللام مثلها في قولك لا تقولوا لما أحل الله هو حرام. ~~وقوله { هذا حلل وهذا حرام } بدل من الكذب ولك أن تنصب ~~{ الكذب } ب { تصف } وتجعل «ما» مصدرية وتعلق { هذا حلال وهذا حرام }. ~~ب { لا تقولوا } أي و لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام وهذا لوصف ألسنتكم ~~الكذب، أي ولا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في ~~أفواهكم لا لأجل حجة وبينة ولكن قول ساذج ودعوى بلا برهان. وقوله { تصف ~~ألسنتكم الكذب } من فصيح الكلام جعل قولهم كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ~~ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته كقولك «وجهها يصف الجمال ~~وعينها تصف السحر» واللام في { لتفتروا على الله الكذب ~~} من التعليل الذي لا يتضمن معنى الفرض { إن الذين يفترون ~~على الله الكذب لا يفلحون } ### || [16.117-119] # { متع قليل ولهم عذاب أليم } هو خبر مبتدأ محذوف أي ~~منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعذابها عظيم. { ~~وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل } في سورة الأنعام يعني # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر # [الأنعام: 146] الآية { وما ظلمنهم } بالتحريم { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } فحرمنا عليهم عقوبة على معاصيهم { ~~ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة } في ~~موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة ~~عليهم، ومرادهم لذة الهوى لا عصيان المولى { ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها } من بعد التوبة { ~~لغفور } بتكفير ما كثروا قبل من الجرائم { رحيم } بتوثيق ما ~~وثقوا بعد من العزائم. ### || [16.120-123] # { إن إبرهيم كان أمة } إنه كان وحده أمة من الأمم لكماله ~~في جميع صفات الخير كقوله # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # وعن مجاهد: كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار، أو كان أمة بمعنى مأموم ~~يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير { قانتا لله } هو القائم بما أمره ~~الله. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن معاذا كان أمة قانتا لله فقيل ~~له: إنما هو إبراهيم ms0732 عليه السلام. فقال: الأمة الذي يعلم الخير والقانت ~~المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك. وقال عمر رضي الله عنه: لو كان معاذ ~~حيا لاستخلفته فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ أمة لله قانت لله ليس بينه وبين الله ~~يوم القيامة إلا المرسلون " # { حنيفا } مائلا عن الأديان إلى ملة الإسلام { ولم يك من ~~المشركين } نفى عنه الشرك تكذيبا لكفار قريش لزعمهم أنهم على ملة ~~أبيهم إبراهيم، وحذف النون للتشبيه بحروف اللين { شاكرا لأنعمه } ~~روى أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخر غداءه، ~~فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن ~~بهم جذاما فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا لله على أنه عافاني وابتلاكم ~~{ اجتباه } اختصه واصطفاه للنبوة { وهداه إلى صراط ~~مستقيم } إلى ملة الإسلام { وآتيناه في الدنيا حسنة ~~} نبوة وأموالا وأولادا، أو تنويه الله بذكره فكل أهل دين يتولونه، أو ~~قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } لمن أهل الجنة. { ثم أوحينآ إليك أن ~~اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } ~~في «ثم» تعظيم منزلة نبينا عليه السلام وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما ~~أوتي خليل الله من الكرامة اتباع رسولنا ملته ### || [16.124-126] # { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } أي فرض ~~عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه { وإن ربك ليحكم بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } روى أن موسى ~~عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة وأن يكون يوم ~~الجمعة فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات ~~والأرض وهو السبت، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فهذا اختلافهم في ~~السبت لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة، فأذن الله لهم في ~~السبت وابتلاهم بتحريم الصيد، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة فكانوا لا ~~يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك وهو يحكم ~~بينهم يوم القيامة ms0733 فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله { ادع ~~إلى سبيل ربك } إلى الإسلام { بالحكمة } بالمقالة ~~الصحيحة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة { والموعظة ~~الحسنة } وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم ~~فيها، أو بالقرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، أو الحكمة ~~المعرفة بمراتب الأفعال والموعظة الحسنة أن يخلط الرغبة بالرهبة والإنذار ~~بالبشارة { وجادلهم بالتي هي أحسن } بالطريقة التي هي ~~أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة، أو بما يوقظ القلوب ~~ويعظ النفوس ويجلو العقول وهو رد على من يأبى المناظرة في الدين { إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي هو أعلم بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل ~~ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل. { وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به } سمى الفعل الأول عقوبة والعقوبة هي ~~الثانية لازدواج الكلام كقوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] فالثانية ليست بسيئة، والمعنى إن صنع بكم صنيع سوء من قتل ~~أونحوه فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه. روى أن المشركين مثلوا بالمسلمين ~~يوم أحد، وبقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، فرأى النبي عليه السلام حمزة ~~مبقور البطن فقال: # " أما والذي أحلف به لأمثلن بسبعين مكانك " # فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده. ولا خلاف في تحريم المثلة لورود ~~الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور { ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين } الضمير في { لهو } يرجع إلى مصدر { صبرتم } ~~والمراد بالصابرين المخاطبون أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع { ~~الصابرين } موضع الضمير ثناء من الله عليهم لأنهم صابرون على الشدائد، ثم ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ### || [16.127-128] # { واصبر } أنت فعزم عليه بالصبر { وما صبرك إلا بالله } ~~أي بتوفيقه وتثبيته { ولا تحزن عليهم } على الكفار أن لم ~~يؤمنوا وعلى المؤمنين وما فعل بهم الكفار فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم { ولا ~~تك في ضيق مما يمكرون } { ضيق } مكي. والضيق تخفيف ~~الضيق أي في أمر ضيق ويجوز أن يكونا مصدرين كالقيل والقول، والمعنى ms0734 ولا ~~يضيقن صدرك من مكرهم فإنه لا ينفذ عليك { إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون } أي هو ولي الذين اجتنبوا السيئات ~~وولي العاملين بالطاعات. قيل: من اتقى في أفعاله وأحسن في أعماله كان ~~الله معه في أحواله. ومعيته نصرته في المأمور وعصمته في المحظور. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # { سبحان } تنزيه الله عن السوء وهو علم للتسبيح كعثمان للرجل، ~~وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان ~~منزلة الفعل فسد مسده ودل على التنزيه البليغ { الذي أسرى ~~بعبده } محمد صلى الله عليه وسلم وسرى وأسرى لغتان { ليلا } نصب ~~على الظرف وقيده بالليل والإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد، أو ليدل ~~بلفظ التنكير على تقرير مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة ~~إلى الشام مسيرة أربعين ليلة { من المسجد الحرام } قيل: أسري ~~به من دار أم هانىء بنت أبي طالب. والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته ~~بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحرم كله مسجد. ~~وقيل: هو المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر، فقد قال عليه السلام: # " بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ ~~أتاني جبريل بالبراق وقد عرج بي إلى السماء في تلك الليلة " # وكان العروج به من بيت المقدس وقد أخبر قريشا عن عيرهم وعدد جمالها ~~وأحوالها، وأخبرهم أيضا بما رأى في السماء من العجائب، وأنه لقي ~~الأنبياء عليهم السلام وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى، وكان الإسراء ~~قبل الهجرة بسنة وكان في اليقظة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~والله ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عرج بروحه. وعن ~~معاوية مثله. وعلى الأول الجمهور إذ لا فضيلة للحالم ولا مزية للنائم { ~~إلى المسجد الأقصا } هو بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه ~~مسجد { الذي باركنا حوله } يريد بركات الدين والدنيا لأنه ~~متعبد الأنبياء عليهم السلام ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية ~~والأشجار المثمرة { لنريه } أي محمدا عليه السلام { من ms0735 ~~آياتنا } الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته برؤيته السماوات وما ~~فيها من الآيات { إنه هو السميع } للأقوال { البصير } ~~بالأفعال ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم فقيل { أسرى } ثم { ~~باركنا } ثم { إنه هو } وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة. ### || [17.2-4] # { وآتينا موسى الكتاب وجعلناه } أي الكتاب وهو التوراة ~~{ هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا } أي لا تتخذوا. ~~وبالياء: أبو عمرو أي لئلا يتخذوا { من دوني وكيلا } ربا تكلون ~~إليه أموركم { ذرية من حملنا مع نوح } نصب على الاختصاص ~~أو على النداء فيمن قرأ { لا تتخذوا } بالتاء على النهي أي قلنا لهم لا ~~تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح { إنه } إن نوحا ~~عليه السلام { كان عبدا شكورا } في السراء والضراء، والشكر ~~مقابلة النعمة بالثناء على المنعم، وروي أنه كان لا يأكل ولا يشرب ولا ~~يلبس إلا قال الحمد لله، وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم ~~كما جعله آباؤكم أسوتهم، وآية رشد الأبناء صحة الاقتداء بسنة الآباء وقد ~~عرفتم حال الآباء هنالك فكونوا أيها الأبناء كذلك. # { وقضينا إلى بني إسرآءيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض } وأوحينا إليهم وحيا مقضيا أي مقطوعا ~~مبتوتا بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة. والكتاب التوراة، ولتفسدن جواب ~~محذوف أو جرى القضاء المبتوت مجرى القسم فيكون { لتفسدن } جوابا له كأنه ~~قال وأقسمنا لتفسدن في الأرض { مرتين } أولاهما قتل زكرياء عليه ~~السلام وحبس أرمياء عليه السلام حين أنذرهم سخط الله، والأخرى قتل يحيى ~~بن زكرياء عليهما السلام وقصد قتل عيسى عليه السلام { ولتعلن ~~علوا كبيرا } ولتستكبرن عن طاعة الله من قوله # إن فرعون علا في الأرض # [القصص: 4] والمراد به البغي والظلم وغلبة المفسدين على المصلحين. ### || [17.5-7] # { فإذا جآء وعد أولاهما } أي وعد الله عقاب أولاهما { ~~بعثنا عليكم } سلطنا عليكم { عبادا لنا أولي بأس ~~شديد } أشداء في القتال يعني سنجاريب وجنوده أو بختنصر أو جالوت، ~~قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد وسبوا منهم سبعين ألفا { ~~فجاسوا خلال الديار } ترددوا للغارة فيها. قال ms0736 الزجاج: الجوس ~~طلب الشيء بالاستقصاء { وكان وعدا مفعولا } وكان وعد العقاب ~~وعدا لا بد أن يفعل { ثم رددنا لكم الكرة } أي الدولة ~~والغلبة { عليهم } على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد ~~والعلو. قيل: هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع ~~الملك إليهم. وقيل أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود جالوت { ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر ~~نفيرا } مما كنتم وهو تمييز جمع نفر وهو من ينفر مع الرجل من قومه. # { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها } قيل اللام بمعنى «على» كقوله: # وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286] والصحيح أنها على بابها لأن اللام للاختصاص والعامل مختص ~~بجزاء عمله، حسنة كانت أو سيئة يعني أن الإحسان والإساءة كلاهما مختص ~~بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. وعن علي رضي الله عنه: ما ~~أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها { فإذا جآء وعد الآخرة } ~~وعد المرة الآخرة بعثناهم { ليسوؤوا } أي هؤلاء { وجوهكم } وحذف ~~لدلالة ذكره أولا عليه أي ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها ~~كقوله # سيئت وجوه الذين كفروا # [الملك:27] { ليسوء } شامي وحمزة وأبو بكر، والضمير لله عز وجل أو للوعد ~~أو للبعث. { لنسوء } علي. { وليدخلوا المسجد } بيت المقدس { ~~كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~} { ما علوا } مفعول ل { يتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا ~~عليه، أو بمعنى مدة علوهم # . ### || [17.8-14] # { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الثانية إن تبتم توبة ~~أخرى وانزجرتم عن المعاصي { وإن عدتم } مرة ثالثة { عدنا } إلى ~~عقوبتكم وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة ~~عليهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: سلط عليهم المؤمنون إلى يوم القيامة ~~{ وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } محبسا. يقال: للسجن ~~محصر وحصير. # { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } للحالة ~~التي هي أقوم الحالات وأسدها وهي توحيد الله والإيمان برسله والعمل ~~بطاعته أو للملة أو للطريقة { ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات } ويبشر حمزة وعلي { أن لهم } بأن لهم ~~{ أجرا كبيرا } أي الجنة { وأن الذين ms0737 } وبأن الذين { لا ~~يؤمنون بالآخرة أعتدنا } أي أعددنا قلبت تاء { لهم ~~عذابا أليما } يعني النار. والآية ترد القول بالمنزلة بين ~~المنزلتين حيث ذكر المؤمنين وجزاءهم، والكافرين وجزاءهم، ولم يذكر الفسقة ~~{ ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير } أي ويدعو الله ~~عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله وولده كما يدعو لهم بالخير، أو يطلب ~~النفع العاجل وإن قل بالضرر الآجل وإن جل { وكان الإنسان عجولا } ~~يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يتأنى فيه تأني المتبصر، ~~أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو ~~بالخير إذا مسته الشدة، { وكان الإنسان عجولا } يعني أن العذاب آتيه لا ~~محالة فما هذا الاستعجال؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو النضر بن ~~الحارث قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32]الآية. فأجيب فضربت عنقه صبرا. وسقوط الواو من { يدع } في ~~الخط على موافقة اللفظ { وجعلنا الليل والنهار آيتين ~~فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } ~~أي الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية ~~النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود أي فمحونا الآية التي هي الليل ~~وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة أو جعلنا نيري الليل والنهار آيتين ~~يريد الشمس والقمر. فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم نخلق له ~~شعاعا كشعاع الشمس فترى الأشياء به رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع ~~يبصر في ضوئها كل شيء { لتبتغوا فضلا من ربكم } ~~لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم { ولتعلموا } باختلاف ~~الجديدين { عدد السنين والحساب } يعني حساب الآجال ومواسم ~~الأعمال، ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح حراص ~~المكتسبين والتجار { وكل شيء } مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ~~{ فصلناه تفصيلا } بيناه بيانا غير ملتبس فأزحنا عللكم وما ~~تركنا لكم حجة علينا. # { وكل إنسان ألزمناه طائره } عمله { في عنقه } ~~يعني أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل للعنق لا يفك عنه { ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه } هو ms0738 صفة ل { ~~كتابا } . # يلقاه شامي { منشورا } حال من { يلقاه } يعني غير مطوي ليمكنه ~~قراءته أو هما صفتان للكتاب ونقول له { اقرأ كتابك } أي كتاب ~~أعمالك وكل يبعث قارئا { كفى بنفسك اليوم عليك } ~~الباء زائدة أي كفى نفسك { حسيبا } تمييز وهو بمعنى حاسب وعلى متعلق ~~به من قولك حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي. وضع موضع الشهيد فعدي« بعلى» ~~لأن الشاهد يكفي المدعى ما أهمه، وإنما ذكر حسيبا لأنه بمنزلة الشهيد ~~والقاضي والأمير إذا الغالب أن يتولى هذه الأمور الرجال فكأنه قيل: كفى ~~نفسك رجلا حسيبا، أو تؤول النفس بالشخص. ### || [17.15-18] # { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها } أي فلها ثواب الاهتداء وعليها وبال ~~الضلال { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي كل نفس حاملة وزرا ~~فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى { وما وكنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } وما صح منا أن نعذب قوما عذاب استئصال في الدنيا ~~إلا بعد أن نرسل إليهم رسولا يلزمهم الحجة { وإذآ أردنآ أن ~~نهلك قرية } أي أهل قرية { أمرنا مترفيها } متنعميها ~~وجبابرتها بالطاعة عن أبي عمرو والزجاج { ففسقوا فيها } أي خرجوا ~~عن الأمر كقولك «أمرته فعصى» أو { أمرنا } كثرنا، دليله قراءة يعقوب ~~أمرنا ومنه الحديث # " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " # أي كثيرة النسل { فحق عليها القول } فوجب عليها الوعيد { ~~فدمرناها تدميرا } فأهلكناها إهلاكا { وكم } مفعول { ~~أهلكنا من القرون } بيان لكم { من بعد نوح } يعني عادا ~~وثمودا وغيرهما { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا } ~~وإن أخفوها في الصدور { بصيرا } وإن أرخوا عليها الستور. # { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء } ~~لا ما يشاء { لمن نريد } بدل من { له } بإعادة الجار وهو بدل البعض ~~من الكل إذ الضمير يرجع إلى { من } أي من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها ~~ كالكفرة تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد المعجل ~~بمشيئته والمعجل له بإرادته وهكذا الحال، ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما ~~يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك ms0739 البعض وقد ~~حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأما المؤمن التقي فقد اختار ~~غنى الآخرة فإن أوتي حظا من الدنيا فبها، وإلا فربما كان الفقر خيرا له ~~{ ثم جعلنا له جهنم } في الآخرة { يصلاها } يدخلها { ~~مذموما } ممقوتا { مدحورا } مطرودا من رحمة الله. ### || [17.19-23] # { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } هو مفعول به أو ~~حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة { وهو مؤمن } مصدق لله ~~في وعده ووعيده { فأولئك كان سعيهم مشكورا } مقبولا ~~عند الله مثابا عليه. عن بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: ~~إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب وتلا الآية: فإنه شرط فيها ثلاث شرائط ~~في كون السعي مشكورا: إرادة الآخرة والسعي فيما كلف والإيمان الثابت { ~~كلا } كل واحد من الفريقين والتنوين عوض عن المضاف إليه وهو منصوب ~~بقوله { نمد هؤلآء } بدل من { كلا } أي نمد هؤلاء { ~~وهؤلآء } أي من أراد العاجلة ومن أراد الآخرة { من عطآء ~~ربك } رزقه و«من» تتعلق «بنمد» والعطاء اسم للمعطي أي نزيدهم من ~~عطائنا ونجعل الآنف منه مددا للسالف لا نقطعه فنرزق المطيع والعاصي ~~جميعا على وجه التفضل { وما كان عطآء ربك محظورا } ~~ممنوعا عن عباده وإن عصوا { انظر } بعين الاعتبار { كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض } في المال والجاه والسعة والكمال { ~~وللآخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا } روي أن قوما ~~من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه فخرج الإذن لبلال ~~وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا. إنهم ~~دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر فكيف ~~التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة ~~أكثر. # { لا تجعل مع الله إلها آخر } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به أمته { فتقعد مذموما مخذولا } فتصير ~~جامعا على نفسك الذم والخذلان. وقيل: مشتوما بالإهانة محروما عن ~~الإعانة، إذ الخذلان ضد النصر والعون. دليله قوله تعالى: # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ms0740 ذا الذي ينصركم من بعده # [آل عمران: 160] حيث ذكر الخذلان بمقابلة النصر. # { وقضى ربك } وأمر أمرا مقطوعا به { ألا تعبدوآ إلا ~~إياه } «أن» مفسرة و { لا تعبدوا } نهي أو بأن لا تعبدوا { ~~وبالوالدين إحسانا } وأحسنوا بالوالدين إحسانا أو بأن ~~تحسنوا بالوالدين إحسانا { إما يبلغن عندك الكبر } ~~«إما» هي «أن» الشرطية زيد عليها «ما» تأكيدا لها ولذا دخلت النون ~~المؤكدة في الفعل ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها لا تقول. «إن تكرمن زيدا ~~يكرمك» ولكن «إما تكرمنه» { أحدهمآ } فاعل { يبلغن } وهو في قراءة ~~حمزة وعلي { يبلغان } بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين { أو ~~كلاهما } عطف على { أحدهما } فاعلا وبدلا { فلا تقل لهمآ ~~أف } مدني وحفص. { أف } مكي وشامي. { أف } غيرهم. وهو صوت يدل ~~على تضجر فالكسر على أصل التقاء الساكنين والفتح للتخفيف، والتنوين ~~لإرادة التنكير أي أتضجر تضجرا، وتركه لقصد التعريف أي أتضجر التضجر ~~المعلوم { ولا تنهرهما } ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك ~~والنهي والنهر أخوان { وقل لهما } بدل التأفيف والنهر { قولا ~~كريما } جميلا لينا كما يقتضيه حسن الأدب أو هو أن يقول: يا أبتاه ~~يا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء ولا بأس به في غير وجهه، ~~كما قالت عائشة رضي الله عنها: نحلني أبو بكر كذا، وفائدة { عندك } إنهما ~~إذا صارا كلا على ولدهما ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه ~~وذلك أشق عليه، فهو مأمور بأن يستعمل معهما لين الخلق حتى لا يقول لهما ~~إذا أضجره ما يستقذر منهما «أف» فضلا عما يزيد عليه، ولقد بالغ سبحانه ~~في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ثم ضيق ~~الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات ~~الضجر ومع أحوال لا يكاد يصبر الإنسان معها. ### || [17.24-25] # { واخفض لهما جناح الذل } أي اخفض لهما جناحك كما قال # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] فأضافه إلى الذل كما أضيف حاتم إلى الجود والمعنى واخفض ~~لهما جناحك الذليل { من الرحمة } من فرط ms0741 رحمتك لهما وعطفك عليهما ~~لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس. وقال ~~الزجاج: وألن جانبك متذللا لهما من مبالغتك في الرحمة لهما { وقل ~~رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } ولا تكتف برحمتك ~~عليهما التي لا بقاء، لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية واجعل ذلك ~~جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. والمراد بالخطاب غيره عليه ~~السلام، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين، وقيل: إذا كانا كافرين له أن ~~يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما " # وروي # " يفعل البار ما شاء أن يفعل فلن يدخل النار ويفعل العاق ما شاء أن يفعل ~~فلن يدخل الجنة " # وعنه عليه السلام: # " إياكم وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ~~عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء إن الكبرياء لله رب ~~العالمين " # { ربكم أعلم بما في نفوسكم } بما في ضمائركم من قصد ~~البر إلى الوالدين ومن النشاط والكرامة في خدمتهما { إن تكونوا ~~صالحين } قاصدين الصلاح والبر ثم فرطت منكم في حال الغضب وعند حرج ~~الصدر هنة تؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى الله واستغفرتم منها { فإنه ~~كان للأوابين غفورا } الأواب الذي إذا أذنب بادر إلى التوبة ~~فجاز أن يكون هذا عاما لكل من فرطت منه جناية، ثم تاب منها ويندرج تحت ~~الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره. ### || [17.26-29] # { وآت ذا القربى } منك { حقه } أي النفقة إذا كانوا محارم ~~فقراء { والمسكين وابن السبيل } أي وآت هؤلاء حقهم من ~~الزكاة { ولا تبذر تبذيرا } ولا تسرف إسرافا. قيل: التبذير ~~تفريق المال في غير الحل والمحل، فعن مجاهد: لو أنفق مدا في باطل كان ~~تبذيرا. وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه: لا خير في ~~السرف فقال: لا سرف في الخير { إن المبذرين كانوآ إخوان ~~الشياطين } أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمة لأنه لا شر من ms0742 ~~الشيطان، أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من ~~الإسراف { وكان الشيطان لربه كفورا } فما ينبغي أن يطاع ~~فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. # { وإما تعرضن عنهم } إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن ~~السبيل حياء من الرد { ابتغآء رحمة من ربك ترجوها ~~فقل لهم قولا ميسورا } أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ~~ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا، فوضع الابتغاء ~~موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء ~~مسببا عنه، فوضع المسبب موضع السبب، يقال: يسر الأمر وعسر مثل سعد الرجل ~~ونحس فهو مفعول. وقيل: معناه: فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله على أنه ~~دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم كأن معناه قولا ذا ميسور وهو اليسر أي دعاء ~~فيه يسر. و { ابتغاء } مفعول له أو مصدر في موضع الحال و { ترجوها } حال ~~{ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط } { كل } نصب على المصدر لإضافته إليه. وهذا تمثيل لمنع ~~الشحيح وإعطاء المسرف أمر باقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير { ~~فتقعد ملوما } فتصير ملوما عند الله لأن المسرف غير مرضي عنده ~~وعند الناس يقول الفقير: أعطى فلانا وحرمني، ويقول الغني: ما يحسن تدبير ~~أمر المعيشة، وعند نفسك إذا احتجت فندمت على ما فعلت { محسورا } ~~منقطعا بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا أثر فيه أثرا بليغا أو ~~عاريا من حسر رأسه. وقد خاطرت مسلمة ضرتها اليهودية في أنه يعني ~~محمدا عليه السلام أجود من موسى عليه السلام فبعثت ابنتها تسأله قميصه ~~الذي عليه فدفعه وقعد عريانا فأقيمت الصلاة فلم يخرج للصلاة فنزلت. ثم ~~سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة بأن ذلك ليس ~~لهوان منك عليه ولا لبخل به عليك، ولكن لأن بسط الأرزاق وقدرها مفوض إلى ~~الله تعالى فقال: ### || [17.30-33] # { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء } فليس البسط إليك { ~~ويقدر } أي هو يضيق فلا لوم عليك { إنه ms0743 كان بعباده ~~خبيرا } بمصالحهم فيمضيها { بصيرا } بحوائجهم فيقضيها. # { ولا تقتلوا أولادكم } قتلهم أولادهم وأدهم بناتهم { ~~خشية إملاق } فقر { نحن نرزقهم وإياكم } نهاهم عن ~~ذلك وضمن أرزاقهم { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } إثما ~~عظيما. يقال: خطىء خطأ كأثم إثما. { خطأ } شامي وهو ضد الصواب اسم من ~~أخطأ. وقيل: والخطء كالحذر والحذر { خطاء } بالمد والكسر: مكي { ولا ~~تقربوا الزنى } القصر فيه أكثر والمدلغة وقد قرئ به وهو نهي عن ~~دواعي الزنا كالمس والقبلة ونحوهما، ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال ~~«ولا تزنوا» { إنه كان فاحشة } معصية مجاوزة حد الشرع والعقل { ~~وسآء سبيلا } وبئس طريقا طريقه { ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق } أي بارتكاب ما يبيح الدم { ~~ومن قتل مظلوما } غير مرتكب ما يبيح الدم { فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا } تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه { فلا ~~يسرف في القتل } الضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين ~~والقاتل واحد كعادة أهل الجاهلية، أو الإسراف المثلة، أو الضمير للقاتل ~~الأول { فلا تسرف } حمزة وعلي على خطاب الولي أو قاتل المظلوم { إنه ~~كان منصورا } الضمير للولي أي حسبه أن الله قد نصره بأن أوجب له ~~القصاص فلا يستزد على ذلك، أو للمظلوم أي الله ناصره حيث أوجب القصاص ~~بقتله وينصره في الآخرة بالثواب، أو للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في ~~قتله فإنه كان منصورا بإيجاب القصاص على المسرف. وظاهر الآية يدل على أن ~~القصاص يجري بين الحر والعبد وبين المسلم والذمي لأن أنفس أهل الذمة ~~والعبيد داخلة في الآية لكونها محرمة. ### || [17.34-39] # { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ~~بالخصلة والطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره { حتى يبلغ ~~أشده } أي ثماني عشرة سنة { وأوفوا بالعهد } بأوامر الله ~~تعالى ونواهيه { إن العهد كان مسئولا } مطلوبا يطلب من ~~المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو أن صاحب العهد كان مسؤولا { وأوفوا ~~الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس } بكسر القاف: حمزة ~~وعلي وحفص وهو كل ميزان صغير أو كبير من موازين الدراهم ms0744 وغيرها. وقيل هو ~~القرسطون أي القبان { المستقيم } المعتدل { ذلك خير } في ~~الدنيا { وأحسن تأويلا } عاقبة وهو تفعيل من آل إذا رجع وهو ما ~~يؤول إليه. # { ولا تقف ما ليس لك به علم } ولا تتبع ما لم تعلم أي لا ~~تقل رأيت وما رأيت وسمعت وما سمعت. وعن ابن الحنفية: لا تشهد بالزور. وعن ~~ابن عباس. لا ترم أحدا بما لا تعلم. ولا يصح التثبت به لمبطل الاجتهاد ~~لأن ذلك نوع من العلم فإن علمتموهن مؤمنات، وأقام الشارع غالب الظن مقام ~~العلم وأمر بالعمل به كما في الشهادات ولنا في العمل بخبر الواحد لما ~~ذكرنا { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسئولا } { أولئك } إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد ~~لأن { أولئك } كما يكون إشارة إلى العقلاء يكون إشارة إلى غيرهم كقول ~~جرير # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # و { عنه } في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولا عنه، ~~فمسؤول مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] # يقال للإنسان. لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك ~~النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ كذا في الكشاف، وفيه ~~نظر لبعضهم لأن الجار والمجرور إنما يقومان مقام الفاعل إذا تأخرا عن ~~الفعل، فأما إذا تقدما فلا { ولا تمش فى الأرض مرحا } هو حال ~~أي ذا مرح { إنك لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا بدوسك ~~لها وشدة وطئتك { ولن تبلغ الجبال طولا } بتطاولك وهو تهكم ~~بالمختال أو لن تحاذيها قوة وهو حال من الفاعل أو المفعول { كل ذلك ~~كان سيئه } كوفي وشامي على إضافة سيء إلى ضمير «كل». { سيئة } ~~غيرهم { عند ربك مكروها } ذكر { مكروها } لأن السيئة في حكم ~~الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ألا ~~تراك تقول: «الزنا سيئة»، كما تقول: «السرقة سيئة»، فإن قلت: الخصال ~~المذكورة بعضها سييء وبعضها حسن ولذلك قرأ من قرأ { سيئة } بالإضافة ms0745 أي ~~ما كان من المذكور سيئا كان عند الله مكروها فما وجه قراءة من قرأ { ~~سيئة } قلت: كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة. # { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من قوله: { لا تجعل مع الله ~~إلها ءاخر } إلى هذه الغاية { مما أوحى إليك ربك ~~من الحكمة } مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته { ولا ~~تجعل مع الله إلها ءاخر فتلقى فى جهنم ~~ملوما مدحورا } مطرودا من الرحمة. عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها: { لا تجعل ~~مع الله إلها آخر } وآخرها { مدحورا } ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها ~~النهي عن الشرك لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمة ~~وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار ~~الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم. ثم خاطب الذين قالوا الملائكة بنات ~~الله بقوله: ### || [17.40-42] # { أفأصفاكم ربكم بالبنين } الهمزة للإنكار يعني أفخصكم ربكم ~~على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون { واتخذ من ~~الملئكة إناثا } واتخذ أدونهم وهي البنات وهذا خلاف الحكمة وما ~~عليه معقولكم، فالعبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها ويكون أردؤها ~~وأدونها للسادات { إنكم لتقولون قولا عظيما } حيث أضفتم ~~إليه الأولاد وهي من خواص الأجسام، ثم فضلتم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ~~ما تكرهون { ولقد صرفنا فى هذا القرءان } أي التنزيل ~~والمراد ولقد صرفناه أي هذا المعنى في مواضع من التنزيل فترك الضمير لأنه ~~معلوم { ليذكروا } وبالتخفيف: حمزة وعلي، أي كررناه ليتعظوا { ~~وما يزيدهم إلا نفورا } عن الحق. وكان الثوري إذ قرأها ~~يقول: زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا { قل لو كان معه } ~~مع الله { أألهة كما يقولون } وبالياء مكي وحفص. { إذا ~~لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } يعني لطلبوا إلى من له ~~الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، أو ~~لتقربوا إليه كقوله: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة # { وإذا } دالة على أن ما بعدها ms0746 وهو { لابتغوا } جواب عن مقالة المشركين ~~وجزاء ل «لو» ### || [17.43-46] # { سبحانه وتعالى عما يقولون } وبالتاء: حمزة وعلي { ~~علوا } أي تعاليا والمراد البراءة من ذلك والنزاهة { كبيرا } وصف ~~العلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به. # { تسبح } وبالتاء: عراقي غير أبي بكر { له السموت ~~السبع والأرض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح ~~بحمده } أي يقول سبحان الله وبحمده. عن السدي قال عليه السلام: # " ما اصطيد حوت في البحر ولا طائر يطير لا بما يضيع من تسبيح الله تعالى ~~" # { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } لاختلاف اللغات أو لتعسر ~~الإدراك أو سبب لتسبيح الناظر إليه، والدال على الخير كفاعله. والوجه ~~الأول { إنه كان حليما } عن جهل العباد { غفورا } لذنوب ~~المؤمنين. # { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } ذا ستر أو حجابا لا ~~يرى فهو مستور { وجعلنا على قلوبهم أكنة } جمع كنان ~~وهو الذي يستر الشيء { أن يفقهوه } كراهة أن يفقهوه { وفي ءاذانهم ~~وقرا } ثقلا يمنع عن الاستماع { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } يقال: ~~وحد يحد وحدا وحدة نحو وعد يعد وعدا وعدة فهو مصدر سد مسد الحال أصله ~~يحد وحده بمعنى واحدا { ولوا على أدبرهم } رجعوا على ~~أعقابهم { نفورا } مصدر بمعنى التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود أي ~~يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا. ### || [17.47-51] # { نحن أعلم بما يستمعون به } أي نحن أعلم بالحال أو ~~الطريقة التي يستمعون القرآن بها، فالقرآن هو المستمع وهو محذوف و { به } ~~حال وبيان ل «ما» أي يستمعون القرآن هازئين لا جادين والواجب عليهم أن ~~يستمعوه جادين { إذ يستمعون إليك } نصب ب { أعلم } أي أعلم ~~وقت استماعهم بما به يستمعون { وإذ هم نجوى } وبما يتناجون به ~~إذ هم ذوو نجوى { إذ يقول الظلمون } بدل من { إذ هم } { إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا } سحر فجن { انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال } مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون، { ~~فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } أي فضلوا في جميع ذلك ضلال ~~من يطلب ms0747 في التيه طريقا يسلكه فلا يقدر عليه فهو متحير في أمره لا يدري ~~ما يصنع. # { وقالوا } أي منكرو البعث { أءذا كنا عظما ورفتا ~~أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي مجددا و { خلقا } حال أي ~~مخلوقين { قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما ~~يكبر فى صدوركم } أي السماوات والأرض فإنها تكبر عندكم عن قبول ~~الحياة { فسيقولون من يعيدنا قل } يعيدكم { الذى ~~فطركم أول مرة } والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم ~~ويرده إلى حال الحياة بعدما كنتم عظاما يابسة مع أن العظام بعض أجزاء ~~الحي بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره فليس ببدع أن يردها الله ~~بقدرته إلى الحالة الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة وهو أن ~~تكونوا حجارة أو حديدا لكان قادرا على أن يردكم إلى حال الحياة { ~~فسينغضون إليك رؤوسهم } فسيحركونها نحوك تعجبا ~~واستهزاء { ويقولون متى هو } أي البعث استبعادا له ونفيا { ~~قل عسى أن يكون قريبا } أي هو قريب و«عسى» للوجوب # . ### || [17.52-55] # { يوم يدعوكم } إلى المحاسبة وهو يوم القيامة { ~~فتستجيبون بحمده } أي تجيبون حامدين والباء للحال. عن سعيد ~~بن جبير: ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك { ~~وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } أي لبثا قليلا أو ~~زمانا قليلا في الدنيا أو في القبر. # { وقل لعبادى } وقل للمؤمنين { يقولوا } للمشركين الكلمة { ~~التى هى أحسن } وألين ولا يخاشنوهم وهي أن يقولوا يهديكم الله { ~~إن الشيطن ينزغ بينهم } يلقي بينهم الفساد ويغري بعضهم ~~على بعض ليوقع بينهم المشاقة. والنزغ: إيقاع الشر وإفساد ذات البين. وقرأ ~~طلحة: { ينزغ } بالكسر وهما لغتان { إن الشيطن كان ~~للإنسن عدوا مبينا } ظاهر العداوة أو فسر { التي هي أحسن } ~~بقوله: { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم } بالهداية ~~والتوفيق { أو إن يشأ يعذبكم } بالخذلان أي يقولوا لهم هذه ~~الكلمة ونحوها ولا يقولوا لهم إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ~~ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر. قوله: { إن الشيطان ينزع بينهم }. ~~اعتراض { وما أرسلنك عليهم وكيلا } حافظا لأعمالهم ~~وموكولا إليك أمرهم وإنما ms0748 أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك ~~بالمداراة { وربك أعلم بمن فى السموت والأرض } ~~وبأحوالهم وبكل ما يستأهل كل واحد منهم. # { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } فيه إشارة ~~إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: { وءاتينا داوود زبورا ~~} دلالة على وجه تفضيله وأنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم لأن ذلك ~~مكتوب في زبور داود قال الله تعالى: # ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادى الصلحون # [الأنبياء: 105] وهم محمد وأمته. ولم يعرف الزبور هنا وعرفه في قوله: { ~~ولقد كتبنا في الزبور } لأنه كالعباس وعباس والفضل وفضل ### || [17.56-58] # { قل ادعوا الذين زعمتم } إنها آلهتكم { من دونه } من ~~دون الله وهم الملائكة، أو عيسى وعزير، أو نفر من الجن عبدهم ناس من ~~العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا { فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا } أي ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم ~~الضر من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر { ~~أولئك } مبتدأ { الذين يدعون } صفة أي يدعونهم آلهة أو ~~يعبدونهم والخبر { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } يعني أن ~~آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله عز وجل { أيهم } ~~بدل من واو يبتغون و«أي» موصولة أي يبتغي من هو { أقرب } منهم ~~الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون ~~فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بالطاعة وازدياد الخير ~~{ ويرجون رحمته ويخفون عذابه } كغيرهم من عباد الله ~~فكيف يزعمون أنهم آلهة { إن عذاب ربك كان محذورا } حقيقا ~~بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلا عن غيرهم { وإن من ~~قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو ~~معذبوها عذابا شديدا } قبل الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة { ~~كان ذلك فى الكتب } في اللوح المحفوظ { مسطورا } مكتوبا. ~~وعن مقاتل: وجدت في كتب الضحاك في تفسيرها: أما مكة فيخربها الحبشة، ~~وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق ~~والرواجف. أما خراسان فعذابها ضروب، وأما بلخ ms0749 فتصيبهم هدة فيهلك أهلها، ~~وأما بدخشان فيخربها أقوام، وأما ترمذ فأهلها يموتون بالطاعون، وأما ~~صغانيان إلى ولشجرد فيقتلون بقتل ذريع، وأما سمرقند فيغلب عليها بنو ~~قنطوراء فيقتلون أهلها قتلا ذريعا، وكذا فرغانة والشاش واسبيجاب ~~وخوارزم، وأما بخارى فهي أرض الجبابرة فيموتون قحطا وجوعا، وأما مرو ~~فيغلب عليها الرمل ويهلك بها العلماء والعباد، وأما هراة فيمطرون بالحيات ~~فتأكلهم أكلا، وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلمة فيهلك أكثرهم، ~~وأما الري فيغلب عليها الطبرية والديلم فيقتلونهم، وأما أرمينية ~~وأذربيجان فيهلكها سنابك الخيول والجيوش والصواعق والرواجف، وأما همذان ~~فالديلم يدلخها ويخربها، وأما حلوان فتمر بها ريح ساكنة وهم نيام فيصبح ~~أهلها قردة وخنازير ثم يخرج رجل من جهينة فيدخل مصر، فويل لأهلها ولأهل ~~دمشق، وويل لأهل إفريقية وويل لأهل الرملة، ولا يدخل بيت المقدس، وأما ~~سجستان فيصيبهم ريح عاصف أياما ثم هدة تأتيهم ويموت فيها العلماء وأما ~~كرمان وأصبهان وفارس فيأتيهم عدو وصاحوا صيحة تنخلع القلوب وتموت ~~الأبدان. ### || [17.59] # { وما منعنا أن نرسل بالآيت إلا أن كذب بها ~~الأولون } استعير المنع لترك إرسال الآيات. و«أن» الأولى مع صلتها ~~في موضع النصب لأنها مفعول ثان ل { منعنا } و«أن» الثانية مع صلتها في ~~موضع الرفع لأنها فاعل { منعنا } والتقدير: وما منعنا إرسال الآيات إلا ~~تكذيب الأولين. والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ~~ومن إحياء الموتى وغير ذلك وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية ~~فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال. والمعنى: وما منعنا عن ~~إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع ~~على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وعذبوا ~~العذاب المستأصل، وقد حكمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة. ~~ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت ~~فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح عليه السلام، لأن آثار هلاكهم قريبة من ~~حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال: { وءاتينا ثمود الناقة } باقتراحهم ms0750 ~~{ مبصرة } آية بينة { فظلموا بها } فكفروا بها { وما ~~نرسل بالآيت } إن أراد بها الآيات فالمعنى لا نرسلها { إلا ~~تخويفا } من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له، فإن لم يخافوا ~~وقع عليهم، وإن أراد غيرها فالمعنى وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات ~~القرآن وغيرها إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الآخرة وهو مفعول له. ### || [17.60] # { وإذا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا ~~الرءيا التى أرينك إلا فتنة للناس } واذكر إذ ~~أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش علما وقدرة فكلهم في قبضته، فلا تبال بهم ~~وامض لأمرك وبلغ ما أرسلت به، أو بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك ~~قوله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 12] فجعله كأن قد كان ووجد فقال: أحاط بالناس على سنته في ~~إخباره، ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء ~~بدر: # " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم " # وهو يومىء إلى الأرض ويقول: # " هذا مصرع فلان " # فتسامعت قريشا بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر بدر ~~وما أري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون ويستعجلون به ~~استهزاء. { والشجرة الملعونة فى القرءان } أي وما جعلنا ~~الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فإنهم حين سمعوا بقوله: # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # [الدخان: 43] جعلوها سخرية وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق ~~الحجارة، ثم يقول: تنبت فيها الشجرة وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ~~ذلك فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار فوبر ~~السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في ~~النار، فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار وترى النعامة ~~تبتلع الجمر فلا يضرها، وخلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها، فجاز أن يخلق ~~في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى أن الآيات إنما ترسل تخويفا للعباد، ~~وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وخوفوا بعذاب ms0751 الآخرة ~~وبشجرة الزقوم فما أثر فيهم. ثم قال: { ونخوفهم } أي بمخاوف ~~الدنيا والآخرة { فما يزيدهم } التخويف { إلا طغيانا ~~كبيرا } فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات؟ وقيل: ~~الرؤيا هي الإسراء، والفتنة ارتداد من استعظم ذلك وبه تعلق من يقول: كان ~~الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية. وإنما ~~سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها استبعادا ~~منهم كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة كقوله # فراغ إلى ءالهتهم # [الصافات:91] # أين شركائى # [النحل: 27] أو هي رؤيا أنه سيدخل مكة، والفتنة الصد بالحديبية. فإن ~~قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم. قلت: معناه: والشجرة الملعون ~~آكلها وهم الكفرة لأنه قال # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون * لاكلون من ~~شجر من زقوم * فمالئون منها البطون # [الواقعة:53،52] فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول: لكل ~~طعام مكروه ضار ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل ~~الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. ### || [17.61-62] # { وإذا قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا } هو تمييز أو ~~حال من الموصول، والعامل فيه { أأسجد } على أأسجد له وهو طين أي أصله طين ~~{ قال أرءيتك هذا الذى } الكاف لا موضع لها لأنها ذكرت ~~للخطاب تأكيدا هذا مفعول به والمعنى أخبرني عن هذا الذي { كرمت ~~علي } أي فضلته، لم كرمته علي وأنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين، فحذف ذلك اختصارا لدلالة ما تقدم عليه. ثم ابتدأ فقال: { لئن ~~أخرتن } وبلا ياء: كوفي وشامي. واللام موطئة للقسم المحذوف { ~~إلى يوم القيمة لأحتنكن ذريته } لأستأصلنهم ~~بإغوائهم { إلا قليلا } وهم المخلصون. قيل: من كل ألف واحد. وإنما ~~علم الملعون ذلك بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني. ### || [17.63-66] # { قال اذهب } ليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء وإنما معناه امض ~~لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية. ثم عقبه بذكر ما جره سوء اختياره ~~فقال: { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } ~~والتقدير فإن جهنم ms0752 جزاؤهم وجزاؤك ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل { ~~جزاؤكم } وانتصب { جزاء موفورا } أي موفرا بإضمار تجازون { ~~واستفزز } استزل أو استخف استفزه أي استخفه والفز الخفيف. { من ~~استطعت منهم بصوتك } بالوسوسة أو بالغناء أو بالمزمار { ~~وأجلب عليهم } اجمع وصح بهم من الجلبة وهو الصياح { بخيلك ~~ورجلك } بكل راكب وماش من أهل العيث، فالخيل الخيالة، والرجل اسم ~~جمع للراجل ونظيره الركب والصحب { ورجلك } حفص على أن فعلا بمعنى فاعل ~~كتعب وتاعب، ومعناه وجمعك الرجل وهذا لأن أقصى ما يستطاع في طلب الأمور ~~الخيل والرجل. وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال { وشاركهم فى ~~الأمول والأولد } قال الزجاج: كل معصية في مال وولد فإبليس ~~شريكهم فيها كالربا والمكاسب المحرمة والبحيرة والسائبة والإنفاق في ~~الفسوق والإسراف ومنع الزكاة والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام والتسمية ~~بعبد العزى وعبد شمس { وعدهم } المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة ~~والكرامة على الله بالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك { ~~وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } هو تزيين الخطأ بما ~~يوهم أنه صواب { أن عبادى } الصالحين { ليس لك عليهم ~~سلطن } يد بتبديل الإيمان ولكن بتسويل العصيان { وكفى بربك ~~وكيلا } لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك أو حافظا لهم عنك، والكل ~~أمر تهديد فيعاقب به أو إهانة أي لا يخل ذلك بملكي. # { ربكم الذى يزجى } يجري ويسير { لكم الفلك فى ~~البحر لتبتغوا من فضله } يعني الربح في التجارة { إنه ~~كان بكم رحيما. } ### || [17.67-69] # { وإذا مسكم الضر فى البحر } أي خوف الغرق { ضل ~~من تدعون إلا إياه } ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم ~~إلا إياه وحده فإنكم لا تذكرون سواه، أو ضل من تدعون من الآلهة عن ~~إغاثتكم ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع { فلما ~~نجكم إلى البر أعرضتم } عن الإخلاص بعد الخلاص { ~~وكان الإنسن } أي الكافر { كفورا } للنعم { أفأمنتم } ~~الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تفديره: أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك ~~على الإعراض { أن يخسف بكم جانب البر } انتصب { جانب } ب ~~{ يخسف } مفعولا به كالأرض في قوله: # فخسفنا ms0753 به وبداره الأرض # [القصص: 81] و { بكم } حال، والمعنى أن يخسف جانب البر أي يقلبه وأنتم ~~عليه، والحاصل أن الجوابب كلها في قدرته سواء وله في كل جانب أو برا كان ~~أو بحرا، من أسباب الهلاك ليس جانب البحر وحده مختصا به، بل إن كان ~~الغرق في جانب البحر ففي جانب البر الخسف، وهو تغييب تحت التراب والغرق ~~تغييب تحت الماء، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب ~~وحيث كان { أو يرسل عليكم حاصبا } هي الريح التي تحصب أي ~~ترمي بالحصباء يعني أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من ~~فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء { ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا } يصرف ذلك عنكم { أم أمنتم أن يعيدكم فيه ~~تارة أخرى فيرسل عليكم } أي أم أمنتم أن يقوي دواعيكم ~~ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم ~~فينتقم منكم بأن يرسل عليكم { قاصفا من الريح } وهي الريح التي ~~لها قصيف وهو الصوت الشديد أو هو الكاسر للفلك { فيغرقكم بما ~~كفرتم } بكفرانكم النعمة هو إعراضكم حين نجاكم { ثم لا ~~تجدوا لكم علينا به تبيعا } مطالبا من قوله: # فاتباع بالمعروف # [البقرة: 178] أي مطالبة، والمعنى إنا نفعل ما نفعل بهم ثم لا تجدوا ~~أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للنار من جهتنا وهذا نحو ~~قوله: # ولا يخاف عقبها # [الشمس: 16] { أن نخسف } { أو نرسل } { أن نعيدكم } { فنرسل } { ~~فنغرقكم } بالنون: مكي وأبو عمرو. ### || [17.70-71] # { ولقد كرمنا بنى ءادم } بالعقل والنطق والخط والصورة ~~الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد والاستيلاء وتسخير ~~الأشياء وتناول الطعام بالأيدي. وعن الرشيد أنه أحضر طعاما فدعا ~~بالملاعق وعنده أبو يوسف رحمه الله تعالى فقال له: جاء في تفسير جدك ~~ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: { ولقد كرمنا بنى ءادم ~~} جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه { ~~وحملنهم فى البر } على الدواب { والبحر } على السفن { ~~ورزقناهم من الطيبات } باللذيذات أو بما كسبت أيديهم { ~~وفضلنهم على كثير ممن خلقنا ms0754 تفضيلا } أي على ~~الكل كقوله # وأكثرهم كذبون # [الشعراء: 223] قال الحسن: أي كلهم وقوله: # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا # [يونس: 36] ذكر في الكشاف أن المراد بالأكثر الجميع. وعنه عليه السلام: # " المؤمن أكرم على الله من الملائكة " # وهذا لأنهم مجبولون على الطاعة ففيهم عقل بلا شهوة. وفي البهائم شهوة ~~بلا عقل، وفي الآدمي كلاهما، فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة، ~~ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم، ولأنه خلق الكل لهم وخلقهم لنفسه ~~{ يوم ندعوا } منصوب ب «اذكر» { كل أناس بإممهم } ~~الباء للحال والتقدير مختلطين بإمامهم أي بمن ائتموا به من نبي، أو مقدم ~~في الدين أو كتاب أو دين فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا أو كتاب ~~كذا. وقيل: بكتاب أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب ~~الشر { فمن أوتى } من هؤلاء المدعوين { كتبه بيمينه ~~فأولئك يقرءون كتبهم } وإنما قيل أولئك لأن «من» في ~~معنى الجمع { ولا يظلمون فتيلا } ولا ينقصون من ثوابهم أدنى ~~شيء. ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله: ### || [17.72-74] # { ومن كان فى هذه } الدنيا { أعمى فهو فى الآخرة ~~أعمى } كذلك { وأضل سبيلا } من الأعمى أي أضل طريقا، ~~والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته لمن لا يهتدي إلى طريق ~~النجاة، أما في الدنيا فلفقد النظر وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه ~~الاهتداء إليه. وقد جوزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل بدليل عطف { ~~وأضل } ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالا والثاني مفخما، لأن أفعل ~~التفضيل تمامه ب «من» فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلمة فلا يقبل ~~الإمالة وأما الأول فلم يتعلق به شيء فكانت ألفه واقعة في الطرف فقبلت ~~الإمالة، وأمالهما حمزة وعلي وفخمهما الباقون. # ولما قالت قريش اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك ~~نزل { وإن كادوا ليفتنونك } «إن» مخففة من الثقيلة واللام ~~فارقة بينها وبين النافية، والمعنى إن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك ~~فاتنين { عن الذى أوحينا إليك ms0755 } من أوامرنا ونواهينا ~~ووعدنا ووعيدنا { لتفتري علينا غيره } لتتقول علينا ما لم ~~نقل يعني ما اقترحوه من تبديل الوعد وعيدا والوعيد وعدا { وإذا ~~لآتخذوك خليلا } أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلا ولكنت لهم ~~وليا وخرجت من ولايتي { ولولا أن ثبتنك } ولولا تثبيتنا ~~وعصمتنا { لقد كدت تركن إليهم } لقاربت أن تميل إلى مكرهم ~~{ شيئا قليلا } ركونا، قليلا وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت. ### || [17.75-81] # { إذا } لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة { إذا لأذقنك ضعف ~~الحيوة وضعف الممات } لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر ~~مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوتك كما قال: # ينساء النبى من يأت منكن بفحشة # [الأحزاب: 30] الآية. وأصل الكلام لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات لأن ~~العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو ~~عذاب النار. والعذاب يوصف بالضعف كقوله: # فآتهم عذابا ضعفا من النار # [الأعراف: 38] أي مضاعفا فكأن أصل الكلام لأذقناك عذابا ضعفا في ~~الحياة وعذابا ضعفا في الممات، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو ~~الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات. ويجوز ~~أن يراد بضعف الحياة عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات ما يعقب الموت من ~~عذاب القبر وعذاب النار. وفي ذكر الكيدودة وتقليلها مع إتباعها الوعيد ~~الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين دليل على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار ~~عظم شأن فاعله، ولما نزلت كان عليه السلام يقول: # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " # { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } معينا لك يمنع عذابنا ~~عنك. # { وإن كادوا } أي أهل مكة { ليستفزونك } ليزعجونك ~~بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } من أرض مكة { ليخرجوك منها ~~وإذا لا يلبثون } لا يبقون { خلفك } بعدك أي بعد إخراجك ~~{ خلافك } كوفي غير أبي بكر وشامي بمعناه { إلا قليلا } زمانا ~~قليلا فإن الله مهلكهم وكان كما قال: فقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل، ~~أو معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم ولم يخرجوه بل هاجر بأمر ~~ربه. وقيل: من أرض العرب أو من أرض المدينة { سنة من ms0756 قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا } يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من ~~بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم، ونصبت نصب المصدر المؤكد أي سن الله ~~ذلك سنة { ولا تجد لسنتنا تحويلا } تبديلا. # { أقم الصلوة لدلوك الشمس } لزوالها. على هذه الآية ~~جامعة للصلوات الخمس، أو لغروبها وعلى هذا يخرج الظهر والعصر { إلى غسق ~~الليل } هو الظلمة وهو وقت صلاة العشاء { وقرءان الفجر } صلاة الفجر سميت ~~قرآنا وهو القراءة لكونها ركنا كما سميت ركوعا وسجودا، وهو حجة على ~~الأصم حيث زعم أن القراءة ليست بركن، أو سميت قرآنا لطول قراءتها وهو ~~عطف على { الصلاة } { إن قرءان الفجر كان مشهودا } يشهده ملائكة الليل ~~والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان ~~النهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة { ومن اليل } وعليك ~~بعض الليل { فتهجد } والتهجد ترك الهجود للصلاة ويقال في النوم ~~أيضا تهجد { به } بالقرآن { نافلة لك } عبادة زائدة لك على ~~الصلوات الخمس، وضع { نافلة } موضع «تهجدا» لأن التهجد عبادة زائدة فكان ~~التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد، والمعنى أن التهجد زيد لك على ~~الصلوات المفروضة غنيمة لك أو فريضة عليك خاصة دون غيرك لأنه تطوع لهم { ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } نصب على الظرف أي ~~عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاما محمودا، أو ضمن يبعثك معنى ~~يقيمك وهو مقام الشفاعة عند الجمهور، ويدل عليه الأخبار أو هو مقام يعطى ~~فيه لواء الحمد. # { وقل رب أدخلنى مدخل صدق } هو مصدر أي أدخلني القبر ~~إدخالا مرضيا على طهارة من الزلات { وأخرجنى مخرج صدق } ~~أي أخرجني منه عند البعث إخراجا مرضيا ملقى بالكرامة آمنا من الملامة، ~~دليله ذكره على أثر ذكر البعث. وقيل: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال ~~المدينة والإخراج من مكة، أو هو عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه من أمر ~~ومكان { واجعل لي من لدنك سلطنا نصيرا } حجة تنصرني ~~على من خالفني أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر مظهرا له ~~عليه { وقل جاء ms0757 الحق } الإسلام { وزهق } وذهب وهلك { ~~البطل } الشرك أو جاء القرآن وهلك الشيطان { إن البطل ~~كان زهوقا } كان مضمحلا في كل أوان. ### || [17.82-85] # { وننزل } وبالتخفيف: أبو عمرو { من القرآن } «من» للتبيين { ما ~~هو شفاء } من أمراض القلوب { ورحمة } وتفريج للكروب وتطهير ~~للعيوب وتكفير للذنوب { للمؤمنين } وفي الحديث: # " من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله " # { ولا يزيد الظلمين } الكافرين { إلا خسارا } ضلالا ~~لتكذيبهم به وكفرهم { وإذا أنعمنا على الإنسن } بالصحة ~~والسعة { أعرض } عن ذكر الله أو أنعمنا بالقرآن أعرض { ونأى ~~بجانبه } تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه ~~والنأي بالجانب أي يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن ذلك ~~من عادة المستكبرين { نأى } بالأمالة: حمزة وبكسرها علي { وإذا ~~مسه الشر } الفقر والمرض أو نازلة من النوازل { كان يئوسا } ~~شديد اليأس من روح الله { قل كل } أي كل أحد { يعمل على ~~شاكلته } على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال { ~~فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أسد مذهبا ~~وطريقة. # { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } أي ~~من أمر يعلمه ربي، الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان، سألوه عن ~~حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر بعلمه. وعن أبي هريرة: لقد ~~مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، وقد عجزت الأوائل عن إدراك ~~ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه. والحكمة في ذلك تعجيز ~~العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز، ~~ولذا رد ما قيل في حده أنه جسم دقيق هوائي في كل جزء من الحيوان. وقيل: ~~هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو جبريل ~~عليه السلام: # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء: 193] وعن الحسن: القرآن دليله: # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # [الشورى:52] ولأن به حياة القلوب و { من أمر ربي } أي من وحيه وكلامه ~~ليس من كلام البشر. وروي أن اليهود بعثت إلى ms0758 قريش أن سلوه عن أصحاب ~~الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عن الكل أو سكت عن الكل فليس ~~بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم أمر ~~الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم. وقيل: كان السؤال عن خلق ~~الروح يعني أهو مخلوق أم لا. وقوله: { من أمر ربي } دليل خلق الروح فكان ~~هذا جوابا { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } الخطاب ~~عام # فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: نحن ~~مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال: # " بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا " # وقيل: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد ~~أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت # ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا # [البقرة: 269] فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. فالقلة ~~والكثرة من الأمور الإضافية، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في ~~نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة. ثم نبه على نعمة ~~الوحي وعزاه بالصبر على أذى الجدال في السؤال بقوله: ### || [17.86] # { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } { ~~لنذهبن } جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط، واللام الداخلة على ~~«إن» توطئة للقسم، والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور ~~والمصاحف فلم نترك له أثرا { ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا } أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده ~~وإعادته محفوظا مسطورا. ### || [17.87-91] # { إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا ~~} أي إلا إن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون ~~على الاستثناء المنقطع أي ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا ~~امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله ~~وتحفيظه ونزل جوابا لقول النضر: # لو نشاء لقلنا مثل هذا # [الأنفال:21] # { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ms0759 أن يأتوا ~~بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا } معينا و { لا يأتون } جواب قسم محذوف، ~~ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون جوابا للشرط كقوله: # يقول لا غائب مالي ولا حرم # لأن الشرط وقع ماضيا أي لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في ~~بلاغته وحسن نظمه وتأليفه لعجزوا عن الإتيان بمثله { ولقد صرفنا ~~} رددنا وكررنا { للناس في هذا القرآن من كل مثل } ~~من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه { فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا } جحودا. وإنما جاز { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ولم ~~يجز «ضربت إلا زيدا» لأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل: فلم يرضوا إلا ~~كفورا. ولما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر ولزمتهم ~~بالحجة وغلبوا اقترحوا الآيات فعل المبهوت المحجوج المتحير. # { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا } وبالتخفيف: كوفي ~~{ من الأرض } أي مكة { ينبوعا } عينا غزيرة من شأنها أن تنبع ~~بالماء لا تقطع، يفعول من نبع الماء { أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر } والتشديد هنا مجمع عليه { الأنهار ~~خلالها } وسطها { تفجيرا }. ### || [17.92-94] # { أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا } بفتح ~~السين: مدني وعاصم. أي قطعا يقال: أعطني كسفة من هذا الثوب. وبسكون ~~السين: غيرهما جمع كسفة كسدرة وسدر يعنون قوله # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء # { [سبأ: 9] } أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } ~~كفيلا بما تقول شاهدا بصحته، والمعنى أو تأتي بالله قبيلا وبالملائكة ~~قبلا كقوله: «كنت منه ووالدي بريا» أو مقابلا كالعشير بمعنى المعاشر ~~ونحوه: # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان: 21] أو جماعة حالا من الملائكة { أو يكون لك بيت ~~من زخرف } ذهب { أو ترقى في السمآء } تصعد إليها { ~~ولن نؤمن لرقيك } لأجل رقيك { حتى تنزل علينا ~~} وبالتخفيف: أبو عمرو { كتابا } أي من السماء فيه تصديقك { تقرؤه } ~~صفة كتاب { قل } { قال } مكي وشامي أي قال الرسول { سبحان ربي ~~} تعجب من اقتراحاتهم عليه { هل كنت إلا بشرا رسولا } أي ~~أنا رسول ms0760 كسائر الرسل بشر مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما ~~يظهره الله عليهم من الآيات فليس أمر الآيات إلى إنما هو إلى الله، فما ~~بالكم تتخيرونها علي { وما منع الناس } يعني أهل مكة، ومحل { أن ~~يؤمنوا } نصب بأنه مفعول ثان ل { منع } { إذ جآءهم الهدى ~~} النبي والقرآن { إلا أن قالوا } فاعل { منع } والتقدير: وما ~~منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا قولهم { ~~أبعث الله بشرا رسولا } أي إلا شبهة تمكنت في صدورهم وهي ~~إنكارهم أن يرسل الله البشر، والهمزة في { أبعث الله } للإنكار وما ~~أنكروه ففي قضية حكمته منكر. # ثم رد الله عليهم بقوله: ### || [17.95-97] # { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون } على أقدامهم كما ~~يمشي الإنس، ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما ~~يجب علمه { مطمئنين } حال أي ساكنين في الأرض قارين { ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا } يعلمهم ~~الخير ويهديهم المراشد، فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى مختار منهم ~~للنبوة فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم و { بشرا } و { ملكا } ~~حالان من { رسولا } { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم } على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم كذبتك وعاندتم. { ~~شهيدا } تمييز أو حال { إنه كان بعباده } المنذرين والمنذرين ~~{ خبيرا } عالما بأحوالهم { بصيرا } بأفعالهم فهو مجازيهم وهذه ~~تسلية لرسول الله عليه السلام ووعيد للكفرة { ومن يهد الله ~~فهو المهتد } وبالياء: يعقوب وسهل، وافقهما أبو عمرو، ومدني في ~~الوصل أي من وفقه الله لقبول ما كان من الهدى فهو المهتدي عند الله { ~~ومن يضلل } أي ومن يخذله ولم يعصمه حتى قبل وساوس الشيطان { ~~فلن تجد لهم أوليآء من دونه } أي أنصارا { ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم } أي يسحبون ~~عليها كقوله # يوم يسحبون في النار على وجوههم # [القمر: 48] وقيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام كيف يمشون على وجوههم؟ ~~قال: # " إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " # { عميا وبكما وصما } كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ~~ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، ms0761 فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر ~~أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم { ~~مأواهم جهنم كلما خبت } طفئ لهبها { زدناهم ~~سعيرا } توقدا. ### || [17.98-101] # { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوآ ~~أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا } أي ذلك العذاب بسبب أنهم كذبوا بالإعادة بعد الإفناء فجعل ~~الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها ثم يعيدها، لا يزالون على ~~ذلك ليزيد في تحسرهم على تكذيبهم البعث. # { أو لم يروا } أو لم يعلموا { أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم } من ~~الإنس { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } وهو الموت أو القيامة ~~{ فأبى الظالمون إلا كفورا } جحودا مع وضوح الدليل { قل ~~لو أنتم تملكون } تقديره: لو تملكون أنتم لأن «لو» تدخل على ~~الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها فأضمر تملك على شريطة التفسير ~~وأبدل من الضمير المتصل وهو الواو ضمير منفصل وهو أنتم لسقوط ما ~~يتصل به من اللفظ ف { أنتم } فاعل الفعل المضمر و { تملكون } تفسيره، ~~وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. وأما ما يقتضيه علم البيان فهو ~~أن { أنتم تملكون } فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح ~~المتبالغ { خزآئن رحمة ربي } رزقه وسائر نعمه على خلقه { ~~إذا لأمسكتم خشية الإنفاق } أي لبخلتم خشية أن يفنيه ~~الإنفاق { وكان الإنسان قتورا } بخيلا. # { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر ~~والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان والسنون ~~ونقص الثمرات مكان الحجر والبحر والطور { فاسأل بني إسراءيل } ~~فقلنا له اسأل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني ~~إسرائيل. وقوله { إذ جاءهم } متعلق بقوله المحذوف أي فقلنا له سلهم حين ~~جاءهم { فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا ~~} سحرت فخولط عقلك # . ### || [17.102-105] # { قال } أي موسى { لقد علمت } يا فرعون { مآ أنزل ~~هؤلاء } الآيات { إلا رب السماوات والأرض ms0762 } خالقهما { ~~بصآئر } حال أي بينات مكشوفات إلا أنك معاند ونحوه # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14] { علمت } بالضم: علي أي إني لست بمسحور كما وصفتني بل أنا ~~عالم بصحة الأمر، وأن هذه الآيات منزلها رب السماوات والأرض. ثم قارع ظنه ~~بظنه بقوله: { وإني لأظنك يافرعون مثبورا } كأنه قال: ~~إن ظننتني مسحورا فأنا أظنك مثبورا هالكا وظني أصح من ظنك لأن له ~~أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، ~~وأما ظنك فكذب بحت، لأن قولك مع علمك بصحة أمري { إني لأظنك مسحورا } ~~قول كذب. وقال الفراء: مثبورا مصروفا عن الخير من قولهم «ما ثبرك عن ~~هذا» أي ما منعك وصرفك؟ { فأراد أن يستفزهم } يخرجهم أي موسى ~~وقومه { من الأرض } أي أرض مصر أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل ~~والاستئصال { فأغرقناه ومن معه جميعا } فحاق به مكره بأن ~~استفزه الله بإغراقه مع قبطه { وقلنا من بعده } من بعد فرعون { ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } التي أراد فرعون أن يستفزكم ~~منها. { فإذا جآء وعد الآخرة } أي القيامة { جئنا بكم ~~لفيفا } جمعا مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينكم ونميز بين سعدائكم ~~وأشقيائكم، واللفيف الجماعات من قبائل شتى. # { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } وما أنزلنا القرآن ~~إلا بالحكمة وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة لاشتماله على الهداية إلى ~~كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظا بالرصد من الملائكة، ~~وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين. قال الراوي: ~~اشتكى محمد بن السماك فأخذنا ماءه وذهبنا به إلى طبيب نصراني، فاستقبلنا ~~رجل حسن الوجه طيب الرائحة نقي الثوب فقال لنا: إلى أين؟ فقلنا له: إلى ~~فلان الطبيب نريه ماء ابن السماك. فقال: سبحان الله تستعينون على ولي ~~الله بعدو الله! اضربوه على الأرض وارجعوا إلى ابن السماك وقولوا له: ضع ~~يدك على موضع الوجع وقل: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } ثم غاب عنا فلم ~~نره فرجعنا إلى ابن السماك فأخبرناه بذلك فوضع يده على موضع الوجع وقال ~~ما ms0763 قال الرجل وعوفي في الوقت وقال: كان ذلك الخضر عليه السلام { ومآ ~~أرسلناك إلا مبشرا } بالجنة { ونذيرا } من النار. ### || [17.106-108] # { وقرآنا } منصوب بفعل يفسره { فرقناه } أي فصلناه أو فرقنا ~~فيه الحق من الباطل { لتقرأه على الناس على مكث } على ~~تؤدة وتثبت { ونزلناه تنزيلا } على حسب الحوادث { قل ~~آمنوا به أو لا تؤمنوا } أي اختاروا لأنفسكم النعيم المقيم أو ~~العذاب الأليم. ثم علل بقوله: { إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله } أي التوراة من قبل القرآن { إذا يتلى عليهم } ~~القرآن { يخرون للأذقان سجدا } حال { ويقولون سبحان ~~ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا } لقوله { آمنوا به أو ~~لا تؤمنوا } أي أعرض عنهم فإنهم إن لم يؤمنوا به ولم يصدقوا بالقرآن فإن ~~خيرا منهم وهم العلماء الذين قرءوا الكتب قد آمنوا به وصدقوه، فإذا تلي ~~عليهم خروا سجدا وسبحوا الله تعظيما لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب ~~المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه وهو ~~المراد بالوعد المذكور. «إن» بمعنى «إنه» وهي تؤكد الفعل كما أن «إن» ~~تؤكد الاسم، وكما أكدت «إن» باللام في # إنهم لمحضرون # [الصافات: 158] أكدت «إن» باللام في { لمفعولا } ### || [17.109-111] # { ويخرون للأذقان يبكون } ومعنى الخرور للذقن السقوط على ~~الوجه، وإنما خص الذقن لأن أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض عند السجود ~~الذقن. يقال: خر على وجهه وعلى ذقنه، وخر لوجهه ولذقنه. أما معنى «على» ~~فظاهر، وأما معنى اللام فكأنه جعل ذقنه ووجهه للخرور، واختصه به إذ اللام ~~للاختصاص. وكرر { يخرون للأذقان } لاختلاف الحالين وهما خرورهم في حال ~~كونهم ساجدين وخرورهم في حال كونهم باكين { ويزيدهم } القرآن { ~~خشوعا } لين قلب ورطوبة عين. # { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } لما سمعه أبو جهل ~~يقول يا الله يا رحمن قال: إنه نهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر ~~فنزلت. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في ~~التوراة هذا الاسم فنزلت. والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء، وأو ~~للتخيير أي سموا بهذا ms0764 الاسم، أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا، ~~والتنوين في { أيا ما تدعوا } عوض من المضاف إليه و«ما» زيدت ~~للتوكيد و«أيا» نصب ب { تدعوا } وهو مجزوم بأي أي أي هذين الاسمين ~~ذكرتم وسميتم { فله الأسمآء الحسنى } والضمير في { فله } يرجع ~~إلى ذات الله تعالى، والفاء لأنه جواب الشرط أي أياما تدعوا فهو حسن ~~فوضع موضعه قوله: { فله الأسماء الحسنى } لأنه إذا حسنت أسماؤه حسن هذان ~~الاسمان لأنهما منها، ومعنى كونها أحسن الأسماء إنها مستقلة بمعاني ~~التمجيد والتقديس والتعظيم { ولا تجهر بصلاتك } بقراءة صلاتك ~~على حذف المضاف لأنه لا يلبس، إذ الجهر والمخافتة تعتقبان على الصوت لا ~~غير، والصلاة أفعال وأذكار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته ~~بقراءته فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى ~~ولا تجهر حتى تسمع المشركين { ولا تخافت بها } حتى لا تسمع من ~~خلفك { وابتغ بين ذلك } بين الجهر والمخافتة { سبيلا } ~~وسطا، أو معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار أو بصلاتك بدعائك { ~~وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } كما زعمت ~~اليهود والنصارى وبنو مليح { ولم يكن له شريك في الملك ~~} كما زعم المشركون { ولم يكن له ولي من الذل } أي لم ~~يذل فيحتاج إلى ناصر أو لم يوال أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته { ~~وكبره تكبيرا } وعظمه وصفه بأنه أكبر من أن يكون له ولد أو ~~شريك وسمى النبي عليه السلام الآية آية العز وكان إذا أفصح الغلام من بني ~~عبد المطلب علمه هذه الآية. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-2] # { الحمد لله الذى أنزل على عبده } محمد صلى الله ~~عليه وسلم { الكتب } القرآن، لقن الله عباده ووفقهم كيف يثنون عليه ~~ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم { ولم يجعل له ~~عوجا } أي شيئا من العرج والعوج في المعاني كالعوج ms0765 في الأعيان، يقال ~~في رأيه عوج وفي عصاه عوج، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه ~~وخروج شيء منه من الحكمة { قيما } مستقيما وانتصابه بمضمر وتقديره، ~~جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة، وفائدة الجمع ~~بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر التأكيد، ~~فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند التصفح، أو ~~قيما على سائر الكتب مصدقا لها شاهدا بصحتها { لينذر } «أنذر» ~~متعد إلى مفعولين كقوله: # إنا أنذرنكم عذابا قريبا # [النبأ: 40] فاقتصر على أحدهما، وأصله لينذر الذين كفروا { بأسا } ~~عذابا { شديدا } وإنما اقتصر على أحد مفعولي «أنذر» لأن المنذر به هو ~~المسوق إليه فاقتصر عليه { من لدنه } صادرا من عنده { ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصلحات أن لهم } أي ~~بأن لهم { أجرا حسنا } أي الجنة، { ويبشر } حمزة وعلي. ### || [18.3-7] # { ماكثين } حال من «هم» في { لهم } { فيه } في الأجر وهو الجنة ~~{ أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } ذكر ~~المنذرين دون المنذر به بعكس الأول استغناء بتقديم ذكره. # { ما لهم به من علم } أي بالولد أو باتخاذه يعني أن قولهم ~~هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط فإن قلت: إتخاذ الله ولدا في نفسه ~~محال فكيف قيل { ما لهم به من علم } قلت: معناه ما لهم به من علم لأنه ~~ليس مما يعلم لاستحالته وانتفاء العلم بالشيء إما للجهل بالطريق الموصل ~~إليه، أو لأنه في نفسه محال. { ولا لائبائهم } المقلدين { ~~كبرت كلمة } نصب على التمييز وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما ~~أكبرها كلمة! والضمير في { كبرت } يرجع إلى قولهم { اتخذ الله ولدا } ~~وسميت كلمة كما يسمعون القصيدة بها { تخرج من أفواههم } صفة ~~ل { كلمة } تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من ~~أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس من المنكرات لا ~~يتمالكون أن يتفوهوا به بل يكظمون عليه فكيف بمثل هذا المنكر { إن ~~يقولون إلا كذبا } ما يقولون ذلك إلا كذبا هو صفة لمصدر ~~محذوف أي قولا ms0766 كذبا { فلعلك بخع نفسك } قاتل نفسك { ~~على ءاثرهم } أي آثار الكفار، شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم ~~يؤمنوا به وما تداخله من الأسف على توليهم برجل فارقه أحبته فهو يتساقط ~~حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم { إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث } بالقرآن { أسفا } مفعول له أي ~~لفرط الحزن، والأسف المبالغة في الحزن والغضب { إنا جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها } أي ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من ~~زخارف الدنيا وما يستحسن منها { لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا } وحسن العمل الزهد فيها وترك الاغترار بها. ثم زهد في الميل ~~إليها بقوله: ### || [18.8-12] # { وإنا لجاعلون ما عليها } من هذه الزينة { صعيدا } ~~أرضا ملساء { جرزا } يابسا لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة، ~~والمعنى نعيدها بعد عمارتها خرابا بإماتة الحيوان وتجفيف النبات ~~والأشجار وغير ذلك. # ولما ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي ~~لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن قال: { أم حسبت أن ~~أصحب الكهف والرقيم } يعني أن ذلك أعظم من قصة أصحاب ~~الكهف وإبقاء حياتهم مدة طويلة، والكهف: الغار الواسع في الجبل والرقيم ~~اسم كلبهم أو قريتهم أو اسم كتاب كتب في شأنهم أو اسم الجبل الذي فيه ~~الكهف { كانوا من ءايتنا عجبا } أي كانوا آية عجبا من ~~آياتنا وصفا بالمصدر أو على ذات عجب { إذ } أي اذكر إذ { أوى ~~الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك ~~رحمة } أي رحمة من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء { ~~وهيىء لنا من أمرنا } أي الذي نحن عليه من مفارقة الكفار { ~~رشدا } حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله كقولك ~~«رأيت منك أسدا»أو يسر لنا طريق رضاك { فضربنا على ءاذانهم ~~فى الكهف } أي ضربنا عليها حجابا من النوم يعني أنمناهم إنامة ~~ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات فحذف المفعول الذي هو الحجاب { سنين ~~عددا } ذوات عدد فهو صفة لسنين. قال الزجاج: أي تعد عددا لكثرتها لأن ms0767 ~~القليل يعلم مقداره من غير عدد فإذا كثر عد فأما # دراهم معدودة # [يوسف: 20] فهي على القلة لأنهم كانوا يعدون القليل ويزنون الكثير { ~~ثم بعثنهم } أيقظناهم من النوم { لنعلم أي ~~الحزبين } المختلفين منهم في مدة لبثهم لأنهم لما انتبهوا اختلفوا ~~في ذلك وذلك قوله { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما ~~لبثتم } وكان الذين قالوا { ربكم أعلم بما لبثتم } هم الذين علموا ~~أن لبثهم قد تطاول، أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم { أحصى لما ~~لبثوا أمدا } غاية. و { أحصى } فعل ماض و { أمدا } ظرف ل { أحصى ~~} أو مفعول له، والفعل الماضي خبر المبتدأ وهو أي والمتبدأ مع خبره ~~سد مسد مفعولي «نعلم». والمعنى أيهم ضبط أمدا لأوقات لبثهم وأحاط علما ~~بأمد لبثهم؟ ومن قال: «أحصى» أفعل من الإحصاء وهو العد فقد زل لأن بناءه ~~من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس. وإنما قال: { لنعلم } مع أنه تعالى لم ~~يزل عالما بذلك، لأن المراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم ~~ليزدادوا إيمانا واعتبارا، وليكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بينة ~~لكفاره. أو المراد لنعلم اختلافهما موجودا كما علمناه قبل وجوده. ### || [18.13-14] # { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } بالصدق { إنهم ~~فتية } جمع فتى والفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى واجتناب ~~المحارم واستعمال المكارم. وقيل: الفتى من لا يدعي قبل الفعل ولا يزكي ~~نفسه بعد الفعل { ءامنوا بربهم وزدنهم هدى } يقينا، ~~وكانوا من خواص دقيانوس قد قذف الله في قلوبهم الإيمان وخاف بعضهم بعضا ~~وقالوا: ليخل اثنان اثنان منا فيظهر كلاهما ما يضمر لصاحبه ففعلوا فحصل ~~اتفاقهم على الإيمان { وربطنا على قلوبهم } وقويناها بالصبر ~~على هجران الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام ~~بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام { إذ قاموا } بين يدي الجبار وهو ~~دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام { ~~فقالوا ربنا رب السموت والأرض } مفتخرين { لن ~~ندعوا من دونه إلها } ولئن سميناهم آلهة { لقد قلنا ~~إذا شططا } قولا ذا ms0768 شطط وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط ~~يشط ويشط إذا بعد. ### || [18.15-17] # { هؤلاء } مبتدأ { قومنا } عطف بيان { اتخذوا من دونه ~~ءالهة } خبر وهو إخبار في معنى الإنكار { لولا يأتون ~~عليهم } هلا يأتون على عبادتهم فحذف المضاف { بسلطن بين } ~~بحجة ظاهرة وهو تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال { ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك ~~إليه. # { وإذ اعتزلتموهم } خطاب من بعضهم لبعض حين صممت عزيمتهم على ~~الفرار بدينهم { وما يعبدون } نصب عطف على الضمير أي وإذ ~~اعتزلتموهم وإذ اعتزلتم معبوديهم { إلا الله } استثناء متصل لأنهم ~~كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه غيره كأهل مكة، أو منقطع أي وإذ اعتزلتم ~~الكفار والأصنام التي يعبدونها من دون الله، أو هو كلام معترض إخبار من ~~الله تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله { فأووا إلى ~~الكهف } صيروا إليه أو اجعلوا الكهف مأواكم { ينشر لكم ~~ربكم من رحمته } من رزقه { ويهيىء لكم من أمركم ~~مرفقا } { مرفقا } مدني وشامي وهو ما يرتفق به أي ينتفع. وإنما ~~قالوا ذلك ثقة بفضل الله وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم، أو ~~أخبرهم به نبي في عصرهم { وترى الشمس إذا طلعت تزاور } ~~بتخفيت الزاي: كوفي، { تزور } شامي، { تزاور } غيرهم وأصله تتزاور ~~فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها والكل من الزور وهو الميل، ومنه ~~زاره إذا مال إليه، والزور الميل عن الصدق { عن كهفهم } أي تميل ~~عنه ولا يقع شعاعها عليهم { ذات اليمين } جهة اليمين وحقيقتها ~~الجهة المسماة باليمين { وإذا غربت تقرضهم } تقطعهم أي ~~تتركهم وتعدل عنهم { ذات الشمال وهم فى فجوة منه } في ~~متسع من الكهف. والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ~~ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض لإصابة الشمس لولا أن الله ~~يحجبها عنهم. وقيل: منفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ~~ولا يحسون كرب الغار { ذلك من آيت الله } أي ما صنعه الله ~~بهم من إزورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة ms0769 آية من آيات الله يعني أن ما ~~كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم اختصاصا لهم بالكرامة. وقيل: ~~باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش فهم في مقنأة أبدا، ومعنى ذلك من آيات ~~الله أن شأنهم وحديثهم من آيات الله { من يهد الله فهو ~~المهتد } مثل ما مر في «سبحان» وهو ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله ~~وأسلموا له وجوههم فأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية { ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا } أي من أضله فلا هادي له. ### || [18.18] # { وتحسبهم } بفتح السين: شامي وحمزة وعاصم غير الأعشى، وهو خطاب ~~لكل أحد { أيقاظا } جمع يقظ { وهم رقود } نيام. قيل: عيونهم ~~مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا { ونقلبهم ذات ~~اليمين وذات الشمال } قيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة ~~واحدة في يوم عاشوراء { وكلبهم بسط ذراعيه } حكاية حال ~~ماضية لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي { بالوصيد } ~~بالفناء أو بالعتبة { لو اطلعت عليهم } لو أشرفت عليهم فنظرت ~~إليهم { لوليت منهم } لأعرضت عنهم وهربت منهم { فرارا } ~~منصوب على المصدر لأن معنى { وليت منهم } فررت منهم { ولملئت ~~منهم } ويتشديد اللام: حجازي للمبالغة { رعبا } تمييز. وبضم ~~العين: شامي وعلي، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه وذلك لما ألبسهم ~~الله من الهيبة أو لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم. وعن معاوية أنه ~~غزا الروم فمر بالكهف فقال: أريد أن أدخل فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~لقد قيل لمن هو خير منك { لوليت منهم فرارا } فدخلت جماعة بأمره ~~فأحرقتهم ريح. ### || [18.19] # { وكذلك بعثنهم } وكان أنمناهم تلك النومة كذلك أيقظناهم ~~إظهارا للقدرة على الإنامة والبعث جميعا { ليتساءلوا بينهم } ~~ليسأل بعضهم بعضا ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيعتبروا ويستدلوا ~~على عظم قدرة الله ويزدادوا يقينا ويشكروا ما أنعم الله به عليهم { ~~قال قائل منهم } رئيسهم { كم لبثتم } كم مدة لبثكم؟ { ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } جواب مبني على غالب ~~الظن، وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب { قالوا ~~ربكم أعلم ms0770 بما لبثتم } بمدة لبثكم إنكار عليهم من بعضهم ~~كأنهم قد علموا بالأدلة أو بإلهام أن المدة متطاولة وأن مقدارها لا يعلمه ~~إلا الله. وروي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال فظنوا ~~أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك: وقد ~~استدل ابن عباس رضي الله عنهما على أن الصحيح عددهم سبعة لأنه قد قال في ~~الآية: { قال قائل منهم كم لبثتم } وهذا واحد، وقالوا في جوابه { لبثنا ~~يوما أو بعض يوم } وهو جمع وأقله ثلاثة، ثم قال { ربكم أعلم بما لبثتم } ~~وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة { فابعثوا أحدكم } كأنهم قالوا ~~ربكم أعلم بذلك لا طريق لكم إلى علمه فخذوا في شيء آخر مما يهمكم فابعثوا ~~أحدكم أي يمليخا { بورقكم } هي الفضة مضروبة كانت أو غير ~~مضروبة، وبسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وأبو بكر { هذه إلى ~~المدينة } هي طرسوس وحملهم الورق عند فرارهم دليل على أن حمل النفقة ~~وما يصلح للمسافر هو رأي المتوكلين على الله دون المتكلين على الاتفاقات ~~وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. وعن بعض العلماء أنه كان شديد الحنين ~~إلى بيت الله ويقول: ما لهذا السفر إلا شيئان شد الهميان والتوكل على ~~الرحمن { فلينظر أيها } أي أهلها فخذف كما في # واسئل القرية # [يوسف: 82] و«أي» مبتدأ وخبره { أزكى } أحل وأطيب أو أكثر وأرخص { ~~طعاما } تمييز { فليأتكم برزق منه وليتلطف } ~~وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن أو في أمر التخفي ~~حتى لا يعرف { ولا يشعرن بكم أحدا } ولا يفعلن ما يؤدي إلى ~~الشعور بنا من غير قصد منه فسمى ذلك إشعارا منه بهم لأنه سبب فيه. ### || [18.20-21] # والضمير في { أنهم } راجع إلى الأهل المقدر في { أيها } { إن ~~يظهروا عليكم } يطلعوا عليكم { يرجموكم } يقتلوكم أخبث ~~القتلة { أو يعيدوكم فى ملتهم } بالإكراه، والعود بمعنى ~~الصيرورة كثير في كلامهم { ولن تفلحوا إذا أبدا } { إذا } ~~يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن دخلتم في دينهم أبدا. # { وكذلك أعثرنا عليهم } وكما أنمناهم وبعثناهم ms0771 لما في ~~ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم { ليعلموا } أي الذين أطلعناهم على ~~حالهم { أن وعد الله } وهو البعث { حق } كائن لأن حالهم في ~~نومهم وانتباههم بعدها كحال من يموت ثم يبعث { وأن الساعة لا ~~ريب فيها } فإنهم يستدلون بأمرهم على صحة البعث { إذ ~~يتنزعون } متعلق ب { أعثرنا } أي أعثرناهم عليهم حين يتنازع أهل ~~ذلك الزمان { بينهم أمرهم } أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث ~~فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد، وبعضهم يقول: تبعث الأجساد ~~مع الأرواح ليرتفع الخلاف وليتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة فيها ~~أرواحها كما كانت قبل الموت { فقالوا } حين توفى الله أصحاب الكهف { ~~ابنوا عليهم بنينا } أي على باب كهفهم لئلا يتطرق إليهم ~~الناس ضنا بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالحظيرة { ربهم أعلم بهم } من كلام المتنازعين كأنهم ~~تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم ~~يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا { ربهم أعلم بهم } أو من كلام الله عز وجل ~~ردا لقول الخائضين في حديثهم { قال الذين غلبوا على ~~أمرهم } من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم { ~~لنتخذن عليهم } على باب الكهف { مسجدا } يصلي فيه ~~المسلمون ويتبركون بمكانهم. # روي أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام ~~وأكرهوا على عبادتها وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه ~~على الشرك وتوعدهم بالقتل فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم ~~هربوا إلى الكهف ومروا بكلب فتبعهم فطردوه. فأنطقه الله تعالى فقال: ما ~~تريدون مني إني أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم. وقيل: مروا براع ~~معه كلب فتبعهم على دينهم ودخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم، وقبل أن ~~يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن، وقد اختلف أهل مملكته في ~~البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على ~~رماد وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ~~ما سد به فم الكهف ms0772 ليتخذه حظيرة لغنمه. ولما دخل المدينة من بعثوه ~~لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس اتهموه بأنه وجد ~~كنزا فذهبوا به إلى الملك فقص عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة ~~معه وأبصروهم وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث. ثم قالت الفتية ~~للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم ~~وتوفى الله أنفسهم فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ~~ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف ~~مسجدا. ### || [18.22] # { سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون ~~خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون ~~سبعة وثامنهم كلبهم } الضمير في { سيقولون } لمن خاض في ~~قصتهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنين، وأهل الكتاب ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه ~~فيهم فنزلت إخبارا بما سيجري بينهم من اختلافهم في عددهم، وأن المصيب ~~منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. ويروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من ~~أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال ~~السيد: وكان يعقوبيا كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب: وكان ~~نسطوريا كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم ~~كلبهم. فحقق الله قول المسلمين. وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبما ذكرنا من قبل. وعن علي رضي الله عنه: هم سبعة نفر ~~أسماؤهم: يمليخا ومكشلينا ومشليينار هؤلاء أصحاب يمين الملك وكان عن ~~يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره ~~والسابع الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس، واسم مدينتهم ~~أفسوس واسم كلبهم قطمير. وسين الاستقبال وإن دخل في الأول دون الآخرين ~~فهما داخلان في حكم السين كقولك «قد أكرم وأنعم» تريد معنى التوقع في ~~الفعلين جميعا، أو أريد ب { يفعل } معنى الاستقبال الذي هو صالح له { ~~ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف أي هم ثلاثة، وكذلك { خمسة } و { سبعة } و { ~~رابعهم كلبهم } جملة من ms0773 مبتدأ وخبر واقعة صفة ل { ثلاثة } وكذلك { ~~سادسهم كلبهم } و { ثامنهم كلبهم رجما بالغيب } رميا بالخبر الخفي ~~وإتيانا به كقوله # ويقذفون بالغيب # [سبأ: 53] أي يأتون به، أو وضع الرجم موضع الظن فكأنه قيل: «ظنا» بالغيب ~~لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظن مكان قولهم ظن حتى لم يبق عندهم فرق ~~بين العبارتين. والواو الداخلة على الجملة الثالثة هي الواو التي تدخل ~~على الجملة الواقعة صفة النكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في ~~قولك «جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف» وفائدتها توكيد لصوق ~~الصفة بالموصوف. والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو ~~هي التي آذنت بأن الذين قالوا { سبعة وثامنهم كلبهم } قالوه عن ثبات علم ~~ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم دليله أن الله تعالى أتبع القولين ~~الأولين قوله { رجما بالغيب } وأتبع القول الثالث قوله { قل ربى ~~أعلم بعدتهم } أي قل ربي أعلم بعدتهم وقد أخبركم بها بقوله { ~~سبعة وثامنهم كلبهم } { ما يعلمهم إلا قليل } قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: أنا من ذلك القليل. # وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب، والضمير في { سيقولون } على هذا لأهل ~~الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل ~~منهم وأكثرهم على ظن وتخمين { فلا تمار فيهم } فلا تجادل أهل ~~الكتاب في شأن أصحاب الكهف { إلا مرآء ظهرا } إلا جدالا ~~ظاهرا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد ~~من غير تجهيل لهم أو بمشهد من الناس ليظهر صدقك { ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا } ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له ~~حتى يقول شيئا فترده عليه وتزيف ما عنده ولا سؤال مسترشد لأن الله تعالى ~~قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم. ### || [18.23-24] # { ولا تقولن لشىء } لأجل شيء تعزم عليه { إنى فاعل ~~ذلك } الشيء { غدا } أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة { ~~إلا أن يشاء الله } أن تقوله بأن يأذن ذلك لك ms0774 فيه، أو ولا ~~تقولنه إلا بأن يشاء الله أي إلا بمشيئته، وهو في موضع الحال أي إلا ~~ملتبسا بمشيئة الله قائلا إن شاء الله. وقال الزجاج: معناه: ولا تقولن ~~إني أفعل ذلك إلا بمشيئة الله تعالى، لأن قول القائل «أنا أفعل ذلك إن ~~شاء الله» معناه: لا أفعله إلا بمشيئة الله، وهذا نهي تأديب من الله ~~لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين ~~فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه ~~{ واذكر ربك } أي مشيئة ربك وقل إن شاء الله { إذا نسيت } ~~إذا فرط منك نسيان لذلك، والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها ~~فتداركها بالذكر، عن الحسن: مادام في مجلس الذكر. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ولو بعد سنة. وهذا محمول على تدارك التبرك بالاستثناء، فأما ~~الاستثناء المغير حكما فلا يصح إلا متصلا، وحكي أنه بلغ المنصور أن ~~أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس رضي الله عنهما في الاستثناء المنفصل ~~فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك إنك تأخذ البيعة ~~بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ~~وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده. أو معناه واذكر ربك بالتسبيح ~~والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء تشديدا في البعث على الاهتمام بها، ~~أو صل صلاة نسيتها إذا ذكرتها، أو إذا نسيت شيئا فاذكره ليذكرك المنسي { ~~وقل عسى أن يهدينى ربى لأقرب من هذا رشدا } ~~يعني إذا نسيت شيئا فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن ~~يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رشدا وأدنى خيرا ومنفعه. { أن ~~يهدين } ، { إن ترن } ، { أن يؤتين } ، { أن تعلمن }. مكى في الحالين، ~~ووافقه أبو عمرو ومدني في الوصل. ### || [18.25-27] # { ولبثوا فى كهفهم ثلاث مائة سنين } يريد لبثهم فيه ~~أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدة وهو بيان لما أجمل في قوله: { فضربنا ~~على آذانهم في الكهف سنين عددا } وسنين عطف بيان لثلثمائة. ms0775 ثلثمائة سنين ~~بالإضافة: حمزة وعلي، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله # بالأخسرين أعمالا # [الكهف: 103] { وازدادوا تسعا } أي تسع سنين لدلالة ما قبله ~~عليه { تسعا } مفعول به لأن «زاد» تقتضي مفعولين ف «ازداد» يقتضي ~~مفعولا واحدا { قل الله أعلم بما لبثوا } أي هو أعلم من ~~الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم والحق ما أخبرك به، أو هو حكاية لكلام أهل ~~الكتاب و { قل الله أعلم } رد عليهم، والجمهور على أن هذا إخبار من الله ~~سبحانه وتعالى أنهم لبثوا في كهفهم كذا مدة { له غيب السموت ~~والأرض } ذكر اختصاصه بعلم ما غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من ~~أحوال أهلها { أبصر به وأسمع } أي وأسمع به والمعنى ما أبصره ~~بكل موجود وما أسمعه لكل مسموع { مالهم } لأهل السموات والأرض { من ~~دونه من ولى } من متول لأمورهم { ولا يشرك فى حكمه } ~~في قضائه { أحدا } منهم، ولا تشرك على النهي: شامي. كانوا يقولون له ~~ائت بقرآن غير هذا أو بدله فقيل له: { واتل ما أوحى إليك من ~~كتب ربك } أي من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل ~~فإنه { لا مبدل لكلمته } أي لا يقدر أحد على تبديلها أو ~~تغييرها إنما يقدر على ذلك هو وحده { ولن تجد من دونه ~~ملتحدا } ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك. ولما قال قوم من رؤساء ~~الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نح هؤلاء الموالي وهم صهيب ~~وعمار وخباب وسلمان وغيرهم من فقراء المسلمين حتى نجالسك نزل: ### || [18.28-29] # { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } واحبسها معهم ~~وثبتها { بالغداة والعشى } دائبين على الدعاء في كل وقت، أو ~~بالغداة لطلب التوفيق والتيسير، والعشي لطلب عفو التقصير، أوهما صلاة ~~الفجر والعصر. { بالغدوة } شامي { يريدون وجهه } رضا الله { ~~ولا تعد عيناك عنهم } ولا تجاوز، عداه إذا جاوزه وعدى ب ~~«عن» لتضمن «عدا» معنى «نبا» في قولك «نبت عنه عينه»، وفائدة التضمين ~~إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى قد { تريد زينة ~~الحيوة الدنيا } في موضع الحال { ولا ms0776 تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا } من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر وهو دليل لنا ~~على أنه تعالى خالق أفعال العباد { واتبع هواه وكان أمره ~~فرطا } مجاوزا عن الحق { وقل الحق من ربكم } أي الإسلام ~~أو القرآن، و { الحق } خبر مبتدأ محذوف أي هو { فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر } أي جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم ~~لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ ~~الأمر والتخيير لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخير مأمور بأن ~~يتخير ماشاء من النجدين. ثم ذكر جزاء من اختار الكفر فقال: { إنا ~~أعتدنا } هيأنا { للظلمين } للكافرين فقيد بالسياق كما تركت ~~حقيقة الأمر والتخيير بالسياق وهو قوله { إنا أعتدنا للظالمين } { ~~نارا أحاط بهم سرادقها } شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق ~~وهي الحجرة التي تكون حول الفسطاط، أو هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم ~~النار، أو هو حائط من نار يطيف بهم { وإن يستغيثوا } من العطش { ~~يغاثوا بماء كالمهل } هو دردى الزيت أو ما أذيب من جواهر ~~الأرض وفيه تهكم بهم { يشوى الوجوه } إذا قدم ليشرب انشوى الوجوه ~~من حرارته { بئس الشراب } ذلك { وساءت } النار { مرتفقا } ~~متكأ من الرفق وهذه لمشاكلة قوله: { وحسنت مرتفقا } وإلا فلا ارتفاق لأهل ~~النار. # وبين جزاء من اختار الإيمان فقال: ### || [18.30-32] # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا * أولئك لهم جنات ~~عدن } كلام مستأنف بيان للأجر المبهم، ولك أن تجعل { إنا لا نضيع } ~~و { أولئك } خبرين معا. والمراد من أحسن منهم عملا كقولك «السمن منوان ~~بدرهم»، أو لأن { من أحسن عملا } و { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~ينتظمهما معنى واحد فأقام من «أحسن» مقام الضمير { تجرى من ~~تحتهم الأنهر يحلون فيها من أساور } «من» ~~للإبتداء، وتنكير أساور وهي جمع أسورة التي هي جمع سوار لإبهام أمرها ~~في الحسن { من ذهب } «من» للتبيين { ويلبسون ثيابا خضرا ~~من سندس } ما رق من الديباج { وإستبرق } ما غلظ منه أي ms0777 ~~يجمعون بين النوعين { متكئين فيها على الأرائك } خص ~~الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم { نعم الثواب } ~~الجنة { وحسنت } الجنة والأرائك { مرتفقا } متكأ. # { واضرب لهم مثلا رجلين } ومثل حال الكافرين والمؤمنين ~~بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل، أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر ~~مؤمن اسمه يهوذا. وقيل: هما المذكوران في«والصافات» في قوله: # قال قائل منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 51] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فجعلاها شطرين، فاشترى ~~الكافر أرضا بألف دينار فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف ~~دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به، ثم بنى أخوه دارا ~~بألف فقال: اللهم إني أشتري منك دارا في الجنة بألف فتصدق به، ثم تزوج ~~أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور، ثم اشترى أخوه ~~خدما ومتاعا بألف دينار فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين ~~بألف فتصدق، به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه ~~فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله { جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعنب } بساتين من كروم { وحففناهما ~~بنخل } وجعلنا النخل محيطا بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في ~~كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال حفوه إذا أطافوا به، ~~وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيد الباء ~~مفعولا ثانيا { وجعلنا بينهما زرعا } جعلناها أرضا جامعة ~~للأقوات والفواكه، ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما ~~يقطعها مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق ### || [18.33-34] # { كلتا الجنتين اتت } أعطت حمل على اللفظ لأن اللفظ «كلتا» ~~مفرد ولو قيل «آتتا» على المعنى لجاز { أكلها } ثمرها { ولم ~~تظلم منه } ولم تنقص من أكلها { شيئا وفجرنا ~~خللهما نهرا } نعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص ثم ~~بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به وهو النهر ~~الجاري فيها. # { وكان له } لصاحب الجنتين { ثمر } أنواع من المال من ثمر ماله ~~إذا كثره أي كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الكثيرة من ms0778 الذهب ~~والفضة وغيرهما له ثمر. { وأحيط بثمره } بفتح الميم والثاء: عاصم، وبضم ~~الثاء وسكون الميم: أبو عمرو، وبضمهما: غيرهما { فقال لصحبه ~~وهو يحاوره } يراجعه الكلام من حار يحور إذا رجع، يعني قطروس أخذ ~~بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال ~~دونه { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } أنصارا ~~وحشما، أو أولادا ذكورا لأنهم ينفرون معه دون الإناث. ### || [18.35-39] # { ودخل جنته } إحدى جنتيه أو سماها جنة لاتحاد الحائط، وجنتين ~~للنهر الجاري بينهما { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بالكفر { ~~قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا } أي أن تهلك هذه الجنة، ~~شك في بيدودة جنته لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة، وترى أكثر ~~الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك { وما أظن ~~الساعة قائمة } كائنة { ولئن رددت إلى ربى ~~لأجدن خيرا منها منقلبا } إقسام منه على أنه إن رد إلى ~~ربه على سبيل الفرض كما يزعم صاحبه ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في ~~الدنيا إدعاء لكرامته عليه ومكانته عنده { منقلبا } تمييز أي مرجعا ~~وعاقبة { قال له صحبه وهو يحوره أكفرت ~~بالذى خلقك من تراب } أي خلق أصلك لأن خلق أصله سبب في خلقه ~~وكان خلقه خلقا له { ثم من نطفة } أي خلقك من نطفة { ثم ~~سواك رجلا } عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال جعله ~~كافرا بالله لشكه في البعث. # { لكنا } بالألف في الوصل: شامي، الباقون بغير ألف، وبالألف في ~~الوقف اتفاق، وأصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن ~~فتلاقت النونان فأدغمت الأولى في الثانية بعد أن سكنت { هو الله ~~ربى } هو ضمير الشأن والشأن الله ربي والجملة خبر «أنا» والراجع منها ~~إليه ياء الضمير، وهو استدراك لقوله { أكفرت } قال لأخيه أنت كافر بالله ~~لكني مؤمن موحد كما تقول: زيد غائب لكن عمرا حاضر، وفيه حذف أي أقول هو ~~الله بدليل عطف { ولا أشرك بربى أحدا ولولا } وهلا { ~~إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله } «ما»موصولة مرفوعة ~~المحل على أنها خبر ms0779 مبتدأ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله، أو شرطية ~~منصوبة الموضع والجزاء محذوف يعني أي شيء شاء الله كان والمعنى هلا قلت ~~عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافا ~~بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئة الله، وأن أمرها بيده إن شاء تركها ~~عامرة وإن شاء خربها، { لا قوة إلا بالله } إقرارا بأن ما ~~قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده. من قرأ { إن ~~ترن أنا أقل منك مالا } بنصب { أقل } فقد جعل { أنا } ~~فصلا ومن رفع وهو الكسائي جعله مبتدأ و { أقل } خبره والجملة ~~مفعولا ثانيا ل «ترني» وفي قوله: { وولدا } نصرة لمن فسر النفر ~~بالأولاد في قوله: { وأعز نفرا }. ### || [18.40-42] # { فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك } في الدنيا أو في ~~العقبي { ويرسل عليها حسبانا } عذابا { من السماء ~~فتصبح صعيدا زلقا } أرضا بيضاء يزلق عليها لملاستها { أو ~~يصبح ماؤها غورا } غائرا أي ذاهبا في الأرض { فلن ~~تستطيع له طلبا } فلا يتأتى منك طلبه فضلا عن الوجود، والمعنى ~~إن ترن أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي ومابك من الفقر ~~والغنى فيرزقني لإيماني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب ~~بساتينك. # { وأحيط بثمره } هو عبارة عن إهلاكه وأصله من أحاط به العدو ~~لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك { ~~فأصبح } أي الكافر { يقلب كفيه } يضرب إحداهما على الآخر ~~ندما وتحسرا وإنما صار تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم ~~يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ~~ولأنه في معنى الندم عدي تعديته ب «على» كأنه قيل: فأصبح يندم { على ~~ما أنفق فيها } أي في عمارتها { وهى خاوية على ~~عروشها } يعني أن المعرشة سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم ~~{ ويقول يليتنى لم أشرك بربى أحدا } تذكر موعظة ~~أخيه فعلم أنه أتي من جهة كفره وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا ~~يهلك ms0780 الله بستانه حين لم ينفعه التمني، ويجوز أن يكون توبة من الشرك ~~وندما على ما كان منه ودخولا في الإيمان # . ### || [18.43-45] # { ولم تكن له فئة ينصرونه } يقدرون على نصرته { من ~~دون الله } أي هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره ~~إلا أنه لم ينصره لحكمة { وما كان منتصرا } وما كان ممتنعا ~~بقوته عن انتقام الله { هنالك الولية لله الحق } { ~~يكن } بالياء و { الولاية } بكسر الواو: حمزة وعلي فهي بالفتح النصرة ~~والتولي، وبالكسر السلطان والملك، والمعنى هنالك أي في ذلك المقام وتلك ~~الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه تقريرا ~~لقوله { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } أو هنالك السلطان والملك ~~صلى الله عليه وسلم لا يغلب، أو في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ~~ويؤمن به كل مضطر يعني أن قوله { ياليتني لم أشرك بربي أحدا } كلمة ~~ألجيء إليها فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها. أو ~~هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ~~يعني أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله { فعسى ربي أن ~~يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء } ويؤيده قوله: { ~~هو خير ثوابا وخير عقبا } أي لأوليائه، أو { هنالك } إشارة ~~إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله كقوله: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] { الحق } بالرفع: أبو عمرو وعلي صفة ل { الولاية } أو خبر ~~مبتدأ محذوف أي هي الحق أو هو الحق. غيرهما بالجر صفة لله. و { عقبا } ~~بسكون القاف: عاصم وحمزة، وبضمها: غيرهما، وفي الشواذ «عقبى» على وزن ~~«فعلى» وكلها بمعنى العاقبة. # { واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء ~~أنزلنه من السماء } أي هي كماء أنزلناه { فاختلط به ~~نبات الأرض } فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا أو أثر في ~~النبات الماء فاختلط به حتى روى { فأصبح هشيما } يابسا متكسرا ~~الواحدة هشيمة { تذروه الرياح } تنسفه وتطيره. { الريح } حمزة وعلي ~~{ وكان الله على كل شىء } من ms0781 الإنشاء والإفناء { ~~مقتدرا } قادرا، شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من ~~الهلاك والإفناء بحال النبات يكون أخضر ثم يهيج فتطيره الريح كأن لم يكن. ### || [18.46-49] # { المال والبنون زينة الحيوة الدنيا } لا زاد القبر ~~وعدة العقبى { والبقيات الصلحات } أعمال الخير التي تبقى ~~ثمرتها للإنسان، أو الصلوات الخمس، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر { خير عند ربك ثوابا } جزاء { وخير ~~أملا } لأنه وعد صادق وأكثر الآمال كاذبه يعني أن صاحبها يأمل في ~~الدنيا ثواب الله ويصيبه في الآخرة { ويوم } واذكر يوم { نسير ~~الجبال } { تسير الجبال } مكي وشامي وأبو عمرو أي تسير في الجو، ~~أو يذهب بها بأن تجعل هباء منثورا منبثا { وترى الأرض بارزة ~~} ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار { ~~وحشرنهم } أي الموتى { فلم نغادر منهم أحدا } أي ~~فلم نترك. غادره أي تركه ومنه الغدر ترك الوفاء والغدير ما غادره السيل { ~~وعرضوا على ربك صفا } مصطفين ظاهرين ترى جماعتهم كما يرى ~~كل واحد لا يحجب أحد أحدا، شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان ~~{ لقد جئتمونا } أي قلنا لهم لقد جئتمونا، وهذا المضمر يجوز أن ~~يكون عامل النصب في { يوم نسير } { كما خلقنكم أول ~~مرة } أي لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة، أو جئتمونا عراة لا شيء ~~معكم كما خلقناكم أولا. وإنما قال: { وحشرناهم } ماضيا بعد { نسير } و ~~{ ترى } للدلالة على حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك ~~الأهوال. كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك { بل زعمتم ألن نجعل ~~لكم موعدا } وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث ~~والنشور أو مكان وعد للمحاسبة. # { ووضع الكتب } أي صحف الأعمال { فترى المجرمين ~~مشفقين } خائفين { مما فيه } من الذنوب { ويقولون ~~يويلتنا مال هذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة } أي لا يترك شيئا من المعاصي { إلا أحصاها } حصرها ~~وضبطها { ووجدوا ما عملوا حاضرا } في الصحف عتيدا أو جزاء ~~ما عملوا { ولا يظلم ربك أحدا } فيكتب عليه ما لم يعمل أو ~~يزيد في عقابه ms0782 أو يعذبه بغير جرم. ### || [18.50-51] # { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم } فسجود تحية أو ~~سجود انقياد { فسجدوا إلا إبليس كان من الجن } وهو ~~مستأنف كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن { ففسق ~~عن أمر ربه } خرج عما أمره ربه به من السجود وهو دليل على أنه ~~كان مأمورا بالسجود مع الملائكة { أفتتخذونه وذريته } ~~الهمزة للإنكار والتعجب كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه تتخذونه وذريته { ~~أولياء من دونى } وتستبدلونهم بي؟ ومن ذريته «لا قيس» موسوس ~~الصلاة و«الأعور» صاحب الزنا و«بتر» صاحب المصائب ومطوس صاحب الأراجيف ~~و«داسم» يدخل ويأكل مع من لم يسم الله تعالى { وهم لكم عدو } ~~أعداء { بئس للظلمين بدلا } بئس البدل من الله إبليس لمن ~~استبدله فأطاعه بدل طاعة الله { ما أشهدتهم } أي إبليس وذريته { ~~خلق السموت والأرض } يعني أنكم اتخذتموهم شركاء لي في ~~العبادة وإنما يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية فنفى ~~مشاركتهم الإلهية بقوله { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض } لأعتضد بهم ~~في خلقها أو أشاورهم فيه أي تفردت بخلق الأشياء فأفردوني في العبادة { ~~ولا خلق أنفسهم } أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء: 29] { وما كنت متخذ المضلين } أي وما كنت متخذهم ~~{ عضدا } أي أعوانا فوضع { المضلين } موضع الضمير ذما لهم ~~بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق فمالكم تتخذونهم شركاء لي في ~~العبادة؟ ### || [18.52-56] # { ويوم يقول } الله للكفار، وبالنون: حمزة { نادوا } ادعوا ~~بصوت عال { شركائى الذين زعمتم } أنهم فيكم شركائي ~~ليمنعوكم من عذابي، وأراد الجن وأضاف الشركاء إليه على زعمهم توبيخا لهم ~~{ فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم ~~موبقا } مهلكا من وبق يبق وبوقا إذا هلك، أو مصدر كالموعد أي ~~وجعلنا بينهم واديا من أودية جهنم وهو مكان الهلاك والعذاب الشديد ~~مشتركا يهلكون فيه جميعا، أو الملائكة وعزيرا وعيسى. والموبق البرزخ ~~البعيد أي وجعلنا بينهم أمدا بعيدا لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى ~~الجنان { ورأى المجرمون النار فظنوا } فأيقنوا { ~~أنهم مواقعوها } مخالطوها واقعون فيها { ولم يجدوا ms0783 ~~عنها } عن النار { مصرفا } معدلا { ولقد صرفنا فى ~~هذا القرءان للناس من كل مثل } يحتاجون إليه { وكان ~~الإنسن أكثر شىء جدلا } تمييز أي أكثر الأشياء التي يتأتى ~~منها الجدل إن فصلتها واحدا بعد واحد خصومة ومماراة بالباطل يعني أن جدل ~~الإنسان أكثر من جدل كل شيء { وما منع الناس أن يؤمنوا ~~إذ جاءهم الهدى } أي سببه وهو الكتاب والرسول { ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين أو يأتيهم العذاب } «أن» الأولى نصب، والثانية ~~رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره: وما منع الناس الإيمان والاستغفار إلا ~~انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك، أو انتظار أن يأتيهم العذاب ~~أي عذاب الآخرة { قبلا } كوفي أي أنواعا جمع قبيل. الباقون { قبلا } ~~أي عيانا. # { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } ~~يوقف عليه ويستأنف بقوله: { ويجدل الذين كفروا ~~بالبطل } هو قولهم للرسل # ما أنتم إلا بشر مثلنا # [يس: 15] و # لو شاء الله لأنزل ملائكة # [المؤمنون:24] ونحو ذلك { ليدحضوا به الحق } ليزيلوا ~~ويبطلوا بالجدال النبوة { واتخذوا ءايتى } القرآن { وما ~~أنذروا } «ما» موصولة والراجع من الصلة محذوف أي وما أنذروه من ~~العقاب، أو مصدرية أي وإنذارهم { هزوا } موضع استهزاء بسكون الزاي ~~والهمزة: حمزة، وبإبدال الهمزة واوا: حفص، وبضم الزاي والهمزة: غيرهما. ### || [18.57-59] # { ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه } بالقرآن ولذلك ~~رجع الضمير إليها مذكرا في قوله أن { يفقهوه } { فأعرض عنها } ~~فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر { ونسى ما قدمت يداه } عاقبة ~~ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي غير متفكر فيها ولا ناظر في أن المسيء ~~والمحسن لا بد لهما من جزاء. ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على ~~قلوبهم بقوله: { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية ~~جمع كنان وهو الغطاء { أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا } ثقلا عن استماع ~~الحق وجمع بعد الإفراد حملا على لفظ من ومعناه { وإن تدعهم } يا ~~محمد { إلى الهدى } إلى الإيمان { فلن يهتدوا } فلا يكون ~~منهم اهتداء ألبتة { إذا } جزاء وجواب فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة ~~الرسول بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون ms0784 سبب وجود الاهتداء سببا في ~~انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول على تقدير قوله مالي لا أدعوهم حرصا على ~~إسلامهم؟ فقيل { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا } { أبدا } مدة ~~التكليف كلها. # { وربك الغفور } البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف ~~بالرحمة { لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب } أي ومن رحمته ترك مؤاخذته أهل مكة عاجلا مع فرط عداوتهم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم { بل لهم موعد } وهم يوم بدر { ~~لن يجدوا من دونه موئلا } منجى ولا ملجأ يقال: وآل إذا نجا ~~ووأل إليه إذا لجأ إليه { وتلك } مبتدأ { القرى } صفة لأن أسماء ~~الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر { أهلكنهم } أو { تلك القرى ~~} نصب بإضمار «أهلكنا» على شريطة التفسير، والمعنى وتلك أصحاب القرى ~~أهلكناهم والمراد قوم نوح وعاد وثمود { لما ظلموا } مثل ظلم أهل ~~مكة { وجعلنا لمهلكهم موعدا } وضربنا لإهلاكهم وقتا ~~معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ~~ووقته. وبفتح الميم وكسر اللام: حفص، وبفتحهما: أبو بكر أي لوقت هلاكهم ~~أو لهلاكهم والموعد وقت أو مصدر. ### || [18.60] # { وإذ } واذكر إذ { قال موسى لفته } هو يوشع بن نون. ~~وإنما قيل { فتاه } لأنه كان يخدمه ويتبعه ويأخذ منه العلم { لا أبرح ~~} لا أزال وقد حذف الخبر لدلالة الحال والكلام عليه، أما الأولى فلأنها ~~كانت حال سفر وأما الثاني فلأن قوله: { حتى أبلغ مجمع ~~البحرين } غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له فلا بد أن يكون المعنى ~~لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء ~~الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحر فارس والروم. وسمي خضرا لأنه أينما ~~يصلي يخضر ما حوله { أو أمضي حقبا } أو أسير زمانا طويلا قيل ~~ثمانون سنة. روي أنه لما ظهر موسى عليه السلام على مصر مع بني إسرائيل ~~واستقروا بها بعد هلاك القبط سأل ربه: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي ~~يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع ~~الهوى، قال: فأي عبادك أعلم؟ ms0785 قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن ~~يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، فقال: إن كان في عبادك من هو ~~أعلم مني فدلني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على ~~الساحل عند الصخرة قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل فحيث ~~فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان فرقد ~~موسى فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت ~~فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه ~~موسى فقال: وإني بأرضنا السلام: فعرفه نفسه فقال: يا موسى أنا على علم ~~علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. ### || [18.61-66] # { فلما بلغا مجمع بينهما } مجمع البحرين { نسيا ~~حوتهما } أي نسي أحدهما وهو يوشع لأنه كان صاحب الزاد دليله { ~~فإني نسيت الحوت } وهو كقولهم«نسوا زادهم» وإنما ينساه متعهد الزاد. قيل: ~~كان الحوت سمكة مملوحة فنزلا ليلة على شاطئ عين الحياة ونام موسى. فلما ~~أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت ووقعت في الماء { فاتخذ سبيله ~~فى البحر } أي اتخذ طريقا له من البر إلى البحر { سربا } نصب ~~على المصدر أي سرب فيه سربا يعني دخل فيه واستر به { فلما جاوزا ~~} مجمع البحرين ثم نزلا وقد سارا ما شاء الله { قال } موسى { ~~لفته ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا ~~نصبا } تعبا ولم يتعب ولا جاع قبل ذلك { قال أرأيت إذ ~~أوينا إلى الصخرة } هي موضع الموعد { فإنى نسيت ~~الحوت } ثم اعتذر فقال: { وما أنسانيه } وبضم الهاء: حفص { ~~إلا الشيطن } بإلقاء الخواطر في القلب { أن أذكره } بدل ~~من الهاء في { أنسانيه } أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان { واتخذ ~~سبيله فى البحر عجبا } وهو أن أثره بقي إلى حيث سار { قال ~~ذلك ما كنا نبغ } نطلب. وبالياء: مكي، وافقه أبو عمرو وعلي ~~ومدني في الوصل، وبغير ياء فيهما: غيرهما اتباعا لخط المصحف و { ذلك } ~~إشارة إلى ms0786 اتخاذه سبيلا أي ذلك الذي كنا نطلب لأن ذهاب الحوت كان علما ~~على لقاء الخضر عليه السلام { فارتدا على ءاثارهما } فرجعا ~~في الطريق الذي جاءا فيه { قصصا } يقصان قصصا أي يتبعان آثارهما ~~اتباعا. قال الزجاج: القصص اتباع الأثر { فوجدا عبدا من ~~عبادنا } أي الخضر راقدا تحت ثوب أو جالسا في البحر { ءاتيناه ~~رحمة من عندنا } هي الوحي والنبوة أو العلم أو طول الحياة { ~~وعلمناه من لدنا علما } يعني الإخبار بالغيوب. وقيل: ~~العلم اللدني ما حصل للعبد بطريق الإلهام. # { قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا } أي علما ذا رشد أرشد به في ديني { رشدا } أبو عمرو ~~وهما لغتان كالبخل والبخل، وفيه دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب ~~العلم وأن كان قد بلغ نهايته وإن يتواضع لمن هو أعلم منه. ### || [18.67-71] # { قال إنك لن تستطيع معى } وبفتح الياء: حفص، وكذا ما ~~بعده في هذه السورة { صبرا } أي عن الإنكار والسؤال { وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا } تمييز، نفي استطاعة ~~الصبر معه على وجه التأكيد وعلل ذلك بأنه يتولى أمورا هي في ظاهرها ~~مناكير والرجل الصالح لا يتمالك أن يجزع إذا رأى ذلك فيكف إذا كان نبيا! ~~{ قال ستجدنى إن شاء الله صابرا } من الصابرين عن الإنكار ~~والإعراض { ولا أعصى لك أمرا } في محل النصب عطف على { صابرا } ~~أي ستجدني صابرا وغير عاص، أو هو عطف على { ستجدني } ولا محل له { قال ~~فإن اتبعتنى فلا تسألنى } بفتح اللام وتشديد النون: مدني ~~وشامي، وبسكون اللام وتخفيف النون: غيرهما، والياء ثابتة فيهما إجماعا { ~~عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا } أي فمن شرط اتباعك لي ~~أنك إذا رأيت مني شيئا وقد علمت أنه صحيح إلا أنه خفي عليك وجه صحته ~~فأنكرت في نفسك أن لا تفاتحني بالسؤال ولا تراجعني فيه حتى أكون أنا ~~الفاتح عليك، وهذا من أدب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع. # { فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها } ~~فانطلقا على ساحل البحر ms0787 يطلبان السفينة فلما ركباها قال أهلها: هما من ~~اللصوص، وقال صاحب السفينة: أرى وجوه الأنبياء فحملوهما بغير نول، فلما ~~لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي ~~الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ثم { قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها } { ليغرق } حمزة وعلي من غرق { لقد جئت شيئا ~~إمرا } أتيت شيئا عظيما من أمر الأمر إذا عظم. ### || [18.72-74] # { قال } أي الخضر { ألم أقل إنك لن تستطيع معي ~~صبرا } فلما رأى موسى أن الخرق لا يدخله الماء ولم يفر من السفينة { ~~قال لا تؤاخذنى بما نسيت } بالذي نسيته أو بشيء نسيته أو ~~بنسياني أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي، أو أراد بالنسيان ~~الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة { ولا ترهقني من ~~أمرى عسرا } رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أي ولا تغشني عسرا من أمري ~~وهو اتباعه إياه أي ولا تعسر على متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك ~~المناقشة { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله } ~~قيل: ضرب برأسه الحائط. وقيل: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. وإنما قال: { فقتله ~~} بالفاء وقال: { خرقها } بغير فاء، لأن { خرقها } جعل جزاء للشرط وجعل { ~~قتله } من جملة الشرط معطوفا عليه والجزاء { قال أقتلت نفسا } ~~وإنما خولف بينهما لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب وقد تعقب القتل لقاء ~~الغلام { زكية } { زاكية } حجازي وأبو عمرو وهي الطاهرة من الذنوب، ~~إما لأنها طاهرة عنده لأنه لم يرها قد أذنبت أو لأنها صغيرة لم يبلغ ~~الحنث { بغير نفس } أي لم تقتل نفسا فيقتص منها. وعن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما أن نجدة الحروري كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى ~~رسول صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال ~~الولدان ما علمه موسى فلك أن تقتل. # { لقد جئت شيئا نكرا } وبضم الكاف حيث كان: مدني وأبو بكر ~~وهو المنكر. وقيل: النكر أقل من الإمر لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق ~~أهل السفنية، أو معناه جئت شيئا أنكر ms0788 من الأول لأن الخرق يمكن تداركه ~~بالسد ولا يمكن تدارك القتل # . ### || [18.75-77] # { قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا } ~~زاد { لك } هنا لأن النكر فيه أكثر { قال إن سألتك عن شىء ~~بعدها } بعد هذه الكرة أو المسألة { فلا تصاحبنى قد ~~بلغت من لدنى عذرا } أعذرت فيما بيني وبينك في الفراق. و { ~~لدني } بتخفيف النون: مدني وأبو بكر. # { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية } هي أنطاكية أو ~~الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء { استطعما أهلها } استضافا ~~{ فأبوا أن يضيفوهما } ضيفه أنزله وجعله ضيفه قال عليه ~~السلام: # " كانوا أهل قرية لئاما " # وقيل: شر القرى التي تبخل بالقرى { فوجدا فيها } في القرية { ~~جدارا } طوله مائة ذراع { يريد أن ينقض } يكاد يسقط استعيرت ~~الإرادة للمداناة والمشارفة كما استعير الهم والعزم لذلك { فأقامه } ~~بيده أو مسحه بيده فقام واستوى، أو نقضه وبناه كان الحال حال اضطرار ~~وافتقار إلى المطعم وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسائلة ~~فلم يجدا مواسيا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رآى من الحرمان ~~ومساس الحاجة أن { قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا } أي ~~لطلبت على عملك جعلا حتى تستدفع به الضرورة. { لتخذت } بتخفيف التاء وكسر ~~الخاء وإدغام الذال: بصري، وبإظهارها: مكي، وبتشديد التاء وفتح الخاء ~~وإظهار الذال: حفص، وبتشديد التاء وفتح الخاء وإدغام الذال في التاء: ~~غيرهم. والتاء في «تخذ» أصل كما في «تبع»، و«اتخذ» افتعل منه كاتبع من ~~تبع وليس من الأخذ في شيء. ### || [18.78-83] # { قال هذا فراق بينى وبينك } هذا إشارة إلى السؤال ~~الثالث أي هذا الاعتراض سبب الفراق، والأصل هذا فراق بيني وبينك، وقد ~~قرىء به فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به { سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } { أما ~~السفينة فكانت لمسكين يعملون فى البحر } قيل: ~~كانت لعشرة أخوة خمسة منهم زمنى وخمسة يعلمون في البحر { فأردت أن ~~أعيبها } أجعلها ذات عيب { وكان وراءهم ملك } أمامهم أو ~~خلفهم وكان طريقهم في رجوعهم عليه وما كان عندهم خبره ms0789 فأعلم الله به ~~الخضر وهو جلندي { يأخذ كل سفينة غصبا } أي يأخذ كل سفينة ~~صالحة لا عيب فيها غصبا وإن كانت معيبة تركها، وهو مصدر أو مفعول له. ~~فإن قلت: قوله: { فأردت أن أعيبها } مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن ~~يتأخر عن السبب. قلت: المراد به التأخير وإنما قدم للعناية. # { وأما الغلم } وكان اسمه الحسين { فكان أبواه ~~مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغينا وكفرا } ~~فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه ~~وسوء صنيعه ويلحق بهما شرا وبلاء، أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله ~~فيرتدا بسببه وهو من كلام الخضر. وإنما خشي الخضر منه ذلك لأنه تعالى ~~أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره وإن كان من قول الله تعالى، فمعنى { ~~فخشينا } فعلمنا إن عاش أن يصير سببا لكفر والديه { فأردنا أن ~~يبدلهما ربهما } { يبدلهما ربهما } مدني وأبو عمرو { ~~خيرا منه زكوة } طهارة ونقاء من الذنوب { وأقرب رحما ~~} رحمة وعطفا، و { زكاة } و { رحما } تمييز. روي أنه ولدت لهما جارية ~~تزوجها نبي فولدت نبيا أو سبعين نبيا أو أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما ~~شامي وهما لغتان { وأما الجدار فكان لغلمين } أصرم ~~وصريم { يتيمين فى المدينة } هي القرية المذكورة { وكان ~~تحته كنز لهما } أي لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن ~~بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت ~~كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا ~~وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. أو ~~مال مدفون من ذهب وفضة أو صحف فيها علم والأول أظهر. وعن قتادة: أحل ~~الكنز لمن قبلنا وحرم علينا، وحرمت الغنيمة عليها وأحلت لنا. { وكان ~~أبوهما } قيل: جدهما السابع { صلحا } ممن يصحبني. وعن الحسين بن ~~علي رضي الله عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ ~~الله الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما. قال: فأبي وجدي خير منه { فأراد ~~ربك أن يبلغا أشدهما } أي الحلم { ويستخرجا ~~كنزهما رحمة } مفعول له ms0790 أو مصدر منصوب ب { أراد ربك } لأنه في ~~معنى رحمهما { من ربك وما فعلته } وما فعلت ما رأيت { عن ~~أمرى } عن اجتهادي وإنما فعلته بأمر الله والهاء تعود إلى الكل أو إلى ~~الجدار { ذلك } أي الأجوبة الثلاثة { تأويل ما لم تسطع ~~عليه صبرا } حذف التاء تخفيفا. # وقد زل أقدام أقوام من الضلال في تفضيل الولي على النبي وهو كفر جلي حيث ~~قالوا: أمر موسى بالتعلم من الخضر وهو ولي. والجواب أن الخضر نبي وإن لم ~~يكن كما زعم البعض، فهذا ابتلاء في حق موسى عليه السلام على أن أهل ~~الكتاب يقولون: إن موسى هذا ليس موسى بن عمران إنما هو موسى بن مانان، ~~ومن المحال أن يكون الولي وليا إلا بإيمانه بالنبي ثم يكون النبي دون ~~الولي، ولا غضاضة في طلب موسى العلم لأن الزيادة في العلم مطلوبة. وإنما ~~ذكر أولا { فأردت } لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله، وثالثا { فأراد ربك ~~} لأنه إنعام محض وغير مقدور البشر، وثانيا { فأردنا } لأنه إفساد من ~~حيث الفعل إنعام من حيث التبديل. وقال الزجاج: معنى فأردنا فأراد الله عز ~~وجل ومثله في القرآن كثير. # { ويسئلونك } أي اليهود على جهة الإمتحان، أو أبو جهل وأشياعه { ~~عن ذى القرنين } هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. قيل: ملكها ~~مؤمنان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: نمرود وبختنصر وكان بعد نمرود. ~~وقيل: كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له ~~النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. ~~وقيل: نبيا. وقيل: ملكا من الملائكة. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن في طاعة ~~الله فمات ثم بعثه الله، فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا ~~القرنين وفيكم مثله أراد نفسه. قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه ~~فيحييه الله تعالى. وقال عليه السلام: # " سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا " # يعني جانبيها شرقها وغربها. وقيل: كان له قرنان أي ضفيرتان، أو ms0791 انقرض في ~~وقته قرنان من الناس، أو لأنه ملك الروم وفارس أو الترك والروم، أو كان ~~لتاجه قرنان أو على رأسه ما يشبه القرنين، أو كان كريم الطرفين أبا وأما ~~وكان من الروم { قل سأتلوا عليكم منه } من ذي القرنين { ~~ذكرا }. ### || [18.84-86] # { إنا مكنا له فى الأرض } جعلنا له فيها مكانة واعتلاء { ~~وءاتيناه من كل شىء } أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه { ~~سببا } طريقا موصلا إليه { فأتبع سببا } والسبب ما يتوصل به ~~إلى المقصود من علم أو قدرة فأراد بلوغ المغرب فأتبع سببا. يوصله إليه ~~حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق فأتبع سببا، وأراد بلوغ السدين فأتبع سببا. ~~{ فأتبع سببا } { ثم أتبع } كوفي وشامي الباقون: بوصل الألف وتشديد ~~التاء. عن الأصمعي: أتبع لحق واتبع اقتفى وإن لم يلحق { حتى إذا ~~بلغ مغرب الشمس } أي منتهى العمارة نحو المغرب وكذا المطلع ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " بدء أمره أنه وجد في الكتب أن أحد أولاد سام يشرب من عين الحياة فيخلد ~~فجعل يسير في طلبها والخضر وزيره وابن خالته فظفر فشرب ولم يظفر ذو ~~القرنين " # { وجدها تغرب فى عين حمئة } ذات حمأة من حمئت البئر إذا ~~صارت فيها الحمأة. { حامية } شامي وكوفي غير حفص بمعنى حارة. عن أبي ذر: ~~كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت ~~فقال: # " أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟ " # قلت الله ورسوله أعلم. قال: # " فإنها تغرب في عين حامية. " # وكان ابن عباس رضي الله عنهما عند معاوية فقرأ معاوية { حامية } فقال: ~~ابن عباس: حمئة فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال: كما ~~يقرأ أمير المؤمنين. ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ~~ماء وطين كذلك نجده في التوراة فوافق قول ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ~~تنافي فجاز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعا { ووجد عندها } ~~عند تلك العين { قوما } عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم ما ~~لفظ البحر وكانوا كفارا { قلنا يذا ms0792 القرنين إما أن ~~تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا } إن كان نبيا فقد ~~أوحى الله إليه بهذا وإلا فقد أوحي إلى نبي فأمره النبي به، أو كان ~~إلهاما خير بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على أمرهم وبين أن يتخذ فيهم ~~حسنا بإكرامهم وتعليم الشرائع إن آمنوا، أو التعذيب القتل وإتخاذ الحسن ~~الأسر لأنه بالنظر إلى القتل إحسان. ### || [18.87-90] # { قال } ذو القرنين { أما من ظلم فسوف نعذبه } ~~بالقتل { ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا } ~~في القيامة يعني أما من دعوته إلى الإسلام فأبى إلا البقاء على الظلم ~~العظيم وهو الشرك فذاك هو المعذب في الدارين. # { وأما من آمن وعمل صلحا } أي عمل ما يقتضيه الإيمان { ~~فله جزاء الحسنى } فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة ~~الشهادة. { جزاء الحسنى } كوفي غير أبي بكر أي فله الفعلة الحسنى جزاء { ~~وسنقول له من أمرنا يسرا } أي ذا يسر أي لا نأمره بالصعب ~~الشاق ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك { ثم أتبع ~~سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع ~~على قوم } هم الزنج { لم نجعل لهم من دونها } من دون ~~الشمس { سترا } أي أبنية عن كعب أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب ~~فإذا طلعت الشمس دخلوها فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم، أو الستر ~~اللباس. عن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من ~~جميع أهل الأرض. ### || [18.91-94] # { كذلك } أي أمر ذي القرنين كذلك أي كما وصفناه تعظيما لأمره { ~~وقد أحطنا بما لديه } من الجنود والآلات وأسباب الملك { ~~خبرا } نصب على المصدر لأن في { أحطنا } معنى خبرنا، أو بلغ مطلع ~~الشمس مثل ذلك أي كما بلغ مغربها، أو تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي ~~تغرب عليهم يعني أنهم كفرة مثلهم وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي ~~منهم على الكفر وإحسانه إلى من آمن منهم { ثم أتبع سببا ~~حتى إذا بلغ بين السدين } بين الجبلين وهما جبلان سد ~~ذو القرنين ما بينهما. { السدين } و { سدا ms0793 } مكي وأبو عمرو وحفص { ~~السدين } و { سدا } حمزة وعلي، وبضمهما: غيرهم. قيل: ما كان مسدودا ~~خلقة فهو مضموم، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح. وانتصب { بين } على ~~أنه مفعول به ل { بلغ } كما انجر بالإضافة في { هذا فراق بيني وبينك } ~~وكما ارتفع في # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وهذا المكان في ~~منقطع أرض الترك مما يلي المشرق { وجد من دونهما } من ورائهما { ~~قوما } هم الترك { لا يكادون يفقهون قولا } أي لا ~~يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها. { يفقهون } حمزة وعلي ~~أن لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لأن لغتهم غريبة مجهولة. # { قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج } هما ~~اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وهمزهما عاصم فقط. وهما من ولد يافث أو ~~يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم { مفسدون فى الأرض } ~~قيل كانوا يأكلون الناس. وقيل: كانوا يخرجوا أيام الربيع فلا يتركون ~~شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، ولا يموت أحدهم حتى ينظر ~~إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح. وقيل: هم على صنفين طوال مفرطو ~~الطول وقصار مفرطو القصر { فهل نجعل لك خرجا } { خراجا } ~~حمزة وعلي أي جعلا نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال { على ~~أن تجعل بيننا وبينهم سدا }. ### || [18.95-96] # { قال ما مكني } بالإدغام وبفكه مكي { فيه ربى خير } أي ما ~~جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار خير مما تبذلون لي من الخرج فلا ~~حاجة لي إليه { فأعينونى بقوة } بفعلة وصناع يحسنون البناء ~~والعمل وبالآلات { أجعل بينكم وبينهم ردما } جدارا ~~وحاجزا حصينا موثقا والردم أكبر من السد { ءاتوني زبر ~~الحديد } قطع الحديد والزبرة القطعة الكبيرة. قيل: حفر الأساس حتى ~~بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد ~~بينها الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ ~~حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى، فاختلط والتصق ~~بعضه وصار جلدا وصلدا، وقيل: بعدما بين السدين ms0794 فإنه فرسخ { حتى ~~إذا ساوى بين الصدفين } بفتحتين جانبي الجبلين لأنها ~~يتصادفان أي يتقابلان. { الصدفين } مكى وبصرى وشامي. { الصدفين } ~~أبو بكر { قال انفخوا } أي قال ذو القرنين للعملة: انفخوا في الحديد ~~{ حتى إذا جعله } أي المنفوخ فيه وهو الحديد { نارا } كالنار ~~{ قال آتونى } أعطوني { أفرغ } أصب { عليه قطرا } نحاسا ~~مذابا لأنه يقطر وهو منصوب ب { أفرغ } وتقديره آتوني قطرا أفرغ عليه ~~قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه { قال ائتوني } بوصل الألف: حمزة ~~وإذا ابتدأ كسر الألف أي جيئوني. ### || [18.97-101] # { فما اسطعوا } بحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من ~~الطاء { أن يظهروه } أن يعلوا السد { وما استطعوا له ~~نقبا } أي لا حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه ولا نقب لصلابته { قال ~~هذا رحمة من ربى } أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على ~~عباده، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته { فإذا جاء وعد ربى } ~~فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي { جعله } أي السد { دكاء ~~} أي مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك. { ~~دكاء } كوفي أي أرضا مستوية { وكان وعد ربى حقا } آخر قول ذي ~~القرنين { وتركنا } وجعلنا { بعضهم } بعض الخلق { يومئذ ~~يموج } يختلط { فى بعض } أي يطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى، ~~ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء ~~السد مزدحمين في البلاد. وروي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون ~~دوابه، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ~~والمدينة بيت المقدس، ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم فيدخل في آذانهم ~~فيموتون { ونفخ فى الصور } لقيام الساعة { فجمعنهم } أي ~~جمع الخلائق للثواب والعقاب { جمعا } تأكيد { وعرضنا جهنم ~~يومئذ للكفرين عرضا } وأظهرناها لهم فرأوها وشاهدوها { ~~الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكري } عن آياتي التي ~~ينظر إليها أو عن القرآن فأذكره بالتعظيم أو عن القرآن وتأمل معانيه { ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي وكانوا صما عنه إلا أنه أبلغ ~~إذ الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به ms0795 وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا ~~استطاعة بهم للسمع. ### || [18.102-108] # { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى ~~أولياء } أي أفظن الكفار اتخاذهم عبادي يعني الملائكة وعيسى عليهم ~~السلام أولياء نافعهم بئس ما ظنوا. وقيل: «أن» بصلتها سد مسد مفعولي { ~~أفحسب } و { عبادي أولياء } مفعولا { أن يتخذوا } وهذا أوجه يعني أنهم ~~لا يكونون لهم أولياء { إنا أعتدنا جهنم للكفرين ~~نزلا } هو ما يقام للنزيل وهو الضيف ونحوه فبشرهم بعذاب أليم { قل ~~هل ننبئكم بالأخسرين أعملا } { أعمالا } تمييز. ~~وإنما جمع والقياس أن يكون مفردا لتنوع الأهواء وهم أهل الكتاب أو ~~الرهبان { الذين ضل سعيهم } ضاع وبطل وهو في محل الرفع أي هم ~~الذين { فى الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بئايت ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم ~~يوم القيمة وزنا } فلا يكون لهم عندنا وزن ومقدار { ذلك ~~جزاؤهم جهنم } هي عطف بيان لجزاؤهم { بما كفروا ~~واتخذوا ءايتى ورسلى هزوا } أي جزاؤهم جهنم بكفرهم ~~واستهزائهم بآيات الله ورسوله. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات كانت لهم ~~جنت الفردوس نزلا خلدين فيها } حال { لا ~~يبغون عنها حولا } تحولا إلى غيرها رضا بما أعطوا. يقال: حال ~~من مكانه حولا أي لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم ~~وأمانيهم، وهذه غاية الوصف لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو ~~طامح مائل الطرف إلى أرفع منه، أو المراد نفي التحول وتأكيد الخلود # . ### || [18.109-110] # { قل لو كان البحر } أي ماء البحر { مدادا لكلمت ~~ربى } قال أبو عبيدة: المداد: ما يكتب به أي لو كتبت كلمات علم الله ~~وحكمته وكان البحر مدادا لها والمراد بالبحر الجنس { لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلمت ربى ولو جئنا بمثله } بمثل ~~البحر { مددا } لنفد أيضا والكلمات غير نافدة. و { مددا } تمييز نحو ~~«لي مثله رجلا» والمدد مثل المداد وهو ما يمد به. { ينفد } حمزة وعلي، ~~وقيل: قال حيي بن أخطب: في كتابكم # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269] ثم تقرؤون # وما أوتيتم من ms0796 العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] فنزلت يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله ~~{ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه } فمن ~~كان يأمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول، أو فمن كان يخاف سوء ~~لقاء ربه والمراد باللقاء القدوم عليه. وقيل: رؤيته كما هو حقيقة اللفظ ~~والرجاء على هذا مجرى على حقيقته { فليعمل عملا صلحا } ~~خالصا لا يريد به إلا وجه ربه ولا يخلط به غيره. وعن يحيى بن معاذ: هو ~~ما لا يستحي منه { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } هو نهي ~~عن الشرك أو عن الرياء قال صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الشرك الأصغر " # قالوا: وما الشرك الأصغر قال: # " الرياء " # قال صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن يخرج ~~الدجال في تلك الثمانية عصمه الله من فتنة الدجال، ومن قرأ { قل إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلي } إلى آخرها عند مضجعه كان له نور يتلألأ من مضجعه ~~إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه، وإن كان ~~مضجعه بمكة فتلاها كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك ~~النور ملائكة يصلون عليه ويستغفرون له حتى يستيقظ ". ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-4] # { كهيعص } قال السدي: هو اسم الله الأعظم، وقيل: هو اسم للسورة. قرأ علي ~~ويحيى بكسر الهاء والياء، ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وأبو ~~عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وحمزة بعكسه، وغيرهم بفتحهما { ذكر ~~رحمت ربك } خبر مبتدأ أي هذا ذكر { عبده } مفعول الرحمة { ~~زكريا } بالقصر: حمزة وعلي وحفص وهو بدل من { عبده } { إذ } ظرف ~~للرحمة { نادى ربه نداء خفيا } دعاه دعاء سرا كما هو ~~المأمور به وهو أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء، أو أخفاه لئلا يلام على ~~طلب الولد في أوان الكبر لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة { قال ~~رب } هذا تفسير الدعاء ms0797 وأصله «يا ربي» فحذف حرف النداء والمضاف إليه ~~اختصارا { إنى وهن العظم منى } ضعف. وخص العظم لأنه عمود ~~البدن وبه قوامه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه ~~فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية ~~والمراد أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد ~~أصابه الوهن، # { واشتعل الرأس شيبا } تمييز أي فشا في رأسي الشيب واشتعلت ~~النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلا، فشبه الشيب بشواظ النار في ~~بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار. ولا ترى ~~كلاما أفصح من هذا، ألا ترى أن أصل الكلام يا رب قد شخت إذ الشيخوخة ~~تشتمل على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض لهما، وأقوى منه ضعف بدني وشاب ~~رأسي ففيه مزيد التقرير للتفصيل، وأقوى منه وهنت عظام بدني، ففيه عدول عن ~~التصريح إلى الكناية فهي أبلغ منه، وأقوى منه أنا وهنت عظام بدني، وأقوى ~~منه إني وهنت عظام بدني، وأقوى منه إني وهنت العظام من بدني ففيه سلوك ~~طريقي الإجمال والتفصيل، وأقوى منه إني وهنت العظام مني ففيه ترك توسيط ~~البدن، وأقوى منه { إني وهن العظم مني } لشمول الوهن العظام فردا فردا ~~باعتبار ترك جمع العظم إلى الإفراد لصحه حصول وهن المجموع بالبعض دون كل ~~فرد فرد، ولهذا تركت الحقيقة في شاب رأسي إلى أبلغ وهي الاستعارة فحصل ~~اشتعل شيب رأسي، وأبلغ منه اشتعل رأسي شيبا لإسناد الاشتعال إلى مكان ~~الشعر ومنبته وهو الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل شيب ~~رأسي واشتعل رأسي شيبا، وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا ~~والفرق نير، ولأن فيه الإجمال والتفصيل كما عرف في طريق التمييز، وأبلغ ~~منه واشتعل الرأس مني شيبا لما مر، وأبلغ منه { واشتعل الرأس شيبا } ~~ففيه اكتفاء بعلم المخاطب إنه رأس زكريا بقرينة العطف على { وهن العظم } ~~{ ولم أكن بدعائك } مصدر مضاف إلى المفعول أي بدعائي إياك { ~~رب شقيا } أي كنت مستجاب ms0798 الدعوة قبل اليوم سعيدا به غير شقي فيه. ~~يقال: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي إذا خاب ولم ينلها. وعن بعضهم أن ~~محتاجا سأله وقال: أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا فقال: مرحبا بمن توسل ~~بنا إلينا وقت حاجته وقضى حاجته. ### || [19.5] # { وإني خفت الموالى } هم عصبته أخوته وبنو عمه وكانوا شرار ~~بني إسرائيل فخافهم أن يغيروا الدين وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته فطلب ~~عقبا صالحا من صلبه يقتدي به في إحياء الدين { من ورائى } بعد ~~موتي، وبالقصر وفتح الياء ك { هداي }: مكى. وهذا الظرف لا يتعلق ب { ~~خفت } لأن وجود خوفه بعد موته لا يتصور ولكن بمحذوف، أو بمعنى الولاية في ~~الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي، أو خفت ~~الذين يلون الأمر من ورائي { وكانت امرأتى عاقرا } عقيما لا ~~تلد { فهب لى من لدنك } اختراعا منك بلا سبب لأن امرأتي لا ~~تصلح للولادة { وليا } ابنا يلي أمرك بعدي. ### || [19.6-8] # { يرثنى ويرث } برفعهما صفة ل { وليا } أي هب لي ولدا وارثا ~~مني العلم ومن آل يعقوب النبوة، ومعنى وراثة النبوة أنه يصلح لأن يوحى ~~إليه ولم يرد أن نفس النبوة تورث. ويجزمهما: أبو عمرو وعلي على أنه جواب ~~للدعاء يقال: ورثته وورثت منه { من ءال يعقوب } يعقوب بن إسحاق { ~~واجعله رب رضيا } مرضيا ترضاه أو راضيا عنك وبحكمك فأجاب ~~الله تعالى دعاءه وقال: { يزكريا إنا نبشرك بغلم ~~اسمه يحيى } تولى الله تسميته تشريفا له. { نبشرك } بالتخفيف: ~~حمزة { لم نجعل له من قبل سميا } لم يسم أحد بيحيى قبله ~~وهذا دليل على أن الاسم الغريب جدير بالأثرة. وقيل: مثلا وشبيها ولم يكن ~~له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط وأنه ولد بين شيخ وعجوز وأنه كان ~~حصورا، فلما بشرته الملائكة. به # { قال رب أنى } كيف { يكون لي غلم } وليس هذا باستبعاد بل ~~هو استكشاف أنه بأي طريق يكون أيوهب له وهو وامرأته بتلك الحال أم يحولان ~~شابين { وكانت امرأتى عاقرا وقد ms0799 بلغت من الكبر ~~عتيا } أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود ~~اليابس من أجل الكبر والطعن في السن العالية { عتيا } و { صليا } و { ~~جثيا } و { بكيا } بكسر الأوائل: حمزة وعلي وحفص إلا في { بكيا }. ### || [19.9-13] # { قال كذلك } الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ { قال ~~ربك } أو نصب ب { قال } وذلك إشارة إلى مبهم يفسره { هو على ~~هين } أي خلق يحيى من كبيرين سهل { وقد خلقتك من قبل } أو ~~جدتك من قبل يحيى. { خلقناك } حمزة وعلي { ولم تك شيئا } لأن ~~المعدوم ليس بشيء { قال رب اجعل لى ءاية } علامة أعرف بها حبل ~~امرأتي { قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال ~~سويا } حال من ضمير تكلم أي حال كونك سوى الأعضاء واللسان يعني علامتك ~~أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح ما بك خرس ولا بكم. ودل ذكر ~~الليالي هنا والأيام في «آل عمران» على أن المنع من الكلام استمر به ~~ثلاثة أيام ولياليهن، إذ ذكر الأيام يتناول ما بإزائها من الليالي وكذا ~~ذكر الليالي يتناول ما بإزائها من الأيام عرفا { فخرج على ~~قومه من المحراب } من موضع صلاته وكانوا ينتظرونه ولم يقدر أن ~~يتكلم { فأوحى إليهم } أشار بإصبعه { أن سبحوا } صلوا ~~و«أن» هي المفسرة { بكرة وعشيا } صلاة الفجر والعصر { يا ~~يحيى } أي وهبنا له يحيى وقلنا له بعد ولادته وأوان الخطاب يا يحيى { ~~خذ الكتب } التوراة { بقوة } حال أي بجد واستظهار بالتوفيق ~~والتأييد { وآتيناه الحكم } الحكمة وهو فهم التوراة والفقه في ~~الدين { صبيا } حال. قيل: دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي فقال: ما ~~للعب خلقنا { وحنانا } شفقة ورحمة لأبويه وغيرهما عطفا على الحكم { ~~من لدنا } من عندنا { وزكوة } أي طهارة وصلاحا فلم يعمد ~~بذنب { وكان تقيا } مسلما مطيعا. ### || [19.14-18] # { وبرا بولديه } وبارا بهما لا يعصيهما { ولم يكن ~~جبارا } متكبرا { عصيا } عاصيا لربه { وسلم عليه } ~~أمان من الله له { يوم ولد } من أن يناله الشيطان { ويوم ~~يموت } من فتاني القبر { ويوم يبعث حيا } من الفزع ms0800 الأكبر. ~~قال ابن عيينة: إنها أوحش المواطن. # { واذكر } يا محمد { فى الكتب } القرآن { مريم } أي اقرأ ~~عليهم في القرآن قصة مريم ليقفوا عليها ويعلموا ما جرى عليها { إذ } ~~بدل من مريم بدل اشتمال إذ الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه أن المقصود ~~بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيه { انتبذت من ~~أهلها } أي اعتزلت { مكانا } ظرف { شرقيا } أي تخلت للعبادة ~~في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس. وقيل: ~~قعدت في مشرقه للاغتسال من الحيض { فاتخذت من دونهم حجابا } ~~جعلت بينها وبين أهلها حجابا يسترها لتغتسل وراءه { فأرسلنا ~~إليها روحنا } جبريل عليه السلام والإضافة للتشريف، وإنا سمي ~~روحا لأن الدين يحيا به وبوحيه { فتمثل لها بشرا } أي فتمثل ~~لها جبريل في صورة آدمى شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر { سويا } ~~مستوى الخلق. وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ~~ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه { قالت ~~إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا } أي إن كان ~~يرجى منك أن تتقي الله فإني عائذة به منك. ### || [19.19-22] # { قال } جبريل عليه السلام { إنما أنا رسول ربك } أمنها ~~مما خافت وأخبر أنه ليس بآدمي بل هو رسول من استعاذت به { لأهب لك ~~} بإذن الله تعالى، أو لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع { ليهب ~~لك } أي الله: أبو عمرو ونافع. { غلما زكيا } ظاهرا من الذنوب ~~أو ناميا على الخير والبركة. # { قالت أنى } كيف { يكون لي غلم } ابن { ولم ~~يمسسنى بشر } زوج بالنكاح { ولم أك بغيا } فاجرة تبغي ~~الرجال أي تطلب الشهوة من أي رجل كان ولا يكون الولد عادة إلا من أحد ~~هذين، والبغي فعول عند المبرد «بغوي» فقلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت العين ~~إتباعا ولذا لم تلحق تاء التأنيث كما لم تلحق في «امرأة صبور وشكور» ~~وعند غيره هي «فعيل» ولم تلحقها الهاء لأنها بمعنى «مفعولة» وإن كانت ~~بمعنى فاعلة فهو قد يشبه ms0801 به مثل # إن رحمة الله قريب # [الأعراف: 56] { قال } جبريل { كذلك } أي الأمر كما قلت: لم يمسسك ~~رجل نكاحا أو سفاحا { قال ربك هو على هين } أي إعطاء ~~الولد بلا أب علي سهل { ولنجعله ءاية للناس } تعليل ~~معلله محذوف أي ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك، أو هو معطوف على تعليل مضمر ~~أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية للناس أي عبرة وبرهانا على قدرتنا { ~~ورحمة منا } لمن أمن به { وكان } خلق عيسى { أمرا ~~مقضيا } مقدرا مسطورا في اللوح فلما أطمأنت إلى قوله دنا منها ~~فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها { فحملته } أي الموهوب ~~وكانت سنها ثلاث عشرة سنة أو عشرا أو عشرين { فانتبذت به } ~~اعتزلت وهو في بطنها، والجار والمجرور في موضع الحال، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: كانت مدة الحمل ساعة واحدة كما حملته نبذته. وقيل: ستة أشهر. ~~وقيل: سبعة. وقيل: ثمانية: ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى. وقيل: ~~حملته في ساعة ووضعته في ساعة { مكانا قصيا } بعيدا من أهلها ~~وراء الجبل وذلك لأنها لما أحست بالحمل هربت من قومها مخافة اللائمة. ### || [19.23-24] # { فأجاءها } جاء بها. وقيل: ألجأها وهو منقول من جاء إلا أن ~~استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، ألا تراك لا تقول جئت ~~المكان وأجاءنيه زيد { المخاض } وجمع الولادة { إلى جذع ~~النخلة } أصلها وكان يابسة وكان الوقت شتاء وتعريفها مشعر بأنها ~~كانت نخلة معروفة وجاز أن يكون التعريف للجنس أي جذع هذه الشجرة كأنه ~~تعالى أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب لأنه حرسة النفساء أي ~~طعامها. ثم { قالت } جزعا مما أصابها { يليتنى مت قبل ~~هذا } اليوم { مت } مدني وكوفي غير أبي بكر، وغيرهم: بالضم. ~~يقال: مات يموت ومات يمات { وكنت نسيا منسيا } شيئا متروكا ~~لا يعرف ولا يذكر. بفتح النون: حمزة وحفص، بالكسر: غيرهما ومعناهما واحد ~~وهو الشيء الذي حقه أن يطرح وينسى لحقارته { فناداها من تحتها } ~~ { من } أي الذي تحتها ف { من } فاعل وهو جبريل عليه السلام لأنه ~~كان بمكان منخفض عنها، ms0802 أو عيسى عليه السلام لأنه خاطبها من تحت ذيلها. { ~~من تحتها } مدني وكوفي سوى أبي بكر والفاعل مضمر وهو عيسى عليه السلام، ~~أو جبريل والهاء في { تحتها } للنخلة. ولشدة ما لقيت سليت بقوله { ألا ~~تحزنى } لا تهتمي بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومقالة الناس و«أن» ~~بمعنى أي { قد جعل ربك تحتك } بقربك أو تحت أمرك إن أمرته ~~أن يجري جري وإن أمرته أن يقف وقف { سريا } نهرا صغيرا عند ~~الجمهور، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السري فقال: هو الجدول. وعن ~~الحسن: سيدا كريما يعني عيسى عليه السلام. وروي أن خالد بن صفوان قال: ~~له إن العرب تسمي الجدول سريا فقال الحسن: صدقت ورجع إلى قوله. وقال: ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ضرب عيسى أو جبريل عليهما السلام بعقبه الأرض ~~فظهرت عين ماء عذب فجرى النهر اليابس فاخضرت النخلة وأثمرت وأينعت ثمرتها ~~فقيل لها ### || [19.25-26] # { وهزي } حركي { إليك } إلى نفسك { بجذع النخلة } قال ~~أبو علي: الباء زائدة أي هزي جذع النخلة. # { تسقط عليك } بإدغام التاء الأولى في الثانية: مكي ومدني ~~وشامي وأبو عمرو وعلي وأبو بكر، والأصل تتساقط بإظهار التاءين { وتساقط } ~~بفتح التاء والقاف وطرح التاء الثانية وتخفيف السين: حمزة. و { يساقط } ~~بفتح الياء والقاف وتشديد السين: يعقوب وسهل وحماد ونصير. و { تساقط } ~~حفص من المفاعلة. و { تسقط } و { يسقط } وتسقط ويسقط التاء ~~للنخلة والياء للجذع فهذه تسع قراءات { رطبا } تمييز أو مفعول به على ~~حسب القراءة { جنيا } طريا وقالوا: التمر للنفساء عادة من ذلك ~~الوقت. وقيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض من العسل { فكلى } ~~من الجني { واشربى } من السري { وقرى عينا } بالولد الرضي و { ~~عينا } تمييز أي طيبي نفسا بعيسى وارفضي عنك ما أحزنك { فإما } أصله ~~إن ما فضمت إن الشرطية إلى ما وأدغمت فيها { ترين من البشر ~~أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما } أي فإن رأيت ~~آدميا يسألك عن حالك فقولي إني نذرت للرحمن صمتا وإمساكا عن الكلام، ~~وكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الأكل ms0803 والشرب. وقيل: صياما حقيقة ~~وكان صيامهم فيه الصمت فكان إلتزامه إلتزامه، وقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن صوم الصمت فصار ذلك منسوخا فينا. وإنما أمرت أن تنذر ~~السكوت لأن عيسى عليه السلام يكفيها الكلام بما يبرىء به ساحتها ولئلا ~~تجادل السفهاء، وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب وما قدع سفيه ~~بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض. وإنما أخبرتهم بأنها نذرت ~~الصوم بالإشارة وقد تسمى الإشارة كلاما وقولا ألا ترى أن قول الشاعر في ~~وصف القبور # وتكلمت عن أوجه تبلى # وقيل: كان وجوب الصمت بعد هذا الكلام أو سوغ لها هذا القدر بالنطق { ~~فلن أكلم اليوم إنسيا } آدميا. ### || [19.27-30] # { فأتت به } بعيسى { قومها } بعد ما طهرت من نفاسها { ~~تحمله } حال منها أي أقبلت نحوهم حاملة إياه فلما رأوه معها { ~~قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا } بديعا عجيبا ~~والفري القطع كأنه يقطع العادة { ياأخت هرون } وكان أخاها من ~~أبيها ومن أفضل بني إسرائيل، أو هو أخو موسى عليه السلام وكانت من أعقابه ~~وبينهما ألف سنة وهذا كما يقال يا أخا همدان أي يا واحدا منهم، أو رجل ~~صالح أو طالح من زمانها شبهوها به في الصلاح أو شتموها به { ما كان ~~أبوك } عمران { امرأ سوء } زانيا { وما كانت أمك } حنة ~~{ بغيا } زانية { فأشارت إليه } إلى عيسى أن يجيبهم وذلك أن ~~عيسى عليه السلام قال لها: لا تحزني وأحيلي بالجواب علي. وقيل: أمرها ~~جبريل بذلك. ولما أشارت إليه غضبوا وتعجبوا و { قالوا كيف نكلم ~~من كان } حدث ووجد { فى المهد } المعهود { صبيا } حال { ~~قال إنى عبد الله } ولما أسكتت بأمر الله لسانها الناطق أنطق ~~الله لها اللسان الساكت حتى اعترف بالعبودية وهو ابن أربعين ليلة أو ابن ~~يوم، روي أنه أشار بسبابته وقال بصوت رفيع { إني عبد الله } وفيه رد لقول ~~النصارى { آتانيالكتب } الإنجيل { وجعلنى نبيا } روي ~~عن الحسن أنه كان في المهد نبيا وكلامه معجزته. وقيل: معناه أن ذلك سبق ~~في قضائه أو جعل الآتي لا ms0804 محالة كأنه وجد # . ### || [19.31-34] # { وجعلنى مباركا أين ما كنت } نفاعا حيث كنت أو معلما ~~للخير { وأوصانى } وأمرني { بالصلاة والزكاة } إن ملكت مالا. وقيل: ~~صدقة الفطر أو تطهير البدن، ويحتمل وأوصاني بأن آمركم بالصلاة والزكاة { ~~ما دمت حيا } نصب على الظرف أي مدة حياتي { وبرا بوالدتى ~~} عطفا على { مباركا } أي بارا بها أكرمها وأعظمها { ولم ~~يجعلنى جبارا } متكبرا { شقيا } عاقا { والسلم ~~على يوم ولدت } { يوم } ظرف والعامل فيه الخبر وهو { علي } ~~{ ويوم أموت ويوم أبعث حيا } أي ذلك السلام الموجه إلى ~~يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي إن كان حرف التعريف للعهد، وإن كان ~~للجنس فالمعنى وجنس السلام علي، وفيه تعريض باللعنة على أعداء مريم ~~وابنهالأنه إذا قال: وجنس السلام على، وفيه تعريف باللغة على أعداء مريم ~~وابنها لأنه إذا قال وجنس السلام علي، فقد عرض بأن ضده عليكم إذ المقام ~~مقام مناكرة وعناد فكان مئنة لمثل هذا التعريض. # { ذلك } مبتدأ { عيسى } خبره { ابن مريم } نعته أو خبر ثان ~~أي ذلك الذي قال: إني كذا وكذا عيسى ابن مريم لا كما قالت النصارى: إنه ~~إله أو ابن الله { قول الحق } كلمة الله فالقول الكلمة والحق ~~الله، وقيل: له كلمة الله لأنه ولد بقوله كن بلا واسطة أب. وارتفاعه على ~~أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من عيسى. ونصبه شامي وعاصم ~~على المدح أو على المصدر أي أقول قول الحق هو ابن مريم وليس بإله كما ~~يدعونه { الذى فيه يمترون } يشكون من المرية الشك أو يختلفون ~~من المراء، فقالت اليهود: ساحر كذاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ~~ثلاثة. ### || [19.35-38] # { ما كان لله } ما ينبغي له { أن يتخذ من ولد } جيء ب ~~{ من } لتأكيد النفي { سبحنه } نزه ذاته عن اتخاذ الولد { إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } بالنصب شامي أي ~~كما قال: لعيسى كن فكان من غير أب ومن كان متصفا بهذا كان منزها أن يشبه ~~الحيوان الوالد { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } ~~بالكسر شامي وكوفي على ms0805 الابتداء وهو من كلام عيسى يعني كما أنا عبده ~~فأنتم عبيده، علي وعليكم أن نعبده. ومن فتح عطف على { بالصلاة } أي ~~وأوصاني بالصلاة وبالزكاة وبأن الله ربي وربكم، أو علقه بما بعده أي لأن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه { هذا } الذي ذكرت { صرط مستقيم } ~~فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا. # { فاختلف الأحزاب } الحزب الفرقة المنفردة برأيها عن غيرها وهم ~~ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية { من بينهم } من بين أصحابه ~~أو من بين قومه أو من بين الناس، وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى حين ~~رفع ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة كانوا عندهم أعلم أهل زمانهم ~~وهم: يعقوب ونسطور وملكان. فقال يعقوب: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد ~~إلى السماء. وقال: نسطور كان ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إليه. وقال ~~الثالث: كذبوا كان عبدا مخلوقا نبيا فتبع كل واحد منهم قوم { فويل ~~للذين كفروا } من الأحزاب إذ الواحد منهم على الحق { من ~~مشهد يوم عظيم } هو يوم القيامة أو من شهودهم هول الحساب ~~والجزاء في يوم القيامة، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وأن تشهد عليهم # الملائكة والأنبياء وجوارحهم بالكفر، أو من مكان الشهادة أو وقتها، أو ~~المراد يوم اجتماعهم للتشاور فيه وجعله عظيما لفظاعة ما شهدوا به في ~~عيسى { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } الجمهور على أن ~~لفظه أمر ومعناه التعجب والله تعالى لا يوصف بالتعجب ولكن المراد أن ~~إسماعهم وإبصارهم جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صما وعميا في ~~الدنيا. قال قتادة: إن عموا وصموا عن الحق في الدنيا فما أسمعهم وما ~~أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم! و { بهم } مرفوع المحل على الفاعلية «كأكرم ~~بزيد» فمعناه كرم زيد جدا { لكن الظلمون اليوم } أقيم ~~الظاهر مقام المضمر أي لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا ~~الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ووضعوا العبادة في غير موضعها { فى ~~ضلل } عن الحق { مبين } ظاهر وهو اعتقادهم عيسى إلها معبودا ~~مع ظهور آثار الحدث فيه إشعارا بأن لا ظلم ms0806 أشد من ظلمهم. ### || [19.39-41] # { وأنذرهم } خوفهم { يوم الحسرة } يوم القيامة لأنه يقع ~~فيه الندم على مافات، وفي الحديث # " إذا رأوا منازلهم في الجنة أن لو آمنوا " # { إذ } بدل من { يوم الحسرة } أو ظرف للحسرة وهو مصدر { قضى ~~الأمر } فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار { وهم فى ~~غفلة } هنا عن الاهتمام لذلك المقام { وهم لا يؤمنون } لا ~~يصدقون به { وهم } { وهم } حالان أي وأنذرهم على هذا الحال غافلين غير ~~مؤمنين { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } أي نتفرد ~~بالملك والبقاء عند تعميم الهلك والفناء وذكر من لتغليب العقلاء { ~~وإلينا يرجعون } بضم الياء وفتح الجيم وفتح الياء: يعقوب أي ~~يردون فيجازون جزاء وفاقا. # { واذكر } لقومك { فى الكتب } القرآن { إبراهيم } قصته ~~مع أبيه { إنه كان صديقا نبيا } بغير همز وهمزة نافع. قيل: ~~الصادق المستقيم في الأفعال والصديق المستقيم في الأحوال، فالصديق من ~~أبنية المبالغة ونظيرة الضحيك والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب ~~الله وآياته وكتبه ورسله أي كان مصدقا لجميع الأنبياء وكتبهم وكان نبيا ~~في نفسه، وهذه الجملة وقعت اعتراضا بين إبراهيم وبين ما هو بدل منه وهو. ### || [19.42-45] # { إذ قال } وجاز أن يتعلق { إذا } ب { كان } أو ب { صديقا نبيا ~~} أي كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات ~~والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه ~~إياهم كقوله # واتل عليهم نبأ إبراهيم # [الشعراء: 69] وإلا فالله عز وعلا هو ذاكره ومورده في تنزيله { ~~لأبيه يأبت } بكسر التاء وفتحها. ابن عامر والتاء عوض من ياء ~~الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه { لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } المفعول فيهما منسي غير منوي ~~ويجوز أن يقدر أي لا يسمع شيئا ولا يبصر شيئا { ولا يغنى عنك ~~شيئا } يحتمل أن يكون شيئا في موضع المصدر أي شيئا من الإغناء وأن ~~يكون مفعولا به من قولك أغن عني وجهك أي بعد { يأبت إنى قد ~~جاءنى من العلم } الوحي ms0807 أو معرفة الرب { ما لم يأتك } ~~«ما» في { ما لا يسمع } و { ما لم يأتك } يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة ~~{ فاتبعنى أهدك } أرشدك { صراطا سويا } مستقيما { ~~يأبت لا تعبد الشيطن } لا تطعه فيما سول من عبادة ~~الصنم { إن الشيطن كان للرحمن عصيا } عاصيا. { ~~يأبت إنى أخاف } قيل أعلم { أن يمسك عذاب من ~~الرحمن فتكون للشيطن وليا } قرينا في النار تليه ~~ويليك فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن كما أمر ~~ففي الحديث # " «أوحي إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل ~~الأبرار» " # فطلب منه أولا العلة في خطئه طلب منه على تماديه موقظ لإفراطه وتناهيه، ~~لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم الأنبياء كان محكوما عليه بالغي ~~المبين فكيف بمن يعبد حجرا أو شجرا لا يسمع ذكر عابده ولا يرى هيئات ~~عبادته ولا يدفع عنه بلاء ولا يقضي له حاجة؟ ثم ثنى بدعوته إلى الحق ~~مترفقا به متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ~~ولكنه قال: إن معي شيئا من العلم ليس معك وذلك علم الدلالة على الطريق ~~السوي، فهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من ~~أن تضل وتتيه، ثم ثلث بنهيه عما كان عليه بأن الشيطان الذي عصى الرحمن ~~الذي جميع النعم منه أوقعك في عبادة الصنم وزينها لك فأنت عابده في ~~الحقيقة، ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة وما يجره ما هو فيه من التبعة ~~والوبال مع مراعاة الأدب حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق به وأن العذاب لاصق ~~به بل قال: أخاف أن يمسك عذاب بالتنكير المشعر بالتقليل كأنه قال: إني ~~أخاف أن يصيبك نفيان من عذاب الرحمن وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة ~~أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب في ~~نفسه وصدر كل نصيحة بقوله { يا أبت } توسلا إليه واستعطافا وإشعارا ~~بوجوب احترام الأب وإن كان كافرا فثم. ### || [19.46-47] # { قال } آزر توبيخا: { أراغب أنت عن الهتى يإبرهيم ms0808 ~~} أي أترغب عن عبادتها فناداه باسمه ولم يقابل { يا أبت } ب «يا بني» ~~وقدم الخبر على المبتدأ لأنه كان أهم عنده { لئن لم تنته } عن ~~شتم الأصنام { لأرجمتك } لأقتلنك بالرجام أو لأضربنك بها حتى ~~تتباعد أو لأشتمنك { واهجرنى } عطف على محذوف يدل عليه { لأرجمنك } ~~تقديره فاحذرني واهجرني { مليا } ظرف أي زمانا طويلا من الملاوة { ~~قال سلم عليك } سلام توديع ومتاركة أو تقريب وملاطفة ولذا ~~وعده بالاستغفار بقوله: { سأستغفر لك ربي } سأسأل الله أن ~~يجعلك من أهل المغفرة بأن يهديك للإسلام { إنه كان بى حفيا } ~~ملطفا بعموم النعم أو رحيما أو مكرما والحفاوة الرأفة والرحمة ~~والكرامة. ### || [19.48-52] # { وأعتزلكم } أراد بالاعتزال المهاجرة من أرض بابل إلى الشام { ~~وما تدعون من دون الله } أي ما تعبدون من أصنامكم { ~~وادعوا } وأعبد { ربى } ثم قال تواضعا وهضما للنفس ومعرضا ~~بشقاوتهم بدعاء آلهتهم { عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا } ~~أي كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام { فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله } فلما اعتزل الكفار ومعبودهم { وهبنا ~~له إسحق } ولدا { ويعقوب } نافلة ليستأنس بهما { وكلا ~~} كل واحد منهما { جعلنا نبيا } أي لما ترك الكفار الفجار لوجهه ~~عوضه أولادا مؤمنين أنبياء { ووهبنا لهم من رحمتنا } هي ~~المال والولد { وجعلنا لهم لسان صدق } ثناء حسنا وهو ~~الصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم في الصلوات، وعبر باللسان عما يوجد ~~باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية { عليا } رفيعا ~~مشهورا. # { واذكر فى الكتب موسى إنه كان مخلصا } كوفي: ~~غير المفضل، أي أخلصه الله واصطفاه، و { مخلصا } بالكسر غيرهم أي أخلص ~~هو العبادة لله تعالى فهو مخلص بماله من السعادة بأصل الفطرة، ومخلص فيما ~~عليه من العبادة بصدق الهمة { وكان رسولا نبيا } الرسول الذي ~~معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه ~~كتاب كيوشع { وندينه } دعوناه وكلمناه ليلة الجمعة { من ~~جانب الطور } هو جبل بين مصر ومدين { الأيمن } من اليمين أي من ~~ناحية اليمين، والجمهور على أن المراد أيمن موسى عليه السلام لأن ms0809 الجبل ~~لا يمين له، والمعنى أنه حين أقبل من مدين يريد مصر نودي من الشجرة وكانت ~~في جانب الجبل على يمين موسى عليه السلام { وقربناه } تقريب منزلة ~~ومكانة لا منزل ومكان { نجيا } حال أي مناجيا كنديم بمعنى منادم. ### || [19.53-57] # { ووهبنا له من رحمتنا } من أجل رحمتنا له وترؤفنا عليه { ~~أخاه } مفعول { هرون } بدل منه { نبيا } حال أي وهبنا له ~~نبوة أخيه وإلا فهارون كان أكبر سنا منه. # { واذكر فى الكتب إسمعيل } هو ابن إبراهيم في الأصح { ~~إنه كان صدق الوعد } وافيه. وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى ~~يعود إليه فانتظره سنة في مكانه حتى عاد، وناهيك أنه وعد من نفسه الصبر ~~على الذبح فوفى. وقيل لم يعد ربه موعدا إلا أنجزه، وإنما خصه بصدق الوعد ~~وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له ولأنه المشهور من خصاله ~~{ وكان رسولا } إلى جرهم { نبيا } مخبرا منذرا { وكان ~~يأمر أهله } أمته لأن النبي أبو أمته وأهل بيته وفيه دليل على ~~أنه لم يداهن غيره { بالصلاة والزكاة } يحتمل أنه إنما خصت هاتان ~~العبادتان لأنهما أما العبادات البدنية والمالية { وكان عند ربه ~~مرضيا } قرئ { مرضوا } على الأصل { واذكر فى الكتب ~~إدريس } هو أخنوخ أول مرسل بعد آدم عليه السلام، وأول من خط بالقلم ~~وخاط اللباس ونظر في علم النجوم والحساب واتخذ الموازين والمكاييل ~~والأسلحة فقاتل بني قابيل. وقولهم سمي به لكثرة دراسته كتب الله لا يصح ~~لأنه لو كان «أفعيلا» من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية ~~وكان منصرفا فامتناعه من الصرف دليل العجمة { إنه كان صديقا ~~نبيا } أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة { ورفعناه مكانا ~~عليا } هو شرف النبوة والزلفى عند الله. وقيل: معناه رفعته الملائكة ~~إلى السماء الرابعة، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ~~فيها. وعن الحسن: إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة وذلك أنه حبب لكثرة ~~عبادته إلى الملائكة فقال: لملك الموت أذقني الموت يهن علي ففعل ذلك ~~بإذن الله فحيى وقال: أدخلني النار أزدد ms0810 رهبة ففعل، ثم قال: أدخلني الجنة ~~أزدد رغبة، ثم قال: اخرج فقال: قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج ~~من الجنة فقال الله عز وجل: بإذني فعل وبإذني دخل فدعه. ### || [19.58-59] # { أولئك } إشارة إلى المذكورين في السورة من زكرياء إلى إدريس { ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين } «من» للبيان ~~لأن جميع الأنبياء منعم عليهم { من ذرية ءادم } «من» للتبعيض ~~وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح { وممن حملنا ~~مع نوح } إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه ولد سام بن نوح { ومن ~~ذرية إبرهيم } إسماعيل وإسحاق ويعقوب { وإسرءيل } أي ومن ~~ذرية إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى لأن مريم من ~~ذريته { وممن } يحتمل العطف على «من» الأولى والثانية { هدينا } ~~لمحاسن الإسلام { واجتبينا } من الأنام أو لشرح الشريعة وكشف ~~الحقيقة { إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن } أي إذا تليت عليهم كتب الله ~~المنزلة وهو كلام مستأنف. إن جعلت { الذين } خبرا ل { أولئك } وإن ~~جعلته صفة له كان خبرا. { يتلى } بالياء: قتيبة لوجود الفاصل مع أن ~~التأنيث غير حقيقي { خروا سجدا } سقطوا على وجوههم رغبة { ~~وبكيا } باكين رهبة جمع باك كسجود وقعود في جمع ساجد وقاعد في ~~الحديث # " اتلوا القرآن وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا " # وعن صالح المري: قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المنام فقال لي يا صالح: # " هذه القراءة فأين البكاء؟ " # ويقول في سجود التلاوة سبحان ربي الأعلى ثلاثا. # { فخلف من بعدهم } فجاء من بعد هؤلاء المفضلين { خلف } ~~أولاد سوء وبفتح اللام العقب الخير. عن ابن عباس: هم اليهود { أضاعوا ~~الصلاة } تركوا الصلاة المفروضة { واتبعوا الشهوت } ملاذ ~~النفوس. وعن علي رضي الله عنه: من بنى الشديد وركب المنظور ولبس ~~المشهور. وعن قتادة رضي الله عنه: هو في هذه الأمة { فسوف يلقون ~~غيا } جزاء غي وكل شر عند العرب غي وكل خير رشاد. وعن ابن عباس وابن ~~مسعود: هو واد في جهنم أعد للمصرين على الزنا وشارب الخمر وآكل ms0811 الربا ~~والعاق وشاهد الزور. ### || [19.60-62] # { إلا من تاب } رجع عن كفره { وآمن } بشرطه { وعمل ~~صلحا } بعد إيمانه { فأولئك يدخلون الجنة } بضم ~~الياء وفتح الخاء: مكي وبصري وأبو بكر { ولا يظلمون شيئا } أي ~~لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه بل يضاعف لهم أو لا يظلمون ~~شيئا من الظلم { جنت } بدل من { الجنة } لأن الجنة تشتمل على جنات ~~عدن لأنها جنس أو نصب على المدح { عدن } معرفة لأنها علم لمعنى العدن ~~وهو الإقامة أو علم لأرض الجنة لكونها مقام إقامة { التى وعد ~~الرحمن عباده } أي عباده التائبين المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات كما سبق ذكرهم ولأنه أضافهم إليه وهو للاختصاص وهؤلاء أهل ~~الاختصاص { بالغيب } أي وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم ~~غائبون عنها لا يشاهدونها { إنه } ضمير الشأن أو ضمير الرحمن { كان ~~وعده } أي موعوده وهو الجنة { مأتيا } أي هم يأتونها { لا ~~يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } فحشا أو كذبا أو ما لا طائل ~~تحته من الكلام وهو المطروح منه، وفيه تنبيه على وجوب تجنب اللغو واتقائه ~~حيث نزه الله عنه داره التي لا تكليف فيها { إلا سلما } أي لكن ~~يسمعون سلاما من الملائكة أو من بعضهم على بعض، أو لا يسمعون فيها إلا ~~قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة فهو استثناء منقطع عند الجمهور. ~~وقيل: معنى السلام هو الدعاء بالسلامة ولما كان أهل دار السلام أغنياء عن ~~الدعاء بالسلامة، كان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من ~~فائدة الإكرام { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } أي ~~يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار من الدنيا إذ لا ليل ولا نهار، ثم ~~لأنهم في النور أبدا وإنما يعرفون مقدار النهار برفع الحجب ومقدار الليل ~~بإرخائها. والرزق بالبكرة والعشي أفضل العيش عند العرب فوصف الله جنته ~~بذلك. وقيل أراد دوام الرزق كما تقول «أنا عند فلان بكرة وعشيا» تريد ~~الدوام. ### || [19.63-65] # { تلك الجنة التى نورث من عبادنا } أي نجعلها ميراث ~~أعمالهم يعني ثمرتها وعاقبتها. وقيل: يرثون المساكن التي كانت ms0812 لأهل النار ~~آمنوا لأن الكفر موت حكما { من كان تقيا } عن الشرك. # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال: # " يا جبريل ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا " # فنزل { وما نتنزل إلا بأمر ربك } والتنزل على معنيين ~~معنى النزول على مهل ومعنى النزول على الإطلاق والأول أليق هنا يعني أن ~~نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله { له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك ~~نسيا } أي له ما قدامنا وما خلفنا من الأماكن وما نحن فيها فلا ~~نتمالك أن ننتقل من مكان إلى مكان إلا بأمر الملك ومشيئته، وهو الحافظ ~~العالم بكل حركة وسكون وما يحدث من الأحوال لا تجوز عليه الغفلة والنسيان ~~فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا أذن لنا فيه { رب السموت ~~والأرض وما بينهما } بدل من { ربك } أو خبر مبتدأ محذوف أي هو ~~رب السماوات والأرض. ثم قال: لرسوله لما عرفت أنه متصف بهذه الصفات { ~~فاعبده } فاثبت على عبادته { واصطبر لعبادته } أي اصبر ~~على مكافأة الحسود، لعبادة المعبود، واصبر على المشاق، لأجل عبادة ~~الخلاق، أي لتتمكن من الإتيان بها { هل تعلم له سميا } شبيها ~~ومثلا، أو هل يسمى أحد باسم الله غيره لأنه مخصوص بالمعبود بالحق أي إذا ~~صح أن لا معبود توجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده لم يكن بد من ~~عبادته والاصطبار على مشاقها. # فتهافت أبي بن خلف عظما وقال: أنبعث بعدما صرنا كذا؟ فنزل ### || [19.66-68] # { ويقول الإنسن أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } ~~والعامل في { إذا } ما دل عليه الكلام وهو أبعث أي إذا مامت أبعث ~~وانتصابه ب { أخرج } ممتنع لأن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها ~~فلا تقول «اليوم لزيد قائم» ولام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى ~~الحال وتؤكد مضمون الجملة، فلما جامعت حرف الاستقبال خلصت للتوكيد واضمحل ~~معنى الحال. و«ما» في «إذا ما» للتوكيد أيضا فكأنه قال: «أحقا إنا ~~سنخرج من القبور أحياء حين ms0813 يتمكن فينا الموت والهلاك» على وجه الاستنكار ~~والاستبعاد. وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو ~~وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم { أو لا يذكر ~~إلإنسن } خفيف شامي ونافع وعاصم من الذكر، والسائر بتشديد الذال ~~والكاف وأصله يتذكر كقراءة أبي فأدغمت التاء في الذال أي أو لا يتدبر، ~~والواو عطفت { لا يذكر } على { يقول } ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف ~~عليه وحرف العطف يعني أيقول ذلك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر ~~النشأة الأخرى فإن تلك أدل على قدرة الخالق حيث أخرج الجواهر والأعراض من ~~العدم إلى الوجود. وأما الثانية فليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة ~~وردها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفريق { أنا خلقناه من ~~قبل } من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه { ولم يك ~~شيئا } هو ذليل على ما بينا وعلى أن المعدوم ليس بشيء خلافا للمعتزلة ~~{ فوربك لنحشرنهم } أي الكفار المنكرين للبعث { ~~والشيطين } الواو للعطف وبمعنى «مع» أوقع أي يحشرون مع قرنائهم ~~من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفي أقسام ~~الله باسمه ومضافا إلى رسوله تفخيم لشأن رسوله { ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا } حال جمع جاث أي بارك على ~~الركب ووزنه «فعول» لأن أصله «جثوو» كسجود وساجد أي يعتلون من المحشر إلى ~~شاطىء جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف جثاة على ركبهم ~~غير مشاة على أقدامهم. ### || [19.69-71] # { ثم لننزعن من كل شيعة } طائفة شاعت أي تبعت غاويا من ~~الغواة { أيهم أشد على الرحمن عتيا } جرأة أو ~~فجورا أي لنخرجن من كل طائفة من طوائف الغي أعتاهم فأعتاهم، فإذا ~~اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب، نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم. ~~وقيل: المراد بأشدهم عتيا الرؤساء لتضاعف جرمهم لكونهم ضلالا ومضلين. ~~قال سيبويه: { أيهم } مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته وهو ~~«هو» من «هو أشد» حتى لو جيء به لأعرب بالنصب، وقيل: أيهم هو أشد وهذا ~~لأن الصلة توضح الموصول ms0814 وتبينه كما أن المضاف إليه يوضح المضاف ويخصصه، ~~فكما أن خذف المضاف إليه في «من قبل» يوجب بناء المضاف وجب أن يكون حذف ~~الصلة أو شيء منها موجبا للبناء وموضعها نصب ب «نزع»، وقال الخليل: هي ~~معربة وهو مبتدأ وأشد خبره وهو رفع على الحكاية تقديره: لننزعن الذين ~~يقال فيهم أيهم أشد على الرحمن عتيا. ويجوز أن يكون النزع واقعا على { ~~من كل شيعة } كقوله { ووهبنا لهم من رحمتنا } أي لننزعن بعض كل شيعة فكأن ~~قائلا قال: من هم؟ فقيل: أيهم أشد عتيا، و«على» يتعلق بأفعل أي عتوهم ~~أشد على الرحمن { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى ~~بها } أحق بالنار { صليا } تمييز أو دخولا والباء تتعلق ب { أولى ~~} { وإن منكم } أحد { إلا واردها } داخلها والمراد النار ~~والورود: الدخول عند علي وابن عباس رضي الله عنهم وعليه جمهور أهل السنة ~~لقوله تعالى: # فأوردهم النار # [هود: 98] ولقوله تعالى # لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها # [الأنبياء: 99] ولقوله { ثم تنجى الذين اتقوا } إذ النجاة إنما تكون بعد ~~الدخول لقوله عليه السلام: # " الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين ~~بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم وتقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن فإن ~~نورك أطفأ لهبي " # وقيل: الورود بمعنى الدخول لكنه يختص بالكفار لقراءة ابن عباس { وإن ~~منهم } وتحمل القراءة المشهورة على الإلتفات. وعن عبد الله: الورود ~~الحضور لقوله تعالى: # ولما ورد ماء مدين # [القصص: 23] وقوله # أولئك عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] وأجيب عنه بأن المراد عن عذابها. وعن الحسن وقتادة: ~~الورود المرور على الصراط لأن الصراط ممدود عليها فيسلم أهل الجنة ~~ويتقاذف أهل النار. وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في ~~الدنيا لقوله عليه السلام: # " الحمى حظ كل مؤمن من النار " # وقال رجل من الصحابة لآخر: أيقنت بالورود؟ قال: نعم. قال: وأيقنت ~~بالصدر؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك وفيم التثاقل؟ { كان على ربك ~~حتما مقضيا } أي كان ورودهم واجبا كائنا محتوما والحتم مصدر ~~حتم الأمر إذا أوجبه فسمى به ms0815 الموجب كقولهم «ضرب الأمير». ### || [19.72-73] # { ثم ننجى } وعلي بالتخفيف { الذين اتقوا } عن الشرك وهم ~~المؤمنون { ونذر الظلمين فيها جثيا } فيه دليل على ~~دخول الكل لأنه قال: { ونذر } ولم يقل وندخل، والمذهب أن صاحب الكبيرة قد ~~يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو لا محاله. وقالت: المرجئة الخبيثة: لا يعاقب لأن ~~المعصية لا تضر مع الإسلام عندهم. وقالت المعتزلة: يخلد. # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } أي القرآن { بينت } ~~ظاهرات الإعجاز أو حججا وبراهين حال مؤكدة كقوله: # وهو الحق مصدقا # [البقرة: 91] إذ آيات الله لا تكون إلا واضحة وحججا { قال الذين ~~كفروا } أي مشركو قريش وقد رجلوا شعورهم وتكلفوا في زيهم { ~~للذين ءامنوا } للفقراء ورؤوسهم شعثة وثيابهم خشنة { أى ~~الفريقين } نحن أم أنتم { خير مقاما } بالفتح وهو موضع ~~القيام والمراد المكان والمسكن. وبالضم مكي وهو موضع الإقامة والمنزل { ~~وأحسن نديا } مجلسا يجتمع القوم فيه للمشاورة. ومعنى الآية أن ~~الله تعالى يقول: إذا أنزلنا آية فيها دلائل وبراهين أعرضوا عن التدبر ~~فيها إلى الافتخار بالثروة والمال وحسن المنزل والحال فقال تعالى: ### || [19.74-76] # { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } ف { كم } مفعول { أهلكنا ~~} و { من } تبيين لإبهامها أي كثيرا من القرون أهلكنا وكل أهل عصر قرن ~~لمن بعدهم { هم أحسن } في محل النصب صفة ل { كم } ألا ترى أنك لو ~~تركت { هم } كان أحسن نصبا على الوصفية { أثاثا } هو متاع البيت أو ~~ماجد من الفرش { ورئيا } منظرا وهيئة فعل بمعنى مفعول من رأيت و { ~~ريا } بغير همز مشددا: نافع وابن عامر على قلب الهمزة ياء لسكونها ~~وانكسار ما قبلها ثم الإدغام، أو من الري الذي هو النعمة { قل من ~~كان فى الضللة } الكفر { فليمدد له الرحمن ~~مدا } جواب { من } لأنها شرطية وهذا الأمر بمعنى الخبر أي من كفر مد ~~له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغيانا وضلالا كقوله ~~تعالى # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178] وإنما أخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك وأنه مفعول ~~لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضلال. # { حتى ms0816 إذا رأوا ما يوعدون } هي متصلة بقوله { خير مقاما ~~وأحسن نديا } وما بينهما اعتراض أي لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن ~~يشاهدوا الموعود رأي عين { إما العذاب } في الدنيا وهو تعذيب ~~المسلمين إياهم بالقتل والأسر { وإما الساعة } أي القيامة وما ~~ينالهم من الخزي والنكال فهما بدلان مما يوعدون { فسيعلمون من ~~هو شر مكانا } منزلا { وأضعف جندا } أعوانا وأنصارا ~~أي فحينئذ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكانا وأضعف ~~جندا لا خير مقاما وأحسن نديا، وأن المؤمنين على خلاف صفتهم. وجاز أن ~~تتصل بما يليها، والمعنى إن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم لا ~~ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة. ~~وحتى هي التي يحكي بعدها الجمل ألا ترى أن الجملة الشرطية واقعة بعدها ~~وهي قوله { إذا رأوا ما يوعدون. فسيعلمون } { ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى } معطوف على موضع { فليمدد } لوقوعه موضع ~~الخبر تقديره: من كان في الضلالة مد أو يمد له الرحمن ويزيد أي يزيد في ~~ضلال الضال بخذلانه، ويزيد المهتدين أي المؤمنين هدى ثباتا على الاهتداء ~~أو يقينا وبصيرة بتوفيقه { والبقيات الصلحات } أعمال ~~الآخرة كلها أو الصلوات الخمس أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر { خير عند ربك ثوابا } مما يفتحر به الكافر { ~~وخير مردا } أي مرجعا وعاقبة تهكم بالكفار لأنهم قالوا ~~للمؤمنين { أي الفرقين خير مقاما وأحسن نديا }. ### || [19.77-79] # { أفرأيت الذى كفر بئايتنا وقال لأوتين ~~مالا وولدا } ثم. وبضم الواو وسكون اللام في أربعة مواضع ههنا ~~وفي الزخرف ونوح حمزة وعلي جمع ولد كأسد في أسد، أو بمعنى الولد كالعرب ~~في العرب. ولما كانت رؤية الأشياء طريقا إلى العلم بها وصحة الخبر عنها ~~استعملوا أرأيت في معنى أخبر والفاء أفادت التعقيب كأنه قال: أخبر أيضا ~~بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك. وقوله { لأوتين } جواب قسم ~~مضمر { أطلع الغيب } من قولهم «اطلع الجبل» إذا ارتقى إلى ~~أعلاه، الهمزه للاستفهام وهمزة الوصل محذوفة أي ms0817 انظر في اللوح المحفوظ ~~فرأى منيته { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } مؤثقا أن ~~يؤتيه ذلك أو العهد كلمة الشهادة. وعن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، ~~والمشهور أنها في العاص بن وائل، فقد روي أن خباب بن الأرت صاغ للعاص بن ~~وائل حليا فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ~~ذهبا وفضة فأنا أقضيك ثم فإني أوتي مالا وولدا حينئذ { كلا } ردع ~~وتنبيه على الخطأ أي هو مخطىء فيما تصوره لنفسه فليرتدع عنه { سنكتب ~~ما يقول } أي قوله والمراد سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله لأنه كما ~~قال: كتب من غير تأخير قال الله تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]وهو كقوله # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # أي علم وتبين بالانتساب أني لست بابن لئيمة { ونمد له من ~~العذاب } نزيده من العذاب كما يزيد في الافتراء والاجتراء من المدد، ~~يقال مده وأمده { مدا } أكد بالمصدر لفرط غضبه تعالى. ### || [19.80-83] # { ونرثه ما يقول } أي نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ~~والمعنى مسمى ما يقول وهو المال والولد { ويأتينا فردا } حال أي ~~بلا مال ولا ولد كقوله: # ولقد جئتمونا فرادى # [الأنعام: 94] فما يجدي عليه تمينه وتألبه. # { واتخذوا من دون الله ءالهة } أي اتخذ هؤلاء المشركون ~~أصناما يعبدونها { ليكونوا لهم عزا } أي ليعتزوا بآلهتهم ~~ويكونوا لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من العذاب { كلا } ردع لهم عما ~~ظنوا { سيكفرون بعبدتهم } الضمير للآلهة أي سيجحدون ~~عبادتهم وينكرونها ويقولون والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون، أو للمشركين ~~أي ينكرون أن يكونوا قد عبدوها كقوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] { ويكونون } أي المعبودون { عليهم } على ~~المشركين { ضدا } خصما لأن الله تعالى ينطقهم فيقولون: يا رب عذب ~~هؤلاء الذين عبدونا من دونك. والضد يقع على الواحد والجمع وهو في مقابلة ~~{ لهم عزا } والمراد ضد العز وهو الذل والهوان أي يكونون عليهم ضدا لما ~~قصدوه أي يكونون عليهم ذلا لا لهم عزا، وإن رجع الضمير في { سيكفرون } ~~{ ويكونون } إلى المشركين ms0818 فالمعنى ويكونون عليهم أي أعداءهم ضدا أي كفرة ~~بهم بعد أن كانوا يعبدونها ثم عجب نبيه عليه السلام بقوله: { ألم تر ~~أنا أرسلنا الشيطين على الكفرين } أي خليناهم ~~وإياهم من أرسلت البعير أطلقته أو سلطانهم عليهم بالإغواء { تؤزهم ~~أزا } تغريهم على المعاصي إغراء والأز والهز إخوان ومعناهما التهييج ~~وشدة الإزعاج. ### || [19.84-87] # { فلا تعجل عليهم } بالعذاب { إنما نعد لهم ~~عدا } أي أعمالهم للجزاء وأنفاسهم للفناء، وقرأها ابن السماك عند ~~المأمون فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما ~~تنفد. # { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } ركبانا ~~على نوق رحالها ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت { ونسوق المجرمين ~~} الكافرين سوق الأنعام لأنهم كانوا أضل من الأنعام { إلى جهنم ~~وردا } عطاشا لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش وحقيقة الورد المسير ~~إلى الماء فيسمى به الواردون، فالوفد جمع وافد كركب وراكب والورد جمع ~~وارد. ونصب { يوم } بمضمر أو يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يوصف ~~أي اذكر يوم نحشر. ذكر المتقون بأنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته ~~كما يفد الوفود على الملوك تبجيلا لهم، والكافرون بأنهم يساقون إلى ~~النار كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء استخفافا بهم { لا يملكون ~~الشفعة } حال. والواو إن جعل ضميرا فهو للعباد ودل عليه ذكر ~~المتقين والمجرمين لأنهم على هذه القسمة، ويجوز أن يكون علامة للجمع ~~كالتي في «أكلوني البراغيث» والفاعل من { اتخذ } لأنه في معنى الجمع ومحل ~~{ من اتخذ } رفع على البدل من واو { يملكون } أو على الفاعلية، أو نصب ~~على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة من اتخذ والمراد لا يمكلون أن يشفع ~~لهم { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } بأن آمن. في ~~الحديث # " من قال: لا إله إلا الله كان له عند الله عهد " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ~~ذات يوم: # " أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا " # قالوا: وكيف ذلك؟ قال: # " يقول كل صباح ومساء اللهم ms0819 فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا ~~عبدك ورسولك وإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، ~~وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم ~~القيامة نادى مناد أين الذين كان لهم عند الله عهد فيدخلون الجنة " # أو يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا ~~المأمور بالشفاعة المأذون له فيها. ### || [19.88-92] # { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } أي النصارى واليهود ومن ~~زعم أن الملائكة بنات الله { لقد جئتم شيئا إدا } خاطبهم ~~بهذا الكلام بعد الغيبة وهو التفات، أو أمر نبيه عليه السلام بأن يقول ~~لهم ذلك؛ والإد العجب أو العظيم المنكر والإدة الشدة وأدني الأمر أثقلني ~~وعظم علي أدا { تكاد السموت } تقرب وبالياء نافع وعلي { ~~يتفطرن } وبالنون بصري وشامي وحمزة وخلف وأبو بكر. الانفطار من ~~فطره إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه { منه } من عظم هذا القول { ~~وتنشق الأرض } تنخسف وتنفصل أجزاؤها { وتخر الجبال } ~~تسقط { هدا } كسرا أو قطعا أو هدما، والهدة صوت الصاعقة من السماء ~~وهو مصدر أي تهد هدا من سماع قولهم أو مفعول له أو حال أي مهدودة { أن ~~دعوا } لأن سموا ومحله جر بدل من الهاء في { منه } أو نصب مفعول له، ~~علل الخرور بالهد والهد بدعاء الولد للرحمن، أو رفع فاعل { هدا } أي ~~هدها دعاؤهم { للرحمن ولدا وما ينبغى للرحمن أن ~~يتخذ ولدا } «انبغى» مطاوع بغى إذ طلب أي ما يتأتي له اتخاذ ~~الولد وما يتطلب لو طلب مثلا لأنه محال غير داخل تحت الصحة، وهذا لأن ~~اتخاذ الولد لحاجة ومجانسة وهو منزه عنهما. وفي اختصاص الرحمن وتكريره ~~مرات بيان أنه الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره، لأن أصول النعم ~~وفروعها منه فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك غطاؤه ms0820 فمن أضاف ~~إليه ولدا فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن # . ### || [19.93-96] # { إن كل من } نكرة موصوفة صفتها { فى السموت والأرض } ~~وخبر { كل } { إلا ءاتي الرحمن } ووحد { آتى } و { آتيه } ~~حملا على لفظ { كل } وهو اسم فاعل من أتى وهو مستقبل أي يأتيه { عبدا ~~} حال أي خاضعا ذليلا منقادا، والمعنى ما كل من في السموات والأرض من ~~الملائكة والناس إلا هو يأتي الله يوم القيامة مقرا بالعبودية، ~~والعبودية والبنوة تتنافيان حتى لو ملك الأب ابنه يعتق عليه ونسبة الجميع ~~إليه نسبة العبد إلى المولى فكيف يكون البعض ولدا والبعض عبدا! وقرأ ~~ابن مسعود { آت الرحمن } على أصله قبل الإضافة { لقد أحصهم ~~وعدهم عدا } أي حصرهم بعلمه وأحاط بهم { وكلهم ءاتيه ~~يوم القيمة فردا } أي كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة ~~منفردا بلا مال ولا ولد أو بلا معين ولا ناصر. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات سيجعل ~~لهم الرحمن ودا } مودة في قلوب العباد قال الربيع يحبهم ~~ويحببهم إلى الناس وفي الحديث يعطى المؤمن مقة في قلوب الأبرار ومهابة ~~في قلوب الفجار. وعن قتادة وهرم: ما أقبل العبد إلى الله إلا أقبل الله ~~بقلوب العباد إليه. وعن كعب: ما يستقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر له ~~في السماء. ### || [19.97-98] # { فإنما يسرنه } سهلنا القرآن { بلسانك } بلغتك حال { ~~لتبشر به المتقين } المؤمنين { وتنذر به قوما ~~لدا } شدادا في الخصومة بالباطل أي الذين يأخذون في كل لديد أي شق ~~من المراء والجدال جمع ألد يراد به أهل مكة { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن } تخويف لهم وإنذار { هل تحس منهم من ~~أحد } أي هل تجد أو ترى أو تعلم والإحساس الإدراك بالحاسة { أو ~~تسمع لهم ركزا } صوتا خفيا ومنه الركاز أي لما أتاهم عذابنا ~~لم يبق شخص يرى ولا صوت يسمع يعني هلكوا كلهم فكذا هؤلاء إن أعرضوا عن ~~تدبر ما أنزل عليك فعاقبتهم الهلاك فليهن عليك أمرهم، والله أعلم. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-3] # { طه } فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء، أبو ms0821 عمرو، وأمالهما حمزة وعلي ~~وخلف وأبو بكر، وفخمهما على الأصل غيرهم. وما روي عن مجاهد والحسن ~~والضحاك وعطاء وغيرهم أن معناه يا رجل فإن صح فظاهر وإلا فالحق ما هو ~~المذكور في سوة البقرة { ما أنزلنا عليك القرءان } إن جعلت ~~{ طه } تعديدا لأسماء الحروف فهو ابتداء كلام، وإن جعلتها اسما للسورة ~~احتملت أن تكون خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ، و { القرءان } ظاهر ~~أوقع موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جوابا لها وهي قسم { لتشقى } ~~لتتعب لفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا، أو بقيام الليل ~~فإنه روي أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل: ~~أبق على نفسك فإن لها عليك حقا أي ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وما ~~بعثت إلا بالحنيفية السمحة { إلا تذكرة } استثناء منقطع أي لكن ~~أنزلناه تذكرة أو حال { لمن يخشى } لمن يخاف الله أو لمن يئول أمره ~~إلى الخشية. ### || [20.4-9] # { تنزيلا } بدل من { تذكرة } إذا جعل حالا ويجوز أن ينتصب ب ~~«نزل» مضمرا أو على المدح أو ب { يخشى } مفعولا أي أنزله الله ~~تذكرة لمن يخشى تنزيل الله { ممن خلق الأرض والسموت } ~~{ من } يتعلق ب { تنزيلا } صلة له { العلى } جمع العليا تأنيث ~~الأعلى ووصف السماوات بالعلى دليل ظاهر على عظم قدرة خالقها { ~~الرحمن } رفع على المدح أي هو الرحمن { على العرش } خبر ~~مبتدأ محذوف { استوى } استولى. عن الزجاج، ونبه بذكر العرش وهو أعظم ~~المخلوقات على غيره. وقيل: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك ~~مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك فقال استوى فلان على العرش أي ملك ~~وإن لم يقعد على السرير ألبتة وهذا كقولك «يد فلان مبسوطة» أي جواد وإن ~~لم يكن له يد رأسا، والمذهب قول علي رضي الله عنه: الاستواء غير مجهول ~~والتكييف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة لأنه تعالى كان ~~ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان. # { له ما في السموات وما في الأرض ms0822 } خبر ومبتدأ ومعطوف ~~{ وما بينهما } أي ذلك كله ملكه { وما تحت الثرى } ما ~~تحت سبع الأراضين أو هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة { وإن تجهر ~~بالقول } ترفع صوتك { فإنه يعلم السر } ما أسررته إلى ~~غيرك { وأخفى } منه وهو ما أخطرته ببالك أو ما أسررته في نفسك وما ~~ستسره فيها { الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى } أي هو واحد بذاته وإن افترقت عبارات صفاته رد لقولهم إنك ~~تدعو آلهة حين سمعوا أسماءه تعالى والحسنى تأنيث الأحسن. # { وهل } أي وقد { أتاك حديث موسى } خبره قفاه بقصة موسى ~~عليه السلام ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة بالصبر على المكاره ولينال ~~الدرجة العليا كما نالها موسى. ### || [20.10-12] # { إذ رأى } ظرف لمضمر أي حين رأى { نارا } كان كيت وكيت أو مفعول ~~به لاذكر. روي أن موسى عليه السلام استأذن شعيبا في الخروج إلى أمه ~~وخرج بأهله فولد له ابن في الطريق في ليلة مظلمة مثلجة، وقد ضل الطريق ~~وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده فرأى عند ذلك نارا في زعمه ~~وكان نورا { فقال لأهله امكثوا } أقيموا في مكانكم { إنى ~~آنست } أبصرت { نارا } والإيناس رؤية شيء يؤنس به { لعلي ءاتيكم ~~منها } بنى الأمر على الرجاء لئلا يعد ما ليس يستيقن الوفاء به { ~~بقبس } نار مقتبسة في رأس عود أو فتيله { أو أجد على النار ~~هدى } ذوي هدى أو قوما يهدونني الطريق. ومعنى الاستعلاء في { على ~~النار } أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها. # { فلما أتها } أي النار وجد نارا بيضاء تتوقد في شجرة خضراء ~~من أسفلها إلى أعلاها، وكانت شجرة العناب أو العوسج ولم يجد عندها أحدا. ~~وروي أنه كلما طلبها بعدت عنه فإذا تركها قربت منه فثم { نودى } موسى ~~{ يا موسى إنى } بكسر الهمزة أي نود فقيل { يا موسى إنى } أو ~~لأن النداء ضرب من القول فعومل معاملته، وبالفتح: مكي وأبو عمرو أي نودي ~~بأني { أنا ربك } { أنا } مبتدأ أو تأكيد أو فصل وكرر الضمير ~~لتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. روي أنه ms0823 لما نودي يا موسى قال: من ~~المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك }. فعرف أنه كلام الله عز ~~وجل بأنه سمعه من جميع جهاته الست وسمعه بجميع أعضائه. # { فاخلع نعليك } انزعهما لتصيب قدميك بركة الوادي المقدس، أو ~~لأنها كانت من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو لأن الحفوة تواضع لله ومن ثم ~~طاف السلف بالكعبة حافين، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم ~~لها فخلعهما وألقاهما من وراء الوادي { إنك بالواد المقدس ~~} المطهر أو المبارك { طوى } حيث كان منون: شامي وكوفي لأنه اسم علم ~~للوادي وهو بدل منه، وغيرهم بغير تنوين بتأويل البقعة. وقرأ أبو زيد بكسر ~~الطاء بلا تنوين. ### || [20.13-17] # { وأنا اخترتك } اصطفيتك للنبوة، { وإنا اخترناك } حمزة { ~~فاستمع لما يوحى } إليك للذي يوحى أو للوحي، واللام يتعلق ب { ~~استمع } أو ب { اخترتك } { إننى أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدنى } وحدني وأطعني { وأقم الصلاة لذكري } ~~لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت ~~بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثناء، أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو ~~لتكون لي ذاكرا غير ناس، أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة لقوله: # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103] وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها وذا يصح بتقدير حذف ~~المضاف أي لذكر صلاتي، وهذا دليل على أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم ~~منها. # { إن الساعة ءاتية } لا محالة { أكاد } أريد عن الأخفش ~~وقيل صلة { أخفيها } قيل: هو من الأضداد أي أظهرها أو أسترها عن ~~العباد فلا أقول هي آتية لإرادتي إخفاءها، ولولا ما في الأخبار بإتيانها ~~مع تعمية وقتها من الحكمة وهو أنهم إذا لم يعلموا متى تقوم كانوا على وجل ~~منها في كل وقت لما أخبرت به { لتجزى } متعلق ب { ءاتية } { ~~كل نفس بما تسعى } بسعيها من خير أو شر { فلا يصدنك ~~عنها } فلا يصرفنك عن العمل للساعة أو عن إقامة الصلاة أو عن الإيمان ~~بالقيامة فالخطاب لموسى والمراد به أمته { من لا يؤمن ms0824 بها } لا ~~يصدق بها { واتبع هواه } في مخالفة أمره { فتردى } فتهلك { ~~وما تلك بيمينك يموسى } «ما» مبتدأ و { تلك } خبره وهي ~~بمعنى هذه و { بيمينك } حال عمل فيها معنى الإشارة أي قارة أو ~~مأخوذة بيمينك. أو { تلك } موصول صلته { بيمينك } والسؤال ~~للتنبيه لتقع المعجزة بها بعد التثبت، أو للتوطين لئلا يهوله انقلابها ~~حية، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة. ### || [20.18-24] # { قال هى عصاى أتوكؤا عليها } أعتمد عليها إذا أعييت ~~أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة { وأهش بها على غنمى } ~~أخبط ورق الشجر على غنمي لتأكل { ولي فيها مأرب } { ولي } ~~ حفص جمع مأربة بالحركات الثلاث وهي الحاجة { أخرى } والقياس أخر. ~~وإنما قال { أخرى } ردا إلى الجماعة أو لنسق الآي وكذا { ~~الكبرى } ولما ذكر بعضها شكرا أجمل الباقي حياء من التطويل، أو ~~ليسأل عنها الملك العلام فيزيد في الإكرام. والمآرب الأخر أنها كانت ~~تماشيه وتحدثه وتحارب العدو والسباع وتصير رشاء فتطول بطول البئر وتصير ~~شعبتاها دلوا وتكونان شمعتين بالليل وتحمل زاده ويركزها فتثمر ثمرة ~~يشتهيها ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام. ~~والزيادة على الجواب لتعداد النعم شكرا، أو لأنها جواب سؤال آخر لأنه ~~لما قال { هى عصاي } قيل له: ما تصنع بها فأخذ يعدد منافعها. # { قال ألقها يموسى } اطرح عصاك لتفزع مما تتكىء عليه فلا تسكن ~~إلا بنا وترى فيها كنه ما فيها من المآرب فتعتمد علينا في المطالب { ~~فألقها } فطرحها { فإذا هى حية تسعى } تمشي سريعا ~~قيل انقلبت ثعبانا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآها تبتلع كل شيء خاف. ~~وإنما وصفت بالحية هنا وبالثعبان وهو العظيم من الحيات وبالجان وهو ~~الدقيق في غيرها لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير ~~والكبير، وجاز أن تنقلب حية صفراء دقيقة ثم يتزايد جرمها حتى تصير ~~ثعبانا فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها، أو لأنها كانت في عظم ~~الثعبان وسرعة الجان. وقيل: كان بين لحييها أربعون ذراعا. ولما { قال ~~} له ربه { خذها ولا تخف } بلغ من ذهاب خوفه أن أدخل يده ms0825 في فمها ~~وأخذ بلحييها { سنعيدها } سنردها { سيرتها الأولى } تأنيث ~~الأول، والسيرة: الحالة التي يكون عليها الإنسان غريزية كانت أو مكتسبة ~~وهي في الأصل فعلة من السير كالركبة من الركوب ثم استعملت بمعنى الحالة ~~والطريقة. وانتصبت على الظرف أي سنعيدها في طريقتها الأولى أي في حال ما ~~كانت عصا. والمعنى نردها عصا كما كانت، وأرى ذلك موسى عند المخاطبة لئلا ~~يفزع منها إذا انقلبت حية عند فرعون، ثم نبه على آية أخرى فقال. # { واضمم يدك إلى جناحك } إلى جنبك تحت العضد وجناحا ~~الإنسان جنباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه ~~يجنحهما أي يميلهما عند الطيران والمعنى أدخلها تحت عضدك { تخرج ~~بيضاء } لها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر { من غير سوء } برص { ~~آية أخرى } لنبوتك بيضاء وآية حالان معا ومن غير سوء صلة بيضاء كقولك ~~«ابيضت من غير سوء» وجاز أن ينتصب { ءاية } بفعل محذوف يتعلق به ~~الأمر. # { لنريك من ءايتنا الكبرى } أي خذ هذه الآية أيضا بعد ~~قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى العظمى، أو نريك ~~بهما الكبرى من آياتنا أو المعنى فعلنا ذلك لنريك من آياتنا الكبرى. # { اذهب إلى فرعون إنه طغى } جاوز حد العبودية إلى ~~دعوى الربوبية، ولما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي وعرف أنه كلف أمرا ~~عظيما يحتاج إلى صدر فسيح. ### || [20.25-39] # { قال رب اشرح لي صدرى } وسعه ليحتمل الوحي والمشاق ورديء ~~الأخلاق من فرعون وجنده { ويسر لى أمرى } وسهل علي ما أمرتني به ~~من تبليغ الرسالة إلى فرعون. واشرح لي صدري آكد من اشرح صدري لأنه تكرير ~~للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل لأنه يقول اشرح لي ويسر لي علم ~~أن ثمة مشروحا وميسرا ثم رفع الإبهام بذكر الصدر والأمر { واحلل } ~~افتح { عقدة من لساني } وكان في لسانه رتة للجمرة التي وضعها على ~~لسانه في صباه، وذلك أن موسى أخذ لحية فرعون ولطمه لطمة شديدة في صغره ~~فأراد قتله فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل فجعلت في طشت نارا ~~وفي ms0826 طشت يواقيت ووضعتهما لدى موسى فقصد اليواقيت فأمال الملك يده إلى ~~النار فرفع جمرة فوضعها على لسانه فاحترق لسانه فصار لكنة منها. وروي أن ~~يده احترقت واجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ ولما دعاه قال: إلى أي رب ~~تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. و { من لساني } صفة ~~لعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني، وهذا يشعر بأنه لم تزل العقدة ~~بكمالها وأكثرهم على ذهاب جميعها { يفقهوا قولي } عند تبليغ ~~الرسالة. # { واجعل لي وزيرا } ظهيرا اعتمد عليه من الوزر الثقل لأنه يتحمل ~~عن الملك أوزاره ومؤنته، أو من الوزر الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ~~ويلتجىء إليه في أموره، أو معينا من الموازرة وهي المعاونة ف { ~~وزيرا } مفعول أول ل { اجعل } والثاني { من أهلي } أو { لي ~~} أو { وزيرا } مفعولاه وقوله { هرون } عطف بيان ل { وزيرا ~~} وقوله { أخي } بدل أو عطف بيان آخر و { وزيرا } و { هرون } ~~مفعولاه وقدم ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة { اشدد به ~~أزرى } قو به ظهري وقيل الأزر القوة { وأشركه في أمري } ~~اجعله شريكي في النبوة والرسالة. { اشدد } و { أشركه } على حكاية ~~النفس شامي على الجواب، والباقون على الدعاء والسؤال { كي نسبحك } ~~نصلي لك وننزهك تسبيحا { كثيرا ونذكرك كثيرا } في الصلوات ~~وخارجها { إنك كنت بنا بصيرا } عالما بأحوالنا فأجابه الله ~~تعالى حيث { قال قد أوتيت سؤلك يموسى } أعطيت مسؤولك ~~فالسؤل الطلبة فعل بمعنى مفعول كخبز بمعنى مخبوز. { سولك } بلا همز: أبو ~~عمرو. # { ولقد مننا } أنعمنا { عليك مرة } كرة { أخرى } ~~قبل هذه ثم فسرها فقال { إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى } ~~إلهاما أو مناما حين ولدت وكان فرعون يقتل أمثالك. و { إذ } ظرف ل { ~~مننا } ثم فسر ما يوحى بقوله { أن اقذفيه } ألقيه { فى ~~التابوت } و { أن } مفسرة لأن الوحي بمعنى القول { فاقذفيه فى ~~اليم } النيل { فليلقه اليم بالساحل } الجانب وسمي ~~ساحلا لأن الماء يسحله أي يقشره، والصيغة أمر ليناسب ما تقدم ومعناه ~~الإخبار أي يلقيه اليم بالساحل { يأخذه عدو لي وعدو له ~~} يعني فرعون ms0827 والضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام، ورجوع بعضها ~~إليه وبعضها إلى التابوت يفضي إلى تناثر النظم والمقذوف في البحر والملقى ~~إلى الساحل وإن كان هو التابوت لكن موسى في جوف التابوت. # روي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا فوضعته فيه وقيرته ثم ألقته في ~~اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينما هو جالس على رأس ~~بركة مع آسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا بصبي أصبح الناس ~~وجها فأحبه فرعون حبا شديدا فذلك قوله { وألقيت عليك ~~محبة منى } يتعلق { مني } ب { ألقيت } يعني إني أحببتك ومن ~~أحبه الله أحبته القلوب فما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: كان في عيني ~~موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه { ولتصنع } معطوف على محذوف تقديره ~~وألقيت عليك محبة لتحب ولتصنع { على عينى } أي لتربى بمرأى مني ~~وأصله من صنع الفرس أي أحسن القيام عليه يعني أنا مراعيك ومراقبك كما ~~يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به { ولتصنع } بسكون اللام ~~والجزم: يزيد على أنه أمر منه. ### || [20.40-50] # { إذ تمشى } بدل من { إذ أوحينا } لأن مشي أخته كان منة ~~عليه { أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله } ~~روي أن أخته مريم جاءت متعرفة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها ~~وكان لا يقبل ثدي امرأة فقالت: هل أدلكم على من يضمه إلى نفسه فيربيه ~~وأرادت بذلك المرضعة الأم. وتذكير الفعل للفظ { من } ، فقالوا: نعم ~~فجاء بالأم فقبل ثديها وذلك قوله { فرجعنك } فرددناك { إلى ~~أمك } كما وعدناها بقولنا # إنا رادوه إليك # [القصص: 7] { كى تقر عينها } بلقائك { ولا تحزن } على ~~فراقك { وقتلت نفسا } قبطيا كافرا { فنجينك من ~~الغم } من القود. قيل الغم: القتل بلغة قريش وقيل: اغتم بسبب القتل ~~خوفا من عقاب الله تعالى ومن اقتصاص فرعون فغفر الله له باستغفاره # قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى # [القصص: 16] ونجاه من فرعون بأن ذهب به من مصر إلى مدين { وفتنك ~~فتونا } ابتليناك ابتلاء بإيقاعك في المحن وتخليصك منها، والفتون مصدر ~~كالقعود أو ms0828 جمع فتنة أي فتناك ضروبا من الفتن، والفتنة المحنة وكل ما ~~يبتلي الله به عباده فتنة. # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] { فلبثت سنين فى أهل مدين } هي بلدة ~~شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر. قال وهب: لبث عند شعيب ثمانيا ~~وعشرين سنة، عشر منها مهر لصفوراء، وأقام عنده ثمان عشرة سنة بعدها حتى ~~ولد له أولاد. { ثم جئت على قدر يموسى } أي موعد ومقدار ~~للرسالة وهو أربعون سنة { واصطنعتك لنفسي } اخترتك واصطفيتك ~~لوحي ورسالتي لتتصرف على إرادتي ومحبتي. قال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك ~~القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي كأني أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم. # { اذهب أنت وأخوك بئايتى } بمعجزاتي { ولا تنيا } ~~تفترا من الونى وهو الفتور والتقصير { فى ذكرى } أي اتخذا ذكري ~~جناحا تطيران به أو أريد بالذكر تبليغ الرسالة فالذكر يقع على سائر ~~العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها { اذهبا إلى فرعون } كرر ~~لأن الأول مطلق والثاني مقيد { إنه طغى } جاوز الحد بإدعائه ~~الربوبية { فقولا له قولا لينا } الطفا له في القول لما له ~~من حق تربية موسى، أو كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو ~~الوليد وأبو مرة. أو عداه شبابا لا يهرم بعده وملكا لا ينزع عنه إلا ~~بالموت، أو هو قوله # هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى # [النازعات: 19] أي يخاف أن يكون الأمر كما تصفان فيجره إنكاره إلى ~~الهلكة. وإنما قال { لعله يتذكر } مع علمه أنه لا يتذكر لأن ~~الترجي لهما، أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يطمع ~~أن يثمر عمله. # وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة. ~~وقيل: معناه لعله يتذكر متذكر أو يخشى خاش وقد كان ذلك من كثير من الناس. ~~وقيل: { لعل } من الله تعالى واجب وقد تذكر ولكن حين لم ينفعه ~~التذكر. وقيل: تذكر فرعون وخشي وأراد اتباع موسى فمنعه هامان وكان لا ~~يقطع أمرا دونه. وتليت عند يحيى بن معاذ فبكى وقال: هذا رفقك بمن يقول ~~أنا ms0829 إله فكيف بمن قال أنت الإله؟ وهذا رفقك بمن قال أنا ربكم الأعلى فكيف ~~بمن قال سبحان ربي الأعلى. # { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } يعجل ~~علينا بالعقوبة ومنه الفارط يقال فرط عليه أي عجل { أو أن يطغى } ~~يجاوز الحد في الإساءة إلينا { قال لا تخافا إننى معكما } ~~أي حافظكما وناصركما { أسمع } أقوالكما { وأرى } أفعالكما. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع ~~لست بغافل عنكما فلا تهتما { فأتياه } أي فرعون { فقولا إنا ~~رسولا ربك } إليك { فأرسل معنا بنى إسرءيل } أي ~~أطلقهم عن الاستعباد والاسترقاق { ولا تعذبهم } بتكليف المشاق { ~~قد جئنك بئاية من ربك } بحجة على صدق ما ادعيناه، وهذه ~~الجملة جارية من الجملة الأولى وهي { إنا رسولا ربك } مجرى ~~البيان والتفسير والتفصيل لأن دعوى الرسالة لا تثبث إلا ببينتها وهي ~~المجيء بالآي فقال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده لها شعاع كشعاع الشمس { ~~والسلم على من اتبع الهدى } أي سلم من العذاب من ~~أسلم وليس بتحية. وقيل: وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على ~~المهتدين. # { إنا قد أوحي إلينا أن العذاب } في الدنيا والعقبى ~~{ على من كذب } بالرسل { وتولى } أعرض عن الإيمان وهي أرجى ~~آي القرآن لأنه جعل جنس السلام للمؤمن وجنس العذاب على المكذب وليس وراء ~~الجنس شيء، فأتياه وأديا الرسالة وقالا له ما أمرا به. # { قال فمن ربكما يموسى } خاطبهما ثم نادى أحدهما لأن موسى ~~هو الأصل في النبوة وهارون تابعه { قال ربنا الذى أعطى ~~كل شىء خلقه } { خلقه } أول مفعولي { أعطى } أي أعطى ~~خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، أو ثانيهما أي أعطى كل شيء ~~صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي ~~تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذا الأنف والرجل ~~واليد كل واحد منها مطابق للمنفعة المنوطة بها، وقرأ نصير { خلقه } ~~صفة للمضاف أو للمضاف إليه أي أعطى كل شيء مخلوق عطاء { ثم هدى } ~~عرف كيف يرتفق بما أعطى للمعيشة في الدنيا ms0830 والسعادة في العقبى. ### || [20.51-62] # { قال فما بال القرون الأولى } فما حال الأمم الحالية ~~والرمم البالية، سأله عن حال من تقدم من القرون وعن شقاء من شقي منهم ~~وسعادة من سعد { قال } موسى مجيبا { علمها عند ربى } مبتدأ ~~وخبر { فى كتب } أي اللوح خبر ثان أي هذا سؤال عن الغيب وقد ~~استأثر الله به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما ~~أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح ~~المحفوظ { لا يضل ربى } أي لا يخطىء شيئا يقال: ضللت الشيء إذا ~~أخطأته في مكانه فلم تهتد له أي لا يخطىء في سعادة الناس وشقاوتهم { ~~ولا ينسى } ثوابهم وعقابهم. وقيل: لا ينسى ما علم فيذكره الكتاب ولكن ~~ليعلم الملائكة أن معمول الخلق يوافق معلومه. # { الذى } مرفوع صفة ل { ربى } أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على ~~المدح { جعل لكم الأرض مهدا } كوفي وغيرهم { مهدا } ~~وهما لغتان لما يبسط ويفرش { وسلك } أي جعل { لكم فيها سبلا ~~} طرقا { وأنزل من السماء ماء } أي مطرا { فأخرجنا ~~به } بالماء. نقل الكلام من الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للافتنان. ~~وقيل: تم كلام موسى ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله { فأخرجنا ~~به } وقيل: هذا كلام موسى أي فأخرجنا نحن بالحراثة والغرس { أزوجا ~~} أصنافا { من نبت } هو مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد ~~والجمع { شتى } صفة للأزواج أو للنبات جمع شتيت كمريض ومرضى أي إنها ~~مختلفة النفع واللون والرائحة والشكل بعضها للناس وبعضها للبهائم، ومن ~~نعمة الله تعالى أن أرزاقنا تحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما ~~يفضل عن حاجاتنا مما لا نقدر على أكله قائلين { كلوا وارعوا ~~أنعمكم } حال من الضمير في { فأخرجنا } والمعنى أخرجنا ~~أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا ~~بعضها { إن فى ذلك } في الذي ذكرت { لآيات } لدلالات { ~~لأولي النهى } لذوي العقول واحدها نهية لأنها تنهى عن المحظور أو ~~ينتهى إليها في الأمور { منها } من الأرض { خلقنكم ms0831 } أي أباكم ~~آدم عليه السلام. وقيل: يعجن كل نطفة بشيء من تراب مدفنه فيخلق من التراب ~~والنطفة معا أو لأن النطفة من الأغذية وهي من الأرض { وفيها ~~نعيدكم } إذا متم فدفنتم { ومنها نخرجكم } عند البعث { ~~تارة أخرى } مرة أخرى والمراد بإخراجهم أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة ~~المختلطة بالتراب ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى المحشر، عدد الله ~~عليهم ما علق بالأرض من مرافقهم حيث جعلها لهم فراشا ومهادا يتقلبون ~~عليها، وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف شاؤوا، وأنبت فيها أصناف ~~النبات التي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم وهي أصلهم الذي منه تفرعوا، ~~وأمهم التي منها ولدوا وهي كفانهم إذا ماتوا. ### || [20.63-71] # { قالوا إن هذن لساحرن } يعني موسى وهارون. قرأ أبو عمرو ~~{ إن هذين لساحرن } وهو ظاهر ولكنه مخالف للإمام، وابن كثير وحفص ~~والخليل وهو أعرف بالنحو واللغة { إن هذن لساحرن } بتخفيف { ~~إن } مثل قولك «إن زيد لمنطلق» واللام هي الفارقة بين «إن» النافية ~~والمخففة من الثقيلة. وقيل: هي بمعنى «ما» واللام بمعنى إلا أي ما هذان ~~إلا ساحران دليله قراءة أبي { إن ذان إلا ساحران } وغيرهم { إن ~~هذن لساحرن } قيل هي لغة بلحارث بن كعب وخثعم ومراد وكنانة ~~فالتثنية في لغتهم بالألف أبدا فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب كعصا ~~وسعدى قال: # إن أباها وأبا أباها # قد بلغا في المجد غايتاها # وقال الزجاج: إن بمعنى نعم، قال الشاعر: # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # أي نعم والهاء للوقف. و { هذان } مبتدأ و { ساحران } خبر مبتدأ ~~محذوف واللام داخلة على المبتدأ المحذوف تقديره: هذان لهما ساحران فيكون ~~دخولهما في موضعها الموضوع لها وهو الابتداء، وقد يدخل اللام في الخبر ~~كما يدخل في المبتدأ قال: # خالي لأنت ومن جرير خاله # قال: فعرضته على المبرد فرضيه وقد زيفه أبو علي. { يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم } مصر { بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم } بدينكم وشريعتكم { المثلى } الفضلى تأنيث الأمثل ~~وهو الأفضل { فأجمعوا } فأحكموا أي اجعلوه مجمعا عليه حتى لا ~~تختلفوا. { فأجمعوا } أبو عمرو ويعضده { فجمع ms0832 كيده } { ~~كيدكم } هو ما يكاد به { ثم ائتوا صفا } مصطفين حال أمروا ~~بأن يأتوا صفا لأنه أهيب في صدور الرائين { وقد أفلح اليوم ~~من استعلى } وقد فاز من غلب وهو اعتراض. # { قالوا } أي السحرة { يموسى إما أن تلقي } عصاك أولا { ~~وإما أن نكون أول من ألقى } ما معنا وموضع «أن» مع ما ~~بعده فيهما نصب بفعل مضمر، أو رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف معناه اختر أحد ~~الأمرين، أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن ~~معه وكأنه تعالى ألهمهم ذلك وقد وصلت إليهم بركته وعلم موسى اختيار ~~إلقائهم أولا حتى { قال بل ألقوا } أنتم أولا ليبرزوا ما معهم ~~من مكايد السحر ويظهر الله سلطانه ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ويسلط ~~المعجزة على السحر فتمحقه فيصير آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين ~~فألقوا { فإذا حبالهم وعصيهم } يقال في { إذا } هذه: ~~إذا المفاجأة والتحقيق أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها ~~وجملة تضاف إليها، وخصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلا مخصوصا ~~وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير والتقدير: ففاجأ موسى وقت تخيل ~~سعي حبالهم وعصيهم والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي { ~~يخيل } وبالتاء: ابن ذكوان { إليه } إلى موسى { من سحرهم ~~أنها تسعى } رفع بدل اشتمال من الضمير في { يخيل } أي يخيل ~~الملقى. # روي أنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت فخيلت ~~ذلك. # { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } أضمر في نفسه خوفا ظنا ~~منه أنها تقصده للجبلة البشرية أو خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه { ~~قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى } الغالب القاهر. وفي ذكر ~~«إن» و «أنت» وحرف التعريف ولفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة مبالغة بينة. # { وألق ما فى يمينك تلقف } بسكون اللام والفاء وتخفيف ~~القاف: حفص و { تلقف }: ابن ذكوان، الباقون { تلقف } { ما ~~صنعوا } زورا وافتعلوا أي اطرح عصاك تبتلع عصيهم وحبالهم. ولم يقل ~~عصاك تعظيما لها أي لا تحتفل بما صنعوا فإن ما في يمينك أعظم منها، أو ms0833 ~~تحقيرا أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الفرد الذي في يمينك ~~فإنه بقدرتنا يتلقفها على وحدته وكثرتها { إنما صنعوا كيد ~~ساحر } كوفي غير عاصم سحر بمعنى ذي سحر أو ذوي سحر أو هم لتوغلهم في ~~السحر كأنهم السحر، و { كيد } بالرفع على القراءتين و «ما» موصولة أو ~~مصدرية. وإنما وحد { سحر } ولم يجمع لأن القصد في هذا الكلام إلى ~~معنى الجنسية لا إلى معنى العدد، فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد ألا ~~ترى إلى قوله { ولا يفلح السحر } أي هذا الجنس { حيث ~~أتى } أينما كان فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا فلعظم ما رأوا من ~~الآية وقعوا إلى السجود فذلك قوله { فألقى السحرة سجدا } ~~قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا فما أعجب أمرهم قد ألقوا ~~حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، ~~فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. روي أنهم رأوا الجنة ومنازلهم فيها في ~~السجود فرفعوا رؤوسهم ثم { قالوا امنا برب هرون وموسى ~~} وإنما قدم «هارون» هنا وأخر في الشعراء محافظة للفاصلة ولأن الواو لا ~~توجب ترتيبا { قال ءامنتم } بغير مد: حفص، وبهمزة ممدودة: بصري ~~وشامي وحجازي، وبهمزتين: غيرهم { له قبل أن ءاذن لكم } أي ~~لموسى. يقال: آمن له وآمن به { إنه لكبيركم الذى ~~علمكم السحر } لعظيمكم أو لمعلمكم، تقول أهل مكة للمعلم: أمرني ~~كبيري { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ~~القطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأن كل واحد من العضوين ~~يخالف الآخر بأن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال، و «من» لابتداء ~~الغاية لأن القطع مبتدأ وناشىء من مخالفة العضو، ومحل الجار والمجرور ~~النصب على الحال يعني لأقطعنها مختلفات لأنها إذا خالف بعضها بعضا فقد ~~اتصفت بالاختلاف، شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ~~فلهذا قال { ولأصلبنكم فى جذوع النخل } وخص النخل لطول ~~جذوعها { ولتعلمن أينا أشد عذابا } أنا على ترك ~~إيمانكم بي أو رب موسى على ترك الإيمان به. وقيل: يريد نفسه ms0834 لعنه الله ~~وموسى صلوات الله وسلامه عليه بدليل قوله { آمنتم له } واللام مع الإيمان ~~في كتاب الله لغير الله كقوله # يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين # [التوبة: 61] { وأبقى } أدوم. ### || [20.72-84] # { قالوا لن نؤثرك } لن نختارك { على ما جاءنا من ~~البينت } القاطعة الدالة على صدق موسى { والذى فطرنا } ~~عطف على { ما جاءنا } أي لن نختارك على الذي جاءنا ولا على الذي ~~خلقنا، أو قسم وجوابه { لن نؤثرك } مقدم على القسم { فاقض ما ~~أنت قاض } فاصنع ما أنت صانع من القتل والصلب قال: # وعليهما مسرودتان قضاهما # أي صنعهما أو احكم ما أنت حاكم { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي في ~~هذه الحياة الدنيا فانتصب على الظرف أي إنما تحكم فينا مدة حياتنا. # { أنا ءامنا بربنا ليغفر لنا خطينا وما ~~أكرهتنا عليه } «ما» موصولة منصوبة بالعطف على { خطينا ~~} { من السحر } حال من «ما»، روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى ~~نائما ففعل فوجدوه تحرسه عصاه فقالوا: ما هذا بسحر الساحر إذا نام بطل ~~سحره فكرهوا معارضته خوف الفضيحة فأكرههم فرعون على الإتيان بالسحر وضر ~~فرعون جهله به ونفعهم علمهم بالسحر فكيف بعلم الشرع { والله خير } ~~ثوابا لمن أطاعه { وأبقى } عقابا لمن عصاه وهو رد لقول فرعون { ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى }. # { أنه } هو ضمير الشأن { من يأت ربه مجرما } كافرا { ~~فإن له } للمجرم { جهنم لا يموت فيها } فيستريح بالموت ~~{ ولا يحيى } حياة ينتفع بها { ومن يأته مؤمنا } مات على ~~الإيمان { قد عمل الصلحت } بعد الإيمان { فأولئك ~~لهم الدرجت العلى } جمع العليا { جنت عدن } بدل ~~من { الدرجت } { تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها } دائمين { وذلك جزاء من تزكى } تطهر من ~~الشرك بقول لا إله إلا الله. قيل: هذه الآيات الثلاث حكاية قولهم. وقيل: ~~خبر من الله تعالى لا على وجه الحكاية وهو أظهر { ولقد أوحينا ~~إلى موسى أن أسر بعبادى } لما أراد الله تعالى إهلاك ~~فرعون وقومه أمر موسى أن يخرج بهم من مصر ليلا ويأخذ بهم طريق البحر { ~~فاضرب لهم طريقا فى البحر } اجعل لهم من ms0835 قولهم ضرب له في ~~ماله سهما { يبسا } أي يابسا وهو مصدر وصف به يقال: يبس يبسا ~~ويبسا { لا تخاف } حال من الضمير في { فاضرب } أي اضرب لهم ~~طريقا غير خائف. { لا تخف } حمزة على الجواب { دركا } هو اسم من ~~الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك { ولا تخشى } الغرق ~~وعلى قراءة حمزة { ولا تخشى } استئناف أي وأنت لا تخشى أو يكون ~~الألف للإطلاق كما في # وتظنون بالله الظنونا # [الأحزاب: 10] فخرج بهم موسى من أول الليل وكانوا سبعين ألفا وقد ~~استعاروا حليهم فركب فرعون في ستمائة ألف من القبط فقص أثرهم فذلك قوله { ~~فأتبعهم فرعون بجنوده } هو حال أي خرج خلفهم ومعه جنوده ~~{ فغشيهم من اليم } أصابهم من البحر { ما غشيهم } هو من ~~جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة أي غشيهم ما لا يعلم ~~كنهه إلا الله عز وجل { وأضل فرعون قومه } عن سبيل الرشاد ~~{ وما هدى } وما أرشدهم إلى الحق والسداد وهذا رد لقوله # وما أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29]. ثم ذكر منته على بني إسرائيل بعد ما أنجاهم من البحر وأهلك ~~فرعون وقومه بقوله { يبنى إسرءيل } أي أوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي وقلنا يا بني إسرائيل { قد أنجينكم من عدوكم } ~~أي فرعون { وواعدنكم } بإيتاء الكتاب { جانب الطور ~~الأيمن } وذلك أن الله عز وجل وعد موسى أن يأتي هذا المكان ويختار ~~سبعين رجلا يحضرون معه لنزول التوراة. وإنما نسب إليهم المواعدة لأنها ~~كانت لنبيهم ونقبائهم وإليهم رجعت منافعها التي قام بها شرعهم ودينهم. و ~~{ الأيمن } نصب لأنه صفة { جانب } وقرىء بالجر على الجواز { ~~ونزلنا عليكم المن والسلوى } في التيه وقلنا لكم. # { كلوا من طيبت } حلالات { ما رزقنكم } { أنجيتكم ~~} { وواعدتكم } { ورزقتكم } كوفي غير عاصم { ولا تطغوا فيه } ~~ولا تتعدوا حدود الله فيه بأن تكفروا النعم وتنفقوها في المعاصي أو لا ~~يظلم بعضكم بعضا { فيحل عليكم غضبى } عقوبتي { ومن ~~يحلل عليه غضبى فقد هوى } هلك أو سقط سقوطا لا نهوض ~~بعده، وأصله أن يسقط من جبل فيهلك وتحقيقه ms0836 سقط من شرف الإيمان إلى حفرة ~~من حفر النيران. قرأ علي { فيحل } { ويحلل } والباقون بكسرهما. ~~فالمكسور في معنى الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه، والمضموم في ~~معنى النزول { وإنى لغفار لمن تاب } عن الشرك { وءامن } ~~وحد الله تعالى وصدقه فيما أنزل { وعمل صلحا } أدى الفرائض { ~~ثم اهتدى } ثم استقام وثبت على الهدى المذكور وهو التوبة والإيمان ~~والعمل الصالح. # { وما أعجلك } أي وأي شيء عجل بك { عن قومك يموسى } أي ~~عن السبعين الذين اختارهم وذلك أنه مضى معهم إلى الطور على الموعد ~~المضروب ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه وأمرهم أن يتبعوه قال الله تعالى { ~~وما أعجلك } أي وأي شيء أوجب عجلتك استفهام إنكار و { ما } مبتدأ ~~و { أعجلك } الخبر { قال هم أولاء على أثرى } أي هم ~~خلفي يلحقون بي وليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة. ثم ذكر موجب العجلة ~~فقال { وعجلت إليك رب } أي إلى الموعد الذي وعدت { لترضى ~~} لتزداد عني رضا وهذا دليل على جواز الاجتهاد. ### || [20.85-96] # { قال فإنا قد فتنا قومك } ألقيناهم في فتنة { من ~~بعدك } من بعد خروجك من بينهم والمراد بالقوم الذين خلفهم مع هارون { ~~وأضلهم السامرى } بدعائه إياهم إلى عبادة العجل وإجابتهم له ~~وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: كان علجا ~~من كرمان فاتخذ عجلا واسمه موسى بن ظفر وكان منافقا { فرجع موسى ~~} من مناجات ربه { إلى قومه غضبن أسفا } شديد الغضب أو ~~حزينا { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~} وعدهم الله أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور وكانت ألف سورة كل ~~سوره ألف آية يحمل أسفارها سبعون جملا ولا وعد أحسن من ذلك { أفطال ~~عليكم العهد } أي مدة مفارقتي إياكم، والعهد الزمان، يقال: طال ~~عهدي بك أي طال زماني بسبب مفارقتك { أم أردتم أن يحل ~~عليكم غضب من ربكم } أي أردتم أن تفعلوا فعلا يجب به ~~عليكم الغضب من ربكم { فأخلفتم موعدى } وعدوه أن يقيموا على ~~أمره وما تركهم عليه من الآيات فأخلفوا موعده ms0837 باتخاذ العجل. # { قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } بفتح الميم: مدني ~~وعاصم، وبضمها: حمزة وعلي، وبكسرها: غيرهم، أي ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا ~~أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفنا موعدك ولكنا غلبنا من ~~جهة السامري وكيده { ولكنا حملنا } بالضم والتشديد: حجازي ~~وشامي وحفص، وبفتح الحاء والميم مع التخفيف: غيرهم { أوزارا من ~~زينة القوم } أثقالا من حلي القبط، أو أرادوا بالأوزار أنها آثام ~~وتبعات لأنهم قد استعاروها ليلة الخروج من مصر بعلة أن لنا غدا عيدا، ~~فقال السامري: إنما حبس موسى لشؤم حرمتها لأنهم كانوا معهم في حكم ~~المستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي على أن ~~الغنائم لم تكن تحل حينئذ فأحرقوها فخبأ في حفرة النار قالب عجل فانصاغت ~~عجلا مجوفا فخار بدخول الريح في مجار منه أشباه العروق. وقيل: نفخ فيه ~~ترابا من موضع قوائم فرس جبريل عليه السلام يوم الغرق وهو فرس حياة فحيي ~~فخار ومالت طباهم إلى الذهب فعبدوه { فقذفناها } في نار السامري ~~التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي { فكذلك ألقى ~~السامرى } ما معه من الحلي في النار أو ما معه من التراب الذي أخذه ~~من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. # { فأخرج لهم } السامري من الحفرة { عجلا } خلقه الله تعالى ~~من الحلي التي سبكتها النار ابتلاء { جسدا } مجسدا { له خوار } ~~صوت وكان يخور كما تخور العجاجيل { فقالوا } أي السامري وأتباعه { ~~هذا إلهكم وإله موسى } فأجاب عامتهم إلا اثني عشر ~~ألفا { فنسى } أي فنسي موسى ربه هنا وذهب يطلبه عند الطور، أو هو ~~ابتداء كلام من الله تعالى أي نسي السامري ربه وترك ما كان عليه من ~~الإيمان الظاهر، أو نسي السامري الاستدلال على أن العجل لا يكون إلها ~~بدليل قوله { أفلا يرون ألا يرجع } أي أنه لا يرجع ف { أن ~~} مخففة من الثقيلة { إليهم قولا } أي لا يجيبهم { ولا ~~يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي هو عاجز عن الخطاب والضر ~~والنفع فكيف تتخذونه إلها وقيل: إنه ما خار ms0838 إلا مرة { ولقد قال ~~لهم } لمن عبدوا العجل { هرون من قبل } من قبل رجوع موسى ~~إليهم { يقوم إنما فتنتم به } ابتليتم بالعجل فلا تعبدوه { ~~وإن ربكم الرحمن } لا العجل { فاتبعونى } كونوا ~~على ديني الذي هو الحق { وأطيعوا أمرى } في ترك عبادة العجل { ~~قالوا لن نبرح عليه عكفين } أي لن نزال مقيمين على ~~العجل وعبادته { حتى يرجع إلينا موسى } فننظره هل يعبده ~~كما عبدناه وهل صدق السامري أم لا. # فلما رجع موسى { قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ~~ضلوا } بعبادة العجل. # { ألا تتبعن } بالياء في الوصل والوقف: مكي، وافقه أبو عمرو ~~ونافع في الوصل، وغيرهم بلا ياء أي ما دعاك إلى ألا تتبعني لوجود التعلق ~~بين الصارف عن فعل الشي وبين الداعي إلى تركه. وقيل: «لا» مزيدة والمعنى ~~أي شيء منعك أن تتبعني حين لم يقبلوا قولك وتلحق بي وتخبرني؟ أو ما منعك ~~أن تتبعني في الغضب لله، وهلا قاتلت من كفر بمن آمن ومالك لم تباشر الأمر ~~كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهدا؟ { أفعصيت أمرى } أي الذي ~~أمرتك به من القيام بمصالحهم. ثم أخذ بشعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله ~~غضبا وإنكارا عليه لأن الغيرة في الله ملكته { قال يبنؤم } ~~وبخفض الميم: شامي وكوفي غير حفص، وكان لأبيه وأمه عند الجمهور ولكنه ذكر ~~الأم استعطافا وترفيقا { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } ~~ثم ذكر عذره فقال { إنى خشيت أن تقول } إن قاتلت بعضهم ببعض { ~~فرقت بين بنى إسرءيل } أو خفت أن تقول إن فارقتهم واتبعتك ~~ولحق بي فريق وتبع السامري فريق: { فرقت بين بنى إسرءيل } ~~{ ولم ترقب } ولم تحفظ { قولي } اخلفني في قومي وأصلح. وفيه ~~دليل على جواز الاجتهاد. # ثم أقبل موسى على السامري منكرا عليه حيث { قال فما خطبك } ما ~~أمرك الذي تخاطب عليه؟ { يسمري قال بصرت بما لم ~~يبصروا به } وبالتاء: حمزة وعلي، وقال الزجاج: بصر علم وأبصر نظر ~~أي علمت ما لم يعلمه بنو اسرائيل. قال موسى: وما ذاك؟ قال: رأيت جبريل ~~على فرس الحياة فألقي في ms0839 نفسي أن أقبض من أثره فما ألقيته على شيء إلا ~~صار له روح ولحم ودم { فقبضت قبضة } القبضة المرة من القبض ~~وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر ل «ضرب» الأمير. وقريء { ~~فقبصت قبضة } فالضاد بجميع الكف والصاد بأطراف الأصابع { من أثر ~~الرسول } أي من أثر فرس الرسول وقريء بها { فنبذتها } فطرحتها ~~في جوف العجل { وكذلك سولت } زينت { لى نفسى } أن أفعله ~~ففعلته اتباعا لهواي وهو اعتراف بالخطأ واعتذار. ### || [20.97-108] # { قال } له موسى { فاذهب } من بيننا طريدا { فإن لك في ~~الحياة } ما عشت { أن تقول } لمن أراد مخالطتك جاهلا بحالك { ~~لا مساس } أي لا يمسني أحد ولا أمسه فمنع من مخالطة الناس منعا ~~كليا وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته، وإذا اتفق أن يماس أحدا حم ~~الماس والممسوس. وكان يهيم في البرية يصيح لا مساس ويقال: إن ذلك موجود ~~في أولاده إلى الآن. وقيل: أراد موسى عليه السلام أن يقتله فمنعه الله ~~تعالى منه لسخائه { وإن لك موعدا لن تخلفه } أي لن ~~يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض ينجزه لك في ~~الآخرة بعدما عاقبك بذاك في الدنيا { لن تخلفه } مكي وأبو عمر ~~وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا { وانظر إلى إلهك ~~الذى ظلت عليه } وأصله ظللت فحذف اللام الأولى تخفيفا { ~~عاكفا } مقيما { لنحرقنه } بالنار { ثم لننسفنه } ~~لنذرينه { فى اليم نسفا } فحرقه وذراه في البحر فشرب بعضهم من ~~مائة حبا له فظهرت على شفاههم صفرة الذهب. { إنما إلهكم ~~الله الذى لا إله إلا هو وسع كل شىء علما } ~~تمييز أي وسع علمه كل شيء. # ومحل الكاف في { كذلك } نصب أي مثل ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون ~~{ نقص عليك من أنباء ما قد سبق } من أخبار الأمم ~~الماضية تكثيرا لبيناتك وزيادة في معجزاتك { وقد آتينك } أي ~~أعطيناك { من لدنا } من عندنا { ذكرا } قرآنا فهو ذكر عظيم ~~وقرآن كريم فيه النجاة لمن أقبل عليه، وهو مشتمل على الأقاصيص والأخبار ~~الحقيقة بالتفكر والاعتبار { من أعرض عنه } عن هذا الذكر ms0840 وهو ~~القرآن ولم يؤمن به { فإنه يحمل يوم القيمة وزرا } ~~عقوبة ثقيلة سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها ~~بالحمل الثقيل الذي ينقض ظهره ويلقى عليه بهره، أو لأنها جزاء الوزر وهو ~~الإثم { خلدين } حال من الضمير في { يحمل } وإنما جمع على ~~المعنى ووحد في { فإنه } حملا على لفظ من { فيه } في الوزر أي في ~~جزاء الوزر وهو العذاب { وساء لهم يوم القيمة حملا } ~~ساء في حكم بئس وفيه مبهم يفسره { حملا } وهو تمييز واللام في { ~~لهم } للبيان كما في # هيت لك # [يوسف: 23] والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه تقديره ساء ~~الحمل حملا وزرهم. # { يوم ينفخ } بدل من { يوم القيمة } ، { ننفخ } أبو ~~عمرو { فى الصور } القرن أو هو جمع صورة أي ننفخ الأرواح فيها دليله ~~قراءة قتادة الصور بفتح الواو جمع صورة { ونحشر المجرمين ~~يومئذ زرقا } حال أي عميا كما قال # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا # [الإسراء: 97] وهذا لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق { يتخفتون } ~~يتسارون { بينهم } أي يقول بعضهم لبعض سرا لهول ذلك اليوم { إن ~~لبثتم } ما لبثتم في الدنيا { إلا عشرا } أي عشر ليال ~~يستقصرون مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا لما يعاينون من الشدائد التي ~~تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر، لأن أيام ~~السرور قصار، أو لأنها ذهبت عنهم والذاهب وإن طالت مدته قصير بالانتهاء، ~~أو لاستطالتهم الآخرة لأنها أبدا يستقصر إليها عمر الدنيا ويتقال لبث ~~أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة، وقد رجح الله قول من يكون أشد ~~تقالا منهم بقوله { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة } أعد لهم قولا { إن لبثتم إلا ~~يوما } وهو كقوله # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين # [المؤمنون: 113]. # { ويسئلونك عن الجبال } سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما يصنع بالجبال يوم القيامة؟ وقيل: لم يسئل وتقديره إن سألوك { فقل } ~~ولذا قرن بالفاء بخلاف سائر السؤالات مثل قوله # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى # [البقرة: 222] وقوله # ويسئلونك عن اليتمى ms0841 قل إصلاح لهم خير # [البقرة: 220] # ويسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير # [البقرة: 219] # يسئلونك عن الساعة أيان مرسها قل إنما ~~علمها عند ربي # [الأعراف: 187] # ويسئلونك عن الروح قل الروح # [الإسراء: 85] # ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلوا # [الكهف: 83] لأنها سؤالات تقدمت فورد جوابها ولم يكن فيها معنى الشرط ~~فلم يذكر الفاء. # { ينسفها ربى نسفا } أي يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح ~~فتفرقها كما يذرى الطعام. وقال الخليل: يقلعها { فيذرها } فيذر ~~مقارها أو يجعل الضمير للأرض للعلم بها كقوله # ما ترك على ظهرها # [فاطر: 45] { قاعا صفصفا } مستوية ملساء { لا ترى فيها ~~عوجا } انخفاضا { ولا أمتا } ارتفاعا والعوج بالكسر إن كان في ~~المعاني كما أن المفتوح في الأعيان والأرض عين، ولكن لما استوت الأرض ~~استواء لا يمكن أن يوجد فيها اعوجاج بوجه ما وإن دقت الحيلة ولطفت جرت ~~مجرى المعاني { يومئذ } أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال أي يوم إذ ~~نسفت وجاز أن يكون بدلا بعد بدل من يوم القيامة { يتبعون ~~الداعى } إلى المحشر أي صوت الداعي وهو إسرافيل حين ينادي على صخرة ~~بيت المقدس: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة ~~هلمي إلى عرض الرحمن فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا يعدلون عنه { لا ~~عوج له } أي لا يعوج له مدعو بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين ~~لصوته { وخشعت } وسكنت { الأصوات للرحمن } هيبة ~~وإجلالا { فلا تسمع إلا همسا } صوتا خفيفا لتحريك الشفاه. ~~وقيل: هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت أي لا تسمع إلا خفق ~~الأقدام ونقلها إلى المحشر. ### || [20.109-112] # { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن } محل من رفع على البدل من { الشفعة } بتقدير حذف ~~المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي أذن للشافع في ~~الشفاعة { ورضى له قولا } أي رضي قولا لأجله بأن يكون المشفوع ~~له مسلما أو نصب على أنه مفعول { تنفع } { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } أي يعلم ما تقدمهم من الأحوال وما ~~يستقبلونه { ولا ms0842 يحيطون به علما } أي بما أحاط به علم الله ~~فيرجع الضمير إلى «ما» أو يرجع الضمير إلى الله لأنه تعالى ليس بمحاط به ~~{ وعنت } خضعت وذلت ومنه قيل للأسير: عان { الوجوه } أي أصحابها ~~{ للحى } الذي لا يموت وكل حياة يتعقبها الموت فهي كأن لم تكن { ~~القيوم } الدائم القائم على كل نفس بما كسبت أو القائم بتدبير الخلق ~~{ وقد خاب } يئس من رحمة الله { من حمل ظلما } من حمل إلى ~~موقف القيامة شركا لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ولا ظلم أشد من جعل ~~المخلوق شريك من خلقه { ومن يعمل من الصلحت } الصالحات ~~الطاعات { وهو مؤمن } مصدق بما جاء به محمد عليه السلام، وفيه ~~دليل أنه يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحة وأن الإيمان شرط قبولها ~~{ فلا يخاف } أي فهو لا يخاف { فلا يخف } على النهي: مكي { ~~ظلما } أن يزداد في سيئاته { ولا هضما } ولا ينقص من حسناته وأصل ~~الهضم النقص والكسر. ### || [20.113-116] # { وكذلك } عطف على كذلك نقص أي ومثل ذلك الإنزال { أنزلناه ~~قرانا عربيا } بلسان العرب { وصرفنا } كررنا { فيه من ~~الوعيد لعلهم يتقون } يجتنبون الشرك { أو يحدث ~~لهم } الوعيد أو القرآن { ذكرا } عظة أو شرفا بإيمانهم به وقيل ~~«أو» بمعنى الواو. # { فتعلى الله } ارتفع عن فنون الظنون وأوهام الأفهام وتنزه عن ~~مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام { الملك } الذي يحتاج إليه الملوك { ~~الحق } المحق في الألوهية. ولما ذكر القرآن وإنزاله قال استطرادا: ~~وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن فتأن عليك ريثما يسمعك ويفهمك { ~~ولا تعجل بالقرءان } بقراءته { من قبل إن يقضى ~~إليك وحيه } من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ { وقل رب ~~زدنى علما } بالقرآن ومعانيه. وقيل: ما أمر الله رسوله بطلب ~~الزيادة في شيء إلا في العلم. # { ولقد عهدنا إلى ءادم } أي أوحينا إليه أن لا يأكل من ~~الشجرة. يقال في أوامر الملوك ووصاياهم تقدم الملك إلى فلان وأوصى إليه ~~وعزم عليه وعهد إليه، فعطف قصة آدم على { وصرفنا فيه من ~~الوعيد } والمعنى وأقسم قسما لقد أمرنا أباهم ms0843 آدم ووصيناه أن لا ~~يقرب الشجرة { من قبل } من قبل وجودهم فخالف إلى ما نهي عنه كما أنهم ~~يخالفون يعني أن أساس أمر بني آدم على ذلك وعرقهم راسخ فيه { فنسى } ~~العهد أي النهي والأنبياء عليهم السلام يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا ~~لحفظوه { ولم نجد له عزما } قصدا إلى الخلاف لأمره أو لم يكن ~~آدم من أولي العزم. والوجود بمعنى العلم ومفعولاه { له عزما } أو ~~بمعنى نقيض العدم أي وعد منا له عزما و { له } متعلق ب { نجد } { ~~وإذ قلنا } منصوب ب «اذكر» { للملئكة اسجدوا لآدم ~~} قيل: هو السجود اللغوي الذي هو الخضوع والتذلل أو كان آدم كالقبلة لضرب ~~تعظيم له فيه { فسجدوا إلا إبليس } عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن إبليس كان ملكا من جنس المستثنى منهم. وقال الحسن: الملائكة ~~لباب الخليقة من الأرواح ولا يتناسلون وإبليس من نار السموم. وإنما صح ~~استثناؤه منهم لأنه كان يصحبهم ويعبد الله معهم { أبى } جملة مستأنفة ~~كأنه جواب لمن قال لم لم يسجد، والوجه أن لا يقدر له مفعول وهو السجود ~~المدلول عليه بقوله { فسجدوا } وأن يكون معناه أظهر الإباء وتوقف. ### || [20.117-121] # { فقلنا يئادم أن هذا عدو لك ولزوجك } حيث لم ~~يسجد لك ولم ير فضلك { فلا يخرجنكما من الجنة } فلا ~~يكونن سببا لإخراجكما { فتشقى } فتتعب في طلب القوت ولم يقل ~~«فتشقيا» مراعاة لرؤوس الآي، أو دخلت تبعا، أو لأن الرجل هو الكافل ~~لنفقة المرأة. وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح ~~العرق من جبينه { إن لك ألا تجوع فيها } في الجنة { ولا ~~تعرى } عن الملابس لأنها معدة أبدا فيها { وأنك } بالكسر: نافع ~~وأبو بكر عطفا على «إن» الأولى، وغيرهما بالفتح عطفا على { ألا ~~تجوع } ومحله نصب ب «أن» وجاز للفصل كما تقول «إن في علمي أنك جالس» ~~{ لا تظمؤا فيها } لا تعطش لوجود الأشربة فيها { ولا تضحى } ~~لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس فأهلها في ظل ممدود. # { فوسوس إليه الشيطن } أي أنهى إليه الوسوسة ms0844 كأسر إليه ~~{ قال ياءادم هل أدلك على شجرة الخلد } أضاف ~~الشجرة إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها خلد بزعمه ولا يموت { ~~وملك لا يبلى } لا يفنى { فأكلا } أي آدم وحواء { منها ~~فبدت لهما } عوراتهما { سوءتهما } { وطفقا } طفق يفعل ~~كذا مثل جعل يفعل وهو ك «كاد» في وقوع الخبر فعلا مضارعا إلا أنه ~~للشروع في أول الأمر وكاد للدنو منه { يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة } أي يلزقان الورق بسواتهما للتستر وهو ورق التين { ~~وعصى ءادم ربه فغوى } ضل عن الرأي. وعن ابن عيسى خاب، ~~والحاصل أن العصيان وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي، وقد يكون عمدا ~~فيكون ذنبا وقد لا يكون عمدا فيكون زلة. ولما وصف فعله بالعصيان خرج ~~فعله من أن يكون رشدا فكان غيا، لأن الغي خلاف الرشد. وفي التصريح ~~بقوله { وعصى ءادم ربه فغوى } والعدول عن قوله و «زل آدم» ~~مزجرة بليغة وموعظة كافة للمكلفين كأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف ~~نعيت على النبي المعصوم حبيب الله زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما ~~يفرط منكم من الصغائر فضلا عن الكبائر. ### || [20.122-125] # { ثم اجتبه ربه } قربه إليه اصطفاه. وقريء به وأصل الكلمة ~~الجمع يقال جبى إلى كذا فاجتبيته { فتاب عليه } قبل توبته { ~~وهدى } وهداه إلى الاعتذار والاستغفار. # { قال اهبطا منها جميعا } يعني آدم وحواء { بعضكم } يا ~~ذرية آدم { لبعض عدو } بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين { ~~فإما يأتينكم منى هدى } كتاب وشريعة { فمن اتبع ~~هداى فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في العقبى. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ~~ولا يشقى في الآخرة يعني أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن ~~طريق الدين، فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من ~~الضلال ومن عقابه { ومن أعرض عن ذكرى } عن القرآن { فإن ~~له معيشة ضنكا } ضيقا وهو مصدر يستوي في الوصف به المذكر ~~والمؤنث. عن ابن جبير: يسلبه القناعة حتى لا ms0845 يشبع فمع الدين التسليم ~~والقناعة والتوكل فتكون حياته طيبة، ومع الإعراض الحرص والشح فعيشه ضنك ~~وحاله مظلمة كما قال بعض المتصوفة: لا يعرض أحدكم عن ذكر ربه إلا أظلم ~~عليه وقته وتشوش عليه رزقه { ونحشره يوم القيمة أعمى ~~} عن الحجة. عن ابن عباس: أعمى البصر وهو كقوله: # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا # [الإسراء: 97] وهو الوجه { قال رب لم حشرتنى أعمى وقد ~~كنت بصيرا } في الدنيا ### || [20.126-130] # { قال كذلك } أي مثل ذلك فعلت أنت. ثم فسر فقال { أتتك ~~ايتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } أي أتتك آياتنا ~~واضحة فلم تنظر إليها بعين المعتبر وتركتها وعميت عنها فكذلك اليوم نتركك ~~على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك. # { وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بئايت ربه ~~ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } لما توعد المعرض عن ذكره ~~بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا وحشره أعمى في العقبى ختم آيات الوعيد ~~بقوله { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } أي للحشر على العمى الذي يزول أبدا ~~أشد من ضيق العيش المنقضي { أفلم يهد لهم } أي الله بدليل ~~قراءة زيد عن يعقوب بالنون { كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون يمشون } حال من الضمير المجرور في { لهم } { فى ~~مسكنهم } يريد أن قريشا يمشون في مساكن عاد وثمود وقوم لوط ~~ويعاينون آثار هلاكهم { إن فى ذلك لأيات لأولى النهى } ~~لذوي العقول إذا تفكروا علموا أن استئصالهم لكفرهم فلا يفعلون مثل ما ~~فعلوا { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي الحكم بتأخير ~~العذاب عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم { لكان لزاما } لازما ~~فاللزام مصدر لزم فوصف به { وأجل مسمى } القيامة وهو معطوف على ~~كلمة، والمعنى ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة ~~لكان العذاب لازما لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة. # { فاصبر على ما يقولون } فيك { وسبح } وصل { بحمد ~~ربك } في موضع الحال وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه ~~{ قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } ~~يعني الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ms0846 بين زوال ~~الشمس وغروبها { ومن ءانآي الليل فسبح وأطراف النهار } أي وتعهد أناء ~~الليل أي ساعاته وأطراف النهار مختصا لها بصلاتك. وقد تناول التسبيح في ~~آناء الليل وصلاة العتمة، وفي أطراف النهار صلاة المغرب، وصلاة الفجر على ~~التكرار إرادة الاختصاص كما اختصت في قوله # والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] عند البعض. وإنما جمع وأطراف النهار وهما طرفان لأمن ~~الإلباس وهو عطف على قبل { لعلك ترضى } لعل للمخاطب أي اذكر ~~الله في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك. { ~~وترضى } علي وأبو بكر أي يرضيك ربك. ### || [20.131-132] # { ولا تمدن عينيك } أي نظر عينيك ومد النظر تطويله وأن لا ~~يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وفيه أن النظر غير ~~الممدود معفو عنه وذلك أن يباده الشيء بالنظر ثم يغض الطرف. ولقد شدد ~~المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في ملابسهم ~~ومراكبهم حتى قال الحسن: لا تنظروا إلى دقدقة هماليج الفسقة، ولكن انظروا ~~كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرقاب. وهذا لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء ~~لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها { إلى ~~ما متعنا به أزواجا منهم } أصنافا من الكفرة ويجوز أن ~~ينتصب حالا من هاء الضمير والفعل واقع على { منهم } كأنه قال إلى الذي ~~متعنا به وهو أصناف بعضهم وناسا منهم { زهرة الحيوة الدنيا ~~} زينتها وبهجتها وانتصب على الذم أو على إبداله من محل به أو على إبداله ~~من أزواجا على تقدير ذوي زهرة { لنفتنهم فيه } لنبلوهم حتى ~~يستوجبوا العذاب لوجود الكفران منهم أو لنعذبهم في الآخرة بسببه { ~~ورزق ربك } ثوابه وهو الجنة أو الحلال الكافي { خير وأبقى ~~} مما رزقوا { وأمر أهلك } أمتك أو أهل بيتك { بالصلاة واصطبر } ~~أنت دوام { عليها لا نسألك رزقا } أي لا نسألك أن ترزق نفسك ~~ولا أهلك { نحن نرزقك } وإياهم فلا تهتم لأمر الرزق وفرغ بالك ~~لأمر الآخرة لأن من كان في عمل الله كان الله في عمله. وعن عروة بن ~~الزبير أنه ms0847 كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ: { ولا تمدن عينيك }. الآية ~~ثم ينادي الصلاة، الصلاة رحمكم الله. وكان بكر بن عبد الله المزني إذا ~~أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله ورسوله. وعن مالك بن ~~دينار مثله. وفي بعض المسانيد أنه عليه السلام كان إذا أصاب أهله ضر ~~أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية { والعقبة للتقوى } أي وحسن ~~العاقبة لأهل التقوى بحذف المضافين. ### || [20.133-135] # { وقالوا } أي الكافرون { لولا يأتينا بئاية من ~~ربه } هلا يأتينا محمد بآية من ربه تدل على صحة نبوته { أو لم ~~تأتهم } { أو لم تأتهم } مدني وحفص وبصري { بينة ما فى ~~الصحف الأولى } أي الكتب المتقدمة يعني أنهم اقترحوا على عادتهم ~~في التعنت آية على النبوة فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أم الآيات ~~وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن من قبل أن القرآن برهان ما في سائر ~~الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة وتلك ليست بمعجزات فهي مفتقرة إلى ~~شهادته على صحة ما فيها { ولو أنا أهلكنهم بعذاب من ~~قبله } من قبل الرسول أو القرآن { لقالوا ربنا لولا } هلا ~~{ أرسلت إلينا رسولا فنتبع } بالنصب على جواب ~~الاستفهام بالفاء { بآيتك من قبل أن نذل } بنزول العذاب { ~~ونخزى } في العقبى { قل كل } أي كل واحد منا ومنكم { ~~متربص } منتظر للعاقبة وبما يؤول إليه أمرنا وأمركم { ~~فتربصوا } إذا جاءت القيامة { من أصحب } مبتدأ وخبر ~~ومحلهما نصب { الصراط السوي } المستقيم { ومن اهتدى } إلى ~~النعيم المقيم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يقرأ أهل الجنة إلا سورة طه ويس " # والله أعلم بالصواب. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-2] # { اقترب } دنا { للناس } اللام صلة لاقتراب. عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن المراد بالناس المشركون لأن ما يتلوه من صفات المشركين { ~~حسابهم } وقت محاسبة الله إياهم ومجازاته على أعمالهم يعني يوم ~~القيامة، وإنما وصفه بالاقتراب لقلة ما بقي بالإضافة إلى ما مضى ولأن كل ~~آت قريب { وهم فى غفلة } عن حسابهم وعما يفعل بهم ثم { ~~معرضون } عن التأهب لذلك اليوم ms0848 فالاقتراب عام والغفلة والإعراض ~~يتفاوتان بتفاوت المكلفين، فرب غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه وإعراضه ~~عن مولاه، ورب غافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه وإعراضه عن دنياه فهو لا ~~يفيق إلا برؤية المولى، والأول إنما يفيق في عسكر الموتى فالواجب عليك أن ~~تحاسب نفسك قبل أن تحاسب وتتنبه للعرض قبل أن تنبه، وتعرض عن الغافلين ~~وتشتغل بذكر خالق الخلق أجمعين لتفوز بلقاء رب العالمين { ما ~~يأتيهم من ذكر } شيء من القرآن { من ربهم محدث } في ~~التنزيل إتيانه، مبتدأة تلاوته، قريب عهده باستماعهم، والمراد به الحروف ~~المنظومة. ولا خلاف في حدوثها { إلا استمعوه } من النبي عليه ~~السلام أو غيره ممن يتلوه { وهم يلعبون } يستهزئون به. ### || [21.3-5] # { لاهية } حال من ضمير يلعبون أو { وهم يلعبون } و { لاهية } حالان ~~من الضمير في استمعوه. ومن قرأ { لاهية } بالرفع يكون خبرا بعد خبر ~~لقوله: { وهم } وارتفعت { قلوبهم } ب { لاهية } وهي من لها عنه إذا ~~ذهل وغفل، والمعنى قلوبهم غافلة عما يراد بها، ومنها قال أبو بكر الوارق: ~~القلب اللاهي المشغول بزينة الدنيا وزهرتها الغافل عن الآخرة وأهوالها { ~~وأسروا } وبالغوا في إخفاء { النجوى } وهي اسم من التناجي. ثم ~~أبدل { الذين ظلموا } من واو { وأسروا } إيذانا بأنهم الموسومون ~~بالظلم فيما أسروا به، أو جاء على لغة من قال «أكلوني البراغيث»، أو هو ~~مجرور المحل لكونه صفة أو بدلا من الناس، أو هو منصوب المحل على الذم، ~~أو هو مبتدأ خبره { أسروا النجوى } فقدم عليه أي والذين ظلموا أسروا ~~النجوى { هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر ~~وأنتم تبصرون } هذا الكلام كله في محل النصب بدل من النجوى أي ~~وأسروا هذا الحديث ويجوز أن يتعلق ب «قالوا» مضمرا والمعنى أنهم ~~اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكا وأن كل من ادعى الرسالة من البشر ~~وجاء بالمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: ~~أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر { قال ربى } حمزة ~~وعلي وحفص أي قال محمد وغيرهم { قل ربي } أي قل يا محمد للذين ms0849 أسروا ~~النجوى { يعلم القول فى السماء والأرض } أي يعلم قول كل ~~قائل هو في السماء أو الأرض سرا كان أو جهرا { وهو السميع } ~~لأقوالهم { العليم } بما في ضمائرهم. # { بل قالوا أضغث أحلام بل افتراه بل هو ~~شاعر } أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رآها في نومه ~~فتوهمها وحيا من الله إليه، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه ~~قول شاعر وهكذا الباطل لجلج والمبطل رجاع غير ثابت على قول واحد، ثم ~~قالوا إن كان صادقا في دعواه وليس الأمر كما يظن { فليأتنا بآية } ~~بمعجزة { كما أرسل الأولون } كما أرسل من قبله باليد البيضاء ~~والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وصحة التشبيه في قوله كما { أرسل ~~الأولون } من حيث إنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل ~~متضمن للإتيان بالآيات، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك «أرسل محمد» وبين ~~قولك «أتى بالمعجزة» فرد الله عليهم قولهم بقوله. ### || [21.6-9] # { ما ءامنت قبلهم من قرية } من أهل قرية { ~~أهلكنها } صفة ل { قرية } عند مجيء الآيات المقترحة لأنهم ~~طلبوها تعنتا { أفهم يؤمنون } أي أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما ~~أتتهم أفيؤمن هؤلاء المقترحون لو أتيناهم بما اقترحوا مع أنهم أعني منهم، ~~والمعنى أن أهل القرى اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعاهدوا أنهم يؤمنون ~~عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا فأهلكهم الله فلو أعطينا هؤلاء ما ~~يقترحون لنكثوا أيضا. # { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا } هذا جواب قولهم هل هذا ~~إلا بشر مثلكم { نوحى إليهم } { نوحى } حفص { فاسألوا ~~أهل الذكر } العلماء بالكتابين فإنهم يعرفون أن الرسل الموحى إليهم ~~كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة وكان أهل مكة يعتمدون على قولهم { إن ~~كنتم لا تعلمون } ذلك. ثم بين أنه كمن تقدمه من الأنبياء بقوله ~~{ وما جعلنهم جسدا } وحد الجسد لإرادة الجنس { لا ~~يأكلون الطعام } صفة ل { جسدا } يعني وما جعلنا الأنبياء قبله ~~ذوي جسد غير طاعمين { وما كانوا خلدين } كأنهم قالوا هلا كان ~~ملكا لا يطعم ويخلد، إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون ms0850 أو مسمين بقاءهم ~~الممتد وحياتهم المتطاولة خلودا { ثم صدقنهم الوعد } ~~بإنجائهم والأصل في الوعد مثل # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] أي من قومه { فأنجينهم } مما حل بقومهم { ومن ~~نشاء } هم المؤمنون { وأهلكنا المسرفين } المجاوزين الحد ~~بالكفر ودل الإخبار بإهلاك المسرفين على أن من نشاء غيرهم. ### || [21.10-13] # { لقد أنزلنا إليكم } يا معشر قريش { كتبا فيه ~~ذكركم } شرفكم إن عملتم به أو لأنه بلسانكم أو فيه موعظتكم أو فيه ~~ذكر دينكم ودنياكم والجملة أي فيه ذكركم صفة ل { كتابا } { أفلا ~~تعقلون } ما فضلتكم به على غيركم فتؤمنوا { وكم } نصب بقوله { ~~قصمنا } أي أهلكنا { من قرية } أي أهلها بدليل قوله { كانت ~~ظلمة } كافرة وهي واردة عن غضب شديد وسخط عظيم لأن القصم أفظع ~~الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم فإنه كسر بلا إبانة ~~{ وأنشأنا } خلقنا { بعدها قوما ءاخرين } فسكنوا مساكنهم. # { فلما أحسوا } أي المهلكون { بأسنا } عذابنا أي علموا علم ~~حس ومشاهدة { إذا هم منها } من القرية و { إذا } للمفاجأة و { هم ~~} مبتدأ والخبر { يركضون } يهربون مسرعين، والركض ضرب الدابة بالرجل ~~فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة ~~العذاب، أو شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم ~~فقيل لهم { لا تركضوا } والقائل بعض الملائكة { وارجعوا ~~إلى ما أترفتم فيه } نعمتم فيه من الدنيا ولين العيش. قال ~~الخليل: المترف الموسع عليه عيشه القليل فيه همه { ومسكنكم ~~لعلكم تسألون } أي يقال لهم استهزاء بهم: ارجعوا إلى نعيمكم ~~ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم فتجيبوا السائل ~~عن علم ومشاهدة، أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يسألكم ~~عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقولوا لكم بم تأمرون وكيف نأتي ونذر ~~كعادة المنعمين المخدمين، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل ~~الخطوب، أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحاب أكفكم، أو قال ~~بعضهم لبعض: لا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تسألون مالا ~~وخراجا فلا تقتلون، فنودي من السماء يا لثارات الأنبياء وأخذتهم السيوف ~~فثم ms0851 ### || [21.14-17] # { قالوا يا ويلنآ قالوا إنا كنا ظلمين } ~~اعترافهم بذلك حين لا ينفعهم الاعتراف. # { فما زالت تلك } هي إشارة إلى يا ويلنا { دعواهم } دعاءهم ~~و { تلك } مرفوع على أنه اسم { زالت } و { دعواهم } الخبر ويجوز العكس { ~~حتى جعلنهم حصيدا } مثل الحصيد أي الزرع المحصود ولم يجمع ~~كما لم يجمع المقدر { خمدين } ميتين خمود النار و { حصيدا خامدين } ~~مفعول ثان ل «جعل» أي جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود كقولك ~~«جعلته حلوا حامضا» أي جعلته جامعا للطعمين. # { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } ~~اللعب فعل يروق أوله ولا ثبات له، ولاعبين حال من فاعل { خلقنا } والمعنى ~~وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف ~~الخلق للهو واللعب، وإنما سويناها ليستدل بها على قدرة مدبرها ولنجازي ~~المحسن والمسيء على ما تقتضيه حكمتنا، ثم نزه ذاته عن سمات الحدوث بقوله ~~{ لو أردنا أن نتخذ لهوا } أي ولدا أو امرأة كأنه رد ~~على من قال: عيسى ابنه ومريم صاحبته { لاتخذنه من لدنا } ~~من الولدان أو الحور { إن كنا فعلين } أي إن كنا ممن يفعل ذلك ~~ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا. وقيل: هو نفي كقوله # وإن أدري # [الأنبياء: 109] أي ما كنا فاعلين ### || [21.18-21] # { بل نقذف } «بل» إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه منه لذاته كأنه قال ~~سبحاننا أن نتخذ اللهو بل من سنتنا أن نقذف أي نرمي ونسلط { بالحق } ~~بالقرآن { على البطل } الشيطان أو بالإسلام على الشرك أو بالجد ~~على اللعب { فيدمغه } فيكسره ويدحض الحق الباطل، وهذه استعارة ~~لطيفة لأن أصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام، ثم استعير القذف لإيراد ~~الحق على الباطل والدمغ لإذهاب الباطل فالمستعار منه حسي والمستعار له ~~عقلي فكأنه قيل: بل نورد الحق الشبيه بالجسم القوي على الباطل الشبيه ~~بالجسم الضعيف فيبطله إبطال الجسم القوي الضعيف { فإذا هو } أي ~~الباطل { زاهق } هالك ذاهب { ولكم الويل مما تصفون } ~~الله به من الولد ونحوه. # { وله من فى السموت والأرض } خلقا وملكا فأنى يكون ~~شيء منه ولدا له وبينهما تناف ms0852 ويوقف على { الأرض } لأن { ومن عنده } ~~منزلة ومكانة لا منزلا ولا مكانا يعني الملائكة مبتدأ خبره { لا ~~يستكبرون } لا يتعظمون { عن عبادته ولا يستحسرون ~~} ولا يعيون { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ~~حال من فاعل { يسبحون } أي تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا تتخلله ~~فترة بفراغ أو بشغل آخر فتسبيحهم جار مجرى التنفس منا. ثم أضرب عن ~~المشركين منكرا عليهم وموبخا فجاء ب «أم» التي بمعنى «بل» والهمزة ~~فقال { أم اتخذوا الهة من الأرض هم ينشرون } يحيون ~~الموتى ومن الأرض صفة ل { الهة } لأن الهتهم كانت متخذة من جواهر الأرض ~~كالذهب والفضة والحجر أو تعبد في الأرض فنسبت إليها كقولك «فلان من ~~المدينة» أي مدني، أو متعلق ب { اتخذوا } ويكون فيه بيان غاية الاتخاذ، ~~وفي قوله { هم ينشرون } زيادة توبيخ وإن لم يدعوا أن أصنامهم تحيي ~~الموتى، وكيف يدعون ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات لأنه ~~يلزم من دعوى الألوهية لها دعوى الإنشار، لأن العاجز عنه لا يصح أن يكون ~~إلها إذ لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور والإنشار من جملة ~~المقدورات. وقرأ الحسن { ينشرون } بفتح الياء وهما لغتان أنشر الله ~~الموتى ونشرها أي أحياها. ### || [21.22-24] # { لو كان فيهما الهة إلا الله } أي غير الله وصفت الهة ~~ب «إلا» كما وصفت ب «غير» لو قيل الهة غير الله، ولا يجوز رفعه على ~~البدل لأن «لو» بمنزلة «إن» في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في ~~الكلام غير الموجب كقوله تعالى # ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك # [هود: 81] ولا يجوز نصبه استثناء لأن الجمع إذا كان منكرا لا يجوز أن ~~يستثنى منه عند المحققين لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا ~~الاستثناء، والمعنى لو كان يدبر أمر السماوات والأرض آلهة شتى غير الواحد ~~الذي هو فاطرهما { لفسدتا } لخربتا لوجود التمانع وقد قررناه في ~~أصول الكلام. # ثم نزه ذاته فقال { فسبحن الله رب العرش عما ~~يصفون } من الولد والشريك. # { لا يسأل عما يفعل ms0853 } لأنه المالك على الحقيقة، ولو اعترض ~~على السلطان بعض عبيده مع وجود التجانس وجواز الخطأ عليه وعدم الملك ~~الحقيقي لاستقبح ذلك وعد سفها، فمن هو مالك الملوك ورب الأرباب وفعله ~~صواب كله أولى بأن لا يعترض عليه { وهم يسئلون } لأنهم مملوكون ~~خطاؤون فما أخلقهم بأن يقال لهم لم فعلتم في كل شيء فعلوه. وقيل: وهم ~~يسئلون يرجع إلى المسيح والملائكة أي هم مسئولون فكيف يكونون آلهة ~~والألوهية تنافي الجنسية والمسئولية { أم اتخذوا من دونه ~~ءالهة } الإعادة لزيادة الإفادة فالأول للإنكار من حيث العقل، والثاني ~~من حيث النقل أي وصفتم الله تعالى بأن يكون له شريك فقيل لمحمد { قل ~~هاتوا برهنكم } حجتكم على ذلك وذا عقلي وهو يأباه كما مر، أو ~~نقلي وهو الوحي وهو أيضا يأباه فإنكم لا تجدون كتابا من الكتب السماوية ~~إلا وفيه توحيده وتنزيهه عن الأنداد { هذا ذكر من معى } يعني ~~أمته { وذكر من قبلى } يعني أمم الأنبياء من قبلي وهو وارد في ~~توحيد الله ونفي الشركاء عنه. { معي } حفص. فلما لم يمتنعوا عن كفرهم ~~أضرب عنهم فقال { بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي ~~القرآن وهو نصب ب { يعلمون } وقرىء { الحق } أي هو الحق { فهم } لأجل ~~ذلك { معرضون } عن النظر فيما يجب عليهم. ### || [21.25-28] # { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه ~~} { إلا نوحى } كوفي غير أبي بكر وحماد { أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون } وحدوني فهذه الآية مقررة لما سبقها من آي ~~التوحيد { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه } نزلت ~~في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله فنزه ذاته عن ذلك ثم أخبر عنهم ~~بأنهم عباد بقوله { بل عباد مكرمون } أي بل هم عباد مكرمون ~~مشرفون مقربون وليسوا بأولاد إذ العبودية تنافي الولادة { لا ~~يسبقونه بالقول } أي بقولهم فأنيبت اللام مناب الإضافة، ~~والمعنى أنهم يتبعون قوله فلا يسبق قولهم قوله ولا يتقدمون قوله بقولهم { ~~وهم بأمره يعملون } أي كما أن قولهم تابع لقوله فعملهم ~~أيضا مبني على أمره لا يعملون عملا لم يأمروا به { يعلم ما ms0854 بين ~~أيديهم وما خلفهم } أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } أي لمن رضي الله عنه وقال لا إله ~~إلا الله { وهم من خشيته مشفقون } خائفون. ### || [21.29-31] # { ومن يقل منهم } من الملائكة { إنى إله من دونه } ~~من دون الله { إني } مدني وأبو عمرو { فذلك } مبتدأ أي فذلك القائل ~~خبره { نجزيه جهنم } وهو جواب الشرط { كذلك نجزى ~~الظلمين } الكافرين الذين وضعوا الإلهية في غير موضعها وهذا على ~~سبيل الفرض والتمثيل لتحقق عصمتهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة ~~والضحاك: قد { تحقق الوعيد في إبليس فإنه ادعى الإلهية لنفسه ودعا إلى ~~طاعة نفسه وعبادته. # { أولم ير الذين كفروا } { ألم ير } مكي { أن ~~السموت والأرض كانتا } أي جماعة السماوات وجماعة الأرض ~~فلذا لم يقل كن { رتقا } بمعنى المفعول أي كانتا مرتوقتين وهو مصدر ~~فلذا صلح أن يقع موقع مرتوقتين { ففتقنهما } فشققناهما، والفتق ~~الفصل بين الشيئين والرتق ضد الفتق. فإن قيل: متى رأوهما رتقا حتى جاء ~~تقريرهم بذلك؟ قلنا: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة فقام مقام المرئي ~~المشاهد، ولأن الرؤية بمعنى العلم وتلاصق الأرض والسماء وتباينهما جائزان ~~في العقل، فالاختصاص بالتباين دون التلاصق لا بد له من مخصص وهو القديم ~~جل جلاله. ثم قيل: إن السماء كانت لاصقة بالأرض لافضاء بينهما ففتقناهما ~~أي فصلنا بينهما بالهواء. وقيل: كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها ~~الله تعالى وجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة ~~ففتقها وجعلها سبع أرضين. وقيل: كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا ~~لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات { وجعلنا من الماء ~~كل شىء حى } أي خلقنا من الماء كل حيوان كقوله # والله خلق كل دابة من ماء # [النور: 45] أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة ~~صبره عنه كقوله # خلق الإنسان من عجل # [الأنبياء: 37] # { أفلا يؤمنون } يصدقون بما يشاهدون. # { وجعلنا فى الأرض رواسى } جبالا ثوابت من رسا إذا ثبت { ~~أن تميد بهم } لئلا تضطرب بهم فحذف «لا» واللام، وإنما ms0855 جاز حذف ~~«لا» لعدم الالتباس كما تزاد لذلك في # لئلا يعلم أهل الكتب # [الحديد: 29] { وجعلنا فيها فجاجا } أي طرقا واسعة جمع فج ~~وهو الطريق الواسع ونصب على الحال من { سبلا } متقدمة، فإن قلت: أي ~~فرق بين قوله تعالى # لتسلكوا منها سبلا فجاجا # [نوح: 20] وبين هذه؟ قلت: الأول للإعلام بأنه جعل فيها طرقا واسعة، ~~والثاني لبيان أنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثم { ~~لعلهم يهتدون } ليهتدوا بها إلى البلاد المقصودة. ### || [21.32-34] # { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } في موضعه عن السقوط كما ~~قال # ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65] أو محفوظا بالشهب عن الشياطين كما قال: # وحفظنها من كل شيطن رجيم # [الحجر:17] { وهم } أي الكفار { عن ءايتها } عن الأدلة التي ~~فيها كالشمس والقمر والنجوم { معرضون } غير متفكرين فيها فيؤمنون. # { وهو الذى خلق اليل } لتسكنوا فيه { والنهار } ~~لتتصرفوا فيه { والشمس } لتكون سراج النهار { والقمر } ليكون ~~سراج الليل { كل } التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي كلهم والضمير ~~للشمس والقمر والمراد بهما جنس الطوالع، وجمع جمع العقلاء للوصف بفعلهم ~~وهو السباحة { فى فلك } عن ابن عباس رضي الله عنهما: الفلك السماء. ~~والجمهور على أن الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر ~~والنجوم و { كل } مبتدأ خبره { يسبحون } يسيرون أي يدورون والجملة ~~في محل النصب على الحال من الشمس والقمر { وما جعلنا لبشر من ~~قبلك الخلد } البقاء الدائم { أفأين مت } بكسر الميم مدني ~~وكوفي غير أبي بكر { فهم الخلدون } والفاء الأول لعطف جملة على ~~جملة والثاني لجزاء الشرط، كانوا يقدرون أنه سيموت فنفى الله عنه الشماتة ~~بهذا أي قضي الله أن لا يخلد في الدنيا بشر أفإن مت أنت أيبقى هؤلاء # . ### || [21.35-37] # { كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم } ونختبركم سمي ابتلاء ~~وإن كان عالما بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم لأنه في صورة ~~الاختبار { بالشر } بالفقر والضر { والخير } الغني والنفع { ~~فتنة } مصدر مؤكد ل { نبلوكم } من غير لفظه { وإلينا ~~ترجعون } فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم ms0856 من الصبر والشكر. وعن ابن ~~ذكوان { ترجعون }. # { وإذا راك الذين كفروا إن يتخذونك } ما يتخذونك { ~~إلا هزوا } مفعول ثان ل { يتخذونك } نزلت في أبي جهل مر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف { أهذا الذى ~~يذكر } يعيب { ءالهتكم } والذكر يكون بخير وبخلافه فإن كان ~~الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم { وهم بذكر ~~الرحمن } أي بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية { هم ~~كفرون } لا يصدقون به أصلا فهم أحق أن يتخذوا هزوا منك فإنك محق ~~وهم مبطلون. وقيل: بذكر الرحمن أي بما أنزل عليك من القرآن هم كافرون ~~جاحدون، والجملة في موضع الحال أي يتخذونك هزوا وهم على حال هي أصل ~~الهزء والسخرية وهي الكفر بالله تعالى، وكرر { هم } للتأكيد، أو لأن ~~الصلة حالت بينه وبين الخبر فأعيد المبتدأ { خلق الإنسان من ~~عجل } فسر بالجنس. وقيل: نزلت حين كان النضر بن الحارث يستعجل ~~بالعذاب. والعجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته، والظاهر أن ~~المراد الجنس وأنه ركب فيه العجلة فكأنه خلق من العجل ولأنه يكثر منه، ~~والعرب تقول لمن يكثر منه الكرم «خلق من الكرم» فقدم أولا ذم الإنسان ~~على إفراط العجلة وأنه مطبوع عليها ثم منعه وزجره كأنه قال: ليس ببدع منه ~~أن يستعجل فإنه مجبول على ذلك وهو طبعه وسجيته فقد ركب فيه. وقيل: العجل ~~الطين بلغه حمير قال شاعرهم # والنخل ينبت بين الماء والعجل # وإنما منع عن الاستعجال وهو مطبوع عليه كما أمره بقمع الشهوة وقد ركبها ~~فيه، لأنه أعطاه القوة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة و { من ~~عجل } حال أي عجلا { سأوريكم آياتي } نقماتي { فلا تستعجلون } ~~بالإتيان بها وهو بالياء عند يعقوب وافقه سهل وعياش في الوصل. ### || [21.38-41] # { ويقولون متى هذا الوعد } إتيان العذاب أو القيامة { ~~إن كنتم صدقين } قيل: هو أحد وجهي استعجالهم { لو يعلم ~~الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ~~ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون } جواب «لو» محذوف ms0857 و { حين ~~} مفعول به ل { يعلم } أي لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم { متى ~~هذا الوعد } وهو وقت تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام فلا يقدرون على ~~دفعها ومنعها من أنفسهم ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من ~~الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم { بل ~~تأتيهم } الساعة { بغتة } فجأة { فتبهتهم } فتحيرهم أي لا ~~يكفونها بل تفجأهم فتغلبهم { فلا يستطيعون ردها } فلا يقدرون ~~على دفعها { ولا هم ينظرون } يمهلون { ولقد استهزىء ~~برسل من قبلك فحاق } فحل ونزل { بالذين سخروا ~~منهم } جزاء { ما كانوا به يستهزءون } سلي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء أسوة وأن ما ~~يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا. ### || [21.42-45] # { قل من يكلؤكم } يحفظكم { باليل والنهار من ~~الرحمن } أي من عذابه إن أتاكم ليلا أو نهارا { بل هم عن ~~ذكر ربهم معرضون } أي بل هم معرضون عن ذكره ولا يخطورنه ~~ببالهم فضلا أن يخافوا بأسه حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكاليء ~~فصلحوا للسؤال عنه، والمعنى أنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكاليء، ثم بين ~~أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. # ثم أضرب عن ذلك بقوله { أم لهم الهة تمنعهم من دوننا ~~} لما في «أم» من معنى «بل» فقال: ألهم الهة تمنعهم من العذاب تتجاوز ~~منعنا وحفظنا. ثم استأنف بقوله { لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~ولا هم منا يصحبون } فبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ~~ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره. ثم قال ~~{ بل متعنا هؤلاء وءاباءهم حتى طال عليهم ~~العمر } أي ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا لا من مانع ~~يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة ~~الدنيا وإمهالا كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم ~~الأمد فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون على ذلك وهو أمل كاذب { أفلا ~~يرون أنا نأتى الأرض ms0858 ننقصها من أطرافها } أي نقص ~~أرض الكفر ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردها ~~دار إسلام، وذكر { نأتى } يشير بأن الله يجريه على أيدي المسلمين وإن ~~عساكرهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها { ~~أفهم الغلبون } أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف ~~أرضهم أي ليس كذاك بل يغلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~بنصرنا. # { قل إنما أنذركم بالوحى } أخوفكم من العذاب القرآن { ~~ولا يسمع الصم الدعاء } بفتح الياء والميم ورفع الصم، { ولا ~~تسمع الصم } شامي على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم { إذا ما ~~ينذرون } يخوفون. واللام في { الصم } للمعهد وهو إشارة إلى هؤلاء ~~المنذرين، والأصل ولا يسمعون إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر ~~للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إذا ما أنذروا. ### || [21.46-48] # { ولئن مستهم نفحة } دفعة يسيرة { من عذاب ربك } ~~صفة ل { نفحة } { ليقولن يويلنا إنا كنا ظلمين } ~~أي ولئن مسهم من هذا الذي ينذرون به أدنى شيء لذلوا ودعوا بالويل على ~~أنفسهم وأقروا أنهم ظلموا أنفسهم حين تصاموا وأعرضوا، وقد بولغ حيث ذكر ~~المس والنفحة لأن النفح يدل على القلة يقال نفحه بعطية: رضخه بها مع أن ~~بناءها للمرة. وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات لأن النفح في معنى القلة ~~والنزارة يقال: نفحته الدابة وهو رمح لين، ونفحه بعطية رضخه والبناء ~~للمرة. # { ونضع الموزين } جمع ميزان وهو ما يوزن به الشيء فتعرف كميته. ~~وعن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان. وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها ~~كما في قوله # يا أيها الرسل # [المؤمنون: 51] والوزن لصحائف الأعمال في قول { القسط } وصفت ~~الموازين بالقسط وهو العدل مبالغة كأنها في نفسها قسط، أو على حذف المضاف ~~أي ذوات القسط { ليوم القيمة } لأهل يوم القيامة أي لأجلهم { ~~فلا تظلم نفس شيئا } من الظلم { وإن كان مثقال ~~حبة } وإن كان الشيء مثقال حبة { مثقال } بالرفع: مدني وكذا في ~~«لقمان» على «كان» التامة { من خردل } صفة ل { حبة } { أتينا ~~بها } أحضرناها. وأنت ضمير المثقال لإضافته إلى ms0859 الحبة كقولهم «ذهبت بعض ~~أصابعه» { وكفى بنا حسبين } عالمين حافظين، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: لأن من حفظ شيئا حسبه وعله. # { ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء ~~وذكرا } قيل: هذه الثلاثة هي التوراة فهي فرقان بين الحق والباطل، ~~وضياء يستضاء به ويتوصل به إلى سبيل النجاة، وذكر أي شرف أو وعظ وتنبيه ~~أو ذكر ما يحتاج الناس إليه في مصالح دينهم. ودخلت الواو على الصفات كما ~~في قوله # وسيدا وحصورا ونبيا # [آل عمران: 39] وتقول «مررت بزيد الكريم والعالم والصالح». ولما انتفع ~~بذلك المتقون خصهم بقوله: { للمتقين } ### || [21.49-55] # ومحل { الذين } جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع عليه { ~~يخشون ربهم } يخافونه { بالغيب } حال أي يخافونه في الخلاء ~~{ وهم من الساعة } القيامة وأهوالها { مشفقون } خائفون { ~~وهذا } القرآن { ذكر مبارك } كثير الخير غزير النفع { ~~أنزلنه } على محمد { أفأنتم له منكرون } استفهام ~~توبيخ أي جاحدون أنه منزل من عند الله. # { ولقد ءاتينا إبرهيم رشده } هداه { من قبل } من ~~قبل موسى وهرون أو من قبل محمد عليه السلام { وكنا به } بابراهيم ~~أو برشده { علمين } أي علمنا أنه أهل لما آتيناه { إذ } إما أن ~~تتعلق ب { اتيناه } أو ب { رشده } { قال لأبيه وقومه ما ~~هذه التمثيل } أي الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور ~~والإنسان، وفيه تجاهل لهم ليحقر آلهتهم مع علمه بتعظيمهم لها { التى ~~أنتم لها عكفون } أي لأجل عبادتها مقيمون. فلما عجزوا عن ~~الإتيان بالدليل على ذلك. # { قالوا وجدنا ءاباءنا لها عبدين } فقلدناهم { قال } ~~إبراهيم { لقد كنتم أنتم وءاباؤكم فى ضلل مبين } ~~أراد أن المقلدين والمقلدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر لا يخفى على عاقل، ~~وأكد ب { أنتم } ليصح العطف لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ~~ممتنع { قالوا أجئتنا بالحق } بالجد { أم أنت من ~~اللعبين } أي أجاد أنت فيما تقول أم لاعب استعظاما منهم إنكاره ~~عليهم واستبعادا لأن يكون ما هم عليه ضلالا، فثم أضرب عنهم مخبرا بأنه ~~جاد فيما قال غير لاعب مثبتا لربوبية الملك العلام وحدوث الأصنام ms0860 بقوله: ### || [21.56-61] # { قال بل ربكم رب السموت والأرض الذى ~~فطرهن } أي التماثيل فأنى يعبد المخلوق ويترك الخالق { وأنا ~~على ذلكم } المذكور في التوحيد شاهد { من الشاهدين وتالله } أصله ~~«والله» وفي التاء معنى التعجب من تسهيل الكيد على يده مع صعوبته وتعذره ~~لقوة سلطة نمروذ. # { لاكيدن أصنمكم } لأكسرنها { بعد أن تولوا ~~مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم، قال ذلك سرا من قومه فسمعه ~~رجل واحد فعرض بقوله # إنى سقيم # [الصافات: 89] أي سأسقم ليتخلف. فرجع إلى بيت الأصنام { فجعلهم ~~جذاذا } قطعا من الجذ وهو القطع جمع جذاذة كزجاجة وزجاج جذاذ بالكسر: ~~علي، جمع جذيذ أي مجذوذ كخفيف وخفاف { إلا كبيرا لهم } للأصنام ~~أو للكفار أي فكسرها كلها بفأس في يده إلا كبيرها فعلق الفأس في عنقه { ~~لعلهم إليه } إلى الكبير { يرجعون } فيسألونه عن كاسرها ~~فتبين لهم عجزه، أو إلى إبراهيم ليحتج عليهم، أو إلى الله لما رأوا عجز ~~آلتهم { قالوا } أي الكفار حين رجعوا من عيدهم ورأوا ذلك { من فعل ~~هذا بئالهتنا إنه لمن الظلمين } أي إن من فعل ~~هذا الكسر لشديد الظلم لجراءته على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوقير ~~والتعظيم { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبرهيم } الجملتان صفتان ل { فتى } إلا أن الأول وهو { يذكرهم } أي ~~يعيبهم لا بد منه للسمع لأنك لا تقول «سمعت زيدا» وتسكت حتى تذكر شيئا ~~مما يسمع بخلاف الثاني. وارتفاع { إبراهيم } بأنه فاعل { يقال } فالمراد ~~الاسم المسمى أي الذي يقال له هذا الاسم { قالوا } أي نمروذ وأشراف ~~قومه { فأتوا به } أحضروا إبراهيم { على أعين الناس } في ~~محل الحال بمعنى معاينا مشاهدا أي بمرأى منهم ومنظر { لعلهم ~~يشهدون } عليه بما سمع منه أو بما فعله كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة ~~أو يحضرون عقوبتنا له. ### || [21.62-64] # فلما أحضروه { قالوا ءأنت فعلت هذا بئالهتنآ ~~يإبراهيم قال } إبراهيم { بل فعله } عن الكسائي: إنه يقف ~~عليه أي فعله من فعله، وفيه حذف الفاعل وأنه لا يجوز، وجاز أن يكون ~~الفاعل مسندا إلى الفتى المذكور في قوله { سمعنا فتى يذكرهم } أو إلى ms0861 { ~~إبراهيم } في قوله { يا إبراهيم } ثم قال { كبيرهم هذا } وهو ~~مبتدأ وخبر. والأكثر أنه لا وقف، والفاعل { كبيرهم } وهذا وصف أو بدل، ~~ونسب الفعل إلى كبيرهم وقصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي ~~تبكيتا لهم وإلزاما للحجة عليهم لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا ~~عجز كبيرهم وأنه لا يصلح إلها، وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت ~~كتابا بخط رشيق أنيق: أأنت كتبت هذا وصاحبك أمي فقلت له «بل كتبته أنت» ~~كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته ~~للأمي، لأن إثباته للعاجز منكما والأمر كائن بينكما استهزاء به وإثبات ~~للقادر، ويمكن أن يقال: غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة وكان غيظ ~~كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه لأن الفعل كما ~~يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه، ويجوز أن يكون حكاية لما يقود إلى ~~تجويزه مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من ~~يعبد ويدعى إلها أن يقدر على هذا. ويحكى أنه قال: غضب أن تعبد هذه ~~الصغار معه وهو أكبر منها فكسرهن، أو هو متعلق بشرط لا يكون وهو نطق ~~الأصنام فيكون نفيا للمخبر عنه أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، ~~وقوله { فاسئلوهم } اعتراض. وقيل: عرض بالكبير لنفسه وإنما أضاف ~~نفسه إليهم لاشتراكهم في الحضور { فاسئلوهم } عن حالهم { إن ~~كانوا ينطقون } وأنتم تعلمون عجزهم عنه. # { فرجعوا إلى أنفسهم } فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم ~~لما أخذ بمخانقهم { فقالوا إنكم أنتم الظلمون } على ~~الحقيقة بعبادة ما لا ينطق لا من ظلمتموه حين قلتم { من فعل هذا بآلهتنا ~~إنه لمن الظالمين } فإن من لا يدفع عن رأسه الفاس، كيف يدفع عن عابديه ~~البأس؟ ### || [21.65-68] # { ثم نكسوا على رؤوسهم } قال أهل التفسير: أجرى الله ~~تعالى الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة أي ردوا إلى ~~الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، يقال: نكسته قلبته فجعلت أسفله ~~أعلاه أي استقاموا حين رجعوا ms0862 إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة ثم ~~انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة وقالوا { ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فكيف تأمرنا بسؤالها؟ والجملة ~~سدت مسد مفعولي { علمت } والمعنى لقد علمت عجزهم عن النطق فكيف نسألهم؟ { ~~قال } محتجا عليهم { أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا } هو في موضع المصدر أي نفعا { ولا يضركم } ~~إن لم تعبدوه { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ~~«أف» صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر، ضجر مما رأى من ثباتهم على ~~عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق فتأفف بهم واللام لبيان المتأفف ~~به أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف { أف } مدني وحفص، { أف } مكي وشامي { ~~أف } غيرهم { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يجوز أن يكون ~~إلها. # فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب { قالوا حرقوه } بالنار ~~لأنها أهول ما يعاقب به وأفظع { وانصروا ءالهتكم } بالانتقام ~~منه { إن كنتم فعلين } أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا ~~فاختاروا له أهول المعاقبات وهو الإحراق بالنار وإلا فرطتم في نصرتها، ~~والذي أشار بإحراقه نمروذ أو رجل من أكراد فارس. وقيل: إنهم حين هموا ~~بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتا بكوثى وجمعوا شهرا أصناف الخشب ثم أشعلوا ~~نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها، ثم وضعوه في المنجنيق ~~مقيدا مغلولا فرموا به فيها وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وقال له ~~جبريل: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. قال: حسبي من ~~سؤالي علمه بحالي. وما أحرقت النار إلا وثاقه. وعن ابن عباس: إنما نجا ~~بقوله «حسبي الله ونعم الوكيل». ### || [21.69-72] # { قلنا يا نار كونى بردا وسلما } أي ذات برد وسلام ~~فبولغ في ذلك كأن ذاتها برد وسلام { على إبرهيم } أراد ابردي ~~فيسلم منك إبراهيم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لو لم يقل ذلك لأهلكته ~~ببردها. والمعنى أن الله تعالى نزع عنها طبعها الذي طبعها عليه من الحر ~~والإحراق وأبقاها على الإضاءة والإشراق كما كانت وهو على كل ms0863 شيء قدير { ~~وأرادوا به كيدا } إحراقا { فجعلنهم الأخسرين } ~~فأرسل على نمروذ وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت بعوضة في ~~دماغ نمروذ فأهلكته { ونجينه } أي إبراهيم { ولوطا } ابن ~~أخيه هاران من العراق { إلى الأرض التى باركنا فيها ~~للعلمين } أي أرض الشام وبركتها أن أكثر الأنبياء منها فانتشرت ~~في العالمين آثارهم الدينية وهي أرض خصب يطيب فيها عيش الغني والفقير. ~~وقيل: ما من ماء عذب في الأرض إلا وينبع أصله من صخرة بيت المقدس. روي ~~أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة. وقال عليه ~~السلام # " «إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم» " # { ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة } قيل: هو مصدر ~~كالعافية من غير لفظ الفعل السابق أي وهبنا له هبة: وقيل: هي ولد الولد ~~وقد سأل ولدا فأعطيه وأعطي يعقوب نافلة أي زيادة فضلا من غير سؤال وهي ~~حال من { يعقوب } { وكلا } أي إبراهيم وإسحق ويعقوب وهو المفعول ~~الأول لقوله { جعلنا } والثاني { صلحين } في الدين والنبوة. ### || [21.73-76] # { وجعلنهم أئمة } يقتدى بهم في الدين { يهدون } الناس ~~{ بأمرنا } بوحينا { وأوحينا إليهم فعل الخيرت } ~~وهي جميع الأعمال الصالحة وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات ثم فعل ~~الخيرات. وكذلك قوله { وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } والأصل وإقامة ~~الصلاة إلا أن المضاف إليه جعل بدلا من الهاء { وكانوا لنا ~~عبدين } لا للإصنام فأنتم يا معشر العرب أولاد إبراهيم فاتبعوه في ~~ذلك. # { ولوطا } انتصب بفعل يفسره { آتيناه حكما } حكمة وهي ما يجب ~~فعله من العمل أو فصلا بين الخصوم أو نبوة { وعلما } فقها { ~~ونجينه من القرية } من أهلها وهي سدوم { التى كانت ~~تعمل الخبئث } اللواطة والضراط وحذف المارة بالحصى وغيرها { ~~إنهم كانوا قوم سوء فسقين } خارجين عن طاعة الله { ~~وأدخلنه فى رحمتنا } في أهل رحمتنا أو في الجنة { إنه ~~من الصلحين } أي جزاء له على صلاحه كما أهلكنا قومه عقابا على ~~فسادهم { ونوحا } أي واذكر نوحا { إذ نادى } أي دعا على قومه ~~بالهلاك { من قبل } من قبل هؤلاء المذكورين { فاستجبنا له } ~~أي ms0864 دعاءه { فنجينه وأهله } أي المؤمنين من ولده وقومه { ~~من الكرب العظيم } من الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. ### || [21.77-79] # { ونصرنه من القوم الذين كذبوا بئايتنا ~~} منعناه منهم أي من أذاهم { إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقنهم أجمعين } صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم. # { وداوود وسليمن } أي واذكرهما { إذ } بدل منهما { ~~يحكمان فى الحرث } في الزرع أو الكرم { إذ } ظرف ل { يحكمان ~~} { نفشت } دخلت { فيه غنم القوم } ليلا فأكلته وأفسدته ~~والنفش انتشار الغنم ليلا بلا راع { وكنا لحكمهم } أرادهما ~~والمتحاكمين إليهما { شهدين } أي كان ذلك بعلمنا ومرأى منا. # { ففهمنها } أي الحكومة أو الفتوى { سليمن } وفيه دليل ~~على أن الصواب كان مع سليمان صلوات الله عليه. وقصته أن الغنم رعت الحرث ~~وأفسدته بلا راع ليلا فتحاكما إلى داود فحكم بالغنم لأهل الحرث وقد ~~استوت قيمتاهما أي قيمة الغنم كانت على قدر النقصان من الحرث فقال سليمان ~~ وهو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أرفق بالفريقين، فعزم عليه ليحكمن ~~فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها ~~وأصوافها والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث ويعود كهيئته يوم أفسد ثم ~~يترادان. فقال: القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك، وكان ذلك باجتهاد منهما ~~وهذا كان في شريعتهم، فأما في شريعتنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه ~~رضي الله عنهم بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، ~~وعند الشافعي رحمه الله يجب الضمان بالليل. وقال الجصاص: إنما ضمنوا ~~لأنهم أرسلوها. ونسخ الضمان بقوله عليه السلام # " العجماء جبار " # وقال مجاهد: كان هذا صلحا وما فعله داود كان حكما والصلح خير { ~~وكلا } من داود وسليمان { آتيناه حكما } نبوة { وعلما } معرفة ~~بموجب الحكم { وسخرنا } وذللنا { مع داوود الجبال ~~يسبحن } وهو حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلا قال: كيف ~~سخرهن؟ فقال: يسبحن { والطير } معطوف على الجبال أو مفعول معه، ~~وقدمت الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأغرب وأدخل في ~~الإعجاز لأنها جماد. روي أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهي تتجاوبه: وقيل: ~~كانت تسير معه حيث ms0865 سار { وكنا فعلين } بالأنبياء مثل ذلك وإن ~~كان عجبا عندكم. ### || [21.80-82] # { وعلمناه صنعة لبوس لكم } أي عمل اللبوس والدروع ~~واللبوس اللباس والمراد الدرع { لتحصنكم } شامي وحفص أي الصنعة، ~~وبالنون: أبو بكر وحماد أي الله عز وجل، وبالياء: غيرهم أي اللبوس أو ~~الله عز وجل { من بأسكم } من حرب عدوكم { فهل أنتم ~~شكرون } استفهام بمعنى الأمر أي فاشكروا الله على ذلك { ~~ولسليمن الريح } أي وسخرنا له الريح { عاصفة } حال أي ~~شديدة الهبوب ووصفت في موضع آخر بالرخاء لأنها تجري باختياره، وكانت في ~~وقت رخاء وفي وقت عاصفة لهبوبها على حكم إرادته { تجرى بأمره } ~~بأمر سليمان { إلى الأرض التى باركنا فيها } بكثرة الأنهار ~~والأشجار والثمار والمراد الشام، وكان منزله بها وتحمله الريح من نواحي ~~الأرض إليها { وكنا بكل شىء علمين } وقد أحاط علمنا بكل ~~شيء فتجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا { ومن الشيطين } ~~أي وسخرنا منهم { من يغوصون له } في البحار بأمره لاستخراج الدر ~~وما يكون فيها { ويعملون عملا دون ذلك } أي دون الغوص وهو ~~بناء المحاريب والتماثيل والقصور والقدور والجفان { وكنا لهم ~~حفظين } أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد فيما هم ~~مسخرون فيه. ### || [21.83-85] # { وأيوب } أي واذكر أيوب { إذ نادى ربه أنى } أي دعا ~~بأني { مسنى الضر } الضر بالفتح الضرر في كل شيء وبالضم الضرر ~~في النفس من مرض أو هزال { وأنت أرحم الرحمين } ألطف في السؤال ~~حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب ~~فكأنه قال: أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر ~~الذي مسه. عن أنس رضي الله عنه: أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى ~~الصلاة ولم يشتك وكيف يشكو من قيل له # إنا وجدنه صابرا نعم العبد # [ص:44 ] وقيل: إنما شكا إليه تلذذا بالنجوى لا منه تضررا بالشكوى، ~~والشكاية إليه غاية القرب كما أن الشكاية منه غاية البعد { ~~فاستجبنا له } أجبنا دعاءه { فكشفنا ما به من ضر } ~~فكشفنا ضره إنعاما ms0866 عليه { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } روي أن أيوب عليه ~~السلام كان روميا من ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وله سبعة بنين ~~وسبع بنات وثلاثة آلاف بعير وسبعة الاف شاة وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة ~~عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله ~~وبمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو ثلاث سنين، وقالت له ~~امرأته يوما: لو دعوت الله عز وجل. فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ~~ثمانين سنة. فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة ~~رخائي. فلما كشف الله عنه أحيا ولده بأعيانهم ورزقه مثلهم معهم { ~~رحمة من عندنا } هو مفعول له { وذكرى للعبدين } ~~يعني رحمة لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كصبره فيثابوا كثوابه. # { وإسمعيل } بن إبراهيم { وإدريس } بن شيت بن آدم { وذا ~~الكفل } أي اذكرهم وهو الياس أو زكريا أو يوشع بن نون، وسمي به لأنه ~~ذو الحظ من الله والكفل الحظ { كل من الصبرين } أي هؤلاء ~~المذكورون كلهم موصوفون بالصبر. ### || [21.86-88] # { وأدخلنهم فى رحمتنا } نبوتنا أو النعمة في الآخرة { ~~إنهم من الصلحين } أي ممن لا يشوب صلاحهم كدر الفساد. # { وذا النون } أي اذكر صاحب الحوت والنون الحوت فأضيف إليه { إذ ~~ذهب مغضبا } حال أي مراغما لقومه. ومعنى مغاضبته لقومه أنه ~~أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. روي أنه برم بقومه لطول ~~ما ذكرهم فلم يتعظوا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم ~~يفعله إلا غضبا لله وبغضا للكفر وأهله وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن ~~من الله تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت { فظن أن لن ~~نقدر } نضيق { عليه } وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل ~~يوما على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم ~~أجد لنفسي خلاصا إلا بك. قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ الآية. فقال: أو ~~يظن نبي الله أن لا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة { ~~فنادى فى ms0867 الظلمت } أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن ~~الحوت كقوله # ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمت # [البقرة: 17] أو ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت { أن } أي بأنه { لا ~~إله إلا أنت } أو بمعنى أي { سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين } لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الحديث # " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " # وعن الحسن: ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم. { فاستجبنا ~~له ونجينه من الغم } غم الزلة والوحشة والوحدة { ~~وكذلك ننجى المؤمنين } إذا دعونا واستغاثوا بنا. { نجى } ~~شامي وأبو بكر بإدغام النون في الجيم عند البعض لأن النون لا تدغم في ~~الجيم. وقيل: تقديره نجى النجاء المؤمنين فسكن الياء تخفيفا وأسند الفعل ~~إلى المصدر ونصب المؤمنين بالنجاء لكن فيه إقامة المصدر مقام الفاعل مع ~~وجود المفعول وهذا لا يجوز، وفيه تسكين الياء وبابه الضرورات. وقيل: أصله ~~«ننجى» من التنجية فحذفت النون الثانية لاجتماع النونين كما حذفت إحدى ~~التاءين في { تنزل الملئكة } [القدر: 4]. ### || [21.89-91] # { وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا } سأل ~~ربه أن يرزقه ولدا يرثه ولا يدعه وحيدا بلا وارث، ثم رد أمره إلى الله ~~مستسلما فقال { وأنت خير الورثين } أي فإن لم تزرقني من ~~يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث أي باق { فاستجبنا له ووهبنا ~~له يحيى } ولدا { وأصلحنا له زوجه } جعلناها صالحة ~~للولادة بعد العقار أي بعد عقرها أو حسنة وكانت سيئة الخلق { إنهم } أي ~~الأنبياء المذكورين { كانوا يسارعون فى الخيرت } أي أنهم ~~إنما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في ~~تحصيلها { ويدعوننا رغبا ورهبا } أي طمعا وخوفا كقوله # يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه # [الزمر: 9] وهما مصدران في موضع الحال أو المفعول له أي للرغبة فينا ~~والرهبة منا { وكانوا لنا خشعين } متواضعين خائفين. # { والتى } أي واذكر التي { أحصنت فرجها } حفظته من الحلال ~~والحرام { فنفخنا فيها من روحنا } أجرينا فيها روح المسيح أو ~~أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ عيسى في بطنها، وإضافة ~~الروح ms0868 إليه تعالى لتشريف عيسى عليه السلام { وجعلنها وابنها ~~ءاية } مفعول ثان { للعلمين } وإنما لم يقل آيتين كما قال # وجعلنا اليل والنهار ءايتين # [الإسراء: 12] لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير ~~فحل، أو التقدير وجعلناها آية وابنها كذلك ف { آية } مفعول المعطوف عليه ~~ويدل عليه قراءة من قرأ { آيتين }. ### || [21.92-96] # { إن هذه أمتكم أمة واحدة } لأمة الملة وهذه ~~إشارة إلى ملة الإسلام وهي ملة جميع الأنبياء. و { أمة واحدة } ~~حال أي متوحدة غير متفرقة والعالم ما دل عليه اسم الإشارة أي أن ملة ~~الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ~~ملة واحدة غير مختلفة { وأنا ربكم فاعبدون } أي ربيتكم ~~اختيارا فاعبدوني شكرا وافتخارا والخطاب للناس كافة. # { وتقطعوا أمرهم بينهم } أصل الكلام وتقطعتم إلا أن ~~الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، والمعنى وجعلوا أمر دينهم ~~فيما بينهم قطعا وصاروا فرقا وأحزابا. ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق ~~المختلفة { كل إلينا رجعون } فنجازيهم على أعمالهم { فمن ~~يعمل من الصلحت } شيئا { وهو مؤمن } بما يجب ~~الإيمان به { فلا كفران لسعيه } أي فإن سعيه مشكور مقبول ~~والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه وقد نفى نفي ~~الجنس ليكون أبلغ { وإنا له } للسعي أي الحفظة بأمرنا { ~~كتبون } في صحيفة عمله فنثيبه به { وحرام } { وحرم } كوفي غير ~~حفص وخلف وهما لغتان كحل وحلال وزنا وضده معنى والمراد بالحرام الممتنع ~~وجوده { على قرية أهلكنها أنهم لا يرجعون } ~~والمعنى ممتنع على مهلك غير ممكن أن لا يرجع إلى الله بالبعث، أو حرام ~~على قرية أهلكناها أي قدرنا إهلاكهم أو حكمنا بإهلاكهم ذلك وهو المذكور ~~في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور أنهم لا ~~يرجعون من الكفر إلى الإسلام. # { حتى } هي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي الجملة من الشرط ~~والجزاء أعني { إذا } و «ما» في حيزما { فتحت يأجوج ~~ومأجوج } أي فتح سدهما فحذف المضاف كما حذف المضاف إلى قرية { فتحت ~~}: شامي وهما قبيلتان ms0869 من جنس الإنس. يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها ~~يأجوج ومأجوج { وهم } راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر. وقيل: هم ~~يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد { من كل حدب } نشز من الأرض أي ~~ارتفاع { ينسلون } يسرعون ### || [21.97-101] # { واقترب الوعد الحق } أي القيامة وجواب { إذا } { ~~فإذا هى } وهي «إذا» المفاجأة وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء ~~كقوله # إذا هم يقنطون # [الروم: 36] فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط ~~فيتأكد، ولو قيل فهي شاخصة أو إذا هي شاخصة كان سديدا وهي ضمير مبهم ~~يوضحه الأبصار ويفسره { شخصة أبصر الذين كفروا } أي ~~مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من هول ما هم فيه { يويلنا } متعلق ~~بمحذوف تقديره يقولون يا ويلنا و { يقولون } حال من { الذين كفروا } { ~~قد كنا فى غفلة من هذا } اليوم { بل كنا ~~ظلمين } بوضعنا العبادة في غير موضعها. # { إنكم وما تعبدون من دون الله } يعني الأصنام وإبليس ~~وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم { حصب } ~~حطب وقرىء { حطب } { جهنم أنتم لها واردون } فيها داخلون ~~{ لو كان هؤلاء ءالهة } كما زعمتم { ما وردوها } ما ~~دخلوا النار { وكل } أي العابد والمعبود { فيها } في النار { ~~خلدون لهم } للكفار { فيها زفير } أنين وبكاء وعويل. # { وهم فيها لا يسمعون } شيئا ما لأنهم صاروا صما وفي ~~السماع نوع أنس فلم يعطوه. # { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } الخصلة المفضلة ~~في الحسن تأنيث الأحسن وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو التوفيق للطاعة ~~فنزلت جوابا لقول ابن الزبعري عند تلاوته عليه السلام على صناديد قريش { ~~إنكم وما تعبدون من دون الله } إلى قوله { خالدون } ~~أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى المسيح، وبنو مليح الملائكة على أن ~~قوله { وما تعبدون } لا يتناولهم لأن «ما» لمن لا يعقل إلا أنهم أهل عناد ~~فزيد في البيان { أولئك } يعني عزيرا والمسيح والملائكة { ~~عنها } عن جهنم { مبعدون } لأنهم لم يرضوا بعبادتهم. وقيل: ~~المراد بقوله { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } جميع المؤمنين لما روي أن ~~عليا رضي الله عنه قرأ ms0870 هذه الآية ثم قال: «أنا منهم وأبو بكر وعمر ~~وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف» وقال الجنيد رحمه الله: ~~سبقت لهم منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية. ### || [21.102-104] # { لا يسمعون حسيسها } صوتها الذي يحس وحركة تلهبها وهذه ~~مبالغة في الإبعاد عنها أي لا يقربونها حتى لا يسمعوا صوتها وصوت من فيها ~~{ وهم فى ما اشتهت أنفسهم } من النعيم { خلدون } ~~مقيمون والشهوة طلب النفس اللذة { لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~} النفخة الأخيرة { وتتلقهم الملئكة } أي تستقبلهم ~~الملائكة مهنئين على أبواب الجنة يقولون { هذا يومكم الذى ~~كنتم توعدون } أي هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم في الدنيا. # العامل في { يوم نطوى السماء } { لا يحزنهم } أو { تتلقاهم } ~~{ تطوى السماء } يزيد، وطيها تكوير نجومها ومحو رسومها أو هو ضد النشر ~~نجمعها ونطويها { كطى السجل } أي لصحيفة { للكتب } حمزة وعلي ~~وحفص أي للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة وغيرهم للكتاب أي ~~كما يطوى الطومار للكتابة، أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر ~~كالبناء ثم يوقع على المكتوب. وقيل: السجل: ملك يطوي كتب بني آدم إذا ~~رفعت إليه. وقيل: كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والكتاب على ~~هذا اسم الصحيفة المكتوب فيها والطي مضاف إلى الفاعل وعلى الأول إلى ~~المفعول { كما بدأنا أول خلق نعيده } انتصب الكاف بفعل ~~مضمر يفسره { نعيده } و «ما» موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، و { ~~أول خلق } ظرف ل { بدأنا } أي أول ما خلق، أو حال من ضمير الموصول ~~الساقط من اللفظ الثابت في المعنى. وأول الخلق إيجاده أي فكما أوجده أو ~~لا يعيده ثانيا تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على ~~السواء. والتنكير في خلق مثله في قولك «هو أول رجل جاءني» تريد أول ~~الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا فكذلك معنى { أول ~~خلق } أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع { وعدا } ~~مصدر مؤكد لأن قوله { تعيده } عدة للإعادة { علينا } أي وعدا كائنا ~~لا ms0871 محالة { إنا كنا فعلين } ذلك أي محققين هذا الوعد ~~فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال. ### || [21.105-107] # { ولقد كتبنا فى الزبور } كتاب داود عليه السلام { من ~~بعد الذكر } التوراة { أن الأرض } أي الشام { يرثها ~~عبادى } ساكنة الياء: حمزة غيره بفتح الياء { الصلحون } أي ~~أمة محمد عليه السلام، أو الزبور بمعنى المزبور أي المكتوب يعني ما أنزل ~~على الأنبياء من الكتب. والذكر أم الكتاب يعني اللوح لأن الكل أخذوا منه. ~~دليله قراءة حمزة وخلف بضم الزاي على جمع الزبر بمعنى المزبور والأرض أرض ~~الجنة. # { إن فى هذا } أي القرآن أو في المذكور في هذه السورة من ~~الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ { لبلغا } لكفاية وأصله ما تبلغ ~~به البغية { لقوم عبدين } موحدين وهم أمة محمد عليه السلام { ~~وما أرسلنك إلا رحمة } قال عليه السلام # " إنما أنا رحمة مهداة " # { للعلمين } لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ومن لم يتبع فإنما ~~أتى من نفسه حيث ضيع نصيبه منها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين في الدارين ~~وللكافرين في الدنيا بتأخير العقوبة فيها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين ~~والكافرين في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ والخسف. و { رحمة } ~~مفعول له أو حال أي ذا رحمة. ### || [21.108-112] # { قل إنما } إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم نحو ~~«إنما زيد قائم وإنما يقوم زيد». وفاعل { يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله واحد } والتقدير يوحي إلي وحدانية إلهي، ~~ويجوز أن يكون المعنى أن الذي يوحي إلي فتكون «ما» موصولة { فهل ~~أنتم مسلمون } استفهام بمعنى الأمر أي أسلموا { فإن ~~تولوا } عن الإسلام { فقل ءاذنتكم } أعلمتكم ما أمرت به { ~~على سواء } حال أي مستوين في الإعلام به ولم أخصص بعضكم، وفيه دليل ~~بطلان مذهب الباطنية { وإن أدرى أقريب أم بعيد ما ~~توعدون } أي لا أدري متى يكون يوم القيامة لأن الله تعالى لم يطلعني ~~عليه ولكني أعلم بأنه كائن لا محالة، أو لا أدري متى يحل بكم العذاب إن ~~لم تؤمنوا { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما ~~تكتمون } إنه ms0872 عالم بكل شيء يعلم ما تجاهرونني به من الطعن في ~~الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين وهو مجازيكم عليه. # { وإن أدرى لعله فتنة لكم } وما أدري لعل تأخير ~~العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون { ومتع إلى ~~حين } وتمتيع لكم إلى الموت ليكون ذلك حجة عليكم { قال رب احكم ~~بالحق } اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل، أو بما يحق عليهم من العذاب ~~ولا تحابهم وشدد عليهم كما قال «واشدد وطأتك على مضر». { قال رب } حفص ~~على حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { رب احكم } يزيد { ربي أحكم ~~} زيد عن يعقوب { وربنا الرحمن } العاطف على خلقه { ~~المستعان } المطلوب منه المعونة { على ما تصفون } وعن ابن ~~ذكوان بالياء، كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه وكانوا يطمعون أن ~~تكون الشوكة لهم والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وخذلهم أي الكفار وهو المستعان على ما ~~يصفون. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # { يأيها الناس اتقوا ربكم } أمر بني آدم بالتقوى، ثم ~~علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة بقوله { إن زلزلة ~~الساعة شىء عظيم } لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوروها ~~بعقولهم حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم بامتثال ما ~~أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى الذي يؤمنهم من تلك الأفزاع. ~~والزلزلة شدة التحريك والإزعاج، وإضافة الزلزلة إلى الساعة إضافة المصدر ~~إلى فاعله كأنها هي التي تزلزل الأرض على المجاز الحكمي، أو إلى الظرف ~~لأنها تكون فيها كقوله # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33] ووقتها يكون يوم القيامة أو عند طلوع الشمس من مغربها، ولا ~~حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئا فإن هذا اسم لها حال وجودها ~~وانتصب { يوم ترونها } أي الزلزلة أو الساعة بقوله { تذهل } ~~تغفل. والذهول: الغفلة { كل مرضعة عما أرضعت } عن ~~إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل. وقيل { مرضعة } ليدل على أن ذلك ~~الهول إذا حدث وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن ms0873 فيه لما يلحقها من الدهشة ~~إذ المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع التي ~~شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به { وتضع كل ~~ذات حمل } أي حبلى { حملها } ولدها قبل تمامه. عن الحسن: تذهل ~~المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام { وترى ~~الناس } أيها الناظر { سكرى } على التشبيه لما شاهدوا بساط ~~العزة وسلطنة الجبروت وسرادق الكبرياء حتى قال كل نبي: نفسي نفسي { وما ~~هم بسكرى } على التحقيق { ولكن عذاب الله شديد } ~~فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردهم في نحو حال من ~~يذهب السكر بعقله وتمييزه. وعن الحسن: وترى الناس سكارى من الخوف وما هم ~~بسكارى من الشراب. { سكرى } فيهما بالإمالة: حمزة وعلي وهو كعطشى في ~~عطشان. روي أنه نزلت الآيتان ليلا في غزوة بني المصطلق فقرأهما النبي ~~عليه السلام فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة. ### || [22.3-4] # { ومن الناس من يجدل فى الله } في دين الله { بغير ~~علم } حال. نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلا يقول: الملائكة بنات ~~الله، والقرآن: أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي، أو هي ~~عامة في كل من يخاصم في الدين بالهوى { ويتبع } في ذلك { كل ~~شيطن مريد } عات مستمر في الشر. ولا وقف على { مريد } لأن ما ~~بعده صفته { كتب عليه } قضي على الشيطان { أنه من تولاه ~~} تبعه أي تبع الشيطان { فأنه } فأن الشيطان { يضله } عن سواء ~~السبيل { ويهديه إلى عذاب السعير } النار. قال الزجاج: ~~الفاء في فأنه للعطف و «أن» مكررة للتأكيد. ورد عليه أبو علي وقال: إن ~~«من» إن كان للشرط فالفاء دخل لجزاء الشرط، وإن كان بمعنى الذي فالفاء ~~دخل على خبر المبتدأ والتقدير: فالأمر أنه يضله. قال: والعطف والتأكيد ~~يكون بعد تمام الأول، والمعنى كتب على الشيطان إضلال من تولاه وهدايته ~~إلى النار. # ثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال ### || [22.5] # { يأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث } يعني إن ms0874 ~~ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم وقد كنتم في ~~الابتداء ترابا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا وهو صيرورة الخلق ~~ترابا وماء { فإنا خلقنكم } أي أباكم { من تراب ثم } ~~خلقتم { من نطفة ثم من علقة } أي قطعة دم جامدة { ثم ~~من مضغة } أي لحمة صغيرة قدر ما يمضغ { مخلقة وغير ~~مخلقة } المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب كأن الله عز ~~وجل يخلق المضغة متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ~~ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم ~~وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى ~~خلقة { لنبين لكم } بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأن من ~~قدر على خلق البشر من تراب أولا ثم من نطفة ثانيا ولا مناسبة بين ~~التراب والماء وقدر أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما ~~قادر على إعادة ما بدأه { ونقر } بالرفع عند غير المفضل مستأنف بعد ~~وقف. أي نحن نثبت { فى الأرحام ما نشاء } ثبوته { إلى أجل ~~مسمى } أي وقت الولادة وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام { ثم ~~نخرجكم } من الرحم { طفلا } حال وأريد به الجنس فلذا لم يجمع، ~~أو أريد به ثم نخرج كل واحد منكم طفلا { ثم لتبلغوا } ثم ~~نربيكم لتبلغوا { أشدكم } كمال عقلكم وقوتكم وهو من ألفاظ الجموع ~~التي لا يستعمل لها واحد { ومنكم من يتوفى } عند بلوغ الأشد ~~أو قبله أو بعده { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ~~أخسه يعني الهرم والخرف { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ~~} أي لكيلا يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه أو لكيلا يستفيد علما وينسى ~~ما كان عالما به. # ثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال { وترى الأرض هامدة } ميتة ~~يابسة { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت ~~بالنبات { وربت } وانتفخت. { وربأت } حيث كان: يزيد ارتفعت { ~~وأنبتت من كل زوج } صنف { بهيج } حسن صار للناظرين إليه. ### || [22.6-10] # { ذلك } مبتدأ خبره { بأن الله هو الحق } أي ms0875 ذلك الذي ~~ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم ~~حاصل بهذا وهو أن الله هو الحق أي الثابت الوجود { وأنه يحى ~~الموتى } كما أحيا الأرض { وأنه على كل شىء قدير } ~~قادر { وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من فى القبور } أي أنه حكيم لا يخلف الميعاد وقد وعد ~~الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد { ومن الناس من يجدل ~~فى الله } في صفاته فيصفه بغير ما هو له. نزلت في أبي جهل { بغير ~~علم } ضروري { ولا هدى } أي استدلال لأنه يهدي إلى المعرفة { ~~ولا كتب منير } أي وحي والعلم للإنسان من أحد هذه الوجوه ~~الثلاثة { ثانى عطفه } حال أي لاويا عنقه عن طاعة الله كبرا ~~وخيلاء. وعن الحسن: { ثاني عطفه } بفتح العين أي مانع تعطفه إلى غيره { ~~ليضل } تعليل للمجادلة. { ليضل } مكي وأبو عمرو { عن سبيل ~~الله } دينه { له فى الدنيا خزى } أي القتل يوم بدر { ~~ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق } أي جمع له عذاب ~~الدارين { ذلك بما قدمت يداك } أي السبب في عذاب الدارين هو ~~ما قدمت نفسه من الكفر والتكذيب، وكنى عنها باليد لأن اليد آلة الكسب { ~~وأن الله ليس بظلم للعبيد } فلا يأخذ أحدا بغير ~~ذنب ولا بذنب غيره وهو عطف على { بما } أي وبأن الله. وذكر الظلام بلفظ ~~المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع وهو العبيد، ولأن قليل الظلم منه مع علمه ~~بقبحه واستغنائه كالكثير منا. ### || [22.11-12] # { ومن الناس من يعبد الله على حرف } على طرف من ~~الدين لا في وسطه وقلبه وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على ~~سكون وطمأنينة وهو حال أي مضطربا { فإن أصابه خير } صحة في ~~جسمه وسعة في معيشته { اطمأن } سكن واستقر { به } بالخير الذي ~~أصابه أو بالدين فعبد الله { وإن أصابته فتنة } شر وبلاء في ~~جسده وضيق في معيشته { انقلب على وجهه } جهته أي ارتد ورجع ~~إلى الكفر كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر ms0876 وغنيمة قر واطمأن ~~وإلا فر وطار على وجهه. قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة مهاجرين ~~وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سويا وولدت امرأته غلاما ~~سويا وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا ~~واطمأن، وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا وانقلب عن دينه { ~~خسر الدنيا والآخرة } حال «وقد» مقدرة دليله قراءة روح وزيد { ~~خاسر الدنيا والآخرة } والخسران في الدنيا بالقتل فيها وفي الآخرة ~~بالخلود في النار { ذلك } أي خسران الدارين { هو الخسرن ~~المبين } الظاهر الذي لا يخفى على أحد. # { يدعوا من دون الله } يعني الصنم فإنه بعد الردة يفعل كذلك { ~~ما لا يضره } إن لم يعبده { وما لا ينفعه } إن عبده { ~~ذلك هو الضلال البعيد } عن الصواب. ### || [22.13-16] # { يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه } والإشكال أنه ~~تعالى نفى الضر والنفع عن الأصنام قبل هذه الآية وأثبتهما لها هنا. ~~والجواب أن المعنى إذا فهم ذهب هذا الوهم، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر ~~بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا وهو يعتقد فيه أنه ينفعه ثم قال ~~يوم القيامة: يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا ~~يرى لها أثر الشفاعة لمن ضره أقرب من نفعه { لبئس المولى } أي ~~الناصر الصاحب { ولبئس العشير } المصاحب وكرر يدعوا كأنه قال: ~~يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ثم قال لمن ضره بكونه ~~معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا. # { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر إن ~~الله يفعل ما يريد } هذا وعد لمن عبد الله بكل حال لا لمن عبد ~~الله على حرف { من كان يظن أن لن ينصره الله فى ~~الدنيا والآخرة } المعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة ~~فمن ظن من أعاديه غير ذلك { فليمدد بسبب } بحبل { إلى ~~السماء } إلى سماء بيته { ثم ليقطع } ثم ليختنق به، وسمي ~~الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. وبكسر ms0877 اللام بصري ~~وشامي { فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } أي الذي ~~يغيظه أو «ما» مصدرية أي غيظه، والمعنى فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل ~~يذهب نصر الله الذي يغيظه. وسمي فعله كيدا على سبيل الاستهزاء لأنه لم ~~يكد به محسوده إنما كاد به نفسه والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما ~~يغيظ { وكذلك أنزلنه } ومثل ذلك الإنزال أنزل القرآن كله { ~~ءايات بينات } واضحات { وأن الله يهدى من يريد } أي ولأن ~~الله يهدي به الذين يعلم أنهم يؤمنون، أو يثبت الذي آمنوا ويزيدهم هدى ~~أنزله كذلك مبينا. ### || [22.17-19] # { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئين ~~والنصرى والمجوس والذين أشركوا } قيل: الأديان ~~خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن، والصابئون نوع من النصارى فلا تكون ~~ستة { إن الله يفصل بينهم يوم القيمة } في ~~الأحوال والأماكن فلا يجازيهم جزاء واحدا ولا يجمعهم في موطن واحد. وخبر ~~{ إن الذين آمنوا } { إن الله يفصل بينهم } كما تقول «إن زيدا إن أباه ~~قائم» { إن الله على كل شىء شهيد } عالم به حافظ له ~~فلينظر كل امرىء معتقده، وقوله وفعله وهو أبلغ وعيد # { ألم تر } ألم تعلم يا محمد علما يقوم مقام العيان { أن ~~الله يسجد له من فى السموت ومن فى الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب } قيل: إن الكل يسجد له ولكنا لا نقف عليه كما لا نقف على ~~تسبيحها قال الله تعالى: # وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم # [الإسراء: 44] وقيل: سمي مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث فيه من أفعاله ~~وتسخيره له سجودا له تشبيها لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه { ~~وكثير من الناس } أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، ~~أو هو مرفوع على الابتداء { ومن الناس } صفة له والخبر محذوف وهو مثاب ~~ويدل عليه قوله { وكثير حق عليه العذاب } أي وكثير منهم ~~حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود { ومن يهن الله } بالشقاوة { ~~فما له من مكرم } بالسعادة { إن الله يفعل ما ~~يشاء } من ms0878 الإكرام والإهانة وغير ذلك، وظاهر هذه الآية والتي قبلها ~~ينقض على المعتزلة قولهم لأنهم يقولون شاء أشياء ولم يفعل وهو يقول يفعل ~~ما يشاء. # { هذان خصمان } أي فريقان مختصمان؛ فالخصم صفة وصف بها الفريق ~~وقوله { اختصموا } للمعنى و { هذان } للفظ والمراد المؤمنون ~~والكافرون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: رجع إلى أهل الأديان المذكورة: ~~فالمؤمنون خصم وسائر الخمسة خصم { فى ربهم } في دينه وصفاته، ثم بين ~~جزاء كل خصم بقوله { فالذين كفروا } وهو فصل الخصومة المعنى ~~بقوله { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } { قطعت لهم ثياب ~~من نار } كأن الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثتهم تشتمل عليهم ~~كما تقطع الثياب الملبوسة، واختير لفظ الماضي لأنه كائن لا محالة فهو ~~كالثابت المتحقق { يصب من فوق رؤوسهم } بكسر الهاء والميم، ~~بصري، وبضمهما: حمزة وعلي وخلف، وبكسر الهاء وضم الميم: غيرهم { ~~الحميم } الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنهما: لو سقطت منه نقطة ~~على جبال الدنيا لأذابتها. ### || [22.20-23] # { يصهر } يذاب { به } بالحميم { ما فى بطونهم والجلود ~~} أي يذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم فيؤثر في الظاهر والباطن { ~~ولهم مقامع } سياط مختصة بهم { من حديد } يضربون بها { ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها } من النار { من غم } ~~بدل الاشتمال من منها بإعادة الجار، أو الأولى لابتداء الغاية والثانية ~~بمعنى من أجل يعني كلما أرادوا الخروج من النار من أجل غم يلحقهم فخرجوا ~~{ أعيدوا فيها } بالمقامع، ومعنى الخروج عند الحسن أن النار ~~تضربهم بلهبها فتلقيهم إلى أعلاها فضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين ~~خريفا، والمراد إعادتهم إلى معظم النار لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية ثم ~~يعودون إليها { وذوقوا } أي وقيل لهم ذوقوا { عذاب الحريق } ~~هو الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك. # ثم ذكر جزاء الخصم الآخر فقال: # { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~يحلون فيها من أساور } جمع أسورة جمع سوار { من ذهب ~~ولؤلؤا } بالنصب: مدني وعاصم وعلي ويؤتون لؤلؤا وبالجر: غيرهم ~~عطفا على { من ذهب } وبترك الهمزة الأولى ms0879 في كل القرآن: أبو بكر وحماد { ~~ولباسهم فيها حرير } إبريسم. ### || [22.24-26] # { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صرط ~~الحميد } أي أرشد هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد و { إلى صراط ~~الحميد } أي الإسلام أو هداهم الله في الآخرة وألهمهم أن يقولوا: الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده وهداهم إلى طريق الجنة. والحميد الله المحمود بكل ~~لسان. # { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله } أي ~~يمنعون عن الدخول في الإسلام ويصدون، حال من فاعل { كفروا } أي وهم يصدون ~~أي الصدود منهم مستمر دائم كما يقال «فلان يحسن إلى الفقراء» فإنه يراد ~~به استمرار وجود الإحسان منه في الحال والاستقبال { والمسجد ~~الحرام } أي ويصدون عن المسجد الحرام والدخول فيه { الذى ~~جعلنه للناس } مطلقا من غير فرق بين حاضر وباد، فإن أريد به ~~البيت فالمعنى أنه قبلة لجميع الناس { سوآء } بالنصب: حفص مفعول ثان ~~ل { جعلناه } أي جعلناه مستويا { العكف فيه والباد } وغير ~~المقيم. بالياء: مكي وافقه أبو عمرو في الوصل وغيره بالرفع على أنه خبر ~~والمبتدأ مؤخر أي العاكف فيه والباد سواء، والجملة مفعول ثان { للناس } ~~حال { ومن يرد فيه } في المسجد الحرام { بإلحاد بظلم } ~~حالان مترادفان ومفعول { يرد } متروك ليتناول كل متناول كأنه قال: ومن ~~يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد ظالما، فالإلحاد العدول عن القصد { ~~نذقه من عذاب أليم } في الآخرة وخبر «إن» محذوف لدلالة جواب ~~الشرط عليه تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من ~~عذاب أليم وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. # { وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت } واذكر يا محمد ~~حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعا يرجع إليه للعمارة ~~والعبادة وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، ~~فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أسه ~~القديم { أن } هي المفسرة للقول المقدر أي قائلين له { لا تشرك بي ~~شيئا وطهر بيتى } من الأصنام والأقذار: وبفتح الياء: مدني ~~وحفص { للطائفين } لمن يطوف به { والقائمين } والمقيمين بمكة ms0880 ~~{ والركع السجود } المصلين جمع راكع وساجد. ### || [22.27] # { وأذن فى الناس بالحج } ناد فيهم، والحج هو القصد البليغ ~~إلى مقصد منيع. وروي أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ~~ربكم. فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. وعن ~~الحسن أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة ~~الوداع. والأول أظهر وجواب الأمر { يأتوك رجالا } مشاة جمع راجل ~~كقائم وقيام { وعلى كل ضامر } حال معطوفة على رجال كأنه قال: ~~رجالا وركبانا. والضامر البعير المهزول، وقدم الرجال على الركبان ~~إظهارا لفضيلة المشات كما ورد في الحديث { يأتين } صفة ل { كل ضامر ~~} لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله { يأتون } صفة للرجال والركبان { ~~من كل فج } طريق { عميق } بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ ~~في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان. قال: كم بينكم وبين البيت؟ قلت: ~~مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت؟ فقلت: أنت من أين جئت؟ ~~قال: من مسيرة خمس سنوات وخرجت وأنا شاب فاكتهلت. قلت: والله هذه الطاعة ~~الجميلة والمحبة الصادقة فقال: # زر من هويت وإن شطت بك الدار # وحال من دونه حجب وأستار # لا يمنعنك بعد عن زيارته # إن المحب لمن يهواه زوار ### || [22.28] # واللام في { ليشهدوا } ليحضروا متعلق ب { أذن } أو ب { يأتوك } ~~{ منفع لهم } نكرها لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ~~ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادة، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء ~~بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما ~~فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال وخلع الأسباب وقطيعة الأصحاب وهجر ~~البلاد والأوطان وفرقة الأولاد والخلان، والتنبيه على ما يستمر عليه إذا ~~انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء. فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل ~~فيها إلا على عتاده، ولا يأكل إلا من زاده، فكذا المرء إذا خرج من شاطىء ~~الحياة وركب بحر الوفاء لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده، ms0881 ولا ~~يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده، وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير ~~المخيط وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه. ~~مطيبا بالحنوط ملففا في كفن غير مخيط. ثم المحرم يكون أشعث حيران فكذا ~~يوم الحشر يخرج من القبر لهفان، ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغبا ورهبا ~~سائلين خوفا وطمعا وهم من بين مقبول ومخذول كموقف العرصات # لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد # [هود:105] والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء، ومنى هو ~~موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين، وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من ~~السيئات بالرحمة والتخفيف، والبيت الحرام الذي من دخله كان آمنا من ~~الإيذاء والقتال أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالما من ~~الفناء والزوال غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية كما أن الكعبة حفت ~~بمتالف البادية، فمرحبا بمن جاوز مهالك البوادي شوقا إلى اللقاء يوم ~~التنادي. { ويذكروا اسم الله } عند الذبح { فى أيام ~~معلومت } هي عشر ذي الحجة عند أبي حنيفة رحمه الله وآخرها يوم ~~النحر وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وأكثر المفسرين رحمهم الله وعند ~~صاحبيه هي أيام النحر وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما { على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } أي على ذبحه وهو يؤيد قولهما ~~والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل ~~والبقر والضأن والمعز. # { فكلوا منها } من لحومها، والأمر للإباحة، ويجوز الأكل من هدي ~~التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك فأشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من ~~بقية الهدايا { وأطعموا البائس } الذي أصابه بؤس أي شدة { ~~الفقير } الذي أضعفه الإعسار. ### || [22.29] # { ثم ليقضوا تفثهم } ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم كذا قاله ~~نفطويه. قيل: قضاء التفث قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، ~~والتفث: الوسخ والمراد قضاء إزالة التفث. وقال ابن عمر وابن عباس رضي ~~الله عنهما: قضاء التفث مناسك الحج كلها { وليوفوا نذورهم } ~~مواجب حجهم والعرب تقول لكل من خرج عما وجب عليه: وفى بنذره ms0882 وإن لم ينذر، ~~أو ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم، { وليوفوا } بسكون اللام والتشديد: ~~أبو بكر { وليطوفوا } طواف الزيارة الذي هو ركن الحج ويقع به ~~تمام التحلل. اللامات الثلاث ساكنة عند غير ابن عياش وأبي عمرو { ~~بالبيت العتيق } القديم لأنه أول بيت وضع للناس بناه آدم ثم ~~جدده إبراهيم، أو الكريم ومنه عتاق الخيل لكرائمها، وعتاق الرقيق لخروجه ~~من ذل العبودية إلى كرم الحرية، أو لأنه أعتق من الغرق لأنه رفع زمن ~~الطوفان، أو من أيدي الجبابرة؛ كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله، ~~أو من أيدي الملاك فلم يملك قط وهو مطاف أهل الغبراء كما أن العرش مطاف ~~أهل السماء، فإن الطالب إذا هاجته معية الطرب وجذبته جواذب الطلب جعل ~~يقطع مناكب الأرض مراحل ويتخذ مسالك المهالك منازل، فإذا عاين البيت لم ~~يزده التسلي به إلا اشتياقا ولم يفده التشفي باستلام الحجر إلا ~~احتراقا، فيرده الأسف لهفان ويردده اللهف حوله في الدوران، وطواف ~~الزيارة آخر فرائض الحج الثلاث، وأولها الإحرام وهو عقد الالتزام يشبه ~~الاعتصام بعروة الإسلام حتى لا يرتفض بارتكاب ما هو محظور فيه ويبقى عقده ~~مع ما يفسده وينافيه، كما أن عقد الإسلام لا ينحل بازدحام الآثام وترتفع ~~ألف حوبة بتوبة. وثانيها الوقوف بعرفات بسمة الابتهال في صفة الاهتبال، ~~وصدق الاعتزال عن دفع الاتكال على مراتب الأعمال وشواهد الأحوال. ### || [22.30] # { ذلك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك أو تقديره ليفعلوا ذلك { ومن ~~يعظم حرمت الله } الحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله ~~عز وجل بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاما في جميع ~~تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصا بما يتعلق بالحج. وقيل: حرمات الله البيت ~~الحرام والمشعر الحرام والشهر الحرام والبلد الحرام { فهو } أي ~~التعظيم { خير له عند ربه } ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة ~~المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها { وأحلت لكم الأنعم } ~~أي كلها { إلا ما يتلى عليكم } آية تحريمه وذلك قوله # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] الآية. والمعنى أن الله تعالى ms0883 أحل لكم الأنعام كلها إلا ما ~~بين في كتابه، فحافظوا على حدوده ولا تحرموا شيئا مما أحل كتحريم البعض ~~البحيرة ونحوها، ولا تحلوا مما حرم كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة ~~وغيرهما. ولما حث على تعظيم حرماته أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول ~~الزور بقوله { فاجتنبوا الرجس من الأوثن واجتنبوا ~~قول الزور } لأن ذلك من أعظم الحرمات وأسبقها حظرا. و { من ~~الأوثان } بيان للرجس لأن الرجس مبهم يتناول غير شيء كأنه قيل: فاجتنبوا ~~الرجس الذي هو الأوثان. وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه يعني أنكم ~~كما تنفرون بطباعكم عن الرجس فعليكم أن تنفروا عنها. وجمع بين الشرك وقول ~~الزور أي الكذب والبهتان أو شهادة الزور وهو من الزور وهو الانحراف، لأن ~~الشرك من باب الزور إذ المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة. ### || [22.31-34] # { حنفاء لله } مسلمين { غير مشركين به } حال كحنفاء { ~~ومن يشرك بالله فكأنما خر } سقط { من السماء } ~~إلى الأرض { فتخطفه الطير } أي تسلبه بسرعة { فتخطفه } أي ~~تتخطفه مدني { أو تهوي به الريح } أي تسقطه والهوي السقوط { فى ~~مكان سحيق } بعيد. يجوز أن يكون هذا تشبيها مركبا، ويجوز أن يكون ~~مفرقا. فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه ~~إهلاكا ليس بعده بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير ~~فتفرق قطعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك ~~البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي أشرك ~~بالله بالساقط من السماء. والأهواء المردية بالطير المتخطفة والشيطان ~~الذي هو يوقعه في الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي ~~المتلفة. # { ذلك } أي الأمر ذلك { ومن يعظم شعئر الله } تعظيم ~~الشعائر وهي الهدايا لأنها من معالم الحج أن يختارها عظام الأجرام حسانا ~~ثمانا غالية الأثمان { فإنها من تقوى القلوب } أي فإن ~~تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات. وإنما ذكرت القلوب ~~لأنها مراكز التقوى { لكم فيها منفع } من الركوب عند الحاجة ~~وشرب ألبانها ms0884 عند الضرورة { إلى أجل مسمى } إلى أن تنحر { ~~ثم محلها } أي وقت وجوب نحرها منتهية { إلى البيت ~~العتيق } والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت إذ الحرم حريم ~~البيت ومثله في الاتساع قولك «بلغت البلد» وإنما اتصل مسيرك بحدوده. ~~وقيل: الشعائر المناسك كلها وتعظيمها إتمامها ومحلها إلى البيت العتيق ~~يأباه { ولكل أمة } جماعة مؤمنة قبلكم { جعلنا منسكا } ~~حيث كان بكسر السين بمعنى الموضع: علي وحمزة أي موضع قربان. وغيرهما: ~~بالفتح على المصدر أي إراقة الدماء وذبح القرابين { ليذكروا اسم ~~الله } دون غيره { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~أي عند نحرها وذبحها { فإلهكم إله وحد } أي اذكروا على ~~الذبح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، وفيه دليل على أن ذكر اسم الله ~~شرط الذبح يعني أن الله تعالى شرع لكل أمة أن ينسكوا له أي يذبحوا له على ~~وجه التقرب، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على النسائك. ~~وقوله { فله أسلموا } أي أخلصوا له الذكر خاصة واجعلوه له سالما ~~أي خالصا لا تشوبوه بإشراك { وبشر المخبتين } المطمئنين بذكر ~~الله أو المتواضعين الخاشعين من الخبت وهو المطمئن من الأرض. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: ~~تفسيره ما بعده أي ### || [22.35-36] # { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } خافت منه هيبة ~~{ والصبرين على ما أصابهم } من المحن والمصائب { ~~والمقيمي الصلاة } في أوقاتها { ومما رزقنهم ينفقون } ~~يتصدقون. # { والبدن } جمع بدنة سميت لعظم بدنها وفي الشريعة يتناول الإبل ~~والبقر، وقرىء برفعها وهو كقوله # والقمر قدرنه # [يس: 39] { جعلنها لكم من شعئر الله } أي من أعلام ~~الشريعة التي شرعها الله، وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها و { من شعائر الله ~~} ثاني مفعولي { جعلنا } { لكم فيها خير } النفع في الدنيا ~~والأجر في العقبى { فاذكروا اسم الله عليها } عند نحرها { ~~صواف } حال من الهاء أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن { فإذا ~~وجبت جنوبها } وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة ~~إذا سقط أي إذا ms0885 سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها وسكنت حركتها { ~~فكلوا منها } إن شئتم { وأطعموا القنع } السائل من ~~قنعت إليه إذا خضعت له وسألته قنوعا { والمعتر } الذي يريك نفسه ~~ويتعرض ولا يسأل. وقيل: القانع الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال من ~~قنعت قنعا وقناعة، والمعتر المتعرض للسؤال { كذلك سخرنها ~~لكم } أي كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أو هو كقوله { ذلك ومن يعظم ~~} ثم استأنف فقال { سخرناها لكم } أي ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها ~~لتتمكنوا من نحرها { لعلكم تشكرون } لكي تشكروا إنعام الله ~~عليكم. ### || [22.37-39] # { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم } أي لن يتقبل الله اللحوم والدماء ولكن يتقبل ~~التقوى، أو لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المراقة ~~بالنحر والمراد أصحاب اللحوم والدماء، والمعنى لن يرضى المضحون والمقربون ~~ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص ورعاية شروط التقوى. وقيل: كان أهل ~~الجاهلية إذا نحروا الإبل نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم، فلما حج ~~المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت { كذلك سخرها لكم } أي البدن ~~{ لتكبروا الله } لتسموا الله عند الذبح أو لتعظموا الله { ~~على ما هداكم } على ما أرشدكم إليه { وبشر المحسنين } ~~الممتثلين أوامره بالثواب { إن الله يدافع } { يدفع } مكي ~~وبصري وغيرهما يدافع أي يبالغ في الدفع عنهم { عن الذين ءامنوا ~~} أي يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ونحوه # إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا # [غافر: 51] ثم علل ذلك بقوله { إن الله لا يحب كل ~~خوان } في أمانة الله { كفور } لنعمة الله أي لأنه لا يحب أضدادهم ~~وهم الخونة الكفرة الذين يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون ~~نعم الله ويغمطونها. # { أذن } مدني وبصري وعاصم { للذين يقتلون } بفتح التاء ~~مدني وشامي وحفص، والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة ~~يقاتلون عليه { بأنهم ظلموا } بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا وكانوا ~~يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه ~~فيقول لهم: اصبروا ms0886 فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي ~~أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية { وإن ~~الله على نصرهم } على نصر المؤمنين { لقدير } قادر وهو ~~بشارة للمؤمنين بالنصرة وهو مثل قوله # إن الله يدافع عن الذين آمنوا ### || [22.40-41] # { الذين } في محل جر بدل من { الذين } أو نصب ب «أعني» أو رفع ~~بإضمارهم { أخرجوا من ديرهم } بمكة { بغير حق إلا ~~أن يقولوا ربنا الله } أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي ~~أن يكون موجب التمكين لا موجب الإخراج ومثله # هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله # [المائدة: 59] ومحل أن يقولوا جر بدل من { حق } والمعنى ما أخرجوا من ~~ديارهم إلا بسبب قولهم { ولولا دفع الله } { دفاع } مدني ~~ويعقوب { الناس بعضهم ببعض لهدمت } وبالتخفيف حجازي { ~~صومع وبيع وصلوت ومسجد } أي لولا إظهاره وتسليطه ~~المسلمين على الكافرين بالمجاهدة لاستولى المشركون على أهل الملل ~~المختلفة في أزمنتهم وعلى متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى بيعا ~~ولا لرهبانهم صوامع ولا لليهود صلوات أي كنائس. وسميت الكنيسة صلاة ~~لأنها يصلى فيها ولا للمسلمين مساجد، أو لغلب المشركون في أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم على المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا ~~متعبدات الفريقين، وقدم غير المساجد عليها لتقدمها وجودا أو لقربها من ~~التهديم { يذكر فيها اسم الله كثيرا } في المساجد أو في ~~جميع ما تقدم { ولينصرن الله من ينصره } أي ينصر دينه ~~وأوليائه { إن الله لقوي } على نصر أوليائه { عزيز } على ~~انتقام أعدائه. # { الذين } محله نصب بدل من { من ينصره } أو جر تابع ل { الذين ~~أخرجوا } { إن مكنهم فى الأرض أقاموا الصلوة ~~واتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر } هو إخبار من الله عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إن مكنهم ~~في الأرض وبسط لهم في الدنيا وكيف يقومون بأمر الدين، وفيه دليل صحة أمر ~~الخلفاء الراشدين لأن الله عز وجل أعطاهم التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة ~~العادلة. وعن الحسن: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم { ولله ~~عقبة ms0887 الأمور } أي مرجعها إلى حكمه وتقديره، وفيه تأكيد لما وعده ~~من إظهار أوليائه وإعلاء كلمته. ### || [22.42-45] # { وإن يكذبوك } هذه تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم من تكذيب أهل ~~مكة إياه أي لست بأوحدي في التكذيب { فقد كذبت قبلهم } قبل ~~قومك { قوم نوح } نوحا { وعاد } هودا { وثمود } صالحا { ~~وقوم إبرهيم } إبراهيم { وقوم لوط } لوطا { وأصحب ~~مدين } شعيبا { وكذب موسى } كذبه فرعون والقبط ولم يقل وقوم ~~موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه، أو كأنه ~~قيل بعدما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وظهور ~~معجزاته فما ظنك بغيره! { فأمليت للكفرين } أمهلتهم وأخرت ~~عقوبتهم { ثم أخذتهم } عاقبتهم على كفرهم { فكيف كان ~~نكير } إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقما وبالحياة هلاكا ~~وبالعمارة خرابا. { نكيري } بالياء في الوصل والوقف: يعقوب { فكأين ~~من قرية أهلكنها } { أهلكتها } بصري { وهى ظلمة } ~~حال أي وأهلها مشركون { فهى خاوية } ساقطة من خوى النجم إذا سقط { ~~على عروشها } يتعلق ب { خاوية } والمعنى أنها ساقطة على سقوفها ~~أي خرت سقوفها على الأرض ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، ولا محل ل ~~{ فهي خاوية } من الإعراب لأنها معطوفة على { أهلكناها } وهذا الفعل ليس ~~له محل، وهذا إذا جعلنا { كأين } منصوب المحل على تقدير كثيرا من القرى ~~أهلكناها { وبئر معطلة } أي متروكة لفقد دلوها ورشائها وفقد ~~تفقدها، أو هي عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء إلا أنها عطلت أي ~~تركت لا يستقي منها لهلاك أهلها { وقصر مشيد } مجصص من الشيد ~~الجص أو مرفوع البنيان من شاد البناء رفعه، والمعنى كم قرية أهلكناها وكم ~~بئر عطلناها عن سقاتها وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه أي أهلكنا البادية ~~والحاضرة جميعا فخلت القصور عن أربابها والآبار عن واردها والأظهر أن ~~البئر والقصر على العموم. ### || [22.46-48] # { أفلم يسيروا فى الأرض } هذا حث على السفر ليروا مصارع من ~~أهلهم بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا { فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها أو ءاذان يسمعون بها } أي يعقلون ما يجب أن ~~يعقل من التوحيد ms0888 ونحوه ويسمعون ما يجب سماعه من الوحي { فإنها لا ~~تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب التى فى ~~الصدور } الضمير في { فإنها } ضمير القصة أو ضمير مبهم يفسره { ~~الأبصار } أي فما عميت أبصارهم عن الإبصار بل قلوبهم عن الاعتبار. ولكل ~~إنسان أربع أعين: عينان في رأسه وعينان في قلبه، فإذا أبصر ما في القلب ~~وعمي ما في الرأس لم يضره، وإن أبصر ما في الرأس وعمي ما في القلب لم ~~ينفعه، وذكر الصدور لبيان أن محل العلم القلب ولئلا يقال: إن القلب يعني ~~به غير هذا العضو كما يقال «القلب لب كل شيء». # { ويستعجلونك بالعذاب } الآجل استهزاء { ولن يخلف ~~الله وعده } كأنه قال: ولم يستعجلونك به كأنهم يجوزون الفوت وإنما ~~يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخلف ولن يخلف الله وعده وما وعده ~~ليصيبنهم ولو بعد حين { وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~مما تعدون } { يعدون } مكي وكوفي غير عاصم أي كيف يستعجلون ~~بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام ~~الشدائد طوال. # { وكأين من قرية أمليت لها وهى ظلمة } أي وكم ~~من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينا { ثم أخذتها } ~~بالعذاب { وإلي المصير } أي المرجع إلي فلا يفوتني شيء. وإنما ~~كانت الأولى أي { فكأين } معطوفة بالفاء وهذه أي { وكأين } بالواو لأن ~~الأولى وقعت بدلا عن { فكيف كان نكير } وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها ~~من الجملتين المعطوفتين بالواو وهما { ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك }. ### || [22.49-52] # { قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين } ~~وإنما لم يقل بشير ونذير لذكر الفريقين بعده لأن الحديث مسوق إلى ~~المشركين و { يا أيها الناس } نداء لهم وهم الذين قيل فيهم { أفلم يسيروا ~~} ووصفوا بالاستعجال. وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا، أو تقديره ~~نذير مبين وبشير فبشر أولا فقال { فالذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لهم مغفرة } لذنوبهم { ورزق كريم } أي ~~حسن. ثم أنذر فقال { والذين سعوا } سعى في أمر فلان إذا أفسده ~~بسعيه { في ms0889 ءاياتنا } أي القرآن { معجزين } حال { معجزين } حيث ~~كان: مكي وأبو عمرو. وعاجزه سابقه كأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر ~~عن اللحاق به فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه. والمعنى سعوا في معناها بالفساد ~~من الطعن فيها حيث سموها سحرا وشعرا وأساطير مسابقين في زعمهم وتقديرهم ~~طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لها { أولئك أصحب الجحيم } ~~أي النار الموقدة. # { وما أرسلنا من قبلك } «من» لابتداء الغاية { من رسول ~~} «من» زائدة لتأكيد النفي { ولا نبي } هذا دليل بين على ثبوت ~~التغاير بين الرسول والنبي بخلاف ما يقول البعض إنهما واحد. وسئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء فقال # " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا " # فقيل: فكم الرسل منهم؟ فقال: # " ثلثمائة وثلاثة عشر " # والفرق بينهما أن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي ~~من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله. وقيل: الرسول ~~واضع شرع والنبي حافظ شرع غيره { إلا إذا تمنى } قرأ، قال # تمنى كتاب الله أول ليلة # تمنى داود الزبور على رسل # { ألقى الشيطن فى أمنيته } تلاوته. قالوا: إنه عليه ~~السلام كان في نادي قومه يقرأ «والنجم» فلما بلغ قوله # ومنوة الثلثة الأخرى # [النجم: 20] جرى على لسانه «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» ولم ~~يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه. وقيل: نبهه جبريل عليه السلام ~~فأخبرهم أن ذلك كان من الشيطان. وهذا القول غير مرضي لأنه لا يخلوا إما ~~أن يتكلم النبي عليه السلام بها عمدا وإنه لا يجوز لأنه كفر ولأنه بعث ~~طاعنا للأصنام لا مادحا لها، أو أجرى الشيطان ذلك على لسان النبي عليه ~~السلام جبرا بحيث لا يقدر على الامتناع منه وهو ممتنع لأن الشيطان لا ~~يقدر على ذلك في حق غيره لقوله تعالى: # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # [الإسراء: 65] ففي حقه أولى، أو جرى ذلك على لسانه سهوا وغفلة وهو ~~مردود أيضا لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه في حال تبليغ الوحي ولو ~~جاز ذلك لبطل الاعتماد ms0890 على قوله، ولأنه تعالى قال في صفة المنزل عليه # لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت: 42]وقال: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون # [الحجر: 9] فلما بطلت هذه الوجوه لم يبق إلا وجه واحد وهو أنه عليه ~~السلام سكت عند قوله # ومناة الثالثة الأخرى # فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فوقع عند بعضهم أنه عليه السلام هو الذي تكلم بها، فيكون هذا إلقاء في ~~قراءة النبي عليه السلام وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي عليه السلام ~~ويسمع كلامه، فقد روي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمدا قد قتل وقال يوم ~~بدر: # لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم # [الأنفال: 48] # { فينسخ الله ما يلقي الشيطن } أي يذهب به ويبطله ~~ويخبر أنه من الشيطان { ثم يحكم الله ءايته } أي يثبتها ~~ويحفظها من لحوق الزيادة من الشيطان { والله عليم } بما أوحى إلى ~~نبيه وبقصد الشيطان { حكيم } لا يدعه حتى يكشفه ويزيله. ثم ذكر أن ذلك ~~ليفتن الله تعالى به قوما بقوله. ### || [22.53-57] # { ليجعل ما يلقي الشيطن فتنة } محنة وابتلاء { ~~للذين فى قلوبهم مرض } شك ونفاق { والقاسية ~~قلوبهم } هم المشركون المكذبون فيزدادوا به شكا وظلمة { وإن ~~الظلمين } أي المنافقين والمشركين وأصله و«إنهم» فوضع الظاهر موضع ~~الضمير قضاء عليهم بالظلم { لفي شقاق } خلاف { بعيد } عن الحق. # { وليعلم الذين أوتوا العلم } بالله وبدينه وبالآيات { ~~أنه } أي القرآن { الحق من ربك فيؤمنوا به } ~~بالقرآن { فتخبت } فتطمئن { له قلوبهم وإن الله ~~لهاد الذين ءامنوا إلى صرط مستقيم } فيتأولون ما ~~يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي ~~تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة { ولا ~~يزال الذين كفروا فى مرية } شك { منه } من القرآن أو ~~من الصراط المستقيم { حتى تأتيهم الساعة بغتة } فجأة { ~~أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } يعني يوم بدر فهو عقيم عن أن ~~يكون للكافرين فيه فرج أو راحة كالريح العقيم لا تأتي بخير. أو شديد لا ~~رحمة فيه ms0891 أو لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه. وعن الضحاك أنه ~~يوم القيامة وأن المراد بالساعة مقدماته. # { الملك يومئذ } أي يوم القيامة والتنوين عوض عن الجملة أي يوم ~~يؤمنون أو يوم تزول مريتهم { لله } فلا منازع له فيه { يحكم ~~بينهم } أي يقضي. ثم بين حكمه فيهم بقوله { فالذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت فى جنت النعيم والذين ~~كفروا وكذبوا بئايتنا فأولئك لهم عذاب ~~مهين } ثم خص قوما من الفريق الأول بفضيلة فقال: ### || [22.58-60] # { والذين هاجروا فى سبيل الله } خرجوا من أوطانهم ~~مجاهدين { ثم قتلوا } شامي { أو ماتوا } حتف أنفهم { ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا } قيل: الرزق الحسن الذي لا ~~ينقطع أبدا { وإن الله لهو خير الرازقين } لأنه المخترع ~~للخلق بلا مثال، المتكفل للرزق بلا ملال { ليدخلنهم مدخلا ~~} بفتح الميم مدني والمراد الجنة { يرضونه } لأن فيها ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين { وإن الله لعليم } بأحوال من قضى نحبه ~~مجاهدا، وآمال من مات وهو ينتظر معاهدا { حليم } بإمهال من قاتلهم ~~معاندا. روي أن طوائف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي ~~الله: هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد ~~معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين الآيتين. # { ذلك } أي الأمر ذلك وما بعده مستأنف { ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به } سمي الابتداء بالجزاء عقوبة لملابسته له من حيث إنه سبب ~~وذلك مسبب عنه { ثم بغي عليه لينصرنه الله } أي من ~~جازى بمثل ما فعل به من الظلم ثم ظلم بعد ذلك فحق على الله أن ينصره { ~~إن الله لعفو } يمحو آثار الذنوب { غفور } يستر أنواع ~~العيوب. وتقرير الوصفين بسياق الآية أن المعاقب مبعوث من عند الله على ~~العفو وترك العقوبة بقوله # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237] فحيث لم يؤثر ذلك وانتصر فهو تارك للأفضل وهو ضامن لنصره ~~في الكرة الثانية إذا ترك العفو وانتقم من الباغي، وعرف مع ذلك بما كان ~~أولى به من ms0892 العفو بذكر هاتين الصفتين، أو دل بذكر العفو والمغفرة على أنه ~~قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده كما قيل «العفو ~~عند القدرة». ### || [22.61-63] # { ذلك بأن الله يولج اليل فى النهار ويولج ~~النهار فى اليل وأن الله سميع بصير } أي ذلك النصر ~~للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء، ومن آيات قدرته أنه يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل أي يزيد من هذا في ذلك ومن ذلك في هذا، أو ~~بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على ~~أيدي عباده من الخير والشر والبغي والإنصاف، وأنه سميع لما يقولون ولا ~~يشغله سمع عن سمع وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما ~~يفعلون ولا يستر عنه شيء بشيء في الليالي وإن توالت الظلمات. { ذلك ~~بأن الله هو الحق وأن ما يدعون } عراقي غير أبي ~~بكر { من دونه هو البطل وأن الله هو العلي ~~الكبير } أي ذلك الوصف بخلقه الليل والنهار وإحاطته بما يجري فيهما ~~وإدراكه قولهم وفعلهم بسبب أن الله الحق الثابت إلاهيته وأن كل ما يدعى ~~إلها دونه باطل الدعوة وأنه لا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا. # { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } مطرا { ~~فتصبح الأرض مخضرة } بالنبات بعدما كانت مسودة يابسة وإنما ~~صرف إلى لفظ المضارع ولم يقل فأصبحت ليفيد بقاء أثر المطر زمان بعد زمان ~~كما تقول «أنعم علي فلان فأروح وأغدوا شاكرا له» ولو قلت «فرحت وغدوت» ~~لم يقع ذلك الموقع. وإنما رفع { فتصبح } ولم ينصب جوابا للاستفهام لأنه ~~لو نصب لبطل الغرض، وهذا لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي ~~الاخضرار كما تقول لصاحبك «ألم تراني أنعمت عليك فتشكر»، إن نصبته نفيت ~~شكره وشكوت من تفريطه فيه، وإن رفعته أثبت شكره { إن الله لطيف ~~} واصل عمله أو فضله إلى كل شيء { خبير } بمصالح الخلق ومنافعهم أو ~~اللطيف المختص بدقيق التدبير والخبير المحيط بكل قليل وكثير. ### || [22.64-67] # { له ما في ms0893 السموات وما في الأرض } ملكا وملكا { ~~وإن الله لهو الغني } المستغني بكمال قدرته بعد فناء ما ~~في السماوات وما في الأرض { الحميد } المحمود بنعمته قبل ثناء من في ~~السماوات ومن في الأرض { الم * ترى أن الله سخر لكم ما ~~في الأرض } من البهائم مذللة للركوب في البر { والفلك تجرى ~~فى البحر بأمره } أي ومن المراكب جارية في البحر، ونصب { الفلك ~~} عطفا على «ما» و { تجري } حال لها أي وسخر لكم الفلك في حال جريها { ~~ويمسك السماء أن تقع على الأرض } أي يحفظها من أن تقع { ~~إلا بإذنه } بأمره أو بمشيئته { إن الله بالناس ~~لرؤوف } بتسخير ما في الأرض { رحيم } بإمساك السماء لئلا تقع على ~~الأرض، عدد آلائه مقرونة بأسمائه ليشكروه على آلائه ويذكروه بأسمائه. وعن ~~أبي حنيفة رحمه الله أن اسم الله الأعظم في الآيات الثمانية يستجاب ~~لقرائتها ألبتة # . { وهو الذى أحياكم } في أرحام أمهاتكم { ثم يميتكم ~~} عند انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } لإيصال جزائكم { إن ~~الإنسن لكفور } لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم ودفع عنه من ~~صنوف النقم، أو لا يعرف نعمة الإنشاء المبدئ للوجود ولا الإفناء المقرب ~~إلى الموعود ولا الإحياء الموصل إلى المقصود { لكل أمة } أهل دين ~~{ جعلنا منسكا } مر بيانه وهو رد لقول من يقول إن الذبح ليس ~~بشريعة الله إذ هو شريعة كل أمة { هم ناسكوه } عاملون به { فلا ~~ينزعنك } فلا يجادلنك والمعنى فلا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم ~~من أن ينازعوك { فى الأمر } أمر الذبائح أو الدين. نزلت حين قال ~~المشركون للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله يعني ~~الميتة { وادع } الناس { إلى ربك } إلى عبادة ربك { إنك ~~لعلى هدى مستقيم } طريق قويم. ولم يذكر الواو في { لكل ~~أمة } بخلاف ما تقدم لأن تلك وقعت مع ما يناسبها من الآي الواردة في ~~أمر النسائك فعطفت على أخواتها، وهذه وقعت مع أباعد عن معناها فلم تجد ~~معطفا # . ### || [22.68-72] # { وإن جدلوك } مراء وتعنتا كما يفعله السفهاء بعد اجتهادك أن ~~لا يكون بينك ms0894 وبينهم تنازع وجدال { فقل الله أعلم بما ~~تعملون } أي فلا تجادلهم وادفعهم بهذا القول، والمعنى أن الله أعلم ~~بأعمالكم وما تستحقون عليها من الجزاء فهو مجازيكم به، وهذا وعيد وإنذار ~~ولكن برفق ولين وتأديب يجاب به كل متعنت { الله يحكم بينكم ~~يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون } هذا خطاب من ~~الله للمؤمنين والكافرين أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب، ومسلاة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم. # { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والأرض ~~} أي كيف يخفى عليه ما تعملون ومعلوم عند العلماء بالله أنه يعلم كل ما ~~يحدث في السماوات والأرض { إن ذلك } الموجود فيهما { فى كتب ~~} في اللوح المحفوظ { إن ذلك على الله يسير } أي علمه ~~بجميع ذلك عليه يسير. ثم أشار إلى جهالة الكفار لعبادتهم غير المستحق لها ~~بقوله { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به } { ~~ينزل } مكي وبصري { سلطنا } حجة وبرهانا { وما ليس لهم ~~به علم } أي لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي ~~ولا حملهم عليها دليل عقلي { وما للظلمين من نصير } وما ~~للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوب مذهبهم { وإذا ~~تتلى عليهم ءايتنا بينات } يعني القرآن { تعرف فى ~~وجوه الذين كفروا المنكر } الإنكار بالعبوس والكراهة ~~والمنكر مصدر { يكدون يسطون } يبطشون والسطو الوثب والبطش { ~~بالذين يتلون عليهم ءايتنا } هم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم } من غيظكم على ~~التالين وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم ~~{ النار } خبر مبتدأ محذوف كأن قائلا قال: ما هو؟ فقيل: النار أي هو ~~النار { وعدها الله الذين كفروا } استئناف كلام { ~~وبئس المصير } النار. # ولما كانت دعواهم بأن لله تعالى شريكا جارية في الغرابة والشهرة مجرى ~~الأمثال المسيرة قال الله تعالى: ### || [22.73-74] # { يأيها الناس ضرب } بين { مثل فاستمعوا له } لضرب ~~هذا المثل { أن الذين تدعون } { يدعون } سهل ويعقوب { ~~من دون الله } آلهة باطلة { لن يخلقوا ذبابا } «لن» تأكيد ~~نفي ms0895 المستقبل وتأكيده هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل كأنه ~~قال: محال أن يخلقوا. وتخصيص الذباب لمهانته وضعفه واستقذاره، وسمي ~~ذبابا لأنه كلما ذب لاستقذاره آب لاستكباره { ولو اجتمعوا له ~~} لخلق الذباب ومحله النصب على الحال كأنه قيل: مستحيل منهم أن يخلقوا ~~الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم جميعا لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا من أبلغ ~~ما أنزل في تجهيل قريش حيث وصفوا بالإلالهية التي تقتضي الاقتدار على ~~المقدورات كلها والإحاطة بالمعلومات عن آخرها صورا وتماثيل يستحيل منها ~~أن تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى وأذله لو اجتمعوا لذلك { وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا } { شيئا } ثاني مفعولي { ~~يسلبهم } { لا يستنقذوه منه } أي هذا الخلق الأقل ~~الأذل لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا. عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ~~فإذا سلبه الذباب عجز الأصنام عن أخذه { ضعف الطالب } أي الصنم ~~بطلب ما سلب منه { والمطلوب } الذباب بما سلب وهذا كالتسوية بينهم ~~وبين الذباب في الضعف، ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف فإن الذباب حيوان ~~وهو جماد وهو غالب وذاك مغلوب { ما قدروا الله حق قدره } ~~ما عرفوه حق معرفته حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكا له { إن ~~الله لقوي عزيز } أي إن الله قادر وغالب فكيف يتخذ العاجز ~~المغلوب شبيها به، أو لقوي بنصر أوليائه عزيز ينتقم من أعدائه. ### || [22.75-77] # { الله يصطفى } يختار { من الملئكة رسلا } كجبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وغيرهم { ومن الناس } رسلا كإبراهيم وموسى ~~وعيسى ومحمد وغيرهم عليهم السلام. وهذا رد لما أنكروه من أن يكون الرسول ~~من البشر، وبيان أن رسل الله على ضربين ملك وبشر. وقيل: نزلت حين قالوا # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [القمر: 25] { إن الله سميع } لقولهم { بصير } بمن يختاره ~~لرسالته، أو سميع لأقوال الرسل فيما تقبله العقول بصير بأحوال الأمم في ~~الرد والقبول { يعلم ما بين أيديهم } ما مضى { وما ~~خلفهم } ما لم يأت أو ما عملوه وما سيعملوه أو أمر الدنيا وأمر ~~الآخرة { وإلى الله ms0896 ترجع الأمور } أي إليه مرجع الأمور ~~كلها، والذي هو بهذه الصفات لا يسئل عما يفعل وليس لأحد أن يعترض عليه في ~~حكمه وتدابيره واختيار رسله { ترجع } شامي وحمزة وعلي. # { يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا } في صلاتكم، ~~وكان أول ما أسلموا يصلون بلا ركوع وسجود فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع ~~وسجود، وفيه دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان وأن هذه السجدة للصلاة ~~لا للتلاوة { واعبدوا ربكم } واقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله ~~لا الصنم { وافعلوا الخير } قيل: لما كان للذكر مزية على غيره ~~من الطاعات دعا المؤمنين أولا إلى الصلاة التي هي ذكر خالص لقوله تعالى # وأقم الصلاة لذكري # [طه:14] ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحج وغيرهما، ثم عم بالحث ~~على سائر الخيرات. وقيل: أريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق { ~~لعلكم تفلحون } أي كي تفوزوا أو افعلوا هذا كله وأنتم راجون ~~للفلاح غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم. ### || [22.78] # { وجهدوا } أمر بالغزو أو مجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر ~~أو هو كلمة حق عند أمير جائر { فى الله } أي في ذات الله ومن أجله { ~~حق جهده } وهو أن لا يخاف في الله لومة لائم. يقال: هوحق عالم ~~وجد عالم أن عالم حقا وجدا ومنه { حق جهاده } وكان القياس حق الجهاد ~~فيه أو حق جهادكم فيه لكن الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان ~~الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه. ~~ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله # ويوم شهدناه سليما وعامرا # { هو اجتبكم } اختاركم لدينه ونصرته { وما جعل عليكم ~~فى الدين من حرج } ضيق بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الطهارة ~~والصلاة والصوم والحج بالتيمم وبالإيماء وبالقصر والإفطار لعذر السفر ~~والمرض وعدم الزاد والراحلة. # { ملة أبيكم إبرهيم } أي اتبعوا ملة أبيكم، أو نصب على ~~الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم. وسماه أبا وإن لم يكن أبا للأمة ~~كلها، لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبا لأمته لأن أمة ~~الرسول في ms0897 حكم أولاده قال عليه السلام # " إنما أنا لكم مثل الوالد " # { هو سمكم المسلمين } أي الله بدليل قراءة أبي: { الله ~~سماكم المسلمين } { من قبل } في الكتب المتقدمة { وفى هذا } ~~أي في القرآن أي فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم { ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم } أنه قد بلغكم رسالة ربكم { ~~وتكونوا شهداء على الناس } بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم ~~وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة { فأقيموا الصلاة } بواجباتها { وءاتوا ~~الزكاة } بشرائطها { واعتصموا بالله } وثقوا بالله وتوكلوا ~~عليه لا بالصلاة والزكاة { هو مولكم } أي مالككم وناصركم ومتولي ~~أموركم { فنعم المولى } حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم { ~~ونعم النصير } أي الناصر هو حيث أعانكم على طاعتكم وقد أفلح من ~~هو مولاه وناصره والله الموفق للصواب. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-2] # مكية وهي مائة وثمان عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { قد أفلح المؤمنون } «قد» نقيضة لما هي تثبت المتوقع ولما ~~تنفيه، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات ~~الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والفلاح الظفر بالمطلوب ~~والنجاة من المرهوب أي فازوا بما طلبوا ونجوا مما هربوا، والإيمان في ~~اللغة التصديق، والمؤمن المصدق لغة. وفي الشرع كل من نطق بالشهادتين ~~مواطئا قلبه لسانه فهو مؤمن. قال عليه السلام # " خلق الله الجنة فقال لها: تكلمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون ثلاثا أنا ~~حرام على كل بخيل مراء " # لأنه بالرياء أبطل العبادات البدنية وليس له عبادة مالية { الذين ~~هم فى صلاتهم خشعون } خائفون بالقلب ساكنون بالجوارح. ~~وقيل: الخشوع في الصلاة جمع الهمة لها والإعراض عما سواها وأن لا يجاوز ~~بصره مصلاه وأن لا يلتفت ولا يعبث ولا يسدل ولا يفرقع أصابعه ولا يقلب ~~الحصى ونحو ذلك. وعن أبي الدرداء: هو إخلاص المقال وإعظام المقام واليقين ~~التام وجمع الاهتمام. وأضيفت الصلاة إلى المصلين لا إلى المصلى له ~~لانتفاع المصلي بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فغني عنها. ### || [23.3-6] # { والذين هم عن اللغو معرضون } اللغو كل كلام ساقط ~~حقه أن يلغى كالكذب والشتم والهزل ms0898 يعني أن لهم من الجد ما شغلهم عن ~~الهزل. ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ~~ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء ~~التكليف. # { والذين هم للزكوة فعلون } مؤدون ولفظ { فاعلون } ~~يدل على المداومة بخلاف «مؤدون». وقيل: الزكاة اسم مشترك يطلق على العين ~~وهو القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير، وعلى المعنى وهو فعل ~~المزكي الذي هو التزكية وهو المراد هنا، فجعل المزكين فاعلين له لأن لفظ ~~الفعل يعم جميع الأفعال كالضرب والقتل ونحوهما. تقول للضارب والقاتل ~~والمزكي فعل الضرب والقتل والتزكية، ويجوز أن يراد بالزكاة العين ويقدر ~~مضاف محذوف وهو الأداء، ودخل اللام لتقدم المفعول وضعف اسم الفاعل في ~~العمل فإنك تقول «هذا ضارب لزيد» ولا تقول «ضرب لزيد» { والذين هم ~~لفروجهم حفظون } الفرج يشمل سوءة الرجل والمرأة { إلا ~~على أزوجهم } في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين ~~عليهن من قولك «كان زياد على البصرة» أي واليا عليها. والمعنى أنهم ~~لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم، أو تعلق ~~«على» بمحذوف يدل عليه غير ملومين كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم أي ~~يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه. وقال ~~الفراء: إلا من أزواجهم أي زوجاتهم { أو ما ملكت أيمنهم } ~~أي إمائهم ولم يقل «من» لأن المملوك جرى مجرى غير العقلاء ولهذا يباع كما ~~تباع البهائم { فإنهم غير ملومين } أي لا لوم عليهم إن لم ~~يحفظوا فروجهم عن نسائهم وإمائهم ### || [23.7-12] # { فمن ابتغى وراء ذلك } طلب قضاء شهوة من غير هذين { ~~فأولئك هم العادون } الكاملون في العدوان وفيه دليل تحريم ~~المتعة والاستمتاع بالكف لإرادة الشهوة { والذين هم ~~لأمنتهم وعهدهم } { لأمانتهم } مكي وسهل. سمي الشيء ~~المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا ومنه قوله تعالى # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى ~~أهلها # [النساء: 58] وإنما تؤدى العيون لا المعاني والمراد به العموم في كل ما ~~ائتمنوا عليه وعوهدوا من ms0899 جهة الله عز وجل ومن جهة الخلق { رعون } ~~حافظون والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم. # { والذين هم على صلوتهم } { صلاتهم } كوفي غير ~~أبي بكر { يحافظون } يداومون في أوقاتها. وإعادة ذكر الصلاة لأنها ~~أهم، ولأن الخشوع فيها غير المحافظة عليها، أو لأنها وحدت أولا ليفاد ~~الخشوع في جنس الصلاة أية صلاة كانت، وجمعت آخرا ليفاد المحافظة على ~~أنواعها من الفرائض والواجبات والسنن والنوافل { أولئك } الجامعون ~~لهذه الأوصاف { هم الورثون } الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من ~~عداهم. ثم ترجم الوارثون بقوله { الذين يرثون } من الكفار في ~~الحديث # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ~~ودخل الجنة ورث أهل النار منزله، وإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله ~~" # { الفردوس } هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر. وقال قطرب: ~~هو أعلى الجنان { هم فيها خلدون } أنث الفردوس بتأويل الجنة. # { ولقد خلقنا الإنسن } أي آدم { من سللة } «من» ~~للابتداء والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر. وقيل: إنما سمى ~~التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سل من كل تربة { من طين } «من» ~~للبيان كقوله # من الأوثن # [الحج: 30] ### || [23.13-14] # { ثم جعلنه } أي نسله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ~~لأن آدم عليه السلام لم يصر نطفة وهو كقوله # وبدأ خلق الإنسن من طين * ثم جعل نسله من ~~سلالة من ماء مهين # [السجدة: 8] وقيل: الإنسان بنو آدم والسلالة النطفة والعرب تسمي النطف ~~سلالة أي ولقد خلقنا الإنسان من سلالة يعني من نطفة مسلولة من طين أي من ~~مخلوق من طين وهو آدم عليه السلام { نطفة } ماء قليلا { فى ~~قرار } مستقر يعني الرحم { مكين } حصين { ثم خلقنا ~~النطفة } أي صيرناها بدلالة تعديه إلى مفعولين والخلق يتعدى إلى ~~مفعول واحد { علقة } قطعة دم والمعنى أحلنا النطفة البيضاء علقة ~~حمراء { فخلقنا العلقة مضغة } لحما قدر ما يمضغ { ~~فخلقنا المضغة عظما } فصيرناها عظاما { فكسونا ~~العظم لحما } فأنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس { عظما } ~~{ العظم } شامي وأبو بكر { عظما } { العظام } زيد ms0900 عن يعقوب { عظاما } ~~{ العظم } عن أبي زيد، وضع الواحد موضع الجمع لعدم اللبس إذ الإنسان ذو ~~عظام كثيرة { ثم أنشأنه } الضمير يعود إلى الإنسان أو إلى ~~المذكور { خلقا ءاخر } أي خلقا مباينا للخلق الأول حيث جعله ~~حيوانا وكان جمادا وناطقا وسميعا وبصيرا وكان بضد هذه الصفات، ولهذا ~~قلنا إذا غصب بيضة فأفرخت عنده يضمن البيضة ولا يرد الفرخ لأن خلق آخر ~~سوى البيضة { فتبارك الله } فتعالى أمره في قدرته وعلمه { ~~أحسن } بدل أو خبر مبتدأ محذوف وليس بصفة لأنه نكرة وإن أضيف لأن ~~المضاف إليه عوض من «من» { الخلقين } المقدرين أي أحسن المقدرين ~~تقديرا فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه. وقيل: إن عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح كان يكتب للنبي عليه السلام فنطق بذلك قبل إملائه فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اكتب هكذا نزلت " # فقال عبد الله: إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فارتد ~~ولحق بمكة ثم أسلم يوم الفتح. وقيل: هذه الحكاية غير صحيحة لأن ارتداده ~~كان بالمدينة وهذه السورة مكية. وقيل: القائل عمر أو معاذ رضي الله ~~عنهما. ### || [23.15-20] # { ثم إنكم بعد ذلك } بعد ما ذكرنا من أمركم { لميتون ~~} عند انقضاء آجالكم { ثم إنكم يوم القيمة تبعثون ~~} تحيون للجزاء { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } جمع ~~طريقة وهي السماوات لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم { وما كنا عن ~~الخلق غفلين } أراد بالخلق السماوات كأنه قال خلقناها فوقكم ~~وما كنا غافلين عن حفظها، أو أراد به الناس وأنه إنما خلقها فوقهم عليهم ~~الأرزاق والبركات منها وما كان غافلا عنهم وعما يصلحهم { وأنزلنا ~~من السماء ماء } مطرا { بقدر } بتقدير يسلمون معه من المضرة ~~ويصلون إلى المنفعة أو بمقدار ما علمنا من حاجاتهم { فأسكناه فى ~~الأرض } كقوله # فسلكه ينابيع فى الأرض # [الزمر: 21] وقيل: جعلناه ثابتا في الأرض فماء الأرض كله من السماء. ثم ~~استأدى شكرهم بقوله { وإنا على ذهاب به لقدرون } أي ~~كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه فقيدوا هذه النعمة بالشكر { ~~فأنشأنا لكم ms0901 به } بالماء { جنت من نخيل ~~وأعنب لكم فيها } في الجنات { فوكه كثيرة } سوى ~~النخيل والأعناب { ومنها تأكلون } أي من الجنات أي من ثمارها، ~~ويجوز أن هذا من قولهم «فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يغتلها» أي ~~أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه كأنه قال: وهذه الجنات وجوه ~~أرزاقكم ومعايشكم منها ترزقون وتتعيشون. # { وشجرة } عطف على { جنات } وهي شجرة الزيتون { تخرج من طور ~~سيناء } { طور سيناء } و { طور سينين } لا يخلو إما أن يضاف ~~الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من ~~مضاف ومضاف إليه كامريء القيس وهو جبل فلسطين. وسيناء غير منصرف بكل حال ~~مكسور السين كقراءة الحجازي وأبي عمرو للتعريف والعجمة، أو مفتوحها ~~كقراءة غيرهم لأن الألف للتأنيث كصحراء { تنبت بالدهن } قال ~~الزجاج: الباء للحال أي تنبت ومعها الدهن { تنبت } مكي وأبو عمرو. إما ~~لأن أنبت بمعنى نبت كقوله «حتى إذا أنبت البقل»، أو لأن مفعوله محذوف أي ~~تنبت زيتونها وفيه الدهن { وصبغ للآكلين } أي إدام لهم. قال ~~مقاتل: جعل الله تعالى في هذه إداما ودهنا، فالإدام الزيتون والدهن ~~الزيت. وقيل: هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان. وخص هذه الأنواع الثلاثة ~~لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأجمعها للمنافع. ### || [23.21-23] # { وإن لكم فى الأنعم } جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم { ~~لعبرة نسقيكم } وبفتح النون: شامي ونافع وأبو بكر وسقى وأسقى ~~لغتان { مما فى بطونها } أي نخرج لكم من بطونها لبنا سائغا { ~~ولكم فيها منفع كثيرة } سوى الألبان وهي منافع الأصواف ~~والأوبار والأشعار { ومنها تأكلون } أي لحومها { وعليها } ~~وعلى الأنعام في البر { وعلى الفلك } في البحر { تحملون } في ~~أسفاركم، وهذا يشير إلى أن المراد بالأنعام الإبل لأنها هي المحمول عليها ~~في العادة فلذا قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفائن البر قال ذوا ~~الرمة # سفينة بر تحت خدي زمامها # يريد ناقته. # { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم ~~اعبدوا الله } وحدوه { ما لكم من إله } معبود { ~~غيره } بالرفع على المحل: وبالجر على اللفظ، والجملة استئناف ms0902 تجري ~~مجرى التعليل للأمر بالعبادة { أفلا تتقون } أفلا تخافون عقوبة ~~الله الذي هو ربكم وخالقكم إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في ~~شيء ### || [23.24-27] # { فقال الملؤا الذين كفروا من قومه } أي أشرافهم ~~لعوامهم { ما هذا إلا بشر مثلكم } يأكل ويشرب { يريد ~~أن يتفضل عليكم } أي يطلب الفضل عليكم ويترأس { ولو شاء ~~الله } إرسال رسول { لأنزل ملئكة } لأرسل ملائكة { ما ~~سمعنا بهذا } أي بإرسال بشر رسولا أو بما يأمرنا به من التوحيد ~~وسب آلهتنا والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة ~~للبشر { في ءابائنا الأولين * إن هو إلا رجل به جنة } ~~جنون { فتربصوا به حتى حين } فانتظروا واصبروا عليه إلى ~~زمان حتى ينجلي أمره فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه { قال رب ~~انصرنى بما كذبون } فلما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام ~~منهم، والمعنى أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي إذ في نصرته إهلاكهم، أو { ~~انصرني } بدل { ما كذبون } كقولك «هذا بذاك» أي بدل ذاك والمعنى أبدلني ~~من غنم تكذيبهم سلوة النصرة عليهم { فأوحينا إليه } أي أجبنا ~~دعاءه فأوحينا إليه { أن اصنع الفلك بأعيننا } أي تصنعه ~~وأنت واثق بحفظ الله لك ورؤيته إياك، أو بحفظنا وكلاءتنا كأن معك من الله ~~حفاظا يكلئونك بعيونهم لئلا يتعرض لك ولا يفسد عليك مفسد عملك ومنه ~~قولهم «عليه من الله عين كالئة». { ووحينا } أمرنا وتعليمنا إياك ~~صنعتها. روي أنه أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. # { فإذا جاء أمرنا } أي عذابنا بأمرنا { وفار التنور } ~~أي فار الماء من تنور الخبز أي أخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ ~~في الإنذار والاعتبار. روي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور ~~فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته ~~فركب وكان تنور آدم فصار إلى نوح وكان من حجارة. واختلف في مكانه فقيل: ~~في مسجد الكوفة. وقيل: بالشام. وقيل: بالهند. { فاسلك فيها } فأدخل ~~في السفينة { من كل زوجين } من كل أمتي زوجين وهما أمة الذكر ~~وأمة ms0903 الأنثى كالجمال والنوق والحصن والرماك { اثنين } واحدين مزدوجين ~~كالجمل والناقة والحصان والرمكة. روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض من كل ~~حفص والمفضل أي من كل أمة زوجين اثنين و { اثنين } تأكيد وزيادة بيان { ~~وأهلك } ونساءك وأولادك { إلا من سبق عليه القول } ~~من الله بإهلاكه وهو ابنه وإحدى زوجتيه فجيء ب «على» مع سبق الضار كما ~~جيء باللام مع سبق النافع في قوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين # [الصافات: 171] ونحوها # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # { منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون } ولا تسألني نجاة الذين كفروا فإني أغرقهم. ### || [23.28-30] # { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } فإذا ~~تمكنتم عليها راكبين { فقل الحمد لله الذى نجانا من ~~القوم الظلمين } أمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم. ولم يقل ~~فقولوا وإن كان { فإذا استويت أنت ومن معك } في معنى إذا استويتم لأنه ~~نبيهم وإمامهم فكان قوله قولهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة { ~~وقل } حين ركبت على السفينة أو حين خرجت منها { رب أنزلنى ~~منزلا } أي إنزالا أو موضع إنزال { منزلا } أبو بكر أي مكانا { ~~مباركا وأنت خير المنزلين } والبركة في السفينة النجاة ~~فيها وبعد الخروج منها كثرة النسل وتتابع الخيرات { إن فى ذلك } ~~فيم فعل بنوح وقومه { لأيات } لعبرا ومواعظ { وإن } هي المخففة من ~~المثقلة واللام هي الفارقة بين النافية وبينها والمعنى وإن الشأن والقصة ~~{ كنا لمبتلين } مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو ~~مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر كقوله تعالى # ولقد تركنها ءاية فهل من مدكر # [القمر: 15]. ### || [23.31-34] # { ثم أنشأنا } خلقنا { من بعدهم } من بعد نوح { قرنا ~~آخرين } هم عاد قوم هود ويشهد له قول هود # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح # [الأعراف:69] ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في «الأعراف» و «هود» و ~~«الشعراء» { فأرسلنا فيهم } الإرسال يعدى ب «إلى» ولم يعد ب ~~«في» هنا وفي قوله # كذلك أرسلناك فى أمة # [الرعد: 30] # وما أرسلنا فى قرية # [الأعراف: 94] ولكن ms0904 الأمة والقرية جعلت موضعا للإرسال كقول رؤبة: # أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام # { رسولا } هو هود { منهم } من قومهم { أن اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } «أن» مفسرة ل { ~~أرسلنا } أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله. # { وقال الملأ من قومه } ذكر مقالة قوم هود في جوابه في ~~«الأعراف» وهود بغير واو لأنه على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟ ~~فقيل له: قالوا كيت وكيت، وههنا مع الواو لأنه عطف لما قالوه على ما قاله ~~الرسول، ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وليس بجواب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم متصل بكلامه ولم يكن بالفاء، وجيء بالفاء في ~~قصة نوح لأنه جواب لقوله واقع عقيبه { الذين كفروا } صفة للملأ ~~أو لقومه { وكذبوا بلقاء الآخرة } أي بلقاء ما فيها من ~~الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك { وأترفنهم } ونعمناهم { في ~~الحياة الدنيا } بكثرة الأموال والأولاد { ما هذا } أي النبي { ~~إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون } أي منه فحذف لدلالة ما قبله عليه أي من ~~أين يدعي رسالة الله من بينكم وهو مثلكم { ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم } فيما يأمركم به وينهاكم عنه { إنكم إذا } واقع في ~~جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم { لخسرون } بالانقياد ~~لمثلكم، ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم. ### || [23.35-40] # { أيعدكم أنكم إذا متم } بالكسر: نافع وحمزة وعلي ~~وحفص، وغيرهم بالضم { وكنتم ترابا وعظما أنكم ~~مخرجون } مبعوثون للسؤال والحساب والثواب والعقاب وثنى { أنكم } ~~للتأكيد، وحسن ذلك للفصل بين الأول والثاني بالظرف و { مخرجون } خبر عن ~~الأول والتقدير: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم ترابا وعظاما # { هيهات هيهات } وبكسر التاء: يزيد، وروي عنه بالكسر والتنويم ~~فيهما، والكسائي يقف بالهاء وغيره بالتاء وهو اسم للفعل واقع موقع بعد ~~فاعلها مضمر أي بعد التصديق أو الوقوع { لما توعدون } من العذاب، ~~أو فاعلها { ما توعدون } واللام زائدة أي بعد ما توعدون من البعث { إن ~~هى } هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به ms0905 إلا بما يتلوه من بيانه وأصله إن ~~الحياة { إلا حياتنا الدنيا } ثم وضع { هي } موضع الحياة لأن ~~الخبر يدل عليها ويبينها، والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها ~~ودنت منا، وهذا لأن «إن» النافية دخلت على «هي» التي في معنى الحياة ~~الدالة على الجنس فنفتها فوازنت «لا» التي لنفي الجنس { نموت ~~ونحيا } أي يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن فيأتي قرن آخر، أو فيه ~~تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وهو قراءة أبي وابن مسعود رضي الله عنهما { ~~وما نحن بمبعوثين } بعد الموت { إن هو إلا رجل ~~افترى على الله كذبا } أي ما هو إلا مفتر على الله فيما ~~يدعيه من استنبائه وفيما يعدنا من البعث { وما نحن له ~~بمؤمنين } بمصدقين. # { قال رب انصرنى بما كذبون } فأجاب الله دعاء الرسول ~~بقوله { قال عما قليل } { قليل } صفة للزمان كقديم وحديث في ~~قولك«ما رأيته قديما ولا حديثا» وفي معناه عن قريب و «ما» زائدة أو ~~بمعنى شيء أو زمن وقليل بدل منها وجواب القسم المحذوف { ليصبحن ~~ندمين } إذا عاينوا ما يحل بهم ### || [23.41-45] # { فأخذتهم الصيحة } أي صيحة جبريل صاح عليهم فدمرهم { ~~بالحق } بالعدل من الله يقال فلان يقضي بالحق أي بالعدل { ~~فجعلنهم غثاء } شبههم في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما ~~يلي واسود من الورق والعيدان { فبعدا } فهلاكا يقال بعد بعدا أو ~~بعدا أي هلك وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يستعمل إظهارها { ~~للقوم الظلمين } بيان لمن دعي عليه بالبعد نحو # هيت لك # [يوسف: 23] { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين } قوم ~~صالح ولوط وشعيب وغيرهم { ما تسبق من أمة } «من» صلة أي ما ~~تسبق أمة { أجلها } المكتوب لها والوقت الذي حدد لهلاكها وكتب { ~~وما يستئخرون } لا يتأخرون عنه. # { ثم أرسلنا رسلنا } فعلى والألف للتأنيث كسكرى لأن الرسل ~~جماعة ولذا لا ينون لأنه غير منصرف { تترى } بالتنوين: مكي وأبو عمرو ~~ويزيد على أن الألف للإلحاق كأرطى، وهو نصب على الحال في القراءتين أي ~~متتابعين واحدا بعد واحد، وتاؤها فيهما بدل من الواو ms0906 والأصل و «ترى» من ~~الوتر وهو الفرد فقلبت الواوتاء كتراث { كلما جاء أمة ~~رسولها كذبوه } الرسول يلابس المرسل والمرسل إليه والإضافة ~~تكون بالملابسة فتصح إضافته إليهما { فأتبعنا } الأمم والقرون { ~~بعضهم بعضا } في الهلاك { وجعلنهم أحاديث } أخبارا ~~يسمع بها ويتعجب منها، والأحاديث تكون اسم جمع للحديث ومنه أحاديث النبي ~~عليه الصلاة والسلام، وتكون جمعا للأحدوثة وهي ما يتحدث به الناس تلهيا ~~وتعجبا وهو المراد هنا { فبعدا لقوم لا يؤمنون ثم ~~أرسلنا موسى وأخاه هرون } بدل من { أخاه } { بأياتنا } ~~التسع { وسلطن مبين } وحجة ظاهرة. ### || [23.46-51] # { إلى فرعون وملائه فاستكبروا } امتنعوا عن قبول ~~الإيمان ترفعا وتكبرا { وكانوا قوما علين } متكبرين ~~مترفعين { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا } البشر يكون ~~واحدا وجمعا ومثل وغير يوصف بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث { ~~وقومهما } أي بنو إسرائيل { لنا عبدون } خاضعون مطيعون وكل ~~من دان لملك فهو عابد له عند العرب { فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين } بالغرق. # { ولقد ءاتينا موسى } أي قوم موسى { الكتب } التوراة { ~~لعلهم يهتدون } يعملون بشرائعها ومواعظها { وجعلنا ~~ابن مريم وأمه ءاية } تدل على قدرتنا على ما نشاء لأنه خلق ~~من غير نطفة واحدة، لأن الأعجوبة فيهما واحدة، أو المراد وجعلنا ابن مريم ~~آية وأمه آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها { وءاوينهما } ~~جعلنا مأواهما أي منزلهما { إلى ربوة } شامي وعاصم. { ربوة } ~~غيرهما أي أرض مرتفعة وهي بيت المقدس أو دمشق أو الرملة أو مصر { ذات ~~قرار } مستقر من أرض مستوية منبسطة أو ذات ثمار وماء يعني أنه لأجل ~~الثمار يستقر فيها ساكنوها { ومعين } وماء ظاهر جار على وجه الأرض ~~وهو مفعول أي مدرك بالعين بظهوره من عانه إذا أدركه بعينه، أو فعيل لأنه ~~نفاع بظهوره وجريه من الماعون وهي المنفعة { يأيها الرسل ~~كلوا من الطيبت } هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما لأنهم ~~أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في ~~زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل ~~ووصوا به حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، أو هو خطاب ms0907 لمحمد عليه الصلاة ~~والسلام لفضله وقيامه مقام الكل في زمانه وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى ~~عليه السلام لاتصال الآية بذكره وكان يأكل من غزل أمه وهو أطيب الطيبات، ~~والمراد بالطيبات ما حل والأمر للتكليف أو ما يستطاب ويستلذ والأمر ~~للترفيه والإباحة { واعملوا صلحا } موافقا للشريعة { إنى ~~بما تعملون عليم } فأجازيكم على أعمالكم. ### || [23.52-56] # { وإن هذه } كوفي على الاستئناف. { وأن } حجازي وبصري بمعنى ~~ولأن أي فاتقون لأن هذه، أو معطوف على ما قبله أي بما تعملون عليم وبأن ~~هذه. أو تقديره واعلموا أن هذه { أمتكم } أي ملتكم وشريعتكم التي ~~أنتم عليها # { أمة واحدة } ملة واحدة وهي شريعة الاسلام. وانتصاب { أمة } ~~على الحال والمعنى وإن الدين دين واحد وهو الاسلام ومثله # إن الدين عند الله الإسلم # [آل عمران: 19] { وأنا ربكم } وحدي { فاتقون } فخافوا ~~عقابي في مخالفتكم أمري { فتقطعوا أمرهم بينهم } تقطع ~~بمعنى قطع أي قطعوا أمر دينهم { زبرا } جمع زبور أي كتبا مختلفة يعني ~~جعلوا دينهم أديانا. وقيل: تفرقوا في دينهم فرقا كل فرقة تنتحل ~~كتابا. وعن الحسن: قطعوا كتاب الله قطعا وحرفوه. وقرىء { زبرا } جمع ~~زبرة أي قطعا { كل حزب } كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين ~~المتقطعين دينهم { بما لديهم } من الكتاب والدين أو من الهوى ~~والرأي { فرحون } مسرورون معتقدون أنهم على الحق { فذرهم فى ~~غمرتهم } جهالتهم وغفلتهم { حتى حين } أي إلى أن يقتلون أو ~~يموتوا. # { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } «ما» ~~بمعنى الذي وخبر «أن» # { نسارع لهم فى الخيرت } والعائد من خبر «أن» إلى اسمها ~~محذوف أي نسارع لهم به، والمعنى أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم ~~إلى المعاصي وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ومعالجة بالثواب جزاء على ~~حسن صنيعهم. وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح لأنهم يقولون ~~إن الله لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين، وقد أخبر أن ~~ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح { بل لا يشعرون } بل استدراك ~~لقوله أيحسبون أي أنهم أشباه ms0908 البهائم لا شعور لهم حتى يتأملوا في ذلك أنه ~~استدراج أو مسارعة في الخير. ثم بين ذكر أوليائه فقال ### || [23.57-64] # { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } أي خائفون ~~{ والذين هم بئايت ربهم يؤمنون } أي بكتب الله ~~كلها لا يفرقون بين كتبه كالذين تقطعوا أمرهم بينهم وهم أهل الكتاب { ~~والذين هم بربهم لا يشركون } كمشركي العرب { ~~والذين يؤتون ما ءاتوا } أي يعطون ما أعطوا من الزكاة ~~والصدقات. وقريء { يأتون ما أتوا } بالقصر أي يفعلون ما فعلوا { ~~وقلوبهم وجلة } خائفة أي لا تقبل منهم لتقصيرهم { أنهم ~~إلى ربهم رجعون } الجمهور على أن التقدير لأنهم وخبر { إن ~~الذين } { أولئك يسرعون فى الخيرت } يرغبون في ~~الطاعات فيبادرونها { وهم لها سبقون } أي لأجل الخيرات سابقون ~~إلى الجنات أو لأجلها سبقوا الناس. # { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } أي طاقتها يعني أن الذي ~~وصف به الصالحون غير خارج عن حد الوسع والطاقة، وكذلك كل ما كلفه عباده ~~وهو رد على من جوز تكليف ما لا يطاق { ولدينا كتاب } أي اللوح أو ~~صحيفة الأعمال { ينطق بالحق وهم لا يظلمون } لا يقرؤون ~~منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل لا زيادة فيه ولا نقصان، ولا يظلم ~~منهم أحد بزيادة عقاب أو نقصان ثواب أو بتكليف ما لا وسع له به { بل ~~قلوبهم فى غمرة من هذا } بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة ~~لها مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين { ولهم أعمل من ~~دون ذلك } أي ولهم أعمال خبيثة متجاوزة متخطية لذلك أي لما وصف به ~~المؤمنون { هم لها عملون } وعليها مقيمون لا يفطمون عنها حتى ~~يأخذهم الله بالعذاب { حتى إذا أخذنا مترفيهم } متنعميهم ~~{ بالعذاب } عذاب الدنيا وهو القحط سبع سنين حين دعا عليهم النبي ~~عليه الصلاة والسلام، أو قتلهم يوم بدر. و «حتى» هي التي يبتدأ بعدها ~~الكلام والكلام الجملة الشرطية { إذا هم يجئرون } يصرخون استغاثة والجؤار ~~الصراخ باستغاثة فيقال لهم ### || [23.65-70] # { لا تجئروا اليوم } فإن الجؤار غير نافع لكم { إنكم ~~منا لا تنصرون } أي من جهتنا ms0909 لا يلحقكم نصر أو معونة. # { قد كانت ءايتى تتلى عليكم } أي القرآن { فكنتم ~~على أعقبكم تنكصون } ترجعون القهقرى والنكوص أن يرجع ~~القهقرى وهو أقبح مشية لأنه لا يرى ما وراءه # { مستكبرين } متكبرين على المسلمين حال من { تنكصون } { به } ~~بالبيت أو بالحرم لأنهم يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم، والذي ~~سوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت أو ب { آياتي } لأنها في معنى ~~كتابي، ومعنى استكبارهم بالقرآن تكذيبهم به استكبارا. ضمن مستكبرين معنى ~~مكذبين فعدي تعديته أو يتعلق الباء بقوله { سمرا } تسمرون بذكر ~~القرآن وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت يسمرون وكانت عامة سمرهم ~~ذكر القرآن وتسميته شعرا وسحرا. والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على ~~الجمع وقرىء { سمارا }. أو بقوله { تهجرون } وهو من الهجر الهذيان ~~{ تهجرون }: نافع من أهجر في منطقه إذا فحش { أفلم يدبروا ~~القول } أفلم يتدبروا القرآن ليعلموا أنه الحق المبين فيصدقوا به ~~وبمن جاء به { أم جآءهم ما لم يأت ءاباءهم الأولين } ~~بل أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فلذلك أنكروه واستبدعوه { أم لم ~~يعرفوا رسولهم } محمدا بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة ~~النسب وحسن الأخلاق أي عرفوه بهذه الصفات { فهم له منكرون } ~~بغيا وحسدا { أم يقولون به جنة } جنون وليس كذلك لأنهم ~~يعلمون أنه أرجحهم عقلا وأثقبهم ذهنا { بل جاءهم بالحق } ~~الأبلج والصراط المستقيم وبما خالف شهواتهم وأهواءهم وهو التوحيد ~~والإسلام ولم يجدوا له مردا ولا مدفعا فلذلك نسبوه إلى الجنون { ~~وأكثرهم للحق كرهون } وفيه دليل على أن أقلهم ما كان ~~كارها للحق بل كان تاركا للإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه وأن ~~يقولوا صبأ وترك دين آبائه كأبي طالب. ### || [23.71-75] # { ولو اتبع الحق } أي الله { أهواءضهم } فيما يعتقدون ~~من الآلهة { لفسدت السموت والأرض } كما قال # لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] { ومن فيهن } خص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع { ~~بل أتينهم بذكرهم } بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو ~~شرفهم لأن الرسول منهم والقرآن بلغتهم، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه # ويقولون أن عندنا ms0910 ذكرا من الاولين # [الصافات: 168] الآية. { فهم عن ذكرهم معرضون } بسوء ~~اختيارهم { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير } حجازي ~~وبصري وعاصم، { خرجا فخرج } شامي، { خراجا فخراج } علي وحمزة، وهو ما ~~تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك وإلى كل عامل من أجرته وجعله، والخرج أخص ~~من الخراج تقول «خراج القرية وخرج الكوفة» فزيادة اللفظ لزيادة المعنى ~~ولذا حسنت لقراءة الأولى يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء ~~الخلق فالكثير من الخالق خير { وهو خير الرازقين } أفضل المعطين ~~{ وإنك لتدعوهم إلى صرط مستقيم } وهو دين الإسلام ~~فحقيق أن يستجيبوا لك. # { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصرط ~~لنكبون } لعادلون عن هذا الصراط المذكور وهو الصراط المستقيم { ~~ولو رحمنهم وكشفنا ما بهم من ضر } لما أخذهم الله ~~بالسنين حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى # " رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنشدك الله والرحم ألست تزعم ~~أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بلى» فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء ~~بالجوع فنزلت الآية. " # والمعنى لو كشف الله عنهم هذا الضر وهو القحط الذي أصابهم برحمته لهم ~~ووجدوا الخصب { للجوا } أي لتمادوا { في طغينهم ~~يعمهون } يترددون يعني لعادوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار ~~وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولذهب عنهم هذا التملق ~~بين يديه. ### || [23.76-78] # { ولقد أخذنهم بالعذاب فما استكانوا لربهم ~~وما يتضرعون } استشهد على ذلك بأنا أخذناهم أولا بالسيوف وبما ~~جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت بعد ذلك منهم ~~استكانة أي خضوع ولا تضرع. وقوله { وما يتضرعون } عبارة عن دوام حالهم أي ~~وهم على ذلك بعد ولذا لم يقل وما تضرعوا. ووزن استكان استفعل من الكون أي ~~انتقل من كون إلى كون كما قيل «استحال» إذا انتقل من حال إلى حال. # { حتى إذا فتحنا } { فتحنا } يزيد { عليهم بابا ذا ~~عذاب شديد } أي باب الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل { إذا ~~هم فيه مبلسون } متحيرون آيسون من كل خير. وجاء أعتاهم وأشدهم ~~شكيمة في العناد ms0911 ليستعطفك أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي ~~فيهم لين مقادة وهم كذلك حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون # [الروم: 12] { وهو الذى أنشأ لكم السمع والأبصر ~~والأفئدة } خصهما بالذكر لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية ~~والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها { قليلا ما تشكرون } أي تشكرون ~~شكرا قليلا. و «ما» مزيدة للتأكيد بمعنى حقا، والمعنى إنكم لم تعرفوا ~~عظم هذه النعم ووضعتموها غير مواضعها فلم تعملوا أبصاركم وأسماعكم في ~~آيات الله وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم فتعرفوا المنعم ولم تشكروا له ~~شيئا ### || [23.79-85] # { وهو الذى ذرأكم } خلقكم وبثكم بالتناسل { فى الأرض ~~وإليه تحشرون } تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم { وهو ~~الذى يحى ويميت } أي يحيى النسم بالإنشاء ويميتها بالإفناء { ~~وله اختلف اليل والنهار } أي مجيء أحدهما عقيب الآخر ~~واختلافهما في الظلمة والنور أو في الزيادة والنقصان وهو مختص به ولا ~~يقدر على تصريفهما غيره { أفلا تعقلون } فتعرفوا قدرتنا على ~~البعث أو فتستدلوا بالصنع على الصانع فتؤمنوا { بل قالوا } أي أهل ~~مكة { مثل ما قال الأولون } أي الكفار قبلهم. ثم بين ما قالوا ~~بقوله { قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا ~~لمبعوثون } { متنا } نافع وحمزة وعلي وحفص # { لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا } أي البعث { من ~~قبل } مجيء محمد { إن هذا إلا أسطير الأولين } ~~جمع أسطار جمع سطر وهي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له وجمع أسطور أوفق. # ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بإقامة الحجة على المشركين بقوله { قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون } فإنهم { ~~سيقولون لله } لأنهم مقرون بأنه الخالق فإذا قالوا { قل ~~أفلا تذكرون } فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها كان قادرا على ~~إعادة الخلق، وكان حقيقا بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية. { أفلا ~~تذكرون } بالتخفيف: حمزة وعلي وحفص، وبالتشديد: غيرهم ### || [23.86-91] # { قل من رب السموت السبع ورب العرش ~~العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون } أفلا تخافونه ~~فلا تشركوا به، أو أفلا تتقون في جحودكم قدرته على ms0912 البعث مع اعترافكم ~~بقدرته على خلق هذه الأشياء؟ { قل من بيده ملكوت كل شىء } ~~الملكوت الملك والواو والتاء للمبالغة فتنبيء عن عظم الملك { وهو ~~يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون } أجرت فلانا ~~على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث ~~أحد منه أحدا { سيقولون لله قل فأنى تسحرون } ~~تخدعون عن الحق أو عن توحيده وطاعته، والخادع هو الشيطان والهوى الأول ~~لله بالإجماع إذ السؤال لمن، وكذا الثاني والثالث عند غير أهل البصرة على ~~المعنى لأنك إذا قلت: من رب هذا؟ فمعناه لمن هذا فيجاب لفلان كقول الشاعر # إذا قيل من رب المزالف والقرى # ورب الجياد الجرد قيل لخالد # أي لمن المزالف. ومن قرأ بحذفه فعلى الظاهر لأنك إذا قلت: من رب هذا؟ ~~فجوابه فلان { بل أتينهم بالحق } بأن نسبة الولد إليه محال ~~والشرك باطل { وإنهم لكذبون } في قولهم اتخذ الله ولدا ~~ودعائهم الشريك. # ثم أكد كذبهم بقوله { ما اتخذ الله من ولد } لأنه منزه عن ~~النوع والجنس وولد الرجل من جنسه { وما كان معه من إله } ~~وليس معه شريك في الألوهية { إذا لذهب كل إله بما ~~خلق } لانفرد كل واحد من الآلهة بالذي خلقه فاستبدبه ولتمييز ملك كل ~~واحد منهم عن الآخر { ولعلا بعضهم على بعض } ولغلب بعضهم ~~بعضا كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، وحين لم ~~تروا أثرا لتمايز المماليك وللتغالب فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل ~~شيء، ولا يقال { إذا } لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب وههنا وقع { ~~لذهب } جزاء وجوابا ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل لأن الشرط محذوف ~~وتقديره: ولو كان معه آلهة لدلالة { وما كان معه من إله } عليه وهو جواب ~~لمن حآجه من المشركين { سبحن الله عما يصفون } من ~~الأنداد والأولاد ### || [23.92-95] # { علم } بالجر صفة لله، وبالرفع مدني وكوفي غير حفص خبر مبتدأ ~~محذوف { الغيب والشهدة } السر والعلانية { فتعلى ~~عما يشركون } من الأصنام وغيرها # { قل رب إما ترينى ما يوعدون ms0913 } «ما» والنون مؤكدان أي ~~إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة { ~~رب فلا تجعلنى فى القوم الظلمين } أي فلا تجعلني ~~قرينا لهم ولا تعذبني بعذابهم، عن الحسن رضي الله عنه: أخبره أن له في ~~أمته نقمة ولم يخبره متى وقتها، فأمر أن يدعو هذا الدعاء. ويجوز أن يسأل ~~النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم ربه ما علم أنه يفعله وأن يستعيذ به ~~مما علم أنه لا يفعله إظهارا للعبودية وتواضعا لربه، واستغفاره عليه ~~الصلاة والسلام إذا قام من مجلسه سبعين مرة لذلك، والفاء في { فلا } ~~لجواب الشرط و { رب } اعتراض بينهما للتأكيد { وإنا على أن ~~نريك ما نعدهم لقدرون } كانوا ينكرون الموعد بالعذاب ~~ويضحكون منه فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم فما وجه ~~هذا الإنكار؟. ### || [23.96-100] # { ادفع بالتى } بالخصلة التي { هى أحسن السيئة } هو ~~أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل كأنه قال: ادفع ~~بالحسنى السيئة والمعنى أصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الاحسان، ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي شهادة أن لا إله إلا الله. والسيئة: ~~الشرك أو الفحش بالسلام أو المنكر بالموعظة. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. ~~وقيل: محكمة إذ المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ثلم دين { نحن ~~أعلم بما يصفون } من الشرك أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم فنجازيهم ~~عليه { وقل رب أعوذ بك من همزات الشيطين } من ~~وساوسهم ونخساتهم، والهمزة: النخس، والهمزات جمع الهمزة ومنه مهماز ~~الرائض، والمعنى أن الشياطين يحثون الناس على المعاصي كما تهمز الراضة ~~الدواب حثا لها على المشي { وأعوذ بك رب أن يحضرون } أمر ~~بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه المكرر لندائه وبالتعوذ من أن ~~يحضروه أصلا أو عند تلاوة القرآن أو عند النزع { حتى إذا جاء ~~أحدهم الموت } «حتى» تتعلق ب { يصفون } أي لا يزالون يشركون ~~إلى وقت مجيء الموت، أو لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما ms0914 ~~بينهما مذكور على وجه الاعتراض، والتأكيد للإغضاء عنهم مستعينا بالله ~~على الشيطان أن يستنزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم { قال رب ~~ارجعون } أي ردوني إلى الدنيا خاطب الله بلفظ الجمع للتعظيم كخطاب ~~الملوك { لعلى أعمل صلحا فيما تركت } في الموضع الذي ~~تركت وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى، قال قتادة: ما تمنى أن ~~يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولكن ليتدارك ما فرط. { لعلي } ساكنة الياء ~~كوفي وسهل ويعقوب { كلا } ردع عن طلب الرجعة وإنكار واستبعاد { ~~إنها كلمة } المراد بالكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع ~~بعض وهو قوله: { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت } { هو ~~قائلها } لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم ~~عليه { ومن ورائهم } أي أمامهم والضمير للجماعة { برزخ } حائل ~~بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا { إلى يوم يبعثون } لم يرد أنهم ~~يرجعون يوم البعث وإنما هو إقناط كلي لما علم أن لا رجوع بعد البعث إلا ~~إلى الآخرة. ### || [23.101-104] # { فإذا نفخ فى الصور } قيل: إنها النفخة الثانية { فلا ~~أنسب بينهم يومئذ } وبالإدغام: أبو عمرو لاجتماع المثلين ~~وإن كانا من كلمتين يعني يقع التقاطع بينهم حيث يتفرقون مثابين ومعاقبين ~~ولا يكون التواصل بينهم بالأنساب إذ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه، وإنما يكون بالأعمال. { ولا يتساءلون } سؤال تواصل ~~كما كانوا يتساءلون في الدنيا لأن كلا مشغول عن سؤال صاحبه بحاله. ولا ~~تناقض بين هذا وبين قوله # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # [الصافات: 27] فللقيامة مواطن. ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون، ~~وفي موطن يفيقون فيتساءلون. # { فمن ثقلت موزينه } جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال ~~الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله: # فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا # [الكهف: 105] { فأولئك هم المفلحون ومن خفت ~~موزينه } بالسيئات والمراد الكفار { فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم } غبنوها { فى جهنم خلدون } بدل من { ~~خسروا أنفسهم } ولا محل للبدل والمبدل منه لأن الصلة لا محل لها أو خبر ~~بعد خبر ل { أولئك } أو ms0915 خبر مبتدأ محذوف { تلفح } أي تحرق { ~~وجوههم النار وهم فيها كلحون } عابسون فيقال لهم ### || [23.105-110] # { ألم تكن ءايتى } أي القرآن { تتلى عليكم } في ~~الدنيا { فكنتم بها تكذبون } وتزعمون أنها ليست من الله ~~تعالى. # { قالوا ربنا غلبت علينا } ملكتنا { شقوتنا } { ~~شقاوتنا } حمزة وعلي وكلاهما مصدر أي شقينا بأعمالنا السيئة التي ~~عملناها. وقول أهل التأويل غلب علينا ما كتب علينا من الشقاوة لا يصح، ~~لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره ولا يكتب غير الذي علم ~~أنه يختاره فلا يكون مغلوبا ومضطرا في الفعل، وهذا لأنهم إنما يقولون ~~ذلك القول اعتذارا لما كان منهم من التفريط في أمره فلا يجمل أن يطلبوا ~~لأنفسهم عذرا فيما كان منهم { وكنا قوما ضالين } عن الحق ~~والصواب { ربنا أخرجنا منها } أي من النار { فإن عدنا ~~} إلى الكفر والتكذيب { فإنا ظلمون } لأنفسنا. # { قال اخسئوا فيها } اسكتوا سكوت ذلة وهوان { ولا تكلمون ~~} في رفع العذاب عنكم فإنه لا يرفع ولا يخفف. قيل: هو آخر كلام يتكلمون ~~به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير أن يحضروني. { ارجعوني } { ~~ولا تكلموني } بالياء في الوصل والوقف: يعقوب وغيره بلا ياء { إنه } ~~إن الأمر والشأن { كان فريق من عبادى يقولون ربنا ~~ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الرحمين ~~فاتخذتموهم سخريا } مفعول ثان وبالضم: مدني وحمزة وعلي، ~~وكلاهما مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسبة مبالغة. قيل: هم الصحابة ~~رضي الله عنهم. وقيل: أهل الصفة خاصة ومعناه اتخذتموهم هزؤوا وتشاغلتم ~~بهم ساخرين { حتى أنسوكم } بتشاغلكم بهم على تلك الصفة { ~~ذكرى } فتركتموه أي كان التشاغل بهم سببا لنسيانكم ذكري { وكنتم ~~منهم تضحكون } استهزاء بهم ### || [23.111-116] # { إنى جزيتهم اليوم بما صبروا } بصبرهم { أنهم } ~~أي لأنهم { هم الفائزون } ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا أي جزيتهم ~~اليوم فوزهم لأن جزى يتعدى إلى اثنين # وجزاهم بما صبروا جنة # [الدهر: 12] { إنهم } حمزة وعلي على الاستئناف أي إنهم هم الفائزون لا ~~أنتم. # { قال } أي الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة. { قل } مكي وحمزة ~~وعلي أمر ms0916 لمالك أن يسألهم { كم لبثتم فى الأرض } في الدنيا { ~~عدد سنين } أي كم عدد سنين لبثتم فكم نصب ب { لبثتم } و { عدد } ~~تمييز { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } استقصروا مدة ~~لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن ~~يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة { فاسأل ~~العادين } أي الحساب أو الملائكة الذين يعدون أعمار العباد وأعمالهم ~~{ فسل } بلا همز: مكي وعلي { قال إن لبثتم إلا قليلا } أي ~~ما لبثتم إلا زمنا قليلا أو لبثا قليلا { لو أنكم كنتم ~~تعلمون } صدقهم الله تعالى في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا ووبخههم ~~على غفلتهم التي كانوا عليها { قل إن } حمزة وعلي { أفحسبتم ~~أنما خلقنكم عبثا } حال أي عابثين أو مفعول له أي للعبث { ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } وبفتح التاء وكسر الجيم: حمزة ~~وعلي ويعقوب وهو معطوف على { أنما خلقنكم } أو على { عبثا } ~~أي للعبث ولنترككم غير مرجوعين بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع من دار ~~التكليف إلى دار الجزاء فنثيب المحسن ونعاقب المسيء { فتعلى ~~الله } عن أن يخلق عبثا { الملك الحق } الذي يحق له الملك ~~لأن كل شيء منه وإليه، أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه { لا ~~إله إلا هو رب العرش الكريم } وصف العرش بالكرم لأن ~~الرحمة تنزل منه أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين. وقرىء شاذا برفع { الكريم ~~} صفة للرب تعالى. ### || [23.117-118] # { ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان } أي لا ~~حجة { له به } اعتراض بين الشرط والجزاء كقولك «من أحسن إلى زيد لا ~~أحق بالإحسان منه فإن الله مثيبه» أو صفة لازمة جيء بها للتوكيد كقولك ~~«يطير بجناحيه لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان» { ~~فإنما حسابه } أي جزاؤه وهذا جزاء الشرط { عند ربه } أي ~~فهو يجازيه لا محالة { إنه لا يفلح الكفرون } جعل فاتحة ~~السورة { قد أفلح المؤمنون } وخاتمتها { إنه لا يفلح الكافرون } فشتان ما ~~بين الفاتحة والخاتمة. ثم علمنا سؤال المغفرة والرحمة بقوله { وقل ms0917 ~~رب اغفر وارحم } ثم قال { وأنت خير الرحمين } لأن ~~رحمته إذا أدركت أحدا أغنته عن رحمة غيره ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # مدنية وهي ستون وأربع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { سورة } خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة { أنزلنها } صفة لها. ~~وقرأ طلحة { سورة } على «زيدا ضربته» أو على «اتل سورة». والسورة ~~الجامعة لجمل آيات بفاتحة لها وخاتمة واشتقاقها من سور المدينة { ~~وفرضنها } أي فرضنا أحكامها التي فيها. وأصل الفرض القطع أي ~~جعلناها مقطوعا بها. وبالتشديد: مكي وأبو عمرو للمبالغة في الإيجاب ~~وتوكيده، أو لأن فيها فرائض شتى، أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن ~~بعدهم { وأنزلنا فيهآ آيات بينات } أي دلائل واضحات { ~~لعلكم تذكرون } لكي تتعظوا. وبتخفيف الذال: حمزة وعلي وخلف ~~وحفص. ثم فصل أحكامها فقال { الزانية والزانى } رفعهما على ~~الابتداء والخبر محذوف أي فيما فرض عليكم الزانية والزاني أي جلدهما، أو ~~الخبر { فاجلدوا } ودخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه ~~معنى الشرط وتقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنى ~~فاجلدوه. وكقوله: # والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم # [النور: 4]. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو ~~أحسن من { سورة أنزلناها } لأجل الأمر. # { فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } الجلد ضرب ~~الجلد وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الألم إلى اللحم. والخطاب للأئمة ~~لأن إقامة الحد من الدين وهي على الكل إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب ~~الإمام منابهم، وهذا حكم حر ليس بمحصن إذ حكم المحصن الرجم وشرائط إحصان ~~الرجم: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والتزوج بنكاح صحيح والدخول. وهذا ~~دليل على أن التغريب غير مشروع لأن الفاء إنما يدخل على الجزاء وهو اسم ~~للكافي، والتغريب المروي منسوخ بالآية كما نسخ الحبس والأذى في قوله # فأمسكوهن فى البيوت # وقوله # فئاذوهما # [النساء: 15] بهذه الآية { ولا تأخذكم بهما رأفة } أي ~~رحمة والفتح لغة وهي قراءة مكي. وقيل: الرأفة في دفع المكروه والرحمة في ~~إيصال المحبوب. ms0918 والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ~~ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده فيعطلوا الحدود أو يخففوا الضرب { فى ~~دين الله } أي في طاعة الله أو حكمه { إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ~~ولدينه، وجواب الشرط مضمر أي فاجلدوا ولا تعطلوا الحد { وليشهد ~~عذابهما } وليحضر موضع حدهما وتسميته عذابا دليل على أنه عقوبة { ~~طائفة } فرقة يمكن أن تكون حلقة ليعتبروا وينزجر هو وأقلها ثلاثة أو ~~أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول شيء. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: أربعة إلى أربعين رجلا { من المؤمنين } من المصدقين ~~بالله. ### || [24.3] # { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } أي الخبيث ~~الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في ~~خبيثة من شكله، أو في مشركة والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها ~~الصلحاء من الرجال وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة، أو ~~المشركين فالآية تزهيد في نكاح البغايا إذ الزنا عديل الشرك في القبح، ~~والإيمان قرين العفاف والتحصن وهو نظير قوله # الخبيثات للخبيثين # [النور: 26] وقيل: كان نكاح الزانية محرما في أول الإسلام ثم نسخ ~~بقوله: # وأنكحوا الأيمى منكم # [النور: 32] وقيل: المراد بالنكاح الوطء، لأن غير الزاني يستقذر الزانية ~~ولا يشتهيها وهو صحيح لكنه يؤدي إلى قولك «الزاني لا يزني إلا بزانية ~~والزانية لا يزنى بها إلا زان». وسئل صلى الله عليه وسلم عمن زنى بامرأة ~~ثم تزوجها فقال # " أوله سفاح وآخره نكاح " # ومعنى الجملة الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في ~~الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن ~~للزناة وهما معنيان مختلفان. وقدمت الزانية على الزاني أولا ثم قدم ~~عليها ثانيا لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي ~~المادة التي منها نشأت تلك الجناية لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ~~ولم تمكنه لم يطمع ولم ms0919 يتمكن، فلما كانت أصلا في ذلك بديء بذكرها. وأما ~~الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدء الطلب. ~~وقريء { لا ينكح } بالجزم على النهي، وفي المرفوع أيضا معنى النهي ولكن ~~أبلغ وآكد، ويجوز أن يكون خبرا محضا على معنى أن عادتهما جارية على ذلك ~~وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة وينتصون عنها { وحرم ~~ذلك على المؤمنين } أي الزنا أو نكاح البغايا لقصد التكسب ~~بالزنا أو لما فيه من التشبيه بالفساق وحضور مواقع التهمة والتسبب لسوء ~~القالة فيه والغيبة ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام ~~فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب. ### || [24.4] # { والذين يرمون المحصنت } وبكسر الصاد: علي؛ أي يقذفون ~~بالزنا الحرائر والعفائف المسلمات المكلفات. والقذف يكون بالزنا وبغيره ~~والمراد هنا قذفهن بالزنا بأن يقول يا زانية لذكر المحصنات عقيب الزواني ~~ولاشتراط أربعة شهداء بقوله { ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء } أي ثم لم يأتوا بأربعة شهود يشهدون على الزنا لأن القذف بغير ~~الزنا بأن يقول يا فاسق يا آكل الربا يكفي فيه شاهدان وعليه التعزير. ~~وشروط إحصان القذف: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والعفة عن الزنا. ~~والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف { فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~} إن كان القاذف حرا، ونصب { ثمانين } نصب المصادر كما نصب { مائة جلدة ~~} و { جلدة } نصب على التمييز { ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا } نكر شهادة في موضع النفي فتعم كل شهادة. ورد الشهادة من الحد ~~عندنا ويتعلق باستيفاء الحد أو بعضه على ما عرف، وعند الشافعي رحمه الله ~~تعالى يتعلق رد شهادته بنفس القذف. فعندنا جزاء الشرط الذي هو الرمي ~~الجلد ورد الشهادة على التأبيد وهو مدة حياتهم { وأولئك هم ~~الفسقون } كلام مستأنف غير داخل في حيز جزاء الشرط كأنه حكاية حال ~~الرامين عند الله تعالى بعد انقضاء الجملة الشرطية. ### || [24.5-8] # وقوله: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } أي القذف { ~~وأصلحوا } أحوالهم استثناء من الفاسقون ويدل عليه { فإن ~~الله غفور رحيم } أي يغفر ذنوبهم ويرحمهم. وحق الاستثناء أن ~~يكون منصوبا عندنا لأنه ms0920 عن موجب، وعند من جعل الاستثناء متعلقا بالجملة ~~الثانية أن يكون مجرورا بدلا من «هم» في { لهم }. # ولما ذكر حكم قذف الأجنبيات بين حكم قذف الزوجات فقال { والذين ~~يرمون أزوجهم } أي يقذفون زوجاتهم بالزنا { ولم يكن ~~لهم شهداء } أي لم يكن لهم على تصديق قولهم من يشهد لهم به { ~~إلا أنفسهم } يرتفع على البدل من شهداء { فشهدة ~~أحدهم أربع } بالرفع كوفي غير أبي بكر على أنه خبر والمبتدأ { ~~فشهادة أحدهم } وغيرهم بالنصب لأنه في حكم المصدر بالإضافة إلى المصدر، ~~والعامل فيه المصدر الذي هو { فشهادة أحدهم } وعلى هذا خبره محذوف تقديره ~~فواجب شهادة أحدهم أربع { شهدات بالله إنه لمن ~~الصدقين } فيما رماها به الزنا { والخامسة } لا خلاف في رفع ~~الخامسة هنا في المشهور والتقدير والشهادة الخامسة { أن لعنة ~~الله عليه } فهي مبتدأ وخبر { إن كان من الكذبين } ~~فيما رماها به من الزنا { ويدرؤا عنها العذاب } ويدفع عنها ~~الحبس وفاعل يدرأ { أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~} إن الزوج { لمن الكذبين } فيما رماني به من الزنا ### || [24.9-10] # { والخامسة أن غضب الله عليها إن كان } أي الزوج ~~{ من الصدقين } فيما رماني به من الزنا. # ونصب حفص { الخامسة } عطفا على { أربع شهادات } وغيره رفعها بالابتداء ~~و { أن غضب الله } خبره. وخفف نافع { أن لعنة الله } و { أن غضب الله } ~~بكسر الضاد وهما في حكم المثقلة و { أن غضب الله } سهل ويعقوب وحفص وجعل ~~في جانبها لأن النساء يستعملن اللعن كثيرا كما ورد به الحديث. «فربما ~~يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعن على ألنستهن وسقوط وقوعه عن قلوبهن»، ~~فذكر الغضب في جانبهن ليكون رادعا لهن. والأصل أن اللعان عندنا شهادات ~~مؤكدات بالإيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد ~~الزنا في حقها، لأن الله تعالى سماه شهادة. فإذا قذف الزوج زوجته بالزنا ~~ وهما من أهل الشهادة صح اللعان بينهما، وإذا التعنا كما بين في النهر ~~لا تقع الفرقة حتى يفرق القاضي بينهما. وعند زفر رحمه الله تعالى تقع ~~بتلاعنهما والفرقة تطليقة ms0921 بائنة، وعند أبي يوسف وزفر والشافعي تحريم ~~مؤبد. ونزلت آية اللعان في هلال بن أمية أو عويمر حيث قال: وجدت على بطن ~~امرأتي خولة شريك بن سحماء فكذبته فلاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ~~{ ولولا فضل الله } تفضله { عليكم ورحمته } نعمته { ~~وأن الله تواب حكيم } جواب «لولا» محذوف أي لفضحكم أو ~~لعاجلكم بالعقوبة. ### || [24.11] # { إن الذين جاءوا بالإفك } هو أبلغ ما يكون من الكذب ~~والافتراء، وأصله الأفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه والمراد ما أفك ~~به على عائشة رضي الله عنها، قالت عائشة: فقدت عقدا في غزوة بني المصطلق ~~فتخلفت ولم يعرف خلو الهودج لخفتي، فلما ارتحلوا أناخ لي صفوان بن المعطل ~~بعيره وساقه حتى أتاهم بعد ما نزلوا فهلك في من هلك، فاعتللت شهرا وكان ~~عليه الصلاة والسلام يسأل # " كيف أنت " # ولا أرى منه لطفا كنت أراه حتى عثرت خالة أبي أم مسطح فقالت: تعس مسطح ~~فأنكرت عليها فأخبرتني بالإفك، فلما سمعت ازددت مرضا وبت عند أبوي لا ~~يرقأ لي دمع وما أكتحل بنوم وهما يظنان أن الدمع فالق كبدي حتى قال عليه ~~الصلاة والسلام # " ابشري يا حميراء فقد أنزل الله براءتك " # فقلت: بحمد الله لا بحمدك { عصبة } جماعة من العشرة إلى الأربعين ~~واعصوصبوا اجتمعوا وهم: عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، ~~وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم { منكم } من ~~جماعة المسلمين وهم ظنوا أن الإفك وقع من الكفار دون من كان من المؤمنين ~~{ لا تحسبوه } أي الإفك { شرا لكم } عند الله { بل هو ~~خير لكم } لأن الله أثابكم عليه وأنزل في البراءة منه ثماني عشرة ~~آية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن ~~ساءه ذلك من المؤمنين { لكل امرىء منهم ما اكتسب من ~~الإثم } أي على كل امريء من العصبة جزاء إثمه على مقدار خوضه فيه، وكان ~~بعضهم ضحك وبعضهم تكلم فيه وبعضهم سكت. # { والذى تولى كبره } أي عظمه عبد الله بن ms0922 أبي { منهم ~~} أي من العصبة { له عذاب عظيم } أي جهنم. يحكى أن صفوان مر ~~بهودجها عليه وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟ فقالوا: عائشة. فقال: ~~والله ما نجت منه ولا نجا منها. ثم وبخ الخائضين فقال: ### || [24.12] # { لولا } هلا { إذ سمعتموه } أي الإفك { ظن ~~المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم } بالذين منهم فالمؤمنون ~~كنفس واحدة وهو كقوله # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11] { خيرا } عفافا وصلاحا وذلك نحو ما يروى أن عمر رضي ~~الله عنه قال لرسول الله عليه الصلاة والسلام: أنا قاطع بكذب المنافقين ~~لأن الله عصمك من وقوع الذباب على جلدك لأنه يقع على النجاسات فيتلطخ ~~بها، فلما عصمك الله من ذلك القدر من القذر فكيف لا يعصمك عن صحبة من ~~تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة؟ وقال عثمان: إن الله ما أوقع ظلك على ~~الأرض لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك الظل، فلما لم يمكن أحدا من وضع ~~القدم على ظلك كيف يمكن أحدا من تلويث عرض زوجتك؟ وكذا قال علي رضي الله ~~عنه: إن جبريل أخبرك أن على نعليك قذرا وأمرك بإخراج النعل عن رجلك بسبب ~~ما التصق به من القذر فكيف لا يأمرك بإخراجها بتقدير أن تكون متلطخة بشيء ~~من الفواحش. وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لامرأته: ألا ترين ما يقال؟ ~~فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله سوءا؟ فقال: لا. قالت: ~~ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله فعائشة خير مني وصفوان خير منك. ~~وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل «ظننتم ~~بأنفسكم خيرا وقلتم» ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح ~~بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا ~~مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم ~~به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بإخوانه { ~~وقالوا هذا إفك مبين } كذب ظاهر لا يليق بهما. ### || [24.13-15] # { لولا جاءو عليه بأربعة ms0923 شهداء } هلا جاؤوا على القذف ~~لو كانوا صادقين بأربعة شهداء { فإذ لم يأتوا بالشهداء } ~~الأربعة { فأولئك عند الله } أي في حكمه وشريعته { هم ~~الكذبون } أي القاذفون لأن الله تعالى جعل التفصلة بين الرمي ~~الصادق والكاذب ثبوت الشهادة الشهود الأربعة وانتفاؤها، والذين رموا ~~عائشة رضي الله عنها لم يكن لهم بينة على قولهم فكانوا كاذبين { ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا ~~والآخرة لمسكم فى ما أفضتم فيه عذاب عظيم } ~~«لولا» هذه لامتناع الشيء لوجود غيره بخلاف ما تقدم أي: ولولا أني قضيت ~~أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، ~~وأن أترحم عليكم في الآخرة في العفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما ~~خضتم فيه من حديث الإفك، يقال أفاض في الحديث وخاض واندفع { إذ } ظرف ~~ل { مسكم } أو ل { أفضتم } { تلقونه } يأخذه بعضكم من بعض. ~~يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه { بألسنتكم } أي أن بعضكم كان ~~يقول لبعض: هل بلغك حديث عائشة؟ حتى شاع فيما بينهم وانتشر فلم يبق بيت ~~ولا ناد إلا طار فيه { وتقولون بأفوهكم ما ليس لكم ~~به علم } إنما قيد بالأفواه مع أن القول لا يكون إلا بالفم لأن ~~الشيء المعلوم يكون علمه في القلب ثم يترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس ~~إلا قولا يدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله # يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم # [آل عمران: 167] { وتحسبونه } أي خوضكم في عائشة رضي الله عنها { ~~هينا } صغيرة { وهو عند الله عظيم } كبيرة. وجزع بعضهم عند ~~الموت فقيل له في ذلك فقال: أخاف ذنبا لم يكن مني على بال وهو عند الله ~~عظيم. ### || [24.16-19] # { ولولا } وهلا { إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا } فصل بين لولا و { قلتم } بالظرف لأن ~~للظروف شأنا وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا ~~تنفك عنها فلذا يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. وفائدة تقديم الظرف أنه ~~كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك ms0924 عن التكلم به، فلما كان ~~ذكر الوقت أهم قدم، والمعنى هلا قلتم إذ سمعتم الإفك ما يصح لنا أن نتكلم ~~بهذا { سبحنك } للتعجب من عظم الأمر ومعنى التعجب في كلمة التسبيح ~~أن الأصل أن يسبح الله عن رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في ~~كل متعجب منه، أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرة. وإنما جاز أن ~~تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي ~~مبعوث إلى الكفار ليدعوهم فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه والكفر غير ~~منفر عندهم، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات { هذا بهتن } زور ~~تبهت من يسمع { عظيم } وذكر فيما تقدم هذا إفك مبين، ويجوز أن يكونوا ~~أمروا بهما مبالغة في التبري { يعظكم الله أن تعودوا } في ~~أن تعودوا { لمثله } لمثل هذا الحديث من القذف أو استماع حديثه { ~~أبدا } ما دمتم أحياء مكلفين { إن كنتم مؤمنين } فيه تهييج ~~لهم ليتعظوا وتذكير بما يوجب ترك العود وهو الإيمان الصاد عن كل قبيح # { ويبين الله لكم الآيت } الدلالات الواضحات وأحكام ~~الشرائع والآداب الجميلة { والله عليم } بكم وبأعمالكم { حكيم ~~} يجزي على وفق أعمالكم أو علم صدق نزاهتها وحكم ببراءتها. # { إن الذين يحبون أن تشيع الفحشة فى الذين ~~ءامنوا } أي ما قبح جدا، والمعنى يشيعون الفاحشة عن قصد الإشاعة ~~ومحبة لها { لهم عذاب أليم فى الدنيا } بالحد. ولقد ضرب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي وحسانا ومسطحا الحد { والآخرة } ~~بالنار وعدها إن لم يتوبوا { والله يعلم } بواطن الأمور وسرائر ~~الصدور { وأنتم لا تعلمون } أي أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة ~~وهو معاقبه عليها ### || [24.20-22] # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } لعجل لكم العذاب ~~وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب مبالغة في المنة عليهم ~~والتوبيخ لهم { وأن الله رءوف } حيث أظهر براءة المقذوف وأثاب { ~~رحيم } بغفرانه جناية القاذف إذا تاب. # { يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوت ~~الشيطن } أي آثاره ووساوسه بالإصغاء إلى الإفك والقول فيه { ومن ~~يتبع ms0925 خطوت الشيطن فإنه } فإن الشيطان { يأمر ~~بالفحشاء } ما أفرط قبحه { والمنكر } ما تنكره النفوس فتنفر ~~عنه ولا ترتضيه { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا } ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة ~~الممحصة لما طهر منكم أحد آخر الدهر من دنس إثم الإفك { ولكن ~~الله يزكى من يشاء } يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها { ~~والله سميع } لقولهم { عليم } بضمائرهم وإخلاصهم { ولا ~~يأتل } ولا يحلف من ائتلى إذا حلف افتعال من الألية أولا يقصر من ~~الألو { أولوا الفضل منكم } في الدين { والسعة } في ~~الدنيا { أن يؤتوا } أي لا يؤتوا إن كان من الألية { أولى ~~القربى والمسكين والمهجرين فى سبيل الله } ~~أي لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان، أو لا يقصروا في ~~أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها { ~~وليعفوا وليصفحوا } العفو الستر والصفح الإعراض أي ~~ليتجاوزوا عن الجفاء وليعرضوا عن العقوبة { ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم } فليفعلوا بهم ما يرجون أن يفعل بهم ربهم مع ~~كثرة خطاياهم { والله غفور رحيم } فتأدبوا بأدب الله واغفروا ~~وارحموا، نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق ~~على مسطح ابن خالته لخوضه في عائشة رضي الله عنها وكان مسكينا بدريا ~~مهاجرا، ولما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال: بلى أحب ~~أن يغفر الله لي ورد إلى مسطح نفقته. ### || [24.23-25] # { إن الذين يرمون المحصنت } العفائف { ~~الغفلت } السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ~~ولا مكر لأنهن لم يجر بن الأمور { المؤمنت } بما يجب الايمان به. ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: هن أزواجه عليه الصلاة والسلام. وقيل: هن ~~جميع المؤمنات إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقيل: أريدت عائشة ~~رضي الله عنها وحدها. وإنما جمع لأن من قذف واحدة من نساء النبي عليه ~~الصلاة والسلام فكأنه قذفهن { لعنوا فى الدنيا والآخرة ~~ولهم عذاب عظيم } جعل القذفة ملعونين في الدارين وتوعدهم ~~بالعذاب العظيم في الآخرة ms0926 إن لم يتوبوا، والعامل في { يوم تشهد ~~عليهم } يعذبون وبالياء حمزة وعلي { ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون } أي بما أفكوا أو بهتوا ~~والعامل في { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ~~بالنصب صفة للدين وهو الجزاء، ومعنى الحق الثابت الذي هم أهله. وقرأ ~~مجاهد بالرفع صفة لله كقراءة أبي { يوفيهم الله الحق دينهم } وعلى قراءة ~~النصب يجوز أن يكون { الحق } وصفا لله بأن ينتصب على المدح { ~~ويعلمون } عند ذلك { أن الله هو الحق المبين } ~~لارتفاع الشكوك وحصول العلم الضروري. ولم يغلظ الله تعالى في القرآن في ~~شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة رضي الله عنها، فأوجز في ذلك وأشبع ~~وفصل وأجمل وأكد وكرر، وما ذاك إلا لأمر. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من ~~أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة. وهذا منه ~~تعظيم ومبالغة في أمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف ~~عليه السلام بشاهد من أهلها، وموسى عليه السلام من قول اليهود فيه بالحجر ~~الذي ذهب بثوبه، ومريم رضي الله عنها بإنطاق ولدها، وعائشة رضي الله عنها ~~بهذه الآي العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر بهذه المبالغات، ~~فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك، وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله ~~والتنبيه على إنافة محله صلى الله عليه وسلم وعلى آله. ### || [24.26] # { الخبيثت } من القول تقال { للخبيثين } من الرجال والسناء ~~{ والخبيثون } منهم يتعرضون { للخبيثت } من القول وكذلك { ~~والطيبت للطيبين والطيبون للطيبت ~~أولئك مبرءون مما يقولون } أي فيهم و { أولئك } إشارة ~~إلى الطيبين وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم، وهو كلام ~~جار مجرى المثل لعائشة رضي الله عنها وما رميت به من قول لا يطابق حالها ~~في النزاهة والطيب، ويجوز أن يكون إشارة إلى أهل البيت وأنهم مبرؤون مما ~~يقول أهل الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات النساء الخبائث يتزوجن ~~الخباث والخباث تتزوج الخبائث وكذا أهل الطيب { لهم مغفرة } ~~مستأنف أو خبر بعد خبر { ورزق كريم } في الجنة. ms0927 ودخل ابن عباس رضي ~~الله عنهما على عائشة رضي الله عنها في مرضها وهي خائفة من القدوم على ~~الله تعالى فقال: لا تخافي لأنك لا تقدمين إلا على مغفرة ورزق كريم وتلا ~~الآية فغشي عليها فرحا بما تلا. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لقد ~~أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة، نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر عليه ~~الصلاة والسلام أن يتزوجني، وتزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، وتوفي ~~عليه الصلاة والسلام ورأسه في حجري، وقبر في بيتي، وينزل عليه الوحي وأنا ~~في لحافه وأنا ابنة خليفته وصديقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة عند ~~طيب، ووعدت مغفرة ورزقا كريما. وقال حسان معتذرا في حقها: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتسبح غرثى من لحوم الغوافل # حليلة خير الناس دينا ومنصبا # نبي الهدى والمكرمات الفواضل # عقيلة حي من لؤي بن غالب # كرام المساعي مجدها غير زائل # مهذبة قد طيب الله خيمها # وطهرها من كل شين وباطل ### || [24.27-28] # { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم } أي بيوتا لستم تملكونها ولا تسكنونها { حتى ~~تستأنسوا } أي تستأذنوا، عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد قرأ به، ~~والاستئناس في الأصل الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا ~~أبصره ظاهرا مكشوفا أي حتى تستعلموا أيطلق لكم الدخول أم لا، وذلك ~~بتسبيحة أو بتكبيرة أو بتحميدة أو بتنحنح { وتسلموا على ~~أهلها } والتسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات، فإن أذن له ~~وإلا رجع، وقيل: إن تلاقيا يقدم التسليم وإلا فالاستئذان { ذلكم } أي ~~الاستئذان والتسليم { خير لكم } من تحية الجاهلية والدمور وهو ~~الدخول بغير إذن فكأن الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول حييتم ~~صباحا وحييتم مساء ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد { ~~لعلكم تذكرون } أي قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ~~ما أمرتم به في باب الاستئذان { فإن لم تجدوا فيها } في ~~البيوت { أحدا } من الآذنين { فلا تدخلوها حتى يؤذن ~~لكم } حتى تجدوا من يأذن لكم، أو فإن ms0928 لم تجدوا فيها أحدا من أهلها ~~ولكم فيها حاجة فلا تدخولها إلا بإذن أهلها لأن التصرف في ملك الغير لا ~~بد من أن يكون برضاه { وإن قيل لكم ارجعوا } أي إذا كان فيها ~~قوم فقالوا ارجعوا { فارجعوا } ولا تلحوا في إطلاق الإذن ولا تلجوا ~~في تسهيل الحجاب ولا تقفوا على الأبواب، لأن هذا مما يجلب الكراهة فإذا ~~نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع ~~الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك، وعن أبي عبيد: ما قرعت بابا ~~على عالم قط. { هو أزكى لكم } أي الرجوع أطيب وأطهر لما فيه من ~~سلامة الصدور والبعد عن الريبة أو أنفع وأنمى خيرا { والله بما ~~تعملون عليم } وعيد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما ~~خوطبوا به فموف جزاءه عليه. ### || [24.29-31] # { ليس عليكم جناح أن تدخلوا } في أن تدخلوا { ~~بيوتا غير مسكونة } استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على ~~داخلها ما ليس بمسكون منها كالخانات والربط وحوانيت التجار { فيها ~~متاع لكم } أي منفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال ~~والسلع والشراء والبيع. وقيل: الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز { ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } وعيد للذين يدخلون ~~الخربات والدور الخالية من أهل الريبة { قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصرهم } «من» للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار ~~به على ما يحل { ويحفظوا فروجهم } عن الزنا ولم يدخل «من» هنا ~~لأن الزنا لا رخصة فيه بوجه، ويجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفها وقدميها ~~في رواية، وإلى رأس المحارم والصدر والساقين والعضدين { ذلك } أي غض ~~البصر وحفظ الفرج { أزكى لهم } أي أطهر من دنس الاثم { إن ~~الله خبير بما يصنعون } فيه ترغيب وترهيب يعني أنه خبير ~~بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة ~~وسكون. # { وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن ويحفظن ~~فروجهن } أمرن بغض الأبصار فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي ms0929 إلى ~~ما تحت سرته إلى ركبتيه، وإن اشتهت غضت بصرها رأسا ولا تنظر إلى المرأة ~~إلا إلى مثل ذلك وغض بصرها من الأجانب أصلا أولى بها. وإنما قدم غض ~~الأبصار على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور فبذر الهوى ~~طموح العين { ولا يبدين زينتهن } الزينة ما تزينت به المرأة ~~من حلي أو كحل أو خضاب، والمعنى ولا يظهرن مواضع الزينة إذ إظهار عين ~~الزينة وهي الحلي ونحوها مباح فالمراد بها مواضعها أو إظهارها وهي في ~~مواضعها لإظهار مواضعها لا لإظهار أعيانها، ومواضعها الرأس والأذن والعنق ~~والصدر والعضدان والذراع والساق فهي للإكليل والقرط والقلادة والوشاح ~~والدملج والسوار والخلخال { إلا ما ظهر منها } إلا ما جرت ~~العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان، ففي سترها حرج بين ~~فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف ~~وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات ~~وظهور قدميها وخاصة الفقيرات منهن { وليضربن } وليضعن من قولك ~~«ضربت بيدي على الحائط» إذا وضعتها عليه { بخمرهن } جمع خمار { ~~على جيوبهن } بضم الجيم: مدني وبصري وعاصم. كانت جيوبهن واسعة ~~تبدو منها صدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ~~فأمرن بأن يسدلنها من أقدامهن حتى تغطيها. # { ولا يبدين زينتهن } أي مواضع الزينة الباطنة كالصدر ~~والساق والرأس ونحوها { إلا لبعولتهن } لأزواحهن جمع بعل { أو ~~ءابآئهن } ويدخل فيهم الأجداد { أو آباء بعولتهن } فقد صاروا محارم { ~~أو أبنائهن } ويدخل فيهم النوافل { أو أبناء ~~بعولتهن } فقد صاروا محارم أيضا { أو إخوانهن أو ~~بنى إخوانهن أو بنى أخوتهن } ويدخل فيهم النوافل ~~وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالة { أو نسائهن } أي ~~الحرائر لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر { أو ما ملكت ~~أيمنهن } أي إمائهن ولا يحل لبعدها أن ينظر إلى هذه المواضع ~~منها خصيا كان أو عنينا أو فحلا. # وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإماء دون الذكور. ~~وعن عائشة رضي الله عنها أنها أباحت النظر إليها لعبدها ms0930 { أو ~~التبعين غير } بالنصب: شامي ويزيد وأبو بكر على الاستثناء أو ~~الحال، وغيرهم بالجر على البدل أو على الوصفية { أولى الإربة } ~~الحاجة إلى النساء. قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا ~~حاجة لهم إلى النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئا من أمرهن، أو شيوخ صلحاء، ~~أو العنين أو الخصي والمخنث. وفي الأثر أنه المجبوب والأول الوجه { من ~~الرجال } حال { أو الطفل الذين } هو جنس فصلح أن يراد به ~~الجمع { لم يظهروا على عورت النساء } أي لم يطلعوا لعدم ~~الشهوة من ظهر على الشيء إذا اطلع عليه، أو لم يبلغوا أوان القدرة على ~~الوطء من ظهر على فلان إذا قوي عليه { ولا يضربن بأرجلهن ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن } كانت المرأة تضرب الأرض ~~برجليها إذا مشت لتسمع قعقعة خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فنهين عن ذلك ~~إذ سماع صوت الزينة كإظهارها ومنه سمي صوت الحلي وسواسا { وتوبوا ~~إلى الله جميعا أيه المؤمنون } { أيه } شامي ~~إتباعا للضمة قبلها بعد حذف الألف لالتقاء الساكنين، وغيره على فتح ~~الهاء لأن بعدها ألفا في التقدير { لعلكم تفلحون } العبد لا ~~يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد. فلذا وصى المؤمنين ~~جميعا بالتوبة وبتأميل الفلاح إذا تابوا وقيل: أحوج الناس إلى التوبة من ~~توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ~~ينافي الإيمان. ### || [24.32] # { وأنكحوا الأيمى منكم } الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج ~~له رجلا أو امرأة، بكرا كان أو ثيبا، وأصله أيائم فقلبت { ~~والصلحين } أي الخيرين أو المؤمنين، والمعنى زوجوا من تأيم منكم ~~من الأحرار والحرائر ومن كان فيه صلاح { من عبادكم وإمائكم } ~~أي من غلمانكم وجواريكم والأمر للندب إذ النكاح مندوب إليه { إن ~~يكونوا فقراء } من المال { يغنيهم الله من فضله } ~~بالكفاية والقناعة أو باجتماع الرزقين، وفي الحديث # " التمسوا الرزق بالنكاح " # وعن عمر رضي الله عنه روي مثله { والله وسع } غني ذو سعة لا ~~يرزؤه إغناء الخلائق { عليم } يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وقيل: ms0931 في ~~الآية دليل على أن تزويج النساء والأيامى إلى الأولياء كما أن تزوج ~~العبيد والإماء إلى الموالي. قلنا: الرجل لا يلي على الرجل الأيم إلا ~~بإذنه فكذا لا يلي على المرأة إلا بإذنها لأن الأيم ينتظمها ### || [24.33] # { وليستعفف الذين } وليجتهدوا في العفة كأن المستعف طالب من ~~نفسه العفاف { لا يجدون نكاحا } استطاعة تزوج من المهر والنفقة { ~~حتى يغنيهم الله من فضله } حتى يقدرهم على المهر ~~والنفقة. قال عليه الصلاة والسلام # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن ~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " # فانظر كيف رتب هذه الأوامر، فأمر أولا بما يعصم من الفتنة ويبعد عن ~~مواقعة المعصية وهو غض البصرد ثم بالنكاح المحصن للدين المغني عن الحرام، ~~ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح ~~إلى أن تقدر عليه. # { والذين يبتغون الكتب مما ملكت أيمنكم ~~} أي المماليك الذين يطلبون الكتابة ف { الذين } مرفوع بالابتداء أو ~~منصوب بفعل يفسره { فكتبوهم } وهو للندب ودخلت الفاء لتضمنه معنى ~~الشرط. والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة وهو أن يقول لمملوكه: كاتبتك ~~على ألف درهم. فإن أداها عتق ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا ~~وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال ~~وكتبت علي العتق، ويجوز حالا ومؤجلا ومنجما وغير منجم لإطلاق الأمر { ~~إن علمتم فيهم خيرا } قدرة على الكسب أو أمانة وديانة ~~والندبية معلقة بهذا الشرط { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } أمر ~~للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة ~~لقوله تعالى # وفي الرقاب # [البقرة: 177] وعند الشافعي رحمه الله: معناه حطوا من بدل الكتابة ~~ربعا. وهذا عندنا على وجه الندب والأول الوجه لأن الإيتاء هو التمليك ~~فلا يقع على الحط. سأل صبيح مولاه حويطبا أن يكاتبه فأبى فنزلت. # واعلم أن العبيد أربعة: قن مقتنى للخدمة، ومأذون في التجارة، ومكاتب، ~~وآبق. فمثال الأول ولي العزلة الذي حصل العزلة بإيثار الخلوة وترك ms0932 ~~العشرة، والثاني ولي العشرة فهو نجي الحضرة يخالط الناس للخبرة وينظر ~~إليهم بالعبرة ويأمرهم بالعبرة فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحكم بحكم الله ويأخذ لله ويعطي في الله ويفهم عن الله ويتكلم مع الله، ~~فالدنيا سوق تجارته، والعقل رأس بضاعته، والعدل في الغضب والرضا ميزانه، ~~والقصد في الفقر والغنى عنوانه، والعز مفزعه ومنحاه، والقرآن كتاب الإذن ~~من مولاه، هو كائن في الناس بظواهره، بائن منهم بسرائره، فقد هجرهم فيما ~~له عليهم في الله باطنا، ثم وصلهم فيما لهم عليه لله ظاهرا # وما هو منهمو بالعيش فيهم # ولكن معدن الذهب الرغام # يأكل ما يأكلون ويشرب ما يشربون، وما يدريهم أنه ضعيف الله يرى السماوات ~~والأرض قائمات بأمره وكأنه قيل فيه # فإن تفق الأنام وأنت منهم # فإن المسك بعض دم الغزال # فحال ولي العزلة أصفى وأحلى، وحال ولي العشرة أوفى وأعلى، ونزل الأول من ~~الثاني في حضرة الرحمن منزلة النديم من الوزير عند السلطان. أما النبي ~~عليه الصلاة والسلام فهو كريم الطرفين ومعدن الشذرين ومجمع الحالين ومنبع ~~الزلالين، فباطن أحواله مهتدي ولي العزلة، وظاهر أعماله مقتدى ولي ~~العشرة، والثالث المجاهد المحاسب العامل المطالب بالضرائب كنجوم المكاتب ~~عليه في اليوم والليلة خمس، وفي المائتي درهم خمسة، وفي السنة شهر، وفي ~~العمر زورة، فكأنه اشترى نفسه من ربه بهذه النجوم المرتبة فيسعى في فكاك ~~رقبته خوفا من البقاء في ربقة العبودية، وطمعا في فتح باب الحرية ليسرح ~~في رياض الجنة فيتمتع بمبياه ويفعل ما يشاؤه ويهواه. والرابع الإباق فما ~~أكثرهم فمنهم القاضي الجائر والعالم الغير العامل، والعامل المرائي، ~~والواعظ الذي لا يفعل ما يقول ويكون أكثر أقواله فضول وعلى كل ما لا ~~ينفعه يصول فضلا عن السارق والزاني والغاصب فعنهم أخبر النبي عليه الصلاة ~~والسلام: # " إن الله لينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم في الآخرة " # { ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء } كان لابن أبي ست ~~جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرههن على البغاء وضرب ~~عليهن الضرائب، فشكت اثنتان منهن ms0933 إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~فنزلت. ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة والبغاء الزنا للنساء خاصة ~~وهو مصدر لبغت { إن أردن تحصنا } تعففا عن الزنا. وإنما قيده ~~بهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن، فآمر المطيعة ~~للبغاء لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها، ولأنها نزلت على سبب فوقع النهي ~~على تلك الصفة، وفيه توبيخ للموالي أي إذا رغبن في التحصن فأنتم أحق بذلك ~~{ لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا } أي لتبتغوا بإكراههن ~~على الزنا أجورهن وأولادهن { ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم } أي لهن، وفي مصحف ابن مسعود ~~كذلك وكان الحسن يقول: لهن والله لهن والله. ولعل الإكراه كان دون ما ~~اعتبرته الشريعة وهو الذي يخاف منه التلف فكانت آثمة أو لهم إذا تابوا ### || [24.34] # { ولقد أنزلنا إليكم ءايت مبينت } بفتح ~~الياء: حجازي وبصري وأبو بكر وحماد. والمراد الآيات التي بينت في هذه ~~السورة وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل مبينا فيها ~~فاتسع في الظرف أي أجري مجرى المفعول به كقوله «ويوم شهدناه» وبكسرها ~~غيرهم أي بينت هي الأحكام والحدود جعل الفعل لها مجازا أو من بين بمعنى ~~تبين ومنه المثل. # «قد بين الصبح لذي عينين» # { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } ومثلا من أمثال ~~من قبلكم أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم يعني قصة عائشة رضي الله ~~عنها { وموعظة } ما وعظ به من الآيات والمثل من نحو قوله تعالى: { ~~ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله }. { لولا ~~إذ سمعتموه }. { ولولا إذ سمعتموه } { يعظكم ~~الله أن تعودوا لمثله أبدا } { للمتقين } أي هم ~~المنتفعون بها وإن كانت موعظة للكل. ### || [24.35] # نظير قوله { الله نور السموت والأرض } مع قوله { مثل ~~نوره } و { يهدى الله لنوره } قولك زيد كرم وجود ثم تقول: ~~ينعش الناس بكرمه وجوده، والمعنى ذو نور السماوات و { نور ~~السموت والأرض } الحق شبهه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله: # الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمت ~~إلى النور # [البقرة: 257] أي من ms0934 الباطل إلى الحق. وأضاف النور إليهما للدلالة على ~~سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض، وجاز أن المراد أهل ~~السماوات والأرض وأنهم يستضيئون به { مثل نوره } أي صفة نوره ~~العجيبة الشأن في الإضاءة { كمشكاة } كصفة مشكاة وهي الكوة في ~~الجدار غير النافذة { فيها مصباح } أي سراج ضخم ثاقب { ~~المصباح فى زجاجة } في قنديل من زجاج شامي بكسر الزاي { ~~الزجاجة كأنها كوكب درى } مضيء بضم الدال وتشديد الياء ~~منسوب إلى الدر لفرط ضيائه وصفائه، وبالكسر والهمزة عمرو وعلي كأنه يدرأ ~~الظلام بضوئه، وبالضم والهمزة أبو بكر وحمزة شبه في زهوته بأحد الكواكب ~~الدراري كالمشتري والزهرة ونحوهما { يوقد } { توقد } بالتخفيف: حمزة ~~وعلي وأبو بكر الزجاجة و { يوقد } بالتخفيف: شامي ونافع وحفص { وتوقد ~~} بالتشديد: مكي وبصري أي هذا المصباح { من شجرة } أي ابتدأ ثقوبه ~~من زيت شجرة الزيتون يعني رويت ذبالته بزيتها { مبركة } كثيرة ~~المنافع أو لأنها نبتت في الأرض التي بورك فيها للعالمين. وقيل: بارك ~~فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم عليه السلام { زيتونة } بدل من { ~~شجرة } نعتها { لا شرقية ولا غربية } أي منبتها الشام ~~يعني ليست من المشرق ولا من المغرب بل في الوسط منهما وهو الشام وأجود ~~الزيتون زيتون الشام. وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو ~~غروبها فقط بل يصيبها بالغداة والعشي جميعها فهي شرقية وغربية. # { يكاد زيتها } دهنها { يضىء ولو لم تمسسه نار } ~~وصف الزيت بالصفاء والوميض وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار { نور ~~على نور } أي هذا النور الذي شبه به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه ~~المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، وهذا ~~لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره بخلاف ~~المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة ~~وكذلك الزيت وصفاؤه، وضرب المثل يكون بدنيء محسوس معهود لا بعلي غير ~~معاين ولا مشهود فأبو تمام لما قال في المأمون: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف ms0935 في ذكاء إياس # قيل له: إن الخليفة فوق من مثلته بهم فقال مرتجلا: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # { يهدى الله لنوره } أي لهذا النور الثاقب { من يشآء } من ~~عباده أي يوفق لإصابة الحق من يشاء من عباده بإلهام من الله أو بنظره في ~~الدليل { ويضرب الله الأمثال للناس } تقريبا إلى ~~أفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا { والله بكل شيء عليم } فيبين كل ~~شيء بما يمكن أن يعلم به. وقال ابن عباس رضي الله عنه: مثل نوره أي نور ~~الله الذي هدى به المؤمن. وقرأ ابن مسعود رحمه الله { مثل نوره في قلب ~~المؤمن كمشكاة } وقرأ أبي { مثل نور المؤمن }. ### || [24.36-37] # { فى بيوت } يتعلق { بمشكاة } أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي ~~المساجد كأنه قيل: مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها ~~كيت وكيت، أو ب { توقد } أي توقد في بيوت، أو ب { يسبح } أي يسبح له ~~رجال في بيوت. و { فيها } تكرير فيه توكيد نحو «زيد في الدار جالس فيها» ~~أو بمحذوف أي سبحوا في بيوت { أذن الله } أي أمر { أن ترفع } ~~تبنى كقوله # بنها رفع سمكها فسواها # وإذ يرفع إبرهيم القواعد # [البقرة: 127] أن تعظم من الرفعة. وعن الحسن: ما أمر الله أن ترفع ~~بالبناء ولكن بالتعظيم { ويذكر فيها اسمه } يتلى فيها كتابه أو ~~هو عام في كل ذكر { يسبح له فيها بالغدو والآصال } أي ~~يصلي له فيها بالغداة صلاة الفجر وبالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين. ~~وإنما وحد الغدو لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات والآصال جمع أصل ~~جمع أصيل وهو العشي { رجال } فاعل { يسبح } { يسبح } شامي وأبو بكر ~~ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو و { رجال } مرفوع ~~بما دل عليه { يسبح } أي يسبح له { لا تلهيهم } لا تشغلهم { ~~تجرة } في السفر { ولا بيع } في الحضر. وقيل: التجارة الشراء ~~إطلاقا لاسم الجنس على النوع أو خص البيع بعد ماعم لأنه ms0936 أوغل في الإلهاء ~~من الشراء لأن الربح في البيعة الرابحة متيقن وفي الشراء مظنون { عن ~~ذكر الله } باللسان والقلب { وإقام الصلوة } أي وعن إقامة ~~الصلاة. التاء في إقامة عوض من العين الساقطة للإعلال والأصل إقوام، فلما ~~قلبت الواو ألفا اجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فأدخلت ~~التاء عوضا عن المحذوف، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام التاء فأسقطت { ~~وإيتاء الزكاة } أي وعن إيتاء الزكاة والمعنى لا تجارة لهم حتى تلهيهم ~~كأولياء العزلة، أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك وإذا حضرت الصلاة ~~قاموا إليها غير متثاقلين كأولياء العشرة. # { يخفون يوما } أي يوم القيامة و { يخافون } حال من الضمير في ~~{ تلهيهم } أو صفة أخرى ل { رجال } { تتقلب فيه القلوب } ~~ببلوغها إلى الحناجر { والأبصر } بالشخوص والزرقة أو تتقلب القلوب ~~إلى الإيمان بعد الكفران والأبصار إلى العيان بعد إنكاره للطغيان كقوله # فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد # [ق:22] ### || [24.38-39] # { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله } أي يسبحون ويخافون ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم أي ليجزيهم ~~ثوابهم مضاعفا ويزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضلا { والله ~~يرزق من يشاء بغير حساب } أي يثيب من يشاء ثوابا لا يدخل ~~في حساب الخلق. # هذه صفات المهتدين بنور الله فأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون في قوله { ~~والذين كفروا أعملهم كسراب } هو ما يرى في الفلاة ~~من ضوء الشمس وقت الظهر يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري { بقيعة } ~~بقاع أو جمع قاع وهو المنبسط المستوي من الأرض كجيرة في جار { يحسبه ~~الظمان } يظنه العطشان { ماء حتى إذا جاءه } أي جاء إلى ما ~~توهم أنه ماء { لم يجده شيئا } كما ظنه { ووجد الله } أي ~~جزاء الله كقوله # يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110] أي يجد مغفرته ورحمته { عنده } عند الكافر { ~~فوفه حسابه } أي أعطاه جزاء عمله وافيا كاملا. وحد بعد تقدم ~~الجمع حملا على كل واحد من الكفار { والله سريع الحساب } ~~لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد ولا يشغله حساب عن حساب، أو قريب حسابه لأن ما ~~هو ms0937 آت قريب شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال ~~الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه، ثم يخيب في العاقبة ~~أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم ~~القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده ~~يأخذونه فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال الله ~~فيهم: # عاملة ناصبة # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف: 104]قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يترهب ملتمسا ~~للدين في الجاهلية فلما جاء الإسلام كفر. ### || [24.40-41] # { أو كظلمت فى بحر } «أو» هنا ك «أو» في # أو كصيب # { لجى } عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر { ~~يغشه } يغشى البحر أو من فيه يعلوه ويغطيه { موج } هو ما ارتفع ~~من الماء { من فوقه موج } أي من فوق الموج موج آخر { من ~~فوقه سحاب } من فوق الموج الأعلى سحاب { ظلمت } أي هذه ~~ظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر { بعضها فوق بعض } ~~ظلمة الموج على ظلمة البحر وظلمة الموج على الموج وظلمة السحاب على الموج ~~{ إذا أخرج يده } أي الواقع فيه { لم يكد يراها } ~~مبالغة في لم يرها أي لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها، شبه أعمالهم ~~أولا في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجد من خدعه من بعيد شيئا ولم ~~يكفه خيبة وكمدا أن لم يجد شيئا كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية ~~تعتله إلى النار، وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وفي ~~خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب { ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور } من لم يهده ~~الله لم يهتد عن الزجاج في الحديث # " خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور ~~اهتدى ومن أخطأه ضل " # { ألم تر } ألم تعلم يا محمد علما يقوم مقام العيان في الإيقان { ~~أن الله يسبح له ms0938 من فى السموت والأرض ~~والطير } عطف على { من } { صافت } حال من { الطير } أي يصففن ~~أجنحتهن في الهواء { كل قد علم صلاته وتسبيحه } الضمير ~~في { علم } ل { كل } أو لله، وكذا في صلاته وتسبيحه. والصلاة الدعاء ولم ~~يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة ~~التي لايكاد العقلاء يتهتدون إليها { والله عليم بما ~~يفعلون } لا يعزب عن علمه شيء ### || [24.42-43] # { ولله ملك السموت والأرض } لأنه خالقهما ومن ملك ~~شيئا فبتمليكه إياه { وإلى الله المصير } مرجع الكل { ألم ~~تر أن الله يزجى } يسوق إلى حيث يريد { سحابا } جمع سحابة ~~دليله { ثم يؤلف بينه } وتذكيره للفظ أي يضم بعضه إلى بعض { ~~ثم يجعله ركاما } متراكما بعضه فوق بعض { فترى الودق ~~} المطر { يخرج من خلاله } من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في ~~جبل { وينزل } { وينزل } مكي ومدني وبصري { من السماء } ~~لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء { من جبال } «من» ~~للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي { فيها } في السماء { ~~من برد } للبيان أو الأوليان للابتداء والآخرة للتبعيض، ومعناه أنه ~~ينزل البرد من السماء من جبال فيها. وعلى الأول مفعول { ينزل } { من ~~جبال } أي بعض جبال فيها ومعنى { من جبال فيها من برد } أن يخلق الله في ~~السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر أو يريد الكثرة بذكر الجبال ~~كما يقال «فلان يملك جبالا من ذهب» { فيصيب به } بالبرد { من ~~يشآء } أي يصيب الإنسان وزرعه { ويصرفه عمن ما يشاء } فلا ~~يصيبه أو يعذب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فلا يعذبه { يكاد سنا ~~برقه } ضوؤه { يذهب بالأبصر } يخطفها به { يذهب } ~~يزيد على زيادة الباء ### || [24.44-45] # { يقلب الله اليل والنهار } يصرفهما في الاختلاف طولا ~~وقصرا والتعاقب { إن فى ذلك } في إزجاء السحاب وإنزال الودق ~~والبرد وتقليب الليل والنهار { لعبرة لأولى الأبصر } لذوي ~~العقول. وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته حيث ذكر تسبيح من في السماوات ~~والأرض وما يطير بينهما ودعاءهم له وتسخير السحاب إلى آخر ما ذكر، ms0939 فهي ~~براهين لائحة على وجوده ودلائل واضحة على صفاته لمن نظر وتدبر. ثم بين ~~دليلا آخر فقال تعالى. # { والله خلق كل } { خالق كل } حمزة وعلي { دابة } كل ~~حيوان يدب على وجه الأرض { من ماء } أي من نوع من الماء مختص بتلك ~~الدابة أو من ماء مخصوص وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة ~~فمنها هوام ومنها بهائم ومنها أناسي وهو كقوله # يسقى بماء وحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل # [الرعد: و] هذا دليل على أن لها خالقا ومدبرا وإلا لم تختلف لإتفاق ~~الأصل. وإنما عرف الماء في قوله: # وجعلنا من الماء كل شىء حى # [الأنبياء: 30] لأن المقصود ثم أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء ~~وأنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط. قالوا: إن أول ما خلق الله ~~الماء فخلق منه النار والريح والطين، فخلق من النار الجن، ومن الريح ~~الملائكة، ومن الطين آدم ودواب الأرض، ولما كانت الدابة تشمل المميز وغير ~~المميز غلب المميز فأعطى ما وراءه حكمه كأن الدواب كلهم مميزون فمن ثم ~~قيل { فمنهم من يمشى على بطنه } كالحية والحوت. وسمي ~~الزحف على البطن مشيا استعارة كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا ~~الأمر، أو على طرائق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين { ومنهم من ~~يمشى على رجلين } كالإنسان والطير { ومنهم من يمشى ~~على أربع } كالبهائم وقدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير ~~آلة مشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع { ~~يخلق الله ما يشاء } كيف يشاء { إن الله على كل ~~شىء قدير } لا يتعذر عليه شيء. ### || [24.46-49] # { لقد أنزلنا ءايت مبينت والله يهدى من ~~يشاء } بلطفه ومشيئته { إلى صرط مستقيم } إلى دين الإسلام ~~الذي يوصل إلى جنته والآيات لإلزام حجته لما ذكر إنزال الآيات، ذكر بعدها ~~افتراق الناس إلى ثلاث فرق: فرقة صدقت ظاهرا وكذبت باطنا وهم ~~المنافقون، وفرقة صدقت ظاهرا وباطنا وهم المخلصون، وفرقة كذبت ظاهرا ~~وباطنا وهم الكافرون على هذا الترتيب. وبدأ بالمنافقين ms0940 فقال: { ~~ويقولون امنا بالله وبالرسول } بألسنتهم { وأطعنا ~~} الله والرسول { ثم يتولى } يعرض عن الانقياد لحكم الله ورسوله ~~{ فريق منهم من بعد ذلك } أي من بعد قولهم آمنا بالله ~~وبالرسول وأطعنا { وما أولئك بالمؤمنين } أي المخلصين وهو ~~إشارة إلى القائلين آمنا، وأطعنا، لا إلى الفريق المتولي وحده. وفيه ~~إعلام من الله بأن جميعهم منتف عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء ~~والإعراض وإن كان من بعضهم فالرضا بالإعراض من كلهم. # { وإذا دعوا إلى الله ورسوله } أي إلى رسول الله كقولك ~~«أعجبني زيد وكرمه» تريد كرم زيد { ليحكم } الرسول { بينهم ~~إذا فريق منهم معرضون } أي فاجأ من فريق منهم الإعراض ~~نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض فجعل اليهودي يجره ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق إلى كعب بن الأشرف ويقول: إن ~~محمدا يحيف علينا { وإن يكن لهم الحق } أي إذا كان الحق ~~لهم على غيرهم { يأتوا إليه } إلى الرسول { مذعنين } حال أي ~~مسرعين في الطاعة طلبا لحقهم لا رضا بحكم رسولهم. قال الزجاج: الإذعان ~~الإسراع مع الطاعة. والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر ~~والعدل البحث يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنتزعه من ~~أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم ~~يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم ### || [24.50-53] # { أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن ~~يحيف الله عليهم ورسوله } قسم الأمر في صدودهم عن حكومته ~~إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر ~~نبوته أو خائفين الحيف في قضائه. ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله { بل ~~أولئك هم الظلمون } أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم ~~بحاله وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، وذلك شيء لا ~~يستطيعونه في مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام فمن ثم يأبون المحاكمة ~~إليه. # { إنما كان قول المؤمنين } وعن الحسن { قول } بالرفع، ~~والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه ms0941 اسما لكان أوغلهما في التعريف وأن ~~يقولوا أوغل بخلاف { قول المؤمنين } { إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم } النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم أي ليفعل ~~الحكم { بينهم } بحكم الله الذي أنزل عليه { أن يقولوا ~~سمعنا } قوله { وأطعنا } أمره { وأولئك هم ~~المفلحون } الفائزون { ومن يطع الله } في فرائضه { ~~ورسوله } في سننه { ويخش الله } على ما مضى من نوبه { ~~ويتقه } فيما يستقبل { فأولئك هم الفائزون } وعن بعض ~~الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية. وهي جامعة لأسباب الفوز ~~{ ويتقه } بسكون الهاء: أبو عمرو وأبو بكر بنية الوقف، وبسكون القاف ~~وبكسر الهاء مختلسة: حفص، وبكسر القاف والهاء، غيرهم. # { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } أي حلف المنافقون ~~بالله جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم. وجهد يمينه مستعار من جهد ~~نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ~~ووكادتها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من قال بالله فقد جهد يمينه. ~~وأصل أقسم جهد اليمين أقسم بجهد اليمين جهدا فحذف الفعل وقدم المصدر ~~فوضع موضعه مضافا إلى المفعول كقوله # فضرب الرقاب # [محمد: 4] وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال جاهدين أيمانهم { لئن ~~أمرتهم ليخرجن } أي لئن أمرنا محمد بالخروج إلى الغزو ~~لغزونا أو بالخروج من ديارنا لخرجنا { قل لا تقسموا } لا تحلفوا ~~كاذبين لأنه معصية { طاعة معروفة } أمثل وأولى بكم من هذه ~~الأيمان الكاذبة، مبتدأ محذوف الخبر أو خبر مبتدأ محذوف أي الذي يطلب ~~منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب كطاعة الخلص من المؤمنين ~~لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها { إن الله ~~خبير بما تعملون } يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شيء من ~~سرائركم وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم ### || [24.54] # { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } صرف الكلام عن ~~الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات وهو أبلغ في تبكيتهم { فإن ~~تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم } يريد فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم فإن الرسول ~~ليس عليه إلا ما ms0942 حمله الله تعالى وكلفه من أداء الرسالة فإذا أدى فقد خرج ~~عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان ~~فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه { وإن ~~تطيعوه تهتدوا } أي وإن أطعتموه فيما يأمركم وينهاكم فقد أحرزتم ~~نصيبكم من الهدى، فالضرر في توليكم والنفع عائدان إليكم { وما على ~~الرسول إلا البلغ المبين } وما على الرسول إلا أن يبلغ ~~ما له نفع في قلوبكم ولا عليه ضرر في توليكم. والبلاغ بمعنى التبليغ ~~كالأداء بمعنى التأدية، والمبين الظاهر لكونه مقرونا بالآيات والمعجزات. ~~ثم ذكر المخلصين فقال ### || [24.55] # ثم ذكر المخلصين فقال { وعد الله الذين ءامنوا منكم ~~وعملوا الصلحات } الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ولمن معه ~~و { منكم } للبيان. وقيل: المراد به المهاجرون و «من» للتبعيض { ~~ليستخلفنهم فى الأرض } أي أرض الكفار. وقيل: أرض المدينة. ~~والصحيح أنه عام لقوله عليه الصلاة والسلام # " ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل " # { كما استخلف } استخلف أبو بكر { الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ~~وليبدلنهم } { وليبدلنهم } بالتخفيف: مكي وأبو بكر { من ~~بعد خوفهم أمنا } وعدهم الله أن ينصر الاسلام على الكفر ~~ويورثهم الأرض ويجعلهم فيها خلفاء كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر ~~والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الاسلام، ~~وتمكينه تثبيته وتعضيده وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا ~~عليه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين ~~خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال ~~رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فنزلت فقال عليه الصلاة ~~والسلام # " لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس ~~معه حديدة " # فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا أبعد بلاد المشرق ~~والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا. والقسم ~~المتلقى باللام والنون في { ليستخلفنهم } محذوف تقديره وعدهم الله وأقسم ~~ليستخلفنهم، أو نزل وعد الله ms0943 في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به ~~القسم كأنه قيل: أقسم الله ليستخلفنهم { يعبدوننى } إن جعلته ~~استئنافا فلا محل له كأنه قيل: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقال: يعبدونني ~~موحدين، ويجوز أن يكون حالا بدلا من الحال الأولى. وإن جعلته حالا عن ~~وعدهم أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم فمحله النصب { لا يشركون ~~بى شيئا } حال من فاعل يعبدون أي يعبدونني موحدين، ويجوز أن يكون ~~حالا بدلا من الحال الأولى. # { ومن كفر بعد ذلك } أي بعد الوعد والمراد كفران النعمة ~~كقوله تعالى: # فكفرت بأنعم الله { # [النحل: 112] { فأولئك هم الفسقون } هم الكاملون في ~~فسقهم حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة وجسروا على غمطها. قالوا: أول من كفر ~~هذه النعمة قتلة عثمان رضي الله عنه فاقتتلوا بعدما كانوا إخوانا وزال ~~عنهم الخوف، والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله ~~عنهم أجمعين لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم. ### || [24.56-58] # { واقيموا الصلاة } معطوف على { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ولا يضر ~~الفصل وإن طال { واتوا الزكوة وأطيعوا الرسول } فيما ~~يدعوكم إليه وكررت طاعة الرسول تأكيدا لوجوبها { لعلكم ~~ترحمون } أي لكي ترحموا فإنها من مستجلبات الرحمة ثم ذكر الكافرين ~~فقال { لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض } ~~أي فائتين الله بأن لا يقدر عليهم فيها، فالتاء خطاب للنبي عليه الصلاة ~~والسلام وهو الفاعل والمفعولان { الذين كفروا } و { معجزين } وبالياء ~~شامي وحمزة والفاعل النبي صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره والمفعولان { ~~الذين كفروا } و { معجزين } { ومأواهم النار } معطوف ~~على { لا تحسبن الذين كفروا معجزين } كأنه ~~قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار { ~~ولبئس المصير } أي المرجع النار. # { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم } أمر بأن يستأذن العبيد والإماء { والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم } أي الأطفال الذين لم يحتلموا من ~~الأحرار، وقريء بسكون اللام تخفيفا { ثلاث مرات } في اليوم ~~والليلة وهي { من قبل صلوة الفجر } لأنه وقت القيام من ~~المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة { وحين ~~تضعون ms0944 ثيبكم من الظهيرة } وهي نصف النهار في القيظ ~~لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة { ومن بعد صلوة العشاء } لأنه ~~وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم { ثلاث عورات ~~لكم } أي هي أوقات ثلاثة عورات فحذف المبتدأ والمضاف. وبالنصب: كوفي ~~غير حفص بدلا من { ثلاث مرات } أي أوقات ثلاث عورات. وسمي كل واحد من ~~هذه الأحوال عورة لأن الإنسان يختل تستره فيها، والعورة: الخلل ومنها ~~الأعور المختل العين. دخل غلام من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو على عمر ~~رضي الله عنه وقت الظهيرة وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر رضي الله ~~عنه: وددت أن الله نهى عن الدخول في هذه الساعات إلا بالإذن، فانطلق إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزلت عليه الآية. ثم عذرهم في ترك ~~الاستئذان وراء هذه المرات بقوله { ليس عليكم ولا عليهم ~~جناح بعدهن } أي لا إثم عليكم ولا على المذكورين في الدخول بغير ~~استئذان بعدهن. ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله { ~~طوافون عليكم } أي هم طوافون بحوائج البيت { بعضكم } مبتدأ ~~خبره { على بعض } تقديره بعضكم طائف على بعض فحذف طائف لدلالة { ~~طوافون } عليه، ويجوز أن تكون الجملة بدلا من التي قبلها وأن تكون مبينة ~~مؤكدة يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة يطوفون عليكم للخدمة ~~وتطوفون عليهم للاستخدام، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى ~~الحرج وهو مدفوع في الشرح بالنص { كذلك يبين الله لكم ~~الآيت } أي كما بين حكم الاستئذان يبين لكم غيره من الآيات التي ~~احتجتم إلى بيانها { والله عليم } بمصالح عباده { حكيم } في ~~بيان مراده. ### || [24.59] # { وإذا بلغ الأطفال منكم } أي الأحرار دون المماليك { ~~الحلم } أي الاحتلام أي إذا بلغوا وأرادوا الدخول عليكم { ~~فليستأذنوا } في جميع الأوقات { كما استأذن الذين ~~من قبلهم } أي الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال، أو الذين ~~ذكروا من قبلهم في قوله: # يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا # الآية. والمعنى أن الأطفال ms0945 مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات ~~الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا بالاحتلام أو بالسن وجب أن ~~يفطموا عن تلك العادة ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كالرجال ~~الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن، والناس عن هذا غافلون، ~~وعن ابن عباس رضي الله عنه: ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله وقوله: # إن أكرمكم عند الله أتقكم # [الحجرات:13] # وإذا حضر القسمة # [النساء:8]. وعن سعيد بن جبير: يقولون هي منسوخة والله ما هي بمنسوخة ~~وقوله { كذلك يبين الله لكم ءايته والله عليم ~~} بمصالح الأنام { حكيم } فيما يبين من الأحكام. ### || [24.60] # { والقواعد } جمع قاعد لأنها من الصفات المختصة بالنساء كالطالق ~~والحائض أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن { من النساء } حال { ~~اللتى لا يرجون نكاحا } لا يطمعن فيه وهي في كل الرفع صفة ~~للمبتدأ وهي القواعد والخبر { فليس عليهن جناح } إثم ودخلت ~~الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط بسبب الألف واللام { أن يضعن } ~~في أن يضعن { ثيابهن } أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق ~~الخمار { غير } حال { متبرجت بزينة } أي غير مظهرات زينة ~~يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق ونحو ذلك أي لا يقصدن بوضعها ~~التبرج ولكن التخفيف، وحقيقة التبرج يكلف إظهارا ما يجب إخفاؤه { وأن ~~يستعففن } أي يطلبن العفة عن وضع الثياب فيستترون وهو مبتدأ خبره ~~{ خير لهن والله سميع } لما يعلن { عليم } بما يقصدن. ### || [24.61] # { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج } قال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا خرجوا ~~إلى الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى ~~والمريض والأعرج وعند أقاربهم ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا ~~يتحرجون من ذلك ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت الآية ~~رخصة لهم { ولا على أنفسكم } أي حرج { أن تأكلوا من ~~بيوتكم } أي بيوت أولادكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ولذا ~~لم يذكر الأولاد في الآية، وقد قال عليه الصلاة والسلام # " أنت ms0946 ومالك لأبيك " # أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صار كنفس واحدة فصار بيت المرأة كبيت الزوج ~~{ أو بيوت ءابائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو ~~بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم } لأن ~~الإذن من هؤلاء ثابت دلالة { أوما ملكتم مفاتحة } جمع مفتح وهو ما يفتح ~~به الغلق، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو وكيل الرجل وقيمه في ضيعته ~~وماشيته، له أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته. وأريد بملك ~~المفاتح كونها في يده وحفظه. وقيل: أريد به بيت عبده لأن العبد وما في ~~يده لمولاه { أو صديقكم } يعني أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون ~~واحدا وجمعا وهو من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك، وكان الرجل من ~~السلف يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا ~~حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورا بذلك، فأما الآن فقد غلب الشح على ~~الناس فلا يؤكل إلا بإذن. # { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا } مجتمعين { أو ~~أشتاتا } متفرقين جمع شت. نزلت في بني ليث بن عمرو وكانوا يتحرجون أن ~~يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظرا نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله ~~أكل ضرورة، أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ~~ضيفهم، أو تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل وزيادة ~~بعضهم على بعض { فإذا دخلتم بيوتا } من هذه البيوت لتأكلوا { ~~فسلموا على أنفسكم } أي فابدؤوا بالسلام على أهلها الذين هم ~~منكم دينا وقرابة أو بيوتا فارغة أو مسجدا فقولوا: السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين { تحية } نصب ب { سلموا } لأنها في معنى ~~تسليما نحو «قعدت جلوسا» { من عند الله } أي ثابتة بأمره مشروعة ~~من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من ~~عند الله { مبركة طيبة } وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة ~~مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق { كذلك يبين ~~الله لكم الآيت لعلكم ms0947 تعقلون } لكي تعقلوا وتفهموا. ### || [24.62-63] # { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ~~وإذا كانوا معه على أمر جامع } أي الذي يجمع له الناس ~~نحو الجهاد والتدبير في الحرب وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين { ~~لم يذهبوا حتى يستذنوه } أي ويأذن لهم. ولما أراد ~~الله عز وجل أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع، جعل ترك ذهابهم ~~حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب له ~~والبساط لذكره. وذلك مع تصدير الجملة ب { إنما } وإيقاع المؤمنين مبتدأ ~~مخبرا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيدا ~~وتشديدا حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله { إن الذين ~~يستذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله } وضمنه شيئا آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة ~~الإيمانين وعرض بحال المنافقين وتسللهم لوإذا { فإذا استذنوك } ~~في الانصراف { لبعض شأنهم } أمرهم { فأذن لمن شئت ~~منهم } فيه رفع شأنه عليه الصلاة والسلام { واستغفر لهم ~~الله إن الله غفور رحيم } وذكر الاستغفار للمستأذنين ~~دليل على أن الأفضل أن لا يستأذن. قالوا: وينبغي أن يكون الناس كذلك مع ~~أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم إلا بإذن، ~~قيل: نزلت يوم الخندق كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان { ~~لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا } أي إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده ~~لأمر فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء ~~بعضكم بعضا، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي أو لا تجعلوا تسميته ~~ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضا ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، ~~فلا تقولوا يا محمد ولكن يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتعظيم ~~والصوت المخفوض. # { قد يعلم الله الذين يتسللون } يخرجون قليلا ~~قليلا { منكم لواذا } حال أي ملاوذين اللواذ. والملاوذة هو أن ~~يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا أي ينسلون عن الجماعة في ms0948 الخفية على سبيل ~~الملاوذة واستتار بعضهم ببعض { فليحذر الذين يخلفون ~~عن أمره } أي الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون. ~~يقال: خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه ومنه: # وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه # [هود: 88] وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه. والضمير في { أمره } لله ~~سبحانه أو للرسول عليه الصلاة والسلام والمعنى عن طاعته ودينه ومفعول { ~~يحذر } { أن تصيبهم فتنة } محنة في الدنيا أو قتل أو زلازل ~~وأهوال أو تسليط سلطان جائر أو قسوة القلب عن معرفة الرب أو إسباغ النعم ~~استدراجا { أو يصيبهم عذاب أليم } في الآخرة. والآية تدل ~~على أن الأمر للإيجاب. ### || [24.64] # { ألا إن لله ما فى السموت والأرض } «ألا» تنبيه ~~على أن لا يخالفوا أمر من له ما في السماوات والأرض { قد يعلم ما ~~أنتم عليه } أدخل «قد» ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن ~~الدين ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، والمعنى أن جميع ما في ~~السماوات والأرض مختص به خلقا وملكا وعلما فكيف تخفى عليه أحوال ~~المنافقين وإن كانوا يجهدون في سترها؟ { ويوم يرجعون إليه } ~~وبفتح الياء وكسر الجيم: يعقوب أي ويعلم يوم يردون إلى جزائه وهو يوم ~~القيامة. والخطاب والغيبة في قوله { قد يعلم } { ما أنتم عليه } { ويوم ~~يرجعون إليه } يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز ~~أن يكون { ما أنتم عليه } عاما و { يرجعون } للمنافقين { فينبئهم ~~} يوم القيامة { بما عملوا } بما أبطنوا من سوء أعمالهم ويجازيهم ~~حق جزائهم { والله بكل شيء عليم } فلا يخفي عليه خافية. ~~وروي أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ سورة النور على المنبر في الموسم ~~وفسرها على وجه لو سمعت الروم به لأسلمت والله أعلم. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # مكية وهي سبع وسبعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { تبرك } تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته، ومعنى تبارك ~~الله تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، ~~وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله ms0949 وحده والمستعمل منه الماضي فحسب { ~~الذى نزل الفرقان } هو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما، ~~وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل والحلال والحرام، أو لأنه لم ينزل ~~جملة ولكن مفرقا مفصولا بين بعضه وبعض في الإنزال ألا ترى إلى قوله: # وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلنه تنزيلا # [الإسراء: 106] { على عبده } محمد عليه الصلاة والسلام { ~~ليكون } العبد أو الفرقان { للعلمين } للجن والإنس وعموم ~~الرسالة من خصائصه عليه الصلاة والسلام { نذيرا } منذرا أي مخوفا أو ~~إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى # فكيف كان عذابى ونذر # [القمر: 18] { الذى } رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على الإبدال من ~~{ الذي نزل } وجوز الفصل بين البدل والمبدل منه بقوله { ليكون } لأن ~~المبدل منه صلته { نزل } وليكون تعليل له فكأن المبدل منه لم يتم إلا به ~~أو نصب على المدح { له ملك السموت والأرض } على الخلوص ~~{ ولم يتخذ ولدا } كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح ~~عليهما السلام { ولم يكن له شريك فى الملك } كما زعمت ~~الثنوية { وخلق كل شىء } أي أحدث كل شيء وحده لا كما يقوله ~~المجوس والثنوية من النور والظلمة ويزدان واهرمن. ولا شبهة فيه لمن يقول ~~إن الله شيء ويقول بخلق القرآن، لأن الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعولا ~~له على أن لفظ شيء اختلص بما يصح أن يخلق بقرينة وخلق، وهذا أوضح دليل ~~لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد { فقدره تقديرا } فهيأه ~~لما يصلح له بلا خلل فيه كما أنه خلق الإنسان على هذا الشكل الذي تراه ~~فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في الدين والدنيا أو قدره للبقاء إلى ~~أمد معلوم. ### || [25.3-4] # { واتخذوا } الضمير للكافرين لاندراجهم تحت العالمين أو لدلالة { ~~نذيرا } عليهم لأنهم المنذرون { من دونه ءالهة } أي الأصنام { ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } أي أنهم آثروا على عبادة ~~من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على ~~خلق شيء وهم يخلقون { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا ~~نفعا } ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ms0950 ضرر عنها ولا جلب نفع إليها { ولا ~~يملكون موتا } إماتة { ولا حياة } أي إحياء { ولا نشورا } ~~إحياء بعد الموت وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها { وقال الذين ~~كفروا إن هذا } ما هذا القرآن { إلا إفك } كذب { ~~افتراه } اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه { وأعانه عليه قوم ~~آخرون } أي اليهود وعداس ويسار وأبو فكيهة الرومي قاله النضر بن الحارث { ~~فقد جاءوا ظلما وزورا } هذا إخبار من الله رد للكفرة فيرجع ~~الضمير إلى الكفار وجاء يستعمل في معنى فعل فيعدى تعديتها، أو حذف الجار ~~وأوصل الفعل أي بظلم وزور. وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي ~~الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب، والزور أن بهتوه ~~بنسبة ما هو بريء منه إليه. ### || [25.5-8] # { وقالوا أسطير الأولين } أي هو أحاديث المتقدمين وما ~~سطروه كرستم وغيره جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة { اكتتبها } كتبها ~~لنفسه { فهى تملى عليه } أي تلقى عليه من كتابه { بكرة } ~~أول النهار { وأصيلا } آخره فيحفظ ما يملى عليه ثم يتلوه علينا. # { قل } يا محمد { أنزله } أي القرآن { الذى يعلم السر ~~فى السموت والأرض } أي يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض، ~~يعني أن القرآن لما اشتمل على علم الغيوب التي يستحيل عادة أن يعلمها ~~محمد عليه الصلاة والسلام من غير تعليم، دل ذلك على أنه من عند علام ~~الغيوب { إنه كان غفورا رحيما } فيمهلهم ولا يعاجلهم ~~بالعقوبة وإن استوجبوها بمكابرتهم { وقالوا مال هذا ~~الرسول } وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء وخط المصحف سنة لا ~~تغير، وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم كأنهم قالوا: أي شيء لهذا الزاعم ~~إنه رسول { يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق } حال والعامل ~~فيها «هذا» { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ~~أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها } أي إن صح أنه رسول الله فما باله يأكل الطعام كما نأكل ويتردد ~~في الأسواق لطلب المعاش كما تردد يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا ~~مستغنيا عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن ذلك الاقتراح إلى أن يكون ms0951 ~~إنسانا معه ملك حتى يتساندا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا إلى أن يكون ~~مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ~~ثم نزلوا إلى أن يكون رجلا له بستان يأكل هو منه كالمياسير أو نأكل نحن ~~كقراءة علي وحمزة. وحسن عطف المضارع وهو { يلقى } و { تكون } على { ~~أنزل } وهو ماض لدخول المضارع وهو { فيكون } بينهما وانتصب { ~~فيكون } على القراءة المشهورة لأنه جواب { لولا } بمعنى «هلا» ~~وحكمه حكم الاستفهام. وأراد بالظالمين في قوله { وقال الظلمون ~~} إياهم بأعيانهم غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم ~~فيما قالوا وهم كفار قريش { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ~~} سحر فجن أو ذا سحر وهو الرئة عنوا أنه بشر لا ملك ### || [25.9-12] # { انظر كيف ضربوا } بينوا { لك الأمثال } الأشباه أي ~~قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال من المفتري ~~والمملي عليه والمسحور { فضلوا } عن الحق { فلا يستطيعون ~~سبيلا } فلا يجدون طريقا إليه. # { تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنت ~~تجري من تحتها الأنهر ويجعل لك قصورا } أي تكاثر ~~خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ~~ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور. و { جنات } بدل من { خيرا } ، { ~~ويجعل } بالرفع: مكي وشامي وأبو بكر لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في ~~جزائه الجزم والرفع { بل كذبوا بالساعة } عطف على ما حكى ~~عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة، أو متصل بما ~~يليه كأنه قال: بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب وكيف ~~يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها؟ { وأعتدنا ~~لمن كذب بالساعة سعيرا } وهيأنا للمكذبين بها نارا شديدة ~~في الاستعار. # { إذا رأتهم } أي النار أي قابلتهم { من مكان بعيد } أي ~~إذا كانت منهم بمرأى الناظرين في البعد { سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا } أي سمعوا صوت غليانها وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر، أو ~~إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا ms0952 غضبا على الكفار. ### || [25.13-16] # { وإذا ألقوا منها } من النار { مكانا ضيقا } { ضيقا } ~~مكي فإن الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذا وصفت الجنة بأن عرضها ~~السماوات والأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنها أنه يضيق عليهم كما يضيق ~~الزج في الرمح { مقرنين } أي وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في ~~السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، أو يقرن مع كل كافر شيطانه ~~في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد { دعوا هنالك } حينئذ { ثبورا } ~~هلاكا أي قالوا واثبوراه أي تعال يا ثبور فهذا حينك فيقال لهم { لا ~~تدعوا اليوم ثبورا وحدا وادعوا ثبورا كثيرا } أي ~~إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا إنما هو ثبور كثير { قل ~~أذلك خير } أي المذكور من صفة النار خير { أم جنة الخلد ~~التى وعد المتقون } أي وعدها فالراجع إلى الموصول محذوف، ~~وإنما قال: { أذلك خير } ، ولا خير في النار توبيخا للكفار { كانت ~~لهم جزاء } ثوابا { ومصيرا } مرجعا. وإنما قيل { كانت } لأن ~~ما وعد الله كأنه كان لتحققه أو كان ذلك مكتوبا في اللوح قبل أن خلقهم { ~~لهم فيها ما يشآءون } أي ما يشاؤونه { خلدين } حال من ~~الضمير في { يشاؤون } والضمير في { كان } ل { ما يشاؤون } { على ~~ربك وعدا } أي موعودا { مسئولا } مطلوبا أو حقيقا أن يسأل ~~أو قد سأله المؤمنون والملائكة في دعواتهم # ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] # ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة: 201] # ربنا وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم ### || [25.17-18] # { ويوم يحشرهم } { ويوم نحشرهم } للبعث عند ~~الجمهور وبالياء: مكي ويزيد ويعقوب وحفص. # { وما يعبدون من دون الله } يريد المعبودين من الملائكة ~~والمسيح وعزير. وعن الكلبي يعني الأصنام ينطقها الله. وقيل: عام وما ~~يتناول العقلاء وغيرهم لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم { ~~فيقول } وبالنون شامي { ءأنتم أضللتم عبادى هؤلاء ~~أم هم ضلوا السبيل } والقياس ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا ~~الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل إلى الطريق أو للطريق. وضل مطاوع ~~أضله والمعنى أأنتم أوقعتموهم ms0953 في الضلال عن طريق الحق بإدخال الشبه أم هم ~~ضلوا عنه بأنفسهم؟ وإنما لم يقل «أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل» ~~وزيد «أنتم» و«هم» لأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما ~~توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف ~~الاستفهام ليعلم أنه المسؤول عنه. وفائدة سؤالهم مع علمه تعالى بالمسؤول ~~عنه أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فتزيد ~~حسرتهم { قالوا سبحنك } تعجب منهم مما قيل لهم وقصدوا به ~~تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له نبي أو ملك أو غيرهما ندا. ثم قالوا { ~~ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } ~~أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحدا دونك فكيف يصح لنا أن نحمل ~~غيرنا على أن يتولونا دونك؟ { نتخذ } يزيد. و«اتخذ» يتعدى إلى مفعول واحد ~~نحو «اتخذ وليا» وإلى مفعولين نحو «اتخذ فلانا وليا» قال الله تعالى: # أم اتخذوا الهة من الأرض # [الأنبياء: 21] # اتخذ الله إبرهيم خليلا # [النساء: 125] فالقراءة الأولى لواحد وهو من أولياء والأصل أن تتخذ ~~أولياء وزيدت «من» التأكيد معنى النفي، والقراءة الثانية في المتعدي إلى ~~المفعولين فالمفعول الأول ما بني له الفعل والثاني من أولياء و«من» ~~للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء لأن من لا تزاد في المفعول الثاني بل في ~~الأول تقول «ما اتخذت من أحد وليا» ولا تقول «ما اتخذت أحدا من ولي» { ~~ولكن متعتهم وءاباءهم } بالأموال والأولاد. وطول العمر ~~والسلامة من العذاب { حتى نسوا الذكر } أي ذكر الله والإيمان ~~به والقرآن والشرائع { وكانوا } عند الله { قوما بورا } أي هلكى ~~جمع بائر كعائذ وعوذ ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولا عن الغيبة. ### || [25.19] # { فقد كذبوكم } وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة ~~وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونظيرها: { يأهل ~~الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة ~~من الرسل } إلى قوله # فقد جاءكم بشير ونذير # [المائدة: 19]وقول القائل # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد ms0954 جئنا خراسانا # { بما تقولون } بقولكم فيهم إنهم آلهة، والباء على هذا كقوله: # بل كذبوا بالحق # [ق: ] والجار والمجرور بدل من الضمير كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون. ~~وعن قنبل بالياء ومعناه فقد كذبوكم بقولهم: { سبحانك ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء } والباء على هذا كقولك «كتبت بالقلم» { فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا } { فما يستطيعون } أي فما يستطيع ~~آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصرونكم. وبالتاء حفص أي فما تستطيعون ~~أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم ولا نصر أنفسكم. ثم خاطب المكلفين على ~~العموم بقوله { ومن يظلم منكم } أي يشرك لأن الظلم وضع الشيء في ~~غير موضعه ومن جعل المخلوق شريك خالقه فقد ظلم يؤيده قوله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] { نذقه عذابا كبيرا } فسر بالخلود في النار وهو ~~يليق بالشرك دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج. ### || [25.20-21] # { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق } كسرت «إن» لأجل ~~اللام في الخبر والجملة بعد «إلا» صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا ~~قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف اكتفاء بالجار ~~والمجرور أي من المرسلين ونحوه # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] أي وما منا أحد. قيل: هو احتجاج على من قال ~~{ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } وتسلية للنبي عليه ~~الصلاة والسلام { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } أي محنة ~~وابتلاء، وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما عيروه به من ~~الفقر ومشيه في الأسواق يعني أنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء فيغني من ~~يشاء ويفقر من يشاء { أتصبرون } على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا ~~تصبروا فيزداد غمكم. وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجرا ~~فرأى خصيا في مواكب ومراكب فخطر بباله شيء فإذا بمن يقرأ هذه الآية ~~فقال: بلى فصبرا ربنا. أو جعلتك فتنة لهم لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز ~~وجنان لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيرا ~~لتكون طاعة ms0955 من يطيعك خالصة لنا { وكان ربك بصيرا } عالما ~~بالصواب فيما يبتلي به أو بمن يصبر ويجزع. # { وقال الذين لا يرجون } لا يأملون { لقاءنا } بالخير ~~لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث أو لا يخافون عقابنا إما لأن الراجي قلق ~~فيما يرجوه كالخائف، أو لأن الرجاء في لغة تهامة الخوف { لولا } هلا { ~~أنزل علينا الملئكة } رسلا دون البشر أو شهودا على نبوته ~~ودعوى رسالته { أو نرى ربنا } جهرة فيخبرنا برسالته واتباعه { ~~لقد استكبروا فى أنفسهم } أي أضمروا الاستكبار عن الحق ~~وهو الكفر والعناد في قلوبهم { وعتو } وتجاوزوا الحد في الظلم { ~~عتوا كبيرا } وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه أي أنهم لم يجسروا ~~على هذا القول العظيم إلا أنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو. واللام ~~في { لقد } جواب قسم محذوف ### || [25.22-24] # { يوم يرون الملئكة } أي يوم الموت أو يوم البعث و { ~~يوم } منصوب بما دل عليه { لا بشرى } أي يوم يرون الملائكة يمنعون ~~البشرى. وقوله { يومئذ } مؤكد ل { يوم يرون } أو بإضمار اذكر أي ~~اذكر يوم يرون الملائكة، ثم أخبر فقال: لا بشرى بالجنة يومئذ ولا ينتصب ~~ب { يرون } لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا ب { بشرى } لأنها ~~مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله ولأن المنفي بلا لا يعمل فيما قبل «لا» { ~~للمجرمين } ظاهر في موضع ضمير أو عام يتناولهم بعمومه وهم الذين ~~اجترموا الذنوب والمراد الكافرون لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات ~~{ ويقولون } أي الملائكة { حجرا محجورا } حراما محرما ~~عليكم البشرى أي جعل الله ذلك حراما عليكم إنما البشرى للمؤمنين. والحجر ~~مصدر والكسر والفتح لغتان وقريء بهما وهو من حجره إذا منعه، وهو من ~~المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، و { محجورا } لتأكيد معنى ~~الحجر كما قالوا «موت مائت». # { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا } هو صفة ولا قدوم هنا ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي ~~عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ونحو ذلك بحال من خالف ~~سلطانه وعصاه فقدم إلى أشيائه وقصد إلى ما ms0956 تحت يديه فأفسدها ومزقها كل ~~ممزق ولم يترك لها أثرا. والهباء ما يخرج به من الكوة مع ضوء الشمس ~~شبيها بالغبار، والمنثور المفرق وهو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل ~~الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. ثم بين فضل أهل الجنة على أهل النار فقال: # { أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا } تمييز ~~والمستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون { ~~وأحسن مقيلا } مكانا يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم ~~في الجنة ولكنه سمي مكان استراحتهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه. ~~وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل ~~النار في النار، وفي لفظ الأحسن تهكم بهم ### || [25.25-28] # { ويوم } واذكر يوم { تشقق السماء } والأصل تتشقق فحذف ~~التاء كوفي وأبو عمرو وغيرهم أدغمها في الشين { بالغمم } لما كان ~~انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تشقق به ~~السماء كما تقول «شققت السنام بالشفرة فانشق بها» { ونزل ~~الملئكة تنزيلا } { وننزل الملائكة } مكي، { وتنزيلا } على ~~هذا مصدر من غير لفظ الفعل. والمعنى أن السماء تنفتح بغمام أبيض يخرج ~~منها وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد { ~~الملك } مبتدأ { يومئذ } ظرفه { الحق } نعته ومعناه الثابت ~~لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلا ملكه { للرحمن } خبره { ~~وكان } ذلك اليوم { يوما على الكفرين عسيرا } شديدا. ~~يقال عسر عليه فهو عسير وعسر ويفهم منه يسره على المؤمنين ففي الحديث # " يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة ~~صلوها في الدنيا " # { ويوم يعض الظلم على يديه } عض اليدين كناية عن ~~الغيظ والحسرة لأنه من روادفها فتذكر الرادفة ويدل بها على المردوف ~~فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة ~~ما لا يجده عند لفظ المكنى عنه، واللام في { الظلم } للعهد وأريد ~~به عقبة لما تبين أو للجنس فيتناول عقبة وغيره من الكفار { يقول ~~يليتنى اتخذت } في الدنيا { مع الرسول } محمد عليه ~~الصلاة والسلام { سبيلا } طريقا ms0957 إلى النجاة والجنة وهو الإيمان { يا ~~ويلتى } وقرىء { يا ويلتي } بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي ~~هلكته يقول لها تعالي فهذا أوانك. وإنما قلبت الياء ألفا كما في «صحارى» ~~و«مدارى» { ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا } فلان كناية عن ~~الأعلام فإن أريد بالظالم عقبة لما روي أنه اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ~~ففعل فقال له أبي بن خلف وهو خليله: وجهي من وجهك حرام إلا أن ترجع ~~فارتد. فالمعنى يا ليتني لم أتخذ أبيا خليلا، فكنى عن اسمه. وإن أريد ~~به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلا كان لخليله اسم علم لا محالة ~~فجعل كناية عنه. وقيل: هو كناية عن الشيطان ### || [25.29-31] # { لقد أضلنى عن الذكر } أي عن ذكر الله أو القرآن أو ~~الإيمان { بعد إذ جاءنى } من الله { وكان الشيطن } أي ~~خليله سماه شيطانا لأنه أضله كما يضله الشيطان، أو إبليس لأنه الذي حمله ~~على مخالة المضل ومخالفة الرسول { للإنسن } المطيع له { خذولا } ~~هو مبالغة من الخذلان أي من عادة الشيطان ترك من يواليه وهذا حكاية كلام ~~الله أو كلام الظالم. # { وقال الرسول } أي محمد عليه الصلاة والسلام في الدنيا { يرب ~~إن قومى } قريشا { اتخذوا هذا القرءان مهجورا } ~~متروكا أي تركوه ولم يؤمنوا به من الهجران وهو مفعول ثان ل { اتخذوا } ~~في هذا تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن الأنبياء إذا شكوا إليه قومهم حل ~~بهم العذاب ولم ينظروا. ثم أقبل عليه مسليا ووعده النصرة عليهم فقال { ~~وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين ~~وكفى بربك هاديا ونصيرا } أي كذلك كان كل نبي قبلك مبتلى ~~بعداوة قومه وكفاك بي هاديا إلى طريق قهرهم والانتصار منهم، وناصرا لك ~~عليهم. والعدو يجوز أن يكون واحدا وجمعا والباء زائدة أي وكفى ربك ~~هاديا وهو تمييز ### || [25.32-33] # { وقال الذين كفروا } أي قريش أو اليهود { لولا نزل ~~عليه القرءان جملة } حال من القرآن أي مجتمعا { وحدة } ~~يعني هلا أنزل عليه دفعة ms0958 واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة، ~~وماله أنزل على التفاريق؟ وهو فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، ~~لأن أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو متفرقا. و ~~{ نزل } هنا بمعنى أنزل وإلا لكان متدافعا بدليل { جملة واحدة } وهذا ~~اعتراض فاسد لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور فأبرزوا ~~صفحة عجزهم حتى لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة وبذلوا المهج وما ~~مالوا إلى الحجج { كذلك } جواب لهم أي كذلك أنزل مفرقا في عشرين سنة ~~أو في ثلاث وعشرين و«ذلك» في { كذلك } إشارة إلى مدلول قوله { لولا نزل ~~عليه القرآن جملة } لأن معناه لم أنزل عليك القرآن مفرقا فأعلم أن ذلك { ~~لنثبت به } بتفريقه { فؤادك } حتى تعيه وتحفظه لأن المتلقن ~~إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء وجزأ عقيب جزء ولو ألقي عليه ~~جملة واحدة لعجز عن حفظه، أو لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول ~~وتتابع الرسول لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب { ورتلناه ~~ترتيلا } معطوف على الفعل الذي تعلق به { كذلك } كأنه قال: كذلك ~~فرقناه ورتلناه أي قدرناه آية بعد آية ووقفة بعد وقفة، أو أمرنا بترتيل ~~قراءته وذلك قوله تعالى: # ورتل القرءان ترتيلا # [المزمل: 4] أي اقرأه بترسل وتثبت أو بيناه تبيينا، والترتيل التبيين ~~في ترسل وتثبت. # { ولا يأتونك بمثل } بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه ~~مثل في البطلان { إلا جئنك بالحق } إلا أتيناك بالجواب الحق ~~الذي لا محيد عنه { وأحسن تفسيرا } وبما هو أحسن معنى ومؤدى من ~~مثلهم أي من سؤالهم. وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلا عليه كما ~~لو قلت «رأيت زيدا وعمرا وإن عمرا أحسن وجها» كان فيه دليل على أنك ~~تريد من زيد. ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع ~~معناه فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا. أو لا ~~يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون هلا أنزل عليك القرآن جملة إلا أعطيناك من ~~الأحوال ما يحق ms0959 لك في حكمتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ~~ودلالة على صحته يعني أن تنزيله مفرقا وتحديثهم بأن يأتوا ببعض تلك ~~التفاريق كلما نزل شيء منها، أدخل في الإعجاز من أن ينزل كله جملة. ### || [25.34-36] # { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ~~أولئك شر } { الذين } مبتدأ و { أولئك } مبتدأ ثان و { شر } ~~خبر { أولئك } و { أولئك } مع { شر } خبر { الذين } أو التقدير: هم الذين ~~أو أعني الذين و { أولئك } مستأنف { مكانا } أي مكانة ومنزلة ~~أو مسكنا ومنزلا { وأضل سبيلا } أي وأخطأ طريقا، وهو من ~~الإسناد المجازي. والمعنى إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضلون سبيله ~~وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على ~~وجوههم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله، وفي ~~طريقته قوله # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] الآية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب وصنف على ~~أرجلهم وصنف على وجوههم " # قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ فقال عليه الصلاة والسلام # " الذي أمشاكم على أقداكم يمشيهم على وجوههم " # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } التوراة كما آتيناك القرآن ~~{ وجعلنا معه أخاه هرون } بدل أو عطف بيان { وزيرا } ~~هو في اللغة من يرجع إليه من الوزر وهو الملجأ، والوزارة لا تنافي النبوة ~~فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا { ~~فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ~~بئايتنا } إلى فرعون وقومه وتقديره فذهبا إليهم وأنذرا فكذبوهما ~~{ فدمرنهم تدميرا } التدمير الإهلاك بأمر عجيب أراد اختصار ~~القصة فذكر أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة أعني إلزام الحجة ببعثة ~~الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم ### || [25.37-40] # { وقوم نوح } أي ودمرنا قوم نوح { لما كذبوا الرسل } ~~يعني نوحا وإدريس وشيثا أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيبا للجميع { ~~أغرقنهم } بالطوفان { وجعلنهم } وجعلنا إغراقهم أو ~~قصتهم { للناس ءاية } عبرة يعتبرون بها { وأعتدنا } وهيأنا { ~~للظلمين } لقوم ms0960 نوح وأصله وأعتدنا لهم إلا أنه أراد تظليمهم ~~فأظهر، أو هو عام لكل من ظلم ظلم شرك ويتناولهم بعمومه { عذابا ~~أليما } أي النار { وعادا } دمرنا عادا { وثمود } حمزة وحفص ~~على تأويل القبيلة وغيرهما، وثمودا على تأويل الحي أو لأنه اسم الأب ~~الأكبر { وأصحب الرس } هم قوم شعيب كانوا يعبدون الأصنام ~~فكذبوا شعيبا فبيناهم حول الرس وهي البئر غير مطوية انهارت بهم فخسف ~~بهم وبديارهم، وقيل: الرس قرية قتلوا نبيهم فهلكوا، أو هم أصحاب الأخدود ~~والرس الأخدود { وقرونا } وأهلكنا أمما { بين ذلك } المذكور { ~~كثيرا } لا يعلمها إلا الله أرسل إليهم فكذبوهم فأهلكوا { وكلا ~~ضربنا له الأمثال } بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين { ~~وكلا تبرنا تتبيرا } أي أهلكنا إهلاكا، { وكلا } الأول ~~منصوب بما دل عليه { ضربنا له الأمثال } وهو أنذرنا أو حذرنا ~~والثاني ب { تبرنا } لأنه فارغ له. # { ولقد أتوا } يعني أهل مكة { على القرية } سدوم وهي أعظم ~~قرى قوم لوط وكانت خمسا أهلك الله أربعا مع أهلها وبقيت واحدة { ~~التى أمطرت مطر السوء } أي أمطر الله عليها الحجارة يعني ~~أن قريشا مروا مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي ~~أهلكت بالحجارة من السماء، { ومطر السوء } مفعول ثان والأصل أمطرت ~~القرية مطرا، أو مصدر محذوف الزوائد أي إمطار السوء { أفلم ~~يكونوا يرونها } أما شاهدوا ذلك بأبصارهم عند سفرهم الشام ~~فيتفكروا فيؤمنوا { بل كانوا لا يرجون نشورا } بل كانوا ~~قوما كفرة بالبعث لا يخافون بعثا فلا يؤمنون، أو لا يأملون نشورا كما ~~يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم ### || [25.41-43] # { وإذا رأوك إن يتخذونك } إن نافية { إلا هزوا } ~~اتخذه هزوا في معنى استهزاء أي قائلين أي أهذا الذي { بعث الله ~~رسولا } والمحذوف حال والعائد إلى { الذين } محذوف أي بعثه. # { إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها } «أن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة وهو دليل على فرط مجاهدة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوتهم وعرض المعجزات عليهم حتى شارفوا ~~بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين ms0961 الإسلام لولا فرط لجاجهم واستمساكهم ~~بعبادة آلهتهم { وسوف يعلمون حين يرون العذاب } هو ~~وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدة الإمهال { من أضل ~~سبيلا } هو كالجواب عن قولهم { إن كاد ليضلنا } لأنه نسبة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الضلال إذ لا يضل غيره إلا من هو ضال في نفسه. # { أرءيت من اتخذ إلهه هواه } أي من أطاع هواه فيما ~~يأتي ويذر فهو عابد هواه وجاعله إلهه فيقول الله تعالى لرسوله: هذا الذي ~~لا يرى معبودا إلا هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى. يروى أن الواحد ~~من أهل الجاهلية كان يعبد الحجر فإذا مر بحجر أحسن منه ترك الأول وعبد ~~الثاني. وعن الحسن: هو في كل متبع هواه { أفأنت تكون عليه ~~وكيلا } أي حفيظا تحفظه من متابعة هواه وعبادة ما يهواه، أفأنت تكون ~~عليه موكلا فتصرفه عن الهوى إلى الهدى، عرفه أن إليه التبليغ فقط ### || [25.44-46] # { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن ~~هم إلا كالأنعم بل هم أضل سبيلا } «أم» منقطعة ~~معناه بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب ~~عنها إليها وهي كونها مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع ~~الحق أذنا ولا إلى تدبره عقلا، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة ~~والضلالة فقد ركبهم الشيطان بالاستذلال لتركهم الاستدلال، ثم هم أرجح ~~ضلالة منها لأن الأنعام تسبح ربها وتسجد له وتطيع من يعلفها وتعرف من ~~يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي ~~لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من ~~إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ~~ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو ~~المشرع الهني والعذب الروي، وقالوا: للملائكة. روح وعقل، وللبهائم نفس ~~وهوى، والآدمي مجمع الكل ابتلاء. فإن غلبته النفس والهوى فضلته الأنعام، ~~وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام. وإنما ذكر الأكثر لأن فيهم ~~من ms0962 لم يصده عن الإسلام إلا حب الرياسة وكفى به داء عضالا ولأن فيهم من ~~آمن. # { ألم تر إلى ربك } ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته { كيف ~~مد الظل } أي بسطه فعم الأرض وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع ~~الشمس في قول الجمهور لأنه ظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة، وهو كما قال في ~~ظل الجنة # وظل ممدود # [الواقعة: 30] إذ لا شمس معه ولا ظلمة { ولو شاء لجعله ~~ساكنا } أي دائما لا يزول ولا تذهبه الشمس { ثم جعلنا ~~الشمس عليه } على الظل { دليلا } لأنه بالشمس يعرف الظل ولولا ~~الشمس لما عرف الظل فالأشياء تعرف بأضدادها { ثم قبضنه } أي ~~أخذنا ذلك الظل الممدود { إلينا } إلى حيث أردنا { قبضا يسيرا ~~} سهلا غير عسير أو قليلا قليلا أي جزءا فجزءا بالشمس التي تأتي ~~عليه. وجاء ب «ثم» لتفاضل ما بين الأمور فكأن الثاني أعظم من الأول، ~~والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين ~~الحوادث في الوقت ### || [25.47-48] # { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا } جعل الظلام الساتر ~~كاللباس { والنوم سباتا } راحة لأبدانكم وقطعا لأعمالكم، والسبت ~~القطع والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. وقيل: السبات الموت ~~والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة وهو كقوله تعالى # وهو الذى يتوفكم باليل # [الأنعام: 60] ويعضده ذكر النشور في مقابلته { وجعل النهار ~~نشورا } إذ النشور انبعاث من النوم كنشور الميت أن ينشر فيه الخلق ~~للمعاش. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على ~~خلقه لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي النوم واليقظة ~~المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر. وقال لقمان لابنه: كما تنام ~~فتوقظ كذلك تموت فتنشر. # { وهو الذى أرسل الريح } { الريح } مكي والمراد به ~~الجنس { بشرا } تخفيف بشر جمع بشور { بين يدى رحمته } أي ~~قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة { وأنزلنا ~~من السماء ماء } مطرا { طهورا } بليغا في طهارته. والطهور صفة ~~كقولك «ماء طهور» أي طاهر، واسم كقولك لما يتطهر به ms0963 طهور كالوضوء والوقود ~~لما يتوضأ به وتوقد به النار، ومصدر بمعنى التطهر كقولك تطهرت طهورا ~~حسنا ومنه قوله عليه الصلاة والسلام # " لا صلاة إلا بطهور " # أي بطهارة. وما حكي عن ثعلب هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره وهو ~~مذهب الشافعي رحمه الله تعالى إن كان هذا بيان زيادة الطهارة فحسن ويعضده ~~قوله تعالى # وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به # [الأنفال: 11] وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على ما هو مشتق ~~من الأفعال المتعدية كقطوع ومنوع غير سديد لأن بناء الفعول للمبالغة، فإن ~~كان الفعل متعديا فالفعول متعد وإن كان لازما فلازم ### || [25.49-50] # { لنحيى به } بالمطر { بلدة ميتا } ذكر { ميتا } على ~~إرادة البلد أو المكان { ونسقيه مما خلقنا أنعما ~~وأناسى كثيرا } أي ونسقي الماء البهائم والناس. و { مما خلقنا } ~~حال من { أنعاما وأناسي } أي أنعاما وأناسي. مما خلقنا. وسقى أو أسقى ~~لغتان. وقرأ المفضل والبرجمي { ونسقيه } والأناسي جمع إنسي على القياس ~~ككرسي وكراسي، أو إنسان وأصله أناسين كسرحان وسراحين فأبدلت النون ياء ~~وأدغمت. وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب ~~لحياتهما، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي ~~متعلقة بها فكأن الإنعام عليها بسقي الإنعام كالأنعام بسقيهم، وتنكير ~~الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة لأن أكثر الناس منيخون بالقرب من ~~الأودية والأنهار فيهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم وبقاياهم كثير يعيشون ~~بما ينزل الله من رحمته، وتنكير البلدة لأنه يريد بعض بلاد هؤلاء ~~المتبعدين عن مظان الماء. ولما سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء ~~وصفه بالطهور إكراما لهم، وبيان أن من حقهم أن يؤثروا الطهارة في ~~بواطنهم وظواهرهم لأن الطهورية شرط الإحياء. # { ولقد صرفنه بينهم ليذكروا } { ليذكروا } ~~حمزة وعلي يريد ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب ~~المنزلة على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويعتبروا ~~ويعرفوا حق النعمة فيه فيشكروا { فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها. ms0964 أو ~~صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات ~~المتفاوتة من وابل وطل وجود ورذاذ وديمة، فأبوا إلا الكفور وأن يقولوا ~~مطرنا بنوء كذا ولا يذكروا صنع الله تعالى ورحمته. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ما من عام أقل مطرا من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء وقرأ الآية. ~~وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام لأنه لا يختلف ولكن ~~يختلف فيه البلاد، وينتزع من هنا جواب في تنكير البلدة والأنعام ~~والأناسي. ومن نسب الأمطار إلى الأنواء وجحد أن تكون هي والأنواء من خلق ~~الله تعالى كفر، وإن رأى أن الله تعالى خالقها وقد نصب الأنواء أمارات ~~ودلالات عليها لم يكفر ### || [25.51-53] # { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا فلا تطع ~~الكفرين } أي لو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، ولبعثنا ~~في كل قرية نبيا ينذرها، ولكن شئنا أن تجمع لك فضائل جميع المرسلين ~~بالرسالة إلى كافة العالمين فقصرنا الأمر عليك وعظمناك به فتكون وحدك ~~ككلهم، ولذا خوطب بالجمع { يا أيها الرسل } فقابل ذلك بالشكر والصبر ~~والتشدد، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم، وكما ~~آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضائي على جميع الأهواء، وأريد بهذا تهييجه ~~وتهييج المؤمنين وتحريكهم { وجهدهم به } أي بالله يعني بعونه ~~وتوفيقه أو بالقرآن أي جادلهم به وقرعهم بالعجز عنه { جهادا كبيرا } ~~عظيما موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق، ويجوز أن يرجع الضمير في ~~{ به } إلى ما دل عليه { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } من كونه ~~نذير كافة القرى لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لوجب على كل نذير مجاهدة ~~قريته فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم ~~فقال له: وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا كبيرا جامعا لكل ~~مجاهدة. # { وهو الذى مرج البحرين } خلاهما متجاورين متلاصقين. ~~تقول: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وسمى الماءين الكثيرين الواسعين ~~بحرين { هذا } أي أحدهما { عذب فرات } صفة ل ms0965 { عذب } أي شديد ~~العذوبة حتى يقرب إلى الحلاوة { وهذا ملح أجاج } صفة ل { ملح ~~} أي شديد الملوحة { وجعل بينهما برزخا } حائلا من قدرته ~~يفصل بينهما ويمنعهما التمازج فهما في الظاهر مختلطان وفي الحقيقة ~~منفصلان { وحجرا محجورا } وسترا ممنوعا عن الأعين كقوله # حجابا مستورا } [الإسراء: 45] ### || [25.54-57] # { وهو الذى خلق من الماء } أي النطفة { بشرا } إنسانا ~~{ فجعله نسبا وصهرا } أراد تقسيم البشر قسمين: ذوي نسب أي ~~ذكورا ينسب إليهم فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، وذوات صهر أي ~~إناثا يصاهر بهن كقوله تعالى # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 39] { وكان ربك قديرا } حيث خلق من النطفة الواحدة ~~بشرا نوعين ذكرا وأنثى. وقيل: فجعله نسبا أي قرابة وصهرا مصاهرة يعني ~~الوصلة بالنكاح من باب الأنساب لأن التواصل يقع بها وبالمصاهرة لأن ~~التوالد يكون بهما { ويعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعهم } إن عبدوه { ولا يضرهم } إن تركوه { وكان ~~الكفر على ربه } على معصية ربه { ظهيرا } معينا ~~ومظاهرا. وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز والظهير والمظاهر كالعوين والمعاون ~~والمظاهرة المعاونة، والمعنى أن الكافر بعبادة الصنم يتابع الشيطان ~~ويعاونه على معصية الرحمن. # { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمؤمنين { ونذيرا } ~~منذرا للكافرين # { قل ما أسألكم عليه } على التبليغ { من أجر } جعل { ~~إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } والمراد إلا فعل ~~من شاء واستثناؤه من الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما ~~أطلب منك ثوابا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فليس حفظك ~~المال لنفسك من جنس الثواب ولكن صورة بصورة الثواب كأنه يقول: إن حفظت ~~مالك اعتد حفظك بمنزلة الثواب لي ورضائي به كرضا المثاب بالثواب، ولعمري ~~إنه عليه الصلاة والسلام مع أمته بهذا الصدد. ومعنى اتخاذهم إلى الله ~~سبيلا تقربهم إليه بالإيمان والطاعة أو بالصدقة والنفقة. وقيل: المراد ~~لكن من شاء أن يتخذ بالإنفاق إلى رضاء ربه سبيلا فليفعل. وقيل: تقديره ~~لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا إلا اتخاذ المدعو سبيلا إلى ربه ~~بطاعته ms0966 فذلك أجري لأن الله يأجرني عليه. ### || [25.58-59] # { وتوكل على الحى الذى لا يموت } اتخذ من لا يموت ~~وكيلا لا يكلك إلى من يموت ذليلا يعني ثق به وأسند أمرك إليه في ~~استكفاء شرورهم ولا تتكل على حي يموت. وقرأها بعض الصالحين فقال: لا يصح ~~لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق والتوكل الاعتماد عليه في كل أمر { وسبح ~~} من لا يكل إلى غيره من توكل عليه { بحمده } بتوفيقه الذي يوجب ~~الحمد أو قل سبحان الله وبحمده أو نزهه عن كل العيوب بالثناء عليه { ~~وكفى به بذنوب عباده خبيرا } أي كفى الله خبيرا بذنوب ~~عباده يعني أنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم { الذى خلق ~~السموت والأرض وما بينهما فى ستة أيام } أي ~~في مدة مقدار هذه المدة لأنه لم يكن حينئذ ليل ونهار. روي عن مجاهد: أو ~~لها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على ~~أن يخلقها في لحظة تعليما لخلقه الرفق والتثبت { ثم استوى على ~~العرش الرحمن } أي هو الرحمن ف { الرحمن } خبر مبتدأ محذوف ~~أو بدل من الضمير في { استوى } أو { الذي خلق } مبتدأ و { الرحمن } خبره ~~{ فسئل } بلا همزة مكي وعلي { به } صلة «سل» كقوله # سأل سائل بعذاب واقع # [المعارج:1] كما تكون «عن» صلته في قوله تعالى # ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 8] فسأل به كقولك اهتم به واشتغل به وسأل عنه كقولك بحث عنه ~~وفتش عنه أو صلة { خبيرا } ويكون { خبيرا } مفعول { سل } أي فاسأل ~~عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته، أو فاسأل رجلا خبيرا به وبرحمته، أو ~~الرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا ~~يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتب حتى تعرف من ~~ينكره، ومن ثم كانوا يقولون ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون ~~مسيلمة وكان يقال له رحمان اليمامة. ### || [25.60-62] # { وإذا قيل لهم } أي إذا قال محمد عليه الصلاة والسلام للمشركين ~~{ اسجدوا للرحمن } صلوا لله واخضعوا له { قالوا وما ~~الرحمن ms0967 } أي لا نعرف الرحمن فنسجد له، فهذا سؤال عن المسمى به ~~لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم والسؤال عن المجهول ب «ما» أو «عن» ~~معناه لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم كما استعمل الرحيم والراحم والرحوم ~~{ أنسجد لما تأمرنا } للذي تأمرنا بالسجود له أو لأمرك ~~بالسجود يا محمد من غير علم منا به. { يأمرنا } علي وحمزة كأن بعضهم قال ~~لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو؟ ~~فقد عاندوا لأن معناه عند أهل اللغة ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في ~~الرحمة لأن فعلان من أبنية المبالغة تقول: رجل عطشان إذا كان في نهاية ~~العطش { وزادهم } قوله { اسجدوا للرحمن } { نفورا } تباعدا عن ~~الإيمان { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } هي منازل ~~الكواكب السيارة لكل كوكب بيتان يقوي حاله فيهما. وللشمس بيت وللقمر بيت. ~~فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء ~~والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس ~~والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج مقسومة على ~~الطبائع الأربع فيصيب كل واحد منها ثلاثة بروج: فالحمل والأسد والقوس ~~مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان ~~والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. سميت المنازل ~~بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها ~~واشتقاق البروج من التبرج لظهوره. وقال الحسن وقتادة ومجاهد: البروج هي ~~النجوم الكبار لظهورها { وجعل فيها } في السماء { سراجا } يعني ~~الشمس لتوقدها. { سرجا } حمزة وعلى أي نجوما { وقمرا منيرا } ~~مضيئا بالليل. # { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } فعلة من خلف ~~كالركبة من ركب وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما ~~الآخر، والمعنى جعلهما ذوي خلفة يخلف أحدهما الآخر عند مضيه أو يخلفه في ~~قضاء ما فاته من الورد { لمن أراد أن يذكر } يتدبر في ~~تسخيرهما واختلافهما فيعرف مدبرهما. { يذكر } حمزة وخلف أي يذكر الله أو ~~المنسي فيقضي { أو أراد شكورا } أي يشكر نعمة ربه عليه فيهما. ### || [25.63-65] # { وعباد الرحمن ms0968 } مبتدأ خبره { الذين يمشون } أو أولئك يجزون { والذين ~~يمشون } وما بعدهما صفة والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل. وصف ~~أولياءه بعدما وصف أعداءه { على الأرض هونا } حال أو صفة للمشي أي هينين ~~أو مشيا هينا. والهون الرفق واللين أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون ~~مرح واختيال وتكبر فلا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا ~~ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ولقوله: # ويمشون في الأسواق # { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي السفهاء بما يكرهون { قالوا سلاما } ~~سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإفك أو تسلما منكم نتارككم ~~ولا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسلم. وقيل: نسختها آية القتال. ولا ~~حاجة إلى ذلك فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا ومروءة. هذا وصف نهارهم ~~ثم وصف ليلهم بقوله { والذين يبيتون لربهم سجدا } جمع ساجد { وقياما ~~} جمع قائم والبيتوتة خلاف الظلول وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم. ~~وقالوا: من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما. ~~وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء. والظاهر أنه وصف ~~لهم بإحياء الليل أو أكثره { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ~~إن عذابها كان غراما } هلاكا لازما ومنه الغريم لملازمته. وصفهم ~~بإحياء الليل ساجدين قائمين ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا بأنهم مع ~~اجتهادهم خائفون مبتهلون متضرعون إلى الله في صرف العذاب عنهم ### || [25.66-67] # { إنها ساءت مستقرا ومقاما } أي إن جهنم. و «ساءت» في حكم «بئست» ~~وفيها ضمير مبهم يفسره { مستقرا } والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت ~~مستقرا ومقاما هي، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم «إن» وجعلها ~~خبرا لها، أو بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم «إن» و { مستقرا } حال أو ~~تمييز، ويصح أن يكون التعليلان متداخلين ومترادفن وأن يكونا من كلام الله ~~تعالى وحكاية لقولهم. # { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا } لم يجاوزوا الحد في النفقة أو لم ~~يأكلوا للتنعم ولم يلبسوا للتصلف. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لم ~~ينفقوا في المعاصي فالإسراف مجاوزة القدر. وسمع رجل رجلا يقول: لا ms0969 خير ~~في الإسراف. فقال: لا إسراف في الخير، وقال عليه الصلاة والسلام # " من منع حقا فقد قتر ومن أعطى في غير حق فقد أسرف " # { ولم يقتروا } بضم التاء كوفي، وبضم الياء وكسر التاء مدني وشامي، ~~وبفتح الياء وكسر التاء مكي وبصري. والقتر والإقتار والتقتير والتضييق ~~الذي هو نقيض الإسراف { وكان } إنفاقهم { بين ذلك } أي الإسراف والإقتار ~~{ قواما } أي عدلا بينهما فالقوام العدل بين الشيئين والمنصوبان أي # بين ذلك قواما # [الإسراء:29] خبران وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، وبمثله ~~أمر عليه الصلاة والسلام # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # الآية. وسأل عبد الملك بن مروان عمر بن عبد العزيز عن نفقته حين زوجه ~~ابنته فقال: الحسنة بين السيئتين. فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه ~~الآية. وقيل: أولئك أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام كانوا لا يأكلون ~~طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثيابهم للجمال والزينة ولكن لسد الجوعة ~~وستر العورة ودفع الحر والقر. وقال عمر رضي الله عنه: كفى سرفا أن لا ~~يشتهي الرجل شيئا إلا أكله. ### || [25.68-70] # { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } أي لا يشركون { ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله } أي حرمها يعني حرم قتلها { إلا بالحق } بقود ~~أو رجم أو ردة أو شرك أو سعي في الأرض بالفساد، وهو متعلق بالقتل المحذوف ~~أو ب { لا يقتلون } { ولا يزنون } ونفى هذه الكبائر عن عباده الصالحين ~~تعريض لما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذي طهرهم الله ~~مما أنتم عليه { ومن يفعل ذلك } أي المذكور { يلق أثاما } جزاء الإثم { ~~يضاعف } بدل من يلق لأنهما في معنى واحد إذ مضاعفة العذاب هي لقاء الآثام ~~كقوله # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # فجزم «تلمم» لأنه بمعنى «تأتنا» إذ الإتيان هو الإلمام. { يضعف } مكي ~~ويزيد ويعقوب. { يضعف } شامي { يضاعف } أبو بكر على الاستئناف أو على ~~الحال ومعنى يضاعف { له العذاب يوم القيامة } أي يعذب على مرور الأيام في ~~الآخرة عذابا على عذاب. وقيل: ms0970 إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على ~~الشرك وعلى المعاصي جميعا فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه { ويخلد ~~} جزمه جازم { يضاعف } ورفعه رافعه لأنه معطوف عليه { فيه } في العذاب { ~~فيهي } مكي وحفص بالإشباع. وإنما خص حفص الإشباع بهذه الكلمة مبالغة في ~~الوعيد. والعرب تمد للمبالغة مع أن الأصل في هاء الكناية الإشباع { ~~مهانا } حال أي ذليلا { إلا من تاب } عن الشرك وهو استثناء من الجنس ~~في موضع النصب { وآمن } بمحمد عليه الصلاة والسلام { وعمل عملا صالحا } ~~بعد توبته { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } أي يوفقهم للمحاسن بعد ~~القبائح أو يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات الإيمان والطاعة، ولم ~~يرد به أن السيئة بعينها حسنة ولكن المراد ما ذكرنا. { يبدل } مخففا ~~البرجمي { وكان الله غفورا } يكفر السيئات { رحيما } يبدلها بالحسنات. ### || [25.71-73] # { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } أي ومن تاب وحقق ~~التوبة بالعمل الصالح فإنه يتوب بذلك إلى الله تعالى متابا مرضيا عنده ~~مكفرا للخطايا محصلا للثواب { والذين لا يشهدون الزور } أي الكذب يعني ~~ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يقربونها تنزها عن مخالطة ~~الشر وأهله إذ مشاهدة الباطل شركة فيه، وكذلك النظارة إلى ما لم تسوغه ~~الشريعة هم شركاء فاعليه في الآثام لأن حضورهم ونظرهم دليل على الرضا. ~~وسبب وجود الزيادة فيه وفي مواعظ عيسى عليه السلام: إياكم ومجالسة ~~الخاطئين. أو لا يشهدون شهادة الزور على حذف المضاف. وعن قتادة: المراد ~~مجالس الباطل. وعن ابن الحنفية: لا يشهدون اللهو والغناء. { وإذا مروا ~~باللغو } بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح، والمعنى وإذا مروا بأهل ~~اللغو والمشتغلين به { مروا كراما } معرضين أنفسهم عن التلوث به كقوله. # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص: 55] وعن الباقر رضي الله عنه: إذا ذكروا الفروج كنوا عنها { ~~والذين إذا ذكروا بأيات ربهم } أي قرىء عليهم القرآن أو وعظوا بالقرآن ~~{ لم يخروا عليها صما وعميانا } هذا ليس بنفي الخرور بل هو إثباب له ~~ونفي الصمم والعمى ونحوه «لا يلقاني زيد مسلما» هو نفي للسلام ms0971 لا للقاء ~~يعني أنهم إذا ذكروا بها خروا سجدا وبكيا سامعين بآذان واعية مبصرين ~~بعيون واعية لما أمروا ونهوا عنه لا كالمنافقين وأشباههم دليله قوله ~~تعالى: # وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ### || [25.74-75] # { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا } «من» للبيان كأنه قيل: هب ~~لنا قرة أعين. ثم بينت القرة وفسرت بقوله من أزواجنا { وذرياتنا } ~~ومعناه أن يجعلهم الله لهم قرة أعين وهو من قولهم «رأيت منك أسدا» أي ~~أنت أسد، أو للابتداء على معنى هب لنا من جهتهم ما تقربه عيوننا من طاعة ~~وصلاح { وذريتنا } أبو عمر وكوفي غير حفص لإرادة الجنس وغيرهم { ذرياتنا ~~} { قرة أعين } وإنما نكر لأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى ~~تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال: هب لنا منهم سرورا وفرحا. ~~وإنما قيل { أعين } على القلة دون «عيون» لأن المراد أعين المتقين وهي ~~قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم قال الله تعالى: # وقليل من عبادى الشكور # [سبأ: 13] ويجوز أن يقال في تنكير { أعين } إنها أعين خاصة وهي أعين ~~المتقين، والمعنى أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأعقابا عمالا لله ~~تعالى يسرون بمكانهم وتقر بهم عيونهم. وقيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ~~أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله تعالى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو ~~الولد إذا رآه يكتب الفقه { واجعلنا للمتقين إماما } أي أئمة يقتدون ~~بنا في الدين فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس، أو واجعل كل ~~واحد منا إماما. قيل: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن ~~تطلب ويرغب فيها. # { أولئك يجزون الغرفة } أي الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصارا ~~على الواحد الدال على الجنس دليله قوله: # وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37] { بما صبروا } أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات وعلى أذى ~~الكفار ومجاهدتهم وعلى الفقر وغير ذلك { ويلقون فيها } { ويلقون } كوفي ~~غير حفص { تحية } دعاء بالتعمير { وسلاما } ودعاء بالسلامة يعني أن ~~الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم أو يحيي ms0972 بعضهم بعضا ويسلم عليه ### || [25.76-77] # { خالدين فيها } حال { حسنت } أي الغرفة { مستقرا ومقاما } موضع قرار ~~وإقامة وهي في مقابلة { ساءت مستقرا ومقاما } { قل ما يعبأ بكم ربي ~~لولا دعاؤكم } «ما» متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب ومعناه ما ~~يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام أو لولا عبادتكم له أي أنه ~~خلقكم لعبادته كقوله: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] أي الاعتبار عند ربكم لعبادتكم. أو ما يصنع بعذابكم لولا ~~دعاؤكم معه آلهة، وهو كقوله تعالى: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم # [النساء: 147] فقد كذبتم } رسولي يا أهل مكة { فسوف يكون } العذاب { ~~لزاما } أي ذا لزام أو ملازما وضع مصدر لازم موضع اسم الفاعل، وقال ~~الضحاك: ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه إلها آخر. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-4] # وهي مائتان وعشرون وسبع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { طسم } طس ويس وحم ممالة كوفي غير الأعشى والبرجمي وحفص، ويظهر النون ~~عند الميم يزيد وحمزة. وغيرهما يدغمها { تلك آيات الكتاب المبين } الظاهر ~~إعجازه، وصحة أنه من عند الله والمراد به السورة أو القرآن، والمعنى آيات ~~هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين { لعلك باخع } ~~قاتل و «لعل» للإشفاق { نفسك } من الحزن يعني أشفق على نفسك أن تقتلها ~~حسرة وحزنا على ما فاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } لئلا ~~يؤمنوا أو لامتناع إيمانهم أو خيفة أن لا يؤمنوا { إن نشأ } إيمانهم { ~~ننزل عليهم من السماء آية } دلالة واضحة { فظلت } أي فتظل لأن ~~الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل تقول: إن زرتني أكرمتك أي ~~أكرمك كذا قاله الزجاج { أعناقهم } رؤساؤهم ومقدموهم أو جماعاتهم يقال: ~~جاءنا عنق من الناس لفوج منهم { لها خاضعين } منقادين. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: نزلت فينا وفي بني أمية فتكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا ~~أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزتهم ### || [26.5-10] # { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ألا كانوا عنه معرضين } أي ~~وما يجدد لهم الله ms0973 بوحيه موعظة وتذكيرا إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به ~~{ فقد كذبوا } محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به { فسيأتيهم } ~~فسيعلمون { أنباؤا } أخبار { ما كانوا به يستهزؤون } وهذا وعيد لهم ~~وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة ما ~~الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو القرآن وسيأتيهم أنباؤه وأحواله ~~التي كانت خافية عليهم. # { أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا } { كم } نصب ب { أنبتنا } { فيها ~~من كل زوج } صنف من النبات { كريم } محمود كثير المنفعة يأكل منه ~~الناس والأنعام كالرجل الكريم الذي نفعه عام. وفائدة الجمع بين كلمتي ~~الكثرة والإحاطة أن كلمة { كل } تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل ~~التفصيل و { كم } تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، وبه نبه على ~~كمال قدرته { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } أي إن في إنبات ~~تلك الأصناف لآية على أن مبنتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن ~~أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجى إيمانهم { وإن ربك لهو العزيز } في ~~انتقامه من الكفرة { الرحيم } لمن آمن منهم ووحد آية مع الإخبار بكثرتها ~~لأن ذلك مشار به إلى مصدر أنبتنا، أو المراد إن في كل واحد من تلك ~~الأزواج لآية أي آية. # { وإذ } مفعول به أي اذكر إذ { نادى } دعا { ربك موسى أن ائت } إن ~~بمعنى أي { القوم الظالمين } أنفسهم بالكفر وبني إسرائيل بالاستعباد ~~وذبح الأولاد سجل عليهم بالظلم، ثم عطف ### || [26.11-15] # { قوم فرعون } عليهم عطف البيان كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم ~~فرعون وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد { ألا يتقون } أي ائتهم ~~زاجرا فقد آن لهم أن يتقوا، وهي كلمة حث وإغراء. ويحتمل أنه حال من ~~الضمير في { الظالمين } أي يظلمون غير متقين الله وعقابه فأدخلت همزة ~~الإنكار على الحال. # { قال رب إني أخاف } الخوف غم يلحق الإنسان لأمر سيقع { أن يكذبون ~~ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي مستأنف أو عطف على أخاف { ولا ينطلق لساني } ~~بأن تغلبني الحمية على ما أرى من ms0974 المحال وأسمع من الجدال وبنصبهما يعقوب ~~عطفا على { يكذبون } فالخوف متعلق بهذه الثلاثة على هذا التقدير ~~وبالتكذيب وحده بتقدير الرفع { فأرسل إلى هارون } أي أرسل إليه جبريل ~~واجعله نبيا يعينني على الرسالة، وكان هارون بمصر حين بعث موسى نبيا ~~بالشام. ولم يكن هذا الالتماس من موسى عليه السلام توقفا في الامتثال بل ~~التماس عون في تبليغ الرسالة، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ ~~الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا ~~على التعلل { ولهم علي ذنب } أي تبعة ذنب بقتل القبطي فحذف المضاف، أو ~~سمى تبعة الذنب ذنبا كما سمى جزاء السيئة سيئة { فأخاف أن يقتلون } أي ~~يقتلوني به قصاصا، وليس هذا تعللا أيضا بل استدفاع للبلية المتوقعة، ~~وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة ولذا وعده بالكلاءة والدفع بكلمة ~~الردع. # وجمع له الاستجابتين معا في قوله { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه ~~بلاءهم فوعده الله الدفع بردعه عن الخوف والتمس منه رسالة أخيه فأجابه ~~بقوله { اذهبا } أي جعلته رسولا معك فاذهبا. وعطف { فاذهبا } على الفعل ~~الذي يدل عليه { كلا } كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ~~{ بأياتنا } مع آياتنا وهي اليد والعصا وغير ذلك { إنا معكم } أي معكما ~~بالعون والنصرة ومع من أرسلتما إليه بالعلم والقدرة { مستمعون } خبر ل ~~«إن» و { معكم } لغو، أو هما خبران أي سامعون، والاستماع في غير هذا ~~الإصغاء للسماع يقال: استمع فلان إلى حديثه أي أصغى إليه ولا يجوز حمله ~~ههنا على ذلك فحمل على السماع ### || [26.16-20] # { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } لم يثن الرسول كما ثنى في ~~قوله # إنا رسولا ربك # [طه: 47] لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعل ثمة بمعنى ~~المرسل فلم يكن بد من تثنيته، وجعل هنا بمعنى الرسالة فيستوي في الوصف به ~~الواحد والتثنية والجمع، أو لأنهما لاتحادهما واتفاقهما على شريعة واحدة ~~كأنهما رسول واحد، أو أريد إن كل واحد منا { أن أرسل } بمعنى أي أرسل ~~لتضمن الرسول معنى ms0975 الإرسال وفيه معنى القول { معنا بني إسرائيل } يريد ~~خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين وكانت مسكنهما فأتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة ~~حتى قال البواب: إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: ائذن ~~له لعلنا نضحك منه. فأديا إليه الرسالة فعرف فرعون موسى فعند ذلك. # { قال ألم نربك فينا وليدا } وإنما حذف فأتيا فرعون فقال اختصارا. ~~والوليد الصبي لقرب عهده من الولادة أي ألم تكن صغيرا فربيناك { ولبثت ~~فينا من عمرك سنين } قيل: ثلاثين سنة { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني قتل ~~القبطي فعرض إذ كان ملكا { وأنت من الكافرين } بنعمتي حيث قتلت خبازي أو ~~كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم من ~~الكفر وكان يعايشهم بالتقية { قال فعلتها إذا } أي إذ ذاك { وأنا من ~~الضالين } الجاهلين بأنها تبلغ القتل والضال عن الشيء هو الذاهب عن ~~معرفته، أو الناسين من قوله # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282] فدفع وصف الكفر عن نفسه ووضع { الضالين } موضع الكافرين و ~~{ إذا } جواب وجزاء معا، وهذا الكلام وقع جوابا لفرعون وجزاء له لأن ~~قول فرعون و { فعلت فعلتك } معناه أنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال له ~~موسى: نعم فعلتها مجازيا لك تسليما لقوله لأن نعمته كانت جديرة بأن ~~تجازى بنحو ذلك الجزاء ### || [26.21-28] # { ففررت منكم } إلى مدين { لما خفتكم } أن تقتلوني وذلك حين قال له ~~مؤمن من آل فرعون # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج # [القصص: 20] الآية. { فوهب لي ربي حكما } نبوة وعلما فزال عني الجهل ~~والضلالة { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله { وتلك نعمة تمنها علي ~~أن عبدت بني إسرائيل } كر على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله ~~وأبى أن تسمى نعمة لأنها نقمة حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني ~~إسرائيل لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده ~~وتربيته، ولو تركهم لرباه أبواه فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه ~~وإخراجه من حجر أبويه إذا حققت وتعبيدهم تذليلهم واتخاذهم عبيدا. ووحد ~~الضمير ms0976 في { تمنها } و { عبدت } وجمع في { منكم } و { خفتكم } لأن الخوف ~~والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك # [القصص: 20]. وأما الامتنان فمنه وحده وكذا التعبيد. وتلك { إشارة } إلى ~~خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بتفسيرها، ومحل { أن عبدت } الرفع ~~عطف بيان لتلك أي تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي. # { قال فرعون وما رب العلمين } أي إنك تدعي أنك رسول ~~رب العالمين فما صفته لأنك إذا أردت السؤال عن صفة زيد تقول: ما زيد؟ ~~تعني أطويل أم قصير أفقيه أم طبيب نص عليه صاحب الكشاف وغيره { قال } ~~موسى مجيبا له على وفق سؤاله { رب السموت والأرض وما ~~بينهمآ } أي وما بين الجنسين { إن كنتم موقنين } أي إن ~~كنتم تعرفون الأشياء بالدليل فكفى خلق هذه الأشياء دليلا، أو إن كان ~~يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ~~ينفع. والإيقان العلم الذي يستفاد بالاستدلال ولذا لا يقال الله موقن # { قال } أي فرعون { لمن حوله } من أشراف قومه وهم خمسمائة رجل ~~عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة { ألا تستمعون } معجبا قومه من ~~جوابه لأنهم يزعمون قدمهما وينكرون حدوثهما وأن لهما ربا فاحتاج موسى ~~إلى أن يستدل بما شاهدوا حدوثه وفناءه فاستدل حيث { قال ربكم ~~ورب ءابائكم الأولين } أي هو خالقكم وخالق آبائكم فإن لم ~~تستدلوا بغيركم فبأنفسكم. وإنما قال { رب ءابائكم } لأن فرعون كان ~~يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. # { قال } أي فرعون { إن رسولكم الذى أرسل إليكم ~~لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود إلها غيري وكان فرعون ينكر إلهية ~~غيره { قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن ~~كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم، وهذا غاية ~~الإرشاد حيث عمم أولا بخلق السماوات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام ~~للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه ~~وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم ms0977 خصص المشرق والمغرب ~~لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في ~~فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج ~~به خليل الرحمن عن الاحتجاج بالأحياء والإماتة على نمروذ بن كنعان. # وقيل: سأله فرعون عن الماهية جاهلا عن حقيقة سؤاله، فلما أجاب موسى ~~بحقيقة الجواب وقع عنده أن موسى حاد عن الجواب حيث سأله عن الماهية وهو ~~يجيب عن ربوبيته وآثار صنعه فقال معجبا لهم من جواب موسى: ألا تستمعون؟ ~~فعاد موسى إلى مثل قوله الأول فجننه فرعون زاعما أنه حائد عن الجواب، ~~فعاد ثالثا إلى مثل كلامه الأول مبينا أن الفرد الحقيقي إنما يعرف ~~بالصفات وأن السؤال عن الماهية محال وإليه الإشارة في قوله تعالى { إن ~~كنتم تعقلون } أي إن كان لكم عقل علمكم أنه لا تمكن معرفته إلا ~~بهذا الطريق، فلما تجير فرعون ولم يتهيأ له أن يدفع ظهور آثار صنعه. ### || [26.29-34] # { قال لئن اتخذت إلها غيرى } أي غيري إلها { ~~لأجعلنك من المسجونين } أي لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم ~~في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في ~~الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشد من القتل. ~~ولو قيل لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان أخصر { قال أولو ~~جئتك } الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام أي أتفعل بي ذلك ولو ~~جئتك { بشىء مبين } أي جائيا بالمعجزة { قال فأت به } ~~بالذي يبين صدقك { إن كنت من الصدقين } أن لك بينة وجواب ~~الشرط مقدر أي فأحضره { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان ~~مبين } ظاهر الثعبانية لا شيء يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزورة ~~بالشعوذة والسحر. روي أن العصا ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة ~~إلى فرعون وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت. ويقول فرعون: أسألك بالذي ~~أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. { ونزع يده فإذا هى ~~بيضاء للنظرين } فيه دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع ~~النظارة ms0978 على النظر إليه لخروجه عن العادة وكان بياضها نوريا. روي أن ~~فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: فهل غيرها فأخرج يده فقال لفرعون ما ~~هذه؟ قال فرعون: يدك، فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي ~~الأبصار ويسد الأفق { قال } أي فرعون { للملإ حوله } هو منصوب ~~نصبين نصب في اللفظ والعامل فيه ما يقدر في الظرف، ونصب في المحل وهو ~~النصب على الحال من الملأ أي كائنين حوله والعامل فيه قال { إن ~~هذا لسحر عليم } بالسحر. ثم أغوى قومه على موسى بقوله ### || [26.35-40] # { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا } ~~منصوب لأنه مفعول به من قولك أمرتك الخير { تأمرون } تشيرون في أمره ~~من حبس أو قتل من المؤامرة وهي المشاورة، أو من الأمر الذي هو ضد النهي. # لما تحير فرعون برؤية الآيتين وزال عنه ذكر دعوى الالهية وحط عن منكبيه ~~كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه خوفا طفق يؤامر قومه الذي هم بزعمه ~~عبيده وهو إلههم، أو جعلهم آمرين ونفسه مأمورا { قالوا أرجه ~~وأخاه } أخر أمرهما ولا تباغت قتلهما خوفا من الفتنة { وابعث ~~فى المدائن حشرين } شرطا يحشرون السحرة وعارضوا قول فرعون { ~~إن هذا لساحر عليم } بقولهم # { يأتوك بكل سحار عليم } فجاءوا بكلمة الإحاطة وصيغة ~~المبالغة ليسكنوا بعض قلقه { فجمع السحرة لميقت يوم ~~معلوم } أي يوم الزينة وميقاته وقت الضحى لأنه الوقت الذي وقته لهم ~~موسى عليه السلام من يوم الزينة في قوله تعالى: # موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59] والميقات ما وقت به أي حدد من زمان أو مكان ومنه مواقيت ~~الإحرام { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي اجتمعوا ~~وهو استبطاء لهم في الاجتماع والمراد منه استعجالهم { لعلنا ~~نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغلبين } ~~أي غلبوا موسى في دينه وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض الكلي أن لا ~~يتبعوا موسى فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا ~~متبعين لموسى. ### || [26.41-49] # { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغلبين قال نعم ms0979 } وبكسر العين: ~~علي، وهما لغتان { وإنكم إذا لمن المقربين } أي قال ~~فرعون نعم لكم أجر عندي وتكونون مع ذلك من المقربين عندي في المرتبة ~~والجاه فتكونون أول من يدخل علي وآخر من يخرج. ولما كان قولهم: { أئن لنا ~~لأجرا } في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه وكان قوله: { وإنكم إذا لمن ~~المقربين } معطوفا عليه دخلت { إذا } قارة في مكانها الذي تقضيه من ~~الجواب والجزاء { قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ~~ملقون } من السحر فسوف ترون عاقبته { فألقوا حبلهم } ~~سبعين ألف حبل { وعصيهم } سبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين ~~وسبعين ألفا وكذا العصي { وقالوا بعزة فرعون إنا ~~لنحن الغلبون } أقسموا بعزته وقوته وهو من أيمان الجاهلية { ~~فألقى موسى عصه فإذا هى تلقف } تبتلع { ما ~~يأفكون } ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم ويزورونه ويخيلون في ~~حبالهم وعصيهم أنها حياة تسعى { فألقى السحرة سجدين } ~~عبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لأنه ذكر مع الإلقاءات ولأنهم ~~لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقوا { قالوا ءامنا برب ~~العلمين } عن عكرمة رضي الله عنه: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء # { رب موسى وهرون } عطف بيان ل { رب العالمين } لأن فرعون ~~كان يدعي الربوبية فأرادوا أن يعزلوه. وقيل؛ إن فرعون لما سمع منهم { ~~آمنا برب العالمين } قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. # { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم } بذلك { إنه ~~لكبيركم الذى علمكم السحر } وقد تواطأتم على أمر ومكر ~~{ فلسوف تعلمون } وبال ما فعلتم. ثم صرح فقال { لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف } من أجل خلاف ظهر منكم { ~~ولأصلبنكم أجمعين } كأنه أراد به ترهيب العامة لئلا يتبعوهم ~~في الإيمان ### || [26.50-53] # { قالوا لا ضير } لا ضرر وخبر «لا» محذوف أي في ذلك أو علينا { ~~إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطينا أن كنا } لأن كنا { أول المؤمنين } ~~من أهل المشهد أو من رعية فرعون. أراد وإلا ضرر علينا في ذلك بل لنا أعظم ~~النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله من تكفير الخطايا، أو ms0980 لا ضير ~~علينا فيما تتوعدنا به إنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب ~~الموت، والقتل أهون أسبابه وأرجاها، أو لا ضير علينا في قتلك إنك إن ~~قتلتنا انقلبنا إلى ربنا إنقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته لما رزقنا ~~من السبق إلى الإيمان { وأوحينا إلى موسى أن أسر } ~~وبوصل الهمزة: حجازي { بعبادى } بني إسرائيل سماهم عباده لإيمانهم ~~بنبيه أي سر بهم ليلا وهذا بعد سنين من إيمان السحرة { إنكم ~~متبعون } يتبعكم فرعون وقومه علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون ~~وجنوده آثارهم يعني إني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدموا ويتبعوكم ~~حتى يدخلوا مدخلكم من طريق البحر فأهلكهم. وروي أنه مات في تلك الليلة في ~~كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله ~~تعالى أوحى إلى موسى أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت ثم اذبح ~~الجداء واضربوا بدمائها على أبوابكم فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا ~~بيتا على بابه دم وسآمرهم بقتل أبكار القبط، واخبزوا خبزا فطيرا فإنه ~~أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. # { فأرسل فرعون فى المدائن حشرين } أي جامعين للناس ~~بعنف، فلما اجتمعوا قال: ### || [26.54-60] # { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } والشرذمة الطائفة القليلة ~~ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل ~~فجعل كل حزب منهم قليلا. واختار جمع السلامة الذي هو للقلة أو أراد ~~بالقلة الذلة لا قلة العدد أي أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا تتوقع ~~غلبتهم. وإنما استقل قوم موسى وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا لكثرة من ~~معه. فعن الضحاك: كانوا سبعة الآف ألف { وإنهم لنا لغائظون ~~} أي أنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا وهي خروجهم من مصرنا ~~وحملهم حلينا وقتلهم أبكارنا { وإنا لجميع حذرون } شامي ~~وكوفي وغيرهم { حذرون } فالحذر المتيقظ والحاذر الذي يجدد حذره. وقيل: ~~المؤدي في السلاح وإنما يفعل ذلك حذرا واحتياطا لنفسه يعني ونحن قوم من ~~عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، ms0981 فإذا خرج علينا خارج ~~سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن ~~به العجز والفتور. # { فأخرجنهم من جنت } بساتين { وعيون } وأنهار ~~جارية { وكنوز } وأموال ظاهرة من الذهب والفضة وسماها كنوزا لأنهم ~~لا ينفقون منها في طاعة الله تعالى { ومقام } ومنزل { كريم } بهي ~~بهيج. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المنابر { كذلك } يحتمل النصب ~~على { أخرجناهم } مثل ذلك الآخراج الذي وصفنا، والرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أي الأمر كذلك { وأورثنها بنى إسرءيل } عن الحسن: ~~لما عبروا النهر رجعوا وأخذوا ديارهم وأموالهم { فأتبعوهم } ~~فلحقوهم { فاتبعوهم } يزيد { مشرقين } حال أي داخلين في وقت شروق ~~الشمس وهو طلوعها أدرك قوم فرعون موسى وقومه وقت طلوع الشمس ### || [26.61-66] # { فلما تراءا الجمعان } أي تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه ~~والمراد بنو إسرائيل والقبط { قال أصحب موسى إنا ~~لمدركون } أي قرب أي يلحقنا عدونا وأمامنا البحر { قال } موسى ~~عليه السلام ثقة بوعد الله إياه { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله ~~فلن يدركوكم { إن معى } { معى } حفص { ربى سيهدين } أي ~~سيهديني طريق النجاة من إدراكهم وإدرارهم { سيهديني } بالياء: يعقوب { ~~فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي ~~القلزم أو النيل { فانفلق } أي فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر ~~فرقا على عدد الأسباط { فكان كل فرق } أي جزء تفرق منه { ~~كالطود العظيم } كالجبل المنطاد في السماء { وأزلفنا ~~ثم } حيث انفلق البحر { الآخرين } قوم فرعون أي قربناهم من بني ~~إسرائيل أو من البحر { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } ~~من الغرق { ثم أغرقنا الآخرين } فرعون وقومه، وفيه إبطال ~~القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث فإنهم اجتمعوا في ~~الهلاك مع اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني ~~إسرائيل وبين آل فرعون فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم. ~~ويستقبل القبط فيقول: رويدكم يلحق آخركم بأولكم. فلما انتهى موسى إلى ~~البحر قال يوشع لموسى: أين أمرت فهذا البحر أمامك وغشيك آل فرعون؟ قال ~~موسى: ههنا. فخاض يوشع الماء وضرب موسى بعصاه البحر ms0982 فدخلوا. وروي أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء ~~والكائن بعد كل شيء ### || [26.67-76] # { إن فى ذلك } أي فيما فعلنا بموسى وفرعون { لآية } لعبرة ~~عجيبة لا توصف { وما كان أكثرهم } أي المغرقين { مؤمنين ~~} قالوا: لم يؤمن منهم إلا آسية وحزقيل مؤمن آل فرعون ومريم التي دلت ~~موسى على قبر يوسف { وإن ربك لهو العزيز } بالانتقام من ~~أعدائه { الرحيم } بالإنعام على أوليائه. # { واتل عليهم } على مشركي قريش { نبأ إبرهيم } خبره { ~~إذ قال لأبيه وقومه } قوم إبراهيم أو قوم الأب { ما ~~تعبدون } أي أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة ~~الأصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس بمستحق للعبادة { قالوا ~~نعبد أصناما } وجواب ما تعبدون أصناما ك. # يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] # ماذا قال ربكم قالوا الحق # [سبأ: 23] لأنه سؤال عن المعبود لا عن العبادة. وإنما زادوا { نعبد } في ~~الجواب افتخارا ومباهاة بعبادتها ولذا عطفوا على { نعبد } { فنظل ~~لها عكفين } فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا { فنظل } ~~لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل أو معناه الدوام { قال } أي ~~إبراهيم { هل يسمعونكم } هل يسمعون دعاءكم على حذف المضاف ~~لدلالة { إذ تدعون } عليه { أو ينفعونكم } إن عبدتموها { ~~أو يضرون } إن تركتم عبادتها # { قالوا بل } إضراب أي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ولا نعبدها لشيء ~~من ذلك ولكن { وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون } فقلدناهم { ~~قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءاباؤكم ~~الأقدمون } الأولون ### || [26.77-82] # { فإنهم } أي الأصنام { عدو لى } العدو والصديق يجيئان في ~~معنى الوحدة والجماعة يعني لو عبدتهم لكانوا أعداء لي في يوم القيامة ~~كقوله # سيكفرون بعبدتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] وقال الفراء: هو من المقلوب أي فإني عدوهم. وفي قوله { عدو ~~لي } دون «لكم» زيادة نصح ليكون أدعى لهم إلى القبول، ولو قال «فإنهم عدو ~~لكم» لم يكن بتلك المثابة { إلا رب العلمين } استثناء منقطع ~~لأنه لم يدخل تحت الأعداء كأنه قال: لكن رب العالمين. # { الذى خلقنى } بالتكوين ms0983 في القرار المكين { فهو يهدين } ~~لمناهج الدنيا ولمصالح الدين والاستقبال في يهديني مع سبق العناية لأنه ~~يحتمل يهديني للأهم الأفضل والأتم الأكمل، أو الذي خلقني لأسباب خدمته ~~فهو يهديني إلى آداب خلته { والذى هو يطعمنى } أضاف الإطعام ~~إلى ولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام { ويسقين } ~~قال ابن عطاء: هو الذي يحييني بطعامه ويرويني بشرابه { وإذا مرضت ~~} وإنما لم يقل أمرضني لأنه قصد الذكر بلسان الشكر فلم يضف إليه ما يقتضي ~~الضر. قال ابن عطاء: وإذا مرضت برؤية الخلق { فهو يشفين } بمشاهدة ~~الحق. قال الصادق: إذا مرضت برؤية الأفعال فهو يشفين بكشف منة الإفضال { ~~والذى يميتنى ثم يحيين } ولم يقل إذا مت لأنه الخروج من ~~حبس البلاء ودار الفناء إلى روض البقاء لوعد اللقاء. وأدخل «ثم» في ~~الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية والشفاء لأنهما ~~يعقبان الخلق والمرض لامعا معا. { والذى أطمع } طمع العبيد في ~~الموالي بالإفضال لا على الاستحقاق بالسؤال { أن يغفر لى ~~خطيئتى } قيل: هو قوله # إنى سقيم # [الصافات: 89] # بل فعله كبيرهم # [الأنبياء: 63] # هذا ربى # [الأنعام:67] للبازغ هي أختي لسارة، وما هي إلا معاريض جائزة وليست ~~بخطايا يطلب لها الاستغفار، واستغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم ~~لأنفسهم وتعليم للأمم في طلب المغفرة، { يوم الدين } يوم الجزاء. ### || [26.83-89] # { رب هب لى حكما } حكمة أو حكما بين الناس بالحق أو نبوة لأن ~~النبي عليه السلام ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله { وألحقنى ~~بالصلحين } أي الأنبياء ولقد أجابه حيث قال # وإنه فى الآخرة لمن الصلحين # [البقرة:30] { واجعل لى لسان صدق فى الآخرين } أي ثناء ~~حسنا وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي فأعطي ذلك فكل أهل دين ~~يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. # { واجعلنى من } يتعلق بمحذوف أي وارثا من { ورثة جنة ~~النعيم } أي من الباقين فيها { واغفر لأبى } اجعله أهل المغفرة ~~بإعطاء الإسلام وكان وعده الإسلام يوم فارقه { إنه كان من ~~الضالين } الكافرين { ولا تخزنى } الإخزاء من الخزي وهو الهوان ~~أو ms0984 من الخزاية وهو الحياء وهذا نحو الاستغفار كما بينا { يوم ~~يبعثون } الضمير فيه للعباد لأنه معلوم، أو للضالين وأن يجعل من ~~جملة الاستغفار لأبيه أي ولا تخزني في يوم يبعث الضالون وأبي فيهم { ~~يوم لا ينفع مال } هو بدل من يوم الأول { ولا بنون } أحدا ~~{ إلا من أتى الله بقلب سليم } عن الكفر والنفاق وقلب ~~الكافر والمنافق مريض لقوله تعالى: # فى قلوبهم مرض # [البقرة: 10] أي إن المال إذا صرف في وجوه البر وبنوه صالحون فإنه ينتفع ~~به وبهم سليم القلب، أو جعل المال والبنون في معنى الغني كأنه قيل: يوم ~~لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة ~~قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. وقد جعل { من } مفعولا ل { ~~ينفع } أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في ~~طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. ويجوز على هذا ~~إلا من أتى الله بقلب سليم من فتنة المال والبنين. وقد صوب الجليل استثاء ~~الخليل إكراما له ثم جعله صفة له في قوله: # وإن من شيعته لإبرهيم إذ جاء ربه بقلب سليم # [الصافات:84] وما أحسن ما رتب عليه السلام كلامه مع المشركين حيث سألهم ~~أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها ~~بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأخرجه من ~~أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى ~~تخلص منها إلى ذكر الله تعالى فعظم شأنه وعدد نعمته من حين إنشائه إلى ~~وقت وفاته مع ما يرجي في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات ~~المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب ~~الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا ~~فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا. ### || [26.90-93] # { وأزلفت الجنة للمتقين } أي ms0985 قربت عطف جملة على جملة ~~أي تزلف من موقف السعداء فينظرون إليها # { وبرزت الجحيم } أي أظهرت حتى يكاد يأخذهم لهبها { ~~للغاوين } للكافرين { وقيل لهم أين ما كنتم ~~تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون } ~~يوبخون على إشراكهم فيقال لهم أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم، أو هل ~~ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار ### || [26.94-101] # { فكبكبوا } أنكسوا أو طرح بعضهم على بعض { فيها } في الجحيم { ~~هم } أي الآلهة { والغاوون } وعبدتهم الذين برزت لهم. والكبكبة ~~تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى كأنه إذا ~~ألقي في جهنم ينكب مرة إثر مرة حتى يستقر في قعرها نعوذ بالله منها { ~~وجنود إبليس أجمعون } شياطينه أو متبعوه من عصاة الإنس ~~والجن { قالوا وهم فيها يختصمون } يجوز أن ينطق الله ~~الأصنام حتى يصح التقاول والتخاصم، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة ~~والشياطين { تالله إن كنا لفى ضلل مبين إذ ~~نسويكم } نعدلكم أيها الأصنام { برب العلمين } في العبادة ~~{ وما أضلنا إلا المجرمون } أي رؤساؤهم الذين أضلوهم أو ~~إبليس وجنوده ومن سن الشرك. # { فما لنا من شفعين } كما للمؤمنين من الأنبياء والأولياء ~~والملائكة { ولا صديق حميم } كما نرى لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في ~~الآخرة إلا المؤمنون وأما أهل النار فبينهم التعادي: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين # [الزخرف: 67] أو # فما لنا من شفعين ولا صديق حميم # [الشعراء: 100] من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون ~~في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. ~~والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة ~~بمعنى الخاصة وهو الصديق الخاص. وجمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء ~~في العادة، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك فقليل. ~~وسئل حكيم عن الصديق فقال: اسم لا معنى له. وجاز أن يراد بالصديق الجمع ### || [26.102-110] # { فلو أن لنا كرة } رجعة إلى الدنيا { فنكون من ~~المؤمنين } وجواب «لو» محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت، أو لو في مثل ms0986 ~~هذا بمعنى التمني كأنه قيل: فليت لنا كرة. لما بين معنى «لو» و «ليت» من ~~التلاقي { إن فى ذلك } فيما ذكر من الأنباء { لآية } أي لعبرة ~~لمن اعتبر { وما كان أكثرهم مؤمنين } فيه أن فريقا منهم ~~آمنوا { وإن ربك لهو العزيز } المنتقم ممن كذب إبراهيم ~~بنار الجحيم { الرحيم } المسلم كل ذي قلب سليم إلى جنة النعيم. # { كذبت قوم نوح المرسلين } القوم يذكر ويؤنث. قيل: ولد ~~نوح في زمن آدم عليه السلام ونظير قوله المرسلين والمراد نوح عليه السلام ~~قولك «فلان يركب الدواب ويلبس البرود» وماله إلا دابة أو برد، أو كانوا ~~ينكرون بعث الرسل أصلا فلذا جمع، أو لأن من كذب واحدا منهم فقد كذب ~~الكل لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل وكذا جميع ما في ~~هذه السورة { إذ قال لهم أخوهم } نسبا لا دينا { نوح ~~ألا تتقون } خالق الأنام فتتركوا عبادة الأصنام { إني لكم ~~رسول أمين } كان مشهورا بالأمانة فيهم كمحمد عليه الصلاة والسلام ~~في قريش. # { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من ~~الحق { وما أسئلكم عليه } على هذا الأمر { من أجر } ~~جزاء { إن أجرى } بالفتح مدني وشامي وأبو عمرو وحفص { إلا ~~على رب العلمين } فلذلك أريده { فاتقوا الله ~~وأطيعون } كرره ليقرره في نفوسهم مع تعليق كل واحد منهما بعلة، فعلة ~~الأول كونه أمينا فيهما بينهم، وعلة الثاني حسم طمعه منهم كأنه قال: إذا ~~عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله، ثم إذا عرفتم احترازي من الأجر فاتقوا ~~الله. ### || [26.111-117] # { قالوا أنؤمن لك واتبعك } الواو للحال و «قد» مضمرة ~~بعدها دليله قراءة يعقوب { وأتباعك } جمع تابع كشاهد وأشهاد أو تبع كبطل ~~وأبطال { الأرذلون } السفلة والرذالة الخسة والدناءة. وإنما ~~استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا. وقيل: كانوا من أهل ~~الصناعات الدنيئة والصناعة لا تزري بالديانة فالغنى غنى الدين والنسب نسب ~~التقوى، ولا يجوز أن يسمى المؤمن رذلا وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا ~~وما زالت أتباع الأنبياء كذلك { قال وما علمى } وأي شيء أعلم { ~~بما كانوا ms0987 يعملون } من الصناعات إنما أطلب منهم الايمان. وقيل: ~~إنهم طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم وقالوا: إن الذين آمنوا بك ليس في ~~قلوبهم ما يظهرونه فقال: ما علي إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش عن ~~السرائر { إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون } أن ~~الله يحاسبهم على ما في قلوبهم { وما أنا بطارد المؤمنين ~~} أي ليس من شأني أن أتبع شهواتكم بطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم { إن ~~أنا إلا نذير مبين } ما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا ~~بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل ثم أنتم أعلم بشأنكم { ~~قالوا لئن لم تنته ي نوح } عما تقول { لتكونن من ~~المرجومين } من المقتولين بالحجارة { قال رب إن قومى ~~كذبون } ليس هذا إخبارا بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة ~~أعلم ولكنه أراد أنهم كذبوني في وحيك ورسالتك ### || [26.118-130] # { فافتح بينى وبينهم فتحا } أي أي فاحكم بيني وبينهم ~~حكما، والفتاحة الحكومة والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق كما سمي ~~فيصلا لأنه يفصل بين الخصومات { ونجنى ومن معى } { معي } حفص ~~{ من المؤمنين } من عذاب عملهم. # { فأنجينه ومن معه فى الفلك } الفلك السفينة وجمعه ~~فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد { المشحون } المملوء ومنه شحنة ~~البلد أي الذي يملؤه كفاية { ثم أغرقنا بعد } أي بعد إنجاء ~~نوح ومن آمن { البقين } من قومه { إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز } ~~المنتقم بإهانة من جحد وأصر { الرحيم } المنعم بإعانة من وحد وأقر. # { كذبت عاد المرسلين } هي قبيلة وفي الأصل اسم رجل هو أبو ~~القبيلة { إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني ~~لكم رسول أمين فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين { ~~وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العلمين أتبنون بكل ريع } مكان ~~مرتفع { ءاية } برج حمام أو بناء يكون لارتفاعه كالعلامة يسخرون بمن مر ~~بهم { تعبثون } تلعبون { وتتخذون مصانع } مآخذ الماء أو ~~قصورا مشيدة أو حصونا { لعلكم تخلدون } ترجون الخلود في ~~الدنيا { وإذا بطشتم } أخذتم أحدا بعقوبة { بطشتم ~~جبارين } قتلا ms0988 بالسيف وضربا بالسوط والجبار الذي يقتل ويضرب على ~~الغضب ### || [26.131-146] # { فاتقوا الله } في البطش { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه { ~~واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون } من النعم. ثم عددها ~~عليهم فقال { أمدكم بأنعم وبنين } قرن البنين بالأنعام ~~لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام عليها { وجنت وعيون إنى ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني { قالوا ~~سوآء علينا أوعظت أم لم تكن من الوعظين } أي ~~لا نقبل كلامك ودعوتك وعظت أم سكت. ولم يقل أم لم تعظ لرؤوس الآي { إن ~~هذا إلا خلق الأولين } ما هذا الذي نحن عليه من الحياة ~~والموت واتخاذ الابتناء إلا عادة الأولين، أو ما نحن عليه دين الأولين. { ~~إلا خلق الأولين } مكي وبصري ويزيد وعلي أي ما جئت به اختلاق الأولين ~~وكذب المتنبئين قبلك كقولك # أساطير الأولين # [الأنعام: 25] أو خلقنا كخلق الأولين نموت ونحيا كما حيوا { وما ~~نحن بمعذبين } في الدنيا ولا بعث ولا حساب. # { فكذبوه } أي هودا { فأهلكنهم } بريح صرصر عاتية. { ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم كذبت ثمود المرسلين ~~إذ قال لهم أخوهم صلح ألا تتقون إني لكم ~~رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم ~~عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين ~~أتتركون } إنكار لأن يتركوا خالدين في نعيمهم لا يزالون عنه { فى ~~ما هاهنا } في الذي استقر في هذا المكان من النعيم { ءامنين } من ~~العذاب والزوال والموت. ثم فسره بقوله ### || [26.147-155] # { فى جنت وعيون } وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل { وزروع ~~ونخل } وعطف { نخل } على { جنات } مع أن الجنة تتناول النخل أول شيء ~~تفضيلا للنخل على سائر الشجر { طلعها } هو ما يخرج من النخل كنصل ~~السيف { هضيم } لين نضيج كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره { وتنحتون ~~} تنقبون { من الجبال بيوتا فرهين } شامي وكوفي حاذقين ~~حال وغيرهم { فرهين } أشرين، والفراهة الكيس والنشاط { فاتقوا ~~الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين ~~أو التسعة الذين عقروا الناقة جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي ~~والمراد الامر وهو كل جملة أخرجت الحكم المفاد ms0989 بها عن موضوعه في العقل ~~لضرب من التأول كقولهم «أنبت الربيع البقل» { الذين يفسدون فى ~~الأرض } بالظلم والكفر { ولا يصلحون } بالإيمان والعدل والمعنى ~~أن فسادهم مصمت ليس معه شيء من الصلاح كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ~~ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } المسحر ~~الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله. وقيل: هو من السرح الرئة وأنه بشر { ~~ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بئاية إن كنت من ~~الصدقين } في دعوى الرسالة # { قال هذه ناقة لها شرب } نصيب من الماء فلا تزاحموها ~~فيه { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم هي فيه، روي أنهم ~~قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقبا، فجعل صالح يتفكر ~~فقال له جبريل: صل ركعتين واسأل ربك الناقة، ففعل فخرجت الناقة ونتجت ~~سقبا مثلها في العظم وصدرها ستون ذراعا، وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم ~~كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه الماء، وهذا دليل على جواز المهايأة ~~لأن قولهم: { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } من المهايأة ### || [26.156-165] # { ولا تمسوها بسوء } بضرب أو عقر أو غير ذلك { فيأخذكم ~~عذاب يوم عظيم } عظم اليوم لحلول العذاب فيه ووصف اليوم به أبلغ ~~من وصف العذاب، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد { ~~فعقروها } عقرها قدار ولكنهم راضون به فأضيف إليهم، روي أن عاقرها ~~قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها ~~فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم { فأصبحوا ندمين ~~} على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم لا ندم توبة أو ندموا حين لا ينفع ~~الندم وذلك عند معاينة العذاب أو على ترك الولد { فأخذهم ~~العذاب } المقدم ذكره. { إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~}. # { كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العلمين أتأتون الذكران ~~من العلمين } أراد بالعالمين الناس، ms0990 أتطئون الذكور من الناس مع ~~كثرة الإناث، أو أتطئون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران أي ~~أنتم مختصون بهذه الفاحشة والعالمين على هذا كل ما ينكح من الحيوان ### || [26.166-171] # { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزوجكم } «من» ~~تبيين لما خلق، أو تبعيض والمراد بما خلق العضو المباح منهن وكانوا ~~يفعلون مثل ذلك بنسائهم، وفيه دليل على تحريم أدبار الزوجات والمملوكات ~~ومن أجازه فقد أخطأ خطأ عظيما { بل أنتم قوم عادون } العادي ~~المتعدي في ظلمه المتجاوز فيه الحد أي بل أنتم قوم أحق بأن توصفوا ~~بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة. # { قالوا لئن لم تنته يلوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا ~~{ لتكونن من المخرجين } من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا ~~وطردناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال { قال ~~إنى لعملكم من القلين } هو أبلغ من أن يقول قال، فقول ~~«فلان من العلماء» أبلغ من قولك «فلان عالم» لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في ~~العلم. والقلى البغض يقلي الفؤاد والكبد، وفيه دليل على عظم المعصية لأن ~~قلاه من حيث الدين { رب نجنى وأهلى مما يعملون } من ~~عقوبة عملهم { فنجينه وأهله أجمعين } يعني بناته ومن ~~آمن معه { إلا عجوزا } هي امرأة لوط وكانت راضية بذلك والراضي ~~بالمعصية في حكم العاصي، واستثناء الكافرة من الأهل وهم مؤمنون للاشتراك ~~في هذا الاسم وإن لم تشاركهم في الإيمان { فى الغبرين } صفة لها ~~في الباقين في العذاب فلم تنج منه، والغابر في اللغة الباقي كأنه قيل: ~~إلا عجوزا غابرة أي مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت تنجيتهم. ### || [26.172-181] # { ثم دمرنا الآخرين } والمراد بتدميرهم الائتفاك بهم { ~~وأمطرنا عليهم مطرا } عن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم ~~حجارة من السماء فأهلكهم الله. وقيل: لم يرض بالائتفاك حتى أتبعه مطرا ~~من حجارة { فساء } فاعله { مطر المنذرين } والمخصوص بالذم وهو ~~مطرهم محذوف ولم يرد بالمنذرين قوما بأعيانهم بل المراد جنس الكافرين { ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ~~ربك لهو ms0991 العزيز الرحيم كذب أصحب لئيكة } ~~بالهمزة والجر هي غيضة تنبت ناعم الشجر عن الخليل { ليكة } حجازي وشامي ~~وكذا في «ص» علم لبلد. قيل: أصحاب الأيكة هم أهل مدين التجئوا إلى غيضة ~~إذ ألح عليهم الوهج. والأصح أنهم غيرهم نزلوا غيضة بعينها بالبادية وأكثر ~~شجرهم المقل بدليل أنه لم يقل هنا «أخوهم شعيب» لأنه لم يكن من نسبهم بل ~~كان من نسب أهل مدين ففي الحديث أن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى ~~أصحاب الأيكة { المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا ~~تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى ~~إلا على رب العلمين أوفوا الكيل } أتموه { ولا ~~تكونوا من المخسرين } ولا تنقصوا الناس حقوقهم فالكيل واف ~~وهو مأمور به، وطفيف وهو منهي عنه، وزائد وهو مسكوت عنه، فتركه دليل على ~~أنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعل فلا شيء عليه ### || [26.182-187] # { وزنوا بالقسطاس المستقيم } وبكسر القاف كوفي غير أبي ~~بكر وهو الميزان أو القبان، فإن كان من القسط وهو العدل وجعلت العين ~~مكررة فوزنه فعلاس وإلا فهو رباعي # { ولا تبخسوا الناس } يقال بخسته حقه إذا نقصته إياه { ~~أشياءهم } دراهمهم ودنانيرهم بقطع أطرافهما { ولا تعثوا فى ~~الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها في الإفساد نحو: قطع الطريق ~~والغارة وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه. يقال: عثا في الأرض ~~إذا أفسد وعثي في الأرض لغة في عثا. # { واتقوا الذى خلقكم والجبلة } { الجبلة } عطف على ~~«كم» أي اتقوا الذي خلقكم وخلق الجبلة { الأولين } الماضين { ~~قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر ~~مثلنا } إدخال الواو هنا ليفيد معنيين كلاهما مناف الرسالة عندهم: ~~التسحير والبشرية. وتركها في قصة ثمود ليفيد معنى واحدا وهو كونه ~~مسحرا، ثم كرر بكونه بشرا مثلهم { وإن نظنك لمن ~~الكذبين } «إن» مخففة من الثقيلة واللام دخلت للفرق بينهما وبين ~~النافية. وإنما تفرقتا على فعل الظن وثاني مفعوليه لأن أصلهما أن يتفرقا ~~على المبتدأ والخبر كقولك «إن زيدا لمنطلق» فلما كان بابا «كان» ms0992 و«ظننت» ~~من جنس باب المبتدأ والخبر فعل ذلك في البابين فقيل: إن كان زيد لمنطلقا ~~وإن ظننته لمنطلقا { فأسقط علينا كسفا } { كسفا } حفص ~~وهما جمعا كسفة وهي القطعة وكسفه قطعه { من السماء } أي السحاب أو ~~الظلة { إن كنت من الصدقين } أي إن كنت صادقا أنك نبي فادع ~~الله أن يسقط علينا كسفا من السماء أي قطعا من السماء عقوبة ### || [26.188-195] # { قال ربى } بفتح الياء: حجازي وأبو عمرو، وبسكونها: غيرهم { ~~أعلم بما تعملون } أي إن الله أعلم بأعمالكم وبما تستحقون ~~عليها من العذاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن ~~أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة { فكذبوه فأخذهم ~~عذاب يوم الظلة } هي سحابة أظلتهم بعدما حبست عنهم الريح ~~وعذبوا بالحر سبعة أيام فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالهم من الحر ~~فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا { إنه كان عذاب يوم عظيم ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم } وقد كرر في هذه السورة في أول كل ~~قصة وآخرها ما كرر تقريرا لمعانيها في الصدور ليكون أبلغ في الوعظ ~~والزجر، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في ~~غيرها فكانت جديرة بأن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وأن تختتم بما اختتمت ~~به. # { وإنه } أي القرآن { لتنزيل رب العلمين } منزل منه { ~~نزل به } مخفف والفاعل { الروح الأمين } أي جبريل لأنه أمين ~~على الوحي الذي فيه الحياة. حجازي وأبو عمرو وزيد وحفص، وغيرهم بالتشديد. ~~ونصب { الروح } والفاعل هو الله تعالى أي جعل الله الروح نازلا به، ~~والباء على القراءتين للتعدية { على قلبك } أي حفظك وفهمك إياه ~~وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى كقوله: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 5] { لتكون من المنذرين بلسان عربى } بلغة ~~قريش وجرهم { مبين } فصيح ومصحح عما صحفته العامة. والباء إما أن ~~يتعلق ب { المنذرين } أي لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود ~~وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام، أو ب { نزل } أي نزله بلسان عربي ~~لتنذر به لأنه لو ms0993 نزله بلسان أعجمي لتجافوا عنه أصلا ولقالوا: ما نصنع ~~بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به. وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي ~~هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه وتفهمه قومك، ولو كان ~~أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم ~~معانيها ولا تعيها، وقد يكون الرجل عارفا بعدة لغات فإذا كلم بلغته التي ~~نشأ عليها لم يكن قلبه ناظرا إلا إلى معاني الكلام، وإن كلم بغيرها كان ~~نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها، وإن كان ماهرا بمعرفتها فهذا ~~تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربي مبين. ### || [26.196-198] # { وإنه } وإن القرآن { لفى زبر الأولين } يعني ذكره مثبت ~~في سائر الكتب السماوية. وقيل: إن معانيه فيها، وفيه دليل على أن القرآن ~~قرآن إذا ترجم بغير العربية فيكون دليلا على جواز قراءة القرآن ~~بالفارسية في الصلاة. # { أولم يكن لهم ءاية } { ولم تكن لهم آية } شامي، جعلت ~~آية اسم «كان» وخبره { أن يعلمه } أي القرآن لوجود ذكره في ~~التوراة. وقيل: في { تكن } ضمير القصة و { آية } خبر مقدم والمبتدأ { أن ~~يعلمه } والجملة خبر «كان». وقيل: «كان» تامة والفاعل { آية } و { أن ~~يعلمه } بدل منها أو خبر مبتدأ محذوف أي أولم تحصل لهم آية. وغيره { يكن ~~} بالتذكير و { آية } بالنصب على أنها خبره و { أن يعلمه } هو الاسم ~~وتقديره: أولم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل { علماء بنى إسرءيل ~~} كعبد الله بن سلام وغيره قال الله تعالى: # وإذا يتلى عليهم قالوا ءامنا به إنه الحق ~~من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين # [القصص: 53] وخط في المصحف علماؤا بواو قبل الألف { ولو ~~نزلنه على بعض الأعجمين } جمع أعجم وهو الذي لا يفصح ~~وكذلك الأعجمي إلا أن فيه لزيادة يا ء النسبة زيادة تأكيد، ولما كان من ~~يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه قالوا له أعجم وأعجمي شبهوه بمن ~~لا يفصح ولا يبين، والعجمي الذي من جنس العجم أفصح أولم يفصح. وقرأ الحسن ~~{ الأعجميين } وقيل: ms0994 الأعجمين تخفيف الأعجميين كما قالوا الأشعرون أي ~~الأشعريون بحذف يا ء النسبة ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع ~~السلامة لأن مؤنثه عجماء ### || [26.199-201] # { فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين } والمعنى أنا ~~أنزلنا القرآن على رجل عربي مبين ففهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم ~~إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على أن البشارة بإنزاله وصفته في ~~كتبهم وقد تضمنت معانيه وقصصه وصح بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير ~~كما زعموا، فلم يؤمنوا به وسموه شعرا تارة وسحرا أخرى وقالوا هذا من ~~افتراء محمد عليه الصلاة والسلام، ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا ~~يحسن العربية فضلا أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا معجزا لكفروا ~~به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذرا ولسموه سحرا. # ثم قال { كذلك سلكناه } أي أدخلنا التكذيب أو الكفر وهو مدلول ~~قوله { ما كانوا به مؤمنين } { فى قلوب المجرمين } الكافرين ~~الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه يعني مثل هذا السلك سلكناه ~~في قلوبهم وقررناه فيها فكيفما فعل بهم وعلى أي وجه دبر أمرهم فلا سبيل ~~إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الكفر به والتكذيب له كما قال: # ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين # [الأنعام: 7] وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. ~~وموقع قوله { لا يؤمنون به } بالقرآن من قوله { سلكناه في قلوب ~~المجرمين } موقع الموضح والملخص لأنه مسوق لثبات كونه مكذبا مجحودا في ~~قلوبهم، فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به ~~وجحوده حتى يعاينوا الوعيد، ويجوز أن يكون حالا أي سلكناه فيها غير مؤمن ~~به { حتى يروا العذاب الأليم } المراد معاينة العذاب عند ~~الموت ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم ### || [26.202-208] # { فيأتيهم بغتة } فجأة { وهم لا يشعرون } بإتيانه { ~~فيقولوا } وفيأتيهم معطوفان على { يروا } { هل نحن منظرون ~~} يسألون النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجابون إليها { أفبعذابنا ~~يستعجلون } توبيخ لهم وإنكار عليهم قولهم: # فأمطر علينا ms0995 حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم # [الأنفال: 32] ونحو ذلك. # { أفرأيت إن متعنهم سنين } قيل: هي سنو مدة الدنيا ~~{ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب { ما أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون } به في تلك السنين. والمعنى أن ~~استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم وأنهم ~~ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن فقال الله تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون ~~} أشرا وبطرا واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل، ثم قال: هب أن الأمر ~~كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم ~~حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم؟. قال يحيى ابن معاذ: أشد ~~الناس غفلة من اغتر بحياته والتذ بمراداته وسكن إلى مألوفاته والله تعالى ~~يقول: { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ~~ما كانوا يمتعون } ، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان ~~يتمنى لقاءه فقال: عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية. فقال ميمون: قد ~~وعظت فأبلغت. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقرؤها عند جلوسه للحكم { ~~وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } رسل ينذرونهم. ~~ولم تدخل الواو على الجملة بعد إلا كما في: # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتب معلوم # [الحجر: 4] لأن الأصل عدم الواو إذ الجملة صفة ل { قرية } وإذا زيدت ~~فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف ### || [26.209-214] # { ذكرى } منصوبة بمعنى تذكرة لأن أنذر وأذكر متقاربان فكأنه قيل: ~~مذكرون تذكرة. أو حال من الضمير في { منذرون } أي بنذرونهم ذوي تذكرة ~~أو مفعول له أي ينذرون لأجل التذكرة والموعظة، أو مرفوعة على أنها خبر ~~مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى والجملة اعتراضية، أو صفة بمعنى منذرون ذوو ~~ذكرى، أو تكون ذكرى متعلقة ب { أهلكنا } مفعولا له، والمعنى وما أهلكنا ~~من أهل قرية ظالمين إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ~~ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم { وما كنا ~~ظلمين } فنهلك قوما غير ظالمين. # ولما قال المشركون: إن الشياطين تلقى القرآن على محمد ms0996 أنزل { وما ~~تنزلت به } أي القرآن { الشيطين وما ينبغى لهم ~~وما يستطيعون } وما يتسهل لهم ولا يقدرون عليه. # { إنهم عن السمع لمعزولون } لممنوعون بالشهب { فلا ~~تدع مع الله إلها ءاخر فتكون من المعذبين } ~~مورد النهي لغيره على التعريض والتحريك له زيادة الإخلاص { وأنذر ~~عشيرتك الاقربين } خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، ~~أو ليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا وأن النجاة في اتباعه دون ~~قربة. ولما نزلت صعد الصفا ونادى الأقرب فالأقرب وقال: « # " يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا ~~صفية عمة رسول الله إني لا أملك لكم من الله شيئا " ### || [26.215-219] # { واخفض جناحك } وألن جانبك وتواضع، وأصله أن الطائر إذا أراد ~~أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه ~~فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب { لمن ~~اتبعك من المؤمنين } من عشيرتك وغيرهم { فإن عصوك ~~فقل إنى برىء مما تعملون } يعني أنذر قومك فإن اتبعوك ~~وأطاعوك فاخفض جناحك لهم، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من ~~الشرك بالله وغيره { وتوكل على العزيز الرحيم } على الذي ~~قهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم، ~~والتوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره، ~~وقالوا: المتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية ~~لله. وقال الجنيد رضي الله عنه التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض ~~بالكلية عما دونه فإن حاجتك إليه في الدارين. { فتوكل } مدني وشامي عطف ~~على { فقل } أو { فلا تدع }. # { الذى يراك حين تقوم } متهجدا { وتقلبك } أي ويرى ~~تقلبك { فى السجدين } في المصلين. أتبع كونك رحيما على رسوله ما ~~هو من أسباب الرحمة وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد ~~وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ~~وليعلم أنهم كيف يعبدون الله ويعملون لآخرتهم. ms0997 وقيل: معناه يراك حين تقوم ~~للصلاة بالناس جماعة. وتقلبه في الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه ~~وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة ~~بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني فتلا له هذه الآية. ### || [26.220-223] # { إنه هو السميع } لما تقوله { العليم } بما تنويه ~~وتعلمه، هون عليه معاناة مشاق العبادات حيث أخبر برؤيته له إذ لا مشقة ~~على من يعلم أنه يعمل بمرأى مولاه وهو كقولك # :بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي # نزل جوابا لقول المشركين إن الشياطين تلقى السمع على محمد صلى الله ~~عليه وسلم { هل أنبئكم } أي هل أخبركم أيها المشركون { على ~~من تنزل الشيطين } ثم نبأ فقال { تنزل على كل ~~أفاك أثيم } مرتكب للآثام وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح وطليحة ~~ومسيلمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم يشتم الأفاكين ويذمهم فكيف تنزل ~~الشياطين عليه { يلقون السمع } هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا ~~بالرجم يستمعون إلى الملأ الأعلى فيحفظون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا ~~عليه من الغيوب ثم يوحون به إلى أوليائهم. و { يلقون } حال، أي تنزل ~~ملقين السمع، أو صفة ل { كل أفاك } لأنه في معنى الجمع فيكون في محل ~~الجزاء، أو استئناف فلا يكون له محل كأنه قيل: لم تنزل على الأفاكين؟ ~~فقيل: يفعلون كيت وكيت { وأكثرهم كذبون } فيما يوحون به ~~إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي ~~المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين كاذبون ~~يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، والأفاك الذي يكثر الإفك، ولا ~~يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من ~~يصدق منهم فيما يحكي عن الجني وأكثرهم مفتر عليه، وعن الحسن: وكلهم. ~~وإنما فرق بين { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، { وما تنزلت به الشياطين } ~~، و { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } ، وهن أخوات، لأنه إذا فرق بينهن ~~بآيات ليست منهن ثم رجع إليهن مرة بعد مرة دل ذلك على شدة العناية بهن ~~كما إذا حدثت ms0998 حديثا وفي صدرك اهتمام بشيء فتعيد ذكره ولا تنفك عن الرجوع ~~إليه. ونزل فيمن كان يقول الشعر ويقول نحن نقول كما يقول محمد صلى الله ~~عليه وسلم واتبعهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم. ### || [26.224-225] # { والشعراء } مبتدأ خبره { يتبعهم الغاوون } أي لا ~~يتبعهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا ~~يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون أي السفهاء أو الراوون أو ~~الشياطين أو المشركون. قال الزجاج: إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون وأحب ~~ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون { يتبعهم } نافع { ألم تر أنهم ~~فى كل واد } من الكلام { يهيمون } خبر «أن» أي في كل فن من ~~الكذب يتحدثون أو في كل لغو وباطل يخوضون، والهائم الذاهب على وجهه لا ~~مقصد له وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن ~~الناس على عنترة وأبخلهم على حاتم. عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك ~~سمع قوله # فبتن بجانبي مصرعات # وبت أفض أغلاق الختام # فقال: وجب عليك الحد. فقال: قد درأ الله عني الحد بقوله ### || [26.226-227] # { وأنهم يقولون مالا يفعلون } حيث وصفهم بالكذب والخلف ~~في الوعد. # ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين بقوله { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } كعبد الله بن رواحة وحسان بن ~~ثابت وكعب بن زهير وكعب بن مالك رضي الله عنهم { وذكروا الله ~~كثيرا } أي كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر وإذ قالوا ~~شعرا قالوه في توحيد الله تعالى والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد ~~والأدب ومدح رسول الله والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب. ~~وقال أبو يزيد: الذكر الكثير ليس بالعدد والغفلة لكنه بالحضور { ~~وانتصروا } وهجوا { من بعدما ظلموا } هجوا أي ردوا هجاء ~~من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وأحق الخلق بالهجاء من ~~كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال له # " اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم ms0999 من النبل " # وكان يقول لحسان # " قل وروح القدس معك " # ختم السورة بما يقطع أكباد المتدبرين وهو قوله { وسيعلم } وما فيه ~~من الوعيد البليغ وقوله { الذين ظلموا } وإطلاقه، وقوله { أى ~~منقلب ينقلبون } وإبهامه، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله ~~تعالى عنه حين عهد إليه وكان السلف يتواعظون بها. قال ابن عطاء: وسيعلم ~~المعرض عنا ما الذي فاته منا. و { أي } منصوب ب { ينقلبون } على المصدر ~~لا ب { يعلم } لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها أي ينقلبون ~~أي انقلاب. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-2] # مكية وهي ثلاث وتسعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { طس تلك ءايت القرءان وكتب مبين } أي وآيات كتاب ~~مبين و { تلك } إشارة إلى آيات السورة، والكتاب المبين: اللوح، وآياته ~~أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبين للناظرين فيه آياته، أو القرآن ~~وآياته إنه يبين ما أودع فيه من العلوم والحكم وعلى هذا عطفه على القرآن ~~كعطف إحدى الصفتين على الأخرى نحو هذا فعل السخي والجود. ونكر الكتاب ~~ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكر الكتاب هنا وعرفه في «الحجر» وعرف القرآن ~~هنا ونكره ثم، لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد عليه ~~الصلاة والسلام ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو ~~العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف { هدى وبشرى } في محل ~~النصب على الحال من آيات أي هداية وبشارة فالعامل فيها ما في تلك من معنى ~~الإشارة، أو الجر على أنه بدل من { كتاب } أو صفة له أو الرفع على هي هدى ~~وبشرى، أو على البدل من { آيات } أو على أن يكون خبرا بعد خبر ل { تلك ~~} أي تلك آيات وهادية من الضلالة ومبشرة بالجنة. وقيل: هدى لجميع الخلق ~~وبشرى { للمؤمنين } خاصة ### || [27.3-7] # { الذين يقيمون الصلوة } يديمون على فرائضها وسننها { ~~ويؤتون الزكوة } يؤدون زكاة أموالهم { وهم بالآخرة هم ~~يوقنون } من جملة صلة الموصول. ويحتمل أن تتم الصلة عنده وهو استئناف ~~كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة ms1000 الصلاة وإيتاء ~~الزكاة هم الموقنون بالآخرة، ويدل عليه أنه عقد جملة اسمية وكرر فيها ~~المبتدأ الذي هو { هم } حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا ~~هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على ~~تحمل المشاق. # { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم ~~أعملهم } بخلق الشهوة حتى رأوا ذلك حسنا كما قال: # أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا # [فاطر:8] { فهم يعمهون } يترددون في ضلالتهم كما يكون حال الضال ~~عن الطريق { أولئك الذين لهم سوء العذاب } القتل ~~والأسر يوم بدر بما كان منهم من سوء الأعمال { وهم فى الآخرة هم ~~الأخسرون } أشد الناس خسرانا لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على ~~جميع الأمم فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله { وإنك ~~لتلقى القرءان } لتؤتاه وتلقنه { من لدن حكيم عليم } ~~من عند أي حكيم وأي عليم وهذا معنى تنكيرهما، وهذه الآية بساط وتمهيد ~~لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق ~~علمه. # { إذ } منصوب ب «اذكر» كأنه قال: على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه ~~قصة موسى عليه السلام { قال موسى لاهله } لزوجته ومن معه عند ~~مسيره من مدين إلى مصر { إنى آنست } أبصرت { نارا سئاتيكم ~~منها بخبر } عن حال الطريق لأنه كان قد ضله { أو ءاتيكم بشهاب } ~~بالتنوين: كوفي أي شعلة مضيئة { قبس } نار مقبوسة بدل أو صفة. وغيرهم ~~{ بشهاب قبس } على الإضافة لأنه يكون قبسا وغير قبس. ولا تدافع بين قوله ~~{ سآتيكم } هنا # ولعلي آتيكم # في القصص مع أن أحدهما ترج والآخر تيقن، لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول ~~سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة، ومجيئه بسين التسويف عدة لأهله ~~أنه يأتيهم به وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة، «بأو» لأنه بنى الرجاء ~~على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منها إما هداية الطريق ~~وإما اقتباس النار ولم يدر أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين وهما عز ~~الدنيا والآخرة، واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين ms1001 والقصة واحدة دليل ~~على جواز نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ التزوج. { ~~لعلكم تصطلون } تستدفئون بالنار من البرد الذي أصابكم، ~~والطاء بدل من تاء افتعل لأجل الصاد ### || [27.8-9] # { فلما جاءها } أي النار التي أبصرها { نودى } موسى { أن ~~بورك } مخففة من الثقيلة وتقديره ونودي بأنه بورك والضمير ضمير الشأن، ~~وجاز ذلك من غير عوض وإن منعه الزمخشري لأن قوله { بورك } دعاء والدعاء ~~يخالف غيره في أحكام كثيرة، أو مفسرة لأن في النداء معنى القول أي قيل له ~~بورك أي قدس أو جعل فيه البركة والخير { من فى النار ومن ~~حولها } أي بورك من في مكان النار وهم الملائكة ومن حول مكانها أي ~~موسى لحدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار ~~المعجزات عليه { وسبحن الله رب العلمين } هو من جملة ~~ما نودي فقد نزه ذاته عما لا يليق به من التشبيه وغيره. # { يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } الضمير في { ~~إنه } للشأن والشأن أنا الله مبتدأ وخبره و { العزيز الحكيم } صفتان ~~للخبر، أو يرجع إلى ما دل عليه ما قبله أي إن مكلمك أنا والله بيان لأنا ~~و { العزيز الحكيم } صفتان للمبين، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يده ~~من المعجزات. ### || [27.10-12] # { وألق عصاك } لتعلم معجزتك فتأنس بها وهو عطف على { بورك } لأن ~~المعنى نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير ل { نودي } ~~والمعنى قيل له بورك من في النار وقيل له ألق عصاك، ويدل عليه ما ذكر في ~~سورة القصص # وأن ألق عصاك # بعد قوله # أن يا موسى إنى أنا الله # [القصص:30] على تكرير حرف التفسير { فلما رءاها تهتز } تتحرك ~~حال من الهاء في { رءاها } { كأنها جان } حية صغيرة حال من ~~الضمير في { تهتز } { ولى } موسى { مدبرا } أدبر عنها وجعلها ~~تلي ظهره خوفا من وثوب الحية عليه { ولم يعقب } ولم يلتفت أولم ~~يرجع. يقال قد عقب فلان إذا رجع يقاتل بعد أن ولى فنودي { يموسى لا ~~تخف إنى لا يخاف لدى ms1002 المرسلون } أي لا يخاف عندي ~~المرسلون حال خطابي إياهم أولا يخاف لدي المرسلون من غيري { إلا من ~~ظلم } أي لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون، أو لكن من ظلم ~~منهم من زل من المرسلين فجاء غير ما أذنت له مما يجوز على الأنبياء كما ~~فرط من آدم ويونس وداود وسليمان عليهم السلام { ثم بدل حسنا } ~~أي أتبع توبة { بعد سوء } زلة { فإنى غفور رحيم } أقبل ~~توبته وأغفر زلته وأرحمه فأحقق أمنيته وكأنه تعريض بما قال موسى حين قتل ~~القبطي: { رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له }. # { وأدخل يدك فى جيبك } جيب قميصك وأخرجها { تخرج ~~بيضاء } نيرة تغلب نور الشمس { من غير سوء } برص وبيضاء ومن غير ~~سوء حالان { في تسع آيات } كلام مستأنف و«في» يتعلق بمحذوف أي اذهب في ~~تسع آيات أو وألق عصاك وأدخل يدك في جملة تسع آيات { إلى فرعون ~~وقومه } «إلى» يتعلق بمحذوف أي مرسلا إلى فرعون وقومه { إنهم ~~كانوا قوما فسقين } خارجين عن أمر الله كافرين ### || [27.13-15] # { فلما جاءتهم ءايتنا } أي معجزاتنا { مبصرة } حال أي ~~ظاهرة بينة جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها لملابستهم إياها ~~بالنظر والتفكر فيها، أو جعلت كأنها تبصر فتهدي لأن الأعمى لا يقدر على ~~الاهتداء فضلا أن يهدي غيره ومنه قولهم «كلمة عيناء وعوراء» لأن الكلمة ~~الحسنة ترشد والسيئة تغوي { قالوا هذا سحر مبين } ظاهر لمن ~~تأمله وقد قوبل بين المبصرة والمبين { وجحدوا بها } قيل: الجحود ~~لا يكون إلا من علم من الجاحد وهذا ليس بصحيح، لأن الجحود هو الإنكار وقد ~~يكون الإنكار للشيء للجهل به وقد يكون بعد المعرفة تعنتا كذا ذكره في ~~شرح التأويلات. وذكر في الديوان يقال جحد حقه وبحقه بمعنى. والواو في { ~~واستيقنتها } للحال و«قد» بعدها مضمرة والاستيقان أبلغ من ~~الإيقان { أنفسهم } أي جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم ~~وضمائرهم { ظلما } حال من الضمير في { وجحدوا } وأي ظلم أفحش من ظلم ~~من استيقن أنها آيات من عند الله ثم سماها سحرا بينا { وعلوا } ~~ترفعا ms1003 عن الإيمان بما جاء به موسى { فانظر كيف كان عقبة ~~المفسدين } وهو الإغراق هنا والإحراق ثمة. # { ولقد ءاتينا } أعطينا { داوود وسليمان علما } طائفة من العلم أو ~~علما سنيا غزيرا والمراد علم الدين والحكم { وقالا الحمد لله الذي ~~فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } والآيات حجة لنا على المعتزلة في ~~ترك الأصلح وهنا محذوف ليصح عطف الواو عليه ولولا تقدير المحذوف لكان ~~الوجه الفاء كقولك «أعطيته فشكر»، وتقديره: آتيناهما علما فعملا به ~~وعلماه وعرفا حق النعمة فيه وقالا الحمد لله الذي فضلنا، والكثير المفضل ~~عليه من لم يؤت علما أو من لم يؤت مثل علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير ~~وفضل عليهما كثير. وفي الآية دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله، وأن ~~نعمة العلم من أجل النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من ~~عباده، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا ~~لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوام بما بعثوا من أجله، وفيها ~~أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد ~~العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليهم مثلهم، وما أحسن قول عمر رضي ~~الله عنه: كل الناس أفقه من عمر رضي الله عنه. ### || [27.16] # { وورث سليمان داود } ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة ~~عشر قالوا: أوتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه وإلا فالنبوة لا تورث { وقال ~~يا أيها الناس علمنا منطق الطير } تشهيرا لنعمة الله تعالى ~~واعترافا بمكانها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم ~~منطق الطير. والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير ~~المفيد، وكان سليمان عليه السلام يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض. روي ~~أنه صاحب فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاوس ~~فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد فقال: يقول: استغفروا الله يا ~~مذنبين، وصاح خطاف فقال: يقول: قدموا خيرا تجدوه. وصاحت رحمة فقال: ~~تقول: سبحان ربي الأعلى ms1004 ملء سمائه وأرضه. وصاح قمري فأخبر أنه يقول: ~~سبحان ربي الأعلى. وقال: الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله. والقطاة تقول ~~من سكت سلم. والديك يقول: اذكروا الله ياغافلين والنسر يقول: يابن آدم عش ~~ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. والضفدع يقول: ~~سبحان ربي القدوس { وأوتينا من كل شيء } المراد به كثرة ما أوتي كما ~~تقول فلان يعلم كل شيء ومثله { وأوتيت من كل شيء } { إن هذا لهو الفضل ~~المبين } قوله وارد على سبيل الشكر كقوله عليه السلام: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # أي أقول هذا القول شكرا ولا أقوله فخرا، والنون في { علمنا } و { ~~أوتينا } نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا فكلم أهل طاعته على الحال ~~التي كان عليها وليس التكبر من لوازم ذلك. ### || [27.17-18] # { وحشر } وجمع { لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير } روي أن معسكره ~~كان مائة فرسخ في مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، ~~وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على ~~الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطا من ~~ذهب وابريسم فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب وفضة ~~فيقعد وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فيقعد وحوله، فيقعد الأنبياء ~~على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن ~~والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه حر الشمس، وترفع ريح ~~الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ~~ويأمر الرخاء تسيره فأوحى الله تعالى إليه وهو يسير بين السماء والأرض ~~إني قد زدت في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى ~~أنه مر بحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذنه ~~فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إني جئت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم ~~قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل ms1005 داود { فهم يوزعون ~~} يحبس أولهم على آخرهم أي يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم التوالي ليكونوا ~~مجتمعين وذلك للكثرة العظيمة. والوزع: المنع، ومنه قول عثمان رضي الله ~~عنه: «ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن». # { حتى إذا أتوا على واد النمل } أي ساروا حتى إذا بلغوا وادي النمل ~~وهو واد بالشام كثير النمل. وعدي ب «على» لأن إتيانهم كان من فوق فأتى ~~بحرف الاستعلاء { قالت نملة } عرجاء تسمى طاخية أو منذرة. وعن قتادة أنه ~~دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم فسأله أبو حنيفة رضي ~~الله عنه وهو شاب عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى؟ فأفحم فقال أبو ~~حنيفة رضي الله عنه: كانت أنثى. فقيل له: بماذا عرفت؟ فقال: بقوله { قالت ~~نملة } ولو كانت ذكرا لقال قال نملة، وذلك أن النملة مثل الحمامة في ~~وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم حمامة ذكر ~~وحمامة أنثى وهو وهي { ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم } ولم يقل «ادخلن» ~~لأنه لما جعلها قائلة والنمل مقولا لهم كما يكون في أولي العقل أجرى ~~خطابهن مجرى خطابهم { لا يحطمنكم } لا يكسرنكم، والحطم الكسر وهو نهي ~~مستأنف وهو في الظاهر نهي لسليمان عن الحطم وفي الحقيقة نهي لهن عن ~~البروز والوقوف على طريقة «لا أرينك هاهنا» أي لا تحضر هذا الموضع. وقيل: ~~هو جواب الأمر وهو ضعيف يدفعه نون التوكيد لأنه من ضرورات الشعر { سليمان ~~وجنوده } قيل: أراد لا يحطمنكم جنود سليمان فجاء بما هو أبلغ { وهم لا ~~يشعرون } لا يعلمون بمكانكم أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه ~~العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال ### || [27.19] # { فتبسم ضاحكا من قولها } متعجبا من حذرها واهتدائها لمصالحها ~~ونصيحتها للنمل، أو فرحا لظهور عدله. و { ضاحكا } حال مؤكدة لأن تبسم ~~بمعنى ضحك وأكثر ضحك الأنبياء التبسم كذا قاله الزجاج { وقال رب أوزعني ~~} ألهمني وحقيقته كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك { أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي } من النبوة والملك ms1006 والعلم { وعلى والدي } لأن الإنعام على ~~الوالدين إنعام على الولد { وأن أعمل صالحا ترضاه } في بقية عمري { ~~وأدخلني برحمتك } وأدخلني الجنة برحمتك لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة ~~أحد إلا برحتمه كما جاء في الحديث { في عبادك الصالحين } أي في زمرة ~~أنبيائك المرسلين أو مع عبادك الصالحين. روي أن النملة أحست بصوت الجنود ~~ولا تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرن حتى دخلن ~~مساكنهن ثم دعا بالدعوة. ### || [27.20-21] # { وتفقد الطير فقال مالي } مكي وعلي وعاصم، وغيرهم بسكون الياء. ~~والتفقد صلب ما غاب عنك { لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين } «أم» بمعنى ~~بل والمعنى أنه تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد فقال: مالي لا أراه على ~~معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب ~~فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: بل هو غائب. وذكر أن سليمان عليه السلام لما حج ~~خرج إلى اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال فنزل ليصلي فلم يجد الماء وكان ~~الهدهد قناقنه وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة ~~فتستخرج الشياطين الماء فتفقده لذلك. وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على ~~رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال، فدعا عريف الطير وهو النسر ~~فسأله عنه فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: علي به، ~~فارتفع فنظر فإذا هو مقبل فقصده فناشده الله فتركه، فلما قرب من سليمان ~~أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض وقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين ~~يدي الله فارتعد سليمان وعفا عنه { لأعذبنه عذابا شديدا } بنتف ريشه ~~وإلقائه في الشمس، أو بالتفريق بينه وبين إلفه، أو بإلزامه خدمة أقرآنه، ~~أو بالحبس مع أضداده. وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد. أو بإبداعه ~~القفص أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله. وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه ~~من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا سخر ~~له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب ms1007 والسياسة { أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني } بالنون الثقيلة ليشاكل قوله { لأعذبنه } وحذف نون العماد ~~للتخفيف. { ليأتيني } بنونين: مكي الأول للتأكيد والثاني للعماد { ~~بسلطان مبين } بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته. والإشكال أنه حلف على ~~أحد ثلاثة أشياء: اثنان منها فعله ولا مقال فيه، والثالث فعل الهدهد وهو ~~مشكل لأنه من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال: والله ليأتيني بسلطان؟ ~~وجوابه أن معنى كلامه ليكونن أحد الأمور يعني إن كان الإتيان بالسلطان لم ~~يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا دعاء دراية # { فمكث } الهدهد بعد تفقد سليمان إياه، وبضم الكاف غيره عاصم وسهل ~~ويعقوب، وهما لغتان ### || [27.22-23] # { غير بعيد } أي مكثا غير طويل أو غير زمان بعيد كقوله «عن قريب» ووصف ~~مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان. فلما رجع سأله عما ~~لقي في غيبته { فقال أحطت } علما شيئا من جميع جهاته { بما لم تحط به } ~~ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام مع ما أوتي من فضل النبوة ~~والعلوم الجمة ابتلاء له في علمه، وفيه دليل بطلان قول الرافضة أن الإمام ~~لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه { وجئتك من سبإ } غير ~~منصرف. أبو عمرو جعله اسما للقبيلة أو المدينة وغيره بالتنوين جعله ~~اسما للحي أو الأب الأكبر { بنبإ يقين } النبأ الخبر الذي له شأن، ~~وقوله من { سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع وقد حسن وبدع لفظا ~~ومعنى هاهنا ألا ترى أنه لو وضع مكان { بنبإ } بخبر لكان المعنى صحيحا ~~وهو كما جاء أصح لما في النبإ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. # { إني وجدت امرأة } هي بلقيس بنت شراحيل وكان أبوها ملك أرض اليمن ~~ولم يكن له ولد غيرها فغلبت على الملك وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون ~~الشمس. والضمير في { تملكهم } راجع إلى سبأ على تأويل القوم أو أهل ~~المدينة { وأوتيت } حال، و«قد» مقدرة { من كل شيء } من أسباب الدنيا ما ~~يليق بحالها { ولها عرش } سرير ms1008 عظيم { عظيم } كبير. قيل: كان ثمانين ~~ذراعا في ثمانين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا، وكان من ذهب ~~وفضة وكان مرصعا بأنواع الجواهر وقوائمه من يا قوت أحمر وأخضر ودر ~~وزمرد، وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق. واستصغر حالها إلى حال ~~سليمان فاستعظم عرضها لذلك، وقد أخفى الله تعالى على سليمان ذلك لمصلحة ~~رآها كما أخفى مكان يوسف على يعقوب عليهما السلام ### || [27.24-27] # { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل } أي سبيل التوحيد { فهم لا يهتدون } إلى الحق ولا ~~يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وحرمة ~~السجود للشمس إلهاما من الذلة كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان ~~المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها. # { ألا يسجدوا } بالتشديد أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا فحذف الجار مع ~~«أن» وأدغمت النون في اللام، ويجوز أن تكون «لا» مزيدة ويكون المعنى فهم ~~لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وبالتخفيف: يزيد وعلي، وتقديره: ألا يا هؤلاء ~~اسجدوا ف «ألا» للتنبيه و«يا» حرف نداء ومناداه محذوف، فمن شدد لم يقف ~~إلا على العرش العظيم، ومن خفف وقف على { فهم لا يهتدون } ثم ابتدأ { ألا ~~يسجدوا } أو وقف على { ألايا } ثم ابتدأ { اسجدوا } وسجدة التلاوة واجبة ~~في القراءتين جميعا بخلاف ما يقوله الزجاج إنه لا يجب السجود مع ~~التشديد، لأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح للآتي بها أو ذم لتاركها، ~~وإحدى القراءتين أمر والآخرى ذم للتارك { لله الذي يخرج الخبء } سمى ~~المخبوء بالمصدر { في السماوات والأرض } قتادة خبء السماء المطر وخبء ~~الأرض النبات { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } وبالتاء فيهما: علي وحفص { ~~الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } وصف الهدهد عرش الله بالعظيم ~~تعظيم به بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض، ووصفه عرش بلقيس ~~تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك إلى ههنا كلام الهدهد. # فلما فرغ من كلامه { قال } سليمان ms1009 للهدهد { سننظر } من النظر الذي هو ~~التأمل { أصدقت } فيما أخبرت { أم كنت من الكاذبين } وهذا أبلغ من «أم ~~كذبت» لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا لا ~~محالة، وإذا كان كاذبا اتهم بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به، ثم كتب ~~سليمان كتابا صورته: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: ~~بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فلا تعلوا علي ~~وأتوني مسلمين وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه وقال للهدهد: ### || [27.28-31] # { اذهب بكتابي هذا فألقه } بسكون الهاء تخفيفا: أبو عمرو وعاصم وحمزة، ~~ويختلسها كسرا لتدل الكسرة على الياء المحذوفة: يزيد وقالون ويعقوب، { ~~فألقهي } بإثبات الياء: غيرهم { إليهم } إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم ~~معها في قوله { وجدتها وقومها يسجدون للشمس } وبني الخطاب في الكتاب على ~~لفظ الجمع لذلك { ثم تول عنهم } تنح عنهم إلى مكان قريب بحيث تراهم ولا ~~يرونك ليكون ما يقولونه بمسمع منك { فانظر ماذا يرجعون } ما الذي يردونه ~~من الجواب. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره ودخل عليها من كوة فطرح الكتاب ~~على نحرها وهي راقدة وتوارى في الكوة فانتبهت فزعة، أو أتاها والجنود ~~حواليها فرفرف ساعة وألقى الكتاب في حجرها وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم. # { قالت } لقومها خاضعة خائفة { ياأيها المللأ إني } وبفتح الياء: مدني ~~{ ألقي إلي كتاب كريم } حسن مضمونه وما فيه أو مختوم. قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " كرم الكتاب ختمه " # وقيل: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به، أو مصدر ببسم ~~الله الرحمن الرحيم أو لأنه من عند ملك كريم { إنه من سليمان وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم } هو تبيين لما ألقى إليها كأنها لما قالت { إني ~~ألقي إلى كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان } ~~وإنه كيت وكيت. و«أن» فيه { ألا تعلوا } لا تترفعوا { علي } ولا ~~تتكبروا كما يفعل الملوك مفسرة كقوله # وانطلق الملأ منهم أن امشوا # [ص: 6] يعني أي امشوا { وأتوني مسلمين } مؤمنين أو منقادين وكتب ~~الأنبياء مبنية ms1010 على الإيجاز والاختصار ### || [27.32-34] # { قالت يا أيها المللأ أفتوني في أمري } أشيروا علي في الأمر الذي نزل ~~بي. والفتوى الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتاء في ~~السن، والمراد هنا بالفتوى الإشارة عليها بما عندهم من الرأي، وقصدها ~~بالرجوع إلى استشارتهم تطييب أنفسهم ليمالئوها ويقوموا معها { ما كنت ~~قاطعة أمرا } فاصلة أو ممضية حكما { حتى تشهدون } بكسر النون، والفتح ~~لحن لأن النون إنما تفتح في موضع الرفع وهذا في موضع النصب، وأصله ~~تشهدونني فحذفت النون الأولى للنصب والياء لدلالة الكسرة عليها. وبالياء ~~في الوصل والوقف: يعقوب أي تحضروني وتشيروني وتشهدوا أنه صواب أي لا أبت ~~الأمر إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل ~~واحد على عشرة الاف. # { قالوا } مجيبين لها { نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد } أرادوا ~~بالقوة قوة الأجساد والآلات وبالبأس النجدة والبلاء في الحرب { والأمر ~~إليك فانظري ماذا تأمرين } أي موكول إليك ونحن مطيعون لك فمرينا بأمرك ~~نطعك ولا نخالفك كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا نحن من أبناء ~~الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة وأنت ذات الرأي والتدبير فانظري ماذا ~~ترين نتبع رأيك. فلما أحست منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة ~~ورتبت الجواب فزيفت أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه حيث { قالت إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية } عنوة وقهرا { أفسدوها } خربوها { وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة } أذلوا أعزتها وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا فذكرت لهم ~~سوء عاقبة الحرب ثم قالت { وكذلك يفعلون } أرادت وهذه عادتهم المستمرة ~~التي لا تتغير لأنها كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت. ثم ~~ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد. وقيل: هو تصديق من ~~الله لقولها، واحتج الساعي في الأرض بالفساد بهذه الآية. ومن استباح ~~حراما فقد كفر، وإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين ### || [27.35] # { وإني مرسلة إليهم بهدية } أي مرسلة رسلا بهدية. # { فناظرة } فمنتظرة { بم } أي ب «ما» لأن الألف تحذف مع حرف الجر في ~~الاستفهام ms1011 { يرجع المرسلون } بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك ~~وحسن مواقع الهدايا عندهم، فإن كان ملكا قبلها وانصرف، وإن كان نبيا ~~ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه. فبعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب ~~الجواري وحليهن راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب ~~المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ~~ذهب وفضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت وحقا فيه درة عذراء وجزعة معوجة ~~الثقب، وبعثت رسلا وأمرت عليهم المنذر بن عمرو بدليل قوله تعالى؛ { بم ~~يرجع المرسلون }. وكتبت كتابا فيه نسخة الهدايا وقالت فيه: إن كنت نبيا ~~فميز بين الوصفاء والوصائف وأخبر بما في الحق واثقب الدرة ثقبا واسلك في ~~الخرزة خيطا. ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك ~~منظره، وإن رأيته بشاشا لطيفا فهو نبي. فأقبل الهدهد وأخبر سليمان ~~الخبر كله فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوها في ميدان ~~بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب ~~والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ~~ويساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين ~~واليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا ~~فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما ~~دنا القوم ورأوا الدواب تروث على اللبن رموا بما معهم من الهدايا، ولما ~~وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق فأعطوه كتاب الملكة فنظر فيه ~~وقال: أين الحق؟ فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأخذت دودة بيضاء ~~الخيط بفيها ونفذت فيها، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها ~~فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد ~~الهدية وقال للمنذر: { ارجع إليهم }. ### || [27.36-37] # { فلما جآء } رسولها المنذر بن عمرو { سليمان قال ~~أتمدونن بمال } بنونين وإثبات الياء في الوصل والوقف: مكي ~~وسهل، وافقهما مدني وأبو عمرو في الوصل. { أتمدوني } حمزة ويعقوب في ~~الحالين، وغيرهم ms1012 بنونين بلا يا ء فيهما، والخطاب للرسل { فما ءاتنى ~~الله } من النبوة والملك والنعمة. وبفتح الباء: مدني وأبو عمرو وحفص { ~~خير مما ءاتكم } من زخارف الدنيا { بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون } الهدية اسم المهدي كما أن العطية اسم ~~المعطي فتضاف إلى المهدي والمهدى له تقول «هذه هدية فلان» تريد هي التي ~~أهداها أو أهديت إليه، والمعنى إن ما عندي خير مما عندكم وذلك أن الله ~~آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا ~~يستزاد عليه فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ~~ظاهرا من الحياة الدنيا فلذلك تفرحون بما تزادون ويهدى إليكم لأن ذلك ~~مبلغ همتكم، وحالي خلاف حالكم وما أرضي منكم بشيء ولا أفرح به إلا ~~بالإيمان وترك المجوسية. والفرق بين قولك «أتمدونني بمال وأنا أغنى منكم» ~~وبين أن تقوله بالفاء أني إذا قلته بالواو جعلت مخاطبي عالما بزيادتي في ~~الغنى وهو مع ذلك يمدني بمال، وإذا قلته بالفاء فقد جعلته ممن خفيت عليه ~~حالي فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده كأني أقول له: أنكر ~~عليك ما فعلت فإني غني عنه، وعليه ورد { فما آتاني الله } ووجه الإضراب ~~أنه لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي ~~حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا فرح إلا أن يهدي إليهم حظ من ~~الدنيا التي يعلمون غيرها. # { ارجع إليهم } خطاب للرسول أو الهدهد محملا كتابا آخر إليهم ~~ائت بلقيس وقومها { فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها } لا طاقة لهم بها وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة أي لا يقدرون ~~أن يقابلوهم { ولنخرجنهم منها } من سبأ { أذلة وهم ~~صغرون } الذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار ~~أن يقعوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا وقص عليها ~~القصة قالت: هو نبي وما لنا به طاقة ثم جعلت عرشها في آخر سبعة أبيات ~~وغلقت الأبواب ووكلت به حرسا يحفظونه، وبعثت إلى ms1013 سليمان إني قادمة إليك ~~لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في إثني عشر ألف. قيل: تحت كل قيل ~~ألوف فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان. ### || [27.38-40] # { قال يا أيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها ~~قبل أن يأتونى مسلمين } أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله ~~تعالى به من إجراء العجائب على يده مع إطلاعها على عظم قدرة الله تعالى ~~وعلى ما يشهد لنبوة سليمان، أو أراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا ~~أسلمت لم يحل له أخذ مالها وهذا بعيد عند أهل التحقيق، أو أراد أن يؤتى ~~به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته أم تنكره اختبارا لعقلها { قال ~~عفريت من الجن } وهو الخبيث المارد واسمه ذكوان { أنا ءاتيك ~~به قبل أن تقوم من مقامك } مجلس حكمك وقضائك { وإنى ~~عليه } على حمله { لقوى أمين } آتي به كما هو لا آخذ منه ~~شيئا ولا أبدله. فقال سليمان عليه السلام: أريد أعجل من هذا. # { قال الذى عنده علم من الكتب } أي ملك بيده كتاب ~~المقادير أرسله الله تعالى عند قول العفريت، أو جبريل عليه السلام، ~~والكتاب على هذا اللوح المحفوظ، أو الخضر أو آصف بن برخيا كاتب سليمان ~~وهو الأصح وعليه الجمهور، وكان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به ~~أجاب وهو: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أو يا إلهنا وإله كل شيء ~~إلها «واحدا» لا إله إلا أنت. وقيل: كان له علم بمجاري الغيوب إلهاما ~~{ أنا ءاتيك به } بالعرش و { آتيك } في الموضعين يجوز أن يكون فعلا أو ~~اسم فاعل. ومعنى قوله { قبل أن يرتد إليك طرفك } أنك ~~ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك. ويروى أن آصف قال ~~لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد عينيه فنظر نحو اليمن ~~فدعا آصف فغار العرش في مكانه ثم نبع عند مجلس سليمان بقدرة الله تعالى ~~قبل أن يرتد طرفه { فلما رءاه } أي العرش { مستقرا عنده } ~~ثابتا لديه غير مضطرب ms1014 { قال هذا } أي حصول مرادي وهو حضور العرش ~~في مدة ارتداد الطرف { من فضل ربى } علي وإحسانه إلي بلا استحقاق ~~مني بل هو فضل خال من العوض صاف عن الغرض { ليبلونى ءأشكر } ليمتحنني ~~أأشكر إنعامه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه } لأنه يحط به عنها عبء الواجب ويصونها عن سمة الكفران ~~ويستجلب به المزيد وترتبط به النعمة، فالشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد ~~للنعمة المفقودة. وفي كلام بعضهم: إن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت ~~نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم ~~الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله تعالى متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله ~~وقارا أي لم تشكر لله نعمة { ومن كفر } بترك الشكر على النعمة { ~~فإن ربى غنى } عن الشكر { كريم } بالإنعام على من يكفر ~~نعمته، قال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة ~~فهو إلينا وله المنة والفضل علينا. ### || [27.41-42] # { قال نكروا لها عرشها } غيروا أي اجعلوا مقدمه مؤخره ~~وأعلاه أسفله { ننظر } بالجزم على الجواب { أتهتدى } إلى معرفة ~~عرشها أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه { أم تكون من الذين لا ~~يهتدون فلما جاءت } بلقيس { قيل أهكذا عرشك } «ها» ~~للتنبيه والكاف للتشبيه و «ذا» اسم إشارة ولم يقل «أهذا عرشك» ولكن أمثل ~~هذا عرشك لئلا يكون تلقينا { قالت كأنه هو } فأجابت أحسن جواب ~~فلم تقل «هو هو» و «لا ليس به» وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقطع في ~~المحتمل للأمرين، أو لما شبهوا عليها بقولهم: { أهكذا عرشك } شبهت عليهم ~~بقولها { كأنه هو } مع أنها علمت أنه عرشها { وأوتينا ~~العلم من قبلها } من كلام بلقيس أي وأوتينا العلم بقدرة الله ~~تعالى وبصحة نبوتك بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبل هذه ~~المعجزة أي إحضار العرش أو من قبل هذه الحالة { وكنا مسلمين } ~~منقادين لك مطيعين لأمرك، أو من كلام سليمان وملئه عطفوا على كلامها ~~قولهم: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها، أو ms1015 ~~أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين موحدين ~~خاضعين. ### || [27.43-44] # { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } متصل بكلام ~~سليمان أي وصدها عن العلم بما علمناه أو عن التقدم إلى الإسلام عبادة ~~الشمس ونشؤها بين أظهر الكفرة. ثم بين نشأها بين الكفرة بقوله { إنها ~~كانت من قوم كفرين } أو كلام مبتدأ أي قال الله تعالى وصدها ~~قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل، أو صدها الله، أو سليمان ~~عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل. # { قيل لها ادخلى الصرح } أي القصر أو صحن الدار { فلما ~~رأته حسبته لجة } ماء عظيما { وكشفت عن ساقيها } ~~{ سأقيها } بالهمزة: مكي. روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى له على ~~طريقها قصر من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه السمك وغيره، ~~ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ~~ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن ~~يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد ~~له منها ولد يجمع فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد ~~فقالوا له: إن في عقلها شيئا وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار، ~~فاختبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليعرف ساقها ورجلها فكشفت عنهما ~~فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلا أنها شعراء فصرف بصره { قال } لها ~~{ إنه صرح ممرد } مملس مستو ومنه الأمرد { من قوارير } ~~من الزجاج. وأراد سليمان تزوجها فكره شعرها فعملت لها الشياطين النورة ~~فأزالته فنكحها سليمان وأحبها وأقرها على ملكها وكان يزورها في الشهر مرة ~~فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له { قالت رب إنى ظلمت نفسى ~~} بعبادة الشمس { وأسلمت مع سليمن لله رب ~~العلمين } قال المحققون: لا يحتمل أن يحتال سليمان لينظر إلى ~~ساقيها وهي أجنبية فلا يصح القول بمثله. ### || [27.45-47] # { ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم } في النسب { ~~صلحا } بدل { أن اعبدوا الله } بكسر النون في الوصل: عاصم ~~وحمزة وبصري، وبضم النون: ms1016 غيرهم اتباعا للباء، والمعنى بأن اعبدوا الله ~~وحدوه { فإذا } للمفاجأة { هم } مبتدأ { فريقان } خبر { ~~يختصمون } صفة وهي العامل في { إذا } والمعنى فإذا قوم صالح ~~فريقان مؤمن به وكافر به يختصمون فيقول كل فريق الحق معي وهو مبين في ~~قوله: # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن ءامن منهم أتعلمون أن صلحا ~~مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي أمنتم به كافرون # [الأعراف: 75] وقال الفريق الكافر: # ياصح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين # { [الأعراف: 77] { قال يا قوم لم تستعجلون ~~بالسيئة } بالعذاب الذي توعدون { قبل الحسنة } قبل التوبة ~~{ لولا } هلا { تستغفرون الله } تطلبون المغفرة من كفركم ~~بالتوبة والإيمان قبل نزول العذاب بكم { لعلكم ترحمون } ~~بالإجابة { قالوا اطيرنا بك } تشاءمنا بك لأنهم قحطوا عند ~~مبعثه لتكذيبهم فنسبوه إلى مجيئه. والأصل { تطيرنا } وقريء به ~~فأدغمت التاء في الطاء وزيدت الألف لسكون الطاء { وبمن معك } من ~~المؤمنين { قال طائركم عند الله } أي سببكم الذي يجيء منه ~~خيركم وشركم عند الله وهو قدره وقسمته، أو عملكم مكتوب عند الله فإنما ~~نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة ومنه # وكل إنسن ألزمنه طئره فى عنقه # [الإسراء:13] وأصله أن المسافر إذا مر بطائر فيزجره فإن مر سانحا ~~تيامن، وإذا مر بارحا تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير ~~لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السبب في ~~الرحمة والنقمة { بل أنتم قوم تفتنون } تختبرون أو تعذبون ~~بذنبكم. ### || [27.48-50] # { وكان فى المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر { تسعة رهط } ~~هو جمع لا واحد له ولذا جاز تمييز التسعة به فكأنه قيل تسعة أنفس، وهو من ~~الثلاثة إلى العشرة. وعن أبي دؤاد: رأسهم قدار بن سالف وهم الذين سعوا في ~~عقر الناقة وكانوا أبناء أشرافهم { يفسدون فى الأرض ولا ~~يصلحون } يعني أن شأنهم الإفساد البحت لا يخلط بشيء من الصلاح كما ~~ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح. وعن الحسن يظلمون الناس ولا ms1017 ~~يمنعون الظالمين من الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس ولا يسترون ~~عوراتهم { قالوا تقاسموا بالله } { تحالفوا } خبر في محل ~~الحال بإضمار «قد» أي قالوا متقاسمين أو أمر أي أمر بعضهم بعضا بالقسم { ~~لنبيتنه } لنقتلنه بياتا أي ليلا { وأهله } ولده وتبعه { ~~ثم لنقولن لوليه } لولي دمه { لتبيتنه } بالتاء وبضم التاء ~~الثانية ثم { لتقولن } بالتاء وضم اللام: حمزة وعلي { ماشهدنا } ما حضرنا ~~{ مهلك أهله } حفص { مهلك } أبو بكر وحماد والمفضل من هلك، ~~فالأول موضع الهلاك، والثاني المصدر { مهلك غيرهم، من أهلك وهو الإهلاك ~~أو مكان الإهلاك أي لم نتعرض لأهله فكيف تعرضنا له؟ أو ما حضرنا موضع ~~هلاكه فكيف توليناه؟ { وإنا لصدقون } فيما ذكرنا. # { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } ~~مكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله. ومكر الله إهلاكهم من حيث لا ~~يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. روي أنه كان لصالح مسجد في ~~الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ ~~منه ومن أهله قبل الثالث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ~~ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم فبادروا ~~فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل ~~بقومهم، وعذب الله كلا منهم في مكانه ونجى صالحا عليه السلام ومن معه ### || [27.51-55] # { فانظر كيف كان عقبة مكرهم أنا دمرنهم ~~} بفتح الألف: كوفي وسهل، وبكسرها: غيرهم على الاستئناف، ومن فتحه رفعه ~~على أنه بدل من العاقبة، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي تدميرهم، أو نصبه ~~على معنى لأنا أو على أنه خبر «كان» أي فكان عاقبة مكرهم الدمار { ~~وقومهم أجمعين } بالصيحة { فتلك بيوتهم خاوية } ~~ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط، أو خالية من الخواء، وهي حال عمل ~~فيها ما دل عليه { تلك } { بما ظلموا } بظلمهم { إن فى ذلك ~~} فيما فعل بثمود { لآية لقوم يعلمون } قدرتنا فيتعظون { ~~وأنجينا الذين ءامنوا } بصالح { وكانوا يتقون } ترك ~~أوامره وكانوا أربعة الآف ms1018 نجوا مع صالح من العذاب. # { ولوطا إذ قال } واذكر لوطا، و { إذ } بدل من { لوطا } أي ~~واذكر وقت قول لوط { لقومه أتأتون الفحشة } أي إتيان ~~الذكور { وأنتم تبصرون } تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها من ~~بصر القلب، أو يرى ذلك بعضهم من بعض لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم ~~معالنين بها لا يتستر بعضهم من بعض مجانة وانهماكا في المعصية، أو ~~تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. ثم صرح فقال { أئنكم } ~~بهمزتين: كوفي وشامي { لتأتون الرجال شهوة } للشهوة { من ~~دون النساء } أي إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر ~~للذكر ولا الأنثى للأنثى فهي مضادة لله في حكمته { بل أنتم قوم ~~تجهلون } تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو أريد ~~بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها. وقد اجتمع الخطاب والغيبة في ~~قوله { بل أنتم قوم تجهلون } و { بل أنتم قوم تفتنون } فغلب الخطاب على ~~الغيبة لأنه أقوى إذ الأصل أن يكون الكلام بين الحاضرين. ### || [27.56-59] # { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال ~~لوط } أي لوطا ومتبعيه فخبر «كان» { جواب } واسمه { أن قالوا } { من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يتنزهون عن القاذورات ~~ينكرون هذا العمل القذر ويغيظنا إنكارهم. وقيل: هو استهزاء كقوله # إنك لأنت الحليم الرشيد # { [هود:87] { فأنجينه } فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم { ~~وأهله إلا امرأته قدرنها } بالتشديد سوى حماد وأبي ~~بكر أي قدرنا كونها { من الغبرين } من الباقين في العذاب { ~~وأمطرنا عليهم مطرا } حجارة مكتوبا عليها اسم صاحبها { ~~فساء مطر المنذرين } الذين لم يقبلوا الإنذار. # { قل الحمد لله وسلم على عباده الذين ~~اصطفى } أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بتحميده ثم بالصلاة على ~~المصطفين من عباده توطئه لما يتلوه من الدلالة على وحدانيته وقدرته على ~~كل شيء وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال بأن يتبرك بهما ويستظهر ~~بمكانهما، أو هو خطاب للوط عليه السلام بأن يحمد الله على هلاك كفار قومه ~~ويسلم على من اصطفاه الله ونجاه من هلكتهم وعصمه ms1019 من ذنوبهم { ءآلله ~~خير أما يشركون } بالياء: بصري وعاصم. ولا خير فيما أشركوه ~~أصلا حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل شيء، وإنما هو إلزام لهم وتهكم ~~بحالهم وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ولا يؤثر ~~عاقل شيئا على شيء إلا لداع يدعوه إلى إيثاره من زيادة خير ومنفعة، فقيل ~~لهم مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخير ولكن ~~هوى وعبثا لينبهوا على الخطأ المفرط والجهل المورط، وليعلموا أن الإيثار ~~يجب أن يكون للخير الزائد، وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال: # " بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم " # ثم عدد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله فقال ### || [27.60-62] # { أمن خلق السموت والأرض } والفرق بين «أم» و «أم» في ~~{ أما يشركون } و { أمن خلق السماوات } أن تلك متصلة إذ المعنى أيهما ~~خير، وهذه منقطعة بمعنى «بل» والهمزة، ولما قال الله خير أم الآلهة قال ~~بل أمن خلق السماوات والأرض خير، تقريرا لهم بأن من قدر على خلق العالم ~~خير من جماد لا يقدر على شيء { وأنزل لكم من السماء ماء } ~~مطرا { فأنبتنا } صرف الكلام عن الغيبة إلى التكلم تأكيدا لمعنى ~~اختصاص الفعل بذاته وإيذانا بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف ~~والألوان والطعوم والأشكال مع حسنها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده ~~{ به } بالماء { حدائق } بساتين، والحديقة: البستان وعليه حائط من ~~الإحداق وهو الإحاطة { ذات } ولم يقل «ذوات» لأن المعنى جماعة حدائق ~~كما تقول النساء ذهبت { بهجة } حسن لأن الناظر يبتهج به. ثم رشح معنى ~~الاختصاص بقوله { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ومعنى ~~الكينونة الانبغاء أراد أن تأتى ذلك محال من غيره { أءله مع ~~الله } أغيره يقرن به ويجعل شريكا له { بل هم قوم يعدلون } ~~به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد و { بل هم } بعد الخطاب أبلغ ~~في تخطئة رأيهم. # { أمن جعل الأرض } وما بعده بدل من { أمن خلق } فكان حكمها ~~حكمه { قرارا } دحاها وسواها للاستقرار ms1020 عليها { وجعل خلالها ~~} ظرف أي وسطها وهو المفعول الثاني والأول { أنهارا } وبين البحرين ~~مثله { وجعل لها } للأرض { رواسى } جبالا تمنعها عن الحركة { ~~وجعل بين البحرين } العذب والمالح { حاجزا } مانعا أن ~~يختلطا { أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } ~~التوحيد فلا يؤمنون { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ~~الاضطرار افتعال من الضرورة وهي الحالة المحوجة إلى اللجأ. يقال اضطره ~~إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر، والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة ~~من نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرع إلى الله، أو المذنب إذا استغفر، أو ~~المظلوم إذا دعا، أو من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد وهو منه ~~على خطر { ويكشف السوء } الضر أو الجور { ويجعلكم حلفاء ~~الأرض } أي فيها وذلك توارثهم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن، أو ~~أراد بالخلافة الملك والتسلط { أءله مع الله قليلا ما ~~تذكرون } وبالياء: أبو عمرو، وبالتخفيف: حمزة وعلي وحفص. و «ما» ~~مزيدة أي تذكرون تذكرا قليلا. ### || [27.63-65] # { أمن يهديكم } يرشدكم بالنجوم { فى ظلمت البر ~~والبحر } ليلا وبعلامات في الأرض نهارا { ومن يرسل ~~الرياح } { الريح } مكي وحمزة وعلى { بشرا } من البشارة وقد مر في ~~«الأعراف» { بين يدى رحمته } قدام المطر { أءله مع ~~الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدأ الخلق ~~} ينشيء الخلق { ثم يعيده } وإنما قيل لهم { ثم يعيده } ~~وهم منكرون للإعادة لأنه أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار فلم ~~يبق لهم عذر في الإنكار { ومن يرزقكم من السماء } أي المطر ~~{ والأرض } أي ومن الأرض النبات { أءله مع الله قل ~~هاتوا برهنكم } حجتكم على إشراككم { إن كنتم صدقين ~~} في دعواكم أن مع الله إلها آخر. # { قل لا يعلم من فى السموت والأرض الغيب إلا ~~الله } { من } فاعل { يعلم } و { الغيب } هو ما لم يقم عليه دليل ولا ~~أطلع عليه مخلوق مفعول و { الله } بدل من { من } والمعنى لا يعلم أحد ~~الغيب إلا الله. نعم إن الله تعالى يتعالى عن أن يكون ممن في السماوات ~~والأرض ولكنه جاء على لغة بني تميم حيث يجرون الاستثناء ms1021 المنقطع مجرى ~~المتصل ويجيزون النصب والبدل في المنقطع كما في المتصل ويقولون ما في ~~الدار أحد إلا حمار. وقالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أنه يعلم ما في ~~غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول: { قل لا يعلم من ~~فى السموت والأرض الغيب إلا الله }. وقيل: نزلت في ~~المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة { وما ~~يشعرون } وما يعلمون { أيان } متى { يبعثون } ينشرون ### || [27.66] # { بل ادرك } { أدرك } مكي وبصري ويزيد والمفضل أي انتهى وتكامل من ~~أدركت الفاكهة تكاملت نضجا { بل ادارك } عن الأعشى افتعل. { بل ~~ادارك } غيرهم استحكم وأصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وزيد ألف الوصل ~~ليمكن التكلم بها { علمهم فى الآخرة } أي في شأن الآخرة ~~ومعناها، والمعنى أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة قد ~~حصلت لهم ومكنوا من معرفته وهم شاكون جاهلون وذلك قوله { بل هم فى ~~شك منها بل هم منها عمون } والإضرابات الثلاث تنزيل ~~لأحوالهم وتكرير لجهلهم، وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم ~~بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا ~~يزيلونه والإزالة مستطاعة، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى. وقد جعل ~~الآخرة مبتدأ عماهم ومنشأة فلذا عداه ب «من» دون «عن» لأن الكفر ~~بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التدبر والتفكر. ووجه ملاءمة مضمون ~~هذه الآية وهو وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم ~~والتمكن من المعرفة بما قبله وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب وأن العباد لا ~~علم لهم بشيء منه، أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب وكان هذا ~~بيانا لعجزهم ووصفا لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه وهو ~~أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون مع ~~أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به. وجاز أن يكون وصفهم ~~باستحكام العلم وتكامله تهكما بهم كما تقول لأجهل الناس «ما أعلمك» على ~~سبيل الهزؤ وذلك ms1022 حيث شكوا عموا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك ~~فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته، ويجوز أن يكون أدرك ~~بمعنى انتهى وفني من قولك «أدركت الثمرة» لأن تلك غايتها التي عندها ~~تعدم، وقد فسرها الحسن بإضمحل علمهم في الآخرة. وتدارك من تدارك بنو فلان ~~إذا تتابعوا في الهلاك. ### || [27.67-71] # { وقال الذين كفروا أءذا كنا ترابا وءاباؤنا ~~أءنا لمخرجون } من قبورنا أحياء وتكرير حرف الاستفهام في { أءذا ~~} و { أءنا } في قراءة عاصم وحمزة وخلف، إنكار بعد إنكار وجحود عقيب جحود ~~ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في { إذا } ما دل عليه { لمخرجون ~~} وهو نخرج لأن اسم الفاعل والمفعول بعد همزة الاستفهام، أو إن «أو لام ~~الابتداء لا يعمل فيما قبله فكيف إذا اجتمعن»؟ والضمير في «إنا» لهم ~~ولآبائهم لأن كونهم ترابا قد تناولهم وآباءهم لكنه غلبت الحكاية على ~~الغائب، و { آباؤنا } عطف على الضمير في { كنا } لأن المفعول جرى مجرى ~~التوكيد { لقد وعدنا هذا } أي البعث { نحن وءاباؤنا ~~من قبل } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. قدم هنا { هذا } على { نحن ~~وآباؤنا } وفي المؤمنون { نحن وآباؤنا } على { هذا } ليدل على أن المقصود ~~بالذكر هو البعث هنا وثمة المبعوثون { إن هذا إلا أسطير ~~الأولين } ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم { قل سيروا فى ~~الأرض فانظروا كيف كان عقبة المجرمين } أي آخر ~~أمر الكافرين. وفي ذكر الإجرام لطف بالمسلمين في ترك الجرائم كقوله ~~تعالى: # فدمدم عليهم ربهم بذنبهم # [الشمس: 15] وقوله # مما خطيئتهم أغرقوا # [نوح:25] { ولا تحزن عليهم } لأجل أنهم لم يتبعوك ولم يسلموا ~~فيسلموا { ولا تكن فى ضيق } في حرج صدر { مما يمكرون } ~~من مكرهم وكيدهم لك فإن الله يعصمك من الناس. يقال ضاق الشيء ضيقا ~~بالفتح وهو قراءة غير ابن كثير وبالكسر وهو قراءته { ويقولون متى ~~هذا الوعد } أي وعد العذاب { إن كنتم صدقين } أن ~~العذاب نازل بالمكذب. ### || [27.72-76] # { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون ~~} استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم عسى أن يكون ms1023 ردفكم بعضه وهو عذاب يوم ~~بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195] أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم ~~ومعناه تبعكم ولحقكم، وعسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق ~~الأمر وجده فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده { وإن ربك لذو فضل ~~} أي إفضال { على الناس } بترك المعاجلة بالعذاب { ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون } أي أكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا ~~يشكرونه فيستعجلون العذاب بجهلهم { وإن ربك ليعلم ما ~~تكن } تخفي { صدورهم وما يعلنون } يظهرون من القول فليس ~~تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم ولكن له وقت مقدر، أو أنه يعلم ما يخفون ~~وما يعلنون من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكايدهم وهو معاقبهم ~~على ذلك بما يستحقونه. وقرى { تكن } يقال كننت الشيء وأكننته إذا سترته ~~وأخفيته { وما من غائبة فى السماء والأرض إلا فى ~~كتب مبين } سمى الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية، والتاء ~~فيهما كالتاء في العاقبة والعافية ونظائرهما الرمية والذبيحة والنطيحة في ~~أنها أسماء غير صفات، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالراوية ~~كأنه قال: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته ~~في اللوح المحفوظ. والمبين الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة. # { إن هذا القرءان يقص على بنى إسرءيل } أي يبين ~~لهم { أكثر الذى هم فيه يختلفون } فإنهم اختلفوا في ~~المسيح فتحزبوا فيه أحزابا ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن ~~بعضهم بعضا، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به ~~وأسلموا يريد اليهود والنصارى ### || [27.77-81] # { وإنه } وإن القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } لمن ~~أنصف منهم وآمن أي من بني إسرائيل أو منهم ومن غيرهم { إن ربك ~~يقضى بينهم } بين من آمن بالقرآن ومن كفر به { بحكمه } بعدله ~~لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكما، أو بحكمته ويدل عليه ~~قراءة من قرأ { بحكمه } جمع حكمة { وهو العزيز } فلا يرد قضاؤه { ~~العليم } بمن يقضي له ms1024 وبمن يقضي عليه أو العزيز في انتقامه من ~~المبطلين العليم بالفصل بينهم وبين المحقين { فتوكل على الله ~~} أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين { إنك على ~~الحق المبين } وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج وهو الدين الواضح ~~الذي لا يتعلق به شك، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته ~~{ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ~~إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادى العمى عن ~~ضللتهم } لما كانوا لا يعون ما يسمعون ولا به ينتفعون، شبهوا ~~بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، ~~وبالعمي حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ويجعلهم هداة ~~بصراء إلا الله تعالى. ثم أكد حال الصم بقوله { إذا ولوا مدبرين } لأنه ~~إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته، { ولا ~~يسمع الصم } مكي وكذا «في الروم» { وما أنت تهدى العمى } ~~وكذا في «الروم»: حمزة { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } أي ~~ما يجدي إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته أي يصدقون بها ~~{ فهم مسلمون } مخلصون من قوله # بلى من أسلم وجهه لله # [البقرة: 112] يعني جعله سالما لله خالصا له. ### || [27.82-84] # { وإذا وقع القول عليهم } سمى معنى القول ومؤداه بالقول ~~وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب، ووقوعه حصوله والمراد مشارفة ~~الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة { أخرجنا لهم دابة ~~من الأرض تكلمهم } هي الجساسة، في الحديث: طولها ستون ذراعا ~~لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، ولها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان. ~~وقيل: لها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ~~ولون نمر وخاصرة هرة وذنب كبش وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ~~ذراعا تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية فتقول { أن الناس كانوا بآياتنا ~~لا يوقنون } أي لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات وتقول: ألا لعنة ~~الله على الظالمين. أو تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام، أو ~~بأن هذا ms1025 مؤمن وهذا كافر. وفتح { أن } كوفي وسهل على حذف الجار أي تكلمهم ~~بأن، وغيرهم كسروا لأن الكلام بمعنى القول، أو بإضمار القول أي تقول ~~الدابة ذلك ويكون المعنى بآيات ربنا أو حكاية لقول الله تعالى عند ذلك. ~~ثم ذكر قيام الساعة فقال { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } ~~«من» للتبعيض أي واذكر يوم نجمع من كل أمة من الأمم زمرة { ممن ~~يكذب } «من» للتبيين { بئايتنا } المنزلة على أنبيائنا { ~~فهم يوزعون } يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى ~~موضع الحساب وهذه عبارة عن كثرة العدد، وكذا الفوج عبارة عن الجماعة ~~الكثيرة { حتى إذا جآءو } حضروا موقف الحساب والسؤال { قال } ~~لهم تعالى تهديدا { أكذبتم بآياتي } المنزلة على رسلي { ولم ~~تحيطوا بها علما } الواو للحال كأنه قال: أكذبتم بآياتي بادىء ~~الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها وأنها حقيقة ~~بالتصديق أو بالتكذيب { أماذا كنتم تعملون } حيث لم تتفكروا ~~فيها فإنكم لم تخلقوا عبثا ### || [27.85-88] # { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ~~} أي يغشاهم العذاب الموعود بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم ~~عن النطق والاعتذار كقوله: # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35] # { ألم يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا } حال، جعل الإبصار للنهار وهو لأهله والتقابل ~~مراعى من حيث المعنى لأن معنى { مبصرا } ليبصروا فيه طرق التقلب في ~~المكاسب { إن فى ذلك لآيت لقوم يؤمنون } يصدقون ~~فيعتبرون، وفيه دليل على صحة البعث لأن معناه ألم يعلموا أنا جعلنا الليل ~~والنهار قواما لمعاشهم في الدنيا ليعلموا أن ذلك لم يجعل عبثا بل محنة ~~وابتلاء ولا بد عند ذلك من ثواب وعقاب فإذا لكم يكونا في هذه الدار فلا ~~بد من دار أخرى للثواب والعقاب { ويوم } واذكر يوم { ينفخ فى ~~الصور } وهو قرن أو جمع صورة والنافخ إسرافيل عليه السلام { ففزع ~~من فى السموت ومن فى الأرض } اختير «فزع» على «يفزع» ~~للإشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، والمراد فزعهم عند ~~النفخة الأولى حين يصعقون { إلا ms1026 من شاء الله } إلا من ثبت الله ~~قلبه من الملائكة قالوا: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم ~~السلام لأنه صعق مرة، ومثله # ونفخ فى الصور فصعق من فى السموت ومن فى ~~الأرض إلا من شاء الله # )الزمر:68) { وكل أتوه } حمزة وحفص وخلف، { اتوه } غيرهم وأصله ~~«آتيوه» { دخرين } حال أي صاغرين ومعنى الإتيان حضورهم الموقف ~~ورجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له. # { وترى الجبال تحسبها } بفتح السين: شامي وحمزة ويزيد ~~وعاصم، وبكسرها: غيرهم حال من المخاطب { جامدة } واقفة ممسكة عن ~~الحركة من جمد في مكانه إذا لم يبرح { وهى تمر } حال من الضمير ~~المنصوب في { تحسبها } { مر السحاب } أي مثل مر السحاب والمعنى ~~أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد لعظمها وهي ~~تسير سيرا سريعا كالسحاب إذا ضربته الريح، وهكذا الأجرام العظام ~~المتكاثرة العدد إذا تحركت لا تكاد تبين حركتها كما قال النابغة في صفة ~~جيش # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم # وقوف الحاج والركاب تهملج # { صنع الله } مصدر عمل فيه ما دل عليه { تمر } لأن مرورها كمر ~~السحاب من صنع الله فكأنه قيل: صنع الله ذلك صنعا وذكر اسم الله لأنه لم ~~يذكر قبل { الذى أتقن كل شىء } أي أحكم خلقه { إنه ~~خبير بما تفعلون } { يفعلون } مكي وبصري غير سهل وأبو بكر غير ~~يحي، وغيرهم بالتاء أي أنه عالم بما يفعل العباد فيكافئهم على حسب ذلك. # ثم لخص ذلك بقوله ### || [27.89-90] # { من جاء بالحسنة } أي بقول لا إله إلا الله عند الجمهور { ~~فله خير منها } أي فله خير حاصل من جهتها وهو الجنة، وعلى هذا ~~لا يكون { خير } بمعنى أفضل ويكون { منها } في موضع رفع صفة ل { خير } ~~أي بسببها { وهم من فزع } كوفي أي من فزع شديد مفرط الشدة وهو خوف ~~النار أو من فزع ما وإن قل، وبغير تنوين غيرهم { يومئذ } كوفي ~~ومدني، وبكسر الميم غيرهم والمراد يوم القيامة { ءامنون } «أمن» يعدى ~~بالجار وبنفسه كقوله # أفأمنوا مكر الله # [الأعراف: 99] { ومن جاء بالسيئة } بالشرك { فكبت } ألقيت ms1027 ~~{ وجوههم فى النار } يقال كببت الرجل ألقيته على وجهه أي ألقوا ~~على رؤوسهم في النار، أو عبر عن الجملة بالوجه كما يعبر بالرأس والرقبة ~~عنها أي ألقوا في النار ويقال لهم تبكيتا عند الكب { هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون } في الدنيا من الشرك والمعاصي ### || [27.91-93] # { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } مكة { ~~الذى حرمها } جعلها حرما آمنا يأمن فيها اللاجيء إليها ولا ~~يختلي خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها { وله كل شىء } مع هذه ~~البلدة فهو مالك الدنيا والآخرة { وأمرت أن أكون من ~~المسلمين } المنقادين له. # { وأن أتلوا القرءان } من التلاوة أو من التلو كقوله: # واتبع ما يوحى إليك من ربك # [الأحزاب: 2] أمر رسوله بأن يقول أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا ~~اتخذ له شريكا كما فعلت قريش، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة ~~الإسلام، وأن أتلو القرآن لأعرف الحلال والحرام وما يقتضيه الإسلام. وخص ~~مكة من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأعظمها ~~عنده وأشار إليها بقوله { هذه } إشارة تعظيم لها وتقريب دالا على أنها ~~موطن نبيه ومهبط وحيه، ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها وجعل دخول ~~كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما { فمن اهتدى } ~~باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الشركاء عنه والدخول في ~~الملة الحنيفية واتباع ما أنزل علي من الوحي { فإنما يهتدى ~~لنفسه } فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلي { ومن ضل ~~فإنما أنا من المنذرين } أي ومن ضل ولم يتبعني فلا علي ~~وما أنا إلا رسول منذر # وما على الرسول إلا البلغ المبين # (العنكبوت) { وقل الحمد لله سيريكم ءايته ~~فتعرفونها } ثم أمره أن يحمد الله على ما خوله من نعمة النبوة ~~التي لا توازيها نعمة، وأن يهدد أعداءه بما سيريهم الله من آياته في ~~الآخرة فيستيقنون بها. وقيل: هو انشقاق القمر والدخان وما حل بهم من ~~نقمات الله في الدنيا { وما ربك بغفل عما تعملون } ~~بالتاء مدني وشامي وحفص ويعقوب خطاب ms1028 لأهل مكة، وبالياء غيرهم أي كل عمل ~~يعملونه فإن الله عالم به غير غافل عنه فالغفلة والسهو لا يجوزان عليه. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-4] # مكية وهي ثمان وثمانون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { طسم تلك ءايات الكتب المبين } يقال بان الشيء وأبان ~~بمعنى واحد، ويقال أبنته فأبان لازم ومتعد أي مبين خيره وبركته أو مبين ~~للحلال والحرام والوعد والوعيد والإخلاص والتوحيد { نتلوا عليك } ~~نقرأ عليك أي يقرؤه جبريل بأمرنا ومفعول { نتلو } { من نبإ موسى ~~وفرعون } أي نتلو عليك بعض خبرهما { بالحق } حال أي محقين { ~~لقوم يؤمنون } لمن سبق في علمنا أنه مؤمن لأن التلاوة إنما تنفع ~~هؤلاء دون غيرهم { إن فرعون } جملة مستأنفة كالتفسير للجمل كأن ~~قائلا قال: وكيف كان نبؤهما؟ فقال: إن فرعون { علا } طغى وجاوز الحد ~~في الظلم واستكبر وافتخر بنفسه ونسي العبودية { فى الأرض } أي أرض ~~مملكته يعني مصر { وجعل أهلها شيعا } فرقا يشيعونه على ما ~~يريد ويطيعونه. لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه أو فرقا مختلفة يكرم ~~طائفة ويهين أخرى فأكرم القبطي وأهان الإسرائيلي { يستضعف ~~طائفة منهم } هم بنو إسرائيل { يذبح أبناءهم ~~ويستحى نساءهم } أي يترك البنات أحياء للخدمة، وسبب ذبح ~~الأبناء أن كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده. ~~وفيه دليل على حمق فرعون فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل، وإن كذب فما ~~معنى القتل. ويستضعف حال من الضمير في { وجعل } أو صفة ل { شيعا } أو ~~كلام مستأنف و { يذبح } بدل من { يستضعف } { إنه كان من ~~المفسدين } أي إن القتل ظلما إنما هو فعل المفسدين إذ لا طائل ~~تحته صدق الكاهن أو كذب. ### || [28.5-7] # { ونريد أن نمن } نتفضل وهو دليل لنا في مسألة الأصلح، وهذه ~~الجملة معطوفة على { إن فرعون علا في الأرض } لأنها نظيرة تلك في وقوعها ~~تفسيرا لنبأ موسى وفرعون واقتصاصا له، أو حال من { يستضعف } أي ~~يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم وإرادة الله تعالى كائنة فجعلت ~~كالمقارنة لاستضعافهم { على الذين استضعفوا فى الأرض ms1029 ~~ونجعلهم أئمة } قادة يقتدى بهم في الخير أو قادة إلى الخير ~~أو ولاة وملوكا { ونجعلهم الوارثين } أي يرثون فرعون وقومه ~~ملكهم وكل ما كان لهم { ونمكن } مكن له إذا جعل له مكانا يقعد عليه ~~أو يرقد، ومعنى التمكين { لهم فى الأرض } أي أرض مصر والشام أن ~~يجعلها بحيث لا تنبو بهم ويسلطهم وينفذ أمرهم { ونرى فرعون ~~وهمن وجنودهما } بضم النون ونصب فرعون وما بعده، وبالياء ~~ورفع فرعون وما بعده: علي وحمزة أي يرون منهم ما حذروه من ذهاب ملكهم ~~وهلاكهم على يد مولود منهم، { ويرى } نصب عطف على المنصوب قبله كقراءة ~~النون أو رفع على الاستئناف { منهم } من بني إسرائيل ويتعلق ب { نري ~~} دون { يحذرون } لأن الصلة لا تتقدم على الموصول { ما كانوا ~~يحذرون } الحذر: التوقي من الضرر. # { وأوحينا إلى أم موسى } بالإلهام أو بالرؤيا أو بإخبار ~~ملك كما كان لمريم، وليس هذا وحي رسالة ولا تكون هي رسولا { أن ~~أرضعيه } «أن» بمعنى أي أو مصدرية { فإذا خفت عليه } من ~~القتل بأن يسمع الجيران صوته فينمو عليه { فألقيه فى اليم } ~~البحر، قيل: هو نيل مصر { ولا تخافى } من الغرق والضياع { ولا ~~تحزنى } بفراقه { إنا رادوه إليك } بوجه لطيف لتربيته { ~~وجعلوه من المرسلين } وفي هذه الآية أمران ونهيان وخبران ~~وبشارتان. والفرق بين الخوف والحزن أن الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، ~~والحزن غم يلحقه لواقع وهو فراقه والإخطار به فنهيت عنهما وبشرت برده ~~إليها وجعله من المرسلين. وروي أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد. ~~وروي أنها حين ضربها الطلق وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني ~~إسرائيل مصافية لها فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه ~~ودخل حبه قلبها فقالت: ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون ولكن وجدت ~~لابنك حبا ما وجدت مثله فاحفظيه، فلما خرجت القابلة جاءت عيون فرعون ~~فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها ~~فطلبوا فلم يلقوا شيئا فخرجوا وهي لا تدري مكانه فسمعت بكاءه من التنور ms1030 ~~فانطلقت إليه وقد جعل الله النار بردا وسلاما، فلما ألح فرعون في طلب ~~الولدان أوحي إليها بإلقائه في اليم فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة ~~أشهر ### || [28.8-9] # { فالتقطه ءال فرعون } أخذه، قال الزجاج: كان فرعون من أهل ~~فارس من اصطخر { ليكون لهم عدوا } أي ليصير الأمر إلى ذلك لا ~~أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلده الوالدة وهي لم تلد لأن يموت ولدها ~~ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجاج. وعن هذا قال المفسرون: إن هذه لام ~~العاقبة والصيرورة. وقال صاحب الكشاف: هي لام كي التي معناها التعليل ~~كقولك «جئتك لتكرمني» ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ~~ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله ~~وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء { وحزنا } { وحزنا } علي وحمزة ~~وهما لغتان كالعدم والعدم { إن فرعون وهمن ~~وجنودهما كانوا خطئين } { خاطين } تخفيف خاطئين: أبو ~~جعفر أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على ~~أيديهم، أو كانوا خاطئين في كل شيء فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم. # { وقالت امرأت فرعون قرة عين لى ولك } روي أنهم ~~حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه فعالجوا كسره فأعياهم ~~فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا فعالجته ففتحه فإذا بصبي نوره بين ~~عينيه فأحبوه وكانت لفرعون بنت برصاء فنظرت إلى وجهه فبرئت، فقالت الغواة ~~من قومه: هو الذي نحذر منه فأذن لنا في قتله، فهم بذلك فقالت آسية: قرة ~~عين لي ولك. فقال فرعون: لك، لا لي. وفي الحديث # " لو قال كما قالت لهداه الله تعالى كما هداها " # وهذا على سبيل الفرض أي لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها ~~وكان أسلم كما أسلمت. و { قرة } خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة و { لي ولك } ~~صفتان لقرة { لا تقتلوه } خاطبته خطاب الملوك أو خاطبت الغواة { ~~عسى أن ينفعنا } فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما ~~عاينت من النور وبرء ms1031 البرصاء { أو نتخذه ولدا } أو نتبناه ~~فإنه أهل لأن يكون ولدا للملوك { وهم لا يشعرون } حال، وذو ~~حالها آل فرعون وتقدير الكلام: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، ~~وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء ~~النفع منه وتبنيه. وقوله { إن فرعون } الآية جملة اعتراضية واقعة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم، وما أحسن نظم هذا الكلام عند ~~أصحاب المعاني والبيان. ### || [28.10] # { وأصبح } وصار { فؤاد أم موسى فارغا } صفرا من العقل ~~لما دهمها من فرط الجزع لما سمعت بوقوعه في يد فرعون { إن كادت ~~لتبدى به } لتظهر به والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته وأنه ~~ولدها. قيل: لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول: وا ابناه. ~~وقيل: لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله فكادت تقول: وا ~~ابناه شفقة عليه. و «إن» مخففة من الثقيلة أي إنها كادت { لولا أن ~~ربطنا على قلبها } لولا ربطنا على قلبها والربط على القلب ~~تقويته بإلهام الصبر { لتكون من المؤمنين } من المصدقين ~~بوعدنا وهو { إنا رادوه إليك } وجواب «لولا» محذوف أي لأبدته أو فارغا ~~من الهم حين سمعت أن فرعون تبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك ~~نفسها فرحا وسرورا بما سمعت لولا أنا طمأنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث ~~به من شدة الفرح لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لابتبني فرعون. ~~قال يوسف بن الحسين: أمرت أم موسى بشيئين ونهيت عن شيئين وبشرت ببشارتين ~~فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط على قلبها ### || [28.11-12] # { وقالت لأخته } مريم { قصيه } اتبعي أثره لتعلمي خبره { ~~فبصرت به } أي أبصرته { عن جنب } عن بعد حال من الضمير في { ~~به } أو من الضمير في { بصرت } { وهم لا يشعرون } أنها أخته { ~~وحرمنا عليه المراضع } تحريم منع لا تحريم شرع أي منعناه ~~أن يرضع ثديا غير ثدي أمه وكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك. ~~والمراضع جمع مرضع وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع ms1032 وهو موضع الرضاع وهو ~~الثدي أو الرضاع { من قبل } من قبل قصها أثره أو من قبل أن نرده على ~~أمه { فقالت } أخته وقد دخلت بين المراضع ورأته لا يقبل ثديا { هل ~~أدلكم } أرشدكم { على أهل بيت يكفلونه } أي موسى { ~~لكم وهم له نصحون } النصح إخلاص العمل من شائبة الفساد. # روي أنها لما قالت { وهم له ناصحون } قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف ~~أهله فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام، فقالت: إنما أردت وهم للملك ~~ناصحون. فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي على يد فرعون يعلله ~~شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، ~~فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة ~~طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وأجرى عليها ~~وذهبت به إلى بيتها وأنجز الله وعده في الرد فعندها ثبت واستقر في علمها ~~أنه سيكون نبيا وذلك قوله: ### || [28.13-15] # { فرددنه إلى أمه كى تقر عينها } بالمقام معه { ~~ولا تحزن } بفراقه { ولتعلم أن وعد الله حق } أي ~~وليثبت علمها مشاهدة كما علمت خبرا. وقوله { ولا تحزن } معطوف على { تقر ~~} وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار كل يوم كما قال السدي لأنه مال ~~حربي لا أنه أجرة على إرضاع ولدها { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } هو داخل تحت علمها أي لتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون انه حق فيرتابون، ويشبه التعريض بما فرط منها حين سمعت ~~بخبر موسى فجزعت. # { ولما بلغ أشده } بلغ موسى نهاية القوة وتمام العقل وهو ~~جمع شدة كنعمة وأنعم عند سيبويه { واستوى } واعتدل وتم استحكامه وهو ~~أربعون سنة. ويروى أنه:« # " لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة " # { آتيناه حكما } نبوة { وعلما } فقها أو علما بمصالح ~~الدارين { وكذلك نجزى المحسنين } أي كما فعلنا بموسى وأمه ~~نفعل بالمؤمنين. قال الزجاج: جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة ~~على الإحسان لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين، والعالم ~~الحكيم ms1033 من يعمل بعلمه لأنه تعالى قال: # ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون # [البقرة: 102] فجعلهم جهالا إذ لم يعملوا بالعلم { ودخل ~~المدينة } أي مصر { على حين غفلة من أهلها } حال من ~~الفاعل أي مختفيا وهو ما بين العشاءين أو وقت القائلة يعني انتصاف ~~النهار. وقيل: لما شب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخافوه فلا يدخل ~~المدينة إلا على تغفل { فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته } ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل. قيل: هو ~~السامري، وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره { وهذا من عدوه } من ~~مخالفيه من القبط وهو قانون، وقيل: فيهما هذا وهذا وإن كانا غائبين على ~~جهة الحكاية أي إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه { ~~فاستغثه } فاستنصره { الذى من شيعته على الذى من ~~عدوه فوكزه موسى } ضربه بجمع كفه أو بأطراف أصابعه { ~~فقضى عليه } فقتله { قال هذا } إشارة إلى القتل الحاصل ~~بغير قصد { من عمل الشيطن } وإنما جعل قتل الكافر من عمل ~~الشيطان وسماه ظلما لنفسه واستغفر منه لأنه كان مستأمنا فيهم ولا يحل ~~قتل الكافر الحربي المستأمن، أو لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، وعن ~~ابن جريج: ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر { إنه عدو مضل ~~مبين } ظاهر العداوة ### || [28.16-18] # { قال رب } يا رب { إنى ظلمت نفسى } بفعل صار قتلا { ~~فاغفر لى } زلتي { فغفر له } زلته { إنه هو الغفور ~~} بإقالة الزلل { الرحيم } بإزالة الخجل { قال رب بما ~~أنعمت على فلن أكون ظهيرا } معينا { للمجرمين ~~} للكافرين و { بما أنعمت } على قسم جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك علي ~~بالمغفرة لأتوبن فلن أكون ظهيرا للمجرمين، أو استعطاف كأنه قال: رب ~~اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين، ~~وأراد بمظاهرة المجرمين صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث ~~كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد. # { فأصبح فى المدينة خائفا } على نفسه من قتله القبطي أن ~~يؤخذ به { يترقب } حال أي يتوقع المكروه وهو الاستقادة منه أو ms1034 ~~الأخبار أو ما يقال فيه، وقال ابن عطاء: خائفا على نفسه يترقب نصرة ربه. ~~وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله بخلاف ما يقوله بعض الناس ~~أنه لا يسوغ الخوف من دون الله { فإذا الذى } { إذا } للمفاجأة ~~وما بعدها مبتدأ { استنصره } أي موسى { بالأمس يستصرخه ~~} يستغيثه والمعنى أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانيا من ~~قبطي آخر { قال له موسى } أي للإسرائيلي { إنك لغوى ~~مبين } أي ضال عن الرشد ظاهر الغي فقد قاتلت بالأمس رجلا فقتلته ~~بسببك، والرشد في التدبير أن لا يفعل فعلا يفضي إلى البلاء على نفسه ~~وعلى من يريد نصرته. ### || [28.19-22] # { فلما أن أراد } موسى { أن يبطش بالذى } بالقبطي ~~الذي { هو عدو لهما } لموسى والإسرائيلي لأنه ليس على دينهما، ~~أو لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل { قال } الإسرائيلي لموسى عليه ~~السلام وقد توهم أنه أراد أخذه لا أخد القبطي إذ قال له { إنك لغوي مبين ~~} { يموسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا } يعني ~~القبطي { بالأمس إن تريد } ما تريد { إلا أن تكون ~~جبارا } أي قتالا بالغضب { فى الأرض } أرض مصر { وما تريد ~~أن تكون من المصلحين } في كظم الغيظ، وكان قتل القبطي بالأمس ~~قد شاع ولكن خفي قاتله، فلما أفشى على موسى عليه السلام علم القبطي أن ~~قاتله موسى فأخبر فرعون فهموا بقتله. # { وجاء رجل من أقصا المدينة } هو مؤمن آل فرعون وكان ابن ~~عم فرعون { يسعى } صفة لرجل أو حال من رجل لأنه وصف بقوله { من أقصى ~~المدينة } { قال يا موسى أن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك } أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك أو يتشاورون بسببك، ~~والائتمار: التشاور. يقال الرجلان يتآمران ويأتمران لأن كل واحد منهما ~~يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر { فاخرج } من المدينة { إنى ~~لك من النصحين } { لك } بيان وليس بصلة { الناصحين } لأن ~~الصلة لا تتقدم على الموصول كأنه قال: إني من الناصحين، ثم أراد أن يبين ~~فقال: لك كما يقال سقيا لك ومرحبا لك { فخرج } موسى { منها } من ~~المدينة { خائفا ms1035 يترقب } التعرض له في الطريق أو أن يلحقه من ~~يقتله { قال رب نجنى من القوم الظلمين } أي قوم ~~فرعون. # { ولما توجه تلقاء مدين } نحوها، والتوجه الإقبال على ~~الشيء، ومدين قرية شعيب عليه السلام سميت بمدين بن إبراهيم ولم تكن في ~~سلطان فرعون، وبينما وبين مصر مسيرة ثمانية أيام. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه { قال عسى ~~ربى أن يهدينى سواء السبيل } أي وسطه ومعظم نهجه فجاءه ملك ~~فانطلق به إلى مدين ### || [28.23-24] # { ولما ورد } وصل { ماء مدين } ماءهم الذي يسقون منه وكان ~~بئرا { وجد عليه } على جانب البئر { أمة } جماعة كثيرة { ~~من الناس } من أناس مختلفين { يسقون } مواشيهم { ووجد من ~~دونهم } في مكان أسفل من مكانهم { امرأتين تذودان } تطردان ~~غنمهما عن الماء لأن على الماء من هو أقوى منهما فلا تتمكنان من السقي أو ~~لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، والذود الطرد والدفع { قال ما ~~خطبكما } ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي ما مطلوبكما من الذياد ~~فسمي المخطوب خطبا { قالتا لا نسقى } غنمنا { حتى يصدر ~~الرعاء } مواشيهم { يصدر } شامي ويزيد وأبو عمرو أي يرجع والرعاء جمع ~~راع كقائم وقيام { وأبونا شيخ } لا يمكنه سقي الأغنام { كبير ~~} في حاله أو في السن لا يقدر على رعي الغنم، أبدتا إليه عذرهما في ~~توليهما السقي بأنفسهما. # { فسقى لهما } فسقى غنمهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة ~~للملهوف. روي أنه نحى القوم عن رأس البئر وسألهم دلوا فأعطوه دلوهم ~~وقالوا: استق بها وكانت لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ~~ودعا بالبركة. وترك المفعول في { يسقون } و { تذودان } و { لا نسقي } و { ~~فسقى } لأن الغرض هو الفعل لا المعفول، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما ~~كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم ~~إبل مثلا، وكذا في { لا نسقي } و { فسقى } فالمقصود هو السقي لا المسقى. ~~ووجه مطابقة جوابها سؤاله أنه سألهما عن سبب الذود فقالتا: السبب في ذلك ~~أنا امرأتان ms1036 مستورتان ضعيفتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ونستحي من ~~الاختلاط بهم فلا بدلنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا. وإنما رضي شعيب ~~عليه السلام لابنتيه بسقي الماشية لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور ~~والدين لا يأباه، وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب ~~فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا ~~إذا كانت الحالة حالة ضرورة. # { ثم تولى إلى الظل } أي ظل سمرة، وفيه دليل جواز الاستراحة ~~في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة ولما طال البلاء عليه أنس بالشكوى ~~إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى { فقال رب إنى لما } لأي شيء { ~~أنزلت إلى من خير } قليل أو كثير غث أو سمين { فقير } ~~محتاج، وعدي { فقير } باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب. قيل: كان لم يذق ~~طعاما سبعة أيام وقد لصق بظهره بطنه. ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا ~~لأجل ما أنزلت إلي من خير الدارين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند ~~فرعون في ملك وثروة، قال ذلك رضا بالبدل السني وفرحا به وشكرا له. ~~وقال ابن عطاء: نظر من العبودية إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار لما ~~ورد على سره من الأنوار ### || [28.25] # { فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إن ~~أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } على استحياء ~~في موضع الحال أي مستحية، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت ~~تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا، فأتته مستحية قد استترت بكم ~~درعها، و «ما» في { ما سقيت } مصدرية أي جزاء سقيك. روي أنهما ما رجعتا ~~إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا ~~رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا. فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي فتبعها ~~موسى عليه السلام فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي ~~وانعتي لي الطريق { فلما جاءه وقص عليه القصص } أي ~~قصته وأحواله مع فرعون، والقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص { قال } له ~~{ لا تخف نجوت من ms1037 القوم الظلمين } إذ لا سلطان ~~لفرعون بأرضنا، وفيه دليل جواز العمل بخبر الواحد ولو عبدا أو أنثى ~~والمشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع. وأما أخذ الأجر على البر ~~والمعروف فقيل: إنه لا بأس به عند الحاجة كما كان لموسى عليه السلام، على ~~أنه روي أنها لما قالت { ليجزيك } كره ذلك وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها ~~لأن للقاصد حرمة. ولما وضع شعيب الطعام بين يديه امتنع فقال شعيب: ألست ~~جائعا؟ قال: بلى ولكن أخاف أن يكون عوضا مما سقيت لهما وإنا أهل بيت لا ~~نبيع ديننا بالدنيا ولا نأخذ على المعروف ثمنا. فقال شعيب عليه السلام: ~~هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا فأكل. ### || [28.26-27] # { قالت إحداهما يأبت استجره } اتخذه أجيرا لرعي ~~الغنم. روي أن كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء، وصفراء هي التي ~~ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره وهي التي تزوجها { إن خير من ~~استجرت القوى الأمين } فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ ~~فذكرت نزع الدلو وأمرها بالمشي خلفه. وورد الفعل بلفظ الماضي للدلالة على ~~أن أمانته وقوته أمران متحققان. وقولها { إن خير من استأجرت القوي الأمين ~~} كلام جامع لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان الكفاية والأمانة في القائم ~~بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك، وقيل: القوي في دينه الأمين في جوارحه. ~~وقد استغنت بهذا لكلام الجاري مجرى المثل عن أن تقول استأجره لقوته ~~وأمانته. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاث: بنت شعيب وصاحب ~~يوسف في قوله # عسى أن ينفعنا # [يوسف: 21] { قال إنى أريد أن أنكحك } أزوجك { إحدى ~~ابنتى هاتين } قوله { هاتين } يدل على أنه كان له غيرها وهذه ~~مواعدة منه ولم يكن ذلك عقد نكاح إذ لو كان عقدا لقال قد أنكحتك { ~~على أن تأجرنى } تكون أجيرا لي من أجرته إذا كنت له أجيرا { ~~ثمانى حجج } ظرف والحجة السنة وجمعها حجج والتزوج على رعي الغنم ~~جائز بالإجماع لأنه من باب القيام بأمر الزوجية فلا مناقضة بخلاف التزوج ~~على الخدمة { فإن أتممت عشرا } أي عمل عشر ms1038 حجج { فمن ~~عندك } فذلك تفضل منك ليس بواجبة عليك، أو فإتمامه من عندك ولا أحتمه ~~عليك ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع { وما أريد أن أشق ~~عليك } بإلزام أتم الأجلين، وحقيقة قولهم: شققت عليه وشق عليه الأمر ~~أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين تقول تارة أطيقه وطورا لا ~~أطيقه { ستجدنى إن شاء الله من الصلحين } في حسن ~~المعاملة والوفاء بالعهد، ويجوز أن يراد الصلاح على العموم ويدخل تحته ~~حسن المعاملة. والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال ~~على توفيقه فيه ومعونته لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك ### || [28.28] # { قال } موسى { ذلك } مبتدأ وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب ~~والخبر { بينى وبينك } يعني ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني ~~عليه قائم بيننا جميعا لا يخرج كلانا عنه، لا أنا فيما شرطت علي ولا أنت ~~فيما شرطت على نفسك. ثم قال { أيما الأجلين قضيت } أي أي ~~أجل قضيت من الأجلين يعني العشرة أو الثمانية. و { أي } نصب ب { قضيت } ~~و «ما» زائدة ومؤكدة لإبهام { أي } وهي شرطية وجوابها { فلا عدوان ~~على } أي لا يعتدى علي في طلب الزيادة عليه، قال المبرد: قد علم أنه ~~لا عدوان عليه في أيهما ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء، وكما ~~أن طلب الزيادة على الأتم عدوان فكذا طلب الزيادة على الأقل { والله ~~على ما نقول وكيل } هو من وكل إليه الأمر، وعدي ب «على» لأنه ~~استعمل في موضع الشاهد والرقيب. # روي أن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام فقال لموسى ~~بالليل: أدخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا هبط بها آدم من ~~الجنة، ولم يزل الأنبياء عليهم السلام يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب ~~فمسها وكان مكفوفا فضن بها فقال: خذ غيرهما فما وقع في يده إلا هي سبع ~~مرات فعلم أن له شأنا. ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا ~~تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان ms1039 بها أكثر إلا أن فيها تنينا أخشاه ~~عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها فمشى على ~~أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا التنين قد أقبل فحاربته العصا ~~حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ~~ارتاح لذلك. ولما رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن ~~فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأنا وقال له: إني وهبت لك من ~~نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودرعاء فأوحي إليه في المنام أن أضرب بعصاك ~~مستقى الغنم ففعل ثم سقى فوضعت كلهن أدرع ودرعاء فوفى له بشرطه. ### || [28.29-30] # { فلما قضى موسى الأجل } قال عليه السلام # " قضى أوفاهما وتزوج صغراهما " # وهذا بخلاف الرواية التي مرت { وسار بأهله } بامرأته نحو مصر. ~~قال ابن عطاء: لما تم أجل المحنة ودنا أيام الزلفة وظهرت أنوار النبوة ~~سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه { ءانس من جانب الطور ~~نارا قال لأهله امكثوا إنى ءانست نارا لعلي ~~ءاتيكم منها بخبر } عن الطريق لأنه قد ضل الطريق { أو ~~جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما أتها ~~نودى من شاطىء الواد الأيمن } بالنسبة إلى موسى { فى ~~البقعة المباركة } بتكليم الله تعالى فيها { من الشجرة ~~} العناب أو العوسج { أن يا موسى } «أن» مفسرة أو مخففة من الثقيلة { ~~إنى أنا الله رب العلمين } قال جعفر: أبصر نارا دلته ~~على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار ~~القدس وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب ~~فصار بذلك مكلما شريفا أعطى ما سأل وأمن مما خاف، والجذوة باللغات ~~الثلاث وقريء بهن، فعاصم بفتح الجيم، وحمزة وخلف بضمها، وغيرهم بكسرها. ~~العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن، و «من» الأولى والثانية ~~لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطيء الوادي من قبل الشجرة. و { من ~~الشجرة } بدل { من شاطىء الواد } بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على ~~الشاطىء أي الجانب ### || [28.31-32] ms1040 # { وأن ألق عصاك } ونودي أن ألق عصاك فألقاها فقلبها الله ~~ثعبانا { فلما رءاها تهتز } تتحرك { كأنها جان } حية ~~في سعيها وهي ثعبان في جثتها { ولى مدبرا ولم يعقب } يرجع ~~فقيل له { يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } أي ~~أمنت من أن ينالك مكروه من الحية { اسلك } أدخل { يدك فى جيبك ~~} جيب قميصك { تخرج بيضاء } لها شعاع كشعاع الشمس { من غير ~~سوء } برص. # { واضمم إليك جناحك من الرهب } حجازي بفتحتين وبصري. ~~{ الرهب } حفص { الرهب } غيرهم ومعنى الكل الخوف والمعنى: واضمم يدك ~~إلى صدرك يذهب ما بك من فرق أي لأجل الحية. عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~كل خائف إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقيل: معنى ضم الجناح أن الله ~~تعالى لما قلب العصا حية فزع موسى واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء ~~فقيل له: إن اتقاءك بيدك غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية ~~فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: ~~اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح اليد لأن ~~يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى ~~فقد ضم جناحه إليه، أو أريد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه عند انقلاب ~~العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف ~~نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. ومعنى { من الرهب ~~} من أجل الرهب أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك، جعل ~~الرهب الذي كان يصيبه سببا وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه. ومعنى { ~~واضمم إليك جناحك } و { اسلك يدك في جيبك } على أحد التفسيرين واحد ولكن ~~خولف بين العبارتين لاختلاف الغرضين إذ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، ~~وفي الثاني إخفاء الرهب. ومعنى # واضمم يدك إلى جناحك # [طه: 22] في «طه» أدخل يمناك تحت يسراك { فذانك } مخففا مثنى «ذاك» ~~ومشددا: مكي وأبو عمرو مثنى ذلك فإحدى النونين عوض من اللام المحذوفة ~~والمراد ms1041 اليد والعصا { برهانن } حجتان نيرتان بينتان وسميت الحجة ~~برهانا لإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة { من ربك إلى ~~فرعون وملإيه } أي أرسلناك إلى فرعون وملئه بهاتين الآيتين { ~~إنهم كانوا قوما فسقين } كافرين. ### || [28.33-35] # { قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون } به بغير يا ء وبالياء: يعقوب { وأخى هرون هو ~~أفصح منى لسانا فأرسله معى } حفص { ردءا } حال أي ~~عونا يقال ردأته أعنته، وبلا همز: مدني { يصدقنى } عاصم وحمزة صفة ~~أي ردأ مصدقا لي، وغيرهما بالجزم جواب ل { أرسله } ومعنى تصديقه موسى ~~إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال إن احتاج إليه ليثبت دعواه لا ~~أن يقول له صدقت، ألا ترى إلى قوله { هو أفصح مني لسانا فأرسله } وفضل ~~الفصاحة إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان لا لقوله صدقت فسحبان وباقل فيه ~~يستويان { إنى أخاف أن يكذبون }. { يكذبوني } في الحالين: ~~يعقوب { قال سنشد عضدك بأخيك } سنقويك به إذ اليد تشد ~~بشدة العضد لأنه قوام اليد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور { ~~ونجعل لكما سلطنا } غلبة وتسلطا وهيبة في قلوب الأعداء { ~~فلا يصلون إليكما بايتنا } الباء تعلق ب { يصلون } أي ~~لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وتم الكلام، أو ب { نجعل لكما سلطانا } أي ~~نسلطكما بآياتنا أو بمحذوف أي إذهبا بآياتنا، أو هو بيان ل { الغالبون } ~~لا صلة، أو قسم جوابه { لا يصلون } مقدما عليه { أنتما ومن ~~اتبعكما الغلبون } ### || [28.36-38] # واضحات { قالوا ما هذا إلا سحر مفترى } أي سحر تعمله ~~أنت ثم تفتريه على الله، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس ~~بمعجزة من عند الله { وما سمعنا بهذا فى ءابائنا ~~الأولين } حال منصوبة عن هذا أي كائنا في زمانهم يعني ما حدثنا ~~بكونه فيهم { وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى ~~من عنده ومن تكون له عقبة الدار إنه لا ~~يفلح الظلمون } أي ربي أعلم منكم بحال من أهله الله للفلاح ~~الأعظم حيث جعله نبيا وبعثه بالهدى ووعده حسن العقبى يعني نفسه، ولو كان ~~كما تزعمون ساحرا مفتريا لما ms1042 أهله لذلك لأنه غني حكيم لا يرسل الكاذبين ~~ولا ينبيء الساحرين ولا يفلح عنده الظالمون. وعاقبة الدار هي العاقبة ~~المحمودة لقوله تعالى: # أولئك لهم عقبى الدار جنت عدن # [الرعد: 22] والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها أن يختم للعبد بالرحمة ~~والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى والغفران. { قال موسى } بغير واو: مكي ~~وهو حسن لأن الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم موسى عند تسميتهم مثل تلك ~~الآيات العظام سحرا مفترى، ووجه الأخرى أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ~~ليوازن الناظر بين القول والمقول ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر. ربي ~~أعلم حجازي وأبو عمرو و { من يكون } حمزة وعلي. # { وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيرى } قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده أي ما لكم من إله ~~غيري أو هو على ظاهره وأن إلها غيره غير معلوم عنده { فأوقد لى ~~يهمن على الطين } أي اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل ~~مكان الطين هذا لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة بهذه العبارة، ~~ولأنه أفصح وأشبه بكلام الجبابرة إذ أمر هامان وهو وزيره بالإيقاد على ~~الطين منادى باسمه ب «يا» في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر { ~~فاجعل لى صرحا } قصرا عاليا { لعلي أطلع } أي أصعد ~~والاطلاع الصعود { إلى إله موسى } حسب أنه تعالى في مكان كما ~~كان هو في مكان { وإنى لأظنه } أي موسى { من الكذبين } ~~في دعواه أن له إلها وأنه أرسله إلينا رسولا. وقد تناقض المخذول فإنه ~~قال { ما علمت لكم من إله غيرى } ثم أظهر حاجته إلى ~~هامان، وأثبت لموسى إلها وأخبر أنه غير متيقن بكذبه وكأنه تحصن من عصا ~~موسى عليه السلام فلبس وقال { لعلى أطلع إلى إله موسى } روي أن هامان ~~جمع خمسين ألف بناء وبنى صرحا لم يبلغه بناء أحد من الخلق، فضرب الصرح ~~جبريل عليه السلام بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون ~~فقتلت ألف ألف رجل، وقطعة في البحر، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من ~~عماله إلا هلك ### || [28.39-41] # { واستكبر ms1043 هو وجنوده } تعظم { فى الأرض } أرض مصر { ~~بغير الحق } أي بالباطل، فالاستكبار بالحق لله تعالى وهو المتكبر ~~على الحقيقة أي المتبالغ في كبرياء الشأن كما حكى رسولنا عن ربه: # الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار # وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق { وظنوا أنهم إلينا ~~لا يرجعون } { يرجعون } نافع وحمزة وعلي وخلف ويعقوب { ~~فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم } من الكلام ~~المفخم الذي دل به على عظمة شأنه شبههم استقلالا لعددهم وإن كانوا الجم ~~الغفير بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن في البحر { فانظر } يا محمد { ~~كيف كان عقبة الظلمين } وحذر قومك فإنك منصور عليهم. # { وجعلنهم أئمة } قادة { يدعون إلى النار } أي ~~عمل أهل النار. قال ابن عطاء: نزع عن أسرارهم التوفيق وأنوار التحقيق فهم ~~في ظلمات نفوسهم لا يدلون على سبيل الرشاد. وفيه دلالة خلق أفعال العباد ~~{ ويوم القيمة لا ينصرون } من العذاب ### || [28.42-45] # { وأتبعنهم فى هذه لعنة } ألزمناهم طردا وإبعادا عن ~~الرحمة. وقيل: هو ما يلحقهم من لعن الناس إياهم بعدهم { ويوم ~~القيمة هم من المقبوحين } المطرودين المبعدين أو ~~المهلكين المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون { ويوم } ظرف ل { ~~المقبوحين } { ولقد ءاتينا موسى الكتب } التوراة { ~~بعد ما أهلكنا القرون الأولى } قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~عليهم السلام { بصائر للناس } حال من { الكتب } والبصيرة ~~نور القلب الذي يبصر به الرشد والسعادة كما أن البصر نور العين الذي يبصر ~~به الأجساد. يريد آتيناه التوراة أنوارا للقلوب لأنها كانت عمياء لا ~~تستبصر ولا تعرف حقا من باطل { وهدى } وإرشادا لأنهم كانوا يخبطون ~~في ضلال { ورحمة } لمن اتبعها لأنهم إذا عملوا بها وصلوا إلى نيل ~~الرحمة { لعلهم يتذكرون } يتعظون. # { وما كنت } يا محمد { بجانب } الجبل { الغربى } وهو ~~المكان الواقع في شق الغرب وهو الذي وقع فيه ميقات موسى { إذ قضينا ~~إلى موسى الأمر } أي كلمناه وقربناه نجيا { وما كنت من ~~الشهدين } من جملة الشاهدين للوحي إليه حتى تقف من جهة المشاهدة ~~على ما جرى من أمر موسى في ميقاته { ولكنا أنشأنا ms1044 } بعد موسى { ~~قرونا فتطاول عليهم العمر } أي طالت أعمارهم وفترت ~~النبوة وكادت الأخبار تخفى واندرست العلوم ووقع التحريف في كثير منها، ~~فأرسلناك مجددا لتلك الأخبار مبينا ما وقع فيه التحريف، وأعطيناك العلم ~~بقصص الأنبياء وقصة موسى كأنه قال: وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ~~ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب ~~اختصارا فإذا هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده { وما كنت ~~ثاويا } مقيما { فى أهل مدين } وهم شعيب والمؤمنون به { ~~تتلو عليهم ءايتنا } تقرؤها عليهم تعلما منهم يريد الآيات ~~التي فيها قصة شعيب وقومه. و { تتلو } في موضع نصب خبر ثان أو حال من ~~الضمير في { ثاويا } { ولكنا كنا مرسلين } ولكنا أرسلناك ~~وأخبرناك بها وعلمناكها ### || [28.46-47] # { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } موسى أن خذ الكتاب ~~بقوة { ولكن } أعلمناك وأرسلناك { رحمة } للرحمة { من ربك ~~لتنذر قوما ما أتهم من نذير من قبلك } في زمان ~~الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة { لعلهم ~~يتذكرون ولو لا تصيبهم مصيبة } عقوبة { بما ~~قدمت أيديهم } من الكفر والظلم. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول ~~بالأيدي نسبت الأعمال إلى الأيدي وإن كانت من أعمال القلوب تغليبا ~~للأكثر على الأقل عند العذاب { ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع ءايتك ونكون من المؤمنين } «لولا» ~~الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثانية تحضيضية، والفاء الأولى للعطف ~~والثانية جواب «لولا» لكونها في حكم الأمر إذ الأمر باعث على الفعل ~~والباعث والمحضض من واد واحد، والفاء تدخل في جواب الأمر والمعنى: ولولا ~~أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا ~~رسولا محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم يعني أن إرسال الرسول إنما هو ~~ليلزموا الحجة ولا يلزموها كقوله: # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165] فإن قلت: كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي ~~السبب في الإرسال لا القول لدخول «لولا» الامتناعية عليها دونه؟ قلت: ~~القول هو المقصود بأن يكون سببا للإرسال ولكن العقوبة لما كانت سببا ~~للقول وكان ms1045 وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال فأدخلت عليها ~~«لولا» وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول ~~معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا. ### || [28.48-50] # { فلما جاءهم الحق من عندنا } أي القرآن أو الرسول ~~المصدق بالكتاب المعجز { قالوا } أي كفار مكة { لولا أوتى } هلا ~~أعطي { مثل ما أوتى موسى } من الكتاب المنزل جملة واحدة { أو ~~لم يكفروا } يعني أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم عنادهم ~~وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام { بما أوتى موسى من قبل ~~} من قبل القرآن { قالوا } في موسى وهارون { سحران تظاهرا } { ~~ساحران تظاهرا } تعاونا { سحران } كوفي أي ذوا سحر أو جعلوهما ~~سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر { وقالوا إنا بكل } بكل واحد ~~منهما { كفرون } وقيل: إن أهل مكة كما كفروا بمحمد عليه السلام ~~وبالقرآن فقد كفروا بموسى والتوراة وقالوا في موسى ومحمد. ساحران تظاهرا، ~~أو في التوراة والقرآن سحران تظاهرا، وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء ~~اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد فأخبروهم أنه في كتابهم فرجع الرهط إلى ~~قريش فأخبروهم بقول اليهود فقالوا عند ذلك: ساحران تظاهرا. # { قل فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى ~~منهما } مما أنزل على موسى ومما أنزل على { أتبعه } جواب { ~~فأتوا } { إن كنتم صدقين } في أنهما سحران { فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } فإن ~~لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم قد ألزموا ولم ~~تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى { ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله } أي لا أحد أضل ممن اتبع في الدين هواه و { ~~بغير هدى } حال أي مخذولا يخلى بينه وبين هواه { إن الله لا ~~يهدى القوم الظلمين } ### || [28.51-56] # { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } التوصيل وتكريره يعني أن ~~القرآن أتاهم متتابعا متواصلا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ومواعظ ~~ليتذكروا فيفلحوا { الذين ءاتينهم الكتب من قبله } ~~من قبل القرآن وخبر { الذين } { هم به } بالقرآن { يؤمنون } ~~نزلت في مؤمني أهل الكتاب { وإذا يتلى } القرآن { عليهم ~~قالوا ءامنا ms1046 به إنه الحق من ربنا إنا كنا من ~~قبله } من قبل نزول القرآن { مسلمين } كائنين على دين الإسلام، ~~مؤمنين بمحمد عليه السلام، وقوله { إنه } تعليل للإيمان به لأن كونه حقا ~~من الله حقيق بأن يؤمن به، وقوله { إنا } بيان لقوله { آمنا } لأنه يحتمل ~~أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده فأخبروا بأن إيمانهم به متقادم { ~~أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } بصبرهم ~~على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن ~~قبل نزوله وبعد نزوله، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب { ~~ويدرءون بالحسنة السيئة } يدفعون بالطاعة المعصية أو ~~بالحلم الأذى { ومما رزقنهم ينفقون } يزكون { وإذا ~~سمعوا اللغو } الباطل أو الشتم من المشركين { أعرضوا عنه ~~وقالوا } للاغين { لنا أعملنا ولكم أعملكم ~~سلم عليكم } أمان منا لكم بأن نقابل لغوكم بمثله { لا ~~نبتغى الجهلين } لا نريد مخالطتهم وصحبتهم. # { إنك لا تهدى من أحببت } لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل ~~من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم { ولكن الله يهدى من ~~يشاء } يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء { وهو أعلم ~~بالمهتدين } بمن يختار الهداية ويقبلها ويتعظ بالدلائل والآيات. ~~قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أنه قال عند ~~موته: يا معشر بني هاشم صدقوا محمدا تفلحوا. فقال عليه السلام: # " «يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك» " # قال: فما تريد ابن أخي؟ قال: # " «أريد منك أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله» " # قال: يا ابن أخي أنا قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند ~~الموت. وإن كانت الصيغة عامة، والآية حجة على المعتزلة لأنهم يقولون ~~الهدى هو البيان وقد هدى الناس أجمع ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم فدل ~~أن وراء البيان ما يسمى هداية وهو خلق الاهتداء وإعطاء التوفيق والقدرة ### || [28.57-58] # { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا أولم نمكن لهم حرما ءامنا } قالت قريش: نحن ~~نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك أن يتخطفونا ~~من ms1047 أرضنا، فألقمهم الله الحجر بأنه مكن لهم في الحرم الذي أمنه بحرمة ~~البيت وأمن قطانه بحرمته، والثمرات تجبى إليه من كل أوب وهم كفرة، فأنى ~~يستقيم أن يعرضهم للتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة ~~الإسلام؟ وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز { يجبى ~~إليه } وبالتاء: مدني ويعقوب وسهل أي تجلب وتجمع { ثمرات كل ~~شىء } معنى الكلية الكثرة كقوله # وأوتيت من كل شىء # [النمل: 23] { رزقا من لدنا } هو مصدر لأن معنى { يجبى إليه } ~~يرزق أو مفعول له أو حال من الثمرات إن كان بمعنى مرزوق لتخصصها بالإضافة ~~كما تنصب عن النكرة المتخصصة بالصفة { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } متعلق ب { من لدنا } أي قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من ~~عند الله وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا ~~أن الخوف والأمن من عنده ولما خافوا التخطف إذا آمنوا به. # { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } هذا تخويف ~~لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم فلم ~~يشكروا النعمة وقابلوها بالبطر فأهلكوا. و { كم } نصب ب { أهلكنا } و { ~~معيشتها } بحذف الجار وإيصال الفعل أي في معيشتها، والبطر سوء احتمال ~~الغني وهو أن لا يحفظ حق الله فيه { فتلك مسكنهم } منازلهم ~~باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود وقوم شعيب وغيرهم { لم ~~تسكن } حال والعامل فيها الإشارة { من بعدهم إلا قليلا } ~~من السكنى أي لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة { ~~وكنا نحن الورثين } لتلك المساكن من ساكنيها أي لا يملك ~~التصرف فيها غيرنا ### || [28.59-61] # { وما كان ربك مهلك القرى } في كل وقت { حتى ~~يبعث فى أمها } وبكسر الهمزة: حمزة وعلي أي في القرية التي هي ~~أمها أي أصلها ومعظمها { رسولا } لإلزام الحجة وقطع المعذرة أو وما ~~كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم ~~القرى يعني مكة لأن الأرض دحيت من تحتها رسولا، يعني محمدا عليه ~~السلام { يتلوا ms1048 عليهم ءايتنا } أي القرآن { وما كنا ~~مهلكى القرى إلا وأهلها ظلمون } أي وما أهلكناهم ~~للانتقام إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم وهو إصرارهم على كفرهم ~~وعنادهم ومكابرتهم بعد الاعذار إليهم { وما أوتيتم من شىء ~~فمتع الحيوة الدنيا وزينتها } وأي شيء أصبتموه من ~~أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياما قلائل وهي مدة الحياة الفانية ~~{ وما عند الله } وهو ثوابه { خير } في نفسه من ذلك { ~~وأبقى } لأنه دائم { أفلا تعقلون } أن الباقي خير من ~~الفاني. وخير أبو عمرو بين الياء والتاء والباقون بالتاء لا غير. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما. إن الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة ~~أصناف: المؤمن والمنافق والكافر. فالمؤمن يتزود، والمنافق يتزين، والكافر ~~يتمتع. # ثم قرر هذه الآية بقوله: # { أفمن وعدنه وعدا حسنا } أي الجنة فلا شيء أحسن منها ~~لأنها دائمة ولذا سميت الجنة بالحسنى { فهو لاقيه } أي رائيه ~~ومدركه ومصيبه { كمن متعناه متع الحيوة الدنيا ~~ثم هو يوم القيمة من المحضرين } من الذين أحضروا ~~النار ونحوه فكذبوه فإنهم لمحضرون. نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبي جهل لعنه الله، أو في علي وحمزة وأبي جهل، أو في المؤمن والكافر، ~~ومعنى الفاء الأولى أنه لما ذكر التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وما عند ~~الله عقبه بقوله { أفمن وعدناه } أي أبعد هذا التفاوت الجلي يسوي بين ~~أبناء الدنيا وأبناء الآخرة، والفاء الثانية للتسبيب لأن لقاء الموعود ~~مسبب عن الوعد. و «ثم» لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع ثم هو علي كما ~~قيل عضد في عضد شبه المنفصل بالمتصل ### || [28.62-63] # { ويوم يناديهم } ينادي الله الكفار نداء توبيخ وهو عطف على { ~~يوم القيمة } أو منصوب ب «ذكر» { فيقول أين ~~شركائى } بناء على زعمهم { الذين كنتم تزعمون } ومفعولا ~~{ تزعمون } محذوفان تقديره: كنتم تزعمونهم شركائي، ويجوز حذف المفعولين ~~في باب ظننت ولا يجوز الاقتصار على أحدهما { قال الذين حق ~~عليهم القول } أي الشياطين أو أئمة الكفر. ومعنى حق عليهم القول ~~وجب عليه مقتضاه وثبت وهو قوله: # لأملان جهنم من ms1049 الجنة والناس أجمعين # [السجدة:13] { ربنا هؤلاء } مبتدأ { الذين أغوينا } أي ~~دعوناهم إلى الشرك وسولنا لهم الغي صفة والراجع إلى الموصول محذوف والخبر ~~{ أغوينهم } والكاف في { كما غوينا } صفة مصدر محذوف ~~تقديره أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا ~~فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلا ~~فلا فرق إذا بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر فقد ~~كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل ~~وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب وهو كقوله { وقال ~~الشيطن لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد ~~الحق } إلى قوله # ولوموا أنفسكم # [إبراهيم: 22] { تبرأنا إليك } منهم ومما اختاروه من الكفر { ~~ما كانوا إيانا يعبدون } بل يعبدون أهواءهم ويطيعون ~~شهواتهم، وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة ~~الأولى. ### || [28.64-68] # { وقيل } للمشركين { ادعوا شركاءكم } أي الأصنام لتخلصكم من ~~العذاب { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } فلم يجيبوهم { ~~ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } وجواب «لو» ~~محذوف أي لما رأوا العذاب { ويوم ينديهم فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين } الذين أرسلوا إليكم. حكى أولا ما يوبخهم به ~~من اتخاذهم له شركاء ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر عند توبيخهم، ~~لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين هم الذين استغووهم، ~~ثم ما يشبه الشماتة بهم لاستغاثتهم آلهتهم وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكون ~~به من الاحتجاح عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل { فعميت عليهم ~~الأنباء يومئذ } خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم ~~الجواب فلم يدروا بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب { فهم لا ~~يتساءلون } لا يسأل بعضهم بعضا عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده ~~عذر وحجة لأنهم يتساوون في العجز عن الجواب { فأما من تاب } من ~~الشرك { وءامن } بربه وبما جاء من عنده { وعمل صلحا فعسى ~~أن يكون من المفلحين } أي فعسى أن يفلح عند الله. و «عسى» من ~~الكرام تحقيق، وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام ms1050 وترغيب للكافرين على ~~الإيمان. ونزل جوابا لقول الوليد بن المغيرة: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # [الزخرف: 31] يعني نفسه أو أبا مسعود. # { وربك يخلق ما يشاء } وفيه دلالة خلق الأفعال، ويوقف على { ~~ويختار } أي وربك يخلق ما يشاء وربك يختار ما يشاء { ما كان ~~لهم الخيرة } أي ليس لهم أن يختاروا على الله شيئا ما وله ~~الخيرة عليهم. ولم يدخل العاطف في { ما كان لهم الخيرة } لأنه بيان لقوله ~~{ ويختار } إذ المعنى أن الخيرة لله وهو أعلم بوجوه الحكمة في أفعاله ~~فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. ومن وصل على معنى ويختار الذي لهم فيه ~~الخيرة فقد أبعد بل «ما» لنفي اختيار الخلق تقريرا لاختيار الحق، ومن ~~قال: ومعناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح فهو مائل إلى الاعتزال. ~~والخيرة من التخير يستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وبمعنى المتخير كقولهم ~~«محمد خيرة الله من خلقه» { سبحن الله وتعلى عما ~~يشركون } أي الله بريء من إشراكهم وهو منزه عن أن يكون لأحد عليه ~~اختيار ### || [28.69-71] # { وربك يعلم ما تكن } تضمر { صدورهم } من عداوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحسده { وما يعلنون } من مطاعنهم فيه ~~وقولهم هلا اختير عليه غيره في النبوة { وهو الله } وهو المستأثر ~~بالإلهية المختص بها { لا إله إلا هو } تقرير لذلك كقولك ~~«القبلة الكعبة لا قبلة إلا هي». { له الحمد فى الأولى } الدنيا ~~{ والآخرة } هو قولهم # الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34] # الحمد لله الذى صدقنا وعده # [الزمر: 74] # وقيل الحمد لله رب العلمين # [الزمر: 75] والتحميد ثمة على وجه اللذة لا الكلفة { وله الحكم } ~~القضاء بين عباده { وإليه ترجعون } بالبعث والنشور. وبفتح ~~التاء وكسر الجيم: يعقوب. # { قل أرءيتم } أريتم محذوف الهمزة: علي { إن جعل الله ~~عليكم اليل سرمدا } هو مفعول ثان ل { جعل } أي دائما من ~~السرد وهو المتابعة ومنه قولهم في الأشهر الحرم «ثلاثة سرد وواحد فرد» ~~والميم مزيدة ووزنه فعمل { إلى يوم القيمة من إله ~~غير الله يأتيكم بضياء أفلا ms1051 تسمعون } والمعنى ~~أخبروني من يقدر على هذا ### || [28.72-75] # { قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون } ولم يقل بنهار تتصرفون ~~فيه كما قال { بليل تسكنون فيه } بل ذكر الضياء وهو ضوء الشمس ~~لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ~~ليس بتلك المنزلة ومن ثم قرن بالضياء { أفلا تسمعون } لأن السمع يدرك ما ~~لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل { أفلا تبصرون } ~~لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه { ومن ~~رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله } أي لتسكنوا بالليل ولتبتغوا من فضل الله ~~في النهار فيكون من باب اللف والنشر { ولعلكم تشكرون } الله ~~على نعمه. وقال الزجاج: يجوز أن يكون معناه لتسكنوا فيهما ولتبتغوا من ~~فضل الله فيهما، ويكون المعنى جعل لكم الزمان ليلا ونهارا لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله فيه { ويوم ينديهم فيقول أين ~~شركائى الذين كنتم تزعمون } كرر التوبيخ لاتخاذ الشركاء ~~ليؤذن أن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به كما لا شيء أدخل في مرضاته ~~من توحيده { ونزعنا } وأخرجنا { من كل أمة شهيدا } يعني ~~نبيهم لأن الأنبياء للأمم شهداء عليهم يشهدون بما كانوا عليه { فقلنا ~~} للأمم { هاتوا برهنكم } فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة ~~الرسل { فعلموا } حينئذ { أن الحق لله } التوحيد { ~~وضل عنهم } وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع { ما كانوا ~~يفترون } من ألوهية غير الله والشفاعة لهم. ### || [28.76-77] # { إن قرون } لا ينصرف للعجمة والتعريف ولو كان فاعولا من قرنت ~~الشيء لانصرف { كان من قوم موسى } كان إسرائيليا ابن عم لموسى ~~فهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث، ~~وكان يسمى المنور لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ولكنه نافق ~~كما نافق السامري { فبغى عليهم } من البغي وهو الظلم. قيل: ملكه ~~فرعون على بني إسرائيل فظلمهم، أو من البغي الكبر ms1052 تكبر عليهم بكثرة ماله ~~وولده، أو زاد عليهم في الثياب شبرا { وءاتيناه من الكنوز ما إن ~~مفاتحه } «ما» بمعنى الذي في موضع نصب ب { اتينا } و «إن» واسمها ~~وخبرها صلة الذي ولهذا كسرت «إن». والمفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح ~~به أو مفتح بالفتح وهو الخزانة والأصوب أنها المقاليد { لتنوأ ~~بالعصبة } لتثقل العصبة فالباء للتعدية يقال: ناء به الحمل إذا ~~أثقله حتى أماله، والعصبة الجماعة الكثيرة وكانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون ~~بغلا لكل خزانة مفتاح ولا يزيد المفتاح على أصبع وكانت من جلود { ~~أولى القوة } الشدة { إذ قال له قومه } أي المؤمنون ~~وقيل: القائل موسى عليه السلام ومحل { إذ } نصب ب { تنوء } { لا ~~تفرح } لا تبطر بكثرة المال كقوله # ولا تفرحوا بما ءاتكم # [الحديد: 23] ولا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن، وأما من قلبه إلى ~~الآخرة ويعلم أنه يتركها عن قريب فلا يفرح بها { إن الله لا ~~يحب الفرحين } البطرين بالمال { وابتغ فيما ءاتاك ~~الله } من الغنى والثروة { الدار الأخرة } بأن تتصدق على ~~الفقراء وتصل الرحم وتصرف إلى أبواب الخير { ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا } وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك. وقيل: معناه واطلب بدنياك ~~آخرتك فإن ذلك حظ المؤمن منها { وأحسن } إلى عباد الله { كما ~~أحسن الله إليك } أو أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن ~~إليك بالإنعام { ولا تبغ الفساد فى الأرض } بالظلم والبغي { ~~إن الله لا يحب المفسدين }. ### || [28.78-79] # { قال إنما أوتيته } أي المال { على علم عندى } أي ~~على استحقاق لما في من العلم الذي فضلت به الناس وهو علم التوراة أو علم ~~الكيمياء، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا، أو العلم بوجوه ~~المكاسب من التجارة والزراعة. و { عندي } صفة ل { علم } قال سهل: ما نظر ~~أحد إلى نفسه فأفلح، والسعيد من صرف بصره عن أفعاله وأقواله وفتح له سبيل ~~رؤية منة الله تعالى عليه في جميع الأفعال والأقوال، والشقي من زين في ~~عينه أفعاله وأقواله وأحواله ولم يفتح له سبيل رؤية منة الله فافتخر ms1053 بها ~~وادعاها لنفسه، فشؤمه يهلكه يوما كما خسف بقارون لما ادعى لنفسه فضلا ~~{ أو لم يعلم } قارون { أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون من هو أشد منه قوة } هو إثبات ~~لعلمه بأن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد ~~قرأه في التوراة كأنه قيل: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى ~~لا يغتر بكثرة ماله وقوته، أو نفي لعلمه بذلك لأنه لما قال { أوتيته على ~~علم عندي } قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعى. ورأى نفسه به مستوجبة ~~لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين { ~~وأكثر جمعا } للمال أو أكثر جماعة وعددا { ولا يسئل عن ~~ذنوبهم المجرمون } لعلمه تعالى بهم بل يدخلون النار بغير ~~حساب، أو يعترفون بها بغير سؤال، أو يعرفون بسيماهم فلا يسئولون، أو لا ~~يسئولون لتعلم من جهتهم بل يسئولون سؤال توبيخ، أو لا يسئل عن ذنوب ~~الماضين المجرمون من هذه الأمة. # { فخرج على قومه فى زينته } في الحمرة والصفرة. وقيل: ~~خرج يوم السبت على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه ~~أربعة الاف على زيه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ~~ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج. و { ~~فى زينته } حال من فاعل { خرج } أي متزينا { قال الذين ~~يريدون الحيوة الدنيا } قيل: كانوا مسلمين وإنما تمنوا على ~~سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر. وقيل: كانوا كفارا { يليت لنا ~~مثل ما أوتى قرون } قالوه غبطة والغابط هو الذي يتمنى مثل ~~نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه كهذه الآية، والحاسد هو الذي يتمنى أن ~~تكون نعمة صاحبه له دونه وهو كقوله تعالى؛ # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض # [النساء: 32] وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضر الغبطة؟ قال: # " «لا إلا كما يضر العضاه الخبط " # { إنه لذو حظ عظيم } الحظ الجد وهو البخت والدولة ### || [28.80-81] # { وقال الذين ms1054 أوتوا العلم } بالثواب والعقاب وفناء الدنيا ~~وبقاء العقبى لغابطي قارون { ويلكم } أصل ويلك الدعاء بالهلاك ثم ~~استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضى، وفي «التبيان في ~~إعراب القرآن» هو مفعول فعل محذوف أي ألزمكم الله ويلكم { ثواب ~~الله خير لمن ءامن وعمل صلحا ولا يلقاها } أي ~~لا يلقن هذه الكلمة وهي { ثواب الله خير } { إلا الصبرون } ~~على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا وعلى ما قسم الله من القليل عن ~~الكثير. # { فخسفنا به وبداره الأرض } كان قارون يؤذي موسى عليه ~~السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة، فصالحه ~~عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره ~~فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم ~~فقالوا: أنت كبيرنا فمر بما شئت قال: نبرطل فلانة البغي حتى ترميه بنفسها ~~فترفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار أوطستا من ذهب أو حكمها، فلما ~~كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه ومن افترى ~~جلدناه ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه. فقال قارون: وإن ~~كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت ~~بفلانة، فأحضرت فناشدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فقالت: ~~جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجدا يبكي وقال: يا رب ~~إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة ~~لك. فقال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، ~~فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل. فاعتزلوا جميعا غير ~~رجلين ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم ~~إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون ~~إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ثم قال: ~~خذيهم فانطبقت عليهم فقال الله تعالى: استغاث بك مرارا ms1055 فلم ترحمه فوعزتي ~~لو استرحمني مرة لرحمته، فقال بعض بني إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله ~~فدعا الله حتى خسف بداره وكنوزه { فما كان له من فئة } جماعة { ~~ينصرونه من دون الله } يمنعونه من عذاب الله { وما كان ~~من المنتصرين } من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين من عذاب ~~الله. يقال: نصره من عدوه فانتصره أي منعه منه فامتنع. ### || [28.82-83] # { وأصبح } وصار { الذين تمنوا مكانه } منزلته من ~~الدنيا { بالأمس } ظرف ل { تمنوا } ولم يرد به اليوم الذي قبل يومك ~~ولكن الوقت القريب استعارة { يقولون ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر } و «ي» منفصلة عن ~~«كأن» عند البصريين. قال سيبويه: «وي» كلمة تنبه على الخطأ وتندم ~~يستعملها النادم بإظهار ندامته يعني أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في ~~تمنيهم، وقولهم { يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون } وتندموا { لو لا أن ~~من الله علينا } بصرف ما كنا نتمناه بالأمس { لخسف بنا } ~~لخسف وبفتحتين: حفص ويعقوب وسهل، وفيه ضمير الله تعالى { ~~ويكأنه لا يفلح الكفرون } أي تندموا ثم قالوا: كأنه ~~لا يفلح الكافرون { تلك الدار الآخرة } { تلك } تعظيم لها ~~وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، وقوله { ~~نجعلها } خبر { تلك } و { الدار } نعتها { للذين لا ~~يريدون علوا فى الأرض } بغيا: ابن جبير، وظلما: الضحاك أو ~~كبرا { ولا فسادا } عملا بالمعاصي أو قتل النفس أو دعاء إلى عبادة ~~غير الله. ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل ~~القلوب إليهما كما قال # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا # [هود: 113] فعلق الوعيد بالركون. وعن علي رضي الله عنه: إن الرجل ليعجبه ~~أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها. وعن الفضيل: إنه ~~قرأها ثم قال: ذهبت الأماني ههنا. وعن عمر بن عبد العزيز: إنه كان يرددها ~~حتى قبض. وقال بعضهم: حقيقته التنفير عن متابعة فرعون وقارون متشبثا ~~بقوله { إن فرعون علا فى الأرض } { ولا تبغ ~~الفساد فى الأرض } { والعقبة } المحمودة { ~~للمتقين }. ### || [28.84-85] # { من جاء بالحسنة فله ms1056 خير منها } مر في «النمل» { ~~ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا ~~السيئات } معناه فلا يجزون فوضع { الذين عملوا السيئات } موضع ~~الضمير لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررا، فضل تهجين لحالهم وزيادة ~~تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين { إلا ما كانوا يعملون } إلا ~~مثل ما كانوا يعملون ومن فضله العظيم أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي ~~الحسنة بعشر أمثالها وبسبعمائة { إن الذى فرض عليك ~~القرءان } أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه { لرادك } ~~بعد الموت { إلى معاد } أي معاد وإلى معاد ليس لغيرك من البشر ~~فلذا نكره، أو المراد به مكة. والمراد رده إليها يوم الفتح لأنها كانت في ~~ذلك اليوم معادا له شأن ومرجعا له اعتداد لغلبة رسول الله وقهره لأهلها ~~ولظهور عز الإسلام وأهله وذل الشرك وحزبه. والسورة مكية ولكن هذه الآية ~~نزلت بالجحفة لا بمكة ولا بالمدينة حين اشتاق إلى مولده ومولد آبائه. ~~ولما وعد رسوله الرد إلى معاده قال { قل } للمشركين { ربى أعلم ~~من جاء بالهدى } يعني نفسه وما له من الثواب في معاده { ومن ~~هو فى ضلل مبين } يعني المشركين وما يستحقونه من العذاب في ~~معادهم { من } في محل نصب بفعل مضمر أي يعلم ### || [28.86-88] # { وما كنت ترجو أن يلقى } يوحى { إليك الكتب } ~~القرآن { إلا رحمة من ربك } هو محمول على المعنى أي وما ألقي ~~إليك الكتاب إلا رحمة من ربك، أو «إلا» بمعنى «لكن» للاستدراك أي ولكن ~~لرحمة من ربك ألقي إليك الكتاب { فلا تكونن ظهيرا ~~للكفرين } معينا لهم على دينهم { ولا يصدنك عن ~~ءايت الله } هو على الجمع أي ألا يمنعنك هؤلاء عن العمل بآيات ~~الله أي القرآن { بعد إذ أنزلت إليك } الآيات أي بعد وقت ~~إنزاله و { إذ } يضاف إليه أسماء الزمان كقولك «حينئذ» و «يومئذ» { ~~وادع إلى ربك } إلى توحيده وعبادته { ولا تكونن من ~~المشركين ولا تدع مع الله إلها ءاخر } قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أهل دينه، ولأن العصمة ms1057 لا تمنع النهي، والوقف على { آخر } لازم لأنه لو ~~وصل لصار { لا إله إلا هو } صفة ل { الها آخر } وفيه من ~~الفساد ما فيه { كل شىء هالك إلا وجهه } أي إلا إياه ~~فالوجه يعبر به عن الذات. وقال مجاهد: يعني علم العلماء إذا أريد به وجه ~~الله { له الحكم } القضاء في خلقه { وإليه ترجعون } ~~ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب، والله أعلم. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-2] # مكية وهي تسع وستون # آية بسم الله الرحمن الرحيم # { الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا ~~وهم لا يفتنون } الحسبان قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن ~~بخلاف الشك فهو الوقوف بينهما، والعلم فهو القطع على أحدهما، ولا يصح ~~تعليقهما بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل. فلو قلت «حسبت زيدا وظننت ~~الفرس» لم يكن شيئا حتى تقول «حسبت زيدا عالما وظننت الفرس جوادا» ~~لأن قولك «زيد عالم والفرس جواد» كلام دال على مضمون، فإذا أردت الإخبار ~~عن ذلك المضمون ثابتا عندك على وجه الظن لا اليقين أدخلت على شطري ~~الجملة فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك والكلام الدال على المضمون الذي ~~يقتضيه الحسبان هنا { أن يتركوا أن يقولوا امنا وهم لا يفتنون } وذلك أن ~~تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا؟ فالترك أول مفعولي حسب ~~ولقولهم { آمنا } هو الخبر، وأما غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك ~~الذي هو بمعنى التصيير كقول عنترة: # فتركنه جزر السباع ينشنه # ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول «تركهم غير مفتونين» ~~لقولهم «آمنا» على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام وهو استفهام توبيخ. ~~والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء ~~وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في ~~الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم. وروي أنها نزلت في ناس ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جزعوا من أذى المشركين، أو في ~~عمار بن يا سر وكان يعذب في الله. ### || [29.3-5] # { ولقد فتنا } اختبرنا وهو موصول ب { أحسب } أو ب { لا ms1058 يفتنون ~~} { الذين من قبلهم } بأنواع الفتن فمنهم من يوضع المنشار على ~~رأسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما ~~يصرفه ذلك عن دينه { فليعلمن الله } بالامتحان { الذين ~~صدقوا } في الإيمان { وليعلمن الكذبين } فيه. ومعنى ~~علمه تعالى وهو عالم بذلك فيما لم يزل أن يعلمه موجودا عند وجوده كما ~~علمه قبل وجوده أنه يوجد، والمعنى وليتميزن الصادق منهم من الكاذب. قال ~~ابن عطاء: يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في ~~أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام ~~الرخاء وجزع في أيام البلاء فهو من الكاذبين { أم حسب الذين ~~يعملون السيئات } أي الشرك والمعاصي { أن يسبقونا } أي ~~يفوتونا يعني أن الجزاء يلحقهم لا محالة، واشتمال صلة «أن» على مسند ~~ومسند إليه سد مسد مفعولين كقوله # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة # [البقرة: 214] ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر و «أم» منقطعة، ومعنى الإضراب ~~فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن ~~لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه. وقالوا: الأول في المؤمنين وهذا ~~في الكافرين { ساء ما يحكمون } «ما» في موضع رفع على معنى ساء ~~الحكم حكمهم، أو نصب على معنى ساء حكما يحكمون، والمخصوص بالذم محذوف أي ~~بئس حكما يحكمونه حكمهم { من كان يرجو لقاء الله } أي يأمل ~~ثوابه أو يخاف حسابه فالرجاء يحتملها { فإن أجل الله } المضروب ~~للثواب والعقاب { لأت } لا محالة فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ~~ويحقق أمله { وهو السميع } لما يقوله عباده { العليم } بما ~~يفعلونه فلا يفوته شيء ما. وقال الزجاج: و «من» للشرط ويرتفع بالابتداء ~~وجواب الشرط { فإن أجل الله لات } كقولك «إن كان زيد في الدار فقد صدق ~~الوعد» ### || [29.6-8] # { ومن جاهد } نفسه بالصبر على طاعة الله أو الشيطان بدفع وساوسه أو ~~الكفار { فإنما يجهد لنفسه } لأن منفعة ذلك ترجع إليها { ~~إن الله لغنى عن العلمين } وعن طاعتهم ومجاهدتهم، ~~وإنما أمر ونهى رحمة ms1059 لعباده { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي الشرك ~~والمعاصي بالإيمان والتوبة { ولنجزينهم أحسن الذى ~~كانوا يعملون } أي أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام. # { ووصينا الإنسن بوالديه حسنا } وصى حكمه حكم أمر ~~في معناه وتصرفه. يقال: وصيت زيدا بأن يفعل خيرا كما تقول: أمرته بأن ~~يفعل. ومنه قوله # ووصى بها إبرهيم بنيه # [البقرة: 132] أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها، وقولك: وصيت زيدا ~~بعمرو معناه وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك. وكذلك معنى قوله { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } ووصيناه بإيتاء والديه حسنا أو بإيلاء ~~والديه حسنا أي فعلا ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه كقوله # وقولوا للناس حسنا # [البقرة: 83] ويجوز أن يجعل { حسنا } من باب قولك «زيدا» بإضمار ~~«اضرب» إذا رأيته متهيئا للضرب فتنصبه بإضمار أولهما، أو افعل بهما لأن ~~التوصية بهما دالة عليه وما بعده مطابق له كأنه قال: قلنا أولهما معروفا ~~ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه، وعلى هذا التفسير إن وقف على { ~~بوالديه } وابتدىء { حسنا } حسن الوقف، وعلى التفسير الأول لا بد من ~~إضمار القول معناه وقلنا { وإن جهداك } أيها الإنسان { ~~لتشرك بى ما ليس لك به علم } أي لا علم لك بإلهيته ~~والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال: لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون ~~إلها { فلا تطعهما } في ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق { ~~إلي مرجعكم } مرجع من آمن منكم ومن أشرك { فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون } فأجازيكم حق جزائكم، وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير ~~من متابعتهما على الشرك وحث على الثبات والاستقامة في الدين. روي أن سعد ~~بن أبي وقاص لما أسلم نذرت أمه أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرتد فشكا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، والتي في «لقمان» والتي في ~~«الأحقاف» ### || [29.9-10] # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } هو مبتدأ والخبر ~~{ لندخلنهم فى الصلحين } في جملتهم. والصلاح من أبلغ ~~صفات المؤمنين وهو متمنى الأنبياء عليهم السلام قال سليمان عليه السلام # وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين ms1060 # [النمل: 19] وقال يوسف عليه السلام # توفنى مسلما وألحقنى بالصلحين # أ[يوسف: 101] و في مدخل الصالحين وهو الجنة. # ونزلت في المنافقين { ومن الناس من يقول ءامنا بالله ~~فإذا أوذى فى الله } أي إذا مسه أذى من الكفار { جعل ~~فتنة الناس كعذاب الله } أي جزع من ذلك كما يجزع من عذاب ~~الله تعالى { ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا ~~كنا معكم } أي وإذا نصر الله المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا: ~~إنا كنا معكم أي متابعين لكم في دينكم ثابتين عليه بثباتكم فأعطونا ~~نصيبنا من الغنم { أو ليس الله بأعلم بما فى صدور ~~العلمين } أي هو أعلم بما في صدور العالمين من العالمين بما في ~~صدورهم ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق وما في صدور المؤمنين من ~~الإخلاص، ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين بقوله ### || [29.11-14] # { وليعلمن الله الذين ءامنوا وليعلمن ~~المنفقين } أي حالهما ظاهرة عند من يملك الجزاء عليهما { وقال ~~الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطيكم } أمروهم باتباع سبيلهم وهي طريقتهم التي ~~كانوا عليها في دينهم، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم فعطف الأمر على الأمر ~~وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا سبيلنا وأن نحمل ~~خطاياكم. والمعنى تعليق الحمل بالاتباع أي إن تتبعوا سبيلنا حملنا ~~خطاياكم، وهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ~~ولا أنتم، فإن كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم { وما هم بحملين ~~من خطيهم من شىء إنهم لكذبون } لأنهم قالوا ~~ذلك وقلوبهم على خلافه كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف ~~{ وليحملن أثقالهم } أي أثقال أنفسهم يعني أوزارهم بسبب ~~كفرهم { وأثقالا مع أثقالهم } أي أثقالا أخر غير الخطايا ~~التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهي أثقال الذين كانوا سببا في ضلالهم وهو ~~كما قال # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] { وليسئلن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون } يختلقون من الأكاذيب والأباطيل. # { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما } كان عمره ألفا وخمسين سنة؛ ms1061 بعث على ~~رأس أربعين ولبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين. وعن ~~وهب أنه عاش ألفا وأربعمائة سنة فقال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء ~~عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان دخلت وخرجت. ولم يقل تسعمائة ~~وخمسين سنة لأنه لو قيل كذلك لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره ~~وهذا التوهم زائل هنا فكأنه قيل: تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد ~~إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة، ولأن القصة سيقت لما ابتلي ~~به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لنبينا عليه ~~السلام فكان ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض. وجيء بالمميز أولا بالسنة ~~ثم بالعام، لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة { ~~فأخذهم الطوفان } هو ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ~~ليل أو نحوهما { وهم ظلمون } أنفسهم بالكفر ### || [29.15-17] # { فأنجينه } أي نوحا { وأصحب السفينة } وكانوا ~~ثمانية وسبعين نفسا نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ~~ويافث ونساؤهم { وجعلنها } أي السفينة أو الحادثة أو القصة { ~~ءاية } عبرة وعظة { للعلمين } يتعظون بها. # { وإبرهيم } نصب بإضمار اذكر وأبدل عنه { إذ قال } بدل اشتمال ~~لأن الأحيان تشتمل على ما فيها، أو معطوف على { نوح } أي وأرسلنا ~~إبراهيم، أو ظرف ل { أرسلنا } يعني أرسلناه حين بلغ من السن، أو العلم ~~مبلغا صلح فيه لأن يعظ قومه ويأمرهم بالعبادة والتقوى. وقرأ إبراهيم ~~النخعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما: { وإبراهيم } بالرفع على معنى «ومن ~~المرسلين إبراهيم» { لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم ~~خير لكم } من الكفر { إن كنتم تعلمون } إن كان لكم علم ~~بما هو خير لكم مما هو شر لكم { إنما تعبدون من دون الله ~~أوثنا } أصناما { وتخلقون } وتكذبون أو تصنعون. وقرأ أبو ~~حنيفة والسلمي رضي الله عنهما { وتخلقون } من خلق بمعنى التكثير في خلق ~~{ إفكا } وقرىء { أفكا } وهو مصدر نحو كذب ولعب. والإفك مخفف منه ~~كالكذب واللعب من أصلهما واختلاقهم الإفك تسميتهم الأوثان آلهة ms1062 وشركاء ~~لله { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون ~~لكم رزقا } لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق { فابتغوا ~~عند الله الرزق } كله فإنه هو الرازق وحده لا يرزق غيره { ~~واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون } فاستعدوا للقائه ~~بعبادته والشكر له على أنعمه، وبفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب. ### || [29.18] # { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين } أي وإن تكذبوني فلا تضروني ~~بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم وما ضروهم وإنما ضروا أنفسهم ~~حيث حل بهم العذاب بسبب تكذيبهم، وأما الرسول فقد تم أمره حيث بلغ البلاغ ~~المبين الذي زال معه الشك وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته، أو وإن كنت ~~مكذبا فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة حيث كذبوا وعلى الرسول أن ~~يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب. وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله ~~{ فما كان جواب قومه } محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام ~~لقومه، والمراد بالأمم قبله قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم. وأن تكون آيات ~~وقعت معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش بين أول قصة ~~إبراهيم وآخرها. فإن قلت: فالجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت ~~معترضة فيه فلا تقول «مكة وزيد قائم خير بلاد الله». قلت: نعم وبيانه أن ~~إيراد قصة إبراهيم عليه السلام ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم عليه السلام كان ~~مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله { ~~وإن تكذبوا } على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدا فقد كذب ~~إبراهيم قومه وكل أمة نبيها لأن قوله { فقد كذب أمم من قبلكم } لا بد من ~~تناوله لأمة إبراهيم وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الآيات بعدها من ~~توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده وصفة ~~قدرة الله تعالى وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه. ### || [29.19-22] # { أو لم يروا ms1063 } وبالتاء: كوفي غير حفص { كيف يبدىء ~~الله الخلق } أي قد رأوا ذلك وعلموه. وقوله { ثم يعيده } ~~ليس بمعطوف على { يبدىء } وليست الرؤية واقعة عليه وإنما هو إخبار على ~~حياله بالإعادة بعد الموت كما وقع النظر في قوله { كيف بدأ ~~الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } [العنكبوت: 20] ~~على البدء دون الإنشاء بل هو معطوف على جملة قوله { أو لم يروا كيف يبدىء ~~الله الخلق } { إن ذلك } أي الإعادة { على الله يسير } ~~سهل { قل } يا محمد وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره وأوحينا إليه أن ~~قل { سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } على ~~كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله بالمشاهدة، وبدأ وأبدأ ~~بمعنى { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي البعث. وبالمد ~~حيث كان: مكي وأبو عمرو. وهذا دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحدة منهما ~~إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود، غير أن الآخرة ~~إنشاء بعد إنشاء مثله والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال «كيف بدأ الله ~~الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة» لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما ~~قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل ~~الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب أن لا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ~~ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى ينشيء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا ~~المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ { إن الله على كل شىء ~~قدير } قادر { يعذب من يشاء } بالخذلان { ويرحم من ~~يشاء } بالهداية أو بالحرص والقناعة، أو بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض ~~عن الله وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع وبملازمة السنة { وإليه ~~تقلبون } تردون وترجعون { وما أنتم بمعجزين } ربكم أي لا ~~تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه { فى الأرض } الفسيحة { ولا فى ~~السماء } التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها { وما لكم من ~~دون الله من ولي } يتولى أموركم { ولا نصير } ولا ناصر ~~يمنعكم من عذابي. ### || [29.23-25] # { والذين كفروا بئايت الله } بدلائله على وحدانيته ~~وكتبه ومعجزاته { ولقائه أولئك يئسوا من رحمتى } ~~جنتي { وأولئك لهم ms1064 عذاب أليم فما كان جواب ~~قومه } قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان { إلا أن قالوا ~~اقتلوه أو حرقوه } قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان ~~الباقون راضين فكانوا جميعا في حكم القائلين فاتفقوا على تحريقه { ~~فأنجاه الله من النار } حين قذفوه فيها { إن فى ذلك ~~} فيما فعلوا به وفعلنا { لآيت لقوم يؤمنون } روي أنه لم ~~ينتفع في ذلك اليوم بالنار يعني يوم ألقي إبراهيم في النار وذلك لذهاب ~~حرها { وقال } إبراهيم لقومه { إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثنا مودة بينكم في الحياة الدنيا } ~~حمزة وحفص، { مودة بينكم } مدني وشامي وحماد ويحيي وخلف { مودة بينكم } ~~مكي وبصري وعلي، { مودة بينكم } الشمني والبرجمي، النصب على وجهين على ~~التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم ~~عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وأن يكون مفعولا ~~ثانيا كقوله # اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23] و «ما» كافة أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على ~~تقدير حذف المضاف، أو اتخذتموها مودة بينكم أي مودة بينكم كقوله: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # [البقرة: 165] وفي الرفع وجهان: أن يكون خبرا ل { إن } و «ما» موصولة، ~~وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودة { بينكم } ، والمعنى أن الأوثان ~~مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة. ومن أضاف المودة جعل بينكم اسما لا ~~ظرفا كقوله # شهدة بينكم # [المائدة: 106] ومن نون { مودة } ونصب { بينكم } فعلى الظرف { ثم ~~يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض } تتبرأ الأصنام من ~~عابديها { ويلعن بعضكم بعضا } أي يوم القيامة يقوم بينكم ~~التلاعن فيلعن الأتباع القادة. { ومأواكم النار } أي مأوى ~~العابد والمعبود والتابع والمتبوع { وما لكم من نصرين } ~~ثمة. ### || [29.26-28] # { فئامن له } لإبراهيم عليه السلام { لوط } هو ابن أخي إبراهيم ~~وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تحرقه { وقال } إبراهيم { إنى ~~مهاجر } من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين وهي ~~من برية الشام، ومن ثم قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان. ms1065 وكان معه ~~في هجرته لوط وسارة وقد تزوجها إبراهيم { إلى ربى } إلى حيث أمرني ~~ربي بالهجرة إليه { إنه هو العزيز } الذي يمنعني من أعدائي { ~~الحكيم } الذي لا يأمرني إلا بما هو خير { ووهبنا له ~~إسحق } ولدا { ويعقوب } ولد ولد ولم يذكر إسماعيل لشهرته { ~~وجعلنا فى ذريته النبوة } أي في ذرية إبراهيم فإنه ~~شجرة الأنبياء { والكتب } والمراد به الجنس يعني التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان { وءاتيناه } أي إبراهيم { أجره } الثناء ~~الحسن والصلاة عليه إلى آخر الدهر ومحبة أهل الملل له، أو هو بقاء ضيافته ~~عند قبره وليس ذلك لغيره { فى الدنيا } فيه دليل على أنه تعالى قد ~~يعطي الأجر في الدنيا { وإنه فى الآخرة لمن الصلحين } ~~أي من أهل الجنة: عن الحسن { ولوطا } أي واذكر لوطا { إذ قال ~~لقومه إنكم لتأتون الفحشة } الفعلة البالغة في ~~القبح وهي اللواطة { ما سبقكم بها من أحد من ~~العلمين } جملة مستأنفة مقررة لفحاشة تلك الفعلة كأن قائلا قال: ~~لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينزل ذكر ~~على ذكر قبل قوم لوط ### || [29.29-31] # { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } بالقتل ~~وأخذ المال كما هو عمل قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة بالفاحشة { ~~وتأتون فى ناديكم } مجلسكم ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام ~~فيه أهله { المنكر } أي المضارطة والمجامعة والسباب والفحش في ~~المزاح والحذف بالحصى ومضغ العلك والفرقعة والسواك بين الناس { فما ~~كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ~~إن كنت من الصدقين } فيما تعدنا من نزول العذاب. { إنكم } { ~~أئنكم } شامي وحفص وهو الموجود في الإمام، وكل واحدة بهمزتين كوفي غير ~~حفص { آينكم } { آينكم } بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: أبو عمرو { ~~أينكم } { أينكم } بهمزة مقصورة بعدها ياء مكسورة: مكي ونافع غير قالون ~~وسهل ويعقوب غير زيد { قال رب انصرنى } بإنزال العذاب { على ~~القوم المفسدين } كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه ~~من المعاصي والفواحش. # { ولما جاءت رسلنا إبرهيم بالبشرى } بالبشارة ~~لإبراهيم بالولد والنافلة يعني إسحق ويعقوب { قالوا إنآ مهلكو ~~أهل ms1066 هذه القرية } إضافة { مهلكوا } لم تفد تعريفا لأنها ~~بمعنى الاستقبال. والقرية سدوم التي قبل فيها أجور من قاضي سدوم وهذه ~~القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام. قالوا: إنها كانت ~~على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم عليه السلام. { إن أهلها ~~كانوا ظلمين } أي الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة وهم ~~عليه مصرون وظلمهم كفرهم وأنواع معاصيهم ### || [29.32-35] # { قال } إبراهيم { إن فيها لوطا } أي أتهلكونهم وفيهم من هو ~~بريء من الظلم وهو لوط { قالوا } أي الملائكة { نحن أعلم } ~~منك { بمن فيها لننجينه } { لننجينه } يعقوب وكوفي غير عاصم ~~{ وأهله إلا امرأته كانت من الغبرين } الباقين ~~في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم بقوله ~~{ ولما أن جاءت رسلنا لوطا سىء بهم } ساءه مجيئهم و ~~«أن» صلة أكدت وجود الفعلين مرتبا أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء ~~واحد من الزمان كأنه قيل: كما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث ~~خيفة عليهم من قومهم أن يتناولوهم بالفجور { سىء بهم } مدني وشامي ~~وعلي { وضاق بهم ذرعا } وضاق بشأنهم وبتدبير أمرهم ذرعه أي ~~طاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا «رحب ~~الذراع» إذا كان مطيقا، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا ~~يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة وهو نصب على ~~التمييز { وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك } ~~وبالتخفيف: مكي وكوفي غير حفص { وأهلك } الكاف في محل الجر ونصب { ~~أهلك } بفعل محذوف أي وننجي أهلك { إلا امرأتك كانت من ~~الغبرين إنا منزلون } { منزلون } شامي { على أهل ~~هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا ~~يفسقون } بفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله { ولقد تركنا ~~منها } من القرية { آية بينة } هي آثار منازلهم الخربة. وقيل: ~~الماء الأسود على وجه الأرض { لقوم } يتعلق ب { تركنا } أو ب { ~~بينة } { يعقلون }. ### || [29.36-40] # { وإلى مدين } وأرسلنا إلى مدين { أخهم شعيبا فقال ~~يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر } وافعلوا ما ~~ترجون ms1067 به الثواب في العاقبة أو خافوه { ولا تعثوا فى الأرض ~~مفسدين } قاصدين الفساد { فكذبوه فأخذتهم الرجفة ~~} الزلزلة الشديدة أو صيحة جبريل عليه السلام لأن القلوب رجفت بها { ~~فأصبحوا في دارهم } في بلدهم وأرضهم { جثمين } باركين ~~على الركب ميتين { وعادا } منصوب بإضمار «أهلكنا» لأن قوله { فأخذتهم ~~الرجفة } يدل عليه لأنه في معنى الإهلاك { وثمودا } حمزة وحفص وسهل ~~ويعقوب { وقد تبين لكم } ذلك يعني ما وصفه من إهلاكهم { من ~~مسكنهم } من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها، وكان ~~أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها { وزين لهم ~~الشيطن أعملهم } من الكفر والمعاصي { فصدهم عن ~~السبيل } السبيل الذي أمروا بسلوكه هو الإيمان بالله ورسله { ~~وكانوا مستبصرين } عقلاء متمكنين من النظر وتمييز الحق من ~~الباطل ولكنهم لم يفعلوا { وقرون وفرعون وهمن } أي ~~وأهلكناهم { ولقد جاءهم موسى بالبينت ~~فاستكبروا فى الأرض وما كانوا سبقين } فائتين ~~أدركهم أمر الله فلم يفوتوه { فكلا أخذنا بذنبه } فيه رد على ~~من يجوز العقوبة بغير ذنب { فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا } هي ريح عاصف فيها حصباء وهي لقوم لوط { ومنهم من ~~أخذته الصيحة } هي لمدين وثمود { ومنهم من خسفنا ~~به الأرض } يعني قارون { ومنهم من أغرقنا } يعني قوم ~~نوح وفرعون { وما كان الله ليظلمهم } ليعاقبهم بغير ذنب { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالكفر والطغيان. ### || [29.41-42] # { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } أي آلهة ~~يعني مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار { كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا } أي كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها ~~من بيت فإن ذلك بيت لا يدفع عنها الحر والبرد ولا يقي ما تقي البيوت، ~~فكذلك الأوثان لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، جعل حاتم { اتخذت } حالا { ~~وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } لا بيت أوهن من ~~بيتها. عن علي رضي الله عنه: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه ~~يورث الفقر { لو كانوا يعلمون } أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم ~~بالغ هذه الغاية من الوهن. وقيل: معنى الآية مثل الشرك الذي يعبد الوثن ~~بالقياس إلى المؤمن ms1068 الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى ~~رجل يبنى بيتا بآجر وجص أو ينحته من صخر، وكما أن أوهن البيوت إذا ~~استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ~~دينا دينا عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. وقال الزجاج: في جماعة تقدير ~~الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء لو كانوا يعلمون كمثل ~~العنكبوت { إن الله يعلم ما يدعون } بالياء: بصري وعاصم، ~~وبالتاء: غيرهما غير الأعشى والبرجمي. و «ما» بمعنى «الذي» وهو مفعول { ~~يعلم } ومفعول { يدعون } مضمر أي يدعونه يعني يعبدونه { من دونه من ~~شىء } «من» في { من شيء } للتبيين { وهو العزيز } الغالب الذي ~~لا شريك له { الحكيم } في ترك المعاجلة بالعقوبة، وفيه تجهيل لهم حيث ~~عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء ~~الحكيم الذي لا يفعل كل شيء إلا بحكمة وتدبير ### || [29.43-45] # { وتلك الأمثل } الأمثال نعت والخبر { نضربها } نبينها { ~~للناس } كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمد يضرب المثل ~~بالذباب والعنكبوت ويضحكون من ذلك فلذلك قال { وما يعقلها إلا ~~العلمون } به وبأسمائه وصفاته أي لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم ~~فائدتها إلا هم، لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني ~~المستورة حتى تبرزها وتصورها للأفهام كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال ~~المشرك وحال الموحد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية ~~فقال # " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه " # ودلت الآية على فضل العلم على العقل. # { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي محقا يعني ~~لم يخلقهما باطلا بل لحكمة وهي أن تكونا مساكن عباده وعبرة للمعتبرين ~~منهم ودلائل على عظم قدرته، ألا ترى إلى قوله { إن فى ذلك لآية ~~للمؤمنين } وخصهم بالذكر لانتفاعهم بها { اتل ما أوحى ~~إليك من الكتب } تقربا إلى الله تعالى بقراءة كلامه ولتقف ~~على ما أمر به ونهى عنه { وأقم الصلاة } أي دم على إقامة الصلاة { إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء } الفعلة القبيحة كالزنا مثلا { والمنكر ms1069 } ~~هو ما ينكره الشرع والعقل. قيل: من كان مراعيا للصلاة جره ذلك إلى أن ~~ينتهي عن السيئات يوما ما فقد روي أنه قيل يوما لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل. فقال: # " إن صلاته لتردعه " # روي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئا من الفواحش ~~إلا ركبه فوصف له فقال # " إن صلاته ستنهاه " # فلم يلبث أن تاب. وقال ابن عوف: إن الصلاة تنهى إذا كنت فيها فأنت في ~~معروف وطاعة وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر. وعن الحسن: من لم تنهه صلاته ~~عن الفحشاء والمنكر فليست صلاته بصلاة وهي وبال عليه { ولذكر ~~الله أكبر } أي والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وإنما قال ~~(ولذكر الله) ليستقل بالتعليل كأنه قال: والصلاة أكبر لأنها ذكر الله. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم ~~إياه بطاعته. وقال ابن عطاء: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له الآن، لأن ~~ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا ~~يبقى. وقال سلمان: ذكر الله أكبر من كل شيء وأفضل فقد قال عليه السلام # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير ~~من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ~~" # قالوا وما ذاك يا رسول الله قال # " ذكر الله " # وسئل أي الأعمال أفضل قال # " أن تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله " # أو ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم، أو ذكر الله أكبر من ~~تلقى معه معصية، أو ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من غيره: ~~{ والله يعلم ما تصنعون } من الخير والطاعة فيثيبكم أحسن ~~الثواب. ### || [29.46] # { ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هى ~~أحسن } بالخصلة التي هي أحسن للثواب وهي مقابلة الخشونة باللين ~~والغضب بالكظم كما قال: # ادفع بالتى هى أحسن # [المؤمنون: 96] { إلا الذين ظلموا منهم } فأفرطوا في ~~الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا ms1070 معهم ~~الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلا ~~الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا # يد الله مغلولة # أو معناه ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي ~~أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسيف. ~~والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم ~~الكلام الذي به تتحقق المجادلة، وقوله { وقولوا ءامنا بالذى ~~أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم ~~واحد ونحن له مسلمون } من جنس المجادلة بالأحسن. وقال عليه ~~السلام # " ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ~~ورسله فإن كان باطلا لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم» " ### || [29.47-49] # { وكذلك } ومثل ذلك الإنزال { أنزلنا إليك الكتب } ~~أي أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية، أو كما أنزلنا الكتب إلى من ~~قبلك أنزلنا إليك الكتاب { فالذين ءاتينهم الكتب ~~يؤمنون به } هم عبد الله بن سلام ومن معه { ومن هؤلاء } أي ~~من أهل مكة { من يؤمن } أو أراد بالذين أوتوا الكتاب الذين تقدموا ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ومن هؤلاء الذين كانوا ~~في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما يجحد بئايتنا } ~~مع ظهورها وزوال الشبهة عنها { إلا الكفرون } إلا المتوغلون في ~~الكفر المصممون عليه ككعب بن الأشرف وأضرابه { وما كنت تتلوا ~~من قبله } من قبل القرآن { من كتب ولا تخطه ~~بيمينك } خص اليمين لأن الكتابة غالبا تكون باليمين أي ما كنت قرأت ~~كتابا من الكتب ولا كنت كاتبا { إذا } أي لو كان شيء من ذلك أي من ~~التلاوة ومن الخط { لارتب المبطلون } من أهل الكتاب وقالوا: ~~الذي نجد نعته في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به، أو لارتاب مشركو ~~مكة وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده. وسماهم مبطلين لإنكارهم نبوته. وعن ~~مجاهد والشعبي: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ { بل ~~هو } أي القرآن { بينت فى صدور الذين أوتوا العلم ~~وما } أي في صدور ms1071 العلماء به وحفاظه وهما من خصائص القرآن كون آياته ~~بينات الإعجاز وكونه محفوظا في الصدور بخلاف سائر الكتب فإنها لم تكن ~~معجزات ولا كانت تقرأ إلا من المصاحف { وما يجحد بئايتنا } ~~الواضحة { إلا الظلمون } أي المتوغلون في الظلم. ### || [29.50-52] # { وقالوا لولا أنزل عليه ءايت من ربه } { آية ~~} بغير ألف: مكي وكوفي غير حفص. أرادوا هلا أنزل عليه آيات مثل الناقة ~~والعصا ومائدة عيسى عليهم السلام ونحو ذلك { قل إنما الآيت ~~عند الله } ينزل أيتها شاء ولست أملك شيئا منها { وإنما ~~أنا نذير مبين } كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات ~~وليس لي أن أقول أنزل على آية كذا دون آية كذا مع علمي أن المراد من ~~الآيات ثبوت الدلالة والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك { أولم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب يتلى عليهم ~~} أي أولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات إن كانوا طالبين للحق غير ~~متعنتين هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان، فلا يزال ~~معهم آية ثابتة لا تزول كما تزول كل آية بعد كونها، أو تكون في مكان دون ~~مكان { إن فى ذلك } أي في مثل هذه الآية الموجودة في كل مكان ~~وزمان إلى آخر الدهر { لرحمة } لنعمة عظيمة { وذكرى } وتذكرة { ~~لقوم يؤمنون } دون المتعنتين { قل كفى بالله بينى ~~وبينكم شهيدا } أي شاهدا بصدق ما أدعيه من الرسالة وأنزل ~~القرآن علي وبتكذيبكم { يعلم ما فى السموت والأرض } فهو ~~مطلع على أمري وأمركم وعالم بحقي وباطلكم { والذين ءامنوا ~~بالبطل } باليهودية أو بالشرك إو بإبليس { وكفروا بالله ~~} وآياته { أولئك هم الخسرون } المغبونون في صفقتهم حيث ~~اشتروا الكفر بالإيمان إلا أن الكلام ورد مورد الإنصاف كقوله # وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين # [سبأ: 24] وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك ~~بأنك رسول الله فنزلت ### || [29.53-56] # { ويستعجلونك بالعذاب } بقولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال: 32] الآية. { ولولا أجل مسمى } وهو يوم القيامة ~~أو يوم بدر أو وقت فنائهم ms1072 بآجالهم، والمعنى ولولا أجل قد سماه الله وبينه ~~في اللوح لعذبهم والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى { ~~لجاءهم العذاب } عاجلا { وليأتينهم } العذاب عاجلا ~~أو ليأتينهم العذاب في الأجل المسمى { بغتة } فجأة { وهم لا ~~يشعرون } بوقت مجيئه. # { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكفرين } أي ستحيط بهم { يوم يغشهم العذاب من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم } لقوله تعالى: # من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16] ولا وقف على { بالكافرين } لأن { يوم } ظرف إحاطة النار بهم ~~{ ويقول } بالياء: كوفي ونافع، وقوله { ذوقوا ما كنتم ~~تعملون } أي جزاء أعمالكم { يعبادى } وبسكون الياء: بصري وكوفي ~~غير عاصم { الذين ءامنوا إن أرضى واسعة } وبفتح الياء: ~~شامي يعني أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش له ~~أمر دينه فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصبح دينا وأكثر ~~عبادة، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كثيرا. وقالوا: لم نجد أعون على ~~قهر النفس وأجمع للقلب وأحث على القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من الفتن ~~وأربط للأمر الديني من مكة حرسها الله تعالى. وعن سهل: إذا ظهرت المعاصي ~~والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة " # { فإياى فاعبدون } وبالياء: يعقوب. وتقديره فإياي اعبدوا ~~فاعبدوني. وجيء بالفاء في { فاعبدون } لأنه جواب شرط محذوف لأن المعنى إن ~~أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها، ثم حذف ~~الشرط وعوض عن حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص ~~والإخلاص، ثم شجع المهاجر بقوله ### || [29.57-60] # { كل نفس ذائقة الموت } أي واجدة مرارته وكربه كما يجد، ~~الذائق طعم المذوق لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارق وطنها { ثم ~~إلينا ترجعون } بعد الموت للثواب والعقاب { يرجعون } يحيى { ~~ترجعون } يعقوب. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنبوئنهم ~~من الجنة غرفا } لننزلنهم من الجنة علالي. { لنثوينهم } كوفي ~~غير عاصم من الثواء وهو النزول للإقامة، ms1073 وثوى غير متعد فإذا تعدى بزيادة ~~الهمزة لم يجاوز مفعولا واحدا. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين ~~وإلى الغرف، أما إجراؤه مجرى لننزلنهم أو لنؤينهم، أو حذف الجار وإيصال ~~الفعل، أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم { تجرى من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها نعم أجر العملين } ويوقف ~~على { العاملين } على أن { الذين صبروا } خبر مبتدأ محذوف أي هم ~~الذين صبروا على مفارقة الأوطان وعلى أذى المشركين وعلى المحن والمصائب ~~وعلى الطاعات وعن المعاصي، والوصل أجود ليكون { الذين } نعتا ل { ~~العاملين } { وعلى ربهم يتوكلون } ولم يتوكلوا في جميع ~~ذلك إلا على الله، ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم من مكة ~~بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فنزلت { وكأين من دابة } أي وكم من ~~دابة { وكائن } بالمد والهمز: مكي والدابة كل نفس دبت على وجه الأرض عقلت ~~أم لم تعقل { لا تحمل رزقها } لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله ~~{ الله يرزقها وإياكم } أي لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا ~~الله، ولا يرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلا هو، وإن كنتم مطيقين لحمل ~~أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يقدركم ولم يقدر لكم أسباب الكسب لكنتم أعجز ~~من الدواب التي لا تحمل. وعن الحسن: لا تحمل رزقها لا تدخره إنما تصبح ~~فيرزقها الله. وقيل: لا يدخر شيء من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفأرة ~~والنملة { وهو السميع } لقولكم نخشى الفقر والعيلة { العليم } ~~بما في ضمائركم. ### || [29.61-63] # { ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~وسخر الشمس والقمر } أي ولئن سألت هؤلاء المشركين من خلق ~~السماوات والأرض على كبرهما وسعتهما، ومن الذي سخر الشمس والقمر { ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون } فكيف يصرفون عن توحيد الله ~~مع إقرارهم بهذا كله! { الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر له } أي لمن يشاء فوضع الضمير موضع { من يشاء } ~~لأن { من يشاء } مبهم غير معين فكان الضمير مبهما مثله. قدر الرزق وقتره ~~بمعنى إذا ضيقه { إن الله بكل شىء عليم } يعلم ما يصلح ~~العباد وما يفسدهم. في الحديث # " إن من عبادي ms1074 من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن ~~من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك " # { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } أي هم مقرون ~~بذلك { قل الحمد لله } على إنزاله الماء لإحياء الأرض أو على ~~أنه ممن أقر بنحو ما أقروا به ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفى الشركاء ~~عنه ولم يكن إقرارا عاطلا كإقرار المشركين { بل أكثرهم لا ~~يعقلون } لا يتدبرون بما فيهم من العقول فيما نريهم من الآيات ونقيم ~~عليهم من الدلالات، أو لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله ### || [29.64-66] # { وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب } أي ~~وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم ~~يتفرقون، وفيه ازدراء بالدنيا وتصغير لأمرها وكيف لا يصغرها وهي لاتزن ~~عنده جناح بعوضة! واللهو ما يتلذذ به الإنسان فيلهيه ساعة ثم ينقضي { ~~وإن الدار الآخرة لهى الحيوان } أي الحياة أي ليس فيها ~~إلا حياة مستمرة دائمة لا موت فيها فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان مصدر ~~حي وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واوا ولم يقل «لهي الحياة» لما في ~~بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، والحياة حركة والموت سكون، فمجيئه ~~على بناء دال على معنى الحركة مبالغة في معنى الحياة، ويوقف على { ~~الحيوان } لأن التقدير { لو كانوا يعلمون } حقيقة الدارين لما ~~اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي، ولو وصل لصار وصف الحيوان ~~معلقا بشرط علمهم ذلك وليس كذلك. # { فإذا ركبوا فى الفلك } هو متصل بمحذوف دل عليه ما وصفهم ~~به وشرح من أمرهم معناه: هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد فإذا ركبوا ~~في الفلك { دعوا الله مخلصين له الدين } كائنين في صورة ~~من يخلص الدين لله من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون معه ~~إلاها آخر { فلما نجاهم إلى البر } وأمنوا { إذا هم ~~يشركون } عادوا إلى حال الشرك { ليكفروا بمآ ءاتينهم ~~} من النعمة. ms1075 قيل: هي لام كي وكذا في { وليتمتعوا } فيمن قرأها ~~بالكسر أي لكي يكفروا وكي يتمتعوا، والمعنى يعودون إلى شركهم ليكونوا ~~بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة قاصدين التمتيع بها والتلذذ لا غير ~~على خلاف عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة فإنهم يشكرون نعمة الله إذا ~~أنجاهم، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة لا إلى التلذذ ~~والتمتع، وعلى هذا لا وقف على { يشركون }. ومن جعله لام الأمر متثبتا ~~بقراءة ابن كثير وحمزة وعلي { وليتمتعوا } بسكون اللام على وجه التهديد ~~كقوله: # فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر # [الكهف: 29] وتحقيقه في أصول الفقه يقف عليه { فسوف يعلمون } ~~سوء تدبيرهم عند تدميرهم. ### || [29.67-69] # { أولم يروا } أي أهل مكة { إنا جعلنا } بلدهم { حرما ~~} ممنوعا مصونا { آمنا } يأمن داخله { ويتخطف الناس من ~~حولهم } يستلبون قتلا وسبيا { أفبالبطل يؤمنون } أي ~~أبالشيطان والأصنام { وبنعمة الله يكفرون } أي بمحمد عليه ~~السلام والإسلام { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } بأن جعل له شريكا { أو كذب بالحق } بنبوة محمد عليه ~~السلام والكتاب { لما جاءه } أي لم يتلعثموا في تكذيبه حين سمعوه { ~~أليس فى جهنم مثوى للكفرين } هذا تقرير لثوائهم في ~~جهنم لأن همزة الإنكار إذا أدخلت على النفي صار إيجابا يعني ألا يثوون ~~فيها وقد افتروا مثل هذا التكذيب على الله وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب؟ ~~أو ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حين اجترؤوا مثل هذه الجراءة؟ ~~وذكر المثوى في مقابلة { لنبوئنهم } يؤيد قراءة الثاني { والذين ~~جهدوا } أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول ليتناول كل ما تجب ~~مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين { فينا } في حقنا ومن أجلنا ~~ولوجهنا خالصا { لنهدينهم سبلنا } { سبلنا } أبو عمرو أي ~~لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا. وعن الداراني: والذين جاهدوا ~~فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا فقد قيل: من عمل بما علم وفق لما ~~لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم إنما هو لتقصيرنا فيما ~~نعلم. وعن فضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. ms1076 وعن ~~سهل: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وعن ابن عطاء: ~~جاهدوا في رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان. وعن ابن عباس: جاهدوا ~~في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وعن الجنيد: جاهدوا في التوبة لنهدينهم ~~سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والأنس ~~بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحريا لرضانا لنهدينهم سبل الوصول إلينا. { ~~وإن الله لمع المحسنين } بالنصرة والمعونة في الدنيا ~~وبالثواب والمغفرة في العقبى. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-4] # مكية وهي ستون أوتسع وخمسون آية والاختلاف في بضع سنين # بسم الله الرحمن الرحيم # { الم غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { فى أدنى الأرض } ~~أي في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، والمعنى غلبوا ~~في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام، أو أراد أرضهم على إنابة اللام ~~مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم { وهم } أي الروم { من ~~بعد غلبهم } أي غلبة فارس إياهم. وقرىء بسكون اللام فالغلب ~~والغلب مصدران وقد أضيف المصدر إلى المفعول { سيغلبون } فارس، ولا ~~وقف عليه لتعلق { فى بضع سنين } به، وهو ما بين الثلاث إلى ~~العشرة. قيل: احتربت فارس والروم بين أذرعات وبصرى فغلبت فارس الروم ~~والملك بفارس يومئذ كسرى ابرويز فبلغ الخبر مكة فشق على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل كتاب، ~~وفرح المشركون وشمتوا وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون ~~وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن نحن عليكم فنزلت. فقال لهم أبو بكر: ~~والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت ~~فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو ~~بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام # " زد في الخطر وأبعد في الأجل " # فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين. ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية أو يوم ms1077 بدر فأخذ أبو بكر ~~الخطر من ذرية أبي فقال عليه السلام: # " تصدق به " # وهذه آية بينة على صحة نبوته وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم ~~الغيب وكان ذلك قبل تحريم القمار. عن قتادة ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد أن ~~العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين وقد ~~احتجا على صحة ذلك بهذه القصة. # { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي من قبل كل شيء ومن بعد ~~كل شيء أو حين غلبوا وحين يغلبون كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين وهو وقت ~~كونهم مغلوبين، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين يعني أن ~~كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله وقضائه # وتلك الأيام نداولها بين الناس # [آل عمران: 140] { ويومئذ } ويوم تغلب الروم على فارس ويحل ما وعد ~~الله من غلبتهم { يفرح المؤمنون بنصر الله } ### || [30.5-6] # وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له وغيظ من شمت بهم من كفار مكة. ~~وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة ~~الروم، والباء يتصل ب { يفرح } فيوقف على { الله } على «المؤمنين» { ~~ينصر من يشاء وهو العزيز } الغالب على أعدائه { الرحيم } العاطف ~~على أوليائه { وعد الله } مصدر مؤكد لأن قوله { وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون } وعد من الله للمؤمنين، فقوله { وعد الله } بمنزلة وعد الله ~~المؤمنين وعدا { لا يخلف الله وعده } بنصر الروم على فارس { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك ### || [30.7-8] # { يعلمون } بدل من { لا يعلمون } وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم ~~العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا. ~~وقوله { ظاهرا من الحيوة الدنيا } يفيد أن للدنيا ظاهرا ~~وباطنا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، وباطنها أنها مجاز ~~إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة وبالأعمال الصالحة. وتنكير الظاهر ~~يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها { وهم عن ~~الآخرة هم غفلون } { هم } الثانية مبتدأ و { غافلون } خبره ~~والجملة ms1078 خبر { هم } الأولى، وفيه بيان أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ~~ومقرها. # { أولم يتفكروا فى أنفسهم } يحتمل أن يكون ظرفا كأنه ~~قيل: أولم يثبتوا التفكير في أنفسهم أي في قلوبهم الفارغة من الفكر ~~والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين كقوله ~~«اعتقده في قلبك»، وأن يكون صلة للتفكر نحو تفكر في الأمر وأجال فيه ~~فكره، ومعناه على هذا: أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من ~~غيرها من المخلوقات وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما ~~أودعها الله ظاهرا وباطنا من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون ~~الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان ~~إحسانا وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك ~~أمرها جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك ~~الوقت؟ { ما خلق الله السموت والأرض وما ~~بينهما } متعلق بالقول المحذوف معناه: أولم يتفكروا فيقولوا هذا ~~القول؟ وقيل: معناه فيعلموا لأن في الكلام دليلا عليه { إلا ~~بالحق وأجل مسمى } أي ما خلقها باطلا وعبثا بغير حكمة ~~بالغة ولا لتبقى خالدة، إنما خلقها مقرونة بالحق مصحوبة بالحكمة وبتقدير ~~أجل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه وهو قيام الساعة ووقت الحساب ~~والثواب والعقاب، ألا ترى إلى قوله: # أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115] كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا { وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم } بالبعث والجزاء { ~~لكفرون } لجاحدون. وقال الزجاج: أي لكافرون بلقاء ربهم. ### || [30.9-10] # { أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم } هو تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم ~~إلى آثار المدمرين من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية. ثم وصف حالهم ~~فقال { كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض } ~~وحرثوها { وعمروها } أي المدمرون { أكثر } صفة مصدر محذوف. ~~و«ما» مصدرية في { مما عمروها } أي من عمارة أهل مكة { ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات } وتقف عليها لحق الحذف أي فلم ~~يؤمنوا فأهلكوا { فما كان ms1079 الله ليظلمهم } فما كان تدميره ~~إياهم ظلما لهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ولكنهم ~~ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم { ثم كان عقبة } ~~بالنصب: شامي وكوفي { الذين أسآوا السوأى } تأنيث الأسوأ وهو ~~الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، ومحلها رفع على أنها اسم «كان» عند ~~من نصب { عقبة } على الخبر ونصب عند من رفعها، والمعنى أنهم عوقبوا ~~في الدنيا بالدمار ثم كانت عاقبتهم السوأى، إلا أنه وضع المظهر وهو { ~~الذين أساؤوا } موضع المضمر أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة ~~وهي النار التي أعدت للكافرين { أن كذبوا } لأن كذبوا أو بأن وهو ~~يدل على أن معنى أساؤوا كفروا { بآيات الله وكانوا بها يستهزئون } يعني ~~ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها ### || [30.11-17] # { الله يبدأ الخلق } ينشئهم { ثم يعيده } يحييهم بعد ~~الموت { ثم إليه ترجعون } وبالياء: أبو عمرو وسهل. # { ويوم تقوم الساعة يبلس } ييأس ويتحير. يقال: ناظرته ~~فأبلس إذا لم ينبس ويئس من أن يحتج { المجرمون } المشركون { ولم ~~يكن لهم من شركائهم } من الذين عبدوهم من دون الله. وكتب { ~~شفعاؤا } في المصحف بواو قبل الألف كما كتب # علمؤا بني إسرائيل # [الشعراء:197] وكذلك كتبت السوأى بالألف قبل الياء إثباتا للهمزة على ~~صورة الحرف الذي منه حركتها { وكانوا بشركائهم كفرين } ~~أي يكفرون بآلهتهم ويجحدونها أو وكانوا في الدنيا كافرين بسببهم. # { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } الضمير في { ~~يتفرقون } للمسلمين والكافرين لدلالة ما بعده عليه حيث قال { فأما ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم فى روضة } ~~أي بستان وهي الجنة، والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه { يحبرون } ~~يسرون. يقال: حبره إذا سره سرورا تهلل له وجهه وظهر فيه أثره، ثم اختلف ~~فيه لاحتمال وجوه المسار فقيل يكرمون، وقيل يحلون، وقيل هو السماء في ~~الجنة { وأما الذين كفروا وكذبوا بئايتنا ~~ولقاء الآخرة } أي البعث { فأولئك فى العذاب ~~محضرون } مقيمون لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم كقوله: # وما هم بخرجين منها # [البقرة: 167] لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي ~~من الوعيد ms1080 فقال { فسبحان الله } والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو ~~تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد فيها ~~من نعمة الله الظاهرة أو الصلاة، فقيل لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس ~~في القرآن؟ فقال: نعم وتلا هذه الآية. وهو نصب على المصدر والمعنى نزهوه ~~عما لا يليق به أوصلوا لله { حين تمسون } صلاة المغرب والعشاء { ~~وحين تصبحون } صلاة الفجر ### || [30.18-20] # { وله الحمد فى السموت والأرض } اعتراض ومعناه أن ~~على المميزين كلهم من أهل السماوات والأرض أن يحمدوه، و { في السماوات } ~~حال من { الحمد } { وعشيا } صلاة العصر وهو معطوف على { حين تمسون ~~} ، وقوله: { عشيا } متصل بقوله: { حين تمسون } { وحين تظهرون ~~} صلاة الظهر أظهر أي: دخل في وقت الظهيرة والقول الأكثر أن الصلوات ~~الخمس فرضت بمكة { يخرج الحي من الميت } الطائر من البيضة ~~أو الإنسان من النطفة أو المؤمن من الكافر { ويخرج الميت من ~~الحي } أي: البيضة من الطائر أو النطفة من الإنسان أو الكافر من ~~المؤمن، و { الميت } بالتخفيف فيهما مكي وشامي وأبو عمرو وأبو بكر وحماد، ~~وبالتشديد غيرهم { ويحي الأرض } بالنبات { بعد موتها } يبسها ~~{ وكذلك تخرجون } { تخرجون } حمزة وعلي وخلف، أي: ومثل ذلك ~~الإخراج تخرجون من قبوركم. والكاف في محل النصب ب { تخرجون } ، والمعنى ~~أن الإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من ~~الحي وعكسه، روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من قرأ فسبحان الله حين تمسون إلى الثلاث وأخر سورة والصافات دبر كل ~~صلاة كتب له من الحسنات عدد نجوم السماء وقطر الأمطار وورق الأشجار وتراب ~~الأرض، فإذا مات أجري له بكل حرف عشر حسنات في قبره " # قال عليه السلام: # " من قرأ حين يصبح { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } إلى قوله { ~~وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته ~~في ليلته " # ومن آياته ومن علامات ربوبيته وقدرته { أن خلقكم } أي: أباكم { ~~من تراب ثم إذا أنتم بشر } أي: ms1081 آدم وذريته { تنتشرون ~~} تنصرفون فيما فيه معاشكم و { إذا } للمفاجأة وتقديره: ثم فاجأتم وقت ~~كونكم بشرا منتشرين في الأرض. ### || [30.21-23] # { ومن ءايته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجا ~~لتسكنوا إليها } أي حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام والنساء ~~بعدها خلقن من أصلاب الرجال، أو من شكل أنفسكم وجنسها لا من جنس آخر وذلك ~~لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون وما بين الجنسين المختلفين ~~من التنافر. يقال: سكن إليه إذا مال إليه { وجعل بينكم ~~مودة ورحمة } أي جعل بينكم التواد والتراحم بسبب الزواج. وعن ~~الحسن: المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد. وقيل: المودة للشابة ~~والرحمة للعجوز. وقيل: المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان أي بغض ~~المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة { إن فى ذلك لآيت لقوم ~~يتفكرون } فيعلمون أن قوام الدنيا بوجود التناسل { ومن ~~ءايته خلق السموت والأرض واختلف ~~ألسنتكم } أي اللغات أو أجناس النطق وأشكاله { وألونكم } ~~كالسواد والبياض وغيرهما، ولاختلاف ذلك وقع التعارف وإلا فلو تشاكلت ~~واتفقت لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت المصالح، وفي ذلك آية بينة حيث ~~ولدوا من أب واحد وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله متفاوتون. { ~~إن فى ذلك لآيت للعلمين } { للعالمين } جمع «عالم»، ~~وبكسر اللام: حفص عالم ويشهد للكسر قوله تعالى # وما يعقلها إلا العلمون # العنكبوت: 43) { ومن ءايته منامكم باليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله } هذا من باب اللف، وترتيبه ومن آياته ~~منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه فصل بين القرينين ~~الأولين بالقرينين الآخرين، أو المراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم ~~فيهما، والجمهور على الأول لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه ~~القرآن { إن فى ذلك لآيت لقوم يسمعون } أي يسمعون ~~سماع تدبر بآذان واعية. ### || [30.24-25] # { ومن ءايته يريكم البرق } في { يريكم } وجهان: إضمار ~~أن كما في حرف ابن مسعود رضي الله عنه وإنزال الفعل منزلة المصدر وبهما ~~فسر المثل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي أن تسمع أو سماعك { خوفا ~~} من الصاعقة أو من الإخلاف { وطمعا } في ms1082 الغيث أو خوفا للمسافر ~~وطمعا للحاضر، وهما منصوبان على المفعول له على تقدير حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه أي إرادة خوف وإرادة طمع، أو على الحال أي خائفين ~~وطامعين { وينزل من السماء } وبالتخفيف: مكي وبصري { ماء } ~~مطرا { فيحي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } يتفكرون ~~بعقولهم { ومن ءايته أن تقوم } تثبت بلا عمد { السماء ~~والأرض بأمره } أي بإقامته وتدبيره وحكمته { ثم إذا ~~دعاكم } للبعث { دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } ~~من قبوركم هذا كقوله { يريكم } في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى ~~كأنه قال: ومن آياته قيام السماوات والأرض واستمساكها بغير عمد، ثم خروج ~~الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة يا أهل القبور أخرجوا، والمراد ~~سرعة وجود ذلك من غير توقف. وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض ب ~~«ثم» بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله وهو أن يقول: ~~يا أهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ~~كما قال # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر: 68] و«إذا» الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء ~~في جواب الشرط { ومن الأرض } متعلق بالفعل لا بالمصدر. وقولك «دعوته من ~~مكان كذا» يجوز أن يكون مكانك ويجوز أن يكون مكان صاحبك ### || [30.26-28] # { وله من فى السموت والأرض كل له قنتون } ~~منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه أو مقرون بالعبودية. # { وهو الذى يبدأ الخلق } أي ينشئهم { ثم يعيده } ~~للبعث { وهو } أي البعث { أهون } أيسر { عليه } عندكم لأن ~~الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء فلم أنكرتم الإعادة، وأخرت الصلة في قوله ~~{ وهو أهون عليه } وقدمت في قوله: # وهو علي هين # [مريم: 9] لقصد الاختصاص هناك، وأما هنا فلا معنى للاختصاص. وقال أبو ~~عبيدة والزجاج وغيرهما الأهون بمعنى الهين فيوصف به الله عز وجل وكان ذلك ~~على الله يسيرا كما قالوا: الله أكبر أي كبير، والإعادة في نفسها عظيمة ~~ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء، أو هو أهون على الخلق من ms1083 الإنشاء لأن ~~قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفا ثم علقا ثم مضغ إلى تكميل خلقهم ~~{ وله المثل الأعلى فى السموت والأرض } أي الوصف ~~الأعلى الذي ليس لغيره وقد عرف به ووصف في السماوات والأرض على ألسنة ~~الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء ~~وإعادة وغيرهما من المقدورات ويدل عليه قوله { وهو العزيز } أي ~~القاهر لكل مقدور { الحكيم } الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته ~~وعلمه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المثل الأعلى # ليس كمثله شىء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. # وعن مجاهد: هو قول لا إله إلا الله. ومعناه وله الوصف الأرفع الذي هو ~~الوصف بالوحدانية ويعضده قوله { ضرب لكم مثلا من أنفسكم ~~} فهذا مثل ضربه الله عز وجل لمن جعل له شريكا من خلقه. و «من» للابتداء ~~كأنه قال: أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم { هل لكم ~~} معاشر الأحرار { من ما ملكت أيمنكم } عبيدكم و «من» ~~للتبعيض { من شركاء } «من» مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ~~ومعناه: هل ترضون لأنفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد أن ~~يشارككم بعضهم { فى ما رزقنكم } من الأموال وغيرها { فأنتم ~~} معاشر الأحرار والعبيد { فيه } في ذلك الرزق { سوآء } من غير تفصلة ~~بين حر وعبد يحكم مماليككم في أموالكم كحكمكم { تخافونهم } حال من ~~ضمير الفاعل في سواء أي متساوون خائفا بعضكم بعضا مشاركته في المال، ~~والمعنى: تخافون معاشرة السادة عبيدكم فيها فلا تمضون فيها حكما دون ~~إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم { كخيفتكم أنفسكم } ~~يعني كما يخاف بعض الأحرار بعضا فيما هو مشترك بينهم، فإذا لم ترضوا ~~بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا ~~بعض عبيده له شركاء؟ { كذلك } موضع الكاف نصب أي مثل هذا التفصيل { ~~نفصل الآيت } نبينها لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها { ~~لقوم يعقلون } يتدبرون في ضرب الأمثال فلما لم ينزجروا أضرب ~~عنهم فقال ### || [30.29-30] # { بل اتبع الذين ظلموا } أنفسهم بما أشركوا كما قال الله ~~تعالى: ms1084 # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] { أهواءهم بغير علم } أي اتبعوا أهواءهم جاهلين ~~{ فمن يهدى من أضل الله } أي أضله الله تعالى { وما ~~لهم من نصرين } من العذاب. # { فأقم وجهك للدين } فقوم وجهك له وعد له غير ملتفت عنه ~~يمينا ولا شمالا، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه واهتمامه ~~بأسبابه، فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوم له وجهه ~~{ حنيفا } حال عن المأمور أو من الدين { فطرة الله } أي الزموا ~~فطرة الله والفطرة الخلقة، ألا ترى إلى قوله # لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30] فالمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإسلام غير نائين عنه ~~ولا منكرين له لكونه مجاوبا للعقل مساوقا للنظر الصحيح حتى لو تركوا ~~لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس ~~ومنه قوله عليه السلام # " كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا ~~بي غيري " # وقوله عليه السلام # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ~~" # وقال الزجاج: معناه أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به على ما جاء ~~في الحديث # " إن الله عز وجل آخرج من صلب آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم ~~" # فقال { وإذ أخذ ربك } إلى قوله # قالوا بلى # [الأعراف: 172] وكل مولود هو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى ~~خالقها. فمعنى فطرة الله دين الله { التى فطر الناس عليها } ~~أي خلق { لا تبديل لخلق الله } أي ما ينبغي أن تبدل تلك ~~الفطرة أو تغير. وقال الزجاج: معناه لا تبديل لدين الله ويدل عليه ما ~~بعده وهو قوله { ذلك الدين القيم } أي المستقيم { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } حقيقة ذلك. ### || [30.31-32] # { منيبين إليه } راجعين إليه وهو حال من الضمير في «الزموا»، ~~وقوله { واتقوه } و { أقيموا } و { لا تكونوا } معطوف على هذا المضمر، أو ~~من قوله { فأقم وجهك } لأن الأمر له عليه السلام أمر لأمته فكأنه قال: ~~فأقيموا وجوهكم منيبين إليه، أو التقدير كونوا منبيين دليله قوله { ولا ~~تكونوا ms1085 } { واتقوه وأقيموا الصلوة } أي أدوها في أوقاتها ~~{ ولا تكونوا من المشركين } ممن يشرك به غيره في العبادة { ~~من الذين } بدل من { المشركين } بإعادة الجار { فرقوا ~~دينهم } جعلوه أديانا مختلفة لاختلاف أهوائهم { فارقوا } حمزة وعلي ~~وهي قراءة علي رضي الله عنه أي تركوا دين الإسلام { وكانوا شيعا } ~~فرقا كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها { كل حزب } منهم { بما ~~لديهم فرحون } فرح بمذهبه مسرور يحسب باطله حقا. ### || [30.33-37] # { وإذا مس الناس ضر } شدة من هزال أو مرض أو قحط أو غير ذلك ~~{ دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم ~~منه رحمة } أي خلاصا من الشدة { إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون } في العبادة { ليكفروا } هذه لام كي. ~~وقيل: لام الأمر للوعيد { بمآ آتيناهم } من النعم { فتمتعوا } ~~بكفركم قليلا أمر وعيد { فسوف تعلمون } وبال تمتعكم { أم ~~أنزلنا عليهم سلطنا } حجة { فهو يتكلم } وتكلمه ~~مجاز كما تقول «كتابه ناطق بكذا» وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الشهادة ~~كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته { بما كانوا به يشركون } ~~«ما» مصدرية أي بكونهم بالله يشركون، أو موصولة ويرجع الضمير إليها أي ~~فهو يتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون، أو معنى الآية أم أنزلنا عليهم ذا ~~سلطان أي ملكا معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون { ~~وإذا أذقنا الناس رحمة } أي نعمة من مطر أوسعة أوصحة { ~~فرحوا بها } بطروا بسببها { وإن تصبهم سيئة } أي بلاء ~~من جدب أو ضيق أو مرض { بما قدمت أيديهم } بسبب شؤم معاصيهم ~~{ إذا هم يقنطون } من الرحمة و { إذا } لمفاجأة جواب الشرط نابت ~~عن الفاء لتآخيهما في التعقيب. # { أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر إن فى ذلك لايت لقوم يؤمنون } أنكر عليهم ~~بأنهم قد علموا بأنه القابض الباسط فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا ~~يرجعون إليه تائبين عن المعاصي التي عوقبوا بالشدة من أجلها حتى يعيد ~~إليهم رحمته! ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما ~~يجب أن يفعل وما يجب أن يترك فقال ms1086 ### || [30.38-39] # { فئآت ذا القربى } أعط قريبك { حقه } من البر والصلة { ~~والمسكين وابن السبيل } نصيبهما من الصدقة المسماة لهما، ~~وفيه دليل وجوب النفقة للمحارم كما هو مذهبنا { ذلك } أي إيتاء حقوقهم ~~{ خير للذين يريدون وجه الله } أي ذاته أي يقصدون ~~بمعروفهم أياه خالصا { وأولئك هم المفلحون وما ~~ءاتيتم من ربا ليربوا فى أموال الناس } يريد وما ~~أعطيتم أكلة الربا من ربا ليربوا في أموالهم { فلا يربوا عند ~~الله } فلا يزكوا عند الله ولا يبارك فيه. وقيل: هو من الربا الحلال ~~أي وما تعطونه من الهدية لتأخذوا أكثر منها فلا يربوا عند الله لأنكم لم ~~تريدوا بذلك وجه الله { وما ءاتيتم من زكوة } صدقة { ~~تريدون وجه الله } تبتغون به وجهه خالصا لا تطلبون به مكافأة ~~ولا رياء ولا سمعة { فأولئك هم المضعفون } ذوو الإضعاف من ~~الحسنات ونظير المضعف المقوى والموسر لذي القوة واليسار. { أتيتم من ربا ~~} بلامد: مكي أي وما غشيتموه من إعطاء ربا { لتربوا } مدني أي لتزيدوا في ~~أموالهم. وقوله { فأولئك هم المضعفون } التفات حسن لأنه يفيد التعميم ~~كأنه قيل: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين. والمعنى المضعفون به لأنه ~~لا بد له من ضمير يرجع إلى «ما» الموصولة. وقال الزجاج: في قوله { فأولئك ~~هم المضعفون } أي فأهلها هم المضعفون أي هم الذي يضاعف لهم الثواب يعطون ~~بالحسنة عشر أمثالها. # ثم أشار إلى عجز آلهتهم فقال ### || [30.40-43] # { الله الذى خلقكم } مبتدأ وخبر { ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم } أي: هو المختص بالخلق والرزق والإماتة ~~والإحياء { هل من شركائكم } أي: أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء ~~لله { من يفعل من ذلكم } أي: من الخلق والرزق والإماتة ~~والإحياء { من شىء } أي: شيئا من تلك الأفعال فلم يجيبوا عجزا فقال ~~استبعادا: { سبحانه وتعالى عما يشركون } و «من» ~~الأولى الثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم ~~وتجهيل عبدتهم. # { ظهر الفساد فى البر والبحر } نحو القحط وقلة الأمطار ~~والريع في الزراعات والربح في التجارات ووقوع الموتان في الناس والدواب ~~وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من ms1087 كل شيء { بما كسبت أيدى ~~الناس } بسبب معاصيهم وشركهم كقوله: # وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] { ليذيقهم بعض الذى عملوا } أي: ليذيقهم ~~وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة وبالنون عن ~~قنبل { لعلهم يرجعون } عما هم عليه من المعاصي ثم أكد تسبيب ~~المعاصي لغضب الله ونكاله بقوله: { قل سيروا فى الأرض ~~فانظروا كيف كان عقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين } حيث أمرهم بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله ~~الأمم وأذاقهم سوء العاقبة بمعصايهم. # { فأقم وجهك للدين القيم } البليغ الاستقامة الذي لا ~~يتأتى فيه عوج { من قبل أن يأتى يوم لا مرد له } هو ~~مصدر بمعنى الرد { من الله } يتعلق بيأتي، والمعنى: من قبل أن يأتي ~~من الله يوم لا يرده أحد كقوله تعالى: # فلا يستطيعون ردها # [الأنبياء: 40] أو بمرد على معنى لا يرده هو بعد أن يجيء به ولا رد له ~~من جهته { يومئذ يصدعون } يتصدعون أي: يتفرقون ثم أشار إلى ~~غناه عنهم. ### || [30.44-46] # { من كفر فعليه كفره } أي وبال كفره { ومن عمل ~~صلحا فلأنفسهم يمهدون } أي يسوون لأنفسهم ما يسويه ~~لنفسه الذي يمهد لنفسه فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه ~~مرقده من نتوء وغيره، والمعنى أنه يمهد لهم الجنة بسبب أعمالهم فأضيف ~~إليهم. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا ~~على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه. ~~ليجزى متعلق ب { يمهدون } تعليل له وتكرير { الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحات } وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح ~~عنده إلا المؤمن { من فضله } أي عطائه. وقوله { إنه لا يحب ~~الكفرين } تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس { ومن ءايته ~~} أي ومن آيات قدرته { أن يرسل الريح } هي الجنوب والشمال ~~والصبا وهي رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب ومنه قوله عليه السلام # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # وقد عدد الفوائد في إرسالها فقال { مبشرت } أي أرسلها للبشارة ~~بالغيث { وليذيقكم من رحمته } ولإذاقة الرحمة ms1088 وهي نزول ~~المطر وحصول الخصب الذي يتبعه والروح الذي مع هبوب الريح وزكاء الأرض ~~وغير ذلك. { وليذيقكم } معطوف على { مبشرات } على المعنى كأنه قيل: ~~ليبشركم وليذيقكم { ولتجرى الفلك } في البحر عند هبوبها { ~~بأمره } أي بتدبيره أو بتكوينه كقوله # إنما أمره إذا أراد شيئا # [يس:82] الآية. { ولتبتغوا من فضله } يريد تجارة البحر { ~~ولعلكم تشكرون } ولتشكروا نعمة الله فيها. ### || [30.47-50] # { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاءوهم بالبينت } أي فآمن بهم قوم وكفر بهم قوم، ويدل على ~~هذا الإضمار قوله { فانتقمنا من الذين أجرموا } أي كفروا ~~بالإهلاك في الدنيا { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } ~~أي وكان نصر المؤمنين حقا علينا بإنجائهم مع الرسل. وقد يوقف على { حقا ~~} ومعناه وكان الانتقام منهم حقا ثم يبدأ { علينا نصر المؤمنين } والأول ~~أصح { الله الذى يرسل الريح } { الريح } مكي { فتثير ~~سحابا فيبسطه } أي السحاب { فى السماء } أي في سمت السماء ~~وشقها كقوله # وفرعها فى السماء # [إبراهيم: 24] { كيف يشاء } من ناحية الشمال أو الجنوب أو الدبور ~~أو الصبا { ويجعله كسفا } قطعا جمع كسفة أي يجعله منبسطا يأخذ ~~وجه السماء مرة ويجعله قطعا متفرقة غير منبسطة مرة. { كسفا } يزيد وابن ~~ذكوان { فترى الودق } المطر { يخرج } في التارتين جميعا { ~~من خلاله } وسطه { فإذا أصاب به } بالودق { من يشاء ~~من عباده } يريد إصابة بلادهم وأراضيهم { إذا هم ~~يستبشرون } يفرحون. # { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من ~~قبله } كرر للتأكيد كقوله: # فكان عقبتهما أنهما فى النار خلدين فيها # [الحشر: 17] ومعنى التوكيد فيها الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول ~~فاستحكم بأسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك { لمبلسين } ~~آيسين { فانظر إلى ءاثر } شامي وكوفي غير أبي بكر. وغيرهم { ~~أثر } { رحمة الله } أي المطر { كيف يحيى الأرض } ~~بالنبات وأنواع الثمار { بعد موتها إن ذلك } أي الله { ~~لمحيي الموتى } يعني أن ذلك القادر الذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي ~~يحيي الناس بعد موتهم، فهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات { ~~وهو على كل شىء قدير } أي وهو على كل ms1089 شيء من المقدورات قادر ~~وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء. ### || [30.51-53] # { ولئن أرسلنا ريحا } أي الدبور { فرأوه } أي أثر رحمة ~~الله لأن رحمة الله هي الغيث وأثرها النبات. ومن قرأ بالجمع رجع الضمير ~~إلى معناه لأن معنى آثار الرحمة النبات واسم النبات يقع على القليل ~~والكثير لأنه مصدر سمي به ما ينبت { مصفرا } بعد إخضراره. وقال { ~~مصفرا } لأن تلك صفرة حادثة. وقيل: فرأوا السحاب مصفرا لأن السحاب ~~الأصفر لا يمطر. واللام في { لئن } موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، وسد ~~مسد جوابي القسم والشرط { لظلوا } ومعناه ليظلن { من بعده ~~يكفرون } أي من بعد اصفراره أو من بعد الاستبشار، ذمهم الله تعالى ~~بأنه إذا حبس عنهم المطر قنطوا من رحمته وضربوا أذقانهم على صدورهم ~~مبلسين، فإذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر استبشروا، فإذا أرسل ريحا فضرب ~~زروعهم بالصفار ضجوا وكفروا بنعمة الله فهم في جميع هذه الأحوال على ~~الصفة المذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله فقنطوا، وأن ~~يشكروا نعمته ويحمدوه عليها ففرحوا، وأن يصبروا على بلائه فكفروا. { ~~فإنك لا تسمع الموتى } أي موتى القلوب أو هؤلاء في حكم ~~الموتى فلا تطمع أن يقبلوا منك { ولا تسمع الصم الدعاء } { ~~ولا يسمع الصم } مكي { إذا ولوا مدبرين } فإن قلت: الأصم لا ~~يسمع مقبلا أو مدبرا، فما فائدة هذا التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مقبلا ~~يفهم بالرمز بالإشارة فإذا ولى لا يسمع ولا يفهم بالإشارة { وما أنت ~~بهاد العمى } أي عمى القلوب، { وما أنت تهدى العمي } حمزة { عن ~~ضللتهم } أي لا يمكنك أن تهدي الأعمى إلى طريق قد ضل عنه بإشارة ~~منك له إليه { إن تسمع } ما تسمع { إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون } منقادون لأوامر الله تعالى. ### || [30.54-56] # { الله الذى خلقكم من ضعف } من النطف كقوله # من ماء مهين # [المرسلات: 20] { ثم جعل من بعد ضعف قوة } يعني حال ~~الشباب وبلوغ الأشد { ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة } يعني حال الشيخوخة والهرم { يخلق ما يشاء } من ضعف ~~وقوة وشباب وشيبة { وهو العليم ms1090 } بأحوالهم { القدير } على ~~تغييرهم وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير. ~~فتح الضاد في الكل: عاصم وحمزة، وضم غيرهما وهو اختيار حفص، وهما لغتان ~~والضم أقوى في القراءة لما روي عن ابن عمر قال: قرأتها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { من ضعف } فأقرأني # من ضعف # { ويوم تقوم الساعة } أي القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في ~~آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة كما تقول في ساعة لمن ~~تستعجله وجرت علما لها كالنجم للثريا { يقسم المجرمون } يحلف ~~الكافرون، ولا وقف عليه لأن { ما لبثوا } في القبور أو في الدنيا { ~~غير ساعة } جواب القسم استقلوا مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا ~~لهول يوم القيامة وطول مقامهم في شدائدها أو ينسون أو يكذبون { كذلك ~~كانوا يؤفكون } أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق إلى ~~الكذب في الدنيا ويقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. # { وقال الذين أوتوا العلم والإيمن } هم الأنبياء ~~والملائكة والمؤمنون { لقد لبثتم فى كتب الله } في علم ~~الله المثبت في اللوح أو في حكم الله وقضائه { إلى يوم البعث } ~~ردوا ما قالوه وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم ~~على إنكار البعث بقولهم { فهذا يوم البعث ولكنكم ~~كنتم } في الدنيا { لا تعلمون } أنه حق لتفريطكم في طلب الحق ~~واتباعه. والفاء لجواب شرط يدل عليه الكلام تقديره: إن كنتم منكرين البعث ~~فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه ### || [30.57-60] # { فيومئذ لا ينفع } بالياء: كوفي { الذين ظلموا } ~~كفروا { معذرتهم } عذرهم { ولا هم يستعتبون } أي لا ~~يقال لهم أرضوا ربكم بتوبة من قولك «استعتبني فلان فأعتبته» أي استرضاني ~~فأرضيته { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان من ~~كل مثل ولئن جئتهم بئاية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون } أي ولقد وصفنا لهم كل صفة ~~كأنها مثل في غرابتها وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كصفة المبعوثين ~~يوم القيامة وقصتهم وما يقولون وما يقال لهم وما لا ينفع من اعتذارهم ولا ~~يسمع من ms1091 استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم إذا جئتهم بآية من آيات القرآن ~~قالوا جئتنا بزور باطل { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الذين لا يعلمون } أي مثل ذلك الطبع وهو الختم يطبع الله ~~على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال حتى يسموا المحقين ~~مبطلين وهم أعرق خلق الله في تلك الصفة { فاصبر } على أذاهم أو ~~عداوتهم { إن وعد الله } بنصرتك على أعدائك وإظهار دين الإسلام ~~على كل دين { حق } لا بد من إنجازه والوفاء به { ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون } أي لا يحملنك هؤلاء الذين ~~لا يوقنون بالآخرة على الخفة والعجلة في الدعاء عليهم بالعذاب، أو لا ~~يحملنك على الخفة والقلق جزعا مما يقولون ويفعلون فإنهم ضلال شاكون لا ~~يستبدع منهم ذلك { ولا يستخفنك } بسكون النون عن يعقوب، والله الموفق ~~للصواب. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-4] # مكية وهي ثلاث أو أربع وثلاثون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { آلم تلك ءايت الكتب الحكيم } ذي الحكمة أو وصف بصفة ~~الله عز وجل على الإسناد المجازي { هدى ورحمة } حالان من الآيات ~~والعامل معنى الإشارة في { تلك } حمزة بالرفع على أن { تلك } مبتدأ و { ~~آيات الكتاب } خبره و { هدى } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أو ~~هي هدى ورحمة { للمحسنين } للذين يعملون الحسنات المذكورة في قوله ~~{ الدين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم ~~بالآخرة هم يوقنون } ونظيره قول أوس # الألمعي الذي يظن بك ال # ظن كأن قد رأى وقد سمعا # أو للذين يعملون جميع ما يحسن. ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاثة لفضلها ### || [31.5-6] # { أولئك على هدى } مبتدأ وخبر { من ربهم } صفة ل { ~~هدى } { وأولئك هم المفلحون } عطف عليه { ومن ~~الناس من يشترى لهو الحديث } نزلت في النضر بن الحرث وكان ~~يشتري أخبار الأكاسرة من فارس ويقول: إن محمدا يقص طرفا من قصة عاد ~~وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث الأكاسرة فيميلون إلى حديثه ويتركون استماع ~~القرآن. واللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعني ولهو الحديث نحو السمر ~~بالأساطير التي لا أصل لها والغناء وكان ms1092 ابن مسعود وابن عباس رضي الله ~~عنهما يحلفان أنه الغناء. وقيل: الغناء مفسدة للقلب منفدة للمال مسخطة ~~للرب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على ~~هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون ~~هو الذي يسكت " # والاشتراء من الشراء كما روي عن النضر، أو من قوله # اشتروا الكفر بالإيمان # أي استبدلوه منه واختاروه عليه أي يختارون حديث الباطل على حديث الحق. ~~وإضافة اللهو إلى الحديث للتبيين بمعنى «من»، لأن اللهو يكون من الحديث ~~ومن غيره فبين بالحديث والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث # " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " # أو للتبعيض كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه. # { ليضل } أي ليصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن، { ~~ليضل } مكي وأبو عمرو أي ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ويزيد فيه { عن ~~سبيل الله } عن دين الإسلام والقرآن { بغير علم } أي جهلا ~~منه بما عليه من الوزر به { ويتخذها } أي السبيل بالنصب كوفي غير ~~أبي بكر عطفا على { ليضل } ومن رفع عطفه على { يشتري } { هزوا } ~~بسكون الزاي والهمزة: حمزة، وبضم الزاي بلا همز: حفص، وغيرهم بضم الزاي ~~والهمزة { أولئك لهم عذاب مهين } أي يهينهم و «من» ~~لإبهامه يقع على الواحد والجمع أي النضر وأمثاله ### || [31.7-11] # { وإذا تتلى عليه ءايتنا ولى مستكبرا } أعرض ~~عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء إلى القرآن { كأن لم ~~يسمعها } يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو حال من { مستكبرا } ~~والأصل كأنه والضمير ضمير الشأن { كأن فى أذنيه وقرا } ~~ثقلا وهو حال من { لم يسمعها } { أذنيه }: نافع { فبشره بعذاب ~~أليم إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~جنت النعيم } ولا وقف عليه لأن { خلدين فيها } حال من ~~الضمير في { لهم } { وعد الله حقا } مصدران مؤكدان الأول مؤكد ~~لنفسه والثاني مؤكد لغيره إذ لهم جنات النعيم في معنى وعدهم الله ms1093 جنات ~~النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد، و { حقا } يدل على معنى الثبات فأكد به ~~معنى الوعد ومؤكدهما { لهم جنات النعيم } { وهو العزيز } الذي لا ~~يغلبه شيء فيهين أعداءه بالعذاب المهين { الحكيم } بما يفعل فيثيب ~~أولياءه بالنعيم المقيم. # { خلق السموت بغير عمد } جمع عماد { ترونها } ~~الضمير للسماوات وهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودة على قوله { بغير عمد ~~} كما تقول لصاحبك «أنا بلا سيف ولا رمح تراني»، ولا محل لها من الأعراب ~~لأنها مستأنفة أو في محل الجرصفة ل { عمد } أي بغير عمد مرئية يعني أنه ~~عمدها بعمد لا ترى وهي إمساكها بقدرته { وألقى فى الأرض ~~رواسى } جبالا ثوابت { أن تميد بكم } لئلا تضطرب بكم { ~~وبث } ونشر { فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ~~ماء فأنبتنا فيها من كل زوج } صنف { كريم } حسن { ~~هذا } إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته { خلق الله } أي مخلوقه { ~~فأرونى ماذا خلق الذين من دونه } يعني آلهتهم بكتهم ~~بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله، فأروني ما خلقته الهتكم حتى ~~استوجبوا عندكم العبادة { بل الظلمون فى ضلل مبين } ~~أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال. ### || [31.12-13] # { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } وهو لقمان ابن باعوراء ~~ابن أخت أيوب أو ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك ~~داود عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام، ~~فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟ وقيل: كان ~~خياطا. وقيل نجارا وقيل راعيا وقيل، كان قاضيا في بني إسرائيل. وقال ~~عكرمة والشعبي: كان نبيا. والجمهور على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا. ~~وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة وهي الإصابة في القول ~~والعمل. وقيل: تتلمذ لألف وتتلمذ له ألف نبي. و «أن» في { أن اشكر ~~لله } مفسرة والمعنى أي اشكر الله لأن إيتاء الحكمة في معنى القول، ~~وقد نبه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما ~~وعبادة الله والشكر له ms1094 حيث فسر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر. وقيل: لا ~~يكون الرجل حكيما حتى يكون حكيما في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته، وقال ~~السري السقطي: الشكر أن لا تعصي الله بنعمه. وقال الجنيد: أن لا ترى معه ~~شريكا في نعمه. وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشكر. والحاصل أن شكر القلب ~~المعرفة، وشكر اللسان الحمد، وشكر الأركان الطاعة، ورؤية العجز في الكل ~~دليل قبول الكل. { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } لأن ~~منفعته تعود إليه فهو يريد المزيد { ومن كفر } النعمة { فإن ~~الله غنى } غير محتاج إلى الشكر { حميد } حقيق بأن يحمد وإن لم ~~يحمده أحد { وإذ } أي واذكر إذ { قال لقمان لابنه } أنعم ~~أواشكم { وهو يعظه يبنى } بالإسكان مكي { يا بني } حفص بفتحه ~~في كل القرآن { لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ~~} لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلا. ### || [31.14-15] # { ووصينا الإنسن بولديه حملته أمه وهنا ~~على وهن } أي حملته تهن وهنا على وهن أي تضعف ضعفا فوق ضعف أي ~~يتزايد ضعفها ويتضاعف لأن الحمل كلما ازداد أو عظم ازدادت ثقلا وضعفا { ~~وفصاله فى عامين } أي فطامه عن الرضاع لتمام عامين { أن ~~اشكر لى ولولديك } هو تفسير ل { وصينا } أي وصيناه بشكرنا ~~وبشكر والديه. وقوله { حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين } اعتراض ~~بين المفسر والمفسر لأنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه ~~من المشاق في حمله وفصاله هذه المدة الطويلة تذكيرا «بحقها العظيم ~~مفردا». وعن ابن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا ~~للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكرهما { إلى المصير } أي ~~مصيرك إلي وحسابك علي { وإن جهداك على أن تشرك بى ما ~~ليس لك به علم } أراد بنفي العلم به نفيه أي لا تشرك بي ما ليس ~~بشيء يريد الأصنام { فلا تطعهما } في الشرك { وصحبهما فى ~~الدنيا معروفا } صفة مصدر محذوف أي صحابا معروفا حسنا بخلق ~~جميل وحلم واحتمال وبر وصلة { واتبع سبيل من أناب إلى ms1095 } ~~أي سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه وإن كنت مأمورا بحسن ~~مصاحبتهما في الدنيا. وقال ابن عطاء: صاحب من ترى عليه أنوار خدمتي. { ~~ثم إلي مرجعكم } أي مرجعك ومرجعهما { فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون } فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما. وقد ~~اعترض بهاتين الآيتين على سبيل الاستطراد تأكيدا لما في وصية لقمان من ~~النهي عن الشرك يعني إنا وصيناه بوالديه وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك ~~وإن جهدا كل الجهد لقبحه. ### || [31.16-18] # { يبنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل } ~~بالرفع: مدني، والضمير للقصة وأنت المثقال لإضافته إلى الحبة كما قال: # كما شرقت صدر القناة من الدم # و«كان» تامة والباقون بالنصب والضمير للهنة من الإساءة والإحسان أي إن ~~كانت مثلا في الصغر كحبة خردل { فتكن فى صخرة أو فى ~~السموت أو فى الأرض } أي فكانت مع صغرها في أخفى موضع ~~وأحرزه كجوف الصخرة، أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي والأكثر على ~~أنها التي عليها الأرض وهي السجين يكتب فيها أعمال الفجار وليست من الأرض ~~{ يأت بها الله } يوم القيامة فيحاسب بها عاملها { إن الله ~~لطيف } بتوصل علمه إلى كل خفي { خبير } عالم بكنهه أو لطيف ~~باستخراجها خبير بمستقرها { يبنى أقم الصلوة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~} في ذات الله تعالى إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، أو على ما أصابك ~~من المحن فإنها تورث المنح { إن ذلك } الذي وصيتك به { من عزم ~~الأمور } أي مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام أي أمر ~~به أمرا حتما، وهو من تسمية المفعول بالمصدر وأصله من معزومات الأمور ~~أي مقطوعاتها ومفروضاتها، وهذا دليل على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها ~~في سائر الأمم. # { ولا تصعر خدك للناس } أي ولا تعرض عنهم تكبرا. { تصاعر ~~} أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي، وهو بمعنى تصعر، والصعر داء يصيب البعير ~~يلوي منه عنقه والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا ولا تولهم شق وجهك ~~وصفحته كما يفعله المتكبرون { ولا ms1096 تمش فى الأرض مرحا } أي ~~تمرح مرحا، أو أوقع المصدر موقع الحال أي مرحا، أو ولا تمش لأجل المرح ~~والأشر { إن الله لا يحب كل مختال } متكبر { فخور } ~~من يعدد مناقبه تطاولا ### || [31.19-20] # { واقصد } القصد التوسط بين العلو والتقصير { فى مشيك } أي ~~اعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثوب ~~الشطار. قال عليه السلام # " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " # وأما قول عائشة في عمر رضي الله عنه: كان إذا مشى أسرع، فإنما أرادت ~~السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ~~ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشيا بين ذلك. وقيل: معناه ~~وانظر موضع قدميك متواضعا { واغضض من صوتك } وانقص منه أي اخفض ~~صوتك { إن أنكر الأصوت } أي أوحشها { لصوت الحمير } ~~لأن أوله زفير وآخره شهيق كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح ~~إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان ولذلك سماه الله منكرا. وفي تشبيه ~~الرافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن أرفع ~~الصوت في غاية الكراهة يؤيده ما روي أنه عليه السلام كان يعجبه أن يكون ~~الرجل خفيض الصوت ويكره أن يكون مجهور الصوت. وإنما وحد صوت الحمير ولم ~~يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من احاد هذا الجنس حتى يجمع، بل ~~المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا ~~الجنس فوجب توحيده. # { ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السموت ~~} يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك { وما فى الأرض } ~~يعني البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ذلك { وأسبغ } وأتم { ~~عليكم نعمه } مدني وأبو عمرو وسهل وحفص. { نعمة } غيرهم والنعمة ~~كل نفع قصد به الإحسان { ظهرة } بالمشاهدة { وباطنة } ما لا ~~يعلم إلا بدليل ثم قيل: الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح ~~الظاهرة، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك. ويروى في دعاء موسى ~~عليه السلام: إلهي دلني على أخفى نعمتك على عبادك فقال: أخفى ms1097 نعمتي عليهم ~~النفس. وقيل: تخفيف الشرائع وتضعيف الذرائع والخلق ونيل العطايا وصرف ~~البلايا وقبول الخلق ورضا الرب. وقال ابن عباس: الظاهرة ما سوى من خلقك ~~والباطنة ما ستر من عيوبك. { ومن الناس من يجدل فى الله ~~بغير علم ولا هدى ولا كتب منير } نزلت في النضر بن ~~الحرث وقد مر في «الحج» ### || [31.21-23] # { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا أولو كان ~~الشيطن يدعوهم إلى عذاب السعير } معناه أيتبعونهم ~~ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. # { ومن يسلم وجهه إلى الله } عدي هنا ب «إلى»، وفي # بلى من أسلم وجهه لله # [البقرة:112] باللام فمعناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه ~~سالما لله أي خالصا له، ومعناه مع «إلى» أنه سلم إليه نفسه كما يسلم ~~المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه والمراد التوكل عليه والتفويض إليه { ~~وهو محسن } فيما يعمل { فقد استمسك } تمسك وتعلق { ~~بالعروة } هي ما يعلق به الشيء { الوثقى } تأنيث الأوثق مثل ~~حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك ~~بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه { وإلى الله عقبة ~~الأمور } أي هي صائرة إليه فيجازي عليها { ومن كفر } ولم يسلم ~~وجهه لله { فلا يحزنك كفره } من حزن، { يحزنك } نافع من أحزن ~~أي لا يهمنك كفر من كفر { إلينا مرجعهم فننبئهم بما ~~عملوا } فنعاقبهم على أعمالهم { إن الله عليم بذات ~~الصدور } إن الله يعلم ما في صدور عباده فيفعل بهم على حسبه ### || [31.24-27] # { نمتعهم } زمانا { قليلا } بدنياهم { ثم نضطرهم } ~~نلجئهم { إلى عذاب غليظ } شديد شبه إلزامهم التعذيب وإرهاقهم ~~إياه باضطرار المضطر إلى الشيء، والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة ~~والمراد، الشدة والثقل على المعذب } ولئن سألتهم من خلق ~~السموت والأرض ليقولن الله قل الحمد لله } ~~إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، وأنه ~~يجب أن يكون له الحمد والشكر وأن لا يعبد معه غيره. ثم قال ms1098 { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أن ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم ~~يتنبهوا { لله ما فى السموت والأرض إن الله هو ~~الغنى } عن حمد الحامدين { الحميد } المستحق للحمد وإن لم ~~يحمدوه. # قال المشركون: إن هذا أي الوحي كلام سينفذ فأعلم الله أن كلامه لا ~~ينفذ بقوله { ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمت الله } والبحر بالنصب أبو عمرو ويعقوب عطفا على اسم «أن» ~~وهو «ما»، والرفع على محل «أن» ومعمولها أي ولو ثبت كون الأشجار أقلاما ~~وثبت البحر ممدودا بسبعة أبحر، أو على الابتداء والواو للحال على معنى: ~~ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدودا وقرىء يمده وكان ~~مقتضى الكلام أن يقال: ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد، لكن أغنى عن ذكر ~~المداد قوله { يمده } لأنه من قولك «مد الدواة وأمدها» جعل البحر الأعظم ~~بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا فهي تصب فيه مدادها ~~أبدا صبا لا ينقطع. والمعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود ~~بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته ~~وتفدت الأقلام والمداد كقوله: # قل لو كان البحر مدادا لكلمت ربى لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمت ربى # [الكهف:109] فإن قلت: زعمت أن قوله { والبحر يمده } حال في أحد وجهي ~~الرفع وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال. قلت: هو كقولك «جئت والجيش مصطف» ~~وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف. وإنما ذكر شجرة على ~~التوحيد لأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس ~~الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما، وأوثر الكلمات وهي جمع قلة على ~~الكلم وهي جمع كثرة لأن معناه أن كلمات لا تفي بكتبتهاالبحار فكيف بكلمه ~~{ أن الله عزيز } لا يعجزه شيء { حكيم } لا يخرج من علمه ~~وحكمته شيء فلا تنفد كلماته وحكمه ### || [31.28-30] # { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة } إلا ~~كخلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة فحذف للعلم به ms1099 أي سواء في قدرته القليل ~~والكثير فلا يشغله شأن عن شأن { إن الله سميع } لقول المشركين ~~إنه لا بعث { بصير } بأعمالهم فيجازيهم. # { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار } يدخل ~~ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل الليل { ويولج النهار فى ~~اليل وسخر الشمس والقمر } لمنافع العباد { كل } أي ~~كل واحد من الشمس والقمر { يجرى } في فلكه ويقطعه { إلى أجل ~~مسمى } إلى يوم القيامة أو إلى وقت معلوم الشمس إلى آخر السنة ~~والقمر إلى آخر الشهر { وأن الله بما تعملون خبير } ~~وبالياء: عياش. دل أيضا بتعاقب الليل والنهار وزيادتهما ونقصانهما وجرى ~~النيرين في فلكيهما على تقدير وحساب وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم ~~قدرته وكمال حكمته { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما ~~يدعون } بالياء: عراقي غير أبي بكر { من دونه البطل ~~وأن الله هو العلى الكبير } أي ذلك الوصف الذي وصف به ~~من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف ~~بالجماد الذي يدعونه من دون الله! إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت ~~الإلهية وأن من دونه باطل الإلهية وأنه هو العلي الشأن الكبير السلطان. ### || [31.31-33] # { ألم تر أن الفلك } وقريء { الفلك } وكل فعل يجوز ~~فيه فعل كما يجوز في كل فعل فعل { تجرى في البحر بنعمت الله } ~~بإحسانه ورحمته أو بالريح لأن الريح من نعم الله { ليريكم من ~~ءايته } عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموها { إن فى ذلك ~~لآيت لكل صبار } على بلائه { شكور } لنعمائه، وهما صفتا ~~المؤمن فالإيمان نصفان: نصفه شكر ونصفه صبر فكأنه قال: إن في ذلك لآيات ~~لكل مؤمن. # { وإذا غشيهم } أي الكفار { موج كالظلل } الموج يرتفع ~~فيعود مثل الظلل والظلة كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرهما { دعوا ~~الله مخلصين له الدين فلما نجهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد } أي باق على الإيمان والإخلاص الذي كان منه ولم ~~يعد إلى الكفر، أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر يعني أن ذلك ~~الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى ms1100 لأحد قط والمقتصد قليل نادر { وما ~~يجحد بئايتنا } أي بحقيقتها { إلا كل ختار } غدار ~~والختر أقبح الغدر { كفور } لربه { يأيها الناس اتقوا ~~ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده } لا ~~يقضي عنه شيئا والمعنى لا يجزيء فيه فحذف { ولا مولود هو جاز ~~عن والده شيئا } وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو ~~معطوف عليه لأن الجملة الاسمية آكد من الجملة الفعلية وقد انضم إلى ذلك ~~قوله { هو } وقوله { مولود } والسبب في ذلك أن الخطاب للمؤمنين وعليتهم ~~قبض آباؤهم على الكفر فأريد حسم أطماعهم أن ينفعوا آباءهم بالشفاعة في ~~الآخرة. ومعنى التأكيد لفظ المولود أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى ~~الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلا أن يشفع لأجداده إذ الولد يقع على ~~الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك كذا في الكشاف { إن ~~وعد الله } بالبعث والحساب والجزاء { حق فلا تغرنكم ~~الحيوة الدنيا } بزينتها فإن نعمتها دانية ولذتها فانية { ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } الشيطان أو الدنيا أو الأمل. ### || [31.34] # { إن الله عنده علم الساعة } أي وقت قيامها { ~~وينزل } بالتشديد: شامي ومدني وعاصم، وهو عطف على ما يقتضيه الظرف ~~من الفعل تقديره: إن الله يثبت عنده علم الساعة وينزل { الغيث } في ~~إبانه من غير تقديم ولا تأخير { ويعلم ما في وأولو الأرحام ~~} أذكر أم أنثى وتام أم ناقص { وما تدرى نفس } برة أو فاجرة { ~~ماذا تكسب غدا } من خير أو شر وربما كانت عازمة على خير فعملت ~~شرا وعازمة على شر فعملت خيرا { وما تدرى نفس بأى أرض ~~تموت } أي أين تموت؟ وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت لا أبرحها ~~فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها. روي أن ملك ~~الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه فقال الرجل: من هذا؟ ~~فقال له: ملك الموت. قال: كأنه يريدني وسأل سليمان عليه السلام أن يحمله ~~على الريح ويلقيه ببلاد الهند ففعل ثم قال ملك الموت لسليمان: كان ms1101 دوام ~~نظري إليه تعجبا منه لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. وجعل ~~العلم لله والدارية للعبيد لما في الدارية من معنى الختل والحيلة، ~~والمعنى أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها ما يختص بها ولا شيء أخص بالإنسان ~~من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان معرفة ماعداهما ~~أبعد وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث والموت فإنه يقول بالقياس والنظر ~~في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا على أنه مجرد الظن والظن غير ~~العلم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " مفاتح الغيب خمس " # وتلا هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من ادعى علم هذه الخمسة ~~فقد كذب. ورأى المنصور في منامه صورة ملك الموت وسأله عن مدة عمره فأشار ~~بأصابعه الخمس فعبرها المعبرون بخمس سنوات وبخمسة أشهر وبخمسة أيام فقال ~~أبو حنيفة رضي الله عنه: هو إشارة إلى هذه الآية، فإن هذه العلوم الخمسة ~~لا يعلمها إلا الله { إن الله عليم } بالغيوب { خبير } بما ~~كان ويكون. وعن الزهري رضي الله تعالى عنه: أكثروا قراءة سورة لقمان فإن ~~فيها أعاجيب والله أعلم. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-17] # مكية وهي ثلاثون آية مدني وكوفي، وتسع وعشرون آية بصري # بسم الله الرحمن الرحيم # { الم } على أنها اسم السورة مبتدأ وخبره { تنزيل الكتاب } وإن جعلتها ~~تعديدا للحروف ارتفع { تنزيل } بأنه خبر مبتدأ محذوف أو هو مبتدأ خبره { ~~لا ريب فيه } أو يرتفع بالابتداء وخبره { من رب العالمين } و { لا ريب ~~فيه } اعتراض لا محل له، والضمير في { فيه } راجع إلى مضمون الجملة كأنه ~~قيل: لا ريب في ذلك أي في كونه منزلا من رب العالمين لأنه معجز للبشر ~~ومثله أبعد شيء من الريب. ثم أضرب عن ذلك إلى قوله { أم يقولون افتراه } ~~أي اختلقه محمد لأن «أم» هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة معناه بل ~~أيقولون افتراه إنكارا لقولهم وتعجيبا منهم لظهور أمره في عجز بلغائهم ~~عن مثل ثلاث آيات منه { بل هو الحق } ثم أضرب عن الإنكار ms1102 إلى إثبات أنه ~~الحق { من ربك } ولم يفتره محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوا تعنتا ~~وجهلا { لتنذر قوما } أي العرب { ما أتاهم من نذير من قبلك } «ما» ~~للنفي والجملة صفة ل { قوما } { لعلهم يهتدون } على الترجي من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما كان لعله يتذكر على الترجي من موسى وهارون. # { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش } استولى عليه بإحداثه { ما لكم من دونه } من دون الله { من ~~ولي ولا شفيع } أي إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا أي ناصرا ~~ينصركم ولا شفيعا يشفع لكم { أفلا تتذكرون } تتعظون بمواعظ الله { ~~يدبر الأمر } أي أمر الدنيا { من السماء إلى الأرض } إلى أن تقوم ~~الساعة { ثم يعرج إليه } ذلك الأمر كله أي يصير إليه ليحكم فيه { في ~~يوم كان مقداره ألف سنة } وهو يوم القيامة { مما تعدون } من أيام ~~الدنيا ولا تمسك للمشبهة بقوله # إليه # في إثبات الجهة لأن معناه إلى حيث يرضاه أو أمره كما لا تشبث لهم بقوله: # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات: 99]. # إني مهاجر إلى ربي # [العنكبوت: 26]. # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله # [النساء: 100]. # { ذلك عالم الغيب والشهادة } أي الموصوف بما مر عالم ما غاب عن الخلق ~~وما شاهدوه { العزيز } الغالب أمره { الرحيم } البالغ لطفه وتيسيره. ~~وقيل: لا وقف عليه لأن { الذي } صفته { أحسن كل شيء } أي حسنه لأن كل ~~شيء مرتب على ما اقتضته الحكمة { خلقه } كوفي ونافع وسهل على الوصف أي كل ~~شيء خلقه فقد أحسن { خلقه } غيرهم على البدل أي أحسن خلق كل شيء { وبدأ ~~خلق الإنسان } آدم { من طين ثم جعل نسله } ذريته { من سلالة } من نطفة ~~{ من ماء } أي مني وهو بدل من { سلالة } { مهين } ضعيف حقير { ثم ~~سواه } قومه كقوله # في أحسن تقويم # [التين: 4] { ونفخ } أدخل { فيه من روحه } الإضافة للاختصاص كأنه قال: ~~ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبعلمه { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا { قليلا ms1103 ما تشكرون } أي تشكرون ~~قليلا. # { وقالوا } القائل أبي بن خلف ولرضاهم بقوله أسند إليهم { أءذا ضللنا ~~في الأرض } أي صرنا ترابا وذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما ~~يضل الماء في اللبن، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها. وقرأ علي { ضللنا } ~~بكسر اللام يقال: ضل يضل وضل يضل. وانتصب الظرف في { أإذا ضللنا } بما ~~يدل عليه { أءنا لفي خلق جديد } وهو نبعث { بل هم بلقاء ربهم كافرون ~~} جاحدون. لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ وهو أنهم كافرون ~~بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده { قل يتوفاكم ملك الموت الذي ~~وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } أي يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بقبض ~~أرواحكم ثم ترجعون إلى ربكم بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء وهذا معنى ~~لقاء الله. والتوفي استيفاء النفس وهي الروح أي يقبض أرواحكم أجمعين من ~~قولك «توفيت حقي من فلان» إذا أخذته وافيا كاملا من غير نقصان. وعن ~~مجاهد: حويت لملك الموت الأرض وجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. ~~وقيل: ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها والله تعالى ~~هو الآمر لذلك كله وهو الخالق لأفعال المخلوقات. وهذا وجه الجمع بين هذه ~~الآية وبين قوله # توفته رسلنا # [الأنعام: 61] وقوله # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]. # { ولو ترى } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد و«لو» ~~امتناعية والجواب محذوف أي لرأيت أمرا عظيما { إذ المجرمون } هم الذين ~~قالوا { أءذا ضللنا في الأرض } و«لو» و«إذ» للمضي وإنما جاز ذلك لأن ~~المترقب من الله بمنزلة الموجود ولا يقدر لترى ما يتناوله كأنه قيل: ولو ~~تكون منك الرؤية و«إذ» ظرف له { ناكسوا رؤوسهم } من الذل والحياء والندم ~~{ عند ربهم } عند حساب ربهم ويوقف عليه لحق الحذف إذ التقدير ويقولون { ~~ربنا أبصرنا } صدق وعدك وعيدك { وسمعنا } منك تصديق رسلنا أو كنا عميا ~~وصما فأبصرنا وسمعنا { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحا } أي الإيمان ~~والطاعة { إنا موقنون } بالبعث والحساب الآن { ولو شئنا لآتينا ms1104 كل نفس ~~هداها } في الدنيا أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو ~~كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم ~~اختيار الكفر وإيثاره، وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم شاء الله أن يعطي ~~كل نفس ما به اهتدت وقد أعطاها لكنها لم تهتد، وهم أولوا الآية بمشيئة ~~الجبر وهو تأويل فاسد لما عرف في تبصر الأدلة. # { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ولكن ~~وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ما يستوجبون به جهنم وهو ما علم ~~منهم أنهم يختارون الرد والتكذيب. وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنه ~~عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم. # { فذوقوا } العذاب { بما نسيتم لقاء } بما تركتم من عمل لقاء { يومكم ~~هذا } وهو الإيمان به { إنا نسيناكم } تركناكم في العذاب كالمنسي { ~~وذقوا عذاب الخلد } أي العذاب الدائم الذي لا انقطاع له { بما كنتم ~~تعملون } من الكفر والمعاصي. # { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها } أي وعظوا بها { خروا ~~سجدا } سجدوا لله تواضعا وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام { ~~وسبحوا بحمد ربهم } ونزهوا الله عما لا يليق به وأثنوا عليه حامدين له ~~{ وهم لا يستكبرون } عن الإيمان والسجود له { تتجافى } ترتفع وتنتحي { ~~جنوبهم عن المضاجع } عن الفرض ومضاجع النوم. قال سهل: وهب لقوم هبة وهو ~~أن أذن لهم في مناجاته وجعلهم من أهل وسيلته ثم مدحهم عليه فقال { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع } { يدعون } داعين { ربهم } عابدين له { خوفا ~~وطمعا } مفعول له أي لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته وهم المتهجدون. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها قيام العبد من الليل. وعن ابن ~~عطاء: أبت جنوبهم أن تسكن على بساط الغفلة وطلبت بساط القربة يعني صلاة ~~الليل. وعن أنس: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون من ~~صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الأخيرة فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون ~~صلاة العتمة لا ينامون عنها. ms1105 { ومما رزقناهم ينفقنون } في طاعة الله ~~تعالى { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم } «ما» بمعنى «الذي» { أخفي } على ~~حكاية النفس: حمزة ويعقوب { من قرة أعين } أي لا يعلم أحد ما أعد ~~لهؤلاء من الكرامة { جزاء } مصدر أي جوزوا جزاء { بما كانوا يعملون } عن ~~الحسن رضي الله عنه: أخفى القوم أعمالا فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت. وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ليكون الجزاء ~~وفاقا. ثم بين أن من كان في نور الطاعة والإيمان لا يستوي مع من هو في ~~ظلمة الكفر والعصيان بقوله: ### || [32.18-30] # { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } أي كافرا وهما محمولان على لفظ من ~~وقوله { لا يستوون } على المعنى بدليل قوله { أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى } هي نوع من الجنان تأوي إليها أرواح ~~الشهداء. وقيل: هي عن يمين العرش { نزلا بما كانوا يعملون } عطاء ~~بأعمالهم والنزل عطاء النازل ثم صار عاما { وأما الذين فسقوا فمأواهم ~~النار } أي ملجؤهم ومنزلهم { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~وقيل لهم } أي تقول لهم خزنة النار { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون } وهذا دليل على أن المراد بالفاسق الكافر إذ التكذيب يقابل ~~الإيمان { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } أي عذاب الدنيا من الأسر وما ~~محنوا به من السنة سبع سنين { دون العذاب الأكبر } أي عذاب الآخرة أي ~~نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة. وعن الداراني: العذاب ~~الأدنى الخذلان والعذاب الأكبر الخلود في النيران. وقيل: العذاب الأدنى ~~عذاب القبر { لعلهم } لعل المعذبين بالعذاب الأدنى { يرجعون } يتوبون عن ~~الكفر { ومن أظلم ممن ذكر } وعظ { بآيات ربه } أي بالقرآن { ثم أعرض ~~عنها } أي فتولى عنها ولم يتدبر فيها. و«ثم» للاستبعاد أي أن الإعراض عن ~~مثل هذه الآيات في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز ~~بالسعادة العظمى بعد التذكير بها، مستبعد في العقل كما تقول لصاحبك «وجدت ~~مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها» استبعادا لتركه الانتهاز { إنا من ~~المجرمين منتقمون ms1106 } ولم يقل «منه» لأنه إذا جعله أظلم كل ظالم ثم توعد ~~المجرمين عامة بالانتقام منهم فقد دل على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من ~~الانتقام، ولو قال بالضمير لم يفد هذه الفائدة. # { ولقد آتينا موسى الكتاب } التوراة { فلا تكن في مرية } شك { من لقائه ~~} من لقاء موسى الكتاب أو من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة أو ~~من لقاء موسى ربه في الآخرة كذا عن النبي صلى الله عليه وسلم { وجعلناه ~~هدى لبني إسرائيل } وجعلنا الكتاب المنزل على موسى لقومه هدى { وجعلنا ~~منهم أئمة } بهمزتين: كوفي وشامي { يهدون } بذلك الناس ويدعونهم إلى ما ~~في التوراة من دين الله وشرائعه { بأمرنا } إياهم بذلك { لما صبروا } ~~حين صبروا على الحق بطاعة الله أو عن المعاصي { لما صبروا } حمزة وعلي أي ~~لصبرهم عن الدنيا، وفيه دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس { وكانوا ~~بآياتنا } التوراة { يوقنون } يعلمون علما لا يخالجه شك { إن ربك هو ~~يفصل } يقضي { بينهم يوم القيامة } بين الأنبياء وأممهم أو بين المؤمنين ~~والمشركين { فيما كانوا فيه يختلفون } فيظهر المحق من المبطل. # { أو لم } الواو للعطف على معطوف عليه منوي من جنس المعطوف أي أو لم يدع ~~{ يهد } يبين والفاعل الله بدليل قراءة زيد عن يعقوب { نهد } { لهم } ~~لأهل مكة { كم } لا يجوز أن يكون «كم» فاعل { يهدى } لأن «كم» للاستفهام ~~فلا يعمل فيه ما قبله ومحله نصب بقوله { أهلكنا من قبلهم من القرون } ~~كعاد وثمود وقوم لوط { يمشون في مساكنهم } أي أهل مكة يمرون في متاجرهم ~~على ديارهم وبلادهم { إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون } المواعظ فيتعظوا { ~~أو لم يروا أنا نسوق الماء } نجري المطر والأنهار { إلى الأرض الجرز } ~~أي الأرض التي جرز نباتها أي قطع إما لعدم الماء أو لأنه رعي، ولا يقال ~~للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدليل قوله { فنخرج به } بالماء { زرعا تأكل ~~منه } من الزرع { أنعامهم } من عصفه { وأنفسهم } من حبه { أفلا يبصرون } ~~بأعينهم فيستدلوا به على قدرته على إحياء الموتى { ويقولون متى هذا الفتح ~~} النصر ms1107 أو الفصل بالحكومة من قوله # ربنا افتح بيننا # [الأعراف: 89] وكان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أو ~~بفتح بيننا وبينهم فإذا سمع المشركون ذلك قالوا: متى هذا الفتح أي في أي ~~وقت يكون { إن كنتم صادقين } في أنه كائن. # { قل يوم الفتح } أي يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ~~أو يوم نصرهم عليهم أو يوم بدر أو يوم فتح مكة { لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم ولا هم ينظرون } وهذا الكلام لم ينطبق جوابا على سؤالهم ظاهرا ~~ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه ~~التكذيب والاستهزاء أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: ~~لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم ~~فلا ينفعكم الإيمان، أو استنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا، ومن فسره ~~بيوم الفتح أو بيوم بدر فهو يريد المقتولين منهم فإنهم لا ينفعهم إيمانهم ~~في حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه عند الغرق { فأعرض عنهم وانتظر } ~~النصرة وهلاكهم { إنهم منتظرون } الغلبة عليكم وهلاككم، وكان عليه ~~السلام لا ينام حتى يقرأ « { ألم تنزيل } » السجدة و # تبارك الذي بيده الملك # [الملك: 1] وقال # " من قرأ الم تنزيل في بيته لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سورة الم تنزيل هي المانعة تمنع من ~~عذاب القبر. والله أعلم. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-8] # مدنية وهي ثلاث وسبعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبي بن كعب رضي الله عنه لزر: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قال: ثلاثا ~~وسبعين. قال: فوالذي يحلف به أبي إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ~~ولقد قرأنا منها آية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما ألبتة ~~نكالا من الله والله عزيز حكيم». أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من ~~القرآن. وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة رضي ~~الله عنها فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض. # { يا أيها ms1108 النبي } وبالهمز: نافع أي يا أيها المخبر عنا المأمون على ~~أسرارنا المبلغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما لم يقل «يا محمد» كما قال { يا ~~آدم } { يا موسى } تشريفا له وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله # محمد رسول الله # [الفتح: 29] ونحوه لتعليم الناس بأنه رسول الله { اتق الله } اثبت على ~~تقوى الله ودم عليه وازدد منه فهو باب لا يدرك مداه { ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين } ولا تساعدهم على شيء واحترس منهم فإنهم أعداء الله ~~والمؤمنين. وروي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي ~~قدموا المدينة بعد قتال أحد فنزلوا على عبد الله بن أبي وأعطاهم النبي ~~الأمان على أن يكلموه فقالوا: ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تنفع وتشفع، ~~ووازرهم المنافقون على ذلك فهم المسلمون بقتلهم فنزلت. أي اتق الله في ~~نقض العهد ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما ~~طلبوا { إن الله كان عليما } بخبث أعمالهم { حكيما } في تأخير الأمر ~~بقتالهم. # { واتبع ما يوحى إليك من ربك } في الثبات على التقوى وترك طاعة ~~الكافرين والمنافقين { إن الله } الذي يوحي إليك { كان بما تعملون ~~خبيرا } أي لم يزل عالما بأعمالهم وأعمالكم. وقيل: إنما جمع لأن المراد ~~بقوله { اتبع } هو وأصحابه، وبالياء: أبو عمر وأي بما يعمل الكافرون ~~والمنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم { وتوكل على الله } أسند أمرك إليه ~~وكله إلى تدبيره { وكفى بالله وكيلا } حافظا موكولا إليه كل أمر، وقال ~~الزجاج: لفظه وإن كان لفظ الخبر فالمعنى اكتف بالله وكيلا. # { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الىء ~~تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم } أي ما جمع الله قلبين ~~في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوة ودعوة في رجل. والمعنى أنه ~~تعالى كما لم يجعل لإنسان قلبين لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما ~~يفعل بالآخر فعلا من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليه، وإما أن ~~يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك يؤدي إلى ms1109 اتصاف الجملة بكونه مريدا ~~كارها عالما ظانا موقنا شاكا في حالة واحدة. # لم يحكم أيضا أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجا له، لأن الأم ~~مخدومة والمرأة خادمة وبينهما منافاة، وأن يكون الرجل الواحد دعيا لرجل ~~وابنا له لأن البنوة أصالة في النسب والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا ~~غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل. وهذا مثل ضربه ~~الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيرا فاشتراه حكيم بن ~~حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له ~~فطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه ~~وكانوا يقولون «زيد بن محمد»، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب ~~وكانت تحت زيد قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه فأنزل ~~الله هذه الآية، وقيل: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان قلب معكم وقلب ~~مع أصحابه. وقيل: كان أبو معمر أحفظ العرب فقيل له «ذو القلبين» فأكذب ~~الله قولهم وضربه مثلا في الظهار والتبني. والتنكير في { رجل } وإدخال ~~«من» الاستغراقية على { قلبين } وذكر الجوف للتأكيد. { اللائي } بياء بعد ~~الهمزة حيث كان: كوفي وشامي، { اللاء } نافع ويعقوب وسهل وهي جمع. { التي ~~تظاهرون } عاصم من ظاهر إذا قال لامرأته «أنت علي كظهر أمي» { ~~تظاهرون } علي وحمزة وخلف. { تظاهرون } شامي من ظاهر بمعنى تظاهر. ~~غيرهم { تظهرون } من اظهر بمعنى تظهر. وعدي ب «من» لتضمنه معنى ~~البعد لأنه كان طلاقا في الجاهلية ونظيره «آلى من امرأته» لما ضمن معنى ~~التباعد عدي ب «من» وإلا فآلى في أصله الذي هو معنى حلف وأقسم ليس هذا ~~بحكمه. والدعي فعيل بمعنى مفعول وهو الذي يدعي ولدا، وجمع على أفعلاء ~~شاذا لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل كتقي وأتقياء وشقي وأشقياء ولا ~~يكون ذلك في نحو «رمي» و «سمي» للتشبيه اللفظي. # { ذلكم قولكم بأفواهكم } أي أن قولكم للزوجة هي أم وللدعي هو ابن قول ~~تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له إذ ms1110 الابن يكون بالولادة وكذا الأم { والله ~~يقول الحق } أي ما حق ظاهره وباطنه { وهو يهدى السبيل } أي سبيل الحق. ~~ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق وهو قوله { ادعوهم لآبائهم ~~هو أقسط } أعدل { عند الله } وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في ~~القسط والعدل. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ولد الرجل ضمه إلى ~~نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه. وكان ينسب إليه فيقال ~~فلان بن فلان. ثم انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث وصل الجملة الطلبية ثم ~~فصل الخبرية عنها ووصل بينها، ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها ثم فصل ~~بالطلبية { فإن لم تعلموا آباءهم } فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم ~~إليهم { فإخوانكم في الدين ومواليكم } أي فهم إخوانكم في الدين ~~وأولياؤكم في الدين فقولوا هذا أخي وهذا مولاي ويا أخي ويا مولاي، يريد ~~الأخوة في الدين والولاية فيه. # { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } أي لا إثم ~~عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي { ولكن ~~ما تعمدت قلوبكم } ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتموه بعد ~~النهي. أولا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وسبق ~~اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين، و «ما» في موضع الجر عطف على «ما» ~~الأولى، ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ دون العمد على سبيل العموم ثم ~~تناول لعمومه خطأ التبني وعمده. وإذا وجد التبني فإن كان المتبني مجهول ~~النسب وأصغر سنا منه ثبت نسبه منه وعتق إن كان عبدا له، وإن كان أكبر ~~سنا منه لم يثبت النسب وعتق عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وأما المعروف ~~النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وعتق إن كان عبدا { وكان الله ~~غفورا رحيما } لا يؤاخذكم بالخطأ ويقبل التوبة من المتعمد. # { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي أحق بهم ~~في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، فعليهم أن ~~يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه، أو هو أولى بهم ms1111 أي أرأف بهم وأعطف عليهم ~~وأنفع لهم كقوله # بالمؤمنين رؤوف رحيم # [التوبة: 128] وفي قراءة ابن مسعود { النبى أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } وهو لهم، وقال مجاهد: كل نبي أبو ~~أمته ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبوهم في ~~الدين { وأزوجه أمهتهم } في تحريم نكاحهن ووجوب تعظيمهن ~~وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى ~~بناتهن { وأولوا الأرحام } وذوو القرابات { بعضهم أولى ~~ببعض } في التوارث وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية ~~في الدين وبالهجرة لا بالقرابة ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بحق القرابة { ~~فى كتب الله } في حكمه وقضائه أو في اللوح المحفوظ أو فيما فرض ~~الله { من المؤمنين والمهجرين } يجوز أن يكون بيانا ~~لأولي الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من ~~الأجانب، وأن يكون لابتداء الغاية أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى ~~بالميراث من المؤمنين أي الأنصار بحق الولاية في الدين ومن المهاجرين بحق ~~الهجرة { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } ~~الاستثناء من خلاف الجنس أي لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز وهو أن ~~توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء فيكون ذلك بالوصية لا بالميراث. وعدي { ~~تفعلوا } ب «إلى» لأنه في معنى تسدوا والمراد بالأولياء المؤمنون ~~والمهاجرون للولاية في الدين { كان ذلك فى الكتب مسطورا } ~~أي التوارث بالأرحام كان مسطورا في اللوح. # { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } واذكر حين أخذنا ~~من النبيين ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم { ومنك } ~~خصوصا. وقدم رسول الله على نوح ومن بعده لأن هذا العطف لبيان فضيلة ~~هؤلاء لأنهم أولو العزم وأصحاب الشرائع، فلما كان محمد صلى الله عليه ~~وسلم أفضل هؤلاء قدم عليهم ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه { ومن نوح ~~وإبرهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا } وثيقا. وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه ~~وإنما فعلنا ذلك { ليسئل } الله { الصدقين } أي الأنبياء { عن ~~صدقهم } عما قالوه لقومهم أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم ~~لأن من قال للصادق صدقت ms1112 كان صادقا في قوله، أو ليسأل الأنبياء ما الذي ~~أجابتهم أممهم وهو كقوله # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم # [المائدة: 109] { وأعد للكفرين } بالرسل { عذابا ~~أليما } وهو عطف على { أخذنا } لأن المعنى أن الله أكد على ~~الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين عذابا ~~أليما، أو على ما دل عليه { ليسأل الصدقين } كأنه قال: ~~فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين. ### || [33.9-19] # يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم } أي ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق وكان ~~بعد حرب أحد بسنة { إذ جاءتكم جنود } أي الأحزاب وهم: قريش ~~وغطفان وقريظة والنضير { فأرسلنا عليهم ريحا } أي الصبا. ~~قال عليه السلام # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # { وجنودا لم تروها } وهم الملائكة وكانوا ألفا بعث الله ~~عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم وأسفت التراب في وجوههم، وأمر ~~الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور ~~وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب ~~عسكرهم فانهزموا من غير قتال. وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة سلمان ثم خرج في ثلاثة آلاف من ~~المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنسوان ~~فرفعوا في الآطام واشتد الخوف، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من ~~الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ~~ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في هوازن ~~وضامتهم اليهود من قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب ~~بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر { وكان ~~الله بما تعملون } أي بعملكم أيها المؤمنون من التحصن بالخندق ~~والثبات على معاونة النبي صلى الله عليه وسلم { بصيرا } وبالياء، أبو ~~عمرو أي بما يعمل الكفار من البغي والسعي في إطفاء نور الله. # { إذ جاءوكم } بدل من { إذ جاءتكم } { من فوقكم } أي ~~من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان { ومن أسفل ms1113 منكم } من ~~أسفل الوادي من قبل المغرب قريش { وإذ زاغت الأبصر } مالت عن ~~سننها ومستوى نظرها حيرة، أو عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها ~~لشدة الروع { وبلغت القلوب الحناجر } الحنجرة رأس الغلصمة ~~وهي منتهى الحلقوم، والحلقوم مدخل الطعام والشراب. قالوا: إذا انتفخت ~~الرئة من شدة الفزع أو الغضب ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس ~~الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة. روي ~~أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هل من شيء نقوله فقد ~~بلغت القلوب الحناجر قال: # " نعم قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا " # { وتظنون بالله الظنونا } خطاب للذين آمنوا ومنهم الثبت ~~القلوب والأقدام والضعاف القلوب الذين هم على حرف والمنافقون، فظن ~~الأولون بالله أنه يبتليهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأما الآخرون ~~فظنوا بالله ما حكى عنهم. # قرأ أبو عمرو وحمزة { الظنون } بغير ألف في الوصل والوقف وهو القياس، ~~وبالألف فيهما: مدني وشامي وأبو بكر إجراء للوصل مجرى الوقف، وبالألف في ~~الوقف: مكي وعلي وحفص، ومثله { الرسولا } و { السبيلا } زادوها ~~في الفاصلة كما زادها في القافية. من قال: # أقلي اللوم عاذل والعتابا # وهن كلهن في الإمام بالألف { هنالك ابتلى المؤمنون } ~~امتحنوا بالصبر على الإيمان { وزلزلوا زلزالا شديدا } ~~وحركوا بالخوف تحريكا بليغا. # { وإذ يقول المنفقون } عطف على الأول { والذين في ~~قلوبهم مرض } قيل: هو وصف المنافقين بالواو كقوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وقيل: هم قوم لا بصيرة لهم في الدين كان المنافقون يستميلونهم بإدخال ~~الشبه عليهم { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } روي ~~أن معتب بن قشير حين رأى الأحزاب قال: يعدنا محمد فتح فارس والروم ~~وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا ما هذا إلا وعد غرور { وإذ قالت ~~طائفة منهم } من المنافقين وهم عبد الله بن أبي وأصحابه { ~~يأهل.يثرب } هم أهل المدينة { لا مقام لكم } وبضم الميم: ~~حفص أي لا قرار لكم ههنا ولا مكان تقومون فيه أو تقيمون { فارجعوا } ~~عن الإيمان إلى الكفر ms1114 أو من عسكر رسول الله إلى المدينة { ويستأذن ~~فريق منهم النبى } أي بنو حارثة { يقولون إن ~~بيوتنا عورة } أي ذات عورة { وما هى بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا } العورة الخلل والعورة ذات العورة وهي قراءة ~~ابن عباس. يقال: عور المكان عورا إذا بدا منه خلل يخاف منه العدو ~~والسارق، ويجوز أن يكون عورة تخفيف عورة اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو ~~والسارق لأنها غير محصنة فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه فأكذبهم الله ~~بأنهم لا يخافون ذلك وإنما يريدون الفرار من القتال { ولو دخلت ~~عليهم } المدينة أو بيوتهم من قولك «دخلت على فلاه داره» { من ~~أقطارها } من جوانبها أي ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون ~~خوفا منها مدينتهم أو بيوتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم ~~وأولاهم ناهبين سابين { ثم سئلوا } عند ذلك القزع { الفتنة } ~~أي الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين { لآتوها } لأعطوها. { ~~لأتوها } بلا مد: حجازي أي لجاءوها وفعلوها { وما تلبثوا ~~بها } بإجابتها { إلا يسيرا } ريثما يكون السؤال والجواب من غير ~~توقف، أو ما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا فإن الله يهلكهم، ~~والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين وعن مصافة الأحزاب الذين ملئوهم هولا ورعبا، ~~وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر، ~~وقيل لهم كونوا على المسلمين لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء وما ذلك إلا ~~لمقتهم الإسلام وحبهم الكفر. # { ولقد كانوا عهدوا الله من قبل } أي بنو حارثة من ~~قبل الخندق أو من قبل نظرهم إلى الأحزاب { لا يولون الأدبر } ~~منهزمين { وكان عهد الله مسئولا } مطلوبا مقتضى حتى يوفى ~~به. # { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا } أي إن كان حضر ~~أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر وفررتم لم تمتعوا في الدنيا إلا ~~قليلا وهو مدة أعماركم وذلك قليل. وعن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل ~~فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب. ms1115 { قل من ذا الذى ~~يعصمكم من الله } أي مما أراد الله إنزاله بكم { إن أراد ~~بكم سوءا } في أنفسكم من قتل أو غيره { أو أراد بكم ~~رحمة } أي إطالة عمر في عافية وسلامة أي من يمنع الله من أن يرحمكم ~~إن أراد بكم رحمة لما في العصمة من معنى المنع { ولا يجدون لهم ~~من دون الله وليا ولا نصيرا } ناصرا { قد يعلم ~~الله المعوقين منكم } أي من يعوق عن نصرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أي يمنع وهم المنافقون { والقائلين لإخونهم } في ~~الظاهر من المسلمين { هلم إلينا } أي قربوا أنفسكم إلينا ودعوا ~~محمدا وهي لغة أهل الحجاز فإنهم يسوون فيه بين الواحد والجماعة، وأما ~~تميم فيقولون «هلم يا رجل» و «هلموا يا رجال» وهو صوت سمي به فعل متعد ~~نحو «أحضر وقرب» { ولا يأتون البأس } أي الحرب { إلا ~~قليلا } إلا إتيانا قليلا أي يحضرون ساعة رياء ويقفون قليلا مقدار ~~ما يرى شهودهم ثم ينصرفون { أشحة } جمع شحيح وهو البخيل نصب على ~~الحال من الضمير في { يأتون } أي يأتون الحرب بخلاء { عليكم } ~~بالظفر والغنيمة { فإذا جاء الخوف } من قبل العدو أو منه عليه ~~السلام { رأيتهم ينظرون إليك } في تلك الحالة { تدور ~~أعينهم } يمينا وشمالا { كالذى يغشى عليه من ~~الموت } كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخوفا ~~ولواذا بك. # { فإذا ذهب الخوف } زال ذلك الخوف وأمنوا وحيزت الغنائم { ~~سلقوكم بألسنة حداد } خاطبوكم مخاطبة شديدة وآذوكم بالكلام. ~~خطيب مسلق فصيح ورجل مسلاق مبالغ في الكلام أي يقولون: وفروا قسمتنا ~~فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبمكاننا غلبتم عدوكم { أشحة على ~~الخير } أي خاطبوكم أشحة على المال والغنيمة و { أشحة } حال من ~~فاعل { سلقوكم } { أولئك لم يؤمنوا } في الحقيقة بل ~~بالألسنة { فأحبط الله أعملهم } أبطل بإضمارهم الكفر ما ~~أظهروه من الأعمال { وكان ذلك } إحباط أعمالهم { على الله ~~يسيرا } هينا. ### || [33.20-30] # { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي لجبنهم يظنون أن ~~الأحزاب لم ينهزموا ولم ينصرفوا مع أنهم قد انصرفوا { وإن يأت ~~الأحزاب } كرة ms1116 ثانية { يودوا لو أنهم بادون فى ~~الأعراب } البادون جمع البادي أي يتمنى المنافقون لجبنهم أنهم خارجون ~~من المدينة إلى البادية حاصلون بين الأعراب ليأمنوا على أنفسهم ويعتزلوا ~~مما فيه الخوف من القتال { يسئلون } كل قادم منهم من جانب المدينة ~~{ عن أنبائكم } عن أخباركم وعما جرى عليكم { ولو كانوا ~~فيكم } ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال { ما قاتلوا إلا ~~قليلا } رياء وسمعة. # { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } بالضم ~~حيث كان: عاصم أي قدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به كما تقول «في البيضة ~~عشرون منا حديدا» أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. أو فيه خصلة من ~~حقها أن يؤتسى بها حيث قاتل بنفسه { لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر } أي يخاف الله ويخاف اليوم الآخر أو يأمل ثواب الله ~~ونعيم اليوم الآخر. قالوا { لمن } بدل من { لكم } وفيه ضعف لأنه لا ~~يجوز البدل من ضمير المخاطب. وقيل: { لمن } يتعلق ب { حسنة } أي ~~أسوة حسنة كائنة لمن كان { وذكر الله كثيرا } أي في الخوف ~~والرجاء والشدة والرخاء { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } ~~وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه ويستنصروه بقوله { أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم } إلى قوله # قريب # [البقرة: 214] فلما جاء الأحزاب واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد { ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله } وعلموا أن الغلبة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون ~~إليكم في آخر تسع ليال أو عشر. فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك، ~~وهذا إشارة إلى الخطب والبلاء { وما زادهم } ما رأوا من اجتماع ~~الأحزاب عليهم ومجيئهم { إلا إيمانا } بالله وبمواعيده { ~~وتسليما } لقضائه وقدره. # { من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله ~~عليه } أي فيما عاهدوه عليه فحذف الجار كما في المثل «صدقني سن بكره» ~~أي صدقني في سن بكره بطرح الجار وإيصال الفعل. نذر رجال من الصحابة أنهم ~~إذا لقوا حربا ms1117 مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى ~~يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة وسعد بن زيد وحمزة ومصعب وغيرهم { ~~فمنهم من قضى نحبه } أي مات شهيدا كحمزة ومصعب. وقضاء ~~النحب صار عبارة عن الموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت فكأنه ~~نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره { ومنهم من ~~ينتظر } الموت أي على الشهادة كعثمان وطلحة { وما بدلوا } ~~العهد { تبديلا } ولا غيروه لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة، وفيه ~~تعريض لمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلوب كما مر في قوله تعالى: # ولقد كانوا عهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبر # { ليجزى الله الصدقين بصدقهم } بوفائهم بالعهد { ~~ويعذب المنفقين إن شاء } إذا لم يتوبوا { أو يتوب ~~عليهم } إن تابوا { إن الله كان غفورا } بقبول التوبة { ~~رحيما } بعفو الحوبة. جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء ~~وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، لأن كلا ~~الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبها ~~والسعي في تحصيلها. # { ورد الله الذين كفروا } الأحزاب { بغيظهم } حال ~~أي مغيظين كقوله # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] { لم ينالوا خيرا } ظفرا أي لم يظفروا ~~بالمسلمين وسماه خيرا بزعمهم وهو حال أي غير ظافرين { وكفى الله ~~المؤمنين القتال } بالريح والملائكة { وكان الله ~~قويا عزيزا } قادرا غالبا. # { وأنزل الذين ظهروهم } عاونوا الأحزاب { من أهل ~~الكتب } من بني قريظة { من صياصيهم } من حصونهم الصيصية ما ~~تحصن به. # " روي أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، صبيحة ~~الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا ~~سلاحهم، على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا ~~يا جبريل؟ قال: من متابعة قريش. فقال: يا رسول الله إن الله يأمرك ~~بالمسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على ~~الصفا وإنهم لكم طعمة. فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلي ~~العصر إلا في بني ms1118 قريظة. فحاصروهم خمسا وعشرين ليلة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «تنزلون على حكمي " # فأبوا، فقال: # " على حكم سعد بن معاذ " # فرضوا به فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، ~~فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: # " «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» " # ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقا وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ~~ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل: كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير { ~~وقذف فى قلوبهم الرعب } الخوف وبضم العين: شامي وعلي. ونصب ~~{ فريقا } بقوله { تقتلون } وهم الرجال { وتأسرون فريقا ~~} وهم النساء والذراري { وأورثكم أرضهم وديرهم ~~وأمولهم } أي المواشي والنقود والأمتعة. # " روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون ~~الأنصار وقال لهم إنكم في منازلكم " # { وأرضا لم تطئوها } بقصد القتال وهي مكة أو فارس والروم أو ~~خيبر أو كل أرض تفتح إلى يوم القيامة { وكان الله على كل ~~شىء قديرا } قادرا. # { يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن تردن ~~الحيوة الدنيا وزينتها } أي السعادة في الدنيا وكثرة ~~الأموال { فتعالين } أصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع لمن ~~في المكان المستوطيء، ثم كثر حتى استوى في استعماله الأمكنة، ومعنى { ~~تعالين } أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن إليه ~~بأنفسهن كقوله «قام يهددني». { أمتعكن } أعطكن متعة الطلاق وتستحب ~~المتعة لكل مطلقة إلا المفوضة قبل الوطء { وأسرحكن } وأطلقكن { ~~سراحا جميلا } لا ضرار فيه أردن شيئا من الدنيا من ثياب وزيادة ~~نفقة وتغايرن، فغم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فبدأ بعائشة ~~رضي الله عنها وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ~~ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ثم اختار جميعهن اختيارها. وروي أنه قال لعائشة: # " «إني ذاكر لك أمرا ولا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» " # ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله ~~والدار الآخرة. وحكم التخيير في الطلاق أنه إذا قال ms1119 لها اختاري فقالت ~~اخترت نفسي أن تقع تطليقة بائنة، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء. وعن علي ~~رضي الله عنه: إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية وإن اختارت نفسها فواحدة ~~بائنة { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنت منكن } «من» ~~للبيان لا للتبعيض. { أجرا عظيما ينساء النبى من يأت ~~منكن بفحشة } سيئة بليغة في القبح { مبينة } ظاهر ~~فحشها. من بين بمعنى تبين وبفتح الياء: مكي وأبو بكر. قيل: هي عصيانهن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشوزهن. وقيل: الزنا والله عاصم رسوله من ~~ذلك { يضاعف لها العذاب } { يضعف لها العذاب } ~~مكي وشامي { يضعف } أبو عمرو ويزيد ويعقوب { ضعفين } ضعفي ~~عذاب غيرهن من النساء لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن، فزيادة ~~قبح المعصية تتبع زيادة الفضل وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل، ~~لأن المعصية من العالم أقبح ولذا فضل حد الأحرار على العبيد ولا يرجم ~~الكافر { وكان ذلك } أي تضعيف العذاب عليهن { على الله ~~يسيرا } هينا. ### || [33.31-37] # { ومن يقنت منكن لله ورسوله } القنوت الطاعة { ~~وتعمل صلحا نؤتها } وبالياء فيهما: حمزة وعلي { أجرها ~~مرتين } مثلي ثواب غيرها { وأعتدنا لها رزقا كريما } ~~جليل القدر وهو الجنة { ينساء النبى لستن كأحد من ~~النساء } أي لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء إذا تقصيت أمة النساء ~~جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل. وأحد في الأصل ~~بمعنى وحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث ~~والواحد وما وراءه { إن اتقيتن } إن أردتن التقوى أو إن كنتن ~~متقيات { فلا تخضعن بالقول } أي إذا كلمتن الرجال من وراء ~~الحجاب فلا تجئن بقولكن خاضعا أي لينا خنثا مثل كلام المريبات { ~~فيطمع } بالنصب على جواب النهي { الذى فى قلبه مرض } ~~ريبة وفجور { وقلن قولا معروفا } حسنا مع كونه خشنا { ~~وقرن } مدني وعاصم غير هبيرة وأصله «اقررن» فحذفت الراء تخفيفا ~~وألقيت فتحتها على ms1120 ما قبلها، أو من قار يقار إذا اجتمع. والباقون { ~~قرن } من وقر يقر وقارا، أو من قر يقر، حذفت الأولى من راء اقررن ~~قرارا من التكرار ونقلت كسرتها إلى القاف { فى بيوتكن } بضم ~~الباء بصري ومدني وحفص { ولا تبرجن تبرج الجهلية ~~الأولى } أي القديمة. والتبرج التبختر في المشي وإظهار الزينة ~~والتقدير: ولا تبرجن تبرجا مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى وهي ~~الزمان الذي ولد فيه إبراهيم أو ما بين آدم ونوح عليهما السلام أو زمن ~~داود وسليمان والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. أو ~~الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى ما بين ~~عيسى ومحمد عليهما السلام. أو الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، ~~والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. # { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله } خص الصلاة والزكاة ~~بالأمر ثم عم بجميع الطاعات تفضيلا لهما لأن من واظب عليهما جرتاه إلى ~~ما وراءهما { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت } نصب على النداء أو على المدح، وفيه دليل على أن نساءه ~~من أهل بيته. وقال: { عنكم } ، لأنه أريد الرجال والنساء من آله ~~بدلالة { ويطهركم تطهيرا } من نجاسة الآثام. ثم بين أنه إنما ~~نهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المآثم وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار الذنوب الرجس وللتقوى الطهر، لأن ~~عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات ~~فالعرض منها نقي كالثوب الطاهر وفيه تنفير لأولي الألباب عن المناهي ~~وترغيب لهم في الأوامر { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن ~~من ءايت الله } القرآن { والحكمة } أي السنة أو بيان ~~معاني القرآن { إن الله كان لطيفا } عالما بغوامض الأشياء { ~~خبيرا } عالما بحقائقها أي هو عالم بأفعالكن وأقوالكن فاحذرن مخالفة ~~أمره ونهيه ومعصية رسوله. # ولما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل قال نساء المسلمين: ~~فما نزل فينا شيء، فنزلت: # { إن المسلمين والمسلمت } المسلم الداخل في السلم ~~بعد الحرب المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوض أمره ms1121 إلى الله المتوكل عليه ~~من أسلم وجهه إلى الله { والمؤمنين } المصدقين بالله ورسوله وبما ~~يجب أن يصدق به { والمؤمنت والقنتين } القائمين بالطاعة ~~{ والقنتت والصدقين } في النيات والأقوال والأعمال { ~~والمتصدقت والصبرين والصبرت } على الطاعات وعن ~~السيئات { والخشعين } المتواضعين لله بالقلوب والجوارح أو ~~الخائفين { والخشعت والمتصدقين والمتصدقت } ~~فرضا ونفلا { والصئمين والصئمت } فرضا ونفلا. وقيل: ~~من تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن صام البيض من كل شهر ~~فهو من الصائمين { والحفظين فروجهم } عما لا يحل { ~~والحفظت والذكرين الله كثيرا } بالتسبيح والتحميد ~~والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر والمعنى ~~والحافظات فروجهن { والذاكرات } الله فحذف لدلالة ما تقدم عليه. والفرق ~~بين عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين لأن الأول نظير قوله # ثيبت وأبكارا # [التحريم: 5] في أنهما جنسان مختلفان واشتركا في حكم واحد فلم يكن بد من ~~توسط العاطف بينهما، وأما الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع ~~ومعناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات { أعد الله لهم ~~مغفرة وأجرا عظيما } على طاعاتهم. # خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة على ~~مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت { وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة } أي وما صح لرجل مؤمن ولا امرأة مؤمنة { ~~إذا قضى الله ورسوله } أي رسول الله { أمرا } من الأمور { ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أن يختاروا من أمرهم ~~ما شاءوا بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه واختيارهم تلوا ~~لاختياره فقالا: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها. ~~وإنما جمع الضمير في { لهم } وإن كان من حقه أن يوحد لأن المذكورين ~~وقعا تحت النفي فعما كل مؤمن ومؤمنة فرجع الضمير إلى المعنى لا إلى ~~اللفظ. و { يكون } بالياء: كوفي، والخيرة ما يتخير ودل ذلك على أن ~~الأمر للوجوب { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا ~~مبينا } فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال وكفر، ~~وإن كان عصيان فعل مع قبول ms1122 الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق. # { وإذ تقول للذى أنعم الله عليه } بالإسلام الذي هو ~~أجل النعم { وأنعمت عليه } بالإعتاق والتبني فهو متقلب في نعمة ~~الله ونعمة رسوله وهو زيد بن حارثة { أمسك عليك زوجك } زينب ~~بنت جحش، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصرها بعدما أنكحها إياه ~~فوقعت في نفسه فقال: # " «سبحان الله مقلب القلوب» " # وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، وسمعت زينب بالتسبيحة ~~فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول ~~الله فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أريد أن أفارق صاحبتي، ~~فقال: # " مالك أرابك منها شيء؟» " # قال: # " «لا والله ما رأيت منها إلا خيرا ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني ~~فقال له: أمسك عليك زوجك» " # { واتق الله } فلا تطلقها. وهو نهي تنزيه إذ الأولى أن لا يطلق ~~أو واتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج { وتخفى فى ~~نفسك ما الله مبديه } أي تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد ~~وهو الذي أبداه الله تعالى. وقيل: الذي أخفى في نفسه تعلق قلبه بها ومودة ~~مفارقة زيد إياها. والواو في { وتخفى فى نفسك } { وتخشى ~~الناس } أي قالة الناس إنه نكح امرأة ابنه { والله أحق أن ~~تخشه } واو الحال أي تقول لزيد أمسك عليك زوجك مخفيا في نفسك ~~إرادة أن لا يمسكها وتخفي خاشيا قالة الناس وتخشى الناس حقيقا في ذلك ~~بأن تخشى الله. وعن عائشة رضي الله عنها: لو كتم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية. # { فلما قضى زيد منها وطرا } الوطر الحاجة فإذا بلغ ~~البالغ حاجته من شيء له فيه همة. قيل: قضى منه وطره، والمعنى فلما لم يبق ~~لزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلقها وانقضت عدتها { ~~زوجنكها }. روي أنها لما اعتدت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لزيد«: # " ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك: أخطب علي زينب» " # قال زيد: فانطلقت وقلت: يا زينب ms1123 أبشري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخطبك ففرحت وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها وما أولم على ~~امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى ~~امتد النهار { لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى ~~أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا } قيل: قضاء ~~الوطر إدراك الحاجة وبلوغ المراد منه { وكان أمر الله } الذي ~~يريد أن يكونه { مفعولا } مكونا لا محالة وهو مثل لما أراد كونه من ~~تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب. ### || [33.38-49] # { ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له } ~~أحل له وأمر له وهو نكاح زينب امرأة زيد أو قدر له من عدد النساء { ~~سنة الله } اسم موضع موضع المصدر كقولهم «ترابا وجندلا» مؤكد ~~لقوله { ما كان على النبى من حرج } كأنه قيل: سن الله ذلك ~~سنة في الأنبياء الماضين وهو أن لا يحرج عليهم في الإقدام على ما أباح ~~لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري ~~وكانت لداود مائة امرأة وثلثمائة سرية ولسليمان ثلثمائة حرة وسبعمائة ~~سرية { فى الذين خلوا من قبل } في الأنبياء الذين مضوا من ~~قبل { وكان أمر الله قدرا مقدورا } قضاء مقضيا وحكما ~~مبتوتا، ولا وقف عليه إن جعلت { الذين يبلغون رسالت ~~الله } بدلا من { الذين } الأول، وقف إن جعلته في محل الرفع أو ~~النصب على المدح أي هم الذين يبلغون أو أعني الذي يبلغون { ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } وصف الأنبياء ~~بأنهم لا يخشون إلا الله تعريض بعد التصريح في قوله # وتخشى الناس والله أحق أن تخشه # { وكفى بالله حسيبا } كافيا للمخاوف ومحاسبا على الصغيرة ~~والكبيرة فكان جديرا بأن تخشى منه. # { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } أي لم يكن أبا ~~رجل منكم حقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة ~~الصهر والنكاح، والمراد من رجالكم البالغين، والحسن والحسين لم يكونا ~~بالغين حينئذ والطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم توفوا صبيانا ms1124 { ~~ولكن } كان { رسول الله } وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى ~~وجوب التوقير والتعظيم له عليهم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه لا في ~~سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ~~ليسوا بأولاده حقيقة فكان حكمه كحكمكم والتبني من باب الاختصاص والتقريب ~~لا غير { وخاتم النبيين } بفتح التاء عاصم بمعنى الطابع أي ~~آخرهم يعني لا ينبأ أحد بعده وعيسى ممن نبي قبله، وحين ينزل ينزل عاملا ~~على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه بعض أمته. وغيره بكسر التاء ~~بمعنى الطابع وفاعل الختم. وتقويه قراءة ابن مسعود { ولكن ~~نبيا ختم النبيين } { وكان الله بكل شىء ~~عليما يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا } أثنوا عليه بضروب الثناء وأكثروا ذلك { وسبحوه بكرة ~~} أول النهار { وأصيلا } آخر النهار، وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل ~~وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: قولوا سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ~~والفعلان أي اذكروا الله وسبحوه موجهان إلى البكرة والأصيل كقولك «صم وصل ~~يوم الجمعة». # والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه اختصاص جبريل ~~وميكائيل من بين الملائكة إبانة لفضله على سائر الأذكار، لأن معناه تنزيه ~~ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. وجاز أن يراد بالذكر وإكثاره تكثير ~~الطاعات والعبادات فإنها من جملة الذكر، ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وهي ~~صلاة الفجر وأصيلا وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء أو صلاة الفجر ~~والعشاءين. # { هو الذى يصلى عليكم وملئكته } لما كان من شأن ~~المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره حنوا عليه ~~وترؤفا كعائد المريض في انعطافه عليه والمرأة في حنوها على ولدها، ثم ~~كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم «صلى الله عليك» أي ترحم ~~عليك وترأف. والمراد بصلاة الملائكة قولهم «اللهم صل على المؤمنين» جعلوا ~~لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة، والمعنى هو الذي ~~يترحم عليكم ويترأف حين يدعوكم إلى الخير ms1125 ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر ~~على الصلاة والطاعة { ليخرجكم من الظلمت إلى النور ~~} من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة { وكان بالمؤمنين رحيما ~~} هو دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة. وروي أنه لما نزل # إن الله وملئكته يصلون على النبى # قال أبو بكر: ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فنزلت { ~~تحيتهم } من إضافة المصدر إلى المفعول أي تحية الله لهم { يوم ~~يلقونه } يرونه { سلم } يقول الله تبارك وتعالى السلام عليكم ~~{ وأعد لهم أجرا كريما } يعني الجنة. # { يأيها النبى إنا أرسلنك شاهدا } على من بعثت ~~إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم أي مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم. كما ~~يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، وهو حال مقدرة كما تقول «مررت برجل معه ~~صقر صائدا به» إي مقدرا به الصيد غدا { ومبشرا } للمؤمنين بالجنة ~~{ ونذيرا } للكافرين بالنار { وداعيا إلى الله بإذنه } ~~بأمره أو بتيسيره والكل منصوب على الحال { وسراجا منيرا } جلا به ~~الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ~~ويهتدى به. والجمهور على أنه القرآن فيكون التقدير وذا سراج منير أو ~~وتاليا سراجا منيرا، ووصف بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل ~~سليطه ودقت فتيلته، أو شاهدا بواحدانيتنا ومبشرا برحمتنا ونذيرا ~~بنقمتنا وداعيا إلى عبادتنا وسراجا وحجة ظاهرة لحضرتنا { وبشر ~~المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } ثوابا ~~عظيما { ولا تطع الكفرين والمنفقين } المراد به ~~التهييج أو الدوام والثبات على ما كان عليه { ودع أذاهم } هو ~~بمعنى الإيذاء فيحتمل أن يكون مضافا إلى الفاعل أي اجعل إيذاءهم إياك في ~~جانب ولا تبال بهم ولا تخف عن إيذائهم، أو إلى المفعول أي دع إيذاءك ~~إياهم مكافأة لهم { وتوكل على الله } فإنه يكفيكهم { وكفى ~~بالله وكيلا } وكفى به مفوضا إليه. # وقيل: إن الله تعالى وصفه بخمسة أوصاف وقابل كلا منها بخطاب مناسب له، ~~قابل الشاهد # وبشر المؤمنين # لأنه يكون شاهدا على أمته وهم يكونون شهداء على سائر الأمم وهو الفضل ~~الكبير، والمبشر بالإعراض عن الكافرين ms1126 والمناققين لأنه إذا أعرض عنهم ~~أقبل جميع إقباله على المؤمنين وهو مناسب للبشارة، والنذير ب { ودع ~~أذاهم } لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر والأذى لا بد له من عقاب عاجل ~~أو آجل كانوا منذرين به في المستقبل، والداعي إلى الله بتيسيره بقوله # وتوكل على الله # فإن من توكل على الله يسر عليه كل عسير، والسراج المنير بالإكتفاء به ~~وكيلا لأن من أناره الله برهانا على جميع خلقه كان جديرا بأن يكتفى به ~~عن جميع خلقه. # { يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت } ~~أي تزوجتتم. والنكاح هو الوطء في الأصل وتسمية العقد نكاحا لملابسته له ~~من حيث إنه طريق إليه كتسمية الخمر إثما لأنه سببه، وكقول الراجز. # أسنمة الآبال في سحابه # سمى الماء بأسنمة الآبال لأنه سبب سمن الآبال وارتفاع أسنمتها. ولم يرد ~~لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء من ~~باب التصريح به، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة ~~والقربان والتغشي والإتيان. وفي تخصيص المؤمنات مع أن الكتابيات تساوي ~~المؤمنات في هذا الحكم إشارة إلى أن الأولى بالمؤمن أن ينكح مؤمنة { ~~ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } والخلوة الصحيحة ~~كالمس { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } فيه ~~دليل على أن العدة تجب على النساء للرجال. ومعنى { تعتدونها } ~~تستوفون عددها تفتعلون من العد { فمتعوهن } والمتعة تجب للتي ~~طلقها قبل الدخول بها ولم يسم لها مهر دون غيرها { وسرحوهن ~~سراحا جميلا } أي لا تمسكوهن ضرارا وأخرجوهن من منازلكم إذ لا عدة ~~لكم عليهن. ### || [33.50-53] # { يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك اللاتى ~~ءاتيت أجورهن } مهورهن إذ المهر أجر على البضع ولهذا قال ~~الكرخي: إن النكاح بلفظ الإجارة جائز. وقلنا: التأييد من شرط النكاح ~~والتأقيت من شرط الإجارة وبينهما منافاة. وإيتاؤها إعطاؤها عاجلا أو ~~فرضها وتسميتها في العقد { وما ملكت يمينك مما أفاء ~~الله عليك } وهي صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما { وبنات ~~عمك وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خلتك ~~اللاتى هجرن معك } ومع ليس للقران بل لوجودها ms1127 فحسب كقوله # وأسلمت مع سليمن # [النمل: 44] وعن أم هانيء بنت أبي طالب: خطبني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاعتذرت فعذرني فأنزل الله هذه الآية، فلم أحل له لأني لم أهاجر معه ~~{ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى } وأحللنا ~~لك من وقع لها أن تهب لك نفسها نولا تطلب مهرا من النساء المؤمنات إن ~~اتفق ذلك ولذا نكرها. قال ابن عباس: هو بيان حكم في المستقبل ولم يكن ~~عنده أحد منهن بالهبة. وقيل: الواهبة نفسها ميمونة بنت الحرث أو زينب بنت ~~خزيمة أو أم شريك بنت جابر أو خولة بنت حكيم. وقرأ الحسن «أن» بالفتح على ~~التعليل بتقدير حذف اللام. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه بغير «إن» { إن ~~أراد النبى أن يستنكحها } استنكاحها طلب نكاحها والرغبة ~~فيه. وقيل: نكح واستنكح بمعنى، والشرط الثاني تقييد للشرط الأول شرط في ~~الإحلال هبتها نفسها وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها لأن ~~إرادته هي قبول الهبة وما به تتم، وفيه دليل جواز النكاح بلفظ الهبة لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل ~~{ خالصة } بلا مهر حال من الضمير في { وهبت } أو مصدر مؤكد أي ~~خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة بمعنى خلوصا والفاعلة في المصادر غير ~~عزيز كالعافية والكاذبة { لك من دون المؤمنين } بل يجب المهر ~~لغيرك وإن لم يسمه أو نفاه. عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله { إن ~~أراد النبى } ثم رجع إلى الخطاب ليؤذن أن الاختصاص تكرمة له لأجل ~~النبوة وتكريره أي تكرير النبي تفخيم له. # { قد علمنا ما فرضنا عليهم فى أزوجهم } أي ما ~~أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم أو ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من ~~الحقوق { وما ملكت أيمنهم } بالشراء وغيره من وجوه الملك. ~~وقوله { لكيلا يكون عليك حرج } ضيق متصل ب { خالصة ~~لك من دون المؤمنين } وقوله { قد علمنا ما ms1128 فرضنا ~~عليهم فى أزوجهم وما ملكت أيمنهم } جملة ~~اعتراضية { وكان الله غفورا رحيما } بالتوسعة على عباده. # { ترجى } بلا همز: مدني وحمزة وعلي وخلف وحفص، وبهمز غيرهم: تؤخر { ~~من تشاء منهم وتؤوى إليك من تشاء } تضم بمعنى تترك ~~مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، أو ~~لا تقسم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك ~~وتتزوج من شئت، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن ~~يمسك، فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أولم يقسم، وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي ~~المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها. وروي أنه أرجى منهن جويرية وسودة وصفية ~~وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه ~~عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، أرجى خمسا وآوى أربعا، وروي أنه كان يسوي ~~مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا ~~تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك { ومن ابتغيت ممن عزلت ~~فلا جناح عليك } أي ومن دعوت إلى فراشك وطلبت صحبتها ممن عزلت ~~عن نفسك بالإرجاء فلا ضيق عليك في ذلك أي ليس إذا عزلتها لم يجز لك ردها ~~إلى نفسك. و«من» رفع بالابتداء وخبره { فلا جناح } { ذلك } ~~التفويض إلى مشيئتك { أدنى أن تقر أعينهن ولا ~~يحزن ويرضين بما ءاتيتهن كلهن } أي أقرب إلى ~~قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا لأنهن إذا علمن أن هذا التفويض من ~~عند الله اطمأنت نفوسهن وذهب التغاير وحصل الرضا وقرت العيون. { ~~كلهن } بالرفع تأكيد لنون { يرضين } وقرىء { ويرضين ~~كلهن بما ءاتيتهن } على التقديم، وقرىء شاذا «كلهن» ~~بالنصب تأكيدا لهن في { ءاتيتهن } { والله يعلم ما فى ~~قلوبكم } فيه وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله من ذلك وفوض إلى ~~مشيئة رسوله { وكان الله عليما } بذات الصدور { حليما } لا ~~يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يتقي ويحذر. # { لا يحل لك النساء } بالتاء: أبو عمرو ويعقوب، وغيرهما ~~بالتذكير ms1129 لأن تأنيث الجمع غير حقيقي وإذا جاز بغير فصل فمع الفصل أجوز { ~~من بعد } من بعد التسع لأن التسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته { ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج } الطلاق. والمعنى أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا أخر بكلهن ~~أو بعضهن كرامة لهن وجزاء على ما اخترن ورضين فقصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليهن وهن التسع التي مات عنهن: عائشة، حفصة، أم حبيبة، سودة ~~أم سلمة، صفية، ميمونة، زينب بنت جحش، جويرية. # و«من» في { من أزواج } التأكيد النفي وفائدته استغراق جنس الأزواج ~~بالتحريم { ولو أعجبك حسنهن } في موضع الحال من الفاعل وهو ~~الضمير في { تبدل } أي تتبدل لا من المفعول الذي هو من أزواج لتوغله ~~في التنكير، وتقديره مفروضا إعجابك بهن. وقيل: هي أسماء بنت عميس امرأة ~~جعفر بن أبي طالب فإنها ممن أعجبه حسنهن. وعن عائشة وأم سلمة: ما مات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء يعني ~~أن الآية نسخت، ونسخها إما بالسنة أو بقوله { إنا أحللنا لك ~~أزوجك } وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف { إلا ما ملكت ~~يمينك } استثنى ممن حرم عليه الإماء ومحل «ما» رفع بدل من { النساء ~~} { وكان الله على كل شىء رقيبا } حافظا وهو تحذير ~~عن مجاوزة حدوده. # { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى ~~إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير نظرين إنه ~~} { أن يؤذن لكم } في موضع الحال أي لا تدخلوا إلا مأذونا لكم، ~~أو في معنى الظرف تقديره إلا وقت أن يؤذن لكم، { غير نظرين } ~~حال من { لا تدخلوا } وقع الاستثناء على الحال والوقت معا كأنه ~~قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين أي ~~غير منتظرين. وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، ومعناه لا تدخلوا يا أيها ~~المتحينون للطعام إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين ms1130 إناه، وإنى الطعام ~~إدراكه يقال أنى الطعام أني كقولك قلاه قلي. وقيل: إناه وقته أي غير ~~ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم ~~على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنسا أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجا ~~يأكل فوج ويخرج ثم يدخل فوج إلى أن قال يا رسول الله دعوت حتى ما أجد ~~أحدا أدعوه فقال «ارفعوا طعامكم»، وتفرق الناس وبقيء ثلاثة نفر يتحدثون ~~فأطالوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا فطاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالحجرات وسلم عليهن ودعون له ورجع، فإذا الثلاثة جلوس ~~يتحدثون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فتولى، فلما رأوه ~~متوليا خرجوا فرجع ونزلت { ولكن إذا دعيتم فادخلوا ~~فإذا طعمتم فانتشروا } فتفرقوا { ولا مستأنسين ~~لحديث } هو مجرور معطوف على { نظرين } أو منصوب أي ولا تدخولها ~~مستأنسين نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدث به ~~{ إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم } من ~~إخراجكم { والله لا يستحى من الحق } يعني أن إخراجكم حق ~~ما ينبغي أن يستحيا منه. # ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال قيل لا يستحيي من الحق ~~أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم، هذا أدب أدب الله به ~~الثقلاء. وعن عائشة رضي الله عنها: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم ~~يحتملهم وقال { فإذا طعمتم فانتشروا }. # { وإذا سألتموهن } الضمير لنساء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لدلالة بيوت النبي لأن فيها نساءه { متعا } عارية أو حاجة { ~~فسئلوهن } المتاع { من وراء حجاب ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن } من خواطر الشيطان وعوارض الفتن، وكانت ~~النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال وكان عمر رضي الله عنه يجب ضرب ~~الحجاب عليهن ويود أن ينزل فيه وقال: يا رسول الله يدخل عليك البر ~~والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت. وذكر أن بعضهم قال: ~~أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة ms1131 ~~فنزل { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } أي وما صح لكم إيذاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا نكاح أزواجه من بعد موته { إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما } أي ذنبا عظيما. ### || [33.54-60] # { إن تبدوا شيئا } من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم أو من ~~نكاحهن { أو تخفوه } في أنفسكم من ذلكم { فإن الله كان ~~بكل شىء عليما } فيعاقبكم به. # ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله أو ~~نحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب فنزل { لا جناح عليهن فى ~~ءابآئهن ولا أبنائهن ولا إخونهن ولا أبناء ~~إخونهن ولا أبناء أخوتهن ولا نسائهن ولا } ~~أي نساء المؤمنات { ولا ما ملكت أيمانهن } أي لا إثم عليهن ~~في ألا يحتجبن من هؤلاء ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى ~~الوالدين وقد جاءت تسمية العم أبا قال الله تعالى: # وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق # [البقرة: 133]. وإسماعيل عم يعقوب، وعبيدهن عند الجمهور كالأجانب. ثم ~~نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب وفي هذا النقل فضل تشديد كأنه قيل { ~~واتقين الله } فيما أمرتن به من الاحتجاب وأنزل فيه الوحي من ~~الاستتار واحتطن فيه { إن الله كان على كل شىء شهيدا } ~~عالما. قال ابن عطاء: الشهيد الذي يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات ~~الجوارح. { إن الله وملئكته يصلون على النبى ~~يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه } أي قولوا اللهم صل ~~على محمد أو صلى الله على محمد { وسلموا تسليما } أي قولوا ~~اللهم سلم على محمد أو انقادوا لأمره وحكمه انقيادا. وسئل عليه السلام ~~عن هذه الآية فقال # " إن الله وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك ~~الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين، ولا ~~أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك وقال ~~الله وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين " # ثم هي واجبة مرة عند الطحاوي، وكلما ذكر اسمه عند الكرخي ms1132 وهو الاحتياط ~~وعليه الجمهور. وإن صلى على غيره على سبيل التبع كقوله «صلى الله على ~~النبي وآله» فلا كلام فيه، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة ~~فمكروه وهو من شعائر الروافض. # { إن الذين يؤذون الله ورسوله } أي يؤذون رسول الله، ~~وذكر اسم الله للتشريف أو عبر بإيذاء الله ورسوله عن فعل ما لا يرضى به ~~الله ورسوله كالكفر وإنكار النبوة مجازا، وإنما جعل مجازا فيهما وحقيقة ~~الإيذاء يتصور في رسول الله لئلا يجتمع المجاز والحقيقة في لفظ واحد { ~~لعنهم الله فى الدنيا والآخرة } طردهم الله عن رحمته في ~~الدارين { وأعد لهم عذابا مهينا } في الآخرة { ~~والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت بغير ما ~~اكتسبوا } أطلق إيذاء الله ورسوله وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات ~~لأن ذاك يكون غير حق أبدا، وأما هذا فمنه حق كالحد والتعزيز ومنه باطل. # قيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليا رضي الله عنه ويسمونه. وقيل: ~~في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات. وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذي ~~كلبا أو خنزيرا بغير حق فكيف إيذاء المؤمنين والمؤمنات { فقد ~~احتملوا } تحملوا { بهتنا } كذبا عظيما { وإثما ~~مبينا } ظاهرا. # { يأيها النبى قل لأزوجك وبنتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلبيبهن } الجلباب: ~~ما يستر الكل مثل الملحفة عن المبرد. ومعنى { يدنين عليهن من ~~جلبيبهن } يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا ~~زل الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك. و «من» للتبعيض أي ترخي بعض ~~جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة، أو المراد أن تتجلببن ~~ببعض ما لهن من الجلابيب وأن لا تكون المرأة متبذلة في درع وخمار كالأمة ~~ولها جلبابان فصاعدا في بيتها، وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على ~~هجيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فضل بين الحرة ~~والأمة، وكان الفتيان يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل ~~والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة لحسبان الأمة فأمرن أن يخالفن بزيهن ~~عن زي الإماء بلبس الملاحف وستر الرؤوس ms1133 والوجوه فلا يطمع فيهن طامع وذلك ~~قوله { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } أي أولى وأجدر ~~بأن يعرفن فلا يتعرض لهن { وكان الله غفورا } لما سلف منهن من ~~التفريط { رحيما } بتعليمهن آداب المكارم { لئن لم ينته ~~المنفقون والذين فى قلوبهم مرض } فجور، وهم ~~الزناة من قوله # فيطمع الذى فى قلبه مرض # { والمرجفون فى المدينة } هم أناس كانوا يرجفون بأخبار ~~السوء عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون هزموا وقتلوا وجرى ~~عليهم كيت وكيت فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال: أرجف بكذا إذا أخبر به ~~على غير حقيقة لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة { ~~لنغرينك بهم } لنأمرنك بقتالهم أو لنسلطنك عليهم { ثم لا ~~يجاورونك فيها } في المدينة وهو عطف على { لنغرينك } ~~لأنه يجوز أن يجاب به القسم لصحة قولك لئن لم ينتهوا لا يجاورونك. ولما ~~كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أصيبوا به عطف ب { ثم } لبعد ~~حاله عن حال المعطوف عليه { إلا قليلا } زمانا قليلا. والمعنى ~~لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون ~~عما يؤلفون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل الأفعال التي تسوءهم، ثم ~~بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة وإلى أن لا يساكنوك فيها إلا ~~زمانا قليلا ريثما يرتحلون، فسمي ذلك إغراء وهو التحريش على سبيل ~~المجاز. ### || [33.61-73] # { ملعونين } نصب على الشتم أو الحال أي لا يجاورنك إلا ملعونين، ~~فالاستثناء دخل على الظرف والحال معا كما مر ولا ينتصب عن { أخذوا } ~~لأن ما بعد حروف الشرط لا يعمل فيما قبلها { أينما ثقفوا } وجدوا ~~{ أخذوا وقتلوا تقتيلا } والتشديد يدل على التكثير { ~~سنة الله } في موضع مصدر مؤكد أي سن الله في الذين ينافقون ~~الأنبياء أن يقتلوا أينما وجدوا { فى الذين خلوا } مضوا { من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي لا يبدل الله ~~سنته بل يجريها مجرى واحدا في الأمم. # { يسئلك الناس عن الساعة } كان المشركون يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة استعجالا ms1134 على سبيل الهزء، ~~واليهود يسألونه امتحانا لأن الله تعالى عمى وقتها في التوراة وفي كل ~~كتاب، فأمر رسوله بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله ~~أنها قريبة الوقوع تهديدا للمستعجلين وإسكانا للممتحنين بقوله { قل ~~إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة ~~تكون قريبا } شيئا قريبا أو لأن الساعة في معنى الزمان { إن ~~الله لعن الكفرين وأعد لهم سعيرا } نارا شديدة ~~الاتقاد { خلدين فيها أبدا } هذا يرد مذهب الجهمية لأنهم ~~يزعمون أن الجنة والنار تفنيان. ولا وقف على { سعيرا } لأن قوله { ~~خلدين فيها } حال عن الضمير في { لهم }. { لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا } ناصرا يمنعهم. اذكر { يوم تقلب ~~وجوههم فى النار } تصرف في الجهات كما ترى البضعة تدور في ~~القدر إذا غلت، وخصصت الوجوه لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده أو ~~يكون الوجه عبارة عن الجملة { يقولون } حال { يليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا } فنتخلص من هذا العذاب فتمنوا حين لا ~~ينفعهم التمني { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا } جمع ~~سيد. { ساداتنا } شامي وسهل ويعقوب جمع الجمع، والمراد رؤساء الكفرة ~~الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم { وكبراءنا } ذوي الأسنان منا أو ~~علماءنا { فأضلونا السبيلا } يقال: ضل السبيل وأضله إياه، ~~وزيادة الألف لإطلاق الصوت جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر، وفائدتها الوقف ~~والدلالة على أن الكلام قد انقطع وأن ما بعده مستأنف { ربنا ءاتهم ~~ضعفين من العذاب } للضلال والإضلال { والعنهم لعنا ~~كبيرا } بالباء عاصم ليدل على أشد اللعن وأعظمه، وغيره بالثاء تكثيرا ~~لأعداد اللعائن. # ونزل في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قاله بعض الناس { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى ~~فبرأه الله مما قالوا } «ما» مصدرية أو موصولة، وأيهما كان ~~فالمراد البراءة عن مضمون القول ومؤاده وهو الأمر المعيب. # وأذى موسى عليه السلام هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه ~~بنفسها أواتهامهم إياه بقتل هرون فأحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءة موسى ~~عليه السلام كما برأ نبينا عليه السلام بقوله: # ما كان محمد أبا أحد ms1135 من رجالكم # { وكان عند الله وجيها } ذا جاه ومنزلة مستجاب الدعوة. وقرأ ~~ابن مسعود والأعمش { وكان عبدا لله وجيها }. # يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا } صدقا وصوابا أو قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق ~~والقول بالعدل والمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل ~~في القول والبعث على أن يسددوا قولهم في كل باب، لأن حفظ اللسان وسداد ~~القول رأس كل خير. ولا تقف على { سديدا } لأن جواب الأمر قوله { ~~يصلح لكم أعملكم } يقبل طاعتكم أو يوفقكم لصالح العمل { ~~ويغفر لكم ذنوبكم } أي يمحها. والمعنى راقبوا الله في حفظ ~~ألسنتكم وتسديد قولكم فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة من ~~تقبل حسناتكم والإثابة عليها ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وهذه الآية ~~مقررة للتي قبلها بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان ليترادف عليهم النهي ~~والأمر مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام وإتباع ~~الأمر الوعد البليغ فيقوي الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. ولما علق ~~بالطاعة الفوز العظيم بقوله { ومن يطع الله ورسوله فقد ~~فاز فوزا عظيما } أتبعه قوله. # { إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال } وهو يريد بالأمانة الطاعة لله وبحمل الأمانة الخيانة. ~~يقال: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها أي يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ~~ذمته، إذ الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها ولهذا يقال: ~~ركبته الديون ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حامل لها ~~يعني أن هذا الأجرام العظام من السماوات والأرض والجبال قد انقادت لأمر ~~الله انقياد مثلها وهو ما يأتي من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التي تليق ~~بها حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسوية على هيئات ~~مختلفة وأشكال متنوعة كما قال: # ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين # [فصلت: 11]. وأخبر أن الشمس ms1136 والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ~~يسجدون لله وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله، وأما الإنسان فلم تكن ~~حاله فيما يصح منه من الطاعة ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه ~~وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق ~~بها من الانقياد وعدم الامتناع، وهذا معنى قوله { فأبين أن ~~يحملنها } أي أبين الخيانة فيها وأن لا يؤدينها { وأشفقن ~~منها } وخفن من الخيانة فيها { وحملها الإنسن } أي خان ~~فيها وأبى أن لا يؤديها { إنه كان ظلوما } لكونه تاركا لأداء ~~الأمانة { جهولا } لإخطائه ما يساعده مع تمكنه منه وهو أداؤها. # قال الزجاج: الكافر والمنافق حملا الأمانة أي خانا ولم يطيعا. ومن أطاع ~~من الأنبياء والمؤمنين فلا يقال كان ظلوما جهولا. وقيل: معنى الآية أن ~~ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام ~~وأقواه فأبى حمله وأشفق منه وحمله الإنسان على ضعفه { إنه كان ~~ظلوما جهولا } حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ثم خاس بضمانه ~~فيها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على ~~أساليبهم من ذلك قولهم «لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوي العوج». # واللام في { ليعذب الله المنفقين والمنفقت ~~والمشركين والمشركت } للتعليل لأن التعذيب هنا نظير ~~التأديب في قولك «ضربته للتأديب» فلا تقف على { جهولا } { ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنت } وقرأ الأعمش { ~~ويتوب الله } بالرفع ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل ويبتديء { ~~ويتوب الله } ومعنى المشهورة ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على ~~غيره ممن لم يحملها لأنه إذا تيب على الوافي كان نوعا من عذاب الغادر، ~~أو للعاقبة أي حملها الإنسان فآل الآمر إلى تعذيب الأشقياء وقبول توبة ~~السعداء { وكان الله غفورا } للتائبين { رحيما } بعباده ~~المؤمنين والله الموفق للصواب. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-8] # مكية وهي أربع وخمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { الحمد } إن أجرى على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود، وإن أجرى ~~على الاستغراق فله لكل المحامد ms1137 الاستحقاق { لله } بلام التمليك لأنه ~~خالق ناطق الحمد أصلا فكان بملكه مالك الحمد للتحميد أهلا { الذى ~~له ما فى السموت وما فى الأرض } خلقا وملكا وقهرا ~~فكان حقيقا بأن يحمد سرا وجهرا { وله الحمد فى الآخرة } ~~كما هو له في الدنيا إذ النعم في الدارين من المولى، غير أن الحمد هنا ~~واجب لأن الدنيا دار تكليف وثم لا، لعدم التكليف وإنما يحمد أهل الجنة ~~سرورا بالنعيم وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم بقولهم # الحمد لله الذى صدقنا وعده # [الزمر: 74] # الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34] { وهو الحكيم } بتدبير ما في السماء والأرض { ~~الخبير } بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض { يعلم } مستأنف { ~~ما يلج } ما يدخل { فى الأرض } من الأموات والدفائن { وما ~~يخرج منها } من النبات وجواهر المعادن { وما ينزل من ~~السماء } من الأمطار وأنواع البركات { وما يعرج فيها } يصعد ~~إليها من الملائكة والدعوات { وهو الرحيم } بإنزال ما يحتاجون ~~إليه { الغفور } لما يجترئون عليه. # { وقال الذين كفروا } أي منكرو البعث { لا تأتينا ~~الساعة } نفي للبعث وإنكار لمجيء الساعة { قل بلى } أوجب ما بعد ~~النفي ب «بلى» على معنى أن ليس الأمر إلا إتيانها { وربى ~~لتأتينكم } ثم أعيد إيجابه مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد ~~والتشديد وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، ثم أمد التوكيد القسمى بما ~~اتبع المقسم به من الوصف بقوله { علم الغيب } لأن عظمة حال ~~المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وبشدة ثباته واستقامته لأنه بمنزلة ~~الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أرفع منزلة كانت الشهادة ~~أقوى وآكد والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، ولما كان قيام الساعة من مشاهير ~~الغيوب وأدخلها في الخفية كان الوصف بما يرجع إلى علم الغيب أولى وأحق. { ~~علم الغيب } مدني وشامي أي هو عالم الغيب { علام الغيب } ~~حمزة وعلي على المبالغة { لا يعزب عنه } وبكسر الزاي: علي. ~~يقال: عزب يعزب ويعزب إذا غاب وبعد { مثقال ذرة } مقدار أصغر ~~نملة { فى السموت ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ~~} من مثقال ذرة { ولا ms1138 أكبر } من مثقال ذرة { إلا فى كتب ~~مبين } إلا في اللوح المحفوظ، { ولا أصغر ولا أكبر } ~~بالرفع عطف على { مثقال ذرة } ويكون «إلا» بمعنى لكن، أو رفعا ~~بالابتداء والخبر { فى كتب } واللام في { ليجزى الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك لهم مغفرة } ~~لما قصروا فيه من مدارج الإيمان { ورزق كريم } لما صبروا عليه من ~~مناهج الإحسان متعلق ب { لتأتينكم } تعليلا له. # { والذين سعوا فى ءايتنا } جاهدوا في رد القرآن { ~~معجزين } مسابقين ظانين أنهم يفوتوننا. { معجزين } مكي وأبو ~~عمرو أي مثبطين الناس عن اتباعها وتأملها أو ناسبين الله إلى العجز { ~~أولئك لهم عذاب من رجز أليم } برفع { أليم } مكي ~~وحفص ويعقوب صفة لعذاب أي عذاب أليم من سيء العذاب. قال قتادة: الرجز سوء ~~العذاب، وغيرهم بالجر صفة لرجز. # { ويرى } في موضع الرفع بالاستئناف أي ويعلم { الذين أوتوا ~~العلم } يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطأ أعقابهم من ~~أمته أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه، ~~والمفعول الأول ل { يرى } { الذى أنزل إليك من ربك } ~~يعني القرآن { هو الحق } أي الصدق وهو فصل و { الحق } مفعول ~~ثان أو في موضع النصب معطوف على { ليجزى } وليعلم أولو العلم عند ~~مجيء الساعة أنه الحق علما لا يزاد عليه في الإيقان { ويهدى } الله ~~أو الذي أنزل إليك { إلى صراط العزيز الحميد } وهو دين ~~الله { وقال الذين كفروا } وقال قريش بعضهم لبعض { هل ~~ندلكم على رجل } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. وإنما ~~نكروه مع أنه كان مشهورا علما في قريش وكان إنباؤه بالبعث شائعا ~~عندهم تجاهلا به وبأمره وباب التجاهل في البلاغة وإلى سحرها { ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق ~~جديد } أي يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشئون خلقا ~~جديدا بعد أن تكونوا رفاتا وترابا ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق أي ~~يفرقكم كل تفريق، فالممزق مصدر بمعنى التمزيق، والعامل في { إذا } ما ~~دل عليه { إنكم لفى خلق جديد } أي تبعثون، والجديد فعيل ~~بمعنى فاعل عند البصريين ms1139 تقول جد فهو جديد كقل فهو قليل ولا يجوز { ~~إنكم } بالفتح للام في خبره { افترى على الله كذبا } ~~أهو مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك والهمزة للاستفهام وهمزة ~~الوصل حذفت استغناء عنها { أم به جنة } جنون يوهمه ذلك ويلقيه على ~~لسانه { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة فى العذاب ~~والضلل البعيد } ثم قال سبحانه وتعالى: ليس محمد من الافتراء ~~والجنون في شيء وهو مبرأ منهما بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون ~~في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك. ~~وذلك أجن الجنون، جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في الضلال كأنهما ~~كائنان في وقت واحد، لأن الضلال لما كان العذاب من لوازمه جعلا كأنهما ~~مقترنان. ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد من الإسناد ~~المجازي لأن البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادة. ### || [34.9-13] # { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم } وبالإدغام: ~~علي للتقارب بين الفاء والباء، وضعفه البعض لزيادة صوت الفاء على الباء ~~{ الأرض أو نسقط } الثلاثة بالياء: كوفي غير عاصم لقوله { ~~افترى على الله كذبا } { عليهم كسفا } { كسفا } ~~حفص { من السماء } أي أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما ~~حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا ~~من أقطارهما وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله ولم يخافوا أن يخسف ~~الله بهم، أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول وبما جاء ~~به كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة { إن فى ذلك } النظر إلى السماء ~~والأرض والفكر فيهما وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى { لآية } ~~لدلالة { لكل عبد منيب } راجع إلى ربه مطيع له إذ المنيب لا ~~يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب ~~من يكفر به. # { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا يجبال } بدل من { ~~فضلا } أو من { ءاتينا } بتقدير قولنا يا جبال أو قلنا يا جبال ms1140 { ~~أوبى معه } من التأويب رجعي معه التسبيح ومعنى تسبيح الجبال أن ~~الله يخلق فيها تسبيحا فيسمع منها كما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه ~~السلام { والطير } عطف على محل الجبال و { الطير } عطف على لفظ ~~الجبال وفي هذا النظم من الفخامة ما لا يخفى حيث جعلت الجبال بمنزلة ~~العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا وإذا دعاهم أجابوا إشعارا بأنه ~~ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لمشيئة الله تعالى، ولو قال آتينا داود ~~منا فضلا تأويب الجبال معه والطير لم يكن فيه هذه الفخامة. { وألنا ~~له الحديد } وجعلناه له لينا كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء ~~من غير نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل: لأن الحديد في يده لما أوتي من شدة ~~القوة { أن اعمل } «أن» بمعنى أي أو أمرناه أن أعمل { سبغت ~~} دروعا واسعة تامة من السبوغ وهو أول من اتخذها، وكان يبيع الدرع ~~بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء. وقيل: كان ~~يخرج متنكرا فيسأل الناس عن نفسه ويقول لهم ما تقولون في داود فيثنون ~~عليه فقيض الله له ملكا في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل ~~لولا خصلة فيه وهو أنه يطعم عياله من بيت المال فسأله عند ذلك ربه أن ~~يسبب له ما يستغني به عن بيت المال فعلمه صنعة الدروع { وقدر فى ~~السرد } لا تجعل المسامير دقاقا فتقلق ولا غلاظا فتفصم الحلق، ~~والسرد: نسج الدروع { واعملوا } الضمير لداود وأهله { صلحا } ~~خالصا يصلح للقبول { إنى بما تعملون بصير } فأجازيكم عليه. # { ولسليمن الريح } أي وسخرنا لسليمان الريح وهي الصبا. ورفع ~~{ الريح } أبو بكر وحماد والفضل أي وسليمان الريح مسخرة { غدوها ~~شهر ورواحها شهر } جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي ~~كذلك، وكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر فارس وبينهما مسيرة شهر ويروح من ~~اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل: كان يتغدى ~~بالري ويتعشى بسمرقند { وأسلنا له عين القطر } أي معدن ~~النحاس فالقطر النحاس وهو الصفر ولكنه أساله وكان يسيل في الشهر ms1141 ثلاثة ~~أيام كما يسيل الماء وكان قبل سليمان لا يذوب، وسماه عين القطر باسم ما ~~آل إليه { ومن الجن من يعمل } «من» في موضع نصب أي وسخرنا من ~~الجن من يعمل { بين يديه بإذن ربه } بأمر ربه { ومن ~~يزغ منهم } ومن يعدل منهم { عن أمرنا } الذي أمرنا به من ~~طاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير } عذاب الآخرة. وقيل: ~~كان معه ملك بيده سوط من نار فمن زاع عن أمر سليمان عليه السلام ضرب ضربة ~~أحرقته { يعملون له ما يشاء من محريب } أي مساجد أو ~~مساكن { وتمثيل } أي صور السباع والطيور. وروي أنهم عملوا له ~~أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ~~ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وكان التصوير مباحا حينئذ { ~~وجفان } جمع جفنة { كالجواب } جمع جابية وهي الحياض الكبار. ~~قيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل. { كالجوابي } في الوصل والوقف: مكي ~~ويعقوب وسهل، وافق أبو عمرو في الوصل، الباقون بغير ياء اكتفاء بالكسرة { ~~وقدور راسيت } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. وقيل: ~~إنها باقية باليمن وقلنا لهم { اعملوا ءال داوود شكرا } أي ~~ارحموا أهل البلاد واسألوا ربكم العافية عن الفضل و { شكرا } مفعول ~~له أو حال أي شاكرين أو اشكروا شكرا لأن { اعملوا } فيه معنى اشكروا ~~من حيث إن العمل للمنعم شكر له أو مفعول به يعني إنا سخرنا لكم الجن ~~يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا، وسئل الجنيد عن الشكر فقال: بذل ~~المجهود بين يدي المعبود { وقليل من عبادى } بسكون الياء: حمزة ~~وغيره بفتحها { الشكور } المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد ~~شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا واعترافا وكدحا. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه: من يشكر على أحواله كلها. وقيل: من يشكر على الشكر. وقيل: من ~~يرى عجزه عن الشكر. وحكي عن داود عليه السلام أنه جزأ ساعات الليل ~~والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود ~~قائم يصلي. ### || [34.14-19] # { فلما ms1142 قضينا عليه الموت } أي على سليمان { ما ~~دلهم } أي الجن وآل داود { على موته إلا دابة ~~الأرض } أي الأرضة وهي دويبة يقال لها صرفة والأرض فعلها فأضيفت إليه. ~~يقال: أرضت الخشبة أرضا إذا أكلتها الأرضة { تأكل منسأته } ~~والعصا تسمى منسأة لأنه ينسأ بها أي يطرد، و { منسأته } بغير همز: ~~مدني وأبو عمرو { فلما خر } سقط سليمان { تبينت الجن } ~~علمت الجن كلهم علما بينا بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم { أن ~~لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا } بعد موت سليمان { ~~فى العذاب المهين } وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت ~~المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتمه فوصى به إلى ~~سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل ربه أن يعمي ~~عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب وكان عمر سليمان ~~ثلاثا وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة فبقي في ملكه أربعين سنة ~~وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. وروي أن أفريدون جاء ليصعد ~~كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه. # { لقد كان لسبإ } بالصرف بتأويل الحي، وبعدمه: أبو عمرو بتأويل ~~القبيلة { فى مسكنهم } حمزة وحفص { مسكنهم } علي وخلف وهو ~~موضع سكناهم وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها باليمن أو مسكن كل ~~واحد منهم، غيرهم { مسكنهم } { ءاية } اسم كان { جنتان } ~~بدل من { ءاية } أو خبر مبتدأ محذوف تقديره الآية جنتان، ومعنى كونهما ~~آية أن أهلها لما أعرضوا عن شكر الله سلبهم الله النعمة ليعتبروا ويتعظوا ~~فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم، أو جعلهما آية أي ~~علامة دالة على قدرة الله وإحسانه ووجوب شكره { عن يمين وشمال } ~~أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، وكل ~~واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بساتين ~~البلاد العامرة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله { ~~كلوا من رزق ربكم ms1143 واشكروا له } حكاية لما قال لهم ~~أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء ~~بأن يقال لهم ذلك. ولما أمرهم بذلك أتبعه قوله { بلدة طيبة ~~ورب غفور } أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي ~~رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. قال ابن عباس: كانت سبأ على ثلاث ~~فراسخ من صنعاء وكانت أخصب البلاد، تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل ~~بيدها وتسير بين تلك الشجر فيمتليء المكتل مما يتساقط فيه من الثمر ~~وطيبها ليس فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ومن يمر بها ~~من الغرباء يموت قمله لطيب هوائها. # { فأعرضوا } عن دعوة أنبيائهم فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله علينا ~~نعمة { فأرسلنا عليهم سيل العرم } أي المطر الشديد أو ~~العرم اسم الوادي أو هو الجرذ الذي نقب عليهم السكر لما طغوا سلط الله ~~عليهم الجرذ فنقبه من أسفل فغرقهم { وبدلنهم بجنتيهم ~~} المذكورتين { جنتين } وتسمية البدل جنتين للمشاكلة وازدواج ~~الكلام كقوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] { ذواتى أكل خمط } الأكل الثمر يثقل ويخفف وهو ~~قراءة نافع ومكي، والخمط شجر الأراك، وقيل: كل شجر ذي شوك { وأثل ~~وشىء من سدر قليل } الأثل شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود ~~عودا، ووجه من نون الأكل وهو غير أبي عمرو أن أصله ذواتي أكل خمط ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ~~ذواتي أكل بشع، ووجه أبي عمر أن أكل الخمط في معنى البرير وهو ثمر الأراك ~~إذا كان غضا فكأنه قيل ذواتي برير، والأثل والسدر معطوفان على { أكل ~~} لا على { خمط } لأن الأثل لا أكل له. وعن الحسن: قلل السدر لأنه ~~أكرم ما بدلوا لأنه يكون في الجنان { ذلك جزينهم بما ~~كفروا } أي جزيناهم ذلك بكفرهم فهو مفعول ثان مقدم { وهل ~~نجازى إلا الكفور } كوفي غير أبي بكر. { وهل نجازى ~~إلا الكفور } غيرهم يعني وهل نجازي مثل هذا الجزاء إلا من كفر ~~النعمة ولم يشكرها أو كفر بالله، ms1144 أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاما ~~يستعمل في معنى المعاقبة وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص وهو العقاب. ~~وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. # { وجعلنا بينهم } بين سبإ { وبين القرى التى ~~باركنا فيها } بالتوسعة على أهلها في النعم والمياه وهي قرى الشام ~~{ قرى ظهرة } متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين ~~الناظرين، أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم وهي أربعة ~~آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبإ إلى الشام { وقدرنا فيها ~~السير } أي جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يقيل المسافر في قرية ~~ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام { سيروا فيها } وقلنا لهم سيروا ~~ولا قول ثمة، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه فكأنهم أمروا ~~بذلك { ليالي وأياما آمنين } أي سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم ~~بالنهار فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات أي سيروا فيها آمنين لا ~~تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياما ~~وليالي { فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا } قالوا يا ~~ليتها كانت بعيدة فنسير على نجائبنا، ونربح في التجارات ونفاخر في الدواب ~~والأسباب، بطروا النعمة وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب، { بعد } ~~مكي وأبو عمرو { وظلموا } بما قالوا { أنفسهم فجعلنهم ~~أحاديث } يتحدث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم { ومزقنهم ~~كل ممزق } وفرقناهم تفريقا اتخذه الناس مثلا مضروبا يقولون ~~«ذهبوا أيدي سبأ» و «تفرقوا أيادي سبأ» فلحق غسان بالشام وأنمار بيثرب ~~وجذام بتهامة والأزد بعمان { إن فى ذلك لآيت لكل صبار ~~} عن المعاصي { شكور } للنعم أو لكل مؤمن لأن الإيمان نصفان نصفه شكر ~~ونصفه صبر. ### || [34.20-28] # { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } بالتشديد: كوفي أي ~~حقق عليهم ظنه أو وجده صادقا، وبالتخفيف: غيرهم أي صدق في ظنه { ~~فاتبعوه } الضمير في { عليهم } و { اتبعوه } لأهل سبإ أو ~~لبني آدم. وقلل المؤمنين بقوله { إلا فريقا من المؤمنين } ~~لقلتهم بالإضافة إلى الكفار # ولا تجد أكثرهم شكرين # [الأعراف: 17] { وما كان له عليهم } لإبليس ms1145 على الذين صار ~~ظنه فيهم صدقا { من سلطن } من تسليط واستيلاء بالوسوسة { إلا ~~لنعلم } موجودا ما علمناه معدوما والتغير على المعلوم لا على ~~العلم { من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك ~~وربك على كل شىء حفيظ } محافظ عليه وفعيل ومفاعل متآخيان { ~~قل } لمشركي قومك { ادعوا الذين زعمتم من دون الله } ~~أي زعمتموهم آلهة من دون الله، فالمفعول الأول الضمير الراجع إلى الموصول ~~وحذف كما حذف في قوله # أهذا الذى بعث الله رسولا # [الفرقان: 41] استخفافا لطول الموصول بصلته. والمفعول الثاني آلهة وحذف ~~لأنه موصوف صفته { من دون الله } والموصوف يجوز حذفه وإقامة الصفة ~~مقامه إذا كان مفهوما، فإذا مفعولا زعم محذوفان بسببين مختلفين، ~~والمعنى ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة ~~وسميتموهم باسمه والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه وانتظروا ~~استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته، ثم أجاب عنهم بقوله { لا ~~يملكون مثقال ذرة } من خير أو شر أو نفع أو ضر { فى ~~السموت ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك } ~~وما لهم في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك { وما له } ~~تعالى { منهم } من آلهتهم { من ظهير } من عوين يعينه على تدبير ~~خلقه يريد أنهم على هذه الصفة من العجز فكيف يصح أن يدعوا كما يدعي ~~ويرجوا كما يرجى. # { ولا تنفع الشفعة عنده إلا لمن أذن له } أي ~~أذن له الله يعني إلا من وقع الإذن للشفيع لأجله وهي اللام الثانية في ~~قولك «أذن لزيد لعمرو» أي لأجله، وهذا تكذيب لقولهم # هؤلاء شفعؤنا عند الله # { أذن له } كوفي غير عاصم إلا الأعشى { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم } أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم ~~بها رب العزة في إطلاق الإذن و { فزع } شامي أي الله تعالى، والتفزيع ~~إزالة الفزع و { حتى } غاية لما فهم من أن ثم انتظارا للإذن وتوقفا ~~وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن لهم كأنه ~~قيل: يتربصون ويتوقعون مليا فزعين حتى إذا ms1146 فزع عن قلوبهم { قالوا } ~~سأل بعضهم بعضا { ماذا قال ربكم قالوا } قال { الحق } أي ~~القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. # { وهو العلى الكبير } ذو العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي ~~أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه وان يشفع إلا لمن ارتضى # { قل من يرزقكم من السموت والأرض قل الله } ~~أمره بأن يقررهم بقوله { من يرزقكم } ثم أمره بأن يتولى الإجابة ~~والإقرار عنهم بقوله «يرزقكم الله» وذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم ~~إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم ~~أن يقال لهم فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على ~~الرزق، وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على ~~إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه { وإنا أو إياكم لعلى ~~هدى أو فى ضلل مبين } ومعناه وإن أحد الفريقين من الموحدين ~~ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال، وهذا من الكلام المنصف ~~الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي ~~درجة بعد تقدم ما قدم من التقرير دلالة غير خفية على من هو من الفريقين ~~على الهدى ومن هو في الضلال المبين ولكن التعرض أوصل بالمجادل إلى الغرض، ~~ونحوه قولك للكاذب «إن أحدنا لكاذب». وخولف بين حرفي الجر الداخلين على ~~الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، ~~والضال كأنه ينغمس في ظلام لا يرى أين يتوجه. # { قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما ~~تعملون } هذا أدخل في الإنصاف من الأول حيث أسند الإجرام إلى ~~المخاطبين وهو مزجور عنه محظور، والعمل إلى المخاطبين وهو مأمور به ~~مشكور. # { قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة { ثم يفتح } ~~يحكم { بيننا بالحق } بلا جور ولا ميل { وهو الفتاح } ~~الحاكم { العليم } بالحكم { قل أرونى الذين ألحقتم } ~~أي ألحقتموهم { به } بالله { شركاء } في العبادة معه. ومعنى قوله { ~~أرونى } وكان يراهم أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله ms1147 ~~وأن يطلعهم على حالة الإشراك به { كلا } ردع وتنبيه أي ارتدعوا عن هذا ~~القول وتنبهوا عن ضلالكم { بل هو الله العزيز } الغالب فلا ~~يشاركه أحد وهو ضمير الشأن { الحكيم } في تدبيره { وما ~~أرسلنك إلا كافة للناس } إلا إرسالة عامة لهم محيطة ~~بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج: ~~معنى الكافة في اللغة الإحاطة، والمعنى أرسلناك جامعا للناس في الإنذار ~~والإبلاغ، فجعله حالا من الكاف والتاء على هذا للمبالغة كتاء الراوية ~~والعلامة { بشيرا } بالفضل لمن أقر { ونذيرا } بالعدل لمن أصر { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } فيحملهم جهلهم على ~~مخالفتك. ### || [34.29-41] # { ويقولون متى هذا الوعد } أي القيامة المشار إليها في ~~قوله { قل يجمع بيننا ربنا } { إن كنتم صدقين ~~قل لكم ميعاد يوم } الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان وهو هنا ~~الزمان ويدل عليه قراءة من قرأ { ميعاد يوم } فأبدل منه اليوم، ~~وأما الإضافة فإضافة تبيين كما تقول «بعير سانية» { لا ~~تستئخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } أي لا يمكنكم ~~التأخر عنه بالاستمهال ولا التقدم إليه بالاستعجال، ووجه انطباق هذا ~~الجواب على سؤالهم أنهم سألوا عن ذلك وهم منكرون له تعنتا لا استرشادا ~~فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا للسؤال على الإنكار والتعنت وأنهم ~~مرصدون ليوم يفاجئهم فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه { وقال ~~الذين كفروا } أي أبو جهل وذووه { لن نؤمن بهذا ~~القرءان ولا بالذى بين يديه } أي ما نزل قبل القرآن من ~~كتب الله أو القيامة والجنة والنار حتى إنهم جحدوا أن يكون القرآن من ~~الله، وأن يكون لما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة { ولو ترى ~~إذ الظلمون موقوفون } محبوسون { عند ربهم يرجع } ~~يرد { بعضهم إلى بعض القول } في الجدال أخبر عن عاقبة ~~أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو للمخاطب: ~~ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم ~~لرأيت العجب فحذف الجواب { يقول الذين استضعفوا } أي ~~الأتباع { للذين استكبروا } أي للرؤوس والمقدمين { لولا ~~أنتم ms1148 لكنا مؤمنين } لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين ~~بالله ورسوله { قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددنكم عن الهدى } أولى الاسم أي ~~نحن حرف الانكار لأن المراد إنكار أن يكون هم الصادين لهم عن الإيمان ~~وإثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عنه وأنهم أتوا من قبل اختيارهم { ~~بعد إذ جاءكم } إنما وقعت «إذ» مضافا إليها وإن كانت «إذ» و ~~«إذا» من الظروف اللازمة للظرفية لأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في ~~غيره فأضيف إليها الزمان { بل كنتم مجرمين } كافرين لاختياركم ~~وإيثاركم الضلال على الهدى لا بقولنا وتسويلنا. { وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا } لم يأت بالعاطف في { قال ~~الذين استكبروا } وأتى به في { وقال الذين ~~استضعفوا } لأن الذين استضعفوا مر أولا كلامهم فجيء بالجواب محذوف ~~العاطف على طريق الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم ~~الأول { بل مكر اليل والنهار } بل مكركم بنا بالليل ~~والنهار فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه، أو ~~جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي أي الليل والنهار مكرا ~~بطول السلامة فيهما حتى ظننا أنكم على الحق { إذ تأمروننا أن ~~نكفر بالله ونجعل له أندادا } أشباها. # والمعنى أن المستكبرين لما أنكروا بقولهم { أنحن صددنكم } أن ~~يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين وأثبتوا بقولهم { بل كنتم ~~مجرمين } أن ذلك بكسبهم واختيارهم، كر عليهم المستضعفون بقولهم { ~~بل مكر اليل والنهار } فأبطلوا إضرابهم بأضرابهم كأنهم ~~قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا دائبا ليلا ~~ونهارا وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد { وأسروا ~~الندامة } أضمروا أو أظهروا وهو من الأضداد وهم الظالمون في قوله { ~~إذ الظلمون موقوفون } يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم ~~والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين { لما رأوا العذاب ~~} الجحيم { وجعلنا الأغلل فى أعناق الذين كفروا ~~} أي في أعناقهم فجاء بالصريح للدلالة على ما استحقوا به الأغلال { هل ~~يجزون إلا ما كانوا يعملون } في الدنيا. # { وما أرسلنا فى قرية من نذير } نبي { إلا قال ~~مترفوها } متنعموها ورؤساؤها ms1149 { إنا بما أرسلتم به ~~كفرون } هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه من ~~التكذيب والكفر بما جاء به وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا ~~قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة وافتخروا ~~بكثرة الأموال والأولاد كما قال { وقالوا نحن أكثر أمولا ~~وأولدا وما نحن بمعذبين } أرادوا أنهم أكرم على الله ~~من أن يعذبهم نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على ~~الله لما رزقهم الله، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم، فأبطل ~~الله ظنهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كيف يشاء، فربما وسع على العاصي ~~وضيق على المطيع وربما عكس، وربما وسع عليهما أو ضيق عليهما فلا ينقاس ~~عليهما أمر الثواب وذلك قوله: # { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } قدر ~~الرزق تضييقه قال الله تعالى # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك { ~~وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم ~~عندنا زلفى } أي وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي ~~تقربكم، وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، ~~والزلفى والزلفة كالقربى والقربة ومحلها النصب على المصدر أي تقربكم قربة ~~كقوله # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] { إلا من آمن وعمل صالحا } الاستثناء من «كم» ~~في { تقربكم } يعني أن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح ~~الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدا إلا من علمهم الخير ~~وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة. وعن ابن عباس: «إلا» بمعنى «لكن» ~~ومن شرط جوابه { فأولئك لهم جزاء الضعف } وهو من إضافة ~~المصدر إلى المفعول أصله فأولئك لهم أن يجازوا الضعف ثم جزاء الضعف ثم ~~جزاء الضعف، ومعنى جزاء الضعف أن تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشرا وقرأ ~~يعقوب { جزاء الضعف } ، على «فأولئك لهم الضعف جزاء» { بما ~~عملوا } بأعمالهم { وهم فى الغرفت } أي غرف منازل الجنة { ~~الغرفة } حمزة { ءامنون } من كل هائل وشاغل. # { والذين يسعون فى ms1150 ءايتنا } في إبطالها { معجزين ~~أولئك فى العذاب محضرون قل إن ربى يبسط ~~الرزق } يوسع { لمن يشاء من عباده ويقدر له وما ~~أنفقتم } «ما» شرطية في موضع النصب { من شىء } بيانه { فهو ~~يخلفه } يعوضه لا معوض سواه إما عاجلا بالمال أو آجلا بالثواب ~~جواب الشرط { وهو خير الرازقين } المطعمين لأن كل ما رزق غيره ~~من سلطان أو سيد أو غيرهما فهو من رزق الله أجراه على أيدي هؤلاء، وهو ~~خالق الرزق وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم: ~~الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا ~~يشتهي. # { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملئكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } وبالياء فيهما: حفص ~~ويعقوب. هذا خطاب للملائكة وتقريع للكفار وارد على المثل السائر: # إياك أعني واسمعي يا جاره # ونحوه قوله # أأنت قلت للناس اتخذونى # [المائدة: 116] الآية { قالوا } أي الملائكة { سبحنك } ~~تنزيها لك أن يعبد معك غيرك { أنت ولينا } الموالاة خلاف ~~المعاداة وهي مفاعلة من الولي وهو القرب والولي يقع على الموالي والموالى ~~جميعا، والمعنى أنت الذي تواليه { من دونهم } إذ لا موالاة بيننا ~~وبينهم فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا ~~بعبادتهم لهم لأن من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك { بل ~~كانوا يعبدون الجن } أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير ~~الله، أو كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها، أو ~~صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا هذه صور الملائكة فاعبدوها { ~~أكثرهم } أكثر الإنس أو الكفار { بهم } بالجن { مؤمنون }. ### || [34.42-46] # { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ~~} لأن الأمر في ذلك اليوم لله وحده لا يملك فيه أحد منفعة ولا مضرة لأحد، ~~لأن الدار دار ثواب وعقاب والمثيب والمعاقب هو الله. فكانت حالها خلاف ~~حال الدنيا التي هي دار تكليف والناس فيها مخلى بينهم يتضارون ويتنافعون، ~~والمراد أنه لا ضار ولا نافع يومئذ إلا هو. ثم ذكر عاقبة الظالمين بقوله ~~{ ونقول للذين ظلموا } بوضع العبادة في ms1151 غير موضعها معطوف ~~على { لا يملك } { ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها ~~تكذبون } في الدنيا { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } أي ~~إذا قريء عليهم القرآن { بينت } واضحات { قالوا } أي المشركون { ~~ما هذا } أي محمد { إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد ءابآؤكم وقالوا ما هذآ } أي القرآن { إلا ~~إفك مفترى }. # { وقال الذين كفروا } أي وقالوا، والعدول عنه دليل على إنكار ~~عظيم وغضب شديد { للحق } للقرآن أو لأمر النبوة كله { لما ~~جاءهم } وعجزوا عن الإتيان بمثله { إن هذا } أي الحق { إلا ~~سحر مبين } بتوه على أنه سحر ثم بتوه على أنه بين ظاهر كل عاقل ~~تأمله سماه سحرا { وما ءاتينهم من كتب يدرسونها } ~~أي ما أعطينا مشركي مكة كتبا يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك { وما ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير } ولا أرسلنا إليهم نذيرا ~~يندرهم بالعقاب إن لم يشركوا. ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله { وكذب ~~الذين من قبلهم } أي وكذب الذين تقدموهم من الأمم الماضية ~~والقرون الخالية الرسل كما كذبوا { وما بلغوا معشار ما ~~ءاتينهم } أي وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون من طول الأعمار ~~وقوة الأجرام وكثرة الأموال والأولاد { فكذبوا رسلى فكيف ~~كان نكير } للمكذبين الأولين فليحذروا من مثله. وبالياء في الوصل ~~والوقف: يعقوب أي فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال ولم ~~يغن عنهم استظهارهم بما هم مستظهرون، فما بال هؤلاء؟ وإنما قال { ~~فكذبوا } وهو مستغنى عنه بقوله { وكذب الذين من ~~قبلهم } لأنه لما كان معنى قوله { وكذب الذين من قبلهم ~~} وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل مسببا عنه ~~وهو كقول القائل: «أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم». # { قل إنما أعظكم بوحدة } بخصلة واحدة وقد فسرها بقوله { ~~أن تقوموا } على أنه عطف بيان لها وقيل هو بدل، وعلى هذين الوجهين ~~هو في محل الجر. وقيل: هو في محل الرفع على تقدير وهي أن تقوموا، والنصب ~~على تقدير أعني، وأراد بقيامهم القيام عن مجلس رسول الله صلى الله عليه ms1152 ~~وسلم وتفرقهم عن مجتمعهم عنده، أو قيام القصد إلى الشيء دون النهوض ~~والانتصاب، والمعنى إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم ~~وهي أن تقوموا { لله } أي لوجه الله خالصا لا لحمية ولا عصبية بل ~~لطلب الحق { مثنى } اثنين اثنين { وفرادى } فردا فردا { ثم ~~تتفكروا } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، أما ~~الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه ~~نظر الصدق والإنصاف حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق، وكذلك الفرد ~~يتفكر في نفسه بعدل ونصفة ويعرض فكره على عقله. # ومعنى تفرقهم مثنى وفرادى أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ويعمي البصائر ~~ويمنع من الروية ويقال الإنصاف فيه ويكثر الاعتساف ويثور عجاج التعصب ولا ~~يسمع إلا نصرة المذهب. و { تتفكروا } معطوف على { تقوموا } { ~~ما بصحبكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { من جنة } ~~جنون. والمعنى ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة { إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدى عذاب شديد } قدام عذاب شديد وهو ~~عذاب الآخرة وهو كقوله عليه السلام # " بعثت بين يدي الساعة " # ثم بين أنه لا يطلب أجرا على الإنذار بقوله: ### || [34.47-54] # { قل ما سألتكم من أجر } على إنذاري وتبليغي الرسالة { ~~فهو لكم } جزاء الشرط تقديره أي شيء سألتكم من أجر كقوله: # ما يفتح الله للناس من رحمة # [فاطر: 2] ومعناه نفي مسألة الأجر رأسا نحو مالي في هذا فهو لك أي ليس ~~فيه شيء { إن أجرى } مدني وشامي وأبو بكر وحفص، وبسكون الياء: ~~غيرهم { إلا على الله وهو على كل شىء شهيد } فيعلم ~~أني لا أطلب الأجر على نصحيتكم ودعائكم إليه إلا منه. # { قل إن ربى يقذف بالحق } بالوحي. والقذف توجيه السهم ~~ونحوه بدفع واعتماد ويستعار لمعنى الإلقاء ومنه # وقذف فى قلوبهم الرعب # [الأحزاب: 26] # أن اقذفيه فى التابوت # [طه: 39] ومعنى يقذف بالحق يلقيه وينزله إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل ~~فيدمغه ويزهقه { علم الغيوب } مرفوع على البدل من الضمير في { ~~يقذف } أو على أنه خبر مبتدأ محذوف { قل جاء الحق ms1153 } الإسلام ~~والقرآن { وما يبدىء البطل وما يعيد } أي زال الباطل ~~وهلك لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي فعدمهما عبارة عن الهلاك، ~~والمعنى جاء الحق وزهق الباطل كقوله # جاء الحق وزهق البطل # [الإسراء: 81] وعن ابن مسعود رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم مكة وحول الكعبة أصنام فجعل يطعنها بعود معه ويقول # " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدىء ~~الباطل وما يعيد " # وقيل: الباطل الأصنام. وقيل: إبليس لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما ~~قيل له الشيطان من شاط إذا هلك أي لا يخلق الشيطان ولا الصنم أحدا ولا ~~يبعثه فالمنشيء والباعث هو الله. ولما قالوا: قد ضللت بترك دين آبائك قال ~~الله تعالى { قل إن ضللت } عن الحق { فإنما أضل على ~~نفسى } إن ضللت فمني وعلي { وإن اهتديت فبما يوحى ~~إلى ربى } أي فتبسديده بالوحي إلي. وكان قياس التقابل أن يقال وإن ~~اهتديت فإنما أهتدي لها كقوله: # فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها # [الزمر:41]. ولكن هما متقابلان معنى، لأن النفس كل ما عليها وضار لها ~~فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها ~~وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن ~~الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به { ~~إنه سميع } لما أقوله لكم { قريب } مني ومنكم يجازيني ~~ويجازيكم. # { ولو ترى } جوابه محذوف أي لرأيت أمرا عظيما وحالا هائلة { ~~إذ فزعوا } عند البعث أو عند الموت أو يوم بدر { فلا فوت } ~~فلا مهرب أو فلا يفوتون الله ولا يسبونه { وأخذوا } عطف على { ~~فزعوا } أي فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم أو على لا فوت على معنى إذ ~~فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا { من مكان قريب } من الموقف إلى النار ~~إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا أو من صحراء بدر إلى ~~القليب { وقالوا } حين عاينوا العذاب { آمنا به } بمحمد عليه ~~السلام لمرور ذكره في قوله ms1154 # ما بصحبكم من جنة # [سبأ: 46] أو بالله { وأنى لهم التناوش من مكان ~~بعيد } التناوش: التناول أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم، يريد ~~أن التوبة كانت تقبل منهم في الدنيا وقد ذهبت الدنيا وبعدت من الآخرة. ~~وقيل: هذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت ~~كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول ~~الشيء من غلوة كما يتناول الآخر من قيس ذراع. { التناؤش } بالهمزة: أبو ~~عمرو وكوفي غير حفص همزت الواو لأن كل واو مضمومة ضمتها لازمة إن شئت ~~أبدلتها همزة وإن شئت لم تبدل نحو قولك «أدور وتقاوم»، وإن شئت قلت «أدؤر ~~وتقاؤم». وعن ثعلب: التناؤش بالهمز التناول من بعد، وبغير همز التناول من ~~قرب. { وقد كفروا به من قبل } من قبل العذاب أو في الدنيا ~~{ ويقذفون بالغيب } معطوف على { قد كفروا } على حكاية ~~الحال الماضية يعني وكانوا يتكلمون بالغيب أو بالشيء الغائب يقولون لا ~~بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار { من مكان بعيد } عن الصدق أو عن ~~الحق والصواب، أو هو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر ساحر ~~كذاب وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي لأنهم لم يشاهدوا منه سحرا ولا ~~شعرا ولا كذبا. وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله لأن أبعد شيء ~~مما جاء به السحر والشعر وأبعد شيء من عاداته التي عرفت بينهم وجربت ~~الكذب { ويقذفون بالغيب } عن أبي عمرو على البناء للمفعول أي ~~تأتيهم به شياطينهم ويلقنونهم إياه وإن شئت فعلقه بقوله { وقالوا ~~ءامنا به } على أنه مثلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في ~~الدنيا بقولهم { آمنا } في الآخرة وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئا من ~~مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائبا عنه ~~بعيدا. # ويجوز أن يكون الضمير في { آمنا به } للعذاب الشديد في قوله: # بين يدى عذاب شديد # [سبأ: 46]. وكانوا يقولون وما نحن بمعذبين إن كان الأمر كما ms1155 تصفون من ~~قيام الساعة والعقاب والثواب ونحن أكرم على الله من أن يعذبنا قائسين أمر ~~الآخرة على أمر الدنيا، فهذا كان قذفهم بالغيب وهو غيب ومقذوف به من جهة ~~بعيدة لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف { وحيل } وحجز { ~~بينهم وبين ما يشتهون } من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به ~~من النار والفوز بالجنة أو من الرد إلى الدنيا كما حكي عنهم بقوله # فارجعنا نعمل صلحا # [السجدة: 12] والأفعال التي هي { فزعوا } { وأخذوا } { ~~وحيل } كلها للمضي والمراد بها الاستقبال لتحقق وقوعه { كما فعل ~~بأشيعهم من قبل } بأشباههم من الكفرة { إنهم كانوا ~~فى شك } من أمر الرسل والبعث { مريب } موقع في الريبة من أرابه إذا ~~أوقعه في الريبة، هذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك والله ~~أعلم. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-9] # { الحمد لله } حمد ذاته تعليما وتعظيما { فاطر ~~السموت } مبتدئها ومبتدعها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت ~~أدري معنى الفاطر حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا ~~فطرتها. أي ابتدأتها { والأرض جاعل الملئكة رسلا } إلى ~~عباده { أولى } ذوي اسم جمع لذو وهو بدل من { رسلا } أو نعت له { ~~أجنحة } جمع جناح { مثنى وثلث ورباع } صفات لأجنحة، ~~وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ ~~إلى صيغ أخر كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير. وقيل: للعدل ~~والوصف والتعويل عليه، والمعنى أن الملائكة طائفة أجنحتهم اثنان اثنان أي ~~لكل واحد منهم جناحان، وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، ولعل الثالث يكون في ~~وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة، وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة { ~~يزيد فى الخلق } أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره { ما يشآء } ~~وقيل: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن والخط الحسن والملاحة في ~~العينين، والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال ~~صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش وحصافة في العقل وجزالة في الرأي ~~وذلاقة في اللسان ومحبة في قلوب المؤمنين وما ms1156 أشبه ذلك { إن الله ~~على كل شىء قدير } قادر. # { ما يفتح الله للناس من رحمة } نكرت الرحمة للإشاعة ~~والإبهام كأنه قال من أية رحمة رزق أو مطر أو صحة أو غير ذلك { فلا ~~ممسك لها } فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها، واستعير الفتح ~~للإطلاق والإرسال ألا ترى إلى قوله { وما يمسك } يمنع ويحبس { ~~فلا مرسل له } مطلق له { من بعده } من بعد إمساكه. وأنث ~~الضمير الراجع إلى الاسم المتضمن معنى الشرط على معنى الرحمة، ثم ذكره ~~حملا على اللفظ المرجع إليه إذ لا تأنيث فيه لأن الأول فسر بالرحمة فحسن ~~اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير. وعن معاذ ~~مرفوعا «لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم ~~بشرارهم ويعظم برهم فاجرهم وتعن قراؤهم أمراءهم على معصية الله فإذا ~~فعلوا ذلك نزع الله يده عنهم». { وهو العزيز } الغالب القادر على ~~الإرسال والإمساك { الحكيم } الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله ~~وإمساكه. # { يأيها الناس اذكروا } باللسان والقلب { نعمت الله ~~عليكم } وهي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا ~~عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه وزلفة لديه، والزيادة في ~~الخلق وفتح أبواب الرزق. ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله { ~~هل من خلق غير الله } برفع { غير } على الوصف لأن { ~~خلق } مبتدأ خبره محذوف أي لكم. # وبالجر: علي وحمزة على الوصف لفظا { يرزقكم } يجوز أن يكون ~~مستأنفا ويجوز أن يكون صفة ل { خلق } { من السمآء } بالمطر ~~{ والأرض } بأنواع النبات { لآ إله إلا هو } جملة مفصولة لا ~~محل لها { فأنى تؤفكون } فبأي وجه تصرفون عن التوحيد إلى ~~الشرك. { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } ~~نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله وتكذيبهم بها، وسلى رسوله بأن له ~~في الأنبياء قبله أسوة ولهذا نكر { رسل } أي رسل ذوو عدد كبير وأولو ~~آيات ونذر وأهل أعمال طوال وأصحاب صبر وعزم لأنه أسلى له، وتقدير الكلام ~~وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من ms1157 قبلك لأن الجزاء يتعقب الشرط، ولو أجرى ~~على الظاهر يكون سابقا عليه. ووضع { فقد كذبت رسل من ~~قبلك } موضع «فتأس» استغناء بالسبب عن المسبب أي بالتذكيب عن التأسي ~~{ وإلى الله ترجع الأمور } كلام يشتمل على الوعد والوعيد من ~~رجوع الأمور إلى حكمه ومجازاة المكذب والمكذب بما يستحقانه، { ترجع } ~~بفتح التاء: شامي وحمزة وعلي ويعقوب وخلف وسهل. # { يأيها الناس إن وعد الله } بالبعث والجزاء { حق } ~~كائن { فلا تغرنكم الحيوة الدنيا } فلا تخدعنكم ~~الدنيا ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما ~~عند الله { ولا يغرنكم بالله الغرور } أي الشيطان فإنه ~~يمنيكم الأماني الكاذبة ويقول إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. # { إن الشيطن لكم عدو } ظاهر العداوة فعل بأبيكم ما فعل ~~وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله { فاتخذوه عدوا } ~~في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجدن منكم إلا ما يدل على معاداته في سركم ~~وجهركم. ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته ~~هو أن يوردهم مورد الهلاك بقوله { إنما يدعوا حزبه ~~ليكونوا من أصحب السعير }. # ثم كشف الغطاء فبنى الأمر كله على الإيمان وتركه فقال { الذين ~~كفروا لهم عذاب شديد } أي فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد ~~لأنه صار من حزبه أي أتباعه { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات } ولم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه بل عادوه { لهم ~~مغفرة وأجر كبير } لكبر جهادهم. ولما ذكر الفريقين قال ~~لنبيه عليه السلام { أفمن زين له سوء عمله فرءاه ~~حسنا } بتزيين الشيطان كمن لم يزين له فكأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لا، فقال { فإن الله يضل من يشآء ويهدى من ~~يشآء فلا تذهب نفسك عليهم حسرت } وذكر الزجاج أن ~~المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرة، فحذف الجواب لدلالة { ~~فلا تذهب نفسك } عليه، أو أفمن له سوء عمله كمن هداه الله فحذف ~~لدلالة { فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء } ~~عليه. # { فلا تذهب نفسك }: يزيد أي لا تهلكها ms1158 { حسرت } مفعول له ~~يعني فلا تهلك نفسك للحسرات و { عليهم } صلة { تذهب } كما تقول: ~~هلك عليه حبا ومات عليه حزنا. ولا يجوز أن يتعلق ب { حسرت } لأن ~~المصدر لا تتقدم عليه صلته { إن الله عليم بما يصنعون } ~~وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم { والله الذى أرسل ~~الرياح } { الريح }: مكي وحمزة وعلي { فتثير سحبا ~~فسقناه إلى بلد ميت } بالتشديد: مدني وحمزة وعلي وحفص، ~~وبالتخفيف: غيرهم. { فأحيينا به } بالمطر لتقدم ذكره ضمنا { ~~الأرض بعد موتها } يبسها. وإنما قيل { فتثير } لتحكي الحال ~~التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة الدالة على القدرة ~~الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، وكذلك ~~سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها. لما كان من ~~الدليل على القدرة الباهرة قيل فسقنا وأحيينا معدولا بهما عن لفظ الغيبة ~~إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه { كذلك النشور } الكاف في ~~محل الرفع أي مثل إحياء الموت نشور الأموات قيل يحيي الله الخلق بما ~~يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق. ### || [35.10-14] # { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا } أي ~~العزة كلها مختصة، بالله عزة الدنيا وعزة الآخرة وكان الكافرون يتعززون ~~بالأصنام كما قال: # واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا # [مريم: 81]. والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون ~~بالمشركين كما قال: # الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # [النساء: 139]. فبين أن لا عزة إلا بالله. والمعنى فليطلبها عند الله ~~فوضع قوله { لله العزة جميعا } موضعه استغناء عنه به لدلالته ~~عليه لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه وماله ونظير قولك: «من أراد ~~النصيحة فهي عند الأبرار». تريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت مايدل عليه ~~مقامه، وفي الحديث # " إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز " # ثم عرف أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله { إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح ms1159 يرفعه } ~~ومعنى قوله { إليه } إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف ~~بالرفعة والصعود، أو إلى حيث لا ينفذ فيه إلا حكمه والكلم الطيب كلمات ~~التوحيد أي لا إله إلا الله. وكان القياس الطيبة ولكن كل جمع ليس بينه ~~وبين واحده إلا التاء يذكر ويؤنث. والعمل الصالح العبادة الخالصة يعني ~~والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا ~~يقبل عمل إلا من موحد. وقيل: الرافع الله والمرفوع العمل أي العمل الصالح ~~يرفعه الله، وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع والكلم الطيب يصعد ~~بنفسه. وقيل: العمل الصالح يرفع العامل ويشرفه أي من أراد العزة فليعمل ~~عملا صالحا فإنه هو الذي يرفع العبد { والذين يمكرون ~~السيئات } هي صفة لمصدر محذوف أي المكرات السيئات لأن مكر فعل غير ~~متعد، لا يقال مكر فلان عمله. والمراد مكر قريش به عليه السلام حين ~~اجتمعوا في دار الندوة كما قال الله تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك # [الأنفال: 130] الآية { لهم عذاب شديد } في الآخرة { ومكر ~~أولئك } مبتدأ { هو } فصل { يبور } خبر أي ومكر أولئك الذين ~~مكروا هو خاصة يبور أي يفسد ويبطل دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة ~~وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم جميعا حقق بهم. قوله ~~تعالى # ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين # [الأنفال: 30] وقوله # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. # { والله خلقكم } أي أباكم { من تراب ثم } أنشأكم { من ~~نطفة ثم جعلكم أزوجا } أصنافا أو ذكرانا وإناثا { ~~وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } هو في ~~موضع الحال أي معلومة له { وما يعمر من معمر } أي وما يعمر ~~من أحد. # وإنما سماه معمرا بما هو صائر إليه { ولا ينقص من عمره ~~إلا فى كتب } يعني اللوح أو صحيفة الإنسان ولا ينقص زيد. فإن ~~قلت: الإنسان إما معمر أي طويل العمر أو منقوص العمر أي قصيره، فأما أن ~~يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال فكيف صح قوله # وما يعمر من معمر ولا ms1160 ينقص من عمره # قلت: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين ~~واتكالا على تسديدهم معناه بعقولهم وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول ~~والقصر في عمر واحد وعليه كلام الناس يقولون: لا يثيب الله عبدا ولا ~~يعاقبه إلا بحق. أو تأويل الآية أنه يكتب في الصحيفة عمره كذا كذا سنة ثم ~~يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخره فذلك نقصان عمره. ~~وعن قتادة: المعمر من يبلغ ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين ~~سنة { إن ذلك } أي إحصاءه أو زيادة العمر ونقصانه { على الله ~~يسير } سهل. # { وما يستوى البحران هذا } أي أحدهما { عذب فرات } ~~شديد العذوبة. وقيل: هو الذي يكسر العطش { سآئغ شرابه } مريء سهل ~~الانحدار لعذوبته وبه ينتفع شرابه { وهذا ملح أجاج } شديد ~~الملوحة. وقيل: هو الذي يحرق بملوحته { ومن كل } ومن كل واحد منهما ~~{ تأكلون لحما طريا } وهو السمك { وتستخرجون ~~حلية تلبسونها } وهي اللؤلؤ والمرجان { وترى الفلك ~~فيه } في كل { مواخر } شواق للماء بجريها. يقال: مخرت السفينة ~~الماء أي شقته وهي جمع ماخرة { لتبتغوا من فضله } من فضل الله ~~ولم يجر له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل لدلالة ~~المعنى عليه { ولعلكم تشكرون } الله على ما أتاكم من فضله. ~~ضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر. ثم قال على سبيل ~~الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه، ويحتمل غير ~~طريق الاستطراد وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين ثم يفضل البحر الأجاج على ~~الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجري الفلك فيه. ~~والكافر خلو من النفع فهو في طريقة قوله تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو ~~أشد قسوة # ثم قال # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74]. # { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل } ~~يدخل من ساعات أحدهما في ms1161 الآخر حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة ~~والناقص تسعا { وسخر الشمس والقمر } أي ذلل أضواء صوره ~~لاستواء سيره { كل يجرى لأجل مسمى } أي يوم القيامة ~~ينقطع جريهما { ذلكم } مبتدأ { الله ربكم له الملك } ~~أخبار مترادفة أو { الله ربكم } خبر إن و { له الملك } ~~جملة مبتدأة واقعة في قران قوله { والذين تدعون من دونه } ~~يعني الأصنام التي تعبدونها من دون الله يدعون قتيبة { ما يملكون ~~من قطمير } هي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة { إن تدعوهم ~~} أي الأصنام { لا يسمعوا دعآءكم } لأنهم جماد { ولو ~~سمعوا } على سبيل الفرض { ما استجابوا لكم } لأنهم لا ~~يدعون ما تدعون لهم من الإلهية ويتبرءون منها { ويوم القيمة ~~يكفرون بشرككم } بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم ويقولون ما ~~كنتم إيانا تعبدون { ولا ينبئك مثل خبير } ولا ينبئك أيها ~~المفتون بأسباب الغرور كما ينبك الله الخبير بخبايا الأمور، وتحقيقه ولا ~~يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به يريد أن الخبير بالأمر وحده هو ~~الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم ~~به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به. ### || [35.15-28] # { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله } قال ذو ~~النون: الخلق محتاجون إليه في كل نفس وخطرة ولحظة وكيف لا ووجودهم به ~~وبقاؤهم به! { والله هو الغنى } عن الأشياء أجمع { الحميد ~~} المحمود بكل لسان، ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على ~~الاستغناء ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء، وذكر الحميد ~~ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل ~~غني نافعا بغناه إلا إذا كان الغني جوادا منعما وإذا جاد وأنعم حمده ~~المنعم عليهم. قال سهل: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم ~~بالفقر، فمن ادعى الغنى حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه. ~~فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه ومنقطعا عن الغير إليه حتى ~~تكون عبوديته محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع وعلامته أن لا يسأل من ~~أحد. وقال الواسطي: من ms1162 استغنى بالله لا يفتقر ومن تعزز بالله لا يذل. ~~وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيا بالله وكلما ~~ازداد افتقارا ازداد غنى. وقال يحيى: الفقر خير للعبد من الغنى لأن ~~المذلة في الفقر والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع، والذلة خير ~~من الرجوع إليه بتكثير الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله ~~في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء. وقال الشبلي: ~~الفقر يجر البلاء وبلاؤه كله عز. # { إن يشأ يذهبكم } كلكم إلى العدم فإن غناه بذاته لا بكم في ~~القدم { ويأت بخلق جديد } وهو بدون حمدكم حميد { وما ذلك ~~} الأنشاء والإفناء { على الله بعزيز } بممتنع. وعن ابن عباس: ~~يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئا. { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. والوزر والوقر أخوان، ووزر ~~الشيء إذا حمله، والوازرة صفة للنفس، والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا ~~تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤاخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة ~~الدنيا الولي بالولي والجار بالجار. وإنما قيل { وزرة } ولم يقل ولا ~~تزر نفس وزر أخرى، لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا ~~حاملة وزرها لا وزر غيرها. وقوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] وارد في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس ~~مع أثقال ضلالهم وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم، ألا ترى كيف ~~كذبهم الله تعالى في قولهم # اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطيكم # [العنكبوت: 12] بقوله # وما هم بحملين من خطيهم من شىء # [العنكبوت: 12] { وإن تدع مثقلة } أي نفس مثقلة بالذنوب أحدا ~~{ إلى حملها } ثقلها أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك { لا ~~يحمل منه شىء ولو كان } أي المدعو وهو مفهوم من قوله { ~~وإن تدع } { ذا قربى } ذا قرابة قريبة كأب أو ولد أو أخ. # والفرق بين معنى قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ومعنى ~~{ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء } ~~أن الأول ms1163 دال على عدل الله في حكمه وأن لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها، ~~والثاني في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث حتى إن نفسا قد أثقلتها ~~الأوزار لودعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث وإن كان المدعو بعض ~~قرابتها { إنما تنذر الذين يخشون ربهم } أي إنما ~~ينتفع بإنذارك هؤلاء { بالغيب } حال من الفاعل أو المفعول أي يخشون ~~ربهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائبا عنهم. وقيل: بالغيب في السر ~~حيث لا اطلاع للغير عليه { وأقاموا الصلوة } في مواقيتها { ~~ومن تزكى } تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي { فإنما ~~يتزكى لنفسه } وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة ~~لأنهما من جملة التزكي { وإلى الله المصير } المرجع وهو وعد ~~للمتزكي الثواب. { وما يستوى الأعمى والبصير } مثل للكافر ~~والمؤمن أو للجاهل والعالم. # { ولا الظلمات } مثل للكفر { ولا النور } للإيمان { ولا ~~الظل ولا الحرور } الحق والباطل أو الجنة والنار. والحرور ~~الريح الحار كالسموم إلا أن السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار. ~~عن الفراء { وما يستوى الأحيآء ولا الأموات } مثل للذين ~~دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه وزيادة. «لا» لتأكيد معنى النفي. ~~والفرق بين هذه الواوات أن بعضها ضمت شفعا إلى شفع وبعضها وترا إلى وتر ~~{ إن الله يسمع من يشآء وما أنت بمسمع من فى ~~القبور } يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه فيهدي ~~من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم فلذلك تحرص على إسلام قوم ~~مخذولين. شبه الكفار بالموتى حيث لا ينتفعون بمسموعهم { إن أنت ~~إلا نذير } أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر فإن كان المنذر ممن يسمع ~~الإنذار نفع وإن كان من المصرين فلا عليك { إنا أرسلنك ~~بالحق } حال من أحد الضميرين يعني محقا أو محقين أو صفة للمصدر أي ~~إرسالا مصحوبا بالحق { بشيرا } بالوعد { ونذيرا } بالوعيد { ~~وإن من أمة } وما من أمة قبل أمتك. والأمة: الجماعة الكثيرة وجد ~~عليه أمة من الناس ويقال لأهل كل عصر أمة، والمراد هنا أهل العصر وقد ms1164 ~~كانت آثار النذارة باقية فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام فلم تخل تلك ~~الأمم من نذير، وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السلام بعث محمد عليه ~~السلام { إلا خلا } مضى { فيها نذير } يخوفهم وخامة الطغيان ~~وسوء عاقبة الكفران، واكتفى بالنذير عن البشير في آخر الآية بعدما ذكرهما ~~لأن النذارة مشفوعة بالبشارة فدل ذكر النذارة على ذكر البشارة. # { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } رسلهم ~~{ جآءتهم رسلهم } حال و«قد» مضمرة { بالبينت } ~~بالمعجزات { وبالزبر } وبالصحف { وبالكتب المنير } أي ~~التوراة والإنجيل والزبور. ولما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء ~~بها إليهم إسنادا مطلقا وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات ~~وبعضها في بعضهم وهي الزبر والكتاب وفيه مسلاة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { ثم أخذت } عاقبت { الذين كفروا } بأنواع ~~العقوبة { فكيف كان نكير } إنكاري عليهم وتعذيبي لهم { ألم ~~تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به } ~~بالماء { ثمرات مختلفا ألوانها } أجناسها من الرمان ~~والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة ~~والخضرة ونحوها { ومن الجبال جدد } طرق مختلفة جدة كمدة ومدد { ~~بيض وحمر مختلف ألونها وغرابيب سود } جمع غربيب ~~وهو تأكيد للأسود. يقال: أسود غربيب وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ~~ومنه الغراب. وكان من حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك «أصفر فاقع» إلا ~~أنه أضمر المؤكد قبله والذي بعده تفسير للمضمر، وإنما يفصل ذلك لزيادة ~~التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعا، ~~ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله { ومن الجبال جدد } أي ومن ~~الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه ~~كما قال { ثمرات مختلفا ألوانها }. # { ومن الناس والدوآب والأنعم مختلف ألونه ~~} يعني ومنهم بعض مختلف ألوانه { كذلك } أي كاختلاف الثمرات والجبال. ~~ولما قال { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } ~~وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة ~~الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته، ms1165 أتبع ذلك { إنما يخشى ~~الله من عباده العلمؤا } أي العلماء به الذين علموه ~~بصفاته فعظموه ومن ازداد علما به ازداد منه خوفا ومن كان علمه به أقل ~~كان آمن. وفي الحديث # " أعلمكم بالله أشدكم له خشية " # وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن أن معناه أن الذين يخشون ~~الله من عباده العلماء دون غيرهم ولو عكس لكان المعنى أنهم لا يخشون إلا ~~الله كقوله: # ولا يخشون أحدا إلا الله # [الأحزاب: 39] وبينهما تغاير، ففي الأول بيان أن الخاشين هم العلماء، ~~وفي الثاني بيان أن المخشي منه هو الله تعالى. وقرأ أبو حنيفة وابن عبد ~~العزيز وابن سيرين رضي الله عنهم { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } والخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى إنما ~~يعظم الله من عباده العلماء { إن الله عزيز غفور } تعليل ~~لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو ~~عنهم والمعاقب المثيب حقه أن يخشى. ### || [35.29-37] # { إن الذين يتلون كتب الله } يداومون على تلاوة ~~القرآن { وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية } أي مسرين النفل ومعلنين الفرض يعني لا يقتنعون ~~بتلاوته عن حلاوة العمل به { يرجون } خبر «إن» { تجارة } هي طلب ~~الثواب بالطاعة { لن تبور } لن تكسد يعني تجارة ينتفى عنها الكساد ~~وتنفق عند الله { ليوفيهم } متعلق ب { لن تبور } أي ليوفيهم ~~بنفاقها عنده { أجورهم } ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله ~~} بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم أو بتضعيف حسناتهم أو ~~بتحقيق وعد لقائه. أو { يرجون } في موضع الحال أي راجين. واللام في { ~~ليوفيهم } تتعلق ب { يتلون } وما بعده أي فعلوا جميع ذلك من ~~التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق لهذا الغرض وخبر «إن» { إنه غفور ~~} لفرطاتهم { شكور } أي غفور لهم شكور لأعمالهم أي يعطي الجزيل على ~~العمل القليل { والذي أوحينا إليك من الكتب } أي ~~القرآن. و«من» للتبيين { هو الحق مصدقا } حال مؤكدة لأن الحق ~~لا ينفك عن هذا التصديق { لما بين يديه } لما تقدمه من الكتب { ~~إن الله بعباده لخبير بصير } فعلمك وأبصر أحوالك ورآك ~~أهلا لأن ms1166 يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب. # { ثم أورثنا الكتب } أي أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من ~~بعدك أي حكمنا بتوريثه { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم ~~أمته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأن الله ~~اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، ~~واختصهم بكرامة الإنتماء إلى أفضل رسله. ثم رتبهم على مراتب فقال { ~~فمنهم ظلم لنفسه } وهو المرجأ لأمر الله { ومنهم ~~مقتصد } هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا { ومنهم سابق ~~بالخيرت } وهذا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال: # والسبقون الأولون من المهجرين # [التوبة: 100] الآية وقال بعده: # وءاخرون اعترفوا بذنوبهم # [التوبة: 102] الآية وقال بعده: # وءاخرون مرجون لامر الله # [التوبة: 106] الآية. والحديث فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على ~~المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " # وعنه عليه السلام: # " السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل ~~الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لا ينجو ثم تناله الرحمة ~~فيدخل الجنة " # رواه أبو الدرداء. # والأثر فعن ابن عباس رضي الله عنهما: السابق المخلص، والمقتصد المرائي، ~~والظالم الكافر بالنعمة غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. ~~وقول السلف فقد قال الربيع بن أنس: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب ~~الصغائر، والسابق المجتنب لهما. # وقال الحسن البصري: الظالم من رجحت سيئاته، والسابق من رجحت حسناته، ~~والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف رحمه الله عن هذه الآية ~~فقال: كلهم مؤمنون، وأما صفة الكفار فبعد هذا وهو قوله: { والذين ~~كفروا لهم نار جهنم } وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى ~~من عباده فإنه قال: { فمنهم } { ومنهم } { ومنهم } ~~والكل راجع إلى قوله { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أهل ~~الإيمان وعليه الجمهور. وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم وأن المقتصدين ~~قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء: إنما قدم ~~الظالم لئلا ييأس من ms1167 فضله. وقيل: إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ~~ربه. وقيل: إن أول الأحوال معصية ثم توبة ثم استقامة. وقال سهل: السابق ~~العالم والمقتصد المتعلم والظالم الجاهل. وقال أيضا: السابق الذي اشتغل ~~بمعاده، والمقتصد الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم الذي اشتغل بمعاشه ~~عن معاده. وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي ~~يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق. ~~وقيل: الظالم من أخذ الدنيا حلالا كانت أو حراما، والمقتصد من يجتهد أن ~~لا يأخذها إلا من حلال، والسابق من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم طالب ~~الدنيا، والمقتصد طالب العقبي، والسابق طالب المولى { بإذن الله } ~~بأمره أو بعلمه أو بتوفيقه { ذلك } أي إيراث الكتاب { هو الفضل ~~الكبير*جنت عدن } خبر ثان ل { ذلك } أو خبر مبتدأ محذوف ~~أو مبتدأ والخبر { يدخلونها } أي الفرق الثلاثة { يدخلونها ~~}: أبو عمرو { يحلون فيها من أساور } جمع أسورة جمع سوار { ~~من ذهب ولؤلؤا } أي من ذهب مرصع باللؤلؤ { ذهب } بالنصب ~~والهمزة: نافع وحفص عطفا على محل { من أساور } أي يحلون أساور ~~ولؤلؤا { ولباسهم فيها حرير } لما فيه من اللذة والزينة. # { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } خوف ~~النار أو خوف الموت أو هموم الدنيا { إن ربنا لغفور } يغفر ~~الجنايات وإن كثرت { شكور } يقبل الطاعات وإن قلت { الذى ~~أحلنا دار المقامة } أي الإقامة لا نبرح منها ولا نفارقها ~~يقال أقمت إقامة ومقاما ومقامة { من فضله } من عطائه وإفضاله لا ~~باستحقاقنا { لا يمسنا فيها نصب } تعب ومشقة { ولا ~~يمسنا فيها لغوب } إعياء من التعب وفترة. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي { لغوب } بفتح اللام وهو شيء يلغب منه أي لا نتكلف عملا يلغبنا ~~{ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا } جواب النفي ونصبه بإضمار «أن» أي لا يقضى عليهم بموت ثان ~~فيستريحوا { ولا يخفف عنهم من عذابها } من عذاب نار ~~جهنم { كذلك } مثل ذلك الجزاء { نجزي كل كفور } { يجزى ~~كل كفور }: أبو عمرو { وهم يصطرخون فيها } يستغيثون فهو ~~يفتعلون من الصراخ وهو ms1168 الصياح بجهد ومشقة، واستعمل في الاستغاثة لجهر صوت ~~المستغيث { ربنا } يقولون ربنا { أخرجنا نعمل صلحا ~~غير الذي كنا نعمل } أي أخرجنا من النار ردنا إلى الدنيا ~~نؤمن بدل الكفر ونطع بعد المعصية فيجاوبون بعد فدر عمر الدنيا { أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } يجوز أن يكون «ما» ~~نكرة موصوفة أي تعميرا يتذكر فيه من تذكر وهو متناول لكل عمر تمكن فيه ~~المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. # ثم قيل: هو ثمان عشرة سنة. وقيل: أربعون. وقيل: ستون سنة { وجاءكم ~~النذير } الرسول عليه السلام أو المشيب وهو عطف على معنى { أولم ~~نعمركم } لأن لفظه لفظ استخبار ومعناه إخبار كأنه قيل: قد عمرناكم ~~وجاءكم النذير { فذوقوا } العذاب { فما للظلمين من ~~نصير } ناصر يعينهم. ### || [35.38-45] # { إن الله علم غيب السموت والأرض } ما غاب ~~فيهما عنكم { إنه عليم بذات الصدور } كالتعليل لأنه إذا ~~علم ما في الصدور وهو أخفى ما يكون فقد علم كل غيب في العالم. وذات ~~الصدور مضمراتها وهي تأنيث ذو في نحو قول أبي بكر رضي الله عنه: ذو بطن ~~خارجة جارية. أي ما في بطنها من الحبل لأن الحبل يصحب البطن. وكذا ~~المضمرات تصحب الصدور وذو موضوع لمعنى الصحبة { هو الذى جعلكم ~~خلئف فى الأرض } يقال للمستخلف خليفة ويجمع على خلائف، والمعنى ~~أنه جعلكم خلفاء في أرضه قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها ~~وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة { فمن كفر } منكم وغمط ~~مثل هذه النعمة السنية { فعليه كفره } فوبال كفره راجع عليه وهو ~~مقت الله وخسار الآخرة كما قال { ولا يزيد الكفرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا } وهو أشد البغض { ولا ~~يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا } هلاكا وخسرانا { ~~قل أرءيتم شركآءكم } آلهتكم التي أشركتموهم في العباد { ~~الذين تدعون من دون الله أرونى ماذا خلقوا من ~~الأرض } { أرونى } بدل من { أرءيتم } أخبروني كأنه قيل: ~~أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الشركة، أروني أي جزء من أجزاء ~~الأرض استبدوا بخلقه ms1169 دون الله؟ { أم لهم شرك فى السموت } ~~أم لهم مع الله شركة في خلق السماوات { أم ءاتينهم كتبا ~~فهم على بينت منه } أي معهم كتاب من عند الله ينطق أنهم ~~شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب. { بينات } علي وابن عامر ونافع ~~وأبو بكر { بل إن يعد } ما يعد { الظلمون بعضهم } بدل ~~من { الظلمون } وهم الرؤساء { بعضا } أي الأتباع { إلا ~~غرورا } هو قولهم # هؤلاء شفعؤنا عند الله # [يونس: 18]. { إن الله يمسك السموت والأرض أن ~~تزولا } يمنعهما من أن تزولا لأن الإمساك منع { ولئن زالتآ } ~~على سبيل الفرض { إن أمسكهما } ما أمسكهما { من أحد من ~~بعده } من بعد إمساكه. و«من» الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية ~~للابتداء { إنه كان حليما غفورا } غير معاجل بالعقوبة حيث ~~يمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا لعظم كلمة الشرك كما قال # تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض # [مريم: 90] الآية. # { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } نصب على المصدر أي ~~إقساما بليغا أو على الحال أي جاهدين في أيمانهم { لئن جآءهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم } بلغ قريشا قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن ~~الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن ~~أهدى من إحدى الأمم أي من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلا ~~لها على غيرها في الهدى والاستقامة كما يقال للداهية العظيمة هي إحدى ~~الدواهي { فلما جآءهم نذير } فلما بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { ما زادهم إلا نفورا } أي ما زادهم مجيء الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلا تباعدا عن الحق وهو إسناد مجازي { استكبارا ~~فى الأرض } مفعول له وكذا { ومكر السيىء } والمعنى وما زادهم ~~إلا نفورا للاستنكار ومكر السيء، أو حال يعني مستكبرين وماكرين برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وأصل قوله ومكر السيء وأن مكروا السيء أي المكر السيء، ثم ومكرا السيء ~~ثم ومكر السيء والدليل عليه وقوله { ولا يحيق } يحيط وينزل { ~~المكر السيىء إلا بأهله } ولقد حاق بهم ms1170 يوم بدر وفي ~~المثل «من حفر لأخيه جبا وقع فيه مكبا { فهل ينظرون إلا ~~سنت الأولين } وهو إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من ~~الأمم قبلهم، والمعنى فهل ينظرون بعد تكذيبك إلا أن ينزل بهم العذاب مثل ~~الذي نزل بمن قبلهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم ~~{ فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت ~~الله تحويلا } بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة ~~لا يبدلها في ذاتها ولا يحولها عن أوقاتها وأن ذلك مفعول لا محالة. # { أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم } استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه ~~في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ~~ودمارهم { وكانوا أشد منهم } من أهل مكة { قوة } ~~اقتدارا فلم يتمكنوا من الفرار { وما كان الله ليعجزه } ~~ليسبقه ويفوته { من شىء } أي شيء { فى السموت وفى ~~الارض إنه كان عليما } بهم { قديرا } قادرا عليهم { ~~ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } بما اقترفوا من ~~المعاصي { ما ترك على ظهرها } على ظهر الأرض لأنه جرى ذكر ~~الأرض في قوله # ليعجزه من شىء فى السموت ولا فى الأرض # [فاطر: 44] { من دآبة } من نسمة تدب عليها { ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى } إلى يوم القيامة { فإذا جآء أجلهم ~~فإن الله كان بعباده بصيرا } أي لم تخف عليه حقيقة ~~أمرهم وحكمة حكمهم والله الموفق للصواب. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-11] # { يس } عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه يا إنسان في لغة طيء، وعن ابن ~~الحنفية يا محمد، وفي الحديث: # " إن الله سماني في القرآن بسبعة أسماء: محمد وأحمد وطه ويس والمزمل ~~والمدثر وعبد الله " # وقيل يا سيد. { ياسين } بالإمالة: علي وحمزة وخلف وحماد ويحيى { ~~والقرءان } قسم { الحكيم } ذي الحكمة أو لأنه دليل ناطق ~~بالحكمة أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به { إنك لمن ~~المرسلين } جواب القسم وهو رد على الكفار حين قالوا: # لست مرسلا # [الرعد: 43] { على صرط مستقيم } خبر بعد خبر أوصلة ل { ~~المرسلين } أي ms1171 الذين أرسلوا على صراط مستقيم أي طريقة مستقيمة وهو ~~الإسلام { تنزيل } بنصب اللام: شامي وكوفي غير أبي بكر على «اقرأ ~~تنزيل» أو على أنه مصدر أي نزل تنزيل، وغيرهم بالرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أي هو تنزيل والمصدر بمعنى المفعول { العزيز } الغالب بفصاحة ~~نظم كتابه أو هام ذوي العناد { الرحيم } الجاذب بلطافة معنى خطابه ~~أفهام أولي الرشاد. واللام في { لتنذر قوما } متصل بمعنى المرسلين ~~أي أرسلت لتنذر قوما { مآ أنذر ءابآؤهم } «ما» نافية عند ~~الجمهور أي قوما غير منذر آباؤهم على الوصف بدليل قوله # لتنذر قوما ما أتهم من نذير من قبلك # [القصص: 46] # وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير # [سبأ: 44]. أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني أي العذاب الذي أنذره ~~آباؤهم كقوله # إنا أنذرنكم عذابا قريبا # [النبأ: 40] أو مصدرية أي لتنذر قوما إنذار آبائهم أي مثل إنذار آبائهم ~~{ فهم غفلون } إن جعلت «ما» نافية فهو متعلق بالنفي أي لم ~~ينذروا فهم غافلون وإلا فهو متعلق بقوله: { إنك لمن ~~المرسلين لتنذر }. كما تقول «أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل ~~أو فهو غافل» { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ~~يؤمنون } يعني قوله: # لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة:13] أي تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم ~~يموتون على الكفر. # ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم ~~كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم ~~نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ~~ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في ~~آيات الله بقوله { إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا ~~فهى إلى الأذقن } معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة ~~إليها { فهم مقمحون } مرفوعة رءوسهم. يقال: قمح البعير فهو قامح ~~إذا روي فرفع رأسه وهذا لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى ~~طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود خارجا من الحلقة إلى الذقن فلا ~~يخليه ms1172 يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحا { وجعلنا من بين أيديهم ~~سدا ومن خلفهم سدا } بفتح السين: حمزة وعلي وحفص. # وقيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله كالجبل ونحوه ~~فبالضم { فأغشينهم } فأغشينا أبصارهم أي غطيناها وجعلنا عليها ~~غشاوة { فهم لا يبصرون } الحق والرشاد. وقيل: نزلت في بني مخزوم ~~وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ~~ومعه حجر ليدمغه به، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى ~~فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا ~~الحجر فذهب فأعمى الله بصره { وسوآء عليهم ءأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون } أي سواء عليهم الإنذار وتركه، ~~والمعنى من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار. وروي أن عمر بن عبد ~~العزيز قرأ الآية على غيلان القدري فقال: كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب ~~عن قولي في القدر. فقال عمر: اللهم إن صدق فتب عليه وإن كذب فسلط عليه من ~~لا يرحمه، فأخذه هشام بن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه وصلبه على ~~باب دمشق { إنما تنذر من اتبع الذكر } أي إنما ينتفع ~~بإنذارك من اتبع القرآن { وخشى الرحمن بالغيب } وخاف عقاب ~~الله ولم يره { فبشره بمغفرة } وهي العفو عن ذنوبه { ~~وأجر كريم } أي الجنة. ### || [36.12-27] # { إنا نحن نحيى الموتى } نبعثهم بعد مماتهم أو نخرجهم من ~~الشرك إلى الإيمان { ونكتب ما قدموا } ما أسلفوا من الأعمال ~~الصالحات وغيرها { وءاثارهم } ما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علموه ~~أو كتاب صنفوه أو حبيس حبسوه أو رباط أو مسجد صنعوه أو سيء كوظيفة ~~وظفها بعض الظلمة، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها ونحوه قوله تعالى # ينبأ الإنسن يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] قدم من أعماله وأخر من آثاره. وقيل: هي خطاهم إلى الجمعة ~~أو إلى الجماعة { وكل شىء أحصينه } عددناه وبيناه { فى ~~إمام مبين } يعني اللوح المحفوظ لأنه أصل الكتب ومقتداها. { ~~واضرب لهم مثلا أصحب القرية ms1173 } ومثل لهم من قولهم ~~«عندي من هذا الضرب كذا» أي من هذا المثال، وهذه الأشياء على ضرب واحد أي ~~على مثال واحد، والمعنى واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية أي أنطاكية، أي ~~اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، والمثل الثاني بيان للأول. وانتصاب ~~{ إذ } بأنه بدل من { أصحب القرية } { جآءها ~~المرسلون } رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها بعثهم دعاة إلى الحق ~~وكانوا عبدة أوثان { إذ } بدل من { إذ } الأولى { أرسلنا ~~إليهم } أي أرسل عيسى بأمرنا { اثنين } صادقا وصدوقا، فلما ~~قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار فسأل عن ~~حالهما فقالا: نحن رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن ~~فقال: أمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص، وكان له ~~ابن مريض مدة سنتين فمسحاه فقام، فآمن حبيب وفشا الخبر فشفي على أيديهما ~~خلق كثير، فدعاهما الملك وقال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من ~~أوجدك وآلهتك. فقال: حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس وضربوهما. وقيل: ~~حبسا ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ~~ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين ~~فهل سمعت قولهما؟ قال: لا. فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله ~~الذي خلق كل شيء ورزق كل حي وليس له شريك. فقال: صفاه وأوجزا. قالا: يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد. قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك. فدعا ~~بغلام أكمه فدعوا الله فأبصر الغلام. فقال له شمعون: أرأيت لو سألت إلهك ~~حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف؟ قال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع. ثم قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميت ~~آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال: إني أدخلت في سبعة ~~أودية من النار لما مت عليه من الشرك وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا. # وقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسن ms1174 الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. ~~قال الملك: ومن هم؟ قال: شمعون وهذان، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أن ~~قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن قوم، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل ~~فهلكوا. # { فكذبوهما } فكذب أصحاب القرية الرسولين { فعززنا } ~~فقويناهما، { فعززنا } أبو بكر من عزه يعزه إذا غلبه أي فغلبنا ~~وقهرنا { بثالث } وهو شمعون وترك ذكر المفعول به لأن المراد ذكر ~~المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل الباطل، ~~وإذا كان الكلام منصبا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ~~ما سواه مرفوض { فقالوا إنا إليكم مرسلون } أي قال ~~الثلاثة لأهل القرية { قالوا } أي أصحاب القرية { ما أنتم إلا ~~بشر مثلنا } رفع { بشر } هنا ونصب في قوله # ما هذا بشرا # [يوسف: 31] لانتقاض النفي ب «إلا» فلم يبق لما شبه بليس وهو الموجب ~~لعمله { وما أنزل الرحمن من شىء } أي وحيا { إن ~~أنتم إلا تكذبون } ما أنتم إلا كذبة. { قالوا ربنا ~~يعلم إنا إليكم لمرسلون } أكد الثاني باللام دون الأول ~~لأن الأول ابتداء إخبار والثاني جواب عن إنكار فيحتاج إلى زيادة تأكيد. و ~~{ ربنا يعلم } جار مجرى القسم في التوحيد وكذلك قولهم «شهد ~~الله» و «علم الله» { وما علينا إلا البلغ المبين } ~~أي التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة بصحته { قالوا إنا ~~تطيرنا بكم } تشاءمنا بكم وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه ~~نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم ~~ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا ~~وبركة ذلك. وقيل: حبس عنهم المطر فقالوا ذلك { لئن لم تنتهوا } ~~عن مقالتكم هذه { لنرجمنكم } لنقتلنكم أو لنطردنكم أو لنشتمنكم ~~{ وليمسنكم منا عذاب أليم } وليصيبنكم عذاب النار ~~وهو أشد عذاب { قالوا طئركم } أي سبب شؤمكم { معكم } وهو ~~الكفر { أئن } بهمزة الاستفهام وحرف الشرط: كوفي وشامي { ذكرتم } ~~وعظتم ودعيتم إلى الإسلام، وجواب الشرط مضمر وتقديره «تطيرتم»، { آين } ~~بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: أبو عمرو، و { أين } بهمزة مقصورة ~~بعدها ms1175 ياء مسكورة: مكي ونافع. { ذكرتم } بالتخفيف: يزيد { بل أنتم ~~قوم مسرفون } مجاوزون الحد في العصيان فمن ثم أتاكم الشؤم من ~~قبلكم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم مسرفون في ضلالكم وغيكم ~~حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله. # { وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى } هو حبيب النجار ~~وكان في غار من الجبل يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه ~~وقال: أتسألون على ما جئتم به أجرا؟ قالوا: لا { قال يقوم ~~اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسئلكم أجرا ~~} على تبليغ الرسالة { وهم مهتدون } أي الرسل: فقالوا: أو أنت ~~على دين هؤلاء؟ فقال: { وما لى لا أعبد الذى فطرنى } ~~خلقني { وإليه ترجعون } وإليه مرجعكم، { وما لى } حمزة. # { ءأتخذ } بهمزتين: كوفي { من دونه ءالهة } يعني الأصنام ~~{ إن يردن الرحمن بضر } شرط جوابه { لا تغن عنى ~~شفعتهم شيئا ولا ينقذون } من مكروه، { ولا ينقذوني } { ~~فاسمعوني } في الحالين: يعقوب { إنى إذا } أي إذا اتخذت { لفى ~~ضلل مبين } ظاهر بين. ولما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو ~~الرسل قبل أن يقتل فقال لهم { إنى ءامنت بربكم فاسمعون ~~} أي اسمعوا إيماني لتشهدوا لي به. ولما قتل { قيل } له { ادخل ~~الجنة } وقبره في سوق أنطاكية. ولم يقل «قيل له» لأن الكلام سيق ~~لبيان المقول لا لبيان المقول له مع كونه معلوما، وفيه دلالة أن الجنة ~~مخلوقة. وقال الحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه وهو في ~~الجنة ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض، فلما دخل الجنة ورأى نعيمها { ~~قال يليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى } أي بمغفرة ~~ربي لي أو بالذي غفر لي { وجعلنى من المكرمين } بالجنة. ### || [36.28-39] # { وما أنزلنا } «ما» نافيه { على قومه } قوم حبيب { من ~~بعده } أي من بعد قتله أو رفعه { من جند من السمآء } ~~لتعذيبهم { وما كنا منزلين } وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في ~~إهلاك قوم حبيب جندا من السماء، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم ~~على بعض الوجوه دون ms1176 بعض لحكمة اقتضت ذلك { إن كانت } الأخذة أو ~~العقوبة { إلا صيحة وحدة } صاح جبريل عليه السلام صيحة واحدة ~~{ فإذا هم خمدون } ميتون كما تخمد النار. والمعنى أن الله كفى ~~أمرهم بصيحة ملك ولم ينزل لإهلاكهم جندا من جنود السماء كما فعل يوم بدر ~~والخندق. # { يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزءون } الحسرة شدة الندم وهذا نداء للحسرة ~~عليهم كأنما قيل لها تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري ~~فيها وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم ~~المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون، أو هم متحسر عليهم من جهة ~~الملائكة والمؤمنين من الثقلين { ألم يروا } ألم يعلموا { كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون } «كم» نصب ب { أهلكنا } ~~و { يروا } معلق عن العمل في «كم» لأن «كم» لا يعمل فيها عامل قبلها ~~كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام إلا أن معناه نافذ في ~~الجملة. وقوله { أنهم إليهم لا يرجعون } بدل من { كم ~~أهلكنا } على المعنى لا على اللفظ تقديره: ألم يروا كثرة إهلا كنا ~~القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم { وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون } { لما } بالتشديد: شامي وعاصم وحمزة بمعنى ~~إلا و «إن» نافية. وغيرهم بالتخفيف على أن «ما» صلة للتأكيد و «إن» مخففة ~~من الثقيلة وهي متلقاة باللام لا محالة. والتنوين في { كل } عوض من ~~المضاف إليه، والمعنى إن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب أو معذبون. ~~وإنما أخبر عن { كل } بجميع لأن «كلا» يفيد معنى الإحاطة والجميع فعيل ~~بمعنى مفعول ومعناه الاجتماع يعني أن المحشر يجمعهم { وءاية لهم ~~} مبتدأ وخبر أي وعلامة تدل على أن الله يبعث الموتى إحياء الأرض الميتة، ~~ويجوز أن يرتفع { ءاية } بالابتداء و { لهم } صفتها، وخبرها { ~~الأرض الميتة } اليابسة. وبالتشديد: مدني { أحيينها } ~~بالمطر وهو استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية وكذلك { نسلخ } ويجوز ~~أن توصف الأرض والليل بالفعل لأنه أريد بهما جنسان مطلقان لا أرض وليل ~~بأعيانهما فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالأفعال ونحوه: # ولقد ms1177 أمر على اللئيم يسبني # { وأخرجنا منها حبا } أريد به الجنس { فمنه يأكلون ~~} قدم الظرف ليدل على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم ~~بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط ووقع الضر وإذا فقد حضر ~~الهلاك ونزل البلاء { وجعلنا فيها } في الأرض { جنت } ~~بساتين { من نخيل وأعنب وفجرنا فيها من ~~العيون } «من» زائدة عند الأخفش وعند غيره المفعول محذوف تقديره ما ~~ينتفعون به { ليأكلوا من ثمره } والضمير لله تعالى أي ليأكلوا ~~مما خلقه الله من الثمر. # { من ثمره } حمزة وعلي { وما عملته أيديهم } أي ومما ~~عملته أيديهم من الغرس والسقي والتلقيح وغير ذلك من الأعمال إلى أن يبلغ ~~الثمر منتهاه، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه وفيه آثار من كد بني ~~آدم وأصله من ثمرنا كما قال { وجعلنا } { وفجرنا } فنقل ~~الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات. ويجوز أن يرجع الضمير ~~إلى النخيل وتترك الأعناب غير مرجوع إليها لأنه علم أنها في حكم النخيل ~~مما علق به من أكل ثمره، ويجوز أن يراد من ثمر المذكور وهو الجنات كما ~~قال رؤبة. # فيها خطوط من بياض وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # فقيل له فقال: أردت كأن ذاك. { وما عملت } كوفي غير حفص وهي في مصاحف ~~أهل الكوفة كذلك، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير. وقيل: ~~«ما» نافية على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه ~~{ أفلا يشكرون } استبطاء وحث على شكر النعمة. { سبحن ~~الذى خلق الأزوج } الأصناف { كلها مما تنبت الأرض ~~} من النخيل والشجر والزرع والثمر { ومن أنفسهم } الأولاد ذكورا ~~وإناثا { ومما لا يعلمون } ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ~~ولا توصلوا إلى معرفتها، ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس. # { وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار } نخرج منه ~~النهار إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النهار، أو ننزع عنه الضوء نزع ~~القميص الأبيض فيعرى نفس الزمان كشخص زنجي أسود لأن أصل ما بين السماء ~~والأرض ms1178 من الهواء الظلمة فاكتسى بعضه ضوء الشمس كبيت مظلم أسرج فيه فإذا ~~غاب السراج أظلم { فإذا هم مظلمون } داخلون في الظلام { ~~والشمس تجرى } وآية لهم الشمس تجري { لمستقر لها } ~~لحد لها موقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر ~~إذا قطع مسيره أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرائي عيوننا وهو المغرب، ~~أو لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا { ذلك } الجري على ذلك التقدير ~~والحساب الدقيق { تقدير العزيز } الغالب بقدرته على كل مقدور { ~~العليم } بكل معلوم { والقمر } نصب بفعل يفسره { قدرنه ~~} وبالرفع مكي ونافع وأبو عمرو وسهل على الابتداء والخبر قدرناه أو على ~~«وآية لهم القمر» { منازل } وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ~~ليلة وفي واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستو يسير فيها ~~من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص ~~الشهر. # ولا بد في { قدرنه منازل } من تقدير مضاف لأنه لا معنى ~~لتقدير نفس القمر منازل أي قدرنا نوره فيزيد وينقص، أو قدرنا مسيره منازل ~~فيكون ظرفا فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس { حتى عاد ~~كالعرجون } هو عود الشمراخ إذا يبس واعوج ووزنه فعلون من الانعراج ~~وهو الانعطاف { القديم } العتيق المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر ~~فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. ### || [36.40-57] # { لا الشمس ينبغى لها } أي لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم { ~~أن تدرك القمر } فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس ~~نوره لأن لكل واحد من النيرين سلطانا على حياله، فسلطان الشمس بالنهار ~~وسلطان القمر بالليل { ولا اليل سابق النهار } ولا يسبق ~~الليل النهار أي آية الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على ~~هذا الترتيب إلى أن تقوم القيامة فيجمع الله بين الشمس والقمر وتطلع ~~الشمس من مغربها { وكل } التنوين فيه عوض من المضاف إليه أي وكلهم ~~والضمير للشموس والأقمار { فى فلك يسبحون }.يسيرون # { وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم } { ذرياتهم } ~~مدني وشامي { فى الفلك المشحون ms1179 } أي المملوء. والمراد بالذرية ~~الأولاد ومن يهمهم حمله وكانوا يبعثونهم إلى التجارات في بر أو بحر، أو ~~الآباء لأنها من الأضداد. والفلك على هذا سفينة نوح عليه السلام. وقيل: ~~معنى حمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم هم ~~وذرياتهم. وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم { ~~وخلقنا لهم من مثله } من مثل الفلك { ما يركبون } ~~من الإبل وهي سفائن البر { وإن نشأ نغرقهم } في البحر { فلا ~~صريخ لهم } فلا مغيث أو فلا إغاثة { ولا هم ينقذون } لا ~~ينجون { إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين } أي ولا ~~ينقذون إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل، فهما منصوبان ~~على المفعول له. # { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم } أي ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر مما أنتم تعملون من بعد أو ~~من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، وما خلفكم من ~~أمر الساعة أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة { لعلكم ترحمون } ~~لتكونوا على رجاء رحمة الله. وجواب «إذا» مضمر أي أعرضوا، وجاز حذفه لأن ~~قوله { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا ~~كانوا عنها معرضين } يدل عليه. و «من» الأولى لتأكيد النفي ~~والثانية للتبعيض أي ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة { وإذا قيل ~~لهم } لمشركي مكة { أنفقوا مما رزقكم الله } أي تصدقوا ~~على الفقراء { قال الذين كفروا للذين ءامنوا ~~أنطعم من لو يشآء الله أطعمه } عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله ~~أيفقره الله ونطعمه نحن: { إن أنتم إلا فى ضلل مبين } ~~قول الله لهم أو حكاية قول المؤمنين لهم أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين. # { ويقولون متى هذا الوعد } أي وعد البعث والقيامة { إن ~~كنتم صدقين } فيما تقولون خطاب للنبي وأصحابه { ما ينظرون ~~} ينتظرون { إلا صيحة وحدة } هي النفخة الأولى { تأخذهم ~~وهم يخصمون } حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا غلبه ~~في الخصومة، وشدد الباقون الصاد أي { يخصمون } بإدغام ms1180 التاء في ~~الصاد، لكنه مع فتح الخاء: مكي بنقل حركة التاء المدغمة إليها، وبسكون ~~الخاء: مدني، وبكسر الياء والخاء: يحيى فأتبع الياء الخاء في الكسر، ~~وبفتح الياء وكسر الخاء: غيرهم. # والمعنى تأخذهم وبعضهم يخصم بعضا في معاملاتهم. # { فلا يستطيعون توصية } فلا يستطيعون أن يوصوا في شيء من ~~أمورهم توصية { ولا إلى أهلهم يرجعون } ولا يقدرون على ~~الرجوع إلى منازلهم بل يموتون حيث يسمعون الصيحة { ونفخ فىالصور ~~} هي النفخة الثانية والصور القرن أو جمع صورة { فإذا هم من ~~الأجداث } أي القبور { إلى ربهم ينسلون } يعدون بكسر ~~السين وضمها { قالوا } أي الكفار { يويلنا من بعثنا } من ~~أنشرنا { من مرقدنا } أي مضجعنا، وقف لازم عن حفص وعن مجاهد ~~للكفار مضجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا ~~{ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } كلام ~~الملائكة أو المتقين أو الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به ~~أنفسهم أو بعضهم بعضا، أو «ما» مصدرية ومعناه هذا وعد الرحمن وصدق ~~المرسلين على تسلمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، أو موصولة ~~وتقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون أي والذي صدق فيه ~~المرسلون { إن كانت } النفخة الأخيرة { إلا صيحة وحدة ~~فإذا هم جميع لدينا محضرون } للحساب. ثم ذكر ما يقال ~~لهم في ذلك اليوم { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون إن أصحب الجنة ~~اليوم فى شغل } بضمتين: كوفي وشامي، وبضمة وسكون: مكي ونافع وأبو ~~عمرو. والمعنى في شغل في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وهو افتضاض الأبكار على ~~شط الأنهار تحت الأشجار أو ضرب الأوتار أو ضيافة الجبار { فكهون } ~~خبر ثان { فكهون } يزيد، والفاكه والفكه: المتنعم المتلذذ ومنه ~~الفاكهة لأنها مما يتلذذ به وكذا الفكاهة { هم } مبتدأ { ~~وأزوجهم } عطف عليه { فى ظلل } حال جمع ظل وهو الموضع الذي ~~لا تقع عليه الشمس كذئب وذئاب، أو جمع ظلة كبرمة وبرام دليله قراءة حمزة ~~وعلي، { ظلل } جمع ظلة وهي ما سترك عن الشمس { على الأرآئك } ~~جمع الأريكة ms1181 وهي السرير في الحجلة أو الفراش فيها { متكئون } خبر ~~أو { فى ظلل } خبر و { على الأرائك } مستأنف { لهم ~~فيها فكهة ولهم ما يدعون } يفتعلون من الدعاء أي كل ~~ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم أو يتمنون من قولهم «ادع علي ما شئت» أي ~~تمنه علي، عن الفراء هو من الدعوى ولا يدعون ما لا يستحقون. ### || [36.58-70] # { سلم } بدل من { ما يدعون } كأنه قال لهم سلام يقال لهم { ~~قولا من رب رحيم } والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة ~~الملائكة أو بغير واسطة تعظيما لهم وذلك متمناهم ولهم ذلك لا يمنعونه. ~~قال ابن عباس: والملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. { ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون } وانفردوا عن المؤمنين ~~وكونوا على حدة وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة. وعن الضحاك: ~~لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى أبدا ويقول لهم يوم ~~القيامة { ألم أعهد إليكم يبنى ءادم أن لا ~~تعبدوا الشيطن إنه لكم عدو مبين } العهد ~~الوصية وعهد إليه إذا وصاه وعهد الله إليهم ما ركزه فيهم من أدلة العقل ~~وأنزل عليهم من دلائل السمع، وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ~~ويزينه لهم { وأن اعبدونى } وحدوني وأطيعوني { هذا } إشارة ~~إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن { صرط مستقيم } ~~أي صراط بليغ في استقامته ولا صراط أقوم منه { ولقد أضل منكم ~~جبلا } بكسر الجيم والباء والتشديد: مدني وعاصم وسهل { جبلا } بضم ~~الجيم والباء والتشديد: يعقوب { جبلا } مخففا: شامي وأبو عمرو. و { ~~جبلا } بضم الجيم والباء وتخفيف اللام: غيرهم، وهذه لغات في معنى ~~الخلق { كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } استفهام تقريع على ~~تركهم الانتفاع بالعقل { هذه جهنم التى كنتم توعدون ~~} بها { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } ادخلوها ~~بكفركم وإنكاركم لها. # { اليوم نختم على أفوههم } أي نمنعهم من الكلام { ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون } يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم ~~وعشائرهم فيحلفون ما كانوا مشركين، فحيئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم ~~وأرجلهم، وفي الحديث ms1182 # " يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي فيختم ~~على فيه ويقال لأركانه: أنطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام ~~فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل " # { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم } لأعميناهم وأذهبنا ~~أبصارهم. والطمس تعفيه شق العين حتى تعود ممسوحة { فاستبقوا ~~الصرط } على حذف الجار وإيصال الفعل والأصل فاستبقوا إلى الصراط { ~~فأنى يبصرون } فكيف يبصرون حينئذ وقد طمسنا أعينهم { ولو ~~نشآء لمسخنهم } قردة أو خنازير أو حجارة { على ~~مكنتهم } { على مكاناتهم } أبو بكر وحماد. والمكانة والمكان ~~واحد كالمقامة والمقام أي لمسخناهم في منازلهم حيث يجترحون المآثم { ~~فما استطعوا مضيا ولا يرجعون } فلم يقدروا على ذهاب ~~ولا مجيء أو مضيا أمامهم ولا يرجعون خلفهم. # { ومن نعمره ننكسه } عاصم وحمزة، والتنكيس: جعل الشيء ~~أعلاه أسفله، الباقون { ننكسه } { فى الخلق } أي نقلبه فيه ~~بمعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة ضعفا وبدل الشباب هرما، ~~وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده وخلو من عقل وعلم ثم جعلناه يتزايد إلى ~~أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى ~~نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقض حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبي في ~~ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله قال ~~عز وجل: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا # [الحج: 5] { أفلا يعقلون } أن من قدر على أن ينقلهم من الشباب ~~إلى الهرم ومن القوة إلى الضعف ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز، ~~قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويبعثهم بعد الموت. ~~وبالتاء: مدني ويعقوب وسهل. # وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر فنزل { وما ~~علمنه الشعر } أي وما علمنا النبي عليه السلام قول الشعراء أو ~~وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر فهو كلام ~~موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن وأين التقفية؟. فلا مناسبة بينه ~~وبين الشعر إذا حققته ms1183 { وما ينبغى له } وما يصح له ولا يليق بحاله ~~ولا يتطلب لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم ~~يتسهل كما جعلناه أميا لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض ~~وأما قوله: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # وقوله: # هل أنت إلا أصبع دميت # وفي سبيل الله ما لقيت # فما هو إلا من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة فيه ~~ولا تكلف إلا أنه اتفق من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه أن جاء موزونا ~~كما يتفق في خطب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة، ولا يسميها أحد ~~شعرا لأن صاحبه لم يقصد الوزن ولا بد منه، على أنه عليه السلام قال ~~«لقيت» بالسكون، وفتح الباء في «كذب» وخفض الباء في «المطلب» ولما نفى أن ~~يكون القرآن من جنس الشعر قال { إن هو } أي المعلم { إلا ذكر ~~وقرءان مبين } أي ما هو إلا ذكر من الله يوعظ به الإنس والجن، ~~وما هو إلا قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال ~~بتلاوته والعمل به فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات ~~الشياطين { لينذر } القرآن أو الرسول { لتنذر } مدني وشامي وسهل ~~ويعقوب { من كان حيا } عاقلا متأملا لأن الغافل كالميت أو حيا ~~بالقلب، { ويحق القول } وتجب كلمة العذاب { على ~~الكفرين } الذين لا يتأملون وهم في حكم الأموات. ### || [36.71-83] # { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعما } أي مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه ~~غيرنا { فهم لها ملكون } أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم ~~فهم متصرفون فيها تصرف الملاك مختصون بالانتفاع بها أو فهم لها ضابطون ~~قاهرون { وذللنها لهم } وصيرناها منقادة لهم وإلا فمن كان ~~يقدر عليها لولا تذليله تعالى وتسخيره لها، ولهذا ألزم الله سبحانه ~~الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله # سبحن الذى سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين # [الزخرف: 13] { فمنها ركوبهم } وهو ما يركب { ومنها ~~يأكلون ms1184 } أي سخرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها { ولهم ~~فيها منفع } من الجلود والأوبار وغير ذلك { ومشرب } من ~~اللبن وهو جمع مشرب وهو موضع الشرب أو الشراب { أفلا يشكرون } ~~الله على إنعام الأنعام { واتخذوا من دون الله ءالهة ~~لعلهم ينصرون } أي لعل أصنامهم تنصرهم إذا حزبهم أمر { لا ~~يستطيعون } أي آلهتهم { نصرهم } نصر عابديهم { وهم لهم ~~} أي الكفار للأصنام { جند } أعوان وشيعة { محضرون } يخدمونهم ~~ويذبون عنهم، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم والأمر على خلاف ~~ما توهموا حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون ~~وقود النار { فلا يحزنك قولهم } وبضم الياء وكسر الزاي: نافع ~~من حزنه وأحزنه يعني فلا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم. # { إنا نعلم ما يسرون } من عداوتهم { وما يعلنون } ~~وإنا مجازوهم عليه فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة ~~حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن. ومن زعم أن ~~من قرأ { إنا نعلم } بالفتح فسدت صلاته وإن اعتقد معناه كفر فقد أخطأ، ~~لأنه يمكن حمله على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر وفي كل ~~كلام، وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أن الحمد والنعمة لك " # كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي رحمة الله عليهما، وكلاهما تعليل. فإن قلت: ~~إن كان المفتوح بدلا من { قولهم } كأنه قيل: فلا يحزنك أنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون ففساده ظاهر. قلت: هذا المعنى قائم مع المكسورة إذا ~~جعلتها مفعولة للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالما وعدم ~~تعلقه لا يدوران على كسر «إن» وفتحها، وإنما يدوران على تقديرك فتفصل إن ~~فتحت ب «أن» تقدر معنى التعليل ولا تقدر معنى البدل كما أنك تفصل بتقدير ~~معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى المفعولية. ثم إن قدرته كاسرا أو ~~فاتحا على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل فما فيه إلا نهي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الحزن على علمه تعالى بسرهم وعلانيتهم، والنهي عن حزنه ~~ليس ms1185 إثباتا لحزنه بذلك كما في قوله: # فلا تكونن ظهيرا للكفرين # [القصص: 86] # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام: 14] # ولا تدع مع الله إلها ءاخر # [القصص: 88]. ونزل في أبي بن خلف حين أخذ عظما باليا وجعل يفته بيده ~~ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم» " # { أو لم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة } مذرة ~~خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة { فإذا هو خصيم مبين ~~} بين الخصومة أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه ~~وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم ~~وصف له وألصقه به وهو كونه منشأ من موات وهو ينكر إنشاءه من موات وهو ~~غاية المكابرة { وضرب لنا مثلا } بفته العظم { ونسى ~~خلقه } من المني فهو أغرب من إحياء العظم، المصدر مضاف إلى المفعول ~~أي خلقنا إياه { قال من يحى العظم وهى رميم } هو اسم ~~لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات ولهذا لم يؤنث، وقد وقع خبرا ~~لمؤنث ومن يثبت الحياة في العظام ويقول إن عظام الميتة نجسة لأن الموت ~~يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها يتشبث بهذه الآية وهي عندنا طاهرة، ~~وكذا الشعر والعصب لأن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت. والمراد ~~بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس { ~~قل يحييها الذى أنشأها } خلقها { أول مرة } أي ~~ابتداء { وهو بكل خلق } مخلوق { عليم } لا تخفى عليه أجزاؤه ~~وإن تفرقت في البر والبحر فيجمعه ويعيده كما كان { الذى جعل لكم ~~من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } ~~تقدحون. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة ~~النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراب وأكثرها من ~~المرخ والعفار، وفي أمثالهم «في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار» لأن ~~المرخ شجر سريع الوري، والعفار شجر تقدح منه النار، يقطع الرجل ms1186 منهما ~~غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر ~~ على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب، ~~فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت ~~والحياة في البشر، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالعقيب أسهل في العقل من ~~الجمع معا بلا ترتيب. # والأخضر على اللفظ وقريء الخضراء على المعنى. # ثم بين أن من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق ~~الأناسي أقدر بقوله { أو ليس الذى خلق السموت ~~والأرض بقدر على أن يخلق مثلهم } في الصغر بالإضافة ~~إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به { ~~بلى } أي قل بلى هو قادر على ذلك { وهو الخلق } الكثير ~~المخلوقات { العليم } الكثير المعلومات { إنما أمره } شأنه { ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن } أن يكونه { فيكون } ~~فيحدث أي فهو كائن موجود لا محالة. فالحاصل أن المكونات بتخليقه وتكوينه ~~ولكن عبر عن إيجاده بقوله { كن } من غير أن كان منه كاف ونون وإنما هو ~~بيان لسرعة الإيجاد كأنه يقول: كما لا يثقل قول «كن» عليكم فكذا لا يثقل ~~على الله ابتداء الخلق وإعادتهم، { فيكون } شامي وعلي عطف على { يقول } ، ~~وأما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر لأن تقديرها «فهو يكون» معطوفة على ~~مثلها وهي «أمره أن يقول له كن» { فسبحن } تنزيه مما وصفه به ~~المشركون وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا { الذى بيده ملكوت ~~كل شىء } أي ملك كل شيء. وزيادة الواو والتاء للمبالغة يعني هو ~~مالك كل شيء { وإليه ترجعون } تعادون بعد الموت بلا فوت، { ~~ترجعون }: يعقوب. قال عليه الصلاة والسلام # " إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس " # " من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ ~~القرآن اثنتين وعشرين مرة " # وقال عليه السلام # " من قرأ يس أمام حاجته قضيت له ms1187 " # وقال عليه السلام # " من قرأها إن كان جائعا أشبعه الله، وإن كان ظمآن أرواه الله، وإن كان ~~عريانا ألبسه الله، وإن كان خائفا أمنه الله، وإن كان مستوحشا آنسه ~~الله، وإن كان فقيرا أغناه الله، وإن كان في السجن أخرجه الله، وإن كان ~~أسيرا خلصه الله، وإن كان ضالا هداه الله، وإن كان مديونا قضى الله ~~دينه من خزائنه " # وتدعى الدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة والله أعلم. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-28] # { والصفت صفا فالزجرت زجرا فالتليت ~~ذكرا } أقسم سبحانه وتعالى بطوائف الملائكة، أو بنفوسهم الصافات ~~أقدامها في الصلاة. فالزاجرات الحساب سوقا أو عن المعاصي بالإلهام، ~~فالتاليات لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها وهو قول ابن عباس وابن ~~مسعود ومجاهد؛ أو بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر ~~الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله والدارسات ~~شرائعه. أو بنفوس الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل ~~للجهاد وتتلو الذكر مع ذلك. و { صفا } مصدر مؤكد وكذلك { زجرا } ~~والفاء تدل على ترتيب الصفات في التفاضل فتفيد الفضل للصف ثم للزجر ثم ~~للتلاوة أو على العكس. وجواب القسم { إن إلهكم لواحد } ~~قيل: هو جواب قولهم # أجعل الآلهة إلها وحدا # [ص: 5] # رب السموت والأرض # خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو رب { وما بينهما ورب ~~المشرق } أي مطالع الشمس وهي ثلثمائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب ~~تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب منها ولا تطلع ولا تغرب في ~~واحد يومين. وأما # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] فإنه أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، وأما # رب المشرق والمغرب # [المزمل: 9] فإنه أراد به الجهة فالمشرق جهه والمغرب جهة. # { إنا زينا السمآءض الدنيا } القربى منكم تأنيث الأدنى { ~~بزينة الكوكب } حفص وحمزة على البدل من { زينة } والمعنى إنا ~~زينا السماء الدنيا بالكواكب، { بزينة الكوكب } أبو بكر على ~~البدل من محل { بزينة } أو على إضمار أعني أو على إعمال المصدر منونا في ~~المفعول، { بزينة الكوكب } غيرهم بإضافة ms1188 المصدر إلى الفاعل أي ~~بأن زانتها الكواكب وأصله بزينة الكواكب أو على إضافته إلى المفعول أي ~~بأن زان الله الكواكب وحسنها، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها ~~وأصله { بزينة الكوكب } لقراءة أبي بكر { وحفظا } محمول على ~~المعنى لأن المعنى إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من الشياطين كما ~~قال # ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها ~~رجوما للشيطين # [الملك: 5] أو الفعل المعلل مقدر كأنه قيل: وحفظا من كل شيطان قد ~~زيناها بالكواكب، أو معناه حفظناها حفظا { من كل شيطن ~~مارد } خارج من الطاعة. والضمير في { لا يسمعون } لكل شيطان ~~لأنه في معنى الشياطين، { يسمعون } كوفي غير أبي بكر، وأصله ~~«يتسمعون» والتسمع تطلب السماع يقال: تسمع فسمع أو فلم يسمع. وينبغي أن ~~يكون كلاما منقطعا مبتدأ اقتصاصا لما عليه حال المسترقة للسمع وأنهم ~~لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة أو يتسمعوا. وقيل: أصله لئلا ~~يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في «جئتك أن تكرمني» فبقي أن لا يسمعوا ~~فحذفت أن وأهدر عملها كما في قوله: # > # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وفيه تعسف يجب صون القرآن عن مثله، فإن كل واحد من الحذفين غير مردود ~~على انفراده ولكن اجتماعهما منكر. والفرق بين «سمعت فلانا» يتحدث و ~~«سمعت إليه يتحدث» و «سمعت حديثه» و «إلى حديثه»، أن المعدى بنفسه يفيد ~~الإدراك، والمعدى ب «إلى» يفيد الإصغاء مع الإدراك { إلى الملإ ~~الأعلى } أي الملائكة لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن هم الملأ ~~الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب { من كل ~~جانب } من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للإستراق { دحورا } ~~مفعول له أي ويقذفون للدحور وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأن ~~القذف والطرد متقاربان في المعنى فكأنه قيل: يدحرون أو قذفا { ولهم ~~عذاب واصب } دائم من الوصوب أي أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب وقد ~~أعد لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع. و «من» في { إلا ~~من } في محل الرفع بدل من الواو في { لا يسمعون } أي لا يسمع ms1189 الشياطين ~~إلا الشيطان الذي { خطف الخطفة } أي سلب السلبة يعني أخذ شيئا ~~من كلامهم بسرعة { فأتبعه } لحقه { شهاب } أي نجم رجم { ثاقب ~~} مضيء. { فاستفتهم } فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا ~~} أي أقوى خلقا من قولهم شديد الخلق وفي خلقه شدة، أو أصعب خلقا وأشقه ~~على معنى الرد لإنكارهم البعث، وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ~~ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون { أم من خلقنا } ~~يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما. وجيء ب ~~«من» تغليبا للعقلاء على غيرهم ويدل عليه قراءة من قرأ «أم من» عددنا ~~بالتشديد والتخفيف. # { إنا خلقنهم من طين لازب } لاصق أو لازم وقرىء به، ~~وهذا شهادة عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة ~~والقوة، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب فمن أين ~~استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا أئذا كنا ترابا؟ وهذا المعنى ~~يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث { بل عجبت } من تكذيبهم إياك ~~{ ويسخرون } هم منك ومن تعجبك، أو عجبت من إنكارهم البعث وهم ~~يسخرون من أمر البعث، { بل عجبت } حمزة وعلي أي استعظمت، والعجب ~~روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء فجرد لمعنى الاستعظام في حقه تعالى ~~لأنه لا يجوز عليه الروعة، أو معناه قل يا محمد بل عجبت { وإذا ~~ذكروا لا يذكرون } ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. # { وإذا رأوا ءاية } معجزة كانشقاق القمر ونحوه { ~~يستسخرون } يستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها أو يبالغون في ~~السخرية. # { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر { ~~أءذا } استفهام إنكار { متنا وكنا ترابا وعظما ~~أءنا لمبعوثون } أي أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما { أو ~~آباؤنا } معطوف على محل «ان» واسمها، أو على الضمير في { ~~مبعوثون } والمعنى أيبعث أيضا آباؤنا على زيادة الاستبعاد يعنون ~~أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل. { أو آباؤنا } بسكون الواو: مدني و شامي ~~أي أيبعث واحد منا على المبالغة في الإنكار { الأولون } الأقدمون { ~~قل ms1190 نعم } تبعثون { نعم } علي وهما لغتان { وأنتم دخرون } ~~صاغرون { فإنما هى } جواب شرط مقدر تقديره إذا كان كذلك فما هي ~~إلا { زجرة وحدة } و «هي» لا ترجع إلى شيء إنما هي مبهمة موضحها ~~خبرها، ويجوز فإنما البعثة زجرة واحدة وهي النفخة الثانية. والزجرة ~~الصيحة من قولك زجر الراعي الإبل أو الغنم إذا صاح عليها { فإذاهم } ~~أحياء بصراء { هم ينظرون } إلى سوء أعمالهم أو ينتظرون ما يحل بهم ~~{ وقالوا يويلنا } الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة { ~~هذا يوم الدين } أي اليوم الذي ندان فيه أي نجازي بأعمالنا { ~~هذا يوم الفصل } يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلال { ~~الذي كنتم به تكذبون } ثم يحتمل أن يكون { هذا يوم ~~الدين } إلى قوله { احشروا } من كلام الكفرة بعضهم مع بعض، وأن ~~يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يويلنا هذا يوم ~~الدين } من كلام الكفرة و { هذا يوم الفصل } من كلام ~~الملائكة جوابا لهم. # { احشروا } خطاب الله للملائكة { الذين ظلموا } كفروا { ~~وأزوجهم } أي وأشباههم وقرناءهم من الشياطين أو نساءهم الكافرات، ~~والواو بمعنى «مع» وقيل: للعطف. وقرىء بالرفع عطفا على الضمير في { ~~ظلموا } { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي ~~الأصنام { فاهدوهم } دلوهم، عن الأصمعي: هديته في الدين هدى وفي ~~الطريق هداية { إلى صرط الجحيم } طريق النار { وقفوهم } ~~احبسوهم { إنهم مسئولون } عن أقوالهم وأفعالهم { ما لكم ~~لا تنصرون } أي لا ينصر بعضكم بعضا، وهذا توبيخ لهم بالعجز عن ~~التناصر بعدما كانوا متناصرين في الدنيا. وقيل: هو جواب لأبي جهل حيث قال ~~يوم بدر نحن جميع منتصر، وهو في موضع النصب على الحال أي ما لكم غير ~~متناصرين { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون أو قد أسلم ~~بعضهم بعضا وخذله عن عجر وكلهم مستسلم غير منتصر. { وأقبل ~~بعضهم على بعض } أي التابع على المتبوع { يتسآءلون } ~~يتخاصمون { قالوا } أي الأتباع للمتبوعين { إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين } عن القوة والقهر إذ اليمين موصوفة بالقوة ~~وبها يقع البطش أي أنكم كنتم تحمولننا على الضلال وتقسروننا عليه. ### || [37.29-46] # { قالوآ } أي الرؤساء ms1191 { بل لم تكونوا مؤمنين } أي بل ~~أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر غير ~~ملجئين { وما كان لنا عليكم من سلطن } تسلط نسلبكم به ~~تمكنكم واختياركم { بل كنتم قوما طغين } بل كنتم قوما ~~مختارين الطغيان { فحق علينا } فلزمنا جميعا { قول ربنآ ~~إنا لذآئقون } يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه ~~بحالنا، ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم لذائقون ولكنه عدل به إلى لفظ ~~المتكلم لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ونحوه قوله # : فقد زعمت هوازن قل ما لي # ولو حكى قولها لقال «قل مالك» { فأغوينكم } فدعوناكم إلى الغي ~~{ إنا كنا غوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا { ~~فإنهم } فإن الأتباع والمتبوعين جميعا { يومئذ } يوم القيامة ~~{ فى العذاب مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية { إنا ~~كذلك نفعل بالمجرمين } أي بالمشركين إنا مثل ذلك الفعل ~~نفعل بكل مجرم { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله ~~إلا الله يستكبرون } إنهم كانوا إذا سمعوا بكلمة التوحيد ~~استكبروا وأبو إلا الشرك { ويقولون ائنا } بهمزتين: شامي وكوفي { ~~ءالهتنا لشاعر مجنون بل } يعنون محمدا عليه السلام { ~~بل جاء بالحق } رد على المشركين { وصدق المرسلين } ~~كقوله: # مصدقا لما بين يديه # [البقرة: 97]. # { إنكم لذآئقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون } بلا زيادة { إلا عباد الله ~~المخلصين } بفتح اللام: كوفي ومدني، وكذا ما بعده أي لكن عباد الله ~~على الاستثناء المنقطع { أولئك لهم رزق معلوم فوكه ~~} فسر الرزق المعلوم بالفواكه وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة ~~يعني أن رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن ~~أجسادهم محكمة مخلوقة للأبد فما يأكلونه للتلذذ، ويجوز أن يراد رزق معلوم ~~منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر. وقيل: معلوم ~~الوقت كقوله: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62] والنفس إليه أسكن { وهم مكرمون } منعمون { في ~~جنت النعيم } يجوز أن يكون ظرفا وأن يكون حالا وأن يكون ~~خبرا بعد خبر، وكذا { على سرر متقبلين } التقابل أتم ~~للسرور وآنس ms1192 { يطاف عليهم بكأس } بغير همز: أبو عمرو وحمزة ~~في الوقف، وغيرهما بالهمزة. يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر ~~نفسها كأسا. وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن ~~عباس رضي الله عنهما { من معين } من شراب معين أو من نهر معين وهو ~~الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في ~~الجنة في أنهار كما يجري الماء قال الله تعالى: # وأنهر من خمر # [محمد: 15] { بيضآء } صفة للكأس { لذة } وصفت باللذة كأنها نفس ~~اللذة وعينها أو ذات لذة { للشاربين }. ### || [37.47-82] # { لا فيها غول } أي لا تغتال عقولهم كخمور الدنيا وهو من غاله ~~يغوله غولا إذا أهلكه وأفسده { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون ~~من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف، { ينزفون } ~~علي وحمزة أي لا يسكرون أو لا ينزف شرابهم من أنزف الشارب إذا ذهب عقله ~~أو شرابه { وعندهم قصرت الطرف } قصرن أبصارهن على أزواجهن ~~لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين } جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين { ~~كأنهن بيض مكنون } مصون شبههن ببيض النعام المكنون في ~~الصفاء وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور. وعطف { فأقبل ~~بعضهم } يعني أهل الجنة. { على بعض يتسآءلون } عطف على ~~{ يطاف عليهم } والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة ~~الشرب قال: # وما بقيت من اللذات إلا # أحاديث الكرام على المدام # فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا إلا أنه جيء ~~به ماضيا على ما عرف في أخباره. { قال قآئل منهم إنى كان ~~لى قرين يقول أءنك } بهمزتين: شامي وكوفي { لمن ~~المصدقين } بيوم الدين { أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظما أءنا لمدينون } لمجزيون من الدين وهو الجزاء { ~~قال } ذلك القائل { هل أنتم مطلعون } إلى النار لأريكم ذلك ~~القرين قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. أو قال الله ~~تعالى لأهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار فتعلموا أين منزلتكم من ~~منزلة أهل النار { فأطلع } المسلم { فرءاه } أي قرينة { فى ms1193 ~~سوآء الجحيم } في وسطها { قال تالله إن كدت لتردين ~~} «إن» مخففة من الثقيلة وهي تدخل على «كاد» كما تدخل على «كان»، واللام ~~هي الفارقة بينها وبين النافية والإرداء الإهلاك. وبالياء في الحالين: ~~يعقوب { ولولا نعمة ربى } وهي العصمة والتوفيق في الاستمساك ~~بعروة الإسلام { لكنت من المحضرين } من الذين أحضروا العذاب ~~كما أحضرته أنت وأمثالك { أفما نحن بميتين إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على ~~محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين، والمعنى أن ~~هذه حال المؤمنين وهو أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى بخلاف الكفار فإنهم ~~فيما يتمنون فيه الموت كل ساعة. وقيل لحكيم: ما شر من الموت؟ قال: الذي ~~يتمنى فيه الموت. وهذا قول يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله يسمع من قرينه ~~ليكون توبيخا له وزيادة تعذيب. و { موتتنا } نصب على المصدر والاستثناء ~~متصل تقديره ولا نموت إلا مرة، أو منقطع وتقديره لكن الموتة الأولى قد ~~كانت في الدنيا. ثم قال لقرينه تقريعا له { إن هذا } أي الأمر ~~الذي نحن فيه { لهو الفوز العظيم }. # ثم قال الله عز وجل { لمثل هذا فليعمل العملون } ~~وقيل: هو أيضا من كلامه. # { أذلك خير نزلا } تمييز { أم شجرة الزقوم } أي ~~نعيم الجنة وما فيها من اللذات والطعام والشراب خير نزلا أم شجرة الزقوم ~~خير نزلا؟ والنزل ما يقام للنازل بالمكان من الرزق، والزقوم: شجرة مر ~~يكون بتهامة { إنا جعلنها فتنة للظلمين } محنة ~~وعذابا لهم في الآخرة أو ابتلاء لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف ~~يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر فكذبوا { إنها شجرة ~~تخرج فى أصل الجحيم } قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع ~~إلى دركاتها { طلعها كأنه رءوس الشيطين } الطلع ~~للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برءوس الشياطين ~~للدلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح في ~~طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشيطان حية عرفاء قبيحة المنظر ~~هائلة جدا. # { فإنهم لآكلون منها } من الشجرة أي من ms1194 طلعها { ~~فمالئون منها البطون } فمالئون بطونهم لما يغلبهم من الجوع ~~الشديد { ثم إن لهم عليها } على أكلها { لشوبا } لخلطا ~~ولمزاجا { من حميم } ماء حار يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم كما قال ~~في صفة شراب أهل الجنة # ومزاجه من تسنيم # [المطففين: 27] والمعنى ثم إنهم يملئون البطون من شجرة الزقوم وهو حار ~~يحرق بطونهم ويعطشهم فلا يسقون إلا بعد مليء تعذيبا لهم بذلك العطش ثم ~~يسقون ما هو أحر وهو الشراب المشوب بالحميم. { ثم إن مرجعهم ~~لإلى الجحيم } أي أنهم يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي ~~الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يمتلئوا ويسقون بعد ~~ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك ظاهر { إنهم ~~ألفوا ءابآءهم ضآلين فهم على ءاثارهم ~~يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد الآباء في ~~الدين واتباعهم إياهم في الضلال وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع ~~الشديد كأنهم يحثون حثا { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { ~~أكثر الأولين } يعني الأمم الخالية بالتقليد وترك النظر والتأمل ~~{ ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء حذروهم العواقب { ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } أي الذين أنذروا ~~وحذروا أي أهلكوا جميعا { إلا عباد الله المخلصين } أي ~~إلا الذين آمنوا منهم وأخلصوا لله دينهم أو أخلصهم الله لدينه على ~~القراءتين. # ولما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين أتبع ذلك ~~ذكر نوح ودعاءه إياه حين أيس من قومه بقوله { ولقد نادانا نوح } ~~دعانا لننجيه من الغرق. وقيل: أريد به قوله # أنى مغلوب فانتصر # [القمر: 10] { فلنعم المجيبون } اللام الداخلة على «نعم» جواب ~~قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ولقد نادانا نوح فوالله لنعم ~~المجيبون نحن، والجمع دليل العظمة والكبرياء. # والمعنى إنا أجبناه أحسن الإجابة ونصرناه على أعدائه وانتقمنا منهم ~~بأبلغ ما يكون { ونجينه وأهله } ومن آمن به وأولاده { من ~~الكرب العظيم } وهو الغرق { وجعلنا ذريته هم ~~البقين } وقد فنى غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح وكان ~~لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، ms1195 وحام وهو ~~أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج. { ~~وتركنا عليه فى الآخرين } من الأمم هذه الكلمة وهي { ~~سلم على نوح } يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من ~~الكلام المحكي كقولك «قرأت سورة أنزلناها» { فى العلمين } أي ثبت ~~هذه التحية فيهم جميعا ولا يخلو أحد منهم منها كأنه قيل: ثبت الله ~~التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم { ~~إنا كذلك نجزى المحسنين } علل مجازاته بتلك التكرمة ~~السنية بأنه كان محسنا { إنه من عبادنا المؤمنين } ثم ~~علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلالة محل الإيمان وأنه ~~القصارى من صفات المدح والتعظيم { ثم أغرقنا الأخرين } أي ~~الكافرين. ### || [37.83-102] # { وإن من شيعته لإبراهيم } أي من شيعة نوح أي ممن شايعه على ~~أصول الدين أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين، وكان بين ~~نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة وما كان بينهما إلا نبيان هود ~~وصالح. # { إذ جآء ربه } «إذ» تعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة يعني ~~وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه { بقلب سليم } من ~~الشرك أو من آفات القلوب لإبراهيم، أو بمحذوف وهو «اذكر». ومعنى المجيء ~~بقلبه ربه أنه أخلص لله قلبه وعلم الله ذلك منه فضرب المجيء مثلا لذلك { ~~إذ } بدل من الأولى { قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ~~أئفكا ءالهة دون الله تريدون } { أئفكا } مفعول له ~~تقديره أتريدون آلهة من دون الله إفكا؟ وإنما قدم المفعول به على الفعل ~~للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ~~بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون { إفكا } مفعولا به أي ~~أتريدون إفكا؟ ثم فسر الإفك بقوله { آلهة دون الله } على أنها ~~إفك في نفسها، أو حالا أي أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟ { فما ~~ظنكم } أي شيء ظنكم { برب العلمين } وأنتم تعبدون غيره؟ ~~و «ما» رفع بالابتداء والخبر { ظنكم } أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف ~~يعاقبكم ms1196 وقد عبدتم غيره وعلمتم أنه المنعم على الحقيقة فكان حقيقا ~~بالعبادة؟ { فنظر نظرة فى النجوم } أي نظر في النجوم راميا ~~ببصره إلى السماء متفكرا في نفسه كيف يحتال، أو أراهم أنه ينظر في ~~النجوم لاعتقادهم علم النجوم فأوهمهم أنه استدل بأمارة على أنه يسقم { ~~فقال إنى سقيم } أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الإسقام ~~عليهم وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في ~~بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. وقالوا: علم النجوم كان ~~حقا ثم نسخ الاشتغال بمعرفته. والكذب حرام إلا إذا عرض، والذي قاله ~~إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام أي سأسقم، أو من الموت في عنقه سقيم ~~ومنه المثل «كفى بالسلامة داء». ومات رجل فجأة فقالوا: مات وهو صحيح. ~~فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه، أو أراد إني سقيم النفس لكفركم ~~كما يقال أنا مريض القلب من كذا { فتولوا } فأعرضوا { عنه ~~مدبرين } أي مولين الأدبار. # { فراغ إلى ءالهتهم } فمال إليهم سرا { فقال } استهزاء ~~{ ألآ تأكلون } وكان عندها طعام { ما لكم لا تنطقون } ~~والجمع بالواو والنون لما أنه خاطبها خطاب من يعقل { فراغ عليهم ~~ضربا } فأقبل عليهم مستخفيا كأنه قال فضربهم ضربا لأن راغ عليهم ~~بمعنى ضربهم أو فراغ عليهم يضربهم ضربا أي ضاربا { باليمين } أي ~~ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما أو بالقوة ~~والمتانة، أو بسبب الحلف الذي سبق منه وهو قوله # تالله لأكيدن أصنمكم # [الأنبياء: 57] { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون } ~~يسرعون من الزفيف وهو الإسراع. { يزفون } حمزة من أزف إذا دخل في ~~الزفيف إزفافا فكأنه قد رآه بعضهم يكسرها وبعضهم لم يره فأقبل من رآه ~~مسرعا نحوه ثم جاء من لم يره يكسرها فكأنه قد رآه { من فعل هذا ~~بئالهتنا إنه لمن الظلمين } ، فأجابوه على سبيل ~~التعريض بقولهم # سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبرهيم # [الأنبياء: 60] ثم قالوا بأجمعهم نحن نعبدها وأنت تكسرها فأجابهم بقوله ~~{ قال أتعبدون ما تنحتون } بأيديكم { والله خلقكم ~~وما تعملون } وخلق ما تعملونه من ms1197 الأصنام أو «ما» مصدرية أي وخلق ~~أعمالكم وهو دليلنا في خلق الأفعال أي الله خالقكم وخالق أعمالكم فلم ~~تعبدون غيره؟ { قالوا ابنوا له } أي لأجله { بنينا } من ~~الحجر طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا { فألقوه فى ~~الجحيم } في النار الشديدة. وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم { ~~فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار { فجعلنهم ~~الأسفلين } المقهورين عند الإلقاء فخرج من النار { وقال إنى ~~ذاهب إلى ربى } إلى موضع أمرني بالذهاب إليه { سيهدين } ~~سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفقني. { سيهديني } فيهما: ~~يعقوب. # { رب هب لى من الصلحين } بعض الصالحين يريد الولد لأن ~~لفظ الهبة غلب في الولد { فبشرنه بغلم حليم } انطوت ~~البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن ~~الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض ~~عليه أبوه الذبح فقال: # ستجدنى إن شاء الله من الصبرين # ثم استسلم لذلك. { فلما بلغ معه السعى } بلغ أن يسعى مع ~~أبيه في أشغاله وحوائجه. و { معه } لا يتعلق ب { بلغ } لاقتضائه ~~بلوغهما معا حد السعي، ولا ب { السعى } لأن صلة المصدر لا تتقدم ~~عليه، فبقي أن يكون بيانا كأنه لما قال: { فلما بلغ السعى } ~~أي الحد الذي يقدر فيه على السعي قيل: مع من؟ قال: مع أبيه وكان إذ ذاك ~~ابن ثلاث عشرة سنة { قال يبنى } حفص والباقون بكسر الياء { إنى ~~أرى فى المنام أنى أذبحك } وبفتح الياء فيهما: حجازي ~~وأبو عمرو. قيل له في المنام: اذبح ابنك ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في ~~اليقظة. وإنما لم يقل رأيت لأنه رأى مرة بعد مرة فقد قيل: رأى ليلة ~~التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا. # فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من ~~الشيطان فمن ثم سمي يوم الترويه. فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من ~~الله فمن ثم سمي يوم عرفة. ثم رأى مثل ذلك في ms1198 الليلة الثالثة فهم ~~بنحره فسمى اليوم يوم النحر { فانظر ماذا ترى } من الرأي على وجه ~~المشاورة لا من رؤية العين، ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته ولكن ~~ليعلم أيجزع أم يصبر. { ترى } علي وحمزة أي ماذا تصبر من رأيك وتبديه { ~~قال يأبت افعل ما تؤمر } أي ما تؤمر به وقرىء به { ~~ستجدنى إن شآء الله من الصبرين } على الذبح. روي أن ~~الذبيح قال لأبيه: يا أبت خذ بناصيتي واجلس بين كتفي حتى لا أوذيك إذا ~~أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي عسى أن ترحمني، واجعل وجهي ~~إلى الأرض. ويروى اذبحني وأنا ساجد واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ~~ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها. ### || [37.103-138] # { فلما أسلما } انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ~~ابنه وهذا نفسه { وتله للجبين } صرعه على جبينه ووضع السكين ~~على حلقه فلم يعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ونودي يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب ~~«لما» محذوف تقديره فلما أسلما وتله للجبين { وندينه أن ~~يإبرهيم قد صدقت الرؤيا } أي حققت ما أمرناك به في ~~المنام من تسليم الولد للذبح كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به ~~الوصف من استبشارهما وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع ~~البلاء العظيم بعد حلوله، أو الجواب قبلنا منه و { ناديناه } معطوف عليه ~~{ إنا كذلك نجزى المحسنين } تعليل لتخويل ما خولهما من ~~الفرج بعد الشدة { إن هذا لهو البلؤا المبين } ~~الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة. # { وفدينه بذبح } هو ما يذبح. وعن ابن عباس: هو الكبش الذي ~~قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدي به إسماعيل. وعنه: لو ~~تمت تلك الذبيحة لصارت سنة وذبح الناس أبناءهم { عظيم } ضخم الجثة سمين ~~وهي السنة في الأضاحي. وروي أنه هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع ~~حصيات حتى أخذه فبقيت ms1199 سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: الله ~~أكبر الله أكبر. فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: ~~الله أكبر ولله الحمد، فبقي سنة وقد استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه ~~الآية فيمن نذر ذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة. والأظهر أن الذبيح إسماعيل ~~وهو قول أبي بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين رضي الله عنهم ~~لقوله عليه السلام # " أنا ابن الذبيحين " # فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله. وذلك أن عبد المطلب نذر إن ~~بلغ بنوه عشرة أن يذبح آخر ولده تقربا، وكان عبد الله آخرا ففداه بمائة ~~من الإبل، ولأن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل ~~إلى أن احترق البيت في زمن الحجاج وابن الزبير. وعن الأصمعي أنه قال: ~~سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ومتى ~~كان اسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه ~~والمنحر بمكة. وعن علي وابن مسعود والعباس وجماعة من التابعين رضي الله ~~عنهم أنه إسحق ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف عليهما السلام: من يعقوب ~~إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله. وإنما قيل { ~~وفدينه } وإن كان الفادي إبراهيم عليه السلام والله تعالى هو ~~المفتدى منه لأنه الآمر بالذبح، لأنه تعالى وهب له الكبش ليفتدي به. # وههنا إشكال وهو أنه لا يخلو إما أن يكون ما أتى به إبراهيم عليه السلام ~~من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه في حكم الذبح أم لا، فإن كان في ~~حكم الذبح فما معنى الفداء والفداء هو التخليص من الذبح ببدل؟ وإن لم يكن ~~فما معنى قوله { قد صدقت الرؤيا } وإنما كان يصدقها لو صح منه ~~الذبح أصلا أو بدلا ولم يصح؟ والجواب أنه عليه السلام قد بذل وسعه وفعل ~~ما يفعل الذابح، ولكن الله تعالى جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه وهذا لا ~~يقدح في فعل إبراهيم، ms1200 ووهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة في ~~نفس إسماعيل بدلا منه وليس هذا بنسخ منه للحكم كما قال البعض، بل ذلك ~~الحكم كان ثابتا إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم على طريق ~~الفداء دون النسخ، وكان ذلك ابتلاء ليستقر حكم الأمر عند المخاطب في آخر ~~الحال، على أن المبتغي منه في حق الولد أن يصير قربانا بنسبة الحكم إليه ~~مكرما بالفداء الحاصل لمعرة الذبح مبتلى بالصبر والمجاهدة إلى حال ~~المكاشفة، وإنما النسخ بعد استقرار المراد بالأمر لا قبله وقد سمي فداء ~~في الكتاب لا نسخا. { وتركنا عليه فى الآخرين } ولا وقف ~~عليه لأن { سلم على إبرهيم } مفعول { وتركنا }. # { كذلك نجزى المحسنين } ولم يقل «إنا كذلك» هنا كما في ~~غيره لأنه قد سبق في هذه القصة فاستخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ~~ثانية { إنه من عبادنا المؤمنين وبشرنه ~~بإسحق نبيا } حال مقدرة من { إسحق } ولا بد من تقدير ~~مضاف محذوف أي وبشرناه بوجود إسحق نبيا أي بأن يوجد مقدرة نبوته ~~فالعامل في الحال الوجود لا البشارة { من الصلحين } حال ثانية ~~وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبي لا بد وأن يكون من الصالحين { ~~وبركنا عليه وعلى إسحق } أي أفضنا عليهما بركات ~~الدين والدنيا. وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحق بأن ~~أخرجنا من صلبه ألف نبي، أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليهم السلام { ومن ~~ذريتهما محسن } مؤمن { وظلم لنفسه } كافر { ~~مبين } ظاهر أو محسن إلى الناس وظالم على نفسه بتعديه عن حدود الشرع، ~~وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر، فقد ~~يلد البر الفاجر والفاجر البر وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى ~~أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب ~~بسوء فعله ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أصله وفرعه. # { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهرون } بالنبوة { ~~ونجينهما وقومهما } بني إسرائيل { من الكرب ~~العظيم } من الغرق أو من ms1201 سلطان فرعون وقومه وغشمهم { ~~ونصرنهم } أي موسى وهرون وقومهما { فكانوا هم ~~الغلبين } على فرعون وقومه { وءاتينهما الكتب ~~المستبين } البليغ في بيانه وهو التوراة { وهدينهما ~~الصرط المستقيم } صراط أهل الإسلام وهي صراط الذين أنعم الله ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. # { وتركنا عليهما فى الآخرين سلم على موسى ~~وهرون إنا كذلك نجزى المحسنين إنهما من ~~عبادنا المؤمنين وإن إلياس لمن المرسلين } هو ~~إلياس بن ياسين من ولد هرون أخي موسى. وقيل: هو إدريس النبي عليه السلام. ~~وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه { وإن إدريس } في موضع «إلياس». # { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله { ~~أتدعون } أتعبدون { بعلا } هو علم لصنم كان من ذهب وكان طوله ~~عشرين ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن ~~وجعلوهم أنبياء، وكان موضعه يقال له بك فركب وصار بعلبك وهو من بلاد ~~الشأم. وقيل: في إلياس والخضر إنهما حيان، وقيل إلياس وكل بالفيافي كما ~~وكل الخضر بالبحار، والحسن يقول: قد هلك إلياس والخضر ولا تقول كما يقول ~~الناس إنهما حيان { وتذرون أحسن الخلقين } وتتركون عبادة ~~الله الذي هو أحسن المقدرين { الله ربكم ورب ءآبائكم ~~الأولين } بنصب الكل: عراقي غير أبي بكر وأبي عمرو على البدل من { ~~أحسن } ، وغيرهم بالرفع على الابتداء. { فكذبوه فإنهم ~~لمحضرون } في النار { إلا عباد الله المخلصين } من ~~قومه { وتركنا عليه فى الآخرين سلم على إل ~~ياسين } أي إلياس وقومه المؤمنين كقولهم الخبيبون يعني أبا خبيب عبد ~~الله بن الزبير وقومه. { آل ياسين } شامي ونافع لأن ياسين اسم أبي ~~إلياس فأضيف إليه الآل { إنا كذلك نجزى المحسنين إنه ~~من عبادنا المؤمنين وإن لوطا لمن المرسلين ~~إذ نجينه وأهله أجمعين إلا عجوزا فى ~~الغبرين } في الباقين { ثم دمرنا } أهلكنا { الآخرين ~~وإنكم } يا أهل مكة { لتمرون عليهم مصبحين } ~~داخلين في الصباح { وباليل } والوقف عليه مطلق { أفلا ~~تعقلون } يعني تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشأم ليلا ~~ونهارا فما فيكم عقول تعتبرون بها. وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام ~~كما ختم ms1202 قصة من قبلهما، لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر ~~السورة فاكتفي بذلك عن ذكر كل واحد منفردا بالسلام. ### || [37.139-182] # { وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق } الإباق: الهرب ~~إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمى هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا ~~مجازا { إلى الفلك المشحون } المملوء. وكان يونس عليه السلام ~~وعد قومه العذاب، فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمستور منهم فقصد البحر ~~وركب السفينة فوقفت فقالوا: ههنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم البحارون ~~أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس ~~فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في الماء فذلك قوله { فسهم } فقارعهم ~~مرة أو ثلاثا بالسهام. والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة { ~~فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة { فالتقمه ~~الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة. # { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين الله ~~كثيرا بالتسبيح. أو من القائلين { لا إله إلا أنت ~~سبحنك إنى كنت من الظلمين } أو من المصلين قبل ذلك. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. ويقال: إن ~~العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر { للبث فى بطنه إلى يوم ~~يبعثون } الظاهر لبثه حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن ~~الحوت له قبرا إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام أو سبعة أو ~~أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة ولفظه عشية { فنبذنه ~~بالعراء } فألقيناه بالمكان الخالي الذي لا شجر فيه ولا نبات { ~~وهو سقيم } عليل مما ناله من التقام الحوت. وروي أنه عاد بدنه ~~كبدن الصبي حين يولد { وأنبتنا عليه شجرة } أي أنبتناها ~~فوقه مظلة له كما يطنب البيت على الإنسان { من يقطين } الجمهور ~~على أنه القرع، وفائدته أن الذباب لا يجتمع عنده وأنه أسرع الأشجار ~~نباتا وامتدادا وارتفاعا. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك ~~لتحب القرع قال: # " أجل هي شجرة أخي يونس " # { وأرسلنه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث ~~إليهم قبل الالتقام فتكون «قد» مضمرة ms1203 { أو يزيدون } في مرأى الناظر ~~أي إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: قال غير ~~واحد: معناه بل يزيدون. قال ذلك الفراء وأبو عبيدة ونقل عن ابن عباس كذلك ~~{ فئامنوا } به وبما أرسل به { فمتعنهم إلى حين } ~~إلى منتهى آجالهم. # { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } معطوف ~~على مثله في أول السورة أي على { فاستفتهم أهم أشد خلقا ~~} وإن تباعدت بينهما المسافة. أمر رسول الله باستفتاء قريش عن وجه إنكار ~~البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن ~~وجه القسمة الضيزى التي قسموها حيث جعلوا لله تعالى الإناث ولأنفسهم ~~الذكور في قولهم الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن ووأدهم ~~واستنكافهم من ذكرهن { أم خلقنا الملئكة إنثا وهم ~~شهدون } حاضرون تخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم وتجهيل لهم ~~لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ولا ~~بإخبار صادق ولا بطريق استدلال ونظر، أو معناه أنهم يقولون ذلك عن ~~طمأنينة نفس لإفراط جهلهم كأنهم شاهدوا خلقهم { ألا إنهم من ~~إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكذبون } في ~~قولهم. # { أصطفى البنات على البنين } بفتح الهمزة للاستفهام، وهو ~~استفهام توبيخ. وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام { ما ~~لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد. # { أفلا تذكرون } بالتخفيف: حمزة وعلي وحفص { أم لكم ~~سلطن مبين } حجة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله ~~{ فأتوا بكتبكم } الذي أنزل عليكم { إن كنتم صدقين ~~} في دعواكم { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } ~~الملائكة لاستتارهم { نسبا } وهو زعمهم أنهم بناته أو قالوا إن الله ~~تزوج من الجن فولدت له الملائكة { ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون } ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في ~~النار { سبحن الله عما يصفون } نزه نفسه عن الولد ~~والصاحبة { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من ~~المحضرين معناه ولكن المخلصين ناجون من النار و { سبحن الله } ~~اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو { ~~يصفون ms1204 } أي يصفه هؤلاء بذلك ولكن المخلصون براء من أن يصفوه به { ~~فإنكم } يا أهل مكة { وما تعبدون } ومعبوديكم { مآ أنتم ~~} وهم جميعا { عليه } على الله { بفتنين } بمضلين { إلا ~~من هو صال الجحيم } بكسر اللام أي لستم تضلون أحدا إلا أصحاب ~~النار الذين سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. يقال: ~~فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها ~~القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة ~~الأوثان بمضلين أحدا إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم أي يدخل النار. ~~وقيل: ما أنتم بمضلين إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة. و «ما» في { ~~ما أنتم } نافية و «من» في موضع النصب ب { فاتنين } وقرأ الحسن { ~~هو صال الجحيم } بضم اللام، ووجهه أن يكون جمعا فحذفت النون ~~للإضافة وحذفت الواو لالتفاء الساكنين هي واللام في الجحيم ومن موحد ~~اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه. # { وما منا } أحد { إلا له مقام معلوم } في العبادة لا ~~يتجاوزه فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه { وإنا لنحن ~~الصآفون } نصف أقدامنا في الصلاة أو نصف حول العرش داعين للمؤمنين { ~~وإنا لنحن المسبحون } المنزهون أو المصلون. # والوجه أن يكون هذا وما قبله من قوله { سبحن الله عما ~~يصفون } من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله { ولقد ~~علمت الجنة } كأنه قيل: ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين ~~مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا سبحان الله، فنزهوه عن ذلك ~~واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤوهم منه وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك ~~فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه وتضلوه إلا من ~~كان من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء ~~بين يديه لكل منا مقام معلوم من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفرا ~~خشوعا لعظمته، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته مسبحين ممجدين كما يجب على ~~العباد لربهم؟ وقيل: هو من قول رسول الله صلى الله عليه ms1205 وسلم يعني وما من ~~المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله من قوله تعالى: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79] ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون ~~الله وينزهونه عما لا يجوز عليه. # { وإن كانوا ليقولون } أي مشركو قريش قبل مبعثه عليه السلام { ~~لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي كتابا من كتب ~~الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل { لكنا عباد الله ~~المخلصين } لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا كما كذبوا ولما خالفنا ~~كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب الذي هو معجز من ~~بين الكتب { فكفروا به فسوف يعلمون } مغبة تكذيبهم وما ~~يحل بهم من الانتقام. و«إن» مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وفي ذلك ~~أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه فكم بين أول أمرهم وآخره { ~~ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } الكلمة ~~قوله { إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغلبون } وإنما سماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى ~~واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام ~~الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما ~~غلب نبي في حرب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن لم ينصروا في الدنيا ~~نصروا في العقبى. والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر ~~والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب. # { فتول عنهم } فأعرض عنهم { حتى حين } إلى مدة يسيرة وهي ~~المدة التي أمهلوا فيها أو إلى يوم بدر أو إلى فتح مكة { وأبصرهم } ~~أي أبصر ما ينالهم يومئذ { فسوف يبصرون } ذلك وهو للوعيد لا ~~للتبعيد، أو انظر إليهم إذا عذبوا فسوف يبصرون ما أنكروا، أو أعلمهم فسوف ~~يعلمون. # { أفبعذابنا يستعجلون } قبل حينه { فإذا نزل } ~~العذاب { بساحتهم } بفنائهم { فسآء صباح المنذرين } ~~صباحهم. واللام في { المنذرين } مبهم في جنس من أنذروا، لأن «ساء» ~~و«بئس» يقتضيان ذلك. وقيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الفتح بمكة. مثل ms1206 العذاب النازل بهم بعدما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر ~~بهجومه قومه بعض نصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة ~~فشن عليهم الغارة، وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحا فسميت الغارة ~~صباحا وإن وقعت في وقت آخر { وتول عنهم حتى حين ~~وأبصر فسوف يبصرون } وإنما ثنى ليكون تسلية على تسلية ~~وتأكيدا لوقوع الميعاد إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين ~~معا عن التقييد بالمفعول وأنه يبصروهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من ~~صنوف المسرة وأنواع المساءة. وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا وبالآخرة ~~عذاب الآخرة. # { سبحن ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه ~~بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق، ويجوز أن يراد ~~أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله، # تعز من تشاء # [آل عمران: 26] { عما يصفون } من الولد والصاحبة والشريك { ~~وسلم على المرسلين } عم الرسل بالسلام بعدما خص البعض في ~~السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا { والحمد لله رب ~~العلمين } على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء. اشتملت السورة على ~~ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه وما عاناه ~~المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ~~ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين، والحمد ~~لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب. والمراد تعليم المؤمنين ~~أن يقولوا ذلك ولا يخلوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتاب الكريم ومودعات ~~قرآنه المجيد. وعن علي رضي الله عنه: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من ~~الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه { سبحن ربك ~~رب العزة عما يصفون وسلم على المرسلين ~~والحمد لله رب العلمين }. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-21] # { ص } ذكر هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على ~~الإعجاز، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه كأنه قال { ~~والقرءآن ذى الذكر } أي ذي الشرف إنه لكلام معجز، ويجوز أن ~~يكون { ص ms1207 } خبر مبتدأ محذوف على أنه اسم للسورة كأنه قال: هذه ص أي هذه ~~السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر كما تقول: هذا حاتم والله، ~~تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله، وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمت ~~ب { ص والقرءان ذى الذكر } إنه لمعجز. ثم قال { بل الذين ~~كفروا فى عزة } تكبر عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق { ~~وشقاق } خلاف لله ولرسوله. والتنكير في { عزة وشقاق } ~~للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقريء { فى غرة } أي في غفلة عما يجب ~~عليهم من النظر واتباع الحق { كم أهلكنا } وعيد لذوي العزة ~~والشقاق { من قبلهم } من قبل قومك { من قرن } من أمة { ~~فنادوا } فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب { ولات } هي «لا» ~~المشبهة ب «ليس» زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على «رب» و«ثم» ~~للتوكيد، وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا أحد ~~مقتضييها إما الاسم أو الخبر وامتنع بروزهما جميعا وهذا مذهب الخليل ~~وسيبويه، وعند الأخفش أنها «لا» النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت ~~بنفي الأحيان. وقوله { حين مناص } منجا منصوب بها كأنك قلت: ولا حين ~~مناص لهم. وعندهما أن النصب على تقدير ولات الحين. حين مناص أي وليس ~~الحين حين مناص. # { وعجبوا أن جآءهم } من أن جاءهم { منذر منهم } رسول ~~من أنفسهم ينذرهم يعني استبعدوا أن يكون النبي من البشر { وقال ~~الكفرون هذا سحر كذاب أجعل الآلهة إلها ~~وحدا إن هذا لشىء عجاب } ولم يقل «وقالوا» إظهارا ~~للغضب عليهم ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون ~~المتوغلون في الكفر المنهمكون في الغي إذ لا كفر أبلغ من أن يسموا من ~~صدقه الله كاذبا ساحرا ويتعجبوا من التوحيد وهو الحق الأبلج. # ولا يتعجبوا من الشرك وهو باطل لجلج. وروي أن عمر رضي الله عنه لما ~~أسلم فرح به المؤمنون وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من ~~صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا: أنت كبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء ~~السفهاء يريدون الذين دخلوا في الإسلام ms1208 وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن ~~أخيك. فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي ~~هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. # فقال عليه السلام: ماذا يسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ~~وندعك وإلهك فقال عليه السلام: أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب ~~وتدين لكم بها العجم؟ قالوا: نعم وعشرا أي نعطيكها وعشر كلمات معها. ~~فقال: قولوا لا إله إلا الله. فقاموا وقالوا { أجعل الآلهة ~~إلها وحدا } أي أصير { إن هذا لشىء عجاب } أي ~~بليغ في العجب. وقيل: العجيب ما له مثل والعجاب ما لا مثل له. { ~~وانطلق الملأ منهم أن امشوا } وانطلق أشراف قريش عن مجلس ~~أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب العتيد ~~قائلين بعضهم لبعض { أن امشوا } و«أن» بمعنى أي لأن المنطلقين عن ~~مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم فكان ~~انطلاقهم متضمنا معنى القول { واصبروا على } عبادة { ~~ءالهتكم إن هذا } الأمر { لشىء يراد } أي يريده الله ~~تعالى ويحكم بإمضائه فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو إن هذا الأمر ~~لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك لنا منه { ما سمعنا ~~بهذا } بالتوحيد { فى الملة الآخرة } في ملة عيسى التي هي ~~آخر الملل لأن النصارى مثلثه غير موحدة، أو في ملة قريش التي أدركنا ~~عليها آباءنا { إن هذا } ما هذا { إلا اختلاق } كذب اختلقه ~~محمد من تلقاء نفسه { أءنزل عليه الذكر } القرآن { من ~~بيننا } أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم وينزل عليه الكتاب من ~~بينهم حسدا { بل هم فى شك من ذكرى } من القرآن { بل ~~لما يذوقوا عذاب } بل لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذاقوه زال ~~عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ أي أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم ~~العذاب فيصدقون حينئذ { أم عندهم خزآئن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب } يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها ~~من شاءوا ويصرفوها عمن شاءوا، ويتخيروا للنبوة ms1209 بعض صناديدهم، ويترفعوا ~~بها عن محمد، وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه ~~الوهاب الكثير المواهب المصيب بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه ~~حكمته. ثم رشح هذا المعنى فقال { أم لهم ملك السموت ~~والارض وما بينهما } حتى يتكلموا في الأمور الربانية ~~والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء. ثم تهكم بهم غاية ~~التهكم فقال: فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة { ~~فليرتقوا فى الأسبب } فليصعدوا في المعارج والطرق التي ~~يتوصل بها إلى السماء حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي ~~إلى من يختارون. ثم وعد نبيه عليه السلام النصرة عليهم بقوله. # { جند } مبتدأ { ما } صلة مقوية للنكرة المبتدأة { هنالك } ~~إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ~~ذلك القول العظيم من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله لست { هنالك } ~~خبر المبتدأ { مهزوم } مكسور { من الأحزاب } متعلق ب { جند ~~} أو ب { مهزوم } يريد ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول ~~الله مهزوم عما قريب، فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون. # { كذبت قبلهم } قبل أهل مكة { قوم نوح } نوحا { وعاد ~~} هودا { وفرعون } موسى { ذو الأوتاد } قيل: كانت له أوتاد ~~وجبال يلعب بها بين يديه. وقيل: يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ~~ورجليه { وثمود } وهم قوم صالح صالحا { وقوم لوط } لوطا { ~~وأصحب لئيكة } الغيضة شعيبا { أولئك الأحزاب } ~~أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم ~~هم وأنهم الذين وجد منهم التكذيب { إن كل إلا كذب الرسل } ~~ذكر تكذيبهم أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام حيث لم يبين ~~المكذب، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها وبين المكذب وهم ~~الرسل، وذكر أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأن في تكذيب الواحد ~~منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم. وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه ~~والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولا وبالاستثنائية ثانيا وما في ~~الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد، أنواع ms1210 من المبالغة المسجلة عليهم ~~باستحقاق أشد العقاب وأبلغه، ثم قال { فحق عقاب } أي فوجب لذلك أن ~~أعاقبهم حق عقابهم. { عذابي } و { عقابي } في الحالين: يعقوب. { عقاب ~~وما ينظر هؤلآء } وما ينتظر أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى ~~جميع الأحزاب { إلا صيحة وحدة } أي النفخة الأولى وهي الفزع ~~الأكبر { ما لها من فواق } وبالضم: حمزة وعلي، أي ما لها من توقف ~~مقدار فواق وهو ما بين حلبتي الحالب أي إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا ~~القدر من الزمان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما لها من رجوع وترداد، ~~من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة وفواق الناقة ساعة يرجع الدر إلى ضرعها ~~يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد { وقالوا ربنا ~~عجل لنا قطنا } حظنا من الجنة لأنه عليه السلام ذكر وعد الله ~~المؤمنين الجنة فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من ~~العذاب الذي وعدته كقوله: # ويستعجلونك بالعذاب # [الحج: 47]. وأصل القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه من قطه إذا قطعه، ~~ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس { قبل يوم ~~الحساب اصبر على ما يقولون } فيك وصن نفسك أن تزل فيما ~~كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم. # { واذكر عبدنا داوود } وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة ~~اليسيرة فلقي من عتاب الله ما لقي { ذا الأيد } ذا القوة في الدين ~~وما يدل على أن الأيد القوة في الدين قوله { إنه أواب } أي رجاع ~~إلى مرضاة الله تعالى، وهو تعليل لذي الأيد. # روي أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل { ~~إنا سخرنا } ذللنا { الجبال معه } قيل: كان تسخيرها أنها تسير ~~معه إذا أراد سيرها إلى حيث يريد { يسبحن } في معنى مسبحات على ~~الحال. واختار { يسبحن } على «مسبحات» ليدل على حدوث التسبيح من ~~الجبال شيئا بعد شيء وحالا بعد حال { بالعشى والإشراق } أي ~~طرفي النهار، والعشي وقت العصر إلى الليل، والإشراق وقت الإشراق وهو حين ~~تشرق الشمس أي تضيء وهو ms1211 وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها تقول: شرقت الشمس ~~ولما تشرق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت صلاة الضحى إلا ~~بهذه الآية { والطير محشورة } وسخرنا الطير مجموعة من كل ~~ناحية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح ~~واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها { كل له أواب } كل واحد ~~من الجبال والطير لأجل داود أي لأجل تسبيحه مسبح لأنها كانت تسبح ~~لتسبيحه. ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب وهو التواب الكثير الرجوع ~~إلى الله وطلب مرضاته من عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه. ~~وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجع ~~للتسبيح { وشددنا ملكه } قويناه. قيل: كان يبيت حول محرابه ~~ثلاثة وثلاثون ألف رجل يحرسونه. # { وءاتينه الحكمة } الزبور وعلم الشرائع. وقيل: كل كلام وافق ~~الحق فهو حكمة { وفصل الخطاب } علم القضاء وقطع الخصام والفصل ~~بين الحق والباطل. والفصل هو التمييز بين الشيئين. وقيل: للكلام البين ~~فصل بمعنى المفصول كضرب الأمير، وفصل الخطاب البين من الكلام الملخص الذي ~~يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه، وجاز أن يكون الفصل بمعنى الفاصل ~~كالصوم والزور. والمراد بفصل الخطاب الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين ~~الصحيح والفاسد والحق والباطل، وهو كلامه في القضايا والحكومات وتدابير ~~الملك والمشورات. وعن علي رضي الله عنه: هو الحكم بالبينة على المدعي ~~واليمين على المدعي عليه، وهو من الفصل بين الحق والباطل. وعن الشعبي: هو ~~قوله «أما بعد» وهو أول من قال «أما بعد»، فإن من تكلم في الأمر الذي له ~~شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل ~~بينه وبين ذكر الله بقوله «أما بعد». { وهل أتاك نبؤا الخصم ~~} ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة. والخصم ~~الخصماء وهو يقع على الواحد والجمع لأنه مصدر في الأصل تقول خصمه خصما. ~~وانتصاب { إذ } بمحذوف تقديره: وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم أو بالخصم ملا ~~فيه من معنى الفعل { تسوروا ms1212 المحراب } تصعدوا سوره ونزلوا ~~إليه، والسور الحائط المرتفع، والمحراب الغرفة أو المسجد أو صدر المسجد. ### || [38.22-26] # { إذ } بدل من الأولى { دخلوا على داود ففزع منهم } ~~روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، فطلبا أن يدخلا عليه ~~فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس فتسوروا عليه المحراب فلم يشعر إلا ~~وهما بين يديه جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه المحراب في غير يوم ~~القضاء، ولأنهم نزلوا عليه من فوق وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله لا ~~يتركون من يدخل عليه { قالوا لا تخف خصمان } خبر مبتدأ محذوف ~~أي نحن خصمان { بغى بعضنا على بعض } تعدى وظلم { فاحكم ~~بيننا بالحق ولا تشطط } ولا تجر من الشطط وهو مجاوزة الحد ~~وتخطى الحق { واهدنآ إلى سوآء الصرط } وأرشدنا إلى وسط ~~الطريق ومحجته والمراد عين الحق ومحضه. # روي أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن ~~امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك وكان ~~الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أن داود عليه السلام وقعت عينه ~~على امرأة أوريا فأحبها فسأله النزول له عنها فاستحى أن يرده ففعل ~~فتزوجها وهي أم سليمان. فقيل له: إنك مع عظم منزلتك وكثرة نسائك لم يكن ~~ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها لك بل كان ~~الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها ~~أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن ~~مع كثرة نسائه. وما يحكى أنه بعث مرة بعد مرة أوريا إلى غزوة البلقاء ~~وأحب أن يقتل ليتزوجها فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين ~~فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي رضي الله عنه: من حدثكم بحديث ~~داود عليه السلام ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على ~~الأنبياء. # وروي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب ~~المحدث به وقال: إن ms1213 كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس ~~خلافها وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها ~~سترا على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه. فقال عمر: لسماعي هذا الكلام أحب ~~إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله بقصته ~~عليه السلام ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب، وإنما ~~جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ من ~~قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه وأشد ~~تمكنا من قلبه وأعظم أثرا فيه مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة. # { إن هذا أخى } هو بدل من { هذا } أو خبر ل { إن } ، ~~والمراد أخوة الدين أو إخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ~~لقوله { وإن كثيرا من الخلطاء } { له تسع وتسعون ~~نعجة ولى نعجة وحدة } { ولي } حفص. والنعجة كناية عن ~~المرأة. ولما كان هذا تصويرا للمسئلة وفرضا لها لا يمتنع أن يفرض ~~الملائكة في أنفسهم كما تقول لي: أربعون شاة ولك أربعون فخلطناها وما ~~لكما من الأربعين أربعة ولا ربعها { فقال أكفلنيها } ملكنيها ~~وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: اجعلها كفلي أن نصيبي { وعزنى } وغلبني يقال عزه يعزه { فى ~~الخطاب } في الخصومة أي أنه كان أقدر على الاحتجاج مني. وأراد ~~بالخطاب مخاطبة المحاج المجادل، أو أراد خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني ~~خطابا أي غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها دوني. ووجه التمثيل أن مثلت ~~قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون، فأراد ~~صاحبه تتمة المائة فطمع في نعجة خليطة وأراده على الخروج من ملكها إليه ~~وحاجة في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده، وإنما كان ذلك على وجه التحاكم ~~إليه ليحكم بما حكم به من قوله { قال لقد ظلمك بسؤال ~~نعجتك إلى نعاجه } حتى يكون محجوجا بحكمه. وهذا جواب قسم ~~محذوف وفي ذلك استنكار لفعل ms1214 خليطه والسؤال مصدر مضاف إلى المفعول وقد ضمن ~~معنى الإضافة فعدي تعديتها كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه ~~السؤال والطلب. وإنما ظلم الآخر بعدما اعترف به خصمه ولكنه لم يحك في ~~القرآن لأنه معلوم. # ويروى أنه قال: أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجي مائة فقال داود: إن ~~رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا وأشار إلى طرف الأنف والجبهة. فقال: يا داود ~~أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا وأنت فعلت كيت وكيت. ثم نظر داود فلم ير ~~أحدا فعرف ما وقع فيه { وإن كثيرا من الخلطآء } الشركاء ~~والأصحاب { ليبغى بعضهم علىا بعض إلا الذين ~~ءأمنوا وعملوا الصالحات } المستنثى منصوب وهو من الجنس ~~والمستثنى منه بعضهم { وقليل ما هم } { ما } للابهام و { هم ~~} مبتدأ و { قليل } خبره { وظن داود } أي علم وأيقن وإنما ~~استعير له لأن الظن الغالب يداني العلم { أنما فتنه } ~~ابتليناه { فاستغفر ربه } لزلته { وخر راكعا } أي سقط ~~على وجهه ساجدا لله، وفيه دليل على أن الركوع يقوم مقام السجود في ~~الصلاة إذا نوي لأن المراد مجرد ما يصلح تواضعا عند هذه التلاوة والركوع ~~في الصلاة يعمل هذا العمل بخلاف الركوع في غير الصلاة { وأناب } ورجع ~~إلى الله بالتوبة. # وقيل: إنه بقي ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة ~~أو ما لا بد منه، ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه ولم يشرب ماء إلا ~~وثلثاه دمع { فغفرنا له ذلك } أي زلته { وإن له عندنا ~~لزلفى } لقربة { وحسن مئاب } مرجع وهو الجنة. { يداود ~~إنا جعلنك خليفة فى الأرض } أي استخلفناك على الملك في ~~الأرض أو جعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وفيه ~~دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير { فاحكم ~~بين الناس بالحق } أي بحكم الله إذ كنت خليفته أو بالعدل { ~~ولا تتبع الهوى } أي هوى النفس في قضائك { فيضلك } ~~الهوى { عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله } دينه { لهم عذاب ms1215 شديد بما نسوا يوم ~~الحساب } أي بنسيانهم يوم الحساب. ### || [38.27-33] # { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما } من الخلق ~~{ بطلا } خلقا باطلا لا لحكمة بالغة، أو مبطلين عابثين كقوله # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين # [الأنبياء:16] وتقديره ذوي باطل، أو عبثا فوضع { بطلا } موضعه أي ~~ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ولكن للحق المبين، وهو أنا خلقنا ~~نفوسا أودعناها العقل ومنحناها التمكين وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع ~~العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم. { ذلك } ~~إشارة إلى خلقها باطلا { ظن الذين كفروا } الظن بمعنى ~~المظنون أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ~~ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض ~~وما بينهما لقوله # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان:25] لأنه لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤديا ~~إلى أن خلقها عبث وباطل جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه، لأن الجزاء هو ~~الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق ~~العالم { فويل للذين كفروا من النار أم نجعل ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت كالمفسدين فى ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } «أم» منقطعة، ~~ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول ~~الكفار لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر، ومن سوى بينهم كان ~~سفيها ولم يكن حكيما { كتاب } أي هذا كتاب { أنزلنه إليك ~~} يعني القرآن { مبارك } صفة أخرى { ليدبروا ءايته } ~~وأصله ليتدبروا قرىء به ومعناه ليتفكروا فيها فيقفوا على ما فيه ويعملوا ~~به. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، حفظوا ~~حروفه وضيعوا حدوده { لتدبروا } على الخطاب بحذف إحدى التاءين: يزيد { ~~وليتذكر أولوا الألبب } وليتعظ بالقرآن أولو العقول. # { ووهبنا لداوود سليمن نعم العبد } أي سليمان. ~~وقيل: داود، وليس بالوجه فالمخصوص بالمدح محذوف { إنه أواب } ~~وعلل كونه ممدوحا بكونه أوابا أي كثير الرجوع إلى الله تعالى { إذ ~~عرض عليه } على سليمان { بالعشى } بعد الظهر { ~~الصفنت } الخيول القائمة ms1216 على ثلاث قوائم وقد أقامت الأخرى على ~~طرف حافر { الجياد } السراع جمع جواد لأنه يجود بالركض، وصفها ~~بالصفون لأنه لا يكون في الهجان وإنما هو العراب. وقيل: وصفها بالصفون ~~والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية، يعني إذا وقفت ~~كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. ~~وقيل: الجياد الطوال الأعناق من الجيد. وروي أن سليمان عليه السلام غزا ~~أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس. وقيل: ورثها من أبيه وأصابها أبوه من ~~العمالقة. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة فقعد يوما بعدما صلى الظهر على ~~كرسيه واستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر وكانت ~~فرضا عليه، فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقربا لله وبقي مائة، فما ~~في أيدي الناس من الجياد، فمن نسلها. # وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرا منها وهي الريح تجري بأمره. # { فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى } أي ~~آثرت حب الخيل عن ذكر ربي كذا عن الزجاج. فأحببت بمعنى آثرت كقوله تعالى # فاستحبوا العمى على الهدى # [فصلت: 17] و «عن» بمعنى «على»، وسمى الخيل خيرا كأنها نفس الخير لتعلق ~~الخير بها كما قال عليه السلام # " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " # وقال أبو علي: أحببت بمعنى جلست من إحباب البعير وهو بروكه. حب الخير أي ~~المال مفعول له مضاف إلى المفعول { حتى توارت } الشمس { ~~بالحجاب } والذي دل على أن الضمير للشمس مررو ذكر العشي ولا بد ~~للضمير من جري ذكر أو دليل ذكر، أو الضمير للصافنات أي حتى توارت بحجاب ~~الليل يعني الظلام { ردوها على } أي قال للملائكة: ردوا الشمس ~~علي لأصلي العصر فردت الشمس له وصلى العصر، أو ردوا الصافنات { فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق } فجعل يمسح مسحا أي يمسح السيف ~~بسوقها وهي جمع ساق كدار ودور وأعناقها، يعني يقطعها لأنها منعته عن ~~الصلاة. تقول: مسح علاوته إذا ضرب عنقه، ومسح المسفر الكتاب إذا قطع ~~أطرافه بسيفه. وقيل: إنما فعل ذلك كفارة لها أو شكرا لرد ms1217 الشمس، وكانت ~~الخيل مأكولة في شريعته فلم يكن إتلافا. وقيل: مسحها بيده استحسانا لها ~~وإعجابا بها. ### || [38.34-44] # { ولقد فتنا سليمن } ابتليناه. { وألقينا على ~~كرسيه } سرير ملكه { جسدا ثم أناب } رجع إلى الله. قيل: ~~فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة، وكان من ~~فتنته أنه ولد له ابن فقالت الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة فسبيلنا ~~أن نقتله أو نخبله، فعلم ذلك سليمان عليه السلام فكان يغذوه في السحابة ~~خوفا من مضرة الشياطين، فألفى ولده ميتا على كرسيه فتنبه على زلته في ~~أن لم يتوكل فيه على ربه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة منهن تأتي بفارس ~~يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة ~~واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفس محمد ~~بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " # وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه ~~السلام فمن أباطيل اليهود. # { قال رب اغفر لى وهب لى ملكا } قدم الاستغفار على ~~استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء عليهم السلام والصالحين في تقديم ~~الاستغفار على السؤال { لا ينبغى } لا يتسهل ولا يكون { لأحد ~~من بعدى } أي دوني. وبفتح الياء: مدني وأبو عمرو، وإنما سأل بهذه ~~الصفة ليكون معجزة له لا حسدا وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين، ~~فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات ~~{ إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح } { الرياح } ~~أبو جعفر. # { تجرى } حال من { الريح } { بأمره } بأمر سليمان { رخآء ~~} لينة طيبة لا تزعزع وهو حال من ضمير { تجرى } { حيث } ظرف { ~~تجرى } { أصاب } قصد وأراد. والعرب تقول: أصاب الصواب فاخطأ ~~الجواب { والشيطين } عطف على { الريح } أي سخرنا له الشياطين { ~~كل بنآء } بدل من { الشيطين } كانوا يبنون له ما شاء من ~~الأبنية { وغواص } أي ms1218 ويغوصون له في البحر لإخراج اللؤلؤ، وهو أول ~~من استخرج اللؤلؤ من البحر. والمعنى وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين ~~{ وءاخرين } عطف على { كل بناء } داخل في حكم البدل { ~~مقرنين فى الأصفاد } وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض ~~في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. والصفد: القيد وسمي به ~~العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه، ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد ~~أسرك ومن جفاك فقد أطلقك { هذا } الذي أعطيناك من الملك والمال ~~والبسطة { عطآؤنا فامنن } فأعط منه ما شئت من المنة وهي العطاء { ~~أو أمسك } عن العطاء، وكان إذا أعطى أجر وإن منع لم يأتم بخلاف ~~غيره { بغير حساب } متعلق ب { عطاؤنا } وقيل: هو حال أي هذا ~~عطاؤنا جما كثيرا لا يكاد يقدر على حصره، أو هذه التسخير عطاؤنا فامنن ~~على من شئت من الشياطين بالإطلاق أو أمسك من شئت منهم في الوثاق بغير ~~حساب أي لا حساب عليك في ذلك { وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مئاب } { لزلفى } اسم «إن» والخبر { له } والعامل ~~في { عند } الخبر. # { واذكر عبدنآ أيوب } هو بدل من { عبدنا } أو عطف بيان ~~{ إذ } بدل اشتمال منه { نادى ربه } دعاه { إنى مسنى } ~~بأني مسني حكاية لكلامة الذي ناداه بسببه ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه ~~غائب { الشيطن بنصب } قراءة العامة { بنصب } ، يزيد تثقيل ~~نصب { بنصب } كرشد ورشد، يعقوب { بنصب } على أصل المصدر هبيرة ~~والمعنى واحد وهو التعب والمشقة { وعذاب } يريد مرضه وما كان يقاسي ~~فيه من أنواع الوصب. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ~~ما نزل به من البلاء ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن ~~يكفيه ذلك بكشف البلاء أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. وروي ~~أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل: ألقى إليه ~~الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين. وذكر في سبب بلائه أنه ذبح ~~شاة فأكلها وجاره جائع، أو رأى منكرا فسكت عنه، أو ابتلاه ms1219 الله لرفع ~~الدرجات بلا زلة سبقت منه { اركض برجلك } حكاية ما أجيب به أيوب ~~عليه السلام أي أرسلنا إليه جبريل عليه السلام فقال له: اركض برجلك أي ~~اضرب برجلك الأرض وهي أرض الجابية فضربها فنبعت عين فقيل: { هذا ~~مغتسل بارد وشراب } أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ ~~باطنك وظاهرك. وقيل: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى ~~فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله تعالى. # { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } قيل: أحياهم الله ~~تعالى بأعيانهم وزاده مثلهم { رحمة منا وذكرى لأولى ~~الألبب } مفعول لهما أي الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولى ~~الألباب، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره رغبهم في الصبر على ~~البلاء { وخذ } معطوف على { اركض } { بيدك ضغثا } حزمة ~~صغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قبضة ~~من الشجر { فاضرب به ولا تحنث } وكان حلف في مرضه ليضربن ~~امرأته مائة إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها ~~إياه، وهذه الرخصة باقية ويجب أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة. # والسبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة فحرج صدره. وقيل: باعت ~~ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب عليه السلام إذا قام { إنا ~~وجدنه } علمناه { صابرا } على البلاء نعم قد شكا إلى الله ما ~~به واسترحمه لكن الشكوى إلى الله لا تسمى جزعا فقد قال يعقوب عليه ~~السلام # إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله # [يوسف: 86] على أنه عليه السلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من ~~الفتنة حيث كان الشيطان يوسوس إليهم أنه لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ~~ابتلي به وإرادة القوة على الطاعة فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا ~~القلب واللسان { نعم العبد } أيوب { إنه أواب }. ### || [38.45-70] # { واذكر عبادنا } { عبدنا } مكي. { إبرهيم ~~وإسحق ويعقوب } فمن جمع ف { إبراهيم } ومن بعده عطف ~~بيان على { عبادنا } ومن وحد ف { إبراهيم } وحده عطف بيان له، ثم ~~عطف ذريته على { عبدنا ms1220 } ولما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت ~~فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملا لا تتأتى فيه المباشرة ~~بالأيدي، أو كان العمال جذما لا أيدي لهم وعلى هذا ورد قوله { أولى ~~الأيدى والأبصر } أي أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة كأن ~~الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يتفكرون أفكار ذوي ~~الديانات في حكم الزمني الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم والمسلوبي ~~العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا ~~من المستبصرين في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم ~~متمكنين منهما { إنا أخلصنهم } جعلناهم لنا خالصين { ~~بخالصة } بخصلة خالصة لا شوب فيها. { ذكرى الدار } { ذكرى ~~} في محل النصب أو الرفع بإضمار «أعني»، أو «هي»، أو الجر على البدل من ~~ب { خالصة } والمعنى إنا أخلصناهم بذكرى الدار، والدار هنا: الدار ~~الآخرة يعني جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكرون الناس الدار الآخرة ~~ويزهدونهم في الدنيا كما هو ديدن الأنبياء عليهم السلام، أو معناه أنهم ~~يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله وينسون ذكر الدنيا بخالصة ذكرى ~~الدار، على الإضافة مدني ونافع وهي من إضافة الشيء إلى ما يبينه، لأن ~~الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى. و { ذكرى } مصدر مضاف إلى المفعول أي ~~بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل: خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل أي ~~بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر، إنما ~~همهم ذكرى الدار لا غير. وقيل: ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا، وهذا ~~شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه ~~قوله # وجعلنا لهم لسان صدق عليا # [مريم: 50] { وإنهم عندنا لمن المصطفين } المختارين ~~من بين أبناء جنسهم { الأخيار } جمع خير أو خير على التخفيف كأموات ~~في جمع ميت أو ميت. # { واذكر إسمعيل واليسع } كأن حرف التعريف دخل على «يسع» ~~{ وذا الكفل وكل } التنوين عوض عن المضاف إليه أي وكلهم { ~~من الأخيار هذا ذكر وإن ms1221 للمتقين لحسن ~~مئاب } أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدا، وإن لهم مع ذلك لحسن ~~مرجع يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب ~~جليل. ثم بين كيفية حسن ذلك المرجع فقال { جنت عدن } بدل من { ~~حسن مئاب } { مفتحة } حال من { جنت } لأنها معرفة لإضافتها ~~إلى { عدن } وهو علم، والعامل فيها ما في { للمتقين } من معنى ~~الفعل { لهم الأبواب } ارتفاع الأبواب بأنها فاعل { مفتحة ~~} والعائد محذوف أي مفتحة لهم الأبواب منها فحذف كما حذف في قوله # فإن الجحيم هى المأوى # [النازعات: 39] أي لهم أو أبوابها إلا أن الأول أجود، أو هي بدل من ~~الضمير في { مفتحة } وهو ضمير الجنات تقديره مفتحة هي الأبواب وهو ~~من بدل الاشتمال { متكئين } حال من المجرور في { لهم } والعامل ~~{ مفتحة } { فيها يدعون فيها بفكهة كثيرة ~~وشراب } أي وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول { وعندهم قصرت ~~الطرف } أي قصرن طرفهن على أزواجهن { أتراب } لدات أسنانهن ~~كأسنانهم لأن التحاب بين الأقران أثبت كأن اللدات سمين أترابا لأن ~~التراب مسهن في وقت واحد. # { هذا ما توعدون } وبالياء: مكي وأبو عمر { ليوم ~~الحساب } أي ليوم تجزى كل نفس بما عملت { إن هذا لرزقنا ~~ما له من نفاد } من انقطاع والجملة حال من الرزق والعامل ~~الإشارة. { هذا } خبر والمبتدأ محذوف أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر { ~~وإن للطغين لشر مأب } مرجع { جهنم } بدل منه { ~~يصلونها } يدخلونها { فبئس المهاد } شبه ما تحتهم من النار ~~بالمهاد الذي يفترشه النائم { هذا فليذوقوه حميم وغساق ~~} أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، ف { هذا } مبتدأ و { حميم } خبر { ~~وغساق } بالتشديد: حمزة وعلي وحفص. والغساق بالتشديد والتخفيف ما ~~يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم ~~يحرق بحره والغساق يحرق ببرده { وءاخر } أي وعذاب آخر أو مذوق آخر { ~~من شكله } من مثل العذاب المذكور. { وأخر } بصري أي ومذوقات أخر من ~~شكل هذا المذوق في الشدة والفظاعة { أزوج } صفة ل { ءاخر } لأنه ~~يجوز أن يكون ضروبا { هذا فوج مقتحم ms1222 معكم } هذا جمع ~~كثيف قد اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم. والاقتحام: الدخول في ~~الشيء بشدة، والقحمة: الشدة، وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض أي ~~يقولون هذا والمراد بالفوج اتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة فيقتحمون ~~معهم العذاب { لا مرحبا بهم } دعاء منهم على أتباعهم تقول لن ~~تدعو له مرحبا أي أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا أو رحبت بلادك رحبا ثم ~~تدخل عليه «لا» في دعاء السوء، وبهم بيان للمدعو عليهم { إنهم ~~صالو النار } أي داخلوها وهو تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم. وقيل: ~~{ هذا فوج مقتحم } كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم، و ~~{ لا مرحبا بهم إنهم صالو النار } كلام الرؤساء. وقيل: ~~هذا كله كلام الخزنة. # { قالوا } أي الأتباع { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي ~~الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله { أنتم ~~قدمتموه لنا } والضمير للعذاب أو لصليهم أي انكم دعوتمونا إليه ~~فكفرنا باتباعكم { فبئس القرار } أي النار { قالوا } أي ~~الأتباع { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا ~~} أي مضاعفا { فى النار } ومعناه ذا ضعف. ونحوه قوله { ربنا ~~هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا } وهو أن يزيد على ~~عذابه مثله { وقالوا } الضمير لرؤساء الكفرة { ما لنا لا نرى ~~رجالا } يعنون فقراء المسلمين { كنا نعدهم } في الدنيا { ~~من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى { ~~اتخذنهم سخريا } بلفظ الإخبار: عراقي غير عاصم على أنه صفة ~~ل { رجالا } مثل { كنا نعدهم من الأشرار } وبهمزة ~~الاستفهام: غيرهم على أنه إنكار على أنفسهم في الاستسخار منهم، { ~~سخريا } مدني وحمزة وعلي وخلف والمفضل { أم زاغت } مالت { ~~عنهم الأبصر } هو متصل بقوله { ما لنا } أي ما لنا لا نراهم ~~في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها، ~~قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا ~~أنه خفي عليهم مكانهم { إن ذلك } الذي حكينا عنهم { لحق } لصدق ~~كائن لا محالة لا بد أن يتكلموا به. ثم ms1223 بين ما هو فقال: هو { تخاصم ~~أهل النار } ولما شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب ~~بما يجري بين المتخاصمين سماه تخاصما، ولأن قول الرؤساء { لا مرحبا ~~بهم } وقول أتباعهم: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب ~~الخصومة فسمى التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. # { قل } يا محمد لمشركي مكة { إنما أنا منذر } ما أنا إلا ~~رسول منذر أنذركم عذاب الله تعالى { وما من إله إلا الله ~~} وأقول لكم إن دين الحق توحيد الله وأن تعتقدوا أن لا إله إلا الله { ~~الواحد } بلا ند ولا شريك { القهار } لكل شيء { رب ~~السموت والأرض وما بينهما } له الملك والربوبية في ~~العالم كله { العزيز } الذي لا يغلب إذا عاقب { الغفار } لذنوب ~~من التجأ إليه { قل هو } أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا ~~منذرا وأن الله واحد لا شريك له { نبؤا عظيم } لا يعرض عن مثله إلا ~~غافل شديد الغفلة. ثم { أنتم عنه معرضون } غافلون { ما كان ~~لى } حفص { من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون } ~~احتج لصحة نبوته بأن ما ينبىء به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان ~~له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم ~~يعلموا وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أن ذلك لم يحصل له إلا ~~بالوحي من الله تعالى. # { إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين } أي ~~لأنما أنا نذير مبين ومعناه ما يوحى إلي إلا للإنذار فحذف اللام وانتصب ~~بإفضاء الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع على معنى ما يوحى إلي إلا هذا وهو أن ~~أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك أي ما أومر إلا بهذا الأمر وحده وليس لي غير ~~ذلك. وبكسر { إنما } يزيد على الحكاية أي إلا هذا القول وهو أن أقول ~~لكم إنما أنا نذير مبين ولا أدعي شيئا آخر. وقيل: النبأ العظيم قصص آدم ~~والإنباء به من غير سماع من أحد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: القرآن. ~~وعن الحسن: ms1224 يوم القيامة. والمراد بالملإ الأعلى أصحاب القصة: الملائكة ~~وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم و { إذ ~~يختصمون } متعلق بمحذوف إذ المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ ~~الأعلى وقت اختصامهم. ### || [38.71-88] # { إذ قال ربك } بدل من { إذ يختصمون } أي في شأن آدم ~~حين قال تعالى على لسان ملك { للملئكة إنى خلق بشرا ~~من طين } وقال # إني جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها # [البقرة: 30] { فإذا سويته } فإذا أتممت خلقته وعدلته { ~~ونفخت فيه من روحى } الذي خلقته، وأضافه إليه تخصيصا كبيت ~~الله وناقة الله، والمعنى أحييته وجعلته حساسا متنفسا { فقعوا } ~~أمر من وقع يقع أي اسقطوا على الأرض والمعنى اسجدوا { له سجدين } ~~قيل: كان انحناء يدل على التواضع. وقيل: كان سجدة لله أو كان سجدة التحية ~~{ فسجد الملئكة كلهم أجمعون } «كل» للإحاطة ~~وأجمعون للاجتماع فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعهم في وقت واحد غير ~~متفرقين في أوقات { إلا إبليس استكبر } تعظم عن السجود { ~~وكان من الكفرين } وصار من الكافرين بإباء الأمر { قال ~~يإبليس ما منعك أن تسجد } ما منعك عن السجود { لما ~~خلقت بيدى } أي بلا واسطة امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي، وقد ~~مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلب العمل باليدين على سائر ~~الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب: هو ما عملت يداك، حتى ~~قيل لمن لا يدين له: يداك اوكتا وفوك نفخ. وحتى لم يبق فرق بين قولك «هذا ~~مما عملته» و «هذا مما عملته يداك»، ومنه قوله # مما عملت أيدينا # [يس: 71] و { لما خلقت بيدى } { أستكبرت } استفهام ~~إنكار { أم كنت من العلين } ممن علوت وفقت. وقيل: أستكبرت ~~الآن أم لم تزل مذ كنت من المستكبرين. # { قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين } يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي فكيف ~~أسجد لمن هو دوني لأنه من طين والنار تغلب الطين وتأكله؟ وقد جرت الجملة ~~الثانية من الأولى وهي { خلقتني ms1225 من نار } مجرى المعطوف عطف ~~البيان والإيضاح. { قال فاخرج منها } من الجنة أو من السماوات ~~أو من الخلقة التي أنت فيها، لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته ~~واسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا وأظلم بعدما كان نورانيا { ~~فإنك رجيم } مرجوم أي مطرود. تكبر إبليس أن يسجد لمن خلق من طين ~~وزل عنه أن الله أمر به ملائكته واتبعوا أمره إجلالا لخطابه وتعظيما ~~لأمره فصار مرجوما ملعونا بترك أمره { وإن عليك لعنتى } ~~بفتح الياء: مدني أي إبعادي من كل الخير { إلى يوم الدين } أي ~~يوم الجزاء ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين ثم تنقطع، لأن معناه أن ~~عليه اللعنة في الدنيا وحدها فإذا كان يوم الدين اقترن بها العذاب فينقطع ~~الانفراد، أو لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة فأولى أن تكون عليه في ~~غير أوانها، وكيف تنقطع وقد قال الله تعالى # فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظلمين # { قال رب فأنظرنى } فأمهلني { إلى يوم يبعثون ~~قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم } الوقت المعلوم الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى، ويومه ~~اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه، ومعنى المعلوم أنه معلوم عند الله ~~معين لا يتقدم ولا يتأخر { قال فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين } أي أقسم بعزة الله وهي سلطانه وقهره { إلا عبادك ~~منهم المخلصين } وبكسر اللام: مكي وبصري وشامي. # { قال فالحق } بالرفع: كوفي غير علي على الابتداء أي الحق قسمي، ~~أو على الخبر أي أنا الحق. وغيرهم بالنصب على أنه مقسم به كقولك الله ~~لأفعلن كذا يعني حذف عنه الباء فانتصب وجوابه { لأملان } { ~~والحق أقول } اعتراض بين المقسم والمقسم عليه وهو منصوب ب { ~~أقول } ومعناه ولا أقول إلا الحق، والمراد بالحق إما اسمه عز وجل الذي ~~في قوله # أن الله هو الحق # [الحج: 6] أو الحق الذي هو نقيض الباطل عظمه الله بإقسامه به { ~~لأملان جهنم منك } من جنسك وهم الشياطين { وممن تبعك ~~منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي لأملأن جهنم من المتبوعين ms1226 ~~والتابعين أجمعين لا أترك منهم أحدا { قل مآ أسئلكم عليه ~~من أجر } الضمير للقرآن أو للوحي { وما أنا من ~~المتكلفين } من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما ~~عرفتموني قط متصنعا ولا مدعيا بما ليس عندي حتى أنتحل النبوة وأتقول ~~القرآن { إن هو } ما القرآن { إلا ذكر } من الله { ~~للعلمين } للثقلين أوحى إلي فأنا أبلغه. وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا ~~يعلم " # { ولتعلمن نبأه } نبأ القرآن وما فيه من الوعد والوعيد وذكر ~~البعث والنشور { بعد حين } بعد الموت أو يوم بدر أو يوم القيامة، ~~ختم السورة بالذكر كما افتتحها بالذكر والله الموفق. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-9] # { تنزيل الكتب } أي القرآن مبتدأ خبره { من الله } أي نزل ~~من الله، أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل، أو غير صلة بل هو خبر ~~بعد خبر، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره هذا تنزيل الكتاب هذا من الله { ~~العزيز } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره { إنا أنزلنا ~~إليك الكتب بالحق } هذا ليس بتكرار لأن الأول كالعنوان ~~للكتاب والثاني لبيان ما في الكتاب { فاعبد الله مخلصا } حال ~~{ له الدين } أي ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية ~~السر، ف { الدين } منصوب ب { مخلصا } وقرىء { الدين } بالرفع ~~وحق من رفعه أن يقرأ { مخلصا } { ألا لله الدين الخالص ~~} أي هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر لاطلاعه ~~على الغيوب والأسرار. وعن قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. ~~وعن الحسن: الإسلام. { والذين اتخذوا من دونه أوليآء ~~} أي آلهة وهو مبتدأ محذوف الخبر تقديره: والذين عبدوا الأصنام يقولون { ~~ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } مصدر ~~أي تقريبا { إن الله يحكم بينهم } بين المسلمين ~~والمشركين { فى ما هم فيه يختلفون } قيل: كان المسلمون إذا ~~قالوا لهم من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم ~~تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ms1227 زلفى. والمعنى ~~أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين { إن الله ~~لا يهدى من هو كذب كفار } أي لا يهدي من هو في علمه ~~أنه يختار الكفر يعني لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر ولكنه ~~يخذله، وكذبهم قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء بنات الله، ~~ولذا عقبه محتجا عليهم بقوله { لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء } أي لو جاز اتخاذ ~~الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء لا ما تختارون أنتم وتشاءون ~~{ سبحنه } نزه ذاته عن أن يكون له أخذ ما نسبوا إليه من الأولياء ~~والأولاد، ودل على ذلك بقوله { هو الله الوحد القهار } ~~يعني أنه واحد متبريء عن انضمام الأعداد متعال عن التجزؤ والولاد، قهار ~~غلاب لكل شيء ومن الأشياء آلهتهم فأنى يكون له أولياء وشركاء؟. # ثم دل بخلق السماوات والأرض وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر وتسخير ~~النيرين وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق ~~الأنعام على أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب بقوله { خلق ~~السموت والأرض بالحق يكور اليل على ~~النهار ويكور النهار على اليل } والتكوير اللف ~~واللي يقال: كار العمامة على رأسه وكورها، والمعنى أن كل واحد منهما ~~يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما ~~غيبه عن مطامح الأبصار، أو أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا، فشبه ~~ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض { وسخر الشمس ~~والقمر كل يجرى لأجل مسمى } أي يوم القيامة { إلا ~~هو العزيز } الغالب القادر على عقاب من لم يعتبر بتسخير الشمس ~~والقمر فلم يؤمن بمسخرهما { الغفار } لمن فكر واعتبر فآمن بمدبرهما. # { خلقكم من نفس وحدة } أي آدم عليه السلام { ثم ~~جعل منها زوجها } أي حواء من قصيراه. قيل: أخرج ذرية آدم من ~~ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء { وأنزل لكم من الأنعم } ~~أي جعل. عن الحسن: أو خلقها في الجنة ms1228 مع آدم عليه السلام ثم أنزلها، أو ~~لأنها لا تعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء وقد أنزل الماء ~~فكأنه أنزلها { ثمنية أزوج } ذكرا وأنثى من الإبل والبقر ~~والضأن والمعز كما بين في سورة الأنعام، والزوج اسم لواحد معه آخر فإذا ~~انفرد فهو فرد ووتر { يخلقكم فى بطون أمهتكم خلقا ~~من بعد خلق } نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم إلى تمام الخلق { فى ~~ظلمت ثلث } ظلمة البطن والرحم والمشيمة أو ظلمة الصلب والبطن ~~والرحم { ذلكم } الذي هذه مفعولاته هو { الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } فكيف يعدل ~~بكم من عبادته إلى عبادة غيره. # ثم بين أنه غني عنهم بقوله { إن تكفروا فإن الله غنى ~~عنكم } عن إيمانكم وأنتم محتاجون إليه لتضرركم بالكفر وانتفاعكم ~~بالإيمان { ولا يرضى لعباده الكفر } لأن الكفر ليس برضا ~~الله تعالى وإن كان بإرادته { وإن تشكروا } فتؤمنوا { يرضه ~~لكم } أي يرض الشكر لكم لأنه سبب فوزكم فيثيبكم عليه الجنة { يرضه } ~~بضم الهاء والإشباع: مكي وعلي: { يرضه } بضم الهاء بدون الإشباع: نافع ~~وهشام وعاصم غير يحيى وحماد. وغيرهم { يرضه } { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } أي لا يؤاخذ أحد بذنب آخر { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم } إلى جزاء ربكم رجوعكم { فينبئكم بما كنتم ~~تعملون } فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها { إنه عليم ~~بذات الصدور } بخفيات القلوب { وإذا مس الإنسن } هو ~~أبو جهل أو كل كافر { ضر } بلاء وشدة والمس في الأعراض مجاز { دعا ~~ربه منيبا إليه } راجعا إلى الله بالدعاء لا يدعو غيره { ~~ثم إذا خوله } أعطاه { نعمة منه } من الله عز وجل { ~~نسى ما كان يدعو إليه من قبل } أي نسى ربه الذي كان ~~يتضرع إليه. و «ما» بمعنى «من» كقوله # وما خلق الذكر والانثى # [الليل: 3] أو نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه { وجعل لله ~~أندادا } أمثالا { ليضل } { ليضل } مكي وأبو عمرو ويعقوب { ~~عن سبيله } أي الإسلام { قل } يا محمد { تمتع } أمر تهديد { ~~بكفرك قليلا } أي في الدنيا { إنك من أصحب النار ~~} من أهلها. ms1229 { أمن } قرأ بالتخفيف مكي ونافع وحمزة على إدخال همزة ~~الاستفهام على «من»، وبالتشديد غيرهم على إدخال «أم» عليه و «من» مبتدأ ~~خبره محذوف تقديره «أمن» { هو قانت } كغيره أي أمن هو مطيع كمن هو ~~عاص والقانت المطيع لله؟ وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جرى ذكر ~~الكافر قبله، وقوله بعده { قل هل يستوى الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون } { ءاناء اليل } ساعاته { ~~سجدا وقائما } حالان من الضمير في { قانت } { يحذر ~~الآخرة } أي عذاب الآخرة { ويرجوا رحمة ربه } أي الجنة، ~~ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته لا ~~عمله ويحذر عقابه لتقصيره في عمله. ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا، ~~والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا، وقد قال الله تعالى # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخسرون # [الأعراف: 99] وقال # إنه لا ييأس من من روح الله إلا القوم الكافرون # [يوسف: 87]، فيجب أن لا يجاوز أحدهما حده { قل هل يستوى ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون } أي يعلمون ويعملون ~~به كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ~~ثم لا يقنتون ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة حيث جعل ~~القانتين هم العلماء، أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل ~~كذلك لا يستوي المطيع والعاصي { إنما يتذكر أولوا ~~الألبب } جمع لب أي إنما يتعظ بوعظ الله أولو العقول. ### || [39.10-18] # { قل يعباد الذين ءامنوا } بلا ياء عند الأكثر { ~~اتقوا ربكم } بامتثال أوامره واجتناب نواهيه { للذين ~~أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة } أي أطاعوا الله في ~~الدنيا. و «في» يتعلق ب { أحسنوا } لا ب { حسنة } ، معناه ~~الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة أي حسنة ~~لا توصف. وقد علقه السدي ب { حسنة } ففسر الحسنة بالصحة والعافية. ~~ومعنى { وأرض الله واسعة } أي لا عذر للمفرطين في الإحسان ~~البتة حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان. ~~قيل لهم: فإن أرض الله واسعة ms1230 وبلاده كثيرة، فتحولوا إلى بلاد أخرى. ~~واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا ~~إحسانا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم { إنما يوفى ~~الصبرون } على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص ~~واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير { أجرهم بغير ~~حساب } عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا ~~يعرف. وهو حال من الأجر أي موفرا { قل إنى أمرت أن أعبد ~~الله } بأن أعبد الله { مخلصا له الدين } أي أمرت بإخلاص ~~الدين { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } وأمرت بذلك ~~لأجل أن أكون أول المسلمين أي مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، والمعنى ~~أن الإخلاص له السبقة في الدين فمن أخلص كان سابقا، فالأول أمر ~~بالعبادة مع الإخلاص، والثاني بالسبق فلاختلاف جهتيهما نزلا منزلة ~~المختلفين، فصح عطف أحدهما على الآخر. # { قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } ~~لمن دعاك بالرجوع إلى دين آبائك، وذلك أن كفار قريش قالوا له عليه ~~السلام: ألا تنظر إلى أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت ~~ردا عليهم { قل الله أعبد مخلصا له دينى } وهذه الآية ~~إخبار بأنه يخص الله وحده بعبادته مخلصا له دينه دون غيره، والأولى ~~إخبار بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فالكلام أولا واقع في نفس الفعل ~~وإثباته، وثانيا فيما يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله: # { فاعبدوا ما شئتم من دونه } وهذا أمر تهديد. وقيل له ~~عليه السلام: إن خالفت دين آبائك فقد خسرت فنزلت { قل إن ~~الخسرين } أي الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه { ~~الذين خسروا أنفسهم } بإهلاكها في النار { وأهليهم } ~~أي وخسروا أهليهم { يوم القيمة } لأنهم أضلوهم فصاروا إلى ~~النار، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله: { ألا ذلك هو ~~الخسران المبين } حيث صدر الجملة بحرف التنبيه ووسط الفصل بين ~~المبتدأ والخبر وعرف الخسران ونعته بالمبين، وذلك لأنهم استبدلوا بالجنة ~~نارا وبالدرجات دركات { لهم من فوقهم ظلل } أطباق { من ~~النار ومن تحتهم ظلل } أطباق من النار وهي ظلل لآخرين أي ~~النار محيطة بهم ms1231 { ذلك } الذي وصف من العذاب أو ذلك الظلل { يخوف ~~الله به عباده } ليؤمنوا به ويجتنبوا مناهيه { يعباد ~~فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي خوفهم بالنار. # ثم حذرهم نفسه { والذين اجتنبوا الطغوت } الشياطين ~~«فعلوت» من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام ~~على العين، أطلقت على الشيطان أو الشياطين لكون الطاغوت مصدرا، وفيها ~~مبالغات وهي التسمية بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان وأن البناء بناء ~~مبالغة، فإن الرحموت الرحمة الواسعة، والملكوت الملك المبسوط والقلب وهو ~~للاختصاص، إذ لا تطلق على غير الشيطان والمراد بها ههنا الجمع وقريء { ~~الطواغيت } { أن يعبدوها } بدل الاشتمال من الطاغوت أي عبادتها { ~~وأنابوا } رجعوا { إلى الله لهم البشرى } هي البشارة ~~بالثواب تتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشرين وحين يحشرون { فبشر ~~عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ~~هم الذين اجتنبوا أنابوا، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة ~~على هذه الصفة فوضع الظاهر موضع الضمير أراد أن يكونوا نقادا في الدين ~~يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب ~~وندب اختاروا الواجب، وكذا المباح والندب حراصا على ما هو أقرب عند ~~الله وأكثر ثوابا، أو يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، أو يستمعون ~~أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو ونحو ذلك، أو يستمعون ~~الحديث مع القوم فيه محاسن ومساوىء فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه { ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألبب } أي المنتفعون بعقولهم. ### || [39.19-30] # { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من ~~فى النار } أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب أي وجب { أفأنت } ~~جملة شرطية دخلت عليها همزة الانكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء ~~التي في أولها للعطف على محذوف تقديره: أأنت مالك أمرهم؟ فمن حق عليه ~~كلمة العذاب فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى ~~الانكار. ووضع { من فى النار } موضع الضمير أي تنقذه، فالآية على ~~هذا جملة واحدة، أو معناه: أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه، أفأنت ~~تنقذه أي لا يقدر أحد أن ms1232 ينقذ من أضله الله وسبق في علمه أنه من أهل ~~النار { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من ~~فوقها غرف } أي لهم منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها ~~يعني للكفار ظلل من النار وللمتقين غرف { مبنية تجرى من ~~تحتها الأنهر } أي من تحت منازلها { وعد الله لا ~~يخلف الله الميعاد } وعد الله مصدر مؤكد، لأن قوله { لهم ~~غرف } في معنى وعدهم الله ذلك. # { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء } يعني ~~المطر. وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم ~~يقسمه الله { فسلكه } فادخله { ينابيع فى الأرض } عيونا ~~ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد. و { ينابيع } نصب على الحال أو ~~على الظرف و { فى الأرض } صفة ل { ينابيع }. { ثم يخرج ~~به } بالماء { زرعا مختلفا ألوانه } هيئاته من خضرة ~~وحمرة وصفرة وبياض أو أصنافه من بن وشعير وسمسم وغير ذلك { ثم ~~يهيج } يجف { فتراه مصفرا } بعد نضارته وحسنه { ثم ~~يجعله حطما } فتاتا متكسرا، فالحطام ما تفتت وتكسر من النبت ~~وغيره { إن فى ذلك } في إنزال الماء وإخراج الزرع { لذكرى ~~لأولى الألبب } لتذكيرا وتنبيها على أنه لا بد من صانع حكيم، ~~وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل { أفمن شرح ~~الله صدره } أي وسع صدره { للإسلم } فاهتدى، وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الشرح فقال: # " «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» فقيل: فهل لذلك من علامة؟ قال نعم ~~الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل ~~نزول الموت " # { فهو على نور من ربه } بيان وبصيرة، والمعنى: أفمن شرح ~~الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا قلبه؟ فحذف لأن قوله { فويل ~~للقسية قلوبهم } يدل عليه { من ذكر الله } أي من ~~ترك ذكر الله أو من أجل ذكر الله أي إذا ذكر الله عندهم أو آياته ازدادت ~~قلوبهم قساوة كقوله # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125] { أولئك فى ضلل مبين } غواية ظاهرة. # { الله نزل أحسن الحديث } في إيقاع اسم ms1233 { الله } ~~مبتدأ وبناء { نزل } عليه تفخيم لأحسن الحديث { كتبا } بدل من { ~~أحسن الحديث } أو حال منه { متشبها } يشبه بعضه بعضا في ~~الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز وغير ذلك { مثانى } نعت { ~~كتبا } جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه ~~وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه، فهو بيان لكونه متشابها لأن ~~القصص المكررة وغيرها لا تكون إلا متشابهة. وقيل: لأنه يثنى في التلاوة ~~فلا يمل. وإنما جاز وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، ~~وتفاصيل الشيء هي جملته، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات؟ ~~فكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات. أو منصوب على التمييز من { ~~متشبها } كما تقول: رأيت رجلا حسنا شمائل، والمعنى متشابهة ~~مثانية { تقشعر } تضطرب وتتحرك { منه جلود الذين ~~يخشون ربهم } يقال: اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضا شديدا. ~~والمعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعر منها ~~جلودهم، وفي الحديث # " إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن ~~الشجرة اليابسة ورقها " # { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } أي ~~إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من ~~الخشية والقشعريرة. وعدي ب «إلى» لتضمنه معنى فعل متعد ب «إلى» كأنه ~~قيل: اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير متقبضة. واقتصر على ذكر الله من غير ~~ذكر الرحمة، لأن رحمته سبقت غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر الله لم يخطر ~~بالبال إلا كونه رءوفا رحيما. وذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت بها ~~القلوب ثانيا لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب { ~~ذلك } إشارة إلى الكتاب وهو { هدى الله يهدى به من يشآء ~~} من عباده وهو من علم منهم اختيار الاهتداء { ومن يضلل الله } ~~يخلق الضلالة فيه { فما له من هاد } إلى الحق. # { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيمة } ~~كمن أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره وسوء العذاب شدته، ~~ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفا من المخاوف استقبله بيده وطلب أن ms1234 يقي ~~بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه ~~إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف ~~بغيره وقاية له ومحاماة عليه { وقيل للظلمين } أي تقول لهم ~~خزنة النار { ذوقوا } وبال { ما كنتم تكسبون } أي كسبكم { ~~كذب الذين من قبلهم } من قبل قريش { فأتهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون } من الجهة التي لا يحتسبون ولا ~~يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بيناهم آمنون إذ فوجئوا من مأمنهم { ~~فأذاقهم الله الخزى } الذل والصغار كالمسخ والخسف والقتل ~~والجلاء ونحو ذلك من عذاب الله { فى الحيوة الدنيا ولعذاب ~~الآخرة أكبر } من عذاب الدنيا { لو كانوا يعلمون } ~~لآمنوا. # { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان من كل ~~مثل لعلهم يتذكرون } ليتعظوا { قرءانا عربيا } ~~حال مؤكدة كما تقول: جاءني زيد رجلا صالحا وإنسانا عاقلا، فتذكر ~~رجلا أو إنسانا توكيدا، أو نصب على المدح { غير ذى عوج } ~~مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. ولم يقل «مستقيما» للإشعار بأن ~~لا يكون فيه عوج قط. وقيل: المراد بالعوج الشك { لعلهم يتقون ~~} الكفر. # { ضرب الله مثلا رجلا } بدل { فيه شركآء ~~متشكسون } متنازعون ومختلفون { ورجلا سلما } مصدر سلم ~~والمعنى ذا سلامة { لرجل } أي ذا خلوص له من الشركة. { سالما } مكي ~~وأبو عمرو أي خالصا له { هل يستويان مثلا } صفة وهو تمييز، ~~والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد ~~لبيان الجنس وقريء { مثلين }. { الحمد لله } الذي لا إله إلا هو { ~~بل أكثرهم لا يعلمون } فيشركون به غيره. مثل الكافر ~~ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف، وكل واحد منهم يدعي ~~أنه عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى وهو متحير لا يدري أيهم ~~يرضي بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس ~~رفقه، فهمه شعاع وقلبه أوزاع، والمؤمن بعبد له سيد واحد فهمه واحد وقلبه ~~مجتمع { إنك ميت } أي ستموت { وإنهم ميتون } ~~وبالتخفيف من حل به الموت، قال الخليل أنشد أبو عمرو: # وتسألني تفسير ms1235 ميت وميت # فدونك قد فسرت إن كنت تعقل # فمن كان ذا روح فذلك ميت # وما الميت إلا من إلى القبر يحمل # كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته فأخبر أن الموت يعمهم ~~فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني، وعن قتادة: نعى إلى نبيه نفسه ~~ونعى إليكم أنفسكم أي إنك وإياهم في عداد الموتى لأن ما هو كائن فكأن قد ~~كان. ### || [39.31-44] # { ثم إنكم } أي إنك وإياهم فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب { ~~يوم القيمة عند ربكم تختصمون } فتحتج أنت عليهم ~~بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة، فلجوا في العناد ويعتذرون بما لا ~~طائل تحته، تقول الأتباع: أطعنا ساداتنا وكبراءنا، وتقول السادات: أغوتنا ~~الشياطين وآباؤنا الأقدمون. قال الصحابة رضى الله عنهم أجمعين: ما ~~خصومتنا ونحن إخوان! فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا. عن ~~أبي العالية: نزلت في أهل القبلة وذلك في الدماء والمظالم التي بينهم. ~~والوجه هو الأول ألا ترى إلى قوله { فمن أظلم ممن كذب على ~~الله } وقوله { والذى جاء بالصدق وصدق به } وما هو ~~إلا بيان وتفسير للذين تكون بينهم الخصومة. { كذب على الله } ~~افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه { وكذب بالصدق } بالأمر ~~الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم { إذ ~~جآءه } فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية أو اهتمام ~~بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون { أليس فى ~~جهنم مثوى للكفرين } أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله ~~وكذبوا بالصدق. واللام في { للكفرين } إشارة إليهم { والذى ~~جآء بالصدق وصدق به } هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ~~بالحق وآمن به وأراد به إياه ومن تبعه كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله # ولقد ءاتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون # [المؤمنون: 49] فلذا قال تعالى { أولئك هم المتقون } وقال ~~الزجاج: روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: والذي جاء بالصدق محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبو بكر ms1236 الصديق رضي الله عنه. ~~وروي أن الذي جاء بالصدق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق ~~به المؤمنون، والكل صحيح كذا قاله. قالوا: والوجه في العربية أن يكون ~~«جاء» و «صدق» لفاعل واحد لأن التغاير يستدعي إضمار الذي، وذا غير جائز، ~~أو إضمار الفاعل من غير تقدم الذكر وذا بعيد. # { لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك جزآء المحسنين ~~ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون } ~~إضافة أسوأ وأحسن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل كقولك: ~~الأشج أعدل بني مروان. # { أليس الله بكاف } أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي فأفيد ~~معنى إثبات الكفاية وتقريرها { عبده } أي محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~{ عباده } حمزة وعلي أي الأنبياء والمؤمنين وهو مثل # إنا كفينك المستهزءين # [الحجر: 95] { ويخوفونك بالذين من دونه } أي بالأوثان ~~التي اتخذوها آلهة من دونه، وذلك أن قريشا قالت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وإنا نخشى عليك مضرتها لعيبك إياها ~~{ ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله ~~فما له من مضل أليس الله بعزيز } بغالب منيع { ذى ~~انتقام } ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم ~~لهم منهم وينصرهم عليهم. # ثم أعلم بأنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله تعالى خلق السماوات ~~والأرض بقوله { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض ليقولن الله قل أفرايتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادنى الله } بفتح الياء سوى حمزة { بضر ~~} مرض أو فقر أو غير ذلك { هل هن كشفت ضره } دافعات ~~شدته عني { أو أرادنى برحمة } صحة أو غنى أو نحوهما { هل ~~هن ممسكت رحمته } { كشفت ضره } ، و { ~~ممسكت رحمته } بالتنوين على الأصل: بصري، وفرض المسئلة في ~~نفسه دونهم لأنهم خوفوه معرة الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقررهم أولا ~~بأن خالق العالم هو الله وحده ثم يقول لهم بعد التقرير: فإن أرادني خالق ~~العالم الذي أقررتم به بضر أو برحمة هل يقدرون على خلاف ms1237 ذلك؟ فلما أفحمهم ~~قال الله تعالى: { قل حسبى الله } كافيا لمعرة أوثانكم { ~~عليه يتوكل المتوكلون } يروى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سألهم فسكتوا فنزل { قل حسبى الله } ، وإنما قال { ~~كشفت } و { ممسكت } على التأنيث بعد قوله { ~~ويخوفونك بالذين من دونه } لأنهن إناث وهن اللات والعزى ~~ومناة، وفيه تهكم بهم وبمعبوديهم. # { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } على حالكم التي ~~أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها، والمكانة بمعنى المكان ~~فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا وحيث للزمان وهما للمكان { ~~إنى عمل } أي على مكانتي وحذف للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد ~~والإيذان بأن حالته تزداد كل يوم قوة لأن الله تعالى ناصره ومعينه، ألا ~~ترى إلى قوله: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم } كيف توعدهم بكونه منصورا عليهم ~~غالبا عليهم في الدنيا والآخرة، لأنهم إذا أتاهم الخزي والعذاب فذاك عزه ~~وغلبته من حيث إن الغلبة تتم له بعز عزيز من أوليائه وبذل ذليل من ~~أعدائه، و { يخزيه } صفة للعذاب ك { مقيم } أي عذاب مخزلة وهو ~~يوم بدر، وعذاب دائم وهو عذاب النار. { مكاناتكم } أبو بكر وحماد. # { إنا أنزلنا عليك الكتب } القرآن { للناس } ~~لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ليبشروا وينذروا فتقوى دواعيهم إلى اختيار ~~الطاعة على المعصية { بالحق فمن اهتدى فلنفسه } فمن ~~اختار الهدى فقد نفع نفسه { ومن ضل فإنما يضل عليها } ~~ومن اختار الضلالة فقد ضرها { ومآ أنت عليهم بوكيل } بحفيظ. # { ثم أخبر بأنه الحفيظ القدير عليهم بقوله { الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها } الأنفس الجمل كما هي، وتوفيها إماتتها وهو ~~أن يسلب ما هي به حية حساسة دراكة { والتى لم تمت فى ~~منامها } ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها أي يتوفاها حين تنام ~~تشبيها للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك، ~~ومنه قوله تعالى: # وهو الذى يتوفكم باليل # [الأنعام: 60] { فيمسك } الأنفس { التى قضى } { قضى } ~~حمزة وعلي. { عليها الموت } الحقيقي أي لا يردها في وقتها حية { ~~ويرسل الأخرى } النائمة { إلى أجل ms1238 مسمى } إلى وقت ~~ضربه لموتها. وقيل: يتوفى الأنفس أي يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي ~~تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في مقامها وهي أنفس ~~التمييز. قالوا: فالتي تتوفى في المنام هي نفس التمييز لا نفس الحياة لأن ~~نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس، ولكل إنسان نفسان: ~~إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارق عند الموت، والأخرى نفس التمييز وهي ~~التي تفارقه إذا نام. وروي عن ابن عباس رضى الله عنهما: في ابن آدم نفس ~~وروح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، ~~والروح هي التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم ~~يقبض روحه. وعن علي رضي الله عنه قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها ~~في الجسد فذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع ~~من لحظة، وعنه ما رأت عين النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت ~~بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة. # وعن سعيد بن جبير: أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي في المنام ~~فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل ~~الأخرى إلى أجسادها إلى انقضاء حياتها. وروي أن أرواح المؤمنين تعرج عند ~~النوم في السماء فمن كان منهم طاهرا أذن في السجود، ومن لم يكن منهم ~~طاهرا لم يؤذن له فيه { إن فى ذلك } إن في توفي الأنفس ميتة ~~ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل { لآيات } على قدرة الله وعلمه { ~~لقوم يتفكرون } يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون { أم ~~اتخذوا } بل اتخذ قريش والهمزة للإنكار { من دون الله } من ~~دون إذنه { شفعآء } حين قالوا # هؤلآء شفعؤنا عند الله # [يونس: 18] ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه { قل أو لو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون } معناه أيشفعون ولو كانوا لا ~~يملكون شيئا قط ولا عقل لهم؟ { قل لله الشفعة جميعا } أي ~~هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه وانتصب { جميعا } على الحال ~~{ له ملك السموت والأرض ms1239 } تقرير لقوله # لله الشفعة جميعا # لأنه إذا كان له الملك كله والشفاعة من الملك كان مالكا لها. { ثم ~~إليه ترجعون } متصل بما يليه معناه له ملك السماوات والأرض ~~واليوم ثم إليه ترجعون يوم القيامة فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له ~~فله ملك الدنيا والآخرة. ### || [39.45-50] # { وإذا ذكر الله وحده } مدار المعنى على قوله { وحده } ~~أي إذا أفرد الله بالذكر ولم تذكر معه آلهتهم { اشمأزت } أي نفرت ~~وانقبضت { قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر ~~الذين من دونه } يعني آلهتهم ذكر الله معهم أو لم يذكر { إذا ~~هم يستبشرون } لافتتانهم بها، وإذا قيل لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له نفروا لأن فيه نفيا لآلهتهم، ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز ~~إذ كل واحد منهما غاية في بابه، فالاستبشار أن يمتلىء قلبه سرورا حتى ~~تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل، والاشمئزاز أن يمتلىء غما وغيظا حتى يظهر ~~الانقباض في أديم وجهه، والعامل في { إذا ذكر } هو العامل في «إذا» ~~المفاجأة. تقديره: وقت ذكر الذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار { قل ~~اللهم فاطر السموت والأرض } أي يا فاطر، وليس بوصف ~~كما يقوله المبرد والفراء { علم الغيب والشهدة } السر ~~والعلانية { أنت تحكم } تقضي { بين عبادك فى ما كانوا ~~فيه يختلفون } من الهدى والضلالة، وقيل: هذه محاكمة من النبي ~~للمشركين إلى الله. وعن ابن المسيب: لا أعرف آية قرئت فدعي عندها إلا ~~أجيب سواها. وعن الربيع بن خيثم وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين ~~رضي الله عنه وقالوا: الآن يتكلم فما زاد أن قال: آه أوقد فعلوا وقرأ هذه ~~الآية. وروي أنه قال على أثره: قتل من كان صلى الله عليه وسلم يجلسه في ~~حجره ويضع فاه على فيه. # { ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا ~~ومثله معه } الهاء تعود إلى «ما» { لافتدوا به من سوء ~~العذاب } شدته { يوم القيمة وبدا لهم من الله ~~ما لم يكونوا يحتسبون } وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم ~~يكن قط في حسبانهم ولا يحدثون ms1240 به نفوسهم. وقيل: عملوا أعمالا حسبوها ~~حسنات فإذا هي سيئات، وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء ~~ويل لأهل الرياء. وجزع محمد بن المنكدر عند موته فقيل له فقال: أخشى آية ~~من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسبه { ~~وبدا لهم سيئات ما كسبوا } أي سيئات أعمالهم التي ~~كسبوها أو سيئات كسبهم حين تعرض صحائف أعمالهم وكانت خافية عليهم أو عقاب ~~ذلك { وحاق بهم } ونزل بهم وأحاط { ما كانوا به ~~يستهزءون } جزاء هزئهم. # { فإذا مس الإنسن ضر دعانا ثم إذا خولنه ~~} أي أعطيناه تفضلا. يقال: خولني إذا أعطاك على غير جزاء { نعمة ~~منا } ولا تقف عليه لأن جواب «إذا» { قال إنما أوتيته ~~على علم } مني أني سأعطاه لما في من فضل واستحقاق، أو على علم مني ~~بوجوه الكسب كما قال قارون # على علم عندى # [القصص: 78] وإنما ذكر الضمير في { أوتيته } وهو للنعمة نظرا إلى ~~المعنى لأن قوله { نعمة منا } شيئا من النعمة وقسما منها. وقيل: ~~«ما» في «إنما» موصولة لا كافة فيرجع الضمير إليها أي إن الذي أوتيته على ~~علم { بل هى فتنة } إنكار له كأنه قال: ما خولناك من النعمة لما ~~تقول بل هي فتنة أي ابتلاء وامتحان لك أتشكر أم تكفر. ولما كان الخبر ~~مؤنثا أعني فتنة ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقريء بل هو فتنة على وفق ~~{ إنما أوتيته } { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~أنها فتنة، والسبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة ~~بالواو، أن هذه وقعت مسببة عن قوله # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت # على معنى أنهم يشمئزون من ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مس ~~أحدهم ضر دعا من اشمأز بذكره دون من استبشر بذكره وما بينهما من الآي ~~اعتراض. # فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه. قلت: ما في الاعتراض ~~من دعاء الرسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بأمر من الله وقوله { أنت ~~تحكم بين عبادك } ثم ما عقبه من الوعيد ms1241 العظيم، تأكيد لإنكار ~~اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم كأنه قيل: ~~يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجرأة إلا ~~أنت، وقوله: { ولو أن للذين ظلموا } متناول هم ولكل ظالم ~~إن جعل عاما، أو إياهم خاصة إن عنيتهم به كأنه قيل: ولو أن لهؤلاء ~~الظالمين ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به حين حكم عليهم بسوء ~~العذاب، وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة وما هي إلا جملة ناسبت جملة ~~قبلها فعطفت عليها بالواو نحو «قام زيد وقعد عمرو»، وبيان وقوعها مسببة ~~أنك تقول: زيد يؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه، فهذا تسبيب ظاهر، ثم ~~تقول: زيد كافر بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه، فتجيء بالفاء مجيئك بها ~~ثمة كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجاء المؤمن إليه مقيم كفره مقام ~~الإيمان في جعله سببا في الالتجاء { قد قالها } هذه المقالة وهي ~~قوله { إنما أوتيته على علم } { الذين من قبلهم ~~} أي قارون وقومه حيث قال: # إنما أوتيته على علم عندى # [القصص: 78] وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها، ويجوز أن يكون في الأمم ~~الخالية آخرون قائلون مثلها { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } من متاع الدنيا وما يجمعون منها. ### || [39.51-59] # { فأصبهم سيئات ما كسبوا } أي جزاء سيئات كسبهم، أو ~~سمى جزاء السيئة سيئة للازدواج كقوله: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. { والذين ظلموا } كفروا { من هؤلآء } أي ~~من مشركي قومك { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } أي سيصيبهم ~~مثل ما أصاب أولئك، فقتل صناديدهم ببدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ~~{ وما هم بمعجزين } بفائتين من عذاب الله، ثم بسط لهم فمطروا ~~سبع سنين فقيل لهم { أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر } ويضيق. وقيل: يجعله على قدر القوت ~~{ إن فى ذلك لآيت لقوم يؤمنون } بأنه لا قابض ولا ~~باسط إلا الله عز وجل. # { قل يعبادى الذين } وبسكون الياء: بصري وحمزة وعلي { ~~أسرفوا على أنفسهم } جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلو ~~فيها { لا تقنطوا ms1242 } لا تيأسوا، وبكسر النون: علي وبصري { من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } بالعفو ~~عنها إلا الشرك، وفي قراءة النبي عليه السلام يغفر الذنوب جميعا ولا ~~يبالي، ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله # ولا يخاف عقبها # [الشمس: 16]. قيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية " # { إنه هو الغفور } بستر عظائم الذنوب { الرحيم } بكشف ~~فظائع الكروب { وأنيبوا إلى ربكم } وتوبوا إليه { ~~وأسلموا له } وأخلصوا له العمل { من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون } إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب { ~~واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } مثل ~~قوله: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # وقوله { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم ~~لا تشعرون } أي يفجؤكم وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئا لفرط ~~غفلتكم. # { أن تقول } لئلا تقول { نفس } إنما نكرت لأن المراد بها بعض ~~الأنفس وهي نفس الكافر، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في ~~الكفر شديد أو بعذاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير { يحسرتى } الألف ~~بدل من ياء المتكلم، وقرىء: { يا حسرتي } على الأصل و { يا حسرتاي } على ~~الجمع بين العوض والمعوض منه { على ما فرطت } قصرت و«ما» مصدرية ~~مثلها في # بما رحبت # [التوبة: 25] { فى جنب الله } في أمر الله أو في طاعة الله أو في ~~ذاته، وفي حرف عبد الله في ذكر الله والجنب الجانب يقال: أنا في جنب فلان ~~وجانبه وناحيته، وفلان لين الجانب والجنب، ثم قالوا: فرط في جنبه وفي ~~جانبه يريدون في حقه، وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان ~~الرجل وحيزه فقد أثبته فيه، ومنه الحديث: # " من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل " # أي لأجله، وقال الزجاج: معناه فرط في طريق الله وهو توحيده والإقرار ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم { وإن كنت لمن السخرين } ~~المستهزئين. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ms1243 ومحل ~~{ وإن كنت } النصب على الحال كأنه قال: فرطت وأنا ساخر أي فرطت في ~~حال سخريتي { أو تقول لو أن الله هدانى } أي أعطاني ~~الهداية { لكنت من المتقين } من الذين يتقون الشرك، قال ~~الشيخ الإمام أبو منصور رحمه الله تعالى: هذا الكافر أعرف بهداية الله من ~~المعتزلة، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم: # لو هدانا الله لهديناكم # [إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم ~~إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا، ~~والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. والحاصل أن ~~عند الله لطفا من أعطى ذلك اهتدى، وهو التوفيق والعصمة ومن لم يعطه ضل ~~وغوى، وكان استحبابه العذاب وتضييعه الحق بعدما مكن من تحصيله لذلك { ~~أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة } رجعة إلى ~~الدنيا { فأكون من المحسنين } من الموحدين { بلى قد ~~جآءتك ءايتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكفرين } «بلى» رد من الله عليه كأنه يقول: بلى قد جاءتك آياتي ~~وبينت لك الهداية من الغواية وسبيل الحق من الباطل ومكنتك من اختيار ~~الهداية على الغواية واختيار الحق على الباطل، ولكن تركت ذلك وضيعته ~~واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به ~~فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك، و { بلى } جواب لنفي تقديري ~~لأن المعنى: لو أن الله هداني ما هديت وإنما لم يقرن الجواب به، لأنه لا ~~بد من حكاية أقوال النفس على ترتيبها ثم الجواب من بينها عما اقتضى ~~الجواب. ### || [39.60-73] # { ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله } ~~وصفوه بما لا يجوز عليه من إضافة الشريك والولد إليه، ونفى الصفات عنه { ~~وجوههم } مبتدأ { مسودة } خبر والجملة في محل النصب على ~~الحال إن كان ترى من رؤية البصر، وإن كان من رؤية القلب فمفعول ثان { ~~أليس فى جهنم مثوى } منزل { للمتكبرين } هو إشارة ~~إلى قوله { واستكبرت } { وينجى الله } { وينجى }: ~~روح { الذين اتقوا } من الشرك { بمفازتهم } بفلاحهم ~~يقال: فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده ms1244 منه وتفسيره المفازة { لا ~~يمسهم السوء } النار { ولا هم يحزنون } كأنه قيل: وما ~~مفازتهم؟ قيل: لا يمسهم السوء أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. أي لا ~~يمس أبدانهم أذى ولا قلوبهم خزي، أو بسبب منجاتهم من قوله تعالى: # فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب # [آل عمران: 188]. أي بمنجاة منه؛ لأن النجاة من أعظم الفلاح وسبب ~~منجاتهم العمل الصالح، ولهذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة ~~بالأعمال الحسنة ويجوز بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول ~~الجنة، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها، ولا محل ل ~~{ لا يمسهم } على التفسير الأول لأنه كلام مستأنف، ومحله النصب ~~على الحال على الثاني. { بمفازاتهم } كوفي غير حفص. # { الله خلق كل شىء } رد على المعتزلة والثنوية { وهو ~~على كل شىء وكيل } حافظ. { له مقاليد السموت ~~والأرض } أي هو مالك أمرها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ ~~الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه ~~مقاليد الملك وهي المفاتيح واحدها مقليد، وقيل: لا واحد لها من لفظها، ~~والكلمة أصلها فارسية { والذين كفروا بئايت الله ~~أولئك هم الخسرون } هو متصل بقوله { وينجى الله ~~الذين اتقوا } أي ينجي الله المتقين بمفازاتهم والذين كفروا هم ~~الخاسرون. واعترض بينهما بأنه خالق كل شيء، فهو مهيمن عليه، فلا يخفى ~~عليه شيء من أعمال المكلفين فيها وما يجزون عليها، أو بما يليه على أن كل ~~شيء في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه، والذين كفروا وجحدوا أن ~~يكون الأمر كذلك أولئك هم الخاسرون، وقيل: سأل عثمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن تفسير قوله: { له مقاليد السموت والأرض } ~~فقال # " يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر ~~وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير " # وتأويله على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح ms1245 خير ~~السماوات والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه، والذين كفروا بآيات الله ~~وكلمات توحيده وتمجيده أولئك هم الخاسرون. # { قل } لمن دعاك إلى دين آبائك { أفغير الله تأمرونى ~~أعبد } { تأمرونى } مكي، { تأمرونني } على الأصل: شامي، { ~~تأمرونى } مدني، وانتصب. { أفغير الله } ب { أعبد } و ~~{ تأمرونى } اعتراض، ومعناه أفغير الله أعبد بأمركم بعد هذا البيان ~~{ أيها الجهلون } بتوحيد الله { ولقد أوحى إليك ~~وإلى الذين من قبلك } من الأنبياء عليهم السلام { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } الذي علمت قبل الشرك { ~~ولتكونن من الخسرين } وإنما قال { لئن أشركت } ~~على التوحيد والموحى إليهم جماعة لأن معناه أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك وإلى الذين من قبلك مثله، واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف، ~~والثانية لام الجواب، وهذا الجواب ساد مسد الجوابين أعني جوابي القسم ~~والشرط. وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون لأن ~~الخطاب للنبي عليه السلام والمراد به غيره، ولأنه على سبيل الفرض، ~~والمحالات يصح فرضها. وقيل: لئن طالعت غيري في السر ليحبطن ما بيني وبينك ~~من السر { بل الله فاعبد } رد لما أمروه من عبادة آلهتهم كأنه ~~قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن عبدت فاعبد الله؛ فحذف الشرط وجعل ~~تقديم المفعول عوضا عنه { وكن من الشكرين } على ما أنعم به ~~عليك من أن جعلك سيد ولد آدم { وما قدروا الله حق قدره } ~~وما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره، ولما كان العظيم من الأشياء ~~إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تعظيمه قيل: وما قدروا الله ~~حق قدره. # ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريق التخييل فقال: { والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيمة والسموت ~~مطويت بيمينه } والمراد بهذا الكلام إذا أخذته كما هو ~~بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب ~~بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية أو جهة مجاز. والمراد بالأرض الأرضون ~~السبع يشهد لذلك قوله { جميعا } ، وقوله { والسموت } ولأن ~~الموضع موضع تعظيم فهو مقتض للمبالغة، و { الأرض } مبتدأ ms1246 و { ~~قبضته } الخبر و { جميعا } منصوب على الحال أي: والأرض إذا كانت ~~مجتمعة قبضته يوم القيامة، والقبضة: المرة من القبضة. والقبضة: المقدار ~~المقبوض بالكف، ويقال: أعطني قبضة من كذا تريد معنى القبضة تسمية ~~بالمصدر، وكلا المعنين محتمل، والمعنى والأرضون جميعا قبضته أي ذوات ~~قبضته بقبضهن قبضة واحدة يعني أن الأرضين مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا ~~قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة كما تقول: الجزور أكلة ~~لقمان أي لا تفي إلا بأكلة فذة من أكلاته. # وإذا أريد معنى القبضة فظاهر، لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما ~~يقبضه بكف واحدة. والمطويات من الطي الذي هو ضد النشر كما قال: # يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب # [الأنبياء: 104]. وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، وقيل: قبضته ملكه ~~بلا مدافع ولا منازع وبيمينه بقدرته. وقيل: مطويات بيمينه مفنيات بقسمه ~~لأنه أقسم أن يفنيها { سبحانه وتعالى عما يشركون } ما ~~أبعد من هذه قدرته وعظمته وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء. { ~~ونفخ فى الصور فصعق } مات { من فى السموت ومن فى ~~الأرض إلا من شآء الله } أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ~~الموت، وقيل: هم حملة العرش أو رضوان والحور العين ومالك والزبانية { ~~ثم نفخ فيه أخرى } هي في محل الرفع لأن المعنى ونفخ في الصور ~~نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، وإنما حذفت لدلالة { أخرى } عليها، ~~ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان { فإذا هم قيام ينظرون } ~~يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب أو ينظرون أمر الله ~~فيهم، ودلت الآية على أن النفخة اثنتان: الأولى للموت والثانية للبعث، ~~والجمهور على أنها ثلاث: الأولى للفزع، كما قال: # ونفخ فى الصور ففزع # [النمل: 87]، والثانية للموت والثالثة للإعادة. # { وأشرقت الأرض } أضاءت { بنور ربها } أي بعدله بطريق ~~الاستعارة. يقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك. ~~كما يقال أظلمت البلاد بجور فلان، وقال عليه الصلاة والسلام: # " الظلم ظلمات يوم القيامة " # وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله، وينصب ms1247 فيها ~~موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل ولا ~~أعمر لها منه، وقال الإمام أبو منصور رحمه الله: يجوز أن يخلق الله نورا ~~فينور به أرض الموقف، وإضافته إليه تعالى للتخصيص كبيت الله وناقة الله { ~~ووضع الكتب } أي صحائف الأعمال، ولكنه اكتفى باسم الجنس أو ~~اللوح المحفوظ { وجايئ بالنبيين } ليسألهم ربهم عن تبليغ ~~الرسالة وما أجابهم قومهم { والشهداء } الحفظة. وقيل: هم الأبرار ~~في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان { وقضى بينهم } بين ~~العباد { بالحق } بالعدل { وهم لا يظلمون } ختم الآية بنفي ~~الظلم كما افتتحها بإثبات العدل { ووفيت كل نفس ما ~~عملت } أي جزاءه { وهو أعلم بما يفعلون } من غير كتاب ~~ولا شاهد، وقيل: هذه الآية تفسير قوله { وهم لا يظلمون }. أي ~~ووفيت كل نفس ما عملت من خير وشر لا يزاد في شر ولا ينقص من خير. # { وسيق الذين كفروا إلى جهنم } سوقا عنيفا، كما ~~يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل { زمرا ~~} حال أي أفواجا متفرقة بعضها في أثر بعض { حتى إذا جآءوها ~~فتحت } بالتخفيف فيهما: كوفي { أبوبها } وهي سبعة { وقال ~~لهم خزنتها } أي حفظة جهنم وهم الملائكة الموكلون بتعذيب أهلها { ~~ألم يأتكم رسل منكم } من بني آدم { يتلون عليكم ~~ءايت ربكم وينذرونكم لقآء يومكم هذا } أي ~~وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة { قالوا بلى } ~~أتونا وتلوا علينا { ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكفرين } أي ولكن وجبت علينا كلمة الله # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] بسوء أعمالنا كما قالوا: # غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين # [المؤمنون: 106]، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال. # { قيل ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها } حال مقدرة ~~أي مقدرين الخلود { فبئس مثوى المتكبرين } اللام فيه ~~للجنس لأن { مثوى المتكبرين } فاعل «بئس» و«بئس» فاعلها اسم ~~معرف بلام الجنس أو مضاف إلى مثله، والمخصوص بالذم محذوف تقديره فبئس ~~مثوى المتكبرين جهنم. { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا } المراد سوق مراكبهم، لأنه لا يذهب بهم ms1248 إلا راكبين ~~إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على بعض ~~الملوك { حتى إذا جآءوها } هي التي تحكى بعدها الجمل والجملة ~~المحكية بعدها هي الشرطية إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف لأنه في صفة ~~ثواب أهل الجنة فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف، وقال الزجاج: ~~تقديره حتى إذا جاءوها { وفتحت أبوبها وقال لهم ~~خزنتها سلم عليكم طبتم فادخلوها خلدين } ~~دخلوها فحذف دخولها؛ لأن في الكلام دليلا عليه. وقال قوم: حتى إذا ~~جاءوها وجاءوها وفتحت أبوابها فعندهم جاءوها محذوف، والمعنى: حتى إذا ~~جاءوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها، وقيل: أبواب جهنم لا تفتح إلا عند ~~دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله تعالى: # جنت عدن مفتحة لهم الأبواب # [ص: 50]. فلذلك جيء بالواو كأنه قال: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها ~~طبتم من دنس المعاصي، وطهرتم من خبث الخطايا، وقال الزجاج: أي كنتم طيبين ~~في الدنيا ولم تكونوا خبيثين أي لم تكونوا أصحاب خبائث، وقال ابن عباس: ~~طاب لكم المقام، وجعل دخول الجنة سببا عن الطيب والطهارة لأنها دار ~~الطيبين ومثوى الطاهرين قد طهر من كل دنس وطيبها من كل قذر، فلا يدخلها ~~إلا مناسب لها موصوف بصفتها. ### || [39.74-75] # { وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده } أنجزنا ~~ما وعدنا في الدنيا من نعيم العقبى { وأورثنا الأرض } أرض الجنة ~~وقد أورثوها أي ملكوها وجعلوا ملوكها وأطلق تصرفهم فيها كما يشاءون ~~تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه واتساعه فيه { نتبوأ } حال { ~~من الجنة حيث نشآء } أي يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة ~~وزيادة على الحاجة فيتبوأ أي فيتخذ متبوأ ومقرا من جنته حيث يشاء { ~~فنعم أجر العملين } في الدنيا الجنة { وترى ~~الملئكة حآفين } حال من { الملئكة } { من حول ~~العرش } أي محدقين من حوله. و«من» لابتداء الغاية أي ابتداء حفوفهم ~~من حول العرش إلى حيث شاء الله { يسبحون } حال من الضمير في { ~~حافين } { بحمد ربهم } أي يقولون: سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله ms1249 والله أكبر، أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وذلك ~~للتلذذ دون التعبد لزوال التكليف { وقضى بينهم } بين الأنبياء ~~والأمم أو بين أهل الجنة والنار { بالحق } بالعدل { وقيل ~~الحمد لله رب العلمين } أي يقول أهل الجنة شكرا حين ~~دخولها، وتم وعد الله لهم كما قال # وآخر دعوهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ كل ليلة بني ~~إسرائيل والزمر. الحوايم السبع كلها مكية عن ابن عباس رضي الله عنهما ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-10] # { حم } وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد، وبني الفتح ~~والكسر: مدني، وغيرهم بالتفخيم، وعن ابن عباس أنه اسم الله الأعظم { ~~تنزيل الكتب } أي هذا تنزيل الكتاب { من الله العزيز } ~~أي المنيع بسلطانه عن أن يتقول عليه متقول { العليم } بمن صدق به ~~وكذب، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين { غافر الذنب } ساتر ذنب ~~المؤمنين { وقابل التوب } قابل توبة الراجعين { شديد ~~العقاب } على المخالفين { ذى الطول } ذي الفضل على العارفين أو ~~ذي الغنى عن الكل، وعن ابن عباس: غافر الذنب وقابل التوب لمن قال لا إله ~~إلا الله، شديد العقاب لمن لا يقول لا إله إلا الله. والتوب والثوب ~~والأوب أخوات في معنى الرجوع، والطول الغنى والفضل، فإن قلت: كيف اختلفت ~~هذه الصفات تعريفا وتنكيرا والموصوف معرفة؟ قلت: أما غافر الذنب وقابل ~~التوب فمعرفتان لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين حتى يكونا في تقدير ~~الانفصال فتكون إضافتهما غير حقيقية. وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، وأما ~~شديد العقاب فهو في تقدير شديد عقابه فتكون نكرة، فقيل هو بدل. # وقيل: لما وجدت هذه النكرة بين هذه المعارف آذنت بأن كلها أبدال غير ~~أوصاف. وإدخال الواو في { وقابل التوب } لنكتة وهي إفادة الجمع ~~للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من ~~الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب كأن لم يذنب كأنه قال: جامع المغفرة ~~والقبول، وروي أن عمر رضي الله عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل ~~الشام، فقيل له: تتابع ms1250 في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى ~~فلان: سلام عليك وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. بسم الله ~~الرحمن الرحيم { حم } إلى قوله { إليه المصير }. وختم الكتاب ~~قال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم أمر من عنده بالدعاء له ~~بالتوبة. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي ~~وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت ~~توبته. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة ~~فسددوه ووقفوه وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين ~~عليه. # { لآ إله إلا هو } صفة أيضا ل { ذى الطول } ويجوز أن ~~يكون مستأنفا { إليه المصير } المرجع { ما يجدل فى ~~ءايت الله إلا الذين كفروا } ما يخاصم فيها بالتكذيب ~~بها والإنكار لها، وقد دل على ذلك في قوله # وجدلوا بالبطل ليدحضوا به الحق # [غافر: 5] فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها واستنباط معانيها ~~ورد أهل الزيغ بها فأعظم جهاد في سبيل الله { فلا يغررك ~~تقلبهم فى البلاد } بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة ~~سالمين غانمين فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب، ثم بين كيف ذلك فأعلم أن ~~الأمم الذين كذبت قبلهم أهلكت فقال { كذبت قبلهم قوم نوح ~~} نوحا { والأحزاب } أي الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد ~~وثمود وقوم لوط وغيرهم { من بعدهم } من بعد قوم نوح { وهمت ~~كل أمة } من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب { برسولهم ~~ليأخذوه } ليتمكنوا منه فيقتلوه. # والأخيذ: الأسير { وجدلوا بالبطل } بالكفر { ليدحضوا ~~به الحق } ليبطلوا به الإيمان { فأخذتهم } مظهر: مكي وحفص ~~يعني أنهم قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذ الرسل أن أخذتهم ~~فعاقبتهم { فكيف كان عقاب } وبالياء: يعقوب. أي فإنكم تمرون على ~~بلادهم فتعاينون أثر ذلك، وهذا تقرير فيه معنى التعجيب { وكذلك ~~حقت كلمت ربك على الذين كفروا } { كلمت ~~ربك } مدني وشامي { أنهم أصحب النار } في محل الرفع بدل ~~من { كلمة ربك } أي مثل ذلك الوجوب وجب ms1251 على الكفرة كونهم من أصحاب النار، ~~ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك وجب إهلاكهم ~~بعذاب النار في الآخرة. أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل و ~~{ الذين كفروا } قريش، ومعناه كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك ~~وجب إهلاك هؤلاء؛ لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار، ويلزم الوقف ~~على النار.لأنه لو وصل لصار # { الذين يحملون العرش ومن حوله } يعني حاملي العرش ~~والحافين حوله وهم الكروبيون سادة الملائكة صفة لأصحاب النار وفساده ~~ظاهر. روي أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورءوسهم قد خرقت العرش ~~وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وفي الحديث # " إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة ~~العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة " # وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ~~ورائهم سبعون ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو ~~«يسبح بما لا يسبح به الآخر». { يسبحون } خبر المبتدأ وهو { ~~الذين } { بحمد ربهم } أي مع حمده إذ الباء تدل على أن ~~تسبيحهم بالحمدلة { ويؤمنون به } وفائدته مع علمنا بأن حملة ~~العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون إظهار شرف الإيمان ~~وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع بالصلاح لذلك، وكما عقب ~~أعمال الخير بقوله: # ثم كان من الذين ءامنوا # [البلد: 17]. فأبان بذلك فضل الإيمان، وقد روعي التناسب في قوله: { ~~ويؤمنون به }. # { ويستغفرون للذين ءامنوا } كأنه قيل: ويؤمنون به ~~ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب ~~أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأجناس والأماكن { ~~ربنا } أي يقولون ربنا وهذا المحذوف حال { وسعت كل شىء ~~رحمة وعلما } والرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، ~~إذ الأصل وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند ~~الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز مبالغة في وصفه ~~بالرحمة والعلم { فاغفر للذين تابوا ms1252 } أي للذين علمت منهم ~~التوبة لتناسب ذكر الرحمة والعلم { واتبعوا سبيلك } أي طريق ~~الهدى الذي دعوت إليه { وقهم عذاب الجحيم ربنا ~~وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم ومن صلح ~~من ءابآئهم } «من» في موضع نصب عطف على «هم» في { وأدخلهم ~~} أو في { وعدتهم } والمعنى وعدتهم ووعدت من صلح من آبائهم { ~~وأزوجهم وذريتهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~} أي الملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا خاليا من ~~الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك { وقهم السيئت } أي جزاء ~~السيئات وهو عذاب النار { ومن تق السيئت يومئذ فقد ~~رحمته وذلك } أي رفع العذاب { هو الفوز العظيم }. # { إن الذين كفروا ينادون } أي يوم القيامة إذا دخلوا ~~النار ومقتوا أنفسهم فيناديهم خزنة النار { لمقت الله أكبر ~~من مقتكم أنفسكم } أي لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم ~~أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة، والمقت أشد البغض، وانتصاب { إذ ~~تدعون إلى الإيمن } بالمقت الأول عند الزمخشري، والمعنى أنه ~~يقال لهم يوم القيامة: كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين ~~كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشد ~~مما تمقتونهن اليوم، وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن، ~~وقيل: معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله: # ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]، و { إذ تدعون } تعليل، وقال جامع العلوم وغيره: ~~«إذ» منصوب بفعل مضمر دل عليه { لمقت الله } أي يمقتهم الله حين ~~دعوا إلى الإيمان فكفروا، ولا ينتصب بالمقت الأول لأن قوله { لمقت ~~الله } مبتدأ وهو مصدر وخبره { أكبر من مقتكم أنفسكم ~~} ، فلا يعمل في { إذ تدعون }؛ لأن المصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن ~~يتعلق به شيء يكون في صلته لأن الإخبار عنه يؤذن بتمامه، وما يتعلق به ~~يؤذن بنقصانه، ولا بالثاني لاختلاف الزمانين، وهذا لأنهم مقتوا أنفسهم في ~~النار وقد دعوا إلى الإيمان في الدنيا { فتكفرون } فتصرون على ~~الكفر. ### || [40.11-21] # { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين } أي إماتتين وإحياءتين أو موتتين وحياتين، ms1253 وأراد بالإماتتين ~~خلقهم أمواتا أولا وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وصح أن يسمى خلقهم ~~أمواتا إماتة، كما صح أن يقال: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم ~~الفيل، وليس ثمة نقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، والسبب فيه أن ~~الصغر والكبر جائزان على المصنوع الواحد، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين ~~فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه. ~~وبالإحياءتين: الإحياءة الأولى في الدنيا، والإحياءة الثانية البعث، ويدل ~~عليه قوله: # وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # [البقرة: 28]. وقيل: الموتة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر بعد ~~الإحياء للسؤال، والإحياء الأول إحياؤه في القبر بعد موته للسؤال، ~~والثاني للبعث { فاعترفنا بذنوبنا } لما رأوا الإماتة ~~والإحياء قد تكررا عليهم علموا أن الله قادر على الإعادة كما هو قادر على ~~الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من ~~معاصيهم { فهل إلى خروج } من النار. أي إلى نوع من الخروج سريع ~~أو بطيء لنتخلص { من سبيل } قط أم اليأس واقع دون ذلك فلا خروج ولا ~~سبيل إليه، وهذا كلام من غلب عليه اليأس وإنما يقولون ذلك تحيرا، ولهذا ~~جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله { ذلكم بأنه إذا دعى ~~الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا } أي ذلكم ~~الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله ~~وإيمانكم بالإشراك به { فالحكم لله } حيث حكم عليكم بالعذاب ~~السرمد { العلى } شأنه، فلا يرد قضاؤه { الكبير } العظيم ~~سلطانه، فلا يحد جزاؤه، وقيل: كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا لله ~~من هذا. وقال قتادة: لما خرج أهل حروراء قال علي رضي الله عنه: من هؤلاء؟ ~~قيل: المحكمون. أي يقولون: لا حكم إلا لله، فقال علي رضي الله عنه: كلمة ~~حق أريد بها باطل. # { هو الذى يريكم ءايته } من الريح والسحاب والرعد والبرق ~~والصواعق ونحوها { وينزل لكم من السماء } وبالتخفيف: مكي ~~وبصري { رزقا } مطرا؛ لأنه سبب الرزق { وما يتذكر إلا من ~~ينيب } وما يتعظ ms1254 وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى ~~الله، فإن المعاند لا يتذكر ولا يتعظ، ثم قال للمنيبين: { فادعوا ~~الله } فاعبدوه { مخلصين له الدين } من الشرك { ولو ~~كره الكفرون } وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم { ~~رفيع الدرجت ذو العرش يلقى الروح } ثلاثة أخبار ~~لقوله هو مرتبة على قوله: { الذى يريكم }. أو أخبار مبتدأ محذوف، ومعنى ~~رفيع الدرجات رافع السماوات بعضها فوق بعض، أو رافع درجات عباده في ~~الدنيا بالمنزلة، أو رافع منازلهم في الجنة. # وذو العرش مالك عرشه الذي فوق السماوات خلقه مطافا للملائكة إظهارا ~~لعظمته مع استغنائه في مملكته، والروح جبريل عليه السلام، أو الوحي الذي ~~تحيا به القلوب { من أمره } من أجل أمره أو بأمره { على من ~~يشآء من عباده لينذر } أي الله أو الملقى عليه وهو النبي ~~عليه السلام ويدل عليه قراءة يعقوب { لتنذر } { يوم التلاق } ~~يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والأولون والآخرون. { ~~التلاقي }: مكي ويعقوب { يوم هم برزون } ظاهرون لا يسترهم شيء ~~من جبل أو أكمة أو بناء { لا يخفى على الله منهم شىء } ~~أي من أعمالهم وأحوالهم { لمن الملك اليوم } أي يقول الله ~~تعالى ذلك حين لا أحد يجيبه، ثم يجيب نفسه بقوله { لله الواحد ~~القهار } أي الذي قهر الخلق بالموت، وينتصب { اليوم } بمدلول { ~~لمن } أي لمن ثبت الملك في هذا اليوم، وقيل: ينادي مناد فيقول: لمن ~~الملك اليوم فيجيبه أهل المحشر: لله الواحد القهار. # { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم ~~اليوم إن الله سريع الحساب } لما قرر أن الملك لله وحده ~~في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك وهي أن كل نفس تجزى بما كسبت عملت في الدنيا ~~من خير وشر، وأن الظلم مأمون منه لأنه ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا ~~يبطيء لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو ~~أسرع الحاسبين { وأنذرهم يوم الآزفة } أي القيامة سميت بها ~~لأزوفها أي لقربها، ويبدل من يوم الآزفة { إذ القلوب ms1255 لدى ~~الحناجر } أي التراقي يعني ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم ~~فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا { ~~كظمين } ممسكين بحناجرهم. من كظم القربة شد رأسها، وهو حال من ~~القلوب محمول على أصحابها، أو إنما جمع الكاظم جمع السلامة لأنه وصفها ~~بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء { ما للظلمين } الكافرين { ~~من حميم } محب مشفق { ولا شفيع يطاع } أي يشفع وهو مجاز عن ~~الطاعة، لأن الطاعة حقيقة لا تكون إلا لمن فوقك، والمراد نفي الشفاعة ~~والطاعة كما في قوله: # ولا ترى الضب بها ينجحر # يريد نفي الضب وانجحاره، وإن احتمل اللفظ انتفاء الطاعة دون الشفاعة، ~~فعن الحسن: والله ما يكون لهم شفيع البتة. { يعلم خآئنة ~~الأعين } مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة والمراد استراق ~~النظر إلى ما لا يحل { وما تخفى الصدور } وما تسره من أمانة ~~وخيانة، وقيل: هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة مسارقة، ثم يتفكر بقلبه في ~~جمالها ولا يعلم بنظرته وفكرته من بحضرته، والله يعلم ذلك كله ويعلم ~~خائنة الأعين خبر من أخبار هو في قوله: { هو الذى يريكم ~~ءايته }. # مثل { يلقى الروح } ولكن يلقي الروح قد علل بقوله: { لينذر ~~يوم التلاق } ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله { ولا ~~شفيع يطاع } فبعد لذلك عن أخواته { والله يقضى بالحق } ~~أي والذي هذه صفاته لا يحكم إلا بالعدل { والذين يدعون من ~~دونه لا يقضون بشىء } وآلهتهم لا يقضون بشيء، وهذا تهكم بهم ~~لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي. { تدعون } نافع ~~{ إن الله هو السميع البصير } تقرير لقوله { يعلم ~~خائنة الأعين وما تخفى الصدور } ، ووعيد لهم بأنه يسمع ~~ما يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دونه ~~وأنها لا تسمع ولا تبصر { أو لم يسيروا فى الأرض ~~فينظروا كيف كان عقبة الذين كانوا من قبلهم ~~} أي آخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلهم { كانوا هم أشد ~~منهم قوة } «هم» فصل، وحقه أن يقع بين معرفتين إلا ms1256 أن أشد منهم ~~ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام، فأجري مجراه. { منكم }: ~~شامي. { وءاثارا فى الأرض } أي حصونا وقصورا { فأخذهم ~~الله بذنوبهم } عاقبهم بسبب ذنوبهم { وما كان لهم من ~~الله من واق } ولم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله. ### || [40.22-34] # { ذلك بأنهم } أي الأخذ بسبب أنهم { كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينت فكفروا فأخذهم الله إنه ~~قوى } قادر على كل شيء { شديد العقاب } إذا عاقب. { ولقد ~~أرسلنا موسى بئايتنا } التسع { وسلطن مبين } ~~وحجة ظاهرة { إلى فرعون وهمن وقرون فقالوا } هو ~~{ سحر كذاب } فسموا السلطان المبين سحرا وكذبا { فلما ~~جآءهم بالحق } بالنبوة { من عندنا قالوا اقتلوا ~~أبنآء الذين ءامنوا معه } أي أعيدوا عليهم القتل كالذي ~~كان أولا { واستحيوا نسآءهم } للخدمة { وما كيد ~~الكفرين إلا فى ضلل } ضياع يعني أنهم باشروا قتلهم أولا ~~فما أغنى عنهم!، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه فما يغني عنهم هذا القتل ~~الثاني، وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان، فلما بعث موسى عليه السلام ~~وأحس بأنه قد وقع أعاده عليهم غيظا وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة ~~موسى عليه السلام، وما علم أن كيده ضائع في الكرتين جميعا { وقال ~~فرعون } لملئه { ذرونى أقتل موسى } كان إذا هم بقتله ~~كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه وهو أقل من ذلك، وما هو إلا ساحر، وإذا ~~قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة، ~~والظاهر أن فرعون قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ~~ولكن كان فيه خب وكان قتالا سفاكا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من ~~أحس بأنه هو الذي يهدم ملكه؟، ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل ~~بالهلاك، وقوله { وليدع ربه } شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن ~~دعوته ربه، وكان قوله: { ذرونى أقتل موسى } تمويها على قومه ~~وإيهاما أنهم هم الذين يكفونه وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع ~~{ إنى أخاف } إن لم أقتله { أن يبدل دينكم } أن يغير ما ms1257 ~~أنتم عليه. وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام { أو أن يظهر } موسى { ~~فى الأرض الفساد } بضم الياء ونصب الدال: مدني وبصري وحفص، ~~وغيرهم بفتح الياء ورفع الدال، والأول أولى لموافقة { يبدل }. والفساد في ~~الأرض التقاتل والتهايج الذي يذهب معه الأمن، وتتعطل المزارع والمكاسب ~~والمعايش ويهلك الناس قتلا وضياعا كأنه قال: إني أخاف أن يفسد عليكم ~~دينكم بدعوتكم إلى دينه أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه، ~~وقرأ غير أهل الكوفة { وأن } ، ومعناه إني أخاف فساد دينكم ودنياكم ~~معا. { وقال موسى } لما سمع بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه { ~~إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب } وفي قوله { وربكم } بعث لهم على أن ~~يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال { ~~من كل متكبر } لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون ~~على طريقة التعريض فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر الاستكبارعن الاذعان للحق ~~وهو أقبح استكبار، وأدل على دناءة صاحبه وعلى فرط ظلمه، وقال: { لا ~~يؤمن بيوم الحساب }: لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر ~~والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة ~~والجراءة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها، وعذت ولذت أخوان. # { وعت } بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي. # { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم ~~إيمنه } قيل: كان قبطيا ابن عم لفرعون آمن بموسى سرا، و { من ~~ءال فرعون } صفة ل { رجل } ، وقيل: كان إسرائيليا ومن آل ~~فرعون صلة ليكتم أي يكتم إيمانه من آل فرعون واسمه سمعان أو حبيب أو ~~خربيل أو حزبيل، والظاهر الأول { أتقتلون رجلا أن يقول } ~~لأن يقول وهذا إنكار منه عظيم كأنه قيل: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي ~~قتل نفس محرمة وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق؟، وهي قوله { ~~ربى الله } وهو ربكم أيضا لا ربه وحده { وقد جآءكم } ~~الجملة حال { بالبينت من ربكم } يعني أنه لم يحضر لتصحيح ~~قوله ببينة واحدة ولكن ببينات من عند من نسب إليه الربوبية وهو استدراج ~~لهم إلى الاعتراف به ms1258 { وإن يك كذبا فعليه كذبه وإن ~~يك صدقا يصبكم بعض الذى يعدكم } احتج عليهم بطريق ~~التقسيم فإنه لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا، فإن يك كاذبا فعليه ~~وبال كذبه ولا يتخطاه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب، ~~ولم يقل «كل الذي يعدكم» مع أنه وعد من نبي صادق القول مداراة لهم ~~وسلوكا لطريق الإنصاف فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له وليس فيه نفي ~~إصابة الكل، فكأنه قال لهم: أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض ما يعدكم ~~وهو العذاب العاجل وفي ذلك هلاككم، وكان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة، ~~وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل أيضا، وتفسير البعض بالكل مزيف ~~{ إن الله لا يهدى من هو مسرف } مجاوز للحد { كذاب ~~} في ادعائه، وهذا أيضا من باب المجاملة، والمعنى أنه إن كان مسرفا ~~كذابا خذله الله وأهلكه فتتخلصون منه، أو لو كان مسرفا كذابا لما هداه ~~الله بالنبوة ولما عضده بالبينات، وقيل: أو هم أنه عنى بالمسرف موسى وهو ~~يعني به فرعون. # { يقوم لكم الملك اليوم ظهرين } عالين وهو حال من ~~«كم» في { لكم } { فى الأرض } في أرض مصر { فمن ينصرنا من ~~بأس الله إن جآءنا } يعني أن لكم ملك مصر، وقد علوتم الناس ~~وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم، ولا تتعرضوا لبأس الله أي ~~عذابه، فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم ولا يمنعكم منه أحد، وقال { ~~ينصرنا } و { جاءنا } لأنه منهم في القرابة، وليعلمهم بأن الذي ~~ينصحهم به هو مساهم لهم فيه { قال فرعون ما أريكم إلا مآ ~~أرى } أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله يعني لا أستصوب إلا ~~قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب { وما أهديكم } بهذا الرأي { ~~إلا سبيل الرشاد } طريق الصواب والصلاح، أو ما أعلمكم إلا ما ~~أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئا ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر. # يعني أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب فقد كان مستشعرا ~~للخوف الشديد ms1259 من جهة موسى عليه السلام، ولكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره ~~لم يستشر أحدا ولم يقف الأمر على الإشارة. # { وقال الذى ءامن يقوم إنى أخاف عليكم مثل ~~يوم الأحزاب } أي مثل أيامهم: لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم ~~بقوله { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم } ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار اقتصر على الواحد ~~من الجمع، ودأب هؤلاء دءوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي ~~وكون ذلك دائبا دائما منهم لا يفترون عنه، ولا بد من حذف مضاف، أي مثل ~~جزاء دأبهم، وانتصاب { مثل } الثاني بأنه عطف بيان ل { مثل } الأول { ~~وما الله يريد ظلما للعباد } أي وما يريد الله أن يظلم ~~عباده فيعذبهم بغير ذنب أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب. يعني أن ~~تدميرهم كان عدلا لأنهم استحقوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله: # وما ربك بظلم للعبيد # [فصلت: 46] حيث جعل المنفي إرادة ظلم منكر ومن بعد عن إرادة ظلم ما ~~لعباده كان عن الظلم أبعد وأبعد، وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن ~~يظلموا بعيد، لأن أهل اللغة قالوا: إذا قال الرجل لآخر «لا أريد ظلما ~~لك» معناه لا أريد أن أظلمك، وهذا تخويف بعذاب الدنيا. # ثم خوفهم من عذاب الآخرة بقوله { ويقوم إنى أخاف عليكم ~~يوم التناد } أي يوم القيامة. { التنادي } مكي ويعقوب في الحالين ~~وإثبات الياء هو الأصل وحذفها حسن لأن الكسرة تدل على الياء وآخر هذه ~~الآي على الدال، وهو ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف: # ونادى أصحب الجنة أصحب النار # [الآية: 44]. # ونادى أصحب النار أصحب الجنة # [الأعراف: 50]. # ونادى أصحب الأعراف # [الآية: 48]. وقيل: ينادي مناد: ألا إن فلانا سعد سعادة لا يشقى بعدها ~~أبدا، ألا إن فلانا شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا { يوم تولون ~~مدبرين } منحرفين عن موقف الحساب إلى النار { مالكم من ~~الله } من عذاب الله { من عاصم } مانع ودافع { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } مرشد { ولقد جآءكم يوسف من ~~قبل بالبينت ms1260 } هو يوسف بن يعقوب، وقيل: يوسف بن أفراييم بن ~~يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيا عشرين سنة، وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون ~~يوسف إلى زمنه. # وقيل: هو فرعون آخر وبخهم بأن يوسف أتاكم من قبل موسى بالمعجزات { فما ~~زلتم فى شك مما جآءكم به } فشككتم فيها ولم تزالوا ~~شاكين { حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا } حكما من عند أنفسكم من غير برهان. أي أقمتم على ~~كفركم وظننتم أنه لا يجدد عليكم إيجاب الحجة { كذلك يضل الله ~~من هو مسرف مرتاب } أي مثل هذا الإضلال يضل الله كل مسرف في ~~عصيانه مرتاب شاك في دينه. ### || [40.35-51] # { الذين يجدلون } بدل من { من هو مسرف } وجاز إبداله ~~منه وهو جمع لأنه لا يريد مسرفا واحدا بل كل مسرف { فى ءايت الله ~~} في دفعها وإبطالها { بغير سلطن } حجة { أتهم كبر ~~مقتا } أي عظم بغضا، وفاعل { كبر } ضمير { من هو مسرف } ~~وهو جمع معنى وموحد لفظا فحمل البدل على معناه والضمير الراجع إليه على ~~لفظه، ويجوز أن يرفع { الذين } على الابتداء، ولا بد في هذا الوجه من ~~حذف مضاف يرجع إليه الضمير في { كبر } تقديره جدال الذين يجادلون كبر ~~مقتا { عند الله وعند الذين ءامنوا كذلك يطبع ~~الله على كل قلب متكبر جبار }. { قلب } ~~بالتنوين: أبو عمرو. وإنما وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كما ~~تقول: سمعت الأذن وهو كقوله: # فإنه آثم قلبه # [البقرة:283] وإن كان الآثم هو الجملة. # { وقال فرعون } تمويها على قومه أو جهلا منه { يهمن ~~ابن لى صرحا } أي قصرا. وقيل الصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى ~~على الناظر وإن بعد، ومنه يقال: صرح الشيء إذا ظهر { لعلى } وبفتح ~~الياء: حجازي وشامي وأبو عمرو { أبلغ الأسبب } ثم أبدل منها ~~تفخيما لشأنها وإبانة أنه يقصد أمرا عظيما { أسبب السموت ~~} أي طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه ~~كالرشاء ونحوه { فأطلع } بالنصب: حفص على جواب الترجي تشبيها ~~للترجي بالتمني. وغيره بالرفع عطفا على ms1261 { أبلغ } { إلى إله ~~موسى } والمعنى فأنظر إليه { وإنى لأظنه } أي موسى { ~~كذبا } في قوله له إله غيري { وكذلك } ومثل ذلك التزيين وذلك ~~الصد { زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } ~~المستقيم. وبفتح الصاد: كوفي ويعقوب أي غيره صدا أو هو بنفسه صدودا. ~~والمزين الشيطان بوسوسته كقوله: # وزين لهم الشيطن أعملهم فصدهم عن ~~السبيل # [النمل: 24]. أو الله تعالى، ومثله: # زينا لهم أعملهم فهم يعمهون # [النمل: 4] { وما كيد فرعون إلا فى تباب } خسران ~~وهلاك. # { وقال الذى ءامن يقوم اتبعون } { اتبعوني } في ~~الحالين: مكي ويعقوب وسهل. { أهدكم سبيل الرشاد } وهو ~~نقيض الغي، وفيه تعريض شبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي. ~~أجمل أولا، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها بقوله { يقوم ~~إنما هذه الحيوة الدنيا متع } تمتع يسير، ~~فالإخلاد إليها أصل الشر ومنبع الفتن وثنى بتعظيم الآخرة وبين أنها هي ~~الوطن والمستقر بقوله { وإن الآخرة هى دار القرار } ثم ~~ذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف ~~بقوله: # { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن ~~عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب } { يدخلون } مكي وبصري ويزيد وأبو بكر، ثم وازن بين الدعوتين ~~دعوته إلى دين الله الذي ثمرته الجنات، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي ~~عاقبته النار بقوله { ويقوم مالي } وبفتح الياء: حجازي وأبو عمرو ~~{ أدعوكم إلى النجاوة } أي الجنة { وتدعوننى إلى ~~النار تدعوننى لأكفر بالله } هو بدل من { تدعوننى } ~~الأول يقال: دعاه إلى كذا ودعاه له كما يقال هداه إلى الطريق وهداه له { ~~وأشرك به ما ليس لى به علم } أي بربوبيته والمراد بنفي ~~العلم نفي المعلوم كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يصح ~~أن يعلم إلها { وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار } ~~وهو الله سبحانه وتعالى، وتكرير النداء لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن ~~سنة الغفلة، وفيه أنهم قومه وأنه من آل فرعون. # وجيء بالواو في النداء الثالث دون الثاني، لأن الثاني ms1262 داخل على كلام هو ~~بيان للمجمل وتفسير له بخلاف الثالث. # { لا جرم } عند البصريين لا رد لما دعاه إليه قومه، و «جرم» فعل ~~بمعنى حق و «أن» مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته { أنما ~~تدعوننى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى ~~الآخرة } معناه أن تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط أي من حق ~~المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته، وما تدعون إليه وإلى عبادته لا ~~يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية، أو معناه ليس له استجابة دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة أو دعوة مستجابة، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ~~ولا منفعة كلا دعوة، أو سميت الاستجابة باسم الدعوة كما سمي الفعل ~~المجازي عليه بالجزاء في قوله: «كما تدين تدان» { وأن مردنا ~~إلى الله } وأن رجوعنا إليه { وأن المسرفين } وأن ~~المشركين { هم أصحب النار فستذكرون ما أقول ~~لكم } أي من النصيحة عند نزول العذاب { وأفوض } وأسلم { ~~أمرى } وبفتح الياء: مدني وأبو عمرو { إلى الله } لأنهم توعدوه { ~~إن الله بصير بالعباد } بأعمالهم ومالهم { فوقاه ~~الله سيئات ما مكروا } شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق ~~أنواع العذاب بمن خالفهم، وقيل: إنه خرج من عندهم هاربا إلى جبل فبعث ~~قريبا من ألف في طلبه فمنهم من أكلته السباع ومن رجع منهم صلبه فرعون { ~~وحاق } ونزل. # { بأل فرعون سوء العذاب النار } بدل من { سوء ~~العذاب } أو خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو ~~النار، أو مبتدأ خبره { يعرضون عليها } وعرضهم عليها إحراقهم ~~بها يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به. # { غدوا وعشيا } أي في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ~~ذلك إما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفس عنهم، ويجوز أن يكون غدوا وعشيا ~~عبارة عن الدوام هذا في الدنيا { ويوم تقوم الساعة } يقال ~~لخزنة جهنم { أدخلوا ءال فرعون } من الإدخال: مدني وحمزة وعلي ~~وحفص وخلف ويعقوب، وغيرهم { أدخلوا } أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون { ~~أشد ms1263 العذاب } أي عذاب جهنم، وهذه الآية دليل على عذاب القبر. { ~~وإذ يتحآجون } واذكر وقت تخاصمهم { فى النار فيقول ~~الضعفؤا للذين استكبروا } يعني الرؤساء { إنا كنا ~~لكم تبعا } تباعا كخدم في جمع خادم { فهل أنتم مغنون } ~~دافعون { عنا نصيبا } جزاء { من النار قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيها } التنوين عوض من المضاف إليه أي إنا ~~كلنا فيها لا يغني أحد عن أحد { إن الله قد حكم بين ~~العباد } قضى بينهم بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار { ~~وقال الذين فى النار لخزنة جهنم } للقوام بتعذيب ~~أهلها. وإنما لم يقل «لخزنتها» لأن في ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا، ويحتمل ~~أن جهنم هي أبعد النار قعرا من قولهم «بئر جهنام» بعيدة القعر وفيها ~~أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة ~~لزيادة قربهم من الله تعالى فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم { ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما } بقدر يوم من الدنيا { ~~من العذاب قالوا } أي الخزنة توبيخا لهم بعد مدة طويلة { ~~أولم تك } أي ولم تك قصة، وقوله { تأتيكم رسلكم } تفسير ~~للقصة { بالبينت } بالمعجزات { قالوا } أي الكفار { بلى ~~قالوا } أي الخزنة تهكما بهم { فادعوا } أنتم ولا استجابة ~~لدعائكم { وما دعؤا الكفرين إلا فى ضلل } بطلان ~~وهو من قول الله تعالى، ويحتمل أن يكون من كلام الخزنة. # { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا فى الحيوة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهد } أي في الدنيا والآخرة يعني ~~أنه يغلبهم في الدارين جميعا بالحجة والظفر على مخالفيهم وإن غلبوا في ~~الدنيا في بعض الأحايين امتحانا من الله والعاقبة لهم، ويتيح الله من ~~يقتص من أعدائهم ولو بعد حين. و { يوم } نصب محمول على موضع الجار ~~والمجرور كما تقول جئتك في أمس واليوم، والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب ~~يريد الأنبياء والحفظة، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة ~~بالتكذيب والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال. { تقوم } ~~بالتاء: الرازي عن هشام ### || [40.52-77] # { يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم } هذا بدل من { ~~يوم يقوم } أي لا يقبل ms1264 عذرهم. { لا ينفع } كوفي ونافع { ~~ولهم اللعنة } البعد من رحمة الله { ولهم سوء الدار } ~~أي سوء دار الآخرة وهو عذابها { ولقد ءاتينا موسى الهدى } ~~يريد به جميع ما أتى به في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع { ~~وأورثنا بنى إسرءيل الكتب } أي التوراة والإنجيل ~~والزبور لأن الكتاب جنس أي تركنا الكتاب من بعد هذا إلى هذا { هدى ~~وذكرى } إرشادا وتذكرة، وانتصابهما على المفعول له أو على الحال { ~~لأولى الألبب } لذوي العقول. { فاصبر } على ما يجرعك قومك ~~من الغصص { إن وعد الله حق } يعني إن ما سبق به وعدي من ~~نصرتك وإعلاء كلمتك حق { واستغفر لذنبك } أي لذنب أمتك { ~~وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار } أي دم على ~~عبادة ربك والثناء عليه. وقيل: هما صلاتا العصر والفجر. وقيل: قل سبحان ~~الله وبحمده. { إن الذين يجدلون فى ءايت الله ~~بغير سلطن أتهم } لا وقف عليه لأن خبر «إن» { إن فى ~~صدورهم إلا كبر } تعظم وهو إرادة التقدم والرياسة وأن لا يكون ~~أحد فوقهم، فلهذا عادوك ودفعوا آياتك خيفة أن تتقدمهم ويكونوا تحت يدك ~~وأمرك ونهيك لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة، أو إرادة أن تكون لهم ~~النبوة دونك حسدا وبغيا وبدل عليه قوله: # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # [الأحقاف: 11] أو إرادة دفع الآيات بالجدل { ما هم ببلغيه } ~~ببالغي موجب الكبر ومقتضيه وهو متعلق إرادتهم من الرياسة أو النبوة أو ~~دفع الآيات { فاستعذ بالله } فالتجيء إليه من كيد من يحسدك ~~ويبغي عليك { إنه هو السميع } لم تقول ويقولون { البصير } ~~بما تعمل ويعملون فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرهم. # { لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس } ~~لما كانت مجادلتهم في آيات الله مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل ~~المجادلة ومدارها حجوا بخلق السماوات الأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله ~~خالقها فإن من قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان مع مهانته ~~أقدر. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } لأنهم لا ~~يتأملون لغلبة الغفلة عليهم. { وما يستوى الأعمى والبصير ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ولا ms1265 المسىء } ~~«لا» زائدة { قليلا ما تتذكرون } تتعظون بتاءين: كوفي، ~~وبياء وتاء: غيرهم، و { قليلا } صفة مصدر محذوف أي تذكرا قليلا ~~يتذكرون و«ما» صلة زائدة. { إن الساعة لآتية لا ريب ~~فيها } لا بد من مجيئها وليس بمرتاب فيها لأنه لا بد من جزاء لئلا يكون ~~خلق الخلق للفناء خاصة { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~} لا يصدقون بها { وقال ربكم ادعونى } اعبدوني { أستجب ~~لكم } أثبكم فالدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ويدل عليه قوله { ~~إن الذين يستكبرون عن عبادتى } وقال عليه السلام: # " الدعاء هو العبادة " # وقرأ هذه الآية صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~وحدوني أغفر لكم وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد. وقيل: ~~سلوني أعطكم { سيدخلون جهنم } { سيدخلون } مكي وأبو عمرو. { ~~دخرين } صاغرين. # { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا } هو من الإسناد المجازي أي مبصرا فيه لأن ~~الإبصار في الحقيقة لأهل النهار. وقرن { اليل } بالمفعول له و { ~~النهار } بالحال ولم يكونا حالين أو مفعولا لهما رعاية لحق المقابلة ~~لأنهما متقابلان معنى، لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر، ولأنه لو قيل ~~لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي، ولو قيل ساكنا لم ~~تتميز الحقيقة من المجاز إذ الليل يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى ~~قولهم ليل ساج أي ساكن لا ريح فيه { إن الله لذو فضل على ~~الناس } ولم يقل لمفضل أو لمتفضل لأن المراد تنكير الفضل وأن يجعل ~~فضلا لا يوازيه فضل وذلك إنما يكون بالإضافة { ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون } ولم يقل «ولكن أكثرهم» حتى لا يتكرر ذكر ~~الناس لأن في هذا التكرير تخصيصا لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين ~~يكفرون فضل الله ولا يشكرونه كقوله: # إن الإنسن لكفور # [الحج: 66]. وقوله: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. # { ذلكم } الذي خلق لكم الليل والنهار { الله ربكم خلق ~~كل شىء لا إله إلا هو } أخبار مترادفة أي هو الجامع ~~لهذه الأوصاف من الربوبية والإلهية وخلق كل شيء والوحدانية { فأنى ~~تؤفكون } فكيف ومن ms1266 أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان؟ { ~~كذلك يؤفك الذين كانوا بئايت الله يجحدون ~~} أي كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يطلب الحق أفك كما أفكوا. # { الله الذى جعل لكم الأرض قرارا } مستقرا { ~~والسمآء بناء } سقفا فوقكم { وصوركم فأحسن ~~صوركم } قيل: لم يخلق حيوانا أحسن صورة من الإنسان. وقيل: لم ~~يخلقهم منكوسين كالبهائم { ورزقكم من الطيبات } اللذيذات { ~~ذلكم الله ربكم فتبرك الله رب العلمين ~~هو الحى لا إله إلا هو فادعوه } فاعبدوه { ~~مخلصين له الدين } أي الطاعة من الشرك والرياء قائلين { ~~الحمد لله رب العلمين } وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين. ولما طلب ~~الكفار منه عليه السلام عبادة الأوثان نزل { قل إنى نهيت أن ~~أعبد الذين تدعون من دون الله لما جآءنى ~~البينت من ربى } هي القرآن وقيل العقل والوحي { وأمرت ~~أن أسلم } أستقيم وأنقاد { لرب العلمين هو الذى ~~خلقكم } أي أصلكم { من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا } اقتصر على الواحد لأن المراد بيان ~~الجنس { ثم لتبلغوا أشدكم } متعلق بمحذوف تقديره ثم ~~يبقيكم لتبلغوا وكذلك { ثم لتكونوا شيوخا } وبكسر الشين: مكي ~~وحمزة وعلي وحماد ويحيى والأعشى { ومنكم من يتوفى من ~~قبل } أي من قبل بلوغ الأشد أو من قبل الشيوخة { ولتبلغوا ~~أجلا مسمى } معناه ويفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وهو وقت الموت ~~أو يوم القيامة { ولعلكم تعقلون } ما في ذلك من العبر ~~والحجج { هو الذى يحيى ويميت فإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون } أي فإنما يكونه سريعا من غير ~~كلفة. # { ألم تر إلى الذين يجدلون فى ءايت الله ~~أنى يصرفون } ذكر الجدال في هذه السورة في ثلاثة مواضع فجاز أن ~~يكون في ثلاثة أقوام أو ثلاثة أصناف أو للتأكيد { الذين كذبوا ~~بالكتب } بالقرآن { وبمآ أرسلنا به رسلنا } من ~~الكتاب { فسوف يعلمون إذ الاغلل فى أعنقهم } ~~«إذا» ظرف زمان ماض والمراد به هنا الاستقبال كقوله: { فسوف ~~يعلمون } وهذا ms1267 لأن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى ~~مقطوعا بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال { ~~والسلسل } عطف على { الأغلل } والخبر { فى أعنقهم } ~~والمعنى إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم { يسحبون فى الحميم } ~~يجرون في الماء الحار { ثم فى النار يسجرون } من سجر التنور ~~إذا ملأه بالوقود ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بالنار ~~مملوءة بها أجوافهم { ثم قيل لهم } أي تقول لهم الخزنة { أين ~~ما كنتم تشركون من دون الله } يعني الأصنام التي تعبدونها ~~{ قالوا ضلوا عنا } غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا ننتفع بهم ~~{ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أي تبين لنا أنهم لم ~~يكونوا شيئا وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا كما تقول: حسبت أن فلانا شيء ~~فإذا هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيرا. { كذلك يضل ~~الله الكفرين } مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلون عن آلهتهم حتى لو ~~طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا، أو كما أضل هؤلاء المجادلين ~~يضل سائر الكافرين الذين علم منهم اختيار الضلالة على الدين { ذلكم } ~~العذاب الذي نزل بكم { بما كنتم تفرحون فى الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تمرحون } بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح ~~بغير الحق وهو الشرك وعبادة الأوثان فيقال لهم { ادخلوا أبوب ~~جهنم } السبعة المقسومة لكم. # قال الله تعالى: # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم # [الحجر: 44]. { خلدين فيها } مقدرين الخلود { فبئس مثوى ~~المتكبرين } عن الحق جهنم { فاصبر } يا محمد { إن وعد ~~الله } بإهلاك الكفار { حق } كائن { فإما نرينك } أصله ~~فإن نريك و«ما» مزيدة لتوكيد معنى الشرط ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ~~تراك لا تقول إن تكرمني أكرمك ولكن إما تكرمني أكرمك { بعض الذى ~~نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون } هذا الجزاء ~~متعلق ب { نتوفينك } وجزاء { نرينك } محذوف وتقديره وإما ~~نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب وهو القتل يوم بدر فذاك، أو إن نتوفينك ~~قبل يوم بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام. ### || [40.78-85] # { ولقد أرسلنا ms1268 رسلا من قبلك } إلى أممهم { منهم ~~من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } قيل: ~~بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من ~~سائر الناس. وعن علي رضي الله عنه: إن الله تعالى بعث نبيا أسود فهو ممن ~~لم تذكر قصته في القرآن { وما كان لرسول أن يأتى بئاية ~~إلا بإذن الله } وهذا جواب اقتراحهم الآيات عنادا يعني إنا قد ~~أرسلنا كثيرا من الرسل وما كان لواحد منهم أن يأتي بآية إلا بإذن الله ~~فمن أين لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء الله ويأذن في الإتيان ~~بها؟ { فإذا جآء أمر الله } أي يوم القيامة وهو وعيد ورد ~~عقيب اقتراحهم الآيات { قضى بالحق وخسر هنالك ~~المبطلون } المعاندون الذين اقترحوا الآيات عنادا. # { الله الذى جعل } خلق { لكم الأنعم } الإبل { ~~لتركبوا منها ومنها تأكلون } أي لتركبوا بعضها ~~وتأكلوا بعضها { ولكم فيها منفع } أي الألبان والأوبار { ~~ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم } أي لتبلغوا عليها ~~ما تحتاجون إليه من الأمور { وعليها } وعلى الأنعام { وعلى ~~الفلك تحملون } أي على الأنعام وحدها لا تحملون ولكن عليها وعلى ~~الفلك في البر والبحر { ويريكم ءايته فأى ءايت ~~الله تنكرون } أنها من عند الله. و { أي } نصب ب { تنكرون } ~~وقد جاءت على اللغة المستفيضة. وقولك «فأية آيات الله» قليل لأن التفرقة ~~بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهي في ~~«أي» أغرب لإبهامه { أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا ~~كيف كان عقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر ~~منهم } عددا { وأشد قوة } بدنا { وءاثارا فى ~~الأرض } قصورا ومصانع. { فمآ أغنى عنهم } «ما» نافية { ~~ما كانوا يكسبون فلما جآءتهم رسلهم ~~بالبينت فرحوا بما عندهم من العلم } يريد ~~علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال # يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غفلون # [الروم: 7] فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات وهي أبعد شيء من علمهم ~~لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات، لم يلتفتوا إليها ~~وصغروها واستهزءوا بها واعتقدوا أنه ms1269 لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ~~ففرحوا به، أو علم الفلاسفة والدهريين فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله ~~دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط أنه سمع بموسى عليه ~~السلام وقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من ~~يهذبنا، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به ~~كأنه قال: استهزءوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين، ~~ويدل عليه قوله { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } أو ~~الفرح للرسل أي الرسل لما رأوا جهلهم واستهزاءهم بالحق وعلموا سوء ~~عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم. # { فلما رأوا بأسنا } شدة عذابنا { قالوا ءامنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم ~~يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا } أي فلم يصح ~~ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم { سنت الله } بمنزلة وعد الله ونحوه ~~من المصادر المؤكدة { التى قد خلت فى عباده } أن الإيمان ~~عند نزول العذاب لا ينفع وأن العذاب نازل بمكذبي الرسل { وخسر ~~هنالك الكفرون } هنالك مكان مستعار للزمان والكافرون خاسرون ~~في كل أوان، ولكن يتبين خسرانهم إذا عاينوا العذاب، وفائدة ترادف الفاءات ~~في هذه الآيات أن { فما أغنى عنهم } نتيجة قوله { كانوا ~~أكثر منهم } و { فلما جاءتهم رسلهم } كالبيان ~~والتفسير لقوله { فما أغنى عنهم } كقولك رزق زيد المال فمنع ~~المعروف فلم يحسن إلى الفقراء، و { فلما رأوا بأسنا } تابع ~~لقوله { فلما جاءتهم } كأنه قال: فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا، ~~وكذلك { فلم يك ينفعهم إيمنهم } تابع لإيمانهم لما رأوا ~~بأس الله، والله أعلم. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-10] # { حم } إن جعلته اسما للسورة كان مبتدأ { تنزيل } خبره، وإن جعلته ~~تعديدا للحروف كان { تنزيل } خبرا لمبتدأ محذوف و { كتاب } بدل من ~~{ تنزيل } أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف أو { تنزيل } مبتدأ { ~~من الرحمن الرحيم } صفته { كتاب } خبره { فصلت ~~ءايته } ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ ~~ووعد ووعيد وغير ذلك { قرءانا عربيا } نصب ms1270 على الاختصاص والمدح ~~أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت، أو على الحال أي ~~فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا { لقوم يعلمون } أي لقوم ~~عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي. و { ~~لقوم } يتعلق ب { تنزيل } أو ب { فصلت } أي تنزيل من الله ~~لأجلهم أو فصلت آياته لهم، والأظهر أن يكون صفته مثل ما قبله وما بعده أي ~~قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب { بشيرا ونذيرا } صفتان ل { ~~قرءانا } { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } أي لا ~~يقبلون من قولك «تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي» ولقد سمعه ولكنه لما لم ~~يقبله ولم يعمل بمقتضاه فكأنه لم يسمعه. # { وقالوا قلوبنا فى أكنة } أغطية جمع كنان وهو الغطاء { ~~مما تدعونا إليه } من التوحيد { وفى ءاذاننا وقر } ~~ثقل يمنع من استماع قولك { ومن بيننا وبينك حجاب } ستر. ~~وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده كأنها في غلف وأغطية ~~تمنع من نفوذه فيها ومج إسماعهم له كأنه بها صمما عنه، ولتباعد المذهبين ~~والدينين كأن بينهم وماهم عليه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو ~~عليه حجابا ساترا وحاجزا منيعا من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي { ~~فاعمل } على دينك { إننا عملون } على ديننا أو فاعمل في ~~إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك. وفائدة زيادة «من» أن الحجاب ~~ابتداء منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب ~~لا فراغ فيها، ولو قيل بينا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجابا حاصل وسط ~~الجهتين. # { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله واحد } هذا جواب لقولهم { قلوبنا فى ~~أكنة } ووجهه أنه قال لهم: إني لست بملك وإنما أنا بشر مثلكم وقد ~~أوحي إلي دونكم فصحت نبوتي بالوحي إلي وأنا بشر، وإذا صحت نبوتي وجب ~~عليكم اتباعي وفيما يوحى إلي أن إلهكم إله واحد { فاستقيموا ~~إليه } فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يمينا ولا ~~شمالا ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان ms1271 من اتخاذ الأولياء والشفعاء ~~{ واستغفروه } من الشرك { وويل للمشركين الذين ~~لا يؤتون الزكوة } لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها أو لا ~~يفعلون ما يكونون به أزكياء وهو الإيمان { وهم بالآخرة } بالبعث ~~والثواب والعقاب { هم كفرون } وإنما جعل منع الزكاة مقرونا ~~بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بذله ~~في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته وصدق نيته ونصوع طويته، وما ~~خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم، وما ~~ارتدت بنو حنيفة إلا بمنع الزكاة، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة ~~وتخويف شديد من منعها { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لهم أجر غير ممنون } مقطوع. # قيل: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر ~~كأصح ما كانوا يعملون. # { قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى ~~يومين } الأحد والاثنين تعليما للأناة ولو أراد أن يخلقها في لحظة ~~لفعل { وتجعلون له أندادا } شركاء وأشباها { ذلك } الذي ~~خلق ما سبق { رب العلمين } خالق جميع الموجودات وسيدها ومربيها ~~{ وجعل فيها } في الأرض { رواسى } جبالا ثوابت { من ~~فوقها } إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع الجبال ظاهرة ~~لطالبيها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك ~~وهو الله عز وجل { وبرك } بالماء والزرع والشجر والثمر { فيها } ~~وفي الأرض. وقيل: وبارك فيها وأكثر خيرها { وقدر فيهآ أقوتها ~~} أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه { وقسم ~~فيها أقواتها } { فى أربعة أيام } في تتمة أربعة أيام يريد ~~بالتتمة اليومين تقول: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة وإلى الكوفة في ~~خمسة عشر أي تتمة خمسة عشر ولا بد من هذا التقدير، لأنه لو أجرى على ~~الظاهر لكانت ثمانية أيام لأنه قال { خلق الأرض فى يومين } ~~ثم قال { وقدر فيها أقوتها فى أربعة أيام } ثم قال ~~{ فقضاهن سبع سموات فى يومين } فيكون خلاف قوله # في ستة أيام # [ق:38] في موضع آخر، وفي الحديث: # " إن الله تعالى خلق الأرض يوم ms1272 الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم ~~الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب فتلك أربعة ~~أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر ~~والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة " # قيل: هي الساعة التي تقوم فيها القيامة { سوآء } { سوآء }: ~~يعقوب صفة للأيام أي في أربعة أيام مستويات تامات، { سوآء } بالرفع: ~~يزيد أي هي سواء، غيرهماا { سوآء } على المصدر أي استوت سواء أي استواء ~~أو على الحال { للسائلين } متعلق ب { قدر } أي قدر فيها الأقوات ~~لأجل الطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلا يطلب القوت ويسأله، أو ~~بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها. ### || [41.11-21] # { ثم استوى إلى السمآء وهى دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طآئعين } هو مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد، تقول ~~العرب: فعل فلان كذا. ثم استوى إلى عمل كذا يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ ~~الثاني، ويفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض وبه قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما، وعنه أنه قال: أول ما خلق الله تعالى جوهرة طولها وعرضها ~~مسيرة ألف سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت، ~~ثم ثار منها دخان بتسليط النار عليها فارتفع واجتمع زبد فقام فوق الماء ~~فجعل الزبد أرضا والدخان سماء. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان ~~وامتثالهما أنه أراد أن يكونهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما، ~~وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع. وإنما ذكر ~~الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين ~~لأنه قد خلق جرم الأرض أولا غير مدحوة ثم دحاها بعد خلق السماء كما قال: # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات: 30] فالمعنى أن ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل ~~والوصف، ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك وائتي يا سماء مقبية ~~سقفا لهم. ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما تقول أتى عمله ms1273 مرضيا، ~~وقوله { طوعا أو كرها } لبيان تأثير قدرته فيهما وأن امتناعهما ~~من تأثير قدرته محال كما تقول لمن تحت يدك. لتفعلن هذا شئت أو أبيت، ~~ولتفعلنه طوعا أو كرها. وانتصابهما على الحال بمعنى طائعتين أو ~~مكرهتين. وإنما لم يقل طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما ~~سموات وأرضون لأنهن لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بالطوع والكره. قيل: ~~طائعين في موضع طائعات كقوله # سجدين # [يوسف: 4]. { فقضاهن } فأحكم خلقهن. قال: # وعليهما مسرودتان قضاهما # والضمير يرجع إلى السماء لأن السماء للجنس، ويجوز أن يكون ضميرا مبهما ~~مفسرا بقوله { سبع سموت }. # والفرق بين النصبين في { سبع سموات } أن الأول على الحال ~~والثاني على التمييز { فى يومين } في يوم الخميس والجمعة { ~~وأوحى فى كل سمآء أمرها } ما أمر به فيها ودبره من خلق ~~الملائكة والنيران وغير ذلك { وزينآ السمآء الدنيا } ~~القريبة من الأرض { بمصبيح } بكواكب { وحفظا } وحفظناها من ~~المسترقة بالكواكب حفظا { ذلك تقدير العزيز } الغالب غير ~~المغلوب { العليم } بمواقع الأمور. # { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل ~~أنذرتكم } خوفتكم { صعقة } عذابا شديد الوقع كأنه صاعقة ~~وأصلها رعد معه نار { مثل صعقة عاد وثمود إذ ~~جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } أي ~~أتوهم من كل جانب وعملوا فيهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا الإعراض. # وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة { ~~أن } بمعنى «أي» أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه { لا تعبدوا ~~إلا الله قالوا } أي القوم { لو شآء ربنا } إرسال الرسل ~~فمفعول { شاء } محذوف { لأنزل ملئكة فإنا بما ~~أرسلتم به كفرون } معناه فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فإنا ~~لا نؤمن بكم وبما جئتم به، وقوله { أرسلتم به } ليس بإقرار ~~بالإرسال وإنما هو على كلام الرسل وفيه تهكم كما قال فرعون: # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27] وقولهم: { فإنا بما أرسلتم به كفرون ~~}. خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم. ~~روي أن قريشا بعثوا عتبة بن ربيعة وكان أحسنهم حديثا ليكلم رسول ms1274 ~~الله صلى الله عليه وسلم وينظر ما يريد، فأتاه وهو في الحطيم فلم يسأل ~~شيئا إلا أجابه ثم قرأ عليه السلام السورة إلى قوله { مثل صعقة ~~عاد وثمود } فناشده بالرحم وأمسك على فيه ووثب مخافة أن يصب عليهم ~~العذاب فأخبرهم به وقال: لقد عرفت السحر والشعر فوالله ما هو بساحر ولا ~~بشاعر فقالوا: لقد صبأت أما فهمت منه كلمة؟ فقال: لا ولم أهتد إلى جوابه. ~~فقال عثمان بن مظعون: ذلك والله لتعلموا أنه من رب العالمين. # ثم بين ما ذكر من صاعقة عاد وثمود فقال { فأما عاد ~~فاستكبروا فى الأرض بغير الحق } أي تعظموا فيها على ~~أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الأجرام، أو استولوا على ~~الأرض بغير استحقاق للولاية { وقالوا من أشد منا قوة } ~~كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة ~~من الجبل بيده { أولم يروا } أولم يعلموا علما يقوم مقام العيان ~~{ أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة } ~~أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره ~~{ وكانوا بئايتنا يجحدون } معطوف على { ~~فاستكبروا } أي كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوها كما يجحد ~~المودع الوديعة { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } عاصفة ~~تصرصر أي تصوت في هبوبها من الصرير، أو باردة تحرق بشدة بردها تكرير ~~لبناء الصر وهو البرد قيل إنها الدبور { فى أيام نحسات } ~~مشئؤومات عليهم. { نحسات } مكي وبصري ونافع. ونحس نحسا نقيض سعد ~~سعدا وهو نحس، وأما نحس فإما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر ~~وكانت من الأربعاء في آخر شوال إلى الأربعاء، وما عذب قوم إلا في ~~الأربعاء. { لنذيقهم عذاب الخزى فى الحيوة ~~الدنيا } أضاف العذاب إلى الخزي وهو الذل على أنه وصف للعذاب كأنه ~~قال عذاب خزي كما تقول فعل السوء تريد الفعل السيء، ويدل عليه قوله { ~~ولعذاب الآخرة أخزى } وهو من الإسناد المجازي، ووصف العذاب ~~بالخزي أبلغ من وصفهم به فشتان ما بين قوليك «هو شاعر» و «له ms1275 شعر شاعر». ~~{ وهم لا ينصرون } من الأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم. ### || [41.22-32] # { وأما ثمود } بالرفع على الابتداء وهو الفصيح لوقوعه بعد حرف ~~الابتداء والخبر { فهدينهم } وبالنصب المفضل بإضمار فعل يفسره ~~{ فهدينهم } أي بينا لهم الرشد { فاستحبوا العمى ~~على الهدى } فاختاروا الكفر على الإيمان { فأخذتهم ~~صعقة العذاب } داهية العذاب { الهون } الهوان وصف به العذاب ~~مبالغة أو أبدله منه { بما كانوا يكسبون } بكسبهم وهو شركهم ~~ومعاصيهم، وقال الشيخ أبو منصور: يحتمل ما ذكر من الهداية التبيين كما ~~بينا، ويحتمل خلق الاهتداء فيهم فصاروا مهتدين ثم كفروا بعد ذلك وعقروا ~~الناقة، لأن الهدى المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان والتوفيق وخلق ~~فعل الاهتداء، فأما الهدى المضاف إلى الخلق يكون بمعنى البيان لا غير. ~~وقال صاحب الكشاف فيه: فإن قلت: أليس معنى قولك هديته جعلت فيه الهدى ~~والدليل عليه قولك هديته فاهتدى بمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول: ~~ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ قلت: للدلالة على ~~أنه مكنهم فأزاح عللهم ولم يبق لهم عذر فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما ~~يوجبها ويقتضيها وإنما تمحل بهذا لأنه لا يتمكن من أن يفسره بخلق ~~الاهتداء لأنه يخالف مذهبه الفاسد { ونجينا الذين ءامنوا } ~~أي اختاروا الهدى على العمى من تلك الصاعقة { وكانوا يتقون } ~~اختيار العمى على الهدى. # { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار } أي الكفار من ~~الأولين والآخرين. { نحشر أعداء } نافع ويعقوب { فهم ~~يوزعون } يحبس أولهم على آخرهم أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم ~~تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار وأصله من وزعته أي كففته { حتى ~~إذا ما جآءوها } صاروا بحضرتها و«ما» مزيدة للتأكيد ومعنى التأكيد ~~أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ولا وجه لأن ~~يخلو منها { شهد عليهم سمعهم وأبصرهم وجلودهم ~~بما كانوا يعملون } شهادة الجلود بملامسة الحرام وقيل: وهي ~~كناية عن الفروج { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ~~لما تعاظمهم من شهادتها عليهم { قالوا أنطقنا الله الذى ~~أنطق كل شىء } من الحيوان والمعنى أن نطقنا ms1276 ليس بعجب من قدرة ~~الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان { وهو خلقكم أول مرة ~~وإليه ترجعون } وهو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ~~ورجوعكم إلى جزائه { وما كنتم تستترون أن يشهد ~~عليكم سمعكم ولآ أبصركم ولا جلودكم } أي أنكم ~~كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك ~~خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل ~~كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا { ولكن ظننتم أن الله ~~لا يعلم كثيرا مما تعملون } ولكنكم إنما استترتم لظنكم ~~أن الله لا يعلم كثيرا مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم. # { وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم } ~~وذلك الظن هو الذي أهلككم، و { ذلكم } مبتدأ و { ظنكم } خبر و { ~~الذى ظننتم بربكم } صفته و { أرداكم } خبر ثان أو { ~~ظنكم } بدل من { ذلكم } و { أرداكم } الخبر { ~~فأصبحتم من الخسرين فإن يصبروا فالنار ~~مثوى لهم } أي فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من ~~الثواء في النار { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ~~} وإن يطلبوا الرضا فما هم من المرضيين، أو إن يسألوا العتبى وهي ~~الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعا مما هم فيه لم يعتبوا لم يعطوا العتبى ~~ولم يجابوا إليها { وقيضنا لهم } أي قدرنا لمشركي مكة، يقال: ~~هذان ثوبان قيضان أي مثلان والمقايضة المعاوضة، وقيل: سلطنا عليهم { ~~قرنآء } أخدانا من الشياطين جمع قرين كقوله # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو ~~له قرين # [الزخرف: 36] { فزينوا لهم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } أي ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها، أو ما بين ~~أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات وما خلفهم من أمر العاقبة وأن لا ~~بعث ولا حساب { وحق عليهم القول } كلمة العذاب { فى أمم ~~} في جملة أمم ومحله النصب على الحال من الضمير في { عليهم } أي حق ~~عليهم القول كائنين في جملة أمم { قد خلت من قبلهم } قبل أهل ~~مكة { من الجن والإنس إنهم كانوا خسرين } هو ~~تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير لهم ms1277 وللأمم. # { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان ~~} إذا قريء { والغوا فيه لعلكم تغلبون } وعارضوه ~~بكلام غير مفهوم حتى تشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته واللغو الساقط من ~~الكلام الذي لا طائل تحته { فلنذيقن الذين كفروا عذابا ~~شديدا } يجوز أن يريد بالذين كفروا هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو ~~خاصة، ولكن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم { ~~ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون } أي أعظم ~~عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر. # { ذلك جزآء أعدآء الله } ذلك إشارة إلى الأسوأ ويجب أن ~~يكون التقدير أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون حتى تستقيم هذه الإشارة { ~~النار } عطف بيان للجزاء أو خبر مبتدأ محذوف { لهم فيها دار ~~الخلد } أي النار في نفسها دار الخلد كما تقول: لك في هذه الدار دار ~~السرور وأنت تعني الدار بعينها { جزآء } أي جوزوا بذلك جزاء { بما ~~كانوا بئايتنا يجحدون وقال الذين كفروا ربنا ~~أرنا } وبسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ: مكي وشامي ~~وأبو بكر. وبالاختلاس: أبوعمرو { اللذين أضلنا } أي ~~الشيطانين اللذين أضلانا { من الجن والإنس } لأن الشيطان على ~~ضربين جني وإنسي، قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شيطين الإنس ~~والجن # { نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين } ~~في النار جزاء إضلالهم إيانا. # { إن الذين قالوا ربنا الله } أي نطقوا بالتوحيد { ~~ثم استقموا } ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضيانه، وعن الصديق رضي ~~الله عنه: استقاموا فعلا كما استقاموا قولا: وعنه أنه تلاها ثم قال: ما ~~تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: حملتم الأمر على أشده. قالوا: فما ~~تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله عنه: لم ~~يروغوا روغان الثعالب أي لم ينافقوا. وعن عثمان رضي الله عنه: أخلصوا ~~العمل. وعن علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض. وعن الفضيل: زهدوا في ~~الفانية ورغبوا في الباقية. وقيل: حقيقة الاستقامة القرار بعد الإقرار لا ~~الفرار بعد الإقرار { تتنزل عليهم الملئكة } عند الموت ~~{ أن } بمعنى «أي» أو مخففة من الثقيلة وأصله بأنه { لا تخافوا } ~~والهاء ضمير الشأن أي لا ms1278 تخافوا ما تقدمون عليه { ولا تحزنوا } ~~على ما خلفتهم فالخوف غم يلحق الإنسان لتوقع المكروه، والحزن غم يلحق ~~لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار والمعنى أن الله كتب لكم الأمن من كل غم ~~فلن تذوقوه { وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون } ~~في الدنيا، وقال محمد بن علي الترمذي: تتنزل عليهم ملائكة الرحمن عند ~~مفارقة الأرواح الأبدان أن لا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان ~~من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان التي كنتم توعدون في سالف الزمان { ~~نحن أوليآؤكم فى الحيوة الدنيا وفى الآخرة } ~~كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم فكذلك الملائكة أولياء المتقين ~~وأحباؤهم في الدارين { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم } من ~~النعيم { ولكم فيها ما تدعون } تتمنون { نزلا } هو رزق ~~نزيل وهو الضيف وانتصابه على الحال من الهاء المحذوفة أو من «ما» { من ~~غفور رحيم } نعت له. ### || [41.33-46] # { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله } إلى عبادته هو ~~رسول الله دعا إلى التوحيد { وعمل صلحا } خالصا { وقال ~~إننى من المسلمين } تفاخرا بالإسلام ومعتقدا له، أو أصحابه ~~عليه السلام، أو المؤذنون، أو جميع الهداة والدعاة إلى الله. { ولا ~~تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى ~~أحسن } يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة ~~التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد ~~عليك من بعض أعدائك كما لو أساء إليك رجل إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، ~~والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك مثل أن يذمك فتمدحه أو يقتل ~~ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه { فإذا الذى بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولى حميم } فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ~~المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك. ثم قال { وما يلقاهآ } أي وما ~~يلقي هذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان { إلا الذين ~~صبروا } إلا أهل الصبر { وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم ~~} إلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير. وإنما لم يقل «فادفع بالتي هي ~~أحسن» لأنه على تقدير قائل قال: ms1279 فكيف أصنع؟ فقيل: { ادفع بالتى ~~هى أحسن } وقيل: «لا» مزيدة للتأكيد والمعنى: لا تستوي الحسنة ~~والسيئة، وكان القياس على هذا التفسير أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة، ولكن ~~وضع { التى هى أحسن } موضع «الحسنة» ليكون أبلغ في الدفع ~~بالحسنة، لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: بالتي هي أحسن: الصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند ~~الإساءة وفسر الحظ بالثواب، وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة، وقيل: ~~نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدوا مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فصار وليا مصافيا { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~} النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه يبعثه على ما لا ~~ينبغي، وجعل النزغ نازغا كما قيل جد جده، أو أريد وإما ينزغنك نازغ ~~وصفا للشيطان بالمصدر أو لتسويله، والمعنى وإن صرفك الشيطان عما وصيت به ~~من الدفع بالتي هي أحسن { فاستعذ بالله } من شره وامض على حلمك ~~ولا تطعه { إنه هو السميع } لاستعاذتك { العليم } بنزغ ~~الشيطان. # { ومن ءايته } الدالة على وحدانيته { الليل والنهار } ~~في تعاقبهما على حد معلوم وتناوبهما على قدر مقسوم { والشمس ~~والقمر } في اختصاصهما بسير مقدور ونور مقرر { لا تسجدوا ~~للشمس ولا للقمر } فإنهما مخلوقان وإن كثرت منافعهما { ~~واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه ~~تعبدون } الضمير في { خلقهن } للآيات أو الليل والنهار والشمس ~~والقمر، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، تقول: الأقلام ~~بريتها وبريتهن، ولعل ناسا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في ~~عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله تعالى، ~~فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصا إن كانوا ~~إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين، فإن من عبد مع الله غيره لا يكون ~~عابدا لله. # { فإن استكبروا فالذين عند ربك } أي الملائكة { ~~يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون } ~~لا يملون. والمعنى فإن استكبروا ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا ~~الواسطة وأمروا أن ms1280 يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصا، فدعهم وشأنهم فإن ~~الله تعالى لا يعدم عابد أو ساجد بالإخلاص وله العباد المقربون الذين ~~ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد. و { عند ربك } عبارة عن الزلفى ~~والمكانة والكرامة. وموضع السجدة عندنا { لا يسئمون } وعند ~~الشافعي رحمه الله عند { تعبدون } والأول أحوط. # { ومن ءايته أنك ترى الأرض خشعة } يابسة مغبرة ~~والخشوع التذلل فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها { فإذا ~~أنزلنا عليها المآء } المطر { اهتزت } تحركت بالنبات { ~~وربت } انتفخت { إن الذى أحيها لمحى الموتى ~~إنه على كل شىء قدير } فيكون قادرا على البعث ضرورة { ~~إن الذين يلحدون فى ءايتنا } يميلون عن الحق في ~~أدلتنا بالطعن، يقال: ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق ~~فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات ~~القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. { يلتحدون } حمزة { لا يخفون ~~علينا } وعيد لهم على التحريف { أفمن يلقى فى النار ~~خير أم من يأتى ءامنا يوم القيمة } هذا تمثيل للكافر ~~والمؤمن { اعملوا ما شئتم } هذا نهاية في التهديد ومبالغة في ~~الوعيد { إنه بما تعملون بصير } فيجازيكم عليه { إن ~~الذين كفروا بالذكر } بالقرآن لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه ~~وحرفوا تأويله { لما جآءهم } حين جاءهم. وخبر «إن» محذوف أي ~~يعذبون أو هالكون أو { أولئك ينادون من مكان بعيد } ~~وما بينهما اعتراض { وإنه لكتب عزيز } أي منيع محمي بحماية ~~الله { لا يأتيه البطل } التبديل أو التناقض { من بين ~~يديه ولا من خلفه } أي بوجه من الوجوه { تنزيل من ~~حكيم حميد } مستحق للحمد. # { ما يقال لك } ما يقول لك كفار قومك { إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك } إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات ~~المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة { إن ربك لذو مغفرة } ~~ورحمة لأنبيائه { وذو عقاب أليم } لأعدائهم، ويجوز أن يكون ما ~~يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول هو قوله { إن ~~ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم }. # { ولو جعلنه } أي الذكر { قرءانا أعجميا } أي ms1281 بلغة ~~العجم كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم فقيل في جوابهم: ~~لو كان كما يقترحون { لقالوا لولا فصلت ءايته } أي ~~بينت بلسان العرب حتى نفهمها تعنتا { ءأعجمى وعربى } ~~بهمزتين كوفي غير حفص، والهمزة للإنكار يعني لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ~~ورسول عربي أو مرسل إليه عربي. الباقون بهمزة واحدة ممدودة مستفهمة. ~~والأعجمي الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه سواء كان من العجم أو العرب، ~~والعجمي منسوب إلى أمة العجم فصيحا كان أو غير فصيح، والمعنى أن آيات ~~الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتا لأنهم غير طالبين للحق ~~وإنما يتبعون أهواءهم، وفيه إشارة إلى أنه لو أنزله بلسان العجم لكان ~~قرآنا فيكون دليلا لأبي حنيفة رضي الله عنه في جواز الصلاة إذا قرأ ~~بالفارسية. { قل هو } أي القرآن { للذين ءامنوا هدى } ~~إرشاد إلى الحق { وشفاء } لما في الصدور من الشك إذ الشك مرض { ~~والذين لا يؤمنون فى ءاذانهم وقر } في موضع الجر ~~لكونه معطوفا على { الذين آمنوا } أي هو للذين آمنوا هدى وشفاء، ~~وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر أي صمم إلا أن فيه عطفا على عاملين ~~وهو جائز عند الأخفش، أو الرفع وتقديره والذين لا يؤمنون هو في آذانهم ~~وقر على حذف المبتدأ أو في آذانهم منه وقر { وهو } أي القرآن { ~~عليهم عمى } ظلمة وشبهة { أولئك ينادون من مكان ~~بعيد } يعني أنهم لعدم قبولهم وانتفاعهم كأنهم ينادون إلى الإيمان ~~بالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة. وقيل: ينادون في القيامة من مكان ~~بعيد بأقبح الأسماء. { ولقد ءاتينا موسى الكتب ~~فاختلف فيه } فقال بعضهم: هو حق. وقال بعضهم: هو باطل كما اختلف ~~قومك في كتابك { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير ~~العذاب { لقضي بينهم } لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة ~~السابقة هي العدة بالقيامة وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم ولولا ذلك ~~لقضي بينهم في الدنيا { وإنهم } وإن الكفار { لفى شك منه ~~مريب } موقع في الريبة { من عمل صلحا فلنفسه } فنفسه ~~نفع { ومن أسآء فعليها } فنفسه ضر { وما ms1282 ربك ~~بظلم للعبيد } فيعذب غير المسيء. ### || [41.47-54] # { إليه يرد علم الساعة } أي علم قيامها يرد إليه أي يجب ~~على المسؤول أن يقول الله يعلم ذلك { وما تخرج من ثمرت } مدني ~~وشامي وحفص وغيرهم بغير ألف { من أكمامها } أوعيتها قبل أن تنشق ~~جمع «كم» { وما تحمل من أنثى } حملها { ولا تضع إلا ~~بعلمه } أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا ~~وهو عالم به، يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من الخداج والتمام ~~والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك { ويوم يناديهم ~~أين شركآئى } أضافهم إلى نفسه على زعمهم وبيانه في قوله { أين ~~شركائى الذين زعمتم } وفيه تهكم وتقريع { قالوا ~~ءاذناك } أعلمناك وقيل أخبرناك وهو الأظهر إذ الله تعالى كان عالما ~~بذلك وإعلام العالم محال، أما الإخبار للعالم بالشيء فيتحقق بما علم به ~~إلا أن يكون المعنى إنك علمت من قلوبنا الآن إنا لنشهد تلك الشهادة ~~الباطلة، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنه أعلموه. # { ما منا من شهيد } أي ما منا أحد اليوم يشهد بأن لك شريكا وما ~~منا إلا من هو موحد لك، أو مامنا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت ~~عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ. وقيل: هو كلام الشركاء أي ما ~~منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة { وضل عنهم ما ~~كانوا يدعون } يعبدون { من قبل } في الدنيا { وظنوا } ~~وأيقنوا { ما لهم من محيص } مهرب. { لا يسئم } لا يمل { ~~الإنسنث } الكافر بدليل قوله { وما أظن الساعة قائمة } ~~{ من دعآء الخير } من طلب السعة في المال والنعمة والتقدير من ~~دعائه الخير فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول { وإن مسه الشر } ~~الفقر { فيئوس } من الخير { قنوط } من الرحمة بولغ فيه من طريقين: ~~من طريق بناء فعول، ومن طريق التكرير. والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس ~~فيتضاءل وينكسر أي يقطع الرجاء من فضل الله وروحه وهذا صفة الكافر بدليل ~~قوله تعالى # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون # [يوسف: 87] { ولئن أذقنه ms1283 رحمة منا من بعد ~~ضرآء مسته ليقولن هذا لى } وإذا فرجنا عنه بصحة بعد ~~مرض أو سعة بعد ضيق قال هذا لي أي هذا حقي وصل إلي لأني استوجبته بما ~~عندي من خير وفضل وأعمال بر، أو هذا لي لا يزول عني { ومآ أظن ~~الساعة قائمة } أي ما أظنها تكون قائمة { ولئن رجعت ~~إلى ربى } كما يقول المسلمون { إن لى عنده } عند الله { ~~للحسنى } أي الجنة أو الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة قائسا أمر ~~الآخرة على أمر الدنيا { فلننبئن الذين كفروا بما ~~عملوا } فلنخبرنهم بحقيقة ما علموا من الأعمال الموجبة للعذاب { ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ } شديد لا يفتر عنهم. # { وإذآ أنعمنا على الإنسن أعرض } هذا ضرب آخر من ~~طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة فنسي المنعم وأعرض عن ~~شكره { ونئا بجانبه } وتباعد عن ذكرالله ودعائه أو ذهب بنفسه ~~وتكبر وتعظم، وتحقيقه أن يوضع جانبه موضع نفسه لأن مكان الشيء وجهته ينزل ~~منزلة نفسه ومنه قول الكتاب كتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز يريدون نفسه ~~وذاته فكأنه قال: ونأى بنفسه { وإذا مسه الشر } الضر والفقر { ~~فذو دعاء عريض } كثير أي أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال ~~والتضرع. وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام كما ~~استعير الغلظ لشدة العذاب، ولا منافاة بين قوله { فيئوس قنوط } ~~وبين قوله { فذو دعآء عريض } لأن الأول في قوم والثاني في قوم، ~~أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر، أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض ~~باللسان، أو قنوط من الصنم ذو دعاء لله تعالى. # { قل أرءيتم } أخبروني { إن كان } القرآن { من عند ~~الله ثم كفرتم به } ثم جحدتم أنه من عند الله { من ~~أضل } منكم إلا أنه وضع قوله { ممن هو فى شقاق بعيد } ~~موضع «منكم» بيانا لحالهم وصفتهم { سنريهم ءايتنا فى ~~الآفاق } من فتح البلاد شرقا وغربا { وفى أنفسهم } فتح مكة { ~~حتى يتبين لهم أنه الحق } أي القرآن أو الإسلام { ~~أولم يكف بربك } موضع { بربك } الرفع على ms1284 أنه فاعل ~~والمفعول محذوف وقوله { أنه على كل شىء شهيد } بدل منه ~~تقديره أولم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد أي أولم تكفهم شهادة ربك على ~~كل شيء، ومعناه أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم ~~سيرونه ويشاهدونه فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو ~~على كل شيء شهيد. { ألا إنهم فى مرية } شك { من لقآء ~~ربهم ألا إنه بكل شىء محيط } عالم بجمل الأشياء ~~وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها فلا تخفى عليه خافية فيجازيهم على كفرهم ~~ومريتهم في لقاء ربهم. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-11] # فصل { حم } من { عسق } كتابة مخالفا ل { كهيعص } تلفيقا بأخواتها ~~ولأنه آيتان و # كهيعص # آية واحدة { كذلك يوحى إليك } أي مثل ذلك الوحي أو مثل ذلك ~~الكتاب يوحي إليك { وإلى الذين من قبلك } وإلى الرسل من قبلك ~~{ الله } يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك ~~مثله وفي غيرها من السور، وأوحاه إلى من قبلك يعني إلى رسله. والمعنى أن ~~الله كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية لما فيها من ~~التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس ~~من نبي صاحب كتاب إلا أوحي إليه ب { حم عسق }. { يوحى } بفتح الحاء: ~~مكي. ورافع اسم الله على هذه القراءة ما دل عليه { يوحى } كأن قائلا ~~قال: من الموحي؟ فقيل: الله { العزيز } الغالب بقهره { الحكيم } ~~المصيب في فعله وقوله { له ما في السموات وما في الأرض ~~} ملكا وملكا { وهو العلى } شأنه { العظيم } برهانه. # { تكاد السموت } وبالياء: نافع وعلي. { يتفطرن من ~~فوقهن } يتشققن، { ينفطرن }: بصري وأبو بكر ومعناه يكدن ينفطرن من ~~علو شأن الله وعظمته يدل عليه مجيئه بعد قوله { العلى العظيم } ~~وقيل: من دعائهم له ولدا كقوله # تكاد السموت يتفطرن منه # [مريم: 90] ومعنى { من فوقهن } أي يبتدىء الانفطار من جهتهن ~~الفوقانية. وكان القياس أن يقال ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها ~~كلمة الكفر لأنها جاءت من الذين تحت ms1285 السماوات، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت ~~مؤثرة في جهة الفوق كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن مع الجهة ~~التي تحتهن. وقيل: من فوقهن من فوق الأرض فالكناية راجعة إلى الأرض لأنه ~~بمعنى الأرضين. وقيل: يتشققن لكثرة ما على السماوات من الملائكة، قال ~~عليه السلام # " أطت السماء أطا وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم ~~أو راكع أو ساجد " # { والملئكة يسبحون بحمد ربهم } خضوعا لما يرون ~~من عظمته { ويستغفرون لمن فى الأرض } أي للمؤمنين منهم ~~كقوله: # ويستغفرون للذين ءامنوا # [غافر: 7] خوفا عليهم من سطواته أو يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز ~~عليه من الصفات حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين مما رأوا من ~~تعرضهم لسخط الله تعالى، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرءوا من تلك ~~الكلمة، أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب { ~~ألا إن الله هو الغفور الرحيم } لهم { والذين ~~اتخذوا من دونه أوليآء } أي جعلوا له شركاء وأندادا { ~~الله حفيظ عليهم } رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها ~~شيء فيجازيهم عليها { ومآ أنت } يا محمد { عليهم بوكيل } ~~بموكل عليهم ولا مفوض إليك أمرهم إنما أنت منذر فحسب. # { وكذلك } ومثل ذلك { أوحينآ إليك } وذلك إشارة إلى معنى ~~الآية التي قبلها من أن الله رقيب عليهم لا أنت بل أنت منذر لأن هذا ~~المعنى كرره الله في كتابه أو هو مفعول به ل { أوحينا } { ~~قرءانا عربيا } حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن ~~عربي بين { لتنذر أم القرى } أي مكة لأن الأرض دحيت من ~~تحتها ولأنها أشرف البقاع والمراد أهل أم القرى { ومن حولها } من ~~العرب { وتنذر يوم الجمع } يوم القيامة لأن الخلائق تجتمع فيه ~~{ لا ريب فيه } اعتراض لا محل له، يقال: أنذرته كذا وأنذرته بكذا. ~~وقد عدي { لتنذر أم القرى } إلى المفعول الأول { وتنذر ~~يوم الجمع } إلى المفعول الثاني { فريق فى الجنة ~~وفريق فى السعير } أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في ms1286 السعير، ~~والضمير للمجموعين لأن المعنى يوم جمع الخلائق. # { ولو شآء الله لجعلهم أمة وحدة } أي مؤمنين كلهم ~~{ ولكن يدخل من يشآء فى رحمته } أي يكرم من يشاء ~~بالإسلام { والظلمون } والكافرون { ما لهم من ولى } ~~شافع { ولا نصير } دافع { أم اتخذوا من دونه أوليآء ~~فالله هو الولى } الفاء لجواب شرط مقدر كأنه قيل بعد إنكار كل ~~ولي سواه إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق، وهو الذي يجب أن ~~يتولى وحده لا ولي سواه. { وهو يحى الموتى وهو على ~~كل شىء قدير } فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على ~~شيء { وما اختلفتم فيه من شىء } حكاية قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمؤمنين أي ما خالفتكم فيه الكفار من أهل الكتاب ~~والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين { فحكمه } أي ~~حكم ذلك المختلف فيه مفوض { إلى الله } وهو إثابة المحقين فيه من ~~المؤمنين ومعاقبة المبطلين { ذلكم } الحاكم بينكم { الله ربى ~~عليه توكلت } فيه رد كيد أعداء الدين { وإليه أنيب } ~~أرجع في كفاية شرهم. وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا ~~تتصل بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح ~~وغيره. # { فاطر السموت والأرض } ارتفاعه عل أنه أحد أخبار { ~~ذلكم } أو خبر مبتدأ محذوف { جعل لكم من أنفسكم } خلق ~~لكم من جنسكم من الناس { أزوجا ومن الأنعم أزوجا } أي ~~وخلق للأنعام أيضا من أنفسها أزواجا { يذرؤكم } يكثركم. يقال: ~~ذرأ الله الخلق بثهم وكثرهم { فيه } في هذا التدبير وهو أن جعل الناس ~~والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، واختير { ~~فيه } على «به» لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. # والضمير في { يذرؤكم } يرجع إلى المخاطبين والأنعام مغلبا فيه ~~المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل { ليس كمثله شىء } ~~قيل: إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل وتقديره ليس مثله شيء. ~~وقيل: المثل زيادة وتقديره ليس كهو شيء كقوله تعالى: # فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به ms1287 # [البقرة: 137]. وهذا لأن المراد نفي المثلية، وإذا لم تجعل الكاف أو ~~المثل زيادة كان إثبات المثل. وقيل: المراد ليس كذاته شيء لأنهم يقولون ~~«مثلك لا يبخل» يريدون به نفي البخل عن ذاته ويقصدون المبالغة في ذلك ~~بسلوك طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده فقد نفوه عنه فإذا علم ~~أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله «ليس كالله شيء» وبين قوله { ~~ليس كمثله شىء } إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها وكأنهم ~~عبارتان متعقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته ونحوه # بل يداه مبسوطتان # [المائدة: 64] فمعناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها، لأنها ~~وقعت عبارة عن الجود حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد له فكذلك استعمل هذا ~~فيمن له مثل ومن لا مثل له { وهو السميع } لجميع المسموعات بلا ~~أذن { البصير } لجميع المرئيات بلا حدقة، وكأنه ذكرهما لئلا يتوهم أنه ~~لا صفة له كما لا مثل له. ### || [42.12-22] # { له مقاليد السموت والأرض } مر في «الزمر» { ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يضيق { إنه ~~بكل شىء عليم شرع } بين وأظهر { لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذى أوحينآ إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى } أي شرع لكم من الدين دين نوح ~~ومحمد ومن بينهما من الأنبياء عليهم السلام، ثم فسر المشروع الذي اشترك ~~هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله { أن أقيموا الدين } والمراد ~~إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم ~~الجزاء وسائر ما يكون المرء بإقامته مسلما، ولم يرد به الشرائع فإنها ~~مختلفة قال الله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة: 48]. ومحل { أن أقيموا } نصب بدل من مفعول { شرع } ~~والمعطوفين عليه، أو رفع على الاستئناف كأنه قيل وما ذلك المشروع؟ فقيل: ~~هو إقامة الدين { ولا تتفرقوا فيه } ولا تختلفوا في الدين قال ~~علي رضي الله عنه: لا تتفرقوا فالجماعة رحمة والفرقة عذاب. { كبر ~~على المشركين } عظم عليهم وشق عليهم { ما تدعوهم إليه ~~} من إقامة دين ms1288 الله والتوحيد { الله يجتبى } يجتلب ويجمع { ~~إليه } إلى الدين بالتوفيق والتسديد { من يشآء ويهدى ~~إليه من ينيب } يقبل على طاعته { وما تفرقوا } أي أهل ~~الكتاب بعد أنبيائهم { إلا من بعد ما جآءهم العلم } إلا ~~من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء ~~عليهم السلام { بغيا بينهم } حسدا وطلبا للرياسة والاستطالة ~~بغير حق { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل ~~مسمى } وهي # بل الساعة موعدهم # { لقضي بينهم } لأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترفوا { وإن ~~الذين أورثوا الكتب من بعدهم } هم أهل الكتاب الذين ~~كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم { لفى شك منه } من ~~كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان { مريب } مدخل في الريبة. وقيل: وما ~~تفرق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كقوله تعالى: # وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة # وإن الذين أورثوا الكتب من بعدهم # [الشورى: 14]. هم المشركون أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب ~~التوراة والإنجيل. # { فلذلك } فلأجل ذلك التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبا { ~~فادع } إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية { ~~واستقم } عليها وعلى الدعوة إليها { كما أمرت } كما أمرك الله ~~{ ولا تتبع أهوآءهم } المختلفة الباطلة { وقل ءامنت ~~بما أنزل الله من كتب } بأي كتاب صح أن الله تعالى أنزله ~~يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ~~كقوله: { ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } إلى قوله # أولئك هم الكفرون حقا # [النساء: 150-151] { وأمرت لأعدل بينكم } في الحكم إذا ~~تخاصمتم فتحاكمتم إلي { الله ربنا وربكم } أي كلنا عبيده { ~~لنآ أعملنا ولكم أعملكم } هو كقوله # لكم دينكم ولى دين # [الكافرون: 6] ويجوز أن يكون معناه إنا لا نؤاخذ بأعمالكم وأنتم لا ~~تؤاخذون بأعمالنا { لا حجة بيننا وبينكم } أي لا خصومة ~~لأن الحق قد ظهر وصرتم محجوبين به فلا حاجة إلى المحاجة، ومعناه لا إيراد ~~حجة بيننا لأن المتحاجين يورد هذا حجته وهذا ms1289 حجته { الله يجمع ~~بيننا } يوم القيامة { وإليه المصير } المرجع لفصل القضاء ~~فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم { والذين يحآجون فى الله } ~~يخاصمون في دينه { من بعد ما استجيب له } من بعد ما استجاب له ~~الناس ودخلوا في الإسلام ليردوهم إلى دين الجاهلية كقوله: # ود كثير من أهل الكتب لو يردونكم من بعد ~~إيمنكم كفارا # [البقرة: 109]. كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم ~~ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم وأولى بالحق. وقيل: من بعد ما استجيب ~~لمحمد عليه السلام دعاؤه على المشركين يوم بدر { حجتهم داحضة } ~~باطلة وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة { عند ربهم ~~وعليهم غضب } بكفرهم { ولهم عذاب شديد } في الآخرة. # { الله الذى أنزل الكتب } أي جنس الكتاب { بالحق } ~~بالصدق أو ملتبسا به { والميزان } والعدل والتسوية. ومعنى إنزال ~~العدل أنه أنزله في كتبه المنزلة. وقيل: هو عين الميزان أنزله في زمن نوح ~~عليه السلام { وما يدريك لعل الساعة قريب } أي لعل ~~الساعة قريب منك وأنت لا تدري والمراد مجيء الساعة، أوالساعة في تأويل ~~البعث. ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب والميزان أن الساعة يوم ~~الحساب ووضع الموازين بالقسط فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية ~~والعمل بالشرائع فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ووزن ~~أعمالكم. { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ~~استهزاء { والذين ءامنوا مشفقون } خائفون { منها } ~~وجلون لهولها { ويعلمون أنها الحق } الكائن لا محالة { ~~ألآ إن الذين يمارون فى الساعة } المماراة الملاحة لأن ~~كل واحد منهما يمري ما عند صاحبه { لفى ضلل بعيد } عن الحق لأن ~~قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله تعالى، وقد دل الكتاب والسنة على ~~وقوعها، والعقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء. # { الله لطيف بعباده } في إيصال المنافع وصرف البلاء من وجه ~~يلطف إدراكه وهو بر بليغ البر بهم قد توصل بره إلى جميعهم. وقيل: هو من ~~لطف بالغوامض علمه وعظم عن الجرائم حلمه، أو من ينشر المناقب ويستر ~~المثالب، أو يعفو عمن يهفو، أو يعطي العبد ms1290 فوق الكفاية ويكلفه الطاعة دون ~~الطاقة. # وعن الجنيد: لطف بأوليائه فعرفوه ولو لطف بأعدائه ما جحدوه { يرزق ~~من يشآء } أي يوسع رزق من يشاء إذا علم مصلحته فيه، في الحديث # " إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ~~ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته ~~لأفسده ذلك " # { وهو القوى } الباهر القدرة الغالب على كل شيء { العزيز } ~~المنيع الذي لا يغلب. { من كان يريد حرث الآخرة } سمى ما ~~يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة حرثا مجازا { نزد له فى ~~حرثه } بالتوفيق في عمله أو التضعيف في إحسانه أو بأن ينال به الدنيا ~~والآخرة { ومن كان يريد حرث الدنيا } أي من كان عمله ~~للدنيا ولم يؤمن بالآخرة { نؤته منها } أي شيئا منها لأن «من» ~~للتبعيض وهو رزقه الذي قسم له لا ما يريده ويبتغيه { وما له فى ~~الآخرة من نصيب } وماله نصيب قط في الآخرة وله في الدينا نصيب، ~~ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى ~~جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب { أم لهم شركؤا } ~~قيل: هي «أم» المنقطعة وتقديره بل ألهم شركاء. وقيل: هي المعادلة لألف ~~الاستفهام. وفي الكلام إضمار تقديره أيقبلون ما شرع الله من الدين أم لهم ~~آلهة { شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } ~~أي لم يأمر به؟ { ولولا كلمة الفصل } أي القضاء السابق ~~بتأجيل الجزاء أي ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة { لقضي ~~بينهم } بين الكافرين والمؤمنين أو لعجلت لهم العقوبة { وإن ~~الظلمين لهم عذاب أليم } وإن المشركين لهم عذاب أليم في ~~الآخرة وإن أخر عنهم في دار الدنيا { ترى الظلمين } المشركين في ~~الآخرة { مشفقين } خائفين { مما كسبوا } من جزاء كفرهم { ~~وهو واقع بهم } نازل بهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت فى روضت ~~الجنت } كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها { لهم ما ~~يشآءون عند ربهم } عند ms1291 نصب بالظرف لا ب «يشاؤون» { ذلك ~~هو الفضل الكبير } على العمل القليل. ### || [42.23-32] # { ذلك } أي الفضل الكبير { الذى يبشر الله } { يبشر } ~~مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي { عباده الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } أي به عباده الذين آمنوا فحذف الجار كقوله # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] ثم حذف الراجع إلى الموصول كقوله # أهذا الذى بعث الله رسولا # [الفرقان: 41]. ولما قال المشركون: أيبتغي محمد على تبليغ الرسالة أجرا ~~نزل { قل لا أسئلكم عليه } على التبليغ { أجرا إلا ~~المودة فى القربى } يجوز أن يكون استثناء متصلا أي لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا هذا وهو أن تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون ~~منقطعا أي لا أسألكم عليه أجرا قط ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين ~~هم قرابتكم ولا تؤذوهم. ولم يقل إلا مودة القربى أو المودة للقربى لأنهم ~~جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كقولك «لي في آل فلان مودة ولي فيهم حب ~~شديد» تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله. وليست «في» بصلة ل { المودة ~~} كاللام إذا قلت إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف ~~به في قولك «المال في الكيس» وتقديره إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة ~~فيها. والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة، والمراد في أهل ~~القربى. وروي أنه لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين ~~وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما. وقيل: معناه إلا أن تودوني ~~لقرابتي فيكم ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي إذ لم يكن من بطون قريش إلا بين ~~رسول الله وبينهم قرابة. وقيل: القربى التقرب إلى الله تعالى أي إلا أن ~~تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح { ومن ~~يقترف حسنة } يكتسب طاعة. عن السدي: أنها المودة في آل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ومودته فيهم ~~والظاهر العموم في أي حسنة كانت إلا أنها تتناول المودة تناولا أوليا ~~لذكرها عقيب ذكر المودة في القربى. # { نزد له فيها حسنا } أي نضاعفها كقوله # من ذا الذى يقرض ms1292 الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] وقرىء { حسنى } وهو مصدر كالبشرى والضمير يعود إلى الحسنة ~~أو إلى الجنة { إن الله غفور } لمن أذنب بطوله { شكور } لمن ~~أطاع بفضله. وقيل: قابل للتوبة حامل عليها. وقيل: الشكور في صفة الله ~~تعالى عبارة عن الاعتداد بالطاعة وتوفية ثوابها والتفضل على المثاب { ~~أم يقولون افترى على الله كذبا } «أم» منقطعة ومعنى ~~الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء ثم ~~إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها؟ { فإن يشإ ~~الله يختم على قلبك } قال مجاهد: أي يربط على قلبك بالصبر ~~على أذاهم وعلى قولهم { افترى على الله كذبا } لئلا تدخله ~~مشقة بتكذيبهم { ويمح الله البطل } أي الشرك وهو كلام مبتدأ ~~غير معطوف على { يختم } لأن محو الباطل غير متعلق بالشرط بل هو وعد ~~مطلق دليله تكرار اسم الله تعالى ورفع { ويحق } وإنما سقطت الواو في ~~الخط كما سقطت في # ويدع الإنسن بالشر دعاءه بالخير # [الاسراء: 11] و # سندع الزبانية # [العلق: 18] على أنها مثبتة في مصحف نافع { ويحق الحق } ويظهر ~~الإسلام ويثبته { بكلمته } مما أنزل من كتابه على لسان نبيه عليه ~~السلام وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأظهر الإسلام. # { إنه عليم بذات الصدور } أي عليم بما في صدرك وصدورهم ~~فيجزي الأمر على حسب ذلك. { وهو الذى يقبل التوبة عن ~~عباده } يقال: قبلت منه الشيء إذا أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي. ~~ويقال: قبلته عنه أي عزلته عنه وأبنته عنه. والتوبة أن يرجع عن القبيح ~~والإخلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعود، وإن كان لعبد فيه ~~حق لم يكن بد من التفصي على طريقه. وقال علي رضي الله عنه: هو اسم يقع ~~على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة ~~ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة ~~النفس مرارة الطاعة كما أذقناها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ~~ضحكته. وعن السدي: هو صدق العزيمة على ترك الذنوب والإنابة بالقلب إلى ~~علام ms1293 الغيوب. وعن غيره: هو أن لا يجد حلاوة الذنب في القلب عند ذكره. وعن ~~سهل: هو الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وعن الجنيد: ~~هو الإعراض عما دون الله { ويعفوا عن السيئت } وهو ما دون ~~الشرك، يعفو لمن يشاء بلا توبة { ويعلم ما تفعلون } بالتاء: ~~كوفي غير أبي بكر أي من التوبة والمعصية ولا وقف عليه للعطف عليه واتصال ~~المعنى: { ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت ويزيدهم من فضله } أي إذا دعوه استجاب دعاءهم ~~وأعطاهم ما طلبوه وزادهم على مطلوبهم. واستجاب وأجاب بمعنى، والسين في ~~مثله لتوكيد الفعل كقولك «تعظم» و«استعظم» والتقدير ويجيب الله الذين ~~آمنوا. وقيل: معناه ويستجيب للذين فحذف اللام. من عليهم بأن يقبل ~~توبتهم إذا تابوا ويعفو عن سيآتهم ويستجيب لهم إذا دعوه ويزيدهم على ما ~~سألوه، وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ما لنا ندعوه فلا نجاب؟ قال: ~~لأنه دعاكم فلم تجيبوه { والكفرون لهم عذاب شديد } في ~~الآخرة. # { ولو بسط الله الرزق لعباده } أي لو أغناهم جميعا { ~~لبغوا فى الأرض } من البغي وهو الظلم أي لبغي هذا على ذاك وذاك ~~على هذا لأن الغني مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة أو من البغي ~~وهو الكبر أي لتكبروا في الأرض { ولكن ينزل } بالتخفيف: مكي ~~وأبو عمرو { بقدر ما يشآء } بتقدير يقال قدره قدرا وقدرا { ~~إنه بعباده خبير بصير } يعلم أحوالهم فيقدر لهم ما تقتضيه ~~حكمته فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط، ولو أغناهم جميعا لبغوا ولو ~~أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على من يبغي ومن البغي بدون البسط فهو ~~قليل، ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب. # { وهو الذى ينزل الغيث } بالتشديد: مدني وشامي وعاصم { ~~من بعد ما قنطوا } وقرىء { قنطوا } { وينشر رحمته } ~~أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب. وقيل لعمر رضي الله عنه: ~~اشتد القحط وقنط الناس. فقال: مطروا إذا أراد هذه الآية. أو أراد رحمته ~~في كل شيء { وهو الولى } الذي يتولى عباده بإحسانه { الحميد ms1294 ~~} المحمود على ذلك يحمده أهل طاعته { ومن ءايته } أي علامات ~~قدرته { خلق السموت والأرض } مع عظمهما { وما بث } ~~فرق { وما } يجوز أن يكون مرفوعا ومجرورا حملا على المضاف أو المضاف ~~إليه { فيهما } من السماوات والأرض { من دابة } الدواب تكون في ~~الأرض وحدها لكن يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان ملتبسا ~~ببعضه كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد وإنما هو في فخذ من أفخاذهم ~~ومنه قوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح، ولا يبعد أن يخلق في السماوات ~~حيوانات يمشون فيها مشي الأناسي على الأرض، أو يكون للملائكة مشي مع ~~الطيران فوصفوا بالدبيب كما وصف به الأناسي { وهو على جمعهم } ~~يوم القيامة { إذا يشآء قدير } «إذا» تدخل على المضارع كما تدخل ~~على الماضي، قال الله تعالى: # واليل إذا يغشى # [الليل: 1]. # { ومآ أصبكم من مصيبة } غم وألم ومكروه { فبما ~~كسبت أيديكم } أي بجناية كسبتموها عقوبة عليكم. { بما ~~كسبت } بغير الفاء: مدني وشامي على أن «ما» مبتدأ و { بما كسبت ~~} خبره من غير تضمين معنى الشرط، ومن أثبت الفاء فعلى تضمين معنى الشرط. ~~وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ وقال لو لم يكن للأطفال حالة كانوا ~~عليها قبل هذه الحالة لما تألموا. وقلنا: الآية مخصومة بالمكلفين بالسباق ~~والسياق وهو { ويعفوا عن كثير } أي من الذنوب فلا يعاقب عليه أو ~~عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة، وقال ابن عطاء: من لم يعلم أن ما ~~وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه وأن ما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل ~~النظر في إحسان ربه إليه. وقال محمد بن حامد: العبد ملازم للجنايات في كل ~~أوان وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه لأن جناية المعصية من ~~وجه وجناية الطاعة من وجوه والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب ~~ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة، وعن ~~علي رضي الله تعالى عنه: هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن لأن الكريم إذا ms1295 ~~عاقب مرة لا يعاقب ثانيا وإذا عفا لا يعود { ومآ أنتم ~~بمعجزين فى الأرض } أي بفائتين ما قضى عليكم من المصائب { ~~وما لكم من دون الله من ولى } متول بالرحمة { ولا ~~نصير } ناصر يدفع عنكم العذاب إذا حل بكم. # { ومن ءايته الجوار } جمع جارية وهي السفينة { الجواري } ~~في الحالين: مكي وسهل ويعقوب، وافقهم مدني وأبو عمر في الوصل { فى ~~البحر كالاعلم } كالجبال. ### || [42.33-50] # { إن يشأ يسكن الريح } { الرياح } مدني { فيظللن ~~رواكد } ثوابت لا تجري { على ظهره } على ظهر البحر { إن ~~فى ذلك لآيت لكل صبار } على بلائه { شكور } لنعمائه ~~أي لكل مؤمن مخلص فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر. أو صبار على طاعته ~~شكور لنعمته { أو يوبقهن } يهلكهن فهو عطف على { يسكن } ~~والمعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو يعصفها فيغرقن بعصفها { بما ~~كسبوا } من الذنوب { ويعف عن كثير } منها فلا يجازي عليها. ~~وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه لأن المعنى أو إن يشأ يهلك ~~ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم { ويعلم } بالنصب عطف على ~~تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم { الذين يجدلون فى ~~ءايتنا } أي في إبطالهما ودفعها، { ويعلم } مدني وشامي على ~~الاستئناف { ما لهم من محيص } مهرب من عذابه { فمآ أوتيتم ~~من شىء فمتع الحيوة الدنيا وما عند الله } من ~~الثواب { خير وأبقى للذين ءامنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون } «ما» الأولى ضمنت معنى الشرط فجاءت الفاء في جوابها ~~بخلاف الثانية. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بجميع ماله ~~فلامه الناس { والذين يجتنبون } عطف على { الذين آمنوا ~~} وكذا ما بعده { كبئر الإثم } أي الكبائر من هذا الجنس، { ~~كبير الإثم } علي وحمزة. وعن ابن عباس: كبير الإثم هو الشرك. { ~~والفوحش } قيل: ما عظم قبحه فهو فاحشة كالزنا { وإذا ما ~~غضبوا } من أمور دنياهم { هم يغفرون } أي هم الأخصاء بالغفران ~~في حال الغضب والمجيء بهم. وإيقاعه مبتدأ وإسناد { يغفرون } إليه ~~لهذه الفائدة ومثله { هم ينتصرون }. { والذين استجابوا ~~لربهم } نزلت في الأنصار دعاهم الله عز ms1296 وجل للإيمان به وطاعته ~~فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه { وأقاموا الصلوة } وأتموا ~~الصلوات الخمس { وأمرهم شورى بينهم } أي ذو شورى لا ~~ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد ~~أمرهم، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور { ومما رزقنهم ~~ينفقون } يتصدقون. # { والذين إذا أصابهم البغى } الظلم { هم ينتصرون ~~} ينتقمون ممن ظلمهم أي يقتصرون في الانتصار على ما جعله الله تعالى لهم ~~ولا يعتدون، وكانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجتريء عليهم الفساق. وإنما ~~حمدوا على الانتصار لأن من انتصر وأخذ حقه ولم يجاوز في ذلك حد الله فلم ~~يسرف في القتل إن كان ولي دم فهو مطيع لله وكل مطيع محمود. ثم بين حد ~~الانتصار فقال { وجزؤا سيئة سيئة مثلها } فالأولى ~~سيئة حقيقة والثانية لا. # وإنما سميت لأنها مجازاة السوء، أو لأنها تسوء من تنزل به، ولأنه لو لم ~~تكن الأولى لكانت الثانية سيئة لأنها إضرار، وإنما صارت حسنة لغيرها، أو ~~في تسمية الثانية سيئة إشارة إلى أن العفو مندوب إليه. والمعنى أنه يجب ~~إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة { فمن عفا ~~وأصلح } بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء { فأجره على الله ~~} عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم { إنه لا يحب ~~الظلمين } الذين يبدءون بالظلم أو الذين يجاوزون حد الانتصار. في ~~الحديث: # " ينادي مناد يوم القيامة من كان له أجر على الله فليقم فلا يقوم إلا ~~من عفا " # { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة ~~المصدر إلى المفعول { فأولئك } إشارة إلى معنى من دون لفظه { ما ~~عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب والمعايب { إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم { ~~ويبغون فى الأرض } يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون { بغير ~~الحق أولئك لهم عذاب أليم } وفسر السبيل بالتبعة ~~والحجة { ولمن صبر } على الظلم والأذى { وغفر } ولم ينتصر { ~~إن ذلك } أي الصبر والغفران منه { لمن عزم الأمور } أي من ~~الأمور التي ندب إليها أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا ms1297 يترخص ~~في تركه. وحذف الراجع أي «منه» لأنه مفهوم كما حذف من قولهم: السمن منوان ~~بدرهم، وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن ~~صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله تعالى حال الرضا وهو أجل ~~الأحوال، ومن جزع من المصيبات وشكا وكله الله تعالى إلى نفسه ثم لم تنفعه ~~شكواه. { ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده } ~~فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه ويمنعه من عذابه { ~~وترى الظلمين } يوم القيامة { لما رأوا العذاب } ~~حين يرون العذاب واختير لفظ الماضي للتحقيق { يقولون هل إلى ~~مرد من سبيل } يسألون ربهم الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا به. # { وتراهم يعرضون عليها } على النار إذ العذاب يدل عليها { ~~خشعين } متضائلين متقاصرين مما يلحقهم { من الذل ينظرون } ~~إلى النار { من طرف خفى } ضعيف بمسارقة كما ترى المصبور ينظر إلى ~~السيف. { وقال الذين ءامنوا إن الخسرين الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة } { يوم } ~~متعلق ب { خسروا } وقول المؤمنين واقع في الدنيا أو يقال أي يقولون ~~يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة { ألآ إن الظلمين فى ~~عذاب مقيم } دائم { وما كان لهم من أوليآء ~~ينصرونهم من دون الله } من دون عذابه { ومن يضلل ~~الله فما له من سبيل } إلى النجاة { استجيبوا ~~لربكم } أي أجيبوه إلى ما دعاكم إليه { من قبل أن يأتى ~~يوم } أي يوم القيامة { لا مرد له من الله } «من» يتصل ~~ب { لا مرد } أي لا يرده الله بعدما حكم به، أو ب { يأتى } ~~أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده { ما لكم من ~~ملجأ يومئذ وما لكم من نكير } أي ليس لكم مخلص من ~~العذاب ولا تقدرون أن تنكروا شيئا مما اقترفتموه ودون في صحائف ~~أعمالكم، والنكير الإنكار { فإن أعرضوا } عن الإيمان { فمآ ~~أرسلنك عليهم حفيظا } رقيبا { إن عليك إلا ~~البلغ } ما عليك إلا تبليغ الرسالة وقد فعلت { وإنآ إذا ~~أذقنا الإنسن } المراد الجمع لا الواحد { منا ms1298 رحمة } نعمة ~~وسعة وأمنا وصحة { فرح بها } بطر لأجلها { وإن تصبهم ~~سيئة } بلاء كالمرض والفقر ونحوهما. # وتوحيد فرح باعتبار اللفظ والجمع في { وإن تصبهم } باعتبار ~~المعنى { بما قدمت أيديهم } بسبب معاصيهم { فإن ~~الإنسن كفور } ولم يقل فإنه كفور ليسجل على أن هذا الجنس موسوم ~~بكفران النعم كما قال: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. والكفور البليغ الكفران. والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى ~~النعم ويغمطها. قيل: أريد به كفران النعمة. وقيل: أريد به الكفر بالله ~~تعالى. # { لله ملك السموت والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إنثا ويهب لمن يشآء الذكور أو ~~يزوجهم } أي يقرنهم { ذكرانا وإنثا ويجعل من ~~يشآء عقيما } لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها، أتبع ~~ذلك أن له تعالى الملك وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد ويهب لعباده من ~~الأولاد ما يشاء، فيخص بعضا بالإناث، وبعضا بالذكور، وبعضا بالصنفين ~~جميعا، ويجعل البعض عقيما. والعقيم التي لا تلد وكذلك رجل عقيم إذا كان ~~لا يولد له. وقدم الإناث أولا على الذكور لأن سياق الكلام أنه فاعل لما ~~يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه ~~الإنسان أهم والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعده ~~بلاء ذكر البلاء. ولما أخر الذكور وهم أحقاء بالتقديم تدارك تأخيرهم ~~بتعريفهم لأن التعريف تنويه وتشهير، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من ~~التقديم والتأخير وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتض آخر فقال { ~~ذكرانا وإنثا }. وقيل: نزلت في الأنبياء عليهم السلام حيث وهب ~~للوط وشعيب إناثا، ولإبراهيم ذكورا، ولمحمد صلى الله عليه وسلم ذكورا ~~وإناثا، وجعل يحيى وعيسى عليهما السلام عقيمين { إنه عليم } بكل ~~شيء { قدير } قادر على كل شيء. ### || [42.51-53] # { وما كان لبشر } وما صح لأحد من البشر { أن يكلمه ~~الله إلا وحيا } أي إلهاما كما روي «نفث في روعي» أو رؤيا في ~~المنام كقوله عليه السلام # " رؤيا الأنبياء وحي " # وهو كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد { أو من ورآء } حجاب ~~أي يسمع ms1299 كلاما من الله كما سمع موسى عليه السلام من غير أن يبصر السامع ~~من يكلمه. وليس المراد به حجاب الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز على ~~الأجسام من الحجاب ولكن المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا { ~~أو يرسل رسولا } أي يرسل ملكا { فيوحى } أي الملك إليه. ~~وقيل: وحيا كما أوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة { أو يرسل ~~رسولا } أي نبيا كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم. و { وحيا } و ~~{ أن يرسل } مصدران واقعان موقع الحال لأن { أن يرسل } في معنى ~~إرسالا و { من وراء حجاب } ظرف واقع موقع الحال كقوله # وعلى جنوبهم # [آل عمران: 191]. والتقدير: وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا أو مسمعا ~~من وراء حجاب أو مرسلا. ويجوز أن يكون المعنى: وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا بأن يوحي أو أن يسمع من وراء حجاب أو أن يرسل رسولا وهو اختيار ~~الخليل، { أو يرسل رسولا فيوحى } بالرفع: نافع على تقدير أو ~~هو يرسل { بإذنه } إذن الله { ما يشآء } من الوحي { إنه ~~على } قاهر فلا يمانع { حكيم } مصيب في أقواله وأفعاله فلا يعارض. # { وكذلك } أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك أو كما وصفنا لك { ~~أوحينا إليك } إيحاء كذلك { روحا من أمرنا } يريد ما ~~أوحى إليه لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح { ما ~~كنت تدرى } الجملة حال من الكاف في { إليك }. { ما الكتب ~~} القرآن { ولا الإيمن } أي شرائعه أو ولا الإيمان بالكتاب لأنه ~~إذا كان لا يعلم بأن الكتاب ينزل عليه لم يكن عالما بذلك الكتاب. وقيل: ~~الإيمان يتناول أشياء بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه ~~السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل وذاك بما كان له فيه علم ~~حتى كسبه بالوحي { ولكن جعلنه } أي الكتاب { نورا نهدى ~~به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدى } { لتدعو } ~~وقرىء به { إلى صرط مستقيم } الإسلام { صرط الله } بدل ~~{ الذى له ما فى السموت وما فى الأرض } ملكا وملكا ~~{ ألآ إلى الله تصير ms1300 الأمور } هو وعيد بالجحيم ووعد بالنعيم ~~والله أعلم بالصواب. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-18] # { حم والكتب المبين } أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن، وجعل ~~قوله { إنا جعلنه } صيرناه { قرءانا عربيا } جوابا ~~للقسم وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه، والمبين ~~البين للذين أنزل عليهم لأنه بلغتهم وأساليبهم أو الواضح للمتدبرين أو ~~الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة في ~~أبواب الديانة { لعلكم تعقلون } لكي تفهموا معانيه { ~~وإنه فى أم الكتب لدينا } وإن القرآن مثبت عند الله ~~في اللوح المحفوظ، دليله قوله: # بل هو قرءان مجيد فى لوح محفوظ # [البروج: 21-22]. وسمي أم الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب منه ~~تنقل وتستنسخ. { أم الكتب } بكسر الألف: علي وحمزة { ~~لعلى } خبر «إن» أي في أعلى طبقات البلاغة أو رفيع الشأن في الكتب ~~لكونه معجزا من بينها { حكيم } ذو حكمة بالغة { أفنضرب عنكم ~~الذكر } أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز من قولهم ~~«ضرب الغرائب عن الحوض». والفاء للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب ~~عنكم الذكر إنكارا لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب؟ ~~وجعله قرآنا عربيا ليعقلوه وليعلموا بمواجبه { صفحا } مصدر من صفح ~~عنه إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن ~~وإلزام الحجة به إعراضا عنكم. ويجوز أن يكون مصدرا على خلاف الصدر لأنه ~~يقال «ضربت عنه» أي أعرضت عنه كذا قاله الفراء { إن كنتم } لأن كنتم ~~{ إن كنتم } مدني وحمزة. وهو من الشرط الذي يصدر عن المدل بصحة الأمر ~~المتحقق لثبوته كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك ~~{ قوما مسرفين } مفرطين في الجهالة مجاوزين الحد في الضلالة. # { وكم أرسلنا من نبي فى الأولين } أي كثيرا من ~~الرسل أرسلنا من تقدمك { وما يأتيهم من نبى إلا كانوا ~~به يستهزءون } هي حكاية حال ماضية مستمرة أي كانوا على ذلك وهذه ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه. # { فأهلكنا ms1301 أشد منهم بطشا } تمييز، والضمير للمسرفين ~~لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم { ~~ومضى مثل الأولين } أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر ~~قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم. { ولئن سألتهم } أي المشركين { ~~من خلق السموت والأرض ليقولن خلقهن ~~العزيز العليم الذى جعل لكم الأرض مهدا } كوفي ~~وغيره مهادا أي موضع قرار { وجعل لكم فيها سبلا } طرقا { ~~لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا في أسفاركم. # { والذى نزل من السمآء مآء بقدر } بمقدار يسلم معه ~~العباد ويحتاج إليه البلاد { فأنشرنا } فأحيينا عدول من المغايبة ~~إلى الإخبار لعلم المخاطب بالمراد { به بلدة ميتا } يريد ~~ميتا { كذلك تخرجون } من قبوركم أحياء { تخرجون } حمزة ~~وعلي ولا وقف على { العليم } لأن { الذى } صفته، وقد وقف عليه أبو ~~حاتم على تقدير «هو الذي»، لأن هذه الأوصاف ليست من مقول الكفار لأنهم ~~ينكرون الإخراج من القبور فكيف يقولون { كذلك تخرجون } بل الآية ~~حجة عليهم في إنكار البعث { والذى خلق الأزوج } الأصناف { ~~كلها وجعل لكم من الفلك والأنعم ما ~~تركبون } أي تركبونه. يقال: ركبوا في الفلك وركبوا الأنعام فغلب ~~المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة فقيل تركبونه { ~~لتستووا على ظهوره } على ظهور ما تركبونه وهو الفلك ~~والأنعام { ثم تذكروا } بقلوبكم { نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه وتقولوا } بألسنتكم { سبحن الذى ~~سخر لنا هذا } ذلل لنا هذا المركوب { وما كنا له ~~مقرنين } مطيقين. يقال: أقرن الشيء إذا أطاقه وحقيقة أقرنه وجده ~~قرينته لأن الصعب لا يكون قرينة للضعيف { وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون } لراجعون في المعاد. قيل: يذكرون عند ركوبهم مراكب ~~الدنيا آخر مركبهم منها وهو الجنازة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله. فإذا استوى على الدابة قال: ~~الحمد لله على كل حال، { سبحن الذى سخر لنا هذا } إلى ~~قوله { لمنقلبون } وكبر ثلاثا وهلل ثلاثا. وقالوا: إذا ركب في ~~السفينة قال: ms1302 # بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم # [هود: 41] وحكي أن قوما ركبوا وقالوا { سبحن الذى سخر ~~لنا هذا } الآية. وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالا فقال: إني ~~مقرن لهذه فسقط منها لوثبتها واندقت عنقه. وينبغي أن لا يكون ركوب العاقل ~~للتنزه والتلذذ بل للاعتبار، ويتأمل عنده أنه هالك لا محالة ومنقلب إلى ~~الله غير منفلت من قضائه. # { وجعلوا له من عباده جزءا } متصل بقوله { ولئن ~~سألتهم } أي ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به وقد ~~جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزأ أي قالوا الملائكة بنات الله ~~فجعلوهم جزأ له وبعضا منه كما يكون الولد جزأ لوالده { جزؤا } أبو ~~بكر وحماد { إن الإنسن لكفور مبين } لجحود للنعمة ظاهر ~~جحوده لأن نسبة الولد إليه كفر والكفر أصل الكفران كله { أم اتخذ ~~مما يخلق بنات وأصفكم بالبنين } أي بل أتخذ ~~والهمزة للإنكار تجهيلا لهم وتعجيبا من شأنهم حيث ادعوا أنه اختار ~~لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى { وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا } بالجنس الذي جعله له مثلا أي شبها ~~لأنه إذا جعل الملائكة جزءا لله وبعضا منه فقد جعله من جنسه ومماثلا ~~له لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد { ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم } يعني أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم أن أحدهم ~~إذا قيل له قد ولدت لك بنت اغتم واربد وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من ~~الكرب والظلول بمعنى الصيرورة { أو من ينشؤا فى الحلية ~~وهو فى الخصام غير مبين } أي أو يجعل للرحمن من الولد من ~~هذه الصفة المذمومة صفته وهو أنه ينشأ في الحلية أي يتربى في الزينة ~~والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاناة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين، ~~ليس عنده بيان ولا يأتي ببرهان وذلك لضعف عقولهن. # قال مقاتل: لا تتكلم المرأة إلا وتأتي بالحجة عليها. وفيه أنه جعل ~~النشأة في الزينة من المعايب، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويتزين بلباس ~~التقوى، و { من } منصوب المحل والمعنى أو ms1303 جعلوا من ينشأ في الحلية يعني ~~البنات لله عز وجل { ينشأ } حمزة وعلي وحفص أي يربي قد جمعوا في ~~كفرهم ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس ~~النوعين، وجعلوه من الملائكة المكرمين فاستخفوا بهم. ### || [43.19-32] # { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا } أي سموا وقالوا إنهم إناث { عند الرحمن } مكي ومدني ~~وشامي، أي عندية منزلة ومكانة لا منزل ومكان. والعباد جمع عبد وهو ألزم ~~في الحجاج مع أهل العناد لتضاد بين العبودية والولاد { أشهدوا ~~خلقهم } وهذا تهكم بهم يعني أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم ~~إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك ولا تطرقوا إليه باستدلال ولا ~~أحاطوا به عن خبر يوجب العلم ولم يشاهدوا خلقهم حتى يخبروا عن المشاهدة { ~~ستكتب شهدتهم } التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم { ~~ويسئلون } عنها وهذا وعيد. # { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدنهم } أي ~~الملائكة. تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله تعالى لم يشأ الكفر ~~من الكافر وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله شاء منهم الكفر ~~وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا { لو شآء الرحمن ~~ما عبدنهم } أي لو شاء منا أن نترك عبادة الأصنام لمنعنا عن ~~عبادتها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله تعالى رد عليهم قولهم ~~واعتقادهم بقوله { ما لهم بذلك } المقول { من علم إن هم ~~إلا يخرصون } أي يكذبون، ومعنى الآية عندنا أنهم أرادوا بالمشيئة ~~الرضا وقالوا: لو لم يرض بذلك لعجل عقوبتنا، أو لمنعنا عن عبادتها منع ~~قهر واضطرار، وإذ لم يفعل ذلك فقد رضي بذلك، فرد الله تعالى عليهم بقوله ~~{ ما لهم بذلك من علم } الآية. أو قالوا ذلك استهزاء لا ~~جدا واعتقادا، فأكذبهم الله تعالى فيه وجهلهم حيث لم يقولوا عن اعتقاد ~~كما قال مخبرا عنهم. # أنطعم من لو يشاء الله أطعمه # [يس: 47]. وهذا حق في الأصل، ولكن لما قالوا ذلك استهزاء كذبهم الله ~~بقوله # إن أنتم إلا فى ضلل مبين # [يس: 47] وكذلك قال ms1304 الله تعالى: { قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله } ثم قال # والله يشهد إن المنفقين لكذبون # [المنافقون: 1] لأنهم لم يقولوه عن اعتقاد وجعلوا المشيئة حجة لهم فيما ~~فعلوا باختيارهم، وظنوا أن الله لا يعاقبهم على شيء فعلوه بمشيئته، ~~وجعلوا أنفسهم معذورين في ذلك، فرد الله تعالى عليهم { أم ~~ءاتينهم كتبا من قبله } من قبل القرآن أو من قبل ~~قولهم هذا { فهم به مستمسكون } آخذون عاملون. وقيل: فيه تقديم ~~وتأخير تقديره أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتابا من قبله فيه أن الملائكة ~~إناث { بل قالوآ } بل لا حجة لهم يتمسكون بها لا من حيث العيان ولا ~~من حيث العقل ولا من حيث السمع إلا قولهم { إنا وجدنآ ءابآءنا ~~} على دين فقلدناهم وهي من الأم وهو القصد فالأمة الطريقة التي تؤم أي ~~تقصد { وإنا على آثارهم مهتدون } الظرف صلة المهتدون أو ~~هما خبران. # { وكذلك مآ أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير ~~} نبي { إلا قال مترفوهآ } أي متنعموها وهم الذين أترفتهم ~~النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويعافون مشاق الدين ~~وتكاليفه { إنا وجدنا ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثرهم مقتدون } وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن ~~تقليد الآباء داء قديم { قل } شامي وحفص أي النذير، { قل }: غيرهما ~~أي قيل للنذير قل { أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم ~~عليه ءابآءكم } أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين ~~آبائكم؟ { قالوآ إنا بمآ أرسلتم به كفرون } إنا ~~ثابتون على دين آبائنا وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى { فانتقمنا ~~منهم } فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم { فانظر كيف كان ~~عقبة المكذبين وإذ قال إبرهيم لأبيه ~~وقومه } أي واذكر إذ قال { إننى برآء } أي بريء وهو مصدر ~~يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث كما تقول: رجل عدل ~~وامرأة عدل وقوم عدل والمعنى ذو عدل وذات عدل { مما تعبدون ~~إلا الذى فطرنى } استثناء منقطع كأنه قال: لكن الذي فطرني { ~~فإنه سيهدين } يثبتني على الهداية { وجعلها } وجعل ~~إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي ms1305 قوله { إننى ~~براء مما تعبدون إلا الذى فطرنى } { كلمة ~~بقية فى عقبه } في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو ~~إلى توحيده { لعلهم يرجعون } لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من ~~وحد منهم والترجي لإبراهيم. { بل متعت هؤلآء وءابآءهم } ~~يعني أهل مكة وهم من عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة ~~وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد { حتى ~~جآءهم الحق } أي القرآن { ورسول } أي محمد عليه السلام { ~~مبين } واضح الرسالة بما معه من الآيات البينة. { ولما جآءهم ~~الحق } القرآن { قالوا هذا سحر وإنا به كفرون ~~وقالوا } فيه متحكمين بالباطل { لولا نزل هذا ~~القرءان } فيه استهانة به { على رجل من القريتين ~~عظيم } أي رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] أي من أحدهما، والقريتان: مكة والطائف. وعنوا بعظيم مكة ~~الوليد بن المغيرة، وبعظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وأرادوا بالعظيم ~~من كان ذا مال وذا جاه ولم يعرفوا أن العظيم من كان عند الله عظيما. { ~~أهم يقسمون رحمت ربك } أي النبوة، والهمزة للإنكار ~~المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة { نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم } ما يعيشون به وهو أرزاقهم { فى ~~الحيوة الدنيأ } أي لم نجعل قسمة الأدون إليهم وهو الرزق فكيف ~~النبوة؟ أو كما فضلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخص بالنبوة من أشاء ~~{ ورفعنا بعضهم فوق بعض درجت } أي جعلنا البعض ~~أقوياء وأغنياء وموالي والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء { ليتخذ ~~بعضهم بعضا سخريا } ليصرف بعضهم بعضا في حوائجهم ويستخدموهم ~~في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويصلوا إلى منافعهم هذا ~~بماله وهذا بأعماله { ورحمت ربك } أي النبوة أو دين الله وما ~~يتبعه من الفوز في المآب { خير مما يجمعون } مما يجمع هؤلاء ~~من حطام الدنيا. ولما قلل أمر الدنيا وصغرها أردفه بما يقرر قلة الدنيا ~~عنده فقال. ### || [43.33-51] # { ولولآ أن يكون الناس أمة وحدة } ولولا كراهة أن ~~يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه { لجعلنا } لحقارة الدنيا عندنا { ~~لمن يكفر ms1306 بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوبا وسررا ~~عليها يتكئون وزخرفا } أي لجعلنا للكفار سقوفا ومصاعد ~~وأبوابا وسررا كلها من فضة، وجعلنا لهم زخرفا أي زينة من كل شيء. ~~والزخرف الذهب والزينة، ويجوز أن يكون الأصل سقفا من فضة وزخرف أي بعضها ~~من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفا على محل { من فضة } لبيوتهم بدل ~~اشتمال من { لمن يكفر }. { سقفا } على الجنس: مكي وأبو عمرو ~~ويزيد. والمعارج جمع معرج وهي المصاعد إلى العلالي عليها يظهرون على ~~المعارج يظهرون السطوح أي يعلونها { وإن كل ذلك لما متع ~~الحيوة الدنيا } «إن» نافية و«لما» بمعنى إلا أي وما كل ذلك إلا ~~متاع الحياة الدنيا، وقد قرىء به. وقرأ { لما } غير عاصم وحمزة على أن ~~اللام هي الفارقة بين «إن» المخففة والنافية و«ما» صلة أي وإن كل ذلك ~~متاع الحياة الدينا { والآخرة } أي ثواب الآخرة { عند ربك ~~للمتقين } لمن يتقي الشرك. # { ومن يعش } وقرىء { ومن يعش } والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة ~~في بصره قيل عشى يعشى، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا يعشو. ~~ومعنى القراءة بالفتح ومن يعم { عن ذكر الرحمن } وهو القرآن ~~كقوله # صم بكم عمى # ومعنى القراءة بالضم: ومن يتعام عن ذكره أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ~~كقوله: # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم # [النمل: 14] { نقيض له شيطانا فهو له قرين } قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة يحمله على ~~المعاصي. وفيه إشارة إلى أن من داوم عليه لم يقرنه الشيطان { وإنهم ~~} أي الشياطين { ليصدونهم } ليمنعون العاشين { عن السبيل } ~~عن سبيل الهدى { ويحسبون } أي العاشون { أنهم مهتدون } ~~وإنما جمع ضمير { من } وضمير الشيطان لأن { من } مبهم في جنس العاشي وقد ~~قيض له شيطان مبهم في جنسه فجاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعا { حتى ~~إذا جآءنا } على الواحد: عراقي غير أبي بكر أي العاشي { جاآنا } ~~غيرهم أي العاشي وقرينه { قال } لشيطانه { يليت بيني وبينك ~~بعد المشرقين } يريد المشرق والمغرب فغلب كما ms1307 قيل: العمران ~~والقمران، والمراد بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق { فبئس ~~القرين } أنت. # { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } إذ صح ظلمكم أي كفركم ~~وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين و«إذ» بدل من { ~~اليوم } { أنكم فى العذاب مشتركون } { أنكم } ~~في محل الرفع على الفاعلية أي ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، أو كونكم ~~مشتركين في العذاب كما كان عموم البلوى يطيب القلب في الدنيا كقول ~~الخنساء: # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # ولا يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي # أما هؤلاء فلا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه. وقيل: ~~الفاعل مضمر أي ولن ينفعكم هذا التمني أو الاعتذار لأنكم في العذاب ~~مشتركون لاشتراككم في سببه وهو الكفر، ويؤيده قراءة من قرأ { إنكم } ~~بالكسر. # { أفأنت تسمع الصم } أي من فقد سمع القبول { أو تهدى ~~العمى } أي من فقد البصر { ومن كان فى ضلل مبين } ومن ~~كان في علم الله أنه يموت على الضلال. # { فإما } دخلت «ما» على «إن» توكيدا للشرط، وكذا النون الثقيلة في ~~{ نذهبن بك } أي نتوفينك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين ~~منهم { فإنا منهم منتقمون } أشد الانتقام في الآخرة { أو ~~نرينك الذى وعدنهم } قبل أن نتوفاك يعني يوم بدر { ~~فإنا عليهم مقتدرون } قادرون وصفهم بشدة الشكيمة في ~~الكفر والضلال بقوله { أفأنت تسمع الصم } الآية. ثم أوعدهم ~~بعذاب الدنيا والآخرة بقوله { فإما نذهبن بك } الآيتين. { ~~فاستمسك } فتمسك { بالذى أوحى إليك } وهو القرآن واعمل ~~به { إنك على صرط مستقيم } أي على الدين الذي لا عوج له ~~{ وإنه } وإن الذي أوحي إليك { لذكر لك } لشرف لك { ~~ولقومك } ولأمتك { وسوف تسئلون } عنه يوم القيامة وعن ~~قيامكم بحقه وعن تعظيمكم له وعن شكركم هذه النعمة { وسئل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون ~~الرحمن ءالهة يعبدون } ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة ~~السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم هل جاءت عبادة ~~الأوثان قط في ملة من ملل ms1308 الأنبياء، وكفاه نظرا وفحصا نظره في كتاب ~~الله المعجز المصدق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطانا، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى ~~غيرها. وقيل: إنه عليه السلام جمع له الأنبياء ليلة الإسراء فأمهم، وقيل ~~له: سلهم فلم يشكك ولم يسأل. وقيل: معناه سل أمم من أرسل وهم أهل ~~الكتابين أي التوراة والإنجيل، وإنما يخبرونه عن كتب الرسل فإذا سألهم ~~فكأنه سأل الأنبياء، ومعنى هذا السؤال التقرير لعبدة الأوثان أنهم على ~~الباطل. و { سل } بلا همزة: مكي وعلي { رسلنا } أبو عمرو. # ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله { ولقد أرسلنا موسى ~~بئايتنا إلى فرعون وملإيه فقال إنى رسول ~~رب العلمين } ما أجابوه به عند قوله { إنى رسول رب ~~العلمين } محذوف دل عليه قوله { فلما جآءهم ~~بئايتنا } وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز ~~الآية { إذا هم منها يضحكون } يسخرون منها ويهزءون بها ~~ويسمونها سحرا. # و«إذا» للمفاجأة وهو جواب «فلما» لأن فعل المفاجأة معها مقدر وهو عامل ~~النصب في محل «إذا» كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم. # { وما نريهم من ءاية إلا هى أكبر من أختها } ~~قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها في نقض العادة، وظاهر النظم يدل على أن ~~اللاحقة أعظم من السابقة وليس كذلك بل المراد بهذا الكلام أنهن موصوفات ~~بالكبر ولا يكدن يتفاوتن فيه وعليه كلام الناس. يقال: هما أخوان كل واحد ~~منهما أكرم من الآخر { وأخذنهم بالعذاب } وهو ما قال تعالى: # ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # فأرسلنا عليهم الطوفان # [الأعراف: 133] الآية. { لعلهم يرجعون } عن الكفر إلى ~~الإيمان { وقالوا يأيه الساحر } كانوا يقولون للعالم الماهر ~~ساحر لتعظيمهم علم السحر. { وقالوا يأيه الساحر } بضم الهاء ~~بلا ألف: شامي. ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت ~~لالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها { ادع لنا ربك ~~بما عهد عندك } بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة، أو بعهده عندك ~~وهو النبوة، أو ms1309 بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى { إننا ~~لمهتدون } مؤمنون به. # { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } ~~ينقضون العهد بالإيمان ولا يفون به { ونادى فرعون } نادى بنفسه ~~عظماء القبط أو أمر مناديا فنادى كقولك «قطع الأمير اللص» إذا أمر بقطعه ~~{ فى قومه } جعلهم محلا لندائه وموقعا له { قال يقوم ~~أليس لى ملك مصر وهذه الأنهر } أي أنهار النيل ~~ومعظمها أربعة { تجرى من تحتى } من تحت قصري. وقيل: بين يدي في ~~جناني. والواو عاطفة للأنهار على { ملك مصر } و { تجرى } نصب ~~على الحال منها، أو الواو للحال واسم الإشارة مبتدأ، والأنهار صفة لاسم ~~الإشارة، و { تجرى } خبر للمبدأ، وعن الرشيد أنه لما قرأها قال: ~~لأولينها أخس عبيدي فولاها الخصيب وكان خادمه على وضوئه، وعن عبد الله بن ~~طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها قال: أهي القرية التي افتخر بها ~~فرعون حتى قال { أليس لى ملك مصر } والله لهي أقل عندي من أن ~~أدخلها فثني عنانه { أفلا تبصرون } قوتي وضعف موسى وغناي وفقره. ### || [43.52-70] # { أم أنا خير } «أم» منقطعة بمعنى «بل» والهمزة كأنه قال: أثبت ~~عندكم وأستقر أني أنا خير وهذه حالي؟ { أمن هذا الذى هو ~~مهين } ضعيف حقير { ولا يكاد يبين } الكلام لما كان به من ~~الرتة { فلولآ } فهلا { ألقى عليه أسورة } حفص ويعقوب ~~وسهل جمع سوار، غيرهم { أساورة } جمع أسورة وأساوير جمع أسوار وهو ~~السوار، حذف الياء من أساوير وعوض منها التاء { من ذهب } أراد ~~بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه لأنهم كانوا إذا أرادوا ~~تسويد الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب { أو جآء معه ~~الملئكة مقترنين } يمشون معه يقترن بعضهم ببعض ليكونوا ~~أعضاده وأنصاره وأعوانه. # { فاستخف قومه } استفزهم بالقول واستنزلهم وعمل فيهم كلامه. ~~وقيل: طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الإسراع { فأطاعوه إنهم ~~كانوا قوما فسقين } خارجين عن دين الله { فلما ~~ءاسفونا انتقمنا منهم فأغرقنهم أجمعين } ~~«آسف» منقول من أسف أسفا إذا اشتد غضبه ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي ~~فاستوجبوا أن يعجل لهم عذابنا ms1310 وانتقامنا وأن لا نحلم عنهم { ~~فجعلنهم سلفا } جمع سالف كخادم وخدم { سلفا } حمزة وعلي، ~~جمع سليف أي فريق قد سلف { ومثلا } وحديثا عجيب الشأن سائرا مسير ~~المثل يضرب بهم الأمثال ويقال مثلكم مثل قوم فرعون { للآخرين } لمن ~~يجيء بعدهم، ومعناه فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار يقتدون بهم في ~~استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم ومثلا يحدثون به. # { ولما ضرب ابن مريم مثلا } لما قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على قريش: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] غضبوا فقال ابن الزبعري: يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم ~~لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام: # " هو لكم ولآلهتكم. ولجميع الأمم " # فقال: ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثني عليه وعلى أمه خيرا؟ وقد ~~علمت أن النصارى يعبدونهما وعزيز يعبد، والملائكة يعبدون. فإن كان هؤلاء ~~في النار فقد رضينا أن نكون نحن وءآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا، وسكت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية. والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن ~~مريم مثلا لآلهتهم وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى ~~إياه { إذا قومك } قريش { منه } من هذا المثل { يصدون } ~~يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وضحكا بما سمعوا منه من إسكات النبي صلى ~~الله عليه وسلم بجدله، { يصدون } مدني وشامي والأعشى وعلي، من الصدود ~~أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد وهو ~~الجلبة وأنهما لغتان نحو يعكف ويعكف { وقالوآ ءالهتنا خير ~~أم هو } يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من ~~حصب النار كان أمر آلهتنا هينا { ما ضربوه } أي ما ضربوا هذا المثل ~~{ لك إلا جدلا } إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الميز ~~بين الحق والباطل. # { بل هم قوم خصمون } لد شداد الخصومة دأبهم اللجاج وذلك أن ~~قوله تعالى { إنكم وما تعبدون } لم يرد به إلا الأصنام لأن ms1311 ~~ما لغير العقلان إلا أن ابن الزبعري بخداعه لما رأى كلام الله محتملا ~~لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة ~~مساغا فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله على طريق ~~اللجاج والجدال وحب المغالبة والمكابرة وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه { إن هو } ما عيسى { إلا عبد ~~} كسائر العبيد { أنعمنا عليه } بالنبوة { وجعلنه ~~مثلا لبنى إسرءيل } وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني ~~إسرائيل { ولو نشآء لجعلنا منكم ملئكة فى الأرض ~~} أي بدلا منكم كذا قاله الزجاج. وقال جامع العلوم: لجعلنا بدلكم و«من» ~~بمعنى البدل { يخلفون } يخلفونكم في الأرض أو يخلف الملائكة بعضهم ~~بعضا. وقيل: ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور لجعلنا منكم، لولدنا ~~منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم كما ولدنا ~~عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن ~~الملائكة أجساد لا تتولد إلا من أجسام والقديم متعال عن ذلك. # { وإنه لعلم للساعة } وإن عيسى مما يعلم به مجيء الساعة. ~~وقرأ ابن عباس { لعلم للساعة } وهو العلامة أي وإن نزوله علم للساعة { ~~فلا تمترن بها } فلا تشكن فيها من المرية وهو الشك { ~~واتبعون } وبالياء فيهما: سهل ويعقوب أي واتبعوا هداي وشرعي أو ~~رسولي أو هو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله { هذا ~~صرط مستقيم } أي هذا الذي أدعوكم إليه { ولا يصدنكم ~~الشيطن } عن الإيمان بالساعة أو عن الاتباع { إنه لكم ~~عدو مبين } ظاهر العداوة إذ أخرج أباكم من الجنة ونزع عنه لباس ~~النور. # { ولما جآء عيسى بالبينت } بالمعجزات أو بآيات ~~الإنجيل والشرائع البينات الواضحات { قال قد جئتكم بالحكمة ~~} أي الإنجيل والشرائع { ولابين لكم بعض الذى تختلفون ~~فيه } وهو أمر الدين لا أمر الدنيا { فاتقوا الله وأطيعون ~~إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط ~~مستقيم } هذا تمام كلام عيسى عليه السلام. { فاختلف ~~الأحزاب } الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم: اليعقوبية والنسطورية ~~والملكانية والشمعونية { من ms1312 بينهم } من بين النصارى { فويل ~~للذين ظلموا } حيث قالوا في عيسى ما كفروا به { من عذاب ~~يوم أليم } وهو يوم القيامة { هل ينظرون إلا الساعة } ~~الضمير لقوم عيسى أو للكفار { أن تأتيهم } بدل من { الساعة } ~~أي هل ينظرون إلا إتيان الساعة { بغتة وهم لا يشعرون } أي ~~وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم كقوله # تأخذهم وهم يخصمون # [يس: 49] { الأخلاء } جمع خليل { يومئذ } يوم القيامة { ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } أي المؤمنين. ~~وانتصاب { يومئذ } ب { عدو } أي تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين ~~المتخالين في غير ذات الله وتنقلب عداوة ومقتا إلا خلة المتصادقين في ~~الله فإنها الخلة الباقية { يعباد } بالياء في الوصل والوقف: مدني ~~وشامي وأبو عمرو، وبفتح الياء: أبو بكر. الباقون: بحذف الياء { لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } هو حكاية لما ~~ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ { الذين } منصوب المحل على ~~صفة لعبادي لأنه منادى مضاف { ءامنوا بئايتنا } صدقوا ~~بآياتنا { وكانوا مسلمين } لله منقادين له { ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزوجكم } المؤمنات في الدنيا { تحبرون } ~~تسرون سرورا يظهر حباره أي أثره على وجوهكم. ### || [43.71-89] # { يطاف عليهم بصحف } جمع صفحة { من ذهب وأكوب } ~~أي من ذهب أيضا والكوب الكوز لا عروة له { وفيها } في الجنة { ما ~~تشتهيه الأنفس } مدني وشامي وحفص بإثبات الهاء العائدة إلى ~~الموصول، وحذفها غيرهم لطول الموصول بالفعل والفاعل والمفعول. و { ~~وتلذ الأعين } وهذا حصر لأنواع النعم لأنها إما مشتهيات في ~~القلوب أو مستلذة في العيون { وأنتم فيها خلدون وتلك ~~الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون } { ~~تلك } إشارة إلى الجنة المذكورة وهي مبتدأ و { الجنة } خبر و { ~~التى أورثتموها } صفة الجنة، أو { الجنة } صفة للمبتدأ الذي ~~هو اسم الإشارة و { التى أورثتموها } خبر المبتدأ، أو { التى ~~أورثتموها } صفة المبتدأ و { بما كنتم تعملون } الخبر، ~~والباء تتعلق بمحذوف أي حاصلة أو كائنة كما في الظروف التي تقع أخبارا، ~~وفي الوجه الأول تتعلق ب { أورثتموها } وشبهت في بقائها على أهلها ~~بالميراث الباقي على الورثة { لكم فيها فكهة كثيرة ~~منها ms1313 تأكلون } «من» للتبعيض أي لا تأكلون إلا بعضها وأعقابها ~~باقية في شجرها فهي مزينة بالثمار أبدا، وفي الحديث «لا ينزع رجل في ~~الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها». # { إن المجرمين فى عذاب جهنم خلدون } خبر بعد ~~خبر { لا يفتر عنهم } خبر آخر أي لا يخفف ولا ينقص { وهم ~~فيه } في العذاب { مبلسون } آيسون من الفرج متحيرون { وما ~~ظلمنهم } بالعذاب { ولكن كانوا هم الظلمين } هم ~~فصل { ونادوا يملك } لما آيسوا من فتور العذاب نادروا يا مالك ~~وهو خازن النار. وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ «يا مال» فقال: ما ~~أشغل أهل النار عن الترخيم { ليقض علينا ربك } ليمتنامن قضى ~~عليه إذا أماته # فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص: 15] والمعنى سل ربك أن يقضي علينا { قال إنكم ~~مكثون } لا بثون في العذاب لا تتخلصون عنه بموت ولا فتور { لقد ~~جئنكم بالحق } كلام الله تعالى. ويجب أن يكون في { قال } ~~ضمير الله لما سألوا مالكا أن يسأل القضاء عليهم أجابهم الله بذلك. ~~وقيل: هو متصل بكلام مالك والمراد بقوله جئناكم الملائكة إذ هم رسل الله ~~وهو منهم { ولكن أكثركم للحق كرهون } لا تقبلونه ~~وتنفرون منه لأن مع الباطل الدعة ومع الحق التعب. # { أم أبرموا أمرا } أم أحكم مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم { فإنا مبرمون } كيدنا كما أبرموا ~~كيدهم وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~دار الندوة { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم } حديث ~~أنفسهم { ونجوهم } ما يتحدثون فيما ببينهم ويخفونه عن غيرهم { ~~بلى } نسمعها ونطلع عليها { ورسلنا } أي الحفظة { لديهم ~~يكتبون } عندهم يكتبون ذلك، وعن يحيى بن معاذ: من ستر من الناس ~~عيوبه وأبداها لمن لا تخفى عليه خافية فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو ~~من أمارات النفاق. # { قل إن كان للرحمن ولد } وصح ذلك ببرهان { فأنا ~~أول العبدين } فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته ~~والانقياد إليه كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد ms1314 ~~على سبيل الفرض والمراد نفي الولد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ~~وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالا مثلها، ونظيره قول سعيد بن ~~جبير للحجاج حين قال له: والله لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى: لو عرفت أن ~~ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك. وقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول ~~العابدين أي الموحدين لله المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه. وقيل؛ إن ~~كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، من عبد ~~يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. وقرىء { العبدين } وقيل: هي «إن» ~~النافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد. وروي أن ~~النضر قال: الملائكة بنات الله فنزلت: فقال النضر: ألا ترون أنه صدقني ~~فقال له الوليد: ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمن ولد فأنا أو الموحدين من ~~أهل مكة أن لا ولد له. { ولد } حمزة وعلي. ثم نزه ذاته على اتخاذ الولد ~~فقال { سبحن رب السموت والأرض رب العرش ~~عما يصفون } أي هو رب السماوات والأرض والعرش فلا يكون جسما إذ ~~لو كان جسما لم يقدر على خلقها، وإذا لم يكن جسما لا يكون له ولد لأن ~~التولد من صفة الأجسام { فذرهم يخوضوا } في باطلهم { ~~ويلعبوا } في دنياهم { حتى يلقوا يومهم الذى ~~يوعدون } أي القيامة، وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل ~~والخوض واللعب. # { وهو الذى فى السمآء إله وفى الأرض إله } ضمن ~~اسمه تعالى معنى وصف فلذلك علق به الظرف في قوله { فى السماء } { ~~وفى الأرض } كما تقول: هو حاتم في طي وحاتم في تغلب. على تضمين ~~معنى الجواد الذي شهر به كأنك قلت: هو جواد في طي جواد في تغلب. وقرىء { ~~وهو الذي فى السماء الله وفى الأرض الله } ومثله قوله # وهو الله فى السموت وفى الأرض # فكأنه ضمن معنى المعبود. والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام كقولهم ~~«ما أنا بالذي قائل لك شيئا» والتقدير: وهو الذي هو في السماء ms1315 إله. و { ~~إله } يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر ولا يرتفع { إله } بالابتداء ~~وخبره { فى السماء } لخلو الصلة حينئذ من عائد يعود إلى الموصول { ~~وهو الحكيم } في أقواله وأفعاله { العليم } بما كان ويكون { ~~وتبارك الذى له ملك السموت والأرض وما ~~بينهما وعنده علم الساعة } أي علم قيامها { وإليه ~~ترجعون } { يرجعون }: مكي وحمزة وعلي { ولا يملك } ~~آلهتهم { الذين يدعون } أي يدعونهم { من دونه } من دون الله ~~{ الشفعة } كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله { إلا من شهد ~~بالحق } أي ولكن من شهد بالحق بكلمة التوحيد { وهم يعلمون } ~~أن الله ربهم حقا ويعتقدون ذلك هو الذي يملك الشفاعة، وهو استثناء منقطع ~~أو متصل لأن في جملة الذين يدعون من دون الله الملائكة { ولئن ~~سألتهم } أي المشركين { من خلقهم ليقولن الله } ~~لا الأصنام والملائكة { فأنى يؤفكون } فكيف أو من أين يصرفون ~~عن التوحيد مع هذا الإقرار # { وقيله } بالجر: عاصم وحمزة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله { ~~يرب } والهاء يعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله: ~~{ قل إن كان للرحمن فأنا أول العبدين }. # وبالنصب: الباقون عطفا على محل { الساعة } أي يعلم الساعة ويعلم ~~قيله أي قيل محمد يا رب. والقيل والقول والمقال واحد، ويجوز أن يكون الجر ~~والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه. وجواب القسم { إن هؤلآء قوم ~~لا يؤمنون } كأنه قيل: وأقسم بقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، ~~وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه { فاصفح ~~عنهم } فأعرض عن دعوتهم يائسا عن إيمانهم وودعهم وتاركهم و { وقل ~~} لهم { سلم } أي تسلم منكم ومتاركة { فسوف يعلمون } وعيد ~~من الله لهم وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم. وبالتاء: مدني وشامي. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-21] # في الخبر «من قرأها ليلة جمعة أصبح مغفورا له». { حم والكتب ~~المبين } أي القرآن. الواو في { والكتب } واو القسم. إن جعلت ~~{ حم } تعديدا للحروف، أو اسما للسورة مرفوعا على خبر الابتداء ~~المحذوف، وواو العطف إن كانت { حم } مقسما بها وجواب القسم { إنآ ~~أنزلنه فى ms1316 ليلة مبركة } أي ليلة القدر أو ليلة النصف ~~من شعبان. وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. والجمهور على الأول ~~لقوله # إنا أنزلنه فى ليلة القدر # [القدر: 1] وقوله # شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان. ثم قالوا: ~~أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل في وقت ~~وقوع الحاجة إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ابتداء نزوله في ~~ليلة القدر. والمباركة الكثيرة الخير لما ينزل فيها من الخير والبركة ~~ويستجاب من الدعاء ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة ~~{ إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر } هما جملتان ~~مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا ~~الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا، لأن ~~إنزال القرآن من الأمور الحكمية وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. ومعنى { ~~يفرق } يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من ~~هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة { حكيم } ذي ~~حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي لأن الحكيم ~~صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجازا. # { أمرا من عندنا } نصب على الاختصاص جعل كل أمر جزلا فخما ~~بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وفخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمرا ~~حاصلا من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا { إنا كنا مرسلين ~~} بدل من { إنا كنا منذرين } { رحمة من ربك } ~~مفعول له على معنى أنزلنا القرآن. لأن من شأننا وعادتنا إرسال الرسل ~~بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، أو تعليل لقوله { أمرا من ~~عندنا } ، و { رحمة } مفعول به. وقد وصف الرحمة بالإرسال كما ~~وصفها به في قوله # وما يمسك فلا مرسل له من بعده # [فاطر: 2] والأصل إنا كنا مرسلين رحمة منا فوضع الظاهر موضع الضمير ~~إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين { إنه هو ~~السميع } لأقوالهم { العليم } بأحوالهم { رب } كوفي ms1317 بدل من { ~~ربك } وغيرهم بالرفع أي هو رب { السموت والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين } ومعنى الشرط أنهم كانوا يقرون بأن ~~للسموات والأرض ربا وخالقا فقيل لهم: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة ~~من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ~~ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم ~~وإيقان كما تقول: إن هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه ~~وحدثت بقصته { لآ إله إلا هو يحيى ويميت ربكم } أي ~~هو ربكم { ورب ءابائكم الأولين } عطف عليه. # ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله { بل هم فى شك يلعبون } وإن ~~إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل قول مخلوط بهزؤ ولعب { فارتقب } ~~فانتظر { يوم تأتى السماء بدخان } يأتي من السماء قبل يوم ~~القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ، ويعتري ~~المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص. ~~وقيل: إن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ~~فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء ~~والأرض الدخان وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان { ~~مبين } ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان { يغشى الناس } ~~يشملهم ويلبسهم وهو في محل الجر صفة ل { دخان } وقوله { هذا ~~عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } ~~أي سنؤمن إن تكشف عنا العذاب منصوب المحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون ~~منصوب المحل على الحال أي قائلين ذلك { أنى لهم الذكرى } كيف ~~يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب { وقد ~~جآءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا ~~معلم مجنون } أي وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الاذكار ~~من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات ~~والبينات من الكتاب المعجز وغيره ms1318 فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بأن ~~عداسا غلاما أعجميا لبعض ثقيف هو الذي علمه ونسبوه إلى الجنون { ~~إنا كاشفوا العذاب قليلا } زمانا قليلا أو كشفا قليلا ~~{ إنكم عآئدون } إلى الكفر الذي كنتم فيه أو إلى العذاب { ~~يوم نبطش البطشة الكبرى } هي يوم القيامة أو يوم بدر { ~~إنا منتقمون } أي ننتقم منهم في ذلك اليوم. وانتصاب { يوم ~~نبطش } ب «اذكر» أو بما دل عليه { إنا منتقمون } وهو ننتقم ~~لا ب { منتقمون } لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها. { ولقد ~~فتنا قبلهم } قبل هؤلاء المشركين أي فعلنا بهم فعل المختبر ~~ليظهر منهم ما كان باطنا { قوم فرعون وجآءهم رسول ~~كريم } على الله وعلى عباده المؤمنين، أو كريم في نفسه حسيب نسيب لأن ~~الله تعالى لم يبعث نبيا إلا من سراة قومه وكرامهم { أن أدوآ ~~إلى } هي «أن» المفسرة لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى ~~القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله، أو المخففة ~~من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدوا إلي سلموا إلي { ~~عباد الله } هو مفعول به وهم بنو إسرائيل يقول: أدوهم إلي وأرسلوهم ~~معي كقوله: # فأرسل معنا بنى إسرءيل ولا تعذبهم # [طه: 47]. ويجوز أن يكون نداء لهم على معنى أدوا إلي يا عباد الله ما هو ~~واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بقوله { ~~إني لكم رسول أمين } أي على رسالتي غير متهم { وأن لا ~~تعلوا على الله } «أن» هذه مثل الأولى في وجهيها أي لا تستكبروا ~~على الله بالاستهانة برسوله ووحيه، أو لا تستكبروا على نبي الله { أنى ~~ءاتيكم بسلطن مبين } بحجة واضحة تدل على أني نبي { وإنى ~~عذت } مدغم: أبو عمرو وحمزة وعلي { بربى وربكم أن ~~ترجمون } أن تقتلوني رجما ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه ~~منهم ومن كيدهم فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه من الرجم والقتل { ~~وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون } أي إن لم تؤمنوا لي فلا ~~موالاة بيني وبين من ms1319 لا يؤمن فتنحوا عني، أو فخلوني كفافا لا لي ولا ~~علي ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا ~~حكم ذلك. { ترجموني } ، { فاعتزلوني } في الحالين: يعقوب. ### || [44.22-59] # { فدعا ربه } شاكيا قومه { أن هؤلآء قوم مجرمون ~~} بأن هؤلاء أي دعا ربه بذلك. قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل لهم ما يستحقونه ~~بإجرامهم. وقيل: هو قوله # ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين # وقرىء { إن هؤلآء } بالكسر على إضمار القول أي فدعا ربه فقال إن ~~هؤلاء { فأسر } من أسرى. { فأسر } بالوصل: حجازي من سرى والقول ~~مضمر بعد الفاء أي فقال أسر { بعبادى } أي بني إسرائيل { ليلا ~~إنكم متبعون } أي دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده ~~فينجي المتقدمين ويغرق التابعين { واترك البحر رهوا } ساكنا. ~~أراد موسى عليه السلام لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق فأمر بأن ~~يتركه ساكنا على هيئته قارا على حاله من انتصاب الماء وكون الطريق ~~يبسا لا يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئا ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه ~~أطبقه الله عليهم. وقيل: الرهو: الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحا على ~~حاله منفرجا { إنهم جند مغرقون } بعد خروجكم من البحر، ~~وقرىء بالفتح أي لأنهم. { كم } عبارة عن الكثرة منصوب بقوله: { ~~تركوا من جنت وعيون وزروع ومقام كريم } هو ما ~~كان لهم من المنازل الحسنة وقيل: المنابر { ونعمة } تنعم { كانوا ~~فيها فكهين } متنعمين { كذلك } أي الأمر كذلك فالكاف في موضع ~~الرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر { وأورثنها قوما ءاخرين } ~~ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء وهم بنو إسرائيل { فما ~~بكت عليهم السمآء والأرض } لأنهم ماتوا كفارا، والمؤمن ~~إذا مات تبكي عليه السماء والأرض فيبكي على المؤمن من الأرض مصلاه ومن ~~السماء مصعد عمله، وعن الحسن: أهل السماء والأرض { وما كانوا ~~منظرين } أي لم ينظروا إلى وقت آخر ولم يمهلوا. # { ولقد نجينا بنى إسرءيل من العذاب المهين } ~~أي الاستخدام والاستعباد وقتل الأولاد { من فرعون } بدل من { ~~العذاب المهين } بإعادة الجار كأنه في نفسه كان عذابا ms1320 مهينا ~~لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم، أو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك من فرعون { ~~إنه كان عاليا } متكبرا { من المسرفين } خبر ثان أي ~~كان متكبرا مسرفا { ولقد اخترنهم } أي بني إسرائيل { ~~على علم } حال من ضمير الفاعل أي عالمين بمكان الخيرة وبأنهم أحقاء ~~بأن يختاروا { على العلمين } على عالمي زمانهم { ~~وءاتينهم من الأيت } كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال ~~المن والسلوى وغير ذلك { ما فيه بلؤا مبين } نعمة ظاهرة أو ~~اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون { إن هؤلآء } يعني كفار قريش { ~~ليقولون إن هى } ما الموتة { إلا موتتنا الأولى } ~~والإشكال أن الكلام وقع في الحياة الثانية لا في الموت، فهلا قيل: إن هي ~~إلا حياتنا الأولى؟ وما معنى ذكر الأولى كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى ~~جحدوها وأثبتوا الأولى؟ والجواب أنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تتعقبها ~~حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة وذلك قول تعالى: # وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # [البقرة: 28] فقالوا: إن هي إلا موتتنا الأولى يريدون ما الموتة التي من ~~شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله # إلا حياتنا الدنيا # [الأنعام: 29] في المعنى. ويحتمل أن يكون هذا إنكارا لما في قوله: # ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] { وما نحن بمنشرين } بمبعوثين يقال: أنشر الله ~~الموتى. ونشرهم إذا بعثهم { فأتوا بئابآئنا } خطاب الذين كانوا ~~يعدونهم النشور من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { إن كنتم ~~صدقين } أي إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا إحياء من مات من ~~آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلا على أن ما تعدونه من قيام ~~الساعة وبعث الموتى حق. # { أهم خير } في القوة والمنعة { أم قوم تبع } هو تبع ~~الحميري كان مؤمنا وقومه كافرين. وقيل: كان نبيا في الحديث: # " وما أدرى أكان تبع نبيا أو غير نبي " # { والذين من قبلهم } مرفوع بالعطف على { قوم تبع } { ~~أهلكنهم إنهم كانوا مجرمين } كافرين منكرين للبعث ~~{ وما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ } أي وما ~~بين الجنسين { لاعبين } حال ولو لم ms1321 يكن بعث ولا حساب ولا ثواب كان ~~خلق الخلق للفناء خاصة فيكون لعبا { ما خلقنهمآ إلا ~~بالحق } بالجد ضد اللعب { ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~} أنه خلق لذلك. # { إن يوم الفصل } بين المحق والمبطل وهو يوم القيامة { ~~ميقتهم أجمعين } وقت موعدهم كلهم { يوم لا يغنى ~~مولى عن مولى شيئا } أي ولي كان عن أي ولي كان شيئا من ~~إغناء أي قليلا منه { ولا هم ينصرون } الضمير للمولى لأنهم في ~~المعنى لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى { إلا من رحم ~~الله } في محل الرفع على البدل من الواو في { ينصرون } أي لا يمنع ~~من العذاب إلا من رحمة الله { إنه هو العزيز } الغالب على ~~أعدائه { الرحيم } لأوليائه. # { إن شجرة الزقوم } هي على صورة شجرة الدنيا لكنها في النار ~~والزقوم ثمرها وهو كل طعام ثقيل { طعام الأثيم } هو الفاجر الكثير ~~الآثام. وعن أبي الدرداء أنه كان يقرىء رجلا فكان يقول: طعام اليتيم. ~~فقال: قل طعام الفاجر يا هذا. وبهذا تستدل على أن إبدال الكلمة مكان ~~الكلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها، ومنه أجاز أبو حنيفة رضي الله عنه ~~القراءة بالفارسية بشرط أن يؤدي القارىء المعاني كلها على كمالها من غير ~~أن يخرم منها شيئا. # قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة لأن في كلام العرب ~~خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف ~~المعاني والدقائق ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها. ويروى ~~رجوعه إلى قولهما وعليه الاعتماد { كالمهل } هو دردي الزيت، والكاف ~~رفع خبر بعد خبر { يغلى فى البطون } بالياء: مكي وحفص (وقرىء ~~بالتاء) فالتاء للشجرة والياء للطعام { كغلى الحميم } أي الماء ~~الحار الذي انتهى غليانه ومعناه غليا كغلي الحميم فالكاف منصوب المحل. ~~ثم يقال للزبانية { خذوه } أي الأثيم { فاعتلوه } فقودوه بعنف ~~وغلظة، { فاعتلوه } مكي ونافع وشامي وسهل ويعقوب { إلى سوآء ~~الجحيم } إلى وسطها ومعظمها { ثم صبوا فوق رأسه من ~~عذاب الحميم } المصبوب هو الحميم لا عذابه إلا أنه إذا صب عليه ~~الحميم فقد صب ms1322 عليه عذابه وشدته وصب العذاب استعارة ويقال له { ذق ~~إنك أنت العزيز الكريم } على سبيل الهزؤ والتهكم. { ~~إنك } أي لأنك: علي { إن هذا } أي العذاب أو هذا الأمر هو { ~~ما كنتم به تمترون } تشكون. # { إن المتقين فى مقام } بالفتح وهو موضع القيام والمراد ~~المكان وهو من الخاص الذي وقع مستعملا في معنى العموم، وبالضم: مدني ~~وشامي وهو موضع الإقامة { أمين } من أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو ضد ~~الخائن، فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما ~~يلقى فيه من المكاره { فى جنت وعيون } بدل من { مقام ~~أمين } { يلبسون من سندس } ما رق من الديباج { ~~وإستبرق } ما غلظ منه وهو تعريب استبر، واللفظ إذا عرب خرج من أن ~~يكون أعجميا لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا بالتصرف فيه وتغييره عن ~~منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب فساغ أن يقع في القرآن العربي { ~~متقبلين } في مجالسهم وهو أتم للأنس { كذلك } الكاف مرفوعة ~~أي الأمر كذلك { وزوجنهم } وقرناهم ولهذا عدي بالباء { بحور ~~} جمع حوراء وهي الشديدة سواد العين والشديدة بياضها { عين } جمع عيناء ~~وهي الواسعة العين { يدعون فيها } يطلبون في الجنة { بكل ~~فكهة ءامنين } من الزوال والانقطاع وتولد الضرر من الإكثار { ~~لا يذوقون فيها } أي في الجنة { الموت } البتة { إلا ~~الموتة الأولى } أي سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا. ~~وقيل: لكن الموتة قد ذاقوها في الدنيا { ووقهم عذاب الجحيم ~~فضلا من ربك } أي للفضل فهو مفعول له أو مصدر مؤكد لما قبله ~~لأن قوله { ووقهم عذاب الجحيم } تفضل منه لهم لأن العبد لا ~~يستحق على الله شيئا { ذلك } أي صرف العذاب ودخول الجنة { هو ~~الفوز العظيم فإنما يسرنه } أي الكتاب وقد جرى ذكره ~~في أول السورة { بلسنك لعلهم يتذكرون } يتعظون { ~~فارتقب } فانتظر ما يحل بهم { إنهم مرتقبون } منتظرون ~~ما يحل بك من الدوائر. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-10] # { حم } إن جعلتها إسما للسورة فهو مرفوعة بالابتداء والخبر { تنزيل ~~الكتب من الله } صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان ~~{ تنزيل الكتب ms1323 } مبتدأ والظرف خبرا { العزيز } في انتقامه ~~{ الحكيم } في تدبيره { إن فى السموت والأرض لآيت ~~} لدلالات على وحدانيته، ويجوز أن يكون المعنى إن في خلق السماوات والأرض ~~لآيات { للمؤمنين } دليله قوله { وفى خلقكم } ويعطف { ~~وما يبث من دآبة } على الخلق المضاف لأن المضاف إليه ضمير ~~مجرور متصل يقبح العطف عليه { ءايت } حمزة وعلي بالنصب. وغيرهما ~~بالرفع مثل قولك إن زيدا في الدار وعمرا في السوق أو وعمرو في السوق { ~~لقوم يوقنون واختلف اليل والنهار وما ~~أنزل الله من السمآء من رزق } أي مطر وسمي به لأنه سبب ~~الرزق { فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف ~~الرياح } { الريح } حمزة وعلي. { ءايت لقوم يعقلون } ~~بالنصب: علي وحمزة، وغيرهما بالرفع، وهذا من العطف على عاملين سواء نصبت ~~أو رفعت فالعاملان إذا نصبت «إن» و «في». أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر ~~في { واختلف اليل والنهار } والنصب في { ءايت }. ~~وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و «في». عملت الواو الرفع في آيات والجر في ~~{ واختلف } هذا مذهب الأخفش لأنه يجوز العطف على عاملين، وأما ~~سيبويه فإنه لا يجيزه وتخريج الآية عنده، أن يكون على اضمار «في» والذي ~~حسنه تقديم ذكر «في» في الآيتين قبل هذه الآية ويؤيده قراءة ابن مسعود ~~رضي الله عنه { وفى اختلف اليل والنهار } ويجوز أن ينتصب ~~{ ءايت } على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله، أو ~~على التكرير توكيدا لآيات الأولى كأنه قيل: آيات آيات، ورفعها بإضمار ~~هي. والمعنى في تقديم الإيمان على الإيقان وتوسيطه وتأخير الآخر، أن ~~المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض نظرا صحيحا علموا ~~أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا بالله، فإذا نظروا في خلق ~~أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وفي خلق ما ظهر على الأرض من صنوف الحيوان ~~ازدادوا إيمانا وأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل ~~وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها، ~~وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا، عقلوا واستحكم علمهم وخلص ~~يقينهم { تلك } إشارة ms1324 إلى الآيات المتقدمة أي تلك الآيات { ءايت ~~الله } وقوله { نتلوها } في محل الحال أي متلوة { عليك ~~بالحق } والعامل ما دل عليه { تلك } من معنى الإشارة { فبأى ~~حديث بعد الله وءايته } أي بعد آيات الله كقولهم «أعجبني ~~زيد وكرمه» يريدون أعجبني كرم زيد { يؤمنون } حجازي وأبو عمرو وسهل ~~وحفص، وبالتاء غيرهم على تقدير قل يا محمد. # { ويل لكل أفاك } كذاب { أثيم } متبالغ في اقتراف الآثام ~~{ يسمع ءايت الله } في موضع جر صفة { تتلى عليه } ~~حال من آيات الله { ثم يصر } يقبل على كفره ويقيم عليه { ~~مستكبرا } عن الإيمان بالآيات والإذعان لما تنطق به من الحق ~~مزدريا لها معجبا بما عنده. قيل: نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري ~~من أحاديث العجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن. والآية عامة في كل من ~~كان مضارا لدين الله. وجيء ب «ثم» لأن الإصرار على الضلالة والاستكبار ~~عن الإيمان عند سماع آيات القرآن مستبعد في العقول { كأن لم ~~يسمعها } «كأن» مخففة والأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن ~~ومحل الجملة النصب على الحال أي يصر مثل غير السامع { فبشره ~~بعذاب أليم } فأخبره خبرا يظهر أثره على البشرة. # { وإذا علم من ءايتنا شيئا } وإذا بلغه شيء من آياتنا ~~وعلم أنه منها { اتخذها } اتخذ الآيات { هزوا } ولم يقل اتخذه ~~للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات خاض في ~~الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويجوز أن يرجع ~~الضمير إلى شيء لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية: # نفسي بشيء من الدنيا معلقة # الله والقائم المهدي يكفيها # حيث أراد عتبة { أولئك } إشارة إلى كل أفاك أثيم لشموله الأفاكين ~~{ لهم عذاب مهين } مخز { من ورآئهم } من قدامهم الوراء ~~اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام { جهنم ولا يغنى ~~عنهم ما كسبوا } من الأموال { شيئا } من عذاب الله { ولا ~~ما اتخذوا } «ما» فيهما مصدرية أو موصلة { من دون الله } من ~~الأوثان { أوليآء ولهم عذاب عظيم } في جهنم. ### || [45.11-24] # { هذا ms1325 هدى } إشارة إلى القرآن ويدل عليه { والذين كفروا ~~بئايت ربهم } لأن آيات ربهم هي القرآن أي هذا القرآن كامل في ~~الهداية كما تقول: زيد رجل أي كامل في الرجولية { لهم عذاب من ~~رجز } هو أشد العذاب { أليم } بالرفع: مكي ويعقوب وحفص صفة ل { ~~عذاب } وغيرهم بالجر صفة ل { رجز } { الله الذى سخر لكم ~~البحر لتجرى الفلك فيه بأمره } بإذنه { ~~ولتبتغوا من فضله } بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان ~~واستخراج اللحم الطري { ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما ~~فى السموت وما فى الأرض جميعا } هو تأكيد ما في ~~السموات وهو مفعول { سخر } وقيل: { جميعا } نصب على الحال { ~~منه } حال أي سخر هذه الأشياء كائنة منه حاصلة من عنده، أو خبر مبتدأ ~~محذوف أي هذه النعم كلها منه، أو صفة للمصدر أي تسخيرا منه { إن فى ~~ذلك لآيت لقوم يتفكرون قل للذين ءامنوا ~~يغفروا } أي قل لهم اغفروا يغفروا فحذف المقول لأن الجواب يدل عليه. ~~ومعنى يغفروا يعفوا ويصفحوا. وقيل: إنه مجزوم بلام مضمر تقديره ليغفرو ~~فهو أمر مستأنف وجاز حذف اللام للدلالة على الأمر { للذين لا ~~يرجون أيام الله } لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه من قولهم ~~لوقائع العرب أيام العرب. وقيل: لا يؤملون الأوقات التي وقتها الله تعالى ~~لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت في عمر رضي الله عنه حين ~~شتمه رجل من المشركين من بني غفار فهم أن يبطش به { ليجزى } تعليل ~~للأمر بالمغفرة أي إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم ~~القيامة. وتنكير { قوما } على المدح لهم كأنه قيل: ليجزي أيما قوم و { ~~قوما } مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم. { لنجزى } شامي وحمزة وعلي. { ~~ليجزى قوما } يزيد أي ليجزى الخير قوما فأضمر الخير لدلالة ~~الكلام عليه كما أضمر الشمس في قوله # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] لأن قوله # إذ عرض عليه بالعشى # دليل على تواري الشمس، وليس التقدير ليجزي الجزاء قوما لأن المصدر لا ~~يقوم مقام الفاعل ومعك مفعول صحيح، أما إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل ~~فجائز وأنت تقول جزاك ms1326 الله خيرا { بما كانوا يكسبون } من ~~الإحسان. # { من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها } أي ~~لها الثواب وعليها العقاب { ثم إلى ربكم ترجعون } أي إلى ~~جزائه. { ولقد ءاتينا بنى إسرءيل الكتب } التوراة { ~~والحكم } الحكمة والفقه أو فصل الخصومات بين الناس لأن الملك كان ~~فيهم { والنبوة } خصها بالذكر لكثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم { ~~ورزقناهم من الطيبات } مما أحل الله لهم وأطاب من ~~الأرزاق { وفضلنهم على العلمين } على عالمي زمانهم { ~~وءاتينهم بينت } آيات ومعجزات { من الأمر } من أمر ~~الدين { فما اختلفوآ } فما وقع الخلاف بينهم في الدين { إلا من ~~بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم } أي إلا من بعد ما ~~جاءهم ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم ~~أي لعداوة وحسد بينهم { إن ربك يقضى بينهم يوم ~~القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } قيل: المراد ~~اختلافهم في أوامر الله ونواهيه في التوراة حسدا وطلبا للرياسة لا عن ~~جهل يكون الإنسان به معذورا. # { ثم جعلنك } بعد اختلاف أهل الكتاب { على شريعة } على ~~طريقة ومنهاج { من الأمر } من أمر الدين { فاتبعها } فاتبع ~~شريعتك الثابتة بالحجج والدلائل { ولا تتبع أهوآء الذين ~~لا يعلمون } ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ودينهم ~~المبني على هوى وبدعة وهم رؤساء قريش حين قالوا: ارجع إلى دين آبائك { ~~إنهم } إن هؤلاء الكافرين { لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وإن الظلمين بعضهم أوليآء بعض والله ~~ولى المتقين } وهم موالوه وما أبين الفضل بين الولايتين. # { هذا } أي القرآن { بصئر للناس } جعل ما فيه من معالم ~~الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحا وحياة { وهدى ~~} من الضلالة { ورحمة } من العذاب { لقوم يوقنون } لمن آمن ~~وأيقن بالبعث { أم حسب الذين } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها ~~إنكار الحسبان { اجترحوا السيئت } اكتسبوا المعاصي والكفر ~~ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي كاسبهم { أن نجعلهم } أن ~~نصيرهم وهو من «جعل» المتعدي إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف ~~في { كالذين ءامنوا وعملوا الصلحت } والجملة التي ~~هي { سوآء محيهم وممتهم } بدل ms1327 من الكاف لأن الجملة ~~تقع مفعولا ثانيا فكانت في حكم المفرد، { سوآء } علي وحمزة وحفص ~~بالنصب على الحال من الضمير في { نجعلهم } ويرتفع { محيهم ~~وممتهم } ب { سوآء }. وقرأ الأعمش { وممتهم } بالنصب ~~جعل { محيهم وممتهم } ظرفين كمقدم الحاج أي سواء في ~~محياهم وفي مماتهم. والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا وأن ~~يستووا مماتا لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات ~~وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتا حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة ~~والكرامة وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة، وقيل: معناه إنكار أن ~~يستووا في الممات كما استووا في الحياة في الرزق والصحة، وعن تميم الداري ~~رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ~~ويردد إلى الصباح، وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول: يا ~~فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت { سآء ما يحكمون } بئس ما ~~يقضون إذا حسبوا أنهم كالمؤمنين فليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقعد ~~على مقام المخالفة بل نفرق بينهم فنعلي المؤمنين ونخزي الكافرين. # { وخلق الله السموت والأرض بالحق } ليدل على ~~قدرته { ولتجزى } معطوف على هذا المعلل المحذوف { كل نفس ~~بما كسبت وهم لا يظلمون أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه } أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه فكأنه ~~يعبده كما يعبد الرجل إلهه { وأضله الله على علم } منه ~~باختياره الضلال أو أنشأ فيه فعل الضلال على علم منه بذلك { وختم ~~على سمعه } فلا يقبل وعظا { وقلبه } فلا يعتقد حقا { ~~وجعل على بصره غشوة } فلا يبصر عبرة، { غشوة } ~~حمزة وعلي { فمن يهديه من بعد الله } من بعد إضلال الله ~~إياه { أفلا تذكرون } بالتخفيف: حمزة وعلي وحفص، وغيرهم ~~بالتشديد. فأصل الشر متابعة الهوى والخير كله في مخالفته فنعم ما قال: # إذا طلبتك النفس يوما بشهوة # وكان إليها للخلاف طريق # فدعها وخالف ما هويت فإنما # هواك عدو والخلاف صديق # { وقالوا ما هى } أي ما الحياة لأنهم وعدوا حياة ثانية { إلا ~~حياتنا الدنيا } التي نحن فيها { نموت ms1328 ونحيا } نموت نحن ~~ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون مواتا نطفا في ~~الأصلاب ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة يريدون الحياة ~~في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة. وقيل: هذا كلام من يقول ~~بالتناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به { وما ~~يهلكنا إلا الدهر } كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو ~~المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بإذن الله، ~~وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة ~~بشكوى الزمان ومنه قوله عليه السلام: # " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " # أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر { وما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يظنون } وما يقولون ذلك من علم ويقين ولكن ~~من ظن وتخمين. ### || [45.25-37] # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } أي القرآن يعني ما فيه من ~~ذكر البعث { بينت ما كان حجتهم } وسمى قولهم حجة وإن لم ~~يكن حجة لأنه في زعمهم حجة { إلا أن قالوا ائتوا بأبآءنا ~~} أي أحيوهم. # { الله إن كنتم صدقين } في دعوى البعث، و { حجتهم } ~~خبر «كان» واسمها { أن قالوا } والمعنى ما كان حجتهم إلا مقالتهم: { ~~ائتوا بئابائنا } وقرىء { حجتهم } بالرفع على أنها اسم ~~«كان» و { أن قالوا } الخبر. { قل الله يحييكم } في الدنيا ~~{ ثم يميتكم } فيها عند انتهاء أعماركم { ثم يجمعكم ~~إلى يوم القيمة } أي يبعثكم يوم القيامة جميعا ومن كان ~~قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائكم ضرورة { لا ريب فيه ~~} أي في الجمع { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } قدرة ~~الله على البعث لإعراضهم عن التفكر في الدلائل { ولله ملك ~~السموت والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يخسر المبطلون } عامل النصب في { يوم تقوم } { يخسر ~~} و { يومئذ } بدل من { يوم تقوم } { وترى كل أمة ~~جاثية } جالسة على الركب، يقال: جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبتيه ~~وقيل جاثية مجتمعة { كل أمة } بالرفع على الابتداء { كل } ~~بالفتح: يعقوب على الإبدال من { كل أمة } { تدعى إلى ~~كتبها ms1329 } إلى صحائف أعمالها فاكتفى باسم الجنس فيقال لهم { ~~اليوم تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا. # { هذا كتبنا } أضيف الكتاب إليهم لملابسته إياهم لأن أعمالهم ~~مثبتة فيه وإلى الله تعالى لأنه مالكه والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه ~~أعمال عباده { ينطق عليكم } يشهد عليكم بما عملتم { بالحق } ~~من غير زيادة ولا نقصان { إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } أي نستكتب الملائكة أعمالكم. وقيل: نسخت واستنسخت بمعنى ~~وليس ذلك بنقل من كتاب بل معناه نثبت { فأما الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت فيدخلهم ربهم فى رحمته } ~~جنته { ذلك هو الفوز المبين وأما الذين كفروآ } ~~فيقال لهم { أفلم تكن ءايتى تتلى عليكم } والمعنى ~~ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم فحذف المعطوف عليه { ~~فاستكبرتم } عن الإيمان بها { وكنتم قوما مجرمين } ~~كافرين { وإذا قيل إن وعد الله } بالجزاء { حق ~~والساعة } بالرفع عطف على محل «إن» واسمها. { والساعة }: حمزة ~~عطف على { وعد الله } { لا ريب فيها قلتم ما ندرى ~~ما الساعة } أي شيء الساعة { إن نظن إلا ظنا } أصله نظن ~~ظنا ومعناه إثبات الظن فحسب فأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات ~~الظن مع نفي ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيدا بقوله { وما نحن ~~بمستيقنين وبدا لهم } ظهر لهؤلاء الكفار { سيئات ما ~~عملوا } قبائح أعمالهم أو عقوبات أعمالهم السيئات كقوله: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } ~~ونزل بهم جزاء استهزائهم. # { وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا } أي نترككم في العذاب كما تركتم عدة لقاء يومكم وهي الطاعة، ~~وإضافة اللقاء إلى اليوم كإضافة المكر في قوله # بل مكر اليل والنهار # [سبأ: 33] أي نسيتم لقاء الله تعالى في يومكم هذا ولقاء جزائه { ~~ومأواكم النار } أي منزلكم { وما لكم من نصرين ~~ذلكم } العذاب { بأنكم } بسبب أنكم { اتخذتم ءايت ~~الله هزوا وغرتكم الحيوة الدنيا فاليوم لا ~~يخرجون منها } { لا يخرجون } حمزة وعلي { ولا هم ~~يستعتبون } ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه { فلله ~~الحمد رب السموت ورب الأرض رب العلمين } ~~أي فاحمدوا ms1330 الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين، ~~فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب { وله ~~الكبريآء فى السموت والأرض } وكبروه فقد ظهرت آثار ~~كبريائه وعظمته في السماوات والأرض { وهو العزيز } في انتقامه { ~~الحكيم } في أحكامه. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-12] # { حم تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم ما ~~خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~} ملتبسا بالحق { وأجل مسمى } وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه وهو ~~يوم القيامة { والذين كفروا عمآ أنذروا } عما أنذروه من ~~هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل مخلوق من انتهائه إليه { معرضون } لا ~~يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له، ويجوز أن تكون «ما» مصدرية أي عن ~~إنذارهم ذلك اليوم { قل أرءيتم } أخبروني { ما تدعون من ~~دون الله } تعبدونه من الأصنام { أرونى ماذا خلقوا من ~~الأرض } أي شيء خلقوا مما في الأرض إن كانوا آلهة { أم لهم ~~شرك فى السموت } شركة مع الله في خلق السماوات والأرض { ~~ائتونى بكتب من قبل هذا } أي من قبل هذا الكتاب وهو ~~القرآن يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل ~~من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من ~~قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله { أو أثرة من ~~علم } أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين { إن كنتم ~~صدقين } أن الله أمركم بعبادة الأوثان. # { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيمة وهم عن دعآئهم ~~غفلون } أي أبدا { وإذا حشر الناس كانوا لهم ~~أعدآء } أي الأصنام لعبدتها { وكانوا } أي الأصنام { ~~بعبادتهم } بعبادة عبدتهم { كفرين } يقولون ما دعوناهم إلى ~~عبادتنا. ومعنى الاستفهام في { من أضل } إنكار أن يكون في الضلال ~~كلهم أبلغ ضلالا من عبدة الأوثان حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر ~~على كل شيء ويدعون من دونه جمادا لا يستجيب لهم ولا قدرة له على استجابة ~~أحد منهم ما دامت الدنيا ms1331 وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر ~~الناس كانوا لهم أعداء وكانوا عليهم ضدا فليسوا في الدارين إلا على نكد ~~ومضرة لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد ~~عبادتهم. ولما أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم من الاستجابة والغفلة ~~قيل «من» و «هم»، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة، طريقه طريق التهكم بها ~~وبعبدتها ونحوه قوله تعالى: # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون بشرككم # [فاطر: 14]. # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } جمع بينة وهي ~~الحجة والشاهد أو واضحات مبينات { قال الذين كفروا للحق } ~~المراد بالحق الآيات وبالذين كفروا المتلو عليهم فوضع الظاهران موضع ~~الضميرين للتسجيل عليهم بالكفر وللمتلو بالحق { لما جآءهم } أي ~~بادهوه بالجحود ساعة أتاهم وأول ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر ~~{ هذا سحر مبين } ظاهر أمره في البطلان لا شبهة فيه { أم ~~يقولون افتراه } إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا إلى ذكر ~~قولهم إن محمدا عليه السلام افتراه أي اختلقه وأضافه إلى الله كذبا، ~~والضمير للحق والمراد به الآيات { قل إن افتريته فلا ~~تملكون لى من الله شيئا } أي إن افتريته على سبيل الفرض ~~عاجلني الله بعقوبة الافتراء عليه فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي، ولا ~~تطيقون دفع شيء من عقابه فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه؟. # { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تندفعون فيه من القدح في ~~وحي الله والطعن في آياته وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى { كفى به ~~شهيدا بينى وبينكم } يشهد لي بالصدق والبلاغ ويشهد عليكم ~~بالجحود والإنكار، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم { وهو ~~الغفور الرحيم } موعدة بالغفران والرحمة إن تابوا عن الكفر ~~وآمنوا. # { قل ما كنت بدعا من الرسل } أي بديعا كالخف بمعنى ~~الخفيف، والمعنى إني لست بأول مرسل فتنكروا نبوتي { ومآ أدرى ما ~~يفعل بى ولا بكم } أي ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من ~~الزمان. وعن الكلبي قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى ~~تكون على هذا؟ ms1332 فقال: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أو أومر ~~بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه ذات نخيل وشجره و «ما» ~~في { ما يفعل } يجوز أن يكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية ~~مرفوعة. وإنما دخل «لا» في قوله { ولا بكم } مع أن { بفعل } مثبت ~~غير منفي لتناول النفي في { ما أدرى } «ما» وما في حيزه { إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلى وما أنا إلا نذير ~~مبين قل أرءيتم إن كان } القرآن { من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرءيل } هو عبد الله ~~بن سلام عند الجمهور ولهذا قيل: إن هذه الآية مدنية لأن إسلام بن سلام ~~بالمدينة. روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر ~~إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب. قال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن ~~إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال ~~الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول ~~طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ~~نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته " # فقال: أشهد أنك رسول الله حقا. # { على مثله } الضمير للقرآن أي مثله في المعنى وهو ما في التوراة ~~من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، ~~ويجوز أن يكون المعنى إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ~~ذلك يعني كونه من عند الله { فئامن } الشاهد { واستكبرتم } ~~عن الإيمان به. وجواب الشرط محذوف تقديره إن كان القرآن من عند الله ~~وكفرتم به ألستم ظالمين، ويدل على هذا المحذوف. { إن الله لا ~~يهدى القوم الظلمين } والواو الأولى عاطفة ل { كفرتم ~~} على فعل الشرط، وكذلك الواو الأخيرة عاطفة ل { استكبرتم } على ~~{ شهد شاهد } ، وأما الواو في { وشهد } فقد عطفت جملة قوله { ~~شهد شاهد من ms1333 بنى إسرءيل على مثله فئامن ~~واستكبرتم } على جملة قوله { كان من عند الله ~~وكفرتم به } والمعنى قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله ~~مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله، فإيمانه به ~~مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟. # { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا } أي لأجلهم وهو ~~كلام كفار مكة قالوا: إن عامة من يتبع محمدا السقاط يعنون الفقراء مثل ~~عمار وصهيب وابن مسعود { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ~~لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء { وإذ لم ~~يهتدوا به } العامل في «إذ» محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره وإذ ~~لم يهتدوا به ظهر عنادهم وقوله { فسيقولون هذا إفك قديم ~~} مسبب عنه وقولهم { إفك قديم } أي كذب متقادم كقولهم # أساطير الأولين # [الأنعام:25] { ومن قبله } أي القرآن { كتاب موسى } أي ~~التوراة وهو مبتدأ و { من قبله } ظرف واقع خبرا مقدما عليه وهو ~~ناصب { إماما } على الحال نحو: في الدار زيد قائما. ومعنى { إماما ~~} قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام { ورحمة } لمن ~~آمن به وعمل بما فيه { وهذا } القرآن { كتب مصدق } لكتاب ~~موسى أو لما بين يديه وتقدمه من جميع الكتب { لسانا عربيا } حال ~~من ضمير الكتاب في { مصدق } والعامل فيه { مصدق } أو من كتاب ~~لتخصصه بالصفة ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوز أن يكون مفعولا ل { ~~مصدق } أي يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول { لينذر } أي الكتاب، { ~~لتنذر } حجازي وشامي. { الذين ظلموا } كفروا { وبشرى } ~~في محل النصب معطوف على محل { لينذر } لأنه مفعول له { ~~للمحسنين } للمؤمنين المطيعين. ### || [46.13-22] # { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا } ~~على توحيد الله وشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم { فلا خوف ~~عليهم } في القيامة { ولا هم يحزنون } عند الموت { ~~أولئك أصحب الجنة خلدين فيها } حال من { ~~أصحب الجنة } والعامل فيه معنى الإشارة الذي دل عليه { ~~أولئك } { جزآء بما كانوا يعملون } جزاء مصدر لفعل ~~دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء. ms1334 # { ووصينا الإنسن بولديه إحسنا } كوفي أي وصيناه ~~بأن يحسن بوالديه إحسانا، { حسنا } غيرهم أي وصيناه بوالديه أمرا ذا ~~حسن أو بأمر ذي حسن، فهو في موضع البدل من قوله { بولديه } وهو من ~~بدل الاشتمال { حملته أمه كرها ووضعته كرها } وبفتح ~~الكافين: حجازي وأبو عمرو وهما لغتان في معنى المشقة، وانتصابه على الحال ~~أي ذات كره، أو على أنه صفة للمصدر أي حملا ذاكره { وحمله ~~وفصله } ومدة حمله وفطامه { ثلاثون شهرا } وفيه دليل على ~~أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع إذا كانت حولين لقوله تعالى: # حولين كاملين # [البقرة: 233] بقيت للحمل ستة أشهر، وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما ~~الله، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: المراد به الحمل بالأكف. { ~~وفصله } يعقوب. والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى { حتى ~~إذا بلغ أشده } هو جمع لا واحد له من لفظه، وكان سيبويه يقول: ~~واحده شدة، وبلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته ~~وعقله وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة: ثلاث ~~وثلاثون سنة ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعون. # { وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى } ألهمني { أن ~~أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى } ~~المراد به نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه ~~لأن النعمة عليهما نعمة عليه { وأن أعمل صلحا ترضه } ~~قيل: هي الصلوات الخمس { وأصلح لى فى ذريتى } أي اجعل ذريتي ~~موقعا للصلاح ومظنة له { إنى تبت إليك } من كل ذنب { وإنى ~~من المسلمين } من المخلصين { أولئك الذين نتقبل ~~عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئتهم } ~~حمزة وعلي وحفص. { يتقبل } { ويتجاوز } { أحسن } غيرهم { ~~فى أصحب الجنة } هو كقولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه ~~تريد أكرمني في جملة من أكرم منهم ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على ~~الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم { وعد الصدق ~~} مصدر مؤكد لأن قوله { يتقبل } { ويتجاوز } وعد من الله لهم ~~بالتقبل والتجاوز. قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله ms1335 عنه وفي أبيه ~~أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ودعا لهما وهو ابن ~~أربعين سنة ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ~~ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله عنه { الذى كانوا ~~يوعدون } في الدنيا. # { والذى قال لولديه } مبتدأ خبره { أولئك الذين ~~حق عليهم القول } والمراد بالذي قال، الجنس القائل ذلك القول ~~ولذلك وقع الخبر مجموعا. وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب ~~بالبعث. وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قبل إسلامه، ~~ويشهد لبطلانه كتاب معاوية إلى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد فقال عبد ~~الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: ~~يا أيها الناس هذا الذي قال الله تعالى فيه: { والذى قال ~~لولديه أف لكما }. فسمعت عائشة رضي الله عنها فغضبت وقالت: ~~والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت ~~في صلبه فأنت فضض من لعنة الله أي قطعة { أف لكمآ } مدني وحفص، { ~~أف } مكي وشامي، { أف } غيرهم وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه ~~متضجر كما إذا قال «حس» علم أنه متوجع. واللام للبيان أي هذا التأفيف ~~لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما. { أتعداننى أن أخرج } أن ~~أبعث وأخرج من الأرض { وقد خلت القرون من قبلى } ولم يبعث ~~منهم أحد { وهما } أبواه { يستغيثان الله } يقولان الغياث ~~بالله منك ومن قولك وهو استعظام لقوله ويقولان له { ويلك } دعاء عليه ~~بالثبور والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك { ءامن ~~} بالله وبالبعث { إن وعد الله } بالبعث { حق } صدق { ~~فيقول } لهما { ما هذا } القول { إلا أسطير ~~الأولين أولئك الذين حق عليهم القول } أي ~~لأملأن جهنم { فى أمم } في جملة أمم { قد خلت } قد مضت { من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خسرين ~~ولكل } من الجنسين المذكورين الأبرار والفجار { درجت مما ~~عملوا } أي ms1336 منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أو من أجل ~~ما عملوا منهما، وإنما قال { درجت } وقد جاء «الجنة درجات والنار ~~دركات» على وجه التغليب { وليوفيهم أعملهم } بالياء: ~~مكي وبصري وعاصم { وهم لا يظلمون } أي وليوفيهم أعمالهم ولا ~~يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات ~~والعقاب دركات فاللام متعلقة بمحذوف { ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار } عرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم: عرض ~~بنو فلان على السيف إذا قتلوا به. وقيل: المراد عرض النار عليهم من ~~قولهم: عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا { ~~أذهبتم } أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب الظرف { طيبتكم فى ~~حيتكم الدنيا } أي ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد ~~أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم ~~شيء منها. # وعن عمر رضي الله عنه: لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ولكني ~~أستبقي طيباتي { واستمتعتم بها } بالطيبات { فاليوم ~~تجزون عذاب الهون } أي الهوان وقرىء به { بما كنتم ~~تستكبرون } تتكبرون { فى الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تفسقون } أي باستكباركم وفسقكم. # { واذكر أخا عاد } أي هودا { إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف } جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف ~~الشيء إذا اعوج. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو واد بين عمان ومهرة { ~~وقد خلت النذر } جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار { من ~~بين يديه ومن خلفه } من قبل هود ومن خلف هود، وقوله { ~~وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } وقع ~~اعتراضا بين { أنذر قومه } وبين { ألا تعبدوا إلا ~~الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } والمعنى ~~واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من تقدمه من ~~الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك { قالوا } أي قوم هود { أجئتنا ~~لتأفكنا } لتصرفنا فالأفك الصرف يقال: أفكه عن رأيه { عن ~~ءالهتنا } عن عبادتها { فأتنا بما تعدنا } من معاجلة ~~العذاب على الشرك { إن كنت من الصدقين } في وعيدك. ### || [46.23-35] # { قال ms1337 إنما العلم } بوقت مجيء العذاب { عند الله } ولا ~~علم لي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم { وأبلغكم ما أرسلت ~~به } وبالتخفيف: أبو عمرو أي الذي هو شأني أن أبلغكم ما أرسلت به من ~~الإنذار والتخويف { ولكنى أراكم قوما تجهلون } أي ~~ولكنكم جاهلون لا تعلمون أن الرسل بعثوا منذرين لا مقترحين ولا سائلين ~~غير ما أذن لهم فيه. { فلما رأوه } الضمير يرجع إلى { ما ~~تعدنا } أو هو مبهم وضح أمره بقوله { عارضا } إما تمييزا أو ~~حالا. والعارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء { مستقبل ~~أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } روي أن المطر ~~قد احتبس عنهم فرأوا سحابة استقبلت أوديتهم فقالوا: هذا سحاب يأتينا ~~بالمطر وأظهروا من ذلك فرحا. وإضافة { مستقبل } و { ممطر } ~~مجازية غير معرفة بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفا للنكرة { ~~بل هو } أي قال هود: بل هو، ويدل عليه قراءة من قرأ { قال هود ~~بل هو } { ما استعجلتم به } من العذاب. ثم فسره فقال { ~~ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شىء } تهلك من نفوس عاد ~~وأموالهم الجم الكثير فعبر عن الكثرة بالكلية { بأمر ربها } رب ~~الريح { فأصبحوا لا يرى إلا مسكنهم } عاصم وحمزة ~~وخلف أي لا يرى شيء إلا مساكنهم. غيرهم { لا ترى إلا ~~مسكنهم } والخطاب للرائي من كان. # { كذلك نجزى القوم المجرمين } أي مثل ذلك نجزي من أجرم ~~مثل جرمهم وهو تحذير لمشركي العرب. عن ابن عباس رضي الله عنهما: اعتزل ~~هود عليه السلام ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلذه ~~الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة. # { ولقد مكنهم فيمآ إن مكنكم فيه } «إن» ~~نافية أي فيما ما مكنا كم فيه إلا أن «إن» أحسن في اللفظ لما في مجامعة ~~ما مثلها من التكرير المستبشع، ألا ترى أن الأصل في «مهما» «ما ما» ~~فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء. وقد جعلت «إن» صلة وتؤول بأنا مكناهم ~~في مثل # ما إن مكنكم فيه # [الأحقاف: 26] والوجه هو الأول لقوله تعالى: # هم أحسن ms1338 أثاثا ورئيا # [مريم: 74] # كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا # [غافر: 82] و «ما» بمعنى الذي أو نكرة موصوفة { وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصرا وأفئدة } أي آلات الدرك والفهم { فما ~~أغنى عنهم سمعهم ولا أبصرهم ولا أفئدتهم ~~من شىء } أي من شيء من الإغناء وهو القليل منه { إذ كانوا ~~يجحدون بئايت الله } «إذ» نصب بقوله { فما أغنى } وجرى ~~مجرى التعليل لاستواء مؤدي التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته وضربته ~~إذ أساء، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه ~~إلا أن «إذ» و «حيث» غلبتا دون سائر الظروف في ذلك { وحاق بهم } ~~ونزل بهم { ما كانوا به يستهزءون } جزاء استهزائهم وهذا ~~تهديد لكفار مكة ثم زادهم تهديدا بقوله: # { ولقد أهلكنا ما حولكم } يا أهل مكة { من القرى ~~} نحو حجر ثمود وقرى قوم لوط والمراد أهل القرى ولذلك قال { وصرفنا ~~الآيت لعلهم يرجعون } أي كررنا عليهم الحجج وأنواع العبر ~~لعلهم يرجعون عن الطغيان إلى الإيمان فلم يرجعوا { فلولا } فهلا { ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~ءالهة } القربان ما تقرب به إلى الله تعالى أي اتخذوهم شفعاء متقربا ~~بهم إلى الله تعالى حيث قالوا # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18] وأحد مفعولي «اتخذ» الراجع إلى «الذين» محذوف أي اتخذوهم ~~والثاني { ءالهة } و { قربانا } حال { بل ضلوا عنهم } ~~غابوا عن نصرتهم { وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } { ~~وذلك } إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم أي وذلك أثر إفكهم ~~الذي هو اتخاذهم إياها آلهة وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب. # { وإذ صرفنآ إليك نفرا } أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك ~~والنفردون العشرة { من الجن } جن نصيبين { يستمعون ~~القرءان } منه عليه الصلاة والسلام { فلما حضروه } أي ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن أي كانوا منه بحيث يسمعون { ~~قالوا } أي قال بعضهم لبعض { أنصتوا } اسكتوا مستمعين روي أن ~~الجن كانت تسترق السمع، فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا: ما هذا ~~إلا لنبأ حدث. فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى منهم ms1339 ~~زوبعة فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادي نخلة فوافوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر ~~فاستمعوا لقراءته. وعن سعيد بن جبير: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين ~~وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم. وقيل: بل الله أمر رسوله أن ينذر ~~الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا منهم فقال: إني أمرت أن أقرأ على الجن ~~الليلة فمن يتبعني؟ قالها ثلاثا. فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه قال: لم يحضره ليلة الجن أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى ~~مكة في شعب الحجون فخط لي خطا وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك، ثم ~~اففتح القرآن وسمعت لغطا شديدا فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هل رأيت شيئا؟ قلت: نعم رجالا سودا. فقال: أولئك جن نصيبين " ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-16] # { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي أعرضوا ~~وامتنعوا عن الدخول في الإسلام أوصدوا غيرهم عنه. قال الجوهري: صد عنه ~~يصد صدودا أعرض، وصده عن الأمر صدا منعه وصرفه عنه. وهم المطعمون يوم ~~بدر أو أهل الكتاب أو عام في كل من كفر وصد { أضل أعملهم } ~~أبطلها وأحبطها، وحقيقته جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب ~~عليها كالضالة من الإبل، وأعمالهم ما عملوه في كفرهم من صلة الأرحام ~~وإطعام الطعام وعمارة المسجد الحرام، أو ما عملوه من الكيد لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله { والذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحات } هم ناس من قريش أو من الأنصار أو من أهل ~~الكتاب أو عام { وءامنوا بما نزل على محمد } وهو ~~القرآن، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به ~~لتعظيم شأنه، وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية وهي قوله { وهو الحق ~~من ربهم } أي القرآن. وقيل: إن دين محمد هو الحق إذ لا يرد عليه ~~النسخ وهو ms1340 ناسخ لغيره { كفر عنهم سيئتهم } ستر بإيمانهم ~~وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم { ~~وأصلح بالهم } أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين ~~وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد { ذلك بأن ~~الذين كفروا اتبعوا البطل وأن الذين ~~ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم } { ذلك } مبتدأ وما ~~بعده خبره أي ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات ~~الثاني والإصلاح كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان وهؤلاء الحق ~~وهو القرآن { كذلك } مثل ذلك الضرب { يضرب الله } أي يبين ~~الله { للناس أمثلهم } والضمير راجع إلى الناس أو إلى ~~المذكورين من الفريقين على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا ~~بهم، وقد جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلا لعمل ~~المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز ~~الأبرار. # { فإذا لقيتم الذين كفروا } من اللقاء وهو الحرب { ~~فضرب الرقاب } أصله فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر ~~فأنيب منابه مضافا إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد لأنك ~~تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه { وضرب الرقاب } ~~عبارة عن القتل لا أن الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، ~~ولأن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته فوقع عبارة عن القتل وإن ضرب ~~غير رقبته { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيهم القتل { ~~فشدوا الوثاق } فأسروهم والوثاق بالفتح والكسر اسم ما يوثق به، ~~والمعنى فشدوا وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم { فإما منا بعد ~~} أي بعد أن تأسروهم { وإمآ فداء } { منا } و { فداء } ~~منصوبان بفعليهما مضمرين أي فإما تمنون منا أو تفدون فداء، والمعنى ~~التخيير بين الأمرين بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين أن ~~يفادوهم، وحكم أسارى المشركين عندنا القتل أو الاسترقاق، والمن والفداء ~~المذكوران في الآية منسوخ بقوله # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] لأن سورة «براءة» من آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم من ~~ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق. أو المراد بالمن أن يمن ms1341 عليهم ~~بترك القتل ويسترقوا، أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وبالفداء أن ~~يفادى بأسراهم أسارى المسلمين فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة رحمه ~~الله وهو قولهما، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره لئلا ~~يعودوا حربا علينا، وعند الشافعي رحمه الله تعالى: للإمام أن يختار أحد ~~الأمور الأربعة: القتل والاسترقاق والفداء بأسارى المسلمين والمن. # { حتى تضع الحرب أوزارها } أثقالها وآلاتها التي لا ~~تقوم إلا بها كالسلاح والكراع. وقيل: أوزارها آثامها يعني حتى يترك أهل ~~الحرب وهم المشركون شركهم بأن يسلموا وحتى لا يخلو من أن يتعلق بالضرب ~~والشد أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رحمه ~~الله أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين، ~~وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل: إذا نزل عيسى عليه السلام. وعند أبي ~~حنيفة رحمه الله: إذا علق بالضرب والشد فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى ~~تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن ~~والفداء فالمعنى أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن ~~يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل { ذلك } أي الأمر ذلك فهو ~~مبتدأ وخبر أو افعلوا بهم ذلك فهو في محل النصب { ولو يشآء الله ~~لانتصر منهم } لانتقم منهم بغير قتال ببعض أسباب الهلاك كالخسف ~~أو الرجفة أو غير ذلك { ولكن } أمركم بالقتال { ليبلو ~~بعضكم ببعض } أي المؤمنين بالكافرين تمحيصا للمؤمنين وتمحيقا ~~للكافرين { والذين قتلوا } بصري وحفص. { قاتلوا } غيرهم { ~~فى سبيل الله فلن يضل أعملهم سيهديهم } إلى ~~طريق الجنة أو إلى الصواب في جواب منكر ونكير { ويصلح بالهم } ~~يرضى خصماءهم ويقبل أعمالهم { ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم } عن مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا أو ~~طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة. { يأيها الذين ءامنوا ~~إن تنصروا الله } أي دين الله ورسوله { ينصركم } على عدوكم ~~ويفتح لكم { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب أو على محجة ~~الإسلام { والذين كفروا } في موضع رفع ms1342 بالابتداء والخبر { ~~فتعسا لهم } وعطف قوله { وأضل أعملهم } على الفعل ~~الذي نصب { تعسا } لأن المعنى فقال تعسا لهم والتعس العثور. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد في الدنيا القتل وفي الآخرة التردي ~~في النار. { ذلك } أي التعس والضلال { بأنهم كرهوا مآ ~~أنزل الله } أي القرآن { فأحبط أعملهم أفلم ~~يسيروا فى الأرض } يعني كفار أمتك { فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم } ~~أهلكهم هلاك استئصال { وللكفرين } مشركي قريش { أمثلها } ~~أمثال تلك الهلكة لأن التدمير يدل عليها { ذلك } أي نصر المؤمنين وسوء ~~عاقبة الكافرين { أن الله مولى الذين ءامنوا } وليهم ~~وناصرهم { وأن الكفرين لا مولى لهم } أي لا ناصر لهم ~~فإن الله مولى العباد جميعا من جهة الاختراع وملك التصرف فيهم، ومولى ~~المؤمنين خاصة من جهة النصرة { إن الله يدخل الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر والذين كفروا يتمتعون } ينتفعون بمتاع ~~الحياة الدنيا أياما قلائل { ويأكلون } غافلين غير متفكرين في ~~العاقبة { كما تأكل الأنعم } في معالفها ومسارحها غافلة عما ~~هي بصدده من النحر والذبح { والنار مثوى لهم } منزل ومقام. # { وكأين من قرية } أي وكم من قرية للتكثير وأراد بالقرية ~~أهلها ولذلك قال { أهلكنهم } { هى أشد قوة من ~~قريتك التى أخرجتك } أي وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين ~~أخرجوك أي كانوا سبب خروجك { أهلكنهم فلا نصر لهم } ~~أي فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم { أفمن كان على ~~بينة من ربه } أي على حجة من عنده وبرهان وهو القرآن المعجز ~~وسائر المعجزات يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم { كمن زين له ~~سوء عمله } هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ~~ورسوله. وقال سوء عمله { واتبعوا أهوآءهم } للحمل على لفظ من ~~ومعناه { مثل الجنة } صفة الجنة العجيبة الشأن { التى وعد ~~المتقون } عن الشرك { فيهآ أنهار } داخل في حكم الصلة ~~كالتكرير لها ألا ترى إلى صحة قولك التي فيها أنهار، أو حال أي مستقرة ~~فيها أنهار { من مآء غير ءاسن } غير ms1343 متغير اللون والريح ~~والطعم. يقال: أسن الماء إذا تغير طعمه وريحه { أسن } مكي { وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه } كما تتغير ألبان الدنيا إلى ~~الحموضة وغيرها { وأنهر من خمر لذة } تأنيث لذ وهو ~~اللذيذ { للشاربين } أي ما هو إلا التلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل ~~ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر { وأنهر من عسل ~~مصفى } لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره { ولهم ~~فيها من كل الثمرت ومغفرة من ربهم } { مثل } ~~مبتدأ خبره { كمن هو خلد فى النار وسقوا مآء ~~حميما } حارا في النهاية { فقطع أمعآءهم } والتقدير: أمثل ~~الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار؟ وهو كلام في صورة الإثبات ومعناه ~~النفي لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه وهو ~~قوله: { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له ~~سوء عمله }. # وفائدة حذف حرف الإنكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين المتمسك ~~بالبينة والتابع لهواه وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري ~~فيها تلك الأنهار وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. { ومنهم من ~~يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا ~~للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا } هم المنافقون ~~كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ~~ولا يلقون له بالا تهاونا منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من ~~الصحابة: ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء { أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم }. ### || [47.17-32] # { والذين اهتدوا } بالإيمان واستماع القرآن { زادهم } ~~الله { هدى } أي بصيرة وعلما أو شرح صدورهم { وءاتهم ~~تقوهم } أعانهم عليها أو آتاهم جزاء تقواهم أو بين لهم ما يتقون { ~~فهل ينظرون إلا الساعة } أي ينتظرون { أن تأتيهم } أي ~~إتيانها فهو بدل اشتمال من { الساعة } { بغتة } فجأة { فقد ~~جآء أشراطها } علاماتها وهو مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإنشقاق ~~القمر والدخان. وقيل: قطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام { فأنى ~~لهم إذا جآءتهم ذكراهم } قال الأخفش: التقدير فأنى لهم ~~ذكراهم إذا جاءتهم { فاعلم ms1344 أنه } أن الشأن { لآ إله إلا ~~الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنت } ~~والمعنى فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله وعلى التواضع وهضم ~~النفس باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك. وفي شرح التأويلات جاز أن يكون ~~له ذنب فأمره بالاستغفار له ولكنا لا نعلمه، غير أن ذنب الأنبياء ترك ~~الأفضل دون مباشرة القبيح، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر. ~~وقيل: الفاآت في هذه الآيات لعطف جملة على جملة بينهما اتصال { والله ~~يعلم متقلبكم } في معايشكم ومتاجركم { ومثواكم } ويعلم ~~حيث تستقرون من منازلكم أو متقلبكم في حياتكم ومثوا كم في القبور، أو ~~متقلبكم في أعمالكم ومثوا كم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى ~~وأن يستغفره وسئل سفيان ابن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله # فاعلم أنه لا إله إلائ الله واستغفر لذنبك # فأمر بالعمل بعد العلم. # { ويقول الذين ءامنوا لولا نزلت سورة } فيها ذكر ~~الجهاد { فإذآ أنزلت سورة } في معنى الجهاد { محكمة } ~~مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب القتال. وعن قتادة: كل سورة ~~فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ~~ما كان من الصفح والمهادنة وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة { وذكر ~~فيها القتال } أي أمر فيها بالجهاد { رأيت الذين فى ~~قلوبهم مرض } نفاق أي رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها { ~~ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت } أي ~~تشخص أبصارهم جبنا وجزعا كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت { ~~فأولى لهم } وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولى وهو القرب ~~ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه { طاعة وقول معروف } ~~كلام مستأنف أي طاعة وقول معروف خير لهم { فإذا عزم الأمر } ~~فإذا جد الأمر ولزمهم فرض القتال { فلو صدقوا الله } في ~~الإيمان والطاعة { لكان } الصدق { خيرا لهم } من كراهة الجهاد. ~~ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب بضرب من التوبيخ والإرهاب فقال: # { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم } أي فلعلكم إن أعرضتم ms1345 عن دين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من ~~الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب ~~بعضا ووأد البنات. # وخبر عسى { أن تفسدوا } والشرط اعتراض بين الاسم والخبر والتقدير: ~~فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم إن توليتم { أولئك ~~} إشارة إلى المذكورين { الذين لعنهم الله } أبعدهم عن رحمته ~~{ فأصمهم } عن استماع الموعظة { وأعمى أبصرهم } عن ~~إبصارهم طريق الهدى. # { أفلا يتدبرون القرءان } فيعرفوا ما فيه من المواعظ ~~والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا على المعاصي. و «أم» في { أم ~~على قلوب أقفالها } بمعنى بل وهمزة التقرير للتسجيل عليهم بأن ~~قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكره. ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب ~~قاسية مبهم أمرها في ذلك، والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين، وأضيفت ~~الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر التي ~~استغلقت فلا تنفتح نحو الرين والختم والطبع. # { إن الذين ارتدوا على أدبرهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى } أي المنافقون رجعوا إلى الكفر سرا بعد وضوح ~~الحق لهم { الشيطن سول } زين { لهم } جملة من مبتدأ وخبر ~~وقعت خبرا ل «إن» نحو: إن زيدا عمرو مر به { وأملى لهم } ومد ~~لهم في الآمال والأماني { وأملى } أبو عمرو أي امهلوا ومد في عمرهم ~~{ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ~~} أي المنافقون قالوا لليهود { سنطيعكم فى بعض الأمر } أي ~~عدواة محمد والقعود عن نصرته { والله يعلم إسرارهم } على ~~المصدر من أسر: حمزة وعلي وحفص. { أسرارهم } غيرهم جمع سر { ~~فكيف إذا توفتهم الملئكة } أي فكيف يعملون وما ~~حيلتهم حينئذ { يضربون وجوههم وأدبرهم } عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ~~ودبره { ذلك } إشارة إلى التوفي الموصوف { بأنهم } بسبب أنهم { ~~اتبعوا ما أسخط الله } من معاونة الكافرين { وكرهوا ~~رضوانه } من نصرة المؤمنين { فأحبط أعملهم أم حسب ~~الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ~~أضغنهم } أحقادهم. والمعنى ms1346 أظن المنافقون أن الله تعالى لا يبرز ~~بغضهم وعداوتهم للمؤمنين { ولو نشآء لأرينكهم } ~~لعرفناكهم ودللناك عليهم { فلعرفتهم بسيمهم } بعلامتهم ~~وهو أن يسمهم الله بعلامة يعلمون بها وعن أنس رضي الله عنه: ما خفي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين كان يعرفهم ~~بسيماهم { ولتعرفنهم فى لحن القول } في نحوه وأسلوبه ~~الحسن من فحوى كلامهم لأنهم كانوا لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم. # واللام في { فلعرفتهم } داخلة في جواب «لو» كالتي في { ~~لأرينكهم } كررت في المعطوف، وأما اللام في { ~~ولتعرفنهم } فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف { والله ~~يعلم أعملكم } فيميز خيرها من شرها. # { ولنبلونكم } بالقتال إعلاما لا استعلاما أو نعاملكم معاملة ~~المختبر ليكون أبلغ في إظهار العدل { حتى نعلم المجهدين ~~منكم والصبرين } على الجهاد أي نعلم كائنا ما علمناه أنه ~~سيكون { ونبلو أخبركم } أسراركم وليبلونكم حتى يعلم. { ~~ويبلو } أبو بكر وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللهم لا تبلنا ~~فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا { إن الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول } ~~وعادوه يعني المطعمين يوم بدر وقد مر { من بعد ما تبين لهم ~~الهدى } من بعد ما ظهر لهم أنه الحق وعرفوا الرسول { لن يضروا ~~الله شيئا وسيحبط أعملهم } التي عملوها في مشاقة ~~الرسول أي سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم. ### || [47.33-38] # { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول ولا تبطلوا أعملكم } بالنفاق أو بالرياء. # { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ~~ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } قيل: هم أصحاب ~~القليب والظاهر العموم { فلا تهنوا } فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدو { ~~وتدعوا إلى السلم } وبالكسر: حمزة وأبو بكر وهما المسالة أي ~~ولا تدعوا الكفار إلى الصلح { وأنتم الأعلون } أي الأغلبون ~~وتدعوا مجزوم لدخوله في حكم النهي { والله معكم } بالنصرة أي ~~ناصركم { ولن يتركم أعملكم } ولن ينقصكم أجر أعمالكم { ~~إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } تنقطع في أسرع مدة { ~~وإن تؤمنوا } بالله ورسوله { وتتقوا } الشرك { يؤتكم ~~أجوركم ms1347 } ثواب إيمانكم وتقواكم { ولا يسئلكم أمولكم ~~} أي لا يسألكم جميعها بل ربع العشر، والفاعل الله أو الرسول وقال سفيان ~~بن عيينة: غيضا من فيض { إن يسئلكموها فيحفكم } أي ~~يجهدكم ويطلبه كله والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء. يقال: ~~أحفاه في المسئلة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه إذا استأصله ~~{ تبخلوا ويخرج } أي الله أو البخل { أضغنكم } عند ~~الامتناع أو عند سؤال الجميع لأنه عند مسئلة المال تظهر العداوة والحقد. # { هآأنتم } ها للتنبيه { هؤلآء } موصول بمعنى الذين صلته { ~~تدعون } أي أنتم الذين تدعون { لتنفقوا فى سبيل الله } ~~هي النفقة في الغزو أو الزكاة كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم ~~وكرهتم العطاء أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر { فمنكم من يبخل } ~~بالرفع لأن من هذه ليست للشرط أي فمنكم ناس يبخلون به { ومن يبخل } ~~بالصدقة وأداء الفريضة { فإنما يبخل عن نفسه } أي يبخل عن ~~داعي نفسه لا عن داعي ربه. وقيل: يبخل على نفسه يقال بخلت عليه وعنه { ~~والله الغنى وأنتم الفقرآء } أي أنه لا يأمر بذلك ~~لحاجته إليه لأنه غني عن الحاجات ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب { وإن ~~تتولوا } وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته وطاعة رسوله والإنفاق في ~~سبيله، وهو معطوف على { وإن تؤمنوا وتتقوا } { ~~يستبدل قوما غيركم } يخلق قوما خيرا منكم وأطوع وهم فارس ~~وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب ~~على فخذه وقال: # " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناله ~~رجال من فارس " # { ثم لا يكونوا أمثلكم } أي ثم لا يكونوا في الطاعة ~~أمثالكم بل أطوع منكم. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-15] # { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } الفتح الظفر بالبلد عنوة ~~أو صلحا بحرب أو بغير حرب، لأنه مغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به فقد ~~فتح، ثم قيل هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~مكة عام الحديبية عدة له بالفتح. وجيء به على لفظ ms1348 الماضي لأنها في تحققها ~~بمنزلة الكائنة وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه وهو ~~الفتح ما لا يخفى. وقيل: هو فتح الحديبية ولم يكن فيه قتال شديد ولكن ~~ترام بين القوم بسهام وحجارة، فرمى المسلمون المشركين حتى أدخلوهم ~~ديارهم وسألوا الصلح فكان فتحا مبينا وقال الزجاج: كان في فتح الحديبية ~~آية للمسلمين عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع ~~الناس. وقيل: هو فتح خيبر. وقيل: معناه قضينا لك قضاء بينا على أهل مكة ~~أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت من الفتاحة وهي الحكومة. { ~~ليغفر لك الله } قيل: الفتح ليس بسبب للمغفرة والتقدير: إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا فاستغفر ليغفر لك الله ومثله { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } إلى قوله # فسبح بحمد ربك واستغفره # [النصر: 1، 3] ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا ~~للغفران. وقيل: الفتح لم يكن ليغفر له بل لإتمام النعمة وهداية الصراط ~~المستقيم والنصر العزيز، ولكنه لما عدد عليه هذه النعم وصلها بما هو أعظم ~~النعم كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة أو كذا لنجمع لك بين عز الدارين ~~وأغراض العاجل والآجل { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } ~~يريد جميع ما فرط منك أو ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد { ~~ويتم نعمته عليك } بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك { ~~ويهديك صرطا مستقيما } ويثبتك على الدين المرضي { ~~وينصرك الله نصرا عزيزا } قويا منيعا لا ذل بعده أبدا. # { هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ~~ليزدادوآ إيمنا مع إيمنهم } السكينة للسكون كالبهيتة ~~للبهتان أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح ليزدادوا ~~يقينا إلى يقينهم. وقيل: السكينة الصبر على ما أمر الله والثقة بوعد ~~الله والتعظيم لأمر الله { ولله جنود السموت والأرض ~~وكان الله عليما حكيما ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنت جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها ويكفر عنهم سيئتهم ms1349 وكان ذلك ~~عند الله فوزا عظيما ويعذب المنفقين ~~والمنفقت والمشركين والمشركت } أي ولله جنود ~~السماوات والأرض يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته ~~أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ~~ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيثيبهم ويعذب الكافرين ~~والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه { الظآنين بالله ظن ~~السوء } وقع السوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده. # يقال: فعل سوء أي مسخوط فاسد، والمراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر ~~الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرا { ~~عليهم دآئرة السوء } مكي وأبو عمرو أي ما يظنونه ويتربصونه ~~بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، والسوء الهلاك والدمار وغيرهما { ~~دائرة السوء } بالفتح إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ~~ذمه من كل شيء، وأما السوء فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير { ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم ~~وسآءت مصيرا } جهنم { ولله جنود السموت والأرض ~~} فيدفع كيد من عادى نبيه عليه السلام والمؤمنين بما شاء منها { وكان ~~الله عزيزا } غالبا فلا يرد بأسه { حكيما } فيما دبر. # { إنآ أرسلنك شاهدا } تشهد على أمتك يوم القيامة وهذه حال ~~مقدرة { ومبشرا } للمؤمنين بالجنة { ونذيرا } للكافرين من ~~النار { لتؤمنوا بالله ورسوله } والخطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولأمته { وتعزروه } وتقووه بالنصر { ~~وتوقروه } وتعظموه { وتسبحوه } من التسبيح أو من السبحة، ~~والضمائر لله عز وجل. والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله، ومن فرق ~~الضمائر فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أبعد { ليؤمنوا ~~} مكي وأبو عمرو والضمير للناس وكذا الثلاثة الأخيرة بالياء عندهما { ~~بكرة } صلاة الفجر { وأصيلا } الصلوات الأربع { إن الذين ~~يبايعونك } أي بيعة الرضوان. ولما قال { إنما يبايعون ~~الله } أكده تأكيدا على طريقة التخييل فقال { يد الله فوق ~~أيديهم } يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي ~~المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما ~~المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول ms1350 كعقده مع الله من غير تفاوت ~~بينهما كقوله # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] و { إنما يبايعون الله } خبر «إن» { فمن ~~نكث } نقض العهد ولم يف بالبيعة { فإنما ينكث على ~~نفسه } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. قال جابر بن عبد الله: بايعنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر فما ~~نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقا اختبأ تحت بطن بعيره ولم ~~يسر مع القوم { ومن أوفى بما عهد } يقال: وفيت بالعهد ~~وأوفيت به ومنه قوله # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] # والموفون بعهدهم # [البقرة: 177] { عليه الله } حفص { فسيؤتيه } وبالنون ~~حجازي وشامي { أجرا عظيما } الجنة. # { سيقول لك } إذا رجعت من الحديبية { المخلفون من ~~الأعراب } هم الذين خلفوا عن الحديبية وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة ~~وأسلم وأشجع والدئل، وذلك أنه عليه السلام حين أراد المسير إلى مكة عام ~~الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا ~~معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو صلى ~~الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، فتثاقل كثير من ~~الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه ~~فيقاتلهم وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة { شغلتنآ ~~أمولنا وأهلونا } هي جمع أهل اعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم ~~وأنه ليس من يقوم بأشغالهم { فاستغفر لنا } ليغفر لنا الله ~~تخلفنا عنك { يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم } ~~تكذيب لهم في اعتذارهم وأن الذي خلفهم ليس ما يقولون، وإنما هو الشك في ~~الله والنفاق فطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة { قل فمن ~~يملك لكم من الله شيئا } فمن يمنعكم من مشيئة الله ~~وقضائه { إن أراد بكم ضرا } ما يضركم من قتل أو هزيمة { ضرا ~~} حمزة وعلي { أو أراد بكم نفعا } من غنيمة وظفر. # { بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ~~وزين ذلك فى قلوبكم ms1351 } زينه الشيطان { وظننتم ظن ~~السوء } من علو الكفر وظهور الفساد { وكنتم قوما بورا } جمع ~~بائر كعائذ وعوز من بار الشيء هلك وفسد أي وكنتم قوما فاسدين في أنفسكم ~~وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، أو هالكين عند الله مستحقين لسخطه وعقابه { ~~ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا ~~للكفرين } أي لهم فأقيم الظاهر مقام الضمير للإيذان بأن من لم ~~يجمع بين الإيمانين: الإيمان بالله والإيمان برسوله، فهو كافر ونكر { ~~سعيرا } لأنها نار مخصوصة كما نكر # نارا تلظى # [الليل: 14] { ولله ملك السموت والأرض } يدبره تدبير ~~قادر حكيم { يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } يغفر ~~ويعذب بمشيئته وحكمته وحكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين { ~~وكان الله غفورا رحيما } سبقت رحمته غضبه. # { سيقول المخلفون } الذين تخلفوا عن الحديبية { إذا ~~انطلقتم إلى مغانم } إلى غنائم خيبر { لتأخذوها ~~ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلم الله } ~~{ كلم الله }: حمزة وعلي أي يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل ~~الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا ~~موادعين لا يصيبون منهم شيئا { قل لن تتبعونا } إلى خيبر وهو ~~إخبار من الله بعدم اتباعهم ولا يبدل القول لديه { كذلكم قال ~~الله من قبل } من قبل انصرافهم إلى المدينة إن غنيمة خيبر لمن شهد ~~الحديبية دون غيرهم { فسيقولون بل تحسدوننا } أي لم يأمركم ~~الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة { بل كانوا لا ~~يفقهون } من كلام الله { إلا قليلا } إلا شيئا قليلا يعني ~~مجرد القول. والفرق بين الإضرابين أن الأول رد أن يكون حكم الله أن لا ~~يتبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى ~~المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه. ### || [48.16-26] # { قل للمخلفين من الأعراب } هم الذين تخلفوا عن الحديبية ~~{ ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد } يعني بني حنيفة ~~قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه لأن مشركي ~~العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. وقيل: هم ~~فارس وقد دعاهم ms1352 عمر رضي الله عنه { تقتلونهم أو يسلمون } ~~أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام. ومعنى يسلمون على هذا ~~التأويل ينقادون لأن فارس مجوس تقبل منهم الجزية، وفي الآية دلالة صحة ~~خلافة الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند دعوته بقوله { فإن ~~تطيعوا } من دعاكم إلى قتاله { يؤتكم الله أجرا حسنا } ~~فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة { وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل } أي عن الحديبية { يعذبكم عذابا ~~أليما } في الآخرة { ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج } نفي الحرج عن ذوي ~~العاهات في التخلف عن الغزو { ومن يطع الله ورسوله } في ~~الجهاد وغير ذلك { يدخله جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر ومن يتول } يعرض عن الطاعة { يعذبه عذابا ~~أليما } { ندخله } و { نعذبه } مدني وشامي. # { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة } هي بيعة الرضوان سميت بهذه الآية. وقصتها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين نزل بالحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي رسولا ~~إلى مكة فهموا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال: إني ~~أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إياهم، فبعث عثمان بن عفان فخبرهم أنه ~~لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا للبيت فوقروه واحتبس عندهم فأرجف بأنهم ~~قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا نبرح حتى نناجز القوم " # ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه على أن يناجزوا قريشا ولا يفروا تحت ~~الشجرة، وكانت سمرة وكان عدد المبايعين ألفا وأربعمائة { فعلم ما ~~فى قلوبهم } من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه { فأنزل ~~السكينة عليهم } أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم { ~~وأثبهم } وجازاهم { فتحا قريبا } هو فتح خيبر غب انصرافهم ~~من مكة { ومغانم كثيرة يأخذونها } هي مغانم خيبر وكانت ~~أرضا ذات عقار وأموال فقسمها عليهم { وكان الله عزيزا } منيعا ~~فلا يغالب { حكيما } فيما يحكم فلا يعارض { وعدكم الله ~~مغانم كثيرة تأخذونها } هي ما أصابوه مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة { فعجل لكم هذه ms1353 } المغانم ~~يعني مغانم خيبر { وكف أيدى الناس عنكم } يعني أيدي أهل ~~خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم ~~الرعب فانصرفوا. # وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح { ولتكون } هذه الكفة { ءاية ~~للمؤمنين } وعبرة يعرفون بها أنهم من الله عز وجل بمكان وأنه ~~ضامن نصرتهم والفتح عليهم فعل ذلك { ويهديكم صرطا ~~مستقيما } ويزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بفضل الله. # { وأخرى } معطوفة على { هذه } أي فعجل لكم هذه المغانم و { ~~مغانم أخرى } هي مغانم هوازن في غزوة حنين { لم تقدروا ~~عليها } لما كان فيها من الجولة { قد أحاط الله بها } أي ~~قدر عليها واستولى وأظهركم عليها، ويجوز في { أخرى } النصب بفعل مضمر ~~يفسره { قد أحاط الله بها } تقديره: وقضى الله أخرى قد أحاط ~~بها، وأما { لم تقدروا عليها } فصفة ل { أخرى } والرفع ~~على الابتداء لكونها موصوفة ب { لم تقدروا } ، و { قد أحاط ~~الله بها } خبر المبتدأ { وكان الله على كل شىء ~~قديرا } قادرا { ولو قتلكم الذين كفروا } من أهل ~~مكة ولم يصالحوا أو من حلفاء أهل خيبر { لولوا الأدبر } ~~لغلبوا وانهزموا { ثم لا يجدون وليا } يلي أمرهم { ولا ~~نصيرا } ينصرهم { سنة الله } في موضع المصدر المؤكد أي سن الله ~~غلبة أنبيائه سنة وهو قوله # لأغلبن أنا ورسلى # [المجادلة: 21] { التى قد خلت من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا } تغييرا. # { وهو الذى كف أيديهم عنكم } أي أيدي أهل مكة { ~~وأيديكم عنهم } عن أهل مكة يعني قضى بينهم وبينكم المكافة ~~والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح وبه استشهد ~~أبو حنيفة رضي الله عنه على أن مكة فتحت عنوة لا صلحا. وقيل: كان في ~~غزوة الحديبية لما روي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: أظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت { ببطن ~~مكة } أي بمكة أو بالحديبية لأن بعضها منسوب إلى الحرم { من بعد ~~أن أظفركم عليهم } أي أقدركم وسلطكم ms1354 { وكان الله ~~بما تعملون بصيرا } وبالياء: أبو عمرو { هم الذين ~~كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى } هو ما ~~يهدي إلى الكعبة. ونصبه عطفا على «كم» في { صدوكم } أي وصدوا الهدي ~~{ معكوفا أن يبلغ } محبوسا أن يبلغ، و { معكوفا } حال. ~~وكان عليه السلام ساق سبعين بدنة { محله } مكانه الذي يحل فيه نحره ~~أي يجب، وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم والمراد المعهود وهو منى ~~{ ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنت } بمكة { ~~لم تعلموهم } صفة للرجال والنساء جميعا { أن تطئوهم } ~~بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في { تعلموهم } { ~~فتصيبكم منهم معرة } إثم وشدة وهي مفعلة من عره بمعنى ~~عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه وهو الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء قالة ~~المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز والإثم ~~إذا قصر. # { بغير علم } متعلق ب { أن تطئوهم } يعني أن تطئوهم غير ~~عالمين بهم. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة. والمعنى أنه كان بمكة قوم ~~من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم فقيل: ولولا كراهة أن ~~تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم ~~بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف أيديكم عنهم. وقوله { ليدخل الله ~~فى رحمته من يشآء } تعليل لما دلت عليه الآية وسيقت له من كف ~~الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صونا لمن بين أظهرهم من المؤمنين ~~كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه ~~لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من ~~مشركيهم { لو تزيلوا } لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين، ~~وجواب «لولا» محذوف أغنى عنه جواب «لو»، ويجوز أن يكون لو تزيلوا ~~كالتكرير ل { لولا رجال مؤمنون } لمرجعهما إلى معنى واحد، ~~ويكون { لعذبنا الذين كفروا } هو الجواب تقديره ولولا أن ~~تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف { ~~منهم } من أهل مكة { عذابا أليما }. # والعامل في { إذ جعل الذين كفروا } أي قريش لعذبنا أي ~~لعذبناهم في ذلك ms1355 الوقت أو اذكر { فى قلوبهم الحمية حمية ~~الجهلية فأنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين } المراد بحمية الذين كفروا وهي الأنفة وسكينة ~~المؤمنين وهي الوقار ما يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ~~بالحديبية بعث قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي ومكرز بن حفص على ~~أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي ~~له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتابا. ~~فقال عليه السلام لعلي رضي الله عنه: # " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " # فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم. ثم قال: # " اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة " # فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن ~~اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة. فقال عليه السلام: # " اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله " # فهم المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه فأنزل الله على رسوله السكينة ~~فتوقروا وحلموا { وألزمهم كلمة التقوى } الجمهور على ~~أنها كلمة الشهادة. وقيل: بسم الله الرحمن الرحيم. والإضافة إلى التقوى ~~باعتبار أنها سبب التقوى وأساسها. وقيل: كلمة أهل التقوى { وكانوا } ~~أي المؤمنون { أحق بها } من غيرهم { وأهلها } بتأهيل الله ~~إياهم { وكان الله بكل شىء عليما } فيجري الأمور على ~~مصالحها. ### || [48.27-29] # { لقد صدق الله رسوله الرءيا } أي صدقه في رؤياه ولم ~~يكذبه تعالى الله عن الكذب فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله: # صدقوا ما عهدوا الله عليه # [الاحزاب: 23]. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل خروجه إلى ~~الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلفوا وقصروا، فقص الرؤيا ~~على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا: إن رؤيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي وغيره: ~~والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا ms1356 المسجد الحرام فنزلت { بالحق } ~~متعلق ب { صدق } أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقا ملتبسا ~~بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن ~~الخالص وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يكون بالحق قسما إما بالحق الذي ~~هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه، وجوابه { لتدخلن ~~المسجد الحرام } وعلى الأول هو جواب قسم محذوف { إن شآء ~~الله } حكاية من الله تعالى ما قال رسوله لأصحابه وقص عليهم، أو تعليم ~~لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته { ~~ءامنين } حال والشرط معترض { محلقين } حال من الضمير في { ~~ءامنين } { رءوسكم } أي جميع شعورها { ومقصرين } بعض ~~شعورها { لا تخفون } حال مؤكدة { فعلم ما لم تعلموا } ~~من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل { فجعل من دون ~~ذلك } أي من دون فتح مكة { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر ليستروح ~~إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود. # { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالتوحيد { ودين ~~الحق } أي الإسلام { ليظهره } ليعليه { على الدين كله ~~} على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من أديان المشركين وأهل الكتاب، ~~ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى دينا قط إلا وللإسلام دونه العزة ~~والغلبة. وقيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض ~~كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات { وكفى بالله شهيدا } ~~على أن ما وعده كائن، وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينه والتقدير ~~وكفاه الله شهيدا و { شهيدا } تمييز أو حال { محمد } خبر مبتدأ ~~أي هو محمد لتقدم قوله { هو الذي أرسل رسوله } أو مبتدأ ~~خبره { رسول الله } وقف عليه نصير { والذين معه } أي ~~أصحابه مبتدأ والخبر { أشدآء على الكفار } أو { محمد } ~~مبتدأ و { رسول الله } عطف بيان و { الذين معه } عطف على ~~المبتدأ و { أشداء } خبر عن الجميع ومعناه غلاظ { رحمآء ~~بينهم } متعاطفون وهو خبر ثان وهما جمعا شديد ورحيم ونحوه # أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين # [المائدة: 54] وبلغ من تشددهم ms1357 على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم ~~أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم ~~أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه. # { ترهم ركعا } راكعين { سجدا } ساجدين { يبتغون } حال ~~كما أن ركعا وسجدا كذلك { فضلا من الله ورضوانا ~~سيمهم } علامتهم { فى وجوههم من أثر السجود } أي من ~~التأثير الذي يؤثره السجود. وعن عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا ~~بالليل لقوله عليه السلام: # " من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # { ذلك } أي المذكور { مثلهم } صفتهم { في التورة } وعليه ~~وقف { ومثلهم فى الإنجيل } مبتدأ خبره { كزرع أخرج ~~شطئه } فراخه. يقال: أشطأ الزرع إذا فرخ { فأزره } قواه، { ~~فأزره } شامي { فاستغلظ } فصار من الرقة إلى الغلظ { فاستوى ~~على سوقه } فاستقام على قصبه جمع ساق { يعجب الزراع } ~~يتعجبون من قوته. وقيل: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر فآزره ~~بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي رضوان الله عليهم. وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن آمن معه كما ~~يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب ~~الزراع { ليغيظ بهم الكفار } تعليل لما دل عليه تشبيههم ~~بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة. # ويجوز أن يعلل به { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت منهم مغفرة وأجرا عظيما } لأن الكفار ~~إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. و ~~«من» في { منهم } للبيان كما في قوله: # فاجتنبوا الرجس من الاوثن # [الحج: 30] يعني فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقولك «أنفق من ~~الدراهم» أي اجعل نفقتك هذا الجنس. وهذه الآية ترد قول الروافض إنهم ~~كفروا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر ~~العظيم إنما يكون أن لو ثبتوا على ما كانوا ms1358 عليه في حياته. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-8] # { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا } قدمه وأقدمه ~~منقولان بتثقيل الحشو، والهمزة من قدمه إذا تقدمه في قوله تعالى # يقدم قومه # [هود: 98] وحذف المفعول ليتناول كل ما وقع في النفس مما يقدم من القول ~~أو الفعل، وجاز أن لا يقصد مفعول والنهي متوجه إلى نفس التقدمة كقوله # هو الذى يحيى ويميت # [غافر: 68] أو هو من قدم بمعنى تقدم كوجه بمعنى توجه ومنه مقدمة الجيش ~~وهي الجماعة المتقدمة منه ويؤيده قراءة يعقوب { لا تقدموا } بحذف ~~إحدى تاءي تتقدموا { بين يدى الله ورسوله } حقيقة قولهم ~~جلست بين يدي فلان أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا ~~منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا ~~كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره. وفي هذه العبارة ضرب من المجاز الذي ~~يسمى تمثيلا، وفيه فائدة جليلة وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه ~~من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة. ~~ويجوز أن يجري مجرى قولك «سرني زيد وحسن حاله» أي سرني حسن حال زيد. ~~فكذلك هنا المعنى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفائدة هذا ~~الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص. ولما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى سلك به هذا المسلك، وفي هذا تمهيد لما ~~نقم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته عليه السلام، لأن من فضله الله بهذه ~~الأثرة واختصه هذا الاختصاص كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن ~~يخفض بين يديه الصوت. وعن الحسن أن إناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة ~~فنزلت، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحا آخر. وعن ~~عائشة رضي الله عنها أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك. { واتقوا ~~الله } فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها { ~~إن الله سميع } لما تقولون { عليم } بما تعملون وحق مثله أن ~~يتقي. # { يأيها الذين ءامنوا } إعادة النداء عليهم استدعاء ms1359 منهم ~~لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتحريك منهم لئلا يغفلوا عن تأملهم { ~~لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبى } أي إذا نطق ~~ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن ~~تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم وجهره باهرا لجهركم حتى تكون ~~مزيته عليكم لائحة وسابقته لديكم واضحة { ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض } أي إذا كلمتموه وهو صامت ~~فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت بل عليكم أن لا تبلغوا به ~~الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرب من الهمس ~~الذي يضاد الجهر، أو لا تقولوا: له يا محمد يا أحمد وخاطبوه بالنبوة ~~والسكينة والتعظيم، ولما نزلت هذه الآية ما كلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أبو بكر وعمر إلا كأخي السرار. # وعن ابن عباس رضي الله عنهم أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان في ~~أذانه وقر وكان جهوري الصوت، وكان إذا كلم رفع صوته وربما كان يكلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، وكاف التشبيه في محل النصب أي لا ~~تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض، وفي هذا أنهم لم ينهوا عن الجهر ~~مطلقا حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالمخافتة، وإنما نهوا عن جهر ~~مخصوص أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم وهو ~~الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها. { أن تحبط ~~أعملكم } منصوب الموضع على أنه المفعول له متعلق بمعنى النهي، ~~والمعنى انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم أي لخشية حبوطها على تقدير ~~حذف المضاف { وأنتم لا تشعرون }. { إن الذين يغضون ~~أصوتهم عند رسول الله } تم اسم «إن» عند قوله { رسول ~~الله } والمعنى يخفضون أصواتهم في مجلسه تعظيما له { أولئك } ~~مبتدأ خبره { الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ~~وتم صلة { الذين } عند قوله { للتقوى } و { أولئك } مع ~~خبره خبر «إن». والمعنى أخلصها للتقوى من قولهم «امتحن الذهب وفتنة» إذا ~~أذابه فخلص ابريزه من خبثه ونقاه، وحقيقته عاملها معاملة المختبر ms1360 فوجدها ~~مخلصة وعن عمر رضي الله عنه: أذهب الشهوات عنها. والامتحان افتعال من ~~محنه وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد { لهم مغفرة وأجر عظيم ~~} جملة أخرى قيل: نزلت في الشيخين رضي الله عنهما لما كان منهما من غض ~~الصوت، وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم ~~اسما ل «إن» المؤكدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معا ~~والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على ~~عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهما أمره دالة على غاية الاعتداد ~~والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون ~~أصواتهم. # { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرت } نزلت في وفد ~~بني تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد وفيهم ~~الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء ~~حجراته وقالوا: اخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين وذمنا شين، فاستيقظ ~~وخرج. والوراء الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و «من» ~~لابتداء الغاية، وأن المناداة نشأت من ذلك المكان، والحجرة الرقعة من ~~الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها وهي فعلة بمعنى مفعولة كالقبضة وجمعها ~~الحجرات بضمتين، والحجرات بفتح الجيم وهي قراءة يزيد والمراد حجرات نساء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لكل منهن حجرة. # ومناداتهم من ورائها لعلهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له أو نادوه من ~~وراء الحجرة التي كان عليه السلام فيها ولكنها جمعت إجلالا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. والفعل وإن كان مسندا إلى جميعهم فإنه يجوز أن ~~يتولاه بعضهم وكان الباقون راضين فكأنهم تولوه جميعا { أكثرهم لا ~~يعقلون } يحتمل أن يكون فيهم من قصد استثناؤه، ويحتمل أن يكون ~~المراد النفي العام إذا القلة تقع موقع النفي. # وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم منها: التسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل، ~~ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ومقيله ms1361 مع بعض نسائه، ومنها ~~التعريف باللام دون الإضافة، ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه ~~الآية لوجدها كذلك. فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي ~~إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي ~~عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر كأن الأول بساط للثاني، ثم ~~أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظيم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو ~~أطم وهجنته أتم من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته من ~~وراء الجدر كما يصاح بأهون الناس قدرا لينبه على فظاعة ما جسروا عليه، ~~لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر ~~الذي بلغ في التفاحش مبلغا { ولو أنهم صبروا } أي ولو ثبت ~~صبرهم، ومحل { أنهم صبروا } الرفع على الفاعلية. والصبر حبس ~~النفس عن أن تنازع إلى هواها قال الله تعالى: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم # [الكهف: 28]. وقولهم صبر عن كذا محذوف منه المفعول وهو النفس. وقيل: ~~الصبر مر لا يتجرعه إلا حر. وقوله { حتى تخرج إليهم } ~~يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن ~~يعلموا أن خروجه إليهم { لكان } الصبر { خيرا لهم } في دينهم { ~~والله غفور رحيم } بليغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق ~~غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا. # { يأيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ } ~~أجمعوا أنها نزلت في الوليد بن عقبة وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصدقا إلى بني المصطلق وكانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية، فلما ~~شارف ديارهم ركبوا مستقبلين إليه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: قد ارتدوا ومنعوا الزكاة. # فبعث خالد بن الوليد فوجدهم يصلون فسلموا إليه الصدقات فرجع. وفي تنكير ~~الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال أي فاسق جاءكم بأي نبأ { ~~فتبينوآ } فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا ~~تعتمدوا قول الفاسق، لأن ms1362 من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي ~~هو نوع منه. وفي الآية دلالة قبول خبر الواحد العدل لأنا لو توقفنا في ~~خبره لسوينا بينه وبين الفاسق ولخلا التخصيص به عن الفائدة، والفسوق ~~الخروج من الشيء. يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه: فقست البيضة ~~إذا كسرتها وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضا: قفست الشيء إذا أخرجته من ~~يد مالكه مغتصبا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر. ~~حمزة وعلي { فتثبتوا } والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان ~~والتعرف { أن تصيبوا قوما } لئلا تصيبوا { بجهالة } حال يعني ~~جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة { فتصبحوا } فتصيروا { على ما ~~فعلتم ندمين } الندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك ~~تتمنى أنه لم يقع وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام. # { واعلموا أن فيكم رسول الله } فلا تكذبوا فإن الله ~~يخبره فينهتك ستر الكاذب، أو فارجعوا إليه واطلبوا رأيه. ثم قال مستأنفا ~~{ لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم } لوقعتم في ~~الجهد والهلاك، وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وأن بعضهم كانوا ~~يتصونون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك وهم الذين استثناهم ~~بقوله { ولكن الله حبب إليكم الإيمن } وقيل: هم ~~الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. ولما كانت صفة الذين حبب الله إليهم ~~الإيمان غايرت صفة المتقدم ذكرهم وقعت «لكن» في حاق موقعها من الاستدراك ~~وهو مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا { وزينه فى ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر } وهو تغطية نعم الله وغمطها ~~بالجحود { والفسوق } وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر { ~~والعصيان } وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع { أولئك هم ~~الرشدون } أي أولئك المستثنون هم الراشدون يعني أصابوا طريق الحق ولم ~~يميلوا عن الاستقامة، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من ~~الرشادة وهي الصخرة { فضلا من الله ونعمة } الفضل والنعمة ~~بمعنى الإفضال والإنعام، والانتصاب على المفعول له أي ms1363 حبب وكره للفضل ~~والنعمة { والله عليم } بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز ~~والتفاضل { حكيم } حين يفضل وينعم بالتوفيق على الأفاضل. ### || [49.9-12] # { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما } وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار ~~وهو على حمار فبال الحمار فأمسك ابن أبي بأنفه وقال: خل سبيل حمارك فقد ~~آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره لأطيب من مسكك. ~~ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا ~~وجاء قوماهما وهما الأوس والخزرج فتجالدوا بالعصي. وقيل: بالأيدي ~~والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم ~~ونزلت. وجمع { اقتتلوا } حملا على المعنى لأن الطائفتين في معنى ~~القوم والناس، وثنى في { فأصلحوا بينهما } نظرا إلى اللفظ { ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى } البغي الاستطالة والظلم ~~وإباء الصلح { فقتلوا التى تبغى حتى تفىء } أي ترجع ~~والفيء الرجوع وقد سمى به الظل والغنيمة لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس، ~~والغنيمة ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، وحكم الفئة الباغية وجوب ~~قتالها ما قاتلت فإذا كفت وقبضت عن الحرب أيديها تركت { إلى أمر ~~الله } المذكور في كتابه من الصلح وزوال الشحناء { فإن فآءت } عن ~~البغي إلى أمر الله { فأصلحوا بينهما بالعدل } بالإنصاف ~~{ وأقسطوا } واعدلوا وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما ~~أمر به في إصلاح ذات البين { إن الله يحب المقسطين } ~~العادلين والقسط: الجور، والقسط: العدل، والفعل منه أقسط وهمزته للسلب أي ~~أزال القسط وهو الجور. # { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~} هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من ~~المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب ~~اللاصق ما إن لم يفضل الإخوة لم ينقص عنها. ثم قد جرت العادة على أنه إذا ~~نشب مثل ذلك بين الأخوين ولادا لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته ~~بالصلح بينهما فالإخوة في الدين أحق بذلك، { أخوتكم } يعقوب { ~~واتقوا الله لعلكم ms1364 ترحمون } أي واتقوا الله، فالتقوى ~~تحملكم على التواصل والائتلاف وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم ~~مرجوا، والآية تدل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنه سماهم مؤمنين ~~مع وجود البغي. # { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم ~~عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء ~~عسى أن يكن خيرا منهن } القوم: الرجال خاصة لأنهم القوام ~~بأمور النساء قال الله تعالى: # الرجال قوامون على النساء # [النساء: 34] وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر. ~~واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية إذ لو كانت النساء داخلة في قوم لم ~~يقل ولا نساء وحقق ذلك زهير في قوله: # وما أدري ولست إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء؟ # وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث فليس لفظ القوم ~~بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع ~~لرجالهن. وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين: أن يراد لا يسخر بعض ~~المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصد إفادة الشياع وأن يصير كل جماعة ~~منهم منهية عن السخرية. وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة على ~~التوحيد إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على ~~السخرية واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه، وقوله: { عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم }. كلام مستأنف ورد مورد جواب المستخبر عن ~~علة النهي وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء، والمعنى وجوب أن ~~يعتقد كل واحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر إذ لا ~~اطلاع للناس إلا على الظواهر ولا علم لهم بالسرائر، والذي يزن عند الله ~~خلوص الضمائر فينبغي أن لا يجتريء أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا ~~رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ~~ضميرا وأتقى قلبا ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله ~~تعالى، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء موكل بالقول ms1365 لو سخرت من كلب ~~لخشيت أن أحول كلبا. # { ولا تلمزوآ أنفسكم } ولا تطعنوا أهل دينكم. واللمز: الطعن ~~والضرب باللسان { ولا تلمزوا } يعقوب وسهل. والمؤمنون كنفس واحدة ~~فإذا عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل: معناه لا تفعلوا ما ~~تلمزون به لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة { ولا ~~تنابزوا بالألقب } التنابز بالألقاب التداعي بها، والنبز لقب ~~السوء والتلقيب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيرا ~~به وذما له، فأما ما يحبه فلا بأس به. وروي أن قوما من بني تميم ~~استهزءوا ببلال وخباب وعمار وصهيب فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها أنها ~~كانت تسخر من زينب بنت خزيمة وكانت قصيرة، وعن أنس رضي الله عنه: عيرت ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بالقصر. وروي أنها نزلت في ثابت ~~بن قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليسمع، فأتى يوما وهو يقول تفسحوا حتى انتهى إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال لرجل: تنح فلم يفعل. فقال: من هذا؟ فقال الرجل: أنا ~~فلان. فقال: بل أنت ابن فلانة يريد أما كان يعير بها في الجاهلية فخجل ~~الرجل فنزلت فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدا. # { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } الاسم ههنا بمعنى ~~الذكر من قولهم «طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم» وحقيقته ما سما من ~~ذكره وارتفع بين الناس كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب ~~هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق. وقوله { بعد الإيمان } استقباح ~~للجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يحظره الإيمان كما تقول «بئس الشأن ~~بعد الكبرة الصبوة». وقيل: كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود يا يهودي ~~يا فاسق فنهوا عنه، وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق ~~واليهودية بعد إيمانه { ومن لم يتب } عما نهي عنه { ~~فأولئك هم الظلمون } وحد وجمع للفظ من ومعناه. # { يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ~~} يقال: ms1366 جنبه الشر إذا أبعده عنه. وحقيقته جعله في جانب فيعدى إلى ~~مفعولين قال الله تعالى: # واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولا والمأمور باجتنابه بعض ~~الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا ترى إلى قوله { إن بعض الظن ~~إثم } قال الزجاج: هو ظنك بأهل الخير سوأ، فأما أهل الفسق فلنا أن نظن ~~فيهم مثل الذي ظهر منهم. أو معناه اجتنابا كثيرا أو احترزوا من الكثير ~~ليقع التحرز عن البعض، والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ومنه قيل ~~لعقوبته الأثام فعلا منه كالنكال والعذاب { ولا تجسسوا } أي لا ~~تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم. يقال: تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه ~~تفعل من الجس. وعن مجاهد: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله. وقال سهل: لا ~~تبحثوا عن طلب معايب ما ستره الله على عباده { ولا يغتب بعضكم ~~بعضا } الغيبة الذكر بالعيب في ظهر الغيب وهي من الاغتياب كالغيلة من ~~الاغتيال، وفي الحديث # " هو أن تذكر أخاك بما يكره " # فإن كان فيه فهو غيبة وإلا فهو بهتان. وعن ابن عباس: الغيبة إدام كلاب ~~الناس. # { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } { ~~ميتا } مدني. وهذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب ~~على أفحش وجه، وفي مبالغات منها: الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها ~~جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى ~~أحدكم والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أن لم يقتصر على ~~تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخا، ومنها أن لم ~~يقتصر على لحم الأخ حتى جعل ميتا. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة ~~مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي، وانتصب { ميتا } على ~~الحال من اللحم أو من أخيه، ولما قررهم بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة ~~أخيه عقب ذلك بقوله { فكرهتموه } أي فتحققت كراهتكم له باستقامة ~~العقل فليتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين { ~~واتقوا الله إن الله تواب ms1367 رحيم } التواب: البليغ ~~في قبول التوبة، والمعنى واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ~~ما وجد منكم منه فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليكم بثواب ~~المتقين التائبين. # وروي أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوي لهما طعامهما فنام عن ~~شأنه يوما فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداما ~~وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء ~~فأخبرهما سلمان فقالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها. فلما جاءا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في ~~أفواهكما فقالا: ما تناولنا لحما، قال: إنكما قد اغتبتما ومن اغتاب ~~مسلما فقد أكل لحمه. ثم قرأ الآية، وقيل: غيبة الخلق إنما تكون من ~~الغيبة عن الحق. ### || [49.13-18] # { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } من ~~آدم وحواء أو كل واحد منكم من أب وأم فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بمثل ~~ما يدلي به الآخر سواء بسواء فلا معنى للتفاخر والتفاضل في النسب { ~~وجعلنكم شعوبا وقبآئل } الشعب الطبقة الأولى من الطبقات ~~الست التي عليها العرب وهي: الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ ~~والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع ~~البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة ~~قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب ~~لأن القبائل تشعبت منها { لتعرفوا } أي إنما رتبكم على شعوب ~~وقبائل ليعرف بعضكم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا ~~بالآباء والأجداد وتدعوا التفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي يفضل ~~بها الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله فقال { إن ~~أكرمكم عند الله أتقكم } في الحديث: # " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: # " الحمد لله الذي أذهب عنكم ms1368 عبية الجاهلية وتكبرها. يا أيها الناس ~~إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر وشقي هين على الله " # ثم قرأ الآية. وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق ~~المدينة فرأى غلاما أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط أن لا يمنعني من ~~الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاشتراه بعضهم فمرض ~~فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفي فحضر دفنه فقالوا في ذلك ~~شيئا فنزلت { إن الله عليم } كرم القلوب وتقواها { خبير } ~~بهم النفوس في هواها. # { قالت الأعراب } أي بعض الأعراب لأن من الأعراب من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر وهم أعراب بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة فاظهروا ~~الشهادة يريدون الصدقة ويمنون عليه { ءامنا } أي ظاهرا وباطنا { ~~قل } لهم يا محمد { لم تؤمنوا } لم تصدقوا بقلوبكم { ولكن ~~قولوا أسلمنا } فالإيمان هو التصديق، والإسلام الدخول في السلم ~~والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله { ~~ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم } فاعلم أن ما يكون من ~~الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب ~~اللسان فهو إيمان، وهذا من حيث اللغة. وأما في الشرع فالإيمان والإسلام ~~واحد لما عرف، وفي { لما } معنى التوقع وهو دال على أن بعض هؤلاء قد ~~آمنوا فيما بعد. # والآية تنقض على الكرامية مذهبهم أن الإيمان لا يكون بالقلب ولكن ~~باللسان، فإن قلت: مقتضى نظم الكلام أن يقال: قل لا تقولوا آمنا ولكن ~~قولوا أسلمنا، أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم. قلت: أفاد هذا النظم تكذيب ~~دعواهم أولا فقيل { قل لم تؤمنوا } مع أدب حسن فلم يقل كذبتم ~~تصريحا ووضع { لم تؤمنوا } الذي هو نفي ما ادعوا إثباته موضعه ~~واستغنى بقوله { لم تؤمنوا } عن أن يقال لا تقولوا آمنا لاستهجان ~~أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان، ولم يقل ولكن أسلمتم ~~ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى كما كان قولهم آمنا كذلك. ولو قيل ولكن ~~أسلمتم لكان كالتسليم ms1369 والاعتداد بقولهم وهو غير معتد به. وليس قوله { ~~ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم } تكريرا لمعنى قوله { ~~لم تؤمنوا } فإن فائدة قوله { لم تؤمنوا } تكذيب لدعواهم ~~وقوله { ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم } توقيب لما ~~أمروا به أن يقولوه كأن قيل لهم: ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطأة ~~قلوبكم لألسنتكم لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في { قولوا }. # { وإن تطيعوا الله ورسوله } في السر بترك النفاق { لا ~~يلتكم } { لا يألتكم }: بصري { من أعملكم شيئا } أي ~~لا ينقصكم من ثواب حسناتكم شيئا. ألت يألت وألات يليت ولات يليت بمعنى ~~وهو النقص { أن الله غفور } بستر الذنوب { رحيم } بهدايتهم ~~للتوبة عن العيوب. ثم وصف المؤمنين المخلصين فقال { إنما ~~المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا } ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة، والمعنى ~~أنهم آمنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به ولا اتهام لما صدقوه. ~~ولما كان الإيقان وزوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان ~~تنبيها على مكانه، وعطف على الإيمان بكلمة التراخي إشعارا باستقراره في ~~الأزمنة المتراخية المتطاولة غضا جديدا { وجهدوا بأمولهم ~~وأنفسهم فى سبيل الله } يجوز أن يكون المجاهد منويا وهو ~~العدو المحارب أو الشيطان أو الهوى، وأن يكون جاهد مبالغة في جهد، ويجوز ~~أن يراد بالمجاهدة بالنفس الغزو وأن يتناول العبادات بأجمعها وبالمجاهدة ~~بالمال نحو صنيع عثمان في جيش العسرة، وأن يتناول الزكاة وكل ما يتعلق ~~بالمال من أعمال البر. وخبر المبتدأ الذي هو { المؤمنون } { ~~أولئك هم الصدقون } أي الذين صدقوا في قولهم آمنا ولم ~~يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق وحق. وقوله ~~{ الذين آمنوا } صفة لهم. # ولما نزلت هذه الآية جاءوا وحلفوا أنهم مخلصون فنزل { قل ~~أتعلمون الله بدينكم } أي أتخبرونه بتصديق قلوبكم { ~~والله يعلم ما فى السموت وما فى الأرض والله ~~بكل شىء عليم } من النفاق والإخلاص وغير ذلك { يمنون ~~عليك أن } أي بأن { أسلموا } يعني بإسلامهم. # والمن ذكر الأيادي تعريضا للشكر { قل ms1370 لا تمنوا على ~~إسلمكم بل الله يمن عليكم } أي المنة لله عليكم { ~~أن هداكم } بأن هداكم أو لأن { للإيمن إن كنتم ~~صدقين } إن صح زعمكم وصدقت دعواكم إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله ~~عليم بخلافه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره إن كنتم ~~صادقين في ادعائكم الإيمان بالله فلله المنة عليكم وقرىء { إن هداكم ~~} { إن الله يعلم غيب السموت والأرض والله ~~بصير بما تعملون } وبالياء: مكي. وهذا بيان لكونهم غير صادقين ~~في دعواهم يعني أنه تعالى يعلم كل مستتر في العالم ويبصر كل عمل تعملونه ~~في سركم وعلانيتكم لا يخفي عليه منه شيء فكيف يخفي عليه ما في ضمائركم ~~وهو علام الغيوب؟ ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-22] # الكلام في { ق والقرءان المجيد بل عجبوآ } كالكلام في # ص والقرءان ذى الذكر بل الذين كفروا # سواء بسواء لالتقائهما في أسلوب واحد. والمجيد ذو المجد والشرف على غيره ~~من الكتب ومن أحاط علما بمعانيه وعمل بما فيه مجد عند الله وعند الناس. ~~وقوله { بل عجبوا } أي كفار مكة { أن جآءهم منذر ~~منهم } أي محمد صلى الله عليه وسلم إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو ~~أن ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته، ومن كان كذلك لم ~~يكن إلا ناصحا لقومه خائفا أن ينالهم مكروه، وإذا علم أن مخوفا أظلهم ~~لزمه أن ينذرهم فكيف بما هو غاية المخاوف وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به ~~من البعث مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما، ~~وعلى اختراع كل شيء وإقرارهم بالنشأة الأولى مع شهادة العقل بأنه لا بد ~~من الجزاء؟ ثم عول على أحد الإنكارين بقوله { فقال الكفرون ~~هذا شىء عجيب أءذا متنا وكنا ترابا } دلالة على ~~أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار. وضع الكافرون موضع ~~الضمير للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم، وهذا ~~إشارة إلى الرجع. و«إذا» منصوب بمضمر معناه أحين نموت ونبلى نرجع. { ~~متنا } نافع وعلي وحمزة وحفص { ذلك رجع بعيد } مستبعد ms1371 ~~مستنكر كقولك «هذا قول بعيد» أي بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن يكون ~~الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى استبعادا ~~لإنكارهم ما أنذروا به من البعث، والوقف على { تربا } على هذا حسن، ~~وناصب الظرف إذا كان الرجع بمعنى المرجوع ما دل عليه المنذر من المنذر به ~~وهو البعث { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } رد ~~لاستبعادهم الرجع لأن من لطف علمه حتى علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى ~~وتأكله من لحومهم وعظامهم كان قادرا على رجعهم أحياء كما كانوا { ~~وعندنا كتب حفيظ } محفوظ من الشياطين ومن التغير وهو اللوح ~~المحفوظ، أو حافظ لما أودعه وكتب فيه { بل كذبوا بالحق ~~لما جآءهم } إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما ~~هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات ~~في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر { فهم فى أمر مريج } مضطرب. ~~يقال: مرج الخاتم في الإصبع إذا اضطرب من سعته فيقولون تارة شاعر وطورا ~~ساحر ومرة كاهن لا يثبتون على شيء واحد. وقيل: الحق القرآن. وقيل: ~~الإخبار بالبعث. # ثم دلهم على قدرته على البعث فقال { أفلم ينظروآ } حين كفروا ~~بالبعث { إلى السمآء فوقهم } إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق ~~العالم { كيف بنينها } رفعناها بغير عمد { وزينها } ~~بالنيرات { وما لها من فروج } من فتوق وشقوق أي أنها سليمة من ~~العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل { والأرض مددنها } ~~دحوناها { وألقينا فيها روسي } جبالا ثوابت لولا هي لمالت { ~~وأنبتنا فيها من كل زوج } صنف { بهيج } يبتهج به لحسنه ~~{ تبصرة وذكرى } لنبصر به ونذكر { لكل عبد منيب } ~~راجع إلى ربه مفكر في بدائع خلقه. # { ونزلنا من السمآء مآء مبركا } كثير المنافع { ~~فأنبتنا به جنت وحب الحصيد } أي وحب الزرع الذي من ~~شأنه أن يحصد كالحنطة والشعير وغيرهما { والنخل بسقت } ~~طوالا في السماء { لها طلع } هو كل ما يطلع من ثمر النخيل { ~~نضيد } منضود بعضه فوق بعض لكثرة الطلع وتراكمه أو لكثرة ما ms1372 فيه من ~~الثمر { رزقا للعباد } أي أنبتناها رزقا للعباد لأن الإنبات ~~في معنى الرزق فيكون { رزقا } مصدرا من غير لفظه، أو هو مفعول له أي ~~أنبتناها لرزقهم { وأحيينا به } بذلك الماء { بلدة ميتا ~~} قد جف نباتها { كذلك الخروج } أي كما حييت هذه البلدة الميتة ~~كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم لأن إحياء الموات كإحياء الأموات، والكاف في ~~محل الرفع على الابتداء. # { كذبت قبلهم } قبل قريش { قوم نوح وأصحب ~~الرس } هو بئر لم تطو وهم قوم باليمامة وقيل أصحاب الأخدود { ~~وثمود وعاد وفرعون } أراد بفرعون قومه كقوله # من فرعون وملئهم # [يونس: 83] لأن المعطوف عليه قوم نوح والمعطوفات جماعات { وإخون ~~لوط وأصحب الأيكة } سماهم إخوانه لأن بينهم وبينه نسبا ~~قريبا { وقوم تبع } هو ملك باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام ~~فكذبوه وسمي به لكثرة تبعه { كل } أي كل واحد منهم { كذب ~~الرسل } لأن من كذب رسولا واحدا فقد كذب جميعهم { فحق وعيد ~~} فوجب وحل وعيدي وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم { ~~أفعيينا } عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله والهمزة للإنكار { ~~بالخلق الأول } أي أنا لم نعجز عن الخلق الأول فكيف نعجز عن ~~الثاني والاعتراف بذلك اعتراف بالإعادة { بل هم فى لبس } في خلط ~~وشبهة قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم وذلك تسويله إليهم أن إحياء الموتى ~~أمر خارج عن العادة فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح وهو أن من قدر على ~~الإنشاء كان على الإعادة أقدر { من خلق جديد } بعد الموت. وإنما ~~نكر الخلق الجديد ليدل على عظمة شأنه وأن حق من سمع به أن يخاف ويهتم به. # { ولقد خلقنا الإنسن ونعلم ما توسوس به ~~نفسه } الوسوسة الصوت الخفي ووسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان ويهجس ~~في ضميره من حديث النفس، والباء مثلها في قوله «صوت بكذا» { ونحن ~~أقرب إليه } المراد قرب علمه منه { من حبل الوريد } هو ~~مثل في فرط القرب، والوريد عرق في باطن العنق، والحبل العرق، والإضافة ~~للبيان كقولهم «بعير سانية» { إذ يتلقى المتلقيان } يعني ~~الملكين الحافظين { عن ms1373 اليمين وعن الشمال قعيد } التلقي ~~التلقن بالحفظ والكتابة والقعيد والمقاعد بمعنى المجالس وتقديره عن ~~اليمين قعيد وعن الشمال من المتلقيين فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه ~~كقوله # : # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوى رماني # أي رماني بأمر كنت منه بريئا وكان والدي منه بريئا. و«إذ» منصوب بأقرب ~~لما فيه من معنى يقرب، والمعنى إنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس ولا ~~شيء أخفى منه وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما ~~يتلفظ به إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه، وكيف لا يستغني ~~عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟ وإنما ذلك لحكمة وهو ما في كتبة الملكين ~~وحفظهما وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن ~~السيئات والرغبة في الحسنات. # { ما يلفظ من قول } ما يتكلم به وما يرمي به من فيه { إلا ~~لديه رقيب } حافظ { عتيد } حاضر. ثم قيل: يكتبان كل شيء حتى ~~أنينه في مرضه. وقيل: لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر. وقيل: إن الملكين ~~لا يجتنبانه إلا عند الغائط والجماع. لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم ~~بقدرته وعلمه أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام ~~الساعة، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي وهو قوله { ~~وجآءت سكرة الموت } أي شدته الذاهبة بالعقل ملتبسة { ~~بالحق } أي بحقيقة الأمر أو بالحكمة { ذلك ما كنت منه } ~~الإشارة إلى الموت والخطاب للإنسان في قوله { ولقد خلقنا ~~الإنسن } على طريق الالتفات { تحيد } تنفر وتهرب { ونفخ فى ~~الصور } يعني نفخة البعث { ذلك يوم الوعيد } أي وقت ذلك يوم ~~الوعيد على حذف المضاف والإشارة إلى مصدر نفخ { وجآءت كل نفس ~~معها سآئق وشهيد } أي ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر والآخر ~~يشهد عليه بعمله، ومحل { معها سائق } النصب على الحال من { كل ~~} لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة { لقد كنت } أي يقال ~~لها لقد كنت { فى غفلة من هذا } النازل بك اليوم { ~~فكشفنا ms1374 عنك غطآءك } أي فأزلنا غفلتك بما تشاهده { فبصرك ~~اليوم حديد } جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله أو غشاوة ~~غطي بها عينيه فهو لا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه ~~الغفلة وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق، ورجع بصره الكليل عن الإبصار ~~لغفلته حديدا لتيقظه. ### || [50.23-45] # { وقال قرينه } الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه { ~~هذا } أي ديوان عمله، مجاهد: شيطانه الذي قيض له في قوله # نقيض له شيطانا فهو له قرين # [الزخرف: 36]. هذا أي الذي وكلت به { ما لدى عتيد } { هذا ~~} مبتدأ و { ما } نكرة بمعنى شيء والظرف بعده وصف له وكذلك { عتيد } ~~و { ما } وصفتها خبر { هذا } والتقدير هذا شيء ثابت لدي عتيد. ثم ~~يقول الله تعالى { ألقيا } والخطاب للسائق والشهيد أو لمالك، وكأن ~~الأصل ألق ألق فناب ألقيا عن ألق ألق لأن الفاعل كالجزء من الفعل فكانت ~~تثنية الفاعل نائبة عن تكرار الفعل. وقيل: أصله ألقين والألف بدل من ~~النون إجراء للوصل مجرى الوقف دليله قراءة الحسن { ألقين } { فى ~~جهنم كل كفار } بالنعم والمنعم { عنيد } معاند مجانب للحق ~~معاد لأهله { مناع للخير } كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع ~~لجنس الخير أن يصل إلى أهله { معتد } ظالم متخط للحق { مريب } شاك ~~في الله وفي دينه { الذى جعل مع الله إلها ءاخر } ~~مبتدأ متضمن معنى الشرط خبره { فألقيه فى العذاب الشديد ~~} أو بدل من { كل كفار } و { فألقيه } تكرير للتوكيد ولا ~~يجوز أن يكون صفة ل { كفار } لأن النكرة لا توصف بالموصول. # { قال قرينه } أي شيطانه الذي قرن به وهو شاهد لمجاهد، وإنما أخليت ~~هذه الجملة عن الواو دون الأولى لأن الأولى واجب عطفها للدلالة على الجمع ~~بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول ~~قرينه ما قال له، وأما هذه فهي مستأنفة كما تستأنف الجمل الواقعة في ~~حكاية التقاول كما في مقاولة موسى وفرعون، فكأن الكافر قال رب هو أطغاني ~~فقال قرينه { ربنا مآ أطغيته ولكن ms1375 كان فى ضلل ~~بعيد } أي ما أوقعته في الطغيان ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى { ~~قال لا تختصموا } هو استئناف مثل قوله تعالى { قال قرينه } ~~كأن قائلا قال: فماذا قال الله؟ فقيل: قال لا تختصموا { لدى وقد ~~قدمت إليكم بالوعيد } أي لا تختصموا في دار الجزاء وموقف ~~الحساب فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته وقد أوعدتكم بعذابي على ~~الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فما تركت لكم حجة علي. والباء في { ~~بالوعيد } مزيدة كما في قوله # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195] أو معدية على أن قدم مطاوع بمعنى تقدم { ما يبدل ~~القول لدى } أي لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في ~~النار { وما أنا بظلم للعبيد } فلا أعذب عبدا بغير ~~ذنب. # وقال { بظلم } على لفظ المبالغة لأنه من قولك هو ظالم لعبده ~~وظلام لعبيده { يوم } نصب ب { ظلام } أو بمضمر هو اذكر وأنذر { ~~نقول } نافع وأبو بكر أي يقول الله { لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد } وهو مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد ~~امتلائها هل من مزيد أي هل بقي في موضع لم يمتليء يعني قد امتلأت، أو ~~أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد وهذا على تحقيق القول من جهنم وهو غير ~~مستنكر كإنطاق الجوارح، والسؤال لتوبيخ الكفرة لعلمه تعالى بأنها امتلأت ~~أم لا. # { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد } غير نصب على ~~الظرف أي مكانا غير بعيد، أو على الحال وتذكيره لأنه على زنة المصدر ~~كالصليل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، أو على حذف الموصوف ~~أي شيئا غير بعيد ومعناه التوكيد كما تقول: هو قريب غير بعيد وعزيز غير ~~ذليل { هذا } مبتدأ وهو إشارة إلى الثواب أو إلى مصدر أزلفت { ما ~~توعدون } صفته وبالياء: مكي { لكل أواب } رجاع إلى ذكر الله ~~خبره { حفيظ } حافظ لحدوده جاء في الحديث # " من حافظ على أربع ركعات في أول النهار كان أوابا حفيظا " # { من } مجرور المحل بدل من { أواب } أو رفع بالابتداء وخبره { ~~ادخلوها } على تقدير يقال لهم ادخولها بسلام ms1376 لأن «من» في معنى الجمع ~~{ خشى الرحمن } الخشية انزعاج القلب عند ذكر الخطيئة، وقرن ~~بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة للثناء البليغ على الخاشي وهو خشيته ~~مع علمه أنه الواسع الرحمة كما أثنى عليه بأنه خاش مع أن المخشي منه ~~غائب { بالغيب } حال من المفعول أي خشيه وهو غائب، أو صفة لمصدر خشي ~~أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب. الحسن: إذا أغلق ~~الباب وأرخى الستر { وجآء بقلب منيب } راجع إلى الله. وقيل: ~~بسريرة مرضية وعقيدة صحيحة { ادخلوها بسلام } أي سالمين من زوال ~~النعم وحلول النقم { ذلك يوم الخلود } أي يوم تقدير الخلود ~~كقوله # فادخلوها خلدين # [الزمر: 73] أي مقدرين الخلود { لهم ما يشآءون فيها ~~ولدينا مزيد } على ما يشتهون، والجمهور على أنه رؤية الله تعالى ~~بلا كيف. # { وكم أهلكنا قبلهم } قبل قومك { من قرن } من القرون ~~الذين كذبوا رسلهم { هم أشد منهم } من قومك { بطشا } قوة ~~وسطوة { فنقبوا } فخرقوا { فى البلد } وطافوا. والتنقيب ~~التنقير عن الأمر والبحث والطلب، ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله { هم ~~أشد منهم بطشا } أي شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب وقوتهم ~~عليه، ويجوز أن يراد فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون ~~فهل رأوا لهم محيصا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم، ويدل عليه قراءة من قرأ { ~~فنقبوا } على الأمر { هل من محيص } مهرب من الله أو من ~~الموت. # { إن فى ذلك } المذكور { لذكرى } تذكرة وموعظة { لمن ~~كان له قلب } واع لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له { أو ~~ألقى السمع } أصغى إلى المواعظ { وهو شهيد } حاضر بفطنته ~~لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب. { ولقد خلقنا السموت ~~والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب } إعياء، قيل: نزلت في اليهود لعنت تكذيبا لقولهم خلق الله ~~السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم ~~السبت واستلقى على العرش وقالوا: إن الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة ~~إنما وقع من اليهود ومنهم أخذ. وأنكر اليهود التربيع في ms1377 الجلوس وزعموا ~~أنه جلس تلك الجلسة يوم السبت { فاصبر على ما يقولون } أي ~~على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه، أو على ما يقول ~~المشركون في أمر البعث فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم ~~والانتقام منه { وسبح بحمد ربك } حامدا ربك، والتسبيح ~~محمول على ظاهره أو على الصلاة فالصلاة { قبل طلوع الشمس } ~~الفجر { وقبل الغروب } الظهر والعصر { ومن اليل ~~فسبحه } العشاءان أو التهجد { وأدبر السجود } التسبيح ~~في آثار الصلوات والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد ~~المكتوبات أو الوتر بعد العشاء والأدبار جمع دبر، { وإدبار } حجازي وحمزة ~~وخلف من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت، ومعناه وقت انقضاء السجود كقولهم ~~«آتيك خفوق النجم». { واستمع } لما أخبرك به من حال يوم القيامة وفي ~~ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به وقد وقف يعقوب عليه. وانتصب { يوم ~~يناد المناد } بما دل عليه { ذلك يوم الخروج } أي يوم ~~ينادي المنادي يخرجون من القبور. وقيل: تقديره واستمع حديث يوم ينادي ~~المنادي. { المنادي } بالياء في الحالين: مكي وسهل ويعقوب، وفي الوصل: ~~مدني وأبو عمرو، وغيرهم بغير ياء فيهما. والمنادي إسرافيل ينفخ في الصور ~~وينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة ~~والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ~~ينفخ وجبريل ينادي بالحشر { من مكان قريب } من صخرة بيت المقدس ~~وهي أقرب من الأرض إلى السماء باثني عشر ميلا وهي وسط الأرض. # { يوم يسمعون الصيحة } بدل من { يوم ينادى }. الصيحة ~~النفخة الثانية { بالحق } متعلق ب { الصيحة } والمراد به ~~البعث والحشر للجزاء { ذلك يوم الخروج } من القبور { إنا ~~نحن نحيى } الخلق { ونميت } أي نميتهم في الدنيا { وإلينا ~~المصير } أي مصيرهم { يوم تشقق } بالتخفيف: كوفي وأبو عمرو، ~~وغيرهم بالتشديد { الأرض عنهم } أي تتصدع الأرض فتخرج الموتى من ~~صدوعها { سراعا } حال من المجرور أي مسرعين { ذلك حشر ~~علينا يسير } هين. # وتقديم الظرف يدل على الاختصاص أي لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا ~~على القادر الذي لا يشغله شأن عن ms1378 شأن { نحن أعلم بما ~~يقولون } فيك وفينا تهديد لهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ ومآ أنت عليهم بجبار } كقوله # بمسيطر # [الغاشية: 22] أي ما أنت بمسلط عليهم إنما أنت داع وباعث. وقيل: هو من ~~جبره على الأمر بمعنى أجبره أي ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان { ~~فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } كقوله: # إنما أنت منذر من يخشها # [النازعات: 45]. لأنه لا ينفع إلا فيه والله أعلم. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-22] # { والذريت } الرياح لأنها تذرو التراب وغيره، وبادغام التاء في ~~الذال: حمزة وأبو عمرو { ذروا } مصدر والعامل فيه اسم الفاعل { ~~فالحملت } السحاب لأنها تحمل المطر { وقرا } مفعول الحاملات ~~{ فالجريت } الفلك { يسرا } جريا ذا يسر أي ذا سهولة { ~~فالمقسمت أمرا } الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار ~~والأرزاق وغيرهما، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك، أو تتولى تقسيم أمر ~~العباد؛ فجبريل للغلظة، وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، ~~وإسرافيل للنفخ. ويجوز أن يراد الرياح لا غير لأنها تنشيء السحاب وتقله ~~وتصرفه وتجري في الجو جريا سهلا، وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. ومعنى ~~الفاء على الأول أنه أقسم بالرياح فبالسحاب التي تسوقه فبالفلك التي ~~تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار ~~وتجارات البحر ومنافعها. وعلى الثاني أنها تبتديء في الهبوب فتذرو التراب ~~والحصباء فتقل السحاب فتجري في الجو باسطة له فتقسم المطر { إنما ~~توعدون } جواب القسم و«ما» موصولة أو مصدرية والموعود البعث { ~~لصدق } وعد صادق كعيشة راضية أي ذات رضا { وإن الدين } ~~الجزاء على الأعمال { لواقع } لكائن. # { والسماء } هذا قسم آخر { ذات الحبك } الطرائق الحسنة مثل ما ~~يظهر على الماء من هبوب الريح، وكذلك حبك الشعر آثار تثنيه وتكسره جمع ~~حبيكة كطريقة وطرق. ويقال: إن خلقة السماء كذلك. وعن الحسن: حبكها نجومها ~~جمع حباك { إنكم لفى قول مختلف } أي قولهم في الرسول ~~ساحر وشاعر ومجنون وفي القرآن سحر وشعر وأساطير الأولين { يؤفك ~~عنه من أفك } الضمير للقرآن أو الرسول أي يصرف عنه من صرف، الصرف ~~الذي لا صرف أشد منه وأعظم، أو ms1379 يصرف عنه من صرف في سابق علم الله أي علم ~~فيما لم يزل أن مأفوك عن الحق لا يرعوي. ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون ~~أو للدين، أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق، ثم أقسم بالسماء ~~على أنهم في قول مختلف في وقوعه فمنهم شاك ومنهم جاحد، ثم قال: يؤفك عن ~~الإقرار بأمر القيامة من هو مأفوك { قتل } لعن وأصله الدعاء بالقتل ~~والهلاك ثم جرى مجرى لعن { الخرصون } الكذابون المقدرون ما لا يصح ~~وهم أصحاب القول المختلف، واللام إشارة إليهم كأنه قيل: قتل هؤلاء ~~الخراصون { الذين هم فى غمرة } في جهل يغمرهم { سهون } ~~غافلون عما أمروا به. # { يسئلون } فيقولون { أيان يوم الدين } أي متى يوم ~~الجزاء وتقديره: أيان وقوع يوم الدين لأنه إنما تقع الأحيان ظروفا ~~للحدثان. وانتصب اليوم الواقع في الجواب بفعل مضمر دل عليه السؤال أي يقع ~~{ يوم هم على النار يفتنون } ويجوز أن يكون مفتوحا ~~لإضافته إلى غير متمكن وهو الجملة، ومحله نصب بالمضمر الذي هو يقع أو رفع ~~على هو يوم هم على النار يفتنون يحرقون ويعذبون { ذوقوا فتنتكم ~~} أي تقول لهم خزنة النار ذوقوا عذابكم وإحراقكم بالنار { هذا } ~~مبتدأ خبره { الذى } أي هذا العذاب هو الذي { كنتم به ~~تستعجلون } في الدنيا بقولكم # فأتنا بما تعدنا # ثم ذكر حال المؤمنين فقال. # { إن المتقين فى جنت وعيون } أي وتكون العيون وهي ~~الأنهار الجارية بحيث يرونها وتقع عليها أبصارهم لا أنهم فيها { ~~ءاخذين مآ ءاتهم ربهم } قابلين لكل ما أعطاهم من الثواب ~~راضين به وآخذين حال من الضمير في الظرف وهو خبر إن { إنهم كانوا ~~قبل ذلك } قبل دخول الجنة في الدنيا { محسنين } قد أحسنوا ~~أعمالهم وتفسير إحسانهم ما بعده. # { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } ينامون. و«ما» ~~مزيدة للتوكيد و { يهجعون } خبر { كان } والمعنى كانوا يهجعون في ~~طائفة قليلة من الليل، أو مصدرية والتقدير: كانوا قليلا من الليل هجوعهم ~~فيرتفع هجوعهم لكونه بدلا من الواو في { كانوا } لا ب { قليلا } ~~لأنه صار موصوفا بقوله { من ms1380 اليل } خرج من شبه الفعل وعمله ~~باعتبار المشابهة أي كان هجوعهم قليلا من الليل، ولا يجوز أن تكون «ما» ~~نافية على معنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلا ويحيونه كله لأن «ما» ~~النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها لا تقول: زيدا ما ضربت { ~~وبالأسحر هم يستغفرون } وصفهم بأنهم يحيون الليل ~~متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، ~~والسحر السدس الأخير من الليل { وفى أمولهم حق للسائل } ~~لمن يسأل لحاجته { والمحروم } أي الذي يتعرض ولا يسأل حياء. # { وفى الأرض ءايت } تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث ~~هي مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها وهي ~~مجزأة؛ فمن سهل ومن جبل وصلبة ورخوة وعذاة وسبخة، وفيها عيون متفجرة ~~ومعادن مفتنة ودواب منبثة مختلفة الصور والأشكال متباينة الهيئات ~~والأفعال { للموقنين } للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني ~~الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة كلما رأوا آية ~~عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيقانا على إيقانهم { وفى أنفسكم } في ~~حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب ~~الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من ~~العقول وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها ~~من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها مع الأسماء ~~والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما سوى في ~~الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز، ~~وإذا استرخى أناخ الذل، فتبارك الله أحسن الخالقين. وما قيل إن التقدير ~~أفلا تبصرون في أنفسكم ضعيف لأنه يفضي إلى تقديم ما في حيز الاستفهام على ~~حرف الاستفهام { أفلا تبصرون } تنظرون نظر من يعتبر { وفى ~~السماء رزقكم } أي المطر لأنه سبب الأقوات، وعن الحسن أنه كان ~~إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم { ~~وما توعدون } الجنة فهي على ظهر السماء السابعة تحت العرش، أو أراد ~~أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدونه في العقبى ms1381 كله مقدور مكتوب في ~~السماء. ### || [51.23-37] # { فورب السماء والأرض إنه لحق } الضمير يعود إلى ~~الرزق أو إلى { ما توعدون } { مثل ما أنكم تنطقون } ~~بالرفع: كوفي غير حفص صفة للحق أي حق مثل نطقكم، وغيرهم بالنصب أي إنه ~~لحق حقا مثل نطقكم، ويجوز أن يكون فتحا لإضافته إلى غير متمكن و«ما» ~~مزيدة. وعن الأصمعي أنه قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود ~~فقال: من الرجل؟ فقلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع ~~يتلى فيه كلام الله، قال: اتلو علي فتلوت { والذريات } فلما بلغت ~~قوله { وفى السماء رزقكم } قال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ~~ووزعها على من أقبل وأدبر وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت ~~مع الرشيد وطفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا ~~بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح ~~وقال: # قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا # [الأعراف:44] ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت { فورب السماء ~~والأرض إنه لحق } فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب ~~الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى حلف قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه. # { هل أتاك } تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإنما عرفه بالوحي وانتظامها بما قبلها باعتبار أنه قال { ~~وفى الأرض ءايت } وقال في آخر هذه القصة { وتركنا فيها ~~ءاية } { حديث ضيف إبرهيم } الضيف للواحد والجماعة كالصوم ~~والزور لأنه في الأصل مصدر ضافه، وكانوا اثني عشر ملكا. وقيل: تسعة ~~عاشرهم جبريل. وجعلهم ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم ~~إبراهيم أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك { المكرمين } عند الله ~~لقوله # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] وقيل: لأنه خدمهم بنفسه وأخدمهم امرأته وعجل لهم القرى { ~~إذ دخلوا عليه } نصب ب { المكرمين } إذا فسر بإكرام ~~إبراهيم لهم وإلا فبإضمار اذكر { فقالوا سلاما } مصدر ساد مسد ~~الفعل مستغنى به عنه، وأصله نسلم عليكم سلاما { قال سلم } أي ~~عليكم سلام ms1382 فهو مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، والعدول إلى الرفع ~~للدلالة على إثبات السلام كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به أخذا ~~بأدب الله، وهذا أيضا من إكرامه لهم. حمزة وعلي: سلم والسلم السلام { ~~قوم منكرون } أي أنتم قوم منكرون فعرفوني من أنتم { فراغ ~~إلى أهله } فذهب إليهم في خفية من ضيوفه ومن أدب المضيف أن يخفي ~~أمره وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذرا من أن يكفه، وكان ~~عامة مال إبراهيم عليه السلام البقر { فجاء بعجل سمين ~~فقربه إليهم } ليأكلوا منه فلم يأكلوا { قال ألا ~~تأكلون } أنكر عليهم ترك الأكل أو حثهم عليه { فأوجس } فأضمر { ~~منهم خيفة } خوفا لأن من لم يأكل طعامك لم يحفظ ذمامك. # عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب { ~~قالوا لا تخف } إنا رسل الله، وقيل: مسح جبريل العجل فقام ولحق ~~بأمه { وبشروه بغلم عليم } أي يبلغ ويعلم والمبشر به ~~إسحاق عند الجمهور. # { فأقبلت امرأته فى صرة } في صيحة من صر القلم والباب، ~~قال الزجاج: الصرة شدة الصياح ههنا ومحله النصب على الحال أي فجاءت صارة. ~~وقيل: فأخذت في صياح وصرتها قولها يا ويلتا { فصكت وجهها } ~~فلطمت ببسط يديها. وقيل: فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب { ~~وقالت عجوز عقيم } أي أنا عجوز فكيف ألد كما قال في موضع آخر # أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا # [هود: 72] { قالوا كذلك } مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به { قال ~~ربك } أي إنما نخبرك عن الله تعالى والله قادر على ما تستبعدين { ~~إنه هو الحكيم } في فعله { العليم } فلا يخفى عليه شيء. ~~وروي أن جبريل قال لها حين استبعدت: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا ~~جذوعه مورقة مثمرة. ولما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بأمر الله ~~رسلا في بعض الأمور { قال فما خطبكم } أي فما شأنكم وما طلبكم ~~وفيم أرسلتم؟ { أيها المرسلون } أرسلتم بالبشارة خاصة أو لأمر ~~آخر أولهما { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } ~~أي قوم لوط { لنرسل ms1383 عليهم حجارة من طين } أريد السجيل ~~وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر حتى صار في صلابة الحجارة { مسومة } ~~معلمة من السومة وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به { عند ~~ربك } في ملكه وسلطانه { للمسرفين } سماهم مسرفين كما سماهم ~~عادين لإسرافهم وعدوانهم في عملهم حيث لم يقتنعوا بما أبيح لهم { ~~فأخرجنا من كان فيها } في القرية ولم يجر لها ذكر لكونها ~~معلومة { من المؤمنين } يعني لوطا ومن آمن به { فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين } أي غير أهل بيت وفيه دليل ~~على أن الإيمان والإسلام واحد لأن الملائكة سموهم مؤمنين ومسلمين هنا { ~~وتركنا فيها } في قراهم { ءاية للذين يخافون ~~العذاب الأليم } علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم. ~~قيل: هي ماء أسود منتن. ### || [51.38-60] # { وفى موسى } معطوف على { وفى الأرض ءايت } أو على قوله { ~~وتركنا فيها ءاية } على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله: # علفتها تبنا وماء باردا # { إذ أرسلنه إلى فرعون بسلطن مبين } بحجة ~~ظاهرة وهي اليد والعصا { فتولى } فأعرض عن الإيمان { بركنه } ~~بما كان يتقوى به من جنوده وملكه، والركن ما يركن إليه الإنسان من مال ~~وجند { وقال سحر } أي هو ساحر { أو مجنون فأخذنه ~~وجنوده فنبذنهم فى اليم وهو مليم } آت بما يلام ~~عليه من كفره وعناده. وإنما وصف يونس عليه السلام به في قوله # فالتقمه الحوت وهو مليم # (الصافات) 142) لأن موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير ~~اللوم، فراكب الكفر ملوم على مقداره، وراكب الكبيرة والصغيرة والذلة ~~كذلك، والجملة مع الواو حال من الضمير في { فأخذنه }. # { وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } هي ~~التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر وهي ريح الهلاك، واختلف فيها ~~والأظهر أنها الدبور لقوله عليه السلام: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # { ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~} هو كل ما رم أي بلي وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك، والمعنى ما تترك ~~من شيء هبت عليه من أنفسهم ms1384 وأنعامهم وأموالهم إلا أهلكته { وفى ثمود ~~} آية أيضا { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } تفسيره ~~قوله # تمتعوا فى داركم ثلثة أيام # [هود: 65] { فعتوا عن أمر ربهم } فاستكبروا عن امتثاله { ~~فأخذتهم الصعقة } العذاب وكل عذاب مهلك صاعقة { الصعقة } ~~علي وهي المرة من مصدر صعقتهم الصاعقة { وهم ينظرون } لأنها كانت ~~نهارا يعاينونها { فما استطعوا من قيام } أي هرب أو هو من ~~قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه { وما كانوا منتصرين } ~~ممتنعين من العذاب أو لم يمكنهم مقابلتنا بالعذاب لأن معنى الانتصار ~~المقابلة { وقوم نوح } أي وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه، ~~أو واذكر قوم نوح. وبالجر أبو عمرو وعلي وحمزة أي وفي قوم نوح آية ويؤيده ~~قراءة عبد الله { وفى قوم نوح } { من قبل } من قبل هؤلاء ~~المذكورين { إنهم كانوا قوما فسقين } كافرين. # { والسماء } نصب بفعل يفسره { بنينها بأييد } بقوة ~~والأيد القوة { وإنا لموسعون } لقادرون من الوسع وهي الطاقة ~~والموسع القوي على الإنفاق أو لموسعون ما بين السماء والأرض { والأرض ~~فرشنها } بسطناها ومهدناها وهي منصوبة بفعل مضمر أي فرشنا الأرض ~~فرشناها { فنعم المهدون } نحن { ومن كل شىء } من ~~الحيوان { خلقنا زوجين } ذكرا وأنثى. # وعن الحسن: السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر ~~والموت والحياة، فعدد أشياء وقال كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد لا ~~مثل له { لعلكم تذكرون } أي فعلنا ذلك كله من بناء السماء ~~وفرش الأرض وخلق الأزواج لتتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه { ففروا ~~إلى الله } أي من الشرك إلى الإيمان بالله أو من طاعة الشيطان إلى ~~طاعة الرحمن أو مما سواه إليه { إنى لكم منه نذير مبين * ~~ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر إني لكم منه ~~نذير مبين } والتكرير للتوكيد والإطالة في الوعيد أبلغ. # { كذلك } الأمر مثل ذلك وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ~~ساحرا أو مجنونا. ثم فسر ما أجمل بقوله { ما أتى الذين من ~~قبلهم } من قبل قومك { من رسول إلا قالوا } هو { ~~سحر أو مجنون } رموهم بالسحر أو الجنون لجهلهم { ~~أتواصوا به ms1385 } الضمير للقول أي أتواصى الأولون والآخرون بهذا ~~القول حتى قالوه جميعا متفقين عليه { بل هم قوم طغون } أي ~~لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد بل جمعتهم العلة الواحدة ~~وهي الطغيان والطغيان هو الحامل عليه { فتول عنهم } فأعرض عن ~~الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا عنادا { فما أنت بملوم } ~~فلا لوم عليك في إعراضك بعدما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ ~~والدعوة { وذكر } وعظ بالقرآن { فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين } بأن تزيد في عملهم { وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون } العبادة إن حملت على حقيقتها فلا تكون الآية عامة ~~بل المراد بها المؤمنون من الفريقين دليله السياق أعني { وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين } وقراءة ابن عباس رضي الله ~~عنهما { وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين } وهذا ~~لأنه لا يجوز أن يخلق الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون للعبادة لأنه إذا ~~خلقهم للعبادة وأراد منهم العبادة فلا بد أن توجد منهم، فإذا لم يؤمنوا ~~علم أنه خلقهم لجهنم كما قال: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]. وقيل: إلا لآمرهم بالعبادة وهو منقول عن علي رضي الله ~~عنه. وقيل: إلا ليكونوا عبادا لي. والوجه أن تحمل العبادة على التوحيد ~~فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل عبادة في القرآن فهي توحيد. والكل ~~يوحدونه في الآخرة لما عرفه أن الكفار كلهم مؤمنون موحدون في الآخرة ~~دليلة قوله # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. # نعم قد أشرك البعض في الدنيا بالإضافة إلى الأبد أقل من يوم، ومن اشترى ~~غلاما وقال: ما اشتريته إلا للكتابة كان صادقا في قوله ما اشتريته إلا ~~للكتابة، وإن استعمله في يوم من عمره لعمل آخر { ما أريد منهم من ~~رزق } ما خلقتهم ليرزقوا أنفسهم أو واحدا من عبادي { وما أريد ~~أن يطعمون } قال ثعلب: أن يطعموا عبادي وهي إضافة تخصيص كقوله عليه ~~السلام خبرا عن الله تعالى: # " من أكرم مؤمنا فقد أكرمني ومن آذى مؤمنا فقد آذاني " # { إن ms1386 الله هو الرزاق ذو القوة المتين } الشديد ~~القوة والمتين بالرفع صفة لذو، وقرأ الأعمش بالجر صفة للقوة على تأويل ~~الاقتدار { فإن للذين ظلموا } رسول الله بالتكذيب من أهل ~~مكة { ذنوبا مثل ذنوب أصحبهم } نصيبا من عذاب الله مثل ~~نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون المهلكة. قال الزجاج: الذنوب في اللغة ~~النصيب { فلا يستعجلون } نزول العذاب وهذا جواب النضر وأصحابه ~~حين استعجلوا العذاب { فويل للذين كفروا من يومهم ~~الذى يوعدون } أي من يوم القيامة. وقيل: من يوم بدر { ليعبدوني } ~~، { أن يطعموني }. { فلا يستعجلوني } بالياء في الحالين: يعقوب، وافقه ~~سهل في الوصل الباقون بغير ياء، والله أعلم. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-21] # { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين { ~~وكتب مسطور } هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر ~~الكتب أو اللوح المحفوظ أو التوراة { فى رق } هو الصحيفة أو الجلد ~~الذي يكتب فيه { منشور } مفتوح لا ختم عليه أو لائح { والبيت ~~المعمور } أي الضراح وهو بيت في السماء حيال الكعبة وعمرانه بكثرة ~~زواره من الملائكة. روي أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ويخرجون ثم لا ~~يعودون إليه أبدا. وقيل: الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار { ~~والسقف المرفوع } أي السماء أو العرش { والبحر ~~المسجور } المملوء أو الموقد، والواو الأولى للقسم والبواقي للعطف، ~~وجواب القسم { إن عذاب ربك } أي الذي أوعد الكفار به { ~~لواقع } لنازل. قال جبير بن مطعم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكلمه في الأسارى فلقيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور، فلما بلغ { ~~إن عذاب ربك لواقع } أسلمت خوفا من أن ينزل العذاب { ~~ماله من دافع } لا يمنعه مانع والجملة صفة ل «واقع» أي واقع غير ~~مدفوع. # والعامل في { يوم } { لواقع } أي يقع في ذلك اليوم، أو اذكر { ~~يوم تمور } تدور كالرحى مضطربة { السماء مورا * وتسير ~~الجبال سيرا } في الهواء كالسحاب لأنها تصير هباء منثورا { ~~فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم فى خوض ~~يلعبون } غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب ومنه قوله # وكنا نخوض مع الخائضين ms1387 # [المدثر: 45] ويبدل { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~} من { يوم تمور } والدع: الدفع العنيف وذلك أن خزنة النار يغلون ~~أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار ~~دفعا على وجوههم وزخا في أقفيتهم فيقال لهم { هذه النار ~~التى كنتم بها تكذبون } في الدنيا { أفسحر هذا } { ~~هذا } مبتدأ و { سحر } خبره يعني كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفسحر ~~هذا يريد أهذا المصداق أيضا سحر ودخلت الفاء لهذا المعنى { أم أنتم ~~لا تبصرون } كما كنتم لا تبصرون في الدنيا يعني أم أنتم عمي عن ~~المخبر عنه كما كنتم عميا عن الخبر وهذا تقريع وتهكم. # { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم } ~~خبر { سوآء } محذوف أي سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه بقوله { ~~إنما تجزون ما كنتم تعملون } لأن الصبر إنما يكون له ~~مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازي عليه الصابر جزاء الخير، فأما ~~الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة فلا مزية له على ~~الجزع. # { إن المتقين فى جنت } في أية جنات { ونعيم } أي ~~وأي نعيم بمعنى الكمال في الصفة أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت ~~لهم خاصة { فكهين } حال من الضمير في الظرف والظرف خبر أي متلذذين ~~{ بما ءاتهم ربهم } وعطف قوله { ووقهم ربهم } ~~على { في جنت } أي إن المتقين استقروا في جنات. # .. ووقاهم ربهم، أو على { آتاهم ربهم } على أن تجعل «ما» مصدرية والمعنى ~~فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم { عذاب الجحيم } أو الواو للحال ~~و«قد» بعدها مضمرة يقال لهم { كلوا واشربوا هنيئا بما ~~كنتم تعملون } أكلا وشربا هنيئا أو طعاما وشرابا هنيئا وهو ~~الذي لا تنغيص فيه { متكئين } حال من الضمير في { كلوا ~~واشربوا } { على سرر } جمع سرير { مصفوفة } موصول بعضها ~~ببعض { وزوجنهم } وقرناهم { بحور } جمع حوراء { عين } عظام ~~الأعين حسانها { والذين ءامنوا } مبتدأ و { ألحقنا بهم } ~~خبره { واتبعتهم } { وأتبعنهم } أبو عمرو { ~~ذريتهم } أولادهم { بإيمن } حال من الفاعل { ألحقنا ~~بهم ذريتهم } أي نلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء ~~وإن قصرت أعمال الذرية عن ms1388 أعمال الآباء. وقيل: إن الذرية وإن لم يبلغون ~~مبلغا يكون منهم الإيمان استدلالا وإنما تلقنوا منهم تقليدا فهم ~~يلحقون بالآباء. { ذريتهم } { ذرياتهم } مدني { ذرياتهم } { ~~ذرياتهم } أبو عمرو { ذرياتهم } { ذرياتهم } شامي { وما ~~ألتنهم من عملهم من شىء } وما نقصناهم من ثواب عملهم من ~~شيء. { ألتنهم } مكي ألت يألت ألت يألت لغتان من الأولى ~~متعلقة بألتناهم والثانية زائدة { كل امرىء بما كسب رهين } ~~أي مرهون فنفس المؤمن مرهونة بعمله وتجازى به. ### || [52.22-49] # { وأمددنهم } وزدناهم في وقت بعد وقت { بفكهة ولحم ~~مما يشتهون } وإن لم يقترحوا { يتنزعون فيها كأسا } ~~خمرا أي يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم يتناول هذا الكأس من ~~يد هذا وهذا من يد هذا { لا لغو فيها } في شربها { ولا ~~تأثيم } أي لا يجري بينهم ما يلغي يعني لا يجري بينهم باطل ولا ما ~~فيه إثم لو فعله فاعل في دار التكليف من الكذب والشتم ونحوهما كشاربي خمر ~~الدنيا، لأن عقولهم ثابتة فيتكلمون بالحكم والكلام الحسن. { لا لغو ~~فيها ولا تأثيم } مكي وبصري. # { ويطوف عليهم غلمان لهم } مملوكون لهم مخصوصون بهم { ~~كأنهم } من بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } في الصدف لأنه ~~رطبا أحسن وأصفى أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة، في ~~الحديث: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه ~~لبيك لبيك " # { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يسأل بعضهم ~~بعضا عن أحواله وأعماله وما استحق به نيل ما عند الله { قالوا إنا ~~كنا قبل } أي في الدنيا { فى أهلنا مشفقين } أرقاء ~~القلوب من خشية الله أو خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو من رد ~~الحسنات والأخذ بالسيئات { فمن الله علينا } بالمغفرة والرحمة ~~{ ووقنا عذاب السموم } هي الريح الحارة التي تدخل المسام ~~فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة { إنا كنا من قبل } من ~~قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه يعنون في الدنيا { ندعوه } نعبده ~~ولا نعبد غيره ونسأله الوقاية { إنه هو البر } المحسن { ~~الرحيم } العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل ms1389 أجاب. { أنه } ~~بالفتح: مدني وعلي أي بأنه أو لأنه { فذكر } فاثبت على تذكير الناس ~~وموعظتهم { فما أنت بنعمت ربك } برحمة ربك وإنعامه عليه ~~بالنبوة ورجاحة العقل { بكهن ولا مجنون } كما زعموا وهو في ~~موضع الحال والتقدير لست كاهنا ولا مجنونا ملتبسا بنعمة ربك. # { أم يقولون } هو { شاعر نتربص به ريب المنون ~~} حوادث الدهر أي ننتظر نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء ~~زهير والنابغة. و«أم» في أوائل هذه الآي منقطعة بمعنى بل والهمزة { قل ~~تربصوا فإنى معكم من المتربصين } أتربص هلاككم كما ~~تتربصون هلاكي { أم تأمرهم أحلمهم } عقولهم { بهذا ~~} التناقض في القول وهو قولهم كاهن وشاعر مع قولهم مجنون وكانت قريش ~~يدعون أهل الأحلام والنهي { أم هم قوم طاغون } مجاوزون الحد في ~~العناد مع ظهور الحق لهم، وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز { أم ~~يقولون تقوله } اختلقه محمد من تلقاء نفسه { بل } رد عليهم ~~أي ليس الأمر كما زعموا { لا يؤمنون } فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه ~~المطاعن مع علمهم ببطلان قولهم وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه وما محمد ~~إلا واحد من العرب { فليأتوا بحديث } مختلق { مثله } مثل ~~القرآن { إن كانوا صدقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه ~~لأنه بلسانهم وهم فصحاء { أم خلقوا } أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي ~~عليه فطرتهم { من غير شىء } من غير مقدر { أم هم ~~الخالقون } أم هم الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق. # وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب أم هم الخالقون فلا ~~يأتمرون { أم خلقوا السموت والأرض } فلا يعبدون خالقهما ~~{ بل لا يوقنون } أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق ~~السماوات والأرض. # { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما فيخصوا ~~من شاءوا بما شاءوا { أم هم المصيطرون } الأرباب الغالبون حتى ~~يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على مشيئتهم. وبالسين: مكي وشامي. # { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء { يستمعون ~~فيه } كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو ~~كائن من تقدم هلاكه ms1390 على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون. قال ~~الزجاج: يستمعون فيه أي عليه { فليأت مستمعهم بسلطن ~~مبين } بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم { أم له البنت ~~ولكم البنون } ثم سفه أحلامهم حيث اختاروا لله ما يكرهون وهم ~~حكماء عند أنفسهم { أم تسئلهم أجرا } على التبليغ والإنذار { ~~فهم من مغرم مثقلون } المغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ~~أي لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في اتباعك { أم عندهم ~~الغيب } أي اللوح المحفوظ { فهم يكتبون } ما فيه حتى يقولوا ~~لا نبعث وإن بعثنا لم نعذب { أم يريدون كيدا } وهو كيدهم في دار ~~الندوة برسول الله وبالمؤمنين { فالذين كفروا } إشارة إليهم أو ~~أريد بهم كل من كفر بالله تعالى { هم المكيدون } هم الذين يعود ~~عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم وذلك أنهم قتلوا يوم بدر، أو المغلوبون ~~في الكيد من كايدته فكدته { أم لهم إله غير الله } ~~يمنعهم من عذاب الله { سبحن الله عما يشركون * وإن ~~يروا كسفا من السماء سقطا يقولوا سحب } والكسف ~~القطعة وهو جواب قولهم: # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92] يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا ~~هذا سحاب { مركوم } قدركم أي جمع بعضه على بعض يمطرنا ولم يصدقوا ~~أنه كسف ساقط للعذاب. # { فذرهم حتى يلقوا يومهم الذى فيه يصعقون ~~} بضم الياء: عاصم وشامي. # الباقون بفتح الياء، يقال: صعقه فصعق وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق ~~{ يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ~~* وإن للذين ظلموا } وإن لهؤلاء الظلمة { عذابا دون ~~ذلك } دون يوم القيامة وهو القتل ببدر والقحط سبع سنين وعذاب القبر { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك. ثم أمره بالصبر إلى أن ~~يقع بهم العذاب فقال { واصبر لحكم ربك } بإمهالهم وبما يلحقك ~~فيه من المشقة { فإنك بأعيننا } أي بحيث نراك ونكلؤك. وجمع ~~العين لأن الضمير بلفظ الجماعة ألا ترى إلى قوله # ولتصنع على عينى # [طه: 39] { وسبح بحمد ربك حين تقوم } للصلاة وهو ما ~~يقال بعد التكبير سبحانك اللهم وبحمدك، أو من ms1391 أي مكان قمت أو من منامك { ~~ومن اليل فسبحه وإدبر النجوم } وإذا أدبرت النجوم ~~من آخر الليل وأدبار زيد أي في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، والمراد ~~الأمر بقول سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل: التسبيح الصلاة إذا ~~قام من نومه، ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر، وبالله ~~التوفيق. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-22] # { والنجم } أقسم بالثريا أو بجنس النجوم { إذا هوى } إذا غرب ~~أو انتثر يوم القيامة وجواب القسم { ما ضل } عن قصد الحق { ~~صحبكم } أي محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب لقريش { وما غوى ~~} في اتباع الباطل. وقيل: الضلال نقيض الهدى والغي نقيض الرشد أي هو مهتد ~~راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي { وما ينطق ~~عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى } وما أتاكم به من ~~القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه إنما هو وحي من عند الله يوحى إليه. ~~ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، ويجاب بأن ~~الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي لا نطقا عن ~~الهوى. { علمه } علم محمدا عليه السلام { شديد القوى } ملك ~~شديد قواه والإضافة غير حقيقية لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، ~~وهو جبريل عليه السلام عند الجمهور، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من ~~الماء الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة ~~بثمود فأصبحوا جاثمين { ذو مرة } ذو منظر حسن عن ابن عباس { ~~فاستوى } فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل ~~بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق ~~الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق. وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء عليهم ~~السلام في صورته الحقيقية سوى محمد صلى الله عليه وسلم مرتين مرة في ~~الأرض ومرة في السماء. # { وهو } أي جبريل عليه السلام { بالأفق الأعلى } مطلع الشمس ms1392 ~~{ ثم دنا } جبريل من رسول الله صلى الله عليه وسلم { فتدلى } ~~فزاد في القرب، والتدلي هو النزول بقرب الشيء { فكان قاب قوسين ~~} مقدار قوسين عربيتين. وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع ~~والباع ومنه: «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين»، وفي الحديث: # " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها " # والقد السوط وتقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه ~~المضافات { أو أدنى } أي على تقديركم كقوله: # أو يزيدون # [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم ومقدار فهمهم وهم يقولون ~~هذا قدر رمحين أو أنقص. وقيل: بل أدنى { فأوحى } جبريل عليه السلام ~~{ إلى عبده } إلى عبد الله وإن لم يجر لاسمه ذكر لأنه لا يلتبس ~~كقوله # ما ترك على ظهرها # [فاطر: 45] { ما أوحى } تفخيم للوحي الذي أوحي إليه. # قيل: أوحي إليه إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى ~~تدخلها أمتك { ما كذب الفؤاد } فؤاد محمد { ما رأى } ما رآه ~~ببصره من صورة جبريل عليه السلام أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو ~~قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك ~~في أن ما رآه حق. وقيل: المرئي هو الله سبحانه، رآه بعين رأسه وقيل بقلبه ~~{ أفتمرونه } أفتجادلونه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من ~~مرى الناقة كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، { ~~أفتمرونه } حمزة وعلي وخلف ويعقوب، أفتغلبونه في المراء من ~~ماريته فمريته ولما فيه من معنى الغلبة قال { على ما يرى } فعدي ~~ب «على» كما تقول غلبته على كذا. وقيل: أفتمرونه أفتجحدونه يقال: مريته ~~حقه إذا جحدته وتعديته ب «على» لا تصح إلا على مذهب التضمين. # { ولقد رءاه } رأى محمد جبريل عليهما السلام { نزلة أخرى ~~} مرة أخرى من النزول نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم ~~للمرة من الفعل فكانت في حكمها أي نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى ~~في صورة نفسه فرآه عليها وذلك ms1393 ليلة المعراج { عند سدرة ~~المنتهى } الجمهور على أنها شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين ~~العرش. والمنتهى بمعنى موضع الانتهاء أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة ~~وآخرها، وقيل: لم يجاوزها أحد وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم ولا يعلم ~~أحد ما وراءها. وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء { عندها جنة ~~المأوى } أي الجنة التي يصير إليها المتقون. وقيل: تأوي إليها أرواح ~~الشهداء { إذ يغشى السدرة ما يغشى } أي رآه إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى، وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها، فقد علم بهذه العبارة أن ~~ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلاله أشياء لا يحيط ~~بها الوصف. وقد قيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله تعالى ~~عندها. وقيل: يغشاها فراش من ذهب { ما زاغ البصر } بصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها { ~~وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته. # { لقد رأى } والله لقد رأى { من ءايت ربه الكبرى } ~~الآيات التي هي كبراها وعظماها يعني حين رقي به إلى السماء فأري عجائب ~~الملكوت. # { أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة } أي ~~أخبرونا عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون الله عز وجل هل لها من ~~القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة؟ اللات والعزى ومناة أصنام لهم وهي ~~مؤنثات، فاللات كانت لثقيف بالطائف. وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش وهي ~~فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، والعزى كانت ~~لغطفان وهي ثمرة وأصلها تأنيث الأعز وقطعها خالد بن الوليد، ومناة صخرة ~~كانت لهذيل وخزاعة. # وقيل: لثقيف وكأنها سميت مناة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق ~~{ ومناءة } مكي مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء ~~تبركا بها { الأخرى } هي صفة ذم أي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله # وقالت أخراهم لأولهم # [الأعراف: 38] أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية ~~والتقدم عندهم للات والعزى كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات ~~الله وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله مع وأدهم ms1394 البنات ~~وكراهتهم لهن فقيل لهم { ألكم الذكر وله الأنثى * تلك ~~إذا قسمة ضيزى } أي جعلكم لله البنات ولكم البنين قسمة ضيزى أي ~~جائزة من ضازه يضيزه إذا ضامه. و { ضيزى } فعلى إذ لا فعلى في النعوت ~~فكسرت الضاد للياء كما قيل «بيض» وهو بوض مثل حمر وسود، { ضئزى } بالهمز: ~~مكي من ضأزه مثل ضازه. ### || [53.23-38] # { إن هى } ما الأصنام { إلا أسماء } ليس تحتها في الحقيقة ~~مسميات لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشذ منافاة لها { ~~سميتموها } أي سميتم بها يقال سميته زيدا وسميته بزيد { أنتم ~~وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطن } حجة { إن ~~يتبعون إلا الظن } إلا توهم أن ما هم عليه حق { وما ~~تهوى الأنفس } وما تشتهيه أنفسهم { ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى } الرسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به { أم للإنسن ما ~~تمنى } هي «أم» المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان ~~يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام أو من قوله: # ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى # [فصلت: 50]. وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي { فلله ~~الآخرة والأولى } أي هو مالكهما وله الحكم فيهما يعطى النبوة ~~والشفاعة من شاء وارتضى لا من تمني. # { وكم من ملك فى السموت لا تغنى شفعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~} يعني أن أمر الشفاعة ضيق فإن الملائكة مع قربتهم وكثرتهم لو شفعوا ~~بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم شيئا قط، ولا تنفع إلا إذا شفعوا من بعد أن ~~يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلا لأن ~~يشفع له فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم { إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة ليسمون الملئكة } أي كل واحد منهم ~~{ تسمية الأنثى } لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات الله فقد سموا ~~كل واحد منهم بنتا وهي تسمية الأنثى. # { وما لهم به من علم } أي بما يقولون وقرىء بها أي بالملائكة ~~أو التسمية { إن يتبعون إلا الظن } هو تقليد الآباء { ~~وإن الظن لا يغنى ms1395 من الحق شيئا } أي إنما يعرف الحق ~~الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم { ~~فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } فأعرض عمن رأيته معرضا ~~عن ذكر الله أي القرآن { ولم يرد إلا الحيوة الدنيا * ~~ذلك } أي اختيارهم الدنيا والرضا بها { مبلغهم من العلم } ~~منتهى علمهم { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بمن اهتدى } أي هو أعلم بالضال والمهتدي ~~ومجازيهما. # { ولله ما فى السموت وما فى الأرض ليجزى ~~الذين أسئوا بما عملوا } بعقاب ما عملوا من السوء أو بسبب ~~ما عملوا من السوء { ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } ~~بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب الأعمال الحسنى، والمعنى أن الله عز ~~وجل إنما خلق العالم وسوى هذه الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء ~~منهم إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء { الذين } بدل أو في ~~موضع رفع على المدح أي هم الذين { يجتنبون كبئر الإثم } أي ~~الكبائر من الإثم لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر والكبائر الذنوب ~~التي يكبر عقابها، { كبير } حمزة وعلي أي النوع الكبير منه { ~~والفوحش } ما فحش من الكبائر كأنه قال: والفواحش منها خاصة. # قيل: الكبائر ما أوعد الله عليه النار والفواحش ما شرع فيها الحد { ~~إلا اللمم } أي الصغائر والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر ~~والفواحش وهو كالنظرة والقبلة واللمسة والغمزة { إن ربك وسع ~~المغفرة } فيغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة { هو أعلم ~~بكم إذ أنشأكم } أي أباكم { من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة } جمع جنين { فى بطون أمهتكم فلا تزكوا ~~أنفسكم } فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات، أو إلى ~~الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي ~~منكم والتقي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام، وقبل أن ~~تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل: كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون ~~صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء لا ~~على سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه ms1396 جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر ~~{ هو أعلم بمن اتقى } فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه ~~عن ثناء الناس. # { أفرأيت الذى تولى } أعرض عن الإيمان. # { وأعطى قليلا وأكدى } قطع عطيته وأمسك، وأصله إكداء ~~الحافر وهو أن تلقاه كدية وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر. عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: فيمن كفر بعد الإيمان. وقيل: في الوليد بن المغيرة وكان ~~قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين وقال له: تركت ~~دين الأشياخ وزعمت أنهم في النار. قال: إني خشيت عذاب الله. فضمن له إن ~~هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ففعل وأعطى ~~الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه { أعنده علم ~~الغيب فهو يرى } فهو يعلم أن ما ضمنه من عذاب الله حق { أم ~~لم ينبأ } يخبر { بما فى صحف موسى } أي التوراة { ~~وإبرهيم } أي وفي صحف إبراهيم { الذى وفى } أي وفر وأتم ~~كقوله # فأتمهن # [البقرة: 124] وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية. وقرىء مخففا والتشديد ~~مبالغة في الوفاء. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به، وعن عطاء بن ~~السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقا فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك ~~حاجة؟ فقال أما إليك فلا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الضحى " # وروي # " ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: ~~{ فسبحان الله حين تمسون } إلى { حين تظهرون } ~~[الروم: 18] " # وقيل: وفي سهام الإسلام وهي ثلاثون: عشرة في «التوبة» # التئبون # [التوبة: 112]، وعشرة في «الأحزاب» # إن المسلمين # [الآية: 35] وعشرة في «المؤمنين» # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] ثم أعلم بما في صحف موسى وإبراهيم فقال { ألا تزر ~~وزرة وزر أخرى } تزر من وزر يزر إذا اكتسب وزرا وهو الإثم، و ~~«إن» مخففة من الثقيلة والمعنى أنه لا تزر والضمير ضمير الشأن ومحل «أن» ~~وما بعدها الجر بدلا من ms1397 { ما فى صحف موسى } أو الرفع على هو أن ~~لا تزر كأن قائلا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: { ألا تزر ~~وزرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس ذنب نفس. ### || [53.39-62] # { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى } إلا سعيه وهذه أيضا ~~مما في صحف إبراهيم وموسى، وأما ما صح في الأخبار من الصدقة عن الميت ~~والحج عنه فقد قيل: إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه ~~وهو أن يكون مؤمنا كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعا له وقائما ~~بقيامه، ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به فهو ~~بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه { وأن سعيه سوف ~~يرى } أي يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه { ثم يجزاه } ثم ~~يجزى العبد سعيه. يقال: جزاه الله عمله وجزاه على عمله بحذف الجار وإيصال ~~الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء. ثم فسره بقوله { الجزاء ~~الأوفى } أو أبدله عنه { وأن إلى ربك المنتهى } هذا ~~كله في الصحف الأولى. والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء أي ينتهي إليه الخلق ~~ويرجعون إليه كقوله: # وإلى الله المصير # [آل عمران: 28] { وأنه هو أضحك وأبكى } خلق الضحك ~~والبكاء. وقيل: خلق الفرح والحزن. وقيل: أضحك المؤمنين في العقبى ~~بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب و { وأنه هو أمات ~~وأحيا } قيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء، أو أمات بالكفر وأحيا ~~بالإيمان، أو أمات هنا وأحيا ثمة { وأنه خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى } إذا تدفق في الرحم ~~يقال منى وأمنى { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد ~~الموت { وأنه هو أغنى وأقنى } وأعطى القنية وهي المال ~~الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك. # { وأنه هو رب الشعرى } هو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة ~~الحر وكانت خزاعة تعبدها، فأعلم الله أنه رب معبودهم هذا { وأنه ~~أهلك عادا الأولى } هم قوم هود وعاد الأخرى إرم { عاد الولى } ~~مدني وبصري غير سهل بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة { أولى } ونقل ~~ضمتها إلى ms1398 لام التعريف { وثمودا فما أبقى } حمزة وعاصم ~~الباقون { وثمودا } وهو معطوف على { عادا } ولا ينصب ب { فما ~~أبقى } لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله لا تقول: زيدا فضربت، ~~وكذا ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، والمعنى وأهلك ثمود فما أبقاهم. # { وقوم نوح } أي أهلك قوم نوح { من قبل } من قبل عاد وثمود { ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا ~~يضربونه حتى لا يكون به حرام وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن ~~يسمعوا منه { والمؤتفكة } والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت ~~وهم قوم لوط يقال: أفكه فأتفك { أهوى } أي رفعها إلى السماء على جناح ~~جبريل ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها و { المؤتفكة } منصوب ب { أهوى ~~} { فغشها } ألبسها { ما غشى } تهويل وتعظيم لما صب عليها ~~من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود { فبأى الآء ربك } أيها ~~المخاطب { تتمارى } تتشكك بما أولاك من النعم أو بما كفاك من النقم، ~~أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تشكك { هذا نذير } ~~أي محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين. # وقال { الأولى } على تأويل الجماعة أو هذا القرآن نذير من النذر ~~الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم { ~~أزفت الآزفة } قربت الموصوفة بالقرب في قوله: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] { ليس لها من دون الله كاشفة } أي ليس لها ~~نفس كاشفة أي مبينة متى تقوم كقوله: # لا يجليها لوقتها إلا هو # [الأعراف: 187]. أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا ~~الله تعالى غير أنه لا يكشفها { أفمن هذا الحديث } أي القرآن ~~{ تعجبون } إنكارا { وتضحكون } استهزاء { ولا تبكون } ~~خشوعا { وأنتم سمدون } غافلون أو لاهون لاعبون، وكانوا إذا ~~سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ليشغلوا الناس عن استماعه { فاسجدوا ~~لله واعبدوا } أي فاسجدوا لله واعبدوه ولا تعبدوا الآلهة، والله ~~أعلم. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-12] # { اقتربت الساعة } قربت القيامة { وانشق القمر } ~~نصفين. وقرىء { وقد انشق } أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها ~~أن ms1399 القمر قد انشق كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه. قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وقيل: معناه ينشق يوم ~~القيامة. والجمهور على الأول وهو المروي في الصحيحين. ولا يقال لو انشق ~~لما خفي على أهل الأقطار ولو ظهر عندهم لنقلوه متواترا لأن الطباع جبلت ~~على نشر العجائب لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم { وإن يروا } ~~يعني أهل مكة { ءاية } تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { ~~يعرضوا } عن الإيمان به { ويقولوا سحر مستمر } محكم ~~قوي من المرة القوة أو دائم مطرد أو مار ذاهب يزول ولا يبقى { ~~وكذبوا } النبي صلى الله عليه وسلم { واتبعوا أهواءهم } ~~وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره { وكل أمر } وعدهم ~~الله { مستقر } كائن في وقته. وقيل: كل ما قدر واقع. وقيل: كل أمر ~~من أمرهم واقع مستقر أي سيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب { ولقد ~~جاءهم } أهل مكة { من الأنباء } من القرآن المودع أنباء القرون ~~الخالية أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار { ما فيه مزدجر ~~} ازدجار عن الكفر. تقول: زجرته وازدجرته أي منعته وأصله ازتجر ولكن ~~التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس والزاي ~~حرف مجهور، فأبدل من التاء حرف مجهور وهو الدال ليتناسبا وهذا في آخر ~~كتاب سيبويه { حكمة } بدل من «ما» أو على «هو حكمة» { بلغة } ~~نهاية الصواب أو بالغة من الله إليهم { فما تغنى النذر } «ما» ~~نفي و { النذر } جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به أو النذر مصدر ~~بمعنى الإنذار. # { فتول عنهم } لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم. نصب { يوم ~~يدع الداع } ب { يخرجون } أو بإضمار اذكر. { الداعى } ، ~~{ إلى الداعى } سهل ويعقوب ومكي فيهما، وافق مدني وأبو عمرو في ~~الوصل، ومن أسقط الياء اكتفى بالكسرة عنها. وحذف الواو من { يدعو } في ~~الكتابة لمتابعة اللفظ، والداعي إسرافيل عليه السلام { إلى شىء ~~نكر } منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثلة وهو هول يوم ~~القيامة ms1400 { نكر } بالتخفيف: مكي { خشعا أبصرهم } { ~~خشعا } عراقي غير عاصم وهو حال من الخارجين وهو فعل للأبصار، وذكر ~~كما تقول يخشع أبصارهم غيرهم خشعا على يخشعن أبصارهم وهي لغة من يقول ~~«أكلوني البراغيث». ويجوز أن يكون في { خشعا } ضميرهم وتقع { ~~أبصرهم } بدلا عنه، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة لأن ذلة ~~الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما { يخرجون من الأجداث } ~~من القبور { كأنهم جراد منتشر } في كثرتهم وتفرقهم في كل ~~جهة. # والجراد مثل في الكثرة والتموج يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض ~~جاءوا كالجراد { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه ~~{ يقول الكفرون هذا يوم عسر } صعب شديد. # { كذبت قبلهم } قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا ~~عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيبا ~~على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح ~~الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا ~~كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل { وقالوا مجنون } أي هو مجنون { ~~وازدجر } زجر عن أداء الرسالة بالشتم وهدد بالشتم وهدد بالقتل، أو ~~هو من جملة قيلهم أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه ~~{ فدعا ربه أنى } أي بأني { مغلوب } غلبني قومي فلم يسمعوا ~~مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي { فانتصر } فانتقم لي منهم بعذاب ~~تبعثه عليهم { ففتحنا أبوب السماء } { ففتحنا } شامي ~~ويزيد وسهل ويعقوب { بماء منهمر } منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع ~~أربعين يوما { وفجرنا الأرض عيونا } وجعلنا الأرض كلها ~~كأنها عيون تتفجر وهو أبلغ من قولك «وفجرنا عيون الأرض» { فالتقى ~~الماء } أي مياه السماء والأرض وقرىء { الماءان } أي النوعان من الماء ~~السماوي والأرضي { على أمر قد قدر } على حال قدرها الله كيف ~~شاء أو على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون وهو هلاك قوم نوح ~~بالطوفان. ### || [54.13-46] # { وحملناه على ذات ألوح ودسر } أراد السفينة وهي من ~~الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل ~~بينها وبينها ونحوه «ولكن ms1401 قميصي مسرودة من حديد» أراد ولكن قميصي درع، ~~ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة لم يصح، وهذا من فصيح ~~الكلام وبديعه، والدسر جمع دسار وهو المسمار فعال من دسره إذا دفعه لأنه ~~يدسر به منفذه { تجرى بأعيننا } بمرأى منا أو بحفظنا أو { ~~بأعيننا } حال من الضمير في { تجرى } أي محفوظة بنا { جزاء } ~~مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده أي فعلنا ذلك جزاء { ~~لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام وجعله مكفورا لأن النبي نعمة ~~من الله ورحمة قال الله تعالى: # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # [الأنبياء: 107] فكان نوح نعمة مكفورة { ولقد تركنها } أي ~~السفينة أو الفعلة أي جعلناها { ءاية } يعتبر بها. وعن قتادة: أبقاها ~~الله بأرض الجزيرة. وقيل: على الجودي دهرا طويلا حتى نظر إليها أوائل ~~هذه الأمة { فهل من مدكر } متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله مذتكر ~~بالذال والتاء ولكن التاء أبدلت منها الدال والدال والذال من موضع فأدغمت ~~الذال في الدال { فكيف كان عذابى ونذر } جمع نذير وهو ~~الإنذار { ونذري } يعقوب فيهما، وافقه سهل في الوصل. غيرهما بغير ياء ~~وعلى هذا الاختلاف ما بعده إلى آخر السورة { ولقد يسرنا ~~القرءان للذكر } سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بالمواعظ ~~الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد { فهل من مدكر } متعظ ~~يتعظ. وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب ~~لحفظه ليعان عليه؟ ويروى أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل ~~والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن. # { كذبت عاد فكيف كان عذابى ونذر } أي وإنذاراتي لهم ~~بالعذاب قبل نزوله أو وإنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم { إنا ~~أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردة أو شديدة الصوت { فى ~~يوم نحس } شؤم { مستمر } دائم الشر فقد استمر عليهم حتى ~~أهلكهم وكان في أربعاء في آخر الشهر { تنزع الناس } تقلعهم عن ~~أماكنهم وكانوا يصطفون آخذا بعضهم بأيدي بعض ويتداخلون في الشعاب ~~ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم { كأنهم } ~~حال { أعجاز نخل ms1402 منقعر } أصول نخل منقلع عن مغارسه، وشبهوا ~~بأعجاز النخل لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رءوس ~~فيتساقطون على الأرض أمواتا وهم جثث طوال كأنهم أعجاز نخل، وهي أصولها ~~بلا فروع، وذكر صفة نخل على اللفظ ولو حملها على المعنى لأنث كما قال # كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] { فكيف كان عذابى ونذر * ولقد يسرنا ~~القرءان للذكر فهل من مدكر }. { كذبت ثمود ~~بالنذر فقالوا أبشرا منا وحدا } انتصب { بشرا } ~~بفعل يفسره { نتبعه } تقديره أنتبع بشرا منا واحدا { إنا ~~إذا لفى ضلل وسعر } كأن يقول إن لم تتبعوني كنتم في ضلال ~~عن الحق. وسعر ونيران جمع سعير فعكسوا عليه فقالوا: إن اتبعناك كنا إذا ~~كما تقول. وقيل: الضلال الخطأ والبعد عن الصواب، والسعر الجنون، وقولهم { ~~أبشرا } إنكار لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية وطلبوا أن يكون من ~~الملائكة وقالوا منا، لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى، وقالوا { ~~وحدا } إنكارا لأن تتبع الأمة رجلا واحدا، أو أرادوا واحدا من ~~أفنائهم ليس من أشرفهم وأفضلهم، ويدل عليه قوله { أءلقى الذكر ~~عليه من بيننا } أي أأنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحق ~~منه بالاختيار للنبوة { بل هو كذاب أشر } بطر متكبر حمله بطره ~~وطلبه التعظم علينا على ادعاء ذلك { سيعلمون غدا } عند نزول ~~العذاب بهم أو يوم القيامة { من الكذاب الأشر } أصالح أم من ~~كذبه. { ستعلمون }: شامي وحمزة على حكاية ما قال لهم صالح مجيبا لهم أو ~~هو كلام الله على سبيل الالتفات { إنا مرسلوا الناقة } ~~باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا { فتنة لهم } امتحانا لهم ~~وابتلاء وهو مفعول له أو حال { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم ~~صانعون { واصطبر } على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري { ~~ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم لها شرب ~~يوم ولهم شرب يوم وقال { بينهم } تغليبا للعقلاء { كل شرب ~~محتضر } محضور يحضر القوم الشرب يوما وتحضر الناقة يوما { ~~فنادوا صحبهم } قدار بن سالف أحيمر ثمود { فتعاطى } ~~فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له { فعقر } الناقة ms1403 أو ~~فتعاطى الناقة فعقرها أو فتعاطى السيف. وإنما قال # فعقروا الناقة # [الأعراف: 77] في آية أخرى لرضاهم به أو لأنه عقر بمعونتهم { فكيف ~~كان عذابى ونذر * إنا أرسلنا عليهم } في اليوم ~~الرابع من عقرها { صيحة وحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { ~~فكانوا كهشيم المحتظر } والهشيم الشجر اليابس المتهشم ~~المتكسر، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان ~~وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار ~~أي الحظيرة { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من ~~مدكر }. { كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا ~~عليهم } يعني على قوم لوط { حصبا } ريحا تحصبهم بالحجارة أي ~~ترميهم { إلا ءال لوط } ابنتيه ومن آمن معه { نجينهم ~~بسحر } من الأسحار ولذا صرفه ويقال: لقيته بسحر إذا لقيته في سحر ~~يومه. # وقيل: هما سحران: فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه { ~~نعمة } مفعول له أي إنعاما { من عندنا كذلك نجزى من ~~شكر } نعمة الله بإيمانه وطاعته { ولقد أنذرهم } لوط عليه ~~السلام { بطشتنا } أخذتنا بالعذاب { فتماروا بالنذر } ~~فكذبوا بالنذر متشاكين { ولقد راودوه عن ضيفه } طلبوا ~~الفاحشة من أضيافه { فطمسنا أعينهم } أعميناهم. وقيل: مسحناها ~~وجلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق. روي أنهم لما عالجوا باب لوط عليه ~~السلام ليدخلوا قالت الملائكة: خلهم يدخلوا إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، ~~فصفقهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يترددون ولا يهتدون إلى ~~الباب حتى أخرجهم لوط { فذوقوا } فقلت لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة ~~{ عذابى ونذر * ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { ~~عذاب مستقر } ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب ~~الآخرة. وفائدة تكرير { فذوقوا عذابى ونذر ولقد ~~يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } أن يجددوا عند ~~استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها ~~واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وهذا حكم التكرير في ~~قوله # فبأى ءالاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 25] عند كل آية أوردها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في ~~أنفسها لتكون ms1404 تلك العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في ~~كل أوان. # { ولقد جاء ءال فرعون النذر } موسى وهرون وغيرهما من ~~الأنبياء أو هو جمع نذير وهو الإنذار { كذبوا بئايتنا ~~كلها } بالآيات التسع { فأخذنهم أخذ عزيز } لا يغالب ~~{ مقتدر } لا يعجزه شيء { أكفركم } يا أهل مكة { خير ~~من أولئكم } الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل ~~فرعون أي أهم خير قوة وآلة ومكانة في الدنيا أو أقل كفرا وعنادا يعني ~~أن كفاركم مثل أولئك بل شر منهم { أم لكم براءة فى الزبر } ~~أم أنزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة أن من كفر منكم وكذب ~~الرسل كان آمنا من عذاب الله فأمنتم بتلك البراءة؟ { أم يقولون ~~نحن جميع } جماعة أمرنا مجتمع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا ~~نضام { سيهزم الجمع } جمع أهل مكة { ويولون الدبر } ~~أي الأدبار كما قال: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا # أي ينصرفون منهزمين يعني يوم بدر وهذه من علامات النبوة. # { بل الساعة موعدهم } موعد عذابهم بعد بدر { والساعة ~~أدهى } أشد من موقف بدر والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدوائه ~~{ وأمر } مذاقا من عذاب الدنيا أو أشد من المرة. ### || [54.47-55] # { إن المجرمين فى ضلل } عن الحق في الدنيا { وسعر } ~~ونيران في الآخرة أو في هلاك ونيران { يوم يسحبون فى النار } ~~يجرون فيها { على وجوههم } ويقال لهم { ذوقوا مس سقر } ~~كقولك «وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب» لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها ~~تمسهم مسا بذلك. و { سقر } غير منصرف للتأنيث والتعريف لأنها علم ~~لجهنم من سقرته النار إذا لوحته { إنا كل شىء خلقنه ~~بقدر } كل منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، وقرىء بالرفع شاذا والنصب ~~أولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون { خلقنه } في موضع الجبر وصفا ل ~~{ شىء } ويكون الخبر { بقدر } وتقديره: إنا كل شيء مخلوق لنا كائن ~~بقدر، ويحتمل أن يكون { خلقنه } هو الخبر وتقديره: إنا كل شيء ~~مخلوق لنا بقدر، فلما تردد الأمر في الرفع عدل إلى النصب وتقديره. إنا ~~خلقنا كل ms1405 شيء بقدر فيكون الخلق عاما لكل شيء وهو المراد بالآية. ولا ~~يجوز في النصب أن يكون { خلقنه } صفة ل { شىء } لأنه تفسير ~~الناصب والصفة لا تعمل في الموصوف. والقدر والقدر التقدير أي بتقدير ~~سابق أو خلقنا كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، أو ~~مقدرا مكتوبا في اللوح معلوما قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه. قال أبو ~~هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر ~~فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية { وما أمرنا ~~إلا وحدة } إلا كلمة واحدة أي وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن ~~نقول له كن فيكون { كلمح بالبصر } على قدر ما يلمح أحدكم ببصره. ~~وقيل: المراد بأمرنا القيامة كقوله # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر # [النحل: 77]. # { ولقد أهلكنا أشيعكم } أشباهكم في الكفر من الأمم { ~~فهل من مدكر } متعظ { وكل شىء فعلوه } أي أولئك ~~الكفار أي وكل شيء مفعول لهم ثابت { فى الزبر } في دواوين الحفظة ف ~~{ فعلوه } في موضع جر نعت ل { شىء } و { فى الزبر } خبر ل { ~~كل } { وكل صغير وكبير } من الأعمال ومن كل ما هو كائن { ~~مستطر } مسطور في اللوح { إن المتقين فى جنت ~~ونهر } وأنهار اكتفى باسم الجنس وقيل: هو السعة والضياء ومنه النهار ~~{ فى مقعد صدق } في مكان مرضي { عند مليك } عندية منزلة ~~وكرامة لا مسافة ومماسة { مقتدر } قادر. وفائدة التنكير فيهما أن ~~يعلم أن لا شيء إلا هو تحت ملكه وقدرته وهو على كل شيء قدير. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # { الرحمن علم القرءان خلق الإنسن } أي الجنس أو ~~آدم أو محمدا عليهما السلام { علمه البيان } عدد الله عز وجل ~~آلاءه فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وصنوف ~~نعمائه وهي نعمة الدين، فقدم من نعمة الدين ما هو سنام في أعلى مراتبها ~~وأقصى مراقيها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله ~~رتبة وأعلاه منزلة وأحسنه في أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب ms1406 السماوية ~~ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه ~~ليعلم أنه إنما خلقه للدين وليحيط علما بوحيه وكتبه، وقدم ما خلق ~~الإنسان من أجله عليه، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان وهو ~~المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. و { الرحمن } مبتدأ وهذه ~~الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط ~~التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد قلة فعل بك ما ~~لم يفعل أحد بأحد فما تنكر من إحسانه؟. # { الشمس والقمر بحسبان } بحساب معلوم وتقدير سوي يجريان ~~في بروجهما ومنازلهما وفي ذلك منافع للناس منها علم السنين والحساب { ~~والنجم } النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول { ~~والشجر } الذي له ساق. وقيل: النجم نجوم السماء { يسجدان } ~~ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده، ~~واتصلت هاتان الجملتان ب { الرحمن } بالوصل المعنوي لما علم أن ~~الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه ~~والنجم والشجر يسجدان له. ولم يذكر العاطف في الجمل الأولى ثم جيء به ~~بعد، لأن الأولى وردت على سبيل التعديد تبكيتا لمن أنكر آلاءه كما يبكت ~~منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال المذكور، ثم رد ~~الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب ~~بالعطف. وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان، ~~فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل. وإن السماء والأرض لا تزالان تذكران ~~قرينتين وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله فهو ~~مناسب لسجود النجم والشجر. # { والسماء رفعها } خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ~~ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك ~~على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه { ووضع الميزان } أي كل ما توزن ~~به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس أي خلقه ~~موضوعا على الأرض حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل في أخذهم ms1407 ~~وإعطائهم { ألا تطغوا فى الميزان } لئلا تطغوا أو هي «أن» ~~المفسرة { وأقيموا الوزن بالقسط } وقوموا وزنكم بالعدل { ~~ولا تخسروا الميزان } ولا تنقصوه أمر بالتسوية ونهى عن ~~الطيغان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان، وكرر ~~لفظ الميزان تشديدا للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه { ~~والأرض وضعها } حفضها مدحوة على الماء { للأنام } للخلق وهو ~~كل ما على ظهر الأرض من دابة. # وعن الحسن: الإنس والجن فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها { فيها ~~فكهة } ضروب مما يتفكه به { والنخل ذات الأكمام } هي ~~أوعية الثمر الواحد «كم» بكسر الكاف أو كل ما يكم أي يغطى من ليفه وسعفه ~~وكفراه، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه { ~~والحب ذو العصف } هو ورق الزرع أو التبن { والريحان } ~~الرزق وهو اللب أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه، والجامع بين التلذذ ~~والتغذي هو ثمر النخل وما يتغذى به وهو الحب. { والريحان } بالجر: ~~حمزة وعلي أي والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام والريحان الذي هو مطعم ~~الأنام، والرفع على و «ذو الريحان» فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ~~وقيل: معناه وفيها الريحان الذي يشم { والحب ذا العصف ~~والريحان } شامي أي وخلق الحب والريحان أو وأخص الحب والريحان { ~~فبأى الاء } أي النعم مما عدد من أول السورة جمع ألى وإلى { ~~ربكما تكذبان } الخطاب للثقلين بدلالة الأنام عليهما. ### || [55.14-42] # { خلق الإنسن من صلصل } طين يابس له صلصلة { ~~كالفخار } أي الطين المطبوخ بالنار وهو الخذف. ولا اختلاف في هذا ~~وفي قوله # من حمإ مسنون # [الحجر: 26] # من طين لازب # [الصافات: 11] # من تراب # [غافر: 67] لاتفاقها معنى لأنه يفيد أنه خلقه من تراب ثم جعله طينا ثم ~~حمأ مسنونا ثم صلصالا { وخلق الجان } أبا الجن قيل: هو إبليس { ~~من مارج } هو اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: المختلط بسواد ~~النار من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط { من نار } هو بيان لما رج كأنه ~~قيل: من صاف من نار أو مختلط من نار، أو أراد من ms1408 نار مخصوصة كقوله # فأنذرتكم نارا تلظى # [الليل: 14] { فبأى ءالاء ربكما تكذبان رب ~~المشرقين ورب المغربين } أراد مشرقي الشمس في الصيف ~~والشتاء ومغربيهما. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان مرج البحرين ~~يلتقيان } أي أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين لا ~~فصل بين الماءين في مرأى العين { بينهما برزخ } حاجز من قدرة ~~الله تعالى { لا يبغيان } لا يتجاوزان حديهما ولا يبغي أحدهما على ~~الآخر بالممازجة { فبأى الاء ربكما تكذبان يخرج } { ~~يخرج } مدني وبصري { منهما اللؤلؤ } بلا همز: أبو بكر ويزيد ~~وهو كبار الدر { والمرجان } صغاره. وإنما قال { منهما } وهما ~~يخرجان من الملح لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال ~~يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من ~~بعضه وتقول: خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله. وقيل: لا يخرجان ~~إلا من ملتقى الملح والعذب { فبأى الاء ربكما تكذبان }. # { وله } ولله { الجوار } السفن جمع جارية. قال الزجاج: الوقف ~~عليها بالياء والاختيار وصلها، وإن وقف عليها واقف بغير ياء فذا جائز على ~~بعد ولكن يروم الكسر في الراء ليدل على حذف الياء { المنشآت } المرفوعات ~~الشرع { المنشآت } بكسر الشين، حمزة ويحيى الرافعات الشرع أو اللاتي ~~ينشئن الأمواج بجريهن { فى البحر كالأعلم } جمع علم وهو ~~الجبل الطويل { فبأى ءالاء ربكما تكذبان كل من ~~عليها } على الأرض { فان ويبقى وجه ربك } ذاته { ذو ~~الجلل } ذو العظمة والسلطان وهو صفة الوجه { والإكرام } ~~بالتجاوز والإحسان، وهذه الصفة من عظيم صفات الله وفي الحديث # " ألظوا بياذا الجلال والإكرام " # وروي أنه عليه السلام مر برجل وهو يصلي ويقول يا ذا الجلال والإكرام ~~فقال: قد استجيب لك. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } والنعمة ~~في الفناء باعتبار أن المؤمنين به يصلون إلى النعيم السرمد. وقال يحيى ~~بن معاذ: حبذا الموت فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب. # { يسأله من فى السموت والأرض } وقف عليها نافع كل من ~~أهل السماوات والأرض مفتقرون إليه فيسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم ~~وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم، وينتصب { كل ms1409 يوم } ظرفا بما ~~دل عليه { هو فى شأن } أي كل وقت وحين يحدث أمورا ويجدد أحوالا ~~كما روي أنه عليه السلام تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال: من شأنه أن ~~يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين. وعن ابن عيينة: الدهر ~~عند الله يومان: أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي ~~والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء ~~والحساب. وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت ~~شأنا. وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيبا ~~يفكر فيها فقال غلام له أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك ~~على يدي فأخبره فقال: أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال: أيها الملك شأن الله ~~أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما ويسقم سليما، ويبتلي معافى ويعافي ~~مبتلي، ويعز ذليلا ويذل عزيزا، ويفقر غنيا ويغني فقيرا. فقال الأمير: ~~أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة فقال: يا مولاي هذا من شأن ~~الله. وقيل: سوق المقادير إلى المواقيت. # وقيل: إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت علي ~~ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله # فأصبح من الندمين # وقد صح أن الندم توبة، وقوله { كل يوم هو فى شأن } وقد صح ~~أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله # وأن ليس للإنسن إلا ما سعى # فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك ~~الأمة، وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله. وكذا ~~قيل: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى مخصوص بقوم إبراهيم وموسى عليهما ~~السلام. وأما قوله { كل يوم هو فى شأن } فإنها شؤون يبديها ~~لا شؤون يبتديها. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوع خراجه { فبأى الاء ~~ربكما تكذبان سنفرغ لكم } مستعار من قول الرجل لمن ~~يتهدده «سأفرغ لك» ms1410 يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، والمراد ~~التوفر على النكاية فيه والانتقام منه. ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا ~~وتبلغ آخرها وتنتهي عند ذلك شئون الخلق التي أرادها بقوله { كل يوم ~~هو فى شأن } فلا يبقى إلي شأن واحد وهو جزاؤكم فجعل ذلك فراغا لهم ~~على طريق المثل. { سيفرغ } حمزة وعلي أي الله تعالى { أيه ~~الثقلان } الإنس والجن سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. # { يمعشر الجن والإنس } هو كالترجمة لقوله { أيها ~~الثقلان } { إن استطعتم أن تنفذوا من أقطر ~~السموت والأرض فانفذوا } أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب ~~السماوات والأرض هربا من قضائي فاخرجوا، ثم قال { لا تنفذون } لا ~~تقدرون على النفوذ { إلا بسلطن } بقوة وقهر وغلبة وأنى لكم ~~ذلك؟ وقيل: دلهم على العجز عن قوتهم للحساب غدا بالعجز عن نفوذ الأقطار ~~اليوم. وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة حين تحدق بهم الملائكة فإذا رآهم ~~الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة احتاطت به { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من ~~نار } وبكسر الشين: مكي وكلاهما اللهب الخالص { ونحاس } أي دخان { ~~ونحاس } مكي وأبو عمرو فالرفع عطف على شواظ، والجر على نار، والمعنى ~~إذا خرجتم من قبوركم يرسل عليكما لهب خالص من النار ودخان يسوقكم إلى ~~المحشر { فلا تنتصران } فلا تمتنعان منهما { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان فإذا انشقت السماء } انفك بعضها من بعض ~~لقيام الساعة { فكانت وردة } فصارت كلون الورد الأحمر. وقيل: أصل ~~لون السماء الحمرة ولكن من بعدها ترى زرقاء { كالدهان } كدهن الزيت ~~كما قال # كالمهل # [المعارج: 8] وهو دردي الزيت وهو جمع دهن وقيل: الدهان الأديم الأحمر { ~~فبأي ءالآ # ءربكما تكذبان فيومئذ } أي فيوم تنشق السماء { لا يسئل عن ~~ذنبه إنس ولا جان } أي ولا جن فوضع الجان الذي هو أبو الجن ~~موضع الجن كما يقال: هاشم ويراد ولده والتقدير: لا يسئل إنس ولا جان عن ~~ذنبه. والتوفيق بين هذه الآية وبين قوله # فوربك لنسئلنهم أجمعين # [الحجر: 92] وقوله # وقفوهم إنهم مسئولون ms1411 # [الصافات: 24] أن ذلك يوم طويل وفيه مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون ~~في آخر. وقال قتادة: قد كانت مسئلة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون. وقيل: لا يسئل عن ذنبه ليعلم من جهته ولكن ~~يسئل للتوبيخ. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان يعرف المجرمون ~~بسيمهم } بسواد وجوههم وزرقة عيونهم { فيؤخذ بالنواصى ~~والاقدام } أي يؤخذ تارة بالنواصي وتارة بالأقدام. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } ### || [55.43-78] # { هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون يطوفون ~~بينها وبين حميم ءان } ماء حار قد انتهى حره أي يعاقب عليهم ~~بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } والنعمة في هذا نجاة الناجي منه بفضله ورحمته وما في ~~الإنذار به من التنبيه { ولمن خاف مقام ربه } موقفه الذي يقف ~~فيه العباد للحساب يوم القيامة فترك المعاصي أو فأدى الفرائض. وقيل: هو ~~مقحم كقوله: ونفيت عنه مقام الذئب أي نفيت عنه الذئب { جنتان } جنة ~~الإنس وجنة الجن لأن الخطاب للثقلين وكأنه قيل: لكل خائفين منكما جنتان: ~~جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان ذواتا أفنان } أغصان جمع فنن وخص الأفنان لأنها هي ~~التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار، أو ألوان جمع ~~فن أي له فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين قال: # ومن كل أفنان اللذاذة والصبا # لهوت به والعيش أخضر ناضر # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان فيهما } في الجنتين { ~~عينان تجريان } حيث شاءوا في الأعالي والأسافل. وعن الحسن: ~~تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان فيهما من كل فكهة زوجان } صنفان: ~~صنف معروف وصنف غريب { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~متكئين } نصب على المدح للخائفين أو حال منهم لأن من خاف في معنى ~~الجمع { على فرش } جمع فراش { بطائنها } جمع بطانة { من ~~إستبرق } ديباج ثخين وهو معرب. قيل: ظهائرها من سندس. وقيل: لا ~~يعلمها إلا الله { وجنى الجنتين دان } وثمرها قريب يناله ~~القائم والقاعد والمتكيء. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~فيهن }. # في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ms1412 ومجالس أو في هذه الآلاء ~~المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجني { قصرت ~~الطرف } نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم { لم ~~يطمثهن } بكسر الميم: الدوري وعلي بضم الميم والطمث الجماع ~~بالتدمية { إنس قبلهم ولا جان } وهذا دليل على أن الجن ~~يطمثون كما يطمث الإنس { فبأى ربكما تكذبان كأنهن ~~الياقوت } صفاء { والمرجان } بياضا فهو أبيض من اللؤلؤ { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسن } في ~~العمل { إلا الإحسن } في الثواب وقيل: ما جزاء من قال لا إله إلا ~~الله إلا الجنة. وعن إبراهيم الخواص فيه: هل جزاء الإسلام إلا دار ~~السلام. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ومن دونهما } ومن دون ~~تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } لمن دونهم من أصحاب ~~اليمين { فبأى ءالاء ربكما تكذبان مدهآمتان } ~~سوداوان من شدة الخضرة قال الخليل الدهمة السواد { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان } فوارتان ~~بالماء لا تنقطعان { فبأى ءالاء ربكما تكذبان فيهما ~~فكهة } ألوان الفواكه { ونخل ورمان } والرمان والتمر ليسا ~~من الفواكه عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه للعطف، ولأن التمر فاكهة ~~وغذاء والرمان فاكهة ودواء فلم يخلصا للتفكه، وهما قالا: إنما عطفا على ~~الفاكهة لفضلهما كأنهما جنسان آخران لما لهما من المزية كقوله # وجبريل وميكل # [البقرة: 98]. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان فيهن خيرت حسان } أي ~~خيرات فخففت وقرىء خيرات على الأصل، والمعنى فاضلات الأخلاق حسان الخلق ~~{ فبأى ءالاء ربكما تكذبان حور مقصورت فى ~~الخيام } أي مخدرات يقال: امرأة قصيرة ومقصورة أي مخدرة. قيل: الخيام ~~من الدر المجوف { فبأى ءالاء ربكما تكذبان لم ~~يطمثهن إنس قبلهم } قبل أصحاب الجنتين ودل عليهم ذكر ~~الجنتين { ولا جان فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~متكئين } نصب على الاختصاص { على رفرف } هو كل ثوب عريض ~~وقيل الوسائد { خضر وعبقرى حسان } ديباج أو طنافس { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن ~~الأوليين حتى قيل { ومن دونهما } لأن { مدهامتان } دون { ~~ذواتا أفنان } و { نضاختان } دون { تجريان } و { ~~فكهة } دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ { تبرك اسم ms1413 ~~ربك ذى الجلل } ذي العظمة. { ذو الجلل } شامي صفة للاسم ~~{ والإكرام } لأوليائه بالإنعام. # روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن فقال: # " مالي أراكم سكوتا، الجن كانوا أحسن منكم ردا ما أتيت على قول الله { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ~~ربنا نكذب فلك الحمد ولك الشكر " # وكررت هذه الآية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، ذكر ثمانية منها عقب ~~آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم ~~سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم، وبعد ~~هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وثمانية ~~أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل ~~بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب جهنم نعوذ بالله منها. ~~والله أعلم. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-34] # { إذا وقعت الواقعة } قامت القيامة. وقيل: وصفت بالوقوع ~~لأنها تقع لا محالة فكأنه قيل: إذا وقعت الواقعة التي لا بد من وقوعها. ~~ووقوع الأمر نزوله يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله. ~~وانتصاب { إذا } بإضمار «اذكر» { ليس لوقعتها كاذبة } نفس ~~كاذبة أي لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب لأن كل ~~نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات. واللام ~~مثلها في قوله تعالى: # يليتنى قدمت لحياتى # [الفجر: 24] { خافضة رافعة } أي هي خافضة رافعة ترفع أقواما ~~وتضع آخرين { إذا رجت الأرض رجا } حركت تحريكا شديدا حتى ~~ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء، وهو بدل من { إذا وقعت } ، ويجوز ~~أن ينتصب ب { خافضة رافعة } أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس ~~الجبال { وبست الجبال بسا } وفتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت ~~من بس الغنم إذا ساقها كقوله: # وسيرت الجبال # [النبأ: 20] { فكانت هباء } غبارا { منبثا } متفرقا { ~~وكنتم أزواجا } أصنافا يقال للأصناف التي بعضها من بعض أو يذكر ~~بعضها من بعض أزواج { ثلثة } صنفان في الجنة وصنف في النار. ms1414 # ثم فسر الأزواج فقال { فأصحب الميمنة } مبتدأ وهم الذين ~~يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحب الميمنة } مبتدأ وخبر ~~وهما خبر المبتدأ الأول، وهو تعجيب من حالهم في السعادة وتعظيم لشأنهم ~~كأنه قال: ما هم وأي شيء هم؟ { وأصحب المشئمة } أي الذين ~~يؤتون صحائفهم بشمائلهم أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية ~~الخسيسة من قولك: فلان مني باليمين وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما ~~بالرفعة عندك والضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل. وقيل: ~~يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال { ما أصحب ~~المشئمة } أي أي شيء هم؟ وهو تعجيب من حالهم بالشقاء { ~~والسبقون } مبتدأ { السبقون } خبره تقديره السابقون إلى ~~الخيرات السابقون إلى الجنات. وقيل: الثاني تأكيد للأول والخبر { ~~أولئك المقربون } والأول أوجه { في جنت النعيم } ~~أي هم في جنات النعيم { ثلة من الأولين * وقليل من ~~الآخرين } أي هم ثلة، والثلة الأمة من الناس الكثيرة، والمعنى أن ~~المسابقين كثير من الأولين وهم الأمم من لدن آدم إلى نبينا محمد عليهما ~~السلام، وقليل من الآخرين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: من ~~الأولين من متقدمي هذه الأمة، ومن الآخرين من متأخريها. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " الثلتان جميعا من أمتي ". # { على سرر } جمع سرير ككثيب وكثب { موضونة } مرمولة ومنسوجة ~~بالذهب مشبكة بالدر والياقوت { متكئين } حال من الضمير في { على ~~} وهو العامل فيها أي استقروا عليها متكئين { عليها متقبلين ~~} ينظر بعضهم في وجوه بعض ولا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، وصفوا بحسن ~~العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة و { متقبلين } حال أيضا { ~~يطوف عليهم } يخدمهم { ولدن } غلمان جمع وليد { ~~مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان لا يتحولون عنه. # وقيل: مقرطون والخلدة القرط. قيل: هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم ~~حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، وفي الحديث: # " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " # { بأكواب } جمع كوب وهي آنية لا عروة لها ولا خرطوم { وأباريق ~~} جمع إبريق وهو ماله خرطوم وعروة { وكأس } وقدح فيه شراب وإن لم يكن ~~فيه شراب فليس بكأس ms1415 { من معين } من خمر تجري من العيون { لا ~~يصدعون عنها } أي بسببها وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها أو لا ~~يفرقون عنها { ولا ينزفون } ولا يسكرون. نزف الرجل ذهب عقله ~~بالسكر. { ولا ينزفون } بكسر الزاي: كوفي أي لا ينفد شرابهم. يقال: ~~أنزف القوم إذا فني شرابهم { وفكهة مما يتخيرون } ~~يأخذون خيره وأفضله. # { ولحم طير مما يشتهون } يتمنون { وحور } جمع حوراء { ~~عين } جمع عيناء أي وفيها حور عين أو ولهم حور عين، ويجوز أن يكون ~~عطفا على { ولدن } { وحور }: يزيد وحمزة وعلي عطفا على { ~~جنت النعيم } كأنه قال: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم وحور { ~~كأمثل اللؤلؤ } في الصفاء والنقاء { المكنون } المصون. ~~وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه لم يغيره الزمان واختلاف ~~أحوال الاستعمال { جزاء بما كانوا يعملون } جزاء مفعول له أي ~~يفعل بهم ذلك كله لجزاء أعمالهم أو مصدر أي يجزون جزاء. # { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا ~~تأثيما } هذيانا { إلا قيلا سلما سلما } إلا قولا ~~ذا سلامة. والاستثناء منقطع و { سلاما } بدل من { قيلا } أو مفعول ~~به ل { قيلا } أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما. ~~والمعنى أنهم يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاما بعد سلام { وأصحب ~~اليمين ما أصحب اليمين * فى سدر مخضود } السدر ~~شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنما خضد شوكه { وطلح منضود ~~} الطلح شجر الموز والمنضود الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه فليست له ~~ساق بارزة { وظل ممدود } ممتد منبسط كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع ~~الشمس { ومآء مسكوب } جار بلا حد ولا خد أي يجري على الأرض في ~~غير أخدود { وفكهة كثيرة } أي كثيرة الأجناس { لا ~~مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا بل هي دائمة { ~~ولا ممنوعة } لا تمنع عن متناولها بوجه. وقيل: لا مقطوعة بالأزمان ~~ولا ممنوعة بالأثمان { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر أو نضدت حتى ~~ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي النساء لأن المرأة يكنى عنها ~~بالفراش مرفوعة على الأرائك قال الله تعالى: # هم ms1416 وأزوجهم فى ظلل على الأرائك متكئون # [يس: 56]. ويدل عليه قوله. ### || [56.35-67] # { إنا أنشأنهن إنشاء } ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ~~ولادة، فإما أن يراد اللاتي ابتدىء انشاؤهن أو اللاتي أعيد انشاؤهن، وعلى ~~غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن { ~~فجعلنهن أبكرا } عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن ~~أبكارا { عربا } { عربا } حمزة وخلف ويحيى وحماد جمع عروب وهي ~~المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل { أترابا } مستويات في السن بنات ~~ثلاث وثلاثين وأزواجهن كذلك، واللام في { لأصحب اليمين } من ~~صلة { أنشأنا } { ثلة } أي أصحاب اليمين ثلة { من ~~الأولين وثلة من الآخرين } فإن قلت: كيف قال قبل هذا { ~~وقيل من الآخرين } ثم قال هنا { وثلة من الآخرين }؟ ~~قلت: ذاك في السابقين وهذا في أصحاب اليمين، وأنهم يتكاثرون من الأولين ~~والآخرين جميعا. وعن الحسن: سابقوا الأمم أكثر من سابقي أمتنا، وتابعوا ~~الأمم مثل تابعي هذه الأمة. # { وأصحب الشمال ما أصحب الشمال } الشمال والمشأمة ~~واحدة { فى سموم } في حر نار ينفذ في المسام { وحميم } وماء حار ~~متناهي الحرارة { وظل من يحموم } من دخان أسود { لا بارد ~~ولا كريم } نفي لصفتي الظل عنه يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال ~~سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه من يأوي إليه من أذى الحر ~~وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى أنه ظل حار ~~ضار { إنهم كانوا قبل ذلك } أي في الدنيا { مترفين } ~~منعمين فمنعهم ذلك من الانزجار وشغلهم عن الاعتبار { وكانوا ~~يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي على الذنب العظيم ~~أو على الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، والحنث نقض العهد المؤكد باليمين أو ~~الكفر بالبعث بدليل قوله # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # [النحل: 38] { وكانوا يقولون * أءذا متنا وكنا ~~ترابا وعظما أءنا لمبعوثون } تقديره: أنبعث إذا متنا؟ ~~وهو العامل في الظرف، وجاز حذفه إذ { مبعوثون } يدل عليه، ولا يعمل ~~فيه { مبعوثون } لأن «إن» والاستفهام يمنعان أن يعمل ما بعدهما ~~فيما قبلهما { أو ءاباؤنا الأولون } دخلت ms1417 همزة الاستفهام على ~~حرف العطف وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب ~~«نحن» للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله # ما أشركنا ولآ ءابآؤنا # [الأنعام: 148] لفصل لا المؤكدة للنفي. { أو ءاباؤنا } مدني وشامي. # { قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ~~ميقت يوم معلوم } إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، ~~والإضافة بمعنى «من» كخاتم فضة، والميقات ما وقت به الشيء أي حد ومنه ~~مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرما ~~{ ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } ~~بالبعث وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم { لآكلون من شجر } «من» ~~لابتداء الغاية { من زقوم } «من» لبيان الشجر { فمالئون ~~منها البطون فشربون عليه من الحميم } أنث ضمير ~~الشجر على المعنى وذكره على اللفظ في منها وعليه. # { فشربون شرب } بضم الشين: مدني وعاصم وحمزة وسهل، وبفتح ~~الشين: غيرهم وهما مصدران { الهيم } هي إبل عطاش لا تروى جمع أهيم ~~وهيماء، والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي ~~هو كالمهل، فإذا ملئوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب ~~الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربونه شرب الهيم. وإنما صح عطف الشاربين على ~~الشاربين وهما لذوات متفقة وصفتان متفقتان لأن كونهم شاربين للحميم على ~~ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء أمر عجيب وشربهم له على ذلك ~~كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا فكانتا صفتين مختلفتين { هذا ~~نزلهم } هو الرزق الذي يعد للناس تكرمة له { يوم الدين } يوم ~~الجزاء { نحن خلقنكم فلولا } فهلا { تصدقون } تحضيض ~~على التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالبعث لأن من خلق أولا لم يمتنع ~~عليه أن يخلق ثانيا. # { أفرءيتم ما تمنون } ما تمنونه أي تقذفونه في الأرحام من ~~النطف { ءأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا ~~{ أم نحن الخلقون نحن قدرنا بينكم الموت } ~~تقديرا قسمناه عليكم قسمة الأرزاق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا ~~فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط { قدرنآ } بالتخفيف: مكي ms1418 ~~سبقته بالشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه، فمعنى قوله { وما نحن ~~بمسبوقين * على أن نبدل أمثلكم } إنا قادرون على ~~ذلك لا تغلبوننا عليه. و { أمثلكم } جمع مثل أي على أن نبدل منكم ~~ومكانكم أشباهكم من الخلق { وننشئكم فى ما لا تعلمون } ~~وعلى أن ننشئكم في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها يعني أنا نقدر على ~~الأمرين جميعا: على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن ~~إعادتكم؟ ويجوز أن يكون { أمثلكم } جمع مثل أي على أن نبدل ونغير ~~صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم وننشئكم في صفات لا تعلمونها { ~~ولقد علمتم النشأة الأولى } { النشاءة } مكي وأبو عمرو ~~{ فلولا تذكرون } أن من قدر على شيء مرة لم يمتنع عليه ثانيا، ~~وفيه دليل صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى. # { أفرءيتم ما تحرثون } ما تحرثونه من الطعام أي تثيرون ~~الأرض وتلقون فيها البذر { ءأنتم تزرعونه } تنبتونه وتردونه ~~نباتا { أم نحن الزرعون } المنبتون وفي الحديث: # " لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت " # { لو نشاء لجعلناه حطما } هشيما متكسرا قبل إدراكه { ~~فظلتم تفكهون } تعجبون أو تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم ~~عليه، أو على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم بذلك من أجلها { إنا ~~} أي تقولون إنا { أئنا } أبو بكر { لمغرمون } لملزمون غرامة ما ~~أنفقنا أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك { بل نحن } قوم ~~{ محرومون } محارفون محدودون لا مجدودون لا حظ لنا ولا بخت لنا ولو ~~كنا مجدودين لما جرى علينا هذا. ### || [56.68-96] # { أفرءيتم الماء الذى تشربون } أي الماء العذب الصالح ~~للشرب { ءأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض وهو ~~أعذب ماء { أم نحن المنزلون } بقدرتنا { لو نشاء ~~جعلنه أجاجا } ملحا أو مرا لا يقدر على شربه { فلولا ~~تشكرون } فهلا تشكرون. ودخلت اللام على جواب لو في قوله { ~~لجعلناه حطما } ونزعت منه هنا، لأن «لو» لما كانت داخلة على ~~جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ولم تكن مخلصة الشرط ~~ك «إن» ولا عاملة مثلها وإنما سرى فيها معنى ms1419 الشرط اتفاقا من حيث ~~إفادتها في مضموني جملتيها، أن الثاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في ~~جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علما ~~على ذلك، ولما شهر موقعه لم يبال بإسقاطه عن اللفظ لعلم كل أحد به وتساوي ~~حالي حذفه وإثباته، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ~~ثانية، ولأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد لا محالة فأدخلت في آية المطعوم ~~دون آية المشروب للدلالة على أن المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن ~~الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا ~~للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب. # { أفرءيتم النار التى تورون } تقدحونها وتستخرجونها من ~~الزناد، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر ويسمون الأعلى الزند ~~والأسفل الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة { ءأنتم أنشأتم ~~شجرتها } التي منها الزناد { أم نحن المنشئون } الخالقون ~~لها ابتداء { نحن جعلنها } أي النار { تذكرة } تذكيرا ~~لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون ~~حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به { ومتعا } ومنفعة { ~~للمقوين } للمسافرين النازلين في القواء وهي القفر، أو للذين خلت ~~بطونهم أو مزاودهم من الطعام من قولهم «أقوت الدار» إذا خلت من ساكنيها. ~~بدأ بذكر خلق الإنسان فقال { أفرءيتم ما تمنون } لأن النعمة ~~فيه سابقة على جميع النعم، ثم بما فيه قوامه وهو الحب فقال { ~~أفرءيتم ما تحرثون } ثم بما يعجن به ويشرب عليه وهو الماء، ~~ثم بما يخبز به وهو النار، فحصول الطعام بمجموع الثلاثة ولا يستغني عنه ~~الجسد ما دام حيا { فسبح باسم ربك } فنزه ربك عما لا يليق به ~~أيها المستمع المستدل، أو أراد بالاسم الذكر أي فسبح بذكر ربك { ~~العظيم } صفة للمضاف أو للمضاف إليه. وقيل: قل سبحان ربي العظيم وجاء ~~مرفوعا أنه لما نزلت هذه الآية قال: اجعلوها في ركوعكم. # { فلا أقسم } أي فأقسم و«لا» مزيدة مؤكدة مثلها قوله # لئلا يعلم أهل الكتب # [الحديد: 29] وقرىء { فلأقسم } ومعناه فلأنا أقسم، اللام لام الابتداء ms1420 ~~دخلت على جملة من مبتدأ وخبر وهي «أنا أقسم»، ثم حذف المبتدأ. ولا يصح أن ~~تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تقرن ~~بها النون المؤكدة { بموقع النجوم } بمساقطها ومغاربها { بموقع ~~} حمزة وعلي، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب ~~أفعالا مخصوصة عظيمة أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام ~~المتهجدين ونزول الرحمة والرضوان عليهم فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك ~~بقوله { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في ~~اعتراض لأنه اعترض به بين القسم والمقسم عليه وهو قوله { إنه ~~لقرءان كريم } حسن مرضي أو نفاع جم المنافع أو كريم على الله، ~~واعترض ب { لو تعلمون } بين الموصوف وصفته { فى كتب } أي ~~اللوح المحفوظ { مكنون } مصون عن أن يأتيه الباطل أو من غير ~~المقربين من الملائكة لا يطلع عليه من سواهم { لا يمسه إلا ~~المطهرون } من جميع الأدناس أدناس الذنوب وغيرها إن جعلت الجملة ~~صفة ل { كتب مكنون } وهو اللوح، وإن جعلتها صفة للقرآن ~~فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس والمراد مس ~~المكتوب منه { تنزيل } صفة رابعة للقرآن أي منزل { من رب ~~العلمين } أو وصف بالمصدر لأنه نزل نجوما من بين سائر كتب الله ~~فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه فقيل: جاء في التنزيل كذا ~~ونطق به التنزيل، أو هو تنزيل على حذف المبتدأ. # { أفبهذا الحديث } أي القرآن { أنتم مدهنون } ~~متهاونون به كمن يدهن في بعض الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا ~~به { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي تجعلون شكر ~~رزقكم التكذيب أي وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه ~~وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم { وتجعلون شكركم ~~أنكم تكذبون } أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به. ~~وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليهم والرزق المطر أي وتجعلون شكر ~~ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله حيث تنسبونه ms1421 إلى ~~النجوم. # { فلولا إذا بلغت } النفس أي الروح عند الموت { الحلقوم ~~} ممر الطعام والشراب { وأنتم حينئذ تنظرون } الخطاب لمن حضر ~~الميت تلك الساعة { ونحن أقرب إليه } إلى المحتضر { منكم ~~ولكن لا تبصرون } لا تعقلون ولا تعلمون { فلولا إن ~~كنتم غير مدينين } مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم { ~~ترجعونها } تردون النفس وهي الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { ~~إن كنتم صدقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. { فلولا } في ~~الآيتين للتحضيض يستدعي فعلا وذا قوله { ترجعونها } واكتفى بذكره ~~مرة، وترتيب الآية فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين، ~~و { فلولا } الثانية مكررة للتأكيد ونحن أقرب إليه منكم يا أهل الميت ~~بقدرتنا وعلمنا أو بملائكة الموت، والمعنى أنكم في جحودكم آيات الله في ~~كل شيء، إن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم ~~رسولا صادقا قلتم ساحر كذاب، وإن رزقكم مطرا يحييكم به قلتم صدق نوء ~~كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى ~~البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثمة قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم ~~وكفركم بالمحيي المميت المبدىء المعيد؟. # { فأما إن كان } المتوفي { من المقربين } من السابقين ~~من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة { فروح } فله استراحة { ~~وريحان } ورزق { وجنت نعيم * وأما إن كان من ~~أصحب اليمين * فسلم لك من أصحب اليمين } ~~أي فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله # إلا قيلا سلما سلما # { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف ~~الثالث من الأزواج الثلاثة وهم الذين قيل لهم في هذه السورة # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون # { فنزل من حميم * وتصلية جحيم } أي إدخال فيها. وفي ~~هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة، وأن أصحاب الكبائر من ~~أصحاب اليمين لأنهم غير مكذبين { إن هذا } الذي أنزل في هذه السورة ~~{ لهو حق اليقين } أي الحق الثابت من اليقين { فسبح ~~باسم ربك العظيم } روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ms1422 ~~ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته فقال له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي. ~~فقال: ما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: أفلا تدعو الطبيب؟ قال: الطبيب ~~أمرضني. فقال: ألا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: ندفعه إلى ~~بناتك. قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا " # وليس في هذه السور الثلاث ذكر الله: اقتربت، الرحمن، الواقعة، والله ~~أعلم. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-12] # { سبح لله } جاء في بعض الفواتح «سبح» بلفظ الماضي، وفي بعضها ~~بلفظ المضارع، وفي «بني إسرائيل» بلفظ المصدر، وفي «الأعلى» بلفظ الأمر ~~استيعادا لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهي أربع: المصدر والماضي والمضارع ~~والأمر. وهذا الفعل قد عدي باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله # وتسبحوه # [الفتح: 9] وأصله التعدي بنفسه لأن معنى سبحته بعدته من السوء منقول من ~~سبح إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له، وإما ~~أن يراد بسبح الله اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا { ما فى ~~السموت والارض } ما يتأتى منه التسبيح ويصح { وهو ~~العزيز } المنتقم من مكلف لم يسبح له عنادا { الحكيم } في ~~مجازاة من سبح له انقيادا { له ملك السموت والأرض } لا ~~لغيره وموضع { يحيى } رفع أي هو يحيي الموتى { ويميت } الأحياء ~~أو نصب أي له ملك السماوات والأرض محييا ومميتا { وهو على كل ~~شىء قدير هو الأول } هو القديم الذي كان قبل كل شيء { ~~والآخر } الذي يبقي بعد هلاك كل شيء { والظهر } بالأدلة الدالة ~~عليه { والبطن } لكونه غير مدرك بالحواس وإن كان مرئيا. والواو ~~الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، ~~والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه ~~الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين فهو مستمر ~~الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن. ~~وقيل: الظاهر العالي على كل شيء ms1423 الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه، ~~والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه { وهو بكل شىء عليم }. # { هو الذى خلق السموت والأرض فى ستة أيام } ~~عن الحسن: من أيام الدنيا ولو أراد أن يجعلها في طرفة عين لفعل ولكن جعل ~~الستة أصلا ليكون عليها المدار { ثم استوى } استولى { على ~~العرش يعلم ما يلج فى الأرض } ما يدخل في الأرض من البذر ~~والقطر والكنوز والموتى { وما يخرج منها } من النبات وغيره { ~~وما ينزل من السماء } من الملائكة والأمطار { وما يعرج ~~فيها } من الأعمال والدعوات { وهو معكم أين ما كنتم } ~~بالعلم والقدرة عموما وبالفضل والرحمة خصوصا { والله بما ~~تعملون بصير } فيجازيكم على حسب أعمالكم { له ملك ~~السموت والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج ~~اليل فى النهار } يدخل الليل في النهار بأن ينقض من الليل ويزيد ~~في النهار { ويولج النهار فى اليل وهو عليم بذات ~~الصدور }. # { ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا } يحتمل الزكاة ~~والإنفاق في سبيل الله { مما جعلكم مستخلفين فيه } يعني ~~أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها وإنما ~~مولكم إياها للاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها فليست هي ~~بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا ~~منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل ~~الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم ~~فيما في أيديكم بتوريثه إياكم وسينقله منكم إلى من بعدكم فاعتبروا بحالهم ~~ولا تبخلوا به { فالذين ءامنوا } بالله ورسله { منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير * وما لكم لا تؤمنون ~~بالله } هو حال من معنى الفعل في { مالكم } كما تقول: مالك ~~قائما؟ بمعنى ما تصنع قائما أي ومالكم كافرين بالله. # والواو في { والرسول يدعوكم } واو الحال فهما حالان ~~متداخلتان، والمعنى وأي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم { ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثقكم } وقبل ذلك قد أخذ ~~الله ميثاقكم بقوله: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] أو بما ركب فيكم من العقول ms1424 ومكنكم من النظر في الأدلة، ~~فإذا لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول فما لكم لا تؤمنون؟ { ~~إن كنتم مؤمنين } لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه { ~~أخذ ميثقكم } أبو عمرو. # { هو الذى ينزل على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { ~~ءايت بينات } يعني القرآن { ليخرجكم } الله تعالى أو محمد ~~بدعوته { من الظلمت إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان { وإن الله بكم لرءوف } بالمد والهمزة: حجازي وشامي ~~وحفص { رحيم } الرأفة أشد الرحمة { وما لكم ألا تنفقوا } ~~في أن لا تنفقوا { فى سبيل الله ولله ميراث السموت ~~والأرض } يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره يعني ~~وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم ~~فوارث أموالكم؟ وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله. ثم بين ~~التفاوت بين المنفقين منهم فقال { لا يستوى منكم من أنفق ~~من قبل الفتح وقتل } أي فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله ~~ودخول الناس في دين الله أفواجا، ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لأن قوله: # من الذين أنفقوا من بعد # يدل عليه { أولئك } الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون ~~من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # { أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقتلوا وكلا } أي كل واحد من الفريقين { وعد الله ~~الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. # { وكلا } مفعول أول ل { وعد } و { الحسنى } مفعول ثان. { ~~وكل }: شامي أي وكل وعده الله الحسنى نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ~~لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله وفيه دليل على فضله وتقدمه { ~~والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على قدر أعمالكم. # { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } بطيب نفسه ~~والمراد الإنفاق في سبيله واستعير لفظ القرض ليدل على التزام الجزاء { ~~فيضاعفه له } أي ms1425 يعطيه أجره على إنفاقه أضعافا مضاعفة من فضله { ~~وله أجر كريم } أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في ~~نفسه. { فيضعفه } مكي { فيضعفه } شامي { فيضاعفه }: عاصم وسهل ~~{ فيضاعفه } غيرهم. فالنصب على جواب الاستفهام، والرفع على فهو يضاعفه ~~أو عطف على { يقرض } { يوم ترى المؤمنين ~~والمؤمنت } ظرف لقوله { وله أجر كريم } أو منصوب ~~بإضمار «اذكر» تعظيما لذلك اليوم { يسعى } يمضي { نورهم } نور ~~التوحيد والطاعات. وإنما قال { بين أيديهم وبأيمنهم } ~~لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء ~~يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم، فيجعل النور في الجهتين شعارا لهم ~~وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب ~~بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون سعي بسعيهم ذلك النور وتقول لهم ~~الملائكة { بشراكم اليوم جنت } أي دخول جنات لأن البشارة ~~تقع بالأحداث دون الجثث { تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها ذلك هو الفوز العظيم }. ### || [57.13-24] # { يوم يقول } هو بدل من { يوم ترى } { المنفقون ~~والمنفقت للذين ءامنوا انظرونا } أي انتظرونا لأنه ~~يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة. { أنظرونا } حمزة من النظرة وهي ~~الإمهال جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم { ~~نقتبس من نوركم } نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به { ~~قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } طرد لهم وتهكم بهم ~~أي تقول لهم الملائكة، أو المؤمنون ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا ~~النور فالتمسوه هنالك فمن ثم يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا ~~بتحصيل سببه وهو الإيمان { فضرب بينهم } بين المؤمنين والمنافقين ~~{ بسور } بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. قيل: هو الأعراف { له ~~} لذلك السور { باب } لأهل الجنة يدخلون منه { باطنه } باطن السور ~~أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة { فيه الرحمة } أي النور أو ~~الجنة { وظهره } ما ظهر لأهل النار { من قبله } من عنده ومن ~~جهته { العذاب } أي الظلمة أو النار { يندونهم } أي ينادي ~~المنافقون المؤمنين { ألم نكن معكم } يريدون مرافقتهم في ~~الظاهر { قالوا } أي المؤمنون { بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم } محنتموها ms1426 بالنفاق وأهلكتموها { وتربصتم } ~~بالمؤمنين الدوائر { وارتبتم } وشككتم في التوحيد { وغرتكم ~~الأمانى } طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار { حتى جاء ~~أمر الله } أي الموت { وغركم بالله الغرور } وغركم ~~الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم أو بأنه لا بعث ولا حساب. # { فاليوم لا يؤخذ } وبالتاء: شامي { منكم } أيها المنافقون ~~{ فدية } ما يفتدى به { ولا من الذين كفروا مأواكم ~~النار } مرجعكم { هى مولكم } هي أولى بكم وحقيقة مولاكم ~~محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما يقال: هو مئنة للكرم أي ~~مكان لقول القائل إنه لكريم { وبئس المصير } النار. # { ألم يأن } من أنى الأمر يأنى إذا جاء إناه أي وقته. قيل: كانوا ~~مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه ~~فنزلت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا ~~بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن أبي بكر رضي الله عنه: إن هذه الآية ~~قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم ~~فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب { للذين ءامنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق } بالتخفيف: ~~نافع وحفص. الباقون { نزل } و «ما» بمعنى «الذي»، والمراد بالذكر وما ~~نزل من الحق القرآن لأنه جامع للأمرين للذكر والموعظة وأنه حق نازل من ~~السماء { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتب من قبل ~~} القراءة بالياء عطف على { تخشع } وبالتاء: ورش على الالتفاف، ويجوز ~~أن يكون نهيا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، ~~وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا ~~التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم ~~الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره { فطال ~~عليهم الأمد } الأجل أو الزمان { فقست قلوبهم } باتباع ~~الشهوات { وكثير منهم فسقون } خارجون عن دينهم رافضون لما ~~في الكتابين أي وقليل منهم مؤمنون { اعلموا أن الله يحى ~~الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيت لعلكم ~~تعقلون } قيل: هذا ms1427 تمثيل لأثر الذكر في القلوب وأنه يحييها كما يحيي ~~الغيث الأرض. # { إن المصدقين والمصدقت } بتشديد الدال وحده: مكي ~~وأبو بكر وهو اسم فاعل من «صدق» وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني ~~المؤمنين. الباقون بتشديد الصاد والدال وهو اسم فاعل من «تصدق» فأدغمت ~~التاء في الصاد وقرىء على الأصل { وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~} هو عطف على معنى الفعل في { المصدقين } لأن اللام بمعنى «الذين» ~~واسم الفاعل بمعنى الفعل وهو اصدقوا كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا ~~والقرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق ~~للصدقة { يضاعف لهم } { يضعف } مكي وشامي { ولهم أجر ~~كريم } أي الجنة { والذين ءامنوا بالله ورسله ~~أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } يريد أن ~~المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين ~~سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله { لهم أجرهم ~~ونورهم } أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم، ويجوز أن يكون { ~~والشهداء } مبتدأ و { لهم أجرهم } خبره { والذين ~~كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب ~~الجحيم }. # { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب } كلعب الصبيان { ~~ولهو } كلهو الفتيان { وزينة } كزينة النسوان { وتفاخر ~~بينكم } كتفاخر الأقران { وتكاثر } كتكاثر الدهقان { فى ~~الأمول والأولد } أي مباهاة بهما والتكاثر ادعاء الاستكثار { ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا } بعد خضرته { ثم يكون حطاما } متفتتا، شبه حال ~~الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب ~~به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه ~~العاهة فهاج واصفر وصار حطاما عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب ~~الجنة وصاحب الجنتين. وقيل: الكفار الزراع { وفى الآخرة عذاب ~~شديد } للكفار { ومغفرة من الله ورضون } للمؤمنين ~~يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور وهي اللعب واللهو ~~والزينة والتفاخر والتكاثر، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام وهي العذاب ~~الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد. # والكاف في { كمثل غيث } في محل رفع على أنه خبر بعد خبر أي ~~الحياة الدنيا مثل ms1428 غيث { وما الحيوة الدنيا إلا متع ~~الغرور } لمن ركن إليها واعتمد عليها. قال ذو النون: يا معشر ~~المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها ~~والمقيل في غيرها. # ولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة بعث عباده على المسارعة إلى ~~نيل ما وعد من ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول ~~الجنة بقوله { سابقوا } أي بالأعمال الصالحة { إلى مغفرة من ~~ربكم } وقيل: سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار { ~~وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } قال السدي: كعرض ~~سبع السماوات وسبع الأرضين. وذكر العرض دون الطول لأن كل ماله عرض وطول ~~فإن عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط، أو أريد ~~بالعرض البسطة وهذا ينفي قول من يقول: إن الجنة في السماء الرابعة، لأن ~~التي في إحدى السماوات لا تكون في عرض السماوات والأرض { أعدت ~~للذين ءامنوا بالله ورسله } وهذا دليل على أنها مخلوقة { ~~ذلك } الموعود من المغفرة والجنة { فضل الله يؤتيه من ~~يشاء } وهم المؤمنون، وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل ~~الله { والله ذو الفضل العظيم }. # ثم بين أن كل كائن بقضاء الله وقدره بقوله { ما أصاب من مصيبة ~~فى الأرض } من الجدب وآفات الزروع والثمار. وقوله { فى الأرض } ~~في موضع الجر أي ما أصاب من مصيبة ثابتة في الأرض { ولا فى ~~أنفسكم } من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد { إلا فى كتب } ~~في اللوح وهو في موضع الحال أي إلا مكتوبا في اللوح { من قبل أن ~~نبرأها } من قبل أن نخلق الأنفس { إن ذلك } إن تقدير ذلك ~~وإثباته في كتاب { على الله يسير } وإن كان عسيرا على العباد. ~~ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه بقوله: # { لكيلا تأسوا } تحزنوا حزنا يطغيكم { على ما فاتكم } ~~من الدنيا وسعتها أو من العافية وصحتها { ولا تفرحوا } فرح ~~المختال الفخور { بما ءاتكم } أعطاكم من الإيتاء. أبو عمرو وأتاكم ~~أي جاءكم من الإتيان يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند ms1429 الله، ~~قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا ~~محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن ~~بعض الخير واصل إليه وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله، ~~وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة تصيبه ويحزن عند مضرة تنزل به ولكن ~~ينبغي أن يكون الفرح شكرا والحزن صبرا، وإنما يذم من الحزن الجزع ~~المنافي للصبر ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر { والله لا ~~يحب كل مختال فخور } لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في ~~نفسه اختال وافتخر به وتكبر على الناس { الذين يبخلون } خبر ~~مبتدأ محذوف أو بدل من كل مختال فخور كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون، ~~يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا، فلحبهم ~~له وعزته عندهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به { ويأمرون الناس ~~بالبخل } ويحضون غيرهم على البخل ويرغبونهم في الإمساك { ومن ~~يتول } يعرض عن الإنفاق أو عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى ~~عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي { فإن الله هو ~~الغنى } عن جميع المخلوقات فكيف عنه؟ { الحميد } في أفعاله. # { فإن الله الغنى } بترك «هو»: مدني وشامي. ### || [57.25-29] # { لقد أرسلنا رسلنا } يعني أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء { ~~بالبينت } بالحجج والمعجزات { وأنزلنا معهم ~~الكتب } أي الوحي. وقيل: الرسل الأنبياء. والأول أولى لقوله { ~~معهم } لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب { والميزان } روي أن ~~جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به { ليقوم ~~الناس } ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء { بالقسط } بالعدل ولا ~~يظلم أحد أحدا { وأنزلنا الحديد } قيل: نزل آدم من الجنة ومعه ~~خمسة أشياء من حديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة. وروي ~~ومعه المر والمسحاة. وعن الحسن: وأنزلنا الحديد خلقناه { فيه بأس ~~شديد } وهو القتال به { ومنفع للناس } في مصالحهم ومعايشهم ~~وصنائعهم فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها أو ما يعمل بالحديد { ~~وليعلم الله من ينصره ورسله } باستعمال السيوف ms1430 ~~والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين. وقال الزجاج: ليعلم الله من ~~يقاتل مع رسوله في سبيله { بالغيب } غائبا عنهم { إن الله ~~قوى } يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته { عزيز } يربط بعزته جأش من ~~يتعرض لنصرته. والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة أن الكتاب قانون ~~الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد والعهود ويتضمن جوامع ~~الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والطغيان، ~~واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل ويحصل ~~بها التساوي والتعادل وهي الميزان. ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر ~~الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية إنما تحض العامة على اتباعهما ~~بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعند، ونزع عن صفقة الجماعة اليد. ~~وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد. # { ولقد أرسلنا نوحا وإبرهيم } خصا بالذكر لأنهما أبوان ~~للأنبياء عليهم السلام { وجعلنا فى ذريتهما } أولادهما { ~~النبوة والكتب } الوحي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الخط ~~بالقلم. يقال: كتب كتابا وكتابة { فمنهم } فمن الذرية أو من المرسل ~~إليهم وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين { مهتد وكثير ~~منهم فسقون } هذا تفصيل لحالهم أي فمنهم من اهتدى باتباع ~~الرسل، ومنهم من فسق أي خرج عن الطاعة والغلبة للفساق. # { ثم قفينا على ءاثرهم } أي نوح وإبراهيم ومن مضى من ~~الأنبياء { برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وءاتينه الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه ~~رأفة } مودة ولينا { ورحمة } تعطفا على إخوانهم كما قال في ~~صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم # رحماء بينهم # [الفتح: 29] { ورهبانية } هي ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة ~~في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة وهي الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو ~~الخائف. فعلان من رهب كخشيان من خشي. # وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره وابتدعوا رهبانية { ~~ابتدعوها } أي أخرجوها من عند أنفسهم ونذروها { ما كتبنها ~~عليهم } لم نفرضها نحن عليهم { إلا ابتغاء رضون الله } ~~استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله { فما رعوها ~~حق رعايتها } كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا ms1431 ~~يحل نكثه { فئاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم } أي ~~أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام و الذين آمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم { وكثير منهم فسقون } الكافرون. # { يأيها الذين ءامنوا } الخطاب لأهل الكتاب { اتقوا ~~الله وءامنوا برسوله } محمد صلى الله عليه وسلم { يؤتكم ~~} الله { كفلين } نصيبين { من رحمته } لإيمانكم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وإيمانكم بمن قبله { ويجعل لكم } يوم القيامة { ~~نورا تمشون به } وهو النور المذكور في قوله # يسعى نورهم # الآية { ويغفر لكم } ذنوبكم { والله غفور رحيم ~~لئلا يعلم } ليعلم { أهل الكتب } الذين لم يسلموا و ~~«لا» مزيدة { ألا يقدرون } «أن» مخففة من الثقيلة أصله أنه لا ~~يقدرون يعني أن الشأن لا يقدرون { على شىء من فضل الله } أي ~~لا ينالون شيئا مما ذكر من فضل الله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم ~~لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ~~ولم يكسبهم فضلا قط { وأن الفضل } عطف على { أن لا يقدرون ~~} { بيد الله } أي في ملكه وتصرفه { يؤتيه من يشاء } من ~~عباده { والله ذو الفضل العظيم } ، والله أعلم. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-7] # { قد سمع الله قول التى تجادلك } تحاورك وقرىء بها، ~~وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة رآها وهي تصلي وكانت ~~حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت فغضب فظاهر منها فأتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ~~ونثرت بطني أي كثر ولدي جعلني عليه كأمه. وروي أنها قالت: إن لي ~~صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا. فقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما عندي في أمرك شيء " # وروي أنه قال لها: # " حرمت عليه " # فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقا وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي. ~~فقال: حرمت عليه فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فكلما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " حرمت عليه " # هتفت وشكت فنزلت { فى زوجها } في شأنه ومعناه { وتشتكى ms1432 إلى ~~الله } تظهر ما بها من المكروه { والله يسمع تحاوركما } ~~مراجعتكما الكلام من حار إذا رجع { إن الله سميع } يسمع شكوى ~~المضطر { بصير } بحاله { الذين يظهرون } عاصم { يظهرون ~~}: حجازي وبصري غيرهم { يظهرون } وفي { منكم } توبيخ للعرب لأنه ~~كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم { من نسائهم } ~~زوجاتهم { ما هن أمهتهم } أمهاتهم المفضل، الأول حجازي ~~والثاني تميمي { إن أمهتهم إلا اللائى ولدنهم } ~~يريد أن الأمهات على الحقيقة الوالدات والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة ~~الرضاع، وكذا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيادة حرمتهن، وأما ~~الزوجات فأبعد شيء من الأمومة فلذا قال { وإنهم ليقولون ~~منكرا من القول } تنكره الحقيقة والأحكام الشرعية { وزورا } ~~وكذبا باطلا منحرفا عن الحق { وإن الله لعفو غفور } ~~لما سلف منهم. # { والذين يظهرون من نسائهم } بين في الآية الأولى أن ~~ذلك من قائله منكر وزور، وبين في الثانية حكم الظهار { ثم يعودون ~~لما قالوا } العود الصيرورة ابتداء أو بناء فمن الأول قوله تعالى: # حتى عاد كالعرجون القديم # [يس: 39]. ومن الثاني: # وإن عدتم عدنا # [الإسراء: 8] ويعدى بنفسه كقولك: عدته إذا أتيته وصرت إليه، وبحرف الجر ~~ب «إلى» وعلى وفي واللام كقوله: # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] ومنه { ثم يعودون لما قالوا } أي يعودون لنقض ~~ما قالوا أو لتداركه على حذف المضاف، وعن ثعلبة: يعودون لتحليل ما حرموا ~~على حذف المضاف أيضا غير أنه أراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ ~~الظهار تنزيلا للقول منزلة المقول فيه كقوله # ونرثه ما يقول # [مريم: 80] أراد المقول فيه وهو المال والولد. # ثم اختلفوا أن النقض بماذا يحصل؟ فعندنا بالعزم على الوطء وهو قول ابن ~~عباس والحسن وقتادة، وعند الشافعي بمجرد الإمساك وهو أن لا يطلقها عقيب ~~الظهار. # { فتحرير رقبة } فعليه اعتاق رقبة مؤمنة أو كافرة ولم يجز ~~المدبر وأم الولد والمكاتب الذي أدى شيئا { من قبل أن يتماسا ~~} الضمير يرجع إلى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها. والمماسة ~~الاستمتاع بها من جماع أو لمس بشهوة أو نظر ms1433 إلى فرجها بشهوة { ذلكم } ~~الحكم { توعظون به } لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية ~~فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله ~~عليه { والله بما تعملون خبير } والظهار أن يقول الرجل ~~لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وإذا وضع موضع أنت عضوا منها يعبر به عن ~~الجملة أو مكان الظهر عضوا آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ، ~~أو مكان الأم ذات رحم محرم منه بنسب أو رضاع أو صهر أو جماع نحو أن يقول: ~~أنت علي كظهر أختي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو امرأة ابني، أو أبي ~~أو أم امرأتي أو ابنتها فهو مظاهر، وإذا امتنع المظاهر من الكفارة للمرأة ~~أن ترافعه، وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه، ولا شيء من ~~الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأنه يضر بها في ترك التكفير. ~~والامتناع من الاستمتاع فإن مس قبل أن يكفر استغفر الله ولا يعود حتى ~~يكفر، وإن أعتق بعض الرقبة ثم مس عليه أن يستأنف عند أبي حنيفة رضي الله ~~عنه. # { فمن لم يجد } الرقبة { فصيام شهرين } فعليه صيام ~~شهرين { متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم ~~يستطع } الصيام { فإطعام } فعليه إطعام { ستين مسكينا } ~~لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من غيره، ويجب أن يقدمه على المسيس ولكن ~~لا يستأنف إن جامع في خلال الإطعام { ذلك } البيان والتعليم للأحكام { ~~لتؤمنوا } لتصدقوا { بالله ورسوله } في العمل بشرائعه ~~التي شرعها من الظهار وغيره ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم { وتلك } ~~أي الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة { حدود الله } التي لا ~~يجوز تعديها { وللكفرين } الذين لا يتبعونها { عذاب أليم ~~} مؤلم { إن الذين يحادون الله ورسوله } يعادون ~~ويشاقون { كبتوا } أخزوا وأهلكوا { كما كبت الذين من ~~قبلهم } من أعداء الرسل { وقد أنزلنا ءايت بينت } ~~تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به { وللكفرين } بهذه الآيات { ~~عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم { يوم يبعثهم } منصوب ب ~~{ مهين } أو بإضمار «اذكر» تعظيما ms1434 لليوم { الله جميعا } كلهم ~~لا يترك منهم أحدا غير مبعوث أو مجتمعين في حال واحدة { فينبئهم ~~بما عملوا } تخجيلا لهم وتوبيخا وتشهيرا بحالهم يتمنون عنده ~~المسارعة بهم إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد { ~~أحصه الله } أحاط به عددا لم يفته منه شيء { ونسوه } لأنهم ~~تهاونوا به حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور { والله على ~~كل شىء شهيد } لا يغيب عنه شيء. # { ألم تر أن الله يعلم ما فى السموت وما فى ~~الأرض ما يكون } من «كان» التامة أي ما يقع { من نجوى ~~ثلثة } النجوى التناجي وقد أضيفت إلى ثلاثة أي من نجوى ثلاثة نفر { ~~إلا هو } أي الله { رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم ولا أدنى } ولا أقل { من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم } يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه وقد ~~تعالى عن المكان علوا كبيرا وتخصيص الثلاثة والخمسة لأنها نزلت في ~~المنافقين وكانوا يتحلقون للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين. ~~وقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا ~~والله معهم يسمع ما يقولون، ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل ~~الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدا إلى خمسة إلى ستة إلى ما ~~اقتضته الحال، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال: { ولا أدنى من ~~ذلك } فدل على الاثنين والأربعة، وقال { ولا أكثر } فدل على ما ~~يقارب هذا العدد { أين ما كانوا ثم ينبئهم بما ~~عملوا يوم القيمة } فيجازيهم عليه { إن الله بكل ~~شىء عليم }. ### || [58.8-22] # { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم ~~يعودون لما نهوا عنه ويتنجون بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول } كانت اليهود والمنافقون ~~يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين ويريدون أن ~~يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا، ~~فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما ~~هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته، { وينتجون } حمزة ~~وهو بمعنى الأول { وإذا جاءوك حيوك ms1435 بما لم يحيك به ~~الله } يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد. والسام الموت ~~والله تعالى يقول # وسلم على عباده الذين اصطفى # النمل: 59)، # يأيها الرسول # [المائدة: 67]، # يأيها النبى # [الأحزاب: 1] { ويقولون فى أنفسهم لولا يعذبنا ~~الله بما نقول } أي يقولون فيما بينهم لو كان نبيا لعاقبنا الله ~~بما نقوله فقال الله تعالى { حسبهم جهنم } عذابا { ~~يصلونها } حال أي يدخلونها { فبئس المصير } المرجع جهنم. # { يأيها الذين ءامنوا } بألسنتهم وهو خطاب للمنافقين والظاهر ~~أنه خطاب للمؤمنين { إذا تناجيتم فلا تتنجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول } أي إذا تناجيتم فلا تشبهوا ~~باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر { وتنجوا بالبر } بأداء ~~الفرائض والطاعات { والتقوى } وترك المعاصي { واتقوا الله ~~الذى إليه تحشرون } للحساب فيجازيكم بما تتناجون به من خير ~~أو شر { إنما النجوى } بالإثم والعدوان { من الشيطن } ~~من تزيينه { ليحزن } أي الشيطان وبضم الياء: نافع { الذين ~~ءامنوا وليس } الشيطان أو الحزن { بضارهم شيئا إلا ~~بإذن الله } بعلمه وقضائه وقدره { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أي يكلون أمرهم إلى الله ويستعيذون به ~~من الشيطان. # { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى ~~المجلس } (في المجلس) توسعوا فيه، { فى المجلس } عاصم ~~ونافع والمراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يتضامون فيه ~~تنافسا على القرب منه وحرصا على استماع كلامه. وقيل: هو المجلس من ~~مجالس القتال وهي مراكز الغزاة كقوله # مقاعد للقتال # [آل عمران: 121]. مقاتل في صلاة الجمعة { فافسحوا } فوسعوا { ~~يفسح الله لكم } مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من ~~المكان والرزق والصدر والقبر غير ذلك { وإذا قيل انشزوا } انهضوا ~~للتوسعة على المقبلين، أو انهضوا عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا أمرتم بالنهوض عنه، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير { ~~فانشزوا } بالضم فيهما: مدني وشامي وعاصم غير حماد { يرفع ~~الله الذين ءامنوا منكم } بامتثال أوامره وأوامر رسوله { ~~والذين أوتوا العلم } والعالمين منهم خاصة { درجت ~~والله بما تعملون خبير } وفي الدرجات قولان: أحدهما في ~~الدنيا في المرتبة والشرف، والآخر في الآخرة. # وعن ابن ms1436 مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس ~~افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " # وعنه صلى الله عليه وسلم: # " عبادة العالم يوما واحدا تعدل عبادة العابد أربعين سنة " # وعنه صلى الله عليه وسلم # " يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء " # فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم! وعن ابن عباس رضي الله عنهما: خير سليمان عليه السلام بين ~~العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم " # وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من ~~أدرك العلم. وعن الزبيري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال، والعلوم ~~أنواع فأشرها أشرفها معلوما. # { يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول } إذا ~~أردتم مناجاته { فقدموا بين يدى نجوكم صدقة } أي قبل ~~نجواكم وهي استعارة ممن له يدان كقول عمر رضي الله عنه: من أفضل ما أوتيت ~~العرب الشعر يقدمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم ~~يريد قبل حاجته { ذلك } التقديم { خير لكم } في دينكم { ~~وأطهر } لأن الصدقة طهرة { فإن لم تجدوا } ما تتصدقون به { ~~فإن الله غفور رحيم } في ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل: ~~كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار ثم نسخ. وقال ~~علي رضي الله عنه: هذه آية من كتاب الله ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل ~~بها أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وسألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر مسائل فأجابني عنها. قلت: يا رسول الله ~~ما الوفاء؟ قال: # " التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " # قلت: وما الفساد؟ قال: # " الكفر والشرك بالله " # قلت: وما الحق؟ قال: # " الإسلام ms1437 والقرآن والولاية إذا انتهت إليك " # قلت: وما الحيلة؟ قال: # " ترك الحيلة " # قلت: وما علي؟ قال: # " طاعة الله وطاعة رسوله " # قلت: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال: # " بالصدق واليقين " # قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: # " العافية " # قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: # " كل حلالا وقل صدقا " # قلت: وما السرور؟ قال: # " الجنة " # قلت: وما الراحة؟ قال: # " لقاء الله " # فلما فرغت منها نزل نسخها. # { ءأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجوكم صدقت ~~} أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه { فإذ لم ~~تفعلوا } ما أمرتم به وشق عليكم { وتاب الله عليكم } أي ~~خفف عنكم وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة كما أزال ~~المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه { فأقموا الصلوة وءاتوا ~~الزكوة وأطعوا الله ورسوله } أي فلا تفرطوا في الصلاة ~~والزكاة وسائر الطاعات { والله خبير بما تعملون } وهذا وعد ~~ووعيد. # { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم } كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في ~~قوله # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] وينقلون إليهم أسرار المؤمنين { ما هم منكم } يا ~~مسلمون { ولا منهم } ولا من اليهود كقوله: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء # [النساء: 143] { ويحلفون على الكذب } أي يقولون والله إنا ~~لمسلمون لا منافقون { وهم يعلمون } أنهم كاذبون منافقون { ~~أعد الله لهم عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما { ~~إنهم ساء ما كانوا يعملون } أي إنهم كانوا في الزمان ~~الماضي مصرين على سوء العمل أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. # { اتخذوا أيمنهم } الكاذبة { جنة } وقاية دون أموالهم ~~ودمائهم { فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم { عن سبيل ~~الله } عن طاعته والإيمان به { فلهم عذاب مهين } وعدهم ~~العذاب المخزي لكفرهم وصدهم كقوله # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم ~~عذابا فوق العذاب # [النحل: 88] { لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم ~~من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من الإغناء { أولئك ~~أصحب النار هم فيها خلدون يوم يبعثهم ~~الله جميعا فيحلفون له } أي لله في الآخرة أنهم كانوا ~~مخلصين في ms1438 الدنيا غير منافقين { كما يحلفون لكم } في الدنيا ~~على ذلك { ويحسبون أنهم } في الدنيا { على شىء } من ~~النفع أو يحسبون أنهم على شيء من النفع ثم بأيمانهم الكاذبة كما انتفعوا ~~ههنا { ألا إنهم هم الكذبون } حيث استوت حالهم فيه في ~~الدنيا والآخرة. # { استحوذ عليهم الشيطن } استولى عليهم { فأنسهم ~~ذكر الله } قال شاه الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد أن ~~يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر ~~في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب ~~والغيبة والبهتان، ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها { ~~أولئك حزب الشيطن } جنده { ألا إن حزب ~~الشيطن هم الخسرون }. # { إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك فى ~~الأذلين } في جملة من هو أذل خلق الله تعالى لا ترى أحدا أذل منهم { ~~كتب الله } في اللوح { لأغلبن أنا ورسلى } بالحجة ~~والسيف أو بأحدهما { إن الله قوى } لا يمتنع عليه ما يريد { ~~عزيز } غالب غير مغلوب. # { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون } هو مفعول ثان ل { تجد } أو حال أو صفة ل { قوما } ~~وتجد بمعنى تصادف على هذا { من حاد الله } خالفه وعاداه { ~~ورسوله } أي من الممتنع أن تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين، ~~والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في ~~الزجر عن مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم. ~~وزاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله { ولو كانوا ءاباءهم أو ~~أبناءهم أو إخونهم أو عشيرتهم } وبقوله { ~~أولئك كتب فى قلوبهم الإيمن } أي أثبته فيها وبمقابلة ~~قوله { أولئك حزب الشيطن } بقوله { أولئك حزب ~~الله } { وأيدهم بروح منه } أي بكتاب أنزله فيه حياة ~~لهم، ويجوز أن يكون الضمير للإيمان أي بروح من الإيمان على أنه في نفسه ~~روح لحياة القلوب به. وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن ~~يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي رواد أنه لقيه المنصور فلما عرفه ~~هرب منه وتلاها. وقال سهل: من صحح إيمانه وأخلص توحيده ms1439 فإنه لا يأنس ~~بمبتدع ولا يجالسه ويظهر له من نفسه العداوة، ومن داهن مبتدعا سلبه الله ~~حلاوة السنن، ومن أجاب مبتدعا لطلب عز الدنيا أو غناها أذله الله بذلك ~~العز وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من ~~قلبه، ومن لم يصدق فليجرب. { ويدخلهم جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها رضى الله عنهم } ~~بتوحيدهم الخالص وطاعتهم { ورضوا عنه } بثوابه الجسيم في الآخرة ~~أو بما قضى عليهم في الدنيا { أولئك حزب الله } أنصار حقه ~~ودعاة خلقه { ألا إن حزب الله هم المفلحون } الباقون ~~في النعيم المقيم الفائزون بكل محبوب الآمنون من كل مرهوب. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-10] # { سبح لله ما فى السموت وما فى الأرض وهو ~~العزيز الحكيم } روي أن هذه السورة نزلت بأسرها في بني النضير، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة صالح بنو النضير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر ~~قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة، فلما هزم المسلمون يوم أحد ~~ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة فحالف أبا ~~سفيان عند الكعبة فأمر صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل ~~كعبا غيلة، ثم خرج صلى الله عليه وسلم مع الجيش إليهم فحاصرهم إحدى ~~وعشرين ليلة وأمر بقطع نخيلهم، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم طلبوا ~~الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما ~~شاءوا من متاعهم، فجلوا إلى الشام إلى أريحاء وأذرعات. # { هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتب } ~~يعني يهود بني النضير { من ديرهم } بالمدينة. واللام في { ~~لأول الحشر } تتعلق ب { أخرج } وهي اللام في قوله تعالى # يليتنى قدمت لحياتى # [الفجر: 24] وقولك جئته لوقت كذا. أي أخرج الذين كفروا عند أول الحشر. ~~ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشأم وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء ~~قط، وهم أول من أخرج من ms1440 أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشأم، أو هذا أول ~~حشرهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو آخر حشرهم حشر ~~يوم القيامة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: من شك أن المحشر بالشأم ~~فليقرأ هذه الآية، فهم الحشر الأول وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خرجوا # " امضوا فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر " # قتادة: إذا كان آخر الزمان جاءت نار من قبل المشرق فحشرت الناس إلى أرض ~~الشأم وبها تقوم عليهم القيامة. وقيل: معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما ~~حشر لقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما ~~ظننتم أن يخرجوا } لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة ~~عددهم وعدتهم { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله } أي ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب ~~وبين النظم الذي جاء عليه أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط ~~وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسما ل«أن» وإسناد ~~الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي ~~معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغازاتهم، وليس ذلك في قولك «وظنوا أن ~~حصونهم تمنعهم». # { فأتهم الله } أي أمر الله وعقابه وفي الشواذ «فآتاهم الله» ~~أي فآتاهم الهلاك { من حيث لم يحتسبوا } من حيث لم يظنوا ~~ولم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه رضاعا. # { وقذف فى قلوبهم الرعب } الخوف { يخربون ~~بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } { يخربون } ~~أبو عمرو. والتخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم، والخربة الفساد ~~وكانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها لما أراد الله من استئصال ~~شأفتهم وأن لا تبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى ~~التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة، وأن لا ~~يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان ~~في أبنيتهم من جيد الخشب والساج. وأما المؤمنون فداعيهم إلى التخريب ~~إزالة متحصنهم وأن ms1441 يتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم لها بأيدي ~~المؤمنين أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم ~~أمروهم به وكلفوهم إياه { فاعتبروا يأولى الأبصر } أي ~~فتأملوا فيما نزل بهؤلاء والسبب الذي استحقوا به ذلك فاحذروا أن تفعلوا ~~مثل فعلهم فتعاقبوا بمثل عقوبتهم، وهذا دليل على جواز القياس { ولولا ~~أن كتب الله عليهم الجلاء } الخروج من الوطن مع الأهل ~~والولد { لعذبهم فى الدنيا } بالقتل والسبي كما فعل ببني ~~قريظة { ولهم } سواء أجلوا أو قتلوا { فى الآخرة عذاب ~~النار } الذي لا أشد منه { ذلك بأنهم } أي إنما أصابهم ذلك ~~بسبب أنهم { شاقوا الله } خالفوه { ورسوله ومن يشاق ~~الله } ورسوله { فإن الله شديد العقاب }. # { ما قطعتم من لينة } هو بيان ل { ما قطعتم } ومحل ~~«ما» نصب ب { قطعتم } كأنه قيل: أي شيء قطعتم وأنث الضمير الراجع ~~إلى ما في قوله { أو تركتموها } لأنه في معنى اللينة، واللينة: ~~النخلة من الألوان وياؤها عن واو قلبت لكسرة ما قبلها. وقيل: اللينة ~~النخلة الكريمة كأنهم اشتقوها من اللين { قائمة على أصولها ~~فبإذن الله } فقطعها وتركها بإذن الله { وليخزى ~~الفسقين } وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها { وما أفاء ~~الله على رسوله } جعله فيئا له خاصة { منهم } من بني ~~النضير { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } فلم ~~يكن ذلك بإيجاف خيل أو ركاب منكم على ذلك والركاب الإبل، والمعنى فما ~~أوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلا ولا ركابا ولا تعبتم في القتال عليه، ~~وإنما مشيتم إليه على أرجلكم لأنه على ميلين من المدينة، وكان صلى الله ~~عليه وسلم على حمار فحسب { ولكن الله يسلط رسله على ~~من يشاء } يعني أن ما خول الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم ~~تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان ~~يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه ~~قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا فقسمها بين المهاجرين ~~ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة منهم لفقرهم { والله على ms1442 كل شيء ~~قدير ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ~~فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى ~~والمسكين وابن السبيل } وإنما لم يدخل العاطف على هذه ~~الجملة لأنها بيان للأولى فهي منها غير أجنبية عنها، بين لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس ~~من الغنائم مقسوما على الأقسام الخمسة، وزيف هذا القول بعض المفسرين ~~وقال: الآية الأولى نزلت في أموال بني النضير وقد جعلها الله لرسوله ~~خاصة، وهذه الآية في غنائم كل قرية تؤخذ بقوة الغزاة، وفي الآية بيان ~~مصرف خمسها فهي مبتدأة { كى لا يكون دولة } { تكون دولة } ~~يزيد على «كان» التامة والدولة والدولة ما يدول للإنسان أي يدور من الجد. # ومعنى قوله { لا يكون دولة } { بين الأغنياء منكم } ~~كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطي الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها ~~جدا بين الأغنياء يتكاثرون به { وما ءاتكم الرسول } أي ~~أعطاكم من قسمة غنيمة أو فيء { فخذوه } فاقبلوه { وما نهكم ~~عنه } عن أخذه منها { فانتهوا } عنه ولا تطلبوه { واتقوا ~~الله } أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه { أن الله شديد ~~العقاب } لمن خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأجود أن يكون ~~عاما في كل ما آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وأمر الفيء ~~داخل في عمومه. # { للفقراء } بدل من قوله { ولذى القربى } والمعطوف عليه، ~~والذي منع الإبدال من { لله وللرسول } وإن كان المعنى لرسول ~~الله إن الله عز وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله # وينصرون الله ورسوله # وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ ~~من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل { المهجرين الذين ~~أخرجوا من ديرهم وأمولهم } بمكة، وفيه دليل على أن ~~الكفار يملكون بالاستيلاء أموال المسلمين لأن الله تعالى سمى المهاجرين ~~فقراء مع أنه كانت لهم ديار وأموال { يبتغون } حال { فضلا من ~~الله ورضوانا } أي يطلبون الجنة ورضوان الله { وينصرون الله ~~ورسوله } أي ينصرون دين الله ويعينون رسوله ms1443 { أولئك هم ~~الصدقون } في إيمانهم وجهادهم { والذين } معطوف على ~~المهاجرين وهم الأنصار { تبوءوا الدار } توطنوا المدينة { ~~والإيمن } وأخلصوا الإيمان كقوله: # علفتها تبنا وماء باردا # أو وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم لتمكنهم واستقامتهم عليه كما ~~جعلوا المدينة كذلك، أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف ~~في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه ~~مقامه. # { من قبلهم } من قبل المهاجرين لأنهم سبقوهم في تبوء دار الهجرة ~~والإيمان. وقيل: من قبل هجرتهم { يحبون من هاجر إليهم } ~~حتى شاطروهم أموالهم وأنزلوهم منازلهم، ونزل من كانت له امرأتان عن ~~إحديهما حتى تزوج بها رجل من المهاجرين. # { ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا } ولا ~~يعلمون في أنفسهم طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره ~~والمحتاج إليه يسمي حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى ~~شيء منه تحتاج إليه. وقيل: حاجة حسدا مما أعطي المهاجرون من الفيء حيث ~~خصهم النبي صلى الله عليه وسلم به. وقيل: لا يجدون في صدورهم مس حاجة من ~~فقد ما أوتوا فحذف المضافان { ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة } فقر وأصلها خصاص البيت وهي فروجه، والجملة في ~~موضع الحال أي مفروضة خصاصتهم. روي أنه نزل برجل منهم ضيف فنوم الصبية ~~وقرب الطعام وأطفأ المصباح ليشبع ضيفه ولا يأكل هو. وعن أنس: أهدى ~~لبعضهم رأس مشوي وهو مجهود فوجهه إلى جاره فتداولته تسعة أنفس حتى عاد ~~إلى الأول. أبو زيد قال لي شاب من أهل بلخ: ما الزهد عندكم؟ قلت: إذا ~~وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال: هكذا عندنا كلاب بلخ بل إذا فقدنا ~~صبرنا وإذا وجدنا آثرنا { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } الظافرون بما أرادوا.الشح اللؤم وأن تكون نفس الرجل كزة ~~حريصة على المنع، وأما البخل فهو المنع نفسه. وقيل: الشح أكل مال أخيك ~~ظلما، والبخل منع مالك. وعن كسرى: الشح أضر من الفقر لأن الفقير يتسع ~~إذا وجد بخلاف الشحيح. # { والذين جاءوا من بعدهم ms1444 } عطف أيضا على { ~~المهجرين } وهم الذين هاجروا من بعده. وقيل: التابعون بإحسان. ~~وقيل: من بعدهم إلى يوم القيامة. قال عمر رضي الله عنه: دخل في هذا الفيء ~~كل من هو مولود إلى يوم القيامة في الإسلام، فجعل الواو للعطف فيهما. ~~وقرىء { للذين } فيهما { يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخوننا الذين سبقونا بالإيمن } قيل: هم المهاجرون ~~والأنصار. عن عائشة رضي الله عنها: أمروا بأن يستغفروا لهم فسبوهم { ~~ولا تجعل فى قلوبنا غلا } حقدا { للذين ءامنوا } ~~يعني الصحابة { ربنا إنك رءوف رحيم } وقيل لسعيد بن ~~المسيب: ما تقول في عثمان وطلحة والزبير؟ قال: أقول ما قولنيه الله وتلى ~~هذه الآية. ثم عجب نبيه بقوله: ### || [59.11-24] # { ألم تر إلى الذين نفقوا } أي ألم تر يا محمد إلى عبد ~~الله بن أبي وأشياعه { يقولون لإخوانهم الذين كفروا ~~من أهل الكتب } يعني بني النضير والمراد إخوة الكفر { لئن ~~أخرجتم } من دياركم { لنخرجن معكم } روي أن ابن أبي ~~وأصحابه دسوا إلى بني النضير حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا ~~تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن أخرجتم لنخرجن ~~معكم { ولا نطيع فيكم } في قتالكم { أحدا أبدا } من رسول ~~الله والمسلمين إن حملنا عليه أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة ~~{ وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم ~~لكذبون } في مواعيدهم لليهود، وفيه دليل على صحة النبوة لأنه ~~إخبار بالغيب. # { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبر ثم ~~لا ينصرون } إنما قال { ولئن نصروهم } بعد الإخبار بأنهم ~~لا ينصرونهم على الفرض والتقدير كقوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] وكما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون. ~~والمعنى ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ~~ذلك أي يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو لينهزمن اليهود ثم ~~لا ينفعهم نصرة المنافقين { لأنتم أشد رهبة } أي أشد مرهوبية. ~~مصدر رهب المبني للمفعول. وقوله { فى صدورهم } دلالة على نفاقهم ~~يعني أنهم ms1445 يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم { من ~~الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } لا يعلمون الله ~~وعظمته حتى يخشوه حق خشيته { لا يقتلونكم } لا يقدرون على ~~مقاتلتكم { جميعا } مجتمعين يعني اليهود والمنافقين { إلا } كائنين { ~~فى قرى محصنة } بالخنادق والدروب { أو من وراء جدر } ~~{ جدار } مكي وأبو عمرو { بأسهم بينهم شديد } يعني أن البأس ~~الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا ولو قاتلوكم لم يبق لهم ~~ذلك البأس والشدة لأن الشجاع يجبن عند محاربة الله ورسوله { تحسبهم ~~} أي اليهود والمنافقين { جميعا } مجتمعين ذوي ألفة واتحاد { ~~وقلوبهم شتى } متفرقة لا ألفة بينها يعني أن بينهم إحنا ~~وعداوات فلا يتعاضدون حق التعاضد، وهذا تحسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم ~~على قتالهم { ذلك } التفرق { بأنهم قوم لا يعقلون } ~~أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم. # { كمثل الذين من قبلهم } أي مثلهم كمثل أهل بدر فحذف ~~المبتدأ { قريبا } أي استقروا من قبلهم زمنا قريبا { ذاقوا ~~وبال أمرهم } سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قولهم كلأ وبيل وخيم سيء العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في ~~الدنيا { ولهم عذاب أليم } أي ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب ~~النار { كمثل الشيطن إذ قال للإنسن اكفر ~~فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب ~~العلمين } أي مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم ~~إياهم النصر، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان ~~بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة. # وقيل: المراد استغواؤه قريشا يوم بدر وقوله لهم { لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم } إلى قوله # إني برىء منكم # [الأنفال: 48] { فكان عقبتهما } عاقبة الإنسان الكافر ~~والشيطان { أنهما فى النار خلدين فيها } { ~~عقبتهما } خبر «كان» مقدم و«أن» مع اسمها وخبرها أي في النار في ~~موضع الرفع على الاسم و { خلدين } حال { وذلك جزاء ~~الظلمين يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } في ~~أوامره فلا تخالفوها { ولتنظر نفس } نكر النفس تقليلا للأنفس ~~النواظر فيما قدمن للآخرة ms1446 { ما قدمت لغد } يعني يوم القيامة ~~سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له أو عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا ~~والآخرة نهاران يوم وغد. وتنكيره لتعظيم أمره أي لغد لا يعرف كنهه لعظمه. ~~وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة وجدنا ما عملنا ربحنا ما قدما ~~خسرنا ما خلفنا. { واتقوا الله } كرر الأمر بالتقوى تأكيدا أو ~~اتقوا الله في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل، واتقوا الله في ترك ~~المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد وهو { إن الله خبير ~~بما تعملون } وفيه تحريض على المراقبة لأن من علم وقت فعله أن ~~الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه { ولا تكونوا ~~كالذين نسوا الله } تركوا ذكر الله عز وجل وما أمرهم به { ~~فأنسهم أنفسهم } فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق { ~~أولئك هم الفسقون } الخارجون عن طاعة الله. # { لا يستوى أصحب النار وأصحب الجنة ~~أصحب الجنة هم الفائزون } هذا تنبيه للناس وإيذان ~~بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة ~~واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم ~~بين أصحابهما وأن الفوز العظيم مع أصحاب الجنة والعذاب الأليم مع أصحاب ~~النار، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه كما تقول لمن يعق أباه «هو ~~أبوك» تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي ~~البر والتعطف. وقد استدلت الشافعية بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل ~~بالكافر، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالاستيلاء، وقد أجبنا عن مثل ~~هذا في أصول الفقه والكافي. # { لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته ~~خشعا متصدعا من خشية الله } أي من شأن القرآن وعظمته ~~أنه لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع أي لخضع وتطأطأ وتصدع ~~أي تشقق من خشية الله، وجائز أن يكون هذا تمثيلا كما في قوله # إنا عرضنا الأمانة # [الأحزاب: 72] ويدل عليه قوله { وتلك الأمثل نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون } وهي إشارة إلى هذا المثل وإلى ~~أمثاله في مواضع ms1447 من التنزيل، والمراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة ~~تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره. ثم رد على من أشرك وشبهه ~~بخلقه فقال { هو الله الذى لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهدة } أي السر والعلانية أو الدنيا والآخرة أو ~~المعدوم والموجود { هو الرحمن الرحيم هو الذى لا ~~إله إلا هو الملك } الذي لا يزول ملكه { القدوس } ~~المنزه عن القبائح وفي تسبيح الملائكة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح { ~~السلم } الذي سلم الخلق من ظلمه عن الزجاج { المؤمن } واهب ~~الأمن. وعن الزجاج: الذي آمن الخلق من ظلمه أو المؤمن من عذابه من أطاعه ~~{ المهيمن } الرقيب على كل شيء الحافظ له مفيعل من الأمن إلا أن ~~همزته قلبت هاء { العزيز } الغالب غير المغلوب { الجبار } ~~العالي العظيم الذي يذل له من دونه أو العظيم الشأن في القدرة والسلطان ~~أو القهار ذو الجبروت { المتكبر } البليغ الكبرياء والعظمة { ~~سبحن الله عما يشركون } نزه ذاته عما يصفه به المشركون ~~{ هو الله الخلق } المقدر لما يوجده { البارىء } الموجد { ~~المصور } في الأرحام { له الأسماء الحسنى } الدالة على ~~الصفات العلا { يسبح له ما فى السموت والأرض وهو ~~العزيز الحكيم } ختم السورة بما بدأ به. عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاسم الأعظم: فقال # " عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته " # فأعدت عليه فأعاد علي فأعدت عليه فأعاد علي. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-5] # روي أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتجهز للفتح فقال لها: أمسلمة جئت؟ ~~قالت: لا. قال: أفمهاجرة جئت؟ قالت: لا. قال: فما جاء بك؟ قالت: احتجت ~~حاجة شديدة فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب ~~بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا واستحملها كتابا إلى أهل ~~مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة اعلموا أن رسول الله يريدكم ~~فخذوا حذركم. فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر فبعث رسول الله ms1448 صلى الله عليه ~~وسلم عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وكانوا ~~فرسانا وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من ~~حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها ~~فجحدت وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته ~~من عقاص شعرها. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم ~~الفتح إلا أربعة هي أحدهم، فاستحضر برسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ~~وقال: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ ~~نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت أمرأ ملصقا في قريش ولم أكن ~~من أنفسها، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم ~~وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا وقد علمت أن ~~الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه وقبل عذره. ~~فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال صلى ~~الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر رضي الله عنه فنزل. # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى ~~وعدوكم أولياء } عدي «اتخذ» إلى مفعوليه وهما { عدوى } و { ~~أولياء } والعدو فعول من عدا كعفو من عفا ولكنه على زنة المصدر، ~~أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد، وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم ~~الإيمان { تلقون } حال من الضمير في { لا تتخذوا } والتقدير ~~لا تتخذوهم أولياء ملقين { إليهم بالمودة } أو مستأنف بعد ~~وقف على التوبيخ. والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم. ~~والباء في { بالمودة } زائدة مؤكدة للتعدي كقوله: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195] أو ثابتة على أن مفعول { تلقون } محذوف معناه تلقون ~~إليهم أخبار رسول الله صلى الله ms1449 عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم ~~{ وقد كفروا } حال من { لا تتخذوا } أو من { تلقون } ~~أي لا تتولوهم أو توادونهم وهذه حالهم { بما جاءكم من الحق } ~~دين الإسلام والقرآن { يخرجون الرسول وإيكم } استئناف ~~كالتفسير لكفرهم وعتوهم أو حال من { كفروا } { أن تؤمنوا } ~~تعليل ل { يخرجون } أي يخرجونكم من مكة لإيمانكم { بالله ~~ربكم إن كنتم خرجتم } متعلق ب { لا تتخذوا } أي لا ~~تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. # وقول النحويين في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه { ~~جهادا فى سبيلى } مصدر في موضع الحال أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في ~~سبيلي { وابتغاء مرضاتى } ومبتغين مرضاتي { تسرون ~~إليهم بالمودة } أي تفضون إليهم بمودتكم سرا أو تسرون إليهم ~~أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة وهو استئناف { وأنا ~~أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } والمعنى أي طائل لكم في ~~أسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ~~ما تسرون { ومن يفعله } أي هذا الإسرار { منكم فقد ضل ~~سواء السبيل } فقد أخطأ طريق الحق والصواب. # { إن يثقفوكم } إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم { يكونوا لكم ~~أعداء } خالصي العداوة ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم { ~~ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } ~~بالقتل والشتم { وودوا لو تكفرون } وتمنوا لو ترتدون عن ~~دينكم فإذا موادة أمثالهم خطأ عظيم منكم. والماضي وإن كان يجري في باب ~~الشرط مجرى المضارع ففيه نكتة كأنه قيل: ودوا قبل كل شيء كفركم ~~وارتدادكم يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين من قتل ~~الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها لعلمهم أن ~~الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده ~~أن يقصد أهم شيء عند صاحبه. # { لن تنفعكم أرحمكم } قراباتكم { ولا أولدكم } ~~الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم ثم قال { ~~يوم القيمة يفصل بينكم } وبين أقاربكم وأولادكم # يوم يفر المرء من أخيه # [عبس: 34] الآية. فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفر منكم ms1450 غدا. ~~{ يفصل }: عاصم. { يفصل } حمزة وعلي والفاعل هو الله عز وجل { ~~يفصل } ابن ذكوان غيرهم { يفصل } { والله بما تعملون ~~بصير } فيجازيكم على أعمالكم. # { قد كانت لكم أسوة } قدوة في التبري من الأهل { حسنة ~~فى إبرهيم } أي في أقواله ولهذا استثنى منها إلا قول إبراهيم { ~~والذين معه } من المؤمنين وقيل: كانوا أنبياء { إذ قالوا ~~لقومهم إنا برءاؤا منكم } جمع بريء كظريف وظرفاء { ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة } بالأفعال { والبغضاء } ~~بالقلوب { أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } فحينئذ نترك ~~عداوتكم { إلا قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك } ~~وذلك لموعدة وعدها إياه أي اقتدوا به في أقواله ولا تأتسوا به في ~~الاستغفار لأبيه الكافر { وما أملك لك من الله من شىء } ~~أي من هداية ومغفرة وتوفيق، وهذه الجملة لا تليق بالاستثناء ألا ترى إلى ~~قوله: # قل فمن يملك لكم من الله شيئا # [الفتح: 11] ولكن المراد استثناء جملة قوله لأبيه والقصد إلى موعد ~~الاستغفار له وما بعده تابع له كأنه قال: أستغفر لك وما في طاقتي إلا ~~الاستغفار { ربنا عليك توكلنا } متصل بما قبل الاستثناء ~~وهو من جملة الأسوة الحسنة. وقيل: معناه قولوا ربنا فهو ابتداء أمر من ~~الله للمؤمنين بأن يقولوه { وإليك أنبنا } أقبلنا { وإليك ~~المصير } المرجع { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا } أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب { واغفر لنا ~~ربنا إنك أنت العزيز الحكيم } أي الغالب الحاكم. ### || [60.6-13] # { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الأخر } ثم كرر الحث على الائتساء بإبراهيم عليه ~~السلام وقومه تقريرا وتأكيدا عليهم، ولذا جاء به مصدرا بالقسم لأنه ~~الغاية في التأكيد، وأبدل من قوله { لكم } قوله { لمن كان يرجو ~~الله } أي ثوابه أي يخشى الله وعقبه بقوله { ومن يتول } يعرض ~~عن أمرنا ويوال الكفار { فإن الله هو الغنى } عن الخلق { ~~الحميد } المستحق للحمد فلم يترك نوعا من التأكيد إلا جاء به ولما ~~أنزلت هذه الآيات وتشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع ~~أقربائهم من المشركين أطمعهم في ms1451 تحول الحال إلى خلافة فقال: # { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم } أي من أهل مكة من أقربائكم { مودة } بأن يوفقهم للإيمان، ~~فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم فأسلم قومهم وتم بينهم التحاب. و ~~«عسى» وعد من الله على عادات الملوك حيث يقولون في بعض الحوائج عسى أو ~~لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك أو أريد به إطماع المؤمنين { ~~والله قدير } على تقليب القلوب وتحويل الأحوال وتسهيل أسباب ~~المودة { والله غفور رحيم } لمن أسلم من المشركين { لا ~~ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم فى الدين ~~ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم } تكرموهم ~~وتحسنوا إليهم قولا وفعلا. ومحل { أن تبروهم } جر على البدل من ~~{ الذين لم يقتلوكم } وهو بدل اشتمال والتقدير عن بر الذين ~~{ وتقسطوا إليهم } وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم، وإذا نهى ~~عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم { إن الله يحب ~~المقسطين إنما ينهكم الله عن الذين ~~قتلوكم فى الدين وأخرجوكم من ديركم ~~وظهروا على إخرجكم أن تولوهم } هو بدل من { ~~الذين قتلوكم } والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم ~~عن تولي هؤلاء { ومن يتولهم } منكم { فأولئك هم ~~الظلمون } حيث وضعوا التولي غير موضعه. # { يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنت } ~~سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن ~~بالامتحان { مهجرت } نصب على الحال { فامتحنوهن } ~~فابتلوهن بالنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. وعن ابن ~~عباس: امتحانها أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله { ~~الله أعلم بإيمنهن } منكم فإنكم وإن رزتم أحوالهن لا ~~تعلمون ذلك حقيقة وعند الله حقيقة العلم به { فإن علمتموهن ~~مؤمنت } العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بظهور الأمارات، ~~وتسمية الظن علما يؤذن بأن الظن الغالب وما يفضي إليه القياس جار مجرى ~~العلم وصاحبه غير داخل في قوله # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36] { فلا ترجعوهن إلى الكفار } فلا تردوهن ~~إلى أزواجهن المشركين. # { لا هن حل لهم ولا ms1452 هم يحلون لهن } أي لا حل ~~بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة { وءاتوهم ~~ما أنفقوا } وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور. نزلت ~~الآية بعد صلح الحديبية وكان الصلح قد وقع على أن يرد على أهل مكة من جاء ~~مؤمنا منهم، فأنزل الله هذه الآية بيانا لأن ذلك في الرجال لا في ~~النساء لأن المسلمة لا تحل للكافر. وقيل: نسخت هذه الآية الحكم الأول { ~~ولا جناح عليكم أن تنكحوهن } ثم نفى عنهم الجناح في ~~تزوج هؤلاء المهاجرات { ءاتيتموهن أجورهن } أي مهورهن لأن ~~المهر أجر البضع وبه احتج أبو حنيفة رضي الله عنه على أن لا عدة على ~~المهاجرة { ولا تمسكوا } { ولا تمسكوا } بصري { بعصم ~~الكوافر } العصمة ما يعتصم به من عقد وسبب. والكوافر جمع كافرة وهي ~~التي بقيت في دار الحرب أو لحقت بدار الحرب مرتدة أي لا يكن بينكم وبينهن ~~عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: من كانت له امرأة ~~كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه ~~{ وسئلوا ما أنفقتم } من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار ممن ~~تزوجها { وليسئلوا ما أنفقوا } من مهور نسائهم المهاجرات ~~ممن تزوجها منا { ذلكم حكم الله } أي جميع ما ذكر في هذه الآية ~~{ يحكم بينكم } كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف الضمير ~~أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكما على المبالغة وهو منسوخ فلم يبق سؤال ~~المهر لا منا ولا منهم { والله عليم حكيم وإن فاتكم ~~شىء من أزوجكم إلى الكفر } وإن انفلت أحد منهن إلى ~~الكفار وهو في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه أحد. # { فعقبتم } فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم عن الزجاج { ~~فأتوا الذين ذهبت أزوجهم مثل ما أنفقوا } ~~فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم ولحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من ~~هذه الغنيمة { واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون } ~~وقيل: هذا الحكم منسوخ أيضا. # { يأيها النبى إذا جاءك المؤمنت يبايعنك } ~~حال { على أن لا يشركن بالله شيئا ms1453 ولا يسرقن ~~ولا يزنين ولا يقتلن أولدهن } يريد وأد البنات { ~~ولا يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن } كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك، ~~كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها ~~كذبا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلده به بين ~~الرجلين { ولا يعصينك فى معروف } طاعة الله ورسوله { ~~فبايعهن واستغفر لهن الله } عما مضى { إن الله ~~غفور } بتمحيق ما سلف { رحيم } بتوفيق ما ائتنف. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من فتح مكة من بيعة ~~الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر قاعد أسفل منه يبايعهن عنه ~~بأمره ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعت بحمزة فقال عليه ~~السلام: # " أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا " # فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا فقال عليه السلام: # " ولا يسرقن " # فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات فقال أبو ~~سفيان: ما أصبت فهو لك حلال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها ~~فقال لها: إنك لهند. قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك ~~فقال: # " ولا يزنين " # فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: # " ولا يقتلن أولادهن " # فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة ~~قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " ولا يأتين ببهتان " # فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم ~~الأخلاق. فقال: # " ولا يعصينك في معروف " # فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء وهو يشير ~~إلى أن طاعة الولاة لا تجب في المنكر. # { يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب ~~الله عليهم } ختم السورة بما بدأ به قيل هم المشركون { قد ~~يئسوا من الأخرة } من ثوابها لأنهم ينكرون البعث ms1454 { كما ~~يئس الكفر } أي كما يئسوا إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير { ~~من أصحب القبور } أن يرجعوا إليهم أو كما يئس أسلافهم الذين ~~هم في القبور من الآخرة أي هؤلاء كسلفهم. وقيل: هم اليهود أي لا تتولوا ~~قوما مغضوبا عليهم قد يئسوا من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة، كما ~~يئس الكفار من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. وقيل: من أصحاب القبور ~~بيان للكفار أي كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة لأنهم تبينوا ~~قبح حالهم وسوء منقلبهم، والله أعلم. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-14] # { سبح لله ما فى السموت وما فى الأرض وهو ~~العزيز الحكيم } روي أنهم قالوا قبل أن يؤمروا بالجهاد: لو نعلم ~~أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت آية الجهاد فتباطأ بعضهم فنزلت { ~~يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون } ~~«لم» هي لام الإضافة داخلة على «ما» الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من ~~حروف الجر في قولك: «بم وفيم ومم وعم وإلام وعلام»، وإنما حذفت الألف لأن ~~«ما» واللام أو غيرها كشيء واحد وهو كثير الاستعمال في كلام المستفهم، ~~وقد جاء استعمال الأصل قليلا قال: # على ما قام يشتمني جرير # والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان ومن أسكن في الوصل فلإجرائه ~~مجرى الوقف { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون } قصد في كبر التعجب من غير لفظه كقوله # غلت ناب كليب بواؤها # ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من ~~شيء خارج عن نظائره وأسند إلى أن تقولوا ونصب مقتا على التمييز، وفيه ~~دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، والمعنى: كبر ~~قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض، ~~وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا، فقال: أتأمرونني أن أقول ما لا أفعل ~~فأستعجل مقت الله. # ثم أعلم الله عز وجل ما يحبه ms1455 فقال: { إن الله يحب الذين ~~يقتلون فى سبيله صفا } أي: صافين أنفسهم مصدر وقع موقع ~~الحال { كأنهم بنين مرصوص } لاصق بعضه ببعض. وقيل: أريد ~~به استواء نياتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان ~~الذي رص بعضه إلى بعض وهو حال أيضا { وإذ } منصوب ب «اذكر» { قال ~~موسى لقومه يقوم لم تؤذوننى } بجحود الآيات والقذف ~~بما ليس في { وقد تعلمون } في موضع الحال أي: لم تؤذونني عالمين ~~علما يقينا { أنى رسول الله إليكم } وقضية علمكم بذلك ~~توقيري وتعظيمي لا أن تؤذوني { فلما زاغوا } مالوا عن الحق { ~~أزاغ الله قلوبهم } من الهداية، أو لما تركوا أوامره نزع نور ~~الإيمان من قلوبهم، أو فلما اختاروا الزيع أزاغ الله قلوبهم أي: خذلهم ~~وحرمهم توفيق اتباع الحق { والله لا يهدى القوم ~~الفسقين } أي: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق. # { وإذ قال عيسى ابن مريم يبنى إسرءيل } ولم يقل: ~~يا قوم كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه { إنى رسول ~~الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ~~ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد } أي: ~~أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من التوراة وفي حال تبشيري برسول ~~يأتي من بعدي يعني: أن ديني التصديق: التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا ~~ممن تقدم وتأخر، { بعدى } حجازي وأبو عمرو وأبو بكر وهو اختيار الخليل ~~وسيبويه، وانتصب { مصدقا } و { مبشرا } بما في الرسول من معنى ~~الإرسال { فلما جآءهم } عيسى أو محمد عليهما السلام { ~~بالبينت } بالمعجزات { قالوا هذا سحر مبين } { ~~سحر } حمزة وعلي. # { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو ~~يدعى إلى الإسلام والله لا يهدى القوم ~~الظلمين } وأي: الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى ~~الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء ~~الكذب على الله بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق هذا سحر والسحر ~~كذب وتمويه { يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم } ~~هذا تهكم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: ms1456 هذا سحر، مثلت ~~حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه والمفعول محذوف واللام ~~للتعليل، والتقدير: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله بأفواههم، أي: بكلامهم ~~{ والله متم نوره } مكي وحمزة وعلي وحفص { متم نوره } ~~غيرهم أي: متم الحق ومبلغه غايته { ولو كره الكفرون } { ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } أي: ~~الملة الحنيفية { ليظهره } ليعليه { على الدين كله } على ~~جميع الأديان المخالفة له، ولعمري لقد فعل فما بقي دين من الأديان إلا ~~وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام، وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض ~~إلا دين الإسلام { ولو كره المشركون }. # { يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجرة ~~تنجيكم من عذاب أليم } { تنجيكم } شامي { تؤمنون } ~~استئناف كأنهم قالوا كيف نعمل؟ فقال: { تؤمنون } وهو بمعنى آمنوا عند ~~سيبويه ولهذا أجيب بقوله: { يغفر لكم } ويدل عليه قراءة ابن مسعود ~~{ آمنوا بالله ورسوله وجهدوا } وإنما جيء به على لفظ ~~الخبر للإيذان بوجوب الامتثال وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد ~~موجودين { بالله ورسوله وتجهدون فى سبيل الله ~~بأمولكم وأنفسكم ذلكم } أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد ~~{ خير لكم } من أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أنه ~~خير لكم كان خيرا حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان ~~والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم فتفلحون وتخلصون { يغفر لكم ~~ذنوبكم ويدخلكم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر ومسكن طيبة فى جنات عدن } أي: إقامة ~~وخلود يقال عدن بالمكان إذا أقام به كذا قيل: { ذلك الفوز ~~العظيم وأخرى تحبونها } ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من ~~المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله ~~{ نصر من الله وفتح قريب } أي: عاجل، وهو فتح مكة والنصر ~~على قريش: أو فتح فارس والروم، وفي { تحبونها } شيء من التوبيخ على ~~محبة العاجل، وقال صاحب الكشف معناه: هل أدلكم على تجارة تنجيكم وعلى ~~تجارة أخرى تحبونها، ثم قال: { نصر } أي: نصر هي { وبشر ~~المؤمنين } عطف على { تؤمنون } لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: ~~آمنوا وجاهدوا - يثبكم الله ms1457 وينصركم وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك: ~~وقيل: عطف على «قل» مرادا قبل { يأيها الذين ءامنوا هل ~~أدلكم }. # { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله } أي: ~~أنصار دينه { أنصارا لله } حجازي وأبو عمرو { كما قال عيسى ~~ابن مريم للحوارين من أنصاري إلى الله } ظاهره تشبيه كونهم ~~أنصارا بقول عيسى { من أنصارى إلى الله } ولكنه محمول على ~~المعنى، أي: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: ~~{ من أنصارى إلى الله } ومعناه: من جندي متوجها إلى نصرة الله ~~ليطابق جواب الحواريين وهو قوله: { قال الحواريون نحن ~~أنصار الله } أي: نحن الذين ينصرون الله، ومعنى { من أنصارى ~~} من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله والحواريون ~~أصفياؤه، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا، وحواري الرجل صفيه، ~~وخالصه من الحور وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، ~~أي: يبيضونها { فئامنت طائفة من بنى إسرءيل } بعيسى { ~~وكفرت طائفة } به { فأيدنا الذين آمنوا على ~~عدوهم } فقوينا مؤمنيهم على كفارهم { فأصبحوا ظهرين } ~~فغلبوا عليهم والله ولي المؤمنين والله أعلم. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-11] # { يسبح لله ما فى السموت وما فى الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم } التسبيح إما أن يكون تسبيح خلقة ~~يعني إذا نظرت إلى كل شيء دلتك خلقته على وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن ~~الأشباه، أو تسبيح معرفة بأن يجعل الله بلطفه في كل شيء ما يعرف به الله ~~تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله # وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم # [الإسراء: 44] أو تسبيح ضرورة بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير ~~معرفة له بذلك { هو الذى بعث } أرسل { فى الأميين رسولا ~~منهم } أي بعث رجلا أميا في قوم أميين. وقيل { منهم } كقوله # من أنفسكم # [التوبة: 128] يعلمون نسبه وأحواله. والأمي منسوب إلى أمة العرب لأنهم ~~كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم. وقيل: بدئت الكتابة بالطائف ~~وهم أخذوها من أهل الحيرة وأهل الحيرة من أهل الأنبار { يتلوا ~~عليهم ءايته } القرآن ms1458 { ويزكيهم } ويطهرهم من الشرك ~~وخبائث الجاهلية { ويعلمهم الكتب } القرآن { والحكمة ~~} السنة أو الفقه في الدين { وإن كانوا من قبل } من قبل محمد ~~صلى الله عليه وسلم { لفى ضلل مبين } كفر وجهالة، و«إن» مخففة ~~من الثقيلة واللام دليل عليها أي كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه. # { وءاخرين منهم } مجرور معطوف على { الأميين } يعني أنه ~~بعثه في الأميين الذين على عهده وفي آخرين من الأميين { لما ~~يلحقوا بهم } أي لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم وهم الذين بعد ~~الصحابة رضي الله عنهم، أو هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم الدين. وقيل: ~~هم العجم. أو منصوب معطوف على المنصوب في { ويعلمهم } أي يعلمهم ~~ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى ~~أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه { وهو العزيز الحكيم } ~~في تمكينه رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه ~~من بين كافة البشر { ذلك } الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبي ~~أبناء عصره ونبي أبناء العصور الغوابر هو { فضل الله يؤتيه من ~~يشاء } إعطاءه وتقتضيه حكمته { والله ذو الفضل العظيم ~~مثل الذين حملوا التوراة } أي كلفوا علمها والعمل بما ~~فيها { ثم لم يحملوها } ثم لم يعملوا بها فكأنهم لم يحملوها { ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا } جمع سفر وهو الكتاب الكبير و ~~{ يحمل } في محل النصب على الحال أو الجر على الوصف لأن الحمار ~~كاللئيم في قوله: # ولقد أمر على اللئيم يسبني # شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ثم لم يعملوا ~~بها ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والبشارة به فلم يؤمنوا به بالحمار حمل كتبا كبارا من كتب العلم فهو ~~يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من ~~علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله { بئس مثل القوم الذين ~~كذبوا بئايت الله } أي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا ~~بآيات الله، أو ms1459 بئس مثل القوم المكذبين مثلهم وهم اليهود الذين كذبوا ~~بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { والله لا ~~يهدى القوم الظلمين } أي وقت اختيارهم الظلم أو لا يهدي من ~~سبق في علمه أنه يكون ظالما. # { قل يأيها الذين هادوا } هاد يهود إذا تهود { إن ~~زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صدقين } كانوا يقولون نحن ~~أبناء الله وأحباؤه أي إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة فتمنوا على الله ~~أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه، ثم قال { ~~ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما ~~قدموا من الكفر. ولا فرق بين «لا» و«لن» في أن كل واحدة منهما نفي ~~للمستقبل إلا أن في «لن» تأكيدا وتشديدا ليس في «لا» فأتى مرة بلفظ ~~التأكيد و { لن يتمنوه } ومرة بغير لفظه و { لا يتمنونه ~~} { والله عليم بالظلمين } وعيد لهم. # { قل إن الموت الذى تفرون منه } ولا تجسرون أن ~~تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم { فإنه ملقيكم } لا محالة ~~والجملة خبر «إن» ودخلت الفاء لتضمن الذي معنى الشرط { ثم تردون ~~إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون } فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. # { يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلوة من ~~يوم الجمعة } النداء الأذان و«من» بيان ل «إذا» وتفسير له، ويوم ~~الجمعة سيد الأيام وفي الحديث: # " من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر " # { فاسعوا } فامضوا وقرىء بها وقال الفراء: السعي والمضي والذهاب ~~واحد وليس المراد به السرعة في المشي { إلى ذكر الله } أي إلى ~~الخطبة عند الجمهور وبه استدل أبو حنيفة رضي الله عنه على أن الخطيب إذا ~~اقتصر على الحمد لله جاز { وذروا البيع } أراد الأمر بترك ما ~~يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا. وإنما خص البيع من بينها لأن يوم ~~الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل له بادروا تجارة الآخرة ~~واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا ms1460 شيء أنفع منه وأربح، ~~وذروا البيع الذي نفعه يسير { ذلكم } أي السعي إلى ذكر الله { خير ~~لكم } من البيع والشراء { إن كنتم تعلمون فإذا قضيت ~~الصلوة } أي أديت { فانتشروا فى الأرض } أمر إباحة { ~~وابتغوا من فضل الله } الرزق أو طلب العلم أو عيادة المريض ~~أو زيارة أخ في الله { واذكروا الله كثيرا } واشكروه على ما ~~وفقكم لأداء فرضه { لعلكم تفلحون وإذا رأوا تجرة ~~أو لهوا انفضوا إليها } تفرقوا عنك إليها وتقديره: وإذا ~~رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور ~~عليه خص التجارة لأنها كانت أهم عندهم. # روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من ~~زيت الشأم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه فما ~~بقي معه إلا ثمانية أو اثنا عشر فقال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم عليهم الوادي نارا " # وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهو المراد باللهو { ~~وتركوك } على المنبر { قائما } تخطب، وفيه دليل على أن الخطيب ~~ينبغي أن يخطب قائما { قل ما عند الله } من الثواب { خير ~~من اللهو ومن التجرة والله خير الرازقين } أي ~~لا يفوتهم رزق الله بترك البيع فهو خيرالرازقين، والله أعلم. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-7] # { إذا جاءك المنفقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله } أرادوا شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم { والله يعلم ~~إنك لرسوله } أي والله يعلم أن الأمر كما يدل عليه قولهم { ~~إنك لرسول الله } { والله يشهد إن ~~المنفقين لكذبون } في ادعاء المواطأة أو إنهم لكاذبون فيه ~~لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة فهم كاذبون في تسميته ~~شهادة، أو إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم { ~~إنك لرسول الله } كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه { ~~اتخذوا أيمنهم جنة } وقاية من السبي والقتل وفيه دليل ~~على أن أشهد يمين { فصدوا } الناس { عن سبيل الله } عن ~~الإسلام بالتنفير وإلقاء الشبه { إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون ms1461 } من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي «ساء» معنى ~~التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين { ذلك } إشارة إلى قوله # ساء ما كانوا يعملون # أي ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا { بأنهم } ~~بسبب أنهم { ءامنوا ثم كفروا } أو إلى ما وصف من حالهم في ~~النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان أي ذلك كله بسبب أنهم آمنوا أي نطقوا ~~بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا، ثم ظهر ~~كفرهم بعد ذلك بقولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير ونحو ذلك، أو ~~نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء ~~بالإسلام كقوله # وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا # [البقرة: 14] الآية. { فطبع على قلوبهم } فختم عليها حتى لا ~~يدخلها الإيمان جزاء على نفاقهم { فهم لا يفقهون } لا يتدبرون ~~أو لا يعرفون صحة الإيمان. # والخطاب في { وإذا رأيتهم تعجبك أجسمهم } لرسول ~~الله أو لكل من يخاطب { وإن يقولوا تسمع لقولهم } كان ~~ابن أبي رجلا جسيما صبيحا فصيحا، وقوم من المنافقين في مثل صفته، ~~فكانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه ولهم جهارة ~~المناظر وفصاحة الألسن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون ~~بهيا كلهم ويسمعون إلى كلامهم. وموضع { كأنهم خشب } رفع على ~~«هم كأنهم خشب»، أو هو كلام مستأنف لا محل له { مسندة } إلى ~~الحائط، شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير ~~بالخشب المسندة إلى الحائط لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو ~~غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكا غير منتفع به أسند إلى الحائط ~~فشبهوا به في عدم الانتفاع، أو لأنهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام، ~~{ خشب } أبو عمرو غير عباس وعلي جمع خشبة كبدنة وبدون خشب كثمرة وثمر ~~{ يحسبون كل صيحة عليهم } { كل صيحة } مفعول أول والمفعول ~~الثاني { عليهم } وتم الكلام أي يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة ~~لهم لخيفتهم ورعبهم يعني إذا نادى مناد في العسكر أو ms1462 انفلتت دابة أو ~~أنشدت ضالة ظنوه إيقاعا بهم. # ثم قال { هم العدو } أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء ~~العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي { فاحذرهم } ولا ~~تغترر بظاهرهم { قتلهم الله } دعاء عليهم أو تعليم للمؤمنين أن ~~يدعوا عليهم بذلك { أنى يؤفكون } كيف يعدلون عن الحق تعجبا من ~~جهلهم وضلالتهم. # { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله لووا رؤوسهم } عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك ~~واستكبارا { لووا } بالتخفيف: نافع { ورأيتهم يصدون } ~~يعرضون { وهم مستكبرون } عن الاعتذار والاستغفار. روي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم ~~ وهزمهم وقتلهم، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر وسنان ~~الجهني حليف لابن أبي واقتتلا، فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين، وسنان: يا ~~للأنصار، فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا فقال ~~عبد الله لجعال وأنت هناك وقال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم والله ما ~~مثلنا ومثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك. أما والله لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، عني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم قال لقومه: والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام ~~لم يركبوا رقابكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد. فسمع بذلك ~~زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل المبغض في قومك، ومحمد على ~~رأسه تاج المعراج في عز من الرحمن وقوة من المسلمين. فقال عبد الله: اسكت ~~فإنما كنت ألعب. فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي ~~الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله. فقال: إذن ترعد أنف ~~كثيرة بيثرب. قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا. قال: فكيف ~~إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. وقال عليه الصلاة والسلام لعبد ~~الله: أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال: والله أنزل عليك الكتاب ما قلت ~~شيئا من ذلك وإن زيدا لكاذب فهو قوله { اتخذوا أيمنهم ~~جنة } فقال ms1463 الحاضرون: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام ~~غلام عسى أن يكون قدوهم. فلما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لزيد: يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين. فلما بان كذب عبد الله ~~قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستغفر لك فلوى رأسه فقال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي ~~مالي فزكيت وما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد، فنزل { وإذا قيل لهم ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله } ولم يلبث إلا أياما ~~حتى اشتكى ومات. # { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم } أي ما داموا على النفاق. والمعنى ~~سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم، ~~أو لأن الله لا يغفر لهم. وقرىء { استغفرت } على حذف حرف الاستفهام لأن ~~«أم» المعادلة تدل عليه { إن الله لا يهدى القوم ~~الفسقين * هم الذين يقولون لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله حتى ينفضوا } يتفرقوا { ولله ~~خزائن السموت والأرض } أي وله الأرزاق والقسم فهو رازقهم ~~منها وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم { ولكن ~~المنفقين لا يفقهون } ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون لا ~~يفقهون ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان. ### || [63.8-11] # { يقولون لئن رجعنا } من غزوة بني المصطلق { إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ~~العزة } الغلبة والقوة { ولرسوله وللمؤمنين } ولمن ~~أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة ~~والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات وكانت ~~في هيئة رثة: ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه، والغني الذي لا ~~فقر معه! وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلا قال له: إن الناس ~~يزعمون أن فيك تيها. قال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا هذه الآية { ~~ولكن المنفقين لا يعلمون * يأيها الذين ~~ءامنوا لا تلهكم } لا تشغلكم { أمولكم } والتصرف فيها ~~والسعي في تدبير أمرها بالنماء وطلب النتاج { ولا أولدكم ms1464 } ~~وسروركم بهم وشفقتكم عليهم والقيام بمؤنهم { عن ذكر الله } أي عن ~~الصلوات الخمس أو عن القرآن { ومن يفعل ذلك } يريد الشغل ~~بالدنيا عن الدين. وقيل: من يشتغل بتثمير أمواله عن تدبير أحواله وبمرضاة ~~أولاده عن إصلاح معاده { فأولئك هم الخسرون } في تجارتهم ~~حيث باعوا الباقي بالفاني. # { وأنفقوا من ما رزقنكم } «من» للتبعيض والمراد ~~بالإنفاق الواجب { من قبل أن يأتى أحدكم الموت } أي من ~~قبل أن يرى دلائل الموت ويعاين ما ييأس معه من الإمهال ويتعذر عليه ~~الإنفاق { فيقول رب لولا أخرتنى } هلا أخرت موتي { إلى ~~أجل قريب } إلى زمان قليل { فأصدق } فأتصدق وهو جواب «لولا» ~~{ وأكن من الصلحين } من المؤمنين. والآية في المؤمنين. وقيل: ~~في المنافقين. { وأكون } أبو عمرو بالنصب عطفا على اللفظ، والجزم على ~~موضع { فأصدق } كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن { ولن يؤخر ~~الله نفسا } عن الموت { إذا جاء أجلها } المكتوب في اللوح ~~المحفوظ { والله خبير بما تعملون } { يعملون } حماد ~~ويحيى، والمعنى أنكم إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل ~~إليه، وأنه هاجم لا محالة، وأن الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها من منع ~~واجب وغيره، لم يبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجب والاستعداد ~~للقاء الله تعالى، والله أعلم بالصواب. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-14] # { يسبح لله ما فى السموت وما فى الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير } قدم ~~الظرفان ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، وذلك لأن ~~الملك على الحقيقة له لأنه مبدىء كل شيء والقائم به، وكذا الحمد لأن أصول ~~النعم وفروعها منه، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء وحمد غيره اعتداد ~~بأن نعمة الله جرت على يده { هو الذى خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن } أي فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان ~~وفاعل له، ويدل عليه { والله بما تعملون بصير } أي عالم ~~وبصير بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى هو الذي تفضل عليكم ~~بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد من العدم، وكان يجب ms1465 أن تكونوا بأجمعكم ~~شاكرين، فما بالكم تفرقتم أمما فمنكم كافر ومنكم مؤمن؟ وقدم الكفر لأنه ~~الأغلب عليهم والأكثر فيهم وهو رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين. ~~وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به. # { خلق السموت والأرض بالحق } بالحكمة البالغة وهو أن ~~جعلها مقار المكلفين ليعملوا فيجازيهم { وصوركم فأحسن ~~صوركم } أي جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه بدليل أن الإنسان لا ~~يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه ~~خلق منتصبا غير منكب، ومن كان دميما مشوه الصورة سمج الخلقة فلا سماجة ~~ثم، ولكن الحسن على طبقات فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح ولكنها غير ~~خارجة عن حد الحسن، وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما، الجمال والبيان { ~~وإليه المصير } فأحسنوا سرائركم كما أحسن صوركم { يعلم ما ~~فى السموت والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون والله عليم بذات الصدور } نبه بعلمه ما في ~~السماوات والأرض، ثم بعلمه بما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه بذات ~~الصدور أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه فحقه أن يتقى ويحذر ~~ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد ~~وكل ما ذكره بعده قوله { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } في ~~معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالف ولا تشكر نعمته. # { ألم يأتكم } الخطاب لكفار مكة { نبؤا الذين كفروا ~~من قبل } يعني قوم نوح وهود وصالح ولوط { فذاقوا وبال ~~أمرهم } أي ذاقوا وبال كفرهم في الدنيا { ولهم عذاب أليم ~~} في العقبى. # { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد ~~لهم من العذاب في الآخرة { بأنه } بأن الشأن والحديث { كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينت } بالمعجزات { فقالوا ~~أبشر يهدوننا } أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر ~~{ فكفروا } بالرسل { وتولوا } عن الإيمان { واستغنى ~~الله } أطلق ليتناول كل شيء ومن جملته أيمانهم وطاعتهم { والله ~~غنى } عن خلقه { حميد } على صنعه. # { زعم الذين كفروا } أي أهل مكة، والزعم ادعاء العلم ويتعدى ~~تعدي ms1466 العلم { أن لن يبعثوا } «أن» مع ما في حيزه قائم مقام ~~المفعولين وتقديره أنهم لن يبعثوا { قل بلى } هو إثبات لما بعد «لن» ~~وهو البعث { وربى لتبعثن } أكد الإخبار باليمين. فإن قلت: ما ~~معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلت: هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعا في ~~القلب فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه كائن لا محالة. { ثم لتنبؤن ~~بما عملتم وذلك } البعث { على الله يسير } هين { ~~فئامنوا بالله ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم { والنور ~~الذى أنزلنا } يعني القرآن لأنه يبين حقيقة كل شيء فيهتدي به كما ~~بالنور { والله بما تعملون خبير } فراقبوا أموركم { يوم ~~يجمعكم } انتصب الظرف بقوله { لتنبؤن } أو بإضمار «اذكر» { ~~ليوم الجمع } ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون { ذلك يوم ~~التغابن } وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم ~~بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ~~ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، كما ~~ورد في الحديث، ومعنى ذلك يوم التغابن. وقد يتغابن الناس في غير ذلك ~~اليوم استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور ~~الدنيا { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا } صفة للمصدر أي ~~عملا صالحا { يكفر عنه سيئته ويدخله } وبالنون ~~فيهما: مدني وشامي { جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم الذين ~~كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب النار ~~خلدين فيها وبئس المصير }. # { ما أصاب من مصيبة } شدة ومرض وموت أهل أو شيء يقتضي هما { ~~إلا بإذن الله } بعلمه وتقديره ومشيئته كأنه أذن للمصيبة أن ~~تصيبه { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } للاسترجاع عند ~~المصيبة حتى يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. أو يشرحه للازدياد من ~~الطاعة والخير، أو يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر ~~{ والله بكل شيء عليم وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن توليتم } عن طاعة الله وطاعة رسوله { فإنما ms1467 ~~على رسولنا البلغ المبين } أي فعليه التبليغ وقد فعل { ~~الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ~~ينصره على من كذبه وتولى عنه. # { يأيها الذين ءامنوا إن من أزوجكم ~~وأولدكم عدوا لكم } أي إن من الأزواج أزواجا يعادين ~~بعولتهن ويخاصمنهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم { ~~فاحذروهم } الضمير للعدو أو للأزواج والأولاد جميعا أي لما علمتم ~~أن هؤلاء لا يخلون من عدو فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم ~~{ وإن تعفوا } عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها ~~{ وتصفحوا } تعرضوا عن التوبيخ { وتغفروا } تستروا ذنوبهم { ~~فإن الله غفور رحيم } يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم. ~~قيل: إن ناسا أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: ~~تنطلقون وتضيعوننا. فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين ~~سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فزين لهم ~~العفو. ### || [64.15-18] # { إنما أمولكم وأولدكم فتنة } بلاء ومحنة لأنهم ~~يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما { والله عنده ~~أجر عظيم } أي في الآخرة وذلك أعظم من منفعتكم بأموالكم وأولادكم. ~~ولم يدخل فيه «من» كما في العداوة لأن الكل لا يخلو عن الفتنة وشغل القلب ~~وقد يخلو بعضهم عن العداوة { فاتقوا الله ما استطعتم } ~~جهدكم ووسعكم، قيل: هو تفسير لقوله # حق تقاته # [آل عمران: 102] { واسمعوا } ما توعظون به { وأطيعوا } فيما ~~تؤمرون به وتنهون عنه { وأنفقوا } في الوجوه التي وجبت عليكم ~~النفقة فيها { خيرا لأنفسكم } أي انفاقا خيرا لأنفسكم. وقال ~~الكسائي: يكن الإنفاق خيرا لأنفسكم والأصح أن تقديره ائتوا خيرا ~~لأنفسكم وافعلوا ما هو خير لها، وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر ~~وبيان، لأن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون ~~عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا { ومن يوق شح نفسه } أي ~~البخل بالزكاة والصدقة الواجبة { فأولئك هم المفلحون * ~~إن تقرضوا الله قرضا حسنا } بنية وإخلاص، وذكر القرض تلطف ~~في الاستدعاء { يضعفه لكم ms1468 } يكتب لكم بالواحدة عشرا أو ~~سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة { ويغفر لكم والله شكور } ~~يقبل القليل ويعطي الجزيل { حليم } يقيل الجليل من ذنب البخيل أو يضعف ~~الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها { علم الغيب } أي يعلم ~~ما استتر من سرائر القلوب { والشهدة } أي ما انتشر من ظواهر ~~الخطوب { العزيز } المعز بإظهار العيوب { الحكيم } في الإخبار عن ~~الغيوب، والله أعلم. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-6] # { يأيها النبى إذا طلقتم النساء } خص النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم كما يقال ~~لرئيس القوم يا فلان افعلوا كذا إظهارا لتقدمه واعتبارا لترؤسه وأنه ~~قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم وسادا مسد جميعهم. وقيل: التقدير ~~يا أيها النبي والمؤمنون. ومعنى { إذا طلقتم النساء } إذا ~~أردتم تطليقهن وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة ~~الشارع فيه كقوله عليه السلام # " من قتل قتيلا فله سلبه " # ومنه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي. { ~~فطلقوهن لعدتهن } فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، وفي قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { فى قبل عدتهن } وإذا طلقت المرأة في ~~الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها، والمراد ~~أن تطلق المدخول بهن من المعتدات بالحيض في طهر لم يجامعهن فيه، ثم يخلين ~~حتى تنقضي عدتهن وهذا أحسن الطلاق { وأحصوا العدة } واضبطوها ~~بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، وخوطب ~~الأزواج لغفلة النساء. # { واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن } حتى تنقضي عدتهن ~~{ من بيوتهن } من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة وهي بيوت ~~الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى، وفيه دليل على أن ~~السكنى واجبة، وأن الحنث بدخول دار يسكنها فلان بغير ملك ثابت فيما إذا ~~حلف لا يدخل داره. ومعنى الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن ~~وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهن في الخروج ~~إذا طلبن ذلك إيذانا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر { ولا ~~يخرجن } بأنفسهن ms1469 إن أردن ذلك { إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة } قيل: هي الزنا أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن. ~~وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه { وتلك حدود الله ~~} أي الأحكام المذكورة { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه لا تدرى } أيها المخاطب { لعل الله يحدث بعد ~~ذلك أمرا } بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها ~~إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها، والمعنى ~~فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ولا تخرجوهن من بيوتهن لعلكم تندمون ~~فتراجعون. # { فإذا بلغن أجلهن } قاربن آخر العدة { فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف } أي فأنتم بالخيار إن شئتم ~~فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة ~~واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة ~~عليها وتعذيبا لها { وأشهدوا } يعني عند الرجعة والفرقة جميعا، ~~وهذا الإشهاد مندوب إليه لئلا يقع بينهما التجاحد { ذوى عدل منكم ~~} من المسلمين { وأقيموا الشهدة لله } لوجهه خالصا وذلك ~~أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى ~~إقامة الحق ودفع الضرر { ذلكم } الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ~~ولأجل القيام بالقسط { يوعظ به من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر } أي إنما ينتفع به هؤلاء { ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا } هذه جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر ~~الطلاق على السنة، والمعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم ~~يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد { يجعل الله له مخرجا } مما ~~في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ويفرج عنه ويعطه الخلاص. # { ويرزقه من حيث لا يحتسب } من وجه لا يخطر بباله ولا ~~يحتسبه، ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: { ذلكم ~~يوعظ به }. أي ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا ~~والآخرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها فقال: # " مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إني ms1470 لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ومن يتق الله " # فما زال يقرؤها ويعيدها، وروي أن عوف بن مالك أسر المشركون ابنا له ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة ~~فقال: # " ما أمسى عند آل محمد إلا مد فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم. فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله ~~أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " # فقالت: نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان ذلك، فبينما هو في بيته إذ قرع ~~ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها فنزلت هذه الآية ~~{ ومن يتوكل على الله } يكل أمره إليه عن طمع غيره وتدبير ~~نفسه { فهو حسبه } كافيه في الدارين { إن الله بلغ ~~أمره } حفص أي منفذ أمره، غيره { بالغ أمره } أي يبلغ ما يريد لا ~~يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب { قد جعل الله لكل شىء قدرا ~~} تقديرا وتوقيتا، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، ~~لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم ~~يبق إلا التسليم للقدر والتوكل. # { واللائى يئسن من المحيض من نسائكم } روي أن ~~ناسا قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الإقراء فما عدة اللائي لم يحضن؟ فنزلت { ~~إن ارتبتم } أي أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن { ~~فعدتهن ثلثة أشهر } أي فهذا حكمهن. # وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس، وقد قدروه بستين سنة وبخمس ~~وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدة المرتاب ~~بها فغير المرتاب بها أولى بذلك { واللئي لم يحضن } هن ~~الصغائر وتقديره واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذفت الجملة لدلالة ~~المذكور عليها { وأولت الأحمال أجلهن } عدتهن { أن ~~يضعن حملهن } والنص يتناول المطلقات والمتوفي عنهم أزواجهن. ~~وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم: عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد ~~الأجلين { ومن يتق الله يجعل له من ms1471 أمره يسرا } ~~ييسر له من أمره ويحلل من عقده بسبب التقوى { ذلك أمر الله } أي ~~ما علم من حكم هؤلاء المعتدات { أنزله إليكم } من اللوح المحفوظ ~~{ ومن يتق الله } في العمل بما أنزله من هذه الأحكام وحافظ على ~~الحقوق الواجبة عليه { يكفر عنه سيئته ويعظم له ~~أجرا } ثم بين التقوى في قوله { ومن يتق الله } كأنه قيل: ~~كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل { أسكنوهن } وكذا وكذا { ~~من حيث سكنتم } هي «من» التبعيضية مبعضها محذوف أي أسكنوهن ~~مكانا من حيث سكنتم أي بعض مكان سكناكم { من وجدكم } هو عطف بيان ~~لقوله { من حيث سكنتم } وتفسير له كأنه قيل: أسكنوهن مكانا من ~~مسكنكم مما تطيقونه والوجد: الوسع والطاقة. وقرىء بالحركات الثلاث ~~والمشهور الضم. والنفقة والسكنى واجبتان لكل مطلقة، وعند مالك والشافعي ~~لا نفقة للمبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أبت طلاقها فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا سكنى لك ولا نفقة " # وعن عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لعلها ~~نسيت أو شبه لها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " لها السكنى والنفقة " # { ولا تضاروهن } ولا تستعملوا معهن الضرار { لتضيقوا ~~عليهن } في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن أو يشغل ~~مكانهن أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج. # { وإن كن } أي المطلقات { أولت حمل } ذوات أحمال { ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } وفائدة اشتراط ~~الحمل أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة ~~الحامل فنفي ذلك الوهم { فإن أرضعن لكم } يعني هؤلاء المطلقات ~~إن أرضعن لكم ولدا من ظئرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية { ~~فئاتوهن أجورهن } فحكمهن في ذلك حكم الأظآر، ولا يجوز ~~الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن خلافا للشافعي رحمه الله { ~~وأتمروا بينكم } أي تشاوروا على التراضي في الأجرة، أو ليأمر ~~بعضكم بعضا، والخطاب للآباء والأمهات { بمعروف } بما يليق بالسنة ~~ويحسن في المروءة فلا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما ms1472 وهما شريكان ~~فيه وفي وجوب الإشفاق عليه { وإن تعاسرتم } تضايقتم فلم ترض الأم ~~بما ترضع به الأجنبية ولم يزد الأب على ذلك { فسترضع له أخرى ~~} فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على ~~المعاسرة. وقوله { له } أي للأب أي سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده ~~إن عاسرته أمه. ### || [65.7-12] # { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق مما ءاتاه الله } أي لينفق كل واحد من الموسر ~~والمعسر ما بلغه وسعه يريد ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، ~~ومعنى { قدر عليه رزقه } ضيق أي رزقه الله على قدر قوته { لا ~~يكلف الله نفسا إلا مآ ءاتاها } أعطاها من الرزق { ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا } بعد ضيق في المعيشة سعة وهذا ~~وعد لذي العسر باليسر. # { وكأين من قرية } من أهل قرية { عتت } أي عصت { عن ~~أمر ربها ورسله } أعرضت عنه على وجه العتو والعناد { ~~فحاسبنها حسابا شديدا } بالاستقصاء والمناقشة { ~~وعذبنها عذابا نكرا } { نكرا } مدني وأبو بكر ~~منكرا عظيما { فذاقت وبال أمرها وكان عقبة ~~أمرها خسرا } أي خسارا وهلاكا، والمراد حساب الآخرة وعذابها وما ~~يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر. وجيء به على لفظ الماضي لأن ~~المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة وما هو كائن فكأن قد { ~~أعد الله لهم عذابا شديدا } تكرير للوعيد وبيان لكونه ~~مترقبا كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب { فاتقوا الله ~~يأولى الألبب الذين ءامنوا } فليكن لكم ذلك يا أولي ~~الألباب من المؤمنين لطفا في تقوى الله وحذر عقابه، ويجوز أن يراد إحصاء ~~السيئات واستقصاؤها عليهم في الدنيا وإثباتها في صحائف الحفظة وما أصيبوا ~~به من العذاب في العاجل، وأن يكون { عتت } وما عطف عليه صفة للقرية و ~~{ أعد الله لهم } جوابا ل { كأين } { قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا } أي القرآن. وانتصب { رسولا } بفعل مضمر تقديره ~~أرسل رسولا أو بدل من { ذكرا } كأنه في نفسه ذكرا وعلى تقدير حذف ~~المضاف أي قد أنزل الله إليكم ms1473 ذا ذكر رسولا، أو أريد بالذكر الشرف كقوله # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] أي ذا شرف ومجد عند الله وبالرسول جبريل أو محمد عليهما ~~السلام { يتلوا } أي الرسول أو الله عز وجل { عليكم ءايت ~~الله مبينت ليخرج } الله. # { الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } أي ليحصل لهم ما هم ~~عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح، أو ليخرج الذين علم أنهم يؤمنون { ~~من الظلمت إلى النور } من ظلمات الكفر أو الجهل إلى نور ~~الإيمان أو العلم { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا ~~يدخله } وبالنون: مدني وشامي { جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها أبدا } وحد وجمع حملا على لفظ «من» ~~ومعناه { قد أحسن الله له رزقا } فيه معنى التعجب والتعظيم ~~لما رزق المؤمنين من الثواب { الله الذى خلق } مبتدأ وخبر { ~~سبع سموت } أجمع المفسرون على أن السماوات سبع { ومن ~~الأرض مثلهن } بالنصب عطفا على { سبع سموات } قيل: ما ~~في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وبين كل سماءين ~~مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل السماوات. # وقيل: الأرض واحدة إلا أن الأقاليم سبعة { يتنزل الأمر ~~بينهن } أي يجري أمر الله وحكمه بينهن وملكه ينفذ فيهن { ~~لتعلموا أن الله على كل شىء قدير } اللام يتعلق ب ~~{ خلق } { وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } هو ~~تمييز أو مصدر من غير لفظ الأول أي قد علم كل شيء علما وهو علام الغيوب. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-9] # { يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة رضي الله عنها ~~وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن ~~أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي، فأخبرت به عائشة وكانتا مصادقتين. ~~وقيل خلابها في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل ~~نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية فنزل جبريل عليه السلام وقال: ~~راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها لمن نسائك في الجنة. ms1474 روي أنه شرب عسلا ~~في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة وقالتا له: إنا نشم منك ريح ~~المغافير، وكان يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم التفل فحرم العسل، ~~فمعناه لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو من العسل { تبتغى ~~مرضات أزوجك } تفسير ل { تحرم } أو حال أو استئناف وكان ~~هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله { والله غفور } قد ~~غفر لك ما زللت فيه { رحيم } قد رحمك فلم يؤاخذك به { قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمنكم } قد قدر الله لكم ما تحللون به ~~أيمانكم وهي الكفارة، أو قد شرع لكم تحليلها بالكفارة، أو شرع الله لكم ~~الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن ~~يقول «إن شاء الله» عقيبها حتى لا يحنث، وتحريم الحلال يمين عندنا. وعن ~~مقاتل« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية». وعن ~~الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما ~~هو تعليم للمؤمنين { والله مولكم } سيدكم ومتولي أموركم. ~~وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم ~~أنفسكم { وهو العليم } بما يصلحكم فيشرعه لكم { الحكيم } فيما ~~أحل وحرم. # { وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه } يعني حفصة { ~~حديثا } حديث مارية وإمامة الشيخين { فلما نبأت به } أفشته ~~إلى عائشة رضي الله عنها { وأظهره الله عليه } وأطلع النبي ~~صلى الله عليه وسلم على إفشائها الحديث على لسان جبريل عليه السلام { ~~عرف بعضه } أعلم ببعض الحديث { وأعرض عن بعض } فلم يخبر ~~به تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام { عرف } ~~بالتخفيف: علي أي جازى عليه من قولك للمسيء لأعرفن لك ذلك. وقيل: ~~المعروف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية. وروي أنه قال لها: ألم أقل ~~لك اكتمي علي؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي ~~خص الله بها أباها { فلما نبأها به } نبأ النبي حفصة ms1475 بما أفشت ~~من السر إلى عائشة { قالت } حفصة للنبي صلى الله عليه وسلم { من ~~أنبأك هذا قال نبأنى العليم } بالسرائر { الخبير ~~} بالضمائر. # { إن تتوبا إلى الله } خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ~~ليكون أبلغ في معاتبتهما، وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن تتوبا إلى الله ~~فهو الواجب ودل على المحذوف { فقد صغت } مالت { قلوبكما } عن ~~الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما ~~يكرهه { وإن تظاهرا عليه } بالتخفيف: كوفي وإن تعاونا عليه بما ~~يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره { فإن الله هو ~~موله } وليه وناصره. وزيادة { هو } إيذان بأنه يتولى ذلك بذاته { ~~وجبريل } أيضا وليه { وصلح المؤمنين } ومن صلح من ~~المؤمنين أي كل من آمن وعمل صالحا. وقيل: من بريء من النفاق. وقيل: ~~الصحابة. وقيل: واحد أريد به الجمع كقولك لا يفعل هذا الصالح من الناس ~~تريد الجنس. وقيل: أصله صالحو المؤمنين فحذفت الواو من الخط موافقة للفظ ~~{ والملئكة } على تكاثر عددهم { بعد ذلك } بعد نصرة الله ~~وجبريل وصالحي المؤمنين { ظهير } فوج مظاهر له فما يبلغ تظاهر امرأتين ~~على من هؤلاء ظهراؤه، ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله قال ~~بعد ذلك تعظيما لنصرتهم ومظاهرتهم. # { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } { يبدله } ~~مدني وأبو عمرو فالتشديد للكثرة { أزوجا خيرا منكن } فإن قلت: ~~كيف تكون المبدلات خيرا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات ~~المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهن إياه لم ~~يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيرا منهن { ~~مسلمت مؤمنت } مقرات مخلصات { قنتت } مطيعات، ~~فالقنوت هو القيام بطاعة الله وطاعة الله في طاعة رسوله { تئبت } ~~من الذنوب أو راجعات إلى الله وإلى أمر رسوله { عبدت } لله { ~~سئحت } مهاجرات أو صائمات. وقيل: للصائم سائح لأن السائح لا زاد ~~معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم في إمساكه إلى ~~أن يجيء وقت إفطاره { ثيبت وأبكارا } إنما ms1476 وسط العاطف بين ~~الثيبات والأبكار دون سائر الصفات لأنهما صفتان متنافيتان بخلاف سائر ~~الصفات. # { يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم } بترك المعاصي وفعل ~~الطاعات { وأهليكم } بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم { نارا ~~وقودها الناس والحجارة } نوعا من النار لا تتقد إلا بالناس ~~والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب { عليها } يلي أمرها ~~وتعذيب أهلها { ملئكة } يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم { ~~غلاظ شداد } في أجرامهم غلظة وشدة أو غلاظ الأقوال شداد الأفعال { ~~لا يعصون الله } في موضع الرفع على النعت { ما أمرهم } في ~~محل النصب على البدل أي لا يعصون ما أمر الله أي أمره كقوله # أفعصيت أمرى # [طه: 93] أو لا يعصونه فيما أمرهم { ويفعلون ما يؤمرون } ~~وليست الجملتان في معنى واحد، إذ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ~~ويلتزمونها، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عنه ولا ~~يتوانون فيه { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا ~~اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا أي ~~يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا لأنه لا عذر لكم، أو لأنه لا ~~ينفعكم الاعتذار. # { يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا } صادقة عن الأخفش رحمه الله. وقيل: خالصة. يقال: عسل ناصح إذا ~~خلص من الشمع. وقيل: نصوحا من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك ~~وترم خللك، ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور ~~أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها، وبضم ~~النون: حماد ويحيى وهو مصدر أي ذات نصوح أو تنصح نصوحا وجاء مرفوعا ~~«إن التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في ~~الضرع» وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: هي الاستغفار باللسان والندم بالجنان والإقلاع ~~بالإركان. # { عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئتكم } هذا على ما ~~جرت به عادة الملوك من الإجابة ب «عسى» و«لعل» ووقوع ذلك منهم موقع ~~القطع والبت { ويدخلكم جنت تجرى ms1477 من تحتها ~~الأنهر } ونصب { يوم } ب { يدخلكم } { لا يخزى الله ~~النبى والذين ءامنوا معه } فيه تعريض بمن أخزاهم الله ~~من أهل الكفر { نورهم } مبتدأ { يسعى بين أيديهم ~~وبأيمنهم } في موضع الخبر { يقولون ربنا أتمم ~~لنا نورنا } يقولون ذلك إذا انطفأ نور المنافقين { واغفر لنا ~~إنك على كل شىء قدير يأيها النبى جهد ~~الكفر } بالسيف { والمنفقين } بالقول الغليظ والوعد ~~البليغ. وقيل: بإقامة الحدود عليهم { واغلظ عليهم } على ~~الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة باللسان { ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير }. ### || [66.10-12] # { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صلحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الدخلين } مثل الله عز وجل ~~حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين بلا محاباة، ولا ~~ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من النسب والمصاهرة وإن كان ~~المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا ~~وخانتا الرسولين بإفشاء أسرارهما، فلم يغن الرسولان عنهما أي عن المرأتين ~~بحق ما بينهما وبينهما من الزواج اغناء ما من عذاب الله. وقيل لهما عند ~~موتهما أو يوم القيامة: ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين لا وصلة ~~بينهم وبين الأنبياء، أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. # { وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأت فرعون ~~} هي آسية بنت مزاحم آمنت بموسى فعذبها فرعون بالأوتاد الأربعة { إذ ~~قالت } وهي تعذب { رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة } ~~فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان فعبرت عنها ~~بقولها عندك { ونجنى من فرعون وعمله } أي من عمل فرعون أو ~~من نفس فرعون الخبيثة وخصوصا من عمله وهو الكفر والظلم والتعذيب بغير ~~جرم { ونجنى من القوم الظلمين } من القبط كلهم، وفيه ~~دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن ~~والنوازل من سير الصالحين { ومريم ابنة عمران التى ~~أحصنت فرجها } من الرجال { فنفخنا } فنفخ جبريل بأمرنا { ~~فيه } في الفرج ms1478 { من روحنا } المخلوقة لنا { وصدقت ~~بكلمت ربها } أي بصحفه التي أنزلها على إدريس وغيره { ~~وكتبه } بصري وحفص، يعني الكتب الأربعة { وكانت من ~~القنتين } لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين غلب ذكوره ~~على إناثه. و«من» للتبعيض، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية على أنها ولدت ~~من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخ موسى عليهما السلام. ومثل حال ~~المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم ~~عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع كونها زوجة أعدى أعداء ~~الله، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاء ~~على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفارا. وفي طي هذين التمثيلين ~~تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، ~~وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين وأن لا ~~يتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-19] # مكية وهي ثلاثون آية وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي قارئها من عذاب ~~القبر وجاء مرفوعا من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب # بسم الله الرحمن الرحيم # { تبرك } تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين { الذى بيده ~~الملك } أي بتصرفه الملك والاستيلاء على كل موجود وهو مالك الملك ~~يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء { وهو على كل شىء } من ~~المقدورات أو من الإنعام والانتقام { قدير } قادر على الكمال { ~~الذى خلق الموت } خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الذي قبله { ~~والحيوة } أي ما يصح بوجوده الإحساس والموت ضده، ومعنى خلق الموت ~~والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه، والمعنى خلق موتكم وحياتكم أيها ~~المكلفون { ليبلوكم } ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي ~~يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب فيظهر منكم ما ~~علم أنه يكون منكم فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم { أيكم } ~~مبتدأ وخبره { أحسن عملا } أي أخلصه وأصوبه، فالخالص أن ms1479 يكون لوجه ~~الله، والصواب أن يكون على السنة. والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون ~~بها على العمل، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن ~~على القبيح فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه. وقدم الموت على ~~الحياة لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم ~~لأنه فيما يرجع إلى المسوق له الآية أهم. ولما قدم الموت الذي هو أثر صفة ~~القهر على الحياة التي هي أثر اللطف، قدم صفة القهر على صفة اللطف بقوله ~~{ وهو العزيز } أي الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل { ~~الغفور } الستور الذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل. # { الذى خلق سبع سموت طباقا } مطابقة بعضها فوق بعض من ~~طابق النعل إذا خصفها طبقا على طبق، وهذا وصف بالمصدر، أو على ذات طباق ~~أو على طوبقت طباقا. وقيل: جمع طبق كجمال وجمال. والخطاب في { ما ~~ترى فى خلق الرحمن } للرسول أو لكل مخاطب { من تفوت ~~} { تفوت } حمزة وعلي. ومعنى البناءين واحد كالتعاهد والتعهد أي من ~~اختلاف واضطراب. وعن السدي: من عيب. وحقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض ~~الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه، وهذه الجملة صفة ل { طباقا } وأصلها ما ~~ترى فيهن من تفاوت، فوضع { خلق الرحمن } موضع الضمير تعظيما ~~لخلقهن وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن وأنه ~~بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب { فارجع البصر ~~} رده إلى السماء حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة فلا تبقى معك شبهة ~~فيه { هل ترى من فطور } صدوع وشقوق جمع فطر وهو الشق { ثم ~~ارجع البصر كرتين } كرر النظر مرتين أي كرتين مع الأولى. # وقيل: سوى الأولى فتكون ثلاث مرات. وقيل: لم يرد الاقتصار على مرتين بل ~~أراد به التكرير بكثرة أي كرر نظرك ودققه هل ترى خللا أو عيبا. وجواب ~~الأمر { ينقلب } يرجع { إليك البصر خاسئا } ذليلا أو ~~بعيدا مما تريد وهو حال من البصر { وهو حسير } كليل معي ولم ير ~~فيها ms1480 خللا. # { ولقد زينا السمآء الدنيا } القربى أي السماء الدنيا ~~منكم { بمصبيح } بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح السرج ~~فسميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بإيقاد المصابيح. فقيل: ~~ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بأي مصابيح لا توازيها ~~مصابيحكم إضاءة { وجعلنها رجوما للشيطين } أي ~~لأعدائكم الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات، قال قتادة: خلق الله ~~النجوم لثلاث زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول ~~فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به. والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ~~ما يرجم به. ومعنى كونها رجوما للشياطين أن ينفصل عنها شهاب قبس يؤخذ من ~~نار فيقتل الجني أو يخبله، لأن الكواكب لا تزول عن أماكنها لأنها قارة في ~~الفلك على حالها { وأعتدنا لهم } للشياطين { عذاب السعير ~~} في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا. # { وللذين كفروا بربهم } ولكل من كفر بالله من الشياطين ~~وغيرهم { عذاب جهنم } ليس الشياطين المرجومون مخصوصون بذلك { ~~وبئس المصير } المرجع جهنم { إذا ألقوا فيها } طرحوا في ~~جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة { سمعوا لها } لجهنم { ~~شهيقا } صوتا منكرا كصوت الحمير شبه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق { ~~وهى تفور } تغلي بهم غليان المرجل بما فيه { تكاد تميز } ~~أي تتميز يعني تتقطع وتتفرق { من الغيظ } على الكفار فجعلت ~~كالمغتاظة عليهم استعارة لشدة غليانها بهم. # { كلما ألقى فيها فوج } جماعة من الكفار { سألهم ~~خزنتها } مالك وأعوانه من الزبانية توبيخا لهم { ألم يأتكم ~~نذير } رسول يخوفكم من هذا العذاب { قالوا بلى قد جاءنا ~~نذير } اعتراف منهم بعدل الله وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعث ~~الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه { فكذبنا } أي فكذبناهم { وقلنا ~~ما نزل الله من شىء } مما يقولون من وعد ووعيد وغير ذلك { ~~إن أنتم إلا فى ضلل كبير } أي قال الكفار للمنذرين: ما ~~أنتم إلا في خطأ عظيم. فالنذير بمعنى الإنذار. ثم وصف به منذروهم لغلوهم ~~في الإنذار كأنهم ليسوا إلا إنذارا، وجاز أن يكون هذا كلام الخزنة ~~للكفار عن إرادة القول ومرادهم ms1481 بالضلال الهلاك، أو سموا جزاء الضلال ~~باسمه كما سمي جزاء السيئة والاعتداء سيئة واعتداء ويسمى المشاكلة في علم ~~البيان، أو كلام الرسل لهم حكوه للخزنة أي قالوا لنا هذا فلم نقبله { ~~وقالوا لو كنا نسمع } الإنذار سماع طالب الحق { أو ~~نعقل } أي نعقله عقل متأمل { ما كنا فى أصحب السعير } ~~في جملة أهل النار، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل ~~وأنهما حجتان ملزمتان { فاعترفوا بذنبهم } بكفرهم في تكذيبهم ~~الرسل { فسحقا لأصحب السعير } وبضم الحاء: يزيد وعلي، ~~فبعدا لهم عن رحمة الله وكرامته اعترفوا أو جحدوا فإن ذلك لا ~~ينفعهم. # وانتصابه على أنه مصدر وقع موقع الدعاء. # { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } قبل معاينة العذاب ~~{ لهم مغفرة } للذنوب { وأجر كبير } أي الجنة { ~~وأسروا قولكم أو اجهروا به } ظاهره الأمر بأحد ~~الأمرين: الإسرار والإجهار، ومعناه ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم ~~الله بهما. روي أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيخبره جبريل بما قالوه فيه ونالوه منه فقالوا فيما بينهم: أسروا ~~قولكم لئلا يسمع إله محمد فنزلت. ثم علله بقوله { إنه عليم ~~بذات الصدور } أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها فكيف لا ~~يعلم ما تكلم به؟ { ألا يعلم من خلق } «من» في موضع رفع بأنه ~~فاعل { يعلم } { وهو اللطيف الخبير } أنكر أن لا يحيط ~~علما بالمضمر والمسر والمجهر من خلقها وصفته أنه اللطيف أي العالم ~~بدقائق الأشياء الخبير العالم بحقائق الأشياء، وفيه إثبات خلق الأقوال ~~فيكون دليلا على خلق أفعال العباد. وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب: ~~{ من } مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى فاحتالا بهذا لنفي خلق ~~الأفعال. # { هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا } لينة سهلة مذللة لا ~~تمنع المشي فيها { فامشوا فى مناكبها } جوانبها استدلالا ~~واسترزاقا أو جبالها أو طرقها { وكلوا من رزقه } أي من رزق ~~الله فيها { وإليه النشور } أي وإليه نشوركم فهو سائلكم عن شكر ~~ما أنعم به عليكم { ءامنتم من فى السماء } أي من ms1482 ملكوته في ~~السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه ~~فكأنه قال: أأمنتم خالق السماء وملكه، أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه ~~وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب ~~اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان { أن ~~يخسف بكم الأرض } كما خسف بقارون { فإذا هى تمور } ~~تضطرب وتتحرك { أم أمنتم من فى السماء أن يرسل ~~عليكم حصبا } حجارة أن يرسل بدل من بدل الاشتمال وكذا { أن ~~يخسف } { فستعلمون كيف نذير } أي إذا رأيتم المنذر به ~~علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم { ولقد كذب الذين من ~~قبلهم } من قبل قومك { فكيف كان نكير } أي إنكاري عليهم إذ ~~أهلكتهم. # ثم نبه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب بقوله { أولم يروا ~~إلى الطير } جمع طائر { فوقهم } في الهواء { صافت } ~~باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن { ويقبضن } ويضممنها إذا ضربن ~~بها جنوبهن. و { يقبضن } معطوف على اسم الفاعل حملا على المعنى أي يصففن ~~ويقبضن، أو صافات وقابضات. واختيار هذا التركيب باعتبار أن أصل الطيران ~~هو صف الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والهواء للطائر ~~كالماء للسابح. والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء ~~على البسط للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طارىء بلفظ الفعل على ~~معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح { ~~ما يمسكهن } عن الوقوع عند القبض والبسط { إلا الرحمن ~~} بقدرته وإلا فالثقيل يتسفل طبعا ولا يعلو، وكذا لو أمسك حفظه وتدبيره ~~عن العالم لتهافتت الأفلاك و { ما يمسكهن } مستأنف وإن جعل حالا ~~من الضمير في { يقبضن } يجوز { إنه بكل شىء بصير } يعلم ~~كيف يخلق وكيف يدبر العجائب. ### || [67.20-30] # { أمن } مبتدأ خبره { هذا } ويبدل من { هذا } { الذى ~~هو جند لكم } ومحل { ينصركم من دون الرحمن } رفع ~~نعت ل { جند } محمول على اللفظ والمعنى من المشار إليه بالنصر غير ~~الله تعالى { إن الكفرون إلا فى غرور } أي ما هم إلا في ~~غرور ms1483 { أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه } ~~أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه وهذا على التقدير، ~~ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ~~ويرزقون ببركة آلهتهم فكأنهم الجند الناصر والرازق. فلما لم يتعظوا أضرب ~~عنهم فقال { بل لجوا } تمادوا { فى عتو } استكبار عن الحق { ~~ونفور } وشراد عنه لثقله عليهم فلم يتبعوه. ثم ضرب مثلا للكافرين ~~والمؤمنين فقال { أفمن يمشى مكبا على وجهه } أي ساقطا ~~على وجهه يعثر كل ساعة ويمشي معتسفا وخبر من { أهدى } أرشد. فأكب ~~مطاوع كبه يقال: كببته فأكب { أمن يمشى سويا } مستويا منتصبا ~~سالما من العثور والخرور { على صرط مستقيم } على طريق ~~مستو. وخبر { من } محذوف لدلالة { أهدى } عليه، وعن الكلي: عني ~~بالمكب أو جهل، وبالسوي النبي عليه السلام { قل هو الذى ~~أنشأكم } خلقكم ابتداء { وجعل لكم السمع والأبصر ~~والأفئدة } خصها لأنها آلات العلم { قليلا ما تشكرون } ~~هذه النعم لأنكم تشركون بالله ولا تخلصون له العبادة، والمعنى تشكرون ~~شكرا قليلا و«ما» زائدة. وقيل: القلة عبارة عن العدم { قل هو ~~الذى ذرأكم } خلقكم { فى الأرض وإليه تحشرون } ~~للحساب والجزاء. # { ويقولون } أي الكافرون للمؤمنين استهزاء { متى هذا ~~الوعد } الذي تعدوننا به يعني العذاب { إن كنتم صدقين } في ~~كونه فأعلمونا زمانه { قل إنما العلم } أي علم وقت العذاب { ~~عند الله وإنما أنا نذير } مخوف { مبين } أبين لكم ~~الشرائع { فلما رأوه } أي الوعد يعني العذاب الموعود { زلفة ~~} قريبا منهم وانتصابها على الحال { سيئت وجوه الذين ~~كفروا } أي ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علتها الكآبة والمساءة ~~وغشيتها القترة والسواد { وقيل هذا الذى } القائلون الزبانية ~~{ كنتم به تدعون } تفتعلون من الدعاء أي تسألون تعجيله وتقولون ~~ائتنا بما تعدنا، أو هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون ~~وقرأ يعقوب { تدعون }. # { قل أرءيتم إن أهلكنى الله } أي أماتني الله كقوله # إن امرؤ هلك # [النساء: 176] { ومن معى } من أصحابي { أو رحمنا } أو أخر ~~في آجالنا { فمن يجير } ينجي { الكفرين من عذاب أليم ~~} مؤلم. ms1484 كان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~المؤمنين بالهلاك فأمر بأن يقول لهم: نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين، ~~إما أن نهلك كما تتمنون فتقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة عليكم متربصون ~~لإحدى الحسنيين، إما أن نهلك كما تتمنون فتقلب إلى الجنة، أو نرحم ~~بالنصرة عليكم كما نرجو، فأنتم ما تصنعون من مجيركم وأنتم كافرون من ~~عذاب النار لا بد لكم منه { قل هو الرحمن } أي الذي أدعوكم ~~إليه الرحمن { ءامنا به } صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم { ~~وعليه توكلنا } فوضنا إليه أمورنا { فستعلمون } إذا ~~نزل بكم العذاب وبالياء: علي { من هو فى ضلل مبين } نحن أم ~~أنتم { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا } غائرا ~~ذاهبا في الأرض لا تناله الدلاء، وهو وصف بالمصدر كعدل بمعنى عادل { ~~فمن يأتيكم بماء معين } جار يصل إليه من أراده. # وتليت عند ملحد فقال: يأتي بالمعول والمعن فذهب ماء عينه في تلك الليلة ~~وعمي. وقيل: إنه محمد بن زكريا المتطبب زادنا الله بصيرة. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-20] # مكية وهي اثنتان وخمسون # آية بسم الله الرحمن الرحيم # { ن } الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم. وأما قول الحسن: ~~إنه الدواة، وقول ابن عباس: إنه الحوت الذي عليه الأرض واسمه بهموت، ~~فمشكل لأنه لا بد له من الإعراب سواء كان اسم جنس أو اسم علم، فالسكون ~~دليل على أنه من حروف المعجم { والقلم } أي ما كتب به اللوح، أو قلم ~~الملائكة، أو الذي يكتب به الناس، أقسم به لما فيه من المنافع والفوائد ~~التي لا يحيط بها الوصف { وما يسطرون } أي ما يسطره الحفظة أو ما ~~يكتب به من الخير من كتب. و«ما» موصولة أو مصدرية، وجواب القسم { ما ~~أنت بنعمة ربك } أي بإنعامه عليك بالنبوة وغيرها ف { أنت } ~~اسم «ما» وخبرها { بمجنون } و { بنعمة ربك } اعتراض بين ~~الاسم والخبر، والباء في { بنعمة ربك } تتعلق بمحذوف ومحله النصب ~~على الحال والعامل فيها { بمجنون } وتقديره: ما أنت بمجنون منعما ~~عليك ms1485 بذلك. ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد ~~النفي وهو جواب قولهم # وقالوا يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # [الحجر: 6] { وإن لك } على احتمال ذلك والصبر عليه { لأجرا } ~~لثوابا { غير ممنون } غير مقطوع أو غير ممنون عليك به { ~~وإنك لعلى خلق عظيم } قيل: هو ما أمره الله تعالى به في ~~قوله: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين # [الأعراف: 199]. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن أي ما فيه ~~من مكارم الأخلاق. وإنما استعظم خلقه لأنه جاد بالكونين وتوكل على ~~خالقهما. # { فستبصر ويبصرون } أي عن قريب ترى ويرون وهذا وعد له ووعيد ~~لهم { بأييكم المفتون } المجنون لأنه فتن أي محن بالجنون، ~~والباء مزيدة، أو المفتون مصدر كالمعقول أي بأيكم الجنون. وقال الزجاج: ~~الباء بمعنى «في» تقول: كنت ببلد كذا أي في بلد كذا، وتقديره في أيكم ~~المفتون أي في أي الفريقين منكم المجنون: فريق الإسلام أو فريق الكفر؟ { ~~إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } أي هو أعلم ~~بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله { وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي هو أعلم بالعقلاء هم والمهتدون { فلا تطع ~~المكذبين } تهييج للتصميم على معاصاتهم وقد أرادوه على أن يعبد ~~الله مدة وآلهتهم مدة ويكفوا عنه غوائلهم { ودوا لو تدهن } لو ~~تلين لهم { فيدهنون } فيلينون لك. ولم ينصب بإضمار «أن» وهو جواب ~~التمني لأنه عدل به إلى طريق آخر، وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم ~~يدهنون أي فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك. # { ولا تطع كل حلاف } كثير الحلف في الحق والباطل وكفى به ~~مزجرة لمن اعتاد الحلف { مهين } حقير في الرأي والتمييز من المهانة ~~وهي القلة والحقارة، أو كذاب لأنه حقير عند الناس { هماز } عياب طعان ~~مغتاب { مشاء بنميم } نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه ~~السعاية والإفساد بينهم، والنميم والنميمة: السعاية { مناع ~~للخير } بخيل، والخير: المال أو مناع أهله من الخير وهو الإسلام، ~~والمراد الوليد بن المغيرة عند الجمهور وكان ms1486 يقول لبنيه العشرة: من أسلم ~~منكم منعته رفدي { معتد } مجاوز في الظلم حده { أثيم } كثير ~~الآثام { عتل } غليظ جاف { بعد ذلك } بعدما عد له من المثالب { ~~زنيم } دعي. وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ~~ثمان عشرة سنة من مولده. وقيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، ~~والنطفة إذا خبثت الناشىء منها. روي أنه دخل على أمه وقال: إن محمدا ~~وصفني بعشر صفات، وجدت تسعا في، فأما الزنيم فلا علم لي به، فإن ~~أخبرتني بحقيقته وإلا ضربت عنقك. فقالت: إن أباك عنين وخفت أن يموت فيصل ~~ماله إلى غير ولده فدعوت راعيا إلى نفسي فأنت من ذلك الراعي. # { أن كان ذا مال } متعلق بقوله { ولا تطع } أي ولا تطعه مع ~~هذه المثالب لأن كان ذا مال أي ليساره وحظه من الدنيا، ويجوز أن يتعلق ~~بما بعده أي لأن كان ذا مال { وبنين } كذب بآياتنا يدل عليه { إذا ~~تتلى عليه ءايتنا } أي القرآن { قال أسطير ~~الأولين } ولا يعمل فيه { قال } لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما ~~قبله. { أأن } حمزة وأبو بكر أي ألأن كان ذا مال كذب؟ { أأن } شامي ويزيد ~~ويعقوب وسهل. قالوا: لما عاب الوليد النبي صلى الله عليه وسلم كاذبا ~~باسم واحد وهو المجنون سماه الله تعالى بعشرة أسماء صادقا، فإن كان من ~~عد له أن يجزي المسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، كان من ~~فضله أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرا { سنسمه } ~~سنكويه { على الخرطوم } على أنفه مهانة له وعلما يعرف به، وتخصيص ~~الأنف بالذكر لأن الوسم عليه أبشع. وقيل: خطم بالسيف يوم بدر فبقيت سمة ~~على خرطومه. # { إنا بلونهم } امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع حتى أكلوا ~~الجيف والرمم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف " # { كما بلونا أصحب الجنة } هم قوم من أهل الصلات كانت ~~لأبيهم هذه الجنة بقرية يقال لها ضروان وكانت ms1487 على فرسخين من صنعاء، ~~وكان يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي على الفقراء. # فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن ~~أولو عيال، فحلفوا ليصرمنها مصبحين في السدف خيفة من المساكين ولم ~~يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله جنتهم. وقال الحسن: كانوا كفارا. ~~والجمهور على الأول { إذ أقسموا } حلفوا { ليصرمنها } ~~ليقطعن ثمرها { مصبحين } داخلين في الصبح قبل انتشار الفقراء، حال ~~من فاعل { ليصرمنها } { ولا يستثنون } ولا يقولون إن ~~شاء الله. وسمي استثناء وإن كان شرطا صورة لأنه يؤدي مؤدي الاستثناء من ~~حيث إن معنى قولك «لأخرجن إن شاء الله» و«لا أخرج إلا أن يشاء الله» واحد ~~{ فطاف عليها طائف من ربك } نزل عليها بلاء. قيل: أنزل ~~الله تعالى عليها نارا فأحرقتها { وهم نائمون } أي في حال نومهم ~~{ فأصبحت } فصارت الجنة { كالصريم } كالليل المظلم أي احترقت ~~فاسودت، أو كالصبح أي صارت أرضا بيضاء بلا شجر. وقيل: كالمصرومة أي ~~كأنها صرمت لهلاك ثمرها. ### || [68.21-43] # { فتنادوا مصبحين } نادى بعضهم بعضا عند الصباح { أن ~~اغدوا } باكروا { على حرثكم } ولم يقل «إلى حرثكم» لأن الغدو ~~إليه ليصرموه كان غدوا عليه أو ضمن الغدو معنى الإقبال أي فأقبلوا على ~~حرثكم باكرين { إن كنتم صرمين } مريدين صرامه { فانطلقوا ~~} ذهبوا { وهم يتخفتون } يتسارون فيما بينهم لئلا يسمعوا ~~المساكين { أن لا يدخلنها } أي الجنة و«إن» مفسرة وقرىء بطرحها ~~بإضمار القول أي يتخافتون يقولون لا يدخلنها { اليوم عليكم ~~مسكين } والنهي عن دخول المساكين. نهى عن التمكين أي لا تمكنوه من ~~الدخول. # { وغدوا على حرد } على جد في المنع { قدرين } عند ~~أنفسكم على المنع كذا عن نفطويه، أو الحرد القصد والسرعة أي وغدوا قاصدين ~~إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وزي منفعتها عن منفعتها عن ~~المساكين، أو هو علم للجنة أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند ~~أنفسهم. # { فلما رأوها } أي جنتهم محترقة { قالوا } في بديهة وصولهم { ~~إنا لضالون } أي ضللنا جنتنا وما هي بها لما رأوا من هلاكها، ~~فلما تأملوا وعرفوا ms1488 أنها هي قالوا { بل نحن محرومون } حرمنا ~~خيرها لجنايتنا على أنفسنا { قال أوسطهم } أعدلهم وخيرهم { ~~ألم أقل لكم لولا تسبحون } هلا تستثنون إذ الاستثناء ~~التسبيح لالتقائهما في معنى التعظيم لله، لأن الاستثناء تفويض إليه ~~والتسبيح تنزيه له، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم. أو لولا تذكرون ~~الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم! كان أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك: ~~اذكروا الله وانتقامه من المجرمين وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة فعصوه ~~فعيرهم ولهذا { قالوا سبحن ربنا إنا كنا ظلمين } ~~فتكلموا بعد خراب البصرة بما كان يدعوهم إلى التكلم به أولا، وأقروا على ~~أنفسهم بالظلم في منع المعروف وترك الاستثناء ونزهوه عن أن يكون ظالما { ~~فأقبل بعضهم على بعض يتلومون } يلوم بعضهم بعضا ~~بما فعلوا من الهرب من المساكين، ويحيل كل واحد منهم اللائمة على الآخر. # ثم اعترفوا جميعا بأنهم تجاوزوا الحد بقوله { قالوا يويلنا ~~إنا كنا طغين } بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء { عسى ~~ربنا أن يبدلنا } وبالتشديد: مدني وأبو عمرو { خيرا منها ~~} من هذه الجنة { إنا إلى ربنا رغبون } طالبون منه الخير ~~راجون لعفوه. عن مجاهد: تابوا فأبدلوا خيرا منها. وعن ابن مسعود رضي ~~الله عنه: بلغني أنهم أخلصوا فأبدلهم بها جنة تسمى الحيوان فيها عنب يحمل ~~البغل منه عنقودا { كذلك العذاب } أي مثل ذلك العذاب الذي ~~ذكرناه من عذاب الدنيا لمن سلك سبيلهم { ولعذاب الآخرة أكبر ~~} أعظم منه { لو كانوا يعلمون } لما فعلوا ما يفضي إلى هذا ~~العذاب. # ثم ذكر ما عنده للمؤمنين فقال: # { إن للمتقين } عن الشرك { عند ربهم } أي في الآخرة { ~~جنت النعيم } جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص بخلاف جنات ~~الدنيا { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } استفهام إنكار ~~على قولهم لو كان ما يقول محمد حقا فنحن نعطي في الآخرة خيرا مما يعطي ~~هو ومن معه كما في الدنيا. فقيل لهم: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين ~~كالكافرين؟ ثم قيل لهم على طريقة الالتفات { ما لكم كيف ~~تحكمون } هذا الحكم الأعوج وهو التسوية بين المطيع والعاصي، كأن أمر ~~الجزاء ms1489 مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم { أم لكم كتب } من ~~السماء { فيه تدرسون } تقرؤون في ذلك الكتاب { إن لكم فيه لما ~~تخيرون } أي إن ما تختارونه وتشتهونه لكم. والأصل تدرسون أن لكم ما ~~تخيرون بفتح «أن» لأنه مدروس لوقوع الدرس عليه، وإنما كسرت لمجيء اللام، ~~ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو كقوله: # وتركنا عليه فى الآخرين * سلم على نوح # [الصافات: 78-79]. وتخير الشيء واختاره أخذ خيره { أم لكم ~~أيمن علينا } عهود مؤكدة بالأيمان { بلغة } نعت { ~~أيمن } ويتعلق { إلى يوم القيمة } ببالغة أي أنها ~~تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم ~~عليه من التحكيم، أو بالمقدر في الظرف أي هي ثابتة لكم علينا إلى يوم ~~القيامة لا تخرج من عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون { ~~إن لكم لما تحكمون } به لأنفسكم وهو جواب القسم لأن معنى { ~~أم لكم أيمن علينا } أم أقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية ~~في التوكيد. # { سلهم } أي المشركين { أيهم بذلك } الحكم { زعيم } كفيل ~~بأنه يكون ذلك { أم لهم شركاء } أي ناس يشاركونهم في هذا القول ~~ويذهبون مذهبهم فيه { فليأتوا بشركائهم إن كانوا ~~صدقين } في دعواهم يعني أن أحدا لا يسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه ~~كما أنه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد به عند الله، ولا زعيم لهم يضمن ~~لهم من الله بهذا { يوم يكشف عن ساق } ناصب الظرف { ~~فليأتوا } أو «اذكر» مضمرا. والجمهور على أن الكشف عن الساق عبارة ~~عن شدة الأمر وصعوبة الخطب، فمعنى { يوم يكشف عن ساق } يوم ~~يشتد الأمر ويصعب ولا كشف ثمة ولا ساق، ولكن كنى به عن الشدة لأنهم إذا ~~ابتلوا بشدة كشفوا عن الساق، وهذا كما نقول: للأقطع الشحيح يده مغلولة، ~~ولا يد ثمة ولا غل، وإنما هو كناية عن البخل. وأما من شبه فلضيق عطنه ~~وقلة نظره في علم البيان، ولو كان الأمر كما زعم المشبه لكان من حق الساق ~~أن تعرف لأنها ساق معهودة عنده { ويدعون ms1490 } أي الكفار ثمة { إلى ~~السجود } لا تكليف ولكن توبيخا على تركهم السجود في الدنيا { فلا ~~يستطيعون } ذلك لأن ظهورهم تصير كصياصي البقر لا تنثني عند الخفض ~~والرفع { خشعة } ذليلة حال من الضمير في { يدعون } { ~~أبصرهم } أي يدعون في حال خشوع أبصارهم { ترهقهم ذلة } ~~يغشاهم صغار { وقد كانوا يدعون } على ألسن الرسل { إلى ~~السجود } في الدنيا { وهم سلمون } أي وهم أصحاء فلا يسجدون ~~فلذلك منعوا عن السجود ثم. ### || [68.44-52] # { فذرنى }. يقال: ذرني وإياه أي كله إلي فإني أكفيكه { ومن ~~يكذب } معطوف على المفعول أو مفعول معه { بهذا الحديث } ~~بالقرآن، والمراد كل أمره إلي وخل بيني وبينه فإني عالم بما ينبغي أن ~~يفعل به، مطيق له، ولا تشغل قلبك بشأنه وتوكل علي في الانتقام منه، ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد للمكذبين { ~~سنستدرجهم } سندنيهم من العذاب درجة درجة. يقال: استدرجه إلى كذا ~~أي استنزله إليه درجة فدرجة حتى يورطه فيه، واستدراج الله تعالى العصاة ~~أن يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازياد المعاصي { ~~من حيث لا يعلمون } من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج. ~~قيل: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها. قال عليه السلام # " إذا رأيت الله تعالى ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه ~~مستدرج وتلا الآية " # { وأملى لهم } وأمهلهم { إن كيدى متين } قوي شديد فسمى ~~إحسانه وتمكينه كيدا كما سماه استدراجا لكونه في صورة الكيد حيث كان ~~سببا للهلاك. والأصل أن معنى الكيد والمكر والاستدراج هو الأخذ من جهة ~~الأمن، ولا يجوز أن يسمى الله كائدا وماكرا ومستدرجا. # { أم تسئلهم } على تبليغ الرسالة { أجرا فهم من ~~مغرم } غرامة { مثقلون } فلا يؤمنون استفهام بمعنى النفي أي ~~لست تطلب أجرا على تبليغ الوحي فيثقل عليهم ذلك فيمتنعوا لذلك { أم ~~عندهم الغيب } أي اللوح المحفوظ عند الجمهور { فهم ~~يكتبون } منه ما يحكمون به { فاصبر لحكم ربك } وهو ~~إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم لأنهم وإن أمهلوا لم يهملوا { ولا تكن ~~كصحب الحوت } كيونس عليه السلام في العجلة ms1491 والغضب على القوم حتى ~~لا تبتلى ببلائه. والوقف على الحوت لأن «إذ» ليس بظرف لما تقدمه، إذ ~~النداء طاعة فلا ينهى عنه بل مفعول محذوف أي اذكر { إذ نادى } دعا ~~ربه في بطن الحوت ب # لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين # [الأنبياء: 87] { وهو مكظوم } مملوء غيظا من كظم السقاء إذا { ~~لولا أن تداركه نعمة } رحمة { من ربه } أي لولا أن ~~الله أنعم عليه بإجابة دعائه وقبول عذره { لنبذ } من بطن الحوت { ~~بالعرآء } بالفضاء { وهو مذموم } معاتب بزلته لكنه رحم فنبذ ~~غير مذموم { فاجتبه ربه } اصطفاه لدعائه وعذره { فجعله ~~من الصلحين } من المستكملين لصفات الصلاح ولم يبق له زلة. وقيل: ~~من الأنبياء. وقيل: من المرسلين. والوجه هو الأول لأنه كان مرسلا ونبيا ~~قبله لقوله تعالى: # وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون # [الصافات: 139-140]. الآيات. # { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصرهم ~~} وبفتح الياء: مدني. «إن» مخففة من الثقيلة واللام علمها. زلقة وأزلقة ~~أزاله عن مكانه أي قارب الكفار من شدة نظرهم إليك شزرا بعيون العداوة أن ~~يزيلوك بأبصارهم عن مكانك، أو يهلكوك لشدة حنقهم عليك. وكانت العين في ~~بني أسد فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم ~~أر كاليوم مثله إلا هلك. فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله ~~مثل ذلك فقال: لم أر كاليوم مثله رجلا فعصمه الله من ذلك. وفي الحديث: # " العين حق وإن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر " # وعن الحسن: رقية العين هذه الآية: { لما سمعوا الذكر } القرآن ~~{ ويقولون } حسدا على ما أوتيت من النبوة { إنه لمجنون } ~~إن محمدا لمجنون حيرة في أمره وتنفيرا عنه { وما هو } أي القرآن { ~~إلا ذكر } وعظ { للعلمين } للجن والإنس يعني أنهم جننوه ~~لأجل القرآن وما القرآن إلا موعظة للعالمين، فكيف يجنن من جاء بمثله؟ ~~وقيل: لما سمعوا الذكر أي ذكره عليه السلام وما هو أي محمد عليه ~~السلام إلا ذكر شرف للعالمين فكيف ينسب إليه الجنون؟ والله أعلم. ms1492 ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-23] # { الحاقة } الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ~~ريب فيها، من حق يحق بالكسر أي وجب { ما الحاقة } مبتدأ وخبر وهما ~~خبر { الحاقة } والأصل الحاقة ما هي أي أي شيء هي تفخيما لشأنها ~~وتعظيما لهولها أي حقها أن يستفهم عنها لعظمها، فوضع الظاهر موضع الضمير ~~لزيادة التهويل { وما أدراك } وأي شيء أعلمك { ما الحاقة } ~~يعني أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها، لأنه من العظم والشدة بحيث لا ~~تبلغه دراية المخلوقين. و «ما» رفع بالابتداء و { أدراك } الخبر، ~~والجملة بعده في موضع نصب لأنها مفعول ثان ل «أدرى» { كذبت ~~ثمود وعاد بالقارعة } أي بالحاقة فوضعت القارعة موضعها لأنها ~~من أسماء القيامة، وسميت بها لأنها تقرع الناس بالأفزاع والأهوال. ولما ~~ذكرها وفخمها أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب ~~تذكيرا لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم. # { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } بالواقعة المجاوزة ~~للحد في الشدة. واختلف فيها فقيل الرجفة، وقيل الصيحة، وقيل الطاغية مصدر ~~كالعافية أي بطغيانهم، ولكن هذا لا يطابق قوله { وأما عاد ~~فأهلكوا بريح } أي بالدبور لقوله صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # { صرصر } شديدة الصوت من الصرة الصيحة، أو باردة من الصر كأنها التي ~~كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها { عاتية } شديد العصف أو ~~عتت على خزانها فلم يضبطوها بإذن الله غضبا على أعداء الله { سخرها ~~} سلطها { عليهم سبع ليال وثمنية أيام } وكان ~~ابتداء العذاب يوم الأربعاء آخر الشهر إلى الأربعاء الأخرى { حسوما } ~~أي متتابعة لا تنقطع جمع حاسم كشهود تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم ~~في إعادة الكي على الداء بعد أخرى حتى ينحسم، وجاز أن يكون مصدرا أي ~~تحسم حسوما بمعنى تستأصل استئصالا { فترى } أيها المخاطب { ~~القوم فيها } في مهابها أو في الليالي والأيام { صرعى } حال ~~جمع صريع { كأنهم } حال أخرى { أعجاز } أصول { نخل } جمع ~~نخلة { خاوية } ساقطة أو بالية { فهل ترى لهم من باقية ~~} من نفس باقية أو من ms1493 بقاء كالطاغية بمعنى الطغيان. # { وجاء فرعون ومن قبله } ومن تقدمه من الأمم { ومن ~~قبله } بصري وعلي أي ومن عنده من أتباعه { والمؤتفكت } قرى ~~قوم لوط فهي ائتفكت أي انقلبت بهم { بالخاطئة } بالخطأ أو بالفعلة ~~أو بالأفعال ذات الخطأ العظيم { فعصوا } أي قوم لوط { رسول ~~ربهم } لوطا { فأخذهم أخذة رابية } شديدة زائدة في ~~الشدة كما زادت قبائحهم في القبح { إنا لما طغا الماء } ارتفع ~~وقت الطوفان على أعلى جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعا { حملنكم } ~~أي آباءكم { فى الجارية } في سفينة نوح عليه السلام { ~~لنجعلها } أي الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين { لكم ~~تذكرة } عبرة وعظة { وتعيها } وتحفظها { أذن } بضم الذال: ~~غير نافع { وعية } حافظة لما تسمع. # قال قتادة: وهي أذن عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت. # { فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة } هي النفخة الأولى ~~ويموت عندها الناس، والثانية يبعثون عندها { وحملت الأرض ~~والجبال } رفعتا عن موضعهما { فدكتا دكة وحدة } دقتا ~~وكسرتا أي ضرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيبا مهيلا وهباء منبثا { ~~فيومئذ } فحينئذ { وقعت الواقعة } نزلت النازلة وهي ~~القيامة، وجواب «إذا» { وقعت } و { يومئذ } بدل من «إذا» { ~~وانشقت السماء } فتحت أبوابا { فهى يومئذ واهية } ~~مسترخية ساقطة القوة بعد ما كانت محكمة { والملك } للجنس بمعنى ~~الجمع وهو أعم من الملائكة { على أرجائها } جوانبها واحدها رجا ~~مقصور لأنها إذا انشقت وهي مسكن الملائكة فيلجؤن إلى أطرافها { ~~ويحمل عرش ربك فوقهم } فوق الملك الذين على أرجائها { ~~يومئذ ثمنية } منهم، واليوم تحمله أربعة وزيدت أربعة أخرى ~~يوم القيامة. وعن الضحاك: ثمانية صفوف. وقيل: ثمانية أصناف. # { يومئذ تعرضون } للحساب، والسؤال شبه ذلك بعرض السلطان ~~العسكر لتعرف أحواله { لا تخفى منكم خافية } سريرة وحال ~~كانت تخفى في الدنيا. وبالياء: كوفي غير عاصم. وفي الحديث: # " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما ~~الثالثة فعندها تطير الصحف فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه ~~بشماله " # { فأما } تفصيل للعرض { من أوتى كتبه بيمينه ~~فيقول } سرورا به لما يرى فيه من الخيرات خطابا لجماعته { هاؤم ms1494 ~~} اسم للفعل أي خذوا { اقرؤا كتبيه } تقديره هاؤم كتابي اقرؤا ~~كتابيه فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، والعامل في { كتبيه } { ~~اقرءوا } عند البصريين لأنهم يعملون الأقرب. والهاء في { كتبيه } و ~~{ حسابيه } و { ماليه } و { سلطنيه } للسكت، وحقها أن ~~تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقد استحب إيثار الوقف إيثارا لثباتها ~~لثبوتها في المصحف { إنى ظننت } علمت. وإنما أجرى الظن مجرى العلم، ~~لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام، ولأن ما يدرك ~~بالاجتهاد فلما يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي إلى الظنون، فجاز ~~إطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلو عنه { أنى ملق حسابيه } ~~معاين حسابي { فهو فى عيشة راضية } ذات رضا يرضى بها صاحبها ~~كلابن { فى جنة عالية } رفيعة المكان أو رفيعة الدرجات أو رفيعة ~~المباني والقصور وهو خبر بعد خبر { قطوفها دانية } ثمارها قريبة ~~من مريدها ينالها القائم والقاعد والمتكىء يقال لهم: ### || [69.24-52] # { كلوا واشربوا هنيئا } أكلا هنيئا لا مكروه فيهما ولا ~~أذى أو هنئتم هنيئا على المصدر { بما أسلفتم } بما قدمتم من ~~الأعمال الصالحة { فى الأيام الخالية } الماضية من أيام ~~الدنيا. وعن ابن عباس: هي في الصائمين أي كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن ~~الأكل والشرب لوجه الله. # { وأما من أوتى كتبه بشماله فيقول يليتنى ~~لم أوت كتبيه } لما يرى فيها من الفضائح { ولم أدر ما ~~حسابيه } أي يا ليتني لم أعلم ما حسابي { يليتها } يا ليت ~~الموتة التي متها { كانت القاضية } أي القاطعة لأمري فلم أبعث ~~بعدها ولم ألق ما ألقي { ما أغنى عنى ماليه } أي لم ينفعني ~~ما جمعته في الدنيا، ف «ما» نفي والمفعول محذوف أي شيئا { هلك عنى ~~سلطنيه } ملكي وتسلطي على الناس وبقيت فقيرا ذليلا. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: ضلت عني حجتي أي بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في ~~الدنيا فيقول الله تعالى لخزنة جهنم { خذوه فغلوه } أي اجمعوا ~~يديه إلى عنقه { ثم الجحيم صلوه } أي أدخلوه يعني ثم لا تصلوه ~~إلا الجحيم وهي النار العظمى، أو نصب { الجحيم ms1495 } بفعل يفسره { ~~صلوه } { ثم فى سلسلة ذرعها } طولها { سبعون ~~ذراعا } بذراع الملك. عن ابن جريج: وقيل لا يعرف قدرها إلا الله { ~~فاسلكوه } فأدخلوه. والمعنى في تقدم السلسلة على السلك مثله في ~~تقديم الجحيم على التصلية. # { إنه } تعليل كأنه قيل: ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بأنه ~~{ كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على ~~طعام المسكين } على بذل طعام المسكين، وفيه إشارة إلى أنه كان لا ~~يؤمن بالبعث لأن الناس لا يطلبون من المساكين الجزاء فيما يطعمونهم وإنما ~~يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن ~~له ما يحمله على إطعامهم أي أنه مع كفره لا يحرض غيره على إطعام ~~المحتاجين، وفيه دليل قوي على عظم جرم حرمان المسكين لأنه عطفه على الكفر ~~وجعله دليلا عليه وقرينة له، ولأنه ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك ~~الحض إذا كان بهذه المنزلة فتارك الفعل أحق. وعن أبي الدرداء أنه كان يحض ~~امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان ~~فلنخلع نصفها بهذا. وهذه الآيات ناطقة على أن المؤمنين يرحمون جميعا، ~~والكافرين لا يرحمون لأنه قسم الخلق نصفين فجعل صنفا منهم أهل اليمين ~~ووصفهم بالإيمان فحسب بقوله { إنى ظننت أنى ملق حسابيه ~~} وصنفا منهم أهل الشمال ووصفهم بالكفر بقوله { إنه كان لا ~~يؤمن بالله العظيم } وجاز أن الذي يعاقب من المؤمنين إنما ~~يعاقب قبل أن يؤتى كتابه بيمينه { فليس له اليوم ههنا ~~حميم } قريب يرفع عنه ويحترق له قلبه { ولا طعام إلا من ~~غسلين } غسالة أهل النار، فعلين من الغسل، والنون زائدة وأريد به هنا ~~ما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم { لا يأكله إلا ~~الخطئون } الكافرون أصحاب الخطايا وخطىء الرجل إذا تعمد الذنب. # { فلا أقسم بما تبصرون } من الأجسام والأرض والسماء. # { وما لا تبصرون } من الملائكة والأرواح فالحاصل أنه أقسم بجميع ~~الأشياء { إنه } أي إن القرآن { لقول رسول كريم } أي محمد ~~صلى الله عليه وسلم أو جبريل عليه السلام أي بقوله ويتكلم ms1496 به على وجه ~~الرسالة من عند الله { وما هو بقول شاعر } كما تدعون { ~~قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن } كما تقولون { ~~قليلا ما تذكرون } وبالياء فيهما: مكي وشامي ويعقوب وسهل. ~~وبتخفيف الذال: كوفي غير أبي بكر. والقلة في معنى العدم يقال: هذه أرض ~~قلما تنبت أي لا تنبت أصلا، والمعنى لا تؤمنون ولا تذكرون البتة { ~~تنزيل } هو تنزيل بيانا لأنه قول رسول نزل عليه { من رب العالمين ~~ولو تقول علينا بعض الأقاويل } ولو ادعى علينا شيئا لم نقله { ~~لأخذنا منه باليمين } لقتلناه صبرا كما يفعل الملوك بمن ~~يتكذب عليهم معالجة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول، ~~وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته، وخص اليمين لأن القتال إذا أراد أن يوقع ~~الضرب في قفاه أخد بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف ~~ وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه، ومعنى لأخذنا منه ~~باليمين لأخدنا بيمينه، وكذا { ثم لقطعنا منه الوتين } ~~لقطعنا وتينه وهو نياط القلب إذا قطع مات صاحبه { فما منكم } الخطاب ~~للناس أو للمسلمين { من أحد } «من» زائدة { عنه } عن قتل محمد ~~وجمع { حجزين } وإن كان وصف { أحد } لأنه في معنى الجماعة ومنه ~~قوله تعالى # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] { وإنه } وإن القرآن { لتذكرة } لعظة { ~~للمتقين * وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ~~وإنه } وإن القرآن { لحسرة على الكفرين } به المكذبين ~~له إذا رأوا ثواب المصدقين به { وإنه } وإن القرآن { لحق ~~اليقين } لعين اليقين ومحض اليقين { فسبح باسم ربك ~~العظيم } فسبح الله بذكر اسمه العظيم وهو قوله سبحان الله. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-18] # مكية وهي أربع وأربعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { سأل سآئل } هو النضر بن الحرث قال: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] أو هو النبي صلى الله عليه وسلم دعا بنزول العذاب عليهم. ~~ولما ضمن سأل معنى دعا عدى تعديته كأنه قيل: دعا داع { بعذاب واقع ~~} من قولك: دعا ms1497 بكذا إذا استدعاه وطلبه ومنه قوله تعالى: # يدعون فيها بكل فكهة # [الدخان: 55]. و { سال } بغير همز: مدني وشامي وهو من السؤال أيضا إلا ~~أنه خفف بالتليين و { سائل } مهموز إجماعا { للكفرين } صفة ~~ل { عذاب } أي بعذاب واقع كائن للكافرين { ليس له } لذلك العذاب ~~{ دافع } راد { من الله } متصل بواقع أي واقع من عنده أو بدافع ~~أي ليس له دافع من جهته تعالى إذا جاء وقته { ذي المعارج } أي ~~مصاعد السماء للملائكة جمع معرج وهو موضع العروج. ثم وصف المصاعد وبعد ~~مداها في العلو والارتفاع فقال { تعرج } تصعد. وبالياء: علي { ~~الملئكة والروح } أي جبريل عليه السلام خصه بالذكر بعد ~~العموم لفضله وشرفه، أو خلق هم حفظة على الملائكة كما أن الملائكة حفظة ~~علينا، أو أرواح المؤمنين عند الموت { إليه } إلى عرشه ومهبط أمره { ~~فى يوم } من صلة تعرج { كان مقداره خمسين ألف سنة } ~~من سني الدنيا لو صعد فيه غير الملك، أو «من» صلة { واقع } أي يقع في ~~يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة، فإما أن يكون ~~استطالة له لشدته على الكفار، أو لأنه على الحقيقة كذلك فقد قيل فيه ~~خمسون موطنا كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر ~~والعصر. # { فاصبر } متعلق ب { سأل سائل } لأن استعجال النضر بالعذاب ~~إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتكذيب ~~بالوحي، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بالصبر ~~عليه { صبرا جميلا } بلا جزع ولا شكوى { إنهم } إن الكفار { ~~يرونه } أي العذاب أو يوم القيامة { بعيدا } مستحيلا { ~~ونراه قريبا } كائنا لا محالة، فالمراد بالبعيد من الإمكان ~~وبالقريب القريب منه. نصب { يوم تكون السماء } ب { قريبا } ~~أي يمكن في ذلك اليوم أو هو بدل عن { فى يوم } فيمن علقه ب { ~~واقع } { كالمهل } كدردي الزيت أو كالفضة المذابة في تلونها { ~~وتكون الجبال كالعهن } كالصوف المصبوغ ألوانا لأن الجبال ~~جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست ms1498 وطيرت في الجو اشبهت ~~العهن المنفوش إذا طيرته الريح { ولا يسئل حميم حميما } لا ~~يسأل قريب عن قريب لاشتغاله بنفسه. # وعن البزي والبرجمي: بضم الياء أي ولا يسأل قريب عن قريب أي لا يطالب به ~~ولا يؤخذ بذنبه. # { يبصرونهم } صفة أي حميما مبصرين معرفين إياهم، أو مستأنف ~~كأنه لما قال { ولا يسئل حميم حميما } قيل: لعله لا يبصره. ~~فقيل: يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم. والواو ضمير ~~الحميم الأول و «هم» ضمير الحميم الثاني أي يبصر الأحماء الأحماء فلا ~~يخفون عليهم. وإنما جمع الضميران وهما للحميمين لأن فعيلا يقع موقع ~~الجمع { يود المجرم } يتمنى المشرك وهو مستأنف، أو حال من ~~الضمير المرفوع، أو المنصوب من { يبصرونهم } { لو يفتدي ~~من عذاب يومئذ } وبالفتح: مدني وعلي على البناء للإضافة إلى ~~غير متمكن { ببنيه * وصحبته } وزوجته { وأخيه * ~~وفصيلته } وعشيرته الأدنين { التى تئويه } تضمه انتماء ~~إليها. وبغير همز: يزيد. { ومن فى الأرض جميعا } من الناس { ~~ثم ينجيه } الافتداء عطف على { يفتدى }. # { كلا } ردع للمجرم عن الودادة وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ~~ينجيه من العذاب { إنها } إن النار، ودل ذكر العذاب عليها، أو هو ~~ضمير مبهم ترجم عنه الخبر أو ضمير القصة { لظى } علم للنار { ~~نزاعة } حفص والمفضل على الحال المؤكدة، أو على الاختصاص للتهويل. ~~وغيرهما بالرفع خبر بعد خبر ل «إن» أو على «هي نزاعة» { للشوى } ~~لأطراف الإنسان كاليدين والرجلين، أو جمع شواة وهي جلدة الرأس تنزعها ~~نزعا فتفرقها ثم تعود إلى ما كانت { تدعوا } بأسمائهم يا كافر يا ~~منافق إلي إلي، أو تهلك من قولهم دعاك الله أي أهلكك، أو لما كان مصيره ~~إليها جعلت كأنها دعته { من أدبر } عن الحق { وتولى } عن ~~الطاعة { وجمع } المال { فأوعى } فجعله في وعاء ولم يؤد حق الله ~~منه. ### || [70.19-44] # { إن الإنسن } أريد به الجنس ليصح استثناء المصلين منه { خلق ~~هلوعا } عن ابن عباس رضي الله عنهما: تفسيره ما بعده { إذا مسه ~~الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } والهلع: سرعة ~~الجزع عند مس المكروه ms1499 وسرعة المنع عند مس الخير. وسأل محمد بن عبد الله ~~بن طاهر ثعلبا عن الهلع فقال: قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين ~~من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ~~ومنعه الناس، وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه وموافقة شرعه. والشر: ~~الضر والفقر. والخير: السعة والغنى أو المرض والصحة { إلا ~~المصلين * الذين هم على صلاتهم } أي صلواتهم الخمس { ~~دائمون } أي يحافظون عليها في مواقيتها. وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~{ والذين فى أمولهم حق معلوم } يعني الزكاة لأنها ~~مقدرة معلومة أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة { ~~للسائل } الذي يسأل { والمحروم } الذي يتعفف عن السؤال فيحسب ~~غنيا فيحرم { والذين يصدقون بيوم الدين } أي يوم الجزاء ~~والحساب وهو يوم القيامة { والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون } خائفون. واعترض بقوله { إن عذاب ربهم غير ~~مأمون } بالهمز: سوى أبي عمرو أي لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الاجتهاد ~~والطاعة أن يأمنه وينبغي أن يكون مترجحا بين الخوف والرجاء. # { والذين هم لفروجهم حفظون * إلا على ~~أزوجهم } نسائهم { أو ما ملكت أيمنهم } أي إمائهم { ~~فإنهم غير ملومين } على ترك الحفظ { فمن ابتغى } طلب ~~منكحا { ورآء ذلك } أي غير الزوجات والمملوكات { فأولئك ~~هم العادون } المتجاوزون عن الحلال والحرام. وهذه الآية تدل على ~~حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم والاستمناء بالكف { والذين هم ~~لأمنتهم } { لأمانتهم } مكي، وهي تتناول أمانات الشرع ~~وأمانات العباد { وعهدهم } أي عهودهم ويدخل فيها عهود الخلق ~~والنذور والأيمان { رعون } حافظون غير خائنين ولا ناقضين. وقيل: ~~الأمانات ما تدل عليه العقول والعهد ما أتى به الرسول. # { والذين هم بشهدتهم } { بشهادتهم } سهل. وبالألف: حفص ~~وسهل ويعقوب. { قائمون } يقيمونها عند الحكام بلا ميل إلى قريب وشريف ~~وترجيح للقوي على الضعيف إظهارا للصلابة في الدين ورغبة في إحياء حقوق ~~المسلمين { والذين هم على صلاتهم يحافظون } كرر ذكر ~~الصلاة لبيان أنها أهم، أو لأن إحداهما للفرائض والأخرى للنوافل. وقيل: ~~الدوام عليها الاستكثار منها والمحافظة عليها أن لا تضيع ms1500 عن مواقيتها، أو ~~الدوام عليها أداؤها في أوقاتها والمحافظة عليها حفظ أركانها وواجباتها ~~وسننها وآدابها { أولئك } أصحاب هذه الصفات { فى جنت ~~مكرمون } هما خبران. # { فمال } كتب مفصولا اتباعا لمصحف عثمان رضي الله عنه { الذين ~~كفروا قبلك } نحوك معمول { مهطعين } مسرعين حال من { ~~الذين كفروا } { عن اليمين وعن الشمال } عن يمين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن شماله { عزين } حال أي فرقا شتى جمع ~~عزة وأصلها عزوة كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزى إليه الأخرى فهم ~~مفترقون. كان المشركون يحتفون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقا حلقا ~~وفرقا فرقا يستمعون ويستهزئون بكلامه ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما ~~يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت { أيطمع كل امرىء منهم ~~أن يدخل } بضم الياء وفتح الخاء: سوى المفضل { جنة نعيم } ~~كالمؤمنين { كلا } ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة { إنا ~~خلقنهم مما يعلمون } أي من النطفة المذرة ولذلك أبهم ~~إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم، ~~ويقولون لندخلن الجنة قبلهم؟ أو معناه: إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا ~~بني آدم كلهم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان فلم يطمع أن ~~يدخلها من لا إيمان له { فلا أقسم برب المشرق } مطالع ~~الشمس { والمغرب } ومغاربها { إنا لقدرون * على أن ~~نبدل خيرا منهم } على أن نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم وأطوع ~~لله { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين. # { فذرهم } فدع المكذبين { يخوضوا } في باطلهم { ويلعبوا ~~} في دنياهم { حتى يلقوا يومهم الذى يوعدون } فيه ~~العذاب { يوم } بدل من { يومهم } { يخرجون } بفتح الياء ~~وضم الراء: سوى الأعشى { من الأجداث } القبور { سراعا } جمع ~~سريع حال أي إلى الداعي { كأنهم } حال { إلى نصب } شامي وحفص ~~وسهل { نصب } المفضل. { نصب } غيرهم وهو كل ما نصب وعبد من دون ~~الله { يوفضون } يسرعون { خشعة } حال من ضمير { يخرجون } ~~أي ذليلة { أبصرهم } يعني لا يرفعونها لذلتهم { ترهقهم ~~ذلة } يغشاهم هوان { ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون } ~~في الدنيا وهم يكذبون به. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-28] # { إنا أرسلنا نوحا ms1501 } قيل: معناه بالسريانية الساكن { إلى ~~قومه أن أنذر } خوف أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل. ~~ومحله عند الخليل جر، وعند غيره نصب، أو «أن» مفسرة بمعنى «أي» لأن في ~~الإرسال معنى القول { قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم } عذاب الآخرة أو الطوفان { قال يقوم } أضافهم إلى نفسه ~~إظهارا للشفقة { إنى لكم نذير } مخوف { مبين } أبين لكم ~~رسالة الله بلغة تعرفونها { أن اعبدوا الله } وحدوه و «أن» هذه ~~نحو { أن أنذر } في الوجهين { واتقوه } واحذروا عصيانه { ~~وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما اضافه إلى نفسه لأن ~~الطاعة قد تكون لغير الله تعالى بخلاف العبادة { يغفر لكم } جواب ~~الأمر { من ذنوبكم } للبيان كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # [الحج: 30]. أو للتبعيض لأن ما يكون بينه وبين الخلق يؤاخذ به بعد ~~الإسلام كالقصاص وغيره كذا في شرح التأويلات. { ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى } وهو وقت موتكم { إن أجل الله } أي الموت { ~~إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } أي لو كنتم تعلمون ~~ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء أجلكم لآمنتم. قيل: إن الله تعالى قضى ~~مثلا أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن لم يؤمنوا أهلكهم على رأس ~~تسعمائة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي تبلغوا ألف سنة، ثم ~~أخبر أن الأجل إذا جاء لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت. وقيل: إنهم كانوا ~~يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام، ~~فكأنه عليه السلام أمنهم من ذلك ووعدهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل ~~الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا أي أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى أجل مسمى آمنين ~~من عدوكم. # { قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا } دائبا بلا ~~فتور { فلم يزدهم دعآءى إلا فرارا } عن طاعتك، ونسب ذلك ~~إلى دعائه لحصوله عنده وإن لم يكن الدعاء سببا للفرار في الحقيقة وهو ~~كقوله: # وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم # [التوبة: 125]. والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس وكان الرجل يذهب ~~بابنه إلى ms1502 نوح عليه السلام فيقول: احذر هذا فلا يغرنك فإن أبي قد وصاني ~~به { وإنى كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر ~~لهم } أي ليؤمنوا فتغفر لهم فاكتفى بذكر المسبب { جعلوا ~~أصبعهم فى * ءاذانهم } سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي { ~~واستغشوا ثيابهم } وتغطوا بثيابهم لئلا يبصرون كراهة النظر ~~إلى وجه من ينصحهم في دين الله { وأصروا } وأقاموا على كفرهم { ~~واستكبروا استكبارا } وتعظموا عن إجابتي، وذكر المصدر دليل ~~على فرط استكبارهم. # { ثم إنى دعوتهم جهرا } مصدر في موضع الحال أي مجاهرا، ~~أو مصدر دعوتهم ك «قعد القرفصاء» لأن الجهار أحد نوعي الدعاء يعني أظهرت ~~لهم الدعوة في المحافل { ثم إنى أعلنت لهم وأسررت ~~لهم إسرارا } أي خلطت دعاءهم بالعلانية بدعاء السر، فالحاصل أنه ~~دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، ~~وهكذا يفعل الآمر بالمعروف يبتدىء بالأهون ثم بالأشد فالأشد، فافتتح ~~بالمناصحة في السر فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث ~~بالجمع بين الإسرار والإعلان. و «ثم» تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار ~~أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. # { فقلت استغفروا ربكم } من الشرك لأن الاستغفار طلب ~~المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان عاصيا مؤمنا ~~فهو من الذنوب { إنه كان غفارا } لم يزل غفارا لذنوب من ينيب ~~إليه { يرسل السماء } المطر { عليكم مدرارا } كثيرة ~~الدرور ومفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث { ويمددكم بأمول ~~وبنين } يزدكم أموالا وبنين { ويجعل لكم جنت } بساتين ~~{ ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم، وكانوا ~~يحبون الأموال والأولاد فحركوا بهذا على الإيمان. وقيل: لما كذبوه بعد ~~طول تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو ~~سبعين، فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب ورفع عنهم ما كانوا فيه. ~~وعن عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار فقيل له: ما ~~رأيناك استسقيت! فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها ~~المطر. شبه عمر الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء وقرأ ms1503 الآيات. ~~وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله. وشكا إليه آخر ~~الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار. فقال ~~له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا فأمرتهم كلهم بالاستغفار ~~فتلا الآيات. # { ما لكم لا ترجون لله وقارا } لا تخافون لله عظمة. عن ~~الأخفش قال: والرجاء هنا الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف ومن اليأس ~~والوقار العظمة، أو لا تأملون له توقيرا أي تعظيما. والمعنى ما لكم لا ~~تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب { وقد ~~خلقكم أطوارا } في موضع الحال أي ما لكم لا تؤمنون بالله والحال ~~هذه، وهي حال موجبة للإيمان به لأنه خلقكم أطوارا أي تارات وكرات ~~خلقكم أولا نطفا ثم خلقكم علقا ثم خلقكم مضغا ثم خلقكم عظاما ~~ولحما، نبههم أولا على النظر في أنفسكم لأنها أقرب، ثم على النظر في ~~العالم وما سوى فيه من العجائب الدالة على الصانع بقوله { ألم ~~تروا كيف خلق الله سبع سموت طباقا } بعضا على ~~بعض { وجعل القمر فيهن نورا } أي في السماوات وهو في ~~السماء الدنيا، لأن بين السماوات ملابسة من حيث إنها طباق وجاز أن يقال ~~فيهن كذا وإن لم يكن في جميعهن كما يقال: في المدينة كذا وهو في بعض ~~نواحيها. # وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم. أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي ~~السماوات، وظهورهما مما يلي الأرض، فيكون نور القمر محيطا بجميع ~~السماوات لأنها لطيفة لا تحجب نوره { وجعل الشمس سراجا } ~~مصباحا يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما ~~يحتاجون إلى إبصاره، وضوء الشمس أقوى من نور القمر، وأجمعوا على أن الشمس ~~في السماء الرابعة { والله أنبتكم من الأرض } أنشأكم ~~استعير الإنبات للإنشاء { نباتا } فنبتم نباتا { ثم يعيدكم ~~فيها } بعد الموت { ويخرجكم } يوم القيامة { إخراجا } أكده ~~بالمصدر أي أي إخراج { والله جعل لكم الأرض بساطا } ~~مبسوطة { لتسلكوا منها } لتتقلبوا عليها كما يتقلب الرجل على ~~بساطه { سبلا ms1504 } طرقا { فجاجا } واسعة أو مختلفة. # { قال نوح رب إنهم عصونى } فيما أمرتهم به من الإيمان ~~والاستغفار { واتبعوا } أي السفلة والفقراء { من لم يزده ~~ماله وولده } أي الرؤساء وأصحاب الأموال والأولاد { وولده } ~~مكي وعراقي غير عاصم وهو جمع ولد كأسد وأسد { إلا خسارا } في ~~الآخرة. # { ومكروا } معطوف على { لم يزده } وجمع الضمير وهو راجع إلى ~~«من» لأنه في معنى الجمع. والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم احتيالهم في ~~الدنيا وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه وصدهم عن الميل إليه { مكرا ~~كبارا } عظيما وهو أكبر من الكبار وقرىء به وهو أكبر من الكبير { ~~وقالوا } أي الرؤساء لسفلتهم { لا تذرن ءالهتكم } على ~~العموم أي عبادتها { ولا تذرن ودا } بفتح الواو وضمها وهو ~~قراءة نافع، لغتان: صنم على صورة رجل { ولا سواعا } هو على صورة ~~امرأة { ولا يغوث } هو على صورة أسد { ويعوق } هو على صورة فرس ~~وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، وللتعريف والعجمة إن ~~كانا أعجميين { ونسرا } هو على صورة نسر أي هذه الأصنام الخمسة على ~~الخصوص، وكأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فخصوها بعد العموم، وقد ~~انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب؛ فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ~~ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين كان ~~الناس يقتدون بهم بين آدم ونوح، فلما ماتوا صوروهم ليكون ذلك أدعى لهم ~~إلى العبادة، فلما طال الزمان قال لهم إبليس: إنهم كانوا يعبدونهم ~~فعبدوهم { وقد أضلوا } أي الأصنام كقوله # إنهن أضللن # [ابراهيم: 36] { كثيرا } من الناس أو الرؤساء { ولا تزد ~~الظلمين } عطف على { رب إنهم عصونى } على حكاية كلام ~~نوح عليه السلام بعد { قال } وبعد الواو النائبة عنه، ومعناه قال رب ~~إنهم عصوني وقال لا تزد الظالمين أي قال هذين القولين وهما في محل النصب ~~لأنهما مفعولا { قال } { إلا ضلالا } هلاكا كقوله { ولا ~~تزد الظلمين إلا تبارا } { مما خطيئتهم } { ~~خطاياهم } أبو عمرو أي ذنوبهم { أغرقوا } بالطوفان { فأدخلوا ~~نارا } عظيمة وتقديم { مما خطيئتهم } لبيان أن لم يكن ~~إغراقهم بالطوفان وإدخالهم ms1505 في النيران إلا من أجل خطيئاتهم. وأكد هذا ~~المعنى بزيادة «ما» وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا، فإن كفر قوم نوح كان ~~واحدة من خطيئاتهم، وإن كانت كبراهن والفاء في { فادخلوا } للإيذان ~~بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب الإغراق فيكون دليلا على إثبات عذاب القبر { ~~فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ~~ويمنعونهم من عذاب الله. # { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكفرين ~~ديارا } أي أحدا يدور في الأرض وهو فيعال من الدور وهو من الأسماء ~~المستعملة في النفي العام { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { ~~يضلوا عبادك } يدعوهم إلى الضلال { ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا } إلا من إذا بلغ فجر وكفر وإنما قال ذلك لأن الله ~~تعالى أخبره بقوله: # لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن # [هود: 36] { رب اغفر لى ولولدى } وكانا مسلمين واسم أبيه ~~لمك، واسم أمه شمخاء، وقيل: هما آدم وحواء وقرىء { ولولدي } يريد ~~ساما وحاما { ولمن دخل بيتى } منزلي أو مسجدي أو سفينتي { ~~مؤمنا } لأنه علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر { ~~وللمؤمنين والمؤمنت } إلى يوم القيامة. خص أولا من ~~يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عم المؤمنين والمؤمنات { ولا ~~تزد الظلمين } أي الكافرين { إلا تبارا } هلاكا ~~فأهلكوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: دعا نوح عليه السلام بدعوتين: ~~إحداهما للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكافرين بالتبار، وقد أجيبت دعوته ~~في حق الكفار بالتبار فاستحال أن لا تستجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف ~~في صبيانهم حين أغرقوا فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين ~~سنة فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا. وقيل: علم الله براءتهم فأهلكوا بغير ~~عذاب والله أعلم. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-9] # { قل } يا محمد لأمتك { أوحى إلى أنه } أن الأمر والشأن. ~~أجمعوا على فتح { أنه } لأنه فاعل { أوحى } و { أن لو ~~استقموا } و { أن المسجد } للعطف على { أنه استمع } ~~ف «أن» مخفقة من الثقيلة و { أن قد أبلغوا } لتعدي { يعلم } ~~إليها، وعلى كسر ما بعد فاء الجزاء وبعد القول ms1506 نحو { فأن له نار ~~جهنم } { وقالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد ~~القول، واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعلى جد ~~ربنا } إلى { وأنا منا المسلمون } ففتحها شامي وكوفي غير ~~أبي بكر عطفا على { أنه استمع } أو على محل الجار والمجرور في { ~~آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا { أنه تعلى جد ربنا ~~} { وأنه كان يقول سفيهنا } إلى آخرها، وكسرها غيرهم ~~عطفا على { إنا سمعنا } وهم يقفون على آخر الآيات { استمع ~~نفر } جماعة من الثلاثة إلى العشرة { من الجن } جن نصيبين { ~~فقالوا } لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صلاة الفجر { إنا سمعنا قرءانا عجبا } ~~عجيبا بديعا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه. والعجب ما ~~يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وضع موضع العجيب { يهدى إلى ~~الرشد } يدعوا إلى الصواب أو إلى التوحيد والإيمان { فآمنا به } ~~بالقرآن. ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك ~~قالوا { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، وجاز أن يكون ~~الضمير في { به } لله تعالى لأن قوله { بربنا } يفسره. # { وأنه تعلى جد ربنا } عظمته. يقال: جد فلان في عيني ~~أي عظم، ومنه قول عمر أو أنس: كان الرجل إذ قرأ البقرة وآل عمران جد فينا ~~أي عظم في عيوننا { ما اتخذ صحبة } زوجة { ولا ولدا } ~~كما يقول كفار الجن والإنس { وأنه كان يقول سفيهنا } ~~جاهلنا أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه { على الله شططا } كفرا لبعده ~~عن الصواب من شطت الدار أي بعدت، أو قولا يجوز فيه عن الحق وهو نسبة ~~الصاحبة والولد إليه، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره { وأنا ~~ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } ~~قولا كذبا، أو مكذوبا فيه، أو نصب على المصدر إذ الكذب نوع من القول ~~أي كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد إليه ~~فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم؛ كان الرجل من ~~العرب إذا نزل بمخوف من ms1507 الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ~~يريد كبير الجن فقال { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم } أي زاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم ~~{ رهقا } طغيانا وسفها وكبرا بأن قالوا: سدنا الجن الإنس أو فزاد ~~الجن الإنس رهقا إثما لاستعاذتهم بهم، وأصل الرهق غشيان المحظور { ~~وأنهم } وأن الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن ~~لن يبعث الله أحدا } بعد الموت أي أن الجن كانوا ينكرون ~~البعث كإنكاركم، ثم بسماع القرآن اهتدوا وأقروا بالبعث فهلا أقررتم كما ~~أقروا. # { وأنا لمسنا السمآء } طلبنا بلوغ السماء واستماع أهلها، ~~واللمس. المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف { فوجدنها ~~ملئت حرسا شديدا } جمعا أقوياء من الملائكة يحرسون: جمع حارس، ~~ونصب على التمييز. وقيل: الحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى ~~الخدام ولذا وصف بشديد ولو نظر إلى معناه لقيل شدادا { وشهبا } جمع ~~شهاب أي كواكب مضيئة. # { وأنا كنا نقعد منها } من السماء قبل هذا { مقعد ~~للسمع } لاستماع أخبار السماء يعني كنا نجد بعض السماء خالية من ~~الحرس والشهب قبل المبعث { فمن يستمع } يرد الاستماع { الآن } ~~بعد المبعث { يجد له } لنفسه { شهابا رصدا } صفة ل { ~~شهابا } بمعنى الراصد أي يجد شهابا راصدا له ولأجله، أو هو اسم جمع ~~للراصد على معنى ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم ~~بالشهب ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان الرجم في الجاهلية ولكن الشياطين كانت ~~تسترق السمع في بعض الأوقات فمنعوا من الاستراق أصلا بعد مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ### || [72.10-28] # { وأنا لا ندرى أشر } عذاب { أريد بمن فى الأرض } ~~بعدم استراق السمع { أم أراد بهم ربهم رشدا } خيرا ~~ورحمة { وأنا منا الصلحون } الأبرار المتقون { ومنا } ~~قوم { دون ذلك } فحذف الموصوف وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين ~~فيه أو أرادوا غير الصالحين { كنا طرائق قددا } بيان للقسمة ~~المذكورة أي كنا ذوي مذاهب متفرقة أو أديان مختلفة. والقدد جمع ms1508 قدة وهي ~~القطعة من قددت السير أي قطعته { وأنا ظننا } أيقنا { أن لن ~~نعجز الله } لن نفوته { فى الأرض } حال أي لن نعجزه كائنين ~~في الأرض أينما كنا فيها { ولن نعجزه هربا } مصدر في موضع ~~الحال أي ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء، وهذه صفة الجن وما هم عليه ~~من أحوالهم وعقائدهم { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { ~~ءامنا به } بالقرآن أو بالله { فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف } فهو لا يخاف مبتدأ وخبر { بخسا } نقصا من ثوابه { ولا ~~رهقا } أي ولا ترهقه ذلة من قوله: # وترهقهم ذلة # [يونس: 27] وقوله: # ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة # [يونس: 26]. وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان { وأنا منا ~~المسلمون } المؤمنون { ومنا القسطون } الكافرون ~~الجائرون عن طريق الحق، قسط: جار وأقسط عدل { فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى والتحري طلب الأحرى أي ~~الأولى { وأما القسطون فكانوا } في علم الله { ~~لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في ~~النار ويتوقف في كيفية ثوابهم { وأن } مخففة من الثقيلة يعني وأنه وهي ~~من جملة الموحى أي أوحى إلى أن الشأن { لو استقموا } أي ~~القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقينهم ~~ماء غدقا } كثيرا، والمعنى لوسعنا عليهم الرزق، وذكر الماء الغدق ~~لأنه سبب سعة الرزق. # { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه { ومن ~~يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة { يسلكه ~~} بالياء: عراقي غير أبي بكر يدخله { عذابا صعدا } شاقا مصدر صعد ~~يقال: صعد صعدا وصعودا، فوصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ~~ويغلبه فلا يطيقه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني ~~خطبة النكاح. أي ما شق علي. # { وأن المسجد لله } من جملة الموحى أي أوحي إلى أن ~~المساجد أي البيوت المبنية للصلاة فيها لله. وقيل: معناه ولأن المساجد ~~لله فلا تدعوا على أن اللام متعلقة ب { لا تدعوا } أي { فلا ~~تدعوا مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته. # وقيل: المساجد أعضاء السجود ms1509 وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان { ~~وأنه لما قام عبد الله } محمد عليه السلام إلى الصلاة ~~وتقديره وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله { يدعوه } يعبده ويقرأ ~~القرآن ولم يقل نبي الله أو رسول الله لأنه من أحب الأسماء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن ~~نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو لأن عبادة عبد الله لله ليست ~~بمستبعد حتى يكونوا عليه لبدا { كادوا } كاد الجن { يكونون ~~عليه لبدا } جماعات جمع لبدة تعجبا مما رأوا من عبادته واقتداء ~~أصحابه به وإعجابا بما تلاه من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله { ~~قل إنما أدعوا ربى } وحده { قال } غير عاصم وحمزة { ولا ~~أشرك به أحدا } في العبادة فلم تتعجبون وتزدحمون علي؟ { قل ~~إنى لا أملك لكم ضرا } مضرة { ولا رشدا } نفعا، أو ~~أراد بالضر الغي بدليل قراءة أبي { غيا ولا رشدا } يعني لا ~~أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم لأن الضار والنافع هو الله. # { قل إنى لن يجيرنى من الله أحد } لن يدفع عني عذابه ~~أحد إن عصيته كقول صالح عليه السلام: # فمن ينصرنى من الله إن عصيته # [هود: 63] { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجأ. # { إلا بلاغا من الله } استثناء من { لا أملك } أي لا ~~أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا بلاغا من الله و { قل إنى لن ~~يجيرنى } اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه. وقيل: { ~~بلاغا } بدل من { ملتحدا } أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ ~~عنه ما أرسلني به يعني لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإن ~~ذلك ينجيني. وقال الفراء: هذا شرط وجزاء وليس باستثناء و «إن» منفصلة من ~~«لا» وتقديره: أن لا أبلغ بلاغا أي إن لم أبلغ لم أجد من دونه ملتجأ ولا ~~مجيرا لي كقولك إن لا قياما فقعودا، والبلاغ في هذه الوجوه بمعنى ~~التبليغ { ورسلته } عطف على { بلاغا } كأنه قيل: لا أملك ~~لكم إلا التبليغ والرسالات ms1510 أي إلا أن أبلغ عن الله فأقول قال الله كذا ~~ناسبا لقوله إليه، وأن أبلغ رسالته التي أرسلني بها بلا زيادة ونقصان. و ~~«من» ليست بصلة للتبليغ لأنه يقال: بلغ عنه، إنما هي بمنزلة «من» في # براءة من الله # [التوبة: 1] أي بلاغا كائنا من الله. # { ومن يعص الله ورسوله } في ترك القبول، لما أنزل على ~~الرسول لأنه ذكر على أثر تبليغ الرسالة { فإن له نار جهنم ~~خلدين فيها أبدا } وحد في قوله { له } وجمع في { ~~خلدين } للفظ من ومعناه { حتى } يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال ~~كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه حتى { إذا رأوا ما يوعدون ~~} من العذاب { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ أي الكافر لا ناصر له ~~يومئذ والمؤمن ينصره الله وملائكته وأنبياؤه { قل إن أدرى } ما ~~أدري { أقريب ما توعدون } من العذاب { أم يجعل له ~~ربى } وبفتح الياء: حجازي وأبو عمرو { أمدا } غاية بعيدة يعني أنكم ~~تعذبون قطعا ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل { علم الغيب } هو ~~خبر مبتدأ أي هو عالم الغيب { فلا يظهر } فلا يطلع { على ~~غيبه أحدا } من خلقه { إلا من ارتضى من رسول } إلا ~~رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له فإن ~~يطلعه على غيبة ما شاء. # و { من رسول } بيان ل { من ارتضى } والولي إذا أخبر بشيء ~~فظهر فهو غير جازم عليه، ولكنه أخبر بناء على رؤياه أو بالفراسة على أن ~~كل كرامة للولي فهي معجزة للرسول. وذكر في التأويلات قال بعضهم في هذه ~~الآية بدلالة تكذيب المنجمة وليس كذلك فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك ~~المتطببة يعرفون طبائع النبات وذا لا يعرف بالتأمل فعلم بأنهم وقفوا على ~~علمه من جهة رسول انقطع أثره وبقي علمه في الخلق. # { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } يدي رسول { ومن ~~خلفه رصدا } حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين ويعصمونه من ~~وساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي { ليعلم } الله { أن قد ~~أبلغوا ms1511 } أي الرسل { رسلت ربهم } كاملة بلا زيادة ولا ~~نقصان إلى المرسل إليهم أي ليعلم الله ذلك موجودا حال وجوده كما كان ~~يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد، وحد الضمير في { من بين يديه } ~~للفظ «من»، وجمع في { أبلغوا } لمعناه { وأحاط } الله { بما ~~لديهم } بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شىء عددا ~~} من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار، فكيف لا يحيط بما عند الرسل ~~من وحيه وكلامه؟ و { عددا } حال أي وعلم كل شيء معدودا محصورا أو ~~مصدر في معنى إحصاء، والله أعلم. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-13] # مكية وهي تسع عشرة آية بصري وثمان عشرة شامي # بسم الله الرحمن الرحيم # { يأيها المزمل } أي المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف ~~بها بإدغام التاء في الزاي. كان النبي صلى الله عليه وسلم نائما بالليل ~~متزملا في ثيابه فأمر بالقيام للصلاة بقوله { قم اليل إلا ~~قليلا * نصفه } بدل من { اليل } و { إلا قليلا } ~~استثناء من قوله { نصفه } تقديره: قم نصف الليل إلا قليلا من نصف ~~الليل { أو انقص منه } من النصف. بضم الواو: غير عاصم وحمزة { ~~قليلا } إلى الثلث { أو زد عليه } على النصف إلى الثلثين، ~~والمراد التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين ~~أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه، وإن جعلت { ~~نصفه } بدلا من { قليلا } كان مخيرا بين ثلاثة أشياء: بين قيام ~~نصف الليل تاما، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه. وإنما ~~وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل وإلا فإطلاق لفظ القليل ينطلق على ما ~~دون النصف ولهذا قلنا: إذا أقر أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلا أنه ~~يلزمه أكثر من نصف الألف { ورتل القرءان } بين وفصل من الثغر ~~المرتل أي المفلج الأسنان، وكلام رتل بالتحريك أي مرتل، وثغر رتل ~~أيضا إذا كان مستوي البنيان. أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف وحفظ ~~الوقوف وإشباع الحركات { ترتيلا } هو تأكيد في إيجاب الأمر به وأنه ~~لا بد منه ms1512 للقارىء { إنا سنلقى عليك } سننزل عليك { قولا ~~ثقيلا } أي القرآن لما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ~~ثقيلة على المكلفين، أو ثقيلا على المنافقين، أو كلام له وزن ورجحان ليس ~~بالسفساف الخفيف. # { إن ناشئة اليل } بالهمزة: سوى ورش: قيام الليل. عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه. فهي مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعلة كالعافية، ~~أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث، أو ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة ~~فساعة، وكان زين العابدين رضي الله عنه يصلي بين العشاءين ويقول هذه ~~ناشئة الليل { هى أشد } { وطاء } { وفقا } شامي وأبو عمرو ~~أي يواطيء فيها قلب القائم لسانه. وعن الحسن: أشد موافقة بين السر ~~والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق. وغيرهما { وطأ } أي أثقل على المصلي ~~من صلاة النهار لطرد النوم في وقته من قوله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر " # { وأقوم قيلا } وأشد مقالا وأثبت قراءة لهدوء الأصوات وانقطاع ~~الحركات { إن لك فى النهار سبحا طويلا } تصرفا وتقلبا ~~في مهماتك وشواغلك ففرغ نفسك في الليل لعبادة ربك أو فراغا طويلا ~~لنومك وراحتك { واذكر اسم ربك } ودم على ذكره في الليل ~~والنهار، وذكر الله يتناول التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة وتلاوة ~~القرآن ودراسة العلم { وتبتل إليه } انقطع إلى عبادته عن كل ~~شيء. # والتبتل: الانقطاع إلى الله تعالى بتأميل الخير منه دون غيره. وقيل: رفض ~~الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله { تبتيلا } في اختلاف المصدر ~~زيادة تأكيد أي بتلك الله فتبتل تبتيلا أو جيء به مراعاة لحق الفواصل. # { رب المشرق والمغرب } بالرفع أي هو رب أو مبتدأ خبره { ~~لا إله إلا هو } وبالجر: شامي وكوفي غير حفص بدل من { ربك ~~} وعن ابن عباس رضي الله عنهما على القسم بإضمار حرف القسم نحو: الله ~~لأفعلن، وجوابه لا إله إلا هو كقولك: والله لا أحد في الدار إلا زيد { ~~فاتخذه وكيلا } وليا وكفيلا بما وعدك من النصر، أو إذا علمت ~~أنه ملك المشرق والمغرب وأن لا إله إلا هو فاتخذه كافيا لأمورك. ms1513 وفائدة ~~الفاء أن لا تلبث بعد أن عرفت في تفويض الأمور إلى الواحد القهار إذ لا ~~عذر لك في الانتظار بعد الإقرار. # { واصبر على ما يقولون } في من الصاحبة والولد وفيك من ~~الساحر والشاعر { واهجرهم هجرا جميلا } جانبهم بقلبك وخالفهم ~~مع حسن المحافظة وترك المكافأة. وقيل: هو منسوخ بآية القتال { وذرنى ~~} أي كلهم إلي فأنا كافيهم { والمكذبين } رؤساء قريش مفعول ~~معه أو عطف على { ذرنى } أي دعني وإياهم { أولى النعمة } ~~التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة { ومهلهم } إمهالا { ~~قليلا } إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة { إن لدينا } للكافرين ~~في الآخرة { أنكالا } قيودا ثقالا جمع نكل { وجحيما } نارا ~~محرقة { وطعاما ذا غصة } أي الذي ينشب في الحلوق فلا ينساغ يعني ~~الضريع والزقوم { وعذابا أليما } يخلص وجعه إلى القلب. وروي # " أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق " # وعن الحسن أنه أمسى صائما فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية فقال: ارفعه. ~~ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال: ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة ~~فأخبر ثابت البناني وغيره فجاءوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق. ### || [73.14-20] # { يوم } منصوب بما في { لدينا } من معنى الفعل أي استقر للكفار ~~لدينا كذا وكذا يوم { ترجف الأرض والجبال } أي تتحرك حركة ~~شديدة { وكانت الجبال كثيبا } رملا مجتمعا من كثب الشيء إذا ~~جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول { مهيلا } سائلا بعد اجتماعه { إنا ~~أرسلنا إليكم } يا أهل مكة { رسولا } يعني محمدا عليه ~~السلام { شهدا عليكم } يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم ~~{ كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } يعني موسى عليه السلام ~~{ فعصى فرعون الرسول } أي ذلك الرسول «إذ» النكرة وإذا ~~أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول { فأخذنه أخذا وبيلا } ~~شديدا غليظا. وإنما خص موسى وفرعون لأن خبرهما كان منتشرا بين أهل مكة ~~لأنهم كانوا جيران اليهود { فكيف تتقون إن كفرتم يوما ~~} هو مفعول { تتقون } أي كيف تتقون عذاب يوم كذا إن كفرتم؟ أو ظرف ~~أي فكيف لكم التقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟ أو منصوب ب ms1514 { ~~كفرتم } على تأويل جحدتم أي كيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم ~~القيامة والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه { يجعل الولدن } صفة ~~ل { يوما } والعائد محذوف أي فيه { شيبا } من هوله وشدته وذلك حين ~~يقال لآدم عليه السلام: قم فابعث بعث النار من ذريتك وهو جمع أشيب. وقيل: ~~هو على التمثيل للتهويل يقال لليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال. # { السماء منفطر به } وصف لليوم بالشدة أيضا أي السماء على ~~عظمها وإحكامها تنفطر به أي تنشق فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ والتذكير ~~على تأويل السماء بالسقف أو السماء شيء منفطر، وقوله { به } أي بيوم ~~القيامة يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله كما ينفطر الشيء بما يفطر ~~به { كان وعده } المصدر مضاف إلى المفعول وهو اليوم، أو إلى الفاعل ~~وهو الله عز وجل { مفعولا } كائنا { إن هذه } الآيات ~~الناطقة بالوعيد { تذكرة } موعظة { فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا } أي فمن شاء اتعظ بها واتخذ سبيلا إلى الله بالتقوى ~~والخشية. # { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى } أقل فاستعير ~~الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما ~~من الأحياز، وإذا بعدت كثر ذلك { من ثلثى اليل } بضم اللام: سوى ~~هشام { ونصفه وثلثه } منصوبان عطف على { أدنى } مكي وكوفي، ومن ~~جرهما عطف على { من ثلثى } { وطائفة } عطف على الضمير في { ~~تقوم } وجاز بلا توكيد لوجود الفاصل { من الذين معك } أي ~~ويقوم ذلك المقدار جماعة من أصحابك { والله يقدراليل ~~والنهار } أي ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ولا يعلم مقادير ~~ساعاتهما إلا الله وحده. # وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنيا عليه { يقدر } هو الدال على أنه مختص ~~بالتقدير، ثم إنهم قاموا حتى انتفخت أقدامهم فنزل { علم أن لن ~~تحصوه } لن تطيقوا قيامه على هذه المقادير إلا بشدة ومشقة وفي ذلك ~~حرج { فتاب عليكم } فخفف عليكم وأسقط عنكم فرض قيام الليل { ~~فاقرءوا } في الصلاة والأمر للوجوب أو في غيرها والأمر للندب { ما ~~تيسر } عليكم { من القرءان } روى أبو حنيفة عن أبي ms1515 هريرة رضي ~~الله عنه أنه قال: من قرأ مائة آية في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ~~مائتي آية كتب من القانتين. وقيل: أراد بالقرآن الصلاة لأنه بعض أركانها ~~أي فصلوا ما تيسر عليكم ولم يتعذر من صلاة الليل وهذا ناسخ للأول، ثم نسخ ~~هذا بالصلوات الخمس، ثم بين الحكمة في النسخ وهي تعذر القيام على المرضى ~~والمسافرين والمجاهدين فقال { علم أن سيكون منكم } أي أنه ~~مخففة من الثقيلة والسين بدل من تخفيفها وحذف اسمها { مرضى } فيشق ~~عليهم قيام الليل. # { وءاخرون يضربون فى الأرض } يسافرون { يبتغون } حال ~~من ضمير { يضربون } { من فضل الله } رزقه بالتجارة أو طلب ~~العلم { وءاخرون يقتلون فى سبيل الله } سوى بين ~~المجاهد والمكتسب لأن كسب الحلال جهاد. قال ابن مسعود رضي الله عنه: أيما ~~رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر ~~يومه كان عند الله من الشهداء. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما خلق الله ~~موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رجل ~~أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله { فاقرءوا ما تيسر منه } ~~كرر الأمر بالتيسير لشدة احتياطهم { وأقيموا الصلوة } المفروضة ~~{ وءاتوا الزكوة } الواجبة { وأقرضوا الله } بالنوافل. ~~والقرض لغة: القطع فالمقرض يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذا ~~المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله لله تعالى، وإنما أضافه إلى نفسه ~~لئلا يمن على الفقير فيما تصدق به عليه وهذا لأن الفقير معاون له في تلك ~~القربة فلا يكون له عليه منة بل المنة للفقير عليه { قرضا حسنا } ~~من الحلال بالاخلاص { وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه } أي ثوابه وهو جزاء الشرط { عند الله هو خيرا } مما ~~خلفتم وتركتم فالمفعول الثاني ل { تجدوه } { خيرا } و { هو } ~~فصل. وجاز وإن لم يقع بين معرفتين لأن أفعل من أشبه المعرفة لامتناعه من ~~حرف التعريف { وأعظم أجرا } وأجزل ثوابا { واستغفروا ~~الله } من السيئات والتقصير في الحسنات { إن الله غفور } ~~يستر على أهل ms1516 الذنب والتقصير { رحيم } يخفف عن أهل الجهد والتوفيق ~~وهو على ما يشاء قدير، والله أعلم. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-25] # مكية وهي ست وخمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كنت على جبل حراء: فنوديت يا محمد إنك رسول الله. فنظرت عن يميني ~~ويساري فلم أر شيئا، فنظرت إلى فوقي فإذا هو قاعد على عرش بين السماء ~~والأرض يعني الملك الذي ناداه فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني ~~دثروني " # فدثرته خديجة فجاء جبريل وقرأ { يأيها المدثر } أي المتلفف ~~بثيابه من الدثار وهو كل ما كان من الثياب فوق الشعار. والشعار: الثوب ~~الذي يلي الجسد وأصله المتدثر فأدغم { قم } من مضجعك أو قم قيام عزم ~~وتصميم { فأنذر } فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا، أو فافعل ~~الإنذار من غير تخصيص له بأحد. وقيل: سمع من قريش ما كرهه فاغتم فتغطى ~~بثوبه مفكرا كما يفعل المغموم فقيل له: يا أيها الصارف أذى الكفار عن ~~نفسك بالدثار، قم فاشتغل بالأنذار وإن آذاك الفجار { وربك فكبر ~~} واختص ربك بالتكبير وهو التعظيم أي لا يكبر في عينك غيره وقل عندما ~~يعروك من غير الله: الله أكبر. وروي أنه لما نزل قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " الله أكبر " # فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي، وقد يحمل على تكبير الصلاة. ودخلت ~~الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره. # { وثيابك فطهر } بالماء من النجاسة لأن الصلاة لا تصح إلا بها ~~وهي الأولى في غير الصلاة، أو فقصر مخالفة للعرب في تطويلهم الثياب ~~وجرهم الذيول إذ لا يؤمن معه إصابة النجاسة، أو طهر نفسك مما يستقذر من ~~الأفعال يقال: فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بالنقاء من المعايب، وفلان دنس ~~الثياب للغادر ولأن من طهر باطنه يطهر ظاهره ظاهرا { والرجز } بضم ~~الراء: يعقوب وسهل وحفص، وغيرهم بالكسر العذاب والمراد ما يؤدي إليه { ~~فاهجر } أي أثبت على هجره لأنه كان بريئا منه { ولا تمنن ~~تستكثر } بالرفع وهو منصوب ms1517 المحل على الحال أي لا تعط مستكثرا ~~رائيا لما تعطيه كثيرا أو طالبا أكثر مما أعطيت فإنك مأمور بأجل ~~الأخلاق وأشرف الآداب، وهو من من عليه إذا أنعم عليه. وقرأ الحسن { ~~تستكثر } بالسكون جوابا للنهي { ولربك فاصبر } ولوجه ~~الله فاستعمل الصبر على أوامره ونواهيه وكل مصبور عليه ومصبور عنه { ~~فإذا نقر فى الناقور } نفخ في الصور وهي النفخة الأولى وقيل ~~الثانية { فذلك } إشارة إلى وقت النقر وهو مبتدأ { يومئذ } ~~مرفوع المحل بدل من { ذلك } { يوم عسير } خبر كأنه قيل: فيوم ~~النقر يوم عسير. # والفاء في { فإذا } للتسبيب وفي { فذلك } للجزاء كأنه قيل: اصبر ~~على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك ~~عليه. والعامل في { فإذا } ما دل عليه الجزاء أي فإذا نقر في الناقور ~~عسر الأمر { على الكفرين غير يسير } وأكد بقوله { غير ~~يسير } ليؤذن بأنه يسير على المؤمنين أو عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا ~~كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. # { ذرنى ومن خلقت } أي كله إلي يعني الوليد بن المغيرة وكان ~~يلقب في قومه بالوحيد و { من خلقت } معطوف أو مفعول معه { وحيدا } ~~حال من الياء في { ذرنى } أي ذرني وحدي معه فإني أكفيك أمره، أو من ~~التاء في { خلقت } أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، أو من الهاء ~~المحذوفة، أو من أي خلقته منفردا بلا أهل ولا مال ثم أنعمت عليه { ~~وجعلت له مالا ممدودا } مبسوطا كثيرا أو ممدودا بالنماء ~~وكان له الزرع والضرع والتجارة. وعن مجاهد: كان له مائة ألف دينار. وعنه ~~أن له أرضا بالطائف لا ينقطع ثمرها { وبنين شهودا } حضورا معه ~~بمكة لغناهم عن السفر وكانوا عشرة أسلم منهم خالد وهشام وعمارة { ~~ومهدت له تمهيدا } وبسطت له الجاه والرياسة فأتممت عليه ~~نعمتي الجاه والمال واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا { ثم ~~يطمع أن أزيد } استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه فيرجو أن أزيد في ~~ماله وولده من غير شكر. وقال الحسن: أن أزيد أن أدخله الجنة فأوتيه مالا ms1518 ~~وولدا كما قال # لأوتين مالا وولدا # { كلا } [مريم: 77] ردع له وقطع لرجائه أي لا يجمع له بعد اليوم بين ~~الكفر والمزيد من النعم، فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال ~~والجاه حتى هلك { إنه كان لآيتنا } للقرآن { عنيدا } معاندا ~~جاحدا وهو تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال: لم لا يزاد؟ ~~فقيل: إنه جحد آيات المنعم وكفر بذلك نعمته والكافر لا يستحق المزيد { ~~سأرهقه } سأغشيه { صعودا } عقبة شاقة المصعد وفي الحديث # " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبد " # { إنه فكر } تعليل للوعيد كأن الله تعالى عاجله بالفقر والذل ~~بعد الغنى والعز لعناده، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب لبلوغه بالعناد ~~غايته، وتسميته القرآن سحرا يعني أنه فكر ماذا يقول في القرآن { ~~وقدر } في نفسه ما يقوله وهيأه. # { فقتل } لعن { كيف قدر } تعجيب من تقديره { ثم قتل ~~كيف قدر } كرر للتأكيد و«ثم» يشعر بأن الدعاء الثاني أبلغ من ~~الأول { ثم نظر } في وجوه الناس أو فيما قدر { ثم عبس } قطب ~~وجهه { وبسر } زاد في التقبض والكلوح { ثم أدبر } عن الحق { ~~واستكبر } عنه أو عن مقامه وفي مقاله. # و { ثم نظر } عطف على { فكر وقدر } والدعاء اعتراض ~~بينهما، وإيراد «ثم» في المعطوفات لبيان أن بين الأفعال المعطوفة تراحيا ~~{ فقال إن هذا } ما هذا { إلا سحر يؤثر } يروى عن ~~السحرة. روي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد آنفا ~~كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه ~~لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى. فقالت ~~قريش: صبأ والله الوليد. فقال أبو جهل وهو ابن أخيه: أنا أكفيكموه، فقعد ~~إليه حزينا وكلمه بما أحماه فقام الوليد، فأتاهم فقال: تزعمون أن محمدا ~~مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون ~~أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط؟ وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه ~~شيئا من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: ms1519 اللهم لا. ثم قالوا: فما هو؟ ففكر ~~فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ ~~وما الذي يقوله إلا سحر يؤثر عن مسيلمة وأهل بابل، فارتج النادي فرحا ~~وتفرقوا متعجبين منه. وذكر الفاء دليل على أن هذه الكلمة لما خطرت بباله ~~نطق بها من غير تلبث { إن هذا إلا قول البشر } ولم يذكر ~~العاطف بين هاتين الجملتين لأن الثانية جرت مجرى التوكيد للأولى. ### || [74.26-56] # { سأصليه } سأدخله بدل من { سأرهقه صعودا } { سقر } ~~علم لجهنم ولم ينصرف للتعريف والتأنيث { وما أدراك ما سقر } ~~تهويل لشأنها { لا تبقى } أي هي لا تبقى لحما { ولا تذر } ~~عظما أو لا تبقى شيئا يبقى فيها إلا أهلكته ولا تذره هالكا بل يعود ~~كما كان { لواحة } خبر مبتدأ محذوف أي هي لواحة { للبشر } جمع ~~بشرة وهي ظاهرة الجلد أي مسودة للجلود ومحرقة لها { عليها } على سقر ~~{ تسعة عشر } أي يلي أمرها تسعة عشر ملكا عند الجمهور. وقيل: ~~صنفا من الملائكة. وقيل: صفا. وقيل: نقيبا { وما جعلنا ~~أصحب النار } أي خزنتها { إلا ملئكة } لأنهم خلاف جنس ~~المعذبين فلا تأخذهم الرأفة والرقة لأنهم أشد الخلق بأسا فللواحد منهم ~~قوة الثقلين. # { وما جعلنا عدتهم } تسعة عشر { إلا فتنة } أي ~~ابتلاء واختبار { للذين كفروا } حتى قال أبو جهل: لما نزلت { ~~عليها تسعة عشر } أما يستطيع كل عشر منكم أن يأخذوا واحدا ~~منهم وأنتم الدهم، فقال أبو الأشد وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر ~~فاكفوني أنتم اثنين فنزلت { وما جعلنا أصحب النار إلا ~~ملئكة } أي وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون. وقالوا: في تخصيص ~~الخزنة بهذا العدد مع أنه لا يطلب في الأعداد العلل أن ستة منهم يقودون ~~الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع الحديد، والآخر ~~خازن جهنم وهو مالك وهو الأكبر. وقيل: في سقر تسعة عشر دركا وقد سلط على ~~كل درك ملك. وقيل: يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب وعلى كل لون ملك ~~موكل. وقيل: إن جهنم تحفظ بما تحفظ به ms1520 الأرض من الجبال وهي تسعة عشر وإن ~~كان أصلها مائة وتسعين إلا أن غيرها يشعب عنها { ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتب } لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين فإذا ~~سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله { ويزداد الذين ~~ءامنوا } بمحمد وهو عطف على { ليستيقن } { إيمنا } ~~لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، أو يزدادوا يقينا لموافقة كتابهم ~~كتاب أولئك { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون } هذا عطف أيضا، وفيه توكيد للاستيقان وزيادة الإيمان ~~إذ الاستيقان وازدياد الإيمان دالان على انتفاء الارتياب. ثم عطف على { ~~ليستيقن } أيضا. # { وليقول الذين فى قلوبهم مرض } نفاق { ~~والكفرون } المشركون فإن قلت: النفاق ظهر في المدينة والسورة ~~مكية. قلت: معناه وليقول المنافقون الذين يظهرون في المستقبل بالمدينة ~~بعد الهجرة والكافرون بمكة { ماذا أراد الله بهذا مثلا } ~~وهذا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب وذا لا يخالف كون السورة ~~مكية. # وقيل: المراد بالمرض الشك والارتياب لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين. و { ~~مثلا } تمييز لهذا أو حال منه كقوله: # هذه ناقة الله لكم ءاية # [الأعراف:73] [هود: 64] ولما كان ذكر العدد في غاية الغرابة وأن مثله ~~حقيق بأن تسير به الركبان سيرها بالأمثال سمي مثلا، والمعنى أي شيء أراد ~~الله بهذا العدد العجيب، وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا ~~عشرين، وغرضهم إنكاره أصلا وأنه ليس من عند الله وأنه لو كان من عند ~~الله لما جاء بهذا العدد الناقص { كذلك يضل الله من يشاء } ~~الكاف نصب و«ذلك» إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى أي مثل ذلك ~~المذكور من الإضلال والهدى يعني إضلال المنافقين والمشركين حتى قالوا ما ~~قالوا، وهدي المؤمنين بتصديقه، ورؤية الحكمة في ذلك يضل الله من يشاء من ~~عباده وهو الذي علم منه اختيار الضلال { ويهدى من يشاء } وهو ~~الذي علم منه اختيار الاهتداء، وفيه دليل خلق الأفعال ووصف الله بالهداية ~~والإضلال. لما قال أبو جهل لعنه الله: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر ~~نزل { وما يعلم جنود ربك ms1521 } لفرط كثرتها { إلا هو } فلا ~~يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا ~~تعلمونها { وما هى } متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي وما سقر وصفتها { ~~إلا ذكرى للبشر } أي تذكرة للبشر أو ضمير الآيات التي ذكرت ~~فيها. # { كلا } إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون ~~{ والقمر } أقسم به لعظم منافعه { واليل إذ أدبر } نافع ~~وحفص وحمزة ويعقوب وخلف. وغيرهم { إذا دبر } ودبر بمعنى أدبر ومعناهما ~~ولى وذهب. وقيل: أدبر ولى ومضى، ودبر جاء بعد النهار { والصبح إذا ~~أسفر } أضاء وجواب القسم. # { إنها } إن سقر { لإحدى الكبر } هي جمع الكبرى أي لإحدى ~~البلايا أو الدواهي الكبر، ومعنى كونها إحداهن أنها من بينهن واحدة في ~~العظم لا نظيرة لها كما تقول: هو أحد الرجال وهي إحدى النساء { نذيرا ~~} تمييز من { إحدى } أي إنها لإحدى الدواهي إنذارا كقولك: هي إحدى ~~النساء عفافا. وأبدل من { للبشر * لمن شاء منكم } بإعادة ~~الجار { أن يتقدم } إلى الخير { أو يتأخر } عنه. وعن ~~الزجاج: إلى ما أمر وعما نهى. { كل نفس بما كسبت رهينة } ~~هي ليست بتأنيث «رهين» في قوله # كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين، لأن فعيلا ~~بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن ~~كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، والمعنى كل نفس رهن ~~بكسبها عند الله غير مفكوك { إلا أصحب اليمين } أي أطفال ~~المسلمين لأنهم لا أعمال لهم يرهنون بها، أو إلا المسلمين فإنهم فكوا ~~رقابهم بالطاعة كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق { في جنت } أي هم ~~في جنات لا يكتنه وصفها { يتساءلون عن المجرمين } يسأل ~~بعضهم بعضا عنهم أو يتساءلون غيرهم عنهم { ما سلككم فى سقر } ~~أدخلكم فيها. # ولا يقال لا يطابق قوله { ما سلككم } وهو سؤال للمجرمين قوله { ~~يتساءلون* عن المجرمين } وهو سؤال عنهم، وإنما يطابق ذلك لو ~~قيل يتساءلون المجرمين ما سلككم، لأن { ما سلككم } ليس ببيان ms1522 ~~للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم، لأن المسؤولين يلقون ~~إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون: قلنا لهم ما سلككم في ~~سقر قالوا لم نك من المصلين، إلا أنه اختصر كما هو نهج القرآن. وقيل: ~~«عن» زائدة. # { قالوا لم نك من المصلين } أي لم نعتقد فرضيتها { ~~ولم نك نطعم المسكين } كما يطعم المسلمون { وكنا ~~نخوض مع الخائضين } الخوض: الشروع في الباطل. أي نقول الباطل ~~والزور في آيات الله { وكنا نكذب بيوم الدين } الحساب ~~والجزاء { حتى أتنا اليقين } الموت { فما تنفعهم ~~شفعة الشفعين } من الملائكة والنبيين والصالحين لأنها ~~للمؤمنين دون الكافرين. وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين في الحديث: # " إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر " # { فما لهم عن التذكرة } عن التذكير وهو العظة أي القرآن { ~~معرضين } مولين حال من الضمير نحو: مالك قائما { كأنهم ~~حمر } أي حمر الوحش حال من الضمير في { معرضين } { ~~مستنفرة } شديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها. وبفتح ~~الفاء: مدني وشامي أي استنفرها غيرها { فرت من قسورة } حال ~~و«قد» معها مقدرة. والقسورة: الرماة أو الأسد فعولة من القسر وهو القهر ~~والغلبة، شبهوا في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر بحمر جدت في نفارها. # { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة } قراطيس تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها: من رب ~~العالمين إلى فلان بن فلان نؤمر فيها باتباعك. ونحوه قوله: # لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه # [الإسراء: 93] وقيل: قالوا إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل رجل ~~منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار { كلا } ردع لهم عن تلك الإرادة ~~وزجر عن اقتراح الآيات. ثم قال: { بل لا يخافون الآخرة } فلذلك ~~أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف { كلا إنه تذكرة } ~~ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة وقال: إن القرآن تذكرة بليغة كافية { فمن ~~شاء ذكره } أي فمن شاء أن يذكره ولا ms1523 ينساه فعل. فإن نفع ذلك عائد ~~إليه { وما يذكرون } وبالتاء: نافع ويعقوب { إلا أن يشاء ~~الله } إلا وقت مشيئة الله وإلا بمشيئة الله { هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة } في الحديث: # " هو أهل أن يتقي وأهل أن يغفر لمن اتقاه " # والله أعلم. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-19] # { لا أقسم بيوم القيمة } أي أقسم. عن ابن عباس: و «لا» ~~كقوله # لئلا يعلم # [الحديد: 29] وقوله: # في بئر لا حور سرى وما شعر # وكقوله: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # وكاد ضمير القلب لا يتقطع # وعليه الجمهور وعن الفراء: «لا» رد لإنكار المشركين البعث كأنه قيل: ليس ~~الأمر كما تزعمون ثم قيل: أقسم بيوم القيامة. وقيل: أصله لأقسم كقراءة ~~ابن كثير على أن اللام للابتداء و { أقسم } خبر مبتدأ محذوف أي لأنا ~~أقسم ويقويه أنه في «الإمام» بغير الألف ثم أشبع فظهر من الإشباع ألف، ~~وهذا اللام يصحبه نون التأكيد في الأغلب وقد يفارقه { ولا أقسم ~~بالنفس اللوامة } الجمهور على أنه قسم آخر. وعن الحسن: أقسم ~~بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة فهي صفة ذم وعلى القسم صفة مدح أي ~~النفس المتقية التي تلوم على التقصير في التقوى وقيل: هي نفس آدم لم تزل ~~تلوم على فعلها التي خرجت به من الجنة، وجواب القسم محذوف أي لتبعثن ~~دليله { أيحسب الإنسن } أي الكافر المنكر للبعث { ألن ~~نجمع عظامه } بعد تفرقها ورجوعها رفاتا مختلطا بالتراب. # { بلى } أوجبت ما بعد النفي أي بلى نجمعها { قدرين } حال من ~~الضمير في { نجمع } أي نجمعها قادرين على جمعها وإعادتها كما كانت { ~~على أن نسوى بنانه } أصابعه كما كانت في الدنيا بلا نقصان ~~وتفاوت مع صغرها فكيف بكبار العظام. { بل يريد الإنسن } عطف ~~على { أيحسب } فيجوز أن يكون مثله استفهاما { ليفجر أمامه ~~} ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان { يسئل أيان } متى { ~~يوم القيمة } سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة { فإذا برق ~~البصر } تحير فزعا وبفتح الراء: مدني شخص { وخسف القمر } ~~وذهب ضوؤه أو غاب من قوله # فخسفنا به # [القصص: 81] وقرأ أبو حيوة بضم الخاء ms1524 { وجمع الشمس والقمر ~~} أي جمع بينهما في الطلوع من المغرب أو جمعا في ذهاب الضوء ويجمعان ~~فيقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى { يقول الإنسن } الكافر ~~{ يومئذ أين المفر } هو مصدر أي الفرار من النار أو المؤمن ~~أيضا من الهول. وقرأ الحسن بكسر الفاء وهو يحتمل المكان والمصدر { ~~كلا } ردع عن طلب المفر { لا وزر } لا ملجأ { إلى ربك } ~~خاصة { يومئذ المستقر } مستقر العباد أو موضع قرارهم من جنة ~~أو نار مفوض ذلك لمشيئته، من شاء أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار. # { ينبؤا الإنسن يومئذ } يخبر { بما قدم } من عمل ~~عمله { وأخر } ما لم يعمله. # { بل الإنسن على نفسه بصيرة } شاهد. # والهاء للمبالغة كعلامة أو أنثه لأنه أراد به جوارحه إذ جوارحه تشهد ~~عليه، أو هو حجة على نفسه والبصيرة الحجة قال الله تعالى: # قد جاءكم بصائر من ربكم # [الأنعام: 104] وتقول لغيرك أنت حجة على نفسك. و { بصيرة } رفع ~~بالابتداء وخبره { على نفسه } تقدم عليه والجملة خبر الإنسان ~~كقولك: زيد على رأسه عمامة. والبصيرة على هذا يجوز أن يكون الملك الموكل ~~عليه { ولو ألقى معاذيره } أرخى ستوره والمعذار الستر. وقيل: ~~ولو جاء بكل معذرة ما قبلت منه فعليه من يكذب عذره. والمعاذير ليس بجمع ~~معذرة لأن جمعها معاذر بل هي اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر { لا ~~تحرك به } بالقرآن { لسانك لتعجل به } بالقرآن. وكان ~~صلى الله عليه وسلم يأخذ في القرآن قبل فراغ جبريل كراهة أن يتفلت منه ~~فقيل له: لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ لتأخذه على عجلة، ~~ولئلا يتفلت منك. ثم علل النهي عن العجلة بقوله { إن علينا ~~جمعه } في صدرك { وقرءانه } وإثبات قراءته في لسانك، والقرآن ~~القراءة ونحوه # ولا تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى إليك ~~وحيه # [طه: 114] { فإذا قرأنه } أي قرأه عليك جبريل فجعل قراءة ~~جبريل قراءته { فاتبع قرءانه } أي قراءته عليك { ثم إن ~~علينا بيانه } إذا أشكل عليك شيء من معانيه. ### || [75.20-40] # { كلا } ردع عن إنكار البعث أو ردع لرسول ms1525 الله صلى الله عليه وسلم عن ~~العجلة وإنكار لها عليه، وأكده بقوله { بل تحبون العاجلة } ~~كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في ~~كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة الدنيا وشهواتها { وتذرون الآخرة } ~~الدار الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها والقراءة فيهما بالتاء: مدني وكوفي ~~{ وجوه } هي وجوه المؤمنين { يومئذ ناضرة } حسنة ناعمة { ~~إلى ربها ناظرة } بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة. وحمل ~~النظر على الانتظار لأمر ربها أو لثوابه لا يصح لأنه يقال: نظرت فيه أي ~~تفكرت، ونظرته انتظرته، ولا يعدى ب «إلى» إلا بمعنى الرؤية مع أنه لا ~~يليق الانتظار في دار القرار { ووجوه يومئذ باسرة } كالحة ~~شديدة العبوسة وهي وجوه الكفار { تظن } تتوقع { أن يفعل بها } ~~فعل هو في شدته { فاقرة } داهية تقصم فقار الظهر { كلا } ردع عن ~~إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا على ما بين ~~أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنتقلون إلى الآجلة التي ~~تبقون فيها مخلدين { إذا بلغت } أي الروح وجاز وإن لم يجر لها ذكر ~~لأن الآية تدل عليها { التراقى } العظام المكتنفة لثغرة النحر عن ~~يمين وشمال جمع ترقوة { وقيل من راق } يقف حفص على { من } وقيفة ~~أي قال حاضر والمحتضر بعضهم لبعض أيكم يرقيه مما به من الرقية من حد ضرب، ~~أو هو من كلام الملائكة: أيكم يرقى بروحه أملائكة الرحمة أم ملائكة ~~العذاب من الرقي من حد علم. # { وظن } أيقن المحتضر { أنه الفراق } أن هذا الذي نزل به هو ~~فراق الدنيا المحبوبة { والتفت الساق بالساق } التوت ساقاه ~~عند موته. وعن سعيد بن المسيب: هما ساقاه حين تلفان في أكفانه. وقيل: شدة ~~فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة على أن الساق مثل في الشدة. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هما همان: هم الأهل والولد وهم القدوم على الواحد ~~الصمد { إلى ربك يومئذ المساق } هو مصدر ساقه أي مساق ~~العباد إلى حيث أمر الله إما إلى الجنة أو إلى ms1526 النار { فلا صدق } ~~بالرسول والقرآن { ولا صلى } الإنسان في قوله: # أيحسب الإنسن ألن نجمع عظامه # [القيامة: 3] { ولكن كذب } بالقرآن { وتولى } عن الإيمان ~~أو فلا صدق ماله يعني فلا زكاه { ثم ذهب إلى أهله ~~يتمطى } يتبختر وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه فأبدلت ~~الطاء ياء لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة. # { أولى لك } بمعنى ويل لك وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره { ~~فأولى * ثم أولى لك فأولى } كرر للتأكيد كأنه قال: ~~ويل لك فويل لك ثم ويل لك فويل لك. # وقيل: ويل لك يوم الموت، وويل لك في القبر، وويل لك حين البعث، وويل لك ~~في النار. { أيحسب الإنسن أن يترك سدى } أيحسب الكافر ~~أن يترك مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يجازى؟ { ألم يك ~~نطفة من منى يمنى } بالياء: ابن عامر وحفص أي يراق المني ~~في الرحم، وبالتاء يعود إلى النطفة { ثم كان علقة } أي صار ~~المني قطعة دم جامد بعد أربعين يوما { فخلق فسوى } فخلق الله ~~منه بشرا سويا { فجعل منه } من الإنسان { الزوجين ~~الذكر والأنثى } أي من المني الصنفين { أليس ذلك ~~بقدر على أن يحيى الموتى } أليس الفعال لهذه الأشياء ~~بقادر على الإعادة؟ وكان صلى الله عليه وسلم إذا قرأها يقول: # " سبحانك بلى " # والله أعلم. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-18] # مكية وهي إحدى وثلاثون آية # { هل أتى } قد مضى { على الإنسن } آدم عليه السلام { حين ~~من الدهر } أربعون سنة مصورا قبل نفخ الروح فيه { لم يكن ~~شيئا مذكورا } لم يذكر اسمه ولم يدر ما يراد به لأنه كان طينا ~~يمر به الزمان ولو غير موجود لم يوصف بأنه قد أتى عليه حين من الدهر. ~~ومحل { لم يكن شيئا مذكورا } النصب على الحال من الإنسان أي ~~أتى عليه حين من الدهر غير مذكور { إنا خلقنا الإنسن } أي ~~ولد آدم، وقيل الأول ولد آدم أيضا و { حين من الدهر } على هذا ~~مدة لبثه في بطن أمه إلى أن صار شيئا مذكورا بين الناس { من نطفة ~~أمشاج } نعت أو ms1527 بدل منها أي من نطفة قد امتزج فيها الماآن. ومشجه ~~ومزجه بمعنى و { نطفة أمشاج } كبرمة أعشار فهو لفظ مفرد غير جمع ~~ولذا وقع صفة للمفرد { نبتليه } حال أي خلقناه مبتلين أي مريدين ~~ابتلاءه بالأمر والنهي له { فجعلنه سميعا بصيرا } ذا سمع ~~وبصر. # { إنا هدينه السبيل } بينا له طريق الهدى بأدلة العقل ~~والسمع { إما شاكرا } مؤمنا { وإما كفورا } كافرا حالان ~~من الهاء في { هدينه } أي إن شكر وكفر فقد هديناه السبيل في ~~الحالين أو من السبيل أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وأما سبيلا ~~كفورا. ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. ولما ذكر الفريقين أتبعهما ما ~~أعد لهما فقال { إنا أعتدنا للكفرين سلسلا } جمع ~~سلسلة بغير تنوين: حفص ومكي وأبو عمرو وحمزة، وبه ليناسب { أغللا ~~وسعيرا } إذ يجوز صرف غير المنصرف للتناسب: غيرهم { وأغللا } ~~جمع غل { وسعيرا } نارا موقدة. وقال { إن الأبرار } جمع ~~بر أو بار كرب وأرباب وشاهد وأشهاد وهم الصادقون في الإيمان أو الذين لا ~~يؤذون الذر ولا يضمرون الشر { يشربون من كأس } خمر فنفس الخمر ~~تسمى كأسا. وقيل: الكأس الزجاجة إذا كان فيها خمر { كان مزاجها } ~~ما تمزج به { كفورا } ماء كافور وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض ~~الكافور ورائحته وبرده { عينا } بدل منه { يشرب بها عباد ~~الله } أي منها أو الباء زائدة أو هو محمول على المعنى أي يلتذ بها أو ~~يروي بها. وإنما قال أولا بحرف «من» وثانيا بحرف الباء لأن الكأس مبتدأ ~~شربهم وأول غايته، وأما العين فيها يمزجون شرابهم فكأنه قيل: يشرب عباد ~~الله بها الخمر { يفجرونها } يجرونها حيث شاءوا من منازلهم { ~~تفجيرا } سهلا لا يمتنع عليهم. # { يوفون بالنذر } بما أوجبوا على أنفسهم، وهو جواب «من» عسى أن ~~يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على ~~أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه ~~الله عليه أوفى { ويخفون يوما كان شره } شدائده { ~~مستطيرا } منتشرا من استطار الفجر { ويطعمون الطعام ~~على حبه } أي ms1528 حب الطعام من الاشتهاء والحاجة إليه أو على حب الله ~~{ مسكينا } فقيرا عاجزا عن الاكتساب { ويتيما } صغيرا لا أب ~~له { وأسيرا } مأسورا مملوكا أو غيره. # ثم عللوا إطعامهم فقالوا: # { إنما نطعمكم لوجه الله } أي لطلب ثوابه أو هو بيان ~~من الله عز وجل عما في ضمائرهم، لأن الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم ~~وإن لم يقولوا شيئا { لا نريد منكم جزاء } هدية على ذلك { ~~ولا شكورا } ثناء وهو مصدر كالشكر { إنا نخاف من ربنا } ~~أي إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، ~~أو إنا نخاف من ربنا فنتصدق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف { يوما ~~عبوسا قمطريرا } وصف اليوم بصفة أهله من الأشقياء نحو: نهارك ~~صائم. والقمطرير الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. # { فوقهم الله شر ذلك اليوم } صانهم من شدائده { ~~ولقهم } أعطاهم بدل عبوس الفجار { نضرة } حسنا في الوجوه { ~~وسرورا } فرحا في القلوب { وجزاهم بما صبروا } بصبرهم ~~على الإيثار. نزلت في علي وفاطمة وفضة جارية لهما، لما مرض الحسن والحسين ~~رضي الله عنهما نذروا صوم ثلاثة أيام فاستقرض علي رضي الله عنه من يهودي ~~ثلاثة أصوع من الشعير، فطحنت فاطمة رضي الله عنها كل يوم صاعا وخبزت ~~فآثروا بذلك ثلاثة عشايا على أنفسهم مسكينا ويتيما وأسيرا ولم يذوقوا ~~إلا الماء في وقت الإفطار. { جنة } بستانا فيه مأكل هنيء { ~~وحريرا } ملبسا بهيا { متكئين } حال من «هم» في { جزاهم } { ~~فيها } في الجنة { على الأرآئك } الأسرة جمع الأريكة { لا ~~يرون } حال من الضمير المرفوع في { متكئين } غير رائين { ~~فيها } في الجنة { شمسا ولا زمهريرا } لأنه لا شمس فيها ولا ~~زمهرير فظلها دائم وهواؤها معتدل، لا حر شمس يحمي ولا شدة برد تؤذي. وفي ~~الحديث: # " هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " # فالزمهرير البرد الشديد. وقيل: القمر أي الجنة مضيئة لا يحتاج فيها إلى ~~شمس وقمر { ودانية عليهم ظللها } قريبة منهم ظلال ~~أشجارها عطفت على جنة أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها كأنهم وعدوا ~~بجنتين لأنهم وصفوا ms1529 بالخوف بقوله: # إنا نخاف من ربنا # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] { وذللت } سخرت للقائم والقاعد والمتكىء وهو حال ~~من { دانية } أي تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها عليهم، أو ~~معطوفة عليها أي ودانية عليهم ظلالها ومذللة { قطوفها } ثمارها جمع ~~قطف. # { تذليلا * ويطاف عليهم بئانية من فضة } أي ~~يدير عليهم خدمهم كئوس الشراب. والآنية جمع إناء وهو وعاء الماء { ~~وأكواب } أي من فضة جمع كوب وهو إبريق لا عروة له { كانت ~~قواريرا } «كان» تامة أي كونت فكانت قوارير بتكوين الله نصب على ~~الحال { قواريرا من فضة } أي مخلوقة من فضة فهي جامعة لبياض ~~الفضة وحسنها وصفاء القوارير وشفيفها حيث يرى ما فيها من الشراب من ~~خارجها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوارير كل أرض من تربتها وأرض ~~الجنة فضة. قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالتنوين فيهما. ~~وحمزة وابن عامر وأبو عمرو وحفص بغير تنوين فيهما. وابن كثير بتنوين ~~الأول والتنوين في الأول لتناسب الآي المتقدمة والمتأخرة، وفي الثاني ~~لإتباعه الأول. والوقف على الأول قد قيل ولا يوثق به لأن الثاني بدل من ~~الأول { قدروها تقديرا } صفة ل { قوارير من فضة } أي ~~أهل الجنة قدروها على أشكال مخصوصة فجاءت كما قدروها تكرمة لهم، أو ~~السقاة جعلوها على قدر ري شاربها فهي ألذ لهم وأخف عليهم. وعن مجاهد: لا ~~تفيض ولا تغيض. # { ويسقون } أي الأبرار { فيها } في الجنة { كأسا } خمرا { ~~كان مزاجها زنجبيلا * عينا } بدل من { زنجبيلا } { ~~فيها } في الجنة { تسمى } تلك العين { سلسبيلا } سميت العين ~~زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها، والعرب تستلذه وتستطيبه. وسلسبيلا لسلاسة ~~انحدارها وسهولة مساغها. قال أبو عبيدة: ماء سلسبيل أي عذب طيب. ### || [76.19-31] # { ويطوف عليهم ولدن } غلمان ينشئهم الله لخدمة المؤمنين، ~~أو ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدما لأهل الجنة { مخلدون } ~~لا يموتون { إذا رأيتهم حسبتهم } لحسنهم وصفاء ألوانهم ~~وانبثاثهم في مجالسهم { لؤلؤا منثورا } وتخصيص المنثور لأنه أزين ~~في النظر من المنظوم { وإذا رأيت ثم } ظرف أي في الجنة وليس ل ~~{ رأيت } مفعول ms1530 ظاهر ولا مقدر ليشيع في كل مرئي تقديره وإذا اكتسبت ~~الرؤية في الجنة { رأيت نعيما } كثيرا { وملكا كبيرا } ~~واسعا. يروى أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى ~~أقصاه كما يرى أدناه. وقيل: ملك لا يعقبه هلك، أو لهم فيها ما يشاؤون أو ~~تسلم عليهم الملائكة ويستأذنون في الدخول عليهم { عليهم } بالنصب ~~على أنه حال من الضمير في { يطوف عليهم } أي يطوف عليهم ولدان ~~عاليا للمطوف عليهم ثياب. وبالسكون: مدني وحمزة على أنه مبتدأ خبره { ~~ثياب سندس } أي ما يعلوهم من ملابسهم ثياب سندس رقيق الديباج. # { خضر } جمع أخضر { وإستبرق } غليظ يرفعهما حملا على الثياب: ~~نافع وحفص، وبجرهما: حمزة وعلي حملا على { سندس } وبرفع الأول وجر ~~الثاني أو عكسه: غيرهم { وحلوا } عطف على { ويطوف } { ~~أساور من فضة } وفي سورة «الملائكة»: # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا # [الحج: 23]. قال ابن المسيب: لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة ~~أسورة: واحدة من فضة وأخرى من ذهب وأخرى من لؤلؤ. { وسقهم ~~ربهم } أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص. وقيل: إن الملائكة يعرضون ~~عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم ويقولون: لقد طال أخذنا من الوسائط فإذا ~~هم بكاسات تلاقي أفواههم بغير أكف من غيب إلى عبد { شرابا طهورا } ~~ليس برجس كخمر الدنيا لأن كونها رجسا بالشرع لا بالعقل ولا تكليف ثم، أو ~~لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة يقال لأهل الجنة ~~{ إن هذا } النعيم { كان لكم جزاء } لأعمالكم { وكان ~~سعيكم مشكورا } محمودا مقبولا مرضيا عندنا حيث قلتم للمسكين ~~واليتيم والأسير لا نريد منكم جزاء ولا شكورا. # { إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا } تكرير ~~الضمير بعد إيقاعه اسما لإن تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل ~~ليستقر في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل لم يكن ~~تنزيله مفرقا إلا حكمة وصوابا ومن الحكمة الأمر بالمصابرة { فاصبر ~~لحكم ربك } عليك بتبليغ الرسالة واحتمال الأذية وتأخير نصرتك على ~~أعدائك من أهل مكة { ولا تطع ms1531 منهم } من الكفرة للضجر من تأخير ~~الظفر { ءاثما } راكبا لما هوى إثم داعيا لك إليه { أو كفورا } ~~فاعلا لما هو كفر داعيا لك إليه، لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على ~~فعل ما هو إثم أو كفر أو غير إثم ولا كفر، فنهى أن يساعدهم على الأولين ~~دون الثالث. # وقيل: الآثم عتبة لأنه كان ركابا للمآثم والفسوق. والكفور: الوليد لأنه ~~كان غاليا في الكفر والجحود. والظاهر أن المراد كل آثم وكافر أي لا تطع ~~أحدهما، وإذا نهي عن طاعة أحدهما لا بعينه فقد نهى عن طاعتهما معا ~~ومتفرقا. ولو كان بالواو لجاز أن يطيع أحدهما لأن الواو للجمع فيكون ~~منهيا عن طاعتهما معا لا عن طاعة أحدهما، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا ~~بعينه كان عن طاعتهما جميعا أنهى. وقيل: «أو» بمعنى «ولا» أي ولا تطع ~~آثما ولا كفورا { واذكر اسم ربك } صل له { بكرة } صلاة ~~الفجر { وأصيلا } صلاة الظهر والعصر. # { ومن اليل فاسجد له } وبعض الليل فصل صلاة العشاءين { ~~وسبحه ليلا طويلا } أي تهجد له هزيعا طويلا من الليل ثلثيه ~~أو نصفه أو ثلثه. # { إن هؤلآء } الكفرة { يحبون العاجلة } يؤثرونها على ~~الآخرة { ويذرون وراءهم } قدامهم أو خلف ظهورهم { يوما ~~ثقيلا } شديدا لا يعبئون به وهو القيامة لأن شدائده تثقل على الكفار ~~{ نحن خلقنهم وشددنا } أحكمنا { أسرهم } خلقهم عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما والفراء { وإذا شئنا بدلنا ~~أمثلهم تبديلا } أي إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدلنا ~~أمثالهم في الخلقة ممن يطيع { إن هذه } السورة { تذكرة } ~~عظة { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } بالتقرب إليه ~~بالطاعة له واتباع رسوله { وما تشاءون } اتخاذ السبيل إلى الله. ~~وبالياء: مكي وشامي وأبو عمرو. ومحل { إلا أن يشاء الله } النصب ~~على الظرف أي إلا وقت مشيئة الله، وإنما يشاء الله ذلك ممن علم منه ~~اختياره ذلك. وقيل: هو لعموم المشيئة في الطاعة والعصيان والكفر والإيمان ~~فيكون حجة لنا على المعتزلة { إن الله كان عليما } بما يكون ~~منهم من الأحوال { حكيما } مصيبا في الأقوال والأفعال { يدخل ms1532 من ~~يشاء } وهم المؤمنون { فى رحمته } جنته لأنها برحمته تنال وهو ~~حجة على المعتزلة لأنهم يقولون قد شاء أن يدخل كلا في رحمته لأنه شاء ~~إيمان الكل، والله تعالى أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته وهو الذي علم ~~منه أنه يختار الهدى { والظلمين } الكافرين لأنهم وضعوا العبادة ~~في غير موضعها ونصب بفعل مضمر يفسره { أعد لهم عذابا أليما ~~} نحو: أوعد وكافأ. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-24] # مكية وهي خمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { والمرسلت عرفا * فالعصفت عصفا * ~~والنشرت نشرا * فالفرقت فرقا * فالملقيت ~~ذكرا * عذرا أو نذرا } أقسم سبحانه وتعالى بطوائف من الملائكة ~~أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند ~~انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى ~~بالكفر والجهل بما أو حين ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرا إلى ~~الأنبياء عليهم السلام عذرا للمحقين أو نذرا للمبطلين. أو أقسم برياح ~~عذاب أرسلهن فعصفن، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله # ويجعله كسفا # [الروم: 48] فألقين ذكرا إما عذرا للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم ~~واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، واما نذرا للذين لا ~~يشكرون وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقيات للذكر باعتبار السببية. { ~~عرفا } حال أي متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضا، أو مفعول له أي ~~أرسلن للإحسان والمعروف. و { عصفا } و { نشرا } مصدران. { أو ~~نذرا } أبو عمرو وكوفي غير أبي بكر وحماد. والعذر والنذر مصدران من ~~عذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والشكر. ~~وانتصابهما على البدل من { ذكرا } أو على المفعول له. # { إنما توعدون } إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة { ~~لواقع } لكائن نازل لا ريب فيه، وهو جواب القسم ولا وقف إلى هنا لوصل ~~الجواب بالقسم { فإذا النجوم طمست } محيت أو ذهب بنورها وجواب ~~{ فإذا } محذوف والعامل فيها جوابها وهو وقوع الفصل ونحوه، و { ~~النجوم } فاعل فعل يفسره { طمست } { وإذا السماء ~~فرجت } فتحت فكانت أبوابا { وإذا الجبال نسفت } قلعت من ~~أماكنها ms1533 { وإذا الرسل أقتت } أي وقتت كقراءة أبي عمرو أبدلت ~~الهمزة من الواو، ومعنى توقيت الرسل تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة ~~على أممهم { لأي يوم أجلت } أخرت وأمهلت، وفيه تعظيم لليوم ~~وتعجيب من هوله والتأجيل من الأجل كالتوقيت من الوقت { ليوم ~~الفصل } بيان ليوم التأجيل وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق { ~~وما أدراك ما يوم الفصل } تعجيب آخر وتعظيم لأمره { ويل ~~} مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ولكنه عدل به ~~إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه # سلم عليكم # [الرعد: 24] { يومئذ } ظرفه { للمكذبين } بذلك اليوم خبره. # { ألم نهلك الأولين } الأمم الخالية المكذبة { ثم ~~نتبعهم الآخرين } مستأنف بعد وقف، وهو وعيد لأهل مكة أي ثم نفعل ~~بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. # { كذلك } مثل ذلك الفعل الشنيع { نفعل بالمجرمين } بكل ~~من أجرم { ويل يومئذ للمكذبين } بما أوعدنا { ألم ~~نخلقكم من ماء مهين } حقير وهو النطفة { فجعلنه } ~~أي الماء { فى قرار مكين } مقر يتمكن فيه وهو الرحم ومحل { ~~إلى قدر معلوم } الحال أي مؤخر إلى مقدار من الوقت معلوم قد ~~علمه الله وحكم به وهو تسعة أشهر أو ما فوقها أو ما دونها { فقدرنا ~~} فقدرنا ذلك تقديرا { فنعم القدرون } فنعم المقدرون له نحن ~~أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن، والأول أحق لقراءة نافع وعلي ~~بالتشديد، ولقوله # من نطفة خلقه فقدره # [عبس: 19] { ويل يومئذ للمكذبين } بنعمة الفطرة. ### || [77.25-50] # { ألم نجعل الأرض كفاتا } هو كفت الشيء إذا ضمه وجمعه وهو ~~اسم ما يكفت كقولهم الضمام لما يضم وبه انتصب { أحياء وأموتا } ~~كأنه قيل: كافتة أحياء وأمواتا، أو بفعل مضمر يدل عليه { كفاتا } وهو ~~تكفت أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها، والتنكير فيهما للتفخيم ~~أي تكفت أحياء لا يعدون وأمواتا لا يحصرون { وجعلنا فيها ~~رواسى } جبالا ثوابت { شمخت } عاليات { وأسقينكم ~~ماء فراتا } عذابا { ويل يومئذ للمكذبين } بهذه ~~النعمة { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } أي ms1534 يقال ~~للكافرين يوم القيامة سيروا إلى النار التي كنتم بها تكذبون { ~~انطلقوا } تكرير للتوكيد { إلى ظل } دخان جهنم { ذى ثلث ~~شعب } يتشعب لعظمه ثلاث شعب وهكذا الدخان العظيم يتفرق ثلاث فرق { ~~لا ظليل } نعت ظل أي لا مظل من حر ذلك اليوم وحر النار { ولا ~~يغنى } في محل الجر أي وغير مغن لهم { من اللهب } من حر اللهب ~~شيئا { إنها } أي النار { ترمى بشرر } هو ما تطاير من النار ~~{ كالقصر } في العظم. وقيل: هو الغليظ من الشجر الواحدة قصرة { ~~كأنه جملت } كوفي غير أبي بكر جمع جمل جمالات غيرهم جمع الجمع ~~{ صفر } جمع أصفر أي سود تضرب إلى الصفرة، وشبه الشرر بالقصر لعظمه ~~وارتفاعه، وبالجمال للعظم والطول واللون { ويل يومئذ ~~للمكذبين } بأن هذه صفتها. # { هذا يوم لا ينطقون } وقرىء بنصب اليوم أي هذا الذي قص ~~عليكم واقع يومئذ، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية وعن قوله # ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون # [الزمر: 31] فقال: في ذلك اليوم مواقف في بعضها يختصمون وفي بعضها لا ~~ينطقون. أو لا ينطقون بما ينفعهم فجعل نطقهم كلا نطق. # { ولا يؤذن لهم } في الاعتذار { فيعتذرون } عطف على { ~~يؤذن } منخرط في سلك النفي أي لا يكون لهم إذن واعتذار { ويل ~~يومئذ للمكذبين } بهذا اليوم { هذا يوم الفصل } ~~بين المحق والمبطل والمحسن والمسيء بالجزاء { جمعنكم } يا مكذبي ~~محمد { والأولين } والمكذبين قبلكم { فإن كان لكم كيد } ~~حيلة في دفع العذاب { فكيدون } فاحتالوا علي بتخليص أنفسكم من ~~العذاب. والكيد متعد تقول: كدت فلانا إذا احتلت عليه { ويل ~~يومئذ للمكذبين } بالبعث. # { إن المتقين } من عذاب الله { فى ظلل } جمع ظل { ~~وعيون } جارية في الجنة { وفوكه مما يشتهون } أي لذيذة ~~مشتهاة { كلوا واشربوا } في موضع الحال من ضمير { المتقين ~~} في الظرف الذي هو { فى ظلل } أي هم مستقرون في ظلال مقولا لهم ~~ذلك { هنيئا بما كنتم تعملون } في الدنيا { إنا ~~كذلك نجزى المحسنين } فأحسنوا تجزوا بهذا { ويل ~~يومئذ للمكذبين } بالجنة { كلوا وتمتعوا } كلام ~~مستأنف خطاب للمكذبين في ms1535 الدنيا على وجه التهديد كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] { قليلا } لأن متاع الدنيا قليل { إنكم مجرمون ~~} كافرون أي إن كل مجرى يأكل ويتمتع أياما قلائل ثم يبقى في الهلاك ~~الدائم { ويل يومئذ للمكذبين } بالنعم { وإذا قيل ~~لهم اركعوا } اخشعوا لله وتواضعوا إليه بقبول وحيه واتباع دينه ~~ودعوا هذا الاستكبار { لا يركعون } لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ~~ويصرون على استكبارهم، أو إذا قيل لهم صلوا لا يصلون { ويل يومئذ ~~للمكذبين } بالأمر والنهي { فبأي حديث بعده } بعد ~~القرآن { يؤمنون } أي إن لم يؤمنوا بالقرآن مع أنه آية مبصرة ومعجزة ~~باهرة من بين الكتب السماوية فبأي كتاب بعده يؤمنون؟! والله أعلم. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-30] # مكية وهي أربعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { عم } أصله «عن ما» وقرىء بها، ثم أدغمت النون في الميم فصار «عما» ~~وقرىء بها، ثم حذفت الألف تخفيفا لكثرة الاستعمال في الاستفهام وعليه ~~الاستعمال الكثير، وهذا استفهام تفخيم للمستفهم عنه لأنه تعالى لا تخفى ~~عليه خافية { يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا أو يسألون غيرهم من ~~المؤمنين، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث ويسألون ~~المؤمنين عنه على طريق الاستهزاء { عن النبإ العظيم } أي البعث ~~وهو بيان للشأن المفخم وتقديره: عم يتساءلون يتساءلون عن النبإ العظيم { ~~الذى هم فيه مختلفون } فمنهم من يقطع بإنكاره ومنهم من يشك. ~~وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين وكانوا جيعا يتساءلون عنه، فالمسلم ~~يسأل ليزداد خشية، والكافر يسأل استهزاء { كلا } ردع عن الاختلاف أو ~~التساؤل هزؤا { سيعلمون } وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون عيانا أن ما ~~يستاءلون عنه حق { ثم كلا سيعلمون } كرر الردع للتشديد و«ثم» ~~يشعر بأن الثاني أبلغ من الأول وأشد. # { ألم نجعل الأرض } لما أنكروا البعث. قيل لهم: ألم يخلق من ~~أضيف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة فلم تنكرون قدرته على البعث وما هو ~~إلا اختراع كهذه الاختراعات؟ أو قيل لهم: لم فعل هذه الأشياء والحكيم لا ~~يفعل عبثا وإنكار البعث يؤدي إلى أنه عابث في كل ما فعل؟ { مهدا } ~~فراشا فرشناها لكم حتى ms1536 سكنتموها { والجبال أوتادا } للأرض لئلا ~~تيمد بكم { وخلقنكم أزوجا } ذكر أو أنثى { وجعلنا ~~نومكم سباتا } قطعا لأعمالكم وراحة لأبدانكم والسبت القطع { ~~وجعلنا اليل لباسا } سترا يستركم عن العيون إذا أردتم إخفاء ~~ما لا تحبون الاطلاع عليه { وجعلنا النهار معاشا } وقت معاش ~~تتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم { وبنينا فوقكم سبعا } سبع ~~سموات { شدادا } جمع شديدة أي محكمة قوية لا يؤثر فيها مرور الزمان ~~أو غلاظا غلظ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام { وجعلنا سراجا ~~وهاجا } مضيئا وقادا أي جامعا للنور والحرارة والمراد الشمس { ~~وأنزلنا من المعصرات } أي السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن ~~تعصرها الرياح فتمطر، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، أو الرياح ~~لأنها تنشىء السحاب وتدر أحلافه فيصح أن تجعل مبدأ للإنزال، وقد جاء أن ~~الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب { ماء ~~ثجاجا } منصبا بكثرة { لنخرج به } بالماء { حبا } كالبر ~~والشعير { ونباتا } وكلأ { وجنت } بساتين { ألفافا } ~~ملتفة الأشجار واحدها لف كجذع وأجذاع، أو لفيف كشريف وأشراف، أو لا واحد ~~له كأوزاع، أو هي جمع الجمع فهي جمع لف واللف جمع لفاء وهي شجرة مجتمعة. # ولا وقف من { ألم نجعل } إلى { ألفافا } الوقف الضروري على { ~~أوتادا } و { معاشا }. # { إن يوم الفصل } بين المحسن والمسيء والمحق والمبطل { كان ~~ميقتا } وقتا محدودا ومنتهى معلوما لوقوع الجزاء أو ميعادا ~~للثواب والعقاب. # { يوم ينفخ } بدل من { يوم الفصل } أو عطف بيان { فى ~~الصور } في القرن { فتأتون أفواجا } حال أي جماعات مختلفة أو ~~أمما كل أمة مع رسولها { وفتحت السماء } خفيف: كوفي أي شقت ~~لنزول الملائكة { فكانت أبوبا } فصارت ذات أبواب وطرق وفروج ~~ومالها اليوم من فروج { وسيرت الجبال } عن وجه الأرض { ~~فكانت سرابا } أي هباء تخيل الشمس أنه ماء { إن جهنم ~~كانت مرصادا } طريقا عليه ممر الخلق فالمؤمن يمر عليها والكافر ~~يدخلها. وقيل: المرصاد الحد الذي يكون فيه الرصد أي هي حد الطاغين الذين ~~يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم، أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة ~~الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم ms1537 عليها { للطغين مئابا } ~~للكافرين مرجعا { لبثين } ماكثين حال مقدرة من الضمير في { ~~للطغين } حمزة { لبثين } واللبث أقوى إذ اللابث من وجد منه ~~اللبث وإن قل، واللبث من شأنه اللبث والمقام في المكان { فيها } في ~~جهنم { أحقابا } ظرف جمع حقب وهو الدهر ولم يرد به عدد محصور بل ~~الأبد كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يستعمل الحقب والحقبة ~~إلا إذا أريد تتابع الأزمنة وتواليها. وقيل: الحقب ثمانون سنة. وسئل بعض ~~العلماء عن هذه الآية فأجاب بعد عشرين سنة { لبثين فيها ~~أحقابا }. # { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } أي غير ذائقين حال ~~من ضمير { لبثين } فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عذبوا فيها بمنع ~~البرد والشراب بدلوا بأحقاب أخر فيها عذاب آخر وهي أحقاب بعد أحقاب لا ~~انقطاع لها. وقيل: هو من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا ~~أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه حقاب فينتصب حالا عنهم أي لابثين فيها حقبين ~~جهدين و { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } تفسير له. ~~وقوله { إلا حميما وغساقا } استثناء منقطع أي { لا ~~يذوقون } في جهنم أو في الأحقاب { بردا } روحا ينفس عنهم حر ~~النار أو نوما ومنه منع البرد البرد، { ولا شرابا } يسكن عطشهم ~~ولكن يذوقون فيها حميما ماء حارا يحرق ما يأتي عليه { وغساقا } ~~ماء يسيل من صديدهم. وبالتشديد: كوفي غير أبي بكر { جزاء } جوزوا جزاء ~~{ وفقا } موافقا لأعمالهم مصدر بمعنى الصفة أو ذا وفاق. ثم استأنف ~~معللا فقال { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } لا يخافون ~~محاسبة الله إياهم أو لم يؤمنوا بالبعث فيرجوا حسابا { وكذبوا ~~بئايتنا كذابا } تكذيبا وفعال في باب فعل كله فاش { ~~وكل شىء } نصب بمضمر يفسره { أحصينه كتبا } مكتوبا ~~في اللوح حال أو مصدر في موضع إحصاء، أو أحصينا في معنى كتبنا لأن ~~الاحصاء يكون بالكتابة غالبا. وهذه الآية اعتراض لأن قوله { فذوقوا ~~} مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات أي فذوقوا جزاءكم والالتفات ~~شاهد على شدة الغضب { فلن نزيدكم إلا عذابا } في الحديث # " هذه الآية ms1538 أشد ما في القرآن على أهل النار». " ### || [78.31-40] # { إن للمتقين مفازا } مفعل من الفوز يصلح مصدرا أي نجاة ~~من كل مكروه وظفرا بكل محبوب ويصلح للمكان وهو الجنة. ثم أبدل منه بدل ~~البعض من الكل فقال { حدائق } بساتين فيها أنواع الشجر المثمر جمع ~~حديقة { وأعنبا } كروما عطف على { حدائق } { وكواعب } ~~نواهد { أترابا } لدات مستويات في السن { وكأسا دهاقا } ~~مملوءة. # { لا يسمعون فيها } في الجنة حال من ضمير خبر «إن» { لغوا } باطلا { ~~ولا كذابا } الكسائي: خفيف بمعنى مكاذبة أي لا يكذب بعضهم بعضا ولا ~~يكاذبه { جزاء } مصدر أي جزاهم جزاء { من ربك عطاء } مصدر أو بدل ~~من { جزاء } { حسابا } صفة يعني كافيا أو على حسب أعمالهم { رب ~~السماوات والأرض وما بينهما الرحمن } بجرهما: ابن عامر وعاصم بدلا ~~من { ربك } ومن رفعهما ف { رب } خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره { الرحمن ~~} أو { الرحمن } صفته و { لا يملكون } خبر، أو هما خبران والضمير في { لا ~~يملكون } لأهل السماوات والأرض، وفي { منه خطابا } لله تعالى أي لا ~~يملكون الشفاعة من عذابه تعالى إلا بإذنه أو لا يقدر أحد أن يخاطبه تعالى ~~خوفا { يوم يقوم } إن جعلته ظرفا ل { لا يملكون } لا تقف على { ~~خطابا } وإن جعلته ظرفا ل { لا يتكلمون } تقف { الروح } جبريل عند ~~الجمهور وقيل هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقا أعظم منه { ~~والملائكة صفا } حال أي مصطفين { لا يتكلمون } أي الخلائق ثم خوفا ~~من { إلا من أذن له الرحمان } في الكلام أو الشفاعة { وقال صوابا } ~~حقا بأن قال المشفوع له لا إله إلا الله في الدنيا أو لا يؤذن إلا لمن ~~يتكلم بالصواب في أمر الشفاعة. # { ذلك اليوم الحق } الثابت وقوعه { فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا ~~} مرجعا بالعمل الصالح { إنا أنذرناكم } أيها الكفار { عذابا قريبا } ~~في الآخرة لأن ما هو آت قريب { يوم ينظر المرء } الكافر لقوله: { ~~إنا أنذرناكم عذابا قريبا } { ما قدمت يداه } من الشر لقوله: # وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم # [الأنفال:50-51]. وتخصيص الأيدي ms1539 لأن أكثر الأعمال تقع بها وإن احتمل أن ~~لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام { ويقول الكافر } وضع ~~الظاهر موضع المضمر لزيادة الذم، أو المرء عام وخص منه الكافر وما قدمت ~~يداه ما عمل من خير وشر، أو هو المؤمن لذكر الكافر بعده وما قدم من خير. ~~و«ما» استفهامية منصوبة ب { قدمت } أي ينظر أي شيء قدمت يداه، أو موصولة ~~منصوبة ب { ينظر } يقال: نظرته يعني نظرت إليه والراجع من الصلة محذوف ~~أي ما قدمته { يا ليتني كنت ترابا } في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف ~~أوليتني كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث. وقيل: يحشر الله الحيوان غير ~~المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده ترابا، فيود الكافر حاله. ~~وقيل: الكافر إبليس يتمنى أن يكون كآدم مخلوقا من التراب ليثاب ثواب ~~أولاده المؤمنين، والله أعلم. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # ست وأربعون آية مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # { والنازعات غرقا* والناشطات نشطا* والسابحات سبحا* ~~فالسابقات سبقا* فالمدبرات أمرا } لا وقف إلى هنا. ولزم هنا لأنه لو ~~وصل لصار { يوم } ظرف { المدبرات } وقد انقضى تدبير الملائكة في ذلك ~~اليوم. أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد غرقا ~~أي إغراقا في النزع أي تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها ومواضع ~~أظفارها، وبالطوائف التي تنشطها أي تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا ~~أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به ~~فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم. ~~أو بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها ~~لأنها عراب، والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك ثور ناشط ~~إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر ~~الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه. أو بالنجوم التي ~~تنزع من المشرق إلى المغرب، وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى ~~تنحط في أقصى الغرب، ms1540 والتي تخرج من برج إلى برج والتي تسبح في الفلك من ~~السيارة فتسبق فتدبر أمرا من علم الحساب. وجواب القسم محذوف وهو ~~«لتبعثن» لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. # { يوم ترجف } تتحرك حركة شديدة والرجف شدة الحركة { الراجفة } ~~النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها لأنها تضطرب بها الأرض حتى يموت كل ~~من عليها { تتبعها } حال عن الراجفة { الرادفة } النفخة ~~الثانية لأنها تردف الأولى وبينهما أربعون سنة، والأولى تميت الخلق ~~والثانية تحييهم { قلوب يومئذ } قلوب منكري البعث { واجفة } مضطربة ~~من الوجيب وهو الوجيف. وانتصاب { يوم ترجف } بما دل عليه { قلوب يومئذ ~~واجفة } أي يوم ترجف وجفت القلوب، وارتفاع { قلوب } بالابتداء و { واجفة ~~} صفتها { أبصارها } أي أبصار أصحابها { خاشعة } ذليلة لهول ما ترى ~~حبرها { يقولون } أي منكرو البعث في الدنيا استهزاء وإنكارا للبعث { ~~أءنا لمردودون في الحافرة } استفهام بمعنى الإنكار أي أنرد بعد ~~موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا؟ والحافرة الحالة الأولى يقال ~~لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته أي إلى حالته ~~الأولى. ويقال: النقد عند الحافرة أي عند الحالة الأولى، وهي الصفقة ~~أنكروا البعث. ثم زادوا استبعادا فقالوا { أءذا كنا عظاما نخرة ~~} بالية { ناخرة }: كوفي غير حفص. وفعل أبلغ من فاعل يقال: نخر العظم ~~فهو نخر وناخر. والمعنى أنرد إلى الحياة بعد أن صرنا عظاما بالية؟ ~~و«إذا» منصوب بمحذوف وهو «نبعث» { قالوا } أي منكرو البعث { تلك } ~~رجعتنا { إذا كرة خاسرة } رجعة ذات خسران أو خاسر أصحابها، والمعنى ~~أنها إن صحت وبعثنا فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها وهذا استهزاء منهم { ~~فإنما هي زجرة واحدة } متعلق بمحذوف أي لا تحسبوا تلك الكرة ~~صعبة على الله عز وجل فإنها سهلة هينة في قدرته فما هي إلا صيحة واحدة ~~يريد النفخة الثانية من قولهم: زجر البعير إذا صاح عليه { فإذا هم ~~بالساهرة } فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعدما كانوا أمواتا في ~~جوفها. وقيل: الساهرة أرض بعينها بالشأم إلى جنب بيت المقدس أو أرض مكة ~~أو ms1541 جهنم. ### || [79.15-46] # { هل أتاك حديث موسى } استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن ~~يشيع والتشريف للمخاطب به { إذ ناداه ربه } حين ناداه { بالواد ~~المقدس } المبارك المطهر { طوى } اسمه { اذهب إلى فرعون } على إرادة ~~القول { إنه طغى } تجاوز الحد في الكفر والفساد. # { فقل هل لك إلى أن تزكى } هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك ~~والعصيان بالطاعة والإيمان. وبتشديد الزاي: حجازي { وأهديك إلى ~~ربك } وأرشدك إلى معرفة الله بذكر صفاته فتعرفه { فتخشى } لأن ~~الخشية لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28] أي العلماء به. وعن بعض الحكماء: اعرف الله فمن عرف الله لم ~~يقدر أن يعصيه طرفة عين. فالخشية ملاك الأمور من خشي الله أتى منه كل ~~خير، ومن آمن اجترأ على كل شر. ومنه الحديث # " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل " # بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه: هل لك ~~أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه باللطف في القول ويستنزله ~~بالمداراة عن عتوه كما أمر بذلك في قوله تعالى: # فقولا له قولا لينا # [طه: 44] { فأراه الآية الكبرى } أي فذهب فأرى موسى فرعون العصا أو ~~العصا واليد البيضاء لأنهما في حكم آية واحدة { فكذب } فرعون بموسى ~~والآية الكبرى وسماهما ساحرا وسحرا { وعصى } الله تعالى { ثم ~~أدبر } تولى عن موسى { يسعى } يجتهد في مكايدته، أو لما رأى ~~الثعبان أدبر مرعوبا يسرع في مشيته وكان طياشا خفيفا { فحشر } ~~فجمع السحرة وجنده { فنادى } في المقام الذي اجتمعوا فيه معه { فقال ~~أنا ربكم الأعلى } لا رب فوقي وكانت لهم أصنام يعبدونها { فأخذه الله ~~نكال الآخرة } عاقبة الله عقوبة الآخرة والنكال بمعنى التنكيل كالسلام ~~بمعنى التسليم. ونصبه على المصدر لأن أخذ بمعنى نكل كأنه قيل: نكل الله ~~به نكال الآخرة أي الإحراق { والأولى } أي الإغراق، أو نكال كلمتيه ~~الآخرة وهي # أنا ربكم الأعلى # والأولى وهي # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وبينهما أربعون سنة أو ثلاثون أو عشرون { إن في ms1542 ذلك } ~~المذكور { لعبرة لمن يخشى } الله. # { ءأنتم } يا منكري البعث { أشد خلقا } أصعب خلقا وإنشاء { أم ~~السماء } مبتدأ محذوف الخبر أي أم السماء أشد خلقا. ثم بين كيف ~~خلقها فقال { بناها } أي الله. ثم بين البناء فقال { رفع سمكها } ~~أعلى سقفها. وقيل: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو رفيعا مسيرة خمسمائة ~~عام { فسواها } فعدلها مستوية بلا شقوق ولا فطور { وأغطش ليلها ~~} أظلمه { وأخرج ضحاها } أبرز ضوء شمسها، وأضيف الليل والشمس إلى ~~السماء لأن الليل ظلمتها والشمس سراجها { والأرض بعد ذلك ~~دحاها } بسطها وكانت مخلوقة غير مدحوة فدحيت من مكة بعد خلق السماء ~~بألفي عام. # ثم فسر البسط فقال { أخرج منها ماءها } بتفجير العيون { ~~ومرعاها } كلأها ولذا لم يدخل العاطف على { أخرج } أو { أخرج } حال ~~بإضمار «قد». # { والجبال أرساها } أثبتها وانتصاب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى على ~~شريطة التفسير { متاعا لكم ولأنعامكم } فعل ذلك تمتيعا لكم ~~ولأنعماكم { فإذا جاءت الطامة الكبرى } الداهية العظمى التي تطم ~~على الدواهي أي تعلو وتغلب وهي النفخة الثانية، أو الساعة التي يساق فيها ~~أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. # { يوم يتذكر الإنسان } بدل من { إذا جاءت } أي إذا رأى أعماله ~~مدونة في كتابه يتذكرها وكان قد نسيها { ما سعى } مصدرية أي سعيه أو ~~موصولة { وبرزت الجحيم } وأظهرت { لمن يرى } لكل راء لظهورها ظهورا ~~بينا. # { فأما } جواب { فإذا } أي إذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك { من طغى } ~~جاوز الحد فكفر { وءاثر الحياة الدنيا } على الآخرة باتباع ~~الشهوات { فإن الجحيم هي المأوى } المرجع أي مأواه، والألف واللام ~~بدل من الإضافة وهذا عند الكوفيين، وعند سيبويه وعند البصريين هي المأوى ~~له { وأما من خاف مقام ربه } أي علم أن له مقاما يوم القيامة ~~لحساب ربه { ونهى النفس } الأمارة بالسوء { عن الهوى } المؤذي أي ~~زجرها عن اتباع الشهوات. وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب ~~فيتركها، والهوى ميل النفس إلى شهواتها { فإن الجنة هي المأوى ~~} أي المرجع { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } متى ~~إرساؤها أي إقامتها يعني ms1543 متى يقيمها الله تعالى ويثبتها { فيم أنت من ~~ذكراهآ } في شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به أي ما أنت من ~~ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء كقولك: ليس فلان من العلم في شيء. وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت، ~~فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها أي أنهم يسألونك عنها فلحرصك على ~~جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها. # { إلى ربك منتهاها } منتهى علمها متى تكون لا يعلمها غيره، أو ~~فيم إنكار لسؤالهم عنها أي فيم هذا السؤال. ثم قال { أنت من ذكراها } أي ~~إرسالك وأنت آخر الأنبياء علامة من علاماتها فلا معنى لسؤالهم عنها، ولا ~~يبعد أن يوقف على هذا على { فيم } وقيل { فيم أنت من ذكراها } متصل ~~بالسؤال أي يسألونك عن الساعة أيان مرساها ويقولون أين أنت من ذكراها. ثم ~~استأنف فقال { إلى ربك منتهاها } { إنما أنت منذر من يخشاها } أي لم ~~تبعث لتعلمهم بوقت الساعة وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها. ~~{ منذر } منون: يزيد وعباس { كأنهم يوم يرونها } أي الساعة ~~{ لم يلبثوا } في الدنيا { إلا عشية أو ضحاها } أي ضحى ~~العشية استقلوا مدة لبثهم في الدنيا لما عاينوا من الهول كقوله: # لم يلبثوا إلا ساعة من نهار # [الأحقاف:35] [يونس: 45] وقوله: # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم # [الكهف:19][المؤمنون: 113] وإنما صحت إضافة الضحى إلى العشية للملابسة ~~بينهما لاجتماعهما في نهار واحد، والمراد أن مدة لبثهم لم تبلغ يوما ~~كاملا ولكن أحد طرفي النهار عشيته أو ضحاه، والله أعلم. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-42] # { عبس } كلح أي النبي صلى الله عليه وسلم { وتولى } أعرض { أن ~~جاءه } لأن جاءه ومحله نصب لأنه مفعول له، والعامل فيه { عبس } أو ~~تولى على اختلاف المذهبين { الأعمى } عبد الله بن أم مكتوم، وأم مكتوم أم ~~أبيه، وأبوه شريح بن مالك، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو أشراف ~~قريش إلى الإسلام فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله وكرر ذلك ms1544 وهو ~~لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه ~~وعبس وأعرض عنه فنزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه بعدها ~~ويقول: # " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " # واستخلفه على المدينة مرتين { وما يدريك } وأي شيء يجعلك داريا بحال ~~هذا الأعمى { لعله يزكى } لعل الأعمى يتطهر بما يسمع منك من دنس ~~الجهل. وأصله يتزكى فأدغمت التاء في الزاي، وكذا { أو يذكر } يتعظ ~~{ فتنفعه } نصبه عاصم غير الأعشى جوابا ل «لعل» وغيره رفعه عطفا ~~على { يذكر } { الذكرى } ذكراك أي موعظتك أي أنك لا تدري ما هو مترقب ~~منه من ترك، أو تذكر ولو دريت لما فرط ذلك منك. # { أما من استغنى } أي من كان غنيا بالمال { فأنت له تصدى } ~~تتعرض بالإقبال عليه حرصا على إيمانه { تصدى } بإدغام التاء في الصاد: ~~حجازي { وما عليك ألا يزكى } وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام ~~إن عليك إلا البلاغ { وأما من جاءك يسعى } يسرع في طلب الخير { وهو ~~يخشى } الله أو الكفار أي أذاهم في إتيانك أو الكبوة كعادة العميان { ~~فأنت عنه تلهى } تتشاغل وأصله تتلهى. وروي أنه ما عبس بعدها في وجه ~~فقير قط ولا تصدى لغني. وروي أن الفقراء في مجلس الشورى كانوا أمراء. { ~~كلا } ردع أي لا تعد إلى مثله { إنها } إن السورة أو الآيات { ~~تذكرة } موعظة يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها { فمن شاء ذكره } فمن شاء ~~أن يذكره ذكره. أو ذكر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ، والمعنى ~~فمن شاء الذكر ألهمه الله تعالى إياه { في صحف } صفة ل { تذكرة } أي ~~أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح، أو خبر مبتدأ محذوف أي هي في صحف { ~~مكرمة } عند الله { مرفوعة } في السماء أو مرفوعة القدر ~~والمنزلة { مطهرة } عن مس غير الملائكة أو عما ليس من كلام الله ~~تعالى { بأيدي سفرة } كتبة جمع سافر أي الملائكة ينتسخون الكتب من اللوح ~~{ كرام } على الله أو عن المعاصي { بررة } أتقياء جمع بار. # { قتل الإنسان } لعل الكافر ms1545 أو هو أمية أو عتبة { ما أكفره } ~~استفهام توبيخ أي أي شيء حمله على الكفر، أو هو تعجب أي ما أشد كفره { ~~من أي شيء خلقه } من أي حقير خلقه! وهو استفهام ومعناه التقرير. # ثم بين ذلك الشيء فقال { من نطفة خلقه فقدره } على ما يشاء من ~~خلقه. # { ثم السبيل يسره } نصب السبيل بإضمار يسر أي ثم سهل له سبيل ~~الخروج من بطن أمه أو بين له سبيل الخير والشر { ثم أماته ~~فأقبره } جعله ذا قبر يواري فيه لا كالبهائم كرامة له قبر الميت ~~دفنه وأقبره الميت أمره بأن يقبره ومكنه منه { ثم إذا شاء أنشره } أحياه ~~بعد موته { كلا } ردع للإنسان عن الكفر { لما يقض ما أمره } ~~لم يفعل هذا الكافر ما أمره الله به من الإيمان. # ولما عدد النعم في نفسه من ابتداء حدوثه إلى آن انتهائه أتبعه ذكر النعم ~~فيما يحتاج إليه فقال { فلينظر الإنسان إلى طعامه } الذي يأكله ويحيا به ~~كيف دبرنا أمره { أنا } بالفتح: كوفي على أنه بدل اشتمال من الطعام، ~~وبالكسر على الاستئناف: غيرهم { صببنا الماء صبا } يعني المطر من ~~السحاب { ثم شققنا الأرض شقا } بالنبات { فأنبتنا فيها حبا } كالبر ~~والشعير وغيرهما مما يتغذى به { وعنبا } ثمرة الكرم أي الطعام والفاكهة ~~{ وقضبا } رطبة سمي بمصدر قضبه أي قطعه لأنه يقضب مرة بعد مرة { ~~وزيتونا ونخلا وحدائق } بساتين { غلبا } غلاظ الأشجار جمع ~~غلباء { وفاكهة } لكم { وأبا } مرعى لدوابكم { متاعا } مصدر أي ~~منفعة { لكم ولأنعامكم فإذا جاءت الصاخة } صيحة القيامة لأنها تصخ ~~الآذان أي تصمها وجوابه محذوف لظهوره { يوم يفر المرء من ~~أخيه * وأمه وأبيه } لتبعات بينه وبينهم أو لاشتغاله بنفسه { ~~وصاحبته } وزوجته { وبنيه } بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب ~~منه ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أحب. قيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن ~~أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح { لكل امرىء ~~منهم يومئذ شأن } في نفسه { يغنيه } يكفيه في الاهتمام به ~~ويشغله عن غيره. # { وجوه يومئذ مسفرة } مضيئة من قيام الليل أو ms1546 من آثار الوضوء { ~~ضاحكة مستبشرة } أي أصحاب هذه الوجوه وهم المؤمنون ضاحكون ~~مسرورون { ووجوه يومئذ عليها غبرة } غبار { ترهقها قترة } ~~يعلو الغبرة سواد كالدخان ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في ~~الوجه { أولئك } أهل هذه الحالة { هم الكفرة } في حقوق الله { ~~الفجرة } في حقوق العباد، ولما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد ~~وجوههم الغبرة، والله أعلم. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-29] # مكية وهي تسع وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { إذا الشمس كورت } ذهب بضوئها من كورت العمامة إذا لفقتها أي يلف ~~ضوءها لفا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق. وارتفاع { الشمس } ~~بالفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره { كورت } لأن «إذا» يطلب الفعل لما فيه ~~من معنى الشرط { وإذا النجوم انكدرت } تساقطت { وإذا الجبال سيرت } ~~عن وجه الأرض وأبعدت أو سيرت في الجو تسيير السحاب { وإذا العشار } جمع ~~عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع ~~لتمام السنة { عطلت } أهملت عطلها أهلها لاشتغالهم بأنفسهم وكانوا ~~يحبسونها إذا بلغت هذه الحالة لعزتها عندهم ويعطلون ما دونها. { عطلت } ~~بالتخفيف عن اليزيدي { وإذا الوحوش حشرت } جمعت من كل ناحية. قال ~~قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص فإذا قضى بينها ردت أترابا فلا ~~يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم كالطاوس ونحوه. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: حشرها موتها. يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتم ~~السنة. # { وإذا البحار سجرت } { سجرت } مكي وبصري من سجر ~~التنور إذا ملأه بالحطب أي ملئت، وفجر بعضا إلى بعض حتى تعود بحرا ~~واحدا. وقيل: ملئت نيرانا لتعذيب أهل النار { وإذا النفوس ~~زوجت } قرنت كل نفس بشكلها الصالح مع الصالح في الجنة والطالح مع ~~الطالح في النار، أو قرنت الأرواح بالأجساد، أو بكتبها وأعمالها، أو نفوس ~~المؤمنين بالحور العين ونفوس الكافرين بالشياطين { وإذا ~~الموءودة } المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات خشية الإملاق ~~وخوف الاسترقاق { سئلت } سؤال تلطف لتقول بلا ذنب قتلت، أو لتدل على ~~قاتلها، أو هو توبيخ لقاتلها بصرف ms1547 الخطاب عنه كقوله: # أأنت قلت للناس # [المائدة: 116] الآية { بأى ذنب قتلت } وبالتشديد: يزيد. وفيه ~~دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب ~~{ وإذا الصحف نشرت } { فتحت } وبالتخفيف: مدني وشامي ~~وعاصم وسهل ويعقوب. والمراد صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ثم ~~تنشر إذا حوسب، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم { وإذا ~~السماء كشطت } قال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف { وإذا ~~الجحيم سعرت } أوقدت إيقادا شديدا. بالتشديد: شامي ومدني ~~وعاصم غير حماد ويحيى للمبالغة { وإذا الجنة أزلفت } أدنيت ~~من المتقين كقوله: # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # [ق: 31]. فهذه اثنتا عشرة خصلة ست منها في الدنيا والباقية في الآخرة. ~~ولا وقف مطلقا من أول السورة إلى { ما أحضرت } لأن عامل النصب في ~~{ إذا الشمس } وفيما عطف عليه جوابها وهو { علمت نفس } أي ~~كل نفس ولضرورة انقطاع النفس على كل آية جوز الوقف { ما أحضرت } ~~من خير وشر. # { فلا أقسم } «لا» زائدة { بالخنس } بالرواجع بينا ترى ~~النجم في آخر البرج إذ كر راجعا إلى أوله { الجوار } السيارة { ~~الكنس } الغيب من كنس الوحش إذا دخل كناسه. قيل: هي الدراري الخمسة: ~~بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري، تجري مع الشمس والقمر وترجع حتى ~~تختفي تحت ضوء الشمس، فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. ~~وقيل: هي جميع الكواكب { واليل إذا عسعس } أقبل بظلامه أو ~~أدبر فهو من الأضداد. # { والصبح إذا تنفس } امتد ضوءه. ولما كان إقبال الصبح ~~يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا وجواب القسم { إنه } ~~أي القرآن { لقول رسول } أي جبريل عليه السلام. وإنما أضيف القرآن ~~إليه لأنه هو الذي نزل به { كريم } عند ربه { ذى قوة } قدرة على ~~ما يكلف لا يعجز عنه ولا يضعف { عند ذى العرش } عند الله { ~~مكين } ذي جاه ومنزلة. ولما كانت على حال المكانة على حسب حال المكين ~~قال { عند ذى العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته { مطع ~~ثم } أي في السماوات يطيعه من فيها أو عند ذي ms1548 العرش أي عند الله يطيعه ~~ملائكته المقربون يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه { أمين } على الوحي ~~{ وما صحبكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { بمجنون } ~~كما تزعم الكفرة وهو عطف على جواب القسم. # { ولقد رءاه } رأى محمد جبريل عليهما السلام على صورته { ~~بالأفق المبين } بمطلع الشمس { وما هو على الغيب } وما ~~محمد على الوحي { بضنين } ببخيل من الضن وهو البخل أي لا يبخل بالوحي ~~كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئا مما ~~علم. { بظنين } مكي وأبو عمرو وعلي أي بمتهم فينقص شيئا مما أوحي إليه ~~أو يزيد فيه من الظنة وهي التهمة { وما هو } وما القرآن { بقول ~~شيطن رجيم } طريد وهو كقوله: # وما تنزلت به الشيطين # [الشعراء: 210]. أي ليس هو بقول بعض المسترقة للسمع وبوحيهم إلى ~~أوليائهم من الكهنة { فأين تذهبون } استضلال لهم كما يقال لتارك ~~الجادة اعتسافا أو ذهابا في بنيات الطريق أي تذهب؟. مثلت حالهم بحاله ~~في تركهم الحق وعدو لهم عنه إلى الباطل. وقال الزجاج: معناه فأي طريق ~~تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا ~~وإن من شيء إلا عندنا { إن هو إلا ذكر للعلمين } ما ~~القرآن إلا عظة للخلق { لمن شاء منكم } بدل من { العلمين } ~~{ أن يستقيم } أي القرآن ذكر لمن شاء الاستقامة يعني أن الذين ~~شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر فكأنه لم يوعظ ~~به غيرهم وإن كانوا موعوظين جميعا { وما تشاءون } الاستقامة { ~~إلا أن يشاء الله رب العلمين } مالك الخلق أجمعين. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-19] # مكية وهي تسع عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { إذا السماء انفطرت } انشقت { وإذا الكواكب ~~انتثرت } تساقطت { وإذا البحار فجرت } فتح بعضها إلى بعض ~~وصارت البحار بحرا واحدا { وإذا القبور بعثرت } بحثت وأخرج ~~موتاها وجواب «إذا» { علمت نفس } أي كل نفس برة وفاجرة { ما ~~قدمت } ما عملت من طاعة { وأخرت } وتركت فلم تعمل أو ما قدمت ~~من الصدقات وما أخرت من الميراث { يأيها الإنسن } قيل: ms1549 الخطاب ~~لمنكري البعث { ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك } ~~أي شيء خدعك حتى ضيعت ما وجب عليك مع كرم ربك حيث أنعم عليك بالخلق ~~والتسوية والتعديل؟ وعنه عليه السلام حين تلاها غره جهله. وعن عمر رضي ~~الله عنه: غره حمقه. وعن الحسن: غره شيطانه. وعن الفضيل: لو خوطبت أقول ~~غرتني ستورك المرخاة. وعن يحيى بن معاذ أقول: غرني برك بي سالفا وآنفا ~~{ فسواك } فجعلك مستوي الخلق سالم الأعضاء { فعدلك } فصيرك ~~معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا ~~إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، أو جعلك معتدل ~~الخلق تمشي قائما لا كالبهائم. وبالتخفيف: كوفي وهو بمعنى المشدد أي ~~عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت فكنت معتدل الخلقة متناسبا { فى أي ~~صورة ما شاء ركبك } «ما» مزيد للتوكيد أي ركبك في أي صورة ~~اقتضتها مشيئته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر، ولم ~~تعطف هذه الجملة كما عطف ما قبلها لأنها بيان ل { عدلك } والجار يتعلق ~~ب { ركبك } على معنى وضعك في بعض الصور ومكنك فيها، أو بمحذوف أي ~~ركبك حاصلا في بعض الصور. # { كلا } ردع عن الغفلة عن الله تعالى { بل تكذبون بالدين ~~} أصلا وهو الجزاء أو دين الإسلام فلا تصدقون ثوابا ولا عقابا { ~~وإن عليكم لحفظين } أعمالكم وأقوالكم من الملائكة { ~~كراما كتبين } يعني أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم ~~أعمالكم لتجازوا بها { يعلمون ما تفعلون } لا يخفى عليهم شيء ~~من أعمالكم. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند ~~الله من جلائل الأمور، وفيه إنذار وتهويل للمجرمين ولطف للمتقين. وعن ~~الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين! { إن ~~الأبرار لفى نعيم } إن المؤمنين لفي نعيم الجنة { وإن ~~الفجار لفى جحيم } وإن الكفار لفي النار { يصلونها ~~يوم الدين } يدخلونها يوم الجزاء. # { وما هم عنها بغائبين } أي لا يخرجون منها كقوله تعالى: # وما هم بخرجين منها # [المائدة:37] [البقرة:167]. ثم عظم شأن يوم القيامة فقال { وما ms1550 ~~أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين ~~} فكرر للتأكيد والتهويل وبينه بقوله { يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا } أي لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه وإنما ~~تملك الشفاعة بالإذن. { يوم } بالرفع: مكي وبصري أي هو يوم، أو بدل من ~~{ يوم الدين } ومن نصب فبإضمار «اذكر» أو بإضمار يدانون لأن الدين ~~يدل عليه { والأمر يومئذ لله } أي لا أمر إلا لله تعالى ~~وحده فهو القاضي فيه دون غيره. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-36] # مختلف فيها وهي ست وثلاثون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { ويل } مبتدأ خبره { للمطففين } للذين يبخسون حقوق الناس في ~~الكيل والوزن { الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون } أي إذا أخذوا بالكيل من الناس يأخذون حقوقهم وافية تامة. ~~ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل على ~~مكان من للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق «على» ب { يستوفون } ~~ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص أي يستوفون على الناس خاصة. ~~وقال الفراء: «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا ~~قال: اكتلت عليك فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك فكأنه ~~قال: استوفيت منك. والضمير المنصوب في { وإذا كالوهم أو ~~وزنوهم } راجع إلى الناس أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار ~~وأوصل الفعل. وإنما لم يقل أو اتزنوا كما قيل { أو وزنوهم } ~~اكتفاء، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل ~~لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة لأنهم يدعدعون ويحتالون في ~~الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين { ~~يخسرون } ينقصون يقال خسر الميزان وأخسره. # { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم ~~عظيم } يعني يوم القيامة. أدخل همزة الاستفهام على «لا» النافية ~~توبيخا وليست «ألا» هذه للتنبيه، وفيه إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في ~~الاجتراء على التطفيف كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينا أنهم ~~مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة، ولو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في ~~الكيل والوزن. وعن عبد الملك بن ms1551 مروان أن أعرابيا قال له: لقد سمعت ما ~~قال الله في المطففين، أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم ~~الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ~~ونصب؟! { يوم يقوم الناس } بمبعوثون { لرب العلمين } ~~لأمره وجزائه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ ~~هنا بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده { كلا } ردع وتنبيه أي ردعهم ~~عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، ونبههم على أنه مما ~~يجب أن يتاب عنه ويندم عليه. # ثم اتبعه وعيد الفجار على العموم فقال { إن كتب الفجار } ~~صحائف أعمالهم { لفى } { سجين * وما أدراك ما سجين * ~~كتب مرقوم } فإن قلت: قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجار بأنه ~~في سجين وفسر سجينا بكتاب مرقوم فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما ~~معناه؟ قلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشر دون الله فيه أعمال الشياطين ~~والكفرة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة، أو معلم ~~يعلم من رآه أنه لا خير فيه من رقم الثياب علامتها. # والمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان. وسمي سجينا ~~فعيلا من السجن وهو الحبس والتضييق لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، ~~أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم وهو مسكن إبليس ~~وذريته، وهو اسم علم منقول من وصف كحاتم منصرف لوجود سبب واحد وهو ~~العلمية فحسب { ويل يومئذ } يوم يخرج المكتوب { للمكذبين ~~الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب { وما ~~يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحد { ~~أثيم } مكتسب للإثم { إذا تتلى عليه ءايتنا } أي ~~القرآن { قال أسطير الأولين } أي أحاديث المتقدمين. وقال ~~الزجاج: أساطير أباطيل واحدها أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث. # { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن هذا القول { بل } نفي لما قالوا ~~ويقف حفص على { بل } وقيفة { ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون } عطاها كسبهم أي غلب على قلوبهم حتى غمرها ما كانوا يكسبون ms1552 ~~من المعاصي. وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب. وعن الضحاك: ~~الرين موت القلب. وعن أبي سليمان: الرين والقسوة زماما الغفلة ودواؤهما ~~إدمان الصوم فإن وجد بعد ذلك قسوة فليترك الإدام. # { كلا } ردع عن الكسب الرائن على القلب { إنهم عن ربهم } ~~عن رؤية ربهم { يومئذ لمحجوبون } لممنوعون والحجب: المنع قال ~~الزجاج: في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم وإلا لا يكون التخصيص ~~مفيدا. وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في ~~العقبى عن رؤيته. وقال مالك بن أنس رحمه الله: لما حجب أعداءه فلم يروه ~~تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقيل: عن كرامة ربهم لأنهم في الدنيا لم يشكروا ~~نعمه فيئسوا في الآخرة عن كرامته مجازاة. والأول أصح لأن الرؤية أقوى ~~الكرامات فالحجب عنها دليل الحجب عن غيرها { ثم إنهم لصالوا ~~الجحيم } ثم بعد كونهم محجوبين عن ربهم لداخلون النار { ثم ~~يقال هذا الذى كنتم به تكذبون } أي هذا العذاب هو ~~الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتنكرون وقوعه. # { كلا } ردع عن التكذيب { إن كتب الأبرار } ما كتب من ~~أعمالهم والأبرار المطيعون الذين لا يطففون ويؤمنون بالبعث لأنه ذكر في ~~مقابلة الفجار، وبين الفجار بأنهم المكذبون بيوم الدين. وعن الحسن: البر ~~الذي لا يؤذي الذر { لفى عليين } هو علم لديوان الخير الذي دون ~~فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع «علي» فعيل من ~~العلو سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، أو لأنه ~~مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له { وما ~~أدراك } ما الذي أعلمك يا محمد { ما عليون } أي شيء هو { ~~كتب مرقوم * يشهده المقربون } تحضره الملائكة. # قيل: يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء إذا رفع { إن الأبرار لفى ~~نعيم } تنعم في الجنان { على الأرآئك } الأسرة في الحجال { ~~ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه وإلى أعدائهم كيف يعذبون { تعرف ~~فى وجوههم نضرة النعيم } بهجة التنعم وطراوته { يسقون ~~من رحيق } شراب خالص لا غش فيه { مختوم * ختمه مسك ms1553 } ~~تختم أوانيه بمسك بدل الطين الذي يختم به الشراب في الدنيا. أمر الله ~~تعالى بالختم عليه إكراما لأصحابه أو ختامه مسك مقطعه رائحة مسك أي توجد ~~رائحة المسك عند خاتمة شربه. { خاتمه } علي { وفى ذلك } الرحيق أو ~~النعيم { فليتنافس المتنفسون } فليرغب الراغبون وذا إنما ~~يكون بالمسارعة إلى الخيرات والانتهاء عن السيئات { ومزاجه } ومزاج ~~الرحيق { من تسنيم } هو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر ~~سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تأتيهم من فوق وتنصب ~~في أوانيهم { عينا } حال أو نصب على المدح { يشرب بها } أي منها ~~{ المقربون } عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم: يشربها ~~المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين. # { إن الذين أجرموا } كفروا { كانوا من الذين ~~ءامنوا يضحكون } في الدنيا استهزاء بهم. # { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بعض بالعين ~~طعنا فيهم وعيبا لهم. قيل: جاء علي رضي الله عنه في نفر من المسلمين ~~فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا وقالوا: أترون هذا الأصلع فنزلت قبل ~~أن يصل علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { وإذا انقلبوا ~~إلى أهلهم } أي إذا رجع إلى الكفار منازلهم { انقلبوا ~~فكهين } متلذذين بذكرهم والسخرية منهم. وقرأ غير حفص { فكهين } ~~أي فرحين { وإذا رأوهم } وإذا رأى الكافرون المؤمنين { قالوا ~~إن هؤلاء لضالون } أي خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات ~~لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا الحقيقة بالخيال وهذا هو ~~عين الضلال { وما أرسلوا } وما أرسل الكفار { عليهم } على ~~المؤمنين { حفظين } يحفظون عليهم أحوالهم ويرقبون أعمالهم بل أمروا ~~بإصلاح أنفسهم فاشتغالهم بذلك أولى بهم من تتبع غيرهم وتسفيه أحلامهم { ~~فاليوم } أي من يوم القيامة { الذين ءامنوا من ~~الكفار يضحكون } ثم كما ضحكوا منهم هنا مجازاة { على ~~الأرآئك ينظرون } حال أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم ~~فيه من الهوان والصغار بعد العزة والاستكبار وهم على الأرائك آمنون. ~~وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: هلموا إلى الجنة، فإذا وصلوا ~~إليها أغلق دونهم فيضحك المؤمنون ms1554 منهم { هل ثوب الكفار ما ~~كانوا يفعلون } هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا إذا فعل ~~بهم ما ذكر؟ والله أعلم. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-5] # { إذا السماء انشقت } تصدعت وتشققت { وأذنت لربها } ~~سمعت وأطاعت وأجابت ربها إلى الانشقاق ولم تأب ولم تمتنع { وحقت } ~~وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر الله إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى { ~~وإذا الأرض مدت } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها { ~~وألقت ما فيها } ورمت ما في جوفها من الكنوز والموتى { ~~وتخلت } وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت ~~أقصى جهدها في الخلو. يقال: تكرم الكريم إذا بلغ جهده في الكرم وتكلف فوق ~~ما في طبعه { وأذنت لربها } في إلقاء ما في بطنها وتخليها { ~~وحقت } وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، وحذف جواب «إذا» ليذهب ~~المقدر كل مذهب، أو اكتفاء بما على بمثلها من سورتي التكوير والانفطار، ~~أو جوابه ما دل عليه { فملقيه } أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان ~~كدحه. ### || [84.6-25] # { يأيها الإنسن } خطاب للجنس { إنك كادح إلى ~~ربك كدحا } جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت وما بعده من الحال ~~الممثلة باللقاء { فملقيه } الضمير للكدح وهو جهد النفس في العمل ~~والكد فيه حتى يؤثر فيها، والمراد جزاء الكدح إن خيرا فخير وإن شرا ~~فشر. وقيل: لقاء الكدح لقاء كتاب فيه ذلك الكدح يدل عليه قوله { فأما ~~من أوتى كتبه بيمينه } أي كتاب عمله { فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا وهو أن يجازي على الحسنات ~~ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث # " من يحاسب يعذب " # فقيل: فأين قوله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا }؟ قال: # " ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب " # { وينقلب إلى أهله } إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو إلى ~~فريق المؤمنين، أو إلى أهله في الجنة من الحور العين { مسرورا } ~~فرحا { وأما من أوتى كتبه وراء ظهره } قيل: تغل ~~يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره { ~~فسوف يدعوا ثبورا } يقول: يا ثبوراه والثبور الهلاك { ~~ويصلى } عراقي غير علي ms1555 { سعيرا } أي ويدخل جهنم { إنه كان ~~} في الدنيا { فى أهله } معهم { مسرورا } بالكفر يضحك ممن آمن ~~بالبعث. قيل: كان لنفسه متابعا وفي مراتع هواه راتعا. # { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه تكذيبا بالبعث. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول ~~لبنتها: حوري أي ارجعي { بلى } إيجاب لما بعد النفي في { لن يحور ~~} أي بلى ليحورن { إن ربه كان به } وبأعماله { بصيرا } لا ~~يخفى عليه فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها. # { فلا أقسم بالشفق } فأقسم بالبياض بعد الحمرة أو الحمرة { ~~واليل وما وسق } جمع وضم والمراد ما جمعه من الظلمة والنجم، أو ~~من عمل فيه من التهجد وغيره { والقمر إذا اتسق } اجتمع وتم ~~بدرا افتعل من الوسق { لتركبن } أيها الإنسان على إرادة الجنس { ~~طبقا عن طبق } حالا بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة ~~والهول. والطبق ما طابق غيره يقال: ما هذا بطبق لذا أي لا يطابقه، ومنه ~~قيل للغطاء الطبق، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم: هو على ~~طبقات، أي لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض ~~وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها. ومحل { عن طبق } نصب ~~على أنه صفة ل { طبقا } أي طبقا مجاوزا لطبق، أو حال من الضمير في ~~{ لتركبن } أي لتركبن طبقا مجاوزين لطبق. # وقال مكحول: في كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه. وبفتح ~~الباء: مكي وعلي وحمزة. والخطاب له عليه السلام أي طبقا من طباق السماء ~~بعد طبق أي في المعراج. # { فما لهم لا يؤمنون } فما لهم في أن لا يؤمنوا { وإذا ~~قرىء عليهم القرءان لا يسجدون } لا يخضعون { بل ~~الذين كفروا يكذبون } بالبعث والقرآن { والله أعلم ~~بما يوعون } بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر وتكذيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون ~~لأنفسهم من أنواع العذاب { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم ~~خبرا يظهر أثره على بشرتهم ms1556 { إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } استثناء منقطع { لهم أجر غير ممنون } غير ~~مقطوع أو غير منقوص، والله أعلم. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-9] # مكية وهي اثنتان وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { والسماء ذات البروج } هي البروج الاثنا عشر. وقيل: النجوم ~~أو عظام الكواكب { واليوم الموعود } يوم القيامة { وشهد ~~ومشهود } أي وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد من ~~يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه ما في ذلك اليوم من عجائبه. ~~وطريق تنكيرهما إما ما ذكرته في قوله # علمت نفس ما أحضرت # [التكوير: 14] كأنه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود، وإما للإبهام ~~في الوصف كأنه قيل: وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما. وقد كثرت أقاويل ~~المفسرين فيهما فقيل: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة أو عيسى ~~وأمته لقوله: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة: 117]. أو أمة محمد وسائر الأمم، أو الحجر الأسود والحجيج، أو ~~الأيام والليالي وبنو آدم للحديث: # " ما من يوم إلا وينادي أنا يوم جديد وعلى ما يفعل في شهيد فاغتنمني ~~فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة " # أو الحفظة وبنو آدم، أو الله تعالى والخلق لقوله تعالى: # وكفى بالله شهيدا # [الفتح:28] [النساء: 79] أو الأنبياء ومحمد عليهم السلام. وجواب القسم ~~محذوف يدل عليه { قتل أصحب الأخدود } أي لعن كأنه قيل: أقسم ~~بهذه الأشياء إنهم ملعونون يعني كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود، وهو خد ~~أي شق عظيم في الأرض. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لبعض الملوك ساحر فلما كبر ~~ضموا إليه غلاما ليعلمه السحر. وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه فرأى ~~في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس فأخذ حجرا فقال: # " اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها " # فقتلها فكان الغلام بعد ذلك يبرىء الأكمه والأبرص. وعمي جليس للملك ~~فأبرأه فأبصره الملك فسأله من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي. فغضب فعذبه فدل ~~على الغلام، فعذبه فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقد ~~بالمنشار، وأبى ms1557 الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم ~~فطاحوا ونجا، فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم ~~السفينة فغرقوا ونجا فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد ~~وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول: باسم الله رب الغلام ثم ~~ترميني به، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه فمات فقال الناس: آمنا برب ~~الغلام. فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر. فخد أخدودا وملأها نارا فمن ~~لم يرجع عن دينه طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها ~~فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق فألقي الصبي وأمه فيها { ~~النار } بدل اشتمال من الأخدود { ذات الوقود } وصف لها بأنها ~~نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس { إذ } ~~ظرف لقتل أي لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها { هم عليها } أي ~~الكفار على ما يدنو منها من حافات الأخدود { قعود } جلوس على الكراسي ~~{ وهم } أي الكفار { على ما يفعلون بالمؤمنين } من ~~الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط ~~فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب، وفيه حث للمؤمنين على الصبر وتحمل أذى ~~أهل مكة { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا } وما عابوا ~~منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # وقوله: # ما نقموا من بني أمية إل # لا أنهم يحلمون إن غضبوا # وقرىء { نقموا } بالكسر والفصيح هو الفتح { بالله العزيز ~~الحميد } ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزا ~~غالبا قادرا يخشى عقابه حميدا منعما يجب له الحمد على نعمته ويرجى ~~ثوابه { الذى له ملك السموت والأرض } فكل من فيهما ~~تحق عليه عبادته والخشوع له تقريرا لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ~~ينقمه إلا مبطل، وأن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب عظيم { ~~والله على كل شىء شهيد } وعيد لهم يعني أنه علم ما فعلوا ~~وهو مجازيهم عليه. ### || [85.10-22] # { إن ms1558 الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت } يجوز ~~أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة وبالذين آمنوا المطروحين في ~~الأخدود، ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم { ثم لم يتوبوا } ~~لم يرجعوا عن كفرهم { فلهم } في الآخرة { عذاب جهنم } بكفرهم ~~{ ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما روي أن النار انقلبت ~~عليهم فأحرقتهم، ويجوز أن يريد الذين فتنوا المؤمنين أي بلوهم بالأذى على ~~العموم والمؤمنين المفتونين، وأن للفاتنين عذابين في الآخرة لكفرهم ~~ولفتنتهم. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر ذلك الفوز ~~الكبير } أي الذين صبروا على تعذيب الأخدود أو هو عام { إن بطش ~~ربك لشديد } البطش: الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف ~~وتفاقم، والمراد أخذه الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام { إنه هو ~~يبدىء ويعيد } أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد أن صيرهم ترابا، ~~دل باقتداره على الابداء والإعادة على شدة بطشه، أو أوعد الكفرة بأنه ~~يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم إذ لم يشكروا نعمة الابداء وكذبوا بالإعادة ~~{ وهو الغفور } الساتر للعيوب العافي عن الذنوب { الودود } ~~المحب لأوليائه. وقيل: الفاعل لأهل الطاعة ما يفعله الودود من إعطائهم ما ~~أرادوا { ذو العرش } خالقه ومالكه { المجيد } وبالجر: حمزة وعلي ~~على أنه صفة للعرش ومجد الله عظمته ومجد العرش علوه وعظمه { فعال } ~~خبر مبتدأ محذوف { لما يريد } تكوينه فيكون فيه دلالة خلق أفعال ~~العباد. # { هل أتاك حديث الجنود } أي قد أتاك خبر الجموع الطاغية في ~~الأمم الخالية { فرعون وثمود } بدل من { الجنود } وأراد ~~بفرعون إياه وآله والمعنى قد عرفت تكذيب تلك الجنود للرسل وما نزل بهم ~~لتكذيبهم { بل الذين كفروا } من قومك { فى تكذيب } ~~واستيجاب للعذاب ولا يعتبرون بالجنود لا لخفاء حال الجنود عليهم لكن ~~يكذبونك عنادا { والله من ورائهم محيط } أي عالم بأحوالهم ~~وقادر عليهم وهم لا يعجزونه، والإحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا ~~يفوتونه كما لا يفوت الشيء المحيط به { بل هو } بل هذا الذي كذبوا به ~~{ قرءان مجيد } شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه ليس ~~كما يزعمون أنه مفترى ms1559 وأنه أساطير الأولين { فى لوح محفوظ } من ~~وصول الشياطين إليه { محفوظ }: نافع صفة للقرآن أي من التغيير ~~والتبديل. واللوح عند الحسن شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه، وعند ابن عباس ~~رضي الله عنهما وهو من درة بيضاء طولها ما بين السماء والأرض، وعرضه ما ~~بين المشرق والمغرب، قلمه نور وكل شيء فيه مسطور. مقاتل: هو على يمين ~~العرش. وقيل: أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر ملك كريم، والله أعلم. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-17] # مكية وهي سبع عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق * ~~النجم الثاقب } عظم قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم ~~ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة فأقسم بها وبالطارق والمراد جنس النجوم، ~~أو جنس الشهب التي يرجم بها لعظم منفعتها، ثم فسره بالنجم الثاقب أي ~~المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل ~~كما يقال للآتي ليلا طارق، أو لأنه يطرق الجني أي يصكه. وجواب القسم { ~~إن كل نفس لما عليها حافظ } لأن { لما } إن كانت ~~مشددة بمعنى «إلا» كقراءة عاصم وحمزة وابن عامر فتكون «إن» نافية أي ما ~~كل نفس إلا عليها حافظ، وإن كانت مخففة كقراءة غيرهم فتكون «إن» مخففة من ~~الثقيلة أي إن كل نفس لعليها حافظ يحفظها من الآفات، أو يحفظ عملها ~~ورزقها وأجلها، فإذا استوفى ذلك مات. وقيل: هو كاتب الأعمال ف «ما» ~~زائدة واللام فارقة بين الثقيلة والخفيفة، و { حافظ } مبتدأ و { ~~عليها } الخبر، والجملة خبر { كل } وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به ~~القسم. # { فلينظر الإنسن مم خلق } لما ذكر أن على كل نفس حافظا ~~أمره بالنظر في أول أمره ليعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ~~ليوم الجزاء ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته. و { مم ~~خلق } استفهام أي من أي شيء خلق جوابه { خلق من ماء دافق } ~~والدفق: صب فيه دفع. والدفق في الحقيقة لصاحبه والإسناد إلى الماء مجاز. ~~وعن بعض أهل اللغة: دفقت الماء دفقا: صببته ms1560 ودفق الماء بنفسه أي انصب. ~~ولم يقل من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما حين ابتدىء في خلقه { ~~يخرج من بين الصلب والترائب } من صلب الرجل وترائب ~~المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة. وقيل: العظم والعصب من الرجل ~~واللحم والدم من المرأة { إنه } إن الخالق لدلالة خلق عليه ومعناه إن ~~الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة { على رجعه } على إعادته خصوصا ~~{ لقادر } لبين القدرة لا يعجز عنه كقوله: إنني لفقير أي لبين ~~الفقر. ونصب { يوم تبلى } أي تكشف برجعه أو بمضمر دل عليه قوله { ~~رجعه } أي يبعثه يوم تبلى { السرائر } ما أسر في القلوب من ~~العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال { فما له } فما للإنسان { من ~~قوة } في نفسه على دفع ما حل به { ولا ناصر } يعينه ويدفع عنه. # { والسماء ذات الرجع } أي المطر وسمي به لعوده كل حين { ~~والأرض ذات الصدع } هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات { إنه ~~} إن القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل كما قيل له فرقان ~~{ وما هو بالهزل } باللعب والباطل يعني أنه جد كله ومن حقه، وقد ~~وصفه الله بذلك أن يكون مهيبا في الصدور معظما في القلوب، يرتفع به ~~قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح { أنهم } يعني مشركي مكة { ~~يكيدون كيدا } يعملون المكايد في إبطال أمر الله وأطفاء نور الحق ~~{ وأكيد كيدا } وأجازيهم جزاء كيدهم باستدراجي لهم من حيث لا ~~يعلمون فسمي جزاء الكيد كيدا كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء ~~وسيئة وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى ~~إلا على وجه الجزاء كقوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] # يخدعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142] # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] { فمهل الكفرين } أي لا تدع بهلاكهم ولا ~~تستعجل به { أمهلهم } أنظرهم فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة ~~التسكين والتصبير { رويدا } مهلا يسيرا ولا يتكلم بها إلا مصغرة ~~وهي من رادت الريح ترود رودا تحركت حركة ضعيفة. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-19] # مكية وهي تسع عشرة آية # بسم الله الرحمن ms1561 الرحيم # { سبح اسم ربك الأعلى } نزه ذاته عما لا يليق به، والاسم ~~صلة وذلك بأن يفسر الأعلى بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار لا بمعنى ~~العلو في المكان. وقيل: قل سبحان ربي الأعلى. وفي الحديث لما نزلت قال ~~عليه السلام: # " اجعلوها في سجودكم " # { الذى خلق فسوى } أي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية ولم يأت به ~~متفاوتا غير ملتئم ولكن على إحكام واتساق، دلالة على أنه صادر عن عالم ~~حكيم، أو سواه على ما فيه منفعة ومصلحة { والذى قدر فهدى } ~~أي قدر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به، أو فهدى ~~وأضل ولكن حذف وأضل اكتفاء كقوله: # يضل من يشآء ويهدى من يشآء # [النحل:93] [فاطر: 8]. { قدر } علي { والذى أخرج ~~المرعى } أنبت ما ترعاه الدواب { فجعله غثاء } يابسا ~~هشيما { أحوى } أسود { فأحوى } صفة الغثاء { أحوى سنقرئك ~~فلا تنسى } سنعلمك القرآن حتى تنساه { إلا ما شاء الله } أن ~~ينسخه وهذا بشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي حتى لا ينفلت منه شيء ~~إلا ما شاء الله أن ينسخه فيذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته. وسأل ابن ~~كيسان النحوي جنيدا عنه فقال: فلا ننسى العمل به فقال: مثلك يصدر. وقيل: ~~قوله { فلا تنسى } على النهي والألف مزيدة للفاصلة كقوله: # السبيلا # [الأحزاب: 67] أي فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ~~ينسيكه برفع تلاوته { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي ~~إنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت والله يعلم جهرك معه وما ~~في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، أو يعلم ~~ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم وما ظهر وما بطن من أحوالكم. # { ونيسرك لليسرى } معطوف على { سنقرئك } وقوله { ~~إنه يعلم الجهر وما يخفى } اعتراض ومعناه ونوفقك ~~للطريقة التي هي أيسر وأسهل يعني حفظ الوحي. وقيل: للشريعة السمحة التي ~~هي أيسر الشرائع أو نوفقك لعمل الجنة { فذكر } عظ بالقرآن { إن ~~نفعت الذكرى } جواب «إن» مدلول قوله { فذكر } قيل: ظاهره ms1562 ~~شرط ومعناه استبعاد لتأثير الذكرى فيهم. وقيل: هو أمر بالتذكير على ~~الإطلاق كقوله: # فذكر إنما أنت مذكر # [الغاشية: 21]. غير مشروط بالنفع { سيذكر } سيتعظ ويقبل التذكرة ~~{ من يخشى } الله وسوء العاقبة { ويتجنبها } ويتباعد عن ~~الذكرى فلا يقبلها { الأشقى } الكافر أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله ~~في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة { الذى يصلى ~~النار الكبرى } يدخل نار جهنم والصغرى نار الدنيا { ثم لا ~~يموت فيها } فيستريح من العذاب { ولا يحيى } حياة يتلذذ بها. ~~وقيل: «ثم» لأن الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلي فهو متراخ عنه ~~في مراتب الشدة. # { قد أفلح } نال الفوز { من تزكى } تطهر من الشرك أو تطهر ~~للصلاة أو أدى الزكاة تفعل من الزكاة كتصدق من الصدقة { وذكر اسم ~~ربه } وكبر للافتتاح { فصلى } الخمس وبه يحتج على وجوب تكبيرة ~~الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضي ~~المغايرة، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه عز وجل. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه وصلى له. وعن الضحاك: وذكر ~~اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد { بل تؤثرون الحيوة ~~الدنيا } على الآخرة فلا تفعلون ما به تفلحون. والمخاطب به الكافرون ~~دليله قراءة أبي عمرو { يؤثرون } بالياء { والآخرة خير وأبقى ~~} أفضل من نفسها وأدوم { إن هذا لفى الصحف الأولى } هذا ~~إشارة إلى قوله { قد أفلح } إلى { أبقى } أي أن معنى هذا ~~الكلام وارد في تلك الصحف أو إلى ما في السورة كلها، وهو دليل على جواز ~~قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة لأنه جعله مذكورا في تلك الصحف مع أنه ~~لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة { صحف إبرهيم وموسى } ~~بدل من { الصحف الأولى } وفي الأثر وفي صحف إبراهيم: ينبغي للعاقل ~~أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-26] # مكية وهي ست وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { هل } بمعنى «قد» { أتاك حديث ms1563 الغشية } الداهية التي ~~تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها يعني القيامة. وقيل: النار من قوله: # وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم: 50] { وجوه } أي وجوه الكفار، وإنما خص الوجه لأن الحزن ~~والسرور إذا استحكما في المرء أثرا في وجهه { يومئذ } يوم إذ غشيت ~~{ خشعة } ذليلة لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان { عاملة ~~ناصبة } تعمل في النار عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال ~~وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها دائبة في صعود من ~~نار وهبوطها في حدور منها. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها ~~وتنعمت فهي في نصب منها في الآخرة. وقيل: هم أصحاب الصوامع ومعناه أنها ~~خشعت الله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب { ~~تصلى نارا حامية } تدخل نارا قد أحميت مددا طويلة فلا حر ~~يعدل حرها { تصلى } أبو عمرو وأبو بكر { تسقى من عين ~~ءانية } من عين ماء قد انتهى حرها، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال ~~راجعة إلى الوجوه والمراد أصحابها بدليل قوله { ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع } وهو نبت يقال له الشبرق فإذا يبس فهو ضريع وهو ~~سم قاتل، والعذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة ~~الغسلين، ومنهم أكلة الضريع، فلا تناقض بين هذه الآية وبين قوله # ولا طعام إلا من غسلين # [الحاقة: 36] { لا يسمن } مجرور المحل لأنه وصف { ضريع } { ~~ولا يغنى من جوع } أي منفعتا الغذاء منتفيتان عنه وهما إماطة ~~الجوع وإفادة السمن في البدن. # { وجوه يومئذ } ثم وصف وجوه المؤمنين ولم يقل ووجوه لأن الكلام ~~الأول قد طال وانقطع { ناعمة } متنعمة في لين العيش { لسعيها ~~راضية } رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة ~~والثواب { فى جنة عالية } من علو المكان أو المقدار { لا ~~تسمع } يا مخاطب أو الوجوه { فيها لغية } أي لغوا أو كلمة ~~ذات لغو أو نفسا تلغو، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما ~~رزقهم من النعيم الدائم. { لا يسمع فيها لغية }: مكي وأبو ~~عمرو: { لا تسمع فيها لغية } نافع ms1564 { فيها عين ~~جارية } أي عيون كثيرة كقوله: # علمت نفس # [الانفطار: 5] { فيها سرر } جمع سرير { مرفوعة } من رفعة ~~المقدار أو السمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك ~~والنعيم. # { وأكواب } جمع كوب وهو القدح. وقيل: آنية لا عروة لها { ~~موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بها بالنظر إليها أو موضوعة على ~~حافات العيون معدة للشرب { ونمارق } وسائد { مصفوفة } بعضها ~~إلى جنب بعض مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على مسودة واستند إلى ~~الأخرى { وزرابي } وبسط عراض فاخرة جمع زربية { مبثوثة } ~~مبسوطة أو مفرقة في المجالس. # ولما أنزل الله تعالى هذه الآيات في صفة الجنة، وفسر النبي عليه السلام ~~بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل في حساب ~~الخلق لكثرتها، وطول النمارق كذا وعرض الزرابي كذا، أنكر الكفار وقالوا: ~~كيف يصعد على هذا السرير، وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق ~~هذا الطول، وبسط الزرابي هذا الانبساط ولم نشاهد ذلك في الدنيا؟ فقال ~~الله تعالى { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة ~~ثم تبرك حتى تركب أو يحمل عليها ثم تقوم فكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما ~~يطأطىء الإبل { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيد المدى ~~بلا إمساك وعمد، ثم نجومها تكثر هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق فكذا ~~الأكواب { وإلى الجبال كيف نصبت } نصبا ثابتا فهي راسخة ~~لا تميل مع طولها فكذا النمارق { وإلى الأرض كيف سطحت } ~~سطحا بتمهيد وتوطئة فهي كلها بساط واحد تنبسط من الأفق إلى الأفق فكذا ~~الزرابي؛ ويجوز أن يكون المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة ~~على قدرة الخالق حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ~~ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه، وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب ~~للعرب وحث لهم على الاستدلال، والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له، ~~والعرب تكون في البوادي ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل ~~فهي أعز أموالهم وهم لها أكثر استعمالا منهم لسائر الحيوانات، ولأنها ~~تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان وهي النسل ms1565 والدر والحمل والركوب ~~والأكل بخلاف غيرها، ولأن خلقها أعجب من غيرها فإنه سخرها منقادة لكل من ~~اقتادها بأزمتها لا تعاز ضعيفا ولا تمانع صغيرا، وبرأها طوال الأعناق ~~لتنوء بالأوقار، وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما ~~حملت وتجرها إلى البلاد الشاحطة، وصبرها على احتمال العطش حتى إن ظمأها ~~لترتفع إلى العشر فصاعدا، وجعلها ترعى كل نابت في البراري مما لا يرعاه ~~سائر البهائم. # { فذكر } فذكرهم بالأدلة ليتفكروا فيها { إنما أنت مذكر ~~} ليس عليك إلا التبليغ { لست عليهم بمصيطر } بمسلط كقوله # وما أنت عليهم بجبار # [ق: 45]، { بمصيطر }: مدني وبصري وعلي وعاصم { إلا من تولى ~~وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر } الاستثناء ~~منقطع أي لست بمسؤول عليهم ولكن من تولى منهم وكفر بالله فإن لله الولاية ~~عليه والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر وهو عذاب جهنم. وقيل: هو استثناء من ~~قوله { فذكر } أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق ~~العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض { إن إلينا إيابهم } ~~رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد وإن إيابهم ليس إلا إلى ~~الجبار المقتدر على الانتقام { ثم إن علينا حسابهم } ~~فنحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها جزاء أمثالهم و «على» لتأكيد الوعيد ~~لا للوجوب إذ لا يجب على الله شيء. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-14] # بسم الله الرحمن الرحيم # { والفجر } أقسم بالفجر وهو الصبح كقوله # والصبح إذا أسفر # [المدثر: 34]، أو بصلاة الفجر { وليال عشر } عشر ذي الحجة أو ~~العشر الأول من المحرم، أو الآخر من رمضان. وإنما نكرت لزيادة فضيلتها { ~~والشفع والوتر } شفع كل الأشياء ووترها أو شفع هذه الليالي ~~ووترها، أو شفع الصلاة ووترها، أو يوم النحر لأنه اليوم العاشر ويوم عرفة ~~لأنه اليوم التاسع، أو الخلق والخالق. { والوتر } حمزة وعلي، وبفتح ~~الواو غيرهما، وهما لغتان: فالفتح حجازي والكسر تميمي. وبعد ما أقسم ~~بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم فقال { واليل } وقيل: ~~أريد به ليلة القدر { إذا يسر } إذا يمضي وياء { يسر } تحذف في ~~الدرج اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف ms1566 فتحذف مع الكسرة. وسأل واحد ~~الأخفش عن سقوط الياء فقال: لا، حتى تخدمني سنة فسأله بعد سنة فقال: ~~الليل لا يسري وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ~~وقيل: معنى يسري: يسرى فيه كما يقال: ليل نائم أي ينام فيه. # { هل فى ذلك } أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي ~~مقسم به { لذى حجر } عقل سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ~~ينبغي كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى، يريد هل تحقق عنده أن تعظم ~~هذه الأشياء بالإقسام بها، أو هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر أي هل هو ~~قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع ~~لذي عقل ولب؟ والمقسم عليه محذوف وهو قوله «ليعذبن» يدل عليه قوله { ~~ألم تر } إلى قوله: { فصب عليهم ربك سوط عذاب }. ~~ثم ذكر تعذيب الأمم التي كذبت الرسل فقال { ألم تر كيف فعل ~~ربك بعاد * إرم ذات العماد } أي ألم تعلم يا محمد علما ~~يوازي العيان في الإيقان؟ وهو استفهام تقرير قيل: لعقب عاد ابن عوص بن ~~إرم بن سام بن نوح عاد ما يقال لبني هاشم هاشم، ثم قيل للأولين منهم: عاد ~~الأولى، والإرم تسمية لهم باسم جدهم ومن بعدهم عاد الأخيرة، ف { إرم ~~} عطف بيان ل { عاد } وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل: إرم ~~بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير { بعاد * ~~إرم } على الإضافة وتقديره بعاد أهل إرم كقوله # واسئل القرية # [يوسف: 82] ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث وذات ~~العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو طوال ~~الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وإن كانت صفة للبلدة أنها ذات أساطين. # وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص ~~الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني ~~مثلها فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلثمائة سنة وكان ms1567 عمره تسعمائة سنة ~~وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، ~~وفيها أصناف الأشجار والأنهار. ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، ~~فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء ~~فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما ~~قدر عليه مما ثمة، وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب ~~فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر ~~أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له، ثم التفت ~~فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل { التى لم يخلق ~~مثلها فى البلد } أي مثل عاد في قوتهم وطول قامتهم، كان طول ~~الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد ~~الدنيا { وثمود الذين جابوا الصخر } قطعوا صخر الجبال ~~واتخذوا فيها بيوتا. قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا ~~وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة { بالواد } بوادي القرى { ~~وفرعون ذى الأوتاد } أي ذي الجنود الكثيرة وكانت لهم مضارب ~~كثيرة يضربونها إذا نزلوا. وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها كما فعل ~~بآسية { الذين } في محل النصب على الذم، أو الرفع على «هم الذين»، أو ~~الجر على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون { طغوا فى البلد } ~~تجاوزوا الحد { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر والقتل والظلم ~~{ فصب عليهم ربك سوط عذاب } مجاز عن إيقاع العذاب بهم ~~على أبلغ الوجوه إذا الصب يشعر بالدوام والسوط بزيادة الإيلام أي عذبوا ~~عذابا مؤلما دائما { إن ربك لبالمرصاد } وهو المكان ~~الذي يترقب فيه الرصد مفعال من رصده، وهذا مثل لإرصاده العباد وأنهم لا ~~يفوتونه، وأنه عالم بما يصدر منهم وحافظه فيجازيهم عليه إن خيرا فخير ~~وإن شرا فشر. ### || [89.15-30] # { فأما الإنسن إذا ما ابتله ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربى أكرمن * وأما إذا ما ~~ابتله فقدر عليه رزقه } أي ضيق عليه وجعله بمقدار ~~بلغته، { فقدر } شامي ويزيد { فيقول ms1568 ربى أهانن } أي الواجب ~~لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للعاقبة ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكس فإنه إذا ~~امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر، قال: ربي أكرمني أي فضلني بما أعطاني ~~فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ~~ليصبر، قال: ربي أهانني فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا تهمه ~~إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها، فرد عليه زعمه بقوله { كلا } أي ~~ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته بل الإكرام في توفيق الطاعة ~~والإهانة في الخذلان، وقوله تعالى: { فيقول } خبر المبتدأ الذي هو ~~الإنسان، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين ~~المبتدأ والخبر في تقدير التأخير كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن ~~وقت الابتلاء، وكذا { فيقول } الثاني خبر لمبتدأ تقديره: وأما هو إذا ~~ما ابتلاه ربه. وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء لأن كل ~~واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر، ~~وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع، ونحوه قوله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]. وإنما أنكر قوله { ربى أكرمن } مع أنه أثبته ~~بقوله { فأكرمه } لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته ~~وهو قصده إن الله أعطاه ما أعطاه إكراما له لاستحقاقه كقوله # إنما أوتيته على علم عندى # [القصص: 78] وإنما أعطاه الله تعالى ابتلاء من غير اسحقاق منه. # { بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على طعام ~~المسكين } أي بل هناك شر من هذا القول وهو أن الله يكرمهم بالغنى ~~فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة وحض أهله على طعام ~~المسكين { وتأكلون التراث } أي الميراث { أكلا لما } ذا ~~لم وهو الجمع بين الحلال والحرام، وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ~~ويأكلون تراثهم مع تراثهم { وتحبون المال } يقال حبه وأحبه ~~بمعنى { حبا جما } كثيرا شديدا مع الحرص ومنع الحقوق، { ربى } ~~حجازي وأبو عمرو { يكرمون } { ولا يحضون } { ويأكلون } { ~~ويحبون } بصري { كلا } ردع لهم ms1569 عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى ~~بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرطوا فيه حين لا تنفع الحسرة فقال { إذا ~~دكت الأرض } إذا زلزلت { دكا دكا } دكا بعد دك أي كرر ~~عليها الدك حتى عادت هباء منبثا. # { وجآء ربك } تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره ~~وسلطانه، فإن واحدا من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ~~ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصه، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه { ~~والملك صفا صفا } أي ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف ~~محدقين بالجن والإنس { وجاىء يومئذ بجهنم } قيل: إنها ~~برزت لأهلها كقوله: # وبرزت الجحيم للغاوين # [الشعراء: 91]. وقيل: هو مجرى على حقيقته ففي الحديث # " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها " # { يومئذ يتذكر الإنسن } أي يتعظ { وأنى له ~~الذكرى } ومن أين له منفعة الذكرى؟ { يقول يليتنى قدمت ~~لحياتى } هذه وهي حياة الآخرة أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في ~~الحياة الفانية لحياتي الباقية. # { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي لا يتولى عذاب ~~الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم { ولا يوثق } بالسلاسل ~~والأغلال { وثاقه أحد } قال صاحب الكشاف: لا يعذب أحد أحدا كعذاب ~~الله ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. { لا يعذب } { ولا ~~يوثق } علي وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو ~~عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف وهو الكافر. وقيل: ~~هو أبي بن خلف أي لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه ~~لتناهيه في كفره وعناده. # ثم يقول الله تعالى للمؤمن { يأيتها النفس } إكراما له كما ~~كلم موسى عليه السلام أو يكون على لسان ملك { المطمئنة } الآمنة ~~التي لا يستفزها خوف ولا حزن وهي النفس المؤمنة، أو المطمئنة إلى الحق ~~التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك. ويشهد للتفسير الأول قراءة أبي { ~~يأيتها النفس الآمنةالمطمئنة } وإنما يقال لها عند ~~الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة { ارجعى إلى } موعد { ~~ربك ms1570 } أو ثواب ربك { راضية } من الله بما أوتيت { مرضية ~~} عند الله بما عملت { فادخلى فى عبادى } في جملة عبادي الصالحين ~~فانتظمي في سلكهم { وادخلى جنتى } معهم. وقال أبو عبيدة: أي مع ~~عبادي أو بين عبادي أي خواصي كما قال: # وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين # [النمل: 19] # وقيل: النفس الروح ومعناه فادخلي في أجساد عبادي كقراءة عبد الله بن ~~مسعود { في جسد عبدي } ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على ~~خلقته فدخل في نعشه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر ولم يدر من ~~تلاها. قيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب. وقيل: في خبيب بن عدي الذي صلبه ~~أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول ~~وجهي نحو قبلتك، فحول الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله. وقيل: هي ~~عامة في المؤمنين إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-20] # { لآ أقسم بهذا البلد } أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما ~~بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق. واعترض بين القسم ~~والمقسم عليه بقوله { وأنت حل بهذا البلد } أي ومن ~~المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد يعني مكة كما يستحل ~~الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويستحلون ~~إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ~~ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله ~~بالقسم ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده ~~فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه فقال: { وأنت حل بهذا ~~البلد }. أي وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل ~~والأسر، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له وما فتحت على أحد ~~قبله ولا أحلت له، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، قتل ابن خطل وهو متعلق ~~بأستار الكعبة ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرم دار أبي ms1571 سفيان ونظير قوله { ~~وأنت حل } في الاستقبال قوله: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. وكفاك دليلا على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق، ~~وأين الهجرة من وقت نزولها فما بال الفتح؟ # { ووالد وما ولد } هما آدم وولده، أو كل والد وولده، أو ~~إبراهيم وولده، و «ما» بمعنى «من» أو بمعنى «الذي» { لقد خلقنا ~~الإنسن } جواب القسم { فى كبد } مشقة يكابد مصائب الدنيا وشدائد ~~الآخرة. وعن ذي النون: لم يزل مربوطا بحبل القضاء مدعوا إلى الائتمار ~~والانتهاء. والضمير في { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ~~لبعض صناديد قريش الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما ~~يكابد، ثم قيل هو أبو الأشد. وقيل: الوليد بن المغيرة. والمعنى أيظن هذا ~~الصنديد القوي في قومه المتصعب للمؤمنين أن لن تقوم قيامه ولن يقدر على ~~الانتقام منه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم وأنه { يقول أهلكت ~~مالا لبدا } أي كثيرا جمع لبدة وهو ما تلبد أي كثر واجتمع، يريد ~~كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي { أيحسب ~~أن لم يره أحد } حين كان ينفق ما ينفق رياء وافتخارا يعني أن ~~الله تعالى كان يراه وكان عليه رقيبا. ثم ذكر نعمه عليه فقال { ألم ~~نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات { ولسانا } يعبر عما ~~في ضميره { وشفتين } يستر بهما ثغره ويستعين بهما على النطق والأكل ~~والشرب والنفخ { وهدينه النجدين } طريقي الخير والشر ~~المفضيين إلى الجنة والنار وقيل الثديين. # { فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * ~~فك رقبة * أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما ~~ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة * ثم كان من ~~الذين ءامنوا } يعني فلم يشكر تلك الآيادي والنعم بالأعمال ~~الصالحة من فك الرقاب أو إطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو ~~أصل كل طاعة وأساس كل خير، بل غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى أن ~~الإنفاق على هذا الوجه مرضي نافع عند الله لا أن يهلك ماله لبدا في ~~الرياء والفخار. وقلما تستعمل «لا» مع الماضي إلا مكررة، ms1572 وإنما لم تكرر ~~في الكلام الأفصح لأنه لما فسر اقتحام القبة بثلاثة أشياء صار كأنه أعاد ~~«لا» ثلاث مرات وتقديره: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ولا آمن. ~~والاقتحام الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، والقحمة الشدة فجعل الصالحة ~~عقبة وعملها اقتحاما لها في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن ~~الحسن: عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. ~~والمراد بقوله { ما العقبة } ما اقتحامها ومعناه أنك لم تدركنه ~~صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. وفك الرقبة تخليصها من الرق ~~والإعانة في مال الكتابة. # { فك رقبة * أو إطعام } مكي وأبو عمرو وعلي على الإبدال من ~~اقتحم العقبة، وقوله { وما أدراك ما العقبة } اعتراض. غيرهم ~~{ فك رقبة * أو إطعام } على: اقتحامها فك رقبة أو إطعام. ~~والمسغبة المجاعة، والمقربة القرابة، والمتربة الفقر، مفعلات من سغب إذا ~~جاع وقرب في النسب. يقال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. وترب إذا افتقر ~~ومعناه التصق بالتراب فيكون مأواه المزابل ووصف اليوم بذي مسغبة كقولهم ~~هم ناصب أي ذو نصب. ومعنى { ثم كان من الذين ءامنوا } أي ~~داوم على الإيمان. وقيل: «ثم» بمعنى الواو. وقيل: إنما جاء ب «ثم» ~~لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في ~~الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به { ~~وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى ~~بها المؤمن { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم { ~~أولئك أصحب الميمنة } أي المصوفون بهذه الصفات من ~~أصحاب الميمنة { والذين كفروا بئايتنا } بالقرآن أو ~~بدلائلنا { هم أصحب المشئمة } أصحاب الشمال والميمنة ~~والمشأمة اليمين والشمال، أو اليمن والشؤم أي الميامين على أنفسهم ~~والمشائيم عليهن { عليهم نار مؤصدة } وبالهمز: أبو عمرو ~~وحمزة وحفص أي مطبقة من أوصدت الباب وآصدته إذا أطبقته وأغلقته والله ~~أعلم. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-15] # { والشمس وضحها } وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها { ~~والقمر إذا تلها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف ~~الأول من الشهر يخلف القمر الشمس في النور { والنهار إذا ~~جلها } جلى الشمس ms1573 وأظهرها للرائين وذلك عند انتفاخ النهار ~~وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير ~~للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر كقوله: # ما ترك على ظهرها من دابة # [فاطر: 45] { واليل إذا يغشها } يستر الشمس فتظلم الآفاق. ~~والواو الأولى في نحو هذا للقسم بالاتفاق، وكذا الثانية عند البعض. وعند ~~الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا ~~يجوز، ألا ترى أنك لو جعلت موضعها كلمة الفاء أو «ثم» لكان المعنى على ~~حاله؟ وهما حرفا عطف فكذا الواو. ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو ~~كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله { واليل } مثلا مجرور ~~بواو القسم و { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم فلو ~~جعلت الواو في { والنهار إذا تجلى } للعطف لكان النهار ~~معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على { إذا ~~يغشى } نصبا فصار كقولك: إن في الدار زيدا أو في الحجرة عمرا. ~~وأجيب بأن واو القسم تنزل منزلة الباء والفعل حتى لم يجز إبراز الفعل ~~معها فصارت كأنها العاملة نصبا وجرا، وصارت كعامل واحد له عملان، وكل ~~عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق نحو: ضرب ~~زيد عمرا وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو ~~عاملهما، فكذا هنا. # و «ما» مصدرية في { والسماء وما بنها * والأرض وما ~~طحها * ونفس وما سواها } أي وبنائها وطحوها أي بسطها ~~وتسوية خلقها في أحسن صورة عند البعض وليس بالوجه لقوله { فألهمها ~~} لما فيه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة وإنما أوثرت على «من» ~~لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس ~~والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها. وإنما نكرت النفس لأنه أراد نفسا ~~خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم كأنه قال: وواحدة من النفوس، أو أراد كل ~~نفس، والتنكير للتكثير كما في # علمت نفس # [الانفطار: 5] { فألهمها فجورها وتقواها } فأعلمها ~~طاعتها ومعصيتها أفهمها أن أحدهما حسن والآخر قبيح { قد ms1574 أفلح } ~~جواب القسم والتقدير: لقد أفلح، قال الزجاج: صار طول الكلام عوضا عن ~~اللام. وقيل: الجواب محذوف وهو الأظهر تقديره ليدمدمن الله عليهم أي على ~~أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم ~~كذبوا صالحا، وأما { قد أفلح } فكلام تابع لقوله { فألهمها ~~فجورها وتقواها } على سبيل الاستطراد وليس من جواب القسم في شيء ~~{ من زكها } طهرها الله وأصلحها وجعلها زاكية { وقد خاب من ~~دسها } أغواها الله، قال عكرمة: أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس ~~أغواها الله. # ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد، والتدسية: النقص والإخفاء ~~بالفجور وأصل دسى دسس، والياء بدل من السين المكررة. # { كذبت ثمود بطغواها } بطغيانها إذ الحامل لهم على التكذيب ~~طغيانهم { إذ انبعث } حين قام بعقر الناقة { أشقها } أشقى ~~ثمود قدار بن سالف وكان أشقر أزرق قصيرا. و «إذ» منصوب ب { كذبت } ~~أو بالطغوى { فقال لهم رسول الله } صالح عليه السلام { ~~ناقة الله } نصب على التحذير أي احذروا عقرها { وسقيها } ~~كقولك: الأسد الأسد { فكذبوه } فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن ~~فعلوا { فعقروها } أي الناقة أسند الفعل إليهم وإن كان العاقر ~~واحدا لقوله: # فنادوا صحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29]. لرضاهم به { فدمدم عليهم ربهم } أهلكهم هلاك ~~استئصال { بذنبهم } بسبب ذنبهم وهو تكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة { ~~فسواها } فسوى الدمدمة عليهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم { ~~ولا يخاف عقبها } ولا يخاف الله عاقبة هذه الفعلة أي فعل ذلك ~~غير خائف أن تلحقه تبعة من أحد كما يخاف من يعاقب من الملوك، لأنه فعل في ~~ملكه وملكه # لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون # [الأنبياء: 23]، { فلا يخاف } مدني وشامي. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-21] # إحدى وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم { واليل إذا ~~يغشى } المغشي، أما الشمس من قوله # واليل إذا يغشها # [الشمس: 4] أو النهار من قوله # يغشى اليل النهار # [الأعراف: 54] أو كل شيء يواريه بظلامه من قوله # إذا وقب # [الفلق: 3] { والنهار إذا تجلى } ظهر بزوال ظلمة الليل { ~~وما خلق الذكر والأنثى } والقادر العظيم ms1575 القدرة الذي قدر ~~على خق الذكر والأنثى من ماء واحد، وجواب القسم { إن سعيكم ~~لشتى } إن عملكم لمختلف وبيان الاختلاف فيما فصل على أثره { ~~فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } ربه فاجتنب محارمه { ~~وصدق بالحسنى } بالملة الحسنى وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة ~~الحسنى وهي الجنة، أو بالكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله { ~~فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه ~~ربه { وأما من بخل } بماله { واستغنى } عن ربه فلم يتقه أو ~~استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى { وكذب بالحسنى } ~~بالإسلام أو الجنة { فسنيسره للعسرى } للخلة المؤدية إلى ~~النار فتكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد، أو سمى طريقة الخير باليسرى لأن ~~عاقبتها اليسر، وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما ~~طريقي الجنة والنار. # { وما يغنى عنه ماله إذا تردى } ولم ينفعه ماله إذا ~~هلك، وتردى تفعل من الردى وهو الهلاك، أو تردى في القبر أو في قعر جهنم ~~أي سقط { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب ~~الدلائل وبيان الشرائع { وإن لنا للآخرة والأولى } فلا ~~يضرنا ضلال من ضل ولا ينفعنا اهتداء من اهتدى، أو أنهما لنا فمن طلبهما ~~من غيرنا فقد أخطأ الطريق { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلظى ~~} تتلهب { لا يصلها } لا يدخلها للخلود فيها { إلا الأشقى ~~الذى كذب وتولى } إلا الكافر الذي كذب الرسل وأعرض عن ~~الإيمان { وسيجنبها } وسيبعد منها { الأتقى } المؤمن { ~~الذى يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } من الزكاء أي يطلب أن ~~يكون عند الله زاكيا لا يريد به رياء ولا سمعة، أو يتفعل من الزكاة و { ~~يتزكى } إن جعلته بدلا من { يؤتى } فلا محل له لأنه داخل في ~~حكم الصلة، والصلاة لا محل لها، وإن جعلته حالا من الضمير في { يؤتى ~~} فمحله النصب. # قال أبو عبيدة: الأشقى بمعنى الشقي وهو الكافر، والأتقى بمعنى التقي وهو ~~المؤمن لأنه لا يختصر بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، ~~وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا مخصوصة بالأشقى فما تصنع بقوله: { ~~وسيجنبها الأتقى } ، لأن التقي يجنب ms1576 تلك النار المخصوصة لا ~~الأتقى منهم خاصة، وقيل: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من ~~المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيها، فقيل { الأشقى ~~} وجعل مختصا بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل الأتقى وجعل مختصا ~~بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأبو بكر. # وفيه بطلان زعم المرجئة لأنهم يقولون لا يدخل النار إلا كافر { وما ~~لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه } ~~أي وما لأحد عند الله نعمة يجازيه بها إلا أن يفعل فعلا يبتغي به وجه ربه ~~فيجازيه عليه { الأعلى } هو الرفيع بسلطانه المنيع في شأنه وبرهانه، ~~ولم يرد به العلو من حيث المكان فذا آية الحدثان { ولسوف يرضى } ~~موعد بالثواب الذي يرضيه ويقر عينه وهو كقوله تعالى لنبيه عليه السلام: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # مكية وهي إحدى عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { والضحى } المراد وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس. ~~وإنما خص وقت الضحى بالقسم لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه ~~السلام وألقى فيها السحرة سجدا، أو النهار كله لمقابلته بالليل في قوله ~~{ واليل إذا سجى } سكن، والمراد سكون الناس والأصوات فيه، ~~وجواب القسم { ما ودعك ربك وما قلى } ما تركك منذ اختارك ~~وما أبغضك منذ أحبك والتوديع مبالغة في الودع، لأن من ودعك مفارقا فقد ~~بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ~~فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت. وحذف الضمير من { ~~قلى } كحذفه من الذاكرات في قوله: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرت # [الأحزاب: 35]، يريد والذاكراته ونحوه: { فاوى } ، { فهدى } ، { ~~فأغنى } وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف { وللآخرة خير لك ~~من الأولى } أي ما أعد الله لك في الآخرة من المقام المحمود والحوض ~~المورود والخير الموعود خير مما أعجبك في الدنيا، وقيل: وجه اتصاله بما ~~قبله أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلى أن الله مواصلك بالوحي إليك ms1577 ~~وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبره أن حاله في الآخرة ~~أعظم من ذلك لتقدمه على الأنبياء وشهادة أمته على الأمم وغير ذلك. # { ولسوف يعطيك ربك } في الآخرة من الثواب ومقام الشفاعة ~~وغير ذلك { فترضى } ولما نزلت قال صلى الله عليه وسلم # " إذا لا أرضى قط وواحد من أمتي في النار " # واللام الداخلة على «سوف» لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ ~~محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، ونحوه لأقسم فيمن قرأ كذلك لأن المعنى ~~لأنا أقسم، وهذا لأنها إن كانت لام قسم فلامه لا تدخل على المضارع إلا مع ~~نون التوكيد فتعين أن تكون لام الابتداء، ولامه لا تدخل إلا على المبتدأ ~~والخبر فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا، كذا ذكره صاحب الكشاف. ~~وذكر صاحب الكشاف هي لام القسم، واستغنى عن نون التوكيد لأن النون إنما ~~تدخل ليؤذن أن اللام لام القسم لا لام الابتداء، وقد علم أنه ليس ~~للابتداء لدخولها على «سوف» لأن لام الابتداء لا تدخل على «سوف»، وذكر أن ~~الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة وإن ~~تأخر. # ثم عدد عليه نعمه من أول حاله ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه ~~لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير، ولا يضيق صدره ولا يقل صبره فقال { ~~ألم يجدك يتيما } وهو من الوجود الذي بمعنى العلم والمنصوبان ~~مفعولاه، والمعنى ألم تكن يتيما حين مات أبواك { فاوى } أي فآواك إلى ~~عمك أبي طالب وضمك إليه حتى كفلك ورباك { ووجدك ضالا } أي غير ~~عالم ولا واقف على معالم النبوة وأحكام الشريعة وما طريقة السمع { ~~فهدى } فعرفك الشرائع والقرآن. # وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده إلى القافلة. ولا يجوز ~~أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في غي فقد كان عليه الصلاة السلام من أول ~~حاله إلى نزول الوحي عليه معصوما من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق ~~والعصيان { ووجدك عائلا } فقيرا { فأغنى } فأغناك بمال ~~خديجة أو بمال ms1578 أفاء عليك من الغنائم { فأما اليتيم فلا ~~تقهر } فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه { وأما السائل فلا ~~تنهر } فلا تزجره فابذل قليلا أو رد جميلا. وعن السدي: المراد طالب ~~العلم إذا جاءك فلا تنهره { وأما بنعمة ربك فحدث } أي ~~حدث بالنبوة التي آتاك الله وهي أجل النعم، والصحيح أنها تعم جميع نعم ~~الله عليه ويدخل تحته تعليم القرآن والشرائع والله أعلم. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # مكية وهي ثمان آيات # بسم الله الرحم ن الرحيم # { ألم نشرح لك # صدرك } استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح فكأنه ~~قيل: شرحنا لك صدرك، ولذا عطف عليه { وضعنا } اعتبارا للمعنى أي فسحناه ~~بما أودعناه من العلوم والحكم حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين، وأزلنا ~~عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل، وعن الحسن: مليء حكمة ~~وعلما { صدرك ووضعنا عنك وزرك } وخففنا عنك أعباء النبوة ~~والقيام بأمرها، وقيل: هو زلة لا تعرف بعينها وهي ترك الأفضل مع إتيان ~~الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها ووضعه عنه أن غفر له، والوزر: الحمل ~~الثقيل { الذى أنقض ظهرك } أثقله حتى سمع نقيضه وهو صوت ~~الانتقاض { ورفعنا لك ذكرك } ورفع ذكره أن قرن ذكر الله في ~~كلمة الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد وفي غير موضع من القرآن: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [محمد:33 ][التغابن:12]. # ومن يطع الله ورسوله # [النساء: 13]. # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. وفي تسميته رسول الله ونبي الله ومنه ذكره في كتب ~~الأولين. وفائدة لك ما عرف في طريقة الإبهام والإيضاح لأنه يفهم بقوله: { ~~ألم نشرح لك } أن ثم مشروحا، ثم أوضح بقوله { صدرك } ما ~~علم مبهما وكذلك { لك ذكرك } ، و { عنك وزرك }. # { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } أي إن ~~مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاري إياك ~~عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر ~~حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به ~~عليه من جلائل النعم. ثم ms1579 قال { إن مع العسر يسرا } كأنه قال: ~~خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه ~~يسرا، وجيء بلفظ «مع» لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ~~ولتقوية القلوب، وإنما قال عليه السلام عند نزولها # " لن يغلب عسر يسرين " # لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت ~~الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت ~~الثانية غير الأولى، فصار المعنى إن مع العسر يسرين. قال أبو معاذ: يقال ~~إن مع الأمير غلاما إن مع الأمير غلاما، فالأمير واحد ومعه غلامان. ~~وإذا قال: إن مع أمير غلاما وإن مع الأمير الغلام، فالأمير واحد والغلام ~~واحد. وإذا قيل: إن مع أمير غلاما وإن مع أمير غلاما فهما أميران ~~وغلامان كذا في «شرح التأويلات». # { فإذا فرغت فانصب } أي فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في ~~عبادة الرب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في ~~الدعاء، واختلف أنه قبل السلام أو بعده، ووجه الاتصال بما قبله أنه لما ~~عدد عليه نعمه السالفة ومواعيده الآتية بعثه على الشكر والاجتهاد في ~~العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض ولا يخلي وقتا من أوقاته ~~منها فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى { وإلى ربك فارغب } واجعل ~~رغبتك إليه خصوصا ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه # وعلى الله فليتوكل المؤمنون # [إبراهيم: 11]. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # مكية وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { والتين والزيتون } أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين الأشجار ~~المثمرة، روي أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل ~~منه وقال لأصحابه: # " كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا ~~عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس " # وقال: # " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة " # وقال: # " هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو تينكم هذا وزيتونكم هذا، وقيل: هما ms1580 ~~جبلان بالشام منبتاهما { وطور سينين } أضيف الطور وهو الجبل ~~إلى سينين وهي البقعة ونحو سينون بيرون في جواز الإعراب بالواو ~~والياء والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب { وهذا ~~البلد } يعني مكة { الأمين } من أمن الرجل أمانة فهو أمين، ~~وأمانته أنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ومعنى القسم ~~بهذه الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير ~~والبركة بسكنى الأنبياء والأولياء، فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ~~ومولد عيسى ومنشؤه، والطور: المكان الذي نودي منه موسى، ومكة مكان البيت ~~الذي هو هدى للعالمين ومولد نبينا ومبعثه صلوات الله عليهم أجمعين. أو ~~الأولان قسم بمهبط الوحي على عيسى، والثالث على موسى، والرابع على محمد ~~عليهم السلام. # وجواب القسم { لقد خلقنا الإنسن } وهو جنس { فى أحسن ~~تقويم } في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية أعضائه { ثم ~~رددنه أسفل سفلين } أي ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر ~~نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا ~~وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وهم أصحاب النار، أو أسفل من أهل ~~الدركات، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن ~~الصورة والشكل حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد ~~سواده، وتشنن جلده وكل سمعه وبصره، وتغير كل شيء منه، فمشيه دليف، ~~وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف { إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت فلهم أجر غير ممنون } ودخل ~~الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين اللغتين، والاستثناء على الأول ~~متصل، وعلى الثاني منقطع أي ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى والزمنى ~~فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم، ~~وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة. والخطاب في { فما يكذبك ~~بعد بالدين } للإنسان على طريقة الالتفات أي فما سبب تكذيبك بعد ~~هذا البيان القاطع والبرهان الساطع بالجزاء؟ والمعنى أن خلق الإنسان من ~~نطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوى، ~~ثم تنكيسه إلى أن ms1581 يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة ~~الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان وعلى هذا كله لم يعجز عن إعادته، فما ~~سبب تكذيبك بالجزاء؟ أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي فمن ينسبك إلى ~~الكذب بعد هذا الدليل؟ ف «ما» بمعنى «من» { أليس الله بأحكم ~~الحكمين } وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله وهو من الحكم ~~والقضاء والله أعلم. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-14] # مكية وهي تسع عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت. والجمهور على أن الفاتحة أول ما ~~نزل ثم سورة القلم { اقرأ باسم ربك الذى خلق } محل { ~~باسم ربك } النصب على الحال أي اقرأ مفتتحا باسم ربك كأنه قيل: قل ~~باسم الله ثم اقرأ الذي خلق. ولم يذكر الخلق مفعولا لأن المعنى الذي حصل ~~منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه، أو تقديره خلق كل شيء فيتناول كل ~~مخلوق لأنه مطلق فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من بعض. وقوله { خلق ~~الإنسن } تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه ولأن ~~التنزيل إليه، ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان إلا أنه ذكر مبهما ثم ~~مفسرا تفخيما لخلقه ودلالة على عجيب فطرته { من علق } وإنما جمع ~~ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع { اقرأ وربك ~~الأكرم } الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم ينعم على عباده ~~النعم ويحلم عنهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، وكأنه ~~ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم حيث قال { الذى علم ~~} الكتابة { بالقلم علم الإنسن ما لم يعلم } فدل ~~على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور ~~العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت ~~العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ولا كتب الله المنزلة إلا ~~بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق ~~حكمة الله ms1582 دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به. # { كلا } ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة ~~الكلام عليه { إن الإنسن ليطغى } نزلت في أبي جهل إلى آخر ~~السورة { أن رءاه } أن رأى نفسه. يقال في أفعال القلوب: رأيتني ~~وعلمتني، ومعنى الرؤية العلم ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها ~~الجمع بين الضميرين { استغنى } هو المفعول الثاني { إن إلى ~~ربك الرجعى } تهديد للإنسان من عاقبة الطغيان على طريق الالتفات. ~~والرجعى مصدر بمعنى الرجوع أي إن رجوعك إلى ربك فيجازيك على طغيانك { ~~أرءيت الذى ينهى عبدا إذا صلى } أي أرأيت أبا جهل ~~ينهى محمدا عن الصلاة { أرءيت إن كان على الهدى } أي إن ~~كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله { أو ~~أمر بالتقوى } أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من ~~عبادة الأوثان كما يعتقد { أرءيت إن كذب وتولى } أرأيت إن ~~كان ذلك الناهي مكذبا بالحق متوليا عنه كما نقول نحن { ألم يعلم ~~بأن الله يرى } ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على ~~حسب حاله، وهذا وعيد وقوله { الذى ينهى } مع الجملة الشرطية ~~مفعولا { أرأيت } وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو ~~أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى؟ وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط ~~الثاني وهذا كقولك: إن أكرمتك أتكرمني؟ و { أرأيت } الثانية مكررة ~~زائدة للتوكيد. ### || [96.15-19] # { كلا } ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله وأمره بعبادة الأصنام. ~~ثم قال { لئن لم ينته } عما هو فيه { لنسفعا ~~بالناصية } لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار، والسفع: القبض ~~على الشيء وجذبه بشدة، وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف، واكتفى ~~بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور { ناصية } بدل من { ~~الناصية } لأنها وصفت بالكذب والخطأ بقوله { كذبة خاطئة } عن ~~الإسناد المجازي وهما لصاحبها حقيقة وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في ~~قولك «ناصية كذاب خاطىء» { فليدع ناديه سندع الزبانية ~~} النادي المجلس الذي يجتمع فيه القوم، والمراد أهل النادي. ms1583 روي أن أبا ~~جهل مر بالنبي عليه السلام وهو يصلي فقال: ألم أنهك فأغلظ له رسول الله ~~عليه السلام فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا فنزل. والزبانية ~~لغة الشرط الواحد زبنية من الزبن وهو الدفع، والمراد ملائكة العذاب وعنه ~~عليه السلام # " لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا " # { كلا } ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي اثبت على ما أنت عليه من ~~عصيانه كقوله # فلا تطع المكذبين # [القلم: 8] { واسجد } ودم على سجودك يريد الصلاة { واقترب } ~~وتقرب إلى ربك بالسجود فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد كذا ~~الحديث والله أعلم. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # مكية وقيل مدنية وهي خمس آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { إنا أنزلنه فى ليلة القدر } عظم القرآن حيث أسند ~~إنزاله إليه دون غيره. وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء عن التنبيه ~~عليه ورفع مقدار الوقت الذي أنزله فيه. روي أنه أنزل جملة في ليلة القدر ~~من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله جبريل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة. ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير ~~الأمور وقضائها. والقدر بمعنى التقدير، أو سميت بذلك لشرفها على سائر ~~الليالي وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان، كذا روى أبو حنيفة رحمه الله ~~عن عاصم عن ذر أن أبي بن كعب كان يحلف على ليلة القدر أنها ليلة السابع ~~والعشرين من رمضان وعليه الجمهور. ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيى من ~~يريدها الليالي الكثيرة طلبا لموافقتها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، ~~واسمه الأعظم، وساعة الإجابة في الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في ~~المعاصي. وفي الحديث: # " من أدركها يقول اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " # { وما أدراك ما ليلة القدر } أي لم تبلغ درايتك غاية ~~فضلها. # ثم بين له ذلك بقوله { ليلة القدر خير من ألف شهر } ~~ليس فيها ليلة القدر. وسبب ارتفاع فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من ~~تنزل الملائكة والروح وفصل كل أمر حكيم. وذكر في تخصيص هذه المدة أن ms1584 ~~النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل ~~الله ألف شهر فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هي ~~خير من مدة ذلك الغازي { تنزل الملئكة } إلى السماء الدنيا ~~أو إلى الأرض { والروح } جبريل أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة ~~إلا تلك الليلة أو الرحمة { فيها بإذن ربهم من كل أمر } ~~أي تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل وعليه وقف { ~~سلم هى } ما هي إلا سلامة خبر ومبتدأ أي لا يقدر الله فيها إلا ~~السلامة والخير ويقضي في غيرها بلاء وسلامة، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما ~~يسلمون على المؤمنين. قيل: لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في ~~تلك الليلة { حتى مطلع الفجر } أي إلى وقت طلوع الفجر. بكسر ~~اللام: علي وخلف، وقد حرم من السلام الذين كفروا والله أعلم. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # مختلف فيها وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { لم يكن الذين كفروا } بمحمد صلى الله عليه وسلم { من ~~أهل الكتب } أي اليهود والنصارى وأهل الرجل أخص الناس به وأهل ~~الإسلام من يدين به { والمشركين } عبدة الأصنام { منفكين } ~~منفصلين عن الكفر وحذف لأن صلة «الذين» تدل عليه { حتى تأتيهم ~~البينة } الحجة الواضحة والمراد محمد صلى الله عليه وسلم يقول: لم ~~يتركوا كفرهم حتى يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أسلم بعض وثبت ~~على الكفر بعض { رسول من الله } أي محمد عليه السلام وهو بدل من ~~{ البينة } { يتلوا } يقرأ عليهم { صحفا } قراطيس { ~~مطهرة } من الباطل { فيها } في الصحف { كتب } مكتوبات { ~~قيمة } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل { وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ~~فمنهم من أنكر نبوته بغيا وحسدا، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب ~~بعدما جمع أولا بينهم وبين المشركين، لأنهم كانوا على علم به لوجوده في ~~كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. # { وما أمروا } يعني ms1585 في التوراة والإنجيل { إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين } من غير شرك ولا نفاق { حنفاء } ~~مؤمنين بجميع الرسل مائلين عن الأديان الباطلة { ويقيموا ~~الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة } أي دين ~~الملة القيمة { إن الذين كفروا من أهل الكتب ~~والمشركين فى نار جهنم خلدين فيها أولئك ~~هم شر البرية إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت أولئك هم خير البرية } ونافع يهمزهما ~~والقراء على التخفيف، والنبي والبرية مما استمر الاستعمال على تخفيفه ~~ورفض الأصل { جزاؤهم عند ربهم جنت عدن } إقامة { ~~تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا رضى ~~الله عنهم } بقبول أعمالهم { ورضوا عنه } بثوابها { ذلك ~~} أي الرضا { لمن خشى ربه } وقوله { خير البرية } يدل ~~على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة، لأن البرية الخلق، واشتقاقها من ~~برأ الله الخلق. وقيل: اشتقاقها من البرى وهو التراب، ولو كان كذلك لما ~~قرءوا { البريئة } بالهمز كذا قاله الزجاج والله أعلم. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # مختلف فيها وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي إذا حركت زلزالها الشديد ~~الذي ليس بعده زلزال. وقرىء بفتح الزاء فالمكسور مصدر والمفتوح اسم { ~~وأخرجت الأرض أثقالها } أي كنوزها وموتاها جمع ثقل وهو ~~متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها { وقال ~~الإنسن } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها، وذلك عند ~~النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ موتاها أحياء فيقولون ذلك لما يبهرهم من ~~الأمر الفظيع كما يقولون # من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52] وقيل: هذا قول الكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن ~~فيقول # هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # [يس: 52] { يومئذ } بدل من «إذا» وناصبها { تحدث } أي تحدث ~~الخلق { أخبارها } فحذف أول المفعولين لأن المقصود ذكر تحديثها ~~الإخبار لا ذكر الخلق. قيل: ينطقها الله وتخبر بما عمل عليها من خير وشر. ~~وفي الحديث: # " تشهد على كل واحد بما عمل على ظهرها " # { بأن ربك أوحى لها } أي تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها ~~أي إليها وأمره إياها بالتحديث { يومئذ يصدر الناس ms1586 } يصدرون ~~عن مخارجهم من القبور إلى الموقف { أشتاتا } بيض الوجوه آمنين وسود ~~الوجوه فزعين، أو يصدرون عن الموقف أشتاتا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار ~~{ ليروا أعملهم } أي جزاء أعمالهم { فمن يعمل ~~مثقال ذرة } نملة صغيرة { خيرا } تمييز { يره } أي ير ~~جزاءه { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في ~~الكفار والأول في المؤمنين. ويروى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل له: ~~قدمت وأخرت فقال: # خذا بطن هرشي أو قفاها فإنه # كلا جانبي هرشي لهن طريق # وروي أن جد الفرزدق أتاه عليه السلام ليستقرئه فقرأ عليه هذه الآية ~~فقال: حسبي حسبي، وهي أحكم آية وسميت الجامعة والله أعلم. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # مختلف فيها وهي إحدى عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { والعديت ضبحا } أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: ~~صوت أنفاسها إذا عدون. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه حكاه فقال: أح ~~أح. وانتصاب { ضبحا } على يضبحن ضبحا { فالموريت } تورى نار ~~الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها { قدحا } قادحات صاكات بحوافرها ~~الحجارة، والقدح: الصك، والإيراء: إخراج النار، تقول: قدح فأورى وقدح ~~فأصلد. وانتصب { قدحا } بماانتصب به { ضبحا } { فالمغيرت } ~~تغير على العدو { صبحا } في وقت الصبح { فأثرن به نقعا } ~~فهيجن بذلك الوقت غبارا { فوسطن به } بذلك الوقت { جمعا } من ~~جموع الأعداء ووسطه بمعنى توسطه. وقيل: الضمير لمكان الغارة أو للعدو ~~الذي دل عليه. { والعديت } وعطف { فأثرن } على الفعل الذي ~~وضع اسم الفاعل موضعه لأن المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن. وجواب ~~القسم { إن الإنسن لربه لكنود } لكفور أي إنه لنعمة ربه ~~خصوصا لشديد الكفران { وإنه } وإن الإنسان { على ذلك } على ~~كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه، أو وإن الله على كنوده لشاهد على ~~سبيل الوعيد { وإنه لحب الخير لشديد } وإنه لأجل حب ~~المال لبخيل ممسك، أو إنه لحب المال لقوي وهو لحب عبادة الله ضعيف { ~~أفلا يعلم } الإنسان { إذا بعثر } بعث { ما فى القبور ~~} من الموتى و«ما» بمعنى «من» { وحصل ما فى الصدور } ميز ما ~~فيها من الخير والشر { إن ms1587 ربهم بهم يومئذ لخبير } ~~لعالم فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر، وخص { يومئذ } بالذكر ~~وهو عالم بهم في جميع الأزمان لأن الجزاء يقع يومئذ والله أعلم. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # مكية وهي إحدى عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { القارعة } مبتدأ { ما } مبتدأ ثان { القارعة } خبره ~~والجملة خبر المبتدأ الأول، وكان حقه ما هي وإنما كرر تفخيما لشأنها { ~~وما أدراك ما القارعة } أي أي شيء أعلمك ما هي ومن أين علمت ~~ذلك؟ { يوم } نصب بمضمر دلت عليه القارعة أي تقرع يوم { يكون ~~الناس كالفراش المبثوث } شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار ~~والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش إلى ~~النار، وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره { وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش } وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألونا لأنها ألوان # ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألونها # [فاطر: 27] وبالمنفوش منه لتفرق أجزائها { فأما من ثقلت ~~موزينه } باتباعهم الحق وهي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر ~~عند الله، أو جمع ميزان وثقلها رجحانها { فهو فى عيشة راضية ~~} ذات رضا أو مرضية { وأما من خفت موزينه } باتباعهم ~~الباطل { فأمه هاوية } فمسكنه ومأواه النار. وقيل: للمأوى أم ~~على التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومفزعه { وما أدراك ما هيه } ~~الضمير يعود إلى { هاوية } والهاء للسكت ثم فسرها فقال { نار ~~حامية } بلغت النهاية في الحرارة والله أعلم. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # مكية وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { ألهكم التكاثر } شغلكم التباري في الكثرة والتباهي بها ~~في الأموال والأولاد عن طاعة الله { حتى زرتم المقابر } حتى ~~أدرككم الموت على تلك الحال، أو حتى زرتم المقابر وعددتم من في المقابر ~~من موتاكم { كلا } ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون ~~الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه { سوف تعلمون } عند النزع سوء ~~عاقبة ما كنتم عليه { ثم كلا سوف تعلمون } في القبور { ~~كلا } تكرير الردع للإنذار والتخويف { لو تعلمون } جواب «لو» ~~محذوف أي لو تعلمون ما بين أيديكم { علم اليقين } علم ms1588 الأمر يقين ~~أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور لما ألهاكم التكاثر، أو لفعلتم ما لا ~~يوصف ولكنكم ضلال جهلة { لترون الجحيم } هو جواب قسم محذوف ~~والقسم لتوكيد الوعيد { لترون } ، بضم التاء: شامي وعلي { ثم ~~لترونها } كرره معطوف ب «ثم» تغليظا في التهديد وزيادة في ~~التهويل، أو الأول بالقلب والثاني بالعين { عين اليقين } أي ~~الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته { ثم لتسئلن يومئذ ~~عن النعيم } عن الأمن والصحة فيم أفنيتموهما؟ عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه. وقيل: عن التنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. ~~وعن الحسن ما سوى كن يؤويه وثوب يواريه وكسرة تقويه وقد روي مرفوعا ~~والله أعلم. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # مختلف فيها وهي ثلاث آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { والعصر } أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله تعالى: # والصلوة الوسطى # [البقرة: 238] صلاة العصر في مصحف حفصة، ولأن التكليف في أدائها أشق ~~لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم، أو ~~أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيها من دلائل القدرة، أو أقسم بالزمان ~~لما في مروره من أصناف العجائب، وجواب القسم { إن الإنسن لفى ~~خسر } أي جنس الإنسان لفي خسران من تجاراتهم { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ~~فربحوا وسعدوا { وتواصوا بالحق } بالأمر الثابت الذي لا يسوغ ~~إنكاره وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله { ~~وتواصوا بلصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به ~~الله عباده، { وتواصوا } في الموضعين فعل ماض معطوف على ماض قبله ~~والله أعلم. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # مكية وهي تسع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { ويل } مبتدأ خبره { لكل همزة } أي الذي يعيب الناس من خلفهم ~~{ لمزة } أي من يعيبهم مواجهة. وبناء «فعلة» يدل على أن ذلك عادة ~~منه. قيل: نزلت في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة. وقيل: في ~~أمية بن خلف. وقيل: في الوليد. ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ~~ليتناول كل من باشر ذلك القبيح { الذى } بدل من كل أو ms1589 نصب على الذم { ~~جمع مالا } { جمع } شامي وحمزة وعلي مبالغة جمع وهو مطابق لقوله ~~{ وعدده } أي جعله عدة لحوادث الدهر { يحسب أن ماله ~~أخلده } أي تركه خالدا في الدنيا لا يموت أو هو تعريض بالعمل ~~الصالح وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، فأما المال فما أخلد أحدا ~~فيه { كلا } ردع له عن حسبانه { لينبذن } أي الذي جمع { فى ~~الحطمة } في النار التي شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها { وما ~~أدراك ما الحطمة } تعجيب وتعظيم { نار الله } خبر مبتدأ ~~محذوف أي هي نار الله { الموقدة } نعتها { التى تطلع على ~~الافئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على ~~أفئدتهم وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ولا ~~أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت ~~عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، ومعنى اطلاع ~~النار عليها أنها تشتمل عليها { إنها عليهم } أي النار أو الحطمة ~~{ مؤصدة } مطبقة { فى عمد } { بضمتين } كوفي حفص، الباقون { ~~فى عمد } وهما لغتان في جمع عماد كإهاب وأهب وحمار وحمر { ~~ممددة } أي تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقا ~~في استيثاق. في الحديث: # " المؤمن كيس فطن وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة ~~كحاطب الليل لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق " # والله أعلم. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # مكية وهي خمس آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { ألم تر كيف فعل ربك } { كيف } في موضع نصب ب { ~~فعل } لا ب { ألم تر } لما في { كيف } من معنى الاستفهام، ~~والجملة سدت مسد مفعولي { تر } وفي { ألم تر } تعجيب أي عجب الله ~~نبيه من كفر العرب وقد شاهدت هذه العظمة من آيات الله، والمعنى إنك رأيت ~~آثار صنع الله بالحبشة وسمعت الأخبار به متواترا فقامت لك مقام المشاهدة ~~{ بأصحب الفيل } روي أن أبرهة ابن الصباح ملك اليمن من قبل ~~أصحمة النجاشي، بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها ms1590 ~~الحاج فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك. وقيل: أججت رفقة من ~~العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبه، فخرج بالحبشة ~~ومعه فيل اسمه محمود وكان قويا عظيما واثنا عشر فيلا غيره، فلما بلغ ~~المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى، وعبى ~~جيشه وقدم الفيل، وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه ~~إلى اليمن هرول، وأرسل الله طيرا مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في ~~رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فكان الحجر يقع على رأس الرجل ~~فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا وهلكوا، وما مات أبرهة ~~حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ ~~النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتا بين يديه. # وروي أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه فيها فعظم في عينه ~~وكان رجلا جسيما وسيما. وقيل: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم ~~الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من ~~عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وشرفكم في قديم الدهر، ~~فألهاك عنه ذود أخذلك فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه { ألم ~~يجعل كيدهم فى تضليل } في تضييع وإبطال. يقال: ضلل كيده ~~إذا جعله ضالا ضائعا. وقيل لامرىء القيس: الملك الضليل لأنه ضلل ملك ~~أبيه أي ضيعه يعني أنهم كادوا البيت أولا ببناء القليس ليصرفوا وجوه ~~الحاج إليه فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه، وكادوه ثانيا بإرادة هدمه ~~فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم { وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل } حزائق الواحدة إبالة. قال الزجاج: جماعات من ههنا وجماعات ~~من ههنا { ترميهم } وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه { يرميهم } أي الله ~~أو الطير لأنه اسم جمع مذكر وإنما يؤنث على المعنى { بحجارة من ~~سجيل } هو معرب من سنككل وعليه الجمهور أي الآجر { فجعلهم ~~كعصف مأكول } زرع أكله الدود. ### | [106 ms1591 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # مكية وهي أربع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { لإيلف قريش } متعلق بقوله { فليعبدوا } أمرهم أن ~~يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين. ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط ~~أي إن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه ~~الواحدة التي هي نعمة ظاهرة، أو بما قبله أي { فجعلهم كعصف ~~مأكول لإيلف قريش } يعني أن ذلك الإتلاف لهذا الإيلاف وهذا ~~كالتضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح ~~إلا به، وهما في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل. ويروى عن الكسائي ترك ~~التسمية بينهما، والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس ~~بذلك فيحترموهم فضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم فلا يجترىء ~~أحد عليهم. وقيل: المعنى اعجبوا لإيلاف قريش { لإلاف قريش } شامي أي ~~لمؤالفة قريش. وقيل: يقال ألفته ألفا وإلافا. وقريش ولد النضر بن كنانة ~~سموه بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا ~~بالنار، والتصغير للتعظيم فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيها بها. وقيل: ~~من القرش وهو الجمع والكسب لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في ~~البلاد { إيلفهم رحلة الشتاء والصيف } أطلق الإيلاف ثم ~~أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيما لأمر الإيلاف وتذكيرا لعظيم النعمة ~~فيه. ونصب الرحلة ب { إيلفهم } مفعولا به وأراد رحلتي الشتاء ~~والصيف فأفرد لأمن الإلباس. وكانت لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى ~~اليمن وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتيهم آمنين ~~لأنهم أهل حرم الله فلا يتعرض لهم وغيرهم يغار عليهم { فليعبدوا ~~رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وءامنهم من ~~خوف } والتنكير في { جوع } و { خوف } لشدتهما يعني أطعمهم ~~بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف ~~أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم. وقيل: كانوا قد أصابتهم ~~شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وآمنهم من خوف الجذام لا يصيبهم ~~ببلدهم. وقيل: ذلك كله بدعاء إبراهيم عليه السلام. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # مختلف ms1592 فيها وهي سبع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { أرءيت الذى يكذب بالدين } أي هل عرفت الذي يكذب بالجزاء ~~من هو إن لم تعرفه { فذلك الذى } يكذب بالجزاء هو الذي { يدع ~~اليتيم } أي يدفعه دفعا عنيفا بجفوة وأذى ويرده ردا قبيحا بزجر ~~وخشونة { ولا يحض على طعام المسكين } ولا يبعث أهله على ~~بذل طعام المسكين، جعل علم التكذيب الجزاء منع المعروف والإقدام على ~~إيذاء الضعيف أي لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لخشي الله وعقابه ولم يقدم ~~على ذلك، فحين أقدم عليه دل أنه مكذب بالجزاء. ثم وصل به قوله { فويل ~~للمصلين الذين هم عن صلتهم ساهون الذين هم ~~يراءون ويمنعون الماعون } يعني بهذا المنافقين لا يصلونها ~~سرا لأنهم لا يعتقدون وجوبها ويصلونها علانية رياء. وقيل: فويل ~~للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورة وهم غافلون عن ~~صلاتهم، وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم ولا تأدية للفرض فهم ينخفضون ~~ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون، ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض ~~ويمنعون الزكاة وما فيه منفعة. وعن أنس والحسن قالا: الحمد لله الذي قال ~~{ عن صلتهم } ولم يقل «في صلاتهم» لأن معنى «عن» أنهم ساهون عنها ~~سهو ترك لها وقلة التفات إليها ذلك فعل المنافقين، ومعنى «في» أن السهو ~~يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يخلو عنه مسلم، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره. والمراءاة ~~مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يرائي الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه ~~والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار الفرائض فمن حقها الإعلان ~~بها لقوله صلى الله عليه وسلم: # " ولا غمة في فراض الله " # والإخفاء في التطوع أولى فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا، ~~والماعون: الزكاة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما يتعاور في العادة من ~~الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها، وعن عائشة رضي الله عنها: الماء ~~والنار والملح والله أعلم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # مكية وهي ثلاث آيات # بسم الله الرحمن الرحيم ms1593 # { إنا أعطينك الكوثر } هو فوعل من الكثرة وهو المفرط ~~الكثرة، وقيل: هو نهر في الجنة أحلى من العسل، وأشد بياضا من اللبن، ~~وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هو الخير الكثير فقيل له: إن ناسا يقولون هو نهر ~~في الجنة فقال: هو من الخير الكثير { فصل لربك } فاعبد ربك الذي ~~أعزك بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق مراغما لقومك الذين يعبدون غير ~~الله { وانحر } لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفا لعبدة الأوثان في ~~النحر لها { إن شانئك } أي من أبغضك من قومك بمخالفتك لهم { هو ~~الابتر } المنقطع عن كل خير لا أنت، لأن كل من يولد إلى يوم القيامة ~~من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر وعلى لسان كل ~~عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك، ولك في الآخرة ما ~~لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر إنما الأبتر هو شانئك المنسي ~~في الدنيا والآخرة. قيل: نزلت في العاص بن وائل سماه الأبتر، والأبتر ~~الذي لا عقب له وهو خبر «إن» و«هو» فصل. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # ست آيات مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # { قل يأيها الكفرون } المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله ~~أنهم لا يؤمنون. روي أن رهطا من قريش قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ~~ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: معاذ الله أن أشرك ~~بالله غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت، فغدا إلى ~~المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم فآيسوا { لا أعبد ~~ما تعبدون } أي لست في حالي هذه عابدا ما تعبدون { ولا أنتم ~~عبدون } الساعة { ما أعبد } يعني الله { ولا أنا عابد ~~ما عبدتم } ولا أعبد فيما أستقبل من الزمان ما عبدتم { ولا ~~أنتم } فيما تستقبلون { عبدون ما أعبد } وذكر بلفظ ما لأن ~~المراد به الصفة أي لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، أو ذكر بلفظ «ما» ~~ليتقابل اللفظان ولم يصح ms1594 في الأول «من» وصح في الثاني «ما» بمعنى «الذي» ~~{ لكم دينكم ولى دين } لكم شرككم ولي توحيدي، وبفتح الياء: ~~نافع وحفص، وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه دخل المسجد والنبي صلى الله ~~عليه وسلم جالس فقال له: # " نابذ يا ابن مسعود فقرأ { قل يأيها الكفرون } ثم قال له ~~في الركعة الثانية: أخلص. فقرأ { قل هو الله أحد } فلما سلم، ~~قال يا ابن مسعود سل تجب " # والله أعلم. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # مدنية وهي ثلاث آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { إذا } منصوب ب { سبح } وهو لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه ~~من أعلام النبوة. وروي أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع { ~~جاء نصر الله والفتح } النصر الإغاثة والإظهار على العدو، ~~والفتح فتح البلاد، والمعنى نصر الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو ~~على قريش وفتح مكة، أو جنس نصر الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم { ~~ورأيت الناس يدخلون } هو حال من { الناس } على أن { ~~رأيت } بمعنى أبصرت أو عرفت، أو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت { فى ~~دين الله أفوجا } هو حال من فاعل يدخلون، وجواب «إذا» { ~~فسبح } أي إذا جاء نصر الله إياك على من ناواك وفتح البلاد، ورأيت ~~أهل اليمن يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة بعدما كانوا يدخلون فيه ~~واحدا واحدا واثنين اثنين { فسبح بحمد ربك } فقل: سبحان ~~الله حامدا له أو فصل له { واستغفره } تواضعا وهضما للنفس أو ~~دم على الاستغفار { إنه كان } ولم يزل { توبا } التواب الكثير ~~القبول للتوبة وفي صفة العباد الكثير الفعل للتوبة. ويروى أن عمر رضي ~~الله عنه لما سمعها بكى وقال: الكمال دليل الزوال، وعاش رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعدها سنتين والله أعلم. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # مكية وهي خمس آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { تبت يدا أبى لهب } التباب: الهلاك ومنه قولهم أشابة أم ~~تابة أي هالكة من الهرم؟ والمعنى هلكت يداه لأنه فيما يروى أخذ حجرا ~~ليرمي به رسول الله صلى الله عليه ms1595 وسلم { وتب } وهلك كله أو جعلت ~~يداه هالكتين والمراد هلاك جملته كقوله # بما قدمت يداك # [الحج: 10] ومعنى { وتب } وكان ذلك وحصل، كقوله: # جزائي جزاء الله شر جزائه # جزاء الكلاب العاويات وقد فعل # وقد دلت عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: { وقد تب } ، روي أنه ~~لما نزل # وأنذر عشيرتك الأقربين # رقى الصفا # " وقال: يا صباحاه فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال عليه الصلاة ~~والسلام: يا بني عبد المطلب يا بني فهر إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل ~~خيلا أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم. قال: «فإني نذير لكم بين يدي الساعة " # فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا فنزلت. وإنما كناه والتكنية تكرمة ~~لاشتهاره بها دون الاسم، أو لكراهة اسمه فاسمه عبد العزى، أو لأن مآله ~~إلى نار ذات لهب فوافقت حاله كنيته، { أبى لهب } مكي { ما أغنى ~~عنه ماله } «ما» للنفي { وما كسب } مرفوع و«ما» موصولة أو ~~مصدرية أي ومكسوبه أو وكسبه أي لم ينفعه ماله الذي ورثه من أبيه، أو الذي ~~كسبه بنفسه، أو ماله التالد والطارف، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما ~~كسب ولده. وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي ~~منه نفسي بمالي وولدي { سيصلى نارا } سيدخل { سيصلى } ~~البرجمي عن أبي بكر، والسين للوعيد أي هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته { ~~ذات لهب } توقد { وامرأته } هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان ~~{ حمالة الحطب } كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل ~~في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: كانت تمشي بالنميمة فتشعل ~~نار العداوة بين الناس. ونصب عاصم { حمالة الحطب } على الشتم ~~وأنا أحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل ~~من أحب شتم أم جميل. وعلى هذا يسوغ الوقف على { امرأته } لأنها عطفت ~~على الضمير في { سيصلى } أي سيصلى هو وامرأته والتقدير: أعني حمالة ~~الحطب، وغيره رفع { حمالة الحطب } على أنها خبر وامرأته أو هي ~~حمالة { فى جيدها حبل ms1596 من مسد } حال أو خبر آخر. والمسد الذي ~~فتل من الحبال فتلا شديدا من ليف كان أو جلد أو غيرهما، والمعنى في ~~جيدها حبل مما مسد من الحبال وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في ~~جيدها كما يفعل الحطابون تحقيرا لها وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات ~~لتجزع من ذلك ويجزع بعلها، وهما في بيت العز والشرف وفي منصب الثروة ~~والجدة والله أعلم. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # أربع آيات مكية عند الجمهور وقيل: مدنية عند أهل البصرة # بسم الله الرحمن الرحيم # { قل هو الله أحد } هو ضمير الشأن و { الله أحد } هو ~~الشأن كقولك: هو زيد منطلق كأنه قيل: الشأن هذا وهو أن الله واحد لا ثاني ~~له، ومحل { هو } الرفع على الابتداء والخبر هو الجملة، ولا يحتاج إلى ~~الراجح لأنه في حكم المفرد في قولك: زيد غلامك في أنه هو المبتدأ في ~~المعنى، وذلك أن قوله { الله أحد } هو الشأن الذي عبارة عنه وليس: ~~كذلك زيد أبوه منطلق، فإن زيدا أو الجملة يدلان على معنيين مختلفين فلا ~~بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قالت قريش: يا محمد صف ~~لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت. يعني الذي سألتموني وصفه هو الله تعالى. ~~وعلى هذا { أحد } خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وهو بمعنى واحد، وأصله ~~وحد فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا. # والدليل على أنه واحد من جهة العقل أن الواحد إما أن يكون في تدبير ~~العالم وتخليقه كافيا أولا، فإن كان كافيا كان الآخر ضائعا غير محتاج ~~إليه وذلك نقص والناقص لا يكون إلها، وإن لم يكن كافيا فهو ناقص. ولأن ~~العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل والفاعل الواحد كاف وما وراء ~~الواحد فليس عدد أولي من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذا ~~محال. فالقول بوجود إلهين محال، ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر ~~شيئا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم كون المستور عنه ~~جاهلا، وإن ms1597 لم يقدر لزم كونه عاجزا. ولأنا لو فرضنا معدوما ممكن ~~الوجود فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزا ~~والعاجز لا يكون إلها، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلها، ~~وإن قدرا جميعا فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجا ~~إلى إعانة الآخر فيكون كل واحد منهما عاجزا، وإن قدر كل واحد منهما على ~~إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادرا عليه ~~وهو محال، لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول مزيلا ~~قدرة الثاني فيكون عاجزا ومقهورا تحت تصرفه فلا يكون إلها. فإن قلت: ~~الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته فيلزمكم أن يكون هذا الواحد ~~قد جعل نفسه عاجزا. قلنا: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته، ~~ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزا، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت ~~قدرته بسبب قدرة الآخر فكان ذلك تعجيزا. # { الله الصمد } هو فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده، وهو ~~السيد المصمود إليه في الحوائج. # والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض ~~وخالقكم، وهو واحد لا شريك له، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون ~~عنه وهو الغني عنهم { لم يلد } لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه ~~صاحبة فيتوالدا، وقد دل على هذا المعنى بقوله: # أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة # [الأنعام: 101] { ولم يولد } لأن كل مولود محدث وجسم وهو قديم لا ~~أول لوجوده إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا لعدم الواسطة بينهما، ولو ~~كان حادثا لافتقر إلى محدث، وكذا الثاني والثالث فيؤدي إلى التسلسل وهو ~~باطل. وليس بجسم لأنه اسم للمتركب ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه ~~بصفات الكمال فيكون كل جزء إلها فيفسد القول به كما فسد بإلهين، أو غير ~~متصف بها بل بأضدادها من سمات الحدوث وهو محال { ولم يكن له ~~كفوا أحد } ولم يكافئه أحد أي لم يماثله. ms1598 # سألوه أن يصفه لهم فأوحى إليه ما يحتوي على صفاته تعالى، فقوله: { هو ~~الله } إشارة إلى أنه خالق الأشياء وفاطرها، وفي طي ذلك وصفه بأنه ~~قادر عالم لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم لكونه واقعا على غاية إحكام ~~واتساق وانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي لأن المتصف بالقدرة والعلم لا بد ~~وأن يكون حيا، وفي ذلك وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من ~~صفات الكمال، إذ لو لم يكن موصوفا بها لكان موصوفا بأضدادها وهي نقائص ~~وذا من أمارات الحدوث فيستحيل اتصاف القديم بها، وقوله: { أحد } وصف ~~بالوحدانية ونفي الشريك، وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات والمتوحد بعلم ~~الخفيات، وقوله: { الصمد } وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه وإذا لم ~~يكن إلا محتاجا إليه فهو غني لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل أحد، ~~وقوله { لم يلد } نفي للشبه والمجانسة، وقوله { ولم يولد } ~~نفي للحدوث ووصف بالقدم والأولية. # وقوله { ولم يكن له كفوا أحد } نفي أن يماثله شيء. ومن ~~زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار ~~يدعونه في الحال فقد تاه في غيه، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في ~~الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفؤا للقديم، وحاصل كلام الكفرة يئول إلى ~~الإشراك والتشبيه والتعطيل، والسورة تدفع الكل كما قررنا، واستحسن سيبويه ~~تقديم الظرف إذا كان مستقرا أي خبرا لأنه لما كان محتاجا إليه قدم ~~ليعلم من أول الأمر أنه خبر لا فضلة، وتأخيره إذا كان لغوا أي فضلة لأن ~~التأخير مستحق للفضلات. وإنما قدم في الكلام الأفصح لأن الكلام سيق لنفي ~~المكافأة عن ذات الباريء سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف ~~فكان الأهم تقديمه. # وكان أبو عمرو يستحب الوقف على { أحد } ولا يستحب الوصل، قال عبد ~~الوارث: على هذا أدركنا القراء، وإذا وصل نون وكسر أو حذف التنوين ~~كقراءة # عزير ابن الله # [التوبة: 30]، { كفؤا } بسكون الفاء والهمزة: حمزة وخلف. { كفوا } ~~مثقلة غير مهموزة: حفص. الباقون مثقلة مهموزة. # وفي ms1599 الحديث: # " من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن " # لأن القرآن يشتمل على توحيد الله وذكر صفاته وعلى الأوامر والنواهي وعلى ~~القصص والمواعظ، وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات فقد تضمنت ثلث ~~القرآن، وفيه دليل شرف علم التوحيد وكيف لا يكون كذلك والعلم يشرف بشرف ~~المعلوم ويتضع بضعته، ومعلوم هذا العلم هو الله وصفاته، وما يجوز عليه ~~وما لا يجوز عليه، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله! اللهم احشرنا في ~~زمرة العالمين بك العاملين لك، الراجين لثوابك، الخائفين من عقابك، ~~المكرمين بلقائك، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ { قل ~~هو الله أحد } فقال: وجبت. فقيل: يا رسول الله ما وجبت؟ قال # " وجبت له الجنة " ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # مختلف فيها وهي خمس آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { قل أعوذ برب الفلق } أي الصبح أو الخلق أو هو واد في جهنم ~~أوجب فيها { من شر ما خلق } أي النار أو الشيطان. و«ما» موصولة ~~والعائد محذوف، أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق. وقرأ أبو حنيفة رضي ~~الله عنه { من شر } بالتنوين و«ما» على هذا مع الفعل بتأويل المصدر في ~~موضع الجر بدل من { شر } أي شر خلقه أي من خلق شر، أو زائدة { ومن ~~شر غاسق إذا وقب } الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه، ووقوبه دخول ~~ظلامه في كل شيء، وعن عائشة رضي الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا ~~وقب، ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده { ومن شر النفثت فى ~~العقد } النفاثات: النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي ~~يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين، والنفث: النفخ مع ريق وهو دليل ~~على بطلان قول المعتزلة في إنكار تحقق السحر وظهور أثره { ومن شر ~~حاسد إذا حسد } أي إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه لأنه إذا لم يظهر ~~فلا ضرر يعود منه على حسده بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره، وهو ~~الأسف على الخير عند ms1600 الغير. والاستعاذة من شر هذه الأشياء بعد الاستعاذة ~~من شر ما خلق إشعار بأن شر هؤلاء أشد، وختم بالحسد ليعلم أنه شرها وهو ~~أول ذنب عصي الله به في السماء من إبليس، وفي الأرض من قابيل. وإنما عرف ~~بعض المستعاذ منه ونكر بعضه، لأن كل نفاثة شريرة فلذا عرفت { ~~النفثت } ونكر { غاسق } لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر إنما ~~يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضر، ورب حسد يكون محمودا كالحسد ~~في الخيرات والله أعلم. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # مختلف فيها وهي ست آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # { قل أعوذ برب الناس } أي مربيهم ومصلحهم { ملك الناس ~~} مالكهم ومدبر أمورهم { إله الناس } معبودهم. ولم يكتف بإظهار ~~المضاف إليه مرة واحدة لأن قوله: { ملك الناس إله الناس } ~~عطف بيان ل { رب الناس } لأنه يقال لغيره رب الناس وملك الناس، ~~وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه. وعطف البيان للبيان فكأنه مظنة للإظهار ~~دون الإضمار. وإنما أضيف الرب إلى الناس خاصة وإن كان رب كل مخلوق ~~تشريفا لهم، ولأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه ~~قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو ~~إلههم ومعبودهم. وقيل: أراد بالأول الأطفال. ومعنى الربوبية يدل عليه، ~~وبالثاني الشبان ولفظ الملك المنبىء عن السياسة يدل عليه، وبالثالث ~~الشيوخ ولفظ الإله المنبىء عن العبادة يدل عليه، وبالرابع الصالحين إذ ~~الشيطان مولع بإغوائهم، وبالخامس المفسدين لعطفه على المعوذ منه { من ~~شر الوسواس } هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما ~~المصدر فوسواس بالكسر كالزلزال والمراد به الشيطان سمي بالمصدر كأنه ~~وسوسة في نفسه لأنها شغله الذي هو عاكف عليه، أو أريد ذو الوسواس ~~والوسوسة الصوت الخفي { الخناس } الذي عادته أن يخنس منسوب إلى ~~الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات لما روي عن سعيد بن جبير إذا ذكر ~~الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، وإذا غفل رجع ووسوس إليه { الذى ~~يوسوس فى صدور الناس } في محل الجر على الصفة، ms1601 أو الرفع، أو ~~النصب على الشتم، وعلى هذين الوجهين يحسن الوقف على الخناس { من ~~الجنة والناس } بيان للذي يوسوس على أن الشيطان ضربان: جني ~~وإنسي كما قال # شيطين الإنس والجن # [الأنعام: 112] وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله ~~من شيطان الإنس؟ روي أنه عليه السلام سحر فمرض فجاءه ملكان وهو نائم فقال ~~أحدهما لصاحبه: ما باله. فقال: طب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم ~~اليهودي. قال: وبم طبه؟ قال: بمشط ومشاطة في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ~~ذي أروان. فانتبه صلى الله عليه وسلم فبعث زبيرا وعليا وعمارا رضي ~~الله عنهم فنزحوا ماء البئر وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من ~~مشطه، وإذا فيه وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فنزلت هاتان ~~السورتان، فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة حتى قام صلى الله عليه وسلم ~~عند انحلال العقدة الأخيرة كأنما نشط من عقال وجعل جبريل يقول: باسم الله ~~أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك. ولهذا جوز الاسترقاء بما كان من كتاب ~~الله وكلام رسوله عليه السلام لا بما كان بالسريانية والعبرانية ~~والهندية، فإنه لا يحل اعتقاده والاعتماد عليه، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأقوالنا ومن شر ماعملنا وما لم نعمل، ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ونبيه وصفيه، ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله ~~عليه وعلى آله مصابيح الأنام وأصحابه مفاتيح دار السلام صلاة دائمة ما ~~دامت الليالي والأيام. ms1602