######OpenITI# #META# bkid: 16526 #META# bk: الكافي شرح البزودي #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الكافي شرح البزودي #META# المؤلف: الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السغناقي (المتوفى: 711 ه) #META# المحقق: فخر الدين سيد محمد قانت (رسالة دكتوراه) #META# الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع #META# الطبعة: الأولى، 1422 ه - 2001 م #META# عدد الأجزاء: 5 (في ترقيم مسلسل واحد) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: السغناقي #META# authinf: السغناقي (000 - 711 ه = 000 - 1311 م). الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السغناقي: فقيه حنفي. نسبته إلى سغناق (بلدة في تركستان). له:. (النهاية في شرح الهداية - خ) ثلاث مجلدات. (شرح التمهيد في قواعد التوحيد -خ). (الكافي - خ) [ثم طبع] شرح أصول الفقه للبزدوي، منه نسخة بخطه، في مجلد ضخم بالمكتبة العربية في دمشق، أخذت خطه عن الصفحة الأخيرة منها،. (النجاح) في الصرف. توفي في حلب. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 16526 #META# over: 1 #META# seal: 2BF69445 #META# oauth: 2768 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# lng: الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السغناقي #META# higrid: 711 #META# ad: 711 #META# aseal: BB5C3B63 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/16526 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله بارئ البرايا، ومعطي العطايا، مشرع شوارع الشرع، ومظهر قواعد ~~الأصل والفرع، ملة مرضية، وسنة سنية أحمده على ما أقدرني على الحمد ~~بالتوفيق، وأستوفقه على مزيد الطاعات وتكثير التحقيق، وأشهد علمه على ~~إيماني وإسلامي، وأسترحمه عند مضيق حالي وإسلامي، مستشفعا بنبي الرحمة، ~~وكاشف الغمة محمد -صلى الله عليه- وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار. # وبعد: # فإن الإقدام في مثل هذا الأمر الذي أنا بصدده شأو بطين حصن حصين، لا ~~يفتحه إلا من كثر جثوه عند مهرة هذه الصنعة من أولى الألباب، وقرعت مسامعه ~~مرة بعد أخرى بفوائد هذا الكتاب، وكان مع ذلك ذا طبيعة منتجة، وقريحة ~~مبهجة، وكلما وقع في مضيق خرج فيه وجها رائعا، PageV01P137 # وأصلا فارعا لا ممن يحار فيه بالسكوت ولا يهتدي، أو ممن يفرط بالكلام ~~ويعتدي، بل يتكلم مستقيم تقبله الأصول وترتضيه العقول، وكان قد لازم آونة ~~من اختص بتخريج مصنفات فخر الإسلام، وقد بقي أزمنة باستكشاف معضلاته بين ~~أئمة الأنام، راجعا ومرجعا، وصادرا ومصدرا، وها أنا قد تصديت لشرح هذا ~~الكتاب، وفسر ما يؤتيه بفصل الخطاب بتوفيق الله الملك الوهاب، وهو الكتاب ~~المنسوب إلى الإمام الزاهد المحقق والحبر المدقق ذي البركات الباهرة ~~والكرامات الظاهرة فخر الإسلام أبي الحسن علي بن محمد بن الحسين البزدوي ~~-رحمه الله-. # وقد بلغتني رواية هذا الكتاب بالأستاذين المذكورين في «النهاية في شرح ~~الهداية». PageV01P138 # مع زيادة أن صاحب الهداية)) يرويه عن الشيخ الإمام الزاهد الحافظ نجم ~~الدين أبي حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي، وهو عن المصنف ~~-رحمهم الله- وكان يكثر اقتراح المحكمين والتماس الملتمسين إياه. # وأنا لا أقبله بل آباه لما أنه هو الغاية القصوى، والطامة الكبرى، فلذا ~~لم أتجاسر PageV01P139 # في التارت الأول وأحيان جزائل النبل التي قدمتها من الشروح، وما حوت من ~~الفوائد التي هي متقاربة الخطي في الوضوح وأما هذا الشرح فليس من القبيل، ~~فإن الخابط فيه كثير لا قليل لكن المتطلعين على «الوافي» و «النهاية» ~~أحسنوا الظن بي، واستدلوا بهما على حصول مرادهم ms001 على الكفاية حتى اقر نبعوا ~~في الاقتراح على الغاية، فأنينما توجهت إلى البلدان الشاسعة والأسفار ~~الجازعة تضامت كبراؤهم في الاحتكام هنالك، كأنهم تساروا في التواصي على ذلك ~~مع تباين مسافاتهم النازحة، وتباعد طرقهم الطالحة. # قلت: ليس هذا إلا أمرا قد أراد الله فيه خيرا، حيث استحسنوه على اللزن ~~«وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»، ولو لم يكن فيه إلا ما PageV01P140 # التمس به أخي في الله الإمام البارع، الورع، الرباني، العالم، الزاهد، ~~الصمداني، سابح بحار الفقه ولحجها وشارح أدلة الشرائع وحججها، منبع عيون ~~الرواية ومشرع متون الدراية، النابذ لأمور الدنيا بحوافها ولذاتها، والمقبل ~~على أمور العقبى بمشاقها وكراتها، الأخ الصديق العطوف، والحب الشفيق برهان ~~الدين أحمد بن أسعد بن محمد الخريف عني البخاري أدامه الله، وشكر مساعيه، ~~وزاد توفيقه في الدين ومعاليه لكان الواجب على التلقي بالاستجابة، والإقبال ~~بالاستطابة، فإن -سلمه الله تعالى- كان يوصيني به مرارا، ويكرمني بالالتماس ~~به سرا وجهارا، فأجبته في ذلك بأمره مؤتمرا، ولمودته مزدهرا. PageV01P141 # ثم اعلم: أني ضمنت فيه أن أجمع بين نسختي الفوائد: # إحداهما: الفوائد الصادرة من الإمام السابق في البيان الفائق، صاحب ~~الأصول والفروع، ومعدن المعقول والمسموع مولانا بدر الدين محمد بن محمود بن ~~عبد الكريم الفقيهي الشحنوي الكردري -رحمه الله-. # والثانية: الفوائد الصدرة من الإمام، العالم، الرباني، العامل، الصمداني، ~~حبر الأمة، محي السنة مولانا حميد الدين الضرير على بن محمد ابن علي ~~الرامسي البخاري -رحمه الله- مع اختلاف نسخ له فيه، وزدت عليهما ما ليس ~~فيهما مما يقتضيه المشروح بعد الاستحكام، وما يلتجي إليه ذلك الموضوع ~~المنعوت بالاستبهام، واكتفيت عن ذكر المناسبات والانحصارات وسائر ما يعاد ~~ذكره من البينات إلا ما تمس إليه الحاجة من الشرح «الكافي» بما ذكرته في ~~«الوافي» اختيارا لما يضبط أمره في التبيين، وهو حسبي ونعم المعين. PageV01P142 ### | CHECK مقدمة أصول فخر الإسلام # قال الإمام مولانا بدر الدين الكردري -رحمه الله-:الأصل ما يبنى عليه ~~غيره، والفرع ما يبنى على غيره. ثم قال ناقلا عن الإمام العلامة مولانا شمس ~~الدين الكردري ms002 -رحمه الله-: فأهل الجاهلية عند الحلول والارتحال كانوا ~~ينشدون الأشعار، فرفعت الشريعة ذلك، وشرعت ذكر اسم الله -تعالى- مكانه، ~~فقالوا: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، فعلى هذا كان في (بسم الله) PageV01P143 # محذوف، إما في الأول، أي أبدأ أو ابتدائي بسم الله، أو في الآخر أي بسم ~~الله أبدأ أو ابتدائي. وفي (الرحمن) مبالغة، حتى شمل المؤمن، والكافر، ~~والمطيع، والعاصي، كالعطشان، والغضبان. وفي (الرحيم) دوام، كالجليس والأنيس ~~والنديم، وهذا في حق المؤمن. # قوله -رحمه الله-: (الحمد لله خالق النسم، ورازق القسم). # اعلم: أن المصنف -رحمه الله- راعي في هذه الألفاظ ما هو المقول في شرط ~~التصنيف، وهو أن ذكر التحميد متضمنا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف، ~~وهذا كذلك، وذلك أن هذا الكتاب صنف لبيان أصول الفقه. # والفقه: معرفة النفس مالها وما عليها، وهو المنقول عن أبي حنيفة - PageV01P144 # رحمه الله- فلما كان الفقه معرفة النفس بدأ الشيخ -رحمه الله- كتابه ~~بقوله: (خالق النسم)، فإن النسم جمع نسمة، وهي الإنسان. كذا في الصحاح. ثم ~~أعقبه بقوله: (ورازق القسم) أي الأعطية، لما أن النسم محتاجة إلى الأرزاق ~~للبقاء، فكان فيه ذكر ابتداء وجود الأناسي وذكر بقائهم، وهو المرادون في ~~خلق العالم، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السموات ~~وما في الأرض جميعا منه}، فكان في ذكر ابتداء خلق الأناسي PageV01P145 # وذكر بقائهم عند ابتداء ذكر كتاب أصول الشرائع التي هي مشروعة على ~~الأناسي مناسبة ظاهرة. # ثم إن الله تعالى لما خلق هذا النسم على طبائع مختلفة، وأهواء متشتتة، ~~وخلق متفاوتة، بخصائص ولوازم لا تدخل تحت الحصر والوهم، ولا تنضبط في ~~الفهم، من موجبات الحكمة كان مبدعا للبدائع. # فلذلك قال: (مبدع البدائع)، ثم لما جبلت هذه البدائع التي هي الأناسي على ~~طبائع متبائنة تهيجهم الشهوة وتزعجهم الغضبة على حسب مألوف طبعهم، ومن جراه ~~يقع بينهم التجاذب، والتضاغن، والتقاتل بحيث يقع به الإفناء. كانوا محتاجين ~~إلى الدين المانع من تلك المخالفة، والجامع على الألفة والموافقة. وهو شرع ~~الشارع الشرائع، فقال: (وشارع الشرائع). # ثم ذكر الوصف ms003 الحميد للشرائع؛ لترغيب الطلبة في اكتساب المفاخر الدنيوية ~~وإحراز السعادات العقبوية، فقال: (دينا رضيا، ونورا مضيا، وذكرا للأنام، ~~ومطية إلى دار السلام). # فإن قوله: (وذكرا للأنام) أي وشرفا، كما في قوله تعالى: {لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم} أي شرفكم، وقوله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك} أي ~~لشرف لك. PageV01P146 # وقيل في قوله: (ونورا مضيا): صنعة التخيل، كأنه تخيل بهذا قوله تعالى: ~~{وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا} فالسراج: الشمس، وهي ضياء كما في قوله ~~تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء}، فكأنه جعل الدين شمسا أي في غاية الظهور ~~والوضوح، وقمرا أيضا أي فيه نوع خفاء مع ذلك، فإن الدين في نفسه بين واضح ~~جلي لا يستتر على ذي عينين، وبين خفي مبهم مشكل لا يكاد ينجلي إلا لذي لب ~~متأمل يدرك بتأمله، كالقمر لا يرى فيه شيء إلا بتكلف وتبصر. # ثم انتصاب قوله: (دينا رضيا ونورا مضيا) على الحال من قوله: (الشرائع) ~~والعامل فيه شارع. # فإن قلت: وشرط الحال أن يكون فيهما معنى الصفة أو تأويل معنى الصفة، وليس ~~هو في قوله: (دينا) ولا في قوله: (نورا) فلا يصح انتصابهما على الحال لعدم الشرط. # قلت: فيهما معنى الصفة؛ لوجود معنى الصفة في صفتهما، وهو قوله: (رضيا، ~~ومضيا) فكأنه قال: وشرع الشرائع في حال كونها دينا رضيا، أي PageV01P147 # منعوتا بالرضا. فكان هذا عين نظير ما ذكر في ((الكشاف)) في أول حم السجدة ~~في قوله: {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا}. وقال: هو نصب على الحال؛ أي فصلت ~~آياته في حال كونه قرآنا عربيا. # وكذا ذكر أيضا في سورة الزمر في قوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا} وهو حال مؤكدة كقولك: جاءني زيد ~~رجلا صالحا وإنسانا عاقلا، فأوقع قوله: {قرآنا} حالا مع أنه غير صفة لكونه ~~موصوفا بصفة، فكأنه قيل: موصوفا بالعربية، فكذلك هنا. # ولما وصف الله تعالى بكونه خالق النسم، ورازق القسم، ومبدع البدائع كان ~~مستوجبا للحمد، فقال: (أحمده على الواسع والإمكان). وإنما خص الوسع ms004 ~~والإمكان؛ لأن الحمد لله تعالى على قدر ما يستحقه الله تعالى ليس في وسع ~~البشر ولا في وسع غيره. # ثم ذكر الإمكان مع الوسع؛ لأن الإمكان أعم من الوسع فكانا متغايرين، فصح ~~عطف أحدهما على الآخر، وهذا لأن الوسع عبارة عن القدرة على الشيء والطاقة ~~فيه، فربما كان الشيء ممكنا في نفسه لكن لم يكن هو مقدورا PageV01P148 # له عليه في الحال كالألوف المنقودة من الدنانير والصباح الممسودة من ~~الجواري مثلا، فإنها ليست في مقدورك وإن كانت ممكنة في نفسها. # (الرضوان): الرضا. # قوله -رحمه الله-: (وأصلي عليه، وعلى آله، وأصحابه، وعلى الأنبياء، ~~والمرسلين). # فإن قلت: سلمنا أن نبينا عليه السلام أفضل الأنبياء، فتقديمه على ~~الأنبياء كان أمرا مستحقا، فأما الصحابة فليسوا بمفضلين على الأنبياء؛ لما ~~أن الولي -وإن جل قدره- لا يساوي درجة النبي، فكيف الفضل عليها؟ ثم مع ذلك ~~كيف قدم الشيخ -رحمه اله- ذكر الآل والأصحاب على ذكر الأنبياء والمرسلين في ~~ذكر الصلاة عليهم؟! PageV01P149 # قلت: ليس هذا من قبيل تفضيل الولي على النبي، بل من قبيل تتميم الصلاة ~~على نبينا - صلى الله عليه وسلم -. # فإن تقديم نبينا عليه السلام على سائر الأنبياء لما كان أمرا مسلما كان ~~تقديم وتتميم الصلاة عليه على سائر الأنبياء أيضا وجب أن يكون أمرا مسلما. # قوله: (العلم نوعان). فقوله: (العلم) مبتدأ، و (نوعان) خبره، فمن شرط ~~المبتدأ أن يكون أخص من الخبر أو مساويا له ليفيد فائدته، وأما أن يكون ~~المبتدأ أعم من الخبر فلا، فلذلك لا يقال: الحيوان إنسان، ولكن يقال: ~~الإنسان حيوان أو حيوان ناطق. # ثم العلم عام؛ لأنه يتناول علم الفقه والنحو والنجوم غير ذلك. # وقوله: (نوعان) خاص، لما أن العلم أنواع لا نوعان فحسب، فلا يستقيم هذا ~~من حيث الظاهر، لكن المصنف -رحمه الله- أراد من هذا العلم الخاص بدلالة ~~حاله؛ لأنه في بيان الصول، وبيان ما هو للكلف، وما هو عليه، فكان تقديره: ~~العلم الذي نحن بصدده نوعان، أو العلم الذي ابتلينا به نوعان، أو العلم ~~المنجيء نوعان، فكان المبتدأ مساويا للخبر. ms005 # (علم التوحيد والصفات) وإنما ذكر علم التوحيد والصفات هنا مع أنه في بيان ~~أصول الفقه لا في بيان أصول الدين؛ لأنه لما حصر العلم -أي العلم الذي ~~ابتلي بتعلمه- على نوعين لا غير، وجب عليه بيان ذينك النوعين، حتى PageV01P150 # أن شمس الأئمة والقاضي أبا زيد -رحمهما الله- لما لم يذكرا في كتابيهما ~~حصر العلم على نوعين، لم يذكرا علم التوحيد والصفات. ثم المصنف -رحمه الله- ~~إنما ذكر حصر العلم على هذين النوعين؛ لأن العلم الذي يهمنا ويسعدنا ~~ويبلغنا إلى درجة الكمال في الدنيا والآخرة، هذا العلم وإن كان اكتساب غيره ~~أيضا قد يكون من المناقب السنية والفضائل العلية، لكن يكون لك على وجه ~~الوسائل إلى هذا العلم، لا على وجه المقاصد بنفسه. ثم قدم بيان علم أصول ~~الدين على علم الشرائع والأحكام؛ لأن علم أصول الدين أصل جميع العلوم -على ~~ما قررنا في صدر ((الوافي)) -فوجب تقديمه على غيره. # التوحيد: يكي دانستن، ويكي كفتن، ويكي اعتقاد كردن. # (والصفات) أي العلم بأن لله تعالى صفات؛ من العلم والقدرة، والحياة، ~~وغيرها من صفات الكمال. والله تعالى قديم بجميع صفاته. فيعلم بهذا أنه من ~~المثبتة لا من المعطلة كالمعتزلة. PageV01P151 # (وعلم الشرائع) أي العلم بالمشروعات من السبب، والعلة، والشرط، والعلامة، ~~والفرض، والواجب، والسنة وغير ذلك من المشروعات، فكان الشرائع أعم من الفقه ~~والأحكام؛ لأن الفقه هو: الوقوف على المعنى الخفي وعلى الدلائل الشرعية، ~~والحكم هو: الأثر الثابت بالعلة، فكانا أخص من الشرائع كما ترى، ولكن ~~الأحكام هي المقصودة منها، فأفردها بالذكر. # (والأصل في النوع الأول التمسك بالكتاب والسنة). أي الأصل في علم التوحيد ~~والصفات التمسك بالكتاب. # فإن قلت: لا نسلم أن الأصل فيه التمسك بالكتاب والسنة؛ لأنه لو كان PageV01P152 # فيه الأصل الكتاب، لما كان أهل الفترة مؤاخين بالتوحيد، بل هم مؤاخذون به ~~بدليل قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}، هذا تنصيص ~~على أن أهل الجاهلية كانوا مؤاخذين بالإيمان قبل نزول الكتاب إليهم. إلى ~~هذا أشار في ((التأويلات)). # قلت: نعم كذلك، إلا أن ما ms006 ذكره المصنف -رحمه الله- في حق أهل التوحيد ~~تدينا، بدليل ما ذكره في النظير من أهل الاعتزال والخوارج، إلا أن بعضهم ~~بسبب الأهواء والبدع ربما أفضى مذهبهم إلى القول بالاشتراك مع أنهم ينزهون ~~أنفسهم عنه، كقول أهل الاعتزال بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، فكانوا قائلين ~~بإشراك العباد في الخلق لله تعالى، فقال المصنف في مثل هذا: إن الأصل في ~~نفي الإشراك وإثبات التوحيد التمسك بالكتاب والسنة، PageV01P153 # ففي الكتاب دليل على أن أفعال العباد ليست بمخلوقة لهم لقوله تعالى: ~~{الله خالق كل شيء}، وأفعال العباد شيء، فكان الله خالقا لها أيضا، وكذلك ~~في الصفات. # وأما قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار}، ففي حق أهل الكفر من ~~أهل الجاهلية صريحا، ولم يكن لهم الكتاب، فكان عليهم أن يتأملوا في التوحيد ~~فيؤمنوا بالله وحده؛ لوضوح الدلائل عليه على ما قال القائل: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # فلما لم يتأملوا في التوحيد حتى بقوا على الإشراك كانوا مؤاخين لذلك، ~~ولأن كل واحد من أهل الحق والباطل يدعي أن الذي قلته هو موجب العقل لا موجب ~~الهوى، فلا بد من حاكم يحكم بأن الذي قاله هذا الصواب، وهو PageV01P154 # موجب العقل لا موجب الهوى، وأما الذي قاله الآخر فهو موجب الهوى وهو ~~باطل، وذلك الحاكم هو الكتاب والسنة، فلما تم الحكم بالكتاب والسنة صار كأن ~~الأصل الكتاب وما يتبعه فيه؛ لأن العبرة للمتمم لا للمبتدئ، فلذلك أضاف ~~الأصالة في التمسك في التوحيد إلى الكتاب والسنة. # (ومجانبة الهوى والبدعة). فالهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذ إليه الطبع ~~من غير دليل شرعي على شرعيته، والبدعة هي: الأمر المحدث الذي لم يكن هو من ~~فعل الصحابة ولا من التابعين ولا ما اقتضاه الدليل الشرعي، فكان الهوى على ~~هذا التفسير بالنسبة إلى نفسه، والبدعة بالنسبة إلى غيره. # (ولزوم طريق السنة). أي عقيدة الرسول عليه السلام (والجماعة) أي عقيدة ~~الصحابة. # (أدركنا مشايخنا) أي أستاذينا كالإمام أحمد الطواويسي، PageV01P155 # والإمام شمس الأئمة الحلواني للمصنف -رحمهم الله- # (وعامة أصحابهم). وإنما ms007 قيد به لما أن بعض أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- ~~كان موسوما بالبدعة والهوى كبشر المريسي. PageV01P156 # (كتاب الفقه الأكبر) سماه أكبر لما أن كبارة العلم وشرفه بحسب كبارة ~~المعلوم، فلما كان المعلوم منه ذات الله تعالى وصفاته، لا يكون علم أكبر من ~~ذلك العلم، فلذلك استحق أن يسمى بالفقه الأكبر. # (وكتاب الرسالة) وهو كتاب بعثه أبو حنيفة -رحمه الله- إلى عثمان البتي ~~-رحمه الله- وهو من أصحابه. (وأن ذلك كله بمشيئة الله) وقد PageV01P157 # حكي أن محمودا المتكلم -من المعتزلة- ناظر مع ابن فورك وهو من أهل السنة، ~~فقال محمود: سبحان من تنزه عن الفحشاء. # وقال ابن فورك: سبحان من لا يجري في ملكه خلاف ما يشاء. PageV01P158 # (وقال: لا يكفر أحد بذنب). أي إذا لم يقصد بذلك خلاف أمر الله، بل فعل ~~ذلك لغلبة شهوة أو غضبة حملته إليه، لا على قصد المخالفة أو الاستهانة ~~بالمعصية. فبهذا يعلم أنه لم يكن على مذهب الخوارج، فإن عندهم من عصى كفر ~~سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة. # (ولا يخرج به من الإيمان). يعلم بهذا أنه لم يكن على مذهب أهل الاعتزال، ~~فإن عند المعتزلة من أذنب كبيرة يخرج به من الإيمان. # (ويترحم له) أي يبقى هو محلا للرحمة، فإن صاحب الكبيرة إن مات من غير ~~توبة من كبيرته كانت عاقبة أمره الجنة مرحمة عليه، ولا يخلد في النار. ~~ويقال له أيضا: رحمه الله. # (إماما صادقا) أي كان هو مقتدي الأمة في العلوم الإسلامية على PageV01P159 # التحقيق، ويحتمل أن المصنف -رحمه الله- إنما قال هذا جوابا لاعتراض معترض ~~عسى أن يقول: إن أبا حنيفة -رحمه الله- إنما قال هذه الأحكام في مصنفه هكذا ~~-من إثبات الصفات وغيره -لا عن علم به وتبصر، فإنه كان مشتغلا بتخريج ~~المسائل الفقهية الشرعية، لا في أصول الدين؛ فإنه لم يكن له حظ منه. فرد ~~هذا الاعتراض بقوله: وكان في أصول الدين إماما صادقا لا كما يظنه جهلة أهل البدع. # (أن من قال بخلق القرآن). أي القرآن الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى. # وأما القرآن ms008 الذي هو مكتوب في مصاحفنا، ومحفوظ في صدورنا، ومقروء ~~بألسنتنا، فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة أنه مخلوق. PageV01P160 # (فهو كافر)؛ لأن فيه إنكار الشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما، وهذا لأنه ~~لما كان مخلوقا لم يكن صفة لله تعالى، ولم يكن الله تعالى آمرا ولا ناهيا؛ ~~لما أن أمره ونهيه إنما علما بالقرآن، فكان فيه القول بارتفاع الشرائع ~~وبطلانها بمرة، وهو كفر صريح -نعوذ بالله من ذلك. # (وصح هذا القول عن محمد -رحمه الله-). # قال الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردي -رحمه الله-: وصل هذا القول ~~إلينا عنهم بطريق الآحاد، وأما المشهور منهم فإنهم قالوا: لا تكفروا أهل ~~قبلتكم. # (ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا). PageV01P161 # منها: قوم صلوا بجماعة في ليلة مظلمة، فصلى كل واحد منهم إلى جهة، فمن ~~علم منهم حال إمامه فسدت صلاته؛ لأن الإمام عنده مخطئ، فلو كان كل مجتهد ~~مصيبا في اجتهاده لما فسدت صلاته، كما إذا صلوا في جوف الكعبة. # ومنها: ما ذكر في كتاب الإيمان: رجل قال: إن لم آتك غدا إن استطعت ~~فامرأته كذا. يقع على سلامة الآلات والأسباب. فإن قال: عنيت به حقيقة PageV01P162 # الاستطاعة وهي القدرة المقارنة للفعل -صدق ديانة. # فعلم بهذا أنهم قالوا بوجود القدرة المقارنة للفعل، وفيه رد لمذهب أهل ~~الاعتزال. # ومنها: أن من حلف ليقلبن هذا الحجر ذهبا أو ليمسن السماء. قال: انعقدت ~~يمينه، وحنث عقيبها؛ لأن ذلك متصور بطريق الكرامة، وفيه أيضا رد لمذهب أهل ~~الاعتزال. # ومنها: ما قالوا: إن القاضي إذا قضى بشهادة الفساق نفذ قضاؤه بناء على أن ~~المؤمن -وإن ارتكب كبيرة- يبقى مؤمنا، وفيه رد قول أهل الاعتزال. # وكذلك قالوا: إن اجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصية PageV01P163 # صغيرة، وفيه رد قول الخوارج. # ومنها ما ذكر في ((الجامع الصغير)) محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة -رحمهم ~~الله- في ميراث رجل قسم بين غرمائه، قال: لا آخذ من الغريم كفيلا ولا من ~~الوارث، هذا شيء احتاط به بعض القضاة، وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- ~~خلافا لهما. # وقوله: ((ظلم))، أي ميل عن ms009 سواء السبيل، وبهذا يعلم أن أبا حنيفة -رحمه ~~الله- كان يعتقد أن المجتهد يخطئ ويصيب؛ لأن الأصل في القاضي PageV01P164 # أن يكون مجتهدا خصوصا في ذلك الزمان، ومع ذلك نسب قضاء بعض القضاة إلى ~~الظلم، فكان مخطئا في قضائه لا محالة، فكان أبو حنيفة -رحمة الله عليه- ~~معتقدا أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا ~~للمعتزلة، فإنهم يقولون: كل مجتهد مصيب. # ومنها: ما ذكر في كراهية (الجامع الصغير)): يكره أن يقول الرجل في دعائه: ~~أسالك بمعقد العز من عرشك، أو بمقعد العز من عرشك. أجمعوا على أنه لا تجوز ~~العبارة الثانية وهي من القعود؛ لأنها توجب حدوث صفة الله تعالى، والله ~~تعالى بجميع صفاته قديم. # ومنها: أنهم بنوا مسائل كثيرة على الفعال الاختيارية من العباد، كما في ~~الحدود والقصاص والغصوب، فعلم بهذا أنهم لم يكونوا من المجبرة. PageV01P165 # (حتى قال أبو حنيفة -رحمه الله- لجهم) وهو جهم بن صفوان الترمذي رأس ~~الجبرية، ومن مذهبه: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط ~~دون الإقرار، وأنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا لله تعالى، وأن العباد فيما ~~ينسب إليهم من الفعال كالشجرة تحركها الريح، والإنسان مجبر في أفعاله لا ~~قدرة له ولا إرادة ولا اختيار. كذا في ((المغرب))، وهكذا أيضا في ((تبصير ~~الأدلة)). # (على ما نطق به الكتاب والسنة). نحو قوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} ~~وقوله تعالى: {فمن أوتي كتابه بيمينه} الآية، وقوله عليه PageV01P166 # السلام: ((الصراط جسر ممدود على وجه جهنم)). # وما روي عن النبي عليه السلام: أنه مر بقبرين جديدين فقال: ((إنهما ~~ليعذبان وما يعذبان بكبير؛ أما أحدهما فإنه كان لا يستتره البول، والآخر ~~كان يمشي بالنميمة)). # (هذا فصل يطول تعداده) أي النوع الأول وهو علم التوحيد والصفات # (والنوع الثاني علم الفروع وهو الفقه) أي علم الفقه فرع على علم أصول ~~الدين، وهو علم التوحيد والصفات، فأصالة أصول الدين إنما تكون باعتبار ~~إثبات حدوث العالم، فعلم إثبات حدوث العالم أصل جميع العلوم الإسلامية، وقد ~~ذكرنا وجهه في ((الوافي)). PageV01P167 # (علم ms010 المشروع بنفسه) أي علم المبين حكمه، وهو علم الجواز والفساد، ~~والحلال، والحرام. # (وهو معرفة النصوص بمعانيها) أي مع عللها، والسلف لم يستعملوا لفظ العلل، ~~بل استعملوا المعاني مكان العلل، كما في قوله عليه السلام: ((لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث)). أي إلا بإحدى علل، والدليل عليه تأنيث ~~الإحدى، وكما في لفظ ((القدوري)): والمعاني الناقضة. PageV01P168 # ثم نظير ما ذكر من معرفة النصوص بمعانيها هو أن يعرف معنى قوله تعالى: ~~{أو جاء أحد منكم من الغائط}، أن المراد به انتقاض الطهارة بالخارج من ~~السبيلين؛ بسبب أنه نجس خارج من بدن الإنسان، ويقيس عليه الفصد والحجامة ~~بهذه العلة الجامعة بينهما. وهكذا أيضا نظير (ضبط الصول بفروعها). أو نقول: ~~هو أن يعرف أن الحقيقة مع المجاز لا تجتمعان، وهذا أصل، وفرعه وهو: أن يعرف ~~أن المس لا يكون حدثا في قوله تعالى: {أو لامستم النساء} لأن المجاز -وهو ~~الجماع- تعين مرادا بهذا النص، فلا تبقى الحقيقة مرادة. # (والقسم الثالث وهو العمل به)؛ لأن العلم وسيلة، والمقصود العمل. قال ~~عليه السلام في دعائه: ((أعوذ بالله من علم لا ينفع)) وفسره بعلم لا يعمل ~~به. PageV01P169 # (حتى لا يصير نفس العلم مقصودا)؛ لأن المقصود من هذه المشروعات الابتلاء، ~~والابتلاء إنما يتحقق بالعمل والعلم لا بالعلم فحسب، ولا يقال: كيف جعل ~~العمل من قسم العلم بقوله: ((والقسم الثاني علم الفروع وهو الفقه، وهو ~~ثلاثة أقسام ....)) إلى آخره. مع أن العمل مغاير للعلم حدا وحقيقة، فكيف ~~جعل العمل من قسم العلم؟ # لأنا نقول: إن جعل العمل من قسم العلم حصل من تأويلنا للقسمة الأولى التي ~~قسمها المصنف بقوله: ((العلم نوعان))، أي العلم المنجيء من العقاب نوعان، ~~والعلم إنما يكون منجيا من العقاب أن لو كان العمل مقرونا بذلك العلم. # (فإذا تمت هذه الوجوه كان فقيها). ذكر أن أعرابيا دخل على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال: علمني يا رسول الله سورة من القرآن، فعلمه سورة ~~{إذا زلزلت} حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ms011 ذرة خيرا يره} ~~فقال الأعرابي: حسبي يا رسول الله، فقال عليه السلام: ((فقه الرجل)). سماه ~~فقيها حين علم منه أنه يضم العمل إلى العلم. # (وقد دل على هذا المعنى) أي على ما ادعينا من أن الفقه عبارة عن إتقان ~~المعرفة بالشيء مع العمل به. PageV01P170 # (والحكمة): صواب كاري كردن دركردار ودر كفتار. # وقيل: الحكمة: هي العلم مع العمل؛ لأنه إنما يسمى الفعل حكمة إذا كان ذلك ~~الفعل عن علم، ثم إنما يسمى الرجل العالم حكيما إذا عمل بما علم؛ لأنه إذا ~~لم يعمل بعلمه كان سفيها لا حكيما. والتنكير في قوله: {فقد أوتي خيرا ~~كثيرا} تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتي خير كثير. يعني هو غاية في الخيرية ~~والكثرة، كما تقول: مررت برجل أي رجل. أي كامل في الرجولية. # (وقد فسر ابن عباس -رضي الله عنهما- الحكمة في القرآن بعلم الحلال ~~والحرام). فتفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- جنس الحكمة المذكورة في PageV01P171 # القرآن بعلم الحلال والحرام لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون العمل ~~مقرونا بذلك العلم، أو يكون المراد منه مجرد العلم بدون العمل، والثاني ~~منتف بقرينة الخير الكثير، فإن ذلك عبارة عن حفظ النفس عن الآفات في ~~الدنيا، ودفع العقوبات في العقبى، ولن يكون العلم كذلك إلا بالعمل به؛ ~~فلذلك كانت الحكمة متضمنة لهذا العلم مع العمل، فحصل من هذا أن تفسير ابن ~~عباس -رضي الله عنهما- الحكمة بعلم الحلال والحرام، والفقه عبارتان عن معبر ~~واحد؛ فلذلك كان تفسير الحكمة بهذا تفسيرا للفقه أيضا. # أو نقول: فيتفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- للمحكمة: يعلم العلم؛ لأنه ~~فسر الحكمة أولا بعلم الحلال والحرام، وبتفسير أهل اللغة الحكمة: يعلم ~~العمل، ثم فسر ابن عباس ثانيا الحكمة بالفقه، فبمجموع هذين التفسيرين يعلم ~~أن الفقه عبارة عن العلم مع العمل؛ لأن ابن عباس -رضي الله عنهما- جعل ~~الفقه تفسير الحكمة، وهي عبارة عن العلم مع العمل، فكان تفسيره أيضا كذلك، ~~وغلا لا يكون تفسيرا له. وكان شيخي -رحمه الله- يقول: الفقه من له رواية، ~~ودراية، وعمل. PageV01P172 # وقوله: {بالحكمة ms012 والموعظة الحسنة}. قيد الموعظة بالحسنة دون الحكمة؛ لأن ~~الحكمة حسنة أينما كانت، وإلا لا تكون حكمة. # وأما الموعظة فقبيحة في غير موضعها. # (قال الشاعر) وهو رؤبة، ونسب هذا القول في ((أساس البلاغة)) إلى عطاء ~~السندي، وقال فيه: (أرسلت فيها مقرما ذا تشمام). PageV01P173 # (أرسلت فيها) أي في النوق. (قرما) أي فحلا، فإن القرم: البعير المكرم ~~الذي لا يحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، ومنه قيل للسيد: قرم. # (ذا إقحام): در اوردن جيزي در جيزي بعنف. # (طبا) أي فحلا ماهرا بالضراب الضراب: كشتي كردن شتر. # (بذوات الأبلام): الأبلام -بفتح الهمزة-: جمع بلمة بتحريك اللام، يقال: ~~ناقة بها بلمة شديدة إذا اشتدت ضبعتها. الضبعة -بقتح الباء-: بكشتي آمدن ~~شتر. يقال: أبلمت الناقة إذا ورم محياؤها من شدة الضبعة، ورأيت شفتيه ~~مبلميتين إذا ورمتا. # فوجه التمسك بهذا البيت هو أنه وصف القرم أولا بالإقحام وهو عبارة عن ~~العمل، وبالطب ثانيا، وهو عبارة عن العلم، ثم أطلق عليه اسم الفقه، فعلم ~~بهذا أن الفقه عبارة عن العلم والعمل به لغة. # فإن قيل: فعل الإرسال يتعدى إلى المفعول الثاني بكلمة ((إلى)) كما في PageV01P174 # قوله تعالى: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه} وقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ~~ألف أو يزيدون} فكيف عدي هاهنا بكلمة في؟ # قلت: ذكر ((في)) هاهنا ليس لبيان التعدية إلى المفعول الثاني، بل لإعلام ~~المحل وبيان كون النوق موضعا للإرسال، كما في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا ~~فيهم منذرين}. # (فمن حوى هذه الجملة كان فقيها مطلقا)، وهو المراد بقوله عليه السلام: ~~((ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)). # {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} جرابيرون نمي آيد ازهر كروهي يك كس. ~~قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الطائفة تقع على الواحد PageV01P175 # فصاعدا، أي فلولا نفر من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة، وللآية تأويلان: # أحدهما: أن النبي -عليه السلام- إذا خرج للغزو كان المسلمون كلهم يرغبون ~~في الخروج معه، فورد النهي عن الخروج جملة حفظا لأهاليهم عن العدو؛ لأن ~~العدو عسى أن يسبي أهاليهم عند ms013 غيبيتهم ويأخذ أموالهم. # والثاني: أن النبي -عليه السلام- إذا قعد في المدينة وبعث السرايا إلى ~~الآفاق كان يرغب المسلمون في الخروج مع السرايا جملة، فورد النهي عنه؛ ~~لأنهم إذا خرجوا جملة لو نزل على رسول الله -عليه السلام- شيء من الحكام لم ~~يكن معه أحد يبلغه هو إلى من غاب وخرج إلى الغزو، فأمر بأن ينفر طائفة ~~ويبقى طائفة؛ ليبلغ الشاهد الغائب ما نزل إليهم من القرآن. # فإن قيل: في هذه الآية نهى الكل عن أن ينفروا مع رسول الله -عليه السلام- ~~إلى الجهاد على ما ذكر في التأويل الأول، وأمر في الآية الأخرى بنفر الكل ~~بقوله: {انفروا خفافا وثقالا} وقال: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله}، وقال: {فانفروا ثبات أو انفروا جميعا}. # قلنا: الجواب عنه من وجوه: PageV01P176 # أحدها: أن هذه الآية نسخت الآيات التي توجب الخروج جملة. # والثاني: أمروا بنفر الكل عند قلة المؤمنين، فلما كثر المسلمون أمروا ~~بنفر البعض دون البعض. # والثالث: أمروا بنفر الكل عند النفير، وأمروا بنفر البعض دون البعض في ~~غير حال النفير. # (والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل)، فهذا دليل على أن الفقه العلم ~~والعمل؛ لأنه إنما يدعو الخلق بما عنده؛ حتى لا يصير من الذين يقولون ما لا ~~يفعلون، ولا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم مندوبون إلى ~~الإنذار، وإنما يكون مندوبا إذا عمل بما علم. # ((إذا فقهوا)) فقه من باب شرف للطبع، يقال: كرم الرجل إذا كان الكرم ~~طبيعة له، وهنا أيضا إنما يقال: فقه إذا صار الفقه طبيعة له وفقه من PageV01P177 # باب علم، وذلك لا يكون للطبع، بل يقع ذلك أحيانا، كما أن بخل كذلك، أي لا ~~يكون للطبع، بل يكون أحيانا كما قال الشاعر: # ولربما بخل الجواد وما به ... بخل ولكن ذاك نحس الطالب # ولربما جاد البخيل وما به ... جود ولكن ذاك سعد الطالب # (هم السابقون في هذا الباب) أي لم يتقدمهم أحد في باب الفقه والاجتهاد ~~الذي هو بذل المجهود. (ولهم الرتبة العليا ms014 والدرجة القصوى) # فالعليا: تأنيث الأعلى، والقصوى: تأنيث الأقصى وهو الأبعد. # فإن قلت: من أين وقعت المفارقة بين العليا والقصوى بالياء والواو مع أن ~~كلا منهما فعلى -بضم الفاء-، وكل منهما واوي؛ لأنهما من علوت وقصوت؟ # قلت: العليا جاءت على الأصل الذي اقتضته العربية دون القصوى، فإنها جاءت ~~شاذة بالواو، وذلك أن الكلمة إذا ثنيت على فعلى -بضم الفاء- وهي من بنات ~~الواو تقلب واوها ياء في الاسم كما في الدنيا، ولا تقلب PageV01P178 # ياء في الصفة، بل يبقى على أصلها واوية كما في الغزوي تأنيث الأغزي. # وإنما فعلوا هكذا للفرق بين الاسم والصفة، وتخصيص الياء بالاسم حملا ~~للأخف على الأخف، فعلى هذا لكان من حق القصوى أن يقال: القصيا في جميع ~~اللغات كما جاء في بعض اللغات القصيا أيضا؛ لأنها عوملت معاملة الاسم ~~كالدنيا، فكانت هي شاذة في ورودها بالواو، وفيها وجيه أيضا في ورودها ~~بالواو مع ذلك، وهو أن القصوى قد تستعمل مع الموصوف نحو قولك: الغاية ~~القصوى، فكان فيها معنى الصفة باقية؛ فلذلك جاز بالواو، وحق هذا الكلام ~~مقضي مع ما يناسبه ويواخيه في ((الموصل في شرح المفصل)). # (وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة). الرباني: مرد عالم وخداى شناس. ~~منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للتأكيد كالحياني، والنوراني، ~~والرقياني -بفتح الراء -والقياس فيه ربي، وأما كسرها وضمها فمن تغييرات النسب. # وقيل في تفسيره: إنه يعلم صغار العلم قبل كباره. # (القدوة) بمعنى الاقتداء، كالأسوة بمعنى الائتساء وزنا ومعنى. ثم معنى ~~قوله: (وملازمة القدوة) أي أنهم يأخذون الأحكام من الكتاب أولا ثم من ~~الأحاديث، ثم من الإجماع، ثم من قول الصحابة، ثم يستعملون الرأي على ترتيب ~~الفروع على الأصول، ولا يحطون رتبة النصوص عن منزلتها ولا يرفعونها عن ~~منزلتها أيضا. PageV01P179 # (وهم أصحاب الحديث والرأي). يقال: رأي رأيا: بدل ديد، ورأي رؤيا: بخواب ~~ديد، ورأي رؤية: بجشم ديد. # (فقد سلم لهم العلماء)، فروي أن الشافعي قال: الناس كلهم عيال على أبي ~~حنيفة -رضي الله عنه- في الفقه. وبلغ ابن سريج وكان مقدما PageV01P180 # من أصحاب ms015 الشافعي -رحمه الله- أن رجلا يقع في أبي حنيفة -رحمة الله عليه- ~~فدعاه فقال: يا هذا، أتقع في رجل سلم له جميع الأمة ثلاثة أرباع العلم، وهو ~~لا يسلم لهم الربع .... إلى آخره. كذا في ((المبسوط)). # (المراسيل): جمع مرسل وهو المطلق، ففي الحديث: هو الذي أطلق عن ذكر ~~الإسناد؛ أي لم يذكر فيه الراوي الأعلى الذي سمعه من النبي عليه السلام ~~فالسنة أعم من الحديث؛ لأن السنة تتناول القول والفعل. PageV01P181 # والحديث لا يتناول إلا القول، فجمع بينهما في قوله: (تمسكا بالسنة ~~والحديث) لئلا يتوهم أنه من هذا العموم يريد الخصوص، فلذلك ذكر الخصوص بعد ~~العموم. # (وعمل بالفروع بتعطيل الأصول) أي عمل بالرأي وهو القياس مع تعطيل الأصول ~~وهي المراسيل من السنة أصل والرأي فرع، ومن شرط صحة العمل بالفرع أن يكون ~~مقرر للأصل لا معطلا له. # (وقدموا رواية المجهول) المراد من المجهول هو المجهول في الرواية بأن لم ~~يعرف في رواية الحديث إلا بحديث أو حديثين. # وذكر في ((شمائل النبي عليه السلام)): أن أبن أبي طارق لم يرو إلا حديثا ~~واحدا. وكذلك حطان السدي. وذكر في الكتاب من جملتهم PageV01P182 # معقل بن سنان. # فكان معنى قوله: ((وقدموا رواية المجهول على القياس))، أي قدم أصحابنا ~~رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في قدم أصحابنا ~~رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في وجوب مهر المثل ~~في مسألة المفوضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول على القياس، وهي في حديث ~~بروع بنت واشق الأشجعية على ما يأتي بيانه في باب خبر الواحد في السنة -إن ~~شاء الله تعالى-. # (وقدموا قول الصحابي) لاحتمال أنه من الرسول، وهو قول أبي سعيد البردعي ~~-رحمه الله- وهو الأصح، وذلك مثل عمل أصحابنا في إفساد PageV01P183 # شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن بقوله عائشة -رضي الله عنها- ~~وهذا فيما لا يدرك بالقياس باتفاق بين أصحابنا. # وأما فيما يدرك بالقياس فقد خالف الكرخي أبا سعيد فقال: لا يجب تقليد ~~الصحابي إلا فيما لا يدرك ms016 بالقياس. PageV01P184 # وقال الشافعي: لا يقلد أحد منهم. # وقوله: (لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم الرأي إلا بالحديث). # قال على -رضي الله عنه-: ((العلم نوعان: مسموع ومطبوع، ولا ينفع مسموع ~~إذا لم يكن مطبوعا)). فمعنى قوله: ((لا يستقيم الحديث إلا بالرأي))، أي لا ~~يستقيم العمل بالحديث إلا بمعنى فقهي، ونظير ذلك ما لو سئل واحد: أن صبيين ~~لو اجتمعا في شرب لبن شاة واحدة، هل يثبت بينهما حرمة الرضاع أم لا؟ # فقال: نعم، نظرا إلى ظاهر قوله -عليه السلام-: ((كل صبيين اجتمعا PageV01P185 # على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر)). وهذا ليس بمذهب لأحد، وإنما وقع في ~~هذا صاحب الحديث لعدم رأيه. # وكذلك لا يستقيم الرأي بدون الحديث، فنظير ذلك ما لو سئل واحد أن التقيؤ ~~هل هو مفسد للصوم أم لا؟ # فقال: لا. لما أن الشيء إنما ينتفي بوجود منافيه، والتقيؤ ليس بمناف ~~للصوم؛ لأن الصوم: عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع مع شرائطه، ولم ~~يوجد واحد من هذه الأشياء، فلم يفسد الصوم؛ وهذا لأن الأكل شغل الباطن، ~~وهذا تفريغ الباطن، فكان هذا ملائما للصوم لا منافيا، وهذا الرأي صحيح في ~~نفسه إلا أنه خلاف النص، وهو قوله عليه السلام: ((من استقاء فعليه ~~القضاء)). # فعلم أن العمل بالحديث لا يحسن بدون الرأي، ولا العمل بالرأي بدون معرفة ~~الحديث. # فإن قلت: ظاهر قوله: ((لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم PageV01P186 # الرأي إلا بالحديث)) يقتضي الدور وهو ظاهر، وكل شيء كان مبناه على الدور ~~فهو لا يوجد أصلا؛ لتوقف وجود كل واحد منهما على وجود صاحبه، فحينئذ لا ~~يوجد الحديث ولا الرأي، والكلام سيق لترغيب الطلبة إلى تحصيلهما جميعا، وفي ~~هذا الذي ذكره لا يوجد واحد منهما، فكيف يوجدان هما جميعا؟! فما وجهه؟ # قلت: وجهه هو أن المراد من هذا الكلام اجتمعهما كما في العلة ذات وصفين ~~من القرابة والملك في العتق، فإن القرابة هناك لا تعمل بدون الملك ولا ~~الملك بدون القرابة، فكان المراد منه اجتماعهما في حق العتق، فكذا ms017 هنا ~~المراد منه في حق اجتهاد المجتهد اجتماع استقامة الحديث والرأي. لا أن كان ~~كل واحد منهما موقوفا على وجود الآخر. # أو نقول: هو أن فيه نفي استقامة كل واحد منهما بدون استقامة الآخر لا ~~وجودهما، واستقامة الشيء عبارة عن العمل به على وجه الصواب، والعمل بكل ~~واحد منهما مغاير للعمل بالآخر، فكان أصل وجود كل واحد منهما غير مفتقر إلى ~~الآخر، فحينئذ لا يتنافيان في وجود استقامتهما، فإن معناه: لا يستقيم العمل ~~بالحديث إلا بالعمل بالرأي على وجه الصواب، ولا يستقيم العمل بالرأي على ~~وجه الصواب إلا بعلم الحديث، فلا منافاة في PageV01P187 # هذا؛ لأنه يجوز أن يكون العلم بالحديث موجودا واستقامة العمل بالحديث لم ~~تكن موجودة. # فعلم بهذا أن وجود علم الحديث نفسه كان صحيحا بدون وجود الرأي؛ لما أن ~~هذا يتعلق بذاك بغير الوجه الذي يتعلق ذاك بهذا، وفي مثل هذا لا يتأتى ~~التنافي ولا الدور. ونظير هذا بعينه في صناعة النحو قوله تعالى: {أيا ما ~~تدعوا} فإن قوله: {أيا} منصوب ب {تدعوا}، وقوله: {تدعوا} مجزوم ب # {أيا}. ومن حيث الظاهر ذاك أنفى من هذا؛ لأن في ذاك حال عمل هذا، في ذاك ~~عمل ذاك في هذا، فكان هذا عاملا فيه حال كونه معمولا له، فالعمالية تقتضي ~~النقد، والمعملية تقتضي التأخر الشيء الواحد بالنسبة إلى غيره لا يكون ~~متقدما عليه ومتأخرا عنه في حالة واحدة، ولكن عمل هذا في ذاك غير عمل ذاك ~~في هذا؛ فإن عمل هذا في ذاك باعتبار الشرطية، وعمل ذاك في هذا باعتبار ~~المفعولة، والمفعولة غير الشرطية، فلا يتنافيان في الوجود، وإن كان اقتضاء ~~التقدم والتأخر لكل واحد منهما موجبا للتنافي، وهذا واضح بحمد الله تعالى. # وكان شيخي- رحمه الله- يقول: وإن كان كل واحد منهما محتاجا إلى الأخر، ~~لكن الاكتفاء بالرأي أكثر صورا من الاكتفاء بالحديث. # ألا ترى أن الضلال الذين ضلوا بسبب الاكتفاء بالرأي من الفلاسفة PageV01P188 # وغيرهم أكثر من الذين اكتفوا بمجرد ظاهر الحديث. # (وملأ كتبه) أي محمد- رحمة الله- # (ومن استراح) أي اكتفى وطلب راحة ms018 نفسه عن مشقة طلب المعاني (بظاهر ~~الحديث)، فإن قولك: استراح الرجل من الراحة، وفي الصادر: الاستراحة: بر أسودن. # (النكول): ازدشمن ياأز سوكند باز استأذن من حد نصر .. # (لبيان النصوص بمعانيها) أي مع معانيها بأن يبين معنى الخاص والعام ~~وغيرهما إلى الأقسام الثمانين. # (وتعريف الأصول بفروعها) أي مع فروعها بأن يعرف أن معنى النص هذا أي ~~الوصف المؤثر في هذا النص هذا، وهذا الوصف المؤثر موجود في ذلك الفرع، فيجب ~~أن يثبت مثل ذلك الحكم في الفرع، كما تقول في قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم ~~من الغائط} أن المعنى المؤثر الذي هو مناط الحكم في النص خروج النجاسة من ~~بدن الإنسان؛ لأن انتقاض الطهارة PageV01P189 # المستفاد من هذا النص لم يخل إما أن كان متعلقا بالخارج المخصوص أو ~~بالمخرج المخصوص أو بهما جميعا فلا جائز أن يكون متعلقا بالخارج المخصوص ~~وهو البول والغائط لانتقاض الطهارة بخروج الدم منه ولا جائز بالمخرج ~~المخصوص للزوم انتقاض الطهارة أبدا، أو لعدم حصول الطهارة أبدا لوجود ~~المنافي للطهارة، ولا جائز أن يتعلق الانتقاض بهما جميعا لانتقاض طهارة من ~~طعن تحت سرته وخرجت العذرة منه عند الخصم أيضا مع انعدام مقاربة بين الخارج ~~المخصوص والمخرج المخصوص. # فعلم بهذا انتقاض الطهارة فيما إذا خرج البول أو الغائط من السبيلين ~~لوجود خروج النجاسة من بدن الإنسان، وفي هذا لا يتفاوت ما إذا خرج الدم من ~~غير السبيلين بسبب الفصد أو الحجامة أو غيرهما، وأما إذا خرج الدم من ~~السبيلين فتنتفض الطهارة في القصد والحجامة كما تنتقض الطهارة فيما إذا ~~خرجت النجاسة من السبيلين. # (التوكل): إظهار العجز، والاعتماد على غيرك، والاسم التكلان. # أناب إلى الله أقبل عليه بوجهه. كذا في الصحاح. PageV01P190 # (والأصل الرابع هو القياس). والقياس أصل بالنسبة إلى الأحكام التي لا ~~توجد في الكتاب والسنة والإجماع نصا، ولكن مع ذلك إنه فرع لهذه الأصول ~~الثلاثة؛ لأنه مستخرج عنها، وهذا لأن القياس لم يكن لإثبات الحكم ابتداء، ~~بل القياس هو إبانة حكم أحد المذكورين بمثل علته في الأخر بالمعنى ms019 ~~المستنبط، فالقياس يشمل العقلي والشرعي، فلذلك قيد بقوله: (بالمعنى ~~المستنبط)، حتى يخرج القياس العقلي من البين؛ لأن الذي نحن يصدده القياس ~~الشرعي. # نظيره ما قلنا في الجص والنورة: فإنا استنبطنا المعنى الذي في الأشياء ~~الستة هو القدر والجنس، ووجدناه فيهما فعدنياه إليهما، كما هو الحكم في ~~العلة المنصوص، وهي الطواف في الهرة، لما وجدناه علة متعدية إلى غيرها. وهو ~~سائر سواكن البيوت من الفارة والحية- عدنياه إلى غيرها، فأثبتنا فيه حكما ~~مثل الحكم الذي في الهرة. # وأما القياس العقلي فهو أن يقول: العالم متغير، وكل متغير حادث، فكان ~~العالم حادثا كما في سائر الحوادث المحسوس حدوثها من حدوث البناء PageV01P191 # والحركة والسكون، ثم نظير المستنبط من الكتاب فقولنا: إن اللوظة حرام ~~لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن}. والمعنى فيه أنه مخالط للأذى أي ~~النجاسة ومخالطة الأذى حرام لقوله تعالى: # {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}. وهذا المعنى ~~موجود في اللواط؛ لأن المعنى الداعي إلى حرمة القربان في حالة الحيض مخالطة ~~النجاسة، وهي موجودة في اللواط. وكذلك القول بوجوب العدة بثلاثة أقراء على ~~الحرة ذات الإقراء في فرقة بغير طلاق، كما في خيار البلوغ وخيار العناق، ~~مستنبط من قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}. للمعنى ~~الجامع بين الفرقة الثابتة بالطلاق، وبين الفرقة الثابتة بغير الطلاق، وهو ~~تعرف براءة الرحم في الفرقة الطارئة على النكاح بعد الدخول. # ونظير المستنبط من السنة هو ما ذكرنا أنفا من استنباط المعنى الذي في ~~الأشياء الستة في مسألة الربا، ونظيره أيضا قولنا: تجب الكفارة على المرأة ~~في الجماع؛ لما أن الكفارة على الرجل إنما تجب باعتبار كون الجماع جناية ~~على الصوم لا باعتبار نفس الجماع، وقد شاركت المرأة الرجل في هذا المعنى، ~~ولهذا فسد صومها. PageV01P192 # ونظير المستنبط من الإجماع هو ما ذكره في "المبسوط" في باب الحدث بقوله: ~~"إن قدم القوم رجلا- يعني فيما إذا أحدث الإمام- قبل خروج الإمام من المسجد ~~فصلاته وصلاتهم تامة؛ لأن تقديم القوام إياه كاستخلاف الإمام الأول، قياسا ~~على الإمامة ms020 العظمى؛ فإن ثم استخلاف أبي بكر. # رضي الله عنه- ثبت بالإجماع باستخلاف الناس لحاجاتهم إلى الإمام، فكذا ~~هاهنا يصح استخلاف القوم لحاجتهم إلى الإمام في أتمام صلاتهم، وكذلك عدم ~~جواز النكاح المؤقت بالقياس على نكاح المتعة. PageV01P193 # (الدليل الأول: الكتاب) # (المنقول عنه نقلا متواترا) هذا احتراز عن مثل قراءة عبد الله بن مسعود ~~وأبي- رضي الله عنهما- مثل قوله تعالى: {فاقطعوا أيمانهما} PageV01P194 # وغير ذلك مكتوب في مصحفهما، إلا أنه لم ينقل إلينا نقلا متواترا، فلذلك ~~لم يثبت كونه قرآنا، وقوله: (بلا شبهة) احترازا عن قول بعض العلماء الذي ~~جعل المشهور أحمد قسمي المتواتر، فتفسير المشهور والمتواتر بأتي في بابه إن ~~شاء الله تعالى. # (وهو الصحيح). قيل: لفظ الأصح يقتضي أن يكون غيره صحيحا، ولفظ يقتضي أن ~~يكون غيره غير صحيح. PageV01P195 # = أ- أن أبا حنيفة- رحمه الله- لم يجعل النظم ركنا لازما في حق جواز ~~الصلاة خاصة؛ لأنه لا يريد بالنظم إلا الإعجاز بل اعتبر المعنى، وأن حالة ~~الصلاة حالة المناجاة مع الله تعالى، والنظم العربي معجز بليغ، فلعله لا ~~يقدر عليه، أو لأنه أن اشتغل بالعربي ينتقل الذهن منه إلى حسن البلاغة ~~والبراعة ويلتذ بالأسجاع والفواصل، ولم يخلص الحضور مع الله تعالى، بل يكون ~~هذا النظم حجابا بينه وبين الله تعالى. # ب- وأن بناء النظم على التوسعة والتيسير في الصلاة وغيرها. أما في الصلاة ~~فلقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} إذا حمل على ظاهره. # ج- وذكر بعض المراجع دليلا آخر وهو: أن القرآن أنزل بلغه قريش؛ لأنها ~~أفصح اللغات، فلما تعسرت قراءته بتلك اللغة نزل التخفيف بدعاء النبي عليه ~~السلام، وإذن بتلاوته بسائر اللغات، وسقط وجوب رعاية تلك اللغة، واتسع ~~الأمر حتى جاز لكل فريق منهم أن يقرءوا بلغتهم ولغة غيرهم، فلما جاز للقرشي ~~أن يترك لغة نفسه ويقرأ بلغه بني تميم مع كمال قدرته على لغة نفسه جاز لغير ~~العربي ترك لغة العرب مع قصور قدرته عليها. # انظر: كشف الأسرار للبخاري 1/ 74 - 77، كشف الأسرار للنسفي 1/ 20، نور ~~الأنوار 1/ 20. # لكن الترخص كان في اللهجات دون اللغات؛ لآن لغة قريش ms021 وبني تميم و ... لغة ~~واحدة، واللهجات مختلفة، فالدليل الثالث ربما يكون في غير محله، وكذلك ~~الدليل الأول والثاني؛ لأن أبا حنيفة- رحمه الله- نفسه رجع عن قوله إلى قول ~~الصاحبين والجمهور كما ثبت ذلك عنه. حتى إن ابن العز شارح العقيدة الطحاوية ~~قال: "قال الشيخ حافظ الدين ألنسفي- رحمه الله- في المنار: إن القرآن اسم ~~للنظم والمعنى، وكذا قال غيره من أهل الأصول، وما ينسب إلى أبي حنيفة- رحمه ~~الله:- أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزاه، فقد رجع عنه، وقال: لا تجوز ~~القراءة مع القدرة بغير العربية، وقالوا: لو قرأ بغير العربية إما أن يكون ~~مجنونا فيداوي، أو زنديقا فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز ~~حصل ينظمه ومعناه، كما نقل الملا على القاري في شرح الفقه الأكبر نفس ~~العبارة من ابن أبي العز. # لكن راجعت المنار وبعض شروحه مثل: كشف الأسرار للنسفي، ونوار الأنوار ~~لملا جيون، وجامع الأسرار لمحمد بن محمد أحمد الكاكي فلم أقف عليها. وهذا = PageV01P196 # (في حق جواز الصلاة خاصة). # قال الشيخ الإمام جمال الدين المحبوبي- رحمة الله- في "شرح الجامع ~~الصغير" في باب تكبيرة الافتتاح: جواز الصلاة حكم يختص بقراءة القرآن، ~~فيتعلق بالمنزل على رسول الله عليه السلام- وهو النظم والمعنى- قياسا على ~~قراءة القرآن في حق الجنب والحائض. يعني أن حرمة التلاوة تتعلق بالنظم ~~والمعنى جميعا حتى لو قرأ الحائض أو الجنب بالفارسية جاز. # قال الإمام مولانا حميد الدين الضرير- رحمة الله: فبهذه الرواية تعرف ~~فائدة تقييد قوله في الكتاب: "في حق جواز الصلاة خاصة"، وإن كان فيه رواية ~~أخرى: أنها تحرم. ذكرها شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده. PageV01P197 # رحمة الله. # ولا يرد علينا وجوب سجدة التلاوة بالتلاوة بالفارسية؛ لأنها ملحقة ~~بالصلاة. # (ركنا زائدا يحتمل السقوط) أي في حق المكره الكامل إكراهه وفي حق من لم ~~يجد وقتا يتمكن فيه من الأداء وصدق بقلبه، وكان مختارا في ذلك بأن لم يكن ~~إيمانه إيمان البائس كان مؤمنا بالإجماع. # علم بهذا أنه كان يحتمل السقوط فكان زائدا في الركنية. # وأما من صدق بقلبه وترك البيان من عذر ms022 لم يكن مؤمنا، وهو مذهب الفقهاء ~~على ما يأتي ببيانه علم بهذا أنه ركن في أصله. # وقوله: (على ما يعرف في موضعه) أي في هذا الكتاب في موضعين: أحدهما- في ~~باب صفة الحسن للمأمور به. # والثاني- في باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط. أو أراد بقوله: في ~~موضعه أصول الكلام، فإن ذلك مستقصى فيه. PageV01P198 # (وإنما تعرف أحكام الشرع) أي الأحكام التي ثبتت بالقرآن (بمعرفة أحكام ~~النظم والمعنى)؛ لأن معرفتها بالكتاب وهو القرآن، والكتاب منقسم إلى هذه ~~الأقسام في حق الأحكام؛ فلذلك كانت معرفة تلك الأحكام مرتبة على معرفة ~~أقسام النظم والمعنى. # (وذلك أربعة أقسام) فوجه الانحصار هو أن يقول: إن أقسام نظم الكلام ~~ومعناه لا تخلو إما أن كانت بحسب المتكلم فلا تخلو إما أن تكون في المفرد ~~أو في المركب، فإن كانت في المفرد فهي القسم الأول، وإن كانت في المركب فلا ~~يخلو إما أن كانت للبيان أو لا، فإن كانت للبيان فلا يخلو إما أن كان كونها ~~بيانا لمعنى في ذاتها أو لمعنى في غيرها أقترن بها، فالأول القسم الثاني، ~~والثاني القسم الثالث. # وأما المركب الذي ليس هو للبيان فليس من بابنا، وإن كانت بحسب السامع فهو ~~القسم الرابع، وبهذا الانحصار يعلم أيضا أن أقسام النظم ثلاثة، وقسم المعنى ~~واحد وهو الذي يتعلق بالسامع، وإنما ذكرنا هذا الانحصار دون غيره؛ لأن ما ~~ذكرناه من الانحصار في هذا الموضع في "الوافي" غير متضح مثل اتضاح هذا. # (فيما يرجع إلى معرفة أحكام الشرع) إنما قيد بهذا؛ لأن فيه عبرا، وقصصا، ~~وأمثالا، وأخبار الأمم الماضية فيما لا يتعلق به حكم من أحكام الشرع من حيث ~~المعنى ظاهرا، فلم تكن هي فيما كان هو يصدده، ولذلك لم PageV01P199 # يكن الكلام فيها. # (القسم الأول- في وجوه النظم صيغة ولغة) إنما قدم هذا القسم؛ لأن ذلك من ~~قسم المفردات، والمفردات أبدا مقدمة على المركبات كمل في الحسيات، فإن ~~الواحد قبل الأتنين في الوجود، فكذا في ترتيب البيان طلبا للمناسبة بقدر ~~الإمكان، ثم الصيغة فعلة من الصوغ: زكي كدرن ms023 بمعني المفعول، يعني كيف وضع ~~اللفظ، ماض أو مستقبل، أو نهي، اسم أو فعل، فكانت الحروف الدالة عليه صيغة. # وأما اللغة فهي ما يفهم من مدلول أصل هذا التركيب الذي هو موجود في جميع ~~الصيغ كدلالة الضرب مثلا على مدلول، وهو إيقاع آلة التأديب في محل قابل ~~للتأديب، وذلك المدلول موجود في الألفاظ المشتقة من اللفظ الدال عليه من ~~الماضي والمستقبل وغيرهما، كجوهر الذهب مثلا في المصوغات المختلفة منه، فإن ~~معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات المختلفة منه، فإن ~~معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات منه كالسوار والخاتم ~~والتاج والخلخال والإبريق، فكذلك ها هنا معنى اللغة موجود في الصيغ ~~المختلفة الدالة عليه من الماضي والمستقبل وغيرهما أو نقول وهو الأرفق لمحل ~~الكلام: المراد من قوله: صيغة ولغة، هو أن يقال هذه الصيغة تدل على معنى ~~الخاص، وهذه الصيغة تدل PageV01P200 # على معنى العام، وكذا في المشترك والمؤول، ثم أعقبه القسم (الثاني) الذي ~~يتعلق بالبيان؛ لأنه من قبيل المركبات؛ لأن البيان يكون بالمركب لكن البيان ~~يحتمل التزايد، وهذا لأن الظاهر يحتمل المجاز فيزاد البيان فيه على وجه لا ~~يحتمله. كقوله: جاءني زيد. يحتمل مجئ خبره أو كتابه فيقطع ذلك الاحتمال ~~بالزيادة في البيان في البيان بقوله: نفسه، وهذا الظاهر المؤكد بالنفس لو ~~كان عاما يحتمل أن يراد به الخصوص فيزاد في البيان بما يقطع ذلك الاحتمال ~~وهو كلمة كل، ثم هو مع ذلك محتمل للبيان بزيادة الوضوح؛ لأنه يحتمل التفرق ~~فيزداد في البيان بما يقطع هذا الاحتمال بالجميع، فلذلك قال (في وجوه ~~البيان) بلفظ الجمع؛ لأن البيان له طرق. # والقسم الثالث أربعة أوجه أيضا: الحقيقة، والمجاز، والصريح، والكناية. ~~يعني أن استعمال هذه الألفاظ في باب البيان إما أن أريد بها ما وضع له هذا ~~اللفظ وهو الحقيقة، أو أريد بها غير ما وضع له هذا اللفظ لمناسبة بينهما ~~وهو المجاز، أو استعمل اللفظ في باب البيان مع كثرة الاستعمال ووضوح البيان ~~ظهورا بينا وهو الصريح حقيقة ms024 كان مجازا، أو استعمل مع استتار معناه وهو ~~الكناية حقيقة كان مجازا. # فالحاصل أن هذا القسم على وفق ما ذكرنا بأن القسم الثاني في نفس البيان. # (والقسم الثالث- في كيفية استعمال الألفاظ) في باب البيان. PageV01P201 # (والرابع- في معرفة وجوه الوقوف على المراد والمعنى) أي كيف يقف المجتهد ~~على ثبوت الحكم بطريق العبارة أو الإشارة على حسب الوسع والإمكان. قال علي- ~~رضي الله عنه: جميع العلم في القرآن، لكن تقاصر عنه إفهام الرجال. # يعني ومن يأخذ منه ما هو المقصود عنده إنما يأخذه بقدر وسعه وإمكانه. # وأما جميع العلوم الدينية فموجودة فيه، وعليه دل قوله تعالى: {ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين}، وقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ~~(وإنما تتحقق معرفة هذه الأقسام بأربعة أخرى في مقابلتها) وإنما ذكر ~~المقابل لهذا القسم دون القسم الأول والثالث؛ لأن الأقسام في دينك القسمين ~~بعضها يتضاد البعض؛ فإن الخصوص يتضاد العموم، والحقيقة تضاد المجاز، فلا ~~يحتاج إلى بيان القسم المقابل ليتضح المراد زيادة إيضاح، بخلاف PageV01P202 # أقسام القسم الثاني، فإن كلها للبيان والإظهار، ولا بضاد الإظهار بدليل ~~أن الأقوى في البيان في تلك الأقسام يتضمن الأدنى فيه، فإن النص يتضمن ~~الظاهر، والمفسر يتضمن النص، والمتضمن لا يكون مضادا للمتضمن. # (معرفة مواضعها) أي معناها من حيث اللغة (وترتيبها) أي ترتيب هذه الأقسام ~~عند التعارض، أي أيها يقدم وأيها يؤخر نحو: المحكم فإنه يقدم على المفسر، ~~والمفسر على النص، والنص على الظاهر. # (ومعانيها) أي معانيها شرعا، كما تقول في معنى الخاص والعام من حيث الحد ~~والحقيقة شرعا. # الخاص: هو كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد. # والعام: هو كل لفظ ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى. # (وأحكامها) أي الأحكام المطلوبة من هذه الأقسام من الحل والحرمة. # (وأصل الشرع هو الكتاب والسنة) وإنما خصهما بالذكر ها هنا مع أنه PageV01P203 # قال: أصول الشرع ثلاثة؛ لأن هذه الأقسام كلها تأتي في الكتاب والسنة دون ~~الإجماع، أو نقول: الإجماع يجوز أن يكون بناء عليهما ولا يجوز عكسه، فكانا ~~أصلين من ms025 كل وجه بخلاف الإجماع؛ فلذلك خصهما بالذكر. ### | AUTO [تعريف الخاص] # (أما الخاص: فكل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد) هذا حد صحيح جامع مانع ~~يدخل فيه خصوص الجنس والنوع والعين؛ لأن الإنسان معناه واحد على الانفراد، ~~وكذلك الرجل، وكذلك العين. إلا أن خصوص العين واحد على وجه لا يشارك في ~~مفهومه شيء ولا كذلك الإنسان والرجل، فإن في مفهومها شركة، فصار خصوص العين ~~مغايرا لهما مغايرة قوية، فأفرده بالذكر لا أنه غير داخل في الحد، والصحيح ~~ما ذكرناه في PageV01P204 # "الوافي"، والحد الجامع لأنواع الخصوص هو ما ذكره بعد هذا يقوله: (فصار ~~الخصوص عبارة عما يوجب الانفراد ويقطع الشركة)، وقوله ها هنا: " ويقطع ~~الشركة" وقوله فيما قبله: وانقطاع المشاركة" بعد قوله: "على الانفراد" ~~تصريح بلازم ما ذكر قبله. لا أن يكون ذلك محتاجا إليه في الحد؛ لما أن ~~اللفظ لما كان موضوعا لمعنى واحد على الانفراد يلزم منه انقطاع المشاركة لا ~~محالة، ومع ذلك كان ذكره لتصريح لازمه المذكور قبله لا من تتمه الحد؛ لأنه ~~غير محتاج إليه فيه. PageV01P205 ### | AUTO [تعريف العام] # (ثم العام بعده) إنما قال بعده؛ لأن الخاص بمنزلة الجزء، والعام بمنزلة ~~الكل، فيكون الجزء مقدما على الكل في الوجود، فكذا في الترتيب في الذكر، ~~(ومعنى قولنا: من الأسماء يعني من المسميات)، وبهذا يحترز عن التسميات؛ لأن ~~التسميات غير المسميات بالإجماع، وبقوله: (هنا) يحترز عن قولنا: إن لله ~~تعالى أسماء الحسنى، فإن المراد منها التسميات لا المسميات، فإن الله تعالى ~~غير متعدد، بل تسميته بالأسماء متعدد، وكذلك في قول الله تعالى: {ولله ~~الأسماء الحسنى} # وقوله: (وهو تفسير الانتظام) إنما ذكر هذا؛ لئلا يظن أنه من تتمة PageV01P206 # الحد، ولا يستقيم ذكر كلمة "أو" في ذكر الحد؛ لأنها وضعت لتناول أحد ~~المذكورين، فإن دخلت في الخبر أفضت إلى الشك، ومقام ذكر الحد مقام الخبر، ~~والحد وضع لتعريف الماهية بدون الشك، فكان موضوع الحد على خلاف موضوع كلمة ~~"أو" فلذلك لم يستقم ذكرها في موضع ذكر الحد. # أو نقول: تستعمل هي لتقسيم ms026 الأفراد، والتقسيم أيضا ضد التحديد على ما هو ~~المعروف، فلا يليق ذكرها في موضع الحد. # وقوله: (ونحوهما) كقوم، ورهط. # (انتهت إلى صفة العمومة) يعني أن الأول الزوجية كما كان لأدم عليه ~~السلام، ثم قرابة الأبوة والنبوة، ثم قرابة العمومة، ثم حل النكاح بعدها، ~~فكانت القرابة المحرمة للنكاح منتهية إلى صفة العمومة. # فإن قلت: في هذا سؤالان: أحدهما: لا نسلم أن العمومة منتهى القرابات، بل ~~أولاد الأعمام أيضا من الأقرباء، ولئن سلمنا أن المراد منه القرابة المقيدة ~~بالحرمية لا نسلم تعين العمومة حينئذ لذلك، وهو السؤال PageV01P207 # الثاني، فإن القرابة المقيدة بالحرمية كما تنتهي بالعمومية فكذلك تنتهي ~~بالخؤولة، فلما تكن العمومية مستعينة في ذلك كيف قال: "انتهت إلى صفة ~~العمومة"؟ # قلت: المراد من قوله: "والقرابة إذا توسعت انتهت إلى صفة العمومة القرابة ~~المحرمة للنكاح على ما ذكرنا، فلا يدخل حينئذ في هذا أولاد الأعمام. # وأما ما ذكرته أن أولاد الأعمام من الأقرباء أيضا، فقلنا: لا نسلم ذلك ~~شرعا بدليل أن من أوصى لأقاربه فهي للأقارب من ذي رحم محرم منه، ولا يدخل ~~فيه غير المحرم- أي على قول أبي حنيفة- رحمة الله. # فعلم بهذا أن القرابة مقيدة في الشرع بالمحرم من الأقارب. # وأما اختيار العمومة دون الخؤولة في حق انتهاء القرابة مع أنهما مستويتان ~~في المحرمية؛ فلكون العمومة من أنساب الآباء. والاعتبار في النسب لجانب ~~الآباء لما عرف في تقدير مهر المثل أن المعتبر فيه جانب الآباء لذلك. # (وهو كالشيء اسم عام)، ولا يقال: إن العام يتناول أفرادا متفقة الحدود، ~~وليس كل الأشياء متفقة الحدود بل فيها المتغايرات والمتضادات كالعرض، ~~والجوهر، والحركة، والسكون، والحيوان، والجماد، فكان كل واحد منها مخالفا ~~للأخر حدا وحقيقة، فكيف يكون اسم الشيء عاما؟ PageV01P208 # لأنا نقول: إن كل الأشياء متفقة الحدود باعتبار قيام معنى الشيئية وهو ~~الوجود في الجميع، فإن اسم الشيء يتناول الجوهر باعتبار الوجود لا باعتبار ~~الجوهرية، فحينئذ كان متناولا للعرض أيضا؛ لأن العرض موجود، فكذلك سائر ~~الأشياء موجودة، وإن كانت مختلفة في حقيقتها فيتناولها اسم الشيء على ms027 وجه ~~العموم لاتحاد كلها في معنى الوجود، فكانت أفرادها متفقة الحدود؛ لأن معنى ~~الوجود موجود في كل الأشياء، غير إن اسم الشيء كما يطلق على المخلوقات يطلق ~~على ذات القديم لما عرف إلا أنه يطلق على المخلوقات بمعنى المشي، ويطلق على ~~الله تعالى بمعنى الشائي؛ لأنه مصدر بصيغته، يقال شاء يشاء شياء ومشيئة، ~~والمصدر يقع إطلاقه على اسم الفاعل، وعلى اسم المفعول. # (وهذا سهو منه أو مؤول؛ لأن المعاني لا تتعدد)، وهذا التعليل تعليل PageV01P209 # لقوله: "سهو" يعني أن المعاني لا تتعدد إلا عند اختلاف تلك المعاني كما ~~في أفراد المشترك؛ وهذا لأن أفراد المعنى الواحد وإن كانت كثيرة لا تكون ~~معاني، كالعلم مثلا، فإنه معنى واحد هو كونه نافيا للجهل، والظن، والشك عمن ~~قام هو به، وهذا معنى واحد، وإن كان له أفراد من علم الكلام، والفقه، ~~والنحو، وغيرها. # فإن قيل: لفظ العرض يتناول الحركة، والسكون، والبياض، والسواد، وغير ذلك، ~~وإنها معان، فعلى هذا يصح قوله: "أو المعاني"، قلنا: لفظ العرض لا يتناولها ~~باعتبار كونها معاني، بل باعتبار معنى واحد، وهو معنى العرضية؛ لأن في الكل ~~معنى العرض قائم. # (وتأويله أن المعنى الواحد لما تعدد محالة سمى معاني مجازا) باعتبار تعدد ~~المحال، فكأنه أراد من المعاني محال المعاني بطريق المجاز، لما أن إطلاق ~~اسم الحال على المحل جائز مجازا، كما في قوله تعالى: {خذوا زينتكم} أي خذوا ~~ثيابكم، ففيه إطلاق اسم الحال على المحل؛ لأن محل الزينة الثوب كما جاز ~~عكسه، وهو في قوله تعالى: {عند كل مسجد} أي عند كل صلاة، والمسجد محل ~~الصلاة (لكن كان ينبغي أن يقول: والمعاني)؛ لأن المعاني حينئذ كانت معاني ~~تلك الأسماء التي قال: ما ينتظم جمعا من الأسماء". PageV01P210 # ومعاني تلك الأسماء بحسب اختلاف المحل صارت كأنها جمع، ولكن لما لم تنفك ~~تلك المعاني عن تلك الأسماء كان حقها أن يقال: والمعاني؛ لأن هذه المعاني ~~ليست غير معاني تلك الأسماء، والواو للجمع، فلما لم تنفك معاني تلك الأسماء ~~عن تلك الأسماء كان جمعا بينهما، ms028 فكان حقها أن تذكر بالواو، وفي كلمة أو ~~دلالة انفكاك المعاني عن أساميها، فلا يصح استعمال أو لذلك. (والصحيح أنه ~~سهو)؛ لأن في التأويل تغيير كلمة "أو" على ما ذكرنا. ### | AUTO [تعريف المشترك] # (وأما المشترك) أي المشترك فيه، وهو أن يشترك مثلا لفظ الشمس، ولفظ ~~الينبوع، ولفظ الذهب في لفظ العين، فكانت هذه الألفاظ مشتركة ولفظ العين ~~مشتركا فيه، ثم اشتراك الأسامي في العين هو أن يقال: إن العين PageV01P211 # إن كانت موضوعة لأسم الشمس ولأسم الينبوع ولأسم الذهب كان نظير اشتراك ~~الأسامي، وإن كانت موضوعة لمعاني هذه الأسامي كان ذلك نظير اشتراك المعاني، ~~هذا قول قيل به. # وأما الأوجه والأولى فهو أن يقال: المراد من اشتراك المعاني هو اشتراك ~~الصفات والأفعال، مثل البائن حيث يشترك فيه البينونة والبيان والبين، وقد ~~صرح به الإمام الأرسابندي- رحمه الله- في"مختصر التقويم". # أو نقول: إن قوله: أنت بائن. يحتمل الصفات المختلفة، فإن كل واحد منها ~~معنى من المعاني، وهي، البينونة من النكاح، والخيرات، والسرور، والأفعال ~~الحميدة، والأفعال الذميمة، وغير ذلك، وكذلك النهل اشترك فيه الري والعطش، ~~فكان فيه اشتراك المعاني، وإنما قلنا هذا أولى مما ذكر أولا استدلالا ~~بتصريح الإمام الأرسابندي بهذا، وإشارة الإمام السر خسي. رحمهما الله. ~~إليه، ولأن الاشتراك في الوجه الأول كان اشتراكا في الأسامي لا غير، وذلك ~~لأن لفظ الشمس مع معناها الذي هو لفظ: أفتاب ولفظ: كن بمنزلة الأسماء ~~المترادفة. # فقلنا: بأن هذا الذي ذكرناه ثانيا أولى ليبقى اسم المعنى على حقيقته؛ لأن ~~اسم المعنى إنما يطلق على الاسم الذي ليس لمسماه جثة وهذا كذلك، فكان هذا ~~أولى. PageV01P212 # وقوله: (والقرء من الأسماء) إنما قال: من الأسماء؛ احترازا عن القرء الذي ~~هو مصدر؛ لأن ذلك ليس بمشترك، بل هو موضوع للجمع، وكذلك الفعل المشتق منه ~~ليس بمشترك، يقال: ما قرأت الناقة سلا قرء قط. أي لم تجمع في رحمها ولدا ~~جمعا، وقال الشاعر: # هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي لم تجمع جنينا، والهجان من الإبل: البيض، ويستوي فيه المذكر والمؤنث ~~والجمع، يقال: ms029 بعير هجان، وناقة هجان. # (ولا عموم لهذا اللفظ) أب للفظ المشترك قيل هذا في موضع الإثبات. PageV01P213 # ........................................ PageV01P214 # كما في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} # وأما في موضع النفي فله عموم، كما في قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم} فالنهي واقع على العقد والوطء ولفظ النكاح مشترك بينهما، وكذلك لو ~~حلف لا يكلم مولى فلان. يقع على ناصر فلان، ومعتقه، ومعتقه، وابن عمه. # وقيل: ذلك لا عموم في النفي أيضا، بل لعدم رجحان أحدهما على الأخر. # وأما في موضع الإثبات فلا كلام فيه أنه لا عموم له؛ لأن اللفظ بمنزلة ~~الكسوة والمعنى بمنزلة المكتسي، ولا يمكن أن يكتسي الشخصان كسوة واحدة في ~~زمان واحد. # أو نقول: اللفظ بمنزلة القالب، والمعنى بمنزلة اللبن فيه، ولا يمكن يضرب ~~أللبنان بملبن واحد. # أو نقول: اللفظ بمنزلة الراكب، والمعنى بمنزلة المركب، ولهذا يقال: PageV01P215 # الأسماء المترادفة، وهي تنبئ عن أن يكون اللفظ راكبا؛ لأن الرديف ما يردف ~~الراكب والشخص الواحد لا يركب من مركبين دفعه واحده، فكذلك ها هنا لا يجوز ~~أن يراد بلفظ واحد معنيان مختلفان بدفعة واحدة، بخلاف العام؛ لأن كل أفراد ~~العام بمنزلة مكتس واحد، ولبنة واحدة، ومركب واحد، فكان اللفظ واحدا ~~والمعنى واحدا فيجوز. # قوله: (يرجحان بعض وجوهه) ما قلنا في قوله تعالى: {ثلاثة قروء} # يرجح بعض وجوهه وهو الحيض بالتأمل في لفظه؛ لأن القرء في الأصل هو الجمع، ~~وذلك إنما يتأتى حقيقة في الدم؛ لأنه هو المجتمع في الرحم، وباقي لتقرير ~~ينظر في "الوافي". PageV01P216 # وقوله: (أما المجمل) فذكر المجمل ها هنا وقع اتفاقا لا قصدا، بل وقع ذلك ~~لإتمام بيان المشترك. # ألا ترى أن يذكر تفسير المجمل بعد هذا أيضا (فما لا يدرك لغة المعنى زائد ~~ثبت شرعا) كالصلاة والزكاة والربا وغير ذلك، فإنه زيد على المعاني اللغوية ~~في هذه الألفاظ في الشرع شيء أخر، فإن الصلاة لغة: عبارة عن الدعاء، ~~والزكاة: عن الطهارة، والربا: عن الزيادة، ثم نفس الدعاء والطهارة والزيادة ~~غير مراده ها هنا، بل المراد منها ms030 هذه المعاني مع شيء أخر زيد عليها شرعا ~~لا يدرك ذلك الشيء لغة. # ألا ترى أن الربا في اللغة: عبارة عن الزيادة، ونفس الزيادة غير مراده ~~بقوله تعالى: {وحرم الربا} فإن البيع ما وضع إلا للاستثمار وزيادة المال، ~~علم أن المراد منه الزيادة المكيفة، وذلك لا يدرك لغة. # (أو لانسداد باب الترجيح لغة) مثل قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم PageV01P217 # حصاده} فإن الحق مجمل لا يدري أنه خمس أو عشر أو غير ذلك، وكذلك إذا أوصى ~~رجل بثلث ماله لمواليه وله معتقون ومعتقون وأبناء العم وأنصار، فإنه مجمل ~~يرجع فيه إلى بيانه، فإن مات بطلت الوصية؛ لفوات البيان وإنما كان كذلك؛ ~~لأنه ليس فيه دلالة على أن المراد من هو؟ فإن في كل واحد منهم معنى يقتضى ~~أن تكون الوصية له، ففي المعتقين إنعامهم عليه، وهو يقتضي أن تكون لهم جزاء ~~لإنعامهم، وفي المعتقين إنعامه عليهم وهو يقتضي أن تكون الوصية لهم إتماما ~~لذلك الإنعام؛ لقوله عليه السلام: "من أتى بالمبرة فليتمم". وفي أبناء العم ~~صلة قرابتهم، وفي الناصرين جزاء نصرتهم، فهذا شيء لا يدرك بالعقل واللغة أن ~~يكون المراد ما هو. ### | AUTO [تعريف المؤول] # (وأما المؤول) فهو مفعول فعل المؤول. دخل المؤول في أقسام النظم، وإن كان ~~تبين المراد منه بالاجتهاد؛ لأن المجتهد يبين باجتهاده أن المراد من هذا ~~النص هذا، ثم بعد ذلك أضيف الحكم إلى النص، فسار كأن النص ورد في هذا مع ~~الاحتمال، والحكم جاز أن يثبت بنص فيه ضرب احتمال كالنصوص المحتملة للمجاز، ~~ونص العام الذي خص منه البعض. PageV01P218 # (فما ترجح من المشترك) وكذلك لو ترجح (بعض الوجوه) الخفي والمشكل (بغالب ~~الرأي) يسمي مؤولا والذي وقع تقيده من المشترك إنما وقع لسبق ذكر المشترك، ~~لا لأن ذلك القيد لازم في تفسير المؤول، وقوله: " بغالب الرأي" قيد به؛ ~~لأنه لو ترجح بعض وجوه المشترك وما في معناه بدليل قطعي كان مفسرا لا مؤولا ~~على ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: (وليس هذا كالمجمل إذا عرفت بعض ms031 وجوهه ~~ببيان المجمل، فإنه يسمى مفسرا؛ لأنه عرف بدليل قاطع)، وليس هذا حكما مختصا ~~بالمجمل، بل كل مشتبه أمره إذا عرف بعض وجوهه بدليل قاطع يسمى مفسرا. # وقيل السفر: كشف الظاهر، ومنه المسفرة، وهي المكنسة؛ لأنها تكشف ظاهر ~~البيت، والمفسر: كشف الباطن، ومنه التفسرة، وهي الدليل PageV01P219 # الذي يعرض على الطبيب؛ لأنها تحكي عما في الباطن، (فيكون هذا اللفظ ~~مقلوبا من التفسير)، ومثل هذا الكلام جائز، يقال: جذب وحبذ هذا على اختيار ~~الفقهاء. # وأما صاحب "الكشاف" فإنه لا يجوز أن يكون أحدهما مقلوب الأخر؛ لاستوائهما ~~في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد منهما بناء على حياله، فكان كل واحد ~~منهما أصلا برأسه. ذكره في تفسير قوله تعالى: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق}. ومن هذا الجنس ما ذكره في كتاب "أدب الكتاب": قولهم: اضمحل، ~~وامضحل. أي ذهب. ثنت اللحم ونثت بتأخير النون وتقديمه أي أنتن. وكذلك ~~الصاعقة، والقاصعة، وغرسه، PageV01P220 # ورغسة وأبنضت القوس، أنبضتها إذا أنت جذبت وترها، ثم أرسلته فصوت، وما ~~أطيبه، وما أيطبه. # (وهذا معنى قول النبي- عليه السلام:- "من فسر القرآن برأيه") # يعني قال النبي- عليه السلام-: "من فسر القرآن برأيه". ولم يقل: من أول ~~القرآن، برأيه، فإن المؤول غير مستحق لهذا الوعيد، بل المفسر برأيه هو ~~مستحق لهذا الوعيد، يعني لما علمت أن المفسر هو مكشوف المعنى بلا شبهة، كان ~~المفسر هو الذي يقول في كلام الله بأن مرد الله تعالى من هذه الآية هذا لا ~~غير، فإن ذلك مكشوف بلا شبهة قاله ذلك برأيه، ومن قال ذلك في الآيات ~~المؤولة برأيه كان جاعلا نفسه بمنزلة صاحب الوحي في العلم بمراد الله تعالى ~~برأيه وهو كفر، فلذلك "يتبوأ مقعدة من النار"؛ لأن النار معدة للكافرين. # لقوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} التبرؤ: جاي كرفتن. ~~وقوله: {فليتبوأ مقعده من النار} أي فمقعده النار، فكان هذا أمرا في معنى ~~الخبر، بخلاف قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} فإن ذلك خبر في معنى ~~الأمر، أي ليتربصن. PageV01P221 # (وفي هذا إبطال قول المعتزلة في أن كل ms032 مجتهد مصيب)، فإن عندهم لما كان كل ~~مجتهد مصيبا لم يتصور الخطأ في الاجتهاد، فحينئذ من فسر القرآن برأيه أيضا ~~كان مصيبا، والمصيب في اجتهاده لا يستحق الوعيد، وقد أوعد النبي عليه ~~السلام على المفسر بالاجتهاد برأيه. # علم أن المجتهد يكون مخطئا، فكان فيه إبطال لقولهم: إن كل مجتهد مصيب. ~~وإنما وقعوا في هذا لقولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى على ما ذكره ~~المصنف- رحمه الله- في باب معرفة أحوال المجتهدين من هذا الكتاب. PageV01P222 ### | AUTO [تعريف الظاهر والنص] # {فانكحوا ما طاب لكم} أي ما حل لكم {من النساء} وإنما قيد بهذا؛ لأن من ~~النساء ما حرم نكاحهن كاللاتي في آية التحريم، وأريد بالطيب الحل؛ لأن ~~الطيب هو المطلق شرعا والمستلذ طبعا، وهذا التأويل أولى من قولهم: أي ما ~~أدركت من النساء؛ إذ لا فائدة في القيد بالإدراك لجواز نكاح الصغائر. # (ويسمى مجلس العروس منصة) - بفتح الميم- قال في المغرب: يقال: الماشطة ~~تنص العروس- أي ترفعها- فتقعدها على المنصة- بفتح الميم- وهي كرسيها؛ لترى ~~من بين النساء. PageV01P223 # (لأنه سيق الكلام للعدد)؛ لأنه جعل العدد أصلا وغير العدد كالخلف منه حيث ~~قال: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} بعد ما ابتدأ بقوله: {فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} ولأن نفس جواز النكاح كانت معلومة قبل ~~نزول هذه الآية بفعل النبي عليه السلام وبآيات أخر توجب جواز النكاح، ثم إن ~~أحتمل تقدم هذه الآية على تلك الآيات فلا تحتمل تقدمها على فعل النبي عليه ~~السلام، فإن نكاح خديجة رضي الله عنها- كان قبل البعثة وقرر عليه، فكان هو ~~بمنزلة النص الصريح في حق البيان بأنه جائز، فلم يكن جواز العدد مبينا بغير ~~هذه الآية، وفعله بتزوج التسع كان PageV01P224 # هو مخصوصا به، فلم يصلح فعله بيانا للعدد في النكاح في حق الأمة، فتعين ~~كون نزول هذه الآية لبيان العدد، فكان نصا في حق بيان العدد بهذا الطريق لا ~~محالة، وكانت الحاجة ماسة إلى علمه. # (نص للفص بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام لأجله). بدليل سباق الآية ~~وسياقها فقال في سباق ms033 الأيه: {الذين ياكلون الربا لا يقومون}؛ لأنه بين ~~الوعيد بما فعلوا وبما قالوا: {إنما البيع مثل الربا} فرد الله تعالى ~~تسويتهم البيع بالربا حيث بين التفرقة بينهما بقوله: {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} فأني يتساويان. يعني أن الحرمة مع الحل ضدان، والتسوية بين الضدين ~~في الحكم مستحيلة. # وأما سياق الآية فقوله: {يمحق الله الربا} أي يذهب ببركة PageV01P225 # الربا فكان الربا مذموما بكل حال لحرمته، ثم إن الكفرة القائلين بتسوية ~~البيع مع الربا في الحل جعلوا الربا بمنزلة الأصل في الحل، والبيع بمنزلة ~~التبع في الحل حيث جعلوا الربا المقياس عليه في الحل والبيع بمنزلة المقياس ~~فيه، فكان الربا في الحل أبلغ من البيع في اعتقادهم حيث قالوا: {إنما البيع ~~مثل الربا} ولم يقولوا: إنما الربا مثل البيع، وكان هذا منهم غاية العناد ~~والمكابرة، فإنهم يعلمون حرمة الربا في الأديان الماضية، ومع ذلك قالوا: ~~{إنما البيع مثل الربا} مبالغين في حل الربا بالنسبة إلى حل البيع، فكان ~~ذلك منهم معاندة، وإنما قلنا: إنهم كانوا يعلمون حرمة الربا؛ لأن حرمته ~~كانت مشهورة في الأديان الماضية بدليل قوله تعالى: {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} # وكان شيخي- رحمه الله- يقول: في هذه الآية دليل على أن القياس حجة؛ لأن ~~الله تعالى رد عليهم وجود شرط صحة قياسهم، وهو المماثلة، ولم يرد قياسهم، ~~فقال: {وأحل الله البيع وحرم الربا} يعني فأنى يتساويا، فقد نفي المساواة ~~التي هي شرط صحة القياس، ولم يقل: قالوا إنما البيع مثل الربا فقد قاسوا، ~~والقياس ليس بحجة. PageV01P226 ### | AUTO [تعريف المفسر] # (سواء كان بمعنى في النص) أي سواء كان ورود ازدياد الوضوح بسبب المعنى ~~الخفي الذي كان في النص بأن كان لا يحتمل إلا وجها واحدا لكن المعنى خفي ~~لكون اللفظ غريبا كالهلوع. (أو بغيره) أي كان ورود ازدياد الوضوح بسبب ~~الاحتمال الذي هو في غير النص، وهو إرادة المتكلم من العموم الخصوص يعني أن ~~صيغة العموم موضوعة لإرادة العموم، ومع ذلك يجوز له أن يريد منها الخصوص، ~~فكان إرادة المتكلم من صيغة ms034 العموم الخصوص معنى في غير النص؛ إذ النص موضوع ~~للعموم، فكان قوله: (بأن كان مجملا) نظير الأول، وهو قوله: بمعنى في النص. # وقوله: (أو كان عاما) نظير الثاني، وهو قوله: أو بغيره. والباء في قوله: ~~"بمعنى في النص"، وفي قوله: "أو بغيره" للسببية، فنظير الأول قوله تعالى: PageV01P227 ### | CHECK المحكم # {إن الإنسان خلق هلوعا} هذا مجمل، فجاء البيان بقوله: {إذا مسه الشر ~~جذوعا وإذا مسه الخير منوعا}. # ونظير الثاني قوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} على ما ذكر في ~~الكتاب. # وذكر في التأويلات" قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} إلى قوله: ~~{فمن اضطر غير باغ ولا عاد} تفسير قوله: {فمن اضطر} يعني أن المضطر: هو ~~الذي يكون غير باغ ولا عاد في أكله. PageV01P228 # وكذلك قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} فكان قوله: {غير ~~مسافحين ولا متخذي أخدان} تفسير لقوله: {محصنين}. # فقوله: بأن كان مجملا فلحقه بيان قاطع، فانسد به باب التأويل. # فإن قيل: كيف يستقيم هذا والمجمل غير قابل للتأويل، بل الطريق فيه الرجوع ~~إلى المجمل بالاستفسار على ما يجئ بعد هذا؟ # قلنا: المراد من التأويل هنا الاحتمالات الوهمية في الذهن بسبب ازدحام ~~المعاني، كما لو قال رجل مثلا: لفلان على شيء. هذا مجمل يرد فيه على السامع ~~احتمالات وهمية بأن يفسره بدرهم أو بدرهمين أو بغير ذلك، فانقطعت تلك ~~الاحتمالات بقوله: ذلك عشرة دراهم مثلا أو غير ذلك. ### | AUTO [الخفي] # (لكل ما اشتبه معناه) أي معنى ذلك اللفظ كما في السرقة، فإن PageV01P229 # معناها لغة اشتبه في حق النباش والطرار، أهي موجودة في حقهما أم لا؟ وحكم ~~هذا النظر فيه. ليعلم أن اختفاءه- أي اختفاء معنى ذلك اللفظ في حق الطرار ~~والنباش- لمزي أو نقصان؟ أي لزيادة على معنى النص أو نقصان منه، فيظهر ~~المراد. # بيان هذا النص أوجب القطع على السارق، ثم اجتاح السامع إلى معرفة حكم ~~النباش والطرار؛ لأنهما اختصا بأسم أخر غير اسم السارق. إذ تغير الاسم دليل ~~على تغير المعنى، فخفي لذلك مراد المتكلم على السامع ms035 وهو وجوب القطع عليهما ~~بعارض غير الصيغة، وهو اختصاصهما بأسم النباش والطرار، فنظرنا في معناهما ~~فوجدنا معنى السرقة موجودا في الطرار على الكمال وزيادة؛ لأن الطر: اسم ~~لقطع الشيء عن اليقظان بضرب غفلة تعتريه، وهذه السارقة في غير الكمال، ~~فكانت داخلة تحت قوله تعالى: PageV01P230 # {والسارق والسارقة} ونظرنا في معنى النباش، فوجدنا معنى السرقة فيه ~~قاصرا؛ لأن اسم السرقة يدل على كون المأخوذ خطيرا؛ لأن السرقة قطعة من ~~الحرير، والنبش يدل على هوان المنبوش؛ لأن النبش بحث التراب من نبشت البقل ~~والميت، فكان معنى السرقة فيه قاصرا، فلم يدخل تحت قوله تعالى: # {والسارق والسارقة} PageV01P231 ### | AUTO [المشكل] # (لا ينال بالطلب) أي بالطلب وحده (وهذا الغموض في المعنى) مثل قوله ~~تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فصار هذا مشكلا في حق داخل الفم والأنف، ~~فهما دخلا في أشكالهما، وهي ظاهر البشرة وباطنها، PageV01P232 # والتطهر غسل جميع البدن، فما كان ظاهر البدن داخل فيه، وما كان باطنه غير ~~داخل فيه، فوجدنا باطنهما مشابها بالباطن من وجه ومشابها بالظاهر من وجه؛ ~~لأنه إذا فتح فاه كان ظاهرا، وإذا ضم شفتيه كان باطنا، وكذا في حق الحكم، ~~فإن الصائم إذا ابتلع بزاقه لا يفسد صومه، وكذلك إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه ~~لا يفسد صومه، وكذلك إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه لا يفسد صومه أيضا، فلما ~~كان كذلك ألحقناهما بالظاهر في حق الجناية؛ لأن قوله: {فاطهروا} للمبالغة، ~~فكان مقتضاه غسل ما يمكن تطهيره، وداخلهما مما يمكن تطهيره فيدخل، ~~وألحقناهما بالباطن في حق الحدث؛ لأن مطلق المواجهة لا يتناول باطنهما، ~~فكان فيما قنا عمل بالشبهين بقدر الإمكان. # وكذلك قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شيءتم} فكلمة "أني" ~~تجئ بمعنى كيف، كما في قوله تعالى: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} وتجئ ~~بمعنى من أين، كما في قوله تعالى: # {أنى لك هذا} فلو نظرنا إلى المعنى الأول لا يحل دبر المرأة المنكوحة، ~~فكان هو بيان الصفة في حق أحوال المرأة من الاستلقاء والاضطجاع، ولو نظرنا ~~إلى المعنى ms036 الثاني يحل؛ لأنه يعم المواضع، فتأملنا، وقلنا: إنها بمعنى كيف، ~~فيحرم الدبر لقرآن قوله: {فاتوا حرثكم} لأن موضع حرث الولد هو القبل لا PageV01P233 # غير وكذلك قوله تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} فإن فيه خفاء؛ لأن ~~ألف شهر من السنين، وفي كل سنة ليلة القدر، فكان فيه تفضيل الشيء على نفسه ~~في حق الجزء. # قلنا: معناه أنها خير من ألف شهر لم يكن فيه ليلة القدر. أو لاستعارة ~~بديعة، مثل قوله تعالى: # {قوارير من فضة} فالقارورة من الزجاج تكون لا من الفضة، فتأملنا فقلنا: ~~إن تلك الأواني لا تكون من الزجاج، ولا بد من الفضة، بل لتلك الأواني حظ ~~منهما، فإن للزجاج صفاء ليس هو للفضة وهو أن يجلي عما في باطنه، والفضة لها ~~بياض ليس هو للزجاج، فكان لتلك الأواني صفاء الزجاج وبياض الفضة، وهما ~~الصفتان الحميدتان لهما، فانتهت عنها الصفات الذميمة التي لهما. # وكذلك قوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع} حيث يستفاد شدة العذاب من ~~الإذاقة؛ إذ الشيء المر يعلم مرارته عند الذوق أكثر مما يعلم عند استمرار ~~الشرب، ويستفاد اشتمال العذاب من اللباس، فكان قال: عذبها الله بعذاب هو ~~مؤلم شامل. PageV01P234 ### | AUTO [المجمل] # (ثم الطلب ثم التأمل) هذا الذي ذكره في بعض المجملات بأن لم يكن بيان ~~المجمل شاملا لكل أنواع المجمل، كما في مسألة الربا والصلاة والزكاة. وأما ~~إذا كان البيان من المجمل على وجه لم تبق فيه شبهة لم يكن فيه الطلب ~~والتأمل، كما إذا قال رجل: لفلان على شيء ثم بين ذلك الشيء بقوله: وهو ~~درهم، أو درهمان. لم يبق فيه الطلب والتأمل أو نظير ما ذكر في الكتاب. # قوله تعالى: {وحرم الربا} فإنه ورد البيان في الأشياء السته، وهو غير ~~مكشوف كشفا بلا شبهة بالنسبة إلى أفراد الربا، فصار بمنزلة المشكل بعد هذا ~~البيان، وحكم المشكل: الطلب، ثم التأمل، فيطلب المعنى الذي PageV01P235 # تثبت به الحرمة، ثم يتأمل فيه في أنه صالح لإضافة الحكم إليه لسلامته مما ~~يمنعه، وذلك المعنى إنما هو القدر ms037 والجنس عند البعض والاقتيات والادخار عند ~~البعض، وقد عرف في موضعه. # (وكذلك الصلاة) لما ورد البيان بفعل رسول الله- عليه السلام- يطلب المعنى ~~الذي جعلت الصلاة لأجله صلاة أهو التواضع والخشوع، أم الأركان المعهودة؟ ثم ~~يتأمل أنه هل يتعدى هذا إلى صلاة جنازة فيمن حلف لا يصلي؟ وعلى هذا أيضا ~~وقع الاختلاف في أن تعديل الأركان فرض أم لا؟ وكذلك في الزكاة ورد البيان ~~بقوله- عليه السلام- "ليس عليك شيء في الذهب الحديث" ثم يطلب المعنى الذي ~~وجب الزكاة لأجله؛ أهو ملك نصاب كامل فارغ عن الدين أم مشغول به؟ # ثم يتأمل فيه في أنه: هل هو صالح لإضافة الحكم إليه؟ وفي وجوب الزكاة في ~~الإبل والبقر: أيشترط الإسامة أم لا؟ وكذلك في العشر لما ورد البيان بقوله- ~~عليه السلام-: "أما سقته السماء فقيه العشر" الحديث. يطلب المعنى الذي يجب ~~به العشر: أيتعلق بمجرد الخارج أم بوصف أخر معه؟ وهو أن يبلغ PageV01P236 # النصاب ويبقى من غير تكلف، ثم يتأمل فيه في أنه: هل هو صالح لإضافة الحكم إليه؟ # (وهو مأخوذ من الجملة) أي من الجملة التي بمعنى الشمول والإبهام، يقال: ~~أجمل أي أبهم. ### | AUTO [المتشابه] # (سمي متشابها) قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: سمي متشابها ~~عند بعضهم؛ لاشتباه الصيغة وتعارض المعاني فيها، وهذا غير صحيح، فالحروف ~~المقطعة في أوائل السور من المتشابهات عند أهل التفسير، وليس فيها هذا ~~المعنى، ولكن المتشابهة: ما يشبه لفظه ما يجوز أن PageV01P237 # يوقف على المراد فيه. وهو بخلاف ذلك لانقطاع احتمال معرفة المراد فيه، ~~وأنه ليس له موجب سوى اعتقاد الحقية فيه والتسليم، كما قال تعالى: {وما ~~يعلم تاويله إلا الله} # وقول شمس الأئمة: "ما يشبه لفظه ما يجوز أن يوقف على المراد فيه وهو ~~بخلاف ذلك" نظير ذلك قوله تعالى: {يد الله} فبالنظر إلى اليد يعلم أن ~~المراد منها الجارحة، ثم هذا الموضع لا يحتمل ذلك، فكان على خلاف المراد ~~الذي يعلم من ظاهر الكلام؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فتشابه موجب ~~السمع وموجب العقل. # (بخلاف المجمل فإن ms038 طريق دركه متوهم)؛ لأن ذلك مرجو البيان لما أن عامة ~~المجملات إنما وردت في العمليات كما في الربا وغيره، فكان البيان فيه مرجوا. # (وطريق درك الشكل قائم) فإن المجتهد يدرك حكم المشكل الذي عنده باجتهاده. # (وأما المتشابه فلا طريق لدركه إلا التسليم) هذا في حق الأمة، وأما PageV01P238 # في حق النبي (صلى الله عليه وسلم) فإنه يعلم معنى المتشابهة بإعلان الله ~~تعال. كذا ذكره المصنف- رحمه الله- في هذا الكتاب في باب تقسيم السنة في حق ~~النبي عليه السلام. # (فيقتضي اعتقاده الحقية قبل الإصابة) أي قبل يوم القيامة، وإنما قال هذا؛ ~~لأن المتشابهات تنكشف يوم القيامة. # (وعندنا لاحظ للراسخين) أي وعندي وهو مذهب السلف، فإن المصنف- رحمه الله- ~~اختار مذهب السلف، فإنهم لم يشتغلوا بتأويل المتشابهة، بل قالوا: نؤمن ~~بتنزيله، ولا نشتغل بتأويله، ونفوض أمره إلى الله، ونقول: ما أراد الله به ~~فهو حق. # وأما مذهب الخلف فالاشتغال بالتأويل على وجه يوافق التوحيد، وإنما ~~اشتغلوا بتأويله ردا لتأويل الخصوم، فإن الخصوم استدلوا بالمتشابهات لإثبات ~~مذاهبهم الباطلة، فوقع الخلف في تأويل المتشابهة لضرورة دفع تمسك الخصوم ~~به، وإلا كان من حق المتشابه أن لا يتمسك به. # ألا ترى أن الله تعالى كيف ذم المتبعين للمتشابه بقوله: {الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} PageV01P239 # (وأن الوقف على قوله: {إلا الله} واجب) فكان قوله: {والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به} ابتداء كلام، والوافي {والراسخون} لحسن نظم الكلام لا ~~للعطف الذي يوجب الشركة بما قبله. # والدليل على هذا ما ذكره الإمام الأندرابي- رحمه الله- في "الإيضاح في ~~علم القراءة" بقوله: والوقف فيه واجب، وهو قول أكثر أهل العلم. ثم PageV01P240 # قال: ويقوي هذا المذهب أنه في حرف عبد الله رضي الله عنه: {إن تأويله إلا ~~عند الله الراسخون في العلم}. وفي حرف أبي- رضي الله عنه:- {ويقول الراسخون ~~في العلم أمنا به}. # (وأهل الإيمان على طبقتين) جواب إشكال يرد على إنزال المتشابه بأن يقال: ~~إنزال الكتاب إنما هو للتدبير والتذكر في آياته؛ لقواه تعالى: {كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ms039 أولوا الألباب}. ولن يكون ذلك ~~إلا بعد الوقوف على معناه، ولو لم يوقف على معنى المتشابه أصلا لم يبق ~~لإنزال المتشابه فائدة. # فقال في جوابه: إن أهل الإيمان على طبقتين، فمنهم من هو موصوف بنوع من ~~الجهل فابتلى بالإمعان في الطلب أي بالتباعد في طلب العلم والمبالغة فيه؛ ~~لكي ينكشف له ما هو مستور عليه قبل مبالغته في طلب الكشف، ومنهم من هو ~~موصوف بذكاء من الطبع، ومكرم بفهم دراك، فيدرك ما سمعه. PageV01P241 # (فأنزل المتشابه تحقيقا للابتلاء) في حقه فكان ابتلاؤه في التوقف عن الطلب. # (وهذا أعظم الوجهين بلوى) يعني أن الابتلاء في الوقف عن الطلب أعظم من ~~ابتلاء في الطلب بالمبالغة في السير؛ لأن الابتلاء في الوقف أن يسلم ذلك ~~إلى الله تعالى ويفوضه إليه، فكان هذا أقوى من الابتلاء بالطلب؛ لأن هذا ~~ينشأ من العبودة، والابتلاء بالإمعان في السير ينشأ من العبادة، والعبودة ~~أقوى من العبادة؛ لأن العبودة الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى ~~له الرب من العبادات، فالأول أشق فكان أفضل؛ وهذا لأن العبودة أن لا يرى ~~العبد متصرفا في الحقيقة إلا الله، فيفوض أمره إليه في كل حال أفقره، أو ~~أغناه، أبهجه، أو أشجاه أسمنه، أو أضناه ألبسه، أو أعراه، أمانه، أو أحياه. ~~ضره، أو نفعه، جوعه، أو أشبعه. فإن المتصرف في الحقيقة هو الله تعالى، فإنه ~~خالق كل شيء، فيجب على العبد التسليم في كل حال؛ PageV01P242 # ولأن العبادة قد تسقط، والعبودة لا تسقط في الدارين. # أو نقول: إن هذه الدار دار ابتلاء. قال الله تعالى: {خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا} والابتلاء من الله إظهار ما علم من المكلف، ~~والبليات أنواع بعضها فوق بعض، وأهل الإيمان كذلك، قال النبي- عليه ~~السلام-:- "إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" فلما كان ~~المكرم بالعلم والاجتهاد أفضل ممن كان مبتلي بالجهل كان ابتلاؤه أعظم أيضا. # أو نقول: إن في هذا الابتلاء ابتلاء للقلب خاصة، والقلب رئيس الأعضاء، ~~فكان عمله أيضا رئيس الأعمال؛ لأن تفاصيل الأعمال بحسب ms040 تفاضل العاملين. # والدليل على أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح أنه لو ترك عمل القلب فيما ~~يجب الاعتقاد فيه يكفر، ولو ترك العمل فيما يجب فيه العمل بالجوارح لا ~~يكفر، علم بهذا أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح. # أو نقول: في المتشابه نهي للمكلف عن الطلب، وحجر عنه بطريق PageV01P243 # الابتلاء، وفي حق من يطالب بالإمعان في السير في حق الطلب أمر بالإمعان ~~فيه بطريق الابتلاء، والابتلاء بالنهي أشد من الابتلاء بالأمر، فكان ثواب ~~الانتهاء أكثر من ثواب الائتمار، فكان الانتهاء أولى، وإليه وقعت الإشارة ~~في قوله- عليه السلام-: "لترك ذرة مما نهى الله تعالى خير من عبادة ~~الثقلين" وهذا لأن العامل بالانتهاء مقيم للفرض أبدا؛ لأن الانتهاء فرض ~~ممتد بخلاف المتمثل بأمر العبادات من الصلاة والزكاة، فإنه فيما وراء ~~الفرائض مقيم للتطوع، وثواب الفرض أكثر من ثواب التطوع، فكان الانتهاء أولى لذلك. # (وأعمها نفعصا وجدوى) أي من حيث الثواب؛ لأن الابتلاء بالمتشابه لما كان ~~أشد بهذه الوجوه الأربعة من الابتلاء بغيره كان الثواب الحاصل به أكثر ~~وأعم، ولأن حكم هذا الابتلاء الصبر، والصبر على البلاء أكثر ثوابا من غيره، ~~ولهذا وعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، وقال الله تعالى: {إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب}. # قال الأستاذ الكبير العلامة مولانا شمس الدين الكر دري- رحمه الله- في ~~الحديث: "إن الله تعالى خلق في الجنة منازل في الهواء غير معلقة بشيء، لا ~~يسكنها أحد لصلاته ولا لصيامه! قالوا: ومن يسكنها؟ قال: أهل البلاء. قالوا: ~~وكيف يدخلونها؟ قال: وكما يطير الطير". PageV01P244 # (وهذا يقابل المحكم) إذ المحكم لما بلغ غايته في البيان والإظهار كان ضده ~~المتشابه بلغ غايته في الإشكال والإجمال، أو أن المحكم لما كان مأمون النسخ ~~كان ضده المتشابه ميئوس الوقوف، فكل منها غاية فيما هو فيه. # (ومثاله إثبات رؤية الله تعالى) أي إثبات جواز رؤية الله تعالى في ~~الاعتقاد بالدليل بالإبصار (عيانا)، وقوله "عيانا" مخصوص ذا الكتاب في بعض النسخ. # (وأن يكون مرئيا لنفسه ولغيره من صفات الكمال)؛ لأن الذي لا ms041 PageV01P245 # يري نفسه في الشاهد إما لنقصان فيه أو لعجز به، فإن من يستتر عن أعين ~~الناس إنما يتستر لحقارته ودناءته وكونه مئوفا بالعيوب؛ لئلا يقصدوه بقتل ~~أو غيره. # وهو لا يقدر على مقاومتهم ومدافعتهم، والله تعالى موصوف بصفات الكمال ~~بحيث لا يقدر أحد أن يبلغ كنه صفة من صفاته، لما أن صفات العبد متناهية، ~~وصفات الله -تعالى- غير متناعية، وهو أجمل من كل جميل منزه عن كونه مئوفا، ~~وهو أيضا قاهر كل شيء، وغال عليه؛ إذ له القدرة الشاملة على جميع المقدرات، ~~وليس له خوف من أحد، وفي الشاهد من كان موصوفا بصفات الكمال ولا يخاف من ~~الرائين فإنه لا يستتر، بل يتجلى بالبروز والظهور، وجل ربنا عن النقصان إذ ~~له الكماليات أجمع، عز العجز؛ لأنه الموصوف بالقدرة الأزلية. # (لكن إثبات الجهة ممتنع)؛ لأنه لا جهة له؛ لأنه يوجب كونه محددا PageV01P246 # مقطرا متناهيا، وهو آية الحدث، وإذا ثبت أن الله تعالى قديم لا يكون ~~محدودا متناهيا، فلا يكون هو في جهة، فكانت الجهة ممتنعة، والرؤية في ~~الشاهد تستدعي الجهة؛ لأنه ما من مرئي في الشاهد إلا هو في الجهة إما بذاته ~~كالجوهر أو بمحله كالعرض، فبالنظر إلى أصل الرؤية وكونه ثابتا بالنص. قلنا ~~بوجوب أصل الرؤية، وبالنظر إلى استدعاء الرؤية الجهة في الشاهد كانت الرؤية ~~ممتنعة، فكان القول بجواز الرؤية متشابها من حيث الوصف وثابتا، بل PageV01P247 # واجبا من حيث الأصل، ولا يصح إبطال الأصل لتشابه في الوصف؛ لأن الوصف تبع ~~فلا يصح إبطال الأصل لبطلان التبع، والقاطع للشغب ها هنا هو أن نقول: إن ~~الأصل إذا ثبت بالدليل في الغائب لا يصح إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف لا ~~يعقل وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، وإن كنا لم نشاهد ذلك الأصل في ~~الشاهد بدون تلك الأوصاف. # ألا ترى أنا لم نشاهد موجودا ما إلا أن ذلك الموجود كان جوهرا أو جسما أو ~~عرضا، ثم أجمعنا واتفقنا مع الخصوم في أن الله تعالى موجود وليس هو موصوف ~~بواحدة من صفة الجوهرية والجسمية ms042 والعرضية، ولم يدل عدم هذه الصفات في حقه ~~على ذاته مع أنا قطعنا على استحالة وجود شيء في الشاهد وهو غير موصوف ~~بواحدة من هذه الصفات، فعلمنا أن أصل وجود الشيء إذا ثبت بالدليل في الغائب ~~ثم امتنعت صفة وجود ذلك في حقه في الشاهد أن ذلك لا يدل على امتناع أصله في ~~الغائب، فكذا فيما نحن فيه لما ثبت أصل جواز رؤية الله تعالى في دار الآخر ~~بالدليل القطعي لا ينتفي ذلك الأصل بسبب أوصاف يستحيل وجود تلك الأوصاف في ~~حق ذلك الأصل. # أو نقول: إن الرؤية تزيد الكشف في المعلوم، والله تعالى موصوف بكونه ~~ظاهرا، وثبت ظهوره لنا بالدلائل العقلية والسمعية، وثبت أيضا بالآيات التي ~~هي خارجة عن قوى البشر، كانشقاق القمر، وانفلاق البحر، وانقلاب العصا حية ~~وغير ذلك، ولا شك في أنه بظهور هذه الآيات يزداد العلم بالله تعالى، PageV01P248 # والرؤية من أسباب العلم أيضا، فجاز أن تثبت لزيادة الكشف في المعلوم. # والمؤمن أهل لذلك؛ وإنما ذكر هذا؛ لأنه رب شيء يكون ممكنا في نفسه لكنه ~~غير واقع لعدم الأهل، والمؤمن أهل لاستحقاق الكرامات التي سوى هذه الكرامة ~~من المحبة، والولاية، والإيحاء إليه، والكلام معه، فتستدل بهذا على أن ~~المؤمن أهل لذلك. # (فصار متشابها بوصفة فوجب تسليم علم المتشابهة) إلى الله تعالى، يعني أن ~~كونه مرئيا ثبت بالدليل، ولكن ذلك يقتضي الجهة؛ لأن الرؤية في الشاهد تقتضي ~~كون المرئي في جهة من الرائي، والشاهد دليل الغائب، والله تعالى لا جهة له، ~~فكان متشابها فيما يرجع إلى كيفية الرؤية والجهة مع كون أصل الرؤية ثابتا ~~بالنص، فيجب تسليم علمه إلى الله تعالى، ولا يشتغل بأن كون المرئي في جهة ~~الشاهد من القرائن اللازمة أم من الأوصاف الاتفاقية؟ بل يجب التسليم، وهذا ~~طريق بعض المحققين في المتشابه. # وأما المتبحرون من علماء أهل السنة والجماعة فيقولون: كون المرئي ذا جهة ~~في الشاهد من القرائن اللازمة، بل إنما كانت في الشاهد في جهة؛ لأنه ذو جهة ~~فيرى كذلك. # وأما الله تعالى فليس ms043 بذي جهة فيرى كذلك؛ لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر ~~كما هو. PageV01P249 # والدليل على هذا: أن الله تعالى يرانا ولسنا بجهة منه، فعلم أن كون ~~المرئي في جهة ليس من القرائن اللازمة للرؤية، بل من الأوصاف الاتفاقية، ~~ككون الباني في الشاهد محدثا ولحما ودما وذا صورة، ولا نقول في الغائب كذلك ~~لكون هذه الصفات للباني في الشاهد من الأوصاف الاتفاقية بالإجماع، فكذلك ~~فيما نحن فيه. # (وكذلك إثبات الوجه واليد حق عندنا معلوم بأصله)؛ لأن الله تعالى نص في ~~القرآن به في حقه، وكيفية ذلك من المتشابه؛ لأن الله تعالى منزه عن ~~الجارحة، فلا نبطل الأصل المعلوم بسبب ذلك التشابه. # فإن قيل: لما ثبت أصل ذكر الوجه واليد في حق الله تعالى: هل يصح إطلاق ~~معنى الوجه واليد في حق الله تعالى بغير العربية بأن يقال: دست خداي، وروي ~~خداي، أم لا؟ # قلنا: قد ذكر الإمام الأجل المتقن مولانا جمال الدين المحبوبي- رحمة ~~الله- في كتاب العتاق من كتاب "الفروق في بيان الفرق" بين قوله: يا أزاد. ~~وبين قوله: يا حر أن الفارسية إذا عربت تكون أصلح وأوفق، أما العربية إذا ~~فرست فسدت. # ألا ترى أنه يقال: {يد الله فوق أيديهم} ولا يقال: دست خداي زير PageV01P250 # همه دستهاست. ولو قال به كفر. # (ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف)؛ لما فيه من إبطال الأصل ~~بسبب الوصف، وذلك لا يجوز؛ لما ذكرنا أن الأصل إذا ثبت في حق الله تعالى ~~بالدليل القطعي لم يجز إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف ذلك الأصل الذي لا يعقل ~~في الشاهد وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، فلا يصح أن يقال: وتلك الأوصاف ~~لا يصح ثبوتها في حق الله تعالى فيجب ألا يصح الأصل الثابت بالدليل القطعي ~~أيضا، كما لا يصح أن يقال: إن موجودا ما لا يتصور ثبوته في الشاهد بدون أن ~~جوهرا أو جسما أو عرضا، وهذه لا تتحقق في حق الله تعالى فلا يصح وجود الله ~~تعالى لما فيه من إبطال الأصل بسبب أن وصف ذلك ms044 الأصل لا يتحقق في حقه وهو ~~لا يجوز فكذا هنا. وكذلك أيضا في الشاهد لا يجوز إبطال الأصل بسبب الجهل ~~بوصفه كمن كان على شط نهر كبير لا يتصور في ذهنه العبور من هذا النهر، ثم ~~رأي شخصا فيما وراء النهر من الشط ثم رآه في هذا الجانب الذي فيه، فلا يشك ~~في ثبوت عبوره وتحققه وإن جهل هو طريق العبور، لما أنه ثبت له كونه PageV01P251 # في هذا الجانب بالدليل القطعي، وهو رؤيته ذلك في هذا الجانب، فكذلك ها ~~هنا لما ثبت صفة الكمال لله تعالى بالدلائل القطعية لم يجز إبطالها بسبب ~~الجهل بطريق الثبوت، وفي هذا حكاية، وهي أن جهنم بن صفوان الترمذي كان يدعو ~~الناس إلى مذهبه الباطل، وهو أن الله تعالى عالم لا علم له، قادر لا قدرة ~~له، وكذا في سائر الصفات. وكان جلس يوما يدعو الناس إلى هذا المذهب، وحوله ~~أقوام كثيرة إذ جاء أعرابي، ووقف حتى سمع مقالته، فأرشده الله تعالى إلى ~~علم بطلان هذا المذهب، فأنشأ يقول: # ألا إن جهما كافر بان كفره ... ومن قال يوما قول جهم فقد كفر # لقد جن جهنم إذ يسمى إلهه ... سميعا بلا سمع بصيرا بلا بصر # عليما بلا علم، رضيا بلا رضا ... لطيفا بلا لطف، خبيرا بلا خبر # أيرضيك أن لو قال يا جهم ... قائل: أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر # مليح بلا ملح بهي بلا بها ... طويل بلا طول يخالفه القصر # حليم بلا حلم، وفي بلا وفا ... فبالعقل موصوف وبالجهل مشتهر # جواد بلا جود، قوي بلا قوى ... كبير بلا كبر، صغير بلا صغر # أمدحا تراه أم هجاء وسبة ... وهزءا كفاك الله يا حمق البشر # فإنك شيطان بعثت لأمة ... تصيرهم عما قريب إلى سقر PageV01P252 # فألهمه الله تعالى حقيه مذهب أهل السنة والجماعة، وأراه بطلان مذهبه، ~~فرجع كثير من الناس ببركة أبياته، وكان عبد الله بن المبارك- رحمه الله- ~~يقول: إن الله- تعالى- بعث الأعرابي رحمة لأولئك، فيجب على كل أحد أن يعلم ~~معنى هذه الأبيات لأولاده وعبيده، ذكرت هذه الجملة في ms045 "أصول الدين" لأبي ~~عصمة- رحمة الله- # (فصاروا معطلة) أي صاروا غير قائلين بالصفة لله- تعالى- فإن العطل- ~~بفتحتين- يستعمل في الخلو من الحلي في الأصل ذكره في الصحاح، واستعير ها ~~هنا لعدم الصفة، ألا ترى أن الصفة تسمى حلية. PageV01P253 ### | AUTO [الحقيقة والمجاز] # (وتفسير القسم الثالث). هذا باعتبار أصل التقسيم، وفي نسخة وتفسير القسم ~~الرابع، وهو باعتبار ذكر المقابل. # (ولا تسقط عن المسمى أبدا) يعني: إن اللفظ الحقيقي لا يسقط عما وضع له، ~~كالأسد لا يسقط عن الهيكل المخصوص أبدا. # واعلم أن الحقيقة والمجاز من أوصاف اللفظ دون المعنى. يقال: لفظ حقيقة، ~~ولفظ مجاز، لما أن الحقيقة سميت حقيقة؛ لأنه حق لها أن يراد بها ما وضعت هي ~~له، وهذا يأتي في اللفظ دون المعنى، والمجاز لما كان مأخوذا من الجواز وهو ~~التعدي ورد في اللفظ؛ لأن التعدي يتأتي في اللفظ دون المعنى مستقر في كلا ~~المحلين؛ ولأن الفاصل بين الحقيقة والمجاز استقامة نفي المجاز عن محل ~~المجاز، والمعنى لا يستقيم نفيه. # (والمجاز ينال بالتأمل في طريقه) أي في طريق المجاز. بأن يتأمل أن صحة ~~المجاز بأي وجه، وبأي طريق يصح المجاز، وذلك ستة أشياء: PageV01P254 # المستعار، والمستعير، والاستعارة، والمستعار له، والمستعار عنه، وما تقع ~~به الاستعارة. يعني عند وجود هذه الأشياء يعلم طريق المجاز، فحينئذ ينال ~~المجاز في طريقه (ويحتذي بمثاله) أي يجعل المجاز مقتديا بمثاله وهو ~~الحقيقة. يعني ينظر أن في الحقيقة ما هو مخصوص به ومشهور فيه ثم وجد المجاز ~~نظيرا لتلك الحقيقة في حق ذلك الوصف المخصوص المشهور فيه، فاحتذى المجاز ~~بذلك المثال وهو الحقيقة، فأطلق اسم تلك الحقيقة على هذا المجاز الذي أحتذي ~~بها. أي جعل المجاز مقتديا بتلك الحقيقة، يقال: احتذي مثاله. أي اقتدي به. ~~كذا في الصحاح. # (ومثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النص). # بيان هذا أن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالنص، كالموضوع له يثبت باللفظ، ~~ثم يتأمل في معاني النص في المحل المنصوص عليه لاستخراج المعنى الذي تأثير ~~في استدعاء هذا الحكم لتعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه، ms046 فإذا وجد مثل هذا ~~المعنى في غير المنصوص عليه ألحق به. يعني يثبت مثل ذلك الحكم في هذا ~~المحل، وكذلك يتأمل في معاني محل الحقيقة، أعني المعاني اللازمة للحقيقة ~~المشهورة فيها لا كل معنى كما في النص لما في اعتبار كل PageV01P255 # معنى للنص إسقاط الأبنتلاء. # ألا ترى أن العرب تسمي الشجاع أسدا للاشتراك في المعني الخاص اللازم ~~المشهور له لا في كل معنى، فإذا وجد مثل ذلك المعنى في محل آخر استعير هذا ~~اللفظ كما قلنا في القياس مع النص، إلا أن التفاوت بين الحقيقة والمجاز ~~وبين النص والقياس هو اعتبار المعاني اللغوية في الحقيقة والمجاز، واعتبار ~~المعاني الشرعية في النص والقياس. ### | AUTO [الصريح والكناية] # (وأما الصريح)، فإن قيل: ما الفرق بين الظاهر والصريح مع أن المراد بكل ~~واحد منهما ظهور المراد؟ # قلنا: الفرق أن الصريح ينضم إليه كثرة الاستعمال فيسمى صريحا، ولا يشترط ~~ذلك في الظاهر. كذا ذكر في: "ميزان الأصول". # وفرق آخر أن الظاهر قد يكون بطريق الإشارة، والصريح قط لا يكون بطريق ~~الإشارة. PageV01P256 # وفرق آخر وهو أن الظاهر لا يكون مرادا بسوق الكلام، والصريح هو المراد ~~بسوقه، ثم لا يشترط في الصريح كونه حقيقة، بل قد يكون حقيقة كما في قوله: ~~بعت، واشتريت، وقد يكون مجازا كالمجاز المتعارف كما في قوله: لا يضع قدمه ~~في دار فلان، فإنه صار صريحا في حق الدخول في العرف وهو مجاز. # (القذور): اسم امرأة، وهي التي تتقذر أي تتنزه عن الأقذار. # المصارحة: باكسي رويا روي كاري كردن، واستعملها هنا بمعني التصريح الذي ~~هو خلاف التعريض، وتقرير الكناية قوله تعالى {أو جاء أحد منكم من الغائط} ~~تعريض للحدث بالمكان المطمئن من الأرض. # فإن قيل: هذا مجاز. قلنا: لا تنافي بينهما؛ إذ الكناية لا تختص PageV01P257 ### | CHECK أقسام الدلالات ### || CHECK عبارة النص # بالحقيقة على ما عرف في "التقويم" وقال الإمام مولانا بدر الدين الكر ~~دري- رحمه الله-: والفرق بين المجاز والكناية: أن المجاز مع الحقيقة لا ~~يجتمعان، والكناية قد تجتمع مع الحقيقة؛ لأن الحقيقة مراده ms047 في موضع الكناية ~~مع ما كني له، والحقيقة ليست مراده في موضع المجاز، بل تنحى الحقيقة إذا ~~أريد المجاز، ولا تنتحي الحقيقة إذا أريد الكناية. بيانه في كثير الرماد ~~عند إرادة الجود به، فإن كثرة الرماد تراد ويفهم مع ما أريد به الجود، فإنه ~~إذا كان كثير الرماد كان كثير الإيقاد، وكان كثير الطبخ، وكان كثير القرى، ~~وكان جوادا، فأريد كثرة الرماد لا لذاته ولكن لإثبات الجود، وكذلك في طويل ~~النجاد. # وأما في قوله: علي أسد الله. لا يثبت منه الهيكل المخصوص البتة، ولا PageV01P258 # تثبت الحقيقة أصلا لكن الكناية فيها استتار المراد، وهذا الاستتار يجوز ~~أن يكون في موضع الحقيقة، كما لو قال لامرأته: أنت حرام، ونوى به الطلاق ~~يثبت به الطلاق البائن فكان كناية في موضع الحقيقة أو في موضع المجاز، كما ~~في قولته تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} فهو كناية عن الحدث في محل ~~المجاز بطريق اسم المحل على الحال. ### || AUTO [2 - إشارة النص] # (والاستدلال بإشارة النص هو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا ~~سيق له النظم) # فعلى هذا لا فرق بين الإشارة والظاهر من حيث إن الكلام لم يسق لهما، ولكن ~~يفترقان من حيث إن الإشارة قد تقع خفية فتحتاج إلى نوع تأمل بخلاف الظاهر، ~~فإنه ظاهر كاسمه لا يخفي على أحد، ولهذا خفي على الشافعي حكم الإشارة في ~~قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} حيث قال بعدم زوال أملاكهم عما خلفوا في ~~دار الحرب. PageV01P259 # (وليس بظاهر من كل وجه) فمن حيث إنه لم يسق الكلام له ليس بظاهر، ومن حيث ~~أنه يعلم المراد به ويثبت الحكم بالنظم ظاهر، وإنما سيق النظم أي قوله ~~تعالى: {للفقراء المهاجرين} (لاستحقاق سهم من الغنيمة على سبيل الترجمة لما ~~سبق) أي على سبيل البيان والبدل لما سبق، وهو قوله تعالى: # {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} إلى قوله: {ولذي القربى} وقوله: ~~{للفقراء} بدل من # {ولذي القربى} إلى أخره، ففي هذا البدل زيادة تشريف لهم للتخصيص بعد ms048 ~~التعميم، أو قوله: # {للفقراء} معطوف على الأول بغير واو، وهو جائز، كما يقال: هذا المال PageV01P260 # لزيد ولعمر، ولبكر. # (إلى إن النسب إلى الآباء)؛ لأنه ذكر بحرف اللام، واللام للاختصاص. # يقال: المال لزيد. أي مختص به، ولو لم يكن كل النسب إليه، يكون حينئذ بعض ~~المولود له فلا اختصاص فيه. # (وإلى قوله- عليه السلام- "أنت ومالك لأبيك") أي في الآية إشارة إلى أن ~~النسب إلى الآباء، وإشارة أيضا إلى عبارة قوله- عليه السلام- وإلى ما هو ~~المفهوم منه، وهو قوله- عليه السلام-: "أنت ومالك لأبيك" لكن لا يتحقق ~~الملك في ذاته؛ لأنه ابنه فصرف إلى النسب، وكذلك لا يتحقق ملك الرقبة في ~~ماله؛ لأن ملك الرقبة في جميعه ثابت للابن فصرف إلى جواز تملك أبيه عند ~~الاحتياج. # ونظير هذا أي في أن الثابت بإشارة الكتاب ثابت بعبارة الحديث سقوط PageV01P261 # النجاسة عن سؤر هرة، لكن فيه دلالة الكتاب قامت مقام إشارته ها هنا، وذلك ~~أن سقوط النجاسة عن سؤر الهرة ثابت بدلالة الكتاب الذي أجب سقوط استئذان في ~~غبر أوقات الثلاثة لعلة ضرورة الطواف في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~ليستاذنكم الذين ملكت أيمانكم} إلى أن قال: {ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن طوافون عليكم} فإن هذا الحكم بعينه ثابت بعبارة الحديث حيث قال: " ~~الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين والطوافات عليكم" # (وفيه إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إذا رفعت مدة الرضاع) لأنه ~~قال في آية أخرى: # {وفصاله في عامين} فبقى للحمل ستة أشهر، PageV01P262 # وهي أدنى مدة يتصور فيها وضع الولد، فكان هذا في الحقيقة من قبيل بيان ~~الضرورة، كما في قوله تعالى: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} فإنه لما رفع الثلث ~~للأم كان الباقي- وهو الثلثان- للأب؛ لأنه لا وارث غيرهما، فكذا ها هنا لما ~~رفعت مدة الرضاع من ثلاثين شهرا لعامين بقي للحمل ستة أشهر. # وروى: أن امرأة ولدت لستة أشهر يعني من وقت التزوج، فرفع ذلك إلى عمر- ~~رضي الله عنه- فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا- رضي الله عنه- فقال: لا رجم ~~عليها، فبلغ عمر قول علي- رضي ms049 الله عنه- فأرسل إليه فسأله عن ذلك فقال: قال ~~الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} وقال أيضا: {وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا} فستة أشهر وحولان ثلاثون شهرا، فخلى سبيلها PageV01P263 # كذا في "التيسير". # ثم روى مثل هذه الحكاية بين عثمان وابن عباس- رضي الله عنهم- وهذا التمسك ~~بهذه الآية في أن تقسم مدة الثلاثين بين الحمل والفصال بطريق الاشتراك فيها ~~على مضاد التمسك بهذه الآية في تعليل أبي حنيفة- رضي الله عنه- في ~~"الهداية" حيث جعل هذه المدة لكل منهما على الكمال، ثم ظهر المنقص في ~~أحدهما وهو الحمل فبقي الباقي وهو الفصال على حاله بمدة ثلاثين PageV01P264 # شهرا كالأجل المضروب للدينين. يعني إذا ظهر المنقض في أحدهما يبقى الباقي ~~على حاله بكمال المدة. ### || AUTO [3 - دلالة النص] # (وأما الثابت بدلالة النص فما ثبت بمعنى النص لغة) أي كل من يعرف اللغة ~~العربية يعرف الحكم الثابت بدلالة النص، فكان ذلك الحكم ثابتا من حيث ~~اللغة، فمعرفته غير متوقفة على الرأي والاستنباط. # (فالاجتهاد) بذل المجهود- وهو الطاقة- لنيل المقصود. PageV01P265 # (والاستنباط): استفعال من النبط، وهو الركية التي أخرجها الحافز بكد ~~عظيم، والعلم منه بمنزلة الماء؛ لأن فيه حياة الدين كما أن الماء حياة الأرض. # سمي الاجتهاد استنباطا؛ لأن الوقوف على المعنى المؤثر متعسر، وهذا من ~~ترشيح الاستعارة؛ لأن العلم لما كان ماء بطريق الاستعارة سمي استخراج ~~المعنى المؤثر من النص استنباطا ترشيحا للاستعارة. # ألا ترى أن موضع التعليل يسمى مورد التعليل، وهو موضع ورود الماء من ~~الوارد، وهم الذين يردون الماء. وكذلك سمي نقل العلم رواية، إلا أن رواية ~~العلم من حد ضرب، والري في الماء من حد علم، وهما يشتركان في اسم الفاعل ~~حيث يقال لكل منهما: راو، والاشتراك في الحروف يوجب PageV01P266 # الاشتراك في تقارب المعنى لما عرف في حروف الربح والكناية، وعن هذا أيضا ~~شبه النبي- عليه السلام- العالم بالعين الفوارة في قوله: "إنما مثل العالم ~~كالحمة تكون في الأرض يأتيها البعداء ويتركها الأقرباء، فبينا هم كذلك إذ ~~غار ماءها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكهون" الحمة: -بفتح الحاء- عين حارة ~~الماء ms050 يستشفى بها المرضى والإعلاء، يتفكهون: أي يتندمون ويتعجبون من شأن ~~أنفسهم، وما فرطوا فيه من طلب حظهم مع إمكانه PageV01P267 # وسهولة مأخذه. # (فهذا فعل معلوم بظاهرة) وهو قوله: {أف} مفهوم بمعناه أيضا وهو الأذى، ~~فإنه إنما كان حراما لكونه أذى فكان الأذى منهيا عنه بمعنى النص بطريق ~~اللغة، فصار من حيث المعنى كأنه قال: فلا تؤذهما، ولو قال هكذا كان الضرب ~~والشتم حراما لوجود الإيذاء بهما، فكذا هنا من حيث المعنى. (كمعنى الإيلام ~~من الضرب) يعنى لو قيل: لا تضرب كان يعلم منه النهي عن الإيلام، كما لو ~~قال: لا تؤلم. # ألا ترى أنه لو حلف لا يضرب امرأته فنخنقها أو عضها أو مد شعرها حنث، كما ~~لو حلف لا يؤلم امرأته. PageV01P268 # وحاصله أن نص التأفيف أوجب حكمتين: # أحدهما- بظاهرة أي بعبارة النص، وهو حرمة التأفيف، فإن العبارة نطقت به. # والثاني- بدلاته، وهو حرمة الضرب والشتم، وكذلك قوله تعالى: {للفقراء ~~المهاجرين} أوجب حكمين: أحدهما- بعبارته، والثاني- بإشارته، حتى شارك فيه ~~غير الفقهاء أهل الرأي والاجتهاد. # فإن قلت: والشافعي لم يعمل بوجوب الكفارة في الأكل العمد مع أن ذلك ثابت ~~بدلالة النص؛ إذ القياس لا يجري في الكفارات، ففي هذا إخراج الشافعي عن ~~كونه من أهل الاجتهاد، بل عن كونه من أهل اللغة فكان هو غير مدرك لدلالة ~~النص مع كونه من أهل الاجتهاد ومن أهل اللغة، فما وجهه؟ # قلت: قد أسلفت جواب هذا وما يشاكله في "الوافي". PageV01P269 # وحاصل ذلك أنا لما أثبتنا فيه وجه دلالة النص وبينا المساواة بين وجوب ~~الكفارة بالجماع وبين وجوب الكفارة بالأكل العمد والشرب العمد بحيث لم يبق ~~لمنصف شبهة. بعد ذلك لم يضرنا خلاف من يخالفنا فيه، وإن كان هو من أهل ~~الاجتهاد، فكان التقصير من قبله لا في حق ثبوت دلالة النص. ### || AUTO [4 - اقتضاء النص] # (وأما الثابت باقتضاء النص) أي الحكم الثابت باقتضاء النص (فما لم يعمل ~~إلا بشرط تقدم عليه) أي فما لم يعمل النص وهو المقتضي إلا بشرط وهو المقتضي ~~تقدم عليه أي تقدم اشرط على ms051 النص، وهو المقتضي. # قوله: (وأما الثابت باقتضاء النص فما لم يعمل إلا بشرط تقدم عليه) أي ~~وأما الحكم الثابت باقتضاء النص فهو الحكم الذي لم يعمل النص فيه إلا بشرط ~~تقدم على ذلك النص، وحذف الضمير الراجع إلى الحكم الموصوف PageV01P270 # كان نظير حذف الضمير الراجع إلى الموصوف في قوله تعالى: {واتقوا يوما لا ~~تجزي نفس عن نفس} أي لا تجزي فيه نفس؛ لأن المقتضى هو الذي ثبت زيادة على ~~النص شرطا لصحة المقتضى، فكان المقتضى ثابتا ضرورة صحة النص؛ إذ لا صحة ~~للنص بدونه، فتثبت المقتضى شرطا لصحة لمقتضى بمنزلة الشروط، والمقتضى ~~بمنزلة الشرط؛ إذ لا صحة للمشروط بدون الشرط، فكان المقتضى تبعا للمقتضي ~~كالشرط تبع للمشروط، فيبثث بقدر ما يصبح النص، ولهذا قلنا: إن المقتضى لا ~~عموم له؛ لأن ثبوته بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الزائد على الخصوص، فلا ~~يثبت العموم جريا على الأصل؛ لأن الأصل أن ما لا يكون مذكورا لا يكون ~~مذكورا، وهو معنى قول المشايخ: ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، فإذا ~~ثبت أن ثبوت المقتضى لصحة المقتضي يثبت بما هو يصلح تبعا لا أصلا. # ولهذا قال علماؤنا- رحمهم الله:- إن الكفار لا يخاطبون بالشرائع؛ إذ لو ~~كان الكافر مخاطبا بالشرائع يكون الإيمان ثابتا بطريق الاقتضاء، والإيمان ~~لا يصلح أن يكون تبعا لما هو تبعه؛ لأن جميع الأحكام الشرعية من العبادات ~~تبع للإيمان، الشيء لا يصلح أن يكون تبعا لما هو تبعه. # ولهذا قلنا: إن المولى إذ دفع رقبة إلى عبده وقال: كفر عن كفارة يمينك ~~بإعتاق هذا العبد. لم يثبت عتق العبد المخاطب بهذا الكلام، وإن كان هذا PageV01P271 # الكلام مقتضيا عتقه ضرورة؛ لما أن العبد لا يصير مالكا للتكفير بالإعتاق ~~إلا بعد عتقه أولا، فلا يثبت العتق بمقتضي قوله: كفر عن كفارة يمينك بإعتاق ~~هذا العبد؛ لأن الأهلية للإعتاق إنما تثبت بعد حرية نفسه أولا وهي أصل، فلا ~~يجوز أن تثبت تبعا لما هو تبعه وهو التكفير بالإعتاق، وإذا ثبت أن المقتضى ~~تبع للمقتضى كان المنظور إليه ms052 الأصل وهو المقتضى لا المقتضى، فلذلك يثبت ~~المقتضى بوصف المقتضى لا بوصف نفسه حتى لا يشترط في التمليك الثابت بطريق ~~الاقتضاء ما يشترط في التمليك ألقصدي من الإيجاب والقبول، وكذلك لو كان ~~الأمر بالإعتاق منه في قوله: أعتق عبدك عني على ألف درهم. ممن لا يملك ~~الإعتاق كالصبي لم يثبت البيع بهذا الكلام، فكان الاعتبار للمتبوع وهو ~~المقتضي لا للتبع وهو المقتضي، فإذا ثبت هذا لا يفترق الحال بين أن يكون ~~التبع مقدورا أو مصروحا كان الاعتبار للمتبوع لا للتبع. # ألا ترى أن الحيوانات وغيرها مما يقع به القوام خلقت للآدمي، فكان الآدمي ~~أصلا وغيره تبعا، فلذلك كان العبرة له لا لها. # (فصار هذا) أي فصار حكم المقتضي (مضافا إلى النص بواسطة المقتضي)، فلذلك ~~كان كالثابت بالنص؛ لأنه صار المقتضي حكمه حكما للنص، فكان كالعتق الثابت ~~للقريب بالشراء، فإن العتق هناك حكم حكم الشراء؛ لأن حكم الشراء الملك، ~~وحكم الملك في القريب العتق، فالملك بحكمه مضاف إلى الشراء، فلذلك قيل: ~~شراء القريب إعتاق بهذا الطريق لا أن يكون الشراء موضوعا للإعتاق؛ لأن ~~الشراء موضوع لإثبات الملك لا PageV01P272 # لإزالته، فيستحيل أن يكون ما هو موضوع للإثبات موضوعا للإزالة. # وأما المحذوف: فما ثبت حذفه من الكلام بطريق الاختصار، وهو ثابت لغة؛ لأن ~~الكلام يتنوع إلى مختصر ومطول، والمختصر مثل المطول في إفادة المراد. # ألا ترى أنه لا فرق بين قولهم: اضرب. وبين قولهم: افعل فعل الضرب، وكذلك ~~لا فرق بين قولهم: لفلان علي تسعمائة. وبين قولهم: لفلان علي ألف إلا مائة. ~~فثبت أن المحذوف من باب اللغة، ولهذا يكون عاما بلا خاف حتى إنه لو قال ~~لامرأته: طلقي نفسك. ونوى به الثلاث يصح؛ لأن ذلك مختصر قوله: افعلي فعل ~~الطلاق، وذلك يصلح للعموم فكذا هنا، وتقرير هذا في قوله تعالى: {واسأل ~~القرية} إن الأهل محذوف ولا مقتضى؛ إذ لو كان مقتضى لكان المسئول هو القرية ~~لا الأهل لما ذكرنا أن المقتضى هو الأصل، والحكم مضاف إلى الأثل، والمسئول ~~هو الأهل هنا دون ms053 القرية، فلما لم تصلح القرية أن تكون مسئولة لم يفترق ~~الحال بين أن يكون الأهل محذوفا أو مصارحا في أن السؤال يتحقق من الأهل لا ~~من القرية، إلا PageV01P273 # أنه إذا كان محذوفا أضيف السؤال إلى القرية بطريق حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه، وكذلك في قوله- عليه السلام-: "رفع الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه". PageV01P274 # وفي قوله- عليه السلام-: "الأعمال بالنيات". الحكم محذوف فيهما لا مقتضى؛ ~~إذ لو كان مقتضى لكان المرفوع هو الخطأ والنسيان لما عرف أن المثبت هو ~~المقتضى، وذلك غير مستقيم؛ إذ الخطأ والنسيان واقعان، فكان الحكم محذوفا لا ~~مقتضى، والمحذوف هو الأصل في باب الحذف، والمقتضى تبع في باب الاقتضاء، ~~فكانا على طرفي نقيض، فكان ثبوت المقتضى تبع في باب الاقتضاء، فكانا على ~~طرفي نقيض، فكان ثبوت المقتضى لصحة المذكور وصلاحه لما أريد به، فيكون ~~الصالح لما أريد به من الحكم المقتضي المذكور لا المقتضى المقدر، والمحذوف ~~هو الصالح لما أريد به من الحكم لا المذكور، كالأهل في قوله: {واسأل ~~القرية} فإن الصالح لما أريد به من الحكم وهو الاستعلام والاستخبار هو ~~الأهل لا القرية، وكذلك الصالح لما أريد به من الحديث الحكم لا الخطأ ~~والنسيان، وهو معنى ما قال في الكتاب. # (وعلامته) أي وعلامة المقتضى المقدر (أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ~~ظهوره، ويصلح لما أريد به)، يعني أن المقتضى إذا صرح يكون المقتضي. PageV01P275 # المذكور صحيحا كما كان قبل تصريح المقتضى، وهو صالح لما أريد به مع تصريح ~~المقتضى، والمحذوف إذا صرح ينقطع ما أضيف إلى المذكور على ما ذكرنا. # فإن قيل: لما جمع المصنف- زحمة الله- هذه الألفاظ، وهي قوله: أن يصح به ~~المذكور ولا يلغى عند ظهوره، ويصلح لما أريد به، وهذه قضيات متلازمة؛ إذ ~~يستفاد من واحدة منها ما يستفاد من الأخريين؟ # قلنا: لا نسلم؛ لأن لكل واحدة منها فائدة غير الفائدة التي من الأخرى، ~~والتي استفيدت من إحداها لا تستفاد من الأخرى. بيان ذلك هو أن الشيء إذا ~~كان صحيحا في نفسه لا يلزم أن ms054 يكون صالحا لما أريد به لا محالة، بل قد لا ~~يصلح لما أريد به وإن كان صحيحا في نفسه، وكذلك عكسه غير لازم أيضا، أعني ~~يجوز أن يكون الشيء صاللحا لما أريد به، وهو غير صحيح في نفسه. # ألا ترى أن من صلى مراءاة للناس عند استجماع شرائط جواز الصلاة كانت ~~صلاته صحيحة مع أنها غير صالحة لما أريد منها من الحكم، وهو ابتغاء مرضاة ~~الله تعالى وثواب الخير في الآخرة، وكذلك في عكسه الملازمة غير ثابتة أيضا، ~~فإن من توضأ بماء نجس وهو لا يعلم بنجاسته مع أنه لم يقصر في الطلب وصلى ~~كانت صلاته صالحة؛ لما أريد بها من ثواب الخير في الآخرة وصلاته غير صحيحة. # علم بهذا أن الصحة مع الصلاحية لما أريد به من الحكم غير متلازمين، ولأنه ~~أراد بقوله: ويصلح لما أريد به. الملك؛ فإنه صالح للإعتاق بخلاف ما PageV01P276 # قدر فيه غير الملك، كالنكاح والطلاق مثلا لا يكون هو صالحا للإعتاق. # وأما قوله: "ولا يلغى عند ظهوره" فهو غير مذكور في بعض النسخ، فلا يلزم ~~السؤال حينئذ، ولئن ثبت فالمراد به القصد إلى الفرق بينه وبين المحذوف ~~بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح أقوى في ~~البيان، ومقام الفرق بين المتساويين مقام اختيار أقوى البيانين لإزالة ~~الالتباس بينهما بآكد الوجوه. # أو نقول: على تقدير التسليم بأن هذه قضيات متلازمة إن ذكر هذه القضيات ~~المتلازمة لبيان خاصية المقتضى لا لبيان تنويع المقتضى بأنه نوعان أو أنواع ~~كما في قوله تعالى: {وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا} هذا لبيان ~~خاصية الإشراك بالله أن لا يقوم على صحته حجة لا لبيان أنه نوعان، وكما في ~~قوله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} هذا بيان خاصية الطائر لا أن الطائر ~~نوعان، فكذا ها هنا كان معناه أن خاصية المقتضى أن يصح به المذكور ولا يلغى ~~عند ظهور ويصلح لما أريد به لا بيان أنه نوعان. # (لم يتحقق في القرية ما أضيف إليها) وهو السؤال؛ لأن الأهل إذا ms055 صرح به ~~ينتقل السؤال المضاف إلى القرية إلى الأهل الذي صرح به، فلما لم يبق الكلام ~~على حاله بعد التصريح، علم أنه كان من باب الحذف والإضمار PageV01P277 # لا من باب اقتضاء. # (الأمر بالتحرير للتكفير مقتض للملك ولم يذكر) أي الملك لم يذكر ولو ذكره ~~بقوله: فتحرير رقبة مملوكة بقى قوله: {فتحرير رقبة} كما كان أي كان صالحا ~~لما أريد به. فكذا إذا قدر مذكورا بقى قوله: {فتحرير رقبة} صالحا لما أريد ~~به وهو التفكير. # ثم اعلم أن ما أثبت الحكم بصيغة النص مع سوق الكلام له فهو عبارة النص، ~~والحكم الثابت به ثابت بعبارة النص، فقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن} ~~عبارة عفي إيجاب النفقة، ووجوب النفقة حكم ثابت بعبارة النص، وكذلك في غيره ~~على هذا النسق. # (والفصل الرابع في بيان أحكامها) أي الرابع من تقسيم قوله: هذا لبيان ~~معرفة هذه الأصول لغة، وتفسير معانيها، وبيان ترتيبها، فيكون بيان الأحكام ~~من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، فيكون بيان الأحكام ~~من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، أي أيها راجح، وأيها ~~مرجوح، وأيها يقدم على البعض، وقوله: في أحكامها؛ أي في الآثار الثابتة بها ~~شرعا، والله أعلم. PageV01P278 # [باب في معرفة أحكام الخصوص] # (اللفظ الخاص يتناول المخصوص قطعا) أي المراد بالخاص قطعا. أي بحيث يقطع ~~الشبهة ويقينا أي بحيث يستقر اعتقاد القلب عليه، فكان قوله: (بلا شبهة) ~~مؤكدا لقوله: يقينا؛ بذكر لازمه كقوله تعالى: {نفخة واحدة} (لما أريد به من ~~الحكم) أي اللفظ الخاص بتناول المخصوص لأجل ما أريد بالمخصوص من الحكم بيان ~~ذلك أن (قوله تعالى: {ثلاثة قروء}) خاص يتناول مخصوصه وهو الأفراد الثلاثة ~~لما أريد به من انقضاء العدة، وكذلك (قوله تعالى: {اركعوا} يتناول الميلان ~~لما أريد به من جواز الصلاة. # (لا يخلو الخاص عن هذا) أي عن تناول المخصوص قطعا، (وإن PageV01P279 # احتمل التغير عن أصل وضعه). # فإن قيل: يجب ألا يثبت الحكم به قطعا؛ لأنه محتمل لغير ما وضع له على ما ~~قال في الكتاب. # قلنا: ms056 بلى محتمل، لكن الاحتمال إذا لم ينشأ عن دليل فهو غير معتبر؛ لأنه ~~مجرد احتمال إرادة الخصوص من المتكلم وذلك غيب عنا، ولا يكلف درك الغيوب ~~فلا تبقى له عبرة أصلا فألحق بما ليس محتملا في نفسه، فلذلك يثبت الحكم به ~~قطعا. يقرره أن الله تعالى تعبدنا بأوامره ونواهيه، فالعبادة واجبة علينا ~~قطعا، وإن كان احتمال غير الوجوب ثابتا. # ألا ترى أن العقلاء بأسرهم لم يتحرزوا عن احتمال لم ينشأ عن دليل، حتى ~~أنهم دخلوا في المسقف مع أن احتمال السقوط ثابت جزما، لكنه لما لم ينشأ عن ~~دليل فلم يعتبروه. # (لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان، لكونه بينا لما وضع له) فكان في ~~القول بالتصرف فيه بطريق البيان لزوم بيان المبين، وهو إثبات الثابت أو نفي ~~المنفي وهو نفي الخفاء مع أن الخفاء منتف وهو مستحيل. # (لأنا إذا حملنا على الأطهار انتقص العدد عن الثلاث)؛ لأنه إذا طلقها في ~~لآخر طهرها تحتسب هذه البقية عنده من العدة، فتكون العدة طهرين وبعض ~~الثالث، فلا يكون عدد الثلاث كاملا. PageV01P280 # فإن قيل: قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} والمراد به شهران وبعض الثالث ~~وهو عشر ذي الحجة، فجاز أن يكون ها هنا هكذا أيضا. # قلنا: لفظة الثلاثة غير منصوصة هناك، بل فيه ذكر الأشهر وهو ليس باسم ~~لعدد معلوم بل هو اسم عام، فيجوز أن يذكر العالم ويراد به البعض، ولا يجوز ~~في العدد ذلك وهو أن يذكر عدد معلوم ويراد به بعضه؛ رأيت رجالا، وهو قد رأى ~~رجلين، ولا يجوز أن يقال: رأيت ثلاثة رجال، وهو رأى رجلين. # فإن قيل: مسمى ثلاثة أطهار موجود في القرأين وبعض الثالث. # قلنا: ليس المراد من قوله: {ثلاثة قروء} مسمى الطهر، بل المراد منه كمال ~~الطهر وهو ما كان بين الدمين؛ لأنه لو كان المراد منه مسمى ثلاثة أطهار ~~يلزم أن تنقضي العدة في ظهر واحد، بل في ثلاثة أيام، بل في ثلاثة ساعات؛ ~~لما أن في كل يوم وفي كل ساعة مسمى الطهر موجود ms057 بدليل جواز إطلاق الطهر ~~عليه، وحيث لم تنقض به بالاتفاق علم أن المراد به الطهر الكامل على قول من ~~جعله أطهارا، وبعض الطهر لا يكون طهرا كاملا. PageV01P281 # (كالفرد لا يحتمل العدد) خلا أن الفرد قد يكون اعتباريا كاسم الجنس فإنه ~~فرد باعتبار أنه جنس واحد بالنسبة إلى سائر الأجناس، كاسم الماء وغيره، ~~فإنه يتناول جميع المياه باعتبار اتحاد الجنسية، حتى لو حلف لا يشرب الماء ~~ونوى جميع المياه صدق فلا يحنث أبدا، فإن اسم الماء اسم فرد من حيث اتحاد ~~الجنس، وقد يكون الفرد حقيقيا وهو القطرة من الماء، حتى أنه يحنث فيما إذا ~~حلف لا يشرب الماء بشرب قطرة منه إذا لم يكن له نية الجميع ولا يحتمل عددا ~~من القطرات، ولهذا لو نوى قطرتين أو أكثر منهما من القطرات لا يصدق؛ لأن ~~ذلك اسم فرد، وما نواه عدد، والفرد لا يحتمل العدد، ثم قوله: (كالفرد لا ~~يحتمل العدد، أعلم من قوله: (والواحد لا يحتمل المثنى)؛ لأنه لم يتعرض لعدد ~~من PageV01P282 # الأعداد، فكان متناولا لجميع الأعداد بخلاف المثنى، (فكان هذا بمعنى الرد ~~والإبطال) أي فكان حمل الشافعي قوله تعالى: {ثلاثة قروء} على الأطهار بمعنى ~~رد خاص الكتاب وإبطاله. # (فلا يكون إلحاق التعديل به) أي بالركوع. # وقوله: (بيانا صحيحا) متصل بقوله: (فلا يكون) على انه خبره، (بل يكون ~~رفعا لحكم الكتاب) وهو جواز الصلاة بمجرد الركوع الذي هو عبارة عن الميلان ~~بما يقطع اسم الاستواء من غير إلحاق التعديل به. # فإن قيل: لم لا يجعل ورود ذلك للبيان الشرعي حتى يتوقف تمام الركوع إلى ~~الإتيان بالتعديل شرعا؟ # قلنا: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. وقوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~فكان ما ورد من البيان بيانا شرعيا؛ لأنه لا يمكن العمل به إلا بذلك البيان ~~بخلاف ما نحن فيه، فإنه يمكن العمل به بمجرد اسم الركوع، ونحن مأمورون ~~بامتثال ما علمنا من البيان من القرآن. قال الله PageV01P283 # تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وقوله: "بخبر الواحد" ~~أراد به قوله- عليه السلام-: "قم ms058 فصل فإنك لم تصل" قال لأعرابي أخف الصلاة ~~(لكنه يلحق به) أي يلحق التعديل بالركوع. # (فلا يصح بخبر الواحد) أي لا يصح النسخ بخبر الواحد، وهو قوله- عليه ~~السلام-: "الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه المنطق". # على الوصف الذي ذكرنا أي إلحاق الفرع بالأصل. PageV01P284 # فإن قيل: يشكل بالتيمم، فإنه لفظ خاص لمعنى خاص ويزاد عليه النية. # قلنا: لا يزاد بل شرط النية في التيمم مستفاد من لفظة التيمم؛ لأن الأم ~~القصد والقصد هو النية. # فإن قلت: زيادة النية في الوضوء أيضا مستفادة من نظم القرآن؛ لما أن قوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} خرج جزاء للشرط المذكور قبله، وهو قوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} فكان تقديره حينئذ: فاغسلوا وجوهكم ~~للقيام إلى الصلاة، ولا يعني بالنية سوى أن يكون غسل هذه الأعضاء للقيام ~~إلى الصلاة، ولا يعني بالنية سوى أن يكون غسل هذه الأعضاء للقيام إلى ~~الصلاة، فكانت النية موافقة للنظم. # ألا ترى أن قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة} اشتراط ~~النية عند تحرير رقبة مؤمنة للقتل الخطأ لم يكن زيادة على النص لهذا فكذا هنا. # قلت: نعم كذلك لكن اشتراط النية في جزاء الشرط فيما إذا كان ذلك الجزاء ~~للشرط المذكور كما في آية الكفارة. # وأما إذا كان ذلك الجزاء جزاء للشرط المذكور وشرطا لمشروط آخر كما في PageV01P285 # آية الوضوء لا تشترط النية في أن يكون هذا الشرط شرطا لمشروطه؛ لما أن ~~الشرط يراعي وجوده لتحقق المشروط لا وجوده قصدا كما في اشتراط اللباس ~~واستقبال القبلة للصلاة لا تشترط النية فكذا هنا. # قوله: "بل نسخا محضا"؛ لأن الكتاب اقتضى جواز الطواف بالحدث؛ لما أن ~~الطواف ليس إلا الدوران حول البيت، فلو قلنا بأنه تفترض الطهارة يلزم نسخ ~~الكتاب كما أن العالم الذي يتناول أفرادا إذا جاء الناسخ لبعض الأفراد كان ~~ذلك نسخا محضا. كذلك ها هنا بل أولى؛ لأن هاهنا لا يبقى الطواف أصلا إذا ~~وقف جواز الطواف إلى وجود الطهارة عن الحدث إذا ms059 طاف بالحدث، ولا يلزم فصل ~~الجنابة؛ لأنا أوجبنا الإعادة باعتبار النقصان لا باعتبار الجواز، ولهذا لو ~~رجع يحتسب به، ويجب البدنة باعتبار النقصان، كسجدة السهو في الصلاة، ووجوب ~~الإعادة لا يدل على عدم الجواز كالصلاة إذا أديت مع الكراهة ولو لم يكن ~~جائزا لما سمي الثاني إعادة بل يسمى ابتداء الصلاة والطواف. # وقوله: (ليثبت الحكم بقدر دليله) لما أن الحكم نتيجة السبب فمهما كان ~~السبب أقوى كان الحكم أقوى، ومهما كان السبب أضعف كان الحكم أضعف. PageV01P286 # (وبطل شرط الولاء والترتيب والتسمية) وتفسير الولاء هو: أن يجمع بين هذه ~~الأعضاء في الغسل في موضع واحد ولا يشغل في وسط الوضوء بعمل آخر. كذا في ~~"المغني". واشتراط الولاء مذهب مالك، PageV01P287 # والترتيب مذهب الشافعي، والتسمية مذهب أصحاب الظواهر تمسكا بقوله عليه ~~السلام: (لا وضوء لمن لم يسم). # فإن قيل: ينبغي أن يكون الولاء والترتيب والتسمية واجبة كما قلتم في ~~التعديل مع الركوع والسجود. # قلنا: هذا لا يمكن؛ لأنا لو قلنا بوجوبها يلزم مساواة فرع التبع فرع ~~الأصل، يعني لو أوجبنا الولاء والترتيب والتسمية في الوضوء كما أوجبنا ~~التعديل في أركان الصلاة يلزم الاستواء في التبعين مع التفرقة في الأصلين، PageV01P288 # وهو أن الوضوء فرض غير مقصود؛ لأنه شرط، والركوع فرض ركن وركن الشيء أقوى ~~من شرطه، فلذلك جعل تبع الركوع وهو التعديل واجبا، وتبع الوضوء وهو النية ~~وأختاها سنة؛ كيلا يلزم مساواة التبعين مع عدم مساواة الأصلين، وهو غير ~~مستقيم، فإن غلام الوزير لابد أن يكون أدنى حالا من غلام الملك، ولا يجوز ~~أن يقال: ينبغي أن يكون الوضوء واجبا لا فرضا إظهارا للتفاوت بين الأصل ~~والفرع؛ لأنا نقول: عملنا بموجب هذا مرة حيث جعلناه شرطا، وشرط الشيء تبعه، ~~ثم لا يجوز أن يكون الواجب شرطا لفرض؛ لأن شرط الشيء ما يتوقف عليه ذلك ~~الشيء أي لا يكون ذلك الشيء معتبرا بدون ذلك الشرط، فلذلك لم يصلح أن يكون ~~واجبا؛ لأن للفرض وجودا بدون الواجب. # أو نقول: إن الأحاديث التي اقتضت وجوب الولاء والترتيب ms060 والتسمية لم تبلغ ~~درجة الحديث الذي اقتضى وجوب التعديل والفاتحة في الصحة؛ فلذلك لم تقل ~~بوجوب هذه الأشياء، وقلنا بوجوب التعديل والفاتحة. PageV01P289 # (فصار مذهب المخالف غلطا من وجهين)؛ لأن الكتاب يجب أن يكون فوق خبر ~~الواحد، فلما سواهما (حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته) وخبر الواحد يجب ~~أن يكون دون الكتاب فلما سواهما في الرتبة (رفع خبر الواحد فوق منزلته) وهو ~~باطل كما أن منزلة العالم فوق منزلة الجاهل، ومن سواهما في الرتبة كان ذلك ~~منه غلطا من وجهين. # فإن قلت: بل هذا الذي ذكره غلط من وجه واحد لا من وجهين؛ لأن حط منزلة ~~الخاص من الكتاب عن رتبته بمقابلة خبر الواحد مستلزم رفع حكم خبر الواحد ~~فوق منزلته، وكذلك رفع حكم خبر الواحد فوق منزلته حط لمنزلة الخاص من ~~الكتاب عن رتبته، فلماذا قال: صار غلطا من وجهين؟ # قلت: نعم ذلك، إلا أن من أخذ أي طرف منهما كان المنظور إليه ذلك لا الذي ~~يلزم منه، فإنه إذا حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته كان المنظور إليه ~~والملتفت له ذلك لا رفع حكم خبر الواحد، وكذلك إذا رفع حكم خبر الواحد فوق ~~منزلته كان المنظور إليه ذلك لا حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته، وبهذا ~~الطريقة كان ذلك غلطا من وجهين. PageV01P290 # (لم يكن ذلك عملا بهذه الكلمة)؛ لأن الغاية لا أثر لها في إحداث الحل ~~الجديد، بل لها أثر في انتهاء المغيا عنده لا غير، كما إذا حلف لا يكلم ~~فلانا اليوم، وبعد مضي اليوم حل التكلم ليس بمضاف إلى اليوم، بل لما انتهى ~~اليوم عمل الحل السابق عمله، فكذلك هاهنا انتهت الحرمة بتزوج الزوج الثاني ~~وإصابته، وكونها محللة له بالنكاح مضاف إلى السبب السابق وهو كونها أنثى من ~~بني آدم ليست من المحرمات. PageV01P291 # (لأنها ظاهرة فيما وضعت له) وهو كون كلمة "حتى" موضوعة للغاية فحسب، ~~(والغاية بمنزلة البعض لما وصف بها) من حيث إنه هو، كما لا وجود لبعض الشيء ~~بدون كله، كذلك لا ms061 وجود للغاية بدون المغيا؛ ولأن الغاية صفة للمغيا. # ألا ترى أنه يقال: حرمة مغياة بغاية، وحرمة مؤبدة، والصفة لا تنفك عن ~~الموصوف، (وبعض الشيء لا ينفصل عن كله)، إذ لو انفصل لا يكون بعضه؛ إذ لا ~~وجود للبعض بدون الكل، ولا للكل بدون البعض، فإن وجود بعض الشيء يقتضي وجود ~~كله، كالواحد من العشرة لما كان بعضا للعشرة لم يتصور وجود الواحد من ~~العشرة بدون العشرة، ولو تصور واحد بدون العشرة لا يكون هذا واحدا من ~~العشرة؛ لما أن وجود بعض الشيء ولا شيء محال، وإذا كان كذلك كان وجود الزوج ~~الثاني وإصابته قبل وجود المغيا وعدمهما بمنزلة. لما أن الغاية لا عبرة لها ~~قبل المغيا على ما يجيء في مسألة الاستشارة. # قوله: (لكنها تكون غاية)؛ للابتداء لا للاستدراك. (فتلغو قبل وجود الأصل) ~~أي تلغو الغاية، وهي نكاح الزوج الثاني قبل وجود المغيا، وهو الطلقات ~~الثلاث، فصار نكاح الزوج الثاني وعدمه في مسألة الهدم PageV01P292 # سواء، وهذا كمن حلف لا يكلم فلانا في رجب حتى يستشير أباه، فاستشار أباه ~~قبل دخول رجب، ثم كلم فلانا في رجب قبل أن يستشير أباه فيه يحنث؛ لأن ~~استشارته أباه غاية لانتهاء اليمين، فكان استشارته أباه وعدمها قبل دخول ~~رجب سواء، فكذلك هاهنا كان تزوج الزوج الثاني وإصابته بها قبل وجود المغيا ~~وعدم تزوجها سواء، ولو تزوجها قبل تزوج الزوج الثاني أو قبل إصابة الزوج ~~الثاني كانت عنده بما بقي من التطليقات فكذلك هنا. # ثم حقيقة الغاية أن ينتهي بها المغيا من غير أن تكون للغاية أثر في إثبات ~~ما بعد الغاية من الحكم على ما ذكرنا. كما إذا حلف لا يكلم فلانا حتى تطلع ~~الشمس، فطلعت الشمس انتهت اليمين وبقي الكلام غير ممنوع بالإباحة الأصلية؛ ~~لأن الغاية تبيح الكلام، فكذلك ههنا إن الحرمة الغليظة إذا انتهت بنكاح ~~الزوج ثبت الحل الأصلي بالسبب السابق على ما ذكرنا. لا أن يكون الزوج ~~الثاني أثبت فيها حلا جديدا. # (الجواب أن النكاح يذكر ويراد به الوطء وهو أصله) ms062 إلى آخره. # فإن قلت: كان الواجب على أبي حنيفة- رحمه الله- وأبي يوسف إثبات أن الزوج ~~الثاني مثبت للحل فلماذا ابتدأ مطلع نكتتيهما هذه بأن النكاح يذكر ويراد به ~~الوطء حيث لا مناسبة لدعواهما بهذا المطلع؟ PageV01P293 # قلت: بل فيه مناسبة قوية، وهي أنهما يثبتان بهذا أن شرط الدخول في الزوج ~~الثاني لإثبات الحل للأول لم يثبت أصلا بالكتاب لا أصله ولا صفته، وإنما ~~المذكور في الكتاب النكاح لا غير، والمراد به العقد هاهنا لا الوطء، فكان ~~الكتاب غير متعرض للوطء أصلا، وشرط الوطء إنما ثبت بالسنن والأحاديث، ثم ~~أينما ثبت شرط الدخول في السنة ثبت بوصف التحليل، وهم (أي محمد والشافعي ~~ومن تابعهما) تركوا العمل بذلك الوصف الذي أثبتته السنة المشهورة، ونحن ~~عملنا بذلك مع جعل الزوج الثاني غاية، فإن من الغايات قد تكون غاية للمغيا ~~مع أنها تثبت حكما آخر، كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا) فالاغتسال هاهنا منه للجنابة ومثبت لحل القربان إلى الصلاة، فكذلك ~~هاهنا أن الزوج الثاني إذا وطئ كان منهيا للحرمة الغليظة ومثبتا للحل ~~الجديد في حق الزوج الأول، ولما ثبت كونه مثبتا للحل الجديد يثبت علمه ~~أينما وجد شرعا، فلذلك أثبت الحل الجديد فيما جون الثلاث أيضا؛ لأن وطء ~~الزوج الثاني موصوف بهذه الصفة، والصفة لا تفارق الموصوف، فأينما ثبت ~~الموصوف ثبتت صفته. # والدليل على هذا الذي ذكرته بما ذكر المصنف من مطلع النكتة هذا بيان أن ~~شرط الدخول لم يثبت بالكتاب أصلا ما ذكره شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- ~~في "أصول الفقه" بقوله: ولا خلاف بين العلماء أن الوطء من PageV01P294 # الزوج الثاني شرط لحل العودة إلى الأول بهذه الآثار، فنحن عملنا بما هو ~~موجب أصل هذا الدليل بصفته، فجعلناه موجبا للحل، وهم أسقطوا اعتبار هذا ~~الوصف من هذا الدليل استدلالا بنص ليس فيه بيان أصل هذا الشرط يعني الدخول، ~~ولا صفته. يعنى التحليل، فيكون هذا ترك العمل بالدليل الواجب ms063 له لا عملا ~~بكل خاص فيما هو موضوع له لغة. # وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- قالا: إن ~~إصابة الزوج الثاني بنكاح صحيح تلحق المطلقة بالأجنبية بالحكم المختص ~~بالطلاق كما بعد التطليقات الثلاث. # وبيان هذا أن بالتطليقات الثلاث تصير محرمة ومطلقة، ثم بإصابة الزوج ~~الثاني يرتفع الوصفان جميعا، وتلحق بالأجنبية التي لم يتزوجها قط، ~~فبالتطليقة الواحدة تصير موصوفة بأنها مطلقة، فيرتفع ذلك بإصابة الزوج ~~الثاني. # (وأما فعل الوطء فلا يضاف إليها مباشرته أبدا) أي بطريقة الحقيقة؛ (لأنه ~~لا تحتمل ذلك). # فإن قيل: يحتمل أن فعل النكاح بمعنى الوطء أضيف إليها مجازا لوجود PageV01P295 # التمكين إليه كما أضيف الزنا غليها كذلك. # قلنا: لو ترك الحقيقة في موضوع باعتبار عدم إمكان الحمل على الحقيقة لا ~~يلزم أن تترك الحقيقة عند إمكان الحمل عليها، ففي قوله تعالى: {الزانية ~~والزاني} لم يمكن العمل بحقيقته فحمل على مجازه، وأما هاهنا فالعمل بحقيقة ~~النكاح الذي هو الوطء بأن أضيف فعل النكاح الذي هو الوطء إلى الزوج، وأضيف ~~مجاز النكاح الذي هو العقد- لأنه سببه- إلى المرأة ممكن؛ فلذلك أضفنا حقيقة ~~النكاح إلى الزوج. # (ثم نكحت بعبد الرحمن بن الزبير) - بفتح الزاي- فعيل من الزبر وهو: ~~الزجر، والمنع. كذا في المغرب. وبخط الإمام تاج الدين الزربوخي- رحمه ~~الله-: الزبير- بفتح الزاي- من يهود قريظة. PageV01P296 # وأسلم ابنه عبد الرحمن بن الزبير، روى عنه ابنه الزبير بن عبد الرحمن بن ~~الزبير، فاسم ابنه بالضم، واسم أبيه بالفتح. # ("لا حتى تذوقي من عسيلته") العسيلة: تصغير العسلة، وهي القطعة من العسل، ~~وقد ضرب ذوقها مثلا لإصابة حلاوة الجماع ولذته، وإنما صغرت إشارة إلى القدر ~~الذي تحل يعنى تلك الحلاوة، وإن قلت تثبت الحل. ذكره في "المغرب". # (وفي ذكر العود دون الانتهاء) أي وفي ذكر رسول الله- عليه الصلاة السلام- ~~لفظ العود وتركه لفظ الانتهاء الذي هو مدلول الكتاب بقوله: {حتى تنكح} ~~إشارة إلى ذوق العسيلة يعني لم يقل النبي- عليه السلام: تريدين أن تنتهي ~~تلك الحرمة التي تثبت في الكتاب مغياة إلى إصابة الزوج الثاني؟ لما PageV01P297 # أنه لو ms064 ذكره كذلك لما علم كون الزوج الثاني مثبتا حلا جديدا. بل علم ~~انتهاء تلك الحرمة بدخول الزوج الثاني لا غيرن ولما ذكر العود وغيا عدمه ~~إلى غاية الذوق علم أن الزوج الثاني محلل؛ لأنه غيا عدم العود إلى ذوق ~~العسيلة فينتهي عدم العود بالذوق ويجيء العود لا محالة، والعود هو الرجوع ~~إلى الحالة الأولى، والعود الآن ثبت فيكون ثابتا به أي بذوق العسيلة بخلاف ~~أصل الحل؛ لأنه كان ثابتا قبل الحرمة الغليظة، وسبب ذلك كونها من بنات آدم- ~~عليه السلام- ليست من المحرمات إلا أن حكمه تخلف باعتراض الحرمة الغليظة، ~~فإذا انتهت الحرمة الغليظة أمكن أن يقال: يثبت الحل بالسبب السابق، وهو ~~كونها من بنات آدم ليست من المحرمات. # فأما العود فلم يكن ثابتا قبل ذلك وثبت الآن، فيكون حادثا به أي بذوق ~~العسيلة. # (لعن الله المحلل والمحلل له) سمي الزوج الثاني محللا، والمحلل من PageV01P298 # يثبت الحل كالمحرم من يثبت الحرمة، والمبيض من يثبت البياض، فأينما وجد ~~الزوج الثاني ثبت له هذه الصفة وهي التحليل. # فإن قيل: الحل ثابت للزوج فيما دون الثلاث، فكيف يثبت الزوج الثاني الحل ~~إذ في إثباته الحل إثبات الثابت وهو ممتنع كنفي المنفي؟ # قلنا: لا كذلك؛ لأن في هذا يثبت شيئا لم يكن هو ثابتا قبل هذا، وهو أن ~~الزوج الأول يملك الطلقات الثلاث بهذا التحليلن وكان يملك قبل هذا ~~التطليقتين، فعلم بهذا أن هذا الحل غير الحل الذي كان قبل التحليل. # وذكر في "الأسرار": التطليقة الواحدة إن لم توجب حرمة فهي بغرض أن توجب، ~~ولأنهما يقولان: إن الوطء لما رفع الحرمة الثابتة بالحرمة الغليظة منع ~~ثبوتها إذا قارن سبب ثبوت الحرمة بالطريق الأولى؛ لأن المنع أسهل من الرفع. # أو نقول: إن إثبات الثابت إنما لم يعتبر إذا لم يفد شيئا، أما إذا أفاد ~~كان معتبرا. # ألا ترى أن شراء الإنسان ماله بماله لا يصح؛ لأن فيه إثبات الثابت وهو ~~غير مفيد، ثم إذا اشترى ماله من المضارب يصح وإن كان فيه شراء ماله بماله؛ ~~لأنه بالشراء ms065 هذا يحصل ملك التصرف لنفسه في ذلك المال، وكذلك إذا ضم عبده ~~مع عبد غيره واشتراهما، فإنه يصح البيع والشراء حتى انقسم PageV01P299 # الثمن عليهما لما أنه مفيد في جواز العقد في الآخر، فكذلك هاهنا إثبات ~~الثابت في هذه الصورة مفيد؛ لأن الحل قبل هذا كان يزول بالطلقة أو ~~بالطلقتين، وبعد الزوج الثاني هاهنا لا يزول الحل إلا بالثلاث، فكان مفيدا فيصح. # وقال الإمام بدر الدين الكردري- رحمه الله- في جواب هذه الشبهة: إن الحل ~~وإن كان ثابتا فهو ناقص بدليل أنه لا يمكن أن يورد عليها العقد الثلاث ~~وكانت فيما قبل محلا للعقد الثلاث، دل أن الحل انتقص فكان كحل الأمة، فإنها ~~لما لم تكن محلا لإيراد العقد الثلاث عليها قلنا: إن حلها ناقص عن حل ~~الحرة، وإذا كان كذلك فالزوج الثاني يتم هذا الحل الناقص، فثبت أن الزوج ~~الثاني لا يثبت الثابت، بل يثبت ما ليس بثابت. # فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يرد عليها خمس تطليقات؛ لأن التطليقتين كانتا ~~ثابتتين، وتثبت ثلاث تطليقات بالحل الجديد. # قلنا: نعم كذلك، لكن التطليقتين عملتا عمل أربع تطليقات، وبقيت تطليقة ~~واحدة كالمعتدة إذا تزوجت بزوج آخر ودخل بها الزوج الثاني ثم فارقها بعد ما ~~مضى حيضة من العدة الأولى تجب عليها ثلاث حيض أخر، وبقيت حيضتان من العدة ~~الأولى، فكانت خمس حيض. إلا أنها إذا حاضت حيضتين انقضت العدة الأولى ~~واحتسبت من العدة الثانية أيضا فبقى عليها حيضة أخرى لإتمام العدة الثانية. PageV01P300 # وقوله: (ومن صفته التحليل) أي ومن صفة الدخول (وأنتم أبطلتم هذا الوصف). # بيان هذا أن الكتاب يقتضي انتهاء الحرمة الغليظة، ولا يتعرض أن هذه ~~الغاية- وهي ذوق العسيلة- هل هي مثبته للحل أم لا؟ فنعمل بموجب الغاية وهو ~~انتهاء الحرمة الغليظة، ونثبت للغاية صفة الإثبات على وجه لا يتعرض الكتاب، ~~وجاز أن تكون الغاية منهية ومثبتة- كما في قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل حتى تغتسلوا} فيكون الاغتسال منهيا الجنابة ومثبتا الطهر. دل عليه ~~قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فكذلك هاهنا ذوق العسيلة ms066 منه ومثبت ~~للحل بدليل آخر لا يمكن رده، فإذا عملنا بما عملتهم وأثبتنا شيئا آخر وهو ~~إثبات الحل الجديد الذي سكت عنه الكتاب فلم يكن ما ذكرنا معارضا للكتاب، ~~وما ذكرتم ترك لما ذكرنا من الدليل وهو نص الخاص فإذن التارك للخاص أنتم لا ~~نحن، وهذا لأن الدخول ثبت زيادة على كتاب الله تعالى بالإجماع بالحديث ~~المشهور ومن صفته التحليل، فكان ما قاله محمد والشافعي إبطالا لحكم الحديث؛ ~~لأن الحديث يقتضي أن يكون الزوج الثاني محللا، وهما أبطلا هذا الحكم عملا ~~بما هو ساكت عنه نص الكتاب، وأبطلا وصف التحليل عن دليله الذي هو الدخول؛ ~~لأن الحديث المشهور اقتضى أن يكون وصف التحليل ثابتا بدخول الزوج الثاني ~~أينما وجد، وهما PageV01P301 # ذلك. # وقوله: (ووصفته جميعا) أي التحليل. # ومن ذلك قوله تعالى: {الطلاق مرتان} أي ومن العمل بالخاص على قولنا: وترك ~~العمل به على قول الشافعي حكم هذه الآية، وهو: أن الخلع عندنا طلاق، وعند ~~الشافعي فسخ لا طلاق، فمثمرة الفسخ هي ثبوت الفرقة بين الزوجين من غير ~~نقصان العدد في الطلاق بخلاف الطلاق، وقوله PageV01P302 # تعالى: {الطلاق مرتان} أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق ~~دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، فكان قوله: {مرتان} أي دفعتان مرة بعد ~~أخرى، فإن من أعطى إلى آخر درهمين بمرة واحدة لم يجز أن يقال: إعطاه مرتين ~~حتى يعطيه دفعتين. # وقيل: قوله: {الطلاق مرتان} وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر كقوله ~~تعالى: {والمطلقات يتربصن}؛ لأنه لو حمل على الخبر يؤدي إلى الخلف في خبر ~~الله تعالى؛ لأن الطلاق قد يوجد على وجه الجمع، فدل أن المراد منه الأمر ~~كأنه قال: طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق والآية حجة لنا على الشافعي في ~~كراهة الجمع؛ لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق. كذا في "شرح التأويلات". # وقال في "مهذب الترجمان": {الطلاق} أي الطلاق الذي يملك فيه الرجعة ~~{مرتان} في الجملة. # وقوله: (ذكر الطلاق مرة ومرتين) أي مرة قوله: {والمطلقات يتربصن} ومرتين ~~بهذه الآية ليس المراد أنه ذكر مرة في الآية ms067 الأولى، ثم ذكر المرتين في ~~الآية الثانية؛ لأنه حينئذ يلزم أن تكون ثلاث تطليقات، وبعد التطليقات لا ~~تصح الرجعة، والرجعة مذكورة هاهنا. بل المراد ذكر الطلاق مرتين في الجملة. # يقال بالفارسية: يكبار كفتمت، ودوبار كفتمت يعني مجموع وي PageV01P303 # دوبارست فمعنى قوله: الطلاق مرة مرتين؛ وأعقبهما بذكر الرجعة هو: أن الله ~~ذكر الطلاق مرة بقوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن}. # وذكر عقيبه الرجعة بقوله: {وبعولتهن أحق بردهن} ثم ذكر الطلاق ثانيا ~~بقوله: {الطلاق مرتان} وذكر أيضا عقيبه الرجعة بقوله: {فإمساك بمعروف} ~~وإنما ذكر هكذا ليعلم أن الرجعة كما تكون بعد الطلاق الواحد كذلك تصح بعد ~~الطلاقين. # (ثم أعقب ذلك الطلاق بالخلع بقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به} بدأ بذكر فعل الزوج) في أول الآية (وهو ~~الطلاق)؛ إذ الطلاق اسم فعله وزاد في آخر الآية فعل المرأة بقوله: {فيما ~~افتدت به} وتجب إفراد المرأة بالافتداء بالمال تخصيصها بالمال وهذا لأنها ~~هي التي تشتري بضعها من الزوج، فكان الثمن على المشتري. # وقوله: (وتقرير فعل الزوج على ما سبق) أي على الوصف الذي سبق وهو الطلاق؛ ~~لما أن الخلع يوجد منهما؛ لأن المرأة لا تستبد به، وقد ذكر فعل PageV01P304 # المرأة وسكت عن فعل الزوج، فكان تقريرا على ما سبق من فعل الزوج على ~~الطلاق. # فإن قيل: قال الله تعالى: {الطلاق مرتان} ثم قال في حق الخلع {فيما افتدت ~~به} ثم قال بعد ذلك: {فإن طلقها فلا تحل له} ولو جعلنا الخلع طلاقا صارت ~~التطليقات أربعا، ولا يكون الطلاق أكثر من ثلاث؛ فلذلك حمل الشافعي الخلع ~~على الفسخ دون الطلاق، ولأن النكاح عقد محتمل للفسخ حتى يفسخ بخيار عدم ~~الكفاءة وخيار العتق وخيار البلوغ، فيحتمل الفسخ بالتراضي في الخلع أيضا. # قلنا: أما الجواب عن الأول؛ فإن الله تعالى ذكر التطليقة الثالثة بعوض ~~وبغير عوض، فبهذا لا يصير الطلاق أربعا. كذا في "المبسوط" فكان الخلع هو ~~الطلقة الثالثة، فكان طلاقا بالمال، أو الطلقة الثالثة مكان الخلع وهو ~~الطلقة بلا مال، ms068 فعلى هذا لا يصير الطلاق أربعا. PageV01P305 # أو نقول: على تقرير هذا الكتاب هو أن الله تعالى ذكر الافتداء بالمال ولم ~~يذكر فعل الزوج، فلابد من تقرير فعل الزوج؛ لأن الخلع يوجد منهما وفعل ~~الزوج قد سبق في صدر الآية، فصار الطلاق نوعين: طلاقا بمال وطلاقا بغير ~~مال، فوصل الطلقة الثالثة بالطلاق بالمال، فكانت التطليقات ثلاثا لا أربعا. # أو نقول: المراد بقوله تعالى: {الطلاق مرتان} بيان شرعية الرجعة بعد ~~الطلاقين لا وقوعهما، يعني لو وقع الطلاقان ثبتت الرجعة كما لو وقع طلاق ~~واحد، فكان هذا إخبارا عن شرعيته لا إخبارا عن وقوعه، وكذلك من ذكر الخلع ~~بيان شرعية الخلع وكونه طلاقا، وكذلك من قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل ~~له} بيان الحرمة الغليظة بعد الطلقات. # والدليل عليه أنه ذكر حكم الطلاق في مواضع أخر، فلو كان المراد منه ~~الوقوع كان زائدا على الثلاث لا محالة. # وأما الجواب عن الثاني فنقول: النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه. # ألا ترى أنه لا ينفسخ بالهلاك قبل التسليم، وأن الملك الثابت به ضروري لا ~~يظهر إلى في حق الاستيفاء، وأما الفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام ~~فكان في معنى الامتناع عن الإتمام، وكذلك في خيار العتق والبلوغ. # وأما الخلع فيكون بعد تمام العقد والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ولكن ~~يحتمل القطع في الحال، فيجعل لفظ الخلع عبارة عن رفع العقد في الحال مجازا، ~~وذلك إنما يكون بالطلاق، وفائدة هذا الاختلاف أنه لو خالعها بعد PageV01P306 # التطليقتين عندنا لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، وعنده له أن ~~يتزوجها. # يقوله: (لا يكون عملا به) أي بخاص الكتاب وهو الطلاق المذكور في الآية. # (فأوجب صحته بعد الخلع) أي صحة الطلاق بعد الخلع. أنما قيد بقوله: بعد ~~الخلع؛ لأن عنده يصح الطلاق بعد الطلاق على مال، فمن (وصله بالرجعى) أي ومن ~~وصل قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له} بقوله: {الطلاق مرتان} لا بقوله: ~~{فيما افتدت به} لا يكون هو عاملا بموجب الفاء التي في ms069 قوله تعالى: {فإن ~~طلقها} وهي للتعقيب مع الوصل. PageV01P307 # فإن قلت: يشكل على هذا قوله تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} بعد قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره} وبعد الحرمة الغليظة ليس للزوجين أن يتراجعا، ~~فلابد أن يكون هذا متصلا بما قبله، وهو قوله تعالى: {الطلاق مرتان} فكان في ~~هذا ترك العمل بالخاص الذي هو موجب الفاء حيث ترك وصله بما يليه. # قلت: لا كذلك، بل هذه الآية متصلة بما يليها، وهو قوله تعالى: {فإن طلقها ~~فلا تحل له} فإن المراد من قوله: {فإن طلقها فلا جناح عليهما} الزوج الثاني ~~أي فإن طلق الزوج الثاني بعد الدخول بها {فلا جناح عليهما} أي فلا إثم على ~~الزوج الأول والمرأة. كذا في "التيسير". # علم بهذا أن الفاء معمولة هاهنا أيضا بحقيقتها وهي الوصل بما يليها. PageV01P308 # {أن تبتغوا بأموالكم} ذكر عقيب المحرمات بقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~أن تبتغوا بأموالكم} أي ابتغاؤكم بالمال، والباء للإلصاق، فأينما وجد الطلب ~~يكون المال ملصقا به. # وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- حمه الله- فالابتغاء موضوع لمعنى معلوم ~~وهو الطلب بالعقد، والباء للإلصاق فيثبت به اشتراط كون المال ملصقا ~~بالابتغاء تسمية أو وجوبا، والقول بتراخيه عن الابتغاء ألى وجود حقيقة ~~المطلوب- وهي الوطء كما قاله الخصم- في المفوضة إنه لا يجب المهر لها إلا ~~بالوطء يكون ترك العمل بالخاص فيكون في معنى الفسخ له، ولا يجوز المصير ~~إليه بالرأي. # (عن الطلب الصحيح) أي عن النكاح الصحيح، وهو احتراز عن الطلب الفاسد، وهو ~~النكاح الفاسد؛ لأنه لا يجب فيه بنفس العقد بالإجماع، بل إذا وجد الدخول في ~~مسألة المفوضة- بكسر الواو- وهي اختيار صاحب "المغرب" وهي: التي فوضت بضعها ~~إلى زوجها أي زوجته نفسها بلا مهر. فإنه لا يجب المهر عند الشافعي إذا ماتت ~~قبل الوطء مع وجود العقد PageV01P309 # الصحيح وهو خلاف النص. # وقوله: (وأن تقدير العبد امتثال به) أي بإيجاب الله تعالى وتقديره، ~~فيحتمل أن يكون هذا جواب شبهة ms070 ترد على قوله تعالى: {وقد فرضتم لهن فريضة} ~~بان يقال: الله تعالى أسند الفرض- وهو التقدير- إلى العباد، وأنتم تقولون: ~~تقدير المهر مفوض إلى الله تعالى، ولا يجوز تقديره للعبد، فكان هذا مخالفة ~~للنص. PageV01P310 # فأجاب عنه وقال: ذلك التقدير الذي يقدره العبد امتثال منه لتقدير الله ~~تعالى وإيجابه. يعني إن مهور النساء مقدرة معلومة عند الله تعالى وباصطلاح ~~الزوجين على مقدر يظهر ما كان مقدرا معلوما عند الله تعالى لأن العباد ~~يقدرون ما ليس بمقدر، وعلى هذا قيم الأشياء، فإن قيم الأشياء معلومة مقدرة ~~عند الله تعالى يظهر ذلك لنا بتقويم المقومين للأشياء على مقدر، وهذا نظير ~~كفارة اليمين، فإن ما يأتي به العبد بأحد الأشياء الثلاثة كان امتثالا لما ~~كان واجبا عليه ثابتا عند الله تعالى. # (فمن جعل إلى العبد اختيار الإيجاب) يعني من فوض إثبات المهر وتركه ~~والتقدير فيه على أن يقدر كيف شاء وأي قدر شاء كان مبطلا للنص الخاص، ~~ويتفرع عن هذا أن من تزوج امرأة بخمسة دراهم كان ذلك مهرا عند الخصم، ~~وعندنا تجب عشرة دراهم؛ لأن المهر مقدر عندنا بتقدير الله تعالى، وأدناه ~~عشرة دراهم؛- لقوله عليه السلام-: (لا مهر أقل من عشرة دراهم). PageV01P311 # فإن قلت: على هذا التقرير وقعتهم في الذي أبيتم، وهو: أنكم تأبون الزيادة ~~بخبر الواحد على مطلق الكتاب فتقولون: الزيادة على الكتاب نسخ كما قلتم ذلك ~~في الزيادة على قوله تعالى {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} بقوله- عليه ~~السلام-: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) لما أن القرآن يطلق على القليل ~~والكثير فلا تصح زيادة تعيين الفاتحة عليه بخبر الواحد، فيجب أن يكون هاهنا ~~كذلك؛ لأن اسم المال في قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} يقع على القليل ~~والكثير، فلا تصح الزيادة عليه بخبر الواحد؛ لأنه نسخ وذلك لا يجوز بخبر ~~الواحد. # قلت: لا كذلكن فإن الله تعالى أشار في موضع آخر إلى أن ذلك المال مقدر. ~~وأشار أيضا إلى أن ذلك التقدير شرعي بقوله {قد علمنا ما فرضنا عليهم} فيعلم ~~التقدير بالفرض وكونه شرعيا بضمير ms071 (نا) في {فرضنا}، ولكن ذلك التقدير مجمل ~~فوقع هذا الخبر وهو قوله- عليه PageV01P312 # السلام-: (لا مهر أقل من عشر دراهم) بيانا لمجمل الكتاب، فيصح أن يقع خبر ~~الواحد بيانا لمجمل الكتاب بخلاف قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} ~~فإنه لا إجمال فيه، فكانت الزيادة هناك مستلزمة للنسخ، وأما هاهنا فلان ~~ولأن البضع من وجه في حكم النفوس حتى لا يسقط حكم الفعل فيه بالبذل، فبذل ~~النفس لا يحصل بمجرد المال بل بمال له خطر فكذا فيما هو في حكمة؛ ولأن ~~اشتراط الفرض فيه شرعا لإظهار حظر البضع، وهذا المقصود لا يحصل بأصل المال؛ ~~لأن اسم المال يتناول الحقير والخطير، وإظهار الحظر إنما يحصل بمال له خطرن ~~وهو عشرة دراهم كما في نصاب السرقة فقدر بها. # ومن ذلك قوله تعالى {والسارق والسارقة} أي ومن العمل بالخاص قوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة} حكي عن الأصمعي أنه قال: PageV01P313 # كنت أمشي في البادية، فاستقبلني أعرابي له هيبة، فخفت منه سلب مالي، فقال ~~ليك من أنت؟ قلت: فقيه. فقال: أتحفظ شيئا من القرآن؟ قلت: نعم. فتذكرت ~~قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فقرأت هذه الآية كي يخاف لو كان ~~قاصدا لمالي، وقرأت في آخر هذه الآية: (والله غفور رحيم). # فقال الأعرابي: القرآن ما هكذا، فتأملت، فتذكرت، فقرأت: {والله عزيز ~~حكيم} فقال: القرآن هكذا، وخلى سبيلي. # قال الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردري- رحمه الله-: بدأ هاهنا ~~بقوله تعالى: {والسارق} وبدأ في آية الزنا بقوله: {الزانية} والحكمة فيه- ~~والله أعلم-: أن الأصل في السرقة الرجال، وفي الزنا النساء. # (الجزاء المطلق اسم لما يجب لله تعالى على مقابلة فعل العبد)؛ لأن الله ~~تعالى هو المطاع في أوامره ونواهيه لذاته؛ لأنه هو المخترع لجميع الأشياء، ~~فترك الأمر والنهي على الإطلاق واقع على حقه فيجب الجزاء له على العبد. PageV01P314 # فأما غير الله تعالى فليس بمطاع على الإطلاق، بل هو مطاع لغيره وهو أن ~~الله تعالى أمرنا بإطاعته، ولهذا لو أمر غير الله إنسانا بشيء فيه معصية ~~الله فلا إطاعة لأحد فيه، وإذا كان ms072 كذلك فلم يفهم من ذكر الجزاء مطلقا ما ~~يجب للعبد على العبد، بل يفهم منه ما يجب لله تعالى على العبد، فدل ذلك على ~~كون الجناية واقعة على حق الله تعالى على الخصوص، ومن ضرورته ألا يبقى ~~معصوما حقا للعبد؛ لأنه لو بقي معصوما حقا للعبد لا يجب القطع؛ لأنه حينئذ ~~يكون حراما لغيره، وذلك لا يوجب القطع، كما لو غصب مال إنسان لا يجب القطع ~~لبقائه معصوما حقا للعبد، ولا يقال: يجوز أن يبقى الشيء معصوما حقا للعبد، ~~ومع ذلك هو معصوم حقا لله تعالى حتى يجب القطع لكونه معصوما حقا لله تعالى، ~~والضمان لكونه معصوما حقا للعبد PageV01P315 # كما لو قتل محرم صيدا مملوكا لآخر يجب الجزاء؛ لكونه جناية على الإحرام ~~وهو حق الله تعالى، والقيمة باعتبار كونه حقا للعبد؛ لأنا نقول: لا وجه إلى ~~ذلك؛ لأن كونه معصوما حقا لله تعالى يقتضي كونه حراما لعينه، وكونه معصوما ~~للعبد يقتضي كونه حراما لغيرهن فلو كان كذلك لا يجب القطع؛ لأنه يصير شبهة، ~~والحدود تندرئ بالشبهات بخلاف قتل المحرم صيدا مملوكا؛ لأن الجزاء لا يتعلق ~~بكون الصيد معصوما. # ألا ترى أنه لو قتل صيدا غير مملوك يجب الجزاء أيضا، وإن لم يكن معصوما ~~ولا مملوكا، فيجب الضمان لكونه مملوكا لغيره، ويجب الجزاء لكونه مملوكا ~~لغيره، ويجب الجزاء لكونه جناية على إحرامه. # ألا ترى أنه يجب الجزاء أيضا لو قتل صيد نفسه لهذا المعنى فاختلف الموجب ~~أما هاهنا فإنما يجب الجزاء وهو القطع لكن المسروق معصوما مملوكا فلابد من ~~تحول العصمة لما بينا. # والدليل أيضا على انتقال العصمة إلى الله تعالى أن الله تعالى أوجب هو ~~الجزاء بمقابلة سرقة عشرة دراهم، ولو كان لحق العبد ما كان قطع اليد التي ~~قيمتها خمسمائة دينار بمقابلة عشرة دراهم؛ لما أن ضمان العدوان مقيد بمصل. ~~كما في الغضب بقوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى PageV01P316 # عليكم} فإن قيل: لو انتقلت العصمة لكان المال المسروق بمنزلة الخمر، ولو ~~أنه سرق الخمر لا يجب القطع. قلنا: ms073 إنما لا يجب القطع هناك لكون الخمر غير ~~معصوم حقا للعبد. # فإن قيل: لو كانت الجناية واقعة على حق الله لما اشترطت خصومة العبد كما ~~في الزنا وشرب الخمر؟ قلنا: خصومة العبد إنما اشترطت لتظهر السرقة لا لكون ~~الجناية واقعة على حقه، ولهذا يقطع بخصومة المكاتب ومتولي الوقف باعتبار ~~ظهور السرقة لا باعتبار كون الجناية عليهما؛ لأنه ليس لهما ملكن والعصمة في ~~حق العبد باعتبار الملك، وعلى هذا يخرج شرب المسلم خمر الذمي؛ لأن وجوب ~~الحد لا يتعلق بكونه معصوما ومملوكا لغيره. # ألا ترى أنه لو شرب خمره يجب الحد أيضا، بل في وقع جنايته في معصوم الله ~~تعالى الذي هو موجب للحد على المباشر، والضمان إنما وجب لأن دياتهم صارت ~~دافعة عدم التقوم بحكمة عقد الذمة. # (ومن ضرورته تحويل العصمة) أي ومن ضرورة وقوع الجناية على حق الله تعالى ~~تحويل العصمة. # فإن قيل: متى تحولت العصمة إلى الله تعالى؟ إن قلتم: قبل السرقة، ففيه ~~سبق الحكم على السبب؛ لأن السبب للانتقال، والتحول ليس على السرقة. # وإن قلتم: بعد السرقة، فهذا غير مفيد؛ لأن السبب صادف محلا محترما ~~للمالك. PageV01P317 # وإن قلتم: مع السرقة، فهو باطل أيضا؛ لأن السرقة وقت الوجود ليست ~~بموجودة، فكيف تثبت الحكم وقت الوجود؟ # قلنا: تحولت العصمة إلى الله تعالى قبيل السرقة متصلا بالسرقة لتنعقد ~~السرقة موجبة للقطع، ويجوز سبق الحكم على السبب إذا كان ذلك الحكم شرط صحة ~~ذلك السبب، كما في المقتضى أي في قوله: أعتق عبدك عني على ألف. فقال: ~~أعتقت. يثبت الملك مقتضى العتق قبيل قوله: "أعتقت ضرورة صحة العتق، وكذلك ~~في مسألة استيلاد الأب جارية الابن ينتقل الملك من الابن إلى الأب قبيل ~~الوطء لضرورة صحة الاستيلاد، فكذا هنا. إلى هذا أشار في "كشف الأسرار"، وقد ~~أوردناه في "النهاية" PageV01P318 # ونظائره، وحاصله أن الجزاء لما كان واجبا لله تعالى لزم أن تكون الجناية ~~واقعة على حقه؛ لأن الجزاء إنما يجب لمن وقعت عليه الجناية، فإذا كانت ~~الجناية واقعة على حق الله تعالى لزم ms074 أن يكون محل الجناية وهو العصمة ~~منتقلة إليه، وإذا انتقلت إليه صار المسروق كالخمر، ولو أتلف خمر مسلم أو ~~غصب فاستهلكها أو هلكت لا يجب ضمانها لما أنها معصومة لله تعالى لا للعبد، ~~ولو كانت باقية لزم الرد؛ لأنه ماله فكذا هاهنا. # (ولأن الجزاء يدل على كمال المشروع لما شرع له) أي لأجل ما شرع له يعني ~~يدل على أن ما هو الجزاء وهو القطع مشروع من جميع الوجوه (مأخوذ من جزي أي ~~قضى) والقضاء: الإتمام والإحكام. # قال الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما PageV01P319 # (وجزاء- بالهمزة- أي كفى)، فالإتمام والكفاية يقتضيان أن يكون الجزاء ~~مشروعا من جميع الوجوه وكاملا في شرعيته، وإذا كان الجزاء كاملا في نفسه ~~وجب أن تكون الجناية كاملة وجناية من جميع الوجوه، وإنما تكون الجناية ~~جناية من جميع الوجوه أن لو كانت الجناية واقعة على حق الله تعالى لما أن ~~الله تعالى واجب التعظيم لذاته، فكانت الجناية في حقه جناية من كل الوجوه. # وأما الجناية على حق العبد فلم تكن جناية من كل وجه لما أن مال العبد ~~بالنظر إلى ذاته مباح. # قال الله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} فلا يكون أخذ ماله بالنظر ~~إلى ذاته جناية، وإنما يكون جناية باعتبار حق المالك، فحينئذ لم تكن ~~الجناية كاملة فلا يقع الجزاء الكامل بمقابلتها، فمن ضرورة هذا تحويل ~~العصمة إلى الله تعالى، وإنما يظهر ذلك بالقطع يعني عند القطع يتبين أن ~~الجناية وقعت PageV01P320 # على حق الله تعالى حيث وقع القطع جزاء له، ومن هذا يظهر انتقال العصمة ~~قبيل السرقة على ما ذكرناه حتى تكون الجناية واقعة على حقه؛ لأنه يكون ~~حراما لمعنى في غيره وهو حق العبد، فتكون الحرمة حينئذ ناقصة فلا تكمل ~~الجناية، فلا يجب الجزاء المطلق الكامل في نفسه بمقابلته. # (ولا عصمة إلا بكونه مملوكا)؛ لأن شرط وجوب القطع أن يكون المسروق مملوكا ~~معصوما حقا للعبد، وإنما ينتقل من العبد إلى الله تعالى ضرورة وجوب القطع ~~لما بينا من ذكر الجزاء المطلق إلى آخره، ولا يلزم من ms075 بطلان العصمة في حق ~~العبد بطلان الملك؛ لأن الموجب لانتقال العصمة قد وجد، ولم يوجد ما هو موجب ~~لبطلان الملك؛ لأنه يمكن أن يكون مملوكا للعبد وإن لم يكن معصوما له ويجب ~~الحد مع ذلك، كما أن شرب الخمر مملوكا لإنسان يجب الحد' ولا يصير كونه ~~مملوكا شبهة في درء الحد كما إذا شرب خمره فلا ضرورة في بطلان الملك، ثم ~~قوله: "ولا عصمة إلا بكونه مملوكا"؛ يتراءى أنه ينتقض بما إذا سرق مالا ~~موقوفا يجب فيه القطع، وقد ثبت كونه معصوما مع أنه غير مملوك. # علم بهذا أن قوله: "ولا عصمة إلا بكونه مملوكا" مما لا يصح. # قلنا: لا ينتقض؛ لأن الموقوف مملوكا عند بعض العلماء للموقوف عليه. # أو نقول: إنه يبقى على ملك الواقف حكما، ولهذا يرجع الثواب به. PageV01P321 # وقيل: إن علة الوقف إن كانت للذي هو أهل للملك تصير مملوكة له، وإن كانت ~~للذي لم تكن أهلا كالمسجد وغيره يبقى على ملك الواقف تبعا لأصلها. # (حتى إذا وجد الخصم بلا ملك) أي بلا ملك المدعي وهو الحافظ، وقوله: ~~ونحوهما كسدنة الكعبة، وكالعبد المستغرق بالدين. # (فلذلك تحولت العصمة دون الملك) أي دون المملوكية. # وقوله: (ألا ترى أن الجناية تقع على المال) بيان انه لم يلزم من انتقال ~~العصمة انتقال الملك لما أن الجناية إنما تقع على مال معصوم مملوك. # (وأما الملك الذي هو صفة للمالك) غير قابل للجناية لما أن المالك من قام ~~به الملك، وهو غير قابل للجناية ولو تصور وقوع الجناية عليه كيف ينتقل وأنه ~~غير مشروع لما أن الانتقال إنما يتحقق أن لو لم يكن له الملك وجميع العالم ~~مملوك له، قال الله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض وما بينهما PageV01P322 # وإليه المصير}. # والدليل على هذا أنه لا يقال هذا مملوك للعبد لا لله لما أن العبد وما في ~~يده لمولاه، فلم يتصور نقل الملك، وأما نقل العصمة فمشروع كالخمر، فإنه قبل ~~أن يصير خمرا كان عصيرا معصوما للعبد فإذا تخمر كان معصوما لله تعالى، وكيف ms076 ~~ينتقل وهو غير مشروع؟ لأنا عهدنا في الشرع انتقال العصمة عند وجود الدليل. # فأما انتقال الملك عنه وهو حي إلى غيره بدون صنع منه فلم يعهد في الشرع، ~~فلذلك بطل القول بانتقال الملك كما قلنا في العصير المملوك: تنتقل العصمة ~~بالتخمر مع بقاء كونه مملوكا لله تعالى. # فأما يجوز أن يكون الشيء معصوما حقا للعبد لا لله تعالى، ولا يمكن القول ~~بانتقال الله تعالى عقلا؛ لأن كل الأشياء مملوكة لله تعالى، ويجوز أن يكون ~~معصوما حقا لله تعالى لا للعبد، فأمكن القول بتحول العصمة دون الملك. # وذكر في "المبسوط" في هذا الموضع: ولا يدخل على هذا الملك، فإنه يبقى ~~للمسروق منه حتى يرد عليه؛ لأن وجوب القطع باعتبار المالية والتقوم في ~~المحل. PageV01P323 # فأما الملك بصفة المالك والفعل يكون محرم العين مع بقاء الملك. # ألا ترى أن فعله في شرب خمر نفسه يكون محرم العين مع بقاء ملكه وليس من ~~ضرورة انعدام المالية والتقوم في حقه انعدام الملك كالشاة إذا ماتت بقي ملك ~~صاحبها في جلدها، وإن لم تبق المالية والتقوم وإذا ثبت أن المالية والتقوم ~~صار حقا لله تعالى خالصا فلو وجب الضمان إنما يجب لله تعالى، وقد وجب القطع ~~لله تعالى ولا يجمع بين الحقين لمستحق واحد كالقصاص مع الدية. # قوله: (ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص. PageV01P324 ### || AUTO باب الأمر # (فإن المراد بالأمر) أي سواء كان وجوبا أو ندبا أو غيره، وقوله: "فإن ~~المراد" صورة المسألة لا أنه تعليل لقوله: "ومن هذا الأصل". # (ليس المراد بالأمر" وهو الوجوب (صيغة لازمة) أي بل يحصل ذلك المراد ~~بالفعل كما يحصل الأمر. # (أن أفعال النبي عليه السلام عندهم موجبة كالأمر) يعني إذا نقل إلينا PageV01P325 # أن رسول الله- عليه الصلاة والسلام- فعل كذا عندهم يصح أن يقال: أمر رسول ~~الله عليه السلام بكذا، وعندنا لا يصح. # فالحاصل أن فعل النبي- عليه الصلاة والسلام- عندهم أمر على الحقيقة، ~~وعندنا ليس بأمر. # (ولو لم يكن الأمر مستفادا بالفعل لما سمي) به أي لما سمي الفعل بالأمر؛ ~~لأنه حينئذ يكون ms077 تسميته بلا معنى وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى؛ لأن ~~الكلام نوعان: حقيقة ومجاز، ولا وجه للمجاز هاهنا؛ لأن طريق الاستعارة عند ~~العرب الاتصال بين محل المجاز والحقيقة صورة أو معنى، ولا اتصال بين الأمر ~~والفعل صورة بلا شبهة، ولا اتصال بينهما معنى؛ لأن معنى الأمر هو الاستدعاء ~~إلى الشيء، والفعل لتحقيق الشيء فلا اتصال بينهما فيما هو المعنى. # فعلم بهذا أن الله تعالى أطلق اسم الأمر عليه حقيقة. # (صلوا كما رأيتموني أصلي) جعل فعله موجبا حيث قال: (كما رأيتموني أصلي). PageV01P326 # فإن قيل: الوجوب بالأمر. # قلنا: لا تنافي بينهما فيحتمل أن في فعله وجوبا، وقد دل الدليل عليه؛ لأن ~~الرسول- عليه الصلاة والسلام- متبوع فيكون موجبا كما قال تعالى: (وما آتاكم ~~الرسول فخذوه) وفعله أيضا مما آتاهم الرسول فكان موجبا. # (ولا يجوز قصور العبادات عن المعاني) يعني: روا نباشد كه عبارات از معاني ~~كوتاه آيد يعني معنى نبود كه وي را لفظ نيايند كه وضع كنند از بهروي. لأن ~~المهملات أكثر من المستعملات، فكيف يجوز قصور العبارة عن معنى؟ وقد وضع ~~لمعنى واحد أسماء كثيرة، وهي الأسماء المترادفة، والمشترك ليس من قبيل قصور ~~العبارة عن المعنى، بل هو من كمال العبارة؛ لأن لكل معنى اسما على حدة على ~~الخصوص والاسم المشترك زائد على ذلك، فلم يكن قاصرا بل كان تطويلا وإنما ~~وضع المشترك ابتلاء لحكمة داعية إلى ذلك أو لغفلة من الواضع، فلم يكن من ~~باب القصور. # (مثل الماضي والحال) فنظير الحال ليفعل، فالمقصود بالأمر كذلك يجب PageV01P327 # أن يكون مختصا بالعبارة، ولا يقال: إن المعنى الواحد يفهم بألفاظ كثيرة، ~~وهي الأسماء المترادفة، فلا يكون المعنى مختصا بعبارة؛ لأنا نقول: بل هو ~~مختص بالعبارة؛ إذ هو لا يفهم بغير العبارة من الفعل وغيره، والمدعى أن ~~المقصود بالأمر مختص بالعبارة لا بالفعل، ولا نعني به أنه مختص بعبارة واحدة. # ألا ترى أن الله تعالى يسمي غلها باللغة العربية، ويسمى خداي باللغة ~~الفارسية، ويسمى تنكري باللغة التركية، ويسمى في كل لسان بلغة على حدة، ms078 فلا ~~يقال إنه غير مختص بالعبارة. # (وهذا المقصود) وهو الوجوب (من أعظم المقاصد) لما أن الابتلاء يحصل به. PageV01P328 # (وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام) - إلى أن قال:- (منكرا عليهم: "ما ~~لكم خلعتم نعالكم")، فدل ذلك أن فعله ليس بموجب؛ إذ لو كان موجبا للأمر لم ~~يكن لإنكاره معنى. كما لو أمر مثلا بخلع النعال فخلعوا لم يصح إنكاره ~~بقوله: "ما لكم خلعتم نعالكم" لأنهم يقولون: إنك أمرتنا فكذلك في الفعل لو ~~كان موجبا لما صح إنكاره. # ("يطعمني ربي ويسقيني") فيحتمل أن الله تعالى يطعمه طعاما معنويا يخالف ~~الأطعمة المعروفة، كما حكي عن بعض الأولياء أنه قال: PageV01P329 # شراب المحبة خير الشراب- وكل شراب سواه سراب # كذا أورده الإمام المفسر علاء الدين الزاهد في تفسير قوله: {والذي هو ~~يطعمني ويسقين}. # (لأن الفعل يجب به) أي بالأمر (فسمي به مجازا) باعتبار إطلاق اسم السبب ~~على المسبب، وهو نظير المشابهة بين الصور في الحسيات كما أن المطر يسمى ~~سماء؛ لأن السماء سببه فكذلك في الشرعيات اتصال السبب بالمسبب نظير الاتصال ~~بين الشيئين من حيث الصورة (والنبي عليه الصلاة والسلام دعا إلى الموافقة ~~بلفظ الأمر بقوله: "صلوا") لأنه لو كان مجرد فعله موجبا لما قال: "صلوا". # فأن قلت: ما الجواب عن قولهم: العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو القول، ~~فقالوا فيه: أوامر، وبين جمع الأمر الذي هو الفعل، فقالوا: أمور، وفي ~~التفريق بين الجمعين دلالة على أن كل واحد منه حقيقة، فكان اسما مشتركا، ~~فإنه حقيقة في كل فرد أريد به، وقد يفرق بين جمعي نوعي المشترك PageV01P330 # لكونه حقيقة فيهما، كما قال الشافعي: إن القرء الذي هو بمعنى الطهر جمعه ~~قروء، والقرء الذي هو بمعنى الحيض جمعه أقراء. كذا ذكر في "مختلف الرواية". # قلت: أما ما ذكره الشافعي فمردود عليه بقول الشاعر: # يا رب ذي ضغن وضب فارض له قروء كقروء الحائض # وبالحديث، وهو ما قال رسول الله- عليه الصلاة والسلام- لفاطمة بنت قيس: PageV01P331 # "إذا أتاك قروؤك فدعي الصلاة" فعلم بهذا أن القروء تجيء جمعا للقرء الذي ~~بمعنى ms079 الحيض. # وأما الجواب عن قولهم: العرب تفرق بين جمعي الأمرين، فقلنا: إن هذا ~~الكلام في مخرجه باطل؛ لأن الأمر الذي هو لطلب الفعل غير الأمر الذي بمعنى ~~الفعل وهو الشأن، ولا يطلق اسم احدهما على الآخر إلا مجازا، وكلامنا في ~~الأمر الذي هو طلب الفعل، وهو لا يتناول الأمر الذي هو الشأن أصلا، وإنما ~~يطلق اسم الأمر على الشأن بسبب أن الشأن يجب بالأمر الذي هو لطلب الفعل، ~~فكان فيه إطلاق اسم السبب على المسبب بطريق المجاز، فكان الافتراق في ~~الجمعين باعتبار أن كلا منهما حقيقة في موضعه لا أن يكون الأمر الذي نحن ~~بصدد حقيقة الأمر الذي هو بمعنى الشأن، ومن ذلك أي ومن الخاص. PageV01P332 ### || AUTO [باب موجب الأمر] # لأنه لما ثبت أن المراد بالأمر مختص بصيغة خاصة ثبت أن المراد بهذه ~~الصيغة واحد على الخصوص أيضا، وهو الوجوب؛ لكي تكون الصيغة مختصة بموجب ~~الأمر، والموجب مخصوصا بها أيضا؛ لئلا يكون القصور من الطرفين جميعا هذا في ~~أصل الوضع. # أما إذا الدليل على الندب أو الإباحة أو التقريع أو غيرها كانت صيغة ~~الأمر محمولة عليه مجازا، كما هو الحكم في سائر الحقائق، فلم يكن ذلك موجبا ~~لها. PageV01P333 # .................................................... PageV01P334 # (التقريع): سر زنش كردن، (والتوبيخ): التهديد فإن الله تعالى بقوله: ~~(واستفزز من استطعت منهم) يقرعه ويظهر عجزه وعدم تسلطه في حق الجميع إلا في ~~حق من اتبعه لا غير بقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين). # وأما في قوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) تهديد PageV01P335 # للكافرين بسياق هذه الآية بقوله: {إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها} فصار كأنه قال- والله أعلم-: إنا أظهرنا الحجج وكشفنا البينات ~~فيما يكون للمؤمن من المثوبات العلية والدرجات السنية، وما على الكافر من ~~العقوبات المؤلمة المثلات المعدة في الآخرة على وجه لم يبق لمسترشد شبهة، ~~ولا لمعاند ريبة. # قال الله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} وقال: ~~{وهديناه النجدين}، فبعد ذلك جعلنا الاختيار في يده إن ms080 شاء مال إلى الطاعة ~~واستحق ثواب النعيم، وإن شاء مال إلى المعصية واستحق عذاب الجحيم، فسيرى ~~الكافر إلى ما يصير أمرة من وخيم العاقبة: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون} وهذا تهديد كما ترى، وهو ظاهر. # وذكر شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- لنظير التقريع قوله تعالى: {فاتوا ~~بسورة من مثله} وهو أراد بالتقريع التعجيز، وذكر لنظير التوبيخ PageV01P336 # قوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} لما أن التوبيخ متضمن ~~للتهديد، والتقريع متضمن للتعجيز: {استفزز} أي استخفف. # وقيل: استحمل {بصوتك} أي بوسوستك. # وقيل: هو صوت كل داع إلى المعصية. # وقيل: بالغناء {وأجلب} أي اجمع وصح بهم مستعينا: {بخيلك ورجلك} أي بكل ~~راكب وماش في المعصية. # (ولا يثبت الاشتراك إلا بعارض) يعني أن وضع الكلمات لإفهام السامع مراد ~~المتكلم بكلامه، والاشتراك يضاد ذلك الغرض من وضع الكلام، فلم يكن الاشتراك أصلا. # وطريق ثبوت الاشتراك أن تضع قبيلة لفظا لمعنى، وتضع قبيلة أخرى ذلك اللفظ ~~لمعنى آخر، ولم يعلموا باصطلاح تلك القبيلة، فلما اجتمعت القبيلتان في مرعى ~~وعلم كل واحد منهما ما يستعمله صاحبة وجروا على ذلك الاستعمال أي على ~~استعمال ذلك اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فكان العارض حينئذ جهل كل ~~قبيلة بوضع الأخرى. # وقيل: العارض غفلة من الواضع يعني غفل الواضع عن وضع هذا اللفظ بإزاء ~~معنى، ووضع ذلك اللفظ أيضا لمعنى آخر يخالف المعنى الأول، PageV01P337 # وهذا إنما يستقيم إذا كان الواضع مخلوقا. # وقيل: العارض أثر الحكمة التي دعت الواضع الحكيم إلي وضع هذا اللفظ لمعنى ~~آخر للابتلاء. # (ثم الاشتراك إنما يثبت بضرب من الدليل المغير) يعني أن موجب الأمر واحد ~~علي الخصوص وهو الوجوب ثم يستعمل الأمر في غير موجبه لضرب من الدليل المغير ~~كاستعمال الأمر للندب علي قول من قال موجبه الوجوب بضرب من الدليل المغير ~~بدليل تفصيلي أنه لا يراد به الوجوب أو استعمال الأمر للإيجاب علي قول من ~~قال: موجبه الندب بضرب من الدليل المغير عما هو موجبه، وهو أن يثبت بالدليل ~~أن المراد به الوجوب لا الندب (كسائر ألفاظ ms081 الخصوص) كقولهم: جاءني زيد، فإن ~~موجبه واحد علي الخصوص، وهو مجيء نفس زيد، ويحتمل التغير عن ذلك بدليل مغير ~~بأن يكون المضاف محذوفا أي جاءني خبر زيد أو كتابه أو غلامه، فاستعمالهم ~~لذلك اللفظ لتلك المعاني لضرب من الدليل المغير وهو ثبوت عند مجيئه يقينا، ~~فلذلك الدليل المغير اضطررنا إلي تغييره عنا هو موجبه وهو العارض، وكذلك في ~~استعمال الأسد في حق الرجل الشجاع إنما كان ذلك بدليل مغير عن حقيقته ~~المخصوصة به بأن قال: رأيت أسدا يرمي، وكذلك في غيره كما في قوله: أنت حر، PageV01P338 # وأنت طالق ما هو الموضوع له مراد علي الخصوص إلا إذا قرن به دليل مغير ~~غيره عن موضوعه الذي هو ثبوت العتق والطلاق في الحال وهو ذكر الشرط بأن ~~قال: أنت حر إن دخلت الدار، وكذلك في قوله: أنت طالق لو قرن بآخره إن دخلت ~~الدار يتغير الكلام عن موضوعه علي الخصوص. # وقوله: "ثم الاشتراك إنما يثبت بضرب الأمر لمعان مختلفة مع أن صيغة الأمر ~~للوجوب حقيقة لا غير، والمشترك في الاصطلاح إنما يستعمل فيما إذا استعمل ~~لفظ واحد لمعنيين مختلفين فصاعدا بطريق الحقيقة. # علم بهذا أنه لم يرد بهذا الاشتراك ما هو المفهوم من اللفظ المشترك، بل ~~أراد به استعمال لفظ الأمر فيما هو حقيقة فيه وفيما هو مجاز فيه. # قوله: (قالوا: إن ما ثبت أمرا كان مقتضيا لموجبه)، إنما قيد بقوله: إن ما ~~ثبت أمرا؛ احتراز عن التفريغ والتوبيخ والدعاء فإن صيغة الأمر في حق هذه ~~الأشياء لا للأمر بالإجماع؛ لأن حقيقة الأمر طلب الفعل الصادر من الأعلى ~~إلي الأدنى. # (فيثبت أدناه وهو الإباحة) يعني أن أدنى ما يصح أن يثبت الأمر من الوجوب ~~والندب والإباحة والإرشاد إلي الأوثق الإباحة، فثبتت هي بدون القرينة، كما ~~إذا وكل رجل رجلا في ماله يثبت به الحفظ؛ لأنه أدنى ما يراد بهذا اللفظ، ~~فيثبت هو لكونه متيقنا، وهذا لأن الإباحة تثبت من ضرورة الأمر؛ لأن الحكيم ~~لا يأمر بالقبيح، فلذلك يثبت بمطلقه ما هو من ms082 ضرورة PageV01P339 # هذه الصيغة، وهو التمكين من الإقدام عليه، وهو الإباحة. # قلنا: هذا فاسد؛ لأن الإباحة تثبت بالإذن والإباحة، وهذه الصيغة موضوعة ~~لمعنى خاص وهو طلب الفعل، فلابد أن يثبت بمطلقها فوق ما يثبت بالإذن ~~والإباحة ويعتبر الأمر بالنهي، فكما أن مطلق الأمر يقتضي حسن الأمور به علي ~~وجه يجب الائتمار. # (قالوا: لابد مما يوجب ترجيح جانب الوجود)، وهذا الترجيح قد يكون ~~بالإلزام وقد يكون بالندب، فيثبت أقل الأمرين؛ لأنه المتيقن به حتى يقوم ~~الدليل علي الزيادة. # (إلا أن هذا فاسد). يعني كون موجب الأمر الندب بهذا الدليل فاسد لأن ~~الأمر لما كان لطلب المأمور به اقتضى مطلقه الكامل من الطلب؛ لأنه (لا قصور ~~في الصيغة ولا في ولاية المتكلم)، فإنه مفترض الطاعة يملك الإلزام، فكان ~~الكمال هو الأصل، ولأنه لو كان للندب لا يكون لطلب الفعل من كل وجه؛ لأنه ~~من حيث إنه لا يكون معاقبا علي تركه لا يأتي به، ومن حيث إنه يثاب علي عله ~~يأتي به فلا يكون مطلوبا من جميع الوجوه، فينبغي أن يكون PageV01P340 # مطلوبا من جميع الوجوه؛ لأنه لا قصور في ولاية المتكلم ولا في العبارة. ~~أو نقول: إن صيغة الأمر لا تخلو إما أن تكون حقيقة فيهما لا جائز أن تكون ~~حقيقة في الندب مجازا في الإيجاب؛ لأن ذلك يؤدي إلي تصويب قول من يقول: إن ~~الله تعالى لم يأمر بالإيمان ولا بالصلاة، وهو باطل؛ لأنهما مفروضان لا ~~مندوبان، والمفروض غير المندوب، فكان استعمالها في غير موضوعها مجازا لا ~~محالة، فبقي الوجهان الآخران، فالحمل علي الإيجاب في كل واحد منهما أولي. # أما إذا كانت الصيغة حقيقة في الإيجاب فلكون الصيغة معمولة في حقيقتها. # وأما إذا كانت حقيقة فيهما جمعا كان الحمل علي الإيجاب أولي أيضا لتضمن ~~الإيجاب الندب وبل زيادة بخلاف العكس، وما قالوه من أن الحمل علي أقل ~~الأمرين عمل بالتيقن باطل بلفظ العام، فإنه يتناول الثلاثة فما فوق ذلك ثم ~~عند الطلاق لا يحمل علي المتيقن وهو الأقل، وإنما يجمل علي الجنس ms083 لتكثير ~~الفائدة به فكذلك صيغة الأمر، ولو لم يكن في القول بما قالوا إلا ترك الأخذ ~~بالاحتياط لكان ذلك كافيا في وجوب المصير إلي ما قلنا، فإن المندوب يستحق ~~بفعله الثواب ولا يستحق بتركه العقاب، والواجب يستحق بفعله الثواب وبتركه ~~العقاب، فالقول بأن مقتضي مطلق الأمر الإيجاب فيه معني الاحتياط من كل وجه، ~~فكان هو أولى. PageV01P341 # وقوله: {إنما قولنا لشيء} يوهم أن المعدوم شيء وليس كذلك، بل إنما سمي ~~شيئا باعتبار ما يؤول إليه؛ لأن الله تعالى يحول المعدوم شيئا لا أن يكون ~~شيئا قبل الوجود؛ لأن إثبات الثابت محال. # (وهذا عندنا) أي عندي وعند أقراني لا أن يراد به ما يقال هذا عند علمائنا ~~الثلاثة- أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله- لأن عند عامة المتكلمين ~~وبعض الفقهاء منهم الشيخ أبو منصور والقاضي الإمام أبو زيد- رحمهما الله- ~~أنه مجاز عن سرعة الإيجاد (علي أنه أريد به ذكر الأمر بهذه الكلمة) أي ~~بمدلول هذه الكلمة الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى فكان {كن} كلاما لله ~~تعالى حقيقة أى مدلول {كن}. PageV01P342 # (من غير تشبيه) أي من غير أن يقال إنه تعالى متكلم بالكاف والنون، حتى ~~يلزم تشبيه كلامنا أي لله تعالى كلام، لكن لا يشبه كلامه كلامنا؛ لأن ~~كلامنا يحدث فينا، والله تعالى يتعالى عن أن يحدث في ذاته شيء وقوله: من ~~غير تشبيه؛ نفي قول الكرامية، فإن عندهم كلام الله حادث في ذاته. # وقوله: (ولا تعطيل) نفي لقول المعتزلة، فإنهم يقولون: الله تعالى ليس ~~بمتكلم في الأزل، وإنما صار متكلما بخلق هذه الحروف والأصوات في محالها ~~فقولهم ذلك يؤدي إلي التعطيل عن صفة الكلام؛ لأن الموصوف بصفة إنما يتصف ~~بصفة قائمة بذاته ولما لم يكن الكلام؛ لأن الموصوف بصفة إنما يتصف بصفة # قائمة بذاته ولما لم يكن الكلام قائما بذات الله تعالى لم يكن متكلما به ~~فبطل قولهم؛ لأن الله تعالى متكلم بالإجماع. # (وقد أجري سنته في الإيجاد بعبارة الأمر) وهو خطاب {كن}. # فإن قلت: هذا الذي ذكره هو عين مذهب الأشعرية، ms084 فإنهم يقولون PageV01P343 # إن تكون العالم بخطاب {كن} فكان قوله {كن} تكوينا للعالم. # قلت فبقوله: وقد أجري سنته؛ وقع الاحتراز عن قول الأشعرية؛ لأن عن ~~الأشعرية تكون العالم بخطاب {كن} علي طريق الجزم والبتات علي وجه لا يجوز ~~التخلف عنه كالعلل العقلية عن معلولاتها كقيام الحركة للتحرك، والكسر ~~للانكسار، فعند المصنف- رحمه الله- أن تكون العالم بخطاب {كن} علي طريق ~~إجراء السنة أي كان علي جواز أن لا يكون كذلك؛ لأن إجراء السنة إنما يستعمل ~~فيما يغلب وجوده علي ذلك المجري يإجراء الله تعالى، وقد تخلف عن ذلك المجري ~~بإرادة الله تعالى خلقه، كما أن الله تعالى أجري سنته علي أن تكون النار ~~محرقة والماء مغرقا ولم يجعلهما علي تلك الصفة في حق الخليل والكليم- ~~عليهما السلام-، وقد كان يحتمل أن يوجد شيء بدون الأمر، فإن عند أهل السنة ~~والجماعة التكوين أزلي قائم بذات الله تعالى، وهو تكوين لكل جزء من أجزاء ~~العالم عند وجودة لا أنه يوجد عنده كاف ونون عند عامة المتكلمين من ~~أصحابنا. # وعند فخر الإسلام وشمس الأئمة وغيرهما خطاب مدلول {كن} PageV01P344 # موجود على الحقيقة عند إيجاد كل شيء فالحاصل أن عند فخر الإسلام ومن ~~تابعه في إيجاد شيء شيئان: الإيجاد، وخطاب {كن} أي مدلوله. # فإن قيل: فإذا حصل وجود العالم بالتكوين فما الفائدة في خطاب {كن} عند ~~الإيجاد؟ # قلنا: وردت الآيات في هذا في كثير من المواضع منها ما ذكر هاهنا، ومنها ~~قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} زمنها قوله ~~تعالى: {بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} فقلنا ~~بموجبها ولا نشتغل بطلب الفائدة كما قلنا في الآيات المتشابهة، ولا نشتغل ~~بسوي ذلك علي ما هو المختار عند كثير من السلف مع اعتقاد أن ما يوجب نقيضه ~~غير مراد بالآيات المتشابهة، فكذلك هاهنا نقول بوجود خطاب {كن} عند الإيجاد ~~من غير تشبيه ولا تعطيل؛ ولأن فيه بيان إظهار عظمته وكمال قدرته كما أن ~~الله تعالى يبعث من في القبور، يبعثه ms085 ولكن بواسطة نفخ الصور، وكذلك هاهنا ~~خلق الأشياء بواسطة الأمر. PageV01P345 # فإن قيل: الخطاب بالأمر المعدوم كيف يصح؟ # قلنا: هذا أمر يكون مطالبة الفعل من المخاطب حتى يشترط فيه وجود المخاطب ~~وعلي أمر التكوين يترتب ما هو المقصود منه وهو الوجود، فلما تحقق ما هو ~~المقصود من ذلك الأمر استقام هو كما استقام الأمر للموجود، ولأن كلام الله ~~تعالى أزلي وكذلك التكوين، وكل أزلي يستحيل العدم فيبقي كل منهما إلي وقت ~~وجود المخاطبين، فلم يخل عن العاقبة الحميدة، فكان حكمه بخلاف الكلام ~~المحدث فإنه مستحيل البقاء، فإذا وجد به الخطاب في حال عدم المخاطب لم يبق ~~الخطاب إلي وقت وجود المخاطب، فلا تتعلق به العاقبة الحميدة، فلذلك كان هو ~~سفها، وما نحن فيه حكمة إلي هذا أشار في «تبصير الأدلة». PageV01P346 # (ولو لم يكن الوجود مقصودا بالأمر لما استقام قرينة للإيجاد) أي مقرونة ~~للإيجاد. فعيله بمعني مفعولة أي لما استقام الأمر قرينة للإيجاد لأنه حينئذ ~~يكون تعليل ما ليس بعلة وذلك لا يجوز خصوصا من الحكيم الذي لا يسفه. كما لا ~~يجوز أن تقول: سقيته فأشبعته، أو أطعمته فأرويته؛ لأن الفاء في مثل هذا ~~الكلام إنما تدخل في حكم ما سبق، لأن العرب تقول: سقاه فأرواه، وأطعمه ~~فأشبعه أي حكما للسقي والإطعام. ولهذا قال علماؤنا- رحمهم الله- في الحديث: ~~[إن رسول الله صلي الله عليه وسلم سها فسجد] يكون وجود السجود حكما للسهو ~~فلا يجب بالعمد فكذلك هاهنا كون الشيء لو لم يصلح أن يكون أثرا للأمر لا ~~يستقيم القران به، ثم الإيضاح في وجه التمسك بهذه الآية علي أن الأمر ~~للوجوب هو أن الله تعالى جعل أمره لشيء علة لوجود ذلك الشيء، فكان أمره ~~للمكلف بشيء PageV01P347 # من العبادات وغيرها يجب أن يكون كذلك. يعني لو أراد وجود المأمور به من ~~المكلف يأمره به فيوجد المأمور به ضرورة، كما في هذه الآية أخبر انه لو ~~أراد وجود شيء من العالم يأمره بوجود فيوجد، وفي حق المكلف أيا وجد امر ~~الله تعالى بإتيان المأمور به، ms086 فكان علي ذلك النسق ينبغي أن يوجد المأمور ~~به من المكلف من غير اختيار من المكلف كما في إيجاد شيء من العالم أنه يوجد ~~ذلك الشيء من غير اختيار منه بمجرد الأمر. إلا أنا لو قلنا ذلك يلزم الجبر ~~علي المكلف ويسقط الاختيار، وللعبد اختيار في إتيان الطاعة والمعصية لتحقيق ~~الابتلاء. # قال الله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} وقال تعالى: {خلق الموت ~~والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} فعدلنا لذلك من الوجود إلي الوجوب لا إلي ~~الندب والإباحة؛ لما ان الوجوب أكثر إفضاء إلي الوجود من الندب والإباحة. ~~أعني لما لم يكن الوجود مرادا من الأمر الوارد علي المكلف لضرورة نفي الخبر ~~منه اضطررنا إلي أن نحمل ذلك الأمر إلي الشيء الذي هو أقرب للوجود وأكثر ~~إفضاء إليه وهو الوجوب، وكذلك في الآية الثانية، فالمراد من القيام الوجود ~~كما في قولهم: الأعراض قائمة بالأعيان، فقد نسب القيام أي الوجود إلي ~~الأمر، فعلم بهذا أن الأمر علة الوجود، ثم العدول من الوجود إلي الوجوب ~~للمعني الذي ذكرناه آنفا. PageV01P348 # {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} الله تعالى حذر المخالفين عن أمر {أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} والحذر إنما يجب عند وجوب المأمور به؛ ~~لأنه لو لم يكن واجبا لم يكن الحذر واجبا؛ لأن حد غير الواجب هو أن لا يكون ~~العقاب علي تقدير الترك. # (وكذلك دلالة الإجماع حجة) يعني أن الإجماع في مثل صورة المتنازع يدل علي ~~ثبوت المدعي هاهنا، وهو أن العقلاء أجمعوا عند إرادة فعل من شخص لم يكن في ~~وسعهم أن يطلبوا إلا بلفظ الأمر وهذا في المخلوقين، فالإجماع علي ذلك هناك ~~دليل علي أن الأمر الصادر من الشارع أيضا يدل علي الوجوب. بل كان هذا أولي ~~في اقتضاء الوجوب من أمر المخلوقين؛ لأن الله تعالى مفترض الطاعة علي ~~الإطلاق، وهو المراد بالإجماع فيما ادعينا؛ لأن المسألة ليست بمجمع عليها، ~~إلا أن دلالة الإجماع مثل الإجماع؛ لأن الدلالة تعمل عمل الصريح عند عدم ~~الصريح بخلافه، فلذلك أطلق عليه اسم ms087 الإجماع فيما سبق. PageV01P349 # وكان هذا نظير ما قال علماؤنا- رحمهم الله-: إن سؤر الكلب نجس بدلالة ~~الإجماع يعني أن الإجماع منعقد علي وجوب غسل الإناء من سؤره، فدل ذلك علي ~~نجاسة سؤره بالإجماع، فكذلك هاهنا لم يكن في وسعه أن يطلبه إلا بلفظ الأمر. # فإن قبل: بل كان في وسعه أن يقول: أوجبت عليك أن تفعل كذا. # قلنا: إنه أمر معني أيضا؛ لأن تقديره: أوجبت عليك لأني أمرتك بكذا، فكان ~~قوله ذلك إخبارا عن الأمر، فيكون الوجوب بالأمر، وهذا لأن قوله: افعل. فعل ~~فعل الضرب في الزمان الماضي، فالمطول والمختصر بمنزلة الاسمين المترادفين. # (كسائر العبارات) أي في الأسامي، مثل: رجل، وجدار، وإبل، وفرس وغير ذلك، ~~ولا يلزم الأسماء المشتركة؛ لأنها علي خلاف الأصل، فصار معني المضي للماضي ~~حقا لازما لا يتغير عما وضع له إلا بدليل كقوله تعالى: {وقالوا الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن} وهذا القول منهم في الجنة عبر عنه بعبارة الماضي ~~لتحققه، وكونه كائنا لا محالة فكأنه قد تحقق ومضى. PageV01P350 # وكذلك قوله تعالى: {وسيق الذين كفروا} وقوله: ل {وسيق الذين اتقوا} ~~وغيرها. # وقوله: (ألا تري أن الأمر فعل معتمد) يتصل بقوله: فيكون حقا لازما به؛ ~~يعني أن الأمر متعمد لازمه ائتمر أي الائتمار حكم لفعل الأمر، فيثبت ~~الائتمار عند ثبوت الأمر كأحكام سائر العلل لا يتصور حكم العلة إلا واجبا ~~بالعلة تراخي عنها بمانع أم اتصل بها. كذا في "التقويم". # أو نقول: وكان من حق الأمر أن يوجد المأمور به ضرورة وجود الأمر؛ لأنه ~~فعل متعد ولا يوجد الفعل المتعدي إلا والمفعول موجود كالكسر مع الانكسار، ~~فإن الانكسار بمنزلة المفعول له؛ لأنه أثر ذلك الفعل وهذا في الفعل المتعدي ~~المضاف إلي المفعول ثابت متحقق حيث لا يوجد الفعل غلا والمفعول موجود كما ~~نقول: الله تعالى خالق العالم إذا اتصل أثر الخلق بالعالم، ولا PageV01P351 # نقول: الله تعالى خالق العالم في الأزل؛ لأن ذلك يؤدي علي قدم العالم، بل ~~نقول: الله تعالى خالق في الأزل من غير إضافة، الله تعالى ms088 خالق في الأل من ~~غير إضافة، وفي الإضافة لابد من وجود العلقة بينهما، فكذا فيما نحن فيه، ~~نقول: الله تعالى في الأزل آمر ناه، ولا نقول: في الأزل آمر يد وناهيه؛ ~~لأنه لم يكن زيد فيه، وإنما نقول: آمر زيدا إذا اتصل أثر الأمر بزيد، وإذا ~~ثبت هذا فنقول: كلامنا في الأوامر المضاف إلي المأمورين؛ لأنا نتكلم في ~~الأوامر إلا والمأمور به موجود؛ لأنه متعد لازمه ائتمر، لكن لو قلناه علي ~~وفاق ما ذكرناه من الفعل المتعدي ومطاوعه يلزم الجبر ويذهب الاستبعاد ~~والاختيار، فالجبر منتف بالضرورة، والاستبعاد واقع بالعلم القطعي، ~~والاختبار لنا ثابت ضرورة، ولما كان كذلك أقيم الوجوب علينا مقام وجود ~~المأمور به؛ لئلا يلزم الجبر ويتعطل الفعل المتعدي المضاف إلينا، فقضيته ~~الأمر لغة أن يثبت إلا بالامتثال؛ لأن الامتثال وهو الائتمار لازم الأمر ~~كالانكسار لازم الكسر فكما لا وجود للكسر بدون الانكسار فكذلك لا وجود ~~للأمر بدون الائتمار لغة. # فإن قلت: لا نسلم أن الائتمار لازم الأمر خاصة كالانكسار للكسر، بل له ~~لازم آخر وهو العصيان. # ألا تري أنه كما يصح أن يقال: أمرته فائتمر، كذلك يصح أن يقال: أمرته ~~فعصى. علم بهذا أن الائتمار ليس نظير الانكسار لغة في خصوصية اللزوم. PageV01P352 # قلت: بل هما أي الانكسار والائتمان نظيران لغة في خصوصية اللزوم لفعليهما ~~المتعديين إلا أنه صح أيضا أمرته فعصي لضرورة بقاء اختيار المكلف. # أعني أن صحة ذلك إنما نشأت من قبل بقاء اختيار المأمور، ولو لم يكن له ~~اختيار لوجد الائتمار ضرورة وجود الأمر كوجود الانكسار ضرورة وجود الكسر، ~~وهذا لأن لازم المشتق منه الائتمار لا العصيان، فكان الائتمار نظير ~~الانكسار لا العصيان، فلذلك كان إلحاق الائتمار بالانكسار أولي من إلحاق ~~العصيان بالانكسار، وهذا واضح بحمد الله تعالى. # (وإن كان ضروريا) أى وإن كان الاختيار ضروريا، وهذا ليس بتناقض؛ لأن ~~المراد به أن هذا الوصف اختياري، وهذا ليس بتناقض؛ لأن المراد به أن هذا ~~الوصف اختياري، والعبد في كون هذا الفعل اختياريا له مضطر؛ لأنه ليس ms089 في يده ~~دفع الاختيار عن نفسه فكان مضطرا فيه إلا أن اختيار أحد الضدين علي الآخر ~~نوع تصرف واختيار منه، فينتفي به الجبر. # (فنقل حكم الوجود) أي حكم الأمر وهو وجود الائتمار لغة علي ما بينا إلي ~~الوجوب لا أن الحكم شيء آخر، والوجود شيء آخر، بل هوهو، كقولنا: علم الطب ~~أى علم هو الطب يعني فنقل حكم وجود الائتمار إلى PageV01P353 # الوجوب لا إلى شيء آخر؛ لأن الوجوب يفضي إلي الوجود في الغالب؛ لأن العقل ~~والديانة يحملانه علي ذلك؛ لأن العقل لا يجوز الوقوع في العقوبة بخلاف ~~الندب والإباحة؛ لأنهما لا يفضيان إلي الوجود إفضاء الوجوب ولو وجب التوقف ~~في حكم الأمر لوجب في النهي؛ لأن التوقف في الأمر لكونه مستعملا لمعان ~~مختلفة علي ما ذكر في أول هذا الباب. # وهذا المعني موجود في النهي؛ لأن النهي استعمل أيضا لمعان مختلفة منها: ~~نهي تحريم، وهو الظاهر كما في قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى}، وقوله: {لا ~~تاكلوا الربا}. # ونهي تنزيه كما في قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} نهي كراهة كالنهي عن ~~الصلاة في الأرض المغصوبة، ونهي شفقة كالنهي عن المشي في PageV01P354 # نعل واحد، واتخاذ الدواب كراسي، وكالاستنجاء علي الجدار. # ونهي ندب كالنهي عن الاستنجاء في الحوض الذي يشرب منه، (فيصير حكمهما) ~~وهو التوقف (واحدا وهو باطل) إذ حكم أحد الضدين حكمهما واحدا؛ هذا غير مسلم ~~لأن المفارقة بين الوقف في الأمر وبين الوقف في النهي ثابتة، فكيف يصير ~~حكمهما واحدا؟ وهذا لأنه لو توقف في النهي حصل به المقصود وهو الانتهاء ولا ~~يحصل المقصود بالتوقف في الأمر. # فعلم بهذا أن المفارقة بين الوقفين ثابتة، فكيف يثبت اتحاد حكمهما مع ~~وجود مثل هذه المفارقة التي هي بين النفي والإثبات؟ # قلت: لا يحصل المقصود بالتوقف في الانتهاء أيضا وهذا لأن المقصود PageV01P355 # إنما يحصل إذا توقف علي الوجه الذي نهي عنه لا علي خلافه. بيان ذلك أن ~~أحدا لو لم يأكل الربا لكن اعتقد إباحته صار كافرا وإن امتنع عن أكله لما ~~انه لم ms090 ينته علي الوجه الذي نهاه الشارع، فإن هذا النهي يقتضي وجوب ~~الانتهاء فعلا واعتقادا وهو لم ينته كذلك. # فعلم بهذا أنه لم يحصل المقصود بالتوقف في النهي أيضا كما لا يحصل ~~بالتوقف في الأمر. # فإن قلت: لو ثبت في الأمر والنهي صيرورة حكمهما واحدا بسبب اتحاد التوقف ~~لوجب أن يكون صيرورة حكمهما واحدا أيضا بسبب اتحاد الوجوب؛ لأنا أجمعنا ~~واتفقنا علي أن حكم كل واحد منهما الوجوب غير أن في الأمر وجوب الائتمار ~~وفي النهي وجوب الانتهاء، وبهذا لا يقع الفرق؛ لأن مثل هذا أيضا موجود في ~~التوقف؛ لأن التوقف في الأمر توقف الائتمار وفي النهي توقف الانتهاء؟ # قلت: ليس كذلك؛ لأنا نقول في الأمر وجوب الائتمار الذي هو مقتض وجود ~~الفعل، وفي النهي وجوب الانتهاء الذي هو مقتض عدم الفعل، فكيف يكون المقتضي ~~للوجود مع المقتضي للعدم بابا واحدا وهما علي طرفي نقيض. # وأما التوقف الذي قلت فهو عبارة عن عدم الفعل فهو شامل للتوقف في ~~الائتمار وفي الانتهاء، فكان التوقف فيهما جميعا شيئا واحدا، فصح قوله: ~~"فيصير حكمهما واحدا". PageV01P356 # (يبطل الحقائق كلها)؛ لأنا لو اعتبرنا ما قاله الواقفية أدي ذلك إلي ~~تعطيل النصوص وأحكام الشرع. بيانه هو أن من النصوص ما يحتمل النسخ والخصوص ~~والمجاز فلو اعتبرنا وصف الاحتمال في حق إيجاب التوقف يؤدي إلي هذا، وهذا ~~مما لا وجه له. # وكان الأستاذ الكبير شمس الدين الكردي- رحمه الله- يقول في هذا المقام: ~~أنا الشخص الذي كنت أمس بلا شك وشبهة، وإن كان في قدرة الله تعالى إعدامي ~~وخلقه مثلي بعيني وسني، ومع ذلك لا يشك أحد في كوني أنا ذلك الشخص الموجود ~~في الأمس، وكذلك قولهم: جاء زيد، ورأيت فلانا، وكلمت فلانا يفهم منه ما وضع ~~هذه الألفاظ له، وإن كان يحتمل غير ذلك إلا انه إذا لم ينشأ عن دليل لم ~~يعتبر، وكذلك العقلاء لا يحترزون عن الجلوس تحت المسقف واحتمال السقوط ~~ثابت، إلا أنه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر ذلك، وكذلك قوله تعالى: {{وإذ ~~يرفع ms091 إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} وغير ذلك من الآيات يعلم يقينا أن ~~رافع القواعد إبراهيم PageV01P357 # وإسماعيل عليهما السلام، فلو اعتبر مجرد الاحتمال لوجب التوقف في الكل ~~وذلك باطل بالاتفاق. # ألا تري أنا لا ندعي أن الأمر محكم في موجبه هذا يحتمل غيره، فبقولنا هذا ~~وفينا موجب الاحتمال حيث لم نقل إنه محكم (لأن اسم الحقيقة لا يتردد بين ~~النفي والإثبات) يعني مما ينفي عما وضع له مرة ويثبت أخري، بل يثبت أبدا ~~لما وضع له يعني لا يسقط عن المسمي أبدا كاسم الأسد لا ينفى عن الهيكل ~~المخصوص أبدا، وغير متردد بين النفي والإثبات بخلاف الأسد إذا قيل للإنسان ~~الشجاع يثبت مرة بطريق المجاز وينفى عنه بطريق الحقيقة. # [الأمر بعد الحظر] # (استدلالا بأصله) يعني أن مطلق الأمر للوجوب في الأصل، وكذلك صيغته أيضا ~~مستعملة في الإيجاب لما ذكرنا أنه لا قصور في الصيغة فيتناول PageV01P358 # على ما يحتمله من طلب الفعل وهو الوجوب. # (ومنهم من قال بالندب) فنظير الندب بعد الحظر قوله تعالى: {وذروا PageV01P359 # البيع} ثم قال: {{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله} قيل: ابتغاء فضل الله طلب الرزق. # (لكن ذلك عندنا بقوله تعالى: {قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين}) أي وصيد ما علمتم لا أن الإباحية ثبتت بقولة: {فاصطادوا} ابتداء ~~لوروده بعد الحظر. # ألا تري أن الأمر بقتل المرتد، والأمر بالرجم، والأمر بقتل قاطع الطريق ~~جاءت بعد الحظر وهي للإيجاب. # وفي قوله تعالى: {فاصطادوا} قام الدليل علي أنه ليس للإيجاب وهو الإجماع، ~~ومن حيث العقل أيضا، وهو أن الاصطياد شرع حقا للعبد، ولو وجب لصار حقا ~~عليه، فيعود الأمر علي موضوعه بالنقض وذلك باطل. # ومن هذا الأصل الاختلاف في الموجب يعني أن لفظ الأمر خاص وله موجب خاص، ~~ثم اختلفوا بعد ذلك أن موجبه علي الخصوص أو على العموم. PageV01P360 ### || AUTO [باب موجب الأمر في معنى العموم والتكرار] # والفرق بين العموم والتكرار هو في قوله: طلق امرأتي، فإن العموم في ذلك ~~أن يطلقها ثلاث ms092 تطليقات بدفعة واحدة، لأن العموم عبارة عن الشمول، والشمول ~~فيه هو أن يملك ثلاث تطليقات بدفعة واحدة، # التكرار هو أن يطلقها واحدة بعد واحدة. # (قال بعضهم: صيغة الأمر توجب العموم والتكرار). # (وقال بعضهم: لا بل تحتمله) والفرق بين الموجب والمحتمل: أن PageV01P361 # الموجب أصل موضوع الكلام حتى # يراد ذلك من غير قرينة والمحتمل لا يراد به غير قرينة، كما في قولهم: ~~جاءني زيد، فموجبه مجئ زيد ومحتمله مجئ خبره أو نائبه أو غلامه، وذلك إنما ~~يثبت عند قرينة دالة عليه وهي أن يقال ذلك عند شهرة مجئ خبره أو نائبه، ~~وكذلك جميع أسماء الحقائق فما وضع له الألفاظ موجب لها وما أريد من المجاز ~~فهو محتمل فيحتاج إلي قرينة دالة عليه إلا إذا صارت الحقيقة مهجورة فحينئذ ~~تصير الحقيقة بمنزلة المجاز، PageV01P362 # والمجاز بمنزلة الحقيقة. يعني لا يفهم بذلك اللفظ حقيقته إلا بقرينة. # (وعند الشافعي يحتمل الثلاث والمثني) حتى أن الثلاث والمثنى يقع بالنية ~~ولا يحتاج في وقوع الواحدة موجبة والمثنى والثلاث محتملة. # (أن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بالمصدر)؛ لأن معنى قوله: طلقي نفسك؛ ~~افعلي فعل التطليق علي نفسك (واسم الفعل) أي المصدر، إطلاق اسم الفعل علي ~~المصدر حائز كما ذكره في "المفصل" بقوله: وربما سماه الفعل أي سمى سيبوبه ~~المصدر الفعل. # (فوجب القول بعمومه كسائر ألفاظ العموم) - يعني- إن إرادة التكرار في ~~الأمر بمنزلة إرادة العموم من اللفظ العام فكما أن موجب العام العموم حتى ~~يقوم الدليل علي الخصوص، فكذلك هاهنا موجب الأمر التكرار حتى يقوم الدليل ~~علي أن المراد به المرة لا المرات، واعتبروا أيضا الأمر بالنهي فكما أن ~~النهي يوجب إعدام المنهي عنه عاما فكذلك الأمر يوجب إيجاده عاما حتى PageV01P363 # يقوم دليل الخصوص وذلك يوجب التكرار. # (وجه قول الشافعي ما ذكرنا) وهو قوله: إن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل ~~بالمصدر؛ (غير أن المصدر اسم نكرة في موضع الإثبات فأوجب الخصوص علي احتمال ~~العموم)، فالخصوص باعتبار أن المصدر اسم لجنس الفعل، فيصلح أن يكون اسم ~~الجنس متناولا لأنواعه، ms093 فوقعه نكرة في موضع الإثبات غير مانع لاحتماله ~~العموم والتكرار. # ألا تري إلي قوله تعالى: {وادعوا ثبورا كثيرا} فقد وصف الثبور بالكثرة مع ~~أنه وقع نكرة في موضع الإثبات. # علم أن المصدر محتمل للكثرة والتكرار، وإن كان في موضع الإثبات وهو نكرة ~~باعتبار أنه مصدر. # ألا تري أنك لو قلت: رأيت رجلا كثيرا لا يصح، وإنما صح هاهنا باعتبار PageV01P364 # أنه مصدر، وهو محتمل للتكرار والعموم، ثم إنما جعلنا الواحد موجبا ~~والزائد عليه محتملا: لأن الأمر لطلب الفعل، وطلب الفعل يفتقر إلي واحد ~~بحيث لا يتحقق ولا يوجد بدونه، فكان الواحد هو المتيقن من كل وجه فلذلك كان ~~هو أولى بكونه موجبا. # وأما ما زاد عليه فصالح لأن يكون مرادا باعتبار أن المصدر اسم لجنس ~~الفعل، ولكن غير مفتقر إليه في وجود الفعل، فلذلك كان هو أولى لأن يكون ~~محتملا، وحاصلة أن الشافعي يحتج بمثل ما احتج به الأولون ولكن علي وجه ~~يتبين به الفرق بين الأمر والنهي ويثبت به الاحتمال دون الإيجاب، وذلك أن ~~قوله: افعل. يقتضي مصدرا علي سبيل التنكير أي افعل فعلا، وكذلك في طلق أي ~~طلق طلاقا. # أما اقتضاؤه المصدر، فلأن الفعل مركب من الزمان والمصدر، ولأن كل فعل ~~مشتق من مصدره فلابد من إدراج المشتق منه عنه ذكر المشتق. # أما اقتضاؤه التنكير؛ لأن ثبوته بطريق الحاجة إلي تصحيح الكلام وبالمنكر ~~يحصل هذا المقصود، فأثبتناه لكونه متيقنا؛ لأن النكرة في موضع الإثبات تقع ~~علي الواحد كما في قوله تعالى: {فتحرير رقبة} لكن احتمال العدد والتكرار ~~باق بدليل استقامة قران العدد والتكرار به علي وجه التفسير في قوله: طلقها ~~ثنتين أو ثلاثا، فلو لم يكن اللفظ محتملا للعدد لما استقام تفسيره بخلاف ~~النهي، فإن صيغة النهي عن الفعل تقتضي أيضا مصدرا علي سبيل التنكير أي لا ~~تفعل فعلا، ولكن النكرة في النفي تعم، PageV01P365 # فلذلك كان العموم في موضع النفي موجبا وفي الأمر محتملا. # (وجه القول الثالث الاستدلال بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة). # أما الكتاب: فما ذكره في الكتاب. ms094 # وأما السنة: فمثل قوله عليه السلام: "الوضوء من كل دم سائل" وكذلك قوله- ~~عليه السلام: "إنما الوضوء علي من نام مضطجعا". # قال الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: والصحيح عندي أن هذا ~~ليس بمذهب علمائنا، فإن من قال لامرأته: إذا دخلت الدار PageV01P366 # فأنت طالق لم تطلق بهذا اللفظ غلا مرة وغن تكرر منها الدخول، ولم تطلق ~~إلا واحدة وإن نوى أكثر من ذلك، وهذا لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود ~~الشرط، وهذه الصيغة لا تحتمل العدد بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط، وهذه ~~الصيغة لا تحتمل العدد والتكرار عند التنجيز، فكذلك عند التعليق بالشرط إذا ~~وجد الشرط، وإنما يحكي هذا الكلام عن الشافعي، فإنه أوجب التيمم لكل صلاة، ~~واستدل بقوله تعالى: # {فتيمموا}. # وقال: ظاهر هذا الشرط يوجب الطهارة عند القيام إلي كل صلاة. غير أن ~~النبي- عليه السلام- لما صلي صلوات بوضوء واحد ترك هذا في الطهارة بالماء ~~لقيام الدليل، وبقي حكم التيمم علي ما اقتضاه أصل الكلام وهذا سهو، فالمراد ~~بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} أي وأنتم محدثون. عليه اتفق أهل ~~التفسير، وباعتبار إضمار هذا السبب يستوي حكم الطهارة بالماء والتيمم، وهذا ~~الجواب عما يستدلون به من العبادات والعقوبات فإن تكررها ليس بمطلق صيغة ~~الأمر ولا بتكرار الشرط، بل بتجدد السبب الذي جعله الشرع سببا موجبا له، ~~ففي قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} أمر PageV01P367 # بالأداء، وبيان للسبب الموجب، وهو دلوك الشمس، فقد جعل الشرع ذلك الوقت ~~سببا موجبا للصلاة إظهارا لفضيلة ذلك الوقت بمنزلة قول القائل: أد الثمن ~~للشراء والنفقة لنكاح. يفهم منه الأمر بالأداء والإشارة إلي السبب الموجب ~~لما طولب بأدائه. # فعلم بهذا كله أن تكرر وجوب الصلاة بسبب نكرر سببها لا باعتبار أن الأمر ~~أو التعليق بالشرط يقتضي التكرار. # فلو لم يحتمل اللفظ لما أشكل عليه. يعني لو لم يكن الموجب هو التكرار لما ~~أشكل عليه؛ لأن المفهوم من الألفاظ موجبتها خصوصا عند قيام الدليل علي أن ~~التكرار غير مراد؛ لأن فيه حرجا عظيما، وإنما أشكل عليه لكونه موجبا ms095 له ~~فسأل كي يتضح الأمر عليه لاحتمال أن الموجب ليس بمراد، وعن هذا خرج الجواب ~~عما يقال فيه: إن كان اللفظ يوجب التكرار لما أشكل عليه وهو من أهل اللسان؟ # قلنا: إنما سأل ليعرف أن الموجب مراد أو أن غير موجبه مراد يعارض؛ لأن ~~فيه حرجا، فلهذا سأل لا أن يكون موجبه غير هذا. PageV01P368 # فإن قيل: ما فائدة إعادة هذا الاحتجاج بحديث الأقرع بن حابس بعد ما أقام ~~الدليل علي مدعي كل واحد من الفرق الثلاث؟ # قلنا: هذا احتجاج للفرق الثلاث علينا، فإنا ننكر احتمال التكرار، والفرق ~~كلهم قائلون بالاحتمال، فإن الذي يدعي الوجوب يدعي الاحتمال لا محالة، ~~والذي يدعي الوجوب في المعلق بالشرط يدعي الاحتمال أيضا، والشافعي قائل ~~بالاحتمال صريحا، فقام الدليل للكل علي زعمهم علي إبطال مذهبنا وهو أنه غير ~~محتمل وإن لم يكن دليلا للكل علي إثبات مذهبهم. # فإن قيل: فعلي هذا ينبغي ألا يذكر الاستدلال بحديث الأقرع في وجه قول ~~الشافعي؛ لأن الاستدلال الثاني به عين الاستدلال للأول به؛ لأنه في كلا PageV01P369 # الموضعين يستدل به علي أن التكرار محتمل الأمر. # قلنا: لا كذلك، بل الاستدلال الأول غير الاستدلال الثاني، فإن الشافعي ~~ثمة استدل به علي أن الأمر غير موجب للتكرار، فإنه لو كان موجبا له لما سأل ~~عنه، وفي الثاني احتج كلهم به علي إثبات الاحتمال، فجاز أن يكون الشيء ... ~~غير موجب للتكرار وغير محتمل له أيضا إلي إثبات أنه محتمل للتكرار وإن لم ~~يكن موجبا له. # (وهما اسمان فردان) أي الطلاق والتطليق، (وبين الفرد والعدد تناف)؛ لأن ~~العدد مركب من فردين أو أفراد، والفرد غير مركب، (فكما لا يحتمل العدد معني ~~الفرد لم يحتمل الفرد معني العدد)؛ لأن أحد الضدين لا يتناول الضد الآخر في ~~الاحتمال. # (فالبعض منه) أي الذي أقله فرد حقيقة وحكما، ولما كان هو فردا حقيقة ~~وحكما وقع أمره علي الواحدة بدون النية. # وأما إذا كان فردا حكما إنما يقع أمره علي الثلاث عند النية لقصوره في ~~وصف الفردية عن الأول من ms096 حيث الحقيقة. PageV01P370 # (ألا ترى أنك إذا عددت الأجناس) أي من التصرفات الشرعية تقول: النكاح، ~~والطلاق، والعتاق، والوكالة، والمضاربة، وغيرها يقع الطلاق بمجموعة مقابلة ~~تلك الأفراد في عد الأجناس؛ فلذلك كان الطلاق بأجزائه واحدا. # فأما بين الأقل والكل فعدد محض ليس بفرد حقيقة ولا حكما، فلذلك لم تعمل ~~نية الثنتين أصلا في الأمر بالطلاق؛ لأن الثنتين من الطلاق ليست بفرد حقيقة ~~ولا حكما، فلم يكن لذلك من # محتملات الكلام أصلا فلم تعمل النية. PageV01P371 # (وكذلك سائر أسماء الأجناس إذا كانت فردا صيغة) كالماء والطعام إذا حلف ~~لا يشرب ماء ولا يأكل طعاما، (أو دلالة) كما في قوله: والله لا أتزوج ~~النساء (أنه يقع علي الأقل ويحتمل الكل). # فأما قدر من الأقدار المتخللة كمن أو منين من الماء أو الطعام إذا نوى ~~ذلك لم تعمل نيته لخلو المنوي عن صفة الفردية صورة ومعني فلا تعمل النية؛ ~~لأن النية وضعت لتعيين بعض ما احتمله اللفظ، فلما لم يحتمله لفظه ذلك لم ~~تعمل نيته. # وقوله: (وبني آدم) في اقتضاء الجنسية بمنزلة العبيد؛ لأن العبيد محلي ~~بالألف واللام والتي هي للجنس والإضافة هاهنا قائمة مقام الألف واللام؛ لأن ~~معني قولهم: لا أكلم بني آدم، ومعني قولهم: لا أكلم الناس أو الآدميين، ~~واحد، وإنما لم يذكر فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام في الإضافة ~~المعنوية تتعاقبان. # (إن ذلك يقع علي الأقل) حتى إنه يحنث بتزوج امرأة واحدة وبشراء عبد واحد، ~~وفي الطعام يحنث بأكل أدني ما يتناوله اسم الطعام. PageV01P372 # (ويحتمل الكل) أي كل النساء في العالم وكل العبيد في العالم، وكل بني آدم ~~وكل الثياب في العالم حتى إذا نوى الكل في يمينه لا يحنث أبدا؛ لأنه لا ~~يتصور تزوج جميع نساء العالم ولا شراء كل العبيد في العالم. # وكذلك لو قال: إن تزوجت النساء، أو اشتريت العبيد، أو كلمت الناس يحنث ~~بالواحد عند الإطلاق، إلا أن يكون المراد الجميع فحينئذ لا يحنث قط ويدين ~~في القضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه. # كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في ms097 "أصول الفقه" في فصل ألفاظ ~~العموم. # فإن قلت: ففي قوله: إن تزوجت النساء، أو إن اشتريت العبيد، أو إن كلمت ~~الناس، أو لا أشرب ماء، أو الماء ينبغي ألا تنعقد يمينه عند إرادته الجميع ~~علي قول أبي حنيفة ومحمد- كما في مسالة الكوز، وهي قوله: إن لم أشرب الماء ~~الذي في هذا الكوز اليوم فامرأته طالق، وليس في الكوز ماء لم يحنث؛ لأن من ~~شرط انعقاد اليمين وبقائها التصور؛ لأن PageV01P373 # اليمين إنما تعقد للبر فلابد من تصور البر ليمكن إيجابه، وشرب الماء ~~المعدوم غير متصور فلذلك لم تنعقد اليمين، فكذلك هاهنا تزوج جميع نساء ~~العالم، أو اشتراء جميع عبيد العالم، أو شرب جميع المياه في العالم غير ~~متصور للواحد، فينبغي أن لا تنعقد يمينه، وأن تلغو إرادته الجميع لعدم ~~تصورها، فتبقي يمينه هذه خالية عن النية فعند ذلك يقع الواحد علي ما ذكرت. # قلت: الجواب عنه من وجهين: # أحدهما\ أن نيته هاهنا صادفت حقيقة كلامه، والحقيقة حقيق بأن تراد، فبعد ~~ذلك لم يعتبر التصور وعدم التصور بخلاف مسألة الكوز، فإن يمينه هناك لم ~~تصادف حقيقة كلامه؛ لأنه لا حقيقة لشرب الماء المعدوم كلامه من الأصل. # والثاني- إن لكلامه هنا محملا متصور البر وهو الحمل علي الأقل، فصح يمينه ~~كذلك لتصوره، فبعد ذلك عند إرادته الجميع لا تلغي يمينه بعد صحتها ولأنه لا ~~يتفاوت الحكم بين أن تصح يمينه أو لا تصح؛ لأن علي تقدير الصحة لا يحنث ~~أيضا لما أن نيته الجميع صادفت حقيقة كلامه فلا يحنث في يمينه؛ لأنه بر في ~~يمينه حيث لم يتزوج جميع نساء العالم، ولم يشتر جميع العبيد في العالم كما ~~هو نيته. # وأما في مسالة الكوز فليس ليمينه محل آخر متصور الوجود حتى تنعقد يمينه ~~باعتباره، فلذلك لغت يمينه من الأصل ولم ينعقد؛ لأنا إذا بقيناه جمعا لغا ~~حرف العهد أصلا يعني اجتمع هاهنا شيئان متعارضان: صيغة الجمع. PageV01P374 # وحرف العهد، فاعتبار صيغة الجمع يلغي حرف العهد؛ لأنه لا معهود في صيغ ~~الجموع؛ لأن الجمع ما وضع ms098 لعدد معين بل هو شائع كاسم النكرة، واعتبار الجنس ~~يخالف اعتبار الجمع، والأصل في التعارض الجمع ثم الترجيح ثم التهاتر، ~~وهاهنا لا يمكن القول بالملخص فوجب الجمع بينهما؛ لأن المصير إلي الترجيح ~~يوجب إهدار أحدهما لا محالة فكان الجمع أولي، وفيما قلنا جمع بينهما أي عمل ~~بالدليلين؛ لأنا إذا جعلناه للجنس حصل العمل بحرف العهد؛ لأنه يتناول ~~المعهود من ذلك الجنس بخلاف معني الجمع فإنه لم يوجد جمع معهود من الجموع ~~أولي من غيره، فلذلك جعلناه للجنس؛ لأن كل جنس معهود، وفيه معني الجمع ~~أيضا؛ لأن في الجنس أفرادا إما تحقيقا وإما تقديرا، فاكن المصير إلي الجنس أولي. # فإن قلت: لا نسلم أن جمعا من الجموع لم يوجد أنه أولي من غيره، بل وجد ~~وهو الثلاث بدليل وجوب الصرف إليه عن عراء لفظ الجمع عن حرف العريف، فلما ~~كانت أولوية الثلاث عن غيره كان هو أولي من غيره، فصلح أن يكون هو معهودا ~~في الجموع فيصرف إليه مع الألف واللام أيضا لكونه معهودا. # قلت: لا كذلك، فإن عند ذلك يلزم إلغاء حرف التعريف لاستواء الحكم مع وجود ~~حرف التعريف وعدمه حينئذ، ولأن تعينه عند عدم حرف التعريف PageV01P375 # لا باعتبار أن ذلك الجمع جمع معهود، بل باعتبار أن ذلك الجمع أول الجموع ~~الذي لا يزاحمه غيره، فكان متيقنا فكان الصرف إليه باعتبار أنه متيقن لا ~~باعتبار أنه معهود. # أو نقول: إن معني الجمع مراعي في الجنس من وجه وليس في الجمع معني الجنس ~~أصلا؛ وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معني الجمع فيه موجودا وهو ~~الثلاث فصاعدا فيصير معني الجمع مراعي من كل وجه. # وأما إذا أريد به الجمع لا يراعي فيه معني الجنس أصلا؛ لأن الجنس ما ~~يتناول الواحد ويحتمل الكل، وهذا المعني غير موجود في الجمع؛ لأنه لا يكون ~~الواحد فيه مرادا بطريق الأصالة فلا يكون معني الجنس علي هذا التقدير موجود ~~أصلا؛ لأن الموصوف لا يبقي موصوفا بدون صفته، وعن هذا خرج الجواب لسؤال من ~~سأل ms099 بقولهم: فإن قيل: العمل بالجمع يوجب العمل بالجنس أيضا من وجه وهو أنه ~~إذا أريد بالجمع الثلاث فصاعدا كان الجنس الأدنى وهو الواحد مرادا. # قلنا: إن الواحد لما لم يرد هناك بطريق الأصالة صار كأنه لم يرد أصلا ~~خصوصا عل أصل أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهو المذهب المنصور أن الرجل إذا ~~قال لامرأته: طلقي نفسك واحدة، فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء عند أبي ~~حنيفة- رضي الله عنه- لهذا المعني؛ لأنها أتت بغير ما فوض إليها. PageV01P376 # وقوله: (فكان الجنس أولي) إلي آخره. # فإن قيل: يشكل علي ذلك صرف الأيام إلي عشرة أيام عند أبس حنيفة- رحمه ~~الله- وإلي أيام الأسبوع. # عندهما فيمن حلف لا يكلمه الأيام حيث لم يصرف هاهنا إلي الجنس، بل إلي ~~الجموع علي حسب ما اختلفوا فيه # قلت: جواب هذا مذكور في أول " النهاية" مشبعا فينظر هناك # وقوله: (فصار هذا وسائر أسماء الجنس سواء) أي فصار هذا الجنس وهو صيغة ~~الجمع مع حرف الجنس الذي ليس علي صيغة الجمع مع حرف الجنس كالمرأة سواء. # (وإنما أشكل علي الأقرع؛ لأنه اعتبر ذلك بسائر العبادات) أي اعتبر PageV01P377 # الحج بالصوم والصلاة وغيرهما، فأشكل عليه يعني أن سائر العبادات متعلقة ~~بأسباب تتكرر بتكررها، فأشكل عليه أن الحج ملحق بسائر العبادات فيحتمل أنه ~~يتكرر لتعلقه بما يتكرر وهو أشهر الحج، ويحتمل انه لا يتكرر لتعلقه بما لا ~~يتكرر وهو البيت فأشكل عليه لهذا المعني؛ لا أن الصيغة تحتمل التكرار (وعلي ~~هذا يخرج أن كل اسم فاعل دل علي المصدر لغة) أي فيما إذا لم يكن لقبا لشخص ~~فغن هناك لا يدل اسم الفاعل علي المصدر اسم جنس يتناول الواحد ويحتمل الكل ~~كما في سائر الأجناس والكل هاهنا أي (في قوله تعالى: {والسارق والسارقة} ~~غير مراد بالإجماع فصار الواحد مرادا)؛ لأن ما بين الواحد والكل عدد محض ~~واللفظ الفرد لا يحتمل العدد المحض لما بينهما من التنافي، فإذن صار المراد ~~السرقة الواحدة بهذة الآية من كل سارق فلا يجوز أن يراد بهذه الآية اليد ~~اليسري بالسرقة الثالثة؛ لأن ms100 المراد بالأيدي الأيمان. يؤيده قراءة من قرأ: ~~"فاقطعوا أيمانهما" فورودها علي صيغة الجمع من قبيل قوله تعالى: PageV01P378 # {فقد صغت قلوبكما} فإن قيل: هذا الأصل الذي أصلتموه في قوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة} # منقوض في قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} فإن كل ~~الزاني غير مراد بالإجماع، فكان الواحد مرادا فيجب ألا يكون ما بين الكل ~~والواحد مرادا لما أن اسم الفاعل يدل علي الصدر وهو اسم جنس فلا يتناول ~~العدد ومع ذلك يجب علي كل واحد منهما حد بعدد ما يوجد. # قلنا: ليس هذا من قبيل اقتضاء الجنس العدد، بل هو من قبيل تكرر الحكم ~~بتكرر السبب عند قبول المحل ذلك التكرر؛ لأنه لما وجد زنا من شخص فجلد، ثم ~~لو زنا تجدد السبب فيجلد أيضا لتجدد السبب واحتمال المحل ذلك الحكم بخلاف ~~السرقة، فإن المراد من الأيدي الأيمان وليس كل واحد من الأشخاص إلا يمين ~~واحدة فبعد ذلك لم يبق المحل ينبغي أن لا يجب علي السارق في المرة الثانية ~~شيء سوي التعزيز وليس كذلك بل PageV01P379 # يقطع رجله اليسرى في المرة الثانية بالإجماع # قلت: ذاك بالإجماع الذي ذكرته وهذا من قضية الدليل الظاهر ألا يقطع في ~~الثانية شيء من السارق، كما قلنا: أنه لا يجب في الثالثة بظاهر اسم الأيدي ~~بقوله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} كما هو قول الشافعي؛ لأن في المرة الثانية ~~لا تقطع يده اليسري بالإجماع ومع بقاء المنصوص لا يجوز العدول عنه إلي ~~غيره، فلو كان النص متناولا لليد اليسرى لما جاز قطع الرجل مع بقاء اليد. # علم بهذا أن المراد من الأيدي الأيمان لا اليد اليمني مع اليسرى. # إلي هذا أشار في "المبسوط". # (وموجب الأمر علي ما فسرنا وهو الوجوب يتنوع نوعين): # أحدهما- في صفة قائمة في الموجب، والثاني- في صفة قائمة في غير الموجب. # ثم الأول يتنوع نوعين: أداء وقضاء، وهذه صفة راجعة إلي نفس الموجب. # وكذلك الثاني يتنوع نوعين أيضا: وغير مؤقتة. PageV01P380 # باب يلقب ببيان صفة حكم الأمر # (فالأداء علي ثلاثة أنواع)، فوجه الانحصار ظاهر؛ ms101 لأن الأداء لا يخلو إما ~~أن كان كاملا أو قاصرا أو مختلطا. وقوله: (أداء محض) احتراز عن أداء فيه ~~شائبة القضاء كما في اللاحق، وقوله: (كامل) احتراز عن أداء لمنفرد؛ لأن ~~الأداء الكامل هو الأداء بالجماعة. # (وقد يدخل في الأداء قيم آخر، وهو النفل)، حتى يصح أن يقال: أدى النفل، ~~فكان النفل داخلا في قسم الأداء، وإنما ذكر هذا لرد صورة نقض ترد علي ما ~~ذكره من حد الأداء، أن (الأداء اسم لتسليم نفس الأمر الواجب بالأمر. PageV01P381 # بأن يقال: ينتقض هذا بقولهم: أدي النفل، فإن الأداء يستعمل في النفل، مع ~~أنه ليس بتسليم نفس الواجب بالأمر، بل هو مندوب إليه لا مأمور به؛ لما ~~ذكرنا أن حقيقة الأمر في الإيجاب. # فقال في جوابه: هذا قسم آخر، وذاك قسم آخر، فكان الأداء بعد الأنواع ~~الثلاثة علي قسمين: # أحدهما: تسليم نفس الواجب بالأمر. # والثاني: تسليم عين ما ندب إليه، فلم يكن هذا نقض بل كان هذا قسما آخر ~~غير القسم الأول، فأحد القسمين لا يكون نقضا للقسم الآخر. # (فأما القضاء فلا يحتمل هذا الوصف)، يعني لا يحتمل النفل وصف القضاء، فلا ~~يدخل القضاء في النفل؛ لأن القضاء يعتمد بوجوب الأداء، والنفل ليس بواجب ~~بالإجماع. # فأما ذا شرع في النفل ثم قطع يجب القضاء؛ لأن ذلك مثل ما وجب أداؤه ~~بالشروع. # وقوله: (قال الله تعالى: {إن الله يامركم أن تؤدوا الأمانات} هذا يتصل ~~بقوله: "والأداء اسم لتسليم نفس الواجب بالأمر"؛ لبيان أن الذي ذكرته من ~~تفسير الأداء أنه اسم لتسليم نفس الواجب صحيح يؤيده قوله تعالى: PageV01P382 # {إن الله يامركم أن تؤدوا الأمانات}؛لأن أداء الأمانة لا يقع لا علي عين ~~الشيء ونفياه لا علي مثله، فلذلك استعمل لفظ الأداء في حق الأمانة. # ولهذا ذكر الأمم شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- هذه الآية متصلا بما ~~ذكره من تفسير الأداء، وذكر في "التقويم" وأنه في تسليم أعيانها إلي ~~أربابها ولا قضاء الأمانات. # ثم لما أدي الواجب في وقته من الصلاة سمي أداء، فأعطي للواجب الذي في ذمة ~~المكلف ms102 حكم العين كما في أداء عين الأمانة؛ إما لأنه ليس في وسع المكلف عند ~~شدة رعايته في تسليم عين الواجب إلا هذا، فلما أداه في وقته كان مراعيا حقه ~~بأقصى رعايته في تسليم الواجب فكان أداء، أو لما سمي الله تعالى للذي أوجب ~~علي الآدميين أمانة في قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة علي السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان} كان تسليمه لشدة ~~الرعاية الذي هو أداؤه في الوقت بمنزلة تسليم عين الأمانة فكان أداء، وإذا ~~قصر في رعاية كمال التسليم حتى فات الوقت كان بمنزلة الخيانة في الأمانة ~~فكان قضاء؛ لأنه إذا خان في الأمانة يجب الضمان، وأداء الضمان إنما يكون ~~قضاء حقيقة لا أداء. PageV01P383 # (وقد تدخل إحدى العبارتين في قسم العبارة الأخرى). # أما استعمال لفظ القضاء في الأداء مجازا فلما فيه من إسقاط الواجب، كما ~~في قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم}. # وأما استعمال لفظ الأداء في القضاء مجازا فلما فيه من التسليم كما في ~~قولهم: أدى الدين أي قضي، لأن الديوان تقضي بأمثالها لا بأعيانها، فكان ~~حقيقة القضاء لاء. # لأن القضاء لفظ متسع) -بكسر السين- لأن الاتساع لازم- فراخ شدن- ليس له ~~صيغة اسم المفعول، وإنما قال: إنه يستعمل في معني نفسه وفي معني اسم ~~المفعول، وإنما قال: إنه متسع؛ لأنه يستعمل في معني نفسه وفي معني الأداء ~~استعمالا غالبا كما في قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} أي أديتم، وكذلك ~~في قوله تعالى: {{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا}، وكذلك في قوله عليه السلام: ~~"وما فاتكم فاقضوا". والمراد PageV01P384 # منها الأداء، فعلم بهذا أن لفظ القضاء لفظ متسع يستعمل في الأداء ~~استعمالا ظاهرا، وإنما ذكر لفظ الاتساع هاهنا لمقابلة ما لفظ الأداء، فإن ~~استعمال الأداء مكان القضاء تضيق حتى لم يذكر في معني القضاء، فإنه يستعمل ~~في معني الأداء استعمالا ظاهرا، وهذا لأن معنى القضاء لغة: الإلزام، ~~والإتمام، والإحكام، والإسقاط، وهذه المعاني موجودة في الأداء، فجاز ~~استعمال القضاء في الأداء حتي يجوز بنية الأداء في الأصح، دل عليه ما ذكره ~~محمد- رحمه ms103 الله في رجل اشتبه عليه شهر رمضان فتحرى فوقع تحريه علي شهر أنه ~~رمضان، فصامه ثم تبين بعد مضي ذلك الشهر أنه غير رمضان، قال: إن كان قبل ~~رمضان لا يجوز؛ لأن الأداء قبل السبب لا يجوز، وإن كان بعد رمضان يجوز، وإن ~~كان بعد رمضان يجوز، وهذا قضاء بنية الأداء. كذا في " فتاوي قاضي خان". # (وقد يستعمل الأداء في القضاء مقيدا) حيث يصرح بالدين، فيقال: PageV01P385 # أدى ما عليه من الدين، فإذا قرنه بالدين علم أن المراد منه القضاء، ~~لضرورة أن أداء الدين بحقيقته لا يتصور، لأن الأداء: اسم لتسليم نفس ~~الواجب، والدين وصف في الذمة يظهر أثره عند المطالبة، وما أداه المديون عين ~~وليس بوصف، فلم يكن ما سلمه عين ما هو في ذمته. # فعلم بهذا أن الأداء الذي استعمل فيه لم يكن علي حقيقته، بل كان هو بمعني ~~القضاء الذي هو اسم لتسليم مثل الواجب، علي معني أن المديون لما سلم ~~الدراهم إلي ري الدين وجب في ذمته دين للمديون بسبب أخذه الدراهم من ~~المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون الأول ~~وما في ذمة المديون الثاني وهو رب الدين قصاصا لعدم الفائدة في الأخذ ثم ~~التسليم ثانيا، فكان هو تسليم مثل الواجب بهذا الطريق لا محالة فكان قضاء ~~بحقيقته. إلا إنه استعمل الأداء مجازا لالتقائهما في معني إسقاط الواجب؛ ~~لأن كلا من القضاء والأداء متضمن إسقاط الواجب من الذمة، وعن هذا قالوا: إن ~~آخر الدينين يكون قضاء عن الأول. # وأما إذا لم يصرح بقران الدين عن استعمال الأداء يحمل الأداء حينئذ علي ~~حقيقته وهي تسليم نفس الواجب، كما لو قيل: أدي ما عليه من وجوب الصلاة ~~والصوم. يراد به أنه أداهما في وقتهما، وكذلك في أداء الأمانات والغصوب ~~يحمل الأداء على حقيقته. PageV01P386 # (الذنب يأدو). الأدو والأدي: فريفتن، والغابر يفعل ويفعل، فيقال: أدوات ~~له، وأديت له أي ختلته، والأداء علي فعال مصدر المنشبعة لباب التفعيل وهو ~~وارد فيه ورودا ظاهرا كالكلام والسلام ms104 والبيان، وهذا مثل يضرب في مقاساة ~~المرء في الشيء، ومعاناته لرجاء نفع يعود إليه في عاقبته، وأصله: الذئب ~~يأدو للغزال- أي يختله- ليأكله" # وقوله: (أيجب بن مقصود)؛ أي بسبب مقصود عرفه النص أنه سبب له PageV01P387 # وقد أوفينا تقرير هذه المسألة في " الوافي". # (لأن القربة عرفت قربة بوقتها، فإن فاتت عن وقتها ولا يعرف لها مثل إلا ~~بالنص)؛ لأن العقل لا مدخل له في معرفة كيفيات العبادات وكمياتها والكلام ~~في عبادة مكيفة وهي شرعيتها في هذا الوقت فأداؤها في هذا الوقت أفضل من ~~القضاء في غيره، والضمان يعتمد المماثلة وقد فاتت، فلا يعرف لها مثل إلا بالنص. # (وبيان ذلك)؛ أي وبيان ما ذكرنا من صورة المتنازع فيه. وحاصل ذلك إن الذي ~~ورد فيه القضاء في غيره، والضمان يعتمد المماثلة وقد فاتت، فلا يعرف لها ~~مثل إلا بالنص. # (وبيان ذلك)؛ أي وبيان ما ذكرنا من صورة المتنازع فيه. # وحاصل ذلك أن الذي ورد فيه القضاء من الصوم والصلاة بالنص ورد موافقا ~~للقياس أم مخالفا له؟. # فعند العامة: ورد موافقا له فصح تعليله، وتعدية حكمه إلي ما لا نص فيه من ~~المنذورات المتعينة من الصوم والصلاة بالقياس. # وقال البعض: لا يصح تعليله؛ لأنه ورد النص فيما لا يدرك بالعقل، PageV01P388 # فلذلك لم يكن بد من ورود النص مقصودا بأن هذا جائز له قضاء، فورد النص ~~بتجويز القضاء في الصوم المفروض والصلاة المفروضة، فلا يقاس عليهما غيرهما ~~في جواز القضاء. # (قلنا نحن: وجب القضاء في هذا بالنص ...) إلى آخره. يعني أن الأداء كان ~~مستحقا عليه في الوقت بأمره، ومعلوم أن المستحق لا يسقط عن المستحق عليه ~~إلا بإسقاط من له الحق أو بتسليم المستحق عليه، ولم يوجد واحد منهما، فبقى ~~عليه بعد خروج الوقت؛ لأن خرج الوقت ولم يسلم فقد ترك الامتثال وترك ~~الامتثال لا يجوز أن يكون مسقطا، بل هو يقرر عليه ما وجب عليه؛ لأنا نعلم ~~يقينا أن الوقت ليس هو المراد، بل المراد هو العبادة، ومعناها: العمل بخلاف ~~هوى النفس لتعظيم أمر الله تعالى، ms105 وذلك لا يختلف باختلاف الأوقات، وإنما ~~يسقط فضل الوقت باعتبار العجز عن تحصيل تلك الفضيلة، وما هو المقصود وهو ~~العبادة مقدور عليه له (لكون النفل مشروعا له من جنسه)، فيبقى هو مطالبا ~~بإقامة (ما له مقام ما عليه)، وهذا لأن حقيقة الأداء تسليم حق الغير إليه، ~~وحقيقة القضاء تسليم حقه إلى صاحب الحق، فيوجد هذا في حق النقل؛ لأنه قادر ~~عليه فيطالب بصرف ماله إلى ما عليه. PageV01P389 # (فسقط فضل الوقت) بلا ضمان للعجز عنه، ولا يسقط أصل الواجب قضاء للقدرة عليه. # ألا ترى أن الأمر هكذا في حقوق العباد؛ فإن من غضب المثلي يؤدي المثل ~~صورة ومعنى، فإذا عجز عن تسليم الصورة تسقط عنه للعجز بلا ضمان وتجب عليه ~~القيمة، وإن لم تكن مثلا له من كل وجه؛ لأنه يجب عليه ما له القدرة عليه، ~~فلأن يسقط عنه ما لا يقدر هو عليه لعجزة في حقوق الله تعالى أولى. # ألا ترى أن النسيان يصلح عذرا في حقوق الله تعالى ولا يصلح عذرا في حقوق ~~العباد، فلما صلح العجز عن فصل الوصف عذرا في حقوق العباد أولى أن يصلح ~~عذرا في حقوق الله تعالى، لأنه أكرم وأرحم. # وقوله: ((وقال عامتهم: يجب بذلك السبب))؛ أي بالسبب الذي يوجب الأداء. # فإن قيل: وجب القضاء في الصوم والصلاة بالنص فكان وجوب القضاء مضافا إلى ~~النص، ثم كيف يستقيم قولكم: يجب القضاء بالسبب الذي أوجب الأداء؟ # قلنا: النص الموجب للقضاء يقرر ما قلنا؛ لأنه يبين أنه لم يسقط ما عليه ~~بسبب خروج الوقت حتى وجب القضاء، فكان النص مثبتا وجوب المطالبة، فإضافة ~~وجوب المطالبة إلى النص لا تقدح فيما قلنا. # ألا ترى أن يجب على المشتري الثمن في الذمة بالشراء، ويجوز أن يطالب ~~بأداء ما عليه بالسبب السابق وهو الشراء، فكذا هاهنا يجوز أن يجب PageV01P390 # القضاء بالسبب السابق وهو السبب الذي يوجب الاداء، ثم يطالب بذلك الأمر ~~الموجب للقضاء. # أو نقول: يضاف وجوب القضاء إلى النص الموجب للقضاء لكونه متيقنا، وما ~~ذكرنا معقول فيصار إليه ms106 عند عدم النص، كما قلنا في المعنى المؤثر للحكم: إن ~~الحكم يضاف إلى النص، وعند عدم النص يضاف إلى المعنى المؤثر. # وقوله: (للعجز) متصل بقوله: ((وسقط)). # (وهذا أقيس وأشبه بمسائل أصحابنا) - رحمهم الله- فإنهم قالوا: لو أن قوما ~~فاتتهم صلاة من صلوات الليل فقضوها بالنهار بالجماعة جهر إمامهم بالقراءة ~~بخلاف ما إذا قضى منفردا، ولو فاتتهم صلاة من صلوات النهار فقضوها بالليل ~~لم يجهر إمامهم بالقراءة، ومن فاتته صلاة في السفر فقضاها بعد الإقامة صلى ~~ركعتين، ولو فاتته حين كان مقيما فقضاها في السفر صلى أربعا. ففي هذه ~~المسائل كلها اعتبر أصحابنا صفة كانت حال بقاء الوقت وبقيت بتلك الصفة، ~~وبقاء ما ثبت لا يفتقر إلى دليل جديد بل يضاف إلى PageV01P391 # الموجب السابق. # وقوله: (ولهذا قلنا في صلاة فاتت ...) إلى آخره. إيضاح لقوله: ((وسقط فضل ~~الوقت للعجز))، فكذلك سقط لتكبير من الصلوات التي فاتت عن أيام التشريق ~~للعجز عن الإتيان بالتكبير. # فإن قيل: ينبغي ألا يسقط أصل التكبير عنه سرا لقدرته عليه، ويسقط وصف ~~الجهر لعجزه عنه، كما قلتم بوجوب قضاء الصلوات للقدرة عليها وسقوط التكبير ~~للعجز عنه. # قلنا: لا يصح ذلك أيضا؛ لأن شرعية التكبير جهرا في أدبار الصلوات في أيام ~~التشريق مخصوصة بتلك الأيام، مخالفة القياس وهو الفصل بين الفرض والسنة ~~بالتكبير في صلاة الظهر والمغرب والعشاء مع الجهر به، والفصل بين الفرض ~~والسنة غير مشروع، وهو وإن قدر على التكبير سرا لكن ليس هو بقادر على الفصل ~~بينهما شرعا، فلذلك سقط التكبير عنه سرا وجهرا لعجزه عنه؛ (لأنه لا تكبير ~~عنده) أي عن المفوت بطريق الجهر. # وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: لأن الجهر بالتكبير دبر PageV01P392 # الصلاة غير مشروع للعبد في غير أيام التكبير، بل هو منهي عنه لكونه بدعة، ~~فبمضي الوقت يتحقق الفوات فيه فسقط، وأصل الصلاة مشروع له بعد أيام التكبير ~~فيبقى الواجب باعتباره. # فإن قلت: فعلى هذا ينبغي ألا تقضى صلاة المغرب إذا فاتت عن وقتها؛ لأنه ~~ليس عند المفوت نفل بثلاث ركعات، والقضاء إنما ms107 ينفعل بصرف ما له إلى ما ~~عليه على ما ذكر في سقوط تكبير التشريق إذا فات عن وقته بقوله: ((لأنه لا ~~تكبير عنده)). # قلت: القياس يقتضي ذلك، لكن عموم قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو ~~نسيها فليصلها إذا ذكرها)) يتناول صلاة المغرب كما تناول غيرها، ولا مدخل ~~للقياس عند ورود نص يخالفه، ولأن الوتر نفل عندهما وهي مشروعة بثلاث ركعات، ~~وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- وإن كانت واجبة فآثار النفلية فيها ظاهرة من ~~وجوب القراءة في الركعات كلها، وعدم استبدادها بوقت على حدة، وعدم الأذان ~~والإقامة فيها، فكان الاحتياط في PageV01P393 # القضاء لكون النفل في ملكته في الجملة. # فإن قلت: ما وجه القضاء بالجماعة إذا فاتت صلاة واحدة عن جماعة فقضها ~~بالنهار بالجماعة على ما ذكت، مع أنه غير قادر على أداء النفل بالجماعة في ~~النهار؟ وكذلك سقوط القراءة في الأخريين في قضاء ما فاته من فرائض ذات أربع ~~مع أنه ليس عند المفوت أربع ركعات من نفل لا يقرأ في الأخريين منه، فلم يكن ~~القضاء في هاتين المسألتين صرف ما له إلى ما عليه؟ # قلت: كلاهما كان لاعتبار رعاية وصف الأداء في القضاء على ما ذكرنا، فلما ~~كانت الصلاة التي فاتت عن وقتها موصوفة بهاتين الصفتين في حال الأداء بقيت ~~كذلك في حال القضاء؛ لأن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، ولأن إطلاق ~~قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) مقتض ~~رعاية هذين الوصفين في القضاء كما في حال الأداء، فإن الضمير في ~~((فليصلها)) راجع إلى الصلاة التي فوتها بجميع صفاتها، ومن صفاتها الكاملة ~~في حال الأداء الجماعة وترك القراءة في الأخريين، فكذا في حال القضاء. # (ويتفرع من هذا الأصل)، أي: ويتفرع وجه التخريج من هذا الاختلاف. PageV01P394 # (والتفويت سبب مطلق عن الوقت)؛ يعني هو سبب عن وجوب القضاء من غير أن ~~يعين وقتا دون وقت فيجب، عليه قضاء الاعتكاف الصوم مطلقا عن الوقت، ولو وجب ~~كذلك لا يتأدى في شهر رمضان كما إذا ms108 قال: لله علي أن أعتكف شهرا لا يجوز أن ~~يعتكف في رمضان، وهو معنى قوله: (فصار كالنذر المطلق بالقياس على ما قلنا) ~~أي من أن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء لا يسبب آخر، والذي قلناه ~~قضاء الصلاة والصوم. # (ألا ترى أنه يجب بالفوات مرة) بأن فات عنه الاعتكاف لسب أنه لم يقدر على ~~صوم رمضان بسبب المرض أو السفر. # (وبالتفويت أخرى) بأن لم يعتكف ولم يصم من غير عذر به. هذا استدلال على ~~أن القضاء يجب بما وجب به الأداء حيث وجب القضاء فات أو فوت، إذ لو كان كما ~~قالوا لا يجب القضاء بالفوات؛ لأن الفوات لا يوجب الضمان إذا تعلق وجوب ~~الضمان التفويت، كالعبد الجاني إذا مات لا يجب الضمان على المولى، ولو هلك ~~الخارج من الأرض العشرية لا يجب العشر، PageV01P395 # وكذلك مال الزكاة، فعلم به أنه إنما يحب عند الفوات بالسبب الموجب للأداء ~~لا بالتفويت كما قالوا؛ لأنه لو كان سبب الضمان هو التفويت لما وجب ~~بالفوات؛ لأنه لم يوجد فعل منه حينئذ يوجب الضمان، كما إذا فاتت الوديعة ~~بدون تقصير المودع في الحفظ، وقد ساعدونا في وجوب القضاء عند الفوات فكان ~~ذلك حجة عليهم. # وقوله: ((للاعتكاف أثر في إيجابه)) - بدون الواو على تقدير الصفة للنكرة، ~~وهي صوما- أي يقتضي الاعتكاف الواجب بالنذر صوما موصوفا يكون وجوب بسبب ~~الاعتكاف الواجب لا بسبب آخر، هذا هو الأصل، ولكن ترك هذا الأصل فيمن نذر ~~بالاعتكاف في شهر رمضان فصامه واعتكف يجوز عن منذوره، مع أن ذلك الصوم إنما ~~وجب بسبب شهود شهر رمضان لا بسب الاعتكاف الواجب بالنذر. # فأجاب عنه وقال: (وإنما جاء هذا النقصان) أي جواز الاعتكاف بدون صوم واجب ~~بالاعتكاف (بعارض شرف الوقت) يعني أن جواز الاعتكاف بهذه الصفة بعارض شرف ~~الوقت، وهو اتصال الاعتكاف بشهر رمضان وله فضيلة على غيره من الشهور فكان ~~الاعتكاف فيه أقوى من الاعتكاف في PageV01P396 # غيره على ما قاله عليه السلام: ((من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان ~~كمن أدى ms109 فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما ~~سواه)) فكان الاعتكاف فيه أفضل، فاكتفى بصوم غير واجب به باعتبار هذه ~~الفضيلة؛ يعني أن الاعتكاف لما أدي في رمضان حصل له زيادة شرف، فانجبر بتلك ~~الزيادة ما كان له من النقصان في شرطه وهو عدم وجود الصوم القصدي. # أو نقول: لصوم رمضان فضل وشرف على سائر الصيامات، فقام بذلك الصوم بسبب ~~شرفه مقام الصوم القصدي، فاكتفى الاعتكاف الموجود في شهر رمضان بذلك الصوم ~~لزيادة شرف ذلك الصوم. # فإن قلت: فعلى هذين الوجهين يلزم أن يجوز الاعتكاف الواجب بالنذر مطلقا ~~في شهر رمضان لقيام شرف ذلك الصوم مقام الصوم القصدي، وهو لا يجوز ~~بالاتفاق. # قلت: لا يلزم؛ لما أن الشرف الحاصل من القصد يزداد أثره على الشرف PageV01P397 # الحاصل من المتضمن وإن جل خطره. # ألا ترى أن النفل بتحريمه مبتدأة مقصودة أفضل وأكمل من نفل حصل في ضمن ~~تحريمة الفرض، حتى إن مصلي الظهر إذا قعد في الرابعة ثم قام إلى الخامسة ~~ساهيا وسجد ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى، ويسجد للسهو لنقصان تمكن في النفل ~~عند أبي يوسف؛ لأنه دخل في النفل لا على الوجه المسنون وهو التحريمة ~~المبتدأة. # فإن قلت: الأصل في الشرط أن يعتبر وجوده لتحقيق المشروط لا وجوده قصدا، ~~حتى إن من توضأ للتبرد أو للتعليم أو لمعنى من المعاني تجوز به الصلاة، ~~وكذلك لو لبس الثوب لستر عورته عن الناس أو للحر أو للبرد يجوز به صلاته، ~~والصوم شرط جواز الاعتكاف الواجب، فلم اشترط في صوم الاعتكاف وجوده لأجل ~~الاعتكاف قصدا حتى لم يصح اعتكافه في شهر رمضان عن اعتكاف أوجب على نفسه ~~مطلقا لعدم صوم مقصود للاعتكاف؟ # قلت: ذاك الأصل فيما إذا لم يكن الشرط عبادة مقصودة في وقت من الأوقات ~~كما في تلك النظائر، وعن هذا اشترط الشافعي- رحمه الله- النية في الوضوء ~~باعتبار أنه عبادة مقصودة عنده بخلاف سائر شروط الصلاة. # وأما الصوم فإنه ركن من الأركان الخمسة في الدين، فلما كان ms110 شرطا للاعتكاف ~~بالدليل اشترط القد فيه أيضا؛ ليقع الفرق بينه وبين سائر PageV01P398 # الشروط. # (ولم تثبت القدرة) أي: على اكتساب شرف الوقت (فسقط) أي: فسقط وجوب القضاء ~~في الرمضان الثاني للعجز؛ لأن ذلك وقت مديد يستوي فيه الحياة والموت فسقط ~~جوبه على ذلك الوجه لذلك؛ لأن الحياة والموت إذا تعارضا تساقطا، فصارت ~~القدرة كالساقط حقيقة. # فإن قيل: الموت موهوم، والحياة متحققة في الحال، فكانت القدرة ثابتة نظرا ~~إلى استصحاب الحال. # قلنا: العجز ثابت في الحال، فلا تثبت له القدرة باستصحاب الحال أيضا، ~~وإذا فات شرف الوقت وتحقق العجز عن إدراكه (بقى الاعتكاف مضمونا بإطلاقه) ~~فيجب بالصوم القصدي (فكان ذلك أحوط الوجهين)؛ أي الوجه الذي قيل بأن القضاء ~~يجب بالسبب الذي وجب به الأداء أحوط من الوجه الذي قيل بأن القضاء يجب بسبب ~~آخر وهو التفويت؛ لأنه لو أضيف إلى السبب الآخر يقتضي أن لا قضاء عليه عند ~~الفوات، وما قلناه بوجوب القضاء عند الفوات والتفويت، فكان ما قلناه أحوط ~~الوجهين. # لأن ما ثبت بشرف الوقت من الزيادة احتمل السقوط؛ أي الزيادة الثابتة بسبب ~~شرف الوقت، يعني أن صوم رمضان أفضل من سائر الصيامات، والاعتكاف فيه أفضل ~~من سائر الاعتكافات احتمل السقوط، فإنه إذا مضى PageV01P399 # شهر رمضان ولم يصم ولم يعتكف فقضى اعتكافه بصوم قضاء رمضان وهو جائز ~~بالإجماع مع أن ذلك الصوم صوم ناقص بالنسبة إلى صوم رمضان أداء، فالنقصان ~~والرخصة الواقعة الرف لأن يتحمل السقوط والعود إلى الكمال أولى؛ يعني أن ~~النذر بالاعتكاف يوجب صوما قصديا، وإنما اجز في شهر رمضان مع انعدام الصوم ~~القصدي وهو نقصان ورخصة، فجوازه باعتبار شرف الوقت، فإذا صام ولم يعتكف يجب ~~القضاء بالصوم القصدي ويسقط ذلك النقصان والرخصة ويعود إلى الكمال ان أولى ~~أن يجوز؛ وهذا لأن الموجب لوجوب الصوم القصدي وهو الكمال كان موجودا ولكن ~~لم يظهر لمانع، فإذا زال المانع يعمل الموجب عمله، وبيان الأولوية أن هذا ~~نقصان يعود إلى الكمال، والأول كمال يعود إلى النقصان، فلما جاز عود ~~العزيمة إلى الرخصة؛ ms111 فلأن يجوز عود الرخصة إلى العزيمة بالطريق الأولى. # (وإذا عاد لم يتأد في الرمضان الثاني) أي لما عاد إلى الصوم القصدي بسبب ~~أنه لم يعتكف في شهر رمضان وفات الاعتكاف عن وقته عاد إلى الصوم القصدي، ~~فبعد ذلك لا يعود إلى الصوم الضمني في الرمضان الثاني؛ لانه لما فات عن ~~وقته ثبت في ذمته اعتكاف واجب مطلقا، والاعتكاف الواجب مطلقا لا يؤدي في ~~شهر رمضان، فكذا هنا فكان هذا بمنزلة أضحية واجبة في ذمته إذا انتقلت إلى ~~الصدقة بفوت وقتها لا تعود هي إلى إراقة الدم بعود وقتها في القابل، وعن ~~هذا وقع الفرق بين هذا وبين حق العبد؛ فإنه إذا غضب المثلي واستهلكه وجب ~~عليه ضمان مثله صورة ومعنى، ثم إذا انقطع أوانه ينتقل الضمان من الصورة إلى ~~المعنى فتجب القيمة، ثم إنه إذا لم يؤد القيمة حتى جاء أوانه عاد عليه ضمان ~~مثله صورة ومعنى؛ لكون ضمان المثل PageV01P400 # صورة ومعنى هو الأصل هناك، فلذلك لما قدر على الأصل بطل حكم الخلف على ما ~~هو الأصل. # وأما هاهنا فالأمر بخلافة، فإن الصوم القصدي هو الأصل، فلما وجب الاعتكاف ~~بالصوم القصدي لم يتحول الحكم إلى الصوم الضمني بتحول الوقت. # (والأداء في العبادات يكون في المؤقتة في الوقت)، قوله: (في المؤقتة في ~~الوقت)؛ خبر المبتدأ؛ أي تحقق الأداء في العبادات المؤقتة إنما يكون في ~~الوقت لا في غير الوقت، كالصلاة والصوم؛ لأنها إذا أديت في غير الوقت يكون ~~قضاء لا أداء. # وأما في غير المؤقتة كان أداء في جميع الوقت كالزكاة والكفارات والحج، ~~فعلى هذا كان قوله: (أبدا) خر المبتدأ، وهو قوله: والأداء (في غير ~~المؤقتة). # (والمحض) منه؛ أي الكامل من الأداء، والدليل على أن المراد من المحض ~~الكامل ذكر القصور في مقابلته. # (ألا ترى أن الجهر عن المنفرد ساقط) فوجه الاستدلال بسقوط وجوب الجهر عن ~~المنفرد على قصور صلاته هو أن الجهر لما وجب على الإمام فيما يجهر كان هو ~~من علامات الأداء الكامل وهو الجماعة، وإذا سقط وجوب الجهر ms112 عن المنفرد كانت ~~علامة الكمال منه ساقطا، فيستدل به على قصوره PageV01P401 # لذلك، والدليل على كمال صلاة الجماعة ما روي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- ~~عن النبي عليه السلام أنه قال: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بسبع ~~وعشرين درجة)). # أو نقول: إن الجهر بالقراءة عزيمة؛ لأنه أمر أصلي لم يثبت بعارض عذر منا، ~~فالمصير إلى ترك العزيمة مع كون العزيمة مشروعة كان نقصانا. # (فهذا مود) أي بالنظر إلى بقاء الوقت (أداء يشبه القضاء)؛ لأنه يقضي ما ~~فاته من صلاته مع الإمام. # ثم قوله: (ألا ترى أنهم قالوا في مسافر ...) إلى آخره، إيضاح PageV01P402 # جانب القضاء. # قوله: (ولو تكلم صلى أربعا) إيضاح الأداء. # (أو نوى الإقامة وهو في غير مصره والوقت باق فإنه يصلي ركعتين)، والأصل ~~فيه أن نية اللاحق الإقامة وهو في قضاء ما عليه وقد فرغ الإمام من صلاته ~~ساقطة وإن كان الوقت باقيا؛ لأنه فيما يتم مقتد بالإمام فنيته في مثل هذه ~~الحالة كنية إمامه، ونية إمامه الإقامة لا تلزمه إتمام هذه الصلاة؛ يعني ~~بعدما فرغ منها وكذلك نيته. # فإن قيل: نية المقتدي معتبرة في حقه مل لم يخرج من حرمة الصلاة، وفي حق ~~الإمام إنما لم تعتبر لخروجه عن حرمة الصلاة. # قلنا: المقتدى تبع فيجعل كالخارج من الصلاة حكما لخروج إمامه منها، وكذلك ~~لو دخل مصره فإن دخول موضع الإقامة ونية الإقامة في الحكم سواء، ونية ~~المسبوق في قضاء ما عليه الإقامة أو دخوله مصره تلزمه الإتمام؛ لأن المسبقو ~~فيما يقضي كالمنفرد، ونية المنفرد الإقامة مغيرة فرضه في PageV01P403 # الوقت. كذا في ((المبسوط))، وهذا الذي ذكره في اللاحق مذهبنا. # وقال زفر: ((تتغير صلاته بالمغير ما دام الوقت باقيا؛ لأن اللاحق مقتد)). # قلنا: إن اللاحق مع كونه مقتديا ليس بمؤد من كل وجه؛ لأنه يستحيل أن يجعل ~~مقتديا خلف الإمام ولا إمام، بل هو قاض شيئا فاته مع الإمام، فجعلناه كأنه ~~خلف الإمام تقديرا لا حقيقة؛ لأن العزيمة فيحقه أن يؤدي مع الإمام؛ لأنه ~~تحرم معه، لكن الشرع جوز الأداء بعد ms113 فراغ الإمام إذا أخر الأداء بعذر وجعل ~~أداءه في هذه الحالة كالأداء معه، وهذا تفسير القضاء بأن يؤدي شيئا بمثل ما ~~وجب عليه قبل القضاء، فصار اللاحق بمنزلة القاضي بهذا الطريق. إلى هذا أشار ~~في ((مبسوط فخر الإسلام)). # (أن هذا مؤد) أي اللاحق، (فإذا لم يتغير الأداء) أي صلاة إمامه بنية ~~الإقامة (لم يتغير القضاء) أي صلاة اللاحق بعد فراغ الإمام بنية الإقامة. PageV01P404 # (فقد بطل معنى القضاء)؛ لأنه صار ابتدائيا فيتغير بالمغير لانعدام شبهة ~~القضاء. # (بخلاف المسبوق أيضا) يعني أن المسبوق يؤدي أربع ركعات إذا وجدت نية ~~الإقامة أو دخول المصر منه سواء تكلم أو لم يتكلم، وإنما قال: أيضا؛ لأن ~~اللاحق انقلب ركعتاه إلى الأربع بوجود التكلم عند نية الإقامة أو دخول ~~المصر، كذلك المسبوق أيضا انقلب ركعتاه إلى الأربع وإن لم يتكلم. # وقوله: (لما بينا) يتصل بقوله: (ولهذا قلنا في اللاحق لا يقرأ). (أنه ~~قاض) أي أن اللاحق قاض. # (وأما القضاء، فنوعان) أي القضاء الحقيقي نوعان. # وأما القضاء الذي هو بمعنى الاداء فليس هو بقضاء حقيقي، فلم يتناوله ~~التقسيم. # (إما بمثل معقول فكما ذكرنا) أي قضاء الصلاة للصلاة، والصوم للصوم، وفي ~~حقوق العباد المال للمال (وإما بمثل غير معقول) أي غير مدرك بالعقل؛ بمعنى ~~لا ندركه بعقولنا لقصور فينا لا أن يكون هو خلاف العقل PageV01P405 # في الواقع؛ لأن العقل حجة من الله تعالى على عبده كالسمعيات، ومحال أن ~~تتناقض حججه، إذ هو من أمارات الجهل، لكنا لا نردك المماثلة بين الصوم ~~والفدية؛ إذ الصوم تجويع النفس، والفدية تشبيع الجائع، وكذا بين النفقة ~~فإنها مال عين، وبين أفعال الحج فإنها أعراض وصفات، ونقول: نعتقد بينهما ~~مماثلة يعلمها الشارع، حتى أقام الفدية والنفقة مقام الصوم وأفعال الحج. # (فمثل الفدية في الصوم). قيل: ورد في الحديث إضافة الله تعالى الصوم إلى ~~نفسه حيث قال: ((الصوم لي))، ثم إذا عجز المكلف عن الصوم أوجب عليه الفدية ~~بنصف صاع من بر وكذا وكذا؛ ليتبين أن ما يعطيهم بمقابلة الصوم الذي قيمته ~~نصف صاع ms114 من بر من الثواب الجزيل كان بفضله وكرمه؛ لأن الكريم من يستكثر ~~قليل غيره ويستقل كثير نفسه. # ألا ترى أن الله تعالى سمى أفضل الجنان التي أعطاها المؤمنين نزلا وهو ما ~~يهيأ للضيف عند النزول، وقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا}. ثم استكثر فعل العباد بقوله: ((الصوم لي))، PageV01P406 # وبقول النبي عليه السلام: ((التكبيرة الأولى خير من الدنيا وما فيها))، ~~مع أن التكبيرة الاولى ليست من نفس الصلاة وأركانها، فما ظنك فيما هو من ~~أركان الصلاة، ثم جميع الصلاة إذا فاتت يؤمر بنصف صاع لما ذكرنا من المعنى ~~لبيان أنها قليل القيمة في نفسها، ومع ذلك يعطى بمقابلته ما يعطى من الثواب ~~الجزيل، وهو فعل الكريم. كما قال الشاعر: # وقنعت باللقيا وأول نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير # (وهذا مختصر بالإجماع) أي بإجماع أهل التفسير. كذا في ((مبسوط المصنف))، ~~يعني تقديره: لا يطيقونه. وإنما قلنا: إنه مختصر بهذا الطريق؛ PageV01P407 # لأن سياق الآية وهو قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} وسياقها وهو قوله: ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} لإيجاب الصوم، ثم لو أجرى قوله تعالى: {وعلى ~~الذين يطيقونه} على الظاهر يلز أن يكون وجوب الفدية على المطيقين على ~~الصوم، ووجوب الصوم غير المطيقين على الصوم، وهذا عكس المعقول ونقص الأصول ~~مع ما فيه من لزوم إرادة العسر الذي لا نهاية في عسره، والله تعالى نفى ذلك ~~عن ذاته في آخر الآية بقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. # وهذا التقرير فيما إذا لم تحمل الآية على النسخ. أما إذا حملت على النسخ ~~فالنظم على ظاهرة مقرر من غير اختصار. # قال في ((الكشاف)): {وعلى الذين يطيقونه} أي وعلى المطيقين للصيام الذين ~~لا عذر بهم إن أفطروا {فدية طعام مسكين} نصف صاع من بر، ثم قال: وكان ذلك ~~في بدء الإسلام، فرض عليهم الصوم، ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخص لهم في ~~الإفطار والفدية، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: PageV01P408 # {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. # (وثبت في الحج الخثعمية) وهي ms115 أسماء بنت عميس من المهاجرات، كذا في ~~((المغرب)). (أفيجزئني) أصله بالهمز. يقال: PageV01P409 # أجزأني الشيء: كفاني، وهذا يجزئ عن هذا/ أي يقضي أو ينوب عنه. وحكي عن ~~علي بن عيسى أنه قال: يقال: هذا الامر يجزئ عن هذا، فيهمز ويلين. PageV01P410 # وقوله: (أن أحج) على صيغة بناء إخبار النفس من الثلاثي لا من الإحجاج. ~~هكذا وجد مصححا بتصحيح الثقة، وهو فاعل يجزئني، فكان معناه: الحج الذي أحج ~~بنفسي عن أبي هل يكفيني ذلك عما يهمني بسبب إدراك فريضة الحج على أبي؟ وفي ~~الحديث دليل على أن أباها أمرها بالحج حيث قال رسول الله عليه السلام عقيب ~~قولها: ((نعم، فدين الله أحق)) أي أحق أن يقبل، قاس رسول الله عليه السلام ~~قبول الحج بقبول الدين، وإنما كان كذلك في الدين إذا كان من عليه الدين أمر ~~بقضاء الدين؛ لأن من له الدين إنما يجبر على القبول إذا كان ذلك بأمر من ~~عليه الحق. # وأما إذا كان بغير أمره فمن له الدين الخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، ~~فدل على أن أباها أمرها. # وقوله: ((فدين الله أحق)) لأنه أكرم وأرحم. # وقوله: (ولهذا قلنا: أن ما لا يعقل مثله يسقط) إيضاح لإثبات ثمرة غير ~~المعقول في القضاء من أحكام الشرع، فكان هذا جوابا لتقدير سؤال سائل PageV01P411 # يسأل ويقول: ما فائدة بيان أحكام القضاء الذي هو غير معقول؟ # فقال في جوابه: فائدته بيان انحصار الحكم فيما ورد الشرع به ولا تجوز ~~تعدية حكمه إلى غيره؛ لأن من شرط التعدية أن يكون المنصوص عليه معقول ~~المعنى، فإذا ورد حكم النص غير معقول المعنى لم يكن له مثل في موضع آخر حتى ~~تعدى الحكم منه غليه، ولهذا قلنا: إن ما يعقل مثله يسقط؛ لأن الواجب إذا ~~فات عن البعد وليس له مثل لا يمكن تداركه يسقط عنه من غير ضمان؛ لأن الشيء ~~إنما يضمن المثل إما صورة أو معنى، ولما لم يكن للفائت مثل لا صورة ولا ~~معنى يسقط عن العبد إلا بالإثم إن كان عامدا، ms116 وهذا لأنه لما لم يكن له مثل ~~معقول ولم يرد فيه نص بشريعة القضاء يسقط لا محالة. # والدليل على هذا الذي ذكرته ما ذكره شمي الأئمة السرسخي- رحمه الله- هذه ~~المسألة بهذا الطريق، فقل: لا مماثلة بين الصوم والفدية صورة ولا معنى، ~~وكذلك لا مماثلة بين دفع المال إلى من ينفق على نفسه في طريق الحج وبين ~~مباشرة أداء الحج، وما يكون بهذه الصفة لا يتأتى تعدية الحكم فيه إلى ~~الفروع فيقتصر على مورد النص، ثم قال: ولهذا قلنا: إن النقصان الذي يتمكن ~~في الصلاة بترك الاعتدال في الأركان لا يضمن بشيء سوى الإثم؛ لأنه ليس لذلك ~~الوصف منفردا عن الأصل مثل صورة ولا معنى. # وإنما قلنا: إن النقصان الذي يحصل بسبب عدم تعديل الأركان ليس له مثل ~~جابر يجبر ذلك النقصان، فإنه بعد فراغه من الصلاة لو أتى بتعديل PageV01P412 # الأركان إما أن يأتي به بدون أن يأتي بسائر الأركان فحينئذ يربو القضاء ~~على الأداء، فغن الفائت عنه تعيل الأركان لا غير، والقضاء إنما يكون بحسب ~~الأداء؛ فلذلك لا تجوز زيادة القضاء على الأداء. # (لأن الجودة لا يستقيم أداؤها بمثلها صورة) يعني لا يمكن تسليم الجودة ~~منفصلة عن العين؛ لأنها عرض يستحيل قيامها بذاتها، فلا يمكن فصل العرض عن ~~العين. (ولا بمثلها قيمة) يعني لا يستقيم أداء الجودة بالقيمة؛ لأن الجودة ~~لا قيمة لها في الأموال الربوية على ما عرف. # (واحتاط محمد- رحمه الله- في ذلك الباب) أي في باب الزكاة. # ثم اعلم: أن هذا الاختلاف بينهم فيما إذا أدى خمسة دراهم زيوف مكان خمسة ~~دراهم جياد حيث يصح عندهما خلافا لمحمد. # أما إذا أدى الدينار مكان خمسة دراهم جياد تعتبر قيمة الجودة بالاتفاق؛ ~~لأن عند اختلاف الجنس تعتبر القيمة، فلابد من أداء الفصل. كذا في نوادر ~~زكاة ((المبسوط)). PageV01P413 # (ولهذا قلنا: إن رمي الجمار لا يقضى) يعني أن الحاج إذا لم يرم الجمار في ~~وقتها حتى مضى وقت الرمي فلا يقضى بعد ذلك بل يسقط؛ لأنه ليس له مثل معقول ~~لا صورة ولا معنى، ms117 فإنه لم يشرع فربة للعبد في غير ذلك الوقت. # فإن قيل: كيف يستقيم هذا وقد أوجبتم الدم عليه باعتبار ترك الرمي؟ # قلنا: إيجاب الدم عليه لا بطريق أنه مثل للرمي قائم مقامه، بل لأنه جبر ~~لنقصان تمكن في نسكه بترك الرمي، وجبر نقصان النسك معلوم بالنص. قال الله ~~تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} كذا ذكره الإمام شمس الأئمة ~~السرخسي- رحمه الله-. PageV01P414 # (والصلاة نظير الصوم بل أهم منه)؛ لأن الصلاة حسنة لمعنى في ذاتها، ~~والصوم حسن لمعنى في غيره وهو قهر النفس، فكانت شرعية الصوم لتصير النفس ~~مرتاضة إلى عبادة الله تعالى وتعظيمه، فإذن فيه جهة الوسيلة، وفي الصلاة ~~جهة المقصودية؛ لأنها لتعظيم الله تعالى بلا واسطة، فالمقصود من العبادة ~~أقوى من الوسيلة إليها، ولأن الصوم لا يجب على المرء بمجرد الإيمان، حتى لو ~~آمن رجل في شوال لا يتوجه عليه خطاب الصوم حتى يمضي عليه أحد عشر شهرا، ولو ~~آمن في أول يوم يتوجه عليه خطاب الصلاة في ذلك اليوم خمس مرات، فكان أمر ~~الصلاة أهم من الصوم؛ لأن لاشتمال أكثر الأوقات في العبادات تأثيرا في ~~إثبات القوة له، كالإيمان فإنه لما كان أشمل للأقوات من سائر العبادات كان ~~هو أقوى من غيره فكذا هنا، وإذا ثبت هذا فنقول: لما وجبت الفدية في الصوم ~~مع قصوره عن الصلاة فلأن تجب الفدية في حق الصلاة بالطريق الأولى، فتذكر ~~هاهنا ما ذكرناه في ((الوافي)) من السؤال والجواب؛ فإنه يرشدك إلى تفريع ~~فروع كثيرة، وثمرات غزيرة. PageV01P415 # فإن قيل: لما كان لسلوك طريق الاحتياط مدخل في حكم نص ثبت بخلاف القياس ~~لم لم نقل لانتقاض الطهارة بالقهقهة خارج الصلاة بطريق الاحتياط؟ # قلنا: إن خارج الصلاة دون الصلاة، فلا يكون ذلك نظير ما قلنا من الصلاة ~~والصوم. PageV01P416 # فإن قيل: فلما ثبت وجوب الفدية في الصلاة بدلالة وجوب الفدية في الصوم ~~وجب أن يثبت وجوب الفدية في الصلاة كثبوت وجوب الكفارة بالأكل والشرب في ~~الصوم؛ يعني على القطع والبتات لا على رجاء القبول. # قلنا: ms118 لا يصح هاهنا مثل ذلك؛ لأن دلالة النص هي أن يعرف حكم دلالة النص ~~من يعرف لسان العرب، كما قلنا في الصوم: إن الأعرابي لما قال: هلكت وأهلكت ~~عرف كل عربي أنه سأل عن الجناية التي وقعت على الصوم، والجناية على الصوم ~~موجودة بالأكل والشرب كما توجد الجناية بالوقاع، ولا كذلك هاهنا؛ لأن الله ~~تعالى لو أوجب علينا الصوم لا يعرف عربي من ذلك أن الصلاة واجبة عليه أيضا، ~~فإذا لم توجد الدلالة في الأصل فكذلك لا توجد في الخلف، فلهذا لم نقل بوجوب ~~الفدية في الصلاة بطريق الدلالة، حتى تثبت الفدية في الصلاة كثبوتها في ~~الصوم على القطع والبتات. # (ثم لم نحكم بجوازه مثل حكمنا به ...) إلى آخره. PageV01P417 # فعلم بهذا أن هذا ليس بقياس؛ لأن القياس إثبات مثل حكم المنصوص في حق قطع ~~الحكم بالجواز، وفي هذا رجاء الجواز، فلا يكون قياسا. # (وروجونا القبول) أي الجواز. # (فقط أوجبتم بعد فوات وقتها التصدق بالعين أو بالقيمة) يعني أن من وجب ~~عليه الأضحية إذا لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه أو كان ~~فقيرا تصدق بها حية، وإن كان غنيا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر؛ لأنها ~~واجبة على الغني، ويجب على الفقير بالشراء بنية التضحية، ثم إنما يجب ~~التصديق بعد مضي وقتها؛ لأنه إذا مضت أيام النحر فقط سقط معنى التقرب ~~بإراقة الدم؛ لأنها لا تكون قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم، أو في زمان ~~مخصوص وهو أيام النحر، ولكن يلزمه التصدق بقيمة الأضحية إذا كان ممن يجب ~~عليه الأضحية؛ لأن تقربه في أيام النحر كان باعتبار المالية فيبقى بعد ~~مضيها، والتقرب في المال في غير أيام النحر يكون بالتصديق، ولأنه كان يتقرب ~~بشيئين: إراقة الدم، والتصدق باللحم، وقد عجز عن أحدهما وهو قادر على ~~الآخر، فيأتي بما يقدر عليه. كذا في ((المبسوط)) و ((الهداية)). PageV01P418 # وحاصل الجواب عن مسألة الأضحية: إنما أوجبنا التصدق باعتبار كونه أصلا لا ~~باعتبار كونه مثلا لها. # (وهو نقصان في ms119 المالية)، أي فعل التضحية نقصان في المالية، لأنه لم يبق ~~صالحا للذر والنسل، يعني لابد من مشقة تلحق المكلف في القربة، وتلك المشقة ~~في التضحية نقصان المالية (على ما نبين في مسألة التضحية) أي في ~~((المبسوط)). # (أيمنع الرجوع في الهبة أم لا؟) فعند محمد- رحمه الله- لا يمنع؛ لأن عنده ~~التضحية نقصان في المالية، والنقصان لا يمنع الرجوع في الهبة. وعند أبي ~~يوسف- رحمه الله- يمنع؛ لأن الإزالة عن ملكة تمنع الرجوع في الهبة. وكشف ~~هذا مذكور في باب العطية من هبة ((المبسوط))، قال: وإن وهب له شاة فذبحها ~~كان له أن يرجع فيها؛ لأن الذبح نقصان في العين، فإن عمله في إزهاق الروح، ~~فإن ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة لم يكن له أن يرجع فيها في قول أبي ~~يوسف، وقال محمد: يرجع فيها، وتجزئ الأضحية والمتعة للذابح، وقيل: قول أبي ~~حنيفة- رضي الله عنه- مثل قول أبي يوسف. # وأما محمد- رحمه الله- فيقول: ملك الموهوب له لم يزل عن عينها، والذبح ~~نقصان فيها، فلا يمنع الرجوع فيما بقي كالشاة للقصاب؛ وهذا لأن PageV01P419 # معنى القربة في نيته وفعله دون العين، فالموجود في العين قطع الحلقوم ~~والأوداج سواء كان على نية اللحم أو نية القربة، والذي حدث في العين أنه ~~تعلق به حق الشرع من حيث التصديق به، وذلك لا يمنع الرجوع كوجوب الزكاة في ~~المال الموهوب في يد الموهوب له، بل أولى؛ لأن التصديق هاهنا ليس بحتم حتى ~~يكون له أن يأكله ويطعم من شاء من الأغنياء بخلاف الزكاة، وأبو يوسف- رحمه ~~الله- يقول في التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع ~~الواهب فيه التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع الواهب ~~فيه بعد ذلك كما لو كان الموهوب أرضا فجعلها مسجدا، وبيان قولنا: ((تم)) أن ~~التقرب بإراقة الدم وقد حصل ذلك. # ألا ترى أن لو سرق المذبوح أو هلك كان مجزءا عنه، وإباحة التناول منه ~~بإذن من له الحق بقوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا}. # ألا ترى أن لا يجوز أن يتصرف ms120 فيها على غير الوجه المأذون وهو بطريق ~~التجارة، ويمنع من ذلك، ولو فعله كان ضامنا، فعرفنا أنه تم معنى التقرب به، ~~فيكون نظير هذا من الزكاة ما إذا أداه الفقير بنية الزكاة وليس للواهب أن ~~يرجع فيه بعد ذلك، وهذا الفعل في صورة ذبح شاة القصاب، ولكن في المعنى ~~والحكم غيره، ولا تعتبر الصور. # ألا ترى أن الذبح يتحقق من المسلم والمجوسي، والتضحية لا تتحقق إلا من ~~أهل التسمية، فعرفنا أنه في المعنى غير الذبح. ثم عند محمد- رحمه الله- ~~رجوع PageV01P420 # الواهب لا يبطل التضحية؛ لأن رجوعه في القائم دن ما تلاشى منه، والرجوع ~~ينهي ملك الموهوب له، فإنما انعدم ملكه بغير اختياره، وهو في حقه نظير ما ~~لو هلك بعد الذبح. # وقوله: (فنقل إلى هذا) أي فنقل التصديق إلى نقصان في المالية بإراقة ~~الدم، أو إلى نقصان في المالية بإراقة الدم وإزالة التمويل عن الباقي ~~(تطيبا للطعام)؛ لأنه إذا ذبح العبد الأضحية بنية القربة تنتقل آثامه إلى ~~الدم لكونه آلة لسقوط ذنوبه فيبقى اللحم طيبا، والناس أضياف الله تعالى يوم ~~العيد، ولهذا كره الأكل في أول النهار قبل صلاة العيد؛ لأن ذلك إعراض عن ~~ضيافة الله تعالى. # وأما مال الصدقة بالتصديق فتنتقل آثام المتصدق إليه فيصير من أوساخه؛ ~~لكونه آلة لسقوط الذنوب، وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في قوله: {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم}. والمطهر إذا استعمل فيما هو متدنس بالذنوب PageV01P421 # صار خبيثا، كما في الماء المستعمل. يعني يحتمل أن يكون التصديق بعين ~~الشاة أو قيمتها أصلا، لكن الانتقال منه إلى إراقة الدم لهذه الحكمة، فيجب ~~أن يعمل بالأصل عند مضي وقت الأضحية. # وقوله: (يحتمل أن تكون التضحية أصلا) جواب لشبهة ترد على هذا التقرير، ~~وهو أن يقال، لو كان التصديق أصلا في التضحية لكن لحكمة انتقل الحكم من ~~التصديق إلى إراقة الدم لوجب أن يعتبر الأصل في أيام التضحية أيضا حتى يخرج ~~عن وجوب الأضحية بالتصديق، وإن كان هو مأمورا بإراقة الدم لتلك الحكمة، كمن ~~وجب عليه الجمعة لو ms121 صلى الظهر في منزله يقع ذلك عن فرض الوقت، وإن كان هو ~~مأمورا بأداء الجمعة لكون الظهر أصلا؟ # فأجاب عنه بهذا، وقال: يحتمل أن يكون إراقة الدم أصلا أيضا، فلذلك لم ~~يعتبر ذلك الموهوم، وهو أصالة التصديق في أيام التضحية؛ لأن خروج العبد عن ~~وجوب التضحية في أيامها متيقن بالنص، وهذا موهوم بالرأي، والموهوم لا يعارض ~~المتيقن، بخلاف صلاة الظهر يوم الجمعة، فإنه قد قام لنا دليل بالنص على ~~أصالة الظهر فكان الظهر، أصلا وإن كان العبد مأمورا لإسقاطه بأداء الجمعة. # (والدليل على أنه كان بهذا الطريق لا أنه مثل للأضحية) أي الدليل PageV01P422 # على أن التصدق بعين الشاة أو قيمتها بعد مضي أيام التضحية كان بطريق ~~احتمال أن الأصل هو التصدق في وجوب الأضحية، لا أن التصديق مثل للأضحية ~~بطريق القضاء عنها، وإنما لم يجز إراقة الدم في غير أيام التضحية؛ لأنه لم ~~يقدر علي مثله (أنه إذا جاء العام القابل لم ينتقل الحكم إلى الأضحية) وإن ~~قدر على مثل الإراقة، فلو كان جواز نقصان الواجب في القضاء بسبب أنه لم ~~يقدر على الإراقة لوجب ذلك عند قدرته عليها، كما في غضب المثلي إذا انقطع ~~من أيدي الناس فيحول من ضمان المثل إلى القيمة، ثم لو لم ترد القيمة حتى ~~جاء أوانه يجب عليه ضمان المثل صورة ومعنى، لكونه هو الأصل ولم يجب ذلك ~~بالاتفاق هاهنا. # علم بهذا أن الإراقة لم تكن أصلا في التضحية. # وقوله: (هذا وقت) أي يوم الأضحية في العام القابل الذي أدركه وقت (يقدر ~~فيه على مثل الأصل) أي على مثل الإراقة التي وجبت عليه في العام الماضي ~~(فيجب أن يبطل الخلف) وهو التصديق كما في الفدية، فيجب عليه قضاء الصوم من ~~(الوجه الذي بينا)؛ وهو كون التصدق أصلا لم ينتقض PageV01P423 # بالشك؛ لأنه وجب وتأكد بإيجاب الشارع فلا يسقط بعد ذلك بالقدرة على ~~الفائت، كما في المثلي إذا انقطع عن أيدي الناس وقضى القاضي بالقيمة، أو ~~أدى هو بدون القضاء ثم قدر على مثله لا يعود ms122 حقه إليه، فكذلك المثل في حقوق ~~الله تعالى. # بخلاف الفدية في حق الشيخ الفاني حيث يجب الصوم إذا قدر عليه، وإن كان ~~فدى حالة العجز؛ لما أن الفدية عن صوم الشيخ الفاني إنما تكون خلفا بشرط ~~استمرار العجز إلى الموت، وإذا قدر على الصوم كان قادرا على الأصل قبل تمام ~~الحكم بالخلف؛ لعدم شرط جواز الخلافة على التأبيد، فلذلك بطل حكم الفدية. # (لأن الركوع يشبه القيام) أي حقيقة وحكما. # أما حقيقة فلأن النصف الأسفل من الراكع مستو كما في حالة القيام، وهو ما ~~يقع به الفصل بين القيام والقعود فيبقى شبهة القيام. PageV01P424 # وأما حكما فلأن من أدرك الإمام في الركوع يصير مدركا لتلك الركعة. # (وهذا الحكم قد يثبت بالشبهة)؛ أي تكبيرات العيد تثبت بشبهة القيام. # ألا ترى أن تكبير الركوع في صلاة العيد ملحق بتكبيرات العيد، ولهذا يجب ~~بترك تكبير الركوع ساهيا سجدة السهو، وإن لم يجب بتركه في غير صلاة العيد ~~سجدة السهو، ثم تكبير الركوع مشروع في حالة الانتقال فجاز أن يلحق به ~~نظائره حالة العجز احتياطا لهذه الشبهة؛ لأن أداء التكبير عبادة فيحتاط في ~~الإتيان بها. # فإن قيل: إن استواء النصف الأعلى أحد شقي القيام، فلما لم يثبت باستواء ~~النصف الأعلى شبهة القيام- كما في حالة القعود- وجب ألا يثبت أيضا باستواء ~~النصف الأسفل شبهة القيام. # قلنا: القيام مع القعود متضادان، والمفارقة للقائم من القاعد إنما ثبت ~~باستواء النصف الأسفل، فلذلك اعتبر استواء النصف الأسفل لا استواء النصف ~~الأعلى، ولأن شبهة الشيء إنما تكون عند اتصالها به لا عند انقطاعها عنه، ~~والركوع متصل بحقيقة القيام، والقعود منقطع عنها، فثبت لركوع مشاركة القيام ~~في أحد شقيه مع اتصال به، فلذلك ثبت للركوع شبهة القيام لا للقعود. PageV01P425 # (لأن موضع القراءة جملة الصلاة) رجوعا إلى قوله عليه السلام: ((لا صلاة ~~إلى بالقراءة)). حتى إنه إذا استخلف الإمام في الشفع الأخير أميا فسدت ~~صلاته عند أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- وإن أدى فرض القراءة. # (إلا أن الشفع الأول تعين بخبر الواحد)، وهو ما روى جابر ms123 بن عبد الله ~~وأبو قتادة الأنصاري- رضي الله عنهما-: ((أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب ~~وسورة، وفي PageV01P426 # الأخريين بفاتحة الكتاب)). كذا في ((مبسوط المصنف)). وروي عن علي رضي ~~الله عنه ((القراءة في الأوليين قراءة الأخريين)) أي تنوب عنها. # (وقد بقى للشفع الثاني شبهة كونه محلا)، لأن محل أداء ركن القراءة القيام ~~الذي هو ركن الصلاة. كذا ذكره شمس الأئمة- رحمه الله-. # (وإن كان قضاء في الحقيقة) لفوات محل العمل بحكم خبر الواحد الذي يوجب ~~تعيين الأوليين للقراءة. # (ولهذا لو ترك الفاتحة سقطت). هذا استدلال على أن قراءة السورة في ~~الأخريين باعتبار شبهة الأداء؛ لأنه لما لم يكن القول بقراءة الفاتحة ~~الفائتة عن الأوليين باعتبار شبهة الأداء سقطت. PageV01P427 # (إنما شرع احتياطا) أي واجب احتياطا (فلم يستقم صرفها إلى ما عليه) يعني ~~أن قراءة الفاتحة في الأخريين واجبة عليه أداء. هذا على رواية الحسن عن أبي ~~حنيفة- رحمه الله-فلم يمكن صرف ما عليه إلى ما عليه. بخلاف قراءة السورة؛ ~~لأنها ليست هي عليه فيصح قضاؤها في محل شبهة الأداء. # وذكر المصنف- رحمه الله- في ((شرح الجامع الصغير)) روى الحسن عن أبي ~~حنيفة- رحمه الله- أن قراءة فاتحة الكتاب في الأخريين واجبة، حتى أنه لو ~~تركها ساهيا يلزمه سجود السهو فلم يملك صرفها إلى ما عليه، وإنما يملك صرف ~~ما له إلى ما عليه. وكذلك على ظاهر الرواية لا تقضى الفاتحة أيضا، فإن ~~قراءة الفاتحة إنما وجبت علينا بخبر الواحد، وما وجبت إلا بصفة ترتيب ~~السورة عليها. ألا ترى أن من نسي الفاتحة فذكرها قبل الركوع أنه يقرؤها ~~ويعيد السورة، فإذا انتقل إلى السجود فقد تم الانتقال وفات المشروع بخبر ~~الواحد، والثابت بخبر الواحد ثابت عملا، فإذا تعذر عمله على ما شرع سقط ~~العمل. فأما السورة فإنما شرعت مرتبة على الفاتحة، وقد قدر على ذلك؛ لأن ~~المتراخي مرتب لا محالة فلم تسقط عنه. PageV01P428 # (ولم يستقم اعتبار معنى الأداء). هذا جواب شبهة ترد على قوله: (فلم يستقم ~~صرفها إلى ms124 ما عليه) أي قضاء، بأن يقال: لما تستقم قراءة الفاتحة في ~~الأخريين قضاء عن الأوليين لما ذكر أن فيه صرف ما عليه إلى ما عليه فينبغي ~~ألا تجب عليه قراءة الفاتحة في الأخريين أداء كما في السورة، فإن قراءتها ~~في الأخريين إنما كانت باعتبار شبهة الأداء. # فأجاب عنه، وقال قراءة الفاتحة في الأخريين مشروعة أداء، ثم لو قرأها ~~ثانيا أيضا أداء يلزم تكرار الفاتحة في ركعة واحدة فإنه غير مشروع. # فإن قيل: إن لم يصح تكرار الفاتحة أداء فلم يصح تكرارها مع صرف إحداهما ~~إلى القضاء، فلم يكن حينئذ تكرارا في ركعة واحدة من حيث المعنى لذهاب ~~إحداهما إلى محل الأداء تقديرا كما صرف بعض العلماء قول محمد- رحمه الله- ~~فيما قضى السورة في الأخريين وجهر إلى السورة باعتبار أنها مصروفة إلى ~~محلها فلم يكن جمعا بين الجهر والمخافتة في ركعة من حيث المعنى. # قلنا: لا يصح ذلك، لما أن رعاية الصورة واجبة أيضا، وعن هذا كان ظاهر ~~الرواية فيما إذا ترك السورة في قول محمد- رحمه الله- وجهر مصروفا إلى ~~الفاتحة والسورة جميعا؛ لئلا يلزم الجمه بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة ~~صورة، فوجوب رعاية الصورة ثابت في هذا وفي النحو أيضا، فإن PageV01P429 # اللام التي بمعنى الاسم الموصول في قولهم: الضارب أباه زيد، اختير دخولها ~~في اسم الفاعل لا في عين الفعل، وإن كان الاسم الموصول يدخل الفعل لما أن ~~هذه اللام تشبه لام التعريف صورة، وهي لا تدخل على الفعل فكذا ما يشبهها لا ~~يدخل على الفعل أيضا رعاية للصورة. # وقوله: (وأداء الدين). مثل: أداء ثمن المبيع وتسليم المسلم فيه، وذكر ~~أداء الدين في قسم الأداء الكامل، وإن كانت الديون تقضى بأمثالها؛ لأنه لا ~~طريق لأداء الدين سوى هذه وهذا في بدل الصرف والمسلم فيه واضح، فإن ~~الاستبدال فيهما حرام كحرمة استبدال العين المعين مثل عين المبيع والوديعة، ~~فجعل المقبوض عين ما استحق بالعقد حكما وإن كان غيرا حقيقة؛ لأن الواجب ~~بالعقد دين والمقبوض عين والعين غير الدين. # فإن قيل: على هذا ms125 التقرير ينبغي أن يكون أداء يشبه القضاء اعتبارا ~~للحقيقة والحكم. # قلنا: لا يمكن ذلك خصوصا في باب الصرف والسلم؛ لأن الاستبدال فيه حرام، ~~فاعتبار شبهه بالقضاء يوجب الحرمة، واعتبار شبهه بالأداء لا يوجب، فكان ~~حراما ترجيحا لجانب الحرمة على ما هو الأصل خصوصا في باب الربا في الصرف؛ ~~لأن الشبهة فيه ملحقة بالحقيقة وليس هو بحرام بالإجماع. # فعلم أنه من قسم الأداء الكامل، ولم يقل أيضا: أنه أداء قاصر؛ لأنه أدى ~~ما عليه من الجياد. # وأما الأثمان في سائر البيوع فيجب أن يكون تسليمها قضاء على هذا التقرير؛ ~~لأن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، والاستبدال فيها غير حرام، ولكن ذلك ~~أيضا من قسم الأداء الكامل لوجهين: PageV01P430 # أحدهما: أن الأداء تسليم عين ما وجب بالعقد فيكون تسليم ما وجب بالعقد ~~أداء حكما، ولو كان مثلا لكان بدلا عن الأداء، وفي الاستبدال يشترط ~~التراضي، والمشتري إذا أتى بما وجب يجبر البائع على القبول، فعلم أنه عين ~~ما استحق بالعقد. # والثاني: أن القضاء يبتني على الأداء، فإذا لم يمكن الأداء لم يمكن ~~القضاء؛ لأن القضاء خل الأداء، فإذا لم يكن الأصل ممكنا لا يكون الخلف ~~ممكنا؛ لأن شرط صحة الخلف إمكان الأصل فاعتبر هذا بوجوب الكفارة فيمن حلف ~~ليمس السماء وعدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس وفي PageV01P431 # مسألة الكوز؛ لأن الأصل- وهو البر- ممكن في الأول دون الثاني. # ولما ثبت هذا قلنا: لو جعل أداء الدين قضاء ينبغي أن يكون الأداء ممكنا ~~حتى يكون هذا القضاء خلفا عن ذلك الأداء وليس للدين ذلك، بل لقضاء الدين ~~طريق واحد. # فعلم أنه جعل أداء كاملا حكما، ولا يشكل على هذا قضاء الصوم للحائض، فإن ~~الصوم من الحائض لم يكن ممكنا أداء، ومع ذلك صح القضاء الذي هو خلف عن ~~الأداء؛ لانا نقول: إن الأداء ممكن هناك في الأصل قياسا؛ لأن الحيض لا يمنع ~~صحة الصوم كالجنابة إلا أنه لم يجز أداؤه مع الحيض بخلاف القياس، فكان ~~الأداء قياسا، فيبتنى القضاء على الأداء الممكن قياسا، فيجوز القضاء عنه. ms126 # فإن قيل: إذا كان دين بدل الصرف والمسلم فيه أداء كاملا فما القاصر فيهما؟ # قلنا: القاصر فيهما هو أداؤه زيفا ورديئا، فالأداء باعتبار أن الزيف من ~~جنس الدراهم، والردئ من الحنطة من جنس الحنطة، والقصور باعتبار فوات PageV01P432 # صفة الجودة التي تقع عليها مطلق العقود. # (والقاصر مثل أن يغضب عبدا فارغا ثم يرده مشغولا بالجناية) بان يقتل غيره ~~أو يقطع طرفه أو (بالدين) بأن استهلك مال الغير، أو كان مأذونا فلحقه دين ~~وكذلك في المبيع، ومعنى القصر فيه أنه أداه لا على الوصف الذي استحق عليه ~~التسليم. # وتقرير هذا أنه أداء؛ لأنه رد عين ما غضب، ورد عين ما باع، لمنه قاصر ~~بسبب ما ذكرنا أنه لم يرده على الوصف الذي استحق عليه، فلوجود أصل الأداء ~~إذا هلك عند المغصوب منه قبل الدفع إلى ولي الجناية تم التسليم ولا يلزم ~~على الغاصب شيء، وإذا دفع إلى ولي الجناية انتقض التسليم حتى وجب عليه ~~القيمة اعتبارا للمعنيين. # وكذلك البائع إذا سلم المبيع وهو مباح الدم فهو أداء قاصر؛ لأنه سلمه على ~~غير الوصف الذي هو مقتضى العقد، فإن العقد يقتضى سلامة المبيع، فإن هلم في ~~يد المشتري لزمه الثمن لوجود أصل الأداء. # وإن قتل بالسبب الذي صار مباح الدم به، رجع بجميع الثمن عند أبي حنيفة- ~~رضي الله عنه- لأن الأداء كان قاصرا، فإذا تحقق الفوات بسبب مضاف إلى ما به ~~الأداء قاصر جعل كأن الأداء لم يوجد. # وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- الأداء قاصر لعيب في المحل. PageV01P433 # فإن حل الدم في المملوك عيب، وقصور الأداء بسبب العيب يعتبر ما بقي المحل قائما. # وأما إذا فات بسبب عيب حدث عند المشتري وهو قتل ولي الجناية لم ينتقض به ~~أصل الأداء، وقد تلف هاهنا بقتل أحدثه القاتل عند المشتري باختياره ولكن ~~أبو حنيفة- رحمه الله- قال: استحقاق هذا القتل كان بالسبب الذي به صار ~~الأداء قاصرا، فيحال بالتلف على أصل السبب. # قوله: (وما أشبه ذلك) كالغاصب إذا غصب المغصوب صحيحا ورده مريضا أو ~~مشجوجا أو حاملا لو كان ms127 المغصوب أمة. # (وأداء الزيوف في الدين أداء بأصله)، ولكنه قاصر باعتبار فوات وصف ~~الجودة. وتحقيقه أنه وجب على المديون دراهم جياد لاقتضاء مطلق العقد وصف ~~السلامة عن العيب، فإذا أدى زيوفا فمن حيث أنه أدى جنس الدراهم كان مؤديا، ~~ومن حيث إنه لم يؤد الجياد كان الأداء قاصرا، فإذا كان قائما في يد من له ~~الدين كان له أن يفسخ الأداء ويأخذ ما كان عليه من الجياد إحياء PageV01P434 # لحقه، وإذا هلك عنده بطل حقه في الجناية؛ لأنه لا يتوصل إلى الجياد إلا ~~بفسخ الأداء، ولا يتمكن من فسخ الأداء لهلاك الدراهم، ولا يتمكن أيضا من أن ~~يرد إلى المديون مثل ما قبض، للزوم الضمان عليه بمثل ما قبض؛ لأنه لا يضمن ~~المرء لنفسه، فإن ذلك غير معهود في الشرع، فبطل القول به. # فإن قلت: حاصر هذا راجع إلى أن يضمن المرء ملك نفسه، وليس ببعيد أن يكون ~~الشيء ملك الرجل ومع ذلك هو مضمون عليه. # ألا ترى أن كسب المأذون له المديون ملك المولى وهو مع ذلك مضمون عليه، ~~وكذلك المرهون مضمون على الراهن، وإن كان ملكا باعتبار الفائدة، وفي ~~التضمين ههنا فائدة، وهي إحياء حقه في صفة الجودة. # قلت: ليس ما ذكرته نظير ما قلنا؛ لأن كلامنا فيما إذا كان الضمان له مع ~~أن مضمون عليه، وأما ما ذكرته من المسألتين فالضمان هناك يجب للغرماء فلا ~~منافاة فيه. إلى هذا أشار في ((الفوائد الظهيرية)). PageV01P435 # والفرق لأبي يوسف بين هذا وبين ما إذا أدى خمسة زيوفا عن خمسة جياد في ~~الزكاة: أن الفقير لا يرد مثل المقبوض ليأخذ الجياد؛ لأنه أخذ ذلك بحكم ~~الكفاية على ما قال الله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} ~~فيكون آخذا من الله تعالى حكما، ولهذا لو كانت قائمة لا يتمكن من ردها وأخذ ~~الجياد، ولا كذلك ههنا. # والفرق لمحمد- رحمه الله- بين هذا وبين الزكاة أن ههنا لو أوجبنا قيمة ~~الجودة يتحقق الربا، وثم لا يتحقق الربا؛ لأنه في العبادات لا في ms128 البياعات، ~~والربا مخصوص بالبياعات، ولأنه لا ربا بين المولى وعبده. # وقوله: (وبطل الوصف) أي وصف الجودة؛ (لأنه لا مثل له صورة)؛ لأنه لا يمكن ~~انفكاك الوصف عن الموصوف، فلا يكون صورة وصف بلا موصوف (ولا معنى)؛ لأن ~~القيمة غير معتبرة في الأموال الربوية. # (وهو أن يتزوج رجل امرأة على أبيها وهو عبد) سواء كان ذلك عبدا للغير أو ~~للزوج. PageV01P436 # (فإن لم يقض بقيمته) أي لم يقض القاضي على الزوج بقيمة الأب للمرأة (لزمه ~~تسليمه إلى المرأة؛ لأنه عين حقها). # فإن قيل: ينبغي أن لا يجب تسليمه على الزوج؛ لأنه ظهر أن العبد ملك غير ~~فلم تكن التسمية صحيحة. # قلنا: كون المسمى الغير لا يمنع صحة التسمية. # ألا ترى أنه لو تزوج امرأة على عبد الغير صحت التسمية، حتى إذا عجز عن ~~تسليمه يصار إلى قيمته ولا يصار إلى مهر المثل، فلو لم تصح التسمية لصير ~~إلى مهر المثل، ما إذا تزوجها ابتداء على قيمته، فثبت أن كون المسمى ملك ~~الغير لا يمنع صحة التسمية. # فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين البيع والمسألة بحالها، وهي: أنه إذا باع ~~عبدا واستحق في يد المشتري، ثم اشتراه البائع كان له أن يمنع من دفعه ولا ~~يلزمه تسليمه إلى المشتري، وهنا لزم الزوج تسليمه إلى المرأة؟ # قلت: الفرق بينهما إنما جاء من قبل عدم انفساخ النطاح ووجود انفساخ ~~البيع، وهذا لان الموجب للدفع البيع، والبيع قد انفسخ بخلاف النكاح، فإنه ~~لم ينفسخ بالاستحقاق، فكان الموجب للدفع- وهو النكاح- باقيا فيثبت موجبه ~~وهو الدفع. إلى هذا أشار في ((الجامع الكبير)) للصدر الشهيد- رحمه الله-. PageV01P437 # (لأن تبدل الملك أوجب تبدلا في العين حكما) بدليل قصة بريرة رضي الله ~~عنها ((فكار رسول الله عليه السلام دخل على بريرة، فأتت بريرة بتمر، ووضعت ~~بين يدي رسول الله عليه السلام، والقدر كان تلغي باللحم، فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - لبريرة: ألا تجعلين لنا نصيبا من اللحم؟ فقالت: هو لحم تصدق به ~~علي يا رسول الله! قال عليه السلام: هي لك صدقة، ms129 ولنا هدية)). # فثبت بهذا أن تبدل الملك يوجب تبدل العين حكما، وهذا لأن تبدل الملك صفة ~~له، وتتبدل الصفة بتبدل العين شرعا، وإن كانت العين واحدة في أصلها. PageV01P438 # ألا ترى أن الخمر إذا تخللت كيف تحل بعد الحرمة؟ # فإن قيل: طيف تحل الصدقة لبريرة وهي كانت مكاتبة عائشة- رضي الله عنها- ~~ومولى القرشي بمنزلة القرشي في حرمة الصدقة؟ # قلنا: يحتمل أن لتك الصدقة كانت صدقة التطوع، وكونها لحما دليل عليه؛ لأن ~~العادة في الزكاة المفروضة أن تكون من النقدين، وصدقة التطوع يجوز صرفها ~~إلى بني هاشم ومواليهم. # أو يحتمل أن يكون ذلك حال كتابتها، ويجوز دفع الزكاة إلى مكاتب الهاشمي ~~لإطلاق قوله تعالى: {وفي الرقاب}. # (ثم ملكه الزوج أن حقها لا يعود إليه). يعني أن القاضي لو قضى لها ~~بالقيمة قبل أن يمتلكه الزوج ثم ملكه فسلمه إليها لم يكن ذلك أداء مستحقا ~~بالتسمية، ولكن يكون مبادلة بالقيمة التي تقرر حقها فيه، حتى أنها إذا لم PageV01P439 # ترض بذلك لا يكون للزوج أن يجبرها على القبول بخلاف ما قبل القضاء لها ~~بالقيمة. كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-. # وذكر المصنف- رحمه الله- في ((شرح الجامع الكبير)) فإن استحقه رجل فقضي ~~به له بطل ملكها وبطل عتقه وعلى الزوج قيمته، فإن اشتراه الزوج من المستحق ~~أو ملكه بوجه من الوجوه فأراد أن يدفعه إليها فأبت فإنها تجبر على أخذه، ~~وإن طلبت هي فأبى فإنه يجبر على تسليمه إليها. # ثم هاهنا ثلاث كلمات الإيضاح بقوله: ولهذا قلنا: ((إن الزوج إذا ملكه لا ~~يملك أن يمنعها إياه)) إيضاح دليل الأداء، والأخريات هما قوله: ((ولهذا ~~قلنا أنهلا يعتق)) وقوله: ((ولهذا قلنا إذا اعتقه الزوج إلى قوله: ((صح)) ~~إيضاح دليل القضاء. # (ويتصل بهذا الأصل) أي بأصل الأداء (أن من غصب طعاما فأطعمه المالك) بأن ~~يكون طعاما يؤكل من غير تغيير بأن كان خبزا أو لحما مطبوخا، وإنما قيدنا ~~لهذا لأنه لو كان دقيقا فخبزه ثم أطعمه المالك لا يبرأ عن الضمان بالاتفاق، ~~ثم إنما قيد بقوله: ((فأطعمه المالك)) ليظهر موضع ms130 الخلاف؛ لأنه إذا جاء ~~المالك إلى بيت الغاصب، فأكل ذلك الطعام المغصوب من غير إطعام الغاصب يبرأ ~~الغاصب عن الضمان بالاتفاق وإنما الخلاف في إطعام الغاصب. PageV01P440 # وقال (الشافعي) - رحمه الله- في أحد قوليه: (لا يبرأ)؛ لأنه ما أتى بالرد ~~المأمور به (فإنه غرور)؛ لأنه أقدم على الأكل بناء على خبره أنه أكرم ضيفه، ~~ولو علم أنه ملكه ربما لم يأكله وحمله إلى عياله (ولو) فأكله معهم، وهكذا ~~الخلاف أيضا فيمن غصب ثوبا، ثم كسا الغاصب الثوب رب الثوب، فلبسه حتى تحرق ~~ولم يعرفه، فلا شيء له على الغاصب عندنا خلافا له. كذا في ((المبسوط)). # (ولو كان قاصرا لتم بالهلاك) يعني إذا أدى الزيوف مكانا لجياد ولم يعلم ~~القابض فهلك في يده يتم الأداء، (فكيف لا يتم ههنا وهو كامل؟) من حيث إن ~~عين ماله من غير تغيير وصل إليه ثم هلك في يده، ولأن أكثر ما في PageV01P441 # الباب ألا يكون فعل الغاصب هو الرد المأمور به، ولكن تناول المغصوب منه ~~العين المغصوبة كاف في إسقاط الضمان عن الغاصب، وقد ذكرنا أن المغصوب منه ~~إذا جاء إلى بيت الغاصب، وأكل ذلك الطعام بعينه وهو يظن أنه ملك الغاصب برء ~~الغاصب من الضمان. # (والجهل لا يبطله) أي لا يبطل الأداء (وكفى بالجهل عارا! فكيف يكون عذرا) ~~فإن هذا جهل المالك، ولو تصرف المالك في ملكه ولم يعلم أنه ملكه فإن ذلك لا ~~يمنع صحة تصرفه. # ألا ترى أن من اشترى عبدا ولم يقبضه فقال البائع للمشتري: اعتق عبدي هذا- ~~وأشار إلى المبيع- فأعتقه المشتري، ولم يعلم أنه عبده صح إعتاقه، ويجعل ~~قبضا، ولزمه الثمن؛ لأنه أعتق ملكه وجهله بأنه ملكه لا يمنع صحة ما وجد ~~منه، فكذلك هاهنا. # (والعادة المخالفة للديانة الصحيحة) هذا جواب عن قوله: إذ المرء لا ~~يتحامى في العادات عن غير مال غيره؛ وقيد بالصحيحة؛ لأن الموضع موضع ~~الإباحة فلا يكون تناول مال الغير مخالفا للديانة مطلقا في موضع الإباحة، ~~بل كان ذلك مخالفا لعادة من يتقى ويحترز عن الشبهة غاية الاتقاء ms131 والتحرز ~~رجوعا إلى قول - صلى الله عليه وسلم -: ((كل من كد يمينك)) وهذا لأنه لا ~~يعلم يقينا عدم شبهة PageV01P442 # الحرمة في مال غيره ويعلمه فيما اكتسبه بنفسه، فذلك كان من عادة المتقين ~~غاية الاتقاء ألا يكتفوا بظاهر الحل شرعا، بل يتفحصون غاية التفحص، ~~ويتحرزون مما فيه وهم شبهة الحرمة، وذلك ايحصل في تناول مال الغير بمجرد ~~الإباحة، فلذلك كان تناول مال الغير بمجرد الإباحة مخالفا للديانة الصحيحة ~~أي للتقوى القوية؛ لأن الديانة القوية تقتضي أن يتحرز عن مال الغير أكثر ~~مما يتحرز من مال نفسه؛ لأنه لا يجوز له أن يفعل بمال الغير ما لا يفعل ~~بمال نفسه، والعادة إنما تعتبر إذا لم تكن مخالفة للديانة، إذا كان كذلك لا ~~يكون مثل هذه العادة مبطلا للأداء الواجب الذي هو الأداء الكامل؛ (لأن عين) ~~حق صاحب الحق (وصل إلى يده) من غير تغير، وما كان واجبا في الإيصال يصرف ~~إلى الواجب، وإن أوصله بأي طريق كان. # (وفي باب القروض)، وإنما قال باب القروض؛ لأن قضاء الدين من باب الأداء ~~الكامل على ما مر لأنه لا يمكن فيه سوى القضاء، فقام القضاء مقام الأداء ~~الكامل ضرورة. # وأما في باب القروض فالأداء الكامل ممكن بأن يرد عين ما قبض، وأما PageV01P443 # إذا أنفق ثم قضى مثله كان قضاء، وهذا المعنى لا يتصور في الديون فكان أداء. # ولا يقال إن القرض إعارة فكان ما سلمه إلى المقرض عين ما أقرضه حكما، ~~ضرورة أن لا يجري الربا في النقد بالنسيئة؛ لأنا نقول: إن ذلك حكم، وما ~~ذكرناه حقيقة، فلذلك ذكر في أنواع القضاء. # فإن قيل: ينبغي أن يكون قضاء القرض يشبه الأداء؛ لأنه قضاء من حيث ~~الحقيقة وأداء من حيث الحكم لسلوك طريق الإعارة فيه حتى لم يجر الربا فيه ~~بالنسيئة بمقابلة النقد فكان عينه من حيث الحكم، فكان بمنزلة رجل أدرك ~~الإمام في العيد راكعا فإنه قضاء يشبه الأداء بهذا الطريق، وكذلك فيما إذا ~~فاتت السورة عن الأوليين وقرأها في الأخريين. # قلنا: التكبير في الركوع ms132 أداء من وجه؛ لان محل الأداء باق من وجه، وكذلك ~~في قضاء السورة في الأخريين، فلهذا قلنا: فيه معنى الأداء، فأما هاهنا ففات ~~محل الأداء من كل وجه فلم يكن له شبه الأداء، فلهذا ذكره في أنواع القضاء ~~بخلاف ما إذا تزوج امرأة على أبيها، فإن ثم أداء حقيقة قضاء حكما؛ لانا ~~بينا أن تبدل الملك يوجب تبدل العين حكما من غير ضرورة داعية إلى ذلك، فكان ~~أداء من وجه قضاء من وجه. PageV01P444 # فأما في باب القرض فهو قضاء حقيقة، وإنما جعل عين ما قبض حكما لضرورة ~~قضاء حاجات الناس، وما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة فلم يظهر في كونه ~~أداء. (فكان سابقا) أي على أقسامه من القضاء. # (إذا انقطع مثله) كالرطب وفيما لا مثل له نحو الحيوان. # وقوله: (ولهذا قال أبو حنيفة) يتصل بقوله: فكان سابقا؛ يعني أن المثل ~~الكامل وهو المثل صورة ومعنى مقدم على المثل معنى، ولهذا المعنى قال أبو ~~حنيفة- رحمه الله- إلى آخره. # (ألا ترى أن القتل قد يصلح ما حيا أثر القطع) فكان قتله بمنزلة البرء من ~~القطع من حيث إن المحل يفوق به فلا تصور للسرية بعد فوات المحل فيجعل ~~كالبرء من هذا الوجه، حتى إذا كان القاتل غير القاطع كان القصاص في النفس ~~على الثاني خاصة. PageV01P445 # وقال في ((مختصر الحاكم)) فلو كان لكل واحد منا لجنايتين جان على حدة، ~~وهما جميعا عمد أو خطأ، أو أحدهما عمد والآخر خطأ أخذ كل واحد منهما ~~بجنايته، وأثر المحو ثابت في غير هذا أيضا، فإنه إذا رمى إنسان إلى الصيد ~~يدون التسمية وجرحه ثم أدركه حيا وذكاه يحل. # فعلم أن الفعل الثاني ماح أثر الفعل الأول ولو لم يمح لما حل بالتذكية، ~~وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} فالشارع ~~جعل التذكية ماحية لأكل السبع وجرحه؛ لأنها لو كانت محققه للأول ههنا لحرم ~~أكله (كما يصلح محققا، فإن القتل بعد القطع يكون إتماما للفعل الاول؛ لان ~~قطعه يحتمل أن يسري فيموت مقطوع ms133 اليد من قطعه، فكان قتله بعد القطع تحقيقا ~~لتلك السراية، وهذا لا يحتملان يكون مراد القاطع القتل فكان قتله بعد ذلك ~~محققا لموجب القطع، فكانت الجنايتان متحدة من هذا الوجه، وعلى تقدير محو ~~أثر القطع كانت الجناية متعددة. # فلذلك (خيرنا) الولي (بين الوجهين) إن شاء مال إلى وجه التعدد فيقطعه ثم ~~يقتله، وإن شاء مال إلى وجه الاتحاد فيقتله ابتداء من غير سابقة القطع. PageV01P446 # وقوله: (ولهذا قلنا: لا يضمن المثلي) يتعلق أيضا بقوله: فكان سابقا وكذلك ~~قوله: (ولهذا) قلنا (لا تضمن منافع الأعيان) يتعلق به أيضا؛ لأنه لما لم ~~يكن للمنافع مثل لا صورة ولا معنى لم تضمن في عصبها أو إتلافها عندنا لعدم ~~إمكان الضمان بالمثل، والشارع شرط المثل في باب العدوان بقوله تعالى: ~~{فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}. # اعلم أن للمسألة صورتين: غصب المنافع، وإتلاف المنافع، فغصب المنافع هو: ~~أن يغصب عبدا ويمسكه أياما ولم يستغله ثم رده إلى مولاه. # وأما إتلاف المنافع فهو: أن يستخدمه ويستغله ثم يرده إلى مولاه، فعندنا ~~لا يضمن شيئا في الصورتين، وعند الشافعي يضمن فيهما، ولكن بينهما تفاوت ~~عنده في موضع آخر، فغنه إذا غصب الحر وأمسكه أياما لم يضمن منافعه؛ لأن ~~الحر في يد نفسه، وأما إذا استخدمه فأتلف عليه ضمن، وفي PageV01P447 # العبد يضمن في الصورتين. # اعلم أن هذه المسألة مبنية على أصلين مختلف فيهما بيننا وبينه. # أحدهما: أن المنافع زوائد تحدث في العيد شيئا فشيئا، وفد بينا أن زوائد ~~المغصوب لا تكون مضمونة على الغاصب عندنا وتكون مضمونة عند الشافعي. # والثاني: أن الغصب الموجب للضمان عنده يحصل بإثبات اليد، واليد على ~~المنفعة تثبت كما تثبت على العين، وعندنا لا يتحقق إلا بيد مفوته ليد ~~المالك، وذلك لا يتحقق في المنافع؛ لأنها لا تبقى وقتين فلا يتصور كونها في ~~يد المالك ثم انتقالها إلى يد الغاصب حتى تكون يد الغاصب مفوته يد المالك، ~~فلذلك لا تضمن المنافع بالغصب عندنا. كذا في ((المبسوط)) وغيره، فتذكر ههنا ~~ما ذكر في ((النهاية)) من ms134 شبهات الخصم وجوابها فإنه الكبريت الأحمر والجربل ~~الأوفر. # وفي هذا نسخ مختلفة، ولكن بعضها تقارب البعض في المعنى، وقالوا PageV01P448 # في إتلاف المنافع: إن المنافع لا تضمن بالأعيان كما لا تضمن الأعيان ~~بالمنافع، فلو كانت الأعيان مثلا للمنافع لكانت المنافع مثلا للأعيان وهي ~~ليست بمثل للأعيان بالإجماع، فكذا في عكسها. # وقوله: (وأما جواز العقد فبناء على قيام العين مقام المنفعة) هذا جواب ~~إشكال مقدر وهو أن يقال: كيف يجوز العقد والمنافع معدومة غير متقومة على ما قلتم؟ # والجواب: لا نسلم أن المعقود عليه هو المنافع حتى أنه إذا أضاف العقد إلى ~~المنافع بأن يقول: أجرتك منافع هذا الدار شهرا بكذا تفسد الإجارة، بل PageV01P449 # الدار خلف عن المنافع في حق صحة العقد فكان المعقود عليه موجودا وقت ~~العقد، ولهذا إذا وجدت المنفعة انتقلت الإضافة إليها كالانتقال من الخلف ~~إلى الأصل، ولا يلزم أنها تقومت في باب العقود وليس إلى التقوم حاجة إذ ~~الاستبدال صحيح من غير التقوم. يعني لو قال الخصم: إن المنافع متقومة قبل ~~ورود العقد عليها لا أنها لم تكن متقومة فتقومت في باب العقود بطريق الحاجة ~~والضرورة؛ لأنه لا ضرورة في جعلها متقومة لتصحيح الاستبدال منها؛ لأن ~~الاستبدال صحيح من غير التقوم كبدل الخلع وكبدل العين التي أعماها وغير ~~ذلك، وحيث تقومت في باب العقود بالإجماع علم أنها متقومة من غير ورود العقد ~~عليها؛ لأن ما ليس بمال لا يصير مالا بورود العقد عليه كالخمر والخنزير ~~والميتة والدم. # فالجواب عنه: أنها صارت متقومة في باب العقود لا في غيره؛ لان تقوم ~~الأشياء إنما يكون بالإحراز بعد الوجود، والإحراز يفتقر إلى البقاء، ولا ~~بقاء للمنافع فلا يثبت التقوم، وإنما ثبت التقوم لها في باب العقود بخلاف ~~القياس عند التراضي، وليس في الغصب تراض فلا يثبت التقوم، ولا يلزم علينا ~~الاستبدال في الخلع مع عدم التقوم؛ لأن ذلك ثابت بالنص بخلاف القياس أيضا ~~عند التراضي بخلاف الغصب، وكذلك لا يلزم علينا أروش الأطراف وديات النفوس؛ ~~لأن الآدمي مكرم مصون في نفسه ms135 وأطرافه، فكان ذلك PageV01P450 # من ضرورة وجوب الصيانة لا من باب التقوم، ولأن وجوب البدل هنالك بمقابلة ~~العين لا بمقابلة المنافع فلا يرد علينا نقضا. # وقوله: وليس إلى التقوم حاجة؛ ليس كذلك بل إلى التقوم حاجة فتقومت في باب ~~الإجارة من غير معنى يعقل. والدليل على هذا أن الله تعالى شرع ابتغاء ~~الأبضاع بالمال فقال: {أن تبتغوا بأموالكم} فالإحلال موصوف بهذه الصفة، ~~فتكون هذه الصفة شرطا، والمشروط لا وجود له بدون الشرط. كما لو قيل: أعط ~~هذا الدرهم لرجل طويل لا يتمكن من دفعه إلى رجل غير طويل، والشرع جوز ~~ابتغاء PageV01P451 # البضع بالمنافع كما إذا تزوج امرأة برعي غنمها سنة جاز وصار ذلك مرها. ~~قال تعالى: {على أن تاجرني ثماني حجج}. # فعلم أنها تقومت في باب العقود، ولو لم يتقوم لما جاز رعي الغنم مهرا. إذ ~~شرعيته بالمال المتقوم؛ لأن للرضا أثرا في باب الأصول أي المبيع، والفصول ~~أي الثمن، وكل قياس لا يقوم إلا بوصف تقع به المفارقة بين الفرع والأصل ~~باطل، وههنا الوصف الذي تقع به المفارقة التراضي يعني أن التراضي موجود في ~~باب العقود، فلذلك تقومت المنافع هناك ولم يوجد التراضي في باب الغصب فلا ~~تتقوم لذلك. وهذا مثل قول لعض أصحاب الشافعي في مس الذكر إنه حدث؛ لأنه مس ~~الفرج فكان حدثا كما إذا مسه وهو يبول. # وكذلك قولهم: هذا مكاتب فلا يصح التكفير بإعتاقه كما إذا أدى بعض بدل ~~الكتابة وهذا ليس بتعليل لا طردا ولا تأثيرا على ما يجيء بيانه في موضعه إن ~~شاء الله تعالى. PageV01P452 # (ولهذا قلنا: إن المال غير مشروع مثلا) إيضاح لقوله: إن ضمان غير المال ~~المتقوم بالمال المتقوم قضاء بمثل غير معقول؛ وقيد بقوله: مثلا؛ احترازا عن ~~شرعيته صلحا، فإن ولي القصاص يأخذه صلحا؛ لأن (القصاص مثل للأول صورة) وهي ~~حز الرقية (ومعنى) وهي إزهاق الروح (وهو) أي القصاص (إلى الإحياء الذي هو ~~المقصود) أي بالنص لقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} ومعنى الإحياء في ~~القصاص من حيث الشرعية ومن حيث ms136 الاستيفاء. # وقد ذكر المصنف- رحمه الله- وجه الإحياء في القصاص في باب القياس من هذا ~~الكتاب. # (فلك يجز أن يزاحمه) أي أن يزاحم القصاص (ما ليس بمثل صورة) ولا معنى وهو ~~المال. فيه نفي لقول الشافعي، فإن في القتل العمد يجب القصاص عينا عندنا ~~إلا أن للولي أن يصالح القاتل على المال، وللشافعي قولان: # في قول: موجب القتل العمد أحد الشيئين: إما المال، وإما القصاص، PageV01P453 # ويتعين أحدهما باختيار الولي. # وفي القول الآخر: موجبه القصاص إلا أن للولي أن يختار أخذ الدية من غير ~~رضا القاتل، وعندنا لا يجوز للولي أخذ شيء من الدية إلا برضا القاتل، ولما ~~كان المال عنده أحد موجبي القتل العمد لم يصح عفوا المريض مرض الموت في حق ~~المال؛ لأن العند عنده يوجب المال ولا وصية للقاتل، وأما في حق القصاص ~~فصحيح. كذا في ((المبسوط)). (وإنما شرع) أي المال (عند عدم المثل) وهو فيما ~~إذا قتل خطأ. # قوله: (ولهذا قلنا نحن خلافا للشافعي) إيضاح لقوله: إن تضمين غير المال ~~المتقوم بالمال المتقوم غير معقول (إن القصاص لا يضمن لوليه بالشهادة ~~الباطلة على العفو). يعني إذا قتل رجل رجلا عمدا فادعى القاتل أن ولي ~~المقتول قد عفا عنه، وشهد الشهود بذلك، وقضى القاضي بذلك حتى بطل القصاص، ~~ثم رجع الشهود فقالوا: كذبنا في شهادتنا فإنهم لا يضمنون PageV01P454 # عندنا وعنده يضمنون. # (أو بقتل القاتل) وهو إضافة المصدر إلى المفعول يعني لو قتل رجل أجنبي من ~~عليه القصاص لا يضمن لمن له القصاص وهو ولي القتيل الأول. # (وإنما شرعت الدية) أي في القتل الخطأ، وإنما أعاد هذا لإعادة قوله: فلم ~~يكن له مثل صورة ومعنى؛ لتعليل مسألة أخرى ذكرها. # وقوله: (والعفو عن القصاص مندوب إليه) جواب شبهة ترد على ما ذكر قبله، ~~وهي أن يقال: لما صين الدم عن الهدر ينبغي ألا يصح العفو؛ لأن في العفو ~~هدرا، فأجاب عنه بهذا. # (ولهذا قلنا: إن ملك النكاح) يتصل هذا أيضا بمثله لإيضاح قوله: أن تضمين ~~غير المال المتقوم بالمال المتقوم غير معقل ms137 (لا يضمن بالشهادة بالطلاق بعد ~~الدخول) يعني ثم الرجوع يعني إذا شهد الشهود على رجل أنه طلق امرأته ثلاث ~~تطليقات أو طلاقا بائنا بعد الدخول، وقضى القاضي به، ثم رجعوا لا يضمنون ~~للزج شيئا، وكذلك إذا قتل رجل منكوحة رجل لا PageV01P455 # يضمن للزوج شيئا بسبب إبطال النكاح، وكذلك إذا ارتدت المرأة حتى بطل ~~النكاح لا تضمن للزوج شيئا. # (لأنه ليس بمال متقوم) أي لأن ملك النكاح ليس بمال متقوم؛ لأن الملك ~~عبارة: عن القدرة، والشد، والربط، والاختصاص بالمطلق الحاجز، وكيف ما كان ~~الملك صفة قائمة بالمالك فلا يكون مالا، فلذلك لا يضمن بالمال؛ لأن المال ~~ليس بمثل له لا صورة ولا معنى، ومثل هذا لا يضمن بالمال على ما ذكرنا في ~~غصب المنافع (وإنما يقوم بالمال بضع المرأة تعظيما لخطره) أي لعظمته يعني ~~كان ينبغي ألا يجب المال المتقوم عند النكاح أيضا؛ لأن الآدمي وجميع أجزائه ~~ليس بمال متقوم، فإيجاب المال الذي هو ليس بمثل له لا صورة ولا معنى غير ~~معقول على ما ذكر قبله، ولكن إنما وجب المال عند النكاح إظهارا لعظمة البضع ~~الذي هو جزء الحرة صار مملوكا للزوج، فكانت الصيانة للبضع PageV01P456 # جبرا لنقصانه لكونه مملوكا لا للملك الوارد عليه وهو حل الاستمتاع؛ لأن ~~الملك لم ينتقض بشيء فلا يحتاج إلى الانجبار بالمال، وما كان كذلك لم يجب ~~الضمان على من أبطل ذلك الملك الذي هو غير متقوم بالمال المتقوم. # (حتى صح إبطاله بغير شهود) فإن إبطال ذلك الملك بالطلاق غير محتاج إلى ~~الشهود هذا لبيان أن الملك الوارد على البضع لا خطر له، (ولهذا لم يجعل له) ~~أي للبضع (حكم التقوم عند الزوال) أي لا يجب المال عند الطلاق. هذا لبيان ~~أن المال الذي وجب على الزوج عند النكاح إنما كان لجبر نقصان حل بالبضع ~~بكونه مملوكا، فلذلك لم يجب عند زوال الملك عنه؛ لأنه لم ينتقض بذلك بوجه ~~بل هو إطلاق له فلا يحتاج إلى الجابر. # (ولا يلزم الشهادة بالطلاق قبل الدخول فغنها عند الرجوع ms138 توجب ضمان نصف ~~المهر) هذه المسألة ترد إشكالا على أصلنا وأصل الشافعي. أما على أصلنا ~~فظاهر، وهو: أن البضع لما لم يكن له قيمة عند الزوال، حتى إن الشهود لا ~~يضمنون بالشهادة الباطلة بشهادتهم على الزوال بعد الدخول وجب ألا يضمنوا ~~أيضا. PageV01P457 # بالشهادة الباطلة بشهادتهم على الزوال قبل الدخول. # وأما على أصل الشافعي- رحمه الله- فإن ملكا لنكاح ملك متقوم عنده ينبغي ~~أن يلزم تمام المهر على الشهود بشهادتهم الباطلة. # (لم يجب مهر المثل تاما كما قال الشافعي)، فإنه يقول: لا يجب مهر المثل ~~تاما على الشهود كما هو قولنا إلا أن نقول: إن وجو نصف المهر على الشهود لم ~~يكن باعتبار قيمة البضع بل باعتبار إتلافهم نصف المهر على الزوج، وأما ~~الانفصال للشافعي عما ورد الإشكال على أصله حيث لم يقل هنا بوجوب قيمة ~~البضع تاما على الشهود مع أنهم أبطلوا ملك النكاح وهو متقوم عنده، فيقول: ~~إن المهر بتمامه سلم للزوج ههنا؛ لأن بالشهادة بالطلاق قبل الدخول سلم له ~~براءة نصف المهر بالنص، ويرجع أيضا على الشهود بالنصف الذي ضمن فيسلم الكل. # وقوله: ألا ترى أنه لم يجب مهر المثل تاما؛ إيضاح لقوله: إن ضمان نصف ~~المهر على الشهود لم يكن لقيمة البضع بل لإتلافهم ذلك على الزوج؛ على ما ~~ذكرنا. لما أن جبر النقصان يعتمد القيمة لا الثمن. PageV01P458 # فإن من غصب عبدا مثلا فقمته ألف درهم وكان استراه مولاه بمئة درهم، فعلى ~~الغاصب عند الهلاك يجب الألف لا المائة باعتبار أنه يجب عليه قيمة العبد لا ~~المسمى، وههنا أيضا كذلك لو كان ما وجب على الشهود باعتبار قيمة البضع لوجب ~~عليهم مهر المثل تاما؛ لأن قيمة البضع. # (لكن المسمى الواجب بالعقد لا يستحق تسليمه) أي تسليم المسمى الواجب ~~بالعقد يعني أن المعقود عليه إذا فات قبل القبض لا يجب شيء، كالمبيع إذا ~~هلك قبل القبض لا يجب على المشتري شيء بل ينتقض البيع، وكذلك في باب النكاح ~~إذا فات المعقود عليه وهو حل بضع المرأة بسبب ليس هو من ms139 قبل الزوج لا يجب ~~على الزوج شيء أيضا، كما إذا مكنت ابن زوجها أو ارتدت- والعياذ بالله- ~~وههنا فات المعقود عليه عن الزوج قبل التسليم إليه بسبب ليس هو من قبل ~~الزوج، ينبغي ألا يجب عليه شيء، لكن وجب عليه نصف المهر بشهادة الشاهدين؛ ~~لأنهما أثبتا على الزوج شببا مفوتا جاء من قبله PageV01P459 # بالنكاح فهما بالإضافة إليه صار كالملزمين عليه نصف الصداق حكما، أكأنهما ~~فوتا على لزوج يده في ذلك النصف بعد فوات تسليم البضع، فيكونان بمنزلة ~~الغاصبين في حقه، فيجب عليهما ضمانه، وهذا لأنهما لما رجعا عن شهادتهما ~~زعما أنهما قصرا يده عن هذا المقدار من المال، فيجب عليهما ضمانه، وقيمة ~~الشيء قضاء له لا محالة؛ لأنها مثله في المالية ويخرج بها عن عهدة ضمانه، ~~والقضاء إسقاط الواجب بمثل من عنده. # (وصح تسليمه) أي تسليم العبد باعتبار أنه معلوم من وجه بالصرف إلى الوسط ~~في جنس العبيد، (فصارت القيمة مزاحة للمسمى) أي كان للقيمة جهة الإصالة ~~أيضا (من هذا الوجه) كالمسمى يعني كما كان المسمى أصلا كانت القيمة أيضا ~~أصلا، فلذلك تجبر المرأة على القبول إذا أتى الزوج بأيهما كان، ولكن لما ~~كانت قيمة الشيء مثله كان في تسليمها جهة القضاء أيضا، لوجود حد القضاء ~~فيه، فلما كان حد القضاء فيه موجودا من هذا الوجه كان جانب حقيقة القضاء ~~فيه راجحا، فلذلك كان قضاء في حكم الأداء لا أداء في حكم القضاء. بخلاف ~~العبد العين أو المكيل أو الموزون إذا كان موصوفا أو PageV01P460 # معينا؛ لأن المسمى معلوم بعينة وصفته، فتكون القيمة بمقابلته قضاء ليس في ~~معنى الأداء، فلا تجبر على القبول إذا أتاها به إلا عند تحقق العجز عن ~~تسليم ما هو المستحق كما في ضمان الغصب. كذا ذكره الغمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # (ومن قضية الشرع) أي ومن مقتضى حكمة الأمر (في هذا الباب) أي باب الأمر ~~(أن حكم الأمر موصوف بالحسن عرف ذلك بكونه مأمورا به) أي لم يعرف كون ~~المأمور به حسنا، لا من حيث اللغة، فإن صفة الأمر ms140 كما يجيء من أمن يؤمن ~~كذلك يجيء من كفر يكفر، ولا من حيث (العقل)، فإن العقل غير موجب لحسن الشيء ~~ولا لقبحه عندنا خلافا للمعتزلة، بل هو معرف على ما يجيء بل عرف حين ~~المأمور به من قضية حكمة الآمر في الشرع؛ لأن الشارع حكيم، والحكيم لا يأمر ~~بالقبيح، وهذا الذي ذكر إنما ذكره لمناسبة الباب. PageV01P461 # باب بيان صفة الحسن للمأمور به # (ضرب لا يحتمل سقوط هذا الوصف) أي وصف الحسن لان حسنه لذاته فلا يسقط عنه ~~هذا الوصف لعدم سقوط المأمور وهو يدر مع المأمور به كالتصديق بالقلب في ~~الإيمان بالله تعالى. PageV01P462 # (وضرب يقبله) أي يقبل السقوط. يعني يسقط عن المكلف التكليف به لا أن حسنة ~~يسقط عنه؛ لأن حسنه لذاته، فلا يتصور الانفكاك عنه، لكنه يحتمل سقوط ~~التكليف به بعارض الجنون والإغماء وهو الصلاة. # (وضرب منه ملحق بهذا القسم) كالزكاة والصوم والحج، وقوله: بهذا القسم؛ أي ~~بالذي حسن لمعنى في نفسه. # (وما حسن لغيره وذلك الغير قائم بنفسه مقصودا) وهو الصلاة بعد الوضوء ~~قائمة بنفسها مقصودة (لا تتأدى بالذي قبله بحال) أي لا تتأدى PageV01P463 # الصلاة بفعل المأمور به الذي قبلها وهو الوضوء في كل حال، وهذا احتراز عن ~~الضرب الذي بعده وهو الجهاد وصلاة الجنازة، فإنهما صارا حسنين بسبب قهر ~~الكفرة وقضاء حق المسلمين، فغنهما يتأديان بفعل نفس المأمور به وهو الجهاد ~~وصلاة الجنازة. # (وضرب منه حسن لحسن في شرطه بعد أن كان حسنا لمعنى في نفسه أو غيره) يعني ~~يكون المأمور به حسنا باعتبار أنه مأمور به صدر من حكيم، ويكون ذلك المأمور ~~به حسنا أيضا باعتبار شيء آخر غيره، وهو كون القدرة الممكنة شرطا له، ويجوز ~~أن يكون الشيء حسنا لمعنى في نفسه وحسنا أيضا لمعنى في غيره كما إذا قال: ~~والله لأصلين ظهر هذا اليوم. كان الظهر حسنا باعتبار أنه مأمور به، وحسنا ~~أيضا باعتبار معنى في غيره وهو البر في يمينه تعظيما لاسم الله تعالى. # ولهذا أيضا نظير في الحسيات كامرأة حسناء في نفسها ms141 خلقة ثم إذا لبست ~~أثوابا فاخرة رائقة وزينت نفسها مع ذلك بأنواع من الزين كانت هي حسنة في ~~نفسها حسنة لمعنى في غيرها. # (وهذا القسم يسمى جامعا)؛ لأنه يجمع النوعين مع ضروبهما، ثم إنما أورد ~~هذا القسم في النوع الثاني مع أنه جامع للنوعين لحصل الزائد من الغير PageV01P464 # فكان مناسبا للنوع الثاني؛ إلا أن هذا الغير لا يختص بالنوع الثاني، بل ~~يشمل النوعين فسمي جامعا. (وهو ركن لا يحتمل السقوط) أي سقط وصف الحسن. # (حتى إذا تبدل بضده بعذر الإكراه لم يعد كفرا) يعني إذا كان قلبه مطمئنا ~~بالإيمان (لأن اللسان ليس معدن التصديق)؛ لأنه لو كان اللسان معدنا للتصديق ~~يلزم أن يكون إقرار المنافق إيمانا؛ لأنهم {قالوا نشهد إنك لرسول الله} قال ~~الله تعالى في مقابلة شهادتهم {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}. # فعلم أن اللسان ليس معدن التصديق (فكان ركنا دون الأول) أي كانت ركنية ~~الإقرار أحط رتبة من ركنية التصديق في ماهية الإيمان؛ لسقوط وصف الحسن عن ~~الإقرار في وقت من الأوقات، وهو وقت الإكراه وعدم سقوط وصف الحسن عن ~~التصديق في كل الأوقات، ولكن مع ذلك فوات الإقرار من غير عذر يدل على فوات ~~الإيمان، فكان الإقرار أدنى درجة من التصديق وأعلى درجة من سائر العبادات، ~~فكان التصديق والإقرار ركنين في ماهية PageV01P465 # الإيمان إلا أن التصديق أعلى الركنين والإقرار أدناهما، فصار كالقيام مع ~~القراءة في حق الصلاة، فكان الإقرار مع ذلك ركن الإيمان وجودا وعدما، فإن ~~وجوده يدل على وجود الإيمان، فواته في حالة الاختيار- أي تبديله بغيره- يدل ~~على فوات الإيمان. # وقوله: (فمن صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنا) هذا الذي ~~ذكره هو مذهب المحققين من الفقهاء، وأما عند أهل الكلام فهو مؤمن عند الله تعالى. # وقال في ((الكفاية)) وقال المحققون من أصحابنا: إن الإيمان هو التصديق ~~بالقلب، والإقرار باللسان شرط إجراء الاحكام في الدنيا، حتى إن من صدق ~~بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى لوجود التصديق غير مؤمن في ~~أحكام ms142 الدنيا لعدم الإقرار. PageV01P466 # (من لم يصادف وقتا يتمكن فيه من البيان) بان كان معتقل اللسان (فكان ~~مختارا في التصديق) أي قبل ظهور البأس وقبل أن يرى ملائكة العذاب (كان ~~مؤمنا إن تحقق ذلك) وإنما ذكر تحققه بحرف الشرط لندرة ذلك التحقق. # وقوله: (وكالصلاة) وهو نظير القسم الثاني من النوع الاول بدليل إعادة ~~كلمة التشبيه كما في قوله: فنحو الإيمان؛ وأما الإقرار فهو أحد نوعي القسم ~~الأول من النوع الأول، فكان التصديق والإقرار معا نظير القسم الأول من ~~النوع الأول (حتى سقطت بأعذار كثيرة) كالجنون والإغماء والحيض والنفاس. # (إلا أنها ليست بركن في الإيمان) أي عندنا حتى أن فوتها وتفويتها مع ~~الاختيار لا يدل على فوات الإيمان، إذا كان الاعتقاد مع فرضيتها موجودا ~~بخلاف الإقرار، فإن ذلك دليل التصديق وجودا وعدما. # وأما الصلاة فلا تكون دليل التصديق وجودا وعدما، وقد تدل على ذلك إذا أتى ~~بها على هيئة مخصوصة، ولهذا قلنا إذا صلى الكافر بجماعة المسلمين يحكم ~~بإسلامه. PageV01P467 # (فإن الصوم صار حسنا لمعنى قهر النفس، والزكاة لمعنى حاجة الفقير) - إلى ~~أن قال- (إلا أن هذه الوسائط غير مستحقة لأنفسها)؛ لانها كانت بخلق الله ~~تعالى إياها على هذه الصفة، فلذلط كانت الزكاة والصوم والحج في المعنى من ~~النوع الذي هو حسن لمعنى في عينه لكون هذه الوسائط مما لا اختيار له. # فإن قلت: لم جعلت هذه الوسائط وسائط حتى جعلت هذه المأمور بها وهي الزكاة ~~والصوم والحج من القسم الثالث، ولم جعل الصلاة من جملتها مع أن واسطة ~~القبلة موجودة فيها أيضا، وتلك الواسطة مما لا اختيار لها كما في هذه ~~الوسائط أيضا، ومع ذلك جعلت الصلاة نظير القسم الثاني من النوع الأول على ~~ما ذكرت؟ # قلت: جواب هذا مع ما يتلاحق به موفى في ((الوافي)). PageV01P468 # (فصار هذا كالقسم الثاني) أي صار القسم الثالث وهو الزكاة ونحوها كالقسم ~~الثاني وهو الصلاة حتى (شرطنا لها أهلية كاملة) من العقل والبلوغ؛ لأن ما ~~لم يكن عبادة خالصة يجوز أن يجب على الصبي والمجنون وما كان ms143 عبادة خالقة ~~كالصلاة والزكاة لا يجب عليهما فشرطت الأهلية الكاملة في العبادات الخالصة ~~ابتلاء بخلاف حقوق الناس حيث يجب عليهما عند وجود سببها؛ لأن وجوب ذلك لم ~~يكن ابتلاء بل لإحياء حققهم وجبر ما نقص من حاجاتهم. # (وقط لا يتأدى به الجمعة) أي لا تتأدى الجمعة بالسعي نفسه بل بفعل مقصود ~~بعده وهو إقامة الجمعة، بخلاف الجهاد حيث يتأدى المقصود الذي هو المحسن وهو ~~إعلاء كلمة الله تعالى بالجهاد نفسه. PageV01P469 # وقوله: (وكذلك الوضوء عندنا) أي ليس هو بفرض مقصود، وبين ذلك بقوله: ~~(ليست بعبادة مقصودة). # (ولا يتأدى به الصلاة بحال) أي لا يسقط فرض بمجرد الوضوء. # (وتستغني عن صفة القربة في الوضوء) أي وتستغني الصلاة عن وجود النية في ~~الوضوء. # (أن الصلاة تستغني عن هذا الوصف) أي عن وصف النية في الوضوء بان يكون ~~الوضوء منويا. # (لكنه خلاف الخبر) وهو قوله عليه السلام: ((الجهاد ماض منذ بعثني الله ~~إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال)) كذا في ((المصابيح)). PageV01P470 # (ولما كان المقصود يتأدى بالمأمور به بعينه كان شبيها بالقسم الأول) # أي لما كان المقصود وهو إعدام الكفر وقضاء حق الميت يتأدى بنفس الجهاد ~~ونفس الصلاة على الميت كان نفس الجهاد ونفس الصلاة على الميت شبيها بالذي ~~هو حسن لمعنى في نفسه كالإيمان والصلاة. بخلاف الوضوء مع الصلاة، ف'ن ~~الصلاة لا تتأدى بنفس الوضوء. # (وأما الضرب الثالث فمختص بالأداء) أي الضرب الذي هو حسن لحسن في شرطه ~~وهو الضرب الجامع للنوعين. يشترط وجود ذلك الشرط في حق الأداء (دون قضاء) ~~أي يبقى القضاء واجبا في ذمة المكلف بدون ذلك الشرط الذي هو (عبارة عن قدرة ~~يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه وذلك شرط الأداء) أي شرط لتحقق الأداء، ~~وذلك لأن القدرة مقارنة للفعل؛ لأن الفعل لا يتصور بدون تلك القدرة فيتوقف ~~الفعل على تلك القدرة. PageV01P471 # فأما كون الفعل مأمورا به وكونه واجبا عليه فلا يتوقف على تلك القدرة بل ~~يتوقف ذلك على سلامة الآلات وصحة الأسباب، فتكون القدرة الحقيقية شرطا ~~لوجود الفعل ms144 لا لكون الفعل مأمورا به، فإن المأمور به يؤمر به قبل أن توجد ~~تلك القدرة. # ومعنى قوله: (وذلك شرط الأداء دون الوجوب) أي شرط تحقق الأداء لا شرط نفس ~~الوجوب بالدليل وجوب الصلاة على النائم والمغمى عليه فيما إذا أغمي دون يوم وليلة. # وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمة الله- فإن الواجب أداء ما هو ~~عبادة، وذلك عبارة عن فعل يكتسبه العبد عن اختيار ليكون معظما فيه ربه ~~فينال الثواب، وذلك لا يتحقق بدون هذه القدرة. غير أنه لا يشترط وجودها وقت ~~الأمر لصحة الأمر؛ لأنه لا يتأدى المأمور به بالقدرة الموجودة وقت الأمر ~~بحال، وإنما يتأدى بالموجود منها عند الأداء وذلك غير موجود سابقا على ~~الأداء، فإن الاستطاعة لا تسبق الفعل وانعدامها عند الأمر لا يمنع صحة ~~الأمر، ولا يحرجه من أن يكون حسنا بمنزلة انعدام المأمور، فإن النبي عليه ~~السلام كان رسولا إلى الناس افة. قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس)؛ وقال: (نذيرا للبشر) ولا شك أنه أمر جميع من أمرسل إليهم بالشرائع، ~~ثم صح الأمر في PageV01P472 # حق الذين وجدوا بعده، ويلزمهم الأداء الأداء بشرط أن يبلغهم فيتمكنوا من ~~الأداء. قال الله تعالى: (لأنذركم به ومن بلغ) فكما يحسن الأمر قبل وجود ~~المأمور يحسن قبل وجود القدرة التي يتمكن بها من الأداء، ولن يشترط التمكن ~~عند الأداء. # ألا ترى أن التصريح بهذا الشرط لا يعدم صفة الحسن في الأمر، فإن المريض ~~ي} مر بقتال المشركين إذا برأ، فيكون ذلك حسنا. قال الله تعالى: (فإذا ~~اطماننتم فأقيموا الصلاة) أي إذا آمنتم من الخوف فصلوا بلا إيماء ولا مشي. # (وهو نوعان) أي الضرب الثالث الذي هو عبارة عن القدرة نوعان: # (مطلق وكامل) المراد من المطلق: القدرة الممكنة وهي أدنى ما يتمن به ~~المأمور من أداء ما لزمه. # ومن الكامل: القدرة الميسرة وهي زائدة على الأولى بدرجة، (وهذا فضل ومنة ~~من الله تعالى عندنا). # فإن قلت: إن نفس الأداء لا يتحقق بدون هذه القدرة. إذا الأمر بدون هذه PageV01P473 # القدرة كان ms145 تكليف ما ليس في الوسع، وقد تبرأ الله تعالى عنه بقوله: (لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها) فاشترط هذه القدرة حينئذ كان عدلا لا فضلا فكيف ~~سماه فضلا؟ # قلت: إنما قال هذا فضل من الله تعالى؛ لأن الله تعالى يعطي ما يعطي ~~لعباده لا عن وجوب عليه، فكيف فضلا من هذا الوجه، ولا تنافي بين العدل ~~والفضل عند اختلاف الجهة، فكان ما أعطى العبد من القدرة فضلا منه من حيث ~~إنه لا يجب عليه شي لما أن الأصلح على الله تعالى ليس بواجب وعدلا وحكمة من PageV01P474 # حيث إنه لا يتأتى هذا الفعل من العبد بدونه كما ذكره في (التقويم). # ولكن ما ذكره المصنف - رحمه الله - أحسن في العبارة ليكون إشارة إلى ~~مذهبنا بأن الله تعالى متفضل بكل ما أعطى العبد من النعم، ولأن العدل إنما ~~يستعمل في عقوبة الجاني بقدر جنايته لا زائد عليها، ولما كان ذر الفضل ذكرا ~~يختص بمذهبنا خلافا للمعتزلة لما عرف في مسألة الأصلح. # قال عندنا، (حتى أجمعوا أن الطهارة بالماء لا تجب على العاجز عنها ببدنه) ~~وتأويله إذا لم يجد من يعينه فإن وجد من يعينه إن كان ذلك حرا يجوز التيمم ~~عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لأنه عاجز عن الطهارة بالماء ببدنه ولا يجب ~~على الحر إعانته، وعندهما لا يجوز التيمم؛ لأنه قادر على التوضيء PageV01P475 # أصله الأعمى إذا وجد قائدا هل يجب عليه الجمعة، فإن وجد مملوكا بعينه؟ ~~فعندهما لا يجوز التيمم بالطريق الأولى، وعند أبي حنيفة - رحمة الله - يجوز ~~له التيمم في رواية ولا يجوز له في أخرى؛ لأن مملوكه بمنزلة يديه. # (إلا بنقصان يحل) به بأن اشتد مرضه (أو بماله في الزيادة) بأن يكون على ~~ضعف قيمته بأن كان في موضع، ثمن ماء يتوضأ به درهم وهو لا يجد إلا بدرهمين ~~فإنه يتيمم، ولو وجده بدرهم ونصف فإنه يشتريه. كذا ذره في (المبسوط). # وقوله (وفي مرض) معطوف على قوله: في الزيادة؛ أي لا تجب الطهارة بالماء ~~من عجز عن استعمال الماء ms146 إلا بنقصان يحل بماله في حق الزيادة على ثمن مثله ~~أو بنقصان يحل ببدنه في حق مرض (يزداد به) أي بسبب استعمال الماء، وحاصله ~~أن الله تعالى كما نفى تكليف ما ليس في الوسع بقوله: (لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها) كذلك نفي الحرج بقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ~~فما يوجب الحرج في نفسه أو ماله كان منفيا. PageV01P476 # (لا يجب أداؤها إلا بهذه القدرة) وهي القدرة الممكنة. # وحاصل هذا أن من كان مأمورا بفعل في زمان كالإيمان بالله تعالى في دار ~~الدنيا، زكالأضحية في أيام العيد، أو في مكان كذبح الهدايا في الحرم وغيرها ~~لا بد أن يكون المأمور قادرا على تحصيل المأمور به على الحقيقة؛ لأن تكليف ~~ما ليس في الوسع ليس بحكمة؛ لأن التكليف ابتلاء وإنما يحصل الابتلاء بقدرة ~~المكلف. إن أتى بالمأمور به يثاب وإن تركه يعاقب. # ألا ترى أنه لا يجوز أن يؤمر المقعد بالمشي والأعمى بالإبصار بالعين، ~~والآدمي بالطيران؛ لأن كلا منهم ليس بقادر على تحصيل ما أمر به. # إذا عرف هذا فنقول: من كان مأمورا بالإيمان لم يكن له بد من القدرة على ~~اكتساب الإيمان، وتلك القدرة تعتمد سلامة الآلات وصحة الأسباب، فكان ~~التكليف دائرا بتلك القدرة لا بالقدرة الحقيقية التي تقارن الفعل إذ لو كان ~~كذلك ينبغي ألا يكون أحد مأمورا بالفعل قبل وجود الفعل؛ لأن تقديم المشروط ~~على الشرط محال وهذا لا يجوز؛ لأنه مأمور بالإيمان قبل حصول تلك القدرة ~~بالإجماع، وكذلك من كان مأمورا بالطهارة بالماء لا بد له من القدرة على ~~تحصيل الطهارة بالماء وذلك بسلامة الآلات والأسباب، وذلك من كان مأمورا ~~بأداء ركعتين أو أزيد منه في الوقت لم يكن بد من القدرة على تحصيل ما أمر ~~به وذلك بسلامة الآلات والأسباب وكذلك في غيرها. # وقال زفر - رحمه الله - لما كان هذا الأصل مستقرا إذا أسلم الكافر في آخر ~~الوقت أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون، ولم يبق من الوقت إلا مقدار تسع فيه PageV01P477 # التحريمة ms147 فقط لا قضاء عليهم؛ لأنهم لم يقدروا على تحصيل ما أمروا به في ~~الوقت، والقضاء خلف الأداء، فإذا لم يكن الأداء مقدورا لهم لم يثبت القضاء ~~كما وجد هذه الأشياء بعد انقضاء الوقت. # لكن أصحابنا قالوا: القياس ما ذكرت إلا أنا استحسنا وجوب القضاء عليهم؛ ~~لأن القدرة الحقيقية التي هي المقارنة للفعل ليست بشرط لوجوب القضاء عليهم ~~بالاتفاق فبعد ذلك نقول: لما لم تكن القدرة المقارنة شرطا لوجوب القضاء وقد ~~وجد هنا سبب أصل الوجوب وهو جزء من الوقت وأصل الوجوب لا يفتقر لإلى القدرة ~~ووجوب الأداء مفتقر إلى القدرة لكون الأداء مطلوبا منه، وما ذكرت من القدرة ~~شرط لتكليف الأداء في الوقت، وهؤلاء لم يخاطبوا بالأداء في الوقت لعدم ~~القدرة على ذلك، ولكن توهم القدرة كاف لوجوب الأداء ليظهر أثره في حق وجوب ~~القضاء، والقدرة على هذا التفسير متوهمة؛ لأن الله تعالى قادر على أن يوقف ~~الشمس فيمتد الوقت فيؤدي هو في الوقت إلا أنه لما كان المأمور عاجزا عن ~~الأداء في الوقت في الحال لم يخاطب بالأداء في الوقت، وتعتبر هذه القدرة في ~~حق وجوب القضاء؛ لأن القضاء خلف وشرط الخلف عدم الأصل في الحال مع إمكان ~~الأصل في الجملة وقد وجد هنا، وهذا أصل واضح لعلمائنا فإنهم قالوا: إذا حلف ~~ليمس السماء أو ليقبلن هذا الحجر ذهبا انعقدت اليمين للبر وهو الأصل، لكنه ~~لما كان عاجزا في الحال وجب القول بوجوب الخلف وهو الكفارة؛ لأن الأصل ~~ممكن. PageV01P478 # ألا ترى أن الأصل إذا لم يكن ممكنا وهو البر لم يثبت الخلف وهو الكفارة ~~كما في اليمين الغموس، فصارت القدرة على هذا التقرير نوعين: # قدرة ثبتت للمكلف على تحصيل ما كلف به وهي عند سلامة الآلات وصحة الأسباب ~~وهذه القدرة ثبت أثرها في لزوم الأداء في الوقت فإذا فات يجب القضاء. # وقدرة متوهمة غير مقدوره للعبد على ما هو العادة فتعتبر هذه القدرة في حق ~~وجوب الأداء ليثبت ذلك الوجوب في حق الخلف، والشيء قد يثبت تقديرا وإن لم ms148 ~~يثبت تحقيقا. # ألا ترى أن القادر على استعمال الماء حقيقة يقدر عاجزا تقديرا كما في ~~الماء المعد لدفع العطش، وكالنائم يعد قادرا على الأداء تقديرا حتى يظهر ~~أثر ذلك في حق وجوب القضاء، بخلاف ما إذا انقضى الوقت ثم وجد ما ذكرنا من ~~الإسلام وغيره؛ لأن القدرة في الحال في الزمان الماضي من المستحيلات فلم ~~يمكن أن يعد قادرا، ثم ما ذكرنا من نوعي القدرة ليس بشرط في وجوب القضاء. # ألا ترى أنه في النفس الأخير من العمر يلزمه تدارك ما فاته وليس هو بقادر ~~على تحصيل ما أمر به في القضاء ولهذا يبقى عليه بعد الموت، وليس ذلك كالجزء ~~الأخير من الوقت في حق الأداء؛ لأنا اعتبرنا تلك القدرة ليظهر أثرها في حق ~~الخلف ولا خلف للخلف، فلم تعتبر وقد بقيت الفوائت عليه. PageV01P479 # فعلم أن القدرة مختصة بالأداء. # قوله: (لأن تمكن السفر المخصوص به) أي بالحج (لا يحصل بدون) الزاد ~~والراحلة (في الغالب) فلذلك كانت القدرة الممكنة في الحج القدرة على الزاد ~~والراحلة، ولا يقال بل دون هذه القدرة قدرة أدنى منها قد يتمكن المرء من ~~أداء الحج وهي صحة البدن التي يقدر بها على تحصيل الزاد في الطريق ~~بالاكتساب ويقدر أيضا على المشي حتى صح النذر به، وقد نرى وجود الحج بهذه ~~الطريقة، والقدرة الممكنة هي أدنى ما يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه ~~فينبغي أن يجب الحج على الصحيح البدن المكتسب؛ لأنا نقول: لا يجب الحج على ~~من لا يملك الزاد والراحلة. إذ لو قلنا بوجوبه على من هذا صفته يقع الناس ~~في غاية الحرج، والله تعالى نفى ذلك بنص كتابه بقوله تعالى: (وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج) والذي اعتبرناه في الصلاة من توهم القدرة وإن كان لا ~~يتحقق الأداء من مثل ذلك القادر غالبا ليظهر أثره في خلفه وهو القضاء لا ~~لعين الأداء، فإن عين الأداء منه غير مطلوب. # وأما في صورة الحج فلا يمكن مثل هذا القول؛ لأنه لا خلف هناك ينتفي ms149 الحرج ~~عند مباشرة ذلك الخلف. # (حتى إذا هلك النصاب بعد الحول قبل التمكن سقط الواجب بالإجماع) PageV01P480 # هذا إيضاح ما ذكره بقوله: فأدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه ~~بدنيا ان أو ماليا (وهذا في المالي؛ لأنه لما لم يتمكن من أداء ما لزمه ~~وهلك المال قبل التمكن لم يحصل له من القدرة أدنى ما يتمكن به المأمور من ~~أداء ما لزمه، فلذلك سقط الواجب، أي لم يجب عليه ما له عرضية الوجوب، وإنما ~~قلنا هذا؛ لأن عندنا لا يجب عليه الواجب إلا عند وجود القدرة الممكنة وهي ~~لم تحصل له، وكذلك عند الشافعي فإن عنده لا تجب الزكاة إلا بثلاث شرائط: ~~كمال النصاب، وحولان الحول، والتمكن من الأداء كذا ذكره في (المبسوط). # وصورة ذلك في ابن السبيل إذا كان له نصاب في بيته وحال الحول عليه فوجب ~~عليه أداء الزكاة إذا بلغه، وإذا هلك النصاب قبل البلوغ إليه سقط الواجب ~~بالإجماع. # (ولهذا قال زفر في المرأة تطهر من حيضها أو نفاسها) إلى آخرة هذا إيضاح ~~أيضا لما ذكر أن أدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه من القدرة شرط ~~خطاب الأداء، وهؤلاء لما لم يدركوا وقتا صالحا للأداء غالبا لم يخاطبوا به ~~فلذلك لم يلزمهم قضاؤه لانعدام الشرط وهو التمكن من الأداء غالبا لا نادرا ~~ولكن علماؤنا قالوا: يلزمهم أداء الصلاة استحسانا؛ لأن السبب PageV01P481 # الموجب جزء من الوقت وشرط وجوب الأداء كون القدرة على الأداء متوهم ~~الوجود لا كونها متحقق الوجود. # وقوله: (بعد تمام الحيض) أي بعد العشرة أي تشترط حقيقة الطهر في جزء من ~~الوقت بأن يكون أيامها عشرة (أو دلالة انقطاعه) بأن يون أيامها دون العشرة، ~~فينقطع الدم، والباقي من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه وتتحرم ~~للصلاة. # وذر المصنف - رحمه الله - في كتاب حيض له مفرد: إن مدة الاغتسال من الحيض ~~إذا كانت أيامها دون العشرة، ويتفرع عن هذا الأصل مسائل: أن الزوج إذا ~~راجعها في تلك المدة في الحيضة الأخيرة من ms150 العدة تصح، ولا يجوز للزوج ~~قربانها في تلك المدة، وإذا كانت أيامها عشرة ليس كذلك، حتى يجوز للزوج ~~قربانها في تلك المدة ولا تصح الرجعة. # وقوله: (قبل تمامه) أي تمام الحيض وتمامه بالعشرة، وهذا لأن في أوامر ~~العباد صفة الحسن ولزوم الأداء يثبت بهذا القدر من القدرة، فإن من قال ~~لعبده: اسقني ماء غدا يون أمرا صحيحا موجبا للأداء فلا يتعين للحال بأنه PageV01P482 # يقدر على ذلك في غد لجواز أن يموت قبله أو يظهر عارض يحول بينه وبين ~~التمكن من الأداء، فكذلك في أوامر الشرع وجوب الأداء يثبت بهذا القدر. # (وكذلك في سائر الفصول) أي في فصل الصبي، وفصل الكافر، وفصل المسافر بأن ~~بلغ وأسلم وأقام. # وقوله: (لكن توهم القدرة) أي القدرة الممكنة (يكفي لوجوب الأصل) أي لوجوب ~~الأداء. # (والأمر المطلق في اقتضاء صفة الحسن يتناول الضرب الأول من القسم الأول) ~~أي يحمل على أن المأمور به حسن لعينه، ولا يحمل على أنه PageV01P483 # حسن لغيره، ولكن يحتمل أن يكون حسنا لغيره على ما ذكر. # فإن قلت: في أي موضع صورة هذه المسألة؟ # إن قلت: في العبادات، فقد ذكر قبيل هذا بطريق التفصيل أن هذا من قبيل ~~الحسن لمعنى في عينه كالإيمان، وأن هذا من قبيل الحسن لمعنى في غيره كالسعي ~~إلى الجمعة وغيره. # وإن قلت: في غير العبادات فتعليله في الكتاب بقوله: وكذلك كونه عبادة ~~يقتضي هذا المعنى يرد ذلك. # قلت: الكلام مجرى على إطلاقه فيدخل تحته العبادات وغيرها، وما ذكره أولا ~~بطريق التفصيل كان جزئيا وهذا كلي والكلي غير الجزئي خصوصا عند احتمال غير ذلك. # ألا ترى أن مثل هذا مذكور في حق الوجوب فإن صور الواجبات في العبادات ~~مذكورة بطريق التفصيل أن هذا العبادات واجبة أي فريضة كالصلوات الخمس ~~وواجبة عملا لا علما كالعمرة والأضحية وهذه العبادات غير واجبة كالنوافل، ~~ثم ذكر أن مطلق الأمر يحمل على الوجوب باعتبار هذا المعنى أن هذا كلي وذاك ~~جزئي والكلي غير الجزئي، والعلم بالجزئي لا يون علما بالكلي وكذا في عكسه، ms151 ~~فإن النادبين والمبيحين والواقفين في الأمر المطلق يعرفون وجوب الصلوات ~~الخمس والزكاة والصوم وهي جزئية، ولا PageV01P484 # يعرفون وجوب الأمر المطلق وهو كلي، وكذا في عكسه أن كل أحد كان يعرف وجوب ~~شكر المنعم وحظر الكفران، وكان لا يعرف بطريق التفصيل قبل ورود الشرع أن ~~الصلاة والزكاة وغيرهما من قبيل شر المنعم أم لا؟ ونكاح المحارم وسائر ~~المحرمات من النساء من حظر الكفران أم لا؟ # وكذلك كل أحد يعرف بطريق الإجمال أن جواب الفتوى إما أن يكون نعم أم لا، ~~ولكن لا يعلم بطريق التفصيل أن جواب هذه الفتوى المعينة نعم أم لا؟ إلا بعد ~~زيادة المجاهدة في التحصيل، وترك أمر الدنيا في التعطيل، ولأن المرء قد ~~يحتاج في التمسك في مسألة من المسائل بمطلق الأمر إلى معرفة أن هذا حسن ~~لمعنى في عينه؛ لأن هذا ثابت بمطلق الأمر، ومطلق الأمر يقتضي ذلك كما نقول ~~مثل ذلك في التمسك بالوجوب. # وقوله: (لأن كمال الأمر) والأمر إنما يكمل بحسب كمال ولاية الآمر، ولا ~~آمر أمل ولاية من الشارع، فكان أمره أكمل الأوامر يقتضي كمال صفة المأمور ~~به، وصفة المأمور به إنما تكمل إذا كان حسنه لمعنى في عينه، وإن شيءت ~~معرفته فتأمل في كمال صفة الإيمان مع غيره من المأمور بها كيف ترجح الإيمان ~~على غيره من العبادات، وما ذاك إلا باعتبار أن حسنه ذاتي بحيث لا ينفك عنه ~~أصلا، وكذلك كونه عبادة يقتضي هذا المعنى وهو معنى كون المأمور به حسنا ~~لعينه، وهذا لأن العبادة عبارة عن نوع فعل ابتلي الآدمي بفعله تعظيما لله ~~تعالى مختارا لطاعته على خلاف هوى نفسه. كذا ذكره في (التقوي). PageV01P485 # لو تعظيم من هو مستحق التعظيم لمعنى في عينه. # وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - والأصح عندي أن بمطلق الأمر يثبت ~~حسن المأمور به لعينه شرعا فإن الأمر لطلب الإيجاد وبمطلقه يثبت أقوى أنواع ~~الطلب وهو الإيجاب، فيثبت أيضا أعلى صفات الحسن لأنه استعباد فإن قوله ~~تعالى: (أقيموا الصلاة) وقوله: (اعبدوني) هما في المعنى سواء، والعبادة ms152 لله ~~تعالى حسنة لعينها. # (ويحتمل الضرب الثاني) وهو كون المأمور به حسنا لمعنى في غيره كما في أمر ~~الوضوء، وهذا لأن ثبوت هذه الصفة بطريق الاقتضاء؛ لأن حسنه إنما ثبت لضرورة ~~أن الآمر حكيم، والثابت بطريق الاقتضاء إنما يثبت ما هو الأدنى في ذلك ~~الباب، والأدنى هو الحسن لمعنى في غيره. # (وعلى هذا قال الشافعي وهو قول زفر) أي وعلى كون الأمر المطلق مقتضيا صفة ~~الحسن لمعنى في عينه. # (دل على صفة حسنه) أي على صفة حسن الجمعة لعينها، ومن ضرورته لم يكن ~~الظهر مشروعا في وقتها لمن وجبت عليه الجمعة. PageV01P486 # (حتى قالا: لا يصح أداء الظهر من المقيم مالم تفت الجمعة) إلا أنهما ~~اختلفا في تحقق فوات الجمعى، فعند زفر يتحقق فوتها بفراغ الإمام من صلاة ~~الجمعة، وعند الشافعي بخروج الوقت، واختلافهما هذا بناء على أصل وهو أن ~~السلطان شرط عند زفر - رحمه الله - لإقامة الجمعة، وعند الشافعي ليس بشرط، ~~فكان فوات الأصل وهو الجمعة بخروج الوقت. # (صار الظهر حسنا) أي صار حسنا لمعنى في عينه على وجه ينفي حسن غيره؛ لأن ~~حسن الشيء لعينه يقتضي الكمال والكمال في أن يكون هو متعينا لا يزاحمه غيره ~~إذ عند المزاحمة لا يبقى الكمال. # فلذلك إذا أدوا صلاة الظهر ثم أدوا صلاة الجمعة لا تنقض ظهرهم بأداء ~~الجمعة فكان المريض والعبد والمسافر بمنزلة من صلى الظهر في بيته، ثم أدرك ~~الجماعة كان فرضه ما أدى في بيته فكذلك ههنا؛ لأن هذا اليوم في حقهم كسائر ~~الأيام، ولو اكتفوا أيضا بأداء الجمعة لا يخرجون عن عهدة فرض الوقت، ولكنا ~~نقول: الجمعة أقوى من الظهر، ولا يظهر الضعيف بمقابلة القوي، وإنما فارق ~~المريض الصحيح في الترخص بترك السعي إلى الجمعة، PageV01P487 # فإذا شهدها فهو والصحيح سوا، فيكون فرضه الجمعة كما في الصحيح. كذا في ~~(المبسوط). # (قلنا نحن: لا خلاف في هذا الأصل) وهو أن المقيم الصحيح مأمور بعد الزوال ~~يوم الجمعة بأداء الجمعة. (لن الشأن في معرفة كيفية الأمر بالجمعة) يعني ~~على طريق نسخ ms153 حسن الظهر كما هو مذهب الزفر والشافعي - رحمهما الله - أو على ~~تقرير حسن الظهر كما هو مذهبنا. # (فصار ذلك مقررا لا ناسخا) أي صار الأمر بأداء الجمعة مقررا للظهر لا ~~ناسخا له. # (وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض ~~الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه. PageV01P488 # (وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض ~~الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه. # (وإنما وضع عن المعذور). هذا جواب عن قولهما بأن المريض والعبد والمسافر ~~لم يخاطبوا بالجمعة على وجه المنع. لا نسلم أنهم لم يخاطبوا بالجمعة بل ~~خوطبوا بها؛ لأن قوله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) عام متناول للجميع، ~~ولكن سقط عنهم وجوبها رخصة وترفيها في حقهم، فإذا أدوا الجمعة عملوا ~~بالعزيمة فيصح. # وقوله: (فلا يبطل به العزيمة) أي فلا يبطل بأداء الظهر وهو الرخصة، ~~العزيمة التي هي الجمعة. # (وإنما قلنا إن الضرب الثالث من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه. # (حكما لتقصيره) أي زجرا لتقصيره. # (فضلا من الله تعالى) كيلا يكون تكليف العاجز (فلم يشترط لبقاء الواجب) PageV01P489 # كالشهود في باب النكاح فإنه شرط لصحة انعقاد النكاح لا لبقائه، وهذا لأن ~~القدرة الممكنة شرط وجوب الأداء لئلا يكون بدونها التكليف ما ليس في الوسع، ~~فلما وجب الأداء عند وجود هذه القدرة التي هي أدنى ما يتمكن به المرء من ~~أدائه بقي ذلك الواجب قضاء في ذمة المكلف وإن لم يبق تلك القدرة؟ لما أن ~~القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء، فكان الواجب في القضاء عين ذلك ~~الواجب الذي كان في الأداء فلا يتكرر الشرط في مشروط واحد، فلما كان كذلك ~~كان وجوب الصلاة بالقدرة الممكنة في أصله، فلم يشترط في حال القضاء ما شرط ~~في حال الأداء حتى أنه إذا ترك الصلاة في عنفوان شبابه ثم كبر وانحنى وبم ~~يقدر على قضائها قائما فصلى القضاء قاعدا ms154 أو بإيماء يجزيه، لأن الأداء ما ~~وجب في أصله بقدرة ميسرة بل بقدرة ممكنه من الفعل قيبقى كذلك فيخرج عن عهدة ~~القضاء إذا قضاها بالقدرة الناقصة. # أو نقول: فلم تشترط القدرة لبقاء الواجب؛ لأن بقاء الشيء غيره بدليل صحة ~~إثباته مع نفي بقائه بأن يقال وجد ولم يبق، فلو كان بقاء الشيء عين ذلك ~~الشيء لما صح ذلك، كما لا يصح قولك وجد ولم يوجد ولما كان بقاء الشيء غير ~~ذلك الشيء فكان اشتراط القدرة التي شرط الوجوب ابتداء لم يكن شرطا لبقاء ~~ذلك الوجوب؛ لأن الشيء إذا كان شرطا لشيء لا PageV01P490 # يلزم أن يكون شرطا لغيره، ولا يقال يلزم حينئذ تكليف ما ليس في الوسع في ~~حق حال البقاء؛ لأنا نقول: لم نقل بالتكليف ابتداء، بل نقول التكليف الذي ~~وجب ابتداء بشرطه وإنما بقي على عهدته ذلك الواجب بسبب تقصيره وإن لم تبق ~~له قدرة وعدم بقاء القدرة لو كان مسقطا للواجب ينبغي أن تسقط الواجبات عن ~~ذمته بالموت؛ لأنه لا عجز أقوى من الموت، وقد بقيت الواجبات في ذمته بعد ~~الموت في حق الإثم بالإجماع. # علم أن العجز غير مسقط للواجب وإن لم تبقى القدرة. # (لا تسقط بهلاك المال كما ذكرنا) وهو قوله: لأن هذه القدرة كانت شرطا ~~لوجوب الأداء إلى آخره. # (وأما الكامل من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه (وهي زائدة على ~~الأولى) أي في اليسر (بدرجة) وهي درجة التغيير والتيسير، فإن الواجب ~~بالقدرة الميسرة أينما وجب، وجب متغيرا عن أصل القدرة إلى قدرة اليسر فيبقى ~~كذلك على صفة اليسر؛ لأن التغير باليسر صفة له لا شرط، فلا يبقى الموصوف ~~بدون الصفة؛ لأنه حينئذ لا يكون موصوفا بها فيشترط دوامها ليكون موصوفا بها ~~بخلاف القدرة الممكنة فإنها شرط وجوب الأداء لئلا يكون التكليف بدونها ~~تكليف ما ليس في الوسع، وقد وجد الوجوب حال وجود PageV01P491 # الممكنة، ثم بعد ذلك لا يشترط بقاء الشرط كما في شهود النكاح إذا ماتوا ~~يبقى النكاح صحيحا وإن لم ms155 يبق الشهود لما ذكرنا أن الشرط لا يتكرر في واجب ~~واحد؛ لأن الوجوب في القضاء لم يتكرر فكذا لا يتكرر شرطه هذا هو الفرق ~~الواضح بينهما. # (وفرق ما بين الأمرين) أي بين القدرة الممكنة وبين القدرة الميسرة (وهذه ~~لما كانت ميسرة غيرت صفة الواجب). # فإن قيل: لم يكن ذلك الواجب واجبا قبل وجود القدرة الميسرة فكيف يصح ~~قوله: غيرت صفة الواجب؟ # قلنا: كان لذلك الشيء صلاحية أن يكون واجبا قبل وجود القدرة الميسرة كما ~~في الواجبات بالقدرة الممكنة فسمى لتلك الصلاحية صفة الواجب، أو معنى قوله: ~~غيرت صفة الواجب (الوجوب الذي ثبت بها ابتداء بطريق اليسر والسهولة فسمى ~~لوجوبه بطريق السهولة ابتداء اسم التغيير، (فجعلته سمحا سهلا لينا) وهذا ~~لأن الواجب عند القدرة الممكنة لم يكن بطريق اليسر بل بطريق أنه لا وجود ~~لهذا الفعل إلا عند وجود هذه القدرة، وفيما نحن فيه الله تعالى لطف بعباده ~~وتفضل عليهم حيث لم يوجب عليهم بالقدرة الممكنة مع صلاحية الوجوب بها كما ~~في الواجبات بالقدرة الممكنة بل لم يجب فيما نحن فيه بتلك القدرة، فكان ذلك ~~الواجب في نفسه متغيرا من العسر إلى اليسر PageV01P492 # للتسهيل والتليين. ولا يلزم أن النصاب شرط لابتداء الوجوب. وجه الورود هو ~~أنه جعل وجوب الزكاة بالقدرة الميسرة فكان بقاء القدرة شرطا لبقاء الواجب ~~حتى إذا لم تبق تلك القدرة لم يبق الواجب أيضا. # فقال: (ولهذا قلنا: الزكاة تسقط بهلاك النصاب) إلى آخره، فورد عليه بقاء ~~وجوب الزكاة بقدرة عند نقصان النصاب، فلو كان وجوب الزكاة بالقدرة الميسرة ~~لما بقي وجوبها عند نقصان النصاب. كما لا يجب ابتداء بنقصان النصاب. # فأجاب عنه بهذا، وقال: إن اشتراط النصاب في ابتداء الوجوب كان من القدرة ~~الممكنة؛ لأن هذه القدرة وهي قدرة ملك النصاب لا تغير صفة الواجب من العسر ~~إلى اليسر، فلم تكن تلك القدرة ميسرة بل ممكنة فلذلك بقي الواجب بقدر ما ~~يبقى من النصاب. # فإذا قلت: النصاب سبب وجوب الزكاة وهو معروف فكيف قال هاهنا: النصاب شرط ~~لابتداء ms156 الوجوب؟ PageV01P493 # قلت: لا نسلم أن النصاب سبب، بل السبب هو المال مطلقا عند وجود شرطه وهو ~~كون المال مقدرا بمقدار النصاب وناميا وغير ذلك على ما عرف، وذلك لأن ~~السببية إنما تعرف بالإضافة، والإضافة إنما توجد في حق المال مطلقا من غير ~~تغرض لوصف فيقال: زكاة المال، ولا يقال: زكاة النصاب. # فعلم بهذا أن معنى قوله: (النصاب شرط لابتداء الوجوب) أي المال المقدر ~~بمقدار النصاب وكون المال مقدرا بمقدار النصاب شرط لوجوب الزكاة لا سبب ~~ككونه ناميا، وهو شرط بالاتفاق فكذا هنا. # (فصار ذلك شرطا للوجوب) يعني أن شرط النصاب بمنزلة القدرة الممكنة في حق ~~الصلاة؛ لأن المعنى من القدرة الممكنة أن يثبت للمكلف أصل المكنة وبدونها ~~لا يتمكن من الفعل وهاهنا كذلك؛ لأن النصاب قدرة ممكنة إذ الإغناء لا يتصور ~~من غير الغني فكان الغنى شرطا للإغناء، والغنى إنما يكون بكثرة المال، وليس ~~للكثرة حد تعرف به، فقدر الشرع بحد واحد وهو النصاب، فلم يحصل الغنى بما ~~دون النصاب ولم يحصل الإغناء شرعا أيضا ممن لا يملك PageV01P494 # النصاب. إذا الإغناء من غير الغني لا يتصور كالتعليم من غير العالم، فكان ~~قدر النصاب للإغناء قدرة على هذا الوجه إذ لم يتصور الإغناء ممن يملك شرعا ~~لما لم يتصور وجوب أداء الصلاة بدون القدرة الممكنة، فلذلك لم يشترط دوام ~~النصاب لدوام وجوب الزكاة (لما كان أمرا زائدا على الأهلية الأصلية)، ~~فالأهلية الأصلية لوجوب العبادات: الإسلام والبلوغ عن عقل وزيد على ذلك في ~~الزكاة الغنى، فصار الغنى لوجوب الزكاة شرطا أيضا كالإسلام والبلوغ والعقل ~~لما أن المزيد إنما يكون من جنس المزيد عليه، فلما كان المزيد عليه شرطا ~~للوجوب كان المزيد أيضا شرطا له، أو نقول:: إن الغنى الذي الذي يحصل بملك ~~النصاب لما كان من قبيل القدرة الممكنة في الزكاة كان ذلك بمنزلة القدرة ~~الممكنة في الصلاة، وتلك القدرة في الصلاة شرط وجود الصلاة على العبد، فكذا ~~هذه القدرة كانت شرط وجوب الزكاة على العبد؛ لأن كلا منهما زائد على ~~الأهلية ms157 الأصلية التي تحصل بالإسلام والبلوغ عن عقل، وقد ذكرنا أن الذي وجب ~~بشرط شيء ابتداء يبقى واجبا بدون ذلك الشرط كما في القدرة الممكنة في ~~الصلاة، فلذلك بقي وجوب الزكاة وإن لم يبق النصاب كاملا. # فإن قيل: هذا الذي ذكرته يقتضي أن يبقى وجوب الزكاة بعد هلاك النصاب أيضا ~~كما هو الحكم في القدرة الممكنة كذلك، والحكم بخلافه هاهنا. # قلنا: إنما يلزم هذا الإشكال علينا أن لو شرطنا بقاءه باعتبار القدرة ~~الممكنة، وإنما شرطنا بقاءه باعتبار قيام صفة النماء وهي القدرة الميسرة، PageV01P495 # فشرطنا بقاءه للقدرة الميسرة وهي النماء لا القدرة الممكنة وهي النصاب، ~~والدليل عليه أنه إذا هلك بعض النصاب يبقى بعض الواجب ببقاء ذلك البعض ولا ~~يبقى كل الواجب. # (وشرط الوجوب) أي وشرط وجوب الأداء وهو الغنى بالنصاب، (حقا لصاحب الحق) ~~وهو الفقير. # (فعد) أي فعد المال (قائما)، واستهلا النصاب هو: أن ينفقه في حوائج نفسه ~~أو يتلفه مجانة لأن هذا النصاب كله حق لصاحب الحق في حق الواجب فصار ~~بالاستهلاك متعديا على صاحب الحق فصار ضامنا كمولى العبد الجاني فإنه يخاطب ~~بالدفع أو بالفداء، فإذا هلك العبد من غير منع عن المولى لا يجب على المولى ~~شيء، فصار هلاك النصاب هنا بمنزلة العبد الجاني إذا هلك، وإذا أعتقه المولى ~~أو باعه أو فعل فعلا آخر يتعذر الدفع به يطالب المولى بالفداء؛ لأنه صار ~~جانيا على حق صاحب الحق فصار كأن العبد باق وهو يختار الفداء، فكذلك هاهنا ~~جعل النصاب قائما عند الاستهلاك، فيطالب بأداء الزكاة كما لو كان النصاب ~~قائما حقيقة. PageV01P496 # (والتخيير تيسير)؛ لأن التخيير يثبت الاختيار للمكلف، وإنما يثبت ~~الاختيار شرعا ليترفق بما هو الأرفق له، ويختار ما هو الأهون والأيسر عليه؛ ~~لأنه إذا لم يكن مخيرا ووجب عليه شيء واحد عينا ربما يشق عليه ذلك، ولا يجد ~~شيئا آخر شرعا يقوم مقامه فيعجز، فيبقى في عهدة التكليف ولا يخرج عن عهدة ~~الواجب إلا بمشقة وليس في التخيير بين الشيئين أو الأشياء كذلك وهو ظاهر، ~~ولا يرد ms158 على هذا التخيير في صدقة الفطر مع أن ذلك من القدرة الممكنة لا من ~~الميسرة؛ لأنا نقول: إن ذلك تخيير صدقة الفطر صورة لا معنى، فإن قيمة نصف ~~صاع من بر وقيمة صاع من تمر عندهم واحدة فصار كأنه لا تخيير. بخلاف التخيير ~~في كفارة اليمين بين الأشياء الثلاثة، فإن كل واحد منها يخالف الآخر صورة ~~ومعنى، فأوجب التخيير التيسير لا محالة. # (ولم يعتبر ما يعتبر في عدم سائر الأفعال)؛ لان ما كان متعلقا بعدم فعل ~~وهو غير مؤقت يتعلق بالعدم. # ألا ترى أن من قال إن لم آت البصرة فامرأته كذا، أو لم أكلم فلانا PageV01P497 # يتعلق الجزاء بالعدم في جميع العمر حتى لا يحنث، وإن لم يأت البصرة يتعلق ~~الجزاء بالعدم في جميع العمر حتى لا يحنث، وإن لم يأت البصرة سنين كثيرة، ~~وكذل عدم القدرة على الصوم على الصوم في حق الشيخ الفاني مستدام. # (وتقديره بالعمر يبطل أداء الصوم)؛ لأنه حينئذ يلزم أن يصوم بعد الموت، ~~وكان شيخي - رحمه الله - يقول ناقلا عن الأستاذ العلام' - رحمه الله - هذا ~~اللفظ اكر عجز مستدام را اعتبار كنيم روزه در كور أفتد. # (وكذلك في طعام الظهار) أي المعتبر هو العجز الحالي. # فإن قيل قوله: ولم يعتبر ما يعتبر في عدم سائر الأفعال وهو العدم في ~~العمر ليس بمجري على عمومه، فكم من عدم في الشرع هو غير مستغرق للعمر. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام: (فإن لم تستطع فقاعدا) أو استغراق PageV01P498 # عدم الاستطاعة العمر ليس بشرط. # قلنا: عدم الاستغراق هناك إنما علم بمحل الكلام؛ لأن النبي عليه السلام ~~ذكر تفاوت أحكام الشرع على وجه التيسير بحسب أحوال المريض في مرضه، فمرض ~~المريض غير مستغرق لعمره غالبا بل يتفاوت حالا فحالا، فكذلك الأحكام ~~المترتبة على حسب تلك الأحوال، فلذلك لم يوجب الاستغراق. # وأما عدم الأفعال في نفسه إذا لم يكن مقيدا بشيء فموجب للاستغراق في ~~العمر كما لو قال: لا أكلم فلانا أو لا أفعل كذا. # والدليل على جواز التكفير بالصوم عند ms159 عدم المال من غير انتظار إلى وجوده ~~فيما يستقبل من الزمان جواز التكفير بالصوم ممن له مال غائب وليس عنده مال ~~فحنث في يمينه؛ لأنه قال في (المبسوط). # وإن كان للرجل الحانث في يمينه مال عنه غائب أو دين وهو لا يجد ما يطعم ~~ولا يكسو ولا ما يعتق أجزأه أن يصوم؛ لأن المانع قدرته على التكفير بالمال ~~وذلك لا يحصل بالملك دون اليد. إلا أن يكون في ماله الغائب عبد فحينئذ لا ~~يجزيه التكفير بالصوم؛ لأنه متمكن من التكفير بالعتق، فإن نفوذ العتق ~~باعتبار الملك دون اليد فلما جاز الصوم هنا مع وجود الملك حقيقة من PageV01P499 # غير انتظار إلى أن يصل إلى ماله فلأن يجوز الصوم في حق من ليس له المال ~~أصلا من غير انتظار إلى أن يحصل له المال بالطريق الأولى، (ولهذا ساوى ~~الاستهلاك الهلاك) أي في جواز الصوم بأيهما كان، حتى إن من وجب عليه ~~التكفير بالمال إذا أتلف المال يجوز له التكفير بالصوم كما لو هلك المال؛ # (لأن الحق لما كان مطلقا عن الوقت) يعني أن الكفارات لما كانت غير مؤقتة ~~بوقت ولم يكن المال متعينا للكفارة. # (لم يصر الاستهلاك تعديا) لعدم تعلق الحق بالمال، ولو كان مؤقتا يحتمل أن ~~يضمن بالتفويت عن الوقت وإن لم يكن المال متعينا. # (وصارت هذه القدرة على هذا التقدير نظير استطاعة الفعل التي لا تسبق ~~الفعل) يعني كما أن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل ولا تسبقه فكذلك القدرة ~~على التكفير لا تسبق حالة الأداء بل يعتبر فيه حال الأداء. يعني إذا كان ~~وقت التكفير معسرا يجب التكفير بالصوم، وإن كان موسرا يجب بالمال، ولا ~~تعتبر حالة الحنث كما في الزكاة بعد ما حال الحول على النصاب يعتبر وقت ~~الأداء، فإن كان النصاب وقت الأداء ناقصا وجب ناقصا، وإن كان هالكا لا تجب ~~عليه الزكاة فكذا هنا. # فعلم بهذا أن التكفير من قبيل الزكاة من حيث إن كلا منهما متعلق بالقدرة ~~الميسرة. PageV01P500 # وقوله: (ولهذا بطل وجوب الزكاة بالدين) إيضاح لقوله: وأما ms160 قيام المال ~~بصفة النماء إلى قوله: فشرطنا دوامه في أن وجوب الزكاة متعلق بالقدرة ~~الميسرة على وجه المقارنة فلو بقى اليسر بقى الجواب وإلا فلا. # وقوله: (لأنه قال في كتاب الإيمان) هذا جواب عما ورد شبه بطريق المنع, ~~فوجه ورود الشبهة هو أنه لما أثبت أن وجوب الكفارة من قبيل القدرة الميسرة ~~كالزكاة يجب أن يراعى في التكفير اليسر كما في الزكاة, ولا يراعى في ~~التكفير اليسر. # ألا ترى أن الدين لا يمنع وجوب الكفارة بالمال, يعني تجب الكفارة بالمال ~~على المديون بل جواب هذه المسألة غير مذكور في كتاب الأيمان نصا فيحتمل أن PageV01P501 # يجب عليه الكفارة بالصوم لا بالمال فحينئذ لا ترد الشبهة لأنها حينئذ ~~كانت الكفارة بمنزلة الزكاة من كل وجه, فكما لا يجتمع وجوب الزكاة مع الدين ~~كذلك لا يجتمع وجوب التكفير بالمال مع الدين كما هو قول بعض المشايخ على ما ~~ذكر في الكتاب. # وجعل هذا القول أصح في ((المبسوط)) فقال: والأصح أنه يجزيه التكفير ~~بالصوم. كما أشار إليه في الكتاب في قوله: ألا ترى أن الصدقة تحل لهذا, وفي ~~هذا التعليل لا فرق بين ما كان قبل قضاء الدين وبعده, وهذا لأن المال الذي ~~في يده مستحق بدينه فيجعل كالمعدوم في حق التكفير بالصوم. كالمسافر إذا كان ~~معه ماء وهو يخاف العطش يجوز له التيمم؛ لأن الماء مستحق لعطشه فيجعل ~~كالمعدوم في حق التيمم. إلى هذا لفظ ((المبسوط)) من غير تغيير. # وبعضهم فرق بين الزكاة وبين التكفير بالمال, فجعل الدين مانعا من وجوب ~~الزكاة ولك يجعله مانعا من وجوب التكفير بالمال, فقال: لأن المعتبر ها هنا ~~الوجود دون الغنى ولما لم يقض دينه بماله فهو واجد للمال فلا يجوز عنه ~~التكفير بالصوم بل يجب التكفير بالمال بخلاف الزكاة, فإن وجوبها بالغنى PageV01P502 # والدين ينافي الغنى فلا يجب, فكان هذا جوابا للشبهة على طريق التسليم ~~والفرق. # (أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم) وإن كان هذا النص ورد في صدقة ~~الفطر لكن المعنى فيه سد خلة الفقير ms161 وهذا المعنى بعينه موجود في الزكاة ~~فكان الإغناء واجبا, فيكون معنى الإغناء في الزكاة ثابتا بدلالة النص بل ~~الزكاة أقوى في استدعاء الغنى من صدقة الفطر؛ لأن وجوب صدقة الفطر بالقدرة ~~الممكنة ووجوب الزكاة بالقدرة الميسرة. # (فشرط الكمال في سببه) أي في سبب وجوب الشكر وهو المال (والدين يسقط ~~الكمال) أي كمال ملك المال للمديون باعتبار أن رب الدين لو ظفر بجنس حقه له ~~أن يأخذه من غير مرضاه المديون فصار كأن المديون فصار كأن المديون غير PageV01P503 # ملك له, فلما أسقط الكمال لم تجب الزكاة. (ولا يعدم أصله) أي أصل ملك ~~المال للمديون؛ لأن محل الدين الذمة سعة, فكان المال خاليا عن أن يكون ~~مشغولا بالدين من هذا الوجه. # وقوله: (ولهذا حلت له الصدقة) إيضاح قوله: ((والدين يسقط الكمال)) فلما ~~أسقط كمال ملك المال للمديون كان نافيا لصفة الغنى عن المديون. # (ولهذا لا تتأدى الزكاة غلا بعين متقومة) هذا إيضاح لقوله: (إن الزكاة ~~وجبت لمعنى الإغناء) بخلاف الكفارة فإنها تتأدى بالصوم والصوم ليس بعين ~~متقوم, وإنما شرط في الزكاة أداؤها بعين متقومة؛ لأنها شرعت للإغناء, وذلك ~~إنما يحصل بالعين المتقومة لا بالعين غير المتقومة. # ألا ترى أنه إذا أسكن الفقير بيته سنة بنية الزكاة لا يجوز؛ لأن المنفعة ~~ليس بعين متقومة ولا تتأدى الزكاة بالإباحة؛ لأنه لا يحصل به الغنى؛ لأن ~~المباح له يأكل مال الغير وبمال الغير لا يحصل الغنى. # (ألا ترى أنها شرعت ساترة أو زاجرة) أي لا للإغناء وهو إيضاح أنها لم ~~تشرع للإغناء, فإن الستر والزجر غير محتاجين إلى الإغناء بالمال كما في ~~الحدود. PageV01P504 # وقوله ((ساترة)) أي للذنب بعد الحنث؛ لأن الإنسان إذا حنث في يمينه بقى ~~عريان؛ لأنه بحنثه كان خارقا لباس تقواه فيحتاج إلى ساتر يستره فيستر نفسه ~~بالكفارة, أو زاجرة عن الذنب؛ أي قبل الحنث. # وقيل: ساترة في حق المكفر, وزاجرة في حق غيره, وإنما ردد بينهما الستر؛ ~~لأن الستر لا يقع إلا بعد وجوب الكفارة وربما لا تجب على رجل كفارة أصلا ms162 لا ~~يحتاج إلا الستر. # (لا أمرا أصليا) أي لم تشرع الكفارة بطريق الأصالة للإغناء بل الأصل فيها ~~الستر أو الزجر. # (وما يقع به كفاية الفقير) كأنه جواب إشكال يرد على قوله: ((إلا أنها لم ~~تشرع للإغناء)) بأن يقال قوله: ((إلا أنها لم تشرع للإغناء)) منقوض ~~بالكفارة بالإطعام فإن فيه إغناء للفقير عن الطعام. # فأجاب عنه, وقال: شرعية الإطعام لا باعتبار الإغناء بل باعتبار أن ~~الإطعام يصلح سببا للثواب كالصوم فيصلح أن يكون سببا لما هو المقصود من ~~شرعية الكفارة, وهو: الستر أو الزجر, ثم قدم الساترة على الزاجرة؛ لأن ~~دلالة الكفارة على الستر أوضح وأظهر من دلالتها على الزجر. إذا الكفر هو PageV01P505 # الستر لغة. # (لم تشترط صفة الغنى في المخاطب بها) أي بالكفارة, وحاصلة: # أن الكفارة أوجبت ساترة أو زاجرة, وما أوجبت شكرا للنعمة, فلا تشبه ~~الزكاة من هذا الوجه, فإنها أوجبت شكر للنعمة والغنى, ولهذا يشترط لإيجابها ~~أتم وجوه الغنى وذلك بالمال النامي, وحاجته إلى قضاء الدين بالمال تعدم ~~تمام الغنى بملكه ولا تعدم معنى حصول الثواب له إذا تصدق به ليكون ذلك ~~ساترا لإثم لحقه بارتكاب محظور اليمين وهو المقصود بالكفارة. قال الله ~~تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله-. # (لأن القدرة على أداء العشر تستغني عن قيام تسعة الأعشار) يعني أن PageV01P506 # القدرة على أداء جزء واحد لا تفتقر إلى وجود أجزاء أخرى في الابتداء؛ ~~لأنه لو أوجب الخارج كله لكان المخاطب متمكنا من أدائه ولم يوجب على ذلك ~~الوجه, بل أوجب الجزء الواحد من الأجزاء العشرة, فكان الإيجاب بهذا الطريق ~~كان بالقدرة الميسرة لا بالمكنة. # فإن قيل: العشر لا يتحقق بدون قيام تسعة الأعشار, فكيف قال: إن أداء ~~العشر يستغنى عن قيام تسعة الأعشار؟ # قلنا: المراد منه أن القدرة على أداء القليل تستغني عن قيام الكثير إلا ~~أن الكثير قدر بتسعة الأعشار؛ لأن الواجب عليه إعطاء بعض الخارج, ثم ذلك ~~البعض قدر بالعشر. # (فشرط قيامه) أي قيام الخارج وهو وجوده, فإن العشر ms163 إنما يجيب إذا وجد ~~الخارج من الأرض حقيقة. # (وكذلك الخراج) أي هو واجب أيضا بالقدرة الميسرة كالعشر. # ألا ترى أن الخارج إذا لم يسلم لصاحب الأرض لا يجب الخراج كالعشر مع وجود ~~السبب فيهما وهو الأرض. غير أن الخارج تارة يكون بطريق التحقيق وهذا لا ~~يشكل, وتارة يكون بطريق التقدير إذا كان متمكنا من الزراعة, ولم يزرع يجعل ~~الخارج سالما لرب الأرض تقديرا حكما لتقصيره, ولا يمكن هذا التقدير في ~~العشر لكون الواجب من جزء الخارج فإذا لم يكن PageV01P507 # الخارج تحقيقا لا يتصور الجزء منه. # وقد أمكن الخارج ولا يمكن هذا التقدير في العشر لكون الخراج من غير جنس ~~الخارج بدليل وجوب الدراهم في الأراضي الخراجية فإنه يجب في جريب الكرم ~~عشرة دراهم وفي جريب الرطبة خمسة دراهم, فجعلت القدرة الميسرة موجودة ~~تقديرا, وهذا بخلاف ما إذا زرع ثم أصابت الزرع آفة حيث يسقط الخراج؛ لأن ~~وجوبه بالقدرة الميسرة فيشترط دوامها تحقيقا للواجب بالقدرة الميسرة. # (ألا ترى أنه لا يجب إلا بسلامة الخارج) يعني لا يجب الخراج؛ لأنه لو كان ~~أقل من الخراج لا يسلم له الخارج. # وقوله: (بدليل أن الخارج) معطوف على قوله: ((ألا ترى)) من حيث المعنى ~~كأنه قال: بدليل أنه لا يجب إلا بسلامة الخارج, وبدليل أن الخارج إذا PageV01P508 # (قل) يعني أن الخراج كله إنما يجب إذا لم يكن أكثر من نصف الخارج فإذا ~~كان أكثر من نصف الخارج فإذا كان أكثر من نصف الخارج يجب نصف الخارج ولا ~~يجب الخراج أي كاملا حتى إذا كان الخراج مثلا دينارين والخارج من الأرض ~~يساوي دينارا يجب نصف الخارج وهو نصف دينار. # (ألا ترى أنها وجبت بسبب رأس الحر) من أولاده الصغار (ولا يقع به الغنى)؛ ~~لأن رأس الحر ليس بمال بخلاف الزكاة, فإن الزكاة إنما تجب في مال يقع به ~~الغني, وصدقه الفطر تجب بمال آخر يحققه أن في باب الزكاة ما هو سبب لوجوب ~~الزكاة يقع به الغني, وما هو سبب لوجوب صدقة الفطر وهو رأس يمونه ms164 ويلي ~~عليه, وقد لا يقع به الغني إذا كان ذلك الرأس حرا. دلنا ذلك على أن الزكاة ~~وجبت بصفة اليسر حيث لم تجب بالغني بشيء آخر, وصدقة الفطر تجب بالغنى بشيء ~~آخر لأجل شيء آخر فلم يكن يسرا. # فإن قيل: لماذا يشترط الغني بالنصاب لأهلية الإغناء؟ # قلنا: لما ذكرنا أن الإغناء يقتضي كونه غنيا والغنى بكثرة المال شرعا ~~وعرفا؛ لأنه إذا كان مالكا مقدار ما يتمكن به من إغناء الفقير عن المسألة ~~فهو غني عن المسألة بهذا المقدار إلا أنه لا يعتبر هذا فيما نحن فيه إذا لو ~~اعتبر عاد PageV01P509 # الأمر على موضوعه بالنقض؛ لأنه وجب الإغناء عن المسألة, فلو وجب الدفع ~~إلى الفقير لصار هو محتاجا إلى المسألة وهذا لا يجوز؛ لأن الدفع إلى نفسه ~~أولى من الدفع إلى غيره لما عرف. # ألا ترى أنه إذا كان مالكا لمقدار من الطعام وهو محتاج إليه وغيره أيضا ~~محتاج إليه فلو دفع إلى غيره يموت لا يجوز الدفع إلى غيره, وكذلك هذا في ~~الماء وغيره. # فعلم أن الغني المعتبر هو الغنى الشرعي؛ لأن النبي عليه السلام بعث لبيان ~~الأحكام لا لبيان الحقائق, ورأيت بخط شيخي -رحمه الله- ولا يقال: # إن النبي عليه السلام قال: ((أغنوهم عن المسألة)) فغني الفقير بالاستغناء ~~عن المسألة, فكذلك غنى المعطي ينبغي ألا يشترط فيه النصاب؛ لأنا نقول: # إن النبي عليه السلام قيد جانب الفقير بالغني عن المسألة فيبقى الغني في ~~جانب المؤدي مطلقا فيتصرف إلى ما عرف شرعا وهو من يملك النصاب. # (ووجد الغني بثياب البذلة) أي بثياب الابتذال والامتهان التي تلبس يوم ~~إذا كانت زائدة عن الحاجة الأصلية, وفي ((المحيط)) البذلة من الثياب ما PageV01P510 # يلبس فلا يصان. # (ولا يلزم أنها لا تجب عند قيام الدين) هذا وارد على قوله؛ ((لأنها لم ~~تجب بصفة اليسر)) أي لا يقال لو كان وجوب صدقة الفطر بالقدرة الممكنة لا ~~بالميسرة ينبغي أن لا يكون الدين مانعا وجوب صدقة الفطر بالقدرة الممكنة لا ~~بالميسرة ينبغي أن لا يكون الدين مانعا وجو ms165 صدقة الفطر؛ لأنه أمكن أداؤها ~~مع الدين. # قلنا: الدين وإن كان لا يعدم أصل القدرة لكن يعدم شرط الوجوب وهو الغنى؛ ~~لأن وجوب صدقة الفطر لا يتصور بدون الغني فيصير الغنى بمنزلة القدرة ~~المطلقة فلا يجب إلا به, والدين يعدمه بدليل حل الصدقة له. # (بخلاف الدين على العبد) بأن أتلف مال الغير. وجه الورود أن الدين لما ~~كان معدما للغني كان ينبغي ألا يجب صدقة الفطر بسبب العبد المديون كما لا ~~تجب الزكاة بسببه إذا كان عليه دين لما أن الغني فيهما شرط. PageV01P511 # فأجاب عنه على وجع الفرق بينهما بقوله: (فإنه لا يمنع) أي فإن دين العبد ~~لا يمنع وجوب صدقة الفطر عن ذلك العبد. # وقال الإمام شمس الأئمة _رحمه الله- فإن كان الدين على العبد الذي هو عبد ~~للخدمة فعلى المولى أن يؤدي عنه صدقة الفطر؛ لأنه صفة الغنى ثابتة له بما ~~يملك من النصاب سوى هذا العبد, وأصل المالية غير معتبر فيمن يجب الأداء ~~عنه, ولهذا تجب عن ولده الحر. # وكذلك الغني به غير معتبر فإنه يجب الأداء عن المدبر وأم الولد وإن لم ~~يكن هو غنيا فيهما, فكذلك إذا كان مشغولا بالدين؛ لأن ذلك الدين على العبد ~~يوجب استحقاق ماليته فيخرج المولى من أن يكون غنيا به, فلو كان هذا العبد ~~المديون للتجارة لم يجب على المولى أن يؤدي عنه زكاة التجارة؛ لأن الغني ~~بالمال الذي يجب أداء الزكاة عنه شرط ليكون الأداء بصفة اليسر وذلك ينعدم ~~بقيام الدين على العبد. # وحاصلة أن في صدقة الشرط هو أن يوجد وصف الغنى بأي مال كان فلما وجد غني ~~صاحب العبد المديون بمال آخر تجب عليه صدقة فطرة لوجود السبب والشرط. # وأما في الزكاة فيتعين النصاب ويشرط غناه بذلك المصاب بعينه في حق PageV01P512 # زكاة ذلك النصاب حتى لو كان له نصاب غنم ونصاب ذهب وانتقص نصاب الذهب وفي ~~الغنم فضل على نصابه لا ينجبر بذلك الفضل ما انتقص من نصاب الذهب فلا تجب ~~زكاة نصابهما بل تجب زكاة النصاب الكامل ms166 وهو الغنم, ولا تجب زكاة النصاب ~~الناقص وهو الذهب, فكذلك ها هنا لم تجب زكاة العبد المديون وإذا كان هو ~~للتجارة لنقصان ذلك النصاب بسبب دين فيه (هذا الذي ذكرنا هو في تقسيم صفة ~~حكم الأمر) وهو الأداء والقضاء؛ لأن حكم الأمر الوجوب وبالأمر يجب الأداء. # إذ بالسبب يجب أصل الصلاة وبالأمر الأداء, وقد قلنا قبل هذا إن القضاء ~~يجب بالسبب الذي به وجب الأداء فكان الأداء والقضاء صفتي حكم الأمر, وقد ~~انقسم صفة الحكم إلى أداء وقضاء ثم انقسم بعد ذلك إلى صفة المأمور به من ~~الحسن لعينه ولغيره, ثم انقسم كل واحد منهما إلى أنواع ثلاثة على ما مر. # فلآن ينسقم حكم الأمر إلى صفة قائمة بغيره وهو الوقت؛ لأن كون العبادة ~~مؤقتة صفة للمأمور به أيضا لكن راجع إلى الوقت؛ لأن فعل المكلف لا يوجد ~~بدون الوقت, فيكون الوقت داخلا في حكم الأمر. PageV01P513 # (فلابد من ترتيب هذا الباب على الدرجة الأولى) وهي الأداء؛ لأن هذا الباب ~~لبيان الوقت, وهو المختص بوقت على وجه يفوت الأداء بمضي الوقت, أو أريد ~~بالدرجة الأولى والقضاء؛ لأن القضاء مؤقت أيضا لقوله عليه السلام: ((فإن ~~ذلك وقتها)) وإنما قال: فلابد من ترتيبه على الدرجة الأولى يعني أن الدرجة ~~الأولى في صفة حكم الأمر وهي الأداء والقضاء, وهذا الباب أيضا في صفة حكم ~~الأمر وهي المؤقتة وغير المؤقتة, فكان البابان متناسبين من حيث اتحادهما في ~~صفة حكم الأمر بخلاف الباب الثاني فإن ذلك في صفة المأمور به والمأمور به ~~غير الحكم, فلذلك كان ترتيب هذا الباب بحسب ترتيب الباب الأول أولى من ~~ترتيبه على حسب ترتيب الباب الثاني. # والدليل على تناسب ذينك البابين أم الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه لله- ~~أورد هذا الباب قبيل الباب الأول الذي هو بيان الأداء والقضاء ووصل ذلك ~~الباب بهذا الباب لهذه المناسبة, والله أعلم. PageV01P514 ### || AUTO [باب بيان تقسيم المأمور به في حكم الوقت] # قوله: (وأما المطلقة فنوع واحد)؛ لأن تنويعها بكون الوقت ظرفا لها وسببا ~~لوجوب وشرط للأداء ms167 أو معيارا أو مشكلا إنما ينشأ من كونها مؤقتة, وأما إذا ~~لم تكن مؤقتة فلم تأت هذه الأشياء ولم يأت التنويع, بل كان في جميع الوقت ~~أداء, ولم يكن الوقت سببا لها ولا ظرفا ولا معيارا ولا شرطا للأداء. # قوله: (ظرفا للمؤدي وشرطا للأداء). # فإن قيل قوله: شرطا للأداء؛ مستغنى عنه؛ لأنه يستفاد ذلك بقوله: # ظرفا للمؤدي؛ فما فائدة ذكره؟ PageV01P515 # قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: شرطا للأداء يغاير ظرفا للمؤدي في المعنى؛ ~~لأنه ظرف للمؤدي, والمؤدي غير الأداء فكانا غيرين. # والثاني- رب شيء يكون ظرفا لشيء ولا يكون شرطا لذلك الشيء, كالوعاء ظرف ~~لما فيه وليس بشرط لوجوده؛ لأن يوجد بدون هذا الظرف فلا يلزم أن يكون شرطا ~~له, وبين هاهنا أن الوقت ظرف للمؤدي وشرط للأداء, والأداء يختلف باختلاف ~~صفة الوقت. # فإن قيل: أثر الوقت في نفس الوجوب لا في الأداء, وهذا لا يدل على كون ~~الوقت سببا. # قلنا: نعم إلا أنه لما خرج بالأداء الناقص عن العهدة. علم أن الوجوب قد ~~صار ناقصا بنقصان في موجبة وهو الوقت. ألا ترى أنه لو نذر, وقال: لله على ~~أن أعتق رقبة, فأعتق رقبة مؤوفه بالزمانة أو بالعمى لا يخرج عن عهدة النذر. ~~ولو قال: لله على أن أعتق هذه الرقبة وهي زمنى أو عمياء فأعتقها يخرج من ~~عهده النذر؛ لأنه أداها كما أوجبها على نفسه. # فعلم أن الخروج بالناقص إنما كان لنقصان في السبب, فكان دليلا على PageV01P516 # سببية الوقت. # (ويفسد التعجيل قبله) فإن قيل: ما فائدة هذا الوصف إذ في هذا الوصف يشترك ~~السبب والشرط, فكيف ينهض للدلالة على السببية على الخصوص؟ # قلنا: فيه فائدة التأكيد لقوله: يختلف باختلاف صفة الوقت, وهو وإن لم ~~ينهض للدلالة على السببية بانفراده وهو مع ما ذكر قبله وهو قوله: والأداء ~~يختلف باختلاف صفة الوقت؛ ينهضان للدلالة على السببية, والأولى فيه هو ما ~~استوفيناه في ((الوافي)) # وقوله: (وهذا القسم) إشارة إلى قوله: نوع جعل الوقت ظرفا للمؤدي وشرطا ~~للأداء وسببا للوجوب؛ وهو وقت الصلاة. ms168 # (نوع منها ما يضاف إلى الجزء الأول) أي تضاف السببية إلى الجزء الأولى ~~على عرضية الانتقال لا على القرار بخلاف الجزء الأخير من الوقت والدليل على ~~السببية أنه لو أدى الصلاة في أول الوقت يخرج عن عهده فرض الوقت. # وأما إذا لم يؤد فيه تنتقل السببية إلى الجزء الذي يليه, وكذا إلى الآخر, ~~وعند الشافعي -رحمه الله- تتعين السببية في الجزء الأول على PageV01P517 # وجه لا تسقط عن المكلف سببيته. # حتى إن المرأة إذا خاضت بعد ما مضى من الوقت قدر ما يسع فيه فرضيته. PageV01P518 # لم يسقط عنها قضاؤه وعندنا إذا خاضت في الوقت سقط عنها فرضه وإن بقي شيء ~~قليل, وهذا بناء على أصل وهو أن الخطاب بالأداء يتعجل في أول الوقت عند ~~الشافعي, وأما عندنا فهو أن الجزء الأول من الوقت سبب للوجوب, فإدراكه يثبت ~~حكم الوجوب وصحة أداء الواجب. # وهذا معنى ما نقل عن محمد بن شجاع - رحمه الله- أن الصلاة تجب PageV01P519 # بأول جزء من الوقت وجوبا موسعا وهو الأصح, وأكثر العراقيين من مشايخنا ~~ينكرون هذا, ويقولون: الوجوب لا يثبت بأول الوقت وإنما يتعلق الوجوب بآخر ~~الوقت, ثم قال بعضهم: ما أداه في أول الوقت نفل يمنع لزوم الفرض إياه في ~~آخر الوقت كالوضوء قبل الوقت. # قال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله- وهذا غلط بين؛ لأنه لا تتأدى ~~هذه الصلاة إلا بينة الظهر, والظهر اسم للفرض دون النفل, ولو نوى النفل لم ~~يصح نيته في حق أداء الفريضة. # (والثاني - ما يضاف إلى ما يلي ابتداء الشروع) أي بطريق انتقال السببية ~~من الجزء الأول إلى الثاني. يعني إن اتصل الأداء بالجزء الأول كان هو السبب ~~وإلا تنتقل السببية إلى الجزء الثاني, ثم إلى الثالث إلى آخره. # (ونوع آخر ما يضاف إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت وفساده) وهو الجزء ~~الذي تتعين فيه السببية؛ لأنه لم يبق بعده من آخر الوقت ما يحتمل انتقال ~~السببية إليه. # (والنوع الرابع - ما يضاف إلى جملة الوقت) وهو في حالة القضاء. PageV01P520 # (أن الوقت لما جعل سببا ms169 لوجوبها وظرفا لأدائها) إلى آخره. # فإن قيل: ما فائدة ذكر قوله: وظرفا لأدائها؛ هاهنا مع أن مراد المصنف من ~~هذا التقرير بيان أن الجزء من الوقت سبب لوجوب الصلاة لا كل الوقت، وهو ~~يحصل بقوله: إن الوقت لما جعل سببا لوجوبها لم يستقم أن يكون كل الوقت ~~سببان فعلم بهذا أنه لا فائدة في ذكر قوله: وظرفا؛ هاهنا؟ # قلت: بل في ذكره فائدة، وهي: أن وجوب الاقتصار على أدنى الأجزاء من أجزاء ~~الوقت للسببية إنما نشأ من كون الوقت ظرفا أيضا للصلاة. # إذ لو لم يراع فيه جانب الظرفية لوجب أن يقال: إن وجوب الصلاة على المكلف ~~إنما يتحقق بعد وجود الوقت بتمامه كما هو الأصل في سائر الأسباب. وهو في ~~حالة القضاء لم يبق الوقت حينئذ ظرفا للأداء. # فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر كون الوقت شرطا للأداء أيضا كما ذكر ~~قبله هو أن الأداء يفوت بفواته. # قلت: أغنى عن ذكره ذكر الظرف، فإن كلا منهما يقتضي أن يوجد المؤدى في ~~الوقت. PageV01P521 # (لم يستقم أن يكون كل الوقت سببا؛ لأن ذلك يوجب تأخير الأداء عن وقته أو ~~تقديمه على سببه). # بيان هذا أن الوقت سبب لما ذكر، وأن الوقت ظرف، فلو روعي فيه جهة السببية ~~يلزم تأخير الأداء عن وقته؛ لأنه لا يتحقق المسبب ما لم يتحقق السبب ~~بتمامه. لما أن المراد من السبب هنا العلة في حق العباد، فلما لم توجد ~~العلة لا يوجد حكمها، وتمام السبب هنا إنما يكون بمضي الوقت، فلو روعي فيه ~~جهة الظرفية حتى يحصل الأداء في الوقت يلزم تقديم الحكم على السبب؛ لأنه ~~ليس لبعض السبب حكم السبب، فيكون الحكم متقدما على السبب حينئذ. # (وليس بعد الكل جزء مقدر) أي بعد ما خرج كل الوقت من أن يجعل سببا لابد ~~من اعتبار البعض، وليس البعض بأولى من البعض لعدم الأولوية، ولم يرد من ~~الشارع جزء مقدر كالربع والثلث والنصف وغير ذلك بأنه سبب بدليل جواز الأداء ~~قبل مضي الربع أو غيره، ms170 فوجب الاقتصار على الأدنى إذ PageV01P522 # هو المراد بكل حال لصلاحيته للسببية، ولا دليل على الزائد على الجزء ~~الواحد فتعين هو للسببية، فلذلك إذا أدى بعد مضي جزء من الوقت صح، وإن قل ~~ذلك الجزء. # قوله: (الحائض إذا طهرت وأيامها عشرة أن الصلاة تلزمها إذا أدركت شيئا من ~~الوقت قليلا) ولا تشترط قدرتها على أن تغتسل وتدرك شيئا من الوقت. # بخلاف ما إذا كانت أيامها دون العشرة، وانقطع الدم عنها وأدركت شيئا من ~~الوقت إن أدركته بعد القدرة على الاغتسال، ثم بالإدراك تجب صلاة ذلك الوقت ~~عليها وإلا فلا ولهذه الفائدة قيد بقوله: "وأيامها عشرة". # (لكنه لم يوجب الأداء للحال) خلافا للشافعي فإن عنده يجب الأداء في الحال ~~حتى ظهر أثره في حق الحائض، وقد ذكرناه. PageV01P523 # (لأن الوجوب جبر من الله تعالى بلا اختيار من العبد)، وهذا تعليل لنفي ~~لزوم الأداء في الحال، ولإثبات قوله: أفاد الوجوب بنفسه. بيانه أن أصل وجوب ~~الشيء اشتغال الذمة به، ولا يراد به الفعل في الحال بدليل الوجوب على ~~النائم والمغمى عليه والمجنون إذا انقطع الجنون والإغماء دون يوم وليلة. # ولا يجب الأداء عليهم إذ لو وجب لافتقر إلى القدرة التي يفتقر إليها ~~الفعل، ولا قدرة لهؤلاء ولا فهم، وخطاب من لا يفهم بالأداء قبيح، وهذا لأن ~~نفس الوجوب لشغل الذمة، ووجوب الأداء لتفريغ الذمة. # وتفريغ الذمة يستدعي ثبوت شغل الذمة، إذ تفريغ ما ليس بمشغول محال، فلذلك ~~كان الخطاب بتفريغ الذمة حال تشغل الذمة محالا كالرفع يقتضي سابقة الوضع، ~~فالرفع حالة الوضع محال. # ولهذا قلنا فيمن قال: أنت طالق مع نكاحك، ثم تزوجها لم تطلق؛ لأن الطلاق ~~رفع القيد والنكاح إثبات القيد، فرفع القيد حال ثبوت القيد محال، بل الرافع ~~إنما يصح حال بقاء القيد، فكذلك هاهنا الخطاب بتفريغ الذمة إنما يصح في حال ~~بقاء الشغل لا حال وجود الشغل. # ونفس الوجوب لما كان لشغل الذمة ولم يرد بها الفعل لم يقتض قدرة؛ لأن ~~القدرة لتحصيل الفعل وليس في نفس الوجوب لزوم الفعل. PageV01P524 # ألا ms171 ترى أن ابن يوم أهل لنفس الوجوب وليس بأهل للزوم الفعل. # وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- وقلنا نحن: الأداء إنما يجب ~~بالطلب. # ألا ترى أن الريح إذا هبت بثوب إنسان وألقته في حجر غيره والثوب ملك ~~لصاحبه، ولا يجب على من في حجره أداؤه إليه قبل طلبه؛ لأن حصوله في حجره ~~كان بغير صنعه، فكذلك هاهنا الوجوب تسببه كان جبرا لا صنع للعبد فيه، فإنما ~~يلزمه أداء الواجب عند طلب من له الحق، قد خيره من له الحق في الأداء ما لم ~~يتضيق الوقت. يقرره أن وجوب الأداء لا يتصل بثبوت حكم الوجوب لا محالة، فإن ~~البيع بثمن مؤجل يوجب الثمن في الحال. إذ لو كان وجوب الثمن متأخرا إلى مضي ~~الأجل لم يصح البيع؛ لأنه حينئذ يكون البيع بلا ثمن. # فعلم أن نفس الوجوب ثابت في الحال، ووجوب الأداء يكون متأخرا إلى حلول ~~الأجل، فهاهنا أيضا وجوب الأداء يتأخر إلى توجه المطالبة. # وقوله: (ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء) أي تعجل وجوب الأداء. هذا ~~تقرير لما ذكرنا من بيان انفصال نفس الوجوب عن وجوب الأداء، وبيان أنهما لا ~~يتلازمان (بل الأداء متراخ) أي بل وجوب الأداء متراخ بدليل ثبوت الثمن ~~والمهر في ذمة ابن يوم، ولا خطاب ولا لزوم للفعل عليه. PageV01P525 # (فأما الوجوب فبالإيجاب) أي الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه. كذا في ~~"التقويم". # (ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل) أي لأجل ما ذكرنا من المعنى وهو أن ~~نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته كانت الاستطاعة مقارنة للفعل، ~~فكما أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته، كذلك وجوب الأداء لا ~~يفتقر إلى وجود الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل، ~~فنفس الوجوب ينفصل عن وجوب الأداء. # كذلك وجوب الأداء ينفصل عن وجود نفس الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن الوجود ~~من وجوب الأداء غير مراد عند أهل السنة والجماعة. إذ لو كان مرادا لوجد ~~الإيمان من جميع الكفرة؛ لأنه يستحيل تخلف المراد عن إرادة الله تعالى، ~~وتخلف ms172 المراد عن الإرادة عجز واضطرار، والله تعالى متعال عنه، PageV01P526 # والكفار كلهم مخاطبون بالإيمان، ولم يوجد الإيمان منهم حال كفرهم. # وكذلك العبادات المفروضة على المؤمنين فإنهم مخاطبون بها ثم قد لا يوجد ~~منهم، فثبت أن وجود الفعل غير مراد من وجود الخطاب، فحصل PageV01P527 # من هذا كله أشياء ثلاثة: نفس الوجوب، ووجوب الأداء، ووجود الفعل، فنفس ~~الوجوب بالسبب، ووجوب الأداء بالخطاب، ووجود الفعل بإرادة الله تعالى، لكن ~~عدم الفعل من العبد بعد توجه الخطاب؛ لعدم إرادة الله تعالى إياه لا يكون ~~حجة للعبد لأن ذلك غيب عنه، فكان العبد ملزما محجوبا عليه بعد توجه الخطاب ~~عليه عند سلامة الآلات وصحة الأسباب. # والتكليف يعتمد هذه القدرة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق القدرة ~~الحقيقية عند إرادة العبد الفعل ومباشرته إياه، ووجود الفعل يفتقر إلى هذه ~~القدرة الحقيقية، فكان قوله: "ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل" يتصل ~~بقوله: "ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء" لأن الاستطاعة مقارنة للفعل الذي ~~يوجد من المكلف، فلو كان نفس الوجوب يوجب تعجل الأداء لكانت الاستطاعة ~~مقارنة لنفس الوجوب. # وقوله (كثوب هبت به الريح) احتراز عن الغصب، (وفي مسألتنا لو يوجد ~~المطالبة بدلالة أن الشرع خيره في وقت الأداء فلا يلزمه PageV01P528 # الأداء. يعني أن التخيير ينافي المطالبة بالأداء. # فإن قلت: يشكل على هذا إذا حال الحول على نصاب رجل فإنه يطالب بالأداء مع ~~أنه مخير في الأداء، حتى إذا فرط في الأداء ولم يؤد الزكاة حتى هلك النصاب ~~كله سقط عنه الزكاة. # فبهذا يعلم أن التخيير لا ينافي المطالبة بل يجتمعان. # قلت: بل ينافي المطالبة بالأداء؛ لأن التخيير إثبات الخيار للمخاطب في أي ~~وقت شاء يؤدي فيه، والمطالبة بالأداء إلزام على المخاطب بالأداء في أول ~~الوقت الذي خاطبه بالأداء غير أن محل الواجب في الزكاة النصاب، والحق لا ~~يبقى بعد فوات محله، كالعبد الجاني والعبد المديون إذا ماتا، والشقص الذي ~~فيه الشفعة إذا صار بحرا بطل خطاب المولى بالدفع أو الفداء وبطل حق الشفعة. # بخلاف ما نحن فيه، فإن الواجب ms173 على الذمة فكان ما نحن فيه كصدقة الفطر ~~والحج، فإن محل الواجب فيهما ذمته لا ماله، وذمته باقية بعد هلال المال ~~فيبقى الواجب لبقاء محله، فكذا فيما نحن فيه حتى إن في الزكاة إذا PageV01P529 # مات المخاطب بعد حولان الحول قبل الأداء يبقى إثم التأخير أيضا، لتحقق ~~تقصيره خصوصا على قول الكرخي، فإن وجوب الأداء في الزكاة بعد حولان الحول ~~على الفور عنده، وفي رواية عن أبي يوسف- رحمه الله- أيضا. # (وتبين أن الوجوب حصل بأول الجزء خلافا لبعض مشايخنا) وهو ما ذكرت قبل ~~هذا أن أكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا، ويقولون: الوجوب لا يثبت ~~بأول الوقت، وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت، ويستدلون على ذلك بما لو حاضت ~~المرأة في آخر الوقت، فإنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت. كذا ذكره ~~الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # ولكنا نقول: إن الوجوب يحصل بأول جزء من الوقت، لكن سببية ذلك الجزء ~~لوجوب الصلاة على سبيل الزوال والانتقال لا على سبيل التقرر، وإنما يتقرر ~~السببية للجزء الأخير من الوقت للمعنى الذي ذكرنا، وفائدة سببية الجزء ~~الأول إنما تظهر في حق صحة الأداء، وعدم لزم القضاء على تلك المرأة، إنما ~~كان لانعدام إدراكها للجزء المتقرر سببيته، وهي طاهر عن الحيض. PageV01P530 # وقوله: (وأن الخطاب بالأداء) معطوف على قوله: إن الوجوب حصل بأول الجزء". # (ثم إذا انقضى الجزء الأول انتقلت السببية إلى الجزء الثاني ثم) وثم إلى ~~الآخر؛ لأن الجزء الثاني جزء من الوقت كالجزء الأول، فيكون سببا لعدم ما ~~يزاحمه كالجزء الأول، فإنه كان سببا لعدم ما يزاحمه. # ثم الجزء الأول حال وجود الجزء الثاني معدوم، والمعدوم لا يعارض الموجود، ~~فإذا صار الجزء الثاني موجودا قلنا بانتقال السببية غليه؛ لأن كون الجزء ~~الأول سببا كان بطريق الضرورة وهو عدم المزاحم، فإذا وجد المزاحم كان هو ~~للسببية أولى لوجوده وعدم المزاحم. # ولعلمنا بأن كل جزء من الوقت صالح للسببية، ولأنه لو لم تنتقل السببية عن ~~الجزء الأول إلى الثاني لا يخلو إما أن يضم إليه الجزء الثاني والثالث ms174 ~~ويجعل الكل سببا لا يجوز هذا؛ لأن المعدوم لا يجوز أن يكون جزءا PageV01P531 # للسبب الموجود، وإما أن لا يضم إليه الجزء الثاني لا يجوز هذا أيضا؛ لأن ~~جعل الموجود سببا أولى من جعل المعدوم سببا عند إمكان جعل الموجود سببا؛ ~~لأن المعدوم لا يعارض الموجود. # فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون الجزء الأول سببا، ثم بانقضائه لم تنعدم ~~سببيته كما في كل الوقت إذا انقضى تبقى سببيته بعد انعدامه. علم بهذا أن ~~انعدامه لا يمنع سببيته؟ # قلت: ذاك إنما يكون في الجزء المتقرر سببيته كما في الجزء الأخير لا في ~~الجزء الذي سببيته على عرضية الزوال كما في الجزء الأول، وهذا لأنه لو كانت ~~سببية الجزء الأول باقية بعد انعدامه ولم تنتقل إلى الجزء الثاني يلزم أن ~~يكون المؤدي في الجزء الثاني قاضيا، وبالإجماع أن أداءه لم يكن قضاء بل ~~أداء إذا وجد في الوقت. # علم بهذا أن سببيته قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني وكذلك إلى ~~الآخر، وهذا هو الجواب عما يقال: إنه لما قيل بسببية الجزء الأول عند وجوده ~~بعد ذلك لا يحتاج إلى انتقال السببية إلى الجزء الثاني؛ لأن بقاء الحكم ~~يستغني عن بقاء السبب فلا يحتاج إلى الانتقال؛ لأنا نقول: لم لم ينتقل كان ~~المؤدي في الجزء الثاني قاضيا لا مؤديا. # كما قلنا عند عدم الانتقال عن الجزء الأخير بأن المؤدي خارج الوقت قاض لا ~~مؤد، وبالإجماع أن من أدى في الجزء الثاني هو مؤد لا قاض. علمنا PageV02P532 # أن السببية قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني. # فإن قلت: يحتمل أن يكون كونه أداء في الجزء الثاني باعتبار وجود شرط ~~الأداء وهو بقاء الوقت؛ لأن لوقت الصلاة أوصافا سببية الوجوب وشرطية الأداء ~~وظرفيته، فكانت السببية متقررة للجزء الأول وإن انعدم، كما تكون متقررة له ~~بعد انعدامه بجميعه. # قلت: لا كذلك بل السببية أيضا انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني ثم وثم ~~إلى الآخر كالشرط. بدليل تغيير أحوال من أدرك الجزء الثاني والثالث إلى ~~الآخر ms175 من السفر والإقامة والحيض والطهر وغيرها. # وتغيير أحوال المدرك إنما هو عند قيام السبب لا الشرط، فلو كانت السببية ~~متقررة للجزء الأول بعد انعدامه لما غيرت أحوال من أدرك الجزء الثاني إلى ~~آخر الوقت فرضه كما لو صار قضاء محضا لا يتغير حالة في حق القضاء وإن وجد ~~المغير. # ثم لما وجب نقل السببية من الجزء الأول إلى الثاني لضرورة الأداء ينبغي ~~أن يكون بعد وجود السبب كان الجزء الذي هو متصل بالأداء أولى بالاعتبار من ~~غيره؛ لأن الجزء الواحد لما صلح للسببية وجب تقريرها للجزء الثاني الذي وجد ~~الأداء بعيده متصلا به أولى؛ لأنه لابد من تقدم السبب على وقت الأداء وكان ~~ما يلي الأداء به أولى. إذ في ضم الجزء السابق على الأداء PageV02P533 # إلى الجزء المتصل بالأداء تخط في السببية عن الجزء المتصل بالأداء الصالح ~~للسببية بلا دليل، وثبوت المدلول بلا دليل لا يجوز. # (وإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى تعين الأداء لازما استقرت السببية لما يلي ~~الشروع في الأداء). # قال زفر- رحمه الله- إذا تضييق الوقت على وجه لا يفضل عن الأداء تتعين ~~السببية في ذلك الجزء. # ألا ترى أنه ينقطع اختياره ولا يسعه تأخيره، فلذلك لا يتغير بعد ذلك ~~بعارض من سفر أو حيض أو غيرهما وعندنا لا يتعين ذلك الجزء للسببية بل ينتقل ~~إلى آخر جزء من الوقت، فيتغير بعارض حتى لو سافر في الجزء الأخير من الوقت ~~يتغير فرضه من الأربع إلى الركعتين. # ومن اللزوم إلى السقوط إذا حاضت المرأة، وإنما لا يسعه التأخير لكيلا ~~يفوت شرط الأداء، وهو الوقت على ما هو عليه الظاهر من عدم امتداد الوقت ~~بعده، ولكن ما بعده من أجزاء الوقت صالح لانتقال السببية إليه فيتحقق ~~التفويت بمضيه. # فإن قلت: جعل تعين الأداء بطريق اللزوم دليلا على استقرار السببية في PageV02P534 # قوله: حتى تعين الأداء لازما استقرت السببية؛ وليس كذلك بل ذلك إنما يصح ~~على قول زفر، وأما عندنا فالسببية تنتقل من الجزء إلى الجزء بعد تعين ~~الأداء بطريق اللزوم، فإن الأداء ms176 يتعين لازما في الوقت الذي لا يسع فيه إلا ~~أربع ركعات لكي يقع ما أداه من صلاته أداء لا قضاء حتى لو تكره باختياره ~~يأثم، ومع ذلك انتقال السببية ثابت، حتى وإن فرض المقيم بالسفر يتغير من ~~الأربع إلى الركعتين، وإن كان سفره بعد تعين الأداء، وقد ذكرت أن التغيير ~~إنما كان عند قيام السببية، ثم كيف قال باستقرار السببية لذلك الوقت؟ # قلت: معنى قوله "استقرت السببية" أي استقرت السببية في حق لزوم الأداء ~~وفوت اختيار التأخير لا في حق انتقال السببية من الجزء إلى الجزء، وهذا لأن ~~المكلف لما كان عاقلا بالغا مسلما كان الظاهر من حاله أنه يشرع في الأداء ~~كي لا يقع في إثم التأخير، فكان هو معتقدا لاستقرار السببية في حقه على وجه ~~لا يجوز التأخير عنه. # فإن قلت: ما الفرق بين ما إذا فاتته صلاة في المرض الذي يعجز فيه عن ~~الركوع والسجود، ثم يقضيها في الصحة كان الواجب عليه قضاؤها قائما بالركوع ~~والسجود، ولو فاتته صلاة في الصحة ثم يقضيها في المرض الذي لا يقدر على ~~الركوع والسجود يقضيها بالإيماء حيث يعتبر فيهما حال القضاء لا حال الأداء ~~الذي فاتت الصلاة عن وقتها، وبين هذه المسألة التي نحن فيها وهي ما إذا ~~فاتت الصلاة عن المسافر أو عن المقيم حيث يعتبر فيهما حال الأداء PageV02P535 # الذي فاتت الصلاة عن وقتها لا حال القضاء على ما ذكر في الكتاب؟ # قلت: الفرق بينهما ظاهر وهو أن المرض لا تأثير له في إسقاط أصل الصلاة ~~على ما عليه الصحيح من المذهب، بل له تأثير في الوصف لتكون الطاعة بحسب ~~الطاقة، فكان وجوب القضاء فيه بحسب طاقته إذ لو اعتبر فيه حال وجوب الأداء ~~ووجب القيام والركوع والسجود كان مخالفة للنص النافي للحرج، هو قوله تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقد نص على هذا صاحب الشرع بقوله عليه ~~السلام: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا) الحديث، ومثل هذا يقتضى الحصر بهذه ~~الأحوال كما في آية الظهار ms177 في قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} وهو ~~بإطلاقه يتناول المؤدي والقاضين فلذلك لم يعتبر فيه حال وجوب الأداء. # فعلم بهذا أنا لو اعتبرنا في المرض حال وجوب الأداء إما أن يلزم فيه ~~مخالفة النص أو ترك إطلاق الحديث الذي يقتضي الحصر وهو أن يكون طاعته بحسب ~~طاقته بخلاف السفر، فإن له تأثير في تغيير أصل الصلاة بحكم الحديث، وهو ~~قوله عليه السلام: (إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). # واعتبار التغيير هناك باعتبار الوقت على ما ذكر في الكتاب، وهو أن PageV02P536 # الوقت سبب لوجوب الصلاة، والمغير إذا اتصل بسبب الوجوب عمل عمله فلا ~~يتغير بعد ذلكن والفقه فيه هو: أن السفر إنما جعل مغيرا للصلاة عند قيام ~~الوقت من الكثرة إلى القلة حتى اعتبر فيه حال وجوب الأداء، ولو يجعل في ~~المرض كذلك؛ لأن الرخصة في السفر متعلقة بمشقة متوهمة أقيم السبب الظاهر ~~مقام المشقة، وكذلك دخول الوقت سبب ظاهر لوجوب الصلاة على المكلف فتناسب ~~إلحاق الظاهر بالظاهر، فقرن كل واحد منهما بالآخر فلم يتغير بعد ذلك بحالة ~~القضاء، وأما الرخصة في المرض فمتعلقة بمشقة حقيقية فاقتضت عجزا حقيقيا، ~~وذلك إنما يكون حال فعل الصلاة خصوصا على أصل قول أهل السنة والجماعة: إن ~~الاستطاعة مقارنة بالفعل، فتناسب إلحاق الحقيقية بالحقيقية، فلم يعتبر لذلك ~~فيه حال وجوب الأداء بل اعتبر فيه حال فعل وهو حال القضاء. # ووجه آخر في الفرق بينهما وهو الأوجه هو أن نقول: لا يمكننا القول في حق ~~المريض بالاعتبار بحال وجوب الأداء أصلا، فإنا لو قلنا بذلك إما أن نقول: ~~إن المريض الذي هو غير قادر على القيام والركوع والسجود وهو مأخوذ عليه أن ~~يؤدي الصلوات التي فاتته حال صحته بالقيام والركوع والسجود وهو محال؛ لأن ~~ذلك تكليف ما ليس في الوسع، والله تعالى تبرأ عنه بقوله تعالى: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} وبقوله: {وما جعل PageV02P537 # عليكم في الدين من حرج}. # وإما أن نقول: إن الصحيح الذي هو قادر على القيام والركوع والسجود هو ms178 غير ~~مأمور في قضاء الصلوات التي فاتته حال مرضه بالقيام والركوع والسجود بل ~~يقضيها بالإيماء، وذلك أيضا باطل؛ لأن ذلك يوجب ترك العمل بإطلاق قوله ~~تعالى: {وقوموا لله قانتين} وقوله: {اركعوا واسجدوا} وغيرهما، وهذه الآية ~~غير متعرضة لحال دون حال، فكان موجبها الإتيان بذلك الموجب إذا كان قادرا ~~على القيام والركوع والسجود فلا يجوز ترك ذلك الموجب، وأما المسافر في قضاء ~~صلاة فائتة في حالة السفر تقررت عليه بركعتين فلا تتغير بعد ذلك وإن وجد ~~المغير، حتى إن المسافر لو اقتدى بمقيم في قضاء الصلاة لا يجوز وإن كان ~~الاقتداء مغيرا في الجملة. # ألا ترى أنه لو اقتدى بمقيم في بقاء الوقت تتغير صلاته من الركعتين إلى ~~الأربع، ومع ذلك لا يجوز اقتداؤه بالمقيم خارج الوقت لتقرر الصلاة عليه ~~بركعتين وكذلك في عكسه إذا فاتت الصلاة عن مقيم تقررت عليه بأربع، فلا ~~تتغير بعد ذلك بالسفر؛ لتقررها بالأربع بخلاف حال المرض على ما قلنا. PageV02P538 # (وإذا كان ذلك الجزء فاسدا) أي ناقصا؛ لأنه نص محمد- رحمه الله- أن ~~الصلاة لا تفسد وقوله: (وهو فيها لم يتغير) أي لم يتغير من الكمال إلى ~~النقصان فلذلك (لم يفسد). # وقوله: (ووجهه) إلى آخره. جواب للإشكال الذي ذكره بقوله: ولا يلزم "بخلاف ~~حالة الابتداء" أي حالة ابتداء التطوع في الوقت الفاسد، فإنه لا يصح، فكان ~~هذا تتمة رواية هشام. # (وهو ما ذكرنا من شغل الأداء) أي من شغل المصلي الصلاة بالأداء. PageV02P539 # وقوله: وهو راجع إلى ما ذكره من بيان الضرورة، وذلك الشغل إنما يتحقق ~~فيما إذا صلى في جزء من الوقت (فانتقل الحكم إلى ما هو الأصل) أي فلذهاب ~~الضرورة عن جعل الجزء سببا انتقل الحكم إلى ما هو الأصل وهو أن يكون كل ~~الوقت سببا، وإنما قلنا: إن الأصل ذاك لما أن الإضافة دليل السببية، ~~والإضافة تكون بكل الوقت لا بجزئه حيث يقال وقت صلاة الظهر، ووقت صلاة ~~العصر وغيرهما، فاسم وقت كذا اسم لكله لا لجزئه، فلذلك كان الأصل أن يكون ~~كل الوقت سببا. # وهذا ms179 التقرير جواب عما ورد شبهة على قوله: "فإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى ~~تعين الأداء لازما استقرت السببية" بأن يقال: لما استقرت السببية على الجزء ~~الأخير من الوقت، وهو في وقت العصر وقت فاسد وجب أن يصح قضاء صلاة العصر في ~~اليوم الثاني في مثل ذلك الوقت؛ لأنه وجب ناقصا فيتأدى بصفة النقصان. # فأجاب عنه بهذا وقال: انتقال السببية من جزء إلى جزء إلى أن بلغ إلى ~~الجزء الأخير لضرورة أن تقع صلاته في الوقت بصفه الأداء، وأما إذا ذهب PageV02P540 # الوقت فاتت تلك الضرورة، فأضيف القضاء إلى جميع الوقت الذي ذهب، وأكثر ~~أجزاء الوقت الذاهب كان صحيحا لا فاسدا، فصال كأن جميع الوقت كان صحيحا، ~~فلذلك لا يقضى في الوقت الناقص. # (فلم يجز أداؤها) أي أداء قضائها. # (ولا يلزم إذا أسلم الكافر في آخر الوقت) إلى آخره. ونقض المسألة إنما ~~يتوجه على تقدير عدم الجواز. وجه الورود هو أنه لما ذكر قوله: "وإذا كان ~~ذلك الجزء فاسدا انتقص الواجب فيؤدي بصفة النقصان" ورد عليه ما إذا اسلم ~~الكافر في ذلك الوقت، ثم لم يؤد ذلك إلى أن جاء مثل ذلك الوقت الذي هو وقت ~~الاحمرار فقضى تلك الصلاة التي وجبت عليه بصفة النقصان فإنه لا يجوز. # وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- في جواب هذا: وإنما يتأدى ~~بصفة النقصان عند ضعف السبب إذا لم يصر دينا في الذمة. واشتغاله بالأداء ~~يمنع صيرورته دينا في الذمة، وأما إذا لم يشتغل بالأداء حتى تحقق PageV02P541 # التفويت بمضي الوقت، صار دينا في ذمتهن فيثبت بصفة الكمال. # ثم قال: وهذا هو الانفصال عن الإشكال الذي يقال على هذا إذا أسلم الكافر ~~بعد ما احمرت الشمس ولم يصل، ثم أداها في اليوم الثاني بعد ما احمرت الشمس ~~فإنه لا يجوز؛ لأن مع تمكن النقصان في السببية إذا مضى الوقت صار الواجب ~~دينا في ذمته بصفة الكمال. # وهذا لأن النقصان في الأداء متحمل بسبب شرف الوقت، فإذا فات الوقت لا ~~يتحمل النقصان؛ لأنه لا جابر للنقصان في الفائت ms180 بخلاف ما إذا كان الوقت ~~باقيا، فإن فضيلة الأداء جابرة لذلك النقصان. ومثله من نذر اعتكاف رمضان ~~هذه السنة أداء وقضاء على ما مر تقريره. # (لم يقبل التعين بتعيينه قصدا ونصا) بأن يقول: عينت هذا الجزء للسببية لا ~~يتعين ويجوز الأداء بعده، وإنما يتعين ذلك بالفعل في ضمن الأداء كما في ~~كفارة اليمين، فكم من شيء يثبت ضمنا ولا يثبت قصدا، وهذا لأن تعيين الشرط ~~أو السبب ضرب تصرف فيه، يعني لو عين العبد الجزء المعين PageV02P542 # للسببية بالقول وتعين هو بتعيينه على وجه لا يبقى الجزء الذي بعده سببا ~~للوجوب، كان هو شركة للشارع في وضع الأسباب. # وبهذا خرج الجواب عما ورد شبهة على هذا القول من خرج إلى السفر باختياره ~~كان واضعا لسبب قصر الصلاة وفطر الصوم، ولم يكن ذلك شركة في وضع السبب فكيف ~~يكون هذا شركة؟ # والجواب عنها أن المسافر باشر السفر بقصده واختياره، والشارع جعل السفر ~~سببا للقصر والفطر فلم يكن المسافر واضعا لسبب القصر والفطر، فلا يكون ~~شركة، فكان هو نظير من لبس الخف فإنه يترخص بالمسح عليه، فلا يكون هو واضعا ~~سبب رخصة المسح بقصده؛ لأن قصده لبس الخف لا وضع سبب الرخصة. بل الشارع هو ~~الذي وضع سببها، فكذا هنا. # (وإنما على العبد أن يرتفق بما هو حقه) أي للعبد أن ينظر إلى رفقه، فإن ~~كان في أول الوقت، بأن كان له شغل في آخر الوقت يصلي في أول الوقت ويتعين ~~للسببية أول الوقت حكما ضمنا لفعله وطلب رفقه، وإن كان رفقه في الجزء ~~الثاني من الوقت إلى الآخر فكذلكن وإن كان رفقه في آخر الوقت بأن كان له ~~شغل في أول الوقت فصلى في أخر الوقت، ويتعين آخر الوقت للسببية ضمنا لفعله ~~إذ له الاختيار الضروري، وأما الاختيار الكلي ف لله تعالى وحده: {وربك يخلق ~~ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}. PageV02P543 # (لأنه مشروع أفعالا معلومة) هذا احتراز عن الصوم، فإنه شيء واحد مقدر ~~بمقدار النهار. # (ومن حكمه: أن النية شرط ليصير ms181 ما له مصروفا إلى ما عليه) أي ليصير ما له ~~من حقه من منافع أفعاله التي كانت له بطريق العادة في قيامه وركوعه وسجوده ~~مصروفا إلى ما عليه من العبادة، وذلك إنما تكون العبادة بالنية، وهذا الذي ~~ذكره من الحكم غير مختص بالصلاة، بل النية شرط في جميع العبادات في الصوم ~~وغيره، ولعدم اختصاص هذا الحكم بالصلاة لم يورده في "التقويم" وذكر حكما ~~آخر مكانه يختص بوقت الصلاة فقال: ومن حكمه أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت ~~بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه الفرض؛ لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت، ~~وقد أدركه وبضيق الوقت عجز عن الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط لنفس ~~الوجوب. # (ومن حكمه: أن تعيين النية شرط) أي أن يعين بقوله: صلاة الظهر، PageV02P544 # أو صلاة العصر، وغيرهما. # (بالاسم المطلق) وهو اسم الصلاة. (لما لزمه التعيين لما قلنا لم يسقط) أي ~~التعيين (بضيق وقت الأداء)، وهذا لأن وقت الصلاة في أصله كان ظرفا فلا ~~ينقلب من كونه ظرفا إلى كونه معيارا، وإن بقي وقت لا يسع فيه إلا أربع ~~ركعات فرض الوقت، وإنما ذكر هذا لدفع شبهة ترد عليه، وهي صوم رمضان، فإنه ~~لما قدر فرضه بوقته لم يحتج هناك إلى تعيين فرض الوقت كما في صوم رمضان، ~~فكيف احتيج هنا إليه ولم يحتج في الصوم. # فأجاب عنها بقوله: (لأن التوسعة أفادت شرطا زائدا وهو تعيين النية) إلى ~~آخره (فلا يسقط هذا الشرط) وهو تعيين النية (بالعوارض ولا بتقصير العباد) ~~يعني أن تأخير الأداء إلى آخر الوقت لا يخلو إما أن يؤخر بالعوارض نحو ~~النوم والإغماء، أو بتقصير من المكلف بأن يؤخره اختيارا، فلا يصلح كل منهما ~~أن يكون مسقطا هذا الشرط. # أما العوارض فإنها لا تدخل تحت الأصول؛ لأن الأصل عدم العارض، فلا يغير ~~ذلك العارض الحكم الثابت بالأصل إلا بنص من الشارع ولم يوجد. # وأما التقصير فإن سقوط شرط تعيين النية نوع رخصة وترفيه، فلا PageV02P545 # يستوجب التقصير رخصة غير ثابتة في الأصل، فإن التقصير مستوجب ms182 للتغليظ لا ~~للترفيه. # وقيل: لا يسقط الشرط الأصلي بالعوارض؛ لأن العوارض لا تعارض الأصول. # ألا ترى أن العصمة الثابتة بالإسلام والدار لا تبطل بعارض الدخول في دار ~~الحرب حتى لو دخل مسلمان دار الحرب وقتل أحدهما صاحبه تجب الدية، ولو بطلت ~~العصمة بعارض دخول دار الحرب لما وجبت الدية. كما لو أسلما ثم ولم يهاجرا ~~إلينا فقتل أحدهما الآخر، وهاهنا أيضا باعتبار تعدد المشروع وجب عليه تعين ~~الوصف فلا يسقط هذا بضيق الوقت؛ لأنه عارض، ولأن مشروعية غيره باقية بعد ~~ضيق الوقت فكان المزاحم موجودا، فيشترط تعيين النية. # (وإنما قلنا: إنه معيار له) أي أن الوقت معيار للصوم؛ لأنه (قدر) أي لأن ~~الصوم قدر بوقت الصوم وهو النهار حيث يطول ويقصر بقصره (وعرف به) أي عرف ~~الصوم بالوقت. فقيل الصوم: عبارة عن الإمساك PageV02P546 # عن الأكل والشرب والجماع نهارا مع النية حيث دخل النهار في تعريف الصوم. # (لأن الشرع لما أوجب شغل المعيار به) أي بصوم شهر رمضان (وهو واحد). # فإن قيل قوله: وهو واحد "مستغنى عنه؛ لأن الشرع لما أوجب شغل الوقت به ~~بعد ذلك لا يحتاج إلى قوله: وهو واحد"، لأن الشيء لما كان مشغولا بشيء لا ~~يتفاوت بعد ذلك أن يكون ذلك الشيء شيئا واحدا أو شيئين فلا يسع فيه غيره. # قلنا: ذكره لتأكيد قوله: "أوجب شغل الوقت" أو فيه بيان توحد المشروع في ~~ركنه بخلاف الصلاة، فإن لها أركانا مختلفة. # (فإذا ثبت له وصف) أي إذا ثبت للمعيار كونه مشغولا بصوم رمضان انتفى غيره ~~كالمكيل؛ لأن الله تعالى قال: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} إلى قوله {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} بدأ الصوم من الخيط الأبيض ثم مده إلى الليل، ~~والصوم عبادة شرعية فتراعى صيغة كلام الشرع، فلذلك كان PageV02P547 # الواجب في صيرورة الصوم الشرعي صوما شرعيا شغل المعيار به، فإذا كان ~~الصوم هكذا من الفجر إلى الليل يكون هو واحدا في نفسه ضرورة، فإذا ثبت له ~~وصف فرضية صوم رمضان من الله تعالى انتفى غيره من الأوصاف، ms183 فلم يبق غيره ~~مشروعا. # وهذا التعين لشهر رمضان إنما جاء من قبل محل الصوم وهو النهر، أما ~~المنافع التي يتأدى بها الصوم فباقية على ملك مالكها كما كان قبل رمضان لا ~~أن يستحق عليه منافعه؛ لأن ذلك يفضي إلى الجبر وهو منتف ضرورة، فلذلك احتيج ~~إلى نية نفس الصوم ليقع عبادة. # (لأن شرع الصوم فيه عام) أي متناول للمقيم والمسافر. # (فانعدم فعله) أي انعدم فعل صوم المسافر لغير رمضان لعدم ما نواه أي لعدم ~~الذي نواه من صوم غير رمضان كما في حق المقيم. يعني لو نوى المسافر واجبا ~~آخر لا يصح عندهما لعدم شرعية واجب آخر في رمضان كما في حق المقيم؛ لأن ~~خطاب قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} عام PageV02P548 # فيهما. # (وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- الوجوب واقع على المسافر) أي نفس الوجوب ~~ثابت متقرر عليه لوجود كمال سببه وهو شهود الشهر، (ولهذا صح أداؤه بلا ~~توقف) أي صح أداء المسافر صومه عن فرض الوقت بلا توقف، وهو دليل على تقرر ~~فرض صوم الوقت الذي هو صوم رمضان عليه. # وهذا بخلاف المقيم إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة. هو على سبيل ~~التوقف إن لم يؤد الجمعة بعده يقع ما صلى عن فرض الوقت، وإن سعى إلى الجمعة ~~وأدى الجمعة بحسب ما اختلفوا فيه بطل ظهره، وكذلك لو أدى الزكاة في أول ~~الحول هو على سبيل التوقف هل يبقى عند حولان الحول غنيا كما كان أم لا؟ فإن ~~لم يبق غنيا انقلب ما أداه تطوعا وإلا يقع عن الفرض. # (إلا أنه رخص له الترك) إلى آخره، فحاصل اختلاف الطرفين راجع إلى الأصل ~~الذي ذكرناه في "الوافي" وهو انتفاء صوم آخر، إنما نشأ عندهما باعتبار نفس ~~شهود الشهر وفي هذا المقيم والمسافر سواء، وعند أبي حنيفة- PageV02P549 # رحمه الله- إنما نشأ ذلك باعتبار وجوب الأداء وذلك لم يثبت في حق ~~المسافر، فلا يثبت الانتفاء. # (وصار كونه ناسخا لغيره) أي كون صوم رمضان ناسخا في شهر رمضان لغيره من ~~الصيامات، إنما يكون إذا ms184 أعرض عن الترخص وتمسك بالعزيمة وهو أن يصوم صوم ~~رمضان. يعني أن صوم رمضان إنما يكون ناسخا لسائر الصيامات على تقدير أن ~~يصوم صوم رمضان. أما إذا ترخص بأن لم يصم صوم رمضان فلا، وله أي للمسافر ~~ولاية الترخص ذلك، وهاهنا ترخص حيث لم يصم صوم رمضان فلم ينتف الصوم الذي ~~هو غير صوم رمضان. # (فإذا لم يفعل بقي مشروعا) أي إذا لم يصم صوم رمضان بقي صوم غير رمضان ~~مشروعا. # (والطريق الأول يوجب أن لا يصح النقل) وهو قوله: إلا أنه رخص له PageV02P550 # الترك إلى آخره، وإنما لا يصح النفل على تقدير ذلك التعليل؛ لأن الترخص ~~بصوم غير رمضان إنما ساغ له لصرف صومه إلى قضاء ما عليه وليس في صوم النقل ~~قضاء ما عليه، فلا يجوز صوم النفل. بل يقع عن الفرض لوجود نفس الصوم، فصار ~~هو بمنزلة من أطلق النية وهو يقع عن فرض الوقت على ما عليه الصحيح من ~~الرواية. # (والثاني يوجب أن يصح) وهو قوله: "ولأن الأداء غير مطلوب منه" يعني أن ~~أداء صوم رمضان الوقتي غير مطلوب من المسافر في الحال، فكان هذا الوقت في ~~حقه بمنزلة شعبان في حق الكل من حيث إنه غير مطالب بصوم فرض الوقت، وصوم ~~النفل في شعبان جائز من الكل، فكذا يجوز صوم النفل أيضا من المسافر في شهر رمضان. # (لأن الترخص والترك) أي ترك العزيمة. # (بهذه العزيمة) أي بهذه النية المطلقة يعني لما لم يتحقق الترخص وهو ~~الفطر لوجود نية الصوم تعين صوم الوقت؛ لعدم مزاحمة غيره من الصيامات PageV02P551 # كصوم الوقت، وهذا لأن المطلق يتناول الذات فقط، فلما لم يتناول هذا ~~الإطلاق واجبا آخر؛ لاحتياج الواجب إلى التعين بقي صوم النفل وصوم الوقت، ~~وإنهما يؤديان بمطلق النية غير أن صرف مطلق النية إلى صوم الوقت أولى من ~~صرفه إلى النفل؛ إما لأن النفل لا يجوز، أو لأن صوم الوقت عزيمة والنفل ~~رخصة، فكان الأخذ بالعزيمة أولى. # وهذا هو الجواب عما لو قيل: ينبغي أن لا يصاب صوم ms185 الوقت بمطلق النية من ~~المسافر؛ لأنه لم يتعرض لصوم الوقت لإطلاق النية؛ لأنا نقول: إن فرض الوقت ~~يتعين بمطلق النية؛ لأنه وقته، والواجب الآخر لا يتأدى بمطلق النية في غير ~~رمضان، فما ظنك في رمضان، فبعد ذلك بقي صوم لوقت وصوم النفل، فصرف مطلق ~~النية إلى فرض الوقت أولى من صرفه إلى النفل لما ذكرنا. # (فوات شرط الرخصة) وهو حقيقة العجز. فيستوجب الرخص لعجز PageV02P552 # مقدر أي لعجزه تقديرا وإن لم يكن تحقيقا، فوات شرط الرخصة وهو العجز ~~التقديري يعني أن رخصة المسافر باعتبار سبب ظاهر- وهو السفر- قام مقام ~~العذر الباطن، وذلك لا ينعدم بفعل الصوم فيبقى له حق الترخيص (فيتعدى) أي ~~الحكم (بطريق التنبيه). # أي نبهنا الشارع بإباحة الفطر في هذا الوقت للمسافر على جواز الترخص له ~~بأداء واجب آخر بالطريق الأولى؛ لأن الأول حاجة دنيوية والثاني حاجة دينية، ~~وهي الأهم؛ لأن السعي في الحاجة الدينية سعي في تخليص نفسه عن عقوبة النار ~~وهي أشد من مشقة تلحقه في السفر بسبب صوم القضاء؛ لأنه لو لم يصم صوم ~~القضاء في سفره عسى هو لا يحيا إلى وقت الإقامة فيصوم فيه، فحينئذ يبقى في ~~عقوبة ترك صوم القضاء وهي أدهى وأمر. # والتنبيه قد يكون إظهار العلة كما في قوله عليه السلام: "الهرة ليست ~~بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات" فالنبي عليه الصلاة والسلام ~~نبه بهذه العلة بأن الحكم منها متعد إلى غيرها من السواكن. # (وقال زفر- رحمه الله- ولما صار الوقت متعينا) إلى آخره، هذه المسألة ~~متصورة فيمن اعتاد الفطر في رمضان كالمريض والمسافر والمتهتك ثم لم يأكل ~~ولم يشرب في يوم رمضان ولم يخطر بباله لا الفطر ولا الصوم، فعندنا لا PageV02P553 # يصير صائما، وعند زفر يكون صائما، كذا ذكره فخر الإسلام في "شرح الجامع ~~الصغير" وهذا لأنه لو نوى الفطر ثم لم يجد شيئا يأكله لا يكون بهذا الإمساك ~~صائما بالاتفاق؛ لأن نيته الفطر قطع إمساكه عن أن يكون صوما. # وقال زفر: إن هذا الوقت صار متعينا للفرض، ولم يشرع فيه غير ms186 صوم الوقت، ~~فصارت منافعه مستحقة كفرض الوقت. # قلنا: هذا لا يجوز؛ لأن منافعه لو استحقت لوقع الصوم منه من غير اختياره ~~وذلك جبر، والمأمور به أبدا يكون فعلا اختياريا؛ لأنه لتحقيق الابتلاء، ~~وذلك إنما يكون في الفعل الاختياري، ولا يلزم من عدم شرعية غير الفرض ~~استحقاق منافعه، كما ينعدم في الليل أصلا ولا استحقاق ثم. # إذ لو كان العدم باعتبار استحقاق المنافع يلزم أن يكون عدم شرعية الصوم ~~في الليل باستحقاق المنافع وليس كذلك؛ لأن المنافع في الليل للعبد، فيثبت ~~أن عدم شرعية غير الفرض ليس باستحقاق المنافع بل باعتبار أنه لم يشرع، وإذا ~~لم يستحق منافعه يكون مأمورا بصرف ما له من المنافع إلى ما عليه، وعدم ~~العزيمة ليس بشيء، فلم يحصل به صرف ما له على ما عليه. PageV02P554 # فإن قيل: قد وجد الإمساك منه بطريق الاختيار؛ لأن الكلام فيمن يجد ما ~~يؤكل ومع ذلك تمسك عن الأكل حتى إن من نوى الفطر، ثم لم يجد شيئا يأكله، لا ~~يكون صائما بالاتفاق وقد مر، ثم لما كان الإمساك هنا بطريق الاختيار لم يكن ~~إمساكه جبريا، فحينئذ لم يصح هنا دفع قول زفر: بأن هذا الإمساك منه جبري لا ~~اختيارين فلا يصح أن يكون عبادة. # قلنا: من الإمساك ما لا يكون اختياريا بأن كان لا يجد شيئا إذا كان مريضا ~~أو مغمى عليه قبل دخول ليلة رمضان، وما كان فيه اختياريا يحتمل أن يكون ~~عادة أو حمية فلا يكون عبادة بدون النية لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين} والإخلاص إنما يتحقق بالنية؛ لأن النية ~~لتمييز العبادة من العادة، وذلك لا يكون بدون اختياره عبادة لله، فتشترط ~~النية لذلك. # وقوله: (كصاحب النصاب إذا وهب من الفقير بعد الحول) أي يكون مؤديا ~~للزكاة، وإن لم ينو بهبته الزكاة لتعين قدر الزكاة في هذا النصاب للزكاة. # فإن قيل: تمليك النصاب من الفقير بأي وجه أدي لا يقع عن الزكاة عند زفر؛ ~~لأن الغنى قارن الأداء، فكيف أورده نظيرا، وهو ms187 على خلاف مذهبه؟ PageV02P555 # قلنا: إيراده للنظير من حيث أن المستحق لشيء إذا وجد صرفه إلى ذلك الشيء ~~يقع عن المستحق بأي وجه صرفه إليه كما في هبة النصاب للفقير، والهبة غير ~~الصدقة، ومع ذلك تنوب الهبة عن الصدقة لوصول الحق إلى المستحق، فبعد ذلك ~~يحتمل أن يكون المراد منه الفقراء بأن فرق النصاب بلفظ الهبة إلى الفقراء، ~~فلم يكن الغنى مقارنا للأداء، ولو كان المراد منه الفقير الواحد يجب على أن ~~يحمل أنه الفقير المديون، أو وهبه إليه متفرقا بعد ما صرف هو بعضه إلى ~~حوائجه. # أو قال: على قود مذهبكم (وكأجير الواحد يستحق منافعه) فإن أجير الواحد ~~إذا فعل فعلا للمستأجر بأي وجه يفعله بطريق الإعانة أو التبرع كان فعله ~~واقعا عن الفعل الواجب؛ لاستحقاق المستأجر منافع فعله. # (بل الشرع لم يشرع في هذا الوقت مما يتصور فيه الإمساك قربة إلا واحدا، ~~فانعدم غير الفرض الوقتي؛ لعدم كونه مشروعا لا باستحقاق منافعه). # فإن قلت: كما أن صوم غير رمضان غير مشروع، فكذلك الإمساك لغير PageV02P556 # الصوم أيضا غير مشروع في رمضان، فينبغي أن يتعين مطلق إمساكه لصوم رمضان ~~على هذا التقدير. # قلت: نعم كذلك إلا أن الصوم عبادة، وتلك إنما تكون بأداء منه عن اختيار، ~~فلا يتحقق ذلك بدون النية؛ لأن العدم ليس بشيء والعبادة شيء، فلا يصلح ~~العدم أن يكون محققا للوجود. # وقوله: (لأن عدم العزيمة ليس بشيء) هذا احتراز عن مسألة الزكاة فإن فيها ~~لفظ الهبة وهو موجود، فيصلح أن يكون هو مجازا عن الصدقة بدلالة أن المصروف ~~إليه فقير، فكان المبتغي بها وجه الله تعالى دون العوض، وهو معنى الصدقة، ~~فلذلك لم يتمكن من رجوع الهبة التي وهبها للفقير. # وكذلك لو وهب عشرة دراهم للفقيرين يجوز بالإجماع استعارة الهبة من الصدقة ~~بخلاف ما نحن فيه، فإن فيه عدم العزيمة، والعدم لا يصلح أن يكون مستعارا عن ~~العزيمة بخلاف أجير الواحد؛ لأن المنافع وإن كانت مستحقة عليه فذلك لا يمنع ~~وجوب الأجرة، ولا تقتضي نية وقوع منافعه عما ms188 استحق عليه؛ لأنه ليس بعبادة، ~~والعبادة هي التي تفتقر إلى الاختيار، وأما الفعل المستحق من العبد، فقد ~~يكون اختياريا وقد يكون جبريا، أما العبادة فلا تتحقق إلا بالاختيار ~~فافترقا. PageV02P557 # (وقال الشافعي: لما كانت منافعه بقيت على ملكه وجب التعيين) في أصله ~~ووصفه؛ لأن معنى القربة معتبر في الصفة، كما هو معتبر في الأصل إلى آخره. PageV02P558 # فزفر- رحمه الله- غلا في القول بتعين صوم رمضان حتى أسقط النية أصلا في ~~الأصل والوصف، مع أن العبادة لا تتحقق بدون النية أصلا. # والشافعي- رحمه الله- أيضا غلا في القول بعدم تعينه حتى اشترط النية في ~~الأصل والوصف، وذلك الغلو تقصير منه في الاجتهاد لا لغاية تعين الله تعالى؛ ~~لأن الله تعالى جعل صوم رمضان متعينا حيث لم يجز فيه صوم غير رمضان. # ونحن توسطنا بينهما. لما أن دين الله بين الغلو والتقصير حيث اشترطنا ~~النية في أصل الصوم؛ لتمتاز العبادة عن العادة؛ لأنه ما لم يعزم على الصوم ~~لا يكون صارفا ما له إلى ما هو مستحق عليه، ثم لما تعينت جهة الصوم بنية ~~أصل الصوم حتى امتازت العبادة عن العادة لم يحتج إلى تعيين وصفه، وهو تعيين ~~فرض الوقت؛ لأنه لما لم يشرع فيه غير صوم رمضان لأي معنى يحتاج إلى تعيين ~~صوم رمضان، بل اشتراطه كان اشتراطا لتعيين المعين، وهو لغو؛ لأن التعيين ~~إنما يصح في المتردد بين الشيئين وهاهنا بعد وجود أصل الصوم منه في هذا ~~الزمان لا اختيار له في صفته؛ لأنه لا يتصور أداؤه بصفة أخرى شرعا، فلا ~~يشترط التعيين في الصفة (فأصيب بمطلق الاسم) أي أصيب صوم رمضان بمجرد قوله: ~~نويت أن أصوم (ولم يفقد بالخطأ في الوصف) أي لم يفقد صوم رمضان بل يوجد ~~بخطئه في اسم صوم رمضان، بأن قال: نويت صوم التطوع أو واجب آخر، وهذا لأن ~~صوم رمضان متعين في زمانه، PageV02P559 # لعدم شرعية صوم غير رمضان، فكان مصابا بمطلق الاسم ومع الخطأ في الوصف. ~~كالشخص المتعين في المكان بأن لم يكن في الدار إلى زيد مثلا يصاب ms189 هو باسم ~~جنسه بأن قيل: يا إنسان، وبالخطأ في الوصف بأن قيل: يا عمرو، فيجيبه زيد. # أو نقول: لو أخطأ في وصفه وقال لأبيض: يا أسود، أو يا أحمر يجب عليه ~~الجواب. # فإن قيل: ليس هذا الذي ذكره من صورة الخطأ، فإن الخطأ هو الوقوع في غير ~~صواب من غير قصد وهاهنا لو كان قاصدا فيه أو غير قاصد يصيب بصومه هذا صوم رمضان. # قلنا: المراد من الخطأ هنا هو عدم الإصابة في النية، لكن يصيب صوم رمضان ~~هنا لوجود نية أصل الصوم وهو كان هنا لإصابة صوم رمضان لتعينه. # فإن قلت: إصابة صوم رمضان بمطلق الاسم لو كانت باعتبار تعينه في زمانه ~~بحيث لم يشرع في ذلك الوقت غير صوم رمضان ينبغي أن لا يصيب المسافر صوم ~~رمضان إذا أطلق النية عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- لأن عنده صوم غير رمضان ~~مشروع في حقه، وقد نص المصنف- رحمه الله- في هذا PageV02P560 # الكتاب: أن المسافر إذا أطلق النية يقع صومه عن رمضان هو الصحيح فما وجهه؟ # قلت: صرف المطلق إلى المقيد هناك لا لاعتبار أن صوم غير رمضان غير مشروع ~~عنده، بل باعتبار دلالة حال المسافر، فإنه لما اختار الصوم مع تحمل المشقة ~~العظيمة، فالظاهر أنه أراد الفرض الوقتي لا النفل. # كما أن الواجب الآخر لا يصاب بمطلق النية، فلو أصيب في حق المسافر بمطلق ~~النية إما أن يصاب النفل أو الفرض الوقتي، والفرض الوقتي أولى من صوم النفل ~~فحمل على الفرض الوقتي بدلالة حالهن فكان هذا كدلالة إطلاق الحج على حجة ~~الإسلام لظاهر حال المؤدي، وإن كان يصح غيرها عند التصريح به. # فإن لحمل المطلق على المقيد أسبابا كما أن التعيين في الزمان أو المكان ~~يصلح لذلكن فكذلك دلالة حال المؤدي تصلح له أيضا، فكان هذا منا قولا بموجب العلة. # والقول بموجب العلة هو التزام ما يلزمه المعلل بتعليله، وهاهنا كذلك؛ لأن ~~الشافعي لما علل لتقرير مذهبه بقوله: لما كانت منافعه مملوكة لم يكن بد من ~~تعيين النية في حق صوم رمضان ms190 ليمتاز هو من سائر منافعه؛ قلنا بموجب ذلك ~~القول، ونقول: لابد من تعيين النية إذ هو عبادة، فلابد للعبادة من PageV02P561 # النية لكن إطلاق النية منه تعيين له؛ لأن أن التعيين منه ساقط، وهذا لأن ~~التعيين لا يخلو إما أن كان هو لتعيين غير المعين أو لتعيين المعين، فالأول ~~غير ثابت هنا لتعينه في زمانه شرعا حتى إن صوم غير رمضان غير مشروع في ذلك ~~الوقت؛ لتعين هذا الوقت لصوم رمضان، والثاني لغو فلا يصح، فثبت بهذا أن ~~التعيين فيه ثابت، فكان الإطلاق منه تعيينا لا أن التعيين عنه ساقط. # (فإذا تراخى بطل) أي فإذا تراخى التعيين عن أول أجزاء الفعل بطل الفعل ~~(فإذا اعترضت العزيمة) أي النية. PageV02P562 # و (لأن إخلاص العبد) أي لأن نية العبد. # (وهذا بخلاف التقديم) وبهذا فرق الشافعي بين قوله هذا، وبين قولنا: لما ~~يصح تقديم النية مع انفصاله عن الركن فلأن يصح التأخير، وهو متصل بالركن أولى. # (ولم يعترض عليه ما يبطله) أي لم يعترض على ما قدم من النية على الصبح ما ~~ينافيه ويبطله من الأكل في النهار وغير ذلك؛ لأن الشيء إنما يبطل بما يضاده ~~ولم يوجد؛ لأن الأكل والشرب والمباضعة في الليل لا ينافي الصوم؛ لأن من شرط ~~المنافاة اتحاد المحل، والليل ليس بمحل للصوم أصلا، فالأكل وما يشبهه لا ~~ينافي عزيمته (فبقي)؛ لان الشيء إذا ثبت لا يبطل إلا بما ينافيه ولم يوجد. # (فأما المعترض) أي المتراخى من النية من أول الصبح (لا يحتمل التقديم). # (وجب الفصل بين هذين الوجهين) أي بين وجهي التقديم والتأخير PageV02P563 # يعني إذا قدم النية على الصبح في صوم القضاء يجوز، وإذا أخر النية عن ~~الصبح لا يجوز، وهذا بالإجماع، فينبغي أن يكون فيما نحن فيه أيضا على وفاق ~~ذلك أن قدم النية يجوز وإن أخرها لا يجوز. # (وهذا الإمساك واحد غير متجزئ صحة وفسادا). بدليل أن المفسد إذا وجد في ~~آخر جزء من النهار يشيع في الكل، ولأن الإمساكات وإن كانت كثيرة فهي بمنزلة ~~إمساكة واحدة لدخولها ms191 تحت خطاب واحد، وهو قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام}. # فإن الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد كان الكل كشيء واحد، كما في ~~قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} لما ثبت بخطاب واحد جعل جميع الأعضاء ~~كعضو واحد في حكم جواز نقل البلة من عضو إلى عضو آخر، بخلاف أعضاء الوضوء، ~~فإنما لما ثبتت بخطابات مختلفة جعلت أشياء في قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}. # فلم يجز نقل البلة من عضو إلى عضو إلى آخر؛ وهذا لأن الألفاظ قوالب ~~المعاني، ولا يضرب لبنان في ملبن واحد، ثم بالاتفاق لا يشترط اقتران النية ~~بأداء جمعيه، فإنه لو لأغمي عليه بعد الشروع في الصوم تأدى صومه، ولا يشترط ~~اقتران النية أيضا بأول حال الأداء، فإنه لم قدم النية تأدى صومه وإن كان ~~غافلا عنه عند ابتداء الأداء بالنوم، وكان ذلك لدفع الحرج، PageV02P564 # وهذا الحرج لا يندفع بجواز تقديم النية في جنس الصائمين، ففيهم صبي يبلغ ~~ومجنون يفيق في آخر الليل. # وفي يوم الشك هو ممنوع من نية الفرض قبل أن يتبين أمر الصوم، ونية النفل ~~عنده لا يتأدى بها إذا تبين، وإذا بقي معنى الحرج قلنا: لما صح الأداء بنية ~~متقدمة وإن لم تقارن حالة الشروع ولا حالة الأداء، فلأن يصح بنية متأخرة ~~لاقترانها بما هو ركن الأداء كان أولى. # (والثبات على العزيمة حال الأداء) أي حال بقاء الأداء (ساقط بالإجماع)، ~~حتى لم يجب عليه أن يقول: في جميع النهار نويت الصوم نويت الصوم إلى الآخر. # ألا ترى أنه إذا شرع في الصوم ثم أغمي عليه يصح الصوم منه وإنما قيد ~~بقوله: "حال الأداء" أي حال الصوم احتراز عمن رجع عن نية الصوم في الليل، ~~فإن رجوعه يصح. # وذكر في "الخلاصة" رجل نوى في الليل أن يصوم، ثم بدا له في الليل أن لا ~~يصوم وعزم على ذلكن ثم أصبح من الغد وصام لا يكون صومه جائزا؛ لأن عزيمته ~~قد انتقضت بالرجوع. PageV02P565 # (وصار حال الابتداء هاهنا) ms192 إلى آخره يعني أن ابتداء الصوم كبقاء الصلاة ~~في أنه يتعذر اقتران النية بهما أو يتعسر، وصار بقاء الصوم بمنزلة ابتداء ~~الصلاة في أنه لا يتعذر اقتران النية بهما. # (ثم هذا العجز أطلق التقديم) أي العجز عن النية حال ابتداء الصوم جوز ~~تقديم النية عليه بالإجماع مع خلو اقتران النية مع ركن الصوم إلى آخره، وقد ~~ذكرناه. # (ونقصان حقيقة الوجود عند الأداء) أي نقصان حقيقة وجود النية عند ابتداء ~~أداء الصوم (على حد الإخلاص) يعني يشترط اقتران النية بالمنوي ليخلص لله ~~تعالى. وذلك إنما يكون إذا كان محتملا غيره؛ لأن النية تعيين بعض ~~المحتملات، والإمساك في النهار قد يكون لله تعالى من حيث إنه قهر عدوه، وقد ~~يكون لغير ذلك كحمية أو قلة اشتهاء أو غير ذلك، فلابد من النية ليتميز عن ~~سائر المحتملات وهو حد الإخلاص. # (والعجز الداعي إلى التأخير موجود في الجملة). # فإن قيل: لو كان جواز التأخير باعتبار الحاجة والعجز الداعي إليه لاختص PageV02P566 # ذلك بالمعذور، وعندكم القادر على تبييت النية لو ترك التبييت ونوى من ~~النهار يجوز أيضا. # قلنا: إنه لما لم يقدم النية وعجز عن التقديم فصار هو معذورا أيضا، ولأن ~~الذي ذكره لا يقتضي الاختصاص بالمعذور، فإنه قال: العجز الداعي إليه في ~~الجملة موجود، وليس يلزم من وجود العجز في الجملة وجوده على وجه العموم. # (ولهذا رجحان في الوجود) أي إذا أخر النية يوجد اقتران النية بالمنوي ~~الذي هو فعل الصوم. # (وهو حد حقيقة الأصل)؛ لأن الأصل هو أن تنصل النية بالمنوي حقيقة، وحقيقة ~~العارض أن تتصل النية بالمنوي تقديرا، وهو فيما إذا نوى في أول الليل. # (ونقصان القصور عن الجملة بقليل يحتمل العفو)؛ لأن القليل يحتمل العفو في ~~الجملة كالنجاسة وانكشاف العورة وغيرهما بخلاف الكثير. # يعني أن النية قاصرة في التأخير عن جملة الإمساكات؛ لأن النية عند ابتداء ~~وجود الصوم لم تكن موجودة حقيقة. PageV02P567 # فصار حاصل الكلام أن للتقديم فضلا، ونقصانا، وكذلك للتأخير فضل ونقصان، ~~(فاستويا في طريق الرخصة) أي التقديم والتأخير كل منهما ms193 رخصة للمكلف، فيجب ~~أن يكون كل منهما جائزا، فرخصة التقديم ثابتة بالاتفاق فيجب أن تكون رخصة ~~التأخير ثابتة؛ لأن الحكم إذا ثبت لأحد المتساويين يثبت للآخر ضرورة. # إذ لو يثبت لاختلفا حين استويا وهو محال، (بل هذا راجح)؛ لأن فيه شبه ~~العزيمة؛ لأن العزيمة اقتران النية بالمنوي، وفيما ذكرنا بعض العزيمة موجود ~~وهو اقتران النية بالمنوي، والمتقدم تمحض رخصة، وليس فيه شبه العزيمة لخلو ~~جميع الصوم عن حقيقة النية، ومعنى الرخصة فيه هو بإقامة الأكثر مقام الكل، ~~فكان في التقديم تمحض رخصة، وفي التأخير عمل بشيء من العزيمة، فكان هو أرجح. # فإن قيل: جعلت الدليل المجوز الذي هو دليل المساواة دليل الترجيح، وهذا ~~لا يجوز؛ لأن أحد المتساويين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح لا بنفسه. # قلنا: ليس كذلك؛ لأن دليل التسوية بينهما هو العجز؛ لأن العجز هو المجوز ~~للتقديم والتأخير على ما ذكرنا، وأما ما ذكرنا من اقتران النية بالمنوي ~~فشيء آخر سوى العجز فيثبت به الرجحان، ولئن سلمنا أن دليل الجواز فيهما هو ~~المرجح لأحدهما. قلنا: يجوز ذلك إذا كان أحد الدليلين قويا في ذاته. PageV02P568 # ألا ترى أن أحد القياسين يجوز أن يترجح على الآخر لقوة فيه، كما قلنا في ~~طول الحرة إنه لا يمنع الحر من نكاح الأمة، إنه نكاح يملكه العبد بإذن ~~مولاه إذا دفع إليه مهرا يصلح للحرة والأمة، وقال: تزوج من شيءت، فيملكه ~~الحر كسائر الأنكحة، وهو أولى من قول الشافعي إنه يرق ماءه على غنية وذلك ~~حرام عليه كالذي تحته حرة لقوة في تعليلنا على ما عرف، وكذلك المشهور يترجح ~~على خبر الواحد كالآية راجحة على السنة، فعلم بهذا أن دليل المجوز يصلح أن ~~يكون مرجحا إذا كان قويا في ذاته. # (وجب المصير إلى ما له حكم الكل من وجه خلفا عن الكل من كل وجه) كما في ~~المضمونات، إذا انقطع المثل صورة ومعنى أو ليس لها مثل يصار إلى الخلف وهو ~~القيمة. # (ولا ضرورة في ترك هذا الكل الثابت تقديرا فلم نجوزه ms194 بعد الزوال). # فإن قيل: لو أقام المسافر بعد الزوال أو أفاق المجنون بعد الزوال كان ~~محتاجا إلى النية بعد الزوال، فكانت الضرورة قائمة فيه أيضا. PageV02P569 # قلنا: لو اعتبرنا ذلك يلزم أن يوجد الصوم بدون النية، والصوم عبادة ~~محتاجة إلى النية، فلابد أن تكون النية موجودة. إما في الكل الحقيقي أو في ~~الكل التقديري لما أن العبادة لا اعتبار لها بدون نية العبادة، فكان القول ~~بجواز العبادة بدون النية في الكل التحقيقي أو التقديري قولا لا يخفى فساده. # فإن قيل: لما اعتبر الكل التقديري في هذا وجب أن يصح صومه إذا وجدت النية ~~في ربع اليوم؛ لأن الربع قام مقام الكل في بعض الأحكام. # قلنا: لا كذلك لما أن القياس هو ما قاله الشافعي أن تكون النية بجميع ~~المنوي، ثم لما عدل عنه بالدليل لم يكن بد من أن توجد النية في الذي يشبه ~~الكل، ويقارنه من حيث الحقيقة وهو أكثر اليوم. # وأما الربع فليس له مقارنة بالكل الحقيقي إلى أنه ورد السمع بإقامته مقام ~~الكل في بعض الأحكام، ولم يرد هنا سمع بإقامة الربع مقام الكل، فأجرينا ~~الحكم على وفق القياس لذلك، فلم نقم الربع مقام الكل؛ ولأن الاحتياط هناك ~~في إقامة الربع مقام الكل، والاحتياط هاهنا في إقامة الربع مقام الكل. # (وبطل الترجيح بصفة العبادة) يعني أن الشافعي يرجح مذهبه باعتبار ~~الاحتياط في العبادة وهو أن الجزء الأول من النهار مفتقر إلى النية، فإذا ~~خلا PageV02P570 # منها فسد، وإذا وجدت النية بعد ذلك فقد اقترنت النية بأكثر النهار، فيجوز ~~لاقتران النية بأكثر النهار فتعارض، فرجحنا جانب الفساد في العبادة ~~احتياطا. # قلنا: وهذا نوع ترجيح يرجع إلى حال الوجود؛ لأن الصحة والفساد للعبادة حال. # (والكثرة والقلة من باب الوجود) أي من باب وجود الموصوف؛ لأن المراد من ~~الكثرة هو كثرة الأجزاء، والأجزاء إذا تكاملت كانت ذات الموصوف، فعلم بهذا ~~أن الترجيح بالكثرة ترجيح بمعنى راجع إلى الذات. # فعند تعارض الترجيحين كان الترجيح بمعنى يرجع إلى الذات أولى من ترجيح ~~بمعنى راجع ms195 إلى الحال لما يأتي بيانه (في أبواب الترجيح) أي في أنواع ~~الترجيح؛ لأنه يذكر للترجيح إلا بابا واحدا لكن ذكر له أنواعا. # (ولأن صيانة الوقت الذي لا درك له أصلا على العباد واجبة)؛ لأ، الله ~~تعالى فرض على عباده الأداء في هذا الوقت، ولا يمكن الأداء إلا في هذا ~~الوقت، فيجب عليهم صيانة هذا الوقت ليتمكنوا من أداء العبادة، وصيانة PageV02P571 # الوقت تكون تارة باقتران النية بجميع الإمساكات هو الأصل، فإذا لم يصن ~~العبد هذا الوجه أمكنه صيانة هذا الوقت بوجه آخر، وهو أن تقرن النية بأكثره ~~لما أن الأكثر بمنزلة الكل، فيصار إلى هذا احترازا عن فوت العبادة عن وقتها ~~أصلا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من فاته صوم يوم من رمضان لم ~~يقضه صيام الدهر كله). # فإن قلت: هذا كله إنما يصح أن لو كان للذي قلته من جواز تأخير النية عن ~~أول العبادة له نظير في الشرع، وليس له نظير فيه لاستلزام ذلك كون النية ~~المتأخرة متقدمة ولا نظير له في الشرع. # وأما ما قاله الشافعي من جعل النية المتقدمة متأخرة تقديرا فله نظير في ~~الشرع كما في الصلاة والزكاة إذا تقدمت النية على التكبير ثم كبر للصلاة من ~~غير حضور النية عنده، ونوى الزكاة عند عزل مقدار الواجب ولم تحضره النية ~~عند الأداء إلى الفقير يجوز، ولما كان كذلك كان من الاحتياط أن يقال ~~بالفساد ليقضه بعد مضي شهر رمضان حتى يخرج عن عهدة الفرض بيقين. # قلت: لا كذلك، بل الاحتياط فيما قلنا؛ لأنه لما دل الدليل على الجواز، ~~ومع ذلك لو لم يؤد الفرض في وقته على حسبان أن ذلك مفسد لصومه يبقى PageV02P572 # في إثم التفويت عن وقته لم يكن ذلك عملا بالاحتياط. # وأما الذي قلته من جعل النية المتأخرة متقدمة، فليس كذلك بل فيما قلناه ~~انقلاب الإمساكات الموقوفة إلى صوم الوقت عند وجود النية في أكثره لتعين ~~الوقت لصوم الوقت، فلما وجدت النية في أكثره انقلبت الإمساكات إلى صوم ~~الوقت؛ لأن النية المتأخرة صارت ms196 متقدمة، ولا ينكر أن يكون الأمر موقوفا في ~~أوله إلى أحد الحالين الذي يظهر في عاقبته في الحسي والشرعي في العبادة ~~وغيرها، ففي الحسي من رمى سهما إلى إنسان فإن أمره موقوف، فإنه يصيبه أم ~~لا؟ فعلى حسب اختلاف حاله يختلف حكمهن وفي غير العبادات من الشرعي بيع ~~الفضولي والتعليقات. # وأما العبادات فكسلام من عليه سجدة السهو، فإن أمره موقوف على قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- أنه يسجد أم لا؟ فإن سجد عاد إلى حرمة ~~الصلاة وإلا فلان وعلى ذلك تبتنى صحة اقتدى المقتدي عليه وعدم صحته. # وكذلك من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإنه هل يسعى إلى الجمعة بعده ~~أم لا؟ فعلى ذلك بقاء ظهره صحيحا وعدم بقائه، وهو كثير النظير كمن صلى ~~الوقتية مع تذكر الفائتة عند قلة الفوائت على قول أبي حنيفة- رحمه الله- ~~وكصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها وصلت صلوات، فأمر صلاتها ~~موقوف إلى عود الدم، وعدم عوده بالفساد والصحة، ولما كان كذلك PageV02P573 # كان ما قلناه من توقف الإمساكات إلى وجود النية منه في أكثر النهار لتعين ~~الوقت لصوم الوقت طريقا مسلوكا في الشرع وغيره، فكيف يقال إنه غير معهود في ~~الشرع!! # وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب بقوله: "ولم نقل بالاستناد ولا بفساد ~~الجزء الأول مع احتمال الصحة" (إن أداء العبادة في وقتها مع النقصان أولى) ~~خصوصا في حق صوم رمضان، وقد جاء الحديث (من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه ~~صيام الدهر كله). # وقوله: (فصار هذا الترجيح متعارضا) أي صار ترجيح الشافعي مع ترجيحنا ~~متعارضين فإن ترجيحنا بكون العبادة مؤداة في وقتها مع النقصان تقتضي الصحة ~~مع النقصان، فيعارضه ترجيح الشافعي بقوله: إن الجزء الأول من النهار لما ~~عري عن النية حكم بفساد العبادة فتعارضا؛ لأن كل واحد من الترجيحين راجع ~~إلى حال وجود العبادة بخلاف ترجيحنا الأول، فإن ذلك ترجيح بمعنى راجع إلى ~~ذات الوجود، وترجيح الشافعي راجع إلى حال الوجود، فترجح ترجيحنا هناك فلم ~~يعارضه ترجيح الشافعي، فلذلك كان ms197 هو دالا على وجوب الكفارة بخلاف الترجيح ~~الثاني؛ لأنه ضعف PageV02P574 # بالمعارض، فصار له شبهة عدم الصوم فلا تجب الكفارة. # قوله: (لم نقل بالاستناد ولا بفساد الجزء الأول) جواب عما قاله الشافعي، ~~وهو قوله: وجب التعيين من أوله، فإذا خلا عن النية فسد ونية العبد في ~~النهار لا تظهر فيما مضى والجواب: إنا لا نقول بطريق الاستناد بأن توجد ~~النية في الوقت الذي نوى من النهار، ثم يرجع قهقرى إلى أول النهار بأن تجعل ~~النية المتأخرة متقدمة. بل نقول: إن نية العبد وإخلاصه كانت موجودة في أول ~~النهار تقديرا لتوقف إمساكات أول النهار إلى وجود النية في أكثر النهار، ~~فلم يفسد الجزء الأول لذلك. # وعند النية في أكثره كان صومه صحيحا؛ لوجود النية في بعضه تقديرا وفي ~~أكثره تحقيقا، كما جعلت النية المتقدمة على الصبح موجودة عند الصبح تقديرا، ~~فكذا في عكسها إذا تأخرت النية ووجدت في أكثر النهار جعلت PageV02P575 # موجودة مقترنة بجميع النهار تقديرا إقامة للأكثر مقام الكل، وهذا لأن ~~النية إذا وجدت حقيقة في أول النهار فهو في معنى تقدير النية من وجه؛ لأن ~~النية إنما يحتاج إليها ليصير الإمساك قربة إذا وجد الإمساك على خلاف ~~العادة، ولا يظهر قرته في أول النهار لقصوره؛ لأن القربة فعل يلحق بها إلى ~~البدن مشقة ولا مشقة في أول النهار؛ لأن كل أحد يعتاد الإمساك في أول ~~النهار فصار كونه قربة تقديرا. # (وفاء لحق الصوم وتوفيرا لحظه) أي مساويا لحق الصوم وتكميلا لنصيبه. يعني ~~لما كانت القربة تقديرا في أول النهار واحتاجت تلك القربة التقديرية إلى ~~النية التقديرية لا زائدة عليها، فلذلك كان تجويز تلك القربة التقديرية ~~بالنية التقديرية مناسب لحال تلك القربة فتجوز، وهذا معنى قوله: "فصار ~~إثبات العزيمة فيه تقديرا لا تحقيقا وفاء لحقه". # (وعلى هذا الأصل قلنا) أي من الأصل الذي ذكرنا بقولنا: وهذا PageV02P576 # الإمساك واحد غير متجز صحة وفسادا. # وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- وعلى هذا الأصل قلنا في صوم ~~النفل إنه لا يتأدى بدون العزيمة قبل الزوال؛ ms198 لأن الركن الذي به يتأدى ~~الصوم لا يتجزى وجودا، ولا يتصور الأداء إلا بكماله، وصفة الكمال لا تثبت ~~بالنية بعد الزوال حقيقة ولا حكما، وتثبت بالنية قبل الزوال حكما باعتبار ~~إقامة الأكثر مقام الكل، ولا يرد على ما قلنا: الإمساك الذي يندب إليه ~~المرء في يوم الأضحى إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة فإن ذلك ليس بصوم، وإنما ~~حندب إليه لما ذكر في الكتاب. # ولهذا ثبت هذا الحكم في حق أهل الأمصار دون أهل السواد، فلهم حق التضحية ~~بعد طلوع الفجر، وليس لأهل المصر أن يضحوا إلا بعد الصلاة حتى فسد بوجود ~~المنافي؛ من الأكل والشرق والحيض والنفاس. # (ومن هذا الجنس الصوم المنذور في وقت بعينه) أي من جنس إذا صار متعينا ~~للصوم؛ إما بشرع الشارع كرمضان أو بنذر العبد بإذن الشارع يصاب بمطلق النية ~~ونية النفل، ويتوقف الإمساك في أول النهار لهذا المتعين أي إذا PageV02P577 # نوى النفل أو أطلق النية كان ناويا للمنذور؛ لأن إيجاب العبد معتبر ~~بإيجاب الله تعالى. # (لما انقلب بالنذر صوم الوقت)، وهو النفل لا يقبل وصفين متضادين، لأن ~~النفل لا مؤاخذة فيه، وفي الوجوب مؤاخذة، فإذا ثبت الوجوب انتفى النفل ومع ~~الخطأ في الوصف بأن نوى النفل. # (وولايته لا تعدوه)؛ لأن الولاية للعبد قاصرة. # (لحقه فلا) أي فلا يصح تعيينه لحق صاحب الشرع فاعتبر في احتمال ذلك ~~العارض وهو القضاء والكفارة. (بما لم ينذر) يعني نذره لا يظهر في إبطال هذا ~~الوقت من أن يكون محلا للقضاء والكفارة؛ لأن ولايته لا تعدوه. إذ لو ظهر ~~نذره في ذلك صار تبديلا للمشروع، وذا لا يصح كمن سلم وعليه سجدتا السهو ~~يريد به قطع الصلاة تبطل هذه العزيمة؛ لكونه مبدلا للمشروع، فكذلك هاهنا. PageV02P578 # (فمثل الكفارات المؤقتة بأوقات) أي المؤقتة بالنهر دون الليالي. # (والوقت فيها معيار لا سبب) فإن السبب نذره، (ومن حكمها أنها من حيث جعلت ~~قربة لا تستغني عن النية) إلى آخره. اجتمع فيها الأمران؛ كونها قربة وكونها ~~غير معينة، فمن حيث إنها قربة لا تستغني ms199 عن النية لقوله تعالى: {وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} وذلك بالنية والفعل وذلك في أكثر ~~الإمساك الذي له حكم الكل. # (ومن حيث إنها غير متعينة لا يتوقف الإمساك) على العارض من القضاء ~~والكفارة، بل يتوقف على أصل المشروع (وهو النفل)؛ لأن الشيء إنما يتوقف على ~~الأمر الأصلي لا على الأمر العارضي. (لأنه محتمل الوقت) - بفتح الميم على ~~صيغة اسم المفعول- لأن الواجب محتمل الوقت لا موجبه (وإنما التوقف على ~~الموضوعات الأصلية) أي الإمساك في أول الوقت بغير نية متوقف على نية النفل ~~هو الموضوع الأصلي، (فأما إذا توقف على وجه) أي PageV02P579 # على النفل في مسألتنا وعلى صوم رمضان. # (فهو المشكل منه) أي من النوع الرابع (وهو حج الإسلام)، فوجه الإشكال فيه ~~من وجهين: # أحدهما- بالنسبة إلى سنة واحدة وهو أن أشهر الحج تشبه وقت الصلاة من حيث ~~إن الوقت يفضل عن الأداء؛ لأن الحج أركان معلومة تؤدى في أزمنة متعينة ~~وأمكنة متعينة فصار كوقت الصلاة، فصار الوقت ظرفا له، وتشبه وقت الصوم من ~~حيث إنه لا يسع فيها إلا حج واحد، فصار الوقت معيارا له، وفي وقته اشتباه ~~أيضا، فالحج فرض العمر ووقته أشهر الحج من PageV02P580 # سنة من سني العمر، فباعتبار أن أشهر الحج من السنين التي تأتي من عمره ~~كان الوقت يفضل عن الأداء فكان موسعا، ومن حيث إن ذلك من عمره محتمل في ~~نفسه لا يفضل فصار مضيقا، فلذلك صار أمره مشتبها. # (وأشهر الحج) من هذا العام بمنزلة يوم أدركه في حق قضاء رمضان يعني في حق ~~عدم التعيين. # وقيل: للحج شبه بأربعة أشياء: فإن له شبها بالظرف، وشبها بالمعيار، وشبها ~~بالمطلق، وشبها بالمؤقت، فمن حيث إنه لم يستوعب أشهر الحج كان له شبه ~~بالظرف، ومن حيث إنه لا يتأدى فيها إلا حج واحد كان له شبه بالمعيار، ومن ~~حيث إن العمر وقته كان له شبه بالمطلق عن الوقت كالزكاة، ومن حيث إنه لا ~~يتأدى إلا في وقت خاص كان له شبه بالمؤقت، فكان داخلا في أشكاله ms200 لذلك فكان مشكلا. # (ولا يصير كذلك إلا بشرط الإدراك)، في هذا نفي قول محمد- PageV02P581 # رحمه الله- فإنه يقول: العام الثاني مزاحم للأول، وإن لم يدركه كاليوم ~~الثاني مزاحم لليوم الأول في قضاء رمضان في حق عدم التعيين، فلا يتعين الذي ~~يليه إلا بتعينه بطريق الأداء. يعني لا بطريق القول لتعين أحد الأشياء ~~الثلاثة في باب كفارة يمين بالفعل دون القول، (ويصير الساقط بطريق التعارض PageV02P582 # كالساقط في الحقيقة). يعني أن الحياة والممات في السنة الآتية سواء؛ لأن ~~الموت في هذه المدة غير نادر كما أن الحياة غير نادر فاستويا فتعارضا فلا ~~يثبت إدراك العام الثاني فسقط بتعارض الحياة والممات. # فصار الساقط حقيقة، يعني صار كأن أشهر الحج لا توجد بعد هذا قط ولو كان ~~كذلك لا يحل له التأخير فكذلك هاهنا. # أو نقول: العام القابل معدوم، والعام الذي لحقه الخطاب به موجود، ~~والمعدوم لا يعارض الموجود، فسقط بطريق التعارض يعني بسبب أنه لم يصلح ~~معارضا له، فسقط كخبر الواحد لما لم يصلح معارضا للخبر المشهور فسقط، فصار ~~كأن خبر الواحد لم يرد البتة بسبب أنه لا يثبت موجبه بمقابلة الخبر ~~المشهور، ولا يقال: الحياة ثابتة في الحال، فتبقى كذلك عملا بالاستصحاب؛ PageV02P583 # لأنا نقول: الانفصال عن السنة الثانية ثابت في الحال، فيبقى كذلك عملا ~~بالاستصحاب، فتعارض استصحاب الحال مع استصحاب الحال فتساقطا. # (فيصير كوقت الظهر في التقدير) يعني كما أن تأخير صلاة الظهر عن وقتها لا ~~يحل، فكذلك تأخير الحج عن وقته لا يحل أيضا. إلا أن هناك يكون قضاء وهنا ~~يبقى أداء لبقاء وقته وهو وقت العمر، لكن في إثم التأخير صار كتأخير الصلاة ~~عن وقتها، ثم يحتمل أن تكون فائدة تعيين الظهر- وإن كان سائر أوقات الصلوات ~~كذلك هي أيضا- هي أول صلاة فرضت على النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك ~~افتتح محمد بن الحسن- رحمه الله- الجامع الصغير PageV02P584 # بذلك لهذا. # (بخلاف الصوم) أي بخلاف أيام قضاء الصوم التي أدركها، فإنه لو أخر قضاءه ~~عن اليوم الأول إلى الثاني من غير إثم، وهذا جواب عما قاله محمد- رحمه ms201 ~~الله- بقوله: كصوم القضاء وإلى العبد تعيينه. # (والتعارض) للحال قائم يعني أن الأيام كلها موجودة، والكل سواء في كونها ~~صالحة للقضاء فيها فتعارضت، وليس أحدها أولى من الآخر وإلى العبد تعيينه، ~~وفي بعض النسخ والتعارض (للحال غير قائم) يعني أن الموت لا يعارض الحياة؛ ~~لأن الموت في الغد من غير علامة نادر، فلم تتعارض الحياة والممات، فالحياة ~~ثابتة في الأيام كلها، فالوجه الأول من النسخ يرجع إلى تعارض الأيام في ~~الاستواء في المحلية، والوجه الثاني منها يرجع إلى الحياة والممات. # (ولا يلزم أن النفل بقي مشروعا) فوجه الورود هو أن الحج في السنة الواحدة ~~لا يؤتي به إلا مرة واحدة، فلو تعينت السنة الأولى لحج الإسلام على PageV02P585 # ما ذكره أبو يوسف كان ينبغي أن لا يبقى النفل مشروعا في السنة الأولى ~~كصوم رمضان، لما تعين في شهر رمضان انتفت مشروعية النفل. # فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما اعتبرنا التعيين احتياطا واحترازا عن ~~الفوت). يعني أن تعين حجة الإسلام في السنة الأولى إنما نشأ من جانب ~~الاحتياط والاحتراز عن الفوت لا من تعيين صاحب الشرع. بخلاف تعين صوم رمضان ~~في شهر رمضان. هو إنما نشأ من تعيين صاحب الشرع فاثر ذلك التعيين لعموم ~~ولاية صاحب الشرع بالنفاذ في سائر الصيامات في شهر رمضان سوى صومه. # (فظهر ذلك في حق الإثم لا غير) أي تعين حج الإسلام في السنة الأولى إنما ~~ظهر في حق الإثم أي يأثم بالتأخير لا في حق نفي النفل ولا في حق القضاء ~~بالتأخير إلى السنة الثانية. # فإن قلت: إن كان التأخير عن السنة الأولى التي أدرك المكلف الخطاب إلى ~~السنة الثانية موجبا للإثم لما أخر النبي عليه الصلاة والسلام عن السنة ~~الأولى التي أدركها الخطاب إلى أربع سنين، فإن فرضية الحج نزلت في سنة ست ~~من الهجرة، وحج رسول الله عليه الصلاة والسلام في سنة عشر منه. PageV02P586 # قلت: منع بعض مشايخنا- رحمهم الله- تأخير النبي عليه الصلاة والسلام من ~~السنة التي أدركه الخطاب، فقالوا: نزول فرضية الحج بقوله تعالى: {ولله على ms202 ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وإنما نزلت هذه الآية في سنة عشر، ~~وإنما النازل في سنة ست قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}. # وهذا أمر بالإتمام لمن شرع فيهن فلا يثبت به ابتداء الفرضية مع أن ~~التأخير إنما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، ورسول الله عليه الصلاة ~~والسلام كان يأمن من ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان الأحكام للناس، والحج من أركان ~~الدين، فأمن أن يموت قبل أن يبينه للناس بفعله. # ولأن تأخيره كان لعذر، وذلك أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويلبون ~~تلبية فيها شرك، وما كان التغيير ممكنا للعهد، حتى إذا تمت المدة بعث عليا- ~~رضي الله عنه- حتى قرأ عليهم سورة براءة، ونادى أن: "لا يطوفن بهذا البيت ~~بعد هذا العام مشرك ولا عريان" ثم حج بنفسه. PageV02P587 # ومن ذلك أنه كان لا يستطيع الخروج وحده بل يحتاج إلى أصحاب يكونون معه، ~~فلم يكن متمكنا من تحصيل كفاية كل واحد منهم ليخرجوا معه فلهذا أخره. هذا ~~كله مذكور في "المبسوط" في آخر باب الحج عن الميت وغيره. # (فأما أن يبطل اختيار جهة التقصير والمأثم فلا). ومعنى هذا أن الحج ~~عبادة، والعبادة فعل اختياري إذ لولا ذلك لما صلح أن تكون عبادة؛ لأن ~~العبادة فعل لو أتى بها يثاب على ذلكن ولو تركنها وهي فرض يعاقب عليه، ~~والفعل الجبري لا يصلح أن يكون عبادة. # ألا ترى أن وقت الظهر متعين لأداء الظهر بالإجماع ولا يبطل ذلك PageV02P588 # باختياره جهة ترك الظهر فكذلك هاهنا، ولهذا لو اشتغل بالتطوع في آخر وقت ~~الصلاة ولم يؤد الظهر جاز النفل، ويأثم بتأخير صلاة الظهر عن الوقت، فكذلك ~~هاهنا أشهر الحج من العام الأول تتعين للحج وبقي الوقت صالحا للنفل أيضا ~~ويأثم بتأخيره. # (ولا يلزم إذا أدرك العام الثاني). وجه الورود هو أن العام الأول لو تعين ~~لحج الإسلام عند وجود استطاعته في العام الأول لما صار العام الثاني متعينا ~~له أيضا عند التأخير إلى العام الثاني؛ لأن المتعين في وقت إذا فات وقته لا ms203 ~~يبقى متعينا على المكلف بالإتيان به إذا أدرك مثله في الزمان الثاني. كما ~~أن صوم رمضان إذا فات وقته وأدرك في العام الثاني شهر رمضان، وكذلك مفوت ~~الظهر إذا أدرك وقت الظهر من اليوم الثاني، وهاهنا يكون العام الثاني ~~متعينا أيضا لأداء حج الإسلام. # فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما عينا الأول لوقوع الشك) أي في إدراك العام ~~الثاني، (فإذا أدركه) ومثله من الشك موجود في العام الثاني يعني بأنه هل ~~يدرك العام الثالث أم لا؟ فتعين العام الثاني له كتعين الأول. إذ موجب ~~التعين هو الشك في الإدراك للعام الثاني وهو موجود فيه، فيثبت موجبه. PageV02P589 # (وأن الحج أفعال عرفت بأسمائها) كالوقوف والطواف والسعي والرمي، ~~(وصفاتها) ككيفية هذه الأفعال من صفة الوقوف والطواف والسعي والرمي وغيرها ~~(لا بمعيارها) بخلاف الصوم، فإنه عرف بمعياره حتى عرف به، فقيل في جواب ~~السائل ما الصوم؟ هو: عبارة عن الإمساك من المفطرات الثلاث نهارا مع النية. # وأما الصلاة والحج فيعرفان بأسمائهما، فيقال في جواب ما الصلاة؟ هي عبارة ~~عن قيم وركوع وسجود، ولا يقال هي صلاة الظهر أو صلاة العصر أو غيرهما وكذلك ~~في الحج. # (وقال الشافعي- رحمه الله- لما عظم أمر الحج)؛ لأن الله تعالى قال: {ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين} مقام قوله: ومن لم يحج وغيره من الوعيد ~~(استحسنا في الحجر عن التطوع)، فإن عند الشافعي من لم يحج حج الإسلام إذا ~~نوى النفل في الحج لا يقع عن النفل بل يقع عن حجة الإسلام. PageV02P590 # فإن قلت: ما وجه الفرق له بين من نوى صوم النفل في شهر رمضان وبين من نوى ~~حج النفل هاهنا، فهناك يلغو نيته ولا يجوز صومه لا عن الفرض ولا عن النفل، ~~وهاهنا يقع عن الفرض ولا يقع عن النفل. # قلتك أما إلغاء نية النفل هاهنا، فبسبب ما ذكر في الكتاب هو معنى الحجر ~~عن نية النفل؛ لأنه لم تحمل المشاق وحضر موضع الوقوف بعرفات، ونوى النفل مع ~~أن عليه حج الإسلام في ذمته ولا يعلم حياته إلى ms204 السنة الآتية كان سفيها؛ ~~لترك الشفقة على نفسه والسفيه يحجر عنده، فلما لغا نية النفل بسبب الحجر ~~بقي مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأدى الفرض بالإجماع. # أو نقول: إنما ألغيت نية النفل؛ لأن النفل عبارة عن الزيادة في العبادة ~~ولا يتصور ذلك قبل الأصل، فإذا لغت نية النفل بقي مطلق نية الحج وبه يتأدى ~~الفرض، وهذا لأن بإلغاء نية النفل لا ينعدم أصل نية الحج؛ لان الصفة تنفصل ~~عن الأصل في هذه العبادة. # ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة لا ينعدم أصل الإحرام، فإن من فسد حجه يمضي ~~في أفعاله كمن لم يفسد حجه. # أما الصوم فإن الصفة هناك لا تنفصل عن الأصل. # ألا ترى أنه بانعدام صفة الصحة ينعدم أصل الصوم، فلذلك لما بطلت هناك نية ~~النفل وهو الوصف الأصلي بطل أصل الصوم، ولأن نية النفل لما PageV02P591 # بطلت في صوم رمضان بسبب أن شهر رمضان لم يشرع فيه غير صومه بقي مطلق نية ~~الصوم من غير تعيين صوم رمضان، وقد ذكرنا أن صوم رمضان لا يتأدى عنده بمطلق ~~نية الصوم، لما أن تعيين النية في أصل الصوم ووصفه شرط عنده، ولأن الصوم لا ~~يتأدى بدون العزيمة، والحج قد يتأدى من غير عزيمة، فإن المغمى عليه يحرم ~~عنه أصحابه فيصير هو محرما. # وقوله: (ومثل هذا مشروع) أي الحجر في الحج مشروع، ثم أوضح الحجر فيه ~~بقوله: (فإنه صح بإطلاق النية وصح أصله بلا نية)، والرجل يحرم عن أبويه ~~فيصح، وإن لم توجد العزيمة منهما. إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # (ولكنا نقول: الحجر عن هذا يفوت الاختيار، وهو ينافي العبادة) يعني أن ~~الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري لأن ما لا اختيار للعبد فيه لا يصلح أن ~~يكون طاعة أو عصيانا؛ لأن المقصود من الابتلاء تكليف العبد ليجب عليه الفعل ~~الاختياري، أو يجب عليه الانتهاء عن الفعل الاختياري PageV02P592 # ليصير مطيعا إذا أطاع فيثاب عليه، ويصير عاصيا إذا لم يطع فيعاقب عليهن ~~وهذا إنما يحصل إذا كان للعبد اختيار. # وقال الإمام ms205 شمس الأئمة- رحمه الله- وفي إثبات الحجر بالطريق الذي قاله ~~انتفاء اختياره، وجعله مجبورا فيه، وهذا ينافي أداء العبادة، فيعود هذا ~~القول على موضوعه بالنقض. # يعني أن الشافعي يسعى بهذا القول إلى تحقيق العبادة على وجه لا يبقى عليه ~~وجوب عبادة حجة الإسلام، فيلزم منه نقض العبادة، فيبقى في عهدة فرض حجة ~~الإسلام. # وقوله: (فأما الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه) احتراز عن الشرط وهو ~~الإحرام، يعني أن الأفعال وهي؛ الوقوف بعرفة والطواف بالبيت وغيرهما لابد ~~أن يجري تلك الأفعال على بدن المغمى عليه بان أحضر هو بعرفات وطيف به حول ~~البيت بخلاف الإحرام، فإنه يكون محرما بإحرام PageV02P593 # الغير عنه، لأن الإحرام شرط والشرط قد يتحقق بفعل الغير. # وأما المشروط وهو الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه، فإذا نوع النفل فقد ~~صرح بأنه لم يحج عن الفرض، فإذا وقع عن الفرض وقع من غير اختياره فلا يقع ~~مجزيا عنه؛ لأنه لم توجد العبادة. # فإن قيل: إذا أغمي عليه، ووقفوه بعرفات وطافوا به حول البيت أجزاه، ولم ~~يوجد منه الاختيار البتة؛ لأنه لا علم له ولا قدرة. # قلنا: إنما يجوز منه على أن له فيه اختيارا لا على أنه فيه مجبور؛ لأن ~~مرافقته أصحابه استعانة منهم أن يعينوه فيما يعجز هو عن تحصيله، وهذا منهم ~~إعانة فصح بدلالة الأمر، فيكون اختيارا تقديرا. # ألا ترى أن الزكاة عبادة محضة وقد تتأدى بالنائب كالوكيل إذا أدى الزكاة ~~والموكل مغمي عليه، والورثة يؤدون الزكاة بإيصاء المورث صح عنه وهو ميت ~~ويكون فعلهم كفعله، وقوله: "بدلالة الأمر" وهو خروجه إلى سفر الحج مع رفقاء ~~يريدون الحج. # وقوله: (لمعنى في المؤدي لا في المودي) بخلاف الإطلاق في الصوم، فإن فرض ~~الوقت يتعين فيه بدلالة في المؤدى باعتبار أنه لا مزاحم له في وقته وفي ~~إطلاق النية إلى حجة الإسلام لا إلى النفل لمعنى في المؤدي كما في (نقد ~~البلد)، فإنه إذا كان في البلد نقود مختلفة ينعقد البيع على الأروج PageV02P594 # عند الإطلاق لمعنى في المؤدي، وهو ms206 تيسر إصابتهن إلا إذا عين غيره صريحا. # [الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم التراخي] # (وأما المطلق عن الوقت) مثل وجوب الزكاة وصدقة الفطر والعشر. # (على ما أشرنا إليه) أي قبل هذا بورق أو نحوه بقوله: وقال الكرخي وجماعة ~~من مشايخنا: إن هذا يرجع إلى آخره. # (ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص. PageV02P595 ### || AUTO [باب النهي] # لأن النهي له صيغة معلومة ومعنى معلوم على الانفراد؛ لأن النهي هو المنع ~~عن الشيء بأبلغ الوجوه كالأمر هو الدعاء إلى الشيء بأبلغ الوجوه على سبيل ~~الاستعلاء قولان والنهي ضد الأمر فيكون على خلاف هذا. وحكمه: PageV02P596 # وجوب الانتهاء وبقاء المنهي عنه على العدم. # ويثبت القبح اقتضاء للنهي شرعا لا لغة كالأمر يقتضي الحسن شرعا لا لغة؛ ~~لأن الأمر والنهي كل واحد منهما يجيء في الحسن بعينه والقبيح بعينه ومعلوم ~~أن النهي عن الحسن بذاته ليس بحكمة وكذا الأمر بالقبيح ليس بحكمة، والشارع ~~عليم حكيم لا يأمر إلا بالحسن، ولا ينهي إلا عن القبيح، واقتضاء الأمر ~~الحسن والنهي القبح كان من حكمة الشارع لا من اللغة. PageV02P597 # ثم هو الحجر لغة لكن الفرق بينهما في الاصطلاح هو أن في الحجر تصرف إنسان ~~على غيره بالمنع على وجه لا يبقى لتصرفه اعتبار أصلا. كالقاضي إذا حجر ~~الغير عن تصرف البيع والشراء وغيرهما لا ينفذ تصرفه أصلا. # وأما النهي فلا ينفي نفاذ تصرف المنهي عما نهي عنه، فبعد ذلك اختلف ~~العلماء في كيفية نفاذ التصرف بحسب المحال التي وقع فيها النهي. وذكر ~~المصنف- رحمه الله- هذا الباب لبيان ذلك فقال: # (النهي المطلق نوعان): أي النهي الذي لم يقيد بأن المنهي عنه قبيح لعينه ~~أو لغيره نوعان: إذ المطلق هو المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا ~~بالإثبات، أو الفعل الذي يتصور فيه النهي ويتحقق نوعان: # (نهي عن الأفعال الحسية)، فالأفعال الحسية هي: ما يتوقف وجوده وعرفانه ~~على الحس (كالزنا وشرب الخمر والقتل)، فإنها تتحقق حسا ممن يعلم الشرع وممن ~~لا يعلم، ولا يتوقف وجودها على الشرع. # (والأفعال الشرعية)، هي: ما يتوقف حصوله ms207 وعرفانه على الشرع (كالصلاة) ~~وغيرها، فإنها لغة الدعاء ثم زيد عليه أشياء شرعا، فصارت PageV02P598 # صلاة عرف ذلك بالشرع، وكذلك (الصوم) فإنه لغة الإمساك وزيد عليه أشياء ~~شرعا من اشتراط النية والوقت والطهارة من الحيض والنفاس، وقوله: (وما أشبه ~~ذلك) كالطلاق والعتاق والوكالة والمضاربة. # (فالنهي عن الأفعال الحسية دلالة على كونها قبيحة في أنفسها لمعنى في ~~أعيانها بلا خلاف)؛ لأن النهي أضيف إلى الفعل الحسي، والنهي الصادر من ~~الحكيم يقتضي قبحا ضرورة على ما ذكرنا، ثم لو كان قبيحا لغيره لكان القبيح ~~ذلك الغير في الحقيقة لا هون فلا يجوز أن يكون ما لم يضف إليه النهي قبيحا. # وما أضيف إليه النهي لا يكون قبيحا بخلاف الأفعال الشرعية على ما نبين إن ~~شاء الله تعالى. # (إلا إذا قام الدليل على خلافه) فحينئذ يقتضي القبح لمعنى في غيره كقوله ~~تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} وقد علم أن النهي كان لمعنى مجاور للمحل لا ~~لذاتهن وهو استعمال الأذى بدليل سباق الآية وهو قوله PageV02P599 # تعالى: {قل هو أذى} وكذلك قيل: لا يبطل به إحصان حد القذف، ويثبت به ~~إحصان حد الرجم، ويثبت الحل للزوج الأول بهذا الوطء. # علم بهذه الأحكام أن هذا الوطء مشروع في نفسه ولكن القبح لمعنى في غيره. # وكذلك قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} وقوله: {فلا تاخذوا منه ~~شيئا} فالنهي في الأول باعتبار السفه، وفي الثاني باعتبار أن النشوز من ~~جانب الزوج. # والدليل عليه إطلاق قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت} وكذلك (نهي ~~النبي عليه السلام عن المشي في نعل واحد) لم يكن لقبح في عينه ولكن كان ذلك ~~تعليما للأدب. # ونظيره في العرف ما إذا قال الطبيب للمريض: لا تأكل اللحم، وما لو PageV02P600 # قيل: لا تأكل هذا اللحم، وقد عرف أنه مسموم، فحينئذ يكون الأكل قبيحا لغيره. # (فيجب إثبات ما احتمله النهي وراء حقيقته على اختلاف الأصول) أي يجب ~~إثبات محتمل النهي عند قيام الدليل على أن المراد به محتمل النهي لا موجبه ~~وكذلك عند الشافعي. وأما في ms208 حق إثبات موجب النهي لا يحتاج إلى إقامة ~~الدليل. # بيان هذا أن النهي عن الأفعال الشرعية إذا صدر من الحكيم يثبت القبح في ~~المنهي عنه لا محالة بطريق الاقتضاء بلا خلاف. # لكن عندنا يقتضي القبح لمعنى في غير المنهي عنه على وجه يبقى المنهي عنه ~~مشروعا إلا إذا قام الدليل على كون المنهي عنه قبيحا لعينه كما في قوله ~~تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} وكبيع الملاقيح والمضامين ففي هذه ~~المواضع المنهي عنه قبيح لعينه فلم يبق مشروعا، فكانت صورة النهي في هذه PageV02P601 # المواضع ومثلها مجازا عن النفي، فكانت إخبارا عن التحريم لكن هذا عندنا ~~محتمل النهي لا موجبه مطلقا، وعند الشافعي يثبت القبح بمطلق النهي على وجه ~~لا يبقى المنهي عنه مشروعا فيكون قبيحا لعينه وهو موجب النهي عنده. إلا إذا ~~قام الدليل على كونه قبيحا لغيره كالبيع وقت النداء. # فالحاصل أن ما هو موجب النهي المطلق عندنا فهو محتمل النهي عند الشافعي، ~~وما هو موجب النهي عنده فهو محتمل النهي عندنا وهو معنى قوله: فيجب إثبات ~~ما احتمله النهي وراء حقيقته على اختلاف الأصول والاستثناء في قوله: (إلا ~~أن يقوم الدليل) راجع إلى المذهبين. # (فمن قال بأنه يكون مشروعا في الأصل قبيحا في الوصف يجعله مجازا في الأصل ~~حقيقة في الوصف). يعني الأصل أن النهي إذا أضيف إلى شيء أي إذا تعدى فعل ~~النهي إليه يكون ذلك الشيء منهيا عنه وقبيحا، فمن جعل ما لم يضف إليه النهي ~~منهيا عنه وقبيحا جعله مجازا، وفيما نحن فيه أضاف النهي إلى الصوم فينبغي ~~أن يكون هو منهيا عنه وقبيحا لإضافة النهي إليه، ولم يضف النهي إلى ما هو ~~وصف الصوم على ما قال الخصم، فلو كان القبح ثابتا في الوصف دون الأصل يكون ~~الوصف حقيقة في كونه منهيا عنه مع أنه لم يضف إليه النهي، والمنهي عنه وهو ~~الصوم لا يكون قبيحا مع أن PageV02P602 # النهي أضيف إليه ولا يكون (هذا إلا عكس الحقيقة وقلب الأصل)؛ لأن الأصل ~~أن يكون الأصل ms209 أصلا والوصف تبعا، وفيما قالوا: جعل الأصل تبعا والتبع أصلا ~~وهو قلب الأصل. # ثم العمل بحقيقة الأمر واجب حتى يكون حسنا لمعنى في عينه إلا بدليل أي ~~حينئذ يكون الأمر حسنا لمعنى في غيره كالأمر بالوضوء، وقوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين}. # (وهذا لأن المطلق في كل شيء يتناول الكامل منه) أي الكامل في مسمى ذلك ~~الشيء المطلق لا الزائد على ذلك المسمى. كالرجل يتناول ذكرا من بني آدم ~~جاوز حد البلوغ هذا مسمى مطلق الرجل، ولكن لا يحتاج إلى أن يكون عالما ~~مجتهدا أو حافظا (للجامعين) و (الزيادات) لأن ذلك غير داخل في مسمى الرجل. PageV02P603 # {شرع لكم} أي بين المسلك وفتح الطريق إلى مرضاته. # (فصار النهي عن هذه التصرفات نسخا) أي بيانا لانتهاء مدة المشروعية هذا ~~هو النسخ فصار النهي عن هذه التصرفات نسخا (بمقتضاه) وهو التحريم السابق. ~~إنما وصف التحريم بالسبق؛ لأن قبل ورود النهي لابد للناهي PageV02P604 # من إرادة التحريم قبل أن يخاطب المكلف بالنهي، حتى يتحقق النهي بمقتضاه ~~وهو قبح المنهي عنه. يعني إنما صار النهي نسخا بما اقتضاه النهي من القبح ~~والحرمة، وهذا لأن النهي عن المشروع. وهو مشروع لا يصح، فيثبت القبح ~~والحرمة سابقين على النهي بزمان ليصح النهي. # وقوله: (ولهذا لم تثبت حرمة المصاهرة) هذا إيضاح معنى الجمع بين المعصية ~~والمشروعية، وحرمة المصاهرة عبارة عن حرمة الموطوءة على آباء الواطئ ~~وأبنائه، وحرمة أمهات الموطوءة وبناتها على الواطئ. PageV02P605 # (ولا يلزم إذا جامع المحرم أو أحرم مجامعا) يعني إذا أحرم في حالة الجماع ~~يصير محرما مع أن الإحرام في حالة الجماع منهي عنه، فورد هذا على ما ذكر ~~نقضا وهذا ظاهر. # وأما إذا جامع المحرم فيرد عليه أيضا، وهو أن الجماع مفسد للإحرام ومع ~~ذلك بقي الإحرام بعد الجماع مفيدا للأحكام كالإحرام الصحيح، حتى لو ارتكب ~~شيئا من محظورات الإحرام من قتل الصيد وحلق الرأس وقلم الأظفار كان موجبا ~~للدم، فاجتمع الفساد والمشروعية، فجاز أن يجتمعا فيما ذكر خصومك. والجواب ~~للشافعي عن هذا: أن الإحرام منهي حالة الجماع ms210 لا لعين الإحرام بل للجماع، ~~والجماع غير الإحرام لا محالة، فلم يمنع انعقاد الإحرام وصحته (لكنه ~~محظور)، فصار مفسدا للإحرام بعد ما صح وانعقد. # وقوله: (لكنه محظور) جواب إشكال وهو أن يقال: لما كان معنى الجماع غير ~~الإحرام ينبغي ألا يفسد إحرامه فاستدرك، وقال: (والجماع غيره ولكنه محظورة) ~~فلذلك (صار مفسدا) للإحرام يعني أن الفساد نشأ من هذا وهو PageV02P606 # المحظورية، وهذا أيضا يصير جوابا عن النقض الآخر. يعني فسد الإحرام ~~بالجماع الواقع بعد الإحرام، ولكن الإحرام لازم شرعا لا يحتمل الخروج ~~باختيار العبد ففسد وبقي مشروعا للزومه. # (ولم ينقطع بجنايته) وهي الجماع؛ لأن بقاءه مع ارتكاب هذه الجناية ضرب ~~عقوبة، فلذلك لم ينقطع بجنايته لأن انقطاع الإحرام بجنايته نوع نعمة فلا ~~يصلح أن يكون ذلك أثر الجناية، (وكلامنا فيما ينعدم شرعا لا فيما لا ينقطع ~~بجناية الجاني). يعني أن النزاع فيما إذا ورد النهي ابتداء عما هو مشروع ~~أيبقى هو مشروعا شرعا أم ينعدم شرعا؟ ولا نزاع فيما إذا جني على المشروع هل ~~يبقى بعد جنايته للزومه أم ينقطع بجنايته؟ # (ولا يلزم الطلاق في الحيض). يعني هو منهي عنه مع كونه مشروعا (لمعنى في ~~غيره) أي لمعنى في غير الطلاق (وهو الضرر على المرأة بتطويل العدة) يعني أن ~~الطلاق في حالة الحيض إضرار بالمرأة؛ لأن هذه الحيضة لا تحتسب من العدة ~~فتطول العدة عليها، (أو بتلبيس أمر العدة عليها) فإنه إذا طلقها في طهر ~~جامعها فيه إضرار بها بتلبيس أمر العدة عليها؛ لأنها لا تدري PageV02P607 # أن الوطء وقع معلقا فتعتد بالحبل أو غير معلق فتعتد بالحيض، وهذا على ~~مذهبه أظهر؛ لأن الحامل عنده تحيض فازداد الاشتباه، فكان قوله: (بتطويل ~~العدة) متعلقا بقوله: (ولا يلزم الطلاق في الحيض) وقوله: (أو بتلبيس أمر ~~العدة) متعلقا بقوله: (أو في طهر الجماع). # (ولنا ما احتج محمد-رحمه الله- في كتاب الطلاق أن صيام العيد وأيام ~~التشريق منهي عنه، والنهي لا يقع على ما لا يتكون). ذكر هذا التعليل على ~~هذا الوجه في طلاق (المبسوط) وفي باب ms211 الرد على من قال: إذا طلق لغير السنة ~~لا يقع، فقال: وهذه المسألة مختلف بيننا وبين الشيعة على فصلين: # أحدهما: أنه إذا طلقها في حالة الحيض أو في طهر قد جامعها فيه يقع الطلاق ~~عند جمهور الفقهاء، وعندهم لا يقع. PageV02P608 # والثاني: إذا طلقها ثلاثا جملة عندنا يقع ثلاثا، والزيدية من الشيعة ~~يقولون: تقع واحدة، والإمامية يقولون: لا يقع شيء، وحجتنا في ذلك حرفان: # أحدهما: أن النهي دليل ظاهر على تحقق المنهي عنه؛ لأن النهي عما لا يتحقق ~~لا يكون. # والثاني: النهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يعدم المنهي عنه ~~كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة. # (وبيانه أن النهي يراد به عدم الفعل مضافا إلى اختيار العباد) PageV02P609 # إلى آخره. # بيان هذا أن الله تعالى جعل الدنيا دار ابتلاء وجعل الآخرة دار جزاء، ~~وخلق الجنة والنار، وخلق للنار فريقا، وخلق للجنة فريقا، وقال: {لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين} وقد كان علم بكل ما يوجد من العباد، فأمر ~~العباد بأفعال ونهاهم عن أفعال تحقيقا لما أخبر وما علم منهم ليجب عليهم ~~الائتمار بما أمروا، ويجب عليهم الانتهاء عما نهوا عنه. # حتى أن من أطاع استحق الجنة بفضله، ومن عصى استحق النار بعدله، وإنما ~~تتحقق الطاعة والعصيان إذا كانت أفعالهم اختيارية؛ لأن العقاب على ما لا ~~مدخل للعبد فيه لا يجوز، فإذا امتنعوا عن تحصيل ما نهوا عنه صاروا مطيعين، ~~وذلك إنما يكون إذا كان المنهي عنه مما يتصور أن يوجد، فإذا امتنعوا بقي ~~الفعل على العدم بناء على امتناعه، ثم إن كان المنهي عنه حسيا يتصور وجوده ~~حسا، وإن كان شرعيا يتصور وجوده شرعا. ليتصور الامتناع عن العبد ليبقى ~~المنهي عنه على العدم بناء على امتناعه، وهذا هو حقيقة موجب النهي. # وأما النسخ فبيان أن المنسوخ لم يبق مشروعا ولا يتصور وجوده شرعا PageV02P610 # كالتوجه إلى بيت المقدس. # وحل الأخوات، فإنه لم يبق مشروعا البتة فصار باطلا، ولا يمكن وجوده شرعا، ~~فامتناع الرجل عن ذلك بناء على عدم المشروعية ولا ms212 يتعلق ذلك باختيار العبد ~~فكانا بمنزلة النقيضين. # إذ الأصل في أحدهما فرع في الآخر، والفرع في أحدهما أصل في الآخر، فإن ~~عدم فعل العبد لعدم شرعيته في النسخ أصل وامتناع العبد فرع عليه، وامتناع ~~العبد في النهي أصل وعدم الفعل فرع عليه، فلا يصح الجمع بينهما بحال. # فالنظر إلى حكم النهي يوجب صحة ما ذكرنا وفساد ما ذهب إليه الخصم، وكذلك ~~النظر إلى مقتضى النهي وهو القبح. بيانه أن النهي الوارد من الحكيم يقتضي ~~قبح المنهي عنه لصحة النهي، فكان ثبوت القبح في المنهي عنه شرطا لصحة النهي ~~ثابتا بطريق الاقتضاء، فكان ثابتا بالضرورة فيجب إثباته على قدر ما ترتفع ~~به الضرورة، وذلك فيما قلنا: وهو أن يجعل القبح وصفا للمشروع فلا يجوز ~~إثبات القبح وهو المقتضى- بفتح الضاد- على وجه يبطل به المقتضي- بكسر ~~الضاد- وهو النهي، وما قاله الخصم يؤدي إلى هذا؛ لأنه أثبت القبح في المنهي ~~عنه لعينه، وفيه إبطال النهي وهو المقتضي، وفي إبطال PageV02P611 # المقتضي إبطال المقتضى فكان مثبتا القبح على وجه يبطل به القبح. # فثبت بهذا الذي ذكرنا أنه هو القائل بقلب الأصول وعكس المعقول لا نحن، ~~وفيما ذكرنا رعاية منازل المشروعات؛ لأن الدليل دل على إثبات القبح في ~~النهي على ما ذكرنا من ثبوته ضرورة، ودل الدليل أيضا على إثبات مشروعية ~~المنهي عنه على ما ذكرنا. # وفيما ذكر إهدار بعض الأدلة لما أن منازل المشروعات متفاوتة. صحيحة ~~وفاسدة ومكروهة، وفيما ذكر إبطال هذه الرعاية بخلاف الأفعال الحسية حيث ~~يثبت القبح فيها لأعيانها؛ لأنها متصورة الوجود بل متحققة الوجود مع كمال ~~القبح فيها وثبوت القدرة للعبد على تحصيلها بخلاف الأفعال الشرعية. # ومثال الفرق الواضح بين النهي عن الأفعال الحسية وبين النهي عن الأفعال ~~الشرعية، ما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي-رحمه الله- بقوله: # وبيان هذا في قوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة} فإنه كان تحريما لفعل ~~القربان ولم يكن تحريما لعين الشجرة، وكما لا يتصور تحريم قربان PageV02P612 # الشجرة بدون الشجرة، لا يتحقق تحريم أداء الصوم في وقت ليس فيه صوم ms213 ~~مشروع، وبهذا الحرف يتبين الفرق بين الأفعال الحسية والأفعال الشرعية، فإنه ~~ليس من ضرورة حرمة الأفعال الحسية انعدام التكون. # فقلنا: تأثير التحريم في إخراجها من أن تكون مشروعة أصلا وإلحاقها بما هو ~~قبيح لعينه، ومن ضرورة تحريم الأفعال الشرعية بقاء أصلها مشروعا إذ لا تكون ~~لها إذا لم تبق مشروعة، وبدون التكون لا يتكون تحريم فعل الأداء، وكذلك في ~~العبادات فكان في إبقاء المشروع مشروعا مراعاة حقيقة النهي لا أن يكون تركا ~~للحقيقة # فإن قيل: عند النهي كان الصوم متصورا شرعا فكفى ذلك التصور لصحة النهي ~~فلا حاجة إلى بقائه مشروعا بعد ذلك. # قلنا: النهي إنما كان لإعدام المنهي عنه من قبل المنهي في المستقبل ~~كالأمر للإيجاد في المستقبل فلا بد أن يتصور وجوده شرعا في المستقبل ليتحقق ~~الانتهاء بالنهي كما في الأمر، ولا يكون ذلك إلا ببقائه مشروعا في المستقبل ~~حتى يكون المنهي عنه موجودا في المستقبل، ولا يكون ذلك إلا بكونه مشروعا في ~~المستقبل. PageV02P613 # ثم معنى إسناد الإرادة إلى عدم الفعل في قوله: (إن النهي يراد به عدم ~~الفعل) إلى آخره. # قال الإمام العلامة مولانا شمس الكردري-رحمه الله- المراد من النهي ~~المطلق والأمر المطلق وجوب الانتهاء ووجوب الائتمار في حق الكل، فأما حصول ~~المأمور به في حق من علم الله تعالى أنه يأتمر بأوامره مراد الله تعالى وفي ~~حق من علم أنه لا يأتمر بأوامره حصول المأمور به ليس مراد الله تعالى، ~~والامتناع عن المنهي عنه مراد الله تعالى في حق من علم أنه يمتنع عن تحصيل ~~المنهي عنه. # وأما في حق من علم أنه لا يمتنع عن تحصيل المنهي عنه فالامتناع عنه غير مراد. # وفيما ذكرنا تحقيق أخباره من نحو قوله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} وهذه الآية تدل على أن المعاصي بإرادة الله وتحقيق علمه، ~~وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة بناء على أن المعاصي والطاعات وجميع ~~الحادثات بإرادة الله. # ولما كان كذلك كان قوله في الكتاب: (إن النهي يراد به عدم الفعل) محتاجا ~~إلى ms214 التأويل، وتأويله ما ذكرنا من أن ذلك مصروف إلى من علم الله PageV02P614 # منه الامتناع عن مباشرة المنهي عنه، وأما في حق الكل فالمراد من النهي ~~إيجاب الانتهاء لا حصول الانتهاء. # وقوله: (فيعتمد تصوره) أي فيقتضيه. (بين أن يكف عنه) أي يمتنع عنه. ~~(ليصير امتناعه) أي امتناع العبد. (على عدمه) أي على عدم كونه مشروعا. # (وفي النهي يكون عدمه أي عدم الفعل بناء على امتناعه) أي امتناع العبد ~~(وهما في طرفي نقيض)؛ لأن الأصل في أحدهما فرع في الآخر على ما ذكره، (فلا ~~يصح الجمع بحال) أي لا يصح الجمع بين النهي والنسخ أي لا يصح أن يكون النهي ~~نسخا فيه. رد لقول الشافعي؛ لأنه يلزم على قوله أن يكون النهي نسخا. # (والحكم الأصلي في النهي ما ذكرنا) هو قوله: إن النهي يراد به عدم الفعل ~~مضافا إلى اختيار العباد) إلى آخره (مقتضى به) أي القبح ثبت بطريق الاقتضاء ~~بالنهي؛ لأن قبح المنهي عنه إنما نشأ من ضرورة حكمة الناهي لما أن PageV02P615 # الناهي إذا كان حكيما لا ينهى عن شيء إلا إذا كان في ذلك الشيء قبح، فوجب ~~إثبات القبح على وجه يبقى النهي ببقائه وذلك إنما يكون إذا كان القبح في ~~وصف المشروع لا في عينه. إذ لو كان في عينه لا يبقى وجود المنهي عنه؛ لأن ~~وجوده شرعيته، فحينئذ لا يبقى النهي نهيا بل يكون نسخا، وهو معنى قوله: ~~(فلا يجوز تحقيقه على وجه يبطل به ما أوجبه). # وقوله: تحقيقا لحكمه (أي لحكم النهي وهو وجوب الانتهاء، فكان تابعا أي ~~فكان القبح تابعا، فلا يجوز أي تحقيق القبح على وجه يبطل بذلك تحقيق ما ~~أوجب النهي واقتضاه. # (فيصير المقتضى دليلا على الفساد بعد أن كان دليلا على الصحة) أي فيصير ~~حينئذ أي حين تحقيق القبح على وجه يبطل به النهي دليلا على فساد النهي بعد ~~أن كان دليلا على صحة النهي؛ لأنه لما كان مقتضيا للنهي على الوجه الذي ~~قررنا كان دليلا على صحة النهي، ثم لو قلنا بأن ms215 القبح في عين المنهي عنه ~~كان النهي نسخا ولم يبق النهي نهيا، فكان تحقيق القبح على ذلك الوجه دليلا ~~على فساد النهي وهو المقتضي. # (بل يجب العمل بالأصل في موضعه) أي بل يجب العمل بأصل النهي في موضع ~~النهي، وهو أن يكون عدم الفعل بناء على امتناع العبد لا بناء على PageV02P616 # عدم مشروعيته عن المنهي عنه. # (فتنعدم لما قلنا) أي في طرف الشافعي. (يحتمل هذا الوصف) أي وصف الفساد. # (والمشروع يحتمل الفساد بالنهي كالإحرام الفاسد)، فإن قلت: هذا النظير ~~إنما يستقيم لما ادعاه المصنف أن لو لم يكن الشافعي أجاب عن هذا، وقد أجاب ~~فيما تقدم بقوله: (والإحرام لازم شرعا لا يحتمل الخروج باختيار العباد) إلى ~~آخره وكذلك قاس النهي على الأمر بأن كل واحد منهما حقيقة فيما اقتضاه، ثم ~~مطلق الأمر محمول على أن المأمور به حسن لمعنى في عينه فيجب أن يكون ضده ~~النهي محمولا على أن المنهي عنه قبيح لمعنى في عينه، فلا بد من وجه الدفع ~~لجوابه ووجه الفرق لجمعه، حتى يسلم لنا ما تمسكنا به. # قلت: أما الدفع لجوابه فهو أن يقول: إن الذي ذكره من الجواب يرجع PageV02P617 # إلى تحقيق ما قلنا وهو: أن فساد الإحرام بالجماع مع مشروعية أصله حكم ~~ثابت شرعا، وللشرع ولاية إعدام أصل الإحرام، فلو كان من ضرورة صفة الفساد ~~انعدام الأصل في المشروعات لكان الحكم بفساده شرعا معدما لأصله. # ألا ترى أن بسبب الردة ينعدم أصل الإحرام فعلم بهذا أن أصل الإحرام قابل ~~للبطلان باختيار العباد، فلو كان من ضرورة قبح صفة المشروع فساد أصله لما ~~بقي هنا الإحرام مع الفساد، وقد بقي أصله مشروعا مع فساد وصفه. # علم بهذا أن ليس من ضرورة الفساد في وصف المشروعات، الفساد في أصلها مع ~~احتمال فساد الأصل. # وأما الفرق لجمعه فظاهر، وهو أن من جعل الحسن في عين المأمور به لا يلزم ~~بطلان الأمر، ومن جعل القبح في عين المنهي عنه يلزم بطلان النهي على ما ~~ذكرناه. # وهذا لأن مطلق الأمر يوجب ms216 حسن المأمور به لعينه؛ لأنه طلب الإيجاد بأبلغ ~~الجهات، فكان في إثبات صفة الحسن بمقتضى الأمر على هذا الوجه تحقيق المأمور به. # فأما النهي فطلب الإعدام بأبلغ الجهات، ولكن مع بقاء خيار العبد فيه PageV02P618 # ليكون مبتلى كما في الأمر، وتحقيق بقاء الخيار إنما يكون إذا كان انعدام ~~الفعل بناء على امتناع العبد عنه بالاختيار حتى يثاب عليه لا أن يكون ~~انعدام الفعل بناء على عدم المشروعية كما في النسخ. إلى هذا كله أشار ~~الإمام شمس الأئمة السرخسي-رحمه الله-. # (والطلاق الحرام) بأن طلقها في حالة الحيض حتى انتقص به عدد الطلاق ولزمت ~~الرجعة، فترتب حكم الطلاق عليه دليل على شرعيته، ولزوم المراجعة عليه دليل ~~على فساده رعاية لمنازل المشروعات، فإن الأحكام المشروعة تتفاوت شرعيتها ~~بحسب كمال أسبابها ونقصانها، ولو لم نقل بالفساد لا نكون قائلين بمنازل ~~المشروعات أجمع من صحيح وفاسد PageV02P619 # ومكروه ومحافظة لحدودها وهي حد النهي والنسخ والمقتضي والمقتضى، وتلك ~~المحافظة إنما تكون فيما قلنا لا فيما قاله الشافعي؛ لأن فيما قاله لا يبقى ~~النهي نهيا ولا المقتضي والمقتضى على حقيقتهما. # (لأن البيع بالخمر منهي عنه بوصفه وهو الثمن)؛ لأن الأصل في وجود البيع ~~وصحته هو المبيع. # ألا ترى أن المبيع لو لم يكن مقدور التسليم لا يجوز البيع بخلاف الثمن، ~~فإن القدرة على تسليم الثمن ليست بشرط لصحة البيع، فإن الفقير المعدم إذا ~~اشترى أشياء كثيرة نفيسة بأثمان غالية صح البيع، ولو كان الثمن أصلا فيه ~~لما صح البيع كما في جانب المبيع. # وكذلك في حق صحة الإقالة لا يشترط بقاء الثمن ويشترط بقاء المبيع، PageV02P620 # ويجوز الاستبدال بالثمن دون المبيع، وهذا كله آية لأصالة المبيع وعدم ~~أصالة الثمن في البيع، ولكن مع ذلك لا يصح البيع بدون ذكر الثمن المعلوم، ~~فكان جاريا مجرى الأوصاف، فلذلك كان الفساد المتمكن في الثمن مفسدا للبيع ~~كما في بيع الثوب أو العبد مثلا بالخمر بخلاف بيع الخمر بالدراهم أو ~~الدنانير، فإنه باطل لا فاسد لتمكن الفساد في المبيع الذي هو الأصل. # (لأن الخمر ms217 مال)؛ لأنها داخلة تحت حد المال؛ لأن المال هو غير الآدمي خلق ~~لمصلحة الآدمي ويجري فيه الشح والضنة وهذا كذلك (وليست متقومة)؛ لأن ~~المتقوم عبارة عن شيء يضمن بالاستهلاك إما بمثله أو بقيمته. # وقيل: هو عبارة عن شيء واجب الإبقاء إلى وقت الحاجة بعينه أو بمثله PageV02P621 # أو بقيمته وهي ليست كذلك خصوصا في حق المسلم، فإنه لو أتلف خمر المسلم لا ~~يجب الضمان # (ولا خلل في ركن العقد) وهو الإيجاب والقبول، (ولا في محله) وهو المبيع؛ ~~لأنه مال. # (وكذلك إذا اشترى خمرا بعبد؛ لأن كل واحد منهما ثمن لصاحبه)؛ لأن هذا بيع ~~مقايضة فلا يتعين واحد منهما للثمنية، ولكن لم يكن بد في البيع من المبيع ~~والثمن، فلذلك كل واحد منهما مبيع وثمن؛ لأن الثمنية إنما تكون بالوضع ~~كالذهب والفضة، أو بوصف ما يجب في الذمة من المكيلات والموزونات من غير ~~الدراهم عند دخول الباء عليه لأنه حينئذ يثبت في الذمة ولا كذلك العبد؛ ~~لأنه لا يصلح أن يكون ثمنا، وإن دخل الباء عليه فلم يتعين الخمر لكونه ~~مبيعا، فلذلك فسد البيع ولم يبطل. PageV02P622 # (بخلاف الميتة) والدم، فإن كلا منهما ليس بمال، وإن كانت طائفة يتمولونه ~~لما أن تمولهم ليس بمعتمد على الدين السماوي، فلا يكون معتبرا، أما الخمر ~~والخنزير كان مالا في الدين السماوي فاعتبرت ديانتهم لذلك في حق دفع إلزام ~~عدم الضمان. # (لأنه ليس بمال)؛ لأن جلد الميتة جزء الميتة، والميتة ليست بمال، والجزء ~~لا يخالف الكل. # (غير مشروع بوصفه وهو الفضل في العوض). يقال: بيع رابح، وبيع خاسر. # علم بهذا أن الفضل وصف للبيع كالنقصان. # (وكذلك الشرط الفاسد) أي المفسد (في البيع مثل الربا)؛ لأن الربا عبارة ~~عن: الفضل الخالي عن العوض المستحق بعقد البيع وهذا كذلك، فكان الشرط ~~المفسد فيه مثل الربا. PageV02P623 # (يعدم الوصف من شهادته)، وهو الأداء حتى يخرج القاذف من أن يكون أهل ~~اللعان؛ لأن اللعان أداء وأداؤه فاسد بعد هذا النهي، ويبقى الأصل حتى ينعقد ~~النكاح بشهادته. # (صوم يوم العيد حسن مشروع بأصله) ms218 إلى أن قال: (بل هو طاعة انضم إليه وصف ~~هو معصية) لا يعني بقوله: (انضم إليه وصف) صفة زائدة على وجود الصوم؛ لأن ~~العرض لا يقوم بالعرض وإنما عنى به أن للصوم في هذا اليوم جهة في الإعراض، ~~فصار قبيحا من حيث إنه إعراض لا من حيث إنه صوم، فكان صوم يوم العيد مشروعا ~~بأصله لمصادفته وقت الصوم؛ لأن يوم العيد يوم كسائر الأيام، فكان مشروعا في ~~نفسه، ولكن هو متضمن لرد الضيافة باعتبار أن هذا اليوم يوم أكل وشرب وبعال ~~وهذا المعنى باعتبار صفة اليوم، وهو أنه يوم عيد فيثبت القبح في الصفة دون الأصل. # فإن قيل: لم يصادف هذا الصوم وقته؛ لأنه تعين هذا اليوم للأكل PageV02P624 # والشرب بالحديث فيخرج عن وقتية الصوم كما خرج الليل عن وقتيته لتعينه ~~للأكل والشرب لقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وقوله: ~~{فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا} قلنا: نجمع بين ما ~~ذكرت وبين ما تمسك محمد بن الحسن-رحمه الله- بحديث النهي عن صوم يوم العيد ~~فقال: أفينهانا عما لا يتكون أو عما يتكون؟ # فنقول: على قضية ما ذكرت ينبغي ألا يصح الصوم ولا النذر لتعينه للأكل ~~والشرب، وعلى موجب ما ذكر محمد بن الحسن-رحمه الله- من النكتة ينبغي أن ~~يصح، والأصل في المتعارضين الجمع، فجمعنا. PageV02P625 # وقلنا: لا يجوز الصوم ابتداء عملا بما ذكرت ويصح النذر بما ذكر محمد-رحمه ~~الله - من النكتة، ولئن صام صار صومه صوما شرعيا، وكان الصوم مستحق الفطر، ~~ولا يضمن بالشروع عملا بما ذكرت. # وقيل: إنما افترق هذان الحكمان من قبل أن الصوم إعراض منه عن الضيافة ~~فكان هو مطالبا بالكف عنه شرعا لا بإتمامه، فلا يكون الإفطار جناية منه على ~~حق الشرع، ولا يبقى في عهدته حتى يحتاج إلى القضاء. # فأما بالنذر فلا يصير مرتكبا للحرام، فيصح نذره ويؤمر بالخروج عنه بصوم ~~يوم آخر، فبه يتم التحرز. عن ارتكاب الحرام، ولكن لو صام فيه خرج عن موجب ~~نذره؛ لأنه التزم المشروع في الوقت ويتيقن ms219 بأنه أدى المشروع في الوقت إذا ~~صام، فيسقط عنه الواجب وإن كان الأداء فاسدا منه. # كمن نذر أن يعتق عبدا بعينه فعمي ذلك العبد أو كان أعمى يتأدى المنذور ~~بإعتاقه، وإن كان لا يتأدى بإعتاقه شيء من الواجبات، لما أن العبد مستهلك ~~باعتبار وصفه، قائم باعتبار أصله، وكذلك الصوم في هذا اليوم مشروع باعتبار ~~أصله، فاسد الأداء باعتبار وصفه، ولهذا لا يتأدى واجب آخر بصوم هذا اليوم؛ ~~لأن ذلك وجب في ذمته كاملا، وبصفة الفساد والحرمة في الأداء ينعدم الكمال ~~ضرورة. PageV02P626 # (ألا ترى أن الصوم يقوم بالوقت) أي يوجد به كما نقول: قيام العرض أي ~~وجوده به، وهذا إيضاح كونه طاعة (ولا فساد فيه)؛ لأنه يوم كسائر الأيام من ~~طلوع الشمس وغروبها. # وأما القبح فباعتبار شيء آخر وهو كونه متضمنا للإعراض عن ضيافة الله تعالى. # (والنهي يتعلق بوصفه وهو أنه يوم عيد) وإنما قال: إن قوله: (يوم عيد) صفة ~~لليوم؛ لأن الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، فلليوم أوصاف من ~~كونه حارا وباردا وأول الشهر وعاشره ويوم عيد، أو لأن الصفة هي المعنى الذي ~~يقع به التفرقة بين المشتركين وهذا كذلك؛ لأن بكونه يوم عيد يقع التفرقة ~~بين هذا اليوم وبين سائر الأيام. # (والمتناول من جنس الشهوات بأصله طيب بوصفه)؛ لأن بإراقة الدم تزول ~~المعصية بأول قطرة منه كما جاء في الحديث فبقى اللحم طيب PageV02P627 # الوصف، أو لأنه داخل تحت قوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} # (فصار تركه طاعة بأصله) من حيث إن الصوم يقوم باليوم ولا فساد فيه من حيث ~~إنه يوم كسائر الأيام. # (معصية بوصفه) وهو لزوم رد ضيافة الله تعالى باعتبار أنه يوم عيد إنما ~~وصف المعصية متصل بذاته فعلا؛ لأن رد الضيافة إنما ينشأ من فعل الصوم. # (لا باسمه ذكرا) أي لا تتصل المعصية به وقت نذره به بسبب نذره، فلما كان ~~نذره خاليا عن المعصية صح نذره؛ لأنه نذر بالطاعة نظرا إلى أن الصوم طاعة. PageV02P628 # (وهو منسوب إلى الشيطان) وذلك في حديث ms220 الصنابحي- رضي الله عنه- أن النبي ~~عليه السلام نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وقال: (إنها تطلع بين قرني ~~الشيطان، وإن الشيطان يزينها في عين من يعبدها حتى يسجدوا لها، فإذا ارتفعت ~~فارقها، وإذا كان عند قيام الظهيرة قارنها، وإذا مالت فارقها، وإذا دنت ~~للمغيب قارنها، وإذا غربت فارقها، فلا تصلوا في هذه الأوقات) كذا في ~~(المبسوط). PageV02P629 # قرن الشيء قوته، أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له وقوة الشيطان في هذه ~~الأوقات الثلاثة؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها فيها، والتثنية ~~للمبالغة، ولا يقال: لما كان تسويل الشيطان في هذه الأوقات لعبدة الشمس كان ~~ينبغي أن يباح الصلاة في هذه الأوقات بل أن يستحب رغما للشيطان وردا ~~لتزيينه؛ لأنا نقول: النسبة إلى الشيطان كافية في إيراث الكراهة كما في ظرف ~~المكان في كراهة الوقوف في بعض المواضع من بطن عرنة ووادي محسر لنسبتهما ~~إلى الشيطان فكذلك في ظرف الزمان في PageV02P630 # بعض الأوقات، وهذا لأن في بعض الطاعات لزوم رغم الشيطان، ولكن في بعضها ~~ورد الحديث بالنهي عن الطاعة في ذلك الزمان أو المكان، فعلينا الانقياد أو ~~التسليم غلي موجب ما ورد به الحديث. # (وهو سببها، فصارت الصلاة ناقصة لا فاسدة). وقوله: وهو سببها كأنه جواب ~~إشكال يرد على قوله "وهو ظرفها لا معيارها"؛ بأن يقال: لما كان الفساد وصف ~~للصلاة من حيث الوقت، جب ألا تنتقص الصلاة بذلك كالصلاة في الأرض المغصوبة ~~حيث يتأدى فيها الكامل وإن ورد النهي عنها أيضا، لما أن ذلك ظرف مكان وهذا ~~ظرف زمان فيستويان في الظرفية فيجب أن يستويا في عدم إيراث النقصان. # فأجاب عنه وقال: نعم كذلك، إلا أن الوقت سبب للصلاة وقد اتصف السبب ~~بالنقصان فظهر ذلك في المسبب، وهو الصلاة إذ الحكم يثبت على حسب ثبوت ~~السبب، فلذلك لا يتأدى به الكامل بخلاف ظرف المكان، فإنه لا سببية فيه، فلم ~~يورث النقصان فتأدى به بالكامل. # وقوله: لا فاسدة "نتيجة لقوله: لا معيارها" يعني لما لم يكن الوقت معيارا ~~للصلاة كان الفساد المتمكن ms221 في الوقت اقل اتصالا بالصلاة بالنسبة إلى الصوم، ~~فإن الوقت في الصلاة معيار له، والمعيار مستغرق لجميع ما يودي فيه، فكان ~~القبح الثابت في المعيار أكثر اتصالا بالمؤدي، فكثر تأثيره في PageV02P631 # الفساد، فلذلك فلا يضمن في الصوم، ولأن الوقت داخل في ماهية الصوم، لأن ~~الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارا مع النية، فكان القبح ~~المتمكن في الوقت متمكنا في الصوم، فأزداد أثر القبح في الصوم فأورث ~~الفساد، فبهذين المعنيين أعني- كون الوقت معيارا للصوم وكونه داخلا في ~~ماهية الصوم- صار الصوم كأنه فسد من أصله، فلم يضمن بالشروع. # وأما الوقت في الصلاة فغير داخل في ماهيتها فلم يكن القبح المتمكن في ~~الوقت متمكنا في الصلاة بصفة الكمال، فلم يوجب الفساد كالقبح الثابت في ~~الأرض المغصوبة، إلا أن الوقت سبب الصلاة وهو ناقص في الأوقات المكروهة، ~~فيظهر النقصان في المسبب. # أما الأرض فليست بسبب ولا معيار فلم يورث النقصان. # فحصل من هذا كله أن المشرع الذي يتصل به القبح من الصوم والصلاة على ~~ثلاثة أوجه: فاتصال كامل ووسط وناقص، فبحسب ذلك تثبت الأحكام، والكمال في ~~الصوم يوم العيد، فذلك فلم يضمن بالشروع ولم يتأد به الكامل، والوسط وهو ~~الصلاة في الأوقات المكروهة. إذ اتصال القبح بها اقل بالنسبة إلى الصوم ~~وأكثر بالنسبة إلى الصلاة في الأرض المغصوبة، فلذلك لا يتأدى بها الكامل ~~وتضمن بالشروع. # وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فاتصال القبح بها أقل من اتصال القبح ~~بالأولين، ولذلك وجب فيها مجرد الكراهة فلم يورث الفساد والنقصان؛ PageV02P632 # لأن القبح فيها عن طريق المجاورة لا على طريق الاتصال في الحقيقة؛ لأنه ~~ليس للأرض اتصال بالصلاة من حيث السببية ولا من حيث المعيارية، ثم كون ~~الوقت سببا وهو ناقص في حق صلاة العصر ظاهر. # وأما في حق مطلق الصلاة كالتطوع وغيره فإن سبب الصلاة هو البقاء وترادف ~~نعم الله تعالى على المكلف على هذا الوقت. هكذا ذكره صاحب «ميزان الأصول» ~~علاء الدين أو بكر محمد بن أحمد السمرقندي- رحمه الله- فأقيم الوقت مقامه ~~تيسيرا والبقاء موجود ms222 في حق المتطوع فكان السبب موجودا. # أو نقول: لما كان الوقت سببا لجنس الصلوات وهو الفرائض ألحق التطوع بها؛ ~~فجعل سببا في حق التطوع أيضا لما أن التطوع يجب الشروع والشروع فعل العبد ~~فكان فعل العبد إيجابا له، وإيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، والوقت ~~سبب فيما أوجب الله تعالى فكذلك فيما أوجب العبد؛ لأنه لو شرع فريضة الوقت ~~كان هذا الوقت سببا لها، فكذا إذا شرع التطوع في هذا الوقت كان هذا الوقت ~~سببا له. # والدليل على أن الوقت عند الشروع سببا لصلاة التطوع، أن من شرع صلاة ~~التطوع في وقت مكروه فأفسدها فقضاها في وقت آخر مكروه يجوز. PageV02P633 # كذا في نوادر صلاة «المبسوط» فعلل وقال: # لأنه لو أداها حين افتتحها لم يكن عليه شيء آخر، فكذلك إذا قضاها في مثل ~~ذلك الوقت لم يلزمه شيء آخر؛ لأن القضاء بصفة الأداء أثبت جواز نقصان ~~القضاء بنقصان الوقت في الأداء، أو نقصان الوقت في الأداء إنما يؤثر في ~~القضاء أن لو كان الوقت سببا له. # (والصوم يقوم بالوقت) أي يوجد به؛ لأن الوقت معيار للصوم (ويعرف به) أي ~~يقال: الصوم هو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارا مع النية. # (فأزداد الأثر فصار فاسدا) أي ازداد أثر فساد الوقت وقبحه في الصوم لكون ~~الوقت معيارا له ومعرفا له فصار الصوم فاسدا، وهذا لأن القبح إذا أشتد قربه ~~من الصوم والصلاة اشتد تأثيره. # ألا ترى أن البيع وقت النداء جائز نافذ لبعد القبح عن البيع، والقبح في ~~الصلاة في الأوقات المكروهة أبعد من القبح في الصوم؛ لأن القبح في الصوم ~~ينشأ من الوقت الذي هو داخل في الصوم ففسد، والقبح في الصلاة لوصف PageV02P634 # يقوم بالوقت والوقت غير داخل في ماهية الصلاة فكان أبعد فلا يوجب الفساد ~~كالقبح في الأرض المغصوبة إلا أن الوقت سببها وهو ناقص، فيظهر النقصان في ~~المسبب فانتقص، والناقص لا يكون فاسدا بخلاف الصلاة في الأرض المغصوبة لأن ~~القبح لا ينشأ من سببها فصار مجاورا فيتأدى به الكامل، كذا قرره ms223 ملانا حميد ~~الدين- رحمة الله. # (وهذا بخلاف بيع الحر والمضامين والملاقيح). يعني ورد في الحديث «نهى ~~النبي عليه السلام عن بيع الحر» وروي أنه: «نهى عن بيع الملاقيح والمضامين» ~~أي عن بيع ما في البطون وما في أصلاب الفحول. جمع ملقوحة ومضمون. PageV02P635 # (وهذه الاستعارة) أي استعارة النهي عن النفي. # (لما بينهما من المشابهة) أي صورة ومعنى. # أما الصورة: فلوجود حرف النفي فيها. # وأما المعنى: فلأن كل واحد منهما للإعدام ولما كان كذلك جازت استعارة ~~النهي للنفي هاهنا للقيام الدليل عليه. كما جازت استعارة النهي للنفي في ~~قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} وقوله عليه السلام: «لا ~~نكاح إلا بشهود» في أحد التخريجين، وقوله عليه السلام: «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد» وقوله (لا صلاة للآبق). PageV02P636 # (ولا خلاف فيه) أي في جواز الاستعارة عند قيام الدليل عليه، (إنما الخلاف ~~في حكم حقيقته) أي في حكم حقيقة النهي يعني أن حقيقة النهي ما هي؟ فعندنا ~~أن النهي في الأفعال الشرعية يقتضي الشرعية وعند الخصم لا يقتضيها. # (وكذلك صوم الليالي) أي النهي الوارد في صوم الوصال، وهي راوية الراوي: ~~«نهي النبي عليه السلام عن صوم الوصال» أو روايته بقوله: «لا تواصلوا في ~~الصيام» ذلك النهي مستعار عن النفي، والمراد بصوم الوصال أن يواصل الرجل ~~الأيام والليالي بالصوم ويمسك عن المفطرات، وإنما قلتا: أنه مستعار عن ~~النفي؛ لأن الصوم لا يتكون في الليل شرعا. # وقد ذكرنا أن النهي في الأفعال الشرعية يقتضي تكون المنهي عنه شرعا فلذلك ~~كان النهي مستعارا عن النفي، والقبح الذي كان في صوم الليالي وإن كان لعينه ~~بحيث لا شرعية فيه أصلا، وهو مجاور لصوم النهر فلم يؤثر في كمال صوم النهر، ~~فلذلك قلنا: بأن صوم الفري يتأدى في أيام الوصال إذا نواه، لأن النهي ~~للمجاور لا لمعنى اتصل بالوقت الذي يؤدى فيه الصوم. إلا أن الوصال لا ~~يتحقق؛ لأن الشرع أخرج زمان الليل من أن يكون وقتا لركن PageV02P637 # الصوم وهو الإمساك باعتبار أن الإمساك عادة، ms224 كذا ذكره الأمام شمس الأئمة ~~السرخسي- رحمه- الله- # (فيتعين للصوم تحقيق تحقيقا للابتلاء)؛ لأن الله تعالى ابتلى عباده ~~بأفعال بالترك أو بالأقدام، وهذا المعنى في حق الصوم يتحقق بالنهار؛ لأن ~~النفس داعية إلى الأكل والشرب وذلك بالنهار في العادة، فيتحقق به خلاف هوى النفس. # فأما في الليل فعلى وفاق هوى النفس فلا يتحقق فيه معنى الابتلاء على ~~الكمال، ولا يقال بأن الجماع يوحد بالليالي في الأعم والإمساك عن الجماع ~~ركن في الصوم أيضا كالأكل والشرب؛ لأنا نقول: إن ذلك تبع لشهوة البطن؛ لأن ~~ذلك ينشأ من الشبع. # (ولا يلزم النكاح بغير شهود) وجه الورود أن قوله عليه السلام: «لا نكاح ~~إلا بالشهود» مستعار عن النهي؛ لأنه لو حمل عن النفي على ما هو صيغته لكان ~~إخبارا عن عدمه وقد يوجد حسا، فحينئذ يلزم الخلف في كلام صاحب الشرع، وعن ~~هذا جمل النفي المذكور في قوله تعالى: PageV02P638 # {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} على النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ~~ولا تجادلوا. # أو لأن إحضار الشهود في النكاح مأمور به فيكون الأمر نهيا عن ضده اقتضاء ~~ضرورة فيما إذا لم يتعرض ضد الأمر بشيء، فكيف إذا ما تعرض الضد بالنفي الذي ~~هو أبلغ من النهي، فورد نقصا عن الأصل الذي قلنا إن النهي في الأفعال ~~الشرعية لا ينفي المشروعية، والنكاح أمر شرعي وعند عدم الشهود يفسد النكاح ~~أصلا ووصفا فأجاب عنه بطريقتين: # أحدهما: على وجه المنع يعني لا نسلم بأنه نهي بل هو نفي على حقيقة فلا ~~يرد علينا نقصا؛ لأن كلامنا في النهي لا في النفي. # وأما قوله: «فلولا حمل علي النهي يلزم الخلف في كلام صاحب الشرع». فقلنا: ~~لا نسلم لزوم الخلف؛ لأن المنفي هو النكاح الشرعي وهو كذلك؛ لأن النكاح ~~الشرعي بغير شهود لا يوجد أصلا، فكان النفي على حقيقته. PageV02P639 # بخلاف الرفث ونحوه فإنه يوجد حسا أينما وجد، فلا يمكن حمله على النفي ~~والثاني: على وجه التسليم فنقول: إن سلمنا أنه نهي لكن النهي يقتضي الحرمة ~~لا محالة وملك ms225 النكاح ملك ضروري؛ لأنه استيلاء على جزء الحرة وهي بجميع ~~أجزائها غير قابلة لتملك الغير إياها، وإنما شرع لحل الاستمتاع مع منافاة ~~الدليل، فكان الحل فيه ضروريا، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها فمتى اتصف ~~ذلك المحل بالحرمة لم يبق الحل أصلا ووصفا. # أو نقول: الحل في النكاح يثبت مقصودا؛ لأن الحل لا ينفك عن النكاح الشرعي ~~أصلا، ثم من ضرورة فساد السبب ثبوت صفة الحرمة فيه لما أن بين الحرمة وبين ~~ملك النكاح منافاة فينعدم الملك، ومن ضرورة انعدامه خروج السبب من أن يكون ~~مشروعا؛ لأن الأسباب الشرعية يراد لأحكامها. # فأما ثبوت النسب ووجوب المهر والعدة وسقوط الحد به من حكم الشبهة لا من ~~حكم انعقاد أصل العقد شرعا. # وقوله: (والتحريم لا يضاده) أي تريح الاستمتاع لا يضاد ملك اليمين؛ لأن ~~الحل فيه تابع فلا يبالي بفوات الحل عند وجود حكم مخصوص مقصود للبيع وهو ~~ملك اليمين. # وأما النكاح فالحكم المقصود له الحل، ومتى لم يثبت الحل لم يكن وجود PageV02P640 # النكاح إلا صورة بلا معنى، ولصورة النكاح شبهة النكاح، فتثبت بها من ~~الأحكام ما تثبت بالشبهة وهي ما ذكرناه من ثبوت النسب وغيره. # (ولفظ النهي في قوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} مستعار ~~عن النفي بدليل قوله تعالى: {إنه كان فاحشة} أو نقول: إن قوله تعالى: {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم} لا يرد نقضا علينا، فإن ذلك لم يكن مشروعا أصلا ~~بدليل آخر الآية {إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} وما هذا شأنه لا يكون ~~مشروعا من الأصل وكلامنا فيما كان مشروعا ثم ورد النهي عنه في حقه. هكذا ~~قرره الأستاذ الكبير- رحمة الله- (وأما استيلاء أهل الحرب) وجه الإيراد فيه ~~أن الشافعي- رحمه الله- يقول: عندي أن النهي يقتضي القبح لعينه على الإطلاق ~~سواء كان المنهي عنه شرعيا أو حسيا فلا يفيد حكما مطلوبا، وأنتم تفرقون ~~بينهما، وقد وافقتموني في أن القبيح لعينه لا يفيد حكما مطلوبا كبيع الحر ~~والمضامين والملاقيح وغيرها، واستيلاء أهل الحرب من الأفعال الحسية، وهو ~~محظور قبيح ms226 لعينه، والكفار بالحرمات مخاطبون بالإجماع، والملك المشروع ~~يقتضي PageV02P641 # سببا مشروعا بالإجماع؛ لأنه لابد من الملاءمة بين المؤثر والأثر وقد قلتم ~~بثبوت الملك به مع أن الملك نعمة واستيلاء أهل الحرب معصية محضة، وكذلك هذا ~~في الملك بالغضب وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا وهذه أيضا نعمة بدليل أن الله ~~تعالى من به في قوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا} ~~والنعمة لا تنال بالمعصية. # والجواب عنه ما ذكره في الكتاب وهو قوله: (فإنما صار منهيا بواسطة ~~العصمة) أي إنما صار الاستيلاء منهيا عنه بواسطة أن المال معصوم لمالكه ~~بعصمة ثابتة شرعا، والعصمة إنما تثبت في حقنا، فكانوا منهيين عن الاستيلاء ~~في اعتقادنا وهم يعتقدون ذلك وولاية الإلزام منقطعة عنهم بانعدام ولايتنا ~~عليهم فلم يثبت النهي باعتقادهم فلم يعمل ما هو الحق الذي هو في اعتقادنا ~~من حرمة الاستيلاء، فكان ثبوت الملك لهم باستيلائهم على PageV02P642 # تقدير أنه ليس بمنهي عنه فلم يتجه علينا نقضا. # فإن قيل: ينبغي أن لا يثبت الملك لهم في اعتقادنا؛ لأن في اعتقادنا أنهم ~~منهيون، والمرء مؤاخذ بزعمه. # ألا ترى أن من زعم أن العبد الذي يسترقه زيد وهو حر فهو مؤاخذ بزعمه، حتى ~~أنه لو وقع في ملكه بسبب من الأسباب يعتق عليه عملا باعتقاده، فلم لم نجعل ~~هنا كذلك حتى لا يثبت الملك لهم لما أن استيلاءهم على أموالنا قبيح لعينه ~~ومعصية محضة فلا ينال له الملك الذي هو نعمة؟ # قلنا: نعم كذلك، إلا أننا مأمورون بالعمل على حسب اعتقادهم وبتركهم مع ~~اعتقادهم خذلانا لهم. # ألا ترى أن العقود الفاسدة التي هي محكومة بفسادها في اعتقادنا لو دانوا ~~بصحتها نقول بصحة تلك البياعات، ونحكم بتلك البياعات على ما نحكم بالبياعات ~~الصحيحة من لزوم الملك بنفس العقد ولزوم البيع بحيث لا ينفرد أحمد ~~المتعاقدين بالفسخ. # وكذلك في الأنكحة الفاسدة لو دانوا بصحتها حكمنا أيضا بصحتها حتى قلنا ~~بثبوت الإرث بها وثبوت الملك وثبوت النسب حسب ثبوتها بالعقود لصحيحة إلا ما ~~استثنى منها من نكاح ms227 المحارم على ما قاله عليه السلام: PageV02P643 # "ولدت من نكاح لا من سفاح"، بخلاف ما ذكرت من اعتقاد حرية عبد زيد، فإن ~~المعتقد هناك بالحرية غير مأمور بالعمل على حسب اعتقاد غيره، بل هو مأمور ~~بالعمل بما هو في اعتقاده؛ لأن اعتقاده في حق نفسه يقين، واعتقاد غيره في ~~حقه باطل أو شك، واليقين لا يترك بالشك. PageV02P644 # أو نقول: وإن كان النهي ثابتا على الإطلاق وتثبت العصمة على الإطلاق ~~لكنها سقطت بالإحراز بدار الحرب، لأنها لم تبق محرزة بدار الإسلام فسقط حكم ~~النهي في حق أحكام الدنيا؛ لأن الحكم ينتهي بانتهاء سببه، والعصمة كانت ~~ثابتة بسبب الإحراز بدار السلام فسقطت هي بانتهاء سببها وهو الإحراز بدار ~~السلام. # ألا ترى أن الحل إذا ثبت بالنكاح يبطل الحل ببطلان النكاح، وكذلك الملك ~~والحل ينتهي بانتهاء البيع، حتى إن في رقاب الأحرار لما كانت العصمة عن ~~الاسترقاق بالحرية المتأكدة بالإسلام ولم ينته بالإحراز الموجود منهم قلنا ~~إنهم لا يملكون رقابنا. # ثم قوله: (وهي ثابتة في حقنا) أي والعصمة ثابتة في حقنا لبقاء ولاية ~~إلزام عصمة ملك المالك في حقنا، وأما في حق أهل الحرب فلا. # وقوله: (ولأن العصمة متناهية بتناهي سببها)، وسببها إحراز المسلمين ~~بدارهم، فإذا أحرز الكفار بدارهم انتهي ذلك السبب فسقط حكم. PageV02P645 # النهي عنهم في حكم الدنيا ففلم يبق حراما في حقهم لذلك، حتى إن رقاب ~~الأحرار لما كان عصمتها متأكدة بالإسلام لم يملكوا أحرارا بإحرازهم في ~~دارهم بالأسر والقهر لبقاء الإسلام، وهذا لأن العصمة على نوعين: مقومة، ~~ومؤثمة، فالعصمة المؤثمة بالإسلام، والعصمة المقومة بالدار، فلا تبقى ~~العصمة المقومة إذا أحزروا أموالنا بدارهم لانقطاع إحرازنا بدار الإسلام، ~~وتبقى العصمة المؤثمة في الإحراز بدارهم لبقاء الإسلام. # آو نقول في الفرق بين الأموال والرقاب: إن الأصل في الأموال أن لا تكون ~~معصومة لأحد لقوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} ثم الاختصاص بالملك ~~كان بعارض الاختصاص بسبب من الأسباب ليتمكن من الانتفاع من باشر سببه، فلما ~~زال تمكنه من الانتفاع بسبب استيلاء الكفار ms228 عاد إلى الأصل الذي هو عدم ~~العصمة، وإن الأصل في الرقاب عدك كونها محلا للتملك لقوله تعالى: {ولقد ~~كرمنا بني آدم}، وفي التملك ترك التكريم، لكن يثبت فيها محلية التملك بعارض ~~الكفر، وليس في رقابنا ذلك. PageV02P646 # فبقيت على ما يقتضيه الأصل وهو عدم التملك، فكانت صفة الأموال مع صفة ~~الرقاب على طرفي النقيض. # (وأما الملك بالغضب فلا يثبت مقصودا بالغضب، بل شرطا لحكم شرعي وهو ~~الضمان). # بيان هذا أن الضمان حكم مشروع ثابت بالغصب بالإجماع، وهذا الحكم لا يثبت ~~إلا بثبوت الملك للغاصب في المبدل، فكان ثبوت الملك للغاصب شرطا لثبوت هذا ~~الحكم المشروع وهو الضمان، وهذا لأن الضمان إنما شرع جبرا لما فاته من ~~المال لاعتبار جنابة الغاصب بالغصب. # ألا أن طائفة إذا اجتمعوا على غصب عين واحد يجب عليهم قيمة واحدة، ولو ~~كان جنابة الفعل لوجب على كل واحد منهم قيمة تامة. # كما لو اشترك المحرمون في قتل صيد واحد يجب على كل واحد منهم جزاء كامل؛ ~~لأن ضمان الفعل يتعدد بتعدد الفاعلين وهو معروف. # (وشرط الحكم تابع له) أي وفوات ملك المغصوب منه تابع لوجوب الضمان. قال ~~الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: فإن الضمان ضمان الجبر، وإنما يجبر ~~الفائت لا القائم، فكان انعدام ملكه في العين شرطا لسلامة PageV02P647 # الضمان له، وشرط الشيء تبعه، فإنما تراعي صلاحية السبب في الأصل لا في التبع. # ثم بعد فوات الملك المغصوب منه من المغصوب لضرورة ملكه في يد له لم يكن ~~أحد اقرب في ثبوت الملك في المغصوب من الغاصب؛ لما أن الضمان وجب عليه ~~فيثبت الملك له أيضا، فكان ثبوت الملك بالغصب تبعا للضمان الذي هو مشروع، ~~والتبع لا يعطي له حكم الأصل كما إذا ضحى نصف سبع البدنة لا يجوز بالإجماع، ~~وإذا ضحى ثلاثة أجزاء ونصف سبعة يجوز؛ لأن النصف هنا وقع ضمنا لا حكم له ~~أصلا؛ بل شرطا لحكم شرعي؛ لأن النصف هنا وقع ضمنا لا حكم له أصلا؛ بل شرطا ~~لحكم شرعي؛ أي بل يثبت الملك للغاصب ms229 لكون ثبوت الملك له شرطا لحكم شرعي وهو ~~الضمان. # (فصار حسنا بحسنه) أي فصار ثبوت الملك للغاصب حسنا بسبب حسن الضمان عليه ~~إذ لا يمكن إيجاب الضمان على الغاصب بدون أن يخرج المغصوب عن ملك المغصوب ~~منه ويدخل في ملك الغاصب، وإلا يلزم اجتماع البدل والمبدل في ملك رجل واحد ~~وهو المغصوب منه، وليس له نظير في الشرع. # وكان الأستاذ الإمام المحقق مولانا فخر الدين المايمرغي- رحمه الله- PageV02P648 # يقول في تقرير قوله: إذا الجبر يعتمد الفوات، أو نمي بيني كه إسبان جامه ~~رابر جاي مي زنيد كه در وي دريدكي بودنه در جائيكه أن جاي درست بود، وإن في ~~قوله: وإن قبح كان مقصودا به للوصل، يعني: اكر جه قبيح أست زوال ملك المالك ~~در أن حالتيكه زوال ملك مقصود بود بغصب، ولكن حسن بود در آن حالت كه بطريق ~~تبعيت أمر حسن مي شود. # وقوله: (في ضمان المدبر) جواب شبهة ترد على قوله: بل يثبت الملك شرطا ~~لحكم شرعي وهو الضمان بان يقال: يشكل على هذا المدبر فإن الضمان واجب على ~~غصبه ومع ذلك لم يثبت الملك له؟ # فأجاب عنه بهذا، وتحقيقه ما ذكر شمس الأئمة- رحمه الله- فقال: # وفي المدبر على هذا الطريق نقول: لما سلم الضمان للمغصوب منه يجعل الأصل ~~زائلا عن ملكه؛ لأن المدبر محتمل لذلك، ولهذا لو اكتسب كسبا ثم لم يرجع من ~~إباقه حتى مات كان ذلك الكسب للغاصب، وإنما لم يثبت الملك للغاصب صيانة لحق ~~المدبر، والتدبير موجب حق العتق له عندنا ولهذا امتنع بيعه. PageV02P649 # وأما في القن بعد زوال الملك المغصوب منه فلا مانع من دخوله في ملك ~~الغاصب الضامن وهو أحق الناس به؛ لأنه ملك عليه بدله. # وذكر في "شرح الطحاوي" فائدة عدم ثبوت الملك لغاصب المدبر في المدبر ان ~~المدبر لو ظهر يرد على مولاه ويسترد منه القيمة، وليس للغاصب حبسه لأجل ~~القيمة؛ لأنه لا يجوز بيعه فلا يجوز حبسه بالدين. PageV02P650 # (ولا يدخل في ملك المشتري) أراد به الغاصب لما قلنا: إن مآله المعارضة، ms230 ~~فكان الغاصب مشتريا، أو أراد به المشتري حقيقة؛ لأن من اشترى مدبرا وهلك في ~~يده ضمن ضمان الغصب، (ولأن ضمان المدبر جعل مقابلا بالفائت وهو اليد، وهذا ~~طريق جائز. والأول طريق واجب) أي يصرف إليه على الإطلاق. # وأما هذا الطريق وهو أن يكون الضمان بمقابلة تفويت اليد إنما يصار إليه ~~عند العجز عن العمل؛ بأن يكون الضمان بمقابلة تفويت ملك الرقبة، والضمان ~~بمقابلة تفويت اليد إنما يكون في ضمان المدبر لا في ضمان القن؛ لأنه لا ~~ضرورة في المصير إلى أن يجعل الضمان بمقابلة تفويت اليد في القن؛ لأنه قابل ~~للنقل من ملك إلى ملك. # وقد قلنا: إن كون الضمان بمقابلة تفويت ملك الرقبة هو الأصل المقرر فلا ~~يعدل عنه بدون الضرورة. # فكان القول بالضمان بمقابلة اليد أمرا جائزا، فإن الضمان قد يكون بمقابلة ~~ما ليس بمال كما قلنا بوجوب الدية في القتل الخطأ، وهذا إنما يكون ضرورة لا ~~أصلا، وهذه الضرورة إنما يصار إليها في المدبر لا في القن؛ لأنه يمكن هناك ~~إجراء الحكم على ما هو الموجب الأصلي فلا يصار إلى الأمر المحتمل كما قلنا ~~في موجب اللفظ مع محتمله: إن الأصل هو العمل PageV02P651 # بحقيقة اللفظ وموجبه، فإذا تعذر العمل بالحقيقة حينئذ يصار إلى المجاز ~~وهو محتمل اللفظ، والمراد من الوجوب والجواز هذا. # (وأما الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة أصلا بنفسه) أي من حيث الأصالة بنفسه ~~أي من حيث إنه زنا لما عرف أن الفاسد لا ينتج إلا الفاسد، وحرمة المصاهرة ~~نعمة على ما ذكرنا فكيف تضاف إلى ماهو قبيح وحرام لعينه؟ ولكن إنما ثبت ~~حرمة المصاهرة باعتبار شبهة البعضية والجزئية. بيان ذلك (أن الزنا سبب ~~للماء، والماء سبب لوجود الولد، والولد هو الأصل في استحقاق) حرمة المصاهرة ~~باعتبار أنه جزء الوالدين لما خلق من مائهما على ما قال الله تعالى: {إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج}. # علم أن الولد جزء لوالديه لما أن المشج- بكسر الميم- ما أختلط من ماء ~~الرجل بماء المرأة، والولد كله يضاف إلى الأب، ويضاف ms231 أيضا كله إلى الأم، ~~فكان الرجل والمرأة صارا شخصا واحدا كزوجي الباب وزوجي الخف، فصار جزء ~~الرجل جزء المرأة، فكان آباؤه كآبائها، وأبناؤه كأبنائها، وأمهاتها وبناتها ~~كأمهاته وبناته. # وهو معنى ما قال في الكتاب "الأصل في ثبوت حرمة المصاهرة الولد ثم PageV02P652 # يتعدى إلى أطرافه". # وقيل: هذا التعليل مستخرج من قول عمر- رضي الله عنه- وتعليله في عدم جواز ~~بيع أمهات الأولاد: "فكيف تبيعونها وقد أختلط لحومكم بلحومهن ودماؤكم ~~بدمائهن"، وكان ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا باعتبار أنه سبب للولد لا ~~باعتبار أنه زنا، فأخذ حكم الأصل وهو الولد في الأصل. لا عصيان ولا عدوان ~~بل هو محترم مكرم داخل تحت قوله تعالى:} ولقد كرمنا بني آدم {والأصل أن ما ~~قام مقام شيء يعمل عمل أصله لا عمل نفسه. # ألا ترى أن الوكالة جائزة غير لازمة، وإذا وقعت في ضمن الرهن أخذت حكم ~~الرهن وهو صفة اللزوم، وبطل حكمها بنفسها لقيامها مقام الرهن، وكذلك عبد ~~الهاشمي إذا أعتقه مولاه أخذ حكم الهاشمي في حق حرمة الصدقة لقيامه مقام ~~مولاه بحكم الاتصال بالسببية، فكذلك هاهنا قام الزنا مقام الولد باعتبار ~~أنه سببه، فأخذ حكم الولد ويهدر وصف الزنا في إيجاب حرمة المصاهرة فكان ~~الولد مثبتا لحرمة المصاهرة لا باعتبار أنه حلال ولا باعتبار أنه حرام بل ~~باعتبار أنه قام مقام الولد. وقوله: الولد هو الأصل في استحقاق PageV02P653 # الحرمات؛ أي في استحقاق حرمة المصاهرة. # (ولا عصيان فيه) أي ولا معصية لله تعالى في الولد، أي لم يوجد منه عصيان ~~لله تعالى. (ولا عدوان) أي ولا تعدي، أي لم يوجد منه تعد في حق العباد. # (ثم يتعدى منه إلى أطرافه) أي إلى الأب وألام، (وإلى أسبابه) أي إلى ~~أسباب وجود الولد، كدواعي الوطء من القبلة والمس بشهوة. # (فإنما يعمل بعلة الأصل) وإذا كان عمله بعلة الأصل صار المنظور إليه ~~الأصل لا القائم مقام الأصل. # (وسقط وصف التراب) وهو التلوث. # (لقيامه) أي لقيام الزنا (مقام ما لا يوصف) وهو الولد بذلك أي بالحرمة ~~بتأويل التحريم، (في إيجاب حرمة ms232 المصاهرة) أي عدم اتصاف الزنا بالحرمة، ~~إنما كان في حق إيجاب حرمة المصاهرة لا غير؛ لأنه في حق غيره هو معصية محضة ~~وفعله فاحشة موجبة للجلد أو للرجم الذي هو أسوأ القتل. PageV02P654 # (وأما سفر المعصية فغير منهي عنه لمعنى فيه) يعني أن العاصي في سفره ~~يترخص برخص المسافرين عندنا خلافا للشافعي، لأن سبب الرخصة السير المديد ~~وهو موجود بصفة الكمال. # وأما العصيان فليس في نفس السفر؛ لأن العصيان هو التمرد على من يلزمه ~~طاعته، والبغي على المسلمين ينفصل عن السفر وجودا وعدما، فإنه قد يتمرد على ~~مولاه وهو غير مسافر، بل هو في المصر، ويوجد سفره وهو مطيع على مولاه، ~~وكذلك في قطع الطريق. # ألا ترى أن الرجل قد يخرج غازيا ثم يستقبله غير، فيبدو له فيقطع عليهم. PageV02P655 # فعلم بهذا أن النهي عن هذه الجملة كان نهيا لمعنى في غير المنهي عنه من ~~كل وجه، وبذلك لا يمتنع تحقق الفعل مشروعا، فلا يمتنع تحقق الفعل سببا ~~للرخصة بخلاف السكر، فإنه عصيان بعينه فلم يصح أن تتعلق الرخصة بأثره. # (ولا يلزم على هذا النهي عن الأفعال الحسية) أي ولا يلزم على ما ذكرنا من ~~أن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي المشروعية في المنهي عنه النهي عن ~~الأفعال الحسية؛ حيث لا مشروعية في المنهي عنه أصلا بل هو قبيح لعينه؛ (لأن ~~القول بكمال القبح فيها وهو مقتضى مع كمال المقصود) وهو بقاء النهي نهيا ~~ممكن، أو أن المقصود من النهي هو الابتلاء، ويشترط في ذلك أن يكون العبد ~~قادرا على تحصيل ما نهي عنه ليكون مبتلى بين أن يكف عنه باختياره ليثاب ~~عليه وبين أن يفعله ليعاقب، وهذا ممكن مع ثبوت القبح بكماله في الأفعال ~~الحسية. # ألا ترى أن أقبح القبائح الكفر وهو مقدور للعبد، فثبت أن النهي يتصور ~~فيها مع ثبوت القبح لمعنى في عين المنهي عنه؛ لأن وجوده ليس من الشرع حتى ~~ينعدم بانعدام المشروعية، فوجب القول بكمال القبح فيها وهو الأصل. # فأما الأفعال الشرعية فلا يمكن القول بكمال القبح ms233 فيها مع بقاء النهي ~~عنها، فلذلك وجب القول فيها على وجه لا يبطل النهي على ما بينا ليبقى ~~مقدورا للعبد. PageV02P656 # (والنهي في صفة القبح ينقسم انقسام الأمر) يعني أن الحسن في المأمور به ~~ينقسم إلى أقسام: منها ما هو حسن لعينه، ومنها ما هو حسن ملحقا بالحسن ~~لعينه، ومنها ما هو حسن لغيره، وما حسن لغيره ينقسم إلى أن الغير يتأدى ~~بنفس المأمور به، وما لا يتأدى بنفس المأمور به، فكذلك النهي ينقسم إلى هذه ~~الأقسام تحقيقا للمقابلة؛ لأن النهي يقابل الأمر وأقسامه مذكورة في الكتاب، ~~وهي: (أن القبيح لعينه وضعا الكفر، وما قبح لعينه ملحقا به بيع الحر ~~والمضامين والملاقيح، وما قبح لمعنى في غيره) وهو أيضا على نوعين: # (الذي قبح لمعنى في غيره وهو مجاور للمنهي عنه: البيع وقت النداء والصلاة ~~في الأرض المغصوبة، والذي قبح لمعنى في غيره وهو متصل بالمنهي عنه وصفا وهو ~~صوم يوم النحر والبياعات الفاسدة). PageV02P657 # وعن هذا قال مشايخنا- رحمهم الله- في البيع الفاسد ونحوه، فمن حيث إنه ~~مشروع يوجب الصحة ومن حيث إنه قبيح بوصفه يوجب البطلان، فقلنا بالفساد عملا ~~بالأدلة؛ لأن الأصل في الأدلة إعمالها لا إهمالها، فمن نتيجة فساد الوصف ~~عدم اللزوم بالشروع، ومن نتيجة صحة الأصل لو صامه يخرج عن عهدة نذره. # *** PageV02P658 ### || AUTO [باب معرفة أحكام العموم] # لما فرغ من بيان أحكام الخصوص بأنواعها وشعبها ومتقابلاتها من الأمر ~~والنهي شرع في بيان أحكام العموم، وقدم الخاص على العام؛ لأن الخاص كالجزء ~~للعام، والجزء مقدم على الكل، أو لأن حكمه قطعي بالاتفاق، وحكم العام مختلف فيه. # (العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعا بمنزلة الخاص) كما إذا PageV02P659 # قال: عبيدي أحرار يثبت هذا الحكم في كل فرد من أفراده، كما إذا قال عبدي ~~هذا حر. # قوله: (الخاص لا يقضي على العام) قيل: القضاء الإلزام أي لا يلزم الخاص ~~حكمه على العام ولا يرد حكم العام، (بل يجوز أن ينسخ به) حتى إن الخاص إذا ~~كان متقدما، ثم جاء العام بخلاف حكم الخاص ينسخ ms234 هذا العام المتأخر الخاص ~~المتقدم ويقضي عليه. # (نسخ، وهو خاص بقول النبي عليه السلام "إستنزهوا من البول") # فإن قيل: لم قلتم بأن النسخ إنما ثبت بكونه عاما بل لكونه محرما؟ # قلنا: لا نثبت النسخ بكونه عاما، ولا لكونه محرما بل نثبت بكونه متأخرا ~~مساويا للأول في الرتبة وإفادة الحكم. # ألا ترى أن المبيح إذا تأخر ينسخ المحرم المتقدم، والخاص إذا تأخر ينسخ ~~العام إذا كان مساويا له في الرتبة. PageV02P660 # فعلم أن النسخ لا بكونه عاما ولا بكونه خاصا ولا بكونه محرما ولا بكونه ~~مبيحا بل بكونه متأخرا مساويا للأول في الرتبة، ولكن لما كان عاما ناسخا ~~للخاص المتقدم علم به أن العام مساو للخاص في القوة، فكان فيه رد لقول ~~الشافعي حيث لا يجعله مساويا للخاص في القوة. # فإن قيل: إنما يثبت ما ادعيتم إذا كان العام متأخرا، ويجوز أنه كان ~~متقدما على حديث العرنيين. # قلنا: لا كذلك، بل ثبت تأخره وتقدم الخاص بالدليل، وهو أن المثلة قد نسخت ~~بالاتفاق، وهي في حديث العرنيين، فدل الدليل على تقدم ذلك الحديث؛ لأنه كان ~~في ابتداء الإسلام ولم يدل الدليل على تقدم الحديث العام بل فيه مجرد ~~احتمال، والاحتمال إذا لم ينشأ عن دليل لا يكون معتبرا. PageV02P661 # (ومثل قوله عليه السلام ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" نسخ بقوله عليه ~~السلام "ما سقته السماء ففيه العشر"). # فإن قلت: لا نسلم أن أبا حنيفة- رضي الله عنه - يقول بينهما بطريق ~~التناسخ بل يحمل كل واحد من الحديثين على محل على حدة. وقال في "المبسوط" ~~ويقول أبو حنيفة- رحمه الله- تأويل قوله عليه السلام "ليس فيما دون خمسة ~~أوسق زكاة" التجارة، فإنهم كانوا يتبايعون بالأوساق كما ورد به PageV02P662 # الحديث. # وقيمة خمسة أوسق مائتا درهم، فحينئذ لم يكن قوله عليه السلام: "ما سقته ~~السماء ففيه العشر" ناسخا لذلك الحديث، فلا تتم الحجة لمن تمسك بهذا في أن ~~العام ينسخ الخاص. # قلت: قد يكون للكتاب والسنة وجوه من التخريج والحمل، فنقول: يحتمل أن ~~يكون هذا على طريق النسخ، فعلى ms235 ذلك الوجه يكون حجة لمن تمسك به، ومثل هذا ~~كثير في التمسكات كما ذكر في "شرح التأويلات" في قوله تعالى:} وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا {أختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية، فقال ~~بعضهم: كان الكفرة يقولون} لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه {، فأمر الله ~~للمؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم} لا تسمعوا لهذا القرآن {، وبه قال ~~مقاتل. PageV02P663 # وقال بعضهم: فإن نزولها في حق الخطبة. # وقال بعضهم: فإنه في حق الصلاة. # قال الشيخ- رحمه الله- فعلى تقدير نزولها في حق الصلاة كان فيها دلالة ~~على النهي عن القراءة خلف الإمام؛ لأنه أمر بالاستماع والإنصات له، فكان هو ~~حجة لنا على الخصوم. # (فيمن أوصى بخاتمه لإنسان ثم بالفص منه لآخر بكلام مفصول) قيد بالمفصول؛ ~~لأنه إذا كان هذا في كلام موصول كانت الحلقة للأول والفص للثاني من غير ~~اشتراك فيه بالإجماع. # وأما إذا كان في كلام مفصول قال هاهنا مطلقا إن (الفص بينهما)، وذكر بعد ~~هذا (وهذا قولهم جميعا). # وذكر في "زيادات العتابي" و"قاضي خان" و "الهداية" أن هذا قول PageV02P664 # محمد- رحمه الله- وكأنه لم يعتبر خلاف أبي يوسف. # وذكر في "المنظومة" في باب اختلاف الآخرين: # فالفص للثاني ولم يستهما. PageV02P665 # فعلم بهذا أن على قول محمد يستهمان. # فإن قلت: كيف يصلح هذا نظيرا للعام، والعام هو ما كان أفراده متفقة ~~الحدود، وليست حلقة الخاتم مع فصها متحدين في الحدود، وليستا بأفراد بل ~~فردان، فكيف يصلح نظيرا للعام؟ # قلت: سنذكر جواب هذا وما يلحقه في باب البيان إن شاء الله تعالى. # (ولولا إستواؤهما وقيام المعارضة بينهما لما وجب الترجيح بدلالة العقد)؛ ~~لأن الترجيح يعتمد المساواة إذ لا ترجيح عند عدم المساواة، بل يعمل بالأقوى ~~دون الأدنى؛ لأنه لا يقاومه ولا يساويه حتى يقال: إن الدينار راجح على ~~الدانق؛ لأنه لا مساواة بينهما أصلا بوجه من الوجوه. PageV02P666 # (والقاضي الشهيد) هو الحاكم المرزوي- رحمه الله- # (أن المذهب عندنا ما قلنا)، وهو قوله في أول الباب: العام عندنا يوجب ~~الحكم فيما يتناوله قطعا ويقينا". # وقوله: (لأن الناسي في معنى الذاكر). هذا ms236 جواب إشكال بأن يقال: لا نسلم ~~أن قوله تعالى:} ولا تاكلوا مما لم يذكر اسما لله عليه {من العام الذي لم ~~يثبت خصوصه بل ثبت خصوصه، فإن الناسي مخصوص عنه بالإجماع بيننا وبينكم، ~~فيخص الباقي بخبر الواحد أو القياس في حق العامد أيضا. PageV02P667 # فأجاب عنه بهذا وقال: لم يخص منه الناسي؛ لأن الناسي بسبب عذره جعل ذاكرا ~~لقيام ملته مقام التسمية تخفيفا عليه بسبب عذر النسيان، وأما العامد فليس ~~به عذر، فلا يستحق التخفيف بإقامة الملة مقام التسمية. # فإن قلت: التسمية شرط لحل الذبيحة وما كان شرطا لا يسقط لا بعذر النسيان ~~ولا بغيره كالطهارة في الصلاة. # قلت: هاهنا أيضا لم يسقط حيث أقيمت الملة مقامها كما أقيم التيمم هناك ~~مقام الوضوء، والشيء إذا فات ببدل لا يكون فائتا من كل وجه. # (فلا يجوز تخصيصه بالقياس) أي بالقياس على الناسي وعدم جواز القياس هاهنا ~~بوجهين: # أحدهما- أن هذا عام لم يخص منه شيء بالدليل القطعي، فلا يجوز تخصيصه لذلك ~~ابتداء بالقياس. # وثانيهما- أن العامد ليس بنظير للناسي؛ لأن الناسي معذور والعامد لا، فلو ~~أستحق الناسي التخفيف بسبب عذره لا يلزم أن يكون العامد مستحقا له؛ لأنه ~~غير معذور. # (وخبسر الواحد) وهو ما روي عن عائشة- رضي الله عنها - قالت: "قال PageV02P668 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواما ~~حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ ~~قال: "أذكروا أنتم اسم الله، وكلوا" كذا في "المصابيح". # (ولا يصح تخصيصه بالآحاد)، منها ما روي عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن ~~النبي عليه السلام دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه PageV02P669 # المغفر، فلما نزعه جاء رجل، وقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: ~~"اقتله"هذا أيضا في المصابيح، (والقياس) وهو أن يقول: لو قتل في الحرم اقتص ~~في الحرم، وكذلك إذا قتل خارجا ثم التجأ إليه قياسا على سائر الأمكنة. # (وقال الشافعي- رحمه الله- العام يوجب الحكم لا على اليقين) ولما PageV02P670 # كان كذلك كان هو نظير القياس وخبر ms237 الواحد، فصح تخصيصه بهما. # (وعلى هذا) دل مسائله منها: هاتان المسألتان ذكرناهما في متروك التسمية ~~عامدا، وفي الملتجئ إلى الحرم مع ورود عام فيهما لم يخص شيء منهما بدليل ~~قطعي، وهو خصصهما القياس والخبر الواحد، وكذلك قال بفرضية تعديل الأركان ~~بخبر الواحد. # وقال بفرضية الوضوء في الطواف في البيت بخبر الواحد، وهو قوله عليه ~~السلام «الطواف صلاة». # وقال بفرضية تعيين الفاتحة في الصلاة لتخصيص عموم قوله تعالى: {فاقرءوا ~~ما تيسر من القرآن} بخبر الواحد، وهو قوله عليه السلام "لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب". # (وقال بعض الفقهاء: الوقف واجب في كل عام) إلى آخره. # وثمرة الاختلاف في الأقوال تظهر أيضا فين قال: لفلان على دراهم، فمن قال ~~بالوقف في العام قال: لا يلزمه ثلاثة دراهم، بل يجب الاستفسار. PageV02P671 # كما في قوله: لفلان على شيء. # وعند من قال بأخص الخصوص يجب ثلاثة دراهم. # وعندنا يجب ثلاثة دراهم أيضا لأن موجب العموم هذا؛ لأن الكل من الدراهم ~~غير المراد هاهنا؛ لأن وجوب جميع الدراهم مستحيل في العادة، فيصار إلى ما ~~هو متيقن في صيغة الجمع وهو الثلاثة، فاتفق الجواب واختلف التخريج لاختلاف ~~أعداد الجمع كالثلاثة والأربعة والخمسة وغيرها. # (لا يؤكد بمثله) أي بمثل ما يؤكد به العام. (لا جميعه) يعني لا يقال زيد جميعه. # {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} أي قال للصحابة نعيم بن ~~مسعود الأشجعي: إن أبا سفيان وأهل مكة جمعوا العسكر. PageV02P672 # لقتالكم وقصته: أن أبا سفيان نادي عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا ~~موسم بدر لقابل إن شيءت، فقال ص: "إن شاء الله"، فلما كان القابل خرج أبو ~~سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران وهو موضع، فألقى الله الرعب في قلبه، ~~فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا، فقال: يا ~~نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر، وأن هذا عام جدب وقد بدا لي، ~~ولكن إن خرج محمد ولم يخرج زاده ذلك. PageV02P673 # جرأة، فألحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي ms238 عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد ~~المسلمين يتجهزون، فقال لهم: ما هذا بالرأي! آتوكم في دياركم وقراركم، فلم ~~يفلت منكم أحد إلا شريدا، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم فو ~~الله لا يفلت منكم أحد، ثم تسمية المثبط هاهنا بالناس وهو نعيم وحده؛ إما ~~لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرود وما له إلا فرس ~~واحد وبرد فرد، أو لأنه حين قال: ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ~~ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه. كذا في "الكشاف". # وأورد ألإمام نجم الدين النسفي- رحمه الله- نعيم بن مسعود بن عامر PageV02P674 # الأشجعي من جملة الصحابة المكرمة، والله أعلم بحاله. # (ووجه قولنا والشافعي). هذا من حيث النحو لا يصح. لأن فيه عطف الاسم على ~~الضمير المجرور إلا أن يقال: إن قوله: والشافعي "معطوف على المضاف في ~~قولنا، فكان تقديره: ووجه قولنا، ووجه قول الشافعي، ولكن عدول عما يسوق ~~إليه الكلام. # (لأن الألفاظ لا تقصر عن المعاني أبدا). قال الله تعالى: {علمه البيان} ~~من بالتعليم، ثم لا قصور في القدرة والتعليم والخلق ولا ضيق أيضا في ~~المراد، والعموم من المعاني فلابد له من لفظ ليظهر المراد فلا يقصر. # (ألا ترى أن من أراد أن يعتق عبيده) إلى آخره، وكذلك السلطان إذا احتاج ~~إلى إركاب الجيش على العموم يقول: ي خيل الله اركبي، ولا يقول يا زيد ~~اركبي، ويا عمرو اركب. PageV02P675 # (والاحتجاج بالعموم من السلف متوارث). ألا ترى أن النبي عليه السلام حين ~~دعا أبي بن كعب- رضي الله عنه- وهو في الصلاة- فلم يجبه بين له خطأه فيما ~~صنع بالاستدلال بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} ~~وهذا عام، فلو كان موجبه الوقف كما زعموا لم يكن لاستدلاله عليه به معنى، ~~والصحابة في زمن الصديق- رضي الله عنهم- حين خالفوه ابتداء في قتال مانعي ~~الزكاة استدلوا عليه بقوله عليه السلام "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله»، وهو عام ثم استدل الصديق عليهم بقوله تعالى: {فإن تابوا ms239 ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فرجعوا PageV02P676 # إلى قوله: وهذا عام. # وكذلك الله تعالى ألزم عليهم الإتباع لما أنزل إليهم بالأمر العام بقوله ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}، والإتباع لفظ خاص في اللغة لمعنى معلوم، ~~وفي المنزل عام وخاص، فيجب بهذا الخاص إتباع جميع المنزل. كذا ذكره الإمام ~~شمس الأئمة- رحمه الله- # (أنه ينسخ سائر وجوه العدد) نحو العدة بالحيض والأشهر وأبعد الأجلين، ~~فصار نسخا للخاص الذي في سورة البقرة، وهو قوله {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن}. # وإنما قال لتلك الآية خاصا؛ لأن المعتدة على نوعين: معتدة بالطلاق ومعتدة ~~بالوفاة، وهذه الآية وهي قوله {وأولات الأحمال أجلهن} (يتناولهما) وهي ~~مخصومة بعدة الوفاة، فكانت هي خاصة وهذه الآية PageV02P677 # عامة من هذا الطريق، ولكن لتلك الآية عموم من وجه ولهذه الآية خصوص من ~~وجه آخر، لأن تلك الآية عامة تتناول أولات الأحمال وغير أولات الأحمال. # (واحتج- رضي الله عنه- في تحريم الجمع بين الأختين) إلى قوله: {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}، فوجه الدلالة على الحرمة أن الجمع بين ~~الأختين لما حرم نكاحا، وهو سبب مفض إلى الوطء، فلأن يحرم الجمع بينهما ~~وطئا بملك اليمين وفيه حقيقة الوطء أولى. # فإن قلت: بل الإباحة فيه أقوى من التحريم؛ لأن الإباحة ثابتة بالعبارة، ~~والحرمة ثابتة بالدلالة، فالعبارة مع الدلالة إذا تعارضتا كان الرجحان ~~للعبارة لا للدلالة؛ لأن العبارة أقوي من سائرها لما عرف. # قلت: نعم كذلك إلا أن الدلالة هنا أقوى من هذه العبارة؛ لأن العبارة هنا ~~وهي قوله {أو ما ملكت أيمانهم} عام دخل في الخصوص، فإنه خص منه الأمة ~~المجوسية والمشركة والمزوجة والأخت من الرضاع وأخت المنكوحة، PageV02P678 # والعام الذي خص منه البعض أدى من القياس فكيف من الدلالة؟ # ثم قال الشافعي: كل عام يحتمل إرادة الخصوص إلا بعض العمومات. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {أن الله بكل شيء عليم}، لا يحتمل إرادة الخصوص ~~وإرادة الباطن لا يصلح دليلا؛ لأن كل احتمال لم ينشأ عن دليل لا اعتبار له. ~~والله أعلم. # | | | PageV02P679 ### || AUTO [باب العام ms240 إذا لحقه الخصوص] # (سواء كان المخصوص معلوما) كما في قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد} في حق الذمي، ~~وقوله: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} في حق ~~المستأمن بعد قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} (أو مجهولا) كما في قوله تعالى: PageV02P680 # {وأحل الله البيع وحرم الربا} وكذلك ما دون ثمن المجن مخصوص من آية ~~السرقة وهو مجهول. PageV02P681 # (ودلالة صحة هذا المذهب أي مذهبنا إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم)، ~~فإن أبا حنيفة- رحمه الله- استدل على فساد البيع بالشر المفسد بما روى عن ~~النبي عليه السلام "أنه نهى عن بيع وشرط" مع أنه مخصوص، فإن كل شرط يوافق ~~مقتضى العقد غير مراد بهذا النص، واحتج أصحابنا جميعا في استحقاق الشفعة ~~بالجوار بقوله عليه السلام: "الجار أحق بصقبة" أي: بقربة مع أنه مخصوص؛ لأن ~~الشريك في نفس المبيع أو في حق المبيع أحق من الجار، واحتج محمد- رحمه ~~الله- في عدم جواز بيع العقار قبل القبض ب "نهى النبي عليه السلام عن بيع ~~ما لم يقبض" مع أنه مخصوص، PageV02P682 # ودلالة أنه مخصوص جواز بيع المهر قبل القبض فيما إذا كان المهر عروضا أو عقارا. # (وذلك دون خبر الواحد) أي العام الذي خص منه البعض دون خبر الواحد. # ألا ترى أن القياس الصحيح يترك بخبر واحد. مثل قوله عليه السلام "تم على ~~صومك فإنما أطعمك الله وسقاك"، فإن القياس الصحيح هو أن أكل الناسي أن يفسد ~~الصوم، ومع ذلك لا يعمل بموجبه بل يعمل بموجب خبر الواحد، وكذلك تركنا ~~القياس الصحيح في القهقهة في الصلاة في حق الوضوء بخبر الواحد، وهو قوله ~~عليه السلام: "ألا من ضحك منكم قهقهة" الحديث، وكذلك في الحدث الذي سبق في ~~الصلاة في جواز البناء. PageV02P683 # ترك القياس الصحيح وعمل بخبر الواحد، ثم لا يترك القياس بالعام الذي خص ~~منع البعض بل يعمل بالقياس. # علم بهذا أن العام الذي خص منه البعض أدنى رتبة ms241 من خبر الواحد. # (لأن الخصوص بمنزلة الاستثناء؛ لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كما في ~~الاستثناء) حيث يتبين بالاستثناء أن الكلام عبارة عما وراءه، ولهذا لا يكون ~~دليل الخصوص إلا مقارنا. # فأما ما يكون طارئا فهو دليل النسخ لا دليل الخصوص، ثم إذا كان المستثنى ~~مجهولا يصير ما وراءه مجهولا بجهالته. كما أن المستثنى إذا تمكن فيه شك ~~يصير وراءه مشكوكا فيه، حتى إذا قال: مماليكي أحرار إلا سالما أو بزيعا، لم ~~يعتق واحد منهما، وإن كان المستثنى أحدهما؛ لأنه مشكوك فيه، فيثبت حكم الشك ~~فيهما، وإذا صار ما بقى مجهولا لم يصلح حجة بنفسه، بل يجب الوقف فيه كما في ~~قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير}. PageV02P684 # (لأن دليل الخصوص نص قائم بنفسه فيصح تعليله)؛ لأنه مستبد بصيغته غير ~~مفتقر إلى صدر الكلام، فصار بمنزلة سائر النصوص، والأصل في سائر النصوص ~~التعليل لما أن المراد من التعليل هو أن يكون معقول المعنى، والعقل حجة من ~~حجج الله تعالى كالنص، فكان الأصل في حجج الله تعالى الموافقة لا التناقض، ~~إذ التناقض الحقيقي من أمارات الجهل، والله تعالى عليم لا يجهل وحكيم لا ~~يسفه، فكان التناقض الحقيقي منه محالا، وإنما قال: لأن دليل الخصوص نص قائم ~~بنفسه «احترازا عن الاستثناء، فإن الاستثناء غير معلول بالاتفاق، فيتخايل ~~أن دليل الخصوص لا يحتمل التعليل لمشابهته الاستثناء في الحكم، وذكر ذلك ~~رفعا لذلك الخيال. # (أن دليل الخصوص إذا كان مجهولا فعلى ما قلنا) أي في وجه الكرخي أي لا ~~يبقى العام حجة أصلا؛ لأن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء على ما قلنا أي ~~بقولنا: لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كالاستثناء، فلا يؤثر في الباقي؛ ~~لأن دليل الخصوص لا يتعرض لما وراءه، فيبقى العام فيما وراءه حجة موجبة ~~قطعا، ولا معنى لما قال الكرخي: إنه محتمل للتعليل؛ لأنه إذا كان بمنزلة ~~الاستثناء لم يحتمل التعليل، فإن المستثنى معدوم على معنى أنه PageV02P685 # لم يكن مرادا من الكلام أصلا، والعدم لا يعلل؛ لأن لتعليل شيء والعدم ms242 ليس ~~بشيء، ولا يقوم التعليل إلا بشيء، وعلى هذين القولين يسقط الاحتجاج بآية ~~السرقة؛ لأنه لحقها خصوص مجهول وهو ثمن المجن على ما روى "كانت الأيدي لا ~~تقطع على عهد رسول الله عليه السلام فيما دون ثمن المجن". # (سقط بنفسه) أي سقط دليل الخصوص بنفسه (بخلاف الاستثناء؛ لأنه وصف قائم ~~بالأول) بحيث إنه لا يعقل انفكاك الاستثناء من صدر الكلام كما لا يعقل ~~انفكاك الوصف عن الموصوف، ومتى كان الاستثناء وصفا قائما بالأول صار بمنزلة ~~البعض للكل، وقيام الجهالة بالبعض يوجب الجهالة في الكل، فلذلك كانت ~~الجهالة في المستثنى أوجبت الجهالة في PageV02P686 # المستثنى منه بخلاف دليل الخصوص، فغنه نص قائم بنفسه غير متصل بالعام ~~اتصال الاستثناء بصدر الكلام، ولهذا يجوز انفكاكه عن العام صيغة وإفادة، ~~فلم يوجب جهالته جهالة ما لم يتصل هو به؛ لأن قيام الصفة بالذات لا يوجب ~~اتصاف ذات آخر بتلك الصفة التي لم تقم هي به. # (ودليل ما قلنا: إن دليل الخصوص يشبه الاستثناء بحكمه) وهو أن كل واحد ~~منهما تصرف في النظم ببيان أن بعض الجملة غير مراد بالنظم، ويشبه الناسخ ~~بصيغته من حيث أن كل واحد منهما قائم بنفسه مفيد لحكمه، (فلم يجز إلحاقه ~~بأحدهما بعينه) أعني الناسخ والاستثناء، (بل وجب اعتباره في كل باب) أي في ~~كل نوع إذا كان معلوما أو مجهولا، كما هو الأصل في المتردد بين الشيئين ~~يأخذ حظا معتبرا من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرا من وجه باطنا من ~~وجه أخذ من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرا من وجه باطنا من وجه أخذ من ~~كل واحد منهما حظا فكذلك هاهنا. # (فقلنا إذا كان دليل الخصوص مجهولا أوجب جهالة في الأول بحكمه اعتبارا ~~يشبه الاستثناء)، فإن المستثني إذا كان مجهولا يصير المستثنى منه. PageV02P687 # مجهولا، فيسقط حكم العموم لجهالته. # (وسقط في نفسه بصيغته إذا اعتبر بالناسخ) أي وسقط دليل الخصوص إذا كان ~~مجهولا اعتبارا لشبهه بالناسخ إذا لم يكن معلوما لا يثبت النسخ، فبقى النص ~~الأول موجبا ms243 للحكم قطعا كما كان، فكذاك دليل الخصوص إذا كان مجهولا بقى ~~العام موجبا للحكم كما كان. # (فصار الدليل مشتبها فلم نبطله بالشك) حتى يكون العام بعد جهالة دليل ~~الخصوص حجة عملا بشبه الناسخ المجهول، وغير قطعي عملا بشبه المستثنى ~~للمجهول، فإن المستثنى إذا كان مجهولا أوجب جهالة في المستثنى منه، فلا ~~يبقى المستثنى منه معلوما أصلا، وأحد الشبهين لم يؤثر في العموم والآخر ~~أسقط حكم العموم ومشابهتهما أورثت الشك، فلم نبطل دليل العموم بالشك، ~~والكناية في قوله: "فلم نبطله" جاز أن ينصرف إلى دليل الخصوص وجاز أن ينصرف ~~إلى دليل العموم وهو الأوجه. # وكذلك قوله: والدليل "أي ودليل الخصوص أو دليل العموم بيانه أن دليل ~~الخصوص لما كان ساقطا لاعتباره بالناسخ ومعتبرا لاعتباره بالاستثناء صار هو ~~مشتبها فلم نبطله بالشك، فقلنا بسقوطه من وجه دون وجه، فلذلك بقا العام ~~موجبا للعمل دون العلم، وكذلك العام يسقط من وجه لاعتبار شبه دليل الخصوص ~~بالاستثناء ولم يسقط لاعتبار شبه دليل PageV02P688 # الخصوص بالناسخ، فصار دليل العموم مشتبها، فلم نبطله بالشك، ولكن ~~انصرافها إلى العام أولى، لأن الكلام وقع فيه، لأن قولنا: " فلم نبطله ~~بالشك "إنما وقع بمقابلة قول الكرخي إنه لا يبقى حجة أصلا أي إن العام الذي ~~لحقه بالخصوص لا يبقى حجة أصلا، وكذلك قول غيره، فكذلك قولنا: "فصار الدليل ~~مشتبها فلم نبطله بالشك" إنما يكون في العام الذي لحقه الخصوص لا في دليل ~~الخصوص. # (وكذلك إذا كان المخصوص معلوما، لأنه يحتمل أن يكون معلوما، وعلى احتمال ~~التعليل يصير مخصوصا من الجملة) يعني يصير ما وراء الثابت بالنص الخاص ~~مخصوصا أيضا بالتعليل، ولا يدري أن القدر صار مخصوصا؟ فأشبه دليل الخصوص ~~إذا كان مجهولا، فتذكر هاهنا السؤال المعروف الجاري على ألسنة العلماء ~~وأندية الفقهاء وهو: أن دليل التخصيص لما شابه الناسخ والاستثناء وجب أن لا ~~يقبل التعليل كما أنهما لا يقبلانه. # والجواب فيه على وجه الاختصار هو أن الناسخ والاستثناء إنما لا يقبلان ~~التعليل لمعنى اختص بهما، وهو أن الناسخ ورد على ms244 معارضة النص المنسوخ ~~وخالفته، والتعليل فرع النص، فلو قلنا بجواز تعليل الناسخ لقلنا بكون جواز ~~التعليل معارضا للنص وهو لا يصح، وفي الاستثناء كون المستثنى معدوما في ~~التقدير، والتعليل سيء موجود فلا يقوم إلا بشيء موجود وليس PageV02P689 # في دليل التخصيص هذان المانعان. بل فيه جهة الاستبداد والبيان، وهما لا ~~يمنعان التعليل فيعلل هو وإن كان الناسخ والمستثنى لا يعللان. # (كأنه لا يدخل لا على سبيل المعارضة للنص) أي للنص العام، وبهذا الذي ذكر ~~احترز عن الناسخ، فإنه على سبيل المعرضة للمنسوخ. # وأما دليل الخصوص فلم يعارض النص العام فلم يمتنع عن التعليل؛ لأن العلة ~~فرع النص، والنص المخصص لبيان أن المخصوص لم يدخل في العام، فكذلك العلة ~~بيان لذلك (فوجب العمل بالتعليل) لخلوه عن معارضة النص (فيصير قدر ما ~~يتناوله لنص العام مجهولا. هذا على اعتبار صيغة النص) أي أن احتمال التعليل ~~باعتبار صيغة النص. # فأما الاعتبار بالحكم فلا يوجب هذا الاحتمال؛ لأنه من حيث الحكم يشبه ~~الاستثناء؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، فلم يكن صدر الكلام ~~موجبا مقدار المستثني، والتعليل إنما يجري لإثبات الحكم، والمستثني معدوم ~~تقديرا بالعدم الأصلي. # (والعدم لا يعلل)؛ لأن كوم المذكور معلولا يستدعي سابقة العلة ليثبت ~~الحكم به، وهذا لا يتصور في العدم؛ لأن العدم أصل فاعتبار دليل الخصوص ~~بالاستثناء لم يوجب شبهة في صدر الكلام؛ لأنه لما لم يعلل دليل الخصوص. PageV02P690 # باعتبار شبهه بالاستثناء من حيث الحكم بقي صدر الكلام موجبا قطعا كما ~~كان، واعتباره بالصيغة يوجب جهالة في الأصل على ما ذكرنا، فوفرنا للشبهين ~~حظهما فقلنا: يبقى موجبا للعمل لشبهه بالاستثناء، ولم يبق موجبا قطعا لشبهه ~~بالناسخ. # وهو معنى ما قال في الكتاب: (فدخلت الشبهة وقد عرف موجبا فلا يبطل ~~بالاحتمال). # (وهذا بخلاف الناسخ إذا ورد معلوما في بعض ما تناوله النص، فإن الحكم ~~فيما بقي لا يتغير لاحتمال التعليل) وقوله: لاحتمال التعليل "ليس بدليل ~~لقوله: لا يتغير" لأنه لا يناسب للمدعى؛ لأن احتمال التعليل يوجب التغير ~~فلا يصلح أن يكون دليلا ms245 لعدم التغير، بل المراد أن احتمال التعليل في النسخ ~~لا يوجب التغير فيما بقي؛ لأن العلة لو صحت هاهنا لكانت معارضة للنص العام، ~~وشرط صحة التعليل أن لا يكون معارضا للنص، فلم يصح التعليل للناسخ لهذا ~~المعنى، فألحق بما لا يحتمل التعليل أصلا، فلم يتغير ما بقي عما كان عليه، ~~وهو كونه موجبا قطعيا فبقي موجبا قطعيا كما كان ولا PageV02P691 # كذلك دليل الخصوص، فإنه لبيان أن المخصوص لم يدخل تحت الجملة فلا تصير ~~العلة معارضة للنص على ما ذكرنا فلابد من اعتبار التعليل، فحينئذ يوجب شبهة ~~فيما بقي فلم يبق النص العام قطعيا لذلك؛ لأن الناسخ إنما يعمل على طريق ~~المعارضة؛ لأن الناسخ إنما يرد بعد ثبوت النص المنسوخ فكان النص الناسخ ~~معارضا. # وأما دليل التخصيص فإنما يرد مقارنا للنص العام عند عامة العلماء، فلا ~~يقع إلا مبينا بأن قدر المخصوص غير داخل تحت العام من الأصل كالاستثناء. ~~تبين أن قدر المستثني غير داخل تحت المستثني منه من الأصل؛ لوروده مقارنا ~~وهو بمعزل من المعارضة، وقولنا: عند عامة العلماء "احتراز عن قول الإمام ~~أبي منصور- رحمة الله- فإنه لا يشترط المقارنة لورود دليل التخصيص. كذا ذكر ~~في "تبصير الأدلة" في بيان الوعد والوعيد. # (فصار الدليل مشكوكا) أي العام الذي ص منه البعض صار مشكوكا. # (أن البيع إذا أضيف إلى حر وعبد بثمن واحد إلى قوله: فهو باطل). PageV02P692 # هذا بالاتفاق. # وأما إذا سمى لكل واحد منهما ثمنا بأن قال: اشتريتهما بألف كل واحد منهما ~~بخمسمائة، فكذلك الجواب عند أبي حنيفة- رحمه الله- وعندهما العقد جائز في ~~العبد بما سمى بمقابلته؛ لأن أحدهما منفصل عن الآخر في البيع ابتداء وبقاء، ~~فوجود المفسد في أحدهما لا يؤثر في العقد على الآخر؛ لأن تأثيره في العقد ~~على الآخر إما باعتبار التبعية وأحدهما ليس بتبع للآخر، أو باعتبار أنهما ~~كشيء واحد وليس كذلك، وكل منهما منفصل عن الآخر في العقد. # ألا ترى أنه لو هلك أحدهما قبل القبض بقى العقد في الآخر، وذلك فيما إذا ~~كان واحد منهما عبدا ms246 ويؤذن ذلك. في هذا انفصال أحدهما عن الآخر. # وأبو حنيفة- رحمه الله- يقول: البائع لما جمع بينهما في الإيجاب وقد شرط ~~في قبول العقد في كل واحد منهما قبول العقد في الآخر؛ بدليل أن المشتري لا ~~يلك العقد في أحدهما دون الآخر، واشتراط قبول العقد في الحر في بيع العبد ~~شرط فاسد، والبيع يبطل بالشرط الفاسد، فصارت هذه الجملة نظير الاستثناء؛ ~~لأنه يجعل في الاستثناء عبارة عما وراء المستثنى حكما، فكذلك هاهنا جعلت ~~إضافة البيع إليهما عبارة عن إضافته إلى العبد PageV02P693 # ابتداء؛ لأن الحر ومن في معناه غير داخل في العقد أصلا؛ لأن دخول الشيء ~~في العقد بصفة المالية والتقوم، وذلك لا يوجد في الحر ومن في معناه، فلو ~~جاز العقد في العبد إنما يجوز بالحصة، والبيع بالحصة لا ينعقد ابتداء على ~~الصحة لمعنى الجهالة كما لو قال: اشتريت منك هذا العبد بما يحصه من الألف ~~إذا قسم على قيمته، وقيمة هذا العبد الآخر، فإنه لا يجوز لجهالة الثمن كذا ~~هاهنا. كذا في "المبسوط". # (وإذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم) إلى آخره. يبقى العقد صحيحا في ~~الآخر؛ لأن العقد تناولهما باعتبار قيام صفة المالية والتقويم فيهما، وهو ~~المعتبر في المحل لتناول العقد إياه، ثم خرج أحدهما لصيانة حق مستحق إما ~~للعبد في نفسه أو للغير فيه أو لتعذر التسليم بهلاكه، فيبقى العقد في الآخر ~~صحيحا بحصته، والبيع بالحصة بقاء لا يفسد البيع، وكذلك إذا كان أحدهما أم ~~الولد وهذا الذي ذكرنا مذهبنا، وقال زفر- رحمه الله- لا يجوز لما إذا كان ~~أحدهما حرا. كذا في "المبسوط". PageV02P694 # وقوله: (يدخلان في البيع). # والدليل على الدخول ما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "المبسوط" ~~بقوله: لأن دخول الآدمي في العقد باعتبار الرق والتقوم وذلك موجود في ~~المدبر والمكاتب، ثم استحق أحدهما نفسه فكان بمنزلة ما لو استحقه غيره بأن ~~باع عبدين فاستحق أحدهما، وهناك البيع جائز في الآخر سواء سمي لكل واحد ~~منهما ثمنا أو لم يسم. # يوضحه أن البيع في المدبر ليس بفاسد على الإطلاق بدليل ms247 جواز بيع المدبر ~~من نفسه، فإنه إذا باع نفس المدبر من نفسه يجوز. بدليل أن القاضي إذا قضي ~~بجواز بيع المدبر ينفذ قضاؤه، وكذلك المكاتب فإن بيعه من نفسه جائز ولو ~~باعه من غيره برضاه جاز في أصح الروايتين، وكذلك بيع أم الولد من نفسها ~~جائز، ولو قضى القاضي بجواز بيع أم الولد نفذ قضاؤه عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف- رحمهما الله-. # (فصار هذا من قسم دليل النسخ) حيث وقع الحكم الثابت في مقدار ما يتناوله ~~التص الذي هو ناسخ بعد الثبوت ويبقى ما وراء ذلك من حكم العام على ما كان ~~قبل ورود الناسخ. PageV02P695 # (في رجل باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما)، والمسائل على ~~أربعة أوجه: # أحدها- أن لا يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن. # الثاني- أن يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن. # والثالث- أن لا يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن. # والرابع- أن يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن، والكل فاسد إلا الوجه ~~الأخير. # (فصار في السبب نظير دليل النسخ وفي الحكم نظير الاستثناء)، وهذا لأن شرط ~~الخيار لا يدخل في أصل السبب، وإنما يدخل على الحكم، فيجب اعتباره في كل ~~جانب بنظيره، حتى إن باعتبار السبب إذا سقط الخيار استحق المشتري المبيع ~~بزوائده المتصلة والمنفصلة وباعتبار الحكم إذا أعتق المشتري والخيار مشروط ~~البائع، ثم سقط الخيار لم ينعقد العتق. كذا ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- في ~~"أصول الفقه" وهذا لأن خيار الشرط يشبه الناسخ ويشبه الاستثناء. # أما أنه يشبه الناسخ على معنى أن الخيار لا يمنع دخولهما تحت الإيجاب، PageV02P696 # ويشبه الاستثناء على معنى أن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم ~~فلشبهة بالناسخ إذا عين وبين يجوز. بخلاف الحر والميتة، فإنه لا يدخل تحت ~~الإيجاب عين أو لم يعين ولشبهة بالاستثناء إذا لم يعين ولم يبين لا يجوز. # وقوله: (بمنزلة الحر والعبد) متصل بقوله: وفي الحكم نظير الاستثناء أي أن ~~شرط الخيار في البيع يمنع السبب في حق الحكم، ويصير كأن البيع لم يوجد في ~~حق الحكم بمنزلة المستثنى، ms248 فإنه غير داخل في الإيجاب كما إذا جمع بين حر ~~وعبد في البيع ولم يفصل الثمن لم يدخل العبد أيضا في الإيجاب كما أن ~~المستثنى لم يدخل في الإيجاب. # (بخلاف الحر والعبد وما شاكل ذلك في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه-) إذا ~~جمع بين الحر والعبد في البيع، وفصل الثمن لم ينعقد العقد في العبد صحيحا ~~عند أبي حنيفة- رحمه الله- خلافا لهما؛ لأن اشتراط قبول العقد في الحر شرط ~~فاسد، وقد جعله مشروطا في قبول العقد في القن حين جمع بينهما في الإيجاب، ~~والبيع يبطل بالشروط الفاسدة. # فأما اشتراط قبول العقد في الذي فيه الخيار لا يكون شرطا فاسدا، لأن PageV02P697 # البيع بشرط الخيار منعقد صحيحا من حيث السبب، فكان العقد في الآخر لازما ~~كما إذا جمع بين قن ومدبر في البيع كان العقد في القن لازما، فكان في هذا ~~المجموع الذي ذكر نظير الاستثناء والنسخ دليل الخصوص، فنظير الاستثناء ما ~~إذا جمع بين حر وعبد في البيع وأمثاله. ونظير النسخ ما إذا جمع بين عبد ~~ومدبر في البيع وأنواعه. # ونظير دليل الخصوص مسألة من باع عبدا بشرط الخيار، والله أعلم. # | | | PageV02P698 ### || AUTO باب ألفاظ العموم # لما ذكر بيان أحكام العموم وما يختلف من أحكامه قبل الخصوص وبعده احتاج ~~إلى ذكر الألفاظ التي يحصل بها العموم، فتقديم الأحكام بسبب أن الأحكام هي ~~المقصودة، وكونها مقصودة جهة في التقديم. # (فهو صيغة كل جمع مثل الرجال والنساء) أي بغي الألف واللام بأن قيل: رجال ونساء. # (أما صيغته فموضوعة للجمع)؛ لأن واضع اللغة وضع هذه الصيغة للجماعة، ~~وقال: رجل ورجلان ورجال، وامرأة وامرأتان ونساء، وهو عام بمعناه أيضا؛ لأنه ~~شامل لكل ما يتناوله عند الإطلاق، وأدنى ما ينطلق عليه هذا اللفظ ثلاثة؛ ~~لأن (أدنى الجمع) الصحيح (ثلاثة نص عليه محمد- PageV02P699 # رحمه الله- في "السير الكبير" في الأنفال ويرها)، ومن قال: لفلان علي ~~دراهم يلزمه الثلاثة والمرأة إذا اختلعت من زوجها بما في يدها من دراهم، ~~فإذا ليس في يدها شيء تلزمها ثلاثة دراهم. # (والكلمة عامة لكل قسم يتناوله) ms249 أي كلمة العموم تعم ما تتناوله صيغة ~~العموم مثل: كلمة العبيد عام في العباد، والنساء في الإناث PageV02P700 # ليستقيم تعريفه. # (لأن كل جنس معهود فكان فيه عمل بالوصفين) أي وصف الجنس ووصف الجمع. بيان ~~ذلك أن معنى الجمع مراعى في الجنس من وجه ولا يراعى معنى الجنس في الجمع ~~أصلا، وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معنى الجمع فيه موجودا في الجمع ~~أصلا، وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معنى الجمع فيه موجودا وهو ~~الثلاث فصاعدا، فعلى هذا التقدير كان معنى الجمع في الجنس مراعى في كل وجه. # وأما إذا أريد به الجمع فليس فيه معنى الجنس أصلا؛ لأن الجنس ما يتناول ~~الواحد ويحتمل الكل، وهذا معنى غير موجود في الجمع، فإنه لا يكون الواحد ~~فيه مرادا أصلا، فلا يكون معنى الجنس على هذا التقدير موجودا أصلا، ولم ~~يوجد أيضا إذا أطلق الجمع على الثلاث لا غير. # فعلم بهذا أن معنى الجنسية في الجمع فائت على تقديرين أي على تقدير إرادة ~~الثلاث فصاعدا من الجمع على تقدير الثلاث منه لا غير. # وأما معنى الجمع. فمراد من كل وجه من الجنس إذا أريد به الجنس الأعلى، ~~فاتضح الفرق فيهما فكان الحمل على الجنس أولى عند تعارض مقتضيهما. PageV02P701 # وأما في قول المرأة لزوجها: خالعني على ما في يدي من الدراهم وليس في ~~يدها شيء حيث يلزمها ثلاثة دراهم؛ فلأن الجمع المحلى بالألف واللام التي هي ~~للجنس كان يجب أن يراعى الجمعية على تقدير إرادة الكل به، وذلك غير ممكن؛ ~~لاستحالة كون الدراهم أجمع في يدها، وإذا انعدم المعنى الموجب لاعتبار ~~الجنسية اعتبرنا جانب الصيغة وهو الجمع، وقد ذكرنا ما هو أريد من هذا في ~~هذه المسألة في "النهاية". PageV02P702 # (فإن آدم عليه السلام وحده كان كل الجنس)، وكذلك (حواء- رضي الله عنها) - ~~وحين لم يكن غيرهما كان اسم الجنس حقيقة لكل واحد منهما، فبكثرة الجنس لا ~~تتغير تلك الحقيقة، وكما كان اسم الجمع واقعا على الثلاثة فصاعدا كان اسم ~~الجنس واقعا ms250 على الواحد فصاعدا، فعند الإطلاق ينصرف إليه إلا أن يكون ~~المراد الجمع، فحينئذ لا يحنث فقط ويدين في القضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه ~~بخلاف ما إذا نوى التخصيص في صيغة العام، فإنه لا يدين في القضاء، فتذكر ~~هاهنا ما ذكرنا من ورود الشبهة على هذا الأصل في مسألة الكوز قبل هذا في ~~باب موجب الأمر في معنى العموم والتكرار. PageV02P703 # (مثل الرهط والقوم). ذكر في "الصحاح" والرهط ما دون العشرة من الرجال لا ~~يكون فيهم امرأة. قال الله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط} والقوم: ~~الرجال دون النساء؛ لأنه لا واحد له من لفظه، وجمع القوم أقوام، وجمع الجمع ~~أقاوم (ولما كان فردا بصيغته جمعا بمعناه كان اسما للثلاثة فصاعدا) أي لما ~~كان كل واحد من رهط وقوم فردا بصيغته. # فإن قيل: لما كان اللفظ مفردا والمعنى جمعا كان كالطائفة حيث اجتمعت فيها ~~علامتا فرد وجماعة، فإن الطائف في أصله اسم فاعل على صيغة الفرد، وفيها ~~علامة الجماعة وهي التاء، فلذلك صارت متناولة للواحد فصاعدا فيجب أن يكون ~~الرهط كذلك، بأن يكون متناولا للواحد فصاعدا. # قلت: الفرق بينهما ظاهرا؛ لأن الرهط والقوم من حيث الصيغة كقلب وكلب على ~~صيغة الأسماء المفردة، ومع ذلك هما موضوعان لمعنى الجمع ولم يوضعا فيما دون ~~الثلاثة كالركب والصحب والإبل والغنم، وكان عدم PageV02P704 # استعمالهما لما دون الثلاثة بوضع الواضع. # وأما الطائفة فهي نعت فرد بحسب الاشتقاق. يقال: امرأة طائفة. إلا أنهما ~~لما استعملت للجماعة أول تأنيثها بتأويل الجماعة، فلذلك اعتبر فيها حقيقة ~~الفردية والاستعمال للجماعة. # ({فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}) أي فهلا نفر من كل جماعة كثيرة ~~جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير؛ لأنه نعت فرد صار جنسا بعلامة الجماعة، ~~فإن التاء فيها لعلامة الجماعة كالمعتزلة والكرامية؛ لأن الطائفة في أصلها ~~نعت للمرأة الواحدة من طاف يطوف، لكن هي غير مرادة بالإجماع، فتعين الآخر ~~وهو أن تكون التاء لسبب النعت الجماعة، فكانت للجنس بهذا الطريق؛ لأنه ~~اجتمع فيها دليلان. # والأصل في الأدلة الجمع عند التعارض، ms251 فحملناها على الجنس ليكون عملا ~~بهما؛ لأن الجنس يتناول الفرد مع احتمال الكل، والمراد من الجنس نفس ~~الماهية واحدة في الذهن، وإنما تكثر في الخارج بكثرة أفراده، ولكل فرد من ~~أفراده صلاحية أن يكون كل الجنس، وهو المعني من قولهم: الجنس يقع PageV02P705 # على الواحد على أنه كل الجنس. # [من] # (ومن ذلك) أي ومن الذي هو عام بمعناه دون صيغة كلمة من، فإنها كلمة مبهمة ~~عبارة عن ذات من يعقل (وهي تحتمل العموم والخصوص)، والنظير الواضح لها فيه ~~قوله تعالى {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون} في بعض ضمائرها ذكر بلفظ الفرد وفي بعضها بلفظ الجمع. # (فشاؤوا جميعا عتقوا)؛ لأن كلمة من تقتضي العموم، وإنما أضاف المشيئة إلى ~~من دخل تحت كلمة من فتعمم بعمومه. PageV02P706 # (فصار الأمر متناولا بعضا عاما، فإذا قصر أي الأمر بالإعتاق عن الكل ~~بواحد كان عملا بهما). # فإن قيل: إن قوله: عبيدي جمع فيتناول الثلاث لما عرف، فينبغي أن يعتق بعض ~~الثلاث عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- وعندهما أن يعتق الثلاث لما أن الجمع ~~يصرف إلى الثلاث لما مر في قوله: "إن اشتريت عبيدا فعليه كذا" أن ذلك يقع ~~على الثلاث. # قلنا: الجمع إنما يتناول الثلاث فيما ذكرت من الصورة وأمثالها؛ لأنه ~~متيقن وما وراءه غير متناه وغير معلوم ولم يدل الدليل على ما وراءه. # وأما هاهنا فدل الدليل على ما وراء الثلاث وهو إضافة العبيد إلى نفسه، ~~فكان مجموع العبيد معلوم العدد بسبب الإضافة إلى نفسه، فلما علم مجموع ~~العبيد صرف كلامه إليه لا إلى الثلاث؛ لأن ذلك كان للضرورة وليس هاهنا ~~ضرورة في الصرف إلى الثلاث. # فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- رحمه الله- عن الآيتين اللتين وردتا على ~~وفاق صورة المسألة، وهما شهدتا لصحة قولهما، وهو قوله تعالى: {فاذن PageV02P707 # لمن شئت منهم} وقوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء}، فإضافة ~~المشيئة إلى الخاص في هاتين الآيتين لم تغير العموم الثابت بكلمة من؟ # قلت: قال ms252 هو- رحمة الله- وإنما رجحنا معنى العموم فيهما بالقرينة ~~المذكورة فيهما، وهي قوله: {واستغفر لهم الله} وقال: {ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن}. # (وكذلك قوله: من شاء من عبيدي عتقه فهو حر). يعني لا يلزم على المسألة ~~المتقدمة وهي قوله: من شيءت من عبيدي عتقه فأعتقه"، وإن كان المولى جمع بين ~~من ومن في الصورتين، ومع ذلك عمل في المسألة المتقدمة بكلمتي العموم ~~والخصوص، وفي هذه المسألة لم يعمل بكلمة الخصوص، فأجاب عنه بقوله: (إلا أنه ~~أي إلا أن ذلك البعض موصوف بصفة عامة وهي المشيئة، فسقط بها أي بسبب الصفة ~~العامة الخصوص) أي التبعيض. # فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يعم الكل في قوله: من شيءت عتقه" أيضا؛ PageV02P708 # لأن محلية العتق عام، فإن العبيد هناك كانوا موصوفين بكونهم شائين العتق، ~~وهاهنا أيضا كانوا موصوفين بكونهم مشيئين للعتق. # قلنا: نعم كذلك إلا أن الاعتبار في الصفة جهة الفاعل لا جهة المفعول ~~والمشيئة في قوله: أعتق من عبيدي من شيءت عتقه" خاصة باعتبار الشائي وهو ~~المخاطب، وإن كانت عامة باعتبار المفعول لما أن الاعتبار للفاعل. # وحاصله أن كلمة من للبيان عندهما وللتبعيض عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- ~~وهذا الأصل لم يفترق في الصورتين أي صورة قوله: من شاء من عبيدي عتقه"، ~~وصورة قوله: من شيءت من عبيدي عتقه"، إلا أن المخالفة بينهما من حيث الحكم ~~إنما جاءت من شيء آخر، وهو أن البعض في قوله: من شاء من عبيدي" وصف بصفة ~~عامة وهي المشيئة فعمت، وهذا لا يدل على أن كلمة من فيه للبيان. # ألا ترى أن من قال لآخر: أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوا جميعا عتقوا. PageV02P709 # ولو قال: أي عبيدي ضربته فهو حر، فضربهم لم يعتق إلا واحد منهم. لما أن ~~في الأول أن النكرة وهي أي وصفت بصفة عامة فتعممت، وهذا لا يل على أن ~~النكرة عامة في جميع الصور. # وأما في الثاني فقد وصف المخاطب بالضرب فبقيت النكرة وهي أي متعرية عن ~~الصوف العام فلم تتعمم، فكذلك هاهنا أضاف المشيئة في ms253 قوله: "شيءت" إلى ~~المخاطب، فبقي الأول بعضا عاما متعريا عن دليل يوجب العموم، ولا كذلك من ~~شاء من عبيدي عتقه على ما ذكرنا. # (وهذه الكلمة أي كلمة من تحتمل الخصوص أي تحتمل أن يراد به الفرد المحض؛ ~~لأنها وضعت مبهمة أي وضعت كلمة من صالحة لإرادة العموم والخصوص، فإنها تذكر ~~ويراد بها العموم وتذكر ويراد بها الخصوص. # (فلما قرنه بهذه الكلمة) أي فلما قرن الأول بكلمة من حملت كلمة من على ~~الخصوص؛ لأن كلمة من تحتمل العموم والخصوص، وكلمة "الأول" محكمة في الخصوص؛ ~~لأن الأول اسم لفرد سابق لا يشاركه غيره، فلما قرن بينهما حمل المحتمل على ~~المحكم، وكان هذا بمنزلة من قال: لفلان علي ألف PageV02P710 # درهم وديعة تكون وديعة لما أن كلمة الإيجاب وهي علي تحتمل إيجاب الحفظ ~~بكون المال وديعة عنده، وتحتمل إيجاب المال في ذمته بسبب الدين، وقوله: ~~"وديعة" محكم في الإيداع، فحمل المحتمل على المحكم، فكذلك هاهنا. # ولما ترجح معنى الخصوص فيها لم يستحق النفل إلا واحد دخل سابقا على ~~الجماعة، فنظير كلمة من في هذه الوجوه كلمة ما على ما يجيء بعد هذا. # [كل] # (وقسم آخر) أي وقسم آخر من ألفاظ العموم التي هي عام بمعناها دون صيغتها. # (وهذا معنى أي معنى الانفراد على وجه أن يعتبر كل مسمى منفردا ليس معه ~~غيره) إنما يثبت في حق المضاف إليه الذي أضيف إليه كل، وهو نفس في قوله ~~تعالى: {كل نفس ذائقة الموت}، وامرأة في قول الرجل: كل امرأة يتزوجها؛ لأن ~~كلا من النفس والمرأة ذكرتا نكرة في موضع الإثبات، فكان الانفراد هو المراد ~~لذلك، ومعنى الإحاطة إنما جاء من لفظ كل، فلذلك كان معناه أن يحيط كل ما ~~يتناوله على سبيل الانفراد. PageV02P711 # وقوله: (كأنها صلة) أي كأن كلمة كل صلة للذي أضيف هي إليه، وهو نفس ~~وامرأة فيما ذكرنا من النظير، وإنما شبهها بالصلة؛ لأن الصلة لا تستعمل ~~بدون الموصول كذلك كلمة كل لا تستعمل بدون ما أضيفت هي إليه إما لفظا أو ~~تقديرا، وإنما ms254 ذكر هذا لبيان أن المقصود هو المضاف إليه فيه، والمضاف إليه ~~فيما ذكر من النظير نكرة ذكرت في موضع الإثبات، فكانت خاصة، فلذلك اعتبر كل ~~مسمى منفردا كأن ليس معه غيره. # (وهي تحتمل الخصوص أيضا مثل كلمة من) على ما ذكر بعد هذا بقوله: ولو دخل ~~العشرة فرادى في كلمة كل كان النفل للأول لا غير؛ لأنه هو الأول من كل وجه. # (وإذا دخلت على النكرة أوجبت العموم) أي عموم الأفراد، وإنما قيد بقوله: ~~وإذا دخلت على النكرة "احترازا عما لو دخلت على المعرفة، فإنها توجب عموم ~~الأجزاء حينئذ. كما في لفظ "المنظومة" مستودع كل المراد ولم يقل كل مراد ~~لما أنه لم يرد به كل فرد من أفراد المراد؛ لأن المرادات جمة، وهو ليس ~~بجامع للجميع، بل أراد أنه جامع كل جزء من أجزاء المراد من نوع PageV02P712 # المسائل الخلافية. # وعن هذا قالوا: كل رمان مأكول صادق، وكل الرمان مأكول ليس بصادق؛ لأن ~~قشوره غير مأكولة. # (فإذا وصلت أوجبت عموم الأفعال)، ولكن يقتضي عموم الأفعال عموم الأسماء ~~لا على القلب، فوجه الفرق هو أن الفعل لا يتصور بدون الاسم حتى إن التزوج ~~لا يتصور بدون المرأة، فلذلك جاء من ضرورة عموم الأفعال عموم الأسماء، ~~فلذلك حنث كل عند تزوج في قوله: كلما تزوجت امرأة سواء كان تكرار التزوج ~~على المرأة الأولى أو على غيرها. # بخلاف ما لو قال: كل امرأة أتزوجها؛ لأن من عموم النساء لا يلزم عموم ~~التزوج، إلا أنها عند العموم تخالفها في إيجاب الإفراد أي أن كلمة كل تخالف ~~كلمة من في اقتضاء العموم، وكلمة كل توجب الإحاطة على سبيل الانفراد، على ~~وجه أن يكون مع كل واحد مما دخلت هي عليه كأن ليس معه غيره ولا كذلك إفراد ~~كلمة من، بل ذلك يوجب هي الاجتماع ولا يوجب الانفراد. PageV02P713 # ويظهر ذلك في مسألة ("السير الكبير" التي ذكرها محمد) - رحمه الله- على ~~ما ذكر في الكتاب، وهو قوله: (من دخل منكم هذا الحصن أولا فله من النفل ~~كذا، فدخل ms255 جماعة بطل النفل، ولو قال: كل من دخل منكم هذا الحصن أولا، فدخل ~~عشرة معا وجب لكل رجل منهم النفل كاملا على حياله). # وذكر الإمام قاضي خان في "الجامع الكبير" فقال: إذا قال الرجل: كل امرأة ~~لي تدخل الدار فهي طالق، وله أربع نسوة فدخلت واحدة فطلقت؛ لأن كلمة كل ~~تتناول كل واحدة على سبيل الانفراد، وبخلاف ما لو قال: إذا دخلتن الدار ~~فأنتن طوالق. لا يقع م لم تدخل الكل. # لأن لفظ الجمع لا تناول الفرد في حق من تخلف من الناس، وهم الذين لم ~~يدخلوا. PageV02P714 # (ولو دخل العشرة فرادى) يعني لو دخل العشرة على التعاقب كان النفل الأول ~~خاصة في الفصلين؛ لاحتمال الخصوص في كلمة كل. # [الجميع] # (فصارت بهذا المعنى) أي بصفة معنى الاجتماع (مخالفة للقسمين الأولين)، ~~وهما: كلمة كل وكلمة من، وذلك لأن كلمة للإحاطة على سبيل الانفراد على ~~التفصيل الذي ذكرنا، وكلمة من توجب العموم من غير أن تتعرض لصفة الاجتماع ~~ولا لصفة الانفراد، فعلى أي وجه وجد وجب اعتباره وهو معنى ما ذكر في كلمة ~~من وجب اعتبار جماعتهم؛ لأنها وجدت كذلك لا أن كلمة من توجبه، وكلمة الجميع ~~تخالفهما في هذا؛ لأنها متعرضة لصفة الاجتماع، فصار كلمة من عامة مطلقة، ~~وكلمة الجميع عامة مقيدة بصفة الاجتماع وكذلك كلمة كل عامة مقيدة، لكن بصفة ~~الانفراد على مضادة قيد الجميع. PageV02P715 # (أن لهم نفلا واحدا بينهم جميعا)؛ لأن لفظ الجميع للإحاطة على وجه ~~الاجتماع وهم سابقون بالدخول على سائر الناس. # (لأن الجميع يحتمل أن يستعار لمعنى الكل)؛ لأن كل واحد منهما عام، ~~فيستعار هذا لذلك لمعنى يجمعهما وهو العموم عند تعذر موجب حقيقته، فإذا ~~دخلوا فرادى لم يوجد موجب الجميع وهو الاجتماع، وقد دل الدليل على ~~الاستعارة؛ لأن الحال حال التشجيع وهذا في واحد أقوى؛ لأن المراد الترغيب ~~في دخول الحصن، ومعنى الشجاعة والجرأة من واحد أقوى عند الإرادة. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يستعار من لمعنى الكل فيما إذا قال: من دخل PageV02P716 # منكم هذا الحصن ms256 أولا فله من النفل كذا، فدخل عشرة حتى يستحق كل واحد منهم ~~نفلا كاملا كما في كلمة كل. كما استعير كلمة الجميع لمعنى الكل حين دخلوا ~~فرادى كان النفل للأول في مسألة الجميع استعارة لها لمعنى كل؟ # قلنا: لا يصح ذلك لما ذكرنا أن كلمة من تحتمل الخصوص وقد قرن بها الأول ~~وهو محكم في الفرد السابق، فصار المراد به فردا سابقا على الحقيقة كما لو ~~قال: إن دخل فلان الحصن أولا فله من النفل كذا، فدخل معه غيره لم يستحق ~~النفل لانتفاء صفة الأولية، فكذلك هاهنا الشرط دخول رجل واحد سابق لا ~~يشاركه غيره في الدخول حقيقة، فلم يجز استعارته لذلك بخلاف الجميع والكل؛ ~~لأنه يجوز أن يذكر العام ويراد به الخاص. # وأما استعارة الجميع لمعنى الكل حين دخلوا فرادى كان النفل للأول كما في ~~مسألة كل فحقق ما ذكرنا بأن الأول محكم في الفرد السابق وقد قرن بالجميع، ~~فكان ترجيح جانب المحكم أولى. # [الذي] # (وكذلك كلمة الذي في مسائل أصحابنا)؛ فإنها مبهمة مستعملة فيما يعقل ~~وفيما لا يعقل، وفيها معنى العموم حتى إذا قال المولى لأمته: إن كان الذي ~~في بطنك غلاما كان بمنزلة قوله: إن كان ما في بطنك غلاما. # [ما] # (وهذه في احتمال الخصوص) أي كلمة ما. PageV02P717 # (لما قلنا في الفصل الأول) أي في قوله: من شيءت من عبيدي عتقه فأعتقه. # (ويجوز أن يستعار كلمة ما لمعنى كلمة من) كقوله تعالى: {والسماء وما ~~بناها} كما يستعار كلمة من لمعنى كلمة ما في قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق} وهو الأصنام، وإنما أوثرت كلمة ما على كلمة من في قوله: {وما بناها} ~~لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، وفي ~~كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. # وأما استعارة كلمة من لمعنى كلمة ما في قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق} مع إرادة الأصنام من قوله: {كمن لا يخلق}، فلأنه ذكر فعل الخلق وهو ~~صفة من يعلم، فإن الكفار لما سموها آلهة وعبدوها وأجروها ms257 مجرى أولي العلم، ~~ذكرها الله تعالى على حسب اعتقادهم". # وبكلمة من في قوله: {كمن لا يخلق} أو ذكرت كلمة من في قوله: PageV02P718 # {كمن لا يخلق} لمشاكلة {أفمن يخلق} كما في قوله تعالى: {فمنهم من يمشي ~~على بطنه} الآية. إلى هذا أشار في "التيسير"، و"الكشاف". # (وهذه كلمات موضوعة غير معلولة) أي لم يقل إنها موضوعة لهذه المعاني بسبب ~~هذه العلة بخلاف المسلمين والكافرين وسائر الكلمات المشتقة من ألفاظ ~~العموم، فإنها موضوعة على معانيها باعتبار عللها وهي قيام الإسلام والكفر. # وقوله: "هذه" إشارة إلى الكلمات المذكورة من قوله: وأما العام الذي ~~بمعناه دون صياغته مثل: الرهط، والقوم، والطائفة، ومن، وكل، والجميع، وما، ~~والذي، فإن هذه الكلمات موضوعة لما ذكرها من موضوعاتها الحقيقية، وليست هي ~~بموضوعة لما وضعت باعتبار العلة، فلذلك لم يقس PageV02P719 # الرهط على الطائفة حتى يطلق على الواحد وما فوقه كما هو حقيقة الطائفة، ~~وكذلك لم يجز قياس كلمة من على كلمة كل في مسألة من دخل منكم هذا الحصن ~~أولا، فدخل جماعة حتى يستحق كل واحد منهم نفلا كاملا كما يستحقه في مسألة كل. # وأما ما ورد من استعارة بعض الكلمات لبعضها، فلم يكن ذلك باعتبار أنها ~~معلولة بعلة، ثم وجد تلك العلة في كلمة أخرى، فاستعرت هي لها باعتبار وجود ~~بعض أوصاف كلمة في كلمة أخرى. كما استعير لفظ الأسد للرجل الشجاع؛ لوجود ~~بعض صفة الأسد في الرجل الشجاع وهو الشجاعة لا أن الأسد إنما سمي أسدا لأنه شجاع. # أن النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص. قيل: هذا الذي ذكره في الإثبات ~~فيما إذا كانت تلك النكرة اسما غير مصدر، فيحتمل العموم حتى وصف هو بالكثرة ~~في قوله تعالى: {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا}. # وكذلك لو قال رجل لامرأته: أنت طالق طلاقا، ونوى به الثلاث يصح. PageV02P720 # (وذلك ضروري لا للمعنى في صيغة الاسم) أي كون النكرة في موضع النفي ~~للعموم لا لدلالة العموم في صيغته مثل صيغة الجمع ومثل الألف واللام التي ~~هي للجنس، ولكن ms258 كان ذلك لضرورة الكلام ومقتضاه. # ولذلك وقع الفرق بين وقوع النكرة في الإثبات ووقوعها في النفي؛ لأن في ~~موضع الإثبات المقصود إثبات المنكر، وفي موضع النفي المقصود نفي المنكر، ~~فالصيغة في الموضوعين تعمل فيما هو المقصود، إلا أن من ضرورة نفي رؤية رجل ~~منكر في قوله: ما رأيت رجلا نفي رؤية جنس الرجال، فإنه بعد رؤية رجل واحد ~~لو قال: ما رأيت رجلا كان كاذبا. # ألا ترى أنه لو أخبر بضده، فقال: رأيت اليوم رجلا كان صادقا، وليس من ~~ضرورة إثبات رؤية رجل واحد إثبات رؤية غيره، فهذا معنى قولنا: النكرة في ~~النفي تعم وفي الإثبات تخص. PageV02P721 # (لا يحتمل التعريف بعينه لمعنى العهد) أي في موضع لا يراد به معين. مثل ~~قوله: {والسارق والسارقة} والواو في قوله: {والزانية} للعطف، فكان من حقها ~~أن يلفظ بقطع الهمزة. # (ومثاله قول علمائنا: المرأة التي أتزوجها طالق) تطلق كل امرأة يتزوجها. # ولو قال: العبد الذي يدخل الدار من عبيدي حر، يعتق كل عبد يدخل الدار؛ ~~وهذا لأن الألف واللام للمعهود، وليس هنا معهود، فيكون بمعنى الجنس مجازا ~~كالرجل يقول: فلان يحب الدينار، ومراده الجنس، وفي PageV02P722 # الجنس معنى العموم. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-. # (وفيه نظر عندنا) أي عندي أي مما يتأمل في صحته، وإنما قال هذا؛ لأنه غير ~~مطرد طردا وعكسا أما طردا: ففي صورة إعادة المعرفة معرفة، PageV02P723 # والثانية غير الأولى، وذلك في قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب}، فإن المراد من الكتاب الثاني الكتاب الذي ~~أنزل على من قبلنا، ومن الأول القرآن وهما غيران مع إعادة المعرفة معرفة. # وأما عكسا ففي صورة إعادة النكرة نكرة، والثانية عين الأولى، وذلك في ~~قوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد ~~قوة}، فالضعف الثاني عين الضعف الأول مع أن كلا منهما نكرة، وكذلك قوله ~~تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}. # وقال الإمام المحقق مولانا حميد الدين- رحمه ms259 الله- وإنما قال هذا؛ لأنه ~~إنما يستقيم هذا إذا كانا كلامين كل واحد منهما منفرد على حياله كما لو ~~قال: جاءني رجل، وكلمت رجلا، فهذا كلامان، فكان الثاني غير الأول. # وأما لو قال جاءني رجل، وجاءني رجل، فهو تكرار للأول في كلام واحد، فكان ~~التكرار للتأكيد. PageV02P724 # وأما ما نحن بصدده عند أهل التحقيق فكلام واحد كرر التأكيد كقوله تعالى: ~~{أولى لك فأولى}، وكقوله: {ويل يومئذ للمكذبين} ذكر في سورة واحدة مرارا ~~للتأكيد والتكرار لما هو المقصود؛ ليتقرر في الأذهان. # (والله لا أقربكما إلا يوما أقربكما فيه)، وقوله: "أقربكما" صفة لقوله: ~~"يوما" كما في قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس} أي لا تجزي فيه. # قال المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير" إذا قال رجل لامرأتين له: ~~والله لا أقربكما إلا يوما أقربكما فيه لم يكن موليا بهذا الكلام أبدا، لأن ~~يوم الاستثناء عام فيمكنه أبدا أن يقربهما في كل يوم يأتي، فلا يلزمه شيء، ~~فعدمت علامة الإيلاء؛ لأن كل يوم يقربهما فيه فهو مستثنى، فلذلك لا PageV02P725 # يكون موليا بهذه اليمين أبدا. بخلاف ما لو قال: والله لا أقربكما إلا ~~يوما واحدا أو إلا يوما أو إلا في يوم، ثم قربهما في يوم، فإذا مضى اليوم ~~انعقد الإيلاء، فإن قلت: لا شك أن النكرة إذا كانت موصوفة كانت أخص مما لم ~~تكن موصوفة. # ألا ترى أن قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} كانت أخص من قوله تعالى: ~~{فتحرير رقبة}؛ لأن تلك مقيدة وهذه مطلقة ولا يرتاب أحد في أخصية المقيد ~~بالنسبة إلى المطلق. # وكذلك لو قلت: جاءني رجل، هو أعلم من قولك: جاءني رجل عالم، حتى إن ~~المطلق عند الشافعي عام، وعندنا إن لم يكن عاما فهو محتمل للأوصاف والمقيد ~~لا، فلابد من تأويل قول المشايخ: إن النكرة إذا وصفت بصفة عامة تتعمم ~~وتترى، أي إن قولهم: ذلك محمول على ما إذا كانت PageV02P726 # النكرة الموصوفة مستثنى من النفي، فإن ذلك مخصوص به بدليل ما أورد من ~~النظائر في الكتاب من هذا القبيل. # قلت: لا، ms260 بل قولهم ذلك في المستثنى وفي غير المستثنى أيضا بدليل ما ذكر ~~في الكتاب أيضا بعيد هذا بقوله: وقال محمد- رحمه الله- أي عبيدي ضربك فهو ~~حر، فضربوه. إنهم يعتقدون إلى قوله: لكنها متى وصفت بصفة عامة عمت لعمومها ~~كسائر النكرات. # ألا ترى أنه كيف عم هذا التعليل في النكرات أجمع، وأما قوله تعالى: ~~{فتحرير رقبة مؤمنة}، فإنما كان خاصا مع عموم الصفة لعدم احتماله العموم ~~بوجه آخر وإن كان فيه دلالة العموم. إذ ليس في وسعه إعتاق جميع الرقاب ~~المؤمنات؛ إما لعدم الملك في الجميع أو لعدم التصور، فكان من قبيل ما قيل: ~~إن صيغة العموم إذا أضيفت إلى محل لا يقبل العموم "يراد بها أخص الخصوص ~~الذي دل عليه الكلام كما في قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون}، فلذلك اكتفي هاهنا بإعتاق رقبة واحدة ~~مؤمنة إذ لا أخص منها. # ألا ترى أنه لو قيل في هذا الموضع: فتحرير الرقبة- بالألف واللام- لما PageV02P727 # كان عليه أيضا إلا إعتاق رقبة واحدة، لما ذكرنا من المعنى بأن إجراء ~~العموم على عمومه لا يتحقق؛ لما ذكرنا أنه لا يمكن له إعتاق جميع الرقاب في ~~العالم، فكان أخص الخصوص مرادا وهو الرقبة الواحدة. # [أي] # (قال الله تعالى: {أيكم ياتيني بعرشها}). # فإن قيل: لم ينتهض هذا دليل على أن كلمة أي فرد، فإن كلمة من عامة ~~بالاتفاق، ومع ذلك ما أسند الفعل إلى ضميره. جاء على لفظ فعل أسند إلى ضمير ~~الاسم المفرد كقوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} نظرا إلى اللفظ. # قلنا: انعقد إجماع أهل اللغة على ما ذكرنا، وما ذكرنا من الاستعمال مؤيد ~~لذلك، ولأن صيغة العموم استعملت أيضا في كلمة من. قال تعالى: {ومنهم من ~~يستمعون إليه}، ولم يستعمل مثل ذلك في أي، فثبت بهذا PageV02P728 # عموم كلمة من، ولما ثبت عمومها ثبت احتمال خصوصها أيضا نظرا إلى اللفظ، ~~لكن لما وصفت بصفة عامة عمت لعمومها. # فإن قيل: أيكم يحمل هذا الخشبة فهو حر، فحملوها جميعا وهي خفيفة ms261 يحملها ~~كل واحد منهم، لم يعتقوا، وإن عمهم صفة الحمل. # قلنا: إنه ما ميز العتيق بالحمل مطلقا، ولكن بحمل الخشبة، وإذا حملوها ~~جملة فما اتصف واحد منهم بحمل الخشبة، وإنما اتصف بحمل البعض وبوجود بعض ~~الشرط لا يترك شيء من الجزاء، فأما الضرب فيتم من الواحد بفعله وإن ضرب معه غيره. # (وإذا قال: أي عبيدي ضربته فقد قطع الوصف عنها فلم يعتق إلا واحد)؛ لأن ~~صفة الضرب قائمة بالضارب لا بالمضروب، فكان الضرب مضافا إلى المخاطب لا إلى ~~النكرة التي تناولها كلمة أي، فبقيت نكرة غير موصوفة، فلذلك لم يتناول إلا ~~الواحد منهم. # فإن قيل: كما ن الضاربية صفة فكذلك المضروبية صفة أيضا، وهي قائمة ~~بالعبيد فتعم على العبيد بعموم المضروبية. # قلنا: عموم صفة المضروبية ثابت بطريق الاقتضاد؛ ليصح الضرب ولا PageV02P729 # وجود للاقتضاء فيما وراء المقتضي وثبوت الحرية وراءه، فلا يظهر في حقه ~~فلا يعتق. # إلى هذا أشار الإمام قاضي خان- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير"، وهذا ~~لأنه لم يذكر المضروب صريحا بل قال: ضربته، والضرب قام بالضارب لا ~~بالمضروب، فكان ثبوت المضروبية مقتضى فلا يتعمم لما أن الضرب صفة المخاطب ~~فيستحيل أن يكون صفة أي؛ الوصف الواحد يستحيل أن يقوم بشخصين، والمتصل ~~بالمضروب أثر الضرب وهو الألم لا الضرب، فلم يتصف أي بما هو يعممه وهو ~~الضرب، والمفعولية زائدة على أصل الفعل وكم من فعل لا مفعول له. # بخلاف قوله: لا أقربكما إلا يوما أقربكما فيه "أن المستثنى عام بعموم ~~وصفه وهو وجود القربان في ذلك اليوم، واليوم هاهنا ظرف وهو أحد المفاعيل، ~~فحصل العموم بعموم صفحة المفعول لما أن الفعل المحدث يتعلق بالزمان فيكون ~~اليوم عاما بما اتصل به من الوصف العام وهو القربان. # ولا كذلك قوله: "أي عبيدي ضربته"؛ لأن الضرب اتصل بالضارب فيستحيل اتصاله ~~بالمضروب، ثم لما لم يعتق من العبيد إلا واحد في قوله: PageV02P730 # "أي عبيدي ضربته" بعد ذلك ينظر إن ضربهم المأمور على الترتيب عتق الأول؛ ~~لأنه لا مزاحم له، وإن ضربتهم جملة عتق واحد ms262 منهم والخيار إلى المولى؛ لأن ~~الإجمال منه. كذا ذكره المصنف في "شرح الجامع الكبير". # قلت: وعن هذا يظهر حمل أهل السنة والجماعة قوله عليه السلام: "القدرية ~~مجوس هذه الأمة" على القائلين بأن القضاء والقدر منا لا من الله وهم ~~المعتزلة. لما أن قيام الصفة لما كان بالفاعل لا بالمفعول. # وهم يجعلون أنفسهم فاعلي القدر، فكانوا هم أولى باستحقاق وصف القدرية. # وأما أهل السنة فإنهم ينفون القدر عن أنفسهم بل يضيفون القدر إلى الله ~~تعالى، فكيف يستقيم قيام صفة القدرية بهم وهم ينفون هذه الصفة عن أنفسهم ~~والله الموفق. # (لأن المراد به فيما يخف حمله انفراد كل واحد منهم). # فإن قيل: الإرادة أمر باطن وهذا اللفظ ظاهر، فيجب أن يعمل بالظاهر. PageV02P731 # قلت: الأمر الباطن لما صار مستعملا معتادا صار بمنزلة الظاهر، فإذا كان ~~مراده انفراد كل احد منهم في العادة لم يبق مطلقا بل صار مقيدا. # (فأما النكرة المفردة في موضع الإثبات فإنها تخص عندنا أي لا تتناول إلا ~~واحدا إلا أنها مطلقة). # اعلم أن المعنى من المطلق هو كل نكرة مفردة غير موصوفة في موضع الإثبات؛ ~~لأنها إذا كانت موصوفة كانت مقيدة، وإذا كانت في موضع النفي كانت عامة، ثم ~~المطلق ليس بعام عندنا (خلافا للشافعي، فإنه قال بعمومه، حتى قال في قول ~~الله تعالى: {فتحرير رقبة} إنها عامة تتناول الصغيرة والكبيرة والبيضاء ~~والسوداء المؤمنة والكافرة) حيث جعل الأوصاف المحتملة بمنزلة الأفراد؛ أي ~~الأعيان الموجودة. PageV02P732 # (وقد خص منها الزمنة بالإجماع، فيصح تخصيص الكافرة منها بالقياس على ~~كفارة القتل) وهو وإن لم يكن محتاجا إلى تخصيص العام أولا بالدليل القطعي ~~لتخصيصه بالقياس عليه، ثانيا على مذهبه ذكر ذلك على وفاق مذهبنا ليتيسر ~~عليه تخصيص العام بالقياس بالإجماع. # وقلنا نحن: هذه مطلقة لا عامة؛ لأنها فرد فتتناول على احتمال وصف دون ~~وصف، (والمطلق يحتمل التقييد) دون التخصيص؛ لأنه ليس بعام والتقييد نسخ ~~للإطلاق، فالتقييد مع التخصيص على طرفي نقيض؛ لأن التخصيص يبين أن بعض ~~أفراد العام ليس بمراد بالعام، والباقي من ذلك ms263 البعض مراد بصدر الكلام، ~~فكان الأول وهو العام الباقي معمولا. # وأما المقيد فهو بنفسه مراد ولم يبقى لصدر الكلام حكم البتة، فكان المراد ~~من التقييد الثاني ومن التخصيص الأول، ولأن التقييد مفرد والتخصيص جملة، ~~ولأن التقييد تصرف فيما كان الأول عنه ساكتا كصفة الإيمان في الرقبة، ~~والتخصيص تصرف فيما تناوله العام السابق، ولأن التقييد زيادة PageV02P733 # معنى، والتخصيص إخراج من العام السابق بعضه بإثبات ضد حكم العام السابق، ~~وهذه فروق بين التخصيص والتقييد. # وأما الفرق بين المطلق والعام: فإن المطلق واحد لا أفراد له؛ لأنه ليس ~~بمحلى بحرف الجنس، وليس بجمع صيغة، وليس من المبهمات في شيء، ولم يتصل بصفة ~~عامة، ولم يذكر نكرة في موضع النفي. # والعام ما كان موصوفا بواحد من أضداد هذه الأشياء، فكانا هما أيضا على ~~طرفي نقيض، ومعرفة الفرق بين المطلق والعام، وبين التقييد والتخصيص من أهم ~~المهمات لترتيب الأحكام عليها بحسب ذلك (قد جعل وجوب التحرير جزاء الأمر، ~~فصار ذلك سببا، فيتكرر مطلقا بتكرره). هذا جواب سؤال وهو أن يقال: لو لم ~~تكن الرقبة عامة لما وجبت الرقاب عند تعدد الحنث باليمين وتحت الرقاب جمعا ~~عند ذلك، فكانت عامة بهذا الطريق، فأجاب عنه وقال: وجوب تعدد الرقاب هنا ~~بسبب تعدد الوجوب وتكرره لأن الرقبة عامة. # (وصار مقيدا بالملك لاقتضاء التحرير) وهذا أيضا جواب سؤال، وهو أن يقال: ~~لو لم تكن الرقبة عامة لما قيدت هي بكونها مملوكة. PageV02P734 # فأجاب عنه وقال: إنما اشترط الملك لاقتضاء التحرير الملك؛ لأن التحرير لا ~~ينفذ إلا في الملوك. لا أن التقييد بالملك لكونها مخصوصة من الرقبة العامة، ~~أو هو جواب عما ورد شبهة على قوله: "فصار نسخا" بأن يقال: لو كان تقييد ~~المطلق نسخا له لما قيدت الرقبة بكونها مملوكة لئلا يلزم النسخ. # فأجاب عنه بهذا، وهو قوله: لاقتضاء التحرير الملك"، فلم يكن ذلك زائدا ~~على النص حتى يلزم النسخ. # وقوله: (ولم يتناول الزمنة) جواب عن قوله: وقد خص منها الزمنة بالإجماع". # وتفسير الجواب هو أن خروج الزمنة عن مطلق ms264 الرقبة لا باعتبار التخصيص، بل ~~باعتبار أن إطلاق الرقبة يقتضي كمال البنية- لأن الرقبة اسم للبنية السالمة ~~عن النقصان- والزمنة قائمة من وجه دون وجه، فلم تكن قائمة مطلقا حتى ~~تتناولها اسم الرقبة مطلقا، ولهذا شرط كمال الرق أيضا؛ لأن التحرير منصوص ~~عليه مطلقا وذلك إعتاق كامل ابتداء، وفي المدبر وأم الولد تعجيل لما صار ~~مستحقا لهما مؤجلا، فلا يكون إعتاقهما إعتاقا مبتدأ مطلقا- فلا يجوز- إلى ~~هذا أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. PageV02P735 # [وصار ما ينتهي إليه الخصوص] # (وأما الفرد بمعناه فمثل قوله: لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد إنه يصح ~~الخصوص حتى يبقى الواحد) هذا الذي ذكره عند أهل الفقه. # وأما صاحب "الكشاف" جعل الجمع المحلى بلام الجنس كالجمع بدون لام الجنس، ~~حتى لم يجوز تخصيصه إلى الواحد بل إلى أقل الجمع. PageV02P736 # فقال: "إذا دخلت لام الجنس على المفرد كان صالحا لأن يراد به الجنس إلى ~~أن يحاط به وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه، وإذا دخلت على المجموع صلح ~~أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا. # إلى الواحد "ذكره في تفسير قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات}، وذكر أيضا في سورة الحاقة في قوله: {والملك على أرجائها}، أن ~~الملك أعم من الملائكة. # ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة، ~~ذكر الأصل في الجمع مع لام الجنس وأرى النظير من الجمع بدون لام الجنس. # قلت: قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} وقوله تعالى: {فنادته ~~الملائكة}، يدلان على وهاء ما ذكره في "الكشاف". PageV02P737 # [أقل الجمع] # (وعلى ذلك مسائل أصحابنا) فإن من أقر لآخر بقوله: لفلان علي دراهم يصدق ~~في الثلاث ولا يصدق فيما دونه. # {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} حيث يقوم في الحجب هاهنا الاثنان مقام ~~الثلاث، (وفي المواريث والوصايا). # أما في المواريث: ففي قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك}، والحكم في الاثنتين كذلك. # وأما في الوصايا: فإن من أوصى لأقربائه، ms265 فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم ~~محرم منه ويكون للاثنين فصاعدا. PageV02P738 # (ولا خلاف أن الإمام يتقدم إذا كان خلفه اثنان)، ومن شرط الجماعة تقدم ~~الإمام عليهما، ولو لم يكن الاثنان جمعا لما تقدم الإمام عليهما، كما لا ~~يتقدم على الواحد. # ("الواحد شيطان والاثنان شيطانان")، فلو كان الاثنان ينطلق عليهما اسم ~~الجمع لما أقامهما مقام الواحد في كونهما شيطانا. # (فإن أهل اللغة مجمعون على أن الكلام ثلاثة أقسام: آحاد ومثنى وجمع)، فكل ~~منها على ما وضع له حقيقة. # والدليل عليه أنه يستقيم نفي صيغة الجمع عن المثنى بأن يقال: ما في الدار ~~رجال. إنما فيها رجلان، وقد بينا أن اللفظ إذا كان حقيقة في شيء لا يستقيم ~~نفيه عنه، ولأن قسمتهم الكلام على هذا الوجه بأن الكلام ثلاثة PageV02P739 # أقسام: آحاد ومثنى وجمع دليل على أن كل واحد منها مخالف للآخر، كما نقول: ~~الإنسان قسمان: ذكر وأنثى، ولا شك أن الذكر يخالف الأنثى، وهو ظاهر. # (وله علامات) أي وللمثنى علامات على الخصوص، فإن رفعه بالألف والنون في ~~آخره لازم عند عرائه عن الإضافة وهي مكسورة وما قبل الياء مفتوح. # (وأجمع الفقهاء على أن الإمام لا يتقدم على الواحد). هذا جواب عن قول ~~الخصم. يعني أن الإمام من الجمع ولو كان المثنى جمعا لتقدم الإمام على ~~الواحد حيث اجتمعا والتقدم شرط الجماعة، وقد حصلت الجماعة على قول الخصم، ~~ومع ذلك لا يتقدم بالإجماع. علم أن المثنى ليس بجمع. # (فإن الواحد إذا أضيف إليه الواحد أي ضم إليه تعارض الفردان، فلم يثبت ~~الاتحاد ولا الجمع)، وهذا لأن الفرد بالنظر إلى نفسه واحد وبالنظر إلى ~~مقابله جمع. إذ بالمقابلة يحصل الاجتماع بينهما، وهما فردان متساويان في ~~القوة، فلا يترجح أحدهما على الآخر، فسقط الوصفان؛ أعني الاتحاد PageV02P740 # والاجتماع عند التعارض، فثبت لهما وصف آخر سواهما وهو التثنية، وهذا معنى ~~ما ذكره الإمام بدر الدين- رحمه الله- فقال: إن الواحد إذا أضيف إليه ~~الواحد تعارض الفردان. # إذ الفرد الأول يمنع نفسه عن الإتباع إلى مماثله ليبقى هو فردا ms266 كما هو ~~صفته، والثاني يجذب المقابل إلى نفسه ويجعله جمعا مع نفسه وهما متساويان في ~~القوة فتعارض الشبهان، فلم يبق التوحد حيث وجد الجمع، ولم يحصل التجمع حيث ~~لم يرتفع التعارض، فبقي قسما آخر بين القسمين وهو المثنى بين الواحد ~~والجمع، وهو المنزلة بين المنزلتين، والمنقول عن الأساتذة في هذا بالفارسية ~~في معنى التعارض بين الفردين يك فرد مي خواهد كه با آن يكي جمع شود وآن يكي ~~فدر خويشتن را منع مي كند أز وي جمع بودن را فيثبت التعارض بينهما. # (وأما في الثلاث فقد عارض لكل فرد اثنان) فغلبا وترجح جانب التجمع وبطل ~~التوحد بمرة، فحصل التجمع فصار الثلاث حقيقة لصيغة الجمع حيث لا ينفى عنه، ~~وأما في المثنى فينفى عنه كما ذكرنا. # (وقد جعل الثلاثة في الشرع حدا في إبلاء الأعذار) أي في إظهار الأعذار ~~والاختبار بها، كما في قصة موسى مع معلمه عليهما السلام حيث جعل السؤال ~~الثالث نهاية في ترك المؤاخذة، وكذلك في حد مدة السفر PageV02P741 # وخيار الشرط ومدة مسح المسافر وغيرها. يعني ليس هذا الذي جعل الشرع ~~الثلاثة في إبلاء الأعذار للاثنين. علم بهذا أن الاثنين ليسا في حكم ~~الثلاثة. # (وأما الحديث فمحمول على المواريث) أي الحديث الذي ذكر في تعليل الشافعي، ~~وهو قوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما جماعة" محمول على المواريث، ثم ~~في المواريث إنما جعل للاثنين حكم الجماعة بدلالة النص، لا لأن لفظ الاثنين ~~أطلق على لفظ الجمع. بيان ذلك هو أن قوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك} بين أن للاثنين من الأخوات إذا كانتا لأب وأم أو لأم ~~الثلثين، فهذا بيان أن الثلثان نصيبهما، ولا يزاد PageV02P742 # على الثلثين وإن زدن. # علم ذلك بدليل آخر وهو قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك}، فكان فيه بيان أن النساء وإن كثرن لا يزاد نصيبهن على الثلثين فكان ~~للجمع حكم الاثنين بهذا الطريق. لا أنه أطلق حقيقة الجمع على الاثنين، وهذا ~~صريح في الأختين، وأما للبنتين ms267 فلهما الثلثان أيضا بدلالة النص وإشارته. # أما الدلالة: فلأنه لما كان للأختين الثلثان، لأن يكون للبنتين الثلثان ~~بالطريق الأولى؛ لأن الأخت تبع للبنت في استحقاق الفرض حتى لا يفرض للأخت ~~مع وجود البنت. # وأما طريق الإشارة فهو قوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين}، فهذا يقتضي ~~أن يكون للابن مثل حظ البنتين في جميع صور اختلاط الابن مع البنت، حتى إذا ~~كان للميت ابن وبنت لا غير، فللابن الثلثان ولو لم يكن للبنتين الثلثان ~~لتناقض {للذكر مثل حظ الأنثيين} وتعالى كلام الله عن التناقض. # وأما الوصايا: فمبينة على المواريث أيضا من حيث إن كلا منهما سبب لملك ~~المال بعد الموت، ولأن الإرث فرض ثابت قطعا والوصية نافلة وهما بعد الموت، ~~فكانت الوصية تبعا للإرث لما أن النوافل تبع للفرائض. PageV02P743 # (والثاني ما قلنا: إن الخبر محمول) أي الوجه الثاني من حمل حديث الشافعي ~~نقول: إن ما ذكرنا من الخبر في تعليلنا بقوله: ولنا قول النبي عليه السلام ~~"الواحد شيطان" إلى آخره هو محمول (على ابتداء الإسلام)، فإذا ظهر قوة ~~المسلمين قال ذلك الحديث الذي رواه الشافعي بقوله: "الاثنان فما فوهما ~~جماعة". # (فإذا ظهر قوة المسلمين قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة") أي المسافرة مع ~~الاثنين جائزة كما في قوله تعالى: {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ ~~مجمع البحرين}، وكان موسى عليه السلام مع فتاه اثنين في السفر، علم أن ~~المسافرة كانت جائزة في الأصل، وإنما كان الحظر عنه في ابتداء الإسلام ~~لعارض الخوف. # (وأما الجماعة فإنما تكمل بالإمام) فيكون الإمام مع القوم جماعة، فالإمام ~~مع الاثنين جماعة والتقدم من سنة الجماعة، فيتقدم الإمام على الاثنين لهذا ~~المعنى لا أن الاثنين جماعة، (حتى شرطنا في الجمعة ثلاثة سوى الإمام)؛ ~~لقيام الدليل على اشتراط أن يكون القوم جماعة سوى الإمام، PageV02P744 # وهو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله} ففي قوله {نودي} فهم المنادي وهو المؤذن، وفي قوله: ~~{إلى ذكر الله} فهم الذاكر وهو الخطيب، ms268 وفي قوله {فاسعوا} يفهم الساعون ~~الخاطبون وأقلهم اثنان بالاتفاق، فيعلم من هذا كله اشتراط ثلاثة سوى ~~الإمام. # (فألحق الفرد بالزوج لعظم منفعته). ألا ترى أن من قطع لسان إنسان يلزمه ~~كمال الدية، كما لو قطع اليدين خطأ كأنه زوج، فصار قلب اثنين كأنه أربع ~~قلوب، (وقد جاء في اللغة خلاف ذلك كقوله): # ظهراهما مثل ظهور الترسين. # قاله في صفة مفازتين. # هذا الذي ذكره من ذكر الجمع وإرادة الاثنين فيما إذا كان متصلين. PageV02P745 # وأما في المنفصلين فلا يجوز ذكر الجمع، وإرادة الاثنين للإلباس حتى لا ~~يقال: أفراسهما ولا غلمانهما، إذا كان لكل منهم فرس واحدة وغلام واحد. # * * * PageV02P746 ### || AUTO باب معرفة أحكام القسم الذي يليه # (وهذا تكثر في تعارض السنن والأحاديث) كما في قوله عليه السلام: "القلس ~~حدث"، وروي عن النبي عليه السلام: "أنه قاء فلم يتوضأ" PageV02P747 # وكذا ذكر في الأثر "أو دسعة تملأ الفم". # قلنا: أما قوله: "قاء فلم يتوضأ"، فإنه حكاية فعل فلا عموم له، لأن ~~العموم من أوصاف النظم، ولا جائز أن يكون قليلا في نفسه وكثيرا، فلم يستقم ~~الاحتجاج به. # وقوله: "القس حدث" فيه الألف واللام ولا معهود له، فكان العموم. # وقوله: "أو دسعة" معارض له، لكن في قوله: "القلس حدث" دليل على أنه ~~الكثير لا القليل، فإن القلس هو الرفع لغة، ومنه القلاس (البحر) لقذفه ما ~~فيه، وذلك لا يكون إلا عند الكثرة حتى يرمي نفسه ويدفع، أما عند القلة فلا. PageV02P748 # (فقال الآخر: الحق اليقين الصدق)، يعني قال: الحق لا غير، أو قال: اليقين ~~لا غير، وكذا إلى الآخر، وحاصله أن هاهنا خمسة ألفاظ: فالحق والصدق واليقين ~~في الإقرار نصوص تحتمل التغيير، والبر مجمل يحتمل البيان، والصلاح محكم لا ~~يحتمل التغيير. كذا في "الجامع الكبير" للصدر الشهيد- رحمه الله-. # والصلاح لما كان محكما فأي لفظ قرن به لا يكون إقرارا حتى لو قال: الحق ~~الصلاح أو الصلاح الحق، أو ضم الصلاح إلى اليقين قدم أو أخر لم يكن إقرارا؛ ~~لأن الصلاح محكم في أنه لا يكون إقرارا، ثم ms269 فائدة كون الألفاظ الأول نصوصا ~~أن كل واحد منهما إذا انفرد بنفسه كان إقرارا، أو إذا انضم البر بواحد منها ~~كان إقرارا أيضا؛ لما ذكرنا أن البر مجمل فيحمل المجمل على النص والظاهر. # وقال المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع" الحق الحق، أو اليقين PageV02P749 # اليقين، أو الصدق الصدق، أو البر البر، أو الصلاح الصلاح، أو قال: حقا ~~حقا أو يقينا إلى آخرها، وفي هذه الجمل الثلاث الأولى تصديق وإقرار، والبر ~~والصلاح ليس بإقرار، لأن الحق واليقين والصدق يوصف بها الدين، فوجب العمل ~~به، ولو قال: الحق حق واليقين يقين والصدق صدق إلى آخرها، لم يكن إقرارا؛ ~~لأن الكلام في الفصول الأولى كان ناقصا، يحمل على الجواب ظاهرا، فأما هذا ~~الكلام تام مبتدأ وخبر فلم يصلح جوابا. # وقوله: (فإذا قارنه نص أو ظاهر) وهو الكلمات الثلاث الأول وهي: الحق ~~واليقين والصدق أي يصح أن يطلق على كل منها اسم النص أو اسم الظاهر، فاسم ~~النص باعتبار أن لجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فكأنه سيق الكلام لأجله، ~~واسم الظاهر باعتبار أن المقصود من الكلام هو قول المدعي: لي عليك ألف درهم. # وأما الجواب فإنهما ثبت في ضمن ذلك الكلام، فكأنه لم يسق الكلام إليه، ~~فصح إطلاق اسم الظاهر على كل واحد منها لما أن الاعتبار للمتضمن لا ~~للمتضمن، ولهذا يطلق اسم النص على هذه الألفاظ الإمام المحقق شمس PageV02P750 # الأئمة السرخسي- رحمه الله-. # فأما قوله: (إلى شهر محكم في المتعة لا يحتمل النكاح مجازا)؛ لأن النكاح ~~لا يحتمل التأقيت، لأنه منسوخ، فكان التوقيت محكما في كونه متعة، والتزوج ~~محتمل للمتعة، لأن الازدواج كما يحصل في التأبيد يحصل في التوقيت، فحمل هو ~~على المتعة ولم يحمل قوله: إلى شهر على النكاح لذلك. # (لأن السرقة أخذ المال على وجه المسارقة عن عين الحافظ الذي قصد حفظه). # فإن قيل: لو سرقت من بيت رجل غائب يقطع كما لو سرق من بيت رجل حاضر، فلو ~~كانت السرقة عبارة عن أخذ المال على المسارقة عن عين الحافظ PageV02P751 # الذي قصد حفظه ms270 لما وجب القطع هنا لانعدام حد السرقة؛ لأن المسارقة عن عين ~~الحافظ إنما تكون إذا كان الحافظ حاضرا. # قلنا: معناه عن عين الحافظ أو عن عين نائب الحافظ، وفي حق الغائب إن كان ~~عينه غائبة فعين نائبه وهو بيته لقصد حفظ الأموال حاضرة، وهذا لأن حفظ ~~الحافظ بنفسه غير معتبر فيما هو محرر بالمكان. # هكذا ذكر في "المبسوط" بخلاف القبر، فإن القبر ما حفر لحفظ الكفن، فلم ~~يكن النبش مسارقة عن عين الحافظ ولا عن عين نائبه فلا يقطع. # وقوله: (ولا قاصد) احتراز عن الحفظ بالبناء الذي قصد ببنائه على حفظ ~~الأموال كالبيوت. # وأما القبر فلم يكن لذلك بل حفر القبر لمواراة الميت عن أعين الناس وما ~~يخاف عليه من السباع لا للإحراز. # ألا ترى أن الدفن يكن في ملأ من الناس، ومن دفن مالا على قصد الإحراز ~~فإنه يخفيه عن أعين الناس، وإذا فعله في ملأ من الناس على قصد الإحراز ينسب ~~إلى الجنون، ولا نقول: أنه مضيع ولكنه مصروف إلى حاجة الميت، وصرف الشيء ~~إلى الحاجة لا يكون تضييعا ولا إحرازا كتناول الطعام وإلقاء البذور في ~~الأرض لا يكون تضييعا ولا إحرازا. # واختلف مشايخنا فيما إذا كان القبر في بيت مقفل. PageV02P752 # قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- والأصح عندي أنه لا يجب القطع. # (وهذا من الأول) أي النباش من السارق (بمنزلة التبع من المتبوع)، فإن ~~السارق يسرق من الحافظ والنباش ينبش الكفن من غير الحافظ، والأصل أن توجد ~~السرقة من الحافظ فكانت السرقة أصلا والنبش غير أصل، فكان المراد من ~~المتبوع والتبع كونهما أصلا وغير أصل لا حقيقة التبعية، وعن هذا خرج الجواب ~~عن قول من يقول: لما كان النباش تبعا للسارق يجب أن يقطع النباش كالسارق، ~~لأن الحكم الثابت في المتبوع ثابت في التبع. # (والتعدية بمثله في الحدود خاصة باطل)، وإنما قيد بالحدود؛ لأن في غير ~~الحدود إذا ثبت الحكم في الأعلى يثبت في الأدنى بالقياس عليه. # ألا ترى أن الوطأ يثبت حرمة المصاهرة وهو أعلى، وكذلك يثبتها ms271 أيضا المس ~~بشهوة وهو أدنى ولا يثبت مثل هذا في الحدود؛ لأنها تندرئ بالشبهات. # (وأما الطرار) فهو على وجهين: إما أن كانت الدراهم مصرورة في داخل الكم ~~أو ظاهر الكم، فإن كانت مصرورة في داخله، فإن طر الصرة يقطع؛ لأنه بعد ~~القطع يبقى المال في الكم، فيدخل يده حتى يخرجه، وإن حل الرباط PageV02P753 # لم يقطع؛ لأنه إذا حل الرباط يبقى المال خارجا من الكم، فلم يوجد إخراج ~~المال من الكم والحرز، وإن كان مصرورا في ظاهر الكم، فإن طر لم يقطع ~~لانعدام الإخراج من الحرز، فإن حل الرباط يقطع؛ لأن الدراهم تبقى في الكم ~~بعد حل الرباط حتى يدخل يده فيخرجها، وتمام السرقة بإخراج المال من الحرز، ~~وعن أبي يوسف- رحمه الله- استحسن أن أقطعه في الأحوال كلها؛ لأن المال محرز ~~بصاحبه والكم تبع، وفرق أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- بين الطرار والنباش ~~فقالا: اختصاص الطرار بهذا الاسم لمبالغة في سرقته؛ لأن السارق يسارق عين ~~حافظه في حال نومه، وغفلته عن الحفظ، والطرار يسارق عين المنتبه في حال ~~إقباله على الحفظ، فهو زيادة حذق منه في فعله، فعرفنا أن فعله أتم ما يكون ~~من السرقة فيلزمه القطع. وأما النباش فلا يسارق عين المقبل على حفظ المال ~~أو القاصد كذلك، بل يسارق عين من يهجمه عليه من غير أن يكون له قصد إلى حفظ ~~الكفن، وذلك دليل ظاهر على النقصان في فعل السرقة، فلهذا لا يلزمه القطع. ~~كذا في "المبسوط" والله أعلم. # * * * PageV02P754 ### || AUTO [باب أحكام الحقيقة والمجاز والصريح والكناية] # قوله: (أمرا كان أو نهيا خاصا كان أو عاما)، فالأمر كقوله تعالى: {وامر ~~بالمعروف وانه عن المنكر}، والنهي كقوله: {لا تشرك بالله}، والخاص أيضا كذلك. # وأما العام فكقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، فإن كلام منهما ~~حقيقة شرعية، وقوله عليه السلام: "لا تبيعوا الدرهم بدرهمين" وجود ما ~~استعير له خاصا. كقول من يقول يصف غيره بالشجاعة: رأيت أسدا يرمي، أو يقول ~~لغيره: لا تضع قدمك في دار زيد أي لا تدخل، أو عاما كقوله عليه السلام: ms272 ~~"ولا الصاع بالصاعين"، وحاصله أن PageV02P755 # الحقيقة: استعمال اللفظ في الموضع الأصلي كلفظ الأسد للهيكل المعروف. # والمجاز: استعماله في غير موضعه الأصلي بنوع مناسبة بالاتصال بين الأصل ~~والفرع. # والصريح هو: الظاهر الجلي بواسطة الاستعمال حقيقة كان أو مجازا. # والكناية: المستتر المراد حقيقة كان أو مجازا، وقد ذكرنا قبل هذا ~~نظائرها. # (وطريق معرفة الحقيقة التوقيف والسماع)، فالتوقيف التعليم من جهة المعلم، ~~والسماع: من جهة المتعلم. (بمنزلة النصوص)، فإن في حق النصوص التوقيف ~~والسماع، فكذا في حق الحقائق؛ لأن الحقيقة موضوعة بوضع الواضع أن اسم هذا ~~كذا واسم هذا كذا، كما قال الله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها}، وفيه سؤال ~~وهو أن الله تعالى علمه الأسماء والأفعال والحروف، فكيف خص الأسماء دونهما؟ # والجواب عنه: أنك إذا أخبرت عن الأفعال والحروف فهما أيضا يصيران اسمين، ~~وهذا مقام الإخبار فكذا ذكر الكل، والله أعلم بالأسماء، وهذا لأن PageV02P756 # كونه مخبرا عنه من خواص الاسم فكان كل منهما اسما بواسطة الإخبار عنه، ~~فلذلك أطلق اسم الأسماء على المجموع. # (فإن الحقيقة أولى منه)؛ لأن الوضع الأصلي أولى بأن يكون مرادا من ~~العارضي لسبقه على العارضي في الوجود، أو لتسارع الوضع الأصلي إلى أفهام ~~السامعين. # (وأبى أن يعارضه حديث ابن عمر- رضي الله عنهما-) فإن قوله عليه السلام: ~~"لا تبيعوا الطعام بالطعام" مع "نهي النبي عليه السلام عن الصاع بالصاعين" ~~يتعارضان. # بيان المعارضة هو: أن قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" يشعر بكون الطعم ~~علة لما عرف أن الحكم إذا كان مرتبا على اسم مشتق كان مأخذ PageV02P757 # الاشتقاق علة، كما في قوله تعالى: {الزانية والزاني} {والسارق والسارقة} ~~وقوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} وكما يقال: أكرم العالم وأهن الجاهل، وقوله: ~~"ولا الصاع بالصاعين" يقتضي كون الكيل علة، فيقتضي أن لا يجري الربا في غير ~~الصاع؛ لأنه رتب حكم النهي على شيء مكيل يصاع، فكان الكيل علة لما ذكرنا من ~~الأصل، فبين كون الطعم علة وبين كون الكيل علة تناف فتحققت المعارضة، إذ ~~الأول يقتضي الحل في صاع بصاعين من الجص والنورة، والثاني ms273 الحرمة. # أو نقول: قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" يقتضي الحرمة في القليل ~~والكثير، والحديث الآخر يقتضي الحرمة في الكثير لا في القليل، وإباحة ~~القليل تثبت بالنص المبيح، وهو قوله تعالى: {وأحل الله البيع}، فقال: لا ~~معارضة بينهما؛ لأن العموم لم يرد بالحديث الثاني؛ لأن لا عموم للمجاز ~~عندي. PageV02P758 # والمطعوم مراد بالصاع بالإجماع، فكان موافقا لما ذكرت من كون الطعام علة، ~~وهو مرجح المحرم لكونه حقيقة على حديث ابن عمر لكونه مجازا. # (والصحيح ما قلنا؛ لأن المجاز أحد نوعي الكلام)، فإن الكلام منقسم إلى ~~قسمين: حقيقة ومجاز؛ لأنه لا يخلو إما أن كان مستقرا في محله أو لا يكون ~~مستقرا في محله ولا واسطة بينهما، فإذا ثبت أن المجاز أحد نوعي الكلام كان ~~العموم الذي ثبت للكلام بدليله شاملا لنوعيه من الحقيقة والمجاز؛ لأن الحكم ~~إذا كان مرتبا على الجنس كان مرتبا على أنواعه، فإن الحكم إذا كان مرتبا ~~على الحيوان كان مرتبا على الإنسان. # أما إذا كان مرتبا على الإنسان لا يكون مرتبا على الحيوان، بل يكون مرتبا PageV02P759 # على الذكر والأنثى من الإنسان، وهنا حكم العموم مرتب على الكلام، فكان ~~مرتبا على أنواعه لا محالة، وأنواع الكلام: الحقيقة والمجاز، فكان مرتبا ~~على المجاز ضرورة. # (لأن عموم الحقيقة لم يكن لكونه حقيقة)؛ لأن عمومها لو كان لحقيقتها لما ~~جاز الخصوص في الحقيقة، وقولك: جاءني زيد أو رجل حقيقة وليس بعام. # (إلا أنهما يتفاوتان لزوما، وبقاء) أي لا تسقط الحقيقة عن موضوعها بخلاف ~~المجاز، واللزوم والبقاء مترادفان. # (حتى كثر ذلك في كتاب الله تعالى). PageV02P760 # ~~....................................................................... PageV02P761 # فإن قيل: المقتضى ضروري ومع ذلك موجود في كتاب الله تعالى كما في قوله ~~تعالى: {فتحرير رقبة} أي رقبة مملوكة. # قلنا: إن الضرورة في المقتضى في حق السامع لا في حق المتكلم، فإن المتكلم ~~يتكلم بما هو معلوم المراد عنده، لكن السامع يضطر إلى إدراج شيء حتى يعلم ~~بذلك ما هو مراد المتكلم، فكانت الضرورة فيه راجعة إلى السامع لا إلى ~~المتكلم؛ لأنا محتاجون إلى البيان لا الله ms274 تعالى. # (وهو أفصح اللغات)؛ لأن القرآن أنزل على أعلى طبقات الفصاحة، وقد يكون ~~المجاز في موضعه أفصح اللغات، حتى أن الحقيقة لو ذكرت في موضعه يلزم القبح ~~كما قال الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولو ~~قال: حتى يطلع الفجر لم يكن على تلك الفصاحة. PageV02P762 # (إلا أن يكون مهجورا) كقولهم بالفارسية: ديك بخت، والناس يفهمون من هذا ~~طبخ الطعام في القدر، ولا يفهمون طبخ نفس القدر التي يطبخ في كانون الخزاف ~~وهو حقيقتها. # (فيصير ذلك دلالة الاستثناء) من حيث إن المهجور غير المراد بهذا الكلام ~~كما أن المستثنى غير مراد بصدر الكلام. # (كمن حلف لا يسن هذه الدار) فأخذ في الحال في النقلة لم يحنث، وصار ذلك ~~القدر من السكون وهو حقيقة مستثنى من هذه اليمين بدلالة في الحالف، وهي أن ~~مقصوده البر وهو منع النفس من السكون في الدار، وهذا القدر لا يستطاع ~~الامتناع عنه، فلم يحصل ما هو المقصود من اليمين وهو المنع فصار كأنه قال: ~~لا يسكن هذه الدر إلا زمان الانتقال. أن السكون في ذلك الزمان كان مهجورا. PageV02P763 # (وكمن حلف لا يطلق) وقد حلف. قيل ذلك بأن قال لامرأته: إن دخلت الدار ~~فأنت طالق، ثم قال بعد ذلك: إن طلق امرأته فعبده حر، ثم دخلت الدار لم يعتق ~~عبده لما ذكرنا أن المقصود من اليمين منع النفس من التطليق، وهو كان ممتنعا ~~قبل هذا الحلف فلا يمكنه الامتناع بعد ذلك، فصار ذلك الحلف السابق مستثنى ~~عن هذا الحلف، وكذلك في نظائرها. # (فصار ذلك كأولاده لإحيائهم بالإعتاق) يعني أن المولى بالإعتاق يصير سببا ~~لحياتهم كالأب يصير سببا لحياة الولد، وهذا لأن الكفر موت. قال الله تعالى: ~~{أومن كان ميتا فأحييناه} أي كافرا فهديناه، وقال تعالى: {فإنك لا تسمع ~~الموتى} والرق أثر الكفر، فكان إزالته كإزالة الموت من PageV02P764 # كل وجه، فكان الإعتاق سببا للحياة من هذا الوجه، والمعنى فيه أن الكافر ~~لم ينتفع بحياته وهو اكتساب الحياة الأبدية صار كأنه جماد ميت؛ لأن الجماد ms275 ~~لا ينتفع بشيء، فصار كأنه ميت معنى. # ألا ترى أن الله تعالى سمى الكفار صما بكما عميا مع أن كلا منهم سميع ~~ناطق بصير إلا أنه لما لم ينتفع بسمعه وهو اكتساب السمع الأبدي كان أصم ~~وكذا في غيره، إذا ثبت أن الرق أثر الكفر، ولهذا لا يجوز ضرب الرق على ~~المسلم ابتداء، فالمولى بالإعتاق صار سببا لحياته، فيكون معتقا بمنزلة ~~الولد، ومعتق معتقه بمنزلة ولد الولد، وولده ولده حقيقة، وولد ولده ولده ~~مجازا لصحة النفي عنه، فلا يكون معتق المعتق مرادا بهذه الوصية. # كما أن أولاد أولاده لا يكونون مستحقين شيئا فيمن أوصى لبني فلان أو ~~لأولاد فلان، وله بنون لصلبه وأولاد البنين، وتشبيه سببيته إلى الحياة ~~بالإعتاق بسببية الولاد إلى الحياة مستفاد من قوله عليه السلام: "لن يجزي ~~ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" لما أن الجزاء مكافأة، وهي ~~تنبئ عن المماثلة، فكل ما يوجد من الولد من الإنعام والإحسان في حق الأب لا PageV02P765 # يماثل ما يوجد من الأب في حق الولد؛ لأن ما وجد منه كان سبب حياته وما ~~يوجد من الولد لا يقابل هذا إلا إذا وجد مرقوقا فاشتراه فأعتقه فهذا يماثل ~~ما وجد من الأب في حق الولد وهو تحصيل الحياة في الأبد، كما أن الأب تسبب ~~لحصول الحياة في الابن، فلذلك لم يجعل النبي عليه السلام جميع إنعامات ~~الابن مساوية لإنعام الأب إلا إعتاقه؛ ليكون هذا جزاء وفاقا منه لإنعام ~~الأب بهذا الطريق. # وقيل: كان الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردري- رحمه الله- يقول: ~~هذا المعنى في هذا الحديث. # (والحقيقة ثابتة فلم يثبت المجاز)، وإنما قيد بقوله: والحقيقة ثابتة؛ ~~"لأن الحقيقة لو لم تكن ثابتة أصلا بأن لم يكن للموصي معتقون ولكن له ~~معتقوا معتقين كانت الوصية لمعتقي معتقيه؛ لأن الحقيقة هنا غير مادة فيتعين ~~المجاز، ولو كان له معتق واحد والوصية بلفظ الجماعة فاستحق هو نصف الثلث ~~وكان الباقي مردودا على الورثة، ولا يكون لموالي المولى من ذلك شيء؛ لأن ~~الحقيقة هنا مرادة. ms276 # (حتى إن الوصية للمولى وللموصي موال أعتقوه باطلة) أي باطلة إلى PageV02P766 # أن يبين أن مراده منها من هم؟ هكذا ذكره الإمام قاضي خان في "شرح الجامع ~~الكبير" ثم هذا الذي ذكره هنا هو ظاهر الرواية. # وعن أبي حنيفة رضي الله عنه- أنها جائزة ويكون الثلث بين الفريقين؛ لأن ~~الاسم حقيقة لهما فيتناولهما. كما لو أوصي بثلث ماله لإخوته وله ستة إخوة، ~~أخوان لأب وأم وأخوان لأب، وأخوان لأم كان الثلث بينهم السوية. # وعن أبي يوسف- رحمه الله- أنه قال: الوصية للمولى الأعلى؛ لأنه منعم، ~~ومجازاة المنعم واجب والزيادة على الإنعام ليس بواجب، فتصرف إلى الواجب، ~~وعنه في رواية أنها تكون للمولى الأسفل؛ لأن كونه منعما عليه دليل الحاجة، ~~فكان الصرف إلى المحتاج أولى. # وعن محمد- رحمه الله- الوصية لا تجوز إلا أن يصطلح الموليان فيما بينهما. ~~كما لو قال لرجلين: لأحدكما علي ألف درهم، قال محمد- رحمه الله- الإقرار ~~باطل إلا أن يصطلح المقر لهما على شيء. # وجه ظاهر الرواية أنه لا وجه لصرف الوصية إليهما؛ لأن اسم المولى PageV02P767 # مشترك يتناول الأعلى والأسفل والناصر، واللفظ الواحد لا يتناول معنيين ~~متنافيين في موضع الإثبات، ولا يمكن الصرف إلى أحدهما عينا؛ لأن المقصود من ~~الوصية المجازاة والشكر، فلا يمكن تعيين أحدهما بغير دليل، ولا يمكن الصرف ~~إلى أحدهما غير عين لجهالة المستحق فلا تصح، ولو صحت لدخل فيه الناصر ~~والمحب وغيرهما؛ لأن اسم المولى يتناولهم بخلاف ما إذا أوصى لإخوته؛ لأن ~~اسم الإخوة يتناول الكل بمعنى واحد وهو التفريع عن أصل واحد، فجاز أن ~~يتناول الأشخاص المختلفة لمعنى واحد كاسم الحيوان وغير ذلك. # بخلاف ما إذا خلف لا يكلم موالي فلان، فكلم ثلاثة من الفريقين، فإنه يحنث ~~في يمينه؛ لأن ذلك موضع النفي واللفظ الواحد يجوز أن يتناول شيئين متنافيين ~~في موضع النفي. يقول الرجل: ما رأيت لونا ينتفي به السواد والبياض جميعا. ~~كذا في "شرح الجامع الكبير" للإمام قاضي خان- رحمه الله إنه (لا يلحق ~~بالخمر في الحد) أي لا يلحق سائر الأشربة المسكرة بالخمر حتى لا يجب الحد ms277 ~~بها ما لم تسكر؛ لأن الاسم للنيئ من ماء العنب المشتد حقيقة ولسائر الأشربة ~~المسكرة مجاز، فإذا كانت الحقيقة مرادة يتنحى المجاز. كذا ذكره الإمام شمس ~~الأئمة- رحمه الله-. # (لأن الحقيقة أريدت بذلك النص) وهو قوله عليه السلام: "من شرب PageV02P768 # الخمر فاجلدوه". # (لأن المجاز مراد بالإجماع وهو الوطء حتى حل للجنب اليتيم أي بإجماع ~~بيننا وبين الشافعي فبطلت الحقيقة) وهو المس باليد. # فإن قلت: يحتمل أن يقول الشافعي بحل اليتيم للجنب بدليل آخر غير هذه ~~الآية، فحينئذ لا يتم الاستدلال على أن المجاز هو المراد من هذه الآية ~~استدلالا بجواز اليتيم بالإجماع. # قلت: لا يحتمل ذلك؛ لأنه لما قال بجواز التيمم للجنب، وذلك لا يخلو إما ~~أن يقول بهذه الآية بغير الوجه الذي ذكرنا في الآية بأن يقول بالتقديم ~~والتأخير على تقدير {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، أو بالحديث من حديث عمار ~~وغيره فلا يجوز الأول؛ لأن الصحابة- رضي الله عنهم- كانوا PageV02P769 # مختلفين في جواز التيمم للجنب على قولين: قال علي وابن عباس- رضي الله ~~عنهم بجوازه، وقال ابن عمر وابن مسعود- رضي الله عنهما- بعدم جوازه. # فكل من قال منهم بالجواز حمل اللمس والملامسة على مجازهما، وهو المجامعة، ~~ولم يقل أحد منهم بالتقدير والتأخير، وكل من قال بعدم جواز التيمم للجنب ~~قال: المراد من اللمس اللمس باليد، فجوز التيمم للمحث خاصة، فكان الفريقان ~~كلاهما متفقين على عدم جواز التقديم والتأخير، فكان القول به قولا باطلا. ~~إذ الاختلاف على القولين إجماع منهم على بطلان قول ثالث، وكذلك لا يجوز ~~التمسك في جواز التيمم للجنب بحديث عمار وغيره؛ لأن ذلك كله من أخبار ~~الآحاد فلا تجوز الزيادة على كتاب الله تعالى بخبر الواحد. # فعلم بهذا أن الدليل على جواز التيمم للجنب إنما كان لحمل اللمس ~~والملامسة على المجاز الذي هو الوطء لا غير، وإنما علم ذلك بجواز التيمم ~~للجنب فكان الاستدلال بجواز التيمم للجنب على أن المراد من الآية المجاز تاما. # وقوله: (دون بني بنيه لما قلنا) إشارة إلى قوله: الحقيقة ثابتة فلم يثبت ~~المجاز. PageV02P770 # (لأنه موجبه) أي ms278 لأن الدخول موجب وضع القدم. # (إذا كان لا يمتد كان الظرف أولى به) ثم المراد من الفعل الذي لا يمتد في ~~مسألتنا فعل القدوم لا معنى الفعل الذي هو حر كما هو مزعوم بعض الأحداث ~~لبطلان ما زعموا بمسألتي "الجامع الصغير"، وقد أوفيناه في "الوافي". PageV02P771 # (ثم العمل بعموم الوقت واجب، فلذلك دخل الليل والنهار)، واليوم إنما يكون ~~عبارة عن بياض النهار إذا قرن بما يمتد ليصير معيارا له حتى إذا قال: أمرك ~~بيدك يوم يقدم فلان ليلا لا يصير أمرها بيدها، وكذلك إذا قرن بما يختص ~~ببياض النهار كقوله: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان. # فأما إذا قرن بما لا يمتد ولا يختص بأحد الوقتين يكون عبارة عن الوقت كما ~~في قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} (ففيها رواية أخرى بعد ذلك الباب) ~~أي في "السير". PageV02P772 # (لله علي أن أصوم رجبا أنه إن نوى اليمين كان نذرا ويمينا) حتى إذا لم ~~يصم رجبا وجب عليه قضاء الصوم وتجب عليه الكفارة أيضا، فوجب الكفارة يتعلق ~~باليمين، ووجوب القضاء يتعلق بالنذر؛ لأن القضاء لا يجب في اليمين، ~~والكفارة لا تجب في النذر. # ألا ترى أنه لو قال: والله لأصومن رجبا ولم يصم يجب عليه القضاء دون ~~الكفارة ولو قال: لله علي أن أصوم رجبا ولم يصم لا تجب الكفارة بالإجماع، ~~وفيما نحن فيه يجب القضاء والكفارة. فعلم أنه نذر ويمين. PageV02P773 # (أما أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- فقد عملا بإطلاق المجاز وعمومه)؛ لأنه ~~الحقيقة إذا كانت مستعملة ولكنها نادرة والمجاز متعارف، فالمجاز عندهما ~~أولى من الحقيقة والمستعملة النادرة؛ لأنه عمل بالحقيقة والمجاز وهذا هو ~~العمل بعموم المجاز. # وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- الحقيقة أولى وإن كانت نادرة إذا كانت ~~مستعملة إلا إذا كانت الحقيقة مهجورة فحينئذ يصير بمنزلة دليل الاستثناء ~~على ما ذكرنا إلا عند زفر، فإن عنده الحقيقة المهجورة أولى ويتبين هذا فيمن ~~حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، فإذا كان المجاز المتعارف عندهما أولى لم ~~يكن جمعا بينهما. # (وهذه النسبة ms279 لا تنقطع بالأواني) قيد بالأواني؛ لأن هذه النسبة تنقطع ~~بالأنهار الكبار التي تأخذ الماء من الفرات. PageV02P774 # (بل هو نذر بصيغتة ويمين بموجبه) يريد به أنه قبل إصدار هذه الصيغة كان ~~صوم رجب لم يكن واجبا عليه، فبالنذر يصير واجبا وباليمين أيضا يصير واجبا، ~~لكن عند إرادة اليمين يكون الوجوب لغيره، وهذه الإرادة صحيحة بالإجماع من ~~هذه الصيغة؛ بدليل أنه إذا نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرا يصير يمينا ~~بالإجماع. # علم أن إرادة الوجوب لغيره من هذه الصيغة صحيحة، فإذا نوى اليمين ولم ينف ~~النذر حصل فيه دليلان: أحدهما يدل على الوجوب لعينه وهو الصيغة، والآخر يدل ~~على الوجوب لغيره، فنعمل بالدليلين إذ لا تنافي بينهما؛ لأن الواجب لعينه ~~يجوز أن يكون واجبا لغيره مع ذلك. # ألا ترى أنه لو حلف ليصلين ظهر هذا اليوم صح حتى أنه لو لم يصل يجب عليه ~~القضاء باعتبار أنه أوجب لعينه، وتجب الكفارة باعتبار أنه ترك الواجب لغيره ~~وهو محافظة اسم الله تعالى، فلما جاز الاجتماع بينهما ولا تنافي، فنعمل ~~بهما فيما نحن فيه وهو عمل بموجبين مختلفين لا أنه جمع بين الحقيقة والمجاز ~~كالهبة بشرط العوض هبة وبيع، لأنه هبة باعتبار صيغته وبيع باعتبار معناه. # إذ البيع هو مبادلة المال بالمال بالتراضي وهو موجود هاهنا، فقلنا بهما ~~عند وجود الدليل عليهما، وكما ذكر في الكتاب بقوله: PageV02P775 # (وصار ذلك كشراء القريب)؛ لأن الشراء تملك بصيغته فيستحيل أن يكون هو ~~بهذه الجهة إعتاقا إلا أنه لما اختلف الجهة صح الجمع بينهما؛ لأنه باعتبار ~~صيغته ليس بإعتاق، وباعتبار أنه إعتاق ليس بتملك؛ لأن التملك كان باعتبار ~~الصيغة والإعتاق كان باعتبار الحكم، والحكم غير الصيغة، والصيغة غير الحكم، ~~فكذلك ما كان يثبت بكل واحد منهما لا يكون ثابتا بالآخر، والمنافاة إنما ~~تكون إذا ثبت الحكمان المتنافيان في محل واحد إذا كانا من جهة واحدة وليس ~~كذلك، فيصح الجمع بينهما بموجبين مختلفين. # وقوله: بل هو نذر بصيغته "وهي قوله: على"، وهذه الصيغة مجاز لليمين ~~بموجبها وهو الوجوب، ms280 فإن لهذه الصيغة موجبا وهو الوجوب، وباعتبار هذا ~~الوجوب يكون يمينا؛ لأن إيجاب المباح يمين بمنزلة تحريم المباح، وتحريم ~~المباح يمين، لقوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله}، ثم قال: ~~{قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}. # ويلزم من هذا أن يصير إيجاب المباح يمينا؛ لأن في تحريم المباح إيجاب ~~المباح؛ لأن الترك قبل النذر كان مباحا وبعده صار واجبا، وكان ترك الصوم ~~عليه حراما؛ فيلزم من إيجاب المباح تحريم المباح، فكان يمينا بموجبه لهذا، ~~وقوله: "وهو الإيجاب" أي الوجوب؛ لأن موجب نذر الوجوب لا PageV02P776 # الإيجاب" إلا أن الوجوب لا يكون إلا بالإيجاب، فكان في الوجوب اقتضاء، ~~فأطلق عليه اسم المقتضى. # (وطريق الاستعارة عند العرب الاتصال بين الشيئين). # اعلم أن الاستعارة تفتقر إلى ستة أشياء: المستعار هو لفظ الأسد، ~~والمستعار له: وهو الإنسان الشجاع، والمستعار عنه: وهو الهيكل المخصوص، ~~والمستعير: وهو المتلفظ بهذه اللفظة، والاستعارة: هي التلفظ به لإثبات معنى ~~الشجاعة، وما يقع به الاستعارة: وهو الاتصال بين المستعار عنه والمستعار له ~~(وذلك الاتصال يكون صورة أو معنى؛ لأن كل موجود من الصور)، فالتقييد بالصور ~~إما للاحتراز عن ذات الله تعالى، أو للاحتراز عن موجودات لا تشاهد معاينة ~~كالعلم والقردة والحلم والغضب، PageV02P777 # فإنها موجودات لم تجر السنة برؤيتها، فلم يكن لها بالشيء اتصال صورة. # (ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) هذا من قبيل إطلاق اسم السبب على ~~المسبب حيث أطلق اسم السماء على المطر، وكذا في قوله: # إذا سقط السماء بأرض قوم .... رعيناها وإن كانوا غضابا # وكذا في قوله الله تعالى: {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا}، ويجوز أيضا ~~إطلاق اسم المسبب على السبب كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات} أي عقدتم؛ بدليل ما بعده بقوله: {ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن} والنكاح: هو الوطء حقيقة، والعقد سببه، فكان PageV02P778 # فيه إطلاق اسم المسبب على السبب، وكذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة} أي إذا أردتم القيام إليها والقيام مسبب وإرادته سببه. ms281 # (وقال الله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} وهو المطمئن من الأرض) أي ~~الساكن منها أي إلى المنخفض الغائط: من غاط في الشيء أي دخل، والمضارع: ~~يغوط ويغيط، وإنما يكون فيه عند الحدث عادة تسترا عن أعين الناس. # وكان شيخي- رحمه الله- يقول: الآدمي فهرست الملكوت. فيه الملكية والإنسية ~~والبهيمية والشيطنة، فالأكل والشرب والتغوط والبول من خواص البهائم، فينبغي ~~أن يستر الإنسان نفسه فيما يشبه به البهائم. # فلذلك وقع في الشرع والعادة أن يكون الحدث في المكان المطمئن تسترا عن ~~أعين الناس، ولذلك قال عليه السلام: "الأكل عورة؛ رحم الله من ستره". PageV02P779 # (الثفل) ما يسفل من كل شيء أي يرسب. # (وهو السببية والتعليل) يعني أن استعارة السبب للمسبب والعلة للمعلول أو ~~المعلول للعلة هو الاستعارة من حيث الصورة في المحسوسات؛ لأنه لا اتصال ~~بينهما من حيث المعنى؛ لأن معنى السبب لا يوجد في المسبب. # ومعنى العلة لا يوجد في المعلول؛ لأن العلة هي الموجبة، والمعلول هو ~~الموجب، ولا مشابهة بينهما من حيث المعنى بل بينهما مضادة إذ من أثر الموجب ~~المؤثر القوة، ومن أثر الموجب المتأثر الضعف، لكن بينهما قرب ومجاورة؛ لأن ~~حال وجود السبب حال وجود المسبب. # وكذا العلة والمعلول، فلذلك كان الاتصال بينهما من حيث الصورة؛ لأن ~~الاتصال الصوري في المحسوسات بين الشيئين لم يكن بينهما إلا القرب ~~والمجاورة من غير اتصال بينهما من حيث المعنى، وهذا كذلك في الشرعيات بين ~~الشيئين من حيث السببية والتعليل، فلذلك جعل الاتصال من حيث السببية، ~~والتعليل نظير الاتصال الصوري في المحسوسات. PageV02P780 # بيانه أنك إذا نظرت في الحكمين إن كان بين سببيهما اتصال بأن كان أحدهما ~~يثبت الحكم الذي أثبته الآخر كالبيع والنكاح، فإن حكم البيع ملك الرقبة ~~وحكم النكاح ملك المتعة، والبيع يثبت الحكم الذي يثبت النكاح في الجارية ~~عند زوال المانع، فتجوز استعارة البيع للنكاح حتى ينعقد النكاح بلفظ البيع، ~~ولا ينعقد البيع بلفظ النكاح، وكان ينبغي أن ينعقد؛ لأن المناسبة بين ~~الشيئين يكون من الطرفين جميعا، إلا أنه لم ينعقد ms282 لما نبين في هذا الكتاب ~~بعد هذا. # (هو نظير القسم الآخر من المحسوس). بيانه أنك إذا تأملت في مشروع ووقفت ~~على معناه، فإن وجدت هذا المعنى في المشروع الآخر يجوز استعارة أحدهما ~~للآخر، كما أنك لو تأملت في معنى شرعية الميراث وكيفيتها وجدت أن الميراث ~~شرع بعد فراغ الميت عن حوائجه، ووجدت الوصية كذلك شرع بعد فراغ الميت عن ~~حوائجه، فاتصلا في معنى المشروع كيف شرع جازت الاستعارة بأن يذكر الميراث ~~ويراد الوصية، أو الوصية ويراد الميراث، ومنه قوله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم} أي يورثكم، وكذلك معنى الحوالة هو: نقل الدين من ذمة إلى ذمة، ~~والوكالة أيضا نقل ولاية التصرف، PageV02P781 # فتستعير لفظ الحوالة للوكالة فتقول: أحل رب المال، أي وكله كما استعار ~~محمد- رحمه الله- هكذا في "كتاب المضاربة"، فقال: يقال للمضارب أحل رب ~~المال أي وكله. # وكذلك نص في المكاتب إذا قال المولى لعبده: جعلت عليك ألفا تؤديها إلي ~~نحو ما أولها كذا وآخرها كذا، فإذا أديتها فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق، فإن ~~هذه مكاتبة، لأنه أتى بتفسير الكتابة، وقال تعالى: {ولكم في القصاص حياة}. # فالقصاص إماتة لا إحياء، لكن إحياء معنى من حيث الشرع والاستيفاء، وقد ~~ذكرنا وجهه في باب القضاء والأداء، فلذلك أطلق اسم الحياة على القصاص، وكذا ~~أيضا قال الشافعي: يجوز استعارة الطلاق للعتاق، والعتاق للطلاق لاتصال ~~بينهما في المعنى؛ لأن الطلاق بني على السراية والإسقاط واللزوم، وهذا ~~المعنى موجود في العتاق، فيجوز استعارة كل واحد منهما للآخر. PageV02P782 # (أن الاتصال بين اللفظين من قبل حكم الشرع) وهذا احتراز عن المحسوس، ~~ومعناه ما ذكرنا أن أحد اللفظين يثبت من الحكم ما يثبته الآخر، فيجوز ~~استعارة أحدهما للآخر. # (ومن حيث وجدا) يريد به أن الاستعارة إنما تجوز بين الموجودين حيث وجد ~~القرب والاتصال سواء كانا شرعيين أو حسيين؛ لأن ما هو المجوز القرب ~~والاتصال بينهما وذلك لا يختص باللغة. # (والمشروع قائم بمعناه الذي شرع له، وبسببه الذي تعلق به). # أما بسببه الذي تعلق به فظاهر كالنكاح يتعلق وجوده ms283 بقول المتناكحين زوجت ~~وتزوجت، والبيع بقول المتبايعين: بعت واشتريت، وهذان المشروعان قائمان ~~بسببهما ويوجدان بهما. # وكذلك المشروع قائم بمعناه الذي شرع له؛ أي قائم بالماهية التي شرع ~~لأجلها وقائم بها. كالولد قائم بمعناه الذي هو له وقائم بسببه وهو ~~الوالدان، وكذلك النكاح قائم بمعناه الذي هو له من الانضمام والازدواج ~~الموضوعين للتوالد والتناسل، وقائم بسببه وهو زوجت وتزوجت، وكذلك هذا في ~~البيع PageV02P783 # والهبة وفي جميع المشروعات، فعند وجدان المعنى الجامع بطريقة يجري ~~المجاز، ولكن الشأن في الطلب والوجدان. # (ولأن حكم الشرع متعلقا بلفظ شرع سببا أو علة لا يثبت من حيث يعقل إلا ~~واللفظ دال عليه لغة)؛ وهذا لأن حكم الشرع نوعان: حكم يدرك معناه بالعقل، ~~وحكم لا يدرك معناه بالعقل، فالقسم الأول إذا تعلق بلفظ شرع ذلك اللفظ سببا ~~أو علة يدل على اللفظ على معناه لغة كالبيع والهبة وغير ذلك. # فإن الأحكام الثابتة بهذه تدرك معانيها بالعقل؛ لن العقل يقتضي أن يكون ~~كل من فاز بالسبب فاز بالحكم؛ لأنه إذا لم يكن كذلك يؤدي إلى التنازع ~~والتقابل، فالشرع جعل هذه الأحكام مختصة بأسباب. من فاز بها فاز بأحكامها ~~لما عرف، فالألفاظ إذن دلالات على معانيها لغة فصحت الاستعارة، فكانت هذه ~~الاستعارة شرعية فيها معنى اللغة أيضا. # ألا ترى أنهم لم يجوزوا استعارة الخمر لغير الخمر لإثبات حكم ثبت بشرب ~~الخمر، لما أن هذا الحكم لا يدرك بالعقل، وهو ضرب ثمانين سوطا أو أربعين، ~~وقوله: "متعلقا" حال عن حكم الشرع والعامل فيه لا يثبت مؤخرا، أي أن حكم ~~الشرع لا يثبت حال كونه متعلقا بلفظ من حيث السببية أو العلية من الجهة ~~التي يعقل، إلا واللفظ دال على ذلك الحكم، فلما دل اللفظ عليه من PageV02P784 # حيث اللغة لو استعير لغيره باعتبار مشابهته في المعنى كان هذه الاستعارة ~~استعارة من حيث اللغة أيضا، وإنما قال: "متعلقا بلفظ"؛ لأن عامة وجوب ~~العبادات متعلقة بالمعنى لا باللفظ، كوجوب الصلاة تعلق بدلوك الشمس، والصوم ~~بشهود الشهر. # (ولا استعارة فيما لا يعقل)؛ لأن الاستعارة ms284 نظير القياس، فالقياس إنما ~~يجري فيها يعقل معناه، فكذلك الاستعارة والذي لا يعقل كالمقدرات في الحدود ~~وغيرها. # وقوله: (ألا ترى أن البيع لتمليك العين) إيضاح للنوع الذي يعقل معناه وهو ~~صالح للاستعارة، فاستعرنا لفظ البيع للنكاح؛ لأن في تمليك العين تمليك ملك ~~المتعة في محله بطريق السببية، والنكاح أيضا يثبت ملك المتعة مقصودا، فلما ~~اتحدا في إثبات ملك المتعة وإن كانا يتفاوتان في الأصالة وغير الأصالة ~~جوزنا استعارته للنكاح، (وكذلك ما شاكله) كالهبة استعيرت للنكاح، وكذلك ~~الكفالة والحوالة والوكالة يجوز استعارة كل واحدة منها للأخرى. PageV02P785 # (ولا اختصاص للرسالة بالاستعارة). هذا جواب عن قول الشافعي ذكره في موضع ~~في تعليل جواز نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة بطريق الاستعارة، ~~ويقول: كان ذلك الجواز مما خص به النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره حتى لا ~~يجوز لغيره أن يستعير لفظ الهبة للنكاح لا أنه انعقد هبة؛ لأن انعقاده هبة ~~إنما يكون فيما إذا كانت المرأة أمة ولم يكن كذلك، فلذلك قلنا: إنه لم ~~ينعقد هبة حقيقة؛ لأن تمليك المال في غير المال لا يتصور يعني أن الهبة ~~لتمليك المال. # وانعقد نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة، ولم يكن نفس المرأة ~~الحرة مالا، فلابد من أن يجعل ذلك استعارة للنكاح؛ لأنه لما لم يمكن العمل ~~بالهبة بحقيقتها التي هي لتمليك المال كانت هي مستعارة لا محالة. # (لأنه عقد شرع لأمور لا تحصى) كالتوارث وانتفاع كل منهما بالآخر، PageV02P786 # وحصول غض البصر عن الحرام، وحصول المصاهرة التي تشبه قرابة الآباء ~~والأمهات وغير ذلك. # (بل فيهما إشارة إلى ما قلنا) أي من معنى النكاح والتزويج، فالنكاح يدل ~~على الضم، والتزويج يدل على التلفيق، وهو إن لم يذكر معنى النكاح والتزويج ~~هاهنا لكن جعل دلالة هذين اللفظين على ذينك المعنيين بمنزلة ذكره إياهما ~~(فلم يصح الانتقال عنه) أي عن اللفظ الموضوع للنكاح وهو لفظ النكاح أو ~~التزويج (لقصور اللفظ عن اللفظ الموضوع له) أي PageV02P787 # لقصور لفظ التمليك عن لفظ النكاح أو التزويج، ms285 وهذا لن هذا العقد عقد ~~مشروع لمقاصد لا تحصى مما يرجع إلى مصالح الدين والدنيا، ولفظ النكاح ~~والتزويج يدل على ذلك باعتبار أنه ينبئ عن الاتحاد، فالتزويج تلفيق بين ~~الشيئين على وجه يثبت الاتحاد بينهما في المقصود كزوجي الخف ومصراعي الباب. # والنكاح بمعنى الضم الذي ينبئ عن الاتحاد بينهما في القيام بمصالح ~~المعيشة، وليس في هذين اللفظين ما يدل على التمليك باعتبار أصل الوضع، ~~ولهذا لا يثبت ملك العين بهما، فالألفاظ الموضوعة لإيجاب ملك العين فيها ~~قصور فيما هو المقصود بالنكاح. إلا أن في حق رسول الله عليه السلام كان ~~ينعقد نكاحه بهذا اللفظ مع قصور فيه تخفيفا عليه وتوسعة، وفي حق غيره لا ~~يصلح هذا اللفظ لانعقاد النكاح به لما فيه من القصور. # وقوله: "من مصالح الدين والدنيا". # أما مصالح الدين: فإن مباشرة منكوحته التي هي حلال له تمنعه عن طموح ~~العين إلى غيرها التي هي حرام محض عليه على وجه يوجب مباشرته إياها والرجم ~~أو جلد مائة، وأيده قوله عليه السلام: "من تزوج فقد حصن نصف دينه". PageV02P788 # وأما مصالح الدنيا: فإنها تقوم بأمور داخل البيت، كما أن الزوج يقوم ~~بأمور خارج البيت، وبهذين الأمرين ينتظم أمور المعيشة في الدنيا. # (وهو أن يقول: أحلف بالله؛ لأنه موجب لغيره) وهو الاحتراز عن هتك اسم ~~الله تعالى. # (لا ينعقد إلا بلفظ المفاوضة عندكم)، وإنما قيد بقوله: "عندكم" لأن شركة ~~المفاوضة غير جائزة عنده، وهذا الذي ذكره هو أن ذلك العقد لا ينعقد إلا ~~بلفظ المفاوضة غير مجرى على إطلاقه بل ذلك فيما إذا لم يعرف المتعاقدان ~~أحكام المفاوضة. # وأما إذا كانا يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى ~~المفاوضة وإن لم يصرحا بلفظها؛ لأن المعتبر المعنى دون اللفظ، ثم فيما إذا ~~لم ينعقد مفاوضة فيما إذا لم يعلما أحكامهما ولم يذكرا لفظ المفاوضة كانت PageV02P789 # الشركة عنانا. كذا ذكره في "المبسوط". # (مقام ما ذكرنا من المجاورة) أي في المحسوسات بهذا الاتصال بين الشيئين، ~~وهما: الهبة والنكاح، والحكمين وهما: ملك الرقبة ms286 وملك المتعة. # (على حكم الملك له عليها) وهو حل الوطء، وهذا جواب عما قاله الشافعي ~~بقوله: "لأنه عقد شرع لأمور لا تحصى". # قلنا: لم يشرع لتلك الأشياء مقصودا، بل شرع لحكم واحد وهو حل الاستمتاع ~~للزوج بثبوت الملك له عليها. # (لأنه أمر معقول) أي ما ذكرناه وهو شرعية النكاح لإثبات الملك عليها. # ألا ترى أن للمرأة تثبت الملك عليه في المهر، فيثبت ملك المتعة للزوج ~~عليها تحقيقا للمعادلة، وإنما قلنا. إن ثبوت حل الوطء له بثبوت الملك له PageV02P790 # عليها أمر مقصود، وما ذكره الشافعي من أمور لا تحصى من الثمرات لوجود تلك ~~الأمور من غير النكاح، ووجود النكاح مع عدم تلك الأمور، فإن من تلك الأمور ~~التوارث، وهو أخصهما فهو معدوم في صورة نكاح الكتابية، وكذلك المصاهرة لا ~~تثبت فيما إذا طلق امرأته قبل الدخول في حق بينهما حتى حل له نكاحها. # وأما نكاح ما فلا يوجد بدون إثبات الملك له عليها في حل الاستمتاع. # فعلم بهذا أن تلك الأمور من الثمرات، وثبوت الملك له عليها في حل حق ~~الاستمتاع من المقاصد. # فإن قيل: ملك المتعة أيضا مشترك بينهما. # ألا ترى أن للمرأة أن تطالب زوجها بالوطء، حتى إذا لم يوف حقها في ذلك ~~يفرق كما في العنين. # قلنا: ثبوت حق المطالبة لا يدل على الملك كما في نفقة المماليك، أو لأن ~~حد الملك الذي هو الاختصاص بالمطلق الحاجز يوجد في حق الرجل لا في حق ~~المرأة، فإن المرأة ممنوعة عن تزوج غيره، وليست للمرأة أن تمنع زوجها عن ~~غيرها حتى لا يختل حقها في الوطء. # (وإذا كان كذلك قلنا): أي لما كان بناء النكاح لأجل حل الوطء له PageV02P791 # وثبوت ملك المتعة له عليها لا بمعناه بمنزلة النص، فإنه يوجب الحكم فيما ~~تناوله سواء كان هو معقول المعنى أو لم يكن. لما أن الاسم الموضوع للشيء ~~يدل على ما وضع له سواء عقل معناه أو لم يعقل؛ لأن الحقيقة موقوفة على ~~السماع من غير أن يعقل. # ألا ترى أن الولد ms287 الرضيع يسمى أميرا وعالما من غير وجود معناهما فيه، ~~وأقصر خليقة الله تعالى يسمى طويلا، والأسود يسمى كافورا، والأعمى يسمى أبا ~~العينا من غير وجود المعاني. # علم أن الأعلام إنما تعمل وضعا لا باعتبار المعاني، كما أن النصوص توجب ~~الأحكام بأنفسها سواء عقل معناها أو لم يعقل؛ لأن النصوص بمنزلة الحقائق، ~~فإذا احتيج إلى القياس حينئذ يعتبر فيها المعاني. # فكذلك في الاستعارة تعتبر المعاني حين يعدى هذا اللفظ إلى محل آخر، وإذا ~~كان كذلك فالنكاح والتزويج هما (اسمان جعلا علما لهذا الحكم، والعلم يعمل ~~وضعا لا بمعناه)، ثم لما ثبت ملك النكاح بهما مع أنهما لا ينبئان عن الملك ~~لغة فالبيع وأخواته ينبئ عنه لغة كان ثبوت ملك النكاح بها أحق؛ لأن اللفظ ~~الدال على المعنى كان أحق من اللفظ الذي لم يدل عليه لغة، وعلى هذا التقرير ~~كان ثبوت ملك النكاح بلفظ البيع وأخواته من قبيل ما يثبت الحكم بدلالة ~~النص. PageV02P792 # وقوله: (فلما ثبت الملك بهما) أي بالتزويج والنكاح (وضعا) أي شرعا (صحت ~~التعدية به) أي بثبوت الملك بلفظ التزويج والنكاح إلى ما هو صريح في ~~التمليك وهو البيع وأخواته. # (فهلا صحت استعارة النكاح للبيع)؟ أي لم لم يجز أن يستعار لفظ النكاح ~~للبيع بأن يقول البائع للمشتري: نكحت هذا العبد أو هذه الجارية لك، فقال ~~المشتري: قبلت. # حتى يصح البيع بلفظ النكاح كما يصح النكاح بلفظ البيع بقوله: بعت ابنتي ~~منك، ولهذا قلنا: فيمن قال إن ملكت عبدا فهو حر، إنما وضع المسألة في ~~المنكر؛ لأن تعليق العتق بالملك في العبد المعين كتعليق العتق بالشراء في ~~أنه يحنث في الوجهين أي في اجتماع النصفين في ملكه أو في غير الاجتماع بعد ~~أن ملك الكل، ثم هذا الذي ذكره في العبد المنكر في الملك من اجتماع النصفين ~~في ملكه جواب الاستحسان. # وأما جواب القياس فهو كالشراء؛ لأن الشرط ملك العبد مطلقا من غير شرط ~~الاجتماع وقد حصل. # وأما وجه الاستحسان فإن الملك المطلق يقع على كماله وذلك بصفة PageV02P793 # الاجتماع ms288 يكون فاختص بها. # ألا ترى أن الرجل إذا قال: إن ملكت مائتي درهم فعبده حر، أنه يقع على ~~اجتماع الملك فيهما. # وألا ترى أن الرجل يقول: والله ما ملكت من مائتي درهم قط، ولعله أن يكون ~~ملك ذلك وزيادة متفرقا ولكن لم يجتمع في ملكه مائتا درهم، فكان صادقا، وإذا ~~كان الاجتماع مقصودا اعتبر هذا الوصف في غير العين؛ لأنه يعرف بأوصافه، ~~فإذا لم يوجد لم يحنث، وفي المعين لم يعتبر الاجتماع حتى أنه إذا قال: إن ~~ملكت هذا العبد فهو حر، فملك نصفه فباع ثم ملك النصف الباقي، فإنه يعتق هذ ~~الذي في ملكه؛ لأن صفة الاجتماع مرغوبة PageV02P794 # فلم تعتبر في العين؛ لأنها تعرف بالإشارة إليه كمن حلف لا يدخل هذه الدار ~~أنه لا يعتبر فيها صفة العمران وتعتبر في غير العين، فكذلك هذا. # (ولو قال: إن اشتريت عبدا عتق النصف الباقي وإن لم يجتمع)، ففرق بين ~~الشراء والملك من وجهين: أحدهما- أن في الملك إنما يقيد بصفة الاجتماع في ~~المنكر بحكم العرف ولا عرف في الشراء، فبقي على ما يقتضيه القياس من غير ~~تقييد صفة الاجتماع. # والثاني- أن صفة كونه مشتريا تبقى بعد زوال الملك. # أما صفة كونه مالكا لا تبقى بعد زوال الملك فافترقا، وهذا لأن الاشتراء ~~لا يقتضي أصل الملك فكيف يقتضي وصفه؟ # ألا ترى أنه لو قال: إن اشتريت عبدا فامرأته طالق. أنه لو اشتراه لغيره ~~حنث في يمينه، فلما كان كذلك أنه إذا اشترى النصف الباقي بعد بيع النصف ~~الأول فقد اشترى كله فوجب الحنث. هذا كله في جامعي فخر الإسلام وقاضي خان- ~~رحمهما الله-. # (وفي العبد المعين يستويان) أي يعتق في كلا وجهي التفرق والاجتماع سواء ~~كان ذلك في صورة الملك أو صورة الشراء؛ لأن استعار الحكم لسببه في الفصل ~~الأول. PageV02P795 # (واستعار السبب لحكمه في الفصل الثاني) أي استعار الحكم لعلته في مسألة ~~ذكر الملك، واستعار العلة لحكمها في مسألة ذكر الشراء. أراد بالسبب العلة ~~في الصورتين، ثم عند ذكر الملك لو أراد به الشراء كان ms289 مصدقا قضاء وديانة؛ ~~لأنه لا تخفيف فيه بل فيه تغليظ. # وأما عند ذكر الشراء لو أراد به الملك يصدق ديانة؛ لأنه استعار العلة ~~لحكمها وهو جائز، ولا يصدق قضاء؛ لأن استعارة العلة للحكم لا يجوز، بل لأنه ~~نوى التخفيف على نفسه مع احتمال ما ذكره التغلظ ظاهرا؛ لأن عند ذكر الشراء ~~هو إرادة ما يتعلق بالشراء وهو أن يعتق النصف الثاني الذي في ملكه، وإن حصل ~~في ملكه بطريق التفرق هو الظاهر. # وأما العدول عن إرادة الشراء بذكر الشراء إلى إرادة الملك الذي هو يقتضي ~~صفة الاجتماع فليس هو بظاهر مع وجود التخفيف عليه، فلذلك لا يصدقه القاضي. # (وأما الاتصال الثاني) أراد به اتصال السبب المحض بمسببه (فاستعارته ~~جائزة من أحد الطرفين) وهو استعارة السبب لمسببه. كما جوزنا استعارة البيع ~~للنكاح لما أن البيع سبب لملك المتعة في محله وليس بعلة له؛ لأن للبيع PageV02P796 # حكما آخر موضوعا له، وهو ملك الرقبة فكان ثبوت ملك المتعة له بحسب اتفاق ~~الحال لا حكما مقصودا له بدليل شرعيته فيما لا يحتمل ملك المتعة أصلا كما ~~في العبيد والبهائم، فلذلك كان البيع لإثبات ملك المتعة سببا محضا وذلك ~~يجوز استعارة السبب للحكم، ولا يجوز استعارة الحكم للسبب بأن يذكر النكاح ~~ويراد البيع، وهذا لأن موجب النكاح ملك المتعة وليس هو بسبب لملك الرقبة ~~البتة، وملك المتعة في حق ملك الرقبة بمنزلة العدم، فلو قلنا بالاستعارة ~~يؤدي إلى استعارة المعدوم للموجود فلم يثبت الاتصال بينهما؛ لأن الاتصال ~~إنما يكون بين الشيئين الموجودين لا بين الموجود والمعدوم، فلم يجز ~~الاستعارة لعدم طريق الاستعارة وهو الاتصال. # يحققه أن الأصل- يعني ملك الرقبة- مستغن عن ملك المتعة لوجوده بلا ملك ~~المتعة، وكان ملك المتعة في حق ملك الرقبة بمنزلة العدم لما عرف أن الأصل ~~مستغن عن الفرع، والفرع لا يستغنى عن الأصل، فلذلك صلح هذا الاتصال الثاني ~~طريقا للاستعارة في أحد الطرفين دون الآخر. # وقوله: (وهو أن يستعار الأصل للفرع والسبب للحكم) جاز أن يكون مراده من ~~ذكر السبب للحكم ms290 الأصل للفرع لكن كرر هذه للتنبيه على أن في هذا السبب معنى ~~الأصالة والسببية، وفي حكمه هذا معنى الفرعية، وكونه حكما لبيان استغناء ~~السبب عن وجود المسبب بتسميته له ذكر الأصل والسبب. PageV02P797 # أما الأصل فظاهر فإنه مستغن في وجوده عن الفرع، وكذلك ذكر السبب؛ لأن ~~المراد من هذا السبب هو السبب المحض لا السبب الذي هو بمعنى العلة، وله حكم ~~آخر مقصود به وعلة في حقه، فكان هو مستغنيا في وجوده عن هذا المسبب بخلاف ~~العلة والمعلول؛ لأن لكل واحد منهما افتقارا إلى الآخر. # (وهذا كالجملة الناقصة إذا عطفت على الجملة الكاملة) كما إذا قال: أنت ~~طالق وعمرة. لما أن الجملة الناقصة مفتقرة إلى الجملة الكاملة كالفرع مفتقر ~~إلى الأصل، والمسبب مفتقر إلى السبب، وكذلك الجملة الكاملة لا تفتقر إلى ~~الجملة الناقصة، والناقصة تفتقر إلى الكاملة. # (وعلى هذا الأصل قلنا: إن ألفاظ العتق تصلح أن تستعار للطلاق) أي عند نية ~~الطلاق بأن يقول لامرأته: أنت حرة، ونوى به الطلاق تطلق بطريقين استعارة ~~لفظ العتق للطلاق وبدون النية لا يقع الطلاق. # فإن قلت: ما الفرق بين استعارة ألفاظ العتق للطلاق هنا حيث تحتاج إلى ~~النية لصحة الاستعارة وبين استعارة ألفاظ التمليك في باب النكاح للنكاح ~~وهناك لا تحتاج إلى النية لصحة الاستعارة؟ PageV02P798 # قلت: الفرق بينهما من حيث إن استعمال ألفاظ العتق على حقيقته هاهنا ممكن ~~بأن يخبر بها عن حريتها بقوله: أنت حرة، فلذلك لم تتعين الاستعارة للطلاق ~~إلا عند النية لاحتماله الطلاق على ما ذكرنا من استلزام هذا اللفظ زوال ملك ~~المتعة في محل الاستلزام، فجاز أن يستعار اللفظ الموضوع لإزالة ملك المتعة ~~وهو الطلاق مع إمكان العمل بحقيقته على طريق الإخبار، والنية وضعت لتعيين ~~بعض ما احتمله اللفظ، فلما كان المستعار له من محتملات اللفظ احتيج إلى النية. # وأما ألفاظ التمليك المضافة إلى الحرة عند وجود شرائط النكاح لم تقبل ~~شيئا إلا النكاح وإلا فيلغو، فتعينت لذلك لاستعارتها للنكاح من غير نية، ~~وهذا لأن الأب إذا قال لآخر: بعت ms291 ابنتي منك أو وهبت لك لا يحتمل هذا المحل ~~حقيقة البيع والهبة، وللفظ التمليك صلاحية الاستعارة للنكاح بطريق السببية؛ ~~لأن البيع أو الهبة يصلح أن يكون سببا لملك المتعة في الأمة بواسطة ملك ~~الرقبة، فكانت هذه الاستعارة استعارة السبب للمسبب، وهي طريق من طرق ~~الاستعارة، فيجوز بغير النية لعدم احتمال شيء آخر. # وقوله: (تبعا لا قصدا على نحو ما قلنا) إشارة إلى ما ذكر من ألفاظ ~~التمليك في النكاح بقوله: وملك الرقبة سبب لملك المتعة"، إلى آخره يعني لما ~~ثبت ملك المتعة عند ثبوت ملك الرقبة بطريق التبعية ثبت زوال ملك المتعة ~~أيضا عند زوال ملك الرقبة بطريق التبعية، فصار هذا نظير عزل السلطان واحدا ~~من PageV02P799 # أمرائه، فإنه يكون عزلا لإتباع ذلك الأمير بطريق التبعية. # (لأن كل واحد منهما إسقاط بني على السراية واللزوم)، فأثر الإسقاط في صحة ~~التعليق، ولو كان للإثبات لما صح التعليق، وكذلك يثبت من غير قبول المرأة ~~والعبد، وكذلك يصح كل واحد منهما بغير شهود، وأثر السراية ما إذا قال: أنت ~~طالق نصف تطليقة ونصف عتق تطلق ويعتق، وأثر اللزوم في حق عدم قبول كل واحد ~~منهما الفسخ والرد والرجوع. # (والمناسبة في المعاني من أسباب الاستعارة) أي من طرق الاستعارة. # وقوله: (من الوجه الذي قلنا) أي في طرف الشافعي أن التعليل بكل وصف صحيح ~~من غير أثر خاص، كما علل الشافعي في مسح الرأي بقوله: إنه ركن في الوضوء، ~~فيسن فيه التثليث، وليس الركنية بأثر خاص في استدعاء التثليث لانتقاضه ~~بالمضمضة والاستنشاق. # وأما قولنا: إنه مسح في الوضوء فلا يسن فيه التثليث فتعليل بأثر خاص PageV02P800 # على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. # (وأما بكل وصف) مثل الوجود والحيوانية (فلا) # (ولا منسبة بينهما من هذا الوجه) أي من الوجه الذي ذكره الشافعي من ~~المناسبة بينهما من حيث الإسقاط والسراية واللزوم؛ (لأن معنى الطلاق ما وضع ~~له اسمه) أي الذي وضع له اسمه. # (والنكاح لا يوجب حقيقة الرق) والتقييد بحقيقة الرق للاحتراز عن تعليل ~~الشافعي في موضع ms292 آخر بقوله: لأن النكاح فيه معنى الرق قال عليه ~~السلام:"النكاح رق". PageV02P801 # كذا علل له في "المبسوط". # (ولا يسلب المالكية). ألا ترى أنها إذا وطئت بالشبهة يلزم العقر على ~~الواطئ للمرأة لا للزوج. لم قلنا إن الملك بالنكاح ضروري ليس بأصلي فلا ~~يظهر في حق العقر، فالطلاق لا يسقط إلا ما أثبته النكاح وهو القيد عن ~~التزوج، والحبس عند التزوج بالملك الذي له عليها، فكان حاجتها إلى رفع ~~المانع، وذلك يكون بالطلاق كما يكون برفع القيد عن الأسير؛ لأن المرأة بعد ~~النكاح حرة محبوسة عن التزوج، وبالفرقة يزول المانع من الانطلاق. # (وأما الإعتاق فإحداث القوة) في الذات؛ لأنه لم يبق في الرقيق صفة ~~المالكية، وبالعتق يحدث له صفة المالكية، ولا مشابهة بين إحداث القوة وبين ~~إزالة المانع، وقوله: وأما الإعتاق فإثبات القوة". # فإن قلت: هذا إنما يستقيم على قولهما؛ لأن عندهما الإعتاق إثبات PageV02P802 # العتق وهو القوة. # وأما عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- فعبارة عن إزالة الملك، فكان على هذا ~~بين الطلاق والعتاق مناسبة من حيث إن كل واحد منهما موضوع لإزالة الملك، ~~فينبغي أن تجوز الاستعارة من الجانبين على مذهبه. # قلت: في الطلاق إزالة محضة من غير شائبة إثبات القوة لا من حيث الوضع ولا ~~من حيث الشرع. # وأما العتاق، فإزالة الملك مع دلالته على إثبات القوة نظرا إلى موضوع ~~اللغة، ونظرا إلى حكمه من حصول ولايته على نفسه وصلاحيته للولاية على غيره؛ ~~من القضاء والشهادة والإرث ووجوه التصرف من تملك المال وتمليكه ونفاذ وصيته ~~وإعتاقه وغير ذلك، فكان بين الإزالتين تفاوت فاحش، فلا تصح الاستعارة لفحش ~~التفاوت بينهما. # قوله: (قيل له: وقد قال بعض مشايخنا: إن البيع لا ينعقد بلفظ الإجارة، ~~والإجارة تنعقد به)، وفي هذا منع لقوله: أليس لا يصح أن PageV02P803 # يستعار البيع للإجارة؟ فإنه قد استعير عند بعضهم عند إضافة البيع إلى ~~الحر على ما ذكر في الكتاب يعني بل يصح. # وقد ذكر شمس الأئمة- رحمه الله- جواز استعارة لفظ البيع للإجارة عند ~~إضافة لفظ البيع إلى نفس الحر مطلقا من ms293 غير تقييد بذكر بعض المشايخ. # وأما عند إضافة البيع إلى العبد، فإنما لم تصح الإجارة به، لانعدام المحل ~~لا لانعدام الصلاحية للاستعارة، وهذا لأن لفظ البيع إذا أضيف إلى العبد فلا ~~يخلو إما أن أضيف إلى منافع العبد أو إلى رقبته، ولو أضيف إلى منافع العبد ~~لا يصح؛ لأن المنافع معدومة في الحال وهي ليست بصالحة حال عدمها لا للبيع ~~ولا للإجارة. # ألا ترى أنه لو أضاف إليها صريح لفظ المستعار له وهو لفظ الإجارة بأن ~~قال: آجرتك منافع هذا العبد لا يصح، فكذا ما يقوم مقامه وهو لفظ البيع. # وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى عين العبد فلا تصح الإجارة أيضا؛ لأن المحل ~~صالح لحقيقة اللفظ، والحقيقة حقيق بأن تراد؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل، ~~فلما وجب العمل بحقيقة اللفظ لتقدمها سقط المجاز فلم تصح الإجارة، حتى إنه ~~لو قال: بعت منافع عبدي هذا شهرا بعشرة دراهم كانت إجارة صحيحة بلفظ البيع، ~~وإن أضيف لفظ البيع إلى منافع العبد لقيام القرينة الدالة على إرادة ~~المجاز. هكذا ذكر في "التقويم". PageV02P804 # وقوله: (وذلك يتصور في الحر) أي انعقاد الإجارة بلفظ البيع إنما يتصور في ~~الحر لا في العبد؛ لأن في العيد يصير بيعا لا إجارة. # (لا تصلح محلا للإضافة) أي لعقد الإجارة. # (فكذلك ما يستعار لها) أي فكذلك لفظ البيع الذي استعير للإجارة # (ولكن العين أقيمت مقامها) أي عين الدار أقيمت مقام منافعها (في حق ~~الإضافة في الأصل) أي في حق عقد الإجارة في إثبات الإجارة. # (فكذلك فيما يستعار لها) أي فكذلك في لفظ البيع الذي يستعار للإجارة يعني ~~لما أقيمت العين مقام المنفعة في حق عقد الإجارة عند إضافة لفظ الإجارة إلى ~~العين أقيمت العين أيضا في حق المستعار للإجارة، وهو لفظ البيع الذي أريد ~~به الإجارة مجازا مقام المنفعة، ولكن إنما يكون ذلك إذا أضيف لفظ البيع إلى ~~الحر مع ذكر المدة كما في قول الحر: بعت نفسي منك شهرا. # وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى منافع العين وأريد ms294 الإجارة فلا يكون ~~للإجارة، كما لو أضيف صريح لفظ الإجارة إلى منافع العين بأن قيل: أجرتك ~~منافع هذه الدار لا يجوز، فكذلك فيما استعير لها وهو لفظ البيع إذا أضيف PageV02P805 # إلى منافع العين لا يجوز سوى ما ذكرنا من رواية "التقويم" أن فيه يجوز ~~أيضا عند قيام الدلالة على إردة المجاز. # (وصار هذا كالبيع للنكاح) وكلمة هذا إشارة إلى لفظ البيع إذا أضيف إلى ~~منافع الدار. # وقوله: يستعار للنكاح (في غير محله) أي في غير محل النكاح (وهي المحرم من ~~النساء) أي المحرم من النساء كما هي ليست بمحل لحقيقة لفظ النكاح، فكذلك ~~أيضا ليست هي بمحل للفظ المستعار للنكاح وهو لفظ البيع الذي أريد به ~~النكاح، فكان هذا عين نظير لفظ البيع الذي أريد به الإجارة إذا أضيف إلى ~~منافع العين، فإن هناك لا تصح الإجارة لإضافته إلى المحل الذي لو أضيف إليه ~~حقيقة لفظ الإجارة لا يصح، فكذا إذا أضيف إليه اللفظ المستعار للإجارة، ~~فكذا هنا لما لم يصح النكاح بحقيقة لفظ النكاح إذا أضيف إلى المحرم من ~~النساء، فكذا لا يصح النكاح باللفظ المستعار للنكاح إذا أضيف إلى المحرم من ~~النساء؛ وهذا لأن المستعار لا يكون أقوى حالا من الحقيقة، فلما لم يصح ~~النكاح بصريح لفظ النكاح الذي هو حقيقة في هذا المحل لم يصح هو أيضا باللفظ ~~المستعار للفظ النكاح، وهو لفظ البيع إذا أضيف إلى هذا المحل PageV02P806 # فعلم بهذا كله أن عدم جواز استعارة البيع للإجارة فيما لا يجوز لا ~~باعتبار أن الاستعارة في نفسها لا تجوز بينهما، بل باعتبار أن اللفظ ~~المستعار لم يضف إلى محله، حتى إذا أضيف إلى محله وهو عين غير قابل للبيع ~~يجوز كما في استعمال لفظ المستعار له، وهو لفظ الإجارة إنما تنعقد إجارة ~~إذا أضيف إلى العين لا إلى المنفعة، فكذا في اللفظ المستعار له لما أن ~~اللفظ المستعار إنما يعمل على حسب عمل حقيقة لفظ المستعار له، فأينما يعمل ~~فيه حقيقة لفظ المستعار له يعمل اللفظ المستعار ms295 في ذلك المحل وما لا فلا. # (ومن أحكام هذا القسم أيضا أن المجاز خلف عن الحقيقة في حق التكلم لا في ~~حق الحكم عند أبي حنيفة) - رضي الله عنه- أي التكلم بلفظ المجاز مقام ~~التكلم بلفظ الحقيقة بأن التلفظ بلفظ الأسد عند إرادة الرجل الشجاع به مقام ~~التلفظ بلفظ الرجل الشجاع، ثم الحكم الثابت بلفظ المجاز كالحكم الثابت بلفظ ~~الحقيقة كما في الوكالة، فإن الحكم الثابت بالوكيل كالحكم الثابت بالموكل ~~حتى حل للموكل وطء جارية اشتراها الوكيل لموكله كما لو باشر شراءها بنفسه، ~~وكذلك التراب مع الماء، فإن الخلفية هناك في حق الآلة وهي: الماء والتراب، ~~وأما حصول الطهارة فيهما بطريق الأصالة، لأن حصول الطهارة حكم لهما فلا ~~خلفية فيه. # (وعندهما المجاز خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم)؛ لأن الحكم هو PageV02P807 # المقصود، فكان اعتبار الأصالة والخلفية فيما هو المقصود أولى، وبعد هذا ~~إجماع بينهم أن شرط الخلف انعدام الأصل في الحال على احتمال الوجود، فعند ~~أبي حنيفة- رحمه الله- لما كانت الأصالة والخلفية في حق التكلم كان المنظور ~~إليه والملتفت له تتبع صحة اللفظ وتصوره لغة من غير أن ينظر إلى صحته من ~~حيث الشرع، فكان ذلك عنده كعمل الاستثناء، فإن الاستثناء تتبع صحته من حيث ~~اللفظ على أن يكون عبارة عما وراء المستثنى، وإن لم يصادف أصل الكلام محلا ~~صالحا له من حيث الحكم باعتبار أنه تصرف من المتكلم في كلامه، حتى إذا قال ~~لامرأته: أنت طالق ألفا إلا تسعمائة تسعة وتسعين لم تقع إلى واحدة، ومعلوم ~~أن المحل غير صالح لما صرح به، ومع ذلك كان الاستثناء صحيحا؛ لأنه تصرف من ~~المتكلم في كلامه فهنا أيضا كذلك، وعندهما لما كان المجاز خلفا عن الحقيقة ~~في حق إثبات الحكم كان المنظور إليه والملتفت له توهم صحة حكم الحقيقة، حتى ~~يصير المجاز خلفا عنها في حق إثبات الحكم. # أما لو كان الحكم مستحيلا بمرة لا يمكن أن يجعل المجاز خلفا عن الحقيقة ~~في إثبات الحكم، لأنه لا حكم للحقيقة أصلا، فكيف يصح المجاز ms296 عنه خلفا في ~~إثبات الحكم المستحيل كما عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- إن التكلم لما لم ~~يصح لغة أصلا لا يصير مجازه خلفا عنه في التكلم؛ لأنه لم يصح تكلما، فكذا هنا. # ثم في قوله (لعبده وهو أكبر سنا منه: هذا ابني لا يعتق عندهما)؛ لأن حكم ~~حقيقة كلامه ها هنا، وهو إثبات البنوة محال، والمجاز خلف عن الحقيقة في ~~إيجاب الحكم، ففي كل موضع يصلح أن يكون السبب منعقدا PageV02P808 # لإيجاب الحكم الأصلي، يصلح أن يكون منعقدا لإيجاب الحكم الخلفي كما في ~~قوله: ليمسن السماء، وفي كل موضع لم يوجد في السبب صلاحية الانعقاد للحكم ~~الأصلي لا ينعقد موجبا للحكم الخلفي كما في اليمين الغموس، وكما في حق ~~الحائض والنفساء أنهما لما لم تخاطبا بآية الوضوء لم تخاطبا بآية التيمم. # قال أبو حنيفة- رحمه الله- المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم. أي التكلم ~~بلفظ المجاز خلف عن التكلم بلفظ الحقيقة حتى إن قوله: هذا أسد، للإنسان ~~الشجاع مجاز عن قوله: هذا أسد في حقيقة للهيكل المخصوص. # هكذا كان تقرير أستاذي مولانا فخر الدين المايمرغي- رحمه الله- PageV02P809 # فإن قيل: كيف يستعار قوله: هذا أسد عن قوله: هذا أسد وهما جميعا على ~~عبارة واحدة؟ # قلنا: يجوز ذلك عند قرينة دالة على المجاز بأن أشار إلى إنسان بقوله: هذا ~~أسد، أو يقول: رأيت أسدا يرمي، ولا يبعد أن يختلف الشيء باختلاف صفته اسما وحكما. # ألا ترى إلى العصير هو حلال شربه، فإذا تخمر صار حراما، ثم إذا تخلل يصير ~~أيضا حلالا، وتغير الأسماء والأحكام باعتبار تغير الصفات وهو في ماهيته شيء ~~واحد وهو ماء العنب، وكذلك قوله: هذا أسد عند الاستعمال في الموضوع له ~~حقيقة وعين هذا اللفظ عند الاستعمال في المستعار له مجاز بسبب اختلاف في محله. # واقرب من ذلك ما إذا أعطى رجل رجلا عشرة دراهم مثلا بأن يعطي مثلها للرجل ~~المعطي غدا أو بعد غد إن ذكر لفظ البيع لا يجوز؛ لأنه ربا، وإن ذكر لفظ ~~القرض يجوز؛ لأنه في معنى العارية، وفي كلتا الصورتين ms297 هو إعطاء الدراهم ~~بمقابلة ما يأخذ مثل تلك الدراهم وهو شيء واحد، فيتغير الاسم والحكم بسبب ~~شيء اقترن به، فكذلك هاهنا كان قوله: هذا ابني لعبده الذي هو أكبر سنا منه ~~مجازا عن قوله: هذا ابني لعبده الذي هو يولد مثله لمثله، فلو قال ذلك في ~~الذي يولد مثله لمثله كان يثبت البنوة والحرية لمصادفة حقيقة كلامه محلها، ~~وفي الذي لا يولد مثله لمثله يثبت الحرية التي هي لازمة البنوة لقيام هذا ~~المجاز مقاام تلك الحقيقة، وإن تخلف هذا المجاز لتلك الحقيقة في إثبات PageV02P810 # البنوة للتعذر لم يتخلف في إثبات لازمته لعدم التعذر فيثبت، وهذا لأن ~~المجاز لما كان خلفا عن الحقيقة في التكلم كان الشرط فيه أن يكون الكلام ~~الحقيقي في نفسه مفيدا، وإفادته ها هنا بكونه مبتدأ وخبرا موضوعا للإيجاب ~~بصيغته وقد وجد، فكان هذا الكلام عاملا في إيجاب الحكم الذي يقبله بطريق ~~المجاز وهو الحرية، وإن تعدد العمل بحقيقة كلامه وهي إثبات البنوة؛ لأن ذلك ~~إنما يعتبر إذا كانت الأصالة والخلفية في حق الحكم، وليس كذلك على ما ~~قررنا؛ لأنه إن لم يتعذر كان الكلام عاملا بحقيقته، وعند التعذر بالعمل ~~بحقيقته صير إلى مجازه؛ لأن هذا أولى من الإلغاء، فصار كأنه قال: عتق علي ~~من حين ملكته بأن البنوة سبب لهذا، فإنه إذا ملك ابنه يعتق عليه من حين ~~ملكه، فيجعل هذا النسب كناية عن موجبه مجازا، وتصحيح كلام العاقل واجب ما أمكن. # فإن قلت: يشكل على هذا التقرير الذي قاله أبو حنيفة- رضي الله عنه- من ~~أنه يتبع صحة الكلام لغة وأفادته في أن يكون المجاز خلفا عن الحقيقة لا PageV02P811 # استحالته من حيث الحكم، لكن إذا كان لذلك الكلام الذي استحال حكمه حكم ~~آخر لازم غير مستحيل يثبت ذلك كما في صورة النزاع. # أما إذا قال لعبده الصبي الصغير: هذا جدي، أو لعبده هذه ابنتي، أو لأمته ~~هذا ابني، أو قال لغلامه: أعتقتك قبل أن أخلق حيث لا يعتق من هؤلاء بهذا ~~الكلام، وكذلك لو قال في غير ms298 هذا الباب لو قال: قطعت يد فلان وله علي ~~الأرش، فأخرج فلان يده صحيحة لم يستوجب شيئا. # قلت: أما في مسائل الإعتاق ففيه منع، وعلى ذلك التقدير لا يحتاج إلى ~~الفرق على قوله، وعلى تقدير التسليم إذا قال لعبده: هذه ابنتي. # قلنا: الأصل إلى المشار إليه إذا لم يكن من جنس المسمى فالعبرة للمسمى ~~كما لو باع فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج فالبيع باطل، والذكور والإناث ~~من بني آدم جنسان مختلفان، فإذا لم يكن المشار إليه من جنس المسمى تعلق ~~الحكم بالمسمى وهو معدوم، ولا يمكن تصحيحه إيجابا ولا إقرارا في المعدوم، ~~فلا يمكن أن يجعل البنت مجازا عن الابن بوجه، وكذا عكسه. # ألا ترى أنه لا يعتق وإن احتمل أن يكون ولده بأن كان يولد مثله لمثله ~~بخلاف ما نحن فيه، فإنه إن كان يولد مثله لمثله يعتق بالاتفاق، وتثبت ~~البنوة إن كان مجهول النسب، وفي معروف النسب تثبت لازمة البنوة وهي الحرية ~~بطريق المجاز، وكذا قوله لعبده الصغير: هذا جدي ففيه منع وتسليم، وعلى ~~تقدير التسليم نقول: لا موجب لهذا الكلام في ملكه إلا بواسطة الأب، وتلك ~~الواسطة غير ثابتة وبدونها لا موجب لكلامه حتى يجعل كناية عن PageV02P812 # موجبه مجازا، وبخلاف قوله: أعتقتك قبل أن أخلق؛ لأنه لا موجب فيما صرح ~~به- فكذا للذي يقوم مقامه لما أن الإعتاق قبل الخلق إعتاق قبل الملك، ولو ~~أعتقه قبل أن يملكه ثم يملكه لم يلزمه العتق، فكذا هنا؛ لأنه لما لم يكن ~~لصريحه حكم العتق لم يكن لما كنى عنه أيضا حكم العتق- وكذلك قوله: قطعت ~~يدك؛ لأنه لا موجب للجرح بعد البرء إذا لم يبق له أثر، فلا يمكن تصحيح ~~كلامه بأن يجعل كناية عن موجبه، فلهذا كان لغوا. هذا كله مما أشار إليه في ~~"المبسوط" و"الأسرار". # (بخلاف الندى؛ لأنه لاستحضار المنادي) أي لو قال: يا ابني لا يعتق؛ لأن ~~الاستعارة إنما تصح لإثبات معنى والمعنى غير مرعي في الندى؛ لأنه لاستحضار ~~المنادي (بصورة الاسم لا يمعناه، فإذا لم ms299 يكن المعنى مقصودا لم تجب ~~الاستعارة لتصحيح معناه)، وإنما صير إلى الاستعارة فيما سبق؛ كي لا يلغو ~~الكلام، وها هنا الكلام صحيح من غير أن يستعار للحرية لحصول المقصود وهو ~~استحضار المنادي، فلا ضرورة في استعارة هذا الكلام للحرية بخلاف قوله: (با ~~حر فإنه يستوي نداؤه وخبره) لما ذكر في PageV02P813 # الكتاب (أن العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز)؛ لأن المستعار لا يزاحم ~~الأصل؛ لأن الخلف لا يوجد مع وجود الأصل. # وحاصل هذا الأصل ما ذكره شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- بقوله: # الكلام على ضربين: حقيقة ومجاز، وأنه لا يحمل على المجاز إلا عند تعذر ~~حمله على الحقيقة، فتمس الحاجة- لذلك- إلى معرفة الحقيقة والمجاز، والطريق ~~في ذلك هو النظر في السبب الداعي إلى تعريف ذلك الاسم في الأسماء الموضوعة ~~لا لمعنى، وإلى تعريف المعنى في المعنويات، فما كان أقرب في ذلك فهو أحق، ~~وما كان أكثر إفادة فهو أولى بأن يجعل حقيقة، وذلك يكون بطريقتين: التأمل ~~في محل الكلام، والتأمل في صيغة الكلام. # أما بيان التأمل في المحل، ففي قوله تعالى:} أو لامستم النساء {حملنا على ~~المجامعة دون المس باليد؛ لأنه إذا حمل على المس باليد كان تكرارا لنوع حدث ~~واحد، وإذا حمل على المجامعة كان بيانا لنوعي الحدث في التيمم، فكان هو ~~أكثر فائدة مع أنه معطوف على ما سبق، والسابق ذكر نوعي الحدث، فإن قوله ~~تعالى:} إذا قمتم إلى الصلاة {أي وأنتم محدثون، ثم PageV02P814 # قال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا {، ثم قال:} وإن كنتم مرضى {إلى قوله:} فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا {، فبدلالة محل الكلام يتبين أن المراد الجماع دون المس باليد. # وأما بيان الدلالة من صيغة الكلام ففي قوله تعالى:} ثلاثة قروء {إنها ~~الحيض دون الأطهار؛ لأن اللفظ إما أن كان مأخوذا من القرء الذي هو الاجتماع ~~إلى آخره. # وقوله: (لأن القرء للحيض حقيقة وللطهر مجاز). # فإن قلت: جعل المصنف - رحمه الله- القرء من الأسماء نظير المشترك بين ~~الحيض والطهر في بيان المشترك ثم كيف جعل ها هنا نظير الحقيقة والمجاز حيث ~~جعل الطهر ms300 مجازا له وبينها منافاة؛ لأن الاسم المشترك حقيقة في أنواعه؟ # قلت: لا يبعد أن يسمى الشيء الواحد باسمين مختلفين. # ألا ترى أن الغائط الذي هو المطمئن من الأرض لما أطلق على الحدث جعلوه في ~~قوله تعالى:} أو جاء أحد منكم من الغائط {في موضع مجازا وفي موضع كناية، ~~فالمجاز باعتبار أنه أطلق في غير موضعه الأصلي لاتصال بينه وبين الحدث ~~بطريق المجاورة، والكناية باعتبار وجود الملازمة بينهما من حيث العادة. إذ ~~الكناسة هي ذكر اللازم وإرادة الملزوم، فكذلك ها هنا جاز أن PageV02P815 # يكون القرء مشتركا بين الحيض والطهر للاستعمال فيهما على السواء، وجاز أن ~~يكون للحيض حقيقة دون الطهر لقوة دلالته على الحيض من وجوه الاشتقاق الذي ~~ذكر في الكتاب. # ولا شك أن ما هو أكثر دلالة على شيء بحسب الاشتقاق كان هو أحق بذلك من ~~غيره على ما ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-. # ثم قوله: (إنه مأخوذ من الجمع) أي أن لفظ القرء مأخوذ من القرء الذي هو ~~الجمع (وهو معنى حقيقة هذه العبارة) أي كونه للجمع حقيقة للقرء (لغة) لا ~~للطهر؛ لأن الاجتماع صفة الدم؛ لأن الاجتماع حقيقة يوجد في قطرات الدم على ~~وجه لا بد منه ليكون حيضا، فإنه ما لم تمتد رؤية الدم لا يكون حيضا، فكان ~~الحمل عليها أولى من الحمل على الطهر؛ لأن الطهر زمان انقطاع الدم لا ~~اجتماع الدم، فكان ما وضع له اللفظ موجودا في PageV02P816 # الحيض، فكان هو أقرب إلى الحقيقة. # (وكذلك العقد لما ينعقد حقيقة)؛ لأن العقد شد بعض الجسم وربط بعضه بالبعض ~~من عقد الحبل، والعقد في الكلام: اسم لربط كلام بكلام. نحو ربط لفظ اليمين ~~بالخبر الذي فيه رجاء الصدق لإثبات حكم وهو الصدق منه أعني البر، وكذلك عقد ~~البيع ربط الإيجاب بالقبول لإثبات حكم وهو الملك، ثم يستعار لما يكون سببا ~~لهذا الربط وهو عزيمة القلب، فكان ذلك دون العقد الذي هو ضد الحل فيما وضع ~~الاسم له، فحمله عليه يكون أحق، وبهذا الذي ذكرنا يبطل قول ms301 الخصم حيث يطلق ~~لفظ عقد اليمين على اليمين الغموس الذي فيه القصد، فقال: العقد عبارة عن ~~القصد، فإن العزيمة تسمى عقيدة. # (وكذلك النكاح للجمع في لغة العرب) يعني نحن نحمله على الوطء، والخصم ~~يحمله على العقد، وأصل الخلاف في قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما PageV02P817 # نكح} وقلنا: موطوءة الأب على الابن حام سواء كان ذلك بالعقد أو بالزنا ~~حملا للنكاح على الوطء لا على العقد، وعند الشافعي مزنية الأب لا تحرم على ~~الابن حملا للنكاح على العقد، فما قلناه أحق؛ لأن الاسم في أصل الوضع لمعنى ~~الضم والالتزام يقول: انكح الصبر أي التزمه وضمه إليك، ومعنى الضم في الوطء ~~بتحقق حقيقة، ولهذا يسمى جماعا، ثم العقد يسمى نكاحا باعتبار أنه سبب يتوسل ~~به إلى ذلك المضم. # فعلم به أن الوطء أحق به إلا في الموضع الذي يتعذر حمله على الوطء، ~~فحينئذ يحمل على ما هو مجاز عنه، وهو العقد كما في قوله تعالى:} حتى تنكح ~~زوجا غيره {. # وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى، ومن تلك الأمثلة قوله تعالى: {لا PageV02P818 # يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان {. # قال علماؤنا- رحمهم الله- اللغو ما يكن خاليا عن فائدة اليمين شرعا ~~ووضعا، فإن فائدة اليمين إظهار الصدق من الخبر، فإذا أضيف إلى خبر ليس فيه ~~احتمال الصدق كان خاليا عن فائدة اليمين فكانوا لغوا، وقال الشافعي: اللغو ~~ما يجري على اللسان من غير قصد، ولا خلاف في جواز إطلاق اللفظ على كل واحد ~~منهما، ولكن ما قلناه أحق؛ لأن ما يجري من غير قصد له اسم آخر موضوع وهو ~~الخطأ الذي هو ضد العمد، والسهو الذي هو ضد التحفظ. # فأما ما يكون خاليا عن الفائدة لمعنى في نفسه لا لحال المتكلم وهو عدم ~~القصد، فليس له اسم موضوع سوى أنه لغو فحمله عليه أولى. # ألا ترى إلى قوله تعالى:} وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه {، يعني الكلام ~~الفاحش الذي هو خال عن فائدة الكلام بطريق الحكمة دون ما يجري من غير قصد، ~~فإن ذلك ms302 لا عتب فيه، وأصل الخلاف في هذا راجع إلى أن الغموس هل هو داخل تحت ~~اللغو أم لا؟ فعندنا هو داخل خلافا له. PageV02P819 # قوله: (ولهذا قال ألو حنيفة- رضي الله عنه- في الدعوى) إيضاح لقوله: إن ~~العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل. # (في رجل له أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة) قيد بالبطون المختلفة ~~إذ لو كانوا في بطن واحد لا يثبت هذا الحكم، بل عند دعوى أحدهم يثبت نسب ~~الآخرين؛ لأن الحكم في التوأمين ذلك إذ من ضرورة ثبوت أحدهما ثبوت الآخر؛ ~~لأنهما خلق من ماء واحد. (إنه يعتق من كل واحد ثلثه)؛ لأن قول المولى: أحد ~~هؤلاء ولدي؛ صار بمنزلة قوله: أحد هؤلاء حر؛ لأن العمل بثبوت النسب لا يمكن ~~إذا مات قبل البيان لكونه مجهولا، فلما كان هذا بمنزلة الحقيقة لم يعتبر ~~أبو حنيفة- رحمه الله- ما يصيب الأوسط والآخر من قبل أمهما؛ لأن الإصابة ~~منة قبيل الإيجاب المضاف إليه حقيقة؛ لأنه يصيبه من نفسه بلا واسطة، وما ~~يصيب الولد من قبل أمه بمنزلة المجاز؛ لأنه لم يرد به حقيقته، بل أريد به ~~غيره كما في المجاز، لأن المجاز إنما يصح PageV02P820 # بواسطة وهي القرينة، والاتصال بين محل المجاز وبين الحقيقة، فلم يعتبر ~~المجاز عند الحقيقة. # وذكر في دعوى "المبسوط" أمة لها ثلاثة أولاد ولدتهم في بطون مختلفة وليس ~~لهم نسب معروف فقال المولى في صحته: أحد هؤلاء ابني ثم مات قبل أن يبين، لم ~~يثبت نسب واحد منهم؛ لأن المدعي نسبه مجهول، ونسب المجهول لا يمكن إثباته ~~من أحد؛ لأنه إنما يثبت في المجهول ما يحتمل تعليقه بالشرط ليكون متعلقا ~~بخطر البيان، والنسب لا يحتمل التعليق بالشرط، فلا يثبت في المجهول ~~والجارية تعتق؛ لأنه أقر لها بأمية الولد، وهي معلومة، وأم الولد تعتق بموت ~~مولاها من جميع المال، ويعتق من كل واحد من الأولاد ثلثه في قول أبي حنيفة- ~~رضي الله عنه- لأن دعوى النسب إذا لم تعمل في إثبات النسب كانت إقرارا ~~بالحرية، فكأنه قال: أحدهم ms303 حر، فيعتق ثلث كل واحد منهم من جميع المال، وعلى ~~قول محمد- رحمه الله- يعتق من الأكبر ثلثه ومن الأوسط نصفه والأصغر كله؛ ~~لأن الأكبر إن كان هو المقصود بالدعوى فهو حر، وإن كان المقصود هو الأصغر ~~أو الأوسط لم يعتق الأكبر، فهو حر في حال عبد في حالين فيعتق ثلثه. PageV02P821 # وأما الأوسط فإن كان هو المقصود فهو حر، وكذلك إن كان المقصود هو الأكبر؛ ~~لأنه ولد أم الولد فيعتق بموت المولى كما تعتق أمه، وإن كان المقصود الأصغر ~~لم يعتق الأوسط، فهو يعتق في حالين ولا يعتق في حال، وأحوال الإصابة حالة ~~واحدة في الروايات الظاهرة بخلاف أحوال الحرمان، فلهذا يعتق نصفه. # وأما الأصغر فهو حر بيقين سواء كان المقصود هو الأوسط أو الأكبر أو هو، ~~إلا أن أبا حنيفة- رضي الله عنه- لم يعتبر هذه الأحوال؛ لأنه مبني على ثبوت ~~النسب، ولم يثبت النسب، ولأن جهة الحرية مختلفة وحكمه مختلف، فإنه إذا كان ~~مقصودا بالدعوة كان حر الأصل، وإذا كان المقصود غيره كانت حريته بطريق ~~التبعية للأم بعد موت المولى، وبين كونه مقصودا وتبعا منافاة، فلا يمكن ~~اعتبار الجهتين جميعا. # فلهذا قال: يعتق من كل واحد منهم ثلثه، وقد روي عن أبي يوسف مثل قول ~~محمد- رحمهما الله- إلا في حرف واحد وهو أنه قال: يعتق من الأكبر نصفه؛ لأن ~~حاله تردد بين شيئين فقط، إما أن يكون ثابت النسب من المولى فيكون حرا كله ~~أو لا يكون ثابت النسب منه فلا يعتق منه شيء، فلهذا قال: عتق نصفه وسعى في ~~نصف قيمته. كذا في "المبسوط". # وقيل: إنما صار أحوال الحرمان أحوالا وأحوال الإصابة حالة واحدة؛ PageV02P822 # لأن عدم الشيء يجوز أن يكون لمعان شتى كما إذا قيل: إن زيدا غير مالك ~~للنصاب؛ لأنه لم يكتسب، ولأنه لم يرث، ولأنه لم يتصدق عليه، ولأنه لم يوهب ~~له، فيجتمع انعدام هذه الأسباب في حق عدم الملك. # وأما إذا ملك النصاب فلا بد أن يكون سبب ملك النصاب شيئا واحدا لا غير من ~~تلك الأسباب، ومحال أن ms304 يتعدد سبب الملك عند وجود الملك، وهكذا ذكر أيضا ~~علاء الدين- رحمه الله- في "زياداته" وجه الفرق بين الإصابة والحرمان. # وذكر في "الأسرار" من تعليل محمد- رحمه الله- في هذه المسألة. # ألا ترى أن الأم تصير أم ولد له، لو كان كناية عن قوله: أحدهم حر لما ~~صارت الأم أم ولد له، وكذلك قيل في أمة لرجل ولدت ابنا فزوجه أمة له أخرى ~~فولدت منه ابنا فنظر المولى إلى الابنين فقال: أحدهما ابني، ثم مات عتق نصف ~~الأكبر وكل الأصغر، وعلى ما قاله أو حنيفة- رحمه الله- يجب أن يعتق نصف كل ~~واحد منهما. # (وكذلك لو حلف لا يشرب من هذا البئر لم يقع على الكرع) فالكرع PageV02P823 # والكروع: دهان بر آب نهادن بوقت آب خوردن جعله في المصادر من باب علم، ~~وجعل في "الصحاح" من باب منع، وجعل كسر الراء فيه لغة أخرى. # وقال في "المغرب" الكرع: تناول الماء بالفم من موضعه، ومنه كره عكرمة ~~الكرع في النهر؛ لأنه فعل البهيمة يدخل فيه أكارعه، فالكراع ما دون الكعب ~~من الدواب وما دون الركبة من الإنسان، وجمعه أكرع وأكارع. PageV02P824 # (وعلى هذه الجملة يخرج قولهم) أي على الأصل الذي ذكر وهو قوله: أن العمل ~~بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز (أن الأم تصير أم ولد له) ولو لم يكن بطريق ~~الحقيقة لما صارت أنه أم ولد له. # (وقال في "الجامع") أي قال في "الجامع الكبير في الباب الثالث عشر من ~~كتاب الإقرار منه فقال: رجل له عبد ولعبده ابن وللابن ابنان في بطنين ~~مختلفتين، فقال المولى في صحته: أحد هؤلاء ولدي، وكل واحد منهم يولد مثله ~~لمثله، ثم مات قبل أن يبين، فإن الأول يعتق ربعه ويسعى في الباقي إلى آخره. ~~قيد بقوله: في بطنين مختلفين"، إذ لو كانا في بطن واحد يعتق كل واحد منهما ~~جميعا؛ لأن أحد التوأمين إذا صار ولدا لشخص أو حافدا له صار PageV02P825 # الآخر أيضا ولدا أو حافدا ضرورة وإن لم يدع، فلذلك قال: في بطنين ~~مختلفتين ليتأتى التفريع المذكور في الكتاب وهو عتق ms305 البعض من كل واحد منهم. ~~فقلنا: يعتق من الأول ربعه ويسعى في الباقي، (ومن الثاني ثلثه ومن كل واحد ~~من الآخرين ثلاثة أرباعه) ويسعى في ربع قيمته. # أما النسب فلا يثبت إذا مات قبل البيان؛ لأنه لو ثبت في المجهول لبقي ~~متعلقا بالبيان، وتعليق النسب بالشرط باطل؛ لأنه إخبار عن أمر كائن، ~~والتعليق إنما يكون في أمر معدوم، فلذلك لم يصح تعليقه. # أما وجه التقسيم فإن الأول لو كان مرادا عتق هو وعتق أولاده جميعا، فيعتق ~~الأولاد ها هنا عند إرادة الأول باعتبار سراية أنه ملك أولاده وحافده لا ~~لمعنى أن الأب صار حرا؛ لأن الأب لو كان حرا لا يلزم أن يكون ولده حرا، ~~وإنما يلزم ذلك في حرية الأم، لكن بطريق أن الأول لو كان ولده لكان أولاده ~~حفدة له وهم ملكه، فيعتقون عليه؛ لان (من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه). PageV02P826 # وأما لو كان الثاني مرادا فعتق هو وولداه لما ذكرنا ولا يعتق الأول، وإن ~~كان أحد الآخرين مرادا عتق هو ولم يعتق الأول والثاني وأحد الآخرين، فيعتق ~~الأول في حال ولا يعتق في ثلاثة أحوال وهو ما ذكرنا، وأحوال الحرمان أحوال ~~فعتق زبعه لذلك، والثاني يعتق في حالين ولا يعتق في حالين كما ذكرنا، ~~وأحوال الإصابة حالة واحدة وأحوال الحرمان أحوال فيعتق في حال ولا يعتق في ~~حالين، فيعتق ثلثه، وأحد الآخرين حر بيقين؛ لأنه حر بكل حال والآخر يعتق في ~~ثلاثة أحوال وهي ما إذا أراد به نفسه أو أباه أو جده، ولا يعتق في حال وهو ~~ما إذا كان المراد به أخاه، وأحوال الإصابة حالة واحدة، فيعتق حينئذ في حال ~~ولا يعتق في حال، فاجتمع لهما عتق رقبة ونصف عتق رقبة، فيتصنف بينهما إذ ~~ليس أحدهما أولى من الآخر فيعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه ويسعى كل ~~منهما في الربع الآخر. # ثم قيل: هذا الذي ذكره هنا قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- # فأما على قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- ينبغي أن يعتق من كل ms306 واحد منهم ~~ربعه؛ لأن من أصله أن الإقرار بالنسب إذا لم يفد إثبات النسب للجهالة ينقلب ~~إقرارا بالعتق كما مر في المسألة الأولى وهي أن من له جارية ولها ثلاثة ~~أولاد في بطون مختلفة فقال: أحد هؤلاء ولدي. يعتق من كل واحد منهم ثلثه ~~عنده، ولا يستغل باعتبار الأحوال فهذا كذلك، وإذا صار إقرارا بالحرية صار ~~كأنه قال: احدهم حر بين أربعة نفر، فيعتق هناك ربع PageV02P827 # كل واحد منهم وهنا كذلك، والأصح أنن هذا قولهم جميعا، وأبو حنيفة- رحمه ~~الله- يفرق بين هذه المسألة وبين تلك المسألة التي مرت فيقول: هناك جهة ~~الحرية مختلفة في الحكم فمنها باعتبار النسب ومنها باعتبار أمية الولد من ~~قبل أن ابن أم الولد له حكم أم الولد وهما يختلفان؛ لأن باعتبار النسب ~~تتجزأ الحرية في الحال فيكون مقصودا، وباعتبار أمية الولد يتأخر إلى ما بعد ~~الموت ويكون تبعا. لأمه وبين كونه تبعا ومقصودا تضاد، فلهذا لم يعتبر ~~الأحوال هناك. # وأما ها هنا فجهة الحرية واحدة باعتبار النسب وهذا لأنه ابنه أو ابن ابنه ~~وهو في كل ذلك مقصود، فلهذا اعتبر الأحوال. كذا في "شرح الجامع الكبير" ~~للإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- وغيره. # (وأما في الأكبر سنا منه فلأبي حنيفة- رحمه الله- طريقان). إنما قال هذا؛ ~~لأن العتق في المسألة السابقة وهو في الأصغر سنا منه، ويلد مثله لمثله يثبت ~~العتق فيه وفي أولاده بقوله: أحد هؤلاء ولدي"؛ لاحتمال النسب وهذا الاحتمال ~~في الأكبر سنا منه غير ثابت حقيقة فبأي طريق قال ذلك أبو حنيفة- رحمه الله- ~~فيه؟ فقال في جوابه: فأما في الأكبر سنا منه فلأبي حنيفة طريقان". PageV02P828 # (أحدهما - أنه تحرير مبتدأ من قبل) أنه ذكر السبب وإرادة المسبب فيكون ~~هذا إنشاء إعتاق، (ولهذا قلنا في رجلين ورثا عبدا فقال أحدهما: هذا ولدي ~~يغرم لشريكه) نصف قيمته إذا كان موسرا (كما إذا أعتقه)؛ لأنه لو كان بطريق ~~النسب لا يضمن؛ لأنه إذا ورث ابنه هو وغيره لا يضمن لشريكه. # فعلم أنه بمنزلة تحرير مبتدأ، فعلى هذا الطريق لا تصير أنه أم ms307 ولد له؛ ~~لأن هذا إنشاء إعتاق في ولدها، وذلك لا يؤثر في صيرورة الأم أم ولد له البتة. # (وحق الأم لا يحتمل الوجود بابتداء تصرف المولى) يعني أن أمومية الولد لا ~~يحتمل الثبوت بإنشاء تصرف فيها ففي ولدها أولى، وهذا لأن (أمومية الولد) ~~حكم الفعل المخصوص على الخصوص والخلوص، فلا يحتمل أن تصير حكما لقول بطريق ~~الإنشاء بأن تقول: أنشأت فيك أمومية الولد. # (والثاني) - وهو الوجه الأول في الكتاب أنه جعل (إقرارا بحرية الولد) من ~~حين ملكه، فصار قوله: هذا ابني لأكبر سنا منه" إقرارا بعتقه من حين ملكه؛ ~~لان ما صرح به وهو البنوة سبب لحريته من حين ملكه، وهذا الطريق هو الأصح، ~~فقد قال في كتاب الإكراه: إذا أكره على أن يقول لعبده هذا ابني فأقدم عليه ~~لا يعتق عبده، والإطراه يمنع صحة الإقرار بالعتق لا صحة PageV02P829 # إنشاء العتق. # فعلم أن الأصح ما ذكرنا، فعلى هذا الطريق تصير أنه أم ولد له؛ لأن هذا ~~الحق يحتمل الإقرار فيثبت في حق الأم أيضا؛ لأن هذا الكلام سبب موجب هذا ~~الحق في الأم أيضا، فإذا جعل هذا الكلام مجازا عن الإقرار بالعتق عن حكم ~~حقيقة هذا الكلام جعل إقرارا أيضا بكون الأم أم ولد له؛ لأنه من حكم حقيقة ~~هذا الكلام أيضا، ووجوب الضمان في مسألة كتاب الدعوى بهذا الطريق أيضا، وهو ~~الإقرار بالحرية لا باعتبار إنشاء التحرير؛ لأنه لو قال: عتق علي من حين ~~ملكته يضمن لشريكه، فكذلك إذا قال: هذا ابني؛ لأن موجب هذا الكلام عتقه من ~~حين ملكه فلا ضرورة تدعونا إلى جعله تحريرا مبتدأ وهو إخبار. # وحاصله أن ما قاله أبو حنيفة- رحمه الله- في الأكبر سنا منه هذا ابني ~~يحتمل أن يكون ثبوت العتق في العبد بهذا اللفظ باعتبار أن اللفظ إقرار منه ~~بالعتق، أو بهذا اللفظ ينشيء العتق فيه ويحدثه من غير إقرار، وعلى تقدير ~~الإقرار بكون العبد حرا يكون إقرارا أيضا بأن أمه أم ولد له، وأمومية الولد ~~تثبت بطريق الإقرار، وهو معنى قوله: (لأنه ms308 يحتمل الإقرار) أي لأن كونها أم ~~ولد يحتمل الإقرار، ولكن لا تثبت أمومية الولد بطريق الإنشاء، وهو معنى ~~قوله: (وحق الأم لا يحتمل الوجود بابتداء تصرف المولى) وقوله: PageV02P830 # بابتداء تصرف المولى "احتراز عن تصرف المولى في أمومية الولد بطريق ~~الإقرار وهو صحيح؛ لأن ذلك ليس بتصرف في أمومية الولد ابتداء، بل هو إخبار ~~عن كونها أم الولد وهو صحيح، فتثبت به أمومية الولد. # (وقد تتعذر الحقيقة والمجاز معا إذا كان الحكم ممتنعا)؛ لأن الحكم إذا ~~كان ممتنعا بحقيقة اللفظ كان ممتنعا أيضا بالاستعارة عنها كما قلنا ذلك في ~~المحرم من النساء، فإن النكاح فيها كما لا يثبت بحقيقة لفظ النكاح فكذلك لا ~~يثبت باللفظ المستعار عنها، وهو لفظ البيع أو لفظ الهبة، ثم جعل النكاح ها ~~هنا مستعارا عنه مع أنه مستعار له في الحقيقة، كان كجعل وضع القدم مستعارا ~~عن الدخول في قوله: "قلنا وضع القدم صار مجازا عن الدخول"، مع أن الدخول ~~مستعار له لوضع القدم لما أن وضع القدم في الدار سبب للدخول فيها، كذلك ~~البيع أو الهبة سبب لملك المتعة الذي هو موجب النكاح، فكان في كل منهما ذكر ~~السبب وإرادة المسبب وهو جائز. # وقوله: (إذا استحال حكمه) وهو الحرية (ومعناه) وهو ثبوت النسب. PageV02P831 # وقيل: "حكمه" أي حكم الحقيقة وهو البنتية ها هنا، وحكمه" أي حكم المجاز ~~وهو الحرية لا يثبت ها هنا واحد منهما، وكذلك قلنا أيضا بعدم جواز الإجارة ~~بحقيقة لفظ الإجارة إذا أضيفت إلى المنافع، نقول أيضا بعدم جواز الإجارة ~~باللفظ المستعار عنها كلفظ البيع إذا أضيف إلى المنافع، لم يثبت الحقيقة ~~ولا المجاز؛ لعدم إضافة اللفظ إلى محلهما، وهذا لأن الاستعارة لإثبات حكم ~~الحقيقة في محل المجاز ليعمل عمله في محل الحقيقة كما قلنا في القياس ~~لإثبات حكم النص في الفرع، فإذا كان الحكم ممتنعا بالحقيقة لم تصح ~~الاستعارة؛ لأن مثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النص، ومن شرط صحة ~~القياس ثبوت الحكم في المنصوص عليه على وجه لا يتغير عند ms309 القياس، فإذا تغير ~~حكم النص بالقياس بطل القياس، فكذلك ها هنا إذا تعذر حكم الحقيقة بالمجاز ~~بطلت الاستعارة، وهو معنى قوله: (لأن التحريم الثابت بهذا الكلام لو صح ~~معناه مناف للملك فلم يصح حقا من حقوق الملك) وقوله: مناف للملك" أي لملك ~~النكاح أي الحرمة الثابتة بهذا الكلام لم تصلح حقا من حقوق الملك، وهذا لأن ~~حكم الحقيقة انتفاء المحلية والحرمة المؤبدة، فكان منافيا وجود النكاح فلم ~~يصلح أن يستعار هذا؛ لأنه لو استعير تغير حكم الحقيقة؛ لأن الحرمة الثابتة ~~بتفريق الزوج تعتمد صحة النكاح ووجوده، والحرمة الثابتة لحكم الحقيقة ~~منافية للنكاح، فيستحيل أن تثبت مرتبة على صحة النكاح، فتغير حكم الحقيقة، ~~بطلت الاستعارة وبطلت الحقيقة أيضا فلغا كلاهما. PageV02P832 # فإن قلت: إذا لم يثبت موجب حقيقة كلامه وهو البنتية باعتبار تكذيب القاضي ~~فلم لم يثبت لازمة تلك الحقيقة وهي الحرمة المؤبدة كما ثبت ذلك في قوله: ~~وهو أكبر سنا منه عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- فإنه لما لم يثبت موجب ~~حقيقة كلامه وهو النسب ثبت لازمه وهو الحرية، وكما قالوا جميعا في الأصغر ~~سنا منه إذا اشتهر نسبه من الغير، وقال له: هذا ابني، يعتق بالاتفاق ولم ~~يثبت نسبه باعتبار اشتهار نسبه من الغير ويثبت لازمه وهو الحرية؟ # قلت: لا وجه لذلك هاهنا؛ لأن في حكم الحرمة ها هنا بهذا الطريق إقرارا ~~بها على المرأة لا على نفسه؛ لأن ملك الحل واقع عليها، ولو أثبتنا لازم حكم ~~الإقرار ها هنا كان هو واقعا عليها؛ لأن العين هي التي يتصف بالحرمة، وهو ~~مكذب شرعا في إقراره على غيره، وهذا لأن المرأة حرة مالكة على نفسها، فلم ~~يصح إقرار الغير عليها بخلاف العبد، فإنه ليس بمستبد بنفسه وهو في حق الملك ~~بمنزلة سائر الجمادات المملوكة، والإقرار ببطلان الملك فيها إقرار على نفسه ~~فصح، ولأن الفرقة الصادرة من جانب الزوج إنما تثبت شرعا بالطلاق أو ~~بالمستعار عن الطلاق الذي يعمل عمل الطلاق، والطلاق يستدعي سابقة النكاح، ~~والبنتية مانعة للنكاح فكيف تكون البنتية موجبة للذي ms310 هو يثبت بالنكاح، وهو ~~الفرقة الصادرة من جانب الزوج شرع بناء على صحة النكاح؟ يوضحه أن المجاز ~~يقرر حكم الحقيقة فيما هو فيه، وحكم الحقيقة ها هنا انتفاء المحلية والحرمة ~~المصمتة الباتة التي لا تنكشف أصلا، ومثل هذه الحرمة لا تثبت PageV02P833 # في محل المجاز لو كان هو مجازا عن الطلاق، ولو كان هو مجازا عن الطلاق مع ~~ذلك كان فيه تغيير حكم الحقيقة في المجاز، والمجاز وضع للتغير في اللفظ لا ~~في الحكم. بخلاف قوله: هذا ابني، فإنه يعمل مثل عمله في محل حقيقته؛ لأن ~~عمله في الحقيقة عتقه من حين ملكه لا انتفاء الملك من الأصل، فكذا يعمل في ~~محل المجاز بالعتق من حين ملكه، فاتحد الحكم ولم يتغير، فلذلك صح ولم يلغ، ~~وقوله: فإن الحرمة لا تقع به أبدا عندنا" غير أنه إذا دام على هذا اللفظ ~~إنما يفرق القاضي بينهما لا باعتبار أن هذا اللفظ يوجب الحرمة، فإنه لو كان ~~يوجب الحرمة لكان لا يشترط الدوام كما في الرضاع وغيره من المحرمات، لكنه ~~لما دام على ذلك ولا يقربها وصار ظالما في حقها وصارت هي كالمعلقة لا ذات ~~بعل ولا مطلقة. فرق بينهما دفعا للظلم، ولأن الإمساك بالمعروف لما فات، ~~تعين التسريح بالإحسان. # فلم تصلح حقا من حقوق الملك" أي لم تصلح الحرمة الثابتة بهذا الكلام ~~الصادر من الزوج حقا من حقوق ملك النكاح كالطلاق، فلو جعل هذا الكلام مجازا ~~عن الطلاق لصار حقا من حقوق ملك النكاح. لما أن الطلاق يملك بالنكاح، فكذا ~~مجازه (وهو التجريم في الفصلين متعذر) أي الحرمة الثابتة بطريق المجاز عن ~~الطلاق متعذر في فصل معروفة النسب التي يولد مثلها لمثله وفي فصل المرأة ~~التي هي أكبر سنا منه. # (لأن الرجوع عنه صحيح) أي الرجوع عن الإقرار بالنسب صحيح. PageV02P834 # والدليل على صحته ما أشار إليه في الفرائض بقوله: ثم المقر له بالنسب على ~~الغير إذا مات المقر على إقراراه ففي تقييده بقوله: "إذا مات المفر على ~~إقراره" دليل على أنه إذا رجع ms311 عن إقراره بالنسب يصح رجوعه، ثم لما صح رجوعه ~~عن إقراره بالنسب في قوله لامرأته: هذه بنتي، وهي معروفة النسب عن الغير ~~عند تكذيب القاضي إياه، لم يبق الإقرار ولم تثبت به الحرمة في محل المجاز؛ ~~لأنه لا إقرار، إذ لو ثبتت الحرمة كانت ثابتة بناء على إقراره ولم يبق ~~الإقرار بالرجوع عنه فيما يحتمل الرجوع عنه، فكذلك ما بني عليه وهو الحرمة ~~لما أن هذا الإقرار بالنسب لم يصلح أن يقوم مقام الإقرار بالطلاق؛ لأنه لا ~~يصلح أن يكون حقا من حقوق ملك النكاح لما بينا. # وأما في قوله: هذا ابني" وإن كان مكذبا حقيقة إذا كان العبد أكبر سنا منه ~~أو شرعا فيما إذا كان صغيرا ونسبه مشهور من الغير، فهو قائم مقام قوله: ~~"عتق علي من حين ملكته" فكان هذا إقرارا منه بالعتق، والرجوع عن العتق لا ~~يصح، وإن كان يصح رجوعه من الإقرار بالنسب. # (وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- العمل بعموم المجاز أولى). # والدليل على جواز العمل بعموم المجاز ما ذكره في "الكشاف" في سورة PageV02P835 # النحل في قوله تعالى: {ولله يسجد ما في السموات {الآية. سأل نفسه بقوله: ~~إن سجود المكلفين على خلاف سجود غيرهم، فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ # ثم قال: قلت المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم ~~انقياده لإرادة الله تعالى، وأنها غير ممتنعة وكلا السجودين يجمعهما معنى ~~الانقياد فلم يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد، وهذا التخريج ~~يؤيد صحة القول بعموم المجاز في القرينة. # (وعندهما يقع على شرب ماء يجاور الفرات)، فلذلك يحنث عندهما إذا شرب من ~~الفرات بالكرع أو بالاغتراف بالإناء أو بيده؛ عملا بعموم PageV02P836 # المجاز كما في قوله: لا يضع قدمه في دار فلان. كذا في "شروح الجامع". # (وذلك لا ينقطع بالأواني؛ لأنها دون النهر في الإمساك) أي لأن الأواني ~~دون النهر في الإمساك، فلما كان كذلك من اغترف بالأواني من الفرات فشرب ~~منها كان حانث عندهما. # وأما إذا شرب من نهر منشبعة من الفرات فلا يحنث؛ لأن ms312 ماء الفرات ينقطع من ~~الفرات بالنهر دون الأواني، وفي "نظم الجامع". # ولم يحنث بشرب من سري ... وذلك كان ينشعب الفراتا # وهذا لأن ماء الفرات إذا جرى في نهر آخر يضاف فعل الشرب إلى ذلك النهر؛ ~~لأن الشرب من الفرات إنما يكون إذا كان الفرات ظرفا للماء الجاري، وهذا ~~الماء جار في نهر لا يسمى فراتا، وإنما قيد في صورة المسألة بقوله: إذا حلف ~~لا يشرب من الفرات"؛ لأنه إذا حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ ~~الماء من الفرات كرعا أو في إناء، حنث في يمينه في قولهم جميعا؛ لأنه عقد ~~يمينه ها هنا على ماء الفرات، وهذا الماء ماء الفرات وإن تحول إلى نهر آخر ~~بخلاف الأول، فإنه هناك عقد اليمين على المحل وهو الفرات، والله أعلم. PageV02P837 ### || AUTO باب جملة ما تترك به الحقيقة # لما ذكر الحقيقة والمجاز، والحال أن الحقيقة قد تترك في مواضع مع أصالتها ~~في الكلام- لم يكن بد من ذكر المعاني الموجبة للترك، فذكرها في هذا الباب. # (وهي خمسة) فوجه الحصر على هذه الخمسة هو: أن الموجب إما أن يكون أمرا ~~عاما أو خاصا، فإن كان عاما فهو دلالة الاستعمال والعادة، وإن كان خاصا فلا ~~يخلو إما أن كان في المفرد أو في المركب، فإن كان في المفرد فهو دلالة ~~اللفظ في نفسه، وإن كان في المركب فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى ~~الكلام أم لا، فإن كان فهو دلالة سياق النظم، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن ~~كان لمعنى راجع إلى المتكلم أو إلى غيره، فالأول هو دلالة ترجع إلى ~~المتكلم، والثاني هو دلالة في محل الكلام. # قوله: (وهو خمسة) أي ما تترك به من الدلائل التي تدل على ترك الحقيقة ~~خمسة أنواع، ثم الفرق بين الاستعمال والعادة، أن العادة: هي مشتقة من ~~العود، فتدل هي على التكرار في الفعل بخلاف الاستعمال فإنه PageV02P838 # لا يدل على التكرار في الفعل. # (وكذلك نظائرها من العمرة)، فإن العمرة في اللغة: عبارة عن ms313 الزيارة يقال: ~~اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وفي الشرع: عبارة عن زيارة مخصوصة، وهي زيارة ~~البيت والسعي بين الصفا والمروة مع الإحرام. # وقوله: (أو المشي إلى بيت الله) فإنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله؛ في ~~القياس لم يلزمه شيء؛ لأنه إنما يجب بالنذر ما يكون من جنسه إيجاب شرعا، ~~والمشي إلى بيت الله ليس بواجب شرع، ولأنه لا يلزمه عين PageV02P839 # ما التزم وهو المشي، فلأن لا يلزمه شيء آخر- وهو الحج أو العمرة- أولى، ~~وفي الاستحسان يلزمه حجة أو عمرة. هكذا روي عن علي- رضي الله عنه- ولأن في ~~عرف الناس يذكر هذا اللفظ بمعنى التزام الحج أو العمرة، وفي النذور ~~والإيمان يعتبر العرف، فجعلنا هذا عبارة عن التزام حجة أو عمرة مجازا وهو ~~مخير بينهما؛ لأنهما النسكان المتعلقان بالبيت لا يتوسل إلى أدائهما إلا ~~بالإحرام وبالذهاب إلى ذلك الموضع، ثم يتخير إن شاء مشى وإن شاء ركب وأراق دما. # (أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة،) فضرب الثوب على حطيم الكعبة في العرف ~~عبارة عن إهداء الثوب إلى مكة. # قال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله. لو قال: لله علي أن أضرب بثوبي حطيم ~~الكعبة- يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفا، واللفظ حقيقة لغير ذلك، ~~ومثاله كثير. # ومن ذلك المثال ما لو قال: لله علي أن أذبح الهدي في الحرم يجب عليه ذبح ~~الهدي بالحرم. # ومن ذلك أيضا ما لو قال: أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي أو أضحي PageV02P840 # بولدي - يلزمه ذبح شاة في قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- استحسانا. # وقوله: (علي حسب ما اختلفوا)، فإن عند أبي حنيفة رحمه الله- في قول ~~الحالف لا يشتري رأسا يقع على رأس البقر والغنم، وعندهما يقع على رأس الغنم خاصة. # (وكل عام سقط بعضه كان شبيها بالمجاز) هذا جواب إشكال يرد على قوله: ~~وقالوا فيمن لا يأكل رأسا: "إنه يقع على المتعارف". PageV02P841 # وكذلك في قوله: لا يأكل بيضا أنه يختص ببيض الإوز والدجاج إلى آخره، فإنه ~~لما أورد هذه الأشياء مثالا للكلام الذي ترك حقيقته بدلالة الاستعمال ~~والعادة. # قيل ms314 له: كيف يكون هذا الذي ذكرته من قبيل ترك الحقيقة في الكلام، فإن ~~حقيقته مرادة، فإن رأس الغنم مثلا رأس حقيقة، فإنه يحنث بأكله في يمينه: لا ~~يأكل رأسا بالاتفاق، وكذلك بيض الإوز والدجاج بيض حقيقة، وقد أراد هو في ~~يمينه لا يأكل بيضا، فكيف يكون هذه الصور من قبيل ترك الحقيقة؟ # فأجاب عنه بهذا وقال: نعم كذلك. إلا أن هذا يشبه المجاز من حيث إن حقيقة ~~العموم هي أن يراد عمومه فلما لم يجر العموم على عمومه تركت حقيقته وكان ~~مجازا، ولما أريد بعض تلك الحقيقة كان حقيقة، فلذلك قلنا: هو حقيقة تشبه ~~المجاز، فحقيقة من حيث إنه أريد به بعض ما تكلم في موضعه الأصلي، ومجاز من ~~حيث أنه تركت حقيقة العموم؛ إذ إجراء العام على عمومه حقيقة. # (وهو لحم في الحقيقة)، ولهذا لا يصح نفي اللحمية عن لحم السمك؛ لأن اللحم ~~يتكامل بالدم؛ لأن ما يشتق من اللحم يدل على القوة والشدة، PageV02P842 # ومنه قولهم: التحمت الحرب إذا اشتدت، والملحمة الوقعة العظيمة بالفتنة ~~وفيها شدة وإظهار قوة، وإنما تحصل القوة للحم من الدم ولما كان كذلك لم يكن ~~لحم السمك لحما كاملا؛ لأنه لا دم له. # (فخرج عن مطلقه) أي عن مطلق اللحم، بدلالة اللفظ أي لفظ اللحم وهو ما ذكرنا. # (وكذلك قول الرجل: كل مملوك لي حر لا يتناول المكاتب)؛ لأن المكاتب قاصر ~~في المملوكية؛ لأنه غير مملوك يدا وإن كان مملوكا ذاتا، فلذلك لم يتناوله ~~مطلق اللفظ حتى لو نوى دخل. # وكذلك قوله: (امرأته طالق لم يتناول المبتوتة)، لقصور معنى اللفظ؛ لأن ~~النكاح لم يبق لكنه بقي بعض أحكامه، فصار قاصرا فلم يتناوله مطلق اللفظ حتى ~~لو نوى دخلت هي أيضا. # (وللمخصوص شبه بالمجاز)؛ لأن الحقيقة في العام أن يجري على عمومه PageV02P843 # وكونه مخصوصا مجاز له؛ لأن العام لا يكون مخصوصا إلا بدلالة دلت عليه. # (ومن هذا القسم ما ينعكس) يعني في الفصل الأول اللفظ كامل لا يقع على ~~الناقص وههنا عكس ذلك، فإن اللفظ ناقص ms315 لا يقع على الكامل كالفاكهة هي اسم ~~للتابع فلا تتناول ما هو أصل من وجه وهو الأشياء الثلاثة وهي: الرطب ~~والرمان والعنب. # (وإذا كان كذلك كان فيها) أي في هذه الأشياء الثلاثة. (والاسم ناقص) أي ~~اسم الفاكهة ناقص (مقيد في المعنى) أي مقيد بنقصانه في المعنى. # (وكذلك طريقه) أي طريق أبي حنيفة- رضي الله عنه- في عدم تناول PageV02P844 # الأدنى للأعلى، وإنما صرف الضمير إليه؛ لأنه تقدم ذكره قبل هذا. # وكذلك صرح شمس الأئمة - رحمه الله- فقال: وكذلك لو حلف لا يأكل إداما. ~~عند أبي حنيفة- رحمه الله- لا يتناول ما يتأتى أكله مقصودا؛ لأنه اسم ~~للتابع. # (كما في المسألة الأولى) أي في مسألة الفاكهة، فكان فيه رد المحلف إلى ~~المحلف. # (وحمل على الإنكار والتوبيخ مجازا) من حيث إن الأمر والتخيير ضد الإنكار ~~والتوبيخ، فجاز ذكر أحد الضدين وإرادة الآخر لملازمة بينهما في المعاقبة، ~~لما أن الأمر والتخيير شرع للمأمور به والذي خير فيه وفتح PageV02P845 # لهما، والإنكار والتوبيخ للإذهاب له والإعدام، فكان بينهما ملازمة من حيث ~~التضاد، أو يلزم عند ترك المأمور به ما يوجب الإنكار والتوبيخ، فكان الذي ~~يوجب الإنكار بمنزلة موجب موجب المأمور به، فيجوز إرادته عند دلالة الدليل ~~عليه حمل على إمكان الأمر وإقداره عليه مجازا؛ لأن الأمر الموجب يقتضي ~~إمكان الفعل من المكلف وإقداره عليه؛ لأن تكليف ما ليس في الوسع غير مشروع، ~~فاستعير الأمر للأقدار فيكون ذكر السبب وإرادة المسبب، والمراد بالقدرة هنا ~~القدرة الظاهرة وهي سلامة الآلات والأسباب. # فإن قلت: ما الفرق بين قوله تعالى:} واستفزز من استطعت {هذه صيغة أمر ~~بالمعصية والكفر، وكذلك قوله تعالى:} فليكفر {صيغة أمر PageV02P846 # بالكفر. فكيف جعل الأول من قبيل ترك الحقيقة بدلالة من قبل المتكلم وجعل ~~الثاني من قبيل ترك الحقيقة بدلالة سياق النظم؟ # قلت: كل ما كان ترك الحقيقة فيه من قبل المتكلم لم يذكر فيه سياق يدل على ~~ترك الحقيقة، وكل ما كان ترك الحقيقة فيه بسياق النظم كان في سياقه لا ~~محالة شيء مذكور يدل على ترك الحقيقة في الأول وإن ms316 اتفق هذان الموضعان في ~~وصف واحد. # ألا ترى أن من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى حيث تركت حقيقة العموم بدلالة ~~من قبل المتكلم لا بدلالة في السياق؛ لأنه لا سياق له. # وأما في قوله: (أنت آمن ستعلم ما تلقى) "كيف ألحق به ما هو الدال في ~~سياقه على نفي حقيقة الأمان، وكذلك في قوله:} فليكفر {كيف ألحق في السياق ~~به ما يدل على ترك حقيقة الأمر وهو قوله:} إنا أعتدنا للظالمين {وإن كان ~~يعلم ذلك أيضا من قبل المتكلم، ولكن المنظور إليه السياق بخلاف قوله} ~~واستفزز {لأنه ليس في السياق دليل على ترك حقيقة الأمر بل الدليل فيه من ~~قبل المتكلم. # (فحلف لا يتغدى أنه يتعلق به) حتى إنه بعد الحلف لو رجع إلى بيته PageV02P847 # وتغدى لم يحنث، لأن المتكلم دعاه إلى الغداء الذي بين يديه، وقد أخرج ~~المجيب كلامه مخرج الجواب، ولما تقيد الخطاب بالمعلوم من إرادة المتكلم ~~يتقيد الجواب به أيضا. # فحاصله أن المخرج عنا عن العموم صفة كونه مجيبا؛ إذ الجواب يقتضي إعادة ~~ما في السؤال يقع على الفور ولم يقدر في الكتاب وقت الفور إلى أي وقت يكون. # وقال شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه": س لو قامت امرأة لتخرج ~~فقال لها: إن خرجت فأنت طالق، فرجعت ثم خرجت بعد ذلك اليوم لم تطلق، ولم ~~يذكر وقته في "المبسوط" بل قال: ونوع من اليمين مؤبد لفظا مؤقت معنى كيمين الفور. # وفي "الهداية" إشارة إلى أن ما يقطع الفور فهو كاف وإن قل في نفي PageV02P848 # العموم حيث قال: ولو أرادت المرأة الخروج فقال: إن خرجت فأنت طالق فجلست ~~ثم خرجت لم يحنث. # (ومثاله كثير) ومن ذلك المثال ما لو قالت له زوجته: إنك تغتسل في هذه ~~الدار الليلة من الجنابة فقال: إن اغتسلت فعبدي حر، ثم اغتسل في غير تلك ~~الليلة أو في تلك الليلة من غير الجنابة لم يحنث. # } وما يستوي الأعمى والبصير {حقيقة هذا الكلام لعموم نفي الاستواء بينهما ~~من جميع الوجوه؛ لأن الفعل المستقبل ms317 يقتضي مصدرا منكرا. # أما مصدرا فلأن الفعل مركب من الزمان والمصدر، فكان ذكر الفعل ذكرا ~~للمصدر، وأما المنكر فلأنه هو الأصل، إذ المعرف إنما يكون بأحد الأشياء ~~الخمسة على ما وصلناها في "الموصل" فكان التعريف عارضا والأصل عدم العارض، ~~والموضع موضع النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، والعمل بعموم نفي المساواة ~~بينهما من كل الوجوه متعذر لقيام المساواة بينهما في أشياء كثيرة من الوجود ~~والإنسانية والرجولية والتكليف وغيرها، (فوجب الاقتصار) نفي المساواة ~~بينهما. PageV02P849 # على ما دل عليه صيغة الكلام (وهي التغاير في) عمى القلب وبصره؛ إذ صرف ~~نفي المساواة إلى الأمر المعلوم في ذهن كل أحد غير مستحسن لعدم احتياجه إلى ~~البيان. # وكذلك في قوله تعالى:} لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة {على هذا ~~الطريق؛ لأن صيغة العموم إذا أضيفت إلى محل لا يقبل العموم يراد به أخص ~~الخصوص الذي دل عليه الكلام، وهو في الفوز ها هنا وعدمه بدلالة قوله ~~تعالى:} أصحاب الجنة هم الفائزون {. # فإن قلت: على هذا التقرير الذي ذكرته كان هذا من قبيل ما تركت حقيقة ~~الكلام بدلالة سياق النظم لا من قبيل ما تركت حقيقته بدلالة محل الكلام. # قلت: لا؛ بل هذا من قبيل الكلام الذي تركت حقيقته بمحل الكلام، وهذا لأنه ~~لما قيل:} وما يستوي الأعمى والبصير {علم أن هذه صيغة العموم، ولم يرد ~~حقيقة العموم بدلالة محل الكلام؛ لأن هذا المحل لا يقبل PageV02P850 # ذلك العموم؛ لأن المساواة بينهما ثابتة في وجوه كثيرة على ما ذكرنا. # فعلم بموجود المساواة بينهما في وجوه كثيرة أنه لم يرد به حقيقة العموم ~~في نفي المساواة، وإنما نشأ ذلك من محل الكلام، ثم لما انتفى إجراء العام ~~على عمومه بدلالة محل الكلام لم يكن بد من صرفه إلى الخاص الذي دل عليه ~~سياق النظم إن كان في سياقه عليه دلالة، وقد وجدت الدلالة على أخص الخصوص ~~في سياق الكلام في قوله تعالى:} لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة هم الفائزون {، وهذا بخلاف ما إذا تركت حقيقته ms318 بدلالة سياق النظم، ~~فإن في قوله: أنت آمن. كانت حقيقته هي ثبوت الأمان وهو ممكن الحمل على ~~حقيقته لكن لما قرنه بقوله بعد ذلك:"ستعلم ما تلقى" تركت حقيقة الأمان بهذه ~~الدلالة، # وأما فيما نحن فيه لم يمكن العمل بحقيقة العموم قبل الرجوع إلى سياقه، ~~فإن هذا عام عندنا حتى يقتل المسلم بالذمي، ويضمن المسلم إذا أتلف خمر ~~الذمي أو خنزيره. # (قول النبي عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيات") وحقيقته متروكة، فإن ~~العمل يوجد كثيرا بدون النية، ومعناه: اعتبار الأعمال بالنيات، وتتمة ~~الحديث دليل عليه. PageV02P851 # وكذلك قوله تعالى: {إن سعيكم لشتى {فإن إعطاء المال للطاعة أو للمعصية من ~~حيث إنه إعطاء لا يتفاوت ذلك، إنما يتفاوت من حيث النية وصار ذكر الخطأ ~~والعمل مجازا عن حكمه وموجبه، فصار كأنه قال: حكم الأعمال، وحكم الخطأ. # (وحكمه: نوعان مختلفان) على ما قرر في الكتاب. فصار مشتركا. # فإن قيل: ينتقض هذا باسم الشيء فإنه يقع أيضا على السواد والبياض والحركة ~~والسكون وفي الأعيان على الحيوان وغير الحيوان، وغير ذلك من الأسماء ~~المختلفة والمتضادة، فهو عام ليس باسم مشترك، فيجب أن يكون الحكم كذلك وإن ~~كان يقع على الجواز والفساد والثواب والمأثم بأن يكون عاما لا مشتركا- ~~قلنا: لا كذلك، بل هذا- أعني الحكم- من قبيل العين للينبوع والشمس والباصرة ~~والمولى والقرء وغيرها لا من قبيل الشيء؛ لأن الشيء إنما بتناول السواد ~~والبياض لا باعتبار السواد والبياض بل باعتبار الموجود، فالسواد والبياض ~~معنى وراء الشيئية لم يوضع الشيء للسواد والبياض وغيرهما باعتبار ذلك ~~المعنى بل باعتبار معنى الوجود، فلم يكن معنى السواد PageV02P852 # والبياض مقصودا في الشيئية بل المقصود هو الوجود فيها. # وأما الحكم فإنه يتناول الجواز والفساد والثواب والمأثم قصدا؛ لأن هذه ~~الأحكام شرعية مقصودة كالعين للينبوع والشمس وغيرهما، فلذلك كان الحكم ~~مشتركا. # قال الشيخ أبو المعين- رحمه الله - في "تبصرة الأدلة" في مسألة خلق ~~الأفعال في جواب شبهة المعتزلة في قوله تعالى:} خالق كل شيء {وهي أنه لم ~~يبق عاما حيث خص منها ذات الله تعالى. # قال في جواب هذا: ms319 إن الشيء مشترك. # وأما إذا أريد به المحدثات كان عاما؛ لأن الكل بمعنى واحد وهو معنى ~~الوجود، # وأما إذا أريد به ذات الله تعالى لم يكن بطريق العموم؛ لأن المعنى مختلف؛ ~~لأنه شيء قديم وواجب الوجود لذاته لا يشبه شيئا من المخلوقات، فيكون ~~الاختلاف بينه وبين خلقه أكثر اختلافا لين الينبوع والشمس والباصرة في حق ~~العين؛ لأنها تشابه بوجوه كثيرة ومع ذلك كان اسم الشيء مشتركا في أنواعه، ~~فاسم الشيء أولى أن لا يكون مشتركا بين الله وبين خلقه، فكانت لفظة الشيء ~~إذا أريد بها القديم لا يجوز دخول المحدث تحتها وإذا أريد بها PageV02P853 # المحدث يمتنع دخول القديم تحتها كما في الأسماء المشتركة، وعن هذا قلنا: ~~إن الشيء ليس باسم جنس، والله تعالى- وإن أطلقت عليه لفظة الشيء - ليس من ~~جنس العالم، ولو كانت لفظة الشيء عامة في القديم والمحدث لكانت اسم جنس لما ~~تحتها، وكان القديم نوعا منه والمحدث نوعا آخر، فيختلفان نوعا ويستويان ~~جنسا، والقول بإثبات المجانسة بين القدم والمحدث كفر. # (ألا ترى أن الجواز والفساد يتعلق بركنه وشرطه) يعني أن الجواز يتعلق ~~بوجود الركن، والشرط والفساد يتعلق بعدمهما، (والثواب يتعلق بصحة العزيمة) ~~وإخلاص النية، والمأثم يتعلق بعدمهما، وإذا كان المتعلق بهما مختلفا كان ~~المتعلق أيضا مختلفا، وإيضاح الاختلاف بينهما بوجه آخر أيضا وهو: إن الجواز ~~والفساد حكمان دنيويان، والثواب والمأثم حكمان عقبويان، فلا تبنى أحكام ~~الدنيا على أحكام الآخرة ولا على العكس، ولما ثبت الاختلاف بينهما لم ~~ينتظمهما لفظ واحد لا محال. # (وإذا صارا مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازا مشتركا)، فحكم المشترك ~~التوقف (حتى يقوم الدليل على أحد الوجهين)، فبعد ذلك (يصير PageV02P854 # مؤولا)، وهو لم يصح حجة على الخصم أيضا كما يحتج الشافعي علينا في الوضوء ~~غير المنوي، وكما يحتج علينا في عدم فساد الصوم في الإكراه والخطأ، فلا يصح ~~احتجاجه لما ذكرنا. يقرره أن في فصل الإكراه والخطأ الإثم مرفوع، فلا يبقى ~~الآخر مرادا وهو الجواز لما أن المشترك لا عموم له، فحصل من هذا أنه ms320 لا يصح ~~الاحتجاج به على الخصم لا قبل التأويل؛ لأنه مشترك فلا يصح الاحتجاج ~~بالمشترك، ولا بعد التأويل؛ لأن تأويله لا يكون حجة على خصمه، فلا يصح ~~احتجاجه لما ذكرنا. # (وكذلك حكم المأثم على هذا) يعني الحكم الذي هو مأثم متعلق بصحة العزيمة ~~أي عزيمة الفساد، حتى إن من جرى على لسانه شيء من كلام الناس من غير قصده ~~في صلاته تفسد صلاته ولا إثم عليه، فلا يصح الاحتجاج به للخصم علينا في عدم ~~الفساد. # (ومن الناس من ظن أن التحريم المضاف إلى الأعيان مثل الخمر والمحارم ~~مجاز). PageV02P855 # ذكر ذلك الناس الظانين شمس الأئمة - رحمه الله- بأنهم العراقيون من ~~مشايخنا، وإنما ظنوا ذلك؛ لأن التحريم تكليف والتكليف يقع في الأفعال؛ لأن ~~التحريم والنهي واحد؛ لأن كليهما منع، والعبد إنما يكون ممنوعا عن تحصيل ما ~~هو مقدور له لا ما هو غير مقدور له، والفعل مقدور للعبد؛ لأنه يمتنع عن ~~الفعل ويقدم عليه وينهي عن تحصيل الفعل ويؤمر بأن يمتنع عنه، # فأما العين فغير مقدور للعبد حيث لا يمكن له إيجاده ولا إعدامه بالكلية؛ ~~بل له قدرة النقل من محل إلى محل وذلك ليس بإيجاد ولا إعدام من كل وجه، ~~ولما كان كذلك كان معنى قوله تعالى:} حرمت عليكم أمهاتكم {وقوله عليه ~~السلام:"حرمت الخمر لعينها"أي حرم نكاح أمهاتكم وحرم شربها، فلذلك ~~قالوا:"كان وصف العين بالحرمة مجازا". PageV02P856 # ولكنا نقول: بأن التحريم متى أضيف إلى المحل كان ذلك أمارة لزومه وتحققه، ~~وهذا ينفي كونه مجازا لما أن اسم المجاز غير لازم لمحل المجاز، ولهذا صح نفيه. # أما بيان أمارة لزومه أن العين يبقي فيبقى التحريم ما بقي العين. # فأما إذا كانت الحرمة مضافة إلى الفعل، والفعل مما لا يبقى حينئذ يبقى ~~العين مطلقا غير محرم حين انعدم الفعل أو اتصف الفعل بالحل كما في أكل مال ~~الغير ينقلب إلى الحل بالإذن. # ومن المشايخ من قال: هذه المسألة بناء على مسألة خلق الأفعال، فإن عندنا ~~جميع الأفعال الاختيارية للحيوانات مخلوقة لله تعالى، وعند المعتزلة لا. ms321 ~~لما أن في أفعال العباد ما هو قبيح وشر، ثم لو قلنا بأن الله تعالى يخلق ~~الأفعال القبيحة كان نسبة القبح إلى الله تعالى وهو لا يجوز. # قلنا: هذا التعليل يبطل بخلق الله تعالى الأعيان القبيحة، فإن الله تعالى ~~خلق الأعيان القبيحة ولم يلزم من ذلك نسبة القبح إلى الله تعالى، فاضطرت ~~المعتزلة في التفصى عن هذا النقض إلى أن يقول: لا قبح في الأعيان PageV02P857 # البتة، وقد ارتكبوا هذا المحال بناء على أصولهم الفاسدة لئلا ينتقض عليهم ~~أصولهم، وقد خرقوا فيه الإجماع لما أن العقلاء أجمعوا على تقسيم الأعيان ~~إلى حسن وقبيح. # وقال محمد - رحمه الله- وهو موثوق به في اللغة: رجل اشترى جارية فوجدها ~~قبيحة ولم ينكر أحد عليه لقوله: هذا وهم لم يبالوا بخرق الإجماع في هذا، ~~فلذلك قالوا: إن التحريم إذا أضيف إلى عين يكون مجازا؛ لأن التحريم يقتضي ~~قبح المحرم كالأمر يقتضي حسن المأمور به ولا قبح في العين عندهم، فكان ~~التحريم مضافا إلى حقيقة الفعل الذي هو قبيح، وعندنا لما جاز أن يكون في ~~الأعيان قبح جاز أن يكون العين محرما لكونه قبيحا؛ لأن المنع نوعان: منع ~~الشيء عن العبد، ومنع العبد عن الشيء، فعلى الأولى كان بمنزلة النسخ، وعلى ~~الثاني كان بمنزلة النهي؛ لأن الحكم في الأول امتناع فعل العبد بناء على ~~كون المحل ممنوعا عنه كما قلنا في النسخ، وذلك في تحريم العين حتى لم يبق ~~محلا للتصرف الشرعي أصلا كالخمر لم يبق محلا للشرب أصلا، وكالأم لم تبق ~~محلا للنكاح أصلا بل كانت هي بمنزلة الصخر في حق انفعال النكاح في حقها، ~~كما أن الصخر لا ينفعل النكاح فيه، فكذلك الأم لا ينفعل PageV02P858 # نكاح الابن فيها لما أن الفعل يمتنع بناء على عدم المحل، كفعل الصوم ~~ينعدم في الليل بناء على عدم المحل، فيكون الفعل تابعا من هذا الوجه والمحل أصلا. # وأما إذا منع عن الفعل مع أن المحل لم يكن محرما لعينه كان الفعل أصلا في ~~المنع والمحل تابعا، فمن قال بأن ms322 التحريم المضاف إلى العين مضاف إلى الفعل ~~حقيقة فقد جعل ما هو أصل وهو العين فرعا، وما هو فرع وهو الفعل أصلا. # وهو معنى قوله: (وهو غلط فاحش)، وإنما أورد هذا الكلام هنا؛ لأن الحرمة ~~هنا على ظن ذلك البعض من الناس إنما ثبتت بدلالة محل الكلام، فلذلك امتنع ~~ثبوت حكم العموم في قوله تعالى:} حرمت عليكم الميتة والدم {حتى جازت دباغة ~~جلده، وكذلك في قوله تعالى:} حرمت عليكم أمهاتكم {لم يحرم النظر والمس، فلم ~~يكن حراما لعين المحل، وكذلك في قوله عليه السلام: "حرمت الخمر لعينها" جاز ~~اقترابها وإمساكها للتخليل، فما تركت حقيقة العموم هنا من قبل دلالة محل ~~الكلام كان إيراده هنا أوفق. # وقوله: ويصير الفعل تابعا من هذا الوجه، يعني من ضرورة تبديل المحل من ~~الحل إلى الحرمة يتبدل الفعل أيضا من الحل إلى الحرمة، والنسخ إنما يجري PageV02P859 # في حق الأفعال، فلذلك قيل قيم المحل مقام الفعل حيث جعل الفعل أصلا، ولكن ~~إنما ينشأ اشتداد الحرمة في الفعل إذا كانت الحرمة مضافة إلى المحل، وفي ~~بيان غلظ الحرمة كانت إضافة الحرمة إلى المحل هي الأصل، فلذلك نسب التجريم ~~إليه ليفيد هذا البيان، وعلى قود ظن بعض الناس كانت إضافة التحريم إلى ~~العين وإلى الفعل سواء في أن الفعل في أصله لم يكن حراما لعينه، (وهو غلظ ~~فاحش)، والله أعلم. PageV02P860 ### || AUTO باب حروف المعاني # هذه الإضافة إضافة بمعنى اللام أي الحروف التي تأتي للمعني كالترتيب ~~والتراخي وغير ذلك، وكان هذا احترازا عن الحروف التي ليست لها معان كالجيم، ~~والحاء، والخاء، وغيرها، ذكر وجه المناسبة في الكتاب فإنه ما من حرف من ~~حروف المعاني ها هنا إلا له حقيقة ومجاز، فلاق إيرادها عقيب باب الحقيقة ~~والمجاز، ثم وجه تقديم حروف العطف على غيرها وتقديم حرف الواو من بينها على ~~غيرها مذكور في "الوافي". PageV02P861 # [الواو] # (وقوله تعالى:} إن الصفا والمروة من شعائر الله {ورود هذا النص لإثباتهما ~~من الشعائر، فلا يتصور فيه الترتيب، وصار الترتيب واجبا بفعل النبي عليه ~~السلام ms323 لا بمقتضى الواو. PageV02P862 # وترتب السجود على الركوع لكون الركوع وسيلة إلى السجود، حتى إن من سقط ~~عنه السجود سقط عنه الركوع، ولا يجوز تقدم الأصل على الوسيلة، فاعتبر هذا ~~بالصلاة مع الوضوء لا لأن الواو يوجب الترتيب مع أن ذلك معارض بقوله ~~تعالى:} واسجدي واركعي {، ولم يقل أحد بترتيب الركوع على السجود، فلو كان ~~الواو للترتيب لقيل ذلك أيضا. # (وهذا حكم لا يعرف إلا باستقراء كلام العرب) فيه علامة الفصل، إذ منه ~~ابتداء كلامنا، فكأنه قال: قلنا إن هذا حكم ... إلى آخره. # (وكلاهما حجة عليه) أي الاستقراء والتأمل حجة على بعض أصحاب الشافعي. # (فيفهم به اجتماعهما في المجئ من غير تعرض للقران والترتيب في المجئ) حتى ~~إنه يكون صادقا في كلامه أن لو جاء عمر وقبل زيد وعلى PageV02P863 # العكس أو جاءا معا. # لا تنه عن خلق وتأتي مثله. # فلو أتى بالمثل قبل النهي عار أيضا، # فعلم أن الواو ليس للترتيب، والمعنى: لا تجمع بين النهي والإتيان بالمثل. # وأما الثاني وهو التأمل في موضوع كلام العرب. PageV02P864 # (أو عذر دعا إليه) وهو معنى الإبهام والإجمال، ومعنى عذر معنى إذا أريد ~~من الواضع الله تعالى. # (فلو كان الواو للترتيب لتكررت دلالة الترتيب وليس ذلك بأصل). # فإن قيل: لم يلزم تكرار الدلالة مع سائر الحروف؛ لأن الفاء للترتيب مع ~~الوصل، وثم للترتيب مع التراخي، فلو وضعت الواو لمطلق الترتيب من غير تعرض ~~للترتيب مع الوصل أو التراخي لم يتكرر بهما. # قلنا: إن لم يتكرر معهما يتكرر مع "بعد" إذ هو موضوع لمطلق الترتيب، فصح ~~قوله: "لتكررت الدلالة" وأورد على شيخي- رحمه الله- قوله تعالى} والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات {فإن اعتبار العمل الصالح إنما يكون بعد تقديم ~~الإيمان عليه، فكان العمل الصالح مرتبا على الإيمان لا محالة، # فعلم أن الواو للترتيب. PageV02P865 # قال - رضي الله عنه وأثابه الجنة- ترتب العمل الصالح على الإيمان لم يعلم ~~باعتبار الواو، بل علن بآية أخرى وهي قوله تعالى:} فمن يعمل من الصالحات ~~وهو مؤمن فلا كفران لسعيه {، جعل الإيمان شرطا للعمل الصالح، والشرط ms324 مقدم ~~على المشروط أبدا، فلذلك ثبت ترتب العمل الصالح على الإيمان لا باعتبار الواو. # (ثم انشعبت الفروع إلى سائر المعاني) يعني الفاء للتعقيب وثم للتراخي ~~وغيرهما، وهو كالإنسان أنه لا يتعرض للذكر والأنثى (ثم وضعت لأنواعها أسماء ~~على الخصوص)، وكالتمر؛ إنه جنس وله أنواع مثل: العجوة واللينة والبرلي ~~والصيحاني، وكالبعير جنس وله أنواع فإن البعير بمنزلة الإنسان، والجمل ~~كالرجل، والناقة كالمرأة، والقلوص كالجارية. # (وصارت الواو فيما قلنا نظير اسم الرقبة في كونه مطلقا غير عام ولا مجمل) ~~يعني به إن كلمة الواو وضعت لمطلق العطف كما أن الرقبة وضعت PageV02P866 # لمطلق الرقبة التي هي عبارة عن البنية السليمة، المطلق متعرض للذات دون ~~الصفات، فيتناول فردا من الأفراد غير عين فلم يكن عاما؛ لأن العام ما له ~~أفراد، والمطلق يمكن العمل به من غير توقف واستفسار، فلم يكن مجملا؛ لأن ~~المجمل لا يمكن العمل به من غير استفسار من المجمل وبيانه، بل كان مطلقا ~~كرقبة ورجل وامرأة وغيرها. # (فقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- موجبه الافتراق) يعني أن الواو للعطف، ~~وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما علقه، وهو علق الثانية بالشرط بواسطة ~~الأولى، فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة، فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة، ~~والثانية بواسطة الأولى، بمنزلة القنديل المعلق بالحبل بواسطة الحلق، ثم ~~عند وجود الشرط ينزل ما يعلق، فينزل كما تعلق، ولكن PageV02P867 # هما يقولان: هذا أن لو كان المتعلق بالشرط طلاقا وليس كذلك، بل المتعلق ~~ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط إذا وصل إلى المحل، فإنه لا يكون طلاقا بدون ~~الوصول إلى المحل. # (كما إذا حصل التعليق بشروط يتخللها أزمنة كثيرة) يعني لو قال لامرأته: ~~أنت طالق إن دخلت الدار، ثم بعد ذلك اليوم أو أيام قال: أنت طالق إن كلمت ~~زيدا، ثم بعد ذلك بأزمنة قال: أنت طالق إن شتمت عمرا، فوجد الشروط تطلق ~~ثلاثا وإن وجد الترتيب عند التعليق، وكذلك إن علق في كل مرة بدخول الدار، ~~وكذلك إن قدم الشرط. # (فلا يترك المطلق بالمقيد)، فالمقيد كون موجب هذا الكلام الاجتماع ms325 ~~والاتحاد، والمطلق هو كون الواو محتملا للوجوه المختلفة من الترتيب والجمع. ~~أي لا يترك موجب هذا الكلام الذي يوجب الاجتماع لما قررنا بالواو المطلق ~~الذي لا يتعرض للتفرق والترتيب. # (وإذا تقدمت الأجزية) فقال قبل الدخول بها: PageV02P868 # (أنت طالق وطالق وطالق) إن دخلت الدار، فدخلت طلقت ثلاثا بالاتفاق؛ لأن ~~موجب هذا الكلام الاتحاد والاجتماع؛ لأن في آخر كلامه ما يغير أوله، فتتوقف ~~الجملة الأولى فيتعلق. بخلاف ما إذا تأخرت الأجزية؛ لأنه ليس في آخر كلامه ~~ما يغير أوله، فيتعلق الأول بالشرط قبل التكلم بالثاني والثالث، فيتعلقن ~~على التفرق فنزلن كذلك وهو الفرق لأبي حنيفة- رحمه الله. # (فلا يترك بالواو) يعني لم يترك موجب هذا الكلام وهو الاجتماع والاتحاد ~~على ما قلنا بالواو وهو المطلق، فيحتمل هذا القسم أيضا؛ لأنه مطلق غير ~~متعرض للترتيب، وقوله: (بغير إذن الزوج) قيد اتفاقي، ولهذا لم يذكر الإمام ~~شمس الأئمة- رحمه الله- في "شروح الجامع" و"أصول الفقه" بل قال: لو تزوج ~~أمتين بغير إذن مولاهما ثم أعتقهما المولى إلى آخره؛ لأن في هذا الحكم الذي ~~ذكره لا يحتاج إلى ذلك القيد، ولكن ذكر الإمام قاضي خان - رحمه الله- في ~~"الجامع" ولو تزوج أمتين في عقدة بغير إذن مولاهما PageV02P869 # فأعتق المولى إحداهما بعينها فأجاز الزوج نكاح الأمة لم يجز؛ لأن نكاح ~~الأمة قد بطل فلا تلحقه الإجازة؛ لأنه جمع بينهما في عقدة، وإحداهما حرة لا ~~يصح نكاح الأمة، فكذا إذا صارت إحداهما حرة حالة البقاء. # وكذلك لو زوج رجل رجلا يعني بغير إذنه أمتين في عقدة بإذنهما وإذن المولى ~~فأعتقت إحداهما، فالمسألة على ثلاثة أوجه: # أحدها- أن يعتقهما بكلام واحد معا بأن قال: أنتما حرتان أو أعتقتكما، ~~فنكاحهما جائز. # والثاني- أن يقول: هذه حرة وهذه حرة، وهي على وجهين: إما أن فصل بينهما ~~بالسكوت أو لم يفصل والجواب في الفصلين واحد إن أجاز نكاح الأولى جاز، وإن ~~أجاز نكاح الثانية لم يجز، وكذا إذا أجاز نكاحهما جميع جاز نكاح الأولى في ~~كلمتين منفصلتين بأن قال: هذه حرة وهذه. # (فيمن هلك عن ثلاثة أعبد ms326 وقيمتهم سواء) إنما قيد باستواء القيمة ليكون كل ~~واحد منهم ثلث المال، فإن أقر به في كلام متصل ومعنى الاتصال PageV02P870 # ها هنا هو أن يقول الوارث: (أعتق والدي في مرضه هذا وهذا وهذا) من غير ~~سكوت بينهما، فكان هذا بمنزلة قوله: أعتقهم والدي في مرضه. # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "الجامع": من أصحابنا من يقول ~~المجموع بحرف الجمع وهو الواو كالمجموع بلفظ الجمع، فكأنه قال: أعتقهم ~~والدي، وهذا ليس بصحيح، فإن الواو عندنا ليس له عمل في الجمع ولا في ~~الترتيب، ولكنا نقول: الكلام موصول بحرف العطف، وفي آخره ما يغير حكم أوله؛ ~~لأن حكم أول الكلام سلامة جميع الثلاث الأول، ويتغير ذلك بآخره فلت يسلم له ~~إلا ثلث الثلاث، وفي مثله يتوقف أول الكلام على آخره؛ كما لو ألحق بآخره ~~شرطا أو استثناء، وهذا بخلاف ما لو قال لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق ~~وطالق وطالق، لم تقع عليها إلا واحدة؛ لأنه ليس في آخر الكلام ما يغير حكم ~~أوله ولم يتوقف أوله على آخره، فإن سكت فيما بين ذلك عتق الأول ونصف الثاني ~~وثلث الثالث وإنما كان هذا هكذا؛ لأنه لما أقر بعتق الأول فقد أقر بالثلث ~~له فعتق من غير سعاية، ثم لم يصلح ما بعده في تغيير حقه؛ لأن المغير إنما ~~يصح بشرط الوصل، وإذا أقر بالثاني فقد زعم أن الثلث بينهم أثلاثا، لكنه لم ~~يصدق في إبطال حق الأول وصدق في إبطال حق PageV02P871 # الثاني، ولما أقر بالثالث فقد زعم أن الثلث بينهم أثلاثا، لكنه لم يصدق ~~في إبطال حق الأولين. كما ذكره المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير". # (لكنه غلط لما قدمنا) وهو قوله: "والأصل في كل قسم منها أن يكون لمعنى ~~خاص ينفرد به، والمشترك والتكرار من غفلة الواضع، وقد جاءت كلمة (مع) ~~للقران، فلو حملنا الواو عليه كان تكرارا". # (ولم يقف على التكلم بالثاني)؛ لأنه لم يوجد في آخره ما يقرر أوله؛ لأن ~~الطلاق الثاني يقرر الطلاق الأول في حق رفع القيد، ولما لم ms327 يتوقف الأول وقع ~~الطلاق وبانت المرأة من غير عدة، فلم يقع الثاني لذلك. # (فسقطت ولايته) أي ولاية الزوج لفوات محل التصرف؛ لأن المرأة بانت من غير ~~عدة فلم تبق محلا للطلاق الثاني. (لا لخلل في العبارة) أي لا يكون الواو ~~للترتيب؛ لأن الواو لو كان للترتيب كان مقيدا بالترتيب، # وفي القيد نوع خلل بالنسبة إلى المطلق؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، PageV02P872 # وبيان كماله أنه يتناول الترتيب والمقارنة، والمقيد لا يتناول المطلق. # فإن قلت: يشكل على هذا كله ما لو قال لأمرأته قبل الدخول لها: أنت طالق ~~وحد وعشرين، فإنها تطلق ثلاثا عندنا خلافا لزفر مع وجود حرف العطف بين ~~الطلاق الأول والثاني، وليس في آخره ما يغير أوله، وكذلك لو قال لها: أنت ~~طالق إحدى وعشرين تطلق ثلاثا عندنا، وكذلك لو قال لها: أنت طالق واحدة ~~ونصفا كانت طالق ثنتين عندنا ولم يعتبر بالواو. # قلت: جعل هذا الكلام في الكل بمنزلة كلام واحد لا واو فيه لما أن هذه ~~الجمل من الكلام ليس لها صيغة بدون الواو التي هي أوجز منها فجعلت لذلك ~~بمنزلة تركيب كلام لا واو فيه كما لو قال: أنت طالق أحد عشر طلاقا، وهناك ~~تطلق ثلاثا بالاتفاق، فكذا في غيره. إلى هذا أشار في "المبسوط". # (ثم لم يصح التدارك) أي بإعتاق الثانية؛ لأن نكاح الحرة على الحرة جائز، ~~ولكن لما بطل نكاح الثانية في حكم التوقف لم يكن إعتاقها بعد ذلك تداركا ~~لذلك البطلان لا لاقتضاء واو العطف القران؛ بل باعتبار أن آخر PageV02P873 # الكلام هنا يغير أوله؛ لأنه إذا لم تضم الثانية إلى الأولى صح نكاح ~~الأولى، وإذا ضم إليه بطل النكاح الأول؛ لأنه جمع بين الأختين فنزل منزلة ~~الاستثناء والتعليق، فيتوقف الأول عليه فصار كالجمع بكلمة واحدة فلذلك ~~بطلا. كذا ذكره المصنف- رحمه الله. # (إن ضم إلى الأولى لم ستغير نكاح الأولى من الصحة إلى الفساد) بخلاف نكاح ~~الأختين إذا كان في عقدتين بدون إذن الزوج، فإن صدر الكلام فيه توقف على ~~آخره؛ لما أن نكاحهما ms328 لو كان في عقدتين توقف كما في الشرط يتوقف أول الكلام عليه. # (وعن الوجود إلى العدم) كما في قوله: إن علي ألف درهم إلا مائة، توقف أول ~~الكلام على آخره؛ لأنه لولا استثناء المائة لوجب عليه الألف PageV02P874 # كاملا، فإذا الحق استثناء المائة يغير أول الكلام من وجوب المائة إلى ~~عدمه، فلذلك توقف أول الكلام لوجود المغير في آخره، فلما لم يتغير أول ~~الكلام في مسألة الأمتين بلحوق آخره لم يتوقف أول الكلام على آخره. # فإن قيل: نكاح الأختين في عقدة واحدة لا يجوز، ولو عقد نكاحهما بطريق ~~الفضولي في عقدتين متفرقتين يتوقف نكاحهما، وكذلك نكاح الأمة مع الحرة لا ~~يجوز نكاح الأمة، ولو كان نكاحهما بطريق الفضولي لا يتوقف نكاح الأمة، فيجب ~~أن يتوقف نكاحهما كما يتوقف نكاح الأختين؛ بل أولى؛ لأن نكاح الأختين لا ~~يجوز أصلا سواء تقدم نكاح إحداهما على نكاح الأخرى أو اجتمعا، ونكاح الأمة ~~إذا كان متقدما على الجرة جائز، فما وجه الفرق بينهما؟ # قلنا: وجه الفرق نشأ من صيغة النص في نكاح الأختين، أضاف الله تعالى ~~الحرمة إلى المباشرين بقوله:} وأن تجمعوا بين الأختين {لا إلى المحل، فلم ~~يكن المحل خارجا عن محليته؛ بل الحرام هو فعل الجمع والفعل لم يوجد من ~~الزوج في نكاح الفضولي، فلم تكن الحرمة في حقه ثابتة فيتوقف، # وأما نكح الأمة مع الحرة فقد أخرج النبي عليه السلام الأمة في ذلك عن PageV02P875 # محلية النكاح بقوله: "لا تنكح الأمة على الحرة" فلا تحل عليها بوجه من ~~الوجوه، ولو توقف نكاحها على نكاح الحرة كان نكاح الأمة على الحرة من وجه، ~~وهذا لا يجوز لما عرف من الأصل أن كل حكم يرجع إلى المحل فالابتداء والبقاء ~~فيه سواء/ # (ولهذا قلنا: إن قول محمد - رحمه الله- في الكتاب) أي في "الجامع ~~الصغير". # وذكر في كتاب الصلاة (وينوي) بالتسليمة الأولى (من عن يمينه من الحفظة ~~والرجال والنساء). # (ولا يتصور فيه الترتيب) أي لا يتصور الترتيب في أنهما من الشعائر؛ لأن ~~الترتيب إنما يكون في الأفعال ms329 لا في الأعيان، (وصار الترتيب واجبا PageV02P876 # بفعله) أي وجوب تقديم الصفا في السعي على المروة إنما صار بفعل النبي ~~عليه السلام لا بمقتضى الواو في النص. # فإن قيل: أفعال النبي عليه السلام غير موجبة عندنا على ما مر قلنا: نعم ~~كذلك إلا أن فعله هاهنا صار بيانا لمجمل قوله عليه السلام: "إن الله تعالى ~~كتب عليكم السعي فاسعوا"، لما أن السعي بين الشيئين لا بد أن يكون له مقدم ~~ومؤخر وهو مجمل، فبين ذلك بفعل النبي عليه السلام في تقديم الصفا على ~~المروة في الشعري، ولأن مواظبة النبي عليه السلام على الشيء بدون الترك تدل ~~على الوجوب، وواظب النبي عليه السلام على بداية السعي من الصفا من غير ترك، ~~فكان هو دليلا على الوجوب لا مجرد الفعل. # (كما قال أصحابنا- رحمهم الله- في الوصايا بالقرب: النوافل) كالوصية ~~ببناء الرباطات والسقايات والمساجد، وإنما قيد بالنوافل؛ لأنه إذا أوصى ~~بأشياء من الفرائض والنوافل وأخر الفرائض كما في أداء الزكاة وغيرها، فإنه ~~تقدم الفرائض على النوافل، وإن أخرها الموصي لما عرف. PageV02P877 # (وأما قول الرجل: لفلان علي مائة ودرهم) إلى آخره، فإيراده هنا لسبب أن ~~واو العطف هنا موجود، والعطف يقتضي المغايرة، وقد اختلف حكمه في هذه ~~المسائل حتى صارت المائة دراهم في قوله: مائة ودرهم "وما صارت المائة ~~أثوابا في قوله: مائة وثوب" فأورد هنا ليعلم أن الاختلاف ليس من قضية العطف ~~بل (لأصل آخر يذكر هو في بابه إن شاء الله). # (ولهذا قلنا: إن الجملة الناقصة تشارك الأولى فيما تتم به الأولى بعينه) ~~يعني أن الكلام الثاني إذا كان ناقصا يشارك الكلام الأول في عين ما تم به ~~الكلام الأول ضرورة ثبوت الشركة؛ لأنه لو أفرد الثاني بالخبر لم يكن هذا ~~شركة في خبر الكلام الأول؛ لأنه حينئذ يصير كالجملة المنفردة بالخبر ولم ~~تكن PageV02P878 # ناقصة، نظيره: إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة، فإن فلانة تشارك الأولى ~~في عين ذلك الشرط حتى لو دخلت الأولى طلقتا (ولا يقتضي الاستبداد به). # (كأنه أعاده) يعني كأنه أفرد ms330 الثانية بشرط على حدة، كأنه قال: وفلانة إن ~~دخلت الدار؛ لأنه لو جعل كذلك لم تطلق فلانة بدخول الأولى الدار، فعلم أن ~~الجملة الناقصة تشارك الكلام الأول في عين ما تم به الأول، وهذا في تمام ~~الأول بالشرط. ونظير آخر فيه ما قال في الكتاب بقوله: (إن دخلت الدار فأنت ~~طالق وطالق. إن الثاني يتعلق بعين ذلك الشرط) إذ لو لم يتعلق بعين ذلك ~~الشرط بل جعل كأنه قال: وطالق إن دخلت الدار تقع تطليقتان عند أبي حنيفة- ~~رضي الله عنه- أيضا، وإن كانت المرأة قبل الدخول بها؛ لأنه حينئذ يصير كأنه ~~قال لامرأته قبل الدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت ~~طالق، فدخلت الدار تقع تطليقتان بالاتفاق، وحيث PageV02P879 # وقعت عليها تطليقة واحدة- علم أن الثاني يتعلق بعين ذلك الشرط في الأول، ~~وأما إذا كانت المرأة مدخولا بها لم يقع التفاوت بين ما أفرد الخبر للثاني ~~أو لم يفرد، (فصار الثاني ضروريا) أي صار إفراد الكلام الثاني وهو الجملة ~~الثانية بخبر على حدة ضروريا كما في جاءني زيد وعمرو، فإن تقديره وجاءني ~~عمرو لاستحالة الاشتراك في الخبر الأول. # (والأول أصليا) أي وصار اشتراك الجملة الناقصة في عين ما تم به الكلام ~~أصليا كما إذا قال: لفلان علي ألف درهم ولفلان، يكون الألف بينهما. ذكر هذه ~~المسألة في "الجامع الكبير" في باب من إقرار الوارث بالعتق بعد موت المورث ~~من كتاب الإقرار، وفرق بين هذه المسألة وبين من قال لامرأته قبل الدخول: ~~أنت طالق وطالق وطالق أنه تقع عليها واحدة ولا تقع الثلاث، والفرق أن آخر ~~الكلام إذا غير أوله توقف عليه كما توقف على الشرط والاستثناء، وفي مسألة ~~الإقرار بألف درهم إذا اتصل آخر الكلام بأوله صار حق الأول ناقصا فتوقف عليه. # وأما في الطلاق فلا يتغير أول الكلام بآخره؛ لأن التحريم حكم الكل فذلك ~~لم يتوقف عليه. # فإن قيل: يشكل على هذا قوله: هذه طالق ثلاثا وهذه؛ أن الثانية تطلق ثلاثا ~~أيضا، وإن كان الخبر صالحا بأن يجعل ms331 لهما جميعا بأن يقسم الثلاث PageV02P880 # عليهما فتقع لكل واحدة منهما تطليقتان؛ لأن عند القسمة يصيب لكل واحدة ~~منهما طلاق ونصف، ولم يجعل كذلك بل أفرد الثانية بالخبر، كما في جاءني زيد ~~وعمرو مع أنه لا ضرورة فيه في إفراد الثانية بالخبر. # قلنا: فيه ضرورة؛ لأنه ذكر الثلاث وهي محرمة للمحل حرمة غليظة، وعند ~~القسمة لا تكون محرمة للمحل، فيقع حينئذ على خلاف ما أصدره الزوج، وهذا ~~لأنا ذكرنا أن الطلاق إذا قرن بالعدد كان الاعتبار للعدد لا لقوله: أنت ~~طالق حتى إذا ماتت المرأة قبل قوله: ثلاثا لا يقع الطلاق بقوله: أنت طالق، ~~وهو وإن صادفها في حالة الحياة، ولما كان كذلك قد أشرك الزوج الثانية ~~للأولى في إيقاع الحرمة الغليظة، ولا يحصل ذلك إذا قسمت الثلاث بينهما، ~~ولأن عند القسمة يزداد الثلاث إلى الأربع، والزوج لم يتلفظ به ووقوع الطلاق ~~متعلق باللفظ، فلما لم يقبل الشركة بهذين المعنيين أضمر للثانية مثل الخبر ~~الأول ضرورة فكان مثل قوله: جاءني زيد وعمرو. # (ومن عطف الجملة قول الله تعالى) أي ومن عطف الجملة على الجملة بدون ~~إثبات المشاركة بينهما} وأولئك هم الفاسقون {في قصة القذف) هذا مبتدأ وخبر ~~غير مشارك للأول؛ لأن الاشتراك إنما يكون للافتقار، وهذه PageV02P881 # مسألة تامة. # وأما قوله:} ولا تقبلوا {وإن كانت تامة تثبت الشركة فيها؛ لأنها ناقصة من ~~وجه آخر وهو كونها مفتقرة إلى السبب- فلذلك تعلقت بعين ما تعلق به الجد، ~~وأما قوله:} وأولئك هم الفاسقون {فحكاية حال قائمة بهم بمعنى، ثم فسقوا أي ~~خرجوا من أمر ربهم، وهو لا يصلح جزاء للقذف لأنهم فسقوا فسموا فاسقين، ~~والدليل على الانقطاع عن الأول أن الأئمة لم يخاطبوا به، وإقامة الحد مما ~~يخاطب به الأئمة. # ومثل قوله تعالى:} يختم على قلبك ويمح الله الباطل {وما قبله} أم يقولون ~~افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك {وقوله:} ويمح {إنما صح ~~وجه التمسك به في حالة الوقف حيث يوقف عليه بالواو، ولو كان مجزوما لوقف ~~عليه بدون الواو، وهو ms332 في خط المصحف بدون الواو، وهو غير متعلق بالأول على ~~أن يكون داخلا في جزاء الشرط بل هو مطلق، واستئناف الكلام ومعناه: يذهب ~~الله الباطل ويزيله، وهذا لأن محو الله الباطل غير متعلق بمشيئته بل هو ~~يمحوه على الإطلاق. # والدليل عليه قوله تعالى:} ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون {. # فعلم بهذا أن محو الباطل غير متعلق بالمشيئة، فلا يجوز عطفه على جزاء PageV02P882 # شرط المشيئة لذلك، ولأن قوله تعالى:} أن يحق الحق بكلماته {مرفوع. علم أن ~~المعطوف وهو} ويمح الله {مرفوع أيضا. # وذكر في "الكشاف": فإن قلت: إن كان} ويمح الله الباطل {كلاما مبتدأ غير ~~معطوف على} يختم {فما بال الواو ساقطة في خط؟ # قلت: كما سقطت في قوله تعالى:} ويدع الإنسان بالشر {أيضا وقوله:} سندع ~~الزبانية {، على أنها مثبتة في بعض المصاحف، قال قتادة PageV02P883 # {فإن يشأ الله يختم على قلبك {: أي ينسيك القرآن فلا تبلغه ولا يكذبونك، ~~وقال مقاتل: أي يختم بالصبر حتى لا تجد غصة التكذيب. # (ومثل قوله تعالى:} والراسخون في العلم {هذا على قول من يقول بوجوب الوقف ~~عند قوله:} إلا الله {. # ((وهذا معنى) أي كونه للحال (يناسب معنى الواو)؛ لأن الواو لمطلق الجمع ~~والحال تجامع ذا الحال فكان فيها الجمع، فصحت الاستعارة لها؛ لأن مطلق ~~الجمع يحتمل الجمع المكيف. PageV02P884 # (واختلف مسائل أصحابنا على هذا الأصل، فقالوا في رجل قال لعبده: أد إلي ~~ألف وأنت حر. أن الواو للحال حتى لا يعتق إلا بالأداء). # اعلم أن ها هنا أربع مسائل: # إحداها- هذه. # والثانية- وهي أنه لو قال: أد إلي ألفا فأنت حر؛ عتق في الحال أدى أو لم يؤد. # والثالثة- إذا قال: إذا أديت إلي ألفا وأنت حر؛ عتق في الحال أيضا. # والرابعة- إذا قال: إذا أديت إلي ألفا فأنت حر؛ فإنه لا يعتق فيها إلا ~~بالأداء؛ لأن جواب الشرط بالفاء دون الواو، فإن الجزاء يتصل بالشرط على أن ~~يتعقب نزوله وجود الشرط، وحرف الفاء للوصل والتعقيب، فيتصل به الجزاء على ~~الشرط لأنه يوجب تعليقه بالشرط، فكان تنجيزا. # وأما جواب الأمر ms333 بحرف الواو على معنى أنه بمعنى الحال أي وأنت حر PageV02P885 # في حال أدائك. # فأما حرف الفاء في صيغة الأمر يكون بمعنى التعليل بقول الرجل: أبشر فقد ~~أتاك الغوث بمعنى لأنه أتاك الغوث، فإذا قال: أد إلي ألفا فأنت حر معناه ~~لأنك حر، فلهذا يتنجز به العتق في الحال. كذا ذكر في باب الأول في المأذون ~~الكبير في "المبسوط" وهذا لأن الواو لما كانت للحال والأحوال شروط كما في ~~قوله لأمته: إن دخلت الدار راكبة فأنت حرة. يجعل الركوب شرطا أيضا كالدخول. # وقيل: إن الحرية لما كانت حالا للأداء لا تسبق الأداء؛ لأنه معمول ~~الأداء، والمعمول لا يتقدم على العامل. # فإن قلت: كيف وجه تفسير هذا الكلام في "المبسوط" أي وأنت حر في حال ~~الأداء، والواو إنما دخلت على قوله: وأنت حر، وهو جعل معنى الحال في ~~الأداء؟ # قلت: لما كان هذا المجموع عبارة عن كلام واحد جاز تقديم المؤخر وتأخير ~~المقدم على حسب ما يسوق معنى الكلام إليه. # ألا ترى إلى ما ذكر في "الجامع" قال: كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار فهي ~~طالق ثلاثا فتزوج امرأة ثم دخل الدار، ثم تزوج أخرى تطلق التي تزوجها بعد ~~الدخول خاصة على طريق التقديم والتأخير، فصار كأنه قال: إن PageV02P886 # دخلت الدار كل امرأة أتزوجها طالق كما في قوله تعالى:} ولا ينفعكم نصحي ~~إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم {. معناه إن كان الله يريد ~~أن يغويكم، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، ثم معنى الكلام يسوق إلى ~~ما ذكره في "المبسوط" لأن مثل هذا الكلام إنما يذكر للتحريض على أداء ~~المال، ولا يتأتى ذلك إلا على ذلك التقدير. # (وقالوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق وأنت مريضة أو أنت تصلين) إلى آخره، ~~وفي "المبسوط" وإن قال: أنت طالق وأنت تصلين طلقت للحال؛ لأن قوله: وأنت ~~تصلين، ابتداء، فإن قال: عنيت إذا صليت لم يصدق في القضاء؛ لأن الشرط لا ~~يعطف على الجزاء، ويصدق فيما بينه وبين الله ms334 تعالى؛ لأن هذا اللفظ بمعنى ~~الحال تقول: دخلت على فلان وهو يفعل كذا أي في تلك الحالة، فيكون معنى هذا ~~أنت طالق في حال اشتغالك بالصلاة، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى لاحتمال ~~لفظة ما نوى، وكذلك لو قال: أنت طالق مصلية في القضاء تطلق في الحال، وإن ~~قال: عنيت إذا صليت دين فيما بينه وبين الله تعالى لمعنى الحال، وأهل النحو ~~يقولون: إن قال: مصلية بالرفع لا يدين فيما بينه وبين الله، وإن قال مصلية ~~بالنصب حينئذ يصدق في القضاء PageV02P887 # أيضا وهو نصب على الحال. # وكذلك قوله: أنت مريضة. إذا قال: عنيت إذا مرضت صدق في القضاء عند أهل ~~النحو، وعند الفقهاء يدين فيما بينه وبين الله تعالى. # (وقالوا في المضاربة إذا قال لرجل: خذ هذا المال مضاربة واعمل به في البر ~~إن هذه الواو لعطف الجملة لا للحال حتى لا يصير شرطا). # وكذلك لو قال: خذه مضاربة بالنصف واعمل به في الكوفة فله أن يعمل به حيث ~~شاء؛ لأن الواو للعطف، والشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يعطف على غيره. # وقد تكون الواو للابتداء خصوصا بعد الجملة الكاملة، وقوله: خذه PageV02P888 # مضاربة بالنصف جملة تامة، وقوله: واعمل عطف فتكون مشورة أشار به عليه لا ~~شرطا في الأمر الأول. # فإن قيل: لماذا لم يجعل لمعنى الحال كما قال في قوله: أد إلي ألفا وأنت حر. # قلنا: لأنه غير صالح للحال هاهنا فحال العمل لا يكون وقت الأخذ، وإنما ~~يكون العمل بعد الأخذ مع أن الواو تستعار للحال مجازا، وإنما يصار إليه ~~للحاجة إلى تصحيح الكلام، والكلام صحيح ههنا باعتبار الحقيقة، فلا حجة إلى ~~حمل حرف الواو على المجاز. كذا في "المبسوط". # لأن حال الخلع حال المعاوضة وفي المعاوضات لا يعطف أحد العوضين على آخر ~~إنما يلصق أحدهما بالآخر. كما في قوله: احمل هذا المتاع إلى بيتي ولك درهم. PageV02P889 # وقوله: (لأن الحال فعل) كما لو قال: خذ هذه الألف مضاربة تعمل بها في ~~الكوفة، (أو اسم فاعل) كما لو قال: خذ ms335 هذه الألف مضاربة عاملا بها في ~~الكوفة، فلو عمل بها في غير الكوفة كان ضامنا في الصورتين. # وأما ما يجئ من الحال التي ليست هي بفعل ولا اسم فاعل من الجمل الاسمية ~~والظرفية كقوله: كلمته فوه إلى في، ولقيته عليه جبة وشيء. # (وأما قوله: أد إلي ألفا وأنت حر)، فصيغته للحال باعتبار أن قوله: ~~"حر"صيغة نعت من الجزاء من حد علم بمعنى العتق، فكان قوله: "وأنت حر" بمعنى ~~وأنت عتيق، وصار كأنه قال: أد إلي كونك حرا أو حال PageV02P890 # أدائك على ما ذكرنا. # (وصدر الكلام غير مفيد) أي أول قوله: "أد إلي ألفا وأنت حر" غير مفيد ~~شيئا إلا بآخره، فإنه يصير به تعليقا بأداء المال، وههنا أول الكلام إن صدر ~~من الزوج بأن قال: أنت طالق وعليك ألف درهم كان إيقاعا مفيدا منه بدون آخره ~~فل حاجة إلى أن يحمله على الحال، وإن صدر منها فهو التماس صحيح منها، فلهذا ~~لا يحمل على واو الحال. # الضريبة: وظيفة يأخذها المالك من عبده. وقوله: أد إلي ألفا لا يصلح ~~ضريبة؛ لأن الضريبة على أداء الألف من غير عقد واصطلاح بينهما لا يكون؛ PageV02P891 # لأن الضريبة لا تزيد في شهر على عشرين أو ثلاثين درهما، فكان ذكر ألف ~~دلالة على الحال. # فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- رضي الله عنه- عن قولهما: لا يستقيم هنا حمل ~~الواو على العطف الذي هو حقيقته؛ لأنه لا يعطف أحد العوضين على الآخر وذلك ~~معنى الباء، فكان مستعارا لها لا محالة؟ # قلت: بل يستقيم إجراء الواو على حقيقته التي هي للعطف، فإن معنى قولها ~~لزوجها: طلقني ولك ألف درهم، أي ولك ألف درهم في بيتك فلا حاجة لك إلي، بل ~~لك سعة أن تتزوج غيري أو تشتري جارية، فكان عطف الجملة على الجملة، ففي عطف ~~الجمل بعضها على بعض لا يطلب تمام المناسبة، أو بمعنى الابتداء فيكون وعدا ~~منها إياه المال، والمواعيد لا تتعلق بها اللزوم، ولأن أكثر ما في الباب أن ~~يكون حرف الواو محتملا لجميع ما ذكرنا، ms336 والمال لا يجب بالشك. إلى هذا أشار ~~في "المبسوط". PageV02P892 # [الفاء] # (إن وجوه العطف منقسمة على صلاته) يعني مطلق العطف كلي لا وجود له في ~~الخارج، وإنما وجوده في الخارج بأحد الأقسام الثلاثة، وهو: القران، والوصل ~~مع التعقيب، والترتيب مع الفصل. # فمعنى قوله:"على صلاته" أي على حروفه وكلماته، وسماها صلات العطف؛ لأنه ~~لا وجود للعطف بدون هذه الأوجه، كما لا وجود للموصول بدون الصلة كالذي ~~وغيره. (فإذا هو لا يكفيه أنه يضمن) لأن الفاء PageV02P893 # للوصل والتعقيب، فكأنه قال: إن كفاني قميصا فاقطعه. بخلاف ما إذا قال: ~~اقطعه، فقطعه فإذا هو لا يكفيه قميصا فإنه لا يكون ضامنا لوجود الإذن ~~مطلقا. (حتى يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه فدل ذلك على كونه معتقا حكم للشراء ~~بواسطة الملك)؛ لأن الإعتاق يستحيل أن يكون حكما للشراء بلا واسطة؛ لأن ~~الشراء لإثبات الملك إزالة إلا أن الشراء حكمه الملك، والملك في القريب سبب ~~للعتق فكان العتق حكم الشراء بواسطة الملك، والحكم كما يضاف إلى العلة يضاف ~~إلى علة العلة. # (وقد تدخل الفاء على العلل أيضا إذا كان ذلك مما يدوم) أي كان من حق ~~الفاء أن تدخل على أحكام العلل لا على العكس؛ لأن الحكم مرتب على العلة وهو ~~موضوع الفاء كما ذكر. إلا أن العلة لما كانت مما يدوم صارت بمعنى المتراخي ~~من الحكم، فلذلك صح دخوله على العلل. # (فقد أتاك الغوث) فهذا على سبيل بيان العلة للخطاب بالبشارة، ولكن لما ~~كان ذلك ممتد صح ذكر حرف الفاء مقرونا به. PageV02P894 # وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: "وقد تدخل الفاء على العلل فصار معنى ~~كلامه ههنا: انزل لأنك آمن فالآمان ممتد (ولم يجعل بمعنى التعليق كأنه أضمر ~~الشرط). هذا جواب لسؤال سائل بأن قال: لم لا يضمر حرف الشرط حتى يكون هذا ~~الذي دخل فيه جزاء للشرط كما في قول من قال لخياط بعد قوله: نعم، "فاقطعه" ~~فحينئذ كان الآمان معلقا بالنزول لوا يثبت قبله، فأجاب عنه بقوله: (لأن ~~الكلام صح بدون الإضمار) يعني أن الإضمار في ms337 الكلام إنما جاز باعتبار ~~الحاجة، ولما لم يحتج إلى الإضمار في تصحيح الكلام لم يجز الإضمار بدون ~~الحاجة والضرورة. # فإن قلت: ففي صورة العلة لا يصح الكلام أيضا بدون الإضمار. # ألا ترى أنه كيف ذكر تقديره بقوله: وتقديره أد إلي ألفا فإنك قد عتقت، ~~ولما كان كذلك كان إضمار الشرط أولى؛ لأن ذلك طريق مسلوك في أفصح اللغات. ~~قال الله تعالى:} فذلك الذي يدع اليتيم {، أي إن لم تعرفه فذلك الذي يدع ~~اليتيم. # قلت: نعم كذلك، إلا أن هذا الذي ذكره من التقدير ليس ببيان PageV02P895 # للإضمار، بل هو بيان وإيضاح لعلية قوله: فأنت حر، ولهذا لا يجتمع معه، ~~فصار هذا التقدير الذي ذكره هو أصل الكلام، وما هو المذكور قائما مقامه ~~ونائبا منابه، فالنائب مع المنوب لا يجتمعان بخلاف إضمار الشرط، فكان ~~إضمارا، وفيما نحن فيه يصح بدون الإضمار؛ لأنه قار على أصله إلا أنه غير ~~واضح، فأوضح ذلك المبهم بهذا التقدير، فلا يكون إضمارا بل يكون تفسيرا ~~للمبهم. # وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: (وإنما الإضمار ضروري في الأصل) يعني ~~إنما يصار إلى الإضمار عند الضرورة لا عند عدمها. # (ولهذا قلنا فيمن قال: لفلان علي درهم فدرهم) بصحة الكلام بدون الإضمار ~~لعدم احتياجه إليه، وقلنا: إنه يلزمه درهمان، فذلك لتحقيق معنى العطف؛ إذ ~~المعطوف غير المعطوف عليه، واعتبار معنى الوصل والترتيب في الوجوب لا في ~~الواجب وهو الدرهم كالقوم المجتمع في مكان لا يقال: هذا أول وهذا آخر بل ~~يقال: دخل هذا أولا وذلك آخرا، فكذلك ها هنا لا يقال: PageV02P896 # هذا الواجب أول وهذا آخر، ولكن يقال: وجب هذا أولا وذلك آخرا لما أن ~~الترتيب إنما يكون في الأفعال لا في الأعيان، أو هو عبارة عن الواو مجازا؛ ~~لأن معنى الترتيب لغو، فكان حرف الفاء صلة للتأكيد، فكأنه قال: درهم ودرهم، ~~ولكن ما قلناه أحق؛ لأن الشافعي يضمر ليسقط به اعتبار حرف الفاء والإضمار ~~لتصحيح ما وقع عليه لا لإلغاء به. # الإعراب: سخن بإعراب كفتن وبيان كردن يقال: أعرب كلامه ms338 إذا لم يلحن في ~~الإعراب. # والإعجام خلاف الإعراب، فهو أن يلحن في إعراب كلامه. قيل الشعر لرؤبة، ~~وقيل للخطيئة وترتيبه: # (والشعر لا يستطيعه من يظلمه) إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه PageV02P897 # زلت به إلى الحضيض قدمه (يريد أن يعربه فيعجمه). # أي فهو يعجمه- رفع يعجمه- لأنه استأنفه ولو نصب لفسد المعنى. # وفي "الصحاح" فيعجمه أي يأتي به عجميا أي يلحن فيه. # قال الفراء: رفعه على المخالفة يريد أن يعربه ولا يريد أن يعجمه. PageV02P898 # وقال الأخفش: رفعه لوقوعه موقع المرفوع؛ لأنه أراد أن يقول: يريد أن ~~يعربه فيقع موقع الإعجام، فلما وضع قوله: فيعجم موضع قوله: فيقع رفعه. # وقيل: يريد أن يعربه أي يظهره فيعجمه أي عين ذلك الإعراب إعجام له. # كقوله تعال:} ليبين لهم فيضل الله {أي عين ذلك البيان إضلال له كقوله ~~تعالى:} وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض} PageV02P899 # فزادتهم رجسا إلى رجسهم {بين بهذه الآية أن القرآن وإن كانت آياته آية ~~قاطعة في الحجة لكن إن كانت في موضع الإيمان يزداد منها الإيمان لمن آمن، ~~وفي غير موضع الإيمان يزداد منها الكفر لمن كفر، فكذلك ها هنا إذا كان ~~إعراب الشعر في موضعه تزداد فيه الفصاحة، وإذا كان في غير موضعه يزداد فيه ~~الإبهام والإعجام. # (إلا أن هذا لا يصح إلا بإضمار فيه ترك الحقيقة، والحقيقة أحق ما أمكن). # فإن قيل: لو قال الخصم: وفيما قلتم أيضا ترك الحقيقة وهو أن يكون الفاء ~~مستعارا للواو، وما الفرق بين التركين؟ # قلنا: ما قلناه أولي؛ لأن في استعارة الفاء للواو تقريرا لحقيقة الكلام، ~~وهي: أن المعطوف غير المعطوف عليه، والخصم أضمر لتغيير حقيقة الكلام وهي ~~التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، فيلزم على قوله شيئان: # أحدهما- ترك الحقيقة وهي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، # والثاني- إلغاء حرف الفاء المذكور، وهو أقبح من ترك الحقيقة، وليس على ~~قولنا إلا استعارة حرف لحرف عند وجود المناسبة بينهما، وهي سائغة شائعة. ms339 PageV02P900 # [ثم] # (قولا بكمال التراخي)؛ لأن ثم وضع للتراخي، فلو كان معنى وجود التراخي في ~~وجود الطلاق دون التكلم بالطلاق لكان معنى التراخي فيه موجودا من وجه دون ~~وجه، فيظهر أثره في حكم التكلم أيضا قولا بكماله، واثر هذا الاختلاف ظهر في ~~الفروع كما ذكر في الكتاب. # وحاصله إنه إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن كلمت ~~فلانا، فعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- إن كانت مدخولا بها تقع في PageV02P901 # الحال ثنتان والثالثة تتعلق بالكلام، وإن لم يكن دخل بها تقع واحدة في ~~الحال ويلغو ما سوى ذلك، وإذا قدم الشرط فقال: إن كلمت فلانا فأنت طالق ثم ~~طالق ثم طالق، فإن كان قد دخل بها تعلقت الأولى بالشرط ووقعت الثانية ~~والثالثة في الحال، وإن كان لم يدخل بها تعلقت الأولى بالشرط ووقعت الثانية ~~في الحال والثالثة لغو، وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- سواء قدم الشرط ~~أو أخر تتعلق الثلاث بالشرط إلا أن عند وجود الشرط إن كانت مدخولا بها تطلق ~~ثلاثا وإن كانت غير مدخول بها تطلق واحدة. # فأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: ثم للتعقيب مع التراخي، فإذا دخل بين ~~الطلاقين كان معناه سكتة بينهما، وهما يقولان: ثم للعطف ولكن مقيدا ~~بالتراخي، فلوجود معنى العطف يتعلق الكل بالشرط، ولمعنى التراخي يقع مرتبا ~~عند وجود الشرط. كذا في "المبسوط". # فإن قيل: كلمة ثم إذا أدخلت بين الطلاقين لو كانت هي بمنزلة سكتة على قول ~~أبي حنيفة- رضي الله عنه- كان ينبغي أن لا تقع الطلقة الثانية والثالثة ~~سواء كانت المرأة مدخولا بها أو لم تكن؛ لأنه حينئذ يكون بمنزلة قول الرجل ~~لامرأته: أنت طالق، ثم قال بعد سكتة: أنت طالق؛ هناك لا تقع إلا واحدة؛ لأن ~~الثاني يقع لغوا لعدم المبتدأ. PageV02P902 # قلت: يضمر المبتدأ بدلالة العطف لتصحيح كلامه؛ لأن قوله: "طالق""في المرة ~~الثانية خبر، والخبر يفتقر إلى المبتدأ، فيصير كأنه قال: ثم أنت طالق، فتقع ~~واحدة في الحال في غير المدخول بها. # فإن قيل فقوله: "طالق" كما هو محتاج إلى المبتدأ كذلك هو ms340 محتاج إلى الشرط ~~أيضا، فيجب أن يضمر الشرط في الثاني لكي يتعلق هو أيضا بالأول. # قلنا: احتياجه إلى المبتدأ ليس كاحتياجه إلى الشرط؛ لأنه لو لم يضمر ~~المبتدأ لكان كلامه في الثاني لغوا محضا ملحقا بنعيق الغراب، ولا كذلك ~~الشرط؛ لأن لكلامه صحة بدونه والإضمار إنما كان للحاجة والحاجة اندفعت ~~بإضمار المبتدأ حتى صح الكلام في الطلاق الثاني ووقعت الغنية عن إضمار الشرط. # فإن قلت: كيف احتيج إلى إضمار الشرط في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ~~وعبدي حر مع استقلال قوله:" وعبدي حر" بفائدته حتى تعلقا جميعا بالشرط؟ # قلت: ليس اتصال الجمل بالواو كاتصالها بثم، فلو كان مقصود الحالف تعليق ~~كل الطلقات لذكرها بحرف الواو، فإن حرف ثم بمنزلة السكتة عند أبي حنيفة # - PageV02P903 # رضي الله عنه- فكان أثرها في قطع التعليق عنده. # وقد يستعار ثم لمطلق العطف كما أن الرقبة وضعت لمطلق الرقبة التي هي ~~عبارة عن البنية السليمة، والمطلق متعرض للذات دون الصفات، فيتناول فردا من ~~الأفراد غير عين فلم يكن عاما؛ لأن العام ما له أفراد والمطلق يمكن العمل ~~به من غير توقف واستفسار فلم يكن مجملا؛ لأن المجمل ما لا يمكن العمل له من ~~غير استفسار من المجمل وبينه، بل كان مطلقا كرقبة ورجل وامرأة وغيرها. # فقال أبو حنيفة- رضي الله عنه-: موجبه الافتراق؛ يعني أن الواو للعطف، ~~وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما علقه وهو علق الثانية بالشرط بواسطة الأولى، ~~فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة، فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة والثانية ~~بواسطة الأولى بمنزلة القنديل المعلق بالحبل بواسطة الحلق، ثم عند وجود ~~الشرط ينزل ما تعلق فينزل كما تعلق، ولكن هما يقولان: هذا أن لو كان ~~المتعلق بالشرط طلاقا، وليس كذلك بل المتعلق ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط ~~إذا وصل إلى المحل، فإنه لا يكون طلاقا بدون الوصول إلى المحل كما إذا حصل ~~التعليق بشروط يتخللها أزمنة كثيرة، يعني لو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت ~~الدار، ثم بعد ذلك بيوم أو أيام قال: أنت طالق ms341 إن كلمت زيدا، ثم بعد ذلك ~~بأزمنة قال: أنت طالق إن شتمت عمرا، فوجد الشروط تطلق ثلاثا، وإن وجد ~~الترتيب عند التعليق، PageV02P904 # وكذلك إن علق في كل مرة بدخول الدار، وكذلك إن قدم الشرط فلا يترك المقيد ~~بالمطلق، فالمقيد كون موجب هذا الكلام الاجتماع والاتحاد، والمطلق هو كون ~~الواو محتملا للوجوه المختلفة من الترتيب والجمع أي لا يترك موجب هذا ~~الكلام الذي يوجب الاجتماع لما قررنا بالواو المطلق الذي لا يتعرض للتفرق ~~والترتيب. # (وقد يستعار ثم لمعنى واو العطف مجازا للمجاورة التي بينهما) إذا تعذر ~~العمل بحقيقة ثم، وبيان المجاورة بينهما أن الواو لمطلق العطف، فكان يحتمل ~~معنى ثم؛ لأن المطلق إنما يكون وجوده في الخارج بحسب ما يحتمله من ~~المقيدات، فتثبت المجاورة بينهما بسبب الاحتمال. # (قال الله تعالى:} ثم كان من الذين آمنوا {أي وكان، فإن أول الآية قوله ~~تعالى:} فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة {إلى قوله} ثم كان من ~~الذين آمنوا {). # فقد عد الأعمال الصالحة، ثم ذكر الإيمان بعده بكلمة ثم، فلو عمل بحقيقتها ~~يلزم أن تكون الأعمال الصالحة المنجية من عذاب النار قبل الإيمان وليس ~~كذلك؛ لأن عمل الكافر وإن كان صالحا من حيث الظاهر كتخليص الأسارى وإطعام ~~الجائعين والصدقات فليس بمنج شيئا من العذاب؛ لأن كونه PageV02P905 # مؤمنا شرط لصحة عمله وانعقاده منجيا من العذاب بفضل الله. # } ثم الله شهيد {أي والله شهيد لتعذر العمل بحقيقة ثم؛ لأنه للترتيب ولا ~~ترتيب في صفات الله تعالى، لما أن الله تعالى قديم بجميع صفاته العلى، وأول ~~الآية لقوله تعالى:} وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ~~ثم الله شهيد {. # (ولهذا قلنا في قول النبي عليه السلام "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه": إنه يحمل على حقيقته)؛ لأن ~~الإتيان بالذي هو خير هو الحنث، فتجب الكفارة بعده لا محالة فكان ثم على ~~حقيقته؛ لأن الكفارة واجبة بعد الحنث بالإجماع، PageV02P906 # ويروى "فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو ms342 خير" فحملنا ههنا كلمة ثم على واو ~~العطف؛ لأن العمل بحقيقتها غير ممكن؛ لأن التكفير قبل الحنث غير واجب ~~بالإجماع. فكان المجاز متعينا تحقيقا لما هو المقصود) وهو الوجوب؛ لأن البر ~~في اليمين واجب. # وهو الأصل في الإيمان، والكفارة تجب خلفا عن البر، فلو أجريت على حقيقتها ~~لم يحصل المقصود وهو الوجوب. # ألا ترى أنه لو كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، وقوله: "فليكفر عن يمينه" ~~شامل للكفارة بالمال والصوم، فتحمل كلمة ثم على المجاز ليبقى أمر التكفير ~~موجبا، ولا يقال إن ثم إذا استعير للواو والواو لمطلق العطف فيقتضي الجواز ~~كيف ما كان؛ لأنا نقول: ثم إنما استعير للواو ليكون العمل بالأمر واجبا على ~~موجبه وهو الوجوب، فبسبب هذا المعنى قلنا: لا يجوز قبل الحنث إذ لو جاز ~~لوجب تقرير ثم على الحقيقة إذ لا فائدة في الاستعارة لبقاء الحكم الثابت ~~بالحقيقة بعد الاستعارة. # فإن قيل: إن كان في قول الشافعي ترك الحقيقة وهو ترك إجراء الأمر على ~~حقيقته ففي قولكم أيضا ترك الحقيقة، وهو ترك العمل بحقيقة ثم، فمن أين ظهر ~~رجحان قولكم على قوله؟ PageV02P907 # قلنا: فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في الموضعين وهو ترك العمل بموجب ~~الأمر، وترك العمل بجواز التكفير قبل الحنث حيث أراد بهذا جواز التكفير قبل ~~الحنث ولا يجوز الصوم، وفيما قلنا تحقيق المقصود وهو القول بوجوب الكفارة ~~فيما هو مقتض للوجوب. # والأولى فيه أن يقال: إن فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في أمر الشارع ~~وهو فعل بلا خلف، وفيما قلنا ترك الحقيقة في ثم، وهو حرف بخلف وأمر الحرف ~~أسهل من أمر الفعل؛ لما أن الحروف هي الوصلات تنوب بعضها مناب البعض في ~~الأغلب، والاعتبار لقوة الأثر في التعليل، وإنما قلنا هذا أولى؛ لأن على ~~التقرير الأول لزوم الترجيح بكثرة العلل وذلك لا يجوز، والرجحان لا يثبت ~~بكثرة العلل. # ألا ترى أن أربعة شهود تعارض الشاهدين في الدعوى ولا يترجح الأكثر على ~~الأقل، والذي يؤيد ما قلنا ما قاله في "المبسوط" في المعنى ms343 وهو أن مجرد ~~اليمين ليس بسبب لوجوب الكفارة؛ لأن أدنى حد السبب أن يكون مؤديا إلى الحكم ~~طريقا له، واليمين مانعة من الحنث محرمة له، فكيف تكون موجبة لما يجب بعد الحنث؟ # ألا ترى أن الصوم والإحرام لما كان مانعا أي لما كان كل واحد منهما مانعا PageV02P908 # مما يجب به الكفارة وهو ارتكاب المحظور لم يكن بنفسه سببا لوجوب الكفارة ~~بخلاف الجرح فإنه طريق مفض إلى زهوق الروح. # فعلم بهذا أن الاعتبار في الأسباب للسبب الذي هو مفض إلى حكمه وضعا لا ~~للسبب الذي ينعقد سببا للحكم بعد ارتفاع المانع، ولئن سلمنا أن اليمين سبب ~~فالكفارة إنما تجب خلفا عن البر الواجب باليمين ليصير عند أدائها كأنه تم ~~على بره ولا معتبر بالخلف في حال بقاء الأصل، وقبل الحنث ما هو الأصل باق ~~وهو البر، فلا تكون الكفارة خلفا كما لا يكون التيمم طهارة مع القدرة على الماء. # وذكر هذا السؤال والجواب بعبارة أخرى: وقيل: فإن قيل: إذا حملته على واو ~~العطف يلزم المجاز في ثم، ولو عملت بحقيقة ثم يلزم المجاز في الأمر، ~~فيتساوي في ترك الحقيقة والعمل بالمجاز، فلم حملتم ثم على الواو؟ # قلنا: لأنا لو حملنا ثم على الواو يحصل منه الإيجاب، ويكون المجاز معمولا ~~من كل وجه، وفيما قاله الخصم تترك الحقيقة ولا يحصل العمل بالمجاز من كل ~~وجه؛ لأن التكفير بالصوم لا يجوز قبل الحنث عنده، فحملناه على هذا المجاز ~~تحقيقا لما هو المقصود وهو إيجاب الكفارة؛ لأن المقصود بالحديث إيجاب ~~الكفارة. # (وإذا صح أن يستعار ثم للواو فالفاء به أولى) أي لما جاز استعاره ثم ~~للواو مع بعد ثم عن الواو فلأن تستعار الفاء للواو أولى من استعارة ثم ~~للواو؛ PageV02P909 # لأن الفاء أقرب إلى الواو بالنسبة إلى ثم، فالقرب والمجاورة من أسباب ~~الاستعارة مع اتحاد كلها في معنى العطف. # والدليل على أن جواز الفاء بالواو أقرب من جواز الواو بثم شيئان: # أحدهما- أن المشايخ اختلفوا في موجب الفاء كما اختلفوا في موجب الواو ~~لقرب معناهما، ms344 ولم يختلفوا في ثم لبعد معناها عن معنى الواو. # والثاني- أن الواو لمطلق الجمع، والفاء للوصل والتعقيب، وفي الجمع معنى ~~الوصل موجود. # وأما ثم فللتراخي، فالجمع أو الوصل مع التراخي ضدان، فعلم أن جواز الفاء ~~بالواو أقرب من جواز ثم بالواو. (ولهذا قال بعض مشايخنا فيمن قال لامرأته) ~~إلى آخره. هذا لإيضاح استعارة الفاء للواو، فإن الفاء في هذه المسألة بمعنى ~~الواو على قول بعض المشايخ (والمراد به الطحاوي رحمه الله). # وقال في "المبسوط": ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. ذكر ~~الطحاوي أن هذا أيضا على الاختلاف، فإن حرف الفاء للعطف كحرف الواو فتطلق ~~ثلاثا عندهما، والأصح أنها تطلق واحدة عند وجود الشرط- يعني بالاتفاق- لأن ~~الفاء للتعقيب في أصل الوضع لا لعطف مطلق، فإن كل حرف موضوع لمعنى خاص، ~~وإذا كان للتعقيب ففي كلامه تنصيص PageV02P910 # على أن الثانية تعقب الأولى، فتبين بالأولى لا إلى عدة بخلاف الواو (إلا ~~أن الحقيقة أولى، فلذلك اخترنا الاتفاق) يعني تطلق واحدة بالاتفاق في قوله: ~~إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. (وإذا قدم الجزاء بحرف الفاء فعلى ~~هذا أيضا) أي لا تقع إلى واحدة على الأصح، يعني إذا قال: أنت طالق فطالق ~~فطالق إن دخلت الدار هو بمنزلة الواو عند الطحاوي. إذا دخلت الدار طلقت ~~ثلاثا كما في التعليق بالواو. # [بل] # (على سبيل التدارك) أي على سبيل تدارك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول، ~~وإظهار أن الأول كان غلطا كما لو قال لامرأته: أنت طالق واحدة بل PageV02P911 # ثنتين إنها تطلق ثلاثا أي لو قال لامرأته التي دخل بها، وأما إذا قاله ~~لغير المدخول بها فإنها تطلق واحدة على ما ذكر في الكتاب بعيد هذا. # (وقلنا نحن) أي عندنا: يجب ألفان. # وقعت ثنتان لما قلنا إشارة إلى قوله: "ويراد بالجملة الثانية كمالها ~~بالأولى، وهذا في الأخبار ممكن" لأن الغلط في الأخبار ممكن. PageV02P912 # (ويتصل بهذا أن العطف متى تعارض له شبهان اعتبر أقواهما) أي متى تعارض ~~للعطف معطوف عليهما اثنان. # (مثاله: ما قال) محمد- رحمه الله- (في "الجامع) ms345 أي في الباب الثامن عشر ~~من أيمان "الجامع الكبير" بقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار، لا بل هذه ~~لامرأة أخرى؛ أنه جعل عطفا على الجزاء دون الشرط) حتى إذا دخلت الأولى ~~الدار طلقتا، ولو دخلت الثانية لم تطلق واحدة منهما؛ لأنه تعارض للعطف شبهان: # أحدهما- أنت طالق، ومعناه لا بل هذه طالق، PageV02P913 # والشبه الآخر- (التاء في قوله: "دخلت") ومعناه لا بل هذه إن دخلت فأنت ~~طالق، وحكمه لو كان كذلك إن دخلت الثانية طلقت الأولى. # وقال المصنف- رحمه الله- هذا الذي ذكره محمد- رحمه الله- يحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها- أن يكون تقديره: لا بل هذه طالق إن دخلت أنت، وهو الذي اختاره ~~محمد- رحمه الله- # والثاني- لا يل هذه إن دخلت هذه المرأة الدار فأنت طالق، ولم يحمل على ~~هذا إلا بالنية. # والثالث- أنت طالق إن دخلت هذه الدار لا بل هذه المرأة الأخرى. إن دخلت ~~فهي طالق، ولم يحمل على هذا أصلا أي لا بالنية ولا بغيرها. # وقال الإمام قاضي خان- رحمه الله- في "شرح الجامع": وإذا جعلنا هذا رجوعا ~~عن الجزاء، والرجوع عن الأول لم يصح، وإقامة الثانية مقام الأولى صحيح، ~~فيتعلق طلاق الثانية بدخول الأولى حسب تعلق طلاقها بدخولها، فإذا دخلت ~~الأولى الدار يقع الطلاق عليهما، وإن نوى به الرجوع عن الشرط صحت نيته لأنه ~~نوى ما يحتمله لفظه، وأيتهما دخلت وقع الطلاق على الأولى قضاء وديانة؛ لأن ~~طلاق الأولى كان متعلقا بدخولها، وهو قصد الرجوع عن دخول الأولى بإقامة ~~دخول الثانية مقام دخول الأولى، فيتعلق PageV02P914 # طلاق الأولى بدخول الثانية، والرجوع عن الأول لم يصح، وإقامة الثاني مقام ~~الأول صحيح، فيتعلق طلاق الأولى بدخول الثانية حسب تعلق طلاقها بدخولها، ~~فأيتهما دخلت وقع الطلاق على الأولى وتطلق الثانية أيضا بدخول الأولى؛ لأن ~~كلامه كان رجوعا عن الجزاء ظاهرا، وطلاق الثانية كان متعلقا بدخول الأولى، ~~والرجوع عنه لم يصح، فبقي معلقا كما كان. # وقوله: (وذلك قبيح) أي العطف على الضمير المرفوع المتصل الذي هو غير مؤكد ~~بالضمير المرفوع المنفصل كما في قوله تعالى:} اسكن أنت وزوجك الجنة {. # فإن قلت: كيف حصر جواز ms346 العطف على الضمير المتصل المرفوع بما أكد PageV02P915 # هو بالضمير المرفوع المنفصل وهو حسن أيضا عند وجود الفاصل، وإن لم يؤكد ~~هو بالضمير المرفوع المنفصل كما في قوله تعالى:} فاستقم كما أمرت ومن تاب ~~معك {، وقوله:} ومن تاب {معطوف على الضمير المستكن في} فاستقم {أي فاستقم ~~أنت وليستقم من تاب، وكذلك قوله تعالى} سيصلى نارا ذات لهب (3) وامرأته {، ~~وقوله} وامرأته {معطوفة على الضمير المرفوع في} سيصلى {أي سيصلى هو ~~وامرأته. هكذا صرح فيهما صاحب "الكشاف". # قلت: ذلك عند النحويين، وأما عند الفقهاء وبعض أهل التفسير فقوله:} ومن ~~تاب {مرفوع؛ لأنه أدرج وليستقم بدلالة قوله:} فاستقم {فكان هو حينئذ عطف ~~الجملة على الجملة، ورفعية قوله:} ومن تاب معك {بعامل مضمر PageV02P916 # كرفعية رجال في قوله تعالى} يسبح له فيها {على قراءة من قرأ على بناء ~~المفعول لا أن يكون معطوفا على الضمير المتصل المرفوع. # وذكر المصنف- رحمه الله- وأما قوله تعالى:} سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا {، ولم يؤكده بالضمير المنفصل وهو نحن، واختار ~~اللغة الأخرى، وكتاب الله منزه عما يقبح فإنما حسن ذلك لإعادة حرف النفي، ~~وهو قوله:} ولا آباؤنا {تقول: ما فعلت كذا ولا فلان فيحسن، وتقول: ما فعلت ~~كذا وفلان فيقبح حتى تقول: أنا وفلان. # وحاصله إنا عطفنا ها هنا على الجزاء فقط؛ لأنا إن عطفناه على الشرط كان ~~جائزا لكنه قبيح، فيصار إليه عند تعذر العطف على الجزاء، كما لو قال: أنت ~~طالق إن دخلت الدار لا بل فلان. أنه جعل عطفا على الشرط وإن كان قبيحا؛ ~~لأنه تعذر العطف على الجزاء؛ لأن فلانا يستحيل أن يكون طلاقا فيصار إليه ~~وإن لم يكن مستحسنا عند الفقهاء للضرورة، وإنما قبح ذلك؛ لأن الضمير ~~المرفوع لما لم يقم بنفسه وهو التاء في قوله: "دخلت"كان موجودا له شبه ~~العدم، فمن حيث إنه موجود جاز العطف، ومن حيث إن له شبها بالعدم قبح العطف، ~~فإذا تعارضا عطف على ما هو جائز مستحسن، ولم يعطف على ما هو قبيح؛ لأن ~~الجائز المستحسن ms347 أقوى من الجائز القبيح إلا إذا مست PageV02P917 # الضرورة حينئذ يصار إليه، ولا يلغى لأن إلغاء تصرفه أقبح بخلاف ضمير ~~المفعول، فإن العطف عليه جائز وإن كان متصلا كما في قوله تعالى:} فأخذناه ~~وجنوده {لما عرف أنه في حكم الانفصال بسبب أنه فضلة في الكلام. # وقوله: (وذلك أن الفاعل مع الفعل كشيء واحد) وقد قيل في اتحاد الفاعل مع ~~الفعل عشرة أوجه: وأوردنا أربعة أوجه منها في "الموصل" والأشهر منها مسألة ~~يضربان وضربنا- بسكون الباء- وقد ذكرنا وجههما في "الموصل". # (فإذا استويا) أي إذا استويا في حسن العطف بأن يحسن العطف على كل واحد ~~منهما اعتبر أقربهما كما في قوله: (إن لفلان علي ألف درهم إلا عشرة دراهم ~~ودينارا)، فإن لعطف الدينار تعارض الشبهين؛ لأنه يحسن PageV02P918 # العطف على عشرة وهو المستثنى، ويحسن العطف على ألف درهم وهو المستثنى ~~منه، فيعطف على عشرة دراهم حتى صارا مستثتيين عن الألف، فيلزم عليه ألف ~~درهم ناقصا بعشرة دراهم وقيمة دينار؛ لأن المستثنى وهو عشرة دراهم أقرب من ~~الدينار إلى الألف، فيترجح بالقرب كما هو الأصل في التعارض. # فإن قيل: يجب أن يعطف الدينار على الألف وإن كان أبعد، فإن استثناء ~~الدينار من الدراهم مختلف فيه فيعطف على الألف ليكون استثناء الدراهم من ~~الدراهم. # قلنا: لا انفصال عما احترز بهذا الطريق فإنه حينئذ يصير استثناء الدراهم ~~من الدينار وهو أيضا مختلف فيه، وذلك لأنه لو عطف على الألف صار المستثنى ~~منه ألفا ودينارا، فيكون استثناء عشرة من الألف والدينار، وإذا كان كذلك ~~كان عطف الدينار على العشرة أولى لكونها أقرب. # وفي "المبسوط" ما يدل على أن هذا التقرير فيما إذا كان المقر له اثنين. # أما إذا كان واحدا فالاستثناء من الجنس جواب الاستحسان، وإن كان أبعد ~~فقال: ولو قال لفلان علي ألف درهم ولفلان علي مائة دينار إلا درهما جعل ذلك ~~استثناء من الدينار؛ لأن المستثنى موصول بالإقرار بالدنيانير، وحقيقة ~~الاستثناء ما يكون موصولا بالمستثنى منه، وهذا على أصل أبي حنيفة PageV02P919 # وأبي يوسف- رحمهما الله- ظاهر؛ لأن عندهما سواء ms348 جعلته مستثنى من الأول أو ~~من الآخر كان الاستثناء صحيحا، فلما استويا تترجح الدنانير لاتصال المستثنى ~~بها، ولو قال: لرجل واحد علي ألف درهم ومائة دينار إلا درهما، في القياس ~~هذا الاستثناء من الدنانير أيضا؛ لأنه متصل بالدينار، ولكنه استحسن فقال: ~~إذا كان المقر له واحدا فالاستثناء من الدراهم؛ لأنا إن جعلنا المستثنى من ~~الدينار صح باعتبار المعنى، وإن جعلناه من الدراهم صح باعتبار الصورة ~~والمعنى، وضرر النقصان في الوجهين يدخل على واحد، فكان جعله من الدراهم ~~أولى. PageV02P920 # [لكن] # (وأما لكن فقد وضع للاستدراك بعد النفي). الاستدراك: دريافتن جيزي. # (فأما نفي الأول فيثبت بدليله) أي بدليل النفي وهو حرف النفي كما في قوله ~~تعالى:} فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~{(بخلاف كلمة بل)، فإن موجبيها جميعا- وهما نفي الأول وإثبات الثاني- ~~يثبتان بنفي استعمال كلمة بل. # (الاتساق): الانتظام، والمراد من الاتساق ها هنا إمكان التوفيق بين ~~المتنافيين (فإذا اتسق الكلام تعلق النفي بالإثبات الذي وصل به) يعني يثبت ~~النفي والإثبات جميعا كما في قولنا: ما جاءني زيد لكن عمرو، وهذا PageV02P921 # الاستدراك إنما يصح أن لو توهم متوهم عدم مجئ عمرو، وعند سماع نفي مجئ ~~زيد لدوام ملازمة كل واحد منهما بالآخر، فأزال ذلك الوهم بهذا الاستدراك، ~~فكان كل واحد من النفي والإثبات في محزه فيصح. # وكذلك (لو أقر رجل بعبد هو في يده أنه لفلان)، وقال فلان: ما كان لي قط ~~لكنه لفلان آخر ووصل، فهو للمقر له الثاني)، ولا يكون هذا ردا لإقرار ~~المقر؛ لأن من الجائز أن يكون هذا معروفا بكونه له، ثم وقع في يد المقر ~~بسبب من الأسباب فأقر أنه له، فقوله: "ما كان لي قط" لا يكون تكذيبا له؛ ~~لأن عنده أنه ليس له لكنه لفلان، فالكلام الأول مع الثاني ليس بمتنافيين، ~~فإذا وصل به قوله: "لكنه لفلان" كان بيانا أنه نفي ملكه إلى الثاني بإثبات ~~الملك له بقوله: "لكن" وإن قطع كلامه كان محمولا على نفي ملكه أصلا كما هو ms349 ~~الظاهر وهو رد للإقرار، ثم قوله: "ولكن لفلان" شهادة بالملك للثاني على ~~المقر، وبشهادة الفرد لا يثبت الملك. PageV02P922 # (وقالوا في المقضي له بدار بالبينة- إلى أن قال- إن الدار للمقر له وعلى ~~المقضي له القيمة). # فإن قيل: هذا إنما يستقيم فيما إذا قدم الإقرار، ثم قال: "لم يكن لي قط" ~~فقبلنا في حق البعض دون البعض، أما إذا قال: " ما كانت لي قط ولكنها لفلان" ~~فقد أكذب شهوده أولا، فلا يصح إقراره بعد إكذاب الشهود؛ لأن الإقرار لا يصح ~~إلا في الملك. # قلنا: الكلام صدر جملة واحدة فلا يفصل البعض عن البعض في حق الحكم؛ لأن ~~الكلام يتم بآخره؛ لأن أول الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير ~~أوله، وها هنا أيضا النفي معلق بالإثبات، فصار بمنزلة قوله: أنت طالق إن ~~دخلت الدار، وذكر صورة هذه المسألة في "شروح الجامع" بقوله: رجل ادعى دارا ~~في يد رجل أنها داره، والذي في يده يجحد ذلك، فأقام المدعي البينة أنها ~~داره، فقضى القاضي له بها، ثم أقر المقضي له أنها لفلان لا حق لي فيها، ~~وصدقه المقر له، وقال المقضي عليه: إن المقضي له قد أكذب شاهديه فأنا أحق ~~بها، فلا شيء للمقضي عليه وهي للمقر له؛ لأن قوله: "هي لفلان لا حق له ~~فيها" يحتمل أنها صارت له بسبب تمليكها إياه بعد PageV02P923 # الحكم بالبيع منه، وإذا احتمل ذلك والأصل في الإقرار القصر على أدنى ما ~~يمكن فلم يبطل القضاء بالشك. # فإن قيل: هذا التقرير إنما يصح أن لو احتمل الوقت التمليك. # أما إذا لم يكن بين القضاء والإقرار زمان يحتمل التمليك فيه فكيف يمكن ~~التوفيق بين الدعوى لنفسه وبين الإقرار لغيره أنها له بسبب تمليكي إياها له ~~بعد القضاء؟ # قلنا: يحمل ذلك على إمكان التوفيق، وإن كان نادرا بأن باعها قبل القضاء ~~وبقي خصما؛ لأنه لم يسلمها إلى المقر له، وبقيت النسبة إليه باعتبار حق ~~الحبس يعني يقول المدعي: إن الدار كانت لي من الأصل وقد كنت بعتها قبل ~~القضاء ms350 من المقر له على أني بالخيار ثلاثة أيام حتى بقيت الدار على ملكي في ~~مدة الخيار، فصحت النسبة إلي بهذا الطريق، ثم إن المقضي عليه استولى على ~~الدار وغصبها مني، ثم لما قضى القاضي بالدار انقضت مدة الخيار عقيبه بلا ~~فصل، فأمكن الجمع بين هذا الإقرار والدعوى الأولى والشهادة بهذا الوجه، ~~ولما احتمل هذا لم يبطل الحكم بالشك، ولا شيء للمقضي عليه على أحد لهذا ~~الاحتمال. # فإن قال المقضي له: هي دار فلان ولم تكن لي قط أو بدأ، فقال: ما كانت لي ~~قط ولكنها لفلان، فإن صدقه المقر له في ذلك كله فقد تصادقا أن الدعوى ~~والبينة والحكم كل ذلك كان باطلا، فوجب رد الدار على المقضي PageV02P924 # عليه، وإن قال المقر له: كانت الدار للمقر ولكنه وهبها لي بعد القضاء ~~وقبضتها وهي لي بالهبة، فإنه يدفع الدار إلى المقر له ويضمن المقر قيمة ~~الدار للمقضي عليه؛ لأنه أقر ببطلان القضاء، وإنه يبطل الإقرار، والإقرار ~~حق عليه، والقضاء حق له، فإذا كذبه المقر له أي في قوله: "لم يكن لي قط" ~~بطل ما له دون ما عليه، وإذا لم يبطل إقراره بقي الدار للمقر له ويضمن قيمة ~~الدار للمقضي عليه؛ لأنه لما أقر ببطلان القضاء قد أقر على نفسه بوجوب رد ~~الدار على المقضي عليه، وبالإقرار للغير صار متلفا للدار، والدار تضمن ~~بالإتلاف عند الكل كما تضمن بالشهادة الباطلة. # وهذا الجواب ظاهر فيما إذا بدأ بالإقرار وثني بالنفي، وإن بدأ بالنفي ~~وثني بالإقرار، فكذلك الجواب وينبغي أن لا يصح إقراره ويرد الدار على ~~المقضي عليه؛ لأنه لما قال: "ما كانت لي قط" بطل القضاء، فإذا قال:"ولكنها ~~لفلان" فقد أقر بعد بطلان القضاء ووجوب الرد على المقضي عليه فلا يصح ~~إقراره، إلا أنا نقول: بأن الإقرار وإن كان مؤخرا فهو مقدم؛ لأنه قصد صحة ~~الإقرار، ولا صحة له إلا بالتقديم، والكلام يحتمل التقديم والتأخير دون ~~الإلغاء، ويقدم بشرط أن يكون موصولا ويضمن قيمة الدار للمقضي عليه. # (إلا أنه بالإسناد صار شاهدا ms351 على المقر له) أي إلا أن المقضي له بإسناد PageV02P925 # الملك لنفسه بالنفي بقوله: "ما كانت لي قط" صار شاهدا على المقر له لما ~~ذكرنا أن قوله: "ما كانت لي قط" يتضمن بطلان الإقرار؛ لأنه يتضمن بطلان ~~القضاء للتناقض، وإقراره للمقر له إنما يصح على تقدير بقاء الملك له ببقاء ~~القضاء له، فلما تضمن هذا بطلان القضاء له وبطلان الملك لنفسه لزم منه ~~بطلان الإقرار له، وهو ضرر للمقر له، فلذلك كان بقوله: " ما كانت لي قط ~~شاهدا" على المقر له، ومعنى قوله: إلا أنه بالإسناد صار شاهدا للمقر له هو ~~أنه لما قال: "لكنها لفلان" أقر ببطلان القضاء أيضا للتناقض بدعواه لنفسه، ~~ثم إقراره بها للغير وفي بطلان القضاء بطلان الإقرار له فكان شاهدا على ~~المقر له إلا أن أول الكلام يتوقف على آخره، فصار هذا تمليكا مطلقا للمقر ~~له بقوله: "لكنها لفلان" ونفيه الملك عن نفسه أولا لم يعمل في إبطال ~~الإقرار لما ذكرنا أن النفي يؤخر والإقرار بها له يقدم؛ لأن مقصوده من ذلك ~~صحة الإقرار للمقر له فيصح. # (وجعل لكن مبتدأ) وإنما تعرض بقوله: "لكن" لأن كون قوله: "لا أجيز ~~النكاح" للفسخ إنما نشأ من ذكر قوله: "لكن"عقيبه. إلى هذا أشار في "شروح ~~الجامع". # ألا ترى أنه لو قال: لا أجيز النكاح إلا بزيادة الخمسين أو حتى تزيدني ~~خمسين درهما لا ينفسخ العقد بل يتوقف؛ لأن قوله: لا أجيز إلا بزيادة" ~~استثناء بعد النفي فيكون إجازة لشرط الزيادة، ويصير قوله: "لا أجيز" عبارة ~~عن الكف عن الإجازة لا عن الفسخ؛ لأن الكف عن الإجازة هو الذي PageV02P926 # يحتمل الاستثناء وهو الذي يحتمل الغاية أيضا في قوله: "حتى تزيدني فأما ~~الفسخ فلا يحتمل الاستثناء ولا الغاية، فإذا كان كذلك لم يصر إجازة ولا فسخا. # وأما في قوله: "لا أجيز النكاح ولكن أجيزه بمئة وخمسين" فيبطل النكاح رضي ~~الزوج بالزيادة أو لم يرض؛ لأن قوله: "لا أجيز" مطلقه للفسخ؛ لأن النفي حصل ~~مطلقا إلا أن يدخل عليه ما يدل على ms352 أن المراد به الإمساك عن الإجازة لا ~~الفسخ، وهذا لأن قوله: "ولكن أجيزه بمئة وخمسين" كلام مبتدأ مستقل بنفسه ~~بخلاف الاستثناء والشرط. # قال الله تعالى:} وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا {فرق بين هذا وبين ~~ما لو قال لغيره: لك علي ألف درهم من ثمن بيع ولكن من قرض أو غصب لزم المقر ~~ألف درهم، ولو جعل ابتداء كلام غير موصول بالأول لا يلزمه، كما لو قال ~~المقر له: ليست من ثمن بيع وسكت، ثم قال بعد ذلك: ولكن من قرض أو غصب لا ~~يلزمه شيء. ووجه الفرق بينهما أن قوله: "ليست من ثمن بيع نفي للجهة والسبب، ~~فانتفى السبب وبقي الوجوب على حاله حتى لو نفي أصل الوجوب بأن قال: "ليس لي ~~عليك شيء" ثم قال: "ولكن من غصب أو قرض" لا يلزمه شيء. PageV02P927 # أما قوله: "هلا أجيز النكاح" رد للنكاح فيبطل النكاح، حتى لو قال: "لا ~~أجيز النكاح بمئة ولكن أجيزه بمئة وخمسين" لا يبطل النكاح. # وقوله: (الكلام متسق) أي كلام المقر له مع كلم المقر متوافقان لا ~~متنافيان؛ لأنهما توافقا في أصل الواجب وإن اختلف في السبب. # وقال شمس الأئمة- رحمه الله- ولو قال: لفلان علي ألف درهم قرض، فقال ~~فلان: لا ولكنه غصب فإنه يلزمه المال؛ لأن الكلام متسق فيتبين آخره أنه نفي ~~للسبب لا أصل المال، وأنه قد صدقه في الإقرار بأصل المال ولا تفاوت في ~~الحكم بين السببين، والأسباب مطلوبة للأحكام فعند انعدام التفاوت يتم ~~تصديقه له فيما أقر به فيلزمه المال. # ] أو [ # (وأما أو فإنها تدخل بين اسمين) كقوله تعالى:} فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن {(أو فعلين) كقوله ~~تعالى:} ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من PageV02P928 # دياركم}. # (ولم يوضع للشك، وليس الشك بأمر مقصود يقصد بالكلام وضعا). # في هذا نفي لقول الإمام القاضي أبي زيد- رحمه الله- فإنه يجعلها للشك، ~~وكذلك أهل النحو يجعلونها للشك، فقال: ليس كذلك؛ لأن الشك إنما يجئ لأمر ~~عارض ms353 وهو ليس بمقصود من الكلام حتى يوضع له لفظ؛ لأن وضع الألفاظ للإفهام ~~في الأصل، وبالشك يختل الإفهام فل يجوز أن يكون للاختلال الذي يجئ من الشك ~~لفظ موضوع وإنما جاء الشك من قبل محل الكلام وهو الخبر، فإنها إذا استعملت ~~في الخبر تناولت أحد PageV02P929 # المخبر بهما وذلك غير عين فأفضى إلى الشك وهذا هو الصحيح؛ لأن الخبر دليل ~~على ثبوت المخبر ولا يثبت لمخبر به بالخبر لما عرف أن الخبر لفظ دل على أمر ~~كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر، فإذا تساوى الدليلان على التعارض ~~من غير رجحان لأحدهما على الآخر جاء الشك، فعلم أن الشك إنما جاء من محل ~~الكلام لا من نفس كلمة "أو"، ولهذا إذا استعملت في الإنشاء لا تحتمل الشك ~~وهي حقيقة فيه لا مجاز. # (ولو استعملت في الابتداء) كما في قوله: إيت زيدا أو عمرا، (والإنشاء) ~~كقول الرجل: هذا حر أو هذا، فعلى هذا كان ما ذكره بعدها نظيرا لهما على ~~طريق اللف والنشر. # (حتى جعل البيان إنشاء من وجه وإظهارا من وجه) أي جعل تعيين العتق المبهم ~~في أحدهما إنشاء من وجه وإظهارا من وجه، وكذلك في الطلاق، حتى لو قال ~~لعبديه: هذا حر أو هذا، فمات أحدهما فقال المولى: PageV02P930 # كنت أردت بذلك الميت لا يصدق ويعتق الحي عملا بجهة الإنشاء؛ لأن قيام ~~المحل بالحياة شرط إنشاء من كل وجه لما أجبر، وكذلك لو كان هذا في الطلاق ~~المبهم بين المرأتين لو ماتت إحداهما قبل التعيين طلقت الباقية؛ لأنه إنما ~~كان لا يتعين قبل الموت في إحداهما لمزاحمة الأخرى معها وقد زالت بالموت، ~~فإذا خرجت إحداهما من أن تكون محلا للطلاق تعينت الأخرى، وإن قال: عينت ~~الميتة حين تكلمت صدق في حق نفسه حتى بطل ميراثه عنها ولا يصدق في إبطال ~~الطلاق على الحية؛ لأن الطلاق يعين فيها شرع فلا يملك صرف الطلاق عنها ~~بقوله، وكذلك لو كانت تحته حرة وأمه فقال في مرض موته: هذه طالق ثنتين أو ~~هذه، ثم ms354 أعتق المولى الأمة فقال الزوج: أردت بذلك الأمة؛ تحرم عليه الأمة ~~حرمة غليظة عملا بكونه بيانا، وجعل الزوج فارا وترث المرأة التي كانت أمة ~~عملا بكونها إنشاء. # (ويبيع أيهما شاء) يعني لا يشترط اجتماعهما على البيع بخلاف ما لو قال: ~~وفلانا حيث يشترط هناك اجتماعهما؛ لأن "أو" في موضع الابتداء PageV02P931 # تخيير، فينظر إن كان هو منفردا بذلك الفعل فالاختيار له، وإن كان تمام ~~ذلك الفعل موقوفا على الآخر كان الآخر كالتوكيل المبهم؛ لأن تمام ذلك الفعل ~~بالاختيار، فيكون الاختيار لمن إليه تمام الفعل، والوكالة لا تتم إلا ~~بالقبول، والتوكيل صح استحسانا. # قال في وكالة "المبسوط": وإذا كان لرجل عدل زطي فقال لرجلين: أيكما باعه ~~فهو جائز، وكذلك لو قال: وكلت هذا أو هذا ببيعه فباعه أحدهما في القياس لا ~~يجوز لجهالة من وكله ببيعه وفي الاستحسان يجوز؛ لأن هذه جهالة مستدركة ~~فتحملت فيما هو مبني على التوسع، ثم قال: قد نص على القياس والاستحسان ها ~~هنا ولم ينص في توكيل الواحد ببيع أحد العبدين حتى تكلف بعضهم للفرق فقال: ~~الجهالة فيما تناولته الوكالة بالبيع دون الجهالة فيمن هو وكيل بالبيع لما ~~بينا في الإقرار أن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار، وجهة المقر له ~~تمنع من ذلك، ولكن الأصح أن القياس والاستحسان في الفصلين، والتخيير لا ~~يمنع الامتثال كما في كفارة اليمين. # (إلا أن يكون من له الخيار معلوما) أي خيار التعيين (في اثنين أو ثلاثة ~~فيصح استحسانا). # وقال في "الأسرار": إذا اشترى ثوبين بعشرة على أنه بالخيار يأخذ أيهما PageV02P932 # شاء ويرد الآخر، وكذلك أحد الأثواب الثلاثة، فهذا الشرط جائز استحسانا ~~عندنا، وعند زفر لا يجوز قياسا، كما لو اشترى أحد الأثواب الأربعة على أنه ~~بالخيار يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر. # ووجه الاستحسان أن فساد البيع بالجهالة مثل الفساد بالشرط، فلما احتملت ~~الجهالة الشرط في مدة الثلاث نفيا للغبن فلأن تحتمل الجهالة من الثلاث نفيا ~~للغبن أولى، فوجه الأولوية باعتبار أن الأعيان الثلاثة تحتمل الأوصاف ~~الثلاثة، وهي: الجيد، والوسط، ms355 والردئ بخلاف الأيام، ثم هناك لم يتحمل أكثر ~~من ثلاثة أيام فكذا ها هنا (لكنه يوجب خطرا)؛ لأنه يحتمل أن يختار هذا ~~فيكون هو المبيع ويحتمل أن يختار ذلك فيكون هو المبيع، فهذا يشبه القمار، ~~وشبهة الحرمة ملحقة بحقيقة الحرمة، فالقياس أن لا يجوز لما ذكرنا من شبهه ~~بالقمار إلا أنه صح في الثلاث استحسانا بدلالة PageV02P933 # النص وهي أن النبي عليه السلام شرع شرط الخيار، بخلاف القياس ونبهنا على ~~العلة وهي دفع الغبن والخسران، فكأنه قال للمشتري: لك ولاية دفع الغبن وهذا ~~في معناه؛ لأن دفع الغبن كما يحصل بالتأمل في عين واحد يحصل باختيار عين ~~واحد من الأعيان، بل ها هنا أقوى فكان في معناه، وإنما قلنا في الثلاث دون ~~ما فوقه؛ لأن الأعيان لا تخلو عن جيد ووسط وردئ، فاندفعت الحاجة بالثلاثة ~~فيبقى ما وراءها على قضية القياس. # (لزمه الأقل) أي عينا؛ لأنه لا فائدة في التخيير بين القليل والكثير في ~~الجنس الواحد بل يثبت الأقل لكونه متعينا في اليسر، والتخيير لليسر. # (وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- يصار إلى مهر المثل) أي يحكم مهر المثل ~~في الوجوه كلها حتى أنه لو تزوجها على ألف حالة أو ألفين إلى سنة فعند أبي ~~حنيفة- رضي الله عنه- ينظر على مهر مثلها، فإن كان ألفين أو أكثر فالخيار ~~لها عن شاءت أخذت الألفين إلى سنة وإن شاءت أخذت الألف حالا، وإن PageV02P934 # كان مهر مثلها أقل فالخيار إليه إن شاء أعطاها الألف الحالة وإن شاء ~~أعطاها الألفين إلى سنة؛ لأن كل واحد من المالين أنقص من صاحبه من وجه ~~وأزيد من وجه، وإن كان مهر مثلها فيما بين ذلك فلها مهر مثلها وعندهما ~~الخيار للزوج لتشككنا في وجود الأكثر إلا أن يرضى هو بالأكثر، فإن طلقها ~~قبل الدخول فلها نصف ما يختار الزوج بالإجماع؛ لأنه الأقل. كذا ذكره الإمام ~~التمرتاشي- رحمه الله- # وقال في "المبسوط" وغن تزوجها على ألف درهم أو ألفي درهم فعلى قول أبي ~~حنيفة- رحمه الله- يحكم مهر المثل، فإن كان مهر مثلها ألفا أو أقل ms356 فلها ~~الأقل، وإن كان ألفين أو أكثر فلها ألفان، وإن كان أكثر من ألف وأقل PageV02P935 # من ألفين فلها مهر مثلها، وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لها الألف ~~في الوجوه كلها، (يتعين باختياره من طريق الفعل). قيد به لئلا يظن تعيينه ~~بالاختيار من طريق القول، فإنه لو عين أحد الأشياء الثلاثة بالقول لا ~~يتعين، بل يتعين في ضمن الفعل كما في أجزاء وقت الصلاة للصلاة، حيث يتعين ~~الجزء الواحد من الأجزاء سببا للصلاة من حيث الفعل لا من حيث القول، ثم إذا ~~تعين أحد هذه الأشياء الثلاثة بالفعل لا يبقى غيره محتملا للواجب ولكن يبقى ~~مباحا، فأوجب التخيير على احتمال الإباحة حتى إذا فعل الكل جاز. # فإن قيل: إذا فعل الكل بأن وكل بكل نوع إنسانا ففعلوه معا ينبغي أن لا ~~يجوز؛ لأنه لم يثبت التخيير فلم تثبت الإباحة؛ لأن الإباحة تثبت في ضمن ~~التخيير. # قلنا: قد أثبت الله تعالى التخيير بقوله:} إطعام عشرة مساكين {الآية، ~~فتثبت الإباحة في ضمنه فيبقى ما لم يقم الدليل المزيل. بخلاف ما لو قال: بع ~~هذا أو هذا، فإن هناك ثبوت الاختيار بدون الإباحة على ما يجئ لقيام الدليل ~~على عدم الإباحة فيهما جميعا؛ لأنه لا يرضي ببيع كليهما. PageV02P936 # (فأما أن يكون الكل واجبا فلا) أي هذه الأنواع الثلاثة جائزة إذا فعلها، ~~ولكن الواجب أحدها بخلاف ما زعم بعض الفقهاء إن الكل واجب؛ لأن كل واحد ~~منها يحتمل أن يكون واجبا على سبيل البدل، فإذا فعل الكل وليس أحدها بأولى ~~مما سواه فيقع الكل واجبا. # (وكذلك قولنا في كفارة الحلق) هو قوله تعالى:} ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك {وجزاء الصيد وهو قوله تعالى:} فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا ~~عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك {. # فأما قوله تعالى} إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف {(فقد جعله بعض ~~الفقهاء للتخيير)، وهو مالك ms357 عملا بحقيقة كلمة (أو) فإنها للتخيير، وقد ورد ~~بيانه على هذا المثال بالسنة في حديث جبريل عليه السلام. PageV02P937 # وهي ما روى محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس- رضي الله عنهم- أنه قال: "وادع رسول الله عليه السلام أبا بردة- هلال ~~بن عويمر الأسلمي- فجاءه أناس يريدون الإسلام PageV02P938 # فقطع عليهم أصحاب أبي بردة الطريق، فنزل جبريل على رسول الله عليهما ~~السلام بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال صلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ~~ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلما هدم الإسلام ~~ما كان منه في الشرك- وفي رواية عطية عنه: ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم ~~يأخذ المال نفي". وفي هذا الخبر دليل على أن "أو" ليست للتخيير إنما هي ~~مرتبة للحكم باختلاف الجناية كما يقال لمن يسأل عن حدود الكبائر هي: الجلد، ~~أو الرجم، أو القطع لا يراد به التخيير. # ذكر إمام الهدى- رحمه الله- في هذه الآية: إن الأصل فيه أن كلمة "أو" PageV02P939 # متى ذكرت بين الأجزية المختلفة الأسباب يراد بها الترتيب كما في هذه ~~الآية، وإلا فهي للتخيير كما في قوله تعالى:} فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~{الآية. # وقوله: (فاستغنى عن بيانها) أي عن بيان أنواع المحاربة، فصارت أنواع ~~الجزاء مقابلة بأنواع المحاربة؛ لأن جزاء الشيء يقابل سببه، كما يقال: ~~الرجم يقابل زنا المحصن، والجلد يقابل زنا غير المحصن، وجناية المحاربة ~~معلومة وهي مختلفة، فتنقسم الأجزية على حسب أنواع الجناية وهو معنى قوله: ~~(فأوجبت التفصيل والتقسيم على حسب أحوال الجناية) لما أن الجزاء يناسب ~~الجناية، فيقابل الخفيف الخفيف، والغليظ الغليظ إذ الغليظ في PageV02P940 # مقابلة الخفيف والخفيف في مقابلة الغليظ لايحسن ولا يناسب. # (ثم قتله أو صلبه) أي مع القطع؛ لأن الجناية تحتمل الاتحاد يقال: قطع ~~الطريق والتعدد وهو أخذ المال وقتل النفس، فإن كل واحد منهما على الانفراد ~~يوجب الجزاء، فإذا اجتمعا كان موجبهما أيضا يتعدد، فكان متعددا بنفسه متحدا ~~بأثره وهو قطع الطريق وانقطاع المارة، والشيء قد يعلم ms358 بأثره كما يعلم ~~بمؤثره، وكذلك من الجائز أن المقصود هو القتل بأن كان القطاع مواترين ~~للمارة، وأخذ المال وقع تبعا لا قصدا، ومن الجائز أن أخذ المال هو الأصل ~~وقتل النفس وقع تبع حتى لا يقوم أحد من يطلبهم، فلذلك خير أبو حنيفة- رحمه ~~الله- الإمام بين إقامة حد أخذ المال والقتل عملا بالتعدد، وبين إقامة حد ~~القتل عملا بالاتحاد. # وقوله: (ولهذا قال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- فيمن قال لعبده) يتعلق ~~بكلام قبل هذا بورق وهو قوله: فإن استعملت في الخبر تناولت PageV02P941 # أحدهما غير عين إلى أن قال هذا حر أو هذا، ولهذا ذكر الإمام شمس الأئمة- ~~رحمه الله- هذه المسألة متصلا بذلك الأصل المذكور بتلك المسألة. # (وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- نعم هو كذلك، لكن على احتمال التعيين) ~~يعني أن أصل هذا الإيجاب يتناول أحدهما بغير عينه على احتمال التعيين. # ألا ترى أنهما لو كانا عبدين تناول أحدهما على احتمال التعيين إما ببيانه ~~أو بانعدام المزاحمة بموت أحدهما، فيصح الإيجاب هنا باعتبار هذا المجاز كما ~~هو أصل أبي حنيفة- رحمه الله- في العمل بالمجاز، وإن تعذر العمل بالحقيقة ~~لعدم صلاحية المحل له، يعني لما كان هذا الإيجاب صالحا لإثبات العتق في ~~حقيقة هذا الكلام في حق العبدين كان صالحا أيضا لإثبات العتق في محل المجاز ~~أيضا، وهذا هو المحل بجامع وجود العينين الذي كان هو محلا صالحا PageV02P942 # لدخول كلمة "أو" وله مجاز متعين وهو إيجاب العتق. غير أن هذا الإيجاب في ~~محل الحقيقة يوجب العتق المبهم، وفي محل المجاز يوجب العتق المعين، فكان ~~منزلة موت أحد العبدين قبل البيان في محل الحقيقة. # (فتصير شبيها بواو العطف لا عينه)، فشبهه بواو العطف من حيث إنهما ~~متعينان كما في واو العطف وليس هو بعينه من حيث إن كل واحد منهما مراد ~~بالنفي خلاف الواو. # (حتى إذا كلم أحدهما يحنث) بخلاف واو العطف، (ولو كلمهما لا يحنث إلا مرة ~~واحدة)؛ لأنه لما حنث بكلام أحدهما لم تبق اليمين فلم يحنث إلا مرة واحدة ~~ولا خيار له في ذلك، ولو كان ms359 على حقيقة لكان له الخيار، وهذا لأنه لما كان ~~كلاهما مرادا لم يبق له الخيار، وثبوت الخيار إنما يلزم من كون أحدهما ~~مرادا وليس كذلك (حتى لو استعمل هذا في الإيلاء) بأن قال: والله لا أقرب ~~هذه أو هذه (بانتا جميعا) كما في واو العطف. # فلذلك صار عاما أي لما وقعت النكرة في موضع النفي صار عاما ولا PageV02P943 # يمكن إثبات التعميم إلا أن يجعل بمعنى واو العطف؛ لأن الإباحة دليل ~~العموم؛ لأن الإباحة رفع القيد، وعند ارتفاع لقيد تثبت الإباحة على سبيل ~~العموم، فاعتبر هذا برفع القيد الحسي، وكذلك في الشرعيات إذا حلف لا يخرج ~~من داره إلا إلى جنازة فخرج إلى جنازة وفعل أفعالا أخر لم يحنث؛ لأنه موضع ~~الإباحة، وكذلك إذا أذن لعبده في نوع من الأنواع يصير مأذونا في الأنواع ~~كلها لما أنه في موضع الإباحة؛ لأن العبد كان ممنوعا عن التصرفات فيكون ~~الإذن فك الحجر، وبالفك تثبت الإباحة، (وفرق ما بين الإباحة والتخيير) أن ~~الجمع بين الأمرين في التخيير يجعل المأمور مخالفا وفي الإباحة موافقا؛ ~~لأنه إذ جمع بينهما في التخيير يقع الامتثال في أحدهما PageV02P944 # ولا يقع في الآخر، وفي الإباحة يقع الامتثال بهما؛ لأن موضع الإباحة موضع ~~التعميم على ما ذكرنا. # (وإنما تعرف الإباحة من التخيير بحال تدل عليه) وهي: # أن تكون هذا بعد سبق الخطر قبله كما في قوله: (لا يكلم أحدا إلا فلانا أو ~~فلانا/ فإن له أن يكلمهما جميعا)، أو أن يعرف الصفة المرغوبة في كل واحد ~~منهما فكان له رضا في الجمع بينهما كما في قوله: جالس الفقهاء أو المحدثين، ~~أو استعملها في موضع إظهار السماحة والجود كما في قوله: خذ من مالي هذا أو ~~هذا، وهذه دلالات الإباحة وإلا فهي للتخيير، ولا فرق بينهما من حيث الصيغة ~~في نفسها إذ في كل منهما استعمال كلمة "أو" بين الشيئين عند إصدار صيغة ~~الأمر من المتكلم. # (قد برئ فلان من كل حق لي قبله إلا دراهم أو دنانير أن له أن يدعي ms360 ~~المالين جميعا)؛ لأن صدر الكلام للتحريم معنى؛ لأنه يحرم على نفسه الدعوى ~~فكان الاستثناء في موضع الإباحة. PageV02P945 # (وقال محمد- رحمه الله- بكل قليل أو كثير على معنى الإباحة) يعني لو باع ~~الدار لا يدخل الطريق والشرب في البيع، ولو قال بكل قليل أو كثير يدخل على ~~معنى الإباحة، ومعنى الإباحة فيه أن المشتري كان ممنوعا عن الانتفاع ~~بالطريق والشرب. # قيل: قوله: "بكل قليل أو كثير" فكان هذا بعد الحظر فكان موضع إباحة، ولكن ~~فيه نوع إشكال وهو أنه لو ثبت الملك للمشتري في الطريق والشرب بطريق ~~الإباحة لأمكن البائع من الرجوع فيهما ومع ذلك لا يمكن. # والجواب عنه: إن الملك هنا للمشتري وإن كان ثابتا في موضع الإباحة لكن ~~ثبت ذلك في ضمن عقد لازم وهو البيع فأعطي له حكم المتضمن في اللزوم فلم ~~يملك البائع الرجوع فيهما لذلك. # وقوله: (أوجبت التخيير. مثل قول الرجل: والله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن ~~هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أن له الخيار). # اعلم أن في هذه المسألة نوع تخليط فلا بد من حفظه، فإن قوله: "إن له PageV02P946 # الخيار راجع إلى المسألة الأولى دون الثانية قطعا وبتاتا بدليل روايات ~~الكتب المعتمد عليها. # منها: ما ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- في "أصول الفقه" ~~على وفق ما ذكرته حيث قال: وعلى هذا قال في "الجامع": لو قال: والله لأدخلن ~~هذه الدار اليوم أو لأدخلن هذه الدار، فأي الدارين دخل بر في يمينه لأنه ~~ذكر الكلمة في موضع الإثبات فتقتضي التخيير في شرط البر، ولو قال: لا أدخل ~~هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار، فأي الدارين دخل حنث في يمينه؛ لأنه ذكرها ~~في موضع النفي فكانت بمعنى ولا، وهكذا أيضا في "شروح الجامع الكبير" في ~~الباب الآخر من أيمانه. # وقال المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير": رجل قال: والله لا أدخل ~~هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار، فأيهما دخل حنث؛ لأنه التزم أحد الأمرين، ~~فلو لم يحنث بأحدهما لصارت اليمين واقعة ms361 عليهم جميعا معا وذلك باطل. # ألا ترى أنه لو عطف بالواو مع إعادة حرف النفي لكان الجواب ما قلنا، فكان ~~هذا أولى. # والفصل الثاني: ولله لأدخلن هذه الدار اليوم، أو لأدخلن هذه الدار اليوم ~~أو لأدخلن هذه الدار، فأيهما دخل بر، وإن مضى اليوم قبل أن يدخلهما حنث؛ ~~لأنه التزم دخول إحداهما، فلو لم يبر بدخول إحداهما PageV02P947 # لصار ملتزما دخولهما وليس كذلك، وهكذا أيضا في غيره من "شروح الجامع ~~الكبير" ثم لا يمكن أن يقال: إن معناه أن له الخيار أي في المسألة الثانية ~~أيضا بأن يكون مختارا بين الدخول في إحدى هاتين الدارين مع الحنث؛ لأنه لا ~~يطلق في مثله اسم الخير. # ألا ترى أنه كيف نفى الخيار قبل هذا في الكتاب في مثل ذلك في قوله في رجل ~~قال: "والله لا أكلم فلانا أو فلانا- إلى قوله- ولا خيار له في ذلك"، ثم ~~يحتمل أن تكون فائدة إعادة ذكر هذه المسألة الثانية مع ذكر نظيرها قبلها هي ~~إعلام أنه لا يتفاوت ذكر كلمة "أو" في موضع النفي بين أن يكون هي في اسمين ~~كما في المسألة الأولى أو بين فعلين كما في هذه المسألة، ففي كل منهما ~~يقتضي التعميم. # (ولها وجه آخر ها هنا) أي في الأفعال. # (ويحتمل ضرب الغاية) أي ويحتمل صدر الكلام ضرب الغاية لكونه التحريم للفعل. # وهو} يتوب {على الاسم وهو {شيء}. PageV02P948 # (وللمستقبل) وهو} يتوب {(على الماضي) وهو} ليس {يعني لو كان قوله:} أو ~~يتوب {معطوفا على ما قبله لكان لا يخلو إما إن كان معطوفا على} شيء {أو ~~معطوفا على} ليس {، وليس كل واحد منهما صالحا لكونه معطوفا عليه له لما ~~ذكر، فلذلك سقطت ها هنا حقيقة العطف من "أو" فكان أو ها هنا على هذا ~~التقدير بمعنى "إلا أن" على معنى} ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~{فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. # كذا في "الكشاف" جعل هذا الوجه آخر الوجوه، وذكر فيه قبل هذا إنه معطوف ~~على ما قبله وهو قوله:} ليقطع ms362 طرفا {وقوله:} ليس لك من الأمر شيء {اعتراض، ~~والمعنى إن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن ~~أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء. # وقيل: إن} يتوب {منصوب بإضمار أن، وإن} يتوب {في حكم اسم معطوف ب} أو ~~{على الأمر، أو على} شيء {أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو ~~من تعذيبهم إلى آخره. # (واستعير) أي حرف "أو" استعير (لما يحتمله) وهو يحتمل الامتداد أي ~~والتحريم يحتمل الامتداد ويكون الامتداد في غير التحريم أيضا كما في قولك: PageV02P949 # لألزمنك أو تعطيني حقي،، وعلى هذا قراءة من قرأ:} تقاتلونهم أو يسلمون ~~{بالنصب كما في قول الشاعر. # لا أستطيع نزوعا عن مؤدتكم ... أو يصنع البين غير الذي صنعا # أي حتى يصنع. # وعلى هذا كان قوله: أو أدخل هذه الدار الأخرى بالنصب في قوله: والله لا ~~أدخل هذه الدار، (أو أدخل هذه الدار الأخرى)، والله أعلم. PageV02P950 # باب حتى # (لا يسقط ذلك عنه) أي لا يسقط معنى الغاية عن هذا الحرف إلا مجازا ليكون ~~الحرف موضوعا لمعنى يخصه أي يخص الحرف ذلك المعنى حتى ينتفي الاشتراك، أو ~~المعنى يخص ذلك الحرف لينتفي الترادف، هذا هو الأصل، وقوله: "إلا مجازا" ~~يعني أينما وجد هذا الحرف وجد فيه معنى الغاية إلا إذا استعمل هذا الحرف ~~بمعنى حرف آخر مجازا، حينئذ يسقط عنه معنى الغاية كما في قوله: عبده حر إن ~~لم آتك حتى أتغد عندك، كان هذا هنا للعطف المحض. # (فعلمنا أنها وضعت له) أي إن كلمة (حتى) وضعت لمعنى الغاية، PageV02P951 # فأصلها كمال معنى الغاية وخلوصها لذلك بمعنى إلى، ولكن الفرق بينهما من وجوه: # أحدها- وهو أيسرها مأخذا- أن كلمة (حتى) تدخل في الغاية الوضعية لا في ~~الجعلية، ونعني بالوضعية أن ينتهي بها الغيا أو ينتهي عندها، وعن هذا لا ~~يقال: نمت البارحة حتى نصف الليل؛ لأن الليل لا ينتهي به ولا عنده، وكلمة ~~إلى تدخل فيهما جميع كقوله تعالى:} ثم أتموا الصيام إلى الليل ms363 {وقوله:} ~~وأيديكم إلى المرافق {فالأيدي لا تنتهي بالمرافق ولا عندها، وكذا صح فيها ~~أن يقال: نمت البارحة إلى نصف الليل، وباقي الفروق مذكور في "الموصل" ~~بعبارة تليق به. # وتقول: (أكلت السمكة حتى رأسها أو إلى رأسها، فإنه بقي)، اعلم أن المصنف- ~~رحمه الله- بهذا التفسير بين خلوص معنى الغاية في حتى؛ لأن كلمة إلى خاصة ~~في الغاية لا كلام فيها، فإنها لو ذكرت في هذا المقام بأن قيل: أكلت السمكة ~~إلى رأسها كان معناها هكذا، وهو أن يقال: إن رأسها بقي، فلما جاءت حتى ~~هاهنا في معنى إلى في حق بقاء الرأس علم أن حتى جاءت للغاية الخالصة، فإن ~~حتى لو لم تكن خالصة للغاية ها هنا لجاءت على ما يقوله PageV02P952 # أهل النحو، وهو: أن يدخل ما بعدها فيما قبلها، وبه تفارق كلمة إلى أيضا ~~هو فرق آخر بينهما على ما ذكر في كتب النحو بقوله: ومن حق حتى ن تدخل ما ~~بعدها فيما قبلها. # ففي مسألتي السمكة والبارحة قد أكل الرأس. ونيم الصباح، بخلاف كلمة إلى. # (وهذا على مثال سائر الحقائق) أي الكمال هو الأصل في سائر الحقائق فكذا ~~هنا، فعلى هذا الطريق جعل ها هنا ورود حتى لخلوص معنى الغاية حقيقتها ~~الأصلية، ولكن الاستعمال فيها على وفق ما ذكر في كتب النحو وهو: أن يدخل ما ~~بعدها فيما قبلها. # (ثم قد يستعمل للعطف لما بين الغاية والعطف من المناسبة) لما فيهما من ~~التعاقب، فإن المعطوف يعقب المعطوف عليه ويجتمع معه، فكذلك الغاية تذكر بعد ~~لمغيا وتجتمعان، فاستعيرت للعطف. PageV02P953 # لهذا (جاءني القوم حتى زيد) فيه معنى العطف؛ لأن زيدا جائي فكان للعطف من ~~هذا الوجه، ومن حيث إن مجئ القوم ينتهي بمجيئه فيه معنى الغاية، وذلك إنما ~~يكون إذا كان (زيد أفضلهم) لا يتوقع مجيئه عادة، فينتهي مجئ القوم بمجيئه، ~~(أو أرذلهم)؛ لأن في العادة إنما يعتبر مجئ الأكابر لا الأراذل، فلما أراد ~~ذكر تعميم مجئ القوم ذكر بهذا الطريق ليعلم به مجئ جميعهم، فكان مجئ ~~الأراذل غاية لانقطاع مجئ القوم. ms364 # ألا ترى إلى وصل (قولهم: استنت الفصال حتى القرعى) بهذا القول علم بهذا ~~أنه أراد به الأرذل وهذا مثل يضرب لمن يتكلم مع من لا ينبغي أن يتكلم بين ~~يديه لجلالة قدره. يقال: استن الفرس إذا رفع يديه ويطرحهما معا ويضرب ~~برجليه كذلك في العدو، والقريع: الفصيل الذي به قرع- بالتحريك- هو بثر أبيض ~~يخرج بالفصال ودواؤه الملح، فإذا لم يجدوا PageV02P954 # ملحا نتفوا أوباره ونضحوا جلده بالماء ثم جروه على السبخة وجمعه القرعى ~~كمريض ومرضى، ثم ها هنا الاستنان أي العدو لا يتوقع من القريع لضعفه لما ~~اتصل به من القرع، فينتهي استنان سائر الفصال باستنانها. # وحاصله أن في حتى لم يكن بد من اعتبار معنى الغاية إما في الأعلى أو في ~~الأدنى، وهو معنى ما ذكر في "المفصل" بقوله: وحتى للغاية والدلالة على أحد ~~طرفي الشيء. PageV02P955 # (فكانت حقيقة قاصرة)؛ لأن كمال الغاية هو أن لا تدخل الغاية تحت المغيا ~~على ما أشار إليه قبل هذا بقوله: فأصلها كمال معنى الغاية فيها وخلوصها ~~لذلك بمعنى إلى. # وهناك لم تدخل الغاية تحت المغيا، ولما دخلت الغاية هنا تحت المغيا ~~باعتبار وجود معنى العطف فيها حتى دخل زيد تحت الجائين في قوله: جاءني ~~القوم حتى زيد مع وجود معنى الغاية كانت الغاية فيها قاصرة بالنسبة إلى ما ~~ذكر قبله من كمال معنى الغاية فيها، تقول: (ضربت القوم حتى زيد غضبان) يعني ~~ضربت القوم حتى صار زيد غضبان، فصار غضب زيد غاية الضرب. # (ومواضعها في الأفعال أن يجعل غاية بمعنى إلى) كقوله تعالى:} حتى تغتسلوا {. # (أو غاية هي جملة مبتدأة) كقول الله تعالى: {حتى يقول الرسول} PageV02P956 # في قراءة من قرأ بالرفع. # (وعلامة الغاية أن يحتمل الصدر الامتداد) كقوله تعالى:} فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره {(وأن يصلح الآخر دليلا على الانتهاء)؛ لأن الغاية ~~هي التي ينتهي إليها الشيء، فلا بد من الامتداد في الأول والانتهاء في الآخر. # (فإن لم يستقم فللمجازاة) وعدم الاستقامة، إما بعدمهما أو عدم أحدهما، ~~فيحمل على المجازاة إذا ms365 كان صدر الكلام سببا لما بعده وما بعده يصلح حكما ~~له، فحينئذ يحمل على المجازاة؛ لأن جزاء السبب غاية لسببه، فيكون المجازاة ~~مع قيام معنى الغاية نظير قسم العطف من الأسماء كما قلنا: جاءني القوم حتى ~~زيد، وأكلت السمكة حتى رأسها أنه للعطف مع قيام معنى الغاية، فكذلك ها هنا ~~إنه للمجازاة مع معنى الغاية. PageV02P957 # قال الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية {وما قبله:} قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر {إلى قوله:} حتى يعطوا الجزية {فالمقاتلة ها هنا ~~تصلح دليلا للامتداد؛ لأنه يقال: قتل شهرا وقاتل سنة، والآخر يصلح ~~للانتهاء؛ لأن نفس الكفر غير مبيح للقتل إذا لم يكن من أهل صلاحية القتال؛ ~~لأن قتل رهابين الكفار وشيوخهم ونسائهم غير مشروع، بل المبيح للقتل كفر ~~المحارب أو صلاحيته، والجزية خلف عن الإسلام وقبول ما هو خلف عن الإسلام ~~يصلح دليل لانتهاء القتال، فلذلك كانت كلمة (حتى) هنا للغاية. # (} وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة {) أي كيلا تكون فتنة؛ لأن آخر الكلام لا ~~يصلح لانتهاء صدر الكلام؛ لأن القتال واجب مع عدم الفتنة، فإن القتال واجب ~~وإن لم يبدأ الكفار لقوله تعالى:} قاتلوا الذين يلونكم من { PageV02P958 # الكفار} وقوله تعالى:} وليجدوا فيكم غلظة {. ولكن صدر الكلام يصلح سببا ~~لانتفاء الفتنة فلذلك حمل على لام كي. هذا على تقدير تفسير الفتنة بالخراب ~~والقتال. # وأما على تقدير تفسيرها بالشرك والكفر كان غاية للقتال؛ لأن القتال ينتهي ~~بانعدام الشرك، وتفسيرها بالشرك أولى بدلالة ما بعدها، وهو قوله تعالى:} ~~ويكون الدين لله { # وقوله: (على ما هو موضوع الغايات أنها أعلام الانتهاء من غير أثر) معناه ~~أن الغاية علامة على انتهاء صدر الكلام من غير أن يكون للغاية أثر في ~~انتهاء صدر الكلام، على ما عرف أن علامة الشيء أن تعرف ذلك الشيء ولا ~~توجبه، ولا يضاف ذلك الشيء إليه لا وجودا ولا وجوبا كالإحصان PageV02P959 # مع الرجم، فإن الإحصان علامة على وجوب الرجم إذا وجد الزنا من المحصن من ~~غير أن يكون الرجم مضافا إليه لا وجوبا ms366 ولا وجودا. # ثم معنى قوله:} وزلزلوا {حركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجا شديدا ~~شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع،} حتى يقول الرسول {أي إلى ~~الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها} متى نصر الله {أي بلغ بهم الضجر ولم ~~يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة، ~~وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم؛ لأن الرسل ~~لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ~~ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها، وقرئ} حتى يقول الرسول ~~{بالرفع على أنه في معنى الحال PageV02P960 # كقوله: شريت الإبل حتى يجئ البعير يجر بطنه. إلا أنه حال ماض محكية، فلا ~~يكون فعلهم سببا لمقالة الرسول. # فإن قيل: فليس لهم الفعل في زلزلوا، بل وقع الزلزال عليهم، فكيف جعل ذلك فعلهم؟ # قلنا: فإنهم لما زلزلوا كان التزلزل موجودا منهم؛ لأنهم إذا حركوا كان ~~التحرك موجودا منهم خصوصا على اصطلاح أهل النحو، فإنهم هم الفاعلون بسبب ~~أنهم أسند إليهم الزلزال على بناء المفعول. # (والكف عنه محتملة في حكم الحنث لا محالة) يعني أن الضرب لما كان ممتدا ~~بطريق التكرار فالكف عنه الذي حكم الحنث يحتمل الامتداد بالطريق الأولى؛ ~~لأن الكف عن الضرب امتناع، والامتناع عن الشيء أكثر امتدادا من ذلك الشيء، ~~وإنما قال: "والكف منه محتمله لا محالة" لأن صدر الكلام إن لم أضرب فلا بد ~~من كونه ممتدا. # أو نقول: "والكف عنه أي عن الضرب محتمله" أي الكف عن الضرب محتمل الضرب ~~أي الامتناع عنه محتمل؛ لأنه يشترط أن يكون فعل الحنق مقدورا حتى يتحقق الحنث. # ألا ترى أن من قال: إن لم أقتل فلانا فعبده حر، وفلان ميت وهو لا يعلم ~~بموته لم يحنث؛ لأن شرط الحنث عدم القتل وهو غير ممكن. PageV02P961 # (وهذه الأمور دلالات الإقلاع عن الضرب) أي الامتناع عنه؛ لأن الصياح يصلح ~~دليلا على انتهاء الضرب، وكذلك إخواته، وصدر الكلام يحتمل الامتداد؛ لأن ~~الضرب بطريق ms367 التكرار يحتمل الامتداد يعني بتجدد أمثاله يمتد كالجلوس وغيره، ~~فيكون الضرب إلى هذه الأمور ممتدا في حكم البر. يعني إذا ضربه إلى هذه ~~الغاية بر في يمينه، فإذا أمسك عن الضرب قبل وجود هذه الأمور حنث لفوات ~~البر فوجب العمل بحقيقتها إذا لم يغلب على الحقيقة عرف هو راجح حينئذ، ~~وفيما نحن فيه لم يغلب فوجب العمل بالحقيقة حتى لو غلب على الحقيقة عرف هو ~~راجح تترك الحقيقة وتحمل على العرف في قولهم: إن لم أضربك حتى أقتلك أو حتى ~~تموت، فإنه يحمل على الضرب الشديد حتى إذا ضربه ضربا شديدا ثم أمسك عن ~~الضرب قبل أن يقتله أو يموت فقد بر، ولو قال: إن لم أضربك حتى يغشى عليك ~~فأميك عن الضرب قبل أن يصير مغشيا عليه حنث؛ لأنه لم يغلب على الحقيقة عرف ~~راجح، فإن الضرب إلى أن يغشى عليه كالضرب إلى أن يشفع فلان وغير ذلك. PageV02P962 # (لأن هذا الفعل إحسان) أي فعل التغدي إحسان من المتعدي لصاحب الطعام. # فإن قلت: كيف يكون أكل طعام الغير إحسانا لذلك الغير بل هو إحسان لنفسه ~~وهو الأكل؟ # قلت: نعم هو أحسان لنفسه وهو ظاهر لكن مع ذلك هو إحسان لصاحب الطعام أيضا. # ألا ترى إلى قصة ضيف إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى:} هل أتاك حديث ~~ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما {إلى قوله:} فقربه ~~إليهم قال ألا تاكلون (27) فأوجس منهم خيفة {فلما خاف إبراهيم عليه السلام ~~بسبب تركهم الأكل علم أن أكل طعامه إحسان له منهم؛ لأنهم يزيلون به خوفه، ~~فإزالة الخوف من الغير إحسان له. # (ولا يصلح إتيانه سببا لفعله)؛ لأنه موقوف على اختيار مختار وفعل بإرادة، ~~والحكم ما يحصل عقيب السبب كالملك عقيب الشراء والحل عقيب النكاح، وفي هذا ~~موقوف على اختيار مختار، فلذلك لم يصلح إتيانه سببا لفعله بخلاف ما إذا كان ~~بين اثنين بأن قال: إن لم آتك حتى تغذيني حيث صار الأول سببا للثاني، ~~والثاني حكما للأول، وإن توقف على فعل مختار؛ ms368 PageV02P963 # لأن الثاني يجعل كأنه فعل من غير اختيار فرارا من اللوم وشين التغيب، ~~فإنه في العرف يعد لوما ويعير على ذلك بأن يأتيه إنسان وهو لا يقدم إليه ~~الطعام، ولا كذلك في مسألتنا فإنه لا يعد من اللوم فافترقا من هذا الوجه. # (ولا فعله جزاء لإتيان نفسه)؛ لأنه لا يصلح مكافيا لنفسه؛ لأن المكافئ ~~غير المكافي، ولهذا لأن الجزاء الخير بطريق المكافأة إنما يفعل لكي يكون ~~ذلك داعيا ومحرضا إلى ذلك الفعل الذي صار ذلك الفعل سببا لوجود مثل هذا ~~الجزاء الحسن الذي يحصل من الغير بطريق الشكر لفعله والمكافأة، وذلك إنما ~~يصح له من الغير لا من نفسه لنفسه؛ لأن ذلك مطلق العنان كامل الاختيار ~~فيتمكن من الإقدام على إحراز المحاسن التي يتيسر من غير أن يجازي الجزاء ~~الحسن نفسه لنفسه. # فلذلك حمل على العطف المحض لا على المجازاة، ثم بحمل الجزاء المذكور في ~~الكتاب على الجزاء الحسن الذي يحصل من الغير بطريق الشكر يخرج الجواب عن ~~شبهة يقولونها بأن فعل الإنسان يصلح جزاء لفعل نفسه. # ألا ترى أن أداء المثل فعل نفسه في كفارة الحج في قتل الصيد الذي هو فعل ~~نفسه أيضا، وكذلك سجدة السهو في صلاته، وكذلك ضمان إتلاف مال الغير كل ذلك ~~فعل منه صلح جزاء لفعل نفسه. PageV02P964 # قلنا: قد أوجب الله تعالى تلك الأفعال عليه إما زجر عليه كما في كفارة ~~الصيد أو لجبر النقصان كما في سجدة السهو، وضمان الإتلاف فلا يرد علينا ~~نقضا لما أن الجزاء المذكور هو الذي يجازي به بطريق الشكر، وذلك لا يتصور ~~من نفسه لنفسه. # وقوله: (فصار كنه قال إن لم لآتك فأتغد عندك) متصل بقوله: ولو قال: "عبدي ~~حر إن لم آتك حتى أتغدى عندك" لأن قوله: "حتى أتغدى" لا يصلح أن يكون ~~تفسيرا لقوله: " إن لم آتك حتى أغذيك" وقوله: حتى إذا آتاه فلم يتغد ثم ~~تغدى من غير تراخ). # فإن قيل: في هذا اللفظ تناقض؛ لأنه لما لم يتغذ حين آتاه ثم تغذى بعده لا ms369 ~~بد أن يقع تغذيه متراخيا عن الإتيان فكيف قال بعد ذلك: ثم تغذى من بعد غير متراخ؟ # قلنا: المراد من قوله: "لم يتغذ" أي لم يتغذ مقارنا بالإتيان، ولكن تغذى ~~بعد الوصول إليه من غير تراخ، أو معناه من غير تراخ أي من غير تبدل المجلس، ~~فإن الفعل إذ أوتي به من غير تبدل المجلس لا يسمى متراخيا. # (وهذه الاستعارة) أي الاستعارة للعطف المحض (اقترحها أصحابنا) PageV02P965 # أي قالها، وفي المصادر الاقتراح: جيزي رادر وقت كفتن. # (وهذا على مثال استعارات أصحابنا في غير هذا الباب) كما في استعارة البيع ~~والهبة للنكاح، واستعارة العتاق للطلاق، ثم حاصل هذا المجموع هو ما ذكر في ~~خزيادات صاحب الهداية بقوله: "إنه إذا كان للغاية لا يبر في يمينه إذا أقلع ~~عن الفعل قبل وجود الغاية، وفي المجازاة لا يتوقف البر على وجود الفعل ~~الثاني، وفي العطف يتوقف البر على وجودهما، وفي قوله: "إن لم آتك حتى ~~أتغذى" صر كأنه قال: إن لم آتك فأتغذى فما لم يوجد الفعلان لا يبر في ~~يمينه، ولو أتاه في اليوم وتغذى عنده بر في يمينه إلا إذا غني به الفور؛ ~~لأن شرط البر وجود الفعلين بوصف التعقيب، والتعقيب قد يكون بوصف الاتصال، ~~وقد يكون بوصف التراخي، فإذا وجد الفعلان فقد وجد شرط البر، والله أعلم. PageV02P966 ### || AUTO باب حروف الجر # (ولهذا صحبت الباء الأثمان) إيضاح لقوله: "إن الباء للإلصاق". # ووجه الاستدلال به على أن الباء للإلصاق هو أن المبيع صل في البياعات ~~والثمن تبع، وهو معروف بدليل صحة البيع عند عدم ملك الثمن وعدم صحته عند ~~عدم ملك المبيع، وكذلك في الإقالة لا تحتاج صحتها إلى بقاء الثمن وتحتاج ~~إلى بقاء المبيع، ولما كان كذلك لم يكن بد من استعمال الباء في إبدال ~~المعاوضات ليستدل بها على أن هذا البدل بمقابلة ذلك البدل وهو معنى ~~الإلصاق؛ لأنه يلصق هذا بذاك، وفي إلصاق الشيء بالشيء يعلم أن ما دخل فيه ~~الباء تبع كالآلة، وما لم يدخل فيه أصل، كما يقال: كتبت ms370 بالقلم، وضربت ~~بالسوط، وتكلمت باللسان، والآلة ليست بمقصودة فتعين دخول الباء في الثمن ~~ليكون داخلا في الآلة في البيع كما في النظائر ليكون المبيع PageV02P967 # ملصقا بالثمن (فيمن قال: إن اشتريت منك هذا العبد بكر من حنطة)، ووصفها ~~أن الكر ثمن) وإنما عين هذه الصورة؛ لأن ما ادعاه من دخول الباء في الأثمان ~~لا يتأتى إلا في هذه الصورة. بيان ذلك مذكور في "النهاية" هو أن الأموال ثلاثة: # ثمن محض كالدراهم والدنانير، فإنها خلقت للثمنية سواء صحبها حرف الباء أو لا. # ومبيع محض وهو الأعيان التي ليست من ذوات الأمثال كالحيوانات، ومتردد بين ~~كونه مبيعا وثمنا فهو المكيلات والموزونات، فإنها مبيعة باعتبار أنها منتفع ~~بأعيانه ثمن باعتبار أنها مثلية كالدراهم والدنانير، فإن قابلها الدراهم ~~والدنانير فهي مبيعة. # وأما إذا كان في مقابلتها عين فإن كانت المكيلاات والموزونات معينة فهي ~~مبيعة وثمن سواء دخل فيها الباء أم لا؛ لأن البيع لا بد له من مبيع وثمن، ~~وليس أحدهما بأن يجعل مبيعا بأولى من الآخر، فجعلنا كل واحد منهما مبيعا من ~~وجه ثمنا من وجه. PageV02P968 # وأما إذا كانت غير معينة فإن استعملت استعمال الثمن فهي ثمن بأن يقول: ~~اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة ويصف ذلك، وإن استعملت استعمال المبيع كانت ~~مبيعة بأن قال: اشتريت منك كذا حنطة بهذا العبد فلا يصح العقد إلا بطريق ~~السلم. كذا في "الذخيره" وغيرها. # " إن الكر ثمن يصح الاستبدال به" وإنما ذكر هذا لأن جواز الاستبدال من ~~خاصية الأثمان (بخلاف ما إذا أضاف العقد إلى الكر فقال: اشتريت منك كر حنطة ~~بهذا العبد فإنه يكون سلما)؛ لأنه لما أضاف إليه العقد جعله مبيعا لأن ~~المبيع ما يضاف إليه البيع، والمبيع لا يثبت في الذمة إلا سلما، فلذلك جعل ~~ها هن هذا سلما. # (فصار الكر شرطا) أي تبعا؛ لأن ما صحبه الباء لا يصلح مفعول الخبر؛ لأن ~~ما صحبه الباء صار جارا ومجرورا وهو شاغل ومشغول، فلا يصلح أن يكون مشغول ~~الغير. PageV02P969 # ولا يقال يقولون: فلان شكر لفلان، ms371 وقوله: لفلان شاغل ومشغول ومع ذلك يصلح ~~مفعولا؛ لأنا نقول: إن حرف الجار ها هنا صلة؛ لأنه يستعمل باللام وغير ~~اللام، وشغله لم يكن أصليا بخلاف الباء، فإنه للإلصاق، وفي جعله مفعولا ~~إبطال الإلصاق فلا يجوز، فأمكن أن يجعل شيئا آخر مفعولا وهو خبر في قوله: # (إن أخبرتني) خبرا ملصقا بقدومه، والتحقيق فيه أن يقال: إن الباء لما ~~كانت للإلصاق اقتضى الاسم الذي دخل فيه الباء اسما آخر يلصق هو به # (ومفعول الخبر) أي ومفعول الثاني للإخبار إنما يجئ بغير حرف الجر كما في ~~قوله: إن أخبرتني خبرا أو إن أخبرتني أن فلانا قد قدم، فلم يصلح لذلك أن ~~يكون الاسم الذي دخل فيه الباء مفعول الخبر؛ لاقتضاء حرف الإلصاق إلصاق ~~الاسم بالاسم الذي هو المفعول الثاني للإخبار في قولك: أن أخبرتني خبرا ~~ملصقا بالقدوم، ومعنى حرف الإلصاق قولهم: مررت بزيد أي التصق مروري بموضع ~~يقرب من زيد. PageV02P970 # ولما كان كذلك (والقدوم اسم لفعل موجود) لم يقع لذلك يمينه على الكذب. # فإن قيل: يشكل هذا قول من قال لامرأته: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالق، ~~فقالت: أحب. طلقت وإن كانت كاذبة فيما أخبرت على قولهما خلافا لمحمد. # قلنا: إنما وقع ذلك على الإخبار فحسب؛ لأن الإطلاع على ما في القلب غير ~~ممكن على العباد، فجعل اللسان خلفا عن القلب، فطلقت لوجود ما هو خلف عن ~~القلب لا باعتبار أنه صادق أو كاذب، والأصل أن الشيء إذا قام مقام شيء آخر ~~لتعذر الوقوف على ذلك الشيء الآخر، فالملتفت إليه هو الظاهر القائم مقام ~~غيره لا معرفة حقيقة ذلك الغير، بخلاف القدوم فإنه أمر محسوس معاين ولم ~~يتعذر الوقوف عليه، فلذلك اشترط الخبر الملصق بالقدوم الموجود وذلك بالصدق، ~~ومفعول الخبر كلام لا فعل فصار كأنه قال: إن تكلمت بقدوم فلان، فصار ~~المفعول التكلم بقدومه وقد وجد. # (وذلك دليل الوجود) أي الإخبار دليل الوجود (لا موجب له)؛ لأن الخبر دليل ~~والمدلول غير ثابت به PageV02P971 # وفي "التقويم" الخبر هو الكلام الدال على أمر كان ms372 أو سيكون غير مضاف ~~كينونته إلى الخبر وهذا لأن قولهم: ضرب فلان فلانا يدل على وجود الضرب من ~~فلان في الزمان الماضي، ويستحيل أن يثبت الضرب بقولهم: ضرب، فكذلك قوله: ~~"قدم فلان" دليل على قدومه لا أن هذا القول يثبت قدومه بل الإخبار دليل على ~~وجود الصانع، والعالم مثبت الله تعالى ومنشأه، فيستحيل أن يكون العالم ~~مثبتا، فكن شرط الحنث قوله: "قدم فلان" وقد وجد ذلك فيحنث وجد القدوم أو لم يوجد. # وقوله: () ولهذا قالوا في قول الرجل: أنت طالق بمشيئة الله إنه بمعنى ~~الشرط)، حتى لا يقع الطلاق كما لا يقع بقوله: أنت طالق إن شاء الله، إيضاح ~~لقوله: "أما الباء فللإلصاق" لما أن بين الإلصاق والشرط مناسبة، فكان كون ~~الباء بمعنى الشرط في قوله: "بمشيئة الله" إنما كان بسبب أن الباء للإلصاق، ~~فوجه المناسبة بينهما أن بالإلصاق يتصل الملصق بالملصق به، ولا وجود للملصق ~~بدون الملصق به، فكذلك المشروط يتصل بالشرط أيضا، ولا وجود للمشروط بدون ~~الشرط فتناسبا فاستعير الإلصاق للشرط، (وكذلك أخواتهما) وهي الرضا والمحبة. PageV02P972 # (حتى أوجب مسح بعض الرأس) وذلك أدنى ما يتناوله اسم الرأس ولو ثلاث ~~شعرات، هكذا نص في "المبسوط". PageV02P973 # (فيصير تقديره: وامسحوا رؤوسكم)، فيلزمه استيعاب جميع الرأس. # (وقد بينا أن التكرار والاشتراك لا يثبت في الكلام أصلا) أي لا يثبت ~~بطريق الأصالة، و (لا يصار إلى إلغاء الحقيقة)، وهي أن الباء للإلصاق، ~~فيلزم من قول الشافعي إلغاء حقيقة الإلصاق، ويلزم من قول مالك حمل الكلام ~~على التوكيد من غير ضرورة، وإذا حمل على التوكيد تلغى حقيقة الإلصاق أيضا، ~~فكان العمل بالحقيقة هو ما قاله أصحابنا- رحمهم الله: إن الباء للإلصاق، ~~ولكن التبعيض والاستيعاب إنما ينشأ من شيء آخر وهو ما PageV02P974 # قرره في الكتاب. # وقوله: (وأما الاستيعاب في التيمم) إلى آخره جواب لما ورد شبهة على ~~الدعوى الأولى وهي أن الباء للإلصاق، لكن إذا دخل في محل المسح لم يقتض ~~استيعابه. # والجواب: أما على رواية الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- فلا يشكل؛ لأنه ~~لا يشترط الاستيعاب ms373 لهذا المعنى، وأما على ظاهر الرواية فهو ما ذكره في ~~الكتاب. # (وعلى هذا قول الرجل) أي وعلى أن الباء للإلصاق؛ PageV02P975 # (لأن الاستثناء يناسب الغاية)؛ لأن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، ~~فكذا في الاستثناء يخالف ما بعده لما قبله، ولأن الغاية تكون متصلة ~~بالمغيا، فكذلك الاستثناء يكون متصلا بالمستثنى منه. # [على] # (فإن دخلت في المعاوضات المحضة كانت بمعنى الباء)؛ لأن تقريره على ما وضع ~~له فيها متعذر؛ لأن فيها معنى الشرط، والمعاوضات المحضة لا تليق بالشرط لما ~~فيه من الإيجاب بالخطر وهو قمار وذلك لا يجوز، فلذلك استعيرت للباء؛ لأنها ~~مخصوصة لمصاحبة الأعواض وإلصاق بعضها ببعض فاستعير له، (لأن اللزوم يناسب ~~الإلصاق) بل هو أثر الإلصاق، فكان بمنزلة المطاوع للمتعدي؛ لأن اللزوم في ~~اللغة هو اللصوق، واللصوق مطاوع PageV02P976 # الإلصاق، والملصق يلزم الملصق به، فكان بينهما تناسب. # (وإذا استعملت في الطلاق كانت بمعنى الشرط عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- ~~حتى) إن الزوج إذا طلقها واحدة عقيب قولها: طلقني ثلاثا على ألف درهم لم ~~يجب شيء، ولكن يقع الطلاق الرجعي؛ لأن كلمة (على) للزوم على ما قلنا، ~~والألف لازم على المرأة بقضية كلمة على. # (وليس بين الواقع وهو الطلاق وبين ما لزمها من المال مقابلة)؛ لأن ~~المقابلة من الإضافيات، فيثبت المقابل مع ما يقابله معا معا، وفي المعاوضات ~~يثبت العقد 977، ومع المعوض معا معا تحقيقا للمقابلة، ومن ضرورته يلزم توزع ~~أجزاء العوض على أجزاء المعوض، وما نحن فيه ليس بمعاوضة محضة، فلا يتحقق ~~فيه ما يتحقق في المعاوضة المحضة. # (بل بينهما معاقبة) أي يثبت أحدهما وهو المشروط عقيب الآخر وهو الشرط، ~~فإن جعل ثلاث تطليقات شرطا لوجوب الألف يتقدم على وجوب PageV02P977 # الألف؛ لأن وجوب الألف مشروط، وإن جعل الألف شرطا وهو الظاهر لدخول كلمة ~~"علي" عليها فوجوب المال يتقدم وقوع الطلاق، وهذ معنى الشرط والجزاء وهو ~~بمنزلة حقيقة كلمة "على" للزوم، وبين الشرط والمشروط ملازمة، وقد أمكن ~~العمل بحقيقة هذه الكلمة فيما نحن فيه فيعمل بها. # ومعنى الحقيقة بينهما باعتبار المعاقبة؛ لأن ms374 حقيقة هذه الكلمة التعلي ~~وفيه التعاقب؛ لأن الصاعد على الشيء فوق ذلك الشيء، وكذلك بين الشرط ~~والمشروط معاقبة، أو معنى الحقيقة بينهما باعتبار الملازمة وفيهما ذلك، ~~فكان العمل بمعنى الشرط عملا بحقيقة كلمة "على" بهذا الطريق؛ لأن الطلاق ~~وإن دخله العوض يصلح تعليقه بالشروط، حتى إن الزوج إذا قال: أنت طالق على ~~ألف أنه يمين لا يملك الرجوع عنه قبل قبول المرأة، ولما كان كذلك لم يتوزع ~~أجزاء المشروط على أجزاء الشرط بل المشروط يثبت عقيب جملة الشرط. # والفقه فيه أنه لو توزع أجزار المشروط على أجزاء الشرط يتقدم المشروط على ~~الشرط وهو محال. # (وفي المعاوضات المحضة لا يستقيم معنى الشرط) لما فيه من تعليق المال PageV02P978 # بالخطر وهو لا يجوز بخلاف تعليق المال بالطلاق؛ لأن المال وقع في ضمن ما ~~يصح فيه التعليق، وما ثبت الشيء في ضمن شيء لا يعطى له حكم نفسه بل يعطى له ~~حكم المتضمن، ثم في مسألتنا جاز أن يقال: تعلق ثلاث تطليقات بألف، تطليقة ~~بثلث الألف، وجاز أن يقال: تعلق الألف بثلاث تطليقات؛ لأن معنى هذا الكلام: ~~إن طلقتني ثلاث تطليقات فعلي ألف درهم. # وقول المصنف في الكتاب: "فصار هذا منها طلبا لتعليق المال بشرط الثلاث ~~يقرر الأخير، إلا أنه بقي إشكال وهو أن كلمة "على" دخلت على الألف فكان هو ~~شرط، ووقوع الثلاث مشروطا غير أن الكلام لما كان شيئا واحدا كان دخول كلمة ~~"على" على الألف دخولا في ذاك. # والدليل على صحة هذا التقرير الذي ذكرت صريح ما ذكره المصنف- رحمه الله- ~~في "شرح الجامع الكبير" في هذه المسألة بقوله: ولأبي حنيفة- رحمه الله- أن ~~كلمة "على" بمعنى الشرط؛ لأن أصلها اللزوم، واستعير للشرط؛ لأنه يلازم ~~الجزاء فصارت طالبة للثلاث بألف كلمة هي للشرط، فصار كل واحد منهما- أي ~~المال والطلاق- شرطا لصاحبه فصار بحكم الاتحاد دخولها على المال مثل دخولها ~~على الطلاق، وهذا بعينه لفظه- رحمه الله. # وما ذكره في "المبسوط" يدل على هذا أيضا فقال: والطلاق مما يحتمل التعليق ~~بالشرط وهذا يدل على أن وجوب المال على ms375 المرأة شرط، والطلاق PageV02P979 # مشروط - ثم قال بعده: وإنما شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث، وهذا ~~يدل على أن الإيقاع الثلاث شرط ووجوب المال مشروط. # فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- رحمه الله- عن قولهما بأن الألف يتوزع على ~~التطليقات الثلاث في كلمة"على" أيضا كما يتوزع إذا ذكرت بالباء. # ألا ترى أنها لو قالت: طلقني وفلانة على ألف درهم فطلقها وحدها كان عليها ~~حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء، فكذلك ها هنا يجب أن يكون كذلك؟ # قلت: إن جوابه أن للمرأة في طلب ثلاث تطليقات بمقابلة العوض غرضا صحيحا، ~~وهو حصول البينونة الغليظة حتى لا تصير في وثاق PageV02P980 # نكاحه، وإن أكرهها على ذلك فاعتبرنا معنى الشرط في ذلك لتحصيل مقصودها. # وأما في قولها: طلقني وفلانة على كذا فليس لها غرض صحيح؛ لأنه لا غرض لها ~~في طلاق فلانه ليجعل ذلك كالشرط منها. بخلاف ما نحن فيه فإن لها فيها غرضا ~~صحيحا على ما ذكرنا. كذا في "المبسوط"، فصار هذا بمنزلة حقيقة هذه الكلمة. # وقد ذكر في " المبسوط" وأبو حنيفة - رحمه الله- يقول: حرف "على" للشرط ~~حقيقة؛ لأنه حرف الالتزام ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم، بل بينهما ~~معاقبة كما يكون بين الشرط والجزاء، فكان معنى الشرط فيه حقيقة والتمسك ~~بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز. # قال الله تعالى:} حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق {وما قبله:} ~~وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) حقيق على أن لا أقول على ~~الله إلا الحق {؛ أي بشرط أن لا أقول على الله إلا الحق. PageV02P981 # [من] # (وأما (من) فللتبعيض هو أصلها) قال في "الجامع" لو قال: إن كان في يدي من ~~الدراهم إلا ثلاثة فجميع ما في يدي صدقة، فإذ في يده أربعة فهو حانث؛ لأن ~~الدرهم الرابع بعض الدراهم، وكلمة (من) للتبعيض، ولو قالت المرأة لزوجها: ~~اخلعني على ما في يدي الدراهم فإذ في يدها درهم أو درهمان تلزمه ثلاثة ~~دراهم؛ لأن (من) هنا صلة لتصحيح الكلام، فإن ms376 الكلام لا يصح إلا بها حتى إذ ~~قالت: اخلعني على ما في يدي دراهم كان الكلام مختلا، وفي الأول لو قال: إن ~~كان في يدي دراهم كان الكلام صحيحا. PageV02P982 # وكلمة (من) للتبعيض في أصل الوضع فحمل عليه، وقد تكون لابتداء الغاية ~~وللتمييز كما في باب من مديد، وبمعنى الباء قال الله تعالى:} يحفظونه من ~~أمر الله {وقد تكون للصلة كما في قوله تعالى:} يغفر لكم من ذنوبكم}، إلا أن ~~أصلها للتبعيض، وجعل في كتب النحو كونها لابتداء الغاية أصلها وسائر ~~المعاني راجعا إليه كما عرف في "المفصل" # ] إلى [ # (وأما (إلى) فلانتهاء الغاية)، وإنما قال هكذا ولم يقل للغاية؛ لأن ~~الغاية نوعان، كما يقال في "من" إنها لابتداء الغاية و (إلى) لانتهاء ~~الغاية. PageV02P983 # أي الغاية التي بها ينتهي صدر الكلام، (ولذلك استعملت في آجال الديون) ~~لأن الدين إذا كان مؤجلا يصير حالا عند الأجل، فينتهي التأجيل به. # (وإن لم يكن له نية يقع للحال عند زفر). # وأما عندنا فلا يقع إلا بعد مضي شهر، فعند زفر لما وقع في الحال كان ذكر ~~التأجيل بقوله: "إلى شهر" لغوا لما أن الواقع من الطلاق لا يحتمل التأجيل، ~~وقلنا نحن: إن الواقع لا يحتمل الأجل، ولكن الإيقاع يحتمل ذلك؛ لأن علمه في ~~التأخير، والإيقاع يحتمل التأخير، وكلام العاقل مهما أمكن تصحيحه لا يجوز ~~إلغاؤه، وها هنا ممكن بإدخال حرف (إلى) على أصل الإيقاع لا على الحكم فقلنا ~~به. كذا في "المبسوط". # (والتأجيل لا يمنع الوقوع) كما في الدين، فإن الدين واقع ثم يتأجل، ~~والطلاق إذا وقع لا يمكن تأجيله، فلذلك يقع في الحال. # (وقلنا: إن التأجيل لتأخير ما يدخل عليه، وها هنا دخل على أصل الطلاق)، ~~وأصله يحتمل التأخير بالتعليق بمضي شهر أو بالإضافة إلى ما بعد PageV02P984 # الشهر فكان مؤخرا أصله لذلك. # وأما أصل الثمن لا يحتمل التأخير بالتعليق والإضافة؛ لأن البيع مبادلة ~~المال بالمال، ولو تأخر وجوب الثمن لم تتحقق مبادلة المال بالمال، فلا ~~يتحقق البيع، فإذا تعذر تأخير وجوب أصل الثمن حملنا ms377 الكلام هناك على تأخير ~~المطالبة. # وأما ها هنا فيحتمل التأخير بهذين الوجهين، فلذلك قلنا: لا يقع في الحال ~~عملا بكلمة (إلى) احترازا عن إلغاء ذكر الغاية فيقع الطلاق بعد مضي الشهر. # (والأصل في الغاية إذا كان قائما بنفسه لم يدخل في الحكم)، وهذا احتراز ~~عن قوله تعالى:} إلى المرافق {، فإن معنى القيان بنفسه أنه في وجوده لا ~~يفتقر إلى غيره. أي إلى محل آخر مثل ما قلنا في المرافق؛ لأن صدر الكلام ~~تناولها، فلا يكون ذكر الغاية لمد الحكم إليه، فيكون لإسقاط ما وراءها، ~~ونظير هذا أيضا قوله: والله لا أكلم فلانا شهرا. صدر الكلام يتناول الشهر ~~فما فوقه، فيكون ذكر الشهر لإخراج ما وراءه عن صدر الكلام لا لمد PageV02P985 # الحكم إليه بخلاف الصوم، فإن مطلقه يتناول ساعة، فكان ذكر الغاية لمد ~~الحكم إليها فلا يدخل في الحكم. # (ولهذا قال أبو حنيفة- رحمه الله) هذا لإيضاح قوله: إلا أن يكون صدر ~~الكلام يقع على الجملة، فكانت الغاية لإخراج ما وراءها فيبقى داخلا بمطلق ~~الاسم فكذلك ها هنا. # فبيان هذه المسألة مذكور في باب الخيار في البيع من بيوع "المبسوط" فقال: ~~إذا اشترى الرجل شيئا على أنه بالخيار إلى الغد أو إلى الليل أو إلى الظهر، ~~فله الغد كله والليل كله ووقت الظهر كله في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه-، ~~وقال ألو يوسف ومحمد- رحمهما الله: الخيار إلى طلوع الفجر وإلى أن تغيب ~~الشمس، ولا تدخل الغاية في الخيار عندهما؛ لأن الغاية حد والحد لا يدخل في ~~المحدود. كما لو قال: بعت منك من هذا الحائط إلى هذا الحائط لا يدخل ~~الحائطان في البيع، وكذلك لو حلف لا يكلم فلانا إلى رمضان لا يدخل الحد، ~~ولأبي حنيفة- رحمه الله- في المسألة حرفان: # أحدهما- إن البدل الذي في جانب من له الخيار باق على ملكه سواء كان ~~الخيار للبائع أو للمشتري، والملك الثابت له بيقين لا يزال بالشك. # والثاني- إن الغاية في كل موضع تكون لمد الحكم إلى موضع الغاية لا يدخل ~~الغاية كما في الصوم لما عرف، ms378 وفي كل موضع ذكر الغاية لإخراج ما PageV02P986 # وراءها فيبقى موضع الغاية داخلا، وها هنا لو شرط الخيار مطلقا ثبت الخيار ~~مؤبدا ولهذا فسد العقد، فكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها، فيبقى موضع ~~الغاية داخلا، ولكن يشكل على هذه الطريقة فصل اليمين. # وروى الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- أن الغاية تدخل في اليمين، فنأخذ ~~في اليمين على هذه الطريق بتلك الرواية. # وقوله: (وكذلك في الآجال في الأيمان) وهي جمع يمين بمعنى الحلف. لا ~~الأثمان في البياعات على ما وقع في بعض النسخ؛ بدليل ما ذكرنا من رواية ~~الحسن في اليمين من رواية "المبسوط". # وكذلك ذكر شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" في هذا الموضع وقال: ~~وفي اليمين إذا حلف لا يكلم فلانا إلى وقت كذا تدخل الغاية في رواية الحسن ~~عن أبي حنيفة- رحمهما الله- لأن مطلقه يقتضي التأبيد، فذكر الغاية لإخراج ~~ما وراءها، ولا تدخل في ظاهر الرواية؛ لأن في حرمة الكلام ووجوب الكفارة ~~بالكلام في موضع الغاية شكا، ولأن ما ذكره من إيضاح الأصل الذي ذكره بقوله: ~~"إلا أن يكون صدر الكلام يقع على الجملة، فتكون الغاية لإخراج ما وراءها، ~~فيبقى داخلا بمطلق الاسم" إنما يصح في اليمين لا في الثمن. PageV02P987 # وقال في (قوله: لفلان علي من درهم) إلى آخره. أي وقال أبو حنيفة- رحمه ~~الله- لم يدخل؛ (لأن مطلق الاسم لا يتناوله) أي لأن مطلق اسم الدرهم لا ~~يتناول العاشر فلا يدخل العاشر، وفي مثل هذا لا يدخل الحد في المحدود. كما ~~في مسألة بيع الأرض من هذا الحائط إلى هذا الحائط، ولأن الأصل هو ما قاله ~~زفر: إن الحد لا يدخل في المحدود، وما لا يقوم بنفسه حد ذكرا وإن لم يكن ~~واجبا إلا أن الغاية الأولى لا بد من إدخالها؛ لأن الدرهم الثاني والثالث ~~واجب، ولا يتحقق الثاني بدون الأول، فلأجل هذه الضرورة أدخلنا الغاية ~~الأولى، ولا ضرورة في إدخال الغاية الثانية، فأخذنا فيها بالقياس. # (وقالا: يدخل) أي يدخل العاشر؛ لأنه ليس بقائم بنفسه، وهذا لأنا ذكرنا أن ~~معنى القائم بنفسه هو ms379 أن لا يكون مفتقرا في وجوده إلى غيره، والعاشر مفتقر ~~في وجوده إلى غيره وهو التسعة، فكان غير قائم بنفسه، فيدخل كما في قوله ~~تعالى:} إلى المرافق {، وهذا لأن العاشر في الإقرار والثالث في الطلاق لما ~~كانا غايتين لم يكن بد من وجودهما ليصلح غاية، ووجود العاشر بوجوبه ووجود ~~الثالث من الطلاق بوقوعه، فلذلك دخلا. PageV02P988 # (وكذلك هذا في الطلاق) يعني لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق من واحدة إلى ~~ثلاث لا تخل الغاية الثانية؛ لان مطلق الكلام وهو مطلق الطلاق لا يتناوله ~~وفي ثبوته شك، ولكن الغاية الأولى تدخل للضرورة، وعندهما تدخل الغايتان؛ ~~لان هذه الغاية لا تقوم بنفسها فلا تكون غاية ما لم تكن ثابتة. # وقوله: (وإنما دخلت الغاية الأولى للضرورة). إنما ال هذا لدفع شبهة، وهي ~~أن يقال: إذا لم يكن صدر الكلام متناولا للجملة ينبغي أن لا تدخل الغاية ~~الأولى أيضا كما لو قال: بعت من هذا الحائط إلى هذا الحائط فقال في جوابها: ~~إنما دخلت الغاية الأولى للضرورة؛ لأن الطلقة الثانية داخلة في الكلام ~~بالاتفاق، وهي لا تكون ثابتة قبل ثبوت الأولى. # ] في] # (وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- هما سواء) أي حكم في غد PageV02P989 # كحكم غدا، لأن الظرف هو غد في الحقيقة فلا يختلف حكمه بحذف حرفه وإثباته. # كقولهم: دخلت الدار وفي الدار. # ولأبي حنيفة- رحمه الله- (إن حرف الظرف إذا سقط اتصل الطلاق بالغد بلا ~~واسطة) فيكون جميع الغد مفعولا، وإذا قال: في غد جعل المفعول جزءا من الغد، ~~كذا ذكر في "بديع الإعراب" وجزء من الغد مبهم، فإليه تعينه؛ لأن الإبهام ~~جاء منه. # (فيصدقه القاضي) إلا أنه إذا لم يكن له نية يقع في الجزء الأول من الغد ~~لعدم المزاحمة بخلاف قوله: غدا. حيث لا يصدق فيه في نية آخر النهار. # وقيل: المعنى فيه هو أن قوله: "غدا" يصير ظرفا بطريق الضرورة؛ لأن ~~الظرفية ثبتت فيه لا بلفظ الظرف الذي يدل عليها، والثابت بالضرورة يثبت PageV02P990 # بقدر الضرورة، فلا يكون عاما حتى تصح نية آخر النهار. # وأما في ms380 قوله: "في غد" تثبت الظرفية بلفظ ظرف يدل عليها، والثابت باللفظ ~~يحتمل النية؛ لأن النية لتعيين ما احتمله اللفظ فصحت نيته، ولكن لما كان ~~لفظ "في" حقيقة في الظرفية، وحقيقة الظرف لا تستوعب المظروف كان محل ~~المظروف وهو الطلاق في الظرف، وهو في غد بمنزلة المجمل في جزء من الغد غير ~~معين، فلذلك صدقه القاضي في نيته آخر النهار. # (وإن صمت الدهر فعلى كذا أنه يقع على الأبد) إلى آخره، يعني أنه لو قال: ~~إن صمت الدهر فعبدي حر، فإنه يقع على صوم الأبد، ولو قال: إن صمت في الدهر ~~فعبدي حر؛ إنه يقع على صوم ساعة. كذا ذكره المصنف في "شرح الجامع الصغير". # (أنت طالق في مكان كذا) كقوله: في مكة يقع الطلاق في الحال؛ لأن الطلاق ~~فعل ولا اتصال للفعل بالمكان؛ لأن الطلاق إذا كان واقعا في مكان PageV02P991 # يكون واقعا في الأماكن كلها. # فعلم بهذا أن المكان لا يصلح ظرفا للطلاق، فإن الظرف الحقيقي إنما يكون ~~أن لو وجد المظروف في ظرف لا يوجد في ظرف آخر حال وجوده في الظرف الأول ~~كالحنطة في الجوالق لا يكون تلك الحنطة في جوالق أخر حال كونها موجودة في ~~الجوالق الأول، وليس ها هنا كذلك، ولما لغى معنى الظرفية ها هنا بقي قوله" ~~أنت طالق" مطلقا فوقع في الحاال، وهذا لأن المكان الذي أضيف إليه الطلاق ~~موجود في الحال، فكان هذا بمنزلة تعليق الطلاق بأمر كائن، فيكون تنجيزا ~~بخلاف ما إذا أضيف إلى زمان، فإن الفعل يتصل بالزمان؛ لأنه إذا جعل وقته ~~غدا لا يكون واقعا قبل ذلك، فإن الزمان إذا كان معدوما كان الطلاق المضاف ~~إليه معدوما لا محالة. # وإذا قال: أنت طالق في دخولك الدار يتعلق بدخول الدار كقوله: أنت طالق إن ~~دخلت الدار؛ لأن الدخول لا يصلح ظرفا لكونه فعلا، والفعل لا يصلح ظرفا ~~لشيء، وبين الظرف والمظروف مقارنة، كما أن بين الشرط والمشروط مقارنة من ~~حيث إنه لا يتحلل بينهما زمان؛ بل متصل بالمشروط، وإن كان يعقبه ms381 فيستعر ~~للشرط تصحيحا لكلامه. PageV02P992 # (وعلى هذا مسائل "الزيادات" أنت طالق في مشيئة الله تعالى) إلى آخره. # هاهنا عشرة ألفاظ: المشيئة، والإرادة، والمحبة، والرضى، والأمر، والحكم، ~~والإذن، والقضاء، والقدرة، والعلم. لو قال لامرأته: أنت طالق بمشيئة الله ~~تعالى أو بإرادة الله أو بمحبته أو برضاه لا يقع الطلاق أصلا، ولو قال: أنت ~~طالق بمشيئة فلان، أو بإرادته، أو بمحبته، أو برضاه لا يقع الطلاق حتى يشاء ~~فلان في المجلس، ولو قال: أنت طالق بأمر الله، أو بإذن الله، أو بحكمه، أو ~~بقضائه، أو بقدرته، أو بعلمه يقع الطلاق في الحال. # وكذلك إن أضاف إلى العبد فقال: أنت طالق بأمر فلان إلى آخره يقع في ~~الحال، ولو ذكر بحرف اللام وقال: أنت طالق لمشيئة الله أو لمشيئة فلان أو ~~غيرها من الألفاظ يقع الطلاق في الحال سواء أضافها إلى الله أو أضافها إلى ~~العبد؛ لأن حرف اللام للتعليل والإخبار عن السبب، قال عليه السلام: PageV02P993 # "صوموا لرؤيته" فكان هذا إيقاع الطلاق والإخبار عن العلة، ولا يلتفت إلى ~~وجود العلة فصار كأنه قال: أنت طالق؛ لأن فلانا شاء وأراد وأحب، ولو ذكر ~~بكلمة (في) فإن أضافها إلى الله بأن قال: أنت طالق في مشيئة الله أو في ~~إرادة الله أو في محبته أو غيرها من الألفاظ لا يقع الطلاق في الألفاظ كلها ~~أصلا إلى في العلم، فإنه يقع الطلاق فيه في الحال؛ لأن كلمة (في) للظرف حقيقة. # وإذا تعذر حمله على الظرفية بأن صحب الأفعال يحمل على التعليق لما بينهما ~~من المناسبة من حيث الاتصال والمقارنة غير أنه إنما يصح حمله على التعليق ~~إذا كان الفعل مما يصح وصفه بالوجود وبضده ليصير في معنى الشرط، فيكون ~~تعليقا، والمشيئة والإرادة والرضا والمحبة مما يصح وصف الله تعالى به ~~وبضده، فإنه يصح أن يقال: شاء الله كذا أو لم يشأ كذا، وأراد ولم يرد، وأحب ~~ولم يحب، وكذلك الأمر والرضا والحكم والقضاء والتعليق بمشيئة الله تعالى ~~إبطال بخلاف العلم، فإنه لا يصح وصف الله بضده لأن ms382 علمه محيط بجميع ~~الأشياء، وأنه كائن في الأزل، والتعليق به تحقيق وتنجيز PageV02P994 # فيقع الطلاق في الحال ويشكل على هذا القدرة، فإنه لا يصح وصفه بضدها، ومع ~~ذلك لا يقع الطلاق في القدرة، والأصح من الجواب: إن القدرة تذكر ويراد بها ~~التقدير، وقرئ قوله تعالى:} فقدرنا فنعم القادرون {بالتشديد والتخفيف، ~~والتقدير مما يصح وصف الله تعالى به وبضده؛ لأنه يصح أن يقال: قدر الله كذا ~~ولم يقدر كذا، فكان بمنزلة المشيئة والإرادة. # فلا يقع الطلاق بخلاف العلم لما ذكرنا، ولو أضافها إلى العبد بأن قال: ~~أنت طالق في مشيئة فلان، ففي المشيئة والإرادة والمحبة والرضى والهوى يتعلق ~~الطلاق بوجود الفعل في الحال حتى يقتصر على المجلس؛ لأن هذه الألفاظ ~~للتمليك، وفي غيرها من الألفاظ يتعلق بوجود مطلق الفعل ولا يقتصر على ~~المجلس؛ لأن الشرط مطلق لانعدام معنى التمليك فيها. كذا في "الزيادات ~~البرهانية". # وقوله: (إلا في علم الله) أي فإن الطلق فيه يقع بأن قال: أنت طالق في علم ~~الله يقع الطلاق، وفي أخواته لا يقع البتة؛ لأن علم الله يستعمل في المعلوم ~~وقد أضاف الطلاق إلى معلوم الله، وإنما يكون الطلاق في معلوم الله إذا كان ~~الطلاق واقع؛ لأنه إذا لم يكن واقعا لم يكن الطلاق في معلوم الله بل عدمه ~~في معلوم الله، لهذا يقع الطلاق لاستحالة جعل معلومه شرطا؛ لأن الشرط أمر ~~معدوم على خطر الوجود، وهذا فيما نحن فيه محال بخلاف PageV02P995 # أخواته، فإنه يصح أن يقال: إن شاء الله وإن حكم الله وإن قدر، ولا يقال ~~إن علم الله؛ لأن جميع المذكورات معلومة، ولأن تقدير قوله: أنت طالق في ~~معلوم الله أنت طالق في هذا المحل؛ لأن هذا المحل في معلوم الله فيقع ~~الطلاق في الحال كما في قوله: (أنت طالق في الدار) وأنت طالق في مكة على ما ذكرنا. # (لفالن علي عشرة دراهم في عشرة دراهم يلزمه عشرة)؛ لأن الدراهم لا تصلح ~~ظرفا فيلغو، ولا يقال ينبغي أن يحمل على معنى الواو على معنى (مع) كيلا ms383 ~~يلغو؛ لأنا نقول: المجاز خلاف الأصل؛ لأن الأصل هو الحقيقة، وشغل الذمة ~~خلاف الأصل، وبراءة الذمة عن الدين أصل، فاجتمع أمران حينئذ كل منهما خلاف ~~الأصل، ولكلامه بدون المصير إلى المجاز وجه، PageV02P996 # وهو أن يراد به تكثير أجزاء العشرة فلا ضرورة إلى المصير إلى ما هو خلاف ~~الأصل. PageV02P997 # [حروف القسم] # وقوله (وكذلك في سائر الأسماء والصفات) غاير بينهما بالعطف، وجعل بعضها ~~أسماء وبعضها صفات وليس كذلك، بل كلها صفات غير اسم الله تعال، فكان ذكره ~~أسماء باعتبار السمع، وذكره صفات باعتبار الأصل. # أما السمع فقد جاء في الحديث، قال النبي عليه السلام: "إن لله تسعة ~~وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"، وكذلك جاء في القرآن أيضا بتسمية ~~الأسماء، PageV02P998 # قال الله تعالى:} قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى {. # وأما الأصل فنقول: إن كلها صفات في أصل الوضع سوى اسم الله تعالى. إلى ~~هذا أشار في "الكشاف" حيث قال: # فإن قلت: اسم هو- يعني اسم الله تعالى- أم صفة؟ # قلت: بل اسم غير صفة ألا تراك تصفه ولا تصف به، وفي قوله: "ألا تراك تصفه ~~ولا تصف به" إشارة إلى أن الاسم الذي تصف به كان صفة، وجميع أسماء الله ~~تعالى سوى اسم الله بهذه المثابة كما في} بسم الله الرحمن الرحيم {وفي قوله ~~تعالى} هو الله الخالق البارئ {الآية، فكانت صفات، ولأنه صرح بتسمية اسم ~~الصفة على الرحمن الرحيم بعد هذا بقوله: وهو من الصفات الغالبة كالدبران. # وقال بعده: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه؟ PageV02P999 # فعلم بهذا أن تسمية الأسماء لغير اسم الله تعالى من صفاته باعتبار ورود ~~السمعيات من الكتاب والسنة وإلا فهي كلها صفات في الأصل مع أن بعضهم قال ~~بوقوع اسم الله صفة أيضا استدلالا بقوله تعالى:} صراط العزيز الحميد {} ~~الله الذي {بطريق النعت للأول، وعند الأكثرين هو بدل وليس بنعت. إلى هذا ~~أشار المصنف- رحمه الله- في "الجامع". # (فلم يكن لها اختصاص) أي فلم يكن للباء اختصاص بالدخول في المظهر ms384 بل تدخل ~~في المضمر أيضا على ما ذكر، أو لم يكن له اختصاص بالدخول في القسم بل كما ~~تدخل في القسم تدخل في المعاوضات أيضا حيث يقال: اشتريت هذا بكذا واحمل هذا ~~الطعام بدرهم. إلا أنه لا يحسن إظهار الفعل ها هنا بخلاف الباء حيث يحسن ~~إظهار الفعل بها قال الله تعالى:} يحلفون بالله ما قالوا}. PageV02P1000 # [الواو] # (لصار مستعارا بمعنى الإلصاق) أي لصار مجرى كمجرى الباء في جميع الوجوه ~~ولا ضرورة فيه، ولأنه لو صار مستعارا لمعنى الإلصاق من كل وجه لجاز أن ~~يستعمل الواو في موضع كان الباء فيه لمحض الإلصاق، ويقال: إن أخبرتني وقدوم ~~فلان مكان قوله: إن أخبرتني بقدوم فلا، ولجاز أن يقال: مررت وزيد مكان ~~قوله: مررت بزيد ولم يقل به أحد. # (فتصير الاستعارة عامة في بابها) أي في باب الاستعارة. # وقوله: (ويشبه قسمين) معطوف على قوله: "فتصير" أي لو أظهر فعل القسم مع ~~واو القسم، ويقول: أحلف أو أقسم والله لكان مشابها لقسمين وهو يريد الواحد، ~~فكان المذكور خلاف ما أراد فلا يجوز، ولا يرد هذا الكلام في استعمال الباء ~~القسمية مع فعل القسم؛ لأن الباء في حقيقته للإلصاق، فيقتضي الملصق والملصق ~~به، فيظهر الفعل لضرورة تحقيق معنى الإلصاق، حتى لو لم يظهر فهو مقدر فيه، ~~فلا يلزم عند الإظهار مشابهة قسمين. إذ إظهار الفعل من ضرورات مقتضى الباء. PageV02P1001 # (فإنهما من حروف الزوائد). معنى هذا أن الزيادة أينما وقعت وقعت من هذه ~~الحروف، وليس معناه أين ما وقعت هذه الحروف وقعت زوائد؛ لأن قولك: اليوم ~~تنساه أو سألتمونيها كل من هذه الحروف أصول هاهنا ومجموعها من حروف ~~الزوائد. # (وقد ذكر في "الجامع" ما يتصل بهذا الأصل في قول الرجل: والله الله والله ~~الرحمن الرحيم) أي قال: والله الرحيم، والذي في "الجامع" رجل قال: والله ~~والرحمن لا أكلمك، فكلمه لزمته كفارتان؛ لأن قوله: والله مقسم به، وقوله: ~~والرحمن معطوف عليه، فكان غيره في تسمية الحالف فتعدد الاستشهاد فتعدد ~~الهتك يعني عند الحنث، فتعددت الكفارة؛ لأنها جزاء ms385 الهتك، ولو قال: والله ~~والله لا أكلمك ثم كلمه فعليه كفارة PageV02P1002 # واحدة، وكذلك لو قال: والله الرحمن وعند تكرار الواو لو نوى رد الكلام ~~كان يمينا واحدا، يعني إذا نوى بالواو في والرحمن واو القسم فقطع كلامه ~~قبله كأنه سكت ثم استأنف، وقال: والرحمن لا أكلمك، ولم يحمل عليه بغيرنية. ~~كذا في "جامع المصحف"- رحمه الله-. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "الجامع": ولو أن رجلا قال والله ~~والرحمن لا أكلمه، فكلمه وجب عليه كفارتان؛ لأنه عطف أحد الاسمين على الآخر ~~بحرف العطف وهو الواو إلا أن يكون نوى فيكون يمينا واحدة؛ لأن هذا اللفظ قد ~~يذكر للتأكيد عادة، ويكون مراده من إعادة حرف الواو الصلة، فكان نظير قوله: ~~والله الرحمن لا أكلمك وهو يمين واحدة، ولو قال: والله الله لا أكلمك، أو ~~قال والله والله لا أكلمك، فهذه يمين واحدة، إلا في رواية شاذة عن محمد- ~~رحمه الله- يقول: إنه يمينان؛ لأنه لا يمكن جعل الكلمة الثانية صفة للأولى، ~~فكانتا يمينين، وفي ظاهر الرواية يقول: كرر الكلمة الواحدة فلا يقصد بتكرار ~~الكلمة الواحدة إلا معنى التأكيد، فكانت يمينا واحدة بخلاف قوله: والله ~~الرحمن، فإن الكلمة الثانية فيها معنى غير معنى الكلمة الأولى، فلم تكن ~~تكرارا إلا أن ينويه. # قلت: فحصل من هذا كله إن ذكر الاسمين بدون الواو لا يوجب يمينين، PageV02P1003 # وذكرهما بالواو يوجب يمينين إلا عند النية على اليمين الواحدة كان يمينا واحدة، # وأما في الاسم الواحد كاسم الله فإن فيه بتكرار الاسم بالواو يكون يمينا ~~واحدة في ظاهر الرواية بدون نية الاتحاد. # (إن ذلك صلة وضعت للقسم) أي كلمة بنفسها وضعت للقسم حيث يوصف بها المقسم ~~به، فكانت هي بمنزلة الباء في بالله لا أن يكون جمعا ليمين بدليل وصل ~~همزتها، فلو كانت جمعا لكانت همزتها للقطع كما في أكلب وأرجل في جمعي كلب ورجل. # وقال في "الصحاح": وألفه ألف الوصل عند أكثر النحويين، ولم تجيء في ~~الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها. # (وأما لعمر الله) وقد ذكرنا في "الموصل" أنه لا ms386 يكتب الواو بعده PageV02P1004 # لاختصاصه بالقسم ارتفع اللبس بينه وبين عمر، وهو في الأصل مصدر عمر الرجل ~~من باب علم بقي، يقال: عمر يعمر عمرا وعمرا على غير قياس؛ لأن قياس مصدره ~~التحريك، واستعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح دون الآخر، وإذا أدخلت عليه ~~اللام رفعته بالابتداء. # قلت: لعمر الله واللام لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف والتقدير لعمر الله ~~قسمي، ولعمر الله ما أقسم به، فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وهو ~~للقسم أيضا، وقلت: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت، ومعنى لعمر ~~الله وعمر الله أحلف ببقاء الله ودوامه. # وإذا قلت: عمرك الله فكأنك قلت: بتعميرك الله أي بإقرارك له بالبقاء. كذا ~~في "الصحاح"، ولما كان معنى لعمر الله قائما مقام لبقاء الله أقسم به في ~~الاستعمال الغالب صار صريحا في ذلك المعنى فبعد ذلك لا يحتاج إلى قولهم ~~أقسم بالله لتأدى ذلك المعنى بهذا الاستعمال الصريح في معناه فلذلك لم يجمع ~~بينهما. # [أسماء الظروف] # (ومن هذا الجنس أسماء الظروف) أي ومن جنس الكلمات أو الألفاظ PageV02P1005 # التي تجر الأسماء أسماء الظروف، والجنسية هاهنا باعتبار عمل الجر لا غير ~~لما أن الأسماء لم تكن من جنس الحروف. # [مع] # (أنه يقع ثنتان معا قبل الدخول) أي مع أنه قال ذلك لغير المدخول بها، ~~وكذلك في المدخول بها؛ لأنه لما وقع في غير المدخول بها فأولى أن يقع في ~~المدخول بها. # [قبل] # (وقبل للتقديم) إلى آخره، وحاصله إن كلمة (قبل) بالضمير مثل كلمة (بعد) ~~بدون الضمير في أنه تقع الثنتان فيهما، وفي العكس ينعكس الحكم لانعكاس ~~العلة، فلذلك انعكس حكمهما بحسب وجود الضمير وعدمه، فإنه إذا قال لامرأته ~~التي لم يدخل بها: أنت طالق واحدة قبل واحدة تقع واحدة؛ لأن معناه أنت طالق ~~واحدة قبل واحدة أخرى تقع عليك، فبانت PageV02P1006 # بالأولى ولم يبق محلا للثانية، وهذا المعنى إنما يحصل في بعد إذا كان ~~بالكناية بأن يقول: أنت طالق واحدة بعدها واحدة أي بعدها واحدة أخرى تقع عليك. # وأما إذا قال: ms387 قبلها واحدة صار كأنه قال: قبلها أخرى وقعت عليك، فكان ~~وقوع الواحدة بالإنشاء، ووقوع الأخرى بالإقرار فتكون اثنتين، ولا يحتاج في ~~صحة الإقرار إلى بقاء العدة. # [بعد] # وقوله: (هذا الحرف) إشارة إلى قوله: "إن الظرف إذا قيد بالكناية كان صفة ~~لما بعده، وإذا لم يقيد كان صفة لما قبله" وتقريره في قوله: جاءني زيد قبله ~~عمرو، وقوله: جاءني زيد بعد عمرو سواء في المعنى؛ لأن القبلية إذا كانت صفة ~~لعمرو تكون البعدية صفة لزيد لا محالة، والبعدية إذا كانت صفة PageV02P1007 # لزيد تكون القبلية صفة لعمرو لا محالة، فلهذا استويا في المعنى، وفي ~~قوله: جاءني زيد قبل عمرو تكون القبلية صفة لزيد، وكذلك في قوله: بعده عمرو ~~تكون القبلية صفة لزيد أيضا ضمنا، لكون البعدية صفة لعمرو قصدا، فلذلك ~~استويا. # فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين مسألة الإقرار في عين هذه الصورة حيث ~~خالف حكم مسألة بعد، فإنه لو قال: لفلان علي درهم بعد درهم أو بعده درهم ~~يلزمه درهمان. # أما لو قال: درهم قبل درهم يلزمه درهم واحد، ولو قال: قبله، فعليه درهمان ~~كما ذكرها هنا. # قلت: لأن الطلاق بعد الطلاق هنا لا يقع، وأما الدرهم بعد الدرهم، فيجب ~~دينا في الذمة لبقاء المحل. كذا في "المبسوط" في باب من الإقرار بألفاظ ~~مختلفة. # [عند] # (و (عند) للحضرة) وقد يراد به الحكم. قال الله تعالى: {إن الدين عند الله ~~الإسلام} أي في حكم الله. PageV02P1008 # (حتى إذا قال: لفلان عندي ألف درهم كان وديعة) إلا أن يقول: دين، (وعلى ~~هذا) أي على تخريج المسائل على كلمات الظروف. (قلنا: إذا قال: أنت طالق كل ~~يوم طلقت واحدة) ولو قال أنت طالق في كل يوم تطلق ثلاثا في ثلاثة أيام؛ ~~هاتان المسألتان بلا خلاف بين أصحابنا الثلاثة فكان ثبوت حكم هاتين ~~المسألتين على هذا الطريق شاهدا عدل لأبي حنيفة- رضي الله عنه- في مسألة ~~الغد في الفرق بين حذف حرف الظرف وإثباته، وذكر في "المبسوط" قبيل باب طلاق ~~الأخرس: ولو قال لامرأته- وقد دخل بها-: أنت ms388 طالق كل يوم، فإن لم يكن له ~~نية لم تطلق إلا واحدة عندنا، وعن زفر- رحمه الله- تطلق ثلاثا في ثلاثة ~~أيام؛ لأن قوله: أنت طالق إيقاع، وكلمة PageV02P1009 # "كل" تجمع الأسماء، فقد جعل نفسه موقعا للطلاق عليها في كل يوم وذلك ~~بتجدد الوقوع حتى تطلق ثلاثا. # ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق في كل يوم طلقت ثلاثا في كل يوم واحدة، ~~ولكنا نقول: صيغة كلامه وصف قد وصفها بالطلاق في كل يوم وهي بالتطليقة ~~الواحدة، تتصف في الأيام كلها، وإنما جعلنا كلامه إيقاعا لضرورة تحقيق ~~الوصف وهذه الضرورة ترتفع بالواحدة. # ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق أبدا لم تطلق إلا واحدة بخلاف قوله: في كل ~~يوم؛ لأن حرف "في" للظرف والزمان ظرف للطلاق من حيث الوقوع فيه فما يكون ~~اليوم ظرفا له لا يصلح الغد ظرفا له، فيتجدد الإيقاع لتحقيق ما اقتضاه حرف ~~"في" وفي قوله: كل يوم إن قال أردت أنها طالق كل يوم تطليقة أخرى فهو كما ~~نوى، وتطلق ثلاثا في ثلاثة أيام؛ لأنه أضمر حرف "في". # وذكر شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" بعد ذكر حكم كلمات الظروف ~~كما ذكر في الكتاب: لأنه إذا لم يثبت في كلامه شيئا من الظروف يكون الكل ~~ظرفا واحدا، فلا تقع إلا واحدة وإن تكررت الأيام، وإذا ذكر شيئا من أسماء ~~الظروف يتفرد كل يوم بكونه ظرفا على حدة، وإنما يتحقق ذلك إذا وقعت تطليقة ~~في كل يوم. PageV02P1010 # [حروف الاستثناء] # (يلزمه درهم إلا دانقا)، فالدرهم أربعة عشر قيراطا، ويكون العشرة منه على ~~وزن سبعة مثاقيل، والدانق- بفتح النون وكسرها- سدس الردهم، وقيل: الدانق ~~قيراطان، والقيراط نصف الدانق، وأصله قراط- بالتشديد- لأن جمعه قراريط، ~~وأبدل الياء من إحدى حرفي التضعيف. كذا PageV02P1011 # في "الصحاح" و"المغرب". # (وكذلك لو قال: علي دينار غير عشرة بالرفع) إلى قوله: (وما يقع من الفصل ~~بين المعارضة والبيان) نذكره في باب البيان معناه أن عند محمد- رحمه الله- ~~لا يصح استثناء الدراهم من الدنانير؛ لأن صدر الكلام لا يتناول المستثنى ~~لغة فاستثناؤها من الدنانير كاستثناء الثوب ms389 من الدينار، ولا معارضة بين ~~ثبوت الدينار عليه وبين انتفاء الدراهم عنه كما في الثوب عندهما هذا ~~الاستثناء صحيح بطريق بيان التغيير، وهو أنه تكلم بالباقي PageV02P1012 # بعد الثنيا وهو من جنس البيان لا من قبيل المعارضة، والفرق بين البيان ~~والمعارضة يذكر في باب البيان إن شاء الله تعالى، واستثناء الدراهم من ~~الدنانير أمكن أن يجعل بيانا بخلاف استثناء الثوب، فتعين للمعارضة ولا ~~معارضة، يجب الدينار كله إلى آخره. # [سوى] # (وسوى وغير مثل إلا في قوله: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة أو غير ثلاثة ~~أو سوى ثلاثة) فهي صدقة على المساكين، والجواب في الكل واحد، فإن كان في ~~يده أربعة دراهم أو خمسة دراهم لا يجب عليه التصدق؛ لأن الشرط كون الدراهم ~~في يده سوى ثلاثة ولم يوجد. بخلاف ما لو قال: إن كان في يدي من الدراهم سوى ~~ثلاثة فإنه يجب التصدق بما زاد على الثلاث، PageV02P1013 # لا يتوقف على وجود الثلاث؛ لأن شرط الحنث هاهنا أن يكون من الدراهم في ~~يده، فدرهم ودرهمان من الدراهم. # [حروف الشرط] # [حرف إن] # (وأما حرف إن وهو الأصل في باب الشرط)؛ لأنه حرف موضوع للشرط في أصله ~~بخلاف سائر كلمات الشرط، ولأن غيرها إنما تعمل عمل الشرط إذا تضمن معنى إن، ~~فلذلك كانت هي الأصل في الباب، (وأثره أن يمنع العلة عن الحكم أصلا) أي أثر ~~الشرط أن يمنع العلة عن انعقادها علة للحكم بل تبقى معدومة كما كانت (حتى ~~يبطل التعليق) أي إلى أن يبطل التعليق. يعني إذا وجد الشرط وهو دخول الدار ~~مثلا في تعليق الحكم بدخول الدار لم يبق تعليقا، فحينئذ يصير ما ليس بعلة ~~علة، وعند الشافعي أثره أن يمنع الحكم عن العلة لا العلة عن انعقادها علة، ~~بل العلة علة موجبة للحكم في الحال، ويمتنع الحكم بوجود إن، وأثر هذا ~~الخلاف بيننا وبينه إنما يظهر في PageV02P1014 # قوله للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، على ما يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى. # إذا قال (إن لم أطلقك فأنت ms390 طالق ثلاثا)، فإنه ما دام حيا يتصور البر وهو ~~الطلاق، فإذا قرب موته أو موتها على وجه لا يسع فيه قوله: أنت طالق بل يسع ~~فيه أنت أو أقل حينئذ فات البر وهو التطليق، فوجد الشرط وهو عدم التطليق ~~فتقع ثلاث تطليقات، فإن قيل: المعلق بالشرط كالملفوظ عند وجود الشرط فكيف ~~تقع ثلاث تطليقات ولا يسع فيه أنت طالق ثلاثا؟ # قلنا: هو أمر حكمي فلا يشترط فيه ما يشترط في حقيقة الإرسال والتطليق؛ ~~لأن شرط هذا وأهلية هذا إنما يشترط عند التعليق لا عند وجود الشرط. # ألا ترى أن المعلق إذا علق طلاق امرأته ثم جن فوجد الشرط وهو مجنون يقع ~~الطلاق، وإن لم يتصور منه حقيقة الطلاق شرعا. # وقوله: (فتطلق في آخر حياته)، وفائدة الطلاق في ذلك الوقت إنها PageV02P1015 # تبين بالطلاق عن زوجها لا بالموت، حتى إنها لو كانت غير مدخولة لا ترث؛ ~~لأنها بانت لا إلى عدة، ويجب لها نصف المهر لا كله، ولما بانت بالطلاق قبل ~~الموت من غير عدة الطلاق لم تجب عليها عدة الوفاة أيضا. # [حرف إذا] # (فيجازى بها مرة ولا يجازى بها أخرى) أي تستعمل للشرط مرة ولا تستعمل له ~~أخرى، وإنما قال: يجازي مكان قوله: تستعمل للشرط؛ لأن الجزاء لازم للشرط، ~~فكان ذكر الجزاء ذكرا للشرط، ولأن فيه إشارة إلى أن المقصود من ذكر الشرط ~~والجزاء هو الجزاء، ووجود الشرط وسيلة له بطريق الانقلاب، والمجازاة بها ~~لازمة. PageV02P1016 # (في غير موضع الاستفهام). أما في موضع الاستفهام فإنها لا تستعمل استعمال ~~الشرط، فلذلك لا يجزم بها فيقال: متى يخرج زيد- برفع يخرج- لأن الاستفهام ~~عبارة عن طلب الفهم عن وجود الفعل، فلا يليق هناك إضمار حرف إن، واستعمالها ~~للشرط لا يكون بدون إضمار إن. # وأما إذا لم يكن الاستفهام فيه مقصودا فيصح إضمار حرف الشرط فيها فنقول: ~~متى تخرج أخرج، فإنه يصح أن يقول في معناه: إن تخرج أخرج يجزم الشرط ~~والجزاء. # (وإذا تدخل للوقت على أمر كائن) أي يستعمل كلمة (إذا) في الوقت الواقع في ~~الحال ms391 كقول الشاعر: PageV02P1017 # وإذا تكون كريهة أدعى لها. # وتستعمل أيضا في حق الوقت المستقبل الذي هو آت لا محالة كما في قوله ~~تعالى: {إذا الشمس كورت}، وكذلك استعملت مقام جزاء الشرط الذي هو مقام ~~الفاء، والجزاء إنما يكون عند وجود الشرط وهو في ذلك الوقت كائن لا محالة ~~كما في قوله تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} أي فهم ~~يقطنون، وإذا كان كذلك كان استعمال إذا في الأوقات المعلومة لا محالة، ~~والمعلومية منافية لمعنى الشرط إذ الشرط إنما يكون في الوقت المبهم أيكون ~~أم لا؟ على ما ذكر قبل هذا إن كلمة إن هي الأصل في باب الشرط، وهي تدخل على ~~كل أمر معدوم على خطر الوجود، وما كان معلوما كان منافيا لكلمة هي أصل في ~~الشرط، ولئن كان شرطا على الطريق الاستعارة للشرط ينبغي أن لا يسقط عنه ~~معنى الوقت لأن الوقت معناه الأصلي، فكان مثل متى إذا استعمل للشرط، فإنه ~~لا يسقط عنه معنى الوقت مع لزومه للشرط في غير موضع الاستفهام فأولى أن لا ~~يسقط معنى الوقت PageV02P1018 # من إذا؛ لأنه غير لازم للشرط على ما ذكرنا من استعماله في الأوقات ~~المعلومة، وهذا معنى قوله: (وإذا كان كذلك كان مفسرا من وجه ولم يكن مبهما ~~فلم يكن شرطا) أي لما استعمل إذا في الأمر الواقع في الحال وفي الأمر ~~المستقبل الذي هو كائن لا محالة، وفي المفاجأة التي هي جزاء الشرط كان ما ~~دخل هو عليه مفسرا لا مبهما، فلا يليق حينئذ لمعنى الشرط؛ لأن الشرط أمر ~~مبهم وجوده. # وقوله: (وقد يستعمل فيه) أي وقد يستعمل إذا في الشرط. # فإن قيل ففي قوله: (إلا أنه قد يستعمل فيه مستعارا مع قيام معنى الوقت) ~~جمعا بين الحقيقة والمجاز؛ لأن حقيقة إذا للوقت على ما ذكرنا، ثم لو استعير ~~هو للشرط مع قيام معنى الوقت كان جمعا بينهما، وهو لا يجوز على ما مر. # قلنا: عدم جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز كان للمنافاة كما في لفظ الأسد ms392 ~~لو أريد الهيكل المخصوص به مع إرادة الرجل الشجاع. # أما هاهنا فلا منافاة بين الوقت المعدوم وبين الشرط. إذ الشرط أمر معدوم ~~على خطر الوجود، فيجوز أن يكون الفعل الذي يوجد في الوقت شرطا لشروط معدوم؛ ~~لأن كلا منهما معدوم فيجوز أن يجتمعا لعدم المنافاة، PageV02P1019 # وهذا لأن الوقت ظرف لجميع الأفعال، والامتناع عن الظرف الذي هو شرط وقوع ~~الطلاق الثلاث فعل من الأفعال، فكان الوقت ظرفا له كما في سائر شروط الطلاق ~~في التعليق غير أن الوقت في حق وجود شرط سائر التعليقات مقدر وهنا مصرح، ~~فإن تقدير قولك: إن دخلت الدار فأنت طالق أي في الوقت الذي دخلت فيه الدار ~~أنت طالق؛ لأن الدخول لا يوجد إلا في وقت من الأوقات، غير أن ذلك الوقت ~~المقدر في قوله: إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثا لم يعمل به؛ لأن الوقت إنما ~~يعمل به بالتصريح أو بكلمة هي موضوعة للوقت، وتصريح ما قدر من الوقت في ~~سائر التعليقات لا يكون منافيا للشرط. # والدليل على أن الجمع بين الحقيقة والجاز جائز عند عدم المنافاة مسألة ~~(حتى) في قولهم: جاءني القوم حتى زيد، فإن (حتى) في حقيقتها للغاية ثم ~~استعيرت هي للعطف. قلنا: بقاء معنى الغاية التي هي حقيقتها لعدم المنافاة ~~بينهما فكذلك استعارة كلمة (أو) لمعنى الواو في موضع النفي مع بقاء معناها ~~الأصلي كما عرف في قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} وهو كثير ~~النظير. # (فصار الطلاق مضافا إلى زمان خال عن إيقاع الطلاق) أي لما لم يسقط معنى ~~الوقت من إذا حينئذ كان الطلاق مضافا إلى وقت خال عن إيقاع PageV02P1020 # الطلاق، فيقع الطلاق لوجود شرط الحنث وهو وجود الوقت الخالي عن إيقاع ~~الطلاق. # (ووقع الشك في انقطاع المشيئة فلا تبطل بالشك). يعني لما كان في إذا معنى ~~الشرط الخالص كإن ومعنى الوقت كمتى على التعارض خرج الأمر من يدها بالقيام ~~عن مجلسها لو جعلناها بمعنى إن؛ لأنها للتمليك والتمليكات تقتصر على ~~المجلس، ولو جعلناها بمعنى متى لا يخرج ms393 بل هي عامة في الأوقات كلها فصار ~~كأنه قال: أنت طالق في أي وقت شيءت فلا يقتصر على المجلس، وكان المر في ~~يدها فلا تبطل، وعمل أبو حنيفة- رضي الله عنه- PageV02P1021 # في المشيئة في إذا بمعنى الوقت، وفي إذا لم أطلقك بمعنى الشرط، ومعنى ~~كليهما راجع إلى الأصل الذي ذكر، وهو أن الأصل الثابت قبل الشك لا يزول ~~بالشك، وفي الطلاق لم تكن طالقا قبل هذا فلا تطلق بهذا نظرا إلى جانب ~~الشرط، وفي المشيئة كان الأمر في يدها فلا يخرج عن يدها بالقيام عن المجلس ~~نظرا إلى جانب الوقت، وهذا أصل مطرد لأبي حنيفة- رحمه الله-. # في غاية المسائل كما في خروج وقت الظهر وبقائه، وكون دار الإسلام دار ~~الحرب وبقائها، وكون العصير خمرا وبقائه عصيرا، وبطلان السكنى وبقائها فيمن ~~حلف لا يسكن هذه الدار وغيرها. # [متى] # (فاسم للوقت المبهم بلا اختصاص) سواء كان لمحض الاستفهام عن الوقت أو ~~الاستفهام مع الشرط، فإنك تقول في الشرط: متى تأتني PageV02P1022 # أكرمك؛ أي إن تأتيني يوم الجمعة أكرمك؛ وإن تأتني يوم السبت أكرمك إلى حد ~~فيه من الإطالة، فأتى بمتى للإيجاز مشتملا للأزمنة كلها، كما في أين مشتملا ~~للأمكنة كلها، ثم لما كان متى لا تخص وقتا دون وقت كان مشاركا لإن في تردد ~~ما دخل فيه بين أن يوجد وبين أن لا يوجد كما في إن. # (فيلزم في باب المجازاة) أي المجازاة لازمة في متى في غير موضع الاستفهام ~~على ما ذكرنا كما أن إن لازمة للشرطية، والتفاوت بينهما في ثبوت الوقت ~~وانتفائه. PageV02P1023 # (أنت طالق لولا صحبتك) أي لا يقع الطلاق لما فيه من معنى الشرط؛ لأن لولا ~~لامتناع الشيء لوجود غيره، كما في قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا}، فامتناع انتفاء الزكاء لوجود فضل الله، ~~فصار كأن الطلاق معلق بعدم صحبتها، وإذا كانت الصحبة موجودة لم يوجد الشرط، ~~فلا يقع الطلاق. # وقوله: (وما أشبه ذلك) قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: قال- محمد ~~رحمه الله- في قوله: أنت طالق ms394 لولا دخولك الدار: أنها لا تطلق ويجعل هذه ~~الكلمة بمعنى الاستثناء. # (آمنوني على عشرة من أهل الحصن) أي من أهل الحرب (ففعلنا) أي أجاب أهل ~~الإسلام لالتماس أهل الحرب، (والخيار إليه) أي إلى رأس الحصن؛ لأنه شرط ذلك ~~لنفسه بكلمة على، وهو مبني على ما ذكر من حكم كلمة على، فإنها في أصلها ~~للزوم، ثم تستعار هي لمعنى الشرط في غير PageV02P1024 # المعاوضات المحضة؛ لما أن بين العالي والمعلو معاقبة كما بين الشرط ~~والمشروط، وتلك الاستعارة التي تستعار لمعنى الشرط بمنزلة الحقيقة عند أبي ~~حنيفة- رحمه الله- على ما مر، ولما كان كذلك كان رأس الحصن في قوله: آمنوني ~~على عشرة شارطا الأمان لنفسه، فكان الخيار إليه بخلاف ما لو قال: (آمنوني ~~وعشرة) أو فعشرة أو ثم عشرة، فالخيار في تعيين العشرة إلى من آمنهم؛ لأن ~~المتكلم عطف آمانهم على آمان نفسه من غير أن شرط لنفسه في آمانهم شيئا. # (ولو قال: بعشرة فمثل قوله: وعشرة) في أن الأمان وقع له ولعشرة سواه، ~~(والخيار إلى إمام المسلمين) لما أن البلاء للإلصاق، فلابد له من ملصق ~~وملصق به، وهو يقتضي المغايرة، فلابد أن يكون هو غير العشرة، ثم رأس الحصن ~~لم يشترط لنفسه شيئا، فلا يكون الخيار له كما لو ذكره بالواو. # (ولو قال: في عشرة وقع على تسعة سواه، والخيار إلى الإمام) إما هو أحد ~~العشرة، فلأن معنى الظرف في العدد بهذا يتحقق؛ لأن معنى الظرف في العدد بأن ~~يكون معدودا منهم، ولن يكون كذلك إلا بأن يكون واحدا من PageV02P1025 # العشرة. # ألا ترى أنه إذا قيل في الفارسية فلان درين ده أست يفهم منه أنه من ~~العشرة وغيره تسعة وأما الخيار في التسعة إلى الذين آمنهم لا إلى رأس ~~الحصن؛ لأنه ما شرط لنفسه شيئا في أمان من ضمهم إلى نفسه ليكونوا عشرة. # (ولو قال: آمنوني إلى عشرة وقع على عشرة لا غير، ولرأس الحصن أن يدخل ~~نفسه فيهم، والخيار فيهم إليه). # أما وقوع الأمان على العشرة لا غير، لأن الأمان وقع عليها، ms395 فلو قلنا ~~بعشرة سواه كان وقوع الأمان حينئذ على أحد عشر، والإمام لم يوقعه على ذلك. # وأما ولاية إدخال نفسه فيهم فلدلالة؛ لأنه لما آمن تسعة غيره فلن يؤمن ~~نفسه أولى، وكذلك ثبوت الخيار إليه لثبوت هذه الدلالة؛ لأن إمام المسلمين ~~لما ثبت لرأس الحصن هذه الدلالة لأجله كان الخيار إليه. # (وذلك يخرج على هذا الأصل) أي على هذا الأصل الذي ذكرنا قبل هذا من حروف ~~المعاني التي تتعلق بمسائل الأمان لا أن يكون ذلك إشارة إلى ما اتصل بهذا ~~من كلمة إذا، ومتى، وأو، ولولا. PageV02P1026 # ولهذا ذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- مسائل الآمان التي تختص بحروف ~~المعاني في مواضع تلك الحروف. # [حرف كيف] # (فإن استقام وإلا بطل) أي إن كان المسئول عنه ذا أحوال يستقيم السؤال عنه ~~بهذه الكلمة، وإن لم يستقم فيبطل معنى كيف، فصار ذكر كيف وعدم ذكره بمنزلة، ~~حتى لو قال لعبده: (أنت حر كيف شيءت أنه إيقاع) في الحال عند أبي حنيف- ~~رحمه الله- ولا يتعلق بمشيئته؛ لأن كيف للاستيصاف ولا أوصاف للحرية فلا ~~يتعلق بمشيئته. # (وفي الطلاق تقع الواحدة) في الحال؛ لأن للطلاق أوصافا من البينونة ~~الخفيفة والغليظة والرجعة، (ويبقى الفضل في الوصف) وهو البينونة (والقدر) ~~وهو الثنتان والثلاث (وهو الحال مفوضا) إشارة إلى الفضل (بشرط نية الزوج). PageV02P1027 # فإن قيل: ينبغي أن لا تشترط نية الزوج؛ لأن الزوج فوض الطلاق إليها على ~~أي صفة شاءت. # قلنا: كلمة كيف وضعت للسؤال عن الحال، والحال في الطلاق نوعان: صفة وعدد، ~~فصارت الكلمة بمنزلة الاسم المشترك، فتشترط نية الزوج لتعيين جهة المفوض ~~إليها. كذا في "مبسوط" المصنف. # (وقالا: ما لا يقبل الإشارة فحاله) أي كونه بائنا ورجعيا، (ووصفه) أي ~~كونه سنيا وبدعيا بمنزلة أصله وهو نفس الطلاق، وهذا لأن ما لا يتأتى ~~الإشارة إليه حاله ووصفه بمنزلة ذاته من حيث إن كل واحد منهما مما لا يشار ~~إليه، فإذا تعلق الوصف بمشيئتها تعلق الأصل لا محالة، فإن الزوج إذا أوقع ~~الواحدة ليس له أن يثلثها عندهما، فكذلك من قام مقامه ms396 فلهذا يتعلق أصل ~~الطلاق ووصفه بمشيئتها. (فتعلق الأصل بتعلقه) أي يتعلق الوصف يعني أجمعنا ~~على أن وصف الطلاق متعلق بمشيئتها، فيجب أن يكون أصله أيضا متعلقا ~~بمشيئتها. PageV02P1028 # [حرف كم] # (وأما كم فاسد للعدد الذي هو الواقع) أي الثابت فيما استعمل هو فيه حتى ~~إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق كم شيءت كان الطلاق بعدده ثابتا ومفوضا ~~إليها، فلا تطلق ما لم تشأ، وتتوقت المشيئة بالمجلس؛ لأنه ليس فيها ما تنبئ ~~عن الوقت، فتطلق نفسها على أي عدد شاءت، فإن ردت الأمر كان ردا؛ لأن هذا ~~خطاب في الحال فيقتضي الجواب في الحال. # [حرف حيث] # (وحيث اسم لمكان مبهم). وكذلك أين، ولهذا لو قال: أنت طالق حيث شيءت أو ~~أين شيءت أنه لا يقع ما لم تشأ، وتتوقف مشيئتها بالمجلس؛ لأنه ليس فيها ~~معنى الوقت حتى يقتضي عموم الأوقات بخلاف قوله: إذا شيءت ومتى شيءت، حيث لا ~~يقتصر فيهما على المجلس لتعلق الطلاق بالزمان، ولأن حيث وأين لما كانا من ~~أسماء المكان ولا تعلق للطلاق بالمكان لغا ذكر المكان، فعلى هذا كان ينبغي ~~أن يلغي المشيئة أيضا؛ لأن عند إلغاء PageV02P1029 # المكان بقي قوله: أنت طالق شيءت فلا يتعلق هناك بالمشيئة فكذا هنا، إلا ~~أن قوله: حيث شيءت يفيد ضربا من التأخير، وحرف الشرط أيضا يفيد ضربا من ~~التأخير فيشتركان في تحقيق معنى التأخير، فيجعل مجازا عن حرف الشرط، فلذلك ~~لا يقع بدون المشيئة، وكذلك في أين. والله أعلم. # * * * PageV02P1030 ### || AUTO باب الصريح والكناية # (حتى استغنى عن العزيمة وكذلك الطلاق والعتاق)، فلذلك إذا أضيف العتق إلى ~~المحل مبتدأ أو وصف أو خبر كان موجبا للحكم، حتى إذا قال: يا حر، أو هذا ~~الشخص الحر، أو قد حررتك- يعتق، وكذلك في الطلاق. # (وحكم الكناية أن لا يجب العمل به إلا بالنية) وما يقوم مقامها من دلالة ~~الحال، (وذلك مثل المجاز قبل أن يصير متعارفا) كما في قولهم: فلان كثير ~~الرماد قبل أن يصير متعارفا في إثبات الجود، وكذلك في قول من قال: لا PageV02P1031 # يضع قدمه ms397 في دار فلان، فإنه في حق الدخول كناية قبل أن يصير متعارفا فيه. # (إلا في قول الرجل: اعتدي؛ لأن حقيقتها) أي حقيقة كلمة اعتدي، أو أراد ~~بقوله: اعتدي العدة؛ لأنه يدل على العدة. # وحاصله إن لقوله: بائن وحرام وأخواتهما تأثيرا في قطع النكاح، فإذا نوى ~~الطلاق انقطع النكاح بهذه الألفاظ فكان الطلاق بائنا. # أما الاعتداد فحقيقته (للحساب، ولا أثر له في قطع النكاح)، فإذا نوى ~~الطلاق لا يمكن أن يقال: وقع الطلاق بائنا لما قلنا، ولكن وقع الطلاق بطريق ~~الاقتضاء؛ لأن الأمر بالاعتداد لا يصح إلا وأن يكون الطلاق واقعا، فثبت ~~الطلاق تصحيحا للأمر بالاعتداد، وهذا هو الاقتضاء، ولكن إنما يصح هذا بعد ~~الدخول، فأما قبل الدخول فلا يمكن القول بالاقتضاء؛ لأن ثبوت المقتضى لصحة ~~المقتضي، وهاهنا المقتضي وهو العدة لا يصح؛ لأن العدة غير واجبة بالإجماع ~~فانعدم معنى الاقتضاء فجعل مستعارا محضا؛ لأن PageV02P1032 # الطلاق سبب لوجوب العدة على ما هو الأصل؛ لأن الطلاق قبل الدخول إنما ~~يباشر الزوج أو وجد نادرا بعارض لما أن النكاح لم يوضع لهذا، بل المقصود ~~منه الدخول والعوارض غير داخلة تحت القواعد، فكان الطلاق علة لوجوب العدة ~~بالنظر إلى أصله، (فاستعير الحكم له). # (زمعة) - بفتحتين-. # (كان دلالة على الصريح لا عاملا لموجبه)؛ لأنه إذا نوى بقوله: (أنت ~~واحدة) الطلاق كان هذا اللفظ دلالة على وجود الطلاق؛ لأن وجود صفة الطلاق ~~ولا طلاق محال، فلذلك كان دلالة على وجود الموصوف وهو الطلاق لا محالة؛ لا ~~أن قوله: "واحدة" عاملة لموجبها، فكان رجعيا لما أن المدلول هنا الطلاق وهو ~~تعقب الرجعة، وقد ذكرنا وجه إضمار الطلاق دون البائن في "الوافي". PageV02P1033 # (فصار جنس الكنايات بمنزلة الضرورات) أي الأصل في الكلام هو الصريح؛ لأنه ~~وضع للإفهام، والمراد من الكلام الإفهام، وإنما يعمل بالكنايات لانعدام ~~الصريح الذي يدل على ما دل عليه الكناية، ويعمل بها كي لا يلغى كلام ~~المتكلم، فصار بمنزلة الضرورات التي لا يؤتى بها إلا للحاجة. # (فقال له آخر: صدقت لم يحد المصدق)؛ لأن ما تلفظ ms398 به كناية عن القذف ~~لاحتمال التصديق وجوها مختلفة أي كنت صادقا فيما مضى فكيف تتكلم بهذه ~~الكلمة الشنعاء. # (وكذلك إذا قال: لست بزان يريد التعريض للمخاطب لم يحد) وقال مالك- رحمه ~~الله-: يحد، وكان في هذا اختلاف الصحابة، فعمر- رضي الله عنه- كان لا يوجب ~~الحد في مثل هذا ويقول في حالة المخاصمة مع الغير مقصودة بهذا اللفظ نسبة ~~صاحبه إلى شين وتزكيته لنفسه لا أن يكون PageV02P1034 # قذفا للغير، وأخذنا بقوله لأنه إن تصور معنى القذف بهذا اللفظ فهو بطريق ~~المفهوم والمفهوم ليس بحجة (بخلاف من قذف رجلا بالزنا فقال آخر: هو كما ~~قلت)؛ لأن فيه كاف التشبيه وهو يوجب العموم عندنا في المحل الذي يحتمله، ~~ولهذا قلنا في قول علي رضي الله عنه: "إنما أعطيناهم الذمة، وبذلوا الجزية ~~لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا": إنه مجرى على العموم فيما يندرئ ~~بالشبهات، وما يثبت مع الشبهات، فهذا الكاف أيضا موجبه العموم؛ لأنه حصل في ~~محل يحتمله، فيكون نسبة له إلى الزنا قطعا بمنزلة كلام الأول. # وهذا مثل من قال لآخر: أشهد أنك زان، فقال الآخر: وأنا أشهد أيضا. لا حد ~~على الآخر؛ لأن قوله: "أشهد" كلام محتمل فلا يتحقق به القذف إلا أن يقول: ~~أنا أشهد عليه بمثل ما شهدت به، فحينئذ يكون قاذفا له؛ كذا في "مبسوط" ~~الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وأصول فقهه. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P1035 ### || AUTO باب وجوه الوقوف على أحكام النظم # ({وعلى المولود له رزقهن} فسيق الكلام لإيجاب النفقة على الوالد)، فأول ~~الآية: {والوالدات يرضعن أولادهن} الآية، ومعنى الآية- والله أعلم- ~~والأمهات المطلقات يرضعن أولادهن أي هن أحق بإرضاع الأولاد من أجنبيات ~~ليسترضعهن الآباء؛ لأنهن أرق عليهم وألطف بهم، {وعلى المولود له} أي الأب ~~وأريد به الجمع {رزقهن وكسوتهن} وهذا على طريق الأجر؛ لأنهن تحتجن إلى ما ~~يقمن به أبدانهن {بالمعروف} أي من غير إسراف ولا تقصير. ومنهم من حمل الآية ~~على الوالدات المنكوحات، وجعل PageV02P1036 # الرزق والكسوة والنفقة دون الأجر، فظاهر الآية تدل على أنها في المطلقة؛ ~~لأن ما قبلها وما بعدها في حق ms399 المطلقات. كذا في "التيسير". # ودلت الآية على أن الأم أحق برضاع ولدها وليس للأب أن يسترضع غيرها إذا ~~أرضعته؛ لأن الله تعالى قال: {والوالدات يرضعن أولادهن} وهذا أمر، وإن كان ~~صيغته الخبر، ودلت أيضا على أن الأم مخيرة بين أن ترضع أو لا ترضع؛ لأنه ~~قال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فبهذا يندفع سؤال من سأل: لما كانت ~~الوالدات مأمورات بالإرضاع كان ينبغي أن يجب الإرضاع عليها. # قلنا: ذلك الأمر مصروف إلى الاستحباب بهذا الدليل، ولقوله تعالى أيضا: ~~{لا تضار والدة بولدها} وذكر في "الكشاف" {وعلى المولود له}. أي وعلى الذي ~~يولد له وهو الوالد، -وله في محل الرفع على الفاعلية نحو {عليهم} في {غير ~~المغضوب عليهم} -. # (لأنه نسب إليه بلام الملك) أجمعوا على أنه لا يصير أحق به ملكا؛ لأن ~~الولد لا يصير ملكا للوالد، فدل أنه اختص بالأب نسبا فكان نسبه إلى الآباء ~~فإن قلت: ما فائدة تخصيص نسبة الأولاد إلى الآباء مع أن الولد كما ينسب PageV02P1037 # إلى الأب فكذلك نسب إلى الأم؟ # فيقال: هذا ولد فلانة كما يقال: هذا ولد فلان، فالولد بجملته منسوب إلى ~~كل واحد منهما كاملا، وكذلك نصيب الولد في الإرث بينهما على السواء؟ # قلت: فائدته تظهر في حق الأمور التي تميز بها بين نسب ونسب، فيصلح الولد ~~لذلك الأمر إن اعتبرنا فيه جانب الأب، ولا يصلح له إن اعتبرنا فيه جانب الأم. # كما في الإمامة الكبرى وهي الخلافة، فإن كان أبوه قرشيا يصلح الولد لها ~~وأمه أي نسب كانت، وفي عكسه لا يصلح الولد لها، وكذلك في الكفارات يعتبر ~~نسب الآباء دون الأمهات، وكذلك في اعتبار مهر المثل يعتبر نسب الآباء دون ~~الأمهات. # (وفيه إشارة إلى أن للأب حق التمليك)، والفرق بين حق التمليك وحق الملك ~~فلمن له حق التملك ولاية، وأن يجعل ذلك الشيء ملكا لنفسه في المستقبل. # فأما في الحال فليس له فيه ملك بوجه من الوجوه كالشفيع له أن يتملك الدار ~~المبيعة إن شاء. # وأما ليس فيه حق الملك بوجه ms400 في الحال، وحق الملك عبارة عن الملك من وجه ~~في الحال كالمكاتب، فإن له حق الملك في نفسه حتى لا يملك المولى وطء ~~الجارية المكاتبة؛ لأن لها في نفسها حق ملك وهو ملك اليد، وليس PageV02P1038 # للأب في مال الابن من وجه، ولهذا يملك الابن وطء جاريته، فلو كان للأب في ~~ماله ملك من وجه لما ملك الابن وطء جاريته. # (وعليه تبنى مسائل كثيرة) منها: أن الأب لا يحد بوطء جارية ابنه وإن علم ~~حرمتها عليه. # ومنها أن نفقة الأب تفرض على الابن إن كان محتاجا والابن موسر. # سواء كان الأب قادرا على الكسب أو لم يكن. # هكذا ذكره الإمام خواهر زادة- رحمه الله- بخلاف الابن إذا كان بالغا وهو ~~قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته باعتبار أن للأب زيادة فضله على الولد. # ألا ترى أنه يستحق مال ولده باعتبار الحاجة الضرورية كالنفقة وتعتبر ~~الضرورة كاستيلاد جارية الابن بخلاف الولد، ولم يكن هذا الفرق بينهما إلا ~~باعتبار؛ لأنه الملك في قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن}. # ومنها أن نفقة خادمة الأب واجبة على الابن سواء كانت الخادمة امرأة PageV02P1039 # أو جارية، بخلاف نفقة خادمة الابن حيث لا تجب على الأب. كذا في "النفقات ~~البرهانية" و"فتاوى قاضي خان". # (وفيه إشارة إلى أن النفقة تستحق بغير الولاد) أي وفي آخر هذه الآية ~~إشارة إلى هذا، وهو قوله تعالى {وعلى الوارث مثل ذلك} وهي نفقة ذوي ~~الأرحام. # فإن قيل: هذا الحكم معلوم بعبارة النص، فإن النص سيق لإيجاب النفقة وهو ~~قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن} وبعد ذلك قوله تعالى: {وعلى الوارث ~~مثل ذلك} معطوف عليه، فكان ذلك عبارة لا إشارة، فكيف سماه إشارة النص؟ # قلنا: نعم سيق الكلام لإيجاب النفقة على الوارث، لكن لم يسق الكلام على ~~أن يأخذ الاشتقاق علة لإثبات النفقة. ألا ترى أن النفقة لا تجب إذا لم يكن ~~أهلا للإرث بأن كان الوارث كافرا سوى قرابة الولاد. PageV02P1040 # (وهو اسم مشتق من معنى) أي اسم مأخوذ من اسم له معنى، فإن ms401 الوارث مأخوذ ~~من الإرث، فيجب أن يكون الإرث علة لوجوب النفقة، فلذلك وجب بناء الحكم على ~~معناه كما في (الزاني والسارق). # فإن قلت: لو كان وجوب النفقة مبنيا على علة الإرث ينبغي أن تدور وجوبها ~~مع الإرث أينما دار وجودا وعدما كما في الزاني والسارق وليس كذلك، فإنا نجد ~~وارثا في غير الولاد، وليس عليه النفقة، وغير وراث وجبت عليه النفقة، فإن ~~الرجل المعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله ويحرز ميراثه ابن عمه. # قلت: وجوب النفقة مبني على علة الإرث، لكن الاعتبار لأهلية الإرث لا ~~لإحرازه، فالحاصل أن تأثير إحراز الإرث في وجوب النفقة إنما هو في ذوي ~~الأرحام لا في غيرهم، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام ~~تعتبر أهلية الإرث لا إحرازه. بيان ذلك أن الرجل إذا كان له عم PageV02P1041 # وخال فالنفقة على العم دون الخال؛ لأنهما استويا في المحرمية وترجح العم ~~على الخال بكونه وارثا حقيقة، وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على ~~العمة والخالة على قدر ميراثها، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي ~~الأرحام فالمعتبر هو أهلية الإرث لا إحرازه، كما ذكرناه في صورة الخال وابن ~~العم، فإن النفقة على الخال؛ لأنه ذو رحم محرم منه والإرث لابن العم؛ لأنه ~~عصبه وهو مقدم على ذوي الأرحام. # قال شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: وفيه دليل أيضا على أن النفقة ~~للوالدين على الأولاد لا تكون باعتبار ميراثهما، فإنه اعتبر صفة الوراثة في ~~حق سائر القرابات، فعرفنا أن فيما بين الأولاد والأب إنما يعتبر نفس ~~الولاد؛ ولهذا قلنا في أصح الروايتين: أن المعسر إذا كان له ابن وبنت وهما ~~موسران فنفقته عليهما نصفان، ثم معنى قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} أي وعلى ~~وارث الصغير عند عدم الأب مثل ما كان على الأب من أجر إرضاع الولد للمرضعة. # (وفيه إشارة إلى استواء الكل في الحظر؛ لأنه قال: {ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل} أي الكف عن هذه الجملة، فكان حظر الكل ms402 بطريق واحد) أي PageV02P1042 # الكف عن هذه الأشياء المذكورة في الآية ثبت بخطاب واحد، فكان الكل كشيء ~~واحد لما عرف أن الأمرين المختلفين فصاعدا لا يجوز أن يراد بلفظ واحد لما ~~ذكرنا في المشترك، إلا أن يجعل الأشياء المختلفة واحدة في المعنى فحينئذ ~~يراد باللفظ الواحد. كالأشياء المختلفة والمتضادة يتناولها اسم الشيء، إذا ~~الكل في معنى الشيئية وهو الوجود واحد، (فلم يكن للجماع اختصاص ولا مزية)، ~~فلذلك قلنا: إن الكفارة إذا وجبت بالجماع وجبت بالأكل والشرب لكونها واحدة ~~تقديرا. # ألا ترى أن غسل جميع اليدين لما وجب بخطاب واحد وهو قوله {فاطهروا} صار ~~جميع اليدين كعضو واحد حتى جاز نقل البلة من عضو إلى عضو بخلاف الوضوء، فإن ~~نقل البلة من اليد إلى الرجل ومن الوجه إلى اليد لا يجوز؛ لأن كل واحد من ~~هذه الأعضاء ثبت بخطاب على حدة، ولا يلزم أن الصلاة وجبت بخطاب واحد ~~والأركان فيها متفاوتة في القوة والضعف، فإن السجدة أقوى من الركوع ~~والقيام؛ لأنا نقول: إن الأصل فيه ما ذكرنا. إلا إذا قام الدليل على مزية ~~البعض، وفي الصلاة قام الدليل على مزية البعض، فإن من سقط عنه السجود سقط ~~عنه القيام والركوع، وإن كان قادرا عليهما، ولأن الصلاة عبادة والعباد تنبئ ~~عن التذلل والتواضع، يقال: PageV02P1043 # طريق معبد أي مذلل، والتواضع والتذلل في السجود أكثر، فصار أقوى لهذا. # فأما فيما نحن فيه لم يقم الدليل على مزية البعض فكان الكل سواء. # (وفيه إشارة إلى أن النبية في النهار منصوص عليه لقوله تعالى: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل})؛ لأنه لما أباح هذه الأشياء إلى آخر الليل والصوم عبادة ~~تفتقر إلى النية، وقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} أمر بالإتمام فكان ~~امتثال هذا الأمر إنما يقع بعد الفجر لا محالة، عملا بكلمة التراخي وهي ثم، ~~والإتمام فعل اختياري لا يتصور بدون العزيمة، فتكون النية في النهار منصوص ~~عليها (إلا أنا جوزنا تقديم النية على الصبح بالسنة) لا لأن يكون الليل ~~أصلا فيه؛ لأن النية لصيرورة الإمساك عبادة، ms403 وفعل الصوم قط لا يوجد في ~~الليل، فجواز النية في الليل لا يكون أصلا بل يكون الجواز في الليل ثابتا ~~بالسنة. # فإن قيل: فعلى هذا التقدير ينبغي أن تكون النية في النهار أفضل، والأمر ~~بخلافه. # قلنا: النية في الليل أفضل؛ لأنه يكون عملا بالسنة والكتاب جميعا؛ لأنا PageV02P1044 # جوزنا النية في النهار بإشارة النص وهي غير نافية لجواز النية في الليل، ~~وعملنا بالسنة في الأفضلية كما فعلنا في غير هذا في الوضوء المنوي والوضوء ~~المرتب ومع التسمية، فيكون هذا مكملا لما كان فرضا في التسمية والنية ~~والترتيب والوضوء وغير ذلك. # (فالإطعام جعله طاعما) أي آكلا كسائر الأفعال كالإجلاس جعله جالسا. ~~(خلافا لبعض الناس) وهو حمدان بن سهل وهو يقول: لا يتأدى PageV02P1045 # بالتمليك، وإنما بالتمكين فقط لظاهر قوله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا}، ~~والإطعام فعل متعد لازمه طعم يطعم وذلك الأكل دون الملك، ففي التمليك لا ~~يوجد حقيقة الإطعام والكلام محمول على حقيقته. كذا في "المبسوط". # (أن الإباحة جزء من التمليك في التقدير)؛ لأن الطعام قضاء حاجة واحدة وهي ~~حاجة الأكل، وللمساكين حوائج كثيرة، (والملك سبب لقضاء الحوائج) وقضاء ~~الحوائج أمر باطن، (فأقيم الملك مقامها والتمليك بمنزلة قضائها كلها). ألا ~~ترى أن الفقير صار مصرفا في الزكاة لهذا؛ لأن الصرف إليه سبب دفع الحاجة. # فعلم أن الإباحة جزء من التمليك، فالتعدية إلى التمليك في الإطعام PageV02P1046 # تعدية إلى الإباحة إلى غيرها من الحوائج، فكان أولى بالجواز (فاستقام ~~تعديته) أي بطريق الدلالة، (وهو مشتمل على هذا المنصوص عليه) وهو الإطعام ~~الذي يدل على الإباحة، ومشتمل على غير المنصوص عليه من حاجة قضاء الدين ~~وحاجة أجرة البيت وحاجة ما يشتري في البيت وغيرها. # (لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال) أي قبل حصول المقصود بالثوب ~~من دفع الحر والبرد وغير ذلك؛ لأن من الجائز أن يسترد المعسر الثوب قبل ~~ذلك، وإنما قال هذا تأكيدا لعدم جواز التعدية؛ لأنها لو كانت كاملة لا يجوز ~~التعدية لكونها جزءا من الكل والمنصوص عليه وهو الكل، فكيف وهي قاصرة! ~~بخلاف ms404 الإباحة في الطعام؛ لأنه إذا وجد الأكل لا يمكن الاسترداد فلا PageV02P1047 # يلزم من عدم جواز الإباحة في الثوب عدم جواز الإباحة في الطعام، لما ~~أنهما يختلفان في تحصيل المقصود عند الإباحة. # والأولى في هذا أن يقال ما قال شيخي- رحمه الله- في معنى قوله: "لأن ~~الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال" وهو أن الكفارة إنما تقع كاملة إذا ~~خرج العين الذي يكفر به عن ملك المكفر، وحصل سد خلة الفقير عنده، فلذلك لا ~~يتحقق في إعارة الثوب وإباحته؛ لأن المكفر إذا أعار الثوب للفقير إلى أن ~~يبلى ويهلك في يده حينئذ خرج ذلك العين عن ملك المالك المكفر، وعند ذلك ~~تتجدد حاجة الفقير، ولا يخرج المكفر عن عهدة الكفارة به؛ لأن ركن الكفارة ~~على ما ذكرنا لم يوجد بخلاف الإطعام، فإن عين الطعام يخرج عن ملك المكفر ~~إذا أكل الفقير، وبه يقضي حاجة الفقير، ولذلك وقع الفرق بين إباحة الطعام ~~وإعارة الكسوة وإباحتها. # (فهما في طرفي نقيض) أي إباحة الطعام وإعارة الثوب على ما بينا من قضاء ~~حاجة الفقير في إباحة الطعام، وتجدد حاجته في إعارة الثوب عند انقضاء ~~الثوب، أو أراد بطرفي نقيض الإطعام والكسوة؛ لما أن الإطعام فعل والكسوة ~~عين، والفعل مع اللافعل نقيضان، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟ # (وكان قول الشافعي في قياس الطعام بالكسوة في الفرع والأصل معا غلطا). # أما في الفرع فظاهر؛ لأن الكفارة في الفرع الذي هو الإطعام اسم للفعل PageV02P1048 # المخصوص على ما ذكرنا، فكان جعله تمليكا غلطا في الفرع؛ لأنه خلاف مقتضى ~~النص؛ لأن النص يقتضي الجواز بالإباحة وهو لم يجوز فكان غلطا، أو كونه غلطا ~~في الفرع هو أن شرط صحة القياس أن لا يكون المقيس الذي هو الفرع منوص عليه، ~~وهو قد قاس المنصوص مع خلاف ما اقتضاه النص على منصوص آخر. # وأما الغلط في الأصل: فإن المنصوص عليه في الأصل الذي هو الكسوة عين، ~~والفعل غير منصوص، فإنما يشترط الفعل في الأصل ليصير العين كفارة؛ لأن ~~العين بدون الفعل لا يكون كفارة، فكان ms405 الفعل فيه ضمنيا وتبعا وفي الفرع ~~قصدا، فكان في قياسه قياس الفعل القصدي على الفعل الضمني، فإثبات التسوية ~~بينهما مع وجود هذا التفاوت كان غلطا في الأصل؛ لأن القياس في هذا أن يكون ~~الفعل الذي هو التمليك في الأصل منصوصا عليه على وجه لا تجوز الإباحة فيه ~~حتى يكون قياس الإطعام عليه مثلا له، وليس كذلك فكان غلطا. # (ومن قضية الإطعام الحاجة إلى الطعم) فلما تجددت الحاجة بتجديد الأيام ~~كان المسكين الواحد في المعنى المساكين كان المقصود سد الخلة، وذلك يتجدد ~~بتجدد الأيام، فكان هو في اليوم الثاني بمعنى مسكين آخر بتجدد سبب PageV02P1049 # الاستحقاق له، ولأن الإطعام يقتضي طعاما لا محالة، فمعنى الآية {فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين}، وقد أدى ذلك بخلاف الشاهد الواحد، وإن كرر شهادته في ~~مجلسين لا يصير في معنى شاهدين؛ لأن المقصود هناك طمأنينة القلب، فبتكرار ~~الواحد شهادته لا يحصل المقصود، فكان المسكين الواحد بمنزلة رأس الواحد في ~~باب صدقة الفطر حيث يكون رأسا آخر في السنة الثانية باعتبار تجدد وصف ~~المؤنة. # فكذلك نصاب الزكاة يتجدد باعتبار تجدد الحول القائم مقام النماء، والقاطع ~~لشغب أن أربعة أمنا من شعير لما صلحت أن يصير أربعين منا باعتبار تجدد ~~السبب حتى جاز أداء أربعة أمنا مقام أربعين منا بأن يؤدي أربعة أمنا من ~~شعير إلى مسكين، ثم يشتريها منه ويؤديها إلى مسكين آخر حتى تمت عشرة مساكين ~~بهذا الطريق، وجازت الكفارة بهذا الطريق صلح أيضا أن يكون المسكين الواحد ~~في اليوم الثاني مسكينا آخر، وهذا لأن لتجدد السبب تأثيرا في تغيير العين، ~~فكذلك لتجدد الوصف كما في الزكاة على ما ذكرنا. وقوله: (وجوزتم ذلك) أي مع ~~أنه ليس فيه عدد ولا قضاء الحوائج المتجددة. PageV02P1050 # (هذا الذي تقول حاجة اللبوس) أي حاجة الثوب الذي يلبس، فإن اللبس اسم لما ~~يلبس، وأجاب في "المبسوط" عن هذا السؤال بقوله: قلنا نعم، الحاجة إلى ~~الملبوس كذلك أي يتجدد بتجديد الأيام- وإنما يتجدد في كل ستة أشهر- ولكنا ~~أقمنا التمليك مقامه في باب الكسوة- أي مقام تجديد ms406 الحاجة- والتمليك يتحقق ~~في كل يوم، وإذا أقيم الشيء مقام غيره سقط اعتبار حقيقته في نفسه، وهذا لأن ~~الحاجة لا نهاية لها إلا أنه لا يجوز أداء الكل دفعة واحدة للتنصيص على ~~تفريق الأفعال، وذلك بتفريق الأيام في حق الواحد، وقد يحصل أيضا بتفريق ~~الدفعات في يوم واحد، إلا أنه ليس لذلك حد معلوم، فقدرنا بالأيام وجعلنا ~~تجدد الأيام في حق الواحد كتجدد الحاجة تيسيرا. # (فكان يجب أن يصح الأداء على هذا متواترا)؛ لأنه كلما أدى إلى الفقير هلك ~~في يده واحتاج إلى كسوة أخرى، فصار محللا لأداء كسوة PageV03P1051 # أخرى، وأدنى ذلك يوم لجملة الحوائج؛ لأن التمليك لما صار قضاء للحوائج ~~كلها لم يكن بد من زمان مضبوط تتجدد حاجته بتجدده، وهو اليوم، كما في تمليك ~~الطعام لما أن ما دون اليوم ساعة غير مضبوطة فلا يدار الحكم عليه. # (ولا يلزم إذا قبض المسكين كسوتين من رجلين)، فوجه الإشكال هو أن المسكين ~~إذا قبض الكسوتين من رجل واحد في ساعة واحدة لا يجوز عن كسوتين؛ لأن تملك ~~إحداهما قضت حاجته فلم يجز الآخر، وهذا المعنى موجود فيما إذا قبض الكسوتين ~~من رجلين في ساعة واحدة يجوز عنهما. # فعلم بهذا أن عدم الجواز في كسوتين في يوم واحد من رجل واحد لم يكن مبنيا ~~على ما ذكرتم من عدم تجدد حاجته في يوم واحد، فإن حاجته في يوم واحد كما لا ~~تتجدد إذا قبض الكسوتين من رجل واحد كذلك إذا قبضهما من رجلين. # فأجاب عنه وقال: بل هو مبني على ما ذكرنا أيضا إلا أن تمليك كسوة كل واحد ~~من الرجلين في حق صاحبه حكم العدم، فلم يوجد في حق المعطى إلا أداء كسوة ~~واحدة؛ لأن كل رجل مكلف بفعله لا بفعل غيره، فلم يكلف بالتفريق بخلاف ~~الواحد، فإن تمليك الكسوتين فعله فيكلف بالتفريق. PageV03P1052 # [دلالة النص] # (وأما دلالة النص فما ثبت بمعنى النظم لغة) يعني أن دلالة النص هي الحكم ~~الذي لم يتناوله لفظ المنصوص، بل تناوله معنى لفظ المنصوص. مثل قوله ms407 تعالى: ~~{أف} لا يتناول الضرب والشتم من حيث اللفظ؛ لأنهما لا يسميان تأفيفا، فكان ~~معنى قوله: "بمعنى النظم لغة لا استنباطا" أي كل من يعرف العربية يعرف معنى ~~النظم، هذا من غير توقف إلى الاجتهاد، وبه يقع الفرق بينه وبين القياس، فإن ~~القياس يعرف بمعنى النظم أيضا، لكن يتوقف عرفانه إلى الاجتهاد. # (مثل: الضرب اسم لفعل بصورة معقولة) أي معلومة وهي إيقاع آلة التأديب في ~~محل قابل للتأديب، (ومعنى مقصود وهو الإيلام)، ولهذا قلنا: إن من حلف: إن ~~ضربتك فعبده حر، فمات فضربه بعد الموت لا يحنث، (والتأفيف اسم لفعل بصورة ~~معقولة)، وهو أن تقول: أفا له عند التضجر منه، (ومعنى مقصود وهو الأذى)، ~~فصار استعماله في حق الوالدين PageV03P1053 # حراما بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا يعقلون معناه. # أو كان هذا عندهم اسما لضرب كرامة. كذا في "التقويم". # (فأثبتنا الحكم بذلك المعنى بعينه في الأكل) والشرب. # فإن قيل: سؤال الأعرابي في المواقعة وقع عن الهلاك والإهلاك، فكيف يثبت ~~الحكم بالدلالة في الأكل وهاهنا الهلاك لا الإهلاك، فيحتمل أن يكون هذا ~~الحكم مرتبا على المجموع؟ # قلنا: الحكم مرتب على الهلاك فقط، ولهذا لو جامع امرأته وهي مسافرة PageV03P1054 # غير صائمة أو ناسية تجب الكفارة عليه بالإجماع، وإن لم يوجد الإهلاك، ~~فعلم أن وجوب الكفارة مرتب على الهلاك فقط؛ لأنه فوقه في الجناية، فإن دعاء ~~الطبع إلى اقتضاء شهوة البطن أظهر منه إلى اقتضاء شهوة البطن عادة وهو ~~النهر، فأما اقتضاء شهوة الفرج يكون بالليالي عادة، فكان الحكم ثابتا ~~بدلالة النص. PageV03P1055 # (ومن ذلك أن النبي عليه السلام قال "لا قود إلا بالسيف") لهذا الحديث ~~معنيان: # أحدهما- لا قود يستوفى إلا بالسيف. # والثاني- لا قود يجب إلا بالسيف. إذ له طرفان: طرف الوجوب، وطرف ~~الاستيفاء، فإن أريد به نفي الوجوب كان حجة لنا على الشافعي في مسألة ~~الموالاة، وعلى أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في القتل بالمثقل؛ لأنه قتل ~~بغير السيف، ولا يجب فيه القصاص لظاهر هذا الحديث، وإن أريد به نفي ~~الاستيفاء إلا ms408 بالسيف كان حجة لنا أيضا على الشافعي وعليهما. أنه لما لم ~~يستوفى إلا بالسيف لا يجب القصاص إلا به؛ لأن المماثلة شرط في ضمان العدوان ~~ما أمكن، والقتل بالسيف لا يماثل القتل بسائر PageV03P1056 # الآلات؛ لأن القتل يحصل بالسيف صورة ومعنى وبسائر الآلات إذا لم يكن ~~جارحا معنى، وهذا الحكم مرتب على القتل المطلق وهو القتل من كل وجه. كذا في ~~"مبسوط" المصنف. # (وأراد به الضرب بالسيف) إلى آخره. تحقيق هذا أن الضرب بالسيف له صورة ~~ومعنى مقصود وهو الجناية بالجرح وما يشبهه من نقض البنية، والحكم وهو ~~الجزاء غير متعلق بالصورة بدليل وجوب القصاص بالضرب بالخنجر والسنان وغير ~~ذلك، ولابد من رعاية المماثلة في الجزاء، فلو كانت الصورة داخلة لما وجب ~~القصاص في غيره، فإذا صار المعنى هو المناط للحكم في المنصوص عليه يثبت هذا ~~المعنى في غير المنصوص عليه بالمعنى الموجود في المنصوص عليه، إذ لو لم ~~يثبت في غيره والمعنى بكماله موجود لكان تناقضا، ولهذا لا يحتمل النص ~~الخصوص؛ لأن معنى النص إذا وجد علة لا يتصور أن لا تكون علة ثم الحكم ~~الثابت من هذا النص بدلالته القتل بالرمح والنشابة؛ لأن PageV03P1057 # لعبارة النص معنى معلوما في اللغة، وذلك المعنى كامل في القتل بالرمح ~~والنشابة، وقد عرفنا أن المراد بذكر السيف القتل به لا قبضه، وإنما السيف ~~آلة يحصل به القتل، وإذا حصل بآلة أخرى مثل ذلك القتل تعلق حكم القصاص به ~~بدلالة النص لا بالقياس. # فإن قلت: لو كان الرمح أو النشابة مثلا للسيف في القتل من كل وجه حتى وجب ~~القصاص بكل منهما بدلالة النص لجاز استيفاء القصاص به أيضا كما يجوز ~~بالسيف، فكيف اعتبرت المثلية بينهما في سبب القصاص لا في استيفائه؟ # قلت: إنما افترقا بسبب وجود زيادة التعذيب في القتل بالرمح على المقتول ~~بالنسبة إلى القتل بالسيف، وذلك يصلح في الإلحاق بالسيف في السبب دون حكمة ~~وهو الاستيفاء؛ لأن في السبب لزوما لتعدية الحكم من الأدنى إلى العلى وذلك ~~جائز في الحكم الثابت بدلالة ms409 النص كالضرب مع التأفيف، وأما الاستيفاء فلا ~~يجوز؛ لأنه ليس لولي القصاص أن يستوفي زيادة على حقه لقوله تعالى: {فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، وأما إذا كان القتل الأول بالرمح فاستيفاء ~~القصاص بالسيف كان إسقاط للزيادة من حقه، وللولي إسقاطها لا استيفاؤها، ~~فلذلك افترقا. # وقوله: (وكان ثابتا بذلك المعنى) أي وكان الحكم وهو الجزاء ثابتا. PageV03P1058 # للمعنى الذي قلنا لا بصورة الفعل إنما البدن وسيلة إلى صيانة الحياة، فلا ~~يدخل في الأمر المقصود؛ لأن الوسائل لا تزاحم الأصول في كونها مناطا للحكم. # فما يقوم بغير الوسيلة كان أكمل؛ لأنه يكون أشد في كونه قتلا؛ لأن زهوق ~~الروح في القتل بالسيف كان أسرع وجودا من القتل بالمثقل، فإنه أبطأ وجودا، ~~فكان القتل بالمثقل أشد من هذا الوجه من القتل بالسيف، أو لأن القتل ~~بالمثقل يكون قتلا بغير واسطة لعدم احتمال البنية إياه، والقتل بالجرح لا ~~يحتمل البنية بواسطة السراية، فإنه إذا ألقي على إنسان حجر الرحى لا يحتمله ~~البنية بنفسها مع صفة سلامة البدن. # وما كان عمله بدون الواسطة كان أكمل؛ فحينئذ كان ثبوت الحكم القصاص في ~~القتل بالمثقل بدلالة النص كما في الضرب مع التأفيف. PageV03P1059 # (والجواب لأبي حنيفة- رضي الله عنه- عن هذا) أن يقول: لا شك أن الجناية ~~في الموضعين كان أكثر جناية من الجناية في موضع واحد، فلذلك كان الكمال في ~~نقض البنية بما يكون عملا في الظاهر والباطن جميعا، فعلى هذا اعتبار مجرد ~~عدم احتمال لابنية إياه مع صفة سلامة البدن قضاء بمقابلته، والناقص لا يصلح ~~أن يكون أصلا ومناطا للحكم فيما يندرئ بالشبهات، وإنما ثبتت به الأحكام ~~التي تثبت بالشبهات كالدية والكفارة. # والدليل على أن ما ينقض البنية ظاهرا وباطنا كامل بمقابلة الذي لا ينقض ~~البنية ظاهرا وإن كانت البنية لا تحتمله حكم حل الزكاة، فإنه يختص بما ينقض ~~البنية ظاهرا وباطنا ولا يعتبر فيه مجرد عدم احتمال البنية إياه، (بل ~~الكامل يجعل أصلا ثم يتعدى حكمه إلى الناقص إن كان من جنس ما يثبت ~~بالشبهات) كالمعاملات وغيرها. ms410 # ألا ترى أن من حلف لا يبيع فباع بشرط الخيار أو باع بيعا فاسدا يحنث وإن ~~كان الكامل في البياعات هو البيع البات الصحيح. # ألا ترى أنهما لا يثبتان الملك للمشتري بمجرد البيع بل لسقوط الخيار في PageV03P1060 # شرط الخيار، ووجود القبض في البيع الفاسد، وكذلك حرمة المصاهرة تثبت في ~~أصلها بالكامل وهو الجزئية والبعضية، ثم تعدي حكمه إلى الناقص، وهو التقبيل ~~والمس بالشهوة وغير ذلك. # (هو الكامل في النقض على مقابلة كمال الوجود) أي نقض البنية ظاهرا وباطنا ~~هو الكامل في النقض استدلالا على مقابلته من كمال وجود استيفاء القصاص يعني ~~أن القصاص إنما يستوفى بما ينقض البنية ظاهرا وباطنا، فيجب أن يكون كمال ~~سببه أيضا شيئا هو ناقض للبنية ظاهرا وباطنا لتحقق البقاء سواء بسواء. # (والقصاص مقابل بذلك) لقوله تعالى: {أن النفس بالنفس} (ومعنى الإنسان ~~بدمه وطبائعه) عند أهل الإسلام. إذ الإنسان عندهم إنسان بصورته ومعناه، ~~(فلا تتكامل الجناية إلا بجرح يريق دما) وما ينقض الباطن والظاهر جميعا. # فأما القتل بدون نقض الظاهر فناقض فلا يتعدى الحكم إليه؛ لأن هذه PageV03P1061 # عقوبة تندرئ بالشبهات. # وقوله: "فأما الجسم ففرع" لا يريد به أن البدن غير داخل في معنى الإنسان، ~~وإنما أراد- والله أعلم- أن مجرد الجسم بدون الطبائع بمنزلة الفرع. # وأما الروح فلا يقبل الجناية؛ لأنه غير محسوس، وليس بمعنى مكانه حتى ~~يتصور القصد إليه بالجناية، ومعنى الإنسان خلقه بدمه وطبائعه لما عرف أن ~~الإنسان إنسان بصورته ومعناه لا بمعناه دون صورته كما ذهب إليه الفلاسفة. # كذا ذكره الإمام بدر الدين الكردري- رحمه الله- وأراد بالطبائع الطبائع ~~الأربع وهي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة؛ فلا تتكامل الجناية على ~~معنى الإنسان الذي هو عبارة عنها لا يخرج بذلك دما، فإذا أراد دمه على وجه ~~أثر ذلك في الظاهر والباطن كان قصدا منه على إهلاك معنى الإنسان وكان موجبا ~~للقصاص، وإنما ذكر القصد؛ لأن القصاص لا يجب بدون القصد إلى إهلاكه وإن ~~أراق دمه حتى هلك. # وإنما شرطنا هذا المجموع وهو إراقة الدم بالجرح على وجه يفضي إلى ms411 الهلاك ~~والقصد فيه لكي يكون هذا القتل مثلا للقتل الذي يستوفى به القصاص، فإن هذا ~~المجموع شرط فيه بالاتفاق، فيجب أن يكون في القتل الذي هو سببه أيضا شرطا ~~حتى يحصل التماثل بينهما لما أن النص ورد به PageV03P1062 # وهو قوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}. # (لأنه في الحرمة فوقه) لما أن هذا الفعل وهو اللواطة في هذا المحل لا ~~يتصور حله ولا ينكشف حرمته بكاشف أصلا، وفعل الوطء في المرأة يتصور حله ~~بالنكاح وملك اليمين، (وفي سفح الماء فوقه)؛ لأنه يضيع الماء على وجه لا ~~يتخلق منه الولد (وفي الشهوة مثله)، وبهذا القيد يقع الاحتراز عن وطء ~~البهيمة، وإنما قلنا: أنه مثل الزنا في الشهوة؛ لأن اشتهاء المحل في حق هذا ~~الفعل لمعنى الحرارة واللين وهو موجود فيه. # ألا ترى أن الذين لا يعرفون الشرع لا يفصلون بينهما، بل يرجحون ذلك على ~~الزنا في الشهوة كما أخبر الله تعالى عن قول قوم لوط بقوله: {قالوا لقد ~~علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد}. # قال أبو حنيفة- رضي الله عنه-: (الكامل أصل في كل باب، والكامل في سفح ~~الماء الزنا) لا اللواطة؛ لأن المعنى من سفح الماء هو إهلاك البشر؛ لأن ولد ~~الزنا هالك من وجه لعدم من ينفقه ويريبه، فكان الزنا بمعنى القتل من PageV03P1063 # هذا الوجه، ولهذا إذا أكره الرجل على الزنا بالقتل لا يرخص له الإقدام ~~على ذلك، فإذا أقدم عليه أثم؛ لأن فيه معنى القتل كما لو أكره على قتل رجل ~~آخر بالقتل لا يرخص له الإقدام لما ذكرنا ولهذا إذا أكرهت المرأة على الزنا ~~بالقتل يرخص لها وإن كان الامتناع أفضل؛ لأن زناها ليس في معنى القتل؛ لأن ~~نسب الولد يثبت منها وكان سفح الماء في اللواطة أنقص من هذا الوجه. # (وأما تضييع الماء فقاصر؛ لأنه قد يحصل بالعزل) ومن حيث إفساد الفراش ~~أيضا الزنا كامل واللواطة قاصرة؛ لأنه لا يتصور أن يكون المفعول فراشا. # (وكذلك الزنا أيضا كامل بحاله؛ لأنه يغلب ms412 وجوده لوجود الشهوة الداعية إلى ~~الزنا من الطرفين ففسد الاستدلال بالكامل على القاصر)؛ لأن PageV03P1064 # وجوب الحد في الزنا هو كامل لم يدل على وجوب الحد في اللواطة التي هي ~~قاصرة؛ لأن من شرط إثبات الحكم بدلالة النص كون المحل الذي هو غير منصوص ~~أكمل من المحل المنصوص كما في الضرب بالنسبة إلى التأفيف، أو كانا متماثلين ~~من كل وجه كما في زنا ماعز، وزنا غيره من المحصنين، وهاهنا المتنازع فيه ~~ناقص والزنا كامل، فلا يمكن فيه القول بثبوت الحد بالاستدلال على حكم الحد ~~في الزنا؛ لأنه لا مساواة بينهما فلا يثبت الحد فيه بدلالة النص. # (لأن الخطأ عذر مسقط حقوق الله تعالى) أي الحقوق التي هي متعلقة PageV03P1065 # بأحكام الآخرة بالاتفاق. # (في اليمين المعقودة) أي المنعقدة إذا صارت كاذبة، أي إذا حنث لقيام معنى ~~النص وهو صيرورته كاذبا وزيادة، وهو كونه كاذبا من الأصل. # (لا تخلو الكفارة عن معنى العبادة العقوبة). # أما معنى العبادة فلأنها تؤدى بما هو طاعة وهو الصوم وتشترط النية وتجب ~~مع الشبهات، أو لأنه لما جنى لم يكن بد من أن يفعل طاعة بعده لتكون ساترة ~~وماحية لتلك الجناية، قال عليه السلام: "أتبع السيئة الحسنة تمحها". # وأما معنى العقوبة فلأنها وجبت جزاء زجرا بمقابلة جنايته، ولهذا لم تجب PageV03P1066 # بالمباح المحض، ولما كانت بين العبادة والعقوبة لم يكن ب من أن يكون ~~سببها أيضا دائرا بين الحظر والإباحة لتكون جهة العبادة مضافة إلى جهة ~~الإباحة؛ لأن سبب العبادة هو الشيء الذي لا حظر فيه، وجهة العقوبة مضافة ~~إلى جهة الحظر؛ لأن المحظور المحض يصلح سببا للعقوبة أبدا كما في الحدود ~~والقصاص، وإنما يفعل هكذا ليكون الأثر على وفاق المؤثر، فاعتبر هذا ~~بالأحكام التي ثبتت بالنص القطعي والخبر المشهور وخبر الواحد والقياس. # (فلا تجب إلا بسبب دائر بين الحظر والإباحة)، وهذا لأن المسبب يجب أن ~~يكون مناسبا للسبب، والعبادة المحضة لا تصلح أن تكون أثرا للجناية؛ لأن ~~الجناية تستدعي كون الجزاء عقوبة وهذا أولى. # والمباح المحض لا يصلح أن ms413 يكون سببا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها ~~راجحة، وإن المباح يحتمل أن يصير سببا لوجوب العبادة كملك نصاب كامل، فلأن ~~لا تكون الجناية المحضة سببا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها راجحة أولى. # (واليمين عقد مشروع). # أما عقد فلأنه ربط جزء الكلام بجزئه الآخر لإثبات حكم مطلوب. PageV03P1067 # وأما مشروع فلقوله عليه السلام: "من كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر". # (والكذب غير مشروع) وهو الحنث في اليمين إنما صارت سببا للكفارة عند الحنث. # فعلم أن سبب الكفارة دائر بين الحظر وهو الحنث وبين الإباحة وهي اليمين. # وأما الخطأ فدائر بين الوصفين؛ أعني الحظ وهو ترك التثبت والتأمل في ~~الرمي وبين الإباحة وهي مشروعية نفس الرمي والاصطياد، فيصلح أن يكون سببا ~~لوجوب الكفارة لاشتماله على الحظر والإباحة. # فإن قيل: يشكل على هذا كفارة الظهار والفطر، فإن كلا من الظهار والفطر ~~العمد محظور محض ليس فيهما شائبة الإباحة، ومع ذلك وجبت فيهما الكفارة؟ PageV03P1068 # قلت: لا بل فيهما أيضا معنى الإباحة موجود. # أما في الظهار فإن علماءنا- رحمهم الله- لم يوجبوا الكفرة بمجرد قوله ~~لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ لأن ذلك منكر من القول وزور، وهو بانفراد ليس ~~بسبب لها، وإنما سببها ما تردد بين الحظر الإباحة، وذلك إنما يتحقق بالعزم ~~على الجماع الذي هو إمساك بالمعروف، وهو الأمر المباح كما في اليمين ~~باجتماع اليمين مع الحنث يتحقق سبب الكفارة، غير أن هناك ما هو المحظور ~~متأخر عن الإباحة وفي الظهار على العكس. # وأما في كفارة الفطر فإن العمد للفطر وإن كان محظورا محضا لكن إطلاق قوله ~~تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} أو إطلاق إباحة الوقاع في أصله أورث ~~شبهة الإباحة بالنظر إلى أصل هذه الأشياء، فإن هذه الأفعال في أصولها ~~مباحة، فكان فيها أيضا اجتماع الحظر والإباحة، ولكن مع ذلك لما كانت جهة ~~العمدية راجحة فيها كانت جهة العقوبة راجحة أيضا حتى سقطت بالشبهة، وتداخلت ~~الكفارتان بخلاف سائر الكفارات على ما يجيء بيانها إن شاء الله تعالى في ~~باب معرفة الأسباب والعلل. # وقوله: ms414 (ولا يلزم) جواب إشكال يعني لو قال الشافعي- رحمه الله- قد قلتم: ~~إن الكبيرة لا تصلح سببا للكفارة ومع ذلك أوجبتم الكفارة في القتل العمد ~~بالحجر العظيم وهو كبيرة؟ PageV03P1069 # فقال في جوابه: "ولا يلزم ... " إلى آخره. # (لأن فيه شبهة الخطأ) أي في القتل بالحجر وما أشبهه شبة الخطأ من حيث ~~استعمال الآلة التي لم توضع للجرح والقتل، والآلة وضعت لتتميم القدرة ~~الناقصة، فكانت الآلة داخلة في فعل العبد، فتمكنت الشبهة في الفعل، فلا يجب ~~القصاص، إذ هو مما يسقط بالشبهات وتجب الكفارة إذ هي مما يحتاج في إثباتها ~~وهو معنى قوله في الكتاب: "فعمت القود والكفارة" أي القود بالإسقاط ~~والكفارة بالإيجاب. # (فتثبت بشبهة السبب) أي لأن في الكفارة جهة العبادة فتثبت العبادة ~~بالشبهة، فكذلك هاهنا تثبت الكفارة بشبهة سبب الخطأ كما تثبت بحقيقة سبب الخطأ. # (أحكام القرآن) اسم كتاب للجصاص. # (وقد جعله في الكتاب شبهة العمد) أي وقد جعل القتل بالحجر العظيم في ~~"المبسوط" شبهة العمد، فكان نصا على الكفارة؛ لأن التنصيص على أنه شبهة ~~العمد تنصيص على وجوب الكفارة باعتبار أن موجب شبهة PageV03P1070 # العمد ذلك أي وجوب الدية على العاقلة، ووجوب الكفارة على القاتل. # ألا ترى أن من أشرع في طريق روشنا أو ميزابا فسقط وهلك به إنسان، أو حفر ~~بئرا على قارعة الطريق أو وضع حجرا فيها فهلك به إنسان كانت الدية على ~~العاقلة ولا تجب على مباشرة الكفارة، وإنما جعلنا القصور في الآلة شبهة في ~~الفعل دون المحل؛ لأن الفعل ينشأ من القدرة والآلة متممة للفعل، فكانت ~~الآلة من القدرة، فكانت من جنس الفعل معنى، فكيف أن تكون الشبهة فيها شبهة ~~في الفعل كذلك. # وأما المحل فشرط الفعل وكان غير الفعل لا محالة، فلم تكن الشبهة في شرط ~~الفعل مؤثرة في الفعل، فلذلك لم تجب الكفارة لشبهة في المحل. # (وإذا قتل مسلم حربيا مستأمنا عمدا لم تلزمه الكفارة مع قيام الشبهة) حتى ~~أثرت تلك الشبهة في وجوب القصاص؛ حيث لم يجب القصاص بقتل المستأمن، يعني ~~لما تحققت الشبهة في ms415 القتل بالحجر العظيم حتى وجبت الكفارة، ولم يجب القصاص ~~كان ينبغي أن تجب الكفارة في قتل المستأمن PageV03P1071 # عمدا؛ لأن في قتله أيضا تحققت الشبهة حتى لا يجب القصاص بقتله، وإن كان ~~قتله أيضا محظورا كما في القتل بالحجر العظيم، والحكم أنه لا تجب الكفارة ~~بقتل المستأمن. # وأجاب عنه بقوله: (لأن الشبهة في محل الفعل)، وتحقيق الجواب هو أن الشبهة ~~في قتل المستأمن في المحل لا في الفعل؛ إذ الفعل عمد محض، فكان معصية محضا، ~~والكفارة جزاء الفعل الذي هو دائر بين الحظر والإباحة، فلذلك لم يصلح أن ~~يكون هذا الفعل سببا للكفارة، فكان هذا نظير قتل الأب ابنه بالسيف عمدا. # وأما عدم وجوب القصاص فيه لا باعتبار شبهة في عله بل باعتبار شبهة في ~~المحل، لأن المستأمن وإن كان حرام التعرض في دار الإسلام وهو في دار الحرب ~~في التقدير حتى يرث هو من أهل الحرب، ولا يستدام سكناه في دار الإسلام، ولا ~~يرث من الذمي وإن كانا في دار الإسلام، ولما كان كذلك لم تقع المماثلة بينه ~~وبين المسلم والذمي، فلذلك لم يجب القصاص؛ لأن القصاص إنما يجب على المسلم ~~والذمي لأجل من هو محصون الدم على التأبيد كالمسلم والذمي؛ لأن القصاص مبني ~~عن المماثلة لغة. # ولهذا يجب القصاص على المستأمن بقتل المستأمن لوجود المماثلة بينهما، ~~وإنما قلنا: إن الكفارة جزاء الفعل؛ لأنها واجبة لله تعالى علينا زجرا على ~~المباشر، فكانت هي جزاء الفعل المحظور من وجه، ولا تجب بإزاء المحل؛ لأن ~~الواجب بإزاء المحل إنما يجب جبرا بما يجب جبرانا، والله تعالى يتعالى عن ~~النقصان والجبران فتجب جزاء للفعل له كسائر الأجزية الواجبة PageV03P1072 # بإزاء الفعل من نحو الحدود والزنا والسرقة. # (فاعتبرت في القود) أي الشبهة التي كانت في محل الفعل وهي شبهة حل القتل ~~اعتبرت في إسقاط القود؛ (لأنه مقابل) أي لأن القود مقابل بالمحل. # ألا ترى أن وجوب القصاص ينافي الدية، والدية بدل المحل، فلو لم يكن ~~القصاص مقابلا بالمحل لما نافى في الدية؛ لأن اتحاد المحل ms416 من شرط المنافاة. # ألا ترى أن المحرم إذا قتل صيدا مملوكا لإنسان يجب عليه جزاء الإحرام، ~~ويجب عليه قيمة المقتول، إذ لا تنافي بينهما؛ لأن أحدهما- وهو الكفارة- ~~جزاء الفعل المحض دون المحل بوجه، والقيمة بدل المحل من كل وجه، فلم ~~يتنافيا فلو لم يكن القصاص مقابلا بالمحل بوجه من الوجوه لأمكن وجوب القصاص ~~والدية جميعا. # قوله: (من وجه) قيد به؛ لأن القصاص جزاء الفعل في الحقيقة؛ لأنه جزاء ~~القتل، ولهذا يتعدد بتعدد الفاعل، فإن ألف رجل إذا قتلوا رجلا عمدا يجب على ~~كل واحد منهم القصاص، ولو كان مقابلا بالمحل لوجب قصاص واحد كما قلنا في ~~عشرة رجال وهم حلال صيد الحرام يجب جزاء واحد إذ هو بدل المحل، وبيان كونه ~~مقابلا بالمحل من وجه أن يعتبر في عصمة المحل، ولا يجتمع مع الدم. PageV03P1073 # وقوله: (ولهذا قلنا إن سجود السهو متصل) بقوله: "فلا يجب إلا بسبب دائر ~~بين الحظر والإباحة". # (ولم يصلح أن يكون السهو دليلا على العمد) أي دلالة لما قلنا أي وجوب ~~الكفارة في القتل الخطأ دون القتل العمد، (فوجب به الكفارة على المرأة ~~استدلالا به)؛ لأنه لما وجبت الكفارة على الرجل بسبب جنايته على الصوم ~~باختياره وجبت على المرأة أيضا لوجود هذه العلة في حقها بتمامه؛ لأنها جنت ~~على صومها بالتمكين من المواقعة معها باختيارها. # [اقتضاء النص] # (وأما المقتضى) فما كان غير مذكور حقيقة (يثبت شرطا لصحة) المذكور، والنص ~~المذكور يسمى مقتضيا؛ لأنه يقتضي ذلك، والمقتضى إنما يثبت إذا صلح تبعا ~~للمقتضي إذ هو شرطه. # فأما إذا كان أصلا له فلا يثبت بطريق الاقتضاء؛ إذ فيه جعل الأصل تبعا، ~~وهذا لا يجوز كما قال أصحابنا: إن الكفار لا يخاطبون بالشرائع ولا يقال PageV03P1074 # بأنهم مخاطبون بالصلاة وغيرها من الشرائع بشرط نقص الإيمان اقتضاء؛ لأن ~~الإيمان أصل الشرائع، فلا يجوز أن يثبت الإيمان تبعا للشرائع، وكذلك إذا ~~وجبت الكفارة على عبد وقال له مولاه: كفر بهذا العبد عن يمينك لا يثبت ~~الإعتاق بهذا بطريق الاقتضاء؛ لأن الأهلية للإعتاق أصل فلا ms417 يثبت بطريق ~~الاقتضاء. # (وقال الشافعي- رحمه الله فيه بالعموم) ونظير ذلك ما ذكره بعد PageV03P1075 # هذا بصفحة بقوله: ومثال خلاف الشافعي إن أكلت فعبدي حر إلى آخره. # (فيبقى على أصله) أي على أصل العدم (فيما وراء صحة المذكور)؛ لأن ذلك ~~ثابت لحاجة السامع في تصحيح المقتضي المذكور إلى إثبات المقتضى الذي هو غير ~~مذكور، والثابت بالحاجة يتقدر بقدرها، ولا حاجة إلى إثبات صفة العموم ~~للمقتضى، فإن الكلام فيد بدونه وهو نظير تناول الميتة لما أبيح للحاجة تقدر ~~بقدرها وهو سد الرمق، وفيما وراء ذلك من الحمل والتمول والتناول إلى الشبع ~~لا يثبت حكم الإباحة فيها بخلاف المنصوص، فإنه عامل بنفسه فيكون بمنزلة حل ~~الذكية يظهر في حكم التناول إلى الشبع وغيره مطلقا. # وقوله: (وشرطا) معطوفا على مقتضى العتق من حيث المعنى، أي يتضمن البيع ~~اقتضاء للعتق، وشرطا له على أنه مفعول له. # (حتى يثبت بشروط العتق) يعني أن البيع يثبت اقتضاء للآمر بالإعتاق عنه ~~بألف لا يثبت بنفسه بل يعطى له حكم ذلك الشيء. PageV03P1076 # ألا ترى أن محل الإقامة شرط لصحة الإقامة قصدا حتى لا تصح في المفازة، ~~ولو ثبتت الإقامة ضمنا يشترط محل الإقامة للمتضمن كالجندي يصير مقيما في ~~المفازة بدخول الإمام في المصر فاعتبر في البيع شرط الأصل، فكذلك هاهنا ~~يثبت بشرط العتق حتى لا يشترط فيه ما يشترط في البيع القصدي من القبول ~~وغيره، وكذلك لو كان الآمر ممن لا يملك الإعتاق كالصبي لم يثبت البيع بهذا ~~الكلام ولو صرح المأمور بأن قال: بعته منك بألف وأعتقته لم يجز عن الآمر؛ ~~لأنه لم يقع هذا جوابا لكلامه، بل كان ابتداء، ووقع العتق عن نفسه؛ لأن ~~الآمر ما أمره ببيع مقصود، وإنما أمره ببيع ثابت ضرورة العتق، فإذا أتى به ~~مقصودا لم يأت بالذي أمره فوقع عنه ولم يقع عن الآمر. # وكذلك من قال لامرأته: حجي ونوى الطلاق لم يصح، وإن اقتضى الحج ذهابا؛ ~~لأنه اقتضاه ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، وثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ~~ذهاب مطلق، ms418 وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق. # (ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله-) أيضا لقوله: "حتى يثبت بشروط العتق" ~~الذي هو المقتضي لا بشروط الهبة التي هي المقتضى. PageV03P1077 # (والاستغناء عن القبض وهو شرط أولى)؛ لأن رتبة الركن أقوى من رتبة الشرط؛ ~~لأن الركن يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط ~~يتوقف عليه جواز الشيء، فكان وجود الماهية بالركن ولا مدخل للشرط في ~~الماهية. # (والبيع الفاسد مثل الهبة) في حق اشتراط القبض في ثبوت الملك. # لأن (رقبة العبد بحكم العتق يتلف على ملك المولى)؛ لأن الإعتاق للملك، ~~فملكه يتلف بإعتاقه فيكون تالفا على ملكه (ورقة العبد غير مقبوض للطالب ولا ~~للعبد ولا هو محتمل للقبض)؛ لأنه تالف، ولا يتصور القبض في التالف، فلا ~~يمكن القول بجعل العبد قابضا بطريق النيابة عن الآمر بخلاف ما إذا قال: ~~أطعم عن كفارتي فأطعم المأمور، فإنه يجوز، فيثبت الملك للآمر، وإن لم يقبض؛ ~~لأنه أمكن القول بجعل الفقير نائبا عن الآمر في PageV03P1078 # القبض لكون الطعام قائما، فجعل الفقير نائبا عن الآمر تصحيحا للأمر ~~بالإطعام. # أما هاهنا فبخلافه؛ لأن المالية هالكة تالفة في يد نفسه يحتمل أن تكون ~~الكناية راجعة إلى المولى؛ لأن العبد في يد المولى، فتكون مالية رقبته في ~~يد المولى ضرورة، ويحتمل أن تكون راجعة إلى العبد؛ لأنه مال وهو في يد نفسه ~~حسا، وكذلك للعبد يد شرعا، فلهذا يصح اشتراط العمل لعبد رب المال في ~~المضاربة ويستحق قسطا في الربح، ولو لم يكن للعبد بدل كان هذا اشتراط العمل ~~لرب المال وهو لا يجوز. # ألا ترى أن العبد إذا أودع شيئا ليس للمولى أن يسترد ما أودعه من يد ~~المودع. # (لأن ثبوت المقتضى بهذا الطريق) وهو السقوط. # (ودليل السقوط) وهو كونه ثابتا في ضمن الإعتاق (يعمل في محله) أي محل ~~السقوط. معناه أن القبض والتسليم في الهبة لا يحتمل السقوط فلم يكن القبض ~~محتملا للسقوط فلم ينتصب الدليل على سقوطه؛ لأن سقوطه لو كان بطريق ~~الاقتضاء- والاقتضاء أمر شرعي- فيجب أن يكون سقوطه ms419 في الشرع جائزا في ~~الجملة، حتى يقال بالسقوط بطريق الاقتضاء وليس كذلك، PageV03P1079 # فلم يمكن ثبوت السقوط بطريق الاقتضاء بخلاف القبول على ما ذكر في المتن. # (ولم يتكلم؛ صح) يعني كان البيع بينهما تاما من غير ذكر القبول. # (ولهذا كان رجعيا)، وكذلك يقع به الطلاق على المعتدة من طلاق بائن، ولو ~~كان وقوع الطلاق به بائنا لما وقع به الطلاق لما أن البائن لا يلحق البائن، ~~وهذا كله على أن وقوع الطلاق بقوله: اعتدي بطريق الاقتضاء لا بطريق ~~الكناية. # فإن قلت: لو كان وقوع الطلاق بقوله: "اعتدى" بطريق الاقتضاء لما وقع ~~الطلاق به في هذه الصورة، وهي ما إذا قال للمعتدة: "اعتدي" لأن للمقتضي ~~هاهنا- وهو قوله: اعتدي- صحة بدون المقتضى وهو طلقتك؛ لأن ثبوت المقتضى كان ~~لضرورة تصحيح المقتضى المذكور قبله وإلا فلا يثبت. # قلت: إنما وقع الطلاق بقوله: اعتدي؛ لأن موجب الأمر هو وجوب الاعتداد ~~الذي وقع وجوبه مضافا إلى الأمر بالاعتداد، وليس ذلك إلا أن وقع به الطلاق ~~الثاني بمقتضى الأمر بالاعتداد، وإلا كان الاعتداد عليها قبل هذا الأمر كان ~~واجبا بطلاقه قبله، فلابد لقوله: "اعتدي" من فائدة جديدة وهي PageV03P1080 # وقوع الطلاق به اقتضاء # (ونوى خصوص الطعام والشراب لم يصدق عندنا) وعند الشافعي يصدق وقال: لأن ~~الأكل في قوله: "إن أكلت" يقتضي مأكولا، وذلك كالمنصوص عليه، فكأنه قال: إن ~~أكلت طعاما، ولما كان للمقتضى عموم على قوله عمل فيه نية التخصيص، وعندنا ~~لا تعمل؛ لأنه لا عموم للمقتضى، ونية التخصيص فيما لا عموم له لغو، بخلاف ~~ما لو قال: إن أكلت طعاما، وكذلك لو قال: إن اشتريت، أو قال: إن لبست، أو ~~قال: إن ركبت. # وعلى هذا لو قال: إن اغتسلت الليلة- ونوى الاغتسال من الجنابة- لم تعمل ~~نيته. بخلاف ما لو قال: "إن اغتسلت غسلا" فإن هناك نيته تعمل فيما بينه ~~وبين الله تعالى. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله تعالى- في "أصول ~~الفقه". PageV03P1081 # (أو إن اغتسلت غسلا) يعني يصدق إذا نوى تخصيص الأسباب؛ لأن الغسل اسم ~~لفعل وضع من قبل الأسباب ms420 وهو نكرة في موضع النفي، فيصير عاما، وإذا نوى ~~سببا دون سبب صدق ديانة. # (لعدم الشبهة) يعني لا شبهة أن السؤال عن الأهل لا عن القرية فصح الحذف؛ ~~إذ الحذف إنما يجوز في مثل هذا؛ أي فيما إذا لم يكن فيه شبهة لثبوت ذلك ~~المحذوف. # وأما إذا كان فيه شبهة فلا يصح كما قالت المعتزلة في قوله تعالى: {وجوه ~~يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة} أي إلى ثواب ربها. # قلنا: لا يصح هذا الإضمار للشبهة، فإنه لو صح إضمار ذلك يصح إضمار النعمة ~~وغيرها. # (والمقتضى لتحقيق المقتضي لا لنقله)؛ لن المقتضى إنما يثبت ليصح PageV03P1082 # المقتضي، فكيف يبطل وينقل عما أريد به لصحة المقتضي؟ وهذا نقض الأصول؛ إذ ~~لو لم يصح المقتضي المذكور عند وجود المقتضى كان وجود المقتضى لإبطاله لا ~~لتصحيحه، وهو باطل. # (فلم يسقط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء) قيد بهذا احترازا عن قول ~~القاضي الإمام أبي زيد- رحمه الله- فإنه جعل سقوط عموم هذا الحديث من قبل ~~الاقتضاء، والمصنف والإمام شمس الأئمة- رحمهم الله- لم يجعلاه من قبيل ~~المقتضى، والإمام شمس الأئمة حاكيا قول القاضي في قوله عليه السلام: ~~"الأعمال بالنيات" ليس المراد عين العمل، فإن ذلك يتحقق بدون النية، وإنما ~~المراد الحكم ثبت كذلك بمقتضى الكلام. # فقال الشافعي- رحمه الله-: يعم ذلك حكم الدنيا والآخرة فيما يستدعي ~~القصد، والعزيمة من الأعمال قولا بعموم المقتضى، وقلنا: المراد به حكم ~~الآخرة وهو أن ثواب العمل بحسب النية؛ لأن ثبوته بطريق الاقتضاء ولا عموم ~~للمقتضى. إلى هذا حكى شمس الأئمة نقل قول القاضي أبي زيد- رحمه الله- بهذا ~~الطريق، ثم قال شمس الأئمة- رحمه الله-: وعندي أن هذا PageV03P1083 # سهو من قائله، فإن المحذوف غير المقتضى لما أن ثبوت المحذوف يكون لغة ~~وثبوت المقتضى يكون شرعا لا لغة، ففي قوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات" ~~إنما لم يثبت العموم هنا؛ لأن المحذوف وهو الحكم بمنزلة المشترك في أنه ~~يحتمل كل واحد من الأمرين على الانفراد، ولا عموم للمشترك. # فأما أن يجعل المحذوف ثابتا بمقتضى الكلام فلا، وهكذا أيضا ذكر الكلام ms421 في ~~قوله عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ" فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع ~~إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف. # وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: "فأما الاقتضاء فأمر شرعي ضروري" مثل ~~تحليل الميتة بالضرورة. # وحاصله أن قوله: (أنت طالق) وصف للمرأة بالطلاق، وصفة الطالقية PageV03P1084 # غير قائمة لها، وكان هذا الوصف في أصله من حيث اللغة لغوا وكذبا، كقوله: ~~أنت جالس لرجل هو قائم، وأنت مريضة لامرأة وهي صحيحة؛ لما عرف أن فعل ~~البيان هو الإخبار والإظهار لا الإنشاء، كما أن فعل سائر الجوارح هو ~~الإنشاء لا الإظهار والإخبار، وإذا كان كذلك كان أنت طالق إخبارا لغة لا ~~إنشاء أمر لم يكن في المحل كقوله: أنت عالم، هو إخبار لا إنشاء علم في ~~المحل حتى لا يثبت العلم في المحل بهذا اللفظ، وإن قال ذلك مرارا، فعلى هذا ~~كان قوله: أنت طالق كذبا لغة أنه لم يطلقها قبل، فكان ثبوت الطلاق بهذا ~~اللفظ- الذي لو خلى هو واللغة يكون كذبا وهدرا- شرعا لا لغة، فكان ثابتا ~~اقتضاء لا لغة؛ لأن ثبوت الطلاق قبيل هذا القول لتصحيح هذا القول، فيثبت ~~بقدر الضرورة وهو تصحيح المنطوق، وإنها تندفع بواحد، فلم تصح نية الثلاث. # وكذلك هذا التخريج في: طلقت؛ لأنه لغة إخبار عن فعل موجود فيما مضى ولم ~~يطلق قبل فكان من طريق اللغة هدرا وكذبا كما في قوله: "ضربت" إذا لم يسبق ~~منه الضرب ليكون هذا القول بناء عليه، فأما إذا ثبت المصدر بهذا اللفظ ليصح ~~هذا القول من غير وجود في الماضي يكون اقتضاء شرعيا لا لغويا، فيكون ثابتا ~~بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الثلاث، فلا يثبت به الثلاث. # فإن قيل: والضرورة إنما تتحقق في قوله: "أنت" أن لو بقي إخبارا؛ لأن ~~الإخبار به إنما يكون أن لو كانت المرأة موصوفة قبل هذا بالطالقة، ولم تكن PageV03P1085 # مطلقة قبل هذا حتى يصح الإخبار به. # وأما إذا كان هو الإنشاء لم تثبت هذه الضرورة، ولم يكن اقتضاء موجب أن ~~تصح نية الثلاث. ms422 # قلنا: ففي الإنشاء أيضا لا تثبت نية الثلاث؛ لأن الإنشاء بمنزلة فعل ~~الجوارح، وفعل الجوارح إذا كان واحدا لايكون متعددا حتى إن ضربة واحدة لا ~~تكون ضربات بالنية، فكذا هنا. أو نقول: هاهنا حقيقة الإخبارية باقية مع ~~كونه إنشاء، بل الإخبار فيه هو الأصل حتى أنه إذا كان للرجل امرأتان ~~إحداهما مطلقة والثانية منكوحة فقال: إحداكما طالق لا تطلق المنكوحة ~~لانصراف خبره إلى المطلقة. # (أما البائن) فإنه في الحال يتصل بالمحل، وعند اتصاله بالمحل يتنوع إلى ~~خفيفة وغليظة، فكان متنوعا في نفسه، فلذلك صار محلا للنية إذ هي تعين تفسير ~~بعض محتملات اللفظ فيصح. # أما قوله: "أنت طالق" فإنه في الحال غير متصل بالمحل لما عرف أن حكمه ~~تعلق بانقضاء العدة، وإنه في الحال انعقاد العلة وإنه غير متنوع؛ لأنه لا ~~يتنوع في الانعقاد؛ لأن الحرمة الغليظة إنما تثبت بواسطة العدد، وإنه خارج ~~عن نفس الطلاق أو هو غير متنوع في نفسه كما تنوع البائن إلى غليظة وخفيفة، PageV03P1086 # فلم تصادف النية المتنوع في فصل الطلاق فصادفت في فصل البائن، فكذلك عملت ~~النية في قوله: "أنت بائن" دون قوله: "أنت طالق" # وقوله: لم يكن المصدر هاهنا ثابتا لغة؛ لأن النعت يدل على المصدر الثابت ~~بالموصوف لغة ليصير الوصف من المتكلم بناء عليه، فأما أن يصير الوصف ثابتا ~~بالواصف بحقيقته تصحيحا لوصفه فأمر شرعي. # تحقيق هذا ما ذكره المصنف في "مبسوطه" هو أن قوله: "أنت طالق" وصف لها ~~فيقتضي وجود الطلاق من قبلها لا من قبل الزوج لغة كقولك: خارج يقتضي وجود ~~الخروج من قبل من وصف بأنه خارج. # وقوله: "ضارب" يقتضي وجود الضرب ممن وصف بأنه ضارب. هذا هو قضية اللغة ~~وهاهنا هذا اللفظ يقتضي وجود الطلاق من قبل الزوج. دل أن وجود الطلاق من ~~قبله أمر شرعي ضرورة صحة الكلام، فيقدر بقدر ما يصح به الكلام، وكذلك قوله: ~~"طالق" إخبار عن وصف لها لغة فيقتضي طلاقا ماضيا لا حالا كقوله: "مطلقة"، ~~وطلقتك" على ما بينا. # فصار الحاصل أن كل موضع ms423 كان الطلاق فيه مقتضى اللفظ لغة على الطلاق ~~مذكورا حتى تصح نية الثلاث كما في قوله: "طلقي نفسك" بعلة أنه كل لا يعله ~~أنه يحتمل العدد، وفي كل موضع يثبت شرعا ضرورة صحة الكلام لا يقتضي العلة ~~لا يجعل كالمذكور، فلا تعمل النية فيه بل يثبت بقدر ما يصح به الكلام كما ~~في قوله: أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك. وقوله: PageV03P1087 # "بالواصف" أي بكلام الواصف، فكان شرعيا، ولما كان أمرا شرعيا لم يكن ~~المذكور لغة فلا يصح التعميم. # (وأما طالق فلا يتصل بالمرأة للحال). # ألا ترى أنه يجري الإرث بينهما والإرث حكم من أحكام النكاح، ولذلك يحل له ~~مسها ووطؤها ويمكن من مراجعتها على كره منها، ولو انقطع النكاح لما تمكن من ~~مراجعتها كما في الطلاق البائن؛ (لأن حكمه) وهو الانقطاع (في الملك تعلق ~~بالشرط) وهو انقضاء العدة (وحكمه في الحل معلق بكمال العدد) وهو الثلاث، ~~(فيصير العدد أصلا)، وما كان ثبوته بطريق الأصالة لا يثبت هو بطريق ~~الاقتضاء؛ لأن في الاقتضاء معنى التبعية؛ وإنما ثبت العدد عند الذكر ولم ~~يذكر العدد فلا يثبت موجب العدد لذلك. # (فكان مختصرا من الكلام) أي من الكلام المطول وهو قوله لها: أطلب منك فعل ~~الطلاق، وهو المطول المصدر مذكور لغة فكان مذكورا في المختصر أيضا؛ لأنه ~~يعمل عمل المطول على نحو سائر الأفعال كقولك: اضرب واجلس وغيرهما، وستقيم ~~طلب الفعل المتعدد والمتوحد في المستقبل، فكان PageV03P1088 # المصدر ثابتا لغة (فاحتمل الكل والأقل). # وأما وقوع الطلاق في قوله: "طلقت" فشرعي؛ لأنه لم يوجد منه طلاق قبله حتى ~~يخبر عنه، بل كان قوله: "طلقت" إنشاء للطلاق شرعا كسائر أفعال الجوارح، ~~والفعل حال وجوده يستحيل أن يتعدد بالعزيمة كالخطوة والضربة يستحيل أن تكون ~~خطوتين وضربتين بالنية، فكذلك لم تصح نية الثلاث في قوله: "طلقت" أو نقول: ~~لما كان قوله: "طلقت" إنشاء شرعا صار بمنزلة سائر الجوارح من الأفعال، وفي ~~أفعال سائر الجوارح لا يقدر المصدر؛ لأن المصدر إنما يذكر في فعل اللسان ~~وهو القول لا في أفعال ms424 الجوارح. # ألا ترى أنه إذا كسر شيئا بيده مثلا لا يقدر له المصدر بل إذا أخبر عنه ~~بقوله: كسر أو كسرت، حينئذ يقدر المصدر فيه لكونه في القول. # (ونوى السكنى في بيت واحد) أي غير معين (أنه يصح). # (لكن نية جمل البيوت تصح) أي نية بيت غير معين تصح. من أجمل PageV03P1089 # الكلام إذا أبهم، والجمل جمع الجملة. # (لأنه راجع إلى تكميل فعل المساكنة) أي نية المساكنة معه في بيت واحد ~~إنما تصح؛ لأنه نوى أتم ما يكون من المساكنة، فإن أعم ما يكون من المساكنة ~~في بلدة، والمطلق من المساكنة في عرف الناس في دار واحدة، وأتما ما يكون من ~~المساكنة في بيت واحد في هذه النية ترجع إلى بيان نوع المساكنة الثابتة ~~بصيغة كلامه بخلاف تعين المكان. # وقوله: (لكن اليمين وقعت على الدار وهو قاصر عادة) لدفع شبهة ترد على ~~قوله: "وإنما تتحقق بين الاثنين على الكمال إذا جمعهما بيت واحد" وهي أن ~~يقال: لما كانت المساكنة في البيت الواحد كاملة ينبغي أن تقع اليمين عليها ~~بدون النية، فأجاب عنها بهذا وقال: وإن كان ذلك كذلك إلا أنه يقع على الدار ~~أيضا عرفا وعادة. # (ولا يلزم عليه رجل قال لصغير) إلى آخره أي لا يلزم على ما ذكرنا أي ما ~~ثبت بطريق الاقتضاء ليس بعام هذه المسألة (وهي أم معروفة) أي لهذا الولد. PageV03P1090 # (لكن المقتضى) وهو النكاح (غير متنوع) أي إلى نكاح يوجب الإرث وإلى نكاح ~~لا يوجب الإرث بل كل نكاح يوجب الإرث على ما عليه الأصل بقوله تعالى: {ولكم ~~نصف ما ترك أزواجكم} الآية، ولا يشكل على هذا نكاح المسلم الكتابية، فإنه ~~نكاح لا يوجب الإرث. # قلنا: إن ذلك ليس بأصل؛ لأن الكفر من العوارض، والعوارض لا تدخل تحت ~~القواعد، ولما كان هكذا كان إثبات نكاح يوجب الإرث هاهنا بمنزلة إثبات بيع ~~يوجب الملك في قوله: أعتق عبدك عني بألف درهم، ولما ثبت المقتضى لضرورة ~~حاجة المقتضي المذكور في صحته إليه يثبت أيضا ما كان من ضرورات ms425 المقتضى ~~الذي هو غير مذكور، ولأن الشيء إذا ثبت إنما يثبت بلوازمه ولواحقه التي لا ~~تنفك هي منه، فإن قيل: النكاح الفاسد غير موجب للإرث مع أن النكاح الفاسد ~~أحد نوعي النكاح عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- حتى أن الإذن بالنكاح ينتظم ~~الفاسد والصحيح عند أبي حنيفة- رضي الله عنه. # علم بهذا أن النكاح متنوع إلى نكاح موجب الإرث وإلى نكاح لا يوجبه. PageV03P1091 # قلنا: إنما تناولهما عند ذلك لإطلاق لفظ النكاح في الإذن، واللفظ المطلق ~~يجري على إطلاقه وفيما نحن فيه ليس فيه اللفظ حتى يثبت فيه إطلاق اللفظ بل ~~يثبت النكاح ضرورة ثبوت المقتضى، فلذلك انصرف ذلك النكاح الثابت بطريق ~~الاقتضاء إلى ما هو المعهود في الشرع لا على الإطلاق والتعميم، والنكاح ~~المعهود في الشرع هو النكاح الذي يوجب الإرث وهو النكاح الصحيح لا الفاسد ~~مع أن الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في أحد الوجهين أثبت النكاح في مسألة ~~الكتاب بطريق الدلالة لا بطريق الاقتضاء، فقال: ثبوت النكاح هاهنا بدلالة ~~النص لا بمقتضاه، فإن الولد اسم مشترك إذ لا يتصور ولد فينا إلا بوالد ~~ووالدة، فالتنصيص على الولد يكون تنصيصا على الوالد والوالدة دلالة بمنزلة ~~التنصيص على الأخ يكون كالتنصيص على أخيه؛ إذ الأخوة لا تتصور إلا بين ~~شخصين، وقد بينا أن الثابت بدلالة النص يكون ثابتا بمعنى النص لغة لا أن ~~يكون ثابتا بطريق الاقتضاء. # وجعل الإمام القاضي أبو زيد- رحمه الله- ثبوت النكاح هاهنا بطريق الإشارة ~~لا بالدلالة ولا بالاقتضاء ذكره في "التقويم" ثم قال: وهذه "أي الإشارة ~~والدلالة والاقتضاء" حدود متشابهة ما يميز بينهما إلا الفهم المنصف، ثم ~~قال: وشيء منها لا يحتمل الخصوص، أما المقتضى فلأنه لا عموم له. # وأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعد ما ثبتت علة لا PageV03P1092 # تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص. # فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصا بل يكون تركا، ولأن الخصوص والعموم من ~~أوصاف اللفظ في الحكم الثابت بدلالة النص اللفظ معدوم، فلم يكن فيه ms426 العموم، ~~ولما لم يكن فيه العموم لم يكن فيه التخصيص؛ لأن التخصيص إنما يتحقق في ~~الحكم الذي ثبت باللفظ العام. # فإن قيل: اشتراط الطهارة في المكان للصلاة ثبت بدلالة النص ومع ذلك صار ~~هو مخصوصا بقدر الدرهم وما دونه. # قلنا: ليس هذا من قبيل التخصيص الحكم الثابت بدلالة النص بل هذا هو قبيل ~~إثبات حكم النص على وفاق الحكم الثابت بعبارة النص وهو طهارة الثوب، فإن ~~خصوص الطهارة بقدر الدرهم وما دونه ثبت أولا في الثياب حتى إذا كانت ~~النجاسة بقدر الدرهم وما دونه في ثوب لا يمنع جواز الصلاة، فكذلك في المكان ~~على وفاق ذلك. # (وأما الثابت بإشارة النص فيصلح أن يكون عاما يخص)، وقال شمس الأئمة- ~~رحمه الله-: وأما الثابت بإشارة النص فعند بعض مشايخنا لا يحتمل الخصوص ~~أيضا- ويحتمل أن يريد بقوله: "فعند بعض مشايخنا" القاضي PageV03P1093 # الإمام أبا زيد، فإنه ذكر هكذا فقال: وأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على ~~معنى النص، وإنما يثبت بإيجاب النص إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص. # ثم قال شمس الأئمة- رحمه الله-: والأصح عندي أنه يحتمل ذلك؛ لأن الثابت ~~بإشارة النص كالثابت بالعبارة من حيث إنه ثابت بصيغة الكلام، والعموم ~~باعتبار الصيغة، وصورة ذلك تتحقق فيما قاله الشافعي في أن الشهيد لا يصلى ~~عليه. تمسك في ذلك بإشارة النص التي هي عام وهو قوله: {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}؛ حيث سماهم الله ~~تعالى أحياء، والآية سيقت لبيان علو درجات الشهداء عند الله ولا صلاة على ~~الأحياء، ثم لما أوردنا عليه حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنه ~~صلى على حمزة- رضي الله عنه- حين استشهد سبعين PageV03P1094 # صلاة"؛ فقال هو في جوابه: خصت تلك الإشارة في حقه فبقيت في حق غيره على ~~عمومها، ثم تأويل تكرار صلاة الجنازة عندنا أنه كان موضوعا بين يديه فيؤتى ~~بواحدة واحد فيصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظن الراوي أنه يصلي ~~على حمزة- رضي الله عنه- في كل مرة، فقال: "صلى سبعين صلاة" ms427 فاحفظ صورة ~~تخصيص الإشارة وأحكمها، فإنها عزيزة الوجود. PageV03P1095 ### || AUTO [تقسيمات الشافعية للدلالة] # (باسمه العلم) المراد من العلم هو اسم العين دون الصفة. # (الإكسال): مجامع را انزال مي افتادن. # (لأن النص لم يتناوله فكيف يمنع). لما أن حكم النص لا يخلو إما أن كان ~~نفيا وإثباتا، فالإثبات لا يثبت بدون التناول، فكذلك النفي وهو المنع لا ~~يثبت بدون التناول. (ولأنه لإيجاب الحكم في المسمى فكيف يوجب النفي وهو ضده). # وتحقيق هذا أن الثبوت مع الانتفاء ضدان، ولهذا يستحيل اجتماعهما PageV03P1096 # في محل واحد في زمان واحد كالحركة والسكون والسواد والبياض، فما يوجب ~~البياض لا يوجب السواد وإن كانا في محلين، فكذلك الثبوت والانتفاء لا ~~يصلحان موجبين لعلة أي بطريق القصد وإن اختلف المحل كالبياض والسواد، ولا ~~يشكل على هذا الأمر مع النهي فإن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده، مع أنه لم ~~تناول الضد؛ لأنا نقول: إن الآمر أوجب المأمور به قصدا على المكلف، فيقتضي ~~وجوده ولو كان ضده مباحا لما اشتغل به، فيفوت المأمور به، فلذلك جعلناه ~~مقتضيا كراهة ضده. # وأما الإثبات في صورة مستغن عن إثبات النفي في موضع آخر، فلذلك لا ثبت ~~النفي في موضع آخر؛ لأنه لم يتناوله. # فإن قلت: النكاح يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها مع أن لفظ النكاح ~~لم يتناول أمها لا بالنفي ولا بالإثبات. # قلت: تثبت حرمة الأم بنص آخر، وهو قوله تعالى: {وأمهات PageV03P1097 # نسائكم}. وعن هذا أيضا خرج الجواب عن سؤال من سال بأن النكاح مثبت للحل ~~في حق الزوج ومثبت للحرمة في حق غير الزوج، لما أن حرمة غير الزوج تثبت بنص ~~آخر، وهو قوله تعالى: {والمحصنات من النساء}. # (وقد أجمع الفقهاء على جواز التعليل) يعني أجمع الفقهاء على جواز تعليل ~~النصوص لتعدية الحكم منها إلى الفروع، فلو كان التخصيص موجبا نفي الحكم في ~~غير المنصوص لكان التعليل باطلا؛ لأنه يكون ذلك قياسا في مقابلة النص، ومن ~~لا يجوز العمل بالقياس فإنما لا يجوزه لاحتمال فيه بين أن يكون صوابا أو ~~خطأ ms428 لا لنص يمنع منه بمنزلة العمل بخبر الفاسق، وأنه لا يعمل بخبره لضعف في ~~سنده لا لنص في خبره مانع من العمل به، ثم فائدة التخصيص عندنا أن يتأمل ~~المجتهد فيه فيثبت الحكم في غيره بذلك المعنى لينال درجة المجتهدين. PageV03P1098 # (وعندنا هو كذلك فيما يتعلق بعين الماء) يعني أن الاستغراق ثابت في وجوب ~~الغسل الذي يتعلق بعين الماء لا في غيره. ألا ترى أن المسلمين أجمعوا على ~~وجوب الغسل على الحائض والنفساء إذا اقتضى الحيض والنفاس فيما لا يمكن ~~القول به فهو مستثنى عن النصوص، فكذلك وجب القول بانحصار وجوب الغسل الذي ~~يتعلق بعين الماء بالماء. # (غير أن الماء يثبت مرة عيانا كالإنزال، ومرة دلالة) كالتقاء الختاننين ~~لما عرف من الأصل أن الشيء إذا تعسر الوقوف عليه فقام سبب ذلك الشيء مقامه ~~كالنوم مضطجعا قام مقام الحدث، وكان انتقاض الطهارة مضافا إلى الحدث معنى، ~~فكذلك هاهنا التقاء الختانين بتواري الحشفة سبب داع إلى نزول الماء فقام ~~مقام نزول الماء، فكذلك أضيف وجوب الغسل إلى الماء. # فحاصله أن التخصيص بالشيء لا يدل على نفي ما عداه عندنا وحيث دل PageV03P1099 # إنما دل عند علمائنا لأمر من خارج لا من قبل التخصيص. # من ذلك قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} استدل أهل الحق ~~بهذه الآية على الرؤية لا من حيث التخصيص؛ بل لأنهم كونهم محجوبين عقوبة ~~لهم، فيجب أن يكون أهل الجنة على خلافهم وإلا لا يكون الحجب في حق الكفار ~~عقوبة لاستواء الفريقين في الحجب. # (وذلك في الزنا) لو زنا رجل بامرأة يجوز له أن يتزوج ابنتها؛ لأن حرمة PageV03P1100 # ابنة المزنية إنما تكون إذا كانت هي من نسائه؛ لأنها معلق بذلك والمزنية ~~ليست من نساء الزاني فلا تحرم ابنتها على الزاني. # (بيانه أن الشرط لما دخل على ما هو الموجب لولا هو صار الشرط مؤخرا ~~ونافيا حكم الإيجاب) أراد بالموجب العلة بمعنى أن الشرط شيء إذا دخل على ~~الوجوب هو موجب كما هو لولا الشرط الذي دخل عليه. # علم بهذا ms429 أن الشرط صار مؤخرا حكم الإيجاب، والوصف يشارك الشرط في هذا ~~العمل، فكان الوصف بمعنى الشرط لذلك، فينبغي أن يوقف على هو؛ لأن قوله: ~~((صار)) جواب لما، وترجمته بالفارسية: يعني آن خبرست كه اكر وي نه بود موجب ~~موجب است وقتيكه وي بر موجب مي در آيد حكم إيجاب را أز وي تأخبر كند وصف ~~مساوي است، ومراد وي را در اين عمل معمول شد كه وصف در معنى شرط نبوده است. # (بخلاف العلة) يعني إنها توجب وجود الحكم عند وجودها، ولا توجب عدم الحكم ~~عند عدمها؛ (لأنها لابتداء الإيجاب لا للاعتراض على ما يوجب). هذا كله جواب ~~عما يقول له. # فقولنا: ولنا أن أقصى درجات الوصف إذا كان مؤثرا أن يكون علة الحكم PageV03P1101 # إلى آخره، وتحقيق هذا الكلام هو أن الشرط للمنع بالإجماع. أما عندنا ~~فيمنع العلة عن الانعقاد، وأما عنده الحكم عند الثبوت، فكان الشرط معترضا ~~على ما هو موجب، والوصف بمعناه على ما ذكر في الكتاب. # فأما العلة فهي لابتداء إثبات الحكم وهي ليست بمانعة بل هي مثبته، والحكم ~~قد يثبت بعلل شتى على طريق البدلية فلا يكون عدم العلة المعينة دليلا على ~~عدم الحكم حتى إن عدم البيع لا يدل على عدم الملك؛ لأنه يحتمل أن يحصل ~~الملك بالهبة أو بالإرث أو بالصدقة. # (ولا يلزم على هذا الأصل) وهو ما ذكرنا أن الحكم إذا أضيف إلى مسمى بوصف ~~خاص لا يكون دليلا على نفيه عند عدم ذلك الوصف عندنا، ثم ذكر هاهنا أن ~~إضافة الحكم إلى مسمى بوصف خاص وهو قوله: ((الأكبر مني)) دلت على نفي نسب ~~من بعده كما يجعل الخصم ذلك التخصيص به نفيا لغيره. # وهو قوله: (وما قال أصحابنا- رحمهم الله- في أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطن ~~مختلفة) بأن يكون بين كل واحد من الأولاد ستة أشهر فصاعدا. PageV03P1102 # (فادعى المولى نسب الأكبر). # إن نسب الآخرين لم يثبت، فهذا يدل على أن التخصيص بالوصف نفي؛ لأنا نقول: ~~إن نسب الآخرين إنما يثبت لا لأن التقييد ms430 بالوصف ينفي ثبوت نسبهما، فإنه لو ~~أشار إلى الأكبر فقال: هذا ولدي، فإن نسب الآخرين لم يثبت أيضا مع أن ~~التنصيص بالاسم لا يدل على نفي الحكم في غير المسمى، فعلم أن انتفاء النسب ~~لا يتعلق بالتقييد بالوصف بل إنما لا يثبت؛ لأن قل الدعوى يحتمل ثبوت نسب ~~كل واحد منهم وتلزمه الدعوى إذا كان الولد منه، فإنه كما يجرم عليه دعوى ما ~~ليس منه يحرم عليه ترك دعوى ما هو مخلوق من مائة. # فإذا قال: الأكبر مني، وهو ساكت في هذا الزمان عن دعوة نسب الآخرين وهو ~~موضع الحاجة إلى البيان كان سكوته نفيا لنسبهما. إذا لو لم يكن نفيا كان ~~تاركا للفرض فيحمل على النفي، كي لا يصير تاركا للفرض. # وقوله: (لولا ذلك لثبت) أي لولا تخصيصه نفيا لثبت نسبهما؛ لأن ولد أم ~~الولد لا ينتفي بدون النفي. # فقلنا: لا يثبت نسبهما لا باعتبار التقييد بالوصف، فإنه لو أشار إلى PageV03P1103 # الأكبر وقال: هذا ابني، لا يثبت نسب الآخرين منه أيضا، ولا يقال لا حاجة ~~إلى دعوى؛ لأنهما ولدا لأم ولده، لأنا نقول: إن أمومية الولد تثبت بالدعوة ~~للأكبر، فيكون ما هو دليل النفي مقارنا لأمومية الولد فلم يثبت النسب. # وقال في ((المبسوط)): وقال زفر: يثبت الآخرين منه أيضا؛ لأنه تبين أنها ~~ولدتهما على فراشه، فإنها صارت أم ولد له من حين علقت بالأكبر- إلى أن قال- ~~قلنا: إن تخصيصه الأكبر بدعوى النسب دليل النفي في حق الآخرين هاهنا- لأنه ~~يجب على المولى شرعا إظهار النسب الذي هو ثابت منه بالدعوى، فإن تخصيصه ~~الأكبر بعد وجوب الإظهار عليه بهذه الصفة دليل النفي في حق الآخرين- ودليل ~~النفي كصريح النفي، ونسب ولد أم الولد ينتفي بالنفي فكذلك بدليل النفي، ~~وهذا نظير ما قيل إن سكوت صاحب الشرع عن البيان بعد وقوع الحاجة إليه ~~بالسؤال دليل النفي؛ لأن البيان وجب عند السؤال، فكان تركه بعد الوجوب دليل ~~النفي، ولكن يعتق الآخران بموت المولى؛ لأنهما ولدا أم الولد فيعتقان بموت ~~المولى، وقوله: ((نفيا)) PageV03P1104 # خبر صار أي ms431 فصار السكوت نفيا، وقوله: ((ولو كان ثابتا)) متصل بما يليه ~~وهو: ((البيان)) أي لزم البيان لو كان النسب ثابتا. # (وبالشبهة ترد الشهادة) كشهادة الوالد لولده. ذكر مسألة الشهادات الإمام ~~شمس الأئمة- رحمه الله- في ((المبسوط)) بقوله: ولو شهدوا أنهم لا يعلمون له ~~وارثا بأرض كذا وكذا غير فلان جاز ذلك في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- ولم ~~يجز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله تعالى- حتى يقولوا مبهمة: لا ~~نعلم له وارثا غيره؛ لأن في تخصصهم مكانا إيهام أنهم يعلمون له وارثا في ~~غير ذلك المكان. # أرأيت أنهم لو قالوا: لا نعلم له وارثا سواه في هذا المجلس أكان يقضى ~~بالميراث لهم؟ وأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: هذا اللفظ مبهم للمبالغة في ~~بيان أنه لا وارث له غيره، ومعناه: أن بلده كذا مولده ومسقط رأسه كذا ولا ~~نعلم له بها وارثا غيره، فأحرى أن لا يكون له وارث آخر في مكان آخر، ثم ~~تخصيصهم هذا المكان بالذكر في هذا اللفظ لغو؛ لأن ما لا يعلم المرء لا PageV03P1105 # يختص بمكان دون مكان فهذا وما لو أطلقوا سواء. # وقولهما: أن هذا إيهام، فلئن كان كذلك فهو مفهوم، والمفهوم لا يقابل ~~المنطوق وذكر في أصوله وقالا: لا تقبل هذه الشهادة لا لأنها توجب علمهم ~~بوارث آخر بمكان آخر؛ بل لتمكن التهمة؛ فإنه يحمل بأنهما خصا ذلك المكان ~~للتحرز عن الكذب أو لعمهما بوارث آخر له في غير ذلك المكان، ولكن الشهادة ~~ترد بالتهمة، فأما الحكم فهو أنا لا نثبت نفيا ولا إيجابا بالتهمة بل الحجة ~~المعلومة. # (لأنه في حكم التعليق قاصر) يعني أن قوله: ((عبد هذا حر)) تام في نفسه ~~لكنه في حق التعلق قاصر؛ لأن غرض المتكلم من هذا الكلام التعليق، PageV03P1106 # فصار كالجملة الناقصة في حق هذا الحكم، دل أن الشركة إنما وجبت للافتقار. # ألا ترى أنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وضرتك طالق طلقت ضرتها في ~~الحال؛ لأنه كلام تام فلا حاجة إلى الاشتراك، إذا لو كان غرضه الشركة في ~~التعليق لا قتصر ms432 على قوله: ((وضرتك)) فإذا أفرد بالخبر دل أن مراه التنجيز ~~لما أن خبر الأول يصلح خبرا للثاني بخلاف قوله: وعبدي حر؛ لما أن خبر الأول ~~لا يصلح خبرا له عند تجريده عن الخبر، فلذلك كان هو مع وجود خبره قاصرا في ~~حق التعليق فتثبت الشركة في التعليق. PageV03P1107 # (مثل قوله {ويمح الله الباطل}) وما قبله {فإن يشإ الله يختم على قلبك}، ~~ومثل قوله: {لنبين لكم ونقر في الأرحام}، وكذلك قوله: {ويذهب غيظ قلوبهم ~~ويتوب الله على من يشاء}، فقد بينا مثله في بيان واو العطف. # (والشافعي قطع قوله: {ولا تقبلوا} أي عن قوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة}؛ ~~حيث جعل الاستثناء الذي في آخر الكلام منصرفا إلى قوله: {ولا تقبلوا} وإلى ~~قوله: {وأولئك هم الفاسقون} لا إلى قوله {فاجلدوهم}، ولأنه لم يجعل رد ~~الشهادة من تتمة الحد حتى جعل التوبة رافعة لرد الشهادة ولم يجعلها رافعة ~~للجلد (مع قيام دليل الاتصال)، فإن PageV03P1108 # كلا منهما يصلح جزاء للقذف، وكل واحد منهما جملة فعلية. كل واحد منهما ~~خوطب به الأئمة، ووصل قوله: {وأولئك} بما قبله وهو قوله: {ولا تقبلوا} جملة ~~فعلية: {وأولئك هم الفاسقون} جملة اسمية والأولى جملة خوطب بها الأئمة، ~~والثانية إثبات شبهة الفسق على الإطلاق وبيان لجريمة القاذف فلا تصلح جزاء ~~على القذف بطريق الحد؛ بل هذا لإزالة الإشكال عن وهم متوهم بأن يتوهم: ~~ينبغي أن لا يجب الحد على القاذف؛ لأن القاذف في قذفه لا يخلو إما أن يكون ~~صادقا أو كاذبا، فإن كان صادقا لا يجب الحد قطعا، ولو كان كاذبا يحب، فلا ~~يجب بالشك كالشيء المتردد بين الوجود والعدم حيث ترجع جانب العدم؛ لأنه هو ~~الأصل في الشيء يثبت بالشبهات. PageV03P1109 # فأولى أن لا يثبت جانب الوجود في الحدود، وهو مما يثبت بالشبهات والله ~~تعالى أزال ذلك الإشكال بقوله: {وأولئك هم الفاسقون} أي هم العاصون بهتك ~~ستر العورة، وليس غرضهم من ذلك الطلب الحسنة لكذبهم في ذلك، وإليه في قوله ~~تعالى: {لم ياتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} فلذلك وجب ms433 عليهم ~~حد القذف، ولأن الشافعي رد الشهادة بدون مدة العجز، والله تعالى جعل رد ~~الشهادة حكما لصفة التراخي بحرف (ثم) إلى وقت العجز بقوله: {ثم لم ياتوا ~~بأربعة شهداء} والشافعي غير هذا حيث رد الشهادة بدون مدة العجز. # [العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب] # (ومن ذلك قول بعضهم: إن العام يختص بسببه) أي بسبب ورود العام كما لو قال ~~رجل لآخر: تعالى تغد معي، فقال الآخر مجيبا: إن تغديت اليوم فعده حر، وخص ~~عموم هذه اليمين عند بعضهم بغداء ذلك الشخص الذي دعا إلى غدائه حتى لو ذهب ~~إلى بيته وتغدى لا يحنث عندهم وألغى الزيادة. # (لأن النص ساكت عن سببه) أي عن سبب مخصوص بذلك الشخص، (والسكوت لا يكون ~~حجة)؛ لأن الاستدلال بالسكوت يكون استدلالا بلا دليل، فكيف يجوز باعتباره ~~ترك العمل بالدليل وهو المنصوص. PageV03P1110 # (ألا ترى أن عامة الحوادث مثل الظهار واللعان وغير ذلك وردت مقيدة ~~بأسباب). # أما آية الظهار وهي قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} ~~إلى قوله: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} الآية نزلت في شأن خولة بنت ~~ثعلبة بن قيس بن مالك امرأة أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري أخي ~~عبادة رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما PageV03P1111 # سلمت راودها فأبت فغضب وقال لها: أنت علي كظهر أمي إلى آخره. # وأما آية اللعان فنزلت لما قاله عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله ~~فداك؛ إن وجد رجل مع امرأته رجلا فأخبر جلد ثمانين وردت شهادته أبدا وفيق، ~~وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجئ بأربعة شهداء فقد ~~قضى الرجل حاجته ومضى. اللهم افتح، وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر ~~فقال: ما وراءك؟ قال: شر! PageV03P1112 # وجدت على امرأتي خولة وهي بنت عاصم شريك بن سحماء فقال: هذا والله سؤالي ~~ما أسرع ما ابتليت به، فرجع فأخبر عاصم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فكلم خولة فقالت: لا أدري الغيرة أدركته أم بخلا على الطعام؟ ms434 فكان شريك ~~نزيلهم وقال هلال: لقد رأيته على بطنها، فنزلت آية اللعان ولا عن بينهما. ~~كذا في ((الكشاف))، وأما قوله: ((غير ذلك)) حكاية القذف، فإنها نزلت بسبب ~~قصة عائشة- رضي الله عنها- (وهذه الجملة) أي جملة حكم العام المعلق بالسبب. # (أن يكون بلى بناء على النفي في الابتداء مع الاستفهام)، فإن بلى PageV03P1113 # إيجاب لما بعد النفي كما في قوله تعالى: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ~~(3) بلى قادرين} أي مجمعها، (ونعم لمحض الاستفهام) كما في قوله: {فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم}. # (وأجل يجمعهما) أي يجمع محض الاستفهام كما في نعم وغير محض الاستفهام كما ~~في بلى. # قال الأخفش: إن أجل جواب مثل نعم إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم ~~أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب. قلت: أجل. فكان أحسن من ~~نعم، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم، فكان أحسن من أجل. كذا في ((الصحاح)). # (وقد يستعملان في غير الاستفهام على إدراج الاستفهام)، فنظير إدراج ~~الاستفهام ما ذكر في إقرار ((المبسوط)) بقوله: ولو قال: أخبر فلان أن للان ~~عليم ألف درهم، أو قال: أعلمه أو أبشره أو قول له، فقال: نعم، فهذا كله ~~إقرار؛ لأن قوله: ((نعم)) ليس بمفهوم المعنى بنفسه وهو مذكور في موضع ~~الجواب، فصار ما يبق من الخطاب معادا فيه، فلهذا كان إقرارا. PageV03P1114 # وأما قوله: ((وغير احتمال الاستفهام)) فهو ما استعمل نعم في جواب الأمر ~~بأن قيل: ابت مني عبدي هذا، أو استأجره مني، فقال: نعم، فهذا إقرار له ~~بالملك، وكذلك لو قال: افتح باب داري هذه أو جصص داري هذه أو أسرج دابتي ~~هذه أو ألجم بغلي هذا فقال: نعم، فهذا إقرار لما بينا أن نعم غير مفهوم ~~المعنى بنفسه فلا بد من حمله على الجواب؛ لأنه لو لم يحمل عليه صار لغوا، ~~وكلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن، ولا يحمل على اللغو إلا إذا تعذر ~~حمله على الصحة. # (فيقول الآخر: إن تغديت فعبدي حر. أنه يتعلق به)؛ لأن هذا عام مبني ms435 على ~~سؤال فيتخصص به؛ لأن العام يجوز تخصصه بالدليل، وهاهنا قد وجد الدليل وهو ~~دعاؤه إلى الغداء المدعو إليه فيتخصص بدلالة الحال. # والرابع- ما هو مستقل بنفسه خرج عقيب سؤال لكنه زائد على ما هو PageV03P1115 # الجواب، فيصير هو كلاما مبتدأ لا يتعلق بهذا الذي تنازعنا فيه، لأن هذا ~~عام موجب بنفسه زائد على سببه فلم يتعلق به. # (ومن ذلك أن الشافعي جعل التعليق بالشرط موجب العدم) إلى آخره. # وحاصله عند الشافعي قوله: أنت طالق في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ~~انعقد سببا لوقوع الطلاق، وأثر التعليق في منع حكمه، فصار موجب هذا الكلام ~~عنده: وجود الحكم عند وجود الشرط، وعدمه عند عدم الشرط، فصار كأنه قال: إن ~~دخلت الدار فأنت طالق وإن لم تدخلي فلست بطالق، PageV03P1116 # وهذا لأنه انعقد سببا عنده قد وجد ما هو المقتضى لوقوع الطلاق، وإنما لم ~~يثبت الحكم لوجود التعليق، فيكون العدم مضافا إلى المانع، وعندنا لما لم ~~ينعقد سببا لم يكن عدم وقوع الطلاق مضافا إلى التعليق؛ بل يبقى كما كان قبل ~~اليمين، وعن هذا الأصل تنشعب الفروع لنا وله. # منها: جواز تعجيل الكفارة قبل الحنث عنده؛ لأنه تكفير قبل السبب، وعدم ~~جواز تعليق الطلاق بالنكاح عنده خلافا لنا. # (والمالي يحتمل الفصل بين وجوبه ووجوب أدائه)؛ لأن المال مع الفعل ~~يتغايران، فجاز أن يتصف المال بالوجوب لا يثبت وجوب الأداء. ألا ترى أن ~~المال وهو الثمن يجب في ذمة المشتري بمجرد البيع ولا يجب الأداء ما لم ~~يطالب به لما أنهما يتغايران. # (وأما البدني فلا يحتمل الفصل بين وجوبه ووجوب أدائه)؛ لأن الفعل لما وجب ~~أداؤه ولو لم يجب الفعل لا يجب الأداء. إذا لا واسطة بين الفعل والأداء، ~~فلا يتصور انفصال وجوب الفعل عن وجوب الأداء، فلما تأخر وجوب الأداء إلى ما ~~بعد الحنث تأخر الوجوب ضرورة، فلو أجى قبل الحنث تقع الكفارة قبل الوجوب ~~فلا يجوز. # وحاصله أنا لمالي يحتمل الفصل لإمكان القول بالفصل؛ لأن في المال شيئين: ~~المال، والفعل في المال، ويكون ms436 المال واجبا الفعل فيه متأخرا كما في الثمن ~~المؤجل. PageV03P1117 # وأما البدني فليس فيه إلا الفعل، فلما تأخر الأداء لم يبق الوجوب. # (ولنا أن الإيجاب لا يوجد إلا بركنه)؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك ~~الشيء، وقيام الشيء بدون ذاته مجال؛ ألا ترى أن البيع لما كان عبارة عن ~~الإيجاب والقبول لا ينعقد بدونهما أو بدون أحدهما أو ما يقوم مقامهما وكذلك ~~الصلاة لما كانت عبارة عن الأركان المعهودة لا تتصور بدونها أو بما يخلها، ~~وكذلك في الحسيات لما كان ركن السرقة من كذا وكذا لا يتصور بدونه. والإيجاب ~~لا يثبت أيضا بدن محله كالبيع لا ينعقد بدون محله وهو المال، وفيما نحن فيه ~~المحل هو المرأة في تعليق الطلاق بالشرط، فما لم يتصل هذا الإيجاب إليها لم ~~يثبت الإيجاب، وهاهنا لم يتصل بالمرأة لأن اتصاله بها اتصال شرعي، ولم يثبت ~~شيء من أحكام الطلاق فيها لم ينعقد سببا كالبيع المضاف إلى الحر لما لم يفد ~~حكما من أحكام البيع لم ينعقد سببا، واعتبر هذا بالاتصال الحسي، فإنه ما لم ~~يظهر أثر فعل النجار في المحل وهو الخشب لم ينعقد شجرا فإذا ثبت هذا تبين ~~أن الشرط ليس بمعنى الأجل. يعني لو أجل الثمن في البيع. PageV03P1118 # قلنا: إن الأجل ليس بمانع للبيع ولا بحكمه، فإن المبيع يخرج من ملك ~~البائع ويدخل في ملك المشتري ولكن أثره في تأخر المطالبة ودخول الثمن في ~~ملك البائع ليس بشرط صحة البيع، ولهذا لو أسقط الثمن عن المشتري صح، فلا ~~يقدح عدم وصول الثمن إلى البائع في البيع ولا في حكمه ولا كذلك التعليق، ~~فإنه يمنع العلة عن الانعقاد على ما بينا. # والتعليق بالشرط يمين عقدت للبر، فموجب التعليق هو امتناع حكم الإيجاب ~~والسبب طريق إلى الحكم، فكيف يكون سببا إلى الحكم وهو مانع عنه؟ فالقول ~~بكونه سببا إلى الحكم كان قولا عائدا على موضوعه بالنقض، وعن هذا الحرف ~~ينشأ الفرق بين التعليقات وبين الإضافة؛ لأن الإضافة لثبوت الحكم بها فكان ~~سببا؛ لأنها تفضي ms437 إليه بخلاف التعليق، فإنه للمنع عن الحكم في أصله. # ألا ترى أن قوله: أنت طالق غدا أأنت حر غدا هو لوقوع الطلاق والحرية في ~~الغد، فكيف يكون مانعا؟ فلم يوجد المانع من السبب، بل وجد ما يحقق كونه ~~سببا؛ لأن الغد وما يشبهه تعيين لزمان الوقوع، والزمان من لوازم وقوع ~~الطلاق كما إذا قال: أنى طالق الساعة، فتكون الإضافة محققة للسببية ~~والتعليق مانعا لها، فلا يتقاسان. # (وبدون الاتصال بالمحل لا ينعقد سببا)، ولكن ينعقد يمينا؛ لأن التعليق PageV03P1119 # بالشرط يمين فلا تتوقف صحته على ملك المحل كاليمين بالله، وهذا لأن ~~اليمين تصرف منا لحالف في ذمة نفسه فيصح. # فإن قلت: لو قال الشافعي إذا لم يكن سببا في الحال عندكم ولكن له شبهة ~~السببية، فيجب أن يشترط المحل ما يشترط لحقيقة السبب، وهذا لأن التعليق ~~معتبر بالتنجيز، فلما لم يكن له ولاية الطلاق قبل النكاح لم يكن له ولاية ~~تعليق قبله. # قلت: لا يصح قياس التعليق بالتنجيز؛ لأنه قد يملك التعليق دون التنجيز. ~~ألا ترى أنا لرجل إذا قال لجاريته التي ليس بها حبل: إذا ولدت ولدا فهو حر ~~صح بالإجماع، وإن كان لا يملك تنجيز العتق في الولد المعدوم، وكذلك إذا قال ~~لامرأته الحائض: إذا طهرت فأنت طالق كان هذا تعليق طلاق السنة، وإن كان لا ~~يملك تنجيزه في الحال. # إلى هذا أشار في ((المبسوط)) وجواب اقتصار شبهة الإيجاب إلى المحل فيجئ ~~بعد هذا إن شاء الله تعالى. PageV03P1120 # (فيصلح التدارك به) أي كان الشرط (لأدنى الخطرين) وهو دخول الشرط في ~~الحكم، وذا لأن ثبوت الخيار في البيع ثبت بخلاف القياس؛ نظرا لمن لا خبرة ~~له في المعاملات، فيثبت بقدر الضرورة، والضرورة ترتفع بكون الخيار داخلا في ~~الحكم دون السبب؛ عملا بما هو الأصل في الشرع بقدر الإمكان، وهو تقليل ~~الخطر في البيع بخلاف الطلاق، فقلنا فيه بكمال التعليق أن لو دخل الشرط على ~~الحكم كان تعليقا من وجه دون وجه فكان ناقصا في التعليق، والنقصان إنما كان ~~بالعوارض، فلذلك أدخلناه ms438 فيه في السبب وفي البيع في الحكم، وهو معنى قوله: ~~(وأما هذا فيحتمل الخطر) أي الطلاق يحتمل التعليق بالشرط الذي فيه خطر ~~وتردد أنه يوجد أم لا؟ لأنه من الإسقاطات والذي يسقط قابل للتعليق كما في ~~الحسيات، فإن القنديل قابل للتعليق؛ لأنه مما يسقط وما يتناول من يد إلى يد ~~وتبادل به غيره غير قابل للتعليق في ذلك الغرض؛ إذ في التعليق بالشرط الذي ~~يوجد أم لا معنى PageV03P1121 # القمار، والقمار حرام بالنص، وهو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه}. # (وفرقه باطل؛ لانا قد بينا أن حق الله تعالى في المالي فعل الأداء لا عين ~~المال، وإنما يقصد عين المال في حقوق العباد)؛ لأن المقصود لهم يحصل ~~بالمال. ألا ترى أن صاحب الحق إذا ظفر بجنس حقه له أن يأخذه ولم يوجد من ~~المديون فعل البتة. # فعلم أن المقصود هو المال، وفي باب الزكاة لا بد من فعل من المخاطب فصار ~~كالصلاة (والمال آلته)، ولا يقال: بأنه يتأدى بالنائب؛ لأنا نقول: المقصود ~~يحصل بالنائب لأن المخاطر قطع طائفة منا لمال، وبهذا تلحقه المشقة فحصل ~~المقصود، والإنابة فعل منه فاكتفى به مع حصول المقصود، وإنما لا تتأدى ~~الصلاة بالنائب؛ لأن المشقة فيها إنما تتحقق في فعل نفسه فلا يتصور PageV03P1122 # فيه الإنابة، والأصل أن فعل الإنسان لا يكون فعل غيره لما فيه من ~~الاستحالة، وإنما جعل فعل النائب في الزكاة فعل المنوب بخلاف القياس عند ~~حصول ما هو المقصود من إيجاب الزكاة، وهو الابتلاء بوصول المشقة إليه وقد ~~وجد ذلك في الزكاة عند الإنابة فقطع طائفة من ماله، فلا تحلق بها الصلاة ~~بالقياس عليها؛ لأن ذلك ثبت بخلاف القياس مع وجود المفارقة بينهما على ما ~~بينا، فلم تكن الصلاة في معنى الزكاة من كل وجه حتى تلحق هي بها بالدلالة. # (قال زفر- رحمه الله-: ولما بطل الإيجاب) أي ولما بطل أن كون المعلق سببا ~~لوقوع الطلاق (لم يشترط قيام الملك)؛ لأن المحل إنما يشترط ms439 لتثبيت الإيجاب ~~كالمال شرط لتثبيت البيع فيه، فلما بطل كونه سببا لم يفتقر إلى المحل، ~~(وكذلك العتق) يعني إذا قال لأمته: إن فعلت كذا فأنت حرة فأعتقها قبل وجود ~~الشرط بطل اليمين عندنا حتى لو ارتدت- والعياذ الله- ولحقت بدار الحرب ثم ~~أسلمت ثم ملكها المالك الحالف ثم وجد منها الشرط لا تعتق عندنا، وعند زفير ~~تعتق، وأما إذا لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر ثم اشتراه فدخل فإنه يعتق ~~بالاتفاق؛ لأنه بصفة الرق كان محلا للعتق وبالبيع لم تفت تلك الصفة. # وقوله: (وإنما شرط قيام الملك) هذا جواب لزفير عن شبهة ترد على PageV03P1123 # قوله: لما بطل الإيجاب لم يشترط قيام المحل لبقائه)) فوجه الورود هو أن ~~التعليق لما لم يبق له العلية ولا شبهها بل بطل من الأصل؛ لذلك لم يشترط ~~قيام المحل لبقاء التعليق؛ لأن المحل إنما يشترط للعلة وليس هو بعلة عندنا ~~فلا يشترط قيام المحل فالحل ورد عليه. # لو كان كذلك لوجب أن لا يشترط الملك في ابتداء التعليق جمعنا واتفقنا على ~~أن قيام الملك في ابتداء الملك شرط حتى أنه لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار ~~فأنت طالق فتزوجها ثم دخلت الدار لا تطلق فعلم بهذا أن الإيجاب لم يبطل من ~~كل وجه حتى اشترط الملك في ابتداء التعليق لشبهة بالعلة، فيجب أن يشترط ~~لبقائه الحل وإن لم يشترط الملك. # فأجاب هو عنه وقال: اشترط الملك في ابتداء التعليق لا باعتبار أن الإيجاب ~~لم يبطل بل الإيجاب بطل لما قلنا إن التعليق يمنعه عن وقوع الطلاق، فكيف ~~يكون شببا له. ولكن إنما يشترط الملك في ابتداء التعليق لتفيد اليمين ~~فائدته، وذلك أن التعليق وإن لم يكن علة للطلاق ولا شبهة العلة ولكن هو ~~يمين، واليمين إنما تفيد فائدته أن لو كان الملك موجودا حالة اليمين وهي ~~ابتداء التعليق؛ لأن المقصود من اليمين البر، فاشترط قيام الملك في ابتداء ~~التعليق تحقيقا لما هو المقصود من اليمين، وذلك أن حال وجود الشرط متردد ~~بين أن يوجد الشرط والملك قائم ms440 فيلزمه الجزاء وبين أن يوجد والملك غير قائم ~~فلا PageV03P1124 # ينزل الجزاء فلا يحصل ما هو المقصود فرجحنا وجود الملك حال وجود الشرط ~~بوجود الملك حال ابتداء التعليق لما أن الأصل في كل موجود دوامه واستمراره، ~~ولما وجب الترجيح بالملك في الحال لجانب وجود الملك حال وجود الشرط لم ~~يعتبر جانب عدم وجود الملك حال وجود الشرط لما عرف أن المغلوب بمقابلة ~~الغالب بمنزلة المعدوم المستهلك، فإذا كان ذلك فزوال الملك لم يبطل اليمين ~~بالاتفاق؛ لأنه لا ينافي وجود الجزاء عند الشرط لاحتمال أن يتزوجها فيوجد ~~الشرط وهي في ملكه، وهذا المعنى قائم في زوال الحل لاحتمال أن يتزوجها بعد ~~زوج آخر فيوجد الشرط وهي في ملكه فيجب الجزاء، فعلم بهذا التقرير أنه إذا ~~وجد التعليق حال وجود الملك بعد ذلك لا يتفاوت في المستقبل بين زوال الملك ~~وزوال الحل في حق بقاء اليمين، ثم بزوال الملك لا يبطل اليمين بالاتفاق ~~فكذلك بزوال الحل. # وقوله: (ولو كان التعليق يتصل بالمحل لما صح تعليق طلاق المطلقة ثلاثا ~~بنكاحها) وإنما خص هذه الصورة، وإن كان الحكم في الأجنبية كذلك أيضا لما أن ~~المطلقة ثلاثا أبعد من الحل، ولما جاز تعليق طلاقها بنكاحها فلأن يجوز ~~تعليق طلاق الأجنبية بنكاحها أولى. # (وطريق أصحابنا- رحمهم الله- لا يصح إلا أن يثبت للمعلق ضرب اتصال ~~بالمحل)، والمعنى من ضرب الاتصال هو كونه مضمونا بالجزاء في PageV03P1125 # الحال، وتقدير هذا أن المعلق وهو التطليق أو الإعتاق لم يكن سببا للطلاق ~~والعتاق لما قلنا: إن إيجاب السببية لا يوجد إلا بركنه ولا يثبت إلا في ~~محله فلم يوجد الركن ولم يتصل بالمحل لكون الشرط حائلا بينه وبين المحل على ~~ما قلنا، لكن له شبهة كونه سببا؛ لأن اليمين تعقد للبر والبر لا بد له من ~~أن يكون مضمونا بالطلاق تحقيقا للمقصود، فإذا حلف بالطلاق كان البر هو ~~الأصل وضمانه بوقوع الطلاق عند وجود الشرط، فيثبت في الحال شبهة إيجاب ~~الطلاق كالمغصوب يلزم على الغاصب رده فيكون له حال قيام العين شبهة إيجاب ms441 ~~القيمة، ولهذا لو أجى الضمان يمتلك من حين الغصب وإنما يملكه بأداء القيمة، ~~فلم يكن الغصب في الحال سببا لوجوب القيمة لما ملك من وقت الغصب وكذلك ~~الكفالة تصح بالمغصوب حتى أنه يلزم على الكفيل رد العين حال بقائها، ودفع ~~القيمة حال هلاكها كذا ذكره في ((زاد الفقهاء)) مع أن الكفالة لا تصح إلا ~~بالدين الصحيح. # ولهذا لا تصح ببدل الكتابة؛ لأنه ليس بدين صحيح؛ لأن الدين الصحيح لا ~~يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء ولا يسقط بغيرهما، ودين الكتابة يسقط ~~بغيرهما، وهو تعجيز المكاتب نفيه، فلما كان البر هاهنا مضمونا بالطلاق في ~~الحال ثبت شبه الطلاق، وشبهة الطلاق لا تستغني عن المحل كحقيقة PageV03P1126 # الطلاق؛ لأن الشبهة دلال الدليل على ثبوت المدلول وإن تخلف المدلول وقط ~~لا يدل الدليل على ثبوت المدلول في غير المحل. # ألا ترى أنه لا يمكن دلالة الدليل على ثبوت الطلاق في البهيمة لعدم ~~المحل، فإذا بطل الحل بطل اليمين لما عرف أن كل حكم يرجع إلى المحل ~~فالابتداء والبقاء فيه سواء، وفي الابتداء لا يصح التعليق عند عدم المحل ~~فيما إذا كان التعليق بغير سبب الملك فكذلك البقاء. # (فأما قيام هذا الملك فلم يتعين لما قلنا إنه ليس بتصرف في الطلاق ليصح ~~اعتبار الملك) وإنما قال هذا ليفرق بين زوال الملك وزوال الحل، وذلك أن ~~المحل شرط صحة التعليق لما أن التصرف إذا أخطأ محله يلغو، واشتراط الملك ~~عند التعليق لا لصحة تعليق الطلاق؛ لأن هذا ليس بتصرف فيه وإنما يشترط ~~لتحصيل فائدة اليمين لما أن حال الملك وقت وجود الشرط PageV03P1127 # متردد، فوجب ترجيح وجوده وقت وجود الشرط بوجود الملك في الحال لما أن ~~الظاهر من كل موجود بقاؤه، فتحصل فائدة اليمين وهي المنع. # وأما تعليق الطلاق بالنكاح فصحيح وإن لم يكن الحل والملك في الحال ~~موجودا؛ لانا لتعليق بعلة ملك الطلاق تحصل فائدة اليمين وهي المنع لكون ~~البر مضمونا بالطلاق لا محالة، فصار مثل التعليق بغير علة ملك الطلاق حال ~~قيام المحل والملك، بل هذا ms442 أولى بالصحة؛ لأن في حال قيام الملك كان البر ~~مضمونا بالطلاق من حيث الظاهر مع احتمال غير مضمونيته، وفي تعليق الطلاق ~~بالملك كان البر مضمونا بالطلاق من حيث القطع والبتات، فكان هذا أحق ~~بالصحة، فعلى خذا تسقط الشبهة التي ذكرناها في المتنازع وهي شبهة وجوب ~~الطلاق؛ لأنه لما صح تعليق الطلاق بالنكاح لزم سقوط تلك الشبهة لاستحالة ~~حقيقة الطلاق قبل النكاح، والشبهة إنما تعتبر عند إمكان الحقيقة، وما ذكرنا ~~من الشبهة حال قيام النكاح وحقيقة التطليق فيه ممكنة فصح القول بشبهة ~~التطليق أيضا لقيام الدليل عليه، وانعدمت الحقيقة لقيام الدليل عليه ~~فاعتبرت الشبهة وهو المعنى بقله: ((فتسقط هذه الشبهة بهذه المعارضة)) يعني ~~أن تعليق الطلاق بالنكاح يوجب سقوط هذه الشبهة وهي أن لتعليق الطلاق شبها ~~بالإيجاب، فصارت هذه الشبهة التي حصلت من تعليق الطلاق بالنكاح معارضة ~~للشبهة السابقة التي اقتضاها تعليق الطلاق بدخول الدار فأسقطت تلك الشبهة، ~~وإنما رجحنا جانب هذه الشبهة التي حصلت من تعليق الطلاق بالنكاح على جانب ~~تلك الشبهة لقوة هذه عليها بوجهين: PageV03P1128 # أحدهما- أن هذه الشبهة نشأت من جانب علة العلة، فإن النكاح علة ملك ~~الطلاق، والطلاق علة وقوع الطلاق، وتلك الشبهة نشأت من جانب مطلق تعليق ~~الطلاق بالشرط كدخول الدار وغيره، فعلة العلة وهي النكاح اقتضت أن لا تكون ~~المرأة منكوحة ولا شبهة كونها منكوحة ليتحقق النكاح في حقها، وتلك الشبهة ~~اقتضت محلية الطلاق، فثبت هي كونها منكوحة، فوجب ترجيح جانب على العلة على ~~مطلق الشرط؛ لأن علة العلة تصلح أن تكون علة والشرط لا. # والثاني- أن عند وجود هذا الشرط وجود كونها محلا للطلاق لا محالة؛ لأن ~~المنكوحة محل للطلاق لا محالة، وعند وجود ذلك الشرط لكونها محلا للطلاق من ~~حيث الظاهر فيحتمل أن لا تكون محلا للطلاق فوجب ترجيح جانب الشرط الذي هو ~~كائن لا محالة لمحلية الطلاق عند وجوده؛ لأن الشرط الذي يوجد لا محالة أو ~~يوجد عند وجوده محلية العلة لا محالة كان هو أشبه بالعلة من مطلق الشرط. # ألا ترى أن تعليق ms443 العتاق بالموت وهو التدبير كان أشبه بالعلة التي في ~~الإعتاق من التعليق بسائر الشروط حتى أثر ذلك في منع البيع وسائر التمليكات ~~بخلاف سائر التعليقات؛ لما أن ذلك معلق بالموت وهو كائن لا محالة فجعل كأنه ~~وجد العتق، وكذلك الشرط الذي يوجد عند وجوده العلة لا محالة أشبه بالعلة من ~~مطلق الشرط، وعن هذا افترق خطاب الكفار PageV03P1129 # بالإيمان والشرائع، فقلنا: بأنهم مخاطبون بالإيمان دون الشرائع؛ لأن عند ~~وجود الإيمان صاروا أهلا لموجب الإيمان وهو دخول الجنة لا محالة. # وأما إذا وجدت الشرائع بدون الإيمان فلا، فكذلك هاهنا صح تعليق طلاق ~~الأجنبية بالنكاح ولم يصح تعليق طلاقها بدخول الدار وغيره كما أن وجود ~~النكاح صيرورتها محلا للطلاق لا محالة بخلاف وجود دخول الدار. # فعلم بهذا أن الشرط الذي يوجد لا محالة أو يوجد عند وجوده محلية العلة لا ~~محالة كان أشبه بالعلة من مطلق الشرط الذي ليس فيه أحد هذين الوصفتين، ~~فلذلك رجحنا جانب الشرط الذي هو أشبه بالعلة وهو تعليق الطلاق بالنكاح، ~~فحققنا مقتضاه هو أن لا تكون المرأة منكوحة حقيقة ولا شبهة منكوحة. # وهذا معنى قوله: (فيصير قدر ما ادعينا من الشبهة مستحقا به) أي كون تعليق ~~الطلاق بالنكاح مضمونا بالطلاق لا محالة عند وجود الشرط أغنانا عن شبهة ~~الطلاق قبل وجود الشرط، وقوله: ((من الشبهة)) أي شبهة الإيجاب. ((مستحقا ~~به)) أي يتعلق الطلاق بالنكاح، (فتسقط هذه الشبهة) وهي شبهة إيجاب الطلاق ~~(بهذه المعارضة) وهي معارضة اقتضاء علة العلة سقوط شبهة الإيجاب قبل وجود ~~الشرط لما ذكرنا أن انفعال النكاح وتحققه مقتض أن تكون المرأة أجنبية ~~للمعلق لا منكوحة، وشبهة الإيجاب مقتضية PageV03P1130 # أن تكون المرأة منكوحة؛ لأن شبهة الإيجاب إنما تتحقق في المنكوحة ~~كحقيقته؛ لأن كلا منهما مفتقر إلى المحل، فتعارضتا فرجحنا جانب علة العلة ~~لما ذكرنا. # فإن قلت: لو قال زفر: يرد على قولكم هذا الظهار فإنه لو قال لامرأته: إن ~~دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج يكن ~~مظاهرا منها ms444 إن دخلت الدار، فيجب أن يكون في تعليق الطلاق بالشرط كذلك؛ لأن ~~كل واحد من الطلاق والظهار يتحقق في حق المنكوحة. # قلت: ليس هذا اليمين كاليمين بالظهار؛ لأن المحلية هناك لا تنعدم ~~بالتطليقات الثلاث؛ لأن الحرمة بالظهار غير الحرمة بالطلاق؛ فإن تلك الحرمة ~~حرمة إلى وجود التكفير، وهذه حرمة إلى وجود ما يرفعها وهو الزوج الثاني، ~~فكان من حق الظهار على هذا أن يثبت بعد التطليقات الثلاث إذا وجد الشرط، ~~إلا أنها لو دخلت الدار بعد التطليقات إنما لا يصير مظاهرا؛ لأنه لا حل ~~بينهما في الحال، والظهار تشبيه المحللة بالمحرمة وذلك يوجد بعد التزوج بها ~~إذا دخلت الدار. إلى هذا أشار في ((المبسوط)). # (وأبعد من هذه الجملة ما قال الشافعي- رحمه الله- من حمل المطلق PageV03P1131 # على المقيد أي أبعد من الصواب فوجه أبعديته هو من أن حمل المطلق على ~~المقيد إبطال لإطلاق المطلق الذي هو ممكن العمل، وهو مصالح أن يكون PageV03P1132 # الإطلاق مراد المتكلم، فكان فيه إبطال مراد المتكلم من الكلام، وهذا لأن ~~المعنى من حمل المطلق على المقيد ترك دليل المطلق والعمل بدليل المقيد، ~~فكان ترك العمل مع وجوده ظاهر البطلان، وهذا لأنا لنص المقيد غير ناف للحكم ~~عند عدم القيد على ما سنذكر فكان في حمل المطلق على المقيد إبطال حكم موجود ~~ثابت بالنص بمعدوم لا يصلح هو أن يكون حكما شرعيا على ما ذكر في الكتاب ~~بعيد هذا، أو نقول بما أشار إليه الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- من ~~وجه الأبعدية هو: أن التغيير في الوصف والشرط في موضع واحد وهو إضافة ما ~~ليس بحكم النص إلى النص حيث قال: بأن كلا من الوصف والشرط ناف للحكم عند ~~عدم الوصف والشرط، والتغيير هنا في موضعين: # أحدهما- هذا وهو جعل النص المقيد نافيا للحكم عند عدم القيد. # والثاني- إبطال حكم ثابت بالنص وهو الإطلاق مع إمكان العمل به. # (والمطلق ساكت) عن ذكر الوصف (والمقيد ناطق) أي بذكر الوصف، فكان محكما ~~في أن ذلك الوصف هو المراد والمطلق محتمل له، فوجب حمل PageV03P1133 # المحتمل ms445 على المحكم (كما قيل في قوله عليه السلام: ((في خمس من الإبل ~~شاة))) لا يتعرض إلى الإسامة لا بالنفي ولا بالإثبات، وقوله عليه السلام: ~~((في خمس من الإبل السائمة شاة)) يتعرض للإسامة، فوجب حمل المطلق على هذا ~~المقيد. # وفي نظيره من (الكفارات) أي يشترك الإيمان في تحرير الرقبة في كفارة ~~الظهار واليمين والصم أيضا إلحاقا بكفارة القتل بخلاف زيادة الصوم في ~~القتل، فإنه لم يلحق به كفارة اليمين، يعني لم يشترك في كفارة اليمين صوم ~~شهرين متتابعين مع ورود النص في كفارة القتل بصوم شهرين متتابعين كما قلنا ~~بصفة الإيمان في تحرير الرقبة؛ لانا ما ادعينا أو ورود النص الخاص في حادثة ~~يكون ورودا بالأخرى، بل نقول: الحكم إذا ثبت مضافا إلى مسمى بوصف خاص يكون ~~ذلك الوصف بمعنى الشرط، والشرط عندي يوجب PageV03P1134 # النفي عند عدم الشرط في المنصوص عليه، وفي نظائره بخلاف زيادة الصوم ~~وأخواتها، فإن ذلك ثابت باسم العلم وهو شهران وعشرة مساكين وركعتان وثلاث ~~وأربع، فيقتضي الوجود لا النفي. # وقوله: (ووظائف الطهارات) مثل سنية التثليث وسنية المضمضة والاستنشاق في ~~الوضوء دون التيمم. # (وأركانها)، ففي الوضوء أربعة أعضاء وفي التميم عضوان، (ونحو ذلك) ~~كاشتراط الأربعة في شهود الزنا وفي غير مشروطة في سائر الشهادات، والجملة ~~الشرطية في قوله: {إن تبد لكم تسؤكم} صفة للنكرة وهي أشياء أي لا تكثروا ~~مسألة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم ~~إن أفتاكم بها أو كلفكم إياها تعمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها، ~~وذلك نحو ما روي ((أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن PageV03P1135 # محصن قال: يا رسول الله الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله عليه ~~السلام حتى أعاد مسألته ثلاث مرات، فقال: ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم، ~~والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ~~ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، ~~فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عم ms446 شيء فاجتنبوه)) كذا ~~في ((الكشاف)). PageV03P1136 # (فنبه على أن العمل بالإطلاق واجب)، وهذا لأنه ورد النهي عن السؤال، ~~والسؤال عما هو محكم ومفسر لا يكون، فلا يحتاج فيهما إلى السؤال، ولا يكونا ~~لنهي عن السؤال واردا فيهما. # وأما في حق المجمل فالرجوع إلى السؤال عنه والاستفسار واجب. # فعلم أن النهي عن السؤال إنما جاء فيما هو ممكن العمل مع نوع إبهام فيه ~~وهذا هو عين المطلق، فالسؤال فيه يكون تعميقا وذلك لا يجوز، فهذا تنبيه على ~~أن العمل بالإطلاق اجب والرجوع إلى المقيد ليتعرف حكم المطلق منه ارتكاب ~~المنهي فلا يجوز. # (وهو قول عامة الصحابة في أمهات النساء) يعني إجراء المطلق على إطلاقه في ~~قوله تعالى: {وأمهات نسائكم} حيث قيل بحرمة الأمهات مطلقا سواء دخل بابنتها ~~التي هي امرأته أو لم يدخل بها؛ لأن حرمة الأمهات مطلقة عن قيد الدخول ~~بابنتها فأجري على إطلاقه. # وأما حرمة الربيبة إنما تثبت إذا دخل بأمها. # وأما إذا لم يدخل بأمها فلا تثبت حرمة الربيبة بمجرد نكاح أمها؛ لأن هذا ~~مقيد بقوله: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن}. PageV03P1137 # (ولأن المقيد أوجب الحكم ابتداء، فلم يجز المطلق؛ لأنه لم يشرع) معناه ~~قبل ورود النص المقيد لم يجز العمل بالمقيد؛ لأنه لم يشرع، فإذا ورد المقيد ~~لم يجز العمل بالمطلق؛ لأنه لم يشرع لا لأن النص المقيد نفى حكم المطلق؛ ~~لأنه لم يتناوله فكيف يوجب الحكم فيه بالنفي. # يعني إذا ورد النص المقيد في حادثة ولم يرد النص المطلق في تلك الحادثة ~~بعينها لم يجز العمل بالإطلاق لا لأن النص المقيد نفاه كما في كفارة القتل ~~ورد النص المقيد بتحرير الرقبة المؤمن بقيد الإيمان لم يجز الكفارة ~~لكفارته، لا لأنا لنص المقيد أوجب النفي حكم إطلاق نص آخر؛ لأن النص المطلق ~~لم يرد فيه، ولأن النص المقيد لم يتناول حكم الإطلاق فكيف يوجب النفي فيه ~~بل هذا الحكم وهو حكم النص المقيد حكم متلقى من جهة الشرع، فينتهي إلى ما ~~أنهانا إليه الشرع. وقوله: ms447 ((لأنه غير مشروع)) أي لأن المطلق غير مشروع، ~~فلذلك لم تتأد كفارة القتل بإعتاق الرقبة الكافرة (لما قلنا إن الإثبات لا ~~يوجب نفيا صيغة) يعني أن عدم الجواز بالطلق لا باعتبار أن النص المقيد أوجب ~~فيه عدم الجواز؛ لأن إثبات النص الحكم الذي هو نفي أو إثبات لا يخلو إما أن ~~يثبت ذلك PageV03P1138 # الحكم إما بالعبارة أو بالإشارة وهذا غير موجود هاهنا، أو بطريق الدلالة ~~وهو لا يصح أيضا؛ لأن النص المقيد للإثبات وليس للإثبات معنى لغويا يتناول ~~النفي بل يضاده فكيف يثبت النفي بالدلالة أو بطريق الاقتضاء، وهو أيضا غير ~~مستقيم؟ لأن الحكم الثابت بالاقتضاء إنما بكون بمقتضى النص المذكور الذي ~~ليس له استغناء بنفسه عند السامع؛ بل هو محتاج إلى ما يصححه، وفي ضمن ذلك ~~المصحح يثبت الحكم الثابت بالاقتضاء، وهاهنا النص المذكور وهو المثبت لحله ~~من غير احتياج إلى آخر، فلا يكون الحكم هنا ثابتا بالاقتضاء. # ولئن تصور افتقاره لا يفتقر إلى نص هو ناف؛ لأن النفي لا يصحح المثبت، ~~ولما كان هذا هكذا كان هذا من الشافعي احتجاجا بلا دليل، وما قلناه عمل ~~بوجل كل نص؛ لأنه عمل بالنص المقيد بالتقييد وعمل بالنص المطلق بالإطلاق، ~~فإن العمل هكذا هو موضوعهما الحقيقي، فكان هو عملا بالدليلين. # (ألا ترى أن قوله تعالى {من نسائكم} معرفة بالإضافة، فلا يكون المقيد ~~معرفا ليجعل شرطا) إذ فيه جعل ما ليس بصالح للشرط شرطا، وهو باطل، يعني أن ~~وصف المعرف بالإضافة أبالإشارة بالوصف ليجعل شرطا لا PageV03P1139 # يجوز. كما في قوله: هذه المرأة التي أتزوجها طالق كان لغوا حتى لو تزوجها ~~لا تطلق؛ لأن جعل الوصف إنما يصح في حق الغائب لا في حق الحاضر، ولذلك إذا ~~وصف غير المعرف بالإشارة وبالإضافة جاز أن يجعل شرطا كما في قوله: المرأة ~~التي أتزوجها طالق فإنه يكون تعليق الطلاق بالتزوج، وإنما ذكر هذا لأن ~~الشافعي- رحمه الله- جعل الوصف بمنزلة الشرط وجعل الشرط نافيا للحكم عند عدمه. # فكذلك أيضا جعل الوصف نافيا للحكم عند عدمه إلحاقا للوصف ms448 بالشرط، وكذلك ~~جعل نص وصف الإيمان في قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} نافيا للإطلاق ونحن لم ~~نجعله نافيا. # قلنا: إن تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل لا يجوز؛ لأنه غير مشروع ~~لا لأن النص المقيد بوصف الإيمان نفاه على ما ذكرنا، ولما كان كذلك جهل ~~الشافعي الوصف في قوله: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم ~~بهن} بمنزلة وصف الإيمان في الرقبة، كما أن ذلك الوصف ناف لحكم الإطلاق ~~فكذا هذا الوصف أيضا ناف لحكم الإطلاق، فحينئذ كانت حرمة الربائب منفية عند ~~عدم وصف دخول أمهاتهن؛ لأن عدم ذلك الوصف نفاه كما أن جواز تحرير الرقبة ~~الكافرة في كفارة القتل منتف عند عدم وصف PageV03P1140 # الإيمان؛ لأن عدم ذلك الوصف نفاه، فأجاب عنه بهذا وقال: ليس كذلك لأن ~~الوصف إنما يلحق بالشرط ويعمل عمله إذا كان ذلك الوصف واقعا للغائب على ما ~~ذكرنا من قوله: المرأة التي أتزوجها طالق، فإنه يصح ويكون بمنزلة الشرط. # كأنه قال: إن تزوجتها فهي طالق، وأما إذا وقع الوصف وصفا للمضاف إلى ~~المخاطب وأوقع وصفا للحاضر لا يكون ذلك الوصف بمعنى الشرط، فكذلك لا يكون ~~قوله: هذه المرأة التي أتزوجها طال بمنزلة قوله/ إن تزوجتها فهي طالق، ~~فكذلك لا تطلق إذا تزوجها. # (فأما العدم فليس بشرع) يعني أن العدم كائن بالعدم الأصلي لا أن شيئا ما ~~يجعله عدما يعني أن عدم جواز تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل كان ~~بالعدم الأصلي لا أن هذا الوصف الذي في قوله: # {فتحرير رقبة مؤمنة} بمعنى الشرط، وهو يجعله عدما. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وفي كفارة القتل ذكر صفة الإيمان في ~~الرقبة لتعريف الرقبة المشروعة كفارة لا على وجه الشرط، وإنما لا تجزئ ~~الكافرة؛ لأنها غير مشروعة لا لانعدام شرط الجواز فيما هو مشروع كما لا ~~تجزئ إراقة الدم وتحرير نصف الرقبة؛ لأن الكفارة ما عرفت إلا شرعا فما ليس ~~بمشروع لا يحصل به التكفير، وفي الموضوع الذي هو مشروع يحصل به التكفير. PageV03P1141 # (ولأنا إن سلمنا له النفي ثابتا بهذا ms449 القيد لم يستقم له الاستدلال به على ~~غيره إلا إذا صحت المماثلة). يعني قد ذكرنا قبل هذا أن عدم جواز حرير ~~الرقبة الكافرة في كفارة القتل باعتبار أن هذا النص المقيد بالإيمان أثبته ~~لا يلزم منه عدم جواز تحرير الرقبة الكافرة في كفارة اليمين والظهار إلا ~~بعد أن تثبت المساواة بين كفارة القتل وسائر الكفارات، وهذا لأنه لا شك أن ~~اشتراط الإيمان في الرقبة باعتبار زيادة التغليظ على من باشر سبب الكفارة، ~~وليس بين كفارة القتل وسائر الكفارات مساواة لا في السبب ولا في الحكم. # أما في السبب فإن القتل بغير حق لا يكون في معنى الجناية كاليمين ~~والظهار، فأن الله تعالى جعل القتل بغير حق قرين الإشراك بالله تعال في ~~قوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق} واليمين في أصله مشروع كما في الخلف في بيعة الرضوان. PageV03P1142 # وكذلك الظهار ليس هو إلا تشبيه المحللة بالمحرمة، والتشبيه يحتمل معاني ~~أخر ليس فيها معنى الكذب بان يشبهها بها من حيث السمن أو الهزال أو اللون ~~أو غير ذلك فكان هو صادقا فيها، ولأنه كان هو في الجاهلية طلاقا والطلاق ~~مباح في أصله ولكن الشارع جعل ذلك التشبيه في حق الحل والحرمة وجعله كاذبا ~~فيه، وأوجب فيها لكفارة، ولكن مع ذلك لم يبلغ هو من حيث الجريمة جريمة ~~القتل بغير حق، فوجوب تحرير الرقبة المؤمنة في كفارة القتل لزيادة غلظ ~~معصية القتل لم يدل ذلك على وجوب تحيري الرقبة المؤمنة في كفارة اليمين ~~والظهار لعدم مساواتهما في السبب، وكذلك في الحكم، فالرقبة عين في كفارة ~~القتل ولا مدخل للطعام فيها، والصوم مقدر بشهرين متتابعين وفي الظهار ~~للإطعام مدخل عند العجز عن الصوم، وفي اليمين يتخير بين ثلاثة أشياء ويكفي ~~إطعام عشرة مساكين، فعند العجز تتأدى بصوم ثلاثة أيام، فمع انعدام المماثلة ~~في السبب والحكم كيف يجعل ما يدل على نفي الحكم في كفارة القتل دليلا على ~~النفي في كفارة اليمين والظهار؟ # (فإن قال: ms450 أنا أعدي الوصف الزائد ثم النفي يثبت به)، وإنما قال بهذا ~~الطريق حيث قدم الوصف الزائد على النفي لا على التعليق احترازا عما ذكرنا ~~أن العدم ليس بشرع فلا تصح التعدية فيه. # قلنا: لا يصح هذا أيضا لما ذكرنا أن تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل PageV03P1143 # إنما لا يجوز؛ لأنه غير مشروع لا لأن النص المقيد بذكر وصف الإيمان نفى ~~ذلك حتى أنه لو كان جاء النص المطلق بتحرير الرقبة في كفارة القتل أيضا ~~لقلنا بجواز تحرير الرقبة الكافرة فيها ولم يجئ فلذلك لم نقل بجوازه. # وأما في كفارة اليمين والظهار جاء النص بتحرير الرقبة مطلقا فلذلك قلنا: ~~بجواز تحرير لرقبة الكافرة فيها لما أن النص المطلق ممكن العمل بإطلاقه ~~فيجب العمل له؛ لأنه يصلح أن يكون الإطلاق منا لمطلق مراد المتكلم كالعموم ~~من العام، ولما كان كذلك كانت تعدية شرط الإيمان على قود كلامه تعدية معدوم ~~لإبطال موجود أي تعدية عدم جواز تحرير الكافرة الذي هو لا يصلح أن يكون ~~حكما شرعيا لإبطال صفة الإطلاق التي هي مجودة وصالحة لأن تكون حكما شرعيا ~~فلذلك كان هذا أبعد عن الصواب مما سبق. # أو نقول: وهو الأوجه لتقرير الكتاب وهو أن النص المقيد بوصف الإيمان لما ~~لم ينف جواز تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل بل لأنه غير مشروع على ما ~~ذكر في الكتاب بقوله: ((لا لأن النص نفاه)) كان عدم جواز تحرير الرقبة ~~الكافرة فيها لم تكن ثابتا بالنص، فحينئذ كانت التعدية تعدية أمر غير ثابت ~~بالنص إلى موضع آخر لإبطال حكم ثابت فيه بالنص وهو الإطلاق وذلك لا يجوز. # (وهذا أمر ظاهر التناقض) يعني اعتبر وصف التقييد في النص المقيد على وجه ~~ينفي غيره ولم يعتبر وصف الإطلاق في النص المطلق بوجه ما. مع أن كلا من ~~الوصفين ثابت بالنص ممكن العمل به، ويصلح أن يكون الكل منهما مراد المتكلم، ~~فكان هذا العمل منه تناقضا حيث يعتبر وصف النص في PageV03P1144 # موضع ولا يعتبر في موضع آخر. # وقوله: (ولكن السنة ms451 المعروفة) وهي قوله عليه السلام: ((ليس في الحوامل ~~والعوامل ولا في البقرة المثيرة صدقة)) (أوجبت نسخ الإطلاق) أي أجبت هذه ~~السنة نسخ الإطلاق في ذلك الحديث الذي رواه وهو قوله عليه السلام: ((في خمس ~~من الإبل شاة)) لا أن يكون هذا الحديث المطلق حمل على الحديث المقيد بالصفة ~~وهو قوله عليه السلام: ((في خمس الإبل السائمة شاة)) (لكن نص الأمر ~~بالتثبيت في نبأ الفاسق) وهو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا}، وقرأ ابن مسعود- رضي الله عنه-: ((فتثبتوا)) فالتثبيت ~~والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف. # (فكذلك قيد التتابع في كفارة القتل والظهار لم يوجب نفيا في كفارة ~~اليمين، بل ثبت زيادة على المطلق بحديث مشهور) يعني أن قيد PageV03P1145 # التتابع في كفارة القتل والظهار لم يوجب نفي جواز التفرق في كفارة اليمين ~~أي لم يكن ذلك على طريق حمل المطلق على المقيد، بل ثبت التتابع في كفارة ~~اليمين بطريق الزيادة على المطلق بحديث مشهور فإن قلت: ما الرق بين القول ~~بالزيادة وبين القول بحمل المطلق بل هما متساويان؛ لأن في كل منهما تركا ~~لعمل بدليل المطلق والعمل بدليل المقيد، فأجيزت الزيادة ولم يجز الحمل؟ # قلت: لا بل هما مختلفان لا متساويان، وإن استويا من حيث الصورة؛ لأن في ~~حمل المطلق على المقيد تعدية أمر معدوم لا يصلح حكما شرعيا على موضوع يلزم ~~منه إبطال حكم موجود يصلح حكما شرعيا على ما ذكرنا بيانه، وليس في الزيادة ~~ذلك، بل فيه عمل بحديث مشهور، والعمل مقتضاه واجب بشهادة السلف بصحته، وإن ~~كان يلزم فيه نسخ من وجه لما أن النسخ من كل وجه جائز في الشرع فأولى أن ~~يجوز النسخ من وجه، وأما تعدية PageV03P1146 # المعدوم لإبطال الموجود فلا يصح أصلا، ولما كان كذلك فعند استوائها في ~~الصورة وجب أن يحمل ذلك على ما هو موجود في الشرع وهو الزيادة بالمشهور لا ~~على ما هو غير موجود فيه، ولذلك صرح المصنف- رحمه الله- بتأبيد عدم جواز ~~حمل المطلق على المقيد، فنظير ms452 استواء الحكمين في الصورة مع وجوب الحمل على ~~الصحة دون الفساد لاختلافهما معنى- إذا استفتح الإمام في قراءته ففتح عليه ~~المقتدى، إن نوى المقتدي بتلك القراءة فتح إمامه يجوز، وإن نوى به القراءة ~~لا يجوز؛ لأن المقتدي مرخص في الفتح دون القراءة، فإنه ممنوع عنها مع أن ~~صورتهما واحدة وهي قراءة المقتدى خلف إمامه في الوجهين، ولكن يجب حمل أمره ~~على الصلاح دون الفساد، وهذا كثير، النظير، يظهر ذلك في مسائل الصرف ~~وغيرها، فكذلك هاهنا لما ورد قراءة ابن مسعود- رضي الله عنه- بقيد التتابع ~~في كفارة اليمين رد بأنها التتابع على مطلق الصوم، لا أن يكون ذلك من قبيل ~~حمل المطلق على المقيد لما فيه منا لفساد الذي ذكرنا. # ولا مزاحمة في الأسباب؛ لأن الحكم الواحد جاز أن يثبت بأسباب كثيرة أي ~~على سبيل البدل لا على سبيل الاجتماع، فجاز أن يكون رأس المؤمن سببا لوجوب ~~صدقة الفطر والرأس المطلق أيضا جاز أن يكون سببا مع ذلك كالملك جاز أن يثبت ~~لشخص بالشراء وقبول الهبة والصدقة والوصية والإرث؛ لكن إذا لا يثبت إلا ~~بسبب واحد، ولا مزاحمة في الأسباب أي PageV03P1147 # لا ينفي وجود سبب وجود سبب آخر على طريق البدل. هذا في السبب. # وأما في الحكم فلا يصح ذلك؛ لأن النص المطلق الموجب لصوم ثلاثة أيام مع ~~النص المقيد بالتتابع الموجب لصوم ثلاثة أيام لا يخلو إما أن يوجب كل واحد ~~منهما صوما غير ما يوجبه الآخر أو عين ما يوجبه الآخر، فلو أوجب كل واحد ~~منهما صوما غير ما يوجبه الآخر لزم على الحانث المعسر صوم ستة أيام، ثلاثة ~~بطريق الإطلاق وثلاثة بوصف التتابع، وهو خلاف ما أوجبه النص وذلك لا يجوز، ~~ولو أوجب غير ما يوجبه الآخر يجب التتابع فيهما جميعا؛ لأنه لما وجب عليه ~~التتابع الذي هو وصف زائد على مطلق الصوم بنص يوجبه استحال أن لا يجب؛ إذ ~~لو قلنا بحرمان الإطلاق التقييد في حق الحكم يجب أن يقال: يجب عليه التتابع ~~في الصوم ولا يجب وهذا خلف ms453 من القول. # ولهذا أشار بقوله في الكتاب: (والحكم وهو الصوم لا يقبل وصفين متضادين)، ~~وحاصله أن الشيئين إذا ترادفا في إيجاب الحكم ولأحدهما زيادة وصف والآخر ~~الذي ليس له زيادة وصف يكون تبعا للذي له زيادة وصف، فيثبت لهما جميعا تلك ~~الزيادة كالطلاق الرجعي مع البائن، فالبائن للطلاق زيادة وصف على الرجعي؛ ~~لأن الطلاق لا يكون أقل من الرجعي، فلأن الرجعي زيادة وصف فيلحق الرجعي ~~البائن مقدما ومؤخرا، فيكونان بائنين PageV03P1148 # لئلا يلغى وصف البينونة التي هي زيادة وصف في الطلاق، فكذلك ههنا النص ~~الموجب لمطلق الصوم كان تبعا للنص الموجب للتتابع لئلا يلغى وصف التتابع ~~الذي هو زيادة وصف في الصوم. # (هو نظير ما سبق) أي كما أن عندنا أن (التعليق بالشرط لا يوجب نفي الحكم) ~~عند عدم وجود ذلك الشرط كذلك التقييد في السبب في النص لا يوجب نفي الحكم ~~عند عدم ذلك القيد في النص المطلق (مثل نكاح الامة تعلق بطول الحرة) أي ~~بعدم طول الحرة بالنص. # (وبقى مرسلا مع ذلك) أي مطلق حله بدون تعليق ذلك الشرط بعدم طول الحرة ~~بقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء} وهكذا نقول في قوله: إن دخل عبدي الدار ~~فأعتقه، فإن ذلك لا يوجب نفي الحكم الذي قبله حتى لو كان ذال أولا: أعتق ~~عبدي، ثم قال: أعتقه إن دخل الدار- جاز له أن يعتقه قبل الدخول بالأمر ~~الأول، ولا يجعل هذا الثاني نهيا عن الأول، وتمام هذا مذكور في ((أصول ~~الفقه)) للإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-. # (لأن الإرسال والتعليق يتنافان وجودا) يعني أن الحكم الواحد إذا وجد لا ~~يجوز أن يكون حال كونه موجودا بهذين الطريقين للتنافي كالملك في شيء إذا ~~ثبت لشخص لا يجوز أن يثبت بالبيع والهبة للاستحالة. # فأما قبل وجوده فجاز أن يثبت بهذا أو بهذا، فكذلك نقول في الحكم PageV03P1149 # المعلق والمرسل. # (وذلك المعنى ذكرناه) يعني أن الصلاة إذا أضيفت إلى وقت كصلاة الظهر مثلا ~~كان ذلك الوقت سببها وظرفا لأدائها وشرطا له أيضا، فلا يجوز تقديم الحكم ~~على ms454 السبب ولا يوجد المشروط قبل الشرط، وعدم جواز التقديم على سببها لهذا ~~لا لأنه وجد سببها، ومع ذلك لا يجوز التقديم على وقت معين، وكذلك صوم ~~السبعة في المتعة قبل أيام النحر لا يجوز؛ لأنه لم يشرع قبل وقته وهو وقت ~~الرجوع إلى أهله؛ لأن ذلك أضيف إلى الرجوع بكلمة (إذا) بقوله: {وسبعة إذا ~~رجعتم} والمضاف إلى وقت لا يجوز قبل ذلك PageV03P1150 # الوقت كصوم رمضان قبل شهود الشهر لا أن يكون الفساد لعدم التفريق حتى لو ~~فرق ولكن صام قبل الرجوع لم يجزه أيضا. # علمنا أن الفساد ليس لعدم التفريق وأنه ليس بشرط للجواز، والتتابع شرط ~~للجواز فلا يبقى للتتابع معارض، ومع ذلك لم يقيد المطلق من الصيام ~~بالتتابع، فبطل أصله. كذا في ((التقويم)). # ولأنه لا يصح هذا العذر من الشافعي ما قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- ~~فالمطلق في الكفارة إنما يحمل على المقيد في الكفارة أيضا، وليس في صوم ~~الكفارة مقيد بالتفرق، فإن صوم المتعة ليس بكفارة بل هو نسك بمنزلة إراقة ~~الدم الذي كان الصوم خلفا عنه. # قلت: ولكن للشافعي أن يقول: صوم المتعة بدل عن دم المتعة، ودم المتعة ~~عندي دم جبر وهذا الصوم خلف عنه فكان هذا الصوم أيضا صوم كفارة لكونه جبرا ~~للنقصان الثابت بالقرآن والمتعة، فإن الإفراد عنده أفضل من المتعة والقرآن، ~~ولكن هذا العذر أيضا لا يجدى له؛ لأن عدم جواز صوم السبعة قبل الرجوع لا ~~لوجوب التفريق بل لعدم وقته على ما ذكرت فلم يصح قوله: إن الأصل يتعارض ~~لأني وجدت صوم المتعة لا يصح إلى متفرقا؛ لأنه لا يقال للصوم الذي لم يجئ ~~وقته أنه صوم متفرق. PageV03P1151 # فعلم بهذا أنه لم يوجد صيام أصلا كان التفرق فيها واجبا، وإنما وجد من ~~وصف الصيام وجوب التتابع لا غير، مع ذلك لم يحمل المطلق على المقيد في حق ~~التتابع في الكفارة، فكان أصله متناقضا حيث حمل المطلق على المقيد في موضع ~~ولم يحمل على المقيد في موضع، فكان أصله متناقضا، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV03P1152 ### || AUTO ms455 باب العزيمة والرخصة # لما فرغ من تقسيم المشروعات من حيث ثبوت الأحكام من الكتاب على قدر ما ~~يليق من التقسيم من وسعه ذكر في هذا الباب تقسيم الثابت منها، وهو نوعان: ~~عزيمة، ورخصة. # فالعزيمة: عبارة عما استقر على الأمر الأول بحكم أنه إلهنا ونحن نعبده؛ ~~يعني أثبت الحكم في حقنا بحكم أنه إلهنا وخالقنا من غير نظر إلى الأعذار منا. # والرخصة: ما يغير من عسر إلى يسر بواسطة عذر المكلف. PageV03P1153 # وقوله: (حتى صار العزم يمينا) حتى إذا قال القائل: أعزم؛ كان حالفا أي ~~عند النية. # (وهذا الاسم) أي اسم الفرض والكتابة. # (ففي التقدير والتناهي يسر) أي بالنسبة إلى كونه غير مقدر وهو في PageV03P1154 # لفظ الفرض. # [الواجب] # (ويشير إلى شدة المحافظة) وهي في اسم المكتبة، وسميت مكتوبة؛ لأنها كتبت ~~علينا في اللوح المحفوظ. # (ومعنى السقوط أنه ساقط علما) أي ساقط عنا من حيث الاعتقاد به قطعا، يعني ~~لا يجب علينا أن نعتقد قطعا أنه علينا؛ لأنه يجب الاعتقاد بكونه واجبا ~~بغلبة الظن. # (هو الوصف الخاص سمي به) أي سقوط العلم عما هو الوصف الخاص للواجب، فلذلك ~~سمي بلفظ الواجب؛ لأن الفرض واجب، مستويان في حق لزوم العمل، وإنما ~~المفارقة بينهما من حيث لزوم الاعتقاد في حق الفرض بأنه فرض عليه قطعا، ~~وعدم لزوم الاعتقاد في حق الواجب، فكان لفظ الواجب هو اللفظ الدال على سقوط ~~العلم والاعتقاد عن المكلف لأنه لازم قطعا، فلذلك سمي به. PageV03P1155 # ...................................................................... ~~... PageV03P1156 # (صار كالساقط عليه) أي صار الواجب كالساقط على الذي لم يجب عليه العلم ~~بأنه لازم عليه قطعا لا كما تحمل كما في الفرض، (ويحتمل أن يؤخذ من الوجبة ~~وهو الاضطراب) وهو أي والجبة، والتذكير لتذكير الخير وهو الاضطراب. قال ~~الشاعر: # وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلاء وراء الغيب بالحجر PageV03P1157 # الوجيب: الاضطراب، والأبهر: عرق مستبطن الصلب إذا انقطع مات صاحبه # والدم: الضرب، والغيب: الجدار هنا. # وقال في ((ميزان الأصول)): الواجب نوعان: لازم قطعا كالزكاة والصوم، ~~وواجب لا يكون لازما قطعا. مثل: تعين الفاتحة وغيره. # (والسنة الطريقة) ومنها ms456 الحديث في مجوس هجر: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) ~~أي اسلكوا بهم طريقهم. يعني عاملوهم معاملة هؤلاء في PageV03P1158 # إعطاء الأمان لأخذ الجزية منهم # وهو معروف الاشتقاق (وهو في الشرع: اسم للطريق المسلوك في الدين). # (وهو معروف الاشتقاق) أي هي مأخوذة من قولهم: سن الماء إذا صبه، وإنما ~~أخذت السنة منه؛ لأن من يستن بسنة غيره ينصب في الفعل على وفق فعله كالماء ~~الثاني يجري في جريه كجريان الماء الأول، ولذلك سمي الطريق سنة؛ لأن المار ~~ينصب فيه ويجري نحو جريان الماء من غير انعراج ولا التفات إلى شيء آخر. # (بل زيادة على ما شرع له الجهاد) من إعلاء كلمة الله وكبت أعدائه. # قال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}. PageV03P1159 # (وإذا تفاوت الدليل لم ينكر تفاوت الحكم)؛ لأن الحكم نتيجة الدليل، فمهما ~~كان الدليل أقوى كان المدلول وهو الحكم أقوى، (وبيان ذلك) أي بيان أن ~~الدليل نوعان: ما لا شبهة فيه وما فيه شبهة؛ (لأن النص الذي لا شبهة فيه ~~أوجب قراءة القرآن في الصلاة وهو قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}) ~~وإنما تعين ذلك الأمر في حق الصلاة إما بالاستدلال بسياق هذه الآية ~~وسباقها، فإن في كل منهما ذكر الصلاة، وإما بالاستدلال بدلالة الإجماع؛ ~~لأنهم أجمعوا على أن الأمر للوجوب ولا وجوب خارج الصلاة فتعين في الصلاة. PageV03P1160 # (وذلك فيما قلنا)؛ لأن خبر الواحد مكمل لحكم الأول مقرر له؛ لأن حكم ~~الأول وجوب قراءة القرآن، وبعدما أوجبنا الفاتحة لم يتغير ذلك؛ لأن مقتضى ~~الكتاب أن تجوز الصلاة بأي سورة قرأ، وإذا لم يتبدل هذا الحكم بوجوب ~~الفاتحة عندنا، فلم يجز تغيير الأول بالثاني، وتغييره بأن يصير مقيدا؛ لأنه ~~لا شبهة في الأول، وفي الثاني شبهة. # فإن قيل: لا نسلم بأنه لا شبهة في الأول وهو الكتاب بل فيه شبهة حتى صار ~~هو أدنى من الخبر الأول، فإن ذلك نص عام خص منه ما دون الآية، فيخص فيما ~~وراءه بخبر الاحد، فحينئذ يجب تعيين الفاتحة فرضا كما هو مقتضى خبر ms457 الواحد ~~لقوله عليه السلام: ((لا صلاة إلى بفاتحة الكتاب)). # قلنا: ثبت عدم الجواز فيما دون الآية بمعنى لا يوجد ذلك المعنى في الآية، ~~وهو أن ما دون الآية وإن كان من القرآن لا يسمى من قرأه قارئ القرآن على ~~الإطلاق، حتى جوز بعض العلماء قراءة ما دون الآية للجنب والحائض بهذا ~~المعنى فلما لم يتناوله اسم القرآن على الإطلاق لم يكن عدم جواز الصلاة بما ~~دون الآية بسبب أنه مخصوص من قوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} فكان هو ~~عاما حينئذ لم يخص منه شيء، فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، PageV03P1161 # وإنه لو جاز بما دون الآية- لأنه من القرآن- لوجب أن يجوز بحرف واحد من ~~القرآن؛ لأنه من القرآن، ولم يقل به أحد. # فإن قيل: يجب أن لا يثبت الوجوب أيضا بخبر الفاتحة حينئذ؛ لأنه جاء ~~مخالفا للكتاب؛ لأن الكتاب يقتضي الجواز بدون فاتحة الكتاب، وذلك الخبر ~~يقتضي الجواز بالفاتحة. قال عليه السلام في الخبر الواحد: ((وما خالف ~~فردوه)). # قلنا: ذلك الرد إنما يكون فيما إذا لم يكن العمل بخبر الواحد ممكنا مع ~~العمل بالكتاب، وهاهنا ممكن على الوجه الذي قلنا بأن يكون مكملا لموجب ~~الكتاب، وهو أن يحمل على الوجوب. # (وخبر الواحد أوجب التعديل)، وهو قوله عليه السلام للأعرابي: ((قم فصل ~~فإنك لم تصل)). # (فمن رد خبر الواحد) كما فعله أهل الاعتزال. # (ومن سواه بالكتاب كما فعله أهل الحديث. PageV03P1162 # (واجب ثبت بخبر الواحد)، وهو قوله عليه السلام لأسامة بن زيد حين كان ~~هورديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة إلى مزدلفة فقال: الصلاة ~~يا رسول الله. قال عليه السلام: ((الصلاة أمامك)). PageV03P1163 # (فإن لم يفعل حتى طلع الفجر سقطت الإعادة). # فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين وجوب الترتيب في الصلاة فإن ذلك أيضا ~~بخبر الواحد، ووجوب الإعادة هناك إذا صلى الوقتية مع ذكر الفائتة لا تسقط ~~سواء خرج الوقت أو لم يخرج ما لم يدخل حد التكرار، وهنا تسقط الإعادة إذا ~~خرج وقت العشاء؟ # قلت: جواب هذا وجواب ما ms458 يشاكله من الأسولة مذكورة في حج ((النهاية)) ~~فسقوط الإعادة هنا بعد طلوع الفجر مثل سقوط الإعادة في الصلاة عند كثرة ~~الفوائت. # وذكر في ((التقويم)) بعد ذكر سقوط الإعادة بعد طلوع الفجر هنا، وقال: ~~وكذلك قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- فيمن ترك الفجر، ثم صلى الظهر وهو ذاكر ~~لما عليه: أن ظهره فاسد وعليه القضاء، فإن لم يقض حتى كثرت الفوائت فلا ~~قضاء عليه. PageV03P1164 # (وخبر الواحد لا يوجبه) أي لا يوجب العلم (فلا يفسد العشاء) أي المغرب. # (فجعلنا الطواف به واجبا لا يعارض الأصل) عملا بخبر الواحد، هو قوله عليه ~~السلام: ((الحطيم من البيت))؛ لأن الطواف حول الحطيم عمل بخبر الواحد على ~~وجه لا يعارض الكتاب؛ لأنا لطواف حول الحطيم طواف حول البيت أيضا. # (من غير افتراض ولا وجوب) إلا إذا كان من شعائر الإسلام فحينئذ يكون ~~بمعنى الواجب كالأذان والجماعة. # وقوله: (إلا أن السنة عندنا) هذا استثناء منقطع بمعنى لكن. # اللائمة: الملامة. PageV03P1165 # (أنه لا يتنصف إلى الثلث لقول سعيد بن المسيب: السنة) أي السنة هكذا. ~~أراد به سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # بيان هذا في زيادات ((المبسوط)) وهو ما روي عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن ~~المسيب: ما تقول فيمن قطع أصبع امرأة؟ قال: عليه عشر من الإبل. قلت: فإن ~~قطع أصبعين منها؟ قال: عشرون من الإبل، فإن قطع ثلاثة أصابع؟ قال: عليه ~~ثلاثون من الإبل، فإن قطع أربعة أصابع؟ قال: PageV03P1166 # عليه عشرون من الإبل. قلت: سبحان الله لما كبر ألمها واشتد مصابها قل ~~أرشها! قال: أعراقي أنت؟ فقلت: لا، بل جاهل مسترشد، أو عاقل مستثبت، فقال: ~~إنه السنة، وبهذا أخذ الشافعي وقال: السنة إذا أطلقت فالمراد بها سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ويرون حديثا أن النبي عليه السلام قال: ~~((تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية))، وقوله: ((تعاقل)) أي تساوي المرأة PageV03P1167 # الرجل في الدية. # وقال في المغرب: وعن ابن المسيب ((المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها)) أي ~~تساويه في العقل تأخذ كما يأخذ الرجل (فقال ذلك في القتل ms459 الحر بالعبد) أي ~~قال الشافعي- رحمه الله- ذلك أيضا وهو أن مطلق السنة تقع على سنة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فإن عليا- رضي الله عنه- قال: ((إن من السنة أن لا ~~يقتل الحر بالعبد)) فكانت هي محمولة على سنة النبي عليه السلام، وإنما ذكر ~~هذين وإن كان فيهما معنى الإرسال لما أن الشافعي يقبل مراسيل سعيد بن ~~المسيب؛ لأنه تتبعها فوجدها مسانيد، وأما إرسال علي- رضي الله عنه- فإنه ~~مقبول أيضا؛ لأن إرسال الصحابة مقبول بالإجماع؛ لأن ذلك محمول على السماع. # (وعندنا هي مطلقة لا قيد فيها) أي لفظ السنة مطلق لا قيد فيه ويذكر ويراد ~~به غير سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يوجب ذلك الاختصاص سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال عليه السلام: ((من سن سنة حسنة فله ~~أجرها وأجر من عمل بها إل يوم القيامة، ومن ين سنة سيئة فعلية وزرها ووزر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة)). PageV03P1168 # وقوله: (وكان السلف يقولون: سنة العمرين) لبيان أن لفظ السنة يطلق على ~~سنة غير النبي عليه السلام أيضا. (سنة الهدى، وتركها يستوجب إساءة)، وذلك ~~نحو صلاة العيد والأذان والإقامة والصلاة بالجماعة، ولهذا لو تركها قوم ~~استوجبوا اللوم والعتاب، لو تركها أهل بلدة وأصروا على ذلك قوتلوا ليأتوا بها. # (فقيل مرة يكره) فقال: يكره القعود في الأذان ويكره أن يؤذن وهو جنب وهو ~~من آثار سنن الهدى (ومرة أساء) كما في قوله: وإن صلى PageV03P1169 # أهل المصر جماعة بغير أذان ولا إقامة أساؤوا؛ لأنهم تركوا ما هو من سنن ~~الهدى، ومرة لا بأس، وقال: لا بأس بأن يؤذن واحد ويقيم آخر. # (وإذا قيل: يعين فذلك من حكم الوجوب)، فقال: ولا يؤذن لصلاة قبل دخل ~~وقتها ويعاد في الوقت، وفي ((شرح الطحاوي)) يستحب إعادة أذان أربعة: الجنب ~~والمرأة والسكران والمجنون. # (ولهذا قلنا: إن ما زاد على القصر في صلاة السفر نفل)؛ لأنه لا يعاقب على ~~تركه ويثاب على فعله، وقد قال الشافعي به فكان نفلا لجود حده، ولا يلزم على ~~هذا صوم المسافر، فإنه ms460 لا يعاقب على تركه ويثاب على فعله مع أنه لو صام يقع ~~فرضا؛ لأنا نقول: المراد من قوله: لا يعاقب على تركه لو تركه أصلا، ~~والمسافر يعاقب على ترك الصوم في الجملة وهو ما إذا أدرك عدة من أيام أخر ~~ولم يقضه يعاقب عليه، فكذلك لم يكن الصوم في حالة السفر نفلا، والنفل شرع ~~دائما، فلذلك جعلناه من العزائم؛ لأن شرعية النفل لما لم يبن على عارض من ~~جهة العبد لم يجعلها منا لرخص بل جعلناها من العزائم، وإنما ترض لذكر قوله ~~دائما لجانب الرخصة في النفل. PageV03P1170 # فإن قيل: لم يشرع النوافل في الأوقات المكروهة فلم تكن شرعيتها دائما. # قلنا: ذلك لأجل المانع وهو نسبة تلك الأوقات إلى الشيطان إلى ما جاءت به ~~السنة مع أن تلك الكراهة لا تنفي نفس شرعية الصلاة فكانت شرعية النوافل ~~دائمة. (ولذلك صح قاعدا) أي ولشرعيته دائما صح قاعدا (وراكبا)؛ لأن في ~~مراعاة أركانه على التمام مع وجود وصف الدوام إفضاء إلى الحرج، فلذلك لازم ~~اليسر فصح قاعدا، وهذا القدر يشعر بالرخصة، فلذلك كان فيه شبهة الرخصة وإن ~~كان هو في أصله منا لعزائم، ولما كان النفل مشتملا لهذين الوصفين أخر ذكره ~~عن ذكر سائر العزائم؛ لأنه لم يخلص عزيمة. # (قال الشافعي- رحمه الله- لما شرع النفل على هذا الوصف وجب أن يبقى عليه ~~(دائما ولا يلزم بالشروع؛ لأن حقيقة الشيء لا تتغير في حال دون حال، وهو ~~نفل حقيقة بعد الشرهه فيبقى على صفة النفلية كما قبل الشروع؛ لأن آخره من ~~جنس أوله، ففي الأول كان مخيرا بين الإتيان به PageV03P1171 # والترك فيبقى كذلك. PageV03P1172 # قلنا: نعم كذلك بالنظر إلى ذاته فإنما يلزم الإتمام لغيره وهو صيانة ما ~~أداه؛ لأن ذلك صار مؤدى مسلما إلى الله تالى وحق الله محترم. # ألا ترى إذا مات قبل الإتمام يثاب على ذلك، فيجب التحرز عن إبطاله مراعاة ~~لحق صاحب الحق، وهذا التحرز لا يتحقق إلا بالإتمام فيجب الإتمام لهذا وإن ~~كان هو نفسه نفلا كالسعي إلى الجمعة يجب عليه لوجوب ms461 غيره عليه وهو الجمعة. # وحاصله أن الخصم نظر إلى جانب ما لم يؤد، وما قلناه أولى لوجهين: # أحدهما- أن ترجيح جانب الموجود أولى من ترجيح جانب المعدوم؛ لأن الموجود ~~خير من المعدوم. # والثاني- أن ما قلنا أقرب إلى الاحتياط. # فإن قيل: النفل بعد الشروع قبل التمام لم يصر مسلما إلى الله تعالى؛ لأن ~~صحة أول الصلاة موقوفة على آخرها فلا يقال في الأمر الموقوف أنه مسلم إلى الله. # قلنا: لا كذلك؛ بل ما قدر من أدائه صار مسلما إلى الله تعالى وما ذكره لا ~~يدل على أنه لم يصر الله تعالى بل صار الله تعالى لكن بإبطال آخر الصلاة ~~يبطل أولها لعدم تجزئتها لا لأنه لم يصر مسلما إلى الله تعالى. # ألا ترى أن مسلما لو ارتد-والعياذ بالله- تبطل أعماله الصالحة كلها، ولم PageV03P1173 # نقل فيها أنها لم تصر مسلمة إلى الله تعالى فكذا هذا. # والدليل على أن التسليم إلى الله تالى في ذلك القدر أنه لو مات بعد ~~الشروع في الصلاة يثاب عليه بقدر ما أدى. (والسنن كثيرة في باب الصلاة ~~والحج) أي الأحاديث وردت كثيرة في إلزام القضاء به إذا أفسد النفل في باب ~~أداء الصلاة والحج. PageV03P1174 # [أنواع الرخص] # (وإن شاء بذل نفسه) من حسبة الله تعالى، والحسبة: فعلة من الحساب، يعني: ~~أز جهت آخرت شمردن. # وفي ((الصحاح)) قال ابن دريد: واحتسبت بكذا أجرا عند الله، والاسم ~~الحسبة- بالكسر- وهي الأجر. # النكاية: أثري تمام كردن در دشمنان بكشتن يا بجراجت كردن يا PageV03P1175 # بهزيمت كردن من حد ضرب. # (لرجحان حقه في النفس) يفوت صورة ومعنى وحق غيره في المال إنما يفوت في ~~الصورة لا غير. # (أن الحكم متراخ) وهو وجوب الأداء؛ لأن أصل الواجب واقع على المسافر، ~~ولهذا صح أداؤه بلا توقف، وهو أمارة كون الوجوب واقعا عليه، بخلاف أداء ~~الزكاة في أول الحول، فإنه لا تقع زكاة إلا بعد الحول، فعلم أن أصل الوجوب ~~لم يقع عليه في أول الحول، ولا يقال إن وجوب الأداء لا PageV03P1176 # يضاف إلى السبب بل إلى الخطاب؛ لأن نقول: ms462 الخطاب هاهنا مقارن لشهود ~~الشهر، وهو قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} والوقت هو معيار، ~~فيكون وجوب الأداء ثابتا عند وجود الشهر في وقته وهوا لنهر، ولكن مع ذلك ~~أباح التأخير إلى عدة من أيام أخر نظرا له. # (فكان دون ما اعترض على سبب حل حكمه) يعني أن في القسم الأول الحكم ثابت ~~وهو الحرمة مع السبب المحرم، والرخصة تعترض على مثل هذه العزيمة إلى سببها ~~وحكمها قائما فكان هو دلالة قوة الرخصة، فكانت رخصة محضة، فظهر أثر ذلك في ~~رفع المؤاخذة. # فأما في القسم الثاني فالسبب المحرم قائم وهو شهود الشهر إلا أن الحكم ~~متراخ عن السبب، وفي حق المسافر فلكون السبب القائم موجبا للحكم PageV03P1177 # كانت الاستباحة ترخصا للعذر، ولكون الحكم متراخيا عن السبب كان هذا النوع ~~دون الأول، فإن كمال الرخصة يتبنى على مال العزيمة؛ لأن الرخصة مقابلة ~~للعزيمة فمهما كانت العزيمة أقوى كانت الرخصة أقوى تحقيقا للمقابلة، مع ذلك ~~كانت العزيمة هي الصوم هاهنا أولى من التأخير إلى حال الإقامة نظرا إلى ~~قيام السبب في الحال من غير تعلق؛ لأنه لو كان معلقا لا يجوز الأداء قبل ~~وجود الشرط؛ لأنه لم ينعقد سببا كثوم السبعة في الحج قبل الرجوع. # (لكمال سببه ولتردد في الرخصة) يعني أن التأخير إنما ثبت رخصة لليسر ~~والرفق، واليسر فيه متعارض؛ لأن فيه نوع يسر وهو الإفطار ونوع عسر وهو ~~الانفراد بالصوم؛ لأن غيره لا يصوم فكان في الصوم في حال الإقامة اليسر ~~متعارضا بالعسر، وكذلك في الصوم في حال السفر أيضا اليسر مع العسر ~~متعارضان؛ لأنه إن كان فيه عسر ترك الإفطار وفيه يسر شركة المسلمين، فكان ~~في الأخذ بالعزيمة نوع من الرخصة، فلما كان في الأخذ بالعزيمة أخذ بالرخصة ~~من وجه كان الاخذ بالعزيمة أولى؛ لأن في العزيمة عملا لله تعالى، وفي ~~التأخير عملا للنفس. PageV03P1178 # وهو معنى قوله: (فلذلك تمت العزيمة) أي كان العمل بالعزيمة أولى لتمامها، ~~وتمامها بما ذكرنا هو أن سببها قائم وفي العمل بها عمل لله تعالى ms463 وصيانة حق ~~الأداء عند شهود الشهر، وقيل معنى قوله: ((تمت العزيمة)) أي انتقصت العزيمة ~~لما أن التمام مستلزم النقصان، كما قيل: إذا تم أمر دنا نقصه بخلاف الفصل ~~الأول، فإن الحكم هناك ثابت في الحال وهوا لحرمة، وكذا السبب قائم فكملت ~~العزيمة وكملت الرخصة أيضا بمقابلتها. # فكمال العزيمة فيه أثر في أفضلية الأخذ بالعزيمة على وجه لو كان فيه هلاك ~~نفيه كان مأجورا بخلاف الفصل الثاني؛ لأن في القول الثاني انتقص معنى ~~الرخصة لنوع نقصان في العزيمة وهو معنى قوله: ((فكان دون ما اعترض على سبب ~~حل حكمه)) فلذلك كانت أفضلية الأخذ بالعزيمة مقيدة ببقاء صحته، فإنه إذا ~~أدى إلى هلاك نفسه لم يبق الأخذ بالعزيمة مباحا له، فلمكان أن السبب الموجب ~~للأخذ بالعزيمة قائم كانت الرخصة حقيقة، ولمكان أن الحكم غير ثابت في الحال ~~كان هذا دون الأول. # (وقد أعرض الشافعي- رحمه الله- عن ذلك فجعل الرخصة أولى)، وقال: لما كان ~~حكم الوجوب متراخيا إلى إدراك عدة من أيام أخر كان الفطر PageV03P1179 # أفضل ليكون إقدامه على الأداء بعد ثبوت الحكم بإدراك عدة من أيام أخر. # قلنا نحن: الصوم أفضل؛ لأن السبب الموجب قائم فكان المؤدى للصوم عاملا ~~لله تعالى في أداء الفرائض إلى آخر ما ذكرنا. # وقوله: (إلا أن يضعفه الصوم) استثناء عن قولنا، وهو قوله: ((فكانت ~~العزيمة أولى)). # (فلم يكن نظير من بذل نفسه لقتل الظالم) أي من بذل نفيه لإقامة الصوم في ~~السفر حتى أهلك نفيه ليس نظير من أكره على الفطر في صوم رمضان فبذل نفسه ~~حتى قتل، فإن في صبره هناك هو مأجور وفي صبره في سفر غير مأجور؛ بل هو ~~معاقب لكونه قاتلا نفسه، وعلى المرء أن يحترز عن قتل نفسه بخلاف قتل الظالم ~~عند الإكراه على الفطر لأن الفعل هناك مضاف PageV03P1180 # إلى فعل الظالم. # وأما هو في الامتناع عن الفطر عند الإكراه مستديم للعبادة مظهر للطاعة عن ~~نفسه في العمل لله تعالى، وذلك عمل المجاهدين. # (الإصر): الثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه في مكانه لفرد ms464 ثقله # (والأغلال): جمع غل، وكل منهما عبارة عن الأمور الشاقة التي كانت على ~~الأمم السابقة مثل التوبة بقتل النفس، كقوله تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم}، ومثل قطع الثوب عند إثابة النجاسة، واختصاص جواز الصلاة ~~بالمسجد وغير ذلك، فهذه الأحكام وضعت عنا أصلا ولم يكن هي في شريعتنا أصلا، ~~لكن من حيث إن وضعه عنا تخفيف PageV03P1181 # محض سمي رخصة بطريق المجاز لمشابهته الرخصة في المعنى وهو التخفيف. # (فكان دون القسم الثالث) أي في استحقاق اسم الرخصة مجازا لرخصته ~~ولمشابهته بحقيقة الرخصة. # (وذلك أن أصل البيع أن يلاقي عينا) لما روي عن النبي عليه السلام أنه ~~((نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان))، وروي أنه ((نهى عن بيع الكالي ~~بالكالي)). # وقوله: (مشروعا ولا عزيمة) عطف العزيمة على المشروع في النفي لما أن ~~العزيمة أخص من المشروع؛ (لأن دليل اليسر متعين) في السلم بخلاف PageV03P1182 # الصوم في السفر، فإن الرخصة فيه مترددة لما أنه يسر من وجه وعسر من وجه ~~على ما مر ذكره. # أما اليسر في السلم فمتعين؛ لأنه بيع المفاليس وليس يشترط وجود البيع، ~~فكان اليسر فيه متعينا حتى إذا عين المسلم فيه يبطل السلم، فلا يكون السلم ~~نظير الصوم، (وكذلك اليسر في شرب الخمر) متعين، فلذلك لم يبق الخيار فيه ~~للمكره وهو المضطر للعطش. # (لم يستقم صيانة البعض)، والمراد من البعض العقل؛ لأن حرمة أكل الميتة ~~وشرب الخمر باعتبار صيانة عقله عن الفساد، فإذا فاتت نفسه كان هو فائتا ~~لجميع أجزائه والعقل بعض أجزائه (إلا أن حرمة هذه الأشياء مشروعة في ~~الجملة) يعني في غير حالة الضرورة في هذه الأمة. PageV03P1183 # (أنقصر) الصلاة (ونحن آمنون) أي غير خائفين إنما تعرض لهذا؛ لأن ظاهر ~~الآية تقتضي اشتراط الخوف لجواز القصر. قال تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}. # (((فاقبلوا صدقته))) أي اعتقدوا هذا، واعملوا به. PageV03P1184 # (فصار الاختيار ضروريا) أي لأجل أن يختار الأرفق عنده لا مطلق الاختيار، ~~وهو أن يكون مختارا ms465 في شيء مع أنه ليس في ذلك الاختيار نفع يعود إليه. # (فأما مطلق الاختيار فلا؛ لأنه إلهي). معناه أن الله تعالى يستحيل أن ~~يعود إليه رفق أو يندفع عنه ضرر؛ لأنه هو الضار النافع على الإطلاق. # وأما الاختيار للعبد في جلب المنفعة أو دفع المضرة، فإذا خلا عنهما لم ~~يصلح هو اختيارا للعبد؛ لأنه إلهي يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. # (بظاهر العزيمة) والرخصة حيث قال: القصر في الصلاة رخصة PageV03P1185 # والإكمال عزيمة، فكان الأخذ بالعزيمة أولى من الأخذ بالرخصة كما في الصوم. # (لأن الجمعة هي الأصل عند الإذن) فيتعين عليه أداء الجمعة كما في الحر ~~المقيم. هذا الجواب على طريق المنع. # قوله: (ولأنهما مختلفان) هذا على طريق التسليم، يعني ولئن سلمنا أنه PageV03P1186 # مخير فالفرق بينه وبين ظهر المسافر ظاهر، وهو أن صلاة الجمعة وصلاة الظهر ~~مختلفان، فيستقيم القول بالتخيير هناك. # وأما هاهنا فالظهر بأربع ركعات والظهر بركعتين واحد، فالتخيير بين القليل ~~والكثير في شيء واحد لغو؛ لأنهما مختلفان فاستقام طلب الرفق؛ لأن الشيئين ~~إذا كانا متغايرين لا يتعين اليسر في أحدهما، حتى أن العبد إذا جنى وقيمته ~~عشرون درهما وقيمة الأرش ألف درهم يتخير المولى بين الدفع والفداء ~~لتغايرهما وعدم تعين اليسر، فكذلك هاهنا الجمعة مع الظهر مختلفان، ولهذا لا ~~يجوز بناء أحدهما على الآخر فلم يتعين الرفق في الأقل عددا، وهذا لأن ~~الجمعة قليل في عدد الركعات، ولكن مع تحمل مشقة السعي، والظهر كثير في عدد ~~الركعات مع عدم تحمل مشقة السعي، فيخير المكلف بينهما لعدم تعين الرفق في ~~أحدهما. # (بخلاف العبد لما قلنا) أي إذا جنى العبد يخير المولى بين الدفع والفداء PageV03P1187 # لما قلنا إنهما متغايران، ولا يتعين في أحد المتغايرين. # (والفصل كان برأ منه)، والدليل على أن ذلك كان تفضلا منه لا واجبا عليه؛ ~~قوله تعالى: {فمن عندك}. # (وهذا تابع مقصود) أي معرفة حكم ضد الأمر والنهي تابع غير مقصود؛ لأن ~~المقصد معرفة حكم الأمر والنهي لا معرفة ضدهما. # * * * PageV03P1188 ### || AUTO باب حكم الأمر والنهي في أضدادهما ms466 # ذكر وجه المناسبة ووجه التأخير عن ذكر الأمر والنهي المقصودين في الكتاب، ~~وقد ذكرنا بغير الضد في ((الوافي)) وهو المهم في الباب. # (وقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده) وهذا أدنى مرتبة من قولهم: PageV03P1189 # يوجب كراهة ضده. # (وقال الجصاص: إن كان له ضد واحد كان أمرا به) حتى لو قال: لا تتحرك يكون ~~أمرا بالسكون، وإن كان له أضداد لم يكن أمرا بشيء منها، حتى لو قال: لا تقم ~~لا يكون أمرا بالقعود ولا بالركوع ولا بالسجود ولا PageV03P1190 # بالاضطجاع. # (ألا ترى أنه لا يصلح دليلا لما وضع له فيما لم يتناوله إلا بطريق ~~التعليل فلغير ما وضع له أولى)، وهذا لأن الأمر بالشيء وضع لطلب ذلك الشيء ~~ولإيجابه، والأمر ساكت عن ثبوت موجبه فيما لم يتناوله إلا بطريق التعليل، ~~فلأن لا يوجب حكما في ضد ما وضع له كأن أولى، ونظير ذلك قوله عليه السلام: ~~((الحنطة بالحنطة مثل بمثل والفضل ربا))، وتقديره: بيعوا الحنطة بالحنطة ~~مثلا بمثل على ما يجيء في القياس إن شاء الله تعالى، فموجب الأمر وجوب ~~التسوية بينهما كيلا، وحرمة الفضل فيما يتناوله الأمر وهو الحنط والشعير ~~وغيرهما من الأشياء الستة، فالأمر ساكت عن غير هذه الأشياء، ولا دلالة له ~~في ثبوت موجبه في غير هذه الأشياء لا نفيا ولا إثباتا. # ولو ثبت حكم هذه الأشياء في غيرها إنما يثبت بالتعليل لا بدلالة النص على ~~ذلك، فلما لم يصلح هذا النص دليلا على ما وضع له في غير ما تناوله فلأن لا ~~يكون دليلا على ضد ما تناوله هذا النص كان أولى، وضد هذا النص هو أن يقال: ~~لا تبيعوا الحنطة بالحنطة متفاضلا. PageV03P1191 # ثم عند هؤلاء وهم الفريق الأول إنما يعاقب إذا فعل ضد المأمور به؛ لأنه ~~لم يأتمر بالأمر؛ لأن الضد عندهم ليس بحرام لعدم تناول هذا الأمر ضده، ولم ~~يجئ صريح النهي في ضد هذا الأمر وهذا العقل فاسد؛ لأنه يؤدي إلى استحقاق ~~العبد العقاب بما لم يفعله، وهو بطل لمخالفة العقل والسمع. # أما العقل: فإن المرء ms467 لم يعاقب على العدم؛ لأن العقاب شيء والعدم ليس ~~بشيء، فكيف يجوز بناء الموجود على المعدوم؟ # وأما السمع: فقال الله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} {جزاء بما كانوا ~~يكسبون} وغيرهما من آيات الوعيد. # فإن قلت: كما أن استحقاق العبد العقاب موقوف إلى وجود الفعل القبيح منه ~~فكذلك استحقاقه الثواب الحسن موقوف إلى وجود الفعل الحسن منه، وأيده قوله ~~تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} والسعي أمر وجودي، فيجب أن لا يستحق ~~العبد الثواب الحسن إلا بالسعي الجميل وهو اكتساب الطاعات، ثم قد يحصل له ~~الثواب الحسن بالأمر العدمي وهو الانتهاء عن ارتكاب المنهي عنه، فإن ~~الانتهاء ليس إلا بإبقاء المنهي عنه عدما كما كان وهو في ذلك مثاب بالجزاء ~~الحسن. قال الله تعالى: {وأما من خاف PageV03P1192 # مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي الماوى} فيجب أن يكون في ~~استحقاق العقاب كذلك بأن لا يشترط الفعل القبيح. # قلت: أما قوله تعالى: {ونهى النفس عن الهوى} أخبر عن النهي أي المنع وهو ~~فعل، وكذلك الانتهاء الذي يستحق به الثواب عبارة عن ترك الفعل القبيح شرعا، ~~وترك الفعل فعل لما فيه من استعمال أحد الضدين كالسكون يكون تركه بالحركة ~~وهو فعل. # وحاصله أن موجب النهي الانتهاء وهو الامتناع عن المباشرة، ثم إن دعته ~~نفسه إلى المباشرة يلزمه الترك والترك فعل منه فيثاب به، فكان مثابا ~~بالفعل، وإن كان الانتهاء قد يتحقق بدون الترك الذي هو الفعل. # ألا ترى أنا لامتناع الذي به يتحقق الانتهاء يستغرق جميع العمر، والترك ~~الذي هو فعل لا يستغرق، فإنه قبل أن يعمل به يكون منتهيا بالامتناع منه، ~~ولا يكون مباشرا للفعل الذي هو ترك الإتيان به، فإن ذلك لا يكون إلا عن قصد ~~منه بعد العلم به. # وبيان هذا أن الصائم مأمور بترك اقتضاء الشهوتين في حال الصوم فلا يتحقق ~~منه هذا الفعل ركنا للصوم حتى يعلم به ويقصده، والمعتدة ممنوعة من الخروج ~~والتزوج والتطيب، وذلك ركن الاعتداد، ويتم ذلك وإن لم تعلم به PageV03P1193 # حتى ms468 يحكم بانقضاء عدتها بمضي الزمان قبل أن تشعر به، وعلى هذا لو قال ~~لامرأته: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق ثم قال: لا أشاء طلاقك- لم تطلق، ولو ~~قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق، ثم قال: قد أبيت- طلقت؛ لأن الإباء فعل ~~يقصده ويكسبه فيصير موجودا بقوله: ((قد أبيت)) ولا يكون ذلك مستغرقا لعمره، ~~وعدم المشيئة عبارة عن امتناعه من المشيئة وذلك يستغرق عمره، فلا يتحقق ~~وجود الشرط بقوله: ((لا أشاء)) ولا بامتناعه من المشيئة في جزء من عمره. ~~هكذا ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة- رحمه الله- في نهي ((أصول الفقه)). # (واحتج الجصاص- رحمه الله- بأن الأمر بالشيء وضع لوجوده، ولا وجود له مع ~~الاشتغال بشيء من أضداده) فلذلك استوى فيه ما يكون له ضد واحد أو أضداد، ~~فبأي ضد اشتغل ينعدم ما هو المطلوب. # ألا ترى أنه إذا قال لغيره: اخرج من هذه الدار سواء اشتغل بالقعود فيها ~~أو الاضطجاع أو القيام ينعدم ما أمر به وهو الخروج. PageV03P1194 # (وأما النهي فإنه للتحريم ومن ضرورته فعل ضده إذا كان له ضد واحد)، فإن ~~قول القائل: لا تتحرك يكون أمرا بضده وهو السكون؛ لأن المنهي عنه ضدا واحدا. # (وأما إذا تعدد الضد فليس من ضرورة الكف عنه إتيان كل أضداده) فإنه إذا ~~قال لغيره: لا تقم فللمنهي عنه أضداد من القعود والاضطجاع والركوع والسجود ~~فلا موجب لهذا النهي في شيء من أضداده، فلذلك لا يكون مأمورا بأضداده. # فإن قلت: ينبغي أن يكون مأمورا بأحد الأضداد على طريق الإجمال كما في ~~كفارة اليمين؛ لأن الانتهاء لا يتحقق إلا بالاشتغال بأحد الأضداد. # قلت: الأمر بأحد الأشياء على طريق الإجمال إنما يصح في الأمر القصدي كما ~~في كفارة اليمين. # وأما في الأمر الذي يثبت من ضرورة حكمه النهي فلا؛ لأن في الأمر القصدي ~~المقصود حصول الائتمار، وبفعل كل واحد يحصل الائتمار فيصح، وأما في النهي ~~فالمقصود تحريم فعل المنهي عنه والانتهاء عن الإتيان بذلك الفعل المنهي ~~عنه، وفي حصول الانتهاء الاشتغال بكل واحد من الأضداد مستو، ثم لو قلنا: ~~بأن ms469 المنهي مأمور بالإتيان بكل أضداد المنهي عنه كان قولا بالأمر بضد PageV03P1195 # النهي من غير ضرورة، فإن الانتهاء يحصل بالاشتغال بواحد منها فلا يحتاج ~~إلى الاشتغال بالآخر، فكذلك لا يكون مأمورا بالكل وفي كونه مأمورا بواحد ~~منها يلزم ترجيح أحد المتساويين من غير مرجح فلا يصلح ذلك أيضا. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: وقول من يقول بأن مثل هذا النهي ~~يكون أمرا بأضداده يؤدي إلى القول بأن لا يتصور من العبد فعل مباح أو مندوب ~~إليه، فإن المنهي عنه محرم أضداده واجب بالأمر الثابت بمقتضى النهي، فيكون ~~يتصور منه فعل مباح أو مندوب إليه. # ألا ترى أن من قال لآخر: لا تأكل أمرا بقوله: اترك الأكل، قوله: اترك ~~الأكل أمر فيوجب عليه ما يحصل به ترك الأكل من القراءة والتكلم والمضمضة ~~والذهاب والبول والتغوط والجماع وغيرها، فإن بكل منها يحصل ترك الأكل على ~~الكمال، والأمر بالشيء طلب لتحصيل المأمور به على أبلغ الجهات فلا يبقى فعل ~~مباح، وفي اتفاق العلماء على أن أقسام الأفعال التي يأتي بها العبد عن قصد ~~أربعة: واجب ومندوب إليه، ومباح ومحظور- دليل على فساد قول هذا القائل. # قال: أي الجصاص. PageV03P1196 # (ولم يكن مأمورا بلبس شيء متعين من غير المخيط)؛ لأن غير المخيط غير ~~متعين في شيء واحد؛ لأن له أنواعا. # فإن قلت: المنهي عنه مخيط فيكون ضده غير مخيط وهو شيء واحد فكان نظير ~~الإظهار مع الكتمان. # قلت: ليس كذلك، فإن الإظهار والكتمان ليس له أنواع بخلاف المخيط مع غير ~~المخيط؛ فإن لكل واحد منهما أنواعا والذي ذكرت أن المخيط ضده غير المخيط ~~وهو لا يقدح لما قلنا، فإن مثل هذا متحقق بين القيام وضده، فإن ضد القيام ~~هو ترك القيام ولا واسطة بينهما صورة وبينهما واسطة في المعنى، فإن لضده ~~أنواعا من القعود والاضطجاع والركوع والسجود. # (إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما يثبت به) يعني أن الأمر لما ~~كان نهيا عن ضد ما نسب إليه يثبت أدنى ما يثبت به النهي وهو الكراهة ms470 كما في ~~النهي لمعنى في غير المنهي عنه بطريق المجاورة كالبيع وقت النداء والصلاة ~~في الأرض المغصوبة، فكذلك في النهي الثابت بضد الأمر؛ لأن الثابت لغيرة ~~بطريق الضرورة لا يتساوي الثابت بالأمر المقصود، ولما كان كذلك لم يجز PageV03P1197 # استواهما، إذ لا مساواة بين المثبت بطريق الضرورة وبين المثبت قصدا ~~واعتبر هذا بالثابت بطريق الاقتضاء والثابت بالنص. # (وأما الذي اخترناه) وهو قوله: إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ~~ما يثبت به (فبناء على هذا) وهو أن الثابت بغير ضرورة لا يساوي المقصود ~~بنفسه، (ومعنى الاقتضاء هنا أنه ضروري غير مقصود) يعني أن هذا الاقتضاء على ~~خلاف الاقتضاء المصطلح من وجه، فإن الاقتضاء المصطلح هو جعل غير المنطوق ~~منطوقا ليصح المنطوق، وهاهنا يصح الأمر بدون إدراج غيره. # لكن ما ثبت الانتهاء ضرورة إثبات المأمور به سمي اقتضاء، وبهذا التقرير ~~خرج الجواب عن قوله: بان كل واحد من القسمين ساكت عن غيره؛ لأنا لما ~~أثبتناه اقتضاء لم يكن كل واحد منهما ساكتا عن ضده. # (فصار بهذه الواسطة أمرا) أي فصار النص بواسطة عدم مشروعية الكتمان أمرا ~~بالإظهار، وهذا مثل قوله عليه السلام: (((لا نكاح إلا بشهود))) وهو نسخ ~~للنطاح بغير شهود ولا نهي، فكان نص الحديث بواسطة عدم PageV03P1198 # مشروعية النكاح بغير شهود أمرا بإحضار الشهود في النكاح. # (وفائدة هذا) الأصل وهو أن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده؛ (أن التحريم ~~إذا لم يكن مقصدا بالأمر لم يعتبر إلا من حيث يفوت الأمر) أي لم يجعل ضد ~~المأمور به حراما إلا إذا تضمن الاستعمال بالضد تفويت المأمور به حينئذ ~~يكون الاشتغال بضد المأمور به حراما. # (وأما إذا لم يفوته كان مكروها) لا حراما لتقريبه إلى الحرمة؛ إذ الحكم ~~يثبت على حسب ثبوت العلة كالأمر بالقيام كما في الركعة الثانية، وهو مأمور ~~بالقيام، ثم هو لو قعد مع ذلك في الركعة الثانية لا يحرم ذلك عليه بل يكره ~~لما قلنا إنه ليس بتفويت للقيام بل هو تأخير له. # (ولهذا قلنا: إن المحرم لما نهي ms471 عن لبس المخيط كان من السنة بس الإزار ~~والرداء)؛ لأن ذلك أدنى ما يقع به الكفارة من غير المخيط، (ولهذا قلنا): إن ~~العدة لما كان معناه النهي عن التزوج) إلى آخره إيضاح لقوله: ((إلا أنا ~~أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما ثبت به)) أي ولما ثبت وجوب العدة ~~بالنهي PageV03P1199 # قصدا لقوله تعالى: {ولا يخرجن} وبقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح} ~~كان ثبوت أمر الكف في ضده أمرا غير مقصود، فظهر أثره في انقضاء العدتين ~~والعدد في مدة واحدة؛ لأنه لا تضايق في موجب النهي لكونه أمرا عدميا وكونه ~~للتحريم (بخلاف الصوم، فإن الكف وجب بالأمر مقصودا فيه) وهو قوله تعالى: ~~{ثم أتموا الصيام إلى الليل} فلذلك لم يتحقق أداء صومين في يوم واحد لتضايق ~~في ركن كل صوم وهو الكف إلى وقت فإنه ثابت بالأمر نصا، ولا يتحقق اجتماع ~~الكفين في وقت واحد. # فإن قلت: في حق وجوب العدة كما جاء نص النهي بقوله تعالى: {ولا تعزموا ~~عقدة النكاح} وقوله {ولا يخرجن} كذلك جاء نص الأمر بقوله تعالى {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وهذان النصان يحتمل أن يكون كل واحد منهما أصلا ~~والآخر تبعا، فمن أين يرجح جانب النهي على جانب الأمر حتى جعل النهي أصلا ~~والأمر ضمنا له، فلم لم يجعل على العكس؟ # قلت: إنما جعل هكذا بالنظر إلى الأثر وبالنظر إلى المعقول. PageV03P1200 # أما الأثر: فإن العدة أثر من آثار النكاح فكانت ملحقة بالنكاح ملحقة ~~بالنكاح، والمنكوحة يحرم عليها التزوج وهي منهية عن لقوله تعالى: ~~{والمحصنات من النساء} وهي معطوفة على قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} ~~والمراد بها ذوات الأزواج. # فلما كانت المعتدة منهية عن التزوج باعتبار أن العدة من آثار النكاح كان ~~الكف عن التزوج أمرا به في ضده تحقيقا للنهي عن التزوج فلم يكن الأمر بالكف ~~مقصودا لهذا، فيثبت بهذا أصالة النهي في العدة، فلما كان كذلك كان ورود ~~صيغة الإثبات بوجوب التربص بقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} لتأكيد ~~معنى النهي لا لإثبات وجوب التربص ابتداء، ms472 فلذلك انقضت العدد كلها بمدة ~~واحدة؛ لأن حكم الكل هو حرمة التزوج؛ لأن موجب النهي التحريم والحرمات ~~تجتمع، فإن الصيد حرام على المحرم في الحرم لحرمة الحرم وحرمة الإحرام، ~~والخمر حرام على الصائم لصومه ولكونها خمرا، وليمينه إذا كان حلف لا ~~يشربها. بخلاف ركن الصوم، فإنه مذكور بعبارة الأمر بقوله: {ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل} فلذلك لم ينقض صوم يومين في يوم واحد. # وأما المعقول: فهو أن المعنى في وجوب العدة صيانة الماء عن الاشتباه ~~وتعرف PageV03P1201 # براءة الرحم، فالصيانة الثابتة بالنهي أوجب من الصيانة الثابتة بالأمر ~~لما عرف، فكان إحالة وجوب العدة على النهي أولى من إحالته على الأمر من هذا الوجه. # فإن قلت: لو كان المعنى في وجب العدة تعرف براءة الرحم لاكتفى بحيضة ~~واحدة لحصول معرفة براءتها بالحيضة الواحدة كما في الاستبراء. # قلت: نعم كذلك، لكن الوجه فيه ما قاله في ((المبسوط)) وهو أن الحيضة ~~الواحدة لتعرف براءة الرحم، والثانية لحرمة النكاح، والثالثة لفضيلة ~~الحرية، فلذلك لم تتداخل أقراء العدة الواحدة إن تداخلت أقراء العدتين. ~~كالجلدات في الحد فإنها لا تتداخل في الحد الواحد وتتداخل الحدان، فلو قلنا ~~بالتداخل في أقراء فإنها تتداخل في الحد الواحد وتتداخل الحدان، فلو قلنا ~~بالتداخل في أقراء عدة واحدة يفوت هذا المقصود، فظهر بما ذكرنا كله إن أثر ~~عدم مقصودية الأمر في وجوب العدة ظهر في مسألتين. # إحداهما- في جواز تداخل العدتين في وقت واحد. # الثانية- في عدم اشتراط علم المرأة بانقضائها بخلاف الصوم في هذين ~~الحكمين لما أن الأصل في وجوب العدة النهي وفي الصوم الأمر على ما ذكرنا. # (ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله- إن من سجد) هذا إيضاح لقوله: ((إلا أنا ~~أثبتنا بكل واحد من القسمين)) إلى آخره كالمتقدمين، إلا أن ذينك المتقدمين ~~أعني قوله: ((ولهذا قلنا إنا لمحرم لما نهي)) وقوله: ((ولهذا قلنا إن PageV03P1202 # العدة)) في بيان أن ذينك أصل وثبت الأمر في ضمنهما، وهذا أعني قوله: ~~((ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله-في بيان أن الأمر أصل، وثبت النهي في ضمنه ~~ولكن هما ms473 سواء في إيضاح قوله: إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما ~~يثبت به)). # (وإنما المقصد بالأمر فعل السجود) بقوله: {واسجدوا} (على مكان طاهر) ~~بدلالة قوله تعالى: {وثيابك فطهر} ومباشرة العبد بالسجود على مكان نجس لا ~~تفوت المأمور به فكانت مكروهة في نفسها ولا تكون مفسدة في الصلاة، وعلى قول ~~أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- تفسد بها الصلاة؛ لأن تأدي المأمور به لما ~~كان باعتبار المكان فيما يكون صفة للمكان الذي يؤدي المصلي الفرض عليه يجعل ~~بمنزلة الصفة للمصلي حكما، فيصير هو كالحامل لنجاسة، والمصلي الحامل ~~للنجاسة إذا أدى ركنا يفسد صلاته فكذلك إذا سجد على مكان نجس فكان هذا ~~كالصوم، فإن الكف عن اقتضاء الشهوة لما كان مأمورا في جميع وقت الصوم يتحقق ~~الوات بوجود ترك الكف في جزء من الوقت فيه. PageV03P1203 # (ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله- إن إحرام الصلاة لا ينقطع بترك ~~القراءة)، وهذا أيضا من قبيل أن الأمر بالقراءة مقصود في الصلاة، فكان ~~النهي عن ترك الدوام فيها ضمنا له؛ لأنه أمر بالقراءة أي بقوله تعالى: ~~{فاقرءوا ما تيسر من القرآن}. # (ولم ينه عن تركها قصدا) إلى آخره. معناه أن القراءة ركن وشرط لصحة ~~الأفعال لا شرط صحة الإحرام، ولا يلزم من ترك القراءة انقطاع الإحرام. # ألا ترى أن المحدث حدثا سماويا ممنوع عن قراءة القرآن كما ممنوع عن ~~الركوع والسجود، والإحرام باق، فيفسد ترك القراءة ما هو شرط صحته، فلم يتعد ~~إلى الإحرام. # ولا يلزم أن الصوم يبطل بالأكل) هذا الإشكال يرد على قول أبي يوسف، فوجه ~~الورود هو أن الأكل في باب الصوم منهي عنه نهيا ضمنيا؛ لأن الأمر بالكف عن ~~المفطرات هو المقصود من قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} على ما ~~ذكرنا، فكان النهي عن المفطرات نهيا ثابتا في ضمن الأمر PageV03P1204 # بالكف كالنهي الثابت عن ترك القراءة في الأمر بالقراءة في الصلاة، وهناك ~~لا تنقطع التحريمة بترك القراءة عنده، فيجب أن لا يفسد الصوم هنا أيضا ~~بمجرد مباشرة النهي عنه وهو الأكل وغيره. # ثم ms474 أجاب عنه بقوله: لأن ذلك الفرض ممتد، وكان ضده مفوتا أبدا كالإيمان، ~~(فإنه فرض ممتد فكان) وجود (ضده) وهو الارتداد- والعياذ بالله- (مفوتا له) ~~وإن قل، وقد قلنا إن النهي الثابت في ضمن الأمر المقصود إنما لم يعتبر في ~~التحريم إذا لم يؤد إلى تفويت الثابت بالأمر المقصود. # وأما إذا أدى فذلك النهي والنهي الثابت قصدا سواء في إيجاب التحريم. # (بمنزلة الحامل مستعملا له بحكم الفرضية) أي بهذه الواسطة تجعل صفة ~~المكان صفة للمصلي، وهذا احتراز عن وضع الركبتين واليدين على النجاسة حيث ~~لا يفسد صلاته؛ لأن تأدى المأمور به وهو السجود يحصل بوضع الجبهة لا بوضع ~~الركبتين واليدين، فلم تنتقل صفة النجاسة القائمة بالأرض إلى المصلى؛ لأنه ~~هو الأصل، وإنما انتقل إلى المصلى بحكم الفرضية، وهذا المعنى معدوم في وضع ~~الركبتين واليدين. PageV03P1205 # (لأن القراءة فرض دائم في التقدير حكما) لقوله عليه السلام: ((لا صلاة ~~إلا بالقراءة)) ولهذا لا يصلح الأمي خليفة القارئ، وإن كان قد رفع رأسه من ~~السجدة الأخيرة قبل القعدة، وأتى بفرض القراءة في محلها على المذهب ~~المنصور، ولما كان مستداما حكما يتحقق فوات ما هو الفرض بترك القراءة في ~~ركعة، فيخرج به من تحريمة الصلاة. # (والفساد بترك القراءة في ركعة واحدة ثابت بدليل محتمل)؛ لأن من العلماء ~~من قال: تجوز الصلاة بالقراءة في ركعة واحدة وهو الحسن البصري- رحمه الله-، ~~فبترك القراءة في ركعة واحدة لم يكن الفساد بدليل يوجب العلم فلم يكن قويا ~~فلم يتعد إلى الإحرام. PageV03P1206 # وأما الفساد بترك القراءة في الركعتين فثابت (بدليل يوجب العلم لانعقاد ~~الإجماع) عليه فصار قويا (فتعدى إلى الإحرام). # (ولهذا قال في مسافر ترك القراءة) إلى آخره، وهذا أيضا إيضاح لقوله: ~~((لأنه أمر بالقراءة ولم ينه عن تركها قصدا)) فكذلك مباشرة النهي وهي ترك ~~القراءة لم يوجب انقطاع التحريمة لثبوت النهي ضمنا للأمر القصدي، وقوله: ~~((وهو قول أبي يوسف)) جعل هذا في نوادر صلاة ((المبسوط)) قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف- رحمهما الله- وقال: ترك القراءة في ركعتي ظهر المسافر موجب ~~للتوقف في حكم الفساد ms475 عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- لتوقف حال ~~فرضية في الوقت بغرض التغير بنية الإقامة، فإذا نوى الإقامة في الانتهاء ~~جعل ذلك كنيته في الابتداء، وترك القراءة في الأوليين من المقيم لا يكون ~~مفسدا لصلاته، فإنه إذا قرأ في الأخريين تجوز صلاته، فكذلك هنا. # (لأن الترك متردد محتمل للوجود) أي محتمل لوجود القراءة في الركعتين ~~الأخريين بواسطة نية الإقامة والقراءة في الأخريين. PageV03P1207 # (فصار هذا الباب أصلا) يعني في كل موضع من الأمر يلزم تفويت المأمور به ~~عند مباشرة النهي الثابت في ضمن ذلك الأمر كانت تلك المباشرة حراما إلا ~~كانت تلك المباشرة مكروها لا حراما. # (يبتنى عليه فروع يطول تعدادها)، فإنك لو نظرت إلى جميع الأوامر التي هي ~~موجبة يرد فيها هذا الأصل الذي ذكرته، فمن تلك الفروع الاعتكاف فإنه يبطل ~~بالخروج وإن قل لما أن الاعتكاف عبارة عن اللبث الدائم في المسجد بنية ~~الاعتكاف فبالخروج ينقطع الدوام، فكان الخروج حراما لأدائه إلى فساد ~~الاعتكاف. # ومنها أيضا الصلاة تفسد بالانحراف عن القبلة بالبدل؛ لأن المصلي مأمور ~~بالاستقبال إلى القبلة مادام هو في صلاته أي في غير حالة الضرورة بقوله ~~تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} فكان الانحراف عنها مفوتا له فيحرم. # ومنها أن المصلى مأمور بأن يؤدي صلاته في الوقت بقوله تعالى: {كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا} فكان القضاء خارج الوقت مفوتا له فيحرم. PageV03P1208 # وأما المواضع التي لا تحرم بل تكره كمواضيع الكراهة في الصلاة وغيرها ~~فمنها: الصلاة بقرب النجاسة مكروه لا مفسد؛ لأن المصلي مأمور بتظهير مكان ~~صلاته بدلا قوله تعالى: {وثيابك فطهر} ولم يفت ذلك المأمور به هاهنا، ولكن ~~قرب من الفوات، فصارت صلاته مكروهة لا فاسدة، فصار كمن أخر القيام في موضع ~~أمر بالقيام في صلاته. # وكذلك لو أدى النصاب بنية الزكاة إلى فقير واحد يخرج به عن عهده الزكاة، ~~ولكنه يكره لما أن المأمور به وهو إيتاء الزكاة إلى الفقير لم يفت، ولكن ~~قرب هذا الأداء الفقير إلى الغني فصار شبيها بمن أدى زكاته إلى الغني من ms476 ~~وجه فكره لذلك. # وكذلك هذا في طرف النهي أنه إذا كان مقصودا كان المنهي مأمورا بأن يترك ~~ارتكاب المنهي عنه على القطع والبتات، فلو كان فعلا يقربه إلى ارتكابه كان ~~تركه سنة أو مستحبا، يظهر ذلك في قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى} وقوله ~~تعالى: {ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وغيرهما، والله أعلم. PageV03P1209 ### || AUTO باب بيان أسباب الشرائع # لما فرغ من بيان الأحكام التي هي المقصودة بجميع وجوهها من بيان ثبوتها ~~بطريق الأصالة والتبعية شرع في بيان أسبابها التي هي الوسائل، وإن كان ~~لتقديم الوسائل عليها أيضا وجه لتقديمها وجودا، ولكن تقديم الأحكام أولى ~~لكونها مقصودة. # (اعلم أن الأمر والنهي على الأقسام التي ذكرناها إنما يراد بها) أي أن ~~الأمر والنهي الواردين على الخاص والعام والمشترك والمؤول إلى آخر الأقسام ~~إنما يراد بتلك الأوامر والنواهي والواردة على تلك الأقسام (طلب الأحكام ~~المشروعة، وإنما الخطاب للأداء) في هذا نفي لقول الشافعي، فإن عند الشافعي ~~عدم الانفكاك بين نفس الوجوب ووجوب الأداء بل عند وجود نفس الوجوب يثبت ~~وجوب الأداء. # وعن هذا قال بعدم تغير الاحكام على المكلف بعد دخول أول الوقت من PageV03P1210 # حيض أو سفر. # (وإنما الوجوب بإيجاب الله تعالى لا أثر للأسباب) وهذا لأن هذه الأسباب ~~أشياء جمادية، فكان صدور حقيقة الإيجاب منها مستحيلا؛ لأنه لا محدث للحوادث ~~سوى الله تعالى، والوجوب حادث فلا بد له من المحدث وهو الله تعالى؛ لأن صفة ~~الأحداث على الحقيقة مستحيل أن يكون لغير الله تعالى. إلا أن الله تعالى ~~جعل الأسباب أمارات على الوجوب تيسيرا على العباد لكون الإيجاب غيبا عنا، ~~فكانا لسبب لشغل الذمة بالوجوب، والخطاب لتفريغ الذمة عن الوجوب، وهذا في ~~الأسباب الشرعية. PageV03P1211 # وأما العلل العقلية فقد جعلها الله تعالى مؤثرة في معلولاتها قيام الحركة ~~للتحريك، والقطع للانقطاع، والكسر للانكسار، وثبت الوجوب جبرا لا اختيار ~~للعبد فيه، وكان الأستاذ- رحمه الله- يقول: آنجه بأسباب أست أثر وي جبريست ~~وأنجه بخطاب است أثر وي اختيار يست. # وقوله: (بمنزلة البيع يجب به الثمن ثم يطالب بالأداء) ms477 يعني صار السبب ~~بمنزلة البيع، والخطاب بالأداء بمنزلة المطالبة للثمن، (ودلالة هذا الأصل) ~~وهو أن نفس الوجوب بالسبب والأداء بالخطاب. (وإنما يعرف السبب بنسبة الحكم ~~إليه)، وإنما قيد بهذا؛ لأن بمجرد التعليق لا يثبت PageV03P1212 # السببية كالمشروط مع الشرط؛ (لأن الأصل في إضافة الشيء إلى الشيء أن يكن ~~حادثا به) كقوله: ناقة الله أي هي حادثة بإحداث الله تعالى إياها، وهذا لأن ~~الإضافة إنما يذكر للتميز، فلذلك يضاف إلى أخص الأشياء به ليحصل التميز، ~~وأخص الأشياء بالحكم إنما هو سبب؛ لأنه يثبت به. # وأما الشرط فإنما جازت الإضافة إليه؛ لأنه يوجد عنده، فعلمنا أن الإضافة ~~إلى السبب حقيقة وإلى الشرط مجاز. (وكذلك إذا لازمه فتكرر بتكرره) إي إذا ~~لزم الشيء الشيء على وجه يتكرر هذا الشيء بتكرر ذلك الشيء دل أن ذلك الشيء ~~سبب لوجود هذا الشيء كتكرر وجوب الصلاة بتكرر دلوك الشمس، فإن ذلك يدل على ~~أن دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة كما في قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس} مع أن مطلق الأمر لا يوجب التكرار وإن كان معلقا بشرط. # ألا ترى أن الرجل إذا قال لغيره: تصدق بدرهم من مالي لدلوك الشمس لا ~~يقتضي هذا الخطاب التكرار، ورأينا أن وجوب الأداء الثابت بقوله: {أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس} غير مقصور على المرة الواحدة ثبت أن تكرر الوجوب ~~لاعتبار تجدد السبب بدلوك الشمس في كل يوم يعني ولما لم يثبت تكرر الوجوب ~~في مثل هذه الصيغة وهو قوله لغيره: ((تصدق بدرهم من مالي PageV03P1213 # لدلوك الشمس)) بل يكتفي ذلك بالامتثال مرة في الخروج عن عهدة الأمر، ولم ~~يكن هاهنا بالمرة الواحدة بل يكرر الوجوب بتكرر لدلوك الشمس علم أن الله ~~تعالى هو الذي جعل دلوك الشمس سببا لوجوب الصلاة، فلم ينشأ تكرر الوجوب من ~~صيغة الكلام بل من جعل الله تعالى إياه سببا، ثم وجوب الأداء يترتب على ~~المكلف بحكم هذا الخطاب، وحرف اللام في قوله: {لدلوك الشمس} دليل على ~~تعقلها بذلك الوثت كما يقال: تأهب للشتاء وتطهر للصلاة ولم يتعلق ms478 بها وجودا ~~عندها، فعرفنا أن تعلق الوجوب بها بجعل الشارع ذلك الوقت سببا لوجوبها. # قوله: (وجوب الإيمان بالله تعالى مضاف إلى إيجابه في الحقيقة) وهو قوله: ~~{آمنوا بالله} وقوله: ((بأسمائه)) أي بتسمياته نحو الحي القادر العالم، ~~وصفاته نحو أن يقال: له الحياة، والقدرة، والعلم، (وهذا سبب) أي حدث العالم ~~سبب (لأنا لا نعنى أن يكون سببا لوحدانيته)؛ لأن الوحدانية أمر ثابت قديم، ~~(وإنما نعني به أنه سبب لوجوب الإيمان الذي هو فعل العبد)، وقوله الذي صفة ~~الإيمان لا صفة الوجوب. PageV03P1214 # وتحقيق هذا المجموع فيما ذكره الإيمان شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- ~~فقال: إن وجوب الإيمان بالله تعالى في الحقيقة بإيجاب الله تعالى، وسبب ~~الإيجاب في الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم لمن وجب عليه، وهذه الآيات ~~غير موجبة بذاتها، وعقل من وجب عليه غير موجب عليه أيضا، ولكن الله تعالى ~~هو الموجب بأن أعطاه آلة يستدل بتلك الآلة على معرفة الواجب، كم يقول ~~لغيره: هاك السراج، فإن أضاء لك به الطريق فاسلكه كان الموجب للسلوك في ~~الطريق هو الأمر بذلك لا الطريق بنفسه ولا السراج، فالعقل بمنزلة السراج، ~~والآيات الدالة على حدث العالم بمنزلة الطريق والتصديق من العبد والإقرار ~~بمنزلة السلوك في الطريق فهو واجب بإيجاب الله تعالى حقيقة، وسببه الظاهر ~~الآيات الدالة على حدث العالم، ولهذا تسمى علامات، فإن العلم للشيء لا يكون ~~موجبا لنفسه. # وقوله: (ولا وجود لمن هو أهله على ما أجرى به سنته إلى والسبب يلازمه) ~~يعني أنا لله تعالى خلق العالم دالا على وجوده لكون الحدوث لازما للعالم ~~بحيث يستحيل تعري العالم عنا لحدوث؛ لأن تعري الشيء عن ذاته محال وذات ~~العالم حادث، فكيف يتصور تعرية عن الحدوث؟ يوضحه أن الإنسان الذي هو عالم ~~بنفيه لا يخلو عن دليل الحدوث، إذ هو كان مسبوقا PageV03P1215 # بالعدم ودلالة حدوثه في الحال من تبدل أحواله من حال إلى حال منا لصغر ~~والكبر والجوع والعطش والألم واللذة والصحة والمرض والحركة والسكون معلومة ~~له بالحس والعيان، فإن كانت هذه الدلالة محيطة له ms479 في ذاته وخارج ذاته فلما ~~لم ينفك منه بسبب الإيمان لم ينفك منه موجبه أيضا وهو دوام وجوب الإيمان، ~~وإنما ذكر هذا؛ لأن هذا السبب مفارق لسائر الأسباب لأن سائر الأسباب قد ~~تنقضي والمكلف باق. # ألا ترى أن وقت الصلاة ينقضي وشهر رمضان ينسلخ والمال يهلك، ويتصور هذا ~~في الحج؛ إذ البيت كان مجودا في بدء الإسلام ولم يكن وجوب الحج ثابتا، ~~بخلاف سبب الإيمان، وهو حدوث العالم غير منفك عن المكلف في ذاته وفي غير ~~ذاته؛ إذ انفكاك الحدوث عن الحادث وهو المكل بالإيمان محال إذ حدوث العالم ~~كان موجودا قبل المكلف ويبقى بعده موجود معه، قال تعالى: {وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وقال قائل: # ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # فذلك كان وجوب الإيمان أيضا دائما، ولهذا كان وجوب الإيمان وقت PageV03P1216 # بدء الإسلام وقبله أيضا ثابتا لما أن أهل الفترة مخاطبون بالإيمان بدلالة ~~قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} لما أن سبب ~~الإيمان يعمل عمله عند وجود عقل المكل وهما كانا موجودين لأهل الفترة؛ إذ ~~وجوبه غير موقوف إلى ورود الشرع، فوجب الإيمان على أهل الفترة وعلى ما نشأ ~~على شاهق الجبل لوجود السبب والمحل، فيثبت حكمه وهو الوجوب. # (لأن الإنسان المقصود به) أي بخلق العالم. إذ الإنسان هو المقصود من خلق ~~العالم؛ لأنهم هم المقصودون بالتكاليف، وذلك أن الله تعالى خلق العالم وله ~~في خلقه عاقبة حميدة وهي الابتلاء والامتحان بالتكليف مع علمه بكل ما كان ~~وما يكون؛ لأن بدن التكليف لا يتصور العقاب إنما يجب بترك موجب الأمر ~~والنهي والله تعالى يتعالى على أن يعذب أحدا بدون جريمة وجدت منه، والمتحمل ~~لهذه التكاليف قصدا هو الإنسان، قال الله تعال: {إنا عرضنا الأمانة على ~~السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان} جاء ~~في التفسير: أن الأمانة هي الفرائض وقال PageV03P1217 # تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقال: {وسخر لكم ما ms480 في ~~السموات وما في الأرض جميعا منه}، وقال: {والأنعام خلقها لكم} وقال: {وسخر ~~لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} وغير ذلك من الآيات ~~كلها دليل على شرف الإنسان، ولهذا فضل الله تعالى آدم على الملائكة عليهم ~~السلام وجعله مسجودهم، ولا ننكر شرف الإنسان على غيره، ولذلك كان في هذا ~~الجنس وهو أشرف الخلائق وهو نبينا - صلى الله عليه وسلم - والتكليف ~~للتشريف، ولهذا من أعرض عن قبول هذا التشريف من هذا الجنس كان هو شر ~~البرية. # ومن قبله وعمل بموجبه فهو خير البرية. هكذا قال رسول الله عليه السلام ~~حين سئل عن كرامة الإنس على الملك، وقرأ قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} وذكر قبله: {إن الذين كفروا من PageV03P1218 # أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} فعلم ~~أن الإنسان هو المقصود. # وقوله: (ولهذا قلنا: إن إيمان الصبي صحيح) إيضاح لقوله: ((إلا والسبب ~~يلازمه)) بعدم قيام سببه ممن هو أهله والصبي أهل الإيمان؛ لأنه أهل ~~للعبادات. ألا ترى أنه لو صلى التطوعات صحت هي منه. # (كتعجيل الدين المؤجل) يعني إذا عجل الدين المؤجل يجوز باعتبار تحقق سببه ~~وهو مباشرة سبب الدين من شراء الشيء وغيره، وأنه لم يلزم الأداء عليه في ~~الحال، فكذا في إيمان الصبي العاقل فإنه يصح وإن لم يلزم عليه في الحال، ~~فيفيد هذا التشبيه ثلاثة أشياء: تحقق السبب وعدم لزوم الأداء في الحال، ~~ووقوع ما أتى به من الفرض وإن لم يلزم هو عليه في الحال. # فإن قلت: يلزم على هذا التعليل أعني قوله: ((لأنه مشروع بنفسه وسببه PageV03P1219 # قائم في حقه دائم بقيام من هو مقصود)) لو أتى الصبي بحجة الإسلام أن يصح ~~منه كما يصح منه الإيمان ويقع فرضا لوجود هذه العلة في حق الحج؛ لأن الحج ~~مشروع بنفسه وسببه قائم وهو البيت، والصبي أهل للعبادات. # قلت: الفرق بينهما من أوجه: # أحدها- السمع: وهو قوله عليه السلام: ((وإيما صبي حج ولو عشر حجج، ثم بلغ ~~فعليه ms481 حجة الإسلام)) ولان في أداء الحج حرجا عظيما وضررا بينا على البدن، ~~والمضار مندفعة عن الصبي مرحمة له، وفي شغل ذمته بنفس الوجوب به نوع ضرر، ~~ولا يقع هو فرضا بدون ثبوت نفس الوجوب بخلاف الإيمان، فإنه لا حرج فيه ~~وتحصل به سعادة الأبدية، فكان هو نفعا محضا في حقه فصح، ولأن وجوب الإيمان ~~مما يدرك بالعقل ولا يتوقف وجوبه إلى وقت ورود السمع كما في حق أهل الفترة ~~وللصبي العاقل عقل، فيصح القول بثبوت الإيمان في حقه بخلاف العبادات ~~المشروعة، فإنها لا تجب بمجرد العقل فلم يثبت لذلك نفس وجوب العبادات، ولأن ~~الإيمان أينما وقع وقع فرضا فصح فيه القول عند صحة إيمان الصبي العامل إنه ~~وقع فرضا بخلاف الحج، فإنه يقع فرضا ونفلا وما يوجد من الصبي يقع نفلا كما ~~في سائر العبادات. # والأوجه فيه أن يقال: إن الإيمان كما هو رأس العبادات وفيه معنى PageV03P1220 # الشرطية أيضا؛ لأنه شرط صحة جميع العبادات فلا يشترط لصحة الشرط ورود ~~وجوب الأداء بالخطاب كما يصح تقديم الوصف على وجوب الصلاة بدخول الوقت، وإن ~~كان سبب وجوب الوصف وجوب الصلاة عليه فصح الإيمان من الصبي لذلك. # وأما الحج فليس فيه شائبة الشرطية لشيء فلا يقع منه فرضا، وكذلك المسافر ~~في شهر رمضان لو صام يصح عن فرض الوقت لوجود سببه وإن لم يكن هو مخاطبا ~~بالأداء. # (وليس السبب بعلة) يعني علة عقلية ووضعية، فإن هناك العلة لا PageV03P1221 # تتخلف عن المعلول في الدنيا والآخرة لاستحالة وجود الساكن بدون قيام ~~السكون واستحالة خلو المحل عن كونه متحركا عند قيام الحركة، وكذلك هذا في ~~سائر العلل العقلية مع معلولاتها كالكسر مع الانكسار والقطع مع الانقطاع، ~~وهذا لا يتخلف بزمان دون زمان ومحل دن محل بخلاف الأسباب الشرعية فإنها قد ~~تتخلف عن إثبات أحكامها في زمان. # ألا ترى أن دلك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر لا تعمل عملها على الإنسان ~~زمان الصبا وتعمل عملها عليه زمان البلوغ عند وجود شرطة، وإنما ذكر هذا- ~~والله أعلم- جوابا لشبهة ترد ms482 على قوله: ((لا على لزم أدائه)) وترد على قوله ~~أيضا: ((إن الزكاة تجب بإيجابه وملك المال سببه، والقصاص يجب بإيجابه ~~والقتل سببه)) بأن يقال في الأول: لو كان حدوث العالم سببا لوجود الإيمان ~~للزم أداؤه على الصبي العاقل كما يلزم على البالغ، وكذلك PageV03P1222 # في الثاني بأن يقال: لو كان مالك المال سببا لوجوب الزكاة لوجب على الصبي ~~الذي يملك النصاب، ولو كان القتل سبب القصاص لوجب على الأب أيضا إذا قتل ~~ولده عملا كما يجب على الاجنبي، فلما وجد تخلف الأحكام عن هذه الأسباب في ~~هذه الصور علم أنها ليست بأسباب. # فأجاب عنه بهذا وقال: إنها أسباب موجبة أحكامها شرعا بجعل الله تعالى ~~فكانت أسبابا جعلية لا وضعية كما في العلل العقلية، ولله تعالى ولاية ~~الإيجاد والإعدام، فلم يجعل الله هذه الأسباب موجبة أحكامها في هذه الصور ~~بخلاف العلل الوضعية، فإنها لا تتخلف عن موجباتها بحال. # (والدليل عليه) أي على كونه سببا (فالنسبة باللام أقوى وجوه الدلالة على ~~تعلقها بالوقت)؛ لأن اللام للاختصاص كما قيل تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، ~~وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص الشيء بالشيء من حيث الوجود، وفي جعله سببا ~~اختصاص من حيث الوجود؛ لأن الله تعالى جعل وجود وجوب الحكم بالسبب الذي هو ~~العلة الشرعية. # (ويبطل قبل الوقت أداؤه) أي أداء المكلف على طريق إضافة المصدر إلى ~~الفاعل، ولا يصح أن يقال أي أداء الصلاة على أداء فعل الصلاة؛ لأنه PageV03P1223 # ذكر بعد هذا بلفظ التأنيث في قوله: ((وإن تأخر لزومها)) أي لزوم الصلاة ~~على معنى لزوم أداء الصلاة، فإن نفس الوجوب يثبت بمجرد الوقت ووجوب الأداء ~~يتأخر إلى آخر الوقت، وبقوله: (ويصح بعد هجوم الوقت أداؤه وإن تأخر لزومها) ~~تبين أن الوقت سبب لوجوب الصلاة لا شرطه؛ لأنه لو كان شرطا للزوم الصلاة ~~لما تأخر لزومها عن دخول أول الوقت؛ لأن المشروط لا يتأخر عن وجود الشرط ~~بطريق الانفكاك بل يثبت متصلا بالشرط، فكان فيه أيضا إشارة إلى بيان انفكاك ~~وجوب الأداء عن أصل الوجوب. # (لأنه في الشرع ms483 يضاف إلى المال) حيث يقال: صدقة المال ويضاف إلى الغنى ~~أيضا، قال عليه السلام: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)). PageV03P1224 # وقوله: (فيتكرر الوجوب بتكرر الحول)، فإن مضي الحول شرط لوجوب الأداء من ~~حيث إن النماء لا يحصل إلى بمعنى الزمان. # فإن قيل: الزكاة يتكرر وجوبها في مال واحد باعتبار الأحوال ويتكرر الشرط ~~لا بتكرر الواجب. # قلنا: لا كذلك؛ بل يتكرر الوجوب بتكرر النماء الذي هو وصف للمال ~~وباعتباره يكون المال سببا للوجوب، فإن لمضي الحول تأثيرا في حصول النماء ~~المطلوب من غير السائمة بالذر والنسل والمطلوب من ربح العروض التجارة ~~بزيادة القيمة. # (وسبب وجوب الصوم أيام شهر رمضان) في هذه المسألة خالف المصنف والقاضي ~~الإمام أبو زيد الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمهم الله-. # وقال شمس الأئمة-رحمه الله-: ظن بعض المتأخرين ممن صنف في هذا الباب أن ~~سبب الوجوب أيام الشهر دون الليالي؛ لأن صلاحية الأداء مختص بالأيام، ثم ~~قال: قال- رضي الله عنه-: غلط عندي بل السبب PageV03P1225 # للوجوب الليالي والأيام سواء، فإن الشهر اسم لجزء منا لزمان يشتمل على ~~الأيام والليالي إلى آخره فقد ذكرناه في موضع آخر. # (الوقت متى جعل سببا كان ظرفا صالحا للأداء) كوقت الصلاة، ولم يرد هاهنا ~~من ذكر الظرف ما هو المفهوم من الظرف الحقيقي؛ بل هو أن يكون فاضلا عن قدر ~~المظروف كوقت الصلاة؛ يفضل عن قدر أداء الصلاة بل أراد به أن الصوم يقع ~~ويوجد في أيام رمضان لما عرف أن اليوم معيار للصوم لا ظرف له، ثم لما جعل ~~الشهر شببا والليل لا يصلح ظرفا تعين أن أيام الشهر هي السبب، وكان كل يوم ~~سببا لصومه حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما مضى وإنما ~~يلزمه ما بقي. # (وصح الأداء بعده من المسافر) أي بعد وجوده. PageV03P1226 # (وقد مرت أحكام هذا القسم) أي في باب تقسيم المأمور به. # (رأس يمونه بولايته عليه) فتفسير الولاية هو: نفاذ القول على الغير شاء ~~الغير أو أبى. # (فيدل على أجد الوجهين)، وإنما انحصر على هذين ms484 الوجهين؛ لأن كلمة (عن) ~~لما كانت لانتزاع الشيء عن الشيء لم يخل ذلك الشيء المنتزع عنه الشيء إما ~~أن يكون ذلك الشيء المنتزع موجودا أو متقررا في ذلك الشيء المنتزع عنه ~~الشيء أو لم يكن موجودا، فإن لم يكن موجودا أو متقرر فيه لعدم صلاحية ذلك ~~المحل المنتزع عنه الشيء أن يكون محلا له كان هو لانتزاع الحكم عن السبب، ~~كما يقال: أد عن هذه الأغنام زكاتها، والذي نحن بصدده من ذلك القبيل، وإن ~~كان ذلك الشيء المنتزع موجودا فيه ومتقررا عليه لصلاحية ذلك المحل لكونه ~~محلا لوجوبه كان ذلك الانتزاع للبيان عنه كوجوب الدية على القاتل هو محل ~~الوجوب لصلاحية ذلك المحل أن يكون محلا لوجوب الدية عليه ثم يتحمل عنه ~~العاقلة بطريق النيابة. # (وبطل الثاني لاستحالة الوجوب على العبد والكافر والفقير). PageV03P1227 # أما العبد فظاهر؛ لأنه لا يملك شيئا فكيف يجب عليه صدقة الفطر؟ والصدقة ~~إنما تجب على من يملك المال بوصف الغنى، قال عليه السلام: ((لا صدقة إلى عن ~~ظهر غني))، وكذلك الكافر لا تجب عليه؛ لأنه ليس بأهل لحكم هذه الصدقة وهو ~~الثواب، وكذلك لا يجب على الفقير؛ لأنه ليس بغني ووجوب الصدقة باعتباره لما ~~ذكرنا، فلما لم يكن كل واحد من هؤلاء محلا لوجوب صدقة الفطر عليه لم يحتمل ~~انتزاع حكما لنيابة عن المنوب الذي وجب الحكم عليه أولا ثم ناب عنه غيره في ~~ذلك كما نابت العاقلة عنا لقاتل فتعين الوجه الأول، وهو انتزاع الحكم عن ~~السبب وهو الرأس، وإنما عينا لفظ الرأس لوجود الإضافة إليه حيث يقال: صدقة ~~الرأس وزكاة الرأس. # وقال قائلهم (شعر): # زكاة رؤوس الناس ضحوة فطرهم ... بقول رسول الله ((صاع من البر)) PageV03P1228 # ورأسك أغلى قيمة فتصدقي علينا ... بفيك وهو صاع من الذر # ومثل عن هذه باستعمالها لانتزاع الحكم عن السبب قوله تعالى: {يؤفك عنه من ~~أفك} فإن الضمير عنه راجع إلى {قول مختلف} فكان مثل قوله: ينهون عن أكل وعن ~~شرب أي يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب. # التناهي: بغايت رسيدان، ms485 وحقيقته تصدر تناهيهم في السمن عنهما، وكذلك يصدر ~~إفكهم عن القول المختلف، وكذلك هاهنا يصدر وجوب صدقة الفطر على المكلف عمن يمونه. # (وإنما نسبت إلى الفطر مجازا) أي أضيف إلى الفطر وهو شرطه مجازا كما في ~~حجة الإسلام. # (والنسبة تحتمل الاستعارة وهو ظاهر)؛ لأن ابن الابن يسمى ابنا وأب PageV03P1229 # الأب يسمى أبا وكل منهما ليس بابن وأب على الحقيقة. # (فأما تضاعف وجوب) صدقة الفطر بتضاعف الرؤوس حكم حقيقي لا يحتمل ~~الاستعارة؛ لأن الاستعارة قضية اللفظ وهذا ليس بلفظ، (وكذلك الوجوب لا يكون ~~إلا بسبب أو علة)، فلو كانت إضافة صدقة الفطر إلى الرأس مجازا لم يكن سببا ~~حقيقة بل مجازا، ويستحيل ترتيب حكم حقيقة السبب على ما ليس بحقيقة. # (وكذلك وصف المؤونة يرجح الرأس في كونه سببا)؛ لأن المؤونة عبارة عن ~~القوت يقال: مأنة أي قاته وهو يتعلق بالرأس، وكذلك مؤنة الشيء سبب لبقاء ~~ذلك الشيء وذلك يتصور في الرأي دون الزمان. يوضحه أن الأصل في وجوب صدقة ~~الفطر على المكلف رأس نفسه وله ولاية على رأسه ومؤنته عليه ثم من كان في ~~معناه بوجود هذين الوصفين فيه وهو رأس يمونه ويلي عليه يلحق هو به، فكذلك ~~ألحق به أولاده الصغار وعبيده فإنه يمونهم ويلي عليهم، فكان رؤوسهم سببا ~~لوجوب صدقة الفطر عليه لرأس نفسه، PageV03P1230 # (وقد بينا معنى المؤنة منه في موضعه) أي في غير هذا الكتاب. # (غير أن الأداء شرع متفرقا منقسما على أمكنة وأزمنة) إلى آخره. هذا جواب ~~شبهة ترد على قوله: ((وسبب وجوب الحج البيت، والوقت شرط الأداء)) بأن يقال: ~~لو كان هكذا لجاز أداء الحج في أول الشهر الحج وهو شوال؛ لأنه لما وجد ~~السبب وشرط جواز الأداء وجب أن يحكم بجواز الأداء فيه، ومع هذا لا يجوز ~~أداء الحج في شوال. فأجاب عنه بهذا. # وذكر شمس الأئمة- رحمه الله- في جوابها وقال: عندنا يجوز الأداء كما إذا ~~شوال، ولكن هذه عبادة تشتمل على أركان بعضها تختص بوقت ومكان وبعضها لا ~~تختص، فما كان مختصا بوقت أو مكان ms486 لا يجوز في غير ذلك الوقت كما لا يجوز في ~~غير ذلك المكان، وما لا يكون مختصا بوقت فهو جائز في جميع وقت الحج، حتى إن ~~من أحرم في رمضان وطاف وسعى لم PageV03P1231 # يكن سعيه معتدا به من سعي الحج حتى إذا طاف للزيارة يوم النحر تلزمه ~~إعادة السعي، ولو كان طاف وسعي في شوال كان سعيه معتدا به حتى لا يلزمه ~~إعادته يوم النحر؛ لأنا لسعي غير مؤقت فجاز أداؤه في أشهر الحج، # وأما الوقوف فمؤقت فلم يجز أداؤه قبل وقته كما لا يجوز طواف الزيارة يوم ~~عرفة؛ لأنه مؤقت بيوم النحر وهو نظير أركان الصلاة، فإن السجود مرتب على ~~الركوع ولا يعتد به قبل الركوع ولا يدل ذلك على أن الوقت ليس بوقت للأداء. # (ويصح الأداء دونه من الفقير) أي دون المال، فلو كان المال سببا لما صح ~~منا لفقير؛ لأنه حينئذ يلزم تقديم الحكم على السبب، بل المال شرط وجوب ~~الأداء وهو نظير عدة من أيام أخر في باب الصوم في حق المسافر، فإنه شرط ~~وجوب الأداء حتى كان الأداء جائزا قبله فكذلك هاهنا. # (فلا يصلح المال سببا لها) أي للعبادة البدنية؛ لأن الحكم نتيجة السبب، ~~فلا تصلح العبادة البدنية حكما للمال. PageV03P1232 # (لأن العشر ينسب إلى الأرض) أي يضاف إليها، يقال: عشر الأراضي، والخارج ~~وصف لها؛ لأن النماء يحصل بالخارج فالأرض النامية أشبهت المال النامي ~~بالأسامة، فباعتبار الأرض يكون العشر مؤنة. # لأن أقدار المؤنة سبب البقاء كأقدار من عليه من عليه النفقة لمن له نفقة، ~~فالعشر أيضا سبب بقاء الأراضي في أيدي المسلمين لما أن مصارف العشر الفقراء ~~أو ينصر الأقوياء بالضعفاء كما قال عليه السلام: ((إنكم تنصرون بضعفائكم)). PageV03P1233 # فنفقة النصرة للمسلمين بسبب صرف العشر إلى الفقراء وهو سبب بقاء الأراضي ~~في أيدي المسلمين، ولكن الأرض أصل للخارج؛ فبالنظر إلى الأصل يكون في العشر ~~معنى المؤنة، بالنظر إلى الوصف الذي هو الخارج يكون عبادة؛ لأنه قليل من ~~كثير كما في الزكاة، فلو صح التعجيل قبل وجود الوصف ms487 الذي هو الخارج كما ~~مؤنة محضة فلم يصح تعجيله قلا وجود الوصف لذلك، كما لا يصح تعجيل الزكاة في ~~الماشي قبل الأسامة. # (وكذلك سبب الخراج) الأرض النامية، (لكن تقديرا لا تحقيقا) عند التمكن من ~~الزراعة لكون الواجب من غير جنس الخارج، فإن جريب الزرع قفيزا هامشيا ~~ودرهما أي زرع كان، وفي جريب الرطبة خمسة دراهم إلى آخره، فلم يتعلق بحقيقة ~~الخارج لذلك، فالشرع علق وجوبه بالتمكن من الزراعة لئلا يتعطل حق المقابلة. PageV03P1234 # (فصار مؤنة باعتبار الأصل) أي صار الخراج مؤنة بالنظر إلى الأصل وهو ~~الأرض (وعقوبة باعتبار الوصف) وهو الزراعة تقديرا أو تحقيقا؛ لأن اعتبار ~~الوصف يوجب كونه عقوبة؛ لأنه اشتغال بعمارة الدنيا وإعراض عن الجهاد، فلذلك ~~كان الخراج في الأصل على الكافر الذمي حيث لم يقبل الإسلام واشتغل بعمارة ~~الدنيا فوضع عليهم الخراج لضرب من الذلة، والاشتغال بالزراعة يصلح سببا ~~للذلة كما قال عليه السلام ((إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر فقد ~~ذللتم وظفر بكم عدوكم)) ولهذا لا يجتمعان عندنا؛ لأن الخراج لا ينفك عن وصف ~~العقوبة، والعشر لا ينفك عن وصف العبادة فلم يجتمعا، ولأن سببيهما بطريق ~~الأصالة واحد وهو الأرض فلا يجتمع وظيفتان بسبب واحد، ولا يقال: إن وجود ~~الخارج لا ينفك عنا لزراعة ومع ذلك يجب العشر؛ لأنا نقول: اعتبر في حق وجوب ~~العشر اكتساب المال فقط كاكتساب مال يجب فيه الزكاة؛ لأن عمارة الدنيا ~~والاشتغال بها في حق الكفار أصل وفي حق المسلمين عارض، فلا يعتبر العارض في ~~جعل العشر عقوبة به. PageV03P1235 # أو نقول: الزراعة غير معتبرة في حق وجوب العشر. # ألا ترى أنه إذا خرج من الأرض سيء بدون الزراعة يجب فيه العشر إذا كان في ~~أرض العشر، ولا يجب فيه الخراج إذا كان ذلك في أرض الخراج، وذكر في باب ~~المعادن من زكاة ((المبسوط)) ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج، وإن ~~كان في أرض العشر ففيه العشر والمعنى فيه أن النحل يأكل من أنوار الشجر ~~وثمارها، وفي الثمار إذا كانت ms488 في الأرض العشرية العشر- بخلاف أرض الخراج- ~~فإنه ليس في أثمار الأشجار النابتة في أرض الخراج شيء. # فعلم بهذا أن الزراعة في حق وجوب العشر غير معتبرة، بل اعتبر فيه ثمار ~~الأرض بالخرج بأي نوع كان وتعينت الزراعة في حق وجوب الخراج تحقيقا أو ~~تقديرا وفي الزراعة الذل على ما جاء في الحديث، فلذلك كان اختصاص الزراعة ~~بالخراج أولى. # (لأنها تنسب إليها)، فيقال: طهارة الصلاة (وتقوم بها) أي تقوم الطهارة ~~بالصلاة أي يوجد وجود الطهارة بسبب وجود الصلاة (وهي شرطها، فتعلق بها) أي ~~وجوب ذلك الشرط تعلق بالصلاة، فكذلك وجب بوجوبها؛ لأن ما كان شرطا لشيء ~~يتعلق به صحته، ووجوبه يوجب الأصل بمنزلة استقبال القبلة، فإن وجوبه بوجوب ~~الصلاة، وكذلك الشهود في باب PageV03P1236 # النكاح ثبوتها بثبوت النكاح. # (ألا ترى أنه إزالة وتبديل فلا يصلح سببا له)، ولهذا يجوز التوضؤ بدون ~~الحدث فيصير ذلك الوضوء معتبرا فإن ((الوضوء على الوضوء نور على نور)) ولو ~~كان الحدث سببا لما وقع معتبرا قبله؛ لأنه لا اعتبار للمسبب قبل السبب أصلا. # فإن قلت: يلزم على قود كلامك أن لا يجوز تقديم الوضوء على وقت الصلاة؛ ~~لأن الصلاة إنما تجب بعد دخول الوقت، وقد قلت: أن سبب وجوب الطهارة الصلاة ~~فلا يجوز تقديم المسبب على السبب، إذ لو قدم هو عليه لم يقع معتبرا أصلا ~~على ما ذكرت. # قلت: قد ذكر في الكتاب أن سبب وجوب الطهارة الصلاة وهو كذلك؛ لأن الطهارة ~~قبل دخول الوقت لا تجب كما أن الصلاة لا تجب قبله. PageV03P1237 # وأما نفس وجود الطهارة فغير موقوفة إلى وجوب الصلاة كستر العورة واستقبال ~~القبلة لما أن الشرط يراعى وجوده لا وجوده قصدا، فلما توضأ قبل الوقت ودام ~~وضوؤه إلى أن دخل الوقت فقد وجد الشرط وقت وجوب الصلاة، فتصح هي به كما إذا ~~ستر العورة قبل دخول الوقت ودام ستره إلى وقت وجوب الصلاة تجوز به الصلاة ~~كذا هاهنا. # فإن قلت: كيف يكون وجوب الصلاة سببا لوجوب الطهارة والطهارة شرط الصلاة، ~~فكونها شرطا يقتضي التقديم ms489 وكونها حكما له يقتضي التأخر فكيف يستقيم اجتماع ~~وصفي التقدم والتأخر للطهارة بالنسبة إلى شيء واحد وهو الصلاة؟ # قلت: نعم إن النسبة إلى شيء واحد وهو الصلاة إلا أن تلك النسبة إليها ~~لجهتين مختلفتين، فإن للطهارة كم الصلاة من حيث الوجوب ثم الطهارة شرط ~~للصلاة من حيث الجواز، وتمام هذا مذكور في ((النهاية)). # (وسبب المعاملات تعلق بقاء المقدور بتعاطيها) يعني تعلق بقاء العالم PageV03P1238 # المقدر إلى يوم القيامة بمباشرة هذه المعاملات وتناولها؛ لأن بقاء العالم ~~إنما يكون ببقاء الجنس، وبقاء النفس ببقاء الجنس بالتناسل، فشرع سبب ثبوت ~~نفي التناسل ليبقى هذا الجنس وهو النكاح قصدا وملك اليمين تبعا وبقاء النفس ~~إلى أجلها إنما يقوم به المصالح للجنسية وذلك بالمال، فشرعت الأسباب ~~لاكتساب الأموال لتختص بأحكامها من فاز بأسبابها، قطعا للمنازعة وهي الحكمة ~~البالغة. # * * * PageV03P1239 ### | CHECK كتاب السنة ### || AUTO باب بيان أقسام السنة # (وإنما هذا الباب) أي باب السنة (لبيان وجوه الاتصال) من التواتر وغيره ~~(وما يتصل بها) أي بوجوه الاتصال من قسم الانقطاع وبيان محل الخبر وغيرهما ~~(فيما يفارق الكتاب وتختص السنن به)، وذلك أن الثابت من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يختلف طرقه، بعضه بالتواتر وذلك قليل، وبعضه بالشهرة، ~~وبعضه بخبر الواحد، وفي الكتاب لا يتأتى هذه المعاني، بل هو PageV03P1240 # ثابت بطريق واحد موجب للعلم وهو التواتر، فلثبوت هذه المفارقة بين السنة ~~والكتاب أورد هذا الباب. # [باب المتواتر] # (وما أشبه ذلك) مثل مقادير الديات، (وهذا القسم) أي قسم الخبر المتواتر ~~(يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علما ضروريا) وكان شيخي- رحمه الله- PageV03P1241 # يقول: ولهذا ثبت العلم بموجب التواتر على القطع والبتات لغير المستدل ما ~~يثبت ذلك للمستدل، فلو كان ثبوت العلم به موقوفا على الاستدلال لما ثبت به ~~العلم لغير المستدل. # (وهذا رجل سفيه). السفيه هو الذي يشتغل بما ليس له عاقبة حميدة ويلحقه ~~ضرر ذلك، كذا ذكره الإمام أبو منصور- رحمه الله- (لم يعرف نفسه ولا دينه ~~ولا دنياه). # أما نفسه: فلكونه مخلوقا من ماء مهين ثبت بالخبر ولم يكن الخبر موجبا ~~للعلم. ((لم ms490 يعرف نفسه)) أي لم يعرف أصل نفسه. PageV03P1242 # فإن قلت: لو قال قائل: لا نسلم أن عرفان نفسه أنه مخلوق من ماء مهين ~~بالخبر بل بالقياس على غيره أو على ولده أو المولود منه، فإنه لما عاين ~~ولده أنه ولد من امرأته بعد المباشرة بها أضاف وجود ولده إلى وجود مائها؛ ~~لأنه أقرب الأسباب إليه وجودا، فبعد ذلك قاس وجود نفسه عليه. # ألا ترى أن الكافر الذي ينكر قوله تعالى: {ألم نخلقكم من ماء مهين} يعتقد ~~هذا كما يعتقد المؤمن به، فلو كان ثبوته بالخبر بهذا لاختص به المؤمن. # قلت: لا كذلك، فإن مآل ذلك القياس الذي ذكرته راجع إلى الخبر، وهذا لأن ~~أسباب العلم منحصرة على الثلاثة: الحواس الخمس، والخبر الصادق، والعقل، ~~فليس لأحد من الخلق وجود غيره أو وجود ولده أنه خلق PageV03P1243 # من ماء مهين بمغاير له؛ لأنه لم يعانيه ولا يحكم العقل بأن يخلق الشخص ~~الحيواني المنطيق البليغ العاقل الدراك لأنواع العلم الموصوف بمحاسن الحكم ~~من ذلك الماء الجمادي الذي لا محاسن بينه وبينه، فلما خرج دليل البيان من ~~البين بقي الخبر الصادق بالعين، ولأن القياس لا يثبت العلم القطعي بل يوجب ~~غلبة الظن الذي يجب به العلم، ومن يعرف نفسه أنه خلق من ماء مهين يعرفه على ~~القطع والبتات، وأما ما ذكرته من معرفة المنكر نفسه بأنه خلق من الماء ~~فأصله راجع إلى الخبر أيضا، فإن أبانا آدم عليه السلام كان نبينا وأخبر هو ~~بأن أولاده مخلوقون منا لماء وحيا، وكذلك ما بعده من الشرائع نطق به، ونزل ~~القرآن على وفق ذلك فيه كما قال الله تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين}، ولكن ~~الكافر لعباده أنكر نزول القرآن، وإنكاره لا يبطل حقية الحق والصواب، بل ~~يزيد هو على نفسه شدة العقاب. # ويجوز أن يقال معنى قوله: ((لم يعرف نفسه)) أي لم يعرف أنه كان في ~~الابتداء صغير ثم نشأ وكبر، ومعرفة إنما تكون بالخبر. # وكذلك أيضا من أنكر الخبر لا يعرف دينه وهو ظاهر؛ لأن الدين حقيقة الخبر ms491 ~~والسماع خصوصا في أحكام الدين وهي الشرائع، ولا يعرف دنياه PageV03P1244 # أيضا؛ لأن البلدان النائية من الدنيا لا يعلمها إلى من عاينها أو أخبر ~~بها، فعلى قود كلام منكر الخبر لا يعرف وجودها من لم يعاينها. # (لا تكاد تقع أمورهم إلا مختلفة)، وهذا لأن الله تعالى خلق الخلق أطوارا ~~على طبائع مختلفة وهمم متباينة يبعثهم ذلك على الاختلاف والتائن أبدا، ~~والاتفاق بعد ذلك مع الأسباب الموجبة للاختلاف لا يكون إلا بجامع جمعهم على ~~ذلك، وفيه حكمة بالغة، وهي: بقاء أحكام الشرع بعد وفات المسلمين على ما كان ~~عليه في حياتهم، فإن النبوة ختمت برسول الله عليه السلام، وقد كان مبعوثا ~~إلى الناس كافة وقد أمرنا بالرجوع إليه والتيقن بما يخبر به. # قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وهذا ~~الخطاب يتناول الموجودين في عصره والذين يؤمنون به إلى قيام الساعة، ومعلوم ~~أن الطريق في الرجوع إليه ليس إلا الرجوع إلى ما نقل عنه بالتواتر، فبهذا ~~تبين أن ذلك كالمسموع منه في حياته، وقد قامت الدلالة على أنه كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلم إلا بالحق خصوصا فيما يرجع إلى بيان ~~الدين، فيثبت بالسماع منه علم اليقين. PageV03P1245 # التخالج: در دل خليدن الوهم، دل تحيري شدن. # ((وضعا وتحقيقا)) أي المتواتر يوجب علم اليقين من حيث الأصل ومن حيث ~~الدليل. # (والطمأنينة على ما فسره المخالف) وهو ما ذكر قبله: ومعنى الطمأنينة ~~عندهم ما يحتمل أن يتخالجه شك أو يعتريه وهم. # فإن قلت: يفسد تفسير الطمأنينة بقوله: ((عندهم ما يحتمل أن يتخالجه شك)) ~~ويفسده أيضا في الجواب بقوله: ((على ما فسره المخالف)) يقتضي أن يكون لها ~~معنى آخر وما ذاك. PageV03P1246 # قلت: نعم كذلك لها معنى آخر سوى ما فسروه، وهو: أن يوجب علم اليقين بحيث ~~لا يتخالجه شك ولا يعتريه وهم، كما قال الله تعالى خبرا عن إبراهيم عليه ~~السلام: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي} ولا شك ms492 أن اطمئنان قلبه مما لا يتخالجه شك ولا يعتريه وهم. # فعلم بهذا أن الطمأنينة تطلق على علم اليقين الذي لا يتخالجك الشك. PageV03P1247 # (وأما أخبار زرادشت اللعين فتخييل)، # قيل: هو كان في عهد كيقباذ أمير بلخ وهو أراد أن يتزوج أخت زرادشت وهي ~~كانت في غاية الجمال، وزرادشت مان في الابتداء قاضيا وادعى النبوة والأمير ~~بايعه لطلب مقصوده، والمجوس اتفقوا على نقل PageV03P1248 # معجزاته عندهم، وقد كانوا أكثر عددا من المسلمين، فنقلوا على وفق ما ~~يدعونه. # (أدخل قوائم الفرس في بطن الفرس) فبقى الرس معلقا في الهواء، وكذا روي ~~أنه وضع طست فيه نار على صدره فلم يضره، (فإنما رووا أنه فعل ذلك في خاصة ~~الملك وحاشيته). # الحاشية: صغار الناس. الوضع: من المواضع، فالمواضعة في الأمر هي: أن ~~توافق مع آخر فيه على شيء، وحقيقتها هي: أن تضع ما في قلبك من الرأي عنده، ~~ويضع هو أيضا ما في قلبه من الرأي عندك فيتفقا عليه. # (وعلى أنه ألقي على واحد من أصحاب عيسى عليه السلام شبهه كما قص الله ~~تعالى)، فإنه جاء في الخبر أن عيسى عليه السلام قال لمن كان معه: PageV03P1249 # من يرد منكم أن يلقي الله تعالى شبهي عليه فيقتل وله الجنة، فقال رجال ~~أنا، فألقى الله شبه عيسى عليه فقتل هو، ورفع عيس عليه السلام إلى السماء. # فإن قيل: هذا القول في نهاية منا لفساد؛ لأنه فيه قولا بإبطال المعارف ~~أصلا وبتكذيب العيان، وإذا جوزتهم هذا فما يؤمنكم منه مثله فيما ينقل ~~بالتواتر عن رسول الله عليه السلام أن السامعين إنما سمعوا ذلك من رجل كان ~~عندهم أنه محمد، ولم يكن هو إنما ألقى الله شبهه على غيره، ومع هذا القول ~~لا يتحقق الإيمان بالرسل عليهم السلام لمن يعاينهم لجواز أن يكون شبهة ~~الرسل ملقى على غيرهم كيف والإيمان بالمسيح عليه السلام كان واجبا عليهم في ~~ذلك الوقت فمن ألقي عليه شبهة المسيح فقد كان الإيمان به واجبا وفي هذا قول ~~بأن الله تعالى أوجب على عباده الكفر بالحجة ms493 وهي المعجزة، فأي قول أقبح من هذا! # قلنا: ليس الأمر كما قلتم؛ فإن إلقاء شبهة المسيح عليه السلام على غيره ~~غير مستبعد في القدرة ولا في الحكمة، بل فيه حكمة بالغة وهي دفع شر الأعداء ~~عن المسيح، وقد كانوا عزموا على قتله، والذين قصده بالقتل فقد علم الله ~~منهم أنهم لا يؤمنون به، فألقى شبهه على غيره على سبيل الاستدراج لهم ~~ليزدادوا طغيانا، ومثل ذلك لا يتوهم في حقل قم هم يأتون الرسل ليؤمنوا PageV03P1250 # بهم، فظهر أن الفاسد قول من يقول: بأن هذا يؤدي إلى إبطال المعارف. # وأما أنه غير مستبعد في القدرة فغير مشكل، فإن إلقاء الشبه دن إيجاد ~~الأصل لا محالة، وقد إبليس عليه اللعنة في صورة شيخ من أهل نجد ومرة في ~~صورة سراقة بن مالك فكلم المشركين فيما كانوا هموا به في باب رسول الله ~~عليه السلام، وفيه نزل قوله تعالى {وإذ يمكر بك الذين كفروا}. # ورأت عائشة- رضي الله عنها- دحية الكبلي مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فلما PageV03P1251 # أخبرته بذلك قال ((كان معي جبريل عليه السلام)) كذا في ((أصول الفقه)) ~~للإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # وعن هذا المعنى قيد في الكتاب قوله: (وذلك جائز استدراجا ومكرا على قوم ~~متعنتين حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون)، # فبطلت هذه الوجوه التي ذكرها مخال من التخييلات وكون أصله في PageV03P1252 # عدد محصور وعلى تلبيس؛ لأن المتواتر الذي قلنا بأنه يوجب العلم ليس مما ~~يكن تخييلا، ولا مما يكون بخاصة الملك وحواشيه، ولا يكون مرجعه إلى الآحاد ~~أيضا، فكان حجة قطعية، والله أعلم. # * * * PageV03P1253 ### || AUTO باب خبر الواحد # (وهو الفصل الثالث من القسم الأول). المراد من القسم الأول الاتصال، ومن ~~الفصل الثالث اتصال فيه شبهة صورة ومعنى. # أما الصورة: فلأنه لم يتصل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطعا. # وأما المعنى: فلأنه لم تتقله الأمة جمعيا بالقبول بخلاف المشهور؛ لأن فيه ~~ضرب شبهة صورة من حيث إنه كان في الأصل من الآحاد وليس فيه شبهة معنى؛ لأن ~~الأمة تلقته بالقبول بخلاف المعاملات، ms494 فإنه إذا اشترى من صبي عاقل أو عبد ~~يجوز معتمدا على قولهما بأننا مأذونان. PageV03P1254 # (فاستقام أن يثبت غير موجب علم اليقين) أي أن يثبت وجوب العمل حال كونه ~~غير موجب للعلم. PageV03P1255 # ({وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} وكل واحد إنما ~~يخاطب بما في وسعه) إلى آخره، ولا يدخل عليه الفاسق فإنه داخل في عموم ~~الأمر بالبيان، ثم لا يقبل بيانه في الدين؛ لأنه مخصوص من هذا النص بنص ~~آخر، وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا}، وهذا في كتاب الله تعالى أكثر من أن يحصى، منه ~~قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى}. PageV03P1256 # (وقد ذكر محمد- رحمه الله تعالى- في هذا) أي في عمل الصحابة ومحاجتهم غير ~~حديث أي غير حديث واحد بل ذكر فيه أحاديث كثيرة PageV03P1257 # (فإذا اجتمع الآحاد حتى تواترت حدث حقية الخبر ولزوم الصدق باجتماعهم)، ~~وهذا جواب ما قال في الباب الأول: ((إن المتواتر صار جميعا بالآحاد وخبر كل ~~واحد محتمل)) فمن أين يتأتى اليقين؟ # وتفسير الجواب هو أن لا ينكر في المحسوس والمعقول والمشروع أن يثبت ~~لاجتماع الأفراد ما لا يثبت للأفراد عند عدم الاجتماع. ألا رى أن الحبل إذا ~~اجتمع من الطاقات يثبت له من القوة ما لا يثبت من تلك القوة لطاقة أو ~~لطاقتين، وألا ترى أن كل كلمة من القرآن على الانفراد ليست بمعجزة، فإذا ~~اجتمعت صارت معجزة، والحجج العقلية صارت حجة باجتماع المقدمات وكل مقدمة ~~ليست بحجة، فعلم بهذا أن اجتماع الأفراد يثبت حكما ما لا يثبته الأفراد ~~بدون الاجتماع، والعقل أيضا يقتضي ذلك؛ لأن التركب حدث بعد PageV03P1258 # أن لم يكن، فيجب أن يثبت له حكم بحياله لم يكن ذلك الحكم قبله، وكذلك في ~~المشروع فإن القاضي لا يقضي بشهادة الفرد، فإذا صار الشاهد اثنين يقضي بهما. # (إذ العقد فضل على العلم والمعرفة، وليس من ضروراته) أي عقد القلب ليس من ~~ضرورات العلم. # ألا ترى أن أهل ms495 الكتاب كانوا يعرفون حقية النبي عليه السلام بالنبوة ولا ~~يعتقدونها، والمقلد يعتقد شيئا بالتقليد لغيره ولا يعلمه؛ إذ العلم هو: ~~تبين المعلوم على ما هو به ويحتمل أن يكون اعتقاد المقلد شيئا كان على خلاف ~~ما هو به، فعلم بهذا أن العقد مع العلم ينفك أحدهما عن الآخر وجودا وعدما ~~ولم يكن وجود كل واحد منهما من ضرورات الآخر. PageV03P1259 ### || AUTO باب تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجة # (والجواب أن الخبر يقين بأصله) إلى آخره، وتفسير ذلك أن خبر الرسول عليه ~~السلام يقين في أصله لما أن خبر الواحد إنما صار حجة لكونه خبر الرسول، ~~فكان يقينا بأصله، إذ لو ارتفعت الشبهة الثابتة من النقل لكان يقينا، إذ ~~الخبر المسموع من ي رسول الله عليه السلام صدق يقين لا شبهة فيه، PageV03P1260 # والقياس محتمل للصواب والخطأ في نفسه لما أن القياس الصحيح عبارة عن ~~الاجتهاد الصحيح، فإنه يوجب غلبة الظن ولا يوجب علم اليقين. # فإن قيل: الوصف المؤثر لو ثبت مناطا للحكم لكان يقينا. # قلنا: لا نسلم؛ لأن الوقوف على كون الوصف مناطا للحكم بطريق اليقين لا ~~يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع، فحينئذ لم يبق هو قياسا، بل يكون هو نصا أو ~~إجماعا ولا لام فيه، غنما الكلام في القياس الصحيح بدونا لنص والإجماع، وهو ~~ليس بيقين في أصله؛ لأن كل وصف مجتهد فيه هو محتمل للغلط، وهو معنى قوله: ~~(وهو محتمل بأصله) وما كان محتملا بأصله لا يكون معارضا لما لم يكن محتملا ~~للغلط في أصله، فلذلك كان خبر الواحد مقدما على القياس. # فإن قلت: قولك أن الوقوف على كون الوصف مناطا للحكم بطريق اليقين لا ~~يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع فحينئذ لم يبق هو قياسا، بل يكون هو نصا أو ~~إجماعا كذلك في خبر الواحد لو ارتفعت الشبهة الثابتة بالنقل بأن كان خبر ~~الواحد وقت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبيل ذلك الخبر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبر الرسول عليه السلام بصحته لم يبق هو ~~أيضا ms496 خر الواحد، بل كان هو نصا ثابتا حجيته قطعا ولا كلام فيه. # إنما الكلام في خبر الواحد. PageV03P1261 # قلت: نعم كذلك إلا أن بينهما فرقا من حيث عدم التغير لحقيقته، فإن خبر ~~الواحد عند ارتفاع الشبهة الثابتة بالنقل بالسماع من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على ما ذكرت يبقى خبرا ونصا كما كان عند وجود الشبهة بالنقل ~~إلا أن عند السماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتفعت الشبهة ~~الثابتة بالنقل بالموجب فلم يتغير عن حقيقة كونه خبرا أو نصا. # وأما القياس عند وجود النص بأن هذا الوصف هو المناط لحكم لم يبق قياسا ~~أصلا فتغير عن حقيقته من حيث الاسم ومن حيث الحكم. # فعلم بهذا صحة ما ذكره في الكتاب بقوله: (فكان الاحتمال) أي احتمال الخطأ ~~(في الرأي أصلا، وفي الحديث عارضا)، فوقوع احتمال الخطأ في أصله ليس كوقوع ~~احتمال الخطأ في العارض وهذا ظاهر، (ولأن الوصف في النص) أي العلة المؤثرة ~~في النص (كالخبر) يعني أن الخبر إبانة عما ليس بحاضر للسامع، والوصف ~~بمنزلته في إبانة أن الحكم متعلق به ونظر المجتهد فيه كأنه يسمع أخبار هذا ~~الوصف إلا أن الوصف مع هذا ساكت عن حقيقة البيان، (والخبر بيان بنفسه) ~~حقيقي (فكان الخبر أقوى من الوصف في الإبانة والسماع) الخبر الحقيقي، فكان ~~أقوى من نظر المجتهد وهذا معنى ما ذكر في الكتاب. PageV03P1262 # وقوله: (لأنه إذا انسد صار الحديث ناسخا للكتاب والحديث المشهور ومعارضا ~~للإجماع)؛ لأن الكتاب يقتضي PageV03P1263 # وجوب العمل بالقياس بقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}. # وكذلك الحديث المشهور يقتضي وجوب العمل بالقياس وهو حديث معاذ- رضي الله ~~عنه- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أجاب هو بما أجاب: ((الحمد ~~لله الذي وفق رسول الله)) وغيره من الأحاديث التي ذكرها في الكتاب، وكذلك ~~الإجماع منعقد على وجوب العمل بالقياس عند انعدام دليل فوقه. PageV03P1264 # أو نقول: الحديث الذي رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- في المصراة لو عملنا ~~به يلزم نسخ الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فإنه يقتضي المماثلة في ms497 باب العدوان في قوله تعالى: {فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، وقوله: {وجزاء سيئة سيئة PageV03P1265 # مثلها}، وكذلك السنة والإجماع، والعمل بحديث المصراة يسد باب القياس أصلا ~~وهو مفتوح بهذه الدلائل الثلاث. # (فعمل بحديثه ابن مسعود رضي الله عنه)؛ لأنه وافق القياس عنده، فإن ~~القياس عنده يوجب مهر المثل اعتبارا بما إذا وقعت بالطلاق بعد الدخول ولم ~~يكن سمي لها مهرا، لما أن الموت بمنزلة الدخول بدليل وجوب العدة، وبدليل أن ~~النكاح عقد العمر، والعمر بالموت ينتهي، والشيء بانتهائه يتقرر، فصار كأنه ~~وجد ما هو المقصود من النكاح وهو الدخول، فيجب مهر المثل. # (ورده علي- رضي الله عنه-) لمخالفته القياس عنده، وهو أن لا يجب مهر ~~المثل قياسا على ما إذا وقعت الفرقة بالطلاق قبل الدخول فألحق به. PageV03P1266 # (((ما نصنع بقول أعرابي بوال على عقبيه))) نقل عن الإمام العلامة ~~الكردري- رحمه الله- أن من عادة العرب الجلوس مختبئا، فإذا بال يقع بوله ~~على عقبيه، والاختباء في الجلوس هو أن يجمع ظهره وساقيه بثوب أو غيره، وهذا ~~لبيان قلة احتياط الأعراب حيث لم يستنزهوا من البول، وهذا طعن من علي- رضي ~~الله عنه- فيه. PageV03P1267 # (إنه أراد بالكتاب والسنة القياس)؛ لأن حجية القياس تثبت بهما والقياس ~~يرد ما روته لما أن أثرا من آثار النكاح باق فيجب لها النفقة كما إذا كان ~~الطلاق رجعيا، والله أعلم. # * * * PageV03P1268 ### || AUTO باب بيان شرائط الراوي التي هي من صفات الراوي # ومعنى الكلام لا يوجد إلا بالعقل والتمييز). # ألا ترى من الطيور ما يسمع منها حروف منظومة يسمى ذلك ألحانا لا كلاما، ~~ولا يقع البيان بمجرد الصوت والحروف بلا معنى حتى إذا تكلم PageV03P1269 # بكملات مهملة لا يسمى كلاما كما إذا قال: أجني دزي مكان قوله: جاءني زيد ~~لا يكون ذلك كلاما، فعرفنا بهذا أن الكلام في الشاهد عبارة عن حروف منظومة ~~عن عقل وتمييز يدل على معنى مفهوم، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV03P1270 ### || AUTO باب تفسير هذه الشروط # (أما العقل فنور يضيء) إلى آخره، فالعقل بمنزلة السراج للعين الباصرة، ~~فكان العقل سراجا لعين القلب فيبصر ms498 القلب الطريق عنده، كما أن العين ~~الباصرة تبصر عند السراج، فإذا أبصر الإنسان شيئا وينبئ بصره يتضح له طريق ~~الاستدلال عند العقل، كما إذا رأى العالم وهو لا يعلم قدمه ولا حدوثه فيبصر ~~القلب عند العقل، والاستدلال حدوث جميع العالم بطريق الاستدلال أن يتأمل ~~القلب فيجد العالم قسمين: عينا عرضا، ولا يخلو العين عن العرض، والعرض ~~حادث، فيستدل بحدوث العرض على حدث العين، فيحكم بكون جميع العالم حادثا، ~~وهو معنى قوله: ((نور يضيء به طريق)). # (يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس، فيبتدئ المطلوب) أي يظهر للقلب. ~~(فيدركه القلب بتأمله بتوفيق الله تعالى). PageV03P1271 # .................................................................... PageV03P1272 # [العدالة] # وقوله: (واعتدال العقل) وذلك إنما يكون بالبلوغ. # قيل: إنما صار البلوغ دليل اعتدال العقل؛ لأنه صار بحال يربي مثله وهو ~~الولد، فلا بد أن يصير عقل المربي معتدلا. PageV03P1273 # (لكن هذا الأصل لا يفارقه هوى يضله) يعني أن اتباع هوى النفس معارض ~~للعدالة الظاهرة. قال الله تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}. # (فاعتبر في ذلك ما لا يؤدي إلى الحرج والمشقة وتضييع حدود الشرع) وهذا هو ~~الكامل في الاستقامة؛ لأنه لو توقف الاستقامة على ما هو النهاية التي يحترز ~~بها عما لا ينبغي في الشرع من الكبائر والصغائر كلها على PageV03P1274 # وجه لا يوجد منه صغيرة ما بوجه من الوجوه أن يوجد من ألف واحد فيتعطل ~~التبليغ الذي هو واجب على كل مسلم، ولذلك قلنا: إذا اجتنب من الكبائر ولم ~~يصر على الصغيرة كان كامل العدالة. # (لما لم يكن خبر المستور حجة، فخبر المجهول أولى) لأن المستور من لم يرد ~~عليه رد من السلف، والمجهول من قدر رده بعض السلف. PageV03P1275 # وقوله: (على الشرط الذي قلنا) وهو أن لا يكونا لعمل به سدا لباب الرأي ~~والقياس؛ لأن كون القياس حجة تثبت بالكتاب والسنة، فلو كان الخبر مخالفا ~~للقياس من كل وجه كان الخبر ناسخا للكتاب والسنة لكونه حجة تثبت بالكتاب ~~على ما ذكرنا. # (وأما الإيمان الإسلام) إلى آخره، وكان شيخي- رحمه الله- كثيرا ما PageV03P1276 # يقول في التفاوت بينهما ms499 مع أن أصلهما واحد: الإيمان: تصديق الإسلام، ~~والإسلام: تحقيق الإيمان. # (ألا ترى أنا لنبي- صلى الله عليه وسلم- استوصف فيما يروى عنه عن ذكر ~~الجمل دون التفسير، وكان ذلك دأبه) حتى قال للأعرابي الذي PageV03P1277 # شهد برؤية الهلال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال: نعم ~~فقال: الله أكبر يكفي المسلمين أحدهم)) أي يقبل شهادته. # (والمطلق من هذا) أي من الاستيصاف. # (فأما من استوصف فجهل فليس بمؤمن) لأن لم يقل نعم، والسنة في الاستيصاف ~~على وجه الاستفهام، فيقال: إن الله تعالى واحد، قديم، عالم، فادر أهو كذلك؟ ~~وأن محمدا رسول الله جميع ما أنزل الله عليه حق أهو كذلك؟ فيقول: نعم. PageV03P1278 # (وكذلك) الحكم (في الصغيرة) إذا بلغت، وإنما يستوصفها على وجه الاستفهام ~~حتى يسهل عليه الجواب، هذا إذا لم يكن أقرت بالإسلام بعد ما عقلت. # فأما إذا وصفت الإسلام بعد ما عقلت لا يحكم بكفرها- وإن قالت بعد البلوغ: ~~أن أعرف الإسلام وأقدر على الوصف ولا أصف، # قيل: ينبغي أن تبين من زوجها؛ لأنها امتنعت عما في ركن الإسلام وهو ~~الإقرار باللسان من غير عذر فتكون مرتدة كما إذا بلغت عاقلة ولم تصف ~~الإسلام. # وأما إذا قالت: أنا أعقل الإسلام لكن لا أقدر على الوصف- اختلف المشايخ ~~فيه؛ منهم من قال: بأنها تبين لأنها لو تركت الوصف مع العلم بذلك تبين، ~~فكذلك إذا كانت جاهلة؛ لأن الجهل في دار الإسلام لا يكون عذرا. # ومنهم من قال: تعذر في ذلك، فإن السكران إذا تلفظ بالكفر لا يحكم بردته ~~استحسانا، وإن كان عجزه معصية فلأن تعذر هاهنا في العجز عن الوصف كان أولى. ~~كذا في ((الجامع الكبير)) لقاضي خان- رحمه الله. # (وإذا ثبتت هذه الجملة) أي جملة ما ذكرنا من شرائط الراوي من الضبط ~~والعقل والعدالة والإسلام (كان الاعمى من أهل الرواية)؛ لأن PageV03P1279 # العمى لا يؤثر في الخبر؛ لأنه لا يقدح في العدالة. # ألا ترى أنه قد كان في الرسل من ابتلى بذلك كشعيب ويعقوب- عليهما السلام- ~~وكان في الصحابة من ابتلى به كابن أم مكتوم وعتبان ms500 بن مالك، وفيهم من كف ~~بصره كابن عباس وابن عمر- رضي الله عنهم- وغيرهما، وكذلك (المحدود في القذف ~~من أهل الرواية) أي بعد التوبة بخلاف الشهادة، PageV03P1280 # فإن رد شهادته من تمام حده ثبت ذلك بالنص ورواية الخبر ليست في معنى ~~الشهادة. # ألا ترى أنه لا شهادة للنساء في الحدود أصلا وروايتهن في الحدود كرواية ~~الرجال، وفي رواية الحين عن أبي حنيفة- رضي الله عنهما- لا يكون المحدود في ~~القذف مقبول الرواية؛ لأنه محكوم عليه بكذبه بالنص، قال الله تعالى: ~~{فأولئك عند الله هم الكاذبون} والله أعلم بالصواب. # * * * PageV03P1281 # ................................................................ PageV03P1282 # باب بيان قسم الانقطاع # وقوله: (إن كلامنا في إرسال من لو أسند عن غيره) ضمن الإسناد معنى ~~الرواية فعدى تعديتها بكلمة (عن). # (وعزم عليه) أي اعتمد عليه. # (فردوا أقوى الأمرين). المراد بالأقوى المرسل، وبالأمرين المرسل PageV03P1283 # والمسند. # (إذا أثنى على من أسند إليه خبرا ولم يعرفه بما يقع لنا العلم به صحت ~~روايته)، وهو أن يقول: حدثني الثقة ولم يعرف مراده من هذا من هو؟ # (وأما إرسال من دون هؤلاء) إلى آخره. # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة ~~فقد كان أبو الحسن الكرخي- رحمه الله- لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار، ~~وكان يقول: من تقبل روايته مسندا تقبل روايته مرسلا بالمعنى الذي ذكرنا. # وكان عيسى بن أبان- رحمه الله تعالى- يقول: من اشتهر في الناس بحمل العلم ~~منه تقبل روايته مرسلا ومسندا، وإنما يعني به محمد بن الحسن- رحمه الله- PageV03P1284 # وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقا ~~وإنما اشتهر بالرواية عنه فإن مسنده يكون حجة، ومرسله يكون موقوفا إلى أن ~~يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه. # وأصح الأقاويل في هذا ما قاله أبو بكر الرازي- رحمه الله-: إن مرسل من ~~كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الراية مطلقا عمن ليس بعدل ثقة، ~~ومرسل من كان بعدهم لا يكن حجة إلا من اشتهر بأنه لا يروي إلى عن من هو عدل ~~ثقة وهو معنى قوله: (إلا أن يروي الثقات مرسله كما رووا ms501 مسنده) بالإضافة فيهما # يعني لو نقل الثقات مراسليه ما ينقلون مسانيده لعدالته حينئذ يكون ~~مراسيله أيضا حجة كمسانيده؛ لأن نقل الثقات منه تعديل منهم إياه فتقبل. PageV03P1285 # (حتى إن العام من الكتاب لا يخص بخبر الواحد عندنا) يعني أن الع {ومن ~~دخله كان آمنا} فإنه عام لم يثبت خصوصه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد وهو ما ~~روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا ~~بدم)) حتى لا يقتل الملتجئ إلى الحرم عندنا. PageV03P1286 # (ولا يترك الظاهر من الكتاب بخبر الواحد وإن كان خبر الواحد نصا كما قال ~~في الكتاب في حديث فاطمة بنت قيس مع قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} ~~ومثل قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ظاهرة يقتضي جواز الطواف بغير ~~طهارة وهو ليس بنص في هذا؛ لأن هذه الآية سيقت لبيان فرض الطواف لا للجواز ~~بغير الطهارة أو بالطهارة، ومع ذلك لم يترك هذا الظاهر بالنص في الحديث، ~~وهو قوله عليه السلام: ((الطواف صلاة)) فإن سوق هذا الحديث لبيان اشتراط ~~الطهارة في الطواف كما في الصلاة، وكذلك حديث التسمية في الوضوء مع قوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} على هذا التقدير الذي ذكرنا. # وقوله: (ولا ينسخ بخبر الواحد) كخبر وجوب الترتيب في آخر PageV03P1287 # الوقت، لو لم يسقط الترتيب يلزم منه نسخ الكتاب؛ إذ الكتاب يقتضي جواز ~~الوقتية في وقتها. # وقوله: (وقد قال النبي عليه السلام: ((تكثر الأحاديث من بعدي- إلى قوله:- ~~وما خالفه فردوه))). # فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج بهذا الحديث وهو بعينه مخالف لقوله تعالى: ~~{آتاكم الرسول فخذوه}؟ # قلنا: الجواب عن هذا على وجهين: # أحدهما- إن هذه الآية في فعل النبي عليه السلام في قسمة الغنائم أي ما ~~أعطاكم الرسول من الغنائم فاقبلوه، وكلامنا في الأقوال لا في الأفعال، فلا ~~تصح المخالفة بين الحديث والكتاب. # والثاني- إن كلامنا فيما لام يثبت أنه مما آتانا الرسل به قطعا حتى إذا ~~ثبت ذلك قطعا لم يعمل بهذا الحديث كما في حق المتواتر وكما في حق السامع من PageV03P1288 # في رسول الله عليه السلام. ms502 # (والأول فتح باب الجهل والإلحاد) أي من رد أخبار الآحاد فتح باب الجهل؛ ~~لأن العمل باستصحاب الحال عمل بما يؤول إلى الجهل وفتح باب الإلحاد؛ لأن ~~الإلحاد ترك العمل بالحجة والعمل بفير الحجة. # (والثاني- فتح باب البدعة) يعني أن العمل بأخبار الآحاد مطلقا من غير ~~العرض على الأصول يؤدي إلى العمل بالآحاد على وجه يوجب مخالفة الكتاب وإلى ~~تأويل الأصول بهواهم، فتأويل الكتاب بهواهم بدعة، وفيه أيضا جعل المتبوع ~~تبعا متبوعا، وهو أيضا بدعة- عصمنا الله عن ذلك- PageV03P1289 # فالأول: مثل حديث القهقهة وحديث الترتيب لم يعمل بهما الشافعي- رحمه ~~الله- وحديث أكل الناسي في الصوم لم يعمل به مالك- رحمه الله- بل عمل ~~باستصحاب الحال. # وأما لثاني: فمثل قوله عليه السلام: ((إن الله تعالى خلق آدم على ~~صورته))، وقوله عليه السلام في الدعاء: ((أسألك بمقعد العز من عرشك)) وقوله ~~عليه PageV03P1290 # السلام: ((إن الجبار ليضع قدمه في النار وهو يضحك إلى أوليائه حتى يبدو ~~نواجذه))، والمشبهة يتعلقون بمثل هذه الأحاديث في إثبات التشبيه من غير عرض ~~هذه الأحاديث على الآية المحكمة التي توجب نفي التشبيه فلا PageV03P1291 # تقبل الآحاد فيها لكونها مخالفة للآيات المحكمة، والدلائل العقلية على أن ~~لهذه الأحاديث تأويلات على وجه لا يلزم منها التشبيه. # (ومثال هذا) أي مثال ما خالف الكتاب من الأحاديث حديث (مس الذكر). # قيل: سأل النبي عليه السلام عن الذين نزلت الآية في حقهم فقال: ((ما هذه ~~الطهرة التي خصصتم بها؟)) فقالوا: كنا نتبع الحجارة الماء ولو كان مس الذكر ~~حدثا كان بمنزلة البول فا يليق من الحكيم أن يمدحهم بالبول، وإن كان هو ~~إزالة عن نفسه النجاسة الحقيقية؛ لأنه إثبات للنجاسة الحكمية فمن كان مثبتا ~~للنجاسة لم يكن مستحقا للمدح بذلك الفعل. PageV03P1292 # (وكذلك مما خالف الكتاب من السنن أيضا حديث القضاء بشاهد واحد ويمين ~~المدعي لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} أمر بفعل مجمل في حق ~~العدد، ثم فسر ذلك بنوعين: برجلين، أو رجل وامرأتين. # كان ذلك بياتا أن ما هو المراد من الأمر هذا. كقولهم: كل طعام كذا، فإن ~~لم يكن ms503 فطعام كذا يكون هذا بيانا لما هو المجمل من المأكول وحصر للإباحة في ~~هذين الطعامين. كما في قوله: # أذنت لك أن تعامل فلانا، فإن لم يكن هو ففلانا، فاقتضى الكتاب حصر الحجة ~~على هذين النوعين، فكان حديث القضاء بالشاهد واليمين مخالفا له فيرد. PageV03P1293 # (ولا مزيد على الأدنى) أي لا يكون من الأدنى أدنى يعني لا يكون شيء أدنى ~~من هذا كما في قوله: أقل الحيض كذا وأقل مدة السفر كذا لا يكون غيره أدنى ~~منه، إذ لو كان غيره أدنى منه لم يكن هذا أقل. # (ويمين الخصم) أي يمين المدعي (في الجملة مشروعة) كما في التحالف. # (ومثله خبر المصراة) وهو قوله عليه السلام: ((لا تصروا الإبل والغنم فمن ~~ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحيلها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ~~ردها وصاعا من تمر)) كذا في ((المصابيح)) يقال: صر الشاة وغرها إذا لم ~~يحتلبها أياما ليمتلي ضرعها من اللبن. PageV03P1294 # (ومثل حديث سعد بن أبي وقاص في بيع التمر بالرطب) أن النبي عليه السلام ~~قال: ((أو بنقص إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن)) قال أبو حنيفة- رضي ~~الله عنه-: لا يقبل هذا الحديث؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة وكان ناسخا لها، ~~وهي (قوله عليه السلام ((التمر بالتمر مثل بمثل))) ففيه اشتراط المماثلة ~~بالكيل مطلقا، فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو الجفوف يكون ~~نسخا للمشهور، وهذا لأن التمر اسم للتمرة الخارجة من PageV03P1295 # النخل من حين تنعقد صورته، فإعراض الأحوال عليها بمنزلة إعراض الأحوال ~~على الإنسان، فكان التمر اسم جنس كالإنسان، فإنه يطلق على الصغير والكبير ~~من الإنسان، فكذا اسم التمر يتناول الرطب وغيره، والنبي عليه السلام شرط ~~المماثلة كيلا بكيل مطلقا. # علم بهذا أن المماثلة إنما تعتبر حالة الكيل ولا تعتبر مماثلة تحصل في ~~عاقبته وهي الجفاف؛ لأن ذلك يتعلق بصفة وهي الجودة ووهي غير معتبرة في ~~المقدار، وهو معنى قوله: (فصار نسخا للمشهور بزيادة مماثلة ليس من المقدار) ~~يعني أن كيلا من رطب لا يماثل كيلا من تمر بعاقبته، ms504 بل كيل من تمر زائد على ~~كيل من رطب فيكون ربا. إلا أنهما قالا: اسم التمر لا يتناول الرطب في ~~العادة في مسألة اليمين لا يأكل تمرا فأكل رطبا، أو حلف لا يأكل من هذا ~~الرطب فأكل بعد ما صار تمرا لا يحنث. # قلنا: الحقيقة قد ترك في باب الأيمان على ما عرف، وكذلك اليمين تتقيد ~~بوصف في العين إذا كان ذلك داعيا إلى اليمين، وهذا لا يدل (على أن التمر لا ~~يتناول الرطب). PageV03P1296 # (ألا ترى أنه كيف اشتهر في الخلف) يعني أن المتأخرين إذا نقلوا اشتهر، ~~فلو كان ثابتا في الصدر الأول لوجب عليهم النقل ولو نقلوا لاشتهر، وحيث لم ~~يشتهر بل شذ دل أنه من الراوي سهو أو مأول أو منسوخ. # فإن قيل: إنكم فبلتم خبر الوتر وخبر المضمضة والاستنشاق أي في أنهما ~~فرضان في الجنابة وأنهما خبر واحد فيما علم به البلوى؛ لأنه يستوي فيه ~~الخاص والعام فعلى قود كلامكم هذا وجب أن لا يقبل، فقد وقعتم في الذي أبيتم! # قلنا: فعل المضمضة والاستنشاق خبر مشهور فقبلنا لشهرته، والوجوب PageV03P1297 # شيء آخر قد يخفى على البعض دون البعض، وهذا لأن خبر المضمضة والاستنشاق ~~بيان لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وهو أمر بغسل جميع البدن إلا ما ~~تعذر على المكلف غسله، وقد أشكل أن داخل الفم والأنف من ظاهر البدن أو من ~~باطنه؟ فبين النبي عليه السلام بقوله: ((فرضان في الجنابة)) إنهما من ظاهر ~~البدن، فكان ملحقا بالكتاب بطريق البيان لما ذكر فيه، وكذلك الوتر خبره ~~مشهور وثبوت الوجوب لدليل آخر عرف في موضعه. PageV03P1298 # (وذلك مثل حديث ((الطلاق بالرجال))) وهو مؤول بأن إيقاع الطلاق مخصوص ~~بالرجال. # (فهذا انقطاع باطن معنوي) يعني لم يثبت الاتصال برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - معنى من الوجه التي ذكرنا من أن يكون الحديث مخالفا للكتاب أو ~~السنة PageV03P1299 # المعروفة إلى آخره وإن كان متصلا صورة، وأعرض اشافعي عن هذا القسم (وتمسك ~~بظاهر الانقطاع) فقال: المراسيل لا تقبل؛ لأنه غير متصل صورة وإن كان ms505 متصلا ~~معنى (كما هو دأبه) في التمسك بالظاهر والإعراض عن المعنى، وأصحابنا تمسكوا ~~بالمعنى الذي هو المقصود. # (وأما القسم الآخر) وهو النوع الثاني من الانقطاع المعنوي وهو الانقطاع ~~لنقصان وقصور في الناقل. PageV03P1300 # (على ما قلنا من المجهول) أراد به ما ذكره في باب تقسيم الراوي بقوله: # ((وأما المجهول فإنما يعني به المجهول في رواية الحديث بأن لم يعرف إلا ~~بحديث أو بحديثين)) إلى آخره، فإن ذلك منقسم إلى خمسة أقسام على ما هو ~~المذكور هناك. # (لرجحان كذبه على صدقه). يعني أن الخبر يحتمل الصدق والكذب، فبالعدالة ~~يترج الصدق، وبالفسق يترجح الكذب، فلا يقبل خبره في رواية الحديث احتياطا، ~~ولا يعني بقوله: ((لرجحان كذبه على صدقه)) أن الأصل خبره أصلا بل يقبل خبره ~~إذا وقع صدقه في قلب السامع لما أن الفاسق عندنا أهل لأداء الشهادة مع ~~القصور، لكن لا يقبل خبره مطلقا. # (لأن ذلك أمر خاص لا يستقيم تلقيه من جهة العدول) يعني به الأخبار PageV03P1301 # عن الطهارة والنجاسة والحل والحرمة، وهو أمر خاص وقف عليه من اطلع عليه، ~~وذلك لم يتعلق بالعدل والفاسق، بل يتعلق وقف عليه فلا يستقيم تلقيه من جهة ~~العدول فيقبل فيه خبر الفاسق ولكن الضرورة لما لم تكن لازمه؛ (لأن العمل ~~بالأصل) ممكن لم تمس الضرورة بقوله: (فلم يجعل فسقه هدرا) بل اعتبرنا فسقه ~~حتى لم يقبل قوله مطلقا، وأوجبنا فيه تحكم الرأي، فحكم السامع رأيه، فإن ~~وقع في قلبه صدق خبره كان عليه العمل، وإن وقع كذبه فلا يعمل، وهذا في ~~الحقيقة عمل بالدليلين: دليل قبول خبره لما ذكرنا، ودليل رده لفسقه، فوجب ~~تحكم الرأي في خبره عملا بالدليلين. فأما هاهنا أي في باب رواية الحديث. # (بخلاف خبر الفاسق في الهدايا والوكالات) أي يقبل خبره بدون تحكيم الرأي، ~~(وفيه وجه آخر نذكره في محل الخبر)، وهو قوله: والثاني أن هذا الخبر غير ~~ملزم إلى آخره. PageV03P1302 # (فقد ذكر محمد- رحمه الله- في كتاب الاستحسان بعد ما ذكر العدل والفاسق ~~والكافر وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان) وترتيب ms506 ما ذكره في كتاب ~~الاستحسان قال: فإن كان الذي أخبره بنجاسة الماء رجلا من أهل الذمة لم يقبل ~~قوله؛ لأنه متهم بالفسق قال: إذا وقع في قلبه أنه صادق يتيمم ولا يتوضأ به، ~~وهذا لأن الفاسق أهل لأداء الشهادة ولهذا نفذ القضاء بشهادته، فيتأكد ذلك ~~بأكبر رأيه، وليس الكافر أهل الشهادة في حق المسلمين. يوضحه أن الكافر يلزم ~~المسلم ابتداء بخبره ولا يلتزم، ولا ولاية له على المسلم. # فأما الفاسق فمسلم ملتزم وهو من أهل الولاية على المسلم. قال: وكذلك ~~الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان. من أصحابنا من يقول: مراده بهذا العطف ~~أن الصبي كالبالغ إذا كان مرضيا، وهذا لأنه كان في الصحابة من سمع في صغر ~~ولو روى كان مقبولا. كما سقط اعتبار الحرية والذكورة سقط اعتبار البلوغ كما ~~في المعاملات، والأصح أن مراده العطف على الذمي، فإن PageV03P1303 # خبر الصبي في هذا كخبر الذمي؛ لأنهما لا يلزمان شيئا، ولكن يلزمان الغير ~~ابتداء فإنهما غير مخاطبين فليس لهما ولاية الإلزام، فكان خبرهما في معنى ~~خبر الكافر. كذا في ((مبسوط)) الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-. # (وإنما هي مجوزة) أي تصرفه جائز الثبوت إذا انضم إليه رأي الولي فحينئذ يلزم. # (بخلاف العبد لما قلنا) أي في آخر باب تفسير الشروط، وهو قوله: والمرأة ~~والعبد من أهل الرواية إلى آخره؛ لما أن العبد بالغ عاقل مخاطب، فلا يكون ~~غيره مقصود الخبر بل يلزمه أولا ثم يتعدى إلى غيره كما في شهادته بهلال رمضان. # فإن قيل: ليس للعبد ولاية الإلزام فكيف يلزم حكما على غيره بخبره؟ # قلنا: هو ملحق بالأحرار في باب الدين. PageV03P1304 # وقوله: (ألا ترى) متصل بقوله: ((والصحيح أنهما مثل الكافر لا تقوم الحجة ~~بخبرهما)) إلى آخره. # ألا ترى (أن الصحابة- رضي الله عنهم- تحملوا في صغرهم ونقلوا في كبرهم) ~~أي ولم ينقلوا في صغرهم، فلو كانت رواية الصغار مقبولة له لنقلوا في صغرهم ~~كما نقلوا في كبرهم. # فإن قلت: يشكل على هذا حديث أهل قباء فإن عبد الله بن عمر- رضي الله ~~عنهما- أتاهم وأخبرهم ms507 بتحويل القبلة إلى الكعبة وهم كانوا في الصلاة ~~فاستداروا كهيئتهم وكان ابن عمر- رضي الله عنه- يومئذ صغيرا على ما روي أنه ~~عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر أو يوم أحد- على حسب ما ~~اختلف الرواة فيه- وهو ابن أربع عشرة سنة فرده، وتحويل القبلة كان قبل بدر ~~بشهرين، فقد اعتمدوا خبره فيما لا يجوز العمل به إلا بالعلم وهو الصلاة إلى PageV03P1305 # القبلة، ولم ينكر عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قلت: عن هذا قال بعضهم: إن رواية الصبي في باب الدين مقبولة، وإن لم يكن ~~هو مقبول الشهادة لانعدام الأهلية للولاية بمنزلة رواية العبد، ولكن الأصح ~~ما ذكره أن رواية الصبي غير مقبولة. # وأما حديث أهل قباء فإن الذي أتاهم وأخبرهم كان أنس بن مالك- رضي الله ~~عنه- وقد روي أنه كان عبد الله ابن عمر- رضي الله عنهما- فإما يحمل على ~~أنهما جاءا أو جاء أحدهما بعد الآخر وأخبرا بذلك، فإنما تحولوا معتمدين على ~~رواية البالغ وهو أنس بن مالك أو أن ابن عمر- رضي الله عنهما- كان بالغا ~~يومئذ، وإنما رده رسول الله في القتال لضعف بنيته يومئذ لا لأنه كان صغيرا، ~~فإن ابن أربعة عشر يجوز أن يكون بالغا. كذا في ((أصول الفقه)) لشمس الأئمة- ~~رحمه الله-. # (وفي الفاسق) أي وفي خبر الفاسق أي بنجاسة الماء (جعل الاحتياط أصلا) حيث ~~قال: يريق الماء احتياطا، فإن تيمم ولم يرق الماء جازت صلاته PageV03P1306 # أي يقبل خبره في ثبوت صفة النجاسة في الماء حتى لا يجوز التوضؤ به ما لا ~~يجوز بالماء النجس وهو احتياط حيث وجب الاحتراز عنا لنجاسة، (وفي خبر ~~الكافر يتوضأ به) ولا يعتبر هذا الاحتياط، وهو الاحتراز عن استعمال النجس ~~عيني حتى أنه لو توضأ به (ولم يتيمم) وصلى جاز، (ولكن الأفضل) في خبره ~~بنجاسة الماء (هو أن يريق الماء ويتيمم). # وحاصل الرق بين خبر الفاسق والكافر هو أن التحري أصل في خبر الفاسق ولم ~~يعتبر خبر الكافر أصلا في باب الدين. # ألا ترى أن محمدا- رحمه الله- قال في خبر الفاسق: يحكم ms508 السامع رأيه فلم ~~يجعل خبره حجة ولا هدرا مطلقا بل جعل التحري أصلا حتى إذا وقع في قلبه أنه ~~صادق عمل بخبره وإلا فلا، PageV03P1307 # ولا كذلك في خبر الكافر فإنه وغن وقع في قلبه أنه صادق لا يعمل بخبره ~~فجعل خبره هدرا والاحتياط في خبر الفاسق أصلا. # أعلم أن المصنف- رحمه الله- ذكر لفظ الأحوط في حق إراقة الماء في خبر ~~الفاسق، وذكر لفظ الأفضل في حق إراقة الماء في خبر الكافر نفسها على ما ~~قلته في أن العمل بالإراقة في حق الكافر بجواز الوضوء بذلك الماء الذي أخبر ~~الكافر بأنه نجس، فلم تكن الإراقة فيه إلا فضل الأمرين. # وأما في خبر الفاسق لم يجز الوضوء بذلك الماء الذي أخبر أنه نجس عملا ~~بأصل إيمانه، ولكن مع ذلك كانت الإراقة فيه أوجب لئلا يهدر فسقه، بل يريق ~~الماء ثم يتيمم ويصلي؛ لكي تجوز صلاته على وجه التيقن من غير ريبة تدخل في ~~قلبه في حق عدم الجواز، وفي لفظ الكتاب هذا نوع اشتباه حيث قيل: # ((وأما في خبر الكافر إذا وقع في قلب السامع صدقه بنجاسة الماء يتوضأ به ~~ولم يتيمم)) كان من حقه أن يقال: وإن وقع في قلب السامع صدقه على وجه ~~الوصل؛ لأن وجوب التوضؤ بذلك الماء الذي أخبر الكافر بأنه نجس غير موقوف ~~إلى وقت وقوع الصدق في قلب السامع بنجاسة الماس؛ بل لما كان التوضؤ واجبا ~~عند وقوع الصدق في قلبه بأنه نجس بخبره كان التوضؤ به أوجب على السامع عند ~~عدم وقوع الصدق في قلبه بأنه نجس بخبره، لكن أقام PageV03P1308 # ((إذا)) التي فيها معنى الشرط مقام إن الشرطية في إفادة معنى الوصل. # وقوله: (وفي رواية الحديث يجب أن يكون كذلك في حكم الاحتياط خاصة) أي ~~رواية الصبي والمعتوه الحديث يجب أن تكون مثل رواية الكافر الحديث إي في حق ~~عدم القبول أي لا تقبل رواية هؤلاء الثلاثة الحديث، وهذا لأنه لما لم تقبل ~~رواية الفاسق الحديث مع إيمانه وكمال عقله لأن لا تقبل رواية هؤلاء الثلاثة ms509 ~~الحديث أولى، وإنما قال بلفظ: ((يجب أن يكون كذلك)) إشارة إلى ما ذكرنا أن ~~بعض العلماء قبلوا رواية الصبيان الحديث على ما ذكرنا في حديث أهل قباء. # وإنما ذكر قوله: ((في حكم الاحتياط خاصة)) لدفع شناعة صورة التسوية بين ~~المسلم والكافر في حق عدم قبول قولهما، فصار كأنه قال: هذه التسوية بينهما ~~ليست إلا في حق العمل بالاحتياط خاصة إلا أن تكون المماثلة بينهما عامة، ~~حتى أن بعض العلماء قبلوا رواية الصبيان الحديث في حال صباهم ولم يقبل أحد ~~رواية الفاسق الحديث فكيف في حق الكافر حيث لا يقبل خبره أصلا فيما يرجع ~~إلى الديانات من نجاسة الماء وطهارته فأولى أن لا يقبل خبره في رواية ~~الحديث، وأما الصبي فالاحتياط أن لا تقبل روايتهما PageV03P1309 # الحديث، وفي ((التتمة)) محالا إلى ((عصب النوازل)) المعتوه: من كان قليل ~~الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل ~~المجانين. # (إذا كان عامة حاله التيقظ) يعني لا ترد الرواية بتهمة الغفلة، وإنما ترد ~~إذا كان عامة أحواله الغفلة. # (وأنا المتساهل فإنما نعني به المجازف الذي لا يبالي من السهو والخطأ) أي ~~لا يبالي بما يقع له من السهو والغلط، ولا يشتغل فيه بالتدارك بعد أن علم به. # وقيل: المتساهل هو الذي يتساهل أمر الدين ولا يحتاط في موضع الاحتياط. PageV03P1310 # (التزوير): تزيين الكذب، من زورت الشيء حسنته. # (الخطابية): طائفة من الروافض نسبوا إلى أبي الخطاب محمد بن أبي وهب ~~الأجدع. # قال صاحب ((المقالات)) وهم كانوا يدينون بشهادة الزور لموافقيهم. # وقيل: إنما ترد شهادة الخطابي؛ لأنه يشهد للمدعي إذا حلف عنده فيتمكن ~~شبهة الكذب. # (وكذلك من قال: الإلهام حجة يجب أن لا تجوز شهادته أيضا) لتوهم أن يكن ~~اعتمد ذلك في أداء الشهادة بناء على اعتقاده، والإلهام: ما حرك PageV03P1311 # القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير الاستدلال بدليل ولا نظر في حجة. # (وليس كذلك الشهادة في حقوق الناس) أي تقبل شهادة صاحب الأهواء غير ~~الخطابية؛ لأن الشهادة من باب المظالم والخصومات، ولا ms510 يتعصب صاحب الهوى ~~بهذا الطريق مع من هو محق في اعتقاده حتى يشهد عليه كاذبا. # فأما في أخبار الدين يتوهم هذا التعصب لإفساد طريق الحق على من هو محق ~~حتى يجيبه إلى ما يدعو إليه من الباطل، فلهذا لا تعتمد روايته، ولا نجعله ~~حجة في باب الدين، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV03P1312 ### || AUTO باب بيان محل الخبر # (وهو الذي جعل الخبر فيه حجة) أي خبر الواحد. # (فمثل عامة شرائع العبادات). هذا من قبيل إضافة العام إلى الخاص كعلم ~~الطب وعلم النحو؛ فإن الشرائع أعم من العبادات (وما شاكلها) من القرب مما ~~ليس بعبادة مقصودة كالوضوء والأضحية وغير ذلك من الشرائع التي ليست العبادة ~~فيها بمقصودة كالعشر وصدقة الفطر والكفارات. # (فإن أبا يوسف- رحمه الله- قال فيما روي عنه: يجوز إثبات العقوبات PageV03P1313 # بالآحاد) ولذلك قبل في حد اللواطة خبر الواحد، وهو قوله عليه السلام" ~~((اقتلوا الفاعل والمفعول)). # (أن خبر الواحد يفيد من العلم ما يصلح العمل به) أي أن خبر الواحد يفيد ~~علم غالب الظن وهو ما يصلح العمل به (في إقامة الحدود كما في البينات في ~~مجالس الحكم)، ولو كان مجرد الاحتمال مانعا للعمل فيما يندرئ بالشبهات لما ~~جاز العمل فيها بالبينة، (وكذلك يجوز إقامة الحدود بدلالة النص) وهي قاصرة ~~من حيث إنها لا تثبت بالنظم، فمن دلالات النصوص التي تثبت بالاجتهاد ما ~~قلنا في وجوب الكفارة بالأكل والشرب استدلالا بالإجماع، ودلالة النص فيه أن ~~الوجوب متعلق بالفطر الكامل، والأكل والشرب في ذلك مثل الوقاع، وهذا غير ~~مسلم عند الخصم، فكان هو ثابتا مع ضرب من الاحتمال، فكذلك هاهنا يجوز أن ~~تثبت العقوبة بخبر الواحد. PageV03P1314 # (فأما البينة فإنها صارت حجة بالنص الذي لا شبهة فيه) يعني وجوب الحد ~~بالبينة مع الاحتمال إنما يثبت بالنص، بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص، ~~وخبر الواحد ليس في معنى الشهادة من كل وجه لما أنا لشهادة تتوقف على ما لا ~~يتوقف عليه خبر الواحد من العدد والذكورة والحرية والبصر وكنه غير محدود في ~~القذف، فإذا وجدت هذه الشرائط ms511 في الشهادة كانت هي أكمل من غيرها، وليس شيء ~~منها شرط في خبر الواحد فلم يكن هو في معناها فلا يلحق بها بدلالة النص. # (لم يوجب الحد في اللواطة بالقياس) أي بالقياس على الزنا بجامع أن في كل ~~منهما قضاء الشهوة بسفح الماء في محل مشتهى محرم من كل وجه، (ولا بالخبر ~~الغريب) وهو قوله عليه السلام: ((اقتلوا الفاعل والمفعول)) وقوله: (عند ~~الإمكان) احترازا عما لا يطلع عليه الرجال وهو الولادة والبكارة والعيوب ~~بالنساء في مواضع لا يطلع عليها الرجال، فإن العدد والذكورة فيه ليس بشرط ~~بل تقبل فيه شهادة امرأة واحدة، (وقيام الأهلية بالولاية) يعني به العقل ~~والبلوغ والحرية (مع سائر شرائط الأخبار) وهي: الإسلام، والضبط، والعدالة. # (وتوكيدا لها) معطوف على محل. PageV03P1315 # قوله: ((لما فيها من محض الإلزام)) أي إلزاما وتوكيدا، وقوله: ((لما فيها ~~من محض الإلزام)) احتراز عن النوع الأول وهو حقوق الله تعالى من العبادات، ~~فإن الأخبار بحقوق الله تعالى من العبادات إلزاما أيضا ولكن ليس هو بخالق ~~للإلزام؛ لأن الإلزام الخاص هو أن يلزم غيره من غير لزوم عليه، وليس ~~الأخبار في العبادات كذلك؛ لأن المخبر بأخباره في الواجبات من العبادات كما ~~يلزم غيره موجب الخبر فيحب هو عليه أيضا فلم يكن إلزاما خالصا، وإنما ~~الإلزام الخالص في الشهادات حيث يوجب على المدعى عليه موجب خبره من غير أن ~~يلزم هو عليه، وحاصله أن في الأخبار بحقوق الله تعالى من العبادات التزاما ~~وإلزاما، وأن في الشهادات إلزاما خاليا عن الالتزام، فكان خالصا في الإلزام ~~لا محالة، فلذلك سماه محض الإلزام لخلوه عن شائبة الالتزام. # فكذلك قوله: (لما يخاف من وجوه التزوير والتلبيس صيانة للحقوق المعصومة) ~~للفرق بين هذا وبين النوع الأول. # إلى هذا الذي ذكرت أشار الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- ~~فقال: ولان الخصومات إنما تقع باعتبار الهمم المختلفة للناس، والمصير إلى ~~التزوير والاشتغال بالحيل والأباطيل فيها ظاهر، فجعلها الشرع حجة بشرط ~~زيادة العدد وتعيم لفظ الشهادة تقليلا لمعنى الحيل والتزوير فيها بحسب وسع ~~القضاة، وليس ms512 هذا نظير القسم الأول، فإن السامع هناك حاجته إلى الدليل ~~ليعمل به لا إلى رفع دليل مانع، وخبر الواحد باعتبار PageV03P1316 # حسن الظن بالراوي دليل صالح لذلك، فأما في المنازعات فالحاجة إلى رفع ما ~~معه من الدليل وهو الإنكار الذي هو معارض لدعوى المدعي، فاشتراط الزيادة في ~~الخبر هنا لهذا المعنى. # (والشهادة بهلال الفطر من هذا القسم)؛ لأنه يتعلق به حق العباد وهو ~~الفطر، فيلزمهم ذلك وكان من حقوق العباد مما فيه إلزام، فصار كسائر حقوق ~~الناس مما فيه إلزام. # وقوله: (وما أشبه) ذلك كالرسالة في الودائع والعواري (وقبل فيها خبر ~~الصبي والكافر) أي إذا وقع في قلب السامع صدقهما. # (أحدهما: عموم الضرورة الداعية إلى سقوط شرط العدالة) أي إن في تبليغ مثل ~~هذا الخبر ضرورة عامة تشمل الخاص والعام والمسلم والكافر، ومثل هذه الضرورة ~~داع إلى سقوط شرط العدالة وسقوط اتفاق الملة؛ لأن كل الناس محتاجون إلى ~~البياعات والأشربة والتوكيل، والمكل قلما يجد عدلا PageV03P1317 # ليبعث إلى غيره بالتوكيل، وربما لا يتمكن الوكيل من الرجوع إلى قول ~~الموكل مشافهة لبعد المسافة، وكذا هذا أيضا في جميع المعاملات من بعث ~~الهدايا والإذن في التجارة وغيرها، فلو توقف جواز هذا الأخبار على ما يشترط ~~في الشهادة لوقع الناس في حرج عظيم، فتتعطل المصالح المتعلقة بالمعاملات، ~~ثم الناس كلهم عملوا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا ~~هذا بمثل هذه الأخبار في الأسواق وغيرها من غير توقف على شرائط الشهادة، ~~فكان ذلك إجماعا منهم على سقوط شرائط الشهادة في هذه الأخبار. # (بخلاف أمور الدين مثل طهارة الماء ونجاسته) وحل الطعام وحرمته فإنه من ~~النوع الأول، فيشترط فيه العدالة، (ولهذا الأصل لم تقبل شهادة الواحد ~~بالرضاع) أي وللأصل الذي ذكرنا في بيان القسم الثالث فما فيه إلزام محض من ~~حقوق العباد يشترط فيه شرائط الشهادة قلنا: إن شهادة الواحد بالرضاع لا ~~تقبل وإن كان عدلا، يعني لو تزوج رجل امرأة فشهد واحد على أنهما ارتضعا من ~~امرأة واحدة، والنكاح بينهما كان باطلا، ms513 أو اشترى أنة فشهد واحد على أن ~~المشترى وهذه الأمة ارتضعا من امرأة واحدة أو شهد على حرمة أمة من الأصل ~~الذي كان اشتراها رجل ففي هذه الصور الثلاث لا تقبل شهادة رجل واحد وإن كان ~~عدا لما أن الموضع موضع المنازعة؛ لأن الإقدام PageV03P1318 # على النكاح تصريح منه بان النكاح وقع صحيحا، والشاهد يقول: بان النكاح ~~وقع باطلا فتنازعا وفي موضع المنازعة لا يعتبر قول الواحد لكونه من جملة ~~القسم الذي هو إلزام محض في حقوق العباد. # فإن قيل: في هذا حرمة أيضا فكان ينبغي أن يكون حكمه مثل حكم حل الطعام ~~وحرمته. # قلنا: لا بل بينهما فرق؛ لأن حرمة الفرج هنا تنبئ على زوال الملك، فكان ~~زوال الملك أصلا ومتضمنا لحرمة الفرج والحرمة بناء عليه، والاعتبار للمتضمن ~~لا للمتضمن. # فإن قلت: هذا الجوا في ثبوت الرضاع في النكاح وفي ثبوت الحرمة في ملك ~~اليمين في الجارية مسلم، أما في ثبوت الرضاع في الجارية التي اشتراها فغير ~~مسلم؛ لأن ثبوت الرضاع هناك لا يقتضي زوال ملك اليمين هو من قبيل حل الطعام ~~وحرمته. # قلت: إن لم يقض هو زوال ملك اليمين اقتضى زوال ملك المتعة وهو أيضا مما ~~يقصد في الجارية المشترى، وكان هو بسبب القصد بمنزلة زوال ملك المتعة الذي ~~يثبت مقصودا وهو النكاح، فلا يثبت بشهادة الواحد بخلاف حرمة الطعام. # فإن ذلك لم يبن على زوال ملك اليمين ولا على زوال ملك المتعة، فإن حرمة ~~الطعام تثبت مع بقاء ملك اليمين كما في العصير المملوك إذا تخمر PageV03P1319 # يبقى مملوكا للمالك فيحرم على المالك شربه كما يحرم على غيره، وكذلك حل ~~الطعام لا يبتنى على ثبوت الملك؛ لأنه يجوز أن يثبت الحل ولا يثبت الملك ~~كما إذا أبيح له الطعام من غير تملك ولا كذلك حل المرأة وحرمتها وحل ~~الجارية وحرمتها. # وذكر في استحسان ((المبسوط)) الفرق بينهما من وجهين، فقال: إذا كان الرجل ~~يشتري الجارية فيخبره عدل أنها حرة الأبوين أو أنها أخته من الرضاعة، فإن ~~تنزه عن وطئها ms514 أفضل وإن لم يفعل وسعه ذلك، وفرق بين هذا وبين ما تقدم من ~~الطعام والشراب فأثبت الحرمة هناك بخبر الواحد العدل ولم يثبت هنا؛ لأن حل ~~الطعام والشراب يثبت بالإذن بدون الملك حتى لو قال لغيره: كل طعامي هذا أو ~~توضأ بمائي هذا أو اشربه وسعه أن يفعل ذلك، فكذلك الحرمة تثبت بما لا يبطل ~~له الملك وحل الوطء لا يثبت بدون الملك حتى لو قال: طأ جاريتي هذه قد أذنت ~~لك فيه، أو قالت له حرة في نفسها، لا يحل له الوطء، فكذلك الحرمة تثبت لما ~~لا يبطل به الملك وهو خبر الواحد، وتقرير هذا الفرق من وجهين: أحدهما: أن ~~الحل والحرمة فيما سوى البضع مقصود بنفسه؛ لأنه لا يثبت بدون ملك المحل، ~~وتثبت الحرمة مع قيام الملك، فكان هذا خبر بأمر ديني، وقول الواحد ملزم فيه. # فأما في الوطء فالحل والحرمة تثبت حكما للملك وزواله لا يثبت مقصودا ~~بنفسه، وقول الواحد في إبطال الملك ليس بحجة، فكذلك في الحل الذي ينبني ~~عليه. PageV03P1320 # والثاني: أن في الوطء معنى الإلزام على الغير؛ لأن المنكوحة يلزمها ~~الانقياد للزوج في الاستفراش والمملوكة يلزمها الانقياد لمولاها، وخبر ~~الواحد لا يكون حجة في إبطال الاستحقاق الثابت لشخص على شخص. # فأما حل الطعام والشراب فليس فيه استحقاق حق على أحد يبطل بثبوت الحرمة، ~~وإنما ذلك أمر ديني، وخبر الواحد في مثله حجة. # (وعلى ذلك بنى محمد- رحمه الله- مسائل) أي على ما قلنا من المنازعة ~~والمسألة، فقوله: (إن فلانا كان غصب مني هذا العبد فأخذته منه) موضع ~~المنازعة، فلذلك لا يقبل السامع خبره؛ لأن الأخذ سبب الضمان كما أن صريح ~~لفظ الغصب يثبت الضمان، وأما التوبة والرد فليس من أسباب الضمان، وكان ~~الموضع موضع المسألة فيقبل خبر الواحد. # وبيان هذا أيضا في استحسان ((المبسوط)) فقال: ولو أن رجلا علم أن جارية ~~لرجل يدعيها ثم رآها في يد آخر يبيعها ويزعم أنها قد كانت في يد فلان وذلك ~~الرجل يدعي أنها له، وكانت الجارية مقرة له بالملك غير ms515 أنه زعم أنها كانت ~~لي وإنما أمرته بذلك لأمر خفته وصدقته الجارية بذلك والرجل ثقة مسلم فلا ~~بأس بشرائها منه؛ لأنه أخبر بخبر مستقيم محتمل، ولو كان ما PageV03P1321 # أخبره معلوما للسامع كان له أن يشتريها منه، فكذلك إذا أخبره بذلك ولا ~~منازع له فيه، وإن كان في أكبر رأيه كاذب لم ينبغ له أن يشتريها؛ لأنه ثبت ~~عنده أنها مملوكة للأول فإن إقرار ذي اليد بأن الأول كان يدعي أنها كانت ~~مملوكته حين كانت في يده فيثبت الملك له وكذلك سماع هذا الرجل منه أنها له. ~~دليل في حق إثبات الملك له، والذي أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده حين ~~كان في أكبر رأيه أنه كاذب في ذلك ولم لم يقل هذا ولكنه قال: ظلمني وغصبني ~~فأخذتها منه، لم ينبغ له أن يتعرض لها بشراء ولا قبول هبته وإن كان المخبر ~~ثقة دليل في حق إثبات الملك له، والذي أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده ~~حين كان في أكبر رأيه أنه كاذب في ذلك ولو لم يقل هذا ولكنه قال: ظلمني ~~وغصبني فأخذتها منه لم ينبغ له أن يتعرض لها بشراء ولا قبول هبته وإن كان ~~المخبر ثقة أو غير ثقة، والفرق من وجهين: # أحدهما: أنه أخبر هاهنا بخبر مستنكر، فإن الظلم والغصب مما يمنع كل أحد ~~عنه عقله ودينه، فلم يثبت بخبره غصب ذلك الرجل بقى قوله: أخذتها منه وهذا ~~أخذ بطريق العدوان. # ألا ترى أن القاضي لو عاين ذلك منه أمره برده عليه حتى يثبت ما يدعينه، ~~وإذا سقط اعتبار يده بقي دعواه الملك فيما ليس في يده لا يطلق الشراء منه، ~~وفي الأول أخبر بخبر مستقيم كما قررنا، فإن عقله ودينه لا يمنعانه من PageV03P1322 # التلجئة عند الخوف. # والثاني: أن خبر الواحد عند المسالمة حجة وعند المنازعة لا يكون حجة؛ ~~لأنه يحتاج فيه الإلزام، وذلك لا يثبت بخبر الواحد، وفي الفصل الثاني أخبر ~~عن حال منازعة بينهما في غصب الأول منه واسترداد هذا منه فلا يكون ms516 خبره ~~حجة، وفي الأول أخبر عن حال المسالمة ومواضعة كانت بينهما، فيعتمد خبره إذا ~~كان ثقة إلى آخره. # وقوله: (ولهذا قبلنا خبر الفاسق) يتصل بقوله: (وقبلنا في موضع المسالمة) ~~وكذلك قوله: (ولهذا قبلنا خبر المخبر في الرضاع الطارئ) متصل به أيضا؛ لأنه ~~إنما يقبل خبر الواحد في الرضاع الطارئ لكونه من موضع المسالمة لما أنهما ~~اتفقا على صحة النكاح، والمخبر لا ينازعه بل يخبر بفساد النكاح، وهو طالب ~~دليلا يعمل به في فساد النكاح، وخبر الواحد يصلح دليلا لذلك، فجاز أن يقبله ~~ويتزوج أختها، فكان خبر المخبر مجوزا لا ملزما. PageV03P1323 # (والشهادة بهلال رمضان من هذا القسم) أي لا يشترط فيه نصاب الشهادة ~~والحرية ولفظ الشهادة يعني إذا كان في السماء علة. # (ووجوب الشرائع على المسلم الذي لم يهاجر). # قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- والأصح عندي أنه يعتبر خبر ~~الفاسق فيه في إيجاب. # (والشهادة بهلال رمضان من هذا القسم) أي لا يشترك فيه نصاب الشهادة ~~والحرية، ولفظ الشهادة يعني إذا كان في السماء علة. # (ووجوب الشرائع على المسلم الذي لم يهاجر). # قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- والأصح عندي انه يعتبر خبر ~~الفاسق فيه في إيجاب القضاء عند علمائنا جميعا؛ لأن هذا المخبر نائب عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مأمور من جهته بالتبليغ كما قال عليه ~~السلام: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب)) فهو بمنزلة رسول الله إلى عبده، ثم ~~هو غير متكلف في PageV03P1324 # هذا الخبر، ولكنه مسقط عن نفسه ما لزمه من الأمر بالمعروف، فلهذا يعتبر ~~خبره والوكيل: هو الذي يبلغ بلفظ الوكالة، والرسول: هو الذي يبلغ بلفظ ~~الرسالة، وتقييد الوكالة والرسالة للاحتراز عن الفضولي ممن إليه الإبلاغ ~~كالموكل والمولى والأب وغيرهم من الأمير والقاضي. # (والمثنى كذلك عند بعضهم) أي لا يقبل خبر الاثنين إلا إذا كانا عدلين، ~~(ولفظ الكتاب في المثنى محتمل) أي لفظ كتاب: ((المبسوط)) في اشتراط عدالة ~~الاثنين محتمل؛ لأن يشترك أولا يشترك، وفي ((أصول الفقه)) لشمس الأئمة- ~~رحمه الله- ولفظ الكتاب مشتبه، فإنه قال: حتى يخبره رجلان أو رجل ms517 عدل، فقيل ~~معناه: رجلان عدل أو رجل عدل؛ لأن صيغة PageV03P1325 # هذا النعت للمفرد والجماعة واحد. # ألا ترى أنه يقال شاهد عدل وفي ((التقويم)): فإن قيل: فما الفائدة في ~~زيادة العدل مع قيام الفسق؟ # قلنا: كما قلما في الشهادة مع قيام العدالة الواحد والاثنين، وقد نص محمد ~~بن الحسن- رحمه الله- في كتاب الاستحسان في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر ~~بطهارته وأحدهما فاسق والآخر عدل على أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين ~~توقف، وإن كان أحد الفريقين رجلين فخبرهما أولى، فرجع بالزيادة كما رجح ~~بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله ومن جانب رجلان ~~ومن جانب رجل، فقول الرجلين أولى. # (يلزمه فيه العهدة من لزوم عقد) يعني يلزم العقد على الوكيل بعد العزل، ~~ويلزم عليه الكف عنا لتصرف، (أو فساد عمل) يعني يفسد ما عقد العبد بعد ~~الحجر، ويلزم عليه الكف عن التصرف أيضا، ويلز على البكر النكاح إذا سكتت، ~~فكان إلزاما من هذا الوجه، ويلزم على المسلم الذي لم PageV03P1326 # يهاجر بخبر الواحد الشرائع، فكان إلزاما من هذا الوجه، ومن حيث إن الموكل ~~ونحوه يتصرف في حقه بالفسخ منا لمعاملات كما يتصرف في حقه بالتوكيل والإذن، ~~يعني أن ولاية الفسخ الثابتة له بعد الإخبار بالعزل، لعقد يعقد بعد العزل ~~غير مضافة إلى الإخبار بالعزل، بل يتصرف في حق نفسه، كولاية الإطلاق الذي ~~أسلم في ابتداء الوكالة فإنه لا يكون الوكيل ملزما فكذا العزل، أما في حق ~~المسلم الذي أسلم في دار الحرب أن المحبر بالشرائع إذا كان مسلما كان ~~مأمورا بتبليغها، ويسقط بإخباره ما لزم عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ولم يكن متكلفا، بل كان مأمورا من جانب الشرع بخلاف الفضولي في ~~المعاملات على ما ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- فلم يشترك على هذا العدالة ~~في المخبر. # (لأن الذي يفسخ يتصرف في حقه) أي لأن الموكل الذي يفسخ الوكالة ليتصرف في ~~حق نفيه بالإطلاق أي بالإجازة. (لكونها بين المنزلتين) أي بين منزلة ~~الإلزام المحض وبين المعاملات التي لا إلزام فيها ms518 لشبهه بكل منهما PageV03P1327 # على ما ذكرنا، (والتزكية من القسم الرابع) حتى لا تحتاج إلى العدالة ولفظ ~~الشهادة، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV03P1328 ### || AUTO باب بيان القسم الرابع من أقسام السنة وهو الخبر # السامع والمبلغ هما جميعا وصفا الراوي، والطرفان باعتبار ابتداء والتلقن ~~عن المروي عنه، والانتهاء باعتبار الرواية للغير. هكذا وجدت بخط شيخي- رحمه الله-. # (وأما الطرف الذي هو الطرف السامع) - وفي نسخه هو طرف التبليغ وصحح ~~الأول- PageV03P1329 # (ألا ترى أنهما ساء في أداء الشهادة) يعني لا فرق بين أن يقرأ من عليه ~~الحق ذكر إقراره عليك وبين أن يقرأ عليه ثم يستفهمه: هل تقر بجميع ما قرأته ~~عليه؟ فيقول: نعم، وبكل واحد من الطريقين يجوز أداء الشهادة، وباب الشهادة ~~أضيق من باب الخبر. PageV03P1330 # (وذلك بعد أن يثبتا بالحجة) أي بعد أن يثبت الكتاب والرسالة بالبينة أن ~~هذا كتاب فلان المتحدث الكاتب كما يثبت كتاب القاضي إلى القاضي بالحجة وهي ~~البينة، وكذلك في الرسول إذا ثبت بالبينة أنه هذا رسول فلان المحدث المرسل ~~أرسله بلسانه هذا الحديث إليك ما يثبت رسالة الرسل عليهم السلام إلى الحق ~~بالمعجزات الظاهرة الباهرة. # (فالإجازة): أن يقول: أخبرني فلان ابن فلان عن فلان ما في هذا PageV03P1331 # الكتاب فأجزت لك أن تروي عني إذا فهمت ما فيه. # (والمناولة): أن يقول: أخبرني فلان بن فلان ما في هذا الكتاب فناولتك هذا ~~الكتاب أي أعطيتك لتروي عني إذا فهمته، وليس في الإجازة المجردة إعطاء ~~الكتاب وفهم ما في الكتاب فيهما شرط وعدم السماع شامل لهما. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: وشرط الصحة في الإجازة والمناولة أن ~~يكون ما في الكتاب معلوما للمجاز له مفهوما له، وأن يكون المخبر من أهل ~~الضبط والإتقان قد علم جميع ما في الكتاب، وإذا قال حينئذ: أجزت لك أن تروي ~~عني جميع ما في الكتاب كان صحيحا؛ لأن الشهادة تصح بهذه الصفة، فإن الشاهد ~~إذا وقف على جميع ما في الصك وإن كان ذلك معلوما لمن عليه الحق فقال: أجزت ~~لك أن تشهد علي بجميع ما في ms519 هذا الكتاب كان صحيحا فكذلك رواية الخبر. # وأما إذا قال المحدث: أجزت لك أن تروي عني مسموعاتي، فإن ذلك غير صحيح ~~بالاتفاق بمنزلة لو قال لرجل: اشهد علي بكل صك تجد فيه إقراري وقد أجزت لك، ~~فإن ذلك باطل، وبعض المتأخرين جوزوا ذلك على سبيل الرخصة لضرورة ~~المستعجلين، ولكن في هذا الرخصة سد باب الجهل PageV03P1332 # في الدين وفتح باب الكسل، فلا وجه للمصير إليه. # وقوله: (ويجوز أن يقول: حدثني). # قال شمس الأئمة- رحمه الله- في هذا الموضع: وليس ينبغي أن يقول حدثني، ~~فإن ذلك مختص بالإسماع ولم يوجد. # وقوله: (والرسائل) أي رسالة المحدث إلى المحدث. # (وكذلك المناولة مع الإجازة مثل الإجازة المفردة)، وقد ذكرنا صورة كل ~~واحد من المناولة والإجازة أي في استحباب قوله: أجاز لي فلان، وجواز PageV03P1333 # قوله: ((أخبرني فلان)) لا يتفاوت الحكم بين ما إذا انضمت المناولة مع ~~الإجازة وبين ما إذا حصلت الإجازة مفردة. يعني لو كان قال المحدث لتلميذه: ~~أخبرني فلان ابن فلان عن فلان ما في هذا الكتاب فأجزت لك أن تروي عني كان ~~المستحب للتلميذ أن يقول: أجاز لي فلان، ويجوز أن يقول: أخبرني فلان، وكذلك ~~هذا الحكم فيما إذا ضم إلى هذه الإجازة لفظ المناولة بأن يقول: أخبرني فلان ~~ابن فلان ما في هذا الكتاب فناولتك هذا الكتاب لتروي عني وأجزت لك أن ترويه عني. # وقوله: (فيحتمل أن لا يجوز في هذا الباب) متصل بقوله: وإنما جوز ذلك أبو ~~يوسف- رحمه الله- أي يحتمل أن لا تجوز الإجازة إذا لم يعلم ما في الكتاب في ~~باب الحديث عند أبي يوسف كما لا تجوز عندهما، وإنما جوز أبو يوسف الشهادة ~~للشاهد على كتاب القاضي إلى القاضي مع عدم العلم له بما في الكتاب، وكذلك ~~جوز شهادة الشاهد على كتاب الرسالة الذي أرسله الحبيب إلى الحبيب من غير ~~علم ما في الكتاب لما فيه من الأسرار، وأما في كتاب الحديث فلا. # واختار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هذا القول فقال: والأصح عندي أن ~~هذه الإجازة لا تصح في قولهم جميعا؛ إلا ms520 أن أبا يوسف- رحمه الله- استحسن ~~هناك لأجل الضرورة، فالكتب تشتمل على أسرار لا يريد الكاتب PageV03P1334 # والمكتوب إليه أن يقف عليها غيرهما، وذلك لا توجد في كتب الأخبار وقوله: ~~(وأن يكون قول أبي يوسف- رحمها لله- مثله) معطوف على قوله: قول أبي حنيفة ~~ومحمد- رحمهما الله- أي والأحوط أن يكون قول أبي يوسف مثل قولهما في باب ~~الحديث بأن لا تجوز الإجازة بدون علم المجاز له ما في الكتاب. # (لأن السنة أصل في الدين) فلا وجه للحكم بصحة تحمل الأمانة فيه قبل أن ~~يصير معلوما مفهوما له. # ألا ترى أنه لو قرأ عليه المحدث فلم يسمع ولم يفهم لم يجز له أن يروي، ~~والإجازة إذا لم تكن ما في الكتاب معلوما له دون ذلك كيف يجوز الرواية لهذا ~~القدر، وإسماع الصبيان الذين لا يميزون ولا يفهمون نوع تبرك استحسنه الناس، ~~فأما أن يثبت بمثله نقل الدين فلا. # (وفتح لباب التقصير والبدعة) وإنما سمي إجازة من لا علن له بما في الكتاب ~~الذي أخبر له أن يروي عن الغير بدعة؛ لأنه لم يكن ذلك في السلف. PageV03P1335 # (ثم صارت الكتابة سنة في الكتاب والحديث)، وهو النوع الثاني الذي دون ~~التام وهو أن يكون الحفظ بواسطة الكتابة. هذا PageV03P1336 # وهذا باب الكتابة والخط # هما شيء واحد في حق الضبط وصيانة العلم. العقد: العصمة عن النسيان، (وهو ~~الأصل الذي انقلب عزيمة) أي الخط المذكور أصل بالنسبة إلى الخط الذي هو غير ~~مذكور، ولذلك قام مقام الخط في أنه عزيمة، وإنما قيد بقوله: وهو الأصل الذي ~~انقلب عزيمة احترازا عن الأصل الأول وهو الحفظ بالقلب من وقت التحمل إلى ~~وقت التبليغ. # (وما يكون إماما لا يفيد تذكره) أي تذكر الحادثة. # (وإنما كان دوام الحفظ للنبي عليه السلام مع قوله تعالى: PageV03P1337 # {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} أي مع وجود الاستثناء في حقه عليه ~~السلام أيضا يعني كان قد يقع النسيان له أيضا مع دوام حفظه عليه السلام، ~~وكان وقع لرسول الله عليه السلام تردد في قراءة سورة المؤمنين في صلاة ~~الفجر ms521 حتى قال لأبي: ((هلا ذكرتني)) فثبت أن النسيان مما لا يستطاع منه إلا ~~بحرج بين والحرج مدفوع، وبعد النسيان النظر في الكتاب طريق للتذكير والعود ~~إلى ما كان عليه من الحفز، وإذا عاد إلى ما كان كما كان فالرواية تكون عن ~~ضبط تام (وأما كان الخط إماما لا يذكره شيئا) أي إذا كان الخط مما يعتمد ~~عليه ويقتد به بسبب علم من رأى أنه خطه أو خط رجل معروف ولكن لا يذكر ~~الحادثة ولا يعلم أنه في أي وقت كتبه وفي أي PageV03P1338 # معنى كتبه أنه لم يعمل به أي بالخط الإمام دون الصك؛ لأن التزوير فيه ~~غالب، (ولهذا قلت رواياته)، وكان هذا خصلة حميدة وإمارة لإتقانه. # (فصارت الكتاب للحفظ) أي مع الحفظ عزيمة. # وقوله: (لرجل ثقة مؤثق بيده) يعني در كتابخانه وي بود. PageV03P1339 # (إلا أن يكون في يد الشاهد) أي حينئذ يحل العمل به، وكان الجواب فيه ~~حينئذ كالجواب في ديوان القاضي، (وكذلك قول محمد) أي قول محمد كقول أبي ~~يوسف- رحمهما الله- في الكل (إلا في الصكوك) فإنه يخالفه فيه يجوز محمد ~~العمل به في الصكوك أيضا، وأبو يوسف لا يجوزه. # وقال شمس الأئمة- رحمه الله- ومحمد أثبت الرخصة في الصك أيضا وإن لم يكن ~~بيده إذا علم أن المكتوب خطه على وجه لا يبقى فيه شبهة له؛ لأن الباقي بعد ~~ذلك توهم التغيير، وله أثر بين يوقف عليه، فإذا لم يظهر ذلك فيه جاز ~~اعتماده. # (فيجوز أن يقول: وجدت بخط أبي أو بخط فلان لا يزيد عليه) أي لا يقول: ~~حدثني أو أخبرني به أبي أو فلان (إما أن يكون منفردا) بان يكون حديثا ~~واحدا، (وإما يكون مضمونا إلى جماعة) ككتاب ((المصابيح)) مثلا PageV03P1340 # أو أخبار الأصح وقيل: المراد به أن نكتب الأحاديث الكثيرة. # (وبالنسبة تامة) بان يكتب الكاتب نسبة بان يكتب فلان ابن فلان ابن فلان، ~~والله أعلم بالصواب. # باب شرط نقل المتون # المراد من المتن: نفس الحديث، يقال: نضر وجهه حسن، ونضره الله وهو يتعدى ~~ولا يتعدى وعليه الحديث ((نضر الله ms522 عبدا سمع مقالتي فوعاها)) PageV03P1341 # وعن الأزدي ليس هذا من الحسن في الوجه وإنما هو في الجاه والقدر، وعن ~~الأصمعي- بالتشديد- أي نعمه. كذا في ((المغرب)) وذكر الإمام شمس الأئمة- ~~رحمه الله- تمامه بقوله: # فأما من لم يجوز ذلك استدل بقوله عليه السلام: ((نضر الله امرأ سمع PageV03P1342 # مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه)) فرغب في مراعاة اللفظ ونبه على المعنى وهو تفاوت ~~الناس في الفهم والفقه، واعتبار هذا المعنى يوجب الحجر عاما عن تبديل اللفظ ~~بلفظ آخر. # (لا بأس بذلك في الجملة) أي في المحكم وما يشبهه. # (وفي تفصيل الرخصة جواب عما قال) أي في تفصيل رخصة نقل الحديث بالمعنى ~~بلفظ يختاره الناقل جواب عما قال من قوله: أن النبي عليه السلام PageV03P1343 # مخصوص بجوامع الكلم، فإن عامة العلماء إنما جوزوا نقل الحديث بلفظ آخر ~~يختاره الناقل في المحكم وما يشاكله لا في جوامع الكلم ولا في المجمل ~~والمشترك، فلم يرد على الذين جوزوا النقل بالمعنى ما احتج به الذين لم ~~يجوزوا. # وقوله: (ما يكون محكما) وهو الذي له معنى واحد وهو معلوم بظاهر المتن. ~~كذا ذكره شمس الأئمة- رحمه الله-. # (أما الأول) وهو المحكم فنظيره قوله عليه السلام: ((المستحاضة تتوضأ لوقت ~~كل صلاة)) فلو نقل ناقل لأوان كل صلاة كان جائزا. PageV03P1344 # ألا ترى أن النبي عليه السلام قال: ((انههم عن أربع: عن بيع ما لم يقض))، ~~إلى آخره، ثم روى الرواة بقولهم ((نهى النبي عليه السلام عن بيع ما لم ~~يقبض)) فلما أفاد كل منهما ما أفاده الآخر لم يمتنعوا عن نقله بالمعنى. # (وإنما ثبت ذلك بركة دعوة النبي عليه السلام)، وهي ما ذكره في ~~((المصابيح)) بقوله لي: ((يا أبئ إلى أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه ~~أن هون على أمتي)). PageV03P1345 # (غير أن ذلك رخصة إسقاط) أي سقط تعين اللغة الواحدة في القراءة، فصار في ~~حق عدم التعين نظير كفارة اليمين، فإن العزيمة في الأول كانت أن يقرأ ~~القرآن بلغة قريش لا بلغات ms523 أخر من القبائل، ثم بدعوة رسول الله عليه السلام ~~سقطت هذه العزيمة أصلا ولم تبق عزيمة، بل صارت القراءات على الأحرف السبعة ~~عزيمة كما في ركعتي المسافر؛ حيث لم تبق الأربع عزيمة بل سقط منها الركعتان ~~أصلا، وكما سقطت حرمة الخمر حالة الاضطرار أصلا. # (وهذه رخصة تيسير) أي نقل الحديث بلفظ يختاره الناقل رخصة ترفيه وتخفيف ~~حتى كانت رعاية لفظ النبي عليه السلام أفضل من نقله بمعناه، وإن كان الحديث ~~من قبيل الظاهر، وكانت هذه الرخصة كأكل مال الغير في حالة المخمصة، فإن ~~العمل بالعزيمة هناك وهو أن يموت جوعا أولى من العمل بالرخصة، وإن كان ~~العمل بها جائزا، فكذلك هاهنا كان رعاية لفظ النبي عليه السلام أولى من ~~سائر الألفاظ. # (وأما القسم الثاني) وهو ظاهر يحتمل غير ما ظهر من معناه، فنظير ذلك قوله ~~عليه السلام: ((لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل))؛ فإنه يحتمل PageV03P1346 # أن يكون معناه: لا صيام لمن لم ينوفي النهار أن يكون صومه من الليل، ~~وحملناه على هذا وكان هو على خلاف ما اقتضاه ظاهر اللفظ؛ لئلا يقع التعارض ~~بين هذا وبين حديث آخر قال النبي عليه السلام في آخره: ((ومن لم يأكل ~~فليصم)) لأن ظاهر لفظ ذلك الحديث يقتضي أن لا يصح الصوم بدون النية من ~~الليل، والحديث الثاني يقتضي جواز الصوم وإن وجدت النية في النهار، فتعارضا ~~فحملنا الحديث الأول على ما ذكرنا دفعا للتعارض بينهما، ولعلة تزيده عموما، ~~أو على العكس. # نظيره ما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: ((أربع يخفيهن ~~الإمام- وفي بعض الروايات: خمس يخفيهن الإمام-)) فكان قوله: خمس PageV03P1347 # يخفيهن الإمام أعم من قوله: أربع، وكذلك قوله عليه السلام: ((الماء من ~~الماء)) لو زاد فيه راو في روايته مكان هذا: الماء من الماء إذا خرج عن ~~شهوة. كان هذا أخص من الأول، والأول أعم من هذا، وكان فيهما نظير للصورتين. # (وأما القسم الثالث) وهو المشكل والمشترك وذلك مثل قول النبي عليه السلام ~~في زكاة السائمة: ((إنما حقنا الجذعة والثني)) ms524 فلفظ الجذعة مشترك في أنواع ~~البهائم، وهو في الإبل ما كان في السنة الخامسة، ومن البقر والشاة في السنة ~~الثانية وفي تفسير الفقهاء هو في الغنم ما أتى عليه أكثر السنة، وفي الخيل ~~هو ما كان منها في السنة الرابعة، فلما كان معناه مشتركا حمل هذا الحديث ~~على زكاة الإبل لا على زكاة الغنم في ظاهر الرواية حتى لم يجز PageV03P1348 # أداء الجذع في زكاة الغنم وهو قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهما حملاه ~~على زكاة الغنم فجوزا زكاة بأداء الجذع. # (وأما الرابع) وهو المجمل والمتشابة، فالمجمل نحو ما رووا: ((أن القطع ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان إلا في ثمن المجن)) وثمن ~~المجن مجمل، وروي عن النبي عليه السلام: ((لا قطع إلا في دينار أو عشرة ~~دراهم)) وهذا محكم فكان هذا أولى. # والمتشابه: نحو ما روي عن النبي عليه السلام: ((إن الجبار يضع قدمه في ~~النار)) وروي: ((إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام على صورته)) لو حمل ~~هذان الحديثان على ظاهرهما من وصف الله تعالى به كانا مخالفين للآية ~~المحكمة في نفي التشبيه وهو قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} علم بهذا أنهما ~~معدولان عن ظاهرهما ومأولان بتأويل يوافق الآية المحكمة، وتأويلهما PageV03P1349 # مذكور في ((التبصرة)) وغيرها، فقال في ((التبصرة)) قيل: المراد من الجبار ~~الكافر العاتي المتمرد كما في قوله تعالى: {وخاب كل جبار عنيد} وقوله: ((إن ~~الله تعالى خلق آدم على صورته))، خارج عن سبب مروي فيه وهو أنه عليه السلام ~~رأى رجلا يضرب آخر على وجهه فنهاه عن الضرب على الوجه وقال: ((إن الله ~~تعالى خلق آدم على صورته))، أي على صورة المضروب، فكانت الهاء راجعة إلى ~~المضروب لا إلى الله تعالى، وفيه تأويل آخر، فلا يمكن نقل مثل هذه الأحاديث ~~بمعناها. # ((الخرج بالضمان)) الخراج: ما يخرج من غلة الأرض والغلام ومنه ((الخراج ~~بالضمان)) أي الغلة بسبب أنه ضمنته، (ومن مشايخنا من لم يفصل بين الجوامع ~~وغيرها) أي جوز النقل بالمعنى إذا كان ظاهرا كما في ms525 غير الجوامع (لكن هذا ~~أحوط الوجهين)، وقوله: هذا ((إشارة إلى قوله: فإنه PageV03P1350 # لا يؤمن فيه غلط))؛ أي القول بعدم الجواز هو أحفظ الوجهين، والله أعلم ~~بالصواب. PageV03P1351 # باب ما يلحقه النكير من قبل الرواة # النكير: اسم للإنكار. # (ولأن النسيان محتمل من المروي عنه)، فإن الراوي لا يتشكك في PageV03P1352 # سماعه عنه، وتحل الرواية للراوي بمجرد السماع من غير افتقار إلى التحميل ~~على الرواية بأن يقول: ارو عني، ولا الراوي إلى ذكر التحميل عند الأداء، ~~(بخلاف الشهادة) على الشهادة، فإن ذلك لا تثبت (إلا بتحميل الأصول)، وكذلك ~~عند أداء الشهادة، فإن الشاهد محتاج إلى ذكر الإشهاد، ولا يكتفي بقوله: ~~أشهد عن فلان بل يقول: أشهدني فلان على شهادته وأمرني بالأداء، فإذا شهد ~~على شهادته، ولما كان كذلك لم يثبت ذلك مع إنكار الأصول لأن النيابة لا ~~تثبت عند إنكار المنوب عنه فافترقا. # (فلم يذكره عمر- رضي الله عنه- فلم يقبل خبره مع عدالته) حيث لم يجوز ~~التيمم للجنب. # (أن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة) كما في حديث مس الذكر. # (وهما) أي نسيان الحاكي ونسيان المروي عنه (سواء). PageV03P1353 # (لأن الظاهر أنه تركه) أي ترك عمله الذي كان عمله على خلاف هذا الحديث. # (مما هو خلاف بيقين) بأن لا يكون الحديث مشتركا، أو عام يحتمل الخصوص، بل ~~يحتمل وجا واحدا لا غير بأن يروي مثلا قوله عليه السلام: ((ألا من ضحك منكم ~~قهقهة فليعد الوضوء والصلاة))، ثم هو قهقهة في الصلاة ولم يعد الوضوء- كما ~~هو مذهب الشافعي- فإن ذلك يكون جرحا فيه؛ لأن هذا الحديث لا يحتمل غير ذلك ~~المعنى وهو قد خال معنى ذلك الحديث بالفعل، (فإن ذلك جرح فيه) أي في ~~الحديث؛ (لأن ذلك إن كان حقا) PageV03P1354 # أي إن ذلك العمل الذي عمل بخلاف موجب الحديث إن كان حقا كان ذلك دلالة ~~نسخ الحديث، فيكون الاحتجاج بذلك الحديث باطلا، وغن كان خلافة باطلا فقد ~~سقطت سبب تلك المخالفة صحة رواية الحديث؛ لأنه يكون ذلك فاسقا، ورواية ~~الفاسق غير مقبولة. # ثم إنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن- رضي ms526 الله عنهما- وهو غائب وهو عمل ~~بخلاف ما روت، وهو قوله عليه السلام ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل)). # فإن قيل: كيف يكون هذا عملا بخلاف ما روت، وما روت التزوج، PageV03P1355 # فإن قيل: كيف يكون هذا عملا بخلاف ما روت، وما روت التزوج، والعمل منهما ~~التزويج، والتزويج غير التزوج؟ # قلنا: إنما كان هذا عملا منها بخلاف ما روت لعدم القائل بالفصل، فإن من ~~أبطل نكاحها أبطل إنكاحها، ومن جوز نكاحها جوز إنكاحها، فيكون اعتقاد جواز ~~الإنكاح منها بخلاف ما روت. # أو نقول: لما انكحت قد اعتقدت جواز نكاحها بغير إذن وليها؛ لأن من لا ~~يملك النكاح لا يملك الإنكاح بالطريق الأولى. PageV03P1356 # (والامتناع عن العمل به مثل العمل بخلافه) يعني يخرج بكل واحد منهما عن ~~أن يكون حجة؛ لأن كل واحد منهما حرام، فحينئذ لا يخلو عن أحد الأمرين: إما ~~أن يكون الحديث منسوخا أو يكون الراوي فاسقا كما ذكرنا- يبطل الاحتجاج بذلك ~~الحديث، ثم صورة المخالفة ما ذكر من تزوج عائشة- رضي الله عنها- بعد ما روت ~~من بطلان نكاح امرأة نكحت بغير إذن وليها فإن ذلك مخالفة للحديث وليس ~~امتناع قصدا، صورة الامتناع ما روي من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- في ~~رفع اليدين ثم تركه. والله أعلم. # * * * PageV03P1357 ### || AUTO باب الطعن يلحق الحديث # (إما أن يقع الطعن مبهما) بان قال: هذا الحديث غير مقبول، أو قال: هو ~~مطعون، ولم يفسر سبب الطعن، أو قال: إن الراوي فاسق، أو مطعون ولم يفسر. # (وأما القسم الأول) وهو طعن الصحابة- رضي الله عنهم- فيما لا يحتمل ~~الخفاء. # (علم أن القسمة من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-) أي خير بين أصحابه ~~حين أفتحها. PageV03P1358 # فقال: طبق الراكع كفيه أي جعلهما بين فخذيه، (لكنه رأى رخصة) أي رخصة ~~تخفيف؛ لأنه كانت يلحقهم المشقة في التطبيق مع طول الركوع، لأنهم كانوا ~~يخافون السقوط على الأرض فأمروا بالأخذ بالركب تيسيرا عليهم لا تعيينا ~~عليهم، فلأجل هذا التأويل لم يترك العمل بظاهر الحديث الذي فيه أمر بالأخذ ~~بالركب الدس: الإخفاء. PageV03P1359 # فقد (طعن) بعض ms527 المتعنتين (في أبي حنيفة- رضي الله عنه-) أنه دس ابنه ~~ليأخذ كتب أستاذه حماد- رضي الله عنه- وكان يروي من ذلك، وهذا في أصله ليس ~~بصحيح، ولئن صح فإنه- رحمه الله- أعلى حالا وأجل منصبا من أن ينسب إلى أنه ~~دس ابنه ليأخذ الكتب على وجه التمويل والاستتار، بل إن PageV03P1360 # كان للاستيناف ومقابلة حفظه بكتب أستاذه بإجازة من له ولاية الإجازة ~~فيزداد معنى الإتقان له، فإنه كان لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ. # (التدليس): كتمان عيب السلعة عن المشتري، (وذلك أن تقول: حدثني فلان عن ~~فلان من غير أن يتصل الحديث بقوله: حدثنا) أي لا يقول: قال حدثنا فلان قال ~~حدثنا فلان. يعني بإعادة قال حدثنا لا بإعادة عن. # (لأن هذا يوهم شبهة الإرسال) أي يحتمل أن يكون ترك راويا آخر بينهما ~~لإفادة علو الإسناد؛ لأنه يجوز أن يقل لمن لم يكن وقت النبي PageV03P1361 # عليه السلام: عن النبي عليه السلام أنه قال: كذا، وهذا لأنه لو قال: ~~حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله عليه السلام كان هو صادقا، وإن حدثه فلان ~~بواسطة عشرة رواة، وأما إذا قال: حدثنا فلان قال حدثنا فلان إلى أن قال: ~~حدثنا رسول الله عليه السلام كذا- لم يبق فيه شبهة الإرسال؛ لأن ذلك يستعمل ~~في المشافهة. # (مثل قول سفيان الثوري حدثني أبو سعيد) أراد به الحسن البصري. # (مثل الكلبي وأمثاله) كالحسن البصري ومسروق، ........... PageV03P1362 # وعلقمة، (وقد يحسن في منزل القدوة ما يقبح في منزل العزلة) كالمزاح بالجد ~~وأكل الأطعمة الشهية، وتكثير الاختلاط بالناس وتقبيل امرأته وهي صائمة أو ~~حائض أو هو صائم. # (وينعكس ذلك مرة) بان يحسن في منزل العزلة ويقبح في منزل القدوة، وذلك ~~عكس ما ذكرناه، وإن تجانب امرأته في الليل والنهار ترك الاختلاط بالناس. PageV03P1363 # ألا ترى إلى معاملة موسى عليه السلام مع العبد الصالح كيف حسن عنده ما ~~قبح عند موسى عليه السلام، وموسى عليه السلام كان من أهل القدوة، والعبد ~~الصالح من أهل العزلة، فقال له موسى حين قتل نفسا منكرا لقتله: {أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس} ms528 فحسن قتل النفس عنده، وقبح عند موسى عليه السلام، ولذلك يجب ~~على المفتي أن يأمر الناس في بعض المواضع بأخ الرخص كما في ماء الحمام ~~وغيره تيسيرا عليهم، ولا يرضاه الزهاد من المجاهدين. # (ومثال ذلك) أي ومثال ما لا يعد ذنبا في الشريعة؛ (الركض): در ائيدن ستور ~~باي زدن من حد نصر. # (وطعن بعضهم بالمزاح). المزح: الدعاء به من حد منع، والاسم المزاح- ~~بالضم-، وأما المزاح- بالكسر- فمصدر مازحة. كذا في ((الصحاح)) فكان هاهنا ~~بالكسر بدلالة قوله: (بركض الدابة) (وهو أمر ورد به الشرع)، PageV03P1364 # وهو ما روي عن النبي عليه السلام حيث قال لمن سأله الناقة: ((لأحملنك على ~~ولد الناقة، فقال السائل: كيف يطيق لي ولد الناقة! فقال النبي عليه السلام: ~~كل ناقة ولد الناقة)) فقال السائل: كيف يطيق لي ولد الناقة، ومثله أيضا ~~حديث العجوز وهو معروف. # (وهذا أثبت متنا من حديث أبي سعيد) الخدري- رضي الله عنه- أي PageV03P1365 # حديث عبد الله بن ثعلبة بن صغير العذري- رضي الله عنه- أثبت متنا؛ لأن ~~فيه الأمر بأداء نصف صاع من بر. # وأما متن حديث أبي سعيد الخدري ((كنا نؤدي على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صاعا منا لحنطة)) فليس فيه ما يدل على الوجوب لاحتمال أن يكون ~~ذلك PageV03P1366 # زيادة على الواجب، ونحن لا ننكر ذلك. # (وقد ذكرنا بعضه فيما تقدم) وهو نحو عمل الراوي بخلافه بعد ما بلغه ~~الحديث، ونحو الإنكار والامتناع عن العمل. (ومن طلبها في مظانها) وهي كتب ~~الجرح والتعديل. # (التعارض): هو أن يتعرض لحكم الدليل الأول بالإبطال لا لنفس الدليل ~~والتناقض: هو أن يتعرض للدليل الأول بالإبطال على وجه لا PageV03P1367 # يبقى هو حجة أصلا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # * * * PageV03P1368 ### || AUTO باب المعارضة # (وإذا ثبت أن التعارض ليس بأصل) لما أنه من أمارات العجز- تعالى الله عن ~~ذلك- (كان الأصل في هذا الباب طلب شيء يدفع المعارضة) ليكون العمل بالأصل، ~~وذلك أن يطلب التاريخ، فإن علم اندفعت المعارضة أو يوفق بينهما كما فعلنا ~~في قوله عليه السلام: ((القلس حدث)) مع قول الراوي: PageV03P1369 # ((أنه عليه ms529 السلام قاء فلم يتوضأ)) غير ذلك. # (وإذا جاء العجز وجب إثبات حكم التعارض) وهو تقرير الأصول، (وهذا الفصل) ~~أراد به باب المعارضة. # وحكم المعارضة (بين سنتين نوعان: المصير إلى القياس وأقوال الصحابة على ~~الترتيب في الحجج إن أمكن) يعني إن ترتيب الحجج أن يبدأ PageV03P1370 # بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة ثم بالقياس، وهذا مستقيم على ما ~~اختاره أبو سعيد البردعي- رحمه الله- فإن عنده تقليد الصحابي واجب مطلقا ~~فيما يدرك بالقياس أو لا يدرك، وعلى قول الشيخ أبي الحسن الكرخي- رحمه ~~الله- تقليد الصحابي فيما يدرك بالقياس ليس بواجب بل يعمل المجتهد التابعي ~~برأيه على ما سيأتيم بيانه إن شاء الله تعالى فيكون على قود كلامه المصير ~~إلى القياس أو أقوال الصحابة. PageV03P1371 # ثم نظير قوله: ((وحم المعارضة بين آيتين المصير إلى السنة)) قوله تعالى: ~~{فاقرءوا ما تيسر من القرآن} وهذا في حق الصلاة بإجماع أهل التفسير عليه ~~وبدليل سياق الآية وسابقها، وهو مقتض لوجوب القراءة على المقتدي كما في ~~سائر الأركان من الركوع والسجود، حيث لا تسقط سائر الأركان من المقتدي ~~بإتيان الإمام لها فكذا في القراءة، وقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا} يقتضي أن لا تجوز منه القراءة؛ لأن القراءة تخل ~~بالاستماع وهذا الخطاب للمقتدين. على هذا أكثر أهل التفسير، فلما تعارضت ~~الآيتان بهذا الطريق رجعنا إلى السنة، وهي ما قال النبي عليه السلام: ((من ~~كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة))، وقال في الحديث المعروف: ((وإذا كبر ~~فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا))، ومنع المقتدي عن القراءة PageV03P1372 # خلف الإمام مروي عن ثمانين نفرا من كبار الصحابة- رضي الله عنهم- فأخذنا ~~بالسنة. # وكذلك وقع التعارض بين قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~وهذا نص عام يتناول السراق كلها من المستأمن وغيره، وبين قوله تعالى في ~~المستأمن: {ثم أبلغه مامنه} فإنه يقتضي أن لا تقطع يد السارق المستأمن؛ لأن ~~الإبلاغ سالما إلى مأمنه وجب بالنص، وقطع يده ينفي الإبلاغ سالما إلى مأمنه ~~كما كان، فلما وقع التعارض بينهما بهذا الطريق رجعنا إلى ما روى سعيد بن ms530 ~~جبير عن علي- رضي الله عنهما- بالإبلاغ إلى PageV03P1373 # مأمنه كما كان. # ذكره في ((الكشاف)) وأخذنا به، وعلى هذا كان نص الإبلاغ إلى مأمنه مخصصا ~~لعموم قوله تعالى: {والسارق والسارقة} على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وأما نظير المصير إلى القياس بعد التعارض بين سنتين فكثير، فمنه حد ~~التيمم في اليدين. # قال الأوزاعي والأعمش: إلى الرسغين. PageV03P1374 # وقال علماؤنا، والشافعي: إلى المرفقين، وبكل واحد منهما وردت السنة، فلما ~~تعارضت السنتان رجعنا إلى القياس، وقلنا: إن التيمم بدل عن الوضوء، ثم ~~الوضوء في اليدين إلى الموفقين، فكذا في التيمم. # ومنه ما قال علماؤنا- رحمهم الله- إن المني نجس. # وقال الشافعي: إنه طاهر لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: PageV03P1375 # ((المني كالمخاط فامطه عنك ولو بإذخرة)). # ولنا قوله عليه السلام لعمار بن ياسر رضي الله عنه: ((إنما يغسل الثوب من ~~خمسة- فمنها المني)) فلما تعارضتا رجعنا إلى القياس، فقلنا: إنه خارج من ~~البدن الاغتسال بخروجه، فكان نجسا كدم الحيض. كذا في ((المبسوط)) ومنه ما ~~قال علماؤنا في صلاة الكسوف: غنها ركعتان كل ركعة PageV03P1376 # بركوع وسجدتين. # وقال الشافعي- رحمه الله-: كل ركعة بركوعين وسجودين، وعلى وفق كل واحد من ~~القولين ورد الحديث، فلما تعارض الحديثان فيه رجعنا إلى القياس، وذلك فيما ~~قلناه؛ لأن كل ركعة في سائر الصلوات بركوع وسجدتين، فكذا في صلاة الكسوف. # (لأن القياس لا يصلح ناسخا)؛ لأن النسخ عبارة عن بيان انتهاء حسن PageV03P1377 # المشروع، وهو لا يعرق بالقياس، وهذا ظاهر لما أن القياس لا يصلح ناسخا ~~للكتاب والسنة؛ لأن الضعيف لا يصلح ناسخا للقوي، وكذلك لا يصلح أن يكونا ~~لقياس ناسخا لقياس آخر؛ لأن شبهة الحقية في كل واحد من الاجتهادين ثابتة، ~~فلم يكن أحدهما أولى من الآخر قطعا بخلاف النصين؛ لأن العمل بالسابق منهما ~~باطل فوجب العمل بالمتأخر ضرورة، وهذا لأن وضع الشرع القياس إنما كان لأجل ~~العمل، فكل مجتهد في حق العمل مصيب، فكان كل واحد من الاجتهادين أعني ~~السابق والمتأخر صوابا في حق العمل على ما هو عليه وضع القياس، فلما كان كل ~~واحد من ms531 الاجتهادين في حق احتمال الصواب سواء وجب الخيير بينهما لكن بشهادة ~~القلب ليترجح أحدهما على الآخر بشهادة القلب على ما قال عليه السلام: ~~((المؤمن ينظر PageV03P1378 # بنور الله تعالى)) وقال الله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه}. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: # فأما إذا وقع التعارض بين القياسين فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر ~~بدليل شرعي وذلك قوة في أحدهما لا يوجد مثله في الآخر يجب العمل بالراجح، ~~ويكون ذلك بمنزلة معرفة التاريخ في النصوص، وإن لم يوجد ذلك فإن المجتهد ~~يعمل بأيهما شاء لا باعتبار أن كل واحد منهما حق أو صواب، فالحق أحدهما ~~والآخر خطأ على ما هو المذهب عندنا في المجتهد أنه يصيب تارة ويخطئ أخرى، ~~ولكنه معذور في العمل به في الظاهر ما لم يتبين له الخطأ بدليل أقوى من ذلك. # وإنما قلنا: إن القياس لا يصلح ناسخا لقياس آخر لما أن شرط المعارضة لا ~~يوجد في تعارض القياسين، فلم يكن بينهما تعارض في الحقيقة لما أن PageV03P1379 # شرط التعارض أن يكون كل واحد من المتعارضين موجبا على وجه يجوز أن يكون ~~ناسخا للآخر إذا عرف التاريخ بينهما كما قلنا في التعارض بين الآيتين، ولا ~~يقع التعارض بين القياسين؛ لأن أحدهما لا يجوز أن يكون ناسخا للآخر؛ لأن ~~النسخ لا يكون إلا فيما هو موجب للعلم، والقياس لا يوجب ذلك، ولا يكون ذلك ~~إلا عن تاريخ وذلك لا يتحقق في القياسين؛ لأنه هو الوصف المؤثر، والتأثير ~~يثار من النص، ولا يمكن أن يكون أحدهما أولا والآخر آخرا. # (ولا ثوب معه غيرهما عمل بالتحري لضرورة وقوع العمل بلا دليل وهو الحال)، ~~أي إن لم يعمل بالتحري يلزم العمل باستصحاب الحال، وهو ليس بدليل. # (عمل بشهادة قلبه من غير مجرد اختيار) أي لا يختار جهة من الجهات من غير ~~تحري؛ بل يتحرى ويختار ما يقع عليه تحريه. هكذا ذكره الإمام بدر الدين ~~الكردري- رحمه الله-. PageV03P1380 # (وإذا عمل بذلك لم يجز نقضه إلا بدليل فوقه يوجب نقض ms532 الأول) يعني إذا عمل ~~بأحد القياسين صار ذلك العمل لازما لم يجز نقض ذلك العمل إلا بدليل فوقه، ~~وهو أن يظهر نص بخلافه فحينئذ يتبين به أن العمل كان باطلا؛ لأن صحة ~~الاجتهاد عند عدم النص، وكذلك إذا عمل بأحد القياسين بشهادة القلب لا يجوز ~~له العمل بالقياس الآخر؛ لأنه بشهادة القلب ترجح جهة الصواب فيه، فيلزم من ~~ذلك ترجيح جهة الخطأ في القياس الآخر بخلاف التخيير في كفارة اليمين، فإنه ~~إذا اختار الإطعام في حنث يمين يجوز له أن يختار الكسوة في حنث يمين أخرى؛ ~~لأن كل واحد منهما يقيني ولا كذلك القياس؛ لأن الصواب في أحدهما. هذا هو ~~الكلام في العمل بأحد القياسين فيما مضى. # فأما العمل بالقياس الآخر في المستقبل فعلى ما ذكر في الكتاب. # (ولم ينقض التحري باليقين في القبلة) بهذا يثبت الفرق بين هذا وهو مسألة ~~القبلة وبين ما إذا عمل بأحد القياسين، فإنه إذا وجد دليلا هناك فوقه من ~~كتاب أو سنة يخالفه ينتقض ما علمه بالقياس، وفي مسألة القبلة لا ينتقض، ~~فقال: والفرق بينهما أن ما حصل له من اليقين في مسألة القبلة لم يكن موجودا ~~وقت تحريه، وإنما حدث له اليقين بعد ما أمضى ما أمضى بتحريه PageV03P1381 # واجتهاده، فصار ذلك بمنزلة عمل عمله باجتهاده وقت حياة النبي عليه ~~السلام، ثم نزل نص بخلافه لا يكون دليل بطلان عمله؛ لأن ذلك النص لم يكن ~~موجودا وقت اجتهاده وإنما حدث بعده. # وأما الاجتهاد في زماننا فإنه إذا وجد نص بخلافه ينتقض ما عمله ~~بالاجتهاد؛ لأن النص المقتضي لبطلانه كان موجودا وقت اجتهاده فيبطل ما عمله ~~باجتهاده؛ لأن شرط الاجتهاد وهو عدم النص لم يكن موجودا وقت عمله ~~بالاجتهاد، والتقصير إنما وقع منه حيث لم يطلب النص حق الطلب، فكان هذا ~~بمنزلة من تحري في ثوبين له أحدهما نجس والآخر طاهر وهو لا يجد ثوبا فإنه ~~يصير إلى التحري بتحقق الضرورة، وإذا صلى بأحدهما بتحريه ثم علم أن النجس ~~كان هو يعيد ما صلى. # وذكر ms533 الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هنا بطريف السؤال والجواب فقال: فإن ~~قيل: أليس أنه لو تحرى عند اشتباه القبلة وصلى صلاة إلى جهة ثم وقع تحريه ~~على جهة أخرى يجوز له أن يصلي في المستقبل إلى الجهة الثانية ولم يجعل ذلك ~~دليلا على أن جهة القبلة ما أدى إليه اجتهاده في الابتداء؟ # قلنا: لأن هناك الحكم بجواز الصلاة إلى تلك الجهة لا يتضمن الحكم بكونها ~~جهة الكعبة لا محالة. # ألا ترى أنه وإن تبين له الخطأ بيقين بأن استدبر الكعبة جازت صلاته، وفي ~~الثوب من ضرورة الحكم بجواز الصلاة في ثوب الحكم بطهارة ذلك PageV03P1382 # الثوب، حتى إذا تبين أنه كان نجسا تلزمه إعادة الصلاة، والعمل بالقياس من ~~هذا القبيل، فإن صحة العمل بأحد القياسين يتضمن الحكم بكونه حجة للعمل به ~~ظاهرا، ولهذا لو تبين نص بخلافه بطل حكم العمل به، فلهذا كان العمل بأحد ~~القياسين مانعا له من العمل بالقياس والآخر بعده ما لم يتبين دليل أقوى منه. # والحاصل أن فيما ليس فيه احتمال الانتقال من محل إلى محل إذا تعين المحل ~~لعمله لا يبقى له خيار بعد ذلك كالنجاسة في الثوب فإنها لا تحتمل الانتقال ~~من ثوب إلى ثوب، فإذا تعين لصلاته في أحد الثوبين صفة الطهارة فيه والنجاسة ~~في الآخر لا يبقى له رأي في الصلاة في الثوب الآخر ما لم تثبت طهارته بدليل ~~موجب للعلم، وفي باب القبلة فرض التوجه يحتمل الانتقال من جهة إلى جهة أخرى ~~على ما ذكره في الكتاب إلى آخره. # (بمنزلة نص نزل بخلاف الاجتهاد). وقوله: ((بخلاف)) متصل بما يليه وهو ~~قوله: ((نص نزل)) يعني لو اجتهد مجتهد في حياة النبي عليه السلام وعمل به ~~ثم نزل نص بخلاف اجتهاده بعد ما عمل باجتهاده لم ينتقض ما عمل باجتهاده؛ ~~لأن النص لم يكن موجودا في ذلك الوقت، فكان شرط صحة الاجتهاد موجودا، وكذلك ~~لو حدث انعقاد الإجماع على خلاف ما لو اجتهد بعد ما أمضى حكم الاجتهاد لا ~~يظهر بطلان حكم الاجتهاد كما ذكرنا. PageV03P1383 # (وانتقل ms534 من عين الكعبة إلى جهتها) يعني إذا بعد من مكة ومن جهة الكعبة ~~إلى سائر الجهات إذا كان راكبا فإنه يصلي حيثما توجهت راحلته، فبعد ما صلى ~~إلى جهة بالتحري إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضا؛ لأن ~~الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة، وإنما يتحقق هذا إذا ~~صلى إلى الجهة التي وقع عليه تحريه، وكذلك حكم العمل بالقياس في المجتهدات، ~~فإن القضاء الذي نفذ بالقياس في مجل لا يحتمل الانتقال على محل آخر فيلزم ذلك. # فأما في الحادثة التي لم يتصل بها القضاء فمحتمل للانتقال. # (وكذلك في سائر المجتهدات في المشروعات القابلة للانتقال) يعني كما أنه ~~يعمل بتبدل الرأي في القبلة حالة التحري في المستقبل يعمل في سائر ~~المجتهدات القابلة للانتقال بالرأي في المستقبل أيضا إذا استقر رأيه على أن ~~الصواب هو الثاني؛ لأن تبدل الرأي بمنزلة النسخ، يعني يعمل به في المستقبل ~~ولا يظهر بطلان ما مضى كما في النسخ الحقيقي. # (على تحري طهارته حقيقة أو تقديرا) يعني إذا كان أحد الثوبين طاهرا PageV03P1384 # حقيقة أو تقديرا بأن كان ربع الثوب طاهرا والآخر نجسا ولا يدري فإنه ~~يتحرى، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((صلى في ثوبه على تحري طهارته حقيقة أو ~~تقديرا)) يعني إذا وقع تحريه على ثوب بأنه طاهر فصلى فيه يحتمل أن يكون ذلك ~~الثوب طاهرا حقيقة أو تقديرا أي بحكم الشرع، فإنه لما وقع تحريه عليه بأنه ~~طاهر حكم الشرع هناك أيضا بطهارته حتى قال بجواز الصلاة التي صلى في ذلك ~~الثوب وإن كان هو نجسا في الحقيقة فكان طاهرا تقديرا. # فإذا تحول رأيه بعد ذلك أن الثوب الآخر طاهر لم يعتبر هذا الرأي وقلنا: ~~لا يجوز ما صلى في الثاني حتى يتيقن بطهارته؛ لأن الشرع لما حكم بكون الثوب ~~الأول طاهرا وكون الثاني نجسا وهو وصف لا يقبل الانتقال من ثوب إلى ثوب- ~~فلا يعتبر تبدل رأيه بعد ذلك بأن الثاني طاهر والأول نجس إلا عند التيقن ~~بأن الأول ms535 نجس فيبطل ما مضى كنص ظهر بعد العمل بالقياس بعد وفاة النبي عليه ~~السلام. # (ومثال القسم الثاني من القسم الرابع: سؤر الحمار والبغل) أراد من PageV03P1385 # القسم الرابع حكم المعارضة؛ لأنه وقع في القسم الرابع عند التعداد في ~~قوله: هو معرفة التعارض لغة وشرطه وركنه حكمه شريعة، ثم جعل حكم المعارضة ~~على قسمين- وإن لم يتلفظ به- الأول غير حال العجز بالعمل بالدليل أي المصير ~~إلى الحجة بعده إن أمكن. # والثاني: حال العجز بالعمل بالدليل وهو تقرير الأصول عند العجز وهذا الذي ~~ذكره هو حال العجز بالعمل بالدليل، فكان قسما ثانيا من القسم الرابع، ففي ~~حال العجز يجب تقرير الأصول أي إبقاء ما كان على ما كان من الطرفين، أعني ~~طرف أعضاء المحدث وطرف طهارة الماء، وهذا لأن الماء عرف طاهرا في الأصل فلا ~~يصير نجسا بالتعارض، وأعضاء المحدث عرفت موصوفة بالحدث فلا يزول عنه الحدث ~~باستعمال هذا الماء بالتعارض. # فوجه تعارض الأدلة في سؤر الحمار هو: أن الحمار يشبه الهرة من وجه ويشبه ~~الكلب من وجه على ما ذكر في ((النهاية)) وغيرها، فشبهه بالأول يوجب طهارة ~~سؤره، وشبهه بالثاني يوجب نجاسته، فتعارضا فوجب تقرير الأصول، ولا يمكن ~~المصير إلى القياس لتعارض الأصلين، وباقي التقرير مذكور في غير هذا الكتاب. PageV03P1386 # وقوله: (وهو منصوص عليه في غير موضع) أي نص محمد ن الحسن- رحمه الله- في ~~كثير من المواضع من ((المبسوط)) عل أن سؤر الحمار PageV03P1387 # طاهر، حتى قال في النوادر: لو غمس الثوب في سؤر الحمار تجوز الصلاة به. # (فسمي مشكلا) أي داخلا في إشكاله؛ لأن سؤر الحمار دخل في أشكال الماء ~~المطلق ودخل في أشكال الماء المقيد، فمن حيث إنه يجب استعماله في الوضوء به ~~لا يكتفي بالتيمم وحده عند وجوده وحده أشبه الماء المطلق، ومن حيث إنه لا ~~يزول به الحدث أشبه مار الورد، فوجب ضم التيمم إليه ليحصل ما هو المطهر ~~بيقين، (لا أنه يعني به الجهل) أي ليس المراد بأن سؤر الحمار والبغل مجهول ~~حكمه، بل حكمه وهو الطهارة معلوم، وكذلك حكم ms536 أعضاء المحدث على الحدث، وهو ~~أيضا معلوم لكن دخل هو في أشكال المطلق. # وفي أشكال الماء المقيد كما ذكرنا، أو معنى قوله: ((لا أنه يعني به ~~الجهل)) يعني بقولنا: ((إن سؤر الحمار مشكل)) أي داخل في أشكاله لا أن حكم ~~سؤر الحمار غير معلوم بل هو معلوم وهو وجوب التوضؤ بسؤر الحمار مع ضم ~~التيمم إليه، وإنما ذكر هذا لئلا يظن أن أدلة الشرع تؤدي إلى الجهل، فلا ~~تؤدي PageV03P1388 # الأدلة إليه لكن قد يؤدي إلى أن يدخل الشيء في أشكاله، وحكم المشكل هو: ~~التأمل فيه بعد الطلب، فيدرك المطلوب بالتأمل فيثبت به فضل العالم المتأمل ~~على الجاهل الكسلان بتوفيق الملك الديان. # (كذا الجواب في الخنثى المشكل) فإنه إذا لم يوجد فيه ما يترجح به جهة ~~الذكورة أو الأنوثة يجب تقرير الأصل عن تعارض الدليلين، فقلنا: الزائد على ~~نصيب البنت لم يكن ثابتا، فلا يثبت عند التعارض. # (وكذلك جوابهم في المفقود) حيث قالوا: إنه كان حيا فتبقى حياته فلا يرثه ~~أحد، ولا يرث هو غيره أيضا إذا مات أحد من أقاربه؛ لأن ماله لم PageV03P1389 # يكن ثابتا له فلا يثبت له بالشك، وهو معنى قول المشايخ: المفقود حي في ~~مال نفسه ميت في مال غيره يعني لا يرثه أحد ولا يرث هو أحدا. # (ومثال ما قلنا في الفرق بين ما يحتمل المعارضة وبيم ما لا يحتملها أيضا ~~الطلاق والعتاق في محل مبهم). بيانه أنه إذا قال لامرأتين به: إحداكما ~~طالق، أو قال لأمتيه: إحداكما حرة. إن له الخيار في البيان، وهو نظير ~~قياسين إذا تعارضا؛ (لأن وراء الإبهام محلا يحتمل التصرف) أي لأن غير ~~الموقع من الطلاق والعتاق بطريق الإبهام محل يحتمل التصرف فيصح تصرفه، ولأن ~~تعيين المحل كان مملوكا له شرعا كابتداء الإيقاع، ولكنه بمباشرة الإيقاع ~~أسقط ما كان له من الخيار في التعيين، يعني كان له في ولايته تصرفان: إيقاع ~~أصل الطلاق وتعيين المحل، فلما طلق إحداهما مبهما خرج أحد التصرفين من يده ~~وبقي الآخر في يده كما كان، وهو ms537 تعيين المحل بناء على الملك، فصح القول ~~بالاختيار بتعيين المحل؛ لأن الملك عبارة عن المطلق الحاجز فيبقى ذلك ~~الخيار ثابتا له شرعا، فكان نظير تعارض القياسين من حيث إن له الخيار في كل ~~واحد منهما بالبيان، كما أن له الخيار في كل واحد من القياسين بالعمل. PageV03P1390 # (وإذا طلق عينا ثم نسي لم يجز الخيار بالجهل)، فكان هو نظير النصين إذا ~~تعارضا؛ لأن العمل بأحدهما باطل بيقين كما في هذه الصورة، فلا يكون له ~~اختيار أحدهما؛ لأنه قد خرج الأمران من يده؛ لأن الإبهام جاء من نسيانه، ~~فلو بالاختيار إنما قلنا باعتبار جهله، وجهله لا يصلح دليلا شرعيا كما نقول ~~في النصين. # وكذلك في إعتاق أحد المملوكين بعينه ثم نسي لا يثبت له خيار البيان؛ لأن ~~الواقع من الطلاق والعتاق لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل آخر، وإنما ثبت ~~المعارضة بين المحلين في حقة لجهلة بالمحل الذي عينه عند الإيقاع، وجهله لا ~~يثبت له الخيار شرعا، فكان كجهله بالناسخ من المنسوخ، فلا يثبت له الخيار ~~هناك فكذا هنا، وكذلك لا يصار هاهنا إلى تقرير الأصل وهو أنها كانت حلالا ~~فتبقى حلالا أي لا يقال هكذا لوقوع الحرمة بيقين وبطلان الأصل وهو العمل ~~باستصحاب الحال، ولا مدخل للتحري في باب الفروج أيضا لانعدام مسام الحاجة ~~وتغلظ حرمته. # (وذلك خمسة أوجه) فوجه الانحصار على هذه الخمسة هو أن اختلاف PageV03P1391 # الحجتين وتغايرهما لا يخلو إما أن كان الاختلاف في ذاتيهما أو لم يكن في ~~ذاتيهما، فإن لم يكن في ذاتيهما، فلا يخلو إما كان لمعنى يعقبهما وهو ~~الحكم، أو لمعنى قائم بهما على الخصوص وهو الحال، أو لمعنى قائم بهما لا ~~على الخصوص وهو الزمان، فإن الزمان ظرف كل الأشياء المحدثة، ثم اختلاف ~~الزمان لا يخلو من أحد الوجهين، وهما: الصريح والدلالة، فلما لم يفت ~~الانحصار عن هذه الخمسة تعينت هذه الخمسة له. # (مثل المحكم لا يعارضه المجمل) مثل قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فإنه ~~محكم في نفي المماثلة فلا يعارضه قوله: {الرحمن ms538 على العرش استوى} لأنه ~~يحتمل معاني منها ما توجب التشبيه ومنها ما لا توجب، فلا يثبت التعارض ~~بينهما في الحقيقة، لأن ركن المعارضة تساوي الحجتين، وهذا أيضا نظير تعارض ~~المتشابه مع المحكم. # فأما نظير تعارض المجمل مع الظاهر فهو أن يستدل مستدل في حل البيع PageV03P1392 # في مسألة بقوله تعالى: {وأحل الله البيع} فيعارضه معارض في عدم الجواز ~~بقوله تعالى: {وحرم الربا} فيجيب المعلل بأنه مجمل والمجمل لا يعارض ~~الظاهر، (وأمثاله كثيرة لا تحصى). # ومن تلك الامثال ما إذا كان أحد النصين محتملا للخصوص فإنه ينتفي معنى ~~التعارض بتخصيصه بالنص الآخر. وبيانه من الكتاب في قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} وقوله تعالى في المستأمن: {ثم أبلغه مامنه} فإن ~~التعارض يقع بين النصين ظاهرا، ولكن قوله: {فاقطعوا أيديهما} عام يحتمل ~~الخصوص فجعلنا قوله تعالى: {ثم أبلغه مامنه} دليل تخصيص المستأمن من ذلك. # ومن السنة قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها فإن ذلك وقتها)) ونهيه عن الصلاة في ثلاث ساعات، فالتعارض بين النصين ~~ثبت ظاهرا، ولكن قوله عليه السلام: ((فليصلها إذا ذكرها)) PageV03P1393 # بعرض التخصيص فيجعل النص الآخر دليل التخصيص حتى بنتفي به التعارض. كذا ~~ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # (وأما الحكم إي دفع المعارضة بالحكم فإن الحكم الثابت بالنصين إذا اختلف ~~عند التحقيق بطل التعارض)؛ لأن المعارضة في الحقيقة بإثبات ما نفاه الآخر ~~أو بنفي ما أثبته الآخر مع الشرائط المذكورة، فإذا كان حكم كل واحد منهما ~~غير الآخر لم يتحقق نفي الإثبات ولا إثبات النفي، كما إذا قال: جاءني زيد، ~~ثم قال: لم يجئ عمرو لا يكون معارضا البتة، ولو قال: في الدار إنسان في هذا ~~الزمان، ثم قال: ليس في الدار حيوان في هذا الزمان لم يجعلوا هذا مناقضة ~~وإن كان يلزم فيه نفي ما أثبته وإثبات ما نفاه ضمنا لا قصدا، ففي الذي لا ~~يكون إثبات ما نفاه أو نفي ما أثبته لا صمنا ولا قصدا أولى أن لا يكون ~~معارضة. # إذا ثبت ms539 هذا قلنا في (قوله تعال: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}). ~~فالغموس داخل في هذه الآية؛ لأنه مما كسبته القلوب فتكون المؤاخذه في ~~الغموس ثابتة. وقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم PageV03P1394 # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين}. # (فالغموس داخل في اللغو)؛ لأن كل واحد منهما خال عن فائدة اليمين؛ لأن ~~فائدة اليمين هي التقوى باليمين على فعل في المستقبل أو على ترك فعل في ~~المستقبل، وهو إخبار عن الأمر في الماضي فلا يكون يمينا، فعلم بسياق هذه ~~الآية وهي قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} أن المراد بنفي ~~المؤاخذة نفي المؤاخذة في دار الابتلاء، والمراد بإثبات المؤاخذة في قوله: ~~{ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} المؤاخذة في دار الجزاء؛ لأنها ذكرت مطلقة ~~غير مقيدة بكذا وكذا، فالمؤاخذة المطلقة تكون في دار الجزاء، فإن الجزاء ~~بوفاق العمل. # فأما في الدنيا فقد يبتلى المطيع ليكون تمحيصا لذنوبه وينعم على العاصي ~~استدراجا فبهذا الطريق يبين أن الحكم الثابت في أحد النصين غير الحكم ~~الثابت في الآخر، وإذا انتفت المدافعة بين الحكمين ظهر المخلص عن التعارض. PageV03P1395 # (فلا يصح أن يحمل البعض على البعض)، وهذا نفي قول الشافعي فإنه حمل البعض ~~على البعض، وبيان ذلك قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} محمول ~~على الغموس، فإن الغموس مما كسبته القلوب، ثم الله تعالى فسر ذلك في سورة ~~المائدة بقوله: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} الآية، والعقد عقد القلب ~~لا العقد الذي هو ذد الحل، والعقد يحتملهما، يقال: عقد الحبل وهذا لا يشكل، ~~ويحتمل عقد القلب. # يقال: عقدت قلبي على كذا واعتقدت ذلك، ولي مع فلان عقيدة، وقوله تعالى: ~~{ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} مفسر بعقد القلب فصار بيانا لما هو مجمل ~~وهو قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فحمل الشافعي ذلك على ~~عقد القلب. # والمؤاخذة في قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} محتملة، والمؤاخذة ~~المذكورة في قوله: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} مفسرة بقوله: {فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين} الآية. # فتبين ms540 بتلك الآية أن المؤاخذة المذكرة في قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} المؤاخذة بالكفارة، لكننا نقول: ذلك الذي قاله الخصم من حمل ~~المحتمل على المفسر إنما يكون عند وجود المعارضة ينهما، والمعارضة غير ~~ثابتة بينهما لما ذكرنا من حمل كل واحدة منهما على دار على حدة من دار ~~الابتلاء ودار الجزاء، وقوله: ((لأن المؤاخذة المثبتة مطلقة)) متصل بقوله: PageV03P1396 # ((سقط التعارض)). # (وأمثاله كثيرة)، ومن تلك الأمثال حمل الشافعي النص المطلق على النص ~~المقيد كما في حمل كفارة اليمين والظهار على كفارة القتل في اشتراك إيمان ~~الرقبة. # {حتى يطهرن} بالتخفيف يدل على انهاء حرمة القربان إلى انقطاع دم الحيض. # يقال: طهرت المرأة إذا انقطع دم الحيض عنها، فلا يجوز أن تنتهي حرمة ~~القربان إلى الاغتسال؛ لأنه انتهى قبل الاغتسال بانقطاع الدم، فمن المحال ~~أن لا تنتهي حال وجود الانتهاء، وقوله: {حتى يطهرن} بالتشديد يدل على ~~انتهاء حرمة القربان إلى الاغتسال، فيرى أنه لا تنتهي حرمة القربان حال ~~انتهاء حرمته بانتهاء الحيض بتمام العشرة وهو محال. # فلذلك حمل قراءة التشديد على ما دون العشرة لتنتهي حرمة القربان PageV03P1397 # بالاغتسال، وقراءة التخفيف تحمل على العشرة لتنتهي هي بانقطاع دم الحيض، ~~فانعدم التعارض. # (ولا يستقيم التراخي إلى الاغتسال لما فيه من بطلان التقدير) وهو أن أكثر ~~الحيض عشرة لا غير، فلو جعلنا حكم امتداد الحيض إلى وقت الاغتسال حينئذ ~~تلزم الزيادة على التقدير الشرعي وهي لا تجوز وإن قلت، ولأنا لو قلنا بحرمة ~~القربان إلى وقت الاغتسال بعد تمام العشرة إنما تكون هي بسبب أن الحيض باق ~~بعد؛ لأن حرمة القربان إنما كانت لوجود الحيض وهو لا يكون بعد تمام العشرة ~~فلا يصح وقف حل الوطء بعد تماما لعشرة إلى وجود الاغتسال كذلك. # (لأن ذلك هو المفتقر إلى الاغتسال)؛ لأنه يحتمل البلوغ إلى العشرة فلا ~~يكون هذا الانقطاع محكما بل مترددا فكان مفتقرا إلى مؤيد وهو PageV03P1398 # الاغتسال. # (فصح ذلك) الحمل وهو حمل الخفض على حالة الاستتار وحمل النصب على حالة ~~عدم الاستتار. # وقوله: (لأن الجلد أقيم ms541 مقام بشرة القدم) جواب سؤال مقدر بان يقال: كيف ~~يكون هذا عملا بالآية، والآية تقتضي المسح على الرجل، وأنت توجبه على الخف؟ # فقال في جوابه: هذا يعني أن هذا صح بطريق المجاز، يعني ذكر مسح الرجل ~~وإرادة مسح الخف لكون الخف قائما مقام بشرة القدم جائز، فصار مسح الخف ~~بمنزلة مسح الرجل وإن لم يكن مسح الرجل جائزا؛ إلا أنه يصح إطلاق مسح الخف ~~على مسح الرجل بطريق المجاز. # وأما في الحقيقة فلا؛ لأنه لا جواز للمسح على الرجل حتى يكون هذا خلفه/ ~~(فصار مسحه بمنزلة غسل القدم)، وفي بعض النسخ: بمنزلة مسح القدم، وهذا ~~ظاهر؛ لأن الجلد لما أقيم مقام بشرة القدم صار المسح على الخف كالمسح على ~~القدم لوجود مجوز المجاز وهو ذكر الرجل وإرادة الخف في قوله PageV03P1399 # تعالى: {وأرجلكم} بالخفض؛ لأن الخف ملتبس بالرجل فصح ذكر الرجل وإرادة الخف. # وأم قوله: ((بمنزلة غسل القدم)) فمعناه أن الجلد لما قام مقام بشرة القدم ~~كان المسح مصادفا لبشرة القدم تقديرا لمنزلة الغسل يصادف بشرة القدم ~~تحقيقا. # (المباهلة): الملاعنة من البهلة وهي: اللعنة، ويروى ((من شاء لاعنته)) ~~وذلك أنهم كانوا إذا اختلفوا في شيء اجتمعوا، وقالوا: بهلة الله على الظالم ~~منا فجعل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- التأخر دليل النسخ فعرفنا أنه ~~كان معروفا فيما بينهم أن المتأخر من النصين ناسخ للمتقدم. # (وكان ذلك ردا على قول من قال بأبعد الأجلين)، فكان علي- رضي الله PageV03P1400 # عنه- يقول " تعتد بأبعد الأجلين " (1) إما بوضع الحمل أو بأربعة أشهر ~~وعشر؛ لأن قوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} (2). يوجب ~~عليها العدة بوضع الحمل، وقوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} (3) ~~يوجب عليها العدة بأربعة أشهر وعشر فجمع بينهما احتياطا، وجوابه ما ذكره ~~ابن مسعود - رضي الله عنه - أعني أن العمل بهذا الطريق إنما يكون عند العجز ~~عن علم التاريخ. # وأما إذا عليم أن قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن}. آخرهما تاريخا ~~فيعمل به لا بغيره. # (لأنا نعلم أنهما وجدا في زمانين)؛ لأن نزولهما في زمان واحد ms542 محال ~~للتناقض، ثم يقول كان المحرم آخر لكونه متيقنا في النسخ وكون المبيح محتملا ~~في النسخ؛ لأنه لو تقدم كان مقررا للإباحة ولو تأخر كان ناسخا، PageV03P1401 # والمحرم ناسخ تقدم أو تأخر، فكان الأخذ بالمحكم أولي، ولان المحرم إذا ~~تقدم يتكرر النسخ ولو تاخر لا يتكرر، فكان الأخذ بعدم تكرار النسخ أولي؛ إذ ~~الأصل هو البقاء علي حاله، ولان في القول بتأخر المحرم أخذا بالإحتياط، وفي ~~جعل المبيحناسخا مع احتمال كون المحرم آخرترك الإحتياط؛ لأنه تلزمه العقوبة ~~بارتكاب المحرم فكان القول بتأخر المحرم أولي (1). # وقوله: (ولسنا نقول بهذا في أصل الوضع) أي لا نقول بأن الإباحة أصل في ~~أصل وضع الشرع (2) بأن يقال لا حرمة في الأشياء كلها في الأصل PageV03P1402 # في أصل وضع الشرع؛ (لأن البشر من وقت آدم عليه السلام غلي وقتنا هذا لم ~~يتركوا سدي) أي مهملا عن التكليف في وقت من الأوقات. # قالي تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} وفي التكليف حظر وتحريم ~~لأشياء واباحة لأشياء فلو قلنا بأن الإباحة أصل في الأشياء في أصل وضع ~~الشرع يلزم ارتفاع التكليف، فكان هذا القول مناقضا لقوله تعالى: {وإن من ~~أمة إلا خلا فيها نذير} وهو لا يصح، وفي " الكشاف "في تفسير هذه الآية: # فإن قلت: كم من أمة في الفترة بين عيسي ومحمد عليهما السلام ولم يخل فيها ~~نذير؟ PageV03P1403 # قلت: إذا كانت إثارة النذارة باقية لم تخل من نذير إلي أن تندرس وحين ~~اندرست (1) آثار نذارة عيسي عليه السلام بعث الله تعالى محمدا عليه السلام (2). # وذكر في " التيسير " قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} ~~(3)، ثم إن أهل الإباحة من المتصوفة (4) الجهلة حملوا الكلام في قوله ~~تعالى: {لكم} علي الإطلاق والإباحة مطلقا، وقالوا لا حظر ولا حرج ولا نهي ~~ولا أمر، وإذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة سقطت الخدمة وزالت الحرمة، ~~فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه، ولا يمنعه ما يريده ويطلبه، وهذا منهم كفر ~~صراح وخروج من الإيمان بإفصاح، وقد نهي الله تعالى، وأمر، ms543 وأباح، وحظر، ~~ووعد، وأوعد، وبشر، وهدد، والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة، فمن حمل هذه ~~الآية الإباحة المطلقة فقد انسلخ من الدين بالكلية. # والمحمل الصحيح ما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما-: خلق لمنافعكم PageV03P1404 # ومصالحكم، وشرحه أن جميع ما في الدنيا لدفع حوائجكم وقوام معايشكم، فلا ~~بقاء عادة للبشر إلا بالطعام والشراب ودفع الحر والبرد بالأكنان والأثواب، ~~وقد هييء ذلك كله فيها لكم، وفيها أيضا زوائد عن الضروريات من تناول ~~الطيبات، والتجمل بأنواع الزينات، والتقلب في وجوه اللذات، والاسترواح ~~بأنواع الراحات، فالسماء سقفكم، والشمس سراجكم، والقمر نوركم، والنجوم ~~هداكم، إلي ان قال: وما الحيوانات الضارة المؤذية والأعيان النجسة الخبيثة ~~ففيها تذكير عقوبات الجحيم ومعرفة النعم في أضدادها، وهو نفع عظيم. # وأعظم ذلك كله نفع الاستدلال بها علي وحدانية الله تعالى قال الله تعالى: ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}، فالبناء دليل علي الباني .... إلي آخره. # قلت: أما الذي قال هاهنا هذا بناء علي قول من جعل الإباحة أصلا فليس هذا ~~الذي يجعل الإباحة أصلا من أهل تلك الإباحة من المتصوفة الجهلة الذين PageV03P1405 # ذكرهم في" التيسير " فإنهم كفرة حيث كفروا بقولهم: لا حظر ولا حجر ولا ~~نهي أصلا علي ما ذكر في " التيسير "، يعنون بذلك لا قبل بعثة النبي عليه ~~السلام ولا بعد بعثته علي ما اقتضي ذلك دليلهم. # وأما الذي ذكر هنا فهو طريقة بعض مشايخنا فإنهم قالوا: الإباحة أصل إلي ~~أن يرد التحريم، فإذا ورد التحريم يحرم. # وقد ذكر الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله - في " أصول الفقه ~~" فقال: # وبيان ذلك - أي بيان النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للإباحة- ~~وهو أن الموجب للإباحة يبقي ما كان علي ما كان علي طريقة بعض مشايخنا لكون ~~الإباحة أصلا في الأشياء، كما أشار إليه محمد - رحمه الله - في كتاب ~~الإكراه (1)، والذي أشار إليه في كتاب الإكراه وهو ما ذكره في باب تعدي ~~العامل منه ولو تهد بقتل حتي شرب الخمر فلم يفعل حتي قتل خفت أن يكون آثما، ~~وذكر هنا لفظا يستدل ms544 به علي أنه كان من مذهبه أن الأصل في الأشياء الإباحة، ~~وأن الحرمة بالنهي عنها شرعا، فإنه قال: لأن شرب الخمر وأكل الميتة لم يحرم ~~إلا بالنهي. # ثم قال في" أصول الفقه": وعلي أقوي الطريقتين باعتبار أن ما قبل مبعث PageV03P1406 # رسول الله عليه السلام كانت الإباحة ظاهرة في هذه الأشياء، فإن الناس لم ~~يتركوا سدي في شيء من الأوقات. ولكن في زمان الفترة الإباحة كانت ظاهرة في ~~الناس. وذلك باق إلي ان يثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا، فبهذا يتبين ~~أن الموجب للحظر متأخر. # وحاصل هذا أن ما يفهم من الكتابين أعني " أصول الفقه " للإمام شمس الأئمة ~~و " أصول الفقه " للإمام فخر الإسلام - رحمهما الله - هو أن العلماء قالوا ~~جميعا: بأن الإباحة أصل في الأشياء، حتي قالوا عند جهالة التاريخ بورود ~~النصين أحدهما محرم والآخر مبيح بان المحرم متأخرا كيلا يلزم تكرار النسخ ~~علي ما ذكرنا، وإنما يصح التعليل أن لو كانت الإباحة أصلا في الأشياء كلها، ~~لكن إختلفوا في التخريج. # بعضهم قالوا: معني ذلك هو ان الله تعلي خلق الأشياء كلها في أصلها مباحة ~~للعباد، ثم بعث الأنبياء عليهم السلام واوحي إليهم بتحريم بعضها وإبقاء ~~بعضها علي الإباحة الأصلية كما كانت. # واما اختيار الشيخين - رحمهما الله - فليس مراد العلماء من قولهم " أن ~~الإباحة أصل في الأشياء كلها "، أن تكون ذلك بالشرع، بل مرادهم من PageV03P1407 # ذلك زمان الفترة، يعني أن في زمان الفترة كان الناس يستعملون الأشياء علي ~~طريق الإباحة، لأنهلم يكن للناس آمر وناه ينفذ قوله علي الناس، فكانت ~~الأشياء كلها كأنها مباحة بسبب استعمال الناس علي الإباحة. # لا لأن الشارع رفع الحظر والنهي عن الأشياء كلها، ثم لما بعث نبيا صلي ~~الله عليه وسلم وأوحي إليه بإباحة بعض الأشياء. قلنا: قرر تلك الأشياء علي ~~الإباحة الأصلية التي كان أهل الفترة يستعملونها مباحة، ولما أوحي إليه ~~بتحريم بعضها قلنا نسخ إباحة تلك الأشياء التي كان أهل الفترة يستعملونها ~~مباحة، فكون المبيح مقررا وكون المحرم ناسخا للإباحة الأصلية إنما كان ms545 بهذا ~~الطريق لا أن التكليف بالحظر والتحريم في أصله كان مرتفعا عن الناس في وقت ~~من الأوقات , والله أعلم. # (و "حرم لحوم الحمر الأهلية") (1). (وروي أنه عليه السلام أباحها") أي ~~جعلنا فيها أيضا المحرم ناسخا. PageV03P1408 # فإن قيل: إذا كان المحرم ناسخا كيف يصح قولهم في سؤر الحمار: أن الدلائل ~~تعارضت (1)؟ # قلنا: قولهم ذلك صحيح، لأن كونه ناسخا بهذا الطريق ثبت بالاجتهاد فأخذنا ~~في حرمة اللحم بالاحتياط، وأما فيما وراء ذلك فبقي التعارض؛ لأن الاحتياط ~~في ذلك القول بالتعارض كي يضم إلي سؤر الحمار التيمم حتي يخرج عن وجوب ~~الطهارة باليقين. # أو نقول: دل الدليل علي طهارة سؤر الحمار اعتبارا بعرقه، فإنه صح أن ~~النبي عليه السلام ركب الحمار معروريا (2) والحر حر الحجاز والثقل ثقل PageV03P1409 # النبوة، فكان هذا دليلا علي طهارة عرقه، إذ لا يجوز للمسلم الاقتراب من ~~النجاسة فما ظنك برسول الله عليه السلام، وحرمة لحمه تدل علي نجاستة سؤره ~~كما في الكلب وغيره، فتعارضت الأدلة، فلذلك وجب تقرير الأصول علي ما مر. # (واختلف مشايخنا فيما إذا تعارض نصان أحدهما مثبت والآخر ناف مبق علي ~~الأمر الأول)، فالمراد من المثبت هو الخبر الذي يثبت الأمر الطاريء ومن ~~النافي هو الخبر الذي ينفي الأمر الطاريء ويبقي الحال علي الأمر الأول كما ~~كان علي ما أشار إليه في الكتاب، حتي أن رواية من روي " أعتقت بريرة PageV03P1410 # وزوجها عبد" ناف وإن كان لفظه لفظ الإثبات، وكذلك من روي " أنه عليه ~~السلام حين تزوج ميمونة كان محرما " ناف علي ما ذكرنا. # فقال الكرخي: " المثبت أولي" لأنه أقرب إلي الصدق من النافي؛ لان المثبت ~~يعتمد الحقيقة والنافي يبني الأمر على الظاهر. PageV03P1411 # وقال عيسى بن أبان - رحمه الله -: " يتعارضان " يعني لا يرجح المثبت علي ~~النافي لكونه مثبتا، ولا النافي علي المثبت لكونه نافيا، بل تقع المعارضة ~~بينهما، فيطلب الترجيح من وجه آخر، لان كلامنا في نفي يحيط العلم به، فكان ~~هو مثل الإثبات من هذا الوجه فيتعارضان. # وقد اختلف عمل أصحابنا- رحمهم الله - في هذا الباب فحاصل ms546 ما ذكر هنا من ~~اختلاف عمل أصحابنا بالمثبت والنافي خمس مسائل، فذكر كل واحدة منها عقيب ~~الأخري، فبدأ بالإثبات وختم بالإثبات. # الأولي - مسألة ان زوجها حر أو عبد، أخذو فيها بالمثبت (1). # والثانية - مسألة الإحرام، أخذوا فيها بالنافي (2). # والثالثة - مسألة التباين، أخذو فيها بالمثبت (3). PageV03P1412 # والرابعة- مسألة الطهارة والنجاسة، أخذوا فيها بالنافي (1). # والخامسة- مسألة الجرح والتعديل، أخذو فيها بالمثبت (2). # (سرف): بوزن كتف جبل بطريق المدينة، وهو علي رأس ميل من مكة، بها قبر ~~ميمونة - رضي الله عنها _ زوج النبي عليه السلام وكانت قد ماتت بمكة PageV03P1413 # فحملها ابن عباس - رضي الله عنهما - إلي سرف. # (رد بنته زينب- رضي الله عنها- إلي زوجها أبي العاص (1) بنكاح جديد) # أصل المسألة أن أحد الزوجين إذا خرج إلي دار الإسلام مهاجرا وبقي الآخر ~~في دار الحرب تقع الفرقة بينهما، وعند الشافعي لا تقع الفرقةبينهما بتبائن ~~الدار، وقال: روي أن زينب هاجرت إلي المدينة ثم تبعها زوجها أبو العاص بعد ~~سنتين فردها عليه بالنكاح الأول وقلنا: الصحيح من PageV03P1414 # الرواية أنه ردها عليه بنكاح جديد، وما روي أنه ردها عليه بالنكاح الأول ~~أي لحرمة النكاح الأول. # ألا تري انه ردها إليه بعد سنتين، والعدة تنقضي في مثل هذه المدة عادة، ~~(ولم يعملوا بالمثبت وهو النجاسة). # وفي رجل ادعت امرأته أنها سمعته يقول المسيح ابن الله إلي أن قال ولم يقل ~~غير ذلك)، والفرق بين قول الشهود: لم نسمع غير ذلك، وبين قولهم، لم يقل غير ~~ذلك أنه لا تنافي بين قولهم: لم نسمع، وبين قول الزوج: قلت: قالت النصاري ~~{المسيح ابن الله} لأنه صح أن يقال: قال PageV03P1415 # فلان قولا: ولكني لم أسمع، ولا يصح أن يقال،: قال ولم يقل، فيكون قولهم ~~"ولم يقل ذلك "نفيا لمقالة الزوج، وهو مما يحيط العلم به فيقبل. # (وكذلك في الطلاق إذا ادعي الزوج الاستثناء فقد قبلت الشهادة) يعني أن ~~الزوج إذا ادعي الاستثناء في الطلاق وشهد الشهود علي إنه لم يستثني قبلت ~~الشهادة، وهذه شهادة علي النفي، ولكنها دليل علي موجب للعلم به، وهو أن ~~يكون ms547 من باب الكلام فهو مسموع من المتكلم لمن كان بالقرب منه، وما لم يسمع ~~منه يكون دندنة لا كلاما، فإذا قبلت الشهادة علي النفي إذا كان عن دليل كما ~~تقبل علي الإثبات قلنا: في الخبر أيضا يقع التعارض بين النفي والإثبات، ~~والدندنة: ان تسمع من الرجل نغمة ولا تفهم ما يقول. PageV03P1416 # (وقلما يوقف من حال البشر علي أمر فوقه في التزكية) أي فوق عدم الوقوف ~~للمزكي الذي يقول انه عدل، والقلة هنا مستعارة عن العدم أي أن من زكي غيره ~~وعدله إنما زكاه بسبب أنه لم يقف في حقه علي ما يوجب جرحه فكان مآل تزكيته ~~إلي الجهل. # وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله-: من يزكي الشاهد إنما يزكيه لعد ~~العلم بسبب الجرح منه، إذ لا طريق لاحد إلي الوقوف علي جميع أحوال غيره حتي ~~يكون إخباره عن تزكيته عن دليل موجب للعلم به، والذي جرحه فخبره مثبت للجرح ~~العارض لوقوفه علي دليل موجب له، فلذلك جعل خبره PageV03P1417 # أولى وقوله: (لانه فسر القصة فسار أولي) روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن رسول الله عليه السلام تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم، فأقام بمكة ~~ثلاثا، فاته حويط بن عبد العزي، في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا: قد ~~انقضي أجلكم فاخرج عنا. قال عليه السلام: " وما عليكم لو تركتموني فعرست ~~بين أظهركم فصنعنا طعاما فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا غلي طعامكم فاخرج ~~عنا، فخرج نبي الله عليه السلام، وخرجت ميمونة - رضي الله عنها - حتي عرس ~~بها بسرف" كذا في شرح الآثار. PageV03P1418 # (ولكنهم لا يسلمون هذا إلا في الأفراد) يعني انهم يساعدوننا فيما قلنا ~~إذا كان عبدا واحدا وفي مقابلته حرا واحدا حيث لا يرجحون رواية الحر الواحد ~~علي رواية العبد الواحد كما هو قلنا. # فأما في العدد فيخالفونا حيث يرجحون رواية الرجلين علي رواية المرأتين، ~~وكذلك يرجحون خبر الحرين علي خبر العبدين. # قال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - هذا النوع من الترجيح قول محمد - ~~رحمه الله -خاصة أبي ms548 ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - والصحيح ما ~~قالا، فإن كثرة العدد لا تكون دليل قوة الحجة. # قال الله تعالى {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقال: {وما أكثر الناس ولو ~~حرصت بمؤمنين}، ثم السلف من الصحابة وغيرهم لم يرجحوا PageV03P1419 # بكثرة العدد في باب العمل بأخبار الآحاد، فالقول به يكون قولا بخلاف ~~إجماعهم، ولما اتفقنا ان خبر الواحد موجب للعمل كخبر المثني فيتحقق التعارض ~~بين الخبرين بناء علي هذا الإجماع، ولا يؤخذ حكم رواية الأخبار من حكم ~~الشهادات. # ألا تري أن في رواية الأخبار يقع التعارض بين خبر المرأة وخبر الرجل، ~~وخبر المحدود في القذف بعد التوبة وبين خبر غير المحدود، وبين خبر المثني ~~وخبر الأربعة ما لا يثبت بشهادة الاثنين وهو الزني (1). وفي " فتاوي قاضي ~~خان " فإن كان المزكي إثنين فعدلهم أحدهما وجرحهم الأخر. # قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله- الجرح الأول؛ لأنه اعتمد علي ~~دليل غير ظاهر الحال، فكان الجرح أولي كما لو عدله اثنان وجرحه اثنان كان ~~الجرح أولي في قولهم. # وقال محمد - رحمه الله-: إذا عدلهم واحد وجرحهم آخر فاقاضي يتوقف ولا ~~يقضي بشهادتهم، ولا يرد بل ينتظر إن جرحهم آخر يثبت الجرح، وإن لم يجرحهم ~~آخر بل عدلهم آخر تثبت العدالة (2). PageV03P1420 # (وهذه الحجج بجملتها) إشارة إلي أقسام الكتاب من الخاص والعام إلي آخرها، ~~وأقسام السنة من المتواتر والمشهور والاحاد وغيرها، والله اعلم. PageV03P1421 ### || AUTO باب البيان # ذكر في الكتاب في الباب الذي يلي هذا الباب حد البيان: ما يظهر به ابتداء ~~وجوده، أي ابتداء وجود الكلام. # (وقد يستعمل هذا) أي لفظ البيان (مجازا وغير مجاوز) أي متعديا وغير متعد، ~~فمعني غير المتعدي فيما إذا كان البيان مصدر الثلاثي من بان PageV03P1422 # يبين: ظهر # وأما إذا كان هو مصدر بين من باب التفعيل كالكلام والسلام والصلاة فيجيء ~~فيه غير متعد أيضا. # قال في "الصحاح ": والتبين أيضا الوضوح، وفي المثل: قد تبين الصبح لذي ~~عينين اي قد وضح وظهر. # (والمراد به في هذا الباب عندنا) أي عند أصحاب أصول ms549 الفقه. هكذا كان بخط ~~شيخي- رحمه الله- # " غن من البيان لسحرا" أي كما ان بالسحر تستمال القلوب فكذا بالبيان ~~الفصيح واللسان البليغ تستمال القلوب، أو كما أن للسحر إراءة الباطل في ~~لباس الحق فكذا في البيان البليغ إراءة المعني الذي هو غير متين، فكان ~~فيهما إراءة لغير الدليل دليلا. # (وقوله: فهي خمسة أقسام) اتفق الشيخان في كون البيان خمسة PageV03P1423 # واتفقا أيضا في التسمية بهذه الأسامي، إلا أن الغمام فخر الإسلام - رحمه ~~الله- لما جعل الاستثناء والتعليق كليهما من قبيل بيان التغيير انتقص مسمي ~~بيان التبديل فجعل النسخ مسمي بيان بيان التبديل فتم البيان خمسة. # والإمام شمس الأئمه - رحمه الله - جعل بيان التغيير الاستثناء، وبيان ~~التبديل التعليق، فازداد اسما البيان، واخرج النسخ من كونه بيانا لانعدام ~~حد البيان فيه فقال: حد البيان غير حد النسخ؛ لأن البيان: إظهار حكم ~~الحادثة عند وجوده ابتداء، والنسخ رفع للحكم بعد الثبوت، فلم يكن بيانا. # (لأن اسم الجمع كان عاما يحتمل الخصوص) كما في قوله {فنادته الملائكة} أي ~~جبريل ومثله {ولا # طائر يطير بجناحيه} أي كان قوله {ولا طائر} حقيقة في حق الطائر الحقيقي ~~إلا انه يحتمل أن يراد به غير الطائر الحقيقي بطريق المجاز؛ لانه يقال لمن ~~يخف في مشيه ويسرع في أمره كأنه طائر، ويقال: فلان يطير بهمته، فكان PageV03P1424 # قوله {يطير بجناحيه} قطعا لذلك المجازالذي يراد بالطيران السرع، وكذلك ~~تأكيد القلوب بكونها في الصدور في قوله تعالى {ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور}. أيضا بيان تقرير. # وقوله: (أنت طالق)، (وقال عنيت به الطلاق من النكاح)، وهو يحتمل الطلاق ~~عن القيد الحسي، فإذا قال من النكاح قرر موجب الكلام. # (وقال عنيت به العتق عن الرق) فغن التحرير يحتمل من غير الرق وهو التخلية ~~عن غيره، ولأن الحر يستعمل في معني الكريم. يقال رجل حر أي رجل كريم فلما ~~قال: من الرق كان مقررا لكون مراده من الحرية الحرية عن الرق. # (ولما قلنا أنه مقرر) أي لا مغير، وإنما يشترط الوصل في بيان التغيير، ~~ولأن هذا البيان لو ms550 لم يلحقه لكان الذي قرره هذا المراد، فلذلك كان لحوق ~~هذا البيان في أي وقت كان جائزا؛ لأن وجوده وعدمه بمنزله في تحقيق المراد، PageV03P1425 # فيجوز لحوق هذا البيان في أي وقت كان # (فبيان المجمل والمشترك): أما بيان المجمل فيحتمل التراخي لما فيه من ~~تقرير المقصود من الخطاب وهو الابتلاء، فان الابتلاءيوجد في المجمل مرتين، ~~أحدهما: الابتلاء باعتقاد الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل ~~به، وبعد البيان الابتلاء بالعمل به، فلذلك حسن بيان تأخير المجمل، وكذلك ~~بيان المشترك يحتمل التراخي أيضا لما قلنا، إلا أن التفاوت بينهما هو أن ~~إدراك بغالب الرأي في المشترك قائم وفي المجمل لا، وهذا التفاوت لا يمنع ~~التراخي في البيان؛ لأن حكم كل واحد منهما في الحال التوقف مع حقية المراد، ~~والمشترك يحتمل البيان من صاحب الشرع أيضا، فحينئذ يصير مفسرا. # (وهذا مذهب واضح لأصحابنا) - رحمهم الله- أي للفقهاء، فإن في هذا خلاف ~~بعض المتكلمين، فان علي قول بعض المتكلمين عدم جواز تأخير بيان المجمل ~~والمشترك عن أصل الكلام، لأن العمل بدون البيان غير ممكن، PageV03P1426 # والمقصود بالخطاب فهمه والعمل به، وإذا كان ذلك لا يحصل بدون البيان، فلو ~~جوزنا مع ذلك تأخير البيان أدي ذلك إلي تكليف ما ليس في الوسع PageV03P1427 # وجواب هذا ما ذكرنا من أن خطاب الشارع مفيد فائدته قبل البيان وهي ابتلاء ~~علي ما ذكرنا وهو مذكور في الكتاب. # (وقد قال علماؤنا فيمن أوصي بهذا الخاتم لفلان وبفصه لفلان غيره) إلى ~~آخره. PageV03P1428 # فإن قلت: إيراد الخاتم نظير للعام ليس بمستقيم؛ لأن العام هو: اللفظ الذي ~~ينتظم جمعا من المسميات التي هي متحدة الحدود كالمؤمنين والمسلمين والرجال ~~والنساء، والخاتم ليس له أفراد. # ولو قيل إن الحلقة والفص له أفراد لا يستقيم ذلك أيضا لوجهين: # أحدهما: أن أفراد العام يجب أن يكون أقله ثلاثة، وهذا اثنان لا ثلاثة. # والثاني: أن أفراد العام يجب أن تكون متحدة الحدود كما ذكرنا، والحلقة في ~~الخاتم ليست علي حد الفص وكذلك الفص ليس علي حد الحلقة لتغايرهما ms551 في ~~ذاتيهما صورة ومعني فكيف يكونان أفرادا للعام؟ # قلت أن هذا الذي ذكره هو نظير للعام من حيث الشمول كما في العام، فإن لفظ ~~الخاتم يتناول الحلقة والفص جميعا كلفظ الشيء ولفظ الإنسان، فإن كلا منهما ~~عام وأفرادهما في التحقيق مخالف بعضها لبعض في الحد والحقيقة. # ألا تري أن حد الجوهر غير حد العرض، وكذلك حد حيوان علي خلاف حد الجماد، ~~واسم الشيء يتناولهما بطريق العموم، وكذلك حد الرجل علي خلاف حد المرأة ~~والصبي، واسم الإنسان يتناولهم بطريق العموم. PageV03P1429 # فعلم بهذا أن المعنى الأصلي في العام هو معني الشمول والتناول لا اتحاد ~~أفراد من حيث الحد والحقيقة. # أو نقول: أورد الخاتم نظيرا للعام لا أن يكون عين العام لمشاركته في معني ~~الشمول كالعام. # ألا تري أن مشايخنا - رحمهم الله - أوردوا الواحد بعد العشرة نظير صفات ~~الله تعالى مع ذاته من حيث إن كلا منهما لا هو ولا غيره مع أن ذات الله ~~تعالى وصفاته متعالية عن النظير إذ ليس كمثله شيء، ولأن الواحد إن لم يكن ~~عين العشرة ولا غيرها لكن هو جزء منها فليست صفة الله تعالى بجزء من ذاته ~~فلا يكون نظيرا لصفاته، ولكن لما وجدوه نظيرا فيما قصدوا إليه جعلوه نظيرا ~~لها لزيادة تفهيم المتعلمين، فكذا هنا لما وجدوا الخاتم متناولا للحلقة ~~والفص كالعام فإنه متناول لأفراد جعلوه نطيرا له. # وقال الشافعي - رحمه الله-: يجوز متصلا ومتراخيا، وهذا الخلاف بناء علي ~~دليل الخصوص بيان تغيير أم لا؟ وهذا الخلاف أيضا مبني علي أن العام قبل ~~الخصوص هل يوجب الحكم قطعا أم لا؟ # (ولو احتمل الخصوص متراخيا لما أوجب الحكم قطعا) إذ بالخصوص يتبين أن ~~المخصوص لم يدخل تحت العام من الابتداء، فيلزم أن يلزمنا اعتقاد PageV03P1430 # أنه موجب قطعا في جميع أفراده وغير موجب في الجميع وهذا تناقض، فلا يجوز ~~القول بالتراخي. # وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله-:إن الخصم يوافقنا في القول بالعموم، ~~وقد أوضحنا ذلك بالدليل، ثم من ضرورة القول بالعموم لزوم اعتقاد العموم ~~فيه، والقول بجواز ms552 تأخير دليل الخصوص يؤدي إلي أن يقال يلزمنا اعتقاد الشيء ~~علي خلاف ما هو عليه، وهذا في غاية الفساد. # (بل ما كان بيانا محضا صح القول فيه بالتراخي)، وهو بيان المجمل ~~والمشترك، وما كان بيان التغيير لا يصح فيه التراخي، وما كان بيان التقرير ~~صح القول فيه بالتراخي. هذه الوجوه كلها بالإجماع، فإختلفنا في دليل الخصوص ~~وجعلناه من قبيل بيان التغيير فإشترطنا الوصل، والشافعي جعله من قبيل بيان ~~التقرير؛ لأن بعد التخصيص بقاء موجب العام كما كان قبل التخصيص عنده فلم ~~يتغير حكم العام بالتخصيص من القطع غلي الاحتمال فصح القول بالتراخي. PageV03P1431 # وليس هذا باختلاف في حكم البيان، أي اختلافنا مع الشافعي في جواز تأخير ~~تخصيص العام وعدم جوازه ليس بسبب اختلاف بيننا وبينه في حكم البيان، بل ~~الاجماع منعقد بيننا وبينه في أن البيان الحقيقي وهو بيان المجمل والمشترك ~~يجوز فيه التراخي. # وأما تخصيص العام فهو عندنا من قبيل بيان التغيير، فلذلك لا يجوز تأخيره، ~~وعنده من قبيل بيان التقرير فيجوز. # (وما ليس ببيان خالص لكنه تغيير أو تبديل لم يحتمل القول بالتراخي) أراد ~~بالتغيير الاستثناء، وبالتبديل الشرط، وهذه التسمية هنا وقعت علي موافقة ~~تسمية الإمام شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله-. # وأما عند المصنف -رحمه الله - فالشرط والاستثناء كلاهما من قبيل بيان ~~التغيير دون التبديل، فإن بيان التبديل عنده النسخ والتراخي فيه لازم، فلم ~~يصح قوله:" لم يحتمل القول بالتراخي" في حق النسخ. # (ألا تري أنه يبقي علي أصله في الايجاب) يعني أن العام بأصله يحتمل PageV03P1432 # التخصيص، فورود الخصوص يقرر ما احتمله العام قبل التخصيص فبقي العام بعد ~~التخصيص علي ما كان قبل التخصيص، فكان هذا علامة كون البيان للتقرير فلم ~~يكن هذا في الحقيقة باختلاف في البيان المحض؛ لأن في البيان المحض وهو بيان ~~المجمل والمشترك جواز البيان بالتراخي. # (وهذا عندنا يقيد المطلق وزيادة علي النص فكان نسخا)، والنسخ لا يجوز إلا ~~متراخيا. بيان ان قوله {بقرة} في قوله {أن تذبحوا بقرة } نكرة مطلقة في ~~موضع الإثبات، وعندنا ms553 أن النكرة المفردة في موضع الإثبات خاص فلا يحتمل ~~القول بالتخصيص لكن يحتمل بالتقييد؛ لأن الفرد يحتمل الصفة وهي تقييد له، ~~فلذلك قيد بما ذكر الله تعالى في قوله {إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا ~~تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها} وهذا زيادة علي مطلق البقرة والتقييد نسخ ~~عندنا، وعند الشافعي المطلق عام وهو يبني الأمر في هذا علي مذهبه وهو أن ~~المطلق عام عنده، فلا يلزمنا ما أورده هنا PageV03P1433 # والدليل على أن ذلك كان بطريق النسخ ما ذكره ابن عباس - رضي الله عنهما- ~~بقوله: لو أنهم عمدوا إلي أي بقرة كانت فذبحوها لاجزأت عنهم، ولكنهم شددوا ~~فشدد الله عليهم فدل أن الأمر الأول قد كان تخفيف، وأنه قد إنتسخ ذلك بأمر ~~فيه تشديد عليهم. فعلم بهذا أن الزيادة علي المطلق كانت بمنزلة النسخ. # (إلا أن نوح عليه السلام قال) إلي آخره جواب لإشكال مقدر وهو أن يقال: لو ~~لم يكن الأهل متناولا للإبن لما قال نوح عليه السلام {إن ابني من أهلي}؟ PageV03P1434 # قلنا: إنما قال ذلك بناء علي العلم البشري وحسن ظنه به أنه لما رأي ~~الطوفان عسي أن يكون نادما علي فعله ويؤمن بالله عند ذلك. # (ولكنهم كانوا متعنتين فزاد في البيان إعراضا عن تعنتهم) يعني أن القوم ~~كانوا متعنتينيجادلون بالباطل بعد ما تبين لهم، فحين عارضوا بعيسي عليه ~~السلام والملائكة علم رسول الله عليه السلامتعنتهم في ذلك، وأنهم يعلمون أن ~~الكلام غير متناول لمن عارضوا به، وقد كانوا أهل اللسان، فأعرض عن جوابهم ~~امتثالا لقوله تعالى {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} ثم بين الله تعالى ~~تعنتهم فيما عارضوا به بقوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون} ومثل هذا يكون ابتلاء كلام، وإن لم يكن محتاجا إليه في حق من لا ~~يتعنت، كما في قوله {فإن الله ياتي PageV03P1435 # بالشمس} وكلامنا فيما يكون محتاجا إليه في البيان، فتوقف به علي ما هو ~~المراد. # (أما في هذه الآية - وهي قوله: {إن أهلها كانوا ظالمين} فظلمهم كان علة ms554 ~~إهلاكهم، ولوط وأهله سوي امرأتهليسوا بظالمين، فلم يكن قوله: {إنا مهلكوا ~~أهل هذه القرية} متناولا لهم، فكان ذلك استثناء لهم من حيث المعني، فصار ~~كأنه قال: إن مهلكوا أهل هذه القرية إلا لوطا وأهله سوي امرأته، وهو معني ~~قوله: (وذلك استثناء واضح) أي معني. # وقوله: (غير أن إبراهيم) جواب سؤال يرد علي قوله؛ " لان البيان كان متصلا ~~به" بأن يقال لو كان البيان متصلا به لما اعترض عليه إبراهيم عليه السلام ~~بقوله: {إن فيها لوطا}، وصرح بذلك السؤال والجواب الإمام شمس PageV03P1436 # الأئمة - رحمه الله- فقال: فإن قيل: فما معني سؤال إبراهيم عليه ~~السلامالرسل بقوله: {إن فيها لوطا}؟ # قلنا: فيها معنيان: # أحدهما: ان العذاب النازل قد يخص الظالمينكما كان في قصة أصحاب السبت، ~~وقد يصيب الكل فيكون عذابا في حق الظالمين ابتلاء في المطيعينكما قال تعالى ~~{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} فأراد الخليل عليه السلام أن ~~يبين له أن عذاب أهل تلك القرية من أي الطريقين. # والثاني: أنه علم يقينا أن لوط عليه السلام ليس من المهلكين معهم، ولكنه ~~خصه في سؤاله ليزداد طمأنينة وليكون فيه زيادة تخصيص للوط، وهو نظير قوله ~~تعالى: {رب أرني كيف تحي الموتى} # وقد كان عالما متيقنا بإحياء الموتي، ولكن سأله لينضم العيان إلي ما كان ~~له من علم اليقين، فيزداد PageV03P1437 # به طمأنينة قلبه. # وقوله: (ذلك) إشارة إلي قوله " أراد الإكرام للوط عليه السلام". # (وهذا عندنا من قبيل بيان المجمل) ، وذلك لان النبي عليه السلام قسم سهم ~~ذوي القربيواعطي بني هاشم وبني عبد المطلب، فقال جبير بن مطعم وعثمان بن ~~عفان - رضي الله عنهما - يا رسول الله لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك الذي ~~وضعك الله فيهم، فما بالنا حرمتنا وأعطيت بني عبد المطلب ونحن وهم في ~~النسبة إليك سواء؟ فقال عليه السلام: " إنهم لم يفارقوني في الجاهلية ~~والإسلام وهم بني هاشم كشيء واحد. وشبك بين أصابعه" PageV03P1438 # وهذا من رسول الله عليه السلام بيان ان المراد بالقربي (قربي النصر لا ~~قرب النسب) ولا قربي ms555 يحتملهما، فكان الحديث بيانا للمجمل لا تخصيصا، وبيان ~~المجمل يجوز فيه التراخي. # وذكر أصل هذا الحديث في الباب الأول من سير "المبسوط "فقال: # إن أصل النسب وهو عبد مناف كان له أربعة بنين: هاشم والمطلب ونوفل وعبد ~~شمس، ورسول الله عليه السلام كان من أولاد هاشم بن عبد مناف، وكان بنو هاشم ~~أولاد جده وجبير بن مطعم كان من بني نوفل، وعثمان بن عفان - رضي الله عنه- ~~كان من بني عبد شمس، وولد جد الإنسان أقرب إليه من ولد أخي جده، وهذا معني ~~قولهما:"لا ننكر فضل بني هاشم". # فأما بنو نوفل وبنو عبد شمس كانو مع بني عبد المطلب في القرابة أسوة. # وقيل: بنو نوفل وبنو عبد شمس فكانو أقرب إليه من بني عبد المطلب؛ لأن ~~نوفل وعبد شمس كانا أخويهاشم لأب وأم، والمطلب كان أخا هاشم لأبيه لا لأمه، ~~ووالاخ لأب وأم أقرب إلي المرء من أخ لأب، ثم أعطي رسول الله عليه السلام ~~بني عبد المطلب ولم يعط بني نوفل وبني عبد شمس، فأشكل ذلك عليهما، فلهذا ~~سألاه، فأزال رسول الله عليه السلام إشكالهما ببيان علة PageV03P1439 # الاستحقاق أنها النصرة لا القرابة، ولم يرد به نصرة القتال، فقد كانت هي ~~موجودة في عثمان وجبير بن مطعم - رضي الله عنهما- وإنما أراد نصرة الإجتماع ~~للنبي عليه السلام للمؤانسة في حال ما هجره الناس إلي آخره. # (وإجماله أن القربي يتناول غير النسب) من القرب بالنصرة ومن القرب ~~بالموافقة ومن القرب بإعطاء المال (ويتناول وجوبها من النسب مختلفة) وهي ~~القرابة القريبة والقرابة البعيدة والقرابة المتوسطة. PageV03P1440 ### || AUTO باب بيان التغيير # فقولنا:"بيان التغيير" معناه: بيان هو تغيير كما يقال: علم الفقه وعلم ~~الطب، وهو ما تغير من موجب الكلام الذي ذكر، أو لأنما ذكر في آخره من الشرط ~~والاستثناء. # (وعلي هذا إجماع الفقهاء) خلافا لإبن عباس - رضي الله عنهما -في ~~الاستثناء، فإنه جوز الاستثناء متراخيا. PageV03P1441 # وحكاية أبي حنيفة - رضي الله عنه- مع أبي جعفر الدوانيقي معروفة، وهي أنه ~~كان خليفة فاستقبله أبو حنيفة - رضي الله عنه- يوما وأخذه ms556 أبو جعفر بتكنيته ~~وقال: أنت الذي خالفت جدي! فقال أبو حنيفه - رحمة الله عليه -: أتناظرني أم ~~تقاتلني؟ فقال أناظرك، فقال له أبو حنيفه - رحمة الله عليه -لو صح ~~الاستثناء متراخيا بارك الله في بيعتك، يعني لو استثنوا بعد البيعة كيف ~~تبقي بيعتك صحيحة! فسكت فأرسله. PageV03P1442 # (فصار الشرط مغيرا له من هذا الوجه)؛ لأن موجب صدر الكلام التنجيز فغير ~~الشرط هذا الموجب. # (فاما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان)؛ لأن النسخ: رفع للحكم الأول ~~وإثبات للحكم الثاني فلا يكون بيانا، إلا أن هذا القول وقع مخالفا لما ذكر ~~من قبل هذا بأن النسخ هو بيان التبديل فقال: في باب النسخ وهو في حق صاحب ~~الشرع بيان محض لمدة الحكم المطلقالذي كان معلوما عند الله تعالى. # قلنا: تأويل هذا هو كون النسخ بيانا في حق صاحب الشرع؛ لأن حد البيان ~~موجود في حقه وهو من ابتداء وجود الكلام، فكان في النسخ في حق الله تعالى ~~إظهار ابتداء وجود الكلام المطلق في أن شرعية الحكم الثابت به إلي هذا ~~الوقت؛ لانه عند الشرع المنسوخ كان الله تعالى عالما ببقاء شرعيته PageV03P1443 # إلى وقت مقدر، فلما نسخه كان ذلك بيانا لما كان علمه قبل ورود النسخ. # وأما قوله ها هنا: "فاما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان" أي في حق ~~العباد؛ لأن العباد كانوا لا يعلمون قبل ورود الناسخ انتهاء شرعية المنسوخ، ~~فلا يكون النسخ بيانا لما يظهر من ابتداء وجود الكلام، بل يكون رفعا لشرعية ~~المنسوخ بعد وجودها فلا يكون بيانا. # (ولما كان التعليق بالشرط لابتداء وقوعه غير موجب) يعني أن المعلق بالشرط ~~يظهر كونه عند وقوع الشرط وهو في الحال غير موجب بل ينقلب موجبا عند وجود الشرط. # (ألا تري أن التعلق بالشرط والاستثناء لو صح كل واحد منهما متراخيا كان ~~ناسخا)؛ لأن قوله: أنت طالق إذا تعري عن الشرط يقع الطلاق بالإتفاق، فلو صح ~~الشرط بعد ذلك لكان رفعا للحكم الثابت PageV03P1444 # كالنسخ، فإن النص الموجب لحكم لما أثبت الحكم الثابت بالنص المعارض ms557 بعد ~~زمان كان نسخا لذلك الحكم، وكذلك قوله: ألف درهم إذا لم يقترن الاستثناء ~~ثبت موجبه، فلو صح متراخيا كان رفعا للحكم الثابت بالألف كما قلنا في ~~التعليق بالشرط. # (ولكنه إذا اتصل منع بعض التكلم لا إنه رفع بعد الوجود، فكان بيانا) من ~~حيث إن المراد بالألف بعضه لا كله فسمي بيان التغيير؛ لأنه وجد فيه معني كل ~~واحد منهما. # (ومنزله الإستثناء مثل منزلة التعليق بالشرط) أي في كونهما جميعا بيان ~~التغيير، فكانا من بيان التغيير دون التبديل، هذا علي خلاف ما اختاره ~~الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - فإن بيان التغيير عنده الاستثناء لا غير. # وأما بيان التبدييل عنده فالتعليق بالشرط وعند المصنف بيان التبديل هو ~~النسخ، فالاستثناء والتعليق عند المصنف من بيان التغيير. PageV03P1445 # (في كيفية عمل كل واحد منهما، فقال: الاستثناء يمنع التكلم بحكمه) أي مع ~~حكمه، يعني أن الاستثناء يمنع الموجب مع موجبه وهو الحكم عند الشافعي يمنع ~~الموجب. # واما الموجب وهو المستثني منه بمجموعه فثابت ولكن امتنع بعض حكمه بمعارضة ~~الاستثناء. # (وقال الشافعي- رحمه الله - إن الاستثناء يمنع الحكم بطريق المعارضة)؛ PageV03P1446 # لأن صدر الكلام وقع موجبا متناولا لقدر المستثني، إلا إن حكمه لا يثبت ~~بالاستثناء كما هو الأصل في وقوع المعارضة بين الدليلين، وكذلك التعليق ~~بالشرط عنده يمنع حكم العلة عند الثبوت لاأنه يمنع انعقاد العلة بل وقع عله ~~إلا أن الحكم لا يثبت بالتعليق. # (بمنزلة دليل الخصوص) يعني أن دليل الخصوص يعارض النص العام بصيغته في ~~مقدار المخصوص؛ لانه نص مستبد كالنص العام فكان عمله في المعارضة لهذا. # (وقد دل علي هذا الأصل مسائلهم) أي مسائل أصحابنا والشافعي - رحمهم الله- # وقوله: {إلا الذين تابوا} إلي آخرهفمعناه في تخريج الشافعي إلا الذين ~~تابوا (فاقبلوا شهادتهم وأولئك هم الصالحون غير فاسقين)؛ لأن الاستثناء ~~عنده بطريق المعارضة، فصدر الكلام يوجب رد الشهادة أبدا والاستثناء يعارضه ~~في حالة واحدة وهي حالة التوبة، ورد الشهادة مما يحتمل PageV03P1447 # التوقيت فإنه مؤقت بحالة الفسق، وبعد زوال الفسقبالتوبة كان الحكم ~~بخلافه، وعنده رد الشهادة حكم الفسق، ms558 لأن رد الشهادة بالقذف كرد الشهادة ~~بفسق آخرفينتهي بالتوبة. # فأما الجلد فحد يتعلق في حق العبد عنده علي سبيل التغليب ولهذا يورث ~~ويجري فيه العفو فلا تظهر فيه التوبة. # (لأن الاستثناء عارضة في المكيل خاصة) فبقي ما وراء المكيل تحت العام وهو ~~المجازفة والمفاضلة. # (وخصوص دليل المعارضة لا يتعدي مثل دليل الخصوم في العام) يعني أن دليل ~~المعارضة خاص وهو قوله"إلا سواء بسواء" وقع معارضا لصدر الكلام في حالة ~~المساواة فلا يتعدي؛ إذ لو تعدي لصار عاما، وهو خاص كما أن دليل الخصوص لا ~~يتعدي عن المخصوص نصا إلا بطريق التعليل، ولكن الفرق بينهما أن دليل ~~المعارضة لا يتعدي إلي غير ما عارضه إلا بنفسه ولا بطريق التعليل، لأن ~~التعليل فرع النص، فلو عللنا النص المعارض للتعدية يلزم أن يكون التعليل ~~معارضا للنص الذي عارضه النص المعارض كالنص المعارض وهو لا يصح كما ذكرنا ~~في عدم تعليل الناسخ. PageV03P1448 # فأما دليل التخصيص وإن كان فيه شبهة المعارضة باعتبار شبهه الناسخ وهو ~~للبيان في نفسه لوجود حد البيان فيه وهو: أن يظهر به ابتداء وجود الكلام، ~~فكان قابلا للتعليل. # وحاصله أن دليل المعارضة وهو قوله "إلا سواء بسواء" لا يتعدي حتي لا يجوز ~~بيع الحفنة بالحفنتين عند الخصم مثل دليل الخصوص في العام، فإن دليل الخصوص ~~فيه نص خاص قطعي لا يتعدي إلي ما وراء المخصوص إلا بالتعليل، ولهذا لم يثبت ~~الحكم فيما وراءه قطعا بل بغالب الرأي بالقياس. # وكذلك تخريجه في (قوله تعالى: {إلا أن يعفون}) أنه بطريق المعارضة، معناه ~~أن صدر الكلام وهو قوله {فنصف ما فرضتم} يتناول جميع الأحوال، فحال العفو ~~من المرأة صار معارضا فلا يتعدي إلي حال لا يصح العفو منهاإذا كانت صغيرة ~~أو مجنونة. # قال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - وقال أي الشافعي في قوله: "لا ~~تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء": إن المراد: لكن إن جعلتموه سواء ~~بسواء فبيعوا أحدهما بالآخر، حتي أثبت بالحديث حكمين: حكم الحرمة لمطلق ~~الطعام بالطعام فأثبته في القليل والكثير، وحكم ms559 الحل بوجود المساواة كما هو ~~موجب في الاستثناء، فيختص بالكثير الذي يقبل المساواة، وهو نظير PageV03P1449 # قوله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} في أن الثابت به حكمان: حكم ~~تنصف به المفروض بالطلاق، فيكون عاما فيمن يصح منه العفو ومن لا يصح نحو ~~الصغيرة والمجنونة، وحكم سقوط الكل بالعفو كما هو موجب الاستثناء، فيختص ~~بالكبيرة العاقلة التي يصح منها العفو {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} أي ~~وإن يتفضل الزوج فيعطي الكل صلة لها وإحسانا إليها، أي الواجب شرعا هو ~~النصف إلا ان تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل وإنما كان الزوج هو الذي بيده ~~عقدة النكاح؛ لأن الطلاق بيده فكان إبقاء العقد بيده. # وقوله: (يسقط من الألف قدر قيمته) وعندنا لا يسقط من الألف شيء؛ لأن هذا ~~ليس باستثناء حقيقة، فلو كان تكلمنا بالباقي لكان نفيا لغيره لا إثباتا له، ~~فمعني نفي الغير من غير إثبات له قاصدا بالفارسية جز خداي خداي نيست (3) PageV03P1450 # وهذا تكلم بالباقي لا غير، وأما لو كان بطريق المعارضة فكان معناه: خداي ~~نيست مكريك خدايست، وهذا كما ترى نفي للألوهية عن غيره وإثبات إياها له، ~~فكان هذا أولى باعتبار أن هذا كلمة التوحيد. # (فامتناع الحكم مع قيام التكلم سائغ) كما في البيع بشرط الخيار والطلاق ~~الرجعي، فإن وضع الطلاق لرفع النكاح وذلك لا يوجد في الطلاق الرجعي قبل ~~انقضاء العدة. # (فقوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما)) فإن دليل المعارضة في ~~الحكم إنما يتحقق في الإيجاب دون الخبر؛ لأن ذلك يوهم الكذب باعتبار صدر ~~الكلام، ومع بقاء أصل الكلام للحكم لا يتصور امتناع الحكم فيه بمانع، فلو ~~كان الطريق ماقاله الخصم لاختص الاستثناء بالإيجاب PageV03P1451 # كدليل الخصوص، والدليل على صحة ماقاله علماؤنا -رحمهم الله- هذه الآية ~~أيضا، فإن معناه: لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما؛ لأن الألف اسم لعدد معلوم ~~ليس احتمال مادونه بوحه، فلو لم يحعل أصل الكلام هكذا لم يمكن تصحيح ذكر ~~الألف بوحه؛ لأن اسم الألف لا ينطلق على تسعمائة وخمسين أصلا. ms560 # وإذا قال الرجل: لفلان علي ألف درهم إلا مائة فإنه يجعل كأنه قال: له علي ~~تسعمائة، فإن مع بقاء صدر الكلام على حاله وهو الألف لا يمكن إيجاب تسعمائة ~~عليه ابتداء؛ لأن القدر الذي يجب هو حكم صدر الكلام، وإذا لم يكن في صدر ~~الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة، فعرفنا به أنه يصير صدر ~~الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة، وكان لهذا العدد عبارتان: # الأقصر: وهو تسعمائة، والأطوال: وهو الألف إلا مائة، وهذا معنى قول أهل ~~اللغة: إن الاستثناء استخراج بعض الكلام على أن يجعل الكلام عبارة عما وراء ~~المستثنى. # وقوله: (فبقاء التكلم بحكمة في الخبر لا يقبل الامتناع بمانع) جواب PageV03P1452 # عن قوله: «فامتناع الحكم مع قيام التكلم سائغ» وسقوط الحكم بطريق ~~المعارضة في الإيجاب يكون لا في الإخبار؛ لأن الإيجاب إثباب شيء، فإذا ~~عارضه شيء آخر لم يثبت. # فأما الإخبار فلفظ دال على أمر كان أو يكون وهو لا يصلح بدونك ذلك؛ لأنه ~~لو لم يكن كائنا يلزم منه الكذب فلا يمكن امتناع المخبر به بالمعارضة؛ لأنه ~~كائن قبل ثبوت المعارضة فيستحيل امتناعه، ولما بقي جميع ماتكلم بحكمه في ~~صدر الكلام لم يقبل الامتناع بمانع فبطل القول بالمعارضة فصح ماذكرنا. # (وإثبات ونفي بإشارته) يعني لو كان صدرالكلام نفيا كان الإثبات في ~~المستثنى بطريق الإشارة كما في كلمة التوحيد، ولو كان صدر الكلام إثباتا ~~كان النفي في المستثنى بطريق الإشارة كما في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا ~~مائة وإنما لم يعكس؛ لأن الإثبات أو النفي في المستثنى غير مذكور قصدا، لكن ~~لما كان حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه بحسب وضع صيغة الكلام فيه ~~لزم ذلك ضرورة الاستثناء لغة. # (أن ما يمنع الحكم بطريق المعارضة يستوي فيه البعض والكل) ولم يستو ~~هاهنا؛ لأن استثناء الكل من الكل لايجوز، ولو كان بطريق المعارضة لجاز. PageV03P1453 # (والاستثناء قط لا يستقل بنفسه) # فإن قيل: هذا على أصلكم. # وأما على أصل الشافعي فأنه لما كان الاستثناء على وجه المعارضة ms561 كان ~~مستقلا بنفسه على ما ذكر قبله بقوله: «إلا مائة فإنها ليست علي» قلنا: هذا ~~أيضا لا يستقل بنفسه بدون الأول. # ألا ترى أنه لو قال: إلا مائة فإنها ليست علي بدون سابقة المستثنى منه لا ~~يكون مفيدا، فلذلك صح قولنا على الإطلاق والاستثناء قط لا يستقل بنفسه. # (وذلك لا يصلح) أي وذلك البعض الذي هو ما وراء المستثنى لا يصلح حكما لكل ~~التكلم بصدوره، ثم أوضح هذا القول بقوله: PageV03P1454 # (ألا ترى أن الألف اسم علم له لايقع على غيره) يعني أن كل التكلم بصدره ~~اسم الألف في قوله: لفلان علي ألف إلا مائة فلا يصلح ما دون الألف الذي بقي ~~بعد الاستثناء وهو تسعمائة حكما للألف، فلو كان إخراج المائة من الألف ~~بطريق المعارضة لبقي اسم الألف صالحا حقيقة لإطلاقه على ما وراء المستثنى ~~وهو تسعمائة كما في دليل الخصوص، فإنه لما ثبت حكمه بطريق المعارضة للعام ~~بقي اسم العام صالحا حقيقة لإطلاقه على ما وراء المخصوص من العام، فإن اسم ~~المشركين في قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) بقي ~~صالحا لإطلاقه حقيقة على ما وراء الدمي والمستأمن من المشركين لثبوته بطريق ~~المعارضة. # والمعنى في ذلك وهو أنا إنما اشترطنا صلاحية إطلاق اسم كل صدر الكلام على ~~ما وراء المستثنى الذي وجب على المقر في قوله: لفلان علي ألف إلا مائة؛ لأن ~~القدر الذي يجب هو حكم صدر الكلام، وإذا لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا ~~المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة، فعرفنا به أنه يصير صدر الكلام عبارة عما ~~وراء المستثنى وهو تسعمائة. PageV03P1455 # (وإذا كان الوجود غاية للأول أو العدم غاية لم يكن بد إثبات الغاية ~~لتناهي الأول)، ثم انعدام الحكم بعد الغاية لعدم الدليل المثبت لا لمانع ~~بعد وجود المثبت فكذلك انعدام الحكم في المستثنى لعدم الدليل الموجب لا ~~لمعارض مانع. # (ولذلك اختير في التوحيد لا إله إلا الله ليكون الإثبات إشارة والنفي ~~قصدا) إلى آخره، وهذا لأن الإيمان عند المحققين من المتكلمين هو التصديق ms562 ~~بالقلب فقط، والبيان باللسان شرط إجراء الأحكام في الدنيا، وعند PageV03P1456 # الفقهاء: الإقرار باللسان وإن كان ركنا لكنه زائد؛ لأنه إذا لم يتمكن من ~~البيان ولم يصادف وقتا يقدر فيه على البيان وصدق بالقلب فهو مؤمن بلإجماع ~~إذا لم يكن ذلك الوقت وقت البأس فكان التصديق كل الإيمان أو أصلا فيه، ~~(فاختير في البيان الإشارة)؛ لأن الإشارة غير مقصودة والإقرار أيضا غير ~~مقصود، فاختير ماليس بمقصود لما ليس بمقصود. # فإن قيل: إن النفي باللسان أيضا غير مقصود؛ لأن التصديق هو الأصل، ~~والتصديق هو نفي الألوهية عن غير الله وإثبات الألوهية لله تعالى وهو الأصل ~~في القلب، فكيف يصح قوله في الكتاب: «ليكون النفي قصدا والإثبات إشارة» مع ~~أن النفي على ماقررنا باللسان أيضا غير مقصود؟ # قلنا: الأمر كذلك إلا أنه يقصد النفي في الكلام بالبيان لدفع خصومة ~~الخصم؛ لأن من الناس من يثبت الألوهية لغير الله فمست الحاجة إلى النفي ~~قصدا دفعا لقول الخصم. PageV03P1457 # فأما إثبات الألوهية لله تعالى فلا نزاع، فيه قال الله تعالى: (ولئن ~~سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)، فاختير في الإثبات الإشارة ~~فلذلك ابتدأ في كلمة التوحيد بنفي الأغيار عن شركة الألوهية ليقع النفي ~~مقصودا، فلما انتفت الألوهية عن غير الله قصدا ثبتت الألوهية لله تعالى لغة ~~وإشارة؛ لأنه لا بد للعالم الحادث من محدث أحدثه، ومن خالق خلقه وهو الله تعالى. # وإلى هذا أشار الإمام المحقق شمس الأئمة-رحمه الله- في تقريره فقال: وأما ~~قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات فإطلاق ذلك باعتبار نوع من ~~المجاز، فإنهم كما قالوا هذا فقد قالوا إنه استخراج وإنه عبارة عما وراء ~~المستثنى ولا بد من الجمع لبن الكلمتين ولا طرق للجمع سوى مابينا، وهو أنه ~~باعتبار حقيقته في أصل الوضع عبارة عن عما وراء المستثنى، وهو نفي من ~~الإثبات وإثبات من النفي باعتبار إشارته على معنى أن حكم الإثبات يتوقف به ~~كما يتوقف بالغاية، فلإذا لم يبق بعده ظهر النفي لانعدام علة الإثبات فسمي ~~نفيا مجازا. # ثم قال: فإن ms563 قيل هذا فاسدا؛ لأن قول القائل: لا عالم إلا زيد يفهم منه ~~الإخبار بأن زيدا عالم، وكذلك كلمة الشهادة تكون إقرارا بالتوحيد حقيقة، ~~كيف PageV03P1458 # يستقيم حمل ذلك على نوع من المجاز؟ # قلنا: قول القائل لا عالم نفي لوصف العلم، وقوله: إلا زيد توقيت للوصف به ~~ومقتضى التوقيت انعدام ذلك الوصف بعد الوقت، فمقتضى كلامه هنا نفي صفة ~~العلم لغير زيد، ثم ثبت به العلم لزيد بإشارة كلامه لا بنص كلامه كما أن ~~نفي النهار يتوقت إلى طلوع الفجر، فبوجوده يثبت ما هو ضده وهو صفة النهار ~~ونفي السكون مؤقت بالحركة، فبعد انعدام الحركة يثبت السكون. يقرره أن ~~الآدمي لا يخلو من أحد الوصفين، إما العلم وإما نفي العلم عنه، فلما توقت ~~النفي فى صفة كلامه بزيد ثبت صفة العلم فيه لانعدام ضده، وفي كلمة الشهادة ~~كذلك نقول: فإن كلامه نفي الألوهية عن غير الله ثم يثبت التوحيد بطريق ~~الإشارة إليه. # (وتفسيره ما ذكرنا) وهو قوله: إن الاستثناء استخراج وتكلم بالباقي بعد ~~الثنيا. # وقوله: (مجازا) بدل من قوله: «مبتدأ» يعني أن إطلاق اسم الاستثناء على ~~المنقطع بطريق المجاز. PageV03P1459 # قال الله تعالى: (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) وقبله قال: (قال أفرأيتم ~~ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين) أي كل ما عبدتموه أنتم وعبده آباؤكم الأقدمون وهم الذين ماتوا في ~~سالف الدهر، والأقدم تفضيل القديم وهم الأجداد وآباء الأجداد، فإني أعاديهم ~~أي أجتنب عبادتهم وتعظيمهم إلا رب العالمين فأني أعبده وأعظمه لا أعبد غيره. # وقال الضحاك (إلا رب العالمين): أي إني بريء من الآلهة التي PageV03P1460 # تعبدون كلها إلا رب العالمين فإني لا أتبرأ منه. # وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى لكن. # وقيل: بل هو استثناء متصل، وقد كان في آبائهم من يعبد الله ويعبدون ~~الأصنام على الشركة فتبرأ من كل مايعبدونه، واستثنى رب العالمين مما ~~يعبدونه فصح الاستثناء. كذا في «التيسير». # (وكذلك (لا يسمعون فيها لغوا ولا تاثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما)). # قال في «الكشاف»: أي إن ms564 كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم ~~لغوا فلا يسمعون لغوا إلا ذلك، فهو من وادي قولهم: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # أو لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة على الاستثناء PageV03P1461 # المنقطع، أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلام هي دار ~~السلامة وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول ~~الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. # وقوله تعالى: (إلا الذين تابوا) استثناء منقطع، هذا جواب عما تمسك به ~~الشافعي- رحمه الله- في أن الاستثناء يمنع الحكم بطريق المعارضة. # قلنا: كلامنا معك في الاستثناء الحقيقي وهو المتصل من الاستثناء لا ~~المنقطع منه وهذا منقطع؛ لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام، فلا يرد ~~علينا نقضا، ونحن نسلم أن صورة المعارضة ثابتة في الاستثناء المنقطع؛ لأن ~~ذلك ليس من جنس الأول حتى يستقيم فيه التكلم بالباقي بعد الثنيا، فتعذر حمل ~~اللفظ على حقيقة الاستثناء ولئن كان محمولا على حقيقة الاستثناء فهو ~~استثناء بعض الأحوال، أي فأولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال إلا PageV03P1462 # أن يتوبوا، فيكون هذا الاستثناء توقيت الحال ما قبل التوبة، فلا تبقى صفة ~~الفسق بعد التوبة لانعدام الدليل الموجب لا لمعارض مانع كما توهمت أنت. # (وكذلك قوله تعالى: (إلا أن يعفون) إذا حمل صدر الكلام على الأحوال يكون ~~حقيقة، فكأنه قال: فالنصف ثابت في جميع الأحوال إلا حال عفو المرأة التي هي ~~صالحة للعفو وهي العاقلة البالغة فحينئذ النصف أيضا غير ثابت فصح التكلم ~~فيه بالباقي بعد الثنيا بالنظر إلى عموم الأحوال. # (وكذلك قوله: "إلا سواء بسواء" استثناء حال بأن المساواة حال، والأصل أن ~~يثبت المستثنى منه على وفق المستثنى إذا لم يكن المستثنى منه على وفق ~~المستثنى في النفي، وعلى هذا مسائل إن كان في الدار إلا زيد كان المستثنى ~~منه بني آدم إن كان في الدار إلا حمار المستثنى منه الحيوان على ما يجيء ~~تمامه، فكذلك ها هنا المستثنى لما كان حالا ms565 كان المستثنى منه أحوالا؛ لأن ~~استثناء الحال من العين لا يتصور، فكأنه قال: لا تبيعوا الطعام بالطعام في ~~جميع الأحوال من المساواة والمجازفة والمفاضلة إلا حالة المساواة، ولا ~~نتحقق هذه الأحوال إلا في الكثير لما أن المساواة إنما تثبيت بالمسوي ~~الشرعي PageV03P1463 # بالاتفاق، وهو الكيل المذكور في حديث آخر بقوله: "إلا كيلا بكيل"، ~~فالمجازفة والمفاضلة مبنيتان على الكيل الشرعي، وهذا لأن مطلق الفصل ليس ~~بمجرد الإجماع؛ لأن أجزاء الحنطة لابد أن تتفاوت بعضها مع بعض آخر وذلك غير ~~معتبر، بل المعتبر ما كان زائدا على الكيل، فالزائد على الكيل يقتضي وجود ~~الكيل لا محالة، وتلك الأحوال التي ذكرنا لا تتحقق إلا فيما يدخل تحت الكيل. # فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه لا يصح إلا بالإدراج وهو إدراج الأحوال، ~~فالإدراج خلاف الأصل كما أن كون الاستثناء منقطعا خلاف الأصل أيضا، فكيف ~~رجحتم جانب الإدراج على كون الاستثناء منقطعا؟ # قلنا: لا كذلك؛ لأن الإدراج أحد نوعي الكلام عند اقتضاء الدليل. # ألا ترى أن أحدا لم يقل فيما إذا كان المستثنى منقطعا مع أنا أجمعنا مع ~~الخصم على أن هذا الاستثناء الذي ذكر في الحديث متصل لا منقطع، وكفى به حجة ~~لنا في أنه متصل، ولا يصح اتصاله إلا بما ذكرنا، فكان الإدراج ثابتا ضرورة. PageV03P1464 # فعلم بهذا الحديث لم يتناول القليل الذي لا يدخل تحت الكيل أصلا، فبطل ~~استدلال الشافعي به على حرمة بيع القليل من الطعام. # وقوله: (وذلك لا يصلح إلا في المقدر) وهو المقدر بالكيل بالاتفاق. # (ونفيه لا يؤثر في الألف) حتى أنه لو قال: لكن لا ثوب له علي بالتصريح ~~بهذا إنه لا يسقط به عنه شيئا من الألف، فكذلك اللفظ الذي يدل عليه، لما أن ~~المستثنى لم يتناوله صدر الكلام لا صورة ولا معنى. # (وأما إذا استثنى المقدر من خلاف جنسه) بأن قال: لفلان على ألف درهم إلا ~~كر حنطة، (فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله- هو صحيح، وقال محمد ~~-رحمه الله- ليس بصحيح)، وهذا الخلاف أيضا في كل مقدر مكيل ms566 أو موزون حتى ~~قال في "المبسوط" ولو قال: له علي ألف درهم إلا دينارا فالاستثناء جائز، ~~ويطرح من الألف قيمة الدينار، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- ~~استحسانا، وفي القياس لا يصح هذا الاستثناء، وهو قول محمد -رحمه الله- ~~وكذلك لو قال: إلا فلسا أو إلا كر حنطة أو استثنى شيئا مما يكال أو يوزن أو ~~يعد عددا فهو على هذا الخلاف. PageV03P1465 # فأما إذا قال: إلا شاه أو ثوبا أو عرضا من العروض فالاستثناء باطل عندنا. # (لأن المقدرات جنس واحد في المعنى) أي في حكم الثبوت في الذمة على معنى ~~أن كل واحد من المكيل والموزون يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا حيث يثبت بمقابلة ~~ما هو مال وبمقابلة ما ليس بمال بخلاف الثوب والحيوان، فإنهما لا يثبتان في ~~الذمة إلا بمقابلة ما ليس بمال كما قي النكاح والدية، وهكذا تثبت المقدرات ~~في الذمة ثمنا وتثبت حالا ومؤجلا، ويجوز الاستقراض فيها فكانت في حكم ~~الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى، والاستثناء: استخراج وتكلم بالباقي بعد ~~الثنيا بطريق المعنى، فصح استثناء كل واحد من المكيل والموزون من الآخر لهذا. # وقوله: (لأنهما تصلح ثمنا) بأن يقول: اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة ~~وتصف ذلك على ما ذكرنا في "النهاية" فإن الحنطة في تلك الصورة تتعين ثمنا ~~حتى صح استبدالها بآخر. PageV03P1466 # (وقد قلنا: إن الاستثناء تكلم بالباقي معنى لا صورة) أي أنه تكلم بالألف ~~صورة وهذا لا شبهة فيه، وإنما جعل تكلما بالباقي من حيث المعنى، فكان قوله: ~~"لفلان علي ألف درهم إلا مائة" من حيث المعنى لفلان علي تسعمائة، فكانت ~~تسمية الدراهم وهي الألف في قدر المائة تسمية صورة بلا معنى، فكذلك ها هنا ~~إذا صح الاستخراج من طريق المعنى وهو القدر بقي المعنى وهو الشيء المقدر في ~~قدر المستثنى وهو كذا من الحنطة. # (تسمية الدراهم بلا معنى) كما قلنا في قولنا: ألف إلا مائة؛ لأن المقدر ~~ها هنا في صدر الكلام مثل ألف درهم، وقوله في الاستثناء: إلا كر حنطة مثل ~~قوله: ms567 إلا مائة فلا فرق بينهما في المعنى من حيث وجوبهما في الذمة. # وأما الثوب فلا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى وهو ~~الثبوت في الذمة؛ فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعا أي في باب السلم، والألف ~~إنما يثبت في الذمة ثمنا فلا يمكن جعل كلامه استخراجا باعتبار الصورة ولا ~~باعتبار المعنى، فلذلك جعلناه استثناء منقطعا. # (وعلى هذا الأصل) وهو أن الوصل يشترط في بيان التغيير: PageV03P1467 # (إلا أنه تغيير للحقيقة) فإن مقتضى قوله: على ألف درهم، الإخبار بوجوب ~~الألف في ذمته، وقوله: "وديعة" فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها ~~إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال، فإذا كان موصولا كان بيانا صحيحا، ~~وإذا كان مفصولا كان نسخا، فيكون بمنزلة الجوع عما أقر به. # (لأن حقيقة هذه العبارات للتسليم وقد تحتمل العقد) كقوله تعالى: (فلا ~~جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم) أي ما عقدتم؛ لأنه سبب الإيتاء بطريق ذكر ~~المسبب وإرادة السبب. PageV03P1468 # (وإذا قال: لفلان علي ألف من ثمن جارية باعينها) إلى آخره. # قال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- لو قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن ~~جارية باعينها إلا أني لم أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- ~~يصدق إذا كان موصولا، وإذا كان مفصولا يسأل المقر له عن الجهة، فإن قال: ~~الألف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول قوله والمال لازم على المقر. # وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فحينئذ القول قول المقر لم يقبضها؛ لأن ~~هذا بيان تغيير، فإنه يتأخر به عن حق المقر له في المطالبة بالألف إلى أن ~~يحضر الجارية ليسلمها بمنزله شرط الخيار أو الأجل في العقد يكون مغيرا ~~لمقتضى مطلق العقد ولا يكون ناسخا لأصله فيصح هذا البيان منه موصولا، وإذا ~~كان مفصولا فإن صدقة في الجهة فقد ثبتت الجهة بتصادقهما عليهما، ثم ليس في ~~إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار بالقبض، فكان المقر له PageV03P1469 # مدعيا عليه ابتداء تسليم المبيع وهو منكر ليس براجع عما ذا ms568 كذبه في الجهة ~~ثم ثبت الجهة التي ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه، وبيانه ~~الذي قال إنه من ثمن جارية لم يقبضان بيان تغيير فلا يصح مفصولا. # وأبو حنيفة -رضي الله عنه- يقول: هذا رجوع عما أقر به؛ لأنه أقر بأول ~~كلامه أن المال واجب له دينا في ذمته، وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا ~~يكون واجبا عليه إلا بعد القبض، فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا ~~يوقف على عينها بحال بطل العقد، ولا يكون ثمنا واجبا يعني إذا هلكت قبل ~~القبض أو كانت مجهولة. # وقوله: "من ثمن جارية باعينها ولكني لم أقبضها" إشارة إلى هذا، فإن ~~الجارية التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها، وما من جارية يحضرها البائع ~~إلا وللمشتري أن يقول: المبيعة غيرها، وقد أقر بأن الألف في ذمته واجب ~~مقرر، وذلك صريح منه بأن الجارية مقبوضة، ثم قوله: "لكني لم أقبضها" يكون ~~رجوعا منه، فعرفنا أن آخر كلامه عما أقر به من وجوب المال دينا PageV03P1470 # في ذمته، والرجوع لا يصح موصولا ولا مفصولا. # (والثابت بالدلالة مثله إذا ثبت بالصريح) يعني الحكم الثابت بالدلالة مثل ~~الحكم الثابت بالصريح عند عدم الصريح، ولو كان قال: قبضت المبيع لكني لم ~~أقبض كان رجوعا فكذا ها هنا، ولا يقال بأنه بقوله: لكني لم أقبضها، ~~والدلالة إنما تعمل عمل الصريح إذا لم يكن الصريح مخالفا لها. # فأما إذا كان مخالفا لها فلا عبرة لها بمقابلة الصريح؛ لأنا نقول: إن ذلك ~~فيما إذا تعارضا. # فأما إذا ثبت موجب الدلالة أولا فلا، وهاهنا ثبت موجب الدلالة أولا وهو ~~قبض المبيع على ما ذكرنا، ثم قوله: "لم أقبضها" إنما وجد بعد ثبوت موجب ~~الدلالة فلا يكون ذلك معارضا بل يكون رجوعا. # وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة -رضي الله عنه- يوضحه أنه أقر ~~بالمال وادعى لنفسه أجلا لا إلى غاية معلومة وهي إحضار المتاع، فإن تسليم ~~الثمن لا يجب إلا بإحضار المعقود عليه ولا طريق للبائع إلى ذلك، ms569 لأن البائع ~~ما من جارية يحضرها إلا وللمشتري أن يقول: الجارية المبيعة غير هذه، ولو ~~ادعى أجل شهر أو نحو ذلك لم يصدق وصل أم فصل، فإذا ادعى أجلا مؤيدا أولى أن ~~لا يصدق في ذلك. PageV03P1471 # (وعلى هذا الأصل إيداع الصبي -أي الصبي المحجور- الذي يعقل). # وأما الصبي الذي لا يعقل فيجب أن يضمن بالاتفاق. هكذا ذكره المصنف -رحمه ~~الله- في "الجامع الصغير". # وذكر في أحكام الصغار بعد ذكر هذه الرواية؛ لأن التسليط غير معتبر وفعله معتبر. # وذكر الإمام الإسبيجاني -رحمه الله- في "المبسوط" أن الاختلاف في الصبي ~~الذي يعقل. # أما الذي لا يعقل فلاضمان عليه بالإجماع. # (قال: أبو يوسف -رحمه الله- هو من باب الاستثناء؛ لأن إثبات اليد نوعان: ~~للاستحفاظ ولغيره)، فإذا قال: "أحفظ هذا" يكون هذا القول استثناء لغير ~~الاستحفاظ عن إثبات اليد، إلا أن الاستحفاظ لم يتعد أثره إلى الصبي لعدم ~~الولاية عليه فيصير المعدوم يعني غير الاستحفاظ خرج من إثبات اليد، والنوع ~~الآخر من إثبات اليد بطريق الوديعة لم يثبت لما ذكرنا من عدم الولاية، فجعل ~~كأن اليد لم يكن أصلا، فصار كأن الصبي استهلك مال PageV03P1472 # الغير ابتداء فيضمن. # وحاصلة أن التسليط والاستحفاظ كل واحد منهما لم يثبت من المودع في حق الصبي. # أما التسليط فإنه تصرف من رب المال في حق نفسه مقصور عليه غير متناول ~~للصبي، فانعدم التسليط لانعدام علته. # وأما الاستحفاظ فانعدم أيضا لانعدام ولايته على الصبي، ويعد انعدام ~~النوعين صار كأنه لم يوجد تمك ينه من المال أصلا، فبعد ذلك إذا استهلكه كان ~~ضامنا كما لو كان المال في يد صاحبه على حاله فجاء الصبي واستهلكه، وهذا ~~الخلاف فيما إذا كانت الوديعة غير العبد والأمة فإن كانت إياهما فقبلهما ~~الصبي كان ضامنا بالاتفاق. # وقوله: (فإذا نص على الإيداع كان مستثنى) أي كان التسليط مستثنى، ~~(والاستثناء من المتكلم تصرف على نفسه فلا يبطل بعدم الولاية على الصبي) أي ~~فلا يبطل استثناؤه (بلا لا يثبت إلا الاستحفاظ)، لأنه استثني غيره # (وقال أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-ليس هذا من ms570 باب الاستثناء؛ PageV03P1473 # لأن التسليط فعل يوجد من المسلط) يعني أن قوله: "احفظ هذا" قول والتسليط ~~فعل، وشرط صحة الاستثناء أن يكون صدر الكلام مجانسا للمستثنى، والمستثنى ~~هاهنا غير الاستحفاظ والإستثماء قوله: "احفظ" فلا يصح. # أو نقول: صدر الكلام فعل مطلق والمطلق فرد، والاستثناء يقتضي كون صدر ~~الكلام متناولا للفردين فصاعدا، فلا يكون استثناء بهذين المعنين، لأن قوله ~~"احفظ" كلام ليس مم جنس الفعل ليشتغل بتصحيحه بطريق الاستثناء، ولكنه معارض ~~بمنزلة جليل الخصوص، أو بمنزلة ماقاله الخصم في الاستثناء، وإنما يكون ~~معارضا إذا صح منه هذا القول شرعا، ولا خلاف أن قوله: "احفظ" غير صحيح في ~~حكم الإستحفاظ شرعا فيبقى التسليط مطلقا، فالإستهلاك بعد تسليط من له الحق ~~مطلقا لا يكون موجبا للضمان على الصبي ولا على البالغ. # وذكر في "المبسوط" في تعليل قولهما فقال: لأنه صبي وقد سلطه رب الوديعة ~~على ماله حين دفعه إليه، وفي تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام: # أحدهما: أنه تسليط باعتبار العادة؛ لأن عادة الصبيان إتلاف المال لقلة PageV03P1474 # نظرهم في عواقب الأمور، فهو لما مكنه من ذلك مع علمه بحاله يصير كالإذن ~~له في الإتلاف، وبقوله: "احفظ" لا يخرج من أن يكون آذنا؛ لأنه إنما خاطب ~~بهذا من لا يحفظ فهو كمقدم الشعير بين يدي الحمار وقال: لا تأكل، بخلاف ~~العبد والأمة لأنه ليس من عادة الصبيان القتل؛ لأنهم يهابون القتل ويفرون ~~منه فلا يكون إيداعه تسليطا على القتل باعتبار عادتهم. # والأصح أن نقول: معنى التسليط تحويل يده في المال إليه، فإن المالك ~~باعتبار يده كان متمكنا من استهلاكه، فإذا حول يده إلى غيره صار ممكنا له ~~من استهلاكه بالغا كان المودع أو صبيا، إلا أن بقوله "احفظ" قصد أن يكون ~~هذا التحويل مقصورا على الحفظ دون غيره، وهذا صحيح في حق البالغ باطل في حق ~~الصبي؛ لأنه التزم بالعقد والصبي ليس من أهله، فيبقى التسليط على الإستهلاك ~~بتحويل اليد إليه مطلقا بخلاف العبد والأمة، فإن اعتبار المالك باعتبار يده ~~ماكان متمكنا من قتل الآدمي، ms571 فتحويل اليد إليه لايكون تسليطا على قتله. # وقوله (والمستثنى من خلاف جنسه) يشير إلى الوجه الأول، فلما لم يصح ~~استثناء بقى قوله: "احفظ هذا" معارضا للفعل الذي هو تسليط، فلا بد من ~~تصحيحه ليصير معارضا ولم يصح، لأن استحفاظ الصبي لا يصح PageV03P1475 # فبطل المعارض، وهو قوله: "احفظ هذا" فبقى التسليط والتمكين من الصبي على ~~المال، وذلك لايوجب الضمان على البالغ فعلى الصبي أولى. # فكان (هذا مثل قول الشافعي في الاستثناء) الحقيقي، فإنه يقول هناك ~~بالمعارضة، ونحن قلنا في هذه المسألة مثل ذلك؛ لأن الاستثناء لا يمكن، ~~فاضطررنا إلى القول بالمعارضة، ولم تصح المعارضة أيضا على ما ذكرنا حتى لو ~~قال ذلك للبالغ كان معارضة صحيحة، فصار مثل قول الشافعي في الاستثناء، فإن ~~عمل الاستثناء عنده بطريق المعارضة. # (وعلى هذا الأصل قال أصحابنا) أي على أصل أن بيان التغيير معتبر بشرط ~~الوصل (في رجل قال: بعت منك هذا العبد بألف درهم إلا نصفه؛ إن البيع يقع ~~على النصف بالألف) إلى آخره. # قال في "المبسوط" إن العبد إذا كان لواحد فقال تلرجل: بعت منك إلا نصفه ~~بألف درهم كان بائعا للنصف بألف درهم، لأن إلا للاستثناء. # والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى، فكأنه قال: PageV03P1476 # بعت منك نصفه بألف درهم. # فأما قوله على أن لي نصفه، فليس باستثناء، بل هو عامل على سبيل المعارضة ~~للأول، فكان الإيجاب الأول متناولا لجميعه، وبالمعارضة تتبين أنه جعا ~~الإيجاب في نصفه للمخاطب وفي نصفه لنفسه وذلك صحيح منه إذا كان مفيدا. # ألا ترى أن رب المال يشتري مال المضاربة من المضارب فيكون صحيحا وإن كان ~~ذلك مملوكا له يكون مفيدا ليكون اليد لرب المال، فهاهنا أيضا ضم نفسه إلى ~~المخاطب في شراء العبد مفيد في حق التقسيم، فلهذا كان نابعا نصفه من ~~المخاطب بخمسمائة؛ لأن على قوله الإقرار يصير مملوكا للوكيل، وهذا لأن من ~~أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيام الوكيل مقام الموكل، وهذا حكم الوكالة ~~فلا يصح استثناؤه كما لو وكل بالبيع على أن ms572 لا يقبض الوكيل PageV03P1477 # الثمن أو لا يسلم المبيع كان الاستثناء باطلا، كذا في "المبسوط". # (فيصير ثابتا بالوكالة) أي الإقرار على الموكل يصير ثابتا بالوكالة (حكما ~~لا مقصودا) فلا يصح استثناؤه، وهذا لأن المقصودية شرط لصحة الاستثناء، حتى ~~أن الشيء إذا ثبت تبعا في العقد لا مقصودا لا يصح استثناؤه لهذا المعنى ~~كأطراف الحيوان؛ فإنها تدخل عند ذكر الحيوان تبعا في البيع وغيره فلا يصح ~~استثناؤه، وهذا هو المعنى فيما ذكره في "الهداية" الأصل أن مايجوز إيراد ~~العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد. # وكذلك لا يصح إبطاله بالمعارضة؛ لأنه لما ثبت جواز إقرار الوكيل على ~~الموكل بطريق الحكم لصحة الوكالة، فما دامت الوكالة قائمة كان حكمها وهو ~~جواز إقراره على موكله قائما أيضا، فلا يبطل حكم الوكالة إلا ببطلان ~~الوكالة، وجعل في "المبسوط" مذهب محمد -رحمه الله- ظاهر الرواية فقال: فأما ~~في ظاهر الرواية فالاستثناء صحيح؛ لأن صحة إقرار الوكيل باعتبار ترك حقيقة ~~اللفظ إلى نوع من المجاز، فهو بهذا الاستثناء يبين أن مراده حقيقة الخصومة ~~لا الجواب الذي هو مجاز بمنزلة بيع أحد الشريكين نصف العبد شائعا من ~~النصيبين أنه لا ينصرف إلى نصيبه خاصة عند التنصيص عليه PageV03P1478 # بخلاف ما إذا أطلق. # والثاني: أن صحة إنكاره وإقراره عند الإطلاق لعموم المجاز؛ لأن ذلك كله ~~جواب، فإذا استثنى الإقرار كان هذا استثناء لبعض مايتناوله مطلق الكلام، أو ~~هو بيان مغير لمقتضى مطلق الكلام فيكون صحيحا. كمن حلف لا يضع قدمه في دار ~~فلان فدخلها ماشيا أو راكبا لم يحنث لما قلنا، وعلى هذا الطريق إنما يصح ~~استثناؤه الإقرار موصولا لا مفصولا عن الوكالة، وعلى الطريق الأول يصح ~~استثناؤه موصولا ومفصولا. # قالوا: وكذلك لو استثنى الإنكار على - صح ذلك عند محمد - رحمه الله، ~~خلافا لأبي يوسف، وهذا لأن إنكار الوكيل قد يضر الموكل بأن كان المدعي ~~وديعة أو بضاعة فأنكر الوكيل لم يسمع منه دعوى الرد والهلاك بعد صحة ~~الإنكار ويسمع ذلك منه قبل الإنكار، فإن كان إنكاره قد يضر الموكل صح ms573 ~~استثناؤه الإنكار كما يصح استثناؤه الإقرار. # وقوله: (وللخصم أن لا يقبل هذا الوكيل)، لأنه لو صح إقراره ربما أقر ~~الوكيل بحق المدعي فيصل المدعي إلى حقه عند ظهور حقه بإقرار الوكيل فيفيد ~~الخصومة بمثل هذا الوكيل، وإلا لا فائدة من خصومته؛ (لأن الخصومة تناولت ~~الإقرار عملا بمجازها) وهو الجواب وهو عام. PageV03P1479 # وحاصله أن التوكيل بالخصومة توكيل بجواب الخصم، والجواب تارة يكون بلا ~~وتارة يكون بنعم، فالأمر بالتوكيل بالخصومة يتناولهما، فصح استثناء جواز ~~الإقرار عند محمد -رحمه الله-. لأن الجواب يتناول الأمرين والاستثناء تكلم ~~بالباقي فصح، فعلى هذا لا يصح منفصلا. # (وانقلب المجاز هاهنا بدلالة الديانة حقيقة) يعني أن الخصومة مهجورة شرعا ~~لقوله تعالى: (ولا تنازعوا) والمهجور شرعا كالمهجور عادة، فصارت إرادة ~~المجاز وهو جواب الخصم بمنزلة الحقيقة، ولأن استثناء جواز الإقرار عمل ~~بحقيقة اللغة؛ لأن الإقرار مسالمة والخصومة ضدها، فكان قوله: على أن لا يقر ~~عليه أو غير جائز الاقرار، تقريرا لموجب كلامه لا استثناءه؛ لأن موجب كلامه ~~وهو التوكيل بالخصومة أن لا يجوز إقراره على موكله لغة لتبقى الخصومة على ~~حقيقتها، فعلى هذا التقرير يصبح قوله: " غير جائز الاقرار" لا وعلى أن يقر ~~عليه موصولا ومفصولا كما هو حكم بيان التقرير. # واختلف في استثناء الانكار؛ والأصح أنه على هذا الاختلاف على PageV03P1480 # الطريق الأول لمحمد -رحمه الله- بيانه بأن الموكل يقول: وكلتك بالخصومة ~~على أن لا ينكر الخصم أو غير جائز الإنكار، فعلى الطريق الأول صح ~~الاستثناء؛ لأنه صار عبارة عن جواب الخصم، والجواب عام في الإنكار ~~والإقرار، فصح استثناء الإنكار كما يصح استثناء الإقرار، والله أعلم. PageV03P1481 ### || AUTO باب بيان الضرورة # أي البيان يقع لأجل الضرورة، والضرورة أنواع (نوع منه ما يثبت ضرورة ~~الدفع) أي ضرورة دفع الغرور، (ومنه ما يثبت ضرورة الكلام) أي يكون بيانا ~~بدلالة الكلام. # (إن بيان نصيب المضارب والسكوت عن نصيب رب المال صحيح) أي قياسا ~~واستحسانا (للاستغناء عن البيان)؛ لأن رب المال لا يستحق الربح باعتبار ~~الشرط بل باعتبار أنه فرع مال مملوك له، فكان مالكا ms574 لفرعه، (صحيح استحسانا ~~على إنه بيان بالشركة) يعني أن مقتضى المضاربة PageV03P1482 # الشركة بينهما في الربح، فببيان نصيب أحدهما يصير نصيب الآخر معلوما، ~~ويجعل ذلك كالمنطوق به، فكأنه قال: ولك ما بقي. # (عند أمر يعاينه) عن النكير وفي نسخة (عن التغيير)، وهو معنى الأول (يدل ~~على الحقية) باعتباره حاله، فإن البيان واجب عند الحاجة إلى PageV03P1483 # البيان، فلو كان الحكم بخلافه لبين ذلك لا محالة، ولو بينه لظهر (وما أشبهه) # مثلما سكتوا عن بيان الحيض بعد العشرة، والأوفق هاهنا أن يقال: أراد ~~بقوله: (وما أشبهه) منافع الجارية المستحقة والأكساب الحاصلة منها، ثم ~~استهلكت الأكساب، فإنهم لما سكتوا عنها دل أنها غير مضمونة على المغرور. # (والنكول جعل بيانا لحالة في الناكل وهو امتناعه عن أداء ما لزمه) إلى ~~آخره. أى النكول جعل بيانا لوجوب المال على الناكل بدلالة في الناكل؛ لأنه ~~لما امتنع عن مباشرة ما لزمه وهو اليمين مع قدرته على اليمين كان ذلك دليلا ~~على أنه إنما امتنع عن اليمين احترازا عن اليمين المهلكة، وذلك إنما يكون ~~إذا كان هو في إنكاره كاذبا وكان المال عليه واجبا. # (وهو لزوم الإقرار لو كان منه)، وهذا لأنه نفي نسب ولد ليس منه PageV03P1484 # واجب، ودعوة نسب ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي واجب أيضا، ~~فالسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب دليل النفي، فيجعل ذلك كالتصريح بالنفي، ~~وعن هذا خرج الجواب عن إشكال يقال فيه: إنه لما ادعى أكبرهم كان ينبغي أن ~~يثبت نسب الباقين منه؛ لأنه لما ثبت نسب الأكبر كانت الجارية أم ولد له، ~~ونسب ولد أم ?الولد يثبت بالسكوت. # قلنا: أن يثبت نسب ولد أم? الولد بالسكوت عند عدم دليل النفي وهاهنا وجد ~~دليل النفي وهو سكوته عن البيان عند وجوب البيان عليه، وهذا لأنه لو لم ~~يجعل ذلك السكوت دليل النفى يلزم فيه أمر لا يليق بحال المسلم. # أو نقول: إن أمومية الولد هاهنا إنما تثبت بالاستناد، وما ثبت بالاستناد ~~كان ثابتا من وجه دون وجه، فيثبت عند ms575 البيان من حيث إنه ثابت، ولا يثبت عند ~~عدم البيان من حيث إنه غير ثابت، ولا يقال: إن النسب مما يحتاط في إثباته؛ ~~لأنا نقول: إنما يثبت النسب بالاحتياط إذا لم يوجد فيه دليل النفي. # (فيجعل إذنا دفعا للغرور عن الناس)، فإن في هذا الغرر أضرارا بهم، والضرر ~~مدفوع، ولهذا لم يصح الحجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر؛ لأن PageV03P1485 # الناس لا يتمكنون من استطلاع رأي الولي في كل معاملة يعاملونه مع العبد. # (وكذلك سكوت الشفيع جعل إذنا ردا لهذا المعنى) أي سكوت الشفيع عن طلب ~~الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط الشفعة لضرورة دفع الغرور عن ~~المشتري فإنه يحتاج إلى التصرف في المشترى، فإذا لم يجعل سكوت الشفيع عن ~~طلب الشفعة إسقاطا للشفعة فإما أن يمتنع المشتري من التصرف أو ينقض الشفيع ~~عليه تصرفه، فلدفع الضرر والغرور جعلنا ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة، ~~وإن كان السكوت في أصله غير موضوع للبيان بل هو ضده. PageV03P1486 # (فلأن حذف المعطوف عليه في العدد متعارف) أي حذف تفسير المعطوف عليه ~~وتمييزه متعارف وهو درهم في قوله: لفلان علي مائة ودرهم أي "أي مائة درهم ~~ودرهم". # (يقول: بعت منك هذا بمائة وعشرة دراهم، وبمائة ودرهم على السواء) أي بعطف ~~العدد على العدد وعطف العدد على المعدود على السواء، # وقوله: (وليس كذلك حكم ما هو غير مقدر؛ لأنه لايثبت دينا في الذمة) هو ~~احترازا عن الثوب والشاة. # أما الثوب فلا يثبت في الذمة دينا إلا مبيعا مسلما فيه، والشاة لاتثبت ~~دينا في الذمة أصلا يعنى به ثبوتا لازما، فلم يصح قوله: "وثوب" أن يكون PageV03P1487 # تفسيرا للمائة؛ لأن قوله: (على مائة) عبارة عما يثبت في الذمة مطلقا ~~ثبوتا صحيحا فلهذا كان البيان إليه. كذا في "المبسوط". # (فلأن المعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة شيء واحد) أي من حيث الصورة ~~والمعنى. # أما من حيث الصورة فاتحادهما في الإعراب. # وأما من حيث المعنى فاتحادهما في الحكم (كالمضاف مع المضاف إليه) أي ~~أنهما كشيء واحد، (والمضاف إليه للتعريف) أي ms576 المضاف إليه وهو آخر الكلام ~~صالح لتعريف المضاف الذي هو أول الكلام، وجب أن يكون المعطوف لتأكد الشبه ~~بينهما. # ولما صلح المعطوف معرفا للمعطوف عليه بهذا الطريق صح حذف مميز المعطوف ~~عليه، ومعرفه وهو درهم في قوله: "الفلان على مائة ودرهم" أي مائة درهم ~~ودرهم، وهو معنى قوله: (صح الحذف في المضاف إليه) أي PageV03P1488 # المعطوف عليه بدلالة قوله: "بدلالة العطف" ولكن هذا العطف إنما يصح في ~~المعطوف عليه إذا كان المعطوف عليه مما يجوز أن يثبت في الذمة عند مباشرة ~~السبب كالمكيل والموزون. # وأما فيما لا يثبت في الذمة فلا يصح المعطوف معرفا للمعطوف عليه، وهذا ~~لأن المعاملات إنما تكثر في المقدرات التي يجب ثبوتها في الذمة وكثرة ~~الاستعمال موجبة للتخفيف، وحذف المميز إنما كان للتخفيف، فلذلك اختص الحذف ~~بما يثبت في الذمة. # (لأن العشرين مع الآحاد معدود مجهول فصح التعريف بالدرهم) أي لأنه عطف ~~العدد المبهم على ما هو واحد مذكور على وجه الإبهام، وقوله: "درهما" مذكور ~~على وجه التفسير والتمييز، فيكون تفسيرا لهما، والاختلاف في قوله: له على ~~مائة ودرهما كالاختلاف في قوله: ودرهم. # قوله: (وكل جملة تحتمل القسمة فإنها تحتمل الاتحاد) هذا ما تتمة قول أبي ~~يوسف -رحمه الله- أي كل إقرار يشتمل على مال وذلك المال جنس PageV03P1489 # واحد بحيث لا يحتاج في قسمته بين الشركاء إلى القسمة مرتين أو أكثر بل ~~مرة واحدة، ففي مثل ذلك المال في الإقرار جعل المعطوف بينانا للمعطوف عليه ~~كما في الدرهم والثوب وإلا فلا. # وقيل: معناه كما أن القسمة تتحقق في الدرهم تتحقق في الثوب فإن كل واحد ~~منهما يصلح للقسمة، فيكون قوله: مائة وثوب بمنزلة قوله: مائة ودرهم. # وأما العبد الواحد فإنه لا يحتمل القسمة بالاتفاق، والخلاف في قسمة ~~العبيد، وقسمة العبيد أيضا لا تجوز بطريق الخبر، وقولهما في العبيد: "إنه ~~يحتمل القسمة" مؤول إذا كان رأيهما ذلك فيقسم القاضي بناء عليه. كذا ذكره ~~الصدر الشهيد في "الجامع الغير". # وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي يوسف فقال: وجه رواية أبي ms577 يوسف أن الثياب ~~والغنم تقسم قسمة واحدة أي يعطى لكل واحد من الشركاء جزءا منها في القسمة ~~الواحدة بخلاف العبيد فإنها لا تقسم قسمة واحدة، بل تحدد القسمة في كل واحد ~~من العبيد بين الشركاء ولا يعطي لكل واحد من الشركاء عبد واحد وإن كان عدد ~~العبيد على عدد رؤوس الشركاء، وأنصباؤهم متساوية لما كان العبيد باعتبار ~~فحش التفاوت بينهم ألحقوا بالأجناس المختلفة، ولما كان كذلك كان ما يقسم ~~قسمة واحدة يتحقق في PageV03P1490 # أعدادها المجانسة فيمكن أن يجعل المفسر منه تفسيرا للمبهم، وحصل من هذا ~~الثوب الواحد لما كان يحتمل القسمة صار بمنزلة درهم من حيث إنه يحتمل ~~القسمة الواحدة، والمعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة شيء واحد من حيث عنه لا ~~يستفاد بالمعطوف حكم بدون المعطوف عليه لكون المعطوف جملة ناقصة، والله أعلم. # *** PageV03P1491 ### || AUTO باب بيان التبديل # (حتى صارت تشبه الإبطال من حيث كان وجودا يخلف الزوال)؛ لأن الناسخ يخلف ~~المنسوخ والمنسوخ يزول، والإبطال مثله؛ لأنه بوجود المبطل يزول الباطل. # (لمدة الحكم المطلق الذي كان معلوما عند الله تعالى) على ما اقتضته ~~الحكمة البالغة. # ونظيره الطبيب إذا أمر المريض بأكل شيء، ثم بعد أيام أمره بأكل شيء PageV03P1492 # آخر، ونهاه عما أمره قبله على حسب ما اقتضاه علمه، يعد ذلك حكمة وأمرا ~~معقولا لا تناقضا ولا بداء. فكذلك النسخ في أحكام المحكوم؛ لأن حكم الله ~~تعالى ثابت أولا وأبدا لا يتغير هو؛ بل المتغير هو المحكوم فبعد ذلك تغير ~~المحكوم لا يدل على تغير الحكم كتغير المعلوم لا يدل على تغير العلم. # (لكنه لا يتصور هذا القول من مسلم مع صحة عقد الإسلام) فإن شريعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ناسخة لما قبلها من الشرائع؛ فكيف يتحقق هذا القول منه ~~مع اعتقاده لهذه الشريعة مع أنه لا يمكنه الخروج عما ثبت في PageV03P1493 # القرآن من جواز النسخ نحو قول الله تعالى: (ما ننسخ من آية)، وقوله: ~~(وإذا بدلنا آية مكان آية). # ونسخ ببيت المقدس بالكعبة في باب القبلة، ونسخ حد الزنا بالإيذاء ms578 والحبس ~~بالجلد. # (تمسكوا بالسبت) أي تمسكوا بعبادتكم المخصوصة أي بشريعة موسى عليه ~~السلام، فالسبت مصدر، سبت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال ~~بالتعبد. PageV03P1494 # ومعنى قوله تعالى: (إذ يعدون في السبت) إذ يتجاوزون حد الله فيه، وهو ~~اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه، وكانت أعمال الدنيا حراما عليهم يوم ~~السبت، بل كانوا يشتغلون في ذلك اليوم على الخصوص بعبادة الله تعالى، وهو ~~كان شريعة موسى عليه السلام. # (بلغهم بما هو طريق العلم) وهو التواتر. # (للإيجاب لا للبقاء) وذلك لا يكون إلا بذكر التأبيد صريحا، حتى أنه PageV03P1495 # لو كان البقاء لا يجوز النسخ كما لا يجوز في حال الإيجاب بالإجماع (بل ~~البقاء باستصحاب الحال). # فإن قيل: لو كان البقاء باستصحاب الحال فينبغي أن يجوز النسخ بخبر ~~الواحد؟ لأن خبر الواحد أقوى من استصحاب الحال؟ # قلنا: الكلام في جواز النسخ حال حياة النبي عليه السلام ولا يتصور وقت ~~حياته الخبر الواحد؛ لأنه يمكن أن يسأل منه ويسمع من فيه فصار قطيعا حينئذ ~~فيجوز النسخ به. # وأما بعد وفاته فلا يجوز النسخ بخبر الواحد؛ لأنه انسد باب النسخ بوفاته، ~~فكان بقاء النص على ما كان بدليل موجب للبقاء لا باستصحاب الحال (على ~~احتمال العدم بدليله)؛ أي بدليل العدم وهو المزبل؛ (لأن الأمر لم يتناول ~~البقاء لغة)؛ لأنه لطلب الفعل فقط وموجبه الائتمار لا غير. # ألا ترى أن الأمر بالشيء لا يقتضي التكرار فلم يكن الأمر متناولا للبقاء ~~لا بصيغته ولا بحكمه فلذلك لم يكن الناسخ متعرضا لحكم المنسوخ إلا من حيث ~~الظاهر لما أم دليل النسخ إنما يرد بعد ما يقرر حكم الدليل الأول، وهو معنى ~~قوله: (فلم يكن دليل النسخ متعرضا لحكم الدليل الأول بوجه إلا ظاهرا) أي لا ~~يتحقق في النسخ توهم التعرض للأمر ولا لحكمه كالإماتة بعد PageV03P1496 # الإحياء، فإنه بيان المدة من غير أن يكون فيه تعرض لأصل الإحياء ولا لما ~~يبتني عليه من مدة البقاء إلا ظاهرا لا حقيقة؛ لأن في اعتبار ما هو ظاهر ~~لنا تبديل صفة ms579 الحياة بصفة الوفاة، وهذا لأن إحياء الشريعة بالأمر به ~~كإحياء الشخص، وذلك لا يوجب بقاءه، وإنما يوجب وجوده. # ثم البقاء بعد ذلك بإبقاء الله تعالى إياه أو بانعدام سبب الفناء، فكما ~~أن الأمانة بعد الإحياء لا يكون فيه شيء من معنى القبح ولا يكون هو دليل ~~البداء فكذلك النسخ في حكم الشرع (بل كان بيانا للمدة التي هي غيب عنا وهو ~~الحكمة البالغة)؛ لأن ورود الأوامر والنواهي لمنفعة المخاطبين؛ إذ الله ~~تعالى يتعالى عن أن تلحقه منفعة أو مضرة، فجاز أن تكون المنفعة لهم في مدة ~~حكم مخصوص، وجاز أن تكون المنفعة لهم في مدة أخرى في ضد ذلك الحكم لتبدل ~~مصالح العباد، وفي هذا حكمة بالغة لإبداء وظهور غلط. # ألا ترى أن الطبيب إذا أمر مريضا بشرب دواء معين وأكل غذاء معين، ثم نهاه ~~عن ذلك بعد زمان لا يكون ذلك بداء منه؛ بل يختلف ذلك بسبب اختلاف أحوال ~~المريض ومزاجه وتبدل مصلحته في ذلك. # وقوله: (بإبقاء هو غير الإيجاد) هذا توسع في العبارة بسبب اختلاف أثرهما ~~لما أن صفة الله تعالى ليست عين صفة أخرى ولا غيرها كالصفات مع PageV03P1497 # ذاته. # كذا ذكر في "التبصير" فقال: لا يقال لكل صفة منها إنها الذات ولا يقال ~~غير الذات وكذلك كل صفة مع ما وراءها كالعلم لا يقال له إنه غير القدرة ولا ~~إنه عينها، ولكن يجوز إثبات التغاير بين الإيجاد والإبقاء باعتبار تغاير ~~أثرهما حقيقة، فيجوز أن يسمى الفعل الواحد باسمين مختلفين، أو أكثر بسبب ~~اختلاف أثره كالرمي الموجود من رجل إذا وجدت منه القتل والكسر والجرح يسمى ~~ذلك الرمي الواحد رميا وقتلا وكسرا وجرحا باعتبار وجود هذه الآثار منه وهو ~~واحد، فكذا هنا يجوز أن يقال: الإيجاد والإبقاء متغايران وإن لم PageV03P1498 # يكونا متغايرين حقيقة باعتبار تغاير أثرهما، وأثرهما وهو الوجود والبقاء ~~متغايران، ولهذا جاز أن يقال: وجد ولم يبق، ولا يجوز أن يقال: وجد ولم يوجد. # (هذا حكم بقاء المشروع في حياة النبي عليه الصلاة والسلام) أي بقاء الحكم ms580 ~~المشروع إنما يكون باستصحاب الحال، وهو إنما يكون على احتمال العدم، (صار ~~البقاء من بعد ثابتا بدليل يوجبه) أي يوجب البقاء، وذلك الدليل قوله تعالى: ~~(لأنذركم به ومن بلغ)، وقوله عليه السلام: "الحلال ما جرى على لساني إلى ~~يوم القيامة، والحرام ما جرى على لساني إلى يوم القيامة". # وقد حققنا تمام هذا في "كشف العوار لأهل البوار". # (لأنه ثبت عندنا تحريف كتابهم فلم يبق حجة) ألا ترى أنه لا يجوز أن PageV03P1499 # يقول: آمنا بالتوراة التي في أيديهم، لأن في ذلك لزوم الإيمان بتحريفهم ~~وهو لا يصلح، بل يجب علينا أن نقول: آمنا بالتوراة التي أنزلت على موسى ~~عليه السلام. # وأما من تمسك من اليهود على عدم جواز النسخ لما بلغهم في نقلهم عن موسى ~~عليه السلام تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، أي تمسكوا بحرمة ~~الأعمال الدنيوية في يوم السبت فهو حجة عليهم؛ لأن العمل في السبت كان ~~مباحا قبل زمن موسى عليه السلام، فإنهم يوافقونا على أن حرمة العمل في ~~السبت من شريعة موسى عليه السلام، وإنما يكون من شريعته إذا كان ثبوته ~~بنزول الوحي عليه. # فأما إذا كان ذلك قبل شريعته على هذا الوجه أيضا فلا فائدة في تخصيصه أنه ~~شريعته، فإذا جاز ثبوت الحرمة بعد ما كان مباحا جاز ثبوت الحل في شريعة نبي ~~آخر قامت الدلالة على صحة نبوته، وليس النسخ إلا تحريم المباح أو إباحة ~~المحرم، والله أعلم. PageV03P1500 ### || AUTO باب محل النسخ # (أما الأول فبيانه أن الصانع بأسمائه) إلى آخره إشارة إلى عكس قوله: ~~"أحدهما: أن يكون في نفسه محتملا للوجود والعدم" يعني إذا لم يكن هو محتملا ~~في نفسه للوجود والعدم؛ بل هو واجب الوجود لذاته كذات الله تعالى وصفاته لا ~~يكون هو محلا للنسخ، وقوله: "بأسمائه وصفاته" أراد بالأسماء نحو قوله: الله ~~الرحمن الرحيم الحي القادر العالم، وبالصفات الرحمة والحياة والقدرة ~~والعلم، وهذا على اصطلاح أهل الفقه والكلام. # وأما على اصطلاح أهل النحو فالصفات هي ما يمكن أن يوصف به نحو الحي ~~والعالم ms581 والقار حيث يقال: الله الحي والعالم والقادر. # وأما الحياة والعلم والقدرة فأسماء المعاني لا الصفات. PageV03P1501 # وكذلك قوله: (وأما الذي ينافي النسخ من الأحكام) إشارة إلى عكس قوله: ~~"والثاني أن لا يكون ملحقا به ما ينافي المدة والوقت" يعني أن المشروع الذي ~~لم يلحق به ما ينافي المدة والوقت لما كان محلا للنسخ كان عكسه الذي هو ~~مشروع لحق به ما ينافي المدة والوقت غير محل للنسخ. # (وقوله تعالى: ((وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) من ~~قبيل التأبيد الصريح في الاستعمال، وبه صرح الإمام شمس الأئمة السرخسي ~~-رحمه الله- كما في قوله تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين). # (والقسم الثاني) وهو التأبيد الذي ثبت دلالة. PageV03P1502 # (والثالث- واضح) وهو التوقيت، ولم يورد لذلك نظيرا؛ لأنه لم يرد نظيره في ~~المسموعات. # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- فبيان ذلك في قول القائل: أذنت لك في ~~أن تفعل كذا إلى مائة سنة، فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب ~~البداء، ويتبين به أن الإذن الأول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الأمر، والنسخ ~~الذي يكون مؤديا؟ إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرد شرع ~~بهذه الصفة. # وقوله تعالى: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) # فإن قيل: جعل هذا من قبيل التأبيد صريحا وليس هذا كذلك، بل هذا هو توقيت ~~إلى يوم القيامة. # قلنا: قد يذكر التأبيد ويراد به التأبيد في الدنيا كما في قوله تعالى: ~~(فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا) PageV03P1503 # (فصار الذي لا يحتمل النسخ أربعة أقسام): الأول: الإيمان بالصانع وصفاته ~~بأنه واحد قديم، ثم هذه الثلاثة. # (فينعدم الحكم لانعدام سببه) أي ينعدم بقاء الحكم لانعدام المبقي (لا ~~بالناسخ بعينه)؛ لأنا لو قلنا إن إنعدام المنسوخ بالناسخ بعينه لكان فيه ~~تصور بقاء المنسوخ بعد ورود الناسخ وليس كذلك؛ لأن فيه جميعا بين الضدين ~~كما في الحركة مع السكون، فإن ثبوت الحركة زمان زوال السكون لا قبله ولا ~~بعده؛ لأنه يلزم حينئذ اجتماع ms582 الضدين أو خلو المحل عنهما، فكذلك هاهنا لم ~~يكن انعدام المنسوخ بالناسخ، بل العدم لانعدام سببه كالحياة تنعدم بانعدام ~~سببها لا بالموت، وكذلك خروج شهر ودخول شهر آخر، فإن الأول ينتهي به لا أن ~~الناسخ نسخ الأول. # (فصار الذبح بعينه حسنا بالأمر وقبيحا بالنسخ)، وهذا لأن الأمر يذبح ~~الولد وقت نسخ ذبح الولد كان باقيا بدليل أن الله تعالى سمى ذبح الشاة PageV03P1504 # فداء، ولو لم يكن الأمر بذبح الولد باقيا لما سماه فداء، وكان هذا في ~~الحقيقة كالفدية في حق الشيخ الفاني، فإن أمر الصوم متناول له، فلذلك وجب ~~عليه الفداء بدلا عن موجب الأمر الذي هو متقرر في حقه، فلما كان هكذا كان ~~الأمر بذبح الولد ونسخه في وقت واحد وهو لا يجوز، وإلى هذا التقرير أشار ~~الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: # فإن قيل: أليس أن الخليل عليه السلام أمر بذبح ولده فكان الأمر دليلا على ~~حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا عن ذبحه مع قيام الأمر حتى وجب ذبح الشاة ~~فداء عنه، ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ كان دليلا ~~على قبحه، وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد. # قلنا: لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالأمر، ~~وكيف يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله: () وبعد النسخ لا يكون هو ~~محققا ما أمر به إلى آخره. # (والنسخ هو انتهاء الحكم ولم يكن) أي ولم يكن انتهاء الحكم (إلا أن المحل ~~الذي أضيف إليه لم يحله الحكم) أي أن المحل وهو إسماعيل عليه السلام أضيف ~~إلى الذبح لم يحله الحكم وهو الذبح، أي ل ينفعل في إسماعيل عليه السلام ~~صورة الذبح لا للنسخ بل لوجود الفداء، ولذلك سمى PageV03P1505 # تلك الشاة فداء. # فصار كمن يرمي سهما إلى غيرها فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ ~~فيه بعد أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده، وإذا كان فداء ~~من هذا الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت ms583 بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ ~~فيه، لأن ذلك يتبنى على النهي الذي هو ضد الأمر فلا يتصور اجتماعهما في وقت ~~واحد. هكذا قرره شمس الأئمة -رحمه الله-. # أو نقول: إن الحكم وهو الذبح كان مضافا إلى الولد ثم انتقل إلى الفداء لا ~~باعتبار النسخ بل باعتبار قيام الفداء مقام الولد، فمثل هذا لا يسمى نسخا ~~كالطهارة بالماء تنتقل إلى التراب، والصوم ينتقل إلى الفدية وهذا يدل على ~~التقرير لا على النسخ، والدليل على هذا تسميته فداء. # (فكان ذلك ابتلاء استقر حكم الأمر عند المخاطب) إلى آخره جواب سؤال، ذكر ~~ذلك السؤال والجواب الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: PageV03P1506 # فإن قيل: فأيش الحكمة في إضافة الإيجاب إلى الولد إذا لم يجب به ذبح الولد؟ # قلنا: فيه تحقيق معنى الابتلاء في حق الخليل حتى يظهر منه الانقياد ~~والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده، وفي حق الولد بالصبر ~~والمجاهدة على معرة الذبح في حال المكاشفة، وفيه إظهار معنى الكرامة، وإليه ~~أشار الله تعالى في قوله: (فلما أسلما) ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق ~~الفداء للولد كما قال الله تعالى: (وفديناه) والفداء اسم لما يكون واجبا ~~بالسبب الموجب للأصل، فبه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه، فإنه بيان ~~مدة بقاء الواجب، وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام ~~الذبح، فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا وهو معنى قوله: فثبت أن ~~النسخ لم يكن لعدم ركنه وهو انتهاء PageV03P1507 # الحكم، يعني بعد ورود الناسخ لا يبقى الحكم السابق أصلا، وهاهنا قد تقرر ~~الحكم السابق وهو ذبح الولد إلا أن الله تعالى أكرمه بالفداء، وذكر الفداء ~~يدل على ما ذكرنا من بقاء الحكم الأول فلا يكون نسخا، والله أعلم.0 PageV03P1508 ### || AUTO باب بيان الشرط # (وهو التمكن من عقد القلب) أي من اعنقاده، وإنما كان مقدار ما تمكن من ~~عقد القلب شرطا؛ لأن النسخ قبله يكون بداء؛ لأنه لا يتحقق به الابتلاء. # (فأما التمكن من الفعل فليس بشرط عندنا). # (وقالت المعتزلة: ms584 إنه شرط) بناء على أن المقصود من الأمر فعل المأمور PageV03P1509 # به عندهم؛ لأن كل ما أمر الله تعالى به فقد أراده، فيكون الفعل هو الأصل ~~فيه عندهم فيشترط التمكن منه. # (لأن العمل بالبدن هو المقصود بكل نهي وبكل أمر نصا)؛ لأن قوله: صل ~~معناه: افعل فعل الصلاة، فالمصدر مذكور لغة فكان ثابتا نصا. # ولا يقال بأنهم ينكرون المعراج فكيف يصح احتجاجنا عليهم بحديث المعراج، ~~لأنا نقول: ينكرون الصعود إلى السماء ولا ينكرون ثبوت المعراج الذي هو ~~الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لما أن ذلك ثابت بالكتاب، ~~وإنكار ذلك مفر صريح -عصمنا الله عنه- PageV03P1510 # (ولأن النسخ صحيح بالإجماع) إلى آخره يعني أجمعنا واتفقنا على أن وجود ~~جزء من الفعلا أو وجود مدة يتمكن المكلف من الإتيان بجزء من الفعل كاف ~~لجواز النسخ، فيجب أن يكون عند وجود عقد القلب كذلك لما أن عقد القلب مع ~~الفعل بمنزلة فعل ذي جزئين؛ لأنه لا وجود للكل بدون الجزء، فكذلك لا اعتبار ~~للفعل بدون عقد القلب، فلما كفى وجود جزء من الفعل لصحة النسخ وجب أن يكفي ~~وجود عقد القلب أيضا لذلك، فكان كل دليل ذكرتموه في وجود جزء من الفعل ~~لجواز النسخ فهو دليلنا في وجود عقد القلب لجواز النسخ. # (ولأن الفعلا لا يصير قربة إلا بعزيمة القلب) لقوله تعالى: (وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)، ولقوله عليه السلام: "الأعمال PageV03P1511 # بالنيات"، وعزيمة القلب قد تصير قربة بلا فعل كوجود التصديق في حق من لا ~~يتمكن من الإقرار باللسان، فإن ذلك منه إيمان صحيح بالإجماع، (والفعل في ~~احتمال السقوط فوق العزيمة) أي الفعل أسرع سقوطا من المكلف بالنسبة إلى ~~العزيمة التي هي عبارة عن عقد القلب. # ألا ترى أن الإقرار باللسان قد يحتمل السقوط بعذر، فأما التصديق بالقلب ~~فلا يحتمل السقوط بحال، ولأن ترك العزيمة وهو تبديل الاعتقاد كفر، وترك ~~العمل فسق. # ألا ترى أن العمل بالبدن قد يسقط بالمرض والإغماء وغير ذلك. # وأما القول وهو الاعتقاد فلا يسقط، فكانت العزيمة ms585 أثبتت قدما وأقوى ~~ثبوتا؛ لأنها مطلوبة بكل حال، والآخر وهو العمل تردد بين السقوط وغيره، ~~ولأن العزيمة تصلح أصلا للعمل لا على العكس؛ إذ لا اعتبار للعمل بدون ~~العزيمة، وللعزيمة اعتبار بدون العمل في موضع الضرورة بالاتفاق، فكان ~~اعتبار العزيمة في التمكن أولى من التمكن من الفعل، ويجعل الآخر من ~~الزوائد. # يوضحه أن الواحد منا قد يأمر عبده ومقصوده من ذلك أن يظهر عند الناس حسن ~~طاعته وانقياده له، ثم ينهاه عن ذلك بعد حصول هذا المقصود قبل أن يتمكن من ~~مباشرة الفعلا، ولا يجعل ذلك دليل البداء منه وإن كان هو PageV03P1512 # ممن يجوز عليه البداء، فلأن لا يجعل النسخ قبل التمكن من الفعل بعد عزم ~~القلب واعتقاد الحقية موهما للبداء في حق من لا يجوز عليه البداء أولى. # (ألا ترى أن عين الحسن لا يثبت بالتمكن من الفعل) # هذا جواب عن قولهم: إن الأمر يقتضي حسن المأمور به، والمأمور به هو ~~المقصود. # قلنا: عين الحسن لا يثبت بالتمكن من الفعل بدون الفعل، ويلزم من هذا أن ~~لا يجوز النسخ ما لم يوجد الفعل وإن وجد التمكن من الفعل. # فعلم بهذا أن عين الحسن يحصل أيضا قبل الفعل بعد التمكن بالإجماع، فدل ~~ذلك على أن المقصود منه عقد القلب على حسنه وقبحه لا فعله. # (وقول القائل: افعلوا على سبيل الطاعة أمر) وقيد بالطاعة احترازا عن صيغة ~~الأمر التي هي للتوبيخ والتقريع # كما في قوله تعالى: (اعملوا ما شيءتم). # وقوله: (واستفزز من استطعت) أمر بعقد القلب أي سواء وجد PageV03P1513 # عمل الجوارح أو لم يوجد، لما أن اعتبار عمل الجوارح إنما يكون عند وجود ~~عقد القلب وإلا فلا اعتبار له، وهذا لأن الطاعة لا تكون بدون عقد القلب على ~~حقية الأمر، وهذا جواب عن قولهم: "الفعل هو المقصود من كل أمر". # (والآخر يتردد بين أمرين) أي بين أن يكون مقصودا وبين أن لا يكون مقصودا ~~يريد به الفعل. # وقيل: "بين الأمرين" أي بين اللزوم والسقوط، والله أعلم. PageV03P1514 ### || AUTO باب تقسيم الناسخ # (الحجج ms586 أربعة) ذكر بالتاء على تأويل البراهين أو الدلائل. # (أما القياس فلا يصح ناسخا لما نبين) يحتمل أن يكون حوالة التبيين على ~~غير هذا الكتاب كما ذكر مثل هذا في موضع، منها: ما ذكره في باب الأداء ~~والقضاء مسألة الأضحية بقوله: وإزالة التمول عن PageV03P1515 # الباقي عند أبي يوسف- على ما نبين في مسألة التضحية معناه أي في ~~"المبسوط- فكذلك هاهنا، ويحتمل أن يكون ذلك هو ما ذكره في دليل أن الإجماع ~~لا يصلح ناسخا، فإن فيه نوع إشارة إلى هذا، والله أعلم. # وأما الدليل على أن القياس لا يصلح ناسخا للكتاب والسنة هو أن الصحابة ~~-رضي الله عنه- كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب والسنة هو أن الصحابة ~~-رضي الله عنه- في حديث الجنين: "كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول ~~الله عليه السلام" وقال رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف ~~أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله عليه السلام يمسح على ظاهر ~~الخف دون باطنه"ولأن القياس كيف ما كان PageV03P1516 # لا يوجب العلم، فكيف ينسخ بهم اهو موجب للعلم قطعا؛ وقد علم أن النسخ ~~بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت ولا مجال للرأي في معرفة ~~انتهاء وقت الحسن. # (واحتج بقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها)) ~~فوجه التمسك به أن الله تعالى شرط المثلية أو الخيرية في النسخ أي أن يكون ~~الناسخ مثلا للمنسوخ أو خيرا منه، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وهو معجز، ~~والسنة كلام مخلوق وهو غير معجز فلذلك قال: لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة. PageV03P1517 # وكذلك (قوله تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي)) # تنصيص على أنه عليه السلام كان متبعا لكل ما أوحي إليه ولم يكن مبدلا ~~لشيء منه، والنسخ تبديل. PageV03P1518 # وقوله: (والوصية الأولى كانت معهودة، فلو كانت تلك الوصية باقية مع ~~الميراث ثم نسخت بالسنة لوجب ترتيبه على المعهودة) أي لوجب ترتيب الميراث ~~على الوصية المعهودة بقوله: من بعد الوصية معرفا بحرف ms587 العهد، ولم يقل ذلك ~~بل قاله: (من بعد وصية) مطلقا، وهي تتناول كل ما ينطق عليه اسم الوصية ~~بطريق البدل علة ما هو المعروف في المطلق، فكانت آية المواريث مطلقة بعد ~~المقيد، فإطلاق المقيد نسخ للمقيد كتقييد المطلق، فإنه نسخ للمطلق على ما ~~يجيء إن شاء الله تعالى. # فعلم بهذا أن هذه الآية بإطلاقها التي هي قوله: (يوصيكم الله في أولادكم) ~~حيث قال: فلو كانت تلك الوصية باقية مع الميراث ثم نسخت بالسنة: "إلى آخره؛ ~~لأن أول تلك السنة دال على أن السنة متأخرة عن قوله تعالى (يوصيكم الله في ~~أولادكم) الآية، وهو قوله عليه السلام: "إن الله PageV03P1519 # تعالى أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" أي أعطى كل ذي حق حقه في قوله ~~تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) الآية، فكانت متأخرة عنه لا محالة (وقصره ~~على حدود لازمة)، كالثمن والربع والنصف. # (أي بهذا الفرض) أي بهذا القدر المذكور في قوله تعالى: (يوصيكم الله في ~~أولادكم) (نسخ الحكم الأول)، وهو حكم قوله تعالى: (الوصية للوالدين ~~والأقربين) فحينئذ كان الحديث مقررا لموجب قوله تعالى: (يوصيكم الله في ~~أولادكم) وهذا لأن الفاء في قوله عليه السلام: "فلا PageV03P1520 # وصية لوارث" دخلت على الحكم وهو حكم بيان الميراث بأن لا وصية لوارث، ~~فكان مقررا لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم). # (إلانا أنا قد روينا عن عمر) رضي الله عنه- بضم الراء على بناء المفعول- ~~(أن الرجم كان مما يتلى) في القرآن على ما قال: لولا أن الناس يقولون إن ~~عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف: "الشيخ والشية إذا زنيا ~~فارجموهما البتة" فعلى هذا كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب ~~بالسنة، (ولأن قوله تعالى: (أو يجعل الله لهن سبيلا) مجمل فسرته السنة). ~~وإليه أشار النبي عليه السلام بقوله: "خذوا عني خذواعني قد جعل الله لهن ~~سبيلا". PageV03P1521 # وحاصله إن حديث الرجم لا يصلح ناسخا؛ لأن ذلك إما كتاب على ما قاله عمر- ~~رضي الله عنه- أو غير كتاب، فإن كان كتابا كان ذلك نسخ ms588 الكتاب بالكتاب لا ~~نسخ الكتاب بالسنة على ما ذكرنا، وإن لم يكن كتابا كان هو تفسيرا لمجمل ~~الكتاب، والتفسير لا يسمى نسخا كما روي عن النبي عليه السلام: "أنه مسخ على ~~ناصيته" فهو تفسير لمجمل قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) في حق المقدار لا ~~نسخ، ولا خلاف لأحد في أن بيان المجمل في كتاب الله تعالى بالسنة يجوز. # (وإن فاتكم شيء من أزواجكم الآية)، فإن (هذا حكم نسخ بالسنة) يعني أن ~~قوله تعالى: (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) حكم منصوص في القرآن ~~فقد انتسخ وناسخه لا يتلى، فعرفنا أن نسخه ثبت بالسنة. PageV03P1522 # (ما غرم فيها زوجها) أي من الصداق وغيره، (وفي ذلك أقوال مختلفة). # قال بعضهم: إن هذا الحكم نسخ بآية القتال. كذا ذكره في: "التيسير". # وقال بعضهم: نسخ حكم الكتاب بترك الناس العمل به، فإن قوله: (وآتوهم ما ~~أنفقوا) وقوله: (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا) الحكم متروك من غير ~~أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس لما أجمعوا على تركه ترك، وهذا ~~أمثاله في حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى ثم انعدم المعنى. # فأمل ما لا يعقل معناه فيجب العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس. # وقال بعضهم: إنه صار منسوخا بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تاكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض) كذا في "شرح التأويلات". # وقال بعضهم: المراد منه الإعانة لمن أصيب بفوت ما أدى من المهر PageV03P1523 # لامرأته التي أرتدت إلى دار الحرب، والإعانة هذه أمر مندوب إليه غير ~~منسوخ على ما ذكر في الكتاب، وكذلك اختلف في تفسير قوله: ((فعاقبتم)) فلما ~~اختلف في تأويله بمثل هذه الاختلافات لم يصح الاحتجاج به على حكم معين، ~~فلما رأى الإمام المحقق شمس الأئمة -رحمه الله- فساد مثل هذه التمسكات ف ~~جواز نسخ الكتاب بالنسة، ورأى ديل جوازه على ما نذكر. # قال: فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب هو ثابت بالسنة ~~ابتداء، وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم ms589 الثابت بالكتاب نحو ما ~~ذهب إليه الشافعي- رحمه الله- في ضم التغريب إلى الجلد في حد البكر، فإنه ~~أثبته بقوله: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"، ومثل هذه الزيادة عندنا ~~نسخ، وعنده بيان التخصيص ولا يكون نسخا. # ثم قال: الحجة لإثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: (وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فإن المراد به بيان حكم غير متلو في ~~الكتاب مكان حكم آخر هو متلوعلى وجه تتبين به مدة بقاء الحكم الأول PageV03P1524 # وثبوت الحكم الثاني، والنسخ ليس إلا هذا # والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم من بيان الحكم المنزل في ~~الكتاب أنه قال: (ما نزل إليهم) ولو كان المراد الكتابب لقال: ما نزل إليك، ~~كما قال (بلغ ما أنزل إليك من ربك) والمنزل إلى الناس الحكم الذي أمروا ~~باعتقاده والعمل به، وذلك يكون تارة بوحي متلووتارة بوحي غير متلو، وهوما ~~يكون مسموعا من رسول الله عليه السلام مما يقال إنه سنة، فقد ثبت بالنص أنه ~~كان لا يقول ذلك بوحي: قال الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا ~~وحي يوحى) PageV03P1525 # (والدليل المعقول أن النسخ لبيان مدة الحكم، وجائز للرسول بيان حكم ~~الكتاب) أي بيان حكم الكتاب في مدة مشروعيته، فعلى هذا التقرير يكون هو ~~عليه السلام مبينا للوقت فيما هو منزل من الكتاب فحينئذ لم يبق فيه خلاف ~~لأحد؛ لأن له تبيين ما نزل إليه من الكتاب بالاتفاق لقوله تعالى: (وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). # فإن قيل: ففي هذا اختلاط البيان بالنسخ، وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق. # قلنا: لا كذلك، فإن كل واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض ~~يجوز أن يكون مقترنا بأصل الكلام كدليل الخصوص في العموم فإنه لا يكون إلا ~~مقارنا، وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنا، فأما النسخ فبيان لا يكون ~~إلا متأخرا، وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما، فأما أن يكون النسخ غير ~~البيان فلا. # كذا ذذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # قوله: (وأما ms590 السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه) إلى PageV03P1526 # آخره، فإن كلا منهما في إيجاب الحكم سواء. # فإن قلت: هذا مناقض لقوله قبل هذا بخطوط "وترك رسول الله عليه السلام آية ~~في قراءته فلما أخبر به فقال: "ألم يكن فيكم أبي؟ " فقال: بلى يا رسول الله ~~لكني ظننت أنها نسخت. فقال صلى الله عليه وسلم: "لو نسخت لأخبرتكم" فإنما ~~ظن النسخ من غير كتاب يتلى حيث استدل بهذا الحديث على جواز نسخ الكتاب ~~بالسنة، وفي ذلك الحديث ظن نسخ نظم الكتاب بالسنة، فعلى وفاق ذلك يلزم أن ~~يجوز نسخ نظم الكتاب بالسنة وإلا يتناقض. # وكذلك هذا القول مناقض لما ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- بقوله: والدليل ~~عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم في جواز التلاوة دون الحكم، ونسخ تلاوة ~~الكتاب إنما يكون بغير الكتاب إلى آخره وغير الكتاب قد يكون السنة وقد يكون ~~ذلك رفع حفظه عن القلوب. # قلت: قيل معنى قوله: "فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" أي على وجه ~~تقوم السنة مقام نظم الكتاب، وبهذا التأويل ينفي التناقض. # أو نقول: إن الذي ذكرته من الحديث هو من حيث اقتضاء الدليل أي إن الدليل ~~لا يفصل بين أن تكون السنة ناسخة لنظم الكتاب؛ لأن كلا PageV03P1527 # منهما وحي يوحى إليه فيصلح أن يكون كل منهما مبينا لانتهاء وقت مشروعية ~~الآخر، وأن الذي ذكر هنا بقوله: # وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" هو من حيث الوجود أي ~~إنما وجد نسخ السنة للكتاب وجد في نسخ حكم الكتاب لا في نظمه كما في رواية ~~عائشة رضي الله عنها: "ما قبض رسول الله حتى أباح الله تعالى له من النساء ~~ما شاء" فكان هذا منها حكاية سنة نسخت قوله تعالى: (لا يحل لك النساء من ~~بعد) من حيث الحكم لا من حيث النظم. # وكذلك فيما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- بأن هذا من حيث الزيادة ~~على النص. # وذلك مثل حديث مشهور رفاعة في اشتراط الدخول للزوج الثاني في التحليل، ~~وهذا حديث ms591 مشهور زيد على مطلق قوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره). PageV03P1528 # وكذلك زيدت فرضية السجود مرتين على مطلق قوله تعالى: (اركعوا واسجدوا) ~~ونحوهما. # (كان المنسوخ مثل الناسخ لا محالة)؛ لأن كلا منهما في إيجاب الحكم على ~~السواء، فكانا متماثلين، (ولو وقع الطعن بمثله لما صح ذلك) جواب لقوله: ~~"لأنه لو نسخ القرآن به" أي بالحديث لكان مدرجة إلى الطعن. # قلنا: مثل ذلك موجود أيضا في نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة، ومع ~~ذلك لم نقل نحن جميعا بكون ذلك مدرجة إلى الطعن فكذلك هاهنا، وهذا لأنا قد ~~بينا حكمة جواز النسخ بقولنا: إن ورود الأوامر والنواهي لمنفعة المخاطبين، ~~فجاز أن تختلف منافع المخاطبين باختلاف الأوقات كما يختلف أمر الطبييب ~~ونهيه في حق المريض بسبب اختلاف حاله. # ولما لم يكن نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة مؤديا إلى التناقض ~~وتطرق الطاعنين إلى الطعن في رسول الله عليه السلام لم يكن القول بجواز نسخ ~~الكتاب بالسنة مؤديا إليه بل هو مؤد إلى تعظيم رسول الله عليه السلام وإلى ~~قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في الأصل إليه ~~ليبينه بعبارته، وجعل لعبارته من الدرجة ما تثبت به مدة الحكم PageV03P1529 # الذي هو ثابت بوحي متلو حتى يتبين به انتساخه. # (وأما الحديث فدليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ السنة)؛ لأن السنة لما لم ~~تقبل عند مخالفتها الكتاب ولم يعمل بالسنة عندها كان الكتاب ناسخا لها كما ~~لا يعمل بالمنسوخ عند ورود الناسخ، فكان هو دليلا على جواز نسخ السنة ~~بالكتاب، وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: فقد قيل هذا الحديث لا يكاد ~~يصح؛ لأن هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى، فإن في الكتاب فرضية ~~اتباعه مطلقا بمعنى قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا) وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدا بأن لا يكون مخالفا لما يتلى ~~في الكتاب ظاهرا، ولئن ثبت فالمراد به أخبار الآحاد لا المسموع ممنه بعينه ~~أو ms592 الثابت عنه بالنقل المتواتر، وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله: "إذا روي ~~لكم عني حديث" ولم يقل إذا سمعتم، وبه نقول: "إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ ~~الكتاب؛ لأنه لا يثبت كونه مسموعا من رسول الله عليه السلام قطعا ولهذا لا ~~يثبت به علم اليقين على أن المراد من قوله: "وما خالف فردوه" عند التعارض ~~إذا جهل التاريخ بينهما حتى لا توقف على الناسخ والمنسوخ منهما فإنه يعمل ~~بما في كتاب الله تعالى، ولا يجوز ترك ماهو ثابت في كتاب الله تعالى نصا ~~عند التعارض ونحن هكذا نقول، وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما. PageV03P1530 # (أولم يكن في الصحة بحيث ينسخ به الكتاب) بأن يكون خبر الواحد، فإن ~~الكتاب إنما ينسخ بالنسة المتواترة ويزاد عليه بالسنة المشهورة وهو نسخ ~~عندها ولا يجوز شيء منهما بخبر الواحد. # فإن قلت: في هذا سؤال كلي وهو أن وقت جواز النسخ وقت حياة النبي عليه ~~السلام؛ لأنه لا نسخ بعده فبوفاته انسد باب النسخ، وتقسيم السنن بالآحاد ~~والمشهور والمتواتر بحسب النقلة، وذلك إنما يكون بعد وفاته؛ لأن من يشك في ~~خبه بسبب أنه خبر الواحد فيمكن أن يحضر الحضرة النبوية ويسأل النبي عليه ~~السلام عن الخبر فيعلم عند ذلك صحة ما سمعه منه قطعا وبتاتا فكان كل الخبر ~~قطعيا، ولا يرد هذا التقسيم فبعد ذلك كيف يستقيم الترديد بقولنا: إذا كان ~~الخبر متواترا يصح النسخ به وإذا كان واحدا لا يصح؟ فكان هذا في التعاقب ~~نظير الإجماع من حيث إن وقت جواز النسخ لا يرد تقسيم الخبر، وإن وقت جواز ~~التقسيم انسد باب النسخ، وقد ذكر أن النسخ بالإجماع لا يصح؛ لأنه لا يتصور ~~النسخ للتعاقب على ما ذكرنا، فكذا هنا فما وجه صورة نسخ الكتاب بالسنة ~~وصورة عكسه حينئذ؟ # قلت: التنافي إنما يكون من حيث الصورة لا من حيث المعنى؛ لأن معنى قولنا: ~~"يصح نسخ الكتاب بالخبر المتواتر والمشهور: أي يظهر النسخ الذي كان ثابتا ~~وقت حياة النبي عليه السلام ل أن ms593 يثبت النسخ به ابتداء بعد وفاة النبي عليه ~~السلام إذ لا نسخ بعده. PageV03P1531 # وأما قولك: تقسيم الخبر بخبر الواحد والمشهور والمتواتر: إنما يستقيم بعد ~~وفاة النبي عليه السلام لا وقت حياته فهو غير مسلم، فإن أخباره كانت منقسمة ~~على هذه الأقسام الثلاثة وقت حياته أيضا لكن لكون ذلك الوقت وقت جواز النسخ ~~يثبت النسخ بخبر الواحد. إلى هذا كله أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- ~~حيث قال: ثم إنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو ~~جهل التاريخ بينهما يثبت حكم التعارض. # فأما خبر الواحد فلا يجوز النسخ به بعد رسول الله عليه السلام؛ لأن ~~التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب، فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله ~~عليه السلام لتمكن الشبهة في طريق النقل، ولهذا لا يوجب العلم فلا تتبين به ~~مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين. # فأما في حياة رسول الله عليه السلام فقد كان يجوز أن يثبت نسخ الكتاب ~~بخبر الواحد. # ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة ~~الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله عليه السلام، وهذا لأن في ~~حال حياته كان احتمال النسخ فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء ولابد من أن ~~يكون مما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة فيه وهو النقل ~~المتواتر، وما يكون في حيز المتواتر. # قلت: وبقوله: ولابد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندا إلى حال PageV03P1532 # حياة النبي عليه السلام بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر "يعلم أن ~~الذي يقال: إنما يجوز نسخ الكتاب بالخبر المتواتر" معناه يظهر النسخ الثابت ~~وقت حياة النبي عليه السلام فلم يبقى التنافي حينئذ بخلاف في الإجماع، فإن ~~في القول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث الإجماع، فإن ~~في اقول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت جواز ~~النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت ms594 جواز النسخ لا اعتبار ~~للإجماع، ووقت اعتبار الإجماع لم يبق جواز النسخ، فلذلك قلنا: لا يتصور ~~النسخ بالإجماع لثبوت التنافي بينهما. والتوقيت قائما في كل حكم؛ لأن الوحي ~~كان ينزل حالا فحالا. # (فإن المراد بالخيرية فيما يرجع إلى العباد دون النظم بمعناه، فكذلك ~~المماثلة) فيستقيم حينئذ إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير ~~منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه، أو كونه أيسر على العباد أو أجمع ~~لمصالحهم عاجلا وآجلا. إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز، والذي هو غير متلو ~~نظمه غير معجز لأنه عبارة مخلوق وهو وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز. ~~ألا ترى ما تحدى الناس إلى الإتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الإتيان بمثل ~~سورة من القرآن، ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز. ألا ترى أن النسخ يثبت ~~بما دون الآية ولآية واحدة، واتفق العلماء على صفة الإعجاز في سورة وإن ~~تكلموا فيما دون السورة، فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز. PageV03P1533 # وقوله: (على أنا قد بينا) إشارة إلى قوله: "وأما السنة فإنما ينسخ بها ~~حكم الكتاب دون نظمه إلى آخره" فإنهما في حق الحكم متماثلان (على هذه ~~الجملة) أي على وفاق هذه الجملة، فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي ~~وشارعه علام الغيوب، وإن كانت العبارة في أحدهما لرسول الله عليه السلام ~~فكانا متماثلين من حيث الحكم. # (الحنتم): شبوي سبز، (النقير): المنقور من الخشب، (المزفت): المطلى ~~بالزفت وهو القار. PageV03P1534 # ...................................... # **** PageV03P1535 ### || AUTO باب تفصيل المنسوخ # (ونسخ وصف في الحكم) كنسخ وصف فرضية صوم عاشوراء دون أصل شرعيته، وكذلك ~~الزيادة على النص أنه نسخ وصف المقدر بما كان بل الزيادة على ما ذكر في ~~الكتاب. # (فمثل صحف إبراهيم عليه السلام) وكذلك صحف غيره ممن تقدم نبينا من الرسل ~~عليهم السلام، فقد علمنا بما يوجب العلم قطعا أنها قد كانت نازلة من السماء ~~تقرأ ويعمل بها قال الله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم ~~وموسى) وقال تعالى: (وإنه لفي زبر الأولين) ثم لم يبق ms595 شيء من ذلك في أيدينا ~~تلاوة ولا عملا به فلا طريق PageV03P1536 # لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك، وله طريقان: إما ~~صرف الله القلوب عنها، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف. # وقوله: (وكان هذا جائزا في القرآن) راجع إلى المذكور قبله وهو النسخ إما ~~بصرفها عن القلوب أو بموت العلماء. # (فأما بعد وفاته فلا). # فإن قلت: كل ضروب النسخ بعد وفاة النبي عليه السلام غير جائز وقبله كان ~~جائزا، فما وجه تخصيص هذا الضرب بقوله: وكان هذا جائزا في حياة النبي عليه ~~السلام؟ # قلت: نعم كذلك إلا أن التصور العقلي يقتضي تصور مثل هذا النسخ؛ لأن مثل ~~هذا النسخ لا يعتمد على وجود النبي صلى الله عليه وسلم وبقائه؛ لأن لا ~~يقتضي ناسخا شرعيا يقوم مقام المنسوخ حتى يشترط فيه بقاء النبي عليه السلام ~~بخلاف سائر ضروب النسخ، فإن ذلك إنما يكون بورود الوحي الذي هو ناسخ على ~~النبي عليه السلام، فلذلك اشترط بقاء النبي عليه السلام في ذلك؛ لأن الوحي ~~لا ينزل إلا على النبي عليه السلام. PageV03P1537 # وأما النسيان الذي هو نتيجة رفع الله الذكر عن القلوب أو موت العلماء لا ~~خلف فغير موقوف وجوده إلى وجود النبي عليه السلام، فلما توهم صحة النسخ ~~عقلا بمثل هذا الطريق بعد وفاة النبي عليه السلام خص عدم جوازه بما بعد ~~وفاة النبي عليه السلام، فصار كأنه قال: هذا لا يتصور شرعا وإن تصور عقلا ~~لحكمة تدعو إليه، وهي ما ذكره في الكتاب بقوله: صيانة للدين إلى آخر الدهر، ~~وثبت ذلك بوعد الله تعالى حفظه لما أنزله على رسوله عليه السلام بقوله ~~تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ويتبين به أنه لا يجوز نسخ ~~شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد. # فإن قلت: ما جوابنا لمن استدل من بعض الملحدين على جوازه بما روي أن ~~أبابكر الصديق- رضي الله عنه- كان يقرأ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر ~~بكم"، وأنس- رضي الله عنه- كان يقول: ms596 "قرأنا في القرآن: بلغوا عنا قومنا ~~إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وقال عمر رضي الله عنه: "قرأنا آية الرجم ~~في كتاب الله ووعيناها" وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: "إن PageV03P1538 # سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها" واستدل الشافعي بما هو ~~قريب من هذا في عدد الرضعات، فإنه صحح ما يرويه عن عائشة رضي الله عنها: ~~"وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات ~~معلومات، وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة النبي عليه السلام" # قلت: يبطل تلك التمسكات كلها قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون) ومعلوم أنه ليس المراد منه الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من ~~أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا، فالغفلة والنسيان ~~متوهم بنا، وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل، ولأنه لا يخلو شيء ~~من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق ~~الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها. إذ العقل لا يوجب ذلك ~~وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل ~~بعد وفاة رسول الله عليه السلام، ولو جوزنا- هذا وهو الذهاب عن القلوب أو ~~بموت العلماء- في بعض ما أوحي إليه وجب القول بتجويز PageV03P1539 # ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيءئ مما ثبت بالوحي بين الناس ~~في حال بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا! # وأما ما روي من تلك الأخبار التي رويتها فشاذ لا يكاد يصح شيء منها، ~~ويحمل قول من قال في آية الرجم في كتاب الله في حكم الله كما قال: (كتاب ~~الله عليكم) كذا قاله الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # (لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)). # قيل: المراد به الحفظ بعد وفاة النبي عليه السلام؛ لأن النسخ جائز حال ~~حياته، ولأن النسخ في الأغلب إنما يكون بإذهاب شيء وإثبات شيء آخر مكانه ~~وإثبات ms597 النسخ بعد وفاته غير متصور، فلم يكن ذهاب شيء منه أيضا لكونه محفوظا ~~عن التغيير إلى آخر الدهر. # حكي أن نصرانيا كان يكتب مصاحفنا ويبيع، فبلغ إلى قوله تعالى: (ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا) فكتب: (ومن يبتغ الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين)؛ فخرج صبي من المكتب ونادى بأعلى صوته، فقال: ما ~~القرآن هكذا بل القرآن: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا) الآية. PageV03P1540 # (وأما القسم الثاني) - وهو نسخ الحكم دون التلاوة، (الثالث) - وهو نسخ ~~التلاوة دون الحكم. # وقوله: (ومن الناس)، وإنما يستعمل مثل هذه الصيغة فيمن لا يعتبر قوله. # (أن الإيذاء باللسان وإمساك الزواني في البيوت نسخ حكمه وبقيت تلاوته)، ~~وهو قوله تعالى: (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت) # (وكذلك الاعتداد بالحول) وهو قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج). (ومثله كثير)، PageV03P1541 # كقوله تعالى: (فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) فإن حكم هذا قد انتسخ بقوله: ~~(فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) وبقيت التلاوة وحكم التخيير بين الصوم ~~والفدية قد انتسخ ببقوله: (فليصمه)، وبقيت التلاوة وهي قوله تعالى: (وأن ~~تصوموا خير لكم) وكذلك قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين) وقوله تعالى: ~~(فاعفوا واصفحوا) نسخ حكمهما بآية السيف وهي قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم) # (وما هو قائم بمعنى صيغته) وهو الإعجاز. PageV03P1542 # (ولا تهمة في روايته وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) يعني انتسخت ~~تلاوته في حياة رسول الله عليه السلام بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ~~ابن مسعود- رضي الله عنه- لما ذكرنا أن مثل ذلك وقت حياة النبي عليه السلام ~~جائز، فبقيت تلاوته في حفظه ليكون الحكم باقيا بنقله، فإن خبر الواحد موجب ~~للعمل به، وقراءته لا تكون دون روايته وانتهى الآخر وهو الحكم. # (وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) أي لا يحمل على أنه كان هو زاد ~~ذلك النظم من تلقاء نفسه ثم لما لم ms598 يبق ذلك النظم لم يبق الحكم الثابت؛ لما ~~أن هذا قول وحش لا يفوه به من له ضعف الإسلام؛ لأن من صنع مثل هذا على ~~الاعتقاد كان كافرا فكيف من هو من أجلاء الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- ~~والمتشرفين بتشريف قوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" خصوصا في حقه إذ هو المتلقى منه عامة أحكام الشرع وذلك بعيد جدا، ~~فلذلك حمل على أنه نسخ PageV03P1543 # نظمه وبقي حكمه، ثم ذلك النسخ لا يحمل على أنه كان بعد وفاة النبي عليه ~~السلام كما مر. # (وهو ما ذكرنا) وهو جواز الصلاة. # (وذلك صحيح في أجناس الوحي) على ما يجيء قريبا من هذا في باب تقسيم السنة ~~وهو القسم الثالث من الوحي فإنه وحي يتبدى لقلب النبي عليه السلام بلا شبهة ~~كما قال الله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله) وهو وحي بلا نظم، ~~وكذلك الوحي الذي هو غير متلو وحي بلا نظم الكتاب، وكذلك الإلهام وحي في حق ~~النبي عليه السلام يثبت به الحكم ولا نظم له قال الله تعالى: (وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) وكذلك السنن كلها ~~ثابتة بالوحي لما عرف، وليس لها نظم القرآن الذي يتلى. # (فمثل الزيادة) PageV03P1544 # (على النص فإنها نسخ عندنا) اي هي بيان صورة نسخ معنى سواء كانت الزيادة ~~في السبب أو الحكم. # أما في السبب فمثل اشتراط الإسامة في زكاة المواشي عندنا خلافا لمالك ~~وكذلك قال أصحابنا: إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه PageV03P1545 # أو الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيم ولا يستعمل ذلك الماء لأن ~~الواجب استعمال الماء الذي هو طهور، وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة، ~~فلا يكون موجبا الوضوء به، فلذلك كان وجود لا يمنع التيمم. # وأما في الحكم فأكثر من أن تحصى كزيادة التتابع في صوم كفارة اليمين ~~والظهار. # (وليس الشرط أن تكون الزيادة تخصيصا) أي ليس بلازم أن يوجد التخصيص في كل ~~ما زيد على النص؛ لأنه ms599 وجد التخصيص في فصل الرقبة على زعم الخصم لما أن ~~الرقبة عامة على أصله تتناول الكافرة والمؤمنة فخصت بالمؤمنة. # وأما في فصل الجلد فلم يوجد التخصيص؛ لأن زيادة النفي على الجلد ليست ~~بتخصيص؛ لأن الجلد لم يتناوله حتى يخص. # (لأن التقييد والإطلاق ضدان لا يجتمعان)؛ لأن الإطلاق غير PageV03P1546 # متعرض للوصف والتقييد متعرض له، ولأن الإطلاق عبارة عن العدم والتقييد ~~عبارة عن الوجود على ما ذكر في الكتاب، فكانا على طرفي تقيض. # (فأما التخصيص فتصرف في النظم أن بعض الجملة غير مراد بالنظم مما يتناوله ~~النظم، والتقييد لا يتناوله الإطلاق) أي جمعا للأوصاف كلها يقرره أن ~~التخصيص للإخراج والتقييد للإثبات وأي مشابهة تكون بين الإخراج من الحكم ~~وبين إثبات الحكم. # وحاصله أن في النص إذا ثبت صفة التقييد بقاء صفة الإطلاق غير متصور، فأما ~~العام إذا خص منه شيء يبقى الحكم ثابتا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم عرفنا ~~أن التخصيص لا يكون تعرضا لما وراء المخصوص بشيء بل ما بقي بعد الخصوص يبقى ~~معمولا بعمومه حتى أن أهل الذمة ومن بمعناهم لما خصوا من قوله تعالى: ~~(فاقتلوا المشركين) كان قتل من لا أمان له من المشركين واجبا بذلك النص. PageV03P1547 # وأما النص المطلق بعد ثبوت صفة التقييد لم يبق المطلق معمولا أصلا بل ~~النص المقيد كان هو المعمول، ألا ترى أن قوله تعالى: (فتحرير رقبة) لما قيد ~~بصفة الإيمان لا تتأدى الكفارة بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة، فعرفنا أن ~~التقييد في معنى النسخ لا التخصيص. # (ولا يشكل أن النفي إذا ألحق بالجلد) أي ولا يشتبه على أحد. # وقوله: (ولهذا) إيضاح لما ادعاه من أن الزيادة على النص نسخ. # (ولأن دليل النسخ ما لو جاء مقارنا كان ناسخا) أي لأن دليل النسخ شاء لو ~~جاء مقارنا كان معارضا، وكذلك الإطلاق مع التقييد. PageV03P1548 # وأما دليل الخصوص لوجاء مقارنا للعام فلا يكون معارضا بل يكون مبينا ~~علمنا أن دليل التخصيص ليس في معنى دليل النسخ بخلاف دليل التقييد، فإنه في ~~معنى دليل النسخ على ما ms600 ذكرنا. # (حكم الوجود) أي حكم وجود الكل، والله اعلم. PageV03P1549 ### || AUTO باب أفعال النبي- صلى الله عليه وسلم- # (لكنه ليس من هذا الباب في شيء)؛ لأن عقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في ~~أفعاله الصادرة عنه عن قصد، ولهذا لم يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم ~~والإغماء؛ لأن التقييد لا يتحقق فيها فلا يكون داخلا فيما هو حد الخطاب. # (فزل بشغله عنه) أي عن الفعل المباح. PageV03P1550 # (فإنها) أي فإن المعصية (اسم لفعل حرام مقصود بعينه) أي يقصد المباشر عين ~~ذلك الفعل الحرام مع علمه بحرمته بخلاف الزلة فإن مباشرها إنما يقع على ~~الحرام من غير قصد إلى مباشرة الفعل الحرام بل بواسطة الفعل المباح، فإنها ~~مأخوذة من زل الرجل في الطين إذا لم يوجد منه القصد إلى الوقوع ولا إلى ~~الثبات بعد الوقوع ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق. # فإن قلت: فعلى هذا التفسير كيف صح إطلاق اسم المعصية على فعل آدم عليه ~~السلام في قوله تعالى:) وعصى آدم ربه فغوى) # قلت: قال الشيخ الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازا. # وأشار إليه في: "الكشاف" إلى أن إطلاق لفظ العصيان على زلة آدم عليه ~~السلام ليكون لطفا بالمكلفين أي عظة ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل ~~لهم: انظروا واعتبرواكيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله PageV03P1551 # الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة، فلا ~~تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلا أن تجسروا على التورط في ~~الكبائر. # وذكر الإمام نور الدين الصابوني- رحمه الله- في "عصمة الأنبياء" إن ذكر ~~العصيان فيه لم يكن مقصودا بالذكر لذاته بل لإظهار الاجتباء بعد ذلك كما ~~قال الله تعالى: (ثم اجتباه ربه) ليعلم أن معاملة الله تعالى مع أنبيائه ~~بخلاف معاملته مع سائر العباد، وتلك الزلة لم تسقط من قدر آدم عليه السلام. # (مما ليس بسهو ولا طبع) فالسهو مثل ما روي: "سها رسول الله عليه PageV03P1552 # ............. PageV03P1553 # السلام فسجد" وروي: "صلى الظهر خمسا" والطبع مثل التنفس وتحريك جفن العين ~~والأكل ms601 والشرب، فإن هذا الباب لبيان أفعاله التي تكون عن قصد ويتصور خلوه ~~عنها ولم يقترن به بيان الطاعة والزلة. # (ولا يثبت الفضل) أي ولا تثبت الزيادة على وصف الإباحة من أوصاف الوجوب ~~والندب إلا بدليل. # (إلا أنه قال: علينا اتباعه). قيل: يجوزأن يكون علينا اتباعه بمعنى لنا ~~اتباعه؛ لأنه قال: "الأمر كما قال الكرخي إلا أنه علينا اتباعه" ولم يجوز ~~الكرخي المتابعة لما ذكر من المعنى، فكان الاستثناء من قوله موجبا لجواز ~~الاتباع الذي هو ضد قوله: لا لوجوب الاتباع. PageV03P1554 # (فإذا خالفه في الوصف لم يكن مقتديا)، فإنه عليه السلام إذا كان هوفعل ~~فعلا نفلا ونحن نفعله فرضا يكون ذلك منازعة لا موافقة، واعتبر هذا بفعل ~~السحرة مع ما وراء من الكليم ظاهرا فإنه كان منازعة منهم في الابتداء؛ لأن ~~فعلهم لم يكن بصفة فعله، فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلا لا تتحقق الموافقة ~~في الفعل لا محالة، ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف يه حتى يقوم الدليل، وهذا ~~الكلام عند التأمل باطل؛ لأن هذا القاتل إن كان يمنع الأمة من أن يفعلوا ~~مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في الاتباع، وإن ~~كان لا يمنعهم عن ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الإباحة، فعرفنا أن ~~القول بالتوقف لا يتحقق في هذا الفصل. # (وأما الآخرون فقد احتجوا بالنص الموجب لطاعة الرسول عليه السلام)، ~~والجواب لنا عن هذا أن يقول صح في الحديث: "إن النبي عليه السلام خلع نعليه ~~في الصلاة فخلع الناس نعالهم فقال عليه السلام: "ما PageV03P1555 # لكم خلعتم نعالكم؟ " الحديث، فلو كان مطل فعله موجبا للمتابعة لم يكم ~~لقوله: ما لكم خلعتم نعالكم؟ معنى. # (قال الله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) والمحتج بهذه الآية على ~~وجوب الاتباع في أفعال النبي عليه السلام يقول: (يخالفون عن أمره) أي عن ~~سمته وطريقته. # ونحن نقول: المراد من الأمر هذا ما هو المفهوم من مطلق لفظ الأمر عند ~~الإطلاق الذي هو ضد النهي لا السمت والطريقة، (والنصوص كثيرة) ms602 كقوله تعالى: ~~(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقوله:) أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ~~وقوله: فاتبعوني يحببكم الله وأجوبتها مذكورة في الكتب المطولة. # (كمن وكل رجلا بماله) بأن يقال: وكلتك بمالي. PageV03P1556 # (ووجه القول الآخر) - بكسر الخاء- وهو قول الجصاص- رحمه الله- الذي ~~اختاره المصنف- رحمه الله- فالنص الذي احتج به الفريق الثاني في حق لزوم ~~الاتباع بقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، كان هو أظهر دليل ~~للجصاص في حق جواز الاتباع لا في حق اللزوم. # ألا ترى أنه قال: (لقد كان لكم) ولم يقل عليكم، فهو دليل للجصاص على أن ~~الاتباع في مطلق أفعاله جائز لا واجب. # والدليل الواضح في هذا للجصاص- رحمه الله- قوله تعالى (قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائه) وفي هذا بيان أن ~~ثبوت الحل في حقه مطلق دليل ثبوته في حق الأمة. ألا ترى أنه نص على تخصيصه ~~فيما كان هو مخصوصا به بقوله:) خالصة لك من دون المؤمنين) وهو النكاح بغير ~~مهر فلو لم يكن مطلق فعله دليلا للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله: ~~(خالصة لك) فائدة، فعلم بهذا أن الخصوصية لا تكون ثابتة بدون هذه الكلمة، ~~فلذلك لا يحمل مطلق فعله على الخصوصية. PageV03P1557 # (هذا الذي ذكرنا تقسيم السنن في حقنا)؛ لأن ذلك تقسيم في أنواع الاتباع، ~~فإنه عليه السلام إن فعل فعلا على وجه الفرضية وجب علينا فعله على وجه ~~الفرضية اتباعا له، وكذلك في الواجب والمندوب والمباح، وأما إذا فعله مطلقا ~~ولم يعرف وصفه فعليه ففيه هذا الاختلاف في حق الاتباع. # وأصح الأقوال فيه أن نقول: هو جائز الاتباع لا مزجور عنه ولا موقوف فيه ~~بالدليل الذي ذكرنا، فلما كان ذلك في حق الاتباع كان ذلك تقسيما للسنن في حقنا. # وأما تقسيم السنن في حقه عليه السلام ففي هذا الباب، والله أعلم. PageV03P1558 ### || AUTO باب تقسيم السنة في حق النبي عليه السلام # فإن قلت: ما وجه ذكر صيغة الجمع في حق تقسيم السنن في حقنا وذكر صيغة ms603 ~~الفرد في تقسيم السنة في حق النبي عليه السلام؟ # قلت: ذك كل منهما كما يقتضيه محله، وذلك لأن سنة النبي عليه السلام ~~تبلغنا بأنواع مختلفة؛ بالفعل والقول والسكوت على ما ذكرناه في "الوافي" ~~فذكرها بلفظ الجمع نظرا إلى أصلها وإن كان الجمع بالألف واللام بمنزلة صيغة ~~الفرد المحلى بالألف واللام، لكن قد يراعى معنى الجمع PageV03P1559 # فيه أيضا على ما ذكرنا في خلع "النهاية". # وأما السنة في حق النبي عليه السلام فأصلها واحد وهي الوحي؛ لأن مال كل ~~واحد من التقسيم في حه راجع إلى الوحي وهو حقه راجع إلى الوحي وهو واحد، ~~فذكره بلفظ الفرد لذلك. # (ولولا جهل بعض الناس والطعن بالباطل في هذا الباب لكان الأولى منا الكف ~~عن تقسيمه) يجب في هذا بيان جهل بعض الناس وطعنهم بالباطل، وبيان أولوية ~~الكف لولا طعنهم بالباطل. # أما الجهل والطعن فإن الباطنية- لعنهم الله- يزعمون أن الله تعالى أنزل PageV03P1560 # القرآن على رسوله بخيال غير موصوف باللسان، ثم إن رسول الله عليه السلام ~~أداه بلسانه العربي المبين. # قلنا: هذا فاسد وطعن على رسول الله عليه السلام وعلى القرآن بالباطل؛ لأن ~~الله تعالى قال في آية أخرى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) أخبر PageV03P1561 # أنه إنما أنزله عربيا، فيبطل به قول الباطنية، ولأنه لوكان الأمر على ما ~~يقوله الباطنية إنه لم ينزله بهذا اللسان لكان لا يصير جوابا لقولهم: (إنما ~~يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) وقال أيضا: ~~(ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) فذكر هذا ~~جوابا لقولهم وحجة عليهم دل أنه إنما أنزله عربيا كا ذكر في "شرح ~~التأويلات" في سورة الشعراء في قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين * على قلبك). # وأما أولوية الكف عن تقسيم الوحي بهذا الطريق على تقدير عدم الطعن فهو ~~أنه ذكر أن القسم الثاني من الوحي ما ثبت عنده ووضع له بإشارة الملك من غير ~~بيان بالكلام، وإن القسم الثالث منه ما تبدى لقلبه بلا شبهة، وفي الوحي ~~الباطن هو ما ينال ms604 باجتهاد الرأي بالتأمل فيه، ففي هذه الجمل لا شك أنه ~~يتراءى أي لقلب من هو ضعيف الإيمان أو لمن يقصر في التأمل نوع وهن في نبوة ~~النبي عليه السلام بأن يقول: كيف يكون نبيا إذا لم يكن وحي صريح من الله ~~تعالى بلسان الملك؟ خصوصا ما إذا كان هو يدرك بعض PageV03P1562 # الأحكام بسبب الرأي والتأمل في المنصوصات، فحينئذ كان هو بمنزلة بعض ~~المجتهدين منا، من هذا الوجه كان يجب على المصنف- رحمه الله- أن لا يذكر ~~أقسام الوحي بهذا الطريق لئلا يورث مثل هذه الأوهام الباطلة، فاعتذر عن هذا ~~بقوله: "ولولا جهل بعض الناس لكان الأولى منا الكف عن تقسيمه" فإن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم كان موصوفا بكمال علو المنزلة عند الله غاية لا يحيطها ~~إلا الله تعالى. # (والثالث ما تبدى لقلبه بلا شبهة). جعل الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- ~~هذا النوع من قبيل الوحي الباطن. # وقيل: (الإلهام): علم بشيء يقع في القلب يدعو صاحبه إلى العمل به من غير ~~استلال بآية ولا نظر ف حجة (فهذا) أي المذكور وهو الأقسام الثلاثة. # وكذلك قوله: (وهذا من خواص النبي عليه السلام) أي النبي PageV03P1563 # مخصوص بهذه الأنواع على معنى أنه يكون حجة بالغة في حقه وحق كافة الناس ~~جميعا حتى وجب عليه التبليغ فيما ثبت له العلم بهذه الأنواع الثلاثة بخلاف ~~ما يكون للأولياء من الإلهام فإنه لا يكون حجة في حق غيره. PageV03P1564 # (بعد انقضاء مدة الانتظار) فإن مدة الانتظار تفوت عند خوف فوت الغرض كفوت ~~الكفء الخاطب في النكاح إذا انتظر إلى رأي الولي الأقرب. # (وهو- صلى الله عليه وسلم- أحق الناس بهذا الوصف) أي بوصف أمر PageV03P1565 # الاعتبار، وكذلك هو أحق بنداء المدح في قوله:) فاعتبروا يا أولي الأبصار) ~~كأنه هذا خرج تعليلا للاعتبار بكونه ذا بصر، والنبي عليه السلام أدق بصيرة ~~وأوفر فضلا، فكان هو أدخل في هذا الوصف. # (وذلك) أي الفهم (عبارة عن الرأي من غير نص)؛ لأن ما كان بطريق النص ~~والوحي فداود وسليمان عليهما السلام فيه سواء، وحيث خص سليمان عليه السلام ms605 ~~بالفهم عرفنا أن المراد بطريق الرأي. # وذكر في "الإحقاق" روي أن صاحب الغنم التي نفشت وصاحب الزرع اختصما- وعن ~~ابن مسعود رضي الله عنه وشريح كان كرما- فحكم داود عليه السلام بالغنم ~~لصاحب الكرم. # فقال سليمان عليه السلام: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود ~~كما كان، ويدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصبب منها حتى إذا PageV03P1566 # عاد الكرم كما كان دفع كل واحد منهما مال إلى صاحبه؛ ولذلك صح الاستدلال ~~بقضية داود عليه السلام فإن القضية التي قضاها داود عليه السلام كان ~~بالرأي؛ لأنه لو كان بالوحي لم يسع لسليمان عليه السلام خلاف ما قضي بالوحي ~~ومدح على ذلك علم أنه كان بالرأي. # قوله: (وهذا قياس ظاهر)؛ لأن في هذا اعتبار أحد المثلين بالآخر وليس ~~القياس إلا هذا، وهذا لأن القبلة مبدأ شهوة الفرج والمضمضة مبدأ شهوة ~~البطن، والصوم وهو: كف النفس عن قضاء الشهوتين، فلما لم يؤثر قضاء مبدأ ~~شهوة البطن في فساد الصوم، كذلك لا يؤثر فيه قضاء مبدأ شهوة الفرج. # ("أرأيت لو وضعه في حرام أما كان يأثم؟ ") ففيه إثبات حكم أحد الضدين ~~مخالفا لحكم الضد الآخر وهو مقتضى الرأي الصواب؛ لأن أحد الضدين مخالف ~~للآخر، فحكم كل واحد منهما أيضا كان مخالفا للآخر لما أن في الوضع في ~~الحرام ارتكاب المنهي فكان آثما، وفي الوضع في أهله امتثالا للمأمور به ~~فكان مأجورا، ولا اعتبار لنفس قضاء الشهوة في نفي PageV03P1567 # الثواب، فرب قضاء شهوة هو فرض على مباشره فإن أكل شيء بقدر ما يبقى به ~~مهجته فرض عليه إذا لم يتعلق به حق غيره، وفيه قضاء الشهوة بالأكل ولا ~~يرتاب أحد في تحصيل ثواب من يقيم الفرض. # ("ثم مججته") أي رميته يقال: مج الرجل الشراب من فيه إذا رمى به ("أكنت ~~شاربه؟ ") يعني لا. # وقوله: (حتى وضح له ما خفي على غيره من المتشابه) دليل على أن النبي عليه ~~السلام كان يعلم المتشابه. PageV03P1568 # (ألا ترى أنه شاورهم في أسارى بدر فأخذ برأي أبي بكر) - رضي الله عنه- ~~وقصة ms606 ذلك أن رسول الله عليه السلام أوتي بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه ~~وعقيل بن أبي طالب فاستثار أبا بكر- رضي الله عنه- فيهم، فقال: قومك وأهلك ~~استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي به أصحابك. # وقال عمر- رضي الله عنه- كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم، فإن هؤلاء ~~أئمة الكفر، وأن الله أغناك عن الفداء. مكن عليا من عقيل وحمزة من العباس ~~ومكن لي من فلان لنسيب لي فلنضرب أعناقهم. # فقال عليه السلام: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن ~~الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبابكر مثل ~~إبراهيم" قال: (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور PageV03P1569 # رحيم) ومثلك يا عمر مثل نوح قال: (لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا). # ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" # وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية. كذا في "الكشاف". # وقوله: (في بذل شطر ثمار المدينة)، وقصته إن الكفار أرادوا أن يرموا ~~المسلمين بقوس واحد وذلك يوم الأحزاب، فأراد رسول الله عليه السلام من غير ~~وحي أن يبذل لهم شيئا من ثمار المدينة ليرجع الكفار، فشاور في ذلك سعد بن ~~معاذ وسعد بن عبادة- رضي الله عنهما- فقالا: إن كان ما قلته وحيا فسمعا ~~وطاعة، وإن كان رأيا فلا نعطيهم إلا السيف، فإنا لم نعطهم في الجاهلية شيئا ~~منها إلا بشراء أو بقرى أفنعطيهم الدنية؟ وقد أعزنا الله بالإسلام ونحن ~~الغالبون، فلما رأى ذلك منهم فرح بذلك، وترك ما PageV03P1570 # رأى (وأخذ برأيهما). # والدليل الواضخ على أنه كان يعمل بالرأي فيما لم يوح إليه قوه تعالى: ~~(عبس وتولى أن جاءه الأعمى) وقوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) وهذا ~~مما عوتب عليه، وما روي أنه عليه السلام لما دخل بيته ووضع السلاح حين فرغ ~~من حرب الأحزاب أتاه جبريل عليه السلام وقال: وضعت السلاح ولم يضعه ~~الملائكة، وأمره بأن يذهب إلى بني قريظة. PageV03P1571 # وروي: "أنه عليه السلام أمر ms607 أبا بكر- رضي الله عنه- بتبليغ سورة براءة ~~إلى المشركين في العام الذي أمره فيه أن يحج بالناس، فأتاه جبريل عليه ~~السلام وقال: لا يبلغها إلا رجل منك- أي من بني هاشم-فبعث علي بن أبي طالب- ~~رضي الله عنه- في إثره ليكون هو المبلغ للسورة إليهم" وهذا مما لم يعاتب ~~عليه في الذي لم يقر عليه. # فأما قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) فقد قيل هذا فيما يتلو من القرآن ~~بدليل أول السورة: (والنجم إذا هوى) أي والقرآن إذا نزل. # وقيل: المراد بالهوى هوى النفس الأمارة، وأحد لا يجوز على رسول الله عليه ~~السلام اتباع هوى النفس والقول به، ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى ~~النفس، وهذا أيضا تأويل قوله تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء ~~نفسي) وقوله: (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) يوضح جميع ما قلنا. PageV03P1572 # وقوله: (إلا أنا اخترنا تقديم انتظار الوحي) هذا استثناء من القول ~~الثاني. # ومدة الانتظار على مايرجو نزوله، أي ومدة الانتظار في ذلك إلى أن ينقطع ~~طعمه عن نزول الوحي في حكم الحادثة التي نزلت عليه بأن كان يخاف الفوت ~~فحينئذ يعمل فيه بالرأى وتبينه للناس، فإذا أقر على ذلك كان حجة قاطعة ~~بمنزلة الثابت بالوحي. PageV03P1573 ### || AUTO باب شرائع من قبلنا # فالتفاوت بين القول الأول وبين الثالث إن في القول الأول شريعة من قبلنا ~~تلزمنا على أنها شريعة من قبلنا، وفي القول الثالث تلزمنا على أنها ~~شريعتنا، والتفاوت بين القول الثالث والرابع أن في القول الثالث أنها ~~تلزمنا على أنها شريعتنا سواء قص الله تعالى أو لم يقص، وفي الرابع شرط ~~اللزوم علينا أن يقص الله تعالى من غير إنكار، أو يقص الرسول عليه السلام ~~من غير إنكار. PageV03P1574 # (الهدى: اسم يقع على الإيمان والشرائع) جميعا; لأن الشرائع سبل الهدى ~~وسبيل الله لا يكون إلا بالهدى. قال الله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة) ولأن القرآن سمى هدى أي هاديا كقوله تعالى: (هدى للمتقين) ~~وهو يهدى إلى ماهو من موجبات العقل وإلى ماهو ms608 لا يعرف الا سمعا، فعلم أن ~~الكل هدى. # (ألا ترى أنها كانت تحتمل الخصوص في المكان في رسولين) أي PageV03P1575 # الاختصاص في المكان يقتضى أن يكون الرسولان في مكانين; لأن الاختصاص في ~~المكان لكل واحد منهما إنما يكون في مكانين، فكذلك في الزمان أيضا، ونظير ~~رسولين بعثا في زمان واحد من غير تبعية بينهما موسى وشعيب عليهما السلام، ~~ونظيرهما بأن يكون أحدهما تبعا للآخر موسى وهارون عليهما السلام، فإن النبي ~~عليه السلام كان أصلا في الشرائع وليس لأحد أن يقول: إن الانبياء كانوا ~~قبله فكيف يكون هو أصلا في شرائع النبيين قبله؟ # لأنا نقول: لا يلزم من كونهم مقدمين كونهم أصلا كالسنة قبل الظهر، فكان ~~الأنبياء كلهم بمنزلة المؤسسين لقاعدته فكان هو أصلا في الشرائع. # (وكان وارثا لما مضى من محاسن الشريعة). قال الله تعالى: (ثم أورثنا ~~الكتاب) والإرث يثبت ملكا للوارث وهو بعينه كان ملكا للمورث، فهذا يدل على ~~أن شريعة من قبلنا تصير شريعة لرسولنا عليه السلام عملا بقضية الإرث، فعلى ~~هذا كان الرسول المتقدم بمنزلة واحد من أمة محمد عليه PageV03P1576 # السلام، وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: "لو كان موسى حيا لما وسعه إلا ~~اتباعي". # (ومكارم الأخلاق) قال النبي عليه السلام: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". # وقيل: مكارم الأخلاق في ثلاثة: إعطاء من يحرمه، ووصل من يقطعه، والعفو ~~عمن اعتدى عليه وحكي أن سلطان سمرقند كان واليا من جانب سلطان غزنة فجنى في ~~عمله فأرسل سلطان غزنة إليه رسولا ليأتي به إليه، فعلمه سلطان سمرقند فشاور ~~في ذلك أهل مجلسه، فقال شيخ من أهل مجلسه: أنا أذهب إليه لأجلك، وهو يعفو ~~عنك، فذهب إليه وقال هذا الشعر: PageV04P1577 # من كان يرجو عفو من هو فوقه عن ذنبه فليعف عمن دونه # فعفا عنه، وقيل: # آنكه سيمت نداد زر بخشش وآنكه يايت بريد سر بخشش # وآنكه زهرت دهد بدو ده قند وآنكه از تو برند بدوبيوند # تا شوي ازكتاب وصل وفراق دفتري از مكارم الأخلاق # (التهوك): التحير. PageV04P1578 # وقوله: (من الأقوال) أي من ms609 الأقوال الثلاثة التي مر ذكرها في أول هذا الباب. # بهذا الشرط أي بشرط القصة من غير إنكار. # (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) وإنما أخبر الله تعالى ذلك عن صالح عليه ~~السلام، ومعلوم أن محمدا- رحمه الله- ما استدل به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك ~~الحكم شريعة لنبينا عليه السلام. # واستدل أبو يوسف- رحمه الله- على جريان القصاص بين الذكر والأنثى بقوله ~~تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) وبه كان يستدل الكرخي- رحمه ~~الله- على جريان القصاص بين الحر والعبد والمسلم والذمي. PageV04P1579 # والشافعي في هذا لا يخالفنا حيث استدل برجم النبي عليه السلام اليهودين ~~بحكم التوراة كما نص عليه بقوله عليه السلام: "أنا أحق من أحيا سنة ~~أماتوها" على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ذلك صار شريعة لنبينا، ~~ونحن لا ننكر ذلك أيضا ولكنا ندعي انتساخ ذلك بطريق زيادة شرط الإحصان ~~لإيجاب الرجم في شريعتنا، ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا. # وبين المتكلمين اختلاف في أن النبي عليه السلام قبل نزول الوحي عليه هل ~~كان متعبدا بشريعة من قبله؟ فمنهم من أبي ذلك ومنهم من توقف ومنهم من قال: ~~كان متعبدا. # (وما يقع به ختم باب السنة). PageV04P1580 # باب متابعة أصحاب النبي عليه السلام # وإنما جعل متابعتهم ختم باب السنة لاحتمال أنهم سمعوا من رسول الله عليه ~~السلام، ولما كان متابعة أصحاب النبى عليه السلام بطريق الاحتمال في السماع ~~منه وقع مؤخرا من الذي كان السماع منه قطعيا. # (البردعي) -بالدال المهملة- هكذا كان مسموعا من شيخي -رحمه الله- ومقيدا ~~بقيده، وهذا الإمام -رحمه الله-كان عظيم القدر والمنزلة في الفقه والورع ~~حيث أنه بلغ في بغداد في سفر الحجاز ورأى فيه نفاة القياس منهم PageV04P1581 # داود الأصفهاني وعلل هو في مسألة بيع أم الولد وادعى جوازه، وقال: تيقنا ~~بجواز بيعها، فيبقى ما كان على ما كان. # وعارضه أبو سعيد البرادعي وقال: تيقنا بعدم جواز بيعها أي فيما إذا كان ~~الولد في بطنها وشككنا في جواز بيعها، فيبقى ما كان على ما كان، فحينئذ عزم ~~على الإقامة في بغداد ms610 فقال: ليس الحج علي بفريضة، وإظهار الحق بنشر العلم ~~على فريضة، ونام في ليلة ذلك اليوم، ورأى في المنام قارئا يقرأ قوله تعالى: ~~(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) واستيقظ من ~~نومه، فسمع مناديا ينادي أيها الناس أجركم الله PageV04P1582 # فقد مات داود الأصفهاني. # (ومنهم من فصل في التقليد) أي ومن المشايخ وأمثالهم مثل ابن مسعود وابن ~~عباس ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهم- (في هذا الباب) أي في باب تقليد ~~الصحابي. PageV04P1583 # (وأفسدوا شراء ما باع بأقل مما باع) قبل نقد الثمن والقياس يجوزه كذا في ~~"التقويم". PageV04P1584 # (لا وجه له غير هذا إلا التكذيب) أي تكذيب الصحابي. (وذلك باطل) أي القول ~~بالتكذيب باطل؛ لأن الله تعالى أثنى عليهم بقوله: (والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار) # وقال النبي عليه السلام "اتقوا الله من أصحابي" أي من القول بما يوجب نقضهم. # (واحتمال الخطأ قي اجتهادهم كائن لا محالة)؛ لأنهم ما كانوا معصومين من الخطأ. # (وكانوا لا يدعون الناس إلى أقوالهم) فلو كان قول الواحد منهم مقدما على ~~الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول الله عليه السلام يدعو الناس إلى ~~العمل بقوله، وكما كانت الصحابة يدعون الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى ~~العمل بإجماعهم فيما أجمعوا عليه إذ الدعاء إلى الحجة واجب. PageV04P1585 # (وإذا كان كذلك) أي إذا كان احتمال الخطأ ثابتا لم يجز تقليد مثله (وجب ~~الاقتداء بهم في العمل بالرأي مثل ما عملوا)، فإنهم كانوا يعملون بالرأي ~~عند عدم وجدان النص، ولا يقلد بعضهم لبعض فلو قلدناهم لكنا مخالفين لهم ولا ~~يكون حينئذ عملنا في الرأي مثل عملهم. # (ومن ادعى الخصوص) أي ومن قال بوجوب تقليد الخلفاء الراشدين وأمثالهم لا ~~غيرهم استدل بقول النبي عليه السلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدي". # (وبما روي في هذا الباب من اختصاصهم مما دل على ما قلنا) أي الحديث الذي ~~روي في باب التقليد من تقليد الخلفاء الراشدين على PageV04P1586 # الخصوص دليل على أن الخلفاء الراشدين ومن يماثلهم في العلم والورع ms611 يقلدون ~~على الخصوص لا غيرهم. # أما تقليد الخلفاء على الخصوص بمثل هذه الأخاديث فظاهر وأما تقليد من ~~يماثلهم فلمشاركتهم في العلم والورع لما أن وجوب اتباع الخلفاء لا لذاتهم ~~بل لعلمهم وورعهم في الدين ومن يشاركهم في ذينك الوصفين كان واجب الاتباع ~~أيضا؛ إذ الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، فكان وجوب اتباع ~~الخلفاء بعبارة النص، ووجوب اتباع من يماثلهم بدلالة النص مع أن النص ورد ~~في غير الخلفاء أيضا دالا على وجوب الاتباع كقوله عليه السلام في حق عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه: "رضيت لأمتي ما رضيه ابن أم عبد" وكقوله عليه ~~السلام في حق معاذ رضي الله عنه: "أفقهكم معاذ" وكقوله في حق عائشة رضي ~~الله عنها: "خذوا ثلثي دينكم من هذه PageV04P1587 # الحميراء" وقوله: (وقد كانوا يسكنون عن الإسناد) جواب شبهة ترد على قوله: ~~أحدهما احتمال السماع والتوقيف بأن يقال لو كان السماع من رسول الله عليه ~~السلام ثابتا لهم لأسندوا الحديث إليه. # وقالوا: قال النبي عليه السلام كذا، فأجاب عنه بهذا. # (ولاحتمال فضل إصابتهم في نفس الرأي) لبركة صحبة الرسول عليه السلام ~~وتقدمهم على من بعدهم في الخيرية من حيث الزمان على ما قال عليه PageV04P1588 # السلام: "خير القرون الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم" الحديث وقال عليه ~~السلام: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". # ودل على هذا المعنى قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح) ~~الآية، فلما ثبت لهم الفضيلة من حيث الذات ومن حيث الزمان كانوا يوفقون ~~لإصابة الرأي ما لا يوفق غيرهم لمثله، فكان رأيهم أبعد عن احتمال الخطأ من ~~رأي من بعدهم. # (لتكون السنة بجميع وجوهها) وهي المتواتر والمشهور والآحاد والمرسل ~~والمسند والقولي والفعلي وشبهها وهي: أقوال الصحابة. PageV04P1589 # (فقد ضيع الشافعي عامة وجوه السنن) حيث لم يجعل المراسيل حجة وقدم القياس ~~على خبر الواحد، ولم يقلد قول الصحابة مع احتمال السنة فيه (مدرجة) أي طريقا. # (قام الشرع بخصاله) أي بما يقتضيه ويتصف ms612 به من أصوله وفروعه. # (وهذا الاختلاف) أي الاختلاف في جواز التقليد وعدمه (في كل ما ثبت عنهم ~~من غير خلاف بينهم ومن غير أن يثبت أنه بلغ غير قائله فسكت مسلما له) أي ~~صورة مسألة الخلاف في جواز التقليد بقول الصحابة وعدم جواز التقليد به فيما ~~إذا ورد قول من صحابي فيما يدرك بالقياس ولم PageV04P1590 # ينقل من غيره في حكم ذلك القول تسليم ولا رد إذا لو كان وروده فيما لا ~~يدرك بالقياس كان قول الواحد منهم حجه بلا خلاف بين أصحابنا المتقدمين ~~والمتأخرين حتى أخذنا بقول علي -رضي الله عنه- في تقدير المهر بعشرة دراهم ~~وأخذنا بقول أنس -رضي الله عنه- في تقدير أقل الحيض بثلاثه أيام وبقول ~~عائشة -رضي الله عنها- في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو نقل ~~من غيره تسليم لذلك القول كان ذلك إجماعا منهم فلا يجوز الخلاف فيه لمن ~~بعدهم، ولو نقل من غيره رد كان ذلك إختلافا بينهم في حكم ذلك القول بالرأي ~~(وذلك يوجب الترجيح فلو تعذر الترجيح وجب العمل بأيهما شاء)، ولا يجوز لغير ~~الصحابي أن يقول قولا ثالثا PageV04P1591 # يخالف قولهما لأن الحق لا يعدوهم فكان الصحابيان مجمعين على رد الثالث من ~~القول إذ الإختلاف على القولين إجماع منهم على بطلان القول الثالث. # (ثم لا يجوز العمل بالثاني الا بدليل على ما مر في باب المعارضة) وهو ~~قوله: وإذا عمل بذلك أي بأحد القياسين لم يجز نقضه إلا بدليل فوقه يوجب نقض ~~الأول حتى لم يجز نقض حكم أمضى بالإجتهاد بمثله -إلى أن قال- وأما الذي لا ~~يحتمل الإنتقال فرجل صلى في ثوب على تحري طهارته حقيقيه أو تقديرا قم تحول ~~رأيه فصلى في ثوب آخر على تحري أن هذا طاهر وأن الأول نجس لم يجز ما صلى في ~~الثاني إلا أن يتيقن بطهارته. # (وإن كان ممن ظهر فتواه في زمن الصحابة) من التابعين كالحسن PageV04P1592 # وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي. # (ووجه القول الأول أن شريحا خالف عليا -رضي الله عنه-) PageV04P1593 # وقال ms613 الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- وقد صح أن عليا - رضي الله عنه- ~~تحاكم إلى شريح وقضى عليه بخلاف رأيه في شهادة الوالد لوالده ثم قلده ~~القضاء في خلافته. # (وابن عباس -رضي الله عنهما- رجع إلى قول مسروق -رحمه الله- في النذر ~~بذبح الولد) فأوجب عليه شاة بعد ما كان يوجب عليه مائة من الإبل. # الأبظر -بالباء الموحدة والظاء المعجمة- هو الذي في شفته بظارة وهي: هنة ~~ناتئة في وسط الشفة العليا ولا تكون لكل أحد وجعله عبدا حيث قال: أيها ~~العبد الأبظر لأنه وقع عليه سباء في الجاهلية والله أعلم. PageV04P1594 ### || AUTO باب الاجماع # (في ركنه) أي في الشيء الذي يقوم به الاجماع (وشرطه) وهو الذي يتوقف عليه ~~وجود الإجماع (وحكمه) أي أثره الثابت به (وسببه) أي الشيء الذي يفضي إلى ~~هذا الإجماع لأن سبب الشيء ما يكون مفضيا إليه (عزيمة) أي الأمر الأصلي ~~الذي لم يكن ذلك باعتبار الأعذار. # (أما العزيمة فالتكلم منهم) أي من العلماء الذين ينعقد الإجماع بهم وهم ~~المجتهدون (وشروعهم في العمل فيما كان من بابه) أي من باب ذلك العمل ~~كالمزارعة والمضاربة والشركة إذا شرع أهل الاجتهاد في عمل من PageV04P1595 # تلك الأعمال كان هو دليلا على مشروعية ذلك العمل عنده فكان ذلك بمنزلة ~~التكلم منه بأنه مشروع. # (في نوعي الإجماع) أي القولي والفعلي بأن يكون التكلم من الكل. # (وأما الرخصة) إلى آخره سمي هذا رخصة لأنا قلنا: ثبوت PageV04P1596 # الإجماع هاهنا بالضرورة وهو أنه لو لم يثبت الإجماع بهذا يلزم تفسيق بعض ~~الصحابة وهو منتف فكان أمرا ضروريا دعا إلى الإجماع وهو عذر فكان رخصة. # (لأن عمر -رضي الله عنه- شاور الصحابة في مال فضل عنه) يعني أن عمر -رضي ~~الله عنه- لما شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين فأشاروا عليه بتأخير ~~القسمة والإمساك الى وقت الحاجة (وعلي) -رضي الله عنه- في القوم (ساكت فقال ~~له: ما تقول يا أبا الحسن؟) فقال: لم تجعل يقينك شكا وعلمك جهلا !! أرى أن ~~تقسم ذلك بين المسلمين وروى فيه حديثا فهو لم يجعل سكوته دليل الموافقة لهم ms614 ~~حتى سأله واستجاز علي -رضي الله عنه- السكوت مع كون الحق عنده في خلافهم. # (وشاورهم في إملاص المرأة) أي في إسقاط المرأة ولدها وهو أن امرأة PageV04P1597 # جنت جناية فأمر عمر -رضي الله عنه- بإحضارها فخافت المرأة وأملصت فشاور ~~عمر -رضي الله عنه- أصحابه في أنه هل يجب أي على عمر لأجل هذا الولد شيء أم ~~لا. قالوا: إنما أنت مؤدب وما أردت إلا الخير فلا شيء عليك. # (وعلي) في القوم (ساكت) فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ (فقال): أن كان هذا ~~جهد رأيهم فقد أخطأوا إن قاربوك أي طلبوا قربتك بهذا الجواب فقد غشوك (أرى ~~عليك الغرة) فقال: أنت صدقتني فقد إستجاز على السكوت مع إضمار الخلاف ولم ~~يجعل عمر -رضي الله عنه- سكوته دليل الموافقة حتى استنطقه. PageV04P1598 # (كما قيل لابن عباس -رضي الله عنهما- ما منعك أن تخبر عمر -رضي الله عنه- ~~بقولك في العول)؟ # (فقال: درته) # وحاصلة أن إبن عباس ينكر العول في الفرائض أصلا فالفريضة العائلة هي أن ~~يكون أصحاب الفرائض أكثر من سهام المال بأن يكون هناك ثلثان ونصف كالزوج مع ~~الأختين لأب وأم أو نصفان وثلث كالزوج مع الأخت الواحدة لأب أم والأم فقال ~~ابن عباس -رضي الله عنهما-: إن الذي PageV04P1599 # أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في مال نصفين وثلثا فإذا ذهب هذا بالنصف وذا ~~بالنصف فأين موضع الثلث؟ مع أن ابن عباس لما يقل بالعول كان الظاهر من ~~مذهبه أنه يدخل الضرر على من هو أسوأ حالا كما إذا ماتت امرأة وتركت زوجا ~~وأما وإبنه وإبنه إبن فعلى قول عامة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- ~~للزوج الربع ثلاث من إثنى عشر وللأم السدس سهمان وللبنت النصف سته ولبنت ~~الإبن السدس سهمان تكملة للثلثين فتعول بسهم فتكون القسمة من ثلاثة عشر وفي ~~الظاهر من مذهب إبن عباس -رضي الله عنهما- أنه يدخل الضرر على بنت الإبن ~~خاصة فتأخذ البنت فريضتها سته والزوج فريضته ثلاثة والأم فريضتها سهمين ~~والباقي هو واحد لإبنة الإبن: لأنها أسوأ حالا من البنت. # ألا ترى أن بنات الإبن ms615 قد يحرمن بالبنات بأن كانت للميت ابنتان. # (كان فسقا) لأنه ارتكب فعلا حراما وهو السكوت عن الحق. # (أو بعد الاشتهار) يعني يجعل السكوت تسليما بعد العرض أو بعد الاشتهار. PageV04P1600 # و (ذلك) كله (ينافي الشبهة) أي السكوت بعد مضي مدة التأمل ينافي شبهة ~~إختيار جهة أخرى سوى جهة التسليم. # (لأن الذين أفتوا بإمساك المال كان حسنا وكذلك عدم الغرم في الإملاص). # أما في إمساك المال فلأنهم إنما أمسكوا ليصرفوه إلى حادثة يقع بينهم. # وأما في الإملاص فلأنهم لم يتيقنوا بأن هذا كان حيا أو ميتا فلذلك لم ~~يوجبوا في مقابلته المال وهذا حسن إلا أن ما اختاره على -رضي الله عنه- كان أحسن. # أما في إمساك المال فإن وقوع الحادثة متوهم والمستحق لذلك المال موجود في ~~الحال فكانت القسمة أحسن. # وأما وجوب المال في الإملاص (للصيانة عن القيل والقال) بأن لا يتمكن أحد ~~من أن يقول: إن الخليفة قتل نفسا أو وجب عليه مال وهو لم يؤده وفي مثل هذا ~~الموضع لا يجب إظهار الخلاف ولكن إذا سئل يجب بيان الأحسن فلهذا سكت علي ~~-رضي الله عنه- في الابتداء وحين سألة بين الوجه الأحسن عنده. PageV04P1601 # (فأما حديث الدرة فغير صحيح) لأن عمر -رضي الله عنه- كان يقدم ابن عباس ~~-رضي الله عنهما- وكان يدعوه في الشورى مع الكبار من الصحابة -رضي الله ~~عنهم- لما عرف من فطنته وحسن ذهنه وبصيرته وقد أشار عليه بأشياء فقبل منه ~~واستحسنه وكان يقول له غص ياغواص شنشنة أعرفها من أخزم يعني أنه مثل العباس ~~في رأيه ودهائه. # (وكان عمر -رضي الله عنه- ألين للحق وأشد انقيادا له من غيره). # ألا ترى إلى ما روى عنه أنه خطب يوما فقال في الخطبة: " ألا لا تغالوا ~~صدقاتكم فقامت إمرأة من أخريات الصفوف وقالت: ألم تسمع قول الله تعالى: ~~(وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تاخذوا منه شيئا ~~أتاخذونه بهتانا وإثما مبينا) فبكى عمر -رضي الله عنه- وقال: كل الناس أفقه ~~من عمر حتى النساء في البيوت ". PageV04P1602 # وكان هو أسرع قبولا ms616 للحق من غيره , حتى كان يشاورهم ويقول لهم:"لا خير ~~فيكم إذا لم تقولوا لنا, ولا خير فينا إذا لم نسمه منكم. رحم الله إمرءا ~~أهدى إلى أخيه عيوبه" فمع طلب بيان الحق بهذه الصفة لا يتوهم أن يهابه أحد ~~فلا يظهر عنده حكم الشرع مهابة له, (وإن صح فتأويله إبلاء العذر فى ~~الامتناع عن المناظرة معه) بإعتبار ما عرف من فضل رأى عمر- رضى الله عنه- ~~وفقه, فمنعه ذلك من الإستقصاء فى المحاجة معه لا أنه سكت عن نفس الرد كما ~~يكون من حال الشبان مع ذوى الأسنان من المجتهدين فى كل عصر فإنهم يهابون ~~الكبار , فلا يستقصون فى المحاجة معهم حسب ما يفعلون مع الأقران , (بعد ~~ثباته على مذهبه) أى بعد ثبات ابن عباس- رضى الله عنهما- على مذهب نفسه من ~~عدم جواز العول لما لاح له من الدليل يعنى أظهر للصحابة عذره فى ترك ~~الاستقصاء فى ذلك لما رأى من فضل رأى عمر- رضى الله عنه- على رأى نفسه. # (وعلى هذا الأصل) أى على النوع الثانى من ركن الإجماع وهو الرخصة بأن ~~السكوت قام مقام التكلم, فإن الصحابة إذا إختلفوا فى حادثة على أقوال كان ~~السكوت منهم من القول الخارج عن أقوالهم بمنزلة التكلم منهم بأنه PageV04P1603 # باطل , فكان هذا السكوت على عكس السكوت فى الأول فى الحقيقة, فإن السكوت ~~هناك كان بمنزلة التكلم بأنه حق , والسكوت هنا بمنزلة التكلم بأنه باطل, ~~ولكن الجمع بينهما من حيث إن السكوت كليهما بمنرلة التكلم. # (وكل عصر مثل ذلك أيضا) يعنى إذا اختلف أهل العصر الثانى فى حادثه على ~~أقوال كان ذلك إجماعا منهم على أن القول الخارج من أقوالهم باطل كما فى ~~اختلاف الصحابه- رضى الله عنهم- فى حادثة على أقوال (ومن الناس من قال: هذا ~~سكوت أيضا) يعنى يكون هذا الاختلاف منهم سكوتا عن وصف القول الخارج عن ~~أقوالهم بأنه حق أو باطل , فحينئذ كان هو مسوغا للاختلاف بأن يقول مجتهدا ~~آخر قولا خارجا عن أقوالهم, لأن مثل هذا الاختلاف لما كان ساكتا عن وصف ~~القول الخارج عن ms617 أقوالهم بأنه حق أو باطل لم يكن معينا بأن القول الخارج عن ~~أقوالهم باطل بل ساكتا عنه فيسوغ الاجتهاد. # (إن الإجماع من المسلمين حجة لا يعدوه الحق والصواب بيقين) لقوله عليه ~~السلام:"لا تجتمع أمتى على الضلالة" وفى كون الصواب خارجا PageV04P1604 # عن أقاويلهم يلزم الإجتماع على الضلال. # (ولا يجوز أن يظن بهم الجهل) والعلم لغيرهم فى ذلك القول؛ لأنهم مكرمون ~~بلسان النبى عليه السلام وغيرهم لم يبلغوا تلك المنزلة التى هى لهم. # قال عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم؛ وإصابة الحق من ~~أجل الكرامات , فلا يجوز أن يحرموا عنها ويكرم بها غيرهم. # (فعلى هذا عند بعض مشايخنا) أي من بعد الصحابة إذا إختلفوا على أقاويل ~~كان ذلك إجماعا منهم على أن القول الخارج عن أقوالهم باطل, فلا يجوز لأحد ~~بعدهم أن يختار قولا خارجا عن أقوالهم. # (وقد قيل: إن هذا بخلاف الأول) أي اختلاف من بعد الصحابة- رضي الله PageV04P1605 # عنهم- ليس كاختلاف الصحابة في أن القول الخارج عن أقوالهم باطل، حتى إن ~~أهل العصر الثاني من عصر الصحابة إذا اختلفوا على أقوال جاز لأهل العصر ~~الثالث أن يختاروا قولا خارجا عن أقوالهم إنما ذلك للصحابة -رضي الله عنهم- ~~خاصة كرامة لهم، وليس لمن بعد الصحابة مثل كرامتهم. # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هاهنا: ولكن المعنى الذي أشرنا إليه ~~يوجب المساواة. أراد به قوله: إنهم إذا اختلفوا على أقاويل فنحن نعلم أن ~~الحق لا يعدو أقاويلهم، فكان هذا بمنزلة التصيص منهم على أن الحق في هذه ~~الأقاويل، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وفذا الذي ذكره لا يفرق بين أقوال ~~الصحابة وبين أقوال غيرهم. # وقوله: (فهو إجماع لما قلنا) إشارة إلى قوله: "فإذا لم يجعل سكوته تسليما ~~كان فسقا" PageV04P1606 ### || AUTO باب الأهلية # (أهلية الإجماع إنما تثبت بأهلية الكرامة). في هذا رد لزعم بعض الناس أن ~~الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا باتفاق فرق الأمة أهل الحق وأهل الضلال ~~جميعا؛ لأن الحجة إجماع الأمة، ومطلق اسم الأمة يتناول الكل. # المذهب عندنا: أن الحجة اتفاق كل عالم مجتهد ms618 ممن حول الإجماع إنما يثبت ~~باعتبار وصف لا يثبت إلا بهذه المعاني، وذلك صفة الوساطة. PageV04P1607 # قال الله تعالى (جعلناكم أمة وسطا) وهو عبارة عن الخيار العدول المرضين، ~~وصفة الشهادة بقوله: (لتكونوا شهداء على الناس) # (الماجن): الذي لا يبالي ما صنع وما قيل له، والفعل من باب طلب. # وقيل المفتي الماجن: الذي يعلم الناس الحيل # (العصبية): الشدة أي يشتد في دفع ما يوهن مذهبه من غير أن يتأمل في أن ~~دفعه حق أم باطل. # (ليس من الأمة على الإطلاق)؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، والأمة نوعان: ~~أمة إجابة ودعوة لا غير، وهم أمة دعوة فلا يكونون داخلين تحت هذا اللفظ. # (أمهات الشرائع) مثل: الصلاة والزكاة والصوم. PageV04P1608 # (وما يجري مجراه) وحد الضمير مع تقدم الاثنين؛ لأن الرأي والاستنباط شيء ~~واحد، فصار بمنزلة تقدم الواحد، ثم نظير الذي يجري مجراه هو الذي لا يدخل ~~في أصله الرأي والاستنباط كالمقادير، ولكن قد يدخل في بعضها القول بالرأي ~~مثل تقدير البلوغ بالسنين. # وقيل المراد من قوله: "وما يجري مجراه" الاستدلال بالدخان على النار، فكل ~~استنباط استدلال ولا ينعكس. # (عترة) الرجل: نسله ورهطه الأدنون. # (فهم المخصوصون بالعرق الطيب) لكونهم مخصوصين بقرابة PageV04P1609 # الرسول، وقال عليه السلام: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعزتي إن ~~تمسكتم بهما لم تضلوا بعدي" إلا أن المعاني التي ذكرناها لإثبات حكم ~~الإجماع بها من صفة الوساطة والشهادة والأمر بالمعروف لا تختص بقوم دون قوم ~~ولا بزمان دون زمان. PageV04P1610 ### || AUTO باب شروط الإجماع # (انقراض العصر) أي انقراض أهل العصر. # وذكر في "ميزان الأصول" هو موت جميع من هو أهل الاجتهاد في وقت وقوع ~~الحادثة والإجماع عليه، (لصحة الإجماع حجة)، أي لكون الإجماع حجة. PageV04P1611 # قال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: # وأما عندنا انقراض العصر ليس بشرط؛ لأن الإجماع لما انعقد باعتبار اجتماع ~~المعاني التي قلنا كان الثابت به كالثابت بالنص، وكما أن الثابت بالنص لا ~~يختص بوقت دون وقت فكذلك الثابت بالإجماع، ول شرطنا انقراض العصر لم يثبت ~~الإجماع أبدا، لأن بعض التابعين في ms619 عصر الصحابة كان يزاحمهم في الفتوى ~~فيتوهم أن يبدو له رأي بعد أن لم يبق أحد من الصحابة، وهكذا في القرن ~~الثاني والثالث، فيؤدي ذلك إلى سد باب الإجماع وهذا باطل. # (من بعد) أي من بعد ما اجتمعوا على حكم (لا يصح رجوع البعض عندنا) PageV04P1612 # وأما في الابتداء فخلاف الواحد كان مانعا من الإجماع فصار حكم الابتداء ~~مخالفا لحكم الانتهاء حيث صح للواحد مخالفة الجماعة في الابتداء ولا يصح له ~~الرجوع بعد ما ثبت الإجماع بالجميع؛ لأن كون الإجماع حجة ثبت شرعا كرامة ~~لموافقة أهل الإجماع من غير أن يعقل به دليل الإصابة، وإذا كان الواحد ~~مخالفا لم يثبت الموافقة، فكانت مخالفته مانعة عن ثبوت الإجماع. # والدليل على هذا مخالفة علي -رضي الله عنه- سائر الصحابة -رضي الله عنهم- ~~في بيع أمهات الأولاد، فإن عنده جواز بيعهن، وعند باقي الصحابة PageV04P1613 # لا، فكان خلافه مانعا لإجماعهم. # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: والأصح عندي ما أشار إليه أبو بكر ~~الرازي- رحمه الله- أن الواحد إذا خالف الجماعة فإن سوغوا ذلك الاجتهاد لا ~~يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة خلاف ابن عباس -رضي الله عنهما- في زوج ~~وأبوين؛ أن للأم اثنان، وللأب واحد، وعندنا للأم واحد، والاثنان للأب- وإن ~~لم يسوغوا له الاجتهاد وأنكروا عليه قوله فإنه يثبت حكم الإجماع بدون قوله ~~بمنزلة قول ابن عباس في حل التفاصيل في أموال الربا فإن الصحابة لم يسوغوا ~~له هذا الاجتهاد حتى روى أنه رجع إلى قولهم فكان PageV04P1614 # الإجماع ثابتا بدون وقاه. # ولهذا قال محمد -رحمه الله-: لو قضى القاضي بجواز بيع الدرهم بالدرهمين ~~لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه مخالف للإجماع. # (وكلهم ممن هو أمة مطلقة)، وهو أمة هداية ومتابعة، وهم المسلمون الذين لم ~~يكن فيهم الأهواء والبدع. # (وهو أن لا يكون مجتهدا في السلف) أي مختلفا فيه. # (وفيه شبهة) أي في ثبوت هذا الإجماع حجة شبهة، (فينفذ قضاء القاضي فيه ~~ولا ينقض لشبهة) الاختلاف في الصدر الأول، ولا يثبت PageV04P1615 # الإجماع مع وجود الاختلاف في الصدر الأول. # قال الإمام شمس الأئمة ms620 -رحمه الله-: الأوجه عندي أن هذا إجماع عند ~~أصحابنا جميعا للدليل الذي دل على أن إجماع كل عصر معتبر نظير هذا ما إذا ~~تزوج امرأة عشرة أيام فقضى القاضي بجوازه جاز؛ لأن عند زفر إذا تزوج امرأة ~~إلى شهر يصح ويبطل ذكر الوقت فلو قضى بجواز النكاح ينفذ، ولو قضى القاضي ~~برد نكاح امرأة بعيب عمى أو جنون أو نحو ذلك ينفذ قضاؤه؛ لأن عمر -رضي الله ~~عنه- يقول برد المرأة بالعيوب الخمسة. # (ولم يقل به أحد) أي بوقوع الطلاق الرجعي (عند نية الثلاث) PageV04P1616 # أما عندنا فلأنها بواين فلا يقع بها الرجعي. # وأما عند الشافعي فالكنايات إذا كانت رواجع كانت بمنزلة قوله: أنت طالق ~~فيقع به الطلاق عند نية الثلاث به فكذلك هاهنا. # (وكصلاة أهل قباء بعد نزول النص قبل بلوغهم) أي بعد ما نزل النص على ~~الرسول عليه السلام ولم يبلغ إليهم فهم صلوا إلى بيت المقدس فإذا بلغ إليهم ~~وهم في الصلاة استداروا إلى الكعبة ولم ينسب إلى الضلال فكذا هذا. # (ومن شرط الإجماع اجتماع من هو داخل في أهلية الإجماع) إلى أخره، وقد ذكر ~~هذه المسألة قبل هذا الباب، وأعاد هاهنا لعلة وهي أنه PageV04P1617 # لما علل بأن حجية الإجماع منحصرة بالأحياء باعتبار أن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والشهادة والوساطة مخصوصة بهم فيشترط اجتماع جميع الأحياء ~~كما ذكرنا، فكانت إعادة هذه المسألة لتتميم هذه العلة، والله أعلم. PageV04P1618 # باب حكم الإجماع # (حكمه في الأصل) إنما قيد بقوله: "في الأصل" لأن الأصل في الإجماع أن ~~يكون موجبا للعلم قطعا، وما لم يكن موجبا للعلم قطعا كان بسبب العارض كما ~~إذا ثبت الإجماع بسكوت البعض وكثبوت إجماع الصحابة -رضوان الله عليهم ~~أجمعين- على بطلان الحكم فيما وراء اختلافهم كما أن الأصل في خبر الرسول أن ~~يكون موجبا للعلم، وما لم يكن موجبا يكون بواسطة الشبهة وهي شبهة عدم ~~السماع من الرسول عليه السلام فكذلك هاهنا، وقوله: (حكما شرعيا) فالأولى أن ~~يمون انتصابه على الحال لاتصافه بصفة على ما مر في شرح الخطبة ms621 في قوله: ~~"دينا رضيا" # (ومن أهل الهوى من لم يجعل الإجماع حجة) وهو أبو بكر الأصم و PageV04P1619 # هو ساعدنا في انعقاد الإجماع وخالفنا في حكمه. # (نوله ما تولى) باز كذاريم أو رابا أنكه دوستي داشت يا با أنجه اختيار كرد. # ومن إفادات شيخي- رحمه الله وأثابه الجنة- الأصل في الجمل الشرطية أن لا ~~يتعدد الحكم بتعدد الشرط كما لو قال رجل لامرأته: إن دخلت هذه الدار وهذه ~~الدار وهذه الدار فأنت طالق ثلاثا، فدخلت واحدة منها لم يقع شيء من الطلاق ~~حتى تدخل تلك الأدوار الثلاث. لما أن الحكم لا يتوزع على أجزاء الشرط، ثم ~~في قوله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) وقع الأمر على خلاف ذلك؛ حيث ثبت الحكم ~~بتمامه عند وجود أحد هذين الشرطين. # وهما: مشتاقة الرسول أي مخالفته، وإتباع سبيل المؤمنين؛ لما أن PageV04P1620 # مشاقة الرسول عليه السلام بانفرادها أو إتباع غير سبيل المؤمنين بمجرده ~~مثبت هذا الحكم المرتب على الجميع، وهو إصلاؤه جهنم. # ثم قال -رضي الله عنه- وإنما صار هكذا هنا لأن كل واحد من هذين الشرطين ~~متضمن للأخر، فكان عند وجود أحداهما كأنهما وجدا معا؛ لما أن مشاقة الرسول ~~متضمن إتباع غير سبيل المؤمنين وإتباع غير سبيل المؤمنين متضمن مشاقة ~~الرسول، فصارا كأنهما وجدا معا. # (لأن الخيرية توجب الحقية)؛ لأن مطلق الخير هو ما كان خيرا في التقادير ~~كلها، وذلك لا يكون إلا بأن يكون حقا عند الله تعالى، فإن المجتهد إذا أخطأ ~~كان هو خيرا في حق العمل لا في الحقيقة، فكان ذلك خيرا من وده دون وجه. # (في الإيمان والشرائع جميعا)؛ لأن الضلالة ضد الهدى، والهدى اسم يقع على ~~الإيمان والشرائع، وعكسه، وعكسه الضلالة اسم لما ينفي الإيمان والشرائع. PageV04P1621 # (رجل رقيق) أي رقيق القلب فلا يطيق على القيام في مكانه إن رأى مكانك ~~خاليا عنك. # فقال النبي عليه السلام: ("أبي الله ذلك -أي أمري- لعمر والمسلمون") # فوجه التمسك بهذا الحديث على أن الإجماع يوجب ms622 الحكم قطعا هو أن النبي ~~عليه السلام جعل إباء المسلمين إباء الله تعالى، فإباء الله تعالى يوجب أن ~~لا يكون عمر إمام المسلمين حال حياة النبي عليه السلام قطعا، فكذلك إباء ~~المسلمين. # وكذلك في حديث الخميرة. PageV04P1622 # فإن قيل: هذه الأحاديث التي ذكرتم من أخبار الأحاد فكيف تحجون بها على ~~إثبات حكم الإجماع بأنه قطعي وموجب خبر الواحد ليس بقطعي؟ # قلنا: نعم ذلك في حق كل فرد من الأخبار بحياله. # أما عند الاجتماع على مضمون واحد فلا، فإن كل واحد من هذه الأخبار دال ~~على أن حكم الإجماع ثابت قطعا، فيثبت القطع باعتبار المضمون وإن لم يكن ~~باعتبار كل واحد منها بانفراده كنقل أخبار المعجزات، فإن كل واحد منها ~~بانفراده خبر الواحد وهو بانفراده لا يوجب الحكم قطعا، ولكن مضمون كل تلك ~~الأخبار واحد وهو خلاف العادة من النبي عليه السلام مع صدور دعوى النبوة ~~منه، فحصل لنا العلم قطعا بأن المعجزة ظهرت على يده لتواتر الأخبار في حق ~~هذا المضمون فكذلك هاهنا. # (وذلك جائز) هذا جواب عن حرف أهل الهوى بقولهم: لأن كل واحد منهم اعتمد ~~ما لا يوجب العلم؛ يعني يجوز أن يجتمع دليل لا يوجب العلم مع دليل أخر لا ~~يوجب العلم فيحدث من اجتماعهما معنى يوجب PageV04P1623 # العلم لم يثبت ذلك قبل الاجتماع. # (ولا ينكر في المحسوس والمشروع). # أما في المحسوس: فمثل حمل الخشبة العظيمة فإنه لم يقدر واحد على حملها، ~~يقدر على حملها خمسة رجال إذا اجتمعوا عليه، وكذلك إذا اجتمعت طاقات الحبل ~~كان له قوة واستحكام لا يثبت ذلك قبل الاجتماع. # فعلم بهذا أن للاجتماع تأثيرا في إيراث حكم ليس ذلك للأفراد وإن كان كل ~~واحد من تلك الأفراد لا يثبت ذلك الحكم أصلا بانفراده. # وأما في المشروع فمثل قول القاضي: شهادة الاثنين دون الواحد، ومثل وجوب ~~الزكاة عند اجتماع أفراد الأموال وعدم وجوبها عند عدم الاجتماع، ومثل ~~اجتماع أجزاء النجاسة في ثوب المصلي إلى غاية قدرها الشرع في المنع عن جواز ~~الصلاة وعدم المنع عنه ms623 قبل الاجتماع إلى تلك الغاية. PageV04P1624 # (فإجماع الصحابة) -رضي الله عنهم- (مثل الآية) أي هو حجة قطعية حتى يكفر ~~جاحده ولم يذكر العترة ولا أهل المدينة في إجماع الصحابة- رضي الله عنهم- ~~لأن ذكر الصحابة ذكر لهم؛ لأن أسم الصحابة شمل للعترة وأهل المدينة. # (والنسخ في ذلك جائز بمثله) أي النسخ بهذا الإجماع الذي بمنزلة الصحيح من ~~الأحاد الذي هو مثله بأن أجمعوا في القرن الثاني على حكم ثم أجمع أهل القرن ~~الثالث في ذلك الحكم على خلافه ينتسخ الحكم PageV04P1625 # الذي ثبت بإجماع القرن الثاني. أما لا يمكن النسخ بهذا الإجماع الإجماع ~~الذي هو بمنزلة الكتاب، وهو إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- لأنه دونه، ~~ويشترط في جواز النسخ المماثلة في القوة. PageV04P1626 ### || AUTO باب بيان سببه # أي سبب الإجماع (الداعي والناقل)،فالداعي: هو السبب للانعقاد، والناقل: ~~هو السبب للإظهار (فيصلح أن يكون من أخبار الآحاد والقياس)، وفائدته ~~تخصصيهما في السببية دون الكتاب والمتواتر من السنة وإن كانا يصلحان ~~للسببية أيضا لانعقاد الإجماع. لما أن ثمرة الإجماع وهى إثبات العلم والعمل ~~بالإجماع إنما تظهر في حقهما لا في الكتاب والمتواتر من السنة؛ لأن كلا ~~منهما موجب للعلم بدون انضمام الإجماع إليه. PageV04P1627 # (لصار الإجماع لغوا)؛ لأنه حينئذ يضاف الحكم إلى ذلك الشيء الذي يوجب علم ~~اليقين لا إلى الإجماع، فكان ذلك الإجماع بمنزلة الإجماع وقت حياة النبي ~~عليه السلام، فإنه لا اعتبار لذلك الإجماع لكونه ضائعا، إذ الاعتبار لقول ~~النبي عليه السلام لا للإجماع. # روى الإمام المحقق مولانا حميد الدين عن الإمام العلامة مولانا شمس الدين ~~الكردي -رحمهما الله- فإنه قال: الإجماع جائز بدون أن يكون ذلك مبنيا على ~~خبر الواحد أو القياس؛ لأن ذلك ثبت كرامة للأمة، وإدامة للحجة، وصيانة ~~للدين المستقيم، فيجوز أن يخلق الله تعالى في قلوب الأمة كلهم شيئا يجتمعون ~~عليه، كما قال عليه السلام: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن". # قوله: (وأما السبب الناقل إلينا) فهو إسناد مجازى؛ لأنه أراد به الإجماع ~~الثابت الذي كان هو داعيا إلى النقل فيكون هو بمنزلة الناقل ms624 حكما؛ لأن ~~الشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة ووصلة بينهما، والداعي إلى PageV04P1628 # النقل في الحقيقة ظهور الحكم الشرعي في الخلف كما كان في السلف غير أن ~~النقل أنما يتحقق به وينفعل فيه فأضيف إليه، فكان فيه إضافة الشيء إلى ~~المحل، فكان نقل إجماع السلف إلينا بمنزلة نقل السنة فكما كان في نقل السنة ~~نقل بطريقة التواتر والآحاد فكذلك في نقل إجماع السلف، فكما أن السنة في ~~أصلها موجبة للعلم والعمل ثم عند شبهة عدم الاتصال في النقل كانت موجبة ~~للعلم دون العمل، فكذلك في نقل إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإن إجماع ~~الصحابة في أصله موجب للعلم والعمل، وعند شبهة عدم اتصال النقل إذا اتصل ~~إلينا بالأفراد كان موجبا للعمل دون العلم. # (عبيدة) -بفتح العين وكسر الباء- (السلماني) -بفتح اللام- # (وعلى تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت)، وعند الشافعي يجوز نكاح الأخت إذا ~~كانت العدة عن طلاق بائن أو ثلاث. PageV04P1629 # وأما في عدة الطلاق الرجعي فلا يجوز الاتفاق فكان المراد من العدة هنا ~~العدة عن طلاق بائن لتظهر فائدة الخلاف. # (وكما روي في تأكيد المهر بالخلوة) وعند الشافعي لا يتأكد المهر بالخلوة. # (ومن الفقهاء من أبى النقل بالآحاد في هذا الباب) أي أبى نقل إجماع السلف ~~بالآحاد، فقال: لأن الإجماع يوجب العلم قطعا، وخبر الواحد لا يوجب ذلك، ~~وهذا خطأ بين، فإن قول رسول الله عليه السلام موجب للعلم أيضا، ثم يجوز أن ~~يثبت ذلك بطريقة الآحاد على أن يكون موجبا العمل دون العلم. كذا قاله ~~الأمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله-. # ومن أنكر الإجماع فقد أبطل دينه كما أن من أنكر خبر الرسول عليه السلام ~~في أصله فقد أبطل دينه؛ لأن القرآن إنما ثبت بالإجماع. كذا قاله في PageV04P1630 # "الميزان" والله أعلم. PageV04P1631 ### || AUTO باب القياس # (لأن الكلام لا يصح إلا بمعناه)؛ لأنه إذا لم يكن للفظ معنى لا يكون ~~كلاما؛ لأن الكلام هو المفيد، وما لم يفد كان مهملا، فصار كألحان الطير ~~(ولا يوجد إلا عند شرطه)؛ لأن شرط الشيء ما يتوقف عليه ms625 ذلك الشيء، PageV04P1632 # فلا يتصور وجود المشروط بدون الشرط، إذ لو وجد بدونه لا يكون متوقفا عليه ~~فيلزم أن يكون متوقفا عليه ولا يكون متوقفا عليه في حالة واحدة وهو محال، ~~(ولا يقوم إلا عند ركنه)؛ لأن ركن الشيء عين ذلك الشيء وثبوت الشيء بدونه ~~محال، (ولم يشرع إلا لحكمه)؛ لأن الشيء إنما يخرج عن كونه عبثا إذا كان له ~~عاقبة حميدة، وإذا لم يكن له حكم لم يكن له عاقبة حميدة. # ["باب تفسير القياس"] # (وللقياس تفسير هو المراد بظاهر صيغته، ومعنى وهو المراد بدلالة صيغته) ~~ككلمة أف تدل على الأذى بصيغتها، وتدل على حرمة الضرب بمعناها الذي هو معنى ~~الصيغة وهو الإيذاء. # (هو اسم لفعل يعرف بظاهره) وهو إيقاع الخشبة على جسم حي (ولمعنى يعقل ~~بدلالته) وهو الإيلام، حتى إن من حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو عضها أو مد ~~شعرها يحنث. PageV04P1633 # وقد يسمى قياسا؛ لأن كل واحد من المناظرين يقيس بأصله، (وقد يسمى هذا ~~القياس نظرا) قيد بقوله: "هذا" لأنه لا يسمى التقدير اللغوي نظرا. # المدرك: موضع الدرك، والدرك هو العلم فبالقياس يعلم الشيء، وهو دليل على ~~الشيء كالدخان يعلم به النار لا أن النار تثبت به، وعن هذا قالوا: القياس ~~هو الإبانة وهى الإظهار، والإظهار يقتضى كون الشيء خفيا، والحكم في الفرع ~~كان خفيا، فبالقياس يدرك ويعلم، وكذلك (المفصل) على هذا، فإن القياس موضع ~~الفصل بين أن يكون حجة وهى القياس وبين أن يكون هوى، أو هو يفصل بين الحلال ~~والحرام، (فجعل الأصول) وهى الكتاب والسنة والإجماع (شهودا). PageV04P1634 # (هو شهادتها) أي شهادة النصوص، وهي كونها صالحة للتعليل، حتى إذا كان ~~النص غير مدرك بالعقل كالمقدرات لا يصلح، أو كان مخصوصا عن النص العام ~~كشهادة خزيمة -رضي الله عنه- لا يصلح. # (ولا بد من صلاح الشهادة) وهو الوصف الصالح لمناط الحكم كما في لفظ ~~الشهادة؛ فإن الشهادة مخصوصة بلفظ خاص وهو لفظ أشهد لا كل لفظ يدل على ~~العلم حتى لو قال: أعلم أو أتيقن لا يقبل. # وكذلك كل معنى ms626 في النصوص لا يكون مؤثرا لإثبات الحكم في الفرع؛ بل المعنى ~~هو الوصف الصالح لإضافة الحكم إليه. # وقوله: (وعدالته) وهي أن يظهر أثره في موضع إما بالكتاب أو بالسنة PageV04P1635 # أو بالإجماع، وهذا كتعليلنا في إسقاط النجاسة من سؤر سواكن البيوت ~~باعتبار ضرورة الطواف وكثرة الدوران فإن ذلك وصف معدل ظهرت عدالته بالكتاب ~~والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) فعلم ~~بهذا أن للضرورة تأثيرا في التخفيف، وكذلك قوله تعالى: (ليس عليكم ولا ~~عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم) حيث أثرت كثرة الطواف في سقوط الاستئذان. # وأما السنة: فقوله عليه السلام: "الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين ~~عليكم والطوافات". # وأما الإجماع: فإن العلماء أجمعوا على أن ما ضاق أمره اتسع حكمه. # (واستقامته للحكم المطلوب) أي مطابقته الوصف لحكمه بأن لم يكن فيه فساد ~~الوضع ولا المخالفة بينهما كما في الشهادة، فإن الرجل إذا ادعى على آخر ألف ~~درهم وشهد الشهود بأن له عليه ألف غنم لم يصح لعدم الملاءمة بين الدعوى ~~والشهادة. # (ولا بد من طالب للحكم على مثال المدعى وهو القائس) إلى آخره. PageV04P1636 # بيان هذا في قولنا: الخارج النجس من السبيلين ناقض للطهارة، فالطالب أبو ~~حنيفة -رضي الله عنه- والشاهد فيه قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من ~~الغائط). # والشهادة: دلالة هذا النص على خروج النجاسة من البدن. # والصلاحية: أن يكون هذا التعليل الذي ذكره هو صالح لإضافة هذا الحكم إليه. # وصلاحية النص هي: أن هذا النص غير معدول به عن القياس. # والعدالة: ظهور أثره في موضع من المواضع، وقد ظهر؛ فإنه إذا خرجت النجاسة ~~من سرة إنسان تنتقض طهارته بالإجماع. ومعدل ذلك أيضا بقوله عليه السلام ~~لتلك المستحاضة "توضئي لكل صلاة فإنه دم عرق انفجر". # واستدلال أبى حنيفة -رحمه الله- بهذا الطريق هو الطلب والمطلوب إثبات ~~انتقاض الوضوء. # والحاكم: القلب، والمحكوم عليه: البدن بالعمل أو الخصم وهو الشافعي. # (والبدن بالعمل أصلا)، لأن المقصود من القياس هو العمل بالبدن؛ PageV04P1637 # لأن القياس لا يوجب العلم قطعا ms627 ليجعل العقد أصلا؛ بل جعل البدن أصلا في ~~حق العمل، ويلزم منه عقد القلب ضرورة لقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به ~~علم) فكان اعتقاد القلب بصحته لضرورة وجوب العمل على البدن، فلذلك قال: ~~"وهو القلب بالعقد ضرورة". # وقوله: (ولا بد من حكم هو بمعنى القاضي وهو القلب)؛ لأن القلب يحكم بكون ~~هذا الوصف مؤثرا في هذا الحكم فيحكم بثبوت هذا الحكم عند وجود هذا الوصف. # فإن قيل: ذكر قبيل هذا بقوله: "ولابد من مقضي عليه وهو القلب": فلما كان ~~القلب مقضيا عليه كيف يصلح أن يكون قاضيا والقاضي لا يقضي على نفسه؟ # قلنا: نعم ذلك من حيث القصد. # وأما من حيث الضمن فيصح؛ لأنه حينئذ كان المقصود بالقضاء غيره فيتعدى إلى ~~القاضي أيضا بطريقة العموم كالقاضي يقضى بثبوت الرمضانية فإنه إذا جاء واحد ~~عدل يشهد برؤية هلال رمضان في يوم كان بالسماء علة فالقاضي يقضى بصحة ~~شهادته وثبوت رمضان على العموم فيجب عليه PageV04P1638 # الصوم أيضا بطريقة الضمن؛ لأن القاضي مثل العامة في حق وجوب التكليف ~~عليه، وكذلك لو قضى بالملك للمدعي عند قيام الحجة يثبت حكمه على العموم ~~فيثبت على نفسه أيضا حتى لا يتمكن من دعواه لنفسه بعد حكمه للمدعي به. # وقوله: (لتعدية أحكامها) أثر لفظ التعدية على لفظ الإبانة وإن كان هو ~~مجازا احترازا عن وهم أن يثبت الحكم فيه قطعا؛ لأن لفظ الإبانة يدل على أن ~~الحكم في الفرع كان ثابتا بالنص أيضا لكن كان خفيا فأظهره المجتهد بالقياس، ~~فحينئذ يجب أن يثبت الحكم فيه قطعا كما لو لحق خبر الواحد بمجمل الكتاب ~~يثبت الحكم هناك قطعا. # (لا دليل من قبل العقل أصلا) فإنهم قالوا: العقل ليس بموجب شيئا (والقياس ~~قسم منه) أي من العقل. PageV04P1639 # ("حتى كثرت فيهم أولاد السبايا فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا ~~وأضلوا")، فوجه التمسك أنه ذمهم على ذلك الفعل، فكان ذم النبي عليه PageV04P1640 # السلام إياهم بسبب ذلك الفعل دليلا على أن ذلك الفعل قبيح، والفعل القبيح ~~لا يجوز ms628 أن يكون مدركا من مدارك أحكام الشرع؛ إذ في هذا الحديث وجوه من ~~المذام من طرف السبب ومن طرف الحكم، أما من طرف السبب فإنه عليه السلام جعل ~~فعل القياس من نتيجة فعل من حيث أصله وفسد نسبه، فإن الفعل الطيب إنما ينشا ~~من العرق الطيب، وأما من طرف الحكم فهو ضلال وإضلال، فالضلال بانفراده كاف ~~في استجلاب وصف القبح فكيف ما لو اقترن بالإضلال؟. # ثم قوله: "فقاسوا" يحتمل أن يكون قياسهم ما نقل من أصل عبادة الأصنام أن ~~أسلافهم المؤمنين كانوا قد صوروا صور الأنبياء والصلحاء الذين تقدموهم ~~ليزدادوا حرصا في طاعة الله برؤية صورهم وتذكرهم ما بلغهم من مجاهدتهم ~~وتحملهم لمشاق الدين، إلى أن نشأ أولاد السبايا فيهم بعد انقراض أسلافهم ~~الصالحين، فقالوا: كانت هذه الصورة يعبدها أسلافنا فيجب علينا عبادتها ~~أيضا، فحينئذ كان معنى قوله: " فقاسوا ما لم يكن بما قد كان" أي قاسوا ما ~~لم يكن من عبادة الأصنام في أسلافهم بما قد كان من وجود نفس الصور التي ~~صورها أسلافهم للتذكير وزيادة الاتعاظ والحرص في الطاعة برؤيتهم إياها لا ~~لعبادتهم إياها، والله أعلم. PageV04P1641 # (وأما الدليل فشبهة في الأصل) أي القياس دليل فيه شبهة في أصله، وبهذا ~~القيد يحترز عن خبر الواحد، فإن الشبهة فيه في طريقه لا في أصله. # وأما القياس فالشبهة في أصله، وذلك لأن وصف القياس يثبت باجتهاد المجتهد، ~~وهو يحمل الخطأ في أصله؛ لما أن ذلك الوصف غير منصوص عليه لا بالعبارة ولا ~~بالإشارة ولا بالدلالة ولا بالاقتضاء فكان ثابتا بالرأي ضرورة، فلا يجوز ~~إثبات الحكم وهو حق الله تعالى بما فيه شبهة في أصله مع كمال قدرة صاحب ~~الحق بخلاف خبر الواحد، فإن الشبهة فيه في طريق الاتصال برسول الله عليه ~~السلام فلو تفحصت وتتبعت ناقلا عن ناقل إلى أن بلغ إلى رسول الله عليه ~~السلام، كان ذلك حجة قاطعة؛ لأن المسموع من في رسول الله عليه السلام حجة ~~قاطعة، ولا كذلك القياس وقد ذكرناه في أقسام السنن. # (ولا يطاع الله ms629 تعالى بالعقول والآراء)؛ لأن الطاعة إنما تقع عند العلم ~~بكيفيات الفعل وكمياته، والعقل يقف على جمل المحاسن والمساوي بأن شكر ~~المنعم حسن وكفره قبيح، ولا يقف على كيفيات الشكر وكمياته، يعني لا يقف بما ~~يودى وبأي وصف يودى فلا تقع الطاعة بالعقل نفسه خصوصا ما إذا كان الحكم في ~~المقدرات كإعداد الركعات ومقادير الزكوات PageV04P1642 # والحدود وغير ذلك. # (ومنه ما يخالف المعقول) لا يريد بهذا ما يخالف العقل في الحسن والقبح من ~~كل وجه، فأن ذلك لا يصح أصلا لأن ما كان حسنا عقلا من كل وجه لا يرد الشرع ~~بخلافه، وما كان قبيحا عقلا من كل وجه لا يرد الشرع أيضا بخلافه؛ لأن السمع ~~والعقل حجتان من حجج الله تعالى فلا يتناقضان، ولهذا لم يجز النسخ فيما حكم ~~العقل بحسنه أو بقبحه من كل وجه. # ألا ترى أن حسن شكر المنعم وقبح كفرانه مما يستحيل استنساخه، وإنما أراد ~~به ما يخالف القياس الشرعي من كل وجه كبقاء الصوم مع وجود الأكل أو الشرب ~~ناسيا وانتقاض الطهارة بالقهقهة في الصلاة. # (أما على الوجه الأول) وهو قوله: "فلمعنى في الدليل وهو أن المطلوب حق ~~الله تعالى فلا يجوز إثباته بما فيه شبهة" فهذه الأمور حقوق العباد فإنهم ~~ينتفعون بها في دنياهم. # (وأما في غير القبلة فلا يشكل) يعني أنه من حقوق العباد وكذلك أمر ~~القبلة؛ لأن أصله معرفة أقاليم الأرض لحوائجهم التي تتعلق بها؛ لأنها تتقدم ~~في إقليم وتتأخر في إقليم، وينتفعون بمعرفتها في سيرهم في PageV04P1643 # تجاراتهم وغير ذلك فصح إثباتها بالرأي لاضطرارهم وعجزهم بخلاف حق صاحب ~~الشرع، فأن صاحب الشرع موصوف بكمال القدرة فلا يصح إثباته بدليل فيه شبهة ~~في أصله. # (وأما على الوجه الثاني) وهو قوله: "ولمعنى في المدلول وهو: أن طاعة الله ~~تعالى لا تنال بالعقول والآراء" فهذه الأمور تعقل بالأسباب الحسية بالنظر ~~إلى المتلفات وأمور الحرب. # وذكر الأمام شمس الأئمة -رحمه الله-: وأما على الثاني فلأن الأصل فيما هو ~~من حقوق العباد ما يكون مستدركا بالحواس وبه يثبت ms630 علم اليقين كما يثبت ~~بالكتاب والسنة. # ألا ترى أن الكعبة جهتها تكون محسوسة في حق من عاينها، وبعد البعد عنها ~~بإعمال الرأي يمكن تسييرها كالمحسوسة وكذلك أمر الحرب، فالمقصود صيانة ~~النفس عما يتلفها وقهر الخصم وأصل ذلك محسوس، وما هو إلا نظير التوقي عن ~~تناول سم الزعاف لعلمه أنه متلف والتوقي عن الوقوع على السيف والسكين لعلمه ~~أنه ناقض للبينة، فعرفنا أن أصل ذلك محسوس، PageV04P1644 # فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بدليل لا شبهة في أصله، ثم في ~~هذه المواضع الضرورة تتحقق إلى إعمال الرأي، فإنه عند الإعراض عنه لا نجد ~~طريقا أخر وهو دليل للعمل به لأجل الضرورة جوزنا العمل بالرأي فيه، وهنا ~~الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على وجه يغنيه ~~عن إعمال الرأي فيه، وهو اعتبار الأصل الذي قررنا يعنى به استصحاب الحال. # (وحصل بما قلنا) أي بما قلنا من الحجر عن القياس (المحافظة على النصوص ~~بمعانيها) أي بأن يتفكر في معاني النص ويعمل بإشاراته ودلالاته، فلو اشتغل ~~بالقياس لجاز أن يترك العمل بالإشارات والدلالات مع وجودهما بسبب اشتغاله ~~بالقياس، وهذا لأن النصوص قوالب المعاني اللغوية، فيجب علينا التبحر فيها ~~لنقف على مضمراتها وإشاراتها واستعاراتها وكناياتها وغير ذلك، فكان هو ~~العمل بالنصوص بجميع معانيها لا العمل بالقياس. PageV04P1645 # وقوله: (والجواب ما تبين) وهو قوله فيما بعده بصفحة: وبيان ذلك في الأصل ~~في قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا) PageV04P1646 # وقوله: ("قال: فإن لم تجد في كتاب الله تعالى") ولم يقل فإن لم يكن في ~~كتاب الله؛ لأن الله تعالى بين كل شيء فيه حيث قال: (ولا رطب ولا يابس إلا ~~في كتاب مبين) وقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)، ثم لم ~~يذكر في هذا الحديث التمسك بالإجماع مع أن الإجماع في كونه حجة فوق القياس، ~~لما أن الإجماع لم يكن حجة وقت حياة النبي عليه السلام. # (وقد روينا ما هو قياس بنفسه) كما في قوله عليه السلام: "فإنها ms631 من ~~الطوافين عليكم" وكقوله عليه السلام للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فقضيته أما كان يقبل منك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق"وقوله عليه السلام ~~لعمر -رضي الله عنه- حين سأل عن القبلة للصائم، فقال عليه السلام: "أرأيت ~~لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قال: لا. PageV04P1647 # قال: ففيم إذن"، وكذلك (عمل الصحابة) -رضي الله عنهم- بالقياس مذكور في ~~الكتاب بعد هذا. # وكان شيخي -رحمه الله- يفيد (في قوله تعالى: ((هو الذي أخرج الذين كفروا ~~من أهل الكتاب) بقوله: قوله: (هو الذي أخرج) بيان العقوبة، وقوله: (الذين ~~كفروا) بيان الجناية، وقوله: (من أهل الكتاب) PageV04P1648 # بيان غلظ الجناية، وقوله: (من ديارهم) بيان غلظ العقوبة. # وقوله: (لأول الحشر) دلالة على تكرار هذه العقوبة). # فإن قيل: لفظ الأول لا يدل على التكرار بدليل ما إذا قال: أول عبد أشتريه ~~فهو حر؛ فاشترى عبدا يعتق من غير توقف إلى تكرار شراء عبد آخر. # قلنا: هذا طرد لا نقض؛ لأن اسم الأول وإن كان يدل على التكرار فهو لا ~~يقتضي أن يتوقف حكمه إلى وجود الثاني. # ألا ترى أن الكلمة التي هي موضوعة لتكرار الفعل وهي كلمة كلما لا تقتضي ~~وجود الفعل الثاني في حق الحنث، فإنه إذا قال: كلما تزوجت امرأة هي طالق ~~فتزوج امرأة تطلق وان لم يوجد تكرار التزوج، فأولى أن لا يقتضي وجود الفعل ~~الثاني في الكلمة التي فيها دلالة على تكرار الفعل، وهذا لأنه قال: "لما ~~قال أول عبد أشتريه فهو حر" دل ذلك على أن شراء العبد يوجد منه مره بعد ~~أخرى، ولكن لا يتوقف حثه على وجود شراء آخر؛ لأن شراء العبد قد وجد وهو ~~شراء العبد الواحد سابقا على غيره، فإن الأول اسم لفرد سابق لا يشاركه غيره ~~فقد وجد ذلك فيحنث. # (ودعانا إلى التأمل) ثم الاعتبار؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاعتبار بقوله: PageV04P1649 # (فاعتبروا يا أولي الأبصار)، والأمر بالشيء أمر به وبما هو من لوازمه ~~كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة، والاعتبار لا يكون إلا بأن يكون التأمل سابقا ~~على الأعتبار ms632 فكان الدعاء إلى الاعتبار دعاء إلى التأمل لا محالة سابقا ثم ~~إلى الاعتبار. # وبيان ذلك في الأصل: أي في الأصل الذي هو موجب للقياس. # (ويدل عليه) أي على إضمار فعل الأمر. # (قوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء") والنهي ~~عن الشيء كان امرا بضده خصوصا فيما إذا لحقه الاستثناء، والبيع وإن كان ~~مباحا في نفسه، يجب مراعاة شرطه إذا قصد المكلف مباشرته كالنكاح وهو مباح ~~في نفسه لكن إذا أقدم عليه يجب عليه إحضار الشهود، وكذلك صلاة التطوع وإن ~~كانت غير واجبة فعند القصد إلى أدائها يجب مراعاة شروطها من الطهارة وستر ~~العورة وغيرهما، فكذلك هاهنا يجب صرف الأمر المدلول الذي هو مقتض لوجوب إلى ~~حال البيع التي هي شرط لا إلى نفس البيع. PageV04P1650 # (والحنطة اسم علم لمكيل) يعني اسم علم لنوع من طعام له صلاحية أن يكال في ~~قدر يدخل تحت الكيل كما يقال: الماء مرو وإن لمل تكن قطرته مروية وهي ماء ~~لكن له صلاحية الإرواء عند الانضمام إلى قطرات أخر، وقوله: ("مثلا بمثل" ~~حال لما سبق) وهو: "بيعوا" الذي هو مدلول غير مذكور، (والأحوال شروط) كما ~~إذا قال الرجل لعبده: إن كلمت فلانا قائما فأنت حر، فكلمه قاعدا لم يعتق، ~~ولو كلمه قائما عتق؛ لأنه بمنزلة قوله: إن كنت قائما وقت التكلم معه، ~~وكقولهم: ادخل الدار غاضا بصرك فكان الواجب غض البصر عند الدخول، فعلم بهذا ~~أن الأحوال شروط. # (والمراد بالمثل القدر) أي القدر الشرعي وهو المقدر بالكيل (لما روي في ~~حديث آخر: "كيلا بكيل") أي مكان قوله: "مثلا بمثل" لما أن المماثلة من حيث ~~الوزن أو من حيث الحبات غير مراد حتى إذا باع كيلا من حنطة وزنه عشرة أمنا ~~بنصف كيل من حنطة وزنه أيضا عشرة أمنا لا يجوز وإن كانا متساويين من حيث ~~الوزن، فلو كانا متساويين من حيث الكيل ومتفاضلين من حيث الوزن يجوز، وكذلك ~~لو كانا متساويين من حيث الكيل PageV04P1651 # ومتفاضلين من حيث الحبات يجوز أيضا # (والمراد بالفضل الفضل ms633 على القدر) أي على القدر الشرعي، (والمراد ~~بالمماثلة إنما هو القدر بالنص) أي القدر الشرعي وأقله نصف صاع، (فكذلك ~~الفضل عليها ما لا محالة) أي الفضل الذي هو موجب للحرمة، وإنما يكون بالفضل ~~الذي هو فضل على المماثلة الشرعية بالكيل، وأدنى المماثلة الشرعية مقدر ~~بنصف صاع. # وحاصلة أن الأحوال الثلاثة من المساواة والمفاضلة والمجازفة إنما تعتبر ~~بحسب الكيل الشرعي وأقله نصف صاع، حتى لو باع حفنة من حنطة بحفنة منها أو ~~بحفنتين يجوز، وكذلك فيما دونهما وفيما فوقهما إلى أن بلغت الحنطة إلى نصف ~~صاع، وإذا بلغ كلا العوضين أو أحدهما نصف صاع والآخر اقل منه كيلا أو أكثر ~~منه كيلا لا يجوز، وإن كانت تلك الزيادة لا تبلغ PageV04P1652 # الكيل، نص على هذا في "الذخيرة" و"المحيط" والمعنى ي نوع بيع الجنس ~~بالجنس فقال: في كل منها أدنى ما يجري فيه الربا من الأشياء المكيلة نحو ~~الحنطة وأشباهها نصف صاع وذلك مدان حتى لو باع مدين من الحنطة بثلاثة أمنا ~~من الحنطة فصاعدا لا يجوز، وكذلك إذا باع منوين من الشعير بثلاثة أمنا من ~~الشعير فصاعدا لا يجوز. # قلت: والمن الواحد مما لا يدخل تحت الكيل ومع ذلك ذكر عدم الجواز مع PageV04P1653 # زيادته على أحد المتساويين بالكيل من الحنطة والشعير. # علم بهذا أن في الزيادة على المتساويين بالكيل لا يشترط الكيل في إيراث ~~عدم الجواز. # وأما ما وقع في فوائد الإمام بدر الدين الكردي -رحمه الله- في شرح قوله: ~~"فكذلك الفضل عليها لا محالة" بقوله: أي لا يكون الفضل حراما ما لم يكن ~~مكيلا؛ لأن السابق كيل بكيل، والمراد منه أن يكون القدر والفضل معهودا، ~~فوجب أن يكون من جنس السابق، فيلزم من هذا أن يكون الفضل قدرا أي كيلا وقع ~~على خلاف هذه الروايات التي ذكرت في هذه الكتب. # (وبالإجماع فيمن باع قفيزا جيدا بقفيز ردئ وزيادة فلس) أي على أن يكون ~~الفلس بمقابلة الجودة لا يجوز، وما يكون مالا متقوما يجوز الاعتياض عنه شرعا. # علم بهذا أن الجودة غير متقومة ms634 عند المقابلة بجنسها (ولما علم أن ما لا ~~ينتفع به إلا بهلاكه فمنفعته في ذاته) أي لا في صفاته؛ لأنه لا يمكن ~~الانتفاع بصفات الأموال الربوية مع قيام عينها، ولما كان الانتفاع بأستهلاك ~~أعيانها لم يعتبر صفاتها وصارت العبرة لذواتها، فلذلك هدرت جودة صفاتها PageV04P1654 # نفهم من مخاطباتنا؛ الاشتغال بطلب المعنى غير مفيد لجواز أن تكون ~~مخاطباتنا خالية عن معنى مؤثر وحكمة حميدة بخلاف خطاب الشرع. # ألا ترى أن هناك التعليل لا يصح وإن كان التعليل منصوصا، فإنه لو قال: ~~أعتق عبدي هذا فإنه أسود لم يكن للمخاطب أن يعدي الحكم إلى غيره بهذا ~~التعليل، وفي خطاب الشرع لو كان التعليل منصوصا يثبت حكم التعدية بالاتفاق ~~كقوله عليه: "الهرة ليست بنجسة، فإنها من الطوافين عليكم والطوافات". # (وإنما التعليل لإثبات حكم الفروع). هذا جواب لقول من قال بأن النص موجب ~~بصيغته، وبالتعليل ينتقل حكمه إلى معناه، فكان تغيير الحكم المنصوص. # قلنا: ليس ذلك بتغيير لحكم المنصوص؛ بل الحكم في المنصوص بعد التعليل ~~ثابت بالنص كما كان قبل التعليل، والتغيير لحكم المنصوص إنما يكون إذا لم ~~يبق الحكم المفهوم من النص قبل التعليل بسبب التعليل كما في تعليل الشافعي ~~قوله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين) بالتمليك حيث لم يبق مفهوم ~~الإطعام الذي هوعبارة عن جعل الغير طاعما بالإباحة مرادا. # وأما الذي نحن بصدده فيبقى النص موجبا لحكمه كما قبل التعليل، وإنما ~~التعليل لتعدية الحكم إلى محل آخر لا نص فيه، فكان هذا تعميما لحكم PageV04P1655 # (فكان الفضل على المماثلة فيها) أي في الأرز والدخن والجص (فضلا خاليا عن ~~العوض مثل حكم النص بلا تفاوت) أي مثل حكم النص في الأشياء الستة المنصوصة ~~من الحنطة والشعير وغيرهما. # (وهو كما ذكرنا من الأمثلة) أي القياس نظير ما ذكرنا من الأمثلة في تفسير ~~قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا) فلما كان الاعتبار هناك مأمورا به ~~كان الاعتبار في القياس الشرعي أيضا مأمورابه لمساواتهما في الاعتبار. # وفي "التقويم" فإن الله تعالى كما بين إهلاك قوم بكفرهم وأمر ms635 الباقين ~~بالاعتبار بهم لينزجروا عن الكفر فلا يهلكوا فكان اعتبارا واجب العمل به، ~~وكذلك إذا بين اسما أو صفة فعلق به حكما من أحكامه وجب الاعتبار به في أصل ~~آخر ووجب إثبات الحكم فيه متى وجد الوصف فيه، فإنه لا فرق بين PageV04P1656 # حكم هو تحليل أو تحريم بوصف هو كيل وبين حكم هو هلاك تعلق بوصف هو كفر. # (إثبات الأحكام بظواهرها تصديقا)، فإن إثبات انتقاض الطهارة بالخارج من ~~السبيلين بظاهر قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) فرض تصديقه، حتى ~~يكفر جاحده، (وإثبات معانيها طمأنينة)، فإن إثبات انتقاض الطهارة بالخارج ~~النجس من غير السبيلين واجب للعمل به لطمأنينة القلب به لوجود علة جامعة ~~بينهما، (وثبت به) أي وثبت بإثبات معاني النصوص (تعميم أحكام النصوص). # فإن قيل: التعليل لذلك النص كون حكم النص وهو انتقاض الطهارة منحصر في ~~الخارج من السبيلين، وبالتعليل يثبت فيه وفي غيره الذي يشاركه في الوصف ~~الجامع بينهما وهو الفصد والحجامة. # وكذلك في مسألة الربا، فإن قبل التعليل كون حكم النص منحصرا في الأشياء ~~الستة وبعد التعليل ثبت فيها وفي غيرها الذي يشاركها في الوصفين الجامعين ~~من القدر والجنس كالأرز والجص والنورة. PageV04P1657 # (جمعا بين الأصول والفروع)، فالأصول: ثبوت انتقاض الطهارة في الخارج من ~~السبيلين، والفروع: ثبوت انتقاض الطهارة في الفصد والحجامة، (وما للخصم إلا ~~التمسك بالجهل)، فإنهم يتمسكون في النصوص باستصحاب الحال ومآل استصحاب ~~الحال إلى الجهل؛ لأن المتمسك باستصحاب الحال يقول: لم يثبت الحكم الحادث ~~هنا؛ لأنا لم نعلم ما يوجب ذلك الحكم، كما إذابيع شقص من الدار فطلب الشريك ~~الشفعة فأنكر المشتري ملك الطالب فيما في يده الذي يطلب به الشفعة. # قال الشافعي: تجب الشفعة بغير بينة لأنا لم نعلم بيع شقصه وهو جهل منه. # (وفي التعيين احتمال) أي وفي تعيين وصف معين من سائر الأوصاف احتمال أن ~~لا يكون ذلك الوصف مناط الحكم، واحتمال أن يكن هو مناط الحكم كما عينا ~~القدر والجنس في علة الربا، ووصف الخارج النجس من بدن الإنسان في ms636 انتقاض ~~الطهارة، ومثل ذلك جائز في الشرعيات بالإجماع. # (كالنصوص المحتملة) لما ذكرنا ولما ذكره الخصم كالمشترك وغيره كقوله PageV04P1658 # تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) # (وثبت أن طاعة الله تعالى لا تتوقف على علم اليقين) أي بالإجماع، فإن ~~العام الذي خص منه البعض غير موجب لعلم اليقين كقول الله تعالى: (وأحل الله ~~البيع وحرم الربا) وقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) الآية، وقوله تعالى: ~~(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ومع ذلك يجب العمل بهذه الآية طاعة لله ~~تعالى، وكذلك خبر الواحد موجب للعمل طاعة لله تعالى مع أنه غير موجب لعلم ~~اليقين. # وأما ما أشاروا إلى الفرق بين القياس وخبر الواحد بقولهم: # "وأما الدليل فشبهة في الأصل" فإن ذلك لا يجدي لهم؛ لأن دعواهم هي أن لا ~~يطاع الله بدليل فيه شبهة كما أن صاحب الحق وهو الله تعالى كامل القدرة، ~~فكان قادرا على أن يقيم الدليل الذي لا شبهة فيه ويطاع به، فينتفض قولهم ~~هذا بخبر الواحد والآية المؤولة؛ لأن فيهما شبهة، ثم بعد ذلك لا يتفاوت أن ~~تكون الشبهة في أصله أو وصفه، فيجب أن لا يطاع الله PageV04P1659 # تعالى بدليل فيه شبهة؛ لأن صاحب الحق كامل القدرة، فلما أجمعنا على أن ~~الله تعالى يطاع بموجب خبر الواحد والآية المؤولة علمنا أن الله تعالى يطاع ~~بدليل فيه شبهة؛ لأن المراد من الطاعة الابتلاء، وذلك لا يتفاوت بدليل فيه ~~شبهة أو لا شبهة فيه، ولم يمتنع عن ذلك اتصاف الله تعالى بكمال القدرة ~~فانتقض أصلهم. # وأما ما رووا من الأحاديث التي فيها مذمة الرأي فإن مراد رسول الله عليه ~~السلام فيها الرأي الذي ينشأ عن متابعة هوى النفس أو الرأي الذي كان ~~المقصود منه رد المنصوص نحو ما فعله إبليس. # فأما الرأي الذي يكون المقصود به إظهار الحق من الوجه الذي قلنا لا يكون ~~مذموما. # ألا ترى أن الله تعالى أمر به في إظهار قيمة الصيد بقوله: (يحكم به ذوا ~~عدل منكم) إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله. PageV04P1660 ### | AUTO فصل في تعليل الأصول ms637 # تفسير تعليل الأصول هو أن حكم النصوص في الأصل معلول بعلة، (واختلفوا في ~~هذه الأصول) أي في الكتاب والسنة والإجماع، أي اختلفوا في أن الأصل في ~~النصوص ماذا؟ كونها معلولة بعلة أو غير معلولة بها؟ # (وهذا أشبه بمذهب الشافعي)؛ لأنه يكتفي بدلالة التمييز ولا يشتغل بكون ~~هذا النص معلولا بعينه. # ولهذا قال: إن حرمة الخمر معلولة اكتفاء بكون الأصل في النصوص هو ~~التعليل، وكذلك جعل استصحاب الحال في حق الدفع والإثبات باعتبار أن الأصل ~~عدم ثبوت الأمر الحادث، وهاهنا أيضا الأصل هو التعليل فتشابها باعتبار ~~الأصل، وقولنا مثل قول الشافعي في أن الأصل في PageV04P1661 # النصوص هو التعليل، لكنا نقول: ومع ذلك (لا بد قبل ذلك من قيام الدليل) ~~على أن النص المعين معلول ولا نكتفي بكون الأصل في النصوص التعليل، وكان ~~هذا مثل قولنا في شريك أو جار يطلب الشفعة عند سماع بيع شريكه أو جاره بدار ~~في يده أنها ملكة، وأنكر المشتري كون الدار التي يطلب بها الشفعة أنها ملكة ~~أنه يجب عليه إقامة البينة، على أن الدار التي يطلب بها الشفعة ملكه في ~~الحال، وإن كان الأصل هو أن تكون الأملاك في يدك الملاك، فنحن لا نكتفي ~~بذللك الأصل في هذا؛ لأن الشفيع هاهنا محتاج إلى إثبات الملك ابتداء، ~~فاستصحاب الحال لا يصلح لذلك؛ بل هو للدفع لا للإثبات، وهذا لأن الخصم لو ~~تمسك في هذا بالأصل بأن الأصل في النصوص التعليل. # نحن نقول: وإن كان ذلك كذلك لكنا قد وجدنا في النصوص نصوصا غير معلولة ~~فجاز أن يكون هذا النص المعين من تلك النصوص لما أن النص مع أصالته في ~~التعليل لم يسقط احتمال كونه غير معلول فلم يبق لذلك حجة على الخصم كما ~~قلنا في استصحاب الحال في مسألة الشفعة حيث لم تكن الأصالة هناك حجة على ~~المشتري. # (بأن النص موجب بصيغته) في المنصوص عليه بالإجماع، (وبالتعليل PageV04P1662 # ينتقل حكمه إلى معناه)؛ لأنه لو لم ينتقل لا يمكن التعدية، والمعنى من ~~التعدية هو أن نقول: الحكم في ms638 المنصوص عليه مضاف إلى النص المعلل بهذا ~~الوصف، لكن لهذا الوصف لا له أثر في إثبات الحكم في المنصوص عليه، وإنما ~~يظهر أثره في الفرع، وهذا الوصف موجود في الفرع فيثبت مثل هذا الحكم في ~~الفرع، (وذلك بمنزلة المجاز من الحقيقة) أي إضافة الحكم إلى معنى النص ~~بمنزلة المجاز، وإضافة الحكم إلى النص بمنزلة الحقيقة لما أن الحقيقة هي ما ~~وضع الواضع اللفظ لمعنى، فكان ذلك المعنى موجب ذلك اللفظ وضعا، فكذلك هاهنا ~~إن الحكم واجب بالنص وضعا، فلذلك كان هو بمنزلة الحقيقة. # والمجاز: هو أن يراد به غير ما وضع له، فكذلك ههنا لما كان الحكم ف الأصل ~~مضافا إلى النص وضعا كان إضافته إلى المعنى لم تكن وضعا فكان إضافته إلى ~~المعنى مجازا، ولما كان كذلك لم يعدل إلى المجاز إلا بدليل، فكذلك هاهنا لا ~~يعدل إلى المعنى في إضافتة الحكم إليه إلا بدليل، فجاء من هذا أن الأصل في ~~النصوص غير التعليل لتبقى الحقيقة على حقيقتها وهي إضافة الحكم إلى النص # (ألا ترى أن الأوصاف متعارضة) أي أن بعض الأوصاف تقتضي حكما ضد ما تقتضيه الآخر. # ألا ترى أن تعليل قوله عليه السلام: "الحنطة بالحنطة" بالطعم يقتضي الحل ~~في بيع الجص والنورة متفاضلا، وتعليل ذلك الحديث بالقدر والجنس PageV04P1663 # يقتضي الحرمة في بيعهما متفاضلا، والتعليل بالكل غير ممكن؛ إذ وجود هذه ~~الأوصاف بجميعها غير ثابت في غير المنصوص؛ لأنه لو وجد الجميع كان هو عين ~~المنصوص لا غيره فيؤدي ذلك إلى إنسداد باب القياس، (وبكل وصف محتمل) أي ~~يحتمل أن لا يكون ذلك الوصف الذي عينه المعلل مناط الحكم، (فكان الوقف ~~أصلا) أي الامتناع عن التعليل كان أصلا. # (مثل رواية الحديث)، فإن اجتماع رواة الأحاديث لما كان متعذرا قبلنا ~~رواية كل واحد من العدول ولم نشترط الاجتماع، فكذلك هاهنا لما تعذر العمل ~~باجتماع أوصاف النص جعلنا كل وصف علة. # فإن قلت: نفهم من خطاب الشرع ما نفهم من مخاطباتنا، ومن يقول لغيره: أعتق ~~عبدي هذا لم يكن له ms639 أن يصير إلى التعليل في هذا الأمر، فكذلك في مخاطبات ~~الشرع لا يجوز المصير إلى التعليل حتى يقوم الدليل، وهذه شهة ترد على قولنا ~~أيضا وقول الشافعي، فلابد من جواب شاف يشفي مرض جهل السائل؛ قلت: ليست ~~مخاطبات الشرع في حق التعليل مثل ما PageV04P1664 # وصارت العبرة لذواتها (وسقط اعتبار القيمة للجودة شرطا لا علة) يعني أن ~~شرط تحقق المساواة بينهما سقوط اعتبار القيمة؛ إذ مع اعتبار القيمة لا ~~تتحقق المساواة، فإنه إذا باع قفيزا جيدا من حنطة بقفيز رديء من حنطة حتى ~~يساوي هو قفيزا جيدا منها بذلك المضموم في القيمة، فحينئذ لا تبقى المساواة ~~بينهما كيلا. # علم بهذا أن سقوط اعتبار القيمة للجودة ليكون شرط تحقق المساواة لا أن ~~يكون سقوط اعتبار الجودة علة تحقق المساواة؛ لأن سقوط اعتبار الجودة أمر ~~عدمي وتحقق المساواة أمر وجودي، فيستحيل تحقق الأمر الوجودي من الأمر ~~العدمي، فلذلك يصلح أن يكون تحقق المساواة أثر العدم بل علة تحقق المساواة ~~القدر والجنس لا غير، وسقوط اعتبار الجودة شرط تحقق المساواة. # (صارت المماثلة ثابتة بهذين الوصفين) وهما القدر والجنس. # فإن قيل: وجوب التسوية حكم النص فكيف أضيف وجوب التسوية إلى القدر والجنس ~~بل التسوية توجد بهما كما في أركان الصلاة؛ أن الصلاة توجد بالأركان ~~المعهودة ولا يضاف وجوب الصلاة إلى أركانها بل يضاف إلى الوقت نفس وجوبها ~~وإلى النص وجوب أدائها؟ # قلنا: الشرع أثبت المساواة بقوله: "إلا سواء بسواء" والمساواة لا تثبت ~~إلا بالقدر والجنس، فكان القدر والجنس مثبتين حكم الشرع ومحصلين له فأضيف ~~الوجوب إليهما لكونهما آخر المدارين. PageV04P1665 # النص في حق وجوب العمل في الأصل والفرع لا تغييرا. # (لأنه ما شرع إلا للقياس مرة) أي لأن التعليل ما شرع إلا لتعدية الحكم من ~~الأصل إلى الفرع كما هو مذهب العامة، (وللحجر أخرى) عند الشافعي أي التعليل ~~يكون لحجر المعلل عن تعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه وللتعليل بالعلة ~~القاصرة مرة أخرى كما هو مذهب الشافعي، (وهذا يسد باب القياس أصلا)، ~~والإشارة راجعة إلى قوله: ms640 "وللحجر الصحي" فإن فائدة التعليل بالعلة القاصرة ~~للمنع عن القياس عنده، ثم لا شك أن الوصف الذي يثبت الحجر عن التعدية غير ~~الوصف الذي يثبت به حكم التعدية فما لم يتميز أحد الوصفين من الآخر بالدليل ~~لا يجوز تعليل النص، وكذلك لو كانت الأوصاف كلها متعدية لا يمكن التعليل ~~بكلها لما ذكرنا، فلابد لمن يكون أحد الأوصاف هو العلة، ثم ذلك الوصف ~~مجهول، والمجهول لا يصلح استعماله PageV04P1666 # مع الجهالة لتعدية الحكم فلابد من دليل التمييز بينه وبين سائر الأوصاف ~~حتى يجوز التعليل به، (شاهدا للحال) أي معلولا بعلة؛ (لأنا قد وجدنا من ~~النصوص ما هو غير معلول) كما في قوله عليه السلام: "تم على صومك" فإن صوم ~~الناسي عن الصوم حتى أكل ولم يفسد صومه شرعا مع فوات الركن حقيقة غير ~~معلول، فلا يستقيم أن يقاس عليه صحة صلاة الناسي على صلاته حتى فوت ركنا من ~~أركانها لما أن نص الصوم نص غير معلول بعلة، (لكن هذا الأصل) وهو كون النص ~~معلولا. # (على مثال استصحاب الحال) يعني أن بعض النصوص لما كان غير معلول، والأصل ~~في النصوص هو التعليل على ما بينا- كان هذا الأصل على مثال استصحاب الحال، ~~فيكون حجة في حق الدفع لا في حق الإثبات، كما إذا غاب الحي يجعل حيا في ~~الدفع حتى لا يورث ماله، واحتمال موته لا يقدح في هذا الأصل، ولو مات قريب ~~حاضر لا يرث الغائب المفقود، ويعتبر احتمال موته؛ لأن الحاجة إلى إثبات ~~المال له فلا يكتفي بالأصل، فكذلك هاهنا الأصل في النصوص التعليل نظرا إلى ~~الدليل؛ لأن النص حجة من حجج الله تعالى، وكذلك العقل حجة من حجج الله ~~تعالى، والأصل أن يكون في حجج الله تعالى الموافقة لا المخالفة، ونعني بكون ~~النصوص في PageV04P1667 # الأصل معلولة كونها موافقة للعقل، فكان التعليل هو الأصل فيها لهذا فلا ~~يترك هذا الأصل لاحتمال كونها غير معلولة ولا يكون حجة في الفرع للإثبات ~~بكونها أصلا في التعليل؛ لأن الحجة إلى الإثبات فلابد من دليل هو ms641 حجة ملزمة. # (مع قيام الاختصاص في بعض الأمور) مثل النكاح بغير مهر وحل تزوج التسع ~~وحل صوم الوصال. # (فأما هاهنا فإن النصوص نوعان: معلول وغير معلول). # فإن قلت: فلم لا يصح أن يقال في أفعال النبي عليه السلام إنها أيضا على ~~نوعين: ما يقتدى به، وما لا يقتدى به كحل تزوج التسع وغيره مثل ما ذكر ذلك ~~في النصوص بأنها نوعان مع أن النصوص المعلولة أكثر من نصوص غير معلولة، ~~فكذللك في أفعال النبي عليه السلام وإن كانت أفعاله التي يتبع فيها أكثر من ~~أفعاله التي لا يتبع فيها لما أن القلة أو الكثرة غير مانعة من القول PageV04P1668 # بالتنويع كما في النصوص على ما ذكرنا. # قلت: إنما لا يصح ذلك في أفعال النبي عليه السلام؛ لأن القول بالتنويع ~~إنما يصح إذا كانت الأصالة ثابتة في الطرفين جميعا وصح ذلك في النصوص، فإن ~~احتمال كون النص غير معلول ثابت في كل نص مثل احتمال كونه معلولا فيكون هذا ~~بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال، والعمل بالمجمل لا يكون إلا بعد ~~قيام دليل هو بيان فكذلك تعليل النصوص، # وأما النبي عليه السلام فما بعث إلا ليأخذ الناس بهديه، فكان الاقتداء به ~~هو الأصل، وإن كان قد يجوز أن يكون هو مخصوصا ببعض الأشياء والخصوصية في ~~حقه في ذلك الشيء بمنزلة دليل التخصيص في العموم، والعمل بالعام مستقيم حتى ~~يقوم دليل التخصيص، فكذلك الاقتداء به في أفعاله، ولأن الدليل الموجب لعلم ~~اليقين قد قام على جواز الاقتداء به مطلقا، وهو قوله تعالى: (قد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة) وههنا الدليل هو صلاحية الوصف الموجود في النص، وذلك ~~إنما يعلم بالرأي، فلا ينعدم به احتمال كون النص غير معلول. # والدليل الواضح في الفرق بينهما هو أن كون النص غير معلول مثل كونه ~~معلولا فيما يرجع إلى معنى الابتلاء، بل الابتلاء بالنص الذي هو غير معلول ~~أظهر بالنسبة إلى النص الذي هو معلول، فلما تحققت المساواة بينهما في معنى ~~الابتلاء صح أن يقال: ms642 النصوص على نوعين: معلولة، وغير معلولة. PageV04P1669 # وأما أفعال النبي عليه السلام فالتي خصت به مع التي لم تخص به لم يتساويا ~~لظهور أصالة أفعال التي يقتدي هو فيها بالدليل القطعي على ما ذكرنا، فلما ~~لم يظهر أصالة كلا الطرفين على السواء لم يصح أن يقال: أفعال النبي عليه ~~السلام على نوعينن، بل الأصل هو كون أفعاله التي يقتدي هو فيها. # وأما أفعاله التي لا يقتدي هو فيها بمنزلة دليل التخصيص في العموم على ما ~~ذكرنا، ولأن حال النبي عليه السلام لم يختلف في كونه مقتدى به؛ لأنه لا ~~يوجد نبي غير مقتدى به، ويمكن أن يقال يوجد نص غير معلول، فلما كان كذللك ~~لم يحتج في أفعال النبي عليه السلام إلى إقامة الدليل في أنه فيه مقتدى به ~~أم لا؟ واحتج في النصوص إلى الدليل بأن هذا النص معلول بعلة. # (ومثال هذا الأصل) أي الأصل الذي قلنا وهو أن لا يكتفي بأن الأصل في ~~النصوص كونها معلولة بل يحتاج إلى إقامة الدليل في كل نص على حدة بأنه معلول. # (إن حكم النص في ذلك معلول) أي حكم النص الذي هو الربا في المذكور وهو ~~الذهب والفضة معلول بالوزن. # (على أن النص بعينه معلول) أي هذا النص المعين معلول بالوزن، PageV04P1670 # والنص هو قوله عليه السلام: "الذهب بالذهب يدا بيد". # (تضمن حكم التعيين) أي حكما هو التعيين, وهذا من قبيل إضافة العام إلى ~~الخاص كعلم النحو. # (وذلك من باب الربا) أي اشتراط التعيين من أنواع أحكام الربا أي يلزم من ~~تفويته شبهة الربا وهي النسيئة وهي حرام. # (ألا ترى أن تعيين أحد البدلين) إلى آخره. هذا لإيضاح أن التعيين من باب ~~الربا, فإن تعيين احد البدلين (شرط جواز كل بيع) ليتعين به المبيع, وتحصيل ~~المبيع قبل العقد وتعيينه شرط جواز كل بيع. # (احترازا عن شبهة الفضل الذي هو ربا)؛ لأن للنقد مزية على النسيئة عرفا ~~وعادة, وأيد هذا المعنى قول النبي غليه السلام: "إنما الربا في النسيئة" ~~والتأكيد بالحصر راجع إلى استدامة ms643 الربا في وجود الوصفين أو PageV04P1671 # الوصف الواحد, فإن حرمة النسيئة ثابتة عند وجود القدر والجنس أو عند وجود ~~أحدهما بخلاف ربا الفضل إنما هو عند وجود القدر والجنس لا غير. # فأما إذا كانا نسيين فلا ربا بينهما؛ لأنهما متساويان, لكن لا يجوز ذلك ~~لكونه ربا؛ بل الحديث: "نهى عن بيع الكالي بالكالي" لكون العقد غير مفيد ~~شيئا فكان في معنى العبث وهو حرام, أو لأن وجود المبيع وتعينه قبل عقد ~~البيع شرط صحة العقد (وقد وجدنا هذا الحكم) وهو اشتراط التعيين (متعديا ~~عنه) أي عن اشتراط تعيين الذهب والفضة بالإجماع إلى تعيين الطعام في بيع ~~الطعام بالطعام عند الشافعي. # (بشعير بغير عينة) أي نسيئة. # (لما قلنا) أي من تعيين الآخر أنه شرط احترازا عن شبهة الفضل الذي هو ربا. # فعلم بهذه الجملة أن حكم النص متعد, لأنا لا نعني بالتعليل سوى أن هذا ~~الحكم موجود في غير هذا النص بالتعليل, وقد يوافق لذلك حكم النص والإجماع, ~~وذلك دليل صحة التعليل, وبهذا يخرج الجواب لقول من يقول بأن الحكم فيما ذكر ~~من الأمثلة جاز أن يثبت بالنصوص؛ لأنا نقول: هذا لا يضرنا؛ لأن حاجتنا إلى ~~إثبات أن هذا الحكم غير مقتصر على المنصوص PageV04P1672 # عليه وهو بيع الثمن بالثمن, وقد دللنا على عدم الاقتصار على المنصوص عليه ~~فيتفتح علينا باب التعدي, فحينئذ كان ما ورد من النصوص موافقا للتعليل. # (وإذا ثبت التعدي فى ذلك ثبت أنه معلول) يعني أن حكم النص وهو التعيين في ~~نص الذهب بالذهب والفضة بالفضة لما لم يكن مخصوصا بهذه الأشياء التي هي ~~أثمان على أن حكمه وهو التعيين لم ينشأ من الثمينة, فلم تكن الثمينة مانعة ~~بدليل ثبوت هذا الحكم في غير هذا النص. # فعلم بهذا أنه معلول؛ لأنه لا يتعدى بدون التعليل, والشافعي علل بالثمينة ~~ليكون ذلك مانعا من إلحاق غيره به, وبما ذكرنا يظهر ضعف قوله. # (فإذا ثبت فيه ثبت في مسألتنا) أي فإذا ثبت التعليل باشتراط التعيين في ~~حديث الذهب والفضة بما عللنا بالقدر ms644 والجنس. # (لأنه هو بعينه ربا) أي التعليل بالقدر والجنس يوجب المساواة, فعند فوتها ~~يلون الربا لفوات القدر بفوت المساواة (بل ربا الفضل أثبت منه) أي ربا ~~الفضل أقوى ربا من ربا النسيئة؛ لأن ربا النسيئة ربا من حيث المعنى وهو أن ~~النقد حير من النسيئة, وهو ربا من حيث المعنى, وربا الفضل ربا حقيقة ومعنى؛ ~~لأن منا من الدهن منين منه ربا حقيقة ومعنى, فكان هو أقوى في كونه ربا, ~~فلما ثبت ربا النسيئة بقوله عليه السلام: "يدا بيد" في حديث الذهب والفضة ~~فلأن يثبت ربا الفضل فيه أولى, ويلزم من هذا أن يكون قوله PageV04P1673 # عليه السلام: "الذهب بالذهب يدا بيد" أن يكون معلولا بالوزن الذي ينشأ ~~منه المساواة؛ لأن المساواة في الوزن انتفاء حقيقة الفضل وبالنقد تنتهي ~~شبهة الفضل, فلما وجب نفي شبهة الفضل وبالنقد وجب عليه نفي حقيقة الفضل ~~بالوزن المستوي بالطريق الأولى. # (فإن النص أوجب تحريم الخمر لعينها) وعينها لا توجد في سائر الأشربة, ~~فكيف يتعدى حكمها إلى سائر الأشربة, (وليست حرمة سائر الأشربة ونجاستها من ~~باب التعدي) هذا جواب لقولهم: إن حكم الخمر في حق حرمة الشرب والنجاسة قد ~~تعدى منها إلى سائر الأشربة فيجب أن يتعدى حكمها إلى الأشربة في حق الحد أيضا. # قلنا: إنما تثبت حرمتها ونجاستها بدلائل فيها شبهة من أخبار الآحاد , ~~والحرمة مما تثبت بالشبهات بخلاف الحد , مع أن القياس لا يجري في الحدود, ~~ولأن وجوب الحد في سائر الأشربة لو كان بطريق التعدي من الخمر إليها لوجب ~~على وفاق ما وجب في الخمر ولم يجب كذلك , وإن الحد يجب في الخمر بشرب قطرة ~~منها, وفي سائر الأشربة لا يجب ما لم يسكر. # (ومثال هذا الشاهد) إلى آخره أي مثال ما ذكرنا من المسألتين. أعني مسألة ~~الذهب بالذهب ومسألة الشاهد في صفتيه أعنى الجهل ببعض أحكام PageV04P1674 # الشرع وصفة الرق فإنه لما قبلت شهادته مع صفة الجهل ببعض أحكام الشرع بطل ~~الطعن بالجهل, وتقييدنا بالجهل ببعض أحكام الشرع يفيد في حق الشاهد المسلم؛ ms645 ~~لأنه لو كان جاهلا بجميع حدود الشرع كان جاهلا بأشرف حدود الشرع وهو ~~الإيمان, فلا تقبل شهادته حينئذ على المسلم. # أما لو كان الشاهد كافرا يشهد الكافر فهو مجرى على ظاهر قوله مع صفة ~~الجهل بحدود الشرع , فإنه إن لم يعلم بحدود الشرع كلها تسمع شهادته على ~~الكافر. # وحاصلة أن الشاهد (لما قبلت شهادته مع صفة الجهل بحدود الشرع بطل الطعن ~~بالجهل) يعني أن الشاهد إذا كان حرا عاقلا بالغا عدلا قبلت شهادته وإن كان ~~جاهلا بحدود الشرع , وبطل طعن الخصم بأنه جاهل بحدود الشرع لما أنه تقبل ~~شهادته مع ذلك , فكذلك ها هنا أن نص الشافعي لتعليلنا بالوزن بتعليله ~~بالثمينة يعني أن الجهل بحدود الشرع كما لا يصلح أن يكون مانعا لقبول ~~الشهادة كذلك التعليل بالثمينة أيضا لا يصلح أن يكون مانعا من التعليل ~~بالوزن الذي هو شهادة النصوص. # وأما لو وقع طعن الخصم في الشاهد بالرق صح هذا الطعن منه ويحتاج المدعى ~~إلى إقامة البنية على حرية الشهود, ولا يسمع منه الاستدلال بكون الأصل في ~~الآدمي هو الحرية , فكذلك لا يسمع من الشافعي دعواه بأن نص PageV04P1675 # الخمر معلول بمخامرة العقل أي بتغطيه , فيتعدى حكمها إلى سائر الأشربة في ~~وجوب الحد والحرمة. لما أن الأصل في النصوص التعليل ما لم يقم الدليل على ~~انه في الحال معلول بالإجماع بعلة من العلل ولا يتمكن من ذلك لما أن حرمة ~~الخمر ثابتة لعين الخمر ولا يوجد في سائر الأشربة , فلذلك لا يثبت حكمها في ~~سائر الأشربة وهو معنى قوله: "فكذلك هاهنا لا يصح العمل به مع الاحتمال إلا ~~بحجة" أي في مسألة الخمر لا يتمكن الشافعي من أن يقول: إن الأصل في النصوص ~~التعليل , فكان نص الخمر معلولا عملا بالأصل كما لا يجوز التمسك بالأصل ~~للمدعي إذا طعن شاهده بالرق بأن يقول هو حر؛ لأن الأصل في بني آدم الحرية , ~~وهذا هو التفسير الواضح المعول عليه. PageV04P1676 ### || AUTO باب شروط القياس # (أن لا يكون الأصل مخصوصا بحكمه بنص آخر) المراد من الأصل ms646 المقيس عليه , ~~وهو شهادة خزيمة بن ثابت -رضي الله عنه- مثلا , فإن ذلك الأصل , وهو شهادة ~~خزيمة منفرد , ومخصوص بحكمه , وهو قبول شهادته منفردا كرامة له بنص آخر , ~~وهو قوله عليه السلام: "من شهد له خزيمة حسبه" إذ لو تعدى منه إلى غيره ~~يبطل الاختصاص في حقه. # وإنما ذكر قوله: آخر" بسبب مقابلة النص العام الذي يقتضي العدد من الشهود ~~في سائر الشهادات , فصار كأنه قال: اختص قبول شهادة خزيمة به بنص آخر من ~~النص الذي يقتضي العدد على ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: إن الله تعالى ~~شرط العدد في عامة الشهادات أي في قوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقوله ~~تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) إلى PageV04P1677 # قوله: (وأدنى ألا ترتابوا) وذلك تنصيص على أدنى ما يكون من الحجة لإثبات ~~الحق إنما يكون بالعدد من الشهود , وخزيمة ممن يتناوله العموم , ثم خص رسول ~~الله عليه السلام خزيمة بقبول شهادته وحده , وكان ذلك حكما ثبت بالنص ~~اختصاصه به كرامة له , فلم يجز تعليله أصلا حتى لا يثبت ذلك الحكم في شهاد ~~غير حزيمة ممن هو مثله أو دونه أو فوقه في الفضيلة؛ لأن التعليل يبطل ~~خصوصيته , وقصة شهادة خزيمة -رضي الله عنه- هي ما ذكره في أوائل شهادات ~~(المبسوط) فقال: "روي أن النبي عليه السلام اشترى ناقة من أعرابي وأوفاه ~~ثمنها , ثم جحد العرابي استيفاء الثمن , وجعل يقول: وا غدراه هلم شهيدا. ~~فقال عليه السلام: " من يشهد لي؟ فقال خزيمة بن ثابت -رضي الله عنه- أنا ~~أشهد لك يا رسول الله أنك أوفيت الأعرابي ثمن الناقة , فقال عليه السلام: ~~كيف تشهد لي ولم تحضرنا؟ # قال: يا رسول الله إنا نصدقك فيما تأتينا به من خبر السماء أفلا نصدقك PageV04P1678 # فيما تخبر به من أداء ثمن الناقة! فقال رسول الله عليه السلام: من شهد له ~~خزيمة فحسبه". # وقوله: (وأما الثالث) أي الشرط الثالث وهو قوله: "أن يتعدى الحكم ~~الشرعي". إلى آخره. # وقوله: (وفى هذه الجملة خلاف) , والإشارة في: (هذه) راجعة إلى الشرط ~~الثالث لا إلى ms647 ما قبله فتأنيت الإشارة باعتباره صفتها وهى الجملة , وإنما ~~سمي جملة؛ لأن الشرط الثالث مشتمل للأحكام الخمسة فكانت جملة. # (وحل للنبي عليه السلام تسع نسوة) إلى آخره. يعني وكذلك هذا المعنى في حل ~~تسع نسوة لرسول الله عليه السلام؛ فإنه ثبت هذا الاختصاص؛ لرسول الله عليه ~~السلام بنص آخر وهو قوله (لا يحل لك النساء من بعد) وكان هذا بعد تزوج ~~التسع؛ وتقييده بقوله (من بعد) يدل على حل PageV04P1679 # قبله سوى النص العام الذي يقتضى الحصر على الأربع. # وكذلك المعنى في السلم؛ لأن النص العام وهو وقوله عليه السلام: "لا تبع ~~ما ليس عندك" يقتضي بعمومه عدم جواز السلم إذا المسلم فيه معدوما أيضا ~~كسائر البياعات لكن بنص آخر. # (وهو قوله عليه السلام: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم ~~إلى أجل معلوم" يثبت خصوصية جواز السلم وإن كان معدوما في حال البيع بصفة ~~الأجل, فكان الأجل شرطا مخصوصا به, فلا يجوز تعليل هذا النص بأن السلم بيع ~~كسائر البياعات فيجوز حالا؛ لأن فيه إبطال خصوصية هذا الوصف الثابت بالنص ~~بالسلم وذلك لا يجوز؛ لأن مثل هذا الكلام يقتضي حصر ما ذكرنا كما يقال: من ~~دخل داري فليدخل غاض PageV04P1680 # البصر، فهذا يقتضي عدم جواز الدخول إذا كان غير غاض البصر. # وهذا لأن الأصل في جواز البيع اشتراط قيام المعقود عليه في ملك العاقد ~~والقدرة على التسليم حتى لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه فسلمه لا يجوز، ثم ~~ترك هذا الأصل في السلم رخصة بالنص الذي ذكرنا لكن بطريق يقدر على التسليم ~~عند وجوب التسليم عادة، وذلك بأن يكون مؤجلا فلم يجز التعليل فيه حتى يجوز ~~حالا أيضا كسائر البياعات، لأن ذلك الحكم خاص يثبت الخصوصية بالسلم بالنص ~~فلا تبطل الخصوصية الثابتة بالنص بالتعديل. # وقوله: (فلم يستقم إبطال الخصوص بالتعديل) أي لم يستقم إبطال خصوصية ~~السلم بالأجل بالقياس على سائر البياعات كما أطبل الشافعي ذلك حيث جوز ~~السلم الحال بالتعديل، فكان هذا الذي ذكره نفيا لقول الشافعي -رحمه ms648 الله. # وهذا مما يعقل كرامة، لأن معنى الكرامة بالاختصاص إنما يظهر فيما يتوهم ~~فيه الحرج بإلزامه إياه وذلك لا يتحقق في اللفظ فقد كان أفصح العرب، ولا ~~يلحقه الحرج في لفظ النكاح والتزويج، فكان الموجب للتخصيص ملك البضع نكاحا ~~بغير مهر واختصاصه بالمرآة حتى لا تحل لأحد PageV04P1681 # بعده، لأنه يحرج في لزوم المال ويتأذى يكون الغير شريكا له في فراشه من ~~حيث الزمان، وعليه دل قوله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) وإنما قلنا: إن اختصاصه ملك البضع نكاحا بغير ~~مهر، لأنه ذكر فعل الهبة، وذلك يقتضي مصدرا مؤنثا وهو هبة. # وقوله: (خالصة) صفة ذلك المصدر أي إن وهبت نفسها للنبي هبة خالصة بدليل ~~قوله: (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) حيث ذكر علمه بفرضه عليهم على ~~العموم وهو عبارة عن وجود الفرض عليهم ولزومه، فكان اختصاصه في حق عدم ~~الفرض عليه وعدم لزومه. # وقد أبطلنا التعليل من حيث ثبت كرامة، لأنا لو عللنا كان متعديا منه إلى ~~غيره فحينئذ لم يبق الاختصاص ولم يبق الكرامة، لأن كرامته إنما كانت بسبب ~~الاختصاص. # (والتقوم عبارة عن اعتدال المعاني) وذلك لأن قيمة الشيء هي التي تقوم ~~مقام ذلك الشيء، والذي يقوم مقام غيره إنما يكون أن لو كان معادلا في PageV04P1682 # المعنى كقيمة الثوب تقوم مقام الثوب فيه المالية، وإن كانت لا تعادله في ~~الصورة، فكذلك قيم جميع الأشياء، فالعين مع العرض لا يعتدلان في المعنى، ~~لأن العين ما يستغني في وجوده عن المحل، والعرض ما يفتقر في وجوده إلى ~~العين، وهو معنى قوله: (وبين العين والمنافع تفاوت في نفس الوجود)، لأنهما ~~يتفاوتان في وجودهما بين السلب والإيجاب كما ذكرنا أن العين لا يفتقر إلى ~~المحل في وجوده والعرض يفتقر، ولأن العين يبقى والعرض لا يبقى، فكان بينهما ~~تفاوت فاحش فلا يمكن التعديل بينهما في المعاني، والقيمة عبارة عن اعتدال ~~المعاني، وقد ثبت انتفاء الاعتدال بينهما بما ذكرنا، فكان ثبوت المالية ~~والتقويم في ms649 المناع بالعقد حكما خاصا ثبت بالنص غير قابل للتعديل. # فلذلك قلنا: إن تقومها في العقد لا يتعدى منه إلى الغصب فلم تضمن المنافع ~~بالإتلاف والغصب، وهذا لأن تقومها في باب العقد للحاجة والضرورة وهو نظير ~~حل الميتة عند المخمصة، فإن ثبوته لما كان بطريق الضرورة لم يجز تعليله ~~لتعدية الحكم إلى محل آخر فكذلك ها هنا. # (فلا يصلح إبطال حكم الخصوص بالتعليل)، أي لما ثبت تقوم المنافع في باب ~~العقد بطريق الخصوص لا يجوز إبطال خصوصيته بالتعليل بأن يقال لما ثبت تقوم ~~المنافع في باب العقد يجب أن يثبت تقومها في باب العدوان، لأن ذلك أمر خاص ~~بباب العقد فيبطل خصوصيته بالتعليل. PageV04P1683 # (ومثال الثاني: من الشروط) وهو أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس ~~(إن أكل الناسي معدول به عن القياس) يعني إن الحكم ببقاء الصوم عند أكل ~~الصائم ناسيا حكم ثبت مخالفا للقياس (وهو فوات القربة بما يضاد ركنها)؛ ~~وهو؛ أي القياس أن تفوت القرية بالإتيان بالشيء الذي هو يضاد القربة كالأكل ~~يضاد الصوم، (وهو القياس الصحيح)، لأن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه سواء كان ~~فوات الركن ناسيا أو عامدا، كما إذا ترك السجدة الأصلية ناسيا حيث تف سد صلاته. # (وثبت حكم النسيان بالنص) أي ثبت بقاء صوم الآكل ناسيا بنص قوله عليه ~~السلام: "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك". # (معدولا به عن القياس لا مخصوصا من النص) يعني أن ظاهرة قوله عليه ~~السلام: "الفطر مما دخل" يقتضي فساد الصوم ب الأكل والشرب ناسيا إلا أنه لم ~~يقصد بذلك الحديث الذي روينا فيتوهم من هذا الوجه أنه مخصوص من قوله: ~~"الفطر مما دخل" فأمكن تعليل المخصوص ليتعدى الحكم منه إلى غيره PageV04P1684 # بعلة جامعة بينهما وهي أن كلا من الناسي والخاطئ غير قاصد للفطر بالأكل ~~والشرب، والنص المخصوص يعلل. # فرد ذلك الوهم بهذا فقال: "إن بقاء صوم من أكل ناسيا إنما ثبت معدولا به ~~عن القياس"، وهو جعل الآكل غير الآكل وهو مخالف للقياس الظاهر فلما ms650 جعل ~~الناسي غير آكل لم يتناوله قوله عليه السلام: "الفطر مما دخل" حتى يخص منه ~~الناسي بذلك الحديث، بل كان بقاء صومه مخالفا للقياس من كل وجه، فلا يقاس ~~عليه الخاطئ والمكره لذلك. # (فيصير التعليل حينئذ لضد ما وضع له) أي تعليل النص الذي ثبت حكمه مخالفا ~~للقياس لضد ما وضع له التعليل، لأن التعليل إنما يكون لإثبات القياس ببقاء ~~صوم الخاطئ، والقياس يقتضي فساده لوجود الأكل منه حقيقة، فلذلك قلنا: لو ~~عللنا كان التعليل حينئذ لضد ما وضع له، لأن القياس في أكل الناسي يقتضي ~~ثبوت الفطر لوجود الأكل، فالتعليل لبقاء صومه بسبب أنه لم يقصد الأكل ليلحق ~~به الخاطئ كان التعليل لضد ما وضع له وهو باطل، لأن من المحال أن يكون ما ~~هو الموجب للحركة هو الموجب للسكون، لأن بقاء الصوم مع فوات الصوم ضدان، ~~والذي هو موجب لثبوت أحدهما لا يصلح أن يكون موجبا للآخر كالنص النافي ~~للحكم لا يجوز أن يكون مثبتا لذلك الحكم. PageV04P1685 # (ولم يثبت هذا الحكم في مواقعة الناسي بالتعليل) هذا جواب لقولهم: بل ~~يجري في بقاء صوم الناسي لآكله التعليل. ألا ترى أن الصائم إذا واقع ناسيا ~~يبقى صومه أيضا بالقياس على من أكل ناسيا لما أن النص لم يرد في الواقع فرد ~~بهذا ذلك القياس فقال: لم يثبت ذلك بالقياس بل بدلالة النص لما أن الوارد ~~في الأكل والشرب وارد في الواقع معنى، وقد مر وجهه في بيان الدلالة، فكان ~~هذا نظير قوله عليه السلام للمستحاضة: "توضئي لوقت كل صلاة"، ثبت بهذا ~~الحديث عدم انتقاض الطهارة في الوقت بدم الاستحاضة وهذا حكم ثابت بخلاف ~~القياس، ومع هذا ثبت مثل هذا الحكم في صاحب الجرح السائل ونظائره بدلالة ~~النص لا بالقياس، لأن كل واحد منها نظير الآخر من كل وجه فورود النص في ~~واحد منها كان ورودا في الآخر. # (ألا تري أن معنى الحديث لغة أن الناسي غير جان على الصوم ولا على ~~الطعام) بسبب وجود الفعل منه بطريق النسيان فيما لا ms651 مذكر له للعبادة، ~~والطعام ملكه، وهذا لبيان أن الحكم في الوقائع ثابت بدلالة النص، لأن من ~~سمع قوله عليه السلام: "تم على صومك" الحديث يفهم أن هذا الفعل ليس بجناية، ~~لأنه أمر بإتمام الصوم كمن لا يوجد منه هذا الفعل، وكذلك آخر الحديث يفهم ~~أن هذا الفعل ليس بجناية، لأنه أمر غير جان، لأن النبي عليه PageV04P1686 # السلام أخبر: "أن الله تعالى هو المطعم والساقي" فصاحب الطعام إذا أطعم ~~لا يكون الطاعم جانيا على طعامه، وكذلك هذا المعنى في الشرب وهذا المعنى ~~بعينه من غير تفاوت موجود في الواقع أعني أنه ليس بجان على الصوم، لأنه صدر ~~منه هذا الفعل بإنسياء الله تعالى ولا على المرأة، لأنها منكوحته، وفي درك ~~هذا المعنى يستوي الفقيه وغير الفقيه، فكان ثابتا بدلالة النص يعنى أن ~~عبارة النص تدل بمعناها اللغوي الذي يفهمه كل من يعرف العربية على ثبوت هذا ~~الحكم في غير المنصوص عليه وهو المعنى بدلالة النص فيكون ثابتا بالنص لا ~~بالتعليل، فأما الخطأ والكره والنسيان فليست بسواء، لأن النسيان لا يمكن ~~الاحتراز عنه، وهو من قبل من له الحق خلقه من غير اختيار العبد فصار عفوا. # وأما الخطأ فما يمكن الاحتراز عنه فوقوعه بضرب من تقصيره وهو ذاكر للصوم ~~فلا يمكن التسوية بينه وبين النسيان، والكره جاء لا من قبل من له الحق، ~~والمكره في الإقدام على ما أكره مختار وهو ذاكر للصوم. ألا ترى أن العزيمة ~~أن لا يقدم على الإطار ويثاب في الصبر عليه، وحاصله أن سبب العذر في ~~النسيان لما كان ممن له الحق على وجه لا صنع للعباد فيه على ما أشار إليه ~~النبي عليه السلام في قوله: "إنما أطعمك الله وسقاك" استقام أن يجعل الركن ~~باعتباره قائما حكما، فأما في المكره والنائم والخاطئ فسبب العذر جاء من ~~جهة العباد. PageV04P1687 # والحق في أداء الصوم لله تعالى، فلم يكن هذا في معنى سبب كان ممن له ~~الحق. ألا ترى أن المريض يصلي قاعدا ثم لا تلزمه الإعادة إذا برأ، ms652 والمقيد ~~يصلي قاعدا ثم تلزمه الإعادة إذا رفع عند القيد، وعلى هذا قال أبو حنيفة ~~ومحمد -رحمهما الله-: الذي شج في صلاته لا يبنى بعد الوضوء والذي ابتلي ~~بقيء أو رعاف يبنى على صلاته بعد الوضوء لما أن ذلك حكم معدول به عن القياس ~~فلم يجز التعليل فيه، وما يبتنى على صنع العباد ليس نظير ما لا صنع للعباد ~~فيه من كل وجه فلا يتقاسمان. # (وكذلك ترك التسمية على الذبيح ناسيا جعل عفوا بالنص معدولا به عن ~~القياس) فلا يقاس العامد عليه لما ذكرنا أن في ذلك جعل التعليل لضد ما وضع ~~له، ولا يمكن أن يقال فيه بالدلالة، لأنه لا مساواة بينهما فالناسي معذور ~~غير معرض عن ذكر اسم الله تعالى، والعامد جان معرض عن ذكر اسم الله تعالى ~~على الذبيحة. # (وأما المستحسنات) إلى آخره جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: قد قلت أن ما ~~ثبت معدولا به عن القياس لا يحتمل التعديل، والمستحسنات هي ما ثبتت بخلاف ~~القياس، ومع ذلك كان البعض منها قابلا للتعليل؟ PageV04P1688 # فأجاب المصنف -رحمه الله- عن هذا وقال: فمن المستحسنات (ما ثبت بقياس خفي ~~لا معدولا به) عن القياس، فلذلك جاز تعليل ذلك البعض. # (وأما الأصل إذا عارضه أصول فلا يسمى معدولا) به عن القياس يعني أن ~~المعنى الذي يتعلق به الحكم إذا عارضه معان أخر لا يكون معدولا به عن ~~القياس بل هو من باب الترجيح وأورد النظير في هذا ما قال علماؤنا -رحمهم ~~الله- في مسح الرأس: أنه مسح فلا يسن تثليثه عارض هذا المعنى معنى آخر وهو ~~كونه ركنا في الوضوء هذا قول قيل فيه، لكن إطلاق لفظ الأصل ولفظ الجمع في ~~الأصول يقتضي أن يراد به كثرة المقيس عليه. والأولى فيه أن يقال: مثال ذلك ~~ما قال الشافعي في مسح الرأس إنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه. # قلنا: إنه مسح فلا يسن تثليثه ويعارض لما ذكره الشافعي أصول كثيرة من مسح ~~التيمم ومسح الفخ ومسح الجورب ومسح الجبيرة، وهذه الكثرة التي ذكرنا ms653 إن لم ~~توجب كون ما ذكره الشافعي معدولا به عن القياس لكن توجب الترجيح لما قلنا ~~على ما ذكر في الكتاب بقوله: (ولكنه يصلح للترجيح). # فإن قلت: هذا الذي ذكرته من قبيل قوة ثبات الوصف على الحكم. PageV04P1689 # قلت: لا تنافي بينهما فإن لهذا الوصف وهو كون مسح الرأس مسحا له أثر قوة ~~الثبات على الحكم وأثر الأصول فيستدل في كل موضع ب ما يشهد هو له. # وقوله: "ولكنه ربما يصلح للترجيح"، (على مثال ما قلنا في عدد الرواة) ~~يعني أن خبر المشهور راجح على الآحاد باعتبار أن الخبر إنما صار حجة بواسطة ~~الاتصال برسول الله عليه السلام، وبكثرة الرواة تثبت قوة الاتصال فيترجح، ~~فكذلك ها هنا تثبت حجية الوصف باعتبار ظهور الأثر، فمتى تثبت لوصف كثرة ~~التأثير كان هو أقوى من وصف له قلة التأثير. # (وهذا الشرط واحد تسمية) أي بالنظر إلى قوله: "والشرط الثالث" أو بالنظر ~~إلى وصف التعدي فإنه شيء واحد، ومجموع كل من التفصيل راجع إلى وصف التعدي. # والدليل على صحة التأويل الأول ما ذكره شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: ~~وهو شرط واحد اسما. # والدليل على صحة التأويل الثاني ما ذكر في "التقويم" في هذا الموضوع ~~بقوله: وأما فصل تعدي الحكم إلى آخره (وجملة تفصيلا) أي أصول PageV04P1690 # كثيرة من حيث التفضيل. # والدليل على هذا التأويل ما ذكره شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: هو شرط ~~واحد اسما ولكن يدخل تحته أصول. # وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: (أن يكون الحكم المعلول شرعيا لا ~~لغويا) أي ولذلك قلنا: إن تعليل الشافعي في استعمال ألفاظ الطلاق في باب ~~العناق باطل، فإنه يقول: إذا قال الرجل لامرأته: أنت حرة ونوى به الطلاق ~~فإنها تطلق بالإجماع فيجب على قياس ذلك أن المولى إذا قال لأمته: أنت طالق ~~ونوى به الحرية أن يصح ذلك وتعتق. # قلنا: هذا باطل، لأن التعليل شرع لإثبات حكم شرعي، وإنما هذا من باب ~~استعارة الألفاظ بعضها لبعض وذلك من باب اللغة، ثم قلنا: إن ذلك الذي ذكره ~~لم يصح من حيث ms654 الاستعارة أيضا، لأن الاستعارة إنما تصح عنه المشابهة بين ~~المستعار منه وبين المستعار له في الوصف الخاص، ولا مشابهة بين العناق ~~والطلاق في الوصف الخاص، لأن الإعتاق عبارة عن إحداث القوة التي يحصل بها ~~صفة المالكية. PageV04P1691 # والطلاق عبارة عن إزالة المانع من الانطلاق، ولا مشابهة بين إحداث القوة ~~وإزالة المانع فلا تصح الاستعارة. # وأما استعمال لفظ التحرير في الطلاق فليس ذلك عندنا للمشابهة معنى بل ~~باعتبار أن ما يزيل الرقبة كان سببا لزوال ملك المتعة فلا يكون سببا لإزالة ~~ملك الرقبة فلا يصلح كناية عنه. # وقوله: (وكذلك جواز النكاح بألفاظ التمليك كالهبة والبيع واستعارة كلمة ~~النسب للتحرير) كما إذا قال لعبده: هذا ابني أي كان باطلا، لأنه معطوف على ~~ما قبله، وفيه لفظ البطلان، وكذلك ذكر شمس الأئمة -رحمه الله- فقال: وكذلك ~~الاشتغال بالقياس لإثبات الاستعارة في ألفاظ التمليك للنكاح يكون اشتغلا ~~بما لا معنى له. # فإن قلت: ما وجه ذكر البطلان في هاتين المسألتين مع أن علماءنا -رحمهم ~~الله- اتفقوا على جواز المولى إذا قال لعبده: هذا ابني، وهو ممن يولد مثله ~~لمثله يعتق بالاتفاق؟ # قلت: ذكر البطلان في هاتين المسألتين من حيث المقايسة بأن يقال: لما جاز PageV04P1692 # النكاح بلفظ النكاح والتزويج وجب أن يجوز بألفاظ التمليك بالقياس عليه، ~~وكذلك في قياس لفظ النسب على لفظ التحرير لا من حيث ذكر السبب وإرادة ~~المسبب بطريقه الكناية على ما صرح به الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- في ~~"المبسوط"، وقي "أصول الفقه" فقال في باب الهبة من نكاح "المبسوط": والمعنى ~~فيه أن هذا ملك يستباح به الوطء فينعقد بلفظ الهبة والتمليك كملك اليمين، ~~ثم قال: وهذا كلام على سبيل الاستدلال لا على سبيل المقايسة، لأن صلاحية ~~اللفظ كناية عن غيره ليس بحكم شرعي ليعرف بالقياس بل طريق معرفة ذلك النظر ~~في كلام أهل اللغة، وهذا إشارة إلى مذهبهم في الاستعارة، لأنهم يستعيرون ~~اللفظ لغيره لاتصال بينهما من حيث السببية كما قال: (إني أراني أعصر خمرا) ~~أي عنبا، فبالعصر يصير خمرا، وكذلك النبات يسمى سماء، ms655 لأنه نبت بسبب المطر ~~الذي ينزل من السحاب- فالعرب تسمى السحاب سماء- فإذا ثبت هذا فنقول: هذه ~~الألفاظ سبب لملك الرقبة وملك الرقبة في محل ملك المتعة موجب لملك المتعة ~~فللاتصال بينهما سببا يصلح هذا اللفظ كناية عن ملك المتعة. # وذكر في عتق "المبسوط" وإن قال: هذا ابني ومثله يولد لمثله يعتق ويثبت ~~نسبه منه، لأن المحل لما كان قابلا للنسب وهو محتاج إلى النسب يثبت نسبه PageV04P1693 # منه والنسب لا يثبت مقصورا على الحال بل إنما يثبت من وقت العلوق، فتبين ~~أنه ملك ولده فعتق عليه، وكذلك لو كان نسبه معروفا من الغير يعتق عليه وإن ~~لم يثبت نسبه، لأنه مكذب شرعا فيه حتى ثبت نسبه من الغير، ولكن هذا التكذيب ~~في حكم النسب دون العتق فهو في حكم العتق بمنزلة من لا نسب له فإن المرء ~~مؤاخذ بزعمه، وفي زعمه أنه عتق عليه من وقت العلوق فيصدق فيه. # وذكر صاحب الكتاب في باب الحقيقة والمجاز أنه يعتق ها هنا عملا بحقيقته ~~دون مجازه، لأن ذلك ممكن، فالنسب قد يثبت من زيد، ويشتهر من عمرو فيكون ~~المقر مصدقا في حق نفسه. # قلت: فعلم بهذا كله أن صحة النكاح بألفاظ التمليك وثبوت التحرير بلفظ ~~النسب لم يكونا بالقياس، ولا بالاستعارة بل صحة النكاح بألفاظ التمليك ~~بطريق التسبيب، وصحة التحرير بلفظ النسب بطريق التصديق، وما ذكر بلفظ ~~الاستعارة في بعض ألفاظ "المبسوط" كان هو على طريق التوسع، وفي هذا السؤال ~~الذي سألت عنه لشبهة وقعت فيك كنت متصفا طول الزمان بصفتك، فانكشفت الشبهة ~~وانزاحت الريبة بهذه الأجوبة المأخوذة من ال محال المعول عليها فاغتنمها. # (وكذلك التعليل بشرط التمليك في الطعام). قاس الشافعي الطعام PageV04P1694 # على الكسوة، وقال في باب الكسوة: لا تصح بدون التمليك كذا في الطعام. ~~(فلا يكون ما يعقل بالكسوة حكما شرعيا)، لأن ما يعقل بالكسوة عين الكسوة ~~فالنص يقتضي أن تكون الكفارة عين الثوب ولم يصر عين الثوب كفارة إلا ~~بالتمليك فيثبت التمليك ضرورة وما يعقل بالكسوة وهو الثوب لغوي لا شرعي. ms656 # وذكر الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: فأما الكسوة فهو عبارة عن الملبوس ~~دون فعل اللبس ودون منفعة الثوب وعين الملبوس لا يصير كفارة إلا بالتمليك ~~من المسكين، فأما الإلباس فهو تمكين من الانتفاع بالملبوس. # (وكذلك التعليل لإثبات اسم الزنا للواطة واسم الخمر لسائر الأشربة) أي ~~تعليل أبى يوسف ومحمد -رحمهما الله- نص الزنا لتعدية الحكم أو PageV04P1695 # إثبات المساواة بينه وبين اللواطة يكون فاسدا، لأن طريق معرفة الاسم ~~النظر في موضوعات أهل اللغة لا الأقيسة الشرعية. # وكذلك في سائر الأشربة سوى الخمر لا يجب الحد بشرب القليل ما لم يسكر، ~~واشتغال الخصم بتعليل نص الخمر لتعدية الحكم أو لإثبات المساواة. ويقول ~~إنما سمي الخمر خمرا لمخمرتها العقل وهي موجودة في سائر الأشربة فكان ~~قليلها حراما، ويجب الحد بشرب القليل عند محمد والشافعي في بعض الروايات ~~كما في الخمر فاسد، لأن الكلام في إثبات هذا الاسم لسائر الأشربة. # (والثاني: من هذه الجملة) أي من الشرط الثالث الذي هو مشتمل على الجمل ~~(فإن حكم التعليل التعدية عندنا) فإن ثبتت التعدية يصح التعليل وإلا فيبطل ~~لما أن شرعية الأسباب لأحكامها، فإذا لم تثبت الأحكام تبطل الأسباب كشرعية ~~الشراء لإثبات الملك، وإذا أضيف إلى محل لا يقبله يلغو. # (فيبطل التعليل بدونه) أي بدون التعدية فالتذكير لتأويل المذكور. PageV04P1696 # (حتى جوز التعليل) بالثمنية، والثمنية مقصودة على الذهب والفضة. # (مثل سائر الحجج)، والحجة ما أوجب الحكم، فبعد الإيجاب لا يخلو لو كانت ~~الحجة عامة أوجبت الحكم على العموم وإن كانت خاصة أوجب الحكم على الخصوص، ~~فكذلك ها هنا إن كان الوصف المؤثر خاصا يثبت الحكم على الخصوص كالثمنية في ~~الذهب والفضة، وإن كان الوصف عاما يثبت الحكم على العموم كالطعم والجنس أو ~~القدر والجنس، وهو معنى قوله: (بل يعرف ذلك بمعنى في الوصف). # فإن قلت: لو كان تعليل الذهب والفضة بالثمنية باطلا بسبب أنها تعليل ~~بالعلة القاصرة لوجب أن يكون تعليل علمائنا في الزكاة في مسألة الحلي PageV04P1697 # بالثمنية باطلا، وقد جوز ذلك المصنف -رحمه الله- حيث قال في باب الركن: ms657 ~~وهو جائز أن يكون وصفا لازما مثل الثمنية جعلناها علة للزكاة في الحلي ~~فيكيف جاز ذلك التعليل في الحلي فكيف جاز ذلك التعليل في تعليلنا وبطل في ~~تعليل الشافعي وفي كلا المذهبين هو تعليل بالثمنية من غير تعيير؟ # قلت: لا نسلم عدم التغيير بل هذا من قبيل ما اتحد صورته واختلف معناه، ~~فإن مراد علمائنا -رحمهم الله- من التعليل بالثمنية في مسألة الحلي تعدية ~~الحكم من المضروب إلى غير المضروب وسواء كان غير المضروب تبرأ مكسورا أو ~~حليا مصوغا أو حلية سيف أو منطقة أو غير ذلك ففي جميعه الزكاة إذا بلغ ~~تعليلا بالعلة المتعدية في حق وجوب الزكاة، والشافعي لم يوجب الزكاة في حلي ~~النساء في أحد قوليه. # لأنه لم يعلل بالثمنية بل ألحقها بسائر أموال البذلة لكونها مباح ~~الابتذال فلا PageV04P1698 # تجب فيها الزكاة لذلك، ومراد الشافعي من التعليل بالثمنية في باب الربا ~~قصر حكم الربا على الذهب والفضة ومنع سائر الموزونات كالحديد والرصاص من ~~الإلحاق بهما فكان تعليله بالثمنية تعليلا بالعلة القاصرة، ولا اعتبار ~~لاتحاد الصورة بعد تغايرهما واختلافهما في المعنى. # ألا ترى أن المنافقين يقولون للنبي عليه السلام (نشهد إنك لرسول الله) ~~وكذلك المخلصون أيضا يقولون: (نشهد إنك لرسول الله) وهما من حيث الصورة ~~واحد ولكن من حيث المعنى مختلف، فالمنافقون كاذبون قال الله تعالى: (والله ~~يشهد إنهم لكاذبون) والمخلصون مؤمنون على التحقيق قال الله تعالى: (أولئك ~~هم المؤمنون حقا). # فعلم بهذا أنه لا اعتبار لنفس التعليل بالثمنية في كونها قاصرة أو متعدية ~~بل الاعتبار لقصد المعلل أنه أراد بالتعليل كون العلة قاصرة أو متعدية بل ~~الاعتبار لقصد المعلل أنه أراد بالتعليل كون العلة قاصرة أو متعدية فيثبت ~~الحكم بحسب إرادته إن كان مراده القاصر وإن مراده المتعدية فصحيح. # بل يعرف ذلك لمعنى في الوصف "أي إنما يعرف كون الوصف عله لكونه مؤثرا في ~~إثبات ذلك الحكم أو لكونه مخيلا عند بعض أصحاب الشافعي أو لكونه مطردا عند ~~أصحاب الطرد على ما يأتي. PageV04P1699 # (والنص فوق التعليل فلا يصح ms658 قطعة عنه) أي فلا يصح قطع الحكم عن النص. # فإن قيل: ثبوته بالتعليل لا يوجب انقطاع الحكم عن النص. # ألا ترى إلى صحة قولنا: القياس جائز بالنص والسنة والدليل المعقول، فلو ~~انقطع الحكم عن الدليل المعقول عند وجود النص لما صح قولنا بالدليل المعقول ~~بعد ذلك. # قلنا: معنى قولنا القياس جائز بالنص والسنة والدليل المعقول أي لو نظرنا ~~إلى كل واحد منها كان هو كافيا لإثبات جواز القياس، ولا يمكن ذلك فيما نحن ~~فيه بل ثبوت الدليل المعقول بطريقة التبعية إذا كان مضافا إليهما يصير ~~المعقول مساويا للنص، والتبع لا يساوي الأصل ولو كان مضافا إلى المعقول ~~انقطع الحكم عن النص وذلك لا يجوز. # (لأن التعليل لا يصلح لتغيير حكم النص به فكيف لإبطاله!) يعني أن الحكم ~~لو كان مضافا إلى العلة في المنصوص عليه يبقى النص ضائعا مهملا لا موجبا ~~للحكم أصلا، وهو إبطال للنص في حق إيجاب الحكم، والوصف لا يصلح أن يكون ~~مغيرا لحكم الأصل كما يلزم ذلك في بصحة ظهار الذمي فأولى أن لا يصلح لإبطال ~~حكم الأصل، ولو أضيف الحكم على الوصف في المنصوص عليه يلزم ذلك. PageV04P1700 # (على أن التعليل بما لا يتعدى لا يمنع التعليل بما يتعدى) لجواز أن يكون ~~للنص وصفان: # أحدهما- لا يتعدى كالثمنية، والثاني- يتعدى كالقدر عندنا أو كان أحدهما ~~أكثر تعديا من الآخر كالقدر والجنس فإنه أكثر تعديا من الطعم في المطعومات، ~~والتعليل بالوصف الذي لا يتعدى لا يمنع التعليل بالوصف الذي يتعدى، لأنا ~~أمرنا بالاعتبار، وبهذا الوصف أمكن الاعتبار فوجب التعليل به فيبطل دعوى ~~فائدة اختصاص النص به، وهذا في الحاصل منع لما ادعاه الخصم من إفادة اختصاص ~~النص به. # (ومن هذه الجملة) أي ومن جملة الشرط الثالث للقياس (أن يكون المتعدي حكم ~~النص بعينه من غير تغير). # المراد من عدم التغير هنا عدم التغير في حق الفرع يعني ينبغي أن يثبت حكم ~~النص في لفرع على وفاق ثبوته في حق الأصل من غير تعير. # وأما اشتراط عدم تغير حكم النص ms659 في حق النص فيما يجيء في الشرط PageV04P1701 # الرابع بعد هذا. # وقوله: (إن السلم الحال- يحتمل أن يكون بتشديد اللام كالدين الحال- أن ~~يكون المبيع موجودا مملوكا مقدورا) أما اشتراط كونه موجودا فلقوله عليه ~~السلام: "لا تبع ما ليس عندك" وكونه مملوكا فللإجماع، فإنهم أجمعوا على عدم ~~جواز بيع ملك الغير بغير إذنه، وكونه مقدورا فلنهي النبي عليه السلام "عن ~~بيع الآبق". # (وتفسيره) أي وتفسير كون الرخصة بصفة الأجل (نقل الشرط الأصلي) أي نقل ~~الشرط الأصلي) أي نقل الشرط الأصلي في البيع وهو أن يكون المبيع موجودا ~~مملوكا مقدورا إلى ما يقوم مقامه وهو الأجل، وهذا من قبيل إقامة السبب مقام ~~السب والشيء يبقى تقديرا ببقاء ما يقوم مقامه، فصار كأن الشرط الأصلي في ~~البيع موجودا في السلم بسبب أجل قام مقامه. PageV04P1702 # والخصم متى علل لإثبات جواز السلم الحال كان ذلك منه إسقاطا للشرط الأصلي ~~في البيع لا إلى ما يخلفه، فكان إسقاطا للشرط الأصلي في البيع لا إلى ما ~~يخلفه، فكان إسقاط ل لخلف بعد سقوط الأصل، فلا يجوز التعليل به لكونه مغيرا ~~للحكم المقيس عليه، وهو أن الشرع رخص بطريق النقل لا بطريق الإسقاط. # وبالتعليل تصير الرخصة بطريق الإسقاط من كل وجه، فلا يجوز لكون التعليل ~~تغييرا لحكم الأصل في الفرع (فاستقام خلفا عنه) أي أمكن أن يكون الأجل خلفا ~~عن كون المبيع موجودا مملوكا مقدورا لما أن أقامه السبب مقام المسبب شائع ~~في الشرع كإقامة نوم المضطجع مقام الحدث، فإنه لما قام مقام ال حدث صار كأن ~~الحدث موجودا تقديرا حتى انتقض الوضوء به وإن لم يوجد الحدث حقيقة، وكذا ~~السفر أقيم مقام المشقة لهذا، (والأجل يصلح) سببا للاكتساب الذي يحصل به ~~المبيع، وإذا كان كذلك كان ذلك مملوكا مقدورا تقديرا ل قيام الأجل مقامه ~~فيصح عند وجوده لوجود شرط جواز البيع تقديرا على ما ذكرنا. # (ومن ذلك) أي ومن التعليل الذي أوجب تغيير حكم الأصل في الفرع (في ~~الخاطئ) وهو من ليس بقصد للفطر بل هو من اشتغل بفعل ms660 مباح له نحو المضمنة ~~مثلا فسبق الماء حلقه خطأ، والمكره هو أن رجلا خوف بالسيف PageV04P1703 # على القتل أو على إتلاف العضو إن لم يأكل الطعام في نهار رمضان والمكره ~~صائم فأكله لم يكن ذلك آكلا بطريق القصد آكلا بطريق الجبر، فالشافعي قاس ~~الخاطئ والمكره على الناسي وعلل ذلك بما قلنا. # (لم يكن صائما والقصد لم يوجد) أي قصد الأكل لم يوجد مع أن مرتبة الشرط ~~وهو النية أدنى من مرتبطة الركن، فلما أثر فوات الشرط في فوات الصوم فيمن ~~لم ينو الصوم أصلا كان أولي أن يؤثر فوات الركن وهو الإمساك بالأكل وإن كان ~~في حال النسيان، لكن لم يؤثر ذلك بالنص الوارد على خلاف القياس، فلا يقاس ~~عليه غيره خصوصا ما إذا كان بينهما فرق. # وليس لعدم القصد اثر في الوجود "أي في وجود الصوم مع قيام حقيقة العدم" ~~أي عدم الصوم يعنى الصوم إذا عدم فعدم القصد لا يؤثر في وجود الصوم كما إ ~~ذا لم يعلم بشهر رمضان ولم يأكل في أيامه لا يكون صائما مع أن عدم القصد موجود. # علم أن عدم القصد لا يؤثر في الوجود فينبغي أن لا يبقى الصوم في الخطأ مع ~~فوات الركن بالطريق الأولى، لأنه إذا لم يعلم رمضان كان الشرط معدوما، وقد ~~أثرت ذلك في عدم الصوم فأولى أن يؤثر فوات الركن في انعدام الصوم في صورة ~~الخطأ. PageV04P1704 # وقوله: (لكنه لم يجعل فطرا) متعلق بقوله: "لأن بقاء الصوم مع النسيان ليس ~~لعدم القصد"، (وعلى هذا الأصل سقط فعل الناسي) أي على الأصل الذي قلنا وهو ~~قوله: "لكنه لم يجعل نظرا بالنص" وهذا تتميم لمجموع قوله: ومن ذلك قولهم في ~~الخاطئ والمكره" لإيضاح الفرق بين الناسي وبين الخاطئ والمكره لا أن يكون ~~نظيرا آخر لتغيير حكم النص بالتعليل ابتداء، لأن النسيان أمر جبل عليه ~~الإنسان، وعن هذا قالوا: ليس في وسع الإنسان دفع النسيان. # وإذا كان كذلك كان الإنساء من الله تعالى من غير صنع للعبد فيه فلم يكن ~~موجبا للضمان ms661 (فلم يصح لضمان حقه) أي حق الشرع أي الأكل ناسيا لا يصلح ~~لضمان حق الشرع يعنى يجب أن لا يفسد الصوم بالأكل ناسيا، لأنه لو فسد به ~~يجب القضاء، والقضاء حق الشرع فحينئذ كان حق صاحب الشرع سببا لضمان حقه ~~أيضا وهو لا يجوز. # (ومن غير جهة صاحب الحق من وجه)، لأن المكره كالآلة للمكره فإن هذا الفعل ~~من المكره من وجه إلا أن المكره أكل بفمه وأسنانه ولم يصلح آلة للمكره في ~~حق الأكل، فكان فعل المكره الأكل من هذا الوجه، فعلى كلا الوجهين أي في وجه ~~اعتبار المكره ووجه اعتبار المكره لا يصلح أن يكون سببا PageV04P1705 # لسقوط حق صاحب الحق، أو نقول وإنما قال من وجه، لأن كل الأفعال بتخليق ~~الله تعالى ولكن للعبد فعل كسب فكان فعلا له من وجه. # (ومن ذلك أن حكم النص في الربا تحريم متناه) أي تنتهي حرمته بالمساواة، ~~وذلك إنما يكون بالمسوي الشرعي وهو الكيل وهو حكم الأصل، ويتحقق ذلك عند ~~تعليل الأصل بالقدر والجنس حتى لا تبقى الحرمة فيما لا يدخل تحت الكيل. # وأما إذا علل الأصل وهو حديث الربا بالطعم في الأشياء الأربعة لا تنتهي ~~تلك الحرمة أبدا، لأنه ما من جزء إلا وتتحقق فيه حرمه الربا حينئذ، حتى لو ~~باع حفنة من حنطة بحفنة منها أو بحفنتين أو أقل منها لم يجز البيع على قول الخصم. # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- إنا لا نجوز تعليل نص الربا في ~~الأشياء الأربعة بالطعم، لأن الحكم في النصوص كلها إثبات حرمة متناهية ~~بالتساوي وصفة الطعم توجب تعدية الحكم إلى محال تكون الحرمة فيها مطلقة غير ~~متناهية وهي المطعومات التي لا تدخل تحت المعيار فعرفنا أن هذا ال وصف لا ~~يوجب تعدية حكم النص بعينه إذ الحرمة المتناهية غير الحرمة المؤبدة. PageV04P1706 # ألا ترى أن الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة غير الحرمة الثابتة ~~بالتطبيقات الثلاث. # (ومن ذلك قولهم في تعيين النقود) أي ومن التعليل الذي أوجب تغيير حكم ~~الأصل في الفرع قولهم في تعيين النقود، ms662 والمعنى من تعيين النقود هو أن ~~المشترى لو اشترى شيئا بدراهم معينة فحسبها وأعطى البائع مثلها ليس له أن ~~يأبى ذلك عندنا، وعند زفر والشافعي له أن يأبى ذلك، ولو هلكت تلك الدراهم ~~أو استحقت لم يبطل البيع عندنا وعندهما يبطل. # (إنه تصرف حصل من أهله مضافا إلى محله مفيدا في نفسه فيصح كتعيين السلع). # أما كونه أهلا فلان الكلام ف يمن تصرف وهو عاقل بالغ والأهلية بالعقل ~~والبلوغ. # وأما كونه محلا فلأن الدراهم والدنانير محل للتعين. ألا ترى أنها تتعين ~~في الودائع والغصوب حتى إن الغاصب لو أراد حبس الدراهم المغصوبة فرد مثلها ~~لم يكن له ذلك، وكذلك في الهبة تتعين حتى يكون للواهب الرجوع في عينها لا ~~في غيرها والتعيين مفيدا أيضا أي للبائع PageV04P1707 # والمشتري. # أما للبائع فلأنه إذا ملك الدراهم المعينة كان هو أحق بها من سائر غرماء ~~المشتري بعد موته، ولا يملك المشتري إبطال حقه، وكذلك تفيد البائع فيما إذا ~~كانت الدراهم المعينة أجود الدراهم. # وأما منفعة المشتري فمن حيث إنه لا يطالب بشيء آخر إذا هلكت الدراهم ~~المتعينة في يده وتكون ذمته فارغة عن الدين وصحة التصرفات تابعة للفائدة. ~~ألا ترى أن الرجل لو اشترى عبد نفسه لا يصح مع وجود الأهلية والمحلية لكونه ~~غير مفيد حتى لو كان مفيدا صح أيضا بأنه لو اشترى عبد نفسه مع عبد غيره ~~بثمن معلوم صح ودخل عبده في البيع لحصول الفائدة، وهو انقسام الثمن عليهما، ~~وكذلك لو اشترى رب المال مال نفسه من المضارب صح لوجود الفائدة، وهو ~~استحقاق يده على ذلك المال الذى اشتراه. # قلنا: أما دعوى الفائدة فإنها فاسدة، لأن الفائدة إنما تعتبر إذا كانت ~~فيما هو المقصود بالعقد، وفيما هو المقصود بالعقد ملك المال الدين أكمل من ~~العين وبالتعيين ينتقض، فإنه إن استحق المعين أو هلك بطل ملكه، وإذا ثبت ~~دينا في الذمة لا يتصور هلاكه ولا بطلان الملك بالاستحقاق، ولأن التعيين لا ~~يفيد جواز العقد، فإن العقد جائز بتسمية الدراهم المطلقة من غير ms663 التعيين ~~والمقصود بالعقد الربح، وذلك يحصل بقدر الدراهم لا بعينها فإنه ليس في عين ~~الدراهم والدنانير مقصود إنما المقصود المالية، والمالية باعتبار الرواج في ~~الأسواق وعينها ومثلها لا يختلفان في هذا المعني، فعرفنا أن التعيين غير ~~مفيد PageV04P1708 # فيما هو المطلوب بالعقد، وبه فارق المكيل والموزون، فالتعيين هناك مفيد ~~لجواز العقد، لأن العقد بدون التعيين لا يجوز إلا بذكر الوصف وربما يعجز عن ~~أعلام الوصف فيسقط ذلك عن نفسه بالتعيين. # وقوله: (هذا تغيير لحكم الأصل) يعني به حكم الأصل في الشرع وهو كون الثمن ~~دينا في الذمة حكما أصليا في الشرع غير ضروري، (لأن حكم الشرع في الأعيان ~~أن البيع يتعلق به وجوب ملكها لا وجودها) معناه أن تعيين المبيع ووجوده قبل ~~البيع شرط صحة البيع، والحكم في البيع وجوب الملك في العين وكان العين محلا ~~لثبوت الملك فيها، (وحكم البيع في جانب الأثمان وجودها ووجوبها معا). معناه ~~أن حكم الشرع في البيع في جانب الأثمان وجود الثمن ووجوبه في الذمة، لأن ~~الدراهم والدنايير لم تكن موجودة في الذمة قبل البيع فتوجد بعد البيع على ~~صفة الوجوب فكان وجودها ووجوبها حكما للبيع والجواب غير الوجود. # ألا ترى أن العين موجودة والوجوب منفك عنه، ثم يثبت وجوب التسليم فيه بعد البيع. # ألا ترى أنه يقال: دين واجب وموجود في الذمة فلو كان الوجوب عين الوجود ~~لكان معناه موجود وموجود في الذمة وهذا خلف من القول، فعلم أن PageV04P1709 # الوجوب معنى وراء الوجود لما أن الدين يصح أن يوجد فيه الذمة على وجه ~~الاستحباب لا على وجه الوجوب، وفيه إشكال وهو أن الحكم معنى والوجوب معنى ~~فكيف يقوم المعنى مع أن المعنى يقوم بغيره فكيف يقوم به غيره؟ # قلنا: للأحكام الشرعية حكم الجوهر حتى يقال: بقى لزيد ملك ثابت متقرر، ~~واستدلوا على بقاء الأحكام الشرعية من قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها) والاستدلال من وجهين. # أحدهما بالمجيء بالفعل الذى هو عبارة عن النقل، والذي يقبل النقل هو ~~الجواهر لا الأغراض. # والثاني- أن الله ms664 تعالى جعل الأعيان المؤبدة وهي الجنان بمقابلة الحسنة ~~وهي الفعل الصالح، ف لولا أن الله تعالى لم يجعل للحسنة حكم البقاء لما جعل ~~الأعيان لها. # (بدلالة ثبوتها في الذمة ديونا بلا ضرورة) وهذا تقرير ما سبق من القاعدة ~~الممهدة وهو كون وجود الثمن ووجوبه فى الذمة حكما أصليا في البيع غير متعلق ~~بالعوارض على مثال العزيمة في الأحكام. ألا ترى أن من اشترى بدراهم غير عين ~~وفي يده دراهم صح البيع وثبت في الذمة، فلو لم يكن وجود الدين في الذمة ~~ابتداء حكما أصليا لما جاز بدون الضرورة، ولحقه PageV04P1710 # إنكار من الشرع كما في السلعة فإنه إذا باع شيئا غير عين لا يجوز حيث ~~لحقه التغيير من الشرع، فصار قوله: "دينا بلا ضرورة" احترازا عن السلم فإن ~~الأعيان مثل الحنطة والشعير إنما تصير دينا في السلم بضرورة ورود الرخصة في ~~حقه بالسنة. # وأراد بالضرورة الرخصة (وبدلالة جواز الاستبدال لها وهي ديون) أي جواز ~~الاستبدال لها بالثمن الذى هو الدراهم والدنانير دليل على أن كونها في ~~الذمة حكم أصلي إذ لو يكن أصليا بل كانت العينية فيه أصلا ثم العدول عنه ~~إلى الدين بطريق الضرورة لما صح الاستبدال به كما لا يصح الاستبدال بالمسلم ~~فيه إذا العينية فيه أصل وثبوته في الذمة بطريق الضرورة فاقتصر على جواز ~~العقد فلم تظهر الدينية فيما وراءه. # وتبقى على العينية فيما وراء جواز العقد حتى لم يجز الاستبدال بها لمسلم ~~بالمسلم فيه لما ذكرنا أن الثابت بطريق بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة، ~~فلما ظهر جواز الاستبدال في الدراهم والدنانير. # علم أن الدينية فيها أصل حيث وجوبها في الذمة على الإطلاق. # (ولم تجعل في حكم الأعيان فيما وراء الرخصة) هذا تأكيد لما سبق وذلك أن ~~المسلم فيه في حكم العين فيما وراء الرخصة. # وهي جواز السلم، لأن العينية فيه أصل والدينية عارضة فظهر ذلك في الجواز ~~لا فيما وراءه بل جعل فيما وراءه في حكم العينية فلم يجز الاستبدال به PageV04P1711 # ولم يجعل مثل هذا في الأثمان ms665 بل تثبت هي دينا مطلقا فجاز الاستبدال بها. # (وبدلالة أنه لم يجبرها هذا النقص بقبض ما يقابله) معناه إن غير العينية ~~نقص بالنسبة إلى العينية. # ألا ترى أن بيع درهم عين بدرهم غير عين لا يجوز، وفي المسلم لما كان غير ~~العينية في المسلم فيه ضروريا جبر هذا النقص بقبض ما يقابله وهو قبض رأس ~~المال في المجلس، وحيث لم يجبر هذا النقص في الثمن بقبض ما يقابله وهو ~~المبيع، علم أن كون الثمن دينا في الذمة هو الحكم الأصلي لا العارضي. # (فإذا صح التعيين انقلب الحكم شرطا) يعني: "دراهم ودنانير اكر بتعيين ~~معين شود حكم شرط شود" يعني أن الحكم الأصلي في البيع في جانب الآثمان ~~وجودها ووجوبها في الذمة بسبب البيع وهذا حكم لها يثبت بالبيع، فلو صح ~~التعيين كما في السلع لخرج وجود الثمن من أن يكون حكما للبيع وصار وجوده ~~شرطا لصحة البيع ومحلا لوجوب الملك فيه كما أن وجود السلعة شرط لوجوب الملك ~~فيه فانقلب ما هو حكم لبيع شرطا له. # فالحكم يقتضي التأخر والشرط يقتضي التقدم، والحكم أثر للبيع يظهر ذلك بعد ~~صحته ووجوده، والشرط مصحح لجواز البيع يشترط وجوده قبله PageV04P1712 # فأي تغيير أقوى من هذا، فتبين بهذا أنه ليس من هذا التعليل تعديه حكم ~~النص بعينة بل إثبات حكم آخر في الفرع مخالفا لحم النص. # (وقد صح ظهار الذمي عند الشافعي فصار تغييرا للحرمة المتناهية بالكفارة ~~في الأصل إلى إطلاقها في الفرع عن الغاية). # بيان هذا أن الحرمة بإظهار حرمة تنتهي بالكفارة فكانت حرمة مؤقتة ~~متناهية، والكافر ليس بأهل للكفارة على الإطلاق، لأنه ليس بأهل للصوم، أو ~~لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة وهو ليس بأهل للعبادة، فلو صح ظهار ~~الذمي لثبتت الحرمة في حقه مطلقة لا مؤقتة، فلذلك قلنا: أنه لو ثبت هذا ~~الفرع وهو ظهار الذمي بهذا الطرق يلزم تغيير حكم الأصل الذى هو ظهار المسلم ~~حيث لم يثبت الحكم في الفرع على وفاق الحكم في الأصل. # (وذلك مثل ما قلنا ms666 في تعدية الحكم من الناسي في الفطر إلى الخاطئ ~~والمكره). # فإن قلت: كيف جعلت صورة تعدية الحكم من الناسي إلى الخاطئ PageV04P1713 # والمكره نظير الأصول الثلاثة المختلفة حيث جعلت هي أولا نظير مخالفة ~~الشرط الثاني، وهو أن لا يكون معدولا به عن القياس ثم جعلت نظير مخالفة كون ~~المتعدي حكم النص بعينه من غير تغيير ثم جعلت هاهنا نظير مخالفة كون ~~المتعدي إلى فرع هو نظيره مع مخالفة كل واحد من هذه الأصول الثلاثة للآخر، ~~فلو كان نظيرا لأحد المخالفين لا يكون نظيرا للآخر لوجود المخالفة بينهما. # قلت: جعلت هذه نظيرا لكل واحد م هذه الأصول الثلاثة لانتزاع كل منها إلى ~~ما يشابهه، فإن فيها ما يشابه كل واحد منها، وقد ذكرنا مخالفة كل واحد من ~~ذينك الأصليين الأولين، فإن القول ببقاء الصوم مع فوات ركنه كان معدولا به ~~عن القياس فلا تجوز التعدية في مثله، وكذلك لو عديناها إلى الخاطئ والمكره ~~لا يكون المعتدي حكم النص بعينه من غير تغير. # فإن حكم النص في الناسي وهو الأصل منسوب إلى صاحب الحق، وليس بمنسوب إلى ~~صاحب الحق في الخاطئ والمكره، ثم لو قلنا مع ذلك بجوازه يلزم تغيير حكم ~~النص، وهذا التعليل أيضا متضمن لعدم كون حكم الفرع نظير لحكم الأصل فكانت ~~نظيرة للثلاث بهذا الطريق، وليس ببعيد أن يجتمع في الشيء الواحد أوصاف ~~مختلفة. # فتثبت الأحكام بحسب تلك الأوصاف كمن شرب خمر الذمي متعمدا PageV04P1714 # في نهار رمضان وهو صائم وكان حلف أن لا يشرب خمرا ففيه تثبت أحكام ستة، ~~وهو من حيث إنه شرب الخمر شيء واحد، وقد ذكرناه غير مرة في مواضع. # ألا ترى أن صاحب الكتاب وغيره كيف أدار قوله: مسح في الوضوء فلا يسن فيه ~~التثليث على أصول مختلفة، لأن التيمم تلويث بحقيقته فلا يكون رافعا للحدث ~~حقيقة بخلاف الطهارة بالماء. # (فلما خلق من مائهما تعدى إليهما) فلذلك انتسب الولد بكماله إلى الأب ~~وانتسب أيضا بكماله إلى الأم، فيلزم من هذا أن يصير جزء المرأة جزء الزوج، ms667 ~~وجزء الزوج جزء المرأة. # وهو معنى ما قال (كأنهما صارا شخصا واحدا) في حصول ما هو المقصود من ~~النكاح، كزوجي باب وزوجي خف وهما باب واحد وخف واحد اعتبارا لتعلق ما هو ~~المقصود من النكاح بهما، فعلى هذا ينبغي أن تحرم PageV04P1715 # المرأة على الزوج بصيرورتها جزء للزوج إلا أن مواضع الضرورة مستثناة عن ~~قواعد الشرع. # ألا ترى كيف حلت حواء لآدم عليه السلام وهي جزؤه حقيقة قال تعالى: (وخلق ~~منها زوجها). # (ثم تعدي ذلك) أي التحريم بحرمة المصاهرة (إلى سببه) أي إلى سبب الولد ~~(فصار عاملا بمعنى الأصل) أي فصار الوطء عاملا في إثبات حرمه المصاهرة ~~بمعنى الولد لا بمعنى نفسه، أي الوطء عمل الولد لا عمل نفسه لقيامه مقام ~~الولد كالتراب لما قام مقام الماء عمل النائب وهو التراب عمل المنوب وهو ~~الماء، لأن الشيء إذا أقيم مقام غيره يعتبر فيه صفة الأصل لا صفة نفسه ~~كالنوم يقوم مقام الحدث. # والسفر يقوم مقام المشقة، فلذلك لم يقل إن الوطء الحلال يصلح سببا ~~لاستجلاب كرامة حرمة المصاهرة لا الوطء الحرام، لأن الوطء قام مقام الولد ~~لا باعتبار أنه حلال ولا باعتبار أنه حرام بل باعتبار كونه مفضيا إلى ~~الولد، وعن هذا ذكر في "الزيادات" أن الوطء في الموضع المكروه لا يوجب حرمة ~~المصاهرة لعدم إفضائه إلى الولد. PageV04P1716 # وكذلك أيضا قال الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام -رحمهما الله-: إنه إذا ~~مس امرأة بشهوة فأنزل لا يكون هو موجبا لحرمة المصاهرة فلما كان الاعتبار ~~للولد، وفي الولد لا عصيان ولا عدوان، والوطء قائم مقامه كان الاعتبار ~~للوطء نفسه من غير نظر إلى حله وحرمته في إيجاب حرمة المصاهرة. # وهو معنى قوله: (فلم يجز تخصيه لمعني في نفسه وهو الحل) يعني لا يجوز أن ~~تكون حرمة المصاهرة مختصة بالوطء الحلال. (ولا إبطال الحكم) وهو حرمة ~~المصاهرة لمعنى في الوطء وهو الحرمة، (وصار هذا مثل قولنا في الغصب) يعني ~~أن ثبوت ملك المغصوب للغاصب ليس بالغصب عينه حتى يقال إنه حرام لا يجوز أن ms668 ~~تثبت به نعمة وهي الملك بل نقول: إن الملك إنما ثبت للغاصب لكونه شرطا ~~لوجوب الضمان عليه والشروط اتباع، فكان ثبوت الملك شرطا لما هو مشروع، وهو ~~الضمان فأخذ حكمه لكونه تبعا له. # وقوله: (إنه من أسباب الملك تبعا لوجوب ضمان الغصب لا أصلا) أي PageV04P1717 # إن الغضب من أسباب الملك على وجه التبعية فيه صفة المتبوع وهو الضمان لا ~~صفة التابع وهو ثبوت الملك للغاصب، (فثبت بشروط الأصل) أي فثبت الملك ~~للغاصب بسبب شروط وجوب الضمان عليه، لأن وجوب الضمان على الغاصب للمالك ~~يقتضي فوات الملك عن المالك، لأن الضمان جابر للغائب أجمعنا واتفقنا على ~~وجوب الضمان على الغاصب. # ثم لو لم نقل بفوات الملك عن ال مالك يلزم أن نقوم بثبوت الجابر للمالك ~~مع بقاء المجبور على ملكه، وهو لا يصح لاقتضاء ذلك اجتماع العوض والمعوض ~~عنه في ملك رجل واحد وهو غير جائر. # (فكان هذا الأصل مجمعا عليه في الحرمات التي بنيت على الاحتياط) يعني ~~قيام السبب مقام المسبب في الشيء الذي بني على الاحتياط أصل مجمع عليه. # (فأما النسب فلم يبن على مثل هذا الاحتياط، فوجب قطع النسب عند الاشتباه) ~~أي لم يثبت نسب الولد المخلوق من ماء الزنا للزاني إذ لو ثبت لاشتبهت ~~الأنساب، فلا يدرى من الوالد لاحتمال أن تزني المرأة بعدد من الرجال ~~فاشتبهت الأنساب، فالشارع قطع النسب عن الزاني لهذه الحكمة PageV04P1718 # البالغة، (ولا يلزم على هذا أن هذه الحرمة لا تتعدى إلى الأخوة والأخوات ~~ونحوهم) يعني لا يلزم على ما ذكرنا من التعليل هو أنهما صارا كشخص واحد أن ~~تصير أختها كأخته وأخوه كأخيها، (لأن التعليل لا يعمل في تغيير الأصول) ~~يعني أن تعليلنا يقتضي حرمة مؤبدة ممتدة، والأصول أثبتت حرمة أخوات الزوجة ~~وأخوة الزوج مؤقتة متناهية والتعليل أبدا يعتبر إذا لم يكن فيه تغيير النص، ~~فلم تكن العلة عند وود النص موجودة معنى، فكان عدم الحكم لعدم العلة لا ~~لوجود العلة، فلم يكن هذا تخصيص العلة. # وقوله: (في كفارة القتل العمد) أي ms669 عدى الشافعي وجوب الكفارة من القتل ~~الخطأ إلى القتل العمد مع أن في القتل العمد نصا في أنه لا كفارة فيه وهو ~~قوله عليه السلام: (خمس من الكبائر لا كفارة فيهن -وعد منها- القتل العمد). PageV04P1719 # (وكذلك في اليمين الغموس) حيث عد الشافعي وجوب الكفارة من اليمين ~~المنعقدة إلى الغموس مع أن النص موجود في الفرع الذي هو الغموس بأنه لا ~~كفارة فيه، وهو أيضا من لك الخمس التي ذكرنا. # (وشرط الإيمان في مصرف الصدقات اعتبارا بالزكاة) أي اشترط الشافعي صفة ~~الإيمان في مصرف الصدقات الواجبة سوى الزكاة مثل صدقة الفطر أو الكفارات ~~قلنا: لا يصح ذلك، لأن النص موجود في الفرع وهو يدل على جواز الصرف إلى ~~الكافر، وهو قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم). # (ومثل شرط التمليك في طعام الكفارات) أي عدى الشافعي اشتراط التمليك من ~~الكسوة إلى الإطعام، مع أن في الفرع وهو الإطعام نصا يدل على جوازه بدون ~~التمليك. # وهو قوله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين) والإطعام فعل متعد لازمه ~~الطعم وهو الأكل وهو لا ينبئ عن الملك فلا يكون الإطعام تمليكا بل إيكالا، ~~والإيكال لا يحتاج إلى اشتراط التمليك، فكان اشتراط التمليك PageV04P1720 # شرطا يخالف النص. # (وشرط الإيمان في كفارة اليمين والظهار) أي عدى الشافعي اشتراط صفة ~~الإيمان في الرقبة من كفارة القتل إلى كفارة اليمين والظهار مع أن فيهما ~~نصا مطلقا يقتضي جواز تحرير الرقبة فيهما بدون صفة الإيمان فيها وهو قوله ~~تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين) إلى قوله: (أو تحرير رقبة) في اليمين، ~~وقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) ~~في الظهار بدون ذكر الإيمان. # فكان اشتراط الإيمان في الرقبة فيهما شرطا يخالف النص، فتقييد إطلاق النص ~~تغيير له كإطلاق المقيد، فإطلاق المقيد باطل بالإجماع فكذا عكسه، لما أن ~~المطلق مكن العمل من غير زيادة فيه، فكانت الزيادة بعد إمكان العمل به ~~تغييرا له لا محالة. # (وأما الشرط الرابع وهو ms670 أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل) أي لا ~~يتغير حكم النص في نفسه بسبب التعليل، والذي ذكر قبله PageV04P1721 # بقوله: ومن هذه الجملة أن يكون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغيير كان ~~ذلك التغيير يلحق النص في حق الفرع كما في السلم الحال، وهذا الذي ذكره في ~~الشرط الرابع تغيير يحلق النص في نفسه وهو باطل أيضا. # وهذا لأنه لما ثبت أن التعليل لا يجوز أن يكون مغيرا حكم الأصل في نفسه، ~~ففي كل موضع لا يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله فذلك ~~التعليل يكون باطلا ل كونه مغيرا لحكم الأصل. # كذا قاله الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-. # (وقوله: كما أبطلنا في الفروع) إشارة إلى ما ذكر بقوله: "من ذلك ما قلنا ~~إن السلم الحال باطل". # وكذلك ما بعده من الأحكام أي كما ذكرنا بطلان تعليل يوجب تغيير حكم النص ~~في حق الفروع، فلذلك نذكر بطلان تعليل يوجب تغيير الحكم النص في حق نفسه، ~~والمراد من النص الأصل ثم سواء كان ذلك الأصل بالنص أو بالإجماع. بيان ذلك ~~أن التعليل لجواز السلم الحال يوجب أن يتغير PageV04P1722 # حكم الأصل في حق الفرع، لأن من شرط جواز البيع الذي هو الأصل أن يكون ~~المبيع موجودا مملوكا مقدور التسليم، ثم الأجل في الفرع وهو السلم قام مقام ~~ذلك الشرط. # فالقول بجواز السلم الحال مسقط لذلك الشرط في حق الفرع، فكان ذلك تغيرا ~~لحكم الأصل في شرطه في حق الفرع. وأما القول باشتراط التمليك في طعام ~~الكفارة بالتعليل فهو تغيير لحكم النص في نفسه والأصل وهو قوله تعالى: ~~(فكفارته إطعام عشرة مساكين) وهو ظاهر على ما ذكر في الكتاب إلا لا يبقى ~~الإطعام إطعاما بعد التعليل بالتمليك، فكان (تغييرا في نفس النص فوجب أن ~~يكون حكم القذف إبطال الشهادة حدا) أي من حيث الحد، وهو يبطل شهادة القاذف ~~من حيث الفسق حتى قبل شهادته بعد التوب، فجعل بعض الحد حدا، لأن كل الحد ~~الجلد ورد الشهادة، فجعل ms671 هو الجلد كل الحد بالتعليل. # فقال: هو محدود في كبير فتقبل شهادته بعد التوبة كالمحدود في الزنا وشرب ~~الخرم، والنص جعله بعض الحد، فعلى هذا كان قوله: "لأن الوقت من الأبد بضعه" ~~تعليلا لمعلل محذوف تقديره: وقبل شهادة القاذف بعد التوبة، والنص رد شهادته ~~مؤبدا، فكان تعليله تغييرا للنص، لأن الرد PageV04P1723 # المؤقت بعض الرد المؤبد، والنص رد شهادته مؤبدا، أو معنى قوله: "فجعل بعض ~~الحد حدا" إن الله تعالى جعل رد الشهادة مؤبدا مع الجلد كل الحد، فلما قبل ~~الشافعي شهادة القاذف بعد التوبة كان ردا لشهادته مؤقتا من الأبد بعضه، ~~فكان المعلل حينئذ مذكور وهو الأوجه لصحته بدون الإدراج. # (وأثبت الرد بنفس القذف بدون مدة العجز، وهو تغيير لحكم النص) يعني أن ~~الشافعي رد شهادة القاذف بنفس القذف بمنزلة سائر الجرائم المبطلة لشهادة ~~كالزنا وغيره. # فإنه كما زنا أو شرب الخمر ترد شهادته بدون التوقف إلى شيء آخر فكذا في ~~جريمة القذف كان تغييرا للنص، لأن الله تعالى وقت وقف الرد إلى مدة العجز ~~عن الإتيان بالشهود بقوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) ~~وذلك لا يحصل بدون مدة العجز، فإثبات الرد بدون مدته تغيير لحكم النص ~~بالتعليل. PageV04P1724 # (وزاد النفي على الجلد وهو تغيير) وهذا عكس ما قبل شهادة المحدود في ~~القذف بعد التوبة، فإنه جعل الجلد بعض الحد، لأن كل الحد في حق زنا البكر ~~عنده الجلد مع النفي، فكان الجلد بعض الحد، والله تعالى جعل الجلد كل الحد ~~بقوله: (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فالفاء للجزاء، والجزاء اسم لما ~~تقع به الكفاية، والخصم لم يجعل الجلد كافيا فيه فكان تغييرا للنص. PageV04P1725 # (وذلك أن المستثنى منه إنما يثبت على وفق المستثنى فيما استثني من النفي) ~~يعني أن المستثنى منه إذا حذف في الكلام إنما يجعل المستثنى منه من جنس ~~المستثنى فيما استثني من النفي، وإنما خص النفي لأن حذف المستثني منه في ~~الكلام إنما ms672 يصح في النفي لا في الإثبات. # والفرق فيه هو أن موضع النفي موضع التعميم، وعن هذا قيل: النكرة في موضع ~~النفي تعم وفي الإثبات تخص، ولما كان كذلك استقام حذف المستثني منه في موضع ~~النفي لا في موضع الإثبات، لأن أعم العام إنما يقدر عنه الحذف، ويجب أن ~~يكون ذلك الأعم من جنس المستثنى، وذلك صحيح في موضع النفي لا في الإثبات. # ألا ترى أنك لو قلت: جاءني إلا زيد يجب عليك أن تقدر جاءني جميع بني آدم ~~إلا زيدا. إذ في تقدير ما دونه ترجيح أحد المتساويين على الآخر وهو باطل، ~~لأنه يلزم ترجيحه بلا مرجح، ومجيء جميع بنى آدم إليك محال بخلاف قولك: ما ~~جاءني إلا زيد، فإنه صحيح مستقيم، لأن تقديره: ما جاءني بنو آدم إلا زيد، ~~ولا كلام في صحته فكذا عند الخلف، فظهر من هذا أصلا: أحدهما- أن المستثني ~~منه يجب أن يكون من جنس المستثنى. PageV04P1726 # والثاني- أن حذف المستثنى منه إنما يصح في موضع النفي. # (وقوله عليه السلام: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء)). موضع ~~النفي فكان حذف المستثني منه فيه جائزا، والطعام ليس من جنس قوله: (إلا ~~سواء بسواء) لأن المساواة معنى والطعام عين فلابد من إدراج أعم المعاني ~~الذي هو من جنس المستثنى، فمن ضرورة هذا كان التقدير: لا تبيعوا الطعام ~~بالطعام في جميع الأحوال إلا حال التساوي. # وأحوال الطعام في البيع ثلاث: المجازفة، والمفاضلة، والمساواة فكان عموم ~~الأحوال ثابتا بالنص، وهذا العموم لا يثبت إلا في الكثير وهو الذي يدخل تحت ~~الكيل إذ المجازفة إنما تحرم لاحتمال كون أحدهما فاضلا على الآخر، وذلك لا ~~يتصور إلا بعد اعتبار المساواة بينهما، وذلك إنما يكون بالمسوى. PageV04P1727 # ثم نقول: إن المسوى هو الكيل إما بالإجماع أو بحديث آخره وهو قوله عليه ~~السلام: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا كيلا بكيل)) وكذلك المفاضلة إذ فضل ~~أحدهما على الآخر لا يتصور إلا بعد اعتبار المساواة بينهما بالكيل الشرعي ~~على ما بينا. # وكذلك المساواة إذ التسوية بالمعيار هو المراد، ms673 لأن التسوية بينهما من ~~حيث الحبات أو من حيث الوزن أو من حيث الجودة غير مرادة بالإجماع، ولن توجد ~~هذه الأحوال إلا فيما تدخل تحت الكيل إلا أن التعليل منا وافق لما ذكرنا من ~~الثابت بالنص، فكان هذا التغيير مضافا إلى النص لا إلى التعليل، وهو معنى ~~قوله: (فصار التغيير بالنص مصاحبا للتعليل لا به) أي لا بالتعليل. # (وإنما سقط حقه) أي حق الله تعالى (في الصورة) أي في صورة الشاة بالنص ~~وهو قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها). PageV04P1728 # (ثم أمر بإنجاز المواعيد) أي أمر الأغنياء إنجازها # (وذلك لا يحتمله) أي وذلك المسمي لا يحتمل الإنجاز (بأن ينجزها) أي بأن ~~ينجز المواعيد المختلفة (مجامعا للتعليل) أي موافقا له، لأن الزكاة عبادة ~~محضة، لأنها من أركان الدين الخمسة على ما قال النبي عليه السلام "بني ~~الإسلام على خمس، شهادة أن لا إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة" إلى ~~آخره، والدين كله لله تعالى. # وبهذا يتبين خطأ من يقول بأنه الزكاة حق الفقراء مستحقة لهم شرعا، بل ~~الزكاة محض حق الله تعالى -على ما قلنا- إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة ~~-رحمة الله-. # فلا تجب للعبادة بوجه، لأن المستحق للعبادة الله تعالى على الخصوص، وهذا ~~لأن الإيمان حق الله تعالى على الخصوص ولا مدخل العبد فيه بوجه، والزكاة ~~مخصوصة بالإيمان فكانت مخصوصة بحق الله تعالى، ولأن النصاب PageV04P1729 # لو كان جارية وحال الحول عليها جاز لمولاها أن يطأها، فلو كان للفقير ~~فيها نوع حق عينا لما جاز لمولاها أن يطأها. # (وإنما التعليل لحكم شرعي) جواب شبهة ترد على قوله: "لا بالتعليل" بأن ~~يقال: لما لم يكن التغيير بالتعليل وجب أن لا يعلل مسألة دفع القيم في باب ~~الزكاة فقال: التعليل لم يكن للتغيير ولكن لإظهار حكم الشرعي (وهو كون ~~الشاة صالحة للتسليم إلى الفقير). # وكذلك قيمتها أيضا صالحة للتسليم إلى الفقير مع إبقاء صلاحية دفع الشاة ~~إلى الفقير أيضا، فلا يكون تغييرا بل جميع مواضع الأقيسة كذلك، فإن الحكم ms674 ~~يثبت في الفرع بعد القياس مع بقاء صلاحية الأصل أيضا لإثبات ذلك الحكم كما ~~كان، فلا يكون هذا تغيير للنص بل قياسا وهذا شائع بالاتفاق. # وهذا لأن معنى الصلاحية في الشاه للصرف إلى الفقير كونها ما لا متقوما، ~~وهذا المعنى كما هو موجود في الشاة موجود في غيرها أيضا فيتعدى منها على ~~غير باعتبار صلاحية الصرف إلى الفقير، وهذا هو عين القياس فلا يكون تغييرا للنص. # وإنما التغيير فيما قاله الشافعي في إطعام الكفارة وغير ذلك، فإنه لما ~~علل PageV04P1730 # الإطعام بالتمليك لم يبق النص بمعنى الإطعام مثبتا للحكم، فكان الإطعام ~~متغيرا بالتعليل بالتمليك. # (وأحلت لهذه الأمة بعد أن ثبت خبثها)، فإن قيل: (الله تعالى طيب لا يقبل ~~إلا الطيب) وإذا ثبت الخبث في الصدقة فكيف يقبل الله الخبيث؟ # قلنا: تمكن الخبث في الصدقة بعد تحقيق الصدقة بالوقوع في يد الفقير فكان ~~الخبث حكما للصدقة، وحكم الشيء لا يمنع تحقق سببه كإرسال الطلقات الثلاث ~~فإنه يخرج المحل عن محلية الطلاق، وكتمليك النصاب للفقير فإنه يخرج المحل ~~عن محلية الصدقة، ومع ذلك لا يمنع تصدق النصاب للفقير فإنه يخرج المحل عن ~~محلية الصدق، ومع ذلك لا يمنع تصدق النصاب ابتداء لما قلنا، فكذلك ها هنا ~~ثبوت الخبث حكم الصدق، فلا يمنع الصدقة. # فإن قيل: لما كان هذا بمنزلة تمليك النصاب للفقير وجب أن تكره الصدقة ~~للفقير كما تكره هنا. PageV04P1731 # قلنا: تكره هناك ولا تكره ها هنا، لأن هناك المتصدق كان متمكنا من الخروج ~~من عهدة التصدق من غير أن تلحقه الكراهية بأن يفرق النصاب على الفقراء على ~~وجه لا يقارب الغنى التمليك، وها هنا لا يتمكن المتصدق من التصدق على وجه ~~لا يتحقق الخبث في حكمه فلا يكره التصدق ها هنا، فلذلك افترقا وصار كثبوت ~~حرمة المصاهرة باعتبار الجزية حتى تعدى إلى أمهات الموطوءة وبناتها، ولم ~~يثبت في حقا لموطوءة نفسها لعدم إمكان الاحتراز عنها مع إرادة بقاء النسل ~~بالنكاح. # فقلنا بأن حرمة المصاهرة لم تثبت في حقها لضرورة التوالد والتناسل ولا ms675 ~~ضرورة في سائرها، فيثبت بعد الوقوع لله تعالى في ابتداء اليد، فإن الفقير ~~في ابتداء القبض نائب عن الله تعالى. PageV04P1732 # (فصار صلاح الصرف إلى الفقير حكما شرعيا في الشاة، فعللناه بالتقويم)، ~~لأن ذلك الحكم الشرعي كما هو موجود في الشاة موجود في قيمتها، فيجوز صرف ~~قيمتها إلى الفقير كجواز صرف الشاة إليه، وكان هذا تعليلا وافقا للنص لا ~~يتغير به حكم النص، فكان حكم النص بعد التعليل وقبله سواء. # وقوله: (لكونه ثناء مطلقا احتراز من قوله: "اللهم اغفر لي". # (لكن الواجب إزالة العين النجس عن الثوب، والماء آلة) صالحة لإزالة ~~النجاسة، وسائر المائعات الطاهرة مثل الماء في هذه الصفة، فبالتعدية إلى ~~غيره PageV04P1733 # لا يتغير هذا الحكم (وهو كون الماء آلة صالحة للتطهير). # (هذا حكم شرعي في المزيل) أي كون الماء لا ينجس في ابتداء ملاقات النجاسة ~~حكم شرعي في المزيل وهو الماء والطهارة في محل العمل وهو الثوب حكم شرعي أيضا. # وقوله: "والطهارة" معطوف على قوله: "هذا". # فإن قيل: إن كون الماء لا ينجس في أول ملاقاته للنجاسة في الثوب حالة ~~الاستعمال حكم اختص به الماء بطريق الضرورة فكيف يتعدى منه إلى سائر ~~المائعات؟ # قلنا: الحكم إذا ثبت بطريق الضرورة لمعنى في محل ثم شاركه غيره في ذلك ~~المعنى والضرورة تثبت الحكم فيه كثبوته في الأصل كما في حكم بقاء طهارة ~~المستحاضة في الوقت تعدى إلى من هو في معناها كمن به سلس البول أو الجرح ~~الذي لا يرقأ. # وإن كان حكم بقاء طهارة المستحاضة في الوقت حكما ثبت على خلاف القياس ~~فكذلك هنا هنا إن كون الماء لا ينجس حالة الاستعمال وطهارة المحل لضرورة ~~احتياج صاحب الثوب إلى طهارته وصلاحية الماء للتطهير لمعنى القلع PageV04P1734 # والإزالة، فلما شاركه غير في هذين المعنيين ثبت حكم الماء فيه أيضا ~~كثبوته في الماء مع بقاء صلاحية الماء لذلك، إذ المشاركة في العلة توجب ~~المشاركة في الحكم، وهذا لأن الثوب كان طاهرا وقد جاوره النجاسة فبإزالتهما ~~يحصل ما في الثوب من الطهارة لما أن ms676 النجاسة إذا زالت بقي الثوب طاهرا ~~كالدرن في الثوب الأبيض. # فبالغسل يزول الدرن فيظهر ما كان في الثوب من البياض، وكذلك صلاحية كون ~~الماء مزيلا للنجاسة لكونه مائعا رقيقا قابلا للانعصار بالعصر وغيره إذا ~~شاركه في هذا المعنى من كل وجه يثبت ذلك الحكم فيه أيضا كثبوته في الماء. # (لأن عمل الماء لا يثبت ف ي محل الحدث إلا بإثبات المزال، وذلك أمر شرعي ~~ثبت في محل العمل غير معقول). # بيانه أن اتصاف العضو بالحدث والنجاسة أمر شرعي فيه غير معقول، أي غير ~~مدرك بالعقل معنى نجاسته، لأن هذه الأعضاء ليس بنجسه حقيقة ولا يتنجس الماء ~~القليل بملاقاة هذا العضو إذا لم يكن له نية قربة. PageV04P1735 # وكذلك جاز أكل المحدث بيده طعاما مائعا، فكان ما ثبت من النجاسة في هذه ~~الأعضاء غير مدرك بالعقل وعمل الماء لا يظهر في هذه الأعضاء إلا بإثبات ~~المزال أي بإثبات زوال ما كان في هذه الأعضاء مما يمنع التقرب إلى الله ~~تعالى، وهذا العمل ثبت عند استعمال الماء الذي لا يبالي بخبثه. # إذ الناس لا يبالون بخبث الماء بالوضوء وبصبه في موضع النجاسات، فلم يجز ~~إثبات هذا الحكم فيما يبالى بخبثه، وهو في نفسه أمر غير معقول المعنى بخلاف ~~النجاسة الحقيقة إذ هي عين محسوسة، فإذا زالت عن موضعها لا تبقى فيه، وهو ~~معقول فتعدى من الماء إلى غيره لوجود معنى الإزالة في ذلك الغير. # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- وليس في أعضاء المحدث عين يزول ~~باستعمال الماء، فإن أعضاءه طاهرة، وإنما فيها مانعا حكميا من أداء الصلاة ~~غير معقول المعني، وقد ثبت بالنص رفع ذلك المانع بالماء وهو غير معقول ~~المعني، وقد بينا أن مثل هذا الحكم لا يمكن تعليله للتعدية إلى محل آخر. # (ولا يلزم أن الوضوء صح مع هذا بغير النية). وجه الورود وهو أن وجوب ~~طهارة هذه الأعضاء بالوضوء لما كان غير معقول لكون هذه الأعضاء PageV04P1736 # محكومة عليها بالطهارة شرعا لما ذكرنا كان الوضوء بمنزلة التيمم في كون ~~وجوب الطهارة ms677 به غير معقول لعدم حصول الطهارة بكل واحد منهما عقلا، فكان ~~وجوب الطهارة فيهما مع ذلك أمرا تعبديا فتجب النية في الوضوء حينئذ كوجوبها ~~في التيمم. # فأجاب عنه بقوله: (لأن التغير ثبت في محل العمل بوجه لا يعقل فبقي الماء ~~بطبعه من الوجه الذي يعقل) أراد به أن تغير العضو من الطهارة إلى النجاسة ~~معنى لا يعقل إلا أن الماء عامل بطبعه وهو معقول فلا يفتقر إلى النية، لأن ~~ما كان طبعا لشيء لا يتغير بالنية. # والتطهير والإزالة طبع للماء فيعمل عمله حيث ما وجد استعماله فيه فلا ~~يفتقر إلى النية كالنار للإحراق والسكين للقطع بخلاف التراب، لأن طبعه ~~التلويث لا الإزالة فاحتيج إلى النية ليعمل عمل الماء لا لأن النية غيرت ~~طبعه حقيقة لكن الشرع لما أقامه مقام الماء عند إرادة الصلاة عمل عمل الماء ~~في إثبات الطهارة وإرادة الصلاة به هي النية، فلهذا تشترط النية في التيمم ~~دون الوضوء، والله أعلم. PageV04P1737 ### || AUTO باب الركن # لما فرغ من بيان الشروط التي هي مقتضية للتقدم شرع في بيان ما هو العمدة ~~في الباب وهو الركن، لما أن ركن الشيء ما يتقوم به ذلك الشيء، فالوصف الذي ~~هو المؤثر في الحكم جعل علما على الحكم في النص، وإنما سمي عليما، لأن ~~الحكم في المنصوص عليه مضاف إلى النص فسمي علما لما أن القياس هو الإبانة، ~~فلم يكن مثبتا حقيقة كما هو الأصل في الأعلام، فإن الحكم لا يضاف إلى ~~العلامة. # وقوله: (مما اشتمل عليه النص) يعني: "آن جيزي كه علم كردانيده شد بر حكم ~~نص بايد كه وي ازآن جيزي بود كه نص ويرا فراز كرفته بود يا از روي لفظ يا ~~از روي معني" والاشتمال تارة يكون من حيث اللفظ، وتارة يكون من حيث المعنى. PageV04P1738 # والذي يكون من حيث اللفظ يجوز أن يكون وصفا لازما مثل الثمنية أو عارضا ~~مثل الانفجار أو حكما مثل ما استدل النبي عليه السلام بجواز قضاء دين للأب ~~على جواز قضاء الحج عن الأب إلى ms678 آخره. # وقوله: (والطعم جعله الشافعي علة للربا) لما أن الطعم لازم أي للحنطة ~~والشعير، لأنهما لا يوجدان إلا ومعهما الطعم، (وعللنا بالكيل وهو غير لازم) ~~أي توجد الحنطة والشعير فيما دون الكيل أيضا. # وليس معناه أن غيرهما مكيل أيضا، لأن الطعم جعل لازما في تعليل الشافعي ~~مع أن ذلك موجود في غير الحنطة والشعير، لأن معنى عدم اللزوم إنما يكون أن ~~لو كان هو موجودا وليس له هذه الصفة، لا أن تكون موجودة هي فيه وفي غيره، ~~وذلك إنما يكون في قولنا فيما دون الكيل، أعني عللنا قوله عليه السلام: ~~"الحنطة بالحنطة" بالكيل والجنس. # والكيل غير لازم للحنطة لوجود الحنطة غير مكيلة فيما دون نصف صاع كانت ~~الحنطة موجودة ولا كيل لها فكان الكيل غير لازم لها. PageV04P1739 # (يتعلق عتقه بمطلق موت المولى) أي: فلا يجوز بيعه كأم الولد وقيد بقوله: ~~بمطلق موت المولى: "احترازا عن المدير المقيد، (ويجوز أن يكون فردا) نحو ~~تعليل ربا النسيئة بوصف واحد وهو الجنس أو القدر، (وعددا) نحو علة حرمة ~~التفاضل فإنه القدر مع الجنس. # (ويجوز في غيره إذا كان ثابتا به) أي إذا كان النص مقتضيا له من حيث ~~المعنى. # (وهو معلول بإعدام العاقد) أي بفقرة واحتياجه (وليس في النص) ذلك، لأن ~~المذكور هو السلم، وإعدام العاقد صفة العاقد لا صفة النص لكن السلم يقتضي ~~عاقدا لا محالة والإعدام صفته، فكان الإعدام من مقتضيات النص، وكذلك بيع ~~الآبق معلول بالعجز عن التسليم وليس في النص ذلك، إلا أن البيع يقتضي بائعا ~~ضرورة والعجز صفته فكان ثابتا هو أيضا بمقتضى النص من حيث المعنى. PageV04P1740 # وكذلك الشافعي علل قوله عليه السلام: "لا تنكح الأمة على الحرة" (بإرفاق ~~جزء منه) يعني: أن عدم جواز نكاح الأمة على الحرة بعلة أنه سعي في إرقاق ~~جزئه فلا يثبت إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، لأن تحته حرة فعدي هذا الحكم ~~منه إلى من كان قادرا على نكاح الحرة، فلا يجوز نكاح الأمة له أيضا لوجود ~~العلة وهي إرقاق جزئه بلا ms679 ضرورة، وليس هذا في النص الذي ذكرنا، ولكن ذلك ~~النص يقتضي ناكحا لا محالة والإرقاق صفته فكان ثابتا ب اقتضاء النص معنى. # (واتفقوا أن كل أوصاف النص بجملتها لا يجوز أن يكون علة) يعني: اشتراط ~~وجود جميع أوصاف النص في الفرع في التعليل لا يجوز، لأنه حينئذ كان الفرع ~~عين المنصوص عليه، ولا يكون فرعا، لأن جميع أوصاف المنصوص عليه لا يوجد إلا ~~في المنصوص عليه، ولا يجوز أيضا أن PageV04P1741 # يكون وصف من أوصاف النص علة الحكم من غير تفرقة بينهما، لأنه حينئذ يسقط ~~الابتلاء والاعتبار، فإن الاعتبار مأمور به، وذلك إنما يكون لتمييز وصف منج ~~من وصف مهلك لتشبث المعتبر بالمنجي ويحترز عن المهلك، وذلك لا يحصل بدون ~~الاعتبار والتأمل، فلو قلنا بجواز عدم التفرقة بين الأوصاف في التعليل ~~لاستوى فيه العالم والجاهل. فكان ذلك مثل التعليل بالوجود في الأشياء ~~المتضادة، بل التعليل إنما يصح بوصف صالح للتعليل من بين سائر الأوصاف. # ثم اختلفوا في تلك الصلاحية للتعليل. # (فقال أهل الطرد: إنه يصير حجة بمجرد الاطراد) يعني: أينما طرد ذلك الوصف ~~من طرده وأداره على الأحكام وجد ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه عند ذلك ~~الوصف الذي طرده بالإجماع من غير أن يذكر اثر ذلك الوصف في استدعاء ذلك ~~الحكم، كما قال الشافعي -رحمه الله- في أن النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع ~~الرجال بقوله: "لأنه ليس بمال" فوجد هذا PageV04P1742 # الوصف مطردا في الحدود والقصاص. # وهكذا طرد أيضا وصف عدم البعضية في أولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال ~~والخالات في تعليل عدم عتق الأخ، فوجده مطردا بالإجماع، فقال: لا يعتق ~~الأخ، لأنه ليس بينهما بعضية من غير ذكر أثر الوصف. # وكذلك تعليل بعضهم: هذه عبادة لها تحليل وتحريم، فكان من أركانها ما له ~~عدد سبع كالحج، وطرد عدد السبع فيما ادعى من الحكم فوجده مطردا في الحج ~~بالإجماع، فجعل الفاتحة من أركان الصلاة، لكونها سبع آيات كما أن سبع أشواط ~~الطوائف من أركان الحج على ما يجيء بيانه في أقسام الطرد ms680 إن شاء الله. # (والسلف) الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعون وأصحابنا المتقدمون أعني ~~أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا -رحمهم الله- (والخلف) من بعدهم والمتأخرون من ~~بعدهم، (واتفقوا في صلاحه) بخلاف العدالة فإنهم اختلفوا في تفسيرها. PageV04P1743 # (وإنما نعني بالأثر ما جعل له أثر في الشرع) أي: في جنس ذلك الحكم الذي ~~وقع النزاع فيه كتعليلنا بالصغر في ولاية المناكح بقولنا: إنها تزوج كرها، ~~لأنها صغيرة، فإن للصغر أثرا في إسقاط الولاية عن الصغير في حق المال ~~بالاتفاق، فوجب أن يكون له أثر أيضا في إسقاط الولاية عن نفسه في النكاح، ~~والجامع بينهما هو معنى العجز عن إصلاح أمر نفسه فيقوم أقرب الناس إليه ~~بالعقل الكامل مقامه في إصلاح أمره، وهذا لأن معنى العجز مستلزم للضرورة، ~~وللضرورة تأثير في إسقاط ما كان له في الأصل للتخفيف عرف ذلك بالكتاب ~~والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم) إلى قوله: (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم ~~على بعض) حيث جعل كثرة الطواف سببا لسقوط الاستئذان للتخفيف، لما أن كثرة ~~الطواف مستلزمة للحرج والضرورة. # وكذلك في السنة وهي قوله عليه السلام: "الهرة ليست بنجسة، لأنها من PageV04P1744 # الطوافين عليكم والطوافات". حيث جعل كثرة الطواف سببا لسقوط النجاسة ~~للتخفيف لكون كثرة الطواف مستلزمة للضرورة. # (عدالته بكونه مخيلا) أي: موقعا خيال الصحة في القلب (ثم العرض على ~~الأصول)، وهذا تفريع على قول ذلك البعض، إذ لا حاجة عندنا إلى العرض على ~~الأصول. # والمعني من العرض على الأصول هو أن يعرض وصفه الذي جعله عله على صور يوجد ~~ذلك الوصف فيها، كوصف الطعم الذي جعله الشافعي علة الربا يعرضه على ~~المطعومات فيجد وصفه مثبتا لذلك الحكم الذي ادعاه بالاتفاق، فيجعل ذلك علة ~~الحكم المتنازع فيه إذا لم يجد ذلك الوصف منقوضا ولا مجروحا في تلك الصور ~~كما في الشاهد. # (وإنما يعرض على أصلين فصاعدا) نظير ذلك ما جعل الشافعي في وصف الطعم علة ~~الربا في قوله عليه السلام: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل" وعرض ms681 ذلك الوصف على ~~السمسم والأرز فوجده فيهما مؤثرا في إثبات حكم الربا بالاتفاق فجعل الطعم ~~علة الربا في المطعومات، لأن الأصليين لم يرداه. PageV04P1745 # (وإنما النقض جرح والمعارضة دفع) يعني أن النقض يجرح الوصف فخرجه عن كونه ~~حجة كجرح الشاهد بالرق، والمعارضة دفع لا تمنع الوصف عن كونه علة لكن تدفع ~~الحكم الذي أثبته الوصف بعلة أخرى، وعندنا عدالته بكونه مؤثرا أي جعل لهذا ~~الوصف أثر في الشرع في جنس ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه على ما ذكرنا، ~~وعرف ذلك الأثر إما بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع. PageV04P1746 # (لأن ما لا يحس إنما يعرف بأثره) كما عرفنا الله تعالى، لكونه غير محسوس ~~بآثار صنعه، والوصف الذي هو المؤثر لا يحس أيضا فيعرف ذلك بأثره بالبيان. # (والوصف على وجه مجمع عليه) كطهارة سؤر الهرة بعلة الطوف، والطوف من ~~أسباب الضرورة وهي موجبة للتخفيف بوجه مجمع عليه في جنس هذا الحكم وهو سقوط ~~الخطر بالضرورة كما أشار عليه قوله تعالى: (فمن فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم). # (وأما الخيال فأمر) لا يعول عليه، لأن للخصم أن يقول: وقع في قلبي خيال ~~فساد (وصفك فلا ينفك عن المعارضة) وما لا ينفك عن PageV04P1747 # المعارضة لا يصلح حجة شرعية كالوصف الذي لا ينفك عن المناقضة لا يصلح ~~حجة، لما عرف أن حجج الله تعالى لا تتعارض في أنفسها ولا تتناقض، ولأن الظن ~~لا يغني من الحق شيئا، والحجة ما كان أمرا ثابتا في حق الكل، والظن يختص ~~بمن ابتلي به. # ألا ترى أن التحري في باب القبلة لا يتعدى ممن أبتلي به ولا يصير قبلة في ~~حق غيره. # وقوله: (فنقل عنه إلى شهادة القلب) "أي الوصف في كونه معدلا نقل عن الأثر ~~إلى شهادة القلب. بخلاف الشاهد" يعني أن التزكية فيه لازمة لاحتمال اعتراض ~~الفسق عليه بعد كونه عدلا. # فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه يصير عدالته معلومة، ~~إذ ليس فيه توهم الخيانة، فلهذا كان العرض على ms682 الأصول هنا احتياطا. PageV04P1748 # وقوله: (كالأثر المحسوس الدال على غير المحسوس) كأثر المشي على الأرض ~~فإنه يدل على الماشي، وإن كان الماشي غائبا غير محسوس، وكذا البناء يدل على ~~أن بانيا بناه، وكان الباني حيا قادرا على البناء وعالما به. يحكم بعقله ~~على هذا بالقطع والبتات، وغن لم يكن رأي الباني فيكون في تيقنه أن باني هذا ~~البناء كان موصوفا بهذه الأوصاف كأنه راه. # وقوله: (فرقهم) جواب عما فرق أهل المقالة الأولي بقولهم: "بخلاف الشاهد ~~لأنه يتوهم" إلى آخره. حيث جعلوا التزكية شرطا لازما ولم يجعلوا العرض على ~~الأصول في الوصف لازما بل جعلوا العرض للاحتياط للفرق الذي قالوا. # قلنا: هذا الفرق ليس بصحيح، لأن الوصف مع كونه ملائما يجوز أن يكون غير علة. # ألا ترى أن قولنا: إن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه وصف ملائم موافق لتعليل ~~السلف، ومع ذلك أنه غير علة في مسألة الصوم إذا أكل الصائم ناسيا حيث بقي ~~الصوم مع فوات ركنه حقيقة، لأن الشرع لم يجعل ذلك الوصف علة فوات الصوم، ~~لما أن علل الشرع علل جعلية، وجاز له أن يجعل PageV04P1749 # الوصف علة في موضع ولا يجعله علة في موضع آخر لمعنى فيه. # إذ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فلابد من ظهور أثر ذلك الوصف في جنس ~~ذلك الحكم، فعند ظهور أثره تعرف عدالة ذلك الوصف، وذلك إنما يكون عند العرض ~~على الأصول وعلى الأحكام التي هي من جنس حكم ذلك الوصف، (فكان الاحتمال في ~~أصله) أي فكان احتمال الرد في اصل الوصف أولى من الاحتمال في المعترض، وهو ~~اعتراض الفسق في الشاهد. # بيان هذا أنهم قالوا: إن الشاهد يحتمل أن يعترض عليه فسق يبطل شهادته إلا ~~أن هذا احتمال في المعترض على الشهادة، فإن أصل الشهادة يثبت بالأهلية وهي ~~العقل والبلوغ والحرية ومع المعترض يبقى أهلا لأصل الشهادة. # فأما الوصف في التعليل مع الرد لم يبق علة أصلا، فإنه مع كونه ملائما لا ~~يجوز أن يكون علة مع الرد أصلا، والشاهد مع الرد يبقى ms683 أهلا لما عرف، فكان ~~الاحتمال في وصف التعليل أقوى، فلما لم تقبل شهادة المستور مع هذا الاحتمال ~~وجب ألا يكون وصف التعليل حجة مع احتمال الرد في أصله بالطريق الأولى. PageV04P1750 # وقوله: (ألا ترى أن الوصف لا يبقى علة مع الرد مع قيام الملاءمة) بخلاف ~~الشهادة، فإنه إذا رد القاضي شهادة الشاهد في حادثة ل معنى لا يوجب ذلك رد ~~شهادته في حادثة أخرى. # (والجواب عن كلامه) أراد به قوله: "إن الأثر معنى لا يعقل". # وقوله: (إن الأثر معقول) أي معلوم (من كل محسوس لغة) أي باللفظ الدال على ~~المعنى حتى إن من أخبر آخر أن رجلا مشى ههنا من غير أن رأي الماشي يفهم ~~السامع من ذلك أنه رأى أثر مشيه واستدل به على مشيه، وقوله: (وعيانا) أي في ~~حق الرائي أثر مشيه، وقوله: (لغة) أي في حق السامع. # (ومن كل مشروع معقول دلالة) كقول من يقول: هي مطلقة ثلاثا فلابد أن يستدل ~~السامع منه على إيقاعه بالتطليق الثلاث، وكونها مطلقة اثر ذلك، أو أراد به ~~ما له اثر في جنس ذلك الحكم كأثر الصغر في حق سلب الولاية عن الصغير في ~~النكاح بطريق الدلالة على سلب الولاية في حق المال. # وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: وإنما نعني بالأثر ما جعل أثر له PageV04P1751 # في الشرع. # وقوله: (تعليلا بمعنى مؤثر) فوجه التأثير هو أن الصوم كف النفس عن شهوة ~~البطن وعن شهوة الفرج، فالمضمضة مبدأ شهوة البطن، والقبلة مبدأ شهوة الفرج، ~~فلما لم يضر الصوم مع وجود مبدأ شهوة البطن لم يضره أيضا وجود مبدأ شهوة ~~الفرج قياسا للمبدأ بالمبدأ بل بالطريق الأولى لما أن منع شهوة البطن في ~~الصوم قصدي بدليل شرعيته في وقته وهو النهار عادة فلما لم يمنع ذلك مع أنه ~~مبدأ المقصود فلان لا يمنع وجود مبدأ غير المقصود أولى. PageV04P1752 # (واختلف أصحاب النبي عليه السلام في الجد) يعني: أن الصحابة -رضوان الله ~~عليهم أجمعين- اختلفوا في الجد مع الأخوة. فقال أبو بكر، وعبد الله بن ~~مسعود، ms684 وعبد الله بن عباس، وعامة الصحابة -رضي الله عنهم: إن الجد يحجب ~~الأخوة، وهو قول أبي حنيفة -رحمة الله عليه-. # وقال علي وزيد بن ثابت -رضي الله عنهما-: إنه لا يحجبهم، وهو PageV04P1753 # قولهما فعامة الصحابة مثلوا الجد بالوادي الذي ينشعب منه الأنهار يعني أن ~~الجد ينشعب منه الأب والأخوان، والأب ينشعب منه الأخوان، ثم الأب يحجب ~~الأخوين، فالجد الذي هو أصل الكل أولى. # وقال علي -رضي الله عنه-: إنما مثل الجد مثل شجرة أنبتت غصنا ثم نفرع من ~~الغصن فرعان، فيكون القرب بين الفرعين أشد من القرب بين الفرع والأصل، لأن ~~الغصب بين الأصل والفرعين واسطة ولا واسطة بين الفرعين. فيكون هذا الكلام ~~مقتضى رجحان الأخ على الجد إلا أن بين الفرع والأصل جزئية وبعضية وليس بين ~~الفرعين -أعني الأخوين- جزئية. # وهذا يقتضي رجحان الجد على الأخ فاستويا، ثم وجه الرجحان لقول أبي حنيفة ~~-رحمه الله-: إن الأب حاجب لكلا الفريقين بالإجماع، فمشابهة الجد بالأخ ~~أكثر من مشابهة الأخ به في حق حرمة الحليلة وحق حرمة وضع الزكاة وعدم قبول ~~الشهادة له وكثرة المشابهة إن لم تصلح علة تصلح مرجحا، وابن عباس -رضي الله ~~عنهما- علل في ذلك بقوله: "ألا يتقي الله PageV04P1754 # زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا" فهو استدلال ~~بمؤثر من حيث اعتبار أحد الطرفين بالطرف الآخر في القرب. # وقوله: "أليس يكون خمرا" هو مقول عمر -رضي الله عنه- فكان متعلقا بقوله: ~~وقال عمر حين -قال أي عبادة بن الصامت-: ما أرى النار تحل. PageV04P1755 # وقوله: "ما أري" على بناء المفعول، وقوله: "النار" بالنصب على أنه مفعول ~~ثان للإرادة. # فإن قلت: كيف صح قوله: "تحل" وماء العنب لا يكون موصوفا بالحرمة قبل أن ~~يصير خمرا؟ # قلت: يحتمل أن يسمى منعه عن أن يكون خمرا إحلالا أو جعل المشارف للحرمة ~~كالحرمة. # (لأنه أعتقه برضاه)، لأنه باشر علة العتق باختياره، فكان راضيا لعتقه، ~~وفي هذا لا يتفاوت علمه وعدم علمه، لأن المباشر لعلة الحكم أنزل عالما ~~لوجود الحكم، فمباشرته ms685 بعد ذلك كان رضا منه بذلك الحكم الذي هو العتق ههنا، ~~ف صار كما لو أذن له نصا أن يعتقه. # (لأنه سلطه)، لأنه لما يبق الاستحفاظ بقي تسليطا على الاستهلاك، PageV04P1756 # وهذا لأنه حين مكن الصبي من المال فقد سلطة على إتلافه حسا، والتسليط ~~يخرج فعل المسلط من أن يكون جناية في حق المسلط. # ثم بقوله: "احفظ" جعل التسليط مقصورا على الحفظ بطريق العقد وهذا في حق ~~البالغ صحيح. # وأما في حق الصبي فلا يصح أصلا، وفي حق العبد المحجور لا يصح في حالة ~~الرق، وذلك في "الأسرار" الاختلاف في صبي يعقل الحفظ لا في صبي لا يعقله. # ألا ترى أنه بنى على هذا أن الصبي لو بلغ صار مودعا ولو كان الخطاب مع من ~~لا يعقل لكان يغلو ولا يصح بالبلوغ، وإنما يجوز بالبلوغ وبالإجازة إذا ~~خاطبه بعد العقد. PageV04P1757 # (لأنه أمر رجمت عليه والنكاح أمر حمدت عليه)، وهذا الاستدلال في الفرق ~~بوصف مؤثر أي ثبوت حرمة المصاهرة بطريق النعمة والكرامة، فيجوز أن يكون سبب ~~الكرامة ما يحمد عليه، ولا يجوز أن يكون سببها ما يعاقب المرء عليه وهو ~~الزنا الموجب للرجم. # (غير مؤثر في إبطال التخفيف)، فإن مسح الخف ركن ومع هذا ثبت التخفيف، ~~وكذلك المسح في التيمم. # (في ولاية النكاح بالصغر والبلوغ) أي: عللنا بأن المؤثر في ثبوت الولاية ~~للولي صغر المولى عليه، وعللنا بأن المؤثر في انعدام الولاية للولي بلوغ ~~المولى عليه، فكان قوله: (فصح التعليل بالعجز والقدرة للوجود والعدم) على ~~هذا التقدير لفا ونشرا أي وجود الولاية للولي على المولى عليه بسبب عجز ~~المولى عليه عن القيام على أمر نفسه بنفسه، وذلك إنما يكون بالصغر، وانعدام ~~الولاية للولي على المولى عليه بسبب قدرة المولى عليه على النظر لنفسه، ~~وذلك إنما يكون بالبلوغ. PageV04P1758 # وقوله: (كالنفقة) أي: وجوب النفقة للصغير على الأب بسبب عجز الصغير على ~~قدرة الاكتساب وذلك بصغر الصغير، وعدم وجوب النفقة على الأب بسبب قدرة ~~الصغير على الاكتساب بنفسه وذلك إنما يكون بالبلوغ، فكذلك ثبوت الولاية ms686 ~~للولي وعدمها في النكاح بسبب عجز الصغير والصغيرة عن قيام أمرهما وبسبب ~~قدرتهما على أمرهما، وذلك إنما يكون بالصغر والبلوغ، فكان المؤثر في ذلك ~~الصغر والبلوغ دون الثيابة والبكارة وكذلك في سائر المواضع إنما يظهر الأثر ~~للصغر والبلوغ في الولاية لا للثيابة والبكارة، أعني الولاية في المال. # (إلا في إصابة المأمور) أي: في لزوم إصابة المأمور به. PageV04P1759 # وقوله: (فإن قيل: التعليل بالأثر) إلى آخره. هذا الإشكال يرد على ما ذكر ~~من صور العلل المؤثر من غير ذكر المقيس عليه قبل. # قوله: وعلى هذا الأصل جرينا والله أعلم. PageV04P1760 ### || AUTO باب بيان المقالة الثانية # المراد من المقالة الثانية الأولى، سماها ثانية باعتبار الشرح والتقرير: ~~وهذا لأنه ذكر قول أهل الطرد في التقسيم أولا وذكر قول أئمة الفقه من السلف ~~والخلف ثانيا، ثم ذكر بيان قول أئمة الفقه متصلا بالتقسيم، فوقعت المقالة ~~الأولي وهو قول أهل الطرد ثانية في حق البيان فسماها ثانية لذلك. # (قسم في بيان الحجة) أي: في بيان حجية الطرد، أي حجية الطرد بماذا تكون؟ ~~بمجرد الوجود عند الوجود أو كان العدم مع العدم شرطا لصحة الطرد، أو كان ~~الدوران عل وجه يكون النص قائما في الحالين، ولا حكم له؟ PageV04P1761 # قوله: (فقال بعضهم: هو الوجود عند الوجود) أي: يوجد الحكم المتنازع فيه ~~عند وجود هذا الوصف، يعني كلما وجد هذا الوصف وجد هذا الحكم وهذا حجة ~~عندهم، (وزاد بعضهم العدم عند العدم) يعني: كلما عدم هذا الوصف هذا الحكم، ~~ولكن هذا قول بألا يكون للحكم الشرعي إلا علة واحدة وهو باطل، لأنهم اتفقوا ~~على أن الحكم الشرعي جاز أن يعلل بعلل شتى فما يفضي إلى انتفاء هذا فهو باطل. # (وزاد بعضهم) على هذا الذي ذكر (قيام النص في الحالين) والحكم غير مضاف ~~إلى النص، وهذا باطل أيضا، لأن شرط صحة التعليل أن يبقى PageV04P1762 # الحكم في الأصل بعد التعليل على ما كان قبله، فإذا كان بعد التعليل لا ~~يضاف الحكم إلى النص كان ذلك مفسدا للقياس، فكيف يجعل شرطا لصحة التعليل؟ ms687 ~~ولأن ركن القياس أن يكون الوصف مما اشتمل عليه النص، وإذا كان النص قائما ~~ولا حكم له لم يكن الوصف مما اشتمل عليه النص فلم يكن ركن القياس موجودا، ~~والشيء لا يوجد مع فوات ركنه فكان فاسدا، والفاسد لا ينتج إلا لفاسد، ~~ونظيره ما قالوا في آية الوضوء في قوله تعالى: () يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق). # فإن فيها ذكر القيام إلى الصلاة، فجعل القيام إلى الصلاة موجبا للوضوء، ~~والموجب للوضوء الحدث وهو دائر معه وجودا وعدما، والنص موجود في حالي ~~الوجود والعدم، ولا يضاف الحكم إليه، فإنه إذا قام إلى الصلاة وهو غير محدث ~~لا تجب الطهارة مع قيام النص، وإذا كان محدثا تجب الطهارة وإن لم يقم إلى ~~الصلاة. PageV04P1763 # وقوله: (بأن دلائل صحة القياس) أي: من الكتاب والسنة والإجماع والدليل ~~المعقول على ما ذكره. # (إلا بمعنى معقول يوجب تمييزا) وهو قوله: (أشهد). # (فكذلك) أي: نعم كذلك. # (ومجرد الاطراد لا يميز، وكذلك العدم عند العدم، لأنه يزاحمه الشرط) أي: ~~إن الحكمة كما يدور مع العلة وجودا وعدما فكذلك يدور مع الشرط أيضا وجودا وعدما. # ألا ترى أن مالية المبيع شرط صحة البيع، وهي دائرة مع صحة البيع وجودا ~~وعدما، أي أينما وجدت المالية وجدت صحة البيع عند مباشرة البيع وأينما ~~انعدمت انعدمت صحة البيع، وكذلك صحة الصلاة مع اشتراط PageV04P1764 # الطهارة أصلا وخلفا دائرة وجودا وعدما، وكذلك في الشرط الصريح. # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: فإن من قال لعبده: إن دخلت الدار ~~فأنت حر فاعتق مع هذا الكلام يدور مع الدخول وجودا وعدما، واحدا لا يقول إن ~~دخول الدار علة العتق بل هو شرط العتق، ثم هب كان الأصل هو دوران الحكم مع ~~العلة ولكن مع هذا احتمال الدوران مع الشرط قائم، وبالاحتمال لا تثبت العلة. # (لأنه يقال له: وما يدريك أنه لم يبق له أصل مناقض أو معارض؟) فلابد له ~~من أن يقول: لأني ما علمت له أصلا مناقضا أو معارضا، ms688 فكان ماله الجهل مع ~~أنه لا يمكن له استقراء جميع الأصول، لأن المعاني المستنبطة من الكتاب غير ~~متناهية فكان استقراء جميع الأصول محالا، (فلا يصح شرط عدمه) أي لا يصلح أن ~~يجعل العدم شرطا عند العدم لصحة العلة. # (لأنه يحل له القضاء وهو غضبان عند فراغ القلب) أي: عند قلة PageV04P1765 # الغضب، (ولا يحل القضاء عند شغله بغير الغضب) بأن يكون حاقبا أو جائعا ~~محوجا، أو عطشان أو مهقما، (إلا أن هذا الشرط) وهو قيام النص ولا حكم له. # (وذلك غير مسلم) أي دعواهم في هذين النصين ب أنه لا حكم لهما. # (لأنه يفارقه بحاله) أي: لأن البدل يفارق الأصل بحالة وهي التلويث ~~واشتراط عدم الماء. # فإن ما حال الماء التطهير وعدم اشتراط عدم الماء (لا بسببه)، فإن سبب ~~الوضوء وجوب الصلاة مع شرط الحدث، وشرط الحدث إن لم يذكر في الأصل ذكر في ~~ذكر الخلف وهو قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط أو PageV04P1766 # لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) فكان مذكورا في الأصل أيضا، لأن ~~الخلف لا يفارق الأصل في حق السبب. (وهذا النظم والله أعلم). أي: وإنما ورد ~~نظم القرآن على هذا الطريق، وهو أن يذكر الحدث في التيمم وفي أعظم الطهرين، ~~ولم يذكر في الوضوء، (لأن الوضوء مطهر فدل على قيام النجاسة)، لأن المطهر ~~ما يثبت الطهارة ف يقتضي ثبوت النجاسة ليصح إثبات الطهارة، لأن إثبات ~~الثابت محال (بخلاف التيمم)، لأن التراب غير مطهر ذاتا، بل هو ملوث فلم ~~يقتض ثبوت النجاسة فاحتاج السامع إلى أن يذكر الحدث صريحا حتى يعلم أن ذلك ~~شرط وجوب الطهارة كما في الوضوء. # (والوضوء متعلق بالصلاة) أي: متعلق بالصلاة من حيث السببية، فإن سبب وجوب ~~الوضوء وجوب الصلاة، والحدث غير موجب بل شرط PageV04P1767 # للوجوب. # (وأما الغسل فلا يسن لكل صلاة فلم يشرع إلا مقرونا بالحدث) ضرورة عدم ~~تنوعه، ولا يقال بأن الغسل سنة للجمعة فيثبت التنوع، لأنا نقول: المدعى أنه ~~لا يسن لكل صلاة فلم يتجه نقضا، أو نقول: كونه ms689 سنة لصلاة الجمعة غير مسلم، ~~لأن الغسل عندي لليوم لا للصلاة، ولئن سلمنا أنه للصلاة فالأصل في يوم ~~الجمعة الظهر فلا يسن له. # ويجوز أن يكون مسنونا لمعنى آخر غير الصلاة وهو أنه يوم اجتماع الناس ~~فيحضر البدويون والقرويون فتوجد منهم الرائحة الكريهة فيسن الغسل دفعا ~~للأذى عمن يجاوره، أو الخطاب المذكور في قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا) لجميع المسلمين ووجوب الجمعة مختص بالبعض فثبوت الحكم على العموم أولي. # (فلان الاطراد لا يثبت به إلا كثرة الشهود أو كثرة أداء الشهادة)، فإن ~~نظرت على الأصول هو أن هذا الوصف موجود في هذا الأصل وموجود PageV04P1768 # في هذا الأصل الآخر وكذا وكذا يوجب كثرة الشهود، والنظر إلى نفس الوصف ~~وهو واحد يوجد في أصول كثيرة يوجب كثرة أداء الشهادة. # مثاله قولهم: المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه، وهذا الوصف وهو الركنية ~~موجود في غسل الوجه اليدين وفي غسل الرجلين فكل واحد من هذه الغسلات يصلح ~~أصلا بنفسه فكان فيه كثرة الشهود، إلا أن هذا الوصف لما كان واحدا وهو ~~الركنية يوجد في مواضع كثيرة كان فيه تكثير أداء الشهادة. # (بل بأهلية الشاهد) وهي أن يكون الشاهد حرا عاقلا بالغا، (وعدالته) وهي ~~أن يكون محترزا عن محظور دينه (واختصاص أدائه) وهو أن يقول: أشهد. لا أن ~~يقول: أعلم أو أتيقن، (ولأن الوجود قد يكون اتفاقا) أي ولأن وجود الحكم عند ~~وجود وصف من الأوصاف قد يكون بسبب اتفاق PageV04P1769 # الحال لا أن يكون لذلك الوصف اثر في إثبات ذلك الحكم. # ألا ترى أن للحنطة أوصافا سوى الكيل والطعم، فإنها شيء، حب، جسيم أمر ~~اللون، مشقوق البطن، ويجري الربا في بيع الحنطة بالحنطة على اختلاف ~~الأصليين وفيها هذه الأوصاف. # ولا شك أن هذه الأوصاف مما لا تأثير لها في جريان الربا، بل جريان الربا ~~في بيع الحنطة بالحنطة عند وجود هذه الأوصاف لم يكن لوجود بعض هذه الأوصاف ~~أو لوجود كلها بل وجود هذه الأوصاف كان بسبب اتفاق الحال، ولم يضف الحكم ~~غليها حتى ms690 لا تصلح التعدية منها إلى موضع آخر إذا وجد شيء من هذه الأوصاف ~~في ذلك الموضع، ونظير هذا أيضا في علم الكلام ما قاله أهل الإسلام: إن الله ~~تعالى لا يجوز أن يكون جوهرا خلافا لما يقوله النصارى. # فإنهم قالوا: الجوهر في الشاهد قائم بالذات، فكان كونه قائما بالذات ~~بمنزلة الجوهرية. ويعرف ذلك بالطرد والعكس يعني في الشهد كل جوهر قائم ~~بالذات، وكل قائم بالذات فهو جوهر، فإذا ثبت كون الباري تعالى قائما بالذات ~~ثبت كونه جوهرا. # قلنا: الجوهر في الشاهد كما يدور مع القائم بالذات وجودا وعدما ويطرد ~~وينعكس، كذلك يطرد وينعكس مع وصف آخر ويدور معه وجودا وعدما، PageV04P1770 # وهو أنه أصل للمتركبات ولا يجوز أن يكون لشيء واحد ماهيتان فلابد أن يكون ~~أحدهما اتفاقيا والآخر لا، وكونه قائما بالذات في الشاهد من أوصاف الوجود ~~وكونه أصلا للمتركبات هو المؤثر في استحقاق اسم الجوهر لما عرف من اشتقاق ~~اللفظ واستعمال أهل الكلام. # (والعدم قد يقع، لأنه شرط) أي: عدم الحكم قد يكون، لأن ذلك الوصف شرط، ~~يعنى أن عدم الحكم عند عدم الوصف لا يقتضي أن يكون ذلك علة، لأن الشيء ~~ينعدم بعدم شرطه كما ينعدم بعم علته، فإن البيع كما ينعدم عند عدم ركنه وهو ~~قوله: بعت واشتريت، كذلك ينعدم عند عدم مالية المبيع. # (ألا ترى أن وجود الشيء ليس بعلة لبقائه) حتى يقال وجد ولم يبق، فإن وجود ~~الشيء لو كان علة لبقائه لما تصور الفناء كما لا يتصور البقاء على العدل ~~حال الوجود، فلما لم يكن علة لبقائه في نفسه لم يصلح عالة للوجود في غيره ~~بالطريق الأولي. # (وكذلك وجود الحكم، ولا علة لا يصلح دليلا) أي: على فساد العلة لاحتمال ~~أن يثبت الحكم بعلة أخرى. PageV04P1771 # ألا ترى أن البيع علة لثبوت الملك، ووجود الملك عند عدم البيع بأن يوجد ~~الملك بالإرث أو بقبول الهبة لا يدل على كون البيع غير علة، لاحتمال ثبوت ~~الحكم الشرعي بعلل شتى أي على طريق التناوب والبدلية بخلاف الحكم العقلي، ms691 ~~فإنه لا يجوز أن يكون معلولا بعلل شتى. # (ووجود العلة ولا حكم بنفسه لا يصلح مناقضا، لاحتمال أن ينعدم الحكم بفوت ~~وصف من العلة)، فكان انعدم الحكم لانعدام علته لا بوجود علته مع عدم الحكم، ~~(فلا يكون مناقضة) وإن كان يتراءى ذلك كقولنا: مسح في الوضوء فلا يسن ~~تثليثه، ولا يلزم عليه الاستنجاء وهو يتراءى مناقضا، لأنه مسح ويسن تثليثه. # قلنا: إنه ليس بمسح بل هو إزالة النجاسة. ألا ترى أنه إذا أحد ولم يتلطخ ~~به بدنه لم يكن الاستنجاء سنه على ما يجيء في باب بيان وجوه دفع المناقضة، ~~وأشار إليه في "التقويم" إلى أن عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على ~~الفساد، لأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس هو من ~~ركن العلة نحو البيع بشرط الخيار للبائع. PageV04P1772 # فالبيع موجود ولا حكم له للمانع، وكذلك النصاب موجود ولا حكم له قبل ~~الحول، والحول ليس من ركن العلة ولا مانع له، لكن النصاب بصفة البقاء حولا ~~صار علة، فبدون صفة البقاء لا يعمل مع وجود ما هو ركن العلة بتمامه حتى صح ~~تعجيل الأداء قبل الحول ولا ذكره. # (وقد دل عليه التعليل تخصيصا) أي: لا يكون ذكر الوصف بأنه عله لهذا الحكم ~~تخصيصا لتلك العلة بهذا الحكم، أي لا يكون تخصيصا بل يجوز أن يكون لهذا ~~الحكم علة أخرى يثبت هذا الحكم بتلك العلة عند عدم هذا الوصف، لأن الحكم ~~يجوز أن يثبت بعلل شتى على طريق البدلية كالملك يثبت بالشراء وبالإرث ~~وبقبول الهبة، فكان انتصاب قوله: (تخصيصا) على أنه خبر يكون، لأن قوله: ~~(ولا ذكره) معطوف على قوله: (فلان يكون مناقضة). # وقيل: المراد من التخصيص هذا هو تخصيص العلة المؤثرة المعروف خلافه بين ~~عامة العلماء وبين القاضي الإمام أبي زيد -رحمهم الله- فإن ذلك PageV04P1773 # جائز عنده خلافا لعامة العلماء، يعني لو ذكر الخصم الوصف مستدلا بدليل ~~على أن الوصف هو العلة لكن لم يثبت الحكم هنا به المانع لا يكون هذا عند ~~عامة ms692 في باب فساد تخصيص العلة إن شاء الله تعالى، لكن الأوجه ما ذكرناه ~~أولا لسوق الكلام إليه، لأن الكلم في إبطال الاستدلال بالدوران على أنه علة ~~وذلك إنما يحصل بما قلناه. # فالحاصل أنه نفى بهذه الأوجه الثلاثة صحة عليه الدوران وجودا وعدما. # أحدها: أن وجود الحكم وليس فيه العلة المعينة التي وقع النزاع فيها لا ~~يدل ذلك على فساد تلك العلة، لما ذكرنا من احتمال ثبوت الحكم بعلل شتى على ~~طريق البدلية. # والثاني: عكسه وهو أن توجد العلة ولا حكم لها، فإنه لا يدل على فساد ~~العلة لما ذكرنا من احتمال فوات وصف له بتوقف تلك العلة إلى وجوده في إثبات ~~الحكم. PageV04P1774 # والثالث: تعليل الحكم بعلة لا يدل على التخصيص بتلك العلة، فإن من قال: ~~ثبت لزيد ملك العقار لأنه اشتراه لا يوجد ذلك التخصيص ولا ينفي عليه الهبة ~~والإرث في إثبات ذلك الحكم. # (إلا أن هذا) أي: الطرد وجودا وعدما، وهذا استثناء من قوله: (فلأن ~~الاطراد لا يثبت به إلا كثرة الشهود) من حيث المعنى فكان هذا فاسدا إلا أن ~~هذه إلى آخره. # وقوله: (فلا يصلح حجة للإثبات) -إلى أن قال- (إلا أن يقع الاختلاف في حكم ~~بسبب معين) أي التعليل بالنفي والعدم لا يصح حجة لإثبات شيء ما كان ~~الاختلاف في السبب كما في إسلام المروي في المروي، فأنا اختلفنا مع الشافعي ~~-رحمه الله- في سبب حرمة النسيئة فعنده الطم أو الثمنية، وعندنا القدر أو ~~الجنس، فلذلك اختلفنا أيضا معه في حكم هذه المسألة بناء على الاختلاف في ~~السبب. PageV04P1775 # وأما إذا اتفقنا في سبب حكم بأنه لا سبب لذلك الحكم غير ذلك السبب ~~المعين، فحينئذ يجوز التعليل بالعدم لانتفاء ذلك الحكم، لأنه لما كان السبب ~~واحدا كان عدم ذلك السبب دليلا على عدم هذا الحكم بالضرورة. # (وهذا مثل ما علل محمد -رحمه الله- في ولد المغصوب) الذي ولد في يد ~~الغاصب أنه غير مضمون، لأنه لم يغصب الولد، فإنه اتفقوا على أن ضمان الغصب ~~لا ي ثبت إلا بالغصب، فعدم الغصب ms693 يدل على عدم الضمان ثم مع ذلك اختلفوا في ~~حكم الضمان ههنا بعد اتفاقهم على أن سبب له سوى الغصب باعتبار اختلافهم في ~~تفسير الغصب. # فعند الشافعي هو إن إثبات اليد المبطلة فيه قصدي وإزالة اليد المحقة فيه ~~ضمني، وعندنا على العكس، وعند هذا وقع الاختلاف ف ي ولد المغصوبة فعندنا لا ~~يضمن، لأنه لم يوجد فيه إزالة اليد المحقة، لأنه لم يكن في يد المالك حتى ~~يزيله وعنده يضمن لثبوت اليد المبطلة فيه، لأن هذا الولد ملك مالك الأم وهو ~~في يد غير مالكه بدون رضاه، فكان حد الغصب فيه موجودا فيضمن. PageV04P1776 # (لأن ذلك لا يوجد بغيره) أي الخمس لا يوجد وجوبه بدون الإيجاف (بل هو من ~~جنس ما يثبت معها) أي من الشبهات. # ألا ترى أن تفريق الصفقة في البيع يفسد البيع بأن يقول: بعت منك هذين ~~العبدين بكذا فقبل أحدهما لا يجوز، ولو قبل نكاح إحدى امرأتين في مثل هذه ~~الصورة صح، وكذا إذا جمع بين امرأتين أحدهما لا يحل له نكاحها صح نكاح التي ~~حل له نكاحها. # وكذلك يثبت النكاح بالهزل والإكراه، والمال لا، (فكان النكاح فوق الأموال ~~في هذا بدرجة) وهي ثبوت النكاح مع الشبهات وعدم ثبوت البياعات معها، ثم لما ~~ثبت المال بشهادة رجل وامرأتين مع أنه لا يثبت مع هذه الشبهات كان النكاح ~~أولي ان يثبت بشهادة رجل وامرأتين، إذ هو مما يثبت بالشبهات. # (وكذلك في أخواتها) أي وكذلك الحكم في أخوات مسألة النكاح، وهي: عتق الأخ ~~بالملك، ولحوق المبتوتة طلاق، وعدم جواز إسلام المروي في المروي، وقلنا: إن ~~الأخ يعتق بالملك وإن لم يكن بينهما بعضية، لأن في الأخوة معنى آخر أوجب ~~عتقه وهو القرابة المحرمة للنكاح، وهذا المعنى يوجب العتق، لأنها لما صينت ~~عن أدنى الذلين وجب أن تصان عن أعلاهما وهو ملك الرقبة بالطريق الأولى. PageV04P1777 # وكذلك قلنا: إن الطلاق يلحق المبتوتة أي المعتدة من طلاق بائن، لأنه بقي ~~فيها أثر من آثار النكاح وهو العدة، فإنها محبوسة عن التزوج بزوج ms694 آخر ~~للعدة، كما هي محبوسة عنه حال قيام النكاح فيقع عليها الطلاق كما لو كانت ~~منكوحة، وكذلك نقول في إسلام المروي في المروي: يجوز أن يكون فيه معنى يوجب ~~حرمته وهو اتحاد الجنسية، والجنسية بانفرادها تحرم النسيئة. # (عرف وجوبه) أي: ثبوته (على ذلك دلت مسائلهم) أي: مسائلنا ومسائل الشافعي ~~-رحمه الله-. # (وهي أصل) أي: البراءة أصل (بل صار قول المدعي معارضا) بقول المنكر على ~~السواء، فلما كانا متعارضين على السواء لم يكن قول كل واحد منهما حجة على ~~الآخر، ولكن كان حجة في حق نفسه، فجوزنا الصلح PageV04P1778 # وجعلنا بدل الصلح في حق المدعي اعتياضا عن حقه، وفي حق المنكر كان ~~لافتداء اليمين وقطع الخصومة، فلو لم يجز الصلح لكان قول المنكر حجة على ~~المدعي، ولا يقال: لو جاز الصلح يجعل قول المدعي حجة على خصمه الذي هو ~~المنكر؛ لأنا نقول: إن بدل الصلح من جانب المنكر كان لافتداء اليمين وقطع ~~الخصومة لا لثبوت الحق عليه، (والشافعي جعله موجبا) أي: جعل براءة الذمة ~~موجبا، والتذكير لتأويل الأصل، لأنه هو المذكور قريبا منه. # (وقلنا في الشقص إذا بيع) وإنما وضع المسألة في بعض الشقص دون الجوار، ~~ليتحقق خلاف الشافعي، لأنه لا يقول بالشفعة في الجوار (ملك الطالب) أي: ملك ~~الشفيع. # (فإن القول قول المولي) وهو ثبوت الدخول حتى لا يعتق العبد، ومعلوم أن ~~قول العبد مستند إلى دليل من حيث الظاهر، وهو أن الأصل عدم PageV04P1779 # الدخول، ولكن لما كان قوله في الحال محتملا وقوله المولى كذلك لم يثبت ~~استحقاقه على المولى بما هو محتمل. كذا قاله الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-. # وقوله: (ذكرنا) إشارة إلى قوله: وعندنا هذا لا يكون حجة للإيجاب. # (حتى تعذر نسخه) كما يتعذر النسخ حال إثبات النص، فعلم بهذا أن في البقاء ~~إثباتا أيضا. # (إن الدليل الموجب للحكم لا يوجب بقاءه كالإيجاد لا يوجب البقاء حتى صح ~~الإفناء). PageV04P1780 # بيان هذا أن الدليل الموجب للحكم لو كان يوجب بقاءه لما احتمل الزوال، ~~كالحكم في حال ثبوته لا يحتمل السقوط؛ ms695 لما فيه من الإستحالة وهو وجود ~~المتنافيين كالإيجاد لما كان يوجب الوجود لم يحتمل الفناء حال وجوده، وحيث ~~صح الإفناء في الزمان الثاني علم أن الإيجاد لايوجب البقاء. # ولهذا لايجوز النسخ في حال ثبوت الحكم؛ لأن النسخ رفع وإبطال ورفع الشيء ~~في حال ثبوته محال، وجاز النسخ في حال البقاء وقت حياة النبي عليه السلام؛ ~~لما أن الأمر في حال حياة النبي عليه السلام، فإن البقاء بدليله وهو تقرير ~~النبي عليه السلام على ذلك على ماقال عليه السلام: "الحلال ماجرى على لساني ~~إلى يوم القيامة، والحرام ماجرى على لساني إلى يوم القيامة". # ولأن كون النبي عليه السلام خاتم النبيين ثبت بدليل قطعي، والنسخ إنما ~~يثبت بالوحي، ولا وحي بعده فلا يثبت النسخ أيضا بالدليل القطعي، فكان ~~البقاء ثابتا بالدليل سوى الدليل الموجب للحكم. # وأما الجواب عن فصل الطهارة وأخواتها: إن حكم الطهارة وأخواتها مؤبد، ~~ولهذا لا يصح توقيته. # فإنه إذا اشترى على أن يثبت الملك له سنة أو سنتين لا يجوز، وكذلك في ~~النكاح، إلا أنه يحتمل السقوط بطريق المعاارضة على سبيل المناقضة؛ إذ ~~المعارضة على نوعين: PageV04P1781 # معارضة خالصة: وهي المعارضة في الحكم مع بقاء الدليل على إثبات الحكم على ~~خلاف مايقتضيه الدليل المعارض، فيحتاج المعلل إلى الترجيح. # وأما المعارضة على سبيل المناقضة: فهي مايعارض في الأول في الحكم على وجه ~~ينقض الدليل الأول كما هو حكم المناقضة الخالصة، والذي نحن فيه من قبيل ~~ذلك، فإن حكم البيع وهو الملك يسقط على سبيل المناقضة كأن البيع انتقض لا ~~أن الدليل وهو البيع باق مع وجود مايسقطه. # وقوله: (هذا لأن ذلك) أي: لأن البقاء (بمنزلة أعراض تحدث) يعني أن الحكم ~~فيما يحتمل البقاء بعد الوجود بمنزلة أعراض تحدث؛ إذ العرض لا يبقى وقتين، ~~فكان البقاء في الزمان الثاني لا يكون للبقاء في الزمان الثالث، وهو يقرر ~~ما قلنا: إن الموجب لحكم لا يوجب بقاءه، وإنما قال: "بمنزلة أعراض" ولم ~~يقل: " لأن ذلك أعراض تحدث "؛ لما أن الأعراض حقيقة إنما تطلق في ms696 الإصطلاح ~~على المعاني التي تقوم في الأعيان كالسواد، والبياض، والحركة، والسكون. # وأما البقاء في العين الباقي فمعنى راجع إلى ذات العين، إلا أن ذلك معنى ~~أيضا يقوم بالعين الباقي فكان بمنزلة العرض الذي هو غير راجع إلى ذات العين ~~بل مغاير له من كل وجه. # (فلا يصح أن يكون وجود شيء علة لوجود غيره) وهو البقاء الذي PageV04P1782 # هو العرض. # (ألا ترى عدم الملك لا يمنع الملك) ولوكان الموجب للعدم موجبا للعدم أيضا ~~في ثاني الحال لما صح تملكه في ثاني الحال، وكذلك في عكسه (إن وجود الملك ~~لا يمنع الزوال)، ولو كان الموجب للوجود موجبا للبقاء في الزمان الثاني ~~لمنع الموجب للزوال عن إزالته. # (إنما صح لما ذكرنا) وهو ان الدليل الموجب لحكم لا يوجب بقاءه؛ وهذا لأن ~~النسخ إنما صح في حال البقاء لا في حال الثبوت؛ لأن النسخ رفع والرفع إنما ~~يرد على الثابت لا على حال الثبوت. # (لم تحتمل النسخ لبقائها) أي لبقاء دلائل الشرع (بدليل موجب) أي موجب ~~للبقاء؛ لأن إزالة البقاء إنما تكون بالنسخ، وشرط صحة النسخ بقاء النبي ~~عليه السلام، وثبت ختم النبوة بنبينا عليه السلام بالدليل القطعي، وهو PageV04P1783 # قوله تعالى: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) # فثبت أن بقاء دلائل الشرع كان بدليل قطعي موجب للبقاء، فلم يكن ذلك علينا ~~حجة؛ لأن كلامنا في موجود لم يقم فيه دليل يوجب بقاءه كما في براءة الذمة ~~عن الدين، وبقاء ثبوت الملك للشفيع الذي يطلب الشفعة بملك مافي يده. # (وكذلك الأمر المطلق في حياة النبي عليه السلام) أي الأمر المطلق في حياة ~~النبي عليه السلام في بقائه نظير حياة المفقود من هذا الوجه، إلا أن الفرق ~~بينهما أن المفقود لم يجعل حيا في مال قريبه الذي مات؛ لأن الدليل لم يوجد PageV04P1784 # في حق حياته في الحال بخلاف النص وقت حياة النبي عليه السلام للحكم قطعا. # وإن احتمل النسخ مالم يعلم الناسخ؛ لأن الإبتلاء أصل في الأحكام الشرعية، ~~والتكليف كان ثابتا بالنص، ومالم يعلم انتساخه بالدليل القطعي ms697 لم يرتفع ~~التكليف عن المكلف بخلاف مال القريب المفقود؛ فإنه لم يكن ملكا له فلا يكون ~~له أيضا ملكا باحتمال بقاء حياته، فكانا على طرفي نقيض. # وكذلك الأمر المطلق- إلى قوله: (يحتمل التوقيت) فإنه لو ورد الأمر من ~~الشارع بقوله: فإن شرعية هذا الأمر إلى سنة أو سنتين بتبين مدة شرعية لكان جائزا. # ألا ترى أنه جاء التوقيت مجملا كما في قوله تعالى: (فاعفوا واصفحوا حتى ~~ياتي الله بأمره) أي: القتل والسبي. # وكذلك قوله تعالى (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم) إلى قوله (أو يجعل ~~الله لهن سبيلا) أي: مخرجا بالرجم أو بالجلد، بخلاف البيع والشراء؛ لأنه لا ~~يجوز التوقيت فيه لا مجملا ولا مفسرا. PageV04P1785 # (وكذلك حكم الطهارة وحكم الحدث لا يحتمل التوقيت)، فكان نظير الملك ~~بالشراء، فإنه لا يجوز في الشراء أن يقول: اشتريت هذا العبد إلى سنة أو إلى ~~سنتين، وكذلك في الطهارة لايجوز أن يقول: جعلت طهارتي هذه إلى وقت الظهر أو نحوه. # (إنه صحيح) أي إن شراءه صحيح (على اختلاف الأصلين). # أما على أصلنا (فلأن قول كل واحد منهما لا يعدو قائلة فلو لم يجز البيع ~~لعدا قائله) وهو البائع؛ لأن قول كل واحد منهما حجة في حق نفسه، فإقرار ~~المشتري بأنه حر لايظهر في حق البائع ولا يقال: إنه لو جاز لعدا قائله، ~~وصار قول البائع: إنه عبد حجة على المشتري؛ حيث نفذ البيع ووجب على المشتري ~~الثمن؛ لأنا نقول ليس كذلك، لأنه إنما يكون كذلك أن لو بقى العبد ملكا ~~للمشتري بل إنه حر، فعلم أن قول البائع لم يظهر في حقه. # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: الشاهد بعتق العبد على مولاه إذا ~~اشتراه صح الشراء ولزمة الثمن؛ لأن ما أخبر به الشاهد لكونه محتملا لم PageV04P1786 # يصر حجة على مولى العبد حتى جاز له الاعتياض عنه بالبيع من غيره، فيجوز ~~له الإعتياض عنه بالبيع من الشاهد، وإن كان زعم الشاهد معتبرا في حق ~~الشاهد، حتى إنه يعتق كما اشتراه لا من جهة المشتري؛ حتى لا ms698 يكون ولاؤه له. # وقوله: (فصار حجه على خصمه) وهو المشتري حيث يثبت رقبته في حق المشتري ثم يعتق. # وقوله: (لأن من الغايات ما تدخل) أي في حكم المغيا، نحو قوله PageV04P1787 # تعالى: (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) فإن المسجد الأقصى دخل تحت ~~الإسراء، وكذلك قوله تعالى: (ولا تاكلوا أموالهم إلى أموالكم)، وقول من ~~قال: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، والكلام مسوق لحفظ القرآن كله فكان داخلا. # (ومنها ما لا تدخل) نحو قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وقوله ~~تعالى: (فنظرة إلى ميسرة) # (لأن الشك أمر حادث فلا يثبت بغير علة) يعني أن كل حادث يفتقر إلى السبب، ~~والشك حادث فلا يثبت بغير سبب، وما قاله زفر لا يصلح سببا للشك، لأن مايدخل ~~من الغايات في المغيا دخل بدليل، ومالا يدخل لا يدخل بدليل، فلا يصلح هذا ~~متعارضا في غسل المرافق؛ لأن في غسل المرافق التعارض غير موجود؛ لأن شرط ~~التعارض إتحاد المحل كما في سؤر الحمار فوقع التعارض هناك ولم يكن الترجيح ~~فوقع التعارض من هناك ولم يكن الترجيح فوقع الشك ولا كذلك ههنا، (ولأنه ~~يقال له: أتعلم أن هذا من أي القسمين؟) PageV04P1788 # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: قلنا له: هل تعلم أن هذا المتنازع ~~فيه من أحد النوعين بدليل، فإن قال: أعلم ذلك، قلنا: فإذن عليك ألا تشك فيه ~~بل تلحقه بما هو من نوعه بدليل، وإن قال: لا أعلم ذلك. # قلنا له: قد اعترفت بالجهل، فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب ~~فإنما جهلته عن تقصير منك في طلبه، وذلك لا يكون حجة أصلا، وإن كان مما لا ~~يمكن الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه، ولكن هذا العذر لا ~~يصير حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عند دليل إلحاقه بأحد النوعين، ~~فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل. # (وهذا ليس بتعليل لا ظاهرا) أي طردا (ولا باطنا) أي مؤثرا (ولا رجوعا إلى ~~أصل) أي ليس له مقيس عليه، ms699 وقيل: لا ظاهرا أي لا قياسا PageV04P1789 # جليا ولا باطنا أي لا قياسا خفيا، وهو المسمى بالإستحسان، فالقياس متنوع ~~إلى هذين النوعين، فما كان خارجا عنها لا يكون قياسا. # وقوله: (ولا رجوعا إلى الأصل)؛ لأنه قال: كما إذا مسه وهو يبول فجعل نفس ~~مس الذكر مقيسا، وجعل مس الذكر مع وصف آخر مقيسا عليه وهو الأصل، وبذلك ~~الوصف يقع الفرق بين الأصل والفرع فلم يبق إلا قياس مس الذكر بمس الذكر، ~~فصار كأنه قال: مس الذكر فينقض طهارته كما إذا مس الذكر وهذا باطل. # (وكذلك) هذا التقرير في قولهم (لا يجوز التكفير بتحرير المكاتب كما إذا ~~أدى بعض بدل الكتابة)؛ لأن بهذا الوصف وهو أداء بعض البدل وقع الفرق بين ~~المتنازع وبينه، فلم يبق إلا قوله: لا يجوز التكفير بتحرير المكاتب؛ لأنه ~~مكاتب وهو معنى قول المصنف -رحمه الله- (فلا يبقى إلا PageV04P1790 # الدعوى). # وأما الاحتجاج بوصف (مختلف فيه فمثل قولهم فيمن ملك أخاه) أنه لا يعتق؛ ~~(لأنه شخص يصح التكفير بإعتاقه فلا يعتق كابن العم). # قلنا: هذا وصف مختلف فيه فلا يصح الاحتجاج به على الخصم، فإن التكفير ~~بتحرير الأب يصح ومع ذلك يعتق عندنا، وفي الأخ ماقال من صحة التكفير ~~بتحريره لا نقول كذلك فإن عنده صحة التحرير بعدما ملكه، فإن عنده الأخ لا ~~يعتق بالملك؛ فلذلك يصح تكفيره بالإعتاق باختياره. PageV04P1791 # وعندنا لا يصح اعتاقه بهذا الوصف، فإنه يعتق قبل أن يعتقه كما ملكه جبرا ~~بدون اختيار المشتري، وكون الوصف مختلفا فيه وهو أنه جعل صحة التكفير ~~بإعتاقه وصف عدم العتق بالملك، فكان فيه إشارة إلى أن عدم صحة التكفير ~~بالإعتاق علة إثبات العتق بالملك، وعندنا في العتق بالملك لا يحتاج إلى هذا ~~الوصف، فكان وصف العتق بالملك مختلفا فيه. # وكذلك في المسألة الثانية جعل صحة التكفير بالإعتاق علة فساد الكتابة، ~~فكان فيه إشارة إلى أن الكتابة إنما تصح إذا لم يصح التكفير بإعتاقه، ~~وعندنا لا يشترط لصحة عقد الكتابة عدم صحة التكفير بالإعتاق، بل يصح عقد ~~الكتابة مع أن التكفير ms700 صحيح بإعتاقه ... # (فكان شرطا لجواز الصلاة كالثلاث) أي ثلاث آيات عندهما شرط جواز الصلاة، ~~فيجب أن يكون سبع آيات وهي الفاتحة شرط جواز الصلاة PageV04P1792 # أيضا؛ لما أن بين الثلاث والسبع مناسبة وتعلقا في مشروع من العبادات وهو ~~صوم المتعة، فإن المتمتع أو القارن إذا لم يجد الهدي صيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجع. # (ولأن الثلاث أحد عددي مدة المسح) إلى آخره. بهذا التعليل يحتج الشافعي ~~على أبي يوسف ومحمد -رحمهم الله- ويقول: الثلاث أحد عددي مدة المسح، فلا ~~تصح به الصلاة كالواحدة. يعني أجمعنا واتفقنا معا أن الآية الواحدة لا تجوز ~~بها الصلاة، فيجب ألا تجوز الصلاة بثلاث آيات أيضا؛ لما أن بين عدد الثلاث ~~والواحدة مناسبة وتعلقا في مشروع من العبادات وهو مدة المسح، فإن مدة مسح ~~المسافر ثلاثة أيام ومدة مسح المقيم يوم واحد، فكان حكم الثلاث كحكم ~~الواحدة، فلما لم تجز بالواحدة وجب ألا تجوز بالثلاث، (ولأن الثلاث أو ~~الآية) إلى آخره. يحتج بهذا التعليل الشافعي PageV04P1793 # على أبي حنيفة -رضي الله عنه- على معنى أن كلا من ثلاث آيات أو آية واحدة ~~ودون الآية ناقص عن السبع في العدد، فكان بينهما مناسبة من حيث النقصان عن ~~عدد السبع، فكان بينهما مناسبة من حيث النقصان عن عدد السبع، فلما لم تجز ~~بما دون الآية بالإتفاق وجب ألا تجوز أيضا بثلاث آيات أو آية واحدة. # (ولأن هذه عبادة) والإشارة إلى الصلاة، يعني ينبغي أن يكون لها سبع آيات ~~وهي الفاتحة من أركان الصلاة، كما أن سبعة أشواط من الطواف من أركان الحج. PageV04P1794 # (لأن لا دليل بمنزلة لا رجل في الدار، وهذا لا يحتمل) يعني أن قوله: لا ~~رجل في الدار يدل على نفي الرجل في الدار، وكذلك في نظائره أن قوله: ~~"لادليل" يدل على انتفاء الدليل على ما هو موضوع النفي، فيستحيل أن يدل ~~قوله: "لا دليل" على وجود الدليل؛ إذ لو دل ذلك عليه لدل قوله: لا رجل في ~~الدار على وجود الرجل فيها إذ لا فرق بينهما، ms701 وفي ذلك إبطال الحقائق وإبطال الوضع. # فإن قلت: ليس المراد من قلهم: "أن لادليل" حجة للنافي أن يدل قولهم: لا ~~دليل على وجود، بل المراد منه أن النافي لا يحتاج إلى إقامة الدليل على ما ~~أدعاه من النفي، فيثبت النفي بدون إقامة الدليل عليه فلما ثبت ما ادعاه ~~بدون إقامة الدليل عليه كان هو بمنزلة الدليل. # وهذا لأن الدليل إنما يحتاج إليه لإثبات المدعي فلما ثبت مدعاه بهذا ~~القدر سماه دليلا، ثم إنما لا يحتاج النافي إلى إقامة الدليل لكونه متمسكا ~~بالأصل وهو عدم الدليل الموجب أو المانع ووجوب التمسك بالأصل إلى أن يظهر ~~الدليل المغير طريق في الشرع. PageV04P1795 # ولهذا جعل الشارع البينة في جانب المدعي لا في جانب المنكر؛ لأنه متمسك ~~بالأصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ولا في يده، وذلك حجة له على خصمه في ~~الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل، وهذا مؤيد بالنص في أقوى المناظرة وهو ~~إثبات التوحيد خيث علمنا الله تعالى الإحتجاج فيه بلا دليل علي نفي الشرك ~~بقوله: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) قلت: لا يصح هذا التأويل ~~منهم أيضا؛ لأن النفي من النافي دعوى شيء وهو أمر وجودي فلا بد له من دليل ~~وجودي عليه. # والدليل عليه قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو PageV04P1796 # نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) فقد علم الله تعالى ~~رسوله مطالبة النافي بإقامة البرهان وهو اسم للدليل الوجودي، وذلك تنصيص ~~على أن قولهم: "لا دليل" لا يكون حجه. # وأما ما قالوا من مسألة المدعي والمنكر فهو دليلنا، فإن الشارع لم يجعل ~~مجرد إنكار المدعي عليه حجه له على المدعي بوجه ما، حتى إنه بعدما حضر مرة ~~وجحد وطلب المدعي من القاضي إحضاره مرة أخرى أحضره القاضي، وإذا طلب المدعي ~~أن يكفله بنفسه أو بالعين الذي فيه الدعوى أجبره القاضي على ذلك، وإذا طلب ~~يمينه حلفه على ذلك، فلو كان " لا دليل " حجة ms702 للنافي على خصمه أو بمنزلة ~~الحجة له لم يبق للمدعي عليه سبيل بعد إنكاره. # فأما جعل الشرعه القول في المنكر، فذلك باعتبار دليل من حيث الظاهر وهو ~~أن المدعي به عين في يده واليد دليل الملك ظاهرا، أو دين في ذمته وذمته ~~بريئة ظاهرا، ومع هذا قوله: لا يكون حجمه على خصمه وإن حلف حتى لا يصير ~~المدعي مقضيا عليه بشيء فإنه لو أتى ببينة بعد تحليف المدعي عليه جاز ~~للقاضي أن يقضي له، ولكنه لا يعترض له ما لم يأت بحجة يثبت بها الحق عليه. # وأما ما ذكروا من النص فإن الله تعالى عالم بالأشياء كلها لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة ولا يخفي عليه خافية فإخباره أنه لا برهان لمن يدعي الشرك حصل PageV04P1797 # لنا علم اليقين بأنه لا دليل على الشرك بوجه، فكان هو بمنزلة قوله تعالى: ~~(قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) الآية. # ثم نقول لهذا القائل: قولك: " لا دليل " شيء نقوله عن علم أو لا عن علم؟ ~~فإن زعمت أنك تقوله عن علم فالعلم الذي يحدث للمرء لا يكون إلا بدليل، وإن ~~زعمت أنك تقوله لا عن علم فقد نهيت عن ذلك، قال الله تعالى: (وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون) وقال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) الآية، فما ~~يكون مذموما منهيا عنه نصا كيف يصلح أن يكون حجة على الغير؟ إلى هذا أشار ~~الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-. # (ولا يلزم ما ذكر محمد -رحمه الله-) إلى آخره لما قال محمد: لا خمس في ~~العنبر. # قيل له: لم قال: لأنه بمنزلة السمك؟ قيل له: وما بال السمك لم يجب فيه ~~الخمس؟ قال لأنه بمنزلة الماء، وهو إشارة إلى مؤثر، فإن الأصل في PageV04P1798 # خمس الغنائم، وإنما يجب فيما يصاب مما كان أصله في يد العدو ووقع في يد ~~المسلمين بإيجاف الخيل والركاب فيكون في معنى الغنيمة. # والمستخرج من البحار لم يكن في يد العدو قط؛ لأن قهر الماء يمنع قهر آخر ~~على ذلك الموضع، ms703 ثم القياس ألا يجب الخمس في شيء، وإنما يجب الخمس في بعض ~~الأموال بالأثر، فبين أن ما لم يرد فيه الأثر يؤخذ بالقياس، فكان هذا ~~احتجاجا بالقياس، إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-. # فعلم بهذا أن ما ذكره محمد -رحمه الله- احتجاج بالقياس لا احتجاج بلا دليل. # فإن قلت: لو نظرنا إلى ما ذكرته كان احتجاجا بالدليل، ولو نظرنا إلى ~~قوله: "ولم يرد فيه آثر " كان احتجاجا بلا دليل، فلم رجحت جانب ما يدل على ~~الدليل على جانب ما يدل على غير الدليل؟ PageV04P1799 # وقوله: (ولهذا صح هذا النوع من صاحب الشرع)، فالمراد بصاحب الشرع الله ~~تعالى لا النبي عليه السلام، قلت: ترجيحا لجانب الموجود على المعدوم؛ لأن ~~القياس موجود في الحال، والأثر الذي يوجب الخمس غير موجود في الحال، فلا ~~يجوز ترك الدليل الشرعي الذي يوجب الععمل في الحال لأجل دليل معدوم يحتمل ~~أن يوجد في ثاني الحال. # بدليل قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) وكذلك قوله: (إذ لا ~~يجري عليه السهو ولا يوصف بالعجز) دليل على ما قلت، لأن النبي عليه السلام ~~يجري عليه السهو. # وأولى الدليل فيه قوله: (فأما البشر) ألى آخره، فإنه دليل قاطع على ~~ماقلت؛ لأن النبي عليه السلام بشر، ومن ادعى أنه يعرف كل شيء نسب إلى السفه ~~أو العته، وكيف يتمكن أحد من هذه الدعوى مع قوله تعالى: (وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا). # وإذا علمنا يقينا أن المحتج بلا دليل لم يبلغه جميع أنواع العلم عرفنا أن PageV04P1800 # استدلاله بما لم يبلغه على الخصم باطل، ولهذا صح هذا النوع من الاحتجاج ~~فيما نص الله تعالى عليه؛ لأن الله تعالى عالم بالأشياء كلها قال الله ~~تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) الآية. PageV04P1801 ### || AUTO باب حكم العلة # لما ذكر ركن القياس وما يتعلق به شرع في بيان حكم القياس؛ لأن حكم الشيء ~~أثر ذلك الشيء، والأثر أبدا يعقب المؤثر، (وقد ذكرنا أن التعدية حكم لازم ~~عندنا) أي في ms704 بيان النوع الثالث من شروط القياس والتعليل للأقسام الثلاثة ~~الأول، وهي: إثبات الموجب أو وصفه، وإثبات الشرط أو وصفه، وإثبات الحكم أو ~~وصفه. PageV04P1802 # فإن قلت: هذا الذى ذكره يؤدي إلى سد باب القياس؛ لأن القياس شرعا إنما ~~يجري فى هذه الأشياء الثلاثة، ولما لم يجز فى هذه الأشياء لم يبق موضع شرعي ~~يجري فيه القياس، فحينئذ كان هذا قولا بأنه لا يجري القياس شرعا فى شيء من ~~المواضع مع أن الأقيسة جرت في هذه المواضع. # أما فى إثبات الموجب بالقياس فهو فيمن شرع في صلاة التطوع أو في صوم ~~التطوع يلزمه الإتمام، ولو أفسد يجب عليه قضاؤه عندنا خلافا للشافعى. # وقد قال فيه مشايخنا بالقياس، وقالوا: أن الشارع باشر فيه فعل قربة ~~مقصودة فيجب عليه إتمامه ويلزمه القضاء بالإفساد كمن أحرم لحج التطوع. # وأما في إثبات الشرط بالقياس فقد قال مشايخنا في وجوب الوضوء في الفصد أو ~~الحجامة: إنه خارج نجس وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير فكان كالخارج من ~~السبيلين. PageV04P1803 # وأما في إثبات الحكم بالقياس فقد قال مشايخنا- رحمهم الله- في جواز دفع ~~القيم فى الزكاة: إنه ملك الفقير ملا متقوما بنية الزكاة فيجوز. كما لو أدى ~~بعيرا عن خمس من الإبل، فعلم بهذا أن الأقيسة تجرى فى هذه المواضع. # قلت: هذا الذي أوردته من النظائر هى نظائر القسم الرابع ولا كلام فى ~~صحته، وإنما الكلام فى القياس فى هذه المواضع ما إذا قال فيه بالرأي من ~~نفسه من غير أن يكون له أصل يقيس عليه ما وقع فيه النزاع بعلة جامعة ~~بينهما. # وأما إذا كان لما وقع فيه النزاع معنى معلوم يجمعهما فيقيس المعلل عليه ~~بشرائطه المذكورة كان قياسا صحيحا جائزا سواء كان ذلك في إثبات الموجب أو ~~وصفه، أو في إثبات الشرط أو وصفه، أو في إثبات الحكم أو وصفه لوجود ما يصح ~~فيه القياس على ما يجيء فى آخر هذا الباب بقوله: ((وإنما أنكرنا هذه الجملة ~~إذا لم يوجد له فى الشريعة أصل)) إلى آخره. # (إنما يجب الكلام ms705 فيه) أي في إثبات الموجب (بإشارة النص أو دلالته ~~أواقتضائه). PageV04P1804 # فإن قلت: لو ثبت الموجب بهذه الأشياء كان الحكم الموجب فيه قطعيا لما أن ~~الحكم الثابت بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه قطعي على ما مر في باب وجوه ~~الوقوف على أحكام النظم، والكلام هنا في القياس لا في الإشارة والدلالة ~~والاقتضاء، وقد ذكرت نظير جريان القياس في الموجب بدون أن يثبت بإشارة النص ~~وأختيها فكيف حصر ثبوت الموجب بهذه الأشياء الثلاثة مع ثبوته بالقياس؟ # قلت: الحكم الثابت بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه هنا غير الحكم ~~الثابت بتلك الأشياء الثلاثة في باب وجوه الوقوف على أحكام النظم، فإن ~~الأحكام ثبتت هناك بمحض إشارة النص أو دلالته أو اقتضائه من كل وجه من غير ~~شائبة غموض فيه، بل ثبتت بتلك الأشياء صريحا. # وأما ههنا فيثبت الموجب أو الشرط أو الحكم بنوع إشارة النص أو نوع دلالته ~~أو نوع اقتضائه لا مطلقا. # ألا ترى أنه كيف أثبت موجب حرمة النسيئة بدلالة النص التي فيها غموض ~~وخفاء لا يدركه بعض الفقهاء مع أن الحكم الثابت بدلالة النص هو ما يدركه ~~الفقيه وغير الفقيه لوضوحه وإنارته. # وأما ما ذكرته من نظير إثبات الموجب بالقياس فأصله مستند إلى النص PageV04P1805 # وهو قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم)، ولأن الحكم الذي ثبت هنا بإشارة ~~النص أو دلالته أو اقتضائه ذلك النص هو النص الذي كان ثبوته غير قطعي ~~بدلالة ما أورده من النظائر، بخلاف الأحكام الثابتة بإشارة النص أو دلالته ~~أو اقتضائه في باب وجوه الوقوف. # ألا ترى أن الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- ذكر عبارة النص هنا أيضا مع ~~تلك الثلاثة فقال: وإنما طريق إثبات الرجوع إلى النص أو دلالته أو إشارته ~~أو مقتضاه- إلى أن قال -: وإنما أثبت أبو حنيفة -رحمه الله - ذلك أي أن ~~الوتر بمنزلة الفريضة بالنص المروي فيه وهو قوله عليه السلام: ((إن الله ~~تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر)). # ثم قال: فكذلك طريق إثبات كون الجنس علة الرجوع إلى النص ودلالته. # وهو أنه قد ms706 ثبت بالنص حرمة الفضل الخالي عن العوض إذا كان مشروطا بالعقد، ~~وباشتراط الأجل يتوهم فضل مال خال عن المقابلة باعتبار صفة الحلول فى أحد ~~الجانبين، ولم يسقط اعتباره بالنص؛ لكونه حاصلا بصنع العباد بخلاف صفة ~~الجودة فإنها يسقط اعتبارها بالحديث وهذا ليس PageV04P1806 # في معناه فلا يلحق به، وبما أورده شمس الأئمة- رحمه الله- من هذا الكلام ~~هنا يعلم ما ذكرته من المعنيين: # وهو أن الدلالة التي ذكرت هنا ليست كدلالة النص التي مر ذكرها في الوضوح. # والثاني: إن المراد من النص النص الذي هو غير قطعي في إيجاب الحكم. # وقوله: (بما ذكرنا) إشارة إلى قوله: ((بإشارة النص أو دلالته أو ~~اقتضائه)) ثم ذكر في (مسألة الجنس) بالدلالة (محرما بما ذكرنا من العلة) أي ~~إذا كان القدر والجنس موجودين تثبت حرمة حقيقة الفضل، فكذلك في مسألتنا ~~ينبغي أن تثبت بدلالته حرمة شبهة الفضل وهو فضل النقد على النسيئة. # فإن قيل: الفضل من حيث النقدية فضل من حيث الوصف فيجعل عفوا PageV04P1807 # كالفضل من حيث الجودة. # قلنا: بلى لكن حصل فضل النقدية بصنعنا فيمكن الاحتراز عنه. # أما الفضل من حيث الجودة فضل حصل بصنع الله تعالى من غير واسطة فعل ~~العباد فلا يمكن الاحتراز عنه فيجعل عفوا؛ لأنا لو اعتبرنا صفة الجودة لا ~~يمكن المساواة في الكيل. # (وقد وجدنا في النسيئة) أي في عقد النسيئة بالنقد (شبهة الفضل وهو الحلول ~~المضاف إلى صنع العباد) وهو النقد، وقد وجدنا شبهة العلة، وذلك لأن علة ~~الربا القدر مع الجنس وبالقدر مع الجنس تثبت المماثلة صورة ومعنى. # وهو المراد بقوله عليه السلام: ((مثلا بمثل)) فبوجود أحد هذين الوصفين ~~تثبت المماثلة، إلا إن المدلول في عقد النسيئة بالنقد غير ثابت؛ لأن ~~المماثلة لم توجد على الكمال وهو المراد بالنص، فكان عند وجود أحدهما وجود ~~شبهة العلة فتثبت حرمة شبهة الفضل ضرورة. # ولا يقال بأن حقيقة الفضل لا تحرم عند وجود أحد الوصفين فلا تحرم الشبهة ~~بدلالة النص؛ لأننا نقول هذا الذي ذكرته نوع دلالة على الحل وما ذكرناه نوع ms707 ~~دلالة على الحرمة فرجحنا جانب الحرمة بالنص، ولأن فيما ذكرنا رعاية ~~المناسبة بين العلة وحكمها؛ إذ إثبات أحد جزئي الحكم الذى هو مناسب لأحد ~~جزئي العلة من المناسبة. بيان ذلك بتمامه مذكور في PageV04P1808 # ((الوافي)) # (فأثبتناه بدلالة النص)؛ لأن النص يدل على ثبوت الحكم عند وجود العلة، ~~وقد وجدت العلة على ما ذكرنا من التفسير فكان ثابتا بدلالة النص. PageV04P1809 # (وأما صفة السبب) أي صفة الموجب (فمثل صفة السوم في الأنعام أيشترط ~~للزكاة أم لا؟) فعند مالك لا يشترط، وعندنا يشترط، وهو يتمسك بظاهر إطلاق ~~قوله عليه السلام: ((في خمس من الإبل شاة (). ونحن نتمسك بما روى عن ابن ~~عباس -رضي الله عنهما: أن رسول الله عليه السلام قال: ((ليس في الحوامل ~~والعوامل صدقة)). # (ومثل صفة الحل في الوطء لإثبات حرمة المصاهرة) عندنا ليس بشرط وعند ~~الشافعي شرط فإنه يتمسك بقوله عليه السلام: ((الحرام لا يحرم PageV04P1810 # الحلال)). # ونحن نتمسك بقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) فالنكاح للوطء ~~حقيقة، فتكون الآية نصا في تحريم موطوءة الأب على الابن، فالتقييد يكون ~~الوطء حلالا زيادة فلا تثبت هذه الزيادة بخبر الواحد ولا بالقياس. # (في صفة القتل الموجب للكفارة)، فعندنا صفة القتل الموجب للكفارة الخطأ ~~لا غير، وعند الشافعي القتل مطلقا سواء كان عمدا أو خطأ، وهو يتمسك ههنا ~~بدلالة النص ويقول: لما أجمعنا بوجوب الكفارة في القتل الخطأ مع قصوره في ~~الجناية كان وجوب الكفارة في القتل العمد أولى لكماله في الجناية، ونحن ~~نتمسك بقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة)، وبقوله عليه ~~السلام: ((خمس من الكبائر لا كفارة فيهن -وذكر منها- القتل العمد)). # وكذلك مثل هذا التمسك من الجانبين في صفة اليمين الموجبة للكفارة، وهو ~~يتمسك في وجوب الكفارة في الغموس بدلالة النص، ونحن نتمسك PageV04P1811 # في عدم وجوبها بهذا الحديث # (ومثل صوم الاعتكاف) ففي الاعتكاف الواجب عند علمائنا الثلاثة -رحمهم ~~الله- يشترط الصوم لصحة الاعتكاف، وعند الشافعي لا يشترط. هو يتمسك بما روى ~~عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (ليس على المعتكف صوم) ms708 # ونحن نتمسك بما روى عن ابن عباس وعائشة -رضي الله عنهم - أنهما قالا: ~~((لا اعتكاف الا بصوم)) # وأما إذا كان الاعتكاف تطوعا ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله ~~-: لا يكون الا بالصوم ولا يكون أقل من يوم لإطلاق الحديث، فكان الصوم ~~للاعتكاف كالطهارة للصلاة. PageV04P1812 # وفي ظاهر الرواية يجوز النفل من الاعتكاف من غير صوم؛ لأن مبنى النفل على ~~المساهلة والمسامحة حتى تجوز صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام وراكبا ~~مع القدرة على النزول وفي الواجب لا يجوز. # هذا كله من ((المبسوط)) وكذلك فى غيرها كل واحد من الطرفين يتمسك في مثل ~~هذه الصور في تقرير مذهبه إما بالنص أو بإشارته أو بدلالته أو باقتضائه. # (ومثل الشهود في النكاح) فعند مالك لا يشترط وعند عامة العلماء يشترط. # (ومثل شرط النكاح لصحة الطلاق) فعند الشافعي شرط حتى إذا خالعها ثم طلقها ~~فى العدة لا يقع عنده، وعندنا يقع، وكذلك النكاح ليس بشرط لصحة تعليق ~~الطلاق بالنكاح عندنا، وعند الشافعي شرط صحة التعليق بالشرط النكاح. PageV04P1813 # (فمثل اختلافهم في الركعة الواحدة) أى البتيراء؛ فإنها ليست بصلاة مشروعة ~~عندنا، وعند الشافعي مشروعة. # (وفي صوم بعض اليوم) أي الصوم النفل ببعض اليوم مشروع أم لا؟ فعند ~~الشافعي مشروع حتى صحت نيته بعد الزوال عنده. PageV04P1814 # (وفي حرم المدينة) فعند الشافعي للمدينة حرم، وعندنا لا حرم لها حتى حل ~~صيدها، وقطع أشجارها عندنا وعنده لا يحل، (فمثل الاختلاف في صفة الوتر) أنه ~~سنة أو واجب؟ (وفي صفة الأضحية) أنها سنة أو واجبة؟ # (وفي صفة حكم الرهن بعد اتفاقهم أنه وثيقة لجانب الاستيفاء)، فعندنا هو ~~مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، وعند الشافعي هو أمانة ولا يسقط شيء من ~~الدين بهلاكه. # (وكاختلافهم في كيفية وجوب المهر) فعندنا في عقد النكاح بغير تسمية PageV04P1815 # المهر يجب مهر المثل بنفس العقد. # وعند الشافعي في أحد قوليه لا يجب المهر بنفس العقد، وإنما يجب المهر ~~بالفرض بالتراضي أو بقضاء القاضي، وحتى إذا مات أحدهما قبل الدخول فلا مهر ~~لها عنده، ms709 ومشايخهم يختلفون ف يما إذا دخل بها فأكثرهم على أنه يجب المهم ~~بالدخول، ومنهم من يقول: لا يجب بالدخول أيضا. والمسألتان الأخيرتان وهما ~~مسألة الرهن والمهر في "المبسوط". # (ولا يلزم اختلاف الناس بالرأي في صوم يوم النحر). # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: قلنا: لأنا وجدنا أصلا متفقا عليه في ~~كون الصوم مشروعا فيه وهو سائر الأيام فأمكن تعدية الحكم بتعليله على ~~الفرع، ثم يبقى وراء ذلك الكلام في أن النهي الذي جاء لمعني في صفة هذا ~~اليوم، وهو أنه يوم عيد عمله يكون في إفساد المشروع مع بقائه في الأصل PageV04P1816 # مشروعا، أو في رفع المشروع وانتساخه، وهذا لا نثبته بالرأي وإنما نثبته ~~بدليل النص وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي ~~اختيار فيه كما قررنا. # (ألا ترى أنهم اختلفوا في التقابض في بيع الطعام بالطعام) إنما أطلق ~~الطعام ليكون متناولا للطعامين من جنس واحد أو من جنسين مختلفين، فالخلاف ~~فيهما واحد. ذكر هذه المسألة في "المبسوط" في الباب الأول من كتاب البيوع ~~بعد ستة وثلاثين ورقا فقال: وإذا اشترى طعاما بطعام مثله وترك الذي اشترى ~~ولم يقبضه حتى افترقا فلا باس به عندنا. # وعند الشافعي- رحمه الله- يبطل العقد، والتقابض في المجلس في بيع الطعام ~~بالطعام ليس بشرط سواء كان من جنسه أو من خلاف جنسه عندنا، وعند الشافعي ~~شرط، فقال: إن العقد جمع بين البدلين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه عينا ~~يحرم التفاضل بينهما فيشترط فيه القبض في المجلس كبيع الذهب بالفضة. # وقلنا: إن القبض حكم العقد فلا يشترط اقترانه بالعقد كالملك، فإن PageV04P1817 # الملك يجوز أن يتأخر عن حالة العقد بخيار الشرط أو نحوه. # (كما في سائر السلع)، فلما كان للذي ذكر من الدعوى أصل مقيس عليه، وله ~~علة جامعة بينه وبين المقيس جاز القياس فكان هو حينئذ نظير القسم الرابع، ~~فالمنصف- رحمه الله- ذكر نظير القسم الرابع في مسألة التقابض في بيع الطعام ~~بالطعام. # والإمام شمس الأئمة- رحمه الله- ذكره في الاختلاف في مسح الرأس ف قال: ~~وأما بيان ms710 القسم الرابع، فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه؟ ~~فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونا فيمكن تعليل ~~ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه، ويوجد في أعضاء ~~الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونا بالاتفاق فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه ~~لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين. # ثم الكلام يقع بعد ذلك في الترجيح، وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط ~~تعيين النية في الصوم، فإن هناك أصلا متفقا عليه يتأدى به الصوم بمطلق ~~النية وهو النفل الذي هو عين مشروع في وقته فيمكن تعليل ذلك PageV04P1818 # لتعدية الحكم به إلى الفرع، وهناك أصل في الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا ~~بتعيين النية وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع ~~فيكون القياس في موضعه من الجانبين، ثم الكلام في الترجيح بعد ذلك. # (فاقتصرنا على الإشارة إلى الجمل) أي إلى هذه الجملة التي ذكرنا. # (وأما النوع الرابع) وهو النوع الرابع الذي ذكر في أول هذا الباب بقوله: ~~والرابع هو تعدية حكم معلوم بسببه وشرطه بأوصاف معلومة. # (فعلى وجهين في حق الحكم)، وإنما انحصر على هذين الوجهين، لأن الحكم إذا ~~تعلق بالمعنى فلا يخلو إما أن يكون المعني جليا أو خفيا، فإن كان جليا ~~سميناه قياسا، وإن كان خفيا سميناه استحسانا، وهذا. PageV04P1819 ### || AUTO باب بيان القياس والاستحسان # (وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسيين)، وإنما قال ذلك ردا لتشنيع من PageV04P1820 # ............... PageV04P1821 # لا وقوف له على ما أراد بهذا اللفظ علماؤنا- رحمهم الله-، فقال إذا كان ~~العمل بالاستحسان هو الأولى دون القياس كان القياس باطلا في حق العمل ~~بمقابلته، فبعد ذلك كيف يصح قولكم: القياس حجة؟ # ورد هذا التشنيع بهذا فقال: "إن الاستحسان أحد القياسيين" لكن أحدهما ~~أقوى من الآخر بقوة أثره، فالعمل بالأقوى لا يدل على أن الآخر ليس بحجة ~~أصلا. ألا ترى أن النصين إذا تعارضا وأحدهما أقوى لمعني فيه لكونه محكما أو ~~مفسرا فالعمل به أقوى، وهو ms711 لا يدل على أن الظاهر أو النص لا يكون حجة، ف ~~كان عملنا في هذين القياسيين بمنزلته، فبطل تشنيع هذا المشنع، وتمام هذا ~~يذكر ف ي آخر الباب. # (لكنه سمي استحسانا إشارة إلى أنه الوجه الأولى في العمل به، وأن العمل ~~بالآخر جائز كما جاز العمل بالطرد وإن كان الأثر أولى منه)، وهذا الذي ~~ذكرنا إنما يتحقق فيما إذا عارض الاستحسان قياسا في مسألة واحدة كان العمل ~~بالاستحسان أولى، كما يقال: التوضؤ بسؤر الهرة جائز، والترك أولى، والعلم ~~بالعلل الطردية جائزة، وإن كان العمل بالعلل المؤثرة أولى. # وهذا الذي ذكره هاهنا خلاف ما اختاره الإمام شمس الأئمة السرخسي PageV04P1822 # - رحمه الله- في الظاهر فقال: وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل ~~بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس في موضع الاستحسان، وشبه ذلك بالطرد ~~مع المؤثر، قال: العمل بالمؤثر أولى وإن كان العمل بالطرد جائز، ثم قال: ~~قال- رضي الله عنه-: وهذا وهم عندي، فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر ~~المسائل: إلا أنا ركنا هذا القياس والمتروك لا يجوز العمل به، وتارة يقول: ~~إلا أني أستقبح ذلك، وما يجوز العمل به من الدليل شرعا فاستقباحه يكون كفرا. # فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان، وبه ~~يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة، ولكن باعتبار سقوط ~~الأضعف بالأقوى أصلا. # وقد قال في كتاب السرقة: إذا دخل جماعة البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ~~ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه في القياس القطع على الحمال خاصة، وفي ~~الاستحسان يقطعون جميعا. # وقال في الحدود: إذا اختلف شهود الزنا في الزاويتين في بيت واحد في ~~القياس لا يحد المشهود عليه، وفي الاستحسان يقام الحد، ومعلوم أن الحد يسقط ~~بالشبهة. # وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- تصحح ردة الصبي PageV04P1823 # استحسانا، ومعلوم أن عند قيام دليل المعارضة ترجيح الموجب للإسلام، وإن ~~كن هو أضعف كالمولود بين كافر ومسلمة، وكيف يستحسن الحكم بالردة مع بقاء ~~دليل موجب للإسلام، فعرفنا أن القياس متروك أصلا في الموضع الذي يعمل ms712 فيه ~~بالاستحسان، وإنما سميناهما تعارض الدليلين باعتبار أصل الوضع في كل واحد ~~من النوعين، لا أن بينهما معارضة في موضع واحد، وعن هذا قال بعضهم بالتوفيق ~~بينهما. # وأول ما ذكره فخر الإسلام- رحمه الله- فقال: لا تتعارض بين القياس ~~والاستحسان في الحقيقة، لأن القياس أضعف والاستحسان أقوى، والأضعف لا يعارض ~~الأقوى، فصار الأضعف بمنزلة المعدوم. # ويجوز أن يكون المصنف- رحمه الله- أراد بما ذكر: "أن العمل بالقياس جائز" ~~أي عند سلامته عن معارضة الاستحسان، وعنى بالجائز الواجب، لأن القياس إذا ~~انفرد عن معارضة الاستحسان كان العمل بالقياس واجبا، وعنى بقوله: إلا أنه ~~مقدم على القياس عند وجودهما، وكذلك هذا في الطرد مع الأثر، إذا لم يعرض ~~الأثر الطرد يجوز العمل بالطرد عند العجز كما يجوز باستصحاب الحال عند ~~الضرورة. PageV04P1824 # والدليل على أن المراد هذا ما ذكره بعد هذا بأسطر بقوله: فسقط حكم القياس ~~بمعارضة الاستحسان. بقولة: ف صار هذا باطنا ينعدم ذلك الظاهر. أي دليل ~~القياس في مقابلته فسقط حكم الظاهر لعدمه، فلما كان دليل القياس منعدما ~~وساقطا في مقابلة دليل الاستحسان لم يكن معارضا للاستحسان في الحقيقة، فكان ~~العمل بالقياس متروكا أصلا، لا أن يكون جائزا عند وجود دليل الاستحسان. # وقوله: (وهو الاستصناع) والقياس يأبى جواز الاستصناع، لأن المستصنع فيه ~~مبيع وهو معدوم وبيع المعدوم لا يجوز، ولو كان موجودا غير مملوك للعاقد لم ~~يجز بيعه، فإذا كان معدوما أولى، ولكنا تركنا القياس لتعمل الناس فيه إلى ~~آخر. كذا ذكره في "المبسوط". # وصورته هي ما ذكر في "الوافي" رجل جاء إلى إنسان فقال له: اخرز لي خفا من ~~جلدك صفته كذا، وقدره كذا بكذا درهما، وسلم إليه الدراهم أولم يسلم فإنه ~~يجوز للتعامل فيه. PageV04P1825 # (وسمينا الذي قوى أثره استحسانا)، لأنه هو الأولى بالعمل به، (وقدمنا ~~الثاني) أي الاستحسان. # (الجلاء) - بالفتح والمد- الأمر الجلي يقول منه: جلا لي الخبر أي وضح، ~~وقول زهيرة: # فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو شهود أو جلاء # ويريد الإقرار. كذا في الصحاح. # وقوله: (والصفوة)، لأنه خالص عن شوب المحنة. PageV04P1826 # (لعدمه) ms713 أي لعدم حكم القياس، لأن المغلوب في مقابلة الغالب معدوم. # (وفي الاستحسان هو طاهر) أي سؤر سباع الطير (طاهر بدليل جواز الانتفاع به ~~شرعا) كالكلب للاصطياد والحراسة، ولو كان حراما الانتفاع بعينه لحرم ~~الانتفاع بعينة بقوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس). # (فأثبتنا حكما بين حكمين) أحد الحكمين كونه نجسا لا بطرقي المجاورة ~~والآخر كونه طاهرا، فالحكم بين الحكمين (النجاسة (المجاورة، فتثبت صفة ~~النجاسة في رطوبته) أي في رطوبة سؤر سباع البهائم. PageV04P1827 # (والعظم طاهر بذاته خال عن مجاورة النجس)، لأن منقارهم عظم جاف ثم تأيد ~~هذا بالعة المنصوص عليها في الهرة، فإن معني البلوي يتحقق في سؤر سباع ~~الطير، لأنها تنقض من الهواء، ولا يمكن صون الأواني PageV04P1828 # عنها خصوصا في الصحاري. # (مثاله) أي مثال القياس الذي عمل به علماؤنا- رحمهم الله- وإنما ذكر جواز ~~السجدة بالركوع قياسا وعدم الجواز استحسانا، لأن القياس الجلي يسمي قياسا، ~~وهو موجودا هاهنا وهو جلي، لأنه قال: لما جاز السجود جاز PageV04P1829 # الركوع، لأن كلا منهما يعد تواضعا بالانحناء وهذا ظاهر، لأنه إذا وجد ~~المسمى جاء الاسم، وفي الاستحسان نوع خفاء، لأنه يحتاج فيه إلى أن يقال: ~~إنه مأمور بالسجود دون الركوع، وكلل واحد منهما مخالف للآخر، فلا ينوب ~~أحدهما عن الآخر كسجدة الصلاة، فلذلك سمي استحسانا. # (أنه غير مشروع مستقلا بنفسه)، لأن ذلك يجب عند وجود فعل العباد مع تلاوة ~~أو سماع. (وبخلاف سجود الصلاة)، لأنه قربة مقصودة. # (مع الفساد الظاهر)، وهو التمسك بالمجاز (أحق من الأثر الظاهر) أي من ~~القوة الظاهرة للاستحسان (مع الفساد الباطن)، وهو جعل ما ليس بمقصود بمنزلة ~~المقصود. # (وهذا قسم عز وجوده) أي ترجيح القياس على الاستحسان مما يقل وجوده، ومن ~~ذلك القليل أيضا ما ذكره الإمام الزاهد نجم الدين النسفي- رحمه الله- في ~~مجمع العلوم: لو قال رجل لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: ولدت وكذبها ~~الزوج، فالقياس أن لا تصدق، وفي PageV04P1830 # الاستحسان تصدق وبالقياس نأخذ. وفي "الجامع": أربعة شهدوا على رجل ~~بالزنا، فقضى القاضي بجلد مائة، فجلد ولم يكمل الجلد، فشهد شاهدان أنه ~~محصن، ففي ms714 القياس يرجم وهو قولهما، وفي الاستحسان لا يرجم وبالقياس نأخذ. # وذكر في كتاب الرهن والنكاح: إن الرهن بمهر المثل لا يكون رهنا بالمتعة ~~عند أبي يوسف-رحمه الله- قياسا وعند محمد- رحمه الله- وهو الاستحسان يكون ~~رهنا، وبالقياس نأخذ إلى آخره. # وذكر في رهن "الهداية": فإن أقام الرجلان كل واحد منهما البنية على رجل ~~أنه رهنه عبده في يده وقبضه فهو باطل. # هذا جواب القياس. # وأما جواب الاستحسان فإنه يكون رهنا لهما، فيجعل كأنهما ارتهناه معا إذا ~~جهل التاريخ بينهما، ثم قال: وهو وإن كان قياسا، لكن محمدا -رحمه الله- PageV04P1831 # أخذ به لقوته؛ (لأنه ينكر تسليم المبيع بما يدعيه المشترى ثمنا)؛ لأن ~~المشتري يدعي على البائع عند إحضار أقل الثمنين تسليم السلعة، والبائع ينكر. # (وهذا حكم تعدي إلى الوارثين) أي إلى وارث البائع ووارث المشترى إذا ~~اختلفا في الثمن قبل قبض المبيع يتحالفان كما إذا اختلف المورثان، (وإلى ~~الإجارة) بأن اختلف المؤجر مع المستأجر في قدر الأجرة قبل استيفاء المعقود ~~عليه وهو المنفعة فإنهما يتحالفان. # (وما أشبه ذلك) وهو كل عقد اختلف في بدلة والمعقود عليه غير مسلم ~~والتسليم فيه لا يجب إلا بعد تسليم البدل، كما في النكاح يعني إذا اختلف ~~الزوجان في مقدار المهر قبل الدخول، وكما إذا هلكت السلعة واختلفت بدلا بأن ~~قبل العبد المبيع قبل القبض. # (وإنما أنكر على أصحابنا بعض الناس). # قال الإمام شمس الأئمة -رحمة الله-: وقد طعن بعض الفقهاء في PageV04P1832 # تصنيف له على عبارة علمائنا في الكتب: إلا أنا تركنا القياس واستحسنا. # وقال القائلون بالاستحسان يتركون العمل بالقياس الذي هو حجة شرعية، ~~ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك، وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ليس بحجة ~~لاتباع هوى أوشهوة نفس؟! فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة فالحجة ~~الشرعية حق وماذا بعد الحق إلا الضلال! وإن كانوا يريدون القياس الباطل ~~شرعا فالباطل مما لا يشتغل بذكره. # فنقول: الاستحسان لغة: وجود الشيء حسنا أو طلب الأحسن للاتباع الذي هو ~~مأمور به، كما قال الله تعالى: (فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول ms715 ~~فيتبعون أحسنه). # وهو في لسان الفقهاء نوعان: العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما ~~جعله الشرع موكولا إلى آرائنا، نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى (متاعا ~~بالمعروف حقا على المحسنين) أوجب ذلك بحسب اليسار والعسر، وشرط أن يكون ~~بالمعروف، فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي، PageV04P1833 # وكذلك قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وهو استحسان ~~لا يخالفه أحد من الفقهاء. # والنوع الآخر: هو الدليل الي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه ~~الأوهام قبل إنعام النظر والتأمل، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة يظهر ~~أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة، وأن العمل به هو الواجب فسموا ذلك ~~استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي يسبق إليه ~~الوهم قبل التأمل. # (والاستحسان أفصحهما وأقواهما). # أما أفصحهما: فإن الاستحسان مزيد ثلاثي غير مضعف، وفي التضعيف نوع بشاعة ~~من تكرير الحرف في الكلمة الواحدة، ولذلك أدغموه عند إمكان الإدغام لإزالة ~~البشاعة، وهاهنا لا إمكان لتحلل الألف بين الحرفين المتجانسين، فبقيت ~~الكلمة على بشاعته فكانت الكلمة التي لا تضعف فيها منها أفصح. PageV04P1834 # وأما أقواهما: فلأن الاستحسان عبارة عن وجود الشيء حسنا، فإذا كان حسنا ~~يجب اتباع الحسن. # وأما قوله: "أحب" ينبئ عن المحبة والإيثار، وذلك لا يوجب كون ذلك حسنا؛ ~~لاحتمال أن يكون ما أحبه وآثره قبيحا. # ألا ترى أن الله تعالى قال في مذمة الكفار: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة). # وحاصلة أن الاستحسان يدل على الحسن، والاستحباب يدل على المحبة، ولا شك ~~أن الحسن يدل على زيادة فضيلة في الشيء الذي له حسن من المحبة التي تدل ~~محبوب؛ إذ حسن ذلك الشيء نشأ من ذات ذلك الشيء، والمحبة نشأت من الغير، وما ~~ينشأ من الذي ينشأ من الغير؛ لأن الأول يدل على أمر قار، والثاني يدل على ~~أمر طارئ. PageV04P1835 ### || AUTO باب معرفة أحوال المجتهدين # ومنازلهم في الاجتهاد # ذكر في الكتاب مناسبة الباب فأغنانا عن ذكرها، فالاجتهاد: بذل المجهود ~~لنيل المقصود. PageV04P1836 # (بمعانيه) أي من حيث اللغة ms716 (ووجوهه) التي قلنا، وهي: الخاص والعام إلى ~~آخر الثمانين. # (وعلم السنة بطرقها) وهي طرق الاتصال بنا من رسول الله عليه السلام من ~~الآحاد والشهرة والتواتر. # (واختلف أهل المقالة الصحيحة) وهي المقالة التي قالها أصحابنا. PageV04P1837 # يعني أنهم اتفقوا على أن المجتهد يخطئ ويصيب، فبعد ذلك اختلفوا في أنه PageV04P1838 # يخطئ ويصيب ابتداء وانتهاء، أم يصيب في ابتداء اجتهاده ويخطئ انتهاء؟ # (لما كلفوا إصابة الحق) بقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)، لأنه ~~لا يجوز أن يقال كلفوا غير إصابة الحق؛ لأن الله تعالى منزه عن تكليف ~~الخطأ، فثبت أنهم مكلفون إصابة الحق، ولايصح ذلك إلا بتعدد الحقوق. # (حتى تأدى الفرض) أي فرض التوجه. # (كما صح ذلك عند اختلاف الرسل) أي في زمان واحد، كما في لوط مع إبراهيم ~~عليهما السلام، وعلى اختلاف الزمان كما في الخمر كانت حلالا ثم صارت حراما ~~في الزمان الثاني. PageV04P1839 # (لأن دليل التعدد لم يوجب التفاوت) وهو قوله: "إن المجتهدين لما كلفوا" ~~إلى آخره. # (وبطلت الدعوة) أي دعوة المجتهد الناس إلي قوله، والدعوة واجبة قال الله ~~تعالى: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه)، وقال تعالى: (ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم) والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل. # (وإذا اختص سليمان عليه السلام بالفهم وهو إصابة الحق بالنظر كان الآخر ~~خطأ)؛ لأن ما قضى به داود عليه السلام كان بالرأي؛ إذ لو كان بالوحي PageV04P1840 # لما حل لسليمان عليه السلام الاعتراض في ذلك. # فعلم أن كل واحد منهما اجتهد، والله تعالى خص سليمان عليه السلام بفهم ~~القضية ومن عليه، وكمال المنة في إصابته الحق الحقيقي، ويلزم من ذلك أن ~~يكون الآخر خطأ؛ إذ لو كان من داود عليه السلام ترك الأفضل لما وسع لسليمان ~~عليه السلام التعرض؛ لأن الاقتيات على رأي من هو أكبر لا يستحسن فضلا على ~~الأب النبي. # (وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-) في حديث المفوضة إلى آخره. ذكر في ~~"المبسوط" في مسألة عقد النكاح بغير تسمية: وحجتنا في ذلك: "ما روي أن ~~سائلا سأل ابن مسعود -رضي الله عنه- عن هذا ms717 فجعل يردده شهرا، ثم قال: أقول ~~فيه بنفسي، فإن يك صوابا فمن الله ورسوله، وإن يك خطأ فمن ابن أم عبد- وفي ~~رواية: فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه PageV04P1841 # بريئان -أرى لها مهر مثل نسائها. لا وكس ولا شطط، فقام رجل يقال له معقل ~~بن يسار أو معقل بن سنان، وأبو الجراح. فقالا: نشهد أن رسول الله عليه ~~السلام قضى في امرأة منا يقال لها بروع بمثل قضيتك هذه، فسر ابن مسعود بذلك ~~سرورا لم يسر قط مثله بعد إسلامه لما وافق قضاؤه قضاء رسول الله عليه ~~السلام". # فوجه التمسك بهذا الحديث ظاهر وهو أنه أثبت تصور الخطأ في الاجتهاد، فعلى ~~قول أولئك لا يتصور الخطأ فيه. PageV04P1842 # (أما السبب فلأنا قلنا: إن القياس تعدية) أي إبانه مثل الحكم المنصوص في ~~الفرع، فلا يصلح أن يكون القياس مغيرا لحكم النص؛ لأن القياس خلف عن النص ~~فيثبت على وفاق الأصل، والحكم الحق في الأصل غير متعدد بالإجماع. # ألا ترى أن النصين إذا تعارضا في الحظر والإباحة أو الإيجاب والنفي لا ~~يثبت النفي والإثبات والحظر والإباحة، بل الحكم أن يجب التوقف فيه إلى أن ~~يثبت رجحان أحدهما إن أمكن أو يعرف التاريخ، وإن لم يثبت شيء من ذلك ~~يتهاترا، وهذا حكم مجمع عليه، فإذا تعذر تعدد الحقوق في الأصول بطل القول ~~بتعدد الحقوق في الفروع. # والحكم يؤخذ من الأصل، فلما استحال احتمال الحظر والإباحة في الأصل ~~استحال أن يثبت المتنافيان في الفرع، وهذا واضح بحمد الله تعالى وهو الحق، ~~وماذا بعد الحق إلا الضلال! PageV04P1843 # (وأما الاستدلال بنفس الحكم) فهو ما ذكر في المتن وهو ظاهر. # وأما الجواب عن قولهم: "كما صح ذلك عند اختلاف الرسل عليهم السلام في ~~زمان واحد" فقلنا: إن الشيء الواحد جاز أن يكون حراما لشخص حلالا لشخص آخر. ~~كأم المرأة حرام على الختن حلال لغيره، وكذلك سائر المحرمات من الأم والبنت ~~وغيرهما، وكذا المال لمالكه حلال، ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة ~~في حق أمة، والحل في حق أمة ms718 أخرى. # وأما فيما نحن فيه فالأمة كلهم كشخص واحد فيستحيل أن يكون الفعل الواحد ~~حراما عليهم حلالا لهم أيضا في ذلك الزمان؛ لأن الاستحالة إنما تثبت عند ~~اتحاد الجهة والزمان والمحل فتعذر القول بتعدد الحقوق فيما نحن فيه. # ألا ترى أنه لا يجوز أن يرد الوحي بأن يحرم نكاح المجوسية لمسلم PageV04P1844 # ويحل له أيضا، فإذا كان ذلك مستحيلا بالوحي يستحيل أن يكون ثابتا ~~بالقياس؛ إذ هو مستنبط من النصوص وفرع له، ولا يجوز مخالفة الفرع الأصل، ~~وأي مخالفة أقوى من هذا؟! # وقوله: (وصحة التكليف تحصل بما قلنا) جواب عن قولهم: وجب القول بتعدده ~~تحقيقا لشرط التكليف؛ إذ لو لم يكن كذلك يلزم تكليف ما ليس في الوسع". # (إذا فرق القاضي بينهما نفذ الحكم وقد أخطأ السنة)؛ لأن السنة أن يفرق ~~القاضي بينهما بعد الرابعة أو الخامسة من كل واحد منهما، وإنما نفذ حكمه ~~باعتبار إقامة الأكثر مقام الكل، وهذا دليل شرعي في الجملة، وقضاء القاضي ~~يجب صيانته عن البطلان، وإخطاؤه السنة دليل على أن المجتهد PageV04P1845 # يخطيء في اجتهاده. # (فمن علم منهم حال إمامه وهو مخالفه فسدت صلاته) ولو كان كل واحد منهم ~~مصيبا في اجتهاده لما فسدت صلاته كما لم تفسد صلاة من صلوا بجماعة في جوف ~~الكعبة وإن كان المقتدي يخالف إمامه في التوجه إلى الجهة. # (وأما قوله: إن المخطئ للقبلة لا يعيد صلاته) أي هذا دليل على أن PageV04P1846 # المجتهد لا يخطئ. # قلنا: ليس هذا دليلا على أن المجتهد لا يخطئ؛ لما أن المتحرى للقبلة لا ~~يكلف إصابة حقيقة الكعبة؛ لأن إصابة حقيقة الكعبة لا يمكن إلا بالمشاهدة ~~عيانا أو بالإخبار جهتها أو يعلم ذلك بالنجوم، وقد انعدمت هذه المعاني في ~~حق من اشتبهت عليه القبلة، ثم لم يبق دليل سوى التحرى، فكان المتحري قبلة له. # ومن صلى متوجها إلى قبلته التي أمر بأن يوجه وجهه إليهما لا يعيد صلاته ~~بعدما صلى كمن صلى متوجها إلى الكعبة عيانا؛ وهذا لأن الأمر باستقبال ~~الكعبة ابتلاء من الله تعالى في حق ms719 العباد؛ لأن الله تعالى يتعالى عن أن ~~يكون ذا جهة وفعل المكلف يقع إلى جهة لا محالة، والكعبة غير مقصودة بعينها. # ألا ترى أن عينها كانت ولم تكن قبلة. أعني حين كان التوجه إلى بيت ~~المقدس، وعند اشتباه القبلة يصير غيرها قبلة على رجاء إصابتها عند الضرورة. PageV04P1847 # ألا ترى أن غير جهتها يقينا يصير قبلة؛ كما في الحق الخائف عن العدو وفي ~~حق المتنفل على الدابة، وإذا كان كذلك كان من يرجو إصابتها وقت التحري أن ~~يكون جهة تحرية قبلة له أولى؛ لأن المقصود رضا الله تعالى وهو حاصل أينما ~~توجه عند التحرى، وإلى هذا أشار قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله). # (في حق نفس العمل مصيب) أي في حق نفس التحري مصيب وهو بمنزلة الطلب في ~~ابتداء الاجتهاد، والمجتهد في طلب الحق باجتهاده مصيب، وهو معنى قوله: ~~(فثبت أن مسألة القبلة ومسألتنا سواء، حتى إذا أخطأ) أي أخطأ يقينا بأن ~~استدبر الكعبة من إطلاق الخطأ في الحديث، وهو قوله عليه السلام لعمرو بن ~~العاص: "وإن أخطأت فلك ......................... PageV04P1848 # حسنة". # وكذلك في قول ابن مسعود -رضي الله عنه- حيث ذكر الخطأ مطلقا من غير تقييد ~~بالانتهاء، فكان شاملا للمقادير أجمع. # (واحتج أصحابنا رحمهم الله) أي على قولهم بأن المجتهد إذا أخطأ فإنه مصيب ~~في ابتداء اجتهاده، ولكنه مخطئ انتهاء فيما طلبه بحديث عمرو بن العاص -رضي ~~الله عنه-، فوجه التمسك به على مدعاهم هذا هو أن النبي عليه السلام قال له: ~~"وإن أخطأت فلك حسنة" والمخطئ ابتداء وانتهاء غير مستحق للحسنة، واستحقاق ~~الحسنة باعتبار أنه مصيب في الطلب. PageV04P1849 # وقال في "التقويم": والأجرة لا يجب إلا بالعمل على سبيل الائتمار بأمر ~~الآمر، فثبت أن المخطئ للحق عند الله مؤتمر بعمله بأمر الله، والائتمار ~~بالأمر يكون صوابا لا محالة. # (وبقوله تعالى: (وكلا آتينا حكما وعلما) أخبر أنهما جميعا أوتيا من الله ~~حكما وعلما، والخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى، فثبت أن تأويله أنه حكم ~~الله تعالى من حيث إنه صواب في حق ms720 العمل لولا الوحي بخلافه. # (وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- للمسروق والأسود-) PageV04P1850 # وذكر في (التقويم) علقمة مكان الأسود، وذكر في (المبسوط) جندبا مكان ~~الأسود -فقال: وإذا أدرك الرجل مع الإمام في ركعة من المغرب فلما سلم ~~الإمام قام يقضي. قال: يصلي ركعة ويقعد، وهذا استحسان، وفي القياس: يصلي ~~ركعتين ثم يقعد، لأنه يقضي ما فاته فيقضي كما فاته، وتأيد هذا القياس ~~بالسنة وهي قوله عليه السلام (وما فاتكم فاقضوا) # ووجه الاستحسان أن هذه الركعة ثانية هذا المسبوق، والقعدة بعد الركعة ~~الثانية في صلاة المغرب سنة، وهذا لأن الثانية هي التالية للأولى والتالية ~~للأولى في حقه هذه الركعة. # وروي: أن جندبا ومسروقا ابتليا بهذا، فصلى جندب ركعتين ثم قعد، ومسروق ~~ركعة، ثم قعد، ثم صلى ركعة أخرى فسألا ذلك ابن مسعود PageV04P1851 # -رضي الله عنه- فقال: كلاكما أصاب ولو كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق. # وتأويل قوله: كلاكما أصاب أي طريق الاجتهاد. # فأما الحق فواحد غير متعدد، ثم ما يصلي المسبوق مع الإمام آخر صلاته حكما ~~عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمه الله- في حكم القراءة والقنوت هو اخر صلاته ~~وفي حكم القعدة هو أول صلاته إلى آخره ذكره في المبسوط في باب الحدث. # (وأما قصة بدر؛ فقد عمل رسول الله عليه السلام بإشارة أبي بكر رضي الله ~~عنه فكيف يكون خطأ) من النبي عليه السلام في اجتهاده ولم يكن الاجتهاد من ~~النبي عليه السلام، ومن عمل باجتهاد غيره لا يقال للعامل به أنه أخطأ في ~~اجتهاده. # وقال في "التقويم": إن رسول الله عليه السلام عمل برأي أبي بكر PageV04P1852 # رضي الله عنه ولا بد أن يقع عمل رسول الله عليه السلام صوابا إذا أقر ~~عليه، والله تعالى قد قرره عليه فقال تعالى (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ~~وتأويل العتاب والله أعلم (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) ~~ولكن لك كرامة خصصت بها رخصة (لولا كتاب من الله) # سبق بهذه الخصوصية لمسكم العذاب بحكم العزيمة على ما قاله عمر ms721 -رضي الله عنه-. # والوجه الآخر (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) قبل الإثخان وقد أثخنت يوم ~~بدر، فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء، ولكن كان الحكم في الأسرى ~~المن أو القتل دون المفاداة، فلولا الكتاب السابق في اباحة الفداء لك لمسكم ~~العذاب. # (والمراد بالآية حكم العزيمة) وهو القتل. # (لقولهم بوجوب الأصلح)؛ لأن الأصلح أن يكون اجتهاد كل مجتهد PageV04P1853 # صوابا (وأن يلحق الولي بالنبي) هذا أثر قولهم أيضا بوجوب الأصلح في حق ~~العصمة، فالولي كل مسلم صالح، فإنهم يلحقونه بالنبي في حق الإفضال والإنعام عليه. # (والمتخار من العبارات عندنا أن يقال: إن المجتهد يخطئ ويصيب على تحقيق ~~المراد به) معنى هذا أنا لا نقتصر على قولنا (يخطئ ويصيب) لاحتمال تأويل ~~أنه يخطئ الأحق كما هو قول بعض المعتزلة، فقلنا يخطئ حقيقة كما هو الحق عند ~~الله تعالى ليكون هذا خلافا للمعتزلة ظاهرا وباطنا، لأن قولنا (يخطئ ويصيب) ~~مخالفة لهم ظاهرة. # وقولنا (على تحقيق المراد به) مخالفة باطنا، وهذا أولى؛ لأن مخالفة ~~المبتدع على كلا الوجهين واجب. PageV04P1854 # (ويتصل بهذا الأصل مسألة تخصيص العلل)؛ لأن في جواز تخصيص العلل تصويب ~~جميع المحتهدين كما هو مذهب المعتزلة على ما ذكر بعد هذا في الباب المتصل ~~بهذا بقوله: لأن ذلك يؤدي الي تصويب كل مجتهد، ولما كان أصل كل من هذين ~~البابين راجعا إلى أصل واحد فاسد للمعتزلة وهو القول بوجوب الأصلح كانت ~~مسألة تخصيص العلة متصلة بهذا الأصل الذي قالته المعتزلة أن كل مجتهد مصيب ~~لكونهما شعبتي أصل واحد، والله أعلم. PageV04P1855 # باب فساد تخصيص المعلل # اعلم أن المعنى من تخصيص العلة هو أن المعلل إذا جعل الوصف المعين علة ~~للحكم المعلوم، ثم وجد ذلك الوصف بعينه ولم يوجب ذلك الحكم المعلوم. قال ~~المعلل: خص ذلك الحكم من هذه العلة لمانع، فكانت العلة مخصوصا منها هذا ~~الحكم. PageV04P1856 # وقال بعض العلماء: هذه المسألة فرع لمسألة الاستطاعة. # قالت المعتزلة: الاستطاعة الحقيقية سابقة على الفعل، فقد وجد ما هو علة ~~الفعل ولا فعل لمانع ذكروه فجاز ms722 أن توجد العلة ولا حكم لمانع. PageV04P1857 # وقال أهل السنة والجماعة: الاستطاعة مقارنة للفعل، ويستحيل تقدمها على ~~الفعل فلا يجوز أن تكون العلة موجودة ولا حكم لها كما في الاستطاعة مع الفعل. # وقال الإمام أبو منصور- رحمه الله-: القول بجواز تخصيص العلة نسبة العبث ~~إلى فعل الله تعالى، لأنه أي فائدة في وجود العلة إذا لم يكن لها حكم؟! ~~والعلة ما شرعت إلا للحكم وبدونه لم تكن لشرعيتها عاقبة حميدة، وإذا خلال ~~الفعل عن العاقبة الحميدة كان سفها- تعالى الله عن ذلك-. # والدليل أيضا على فساد تخصيص العلة هو أن دليل الخصوص يشبه PageV04P1858 # الاستثناء ويشبه الناسخ كما مر تقريره، وهذا لا يتصور في العلل، لأن ~~الاستثناء تصرف في اللفظ دون المعنى لما أن معنى قوله: لفلان على ألف درهم ~~إلا مائة، ومعنى قوله: لفلان على تسعمائة سواء، والعلة ليست بصيغة فلا يجوز ~~القول فيها يشبه الاستثناء، والنسخ على العلل لا يجوز، لأن العلة لا تجوز ~~أن تكون ناسخة أو منسوخا فلا يمكن القول فيه بشبه الناسخ، والتخصيص لا يخلو ~~عن هذين الشبهين ففسد القول بالتخصيص. # فإن قلت: يجوز أن يشبه دليل التخصيص بكل واحد من الاستثناء والناسخ، ثم ~~يثبت له حكم ليس لهما كما في جاز تعليل دليل التخصيص وإن لم يجز تعليلهما ~~على ما مر في باب بيان التخصيص. # قلت: إنما جاز هناك ذلك الحكم ل دليل التخصص من اجتماع الوصفين وهما وصف ~~الاستبدال ووصف التبيين، وهذا لا يتصور في تخصيص العلة، لأن العلة أم معنوي ~~فلم تكن لها صيغة موضوعة حتى يعمل فيها بشبهة الاستثناء، والناسخ خلاف دليل ~~التخصيص فإنه لفظ مستبد بنفسه وليس فيه ما يمنع التعليل فكان قابلا ~~للتعليل. # وقوله: (فيأمن منه) أي من حكم الجرح. PageV04P1859 # (وخيار الشرط) أي خيار الشرط للبائع). # (أما الدليل على صحة ما ادعينا من إبطال خصوص العلل) فالكتاب والمعقول. # أما الكتاب: فقوله تعالى: (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين) ففيه مطالبة الكفار ببيان ~~العلة فيما ms723 ادعوا فيه الحرمة على وجه لا مدفع لهم فصاروا محجوجين به، وذلك ~~الوجه أنهم إذا بينوا أحد هذه المعاني- وهو معنى الذكورة أو معنى الأنوثة ~~أو معنى يجمعهما- أن الحرمة لأجله انتقض علتهم بإقرارهم بالحل في الموضع ~~الآخر مع وجود ذلك المعني فيه، ولو كان التخصيص في علل الأحكام الشرعية ~~جائزا ما كانوا محجوجين، فإن أحدا لا يعجز من أن يقول: امتنع ثبوت حكم ~~الحرمة في ذلك الموضع لمانع. # وقد كانوا عقلا يعتقدون الحل في الموضع الآخر لشبهة أو معنى تصور عنهم، ~~وفي قوله: (نبئوني بعلم) إشارة إلى أن المصير إلى تخصيص PageV04P1860 # العلل الشرعية ليس من العلم في شيء فيكون جهلا. # وأما المعقول: فلأن العلل الشرعية حكمها التعدية كما قررنا وبدون التعدية ~~لا تكون صحيحة أصلا، لأنها خالية عن موجبها، وإذا جاز قيام المانع في بعض ~~المواضع الذي يتعدى الحكم إليه بهذه العلة جاز قيامه في جميع المواضع فيؤدي ~~إلى القول بأنها علة صحيحة من غير أن يتعدى الحكم بها إلى شيء من الفروع، ~~وقد أثبتنا فساد هذه القول بالدليل- أي فساد القول بالعلة القاصرة- ثم إن ~~كان تعدية الحكم بها إلى فرع دليل صحتها فانعدام تعدية الحكم بها إلى فرع ~~آخر توجد فيه تكل العلة دليل فسادها، ومع مساواة دليل الصحة والفساد لا ~~تثبت الحجة الشرعية موجبة للعمل "كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-. # (لأن ذلك يؤدي إلى تصويب كل مجتهد) إذ هذه المسألة فرع تلك، فمن قال ~~بتصويب كل مجتهد احتاج إلى القول بتخصيص العلة، لأن العلة إذا وجدت ولا حكم ~~لها تكون منقوضة فيكون المعلل مخطئا ضرورة، وهو خلاف ما اعتقدوا، لأنهم ~~يرون الأصلح واجبا وخطأ المعلل ليس بأصلح فلا PageV04P1861 # يكون المعلل مخطئا على ذلك التقدير، فدعاهم ذلك إلى القول بجواز التخصيص، ~~لأن عندهم عدم جواز أن تكون علة المعلل منقوضة ضرورة كون المجتهد مصيبا، ~~لأنه الأصلح في حق المجتهد. # وعندنا لما جاز خطأ المجتهد جاز انتقاض العلة لجواز الخطأ على المجتهد ~~فهو معني قوله: (يؤدي إلى تصويب كل مجتهد) # وعندهم ms724 كما لا يجوز الفساد في الكتاب والسنة لا يجوز الفساد في العلل ~~أيضا، صار تخصيص العلة نظير تخصيص الكتاب والسنة عندهم، وعندنا لما جاز ~~فسادا العلة لم تكن العلة نظير الكتاب والسنة. # (وبزيادته أو نقصانه تتبدل العلة فتجيب نسبة العدم إلى عدم العلة)، فإن ~~عدم العلة ينقصان وصف لا يشكل، لأن المجموعة لما صار علة لم تكن علة ~~بانتفاء وصف منه، لن الشيء ينتفي بانتفاء جزئه كانتفاء حرمة الفضل عند ~~انتفاء جزئي علة الربا من القدر والجنس. PageV04P1862 # وكذلك نقول: إن الموجب للزكاة شرعا هو النصاب النامي، وهو الحولي عرفناه ~~بقوله عليه السلام: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" والمراد نفي ~~الوجوب، فإذا كانت العلة بهذا الوصف علة موجبة شرعا عرفنا PageV04P1863 # أن عند انعدام هذا الوصف ينعدم الحكم لانعدام العلة الموجبة، ولا يلزمنا ~~جواز الأداء، لأن العلة الموجبة غير العلة المجوزة للأداء كما في رؤية الله ~~تعالى فإنها جائزة عقلا واجبة شرعا. # وأما عدم العلة بزيادة الوصف فمثل الأكل ناسيا، ف إن الأكل ونحوه علة ~~الفطر، لأنه ضد، وقد زاد على هذا في الكل ناسيا لم يبق هو علة الفطر، لأن ~~وقوعه غير جناية مضاف إلي صاحب الحق فانعدمت العلة فكان الأكل لم يوجد، ~~فلهذا قلنا ببقاء الصوم، لا لأن العلة موجودة والحكم منعدم. # وكذلك البيع بشرط الخيار، فإن الموجب للملك شرعا البيع المطلق، ومع شرط ~~الخيار لا يكون مطلقا، بل بهذه الزيادة يصير البيع في حق الحكم كالمعلق ~~بالشرط، وقد بينا أن المعلق بالشرط غير المطلق فكان البيع ف ي حق الحكم ~~معدوما، فظهر أن العلة تنعدم بزيادة وصف أو نقصان وصف. PageV04P1864 # (فالذي جعل عندهم دليل الخصوص جعلناه دليل العدم) يعيني أن النص الذي ~~يخالف تلك العلة عندهم دليل خصوص تلك العلة، وعندنا ذلك النص دليل عدم ~~العلة، لأن شرطة صحة العلة ألا تكون العلة معارضة للنص، فإذا وجد النص على ~~خلاف العلة فات شرط العلة فانتفت العلة ضرورة، وكذلك في نظائرها من الإجماع ~~والضرورة. # (وإنما يلزم الخصوص ms725 على العلل الطردية) كما في تعليل الشافعي: المسح ركن ~~في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه واليدين والرجلين. فخصت تلك العلة في مسح ~~الخف فإنه ركن أيضا ومع ذلك لم يسن التثليث فيه، (لأنها قائمة بصيغتها) ~~يعيني أنها صارت عللا لصورة الأوصاف لا لمعانيها، فإذا وجد صورة الوصف ولا ~~حكم وجب القول بالتخصيص لا محالة كما وجدت صيغة العموم من الكتاب والسنة ~~ولا حكم في البعض. # وقوله: (فلزم على هذا أنه لم يحرم الأخوات) أي فيشكل على هذا PageV04P1865 # التعليل عدم حرمة الأخوات أي بطريق التعاقب لا بطريق الجمع. # ألا ترى أن عثمان ذا النورين- رضي الله عنه- تزوج بنتي رسول الله عليه ~~السلام على طريق التعاقب فسمي به ذا النورين، أنه مخصوص بالنص، وهو قوله ~~تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) وقولة تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء) وهي لم تجعل علة عند معارضة النص. # (وفي هذا معارضة)، لأن في النص الموجب لحرمة المصاهرة ذكر الأمهات ~~والبنات أي بطريق العبارة، والآباء والأبناء خاصة أي طريق الدلالة، فامتداد ~~الحرمة على الأخوات والعمات والخالات يكون تغييرا وإثباتا لحرمة أخرى، لأن ~~المقصود غي الممتد، وإنما يعلل المنصوص على وجه لا يلزم منه تغيير المنصوص، ~~فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة لا لمانع مع قيام العلة. # وكذلك إن ألزم أن الموطوءة لا تحرم على الواطئ بواسطة الولد والقرب ~~بينهما أمس فالتخريج هكذا، نقول: إنه إنما أتعدم الحكم هناك لانعدام العلة ~~باعتبار مورد النص، وهو قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم). PageV04P1866 # وقوله تعالى: (فاتوا حرثكم أنى شيءتم). # الطوية: الضمير والاعتقاد، والله أعلم. PageV04P1867 ### || AUTO باب وجوه دفع العلل # لما فرغ من بيان نفس القياس وشرطه وركنه وحكمه شرع في بيان دفعه، إذ ~~بالعجز عن الدفع يتم القياس كما في صورة دعوى المدعى إذا عجز المدعى عليه ~~عن دفع دعواه حينئذ تم دعوى المدعي. # اعلم أن الاعتراض بفساد الوضع على العلل المؤثر باطل، لأن التأثير لا ~~يثبت إلا بدليل مجمع عليه فبعد ذلك دعواه أن الوصف ms726 يأبى هذا الحكم لا يتصور ~~ذلك، لأن الكتاب أو السنة أو الإجماع لا يوضع في الفاسد. # (وأما عدم العلة وقيام الحكم ف لا باس به لاحتمال علة أخرى)، لأن ثبوته ~~بعلة لا ينافي كونه ثابتا بعلة أخرى. PageV04P1868 # ألا ترى أن الحكم يجوز أن يثبت بشهادة الشاهدين ويجوز أن يثبت بشهادة ~~أربعة، حتى إذا رجع اثنان قبل القضاء يبقى القضاء واجبا بشهادة الباقين، ~~وهذا لأن العلة لم توضع لإبطال علة أخرى بل لإيجاب الحكم بها ومع كونه ~~واجبا بها يجوز الوجود بغيرها، ف إذا عدمت هذه يجوز أن يوجد غيرها فيثبت به الحكم. # (وأما الفرق فإنما فسد لوجوه ثلاث) وأولي الوجوه في هذا ما ذكره الإمام ~~المحقق شمس الأئمة- رحمه الله- بقوله: أحدها- أن شرط صحة PageV04P1869 # القياس تعدية الحكم إلى الفروع بتعليل الأصل ببعض أوصافه لا بجميع ~~أوصافه، وقد بينا فساد ذلك، لأنه متى كان التعليل بجميع أوصاف الأصل لا ~~يكون ذلك مقايسة. # يعني حينئذ يكون هو عين الأصل، لأن جميع أوصاف الأصل لا يوجد إلا في ~~الأصل، ولما كان كذلك كان ذكر الفرق بين الأصل والفرع بذكر وصف آخر لا يوجد ~~ذلك ف ي الفرع راجعا إلى بيان صحة المقايسة لا اعتراضا على العلة، لأن ~~اندفاع الفرع عن كونه عين الأصل إنما يحصل به فحينئذ تصح المقايسة. # (فلان لا يصلح دليلا عن مقابلة الحجة أولى). # بيان هذا أنه إذا لم يثبت حجة على كون الوصف علة لا يصلح قول الخصم: "لا ~~علة دليلا" فلأن لا يصلح قوله: (لا علة دليلا) إذا قامت الحجة على كون ~~الوصف علة أولى. PageV04P1870 ### || AUTO باب الممانعة # (وهي أساس النظر) أي الممانعة أساس النظر، لأن المجيب مدع والسائل مدعى ~~عليه فسبيله الإنكار، والأصل في الإنكار الممانعة فلا ينبغي له أن يجاوز ~~إلى غيره إلا عند الضرورة، ولأن عوار المعلل في تعليله إنما يتبين ~~بالممانعة، وبها يظهر المدعي من المنكر والملزم من الدافع، فيلزم أن تكون PageV04P1871 # حجة أحدهما غير حجة الآخر وذلك إنما يكون بالتمسك بالممانعة، فلذلك كانت ~~هي أساس ms727 النظر. # (مثل قول الشافعي في النكاح: إنه ليس بمال) إلى آخره، وهذا النوع لا يصلح ~~حجة، لإيجاب الحكم عندنا على ما بينا، فترك الممانعة فيه يكون قبولا من ~~الخصم لما لا يكون حجة أصلا وذلك دليل الجهل، فكانت الممانعة في نفس الحجة ~~دليل المفاقهة. # (مثل قولنا) أي مثل قول أبي حنيفة ومحمد- رضى الله عنهما- (في إيداع ~~الصبي إنه مسلط على الاستهلاك) فيقول: المانع وهو أبو يوسف رحمه الله سلمنا ~~أن كونه مسلطا مسقط للضمان، ولكن لا نسلم أن إيداع الصبي تسليط. PageV04P1872 # (وأما الممانعة في الشروط) فنقول: لم قلت: إن شرط القياس موجود فيما قست؟ # (وإنما يعتبر الإنكار معنى لا صورة مثل قولنا في المودع يدعي الرد إن ~~القول قوله وهو مدع صورة) ولكنه منكر للضمان معني، ولهذا كان القول PageV04P1873 # قوله مع اليمين. # والبكر إذا قالت: بلغني النكاح فرددت، وقال الزوج: بل سكت فالقول قولها ~~عندنا، وهي في الصورة تدعي الرد ولكنها تنكر ثبوت ملك النكاح عليها في ~~المعنى ف كانت منكرة لا مدعية. # وإذا ثبت هذا فنقول: هذه الوجوه من الممانعة تكون إنكارا من السائل فلا ~~حاجة إلى إثبات إنكاره بالحجة واشتغاله بذلك كان اشتغالا بما لا يفيد. # وقوله: إن الحكم في الأصل ما تعلق بهذا الوصف فقط، بل به وبقرينة أخرى ~~يكون إنكارا صحيحا من حيث المعني وإن كان دعوى من حيث الصورة، لأن الحكم ~~المتعلق ب علة ذات وصفين لا يثبت بوجود أحد الوصفين وذلك نحو ما يعلل به ~~الشافعي في اليمين المعقود على أمر في المستقبل، لأنها يمين بالله مقصودة ~~فيتعدى الحكم بهذا الوصف إلى الغموس. # فإنا نقول: الحكم في الأصل ثبت بهذا الوصف مع قرينة وهي توهم البر فيها ~~فيكون هذا منعا ل ما ادعاه الخصم، والخصم هو المحتاج إلى إثبات دعواه ~~بالحجة. # فأما قول السائل: ليس المعني في الأصل ما قلت، وإنما المعنى فيه كذا هو ~~إنكار صورة لكنه دعوى من حيث المعنى وهي دعوى غير مفيدة في موضع PageV04P1874 # النزاع، لأنه لا يمكنه أن يقول في ms728 موضع النزاع لتقرير ذلك المعني سوى أن ~~هذا المعنى معدوم في موضع النزاع، وعدم العلة المعينة لا يوجب عدم الحكم، ~~والله أعلم. PageV04P1875 ### || AUTO باب المعارضة # المعارضة: إبداء علة مبتدأة بدون التعرض لدليل المجيب، والمناقضة: إيراد ~~الوصف الذي جعله المجيب علة مع تخلف الحكم ثم القلب ها هنا متضمن إحدى ~~خاصيتي المعارضة وهي إبداء علة مبتدأة، وإحدى خاصيتي المناقضة وهي إبطال ~~دليل المعلل، فسمي لذلك (معارضة فيها مناقضة) ثم جعل المعارضة أصلا حيث لم ~~يقل فيها معارضة؛ لما أن إبداء العلة بمقابلة دليل المعلل سابق، ومقصود ~~السائل من قلبه ذلك، فإيراد النقض بتخلف الحكم يثبت في ضمن ذلك، فجعل ما هو ~~السابق والمقصود أصلا، PageV04P1876 # والباقي مذكور في "الوافي". # (لكن العكس ليس من هذا الباب)؛ لأنه من باب الترجيح؛ لأن العكس يصحح ~~العلة حيث يقال في كل صورة يوجد هذا الوصف يوجد هذا الحكم، وفي كل صورة لا ~~يوجد هذا الوصف لا يوجد هذا الحكم، وذلك مثل قولنا: ما يلتزم بالنذر يلتزم ~~بالشروع كالحج، وعكسه الوضوء، وهذا يصلح لترجيح العلل. # وأما القلب فمناقض للعلة فكانا على طرفي نقيض؛ فلذلك قال: إن PageV04P1877 # العكس ليس من هذا الباب" # (فسد الأصل وبطل القياس)؛ لأن العلة موجبة والمعلول موجبها الذي هو ~~حكمها، فكانا كالفرع مع الأصل فلا يجوز أن تكون العلة حكما ولا الحكم علة، ~~فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل. # (مثاله قولهم) أي قول الشافعي وأصحابه، (ومثل قولهم) أي قول مالك ~~وأصحابه. # (وذلك الشيء دليل عليه أيضا) كطلوع الشمس مع النهار، فإن شرط هذا ~~الاستدلال أن (يثبت أنهما نظيران) متساويان فيدل كل واحد منهما على وجود ~~صاحبه هذا على ذاك في حال، وذاك على حال (بمنزلة التوأم) فإنه حرية الأصل ~~لإحداهما أيهما كان بثبوتها للآخر، ويثبت الرق أيهما كان بثبوته للآخر. PageV04P1878 # وقوله: (إذا صح) بالشروع، وبهذا يحترز عن مسألة النذر بصوم يوم النحر ~~(فقالوا: الحج) إنما يلتزم بالنذر، لأنه يلتزم بالشروع، أي لا يصح قلبهم ~~علينا بهذا القول؛ لأنا نستدل بأحد الحكمين على الآخر ms729 بعد ثبوت المساواة ~~بينهما من حيث إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله ~~تعالى على وجه يكون المضي فيها لازما والرجوع عنها بعد الأداء حراما، ~~وإبطالها بعد الصحة جناية، ثم لما لزمت مراعاة النذر مع انفصال العبادة عن ~~النذر كان أن يلزم مراعاة القربة الذي حصل بالشروع بالثبات عليه أولى. # بخلاف ما علل به الشافعي فإنه لا مساواة بين الجلد والرجم. # أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا، وأما من ~~حيث الشرط فالرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعيه الجلد كالثيوبة. # وكذلك لا يصح قلبهم في الولاية، (فقولهم إنما يولي على البكر في مالها؛ ~~لأنه يولي عليها في نفسها)؛ لأن جواز الاستدلال بكل واحد منهما PageV04P1879 # على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة بينهما، وهي المقصودة ~~بالاستدلال وها هنا قد ثبت المساواة بين التصرفين من حيث إن ثبوت الولاية ~~في كل واحد منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف بنفسه، وذلك ~~إنما يكون بالصغر لا بالثيوبة والبكارة (بل الثيوبة والبكارة والنفس والمال ~~فيه سواء). # وقوله: "على من" صلة شرعت، وإنما ذكر بكلمة على؛ لأن هذا حق على الولي ~~حتى لو امتنع عن تنفيذ ما ولي يأثم، والضمير في قوله: "فيه سواء" راجع إلى ~~قضاء الحاجة. # فإن قيل قوله: "والنفس والمال والثيب والبكر فيه سواء" لا نسلم مساواة ~~النفس والمال في قضاء الحاجة بل حاجة الصغير والصغيرة إلى أن يقوم الولي ~~مقامه في حفظ المال والتصرف فيه للتثمير أشد؛ لأن حاجتهما فيه ناجزة فكانت ~~الولاية للولي بالتصرف في ماله كي لا تأكله النفقة، والحاجة في حق النفس ~~متأخرة إلى ما بعد البلوغ؛ لأن الشهوة إنما تكون بعد البلوغ، والأصل في ~~النكاح قضاء الشهوة، فلم يلزم من ثبوت الولاية للولي في المال PageV04P1880 # ثبوتها في النفس؛ لتفاوتهما في الحاجة. # قلنا: الحاجة قد تقع في النفس في الحال على تقدير فوات الكفء، وفي المال ~~قد لا تقع الحاجة بأن كان كثيرا، والصغر مؤقت فكانت ms730 الحاجة إلى حفظ المال ~~أقرب إلى الزوال، فلما احتملت الاستدلال بثبوت الولاية للولي بسبب الصغر في ~~أحدهما بالإجماع على ثبوتها للولي في الآخر. # (وتسقط لخوف فوت الركعة عنده) ولا يسقط ركن الركوع والسجود بحال (بخلاف ~~الأفعال) يعني لأنها تصلح للأصالة، وعن هذا قالوا: إنه لو PageV04P1881 # قدر على القراءة ولم يقدر على الأفعال لا تلزمه الصلاة، ولو قدر على ~~الأفعال ولم يقدر على القراءة تلزمه. # (وأما النوع الثاني) وإنما قدم الأول هذا على القلب؛ لأن القلب الحقيقي PageV04P1882 # هو الأول؛ لأنه قلب من غير تغيير وزيادة على تعليل المعلل، فكان أولى ~~بالتقديم، بخلاف هذا القلب على ما ذكر في الكتاب. # (فإن هذا القلب لا يتم إلا بوصف زائد) لم يتعرض له المعلل (فكان دونه) ~~إلا أن ذلك الزائد لما كان تفسيرا لتعديه صار كالمذكور في تعليله فجعل قلبا ~~لا معارضة ابتداء لما استعمل في مقابلة القلب ألحق به، فإن أهل النظر ~~يقولون: القلب. والعكس، ولأن المقصود من الكلام معناه؛ لأن ما لا معني له ~~من الألفاظ لا يسمى كلاما على ما ذكرنا. # وما ذكر من الاستواء ثابت صورة بين الأصل وهو الوضوء وبين الفرع وهو ~~الصلاة، ولكنه في المعنى ليس باستواء بين الفرع والأصل بل هو اختلاف وذلك؛ ~~لأن استواء عمل النذر والشروع للسقوط في الأصل وهو الوضوء إذ لا أثر للنذر ~~والشروع في الوجوب فيه، فإنه لو نذر أن يتوضأ لا يصح نذره بالإجماع، فكذلك ~~شروعه فيه غير موجب له، والاستواء في PageV04P1883 # الفرع وهو الصلاة في اللزوم فإن النذر ملزم بالإجماع فوجب أن يكون الشروع ~~فيها كذلك، وهذا مبطل للقياس؛ لأن القياس وهو تعديه أحكام النصوص إلى ما لا ~~نص فيه على ما أشار إليه في الكتاب فيستحيل أن يتعدى الحكم الثابت في ~~الوضوء وهو عدم اللزوم إلى الفرع وهو الصلاة في حق اللزوم، ومن أراد التعدي ~~فيه بهذا الطريق كان هو نظير من أثبت الحرمة في الفرع قياسا على الحل وهو ~~باطل، وهو معنى ما قاله في الكتاب، (سقوط من ms731 وجه وثبوت من وجه) أي سقوط في ~~الوضوء، وثبوت في الصلاة. # ومثل هذا التقرير في قولهم في الكافر يبتاع العبد المسلم لما كان كذلك ~~وجب أن يستوي ابتداؤه وقراره كالمسلم؛ لأن الخصم يريد بقوله: وجب أن يستويا ~~في الكافر أنه لما لم يقرر على الملك لا يجوز ابتداء الملك، وفي المسلم على ~~خلاف هذا فإنه لما جاز ابتداؤه جاز تقريره، فلما اختلفا بطل القياس. # (فخمسة أنواع في الفرع)، وإنما جعل هذه الخمسة في الفرع؛ لأن الأحكام ~~فروع للنصوص والعلل، والمعارضة ها هنا في الأحكام فتكون PageV04P1884 # معارضة في الفرع. # (وينسد الطريق) أي طريق ثبوت الحكم (إلا بترجيح)، فوجه الترجيح نقول: إن ~~قولنا: مسح له أثر في التخفيف بخلاف الركن في حق التكرار فإنه قد يكون ركنا ~~وليس فيه التكرار كمسح الخف، وقد يكون ركنا وفيه تكرار كغسل الوجه، فعلم أن ~~الركنية غير دائرة بالتكرار للتعارض في أحكامها. # وأما المسح فأينما دار دار معه التخفيف، فعلم أن لوصف المسح زيادة تأثير ~~في إثبات التخفيف من الركن في قولهم في إثبات التكرار، والدوران من أسباب ~~الترجيح. # (فلا يسن تثليثه) بعد إكماله كالغسل وهذا أحد وجهي القلب، فبهذا يعلم أن ~~جهة المعارضة فيه راجحة. # (وأما الثالث- فما فيه نفي) وكلمة "ما" فيه موصولة أي الذي فيه نفي لما ~~أثبته الأول. # بدليل ما ذكره الإمام شمس الأئمة-رحمه الله- في هذا الموضع بقوله: PageV04P1885 # ومعارضة فيها نفي ما لم يثبته المعلل، أو إثبات ما لم ينفه المعلل، وهو ~~فيما يعلل به في غير الأب والجد هل تثبت لهم ولاية التزويج على الصغيرة؟ # فنقول: إنها صغيرة فتثبت عليها ولاية التزويج كالتي لها أب، وهم يعارضون ~~ويقولون: هذه صغيرة فلا تثبت عليها ولاية التزويج للأخ كالتي لها أب، فتكون ~~هذه معارضة بتغيير فيه إخلال بموضع النزاع؛ لأن موضع النزاع ثبوت ولاية ~~التزويج على اليتيمة لا تعيين الولي المزوج لها، وهو في معارضته علل لنفي ~~الولاية لشخص بعينه. # ولكنه يقول: إن موضع النزاع إثبات الولاية للأقارب سوى الأب والجد على ~~الصغيرة وأقربهم ms732 الأخ، فنحن بهذه المعارضة ننفي ولاية الأخ عنها، ثم ولاية ~~من وراء الأخ منتف عنها بالأخ، فمن هذا الوجه يظهر معنى الصحة في هذه ~~المعارضة وإن لم يكن قويا. PageV04P1886 # (في التي نعي إليها زوجها) أي في المرأة التي أخبرت بموت زوجها. # (فهذه المعارضة في الظاهر فاسدة لاختلاف الحكم)؛ لأن المعارض ها هنا ~~يقول: الولد للثاني بعدما قال المعلل: الولد للأول. فهذه معارضة فاسدة، ~~والمعارضة الصحيحة فيه أن يقول المعارض: الولد ليس للأول بعدما قال المعلل: ~~الولد للأول، لكن ما ذكره المعارض هنا يؤول إلى الصحة لما أن المعارض لما ~~أثبت للثاني كان هو نافيا عن الأول فتتحقق المعارضة، فلذلك ذكر المعارض ~~فساد فراش الثاني؛ لأن الفراش مع فساده لما كان مثبتا للنسب وقع التعارض في ~~استحقاق النسب بين الأول والثاني فحينئذ احتجا إلى الترجيح. # (إلا أن النسب لما لم يصح إثباته من زيد بعد ثبوته من عمرو صحت المعارضة) ~~يعني أن الفراش الفاسد مع فساده مثبت للنسب، ولما كان كل واحد PageV04P1887 # من الفراشين مثبتا للنسب، والإجماع ثابت على أن النسب إذا ثبت من واحد لا ~~يثبت من غيره صحت معارضة الفاسد الصحيح من هذا الوجه، وعلى هذا التقرير كان ~~معنى قوله: (لما لم يصح إثباته من زيد) "أي من فراش صحيح". # فإن قيل: يشكل على قوله: إلا أن النسب لما لم يصح إثباته من زيد بعد ~~ثبوته من عمرو" ما إذا كانت الجارية بين اثنين وأتت بولد فادعياه معا ثبت ~~نسبه منهما عندنا. خلافا للشافعي فقد ثبت نسب الابن من الأبوين، فعلم بهذا ~~أن ثبوت النسب من رجل لا يمنع ثبوته من آخر. # قلنا: إنما ثبت ذلك في الصورة المعية؛ لعدم إمكان ترجيح أحدهما على الآخر ~~لمصادفة دعواهما معا ملكها، فلما استويا في سبب الاستحقاق وهو الدعوى مع ~~الملك استويا في ثبوت النسب لهما أيضا. # وأما في مسألتنا فكان سببا ثبوت النسب على التعاقب فيصح قولهما: لما لم ~~يصح إثباته من زيد بعد ثبوته من عمرو" على أن النسب بين ms733 الأبوين في مسألة ~~الجارية بين اثنين، إنما ثبت بقضية عمر- رضي الله عنه- بمحضر من الصحابة- ~~رضي الله عنهم- على خلاف القياس فلا يرد نقضا. # وقوله: "من عمرو" أي من فراش فاسد. PageV04P1888 # (فاحتاج الخصم) أي المعلل وهو أبو حنيفة -رضي الله عنه- (ثم عارضه الخصم) ~~أي السائل وهو أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله (بأن الثاني شاهد) أي حاضر. # (وأما المعارضات في الأصل) أي في علة الأصل (معارضة بمعنى لا يتعدى) إلى ~~آخره. يعني أن المعارضات في علة الأصل فاسدة كلها؛ لما بينا أن ذكر علة ~~أخرى في الأصل لا ينفي تعليل ما ذكره المعلل لجواز أن يكون في الأصل وصفان ~~يتعدى الحكم بأحد الوصفين إلى الفروع دون الآخر، ثم إن كان الوصف الذي ~~يذكره المعارض لا يتعدى إلى فرع فهو فاسد لما بينا أن حكم التعليل التعدية، ~~فما لا يفيد حكمه أصلا يكون فاسدا من التعليل، فإن كان يتعدى إلى فرع فلا ~~اتصال له بموضع النزاع إلا من حيث إنه تنعدم تلك العلة في هذا الموضع. # وقد بينا أن عدم العلة لا يوجب عدم الحكم، فعرفنا أنه لا اتصال لتلك ~~العلة بموضع النزاع في النفي ولا في الإثبات. PageV04P1889 # كذا ذكره الإمام شمس الأئمة رحمه الله. # وقوله: (لعدم حكمه) وهو التعدية (ولفساده) أي في المعارضة لجواز وجود كل ~~واحد منهما بعلة على حدة ولا تزاحم في العلل. # (والثاني: أن يتعدى إلى فصل مجمع عليه) أي مجمع عليه على اختلاف التخريج، ~~كما في فصل الأرز والسمسم مثلا أجمعنا نحن والشافعي _رحمه الله- على جريان ~~الربا فيه، لكن عندنا باعتبار القدر والجنس، وعنده باعتبار الطعم، وهذا ~~أيضا باطل فإن الحنفي إذا علل بالكيل والجنس فيعارضه الخصم بالطعم، وهذا ~~معنى يتعدى إلى فصل مجمع عليه وهو الأرز والسمسم ونحوهما، والخصم لا يناقشه ~~في ذلك بقي للخصم أن الطعم غير موجود في الجص فكانت المعارضة فاسدة. # (والثالث: أن يتعدى إلى فصل مختلف فيه) أي إلى فرع مختلف فيه، وهذا لا ~~يشكل فساده؛ لأن يتعدى من الأصل إلى الفرع لمعنى يجمعهما، وعند اختلاف ms734 ~~وصفهما لا يكون ما تعلق به كل واحد من المجيب والسائل PageV04P1890 # حجة على الآخر. # بيانه أنا نقول في تعليل بيع التفاحة بالتفاحتين نقدا: بأنه يجوز؛ ~~لانعدام علة الربا وهي القدر مع الجنس فإنه لا قدر فيه. # وقال الشافعي: لا يجوز؛ لوجود علة الربا وهي الطعم مع انعدام المسوى، ~~(ومن أهل النظر من جعل هذه المعارضة حسنة) أي هذه الأخيرة؛ لأنه ثبت باتفاق ~~الخصمين أن علة الحكم أحدهما، فإذا ثبت صحة ما ادعاه أحدهما علة انتفى ~~الآخر بالإجماع، فكانت هذه المعارضة ممانعة من هذا الوجه فيلزم من ثبوت ~~أحدهما انتفاء الآخر فتتحقق المعارضة. # والجواب عن هذا أن فساد أحدهما ليس لصحة الآخر لاحتمال كونهما صحيحين؛ ~~لأن التعليل بعلل شتى جائز، ففساد أحدهما لم ينشأ من التعليل بالوصفين ~~المختلفين، وإنما لفساد أحدهما لم ينشأ من التعليل بالوصفين المختلفين، ~~وإنما نشأ لفساد فيه من حيث إنه لا يصلح علة، فلم يثبت فساده لصحة الآخر ~~لاحتمال صحتهما على ما قلنا. # ألا ترى أن إثبات الصحة لأحدهما ليس لفساد الآخر لاحتمال كونهما فاسدين، ~~فكذلك ها هنا لاحتمال كونهما صحيحين، فلابد من إقامة الدليل على سبيل ~~التفصيل على فساد هذا الوصف. PageV04P1891 # (وكل كلام صحيح في الأصل) أي في المقيس عليه يعني أن الناس يقولون في رد ~~قول المعلل (بطريق المفارقة) بين الأصل والفرع (فاذكره أنت على سبيل ~~الممانعة) وإن كان الذكر بطريق المفارقة جائزا أيضا، ولكن القول بطريق ~~الممانعة أفت لقوة تعليل المعلل واكسر لعضده، وإنما كان المنع أولى ليزيد ~~المعلل في علته وصفا لا يمكن للسائل منعه فيظهر به فقه المسألة. # ولأن السائل لو كان على سبيل المنع كان هو على حد الإنكار الذي هو حقه ~~بخلاف ذكر الفرق، فإن فيه غصب منصب المعلل إلى آخر ما ذكرناه في PageV04P1892 # فساد الفرق في باب وجوه دفع العلل. # (فإن ادعى في الأصل حكما غير ما قلنا) بأن ادعى في البيع البطلان، وفي ~~إعتاق الوارث التوقف لم يسلم ذلك. # (قتل آدمي مضمون فيوجب المال كالخطأ) أصل المسألة أن ms735 موجب القتل العمد ~~عند الشافعي أحد شيئين: القصاص أو الدية من غير تعيين. # وعندنا موجبه القصاص عينا، ولكن للأولياء أن يصالحوه على الدية. # وثمرة قول الشافعي إنما تظهر في حق العدول للولي إلى مال القاتل من غير ~~مرضاته، وعندنا ليس له ذلك بدون مرضاته. PageV04P1893 # (وأنت جعلته مزاحما له) أي جعلت المال مزاحما للنقود، وليس كذلك، فإن ~~شرعية المال في الأصل وهو الخطأ بطريق الخلافة عما هو الأصل وهو القتل ~~لفوات الأصل؛ لأنه لا يمكن في الخطأ إيجاب مثل المتلف من جنسه فوجب المال ~~خلفا عنه وهنا أي في صورة العمد المثل من جنسه ممكن فكان هو واجبا عينا، ~~(وإنما يتبين ذلك) أي صحة الأثر، والله أعلم. PageV04P1894 ### || AUTO باب بيان وجوه دفع المناقضة # (وهو) أي معنى الوصف. # (ألا ترى أنه إذا أحدث ولم يتلطخ به بدنه لم يكن) المسح أي PageV04P1895 # (الاستنجاء) بالحجر (سنة). # والدليل عليه إن الاستطابة بالماء بعد إزالة عين النجاسة بالحجر فيه ~~أفضل، ومعلوم أن في العضو الممسوح كالرأس والخف على الرجل لا يكون الغسل ~~بعد المسح أفضل، بل إقامة الغسل مقام المسح فيه مكروه. # (كان ظاهرا لا خارجا)؛ لأن الخارج هو ما يفارق مكانه، لأن الجلد إذا تقشر ~~عن موضع ظهر ما تحته فلا يكون خارجا، كمن يكون في البيت إذا رفع البنيان ~~الذي كان هو مستترا به يكون ظاهرا لا خارجا، وإنما يسمى خارجا من البيت إذا ~~فارق مكانه من الباطن إلى الظاهر. # (وأما الدفع بمعنى الوصف وذلك نوعان:) PageV04P1896 # (أحدهما- ثابت بنفس الصيغة) كمعنى الخروج من لفظ الخروج، ومعنى المسح من ~~لفظ المسح. # (والثاني- بمعناه الثابت باللفظ دلالة) يعني أن اللفظ يدل على ما ذكرنا ~~من التأثير وهو أن المسح مؤثر في التخفيف، وظهر أثره في الشرع كالتيمم ~~والمسح على الخف والجوارب والجبائر. # ألا ترى أنه يكره الغسل في مسح الرأس، والتكرار يقرب إلى الغسل فلا يسن، ~~فكان اللفظ دالا على ما ذكرنا من الأثر فكان هذا المعنى ثابت به لغة وهو ~~معنى قوله: بمعناه الثابت به دلالة، وما ms736 ذكرنا يتأتى في جميع المعاني ~~المستنبطة من النصوص، وقد ذكرنا هذا في قول النبي عليه السلام: "الحنطة ~~بالحنطة" إلى آخره، وكذلك هذا في الخارج الجنس من غير السبيلين الدفع PageV04P1897 # أولا بما قال في الكتاب، (ولا يلزم إذا لم يسل)، لأنه ليس بخارج. # والدفع بالمعنى الثاني أن الخارج النجس له أثر في زوال الطهارة وإثبات ~~التطهير، وما لم يسل ليس له أثر في زوال الطهارة، لأنه في معدنه. # (كالبيع يضاف إليه) أي المدبر. # وقوله: (لكنه امتنع حكمه لمانع كالبيع) هذا اللفظ بظاهره خرج على وفاق ~~قول من يقول بجواز تخصيص العلة. # وأما على قول العامة ففي غصب المدبر يجعل أن السبب لم يوجد أصلا فلا ~~يتصور نقضا. PageV04P1898 # (ولا يلزم مال الباغي وما يجري مجراه) وهو إتلاف المكره بالقتل مال غيره ~~أو مال قطاع الطرق، وكذلك دم شاهر السيف، فوجه اللزوم هو أن إتلاف مال ~~الغير لإحياء المهجة موجود ومع ذلك انتفت عصمة المتلف حتى لا يجب الضمان ~~على العادل إذا أتلف مال الباغي. # وكذلك لا يجب ضمان المال على من أتلف مال غيره بسبب الإكراه بالقتل. # والجواب عنهما: أن عصمة مال الباغي بطلت لمعنى آخر، وهو بغيه وتعديه قبل ~~أن يتلفه العدل فلم يكن بطلان عصمة ماله بسبب الاستحلال لإحياء المهجة حتى ينتقض. # وكذلك عدم وجوب الضمان في صورة الإكراه على المكره، لأن المكره هناك صار ~~بمنزلة الآلة للمكره كالسيف والخنجر لانتقال فعله إليه، ولا يجب الضمان على ~~الآلة فكان ما قلناه من العلة (مطردا لا منقوصا؛ لأن غرضنا التسوية بين ~~هذا) أي بين الخارج النجس من غير السبيلين (وذلك حدث) PageV04P1899 # أي ودم الاستحاضة حدث، فإذا لزم أي دام واستمر. # (لأن غرضنا أن أصل الذكر الإخفاء) يعني أن الغرض التسوية بين التأمين ~~وبين سائر الأذكار في أن الأصل هو الإخفاء وذلك ثابت إلا أن جهر الإمام ~~بالتكبيرات لا لأنها ذكر بل لإعلام من خلفه بالانتقال من ركن إلى ركن ~~والجهر بالآذان والإقامة لذلك، ولهذا لا يجهر المقتدي بالتكبيرات ولا يجهر ~~المنفرد ms737 بالتكبيرات ولا بالآذان والإقامة فيندفع النقض ببيان الغرض المطلوب ~~بالتعليل وهو التسوية بين هذا الذكر وبين سائر أذكار الصلاة. # (ومن صلى وحده أذن لنفسه) ولا يجهر بل إنما يؤذن على مقدار أن يسمع آذانه بنفسه. # *** PageV04P1900 # باب الترجيح # (الكلام في هذا الباب أربعة أضرب) , فوجه الإنحصار فيها هو الأمر ~~الضروري, وذلك لأن الشروع في الكلام لا يصح بدون معرفة معناه, وتمام معرفة ~~معناه إنما يستقيم أن لو ضبط جميع وجوهه. # وعند تعارض الوجهين من وجوه الترجيح لزم معرفة المخلص منه, لأن الأصل عدم ~~التعارض, ووجوه الترجيح في نفسها لا يخلو من وجهين: PageV04P1901 # صحيح وفاسد: فلذلك أتم وجوهها ببيان الفاسد منها وجه تقديم الصحيح منه ~~على الفاسد ظاهر أن الصحيح موجود من كل وجه بخلاف الفاسد فإنه موجود من وجه ~~دون وجه. # وقوله: (عبارة عن أحد المثلين) توسع في العبارة؛ إذ حقيقة الترجيح إثبات ~~الرجحان وفيما نحن فيه هو إظهار فضل أحد المثلين على الآخر. # والدليل على ما قلته ما ذكره الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- بهذه ~~العبارة, فقال الترجيح لغة: إظهار فضل في أحد جانبى المعادلة وصفا لا أصلا ~~أراد بقوله: ((وصفا)) تبعا لا يقوم بنفسه بل يقوم بغيره كالوصف الحقيقى ~~للمخلقو ,فإنه عرض لا يقوم بنفسه بل يقوم بالعين كالرجحان في الميزان. # فإن المرجح فيه لا يدخل تحت الوزن منفردا أي لا يكون له وزن بطريق PageV04P1902 # الأصالة حتى إن العشرة يوزن بمقابلة العشرة مع الأحبة, ولا توضع للعشرة ~~مع الحبة حجر على حدة بل حجر العشرة مع الحبة ,وتعارض العشرة بالعشرة مع ~~الحبة لوجود المساواة بينهما في أصل الوزن أولا ,ثم يثبت الرجحان للعشرة مع ~~الحبة على العشرة المنفردة ,والرجحان أبدا يقع بما لا عبرة له عند عدم ~~المزيد عليه ,والجبة وإن كانت عينا تقوم بنفسها لكن لما لم يوضع لها مع ~~العشرة حجر على حدة في الوزن كانت تبعا للعشرة كالوصف الحقيقى تبع للعين ~~بإعتبار أنه عرض لا يقوم بنفسه بل يقوم بالعين. # (وقوله: كالدانق ونحوه في العشرة) # قال الإمام ms738 شمس الأئمة -رحمه الله- نحو الحبة في العشرة. # وهذا قريب منه, فإن الدائق قيراطان, ذكره في ((المغرب)) وذكر في PageV04P1903 # ((الصحاح)) الدانق: سدس الدرهم, والدرهم: أربعة عشر قراطا. قال النبى ~~عليه السلام للوزان: ((زن وارجح تمامه ,فإنا معشر الأنبياء هكذا نزن)). # (ولم يجعله هبة) فوجه التمسك به على ما ادعاه هو أن النبي عليه PageV04P1904 # السلام لم يعتبر الزيادة التى يقع بها الرجحان حتى أجاز الإرجاح في الوزن ~~في قضاء الدين أو غيره, إذ لو اعتبر تلك الزيادة لكان تلك الزيادة هبة, ~~ولما أجاز الإرجاح بها حينئذ لكون تلك الهبة هبة مشاعا, وهبة المشاع لا ~~تجوز فيما يقبل القسمة وهذا منه, أو لكونه إدخال الصفقة في الصفقة أي صفقة ~~الهبة في صفقة قضاء الدين أوفى صفقة تسليم ثمن للبائع, وإدخال الصفقة في ~~الصفقة منهي عنه. # (وإنما يقع) الترجيح (بوصف مؤكد لمعنى الركن) وذللك في أن يتعارض شهادة ~~المستور مع شهادة العدل بأن أقام أحد المدعيين مستورين والآخر عدلين , فإنه ~~يترجح الذي شهد له العدلان بظهور ما يؤكد معنى الصدق في شهادة شهوده, وكذلك ~~في النسب أو النكاح لو ترجح حجة أحد الخصمين باتصال القضاء بها, لان ذلك ~~مما يؤكد ركن الحجة, فإن بقضاء القاضى تمام معنى الحجة في الشهادة وتعين ~~جانب الصدق (ولذلك لم يقع الترجيح بشاهد ثالث على الشاهدين: لانه لا يزيد ~~الحجة قوة) , لأن PageV04P1905 # القوة ما قام به القوة, وقيام شاهد ثالث بشاهدين لا يتصور, فلا تتصور ~~زيادة القوة, والشاهد الثالث من جنس ما يقوم به الحجة فلا يجوز به الترجيح. # فإن قلت: الوصف الأول مسلم وهو أن الشاهد الثالث لا يتصور قيامه بشاهدين, ~~وأما الوصف الثاني وهو أن الشاهد الثالث من جنس ما يقوم به الحجة فممنوع, ~~لأن قبول شهادة الشاهد موقوف إلى وجود شاهد آخر بالنص ,فكان الواحد مما لا ~~يقوم به الحجة. # قلت: لا نسلم, بل شهادة إمرأة واحدة تقبل في الولادة والبكارة والعيوب ~~بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال وهو ظاهر, وذكر ((الإيضاح)): كما تقبل ~~شهادة ms739 إمرأة واحدة في الولادة تقبل شهادة رجل واحد أيضا عليها, وهذا كله ~~شهادة بدلالة إشتراط لفظ الشهادة واختصاص مجلس القضاء والحرية والإسلام. # (وإنما يترجح النص بقوه فيه) على ما مر ذكره وهو: أن المحكم راجح PageV04P1906 # على المفسر, والمفسر راجح على النص والظاهر. # (وكذلك قلنا نحن الشفعيين في الشقص الشائع) قيد بالشيوع ليكون متقفا ~~عليه. (المبيع بسهمين متفاوتين) بأن كانت الدار بين ثلاثة لأحدهم نصفها, ~~وللآخر ثلثها, وللآخر سدسها, فباع صاحب السدس نصيبه إنهما سواء في استحقاق ~~الشفعة. # (لأنه لم يرجح الكثير) , لأنه لو رجح صاحب الكثير لما جاز مزاحمة صاحب ~~القليل إياه في استحقاق الشفعة, ولما أعطى له شيئا من الشفعة لم أن المرجوح ~~بمقابلة الراجح بمنزلة المعدوم, والمعدوم لا نصيب له من شيء. PageV04P1907 # (فكان هذا منه غلطا بأن جعل حكم العلة متولدا من العلة) كالثمر والولد ~~,وهما متولدان من الشجر والأم. # وأما حكم الملك فلا يتصور تولده مع العلة ,لأن التولد يقتضى تأخر الولد ~~عن الأم بأزمته, والحكم مع العلة يقترنان في الوجود كالضرب مع الألم والقطع ~~مع الانقطاع. # فكذلك بطل جعل حكم العلة متولدا من العلة ,وكذلك جعل الحكم منقسما على ~~أجزاء العلة غلط أيضا, لأنه لم يثبت جميع أجزاء العلة لا يثبت الحكم أصلا ~~فجعل الحكم منقسما على أجزاء العلة قول بأن كل جزء من العلة علة لجزء من ~~الحكم, وهذا باطل. (في ابني عم أحدهما أخ لأم) PageV04P1908 # صورته أن يكون أخوان لأب وأم أو لأب لكل واحد منهما ابن ,فمات أحدهما ~~وترك إمرأة وهى أم ابنه, فتزوج أخوه امرأته فولد له ابن, ثم مات هذا الأخ, ~~ثم مات ابن الأخ المتوفى الأول وترك ابني عم أحدهما أخوه لأم. # (خلافا لابن مسعود-رضى الله عنه) فإن ابن مسعود قال: يترجح ابن العم الذي ~~هو أخ لأم: لأن لكل قرابة فيتقوى إحدى الجهتين بالجهة الأخرى بمنزلة أخوين ~~أحدهما لأب وأم والآخر لأب ,وإخذنا بقوله أكثر الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين -لأن لعصوبة المستحقة بكونه ابن عم مخالف للمستحق للأخوة, ms740 ولهذا ~~يكون استحقاق ابن العم العصوبة بعد استحقاق الأخ بدرجات. # والترجيح بقرابة الأم في استحقاق العصوبة إنما يكون عند اتحاد جهة PageV04P1909 # العصوبة والاستواء في المنزلة كما في حق الأخرين ,فحينءذ يقع الترجيح ~~بقرابة الأم: لأنه لا يستحق بها لعصوبة إبتداءا ,فيجوز أن يتقوى بها علة ~~لعصوبة في جانب الأخ لأب وأم: إذ الترجيح يكون بعد المعارضة والمساواة. # أما قرابة الأخوة فليست من جنس قرابة ابن العم حتى يتقوى بها لعصوبة ~~الثابتة لابن العم الذي هو أخ لأم, بل يكون هذا النسب بمنزلة الزوجية, ~~فيعتبر حال اجتماعهما في شخص واحد بحال إنفراد كل واحد من السيلين في شخص ~~آخر: وقوله: (والمنزل واحد) وهو الأخوة. # (وليس كذلك فضل عدالة بعض الشهود على عدالة بعض) أي ليس مثل الرجحان الذي ~~قلنا في الخبر بقوة الاتصال (مثاله) أي مثال الترجيح PageV04P1910 # بقوة الأثر: (لأنه يرق ماءه على غنية وذلك حرام على كل حر) , لأن الإرقاق ~~إهلاك من وجه, لأن الرق أثر الكفر والكفر موت فكان الإرقاق إهلاكا معنى. # ألا ترى أن الإمام في الأسارى يتخير بين القتل والإرقاق. # (فأما أن يزداد أثر الرق ويتسع حله فلا) ففسر ازدياد أثر الرق في التضييق ~~في الحل إلى النصف: لان للرق أثرا في التنصيف في النعمة والمحنة لا في ~~التضعيف على ما يجئ بيانه إن شاء الله تعالى. # وأما أن يزداد أثر الرق في الاتساع في الحل فلا وعنده يلزم ذلك, لأن PageV04P1911 # العبد قادر عنده على تزويج الأمة والحرة على ما ذكر في الكتاب, والحر ليس ~~بقادر عليه, فيزداد أثر الرق في الاتساع في الحل على قود كلامه, لأنه يحل ~~للعبد الحر والأمة, ولا يحل للحر إلا الحرة, فكان للحر نصف ما للعبد, فكان ~~هذا نقض الأصول وعكس المعقول. # (حل لرسول الله عليه والسلام التسع أو إلى ما لا يتناهى)., قالت عائشة ~~رضى الله عنها ((ما قبض رسول الله عليه السلام حتى أباح له من النساء ما شاء)). # وقوله: (لأن الإرقاق دون التضييع وذلك حائز بالعزل بإذن الحرة ms741 فالإرفاق أولى). # فإن قلت: لا نسلم قضية هذه النكتة, لأنه كم من شيء يجوز للإنسان أن يمتنع ~~عن تحصيل أصله. # أم لو باشر في تحصيل أصله لا يجوز له أن يمتنع عن تحصيل وصه المرغوب, ~~كصلاة التطوع فإن له أن بمتنع عن تحصيل صلاة التطوع في الأصل. # أما لو باشر في تحصيل صلاة التطوع كان عليه أن يحصل جميع شرائطها ورعاية ~~أوصافها التى تلزم الكراهة عند فوتها, وكذلك النكاح كان للرجل أن PageV04P1912 # يمتنع عن تحصيله ولو باشر تحصيله يجب عليه إحضار الشهود, وكذلك بيع الربا ~~وسائر البياعات كان له أن يمتنع عن تحصيل أصله ولو باشر في تحصيل أصله يجب ~~عليه تحصيل شرائط جوازه, فكذلك ها هنا جاز له أن يمتنع عن تحصيل أصل الولد ~~بالتضييع بالعزل وغيره. # أما لو باشر في تحصيله لا يجوز له أن يمتنع عن تحصيل وصفة المرغوب وهو ~~الحرية كما في النظائر: حيث لم يلزم من جواز الإمتناع عن الأصل جواز ~~الإمتناع عن تحصيل وصف الكمال ,فكيف يثبت تحقيق الأولى؟ # قلت: نعم كذلك, إلا أن الذي نحن بصدده ليس هو نظير ما ذكرته من المسائل, ~~فإن ما ذكرته من المسائل ليس لها وجود شرعا بدون تلك الشرائط التى ذكرتها, ~~فكان في التزام أصلها شرائطها التى لا يوجد أصلها إلا بها ,فيجب عليه تحصيل ~~تلك الشرائط لالتزامها معنى بحكم عقد الإسلام. # وأما الذي نحن بصدده فللأحرار وجود وللأرقاء وجود حسا وشرعا, فلم يلزم ~~مباشرة الأصل من تحصيل الوصف, ولا شك أن وجود الأصل وهو المتبوع أولى من ~~وجود وصفه الذي هو التبع, فلما جاز له الامتناع عن تحصيل الأصل بالتضييع ~~بالعزل جاز له الإمتناع عن تحصيل وصفه الذي هو التبع بالطريق الأولى: لأن ~~مرتبة التبع أدنى من مرتبة الأصل, والأولوية إنما تنشأ من دنو مرتبة التبع ~~فينا للأصل وجود بدون ذلك التبع شرعا, والذي PageV04P1913 # نحن فيه منه. # (فإن نكاح الامة جائز لمن يملك سرية يستغني بها عنه) أي يستغني بتلك ~~السرية عن إرقاق الولد: لأنها إذا ms742 ولدت عن مولاها يثبت النسب، ويكون الولد ~~حرا ,وكذلك من كان له أم ولد كان له أن يتزوج أمه مع غنيته عن إرقاق مائه , ~~فعلم بهذا ,فعلم بهذا أن وصفة هذا ضعيف في حاله. # (لأن الرق من الموانع أي في الجملة) ألا ترى أن نكاح الأمة على نكاح ~~الحرة ممنوع فكانت رقية الأمة مانعة لمن تحته حرة عن تزوجها. # (وكذلك الكفر) أي من الموانع ,حتى لا يجوز للمسلمة أن تتزوج PageV04P1914 # الكتابي وإن كان عكسه جائزا. # (وأثرهما مختلف) أي أثر الرق وأثر دين الكتابى مختلف, فإن أثر الرق ~~التنصيف, وأثر دين الكتابى الخبث في الاعتقاد لا التنصيف. # وأما الجواب عن قوله: ((فإذا اجتمعا الحق بالكفر)) , فقلنا: لا نسلم أن PageV04P1915 # كفر الكتابية يتغلظ برقها في حكم النكاح, بل الأمة الكتابية كالمسلمة في ~~الحل بملك اليمين, فإنه لو كان يتغلط عند الاجتماع لم تحل بملك اليمين ~~كالمجوسية لما قلنا من سقوط حرمة الإرقاق لما قلنا إنه يحل له العزل ~~فالإرقاق أولى, لأن في العزل تضييع الأصل والوصف, وفي الارقاق تضييع الوصف, ~~فلما جاز العزل وجب أن يجوز الإرقاق بالطريق الأولى. # فعلم بهذا أن نكاح الامة ليس بضروري, ولأن الرقيق في النصف الباقى مساو ~~للحر, فكما أن نكاح الحرة يكون أصلا مشروعا لا بطريق الضرورة, فكذلك نكاح ~~الأمة في النصف الباقى لها ونعتبره بالعبد بل أولى, لأن معنى عدم الضرورة ~~في حق الأمة أظهر منه في حق العبد, فإنها تستمتع بمولاها بملك اليمين, ~~والعبد لا طريق له سوى النكاح, ثم لم يجعل بقاء ما بقى في حق العبد بعد ~~التنصيف بالرق ثابتا بطريق الضرورة, ففي حق الأمة أولى. # (لكنه في حكم الاستحباب مثل نكاح الحرة الكتابية) يعني يستحب نكاح الحرة, ~~ولا يستحب نكاح الأمة لا أن جواز نكاح الأمة ضروري, بل هو مطلق على ما قلنا ~~كما قلنا في نكاح الحرة المسلمة مع نكاح الحرة الكتابية, يعني أن نكاح ~~المسلمة مستحب, ونكاح الكتابية غير مستحب لكنه مطلق لا ضروري. PageV04P1916 # فكذلك ها هنا (سوى بينهما) ms743 أي سوى بين الردة وإسلام أحد الزوجين في وقوع ~~الفرقة يعنى بتعجيل الفرقة قبل الدخول في الفصلين وبعد الدخول عند انقضاء ~~العدة في الفصلين, وعندنا إذا أسلم أحد الزوجين لا تقع الفرقة لا قبل ~~الدخول ولا بعد الدخول, بل يعرض الإسلام على الآخر, فإن أسلم فهما على ~~نكاحها, وإن أبى فرق القاضى بينهما وفى ردة أحدهما تتعجل الفرقة قبل الدخول ~~وبعده لما بينهما من المنافاة فيفوت الغرض الأصلى من النكاح وهو الإزدواج ~~بطريقة الموافقة. # (كما في الإيلاء واللعان والجب والعنة) فإن فيها فوات PageV04P1917 # أغراض النكاح, وفي اللعان يفوت أغراض النكاح, لأنه نزل عليهما أحد ~~المكروهين إما الغضب أو اللعن, وفي موضع ينزل اللعن أو الغضب إرتفعت البركة ~~لا محالة فيفرق القاضى بينهما إن امتنع الزوج عن التفرق. # وكذلك في الإيلاء يفوت الغرض من النكاح وهو الإزدواج بينهما, لأنه آذاها ~~بمنع الوطء عنها لفظا, فإذا مضى على موجب تلفظه يقع الطلاق جزاء لظلمه ~~عليها, وكذلك في الجب والعنة يفوت الغرض الأصلى من شرعية النكاح وهو ~~التوالد والتناسل وقضاء الشهوة بطريق الحل بالنكاح, ثم لو استديم النكاح مع ~~ذلك ربما تميل المرأة إلى غير الزوج فتقع في الزنا فتفسد الفراش, فيفرق ~~القاضى بينهما دفعا للضرر عنها, وحصل من هذا كله أن سبب الفرقة في هذا كله ~~هو دفع ضرر الظلم عنها: لان ما هو المقصود بالنكاح وهو الاستمتاع فائت ~~شرعا, فيجعل تفريق القاضى بعد عرض الإسلام على الذي يأبى منهما سببا لذلك ~~وهو قوى الأثر, ويظهر ذلك بالرجوع إلى الأصول ,فغن التفريق باللعان وبسبب ~~الجب والعنة والإيلاء كان ثابتا بإعتبار هذا المعنى. # (وأما الردة) فهي غير موضوعة للفرقة بدليل صحتها ,حيث لا نكاح للمرتد, ~~وبه فارق الطلاق وإذا لم تكن موضوعة للفرقة عرفنا أن حصول PageV04P1918 # الفرقة بها لكونها منافية للنكاح حكماص, وذلك وصف مؤثر, ومع وجود المنافي ~~لا يبقى النكاح, كالمحرمية بالرضاع والمصاهرة سواء داخل بها أو لم بدخل ~~بها, ولأن حال الاتفاق دون حال الاختلاف فلم تصح التعدية إليه في تضاد ms744 حكمين. # بيانه أن ارتداد أحدهما اختلاف في الدين وخلاف بينهما, وارتدادهما اتفاق ~~على الكفر ,فلم تصح التعدية من الوفاق إلى الخلاف, لأن الخلاف ليس نظير ~~الوفاق بل هو ضده, فكان فيه تعدية من أحد الضدين إلى الضد الآخر وهو لا ~~يجوز مع أن حكمهما مختلف ,فإن الاتفاق على الكفر لا يمنع إبتداء النكاح ولا ~~بقاءه, الاختلاف يمنع ابتداء النكاح. # فعلم بهذا أن الاتفاق على الكفر دون الاختلاف فيه في منع النكاح فلا تضح ~~التعدية منه إلى ما فوقه. PageV04P1919 # ((وهذا أكثر من أن يحصى). # ومن ذلك الأكثر ما علل الشافعى في عدد الطلاق أنه معتبر بحال الزوج, لأنه ~~هو المالك للطلاق, وعدد الملك معتبر بحال المالك. # وقلنا نحن: الطلاق تصرف يملك بالنكاح فيتقدر بقدر ملك النكاح ,وذلك يختلف ~~باختلاف حال المرأة في الرق والحرية, لأن الملك إنما يثبت في المحل باعتبار ~~صفة الحل, والحل الذي بتبنى عليه النكاح في حق الأمة على نصف منه في حق ~~الحرة فبقدر ذلك يثبت الملك, ثم بقدر الملك يتمكن المالك من الإبطال, كما ~~أن بقدر ملك اليمين التمكن من إبطاله بالعتق حتى إذا كان له عبد واحد يملك ~~إعتافا واحدا ,فأن كان له عبدان يملك إعتاقين. # وكذلك يظهر أثرها بالرجوع إلى الأصول حيث يختلف باختلاف حالها كما في ~~القسم والعدة. PageV04P1920 # (وكان من قضية الركن إكماله بالإطلالة في الركوع والسجود) لا تكراره ~~بخلاف السجدة الثانية, لأن الكلام في التكرار بطريق السنة إكمالا للفرض, ~~والسجدة الثانية فرض على حدة ليست بمكملة الأولى. # وبقوله: (وفي كل ما لا يعقل تطهيرا) احترز عن مسح الإستنجاء. # (وذلك وصف خاص في الباب) أي قوله: ((صوم فرض)) وصف خاص في باب العبادة. # وقولنا: عين يعم العبادات وغيرها من الودائع والغصوب, يعني أن PageV04P1921 # الوديعة إذا ردت إلى صاحب الوديعة يخرج المودع عن العهدة بأى جهة ردت ~~لتعين حقه, وكذلك المغضوب والمبيع بيعاص وفاسدا إذا ردا يخرج من عليه ردهما ~~عن العهدة باى جهة ردا سواء علم صاحب الحق به أو لم يعلم. # وقوله: ms745 (وعقد الإيمان) - روي بكسر الهمزة والياء التحتانية بنقطتين- يعنى ~~إذا أقر بالإيمان بالله تعالى بأي وجه وجد الإقرار منه طوعا أو كرها في حال ~~السكر أو في حال الصحور يحكم بأنه مؤمن بالله تعالى: لتعين فرضية الإيمان ~~عليه, فبالإطلاق يتأجى هذا الفرض وإن لم تعين الفرضية, لأن تعين الفرض عليه ~~يغنى عن التعيين كما قلنا في صوم رمضان -وروي بفتح الهمزة- على أنه جمع بين ~~يمين بمعنى الحلف, يعني إذا حلف بالله أنه لا يدخل هذه الدار مثلا ثم دخل ~~ناسيا أو مخطئا أو مكرها, فإنه يحنث لتعينه في يمينه. # وقوله: (ونحوها) كالسيف المحلى بالذهب أو بالفضة إذا بيع بجنس الحلية ~~,وقد أدى بعض ثمن السيف في المجلس ثم افتراقا يتعين المؤدى للحلية سواء ~~أطلق أو عين أو قال من ثمنهما لتعين بدل الحلية بالقبض, وعلى هذا مسائل ~~الصرف كثيرة. # (إنها لا تضمن مراعاة لشرط ضمان العدوان) يعني أن شرط ضمان العدوان ~~المماثلة. PageV04P1922 # قال الله تعالى: (قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ~~واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) , وقال تعالى: (وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40)) فلا ~~تضمن المنافع لفوت شرطه وهو المماثلة: لأن العرض لا يماثل العين وهو الذهب ~~والفضة وهذا ظاهر. # (أن ما يتضمن بالعقد يتضمن بالإتلاف) أي أن المنافع مما تضمن بعقد ~~الإجازة يجب أن تكون مضمونة بالإتلاف كما في الأعيان, وإن كان فيه فضل أي ~~في الضمان فضل وهو العينية بالدراهم أو الدنانير على المضمون وهو المنافع, ~~فإنها عرض, ولكن ذلك الفضل إنما يجب على المتعدي وهو الغاضب. PageV04P1923 # (أو إهدار على المظلوم) أي أنه ولم نوجب الضمان على الظالم مع تلك ~~الزيادة يلزم إهدار أصل حث المغضوب منه, (ولأنه إهدار وصف) وهو إهدار ~~العينية على الظالم (أو إهدار أصل) وهو إهدار أصل حق المغضوب منه (فكان ~~الأول أولى) أي الإهدار الأول من النكتتين أولى من الثاني في النكتتين, ~~فكان قوله: ((فكان الأول)) راجعا إلى الاول ms746 من كل واحدة من النكتتين. # والدليل على ما ذكرته ما ذكره الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- مفسرا جيث ~~قال: ثم هوى أي الشافعى- يزعم أن علته أقوى في ثبات الحكم المشهورد به عليه ~~من وجهين: # أحدهما: أنه إذا لم يكن بد من الإضارا بأحدهما فمراعة جانب المظلوم ~~وإلحاق الخسران بالظالم بإيجاب الزيادة عليه أولى من إهدار حق المظلوم. # والثاني: أن في إيجاب الضمان إهدار حق الظالم فيما هو وصف محض, وإذا قلنا ~~لا يجب الضمان كان فيه إهدار حق المتلف عليه في أصل المالية, ولا شك أن ~~الوصف دون الأصل. PageV04P1924 # (ووضع الضمان على المعصوم) أي إسقاط الضمان عنه (مثل العادل يتلف مال ~~الباغي) وماله معصوم بدليل وجوب الحفظ على الإمام (والفضل على المتعدي غير ~~مشروع): لأن الظالم لا يظلم ولنتصف منه مع قيام حقه في ملكه, فمراعاة الوصف ~~في الوجوب كمراعاة الأصل. # ألا ترى أن في القصاص الذي يبنى على المساواة التفاوت في الوصف, كالصحيحة ~~مع الشلاء تمنع جريان القصاص, ولا ينظر إلى ترجيح جانب المظلوم وإلى ترجيح ~~جانب الأصل على الوصف, يعني لو كان يد القاطع صحيحة ويد المقطوع شلاء فبقطع ~~اليد الشلاء لا تقطع يد القاطع الصحيحة قصاصا, لأن الأكمل لا يستوفى ~~بالأنقص, ولم يقل فيه بالقطع مع أن فيه إهدار وصف في حق الظالم. # فعلم بهذا أن إهدار الفضل على المتعدى غير مشروع سواء كان ذلك في الأصل ~~أو في الوصف, فعرفنا أن قوة القبات فيما قلنا. # وقوله: (بدون واسطة فعل العبد) احتزاز عن عقد الإجازة, فإن الجور فيه وهو ~~إهدار الوصف بواسطة فعل العبد. PageV04P1925 # (وذلك سائغ حسن) أي عدم إيجاب الضمان فيما لا يضمن بسبب عجزنا عن درك ~~المماثلة جائز حسن كما في سجدة التلاوة إذا لم يسجد في الصلاة، وكالصلاة ~~إذا فاتت في أيام التشريق في حق التكبير، وكذلك في حقوق العباد ما إذا أتلف ~~مال الغير من ذوات القيم كما في الحيوانات فإن حق المتلف عليه في الصورة ~~ساقط لعجزنا عن إثبات المماثلة في الصورة. # (والتأخير ms747 أهون من الإبطال) أي تأخير حق المغصوب منه إلى دار الجزاء أيسر ~~من إبطال وصف مال الغاصب وهو العينية في الدراهم والدنانير، (وهذا كذلك في ~~عامة الأحكام) أي تأخير حق المظلوم إلى دار الجزاء بسبب العجز عن إثبات ~~المماثلة لحقه جائز ثبت ذلك. # كذلك في عامة الأحكام كما في الشتم الذي لا يوجب حد القذف، وكالضربة ~~الواحدة التي هي غير موجبة للأرش والقصاص والغيبة والبهتان. # ثم قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وعلى هذا قلنا: إن ملك النكاح لا ~~يضمن بالإتلاف في الشهادة على الطلاق قبل الدخول، وملك القصاص PageV04P1926 # لا يضمن بالإتلاف في الشهادة على العفو يعني أنه مؤخر إلى دار الجزاء. # (وأما ضمان العقد فباب خاص) جواب عن قوله: ((ما يضمن بالعقد يضمن ~~بالإتلاف)) (فكان ما قلناه أولى)؛ لأنه عام منسحب على أصول كثيرة وهو من ~~أسباب الترجيح. # (وأما الرابع- فهو) ترجيح بعدم الحكم عند عدم الوصف. PageV04P1927 # (لأن ما قلنا ينعكس في بني الأعمام)؛ لأن قرابة بني الأعمام لما لم تكن ~~محرمة للنكاح انعدم حكم العتق فيهم بالملك: (لأن وضع الزكاة في الكافر) أي ~~في الكافر الأجنبي لا يحل. # (أنه مبيع عين) أي أن كل واحد من الطعام مبيع عين، فكان بمعنى ما ذكره ~~شمس الأئمة -رحمه الله- لأنه عين بعين، وينعدم هذا الحكم وهو عدم اشتراط ~~التقابض عند انعدام هذا الوصف وهو العينية، فإن في باب الصرف اشتراط القبض ~~من الجانبين؛ لأنه دين بدين، وفي السلم اشتراط القبض في رأس المال؛ لأن ~~المسلم فيه (دين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه حرم ربا الفضل) كالذهب بالذهب ~~والفضة بالفضة. PageV04P1928 # (ولا ينعكس تعليله). ألا ترى أنه يشترط قبض رأس المال في المجلس في السلم ~~وإن جمع العقد هناك بدلين لا يحرم التفاضل إذا قوبل كل واحد منهما بجنسه، ~~فإنه لو جعل رأس مال السلم الثوب يشترط قبضه في المجلس أيضا، وإن كان لا ~~يحرم التفاضل عند المقابلة بجنسه. # وأما القسم الثالث: وهو بيان المخلص عند تعارض وجوه الترجيح (إن كل موجود ~~مما يحتمل الحدوث)، ms748 وبقوله: ((مما يحتمل الحدوث)) يحترز عن ذات الله تعالى، ~~فإن اسم الموجود ينطلق عليه وهو متعال عن احتمال الحدوث. PageV04P1929 # (لأن هذا راجح في ذات القرابة)؛ لأن قرابة الأخوة مقدمة على قرابة ~~العمومة. # (والعم راجح بخالة) وهي قلة الواسطة في الذكر؛ لأنك تقول: هناك هو ابن ~~ابن أخيه لأب وأم، وهاهنا تقول: هو عمه. # (لاستوائهما في الذات) أي في ذات قرابة الأخوة، (وكذلك العمة مع الخال ~~لأب وأم) يعني أنهما إذا اجتمعا فللعمة الثلثان باعتبار أن المرجح في حقها ~~معنى في ذات القرابة وهو الإدلاء بالأب، وفي الأخرى معنى في حالها PageV04P1930 # وهو اتصالها من الجانبين بأم الميت. # (لأن الصنعة قائمة بذاتها من كل وجه) أي موجودة من كل وجه، ولا يراد ~~بالقيام هاهنا ما يراد بقولهم: العين قائم بذاته، بل يراد ما يراد بقولهم ~~العرض قائم بالعين أي موجود فيه، وبيان وجود الصنعة من كل وجه هو أن الثوب ~~بعد الخياطة تغير هيئته واسمه المقصود منه، فتبدل الهيئة والاسم دليل على ~~المغايرة صورة، وتبدل المقصود دليل على المغايرة معنى، وإذا ثبتت المغايرة ~~صورة ومعنى إلى الثاني كان الثاني موجودا من كل وجه؛ إذ وجود الشيء الحادث ~~إنما كان بصورته ومعناه. # فمن ضرورة ثبوت الثاني انعدام الأول؛ لاستحالة أن يكون الشيء الواحد ~~شيئين، وإذا انعدام الأول بفعله صار ضامنا عليه وقد ملكه بالضمان. PageV04P1931 # (وهي من ذلك الوجه تضاف على صنعة الغاصب) أي والعين من حيث الحدوث تضاف ~~إلى صنعة الغاضب لتسمية العين باسم مصنوع كالقميص. والقباء دون الثوب، وهو ~~المعنى متيلإه له: والصنعة قائمة من كل وجه والعين هالكة من كل وجه، فكان ~~الترجيح للموجود على المعدوم. # وذكر في ((المبسوط)) فإن قيل: صاحب الثوب صاحب أصل، والغاصب صاحب وصف وهو ~~جان، فكان مراعاة جانب الأصل أولى، فلماذا ينقطع حق صاحب الأصل؟ # قلنا: لأن هذا الوصف قائم من كل وجه، والأصل قائم من وجه مستهلك من وجه؛ ~~لأن الأصل كان ملكا للمغصوب منه مقصودا، والآن صار تبعا لملك غيره والتبع ~~غير الأصل، ولهذا ms749 صار بحيث يستحق بالشفعة بعد أن كان منقولا لا يستحق ~~بالشفعة، وانعدم منه سائر وجوه الانتفاع سوى هذا. PageV04P1932 # وإنما يترجح الأصل إذا كان قائما من كل وجه كما في مسألة الساحة، فإنها ~~قائمة من كل وجه، صالحة لما كانت صالحة له قبل البناء تستحق بالشفعة كما ~~كانت من قبل، فلهذا رجحنا هناك اعتبار حق صاحب الساحة. # وقوله: (ونحوها) كما إذا غصب الحنطة فطحنها أو غصب الحديد فاتخذه سيفا أو ~~صفرا فاتخذه آنية. # (ضم الربح على أصله) وإن بعد من الحول؛ لأن المرجح هنا معنى في الذات وهو ~~كونه نماء ثمن الإبل ليسقط بمقابلته اعتبار الحال في المال الآخر وهو القرب ~~من الحول، وفي الأول وهو المال المستفاد لما استوى الجانبان فيما يرجع على ~~الذات صرنا على الترجيح باعتبار الحال. PageV04P1933 # وأما الرابع: أي الرابع من التقسيم الأول المذكور في أول باب الترجيح وهو ~~قوله: (والرابع في الفاسد من وجوه الترجيح) (ترجيح القياس بقياس آخر)؛ لأن ~~كل واحد منهما حجة شرعية لثبوت الحكم بها، فلا يكون إحداهما مرجحة للأخرى ~~بمنزلة زيادة العدد في الشهود، وقد ذكرنا أن ما يصلح علة لا يصلح مرجحا، ~~نظير هذا ما لو علل المعلل من طرف الشافعي في أن صائم رمضان لو أكل أو شرب ~~متعمدا لا تجب الكفارة. # فقال: هذا أكل حرام عليه ناقص الأثر فلا يلحق بالوقاع في الغلظة كما لو ~~وجدا في غير الملك، فإن الأكل هناك غير ملحق بالوقاع في إيجاب الحد فكذلك ~~الأكل هاهنا لا يلحق بالوقاع في إيجاب الكفارة، ولأن كل واحد منهما مفسد ~~للصوم، فلا يلحق هو بالوقاع كما في الحج، فإن الأكل هناك غير ملحق بالوقاع ~~في إفساد الحج فكذلك هاهنا لا يلحق بالوقاع في إيجاب الكفارة. # ثم قال: قياسي الأول يرجح بقياسي الثاني، هذا وأمثاله لا يصح لما قلنا عن ~~القياس علة بنفسه فلا يصلح أن يكون مرجحا. PageV04P1934 # فإن قلت: على هذا يجب عليك أن تفرق بين ثلاثة أشياء وهي: ترجيح القياس ~~بقياس آخر، والترجيح بغلبة الأشباه، والترجيح ms750 بكثرة الأصول، فإن هذه كلها ~~يتراءى أنها عبارة عن معنى واحد فبين أنها هكذا أو هي أشياء متغايرة ~~المعاني متلازقة المباني. # قلت: بلى هي أشياء متغايرة المعاني متلازقة المباني. أما ترجيح القياس ~~بقياس آخر فهو كما أريتكه من ترجيح الشافعي قياسه الأول بالثاني، فلكل واحد ~~من القياسين وصف على حدة وأصل على حدة مع اتحاد الحكم وهو عدم إلحاق الأكل ~~بالوقاع. # (وأما غلبة الأشباه) فهي أن يكون لوصفه أصل واحد، ولكن لذلك الأصل أوصاف ~~جمة تشترك بين المقيس والمقيس عليه، كما قال الشافعي في: أن الأخ لا يعتق ~~بالملك؛ لأن قرابة الأخ قرابة غير الولاد فلا يعتق بالملك كابن العم إذا ~~ملك، وابن العم وهو المقيس عليه واحد لكن له أوصاف جمة يشترك الأخ فيها مع ~~ابن العم على ما ذكر في الكتاب من جواز (وضع الزكاة وحل الحليلة وقبول ~~الشهادة ووجوب القصاص من الطرفين). # وأما الترجيح بكثرة الأصول فهو: أن يؤخذ الترجيح من قوة الوصف بأن PageV04P1935 # يظهر أثر ذلك الوصف لزيادة قوته في مواضع جمة كظهور أثر المسح في إثبات ~~التخفيف في مواضع مختلفة، وكما قال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- في الأب: ~~إنه لا يملك تزويج ابنته الصغيرة بأقل من صداق مثلها. # قالا: لأن ولاية الأب عليها مقيدة بشرط النظر، ثم معنى الضرر في هذا PageV04P1936 # العقد ظاهر فلا يملكه الأب كما لا يملك بيع مالها بالغبن الفاحش، وظهر ~~أثر هذا الوصف أيضا في تزويج أمتها، فإن الأب لا يملك تزويج أمة الصغيرة ~~بأقل من مهر مثلها، وظهر أيضا في حق الاعتراض، فإن ابنته لو زوجت نفسها ~~بمثل هذا المهر فللأولياء الاعتراض. # وفي غلبة الأشباه لما كان كل شبه وصفا على حدة ولكل واحد حكم على حدة كحل ~~الحليلة، ووضع الزكاة، وقبول الشهادة، وجريان القصاص، كان كل واحد منها ~~بمنزلة قياس على حدة؛ فلذلك شبه ذلك بترجيح القياس بقياس آخر، فيصير هو ~~كترجيح القياس بقياس آخر، ولم يقل هو ترجيح القياس بقياس آخر؛ لأن المقيس ~~عليه متحد فلا يكون هو ms751 ترجيح قياس بقياس آخر حقيقة. # وحاصلة أنه إذا اتحد الحكم والوصف مع اختلاف الأصول كان الترجيح به ~~ترجيحا بكثرة الأصول وهو صحيح؛ لأن ذلك يدل على قوة ثبات الوصف في استدعاء ~~ذلك الحكم الذي ادعاه المعلل، ولو اختلف الوصف والأصل مع PageV04P1937 # اتحاد الحكم كان الترجيح به ترجيحا بقياس آخر وهو فاسد؛ لما ذكرنا، ولو ~~اختلف الحكم والوصف مع اتحاد الأصل كان الترجيح به ترجيحا بغلبة الأشباه ~~فكان فاسدا أيضا؛ لأن ذلك بمنزلة ترجيح القياس بقياس آخر، فكان ترجيح ~~القياس بقياس آخر كترجيح الخبر بالخبر والكتاب بالكتاب. # والترجيح بكثرة الأصول كان بمنزلة ترجيح الخبر بسبب الشهرة وهو صحيح، ~~فاغتنم فروق هذه الأصول، فإن مثل هذا لا يحصل إلا بإتعاب النفس بترك ~~التواني وإحياء الليالي. # وقوله: (وما يجري مجراه) أراد به ترجيح أحد القياسين بالخبر فإنه فاسد؛ ~~لأن القياس متروك بالخبر ولا يكون حجة في مقابلته، والمصير إلى الترجيح بعد ~~وقوع التعارض باعتبار المماثلة كما بينا، وكذلك ترجيح أحد الخبرين بنص ~~الكتاب فاسد؛ لأن الخبر لا يكون حجة في معارضة النص. # (يقضي على العام) أي يترجح عليه، ولأن معنى الخصوص والعموم يتبنى على ~~الصيغة وذلك يكون في النصوص. PageV04P1938 # اتحاد الحكم كان الترجيح به ترجيحا بقياس آخر وهو فاسد؛ لما ذكرنا، ولو ~~اختلف الحكم والوصف مع اتحاد الأصل كان الترجيح به ترجيحا بغلبة الأشباه ~~فكان فاسدا أيضا؛ لأن ذلك بمنزلة ترجيح القياس بقياس آخر، فكان ترجيح ~~القياس بقياس آخر كترجيح الخبر بالخبر والكتاب بالكتاب. # والترجيح بكثرة الأصول كان بمنزلة ترجيح الخبر بسبب الشهرة وهو صحيح، ~~فاغتنم فروق هذه الأصول، فإن مثل هذا لا يحصل إلا بإتعاب النفس بترك ~~التواني وإحياء الليالي. # وقوله: (وما يجري مجراه) أراد به ترجيح أحد القياسين بالخبر فإنه فاسد؛ ~~لأن القياس متروك بالخبر ولا يكون حجة في مقابلته، والمصير إلى الترجيح بعد ~~وقوع التعارض باعتبار المماثلة كما بينا، وكذلك ترجيح أحد الخبرين بنص ~~الكتاب فاسد؛ لأن الخبر لا يكون حجة في معارضة النص. # (يقضي على العام) أي يترجح عليه، ms752 ولأن معنى الخصوص والعموم يبتني على ~~الصيغة إنما يكون في النصوص. PageV04P1939 # جعل نظمه حجة) وهو الكتاب، والله أعلم. # * * * PageV04P1940 ### || AUTO باب وجوه دفع العلل الطردية # (وهو القسم الثاني من هذا الباب) أي ### || AUTO باب وجوه دفع العلل الطردية # من باب قسم وجوه دفع العلل الذي ذكر قبل هذا بسبع أوراق بقوله: العلل ~~قسمان: طردية، ومؤثرة. فذكر هناك وجوه دفع العلل المؤثرة، وذكر هاهنا وجوه ~~دفع العلل الطردية، فلما قدم هناك دفع العلل المؤثرة لزم تأخير وجوه دفع ~~العلل الطردية، فسماه قسما ثانيا وإن كان هو في التقسيم وقع أولا. # (فهو أحق بالتقديم)؛ لأنه يرفع الخلاف، فالمصير إلى المنازعة عند تعذر ~~المصير إلى الموافقة. PageV04P1941 # وأما عند إمكان الموافقة فلا معنى للمصير إلى المنازعة (فإن غير العبارة) ~~أي من التثليث إلى التكرار، وإنما غير إليه؛ لأن التثليث لا يقتضي اتحاد ~~المحل على اذكر في الكتاب، والتكرار يقتضي اتحاد المحل فيحصل مقصود الخصم ~~بهذا التغيير، لكن لا نسلم ثبوت سنة التكرار في الأصل بطريق الأصالة. # وهو معنى قوله: ((لم نسلم ذلك في الأصل)) أي لم نسلم سنية التكرار في غسل ~~الوجه بطريق الأصالة، بل صير إليه لضرورة ضيق المحل (وتكميله بإطالته في ~~محله إن أمكن) أي وتكميل الركن إنما يكون بإطالة الركن إذا أمكن إطالته، ~~وإمكان إطالة الركن إنما يكون إذا لم يستغرق الفرض جميع المحل كما في مسح ~~الرأس، فإن فرضه يحصل بمسح ربع الرأس عندنا وبما ينطلق عليه اسم المسح عند ~~الخصم، فأمكن تكميل ذلك الفرض باستيعاب جميع الرأس بالمسح لبقاء كل جانب من ~~جوانب الرأس لإقامة المفروض من المسح، فكان استيعاب جميعه تكميلا له كما في ~~إطالة القيام والركوع PageV04P1942 # والسجود في الصلاة، فإن فرض القيام يحصل بمجرد ما ينطلق عليه اسم القيام ~~فإطالته بعد ذلك كان تكميلا له، وكذلك في الركوع والسجود، ثم يرد على هذا ~~أن القيام والركوع والسجود بعد الإطالة يجب ألا يقع المطول بعد وجود مجرد ~~القيام والركوع والسجود فرضا كما هو كذلك في مسح الرأس عند الاستيعاب ms753 حيث ~~يقع هناك ما وراء الربع سنة. # والفرق بينهما ما ذكر في الكتاب بعد هذا بقوله: ((والجواب أن هذا خلاف ~~الكتاب) أعني أن في مسح الرأس الباء في الكتاب دخلت في محل المسح فاقتضت ~~تبعيض المسح، ولا كذلك في القيام وغيره فبقى على ما اقتضاه مطلق الكتاب من ~~فرضية جميعه، ثم عدم إمكان تكميل الركن بالإطالة إنما يكون في محل إذا ~~استغرق الفرض جميع المحل كما في غسل الوجه حيث لم يمكن العمل هناك بما هو ~~الأصل في تكميل الركن وهو الإطالة؛ فلذلك صرنا في تكميله إلى التكرار ~~للضرورة. # فعلم بهذا أن التكرار في غسل الوجه في حق التكميل لم يكن بطريق الأصالة، ~~ولا ضرورة في حق مسح الرأس؛ لعدم استغراق الفرض جميع المحل فيعمل فيه بما ~~هو الأصل في التكميل وهو الإطالة. PageV04P1943 # فعلم بهذا أن معنى قوله: (وهو أن لا أثر للركنية في التكرار أصلا) أي ~~بطريق الأصالة (ولا أثر لها في التكميل لا محالة) أي لا اختصاص للركنية في ~~التكميل لا محالة؛ لأن التكميل كما هو مسنون في الركن كذلك هو مسنون في ~~الذي ثبت رخصة كمسح الخف، فإن مسح الخف ليس بركن في الوضوء. هكذا صرح به في ~~((التقويم)). # وهذا لأن الركن ما يقوم به الشيء وينعدم بانعدامه، ومسح الخف شيء يجوز ~~الوضوء بدونه؛ لأنه لو غسل قدمه لا يحتاج إلى مسح الخف. # أما غسل القدم فهو ركن في الوضوء؛ لأنه لا يجوز الوضوء بدونه إما بذاته ~~أو بخلفه وهو المسح، وكذلك هو مسنون في الذي ثبت سنة كالمضمضة، لكن تكميلها ~~إنما كان بالتكرار لاستيعاب سنة المضمضة جميع المحل. PageV04P1944 # وكذلك هو مسنون في الذي ثبت أصالة كغسل الرجل، فكان تكميله أيضا بالتكرار ~~لاستيعاب الأصل جميع محل الغسل. # فعلم بهذا أن الركن وغيره سواء في استحقاق التكميل، ولم يكن للركنية ~~اختصاص بالتكميل. (بالمحظور) وهو الغسل أي غسل الرأس وهو محظور. (فقد أدى ~~القول بموجب العلة إلى الممانعة) أراد بالممانعة ما ذكر من قوله: ((لا نسلم ~~ذلك في الأصل)) ms754 أي كان جوابنا في التعليل الأول للخصم بطريق القول بموجب ~~العلة وفي التعليل الثاني له كان جوابنا له بطريق المنع. # (وذلك غير مسلم على مذهبهم)؛ لأن مسح الرأس في مذهب الشافعي وأصحابه إذا ~~وجد على وجه الاستيعاب لجميع الرأس كان كله فرضا ولا توجد السنة، فلا بد ~~بعد وجود الفرض أن توجد السنة وذلك إنما يكون بالتكرار، وعندنا لما أدى ~~الفرض بما مسح بعض الرأس كان استيعاب جميع الرأس بالمسح بعد ذلك سنة، فلا ~~يحتاج بعد ذلك في إقامة السنة إلى التكرار بخلاف غسل الوجه، فإن الفرض لما ~~استغرق محله في المرة الواحدة لم يمكن جعل بعضه سنة فاحتيج إلى إقامة السنة ~~إلى التكرار ضرورة. PageV04P1945 # وقوله: (وإذا كان كذلك لم يلزمه شيء من هذه الوجوه) أي وإذا كان فرض مسح ~~الرأس يستوعب جميع الرأس إذا مسح كله عند الخصم لم يلزمه ما ذكرنا من أن ~~المسح إذا وجد بكل الرأس كان قدر ربع الرأس فرضا وما بقي وهو ثلاثة أرباع ~~الرأس كان بمنزلة التثليث بالمسح وهو أكثر، لأنه لما وقع مسح كل الرأس عند ~~الفرض عنده لا يكون هذا القول الذي ذكرنا عليه حجة. # وقوله: (والجواب أن هذا خلاف الكتاب) أي جعل مسح جميع الرأس فرضا خلاف ~~الكتاب، لأن الباء دخلت في محل المسح في الكتاب فاقتضت مسح بعض المحل لا ~~استيعابه على ما ذكر في حروف المعاني. # فإن قلت: فمن أين وقع الفرق عندنا بين مسح جميع الرأس وبين إطالة القراءة ~~حيث يقع في مسح الرأس ما وراء قدر الربع سنة وفي القراءة جميع ما أطال منها ~~يقع فرضا؟ # قلت: الفرق هو الذي ذكرت قبل هذا وهو أن الباء دخلت في محل المسح في ~~الكتاب فاقتضت تبعيضه، ولا قيد في حق القراءة فدخل كل ما قرأ PageV04P1946 # تحت قوله تعالى: (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) فوقع جميعه فرضا. # (لكنه لا يمنع وجود ما يعينه) يعني سلمنا أن كونه صوم فرض يوجب التعيين ~~ولكنه ليس بمانع شيئا يعين الصوم، وهاهنا وجد ms755 ما يعينه وهو انفراده في ~~الشرعية وعدم المزاحمة، (فيكون إطلاقه تعيينا)، لأن هذا متوحد في الزمان ~~فكان كالمتوحد في المكان فيصاب بمطلق نية الصوم، لأنه لا صوم شرعا سوى صوم رمضان. # (ولأنه لا يصح عندنا إلا بتعيين النية) أي يشترط التعيين عندنا أيضا كما ~~قلتم، ولكن يحصل ذلك بالإطلاق. # (وعندنا لا يجب القضاء بالإفساد) يعني لا يجب القضاء بالإفساد مجردا ولا ~~بالفساد مجردا، لوجود وجوب القضاء في كلا الوجهين، بل بمعنى آخر سواهما وهو ~~أن فوات المضمون يوجب ضمان المثل لا باعتبار أنه إفساد PageV04P1947 # ولا باعتبار أنه فاسد بل باعتبار كونه مضمونا عليه بالشروع وهو يوجب ضمان ~~المثل عند الفوات. # ألا ترى أن المتيمم لو شرع في صلاة التطوع ثم رأى الماء فسدت صلاته وعليه ~~القضاء. # فعلم بهذا أن القضاء غير مختص بالإفساد. # قلنا: (القرية عندنا بهذا الوصف) وهو الشروع والإفساد (لا تضمن، وإنما ~~تضمن بوصف أنه يلتزم بالنذر) أي إنما تضمن هذه القربة وهي صلاة التطوع وصوم ~~التطوع باعتبار أنه مما يلتزم بالنذر، فلذلك يجب بالشروع بخلاف الوضوء فإنه ~~ليس مما يلتزم بالنذر، فلا يجب بالشروع، فكان هذا نظير الحج من حيث إنه لما ~~كان يلتزم بالنذر التزم بالشروع بالإجماع فكذا نقول نحن في الصلاة والصوم. # وحاصله أن في الصلاة والصوم جهة أن كلا منهما لا يضمن بالشروع PageV04P1948 # وهي كونه مما لا يمضي في فاسده فمن هذا الوجه لا يكون ملزما كالوضوء، ~~وفيه أيضا جهة كونه مما يلتزم بالنذر فمن هذه الجهة يجب بالشروع كالحج، ~~وعدم اللزوم باعتبار الوصف الذي قاله الخصم لا يمنع اللزوم باعتبار الوصف ~~الذي قلنا، ولا بد من إضافة الحكم إلى الوصف الذي هو ركن تعليله فإن لم يجب ~~باعتبار وصف فهو لا يدل على أنه لا يجب باعتبار وصف آخر. # (العبد مال فلا يتقدر بدله كالدابة) يعني أن رجلا إذا قتل عبدا خطأ يجب ~~عند أبي يوسف والشافعي-رحمهما الله- قيمته بالغة ما بلغت كما في الدابة ~~وغيرها، (وعندنا لا يتقدر بدله بهذا الوصف) أي بوصف ms756 المالية، لكن في العبد ~~معنى آخر سوى المالية وهو الآدمية فيتقدر بدله عندنا باعتبار وصف الآدمية ~~لا باعتبار وصف المالية. # (وهذا كلام حسن) أي القول باعتبار الجهتين بأن يقال: بجهة يتقدر بدله ~~وبجهة لا يتقدر بدله. # (إن الموجود قد يكون ببعض صفاته حسنا وببعض صفاته رديئا)، وهذا يكثر ~~أمثلته في المحسوسات والمعقولات والمشروعات، فإن السم رديء PageV04P1949 # من وجه وهذا لا يشكل حسن وجه وهو أنه يقهر به العدو، وكذلك فعل الإنسان ~~يقبح من وجه ويحسن من وجه كفعل العبد المشترك بين اثنين إذا كان مأمورا به ~~من أحدهما منهيا عنه عن الآخر، فإذا وجد يتصف بما ذكرنا من الصفتين. # وكذلك الإنسان إذا وصف إنسانا بعيب فيه ويظهره لغيره ليحترز ذلك الغير ~~عنه ولا يقع في بلية، كرجل أراد أن يزوج ابنته من ذلك الرجل وهو لا يقف على ~~ما فيه من أخلاقه السيئة فيخبره غيره بما فيه من أخلاقه السيئة، كي لا تقع ~~ابنته في بلية يكون هذا الإخبار عنه غيبة من وجه فيقبح وحسنا وجه لهذا ~~المعنى إذا لم يكن في غرضه الغيبة بل هي في غرضه إصلاح حال الغير، وله ~~نظائر كثيرة. # (ومن ذلك قولهم: أسلم مزروعا في مزروع) - إلى قوله: (وذلك لا يمنع وجود ~~الفساد بدليله) وهو أن الجنس بانفراده يحرم النساء فيفسد عندنا لهذا الوصف ~~لا لكونه مزروعا في مزروع كما إذا قرن بهذا السلم شرطا مفسدا يفسد بالاتفاق ~~لا لكونه مزروعا في مزروع بل بقران شرط مفسد فكذلك هاهنا. # وكذلك يجوز أن يفسد العقد بترك قبض رأس المال في المجلس مع أنه أسلم ~~مزروعا في مزروع، فإذا جاز أن يفسد هذا العقد مع وجود هذا الوصف PageV04P1950 # باعتبار معنى آخر بالاتفاق، فلماذا لا يجوز أن يفسد باعتبار الجنسية؟ ~~فيضطر عند ذلك إلى الشروع في فقه المسألة بان الجنسية لا تصلح علة لفساد ~~هذا العقد بها إن أمكنه ذلك. # وكذا نقول في (المختلعة) إن الطلاق إنما يلحقها عندنا باعتبار (أنها ~~معتدة عن نكاح صحيح)، وبقوله: "نكاح صحيح" ms757 يحترز عن الطلاق في العدة عن ~~نكاح فاسد فإنه لا يقع فيه الطلاق وإن كانت معتدة. # وكذا (قولهم: تحرير في تكفير) بموجب إيمان المحرر لكن (إطلاق صاحب الشرع) ~~وهو قوله تعالى: (أو تحرير رقبة) يسقط وصف الإيمان وجوبا يعني لا يجب بصفة ~~الإيمان لكن يستحب ويستحسن. # (كالدين يسقط) يعني أن الموجب لوجوب الدين في الذمة لا يمنع إسقاط الدين ~~بوجه آخر هو أن يسقط صاحب الدين بالإبراء فإنه يسقط وإن PageV04P1951 # كان الموجب لثبوت الدين موجودا وهو البيع والإجارة والإقراض وغير ذلك، ~~فكذلك هاهنا وإن كان سبب الوجوب ثابتا لكن صاحب الدين أسقط حقه. # (إنها أخذ مال الغير بلا تدين) أي بلا اعتقاد أنه حلال له، بخلاف الحربي ~~إذا أخذ مال المسلم أو الباغي بتأويل أو العادل إذا أخذ مال الباغي حيث لا ~~يجب الضمان، لأنه أخذ تدينا على اعتقاد أنه حلال له (فيوجب الضمان) كالغضب. # (فكذلك استيفاء الحد) يعني يسقط الضمان استيفاء الحد كالإبراء، ويرجع ~~الخلاف إلى أن الحد هل يسقط الضمان عن السارق أم لا؟ PageV04P1952 ### | AUTO الفصل الثاني وهو الممانعة # (لأن كفار الفطر متعلقة بالفطر) أي بالفطر الذي يقع جناية متكاملة. PageV04P1953 # (فلا بد من القول بالذات)، لأن المجازفة في الوصف في الأموال الربوية عقر ~~بالإجماع، لأن الجودة والرداءة فيها سواء، وهذا في المال مانع للوصف الذي ~~جعله علة أيضا، فإنه جعل بيع المطعوم بالمطعوم مجازفة علة للبطلان. # فنقول: لا نسلم بأن بيع التفاحة بالتفاحة مجازفة، لأن المجازفة نوعان: في ~~الذات، وفي الوصف، والذي في الوصف لا يضر والذي في الذات لا يوجد، لأنه ~~مجازفة على المعيار، والتفاحة لا تدخل تحت المعيار فلا تتحقق المجازفة فيها ~~لما أن المجازفة إنما تعتبر في الأموال الربوية إذا توهم فيها المفاضلة، ~~والمفاضلة إنما تكون بعد المساواة وتحقق المساواة إنما يكون بالمعيار ~~الشرعي. # وأما إذا لم يتوهم فيه المفاضلة فلا: وحقيقة المذهب أن الجواز عندنا في ~~هذه الأموال أصل والحرمة بواسطة المفاضلة على الكيل، وعنده الحرمة أصل ~~والمساواة مخلص، ففي كل صورة لا تثبت ms758 المساواة إنما يحرم لعدم المخلص ~~بصورته أي بأجزائه وحباته (وإن تفاوتا في الذات) أي في الأجزاء أو الحبات. # فعلم أن المجازفة بالصورة لا يضر، والمجازفة في المعيار هي العلة ~~المحرمة، PageV04P1954 # في الصبرة ولم توجد هي هاهنا فلا يحرم. # (لم نسلم له المجازفة مطلقة) أي لا نسلم أن مطلق المجازفة علة للحرمة، ~~لأن المجازفة فيما دون الكيل لا يمنع الحل. # وقوله: (مع أن الكيل الذي يظهر به الجواز). يؤيد ما ذكرت أن عنده الحرمة ~~أصل يعني أن عنده العلة الطعم بشرط الجنس مع أن الكيل يظهر به الجواز. # وقوله: (لا يعدم إلا الفضل على المعيار) تتمة ما سبق، وحاصله أن على ~~قوله: إنه بيع مطعوم بمطعوم مجازفة، فكان باطلا يلزم أن يكون بيع الطعام ~~بالطعام حراما وإن كيل لوجود المحرم وهو الطعم والجنس وأما الكيل فلا ~~ينافيهما، لأنه لا ينافي إلا الفضل على المعيار فحسب، فعلى هذا التقدير ~~كانت نكتته حجة عليه. # وهذا الحكم الذي ذكره مأخوذ من الأصل وهو الصبرة بالصبرة، فاعتبر ~~المجازفة في الفرع بالمجازفة في الأصل، والذي ذكرنا من توهم الفضل على ~~الكيل إنما يوجد هو في الأصل لا في الفرع فلا يكون في الفرع نظير الأصل، ~~لأنه PageV04P1955 # لا يوجد في الفرع البته فلا يصح القياس. # (إنها ثيب ترجى مشورتها) وإنما يقيدون بالمشورة للحديث المرفوع وهو قوله ~~عليه السلام: "الثيب تشاور" ويقولون: إنها ثيب ترجى مشورتها إلى وقت معلوم ~~فلا يزوجها وليها بدون رضاها كالنائمة والمغمى عليها. # (وأما المستحدث فلا يوجد في الأصل)، لأنه موجود في الحال. PageV04P1956 # لا حاجة إلى هذا التفصيل يعني يشترط رأيها بلا تفصيل. قلنا حينئذ بموجب ~~العلة، لأنا شرطنا رأيها أيضا لكنا أقمنا رأي الولي مقام رأيها. # (انتقض بالمجنونة) أي انتقض قول الخصم بالمجنونة، لأن حدوث رأيها غير ~~مأيوس منه ومع هذا جاز تزويجها للولي، فعلم أن كل واحد منهما ليس بعلة ~~للمنع عن الإنكاح. # (وأما المعدوم قبل الوجود فلا يحتمل أن يكون شرطا مانعا) يعني أن الولاية ~~كانت ثابتة له عليها قبل الثيوبة ms759 فلا يصلح عدم رأيها شرطا مانعا لثبوت ~~ولايته، إذ الولاية كانت ثابتة مع تحقق عدم رأيها ولم تكن مانعا ولم يحدث ~~بعده شيء يصلح مانعا أو لا يصلح المعدوم دليلا معارضا قاطعا لولاية الأب، ~~لأن المعدوم لا يصلح معارضا لما يوجد في الحال فكيف يصلح معارضا رافعا لما ~~كان ثابتا معنى؟ # قوله: (فلا يحتمل أن يكون شرطا مانعا) أي مانعا من إثبات الولاية ابتداء ~~بأن بلغت الولاية إلى الجد بعد الأب والصغيرة ثيب. # (أو دليلا قاطعا) للولاية بعدما كانت ثابتة في حق الأب، لأن الحكم لا ~~يسبق العلة. PageV04P1957 # فإن قلت: ما جوابنا عما تعلق به الشافعي بأن النبي عليه السلام قال: ~~"الثيب تشاور". حيث علق هذا الحكم باسم مشتق من معنى وهو الثيوبة فيكون ذلك ~~المعنى هو المعتبر في إثبات الحكم كما في الزاني والسارق في إيجاب الحد. # قلت: قال علماؤنا- رحمهم الله-: المراد به المبالغة، لأنه علق بما لا ~~يتحقق إلا بعد البلوغ وهو المشاورة، وكونها أحق بنفسها إنما يتحقق في ~~البالغة دون الصغيرة، ولئن ثبت أن الصغيرة مراده فالمراد المشورة على سبيل ~~الندب دون الحتم كما أمر باستثمار أمهات البنات فقال: "واستأمروا النساء في ~~أبصاع بناتهن" وكان ذلك بطريق الندب فهذا مثله. كذا في "المبسوط". # (وهذا الذي قلنا أمثلة ما يدخل في الفرع) يعني أن الذي قلنا من قوله: ~~عقوبة متعلقة بالجماع فلا تجب بالأكل كحد الزنا "مما يصح منعه في الفرع لا ~~في الأصل، فإن الحكم في الأصل كما ذكره الخصم فإن حد الزنا متعلق بالجماع ~~لا غير. PageV04P1958 # وأما في الفروع وهو كفارة الفطر فنحن نقول: لا نسلم أن كفارة الفطر متعلق ~~بالجماع، بل بالفطر العمد الذي هو كامل في جنايته وكذلك في غيره، فإن حرمة ~~بيع مطعوم بمطعوم مجازفة مسلم في الأصل وهو: بيع الصبرة بالصبرة. ممنوع في ~~الفرع: وهو بيع التفاحة بالتفاحة، كذلك قوله: "ترجى مشورتها" مسلم في ~~البالغة ممنوع في الصغيرة. # (وأما في القسم الآخر) الذي يذكر بعد هذا فإن المنع (في الأصل). # فنقول: (لا ms760 نسلم أن الاستنجاء طهارة مسح، وهما في طرفي نقيض) أي الغسل ~~والمسح، فإن في أحدهما إكماله بالتكرار، وفي الآخر إكماله بنفي التكرار. # (يحقق عرضه) وهو التنقية (وفي الثاني يفسده) وهو أن التكرار يفسد المسح. PageV04P1959 # (وهذا المعنى معدوم في هذا) أي استغراق الفرض محل نفسه معدوم في المسح، ~~ثم النكتة الأولى لبيان أن الحكم هو المشروع في التكميل والثانية لإثبات ~~سبب التكميل مشروعا في الأصل وهو الإطالة لا التكرار، (س) أي من قوله: ~~لضرورة أن الفرض استغرق محله. # (لم نجده في الأصل) وهو القضاء، لأن التعيين بعد التعيين غير معتبر، (لم ~~نجده في الفرع) وهو صوم رمضان، فإن التعيين هنا حاصل بتعيين الشرع، إذ ~~المشروع في هذا الزمان صوم الفرض خاصة فغيره ليس بمشروع، فلا نجد حينئذ بدا ~~من الرجوع إلى حرف المسألة، وهو أن نية التعيين هل PageV04P1960 # يسقط اشتراطه بكون المشروع متعينا في ذلك الزمان أم لا يسقط اعتباره؟ # (فيقال) له: (في الأصل) أي في الثيب البالغة (عدم الرأي غير مانع) كما في ~~الثيب البالغة المجنونة. # (ومثل قوله: ما يثبت مهرا دينا يثبت سلما كالمقدر) أراد به أن السلم في ~~الحيوان جائز عنده غير جائز عندنا. # فقال: الحيوان يثبت دينا مهرا فيثبت دينا في السلم, كالمقدر لما ثبت دينا ~~مهرا ثبت دينا سلما. أراد بالمقدر الكيلات والموزونات سوى الذهب والفضة, ~~فإنا نقول: ما معنى قولكم: ((يثبت دينا في الذمة)) أتريدون أنه يثبت ~~معلوما بوصفه أم بقيمته؟ # فإن قال بوصفه منعنا ذلك في الأصل وهو المهر, فقد قامت الدلالة لنا PageV04P1961 # على أنه لا يشترط فيما يثبت في الذمة مهرا أن يكون معلوم الوصف حتى لو ~~قال: شاة أو عبد أو بقر يجوز. # (وإن قالوا): تعني به معلوم المالية و (القيمة). منعنا ذلك في الفرع فإن ~~الحيوان بعد ذكر الأوصاف يتفاوت في المالية تفاوتا فاحشا, وإنما قال في ~~الفرع, لأن الأصل وهو المهر معلوم بالقيمة عندنا, ولهذا إذا أتى الزوج بما ~~سمى من الحيوان تجبر المرأة على القبول وإذا أتى بقيمته تجبر ms761 أيضا. # فعلم أنه معلوم بالقيمة, فاما في الفرع وهو السلم فغير معلوم بالقيمة فإن ~~القيمة غير معتبرة في المسلم فيه, ولهذا يجب عنده تسليم الحيوان في السلم ~~ولا يجوز تسليم القيمة. علم بهذا أنه غير معلوم بالقيمة فصح المنع. # (وإن قال: لا حاجة لي إلى هذا. قلنا: بل إليه حاجة) , لأنه لابد من ~~التسوية بين الأصل والفرع ليصح القياس, وهما متفاوتان: لأن أحدهما وهو ~~المهر يحتمل جهالة الوصف لما ذكرنا من صحة المهر في نوع من الحيوان. # والثاني وهو السلم لا يحتمل جهالة الوصف فلابد من البيان ليصح القياس, ~~لأن من شرط صحة القياس أن يكون الفرع نظير الأصل. PageV04P1962 # (ومثله قولهم في بيع الطعام بالطعام) أي في اشتراط التقابض في المجلس قي ~~بيع الطعام بالطعام إن العقد جمع بدلين يجري فيهما ربا الفضل (فيشترط ~~التقابض كالأثمان). # فإنا نقول: أيش المراد من قولكم: ((فيشترط فيه التقابض)) هل هو التقابض ~~لإزالة صفة الدينية أو لإثبات زيادة معنى الصيانة عن الربا وأحدهما يخالف ~~الآخر؟ فلا بد من بيان هذا. # فإن قالوا: لمعنى الصيانة منعنا هذا الحكم في الأثمان فاشتراط التقابض ~~هناك عندنا لإزالة صفة الدينياة, فإن النقود لا تتعين في العقود ما لم تقبض ~~والدين بالدين حرام شرعا. # وإن قالوا: لإزالة صفة الدينية لا يتمكنون من إثبات هذا الحكم في الفرع, ~~فالطعام يتعين في العقد بالتعيين من غير قبض, فلا يجد بدا من الرجوع إلى ~~حرف المسألة وهو بيان أن اشتراط القبض في الصرف ليس لإزالة صفة الدينية بل ~~للصيانة عن معنى الربا أي على قول الشافعي بمنزلة المساواة في القدر. PageV04P1963 # (قيل له: ماذا لا يجزئ وإنما سبق ذكر العتيق والأب وذلك لا يجزئ عندنا, ~~فإن قال: وجب أن لا يجزئ عتقه قلنا به) , وبالفارسية: يعني كدامست كه ~~روانيست, بدرستي ذكر عتيق وأب است كفارت روانيست وبس أكر بكويد كه أزاد شدن ~~وى ز كفارت نيابت مي دارد بأن مي كويم جون بسبب عتق روانيست بسبب إعتاق رواست. # وقوله: (فإن قال: وجب أن ms762 لا يجزئ عتقه). # قلنا: لا يجوز عتقه عن الكفارة, لأن العتق ليس بفعل للمكفر بل هو أثر ~~فعله في المحل, والواجب عليه فعل إختياري وهو التحرير, والتحرر ليس في ~~وسعه, فيستحيل أن يكون هو فعله الغختياري فكيف يجوز عن الكفارة؟ # (فإن قال: إعتاقه لم يوجد في الأصل) وهو الإرث لم يوجد منه صنع في الإرث, ~~بل يعتق عليه من غير صنع منه, (ولم يقل به في الفرع) PageV04P1964 # يعني أن الشافعي لم يقل بأن الابن يعتق الأب بالشراء, بل يقول: يسعى في ~~تخليص أبيه عن الرق لا بطريق الإعتاق, لأن الشراء إثبات الملك والإعتاق ~~إزالته, فيستحيل أن يكون إثبات الملك إزالة له, لكن لما ملك عتق من غير ~~غعتاقه كما في الإرث. # إن عنيتم أنه لا تتأدى الكفارة بالعتق, فنحن نقول في الفرع: لا تتأدى ~~الكفارة بالعتق, إذ الكفارة تتأدى بفعل منسوب إلى المكفر, والعتق وصف في ~~المحل ثابت شرعا. # وإن عنيتم الإعتاق فهذا غير موجود في الأصل, لأنه لا صنع للوارث في الإرث ~~حتى يصير به معتقا, وعند هذا لا بد من الرجوع إلى حرف المسألة وهو: أن شراء ~~القريب هل هو إعتاق بطريق أنه متمم علة العتق أو ليس PageV04P1965 # بإعتاق وإنما يحصل العتق به حكما للملك؟ لا (لأن ذلك ليس بمال) بل للشبهة ~~البدلية والحدود تسقط بالشبهات. # (وفساد الوضع) في المعلل بمنزلة فساد أداء الشهادة (وهو فرق النقض) فإن ~~النقض إذا صح يبطل الاطراد بعد ثبوت صحة العلة ظاهرا, وإذا كان فاسدا في ~~الأصل لا يشتغل بالاطراد كما أن أداء الشهادة إذا فسد لا يشتغل بالتعديل ~~فكان فساد الوضع أقوى في دفع العلل من المناقضة, لأنه يمكن تدارك النقض في ~~الجملة بأن يبين إن هذا يتراءى نقضا وليس بنقض في الحقيقة, كما يتراءى أن ~~الاستنجاء نقض فيما تقدم من التعليل في مسح الرأس. # فأما إذا فسد التعليل في الوضع لا يمكن تداركه فإندفع علة الخصم أصلا ~~(مثل التعليل لإيجاد الفرقة بإسلام أحد الزوجين) فإنه فاسد في الوضع كما ~~ذكر ms763 في الكتاب. # (وكذلك القول ببقاء النكاح مع ارتداد أحدهما) فاسد: لما عرف أن PageV04P1966 # المرتد ليس من أهل النكاح, فكان القول ببقاء النكاح مع الردة فاسدا في ~~أصل الوضع. # (الصرورة): بالصاد المهملة: هو الذي لم يحج حجة الإسلام. # وقال الشافعي: الصرورة إذا حج بنية النفل يقع عن الفرض, لأن فرض هذه ~~العبادة يتأدى بمطلق النية فيتأدى بنية النفل أيضا كالزكاة. # (قلنا: هذا فاسد وضعا): لأنه بهذا الطريق رد المفسر إلى المجمل (وحمل ~~المقيد على المطلق) , والأمر على العكس, فإن العلماء اختلفوا في حمل المطلق ~~على المقيد, ولم يقل احد بحمل المقيد على المطلق, فالأول يحتمل الجواز في ~~الجملة. # وأما الثاني فلا يحتمل الجواز أصلا, وهذا لأن المطلق ساكت غير متعرض PageV04P1967 # للصفات لا بالنفي ولا بالإثبات, فاحتمل أن تثبت فيه صفة زائدة بدليل ~~فيراد به المقيد. # وأما عكسه فلا يجوز أصلا وهو أن يقال: إن المراد من المقيد هو المطلق, ~~لأن فيه إلغاء صفة زائدة منصوصة فيلزم منه نسخ المنطوق بالمسكوت والموجود ~~بالمعدوم, فكان فيه مخالفة وضع الشرع وهو حمل المقيد على المطلق. # وأما الجواب عن فصل الزكاة: فإن قدر الزكاة جزء من ذلك النصاب المعين ~~فيخرج عن عهده الزكاة بالتصدق بجميع النصاب يتعين حق الفقير فيه لتعين ذلك ~~النصاب لأداء الزكاة منه حتى لو حلك النصاب قبل التمكن من الأداء تسقط عنه ~~الزكاة بالإجماع. # وأما في مسألة الحج, فالواجب في الذمة وفي الذمة سعة, فيجوز أن ينوى عن ~~النفل فيما أدى من الحج ويقع عنه نفلا وإن كان هو في حق الصرورة لعدم ~~التعين عليه فافترقا. # (ومثله التعليل بالطعم لتحريم الربا اعتبارا بالنكاح) والجامع عزتهما فإن ~~الطعم له عزة وخطر فيشترط لورود الملك عليه شرط زائد وهو المساواة اعتبارا ~~بالنكاح, لأن النكاح عزة وخطرا لورود الملك على البضع فاشترط فيه شرط زائد ~~وهو إحضار الشهود وغيره, وهذا فاسد في الوضع, لما قلنا إن القوام يتعلق ~~بالطعم بخلاف النكاح فإن الحرمة في البضع أصل, لأن الحرية PageV04P1968 # تنافي الاستيلاء إذ في الاستيلاء نوع ms764 رق مناف للحرية ويتوقف على ما لا ~~يتوقف عليه غيره اعتبارا للأصل. # (لأن الطعم يقع به القوام) فكان السبيل في مثله التوسعة لا التضييق, لأن ~~البيع في الأصل ما شرع إلا للحاجة, ولهذا اختص بالمال الذي هو بذلة لحوائج ~~الناس, فصفة الطعم تكون عبارة عن أعظم أسباب الحاجة إلى ذلك المال, لأن ما ~~يتعلق به البقاء يحتاج إليه كل واحد, وذلك إنما يصلح علة لصحة العقد وتوسعة ~~الأمر فيه لا للحرمة, لأن تأثير الحاجة في الإباحة كما في إباحة الميتة عند ~~شدة الحاجة والضرورة. # وقوله: (فصلح للتحريم إلا بعارض) وهو النكاح عند وجود شرطه. # (ومثله قولهم في الجنون: أنه لما نافى الأداء نافى القضاء) يعني أن من جن ~~في وقت صلاة كامل أو في يوم واحد في الصوم أنه لا يلزمه القضاء: لأن الخطاب ~~ساقط عنه أصلا, ووجوب القضاء يبتنى على وجوب الأداء بمنزلة ما لو جن أكثر ~~من يوم وليلة في الصلاة أو استوعب الجنون الشهر في الصوم, ونحن نقول: هذا ~~فاسد وضعا, لأن الحادث بالجنون عجز عن فهم PageV04P1969 # الخطاب والائتمار بالأمر ولا أثر للجنون في إخراجه من أن يكون أهلا ~~للعبادة, لأن ذلك يبتنى على كونه أهلا لثوابها والأهلية لثواب العبادة ~~بكونه مؤمنا والجنون لا يبطل إيمانه, ولهذا يرث المجنون قريبه المسلم, فكان ~~سبب الوجوب متحققا في حصه كما في النائم والمغمى عليه, والخطاب بالأداء ~~ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب. # وذلك لا ينفي صحة الأداء فرضا بمنزلة من لم يبلغه الخطاب فإنه بتأدى منه ~~العبادة بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم يبلغه فرضية الخطاب لا ~~يكون مخاطبا بها, ومع ذلك إذا أداها كان فرضا له. # ألا ترى انه لو جن بعد الشروع في الصوم بقى صائما, فكان التعليل بسقوط ~~فعل الاداء عنه لعجزه عن فهم الخطاب على نفي سبب الوجوب في حقة أصلا فاسدا ~~وضعا مخالفا للنص, وهو قوله عليه السلام: " ((من نام عن PageV04P1970 # صلاة ...)) الحديث, ومخالفا للإجماع وهو في النائم والمغمى عليه والمسلم ~~في ms765 دار الحرب وكونه أهلا لبقاء الصوم مع الجنون. # (ولا كلام في الحدود الفاصلة) أي لا نزاع فيها فإن الحد الفاصل من العسر ~~واليسر والحرج والتخفيف ثابت بالنص والإجماع, أو معناه ليس كلامنا للتفرقة ~~بين ما يصلح للحرج وبين ما لا يصلح, بل كلامنا في أن ما ليس فيه الحرج وهو ~~القليل على الكثير بان يقال لما لم يجب قي صورة الكثير لم يجب في صورة ~~القليل. # ألا ترى أنا أسقطنا بعذر الحيض قضاء الصلوات: لأنها تبتلى بالحيض في كل ~~شهر عادة, والصلاة تلزمها في اليوم والليلة خمس مرات, فلو أوجبنا القضاء ~~تضاعف الواجب في زمان الطهر وهو حرج عظيم, ولا يسقط بالحيض قضاء الصوم, لان ~~فرضية الصوم في السنة في شهر واحد وأكثر الحيض في ذلك الشهر عشرة أيام, ~~فإيجاب قضاء عشرة أيام في أحد عشر شهرا لا يكون فيه كثير حرج, ولا يؤدي إلى ~~تضاعف الواجب في وقته. PageV04P1971 # (والبياعات تخالف التبرعات) , هذا وجوب عن قياس الشافعي فإنه يقول: ~~النقود تتعين في عقود المعاوضات, لأنها تتعين في التبرعات كالهبة والصدقة ~~فتتعين في المعاوضات بمنزلة الحنطة وسائر السلع. # قلنا: هذا التعليل فاسد وضعا, فإن التبرعات مشروعة في الأصل للإيثار ~~بالعين لا لايجاب شيء منها في الذمة, والمعاوضات لإيجاب البدل منها في ~~الذمة إبتداء. # ألا ترى أن البيع في العرف إنما يكون بثمن يجب في الذمة ابتداء فكان ~~اعتبار ما هو مشروع للإلزام في الذمة ابتداء بما هو مشروع في الأعيان لنقل ~~الملك واليد من شخص إلى شخص في حكم التعيين فاسدا في الوضع, وقوله: (هذه ~~للإيثار) أي التبرعات لإيثار المتبرع به وهو عين على المتبرع عليه, فاقتضى ~~ذلك تعين المتبرع به لا محالة. # (وهذه لالتزام الديون) أي البياعات شرعت في أصلها لالتزام الديون في ~~الذمة. PageV04P1972 # ألا ترى أن الأثمان تجب في الذمة في البياعات بدون الضرورة فإن كانت ~~الدراهم في يده حاضرة وقد اشترى السلعة مطلقا يجب ثمن السلعة في ذمته ~~بالاتفاق, ولا يتعين تلك الدراهم التي في يده الثمن. # علم ms766 بهذا أن البياعات أصلها في التزام الديون في الذمة. # (فبطلت وجوه المقاييس في ذلك جملة) أي القياس على الغضب والوديعة ~~والتبرعات والوكالة باطل لوجوه المقاييس وهى القياس الظاهر, والقياس الظاهر ~~والقياس الخفي الذي هو الإستحسان والقياس بالعلل الطردية والاخالة والعلل ~~المؤثرة, لأنه لما كان فاسدا في الوضع لا يتأتى فيه لا القياس ولا ~~الاستحسان ولا غيرهما, لأن الكل يفتقر إلى صلاح الوصف وهو لا يكون صالحا مع ~~فساد الوضع فبطل جميع وجوه القياس. # وقوله: (وفي قدر الوظيفة) أما عندنا, فلأن الاستيعاب في التيمم ليس بشرط ~~في رواية الحسن عن أبى حنيفة -رحمهما الله ... وأما عند الشافعي فلأن PageV04P1973 # التيمم إلى الرسغ. # (وفي نفس الفعل) , فإن الوضوء غسل, والتيمم مسح. # (انتقض ذلك بغسل الثوب والبدن) فإن ذلك الغسل طهارة أيضا ولم تشترط فيه النية. # (بأن الماء في هذا الباب عامل بطبعه) أي عامل للطهارة قال الله تعالى: ~~(وأنزلنا من السماء ماء طهورا) والطهور هو: الطاهر بنفسه والمطهر لغيره وهو ~~يعمل في التطهير عند الإستعمال من غير النية كالنار تعمل الإحراق من غير ~~النية. PageV04P1974 # (لأن مخرج النجاسة غير موضوف بالحدث) هذا لبيان ألا يقال: القياس غسل ~~المخرج فغسل الأعضاء الأربعة كان بخلاف القياس. # فقال: القياس غسل كل البدن بعدما ثبت الحدث في البدن على ما نبين (فوجب ~~غسل كله) كالجنابة والحيض النفاس (فلم يكن التعدي عن موضع الحدث إلا ~~قياسا). # والأصل في هذا أن الإنسان إذا اتصف بصفة وقامت تلك الصفة ببعض البدن كان ~~جميع البدن متصفا بتلك الصفة, كما يقال: فلان عالم سميع بصير وإن كان هو ~~يسمع بأذنه ويعلم بقلبه ويبصر بعينه, وجعلت تلك المجال بمنزلة الآلة والحدث ~~من هذا القبيل, فإذا خرج من موضع اتصف جميع البدن به يقال: إنه محدث. # فعلم بهذا أن تعدي الحدث من محل الحدث إلى جميع البدن لم يكن إلا بطريق ~~القياس على كونه سيعا وبصيرا وعالما على ما ذكرنا, كما أنه يقال هناك: فلان ~~عالم وإن قيام العلم بقلبه, فكذلك يقال: فلان محدث وإن ms767 كان قيام الحدث على ~~الحقيقة بمحل مخصوص, إلا أن الاختصار على الأعضاء الأربعة مع المقتضي بوجوب ~~غسل جميع البدن بخلاف القياس. PageV04P1975 # (وإنما نعني) وفي هذا نسخ بالنون وهو الظاهر، وبياء الغائب مع البناء على ~~المفعول، وإنما يعبر عن التغيير على بناء المفعول، وإنما تغير على صيغة ~~الفعل الماضي من التغير. # (بالنص الذي لا يعقل وصف محل الحدث من الطهارة إلى الخبث) أي الحدث أي ~~هذه الأعضاء كانت طاهرة فاتصافها بكونها نجسة من غير قيام النجاسة بها ~~حقيقة معنى لا يدرك بالعقل. # (والنية للفعل القائم بالماء لا للوصف القائم بالمحل) أي أن اشتراط النية ~~ليصير الماء مطهرا ويصير غسل هذه الأعضاء قربة؛ لأن الشرط عند الخصم نية ~~رفع الحدث، ورفع الحدث يحصل بفعل الماء وهو يظهر بطبعه فلا حاجة إلى النية. # (ومسح الرأس ملحق بالغسل) هذا جواب عن قول من يقول: ينبغي أن تشترط النية ~~في مسح الرأس؛ لأنه لا يعقل الرأس مطهرا فصار كمسح التيمم في استدعائه ~~النية. PageV04P1976 # فأجاب عنه بقوله: إنه ملحق بالغسل لإقامته بالماء كما في الغسل، وبهذا ~~خرج الجواب عن شبهة ترد على هذا القول وهي: أن التيمم قائم مقام الوضوء ~~ينبغي على هذا أن لا تشترط النية في التيمم كما لا تشترط في حق الوضوء الذي ~~كان التيمم نائبا عنه. قلنا: لتيمم وإن كان نائبا عن الوضوء لكن هويقام ~~بالتراب لا بالماء، والتراب في أصله غير موضوع للتطهير، بل للتلويث، فمع ~~نية التطهير كان قائما مقامه لا عند عرائه عن النية. # (ولا يجوز أن تشترط) أي النية (لتصير قربة) أي لا يجوز أن يكون الاختلاف ~~لهذا؛ لأن النية ليصير التيمم قربة شرط بالإجماع ولا نزاع في هذا، ولكن ~~النزاع أن الصلاة هل تفتر إلى كون الوضوء قربة؟ # (فكانت حجة في موضع الضرورة) كما في البكارة والعيوب في الموضع الذي لا ~~يطلع عليه الرجال. PageV04P1977 # (وما يبتذل في العادة) كالماليات (إلا أن فيها ضرب شبهة) باعتبار نقصان ~~عقل النساء لتوهم الضلال والنسيان بكثرة غفلتهن؛ ولهذا ضمت إحدى المرأتين ms768 ~~إلى الأخرى لتكونا كرجل واحد في الشهادة أو فيها شبهة الدلية. # (فكان فوق ما يسقط بالشبهات) يعني أن النكاح مندو مسنون فيحتاط في ~~إثباته، ولهذا يثبت مع الهزل والكره من غير الرضا فكان فوق ما يسقط ~~بالشبهات وهو الحد. # ألا ترى أن الشاهد إذا رجع بعد القضاء قبل الإمضاء لا يحد ويسقط الحد وفي ~~النكاح لا يبطل النكاح، وكذلك النكاح لا يفسد بالشروط بل يبطل الشروط، وذلك ~~كله دليل على أن النكاح أسرع ثبوتا من المال، فلما ثبت المال بشهادة النساء ~~مع الرجال فلأن يثبت بها النكاح أولى، وفي بعض النسخ: "فكان فوق ما لا يسقط ~~بالشبهات" أراد به الأموال، فإن حقوق العباد في الأموال لا تسقط بالشبهات. PageV04P1978 ### || AUTO باب وجوه الانتقال # (الأول الانتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الأولى) # كان شيخي- رحمه الله- يقول: نظير هذا من القرآن قوله تعالى: (ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يامركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون) حيث علل النهي عن اتباع خطوات الشيطان بأنه ~~لكم عدو مبين وأثبت حكمة النهي به، ثم علل عداوته للمخاطبين بقوله: (إنما ~~يامركم بالسوء والفحشاء) وكان يقول بالفارسية: همجنان كه در مستنبطات علت ~~هست وعلت علت هست در منصوصات نيز علت هست وعلت علت هست. # بعد أز آن آيت را هم مي خواند PageV04P1979 # كه قوله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) حيث علل استواء السر والجهر عنده في أنه ~~معلوم له بقوله: (إنه عليم بذات الصدور) ثم علل علمه بذات الصدور بقوله: ~~(ألا يعلم من خلق) يعني: سرا را مي داند وجهرا را مي راند. بعدأزآن آنرا ~~تعليل كرد بر اين كه او نداند آن خداي كه انرا أفريده است، وشرط أفريدن ~~دانستن است. # وهذه الآية أيضا رد على المعتزلة في قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة لهم ~~وهم لا يعلمون كيفية أفعالهم وكميتها في الحسن والقبح، وقدر ما يقطع من ~~الزمان ms769 في تحصيل ذلك الفعل، فكيف يكونون خالقين لأفعالهم وشرط الخلق غير ~~موجود؟ PageV04P1980 # وذكر في الكتاب نظير ما ذكره في (الصبي المودع إذا استهلك الوديعة لم ~~يضمن) إلى آخره. # وذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- فقال: وكذلك إذا علل بقياس فقال ~~خصمه: القياس عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة بقول الصحابي، ~~فيقولخصمه: قول الواحد من الصحابي عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة ~~بخبر الواحد، فيقول خصمه: خبر الواحد عندي ليس بحجة، فيحتج بالكتاب على أن ~~خبر الواحد حجة، فإنه يكون طريقا مستقيما ويكون هذا كله سعيا في إثبات ما ~~رام إثباته في الابتداء. # (وكذلك إذا ادعى حكما بوصف)، وهذا نظير الوجه الثاني. # (كالإجازة والبيع) فجواز الصرف إلى الكفارة بعد الإجازة ظاهر فإنه على ~~ملك المؤاجر بعد عقد الإجارة، وأما بعد البيع فالمراد منه أن البيع لا PageV04P1981 # يخرج العبد المبيع عن محلية الكفارة، فإن المتبايعين إذا تقايلا فللبائع ~~أن يكفر عن كفارته أو باع بشرط الخيار للبائع. # (فإن قال: عندي لا يمنع هذا العقد) أي لو قال الخصم: عندي عقد الكتابة لا ~~يخرج الرقبة من الصلاحية للكفارة ولكن نقصان الرق الذي حصل من عقد الكتابة ~~هو يخرج الرقبة من ذلك # فنقول: بهذه العلة يجب ألا يتمكن نقصان في الرق؛ لأن ما يمكن نقصانا في ~~الرق لا يكون فيه احتمال الفسخ كالتدبير، فهذا إثبات الحكم الثاني بالعلة ~~الأولى أيضا وهو نهاية في الحذافة. # وكذلك إن تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى فأراد إثباته بعلة أخرى ~~وهذا هو الوجه الثالث وهذا صحيح أيضا؛ لأنه ما ضمن بتعليله إثبات جميع ~~الأحكام بالعلة الأولى، وإنما ضمن إثبات الحكم الذي زعم أن خصمه ينازعه فيه ~~فإذا أظهر الخصم الموافقة فيه واحتاج إلى إثبات حكم آخر يكون له أن يثبت ~~ذلك بعلة أخرى ولا يكون هذا انقطاعا منه. PageV04P1982 # وحاصله أنه إذا لم يتعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى كما في الوجه ~~الثاني أو تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى وانتقل إلى العلة الأخرى ~~كما في الوجه الثالث فإنه ms770 لا يكون انقطاعا. # فكان قوله: (وإذا علل بوصف آخر) نظير الوجه الثالث يعني وإذا علل بوصف ~~آخر لحكم آخر أي للحكم الثاني الذي أثبت ذلك الحكم في الوجه الثاني بالوصف ~~الأول علل ذلك الحكم الثاني بالوصف الآخر غير الوصف الأول حين تعذر إثبات ~~الحكم الثاني بالوصف الأول. # نحو أن يقول: يجب ألا يتمكن نقصان في الرق بعقد الكتابة؛ لأنا أجمعنا أن ~~بعقد الكتابة عدم ثبوت العتق فلا يثبت من ضرورة ذلك نقصان في الرق؛ لأن ~~الرق وصف غير متجز، فلو قلنا بنقصان الرق يلزم تجزيه وهو ليس بثابت ~~بالإجماع، فأثبت عدم تمكن النقصان في الرق بوصف آخر حين تعذر إثباته بالوصف ~~الأول وهو قوله: إن الكتابة عقد محتمل الفسخ بالإقالة إلى آخره. إلى هذا ~~أشار الإمام المحقق شمس الأئمة رحمه الله. PageV04P1983 # وقال الإمام مولانا حميد الدين- رحمه الله نظير القسم الثالث من الانتقال ~~بقولهم: ركن في الوضوء فيسن تثليثه كل واحد من الوصف والحكم فانتقل فقال: ~~فرض في الوضوء فيسن تكراره فانتقل من العلة الأولى وهي الركن إلى العلة ~~الثانية وهي الفرض، وانتقل من الحكم الأول وهو يسن تتليثه إلى حكم آخر وهو ~~يسن تكراره. # ولكن في هذا ضرب غفلة؛ حيث لم يعلل على وجه لا يحتاج إلى الانتقال، لكن ~~النظير الذي ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- الأمتن والأقوى يعرف ذلك ~~بالتأمل. # ثم ذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هنا وجوه الانتقال وهي أربعة: # أحدها: السكوت وهو اظهرها كما كان للعين عند إظهار الخليل صلوات الله ~~عليه. PageV04P1984 # والثاني: جحد ما يعلم ضرورة بطريق المشاهدة. # والثالث: المنع بعد التسليم. # والرابع: الانتقال إلى علة أخرى بإثبات الحكم الأول، والله أعلم. PageV04P1985 ### || AUTO باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط # ذكر في الكتاب مناسبة إلحاق هذا الباب بما قبله بقوله: (فألحقناها بهذا ~~الباب ليكون وسيلة إليه بعد إحكام طرق التعليل)، ولكن هذه المناسبة التي ~~ذكرها تقتضي أن يقدم هذا الباب على باب القياس؛ لان الوسيلة مقدمة على ~~المقصود، وقد ذكرنا جوابه وما يلحق به في الوافي. PageV04P1986 # ثم اعلم: أن ms771 المراد من حق الله تعالى هو ما كانت منفعته عامة، ومن حق ~~العباد ما كانت منفعته خاصة. هكذا نقل عن الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين ~~الكردي رحمه الله. # وقوله: (وعقوبات) سميت العقوبة عقوبة؛ لأنها تعقب الجنايات. PageV04P1987 # (وهي ثلاثة أنواع): أي العبادات ثلاثة أنواع. # (فانقلب) أي الإقرار انقلب (ركنا في أحكام الدنيا والآخرة). # أما في أحكام الدنيا فظاهر وهو إنما نحكم بكونه مؤمنا عند الناس ويعامل ~~به معاملة المؤمنين في الدنيا إذا أقر بإيمانه. # وأما في أحكام الآخرة فقد ذكر في هذا الكتاب في باب بيان صفة الحسن ~~للمأمور به: فمن صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنا أي عند ~~الله تعالى أيضا وهو مذهب الفقهاء، ومن لم يصادف وقتا يتمكن فيه من البيان ~~وكان مختارا في التصديق كان مؤمنا أي بالإجماع أن يحقق ذلك، PageV04P1988 # وإنما كان هكذا لأن المصدق بالقلب عن اختيار يقر بلسانه لا محالة، فإذا ~~لم يقر لم يكن مؤمنا عند الفقهاء على ما ذكرنا هناك. # (وهو أصل في أحكام الدنيا أيضا) أي الإقرار بالإيمان أصل الأحكام في ~~الدنيا مع كونه دليلا على الإيمان، ثم استدل على ركنيته بقوله: (حتى إذا ~~أكره الكافر على الإيمان فآمن صح إيمانه) مع علمنا ظاهرا بأنه لا تصديق في PageV04P1989 # قلبه؛ لأن من آمن لقيام السيف على قفاه. كان هو دليلا على عدم التصديق في ~~قلبه، ومع ذلك حكم بإيمانه؛ لوجود أحد الركنين وهو الإقرار؛ لأن "الإسلام ~~يعلو ولا يعلى" فلذلك جعلناه أصلا في هذا، وكذلك هذه التفرقة بين الإيمان ~~والردة في حق السكران فإن إيمانه يصح وردته لا تصح؛ لما قلنا بأن "الإسلام ~~يعلو ولا يعلى"، ولأن فيه سعيا في جعله مؤمنا تكثيرا لسواد المسلمين، فإنه ~~يمنع بعد ذلك عن الكفر قهرا وجبرا، فربما يحمله ذلك على الإيمان بطريق ~~الإخلاص، وفي الردة بقي على الأصل لهذين المعنيين لما أن الأداء في الردة ~~دليل محض ليس بركن بدليل وجود الردة بدون أداء لفظ PageV04P1990 # الردة، ولأن في جعلنا مسلما بمجرد إقراره ms772 طوعا أو كرها حكمة أيضا وهي رد ~~طعن الكفار؛ لئلا يقولوا إنهم يقبلون من شاؤوا ولا يقبلون من شاؤوا، ومن ~~كان لهم فيه نفع يقبلون وإلا لا يقبلون. # (وهي عماد الدين) ما خلت عنها الشريعة المسلمين، وهي تشمل الخدمة بظاهر ~~الإنسان بالأفعال الدالة على التواضع والانقياد مع النظافة من جميع ما يتصل ~~به وباطنه من النية والإخلاص والخضوع، فلذلك كانت هي اقوى من سائر ~~العبادات. # (والأولى صارت بواسطة القبلة التي هي جماد، وهذه صارت قربة بواسطة الفقير ~~الذي له ضرب استحقاق في المصرف)، ولما كانت واسطة الصلاة جمادا كانت تلك ~~الواسطة كأنها ليست بواسطة أصلا؛ لأن وجود الشيء الذي لا اختيار له غير ~~معتبر في كونه واسطة. # ألا ترى أن من حل قيد عبد فأبق لا يضمن الحال، ولو حل فم زق دهن PageV04P1991 # فسال يضمن؛ لأن إباق العبد لما كان باختياره طع فعل الحال لوجود الواسطة ~~المعتبرة بين حل الحال وبين هلاك العبد بالإباق، ولم يعتبر سيلات الدهن ~~واسطة؛ لعدم اختياره فبقي التلف مضافا إلى من حل فم الزق، فلما كانت ~~الواسطة في الصلاة أقل كانت هي أقرب إلى الإيمان من غيرها. # (ثم الصوم قربة يتعلق بنعمة البدن) يعني أن الصوم يجب على العبد بطريق ~~الرياضة للنفس؛ ليكون أصلح لعبادة الخالق كرياضة المركب ليصلح لركوب ~~السلطان فكان (ملحقا بالصلاة)؛ لأن العدو إذا قهر يصير منقادا فيعبد الله ~~تعالى على قطع العلائق وهي الشهوات المركبة فيه، فكان دون الصلاة؛ لأن كف ~~النفس الشهوية عن مقتضياتها وهي شهوة البطن والفرج موجود في الصلاة وزيادة، ~~وفي الصوم لا يوجد إلا هذا فكان دون الصلاة وملحقاتها. # (وهي دون الواسطتين الأوليين) أي النفس أدون وأحقر من الكعبة والفقير ~~فإنهما معظمان، فكانت العبادة التي كانت واسطتها أدون من تينك الواسطتين ~~أدون من تينك العبادتين؛ لما أحن حسن هذه العبادات بسبب هذه الوسائط، فلذلك ~~أثر انحطاط رتبة الواسطة وعظمتها في انحطاط هذه العبادات وعظمتها. # أو لأن الواسطة في الصلاة والزكاة غير العابد وهي خارجة عنه، والنفس PageV04P1992 # ليست ms773 بخارجة عن العابد، بل هي نفس العابد والشيء لا يكون واسطة لنفسه، ~~فعلى هذا ينبغي أن يكون الصوم أفضل من الصلاة والزكاة، لكنه لما كان ~~للرياضة على ما قلنا كان وسيلة لتكون النفس منقادة لسائر العبادات فكان ~~بمنزلة التبع للصلاة والزكاة، وكل واحدة منهما أصل بنفسها؛ فلذلك كانت ~~الصلاة والزكاة أقوى من الصوم (حتى صارت من جنس الجهاد) أي حتى صارت قربة ~~الصوم من جنس الجهاد؛ لأن الصوم قهر النفس وهي عدو الله فكان قهره من جنس ~~الجهاد. يؤيده قوله عليه السلام: "الجهاد جهادات، أحدهما أفضل من الآخر، ~~وهو أن تجاهد نفسك وهواك". # وقوله: "حتى صارت من جنس الجهاد" متصل بقوله: "لا يصير قربة إلا بواسطة ~~النفس"؛ لأن كونه قربة لما كان بواسطة النفس وهي أمارة بالسوء كان قهرها جهادا. # (فكانت دون الصوم) أي عبادة الحج دون عبادة الصوم؛ لأن الصوم معقول حسنه؛ ~~لأنه قهر عدو الله وهو مما يدرك العقل حسنه. # أما أفعال الحج فمما لا يدرك بالعقل حسنها، فكان ذلك دون الصوم من PageV04P1993 # هذا الوجه. (كأنها وسيلة إليه) أي إلى الصوم؛ لأ الصوم هو: الامتناع عن ~~الشهوات، والحج لا يحصل غالبا إلا بهجر الأوطان للنفس ولا يجد الحاج أيضا ~~ما يقضي به شهواته فيضعفه وينكسر به شهوته فكان حينئذ أقدر على قهر النفس ~~الذي هو صوم، فلذلك كان الحج بمنزلة الوسيلة إليه. # (والعمرة سنة واجبة) أي مؤكدة. # بدليل ما ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- بقوله: فالعمرة سنة قوية (تابعة ~~للحج) كسنن الصلاة؛ لأن العمرة بعض أفعال الحج لا كلها فلم تكن مثل الحج بل ~~تكون تبعا. # (ثم الجهاد شرع لإعلاء الدين فرض في الأصل) هذا يقتضي كونه من فروض ~~الأعيان؛ لأن إعلاء الدين فرض على كل مسلم، وإنما قلنا إنه شرع PageV04P1994 # لإعلاء الدين؛ لأن الجهاد في الحقيقة تعذيب عباد الله وتخريب بلاد الله ~~وهو ليس بحسن في نفسه، وإنما حسنت شرعيته لكونه متضمنا لإعلاء كلمة الله ~~فلذلك كان من الفروض. # (لكن الواسطة هاهنا هي المقصودة) يعني أن كفر الكافر هو ms774 المقصود ~~بالإعدام؛ لأن فرضية الجهاد لكفر الكافر فإذا حصل هذا المقصود وهو الإعدام ~~يسقط عمن لم يجاهد، (فلذلك صار من فروض الكفاية). # ألا ترى أن الجهاد عند النفير العام صار من فروض الأعيان باعتبار الأصل. # (والاعتكاف شرع لإدامة الصلاة على مقدار الإمكان) يعني أن العزيمة PageV04P1995 # أن يشغل العبد مره بالعبادة وهي الصلاة؛ لأنها أشرف العبادات، وإنما قلنا ~~إن العزيمة ذلك لتواتر النعم عليه كل ساعة وهي شرعت شكرا للنعمة، إلا أن ~~الله تعالى تفضل على عباده بإسقاطها في غير أوقاتها، وفي شرعية الاعتكاف ~~أخذ بالعزيمة وهو إدامة الصلاة إما حقيقة بالاشتغال بالصلاة أو حكما؛ لأن ~~المنتظر لللاه في الصلاة، وهومعنى قوله: "شرع لإدامة الصلاة على مقدار ~~الإمكان" أي على قدرالوسع، فلذلك صح النذر به وإن لم يكن حسنه فرضا عليه؛ ~~لأن النذر بالاعتكاف نذر بالصلاة معنى؛ لأن التابع يعطى له حكم الأصل، ~~(ولذلك اختص بالمساجد) وهذا يقرر ما ذكر من إدامة الصلاة؛ لأن المساجد هي ~~المعدة لإقامة الصلاة. # (التي فيها معنى المؤنة صدقة الفطر)، وإنما لنا: أن فيها معنى المؤنة؛ ~~لأنها تجب على الإنسان بسبب الغير، فاسم صدقة الفطر ينبئ عن كونها عبادة ~~كصدقة التطوع فإنها عبادة بلا شبهة، وكذلك اشتراط النصاب مقدرا بنصاب ~~الزكاة يدل على كونها عبادة، وكذلك مصرفها أيضا وهو الفقير يدل على كونها ~~عبادة، فلذلك جعل معنى العبادة فيها أصلا، إلا أن فيها معنى المؤنة لما ~~ذكرنا، فلذلك تجب على الصبي والمجنون الغنيين في مالها كالنفقة تجب PageV04P1996 # في مالهما، وكذلك تجب عليهما نفقة ذي رحم محرم منها. # (والمؤنة التي فيها معنى القربة هي العشر)، وإنما جعل المؤنة أصلا؛ لأن ~~سببه الأرض النامية والأرض هي الأصل في السبب فكانت المؤنة أصلا في العشر ~~وقربة باعتبار الخارج من الأرض فتعلقه بالخارج كتعلق الزكاة بالنامي فلهذا ~~يشبه الزكاة فلذلك كانت القربة فيه تبعا. # (والخراج مؤنة فيها معنى العقوبة؛ لأن سببه الاشتغال بالزراعة) وهي عمارة ~~الدنيا والإعراض عن الجهاد وهو عادة الكفار، ولذلك استحق به الذل على ما ~~قال عليه ms775 السلام حين رأى آلات الحراثة في دار قوم: "ما دخل هذا في دار قوم ~~إلا وقد ذل أهلها". # وقال عليه السلام: "إذا تبايعتم العين واتبعتم أذناب البقر فقد ذللتم ~~وظفر بكم العدو". فكان وجوب الخراج باعتبار الوصف عقوبة (لحفظ الأرض ~~وإنزالها) يعني أن الخراج وجب ليحمي الإمام الأرض والإنزال وهما سواء PageV04P1997 # في هذا المعنى. # (فلذلك لا يبتدأ) وضع الخراج (على المسلم) لما فيه من معنى الذل ~~والعقوبة، (ويجوز بقاؤه على المسلم) بأن أسلم الكافر أو اشترى أرض الخراج ~~مسلم؛ لأن المؤنة فيه أصل والعقوبة باعتبار الوصف وهو الإعراض عن الجهاد ~~بسبب الاشتغال بالزراعة. # والمسلم ليس من أهل العقوبة ابتداء ولكن من أهلها بقاء كما في الحدود، ~~فلذلك لم يجب الخراج على المسلم ابتداء ولم يبطل بقاء، (فلكونه مترددا ~~بينهما لم يبتدأ) على المسلم (بالشك ولم يبطل أيضا بالشك) بقاء لما ذكرنا ~~أن الإسلام لا ينافي صفة العقوبة بقاء بخلاف العشر إذا اشترى الكافر أرضا ~~عشرية لا يبقى عليه؛ لأن الكفر ينافي القربة ابتداء وبقاء من كل وجه أي لا ~~يجامعه القربة بوجه من الوجوه، وهو الجواب عن قول محمد- رحمه الله. # (وقال أبو يوسف: يجب تضعيفه)؛ لأن في العشر معنى القربة فلم PageV04P1998 # يمكن إبقاؤه على الكافر فأحتجنا إلى التغيير، فالتضعيف أولى؛ لأن الشرع ~~ورد به والتغيير ثبت بالضرورة وهو في التضعيف أقل من جعله خراجا؛ لأن في ~~الخراج تغيير الأصل والوصف، وفي التضعيف تغيير الوصف دون الأصل، فلذلك كان ~~التضعيف أولى من الخراج، ولكنا نقول: إن تضعيف العشر على الكافر ثبت بخلاف ~~القياس بإجماع الصحابة- رضون الله عليهم- وهو أن عمر- رضي الله عنه- وضع ~~على نصارى بني تغلب وهم كانوا ذوي شوكة، وقيل: إنهم كانوا أربعين ألفا ~~وكانوا قريبا من الروم، فقالوا: نحن نستنكف الجزية وفيها الدنية فتعطي ضعف ~~ما يعطي المسلمون، فصالحهم عمر- رضي الله عنه- على ذلك لمصلحة رآها وسائر ~~الكفار لا يساويهم؛ لأن الجزية تؤخذ من سائر الكفار دونهم بالإجماع، فلذلك ~~لم يجز القول بتضعيف العشر على الكافر من غير بني تغلب إذا ms776 اشترى أرضا ~~عشرية، وهذا جواب عن قول أبي يوسف- رحمه الله. PageV04P1999 # (وعن محمد- رحمه الله- روايتان في صرف العشر الباقي) أي الباقي على ~~الكافر بعد شرائه الأرض العشرية، وإنما قال: "الباقي" لأنه لا يبتدأ به على ~~الكافر فيكون عليه بقاء لا ابتداء وهو قول محمد- رحمه الله- وقوله: ~~"روايتان" أي في مصرف هذا العشر إحداهما يصرف إلى المقاتلة كالخراج لاعتبار ~~معنى المؤنة الخالصة، وفي الأخرى يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه لما بقي ~~باعتبار معنى المؤنة يبقى على ما كان مصروفا إلى من كان مصروفا إليه قبل ~~هذا كالخراج في حق المسلم. # (فلا يصار إليه مع إمكان الأصل) أي إلى تضعيف العشر وهو خلف عن الخراج مع ~~إمكان الأصل وهو الخراج؛ إذ المصير إلى الخلف عند العجز عن الأصل وهو موجود ~~في نصارى بني تغلب غير موجود في غيرهم فلذلك انقلب خراجا. # (وأما الحق القائم بنفسه فخمس الغنائم) ومعنى القيام بنفسه فيه هو PageV04P2000 # أنه لم يوضع له سبب مقصود في وجوبه، والغنائم وان أصيبت بسبب الجهاد لكن ~~الجهاد غير مشروع قصدا لإصابة الغنائم، بل شرعيته مقصودا لإعلاء كلمة الله ~~تعالى وتثبت الغنيمة في ضمن إعلاء كلمة الله تعالى، فكانت هي خالصة لله ~~تعالى بلا سبب في الحقيقة، وإليه وقعت الاشارة في قوله تعالى: (قل الأنفال ~~لله)، فلذلك كانت هي حقا قائما بنفسه بخلاف الصلاة والزكاة وغيرهما من ~~المشروعات، فان لها أسبابا موضوعة قصدا. # ثم الانفال كلها وإن كانت خالصة لله تعالى أعطى الله تعالى أربعة الأخماس ~~للغانمين منة منه وفضلا، واستبقى الخمس لنفسه بين من ذكر في القرآن فتولى ~~السلطان اخذه وقسمته. # (فلم يكن حقا لزمنا أداؤه له) أي فلم يكن الخمس. PageV04P2001 # والدليل على أنه لا يجب على العبد أداؤه طاعة (جواز صرفه إلى الغانمين ~~الذين استحقوا أربعة الأخماس) عند حاجتهم، ويجوز وضع خمس المعدن في الواجد ~~مع أنه استحق أربعة الأخماس (بخلاف الزكوات والصدقات فإنها لا ترد إلى ~~ملاكها بعد الأخد منهم) وإن كانوا محتاجين. # ) لأنه على ما قلنا من التحقيق لم يصر من الأوساخ) ms777 يعني أن الخمس لما لم ~~يجب على العبد أداؤه طاعة لم يصر من الأوساخ. ألا ترى أن الزكاة لما وجبت ~~على العبد صارت من الأوساخ، ونعني بالأوساخ سراية الذنوب إليها كسرايتها ~~إلى الماء الذي استعمل في البدن على وجه القربة لم يحل شربه، فكذلك مال ~~الزكاة لم يحل لبني هاشم لهذا المعنى لفضيلتهم، أما الخمس لما لم يكن بهذه ~~المثابة لم يكن وسخا فحل لبني هاشم. # (فكانت أولى بالكرامة). يعني أن سبب استحقاق الخمس عندنا النصرة لا ~~القرابة، وعبادة كالمطيع يستحق الكرامة بوعد الله تعالى فكان استحقاق الخمس ~~بالنصرة أولى من استحقاقه بالقرابة، والمراد بالنصرة هنا PageV04P2002 # اجتماعهم مع رسول الله عليه السلام حين هجره الناس ودخولهم معه في الشعب، ~~وإلى هذا أشار النبي عليه السلام بقوله: "لن تزالوا معي وشبك بين أصابعه". ~~ولذلك يصرف إلى نسائهم ورجالهم لوجود هذه النصرة منهم جميعا. # (ولأنها) أي ولأن النصرة (تخالف جنس القرابة فلم تصلح وصفا لها) كما قلنا ~~في باب الترجيح: إذا ماتت المرأة وتركت ابني عم أحدهما زوجها لا يترجح ~~الزوج بالزوجية على الآخر في التعصيب؛ لأن الزوجية تخالف قرابة العمومة فلا ~~تصلح وصفا مرجحا بخلاف ابن الأخ لأب وأم فإنه أحق بالتعصيب من ابن الأخ ~~لأب؛ فإن الإخوة لأم من جنس الإخوة لأب من حيث الأخوة وإن لم توجب العصوبة، ~~فلذلك صلحت مرجحة للأخوة في التعصيب، ولأن الزوجية علة الإرث بانفرادها فلا ~~تصلح مرجحة لما قلنا: إن ما يصلح علة لا يصلح مرجحا. # (في أن الغنيمة تملك عند تمام الجهاد حكما)، وهذا بناء على ما ذكرنا أن ~~الغنيمة كلها لله تعالى بناء على أن الجهاد حق الله تعالى خالصا، وهي PageV04P2003 # أصيبت بالجهاد فكانت له، فتملك عند تمام الجهاد، والجهاد إنما يتم حكما ~~بالإحراز بدار الإسلام؛ لأنه حينئذ يتم قهر الأعداء؛ لأن المسلمين ماداموا ~~في دارر الحرب يحتمل غلبة الكفار إياهم فلم يتم الجهاد حكما، فلو كانت ~~الغنيمة كسائر حقوقنا لتم بأخذنا؛ لأنه استيلاء على ماهو المباح كالصيد ~~وغيره، وحيث لم تصر ms778 لنا بالأخذ قصدا علم أنها ليست لنا كسائر الحقوق. # (ويبتنى عليه مسائل لا تحصى) فمنها: أن المدد إذا لحق الغزاة في دار ~~الحرب شاركوهم لما أن الغزاة لم يملكوها. # ومنها: أن قسمة الإمام الغنيمة في دار الحرب لا تجوز. # ومنها: أن من مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة، ومن ~~مات منهم بعد إخراجها إلى دار السلام فنصيبه لورثته. # (وأما العقوبات الكاملة فمثل الحدود) فإنها شرعت زواجر عن PageV04P2004 # ارتكاب أسبابها المحظورة حقا لله تعالى خالصا نحو جد الشرب والزنا ~~والسرقة. # (وأما القاصرة فنسميها أجزية) مثل حرمان الميراث بالقتل. # وتسميتها أجزية؛ لأنها تثبت جزاء لفعله إلا أن الجزاء في وضعه لا يدل على ~~كونه عقوبة؛ لأنه أعم من العقوبة، فالعقوبة ام لما يعقب الجناية من الجزاء ~~فكان سببها الجناية فقط، والجزاء يتناولها وغيرها فلأجل قصوره سميناه ~~أجزية، (ولذلك لا يثبت في حق الصبي) والمجنون عندنا أصلا؛ لأنها عقوبة. # وأهلية العقوبة لا تسبق الخطاب (بخلاف الخاطئ) إذا كان عاقلا بالغا حيث ~~يثبت في حقه الحرمان؛ لأنه مخاطب في نفسه ولكنه بسبب الخطأ عذر PageV04P2005 # مع نوع تقصير في التحرز؛ لأنه لم يثبت ولم يتأن فناسب أن يلزمة الجزاء ~~القاصر بسبب الجناية القاصرة، فالجزاء باعتبار ترك التاني، والقصور باعتبار ~~عدم قصده فلم يجب القصاص؛ لأن ذلك جزاء كال فيقضي جناية كاملة، (والصبي لا ~~يوصف بالتقصير الكامل والناقص) فلا يثبت في حقه ما يكون عقوبة قاصرة أو كاملة. # (لأنه جزاء المباشرة) أي لأن حرمان الميراث إنما يثبت بطريق الجزاء ~~لمباشرة القتل، والموجود من حافر البئر وأمثاله تسيب لا مباشرة. # (والحقوق الدائرة) أي الدائرة بين العبادة والعقوبة وهي الكفارات؛ لأنها ~~ما وجبت إلا جزاء على أسباب توجد من العباد، فسميت كفارة باعتبار أنها ~~ستارة للذنب فمن هذا الوجه عقوبة، فإن العقوبة هي التي تعقب الذنب جزاء على ~~ارتكاب المحظور. PageV04P2006 # (فيها معنى العبادة في الأداء)؛ لأن الصوم والإعتاق والإطعام عبادات. # ولم تجب مبتدأة حيث لم تجب على الإنسان من غير سابقة اليمين مع ms779 الحنث في ~~كفارة اليمين وكذلك في غيرها. # (وجهة العبادة فيها غالبة)؛ لأن كون سببها مترددا بين كونه محظورا ومباحا ~~وهو اليمين مع الحنث إذ القتل أوجب كون حكمه مترددا بين كونه عبادة وعقوبة، ~~فلما استوى كل واحد من السبب والحكم في التردد أوجب أداء موجبها بالعبادة ~~المحضة من الصوم وغيره رجحان جانب العبادة. # وكذلك وجوبها على الخاطئ والمكره دليل على كونها عبادة، وكذلك وجوبها ~~بطريق الفتوى مفوضا أداؤها إلى من وجبت عليه من غير أن تقام عليه كرها ومن ~~غير أن يفوض استيفاؤها إلى الأئمة على كونها عبادة؛ لما أن الشرع ما فوض ~~إقامة شيء من العقوبات إلى المرء على نفسه. # وكذلك وجوبها على حانث لم يأثم في حنثها دليل على رجحان جانب العبادة، ~~وذلك مثل من حلف لا يكلم هذا الكافر فأسلم ذلك الكافر فكلمه تجب الكفارة من ~~غير أن توجد منه جناية؛ لأن الواجب عليه في هذه الحالة أن يكلمه؛ إذ هجران ~~المؤمن غير مشرروع، وكذلك عدم التدخل في الكفارة دليل على رجحان جانب ~~العبادة. PageV04P2007 # وقوله: (عندنا) احتراز عن قول الشافعي، فإن جانب العبادة عنده لم يترجح ~~حتى أوجب في القتل العمد واليمين الغموس، فلما ترجح جانب العبادة فيهما ~~عندنا (راعينا فيها صفة الفعل) من كون ذلك الفعل له مباحا من وجه ومحظورا ~~من وجه (فلم نوجب على القاتل عمدا وصاحب الغموس)؛ لأنهما لا يصلحان سببا ~~لهذا الجزاء؛ لأن فعلهما كبيرة محضة. # (وقلنا: لا يجب على المسبب الذي قلنا) أي من الحافز وغيره؛ لأن كفارة ~~القتل واجبة على القاتل الذي حصل قتله منه مع وصف الإباحة، وهؤلاء مسببون ~~لا قاتلون (والشافعي- رحمه الله- جعلها ضمان المتلف) في الأصل (وذلك غلط)؛ ~~لأن ضمان المتلف في الأصل إنما يجب بطريق الجبران، وذلك لا يتحقق فيما يخلص ~~لله تعالى؛ لأن الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه الخسران حتى تقع الحاجة إلى ~~الجبران (بخلاف الدية)، فإنها بدل PageV04P2008 # عن المحل وهي حق العبد وضمان المتلف بالإجماع، فلذلك وجبت على المسبب ~~والصبي. # (وكذلك الكفارات كلها) بعني ms780 جهة العبادة راجحة في جميع الكفارات أي ما ~~ذكرنا من التقرير في كفارة اليمين والقتل متحقق في غيرها من الكفارات، ~~ولهذا لا تجب على الكافر. هذا لإيضاح أن في الكفارة جهة العبادة راجحة، لأن ~~الكافر ليس بأهل لشيء فيه معنى العبادة. # وقوله: (ما خلا كفارة الفطر) متصل بقوله: "وجهة العبادة فيها غالبة" فإن ~~في كفارة الفطر جهة العقوبة غالبة؛ لأن سببها في الحقيقة لا يتردد بين ~~الحظر والإباحة بل جناية محضة في حق الله تعالى وهو الإفطار الكامل في ~~جنايته، لكن الصوم لما لم يكن مسلما بتمامه إلى الله تعالى كان فيه ضرب من ~~القصور، فبالنظر إلى هذا كانت الجناية قاصرة واحتمل الفطر شبهة الإباحة، ~~فقلنا: تجب عقوبة، وتؤدى عبارة اعتبارا لتلك الجهة. # وقوله: (حتى تسقط بالشبهة) متصل بقوله: "فإنها عقوبة" (وقلنا: تسقط ~~باعتراض الحيض والمرض) يعني أن المرأة إذا أصبحت صائمة في رمضان ثم أكلت أو ~~شربت عمدا فوجبت عليها الكفارة، ثم حاضت في ذلك اليوم تسقط عنها ما وجب ~~عليها من الكفارة، وكذلك المرض في حق الرجل والمرأة. PageV04P2009 # (وتسقط بالسفر الحادث إذا اعترض الفطر على السفر) وإنما فيد باعتراض ~~الفطر على السفر احترازا عما لو اعترض الفطر على المقيم ثم سافر في ذلك ~~اليوم، حيث لا تسقط عنه الكفارة بخلاف الحيض والمرض على ما يجئ في العوارض ~~إن شاء الله تعالى. # (وتسقط بشبهة القضاء) أي قضاء القاضي يعني إن رأى هلال رمضان وحده فشهد ~~عند القاضي فرد القاضي شهادته فإنه يجب عليه صوم ذلك اليوم بالإجماع؛ لأنه ~~متيقن في رؤية هلال رمضان، ومع ذلك لو أفطر متعمدا لا تجب عليه الكفارة ~~لشبهة قضاء القاضي بأن هذا اليوم من شعبان. # وقوله: (وظاهر السنة) أراد به قوله عليه السلام: "صومكم يوم تصومون". PageV04P2010 # وكذلك قال أبو حنيفة- رحمه الله-: إذا نوى الصوم من النهار ثم أفطر لا ~~كفارة عليه. لظاهر قوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم ينو الصيام من ~~الليل". # (لشبهة في الرؤية) يعني يحتمل أنه أخطأ في رؤية الهلال صار ms781 ذلك الاحتمال ~~شبهة في حق وجوب الصوم عليه قطعا، فلم تجب الكفارة بالأكل في ذلك اليوم ~~متعمدا لذلك. # (فإنه ألحقها بسائر الكفارات) أي كما أن سائر الكفارات وهي كفارة اليمين ~~والظهار والقتل الخطأ لا تسقط بالشبهة اعتبارا لرجحان جانب العبادة، فكذلك ~~كفارة الفطر، إلا أنا أثبتنا ما قلنا أي أن جهة العقوبة راجحة في كفارة ~~الفطر (استدلالا بقول النبي عليه السلام: "من أفطر في رمضان متعمدا فعليه ~~ما على المظاهر"). PageV04P2011 # واستدلالا أيضا بخير الأعرابي حيث قال: هلكت وأهلكت، فلما ظهر رجحان معنى ~~العقوبة فيها من هذا الوجه جعلنا وجوبها بطريق العقوبة، فقلنا: إنها تندرئ ~~بالشبهات حتى لا تجب على من أفطر بعدما أبصر هلال رمضان وحده للشبهة ~~الثابتة بظاهر قوله عليه السلام: "صومكم يوم تصومون" أو بصورة قضاء القاضي ~~بكون اليوم من شعبان. كذا قاله الإمام شمس الأئمة- رحمه الله. # (ولإجماعهم أنها لا تجب على الخاطئ) ولو كانت بمنزلة سائر الكفارات لوجبت ~~عليه كما وجبت على الخاطئ في القتل وعلى الحانث خطأ في اليمين. # (لكنه لما لم يكن حقا مسلما تاما)؛ لأن تمام الصوم بالليل، فتكون الجناية ~~قاصرة فأوجبنا جزاءها بالوصفين عقوبة وجوبا نظرا إلى سببه، وعبادة أداء حتى ~~تؤدي بالعبادات المحضة ويفتى بها ولا تستوفى جبرا. PageV04P2012 # (وقد وجدنا ما يجب عقوبة يستوفى عبادة كالحدود؛ لأن إقامة السلطان عبادة) ~~على ما روي عن النبي عليه السلام: "عدل ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة" ~~والمرء لا يئاب إلا بما هو عبادة. PageV04P2013 # وكذلك إقامة الحدود بعد التوبة، فإن إقامتها للطهرة فكان وجوبها بطريق ~~العقوبة واستيفاؤها بطريق العبادة. # (ولهذا قلنا بتداخل الكفارات في الفطر). # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله: قلنا بتداخل الكفارات والاكتفاء ~~بكفارة واحدة إذا أفطر في أيام رمضان؛ لأن التداخل من باب الإسقاط بطريق ~~الشبهة، وأثبتنا معنى العبادة في الاستيفاء؛ لأنها سمت كفارة. # (وحقوق العباد أكثر من أن تحصى). PageV04P2014 # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله: وأما أن يكون محض حق العباد فأكثر من ~~أن يحصى نحو ضمان الدية، وبدل المتلف، والمغصوب، وما أشبه ms782 ذلك. # (والذي يغلب فيه حق العبد القصاص). ألا ترى أنه يجري فيه الإرث والعفو، ~~ولو باشر الإمام الذي ليس فوقه إمام القتل العمد يقتص منه بخلاف حد القذف. # فعلم أن حق العبد غالب في الأول دون الثاني. PageV04P2015 # وأما حق العبد في حد القذف فمن حيث إن سببه جناية على المقذوف من هتك عرضه. # وأما حق الله تعالى في القصاص فمن حيث أنه يسقط بالشبهات كما في الحدود، ~~ولأن القصاص في الأصل جزاء لا ضمان المحل. PageV04P2016 # ألا ترى أن ألف رجل إذا اجتمعوا على قتل رجل واحد فقتلوه يقتلون جميعا، ~~وما وضع بمقابلة الفعل جزاء كان من حقوق الله تعالى، فلو كان ضمان المحل ~~لما قتلوا جميعا كما في الدية؛ حيث لا تزاد الدية على ألف دينار إذا كان ~~القتل خطأ وإن كان القاتلون جماعة. # (وأما حد قطاع الطريق فخالص عندنا) أي خالص حق الله تعالى؛ لأنه لا يجري ~~فيه العفو والإرث ويسقط بالشبهات، ولأن حق العبد مقيد بالمثل لا محالة ~~والقصاص منه. PageV04P2017 # فأما حد القذف وحد قطع الطريق فليسا بمقيدين بالمثل، فإن جلد ثمانين ورد ~~الشهادة لم يعقل ملا للقذف، وقطع اليد والرجل مثلا لأخذ عشرة دراهم. # وهذه الحقوق كلها تنقسم إلى أصل وخلف. # أما الإيمان فقد ذكر في الكتاب أصله وخلفه. # أما الصلاة فأصلها أن يصلى كما هو المعروف من أركانها وشروطها، وخلفها ~~عند العجز عن الأصل فدية طعام مسكين إذا أوصى، وكذلك في الصوم وفي الحج إذا ~~أوصى أن يحج عنه فيكون ذلك خلفا عن أدائه، وكذلك في حقوق العباد قيمة ~~المتلفات خلف عن المتلفات، ثم صارت تبعية أهل الدار خلفا عن تبعية الأبوين. # فإن قيل: لم يعهد في صورة من الصور في الشرعيات أن يكون للخلف خلف فكيف ~~جاز هاهنا؟ # قلنا: إن ذلك خلف عن أداء الصغير، لكن البعض مرتب على البعض يعني: إن ~~الدار خلف عن أداء الصغير، وذلك كالوارث أنه خلف المورث، والابن مقدم على ~~ابن الابن، فإذا لم يكن الابن يكون ابن الابن خلفا ms783 عن الميت لا عن الابن، ~~لكن شرط خلفية ابن الابن عن الميت عدم الابن الصلبي، فكذا هاهنا شرط خلفية ~~أهل الدار عن أداء الصغير عدم الأبوين، ومثل هذا لا PageV04P2018 # يكون خلف الخلف (لكن هذا الخلف عندنا مطلق) لقوله عليه السلام: "التراب ~~طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء" وهو خلف مطلق في قول ~~علمائنا. # (وعند الشافعي هو خلف ضروري)، ولهذا لم يعتبر قبل دخول الوقت عنده في حق ~~أداء الفريضة، ولم يجوز أداء الفرضين بتيمم واحد؛ لأنه خلف ضرورة فيشترط ~~فيه تحقق الضرورة بالحاجة إلى إسقا الفرض عن ذمته وباعتبار كل فريضة تتجدد ~~ضرورة أخرى. # فالحاصل أن عنده هو ضرورة ابتداء وبقاء وعندنا ضرورى ابتداء لا بقاء. # (أو وقع في سهم المسلمين)، وصورة المسألة فيما إذا قسمت الغنائم في PageV04P2019 # دار الحرب فوقع الصبي في سهم رجل من الغزاة يحكم بإسلامه حتى لو مات يصلى ~~عليه، وإنما قيدنا بالقسمة في دار الحرب؛ لأن الصبي لو أخرج إلى دار ~~الإسلام بدون القسمة وليس معه أحد أبوية الكافرين كان مسلما أيضا لا ~~باعتبار تبعية السابي، بل باعتبار تبعية الدار. # (وقال في إناءين نجس وطاهر في السفر: إن التحري فيه جايز)، وقيد ~~بالإناءين؛ لأن الماء لو كان في ثلاثة أوان والغلبة للطاهر بأن كان ~~الإناءان طاهرين والثالث نجسا فإنه يتحرى فيها بالاتفاق؛ لأن الحكم للغالب ~~وباعتبار الغالب لزمه استعمال الماء الطاهر، وإصابته بتحريه مأمول. # وإن كانت الغلبة للأواني النجسةأو كانا سواء فليس له أن يتحرى عندنا، ~~وعلى قول الشافعي: يتحرى ويتوضأبما يقع بتحريه أنه طاهر، فهذا ومسألة PageV04P2020 # المساليخ سواء. كذا في "المبسوط" ثم مذهبه في المساليخ أنه يتحرى فيها ~~للأكل في حالة الاختيار وإن كانت الغلبة للحرام، وعندنا لا يتحرى في ~~المساليخ في حالة الاختيار إذا كانت الغلبة للحرام أو كان الحرام والحلال ~~متساويين؛ لأن الحرام يغلب عند المساواة شرعا هذا في الإناءين. # أما إذا وقع الأمر في الثياب، وفي بعضها نجاسة كثيرة وليس معه ثوب غيرها ~~ولا ما يغسلها به ms784 ولا يعرف الطاهر من النجس، فإنه يتحرى ويصلي في الذي يقع ~~تحريه أنه طاهر سواء كانت الغلبة للثياب الطاهرة أو للثياب النجسة أو كانا ~~متساويين؛ لأنه لا يجد بدآ من ستر العورة في الصلاة فجوزنا له التحري ~~للضرورى بخلاف الأواني، وقد ذكرنا أن الغلبة إذا كانت للأواني النجسة أو ~~كانا سواء ليس له أن يتحرى عندنا، والفرق بينهما أن الضرورة لا PageV04P2021 # تتحقق في الأواني؛ لأن التيمم طهور له عند عجزه عن استعمال الماء الطاهر، ~~فلا يضطر إلى استعمال التحري للوضوء عند غلبة النجاسة؛ لأنه أمكنه إقامة ~~الفرض بالبدل، وفي مسألة الثيات الضرورة تتحقق؛ لأنه ليس للستر بدل يتوصل ~~به إلى إقامة الفرض، حتى إن في مسألة الأواني لما كان تتحقق الضرورة في ~~الشرب عند العطش وليس معه الماء الطاهر يجوز له أن يتحرى وإصابة الطاهر ~~بتحريه مأمول أولى. # (لكن الخلافة بين الماء والتراب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما ~~الله- وعند محمد وزفر- رحمهما الله- بين التيمم والوضوء) PageV04P2022 # والمتيمم صاحب الخلف فتكون صلاة المقتدي أقوى إذا كان متوضئا فلا يجوز ~~بناؤه عليه؛ إذ الاقتداء بناء وبناء القوي على الضعيف لا يجوز. # وعندهما هما سواء؛ إذ الخلافة عندهما بين الماء والتراب فكانت الطهارة ~~بالتيمم مثل الطهارة بالماء عند وجود رطها في تحقيق شرط جواز الصلاة فيجوز ~~اقتداء أحدهما بالآخر. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: ثم الخلافة عند محمد- رحمه الله- ~~بين التيمم والوضوء بطريق الضرورة، حتى لو صلى على الجنازة بالتيمم ثم جيء ~~جنازة أخى يلزمه تيمم اخر، وإن لم يجد بين الجنازتين من الوقت ما يمكنه أن ~~يتوضأ فيه. # وعند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-: التراب خلف عن الماء فيجوز له ~~أن يصلي على الجنائز ما لم يدرك من الوقت مقدار ما يمكنه أن يتوضأ فيه على ~~وجه لا تفوته الصلاة على جنازة. PageV04P2023 # (وإنما غرضنا الإشارة إلى الأصل) وهو أن الخلف يثبت بما يثبت به الأصل، ~~ونعني بذكر الأصل هاهنا هذا وهو أن الأصل يثبت بالنص لا بالرأي فكذلك ~~(الخلف لا يثبت إلا بالنص أو ms785 دلالته). # وقوله: "وذلك" إشارة إلى الأصل الذي ذكرنا، ونظير ذلك أن يقول: فبالعرق ~~والبزاق والدمع لما لم يجب الأصل بالنص وهو الوضوء لم يجب بهذه الأشياء ~~خلفه وهو التيمم، وكذلك العدة لما لم تجب بالحيض بالنص في الطلاق قبل ~~الدخول لم يجب خلفها وهو العدة بالأشهر. # (وشرطه) أي وشرط الخلافة على تأويل وشرط حكم الخلافة يعني أن الخلف يجب ~~لما يجب به الأصل، وشرط كونه خلفا أن ينعقد السبب موجبا للأصل لمصادفته ~~محله ثم بالعجز عنه يتحول الحكم إلى الخلف، وإذا لم ينعقد السبب موجبا ~~للأصل باعتبار أنه لم يصادف محله لا يكون موجبا للخلف، حتى إن الخارج من ~~البدن إذا لم يكن موجبا للوضوء كالدمع والبزاق لا يكون موجبا للتيمم على ما ذكرنا. # واليمين الصادقة إي التي بر الحالف فيها لما لم تكن موجبة للتكفير بالمال ~~لم تكن موجبة لما هو خلف عنه، وهو التكفير بالصوم. PageV04P2024 # فإن قلت: يشكل على هذا مسألة قضاء الصوم للحائض، فإن قضاء الصوم خلف عن ~~أدائه الذي هو الأصل، ثم إن المرأة إذا حات في شهر رمضان تقضي الصوم خارج ~~رمضان مع أن أداء الصوم الذي هو الأصل لم يكن مشروعا في حق الحائض أصلا لما ~~أن الطهارة عن الحيض شرط صحة الصوم ومع ذلك يجب عليها قضاؤه مع عدم مشروعية ~~الأصل عليها. # قلت: الجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أن قضاء الصوم على الحائض ثبت بالنص، وهو قول عائشة رضي الله ~~عنها: "كانت إحدانا على عهد رسول الله- صلي الله عليه وسلم- إذا طهرت من ~~حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلوات". والحكم الذي ثبت بالنص لا مجال ~~للقياس فيه. # والثاني: هو أن اشتراط الطهارة للحائض من الحيض في حق صحة PageV04P2025 # الصوم ثبت بالنص بخلاف القياس. # ألا ترى أنه لا يشترط لصحته الطهارة من الحدث والجنابة بخلاف اشتراط ~~الطهارة في حق الصلاة فإن ذلك موافق للقياس، ولما كان كذلك أظهرنا أثر ~~اشتراط الطهارة في حق الصلاة في الأداء والقضاء وأظهرنا أثر اشتراط الطهارة ~~في الصوم في ms786 حق الأداء لا في حق القضاء تعليلا لعمل ذلك الاشتراط الذي ثبت ~~بخلاف القياس كما قلنا مثل ذلك في عمل شرط الخيار في البيع. # فحصل من ذلك أن اشتراط من الحيض للصوم لما ثبت بخلاف القياس جعل أن أصل ~~وجوب الصوم إدراك الحائض في وقته فوجب القضاء بمثلها بناء عليها تقديرا ~~بخلاف الصلاة، ويجيء بيان هذا بتمامه في العوارض في مسألة الحيض والنفاس إن ~~شاء الله تعالى. # (ولهذا قال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- في المشهود بقتله إذا جاء حيا) ~~إلى آخره. صورته ما ذكرة في باب رجوع الشهود من ديات " المبسوط": وإذا شهد ~~شاهدان على رجل بقتل عمد وقتل بشهادتهما ثم رجعا فعليهما الدية في مالهما ~~في قول علمائنا. # وقال الشافعي: عليهما القصاص؛ لأنهما باشرا قتلا بغير حق؛ PageV04P2026 # لأنهما ألجأ القاضي إلى القضاء بالقتل، فإنه يخاف العقوبة إن امتنع من ~~ذلك، والملجئ مباشر حكما فصار كالمكره. # قلنا: إن الشاهد غير مباشر لا حقيقة ولاص حكما ولا معنى؛ لما ذكره من ~~الإلجاء؛ لأن القاضي إنما يخاف العقوبة في الآخرة ولا يصير ملجئا، فكل أحد ~~يقيم الطاعة خوفا من العقوبة على تكرها في الآخرة، ولا يصير به مكرها، ثم ~~إن وجد هذا الإلجاء في حق القاضي فبمجرد القضاء ما صار المقضي عليه مقتولا، ~~وإنما صار مقتولا باستيفاء الولي وهو غير ملجئ إلى ذلك، بل هو مندوب إلى ~~العفو شرعا. # فإذا لم يجب القود عليهما كان عليهما الدية إن رجعا، وعلى أحدهما نصف ~~الدية إن رجع؛ لأن كل واحد منهما مسبب لإتلاف نصف النفس، فإن رجع الولي ~~معهما أو جاء المشهود بقتله حيا فلولي المقتول الخيار بين أن يضمن الشاهدين ~~الدية وبين أن يضمن القاتل؛ لأن القاتل متلف للنفس حقيقة والشهود متلفون ~~لها حكما. # والإتلاف الحكمي في حكم الضمان كالإتلاف الحقيقي فكان له أن يضمن أيهما ~~شاء، فإن ضمن الولي القاتل الدية لم يرجع على الشاهدين بشيء؛ PageV04P2027 # لأنه ضمن بفعل باشره بنفسه باختياره، وإن ضمن الشاهدين لم يرجعا على ~~الولي أيضا في قول أبي ms787 حنيفة- رضي الله عنه. # وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله-: يثبت لهما حق الرجوع على الولي بما ~~ضمنا؛ لأنهما ضمنا بشهادتهما وقد كانا عاملين فيه للولي فيرجعان عليه بما ~~يلحقهما من الضمان، كما لو شهدا بالقتل الخطأ أو بالمال فقضي القاضي ~~واستوفى المشهود له رجعوا جميعا وضمن المشهود عليه الشاهدين كان لهما أن ~~يرجعا، ولا يقال هناك قد ملكا المقبوض بالضمان وهنا لم يملكا؛ لأن القصاص ~~لا يملك بالضمان والمشهود به هو القصاص؛ لأنا نقول: إنهما إن لم يملكا فقد ~~قاما مقام من ضمنهما في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبرا فغصبه آخر ~~منه ثم ضمن المالك الغاصب الأول فإنه يرجع بالضمان على الثاني وإن لم يملك ~~المدبر بالضمان ولكنه قام مقام ضمنه. # وهذا لأن القصاص مما يملك في الجملة وله بدل متقوم محتمل للتملك فيكون ~~السبب معتبرا على أن يعمل في بدله عند تعذر إعماله في الأصل- كاليمين على ~~مس السماء تنعقد في إيجاب الكفارة التي هي خلف عن البر لما كان الأصل وهو ~~البر متوهم الوجود في الجملة. PageV04P2028 # وعلى هذا غاصب المدبر فإن المدبر مال متقوم مملوك في الجملة فينعقد السبب ~~للغاضب الأول فيه على أن يعمل في بدله حتى رجع بالضمان على الغاضب الثاني. # وكذلك شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنوا للولي القيمة كان لهم أن يرجعوا على ~~الكاتب ببدل الكتابة ولم يملكوا رقبة المكاتب مملوكا، ولكن لما كان المكاتب ~~مملوكا انعقد السبب في حقهم على ان يكون عاملا في بدله وهو بدل الكتابة ~~فيملكون بدل الكتابة بذلك وإن لم يملكوا رقبة المكاتب فهذا مثله. # وأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: الشهود ضمنوا لإتلافهم المشهود عليه ~~حكما والمتلف لا يرجع بما ضمن على غيره كالولي؛ وهذا لأنهم لو لم يكونوا ~~متلفين ما كانوا ضامنين مع المباشر للإتلاف؛ لأن مجرد السبب يسقط اعتباره ~~في مقابلة المباشرة. # ألا ترى أنه لو دفع انسانا في بئر حفرها غيره في الطريق كان الضمان على ~~الدافع دون الحافر، وهنا لما ضمن الشهود عررفنا أنهم جناة متلفون للنفس ms788 ~~حكما وإن كان تمام ذلك الإتلاف عند استيفاء الولي، فأن استيفاء الولي ~~بمنزلة شرط مقرر لجنايتهما ومن ضمن بجانيته على النفس لا يرجع على غيره. PageV04P2029 # وقولهما بأنه ينعقد السبب موجبا للملك له على ان يعمل في بدله قلنا: هذا ~~أن لو كان الأصل متوهم الملك بالضمان وليس في القصاص توهم الملك بالضمان ~~بحال فلا ينعقد السبب باعتبار الحف كيمين الغموس، ثم لو كان القصاص ملكا ~~لهما لم يضمنه المتلف عليهما كما إذا شهدا على الولي بالعفو أو قتل من عليه ~~القصاص إنسان آخر فليس لمن له القصاص الضمان. # وانعقاد السبب لا يكون أقو من ثبوت الملك حقيقة، وإذا كان المتلف للقصاص ~~لا يضمنه للمالك فكيف يضمنه لمن انعقد له سبب القصاص؟ وبه فارق مسألة غصب ~~المدبر والكتابة، فإن هنك لو كان مالكا حقيقة كان يضمنه المتلف عليه، فكذلك ~~إذا جعل كالمالك حكما باعتبار انعقاد السبب كان له أن يرجع بالبدل لذلك. # وقوله: (إن ملك الأصل المتلف وهو الدم غير مشروع أصلا)؛ لأن الدم لا يملك ~~بالضمان بحال وفي القصاص الذي قالا: الولي لا يملك نفس من عليه القصاص، ~~وإنما يستوفيه بطريق الإباحة. # ولو كان الدم بمحل أن يملك لم يكن إيجاب الضمان للشهود على الولي PageV04P2030 # أيضا؛ لأن إتلاف ملك الدم لا يوجب الضمان سواء أتلفه حقيقة أو حكما على ~~ما ذكرنا من قتل إنسان من عليه القصاص وشهادة العفو ثم الرجوع. # (يحكي الأصل) أي يشابهه. # (لو صار ملكا) أي لو صار الدم ملكا أي لو ثبت ملك القصاص فهو غير مضمون ~~بنفسه على ما ذكرنا. # (وأما القسم الثاني): وهو ما يتعلق به الأحكام المشروعة. PageV04P2031 # (ومنه قول زهير) أوله: # ومن هاب أسباب المنايا ... ينلنه ولو نال ........ البيت PageV04P2032 # وذكر في الصحاح بيت الأعشى يهدد رجلا بالهجو بقوله: # فلو كنت في جب ثمانين قامة ... ولقيت أسباب السماء بسلم # ليستدرجنك القول حتى تهره ... وتعلم أني عنكم غير مفحم # الاستدراج: استفعال من الدرجة وهو إدناء الشيء من الشيء بطريق التدريج، ~~يقال: هره يهره إذا كرهه. ms789 PageV04P2033 # (والمريض عليلا)؛ لأن بحلول العلة بالشخص يغير حاله. # (كالجرح بالمجروح) حيث يتغير حال المجروح من وصف الصحة إلى وصف كونه ~~مجروحا. # وقيل: العلة حادث يظهر أثره فيما حل به لا عن اختيار منه، ولهذا سمي ~~الجرح علة ولا يسمى الجارح علة، لأنه يفعل عن اختيار، ولأنه غير حال ~~بالمجروح، ولهذا لم يجز وصف القديم جل ذكره بالعلة؛ لأن الله تعالى أنشأ ~~العالم عن اختيار ولا يوصف بحلول. # (عما يضاف إليه الحكم ابتداء) # وقوله: ((ابتداء)) احتراز عن الدليل فإنه يبين أمرا قد كان. لا أن يثبت ~~الحكم ابتداء كالدخان فإنه دليل على وجود النار لا علة. # وقيل: هو احتراز عن التعليقات، فإنها تثبت الحكم بطريق الانقلاب لا بطريق ~~الإبتداء، فإن عند وجود الشرط في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق انقلاب ما ~~ليس بعلة علة فيثبت الحكم عند ذلك لا على وجه الابتداء بخلاف PageV04P2034 # قوله: أنت طالق. # وقال الإمام شمس الائمة- رحمه الله: وفي أحكام الشرع العلة معنى في ~~النصوص وهو مغير حكم الحال بحلوله بالمحل يوقف عليه بالاستنباط، فإن قوله ~~عليه السلام: ((الحنطة بالحنطة مثل بمثل)). غير حال بالحنطة. # ولكن في الحنطة وصف هو حال بها وهو كونه مكيلا مؤثرا فى المماثلة ويتغير ~~حكم الحال بحلوله، فيكون علة لحكم الربا فيه حتى إنه لما لم يحل القليل ~~الذي لا يدخل تحت الكيل لا يتغير حكم العقد فيه، بل يبقى بعد هذا النص على ~~ما كان قبله. # (والقتل للقصاص وما أشبه ذلك) كالتطليق للطلاق، والإعتاق للعتق. PageV04P2035 # وقوله: (وكذلك العقاب يضاف إلى الكفر من هذا الوجه). # قيل: فى هذا الكلام نظر؛ لما أن في هذا ميلا إلى مذهب الأشعرية. # وقال الشيخ الإمام أبو منصور- رحمه الله- الحكمة تقتضي تعذيب الكافر على ~~كفره وترك التعذيب ليس بحكمة. # (فأما أن تجعل لغوا كما قالت الجبرية) إن العبد مجبور في الأفعال لا ~~اختيار له، والكل من الله بلا اختيار العباد وهو باطل؛ لأن العباد على قود ~~كلامهم لا يستحقون شيئا لا الثواب ولا العقاب؛ لأنه لا فعل لهم. ms790 # (أو موجبة بأنفسها كما قالت القدرية) أي المعتزلة هو أيضا باطل فإنهم ~~يقولون: العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، وهم مستبدون في إيجاد PageV04P2036 # أفعالهم فيستحقون الثواب والعقاب باستبدادهم في أفعالهم فلا يرون فضل ~~الله تعالى فى الثواب ولا خذلانه فى العقاب. # (وكذلك حال العلل) أي علل الشرع في أحكام الدنيا. (على أن الشاهد بعلة ~~الحكم إذا رجع) إلى آخره، وإنما عين هذه الصورة؛ لأن هذا صاحب العلة ~~الشرعية الذي يجب عليه الضمان بخلاف الإتلاف، فإن صاحبه صاحب العلة الحسية، ~~واستدل بهذه المسألة على أن صاحب العلة الشرعية بمنزلة صاحب العلة الحسية ~~فى إيجاب الضمان. # (اسم لما يتعلق به الوجود دون الوجوب) فإن قول القائل لامرأته: إن PageV04P2037 # دخلت الدار فأنت طالق يجعل دخول الدار شرطا حتى لا يقع الطلاق بهذا اللفظ ~~إلا عند الدخول، ويصير الطلاق عند وجود الدخول مضافا إلى الدخول موجودا ~~عنده لا واجبا به، بل الوقوع بقوله: أنت طالق عند الدخول. # والمراد بالوجوب به الوقوع به، ومن حيث إنه لا أثر للدخول في الطلاق لا ~~من حيث الوجوب به ولا من حيث الوصول إليه لم يكن الدخول علة، ومن حيث أنه ~~مضاف إليه وجودا عنده كان الدخول شرطا فيه, ولهذا لا نوجب الضمان على شهود ~~الشرط وإنما نوجب الضمان على شهود التعليق بعد وجود الشرط إذا رجعوا. # (مثل الميل والمنارة) فالميل: علامة الطريق؛ لأنه معرف له، والمنارة PageV04P2038 # - بفتح الميم- هي التي يؤذن عليها سميت منارة لكونها علامة الجامع؛ لأنها ~~معرفة له، ومنه سمي المميز بين الأرضين من المسناة منار الأرض. # قال عليه السلام: ((لعن الله من غير منار الأرض)) أي العلامة التي يعرف ~~بها التميز بين الأرضين فكان دون الشرط؛ لأن الشرط يضاف إليه الحكم وجودا. # وأما العلامة فلا يضاف إليها الحكم لا وجوبا لها ولا وجودا عندها، والله ~~أعلم. PageV04P2039 ### || AUTO باب تقسيم السبب # (إن وجوب الأحكام متعلق بأسبابها) أي بعللها. # لأن السبب الحقيقي هو: ما يكون طريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ~~ولا وجود كما في ms791 العلامة على ما ذكر بعيد هذا, لكن الفرق بينهما إنما يقع ~~بذلك الذي ذكر بعده بقوله: (لكنه تتخلل بينه وبين الحكم علة لا تضاف إلى ~~السبب) كما فى دلالة السارق، فإن سرقة السارق علة لكون المال المدلول عليه ~~مسروقا، وتلك العلة غير مضافة إلى الدال حتى لا يؤاخذ الدال لا بقطع اليد ~~ولا بضمان المال، وليس للعلامة هذا الوصف، ولأن السبب قد PageV04P2040 # يكون له حكم العلل حتى يؤاخذ بضمان المال (كما في قود الدابة وسوقها) على ~~مال إنسان فأتلفته، ولا يكون للعلامة حكم العلل أصلا. # (لأنه جزاء المباشر) قيل: حد المباشرة أن يتصل فعل الإنسان بغيره ويحدث ~~منه التلف كما لو جرحه أو ضربه فمات من ذلك، وحد التسبيب أن يتصل أثر فعله ~~بغيره لا حقيقة فعله ويتلف بأثر فعله كما فى حفر البئر؛ لأن المتصل بالواقع ~~أثر فعله وهو العمق الحاصل بحفره لا حقيقة فعله؛ لأن حقيقة فعله اتصلت ~~بالمكان وهي الحفر. كذا قال الإمام بدر الدين الكردري- رحمه الله. # (إلا أنه جعل السبب المؤكد بالعمد الكامل بمنزلة المباشرة) والسبب هو ~~الشهادة الكاذبة تأكدت باستيفاء القصاص فكان سببا مؤكدا، والعمد الكامل هو ~~تعيين الشهود المشهود عليه بالقتل بخلاف وضع الحجر وأمثاله، فإنه لم PageV04P2041 # يوجد فيه العمد الكامل حيث لم يعين واضع الحجر أحدا للقتل ليكون قاصدا ~~لقتله بالتسبب، فلذلك لم يجب فيه القصاص وإن وجد فيه التسبيب أيضا. # (لما سبق من قبل) أي في باب معرفة الأسباب بقوله: وقلنا لا تجب- أي ~~الكفارة- على المسبب الذي قلنا؛ لأنها من الأجزية؛ (لأن المباشرة أضيفت ~~إليه)؛ لأن تمكن المباشرة للقاتل من القتل إنما ثبت بشهادة الشهود، ولهذا ~~صح أن يقول القاتل: باشرت القتل بشهادتهم، وكذلك صح للحاكم أن يقول: حكمت ~~بشهادتهم، إلا أن حقيقة الإتلاف بمباشرة الولي القتل وذلك باختياره فكان ~~سببا بمعنى العلة. # (فبقى الأول) وهو شهادة الشهود الشهادة الكاذبة، والثاني وهو مباشرة ~~الولي القتل. PageV04P2042 # (ولهذا لم يصلح لإيجاب ما هو جزاء المباشرة) وهو الحرمان من الميراث ~~ووجوب الكفارة والقصاص، فإن هذه الأحكام ms792 الثلاثة إنما تثبت بالمباشرة لا غير. # (لم يرجع على الدال بقيمة الولد) لما قلنا وهو قوله: لأنه صاحب سبب محض. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- لأن إخباره سبب للوصول إلى المقصود، ~~ولكن تخلل بينه وبين المقصود وهو الاستيلاد ما هو علة فهو غير مضاف إلى ~~السبب الأول. # (بخلاف ما إذا زوجها على هذا الشرط) بأن يقول: زوجتكها على أنها حرة؛ ~~(لأنه صار صاحب علة)؛ لأن ما لزم عليه لزم بالاستيلاد، PageV04P2043 # والاستيلاد حكم ذلك التزويج المقيد بالوصف؛ لأن شرط الحرية صار وصفا ~~للتزويج فكان لازما كالتزويج فكان ما لزم عليه مضافا إلى ذلك التزويج ~~المقيد بالوصف. # (بخلاف المشتري إلى آخره يعني أنه المشتري) إذا استولدها ثم ظهر ~~الاستحقاق فإنه يرجع بقيمة الأولاد؛ لأن بمباشرة عقد الضمان التزم صفة ~~السلامة عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق. # وأما بمباشرة عقد التبرع فلا التزام بسلامة المعقود عليه عن العيب. # وقوله: (لأن البائع صار كفيلا) يعني إنما يرجع إلى البائع لكونه كفيلا لا ~~لكونه تسبيبا. # (فصار كأنه قال له: إن ولدك حر بحكم بيعي فإن ضمنك أحد فأنا كفيل عنه) ~~والإمام شمس الأئمة- رحمه الله- استضعف التعليل بطريق الكفالة وصحح ما ~~ذكرته أولا فقال: الأول أصح؛ لأنه قال في كتاب العارية: PageV04P2044 # العبد المأذون إذا أجر دابة فتلفت باستعمال المستأجر ثم ظهر الاستحقاق ~~رجع المستأجر بما يضمن من قيمتها على العبد في الحال والعبد لا يؤاخذ بضمان ~~الكفالة ما لم يعتق، وهو مؤاخذ بالضمان الذي يكون سببه العيب بعد ما التزم ~~صفة السلامة عن العيب بعقد الضمان. # (ولذلك لم يرجع بالعقر) يعني أن المستحق لو أخذ العقر من المشتري لا يرجع ~~المشتري بما ضمن من العقر على البائع. # (فهو قيمة ما سلم له فلم يكن غرما) أي الذي سلم له من المنافع؛ لأنه ~~استوفى المنافع واللازم بالعوض لا يسمى غرما. (الاستيناء) طلب الإنى، وهو ~~الوقت. PageV04P2045 # (غير محفوظ بالبعد عن أيدي الناس بل) يدفع المالك شر العدوان عن ماله فلم ~~تكن الدلالة إزالة للحفظ, وأيضا أنه لم يلتزم حفظه بخلاف ms793 المودع (على موجب ~~العقد) أي عقد الإحرام. # (وكان صيد الحرم لكونه راجعا) أي لكون الحرم (راجعا إلى بقاع الأرض مثل ~~أموال الناس) أي في كونه مضمونا باعتبار البقاع، فإن كان الصيد في بقعه لا ~~يجوز التعرض فيها وهو الحرم يضمن من دل عليه إذا اتصل بالإتلاف، ولو كان ~~خارج الحرم لا يضمن كما في أموال الناس، فإنها إن كانت مودعة عنده يضمن ~~بدلالتها لكون الدلالة مباشرة جناية على ما التزمه من الحفظ بالتضييع، فأما ~~إذا لم تكن مودعة عنده لا يضمن بالدلالة. PageV04P2046 # فإن قيل: الأجنبي أيضا التزم بعقد الإسلام أن لا يدل السارق على مال ~~الآخر وقد ترك ما التزمه بالدلالة فينبغي أن يضمن أيضا. # قلنا: الالتزام هناك بعقد الإسلام كان مع الله فيقع عليه موجب ما تركه من ~~الالتزام وهو الإثم حيث ترك ما التزمه، وهنا كان العقد واقعا مع المودع ~~الذي هو صاحب المال فيقع عليه موجب ما تركه من الالتزام وهو الضمان مع الإثم. # (لأن ذلك سبب محض) أن لأن دفع الدافع السكين إلى الصبي سبب محض. (اعترض ~~عليه علة) أي اعترض على ذلك السبب علة وهو وجؤه به نفسه. # (وإذا سقط عن يد الصبي عليه) أي على الصبي (فجرحه كان ذلك على الدافع)؛ ~~لأن السقوط من يده لما كان بدون فعله الاختياري كان ذلك الجرح مضافا إلى ~~السبب الأول، وهو مناولته إياه. PageV04P2047 # (فصار هو سببا له حكم العلل، وكذلك من حمل صبيا ليس منه بسبيل) أي ليس من ~~الصبي بسبيل أي ليس له ولاية أخذ الصبي؛ حيث لم يكن وليا له فعطب بذلك ~~الوجه أي فهلك الصبي بسبب ذلك الحر والبرد أو بسبب سبع كان فى ذلك الشاهق ~~افترسه سبع أو سقط من ذلك الشاهق فهلك فإنه يضمن عاقلته؛ لأنه تسبب لموته. # أما إذا مات بمرض لم يضمن؛ لأنه يقال لولا تقريبه إياه إلى موضع أصابه ~~فيه الحر والبرد وافتراس السبع لما هلك الصبي ولا يقال لولا أخذه من يد ~~وليه لم يمت من مرضه. # وقوله: ms794 (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: لأن ذلك سبب محض اعترض عليه علة لا ~~تضاف إليه بوجه- إلى أن قال: لأنه أضيف إليه العطب هنا. PageV04P2048 # (إذا كان صبيا يستمسك) أي يقدر على الجلوس على الدابة بدون أن يمسكه أحد. # (لأنه صار بمنزلة صاحب العلة لما وقعت المباشرة له) فيلزمه ما يثبت PageV04P2049 # بسبب المباشرة؛ لأن الغرم بإزاء الغنم بخلاف ما تقدم، وهو في قوله: لتأكل ~~أنت؛ لأن كلام الآمر هناكل تسبيب محض قد تخلل بينه وبين السقوط ما هو علة ~~وهو صعود الصبي الشجرة لمنفعة نفسه. # وكذلك في قوله: لنأكل نحن؛ لأن فعله وقع للآمر من وجه دون وجه فلا يجب ~~الضمان بالشك أو لا ينقطع الحكم عن علته بالتردد، وأما هاهنا وهو في قوله: ~~((لآكل أنا)) فلما كان صعوده لمنفعة الآمر صار تسبيبه في معنى العلة بطريق ~~الإضافة إليه. # (ومسائل ما يبتنى عليه أكثر من أن تحصى) ومن تلك المسائل: من أخرج ظبية ~~من الحرم فولدت فهو ضامن للولد؛ لأنها بالحرم آمن صيدا، PageV04P2050 # وبثبوت يده عليها يفوت معنى الصيدية، فيثبت به معنى إزالة الأمن في حق ~~الولد بخلاف الغاصب فإنه لا يكون ضامنا للزوائد؛ لأن الأموال محفوظة ~~بالأيدي فإنما يجب الضمان هنا بالغصب الذي هو موجب قصر يد المالك عن ماله، ~~وذلك غير موجود في الزيادة مباشرة ولا تسبيبا إلى آخر ما ذكره الإمام شمس ~~الأئمة- رحمه الله. # (لكنه لما كان يحتمل أن يؤول إليه سمي سببا مجازا) ونظير تسمية ما يؤول ~~إليه قوله تعالى: (إني أراني أعصر خمرا) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ~~ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) قيل: هو البيض # (وعندنا لشبهة المجاز شبهة الحقيقة) أي شبهة حقيقة العلة. PageV05P2051 # (فلم يكن بد من أن يصير البر مضمونا بالجزاء) ليكون واجب الرعاية، وعند ~~ذلك يتحقق المقصود من اليمين وهو الحمل المؤكد أو المنع المؤكد. # (صار لما ضمن به البر) وهو الكفارة في اليمين بالله ووقوع الطلاق والعتاق ~~في التعليقات (شبهة الوجوب) أي الوقوع. # (فيكون للغصب حال قيام العين ms795 شبهة إيجاب القيمة)، ولهذا لو أبرأ المالك ~~الغاصب صح قبل هلاك المغصوب ولو لم تكن القيمة واجبة لما صح؛ لأن الإبراء ~~عن العين لا يصح وكذلك تصح الكفالة به، والكفالة إنما تصح بمقابلة الدين لا ~~بمقابلة العين إلى آخر ما ذكرناه في موضع آخر. # (لم تبق الشبهة إلا في محله) أي في محل ثبوت الشبهة إلحاقا للشبهة ~~بالحقيقة؛ لأن حكم الشبهة أبدا يؤخذ من حكم الحقيقة، وأن ما كان راجعا إلى ~~المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء. PageV05P2052 # (فإذا فات المحل) بإرسال الطلقات الثلاث (بطل) أي التعليق؛ لأن محلية ~~الطلاق بمحلية النكاح، ولم يبق محلا للنكاح فلا يبقى محلا للطلاق بخلاف ~~زوال النكاح بتطليقة أو تطليقتين؛ لأنها بقيت محلا للنكاح بعد. # (وعلى قوله: لا شبهة له أصلا) أي وعلى قول زفر ليس لقوله: أنت طالق ((إن ~~دخلت الدار)) شبهة العلية أصلا (وإنما الملك للحال) هذا جواب يجيب به زفر ~~عن شبهة ترد عليه على قوله: فإنه لما لم يجعل للتعليق حقيقة العلة ولا ~~شبهتها كان ينبغي أن يصح تعليق الطلاق بدخول الدار في الأجنبية. PageV05P2053 # قال: وإن كان هو كذلك عندي لكن يشترط الملك حال التعليق لا باعتبار أن ~~للتعليق شبهة العلة، بل يشترط الملك حال التعليق لتفيد اليمين فائدتها وهو ~~ضمان البر بالجزاء؛ لأن الجزاء لا بد أن يكون مخيفا، وذلك بأن يكون غالب ~~الوقوع أو متيقن الوقوع، فالغالب: فيما إذا كان التعليق فى الملك بدخول ~~الدار وغيره، والمتيقن: فيما إذا كان التعليق بالملك؛ لأن الشيء إذا كان ~~موجودا في الحال كان الظاهر بقاءه إلى الزمان الثاني واستمراره إليه، فإذا ~~وجد الملك عند التعليق وحكم بصحته بناء على أن الظاهر بقاء الملك إلى وقت ~~وجود الشرط بعد ذلك لا يضر فواته وهذا في فوات الملك بالإجماع. # وأما إذا فات المحل فكذلك عند زفر- رحمه الله- أي لا يبطل التعليق أيضا ~~كما لو فات الملك، والجامع بينهما بقاء فائدة اليمين وهو احتمال وجود ~~الجزاء عند وجود الشرط بأن يقع التحليل بزوج آخر ثم يطلقها، ثم ms796 يتزوجها ~~الزوج الأول ثم يوجد الشرط. # (والجواب عنه) أي عما استشهد به زفر من صحة التعليق بالملك مع فوات الحل ~~عند التعليق يقول: (إن ذلك الشرط فى حكم العلل) أي النكاح فى حكم التطليق ~~من حيث إن ملك الطلاق يستفاد بالنكاح فكان النكاح معملا للعلة والحكم كما ~~يضاف إلى العلة يضاف إلى علة العلة لما عرف في مسألة الرمي. # قال في ((التقويم)): فالرمي علة النفوذ، والنفوذ علة الإصابة، والإصابة PageV05P2054 # علة السراية, والسراية علة الموت. # وأقرب من هذا قود الدابة أو سوقها على مال فأتلفته الدابة كان القائد أو ~~السائق ضامنا لإعماله العلة، ولما كان كذلك تعارض مقتضى مطلق التعليق ~~بمقتضى التعليق بالنكاح، فمقتضى كل واحد منهما يضاد مقتضى الآخر؛ لأن مقتضى ~~مطلق التعليق بقاء النكاح؛ لأن للتعليق شبهة حقيقة علة الطلاق على ما ~~ذكرنا، فكما أن حقيقة علة الطلاق تقتضي بقاء النكاح فكذلك شبهتها؛ لأن حكم ~~الشبهة أبدا يؤخذ من حكم الحقيقة، ومقتضى التعليق بالنكاح يقتضي عدم النكاح ~~باعتبار أن النكاح إنما يتحقق فى محل لا نكاح فيه؛ لئلا يلزم إثبات الثابت، ~~فرجحنا جانب علة العلة لقوته لما أن علة العلة قائمة مقام العلة في مواضع ~~على ما ذكرنا، فألغي لذلك جانب مطلق التعليق الذي له شبهة العلة على ما ذكر ~~قبل هذا في أواخر باب وجوه الوقوف على أحكام النظم بقوله: فتسقط هذه الشبهة ~~بهذه المعارضة. # فكان المراد من قوله: ((الشبهة السابقة)) هي شبهة حقيقة علة الطلاق التي ~~تحصل من مطلق التعليق، ونعني بمطلق التعليق ما وراء تعليق الطلاق بالنكاح ~~كتعليق الطلاق بدخول الدار أو كلام زيد أو ضرب عمرو أو غير ذلك. # وقوله: ((السابقة عليه)) أي السابقة على وجود الشرط وهذا هو الواضح. PageV05P2055 # أو نقول: وهو المشهور فيما بين الناس وهو أن النكاح لما كان له حكم العلة ~~على ما ذكرنا كان تعليق الطلاق بالنكاح بمنزلة تعليق الطلاق بالتطليق وهو ~~باطل؛ لأن تعليق الحكم بما هو علته لا يصح كما إذا قال: إن طلقتك فأنت طالق ~~وإن أعتقك ms797 فأنت حر؛ لأن المزيل قارن الزوال فلا يعمل كما إذا قال: أنت طالق ~~مع انقضاء عدتك لما أن المزيل يعتمد الثبوت سابقا وزمان الزوال ليس بزمان ~~الثبوت فلا يصح هذا التعليق لكونه تعليق الحكم بما هو علته معنى فلا يشتر ~~قيام المحل؛ لأنه إنما يشترط لشبهة التطليق. # وهذه الشبهة قد بطلت فبقيت يمينا مطلقا لوجود الشرط، والجزاء صورة ومحل ~~اليمين ذمة الحالف، فإذا وجد الشرط وجب الجزاء، فوجه المعارضة ما بينا من ~~مضادة مقتضى كل واحد من شبهة حقيقة العلة التي تحصل بمطلق التعليق ومن كونه ~~معلقا بالنكاح الذي هو بمنزلة علة العلة وكذلك بيان السابقة ما بينا، والله أعلم. # (فأما الإيجاب) أي الإيجاب (المضاف) إلى وقت فى المستقبل نحو قوله: أنت ~~طالق غدا ونحو قوله: لله علي أن أتصدق بدرهم غدا (فهو سبب فى الحال) بخلاف ~~التعليق وهو كالثمن المؤجل والزكاة قبل الحول. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله: فأما الإضافة إلى وقت لا تعدم ~~السببية معنى كما يعدمه التعليق بالشرط، ولهذا قلنا في قوله تعالى: (فعدة PageV05P2056 # من أيام أخر) لا يخرج الشهر من كونه سببا حقيقة في حق جواز الأداء. # وقوله: (وسبعة إذا رجعتم) يخرج التمتع من أن يكون سببا لصوم السبعة قبل ~~الرجوع من منى حتى لو أداه لا يجوز؛ لأنه لما تعلق بشرط الرجوع فقبل وجود ~~الشرط لا يتم سببه معنى وهناك أضاف الصوم إلى وقت فقبل وجود الوقت يتم ~~السبب فيه معنى حتى يجوز الأداء. # وقال الإمام الأرسابندي- رحمه الله: ولو قال: إذا جاء غد فلله علي أن ~~أتصدق بدرهم فتصدق قبله لم يصح؛ لأن كلمة إذا كلمة شرط فإذا علقه بالشرط لم ~~يبق سببا فلا يصح التعجيل بخلاف النذر المضاف فإنه سبب حتى لو قال: لله علي ~~أن أتصدق بدرهم يوم الخميس فتصدق قبله صح لأن الإضافة دخلت على الحكم ~~فاجلته فكان سببا في الحال، فإذا عجل المؤجل كما إذا عجل الدين المؤجل أو ~~عجل الصوم في السفر. # (وأما السبب الذي له شبهة العلل فمثل ما ms798 قلنا في اليمين بالطلاق والعتاق) ~~كمن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق. أو قال لعبد الغير: PageV05P2057 # إن ملكتك فأنت حر، وإنما أعاد ذكر هذه المسألة هاهنا بعد ما ذكر مرة؛ لأن ~~ما ذكره قبل هذا كان بطريق التطفل؛ لأنه كان فى ذكر السبب الذي يسمى سببا ~~مجازا، وذلك الذي ذكره اقتضى ذكر السبب الذي له شبهة العلل، وذكر ههنا قصدا ~~تتميما لما ذكره من تعداد السبب بأنه مقسم أربعة أقسام. # فعلم بهذا أن الذي ذكره هنا كان لمعنى غير ذلك المعنى الذي اقتضى ذره قبل هذا. # فإن قلت: لا يتم هذا الذي ذكره أن السبب أربعة أقسام؛ لأن السبب الذي له ~~شبهة العلل لما كان مثل ما ذكره من اليمين بالطلاق والعتاق وهو أيضا هو ~~السبب الذي يسمى سببا مجازا على ما ذكر نظيره بذلك كانا شيئا واحدا فحينئذ ~~كانت الأقسام ثلاثة. # قلت: لا، بل تمت الأربعة؛ فإن تعليق الطلاق بالنكاح هو السبب الذي له ~~شبهة العلل علم ذلك بقوله: ((والجواب عنه أن ذلك الشرط في حكم العلل)) وبما ~~ذكر قبل هذا في باب وجوه الوقوف بقوله: فأما تعليق الطلاق بالنكاح PageV05P2058 # فتعليق بما هو علة الطلاق ولو لم يجعل هكذا لم تتم الأربعة، فحصل من هذا ~~كله أن تعليق الطلاق بالشرط على نوعين: # أحدهما: تعليق بشرط من الشروط كدخول الدار وكلام زيد وغيرهما بأن قال ~~لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وهو الذي قاله وسبب وسمي به مجازا. # والثاني: تعليق الطلاق والعتاق بالملك بأن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت ~~طالق, أو قال لعبد الغير إن ملكتك فأنت حر. وهو الذي قاله: ((وسبب له شبهة ~~العلل)). لكن هذا فى التقسيم وقع في القسم الثالث، وفي التقرير وقع في آخر ~~الأقسام الأربعة؛ لما أن القسم الرابع الذي ذكره في التقسيم وهو السبب الذي ~~في معنى العلة وهو نحو قود الدابة وسوقها على مال إنسان مر ذكره قبل هذا؛ ~~فلذلك صرح هناك حين ذكره بقوله فيصير حينئذ من القسم الرابع لئلا يشتبه ما ms799 ~~ذكره من التقسيم الذي قسمه على أربعة أقسام، ولا يرد مثل هذا الاشتباه على ~~ما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- حيث جعل نظير السبب الذي له شبهة ~~العلل حفر البئر فى الطريق وإرضاع الكبيرة الصغيرة فيما إذا كانتا ضرتين، ~~والله أعلم. PageV05P2059 ### || AUTO باب تقسيم العلة # المعنى من كون العلة اسما أن تكون تلك العلة موضوعة شرعا لذلك الحكم الذي ~~هو حكمها كملك النصاب وضع لإيجاب الزكاة، ومن كونها معنى هو أن تكون تلك ~~العلة مؤثرة في إثبات ذلك الحكم كتأثير الغنى في حق المواساة، ومن كونها ~~حكما هو أن يتصل الحكم بها وجودا عند وجودها كوجود حكم الزكاة بوجوب الأداء ~~عند حولان الحول. # وأما لو أدى قبل حولان الحول يجوز لوجود نفس الوجوب بملك النصاب وإن لم ~~يتحقق وجوب الأداء. PageV05P2060 # (وما يجري مجرى ذلك من العلل) كالطلاق والعتاق وخروج النجاسة في حق ~~انتقاض الطهارة. # (لما ذكرنا من تفسيرها) أي تفسير العلة وهو ما ذكره بقوله: فإنها في ~~اللغة عبارة عن المغير. # وهى في الشرع عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء فقد وجد التغيير ~~وإضافة الحكم إلى هذه الأشياء عللا لأحكامها. # (وحقيقة ما وضعت له) هي إضافة الحكم إلية لا بواسطة ابتداء في الشرع، وقد ~~وجدت هي ههنا فكانت علة أسما ومعنى وحكما لوجود الوضع والتأثير والاتصال. # (ومن فرق بين الفصلين) أي بين الاستطاعة مع الفعل وبين العلة PageV05P2061 # الشرعية (فلا بد من صفة العلة) أي العلة الشرعية (تقدمها على الحكم ~~والحكم يعقبها) ليكون الحكم مرتبا على علة موجودة، وهذا في العلل الشرعية ~~ممكن؛ لأنها بمنزلة الجواهر بدليل جواز الإقالة في البيع بعد أزمنة. # وهي عبارة عن فسخ البيع ورفعه ولولا قيام البيع إلى وقت الإقالة لما PageV05P2062 # صح فسخه (بخلاف الاستطاعة) وسائر العلل العقلية فإنها أعراض لا تبقى ~~زمانين فكما وجدت انعدمت، فلذلك قلنا باقترانهما معا هناك إلا أنا نقول: أن ~~علل الشرع أمارت في الحقيقة وأعراض وأجرينا على حقيقتها وقلنا باقتران ~~الأحكام بها. # (وأما الذي هو علة اسما) يعنى ليس بعلة ms800 معنى ولا حكما. # أما علة اسما؛ لإنة يضاف الحكم إليه بدون الواسطة فيقال كفارة اليمين، ~~وكذلك في يمين الطلاق والعتاق يضاف الحكم إلى اليمين حتى إن شهود اليمين ~~وشهود وجود الشرط إذا رجعوا كان الضمان على شهود اليمين لكونهم شهود علة, ~~لكن لما كان وضع اليمين للبر لا للحنث لم تكن اليمين مؤثرا في وجود الحنث ~~فلم تكن علة معنى، وكذلك لما لم يثبت الحكم متصلا باليمين قبل الشرط لم تكن ~~علة حكما. # وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: لأن العلة معنى وحكما ما يكون PageV05P2063 # ثبوت الحكم عند تقرره لا عند ارتفاعه وبعد الحنث لاتبقى اليمين بل ترتفع ~~فلم تكن علة معنى وحكما. # (فمثل البيع الموقوف) وهو في بيع ملك الغير يغير إذنه؛ لأنه بيع مشروع؛ ~~لأنه لا ضرر للمالك في شرعيته وقلنا بشرعيته بقوله تعالى: "وأحل الله ~~البيع"، ولأنه بيع حقيقة موضوع لهذا الموجب فيضاف لهذا الموجب إلى هذا ~~البيع فقلنا إنه علة اسما. # وكذلك هو علة معنى؛ لأن هذا البيع منعقد شرعا بين المتعاقدين لإفادة هذا الحكم. # وأما أنه ليس بعلة حكما لما في ثبوت الملك به من الأضرار بالمالك في خروج ~~العين عن ملكه من غير رضاه. # (فإذا زال المانع ثبت الحكم به) من الأصل حتى إن المشترى يملكه بزوائده ~~بعد الإجازة من وقت العقد، وكذلك لو أعتقه المشترى يتوقف إعتاقه PageV05P2064 # على إجازة المالك ولو لم يكن ملكا موقوفا فيه لما توقف إعتاقه؛ لأن حكمه ~~تراخى أي حكمه الأصلى وهو الملك البات، وأما الملك الموقوف فثابت لما ذكرنا. # (إن المانع إذا زال وجب الحكم به من حين الإيجاب) حتى يملكه المشتري ~~بزوائده المتصلة والمنفصلة من وقت العقد بخلاف التعليقات، فإنه إذا زال ~~المانع يثبت الحكم فيها وقت زوال المانع. # (لما عرف في موضعه) يعنى إنه بيع المعدوم فينبغي إنه لا يصح؛ لأن المعدوم ~~لا يكون محلا للملك، ولهذا لم يثبت الملك في الأجر لانعدام العلة حكما إلا ~~أن الشرع جوزه لضرورة حاجة العباد إلى ذلك العقد فملك ms801 الأجر بشرط التعجيل ~~لوجود العلة اسما ومعنى فلا يكون متبرعا (لما فيه من معنى الإضافة) أي ~~إضافة الملك إلى وقت المعقود عليه في الأصل وهو المنفعة فلم يثبت الملك فيه ~~مستندا إلى وقت العقد؛ لأن إقامة العين مقام المنفعة في حق صحة الإيجاب دون ~~الحكم، فلذلك قيل: الإجارة عقود مضافة. PageV05P2065 # (وكذلك كل إيجاب مضاف إلى وقت) مثل أن يقول: لله على أن أتصدق عند رأس ~~شهر أو أصوم أو أصلى على ما ذكرنا في باب السبب من مسائل الإضافة (فإنه علة ~~اسما ومعنى)، ولهذا لو عجل قبله يصح، وقد ذكرناه. # (لا حكما) لأنه لم يلتزمه في الحال فكان متشابها للأسباب من حيث إنه لا ~~يستند الحكم إلى وقت الإيجاب بل كان مقتصرا وقت وجود الوقت المضاف إليه. # (اتصل بالأصل لحكمه)؛ لأن الوصف لا يستقل بنفسه، والأصل مع ذلك الوصف علة ~~فكان بمنزلة الأسباب من حيث أن الحكم تأخر إلى شيء آخر فكان منزلة تأخر ~~السرقة من وقت الدلالة إلى وجود فعل السارق بالسرقة (حتى يصح أداء الحكم ~~قبله) أي قبل وجود ذلك الوصف باعتبار وجود العلة اسما ومعنى. PageV05P2066 # (وذلك مثل النصاب في أول الحول) فإنه سبب لوجوب الزكاة بصفة النماء، ~~وحصول هذا النماء منتظر لا يكون إلا بعد مدة قدر الشرع تلك المدة بالحول، ~~وإنما ذكره لم ينتصب الحول شرطا، فإنه عليه السلام قال: "لا زكاة في مال ~~حتى يحول عليه الحول" وحتى كلمة غاية -والغاية صفة للمغيا- لاكلمة شرط، ~~وبانعدام صفة النماء في الحال لا ينعدم أصل المال الذى يضاف إليه هذا الحكم ~~شرعا، فجعلناه علة تشبه السبب حتى يجوز التعجيل بعد كمال النصاب، ولا يكون ~~المودى زكاة للمال لانعدام صفة العلة بخلاف المسافر إذا صام في شهر رمضان ~~والمقيم إذا صلى في أول الوقت فالمؤدى يكون PageV05P2067 # فرضا لوجود العلة مطلقة بصفتها. # (ألا ترى أنه تراخى إلى ماليس بحادث به وإلى ما هو شبيه بالعلل) هذان ~~الوصفان أعنى ما ليس بحادث به وما هو شبيه بالعلل يرجحان جانب السببية ~~للنصاب ms802 ووصف كون النماء غير مستقل بنفسه يرجحث جانب العلية للنصاب؛ لأن ~~تراخى الحكم لو كان لمعنى حادث بالأصل كان الأصل بمنزلة علة العلة فيترجح ~~حينئذ للأصل جانب العلية كما في الرمى فأن الوسائط بينه وبين الحكم وهو ~~زهوق الروح من نفوذ السهم وإصابته وسراية ما جرحة مضافة إلى الأول وهو ~~الرمي، فلذلك كان الرمي علة وههنا لما لم يكن حولان الحول حادثا بالنصاب ~~كان النصاب شبيها بالسبب. # وكذلك كون الذى يوجب التراخي شبيها بالعلل يشعر بأن الأول شبيه بالسبب؛ ~~لأن الحكم لو كان متراخيا إلى ما هو علة حقيقة كسرقة السارق بعد الدلالة ~~كان الأول وهو دلالة الدال سببا حقيقة، فإذا كان متراخيا بما هو شبيه ~~بالعلل كان الأول شبيها بالأسباب ثم إنما قلنا: إن الذي يوجب التراخي ههنا ~~وهو النماء يشبه العلل؛ لأن النماء يوجب المواساة فيكون له أثر في وجوب ~~الزكاة. # وإنما قلنا إن وصف كون النماء غير مستقل بنفسه يرجح جانب العلية؛ لأن ~~النماء وصف المال والوصف لا يقوم بنفسه، وحقيقة السبب أن يكون PageV05P2068 # الحكم متراخيا إلى ما يستقل بنفسه كما في سرقة السارق ولم يوجد ههنا كون ~~ذلك الوصف مستقلا بنفسه فأشبه بالعلل من حيث أن هذا الوصف قائم به. # (وكان هذا الشبة غالبا) أي شبه كون النصاب في أول الحول علة غالب على شبه ~~كونه سببا؛ لأنه بالنظر إلى الأصل وهو النصاب علة وإلى الوصف وهو النماء ~~سبب، والأصل راجح على الوصف. # (أن لا يظهر وجوب الزكاة في أول الحول قطعا)؛ لأن فات وصف العلة فلم تكن ~~العلة موجودة؛ لأن العلة مال نام فلم يكن الوجوب ثابتا قطعا من أول الحول ~~(بخلاف ما ذكرنا من البيوع) أي من البيع الموقوف والبيع بشرط الخيار؛ لأنه ~~ودت العلة ثمة ولم يفت وصف منها، فلذلك عند زوال المانع يثبت الحكم من أول ~~الإيجاب قطعا. # (ثابتا من الأصل في التقدير)؛ لأن الوصف متى وجد اتصل بأصله فكان الأصل ~~موصوفا به من الأصل تقديرا. PageV05P2069 # (وهذا أشبه بالعلل من النصاب) لأن ms803 المرض علة تغير الأحكام بوصف اتصاله ~~بالموت وذلك الوصف لا يستقل بنفسه فكان المرض بمعنى العلة كما في النصاب بل ~~المرض أشبه بالعلل من النصاب؛ لأن وصف الاتصال بالموت حادث بالمرض، فكان ~~شبه المرض بالعلة أقوى من النصاب؛ لأن ترادف الآلام التى هى الواسطة ~~المفضية إلى الموت إنما حدثت من المرض. # فلذلك كان شبه المرض بالعلة أقوى كما في الرمي هو علة لزهوق الروح وإن ~~كانت عليته للموت بالوسائط لكون تلك الوسائط حادثة من الرمي لم تعتبر هى ~~واسطة فكان الرمي علة تامة لمباشرة القتل حتى يجب القصاص على الرامي فكذا هنا. # وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: وكذلك ما هو علة العلة "وإنما قلنا ~~إن التزكية علة العلة، فإن الموجب للحكم بالرجم شهادة الشهود، والشهادة لا ~~تكون موجبة بدون التزكية، فمن هذا الوجه يكون الحكم مضافا إلى التزكية، ومن ~~حيث التزكية صفة الشهادة بقي الحكم مضافا إلى الشهادة PageV05P2070 # أيضا، فأي الفريقين إذا رجع كان ضامنا. كذا ذكره الأمام شمس الأئمة رحمه الله. # (لأنه ليس بطريق موضوع له) أي أحد الوصفين لا يكون موضوعا لوجود الحكم ~~لكن له شبة العلل من حيث أن ركن العلة إنما يتم إذا كان هو مع غيره؛ (لأن ~~ربا النسيئة شبهة الفضل)؛ لأن للنقد مزية على النسيئة عرفا لا حقيقة فيثبت ~~بشبهة العلة؛ لأن الشبهات في باب الحرمات ملحقة بالحقائق. # وأيد ذلك ما روى في الحديث:"إن النبى عليه السلام نهى عن الربا والريبة". ~~ولا يقال: كيف يحرم شبهة الفضل بأحد الوصفين مع أن حقيقة PageV05P2071 # الفضل لا تحرم به؟. # لأنا نقول: ذلك الحكم فلا يمكن إثباته بشبهة العلة؛ لأن الحكم يثبت على ~~حسب ثبوت العلة تحقيقا للمعادلة والمناسبة. # ألا ترى أن البيع الفاسد الذي فيه ضعف لفساده يثبت به الحكم الذى فيه ضعف ~~وهو أنه لا يثبت الملك فيه قبل القبض بخلاف حكم البيع الصحيح. # وقوله: (لأنه مؤثر فيه) أي لأنه طهر أثره فيه في الحال؛ لأن الوصف الأول ~~مؤثر فيه أيضا لما ذكر قبل هذا ms804 بعلة ذات وصفين مؤثرين لكن لم يظهر أثره في ~~الحال، وإنما قلنا إن كل واحد منهم مؤثر. # أما الملك فلأنه يستفاد به ملك العتق فكان بمعنى العلة فكان مؤثرا ~~كالعلة. # وأما القرابة فلأنها مؤثرة في الصلة وفى إبقاء القريب رقيقا قطع الصلة، ~~ولهذا صان الله تعالى هذه القرابة عن القطع بواسطة أدنى الرقين وهو النكاح ~~فلأن تصان عن القطع بأعلاهما وهو ملك اليمين أولى. PageV05P2072 # (حتى يصير المشتري معتقا) أي بواسطة الشراء، ولهذا صحت نية الكفارة عند ~~الشراء ولو كان الحكم مضافا إلى الكل لما صحت كما في الإرث، وليس لأحد أن ~~يقول: أن أحدهما شرط والآخر علة؛ لأنه لو كان كذلك لما صح عن الكفارة عند ~~النية في آخرهما وجودا كما في المحلوف بالعتق. # وبقوله: بعلة ذات وصفين مؤثرين"وقع الإحتراز عنه؛ لأن الشرط ليس بمؤثر. # (أضيف العتق إلى القرابة) إي إلى دعوى القرابة عند الملك؛ لأنه لو لم يضف ~~دعوى القرابة عند الملك لما غرم؛ لأنه لم يوجد منه صنع كما لو ورثا قريب ~~أحدهما. # (فلا يترجح البعض على البعض)؛ لأن شهادتهما إنما صارت حجة للاستحقاق ~~بقضاء القاضي وعند ذلك لا تأخر فيهما ولا تقدم. # (وهذا ليس بعلة حكما) أي السفر هاهنا ليس بعلة للرخصة حكما. PageV05P2073 # فإن قلت: أليس في هذا الذى ذكره مناقضة فإنه ذكر أولا: فكان علة حكما "أي ~~كان السفر علة للرخصة بالإفطار في الصوم ونفى هاهنا كون السفر علة للرخصة فيه! # قلت: لا مناقضة؛ لأن موضوع المسألة فيما ذكر قبل هذا في الذي لم يصبح ~~صائما في حالة الإقامة، بل أصبح غير صائم وهو في السفر كان في حقه علة ~~للرخصة في الإفطار أي في أن لا يصوم. # وأما إذا أصبح صائما وهو مقيم ثم سافر لم يكن سفره ههنا علة للرخصة في ~~الإفطار؛ لأنه لو كان علة لها لأبيح الفطر وليس بمباح له، وذلك لأن العلة ~~حكما هي التى تثبت الحكم حال وجودها فورا ولن تثبت الإباحة ههنا علم أنه ~~ليس بعلة حكما، ولكن مع ms805 ذلك لو أفطر لا تجب الكفارة للشبهة وهى قيام السفر ~~المبيح للفطر في الجملة. # (ولا معنى)؛ لأن المؤثر هو المشقة لا نفس السفر ولو لم يكن علة اسما PageV05P2074 # لوجبت الكفارة لوجود الإفطار وعدم المرخص؛ (لأن الرخصة تعلقت بالمشقة في ~~الحقيقة)؛ لأن للمشقة والحرج تأثيرا في استباحة المحظورات واستجلاب الرخص، ~~وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر" إلا أن المشقة أمر باطن تتفاوت أحوال الناس فيه، ولا يمكن الوقوف ~~على حقيقته فأقام الشرع السفر المقدر بثلاثة أيام مقام تلك المشقة لكونه ~~دالا عليها غالبا. # (إلا أنه متنوع) أي في كونه سببا للمشقة بواسطة الصوم؛ لأن الصوم يحصل به ~~الحمية وهي رأس كل دواء، ثم لو قلنا مع ذلك أن مطلق المرض سبب للرخصة يلزم ~~منه أن نقول: ما هو الموجب للمنفعة موجب للمشقة فكان فيه خرم القاعدة ~~الممهدة. # فإن قلت: بل في قولك بتنوع المرض في تعليق الرخصة خرم القاعدة PageV05P2075 # الممهدة؛ لأن الله تعالى جعل مطلق المرض علة رخصة الإفطار بقوله تعالى: ~~(فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) # حيث لزهما في قرن واحد، والأصل أن المطلق يجري إطلاقه، وفيما ذكرته ترك ~~لهذا الأصل وتفريق للمقترنين في الوصل. # قلت: ليس فيما قلنا ترك الأصل، بل فيه تقييد المطلق لوجود دليل التقييد ~~بالإجماع. # ألا ترى أن ظاهر الآية التي ذكرتها كسف قيد إطلاقه بتقييد الإفطار ~~بالإجماع، فكذا قيد مطلق المرض بالمرض المفضي إلى الحرج بالإجماع. # بيان ذلك الله تعالى قال: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر) لو خلينا ومجرد النظر إلى ظاهرة الآية يلزم أن يصوم المريض والمسافر ~~مرتين في وقتين مختلفتين. # أحدهما- في وقت الأداء، ويتوقت شهر رمضان لقوله تعالى: (فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه) وهما ممن شهد الشهر، وليس في قوله: (ومن كان مريضا أو على ~~سفر) ذكر الإفطار. PageV05P2076 # والثاني: أن يصوم في وقت القضاء لقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) فلابد ~~من أن يقيد ms806 مطلق تلك الآية بقوله: "ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من ~~أيام أخر، ولو لم يرد قوله: فأفطر" يلزم ما قلنا من الصوم مرتين وذلك مدفوع ~~بمرة لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولقوله: (وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج) فيقد ذلك المطلق بما قلنا. # فكذا فيما نحن فيه يقيد بالمرض الذي يضر الصوم لا بالمرض الذي ينفعه ~~الصوم. إذ لو قلنا ذلك يلزم أن يعود الكلام على موضوعه بالنقض؛ لأن الله ~~تعالى جعل المشقة سببا للرخصة لا المنفعة فلذلك افترق المرض والسفر، لما أن ~~السفر وإن قلت مشتقة لم يخل عن نفس المشقة لما أن التحرك للساكن مشقة وفيه ذلك. # (فما كان منه سببا لاسترخاء المفاصل أقيم مقامه) وهو أن يكون مضطجعا أو متكئا # (وكذلك الاستبراء متعلق بالشغل) أي بشغل الرحم بماء الغير PageV05P2077 # ليصون ماءه عن اختلاط ماء الغير ثم نقل إلى (استحداث سبب الشغل) وهو ~~الملك؛ لأن ملك اليمين سبب لشغل الرحم ظاهرا فأقيم الملك مقام الشغل لذلك. # (والثاني: أن يقوم الدليل مقام المدلول)، والفرق بين الدليل والسبب هو أن ~~الدليل إنما يقام مقام المدلول فيما لا يعلم وجود المدلول حقيقة ولكن PageV05P2078 # وجود الدليل ظاهرا يدل على وجود المدلول بخلاف السبب الداعي كالمس في ~~إثبات البعضية ومع ذلك يعلم حقيقة أنه لا يثبت البعضية بمجرد المس. # (وطريق ذلك وفقهه) أي دليل إقامة الشيء مقام غيره، (وفي قيام النكاح مقام ~~الماء) أي الأصل في إثبات النسب الماء إلا أن ذلك أمر باطن فقام النكاح ~~مقامه؛ لأنه سببه. # (كما في تحريم الدواعي في الحرمات) وهو أن الجماع حرام في الظهار وكذلك ~~دواعيه (والعبادات) أي في تحريم الدواعي في العبادات وهو أن الجماع حرام ~~حالة الإحرام والاعتكاف، فكذلك دواعيه من المس والقبلة حرام أيضا، والله ~~أعلم. PageV05P2079 ### || AUTO باب تقسيم الشرط # (لا حكم له قبل العلم من المخاطب)؛ وإنما كان العلم شرطا؛ لأنه لا تحصل ~~القدرة بدونه، والله تعالى نفي التكليف بدون القدرة بقوله تعالى: ms807 (لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها) # وكذلك هذا في كل الشروط في العبادات والعقوبات والمعاملات. PageV05P2080 # (فالصيغة) هي: أن تدخل كلمة من كلمات الشرط. # (والدلالة) هي: أن يكون في الكلام معنى الشرط من غير صيغته. # (وقال بعضهم هو شرط عادة) يعني خرج الكلام على وفاق العادة، فإن الإنسان ~~إنما يكاتب عبده إذا علم فيه خيرا لا أن يكون هذا شرطا. PageV05P2081 # (وهذا قول بأنه لغة)؛ لأنه وجد الشرط ولم يجد معناه، واللغو ليس إلا هذا. # (فأما الإباحة فتستغني عنه) أي الإباحة في الكتابة تستغني عن العلم ~~بالخير. # (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم). (سنة واستحباب) أي عطف قوله: (وآتوهم ~~من مال الله) على قوله: (فكاتبوهم) أجمعنا على أن قوله: (آتوهم) للاستحباب، ~~فكان المعطوف عليه أيضا للاستحباب، وعقد الكتابة وإن كان مباحا قبل أن يعلم ~~فيه خيرا، فإنما يصير مندوبا إليه إذا علم فيه خيرا، فظهرت فائدة الشرط من ~~هذا الوجه. # فإن قلت: يشكل على هذه قوله تعالى: (كلوا من رزق ربكم واشكروا له) حيث ~~عطف الذي هو للوجوب على الأمر الذي للإباحة وهو الأكل. PageV05P2082 # قلت: ليس كذلك، فإن الأكل بقدر ما يقوم به مهجته فرض، وجاز أن يكون ~~المراد هنا ذاك، وإن نفع الأكل راجع إلى العبد والشكر حق الله تعالى، فلذلك ~~قام دليل الوجوب في الشكر لكونه حق الله تعالى، ودليل الإباحة في الأكل ~~لكونه حق العباد وكلامنا فيما إذا كان الحق لواحد. # (قصر الأحوال) أي قصر أحوال الصلاة كالأداء راكبا بالإيماء والإيجاز ~~بالقراءة وتخفيف الركوع والسجود لا أن يكون المراد قصر شطر الصلاة، وإنما ~~عرف هذا بنص أخر وهو قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) فإنما تعلق قصر أحوال ~~الصلاة بالخوف، والقرآن يفسر بعضه بعضا. # (وقال تعالى): (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~فإذا اطماننتم فأقيموا الصلاة) والمراد- والله أعلم- فإذا أمنتم فأتموا PageV05P2083 # الصلاة بأحوالها. # (وربائبكم اللاتي في حجوركم) (فلا تذكر الحجور شرطا)، وكلامنا في صريح ~~الشرط لما أن دلالة ms808 الشرط لما أن دلالة الشرط لا تعتبر في المعرفة والربائب ~~معرفة بالإضافة فكان ذكر الحجور لبيان التقرير كقوله تعالى: (من أصلابكم) ~~وهذا الكلام لرد سؤال وهو أن يقال: ينبغي أن يكون الحجر شرطا؛ لأنه شرط ~~دلالة من حيث الظاهر فيتفقد به حتى لو كانت الربائب في غير الحجر ينبغي أن ~~يجوز نكاحها. # والجواب ما ذكر وهو أن دلالة الشرط إنما تعتبر شرطا في النكرة لا في ~~المعرفة. # (هذا الكلام بمعنى الشرط دلالة لوقوع الوصف في النكرة) لما أن التزوج دخل ~~علة امرأة غائبة غير معينة فكانت نكرة، والوصف في الغائب معتبر فصار كأنه ~~قال: المتزوجة طالق، فكان الطلاق متعلقا بالتزوج بخلاف ما PageV05P2084 # إذا قال: هذه المرأة التي أتزوجها طالق، فإنه لو تزوجها لا تطلق؛ لأن ~~الوصف في الحاضر لغو لما أن الوصف للتعريف؛ لأنه موضوع للتفرقة بين ~~المشتركين، والتعريف الحاصل من الإشارة أقوى من التعريف الحاصل من الوصف، ~~فكان الوصف بعد الإشارة وقع ضائعا فلا يعتبر فبقي قوله: هذه طالق وهي ~~أجنبية فلا يصح. # (ونص الشرط يجمع الوجهين) أي صريح الشرط وهو ذكر حرف من حروف الشرط يجمع ~~وجهي المنكرة والمعينة أي صح فيهما، ويكون الطلاق معلقا فيهما حتى لو قال: ~~إن تزوجت هذه المرأة فهي طالق ثم تزوجها تطلق كما قول قال: إن تزوجت امرأة ~~فهي طالق. # (لما لم تكن عللا بذواتها استقام أن تخلفها الشروط)؛ لأن العلل الشرعية ~~أمارات في الحقيقة فيمكن أن ينقل حكمها إلى ما يقاربها وهو PageV05P2085 # الشروط بخلاف العلل العقلية، فإنها علل بذواتها أي بوضعها فلم يستقيم أن ~~يخلفها الشروط في إضافة الحكم إليها. ألا ترى أن الكسر لما كان علة ~~للانكسار والقطع علة للانقطاع لم يقم غيرهما مقامها في إثبات الانكسار ~~والانقطاع. # (فقد قالوا في شهود الشرط واليمين إذا رجعوا جميعا بعد الحكم إن الضمان ~~يجب على شهود اليمين لأنهم شهود العلة)، وأما إذا رجع شهود الشرط وحدهم. # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" و"المبسوطة": إنهم لا ~~يضمنون. # وقال في "المبسوط" ظن بعض ms809 مشايخنا أنهم يضمنون في هذا الفصل، وقالوا: إن ~~العلة لا تصلح لإضافة الحكم إليها هاهنا فإنها ليست متعدية فيكون الحكم ~~مضافا إلى الشرط على أن الشرط يجعل خلفا عن العلة هاهنا باعتبار أن PageV05P2086 # الحكم يضاف غليه وجودا عنده وشبه هذا بحفر البئر، ثم قال: وهو غلط، بل ~~الصحيح من المذهب أن شهود الشرط لا يضمنون بحال نص عليه في "الزيادات"، ~~وهذا لأن قوله: أنت حر مباشرة الإتلاف للمالية وعند وجود مباشرة الإتلاف ~~الحكم يضاف إليه دون الشرط، ولكن المصنف فخر الإسلام البزدوي وغيره من ~~المشايخ- رحمهم الله- اختاروا جانب الضمان. # وذكر المصنف بعد هذا في الكتاب بخطوط: وإذا رجع الشرط وحدهم وجب أن ~~يضمنوا. # (لما قلنا) وهو قوله: "إن الشرط يتعلق به الوجود دون الوجوب فصار شبيها ~~بالعلل" إلى أخره. # وكذلك قال الإمام فخر الدين قاضي خان- رحمه الله- في أيمان "الجامع ~~الكبير" وإن رجع شهود الدخول لا غير لم يذكر هذا الكتاب، واختلفوا فيه، قال ~~بعضهم: لا يضمنون استدلالا بشهود الإحصان إذا رجعوا وحدهم لا يضمنون، ثم ~~قال: وأكثر المشايخ قالوا بوجوب الضمان عليهم؛ لأن شهود الدخول إن لم ~~يثبتوا علة التلف فقد أثبتوا التلف؛ لأن قوله: أنت حر يصير علة عند الدخول ~~فالحق ذلك بالعلة عند تعذر إيجاب الضمان على صاحب العلة نظرا لصاحب الحق. # أما الإحصان فليس في معنى العلة، بل هو مانع عن العلة وهي الزنا فلا PageV05P2087 # يكون ملحقا بالعلة. # أما الدخول فلا يمنع العلة وهو الإعتاق فأمكن إلحاقه بالعلة، وكذلك في ~~عامة شروح الجامع الكبير حيث ذكر وجوب الضمان على شهود الشرط إذا رجعوا وحدهم. # (وذلك مثل قول علمائنا في رجل قيد عبده ثم حلف) إلى أخره. ذكر هذه ~~المسألة في باب الشهادة في العتق من عتاق "المبسوط" فقال: وهذا بناء على أن ~~قضاء القاضي بالعتق بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرا وباطنا؟ # عند أبي حنيفة- رحمه الله- ينفذ ظاهرا وباطنا، وفي قول أبي يوسف الأخر ~~وهو قول محمد- رحمهما الله- ينفذ ظاهرا لا باطنا، فتبين أن قضاء القاضي ~~بشهادتهما لم يكن نافذا في ms810 الباطن وأن العبد إنما عتق بحل القيد لا ~~بشهادتهما فلا يضمنان عندهما شيئا. # وعند أبي حنيفة- رحمه الله- إنما عتق العبد بقضاء القاضي لنفوذ قضائه ~~ظاهرا وباطنا، وقضاء القاضي كان بشهادتهما، فلهذا ضمنا قيمته؛ لأنا علمنا ~~أنهما شهدا بالباطل. # فإن قيل: هما إنما شهدا بشرط العتق؛ لأنهما شهدوا بوزن القيد أنه دون PageV05P2088 # عشرة أرطال وذلك شرط العتق ولا ضمان على شهود الشرط. # قلنا: لا كذلك؛ بل شهدا بتنجيز العتق؛ لأنهما زعما أن المولى علق عتقه ~~بشرط موجود، والتعليق بشرط موجود كان تنجيزا حتى يملكه الوكيل بالتنجيز ~~وشهود تنجيز العتق يضمنون عند الرجوع. # فإن قيل: قضاء القاضي إنما عند أبي حنيفة- رحمه الله- إذا لم يتقين ~~ببطلانه. # فأما بعد التيقن ببطلانه فلا ينفذ، كما لو ظهر أن الشهود عبيد أو كفار، ~~هاهنا قد تيقنا ببطلان الحجة كان وزن القيد خمسة أرطال وبعد ما علم كذبهم ~~بيقين لا ينفذ القضاء باطنا فيعتق حينئذ بحل القيد. # قلنا: لا كذلك؛ بل نفوذ القضاء عند أبي حنيفة- رحمه الله- باعتبار أنه ~~يسقط من القاضي تعرف ما لا طريق له إلى معرفته وهو حقيقة صدق الشهود ولا ~~يسقط عنه الوقوف على ما بتوصل إليه من كفرهم ورقهم؛ لأن التكليف يثبت بحسب ~~الوسع وقد تعذر على القاضي هاهنا الوقوف على حقيقة وزن القيد؛ لأنه لا يعرف ~~ذلك إلا بعد أن يحله، وإذا حل عتق العبد فتسقط عنه حقيقة معرفة وزن القيد ~~ونفذ قضاؤه بشهادتهما ظاهرا وباطنا. PageV05P2089 # قلت: فعلى هذا كان قوله: "وذلك مثل قول علمائنا" في تشبيه أن شهود العلة ~~إذا كانوا كذبة في شهادتهم يضمنون لما أتلفوا بشهادتهم والكذب منهم يظهر ~~إما برجوعهم عن شهادتهم أو بظهور المشهود به على خلاف ما شهدوا، وهاهنا ظهر ~~كذبهم بظهور المشهود به على خلاف ما شهدوا به فيضمنون عند أبي حنيفة- رحمه ~~الله- لذلك، فكان قوله: "وذلك مثل قول علمائنا" إشارة على قوله: "إن الضمان ~~على شهود اليمين"؛ لأنهم شهود العلة. # هذا على تقرير "المبسوط" على ما ذكرت، وأما على تقرير هذا الكتاب فكان ~~قوله: "فأما إذا ms811 سلم الشرط عن معارضة العلة صلح علة"، فكان ضمان الشاهدين ~~عند أبي حنيفة- رحمه الله- باعتبار أن صاحب العلة وهو المولى بيمينه لما لم ~~يصلح لإيجاب الضمان عليه ضمن صاحب الشرط وهو الشاهدان اللذان أثبتا شرط ~~العتق بشهادتهما إن القيد عشرة أرطال. # وقوله: (فوقع العتق بحل القيد) والحل كان بأمر القاضي فلا يكون موجبا ~~للضمان. # وقوله: (وهذان الشاهدان أثبتا شرط العتق) من تتمة قول أبي حنيفة PageV05P2090 # رحمه الله- وقوله: "ومع ذلك ضمنا" أي على قول أبي حنيفة رحمه الله. # وقوله: (لا تصلح لضمان العتق وهو يمين المولى) إما لأنهما مباحة فلا تصلح ~~سببا للضمان، أو لأن الإنسان لا يضمن لنفسه، أو لأنه تصرف في ملكه. # (وفي مسألة رجوع الفريقين) أي شهود التعليق وشهود وجود الشرط (إيجاب كلمة ~~العتق) وهو قول المولى: أنت حر إن كان كذا، وهما أثبتا تلك الكلمة زورا ~~فكان الضمان عليهما حيث أثبتا العتق فلا ضرورة في خلفية الشرط # (فيكون حفر البئر إزالة للمانع) فصار كوجود الشرط بدخول الدار مثلا PageV05P2091 # فإنه إزالة للمانع فكذا هنا، (ولهذا لم تجب على حافر البئر كفارة) هذا ~~الإيضاح أن حافر البئر صاحب شرط لا صاحب علة. # (فمن قسم الأسباب التي جعلت عللا) لأنها طرق إلى التلف وليست بشروط؛ ~~لأنها لم تكن إزالة مانع للعلة بخلاف حفر البئر ونحوه، فإنه إزالة للمانع ~~لا طريق مفض إلى التلف سابقا عليه، ففي كلتا الصورتين يجب الضمان، (وعلى ~~هذا) الأصل وهو إقامة الشرط مقام العلة عند عدم إمكان الإضافة إلى العلة. PageV05P2092 # (وإن كان التغيير بطبع الأرض والماء والهواء) يعني ا، تغير المغضوب في يد ~~الغاضب موجب للضمان عليه إذا كان بفعل الغاضب، وهنا وإن لم يوجد فعل مغير ~~منه لكن وجد شرط التغير، وهو الإلقاء في الأرض فأقيم مقام العلة. # (لكن العلة) أي العلة هنا لحصول الخارج من البدن قوة الأرض والماء ~~والهواء وهي (مسخرة) بتقدير الله تعالى لا اختيار لها، فلم يصلح لإضافة ~~الحكم إليها، والإلقاء الذي هو شرط جامع بين هذه الأشياء أعني الحب والأرض ~~والهواء ms812 والماء فجعل العلة خلفا عنها في الحكم، وبهذا الطريق يصير الزرع ~~كسب الغاضب مضافا على عمله فكان مملوكا له فكان هذا كالواقع مع الحافر، فإن ~~الثقل الذي هو علة لما لم يصلح لإضافة الضمان إليه أضيف إلى حفر الحافر ~~الذي هو شرط خلفا عنه فكذا هنا. # (فجعل للشرط حكم العلل) أي في حكم الضمان؛ حيث الضمان إلى صاحب الشرط كما ~~يضاف إلى صاحب العلة. PageV05P2093 # (غير منسوب إليه) أي إلى الشرط لئلا يكون في معنى العلل (وأن يكون سابقا ~~عليه) أي على الفعل الاختياري ليكون في معنى السبب. # وقوله: (باتفاق أصحابنا) إنما قيد به احترازا عن مسألة فتح باب القفص حتى ~~طار الطير أو باب الإصطبل فخرجت الدابة فإن فيه خلافا بين أصحابنا فقال ~~محمد- رحمه الله-: فيه بالضمان. # (إزالة للمنع)؛ لأن إباقة إنما صار علة التلف بعد الحل. # (فالسبب مما يتقدم) أي على العلة، (والشرط مما يتأخر) أي عن العلة. # (ثم هو سبب محض) فلا يمكن إضافة الحكم إليه؛ لأن السبب المحض لا يضاف ~~إليه الحكم بل الحكم وهو تلف المالية مضاف إلى ما اعترض عليه من PageV05P2094 # العلة دون ما سبق إلى السبب. # (وكالدابة) تجول بعد الإرسال، فكذلك هذا أي يصلح فعل البهيمة قاطعا لفعل ~~الفاتح حتى لا يجب الضمان على فاتح القفص. # وكذلك صيد الحرام إذا خرج من الحرم يعتبر فعله في قطع الحكم وهو الحرمة ~~الثابتة له بسبب الحرم ولما كان فعل الدابة يعتبر في الجملة اعتبر هنا في ~~حق قطع الفتح عن الفاتح حتى لا يجب الضمان على الفاتح بخلاف من فتح فم زق ~~الدهن أو غيره حتى تلفت ماليته بسيلانه كان على الفاتح الضمان؛ لأن السيلان ~~ليس بفعل البهيمة حتى يصلح قاطعا لفعل الفاتح. PageV05P2095 # وقوله: (ولهذا قلنا فيمن حفر بئرا) متصل بقوله: "لأن الإلقاء هو العلة ~~وقد صلح لإضافة الحكم إليه" (أن العلة صالحة لإضافة الحكم إليها) لكون PageV05P2096 # ذلك الفعل اختياريا فلا ضرورة في جعل الشرط خلفا عنه؛ لأنه ضروري فلا ~~يصار إليه إلا عند الضرورة. # (ووجب ms813 المصير في لاضمان العدوان إلى محض القياس) وهو عدم وجوب الضمان على ~~المشلى؛ لأن ما وجد منه من الإشلاء سبب قد اعترض عليه فعل من مختار غير ~~منسوب إلى ذلك السبب، فإنه لا يكون سائقا بمجرد الإشلاء، ومع الشك في السبب ~~الموجب للضمان لا يجب الضمان بحال. # وحاصل الفرق بينهما ما ذكره في "الهداية" في باب جناية البهيمة: إن ~~البهيمة مختارة في فعله ولا تصلح نائبا عن المرسل فلا يضاف فعله إلى غيره PageV05P2097 # هذا هو الحقيقة، إلا أن الحاجة مست في الاصطياد فأضيف إلى المرسل؛ لأن ~~الاصطياد مشروع ولا طريق له سواه ولا حاجة في ضمان العدوان. # وذكر الفقيه أبو الليث- رحمه الله- إذا أرسل كلبا فأصاب في فوره إنسانا ~~يضمن المرسل وإن لم يكن سائقا له؛ لأنه إذا أرسله وإن لم يكن خلفه فما دام ~~في فوره فكأنه خلفه. # قال الصدر الشهيد- رحمه الله- وعليه الفتوى. كذا في البهيمة في فصل مسائل ~~جناية البهيمة من كتاب الجنايات والحدود. # (ولهذا قلنا فيمن ألقى نارا) يتصل بقوله: "لم يضمن" لأنه صاحب سبب والفعل ~~الموجود بعده غير مضاف إليه؛ لأن هبوب الريح بعدما ألقى النار في الطريق ~~غير مضاف إلى الملقي، وكذلك لدغ الحية بعد ما تحركت بخلاف ما إذا أحرقت قبل ~~الوقوع على الأرض وقبل التحرك؛ لأنه مضاف إليه تسبيبا فيضمن. PageV05P2098 # (وأما الذي هو شرط اسما لا حكما فإن كل حكم تعلق بشرطين فإن أولهما شرطا ~~أسما لا حكما) # فإن قلت: ما الفرق بين الشرط وبين العلة في مثل هذه الصورة، فإن الحكم ~~إذا تعلق بوصفين لم يكن الوصف الأول هناك علة اسما بل كان هو شبهة العلل ~~على ما ذكر فيه بقوله: "وأما الوصف الذي له شبهة العلل" إلى أخره. # وأما الشرط في مثل هذه الصورة فكان الوصف الأول شرطا اسما. # قلت: إنما كان هكذا؛ لأن لكل من الوصفين هناك نوع تأثير. # ألا ترى أنه كيف صرح به بقوله: فكل حكم تعلق بوصفين مؤثرين ولما لم تتم ~~العلة إلا بهما لم يكن كل واحدة ms814 منهما علة بانفراده، فكان شبهة العلل ~~باعتبار تأثيره ولم يكن علة لعدم تمام ركن العلة بخلاف الشرط، فإنه يتم ~~شرطا بانفراده وإن لم يثبت الحكم إلى وجود شرط أخر. # وحاصل ذلك راجع إلى أن اجتماع شروط كثيرة جائز في حق حكم واحد وجوده، ~~كجواز الصلاة مثلا يتوقف على شروط كثيرة، وكل شرط. PageV05P2099 # منها تام في كونه شرطا وإن لم يثبت الحكم عنده وليست العلة كذلك؛ لأنه ~~مستحيل أن يثبت الحكم الواحد في حالة الوجود بعلل كثيرة جمعا، والمعنى فيه ~~أن العلة هي المؤثرة في وجود الحكم، فلما وجد الحكم بواحدة منهما كان وجوده ~~ثانيا محالا بأخرى منها. # وأما الشرط فليس بمؤثر في وجود الحكم؛ بل الحكم يوجد بالعلة عند وجود ~~الشرط فيصح اجتماع الشروط، فكان كل شرط تاما في كونه شرطا، فصح إطلاق اسم ~~الشرط على كل واحد من الشرطين بدون الأخر، ولم يصح ذلك في العلل لما ذكرنا ~~أن المؤثر إحداها التي تسبق منها لا الجميع، ثم إذا لم يتم ركن العلة إلا ~~بوصفين مؤثرين لم يكن كل واحد منهما علة تامة، فلم يكن على أسما. # ولكن كان شبهة العلل باعتبار تأثيره لا عند وجود الوصف الأخر ثبوت الحكم ~~بهما، فكان كل واحد منهما مؤثرا في وجود الحكم، لكن لما لم يتم ركن العلة ~~بوجود الوصف الواحد لم يثبت الحكم بوجوده، فكان هو بانفراده مشابها للعلة ~~لا علة تامة فسمي شبهة العلل لذلك. # (لأن الملك شرط عن وجود الشرط لصحة وجود الجزاء لا لصحة وجود الشرط)؛ لأن ~~الشرط يصح وجوده وإن لم يوجد الحكم عنده على ما PageV05P2100 # ذكرنا. # وأما الملك فشرط لصحة نزول الجزاء، ولهذا لو دخلت الدارين بعد زوال ~~الملك، فإنه يوجد الشرط وتنحل اليمين لا إلى جزاء حتى لو نكحها بعد ذلك ~~ودخلت الدارين لم تطلق، وهذا لأن الملك لو اعتبر عند وجود الشرط إنما يعتبر ~~لبقاء اليمين ولا حاجة إلى بقاء الملك لبقاء اليمين؛ لأن اليمين تبقى بدون ~~بقاء الملك؛ لأن محل اليمين الذمة، فكانت باقية ms815 ببقاء محلها من غير أن ~~يشترط فيه الملك في المحل، ولهذا لو أبانها وانقضت عدتها، فإنه تبقى اليمين ~~ما لم يوجد الشرط وإن عدم الملك، وهو معنى قوله: (ولم يجز شرطه لبقاء ~~اليمين كما قبل الشرط الأول)، فإن اليمين تبقى قبل الشرط الأول بدون بقاء ~~الملك، فكذا بعد الشرط الأول، وهذا لأن الملك في المحل إنما يشترط لنزول PageV05P2101 # الجزاء أو لصحة الإيجاب، وفي الشرط الأول لا يثبت واحد منهما فلا يشترط ~~بقاء الملك عند وجوده. # (لأن حكم الشرط أ، يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط) # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وحد الشرط مل يمنع ثبوت حقيقة بعد ~~وجودها صورة إلى وجوده، كما في تعليق الطلاق بدخول الدار والزنا موجب ~~للعقوبة، ولا يمتنع ثبوت الحكم به إلى وجود الإحصان. # كيف لو وجد الإحصان بعد الزنا لا يثبت بوجوده حكم الرجم، فعرفنا أنه غير ~~مضاف إليه وجوبا به ولا وجودا عند وجوده، ولكنه معرف، فبظهوره PageV05P2102 # يعرف أن الزنا حين وجد كان موجبا للرجم فكان علامة. # (أن مولاه أعتقه) أي أن مولاه الكافر أعتقه (فأنكر العبد والمولى ذلك) أي ~~الإعتاق، وهذا في الأمة ظاهر. # وأما في الغلام فعلى قولهما صحيح أيضا، وفي قوله أبي حنيفة- رحمه الله ~~عليه- يشترط الدعوى من العبد فلا تقبل الشهادة على العتق عنده فب العبد. # (فهلا قبلت هذه الشهادة؟) يعني جرا قبول كرده نه شد اين كواهي دادن كافر ~~بر كافر به اين ك هوي خوي شرا أزاد كرده است كه اين بنده مسلمانست در اثبات ~~رجم وهم جنانكه بكواهي دادن زن عند الاختلاط احصان مرد ثابت مي شود در حق ~~رجم با انكه كواهي زن را مدخل نيست در إثبات حدود. PageV05P2103 # يعني ينبغي أن يتمكن الإمام من إقامة حد الرجم علة هذا العبد بسبب ثبوت ~~العتق بشهادة الكافرين عليه، وإن لم تقبل شهادة الكافر على المسلم في جميع ~~الصور، كما يثبت إحصان الرجم بشهادة النساء حتى يتمكن الإمام من إقامة حد ~~الرجم بشهادة النساء في حق الإحصان، مع أنه ms816 لا تقبل شهادة النساء في الحدود ~~في جميع الصور؛ لما إن إقامة الحد غير مضافة إلى الإحصان لا وجوبا به ولا ~~وجودا عنده؛ لأن هذه الشهادة أعني شهادة الكافرين على عتق العبد المسلم ~~ليست بشهادة على العبد بل شهادة على مولاه الكافر بزوال ملكه حتى ثبت عتقه ~~على مولاه بهذه الشهادة بالإجماع، فيجب أن يثبت أيضا في حق الرجم. # فأجاب عنه بقوله: (والجواب عنه أن لشهادة النساء) إلى أخره. على وجه يقع ~~به الفرق بين شهادة النساء وشهادة الكفار في حق إثبات إحصان الرجم (أن ~~لشهادة النساء مع الرجال خصوصا في المشهود به دون المشهود عليه) أي أن ~~لشهادة النساء خصوصية في حق المشهود به حتى لا تقبل شهادتين في حق الحدود ~~والقصاص وتقبل في غيرهما ولا خصوصية في حق المشهود عليه حتى قبلت شهادتهن ~~في حق المسلمين والكفار جميعا، وإن كان في شهادتهن ضرر على المسلم كما في ~~إثبات المال على المسلم وشهادة الكفار على العكس، ثم هاهنا المشهود به هو ~~الإحصان، والإحصان لا تعلق له في إيجاب الرجم، ولا في الإيجاد عنده، فتقبل ~~شهادة النساء في PageV05P2104 # الإحصان لذلك. # وأما شهادة الكفار فتقبل على الكافرين في جميع الصور سواء كانت في الحدود ~~أو غيرها، فدخل الخصوص في شهادة الكفار في حق المشهود عليه أي تقبل في حق ~~الكفار دون المسلمين، ثم لو قبلنا شهادة الكافر بالإعتاق هاهنا في جميع ~~الأحكام لكان شهادة له على المسلم في حق الرجم عليه وذلك لا يجوز، وإن لم ~~يكن الإحصان شرطا للرجم ولكن له مدخل في الرجم من حيث العلامة، وفيه ضرر ~~على المسلم ولا يجوز أن يثبت الضرر على المسلم بشهادة الكفار بوجه من ~~الوجوه. # قال الله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) فيه نفي ~~لجميع وجوه السبل؛ لأن سبيلا نكرة وقعت في موضع النفي. # وقوله: (ولكن في هذه الحجة) أي في شهادة الإحصان في الموضعين (تكثير محل ~~الجناية) أي من حيث الجناية على نعمة الحرية في أحد الموضعين، وعلى ms817 نعمة ~~إصابة الحلال بطريقة في الموضع الأخر، والجناية تعظم PageV05P2105 # عند كثرة النعمة. # ألا ترى أن الله تعالى كيف ذكر مضاعفة العقوبة على نساء النبي عليه ~~السلام على تقدير إتيانهن بالفاحشة بقوله تعالى: (يا نساء النبي من يات ~~منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) لأن النعم في حقهن دون سائر ~~النساء ضوعفت وتكثرت، فضوعفت العقوبة بمقابلتها عند الجناية لذلك. # وإذا ثبت هذا فشهادة النساء تكون حجة على المسلم وإن كان فيها ضرر عليه ~~كما في إثبات الدين عليه، وإنما لا تكون حجة فيما تضاف إليه العقوبة وجوبا ~~به أو وجودا عنده، وذلك لا يوجد في هذه الشهادة اصلا. # وأما شهادة الكفار ففيما يتضرر به المسلم لا تكون حجة أصلا، فلذلك ثبت ~~العتق بشهادة الكافرين على الكافر ولا يثبت الإحصان للمسلم بالعتق؛ لأن في ~~ذلك ضررا عليه وإن لم يكن ذلك الضرر واجبا به أو موجودا عنده. # (وعلى هذا الأصل) أي تفريغ المسألة على أصل أن الشرط الذي هو PageV05P2106 # علامة (أن شهادة القابلة على الولاة تقبل من غير فراش قائم) أي في ~~المعتدة. # وبها صرح في "التقويم" فقال: وكذلك قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- إذا ~~ولدت المعتدة وأنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة لم يثبت النسب بشهادتها ~~إلا أن يكون الحبل ظاهرا وكان الزوج أقر بالحبل، أو كان النكاح قائما حال ~~الولادة. # وعندهما يثبت بالفراش القائم عند العلوق، والولادة شرط ظهور الولد فهذه ~~الولادة في حق النسب علم محض لنسب قد كان. # وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: إن كان الحبل طاهرا حال قيام الفراش أو ~~كان الزوج أقر به، فقد وجد علة ثبوت النسب وبالولادة يظهر ولد كان ثابت ~~النسب، فلم يمتنع الظهور لمكان ثبوت الولادة بشهادة المرأة، والنسب يثبت ~~بعلة قائمة وهي النكاح فلا يصير مضافا إلى شهادتها. # فأما إذا لم يكن إقرار ولا حبل ظاهر ولا نكاح قائم فابتداء الوجود في ~~حقنا، إنما يثبت بشهادة المرأة بالولادة؛ لأن ما قبله من الوجود وجود باطن ~~في حق الله تعالى لا سبيل ms818 لنا إلى علمه، فيعتبر بالعدم في حقنا كالخطاب ~~النازل من السماء يعتبر عدما في حق من لم يبلغه، وحال البلوغ إليه معتبر في ~~حقه PageV05P2107 # بابتداء الشرع؛ ليكون التكليف بقدر الوسع فكذا هذا، وإذا كان كذلك كان ~~هذا حكما مضافا إلى الشهادة عند عدم العلة وهي إقرار الزوج وغيره فلم يثبت ~~بشهادة القابلة؛ لأنها ليست بحجة على النسب بحيث يضاف غليها، وكذلك الميراث ~~للولد لا يثبت بشهادة القابلة أنه كان حيا. # وقوله: (فإنما يثبت بالفراش) أي بالفراش السابق الذي كان وقت العلوق (لا ~~يتعلق به وجوب النسب)؛ لأن وجوب النسب إنما كان بالعلوق من مائه. # وقوله: (حكما ثابتا) متعلق بقوله: "كان ثبوت النسب"، وقوله: (في حق صاحب ~~الشرع) وهو الله تعالى لا يحتاج في حقه إلى ان يثبت الحكم بناء على الأسباب ~~الظاهرة بخلاف ثبوت الحكم في حقنا؛ للأنا لم نكلف درك الغيوب، فكان مضافا ~~إلى الأسباب الظاهرة. PageV05P2108 # (فيثبت ما كان تبعا له) أي ما كان تبعا لوجود الولادة، وهو الجزاء ~~المتعلق به من الطلاق والعتاق وثبوت النسب وغيرها. # اعلم أن هاهنا مسائل لا بد من تحريرها حتى يتميز فأنت طالق، فقالت: قد ~~ولدت وكذبها الزوج لم يقع الطلاق بقولها بخلاف الحيض؛ لأن الولادة مما يقف ~~عليه غيرها، فقول القابلة يقبل في الولد فلا يحكم بوقوع الطلاق ما لم تشهد ~~القابلة به، والحيض لا يقف عليه غيرها- ولا يقع الطلاق ما لم تشهد القابلة ~~به، والحيض لا يقف عليه غيرها- فلذلك يقبل قولها- فإن شهدت القابلة ~~بالولادة ثبت نسب الولد بشهادتها، ولا يقع الطلاق عند أبي حنيفة رضي الله ~~عنه ما لم يشهد بها رجلان أو رجل وأمرأتان. # وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- يقع الطلاق بشهادة القابلة؛ لأن شرط ~~الوقوع ولادتها، وقد صار محكوما بها بشهادة القابلة بدليل ثبوت نسب الولد، ~~ولأن شهادة القابلة في حال قيام الفراش حجة تامة في حق النسب وغيره كجريان ~~اللعان وثبوت الحد وأمومية الولد، فكان حجة في حق وقوع الطلاق، يعني إذا ~~ولدت امرأته ولدا فقال الزوج: ليس هو ms819 مني ولا أدري أنت ولدته أم لا؟ فشهدت ~~القابلة- حكم باللعان بينهما، ولو كان الزوج حرا محدودا في قذف أو عبدا وجب ~~عليه الحد. PageV05P2109 # ولو قال لجاريته: إن كان بها حبل فهو مني، فشهدت القابلة على ولادتها ~~صارت أو ولد له. # وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: شرط الطلاق إذا كان لا يثبت إلا بالشهادة ~~فلابد فيه من شهادة رجلين وامرأتين كسائر الشروط، وهذا لأن شرط الطلاق كنفس ~~الطلاق، وتأثيره أن شهادة المرأة الواحدة ليست بحجة أصلية، وإنما يكتفي بها ~~فيما لا يطلع عليه الرجال لأجل الضرورة، والثابت بالضرورة، والثابت ~~بالضرورة لا يعدو موضعها، والضرورة في نفس الولادة وما هو من الأحكام ~~المختصة، والحكم المختص بالولادة أمية الولد للأم واللعان عند نفي الولد. # وأما وقوع الطلاق والعتاق فليس من الحكم المختص بالولادة، بل إنما يقع ~~بإيقاعه عند وجود الشرط، ونسب الولد من الأحكام المختصة بالولادة مع أن ~~النسب عند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يثبت بشهادة القابلة، وإنما يثبت يعين الولد. # فأما ثبوت النسب فبالفراش القائم، وكون شهادة القابلة حجة في ثبوت النسب ~~لا يدل على أنها تكون حجة في وقوع الطلاق، فكان هذا كقوله: إذا قال لإحدى ~~امرأتيه: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك- وهذا في صورة الإنكار-. # وأما إذا كان الزوج أقر بأنها حبلي ثم قال لها: إذا ولدت فأنت طالق، PageV05P2110 # فقالت: قد ولدت. # فعند أبي حنيفة- رحمه الله- يقع الطلاق بمجرد قولها، وعندهما لا يقع إلا ~~أن تشهد القابلة به؛ لأن الشرط ولادتها، وذلك مما يقف عليه القابلة فلا ~~يقبل فيه مجرد قولها كما في الفصل الأول. # ألا ترى أن نسي الولد لا يثبت إلا بشهادة القابلة، وإن أقر الزوج بالحبل، ~~فكذلك فى الطلاق. # وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: إنه علق وقوع الطلاق ببروز موجود في ~~باطنها فيقع الطلاق بمجرد خبرها. كما لو قال: إذا حضت فأنت طالق، وهذا لأن ~~وجود الحبل بها يثبت بإقرار حبل الزوج، فلما جاءت الآن وهي فارغة وتقول: قد ~~ولدت فالظاهرة يشهد لها أو ms820 يتيقن بولادتها وهذا بخلاف النسب؛ لأن مجرد ~~الولادة تثبت بقولها، وليس من ضرورته تعين هذا الولد؛ لجواز أن تكون ولدت ~~غير هذا من والد ميت ثم تريد حمل نسب هذا الولد عليه، فلهذا لا يقبل قولها ~~في تعيين الولد إلا بشهادة القابلة. # فأما وقوع الطلاق فيتعلق بنفس الولادة أي ولد كان من حي أو ميت، وبعد ~~إقرار الزوج بالحبل يتيقن بالولادة إذا جاءت وهي فارغة. هذا كله من باب ~~الطلاق من طلاق ((المبسوط)). PageV05P2111 # (وكذلك قالا في استهلال الصبي إنه تبع للولادة) يعني لو شهدت القابلة بأن ~~المولود استهل بعد الولادة يثبت حياته فى حق الإرث عندهما بطريق ثبوت ~~التبعية للولادة، كما يثبت حياته في حق الصلاة بالاتفاق. # وذكر في باب شهادة النساء من شهادات ((المبسوط)). # وأما الاستهلال فإني لا أقبل فيه شهادة النساء إلا في الصلاة عليه. # وأما في الميراث فلا أقبل في ذلك أقل من رجلين أو رجل وامرأتين، وهو قول ~~أبي حنيفة- رضي الله عنه. # وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- تقبل في ذلك شهادة امرأة واحدة حرة ~~مسلمة عدلة؛ لأن استهلال الصبي يكون عند الولادة وتلك حالة لا يطلع عليها ~~الرجال، وفي صوته عند ذلك من الضعف ما لا يسمعه إلا من شهد تلك الحالة، ~~وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال كشهادة الرجال فيما يطلعون، ولهذا ~~يصلى عليه بشهادة النساء، فكذلك يرث. # وأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: الاستهلال صوت مسموع وفي السماع الرجال ~~يشاركون النساء، فإذا كان المشهود به مما يطلع عليه الرجال لا تكون شهادة ~~النساء فيه حجة تامة، وإن وقع ذلك في حالة لا يحضرها الرجال PageV05P2112 # كالشهادات على جراحات النساء في الحمامات، بخلاف الولادة فهي انفصال ~~الولد من الأم، والرجال لا يشاركون النساء فى الاطلاع عليها، وإنما قبلنا ~~ذلك في حق الصلاة عليه؛ لأن ذلك من أمر الدين، وخبر المرأة الواحدة في ذلك ~~حجة تامة في ذلك كشهادتها على رؤية هلال رمضان، بخلاف الميراث فإنه من حقوق ~~العباد, فلا يثبت بشهادة النساء في موضع يكون المشهود به مما ms821 يطلع عليه ~~الرجال. # وقوله: (فأخذ أبو حنيفة- رضي الله عنه- فيه) أي في استهلال الصبي أي في ~~ثبوت استهلال الصبي في حق الإرث أخذ (بحقيقة القياس) في أن استهلاله لا ~~يثبت في حق الإرث بمجرد شهادة القابلة بل حجة كاملة وهي شهادة رجلين أو رجل ~~وامرأتين. # وقوله: (إن الوجود من أحكام الشرط) أي وجود الحكم، وإذا كان الحكم بالشرط ~~وجودا (فلا يثبت) الشرط في حق الحكم (إلا بكمال الحجة) وهو شهادة رجلين أو ~~رجل وامرأتين كما في وجود الشرط بدخول الدار، (والولادة) لم تثبت بشهادة ~~القابلة مطلقا، بل تثبت من وجه دون وجه كتعليق طلاق المخاطبة وضرتها بحيض ~~المخاطبة، ثم قالت المخاطبة: حضت يثبت حيضها في حق حكم مخصوص بالمخاطبة وهو ~~طلاقها لا طلاق ضرتها. PageV05P2113 # فكذلك هاهنا أثبتنا حكم الولادة فيما يختص بها دون ما لا يختص بها، فثبوت ~~النسب وجريان اللعان وأمومية الولد مما يختص بالولادة، فيثبت وقوع الطلاق ~~والعتاق، والتوريث مما لا يختص بها فلا يثبت، وهو معنى قوله: (فلا يتعدى ~~إلى التوابع) أراد بالتوابع ما ذكرنا من وقوع الطلاق والعتاق والتوريث. # (لا ترد على البائع وإن كان قبل القبض) مع أن الرد قبل القبض يشبه ~~الامتناع من القبول؛ لأن القبض يشبه العقد ومع ذلك لا يرد بشهادتها، وكذلك ~~لا يرد بعد القبض؛ لأن ذلك يكون نقضا للبيع لا امتناعا، فلما لم يتمكن ~~بشهادتها من الامتناع لم يتمكن من نقضه بالطريق، والله أعلم. PageV05P2114 ### || AUTO باب تقسيم العلامة # (فما يكون علما على الوجود) أي يكون هو دلالة الوجود فيما كان موجودا ~~قبله كما في علم الثوب، وعلم العسكر. # (على ما قلنا) أي في بيان الشرط الذي هو علامة، (وقد تسمى العلامة شرطا) ~~من حيث إن كل واحد منهما دال على وجود الحكم. # (فصارت العلامة نوعا واحدا) وهو ما كان علما على الوجود من غير أن يتعلق ~~به وجوب الحكم ولا وجوده عنده. PageV05P2115 # (بل هو معرف) أي العجز معرف لذلك القذف بأنه كبيرة من حين وجد لا أن يصير ~~كبيرة عند العجز، ms822 إلا أنه يحتمل أن يكون صادقا، فلذلك وجب التأخير إلى زمان ~~يتمكن فيه من إثباته، فإذا عجز ظهر أنه حين وقع وقع كبيرة. # (فيكون سقوط الشهادة سابقا عليه) أي على العجز؛ (لأنه أمر حكمي)؛ أي لأن ~~سقوط الشهادة أمر حكمي أي حكمه شرعي، والحكم الشرعي جاز أن يتوقف كالعقد ~~الموقوف على الإجازة، فإذا أجير العقد استند الحكم إلى السبب حتى تكون ~~الأكساب الحاصلة قبل الإجازة للمشتري، فكذلك سقوط الشهادة أمر شرعي يتوقف ~~على العجز عن إقامة البينة، فإذا كان العجز معرفا سقوط الشهادة سابقا على ~~العجز تسقط الشهادة بنفس القذف، حتى إذا شهد القاذف في حادثة قبل العجز عن ~~إقامة البينة، ثم ظهر العجز لم تقبل شهادته في تلك الحادثة عنده. PageV05P2116 # أما الجلد عنده ففعل حسي فلا يمكن أن يثبت الجلد بعد العجز مستندا إلى ~~وقت القذف؛ بل يكون بعد العجز لا محالة، فلا يتصور وجوده قبله، (وذلك أن ~~القذف كبيرة) بنفسه لما أنه إشاعة الفاحشة (وهتك) لستر عفة (المسلم). # (والأصل في المسلم العفة)؛ لوجود ما يمنعه من الفاحشة وهو العقل والدين، ~~والعمل بالأصل واجب ما لم يوجد دليل أقوى منه يترك به الأصل، فكان الدليل ~~موجودا بكون القذف كبيرة في الحال لرجحان جهة الكذب بالأصل الذي ذكرنا، ~~فتسقط شهادته بنفس الكبيرة كما في سائر الكبائر. # وقوله: (هذه الجملة) أراد بها قوله تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~ياتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)). # وحاصله أن العجز شرط للجلد وسقوط الشهادة، والمتعلق بالشيء لا يسبقه لما ~~أن الثابت بالكتاب الجلد ورد الشهادة، وكل منهما فعل ذكر جزاء لفعله. # ألا ترى أن الكل مفوض إلى الإمام، فكان جزاء، والجلد مرتب على PageV05P2117 # العجز ورد الشهادة عطف عليه فكان هو مرتبا على العجز أيضا لا محالة ولما ~~كان كذلك كان سقوط الشهادة حكما لرد الشهادة الذي يحصل من فعل الإمام لا أن ~~يكون حكما للقذف؛ لأنه لو كان حكما للقذف لما صح تفويضه إلى الإمام. # (وإذا كان كذلك لم يصلح) أي العجز لم ms823 يصلح أن (يجعل معرفا، وأصل ذلك) أي ~~وأصل ما قلنا أن العجز لا يصلح أن يكون معرفا؛ (لأن البينة على ذلك مقبولة) ~~أي على فعل الزنا مقبولة. # (الحسبة): اسم للاحتساب، مزد حشم داشتن از نزد خداي تعالى بمقابلة فعل, ~~وقيل: الحسبة الأجر. (في إقامة حد الزنا) وإقامة حد الزنا حق من حقوق الله ~~تعالى خالصة، والساعي في إقامته محتسب مقيم حق الله تعالى. PageV05P2118 # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وكيف يكون نفس القذف كبيرة وقد تتم ~~به الحجة موجبا للرجم، فإن الشهود على الزنا قذفه في الحقيقة، ثم كانت ~~شهادتهم حجة لإيجاب الرجم، فعرفنا أن ما ادعاه الخصم من المعنى الذي يجعل ~~به نفس القذف مسقطا للشهادة ما لا يمكن تحقيقه. # (لكنه لم يصلح علة للاستحقاق) أي لاستحقاق رد شهادة القاذف؛ لأن الأصل ~~يصلح دافعا مثبتا كاليد الثابتة على العين، فإنها دافعة يد الغير لا مثبتة للملك. # (ولو صلح لذلك) أي ولو صلح الأصل مثبتا لاستحقاق رد شهادة القاذف (لما ~~قبلت البينة) على الزنا (أبدا)، وهذا لأن البينة وإن كانت أقوى من الأصل ~~الذي هو العفة، لكان هذا الأصل شبهة في ثبوت الزنا فلا تقبل البينة، وحيث ~~قبلت بالإجماع دل أن الأصل لا يصلح موجبا. # وقوله: (لكن الإطلاق) متعلق بمحذوف وهو: أن القذف ليس بكبيرة بدلالاة ~~قوله: ((فكيف يكون كبيرة)) أي أن القذف في نفسه ليس بكبيرة لكن تجويز القذف ~~مقيد (بشرط) طلب (الحسبة) أي الأجر والثواب من الله تعالى بقذفه ذلك؛ لأن ~~الخبر بقوله: هو زان- خبر متميل بين الصدق والكذب، PageV05P2119 # والإطلاق له إنما يصح إذا اختار الحسبة حتى لو كان ذلك عن ضغينة لا يحل ~~له ذلك وإن كان صادقا، ثم اختيار الحسبة إنما يعلم إذا كان له شهود حضور، ~~فوجب تأخير القاذف إلى ما يتمكن به من إقامة الشهود وهو الزمان الذي يرى ~~الإمام تقديره، وإذا لم يتمكن منه في ذلك الزمان وظهر عجزه فقد وجد الشرط ~~فيترتب عليه الجزاء لرجحان الكذب على الصدق. # (ثم لم يؤخر حكم قد ظهر) ms824 أي قد ظهر حكم وهو حد القذف بالجلد ورد الشهادة ~~عند وجود شرطه وهو العجز عن إقامة البينة بسبب ما يحتمل وجود البينة بعد ذلك. # فإن قيل: ينبغي أن يؤخر هذا الحكم وهو إقامة حد القذف إلى آخر جزء من ~~أجزاء حياته؛ لأن عدم الإتيان بأربعة شهداء شرط إقامة حد القذف، والعدم لا ~~يتحقق ما لم يمت كما في قوله: إن لم آت البصرة فهو كذا وهو معروف. # قلنا: الشرط عدم الإتيان بالشهود في الحال إذ لو لم يكن كذلك لخلا قوله: ~~((فاجلدوهم)) عن الفائدة؛ لأنه بعد ما مات لا يمكن الجلد ولا رد الشهادة، ~~وكان هذا كقوله تعالى: ((فمن لم يجد فصيام شهرين))، وقوله: PageV05P2120 # (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)، فإن فيهما عدم وجود المال في الحال لا ~~العدم المستغرق للعمر، فكذا هنا. # (فإذا أقيم عليه الحد ثم جاء ببينة يشهدون بالزنا قبلنا وأقمنا الحد على ~~المشهود عليه) وهو المقذوف، (وأبطلنا عن القاذف رد الشهادة) وقبلنا شهادته ~~بعد ذلك، لأن سقوط الشهادة ثبت بحسب عجزه، فإذا قدر على إقامة الشهود علم ~~أنه لم يكن عاجزا. # (كذا ذكره في "المنتقى") في رواية لا تقبل شهادته؛ لأن من ردت شهادته في ~~حادثة لم تقبل شهادته بعد ذلك أبدا، كالفاسق إذا شهد في حادثة فردت شهادته ~~لفسقه، ثم تاب يشهد في تلك الحادثة لم تقبل شهادته بعد ذلك PageV05P2121 # فيها أبدا فكذلك ها هنا، (وإن كان تقادم العهد) قيل هو ستة أشهر (لم نقم ~~الحد على المشهود عليه، وأبطلنا رد الشهادة عن القاذف) كل ذلك للشبهة، فصار ~~هذا بمنزلة من ادعى السرقة على الغير وأقام البينة رجلا وامرأتين يثبت ~~المال ولا يجب الحد، فكذلك ها هنا لا يثبت حد الزنا ولكن تقبل شهادة ~~المحدود في القذف. # وقوله: (غير فصل التقادم) أي لم يذكر في "المنتقى" مسألة التقادم وهي ~~قوله: وإن كان تقادم العهد لم يقم الحد على المشهود عليه وذكر غيرها فيه ~~ويتصل بهذه الجملة. PageV05P2122 ### || AUTO باب العقل # أي يتصل بالجملة التي ذكرناها ms825 من أول الكتاب إلى هذا ### || AUTO (باب العقل) # ، فوجه الاتصال هو أن إثبات مساواة حكم العام بحكم خاص بدليل الاجتهاد ~~وهو محتاج إلى العقل، وكذلك لإثبات قطيعة أحكام الظاهر والنص والمفسر ~~والمحكم مع تفاوت في القوة والضعف فيما بينها، ولباب القياس في التفرقة بين ~~العلل الطردية والمؤثرة ووجوه القياس والاستحسان، ولمعرفة السبب والعلة ~~والشرط والعلامة وأحكامها لم يكن بد من العقل، فكان بابه متصلا بهذا لهذه ~~المناسبة، فكان قوله: "بهذه الجملة" إشارة إلى ما ذكر في أول باب معرفة ~~أقسام الأسباب والعلل بقوله: "جملة ما يثبت بالحجج التي سبق ذكرها" إلى ~~آخره. PageV05P2123 # وقال الإمام اللامشي -رحمه الله- بعد ما ذكر الأقوال المختلفة في حد ~~العقل: والصحيح أنه جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة. # (فوق العلل الشرعية)؛ لأن العلل الشرعية أمارات في الحقيقة لا موجبات ~~بذواتها، فيصح تخلف أحكامها لمعنى بعد وجود العلة بتمامها كبقاء صوم الناسي ~~لأكله، وعدم ثبوت حكم البيع في البيع بشرط الخيار بخلاف العلة العقلية، فإن ~~وجود الكسر ولا تخلف الانقطاع بعد وجود القطع. # (ولا عذر في الوقف عن الطلب) أي طلب الحق. PageV05P2124 # (أنه من أهل النار) لوجود ما هو الموجب للإيمان وهو العقل. # (حتى أبطلوا إيمان الصبي) لعدم ورود الشرع، ولا عبرة لعقله لعدم تكليف ~~الشرع عليه، فصار إيمانه كإيمان صبي غير عاقل، (وهذا الفصل أعني أن يجعل ~~شركه معذورا) بسبب أن عقل الصبي العاقل غير معتبر، فكان شركه كلا شرك. # (تجاوز عن الحد) أي عن حد طرف عدم اعتبار العقل، (كما تجاوزت المعتزلة عن ~~الحد في الطرف الآخر) وهو طرف اعتبار العقل على وجه كان PageV05P2125 # الصبي مكلفا بالإيمان قبل البلوغ، وكلا طرفي المر ذميم، وخير الأمور ~~أوساطها، ودين الله تعالى بين الغلو والتقصير. # (وهو من أعز النعم)؛ لأن الإنسان به يمتاز من سائر الحيوان وبه يتمكن من ~~معرفة الصانع ومن الوقوف على الأحكام التي لم يرد الشرع بها بالتنصيص، وبه ~~يتوصل إلى السعادة الأبدية والنعم السرمدية. # (يضيء به الطريق) الباء في به للسببية لا للتعددية- (الذي ms826 مبدؤه من حيث ~~ينقطع إليه اثر الحواس)، يعني أن العاقل إذا نظر إلى محسوس أدرك بحسه ما هو ~~محسوس، فإذا انقطع أثر حسه عن درك ما غاب عن الحس يبتدئ طريق درك الغائب ~~الذي هو محسوس، وهذا إنما يتأتى فيما له صورة محسوسة. # وأما في موجود لا يحس أصلا إنما يبتدئ طريق العلم من حيث يوجد كالعلم ~~مثلا أنه لا يحس ويحتاج فيه إلى أن العلم معنى راجع إلى ذات العالم أو راجع ~~إلى غير ذاته؟ وكذلك في غيره. PageV05P2126 # (ثم هو عاجز بنفسه)؛ لأنه آلة العمل وآلة العمل بدون العالم غير مفيدة. # (وما بالعقل كفاية بحال) أي بدون إعانة الله تعالى والتأمل والتجنب عن ~~الهوى والبدع، فكان العقل معتبرا؛ لأنه لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى ~~معرفة الصانع إلا به، وهو سبب الأهلية، ولم يكن موجبا للأحكام بذاته. # (ولذلك قلنا) أي ولأجل أن العقل غير موجب بذاته، بل بإيجاب الله تعالى ~~وما به كفاية بحال، قلنا: (إن الصبي لا يكلف بالإيمان)؛ لأن الله تعالى لم ~~يكلف الصبي شيئا من العبادة. # قال النبي عليه السلام: "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم"، والإيمان رأس ~~العبادات فلم يكن مكلفا به إلا أنه إذا آمن بالله تعالى وهو عاقل يقع عن ~~الفرض مع أنه غير مخاطب به كصوم المسافر وجمعته، لما أن الإيمان بعد PageV05P2127 # الوجود بحقيقته لم يقع نفلا في حق شخص ما البتة، بل يقع فرضا يقال: صبي ~~مراهق أي مدان للحلم، من رهقه: دنا منه، ومنه: "إذا صلى أحدكم إلى سترة ~~فليرهقها" (حتى إذا عقلت المراهقة ولم تصف) أي دينا من الأديان لا الإسلام، ~~ولا الكفر أي ولم تقر به، (لم تجعل مرتدة ولم تبن من زوجها). # فإن قلت: التوقف فيما يجب الإيمان به كفر، وترك وصف الإسلام أي وترك ~~الإقرار به وإباء الإسلام عند العرض عليه كفر وارتداد من المبالغة، فلم لم ~~يجعل من العاقلة ارتدادا مع أن ارتداد العاقلة صحيح لما ذكر بعد هذا بقوله: ~~"ولو عقلت وهي مراهقة فوصفت ms827 الكفر كانت مرتدة وبانت من زوجها". # قلت: إنما لم يجعل الإقرار بالإسلام من المراهقة العاقلة ارتدادا لبقاء ~~تبعية PageV05P2128 # أبويها المسلمين بسبب بقاء وصف الصبي، ثم لما بلغت خرجت لاستبدادها بنفس ~~البلوغ، فحينئذ كان ترك الإقرار بالإسلام، ارتدادا مها، لكونها مخاطبة ~~بالإيمان وعدم بقاء التبعية. # بخلاف ما قبل البلوغ فإنها لما لم تكن مخاطبة بنفسها بطريق الاستبداد ~~بقيت تبعية أبويها، فجعلت مسلمة بإسلام أبويها بخلاف ما إذا صرحت بالإقرار ~~بالإسلام أو بالكفر وهي مراهقة عاقلة حيث تخرج عن تبعية أبويها بالتصريح ~~بالإقرار بالإسلام عن عقل، أو بالتصريح بالردة عن عقل لضرورة الحكم بصحة ~~إيمان الصبي العاقل وصحة ارتداده، وحصل من هذا أنه وقع الفرق بين التصريح ~~بالردة وبين ترك الإقرار بالإسلام في حق المراهقة العاقلة حيث جعل الأول ~~كفرا ولم يجعل الثاني كفرا، لإمكان بقاء تبعية أبويها المسلمين لبقاء معنى ~~الصبي فيما لم تصرح بالإفراد بالكفر لعدم الخطاب. بخلاف البالغة حيث يجعل ~~كلاهما كفرا لوجود الخطاب في حقها. # وقال الإمام شمس الأئمة رحمه الله في "الجامع الكبير": إذا أراد الزوج أن ~~يستوصفها لا ينبغي له أن يقول لها: صفي الإسلام، فإنها تعجز عن ذلك وإن ~~كانت تحسنه حياء من زوجها، ولكن يصف بين يديها ويقول: هذا اعتقادي وظني بك ~~أن تعتقدي هذا، فإن قالت: نعم، كفى ذلك، فكانت مسلمة حلالا له، وإن قالت: ~~لا أعرف شيئا مما تقول، فلا نكاح بينهما جينئذ، ولم يبين في الكتاب قدر ما ~~يحتاج أن يصف بين يديها أو يستوصفها. PageV05P2129 # قالوا: والأصل فيه حديث سؤال جبريل عليه السلام، وجواب رسول الله عليه ~~السلام، وذلك حديث معروف. # وقوله: (ولو عقلت وهي مراهقة فوصفت الكفر كانت مرتدة وبانت من زوجها) أي ~~على قول أبي حنيفة ومحمد -رحمه الله-. # وأما على قول أبي يوسف -رحمه الله- لا تكون مرتدة ولا تبين من زوجها؛ لأن ~~ارتداد الصبي لا يصح عنده، وذكر ذلك في "الجامع الكبير" أي في الباب السادس ~~من نكاح "جامع الكبير". # (وكذلك يقول في الذي لم تبلغه الدعوة أنه ms828 غير مكلف بمجرد العقل) أي ~~البالغ الذي لم تبلغه الدعوة إنما لم يكلف بمجرد العقل إذا لم يصادف مدة ~~يتمكن فيها من التأمل والاستدلال ومعرفة الخالق، بأن بلغ على شاهق الجبل أو ~~في دار الحرب فمات من ساعته من غير أن يصف إيمانا ولا كفرا كان PageV05P2130 # معذورا، وهو كالصبي العاقل إذا لم يقر بالإسلام ولا بالكفر. # (وأما إذا أعين بالتجربة وأمهل لدرك العواقب) يعني بعد البلوغ فهو مكلف ~~بالإيمان لم يعذر في الجهل بالصانع لما أنه رأى أبنية كثيرة من السماء ~~والأرض والجبال والأشجار والنبات. وألهم أن البناء لا يوجد بدون الباتي، ~~فوجب عليه الاستدلال بها، إذ البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على ~~المسير، فهذا الهيكل العلوي والمركز السفلي أما يدلان على صانع خبير!!! # لأنه (قد استوفى مدة التجربة والامتحان)؛ لأنه صار بحال يصلح جدا على ما ~~ذكرناه في "الوافي" فلم يبق من أثر صباه شيء، فلابد أن يزداد فيه PageV05P2131 # نوع رشد وهو الشرط لدفع المال إليه، قال الله تعالى: (فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم). ذكره منكرا. # (وليس على الحد في هذا الباب دليل قاطع) أي في حد مدة التجربة دليل قاطع ~~حتى يخرج المكلف بها من أن يكون معذورا؛ إذ ذلك يختلف باختلاف العاقل، فرب ~~عاقل يهتدي إلى التجربة في زمان قليل، ورب عاقل لا يهتدي بل يحتاج إلى زمان ~~كثير، فلذلك لم يكن في تقدير المدة فائدة. # (سوى أمور ظاهرة نسلمها له) أي سوى الأمور الظاهرة التي يحكم العقل ~~بثبوتها كحسن شكر المنعم وحسن العدل والصدق والإحسان وقبح كفران المنعم ~~والظلم والكذب أي في هذه الأشياء نسلم لمن جعل العقل حجة موجبة على وجه ~~يمتنع ورود الشرع بخلافه بأن العقل يوجب أن يكون هذه الأشياء على هذه ~~الصفات، لكن لا يكون إيجاب العقل بحكمه في هذه PageV05P2132 # الأشياء بهذه الصفات حجة لمن جعل العقل حجة موجبة فيما ادعاه من الحكم، ~~بأن العقل حجة موجبة في جميع الأشياء؛ لأن العقل كما يوجب أن يكون هذه ~~الأشياء ms829 على هذه الصفات، كذلك الشرع يوجب ذلك أيضا، قال تعالى: (واشكروا ~~نعمة الله). # وقال تعالى: (إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر)، ويدخل تحت ذكر الفحشاء والمنكر كل ما يستقبحه العقل ~~والشرع. # وكذلك من كان في مغارة فتصدى له طريقان للوصول إلى المقصد، أحدهما يخاف ~~فيه المهالك والآخر لا يخاف فيه المهالك، فالعقل يحكم بالسلوك في هذا ~~الطريق الذي لا يخاف فيه المهالك وكذلك الشرع. قال الله تعالى: (ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة). # فعلم بهذا أنه لا دليل له على أن العقل موجب بذاته حسن ما هو حسن وقبح ما ~~قبيح، بل الموجب هو الله تعالى في الحقيقة. # ألا ترى أن الله تعالى لم يخل زمانا من الشرع، قال الله تعالى: (وإن من ~~أمة إلا خلا فيها نذير)؛ وهذا لأن من المشروعات ما لا يدركه العقل أصلا PageV05P2133 # مثل المقدرات من أعداد الركعات ومقادير الزكوات والحدود وغير ذلك. # علم بهذا كله لا العقل لا يصلح أن يكون موجبا بنفسه، لا لأصل شيء ولا لصفته. # (إذا قتلوا ضمنوا) أي يصيرون مضمونين، (فجعل كفرهم عفوا)، حيث جعلهم ~~كالمسلمين في الضمان. (ومن كان فيهم من جملة من يعذر) أي في الكفار الذين ~~لم تبلغهم دعوة الإسلام من كان معذورا في ترك الإيمان بأن بلغ في الحال ولم ~~يجد مدة الإمهال والتجربة أو كان صبيا، فإن كلا منهم لم يستوجب عصمة النفس ~~والمال عندنا ما لم يحرز نفسه وماله بدار الإسلام وعنده استوجب ذلك بدون ~~الإحراز بدار الإسلام. # وقوله: (وذلك) إشارة إلى قوله: فلا دليل له أيضا، (فإنما يلغيه بطريق ~~دلالة الاجتهاد) لأنه إذا لم يجد في الشرع دليلا على مذهبه فلا بد له من أن PageV05P2134 # يستدل عليه من دليل العقل، نحو أن يقول مثلا: نفس العقل غير معتبرة في أن ~~يكون العبد مكلفا بالإيمان والشرائع كالصبي العاقل، فإن له أصل العقد ومع ~~ذلك لم يخاطب بشيء، لأن الشرع لم يرد به. # (فيتناقض مذهبه)؛ لأنه نفى اعتبار العقل بالعقل فكان ms830 نافيا ما أثبته ~~مثبتا ما نفاه، (وأن العقل لا ينفك عن الهوى) يعني أن العقل معتبر، لأن من ~~ألغاه متناقض ولكن مع كونه معتبرا ليس هو بحجة بذاته وليس بمستغن بنفسه. # (وإنما يستوجب نسبة الأحكام إلى العلل) إلى آخره، جواب سؤال مقدر وهو أن ~~يقال: لو لم يكن العقل حجة موجبة بنفسه للأحكام لما أضيفت الأحكام الشرعية ~~الثابتة بالاجتهاد والقياس إلى العقل حيث يقال: هذا الحكم ثابت بالقياس ~~والقياس إنما يكون بالعقل، وكذلك في العلل العقلية كثبوت الانكسار بالكسر ~~والانقطاع بالقطع، كما تضاف الأحكام الثابتة بالعلل الثابتة بالنصوص إلى عللها. # قلنا: إن إيجاب الله تعالى غيب عنا، فأقام الأسباب الظاهرة مقام إيجابه ~~الغيبي تيسيرا على العباد لا أن تكون الأسباب والعلل موجبة بنفسها، فكانت ~~إضافة إلى الأسباب والعلل الظاهرة باعتبار جعل الله تعالى إياها عللا لا أن ~~تكون هي نفسها عللا والعقل آله لمعرفة تلك العلل لا موجب للأحكام. # (وأن يجعل العقل علة بنفسه) هذا كلام ابتدائي خرج جوابا لقول المعتزلة ~~بأن العقل علة بنفسه موجبة لما استحسنه .... إلى آخره. PageV05P2135 # (وهو باطن) أي والحال أنه شيء، وإنما قلنا أنه شيء باطن لأنه لا بد ~~أنتجعل قضايا العقل متحدة حتى يرتب عليها حكم واحد كما في سائر الأسباب ~~الظاهرة في حق العباد من دلوك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر في وجوب ~~الصلاة والزكاة والصوم. # فحينئذ يجب أن تجعل عقول العقلاء علة موجبة في حق كل مكلف من المكلفين ~~وفي حقه عقل غيره أمر باطن فلا يصح إثبات حكم يجب عليه بسبب عقل غيره الذي ~~هو باطن في حقه؛ لأن سنة الله تعالى أنه أينما أوجب الأحكام إنما أوجب بعلة ~~ظاهرة في حق المكلفين كالآيات الدالة على حدوث العالم في وجوب الإيمان، ~~ودلوك الشمس وملك النصاب في حق وجوب الصلاة والزكاة مع أن العقول متفاوتة ~~في نفسها فكيف تثبت حكما واحدا. # وقوله: (إذا ثبت أن العقل من صفات الأهلية) إشارة إلى قوله: "والقول ~~الصحيح في الباب هو قولنا إن العقل معتبر لإثبات ms831 الأهلية". والله أعلم. PageV05P2136 # باب الأهلية وما يتصل بها # فالأهلية عبارة عن الصلاحية لوجوب الحكم له وعليه بخلاف البهائم وسائر ~~الحيوانات، فتنقسم فروعها وهي: الأهلية لوجوب الإيمان والشرائع من الصلاة ~~والزكاة وغيرهما من حقوق الله تعالى وكذلك من حقوق العباد، فمنها ماهو غرم ~~وعوض، ومنها ماهو مؤونة، ومنها ماهو صلة لها شبه بالأجزية إلى آخر ماذكر. # والصبي أهل لبعضها وليس بأهل لبعضها وأهل لبعضها بواطة الولي. # (وهو الصلاح للحكم) أي وهو كون الذات صالحا لإيجاب الحكم له PageV05P2137 # وعليه. # وقوله: (لحكم الوجوب) من قبيل إضافة العام إلى الخاص، فإن الحكم قد يكون ~~حكم الوقوع كما في وقوع الطلاق وقد يكون حكم السقوط كما في سقوط القصاص عند ~~العفو عنه، وكذلك حكم الندب والإباحة والكراهة عند وجود دليلها فكان الوجوب ~~بعضا منها. # والمراد من حكم الوجوب صحة توجه المطالبة به. # فإن قلت: قوله "فمن كان أهلا لحكم الوجوب بوجه كان هو أهلا للوجوب "مما ~~لا يكاد يصح إذ المراد من قوله: " للوجوب" حكم الوجوب فحينئذ كان هذا ~~بمنزلة قول من يقول: من كان أهلا لحكم البيع بوجه كان أهلا لحكم البيع. # وقول من يقول: من كان أهلا لحكم الطلاق بوجه كان أهلا لحكم الطلاق ~~ونحوهما، وهذا مما يأباه استقامة الكلام؛ لأن الوجوب الثاني لا يفيد غير ~~الوجوب الأول، فكان الشرط والجزاء شيئا واحدا وهذا لا يصح. # قلت: لا بل هو مستقيم عاية الإستقامة؛ لأن الوجوب الأول مقيد بوجه من ~~الوجوه. # والثاني: مطل فكان تقديره من كان أهلا لحكم الوجوب بوجه من PageV05P2138 # الوجوه أي على صلاحية احتمال الوجوب بوجه نادر. # (كان هو أهلا) لحكم (الوجوب) مطلقا أي في الوجوه كلها أي في حق الأداء ~~والقضاء. كما إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي في آخر وقت الصلاة على وجه ~~يتمكن فيه من الشروع في الصلاة لا غير تجب عليه تلك الصلاة لاحتمال امتداد ~~ذلك الوقت على وجه يسع فيه تلك الصلاة أداء، فيجب عليه قضاء تلك الصلاة، ~~وإن لم يمتد ذلك الوقت؛ لأنه لما كان ms832 أهلا لحكم وجوب الصلاة بوجه من الوجوه ~~قلنا بأهليته له مطلقا، يعني في حق الأداء والقضاء، حتى أنه إذا لم يدرك ~~ذلك المقدار من الوقت لا تجب عليه تلك الصلاة التي لم يدرك وقتها أصلا؛ ~~لأنه لم يكن أهلا لحكم وجوب تلك الصلاة بوجه من الوجوه، فلا تجب عليه تلك ~~الصلاة وهو معنى قوله: (من لا فلا). # فإن قلت: يلزم على ذلك الكلي وهو قوله: " فمن كان أهلا لحكم الوجوب بوجه ~~كان أهلا للوجوب مطلقا" الجنين فإنه أهل للوجوب له حتى صار أهلا للإرث ~~والوصية وليس بأهل للوجوب عليه حتى لم يصر أهلا للضمان. # وكذلك الصبي في حقول الله تعالى الخالصة حيث لم يصر هو أهلا لوجوب الصلاة ~~والزكاة وغيرهما على ماهو اختيار المصنف - رحمه الله - مع كونه أهلا للوجوب ~~له، وعليه في حقوق العباد. # قلت: المراد من ذلك الكلي هو أن يكون أهلا لحكم الوجوب بوجه كان أهلا ~~للوجوب مطلقا أي في حق ذلك الحكم الذي كان أهلا لحكم الوجوب PageV05P2139 # بوجه كان أهلا لحكم الوجوب مطلقا لا في حق حكم أخر، ولأن الجنين لا يرد ~~على ذلك الكلي نقضا؛ لأنه قال: "فمن كان أهلا" وهو لا يتناول الجنين؛ لأن ~~الجنين بمنزلة جزء الأم كيدها ورجلها، وكلمة من للعقلاء. # وأما الإرث والوصية فليسا بثابتين له في الحال بل على تقدير أن يولد حيا ~~فكان ذلك عملا بالتوقف للاحتياط لا لكونه أهلا لهما في الحال. # وأما الصبي فجوابه مذكور في الكتاب وهو قوله: وكذلك القول في حقوق الله ~~تعالى على الإجمال، فإنه متى بطل القول بحكمه بطل القول بوجوبه وإن صح سببه ~~ومحله إلى آخره. # (يصلح للزوم العهدة) أي للزوم الضمان. # (فبناء على قيام الذمة)، والذمة: عبارة عن الصلاحية للإيجاب والإستيجاب، ~~أي يجب عليه الواجب ويجب له على غيره. PageV05P2140 # (وله ذمة صالحة للوجوب) أي للوجوب له وعليه. # أما له فإن نفقته وأجره رضاعة على أبيه، ومن اشترى ماله من وليه يجب ثمنه ~~له على المشتري. # وأما عليه: فإن ولي الصبي إذا ms833 اشترى للصبي شيئا كما ولد لزمه الثمن، ~~وكذلك إذا انقلب على مال إنسان كالقارورة مثلا فأتلفها يضمن. # قال الله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) وعامة ~~المفسرين على إخراج ذرية آدم من ظهره، وأخذ الميثاق عليهم من عصره. # قال أبو العالية -رحمه الله- جميعهم جميعا يومئذ فجعلهم أرواحا ثم صورهم ~~ثم استنطقهم وأخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم (ألست PageV05P2141 # بربكم قالوا بلى شهدنا) قال فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين ~~السبع وأشهد عليكم آباكم آدم أن تقولو يوم القيامة مالم تعلموا. اعلمو أنه ~~لا إله غيري فلا تشركو بي شيئا: قالوا: نشهد أنك إلهنا لا إله غيرك فأقروا ~~يومئذ بالطاعة. # قال ابن عباس وأبي بن كعب رضي الله عنهم: فجعلهم سامعين ناطقين عقلاء ~~مختارين، فإنه أشهدهم، ولا يصح الإشهاد إلا على الموصوفين بهذه الصفات، ~~ولأنه خاطبهم فدل على سماعهم، وأجابوا فدل على كلامهم، وقالوا شهدنا، فدل ~~على علمهم وعقلهم، وقال: (أن تقولوا يوم القيامة) اي كراهة أن تقولوا يوم ~~القيامة: (إنا كنا عن هذا غافلين) فدل على اختيارهم، وليس بمستعبد وضع هذه ~~الأشياء في الذر الصغار من قدرة الله PageV05P2142 # تعالى اعتبارا بنمل سليمان وهدهده وكلام عيسى عليه السلام في المهد ~~وشهادة الرضيع ليوسف عليه السلام. # فإن قالوا: ما وجه إلزام الحجة بقوله (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين) ونحن لانذكر هذا الميثاق وإن تفكرنا. # قلنا الله تعالى أنسانا ذلك ابتلاء؛ لأن الدنيا دار غيب، وعلينا الإيمان ~~بالغيب، ولو تذكرنا ذلك زال الإبتلاء، وليس ما ينسى تزول به الحجة ويثبت به ~~العذر. قال الله تعالى في أعمالنا: (أحصاه الله ونسوه) # وأخبر أنه سينبؤنا وقال: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك). PageV05P2143 # ولأن الله تعالى جدد هذا العهد وذكرنا هذا المنسي بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب بعده فلم يثبت العذر، إلى هذا أشار في "التيسير". # وذكر في "الكشاف" ومعنى آخذ ذرياتهم من ظهورهم: إخراجهم من أصلابهم نسلا ~~وإشهادهم على أنفسهم، وقوله: (ألست بربكم قالوا بلى ms834 شهدنا) من باب التمثيل ~~والتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها ~~عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه ~~أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى أنت ربنا. # (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) أي عمله من الخير والشر هو من قولك: ~~طار له سهم إذا خرج؛ يعني ألزمناه ما طار له من عمله في PageV05P2144 # ذمته والمراد من العنق الذمة، والمعنى أن عمله لازم له لزوم القلادة أو ~~الغل لايفك عنه، وهذا وصف ثابت لكل إنسان، وابن اليوم إنسان فيدخل تحت حكم النص. # وقوله: (لها ذمة وعهد) كلاهما واحد، لأن الذمة في اللغة: العهد، قال الله ~~تعالى: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) أي لا يحفظون قرابة ولا عهدا، ومنه ~~يقال لأهل الذمة: العاهدون. # (وقبل الإنفصال هو جزء من وجه) حتى إنه ينتقل بانتقال الأم ويقر بقرارها، ~~وكذلك يعتق بعتقها ويدخل في بيعها كسائر أجزائها؛ ولكن لما كانت نفسا ذات ~~حياة على عرضية الإنفصال اعتبر منفصلا في بعض الأحكام. # (حتى صلح ليجب له الحق) حيث يصح اعتاقه مقصودا، والوصية له جائزة، ويرث ~~هو من أقاربه، وتجب الغرة في حقه، (ولم يجب عليه) حتى إن مال الغير لو تلف ~~بثقل أمه لا يجب عليه شيء من ضمانه، ويصان هو عند PageV05P2145 # جناية أمه عن أن يقع الضرر عليه فكان هذا أثر أن لا تكون ذمته مطلقة. # (كان أهلا بذمته للوجوب) أي للوجوب له وعليه (غير أن الوجوب) جواب سؤال ~~مقدر بأن يقال: لما كان أهلا للوجوب مطلقا كان ينبغي أن يجب عليه الإيمان ~~والصلاة والزكاة وغيرها. # فأجاب عنه بهذا وقال: وهو وإن كان أهلا للوجوب في حقوق الله تعالى إلا أن ~~حقوق الله تعالى لا تجب عليه لعدم حكم الوجوب لأن حكم الوجوب في الدنيا ~~تحقيق معنى الابتلاء وذلك إنما يظهر بالأداء وبتركه إذ بهما يظهر المطيع ~~والعاصي فيتحقق الابتلاء المذكور في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ~~وذلك إنما يكون عند ms835 تمام العقل الكامل وهو عند البلوغ فلا يكون الصبي أهلا ~~لحكم وجوب حقوق الله تعالى لذلك. # (فيجوز أن تبطل لعدم حكمه) وهو الأداء (وغرضه) وهو الابتلاء (كما ينعدم ~~الوجوب لعدم محله) كبيع الحر وإنما قلنا: إن الوجوب يبطل لعدم حكم الوجوب ~~لأن الوجوب بدون حكمه غير مفيد كما إذا إشترى مال نفسه من غيره أو من نفسه ~~لا يصح لعدم إفادته الحكم. PageV05P2146 # (فيصير هذا القسم) وهو الصلاح للحكم (منقسما بانقسام الأحكام) فإن ~~الأحكام في أصل القسمة نوعان: حق الله تعالى وحق العباد وكل واحد منهما على أنواع. # (وقد مر التقسيم قبل هذا في أول) أي في أول الفصل الذي قال: ثم جملة ما ~~يثبت بالحجج التي سبق ذكرها سابقا على باب القياس شيئان وهو باب معرفة ~~أقسام الأسباب والعلل والشروط فإنه ذكر فيه جميع تقسيم الأحكام من حقوق ~~الله تعالى وحقوق العباد فلما سد باب وجوب جميع حقوق الله تعالى على الصبي ~~بطريق الإشارة بقوله: "غير أن الوجوب غير مقصود بنفسه فيجوز أن يبطل لعدم ~~حكمه" شرع في بيان ترتيب حقوق العباد فقال: # (فأما في حقوق العباد) إلى آخره. (فما كان منها غرما) كوجوب ضمان المتلف ~~(وعوضا) كوجوب ثمن المشتري لأن المال مقصود لا الأداء PageV05P2147 # الذي هو الفعل فإن المراد به رفع الخسران وما يكون خيرا له أو حصول الربح ~~وذلك بالمال يكون وأداء وليه كأدائه في حصول هذا المقصود. # (فلما شبه بالأعواض) لأن وجوب نفقة الزوجات باعتبار إحتسابها للزوج وقد ~~حصل الحبس له فيجب عليه ما يقابله كثمن المشتري لكنها ليست بعوض حقيقي لأن ~~العوض الحقيقي إنما يكون في الأموال. # (وأما الأخرى) أي نفقة القرابات (فمؤونة اليسار) لأن نفقة القريب إنما ~~تجب إذا كان من عليه النفقة غنيا والمقصود إزالة حاجة المنفق عليه لوصول ~~كفايته إليه وذلك بالمال يكون لكن النصاب الذي يجب بسببه نفقة القرابات لا ~~يشترط فيه النمو بخلاف نصاب الزكاة ثم أداء الولي فيه كأدائه فعرفنا أن ~~الوجوب فيه غير خال عن حكمه فيثبت الوجوب في ms836 حق الصبي لذلك. # (مقابلا بالكف عن الأخذ على يد الظالم) والصبي لا يتمكن من أخذ يد الظالم ~~بالكف عن التعدي فلذلك لا يتحمل الصبي الدية. PageV05P2148 # (لم يجب عليه على ما مر) وهو قوله: وكل صلة لها شبة بالأخروية لم يكن ~~الصبي من أهله لأنه (لايصلح لحكمه) وهو الجزاء لأن الجزاء مرتب على كامل ~~العقل لتحقيق الابتلاء في حقه وذلك إنما يكون بالبلوغ. # (وكذلك القول في حقوق الله تعالى على الإجمال) أي على الجملة. # يعني: سر جمله سخن در حقوق خداي تعالى بر صبي انست كه اعتبار حكم راست در ~~هر كدام صورتيكه صحت حكم است در حق صبي سبب وجوب وي نيز ثابت است ودر هر ~~كدام صورت كه صحت حكم در حق وي نيست سبب وجوب وي نيز در حق وي ثابت ني. # ثم الذي يصح القول بحكمه في حق الصبي صدقة الفطر أي على قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف خلافا لمحمد -رحمهم الله- لأن فيها معنى المؤونة فيثبت الوجوب في ~~حقه بحكمه وهو الأداء من ماله بواسطة الولي كذلك PageV05P2149 # العشر والخراج فإن وجوبهما عليه لصحة حكم الوجوب عليه وهو الأداء بالولي ~~الذي قام مقامه في أداء المؤونات فإن معنى القربة في ذلك غير مقصود بل ~~المال هو المقصود فيه وأداء الولي في ذلك كأدائه والذي بطل القول بحكمه ~~وجوب الإيمان بالله تعالى في حق الصبي الذي لا يعقل لانعدام الأهلية لحكم ~~الوجوب وهو الأداء وجوبا عن عقل وإختيار فلا يكون القول بالوجوب هاهنا إلا ~~نظير القول بالوجوب باعتبار السبب بدون المحل كمان في حق البهائم وذلك لا ~~يجوز القول به. # وكذلك العبادات المحضة كلها البدني والمالي في ذلك سواء لأن حكم الوجوب ~~وهو معنى الابتلاء لا يثبت في حقه بحال فلا يثبت الوجوب. # وقوله: (إن صح سببه) كما في ملك النصاب (ومحله) وهو ذات الصبي (لأن ~~الوجوب كما ينعدم مرة لعدم سببه) كما إذا لم يملك النصاب ومرة (لعدم محله) ~~كعدم وجوب الإيمان والصلاة والصوم على البهائم وإن وجدت ms837 أسبابها من حدوث ~~العالم ودلوك الشمس وشهود الشهر (فينعدم أيضا لعدم حكمه) أي فينعدم الوجوب ~~أيضا لعدم حكم ذلك الوجوب في حق الصبي وهو معنى الابتلاء (وقد مر تقسيم هذه ~~الجملة) PageV05P2150 # أي في باب معرفة أقسام الأسباب. # (لأنها نيابة جبر لا اختيار) أي لأن النيابة الثابتة في حق الصبي نيابة ~~جبر وهي نيابة وليه عنه لأن الصبي لم يجعله وليا بإختياره بلا جعله الله ~~تعالى وليا عنه بدون إختيار الصبي فيما صح حكمه إذا عجز الصبي عن الإتيان ~~به كما في العشر والخراج على ما ذكرنا. # ولو جعلنا كذلك في حق الزكاة لصار المال هو المقصود والمال ليس بمقصود في ~~العبادات المحضة بل أداء من وجب عليه الزكاة هو المقصود إما بنفسه أو ~~بنائبه بإختياره وفي قوله "لأنها نيابة جبر لا اختيار"إشارة إلى أن ~~العبادات الخالصة المتعلقة بالمال تتأدى بالنائب إذا كانت النيابة عن ~~اختيار وذلك إنما يكون في حق البالغ لا في حق الصبي لوجود الفعل عن اختيار ~~منه معنى. PageV05P2151 # (وما يشوبه معنى المؤونة مثل صدقة الفطر) لأن صدقة الفطر عبادة فيها معنى ~~المؤونة. # وقوله: (لم يلزمه عند محمد لما قلنا) إشارة إلى قوله: "لأن الأداء هو ~~المقصود في حقوق الله تعالى"، (ولزمه ما كان مؤونة في الأصل وهو العشر ~~والخراج) لأن العشر مؤونة فيهما معنى العبادة والخراج مؤونة فيهما أصلا لأن ~~سببهما الأرض النامية وهي تبقى بحماية الإمام والعشر والخراج يأخذهما ~~الإمام ويصرفهما والمؤونة ما كان سببا لبقاء الشيء فكان دفع العشر والخراج ~~نصرة للإمام معنى فلذلك كان فيهما معنى المؤونة. PageV05P2152 # وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى ما ذكر في باب معرفة أقسام الأسباب والعلل ~~بقوله: والمؤونة التي فيها معنى القربة هي العشر إلى آخره. # (وما كان عقوبة لم يجب أصلا) سواء كان وجوب العقوبة خالصا لله تعالى أو ~~مختلطا بحقوق العباد لأن الصبي ليس بأهل للجزاء بالعقاب لأن ذلك يبتنى على ~~الابتلاء، والابتلاء بالبلوغ. # وقوله: (ولهذا كان الكافر أهلا لأحكام لا يراد بها وجه الله تعالى) وهذا ~~إيضاح ms838 بقوله: "وما كان عقوبة لم يجب أصلا لعدم حكمه"يعني أن وجوب الشيء على ~~الإنسان دائر مع صحة حكمه فأينما صح حكم وجوب شيء ما صح القول بوجوب ذلك ~~الشيء عليه وما لا فلا وعلى ما ذكر قبل هذا أيضا بقوله: إن الوجوب لازم متى ~~صح القول بحكمه ومتى بطل القول بحكمه بطل القول بوجوبه ثم الأحكام التي لا ~~يراد بها وجه الله تعالى أحكام المعاملات مثل: البياعات والأشربة والأنكحة ~~والإجارات وغيرها فكان أهلا للوجوب له وعليه فإنه يطلب مديونه بدين له عليه ~~ويطالب هو أيضا بدين عليه للغير وكذلك في عكسه. PageV05P2153 # (ولما لم يكن أهلا لثواب اآخرة لم يكن أهلا لوجوب شيء من الشرائع) فكان ~~هذا تقريرا لما ذكر قبل هذا أن الوجوب لازم متى صح القول بحكمه ومتى بطل ~~القول بحكمه بطل القول بوجوبه وإن صح سببه. # لما أن الأسباب إنما تقع معتبرة إذا أوجبت أحكامها فلما لم يكن الكافر ~~أهلا لحكم أداء العبادات لم يصح القول بوجوب أداء العبادات عليه. PageV05P2154 # فإن قيل: أليس أن العبد من أهل مباشرة التصرف الموجب لملك المال وإن لم ~~يكن أهلا لملك المال فكذلك يجوز أن يكون الكافر مخاطبا بأداء العبادات وإن ~~لم يكن أهلا لما هو المقصود بالأداء. # قلنا: صحة ذلك التصرف من المملوك على أن يخلفه المولى في حكمه أو على أن ~~يتقرر الحكم له إذا أعتق كالمكاتب. # فأما هنا فلا يثبت الأداء في حقه على أن يخلفه غيره فيما هو المبتغى ~~بالأداء أو على أن يتقرر له ذلك بعد إيمانه كذا ذكره الإمام شمس الأئمة ~~-رحمه الله- في أصول "الفقه". # وقوله: ولما يكن أهلا لثواب الآخرة -إلى أن قال-: (ولزمه الإيمان بالله ~~تعالى لما كان أهلا لأدائه ووجوب حكمه) افترق الحكم في حق الكافر بين وجوب ~~الإيمان وبين وجوب الشرائع حيث لم تجب الشرائع وهي الصلاة والزكاة وغيرهما ~~عليه ووجب الإيمان عليه لإختلاف حكميهما على ما ذكر في الكتاب وهذا لأنا لو ~~قلنا بوجوب الإيمان على الكافر لا يلزم الفساد الذي ms839 لزم فيما قلنا بوجوب ~~العبادات لأنه يكون مؤمنا عند وجود الإيمان منه والمؤمن أهل لثواب الآخرة ~~بخلاف أداء الشرائع فإنه لا يخاطب به لما ذكر في الكتاب من لزوم القول ~~حينئذ بوجوب الإيمان بطريق الاقتضاء وهو رأس PageV05P2155 # العبادات فلا يصح أن يثبت في ضمن الطاعات من العبادات ولأن فيه فسادا آخر ~~وهو أن حكم أداء العبادات ثواب الآخرة والكافر مع كفره ليس بأهل لثواب ~~الآخرة فلا يصح القول بوجوب سبب هذا الحكم كما ذكر قبل هذا: أن ما لا يصح ~~القول في حق إنسان بثبوت حكم ما لا يصح القول بوجوب سبب مثل هذا الحكم في ~~حقه فكان وجوب الإيمان على الكافر وعدم وجوب شيء من الشرائع عليه نظير ~~تعليق طلاق المرأة بنكاحها. # ونظير تعليق طلاق الأجنبية بدخول الدار مثلا حيث يصح الأول لكون المرأة ~~محلا للطلاق عند النكاح لا محالة كما أن الكافر كان أهلا لحكم الإيمان وهو ~~دخول الجنة عند الإيمان ولا يصح الثاني لعدم محلية المرأة للطلاق عند دخول ~~الدار ظاهرا لأن الظاهر من المعدوم استمراره على العدم والمرأة لا تصلح ~~محلا للطلاق قبل النكاح. # (ولم يجعل مخاطبا بالشرائع بشرط تقديم الإيمان) هذا جواب إشكال وهو أن ~~يقال: لما لم تكن العبادات معتبرة بدون الإيمان لم لم يجعل أداء الإيمان ~~ثابتا تقديرا في حق الكافر ليصح التكليف بالشرائع والعبادات بناء على ثبوت ~~الإيمان اقتضاء كما في سائر الأحكام الثابتة بالاقتضاء (لأنه) أي لأن ~~الإيمان (رأس أسباب أهلية أحكام نعيم الآخرة) فلا يكن الأصل تبعا لفرعه ~~الذي هو تبعه ولذلك لم يكن الأصل لشيء أن يثبت بطريق الاقتضاء لذلك الشيء؛ ~~لأن في ثبوت الشيء بطريق الاقتضاء معنى التبعية؛ لأن المقتضى PageV05P2156 # الذي هو غير مذكور شرط صحة المقتضى المذكور والشرط تبع للمشروط. # فلذلك لا يصح ثبوت الإيمان بطريق الاقتضاء للعبادات فكان هذا نظير ما إذا ~~قال المولى لعبده: تزوج أربعا أو قال لعبده الذي حنث في يمينه: كفر يمينك ~~بإعتاق هذا العبد لا يعتق العبد مع أن تزوج الأربع ms840 من النساء وإعتاق العبد ~~من نفسه لا يصح بدون الحرية لما أن الحرية أصل للتزويج بالأربع من النساء ~~والتزويج بها تبع لها فلا يصلح أن تكون هي تبعا للتزويج وكذلك في إعتاق ~~العبد من نفسه. # فإن قلت: لا نسلم أنا لو قلنا بوجوب العبادات على الكافر أن يلزم من ~~ضرورته وجوب تقديم ثابتا في حقه بطريق الاقتضاء لأن الإيمان قد وجب على ~~الكافر قبل توجه الخطاب عليه بالعبادات بسببه وهو الآيات الدالة على حدوث ~~العالم. # والدليل على أن الكفار مخاطبون بالإيمان قبل الخطاب بالشرائع قوله تعالى: ~~(وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) على ما ذكرنا في شرح الخطبة ~~ولما كان كذلك وجب أن يخاطب الكفار بالشرائع لثبوت وجوب الإيمان قبله بسببه ~~وعدم ثبوته بطريق الاقتضاء. # قلت: سلمنا أن الكفار مخاطبون قبل ورود الشرائع بالإيمان أي بالإيمان PageV05P2157 # الذي دل عليه حدوث العالم وهو وجود الله تعالى وتوحده لا الإيمان بأن ~~الله تعالى فرض الصلاة والزكاة والصوم وغيرها وإنما الإيمان بهذه الأشياء ~~بعد ورود الشرائع. # فصح قولنا: إنهم لو كانوا مخاطبين بالشرائع يلزم أن يكون الإيمان بالله ~~تعالى فرض الصلاة والزكاة والصوم وغيرها وأنا قبلتها كلها ولا يصح ذلك لأن ~~الإيمان بقبول هذه الأشياء أصل فلا يصلح أن يكون ثابتا قال الله تعالى: ~~(ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك) # وقال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ووجوب الشرائع إنما يكون ~~بإرسال الرسل وبالنظر إلى احتجاجهم هذا يلزم أن يكون الكفار كأنهم ليسوا ~~بمخاطبين بالإيمان قبل إرسال الرسل. # (وقد قال بعض مشايخنا) ومنهم القاضي أبو زيد -رحمه الله- حيث قال في ~~"التقويم": إن وجوب الحقوق الشرعية كلها بأسباب جعلها الشرع أسبابا للوجوب ~~دون الأمر والخطاب كالزكاة بملك النصاب والحج بالبيت والصلوات PageV05P2158 # بأوقاتها والصوم بشهر رمضان والإيمان بالآيات الدالة على الله تعالى ~~والنكاح بالمهر -إلى أن قال- وهذه الأسباب قائمة في حق الصبي والبالغ على ~~السواء فلا ينبغي أن يقع الفرق بينهما في حصه الوجوب ms841 فعلمنا أن سقوط ما سقط ~~عن الصبي كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيرا علينا لا لأنه ليس بأهل له. # وهذا كما قيل: إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى ولا يلزمه أداؤها حتى ~~يستيقظ لأنه لا يقدر ولا يعلم به فكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا ~~يقدر على الأداء فيسقط عنه كابن السبيل تلزمه زكاة أمواله ثم لو مات قبل ~~الوصول إلى ماله تسقط عنه وذكر أيضا هذا السؤال والجواب بقوله: فإن قيل: ~~قال النبي عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم". # قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة إنما يدل على سقوط أداء ~~الواجب لأن القلم للحساب والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب ~~فإن الواجب متى تأجل لا يؤاخذ العبه به والوجوب قائم ألا ترى قرنه بالنائم ~~والنائم تلزمه الصلاه في ذمته ولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبي ~~لأنهم جميعا دخلوا تحت رفع واحد. # وأما الإمام المحقق شمس الأئمة -رحمه الله- فقد وافق فخر الإسلام -رحمه ~~الله- فيما اختاره من القول فجعل الأقول هنا على ثلاثة: PageV05P2159 # قوم يثبتون وجوب حقوق الله تعالى من الصلاة والزكاة وغيرهما من حين يولد ~~باعتبار مجرد الذمة إذا وجد الأسباب ثم يسقطون فكان فيه مجاوزة الحد بالغلو ~~في الإيجاب. # وقوم لا يعتبرون الأسباب أصلا فكان فيه مجاوزة الحد بالغلو في التقصير. # والقول الصحيح فيه أن نقول بعد وجود السبب والمحل لا يثبت الوجوب إلا ~~بوجود الصلاحية لما هو حكم الوجوب وليس لابن اليوم صلاحية حكم الوجوب وهو ~~الأداء عن اختيار فلا يثبت مثل هذا الوجوب في حقه وإن تحقق السبب وهو في ~~العبادات المحضة والعقوبات. # وأما حقوق العباد فمنها ما تثبت كما في الأعواض والمؤن ومنها ما لا تثبت ~~كالصلة التي لها شبهة الجزاء على ترك حفظ يد الظالم إلى آخره. # (وقد كنا عليه مدة) أي على ما قاله بعض مشايخنا بوجوب كل الأحكام ~~والعبادات على الصبي (لكنا تركناه بهذا القول الذي ms842 اخترناه) وهو أن الوجوب ~~لازم متى صح القول بحكمه ومتى بطل القول بحكمه بطل القول بوجوبه وإن صح ~~سببه ومحله على ما ذكر قبل هذا ولا نقول بأن الوجوب في حق كل الأحكام ثابت ~~على الصبي، ثم سقوط الحكم لدفع PageV05P2160 # الحرج بعذر الصبا بل لا يثبت الوجوب أصلا فيما لا يتصور منه حكم ذلك ~~الوجوب حتى إن دلوك الشمس وشهود الشهر لا يثبت بهما وجوب الصلاة والصوم ~~أصلا من الإبتداء على الصبي لا أن يثبت الوجوب أو لا لوجود الذمة والسبب ثم ~~السقوط بعد ذلك بعذر الصبا لأنه لو كان مؤديا للواجب كصوم الشهر في حق ~~المريض والمسافر والجمعة في حق المسافر فإنه إذا أدى كان مؤديا للواجب ~~وبالإتفاق لا يكون الصبي مؤديا للواجب وإن تصور منه ما هو ركن هذه العبادات ~~فعرفنا أن الوجوب غير ثابت أصلا. # (وهذا أسلم الطريقتين) أي ما قلنا أسلم مما قاله بعض مشايخنا. # (صورة) لأن القول بالوجوب ثم السقوط من غير غرض يحصل به تصور بصورة العبث ~~ولأن وجوب الأداء لم يكن بالإتفاق مع قيام الذمة فيجب أن لا يكون عليه صورة ~~نفس الوجوب. # (ومعنى) لأن المعنى يقتضي أن يكون المقصود من الوجوب الأداء والأداء غير ~~ممكن من ابن يوم فلا فائدة في إثبات الوجوب علية لما ذكرنا أن القول بنفس ~~الوجوب مع عدم حكمه أصلا لعدم صلاحية المحل لذلك الحكم غير مشروع إذ القول ~~بذلك يؤدي إلى القول بصحة الوجوب على البهائم. # (وتقليدا) لأنه لم يقل أحد من السلف بوجوب الأحكام وعدم وجوب PageV05P2161 # الأداء أصلا في حق أحد ولأن في السلف وهم الصحابة -رضوان الله عليهم ~~أجمعين- من قال: إنه لا يجب على الصبي شيء من الأحكام. # (وحجة) أي استدلالا بالمتفق عليه وهو أنه لو كان الوجوب ثابتا على الصبي ~~ثم يسقط لدفع الحرج عنه كان ينبغي أن يقال: إذا إتفق الأداء منه كان مؤديا ~~للواجب كصوم رمضان في حق المسافر وبالإتفاق أنه لا يكون مؤديا للواجب عرفنا ~~أن الوجوب غير ثابت عليه أصلا ms843 لما ذكرنا أو لأنه مرفوع القلم بالحديث قال ~~النبي عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم" ففي حق مرفوع ~~القلم كيف يصح القول بوجوب الحكم عليه ولا يلزم علينا ابن السبيل فإن له ~~صلاحية نفس الوجوب لكونه عاقلا بالغا لكن لم يخاطب بالأداء تيسيرا عليه ~~وذلك لا يمنع ثبوت نفس الوجوب كالمريض والمسافر في حق صوم رمضان فإنهما لم ~~يخاطبا به مع ثبوت نفس الوجوب كابن السبيل. # وأما ابن اليوم فليس له صلاحية أداء الصلاة أصلا فلم يثبت نفس الوجوب في ~~حقه أيضا وعن هذا جاء الفرق الواضح بينهما وهو أنه لو استقرض ابن السبيل من ~~غيره مقدار الواجب من الزكاة وأدى يقع عن الفرض كما لو صام المسافر. # وأما الصبي العاقل لو أدى فرض الظهر في وقته يقع نفلا حتى إنه لو أداه في ~~أول الوقت ثم بلغ في آخره تجب عليه إعادته. PageV05P2162 # وقوله: "قلنا رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة". # قلنا: بل يدل على رفع الوجوب في الذمة في مثل هذه الصورة التي نحن بصددها ~~وهو أن يثبت نفس وجوب الصلاة على ابن اليوم لأن نفس الوجوب إذا لم يوجب ~~حكمها تبطل من حيث توجد لأن المراد من شرعية الوجوب شغل الذمة إلى أن يؤدي ~~ذلك إلى وجوب الأداء إما في الحال أو في ثاني الحال وأحد منهما ليس بثابت ~~في حق الصبي بالإجماع فلا تكون فائدة حينئذ في ثبوت نفس الوجوب بخلاف ~~النائم والمغمى عليه فلذلك قلنا برفع القلم من الأصل وإلا يتصور بصورة ~~العبث على ما ذكر في الكتاب لأنه لا فائدة في ثبوت نفس الوجوب من غير معنى. # (ولذلك قلنا في الصبي) إلى آخره أي ولأجل ما قلنا: إن الوجوب غير ثابت في ~~حق الصبي أصلا قلنا: إنه لا يقضي ما مضى لأن الوجوب لو كان ثابتا في حقه ثم ~~سقط وجوب الأداء بالعذر لوجب عليه أن يقضي ما مضى كالمجنون إذا لم يستغرق ~~جنونه حياته وكالمريض والمسافر إذا ms844 أفطرا. # (وكذلك نقول في الحائض) يرجع إلى ما ذكر في أول الباب وهو أن من كان أهلا ~~لحكم الوجوب بوجه كان هو أهلا للوجوب مطلقا ومن لا فلا؛ PageV05P2163 # لأن المعني من شرعية وجوب الحكم أداء الحكم لا ذات الوجوب فلذلك قلنا ~~بوجوب الصوم على المرأة إما أداء أو قضاء لأن قضاءه لم يتضمن الحرج واحتمال ~~الأداء في حق الحائض ثابت لأن القياس يقتضي أن لا تشترط الطهارة عن الحيض ~~للصوم كما لا تشترط الطهارة له عن الجنابة والحدث وهو معنى قوله (أن الصوم ~~يلزم الحائض لإحتمال الأداء) بخلاف الصلاة فإن في قضائها حرجا بينا وإشتراط ~~الطهارة لها عن الحيض موافق للقياس لإشتراط الطهارة لها على الجنابة والحدث ~~فلم يجب عليها قضاء الصلاة. # أو نقول: إن معنى قوله: "أن الصوم يلزم الحائض لإحتمال الأداء"أي لإحتمال ~~الأداء في ثاني الحال من غير حرج إذ ليس من شرط إحتمال وجود الأصل وجوده في ~~الحال في حق صحة الخلافة بل إحتمال وجوده في ثاني الحال يكفي لأن يكون ~~الخلف خلفا عنه إذا لم يتضمن وجوب أدائه الحرج. # ألا ترى أن المجنون والمغمى عليه إذا لم يزد الجنون والإغماء على يوم ~~وليلة يجب قضاء الصلوات عليهما مع أن أداء الصلاة حال الجنون والإغماء ~~منهما غير متصور ومع ذلك صح القضاء خلفا عن الأداء في حقهما لإحتمال الأداء ~~في ثاني الحال من غير حرج فكذلك هاهنا الصوم في حق الحائض لما لم يتضمن ~~الحرج وجب قضاؤه بخلاف الصلاة. PageV05P2164 # (لعدم حكمه) أي حكم الوجوب وهو الأداء (هذا في الصلوات والصيام معا) يعني ~~إذا إمتد بطل القول بالوجوب أصلا لعدم حكمه. # (لزمه أصلا) أي أصل وجوب الصوم. # (قلنا بوجوب أصل الإيمان دون أدائه) أي دون وجوب أدائه (حتى صح الأداء) ~~أي عن الفرض. # في هذه المسألة اختلفت عبارات المشايخ فمن اختيار أستاذ العلماء شمس ~~الأئمة الحلواني -رحمه الله عليه- أن الإيمان على الصبي العاقل الذي يصح ~~منه الأداء واجب لوجود الصلاحية لحكمه وهو الأداء والمؤدى منه يكون فرضا. # ألا ms845 ترى أنه لو آمن في هذه الحالة لم يلزمة تجديد الإقرار بعد بلوغه ~~فعرفنا أن أداء الفرض قد تحقق منه في حالة الصغر فمن هذا الطريق يثبت حكم ~~الوجوب في حقه. # والدليل عليه أنه لو أسلمت امرأته أبى هو الإسلام بعد ما عرض عليه ~~القاضي، فإنه يفرق بينهما، ولو لم يثبت حكم الوجوب في حقه لم يفرق PageV05P2165 # بينهما إذا امتنع منه. # وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله- بعد ما قال هذا: والأصح عندي ~~أن الوجوب غير ثابت في حقه إن عقل ما لم يعتدل حاله بالبلوغ فإن الأداء منه ~~يصحح باعتبار عقله وصحة الأداء تستدعي كون الحكم مشروعا لا تستدعي كونه ~~واجب الأداء -كالنفل- فعرفنا بهذا أن حكم الوجوب وهو وجوب الأداء معدوم في حقه. # وقد بينا أن الوجوب لا يثبت باعتبار السبب والمحل بدون حكم الوجوب إلا ~~أنه أدى يكون المؤدي فرضا لأن حكم الوجوب يصير موجودا بمقتضى الأداء كان ~~المؤدي فرضا بمنزلة العبد فإن وجوب الجمعة في حقه غير قابت حتى إنه كان ~~المؤدي فرضا لأن ما هو حكم الوجوب صار موجودا بمقتضى الأداء وإنما لم يكن ~~الوجوب ثابتا لانعدام حكمه. # وهذا الذي ذكره شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله- يقتضي أن لا يثبت في حق ~~الصبي العاقل نفس وجوب الإيمان ولا وجوب أدائه. # والذي ذكره شمس الأئمة الحلواني -رحمه الله- يقتضي أن يثبت نفس PageV05P2166 # وجوب الإيمان ووجوب أدائه في حقه. # وتوسط المصنف فخر الإسلام -رحمه الله- حيث ثال بنفس وجوب الإيمان عليه لا ~~بوجوب أدائه وخير الأمور أوسطها. # وقوله: (وإذا لم يخل الوجوب عن حكمه) وهو صحة الأداء ونيابته عن الفرض. # (والإغماء لما لم يناف حكم وجوب الصوم لم يناف وجوبه) فحكم وجوب الصوم هو ~~الأداء في الحال أو في الثاني بلا حرج وهو موجود في حق الصوم لا في الصلاة ~~فإنه إذا نوى الصلاة ثم جن أو أغمى عليه ولم يوجد منه ما يفسد الصوم صح صومه. # علم بهذا أن الإغماء غير مناف للصوم وكذلك إن لم يتمكن من الأداء في ms846 ~~الحال يتمكن منه في الثاني بلا حرج لأن الإغماء لا يستغرق الشهر عادة فلا ~~يحرج في قضائه بخلاف الصلوات لأن الإغماء مناف لها في الحال؛ لأن PageV05P2167 # الإغماء ناقض للطهارة فلا تتحقق من المغمى عليه الصلاة وفي الثاني يلزم ~~الحرج لتضاعف صلوات كل يوم. # (والنوم لما لم يكن منافيا لحكم الوجوب إذا انتبه) وهو القضاء بلا حرج ~~لأنه لم يمتد أكثر من يوم وليلة عادة لم يكن منافيا للوجوب أيضا والله ~~أعلم. PageV05P2168 ### || AUTO باب أهلية الأداء # (أما القاصر فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ) أي إذا كانت ~~القدرة موجودة مع وصف القصور فإن من الصبيان من لا قدرة له أصلا لا على وجه ~~الكمال ولا على وجه القصور كمان في الرضيع وكما في الصبي الذي لم يعقل شيئا ~~فإنه لا قدرة لهما أصلا وإذا لم تكن القدرة لكل واحد منهما أصلا لا يأتي ~~كلا منا هذا فيه فلذلك احترز عنه بقوله: "إذا كانت قاصرة". # والدليل عليه ما ذكره شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: فالقاصرة باعتبار ~~قوة البدن وذلك ما يكون للصبي المميز قبل أن يبلغ ثم المعنى من قدرة البدن ~~هو التمكن من الأداء بعقل مميز. PageV05P2169 # (وأصل العقل يعرف بدلالة العيان) أي الأثر (وذلك أن يختار المرء ما يصلح ~~له بدرك العواقب المستورة فيما يأتيه ويذره) يعني أن الرجل إذا عاين غيره ~~أنه يختار ما يصلح له في ثاني الحال بطريق التجربة والإمتحان فيما هو مستور ~~أمره في الحال بأنه مما يصلح له في ثاني الحال أم لا؟ وكذلك يختار ترك ما ~~لا يصلح له في ثاني الحال فيما هو مستور أمره في الحال يحكم بأنه عاقل كمن ~~فصد مثلا لدفع الحرارة أو شرب الدواء لدفع المرض. # وقد علم دفع الحرارة بالفصد ودفع المرض بشرب ذلك الدواء بالتجربة مرارا ~~ولكن إندفاع الحرارة والمرض مستور بأمره حال الفصد وشرب الدواء وكذا إذا ~~ترك شرب الدواء الذي لا يدفع مرضه وترك الفصد فيما لا منفعه فيه بطريق ~~التجربة بحكم من عاينه أنه ms847 يباشر مثل هذه الأفعلا النافعة ويترك ما يضره ~~بأنه عاقل وكذا من رأي غيره يهيئ في الصيف ما كان ينفعه في الشتاء من جمع ~~الحطب ورم ما وهي من الحيطان وسد PageV05P2170 # ثلم السقوف وإصلاح خروق السطوح وتهيئة أسباب المطاعم والملابس التي لا ~~يمكن تحصيلها غالبا في الشتاء أو لو أمكن ما يمكن مثل تحصيلها في الصيف ~~يحكم بكمال عقله في أمر المعيشة وإن إحتمل خلاف ذلك بأن يكون تحصيل هذه ~~الأشياء أرخص وأيسر حصولا في الشتاء من الذي في الصيف ولكن ما يقع غاليا ~~بطريق التجربة والإمتحان عد أنه من جملة العقلاء ومن زمرة الحكماء. # وكذلك في أمر الآخرة إذا إشتغل بما ينفعه في الآخرة وإجتنب عما يضره فيها ~~عد من العقلاء المهتدين والعباد المتقين. # (فأما الإعتدال فأمر يتفاوت فيه البشر) على وجه يتعذر الوقوف عليه فأقام ~~الشرع إعتدال الحال بالبلوغ عن عقل مقام كمال العقل حقيقة في بناء إلزام ~~الخطاب عليه تيسيرا على العباد، ثم صار صفة الكمال الذي يتوهم PageV05P2171 # وجوده قبل هذه الحال ساقط الاعتبار وتوهم النقصان بعد هذا الحد غير معتبر ~~لما أن السبب الظاهر لما قام مقام المعنى الباطن للتيسير دار الحكم معه ~~وجودا وعدما. # وقوله: (فأما حقوق الله تعالى فمنه) ذكر ضمير الحقوق على تأويل المذكور. # (ولا عهدة فيه بوجه) أي لا حرج فيه ولا ضرر. # (إلا بحجر من الشرع وذلك) أي الحجر (في الإيمان باطل لما قلنا) إشارة إلى ~~ما ذكر قبيل هذا حسن لا يحتمل غيره والحجر من أمارات أن لا يكون حسنا كما ~~في قراءة المقتدى القرآن حتى إذا وجدت القراءة منه تجعل قراءته كلا قراءة ~~لأنه محجور عنها شرعا ولا يليق مثل ذلك في الإيمان ولأن الناس عن آخرهم ~~دعوا إلى الإيمان والحجر عن الإيمان كفر ثم الحجر بسبب الصغر شرعا لأجل ~~النظر وذلك لا يليق بما يتمحض منفعة لا يشوبه ضرر فكان النظر في الحكم بصحة ~~الأداء منه لأن المطلوب به الفوز والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة (وذلك ~~يحتمل الوضع) ms848 أي لزوم أدائه يحتمل أن يوضع عنه (فوضع عنه) أي فأسقط لزوم ~~أداء الإيمان عن الصبي. PageV05P2172 # (فأما الأداء فخال عن العهدة) أي فأما مجرد صحة الأداء من غير لزوم ~~الأداء فخال عن الضرر ثم لزم على هذا التعليل حرمان الإرث عن أقاربه الكفار ~~فإن حرمان الإرث ضرر عليه وإنما جاء ذلك عن صحة أدائه الإيمان. # فأجاب عنه بقوله: (لأن حرمان الإرث يضاف إلى الكفر الباقي) لا إلى صحة ~~أداء الإيمان يعني إذا مات أبوه الكافر الباقي بعد إسلام ابنه فلا يرث منه ~~ابنه المسلم لأن الإيمان شرع عاصما للأملاك لا قاطعا وإصرار الآخر على كفره ~~يصلح قاطعا فأضيف إليه. # (ولأن ما يلزمه بعد الإيمان) من الضرر الدنيوي مثل حرمان الإرث وقوع ~~الفرقه بينه وبين امرأته الكافرة. # (فمن ثمرات الإيمان) لا المقصود الأصلي من الإيمان فإن المقصود الأصلي ~~منه السعادة الأبدية وهي حاصلة بإيمانه فكان المنظور إليه في الباب المقصود ~~الأصلي لا الثمرات ولأن هذا أمر معارض بمثله فلا يصلح أن يكون شبهة لأنه قد ~~يصير مستحقا للإرث بسبب إيمانه ولو لم يكن مؤمنا لما إستحق الإرث، فإنه لو ~~مات أقاربه المسلمون إنما يستحق إرثهم إذا كان مؤمنا PageV05P2173 # وإذا كان كافرا لا يستحق وكذلك يقرر ملك نكاحه إذا كانت زوجته أسلمت قبله. # (إذا ثبت له حكم الإيمان تبعا لغيره) أطلق لفظ التبعية بقوله لغيره لأن ~~التبعية للغير على أنواع فأقواها تبعية الأبوين أو أحدهما ثم الدار يعني ~~إذا لم يكن معه أحد أبويه يكون مسلما تبعا لدار الإسلام ثم بعد الدار يعتبر ~~اليد ويجعل مسلما تبعا لصاحب اليد وتمام هذا مذكور في فصل التكفين من باب ~~الجنائز من "النهاية". # (ولم يعد عهدة) أي لم يجعل ذلك الضرر الدنيوي ضرر فعل الإيمان لأنه لم ~~يوجد منه فعل يصلح للعهدة ومع ذلك ثبت الإيمان في حقه بالإجماع ولم يبال ~~بما لزمه بعد الأداء من حرمان الإرث وغيره. # (ألا ترى أنه لا يرد علمه بوالديه) ومعنى عدم رد علمه بوالديه أن الرجل ~~إذا أقر ms849 بغلام يولد مثله لمثله وليس له نسب معروف أنه ابنه وصدقه PageV05P2174 # الغلام ثبت نسبه منه وشرط تصديقه لأنه في يد نفسه إذ المسألة في غلام ~~يعبر عن نفسه كذا في إقرار "الهداية"أراد بالذي يعبر عن نفسه الصبي العاقل. # علم بهذا أن علم الصبي العاقل بوالدية وتصديقه لهما معتبر في الشرع حتى ~~يرتب عليه حكم شرعي وهو ثبوت نسبه منهما عند تصديقه بهما فلما لم يرد علمه ~~بوالديه لم يرد علمه بالله تعالى أيضا ولما كان علمه بالله تعالى علما كان ~~جهله به أيضا جهلا وهو الردة فكانت منه متحققة وهذا الذي ذكره قول أبي ~~حنيفة ومحمد -رحمهما الله-. PageV05P2175 # وقال أبو يوسف رحمه الله لا يحكم بصحة الردة في أحكام الدنيا من الصبي ~~لأن ذلك يتمحض ضررا لا يشوبه منفعة وإنما حكمنا بصحة إيمانه لأنه يتمحض ~~منفعه ولكن أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- قالا: كما يوجد منه حقيقة ~~الإسلام من الوج الذي قلنا يوجد منه حقيقة الردة لأنه كما يتحقق منه العلم ~~بسائر الأشياء يتحقق منه الجهل بها والردة جهل بالله تعالى فعرفنا أنه توجد ~~حقيقتها منه ثم لا يمتنع ثبوتها بعد الوجود حقيقة للحجر شرعا فالبالغ محجور ~~عن الردة شرعا كالصبي ومع ذلك تتحقق منه الردة فكذا تتحقق من الصبي العاقل. # (ومن ذلك ما هو بين هذين القسمين) أي ومن المذكور الذي هو حقوق الله ~~تعالى حقوق له بين كونه حسن لعينه وبين كونه قبيحا لعينه أي ليس بحسن لعينه ~~وليس بقبح لعينه وهو عامة العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج فإنها ~~تحتمل النسخ والتبديل. # ألا ترى أنه ورد النهي في بعض الأوقات والأحوال في الحديث: "ثلاث أوقات ~~نهانا رسول الله عليه أن نصلي فيها"وقال عليه السلام: "ألا لا تصوموا في ~~هذه الأيام" وما كان حسنا لعينه لا يرد فيه النسخ والتبديل PageV05P2176 # والنهي في وقت من الأوقات. # (حتى قلنا بسقوط الوجوب) أي قلنا بعدم ثبوت نفس الوجوب من الأصل على ما ~~عليه اختيار المصنف -رحمه الله- (لأن اللزوم لا يخلو عن العهدة) أي ms850 لأن ~~القول بلزوم هذه الأشياء في حق الصبي لا يخلو من إثبات الضرر في حقه وهو ~~منجى عن الضرر الدنيوي شرعا. # ألا ترى أنه لا يجب عليه الدود والقصاص عند مباشرة أسبابها فكذلك لم يثبت ~~لزوم العبادات في حقه. # (وقد شرعت) أي صحه أداء هذه العبادات (بدون ذلك الوصف) أي بدون لزوم ~~العهدة في حق الصبي (بلا لزوم مضي) أي بلا لزوم إمضاء ما شرع فيه من الصلاة ~~والصوم بخلاف البالغ (لأنها قد شرعت كذلك) أي بلا لزوم مضى ولا وجوب قضاء ~~أي في الجملة. PageV05P2177 # (وكذلك إذا شرع في اإحرام على هذا الوجه ثم أحصر) أي البالغ إذا شرع في ~~إحرام الحج ظانا أن عليه الحج ولم يكن عليه ثم أحصر فلا قضاء عليه. # علم بهذا أن هذه العبادات قد توجد في حق البالغ أيضا بلا وصف لزوم المضي ~~والقضاء في صورة من الصور فيجب أن يثبت في حق الصبي أيضا بلا وصف لزوم ~~المضي والقضاء في جميع الصور وإنما قيد بالإحصار لأن الخروج من إحرام الحج ~~بعد الشروع فيه لا يجوز إلا بالإحصار أو بالأداء. # (وقلنا في الصبي إذا إرتد أنه لا يقتل). # وذكر في "المبسوط"وإذا حكم بصحة ردته بانت منه امرأته لكنه لا يقتل ~~استحسانا لأن القتل عقوبة وهو ليس من أهل العقوبة في الدنيا بمباشرة سببه ~~كسائر العقوبات ولكنه لو قتله إنسان لا يغرم شيئا لأن من ضرورة صحة ردته ~~إهدار دمه، وليس من ضرورته استحقاق قتله كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل PageV05P2178 # ولو قتلها قاتل لا يلزمه شيء. # وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: "وقلنا بصحتها تطوعا -إلى قوله- لأنها ~~قد شرعت كذلك". # (وفي ذلك جاءت السنة) أي في صحة النوافل منه وإنما هذا ضرب تأديب لتخلق ~~بأخلاق الرجال الصالحين. # وقال الشاعر: # أدب بنيك إذا ما استوجبوا أدبا ... فالضرب أنفع أحيانا من الضرب # أي العسل: وقال أيضا: # إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا تلين إذا قومتها الخشب PageV05P2179 # وقوله: (وإنما هذا ضرب تأديب وتعزيز لا عقوبة) جواب لما يرد ms851 شبه على قوله ~~عليه السلام: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا وإضربوهم عليها إذا ~~بلغوا عشرا" بما ذكر في الباب الذي قبل هذا بقوله: وما كان عقوبة أو جزاء ~~لم يجب عليه. # (ووجب للعبد بشرط السلامة) حتى لو هلك العبد المحجر في ذلك العمل تجب ~~القيمة على المستأجر، ولا يجب الأجر. # (ولا تشترط السلامة في الصبي الحر) فإنه إذا هلك في العمل يجب الأجر ~~أيضا، لأنه هو النفع المحض بخلاف هلاك العبد في العمل، فإنه لا PageV05P2180 # يجب الأجر؛ لأن العبد مال ويصير المستأجر غاضبا باستعمال العبد المحجور, ~~فتجب قيمته ويملك العبد من وقت الغضب فلا يجب أجر منافعه. # (فإنه لم يذكر إلا في "السير الكبير") وما لم يصرح فيه بقول غيره فعامة ~~إطلاقه مخصوصة بقوله, وها هنا أيضا يحتمل أن يكون هذا قوله بناء على أن ~~أمانه صحيح عنده. # (فإن الآدمي مكرم بصحة العبارة وعلم البيان) لما أن الإنسان إنما باءن ~~سائر الحيوان بالبيان ومن الله تعالى على الإنسان به. وقال تعالى: (خلق ~~الإنسان (3) علمه البيان) , فعرفنا أن معرفة البيان وصحة العبارة (من أعظم ~~وجوه الانتفاع) به ولهذا صححنا منه التوكل عن الغير بالبيع والشراء PageV05P2181 # له, فإن ذلك محض منفعة له؛ لأنه يصير به مهتديا إلى التصرفات الشرعية ~~عارفا بمواضيع الغبن والخسران ليتحرز منه عند حاجته إليه, وقد أشار الله ~~تعالى إلى ذلك بقوله: (وابتلوا اليتامى) ولا تلزمه العهدة بهذا التصرف إذا ~~لم يكن مأذونا؛ لأن في إلزام العهدة معنى الضرر وبالأهلية القاصرة إنما ~~يثبت في حقه ما يتمحض منفعة. # فإن قيل: أليس أنه لا يصح منه أداء الشهادة وفى تصحيح عبارته في أداء ~~الشهادة محض المنفعة في حقه؟ # قلنا: صحة أداء الشهادة تبنى على الأهلية للشهادة وذلك تبتنى على الأهلية ~~الكاملة؛ لأنها إثبات الولاية على الغير في الإلزام بغير رضاه وبدون ~~الأهلية الكاملة لا تثبت هذه الولاية. # (فبطلت مباشرته وذلك مثل الطلاق والعتاق) , وليس معنى هذا أن امرأة الصبى ~~لا تكون محلا للطلاق بل هي محل للطلاق وعبده محل ms852 للعتاق, PageV05P2182 # فإن الطلاق يملك بملك النكاح- وملك النكاح للصبى- إذ لا ضرر في إثبات أصل ~~الملك وإنما الضرر في الإيقاع حتى إذا تحققت الحاجة إلى صحة إيقاع الطلاق ~~من جهته لدفع الضرر كان صحيحا, فإن الحكم الثابت في حقه عند الحاجة, حتى ~~إذا أسلمت امرأة الصبى العاقل وعرض عليه الإسلام فأبى- فرق بينهما, وكان ~~ذلك طلاقا في قول أبى حنيفة ومحمد- رحمهما الله-وإذا ارتدت وقعت الفرقة ~~بينه وبين امرأته, كانت هي طلاقا عند محمد - رحمه الله- وكذلك في العتاق ~~فإنه إذا كاتب الأب أو الوصى نصيب الصغير من عبد مشترك بينه وبين غيره ~~واستوفى بدل الكتابة., صار الصبى معتقا لنصيبه حتى يضمن قيمة نصيب شريكه إن ~~كان موسرا, وهذا الضمان لا يجب إلا بالإعتاق, فيكتفى بالأهلية القاصرة في ~~جعله معتقا للحاجة إلى دفع الضرر عن الشريك, فعرفنا أن الحكم الثابت في حقه ~~عند الحاجة. # وأما بدون الحاجة فلا يجعل ثابتا؛ لأن الاكتفاء بالأهلية القاصرة لتوفير ~~المنفعة على الصبى, وهذا المعنى لا يتحقق قيما هو ضرر محض. كذا ذكره الإمام ~~شمس الأئمة السرخسى وكذلك الصدقة. # قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: فإنه محض ضرر في العاجل لا يشوبه ~~منفعة, ولهذا تبنى صحته شرعا على الأهلية الكاملة, فلا تثبت PageV05P2183 # بالأهلية القاصرة. # (إلا من قبل التوى) وهو الجحود. # (فصار ملحقا بهذا الشرط) أي صار القرض بهذا الشرط وهو أن يكون المقرض ~~قادرا على استيفائه ملحقا بما كان نفعا خالصا فيملكه عليه القاضى؛ لأن ~~القاضى يتمكن من استرداده بمجرد علمه, بخلاف الأب فإنه لا يتمكن من ~~استرداده إلا بشهود حضور ومجلس قضاء وقاض عادل يقضى بالشهود العدول, وقد لا ~~يتمكن الأب من جميع هذه الأشياء. # (وأما ما يتردد بين النفع والضرر) - إلى قوله- (والنكاح). # فإن قيل: لما كان الطلاق ضررا محضا وجب أن يكون النكاح نفعا محضا؛ لأنه ~~ضده, وبالضد تتبين أحكام الأشياء. # قلنا: إنما كان هكذا لأمر خاص لكل واحد منهما؛ لأن الأثر الخاص في الطلاق ~~زوال ملك النكاح وهو ضرر محض. # وأما النكاح فحكمه حل الاستمتاع مع لزوم المهر, ms853 فكان النكاح من حيث PageV05P2184 # حل الاستمتاع نفعا. # ومن حيث لزوم المهر ضررا فتردد بينهما لذلك, وهذا لأن المرأة تحتمل أن ~~تهب المهر قبل الطلاق فيبقى الطلاق ضررا محضا ولا يحتمل أن تهب المرأة ~~المهر قبل النكاح, فيبقى النكاح لذلك مترددا بين النفع والضرر. # وأما النفقة فبماقبلة احتباس المرأة للزوج فكان النفع من الضرر متعارضين ~~فيتقاصان. # (وقد صار أهلا يتصور منه المباشرة)؛ لأن الكلام في الصبى العاقل؛ لأن هذه ~~الأحكام كلها مبنية على قوله:"أما القاصرة"فيثبت بقدرة البدن إذا كانت ~~قاصرة قبل البلوغ, ثم وجه تصور المباشرة منه هو أنه إذا تصرف بطريق الوكالة ~~للغير أنه جائز وإن لم يأذن له وليه فيه؛ لأن فيه اعتبار النيابة هو نفع ~~محض على ما بين. # ولما كان أهلا للتصرف للغير كان أهلا للتصرف لنفسه بالطريق الأولى. (فإذا ~~صار أهلا لحكمه) وهو الملك (كان أهلا لسببه) وهو الشراء. PageV05P2185 # (مع فضل نفع البيان) حيث اعتبر بيانه, (وتوسع طريق الإصابة) لحصول الملك ~~له تارة بمباشرة وليه وتارة بمباشرته بنفسه, فكان هذا أنفع له مما إذا كان ~~طريق إصابة الملك واحدا, (حتى يجعل الصبى كالبالغ)؛ لأن نقصان رأيه اتجبر ~~برأى الولى, وما كان عدم صحة تصرفه إلا باعتبار نقصان رأيه, فلما انجبر ذلك ~~النقصان برأى الولي كان كالبالغ في حق التصرف لا محالة. # (بطريق أن رأى الولي شرط للجواز) أي أن شرط جواز تصرف الصبى رأى الولى, ~~وبدون رأيه لا يجوز تصرف الصبى, فكان جواز تصرف الصبى برأى الولي بمنزلة ~~رأى آخر للولى, فكان للولى رأيان: # أحدهما: تصرف الولي بنفسه برأيه. # والثانى: إذنه للصبى في التصرف وهو أيضا برأيه, ثم تصرف الصبى برأى وليه ~~وهو عموم رأى الولى؛ لأن رأى الولي فيه قائم أيضا, فكان رأيه شاملا ~~للموضعين فكان عاما وتصرف الولي بنفسه برأيه خصوص رأيه؛ لأنه اختص برأى ~~نفسه ولم يتعد إلى موضع آخر فكان خاصا, ثم الولي إذا تصرف PageV05P2186 # في مال الصغير برأيه الخاص لم يملك التصرف بالغبن الفاحش, فكذا إذا تصرف ~~في مال الصغير برأيه ms854 العام وهو تصرف الصغير بنفسه برأى الولي ينبغى أن لا ~~يملك التصرف بالغبن الفاحش. # وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - وما قاله أبو حنيفة رضى الله عنه ~~أوجه, فإن إقرار الصبى بعد إذن الولي له صحيح وإن كان الولي لا يملك ~~الإقرار عليه بنفسه؛ يعنى لا يلزم من عدم الجواز في تصرف الولي لأجله عدم ~~الجواز في تصرف الصبى بعد إذن الولى, فإن إقرار الولي الولي بنفسه على ~~الصبى لا يجوز, ثم لو أذن الولي للصبى في التجارة وأقر الصبى على نفسه ~~بالمال يجوز, فعلم بهذا أن بينهما فرقا. # (وفي رواية أبطله لشبهة النيابة) أي صار الصبى بمنزلة نائب الولي في ~~التصرف. PageV05P2187 # وقوله: (دون وصفه) وهو وصف الكمال. # وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - ولأنه وجد أصل الرأى له بنفسه ولم ~~توجد صفة الكمال فكان هو باعتبار الأصل متصرفا لنفسه كالبالغ, وباعتبار ~~الصفة هو كالنائب. # علم بهذا أن الصبى هو بمنزلة النائب عن الولى, ولما ثبتت للصبى شبهة ~~النيابة نظرا إلى وصف الرأى (اعتبرت الشبهة في موضع التهمة) وهو PageV05P2188 # التصرف مع الأقارب بغبن فاحش, (ولم يعتبر في غير موضع التهمة) وهو في ~~التصرف معهم بمثل القيمة لثبوت النيابة له من وجه دون وجه؛ لأنه لو ثبتت ~~النيابة من كل وجه لما جاز تصرفه معه في الصور كلها كالوكيل مع الموكل, ~~فلما ثبتت من وجه دون وجه اعتبرت أيضا من وجه دون وجه. # (وعلى هذا) الأصل أن ما كان نفعا محضا يتملكه الصبى بدون إذن الولى, وما ~~كان مترددا بين النفع والضرر لا يتملكه الصبى بدون إذن الولى, (إذا توكل) ~~أي قبل الوكالة (لم تلزمه العهدة) أي ضرر التسليم والتسلم وبإذن المولى ~~تلزمه وكذلك الصبى. # (وفي الانتقال إلى الإيصاء ترك الأفضل)؛ لأن في ترك الانتقال إلى الإبصاء ~~ماله إلى قريبه وفي الإيصاء إيصال ماله إلى الأجنبى, ولا شك أن إيصال النفع ~~إلى القريب أولى من إيصال النفع إلأجنبى, وإليه أشار النبي PageV05P2189 # عليه السلام: "لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم ms855 عالة يتكففون". # (والولي في موضع النزاع ليس بولي) أي كون الصبى مع الأب أو مع الأم مما ~~يتردد حاله بين النفع والضرر في حالة الفرقة, وكان ينبغى أن يعتبر اختيار ~~الولي في هذا كما يعتبر رأيه في سائر التصرفات التى تتردد بين النفع والضرر ~~كالبيع لكن لا يعتبر اختياره؛ لأن الأب ليس بولى في هذا لأن الولي هو الذي ~~يتصرف لغيره نظرا له بطريق الولاية وفى هذا يحتمل أن يكون نظر الأب لنفسه ~~فلا يبقى وليا للصغير. # وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - وعلى هذا قلنا: إذا وقعت الفرقة PageV05P2190 # بين الزوجين وبينهما صبى مميز, فإنه لا يخير فيما بين الأبوين -إلى أن ~~قال- وكما لا يعتبر اختياره في هذا لا يعتبر اختيار وليه؛ لأن وليه في هذه ~~الحالة أبوه, وأبوه في هذا الاختيار يعمل لنفسه, فلا يصلح أن يكون ناظرا ~~فيه لوالده, ويجوز أن لا يعتبر قوله في ذلك ولا قول أبيه؛ لنقصان رأى الصبى ~~وعدم كون الأب وليا. # (وكفى به) أي بالتناقض, (وقال بلزوم الإحرام من غير نفع) حيث لا يسقط عنه ~~حجة الإسلام حين بلغ إذا حج بذلك الإحرام في حال الصبا. # وأما إذا أهل الصبى بالحج ثم احتلم قبل أن يطوف بالبيت أو قبل أن يقف ~~بعرفة لم يجزه من حجة الإسلام عندنا, وعلى قول الشافعى يجزيه - فصار ~~اختلافا هنا نظير الاختلاف في الصلاة- فإنه إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في ~~آخره عنده يجزيه عن الفرض ويجعل كأنه بلغ قبل أداء الصلاة, فهنا أيضا يجعل ~~كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام فيجزيه ذلك عن حجة الإسلام, PageV05P2191 # ولكنا نقول: حين أحرم وهو لم يكن من أهل أداء الفرض فانعقد إحرامه لأداء ~~النفل فلا يصح أداء الفرض به وهو نظير الصرورة إذا أحرم بنية النقل عندنا ~~لا يجزيه أداء الفرض به, وعنده ينعقد إحرامه للفرض والإحرام وإن كان من ~~الشرائط عندنا ولكن في بعض الأحكام هو بمنزلة الأركان. # ومع الشك لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين, فلهذا لا يجزيه ms856 عن حجة ~~الإسلام بذلك الأحرام إلا أن يجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة حينئذ يجزيه عن ~~حجة الإسلام؛ لأن ذلك الإحرام الذي باشره في حالة الصغر كان تخلقا ولم يكن ~~لازمه عليه, فيتمكن من فسخه بتجديد الإحرام, وهذا بخلاف العبد إلى آخر ما ~~ذكره في مناسك "المبسوط". # (الأشياء موضوعا) أي وضع ذلك الشيء بنفسه. # (ولا يصح اختيار الولي عليه) أي لا يصح أن يختار الولي أحدهما لأجل ~~الصبى, وكذلك قبول الهبة في قول صحيح منه دون الولى, وفى قول عكسة أي قبول ~~الهبة للصبى يصح من الولي دون الصبى. # وذكر في هبة "المبسوط"وكل يتيم في حجر أخ أو ابن أخ أو عم يعوله, PageV05P2192 # فوهب له رجل هبة, فإنما يقبضها الذي يعوله إذا كان هو صغيرا لا يحسن ~~القبض, وكذلك إذا كان عاقلا ولا يحسن القبض فقبض له من يعوله جاز؛ لأنه ~~فيما تتمحض منفعة لليتيم كان لمن يعوله أن يباشر فيه, وإن قبض الصغير بنفسه ~~ففى القياس لا يجوز قبضه وهو قول الشافعى؛ لأنه لا معتبر بعقله قبل البلوغ ~~خصوصا فيما يمكن تحصيله له بغيره. # وجه الاستحسان أنه إنما لا يعتبر عقله لدفع الضرر عنه, وهذا فيما يتردد ~~بين المنفعة والمضرة, فأما فيما يتمحض منفعته فلا يتحقق هذا المعنى. # وقوله: (ومتى جعلناه وليا لم نجعل فيه موليا) كما في الإيمان وقبول ~~الهبة. وإذا جعلناه موليا عليه لم نجعله وليا كما في الإذن في التجارة, ~~وهذا جواب عما ذكره الشافعى بقوله: "وهو أن من كان موليا عليه لم يصلح أن ~~يمون وليا" إلى آخره. # (وإنما هذا عبارة عن الاحتمال) أي في كل موضع جعلنا الصبى وليا أو موليا ~~عليه هو عمل بالدليل عند قيام الليل عليه, واحتمال ذلك التصرف PageV05P2193 # ذلك الحكم, فكان هذا منا بيان احتمال ذلك التصرف ذلك الحكم؛ لأن لما ~~جعلنا الصبى في كل تصرف وليا ثم نجعله موليا عليه في ذلك التصرف, وفى كل ~~تصرف جعلناه موليا عليه لم نجعله وليا في ذلك التصرف ولم يكن ذلك تناقضا, ms857 ~~وإنما التناقض في جعله وليا وموليا عليه في تصرف واحد, وما يتصور من اجتماع ~~من صورة اجتماع كونه وليا وموليا عليه في تصرف واحد كما في الإيمان وقبول ~~الهبة فذاك (راجع إلى توسع طريق النيل) إلى المنفعة المحضة والمقصود هو ~~النيل والوصول إلى المنفعة. # وقوله: (وذلك هو المقصود) أي المقصود هو حصول المنفعة له من كونه وليا أو ~~موليا عليه, وإذا كان هو المقصود من ذلك التردد في السبب وجب اعتبار هذا ~~التردد في السبب من كونه وليا وموليا عليه في تصرف واحد عند حصول الحكم له, ~~وهو الوصول إلى المنفعة بأي طريق كان. # (وإنما الأمور بعواقبها) أي في الأمور إنما تعتبر عواقبها لا ابتدائها, ~~وعاقبة ما قلنا غير مترددة وهى حصول المنفعة له وإن كان حصول المنفعة في ~~الابتداء مترددا في السبب, ولا اعتبار لتردد السبب؛ لأن المقصود من الأسباب ~~أحكامها. والله أعلم. PageV05P2194 ### || AUTO باب الأمور المعترضة على الأهلية # أي الأمور التي تعترض على أصل الأهلية التي بينا أنها بناء على قيام ~~الذمة وتمنع الأحكام التي تتعلق بالأهلية. # (العوارض نوعان): أي الموانع. يقال: عرض لي أمر أمر أي استقبلني فمنعني ~~عما أريده. # (سماوي): أي من قبل صاحب الشرع بدون اختبار العبد على وجه ليس في يد ~~العبد دفعه وإزالته وإنما نسب هذا النوع من العوارض إلى السماء لكون ~~الحوادث موعدا تقديرها في السماء قال الله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون) # (ومكتسب) أي ما حصل من كسب العبد واختياره منه أي من الذي PageV05P2195 # اعترض عليه. # عد (الجهل) من العوارض مع أنه أمر أصلي. قال الله تعالى: (والله أخرجكم ~~من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) باعتبار أنه كان في يده إزالته بسبب ~~مباشرته لأسباب العلم حتى يحصل له العلم ويزول الجهل ولما ترك ذلك مع قدرته ~~عليه جعل ذلك بمنزلة حصوله مع كبسه وباقي التقرير مذكور في "الوافي". # (وإذا زال قبل الامتداد فجعلوه عفوا) أي فجعلوا الجنون غير مؤثر في ~~الإسقاط وجعلوه كأن لم يكن وألحقوه بالنوم والإغماء. PageV05P2196 # وقوله: "لكنهم ms858 استحسنوا فيه" ذكر في حق وجوب القضاء لفظ الاستحسان لأن ~~القياس أن لا يجب القضاء لكون الجنون منافيا لأهلية الأداء على ما ذكر قبل ~~هذا بقوله: "أما الجنون فإنه في القياس مسقط للعبادات PageV05P2197 # كلها "وكذلك ذكر بعده (كان القياس لفظ فيه ما قلنا) وهو كون الجنون مسقطا ~~للعبادات. # وذكر في صوم "المبسوط"فإن أفاق المجنون في بعض الشهر فعليه بالصوم ما بقي ~~من الشهر وليس عليه قضاء ما مضى في القياس وهو قول زفر والشافعي -رحمهما ~~الله- لأنه لو استوعب الشهر كله منع القضاء في اكل فإذا وجد في بعضه يمنع ~~القضاء بقدره اعتبارا للبعض بالكل وقياسا على الصبي وهذا الصبي أحسن حالا ~~من المجنون فإنه ناقص العقل في بعض أحواله عديم العقل في بعض أحواله -إلى ~~الإصابة عادة- والمجنون عديم العقل لا إلى الإصابة عادة ولهذا جاز إعتاق ~~الصغير عن الكفارة دون المجنون فإذا كان الصغر في بعض الشهر يمنع وجوب ~~القضاء فالجنون أولى. # واستحسن علماؤنا -رحمهم الله- بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ~~والمراد منه شهود بعض الشهور لأنه لو كان السبب شهود كل الشهر لوقع الصوم ~~في شوال فصار بهذا النص شهود جزء من الشهر سببا PageV05P2198 # لوجوب صوم جميع الأشهر إلا في موضع قام الدليل وقد قام الدليل في حق ~~الصبي أن لا يوجب القضاء دفعا للحرج وهذا لأن الوجوب في الذمة ولا ينعدم ~~ذلك بسبب الصبا ولا بسبب الإغماء إلا أن الصبا يطول عادة فيكون مسقطا ~~للقضاء دفعا للحرج والإغماء لا يطول عادة فلا يكون مسقطا للقضاء والجنون قد ~~يطول وقد يقصر فإذا طار إلتحق بما يطول عادة وإذا قصر التحق بما يقصر عادة. # وقوله: (ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام) إيضاح لقوله: "وذلك أنه لما ~~كان منافيا لأهلية الأداء"يعني أن الدليل على أن الجنون مناف لأهلية الأداء ~~عصمة النبي عليه السلام إنما عصم عنه لأن الجنون ينافي أداء بخلاف النوم ~~والإغماء لأن النوم معهود في الإنسان ويتوقع الإنتباه من النوم ساعة فساعة ~~فلا يكون منافيا للأداء تقديرا فوجب ms859 القول بالوجوب وكذلك الإغماء. # ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لم يعصموا عنه فصح عنه القول بالوجوب PageV05P2199 # إذا لم يوجب حرجا ولأن الإنسان بالجنون لما لم يبق أهلا للعبادات كان ~~ملحقا بالبهائم ولو لم يعصم الأنبياء عليهم السلام عنه كان تنفيرا للناس عن ~~دعوتهم إلى الإسلام ولذلك قال الله تعالى في حق نبيه (ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون). # (لم يكن موجبا حرجا على ما قلنا) وهو إشارة إلى ما ذكر في باب بيان ~~الأهلية بقوله: وكذلك قلنا في الجنون -إلى أن قال- وإذا لم يمتد في شهر ~~رمضان لزمه أصله لإحتمال حكمه وهذا لأن أصل الوجوب انما يراد لحكمه فمهما ~~كان وجوب الأداء مفضيا إلى الحرج قلنا بسقوط الوجوب من الأصل لأن الوجوب ~~ثابتا في حقه. # (وقد اختلفوا فيه) أي في الجنون الذي بينا حكمه من جواب القياس ~~والاستحسان. # (فأما إذا بلغ الصبي مجنونا فإذا زال صار في معنى الصبي إذا بلغ). PageV05P2200 # وكان هذا نظير الحيض في قوله تعالى: (واللائي لم يحضن) أي حكمهن. # لذلك يعتدن بالأشهر كالصغائر إذا بلغن بالسن كما أن عدم رؤية الدم هناك ~~على وجه الأصالة ألحق بعدم رؤية الدم في حالة الصغر، ولم يلحق عدم الرؤية ~~به على وجه العارض كما في الممتد طهرها، فكذلك هاهنا ينبغي أن يلحق الأصلي ~~بالصغير دون العارضي. # (وقال محمد -رحمه الله- هما سواء) أي الجنون الأصلي والعارضي في أنه إذا ~~لم يمتد وجب القول بالوجوب وإذا امتد لا يصح القول بالوجوب. (واعتبر حاله) ~~أي حال المجنون (ويلحق بأصله) أي يلحق محمد -رحمه الله- الجنون الأصلي إذا ~~زال بأصل الجنون وهو أن يكون عارضا؛ لأن الأصل في الجبلة السلامة وفوات ~~السلامة عارض، فكان الأصل في الجنون أن يكون من العوارض والحكم في الجنون ~~العارضي أنه إذا امتد يمنع الوجوب وإلا فلا. # (وهو في أصل الخلقة متفاوت بين مديد وقصير فيلحق هذا الأصل في الحكم الذي ~~لم يستوعبه بالعارض) أي إلحاق الجنون الأصلي بالعارضي في الحكم الذي لم ~~يستوعبه لما أن الجنون في نفسه ms860 متفاوت، ولما ثبت أنه متفاوت بين مديد ~~وقصير، فالمديد يفضي إلى الحرج دون القصير، فلذلك PageV05P2201 # أثبتنا الحكم فيه على حسب ذلك. # وحاصل الكلام أن محمدا -رحمه الله- ألحق الجنون الأصلي بالعارضي، والحكم ~~في العارضي مجمع عليه وهو أنه إذا كان مستوعبا لمدة وظيفة العبادة كان ~~مسقطا لها وإلا فلا، فكذلك في الأصلي. # (وحد الامتداد يختلف باختلاف الطاعات)؛ لأن امتداد وقت بعضها الشهر، ~~وامتداد وقت بعضها السنة، وامتداد وقت بعضها اليوم، فإن الجنون إذا لم ~~يستوعب مدة وظيفة العبادة ألحق بالجنون العارضي حتى إذا بلغ الصبي مجنونا ~~قبل دخول شهر رمضان ثم أفاق قبل انسلاخ شهر رمضان كان الحكم فيه كالحكم في ~~الجنون العارضي، أي يجب قضاء صوم شهر رمضان عليه، PageV05P2202 # وكذلك هذا في الصلوات أنه إذا بلغ مجنونا ثم زال الجنون قبل مضي يوم ~~وليلة يجب عليه قضاء صلوات هذا اليوم كالجنون العارضي، وإن زال بعد مضي يوم ~~وليلة لا قضاء عليه على حسب الاختلاف. # (فاعتبر الزيادة بالساعات) أي بساعات الصلوات وهي أوقاتها، وفائدة هذا ~~الاختلاف تظهر فيمن أغمى عليه بعد طلوع الشمس ثم أفاق من الغد بعد الزوال ~~يسقط القضاء عندهما خلافا لمحمد -رحمه الله- والقياس ما قاله محمد -رحمه ~~الله- ليدخل الواجب في حد التكرار، وأبو حنيفة، PageV05P2203 # وأبو يوسف -رحمهما الله- أقاما الوقت مقام الواجب كما قالوا جميعا في ~~المستحاضة. كذا في "مبسوط" شيخ الإسلام. # وذكر في "المحيط" أن ما قاله محمد -رحمه الله- هو الأصح. ثم قال: وإنما ~~تظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا أغمي عليه عند الضحوة ثم أفاق من الغد قبل ~~الزوال بساعة فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات فلا قضاء عليه في قول ~~أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- وعلى قول محمد -رحمه ~~الله- يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على الخمس. # (لأن ذلك لا يثبت إلا بحول) أي لأن التكرار لا يثبت إلا بحول، وفي اعتبار ~~الحول حرج؛ لأنه ربما يجن في كل سنة ويفيق شهرا منها أو يوما فلا يسقط عنه ~~الواجب أبدا ms861 ولا يقدر على أدائه، ولأنا لو اعتبرناه بالحول يصير التبع ~~زائدا على الأصل؛ لأن الأصل شهر واحد والزيادة عليه أحد عشر شهرا والتبع لا ~~يزيد على الأصل. # فإن قيل: إن غسل العضو مرة واحدة أصل والمرتان بعدها زائدتان عليها ~~والزائد أكثر عددا من الأصل هناك. PageV05P2204 # قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الزائد على المرة الواحدة هناك ليس بشرط ~~والمدعي أن لا يكون الزائد مثلا للأصل فيما هو شرط، والسنن والنوافل وإن ~~كثرن لا يكن مثلا للفرض فلا يتوجه نقضا. # (فيما يمتد) أي فيما يمتد من الجنون. # (فإذا زال قبل هذا الحد وهو أصلي كان على هذا الاختلاف) يعني إذا بلغ ~~الصبي مجنونا وهو مالك للنصاب فمضى بعد البلوغ ستة أشهر مثلا فزال الجنون ~~لتمام ستة أشهر، ثم تم الحول على إفاقته فعليه الزكاة عند محمد -رحمه ~~الله-، بل يستأنف الحول عقيب الزوال؛ لأن هذا عند أبي يوسف -رحمه الله- ~~بمنزلة الصبي، وفي الجنون العراضي في هذه الصورة تجب الزكاة بالإجماع؛ لأنه ~~قبل حد الامتداد عند الكل، فأما إذا زال الجنون بعد مضي أحد عشر شهرا فكذلك ~~الجواب عند محمد -رحمه الله- فيهما جميعا للزوال قبل حد الامتداد، وعند أبي ~~يوسف -رحمه الله- لا يجب لوجود الزوال بعد حد الامتداد، وفي "المبسوط" ثم ~~في الجنون الأصلي لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق، فإن كان جنونه طارئا ~~فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف العبرة لأكثر الحول، فإن PageV05P2205 # كان مفيقا في أكثر الحول تجب الزكاة وإلا فلا، وجعل هذا نظير الجزية، فإن ~~الذمي إذا مرض في بعض السنة فإن كان صحيحا في أكثر السنة تلزمه الجزية وإن ~~كان مريضا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية. # وقال محمد -رحمه الله-: إذا كان مفيقا في جزء من السنة قل أو كثر من ~~أولها أو آخرها تلزمه الزكاة. # هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف -رحمهما الله- وجعل هذا نظير الصوم، ~~والسنة للزكاة كالشهر للصوم. والإفاقة في جزء من الشهر كالإفاقة في جميعه ~~في وجوب ms862 صوم الشهر فهذا كذلك. # (وهو الثواب في الآخرة)؛ لأنه مسلم تبعا لأبويه (إذا احتمل الأداء) أي ~~إذا وجد الأداء عند الاحتمال وهو فيما إذا لم يوجب الأداء الحرج. # (وذلك ولاية) أي الوراثة ولاية بدليل قوله تعالى: (فهب لي من لدنك PageV05P2206 # وليا (5) يرثني)، حيث جعل الوراثة تفسيرا للولاية، والوصف المفسر عين ~~المفسر وإلا لا يكون مفسرا له، والمفسر ولاية فكان المفسر ولاية فكانت ~~الوراثة ولاية بهذا التقرير، وثبوت الإرث والملك لا يكون بدون الذمة ~~والولاية، فعلم بهذا أن للمجنون ذمة. # (فيصير الوجوب عدما بناء عليه) أي على عدم الأداء أي على عدم وجوب الأداء ~~وذلك فيما إذا كان الأداء مفضيا إلى الحرج. # (لأنه أهل لحكمه) لأن حكمه أداء المال في حقوق العباد وذلك يتحقق بالولي ~~لما أن فعل من وجب عليه المال غير مقصود في حقوق العباد بل المقصود وصول ~~المال إلى من يستحقه. # وقوله: (على ما قلنا) إشارة إلى ما ذكر في باب بيان الأهلية بقوله: فما ~~كان منها غرما وعوضا فالصبي من أهل وجوبه؛ لأن حكمه وهو أداء العين يحتمل ~~النيابة؛ لأن المال مقصود لا الأداء، وهذا كله بناء على قيام الذمة. # (والحجر عن الأقوال صحيح) ألا ترى أن الحجر عن الأقوال في حق بعض العقلاء ~~صحيح كالمقتدي محجور عن القراءة، والمريض محجور عن PageV05P2207 # الإقرار في بعض الأحوال بخلاف الأفعال، فأولى أن يصح الحجر عن الأقوال في ~~حق المجنون نظرا له، ففسدت عبارته؛ لأن العبارة إنما تكون بالكلام وصحة ~~الكلام بالعقل والتمييز وبدونهما لا يكون كلاما. # (لعدم ركنه وهو العقد أي الاعتقاد فلم يكن حجرا) يعني ما قلنا إن إيمانه ~~لم يصح لم يكن ذلك منا حجرا له عن الإيمان، بل بناء على أن ركنه لم يوجد لا ~~أن يكون مجورا عنه، هذا جواب شبهة بأن يقال: قولكم إن إيمان المجنون لا يصح ~~حجر منكم للمجنون عن الإيمان كما قلتم للشافعي في قوله: إن إيمان الصبي ~~العاقل لا يصح أن هذا حجر منه عن الإيمان وهو لا يصح. # قلنا: ms863 إن الصبي لما عقل يتحقق منه ركن الإيمان وهو التصديق ثم بعد وجود ~~الإيمان بحقيقته من قال: لا يصح إيمانه كان ذلك حجرا له عن الإيمان لا محالة. # وأما في حق المجنون فكان عدم صحة الإيمان لعدم ركنه لا للحجر عنه. # (دفعا للظلم بقدر الإمكان)؛ لأن السبيل إلى إسلامه ممكن بهذا الطريق فوجب ~~المصير إليه دفعا للضرر عن المسلمة وهو كونها مقهورة تحت كافر ولا PageV05P2208 # يجوز ذلك؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. # (وما كان ضررا يحتمل السقوط فغير مشروع في حقه) نحو الحدود والقصاص ~~والكفارات؛ لأنها تحتمل السقوط عن البالغ بالشبهات، وكذلك العبادات فإنها ~~تحتمل السقوط بالأعذار. # (حتى يصير مرتدا تبعا لأبويه)، وهذا لأن الإسلام لا يمكن في حقه أن يثبت ~~بطريق الأصالة لعدم تصور ركن الإيمان وهو التصديق بالقلب عن المجنون، ولو ~~ثبت الإسلام في حقه إنما يثبت بطريق التبعية، وإذا ارتد أبواه -والعياذ ~~بالله- زالت التبعية في الإسلام، والمجنون بسبب عدم عقله تبع لأبويه لا ~~محالة، ثم لو لم تثبت الردة في حقه مع كونه تبعا لهما يلزم أن تكون الردة ~~عفوا في حقه، وهو محال في الذي هو قبيح لعينه فوجب القول بثبوت الردة في ~~حقه؛ لأن الإسلام مع وجود الردة محال للتضاد بينهما فوجدت الردة في المتبوع ~~حقيقة فتثبت في التبع ضرورة. # ["الصغر"] # (وأما الصغر) إلى آخره، فإن قيل: الصبا كيف يكون من العوارض وهو لازم ~~الإنسان من زمان الولادة؟ PageV05P2209 # قلنا: يعتبر العارض في ذات الإنسان وقد يوجد الإنسان بدون الصغر وهو في ~~الحال كالبالغ، ووجد أيضا في جنس أصل الإنسان في أول وجوده من لا صغر له ~~كآدم عليه السلام، ولأنا بينا أن الوجوب بناء على قيام الذمة والسبب وهما ~~موجودان في حق الصغير والوجوب ساقط، فعلم بهذا أن السقوط باعتبار العارض ~~وليس ذلك في حق الصغير سوى الصغر فجعلنا الصغر من العوارض لذلك. # (لكنا الصبا عذر مع ذلك) لكونه ناقص العقل (فقد سقط بعذر الصبا ما يحتمل ~~السقوط عن البالغ)، فالصلاة مما يحتمل السقوط ms864 عن البالغ بالإغماء وغير ذلك ~~فسقط عن الصبي، وكذلك الزكاة تحتمل السقوط عن البالغ بسبب الدين وبهلاك ~~النصاب بعد الوجوب، وكذلك الصوم يسقط وجوب أدائه في الحال كما في حق الحائض ~~والمريض والمسافر، وكذلك وجوب أداء الإيمان بالإقرار يحتمل السقوط عن ~~البالغ. # ألا ترى أن من لم يصادف وقتا يتمكن فيه من الإقرار فصدق بقلبه وآمن صح ~~إيمانه بالإجماع، وكذلك المكره على الكفر بالقتل فإنه يرخص له الإقدام على ~~إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان فكان وجوب أداء الإيمان في ذلك ~~الزمان ساقطا، فصح القول لذلك بسقوط وجوب أداء الإيمان عن الصبي لكن مع ذلك ~~إذا آمن صح إيمانه. PageV05P2210 # (فقلنا لا يسقط عنه فرضية الإيمان) أي لا يسقط عنه شرعية فرضية أداء ~~الإيمان لا لزوم أدائه، وإنما أولنا بهذا التأويل لئلا يتناقض هذا الظاهر ~~بما ذكر قبله في آخر باب بيان الأهلية بقوله: وإذا عقل الصبي واحتمل الأداء ~~قلنا بوجوب أصل الإيمان دون أدائه وبما ذكر بعده في باب أهلية الأداء ~~بقوله: ولا عهدة فيه إلا في لزوم أدائه وذلك يحتمل الوضع. # "فوضع عنه" أي عن الصبي. # (حتى إذا أداه كان فرضا لا نفلا) ولو كان أداء الفرضية ساقطا عنه لكان ما ~~أداه نفلا لا فرضا، كالصلوات والزكوات والصيامات، ولأن الإيمان إذا وجد ~~بحقيقته أينما وجد يقع نفلا بل فرضا. # (الا ترى أنه إذا آمن في صغره لزمه أحكام ثبتت بناء على صحته الإيمان) ~~كحرمانه الإرث عن أقاربه الكفار، واستحقاقه الإرث من أقاربه المسلمين ~~والفرقة بينه وبين امرأته الكافرة وجواز صلاة الجنازة عليه. # (وهي جعلت تبعا للإيمان الفرض)، وقوله: "الفرض" خرج بيانا لكون الإيمان ~~أينما وجد وجد فرضا لا أن يكون بيانا لنوع الإيمان، لما قلنا: PageV05P2211 # الإيمان لا يتنوع إلى فرض ونفل. # (ولم يعد كلمة الشهادة لم يجعل مرتدا) فلو لم يكن ذلك الأداء فرضا لوجب ~~عليه الإعادة كما إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره تجب عليه الإعادة. # فإن قيل: كيف يكون ذلك الأداء فرضا وهو ms865 ليس بفرض عليه في الحال؟ # قلنا: وقوع الأداء فرضا لا يفتقر إلى فرضية في الحال كالمسافر والمريض ~~والعبد في حق صلاة الجمعة، والمريض والمسافر في حق الصوم في شهر رمضان. # (ولو كان الأول نفلا لما أجزي عن الفرض)؛ لأن النفل يخالف الفرض وهو أدنى ~~حالا من الفرض، فكيف يجزئ النفل عنه وصفة الفرضية في النفل معدومة؟ # فإن قيل: يشكل على هذا الوضوء قبل الوقت فإن ذلك نفل ينوب عن الفرض الذي ~~يفترض عليه بعد دخول الوقت. # قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الوضوء تبع للصلاة وشرط لها، ففي الشروط ~~يعتبر وجودها بأي وصف كان لا وجودها بطريق الفرضية. PageV05P2212 # ألا ترى أن سائر الشروط من لبس الثياب وتطهير المكان واستقبال القبلة ~~وغيرها لو وجد على وجه الإباحة أو لنفع نفسه من لبس الثياب لدفع الحر ~~والبرد ينوب عن وجود الشرط بطريق الفرضية، فأولى أن ينوب الشرط النفل عن ~~الشرط الفرض، بخلاف الإيمان فإنه رأس العبادات المقصودة فلا يصح فيه أن ~~ينوب النفل عن الفرض كما في سائر العبادات المقصودة من الصلاة والزكاة ~~والصيام، (ووضع عنه التكليف وإلزام الأداء) أي وضع عنه تكليف الإيمان ~~وإلزام أدائه. # وقوله: (عن كل عهدة يحتمل العفو) قيدها باحتمال العفو لتخرج الردة ولذلك ~~أي ولأجل أن الصبا من أسباب المرحمة (لا يحرم الميراث بالقتل)، يعني إذا ~~قتل الصبي مورثه يرث منه؛ لأن الحرمان عن الإرث بسبب القتل ثبت جزاء جناية ~~القاتل والصبي ليس من أهل الجزاء بطريق العقوبة في الدنيا، بخلاف الرق ~~والكفر حيث يحرم بهما الإرث؛ لأن ذلك لعدم الأهلية لا لاعتبار الجزاء. ~~يوضحه أن الرق أثر الكفر والكفر موت كما أن الإسلام حياة. قال الله تعالى: ~~(أو من كان ميتا فأحييناه) أي كافرا PageV05P2213 # فهديناه، والميت لا يرث الحي، ولأن الرقيق مال والمال ليس بأهل للميراث، ~~ولأن القول بوراثة الرقيق قول بوراثة الأجنبي من الأجنبي؛ لأن ما للرقيق ~~لمولاه فكان الميراث لمولاه في الحقيقة وهو أجنبي وذلك باطل، ولأن الإرث ~~نوع ولاية ولا ولاية للكافر على ms866 المسلم، وكذلك لا ولاية للرقيق على نفسه ~~فأولى أن لا يكون له ولاية على غيره. # (خالصة لا تلزم الصبي بحال) نحو الحدود والقصاص. # (ومشوبة يتوقف لزومها على رأي الولي) نحو لزوم العهدة في البيع والإجارة ~~والوكالة. # (صار من أسباب ولاية النظر) أي تثبت الولاية، أي تثبت للغير عليه ولا ~~تثبت له على الغير. # ["العته"] # (والعته) ما يوجب خللا في العقل؛ لأن المعتوه من هو مختلط الكلام يشبه ~~كلامه مرة بكلام العقلاء ومرة بالمجانين، والعته نظير آخر أحوال PageV05P2214 # الصبي، والجنون بمنزلة أول أحوال الصبي. # (لا يمنع صحة القول والفعل) حتى لو أسلم يصح ولو أتلف مال الغير يضمن. # (ولكن شرع جبرا) أي جبرا للنقصان لا الجبر الذي هو ضد الاختيار. # (والصبا محدود فوجب تأخيره) أي تأخير العرض؛ لأن فيه عهدة على PageV05P2215 # الصبي وهي فرقة المرأة عنه على تقدير إباء أبيه وأمه الإسلام ومطالبة ~~المهر عنه في الحال وهو ليس من أهل العهدة. # قيد المعتوه بالعاقل، احترازا عن المعتوه غير العاقل فإنه والمجنون سواء. # (وأما الصبي العاقل والمعتوه العاقل فلا يفترقان) أي يعرض عليهما الإيمان ~~في الحال. # ["النسيان"] # (وأما النسيان) فهو عبارة عن الجهل الطارئ (فلا ينافي الوجوب) لأنه لا ~~يعدم العقل. # (ولكنه يحتمل أن يجعل عذرا)، ذكر بلفظ الاحتمال؛ لأنه جعل عذرا في موضع ~~ولم يجعل في موضع آخر، وإنما احتمل أن يجعل عذرا؛ لأن النسيان وصف جبل عليه ~~الآدمي فكان مضافا إلى من له الحق على ما أشار إليه PageV05P2216 # النبي عليه السلام بقوله: "إنما أطعمك الله وسقاك". # (لأن حقوق العباد محترمة لحقهم وحاجتهم) إلى آخره. يعني أن الله تعالى ~~غني عن العالمين وله أن يبتلي عباده بما شاء، والأمر والنهي ابتلاء من الله ~~تعالى لعباده مع غناه عن أفعالهم وأقوالهم. # وأما في حق العبد فليس فيه ابتلاء، بل حقه معصوم شرعا لحاجته وافتقاره ~~إليه، وإذا أتلف غيره حقه بأي وصف كان وجب عليه جبرانه لحاجته إلى ما يجبر حقه. # (لكن النسيان إذا كان غالبا يلازم الطاعة) يعني أن النسيان لا ms867 ينافي ~~الطاعة، ولا تخلو الطاعة عنه كالنسيان في الصوم، فإن الصوم يبقى مع وجود ~~الأكل إذا كان ناسيا مع أن الأكل مناف ركن الصوم وغلبه النسيان فيه لدعوة ~~الطبع إلى الأكل والشرب، وكذلك النسيان يغلب على البشر حال الذبح لخوف ~~يعتريه أو اضطراب يلحقه، فلذلك جعل نسيان التسمية عفوا فحلت الذبيحة. PageV05P2217 # (والنسيان ضربان: ضرب أصلي) وهو أن يكون مركبا فيه على وجه ليس في وسعه ~~حفظه كالنسيان في الصوم والذبيحة؛ لأنه ليس له فيهما حالة مذكرة تذكر حفظه ~~فكان النسيان فيه عفوا. # (وضرب يقع فيه المرء بالتقصير) وهو فيما له حالة مذكرة كالأكل والكلام ~~ناسيا في الصلاة، وكذلك نسيان ما حفظه من العلوم الشرعية. إنما يقع فيه ~~لتقصيره بسبب ترك التكرار، ولهذا استحق الوعيد من نسي القرآن بعد الحفظ. # (لأنه ليس مثل المنصوص عليه في غلبة الوجود)؛ لأن القياس فيما ذكرنا لا ~~يجعل عفوا أيضا؛ لأن الحكم بعدم الشيء مع وجوده حقيقة مما يأباه القياس ~~كالأكل في الصوم، وكذلك الحكم بوجود الشيء مع عدمه حقيقة PageV05P2218 # حكما كما في ترك التسمية على الذبيحة ناسيا، فجعل النسيان عفوا فيهما ~~بخلاف القياس فلا يعدى هذا الحكم إلى غير المنصوص إلا إذا كان هو مثل ~~المنصوص عليه من كل وجه فحينئذ يعدى إليه. # (حتى إن سلام الناسي لما كان غالبا) في الصلاة ألحقناه بالصوم في جعله ~~عذرا، وذلك إذا سلم في القعدة الأولى على ظن أنها القعدة الأخيرة، ثم علم ~~أنها القعدة الأولى لا تفسد صلاته، والتسليم في غير ذلك الموضع لما لم يكن ~~غالبا لم يجعل عذرا بل تفسد الصلاة. # ["النوم"] # (فعجز عن استعمال الأحوال) يعني به الإدراكات الحسية من السمع والبصر ~~وغيرهما، والأفعال الحسية من القيام والركوع والسجود وغيرها أي لا يقدر على ~~استعمال قدرة مدركة للأحوال، فلما كان هو عجزا عن تحصيل القدرة التي تحصل ~~بها الأفعال عند استعمال الآلات السليمة لعدم الاختيار للنائم لم يعتد ~~أفعاله من القيام والركوع والسجود؛ لأن هذه الأفعال اختيارية لا تتحقق بدون ~~الاختيار. # وأما القعدة ms868 الأخيرة فلا نص عن محمد -رحمه الله- فيها أنه تعتد من الفرض ~~أو لا تعتد إلا أنه ذكر مسألة يستدل بها على اعتدادها من الفرض فيما PageV05P2219 # إذا وجدت في حالة النوم، وهي أنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في ~~الركعة الأخيرة وقعد ثم نام قدر التشهد ثم انتبه بعد قعوده قدر التشهد في ~~النوم ثم قهقه قال: لا تفسد صلاته وتنتقض طهارته. دلت المسألة على اعتداد ~~القعود المأتي به في حالة النوم من الفرض، لأنه لو لم يعتد من الفرض لوجدت ~~القهقهة قبل القعود قدر التشهد فتفسد صلاته، وحيث لم تفسد علم أنه معتد به، ~~ولعل الفرق بين القعدة وغيرها من الأركان أن القعدة فرض وليست بركن؛ لأن ~~القعدة للاستراحة، والعبادة تنبئ عن المشقة، وغير القعدة من الأفعال ~~كالقيام والركوع والسجود ركن فكان أقوى حالا من PageV05P2220 # القعدة, فما هو المراد من شرعية الصلاة وهو التعظيم والتلل والتعبد لا ~~يوجد في النوم بخلاف القعدة فإنها للإستراحة والنوم كذلك فيتوافقان فجاز أن ~~تختسب القعدة بالنوم. # وقوله: (والصحيح أنه لا يكون حدثا) ولا تفسد صلاته وقع على خلاف ما ~~اختاره في ((الفتاوى)). # وقال في ((الخلاصة)) وغيرها: ولوضحك في النوم في الصلاة قهقهة لا تنتقض ~~طهارته ولكن تفسد صلاته, وهو المختار. PageV05P2221 ### || AUTO [((الإغماء))] # (لأن النوم فترة أصلية وهذا عارض ينافي القدرة) أراد به أن الإنسان لا ~~يخلو عن فترة النوم وأنه يوجد في كل إنسان ظاهرا لا أن يكون المراد به أنه ~~ليس من العوارض, ولهذا أورده في العوارض, وهذا عارض ((أي الإغماء)) عارض ~~يعرض إنسانا دون إنسان فكان في كونه عارضا أقوى من النوم, وفي تفويت القوى ~~أشد منه أيضا, لأن النوم يمكن إزالته بالتنبيه ولا كذلك الإغماء. PageV05P2222 # ((وهو فوق الحدث)) أى الإغماء فوق الحدث السماوي من النوم مضطجعا غير ~~معتمد وغيره فلا يلحق به في حق البناء, لأن البناء ثبت بخلاف القياس فلا ~~يلحق به ماهو فوقه في الحدث كالجنابة. # (أن لا يسقط به شيء من الواجبات) , لأن العقل غير زائل من ms869 المغمى عليه ~~كما في النائم. # (على ما فسرنا) أراد به قوله: فأما في الصلوان فبأن يزيد على يوم وليلة ~~باعتبار الصلوات عند محمد -رحمه الله- إلى آخره. PageV05P2223 # (لأن الامتداد في الصوم نادر) فلا يعتبر, لأن النادر لا حكم له, لأن ~~الأحكام تبتنى على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر, وفي الصلاة غير نادر ~~والحرج فيها بالتكرار فلذلك سقطت عند التكرار. # (جاءت السنة) أي في الصلاة جاءت السنة على نحو ماقلنا وهي: أن عمار بن ~~ياسر-رضس الله عنه -أغمي عليه يوما وليلة فقضاهن, وعبدالله بن عمر -رضى ~~الله عنهما-أغمى عليه في ثلاثة أيام فلم يقض الصلوات, كذا في ((المبسوط)). # (فلم يوجب حرجا) أي فيما إذا لم يزد الإغماء على يوم وليلة. ### || AUTO [((الرق))] # (وأما الرق) فإن قلت: فلم أورد الرق من العوارض السماوية مع أن PageV05P2224 # سببه هو الكفر مع وصف فكان في يده إزالته وكان من المكتسبة كالجهل؟ # قلت: قال شيخي-رحمه الله-في جوال هذا: ليس هذا كالجهل, فإن العبد بعد ما ~~صار مرقوقا ليس في يده إزالته, وهنالك بعد ما كان جاهلا هو في يده إزالته. # ألا ترى أنه عد المرض من العوارض السماوية مع أن إزالة المرض في يده ~~بالمعالجة في بعض الصور وهاهنا ليس في يد العبد إزالة الرق في جميع الصور ~~فأولى أن يعد هو من السماوية. # (عجز حكمي) أي لا حسي فكم من عبد يكون أقدر حسا من الحر لكن هو عاجز عما ~~يقدر عليه الحر حكما مثل الشهادة والولاية والملك والتزوج بالأربع ونحوها. # (شرع جزاء في الأصل): لأن الكافر لما ألحق نفسه بالبهائم في حق عدم ~~التكليف جازاه الله تعالى بالملك للعباد عليه كالبهائم, أم لما استنكف أن ~~يكون PageV05P2225 # عبدا لله جازاه الله تعالى بأن صبره عبد عبده. # (لكنه في البقاء صار من الأمور الحكيمة) هذا إستدراك عما وردت الشبهة على ~~الكلام الأول, وهو قوله: ((شرع جزاء)) بأن يقال: لما كان جزاء لاستنكافه ~~وجب أن لا يبقى عند زوال الإستكناف أو لا يثبت في أولاده ms870 أيضا وإن لم يوجد ~~الإستنكاف منهم أصلا لكون بقاء الرق من الأمور الحكمية لا الجزائية كبقاء ~~الحرية بعد الإسلام. # (العرضة): هى المعرض للأمور قال الشاعر: # فلا تجعلوني عرضة للوائم # (والابتذال): شب وروز داشتن جامه وآنجه بدان ماند. فكذلك العبد PageV05P2226 # صار محلا للتعرض والغمتهان على حسب ماشرع للمولى من قضاء حاجته به من ~~إستعماله في خدمته وتمليكه كما في سائر أمواله. # (وكذلك العتق الذي هو ضده) أي ضد الرق, يعني لما كان الرق غير متجز لم ~~يكن العتق الذي هو ضده متجزيا, لانه لو كان متجزيا يلزم أن يكون الرق ~~متجزيا أيضا, لأنه لو ثبت في بعض المحل العتق فالبعض الآخر لا يخلو إما أن ~~يكون رقيقا أو حرا فإن كان رقيقا ثبت تجزيهما وهو ممتنع لا اتفاق وإن كان ~~حرا ثبت عدم تجزي العتق. # (حتى إن معتق البعض لا يكون حرا أصلا عند أبى حنيفة -رضي الله عنه-في ~~شهاداته وسائر أحكامه). وإنما هو مكاتب غير أنه لا ينفصخ بالفسخ أو ~~بالتعجيز. # وقال في ((المبسوط)): فإن العتق عنده يتجزى 0 أي الإعتاق عند أبي حنيفة ~~رضي الله عنه يتجزى - حتى إن من أعتق نصف عبده فهو الخيار في النصف الباقي ~~إن شاء أعتقه وإن شاء إستعساه في النصف الباقي في نصف قيمته, وما لم يؤد ~~السعاية فهو كالمكاتب. PageV05P2227 # وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي -رحمهم الله- يعتق كله ولا سعاية عليه ~~لقوله عليه السلام: (من أعتق شقصا من عبد فهو حر كله ليس لله تعالى فيه ~~شريك)) , ولأن إتصال أحد النصفين بالآخر أقوى من إتصال الجنين بالأم: لان ~~ذلك يعرض الفصل, ثم إعتاق الام يوجب عتق الجنين لا محالة, فإعتاق أحد ~~النصفين أن يوجب عتق النصف الآخر أولى. # واستدل أبو حنيفة -رضي الله عنه-بحديث سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهم ~~-أن النبي عليه السلام قال: ((من أعتق شخصا له من عبد فإن كان موسرا فعليه ~~خلاصة, وإلا فقد عتق ما عتق ورق ما رق)) , والمعنى فيه أن هذا PageV05P2228 # إزالة ملك اليمين بالقول ms871 فيتجزى في المحل كالبيع, وتأثيره أن نفوذ تصرف ~~المالك باعتبار نلكه وهو مالك للمالية دون الرق. # فالرق إسم لضعف ثابت في حق أهل الحرب مجازاة وعقوبة على كفرهم, وهو لا ~~يحتمل التملك كالحياة, إلا أن بقاء ملكه لا يكون إلا ببقاء صفة الرق في ~~المحل كما لا يكون إلا باعتبار صفة الحياة في المحل, وذلك لا يدل على أن ~~الحياة مملوكة له, فإذا ثبت أنه يملك المالية وملك المالية محتمل للتجزي ~~فإنما يزول بقدر ما يزيله, ولهذا لا يعتق شيء منه بإعتاق البعض عند أبي ~~حنيفة-رحمه الله-وإنما سمى فعله إعتاقا مجازا على معنى أنه إذا تم إزالة ~~الملك بطريق الإسقاط يعقبه العتق الذي هو عبارة عن القوة لا أن يكون الفعل ~~المزيل ملاقيا للعتق كالقاتل فعله لا يحل الروح وإنما يحل البنية ثم ببعض ~~البنية تزهق الروح فيكون فعله قتلا من هذا الوجه. # أما إعتاق الجنين عند إعتاق الام فليس لأجل الإتصال. # ألا ترى أن إعتاق الجنين لا يوجب إعتاق الأم والإتصال موجود, ولكن الجنين ~~في حكم جزء من أجزائها كيدها ورجلها وثبوت الحكم في التبع بثبوته في ~~المتبوع وأحد النصفين ليس بتبع للنصف الآخر, فلذلك لم يكن إعتاق أحد PageV05P2229 # النصفين موجبا للعتق في النصف الباقي, وتأويل قوله عليه السلام: ((فهو ~~حر)) سيصير حرا كله بإخراج الباقي إلى الحرية بالسعاية -إلى هذا أشار في ~~((المبسوط)). # (وقال أبو يوسف ومحمد-رحمهما الله- الإعتاق إنفعاله العتق) أي لازمه ~~ومطاوعه, يقال: أعتقه فعتق كما يقال كسرته فانكسر, ولا وجود للمتعدي بدون ~~لازمه, لأن التعدية إثبات اللازم وإثباته مع كونه معدوما لا يتحقق فكذلك ~~الإعتاق مع التق, فإذا كان كذلك لا يكون الإعتقا متجزيا ولو كان متجزيا مع ~~أن العتق غير متجز يلزم أحد أمرين: إما وجود المتعدي بدون اللازم وهو ممتنع ~~وإما عدم تجزي الإعتاق على تقدير ثبوت اللازموهو العتق فيثبت هو ضرورة. # (كالتطليق) وهو فعل غير متجز, لأن التطليق لا يتنصف لكا أن إنفعاله وهو ~~الطلاق غير متجز بأن بطلق نصف المرأة دون نصفها ms872 الباقي, فكذلك الإعتاق مع ~~العتق لما لم يتجز الإنفعال وهو العتق بالإتفاق يجب أن لا يتجزى فعله وهو ~~الإعتاق. PageV05P2230 # (وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- الإعتاق إزالة لملك تعلق به حكم لا يتجزى ~~وهو العتق) ولا يصح أن يقال: إن الإعتاق إثبات القوة, لأن العتق عبارة عن ~~الوقة, يقال: عتق الطير إذا قوى وطار عن وكره وإثبات القوة ليس في وسع ~~البشر, والإعتاق الذي هو عبارة عن إزالة الملك في وسعه, لكن إذ زال ملكه عن ~~العبد بالإعتاق ثتبت له الوقة فلذلك سمي إعتاقا, وهذا لأن إزالة الملك حق ~~العبد وإثبات العتق ليس بحقه. # فصرف اللفظ الدال على فعله إلى ماهو حقه أولى من الصرف إلى ماهو ليس ~~بحقه, (لأنه عبارة عن سقوط الرق) أي العتق عبارة عن سقوط الرق وهذا توسع في ~~الكلام, لأن العتق عبارة عن القوة على ما قلنا, غير أن العتق لا يتثور بدون ~~سقوط الرق فكان سقوط الرق لازمه ثبوت العتق فعبر به عنه, كما أن الحركة ~~ليست عبارة عن زوال السكون بل هي عرض يلزم من وجوده زوال السكون فجاز أن ~~نعبر بزوال السكون عن الحركة, فكذلك ها هنا جاز أن تعبر عن ثبوت العتق ~~بسقوط الرق. # (وسقوط الرق حكم لسقوط كل الملك) يعني أينما ثبت سقوط كل PageV05P2231 # الملك يثبت سقوط الرق, لأنه لا يتصور سقوط الرق الذي هو العتق مع بقاء الملك. # (وكذلك إعداد الطلاق للتحريم) أي للحرمة الغليظة. # فصار حاصل إختلافهم راجعا إلى تفسير الإعتاق, فعندهما الإعتاق إثبات ~~العتق والعتق لا يتجزى بالاتفاق, وهو إنفعال الإعتاق فلا يتجزى الإعتاق أيضا. # وعند أبى حنيفة-رحمه الله- الإعتاق إزالة لملك متجز فكان الإعتقا أيضا ~~متجزيا, فكان إختلافهم ها هنا بمنزلة إختلافهم في مسألة الصابيات. # وقوله: (لقيام المملوكية مالا) أي قيام المملوكية من حيث المالية يمنع ~~كونه مالكا للمال, يعني هو مملوك من حيث هو مال فلا يتصور أن يكون مالكا PageV05P2232 # للمال لما بين المالكية والمملوكية من المنافاة, لأن المالكية عبارة عن ~~قدرة شرعية على المال والمملوكية عبارة ms873 عن عجز شرعي عنه. # وكذلك المال مبتذل ومالكه مبتذل وبينهما منافاة بخلاف مالكية غير المال ~~فإنه ليس بمملوك من ذلك الوجه, فلا يمنع مالكيته كالنكاح والإقرار بالدم ~~والحدود على ما يجيء، وهذا لأن استحالة الاجتماع من جهتين مختلفتين كالنكاح ~~يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها. # وحصل من هذا أنه لما كان مالا مملوكا لم يكن أهلا لملك المال ولا لما هو ~~مختص بملك المال (حتى لا يملك العبد والمكاتب التسري) وإن كانا يملكان ~~التصرف, لان التسري مختص بالملك في الرقبة ورقبتهما مال فلا يملكان التسري. # (وهي البدنية) أي القدرة البدنية, (لأنها للمولى) أي لأن قدرة العبد PageV05P2233 # ملك المولى تبعا لملك الرقبة, لان ملك الذات علة لملك الصفات (إلا ما ~~استثنى عليه في سائر القرب البدنية) أي إلا ما استخرج على المولى في باقي ~~العبادة البدنية مثل الإيمان والصلاة والصوم فإنه ليس للمولى منع عبده عن ~~الإتيان بتلك العبادة البدنية, لأن تلك العبادات مستثناة عن تصرف المولى في ~~حقها بالمنع إجماعا. # وكان شيخي -رحمه الله- يقول: كان ورد الإستفتاء من نسف إلى بخارى بالسؤال ~~عن هذا الاستثناء بأن لفظ هذا الاستثناء في أي موضع من الكتب؟ # قيل في جوابه: إن الاستثناء هاهنا معنوي لا لفظي بإجماع المسلمين يعني إن ~~المسلمين أجمعوا من لدن رسول الله عليه السلام على أنه ليس للمولى منع عبده ~~عن هذه العبادات البدنية فكان بمنزلة الاستثناء. # لأن ملك الذات لما أوجب ملك الصفات والذات ملك المولى اقتضى PageV05P2234 # القياس أن يملك المولى جميع صفات عبده بالتصرف فيه بأن يمنعه عن الصلاة ~~والصوم أيضا إجراء لإطلاق هذا الأصل, فلما تخلف حكم هذه العبادات عن هذا ~~الأصل كان ذلك بمنزلة الاستثناء عن ذلك الأصل. # فإن الإستطاعة التي يحصل بها الإيمان والصلاة والصوم ليست للمولى وهو في ~~حقها مبقى على الحرية بخلاف إستطاعة الحج فإنها للمولى, والمعنى فيه أن حق ~~المولى في الحج يفوت في مدة طويلة, فقدم حق العبد على حق الله تعالى ~~لحاجته, فلهذا إذا حج ثم اعتق لا ms874 يسقط عنه حجة الإسلام, وأيد هذا قوله عليه ~~السلام: ((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام) فصار هذا كالحر ~~الذي يحج عن الغير, لأن العبد حج بقدرة هي للمولى. # (بخلاف الفقير) , لأن القدرة الأصلية وهي قدرة البدن ثابتة له, وإنما ~~شرطت غستطاعته الزاد والراحلة ليتمكن بها من أداء الحج, فإذا تمكن بدونها ~~كان المستطيع بالزاد والراحلة فكان كالمسافر والمريض والعبد يصلون الجمعة ~~حيث تصح منهم الجمعة ويسقط عنهم فرض الظهر, لأن عدم وجوب الجمعة كان لنفي ~~الحرج, فإذا تحملوا الحرج وأدوا الجميعة يسقط عنهم فرض الوقت الذي كان ~~عليهم وهو الظهر. PageV05P2235 # وقوله: (فأما الزاد والراحلة فلليسر) وذكر اليسر هاهنا لبيان نفي الحرج ~~لا لإثبات القدرة الميسرة, لأن الحج إنما وجب بالقدرة الممكنة لا بالميسرة, ~~بدليل بقاء وجوبه على من افتقر بعد أن ملك الزاد والراحلة. # (والرق لا ينافي مالكية غير مال وهو النكاح) , لأن العبد آدمي مكلف كان ~~ينبغي أن يملك كل ما بملكه الحر من هذا الوجه, إلا أنه لما كان مملوكا مالا ~~استحال أن يكون مالكا للمال, إذ الاجتماع بين الضدين في حق شخص واحد من جهة ~~واحدة محال, وعن هذا قلنا إنه لا ينافي مالكية غير المال, لأن المالكية ~~والمملوكية هناك من جهتين مختلفتين فصح أن يجتمعا فيه, فلذلك كان العبد ~~مالكا للنكاح, لأن النكاح من خواص الآدمية ولا منافاة في كونه مالكا للنكاح ~~فيملك النكاح وإن كان هو مملوكا مالا. # فإن قيل: كيف يكون مالكا للنكاح فإنه لو نكح بغير إذن المولى لا ينفد بل ~~يتوقف إلى إجازة المولى؟ # قلنا: إنما يتوقف نفاذه إلى إجازة المولى لتعلق حق المولى به, وهو شغل ~~ماليته بالمهر والنفقة وماليته ملك المولى فلا يملك شغل ذلك بتصرفه بغير ~~إذن المولى. PageV05P2236 # والدليل على أنه مالك للنكاح أن إشتراط الشهود إنما يكون عند النكاح لا ~~عند الإجازة, وكذلك لو تزوج بغير إذن المولى ثم اعتقه مولاه قبل الإجازة ~~نفذ ذلك النكاح. # فإن قلت: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ms875 يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~(75)) يقتضي أن لا يملك العبد النكاح, لأن الله تعالى نفى قدرته على شيء ~~منكر في موضع النفي فيتناول كل الأشياء والنكاح شيء فلا يملكه بقضية هذه الآية؟ # قلت: بالنظر إلى ظاهرة هذه الآية قلنا إنه لا يستبد بالنكاح بنفسه بغير ~~إذن المولى. # وأما أصل ملك النكاح فيحصل له بالدليل الذي قلنا, ولهذا كان الحكم ~~المقصود بالنكاح وهو حل الإستمتاع حاصلا له لا للمولى, وكذلك ملك الطلاق ~~الذي يرفع النكاح حاصل له لا للمولى وكل من يملك الرفع من العقود هو الذي ~~يملك إثباته. # علم بهذا أن النكاح مملوك له والتوقف إلى إجازة المولى باعتبار ماقلنا من ~~شغل ماليته بالمهر والنفقة وهي مولاه. # فإن قلت: لما ملك العبد النكاح وجب أن لا بيملك المولى إجبار عبده على PageV05P2237 # النكاح, لأنه عاقل بالغ مالك للنكاح فلا يملك إجباره على النكاح كما لا ~~يملك إجبار إبنه العاقل البالغ على النكاح, وهذا لأن ما يتناوله النكاح من ~~العبد غير مملوك للمولى عليه فهو فى تويجه متصرف فيما لا يملكه فلا يستبد ~~به كما هو مذهب الشافعي -رحمه الله. # قلت: إستدل علماؤنا -رحمهم الله-في صحة إجبار المولى عبده على النكاح ~~بظاهر قوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه ~~منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون (75). وإباء عقد المولى شيء فلا يقدر العبد عليه, لأنه مملوكه على ~~الإطلاق فيملك إنكاحه بغير رضاه كالأمة, وهذا لأن في الأمة إنما ينفذ عقد ~~المولى عليها بملكه رقبتها لا بملكه مايملك بالنكاح, فإن ولاية التزويج لا ~~تستدعي ملك ما يملك بالنكاح. # ألا ترى أن الولي يزوج الصغيرة ولا يملك عليها ما يملك بالنكاح, والزورج ~~لا يزوج إمرأته وهو مالك عليها ما يملك بالنكاح فثبت أن بينهما مفارقة طردا ~~وعكسا. هذا كله مما أشار إليه في ms876 نكاح ((المبسوط)). # (والدم والحياة) أما الدم فإن العبد يملك إتلاف دمه بالإقرار على نفسه ~~بالقصاص فكان فيه كالحر ولا يشترط فيه حضور مولاه, حتى أنه لو أقر به حال ~~غيبة مولاه يقتل به حال غيبته. PageV05P2238 # وأما الحياة فإن مولاه لا يملك إتلاف حياته فكان في عدم ملك مولاه لحياته كالحر. # فإن قلت: ففى صحة إقراره للقصاص إتلاف لماليته وهي للمولى فيجب أن لا يصح ~~إقراره بذلك بدون إذن والمولى كما في النكاح بل أولى, لأن في نفوذ النكاح ~~بدون إذن مولاه شغل ماليته بالمهر والنفقة لا إتلاف ماليته من كل وجه, فلما ~~توقف نفوذ النكاح إلى إذن المولى باعتبار شغل ماليته بدون الإتلاف وجب أن ~~تتوقفه صحة إقراره بالقصاص إلى إذن المولى وفيه إتلاف ماليته من كل وجه ~~بالطريق الأولى, مع أن كليهما في حق الإختصاص بالآدمي متساويان. # قلت: هذا الاستدلال منك عكس موجب الدليل, لان إتلاف ماليته في صحة ~~الإقرار بالقصاص إنما ثبت بطريق الضمن لصحة الإقرار بالقصاص فكان الاعتبار ~~للمتضمن الأصلي لا للمتضمن الفرعي كما في سائر الأحكام الثابتة بطريق ~~الضمن, كما في ثبوت المضار الدنيوية في حق الصبي بطريق التبيعة من حرمان ~~الإرث, ووقوع الفرقة بينه وبين إمرأته, وتعجل وجوب المهر لصحة ردته التي لا ~~يمكن ردها. # وهذا لما أن الضرر الواقع على نفس العبد بالقصاص أكثر من ضرر المولى, لأن ~~ذلك الضرر واقع على المال وهذا واقع على النفس والنفس أعظم خطرا من المال ~~فلما صح فيما هو أعظم خطرا صح أيضا فيما هو أقل PageV05P2239 # خطرا بطريق التبعية كما هو مرتبة الأحكام الثابتة بطريق الضمن. # وأما شغل ماليته بالمهر والنفقة ونفوذ النكاح بغير إذن المولى فلا مفاضلة ~~بينهما فلم يكن أحدهما تبعا للآخر, ولأن النكاح عقد قابل للتوقف في الجملة ~~كما في نكاح الصغار والصغائر بدون إذن الأولياء ونكاح الفضولي. # وأما إقرار العاقل البالغ فنافذ على المقر من كل وجه وبعد النفوذ لا ~~يتوقف على إذن أحد. # فإن قلت: ما وجه الفرق لأبي حنيفة ومحمد-رحمهما الله-في ms877 وجوب القصاص على ~~العبد بين البينة والإقرار؟ حيث يؤاخذ إقراره في الحدود والقصاص وإن كان ~~مولاه غائبا بخلاف ما إذا ثبت الحد والقصاص عليه بالبينة, فإن استيفاءهما ~~يتوقف إلى حضور مولاه عندهما خلافا لأبي يوسف -رحمه الله-؟ # قلت: هما يقولان: إن للمولى حق الطعن في البينة دون الإقرار, ولأن ~~الإقرار موجب للحق بنفسه والبينة لا توجب إلا بالقضاء وفي استيفاء موجب ~~القضاء إتلاف المالية وهى للمولى, فإذا كان تمام قضائه متناولا حق المولى ~~يشترط حضور المولى في ذلك, إلى هذا أشار في إباق ((المبسوط)). PageV05P2240 # (وينافي كمال الحل إلى قوله: مثل الذمة) , فإن الذدمة وهي كون الآدمي ~~محلا لتوجه الخطاب وأهلا للإيجاب والإستيجاب من كرامات البشر بخلاف سائر ~~الحيوانات. # (والحل) أي حل الإستمتاع بالنكاح والولاية وهي الشهادة والإرث وغيرهما, ~~ثم ابتدأ بتفصيل كل متهما بالبيان فقال: (حتى إن ذمته ضعفت) فيه بيان ضعف ~~حاله في الذمة. # وفي قوله: ((وكذلك الحل انتقض بالرق)) بيان ضعف حاله في الحل وفي قوله: ~~((وانقطعت الولايات كلها بالرق)) بيان ضعف حاله في حق الولاية, لكن ضعف ~~العبد في حق الولاية من كل وجه, فلذلك قال وانقطعت الولايات كلها بالرق, ~~ويمكن أن يقال فيها ضعف أيضا لا بطلان بالكلية. # ألا ترى أنه يلي على نفسه بالإقرار بالقصاص والحدود وهو من باب الولاية ~~من وجه فإن فيه تلف المالية وهي حق المولى, فكان قوله نافذا على الغير شاء ~~الغير أو أبى وهو معنى الولاية, # وأما قوله: ((وانقطعت الولايات كلها)) أي بطريق القصد لا بطرق الضمن. # (فلم يحتمل الدين بنفسها) أي بنفس الذمة وهي رقبة العبد القابلة PageV05P2241 # للإيجاب والاستجاب بخلاف سائر الحيوانات, وضمنت إليها مالية الرقبة وهو ~~أنه يباع في الدين, (والكسب) وهو بالرفع أي وضم مكسوب العبد إلى ذمته بخلاف ~~الحر, فأن الحر إذا كان مديونا ليس لرب الدين الدين أن يأخذ ما في يد ~~المديون من ماله جبرا إذا لم يكن من جنس دينه, وفي العبد المديون يأخذه ~~ويبيعه حتى يأخذ حقه من ثمنه كما يبيع رقبته ms878 ويأخذ دينه من ثمنه. # وذكر في باب إقرار العبد بالدي من مأذون ((المبسوط)) وإذا كان على ~~المأذون دين فأقر بشيء في يده أنه وديعة لمولاه أو لمكاتبه أو لعبد له تاجر ~~عليه دين أو لا دين عليه فإقراره باطل, لأن حق غرماته تعلق بكسبه والمولى ~~يخلقه في كسبه خلافة الوارث المورث, فكما أن إقرار المريض لوارثه أو لعبده ~~أو لعبد الوارث أو لمكاتبه لا يصح لكونه متهما في ذلك وكذلك إقرار العبد ~~لمولاه, لان سبب التهمة بينهما قائم فكذلك لعبد مولاه أو لأم ولده فإن ~~كسبهما لمولاهما. # فأما إقراره لابن مولاه أو لابنه جائز, لأنه ليس للمولى في كسبهما ملك ~~ولا حق ملك. # ألا ترى أن إقرار المريض لأب وارثه أو لابن وارثه جاز إقراره لهذا ~~المعنى, وإذا صح الإقرار صار المقر به ملكا للمقر له فلا يتعلق به حق ~~غرمائه, كما لو أقر به لأجنبي, ولو لم يكن على العبد دين كان إقراره جائزا ~~في ذلك كله, PageV05P2242 # لأنه لا تهمة في إقراره ولا حق لأحد في كسبه. # (ولذلك قلنا): إن الدين متى ثبت بسبب لا تهمة فيه أنه يباع فيه رقبته) أي ~~ولأجل أن رقبته وكسبه تضمان إلى ذمة العبد لعدم إحتمال ذمته الدين بنفسها ~~لضعفها تباع رقبته في الدين الذي ثبت بسبب لا تهمة فيه وهو دين الاستهلاك ~~ودين التجارة. # فأما لا تهمة في دين التجارة فظاهر, لأنه وقع في الدين بسبب إذن المولى ~~في التجارة, لأن إقراره بدين التجارة لو لم يقبل منه لا متنع الناس عن ~~المعاملة PageV05P2243 # به في التجارة فلا يفيد إذن المولى فائدته, وكذلك إقراره بدين الغضب ~~والاستهلاك يقبل, لأن ضمان الغضب والاستهلاك من ضمان التجارة, لأن الغضب ~~يوجب الملك في المضمون عند أداء الضمان. # فالضمان الواجب به من جنس التجارة وإقرار المأذون بمثله صحيح, ولهذا لو ~~أقر أحد المتفاوضين به كان شريكه مطالبا به وكذلك دين الاستهلاك, لأن ~~الاستهلاك يوجب الملك في المستهلك عند أداء الضمان فكان من دين التجارة. # وقوله: ((بسبب لا ms879 تهمة فيه)) أحتزاز عن إقرار بدين يثبت بسبب فيه تهمة ~~وهو كما ذكرنا من ((المبسوط)) فيما إذا أقر بدين لمولاه فإن ذلك لا يقبل في ~~حق الغرماء, لأنه متهم عند الغرماء, وكذلك لو أقر أنه وطئ جارية هذا الرجل ~~بنكاح بغير إذن مولاها فافتضها لم يصدق, لأنه ليس من التجارة فإن وجوب ~~العقر هنا باعتبار النكاح لولاه لكان عليه الحد والنكاح ليس بتجارة ولهذا ~~لو أقر به أحد المتفاوضين لم يلزم شريكه, فإن صدقه مولاه بذلك بدء بدين ~~الغرماء, لأن تصديق المولى في حق الغرماء ليس بحجة, فوجوده كعدمه، PageV05P2244 # فإن بقي شيء أخذ مولى الجارية من عقرها. كذا ذكره في مأذون ((المبسوط)). # وحاصل ذلك أن الدين الذي وجب بسبب التهمة وليس في ذلك السبب من أسباب ~~التجارة ففي إقراره بذلك هو متهم فيه, لأنه ليس في ذلك الإقرار دليل يدل ~~على أنه في إقراره صادق, بخلاف دين التجارة فإن إذن المولى في التجارة دليل ~~على وجوب الدين عليه, كذلك في الإقرار بالدين لمولاه متهم في حق الغرماء ~~على ما ذكرنا وكذلك العبد المحجور متهم في الإقرار بالدين فلا يظهر في حق ~~المولى إذا لم يصدقه. # (فيتسع الحرية) , لأنها سبب لاستجلاب الكرامات. # (والعدة تنتصف) أي تنتصف حقيقة فيما إذا كانت العدة بالأشهر. # وأما إذا كانت بالحيض فتنتصف أيضا لكن الحيضة غير متجزية فتتكامل ضرورة, ~~لأن جانب الوجود راجح على جانب العدم ولأن فيه القول بالاحتياط. PageV05P2245 # (لكن عدد الطلاق لما كان عبارة عن إتساع المملوكية اعتبر فيه النساء) لأن ~~عدد الطلاق يدل على أن ما يملكه من الطلقات على حسب ملكه فيتعرف ذلك عن ~~محله, لأن تصرف المتصرف يزداد بزيادة المحل وينتقص بانتقاصه. # فإن من ملك عبدا واحدا ملك إعتاقا واحدا, ومن ملك عبدين يملك اعتاقين ~~وكذا وكذا, ومحلية الحرة تزادا بالحل فيزداد الطلاق, لأن حكم الطلاق ~~بارتفاع القيد عنها, وكل إمرأة كان حلها أكثر كان الطلاق أكثر. # وحل الحرة أكثر من حل الأمة, لأن نكاح الحرة جائز متقدما على الامة ~~ومتأخرا ms880 عنها ومقارنا معها بخلاف نكاح الأمة, فإنه إنما يجوز متقدما على PageV05P2246 # الحرة لا غير, فلما كان حلها أكثر كان طلاقها أكثر فيعتبر بالنساء. # وأما النكاح فعبارة عن المالكية, لان الملك يثبت للرجل بالنكاح, فلذلك ~~كان عدد الانكحة عبارة عن اتساع المالكية فاعتبر بالرجال, وهذا لأن الحل ~~لما اتسع بفضيلة المتزوج الذي هو الرجل كما اتسع لرسولنا عليه السلام ~~بالزيادة على الأربع وجب أن يتسع الحل للحر أكثر مما يتسع للعبد, لأن الرح ~~له فضل على العبد شرعا, حتى أظهر الشارع فضله في عامة الأحكام من الشهادة ~~والولاية والإرث وغيرها فكذلك في حق حل النساء. يوضحه أن الرق ينصف الحل. # ألا ترى أن الحل يتنصف في جانب الأمة بالرق, حتى إن ما يبتنى على الحل ~~وهو القسم يكون حالها فيه على النصف من حال الحرة فكذا الحدود تنتصف بالرق, ~~ولما كان كذلك كان حال العبد فيه على النصف من حال الحر والعبد يتزوج من ~~النساء والحر يتزوج من أربعا. # وأما في الطلاق فإنما اعتبر جانب النساء بسبب أن النبي عليه السلام قابل PageV05P2247 # الطلاق بالعدة بقوله: ((طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان)) تقتضي ~~التسوبة وبالإتفاق في العدة تعتبر حالها فكذلك في الطلاق, ومن ملك على ~~امرأته عددا من الطلاق يملك إيقاعها أوقات السنة, وبهذا أفحم عيسى بن أبان ~~الشافعي -رحمهما الله أيها الفقيه إذا ملك الحر على إمرأته الأمة ثلالث ~~تطليقات كيف يطلقها في أوقات السنة؟ فقال: يوقع عليها واحدة, فإذا حاضت ~~وطهرت أوقع أخرى, فلما أراد أن يقول: فإذا حاضت وطهرت قال: حسبك فإن عدتها ~~قد انقضت, فلما تحير رجع, وقال: ليس في الجمع بدعة ولا ي التفريق سنة. كذا ~~ذكر في الباب الأول من طلاق ((المبسوط)) هذه الحكاية. # (فلذلك تنتصف الحدود في حق العبد) وهذا يتعلق بقوله: ((ويقصر بالرق إلى ~~النصف)) أي فلأجل أن الرق منصف لما هو الحكم الثابت للحر كرامة وملامة ~~تتنصف الحدود في حق العبد, والمعنى فيه أن الحل في حق العبد أنقص فكان ~~جنايته أقل بالنسبة إلى ms881 جناية الحر, لان الحل في حق الحر أكمل, فإذا زنى ~~الحر مع كمال الحل كانت حنايته أعظك, فكان الجزاء في حقه أوفر. # ألا ترى ان المحصن إنما يرجم لهذا المعنى وهو تكامل جنايته عند توفر ~~النعمة عليه بمقابلة جناية من ليس بمحصن. PageV05P2248 # (ولذلك انتقصت قيمة نفسه) أي ولأجل أن الرقية موجبة للنقصان انتقصت قيمة ~~نفس العبد وهذا يتعلق بقوله: ((وكذلك الحل انتقص بالرق, لانه من كرامات ~~البشر)) وقوله: لما قلنا من انتقاص المالكية أي من انتقاص مالكية العبد في ~~حق المال, حيث لا يملك رقبة المال ولكن يملك التصرف في المال بإذن المولى, ~~فيملك المال حينئذ يدا لا رقبة فكان له نقصان المالكية في حق المال فكان ~~قوله: ((لما قلنا)) إشارة إلى قوله: ((وهذا الرق مبطل مالكية المال)). # (كما انتقص بالأنوثة) أي كما انتقص المالكية بالأنوثة على تأويل كونها ~~مالكة أي للنكاح, ثم بين ذلك النقصانين بكلمة الإستدراك بقوله: (لكن نقصان ~~الأنوثة في أحد ضربي المالكية بالعدم فوجب التنصيف وهذا نقصان في أحدهما لا ~~بالعدم). # بيان هذا أن بدل الشيء يتقدر بقدر كمال ذلك الشيء, وكمال اآدمي بكمال ~~الماكية, فلما كان كذلك كان كما الدية من غير نقصان للرجل الحر, لانه أقوى ~~في المالكية من الحرة ومن العبد, لأنه يملك المال وغير المال على الكمال ~~فوجب بدل دمه وهو الدية على الكمال عند الإتلاف, لأنه إتلاف من هو مالك ~~للنوعين جميعا, والحرة ليست بمالكة لأحد النوعين أصلا وهو PageV05P2249 # النكاح والطلاق وتمالك المال على الكمال فكان حالها نصف حال الرجل الحر, ~~فوجب نصف دية الرجب الحر عند إتلافها, والعبد مالك لأحد النوعين على الكمال ~~وهو النكاح والطلاق, ومالك للنوع الآخر وهو المال ماهو الاقوى منه وهو ~~التصرف يدا, فلذلك انتقصت حاله من حال الحر فانتقص عن بدله ماله الاعتبار ~~في الشرع وهو عشرة دراهم بأثر عبدالله بن مسعود -رضي الله عنهما-وهذا جواب ~~عما قيل فيه: ينبغي أن يتنقص من بدل دمه ربع بدل الحر على هذا التقدير, ~~لانه مالك لأحد النوعين ms882 وهو النكاح والطلاق على الكمال ومالك للمال من حيث ~~التصرف باليد لا من حيث الرقبة فكان مالكا لثلاثة أرباع النوعين فوجب ~~النقصان بربع بدل الحر, لأنا نقول: لما ملك أحد النوعيم على الكمال وما هو ~~الأقوى في النوع الآخر ترقى حاله من حال الحرة وانحطت من حال الحر فوجب ~~النقصان من بدل دمه من دية الرح ماله اعتبار في الشرع وهو عشرة دراهم, ولا ~~يقال بأن العبد مالك لنكاح بطريق النقصان, لأنه لا يملك النكاح بدون إذن ~~المولى, لأنا نقول: لو كان التوقف إلى إذن المولى يوجب النقصان لزم أن يكون ~~الصبي ناقص المالكية في النكاح وليس كذلك. # وقال في ((المبسوط)) ,وأما النقصان -أي نقصان دم العبد عن دية الحر- ~~فيقول: بدل النفس قد ينقص عن أعلى الديات باعتبار معنى موجب للنقصان في ~~المحل. PageV05P2250 # ألا ترى أنه من ينقص بالأنوثة وبالكفر على أهل أصل الخصم وبالاجتنان في ~~البطن بالاتفاق، فإن بدل الجنين دون بدل المنفصل وإن كان الموجوب باعتبار ~~النفسية هناك، إذ لا مالية في الجنين سواء كان حرا أو مملوكا فكذلك يجوز ان ~~ينقص عن أعلى الديات باعتبار صفة المملوكية، وهذا لن تكميل الدية باعتبار ~~كمال صفة المالكية. # ألا ترى أن بدل الأنثى على النصف من بدل الذكر، لأن الذكر أهل لمالكية ~~المال والنكاح، والأنثى أهل لمالكية المال دون مالكية النكاح فإنها مملوكة ~~نكاحا فيتصنف بدلها لذلك، والجنين ليس بأهل للمالكيتين في الحال، ولكن فيه ~~عرضية الأهلية لذلك إذا انفصل حيا فباعتباره ينتقص له بدله غاية النقصان. # إذا عرفنا هذا فنقول: بسبب الرق تنتقص صفة المالكية، لأنه صار مملوكا ~~مآلا ولم يبقى مالكا للنكاح بنفسه، إلا أن هذا النقصان بعارض على شرف ~~الزوال بأن يعتق فيجوز أن يزاد بدل الرق على بدل الأنثى لهذا إلى آخره. # (لكنه أهل للتصرف في هذا المال) هذا بالإتفاق. # ألا ترى أن العبد المأذون يتصرف في مال المولى، غير أن الإذن عند PageV05P2251 # الشافعي عبارة عن التوكيل والإنابة فيختصص بالتخصيص ويتوقت بالتوقيت، ~~وعندنا هو عبارة عن ms883 فك الحجر وإسقاط الحق فلا يقبل التخصيص والتوقيت، (وأهل ~~لاستحقاق اليد على المال). # قال الصدر الشهيد -رحمه الله- في آخر مضاربة "الجامع الصغير" أن للعبد ~~يدا معتبرة. # ألا ترى أنه إذا أودع مالا عند آخر لا يملك المولى استرداده. # (وهذا عندنا) أي وهذا المذكور وهو أهلية التصرف على العموم وأهلية ~~استحقاق اليد على المال. # (أنه يتصرف لنفسه) يعنى أن تصرفه بعد الإذن بطريق الأصالة لا بطريق ~~النيابة؛ لأن للعبد صحة العبارة، لأنه داخل تحت قوله تعالى: (خلق الإنسان ~~(3) علمه البيان) والبيان في حقه ثابت فكان متصرفا لنفسه، حتى لو أذن له ~~المولى في التجارة وفي يده شيء فقال له المولى: لا تتصرف فيه لا يثبت به ~~الحجر. PageV05P2252 # (ويجب له اليد بالإذن غير لازمة) أي التصرف يدا لا يقع لازما للمأذون؛ ~~لأنه غير عوض ويقع بالكتابة يد لازمة؛ لأنه بعوض، ومعنى غير اللزوم هو أن ~~يتفرد المولى بالحجر، ففي الإذن كذلك، ومعنى اللزوم ألا يتفرد بالفسخ وفي ~~الكتابة لا يتفرد بالفسخ فصارا نظيري العارية والإجارة. # (وقال الشافعي: لما لم يكن أهلا للملك لم يكن أهلا لسببه؛ لأن السبب شرع ~~لحكمة) وقد ذكرنا أن إذن المولى لعبده في التجارة عند الشافعي أمر للتجارة ~~فيما ليس للعبد في ذلك ولاية أصلا، كما لو أمر الموكل لوكيله في تصرف شيء ~~من الأشياء فيتقدر بقدر ما أثبت له، وعندنا العبد أهل للولاية الكاملة على ~~العموم من استحقاق اليد وعموم التصرف فلا يتخصص تصرفه عند التخصيص بل يتعمم. # وعن هذا قال مشايخنا-رحمهم الله-، فإن أذن المولى له في نوع منها دون ~~غيره فهو مأذون في جميعها سواء نهى عن عن ذلك النوع صريحا أو سكت عنه، فإنه ~~يكون مأذونا في جميع أنواع التجارات. # وقال زفر والشافعي-رحمهم الله-: إن صرح بالنهي عن التصرف في PageV05P2253 # سائر الأنواع فليس له أن يتصرف إلا في النوع الذي أذن له فيه خاصة. # (قلنا: إن أهلية التكلم غير ساقطة بالإجماع) فإنه أهل للوكالة ورواية ~~الحديث وشهادته برؤية هلال رمضان، ويقبل قوله في بعث ms884 الهدايا وغيره. # (وكذلك الذمة مملوكة للعبد) حتى لو أقر بالدين وكان مأذونا يصح مطلقا، ~~ولو كان محجورا يصح في حقه، حتى صحت الكفالة بهذا الدين ووجب على الكفيل في ~~الحال، وإن كان وجوبه على العبد محجورا مؤجلا إلى وقت العتق وكانت ذمته ~~مملوكة للمولى لما صح إقراره، وكذا لو اشترى المولى شيئا بثمن يجب على ذمة ~~عبده لا يصح كما لو شرط على ذمة أجنبي، ولو كانت ذمته مملوكة للمولى لصح ~~كما أوجب الثمن على نفسه. # (وإذا صار أهلا للحاجة) أي وإذا صار العبد أهلا لحاجة إثبات الدين في ~~ذمته بسبب أنه محتاج إلى تنفيذ عباراته في معاملاته فيقع في شغل ذمته ~~بالدين ضرورة، وهو لما ذكرنا أن من يعامله لو علم أن الدين لا يجب في ذمة ~~العبد لاحترز من معاملته ولخلا صحة عبارته في بياعاته وأشريته عن الفائدة، ~~ولما حصل مقصود المولى من الإذن في التجارة، ولما كان أهلا لشغل ذمته ~~بالدين لهذه الحاجة كان أيضا أهلا لقضاء هذه الحاجة وهي قضاء الدين PageV05P2254 # ليحصل به تفريغ ذمته من الدين. # (وأدنى طرقه اليد) أي وأدنى طرق قضاء الدين، وإنما قال: وأدنى طرق قضاء ~~الدين اليد؛ لأن أعلى الطرق فيه إجتماع ملك اليد مع ملك الرقبة، فكان ملك ~~اليد المجردة أدنى الطرق لا محالة وهو الحكم الأصلى أي ملك اليد هو الحكم ~~الأصلي؛ لأن ما هو المقصود يحصل بملك اليد وهو التصرف لقضاء حاجته. لما أن ~~ملك الرقبة وإن كان ثابتا ربما لا يمكنه التصرف في ملكه لعجزه إما لبعده أو ~~لمعنى آخر، ولما تمكن من التصرف باليد بدون ملك الرقبة كان اليد الأصلية. # أو نقول: إن تصرف اليد يجري مجرى الأصل، وملك الرقبة يجري مجرى الوسيلة، ~~بدليل أن من كان له ملك الرقبة كان ذلك مجوزا لتصرف اليد ولا ينعكس أينما ~~كان ملك اليد لا يلزم منه ملك الرقبة كما في المستعير والمستأجر. # وأما إذا كان في شيء ملك الرقبة فيلزم منه ملك اليد وهو الأصل إلا بعارض؛ ~~لأن ms885 الملك عبارة عن المطلق الحاجز بخلاف ما إذا لم يسلم المشتري ثمن ما ~~إشتراه ليس له التصرف فيما إشتراه بيده بدون غذن البائع؛ لأن تأخير الثمن ~~منه وذلك عارض، ولما كان كذلك كان ملك الرقبة وسيلة إلى ملك اليد، والوسائل ~~غير المقصودة كالوضوء للصلاة، فكان ملك اليد هو الحكم الأصلي من هذا الوجه. PageV05P2255 # (لأن الملك) أي ملك الرقبة (ضرب قدرة شرع للضرورة) وهي قطع طمع الطامعين ~~ليكون المخصوص بالحكم هو الذي أختص بالسبب حتى لا يؤدي إلى التقاتل ~~والتفاني، ولما حصل جواز التصرف بدون ملك الرقبة كما في المستعير والمستأجر ~~والوكيل كان ملك الرقبة لضرورة قطع طمع الأغيار، فكان ملك الرقبة أمرا ~~ضروريا لا أمرا أصليا؛ إذ الأمر الأصلي هو المكنة من الصرف إلى قضاء حاجته ~~وهي باليد. # (وكذلك ملك اليد بنفسه غير مال) إنما ذكر ليكون جوابا لإشكال يرد على ما ~~تقدم من قوله: وهذا الرق مبطل لمالكية المال لقيام المملوكية مالا بأن يقال ~~بين كون العبد مالكا للمال من حيث التصرف باليد وبين كونه مملوكا في نفسه ~~تناف فكما لا يثبت له ملك رقبة المال لذلك التنافي على ما تقدم وجب ألا ~~يثبت له ملك اليد أيضا، بل أولى لما ذكرت هو أن ملك اليد هو الأصل. # فأجاب عنه بهذا وقال: إن ملك اليد ليس بمال، والتنافي إنما يكون في حق ~~العبد بأن كان مالكا لرقبة المال لأنه مملوك رقبة، وقد ذكرنا أن الرق لا ~~ينافي مالكية غير المال من النكاح والدم والحياة، وكذلك ملك اليد فإنه ليس PageV05P2256 # بمال فيملكه، ثم استدل على أن ملك اليد ليس بمال بالمسألة وهي قوله: (ألا ~~ترى أن الحيوان يثبت دينا في الذمة في الكتابة) فوجه الإستدلال أن الحيوان ~~لا يثبت دينا في الذمة بدلا عما هو مال أو له حكم المال كما في البيع ~~والإجارة، ويثبت دينا في الذمة بدلا عما هو ليس بمال كالمهر والخلع. # والمعنى فيها أن مبنى المبادلات المالية على المضايقة فيبقى في الحيوان ~~الدين جهة الجهالة وإن ms886 بلغ في وصفه فيضايق فيها بخلاف الواجب بمقابلة ما ~~ليس بمال فإن مبناه على المساهلة فكان ما يبقى من الجهالة في الحيوان الدين ~~محتملا لتساهل في أمره، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان ملك اليد الثابت ~~للمكاتب مالا لما صح الحيوان دينا في ذمة المكاتب بمقابلة ملك اليد الثابت ~~له، وحيث صح ثبوته في الذمة. علم ان ملك اليد ليس بمال وإذا لم يكن ملك ~~اليد مالا يملكه العبد لما بينا أن العبد يملك ما هو ليس بمال كالنكاح ~~والطلاق كالحر. # فعلم بهذا أن ما يتصرف فيه العبد المأذون من التجارات كان هو له بطريق ~~الأصالة، والولى يخلفه فيما هو من الزوائد. # (في حكم العقد الذي هو محكم) أراد بالمحكم الأصالة، يعني ان ملك اليد هو ~~الأصل وشرع ملك الرقبة للضرورة فكان ملك اليد من حكم العقد أصلا والعبد ~~أولى له والمولى يخلف العبدفي ثبوت ملك الرقبة له. # وتحقيقه أن للعقد حكمين: ملك اليد وهو الأصل، وملك الرقبة وهو من PageV05P2257 # الزوائد فيخلف المولى في حق الحكم الذي هو من الزوائد. # (ولذلك جعلنا العبد في حكم الملك) أي ولأجل أن العبد أهل لتصرف المال ~~والمولى يخلفه في ملك الرقبة جعلنا العبد كالوكيل، فإن من وكل آخر بشراء ~~شيء فاشتراه الوكيل يثبت الملك للموكل ابتداء، وبه قال أبو طاهر الدباس- ~~رحمه الله-وهو اختيار الإمام المحقق شمس الدين السرخسي-رحمه الله- وهو ~~الأصح، فإن القول ما قالت حذام، ولهذا لو كان المشتري منكوحة الوكيل أو ~~قريبته لا يفسد النكاح ولا يعتق عليه. كذا في وكالة "التتمة". PageV05P2258 # (وفي حكم بقاء الإذن كالوكيل في مسائل مرض المولى وعامة مسائل المأذون) ~~وفي هذا اللفظ إشارة إلى أنه في أكثر المسائل كالوكيل وفي بعضها ليس هو ~~كالوكيل. # أما المسائل التي هو فيها كالوكيل فهي: أنه إذا أذن المولى لعبده في ~~التجارة وهو صحيح ثم مرض ثم باع العبد شيئا مما في يده أو غشترى وحابى فيه ~~بغبن فاحش أو يسير ثم مات المولى ولا مال له غير العبد وما في ms887 يده، فجميع ~~ما فعل العبد من ذلك بما يتغابن الناس فيه أو ما لا يتغابن الناس فيه فهو ~~جائز في قول أبي حنيفة-رحمه الله- من ثلث مال المولى؛ لأن العبد بإنفكاك ~~الحجر عنه بالإذن صار مالكا للمحاباة مطلقا في قول أبي حنيفة-رحمه الله-حتى ~~لو باشره في صحة المولى كان ذلك صحيحا منه والمولى حين إستدام الإذن بعد ~~مرضه جعل تصرف العبد بإذنه كتصرفه بنفسه ولو باع المولى بنفسه وحابى يعتبر ~~ذلك من ثلث ماله المحاباة اليسيرة. # والفاحشة في ذلك سواء فكذلك إذا باشره العبد، وفي قول أبي يوسف ومحمد- ~~رحمهما الله-محاباته بما يتغابن فيه الناس كذلك. # فأما محاباته بما يتغابن الناس فيه فباطل وإن كان يخرج من ثلث مال ~~المولى؛ لأن العبد عندهما لا يملك هذه المحاباة بالإذن له في التجارة. كذا ~~في "المبسوط"فكان في هذا كالوكيل غير مسألة ما إذا اشترى وحابى على ما PageV05P2259 # نبين. # وكذلك إذا أخرج المولى المأذون من ملكه ليس للعبد أن يقبض شيئا مما كان ~~على غريمه وقت الإذن ولا يكون خصيما فيه؛ لأن منافعه صارت للمشتري وإن قبض ~~لم يبرأ الغريم بقبضه لأنه خرج من أن يكون خصما فيه فكان قبضه كقبض أجنبي ~~آخر فصار في هذا المعنى كالوكيل بعد العزل. # وكذلك إذا أذن الرجل لعبده في التجارة ثم جن المولى فإذا كان جنونه مطبقا ~~دائما فهو حجر على العبد؛ لأن المولى صار موليا عليه في التصرف وانقطع رأيه ~~فكان حجرا عليه كما في الوكيل. # وكذلك إذا ارتد المولى وقتل فيه أو لحق بدار الحرب هو صار محجورا كما في ~~الوكيل. وأما المسائل التي ليس فيها كالوكيل فهي. ان العبد المأذون إذا باع ~~متاعا من رجل بألف درهم وتقابضا ثم حجر عليه المولى فوجد المشتري بالمتاع ~~عيبا فالخصم فيه العبد؛ لأن ملك المولى في منافعه باق بعد الحجر، وقد لزمه ~~العهدة بمباشرة سببه بإذن المولى. # وكذلك إذا كان للعبد المأذون دين من ثمن بيع أو إجارة أو قرض أو PageV05P2260 # استهلاك ثم حجر عليه مولاه فالخصم فيه ms888 العبد؛ لأنه باشر سبب إلزام العهدة ~~في حال انفكاك الحجر وتأثير الحجر عليه بعد ذلك في منع لزوم العهدة إياه ~~بمباشرة السبب ابتداء لا في إسقاط ما كان لزمه. وهذا أيضا في "المبسوط"، ~~وليس للوكيل بالبيع ولاية قبض الثمن بعد العزل. كذا في "التتمة". # ومن المسائل التي ليس العبد المأذون فيها كالوكيل مسألة شراء العبد ~~المأذون شيئا بغبن فاحش، فإن تصرف العبد المأذون بما لا يتغابن الناس فيه ~~جائز في قول أبي حنيفة- رحمه الله بيعا كان أو شراء، سواء كان دين أو لم يكن. # فإن أبا حنيفة- رضي الله عنه- فرق في تصرف الوكيل بين البيع والشراء في ~~الغبن الفاحش، حيث جوز بيعه بالغبن الفاحش دون شرائه وفي تصرف المأذون سوى ~~بينهما فقال: لأن الوكيل يرجع على الآمر بما يلحقه من العهدة فكان الوكيل ~~بالشراء متهما في أنه كان اشتراه لنفسه، فلما ظهر له الغبن أراد أن يلزمه ~~الآمر وهذا لا يوجد في تصرف المأذون؛ لأنه يتصرف لنفسه ولا يرجع بما يلحقه ~~من العهدة على أحد فكان البيع والشراء في حقه سواء. كذا في "المبسوط". PageV05P2261 # (والرق لا يؤثر في عصمة الدم) يعني لا يؤثر الرق في حفظ دم العبد من حيث ~~الإعدام أو النقصان، فلذلك يثتص الحر بقتل العبد فكان العبد في استحقاق ~~عصمة الدم كالحر من كل وجه؛ (لأن العصمة) إنما تكون (بالإيمان ودار الإيمان ~~والعبد فيه مثل الحر) إلا أن العصمة الحاصلة بالإيمان عصمة مؤثمة، والعصمة ~~الحاصلة بالدار عصمة مقومة، ويظهر الفرق بين العصمتين فيمن أسلم في دار ~~الحرب فقتله مسلم عمدا أو خطأ وله ورثة مسلمون الموثمة، وعدم القصاص والدية ~~لانعدام العصمة المقومة. # وأما إذا قتله في دار الأسلام ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية والكفارة ~~لوجود العصمتين. وإنما يؤثر في قيمته، أي وإنما يؤثر الرق في حق بدل دم ~~العبد. يعني إذا قتل العبد خطأ وقيمته مثلل دية الحر أو أكثر. قلنا: إنه ~~ينقص عن قيمته عشرة دراهم عن دية الحر بأثر عبد الله بن مسعود- رضي الله ~~عنه- على ms889 ما ذكرنا. # (ولذلك قتل الحر بالعبد قصاصا) أي ولأجل أن الرق لا يؤثر في PageV05P2262 # عصمة الدم قلنا: إن الحر يقتل إذا كان هو قتل العبد عمدا قصاصا # (وأوجب الرق نقصا في الجهاد) حتى لو كان للمولى أن يمنع عبده عن الجهاد ~~ولا يعطى له السهم الكامل، ولكن يرضخ له إذا قاتل، لما أن العبد تبع للحر ~~فلا يسوى بين الأصل والتبع في الاستحقاق، ولأن لمولاه أن يمنعه فلا يستح ~~مثل ما يستحقه المستبد في الجهاد، ولا فرق بين المأذون والمحجور لأن ملك ~~اليد الذي للمأذون غير مؤثر في استحقاق السهم. # ألا ترى أن ملك اليد للمكاتب أقوى من المأذون ومع ذلك لا يعطى له السهم ~~الكامل بل يرضخ له لبقاء الرق فيه وتوهم عجزه فيمنعه المولى عن الخروج إلى ~~القتال، فكذلك في الماذون يتوهم منع المولى إياه عن الجهاد فلا يكمل سهمه لذلك. # (وانقطعت الولايات كلها) أي الولايات المتعدية (ولذلك بطل أمانه PageV05P2263 # عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-) أي أمان العبد المحجور عن ~~القتال. # وأما أمان العبد المأذون له في القتال فيصح بالاتفاق، لأن أمان العبد ~~مطلقا يصح عند محمد- رحمه الله- سواء كان محجورا أو مأذونا وعندهما يصح إذا ~~كان مأذونا، وهذا الذي ذكره في الكتاب قول الطحاوى. # وأما الكرخي فقد ذكر قول أبي يوسف مع محمد- رحمهم الله- (لأنه ينصرف على ~~الناس ابتداء) وإنما قال: "ابتداء" احترازا عن حكم فيه مشقة يثبت في حقه ثم ~~يتعدى منه إلى غيره، مثل شهادته بهلال رمضان، وروايته الأخبار، وإنما قلنا ~~ذلك لأن العبد المحجور بالأمان يلزم على الناس الامتناع من الاسترقاق ~~والاغتنام من غير أن يلزم عليه الامتناع من ذلك أولا، لأنه لا حق له في ~~الجهاد ولا في مال أهل الحرب ولا في أنفسهم، لنه لما كان محجورا عن القتال ~~لم يملك أنفسهم بالقتل حتى يلزم عليه الامتناع عن PageV05P2264 # قتلهم واسترقاقهم بسبب أمانة ثم يتعدى منه إلى غيره. # وليس كذلك، بل لو قلنا بصحة أمانة يلزم على الناس الامتناع عن اغتنامهم ~~ابتداء، وليس للعبد ms890 المحجور ذلك بخلاف العبد المأذون في القتال، فإن صحة ~~أمانة إنما نشأت من قتل السراية لا من قبل الولاية، لأنه لما كان مأذونا في ~~القتال وقاتل يرضخ له، فعند الأمان يبطل حقه أولا من الذي آمنة في حق الرضخ ~~ثم يسري منه إلى غيره، فكان هو مثل شهادته بهلال رمضان فيجب عليه الصوم ~~أولا ثم يتعدى منه إلى غيره فلم يكن هو من باب الولاية. # وقال في "المبسوط": فإن كان العبد المحجور عليه لا يملك القتال لا يعرف ~~الخيرية في الأمان فلا يكون أمانة جهادا بالقول، بخلاف المأذون له في ~~القتال، فإنه لا تمكن من مباشرة القتال عرف الخيرية في الأمان فلا يكون ~~أمانة جهادا ب القول، بخلاف المأذون له في القتال فإنه لا تمكن من مباشرة ~~القتال عرف الخيرية في الأمان فحكمنا بصحة أمانه. PageV05P2265 # وفي قوله: (من قبل أنه صار شريكا في الغنيمة) أي في أن العبد المأذون له ~~في الجهاد صار شريكا ل لغزاة في حق الرضخ، إشارة إلى أن العبد المحجور لا ~~يرضخ له وإن قاتل، وكذلك في لفظ "المبسوط" إشارة أيضا إليه حيث قال في باب ~~معاملة الجيش مع الكفار: وإذا كان العبد مع مولاه يقاتل بإذنه يرضخ له، ففي ~~ترتيب حكم الرضخ على العبد المقاتل بالإذن دليل على أن ال عبد المقاتل بغير ~~الإذن لا يستحق الرضخ لما أن مقاتلته حينئذ كانت معصية منه لا طاعة وجهادا، ~~لأن لمولاه المنع عن الجهاد فلا يستحق الرضخ بالمعصية. # (وعلى هذا الأصل) وهذا يحتمل وجوها من الإشارة والأولى أن تكون إشارة إلى ~~ما يقرب منه وهو قوله: "فيلزمه ثم يتعدى" يعني أن صحة الإقرار بالحدود ~~والقصاص مبنية على أن لزوم الضرر يثبت على نفس العبد أولا بالنقصان في ~~الحدود وبالهلاك في القصاص، ثم يتعدى منه إلى مال المولي ومثله غير ممنوع ~~عن العبد بأن ثبت المشقة بخبره على نفسه أولا: ثم يتعدى منه إلى غيره كما ~~في شهادته بهلال رمضان ويحتمل أن يكون هو إشارة إلى قوله: "والرق ms891 لا يؤثر ~~في عصمة الدم" ويحتمل أن يكون هو إشارة إلى قوله: PageV05P2266 # "والرق لا ينافي مالكية غير المال". # (وصح بالسرقة المستهلكة) أي وضح إقرار العبد سواء كان العبد مأذونا أو ~~محجورا بالسرقة المستهلكة، وهذا عندنا خلافا لزفر، فإن إقرار العبد لا يصح ~~عنده بالسرقة المستهلكة في القطع سواء كان العبد مأذونا أو محجورا، غير أنه ~~إذا كان مأذونا يضمن المال. # (وبالقائمة صح من المأذون) أي يصح إقرار العبد المأذون بالسرقة القائمة ~~عندنا حتى يؤخذ ب موجب إقراره، حيث لو قطع تقطع يده ويرد المال على المسروق منه. # وجه قولنا: أن وجوب الحد باعتبار أنه آدمي مخاطب لا باعتبار أنه مال ~~مملوك والعبد في هذا كالحر، لنه لا تهمة في إقراره، لأن ما يلحقه من الضرر ~~باستيفاء العقوبة منه فوق ما يلحق المولى والإقرار حجة عند انتفاء التهمة. # (وفي المحجور اختلاف معروف) أي وفي إقرار المحجور بالسرقة القائمة اختلاف ~~معروف، وذلك الاختلاف مشتمل للأقسام الأربعة العقلية غير صورة صحة إقراره ~~بالمال دون الحد. (عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- يصح بهما) أي بالحد والمال ~~حيث تقطع يده ويرد المال إلى المسروق منه، لنه لابد من قبول إقراره في حق ~~القطع لما بينا أنه في ذلك مبقي على اصل الحرية، ولأن القطع هو الأصل. PageV05P2267 # ألا ترى أن القاضي يقضي بالقطع إذا ثبتت السرقة عنده بالبينة، ثم من ~~ضرورة وجوب القطع عليه كون المال مملوكا لغير مولاه لاستحالة أن يقطع العبد ~~في مال هو مملك لمولاه، وبثبوت الشيء يثبت ما كان من ضرورته، كما لو باع ~~أحد التوأمين فأعتقه المشتري ثم أدعي البائع نسب الذي عنده يثبت نسب الآخر ~~منه ويبطل عتق المشتري فيه للضرورة (وعند محمد- رحمه الله- لا يصح بهما) ~~وهو قول زفر حتى لا يقطع يده والمال للمولى، لأن إقرار المحجور عليه بالمال ~~باطل، لأن كسبه ملك مولاه وما في يده كأنه في يد المولى. # ألا ترى أنه لو أقر فيه بالغصب لا يصح فكذلك بالسرقة، وإذا لم يصح إقراره ~~في حق المال بقي ms892 المال على ملك مولاه ولا يمكن أن يقطع في هذا المال، لأنه ~~ملك لمولاه ولا في مال آخر، لأنه لم يقر بالسرقة فيه والمال اصل، فإذا لم ~~يثبت في حق الأصل لم يثبت في حق التبع. # (وعند أبي يوسف- رحمه الله- يصح بالحد دون المال)، لأنه أقر بشيئين: ~~بالقطع والمال الذي هو للمسروق منه، وإقراره حجة ف ي حق القطع دون المال ~~فيثبت ما كان إقراره فيه حجة، لأن أحد الحكمين ينفصل عن الآخر. PageV05P2268 # ألا ترى أنه قد يثبت المال دون القطع وهو فيما إذا شهد به ر جل وامرأتان، ~~فكذلك يجوز أن يثبت القطع دون المال، كما إذا أقر بسرقة مستهلكة، وكالحر ~~إذا قال الثوب الذي ف ي يد زيد أنا سرقته من عمرو، فقال زيد: بل هو ثوبي ~~فإنه يقطع يد المقر وإن لم يقبل إقراره في ملك تلك العين للمسروق منه. كذا ~~في "المبسوط". # (وذلك إذا كذبه المولى) وقال: المال مالي وهو لم يسرقه، فأما إذا صدقه ~~فإنه يقطع ويرد المال إلى المقر له بالإجماع. # (وعلى هذا الأصل قلنا في جنايات العبد خطأ) إلى آخره. أي على ما ذكرنا من ~~الأصل وهو أن الرق ينافي مالكية المال لقيام المملوكية مالا، فوجه البناء ~~هو أن موجب القتل الخطأ المال لقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله)، ولا يمكن إيجاب ذلك على العبد، لأنه صلة، ~~فإن معنى الصلة هو وجوب المال بمقابلة ما ليس بما كنفقة المحارم وهو بهذه ~~الصفة والعبد ليس من أهل أن يجب عليه الصلة، لأنه لا يملك المال، ولهذا لا ~~يجب عليه نفقة المحارم، وإذا لم يكن هاهنا إيجاب المال على الجاني الذي هو ~~عبد، والحال أن لجاني هو المال تعين هو للجزاء والأصل أن يتعين الجاني ~~لجزاء الجناية خصوصا إذا كان الجاني مالا كان PageV05P2269 # نفسه جزاء لذلك. # وذكر في باب جناية العبد من ديات "المبسوط"، وإذا جنى العبد جناية خطأ ~~فمولاه بالخيار عن شاء دفعه بها وإن شاء فداه بالأرض ms893 وأمسك عبده عندنا. # وقال الشافعي جنايته يكون دينا في رقبته يباع فيه إلا أن يقضي المولى ~~دينه، وحجتنا في ذلك أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن. # ألا ترى أن في جناية العمد المستحق نفس الجاني قصاصا حرا كان أو عبدا ~~فكذلك في الخطأ إلا أن استحقاق النفس نوعان: أحدهما- بطريق الإتلاف عقوبة، ~~والآخر- بطريق التملك على وجه الجبران، والحر من أهل أن يستحق نفسه بطريقة ~~العقوبة لا بطريق التملك، والعبد أهل من أن يستحق نفسه بالطريقين جميعا ف ~~يكون العبد مساويا للحر في حالة العمد ومفارقا له في حالة الخطأ، لن عذر ~~الخطأ لا يمنع استحقاق نفسه تملكا والسبب يوجب الحكم في محله، وفي حق الحر ~~لم يصادف محله، وفي حق العبد السبب قد صادف محله فيكون مفيدا حكمه وهو أن ~~نفسه صارت مستحقة للمجني عليه تملكا ليتحقق معنى الصيانة عن الهدر، إلا أن ~~يختار المولى الفداء فيكون له ذلك، لأن مقصود المجني عليه يحصل به وبدل ~~المتلف عليه يصل إلى بكماله بخلاف إتلاف لمال ف المستحق به بدل المتلف دينا ~~في ذمة المتلف ولا يستحق به PageV05P2270 # نفس المتلف بالحال. # (إن رقبته يصير جزاء) حتى لو مات العبد الجاني لا يجب على المولى شيء؛ ~~لأن الأصل أن يكون موجب الجناية في ذات الجبمالاني، وامتنع الدية هاهنا؛ ~~لأن العبد ليس من أهلها فجعلت رقبته جزاء كما يقتضيه الأصل؛ (لأن العبد ليس ~~من أهل ضمان ما ليس بمال، ولكنه صلة) معناه أن ضمان ما ليس بمال صلة والعبد ~~ليس بأهل للصلة فلابد من تقدير محذوف قبل قوله: (لأن العبد ليس من أهل ضمان ~~ما ليس بمال) حتى يصح الاستدراك منه، فكان تقديره: أن رقبته تصير جززاء ~~لجنايته؛ لأن بدل الدم ليس بضمان مال فلا يجب هو على العبد؛ لأن العبد ليس ~~من أهل ضمان ما ليس بمال ولكنه صلة، فكان قوله: (ولكنه صلة) استداركا عن ~~قوله: (لأن بل الدم ليس بضمان مال). # (وقوله: إلا أن يشاء المولى الفداء) استثناء عن قوله: ms894 إن رقبته تصير جزاء ~~(فيصير عائدا إلى الأصل) يعني إلا أن يشاء المولى الفداء فحينئذ يلزمه أرش ~~الجناية وهو الأصل في موجب جناية الخطأ، قال الله تعالى: (ودية مسلمة إلى ~~أهله) [النساء:92]، والمصير إلى الرقبة كان للضرورة فإذا ارتفعت الضرورة ~~باختيار المولى الفداء لا يعود إلى إيجاب الرقبة ثانيا بعارض PageV05P2271 # يعترض المولى، وعندهما وجوب الأرش على المولى بطريق الحوالة، كأن العبد ~~أحال الأرش على المولى فعند التوى يعود إلى الرقبة بخلاف ما هو مال. # ألا ترى أن ضمان ما هو مال يملك قبل القبض وتصح الكفالة به وتجب الزكاة ~~بحولان الحول قبل القبض، وضمان ما ليس بمال كالدية وغيرها لا يملك قبل ~~القبض ولا تصح الكفالة به ولا تجب الزكاة بحولان الحول لكونها صلة، والعبد ~~ليس بأهل للصلات فيصير عائدا إلى الأصل. # (عند أبي حنيفة رضي الله عنه) وهو وجوب الفداء على ذمة المولى. # (حتى لا يبطل بالإفلاس) يعني لو أفلس المولى ولم يتمكن من أداء الفداء لا ~~يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد. (وعندههما يصير بمعنى ~~الحوالة) يعني يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد فصار كأن العبد ~~أحال على المولى وإذا توى مال الحوالة على المحتال عليه بإفلاسه يعود الدين ~~إلى المحيل وهو العبد هاهنا. # وشرح هذا ما ذكره الإمام شمس الأئمة رحمه الله في باب جناية العبد من ~~ديات «المبسوط» وقال: # إذا جنى العبد جناية فاختار المولى إمساك عبده وليس عنده ما يؤدي وكان ~~ذلك عند قاض أو عند غير قاض فالعبد عبده والأرش دين عليه في قول أبي حنيفة ~~-رحمه الله-. PageV05P2272 # وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: إن أدى الدية مكانه كان العبد له ~~وإلا دفع العبد إلا أن يرضى الأولياء أن يبيعوه بالدية، فبعد ذلك لم يكن ~~لهم أن يرجعوا إلى العبد. # فوجه قولهما أن نفس العبد صار مستحقا لولي الجناية إلا أن المولى يتمكن ~~من تحويل حقهم من محل إلى محل فيه وفاء بحقهم فيكون صحيحا منه، وإذا كان ms895 ~~مفلسا كان هذا منه إبطالا لحقهم لا تحويلا من محل إلى محل يعدله فيكون ذلك ~~باطلا من المولى. # وهذا لأن ثبوت الخيا للمولى كان على وجه النظر من الشرع وإنما يثبت ذلك ~~النظر على وجه لا يتضرر به صاحب الحق فإذا آل الأمر إلى الضرر كان باطلا ~~بمنزلة المحتال عليه إذا مات مفلسا فإن الدين يعود إلى ذممة المحيل؛ لأنه ~~حول حقه من ذمته إلى ذمة المحتال عليه بشرط أن يسلم له، فإذا لم يسلم عاد ~~كما كان. # وكذلك في بيع المقايضة إذا هلك أحد العوضين قبل القبض بطل العقد في ~~الآخر؛ لأن صاحبه حول حقه إلى العرض الآخر بشرط أن يسلم له فإذا لم يسلم له ~~عاد كما كان، وكذلك في البيع والأخذ بالشفعة إن سلم الثمن كان له أن يأخذ ~~الدار، وإن عجز عن ذلك لم يكن له أن يأخذها -فهاهنا أيضا إن رضي المولى ~~الفداء كان مسقطا حق المولى في العبد- وإن أبي أن يرضى كان له أن يأخذ ~~العبد، وأبو حنيفة رضي الله عنه يقنول بجناية العبد يخير المولى بين PageV05P2273 # الدفع والفداء، والمخير بين شيئين إذا اختار أحدههما تعين ذلك وجبا من ~~الأصل، كالمكفر إذا اختار أحد الأنواع الثلاثة، فهنا باختياره تبين أن ~~الواجب هو الدية في ذمة المولى من الأصل، وأن العبد فارغ من الجناية فلا ~~يكون لأولياء الجناية عليه سبيل، يوضحه أن من ثبت له الخيار شرعا يستبد ~~بالخيار من غير أن يحتاج إلى رضا صاحبه، ولو رضي الأولياء أن يتبعوه بالدية ~~لم يبق لهم حق في العبد، فكذلك إذا اختار المولى ذلك في حال ما ثبت له ~~الخيار شرعا. # وقيل: إن هذه المسألة في الحقيقة تبنى على اختلافهم في التفليس فعند أبي ~~حنيفة رضي الله عنه التفليس ليس بشيء والمال غاد ورايح وهذا التصرف من ~~المولى يكون تحويلصا لحق الأولياء إلى ذمته لا إبطالا، وعندهما التفليس ~~معتبر والمال في ذمة المفلس يكون، فكان هذا الاختيار من المولى إبطالا لحق الولي. # (وهذا أصل لا تحصى ms896 فروعه) أي أصل مسائل الرق أصل لا تحصى فروعه، ومن تلك ~~الفروع التي تناسب لما ذكر هنا أن العبد المأذون إذا جنى PageV05P2274 # على حر أو عبد جناية خطأ وعليه دين قيل لمولاه ادفعه بالجناية أو افده؛ ~~لأنه على ملك مولاه بعد ما لحقه الدين، وفي البداية بالدفع بالجناية مراعاة ~~الحقين، فإن اختار الفداء فقد ظهر العبد من الجناية فيبقى حق الغرماء فيه ~~فيباع في دينهم، وإن دفعه بالجناية اتبعه الغرماء في أيدي أصحاب الجناية ~~فباعوه في دينهم إلا أن يفديه أولياء الجناية؛ لأن أولياء الجناية إنما ~~يستحقون ملك المولى فيه بطريق الجزاء لا أن يثبت لهم فيه سبب متجدد، فهم ~~بمنزلة الورثة يخلفون مورثهم في ملكه، والعبد المديون إذا مات مولاه اتبعه ~~الغرماء في ملك الوارث فباعوه في دينهم إلا أن يقضى الوارث دينهم، فكذلك ~~يتبعونه في يد صاحب الجناية فيبيعونه في دينهم إلاأن يقضي صاحب الجناية ~~ديونهم. # ومنها أنه إذا كان للمأذون جارية من تجارته فقتلت قتيلا خطأ فإن شاء ~~المأذون دفعها وإن شاء فداها إن كان عليه دين أو لم يكن؛ لأن التدبير في ~~كسبه إليه وهو في التصرف في كسبه كالحر في التصرف في ملكه فيخاطب بالدفع أو ~~بالفداء بخلاف جنايته بنفسه، فإن التدبير في رقبته ليس إليه. # ألا ترى أنه لا يملك بيع رقبته ويملك بيع كسبه. # ومنها أنه لو كان على المأذون دين فجنى جناية فباعه المولى من أصحاب ~~الدين بدينهم وهو لا يعلم بالجناية فعليه قيمته لأصحاب الجناية؛ لأن حق ~~أولياء الجناية لا يمنع المولى من بيع الجاني فإذا نفذ بيعه كان مفوتا على ~~أولياء PageV05P2275 # الجناية محل حقهم، فإن كان عالما بالجناية فعليه الأرش، وإن لم يكن عالما ~~بها فعليه قيمته، كما لو أعتقه ولو لم يبعه من الغرماء ولم يحضروا ولكن حضر ~~أصحاب الجناية فدفعه إليهم بغير قضاء قاض فالقياس فيه أن يضمن قيمته ~~للغرماء؛ لأنه صار متلفا على الغرماء محل حقهم بإخراجه عن ملكه باختياهر، ~~فيكون بمنزلة ما لو أعتقه، وفي الاستحسان ms897 لا ضمان عليه، لأن حق أولياء ~~الجناية ثابت في عينه، والمولى فعل بدونن أمر القاضي عين ما يأمر به القاضي ~~أن لو رفع الأمر إليه، فيستوى فيه القضاء وغير القضاء بمنزلة الرجوع في ~~الهبة، ثم هو ما فوت على الغرماء محل حقهم فإن العبد محل للبيع في الدين في ~~ملك أولياء الجناية، كما لو كان الدفع إليهم بقضاء قاض، وإنما يضمن القيمة ~~باعتبار تفويت محل حقهم، فإن جعلنا هذا تسليما لما هو المستحق بالجناية لا ~~يفوت به محل حقهم، وإن جعلناه تمليكا مبتدأ لا يفوت به محل حقهم أيضا؛ ~~لأنهم يتمكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد ~~القبض يتممكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد ~~القبض دفعه واجب إليهم بالجناية ثم بيعه في الدين، فلذلك لا يضمن المولى ~~شيئا بخلاف ما سبق من بيعه إياه في الدين ففيه تفويت محل حق أولياء الجناية ~~على معنى أن البيع تمليك مبدأ ولا سبيل لأولياء الجناية على نقض ذلك. # هذا كله من باب جناية المأذون من كتاب المأذون من «المبسوط». PageV05P2276 ### || AUTO [المرض] # (والموت عجز خالص) بخلاف الرق فإنه أيضا عجز ولكن ليس بخالص. # (ولما كان الموت علة الخلاف كان المرض من أسباب تعلق حق الوارث والغريم ~~بماله)؛ لأن الموت لما كان علة حقيقة لثبوت حق الغريم والوارث، والمرض سبب ~~الموت كان المرض سبب علة ثبوت التعلق للغريم والوارث به، وبالسبب يثبت نوع ~~الحكم قبل العلة. ألا ترى أن الجارح خطأ لو كفر قبل موت المجروح يجوز. # (ولما كان عجزا) أي سبب العجز (شرعت العبادات عليه بقدر المكنة) أي قائما ~~وقاعدا ومستلقيا PageV05P2277 # (بقدر ما يقع به صيانة الحق)، ففي حلق الورثة في الثلثين وفي حق الغرماء ~~في الكل، (حتى لا يؤثر المرض فيما لا يتعلق به حق غريم) مثل النكاح بمهر ~~المثل والاستيلاء والنفقة على نفسه وعلى من تجب نفقته عليه. # (ولا وارث) مثل تصرف المريض في ثلث ms898 تركته وفي هذه الأشياء التي ذكرنا. # (مستندا إلى أوله) ذكر لفظ الاستناد للفرق بينه وبين التبين، فالتبين هو ~~ما يمكن الاطلاع عليه للعباد، والاستناد ما لا يمكن الاطلاع عليه لهم قبل ثبوته. # (وكل تصرف لا يحتمل النقض جعل كالمتعلق بالموت كالإعتاق) هذا التشبيه في ~~حق السعاية. # أما في حق نفوذ العتق في الحال فليس كالمتعلق فإن المتعلق بالشيء لا يثبت ~~قبل وجود ذلك الشيء، وهاهنا العتق ثابت في الحال، وقال في PageV05P2278 # «المبسوط» في كتاب العتق في المرض عن إبراهيم -رحمه الله- في الرجل يعتق ~~عبده عند الموت وعليه دين قال: يستسعى في قيمته، وبه نأخذ؛ لأن العتق في ~~مرض الموت وصية والدين مقدم على الوصية، فإذا كان الدين مثل قيمته أو أكثر ~~ولا مال له سواه فقد بطلت الوصية ووجبت على العبد رد رقبته، ولكن العتق بعد ~~نفوذه لا يحتمل النقض والرد فيكون رده بإيجاب السعاية عليه، ولا تلزمه ~~السعاية في أكثر من قيمته؛ لأنه لا يسلم له أكثر من مالية رقبته. # وإن كان الدين على المولى أقل من قيمته سعى في مقدار قيمته للغرماء وفي ~~ثلثي ما بقى للورثة؛ لأن مال الميت ما بقي بعد قضاء الدين قائما يسلم له ~~بالوصيية ثلث ما بقي وعليه السعاية في ثلثي قيمته للورثة، وإذا أعتق الرجل ~~في مرضه عبدا قيمته ثلاثمائة ولا مال للمولى سواه ولا دين عليه فعلى العبد ~~السعاية في مائتي درهم للورثة؛ لأن يسلم له الثلث بطريقة الوصية. # (وكان القياس أن لا يملك المريض الإيصاء لما قلنا) أي من أن المرض من ~~أسباب الحجر، (لكن الشرع جوز ذلك نظرا له) فإن الإنسان مغرور بأمله مقصر في ~~عمله ومحتاج إلى تدارك ما فرط منه من التقصير لما أن الرجوع PageV05P2279 # إلى جزاء الله تعالى والمصير إليه، وفي الوصية أيضا إيصال المنافع ~~للإخوان واستذكار بخير بعد حينه من الخلان على وجه فيه طلب رضى الرحمن إذ ~~بها يقوةى رجاؤه من الله تعالى ثواب رفده عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر ~~من عنده. ms899 # (الاستخلاص): جيزي را براي خود خاص كردن، والإخلاص: جيزي رابه هر كسي خاص ~~كردن، والإخلاص مع الاستخلاص كالإيثار مع الاستيثار، أي الموصي بوصيته ~~يستأثر ثواب الله تعالى لنفسه على الورثة بالقيل وهو الثلث. # (ليعلم) وهو متعلق بقوله: «بقدر الثلث» أي ليعلم (أن التهمة فيه أصل) وهي ~~أن يتهم أنه إنما أوصى بالكثير لضغينة له بورثته، يعني فلذلك قدر الشارع ~~جواز وصيته بالقليل وهو الثلث؛ لأنه لو أباح في الكل من غير تقدير بشيء ~~لاحتمل أن يوصي بالكل فحينئذ صار متهما ببغض ورثته ووقع في قالة الناس بأنه ~~كان يعادي ورثته والاحتراز عما يورث التهمة واجب. PageV05P2280 # (التولي): بكار كسي قيام كردن وكار كسي رابخود كرفتن، أي إن الشرع أي ~~الشارع وهو الله تعالى لما بين بنسه (الإيصار للورثة أبطل إيصاء الموصي ~~لهم) يعني أن إيصاء الموصي للورثة كان مفوضا إلى الموصي في ابتداء الإسلام ~~بدليل قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف) [البقرة:180] ثم تولى بيان ذلك بنفسه بقوله ~~تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) [النساء:11] الآية، ~~وانتسخت تلك الآية بهذه الآية، فإذا بطل إيصاء العباد للورثة بطل من كل وجه. # (فبطل صورة) بأن يبيع عينا من ماله من بعض الورثة بمثل قيمته فإن ذلك لا ~~يجوز؛ لأن فيه إيثار العين لبعض الورثة لا إيثار معناه، وبطل (معنى) أيضا، ~~وهو أن يقر لأحد الورثة بالمال؛ لأنه وصية معنى، وبطل (حقيقة) الوصية بأن ~~أوصى لأحد أقاربه بشيء من ماله، وبطل أيضا (شبهة) الوصية بأن باع جيدا بردي ~~من الأموال الربوية من أحد الورثة لما فيه من شبهة الوصية بسبب إيثار الجيد ~~لبعض الورثة، وإن كانت الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية إذا بيعت ~~بجنسها. PageV05P2281 # فكان قوله: (حتى لا يصح منه البيع أصلا عند أبي حنيفة رضي الله عنه)، ~~بيانا لتلك الصور على طريق اللف والنشر أي لا يصح بيع المريض بعض ماله من ~~ورثته بمثل قيمته أو بأكثر من قيمته عند ms900 أبي حنيفة رضي الله عنه. # وذكر في باب الصرف في المرض من صرف «المبسوط» مريض باع من ابنه دينارال ~~بألف درهم وتقابضا، فذلك لا يجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأن نفس ~~البيع من وارثه وصية له عنده ولا وصية للوارث، وعندهما معنى الوصية في الحط ~~لا في نفس البيع كما في حق الأجنبى، فإذا كان البيع بمثل القيمة أو أكثر ~~فلا وصية فيه ولا تهمة. # (لأن شبهة الحرام حرام)؛ لأنه عليه السلام (نهى عن الرب والريبة). # (وإن لزمه في صحته) يعني أن ثبوت الدين نفي حال عدم التهمة له لا PageV05P2282 # يصح، فكذا إذا ثبت في حال التهمة لتهمة العدول عن خلاف الجنس إلى الجنس، ~~يعني يتهم بأنه إنما لم يبع منه شيئال بخلاف الجنس لظهور قيمة الجودة على ~~ذلك التقدير فباع بجنسه لئلا تظهر قيمة الجودة. # يعني يتهم المريض بأن من قصده أن يؤثر بعض الورثة على غيره بإيصال عين ~~جيد إليه لينتفع هو به دون غيره فلا يملك هو ذلك القصد في غير الأموال ~~الربوية؛ لأنه لا يملك إسقاط الجودة في غيرها لاعتبارها عرفا وشرعا، فعدل ~~عنه وباع الجيد من الأموال الربوية بالردي من الواررث لينتفع ذلك الوارث ~~بجودة ما باعه؛ لأن الجودة في الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها ساقطة فرد ~~ذلك عليه للتهمة. # وفي قوله: (وتقومت الجودة في حقهم) إشارة إلى جواز بيع المريض من وارثه ~~الأموال الربوية بجنسها من غير خلاف إذا تساوت في الجودة والرداءة، غير أن ~~الجودة متقومة فيها؛ لأنه ذكر ذلك مطلقا من غير خلاف أحد. إلى هذا أشار في ~~«المبسوط»، والمعنى فيه أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود فلا ~~يلزم فيه ما قلنا من إيثار العين لبعض الورثة؛ لأنه لما كان للوارث من ذلك ~~الجنس بمثل عينه وصفته صار كأنه لم يبع منه شيئا، فلذلك قيل معنى قوله: ~~(كما تقومت في حق الصغار) أنه لو باع الولي مال الصبي PageV05P2283 # من نفسه تقومت الجودة حتى لا يجوز إلا باعتبار القيمة. # (وحجر ms901 المريض عن الصلة) ولهذا لم تجب عليه نفقة المحارم ولا أدء الزكاة ~~عليه (إلا من الثلث)، ومقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: «فكان من أسباب ~~الحجر» أي فكان المرض. # (وكذلك إذا أوصى بذلك) أي بأداء حق الله تعالى، وقيد بقوله: عندنا؛ لأن ~~أداء حق الله تعالى عند الشافعي يعتبر من جميع المال واعتبره بحقوق العباد. # (ولما تعلق حق الغرماء والورثة بالمال صورة ومعنى في حق أنفسهم ومعنى في ~~حق غيرهم ...) إلى آخره، يعني أن حق الغرماء والورثة يتعلق بالمال في مرض ~~الموت من حيث الصورة في حق أنفسهم حتى لا يجوز إيثار بعضهم بصورة المال كما ~~لا يجوز الإيثار بالمعنى. # أما في حق الورثة فظاهر حتى لا يكون لأحدهم أن يأخذ التركة ويعطي قيمتها ~~لبقية الورثة، وكذلك الغريم على هذا فإنه لو أدى المريض حق بعض الغرماء ~~بمال عنده كان لبقية الغرماء أن يستردوه منه، وكذلك لو باغ المريض بعض ماله ~~منهم بمثل القيمة كان لبقية الغرماء أن ينقضوا البيع. PageV05P2284 # وأما في حق الورثة والغرماء من الأجانب فحقهم متعلق بمعنى المال وهو ~~القيمة لا بصورة المال حتى يصح بيع المريض من الأجانب بمثل القيمة بخلاف ~~بيعه من الورثة والغرماء. (صار إعتاقه) أي إعتاق المريض. # (نفذ هذا) أي إعتاق الراهن، (ولم ينفذ ذلك) أي إعتاق المريض أي من حيث ~~المعنى حتى تجب عليه السعاية، وقد بينا أن إعتاق المريض عنده فيما إذا لم ~~يكن له مال غيره هو نافذ من حيث الصورة لا من حيث المعنى حيث يعتق وتجب ~~عليه السعاية. # (وهذا أصل لا تحصى فروعه) أي أصل مسائل المريض أصل لا تحصى فروعه، ومن ~~تلك الفروع التي تناسب هذا الموضع ما إذا أعتق المريض عبدا في مرضه لا مال ~~له غيره وقيمته ثلاثمائة ثم مات المولى ثم مات العبد وترك ثلاثمائة فمن ذلك ~~مئتان لورثة المولى والباقي لورثة العبد؛ لأن ثلث رقبة العبد يسلم للعبد ~~عند موت المولى بالوصية وتلزمه السعاية في ثلثي رقبتته، فلما مات عن ورثة ~~أحرار إنما ms902 يبدأ بقضاء الدين من تركته وذلك مئتان والباقي لورثته. # ومنها أن المريض إذا أعتق أمته فولدت بعد العتق قبل أن يموت الرجل أو بعد ~~ما مات لم يدخل ولدها في الوصية؛ لأنها ولدت وهي حرة، وهذا PageV05P2285 # التعليل مستقيم على أصلهما؛ لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين والعتق ~~في المرض نافذ عندهما كسائر التصرفات، وكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله إن ~~كانت تخرج من ثلثه. # وإن كان الثلث أقل من قيمتها فعليها السعاية فيما زاد على الثلث، ويكون ~~بمنزلة المكاتب ما دامت تسعى وحق الغرماء والورثة لا يثبت في ولد المكاتبة، ~~لأن الثلث والثلثين لا يعتبر من رقبتها وإنما يعتبر من بدل الكتابة، فلا ~~يثبت حق المولى في ولدها حتى يعتبر خروج الولد من الثلث، فإن ماتت قبل أن ~~تؤدي ما عليها من السعاية كان على ولدها أن يسعى فيما كان على أمه على قياس ~~قول أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة ولد المكاتبة وعندهما لا شيء على الولد؛ ~~لأنه حر فلا تلزمه السعاية في دين أمه بعد موتها. ### || AUTO (الحيض والنفاس) # (فإنهما لا يعدمان أهلية بوجه)؛ لأن الحيض مصحة للبدن بدليل أن انقطاعه ~~في حينه داء ترد به الجارية، ومن البعيد أن يكون المصحح منافيا PageV05P2286 # للأهلية، وكذا النفاس فإنه درور ما كان مجتمعا أوان الحبل، فإذا دروره ~~كان مصحة غير أن كلا منهما ربما يفضي إلى الحر لو قلنا بوجوب العبادات به ~~وذلك في الصلاة دون الصوم؛ لأن الطهارة شرط أداء الصلاة فلا يتحقق أداؤها ~~مع الحيض والنفاس فلا يمكن القول بوجوب الأداء. # وفي القضاء حرج بين فيسقط عنهما بصفة اليسر، والواجب بصفة اليسر إنما ~~يبقى كما وجب ولو بقي في حق القضاء لا على الوصف الذي كان به وجوب الأداء ~~كان حرجا. # وقوله: (وقد شرعت) أي الصلاة، وتحرير الكلام هو أنا لو نظرنا إلى وجوب ~~السبب وبقاء الأهلية للحائض والنفساء، كان ينبغي أن نقول بوجوب الصلاة ~~والصوم على الحائض والنفساء غير أن وجب الصلاة ثابت بالقدرة الميسرة بالنظر ~~إلى اشتراط ms903 الطهارة، فإن اشتراط الطهارة في وجوبها كاشتراط النماء في حق ~~وجوب الزكاة، فكما لا تجب الزكاة هناك بدون النماء كذلك لا تجب الصلاة بدون ~~الطهارة عن الحيض والنفاس، ولما لم تتحقق PageV05P2287 # الطهارة للحائض والنفسا منهما لم يتحقق وجوب الصلاة عليهما فلا يجب قضاء ~~الصلاة عليهما؛ إذ وجوب القضاء يتلو وجوب الأداء؛ لأن القضاء خلف الأدء، ~~ولما لم يجب الأصل لم يجب الخلف عند فوت الأصل. # وقوله: (وفي وضع الحيض والنفاس) أي وفي إهدارهما وإبطالهما يعني وفي ~~جعلهما كأن لم يكونا (ما يوجب) الحرج في القضاء؛ لأن الحيض مما يتكرر ~~والنفاس مما يمتد (فلذلك وضع عنهما)، أي فلأجل إيجاب الحرج رفع وجوب أداء ~~الصلاة عنهما، فلما لم يثبت وجوب أداء الصلاة عليهما وهو الال لم يجب ~~قضاؤها عليهما أيضا وهو الخلف. # (وقد جعلت الطهارة عنهما شرطا لصحة الصوم نصا أيضا) وهو قوله عليه ~~السلام: «الحائض تدع الصوم ونالصلاة أيام أقرائها»، وحديث عائشة رضي الله ~~عنها «كنا نترك الصلاة والصوم على عهد رسول الله عليه السلام في أيام ~~الحيض»، والمعنى في الفرق بينهما أن ورود النص في اشتراط الطهارة للصلاة ~~لما كان موافقا للقياس أثر عدم الطهارة من الحيض والنفاس في أن لا يوجب ~~القضاء أيضا كما لا يوجب الأداء؛ لكون الحيض والنفاس بدون اختيار الحائض ~~والنفساء. PageV05P2288 # وفي الصوم لما لم تشترط الطهارة في أصله بدليل تحققه بالجنابة والحدث كان ~~اشتراط الطهارة في الصوم عن الحيض والنفاس بخلاف القياس، فلذلك لم يؤثر في ~~إسقاط القضاء وجعل كأن أصل وجوب الصوم أدرك الحائض والنفساء في وقته فوجب ~~القضاء بناء على وجوب الأداء تقديرا، ولأن الحرج في قضائه لم يلحقهما بخلاف ~~قضاء الصلاة فإنه يلزم على الحائض خمسون صلاة في كل عشرة أيام من كل شهر ~~ويلزمها قضاءة عشرة أيام في أحد عشر شهرا. # (وأحكام الحيض والنفس كثيرة لا يحصى عددها) وقد ذكرناها في بأبي الحيض ~~والنفاس من «النهاية». # [«الموت»] # (فإنه عجز كله) أي عجز خالص ليس فيه شائبة القدرة بوجه من الوجوه بخلاف ms904 ~~الرق وغيره بدليل ما ذكر في «المختصر» بهذا اللفظ. PageV05P2289 # (إن كان حقا متعلقا بالعين) كتعلق حق المودع بالوديعة وحق المعير ~~بالعاررية (يبقى) بعد الموت (ببقاء العين لأن الفعل) في حقوق العباد (غير ~~مقصود) وإنما المقصود هو وصول الحق إلى المستحق بأي وجه كان بخلاف حقوق ~~الله تعالى، فإن الفعل هو المقصود هناك تحقيقا للابتلاء لا المال كما في ~~الزكاة، ألا ترى أن من له الدين إذا ظفر بجنس حقه له أن يأخذه PageV05P2290 # لحصول مقصوده به، والفققير إذا ظفر بمال الزكاة ليس له أن يأخذ لأن الحق ~~لله تعالى فكان الفعل فيه هو المقصود للابتلاء. # (وهذا لا يرجى زواله غالبا) أي زوال الموت عن الميت قيد بقوله: «غالبا» ~~لرن زوال الموت عن الميت في الدنيا كان موجودا في الجملة، كما في حق عزير ~~عليه السلام، وكما في حق المار على قرية على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: ~~(أو كالذي مر على قرية) إلى قوله: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه)، وكما في ~~حق الخارجين عن ديارهم حذر الموت، فمنه ما أخبر الله تعالى بقوله: إلى PageV05P2291 # قوله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) إلى قوله: (ثم أحياهم) وكما ~~كان يحيي الموتى بدعاء عيسى عليه السلام، ولكن الغالب عدم زوال الموت كما ~~هو سنة الله تعالى في عامة الموتى في الدنيا فلذلك قال: لا يرجى زواله غالبا. # (لأن ثبوته بالمطالبة) أي ثبوت الدين؛ لأن الدين وصف شرعي يظهر أثره في ~~المطالبة، والشيء إذا لم يستعقب أثرا كان وجوده كعدمه، فلما سقطت المطالبة ~~والذمة قد ضعفت لم يمكن القول بثبوت الدين في الذمة بخلاف الحي، فإن ذمته ~~تحتمل الدين لقوتها فلما ضعفت الذمة بالموت لم يكن بد من انضمام المال إلى ~~الذمة الضعيفة، وانضمام ذمة الكفيل إليها PageV05P2292 # لتتقوى الذمة الضعيفة به لظهور أثر الدين، وهو المطالبة عند ذلك. # (فيكفل رجل عنه صح) حتى يؤخذ الكفيل به في الحال، وإن كان الأصل وهو ~~العبد غير مطال به في الحال بل هو مؤخر عنه ms905 إلى أن يعتق؛ لأن ذمته قابلة ~~للدين في الحال، غير أنه لا يطالب به في الحال لعسرته فكان الدين صحيحا ~~فصحت الكفالة به لذلك ويؤخذ به في الحال. # (لأن ذمته في حقه كاملة) لأنه حي عاقل بالغ مكلف، وقوله: (وإنما ضمت ~~المالية إليها في حق المولى) جواب شبهة ترد على قوله: «لأن ذمته في حقه ~~كاملة» بأن يقال: لو كانت ذمته كاملة في حقه لتحملت ذمته الدين بنفسها ~~لكمالها كما في الحر، ولما ضمت مالية الرقبة إلى ذمته بأن لا يباع العبد ~~المأذون بسبب دينه الذي لحقه بسبب التجارة كما هو مذهب الشافعي رحمه الله ~~فأجاب عنه بهذا وقال: وإنما ضمت إليه مالية الرقبة إلى ذمته لظهور هذا ~~الدين في حق المولى، فإنه لما أذن له في التجارة لتزم ما كان هو من ~~لوازمها، ومن تلك اللوازم بيع رقبته في دينه كما في دين الاستهلاك بخلاف ما ~~إذا لحق الدين بالعبد المحجور عليه بسبب التجارة حيث لا يباع هو فيه لعدم ~~ظهوره في حق المولى؛ لأن مولاه لم يأذن له في التجارة فلم يظهر هو في حقه لذلك. # (لكن عجزنا عنها) أي عن المطالبة، ولهذا لو خلف ما لا يطالب به، PageV05P2293 # فعلم أن الدين باق. # (لأن ذلك العدم) أي عدم المطالبة (لمعنى في محل الدين) وهو ضعف ذمة الميت ~~فوق ضعف ذمة الرقيق فكان انعدام المطالبة لعدم الدين كمن ليس عليه دين لا ~~يمكن المطالبة لعدم الدين لا لعجز في المطالبة فلذلك لم تصح الكفالة به. # وقوله: (فلهذا لزمته الديون) يتصل بقوله: «وإن كان دينا لم يبق بمجرد ~~الذمة حتى يضم إليه مال أو ما يؤكد به الذمم» فكان هذا لإيضاح أن ذمة الميت ~~لم تبطل من كل وجه حتى تلحق بالجماد وسائر الحيوانات، بل بقيت مع الضعف ~~القوي، والضمير البارز في لزمته راجع إلى الميت المفهوم من قوله: «لأن ضعف ~~الذمة بالموت» بدليل رجوع الضمير الذي هو مضاف إليه إلى الميت فيما بعده، ~~وهو قوله (صح في حياته)، أي ms906 يضاف الدين إلى سبب صح في حياته بأن وجد منه ~~ذلك السبب في حياته، كما إذا حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها حيوان ~~مملوك بعد موته وهلك يلزم قيمته على الذي حفرها وهو ميت وأثر لزومه أنه ~~يؤخذ من تركته وتصح الكفالة به. # (ولهذا صح الضمان عنه إذا خلف مالا أو كفيلا) يعني إذا مات وله مال أو ~~ليس له مال ولكن له كفيل كفل عنه في حياته عن دينه ثم مات هذا PageV05P2294 # المكفول صح أن يكفل عنه إنسان آخر لبقاء الدين بأثره وهو المطالبة ولتأكد ~~الذمة الضعيفة بما يتقوى به وهو المال أو ذمة الكفيل، (وإن كان شرع عليه ~~بطريق الصلة) كوجوب النفات عليه والزكاة وصدقة الفطر ونحوها. # (وأما الذي شرع له) كجهاز الميت من التكفين وغيره وقضاء دينه (فبناء على ~~حاجته) أي فبناء على حسب ترتيب حاجته، وما كانت حاجته إليه أشد فهو مقدم ~~على غيره، ثم وثم إلى أن تنقضي حاجاته كلها. # (لأن العبودية لازمة للبشر)؛ لأنه لا يتصور انفكاك العبودية عن البشر أبد ~~الأبدين؛ لأن هذه صفة للآدمى وغيره من المخلقوات لكونهم مخلوقين لله تعلى ~~وكونهم مخلوقين له لا يتصور زواله، فكذلك لا يتصور زوال العبودية عن العباد ~~لذلك، فلذلك صارت صفة العبودية بعد الموت باقية، فالعبودية مستلزمة للحاجة ~~فتبقى الحاجة بعد الموت لبقاء العبودية، فلما بقيت حاجة الميت بعد الموت ~~قدم ما هو أشد احتياجا هو إليه. # (ولذلك بقيت التركة على حكم ملك الميت) أي ولكون حاجة الميت باقية بعد ~~الموت كانت التركة باقية على ملكه ليقضى بها حاجته، (فلذلك قدم جهازه) على ~~الدين لشدة حاجته إلى الكفن بالنسبة إلى الدين، وهذا لأن PageV05P2295 # الكفن لباسه بعد وفاته فيعتبر بلباسه وقت حياته، ولباسه وقت حياته مقدم ~~على دينه حتى لا يباع على المديونن ما عليه من ثيابه فكذلك لباسه بعد موته، ~~ومن مات ولا شيء له يجب على المسلمين تكفينه، فيكفن من مال بيت المال، ~~وماله يكون أقرب إليه من مال بيت المال، وبهذا يتبين ms907 أن الكفن أقوى من ~~الدين فإنه لا يجب على المسلمين قضاء دينه من بيت المال ويجب تكفينه منه ~~إذا لم يكن له مال. كذا في «المبسوط». # قيل: هذا زي تأخر الدين عن الكفن في دين لم يتعلق بالعين. # فأما الذي تعلق بالعين في حال حياة المديون كتعلق دين المرتهن بالرهن فإن ~~ذلك الدين مقدم على التجهيز لتعلق حق المرتهن به فيقدم حاجته على حاجة ~~الميت كما في حال حياته. # (ولذلك صحت واياه كلها واقعة) أي منفذة في الحال بأن قال المريض: اعتقدت ~~عبدي هذا، أو قال: أوصيت لفلان بكذا، (ومفوضة) أي بأن قال: اعتقوا هذا ~~العبد بعد موتى، أو قال: أعطوا لفلان كذا بعد موتى، (ولذلك بقيت الكتابة) ~~بعد موت المولى؛ لن المولى مالك فيبقى ملكه بعد موته لحاجته وهي إحراز ثواب ~~الاعتقا، هو ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «من أعتق رقبة أعتق الله ~~بكل عضو منها عضوا منه من PageV05P2296 # النار». # (وهي من أقوى الحوائج) أي حاجة المكاتب إلى حريته أقوى حوائجه، وهذه ~~الحاجة له فوق حاجة المولى إلى عتقه؛ لأن الرق أثر الكفر لما عرف ودفع أثر ~~الكفر من أقوى الحوائج، فإذا بقيت مالكية الملوى بعد موته ليصير معتقا ~~فأولى أن يبقى مالكية المكاتب. # (ألا ترى أنه ندب فيه حط بعض البدل) لإبقاء ذلك الأمر المندوب، قال الله ~~تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) [النور:33]، وعند بعض العلماء حط ~~ربع البدل واجب ليصل إلى الحرية سريعا فكان قوله: «ألا ترى» لإيضاح إثبات ~~حاجة المكاتب إلى إبقاء عقد الكتابة ليحصل له العتق ويزول عنه وعن أولاده ~~أثر الكفر الذي هو الرق. # (فلأن تبقى هذه المالكية) وهي مالكية المكاتب (أولى)؛ لأن الحاجة له PageV05P2297 # أقوى ليصل بها إلى الحرية وهو معنى قوله: ليصير معتقا -بفتح التاء- على ~~صيغة بناء اسم المفعول. # (وأما المملوكية فهي تابعة) جواب إشكال وهو أن يقال: في إبقاء الكتابة ~~إبقاء المملوكية في المكاتب والمملوكية بعد ما مات المكاتب لا يمكن إبقاؤها ~~وليس في إبقائها نظر ms908 له أيضا بل في إبقائها ضرر عليه لكون الرق من أثر ~~الكفر ولظهور أثره في أولاده بوصف الرقبة. # فأجاب عنه بقوله: وأما المملوكية فهي تابعة في باب الكتابة، فإن الأصل ~~فيها مالكية المكاتب يدا. # والدليل على أن المالكية فيه أصل هو أنه يثبت له ملك اليد في الحال ~~والمقصود من عقد الكتابة الوصول إلى الحرية وزوال المملوكية، فالبنظر إلى ~~المقصود إلى ثبوت مالكية اليد في الحال يستدل على أن المالكية هي الأصل ~~فيه، فلما كانت المملوكية تبعا أمكن أن يبقى التبع لأجل الال، ووجه ثبوت ~~المملوكية بطريق التبعية هو أن المقصود من عقد الكتابة لما كان هو الوصول ~~إلى الحرية لم يكن بد من المملوكية حال بقاء عقد الكتاب، فكانت هي شرطا ~~لمقصود الوصول إلى الحرية، وذلك إنما يكون لمالكية اليد في الحال فالعبرة ~~للمقصود المتبوع لا للتبع. # وقوله: (ولهذا وجبت المواريث بطريق الخلافة عن الميت نظرا له) PageV05P2298 # يتصل بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» فكان هو لإيضاح بقاء ~~حاجته بعد الموت في ماله، فلذل وجبت المواريث لمن يتصل بالميت من أهل دينه ~~من حيث النسب كالولاء وغيره. # أو من حيث السبب والدين كالزواج من الزوج والزوجة، أو من حيث الدين لا ~~غير بلا نسب وسبب وهو بيت المال، وفيه يوضع لحقوق المسلمين، يعني أن في ~~انتقال مال الميت إلى من يصلح خليفة له نسبا أو غير ذلك نظرا له؛ لن فيه ~~ثواب صلة الرحم له وإيصال النفع إلى المسلمين، واشترط من يصلح خليفة له ~~فيمن ينتقل إليه ماله؛ لأن الموت من أسباب الخلافة. # (ولهذا صار التعليق بالموت يخالف سائر وجوه التعليق) حتى أن الرجل إذا ~~قال لعبده: إن مت فأنت حر؛ فهذا التعليق يخالف سائر التعليقات؛ لأن التعليق ~~بالشرط عندنا يمنع انعقاد السبب والتعليق بالموت لا يمنع انعقاد السبب، بل ~~ينعقد سببا في الحال فلذلك لم يجز بيع المدبر. # بخلاف ما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر؛ فإنه يصح بيعه قبل وجود ~~الشرط؛ وغنما كان ms909 هكذا؛ (لأن الموت من أسباب الخلافة) فباعتبار أنه علقه ~~بسبب الخلافة الذي هو كائن لا محالة كان له حكم الثبوت في الحال. # وحاصل الكلام: إن الموت لما كان من أسباب الخلافة ظهر أثره في PageV05P2299 # موضعين: في حق العبد إذا دبره، وفي حق الوارث إذا مرض مرض الموت، فيجعل ~~المدبر خلفا عنه في حق العتق بعد موته، ففي الحال تعلق عتقه بالموت على وجه ~~لا يصح إبطاله، فصار هذا كوجود المرض إذا اتصل به الموت في حق الوارث لما ~~أن الموت من أسباب الخلافة فكان المدبر والوارث خلفين عنه. # وهذا لأن المرض يثبت تعلق حق الوارث بالمال، يعني إذا مات في مرضه ذلك. # وكذلك قوله: أنت حر بعد موتى يثبت تعلق حق العبد في الحرية بموته، فصار ~~المولى محجورا عن بيعه كما صار محجورا عن إبطال حق الوارث عند تعلق حقه ~~بالمال، وهو معنى قوله: (فكذلك إذا ثبت بالنص) أي إذا ثبت الخلافة بتأويل ~~كون الخلافة بصريح قوله: أنت مدبر بعد موتي. يعني إذا وجد سبب الخلافة وهو ~~المرض يثبت للوارث حق لا يجوز للمورث إبطاله. # فكذلك إذا ثبت نصا بقوله: أنت مدبر بعد موتى، (وصار المال من ثمراته) أي ~~من ثمرات سبب الخلافة فيثبت المال ضمنا، وإنما قال هذا لدفع شبهة وهي أن ~~التدبير وصية، وقال قبل هذا: «فيصير التعليق به إيجاب حق للحال بطريق ~~الخلافة عنه» أي قوله: «أنت حر بعد موتي» إثبات حق الحرية في الحال بطرييق ~~الخلافة عنه وفيه إخراج مالية العبد عن ملكه فصار PageV05P2300 # كإخراج ماله عن ملكه بالإيصار للموصى له بالمال. # ثم هناك يملك إبطال ما أوجبه في الحال فينبغي أن يملك إبطال ما أوجبه في ~~الحال من تدبير العبد أيضا بجامع أن كلا منهما إيجاب حق متعلق بالموت في ~~المال، فقال نعم كذلك. إلا أن المال هاهنا صار من ثمرات الخلافة وسبب ~~الخلافة لما ثبت بيت المال في ضمنه وهو مالية العبد فلذلك لم يملك إبطاله ~~بخلاف الموصي له. # فإن المال ثمة أصل وعند ms910 ثبوت الخلافة المال موجود ولم يتعلق حق الموصى له ~~بالمال قبل الموت فيملك الموصي إبطاله بخلاف ما نحن فيه؛ لأن إثبات الخلافة ~~في الحرية على وجه التعليق بأمر كائن لا محالة، وهو مما لا يحتمل الإبطال، ~~فلذلك لم يملك إبطال التدبير بعد إثباته نصا، فلذلك وقع التدبير لازما دون ~~الإيصاء بالمال للموصى له، (فينظر من بعد) أي بعد ثبوت سبب الخلافة. # (منع الاعتراض عليه من المولى) أي منع ذلك الحق اللازم الاعتراض الصادر ~~من المولى من التصرفات المبطلة لذلك الحق اللازم كالبيع والهبة وغيرهما ~~عليه أي على ذلك الحق اللازم، (للزومه في نفسه) وهو الإعتاق فإنه لا يقبل ~~الفسخ، و (للزومه) في سببه وهو تعليقه بأمر كائن لا محالة، ونفس التعليق ~~أمر لازم فكيف إذا كان معلقا بأمر كائن لا محالة، وإنما قيد بقوله: (وهو ~~معنى التعليق)؛ لأن بهذا أعني التدبير، وهو قوله: أنت مدبر PageV05P2301 # أو قد دبرتك ليس بتعليق حقيقة لعدم كلمة التعليق، وكذلك قوله: إذا مت ~~فأنت حر؛ لأن التعليق الحقيقي إنما يكون بالتعليق بأمر له خطر الوجود أي ~~التردد في الوجود لا أن يكون أمرا كائنا لا محالة، فلم يكن هو حقيقة ~~التعليق، لكن فيه معنى التعليق لتعلق عتقه بالموت فلذلك وقع لازما. # ثم ترك هاهنا الشق الآخر أي لكونه معروفا، وهو أن يقول: وإن كان الحق غير ~~لازم بأصله مثل الوصية للموصي له بثلث ماله فهو لا يمنع الاعتراض عليه من ~~المولى حتى صح بيع ما أوصى به وهبته والرجوع عنه. # (وصار ذلك كأم الولد) أي وصار المدبر كأم الولد. # (حق العتق لما بينا) من أن عتقها تعلق بالموت وهو كائن لا محالة، فصار ~~الاستيلاء سبب تعلق حق العتق في الحال كما في المدبر؛ لأن التقوم بالإحراز ~~يكون؛ لأن التقوم لا يكون بدون العصمة المقومة والعصمة المقومة بالإحراز تكون. # ألا ترى أن الصيد والحشيش لا قيمة لهما قبل الإحراز. # (والمتعة) منها (تابعة) ولهذا صح شراء أخته من الرضاع والأمة PageV05P2302 # المجوسية وشراء الأختين، (والمالية تابعة) لأن الفراش ms911 صار أصلا فيها ~~كالمنكوحة فصارت المالية تابعة، وإنما جعلت إحداهما تابعة للأخرى عند ~~اجتماعهما؛ لأنه لم يعهد في الشرع أن يكون الإحراز لهما مقصودا فكان ~~الإحراز للمالية معارضا للإحراز للفراش، وقد ثبت الإحراز للفراش هاهنا ~~فينتفي الإحراز للمالية ضرورة فجعلناه تبعا؛ لأن الإحراز لو كان ثابتا ~~للمالية لتعلقه به الحق المؤكد وهو حق الغريم، والوارث كالمدبر ولم يتعلق ~~بها حق قط، فعلم أن المالية فيها تبع لا أصل. # (فصار الإحراز عدما في حق المالية) أي بمقابلة الإحراز للمتعة. # (فتعدى الحكم الأول) وهو حق العتق أي على وجه اللزوم لوجود معناه وهو ~~تعلقه بما هو كائن لا محالة. # (دون الثاني) وهو سقوط التقوم أي لم يسقط تقوم المدبر لعدم معناه وهو ~~ذهاب الإحراز للمالية. # وقوله: (ولهذا قلنا) يتعلق بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» ~~فكان هذا معطوفا على قوله: «ولهذا وجبت المواريث» أي ولأجل ما قلنا إن الذي ~~شرع للميت يبقى بعد موته لحاجته: قلنا إن المرأة تغسل زوجها. PageV05P2303 # (وقد بطلت أهلية المملوكية) لأن الشيء المملوك لا يبقى مملوكا بعد هلاكه، ~~ولأن ما يبقى للإنسان بعد موته هو شيء يقضي به حاجته وبقاء المملوكية ليس ~~مما تقضي به حاجة الميت فأجرى على حقيقته من البطلان. # (ألا ترى أنه لا عدة عليه بعدها) حتى يحل للزوج تزوج أختها وأربع PageV05P2304 # سواها بعد موتها من غير تراخ. # فعلم أنه لم تبق الوصلة بينهما أصلا. # (ألا ترى أنه مؤكد بالحجة) وهي الشهود (والمال) وهو المهر (والمحرمية) ~~وهي إثبات حرمة المصاهرة. # (الدرك): والدرك -بفتحتين وسكون الراء- اسم للإدراك، (وقد وجب عند انقضاء ~~الحياة) أي حياة المقتول، وعند انقضاء الحياة لا يجب للميت شيء سوى ما يضطر ~~إليه لحاجة تكون له بعد الموت؛ لأن الأصل أن لا يجب له شيء لبطلان الأهلية ~~والمالكية. # فالشيء إنما يثبت له بعد الموت بخلاف القياس باعتبار الضرورة ولا ضرورة ~~في إبقاء القصاص له؛ لأنه شرع لدرك الثأر ولا ثأر له بعد الموت؛ لأن الثأر ~~إنما ينشأ من النفس الحيوانية الداعية ms912 إلى الانتقام وإلى إطفاء نار الحمية ~~الملتتهبة بالاضطرام، فلذلك قيل: يجب القصاص للأولياء من وجه؛ PageV05P2305 # لأنهم كانوا ينتفعون بحياته ويجب للمقتول من وجه؛ لأن انتفاعه بحياته ~~أكثر من انتفاع أوليائه به، فلذلك صح العفو منه ومن أوليائه. # وقوله: (ولهذا صح عفو الوارث عن القصاص) استدلال من المصنف -رحمه الله- ~~على أن ثبوت ولاية استيفاء القصاص للورثة لم يكن بطريق الوراثة لهم من ~~المورث بل بطريق الأصالة ابتداء؛ لأنه لو لم يكن القصاص حقهم ابتداء لما صح ~~منهم العفو عنه حال حياة مورثهم، كما لا يصح إبراؤهم غريم المورث عن الدين ~~حال حياة مورثهم. # (لكن القصاص واحد) جواب إشكال وهو أن يقال: لما كانت شرعيته لدراك الثأر ~~وأن يسلم حياة الأولياء وذلك يحصل للجميع، فينبغي أن لا يصح استيفاؤه إلا ~~بحضور الكل، فقال في جوابه: (أنه جزاء قتل واحد وكل واحد من الأولياء كأنه ~~يملكه وحده) كثبوت ولاية الإنكاح للإخوة. PageV05P2306 # (إذا كان سائرهم صغارا)؛ لأن احتمال العفو منهم في الحال معدوم. # (ورجحان جهة وجوده) أي وجود العفو، وإنما قال هذا؛ لأن مجرد الاحتمال غير معتبر. # (ثم حضر الغائب كلف إعادة البينة) فلو كان بطريق الإرث لما كلف إعادة ~~البينة؛ لأن أحد الورثة ينتصب خصما عن الباقين فيما كان لهم بطريق الإرث ~~كما في المال. # (وإذا انقلب القصاص مالا) لشبهة وقعت أو كان القاتل أبا أو عفا أحد ~~الأولياء صار موروثا فحينئذ يقدم فيه ما كان الميت إليه أشد احتياجاا من ~~قضاء ديونه وتنفيذ وصايا وارثه. # فإن قيل: الأصل هو القصاص وهو ليس بموروث فكيف يكون خلفه وهو المال ~~موروثا، والأصل إن السبب الموجب للأصل هو السبب الموجب PageV05P2307 # للخلف، فلما لم ينعقد القتل العمد وهو السبب الموجب للقصا موجبا للإرث ~~فيكف ينعقد موجبا لإرث في خلفه وهو المال؟ # قلنا: الموت سبب الخلافة في الإرث، والإرث إنما لم يثبت في القصاص لضرورة ~~أن شرعيته لدرك الثأر وهو مما لا يحتاج إليه الميت، فإذا انقلب القصصا مالا ~~ارتفعت الضرورة، وسبب الخلافة في المال بطريق الإرث ms913 وهو الموت ثابت فيثبت الإرث. # فإن قلت: لما لم يوجب القتل العمد الإرث في المال في ابتداء وجوده لم ~~يوجب بعد ذلك؛ لأن ذلك حالة البقاء كالزنا الموجود في دار الحرب واستحداث ~~الملك في الجارية المنكوحة، حيث لم يوجبا حكمهما الذي هو الحد ووجوب ~~الاستبراء بعد زوال ما يمنعهما من ثبوت حكمهما وهو الخروج إلى دار الإسلام ~~في الزنا وفرقة الزوج في الجارية المنكوحة؛ لأنهما لما لو يوجبا ذينك ~~الحكمين في ابتداء وجود السبب لم يوجبا بعد ذلك؛ لأن السبب لم ينعقد موجبا ~~لذلك الحكم حال ابتداء وجوده فلا ينقلب موجبا بعد ذلك. # قلت: ليست هاتان الصورتان زوان ما نحن فيه؛ لأن الزنا الموجود في دار ~~الحرب واستحداث ملك الجارية المنكوحة لم يوجبا حكما من الأحكام في ابتداء ~~وجودهما لانعدام شرطهما حتى ينقلب ذلك الحكم إلى حكم آخر عند PageV05P2308 # وجود شرطه فلغا السبب عن إثبات حكمه لعدم شرطه ابتداء وبقاء لذلك بخلاف ~~ما نحن فيه. # فإن القتل العمد أوجب حكمه الأصلي وهو القصاص وحق القصاص شيء يصلح أن ~~يكون سببا لوجوب المال بدليل صحة صلح القصاص على المال، ولما انقلب القصاص ~~مالا صار كأنه هو الواجب الأصلي فيه فيتعلق حق الميت به، كما لو كان الموت ~~موجبا لإرث المال ابتداء؛ لأن الخلف إنما يثبت بالسبب الذي يجب به الأصل ~~والسبب وجد في ذلك الوقت فيستند وجوب الخلف إلى ذلك الوقت أيضا فكان ~~موروثا. # (ألا ترى أن حق الموصى له لا يتعلق بالقود) هذا لإيضاح أن الدية تجب من ~~الأصل ويصير موروثا من الأصل؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لما تعلق بها حق الموصى ~~له كما في القصاص. # (فاعتبر بسهام الورثة في الخلف) يعني يأخذ كل واحد منهم بقدر حقه؛ لأنه ~~متجز بخلاف القصاص؛ لأن لكل واحد منهم أن يستوفى كله لاختلاف حالهما وهو أن ~~القصاص غير منتجز وسهام الورثة متجزية. # (وفارق الخلف الأصل لاختلاف حالهما) يعني أن حال الأصل وهو القصاص لا ~~يصلح لحاجة الميت؛ لأن الغرض منه درك الثأر ms914 وهو قد عدم في حقه، وحال الخلف ~~وهو الدية يصلح لحاجة الميت فكان الخلف مفارقا لأصله PageV05P2309 # في الحكم المتعلق بكل واحد منهما كما في التيمم مع الوضوء، حيث اشترطت ~~النية في التيمم دون الوضوء؛ لأن الماء مطهر للشيء طبعا وشرعا فلا يحتاج ~~إلى النية التي تجعله مطهرا بخلاف التراب فإنه غير مطهر في أصله فاحتاج إلى ~~النية التي تجعله مطهرا شرعا. # (ولهذا وجب القصاص للزوج والزوجة) أي ولأجل أن القصاص وجب للورثة ابتداء ~~وجب للزوج والزوجة؛ لأنهما من الورثة، (ولهذا وجب بالزوجية نصيب في الدية) ~~أي ولأجل أن الزوجية تصلح سببا للخلافة فكان هو استدلالا على أن الزوجية ~~تصلح سببا للخلافة. # (ألا ترى أن للزوجية مزية تصرف في الملك) أي أن لكل واحد من الزوجين ~~زيادة تصرف في مال الآخر وزيادة بسوطة وانتفاع بمال الآخر PageV05P2310 # بالنسبة إلى تصرف الأقرباء في مال القريب الآخر، وعن هذا لم تصح شهادة ~~أحدهما للآخر بخلاف شهادة الأخ لأخيه، فلما كان كذلك كان للقريب نصيب في ~~الدية فأولى أن يكون لأحد الزوجية في دية الآخر نصيب، وعن هذا قال فصار ~~كالنسب. # وقوله: (وما يجب له وما يجب عليه مما اكتسبه) هذا في حق (السبب وما يلقاه ~~من ثواب وكرامة أو عقاب وملامة) هذان في حق الحكم أي بقاء ما يجب له من ~~المظالم بأن ظلم عليه غيره أو ما يثبت له من الملك بعد موته بسبب باشره في ~~حياته، كما إذا رمى صيدا فأصاب السهم الصيد بعد ما مات الرامي فإن الصيد ~~يكون له ويصرف في حوائجه كما في سائر أمواله، وكذلك لو نصب شبكة فتعلق به ~~صيد يكون له أيضا، وكذلك قوله: «وما يجب عليه» أي بقاء ما يجب عليه، كما ~~إذا حفر بئرا في قارعة الطريق فوقع فيها إنسان أو حيوان بعد موت الحافر هو ~~عليه يؤخذ بضمانه من تركته. # (كالرحم للماء) من حيث إنه وضع فيه إلى زمان ثم يخرج منه. # (في هذا المنزل) وهو القبر (الابتلاء في الابتداء) أي بعد ما ms915 صار بالغا PageV05P2311 # في الدنيا حال حياته، فعلى هذا كان قوله: «الابتلاء» فاعل يمضي، وفي بعض ~~النسخ للابتلاء في الابتداء، وهو سؤال المنكر والنكير في القبر وهو ابتلاء، ~~وهو آخر ابتلاء في حق الميت في الدنيا، ثم السؤال في حق البالغ ظاهر لورود ~~الآثار المتتابعة فيه. # وأما إذا مات الصبي فإنه يسأل ولكن يلقنه الملك، وقال بعضهم: لا يلقنه ~~الملك ولكن يلهمه الله تعالى بفضله حتى يجيب كما ألهم عيسى عليه السلام ~~بالجواب في المهد حتى قال: الآية (قال إني عبد الله آتاني الكتاب) ~~[مريم:30]، وبهذا نأخذ. كذا ذكره الإمام الزوندويستى في «الروضة». PageV05P2312 # باب العوارض المكتسبة # (أما التي من جهته فالجهل)؛ لأن الله تعالى أعطاه أسبابا بها يزيل الجهل ~~عن نفسه، فلما لم يشتغل بتلك الأسببا واشتغل بضدها جعل كأن الجهل حصل منه ~~بخلاف الرق؛ لأنه جزاء استنكافه، وجزاء فعله لا يكون منه؛ لأن الإنسان لا ~~يجازي نفسه، وهذه المجازاة من الله تعالى في حق الكافر فكان سماويا، ولأنه ~~لا يلزم من الكفر الرق كأهل الذمة بل الرق يثبت بالاستيلاء عليه وهو ليس ~~باختياره، ولأنه بعد ما ثبت لا يتمكن من إزالته بخلاف الجهل. PageV05P2313 ### || AUTO [الجهل] # (والجحود) إنكار (بعد وضوح الدليل) وثبوت العلم، قال الله تعالى: (وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم) [النمل:14]. # وقوله: «بعد وضوح الدليل» أي على حدوث العالم، فإنه لما شاهد حوث العالم ~~وجب عليه أن يعتقد بأن له محدثا أحدثه؛ لأن الحادث هو ما كان مسبوق العدم، ~~والعالم موجود مشاهد والعدم لا يوجد نفسه، فلا بد له من موجد يخرجه من ~~العدم إلى الوجود وهو المحدث، والإنكار لوجود المحدث وصفاته التي هي لازمة ~~الإحداث من الحياة والعلم والقدرة بعد ذلك إنكار بعد وضوح الديل، (فإنها ~~تصلح دافعة للتعرض) كاستصحاب الحال. # يعني لو أراد واحد التعرض لإتلاف خمره يدفعه الكافر بديانته أي باعتقاده ~~بأن الخمر كانت حلالا متقومة في الأصل، فيبقى كذلك وصف الحل والتقوم، ونحن ~~أمرنا بأن نتركهم وما يدينون. PageV05P2314 # (في الأحكام التي تحتمل التغير) مثل حرمة الخمر وحرمة ms916 نكاح الأخت فإن هذه ~~الأحكام تحتمل التغير. # ألا ترى أن نكاح الأخت كان صحيحا في عهد آدم عليه السلام، والخمر كانت ~~مباحة في ابتداء الإسلام، فيصلح أن تكون ديانة الكافر في مثل هذه الأحكام ~~دافعة للدليل الموجب للحرمة. # (الاستدراج): اندلت اندك نزديك كردانيدن خداي تعالى بنده بخشم وعقوبت خود. # (والمكر): هو الأخذ على الغرة، (وتمهيدا لعقاب الآخرة) يعني أن قصور ~~الخطاب عنهم وإن لم يكونوا مخاطبين بأداء العبادات لم يكن للتخفيف عليهم بل ~~للتغليظ وهو تمهيد عقاب الآخرة بسبب ذلك القصور وترك الخطاب بأداء ~~العبادات. # وهذا لأن الخطاب بأداء العبادات إنما يكون ليسعى المرء بأدائها في فكاك ~~نفسه. قال النبي عليه السلام: «الناس غاديان بائع نفسه فموبقها»، يعني PageV05P2315 # يترك الائتمار بالأوامر، والقول بأن الكافر ليس بأهل للسعي في فكاك نفسه ~~ما لم يؤمن لا يكون تخفيفا عليه، بل هو نظير أداء بدل الكتابة لما كان ~~ليتوصل به المكاتب إلى فكاك نفسه، فإسقاط المولى هذه المطالبة عند عجزه ~~بالرد في الرق لا يكون تخفيفا عليه، فإن ما يبقى فيه من ذل الرق فوق ضرر ~~المطالبة بالأداء. # ونظيره أيضا من الحسيات أن مطالبة الطبيب المريض بشرب الدواء المر إذا ~~كان يرجو له الشفاء يكون نظرا له من الطبيب لا إضرارا به، فإذا أيس من ~~شفائه وترك مطالبته بشرب الدواء لا يكون ذلك تخفيفا عليه بل إخبارا له بما ~~هو أشد عليه من ضرر شرب الدواء المر وهو ما يذوق من كأس الحمام، فكذلك ~~هاهنا قولنا: إن الكفار لا يخاطبون بأداء الشر ائع لا يتضمن معنى التخفيف ~~عليهم بل يكون فيه بيان عظم الوزر والعقوبة. كذا قاله الإمام شمس الأئمة ~~رحمه الله. # («وجنة الكافر») من حيث إنه لا خطاب في الجنة بل فيها ما تشتهي الأنفس. # (فأما في حكم لا يحتمل التبدل) مثل تدينهم بعبادة الصنم عصمنا الله PageV05P2316 # تعالى عن ذلك لا يعطي له حكم الصحة ولا يكون ذلك دافعا لدليل الشرع. # (ويبتنى على هذا) أي على أن ديانتهم صارت دافعة. # (وما أشبه ms917 ذلك) مثل جواز جعل الخمر أجرة في الإجارات ومهرا في النكاح ~~ودفعهم إياها في الضمانات. # (قضى بها عنده) أي قضي بهذه الأحكام عند أبي حنيفة رضي الله عنه. # (لا تصلح حجة متعدية) أي ملزمة؛ (لأن ديانتها لا تصلح حجة على الأخرى) ~~فلما لم تكن ديانتها حجة في حق من هو على ديانتها فلأن لا تكون حجة على من ~~اعتقد خلاف دينها بالطريق الأولى. # (وجب أن لا تجعل حجة متعدية) يعني وجب أن لا تجعل ديانتهم حجة ملزمة على ~~المسلمين في هذه الأحكام الثلاثة وينبغي أن لا يجب الحد PageV05P2317 # على القاذف ولا تستحق القضاء بالنفقة ولا يجب الضمان على متلف خمرهم. # (قلنا عنه: هذا تناقض؛ لأنا نجعل الديانة معتبرة) إلى آخره بيان التناقض ~~أنك ساعتدتنا على أن ديانتهم معتبرة في حق الدفع، وما قلت من النقض يؤدي ~~إلى التناقض؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تكون ديانتهم معتبرة أصلا فحينئذ يكون ~~ذلك قولا باعتبار الديانة وعدم اعتبار الديانة، وهذا هو التناقض. # فقوله: «هذا تناقض لأنا نجعل الديانة معتبرة» إلى آخره. جواب تام؛ لأن ~~السائل يحترز عن التناقض وعند ظهور ما يوجب تناقضا في سؤاله يمتنع عن مثل ~~ذلك السؤال، والمقصود من الجواب هو أن يظهر من المجيب الجواب ما ينقطع به ~~سؤال السائل؛ لأن الجواب مأخوذ من جاب الفلاة أي قطعها؛ وذكر في غصب ~~«المبسوط»، ثم وجوب الضمان بالإتلاف لا يكون المحل مالا متقوما ولكن شرط ~~سقوط الضمان بالإتلاف انعدام المالية وانعدام التقوم في PageV05P2318 # المحل، وهذا الشرط لم يثبت في حقهم مع أنا ضمنا بعدق الذمة حفظها ~~وحمايتها لهم، والعصمة تتم بهذا الحفظ، ووجوب الضمان بالإتلاف يبتنى على ~~ذلك، فكان هذا من ضرورة ما ضمناه بعقد الذمة. # ألا ترى أن في الذي لم يضمن بعقد الذمة بقي على ما هو مقتضي الشرع كما في ~~عقود الربا، حيث يتعرض لهم في إبطال عقود الربا بينهم؛ لأنا لم نضمن ترك ~~التعرض لهم في ذلك مع قول الرسول عليه السلام: «ألا من أربى فليس بننا ms918 ~~وبينه عهد»، وهذا لآن ذلك فسق منه في الاعتقاد ولا ديانة، وقد ثبت بالنص ~~حرمة الربا في اعتقادهم، قال الله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) ~~[النساء:161] ولم نعمل فيه بما يدعون من اعتقادهم بحل الربا. # (لأنا نأخذ نصف العشر من خمور أهل الذمة والعشر من خمور أهل الحرب) كما ~~نأخذ من سائر أموالهم كالحنطة والشعير، فجعلنا خمورهم من الأموال المتقومة ~~بناء على اعتقادهم أنها من الأموال المتقومة وجريان عقد الذمة بهم على ذلك. # (وهذه غير متعدية) أي وهذه الديانة التي يدينون بها بأنها من الأموال PageV05P2319 # المتقومة نأخذ العشر باعتبارها لا باعتبار أن حجتهم متعدية أي ملزمة ~~علينا بالإجماع، فكذا فيما وراء هذا مما قلنا من المسائل، بل أجريناها على ~~موجب اعتقادهم. # (بل هي حجة عليهم) يعني أن ديانتهم تصير حجة عليهم ونأخذ العشر باعتبار ~~ديانتهم أنها من الأموال المتقومة؛ لأن العشر إنما يؤخذ من الأموال ~~المتقومة إلا أنه لا يؤخذ أي العشر من الخنزير. # هذا جواب لإشكال وهو أن يقال: لو كان أخذ العشر باعتبار ديانتهم وديانتهم ~~موجودة في حق الخنزير أيضا فلم لا يؤخذ العشر منه؟ # (وحقيقة الجواب: أنا لا نجعل الديانة متعدية) يعني ما قلنا إنه تناقض كان ~~ذلك لدفع سؤالهم. # فأما ما هو حقيقة الجواب فهو إنا لا نعتبر ديانتهم متعدية في جميع ما ~~ذكرنا من المسائل، بل كل ذلك بناء على أمر آخر وهو أنا نعتبر ديانتهم في حق الدفع. # (لم يثبت بالديانة إلا دفع الإلزام بالدليل) أي دفع إلزامان إياهم ~~بالدليل الثابت لنا من الكتاب والسنة، أي أنههم يدفعون بديانتهم بأن الخمر ~~متقومة ما PageV05P2320 # نلزمهم بالدليل عدم بقاء تقومها، يعني أن الخرم في الأصل كانت متقومة ثم ~~النص ابطل تقومها فكانت ديانتهم دافعة لذلك الإلزام لا مثبته للتقوم للخمر، ~~لأن الضمان لا يجب بتقوم المتلف لكن بإتلاف المتلف، وحقيقته أنه لا شك أن ~~الضمان مضاف على سببه وسببه الإتلاف لا تقوم المحل بل هو شرطه، ولهذا يقال: ~~ضمان الإتلاف وضمان الجناية لا ضمان التقوم، ms919 وهذا لأن الإتلاف فعل قائم ~~بالمتلف والتقوم راجع على المحل والمحال شروط فلا يجوز أن يكون وصف المحل ~~الذي هو شرط داخلا في حكم السبب الذي هو الإتلاف مع صلاحية الإتلاف ~~للسببية. # وقد وجد السبب وهو الإتلاف من المسلم فكان الضمان مضافا إلى الإتلاف ~~لذلك، ولكن المسلم ادعى عدم الشرط وهو التقوم بدليله، والكافر يدفع هذه ~~الدعوى الصادرة من المسلم بديانته ف بقيت متقومة على زعمه فوجب الضمان ~~لجريان عقد الذمة على اعتبار دفعه بديانته. # ولو لم يكن الضمان مضافا إلى الإتلاف بل إلى التقوم كانت الديانة متعدية ~~حينئذ، لأن التقوم ساقط عند المسلمين والسب غير موجود في حق المسلمين وهو ~~التقوم، ومع ذلك وجب الضمان كان ذلك حينئذ ثابتا بإلزام الكافر على المسلم، ~~لأن تقومه بناء على اعتقاده فصار حجة على المسلم وذلك منتف. PageV05P2321 # (وإنما العلة هي القذف) فلا يكون الحد مضافا إلى الإحصان ليكون ثبوته ~~باعتقادهم بل هو مضاف إلى القذف وأنه وجد من المسلم. # (وأما النفقة فإنما شرعت بطريقة الدفع)، يعنى أينما شرعت كان لدفع الهلاك ~~عن المنفق عليه، ودفع الهلاك لا يعد إلزاما فلا يكون وجوب النفقة في نكاح ~~المحارم باعتبار أن ديانتهما كانت متعدية، بل باعتبار دفع الهلاك فإنها لما ~~كانت محبوسة له تجب نفقتها عليه دفعا لهلاكها. # (كما يحل دفعه إذا قصد قتله) أي إذا قصد الأب قتل ابنه يحل ل لأبن أن ~~يدفع أباه عن نفسه وأن كان لا يحصل ذلك الدفع إلا بالقتل دفعا للهلاك عن نفسه. # فعلم أن وجوب النفقة لدفع الهلاك لا باعتبار أن ديانة الكفار متعدية. ~~(ولا يحبسن بدينه جزاء كما لا يقتل قصاصا)، أي لا يحبس الأب بدين الابن إذا ~~مطلب بطريق جزاء ظلمه على الابن، لأنه لو حبس فيه كان هو جزاء الظلم ابتداء ~~لا دفعا لضرر الهلاك عن الابن كما لا يقتل لذلك قصاصا للابن، لأنه لو اقتص ~~للابن كان هو مجازاة على الأب للابن ولا يجازي والد لولده. PageV05P2322 # ولكن يستحق الوالد الحبس والقتل بطريق دفع ms920 الهلاك عن الابن كما حبس بسبب ~~نفقة الآبن وقتل أيضا بسبب دفع الهلاك عن الابن على ما ذكر. # فعلم أن وجوب نفقة المرأة المحبوسة على زوجها الذي هو محرم لها كان لدفع ~~الهلاك عنها لا لأن يكون ديانتهما بوجوب النفقة على زوجها المحرم ملزمة على ~~القاضي بإيجاب النفقة على زوجها المحرم. # (بخلاف الميراث) وهو ما ذكر من المسألة المجمع عليها، وهي قوله: "ألا ترى ~~أن لمجوسي إذا تزوج ابنته" إلى آخره فإنه لو وجب الإرث ب النكاح كانت ديانة ~~المنكوحة ملزمة على الأخرى زيادة الميراث. # فإن قيل: بأن أختها تدين بهذا أيضا فكانت زيادة الميراث بناء على ~~ديانتهما. # قلنا: لما ترافعتا إلى القاضي وخاصمتا في زيادة الميراث دل ذلك على أن ~~أختها التي هي غير منكوحة لم تلتزم ذلك، ولأن نكاح المحارم ثبت في شريعة ~~آدم ع ليه السلام ولم يثبت كونه سببا للميراث في دينه فلا يثبت ذلك ~~باعتقادهم وديانتهم، لنه لا عبرة لديانتهم في جواز حكم أو فساده إذا لم ~~تقترن ديانتهم بشريعة ثابتة من الشرائع قطعا. # (وإذا لم يفسخ بمرافعة أحدهما) فيما ذكر من المسائل (فقد جعلنا PageV05P2323 # الديانة دافعة)، لأنها تدفع مرافعة الآخر. # (هذا جواب قد قيل) أي قد قيل في الفرق بين وجوب النفقة بهذا النكاح وبين ~~عدم وجوب الإرث بهذا النكاح. # (ولم تصح منازعته من بعد) أي لم تصح منازعة الزوج في عدم وجوب نفقه ~~امرأته التي هي أخته بعد اعتقاده بصحة نكاح أخته، لأنه يكون مناقضا ولا ~~يسمع قول المناقض. # فإن قلت: ما الفرق الظاهر بين الجوابين؟ # قالت: في الجواب الأول كان الفرق بين وجوب النفقة بذلك النكاح على الزوج ~~وعدم ثبوت الميراث بذلك النكاح يدور على ضرورة ديانتهم دافعة للهلاك وعلى ~~صيرورة ديانتهم دافعة موجبة، لأن المرأة لما كانت محبوسة للزوج كان وجوب ~~النفقة على الزوج باعتبار دفع الهلاك عن المرأة لا أن يكون ديانة الزوجين ~~بصحة النكاح ملزمة على القاضي بالحكم بإيجاب النفقة على الزوج بهذا النكاح ~~ودفع ال هلاك لا يرد ms921 في الميراث. # ثم لو حكم القاضي بزيادة إرث البنت المنكوحة على الأخرى كانت ديانة ~~الكافرة التي هي منكوحة أبيها ملزمة على القاضي بأن يحكم بصحة نكاحها، ~~وليست ديانة الكافر بملزمة على المسلم شيئا، وفي الجواب الثاني كان دور ~~الفرق بين وجوب النفقة بذلك النكاح وعدم ثبوت الميراث به على المناقضة وعدم ~~المناقضة، وذلك أن المحرمين لما تناكحا قد التزم الزوج النفقة على PageV05P2324 # نفسه باعتبار أن في ديانته أن النكاح بينهما صحيح، ثم لو أراد أن لا ينفق ~~عليها بسبب أن النكاح بينهما غير صحيح مع بقائه على كفره كان مناقضا في ~~ديانته فلا تسقط النفقة عنه إلا بإسقاط صاحب الحق، فلذلك لم تصح منازعته ~~للتناقض بخلاف منازعة البنت الأخرى في حق الميراث، فإنها لما نازعت أختها ~~في استحقاق زيادة الإرث بالزوجية حيث تصح تلك المنازعة منها، لأنها ما ~~أقدمت على النكاح فتكون منازعتها دليلا عن عدم التزام هذه الديانة، وهو ~~معنى قوله: (بخلاف منازعة من ليس في نكاحهما، لأنها لم تلتزم هذه الديانة). # أقصى ما في الباب أن عندها أيضا أن نكاح المحارم صحيح في ديانتها لكن ~~ديانة الكفرة إنما تعتبر إذا كانت مبنية على شرع سماوي في الجملة، وقد ~~ذكرنا أن نكاح المحارم كان في شريعة آدم عليه السلام، لكن لم يثبت الإرث في ~~ذلك النكاح لم يعتبر. # وقوله: (فأما القاضي) إلى آخره جواب سؤال، وهو أن ديانة البنت المنكوحة ~~لم تلزم على البنت الأخرى التي ليست هي في نكاح أبيها، لأنها ليست بداخلة ~~في نكاحهما فلا تكون ملتزمة ديانتهما بأن نكاح المحارم يوجب الإرث، فودر ~~على هذا الجواب لزوم القضاء على القاضي بوجوب النفقة على زوجها الذي هو ~~أبوها فكانت ديانتهما ملزمة على القاضي بوجوب النفقة PageV05P2325 # على زوجها مع أن القاضي أيضا ليس في نكاحهما. # فقال في جوابه: ليس لزوم القضاء على القاضي بوجوب النفقة باعتبار أن ~~ديانتهما صارت ملزمة على القاضي بل باعتبار تقلد القضاء على العموم بأن ~~يقضي في قضايا المسلمين والكافرين لا باعتبار أن ديانتهم ms922 ألزمت القاضي ~~القضاء بوجوب النفقة في نكاح المحارم على الزوج. # وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة- رضي الله عنه- ولو تزوج- أي ~~الذمي- مجوسية صح النكاح بالاتفاق، والمجوسية محرمة النكاح بخطاب الشرع ~~كذوات المحارم، وإنما حكمنا بجوازه، لأن الخطاب في حقهم كأنه غير نازل ~~فإنهم يكذبون المبلغ ويزعمون أنه لم يكن رسولا، وقد انقطعت ولاية الإلزام ~~بالسيف وبالمحاجة لمكان عقد الذمة فصار حكم الخطاب قاصرا عنهم، وشيوع ~~الخطاب إنما يعتبر في حق من يعتقد كون المبلغ ر سولا، فإذا ثبت حكم صحة ~~النكاح كالنفقة وبقاء الإحصان. # فأما الميراث ف ليس من ضرورة صحة النكاح فقد يمتنع التوارث بأسباب كالرق ~~واختلاف الدين. PageV05P2326 # (وأما أبو يوسف ومحمد رحمهما الله- فكذلك قالا أيضا) يعني قالا كما قال ~~أبو حنيفة- رضي الله عنه- بأن ديانتهم تصلح دافعة لا ملزمة، لكنهما خالفا ~~في بعض الأحكام بناء على اختلاف التخريج لا في اختلاف أن ديانتهم تصلح ~~دافعة لا ملزمة، ثم ذكر وجه تخريجهما بقوله: (إلا أنهما قالا: إن تقوم ~~الخمر) إلى آخره. # (فإذا قصر الدليل بالديانة) أي قصر دليلنا على التحريم عن إلزامهم بسبب ~~اعتقادهم على حل الخمر والخنزير (بقي على الأمر الأول)، وهو الحل الأصلي، ~~فلذلك لم يجب الحد عليهم إذا شربوا الخمر وصحت بياعاتهم وأشريتهم فيها. # (فأما نكاح المحارم فلم يكن أصليا) بل كان أمرا ضروريا والثابت بالضرورة ~~يتقدم بقدر الضرورة. # (وإذا كان كذلك) أي وإذا كان نكاح المحارم لم يكن أصليا لم يجوز ~~استبقاءه. أي استبقاء حل نكاح المحارم (بقصر الدليل) أي قصر دليلنا على PageV05P2327 # تحريم نكاح المحارم لمعارضة ديانتهم بحله لم يبق حراما على الإطلاق على ~~زعمهم، فلذلك لم يحد قاذفه، لأنه صادق في مقالته من وجه، ولئن سلمنا أن ~~النكاح صحيح بينهما إلا أن دليل البطلان، وهو قوله تعالى: (حرمت عليكم ~~أمهاتكم) الآية كان شبهة في درء الحد عن قاذفه. # (والقضاء بالنفقة على الطريق الأول باطل) يعني لو طلبت المرأة التي هي ~~أخته من زوجها الذي هو أخوها بسبب النكاح عند قاضي المسلمين لا يقضي القاضي ~~بالنفقة ms923 بالنكاح، لأن النكاح باطل لما بينا أن حل نكاح المحارم كان أمرا ~~ضروريا فيما كان حلالا ولم يبق ذلك حلالا أصلا بعد انتساخه فلم تجب النفقة ~~بسبب النكاح الباطل كما لا تجب النفقة بسبب النكاح الفاسد في حق المسلمين. # (وأما على هذا الطريق) وهو قوله: "ولأن حد القذف من جنس ما يدرء ~~بالشبهات" فإن هذا الدليل يقتضي أن تكون لها النفقة، حيث سلم لصحة النكاح ~~بينهما. بدليل قوله: "فلابد من أن يصير قيام دليل التحريم شبهة" فأسقطا ~~الحد لمكان الشبهة والنفقة مما لا يسقط بالشبهات غير أنها لا تجب، PageV05P2328 # لأنها من قبيل الصلات المبتدأة كالميراث. # ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه- جعل لنكاحهم حكم الصحة في حقهم، ومع ~~ذلك لم يجب الميراث بسبب هذا النكاح بالاتفاق لكونه من الصلات المبتدأه، ~~فكذلك النفقة عند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لا تجب لهذا المعنى. # ودليل كونها صلة مبتدأه ما ذكر في الكتاب بقوله: (حتى أنه لم يشترط لها ~~حاجة المستحق) يعني أن نفقة المرأة تجب على زوجها وإن كانت غنية ولم يكن ~~وجوب النفقة على الزوج على ما ذكر أبو حنيفة- رضي الله عنه- لأنها وجبت ~~بطريق الدفع، لأن كل ما ثبت بطريق الدفع إنما تجب عند الحاجة ولا تجب عند ~~عدم الحاجة. # ألا ترى أن الأب إذا اشهر على ابنه السيف وقصد على قتله ولم يتمكن الابن ~~من دفعه إلا بقته يحل له قتله لحاجته إلى الدفع، وفي الجهاد إذا أدرك ~~المسلم أباه الحربي لا يحل له قتله بل يمسكه حتى يقتله غيره لاستغنائه عن ~~قتله بنفسه، فلو كان وجوب النفقة على الزوج بسبب دفع الهلاك عن المرأة لما ~~وجبت للمرأة الغنية لاستغنائها بمالها عن وقوع الهلاك. # ويحتمل أن يكون المراد من قوله: (أما على الطريق الأول) ما قال في تعليل ~~قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهو من قال: (وحقيقة الجواب - إلى أن PageV05P2329 # قال- وأما النفقة إنما شرعت بطريق الدفع) وقالا: لم تجب النفقة بطريق ~~الدفع بل وجوبها صلة مبتداه على ما قلنا، فلا تجب الصلة ms924 المبتدأه ب هذا ~~النكاح كالميراث، لأن هذا النكاح محكوم عليه بالبطلان. # وأما الطريق الثاني فهو قوله: (والجواب الصحيح عندي فإنها لما تناكحا فقد ~~دانا بصحته فأخذ الزوج بديانته) أيضا لكن لا تجب النفقة عندما، لأنها من ~~الصلات المبتدأه كالميراث، والأوجه هو ما ذكرنا من الاحتمال الأول المساعدة ~~لفظ الكتاب إياه، ولأن في الاحتمال الثاني صيرورة الطريقين واحد في المآل. # (والجواب لأبي حنيفة- رضي الله عنه-) أي عما قالا: بأن النفقة صلة مبتدأه ~~بدليل وجوبها عند غنى المرأة لا بطريق الدفع حيث قال: إن الحاجة الدائمة ~~بدوام الحبس لا يردها المال المقدر) يعنى أنها وإن كانت غنية تحتاج للنفقة ~~لدوام حبسها لحقه ومالها وإن كان كثيرا مقدرا فلا يرد حاجتها الدائمة، لأن ~~المال المقدر لا يبقى مع دوام الحبس، فكان وجوب النفقة بطريق الدفع بهذا ~~الطريق، وما كان وجوب النفقة لأحد بسبب أنه محبوس لحق الغير لا يعتبر فيه ~~الغني كالقاضي والعامل فإنه تجب النفقة لهما وإن كانا غنيين باعتبار الحاجة ~~الدائمة بدوام الحبس. PageV05P2330 # (فأما سائر الأحكام فلا تثبت) وهي ما بيناها من الحد لقاذفه وضمان متلفه ~~ووجوب النفقة على الزوج لأنا لو قلنا بثبوتها تكون ديانتهم ملزمة. # (والجواب عنه) أي عما قال الشافعي بأن سائر الأحكام لا تثبت، لأنه لو ثبت ~~يلزم تعدى ديانتهم إلينا ملزمة. # (فيكون في تحقيق العصمة بديانتهم حفظ عن التعرض) يعني لا يصير الأموال ~~والنفوس محفوظة عن أيدي المسلمين في حق أحكام الدنيا إلا بعد أن يجب الضمان ~~بإتلافهم فوجب الضمان لضرورة تحقيق العصمة. كذا في "منتخب التقويم". # (وقد بينا ما يبطل به مذهبه) حيث قلنا: إن الضمان لا يجب بتقوم المتلف ~~لكن بإتلاف المتلف، والمتلف مسلم فكان الضمان عليه بسبب إتلافه عند وجود ~~الشرط وهو تقوم المحل المتلف، وكذلك حد القذف يجب بالقذف لا بالإحصان فلا ~~تكون ديانتهم متعدية. # (ولا يلزم عليه استحلالهم الربا) أي لا يلزم على ما قلنا إن ديانتهم ~~معتبرة في حق الدفع استحلالهم الربا، فإن بيع الربا حرام عليهم أيضا وإن PageV05P2331 # كانوا ms925 يدينون بأنه حلال حيث قال "لم تعتبر ديانتهم فيه" (لأنهم نهوا عنه) ~~أي نهو عن أن يخونوا فيما ائتمنوا في كتبهم حيث ارتكبوا كان ذلك الاستحلال ~~والديانة منهم فسقا لا اعتقادا فكذلك الربا، لأنهم نهو عنه أيضا، قال الله ~~تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه). # (فجعل صاحب الهوى) وهو الذي يتبع هوى نفسه أي ما أحبته نفسه ولا يتبع ~~الدليل مثل القدرية والجبرية وغيرهما، فالقدرية وهي المعتزلة ينكرون صفات ~~الله تعالى ويقولون: لا علم لله تعالى ولا قدرة له، وكذا في سائر PageV05P2332 # الصفات، وهذا الجهل منهم لا يجعل عذرا لمخالفتهم بهذا الجهل للدليل ~~الواضح الذي لا شبهة فيه وهو استحالة اتصاف الذات بكونه عالما بدون العلم، ~~وقادرا بدون القدرة، وسمعيا بدون السمع، فإنهم يعترفون بكون الله تعالى ~~عالما وقادرا وسمعيا، وينكرون العلم والقدرة والسمع لله تعالى، وكذا في ~~سائر الصفات، إذ الأسامي المشتقة من المعاني يستحيل ثبوتها بدون تلك ~~المعاني، لأنها إثباتها بدون تلك المعاني لا يكون إلا لقبا أو هزؤا كصبي ~~سمي حين ولد عالما وأميرا، والله تعالى يتعالى عن أن تكون الصفات الثابتة ~~في القران ب قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة) وقوله: (وهو على كل شيء ~~قدير) وقوله: (وهو السمعي البصير) بطريق اللقب علو كبيرا. # وكذلك لا يعذر في (جهله بأحكام الآخرة) فيما اعتقد أن ص احب الكبيرة يخلد ~~في النار، واعتقاده باستحالة رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة من ورود ~~النص على خلاف اعتقاده، وكذلك اعتقاده في وجوب PageV05P2333 # الأصلح للعباد على الله تعالى، واعتقاد أن العباد خالقوا لأفعالهم ~~الاختيارية جعل باطل بلا شبهة لمخالفته الدليل الظاهر من السمعي والعقلي. # (فكان باطلا كالأول) أي وجهل صاحب الهوى وجهل الباغي كل واحد منهما كان ~~باطلا كالأول وهو جهل الكافر الذي ينكر وجود الصانع ووحدانيته، فهما ~~يتساويان في أن الجهل فيهما جميعا لا يصلح عذرا. # (إلا أنه متأول بالقرآن) في اعتقاده أي إلا أن صاحب الهوى ms926 والباغي كل ~~منهما متأول بالقرآن في اعتقاده ولم يحكم لذلك ب كفره، وإن كان ذلك التأويل ~~الذي صدر منه ليس بتأويل للقرآن في الحقيقة، فإن صاحب الهوى وهو المعتزلى ~~مثلا في نفى الصفة يتأول بقوله تعالى: (وإلهكم إله واحد) ولو قلنا بالصفة ~~والصفة غير الموصوف لا يبقى به التوحيد. # (والباغي) ي تأول قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده PageV05P2334 # يدخله نارا خالدا فيها) وغمام العدل لم يبق واجب الطاعة لكفره بوجود ~~المعصية منه، فبسبب هذا التأويل ي ظهر عليه البغي، وهذا فيما إذا لم يكن ~~غاليا في اعتقاده فكان من المسلمين، وهو معنى قوله: (ولكنه لما كان من ~~المسلمين). # وأما إذا غلا في هواه حتى كفر كما غلا بعض الروافض في محبة علي- رضي الله ~~عنه- وهو من اعتقادهم ذلك بريء حتى نسبوا جبريل عليه السلام وهو أمين الوحي ~~إلى الغلط، وهو معنى قوله: (أو ممن ينتحل الإسلام) أي يتخذ الإسلام نحلة أي ~~دينا وهو ليس بمسلم. # (وكذلك سائر الأحكام تلزمه) أي يلزم الباغي حكم ضمان ما أتلف من المال ~~والنفس، وكذلك يلزمه غير ذلك الحكم من الصلاة والزكاة وغيرهما من الأحكام ~~التي تلزم المسلم ب خلاف ما إذا صارت له منعة بحيث لا يؤخذ حينئذ بضمان ما ~~أتلف لتقوى تأويله الفاسد بالمنعة الظاهرة فكان ملحقا PageV05P2335 # بأهل الحرب في حق عدم وجوب الضمان لانقطاع ولاية إلزام أهل العدل. # (والتدفيف على جريحهم) يقال: دففت على الجريح تدفيفا إذا أسرعت قتله. قال ~~أبو عبيد: يروي بالدال والذال معا. كذا في الصحاح. PageV05P2336 # (لأن الإسلام جامع) أي جامع لنا وللباغي في دين واحد في الأصل فكان الدين ~~الأحد جامعا بين المورث والوارث ف لم يثبت اختلاف الدين الذي هو مانع من الإرث. # (والقتل حق) فكان كالقتل بحق القصاص فلم ي وجد القتل الذي هو مانع عن الإرث. # (في حكم الجهاد بناء على ديانتهم)، لأنهم قالوا: نحن على الحق وأنتم على ~~الباطل، فلزمنا مجاهدتكم وليس لنا ولاية الإلزام لقوتهم وشوكتهم فاعتبرت ~~ديانتهم لذلك، (لأن أصل الدار ms927 واحدة، وهي بحكم الديانة مختلفة فتثبت العصمة ~~من كل وجه، فلم يجب الضمان بالشك فلم يجب الملك بالشبهة ولم يجب الملك ~~بالشبهة) بيان هذا أن كل واحدة PageV05P2337 # من الطائفتين اعتقد على أن الأخرى على ال باطل وقد غلبت على دار الإسلام ~~وجعلتها دار الحرب ف لزمنا محارتها فلم يجب الضمان بالشك ولا يجب الملك ~~أيضا بالشك، وهذا لنه لو كانت الدار مختلفة من كل وجه لثبت الملك ~~بالاستيلاء ولم يجب الضمان، ولو كانت متحدة من كل وجه لم يثبت الملك ووجب ~~الضمان، فإذا كانت مختلفة من وجه متحدة من وجه ل م يثبت كل واحد من حكم ~~الاختلاف والاتحاد على الإطلاق بالشك فلذلك ل م يجب الضمان نظرا إلى ~~الاختلاف، ولم يثبت الملك نظرا إلى الاتحاد. # فإن قلت: لم لم يعكس حكما الاختلاف والاتحاد ولم يقل يثبت الملك نظرا إلى ~~الاختلاف ويجب الضمان نظرا إلى الاتحاد؟ # قلت: فيه ترك العمل بجانب الاتحاد من كل وجه، وذلك لأنه لما كان موجبا ~~للملك بالنظر على الاختلاف وهو الأقوى كان موجبا نفي الضمان بالطريق الأولي ~~وهو الأضعف، فكان فيه ترك العمل بجانب الاتحاد، لأن استياءهم لما كان مثبتا ~~أقوى الأمرين بأي شبه كان كان مثبتا لأضعفهما بالطريقة الأولي. # وقوله: (وكذلك جهل من خالف في اجتهاده الكتاب والسنة- إلى PageV05P2338 # قوله- لأنا أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإن قلت: ما وجه ~~المطابقة بين الدليل والمدلول والظاهر عدم المطابقة؟ # قلت: وجهها أن يقال ليس هذا الجهل عذرا، لأنا أمرنا بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، ومخالفة الكتاب والسنة منكر، فلزمنا النهي عنه فلا يكون ~~الارتكاب منهم على تلك المخالفة عذرا في الدنيا ولا ف ي الآخرة، كان هذا ~~التعليل ل بيان أن ما ذكرنا من قولنا: إن جهلهم ذلك ليس بعذر، لأنه جهل ~~باطل قول لا على طريق التشنيع بل على طريق الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. # (وعلي هذا يبتنى ما ينفذ فيه قضاء القاضي وما لا ينفذ) أي ما كان فيه ~~مخالفة الكتاب والسنة المشهورة لا ينفذ ms928 فيه قضاء القاضي، وما لا يكون كذلك ~~ينفذ ف يه قضاء القاضي. # (في موضع الاجتهاد الصحيح). يعني في موضع يسوغ فيه الاجتهاد PageV05P2339 # (لكن في موضع الشبهة) كوطء الابن جارية أبيه أو أمه. # (فالعصر فاسدة) يعني عندنا. # أما عند الشافعي فجائزة، (لأن هذا جهل على خلاف الإجماع) أي ظنه بأن ظهره ~~بدون الوضوء جائز وقع على خلاف الإجماع، لأن أحدا لم يقل بجواز الصلاة بدون ~~الوضوء ولا بخلفه، (وإن قضي الظهر) إلى آخره، فالمقصود هذه المسألة. # وأما الأولي فإنما ذكرها لترتيب هذه المسالة عليها، وقوله: (وعنده) أي ~~وعند المصلي. # (لأنه جهل في موضع الاجتهاد) أي بالدليل الذي ذكره الشافعي في عدم اشتراط ~~الترتيب، وبالقياس على ما إذا كان الوقت ضيقا أو الفوائت PageV05P2340 # كثيرة وعلى الصيام. # (لأن جهله حصل في موضع الاجتهاد)، لأن القصاص لا يسقط عند البعض ب عفو ~~أحدهما. # (وعلى ذلك التقدير لم تلزمه الكفارة) أي على تقدير ظنه أن الحجامة أفطرته ~~اعتمادا على ظاهرة ال حديث، أو على قول المفتى الذي أفتاه بقول الأوزاعي ~~يعين أكل عمدا بعد الاحتجام على ظن أو صمه فسد بالاحتجام، أو على ظن أن أكل ~~العمد ب عد الحجامة لا يوجب الكفارة يكون PageV05P2341 # جهله هذا عذرا فلا تجب الكفارة لم قلنا، أي لأنه جهل في موضع الاجتهاد في ~~حكم يسقط بالشبهة، لأن كفارة الفطر مما تسقط بالشبهة. # (فيصير الجهل في موضع الاشتباه شبهة في الحد) وإنما قيل إنه في موضع ~~الاشتباه فإن الأب إذا وطء جارية ابنه لا يلزمه الحد ف يشتبه على الولد أن ~~القرابة واحدة وهي قرابة الولاد فيظن الولد بسبب هذا الاشتباه أن الانتفاع ~~بما الأب يحل له كما للأب في ماله. # (وكذلك في جارية) امرأته لما أن المنافع بينهما متصلة فيظن حل PageV05P2342 # جاريتها تبعا لسيدتها كما في سائر الأموال (دون النسب والعدة) أي يؤثر ~~جهله ف ي سقوط الحد أما لا يؤثر في ثبوت النسب والعدة. # (بخلاف ما إذا زني)، لأن الزنا حرام في الأديان كلها فجهله لا يجعل عذرا ms929 ~~(على هذا الأصل الذي ذكرنا) وهو أن الجهل في موضع الاشتباه كان شبهة في درء ~~الحد، وإذا لم يكن في موضع الاشتباه والاجتهاد لا يجعل عذرا. # (لأنه غير مقصر) أي في طلب الدليل فكان جهله عذرا، لأنا لو ق لنا بأن ~~جهله لا يجعل عذرا كان ذلك تكليفا بالإتيان بشيء قبل السماع وهو تكاليف بما ~~ليس له ف ي وسعه، لأن الإنسان لا يمكنه الإتيان بالأمور به إلا بعد علمه ~~بالأمر بذلك الشيء، وغلى هذا أشار محمد- رحمه الله- في مسافر إذا كان في ~~رحله ما وهو لا يعلم به فيتيمم. # قال: يجوز تيممه لأن النسيان يعدم القدرة وكان الأمر بالوضوء مع PageV05P2343 # ذلك تكليفا بما ليس في الوسع ثم البلوغ بطريقين: بطريقة السماع صريحا، ~~وبطريقة الاستفاضة والشهرة. # أما السماع: فلا شبهة فيه. # وأما الاستفاضة: فإنها تقوم مقام السماع والبلوغ. # ألا ترى أن النبي عليه السلام سمي نفسه مبلغا إلى جميع الناس، ومعلوم أنه ~~ما بلغ إلى جميع الناس بنفسه بل حصل التبليغ منه تارة بالكتاب وتارة ~~بالرسول وتارة بالتبليغ ثم قال: "ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، ثم قال: اللهم ~~فاشهد"، والمعنى فيه أن الخطاب بعد الشهر صار ميسر الإصابة، فعدم الوصول ~~بعد ذلك كان بتقصير من جهته فلا يكون عذرا. PageV05P2344 # (وكذلك جهل الوكيل بالوكالة) يعني أن الوكيل لا يصير وكيلا بدون علمه، ~~لأن في صيرورته وكيلا ضرب إيجاب وإلزام عليه حيث يلزمه الجري على موجب ~~الوكالة إذا قبل الوكالة في بعض المواضع. # ألا ترى أنه لو كان وكيلا بشراء شيء بعينه لا يتمكن من شرائه لنفسه، ~~وكذلك لا يجوز تصرفه فيه مع من لا تقبل شهادته له، فلما كان في صيرورته ~~وكيلا نوع إيجاب عليه لا تثبت الوكالة بدون علمه، وهذا لأن حكم الشرع لا ~~يثبت بدون العلم مع كمال ولاية صاحب الشرع، فلأن لا يثبت الحكم من جهة ~~العباد بدون العلم أولي. # وكذلك المأذون حيث يلزمه الجري على موجب الإذن وتتعلق الديون برقبته ~~وكسبه في الحال ويطالب به قبل العتق، بخلاق ms930 ما إذا لم يكن مأذونا حيث لا ~~يطالب بالدين الذي ف ي ذمته في الحال، فلما كان جهل الوكيل ب الوكالة وجهل ~~المأذون بالإذن عذرا كان تصرفهما قبل بلوغ الخبر إليهما لم ينفذ على الموكل ~~والمولى حتى لو اشترى الوكيل قبل العلم بوكالة يقع العقد للوكيل، لن الشراء ~~لا يتوقف. وأما لو باع متاعا للموكل قبل العلم بالوكالة كان موقوفا، لأن ~~تصرف الفضولي في البيع موقوف. # ثم ذكر المصنف- رحمه الله- الوكالة والإذن في باب أقسام السنة من قبيل PageV05P2345 # ما لا إلزام فيه أصلا، وذكرهما هنا من قبيل ما فيه نوع إلزام بحسب اقتضاء ~~الدليل كل واحد منهما، وقد ذكرنا في "الوافي" وجه اقتضاء الدليل. # وقيل معنى قوله: (لأن فيه ضرب إيجاب وإلزام) يعني إذا تصرفا بحكم الوكالة ~~والإذن يلزمها حقوق العقد فكان فيها إلزام من هذا الوجه. # (وإن كان فضوليا) و (إن) هذه للوصل. # وأما إذا كان المخبر رسول الموكل والمولى فلا شك أنه لا تشترط العدالة في ~~الرسول، لأن كلام الرسول ككلام المرسل، وفي المرسل لا يشترط العدد أو ~~العدالة فكذا فيمن قام مقامه (بل هو مخير) أي بل كل واحد من الوكيل ~~والمأذون مخير إن شاء قبل الوكالة والإذن وإن شاء لم يقبل هذا في الوكيل ~~ظاهرة، لأنه لا ولاية لأحد عليه فلا يجب عليه قبول الوكالة فلذلك كان هو ~~على خيرة الرد. PageV05P2346 # وأما العبد فكان ينبغي أن لا يكون على خيرة الرد، لكن هو على خيرة الرد ~~أيضا كالوكيل، لأن مولاه ما أمره بالتجارة بل أذن له في التجارة والإذن ~~لرفع المانع عن التصرف لا لإيجاب التصرف عليه، فلذلك كان هو أيضا على خيرة ~~الرد حتى لو أمره بذلك يجب عليه الائتمار من غير تردد. # (لأن الدليل خفي)، لأن الحجر والبيع وجناية العبد لا يكون مشهورا غالبا، ~~(وفيه إلزام) من حيث إنه يلزم على الوكيل الامتناع من التصرف في مال ~~الموكل، وعلى المأذون الامتناع من التصرف في مال المولى على وجه لو تصرف ~~الوكيل يقع تصرفه على نف ms931 سه، وكذلك في الشفيع إلزام الطلب على الشفيع في ~~حال العلم وإبطال شفعته إن لم يطلب وفي مولى العبد الجاني إلزام الفداء ~~بالتصرف في العبد الجاني فكان في هذه المسائل إلزام من هذا الوجه فلا ~~يلزمهم ب دون علمهم. # (وكذلك قوله في تبليغ الشرائع إلى الحربي) الذي اسلم في دار الحرب أي ~~وكذلك قولي أبي حنيفة- رضي الله عنه- في هذا يعني أنه يشترط PageV05P2347 # العدالة أو العدد في مبلغ الشرائع إلى الحربي الذي اسلم في دار الحرب. # وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: الأصح عندي أنه لا يشترط العدالة أو ~~العدد في هذا الفصل خاصة. أراد به مبلغ الشرائع. إلى دار الحرب، لأن كل ~~مسلم يلزمه تبليغ الشريعة إلى من لم يعلم أحكام الشرائع. قال النبي عليه ~~السلام: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب" فكان المبلغ بالتبليغ مسقطا ما وجب ~~عليه فلا يشترط فيه العدد أو العدالة بل يشترط ف يه ما يصير به أهلا ~~للتبليغ من العقل والإيمان. # (لأن لدليل خفي في حقها) أي دليل تثبيت ثبوت الخيار وهو العتق ودليل ~~ولاية خيار التق لها لأن العتق غير مشهور وهي أيضا لا تتفرغ من خدمة المولي ~~للتعلم الشرائع، وتعلم ولاية ثبوت خيار العتق لها. # (فلم يعلم بالخيار لم تعذر)، لأنها قادرة على التعلم لعدم اشتغالها بخدمة ~~أحد فكان الجهل بتقصير منها. PageV05P2348 # (وجعل سكوتها رضا) أي سكوتها بعد البلوغ، (ولأنها تريد بذلك إلزام الفسخ ~~ابتداء لا الدفع عن نفسها)، والجهل لا يصلح عذرا في الإلزام البتة بخلاف ~~الجهل في موضوع الدفع فإنه قد يصلح للدفع. # والدليل على أنها لا تريد الدفع عن نفسها أن النكاح ثابت ولا يزداد شيء ~~ببلوغها بخلاف الأمة، لأنها تدفع زيادة القيد التي تثبت عليها بعد العتق ~~وهي الطلقة الثالثة. # (ولهذا التفرق الخياران في شرط القضاء) يعني شرط القضاء في خيار البلوغ ~~لا في خيار العتق حتى لو قالت الحرة: رددت لا ينفسخ النكاح بدون القضاء ~~بخلاف خيار العتق فإن النكاح ينفسخ بمجرد اختيار المعتقة نفسها. # (إن ذلك لا يصح إلا ms932 بمحضر منه) أي إلا بعلم منه. PageV05P2349 # وأما من له الخيار إذا أجاز بغير علم صاحبه جاز بالإجماع، وكذلك عند أبي ~~يوسف في الفسخ بدون علم ص احبه صح خلافا لهما، (لأن الخيار وضع لاستثناء ~~حكم العقد)، لأن الشرط دخل على حكم العقد وهو لزوم الملك في البياعات لما ~~ذكر، والمعلق بالشرط عدم قبله فصار كالاستثناء من حيث المنع، إلا أن ~~الاستثناء يمنع انعقاد السبب في حق المستثني وشرط الخيار يمنع الحكم، لأن ~~شرط الخيار لما ثبت بخلاف القياس ظهر أثره في حق الحكم تعليلا لعمله مهما ~~أمكن، فإذا امتنع الحكم بقي الخيار وفاتت صفة اللزوم عن البيع وخيار الفسخ ~~بناء على فوات صفة اللزوم وكما في الوكالة، لا أن أشرط الخيار وضع للفسخ لا ~~محالة، لأن حكم التخيير الاختيار كما أن حكم الكسر الانكسار، وبثبوت ~~الاختيار له صار العقد غير لازم، وقوله: "لأن الخيار" أي التخيير. # وقوله: (لعدم الاختيار) أي لعدم اختياره أحد الحكمين وهما الفسخ ~~والإجازة، ولعدم الاختيار أثر في عدم لزوم العقد كما في بيع المكره ~~والهازل، فإن السبب فيهما قد انعقد ولكن غير لازم، ولما لم يوضع شرط الخيار ~~للفسخ لا محالة لم يكن الفسخ حكما للخيار، لأن حكم الشيء يثبت بذلك الشيء ~~لا محالة فحينئذ يصير من له الخيار بالفسخ متصرفا على صاحبه بالإلزام، لأن ~~صاحبه ربما يجري على موجب العقد على ما هو ثابت عنده من PageV05P2350 # غير خيار فهو بالفسخ يلزمه خلاف موجب العقد فيشترط علم صاحبة قبل مضي مدة ~~الخيار دفعا للضرر عنه. # قوله: (لا أن الخيار للفسخ لا محالة) جواب عن قوله أبي يوسف رحمه الله- ~~فإنه يقول: إن صاحب الخيار مسلط على الفسخ من قبل صاحبه فلا يتوقف على ~~علمه، وهما يقولان: إن الخيار لم يوضع للفسخ. # ألا ترى أن من اشترى شيئا قبل الرؤية كان له حق الفسخ بخيار الرؤية بناء ~~على فوات صفة اللزوم عن العقد لا أن الخيار وضع للفسخ، إذا لو كان موضوعا ~~للفسخ لوجد الفسخ لا محالة، لأنه ms933 حكمه بل ربما لا يفسخ ويجيز. # (صح في الثلاث) أي في ثلاث أيام (وبعد الثلاث) لا يصح أي سواء كان عدلا ~~أو غير عدل، (فإن وجد أحدهما) أي العد أو العدالة. PageV05P2351 ### || AUTO فصل في السكر # (فإنه يحل له)، لأن الخمر في حال الإكراه مبقاة على الأمر الأصلي من الحل ~~للاستثناء، قال اله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتهم ~~إليه) فالصدر للتحريم وهذا مستثني منه وحكم المستثني يخالف حكم المستثني ~~منه فيكون حكم المستثني الحل لا محالة. # الأفيون: دواء مخدر بسبب كه إنسان رابيهوش ميكند، أو شرب لبنا فسكر به ~~كلبن الرماك. PageV05P2352 # (لأن ذلك ليس من جنس اللهو) أي في اصله ليس هو من جنس اللهو. # عتق الشيء- بالضم- عتاقة أي قدم، وعتقته أنا تعتيقا أي جعلته قديما ~~وسابقا، والمعتقة الخمر التي عتقت زمانا حتى عتقت، وفي المصادر التعتيق: ~~كهنه كردن خمر شدن. # (وهذا السكر) أي السكر الذي حصل من الشرب الحرام. PageV05P2353 # (لا يقال للعاقل: إذا جننت فلا تفعل كذا)، لأن ذلك تعليق الخطاب إلى حالة ~~منافية ل لخطاب، فلما صح هاهنا إضافة الخطاب إلى حالة السكر علم أنه مخاطب ~~حالة السكر، وإنما قلنا إنه علق الخطاب بحالة السكر، لأنه قال: (وأنتم ~~سكارى) جعل حالة السكر شرطا لهذا الخطاب، لأنه جعلها حالا والأحوال شروط ~~كما إذا قيل: إن دخلت الدار وأنت راكبة فأنت طالق، والمعلق بالشرط عدم قبله ~~فيوجد الحكم المعلق عند وجود الشرط لما أن المعلق بالشرط كالملفوظ عند وجود ~~الشرط، فإذا كان مخاطبا بخطاب الشرع وهو الأصل كان أهلا لجميع الأحكام، لأن ~~خطاب الشرع بناء على الأهلية الكاملة. PageV05P2354 # (وإنما ينعدم بالسكر القصد)، لأنه عديم العقل دون العبارة، لأنها توجد ~~حسا وعيانا. # (لم تبن منه امرأته استحسانا) لعدم القصد، لأن الرجل إذا تلفظ بلفظ ~~الكفر، وعلمنا عدم قصده لا نجعله كافرا ب خلاف ما إذا قال هازلا وهو كفر، ~~لأنه استخفاف بدين الإسلام، حتى إن من أراد أن يقول في دعائه: اللهم أنت بي ~~وأنا عبدك، فجرى على ms934 لسانه عكسه لا يكفر ل عدم الركن وهو الاعتقاد بخلاف ~~الإسلام فإن الإقرار ركن على قول الفقهاء، ولهذا لو اعتقد الإسلام ولم يقرب ~~اختيار لم يكن مسلما، وإذا أسلم مكرها يحكم بإسلامه بناء على وجود أحد ~~الركنين ترجيحا للإسلام على الكفر. # فلهذا قال في الكتاب (إذا أسلم يجب أن يصح إسلامه كإسلام المكره) PageV05P2355 # بخلاف المكره إذا أجرى كلمة الكفر على لسانه حيث لا يكفر، لأن الإسلام ~~يعلو ولا يعلي. هذا كله كان بخط الإمام ر كن الدين الأفسنجي- رحمه الله. # (لأن السكر دليل الرجوع)، لأن السكران لا ثبات له على ما يقول ف ي حال ~~سكره، فقل ما يثبت بعد الصحو على ما قال في احل سكره فدل على الرجوع فيجعل ~~عاملا في حق حكم يقبل الرجوع. # (وذلك لا يبطل بصرحه فبدليله أولي) أي وحد القذف بعد ثبوته بالقذف أو ~~بالإقرار لا يبطل بصريح الرجوع فبدليل الرجوع وهو السكر أولي أن لا يبطل. PageV05P2356 # (حد إذا صحا)، لأن الزنا موجود مشاهدة فلا مرد له بعد الوجود، وغاية ما ~~في الباب أن فيه عدم القصد بسبب السكر، ولكن ذلك العدم إنما نشأ من الشرب ~~الذي هو معصية ف لا يصلح سببا للتخفيف عليه، ولكن يحد إذا صحا ليفيد ~~فائدته. # (وإذا أقر بشي من الحدود فلا يؤخذ به إلا بحد القذف)، لأن الرجوع يصح ~~فيما سوى حد القذف والقصاص، وهاهنا قد قارنه دليل الرجوع، فلأن كان مانعا ~~من وجوب الحد كان أولي. # (وكذلك إذا كان مباحا مقيدا) أي مقيدا إباحته بشرط أن لا يسكر يعين أن ~~السكر الحاصل من المباح المقيد كنبيذ التمر والزبيب فحكم هذا السكر كحكم ~~السكر الحاصل من الحرام في أنه لا يعد عذرا، وقال في "المبسوط" وفي المثلث ~~المطبوخ من ماء الزبيب يفصل بين القليل والكثير ف لا باس بشرب القليل منه. PageV05P2357 # وإنما يحرم منه ما يتعقبه السكر وهو القدح الأخير، وقال ابن عباس- رضي ال ~~له عنهما-: الكأس المسكر حرام، وقال أبو يوسف- رحمه الله-: وإنما مثل ذلك ~~مثل دم في ms935 ثوب فلا باس بالصلاة به إن كان قليلا، وإذا كثر لم تحل الصلاة فيه. # ألا ترى أن اللبن وما أشبه ذلك حلال فلا ينبغي له إن كان يسكر أن يستكثر منه. # ألا ترى أن البنج لا باس به بأن يتداوى به الإنسان، فإذا أراد أن يذهب ~~عقله منه فلا ينبغي له أن يفضل ذلك. # (لعدم ركنه) أي ركن الردة بتأويل الارتداد وهو القصد. # (إلا أن من عادة السكران اختلاط الكلام) هذا استثناء من قوله: أما الحدود ~~فيقام عليه إذا صحا واستثنى منه وقال: إن الحد الذي ثبت بالإقرار فإنه لا ~~يقام عليه إذا صحا لوجود دليل الرجوع وهو السكر، والمراد من قوله: يقام ~~عليه الحدود إذا صحا هو الحدود التي تثبت بأسبابها معاينة بمباشرتها في PageV05P2358 # حال السكر كالزنا والسرقة، والحد الذي لا يقبل الرجوع إذا ثبت بالإقرار ~~كحد القذف. # (وقد زاد أبو حنيفة- رضي الله عنه- في حق الحدود) حيث قال: هو أن لا يعرف ~~الأرض من السماء ولا الرجل من النساء، (فيحتمل أن يكون حده في غير الحد هو ~~أن يختلط) يعني يحتمل أن يكون حد السكر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه- غير ~~حد السكر الذي قال في حق إقامة الحد على السكران، وأن يقول حد السكر في غير ~~إقامة الحد هو أن يختلط كلامه كما قالا في حد السكر في جميع الصور بذلك. # وأما حد السكر عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- في حد إقامة الحد فهو أن ~~يبلغ حدا لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من النساء ب عد تحقق اختلاط ~~كلامه، لأن الحد مما يحتال في إسقاطه. PageV05P2359 # وأما في حق غير الحد من الأحكام كالقول بعدم صحة ردته والقول بصحة إيمانه ~~والقول بعدم إقامة الحدود الخالصة لله تعالى بإقراره فحده هو أن يختلط ~~كلامه كما قالا. والله اعلم. PageV05P2360 ### || AUTO فصل في الهزل # (وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له). # وقال الشيخ الإمام أبو منصور- رحمه الله- الهزل ما لا يراد به معني، ~~وبهذا ظهر الفرق بين الهزل والمجاز، فإن المجاز ms936 ما أريد به معنى مصطلح عليه ~~ولم يرد به ما وضع له، بل أريد به غيره لمناسبة بينهما. # وأما الهزل فهو أن يراد به ما لم يوضع له، وهو ليس بمعني مصطلح عليه ل ~~عدم مناسبة بين ما وضع ل ه لغة وبين ما أريد به من المعني. # اعلم أن الجد أعم من الحقيقة، فإن الحقيقة تكون جدا إذا لم تكن هزلا. PageV05P2361 # وأما ما يكون جدا فلا يلزم أن يكون حقيقة كالمجاز، فإن المجاز يوجد كثيرا ~~في كلام الله تعالى، وتعالى كلامه عن الهزل على ما نص الله تعالى بقوله: ~~(إنه لقول فصل * وما هو بالهزل). # (ولا يعدم الرضا والاختيار) فرق بين الرضا والاختيار، لأنهما غيران، لأنه ~~يحتمل أن يكون لإنسان رضا بالشيء ولا يقع اختياره به. # (وشرطه أن يكون صريحا مشروطا باللسان) أي شرط أن يكون الهزل في البيع هو ~~أن يشترط باللسان قبل البيع في الخلوة صريحا لا أن يثبت ذلك بطريق دلالة الحال. # (إلا أنه لا يشترط ذكره في نفس العقد)، لأنه لو شرط ذلك في نفس العقد لا ~~يحصل مقصودهما ويفوت غرضهما، لأن الغرض من البيع هازلا PageV05P2362 # هو أن يعتقد الناس بيعا لازما نافذا وليس ذلك ببيع في الحقيقة. # (والتلجئة: هي الهزل) من حيث إنهما لا يراد بهما معنى ما يلفظ به ~~المتعاقدان إلا أن الهزل أم من التلجئة، لأن التلجئة أن يصير المرء مضطرا ~~إليه، يقال: لجأه إذا اضطره، وهذا يقتضي أن يكون ما قصد إليه المتبايعان من ~~الغرض سابقا على البيع لا محالة بخلاف الهزل، فإنه جاز أن يكون ما قصداه من ~~الغرض سابقا وجاز أن يكون مقارنا للعقد بأن قال: بعت هذا هازلا، (وإذا كان ~~كذلك) أي وإذا كان معني الهزل ما ذكرنا بأنه ينافي اختيار الحكم والرضا ولا ~~ينافي الرضا بالمباشرة. # (فيما لا يحتمل النقض) كالطلاق (أو فيما يحتمله كالبيع). # إما أن يهزلا بأصله أي بأصل بأن يذاكرا لفظ البيع وليس من PageV05P2363 # غرضهما البيع، أو يعقدا هازلين على أن لا بيع بينهما ms937 (أو بقدر العوض) بأن ~~عقدا بالعين بشرط أن يكون الثمن ألفا، (أو بجنسه) بأن عقدا بالدنانير على ~~أن يكون الثمن الدراهم أو على العكس. # (ثم يتفقا على الأعراض) أي بعد العقد. # (فانعقد فاسدا غير موجب للملك) أي أبدا بخلاف ما إذا كان الفساد بوجه ~~آخر، فإنه يوجب الملك إذا اتصل القبض به فكان هذا نظير خيار الشرط أبدا ~~فإنه لا يوجب الملك. # وإن اتصل القبض به (كخيار المتبايعين معا) في أنه غير موجب للملك، وفي كل ~~واحد منهما يتفرد بالنقض. أما لا تنفرد بالإجازة، لأن للآخر ولاية النقض. ~~وقال في "المبسوط": وإذا كان الخيار للبائع والمشتري جميعا PageV05P2364 # لم يتم البيع بإجازة أحدهما حتى يجتمعا عليها. # (وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- يجب أن يكون مقدرا بالثلاث) أي رفع ~~الفساد والإجازة يتقدم بثلاثة أيام عنده كخيار الشرط أبدا حتى إنه إذا رفع ~~المفسد بعد الثلاث لا يجوز هناك فكذا هنا. # وقوله: (ولهذا) إيضاح لحكم قوله: كخيار المتبايعين معا، (ودلالة هذه ~~الجملة) وهي أن الهزل لم يكن منافيا للأهلية وأن الهازل مختار راض بمباشرة ~~السبب ولا يمنع الانعقاد، لأنه لو كان منافيا للأهلية أو كان مانعا ~~للانعقاد لما صح النكاح، لأن الشيء لا يثبت بدون ركنه وأهلية فاعله. ألا ~~ترى أن النكاح لا يثبت بالتعاطي لعدم ركنه ولا ينعقد بعبارة المجنون لعدم ~~أهلية الفاعل، علم بهذا أن عبارة الهازل صحيحة في حق انعقاد السبب. # (لا يؤثر في النكاح بالسنة) وهي قوله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد PageV05P2365 # وهزلهن جد"، (وإنما دخل على الحكم) لما بينا أنه ينافي الرضا بالحكم كبيع ~~المكره والبيع بخيار الشرط. # (في الحالين) يعني إذا لم يحضرهما شيء أو اختلفنا. (فإن العقد باطل) أي ~~فاسد بدليل صحة الانعقاد ولكن فيه فساد، لأنه بناء على المواضعة عندهما. PageV05P2366 # (فالقول قول ما يدعي البناء) أي عندهما (إلا أن يوجد النص على ما ينقضها) ~~أي إلا أن يوجد صريح قول بنقض المواضعة وهو أن يتفقا على الإعراض عن ~~المواضعة. # (لكنه قال: وقال أبو حنيفة- رحمه الله-) أي ms938 لكن أبا يوسف قال: وقال أبو ~~حنيفة- رحمه الله- (فيما أعلم) هذا (ليس بشك في الرواية) ولا تردد فيثبت ~~الاختلاف. يعني أن عند أبي حنيفة- رحمه الله- جازما في الرواية عن أبي ~~حنيفة- رحمه الله- أن البيع عنده صحيح فيثبت الاختلاف، (لأن من مذهب أبي ~~يوسف- على قوله- لازم)، ولا يكون قوله: (فيما أعلم" للشك، لأنه لو كان للشك ~~لما وجب شيء، كما إذا قال بعد الإقرار إن شاء الله، لأن الأصل براءة الذمم ~~فلا يثبت بالشك شيء. # (ومنهم من اعتبر هذا ب قول الشاهد عند القاضي فلم يثبت الاختلاف)، لأن ~~الشهادة لما بطلت بقول الشاهد فيما أعلم بطلت روايته عن أبي حنيفة PageV05P2367 # رضي الله عنه- هاهنا أيضا اعتبارا بمسالة الشاهد فلم يثبت روايته عن أبي ~~حنيفة- رحمه الله- في أن البيع صحيح عند أبي حنيفة- رحمه الله- لكن الصحيح ~~هو الأول يعني أن الخلاف بينهم ثابت، فالبيع صحيح عند أبي حنيفة- رحمه ~~الله- خلافا لهما. # وقوله: وكذلك يحكي محمد عن أبي حنيفة- رحمهم الله- قوله في كتاب الإقرار ~~في باب الإقرار بالبراءة وغيرها من إقرار "المبسوط" وذكر فيه هذه المسألة ~~بهذه العبارة، ولو قال: إني أريد أن ألجيء إليك داري هذه وأشهد لك بالبيع ~~وقد حضر الشهود تلك المقالة فإن أبا حنيفة- رحمه الله- قال ف يما أعلي: يقع ~~البيع والمقالة التي كانت قبله باطلة. # وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- البيع باطل على الكلام الأول، ثم قال: ~~ومعنى قوله: "ألجيء" أي أجعلك ظهرا لي لا تمكن بجاهك من صيانة ملكي. يقال ~~التجأ فلان إلى فلان وألجأ ظهره إلى كذا والمراد هذا المعني. # وقيل معناه: أنا ملجأ مضطر إلى ما أباشره من البيع معك ولست بقاصد حقيقة ~~البيع، ثم صحح أبو يوسف روايته عن أبي حنيفة- رحمه الله- بقوله: فيما أعلم، ~~لأن الرواية عن الغير كالشهادة، وهذا اللفظ شك في الشهادة عند أبي يوسف- ~~رحمه الله- PageV05P2368 # ولكن روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهم الله- مطلقا أن البيع جائز. # وروى محمد- رحمه الله- في الإملاء عن أبي حنيفة- رضي الله عنه- أن البيع ~~باطل وهو قولهما. # وقوله: "فيما أعلم" ملحق برواية أبي يوسف، فحينئذ يكون الشك في رواية ms939 أبي ~~يوسف في أنه هل سمع من أبي حنيفة- رضي الله عنه- أم لا؟ أما فتوى أبي ~~حنيفة- رحمه الله- فمشهورة بأن الصحة أولي عنده. # (العقد المشروع لإيجاب حكمه في الظاهر جد) معناه البيع مشروع وهو في ~~الظاهر جد لإثبات حكمه وهو الملك، لأن الهزل لم يتصل بهذا البيع نصا فكان ~~العمل بالجد أولى، وإنه سبقه الهزل فرجحنا كونه جدا باعتبار PageV05P2369 # الصحة، وقالا: السبق من أسباب الترجيح وترجح جهة الهزل بالسبق، وذلك لأن ~~حالة الهزل لم يعارضها شيء فتثبت هي نصا بلا معارض، والسكوت في حالة العقد ~~أو الاختلاف في البناء والإعراض لا يصلح معارضا لما سبق، لأنه لم يتعرض لا ~~ل لهزل ولا للجد فوجب العمل بالسابق. # وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- العقد لخالي عن الهزل نصا يصلح معارضا ~~وناسخا للأول باعتبار حمل أمر المسلمين على الصحة والسداد، وهو معنى قوله: ~~(الآخر ناسخ) أي البيع الخالي عن الهزل نصا ناسخ للهزل السابق. # (وأما إذا اتفقا على الجد في العقد) هذا هو الوجه الثاني من الأوجه ~~الثلاثة، وهو قوله: أو ب قدر العوض (كان الثمن ألفين) لبطلان الهزل ~~بإعراضهما باتفاقهما. # (لما ذكرنا من الأصل) أي أصل أبي حنيفة- رحمه الله- وأصلهما فإن من أصل ~~أبي حنيفة- رحمه الله- أن العقد المشروع كان ظاهرة في الجد، فكان PageV05P2370 # العمل بالصحة أولي حملا لأمر المسلمين على ال صلاح، ومن أصلهما أن العمل ~~بالهزل أولي لما أن الهزل سابق والسبق من أسباب الترجيح. # (لأنهما جدا في العقد)، لأن هزلهما ومواضعتها في البدل لا في نفس العقد، ~~لأنهما عقدا العقد جدا (والعمل بالمواضعة يجعله شرطا فاسدا)، أي العمل ~~بالمواضعة في البدل يجعل ق بول ال بيع بألفين شرطا فاسدا، لأنه شرط قبول ما ~~هو غير داخل في ال بيع (فيفسد البيع) كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما. # (فكان العمل بالأصل عند التعارض أولي من العمل بالوصف) يعني أن الجد في ~~العقد مع الهزل في ثمن يتعارضان، لأن كون العقد جدا يوجب صحة البيع ب ~~الألفين والعمل بالهزل في قدر ال ثمن يوجب فساد ms940 البيع فكان الأصل أولي، لأن ~~التبع لا يعارض الأصل فصار بمنزلة خلوة عن المعارضة في الوصف لعدم اعتبار ~~الوصف بمقابلة الأصل (أعني تعارض المواضعة في البدل والمواضعة في أصل ~~العقد) فإنهما تواضعا على شيئين. # أحدهما: أن يكون الثمن ألفا وإن كان البيع واقعا بألفين، وهو يوجب فساد العقد. # والثاني- أن يكون العقد صحيحا، لأنهما لم يتواضعها على عدم العقد PageV05P2371 # والعمل بهما أي بالفساد والصحة غير ممكن والقول بصحة العقد مع أن يكون ~~الثمن ألفا ممكن والعقد أصل والثمن فيه تابع فكان الثمن للبيع بمنزلة الوصف ~~فالفساد الطارئ منه كان فسادا في ال وصف فيكون الأصل أولي بالاعتبار وفيه ~~صحة العقد. # (بخلاف تلك المواضعة) أي المواضعة في اصل العقد فإنها مخالفة للمواضعة في ~~البدل، لأن تلك المواضعة تقتضي جوازه بالاتفاق على كل حال سواء اتفقا على ~~البناء أو الإعراض أو اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا، وغنما ذكر ~~هذا للفرق بين ما إذا اتفقا على البناء في الهزل بأصل العقد، فإن ذلك فاسد ~~على قول أبي حنيفة- رحمه الله- أيضا. # وأما مسألتنا وهي ما إذا جدا في اصل العقد وهزلا في قدر البدل ففي قولهم ~~جميعا يصح في الصور الأربع على ما ذكرنا في ظاهر الرواية. # وإنما قلت: إن القول بالجواز قولهم جميعا في ظاهرة الرواية لأنه ذكر في ~~"المبسوط" في باب التلجئه من الإكراه، ولو أن رجلا قال لولي امرأة: إني ~~أريد أن أتزوج فلانة على ألف درهم ويسمع بألفين والمهر ألف، فقال PageV05P2372 # الولي: نعم أفعل، فتزوجها على ألفين علانية كان النكاح جائزا والصدق ألف ~~درهم إذا تصادقا على ما قالا في السر- إلى أن قال- وكذلك البيع، ثم قال: ~~وهذا الجواب في البيع قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- وهو أدى الروايتين ~~عن أبي حنيفة- رضي الله عنه. # وأما في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمها الله- فالبيع فاسد إذا ~~تصادقا عل أيهما شاء على تلك المواضعة. # ووجه الفرق أن شيئا من الجد لم يعارض الهزل هناك فكان حكم الهزل ثابتا في ~~صورة البناء ففسد العقد ms941 لذلك. # وأما هاهنا فقد عارض ل صور الهزل الجد في اصل العقد، فلذلك رجحنا جانب ~~الصحة في الصور الأربع ترجيحا لجانب الأصل على جانب الوصف وحملا لأمر ~~المسلمين على الصلاح لما أنهما لم يذكرا الهزل في البدل حال ال عقد ~~واتفاقهما على البناء إنما كان بعد العقد والاتفاق الطارئ لا يؤثر في العقد ~~الماضي. # (فإن البيع جائز على كل حال) أي الصور الأربع من الاتفاق على الأعراض ~~والبناء والاختلاف وما لم يحضرهما شيء من الأعراض والبناء، وهذا لأن ~~الدنانير إذا كانت تلجئه أي هزلا تعذر العمل بالهزل وبالجد، لأن العمل ~~بالهزل أن لا يكون الدنانير ثمنا، على هذا لا يمكن العمل بالجد في PageV05P2373 # أصل العقد وهو صحة البيع، لأن البيع بدون الثمن باطل، فلذلك رجحنا جهة ~~الجد وهو الفرق لهما بخلاف الهزل في القدر، لأن أحد الألفين شرطا لا طالب ~~له لاتفاقهما على عدم التسمية فلا يفسد البيع، كمن اشترى حمارا على أنه لا ~~يعلفه لا يفسد البيع، لأن هذا شرط لا طالب له من جهة الخلق، والبيع لا يصح ~~بغير الثمن والثمن ما يذكر في العقد فلو لم يجب ما هو المذكور في العقد ~~يبقى البيع بلا ثمن، والبيع بلا ثمن فاسد فكان جعل الثمن ما هو المذكور في ~~العقد وهو الدنانير أولي ليصح العقد. # وهو معنى قوله: (فصار العمل بالمواضعة أولي) أي العمل بالمواضعة المذكورة ~~في العقد وهي الدنانير أولي، فحصل من هذا كله أن البيع بالهزل في قدر العوض ~~مع الحد في اصل البيع والبيع بالهزل في جنس العوض مع الجد في اصل البيع ~~جائز بالاتفاق في الصور الأربع وفي كل واحد منهما. # غير أن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه- رحمهم الله- فيما إذا كان الهزل في ~~قدر البدل كان الثمن هو المذكور في العقد عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهو ~~الألفان من الدراهم وعندهما الثمن هو المذكور في السر وهو ألف درهم. PageV05P2374 # وأما إذا كان الهزل في جنس البدل كان الثمن هو المذكور في العقد ~~بالاتفاق، والفرق لهما هو ms942 أنه إذا اتحد الجنس مع الهزل في القدر ممكن أي ~~يجعل بعض المذكور ثمنا فصار بعض الثمن ب منزلة الإسقاط بعد الوجوب بسبب أنه ~~لا طالب له ولا يمكن مثل ذلك التقدير فيما إذا اختلف جنس العوض فلذلك كان ~~الثمن هو المذكور في العقد ليصح العقد. # (وأما فيما لا يحتمل النقض فثلاثة) أنواع وعدم احتمال النقض فيه هو أن لا ~~يجري ف يه الفسخ والإقالة كالطلاق والعتاق والهزل فيه أن يواضع الرجل ~~امرأته أنه يطلقها علانية ولا يكون بينهما طلاق، وكذلك العتاق والعفو عن ~~القصاص. # والمواضعة في اليمين في: أن يواضع مع امرأته مثلا إني أقول إن دخلت الدار ~~فأنت طالق لكني أقول ذلك بطريقة الهزل لا بطريق الجد، وكذلك النذر بأن قال: ~~نذرت هازلا، أو تواضع مع فقير أنه يوجب على نفسه التصدق عليه على ملأ من ~~الناس ولكن يكون في ذلك هازلا، أو نوي في هذه الصور كلها في نفسه أنه هازل ~~فيما صدر منه من الطلاق والعتاق والنذر واليمين والعفو عن القصاص. # (ما لا مال فيه أصلا) أي لا يجب لا مال فيه بدون الشرط. PageV05P2375 # وأما إذا شرط المال فيجب، (وحكم هذه الأسباب لا يحتمل الرد والتراخي) أي ~~لا يحتمل الرد بالإقالة ولا يحتمل التراخي بشرط الخيار كما يحتمل هنا البيع. # (والعقد لازم)، لأن الهزل ملحق بخيار الشرط فكل ما يؤثر فيه خيار الشرط ~~يؤثر فيه الهزل والنكاح عقد لا يؤثر فيه خيار الشرط فلا يؤثر فيه الهزل ~~وأيده قوله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد". # (بخلاف مسألة البيع عند أبي حنيفة- رحمه الله-) حيث يجعل هناك الثمن ~~ألفين وإن اتفقا على البناء، لأنه أي لأن البيع (بالشرط الفاسد يفسد) ~~والعمل بمواضعة السر يفسده فلا يعمل بها بل يعمل بالأصل وهو الجد في العقد ~~دون الوصف وهو الثمن. # وأما النكاح فلا يفسد بالشرط الفاسد فيعمل بالمواضعتين وهما جواز العقد ~~وأن يكون المهر ألفا. PageV05P2376 # (بخلاف البيع)، لأن المهر تابع في هذا، لأنه يصح النكاح بدون ذكره ولا ~~كذلك ms943 الثمن. # فإن قيل: قد ذكر قبل هذا: "فكان العمل بالأصل- أي بنفس العقد- عند ~~التعارض أولي من العمل بالوصف" أي بالثمن فقد جعل الثمن وصفا والوصف" أي ~~بالثمن فقد جعل الثمن وصفا والوصف تبع للموصوف ثم ذكر هاهنا في مقام الفرق ~~بين البيع والنكاح، لأن المهر تابع، فكان فيه إشارة إلى أن الثمن ليس بتابع ~~في البيع فما وجهه؟ # قلنا: وجهه إن في الثمن معني الأصالة ومعنى التبعية بدليل شهادة الأحكام ~~على ذينك المعنيين فمعني الأصالة هو أن لا يصح البيع بدون ذكره والجهالة ~~فيه مانعة لصحة البيع، ومعنى التبعية فيه هو أنه يحتاج في الشراء إلى أن ~~يكون الثمن موجودا في ملك المشتري ولا يتوقف صحة الإقالة إلى بقائه فكان هو ~~في البيع بمنزلة الركن الزائد كالقراءة في الصلاة والإقرار في الإيمان. # وأما المهر في النكاح فتابع من كل وجه وليس فيه شيء من دلالة الأصالة في ~~النكاح فلذلك سماه تبعا على الإطلاق في مقام الفرق بينه وبين الأصل من كل ~~وجه جانب الوصفية التي هي تدخل على التبعية، وذكر هاهنا في مقام الفرق بينه ~~وبين التبع PageV05P2377 # من كل وجه جانب الأصالة الذي يدل على المتبوعية ليتبين تفاوت الأحكام ~~والفروق بالالتئام. # (فلا يجعل مقصودا في الصحة) أي فلا يجعل المهر مقصودا في صحته تابع من كل ~~وجه، فلو اعتبرنا تصحيح التسمية وأوجبنا ألفين كما في البيع يصير المهر ~~مقصودا في الصحة وهو في نفسه تابع من كل وجه، فلا يجوز أن تكون مقصودا صحته ~~بوجه من الوجوه لما أن النكاح بدونه صيح من أن في تصحيح تسمية المهر على ما ~~ذكر في العلانية ترك العمل بالمواضعة في حق المهر. # وأما لو اعتبرنا في باب البيع صحة التسمية لا يكون الثمن مقصودا منه، بل ~~المقصود منه جواز البيع، لأنه لا يصح بدونه فاعتبرنا صحة التسمية عملا ~~بإحدى المواضعتين تصحيحا لمواضعه جواز البيع، وإن كان فيه ترك المواضعة ~~الأخرى وهي وجوب الأقل من الثمن. # وأما هاهنا لو اعتبرنا ترك العمل بمواصفة الأقل كان ms944 فيه إبطال العمل ~~بمواضعة الأقل وليس في إبطاله تصحيح المواضعة الأخرى وهي جواز النكاح لما ~~أن النكاح بدونه جائز. PageV05P2378 # (وأن التسمية في الصحة مثل ابتداء البيع) أي تسمية المهر في صحتها ~~واعتبارها مثل صحة تسمية الثمن واعتبارها في ابتداء البيع وهو ما إذا ~~تواضعها على البيع بألف وعقدا على ألفين فإن عند أبي حنيفة- رحمه الله- ~~اعتبار صحة تسمية الثمن في العقد أولي حتى يجعل الثمن ألفين فكذا هاهنا، ~~وهذا لأن موجب البيع الصحة والفساد بالعارض، فلما وجب العمل هناك بصحة ~~البيع مع وجود الهزل والهزل يؤثر في البيع حتى وجب الألفان من الثمن وجب أن ~~تصح التسمية هاهنا ويجب الألفان من المهر بالطريق الأولي، لما أن الهزل لا ~~يؤثر هاهنا في الأصل وهو النكاح، فيجب أن لا يؤثر أيضا في تبعه وهو المهر، ~~لأن التبع فيما يثبت إنما يثبت على وفاق الأصل لا على خلافه، فلذلك قيل: إن ~~هذه الرواية وهي رواية أبي يوسف أصح من رواية محمد- رحمهما الله-. # (وجب مهر المثل بلا خلاف) لما ذكرنا أن المهر تابع ولا يجعل مقصودا PageV05P2379 # بالصحة فيكون النكاح بلا مهر فيجب مهر المثل، (وعلى رواية أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة- رحمهما الله- أنه يجب المسمي) للدليل الذي ذكرنا في رواية أبي ~~يوسف عن أبي حنيفة- رحمهما الله- فيما إذا كان الهزل في قدر المهر على ما ~~ذكرنا آنفا، وهو أن المهر تبع للشيء الذي لا يؤثر فيه الهزل وهو النكاح فلا ~~يؤثر في تبعه فكان المهر هو المذكور في العلانية ضرورة. # (فإن ذلك على هذه الأوجه أيضا) وهي اثنا عشر وجها وهي: أن الهزل إما أن ~~دخل في الأصل، أو في قدر المال، أو في جنس المال، ثم تدور هذه الثلاثة في ~~الأربعة التي ذكرناها من البناء والإعراض ولم يحضرهما شيء واختلفا فكان ~~اثني عشر وجها. # (لكنه غير مقدر بالثلاث في هذا بخلاف البيع) أي مشيئة المرأة الطلاق PageV05P2380 # غير مقدرة عند أبي حنيفة -رحمه الله- بخلاف الخيار فى البيع فإنه مقدر ~~بالثلاث عنده؛ لأن البيع يفسد بالشروط الفاسدة فيفسد ms945 البيع بالهزل؛ لأنه ~~بمنزلة خيار الشرط مؤبدا وعنده أن المفسد إذا ارتفع قبل مضي ثلاثة أيام ~~يعود إلى الجواز. # أما إذا ارتفع بعد ثلاثة أيام فلا يعود إلى الجواز. # وأما الخلع فلا يفسد بالشرط الفاسد فيصح اختيار الخلع من المرأة وإن كان ~~بعد الثلاث وهذا لأن الشرط فى باب الخلع ملائم للقياس لما أن تعليق الطلاق ~~بالشرط جائز لكون الطلاق من الإسقاطات بخلاف البيع، فإن تعليق البيع بالشرط ~~باطل؛ لأنه من الإثباتات وثبت خيار الشرط فى البيع بالنص بخلاف القياس، وقد ~~ورد مقدرا بالثلاث فيبطل فيما وراء المنصوص عملا بالقياس. # أما هذا فملائم للقياس فصح غير مقدر فلا ضرورة فى التوقيت بالثلاث. # وإن هزلا بالكل أي بأصل الخلع والبدل والجنس وهذا لزيادة التأكيد فإن ~~الهزل لما كان فى أصل الخلع كان أيضا فى البدل والجنس. # (ووجب المال بالإجماع) أما عندهما فلأن الهزل لا يمنع من وقوع الطلاق ~~ووجوب المال بطريق التبعية لوقوع الطلاق. # وأما عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-فلأن المواضعة بطلت فى صورة الإعراض ~~بأعراضهما وكذلك إن اختلفا. أما عندهما فلما أن الهزل لا PageV05P2381 # يؤثر في الخلع وفى بدله فيقع الطلاق ويجب المال. # وأما عنده (فلأنه جعل القول قول من يدعى الإعراض) فى جميع الصور وكذلك فى ~~صورة السكوت؛ لأنه جعل الإيجاب أولى، (لأنه يجعل ذلك مؤثرا في أصل الطلاق) ~~أي يجعل الهزل مؤثرا فى الطلاق من حيث إنه لا يقع كما فى البيع (وعندهما هو ~~جائز) أي الخلع واقع ثابت، (ولا يفيد الاختلاف) أي اختلاف الزوجين فى ~~البناء والإعراض؛ لأن عندهما الهزل غير مؤثر فى باب الخلع أصلا؛ لأنه غير ~~مؤثر فى أصل الطلاق ولا فى البدل أيضا ويجب المسمى إذا اتفقا على البناء. # فكذلك إذا اختلفا بل بالطريق الأولى فلا يفيد اختلاف الزوجين؛ لآن لحكم ~~فى حال اتفاق الزوجين على البناء أو على الإعراض أو عند اختلافهما سواء ~~يعنى أن الخلع واقع والمال لازم فلا يفيد الاختلاف فكان الجواب فى هذا لفصل ~~عند الكل واحدا، لكن على اختلاف ms946 التخريج، فعند أبى حنيفة-رضى الله عنه- ~~باعتبار المعنى الذى ذكرنا، وهو أنهما إذا اختلفا فى البناء والإعراض كان ~~القول من يدعى الإعراض، وعندهما باعتبار عدم تأثير الهزل فى الخلع أصلا ~~(لأنهما جعلا المال لازما بطريق التبعية) يعني أن PageV05P2382 # الخلع واقع بالهزل؛ لآن الهزل لا يؤثر فيه عندما فيجب المال كله آيضا وإن ~~كان الهزل يؤثر فى إيجاب المال كما فى البيع؛ لأنه ثبت المال هنا فى ضمن ~~الخلع والعبرة للمتضمن لا للمتضمن كالوكالة الثابتة فى ضمن الرهن فلم يؤثر ~~الهزل فى المال أيضا لذلك فيجب جميع المسمى وإن كان إيجاب المال في بعضه ~~بطريق الهزل. # (يجب أن يتعلق الطلاق باختيارها) أي باختيار المرأة جميع المسمى فى الخلع ~~جدا، وهذا لأن الهزل لما كان مؤثرا فى الخلع عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-لم ~~يقع الطلاق فيما إذا اتفقا على البناء، فوجب ان يتعلق الطلاق باختيارها كل ~~البدل جدا؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط وفى خيار الشرط يتعلق باختيارها فكان ~~الطلاق معلقا بقبول كل البدل أو البدل ألفان فكان الخلع واقعا على الأبفين. # ما فى أحد الألفين فلا شك؛ لأنه جد فيتعلق به لا محالة وكذلك يتعلق ~~بالألف الأخرى؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط والمعلق بالشرط لا يوجد قبل وجود ~~الشرط؛ (لأن الطلاق يتعلق بكل البدل)؛ لأن الطلاق يتعلق بما علق به الزوج ~~والزوج علق الطلاق بألفين وإن كان هازلين بأحدهما والمرأة ما قبلت بعضها ~~جدا لكونهما هازلين فى الألف فكون القبول واقعا ببعض البدل لا بكله فلا يقع ~~الطلاق كام إذا قال: أنت طالق بألفين فقبلت أحد الألفين. # (وقد تعلق بعضه بالشرط) أي بعض البدل بالشرط وهو اختيارها فلا بد PageV05P2383 # من وجوده لوقوع الطلاق؛ لأن الهزل من جانبها بمنزلة خيار الشرط ولا يقال ~~بأن الألف فى هذا جد، وقد وجد القبول فصار كأن الخلع واقع على الألف فيقع ~~الطلاق؛ لأنا نقول: نعم كذلك. # لكن الألف الأخرى معلق وجوبها والطلاق بالألفين حالة الخلع فتعلق بهما ~~جميعا. غاية ما فى الباب أن النظر إلى الألف الجد يوجب ms947 وقوع الطلاق والنظر ~~إلى الألف الأخرى لا يوجب فلا يجب بالشك، والفقه فيه ما ذكرنا قبل هذا وهو ~~انه بمنزلة خيار الشرط والمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط. # (وعندهما كذلك لما قلنا) آى يقع الطلاق ويجب المال كله لما قلنا من ~~أصلهما أن الهزل لا يؤثر فى الخلع فكذا فى بدله. # (وأما إذا هزلا بأصل المال) أي بجنس المال بأن ذكرا فى العلانية أن بدل ~~الخلع الدنانير (وغرضهما الدراهم فإن المسمى هو الواجب عندهما) أي عند أبي ~~يوسف ومحمد-رحمهما الله- (في هذا بكل حال) أي سواء اتفقا على الإعراض أو ~~البناء أو اختلفا أو اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء لما بينا PageV05P2384 # أن الهزل لا يؤثر عندهما فى الخلع وفى بدله، فيقع الخلع ويجب المال بطريق ~~التبعية للخلع، (وصار) أي وصار وجوب المال (كالذى لا يحتمل الفسخ بطريق ~~التبعية) للخلع، وإن كان وجوب المال فى نفه مما يحتمل الفسخ. # (وكذلك هذا فى نظائره) أي الحكم الذى بينا فى الخلع هو الحكم فى نظائره ~~وهو الصلح عن دم العمد والعتق على المال. أطلق لفظ الجمع على الاثنين حيث ~~لم يقل فى نظيريه لقرب الاثنين من الجمع أو أراد بقوله: ((في نظائره)) ~~إلحاق ما هو فى معناهما كالطلاق على مال وإن لم يذكره؛ لأن الطلاق على مال ~~بمنزلة العتق على مال فجاز أن يلحق بهما، فكانت هذه الثلاثة حينئذ نظائر الخلع. # والدليل على صحة ما ذكرنا من أن الطلاق على مال ملحق بالعتاق على مال ما ~~ذكره فى باب التلجئة من إكراه ((المبسوط)) فقال: ولو طلق امرأته على مال ~~على وجه الهزل أو أعتق عبده على مال على وجه الهزل وقد تواضعنا قبل ذلك أنه ~~هزل وقع الطلاق والعتاق ووجب المال، ثم قال: وهذا عندنا قول أبي يوسف ~~ومحمد-رحمهما الله-. PageV05P2385 # وأما عند أبي حنيفة-رضى الله عنه-يتوقف وقوع الطلاق والعتاق على وجود ~~الإجازة بين المرأة والعبد إلى آخره. # (فإن ذلك كالسكوت مختار) لما أنه لما اشتغل بتسليم الشفعة هازلا صار ~~ساكتا عن طلب الشفعة ms948 والشفعة تبطل بالسكوت عن طلبها بعد العلم بالبيع فكان ~~التسليم تسليما. # وأما إذا كان تسليم الشفعة هازلا بعد طلب المواثبة والإشهاد فبطل التسليم ~~والشفعة باقية لما ذكرنا أن الهزل بمنزلة خيار الشرط أبدا والتسليم من جنس ~~ما يبطل بخيار الشرط، حتى إنه إذا قال سلمت شفعتي على أني بالخيار ثلاثة ~~أيام فإن التسليم باطل والشفعة باقية فكذا فى صورة الهزل، ولأن الشفعة لا ~~تبطل بعد طلب المواثبة والإشهاد بصريح السكوت فكذا لا تبطل بدلالة السكوت ~~ولا كذلك قبل طلب المواثبة. # (وكذلك إبراء الغريم) أي أن رب الدين إذا أبرأ غريمته هازلا يبطل إبراؤه، ~~وبقى الدين كما كان كما فر إبراء الغريم بشرط الخيار حيث لا يبرأ هناك ~~فكذلك فى الهزل؛ لان الهزل بمنزلة خيار الشرط. PageV05P2386 # (وأما القسم الثاني وهو الإقرار فإن الهزل يبطله) أي يبطل الإقرار (سواء ~~كان إقرارا بما يحتمل الفسخ) نحو الإقرار بالبيع والإجازة بأن تواضعا على ~~أن يقر عند الناس بالبيع ولكن لا يكون كذلك، (أو بما لا يحتمله) كالطلاق ~~والعتاق بأن تواضعا على أن يقر عند الناس بالطلاق والعتاق وهو ليس كذلك فلا ~~يثبت واحد منهما، فحصل من هذا أن الفرق ثابت بين الطلاق هازلا وبين الإقرار ~~بالطلاق هازلا حيث وقع الطلاف فى الأول دون الثانى. # فإن قلت: ما الفرق الموضح بين هذين الهزلين أي بين الهزل بالطلاق وبين ~~الهزل بالإقرار بالطلاق حيث وقع الأول دون الثانى مع انهما يتحدان فى الحكم ~~فى الحد فإن الطلاق كما يقع بالإنشاء كذلك يقع بالإقرار به فى الحد، ولأن ~~الهزل إنما يؤثر فيما فيه خيار الشرط وخيار الشرط لا يؤثر فى الإقرار ~~بالطلاق فيجب أن لا يؤثر الهزل فيه أيضا لما أن الهزل إنما يؤثر فيما هو ~~قابل للفسخ بعد الثبوت كما فى البيع والإجارة والطلاق الذي وقع بالإقرار ~~بالجد غير قابل للرفع والفسخ كالطلاق الذي وقع بالإنشاء. # قلت: الفرق بينهما هو أن الواقع بالإنشاء كالشاء الذى ثبت بالآلة ~~المحسوسة وبعد ما ثبت الشاء بالآلة لا يمكن أن لا ms949 يجعل ثابتا كالقطع الثابت PageV05P2387 # بالسكين والإحراق الثابت بالنار لا يمكن أن يجعل غير مقطوع وغير محرق وإن ~~كان قطعه وإحراقه بطريق الإكراه والهزل، لما أنه ثابت حسا فلا يمكن رده ودفعه. # وإما الطلاق الواقع بالإقرار فباعتبار أنه أقر طائعا وهو إخبار، فكان ~~خبره محمولا على الصدق وهو الأصل فى خبر العاقل البالغ لا باعتبار أن ~~إقراره بالطلاق موضوع لإيقاع الطلاق، فلذلك كان عند قران الشيء الدال على ~~كذبه فى إقراره من الإكراه والهزل حمل خبره على الكذب فلم يقع به الطلاق # فكان وقوع الطلاق من إقراره بالطلاق لضرورة حمل إقراره على الصدق لا ~~باعتبار أنه موضوع لإيقاع الطلاق بطريق الأصالة بخلاف إنشاء الطلاق بلفظ ~~موضوع لعه فإنه لا يحتمل غير الإيقاع، فلذلك لم يتغير حكمه بالإكراه ~~والهزل. # والدليل لى أن الإقرار غير موضوع لإيقاع الطلاق وإن كان إقراره بطريق ~~الطوع ما ذكر فى باب الإكراه ((المبسوط)) فى موضوعين فقال: لو أقر بالطلاق ~~طائعا وهو يعلم أنه كاذب فى ذلك فإنه يسعه إمساكها فيما بينه وبين الله ~~تعالى إلا أن القاضى لا يصدقه على ذلك؛ لانه مأمور بإتباع الظاهر والظاهر ~~أن الإنسان لا يكذب فيما يلحق به الضرر، فإذا كان مكرها وجب تصديقه فى ذلك ~~لوجود الإكراه، فلهذا لا يقع به PageV05P2388 # شيء من الطلاق والعتاق، وبهذا خرج الجواب عن خيار الشرط فإنه لا يؤثر فى ~~الإقرار بالطلاق؛ لأن خيار الشرط إنما يؤثر فيما يستقبل من الأفعال التي ~~وضعت للإنشاء لا في الماضى والإقرار بالطلاق إخبار عن وقوع الطلاق فيما مضى ~~من الزمان وخيار الشرط لا يعمل فى الماضى فبقى الإقرار طائعا فيقع الطلا ~~لما ذكرنا من حمل أمره على الصدق. # وأما قوله: والطلاق الذى وقع بالإقرار فى الحد غير قابل للفسخ فلا يؤثر ~~فيه الهزل. # فقلنا: إنما لا يؤثر الهزل فيما إذا وقع الطلاق # وأما قبل وقوع الطلاق بالإقرار بالطلاق فيمنع الهزل الإقرار بالطلاق عن ~~وقوع الطلاق به فلا يرد قولك: ((إن الهزل ايؤثر فيما لا يقبل الفسخ ~~والرد)). # وقال فى ms950 ((المبسوط)) فى تعليل بطلان إقرار المكره بالطلاق والعتاق: لأن ~~الإقرار خبر متميل بي الصدق والكذب، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب ~~فيما يقر به قاصد إلى دفع شره عن نفسه والمخبر عنه إذا كان كذبا فبالإخبار ~~لا يصير صدقا. # ألا ترى أن فرية المفترين وكفر الكافرين لا يصير حقا بأخبارهم، PageV05P2389 # وقوله: فلذلك يبطل بالهزل بطلانا لا يحتمل الإجازة؛ لأن الإجازة تعتمد ~~وجود شيء موقوف سابق عليه وهاهنا الإقرار ما انعقد موجبا شيئا، وصار كبيع ~~حر وهو لاينقلب إلى الصحة بالإجازة لأنه لم ينعقد موقوفا حتى يحتمل الإجازة ~~بخلاف إنشاء البيع والإجارة هازلا أو مكرها فإنه يبطل في الحال ولكن يحتمل ~~الإجازة؛ لأن الانعقاد مبنى على الصحة التكلم بوجود أهلية المتكلم ومحل ~~البيع والإجازة وهما موجودان فينعقد. # (وأما القسم الثالث) وهو أن يدخل الهزل فيما يبتنى على الاعتقاد، (فإن ~~الهزل بالردة كفر لا بما هزل به لكن بعين الهزل) أي الهزل بالردة كفر لا ~~باعتبار حكم ما هزل به بل باعتبار عين الهزل، وهذا لأن الهازل بالشيء غير ~~راض بحكم ذلك الشيء ولكنه راض بمباشرة ذلك الشيء نحو أن يقول هازلا: الصنم ~~إله مثلا - نعوذ بالله من ذلك - فإنه يصير كافرا بهذا القول وإن كان هازلا ~~فيه لا بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد الألوهية للصنم، لأنه غير معتقد لذلك ~~ولكنه راض بالتلفظ به فيكفر لا ستخفافه بالدين الحق وأنه كفر قال الله ~~تعالى: "ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزئون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم" فعلم أن PageV05P2390 # استخفاف الدين الحق كفر. # (فصار مرتدا بعينه) أي بعين ما تلفظ من لفظ الكفر، (إلا أن أثرهما سواء) ~~أي الكفر الحاصل بعين الهزل والكفر الحاصل بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد ~~الصنم إلها مثلا سواء؛ لأن كلا منهما ردة؛ وإنما قال هذا لجواب شبهة ترد ~~على قوله: ((لكن بعين الهزل)) وهى أن يقال: إن الهازل غير راض بموجب هذا ~~الكلام فينبغى أن لا يكفر كما فى ms951 المكره حيث لا يكفر بتلفظ ما أكره عليه من ~~كلمة الكفر. # فقال فى جوابها: إنما يكفر بعين الهزل لا بما هزل به؛ لان أثرهما سواء ~~بخلاف المكره على الردة؛ لأن الإكراه إنما يتحقق على إجراء كلمة الكفر على ~~اللسان وهو غير راض بإجراء كلمة الكفر فلم يكفر لعدم الرضى لا للفظ ولا ~~لموجبه بخلاف الهازل؛ لأنه راض بإجراء هذه الكلمة وإجراء هذه الكلمة بالرضا ~~استخفاف بالدن الحق واسخفافه كفر لما ذكرنا من قوله تعالى: {ولئن سألتهم ~~ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} الآية. # ولا يقال إن الهازل لا يعتقد الكفر والكفر والإيمان من باب الاعتقاد فكيف ~~يكفر من غير تبدل الاعتقاد من الإيمان إلى الكفر؛ لأنا نقول: قد تبدل ~~اعتقاده من الإيمان إلى الكفر؛ لأن من الاعتقاد الواجب عليه أن لا يعتقد ~~الاستخفاف بالله ولا يرضى به، ولما كان راضيا بالتكلم بالكلام الذى يوجب PageV05P2391 # الكفر قد بدل اعتقاده من الإيمان إلى الكفر فيكفر. # (بخلاف مسألتنا هذه) أي مسألتنا التى هى مسألة الهازل مخالفة لمسألة ~~المكره حيث لا يكفر المكره بإجراء كلمة الكفر على لسانه ويكفر الهازل به ~~لما أن المكره غير راض لا بعين إجراء كلمة الكفر ولا بمعناه بخلاف الهازل ~~فإنه راض بعين إجراء كلمة الكفر فيكفر. # فأما الكافر إذا هزل بكلمة الإسلام وتبرأ عن دينه هازلا يجب أن يحكم ~~بإيمانه؛ فإن المسلم لما كفر بإجراء كلمة الكفر هازلا وجب أن يحكم بإسلام ~~الكافر بإجراء كلمة الإسلام على لسانه هازلا بالطريق الأولى؛ لأن الإسلام ~~يعلو ولا يعلى. # ألا ترى أن صورة الإكراه المكره غير محكوم بكفره إذا أجرى على لسانه كلمة ~~الكفر مكرها ويحكم بإسلام الكافر إذا أجرى كلمة الإسلاك على لسانه مكرها ~~باعتبار ما قلنا بان الإسلام يعلو ولايعلى ترجيحا لجانب الإسلام مهما أمكن ~~لوجود أحد ركنى الإسلام، وهاهنا أولى أن يكون مسلما؛ لأن المسلم في ضذه ~~يكون كافرا. PageV05P2392 ### || AUTO السفه # خفة تعتري الفاعل فتبعثه على العمل بخلاف موجب العقل، وأراد بالذي ذكر ms952 في معنى ### || AUTO السفه # ### || AUTO السفه # المصطلح بين الفقهاء لا ### || AUTO السفه # الحقيقي. # (بخلاف موجب الشرع من وجه) وإنما قال من وجه لأن ### || AUTO السفه # المفسر بالتبذير وهو الإسراف في التصرف في ماله ليس بعمل مخالف للشرع من ~~كل وجه؛ لأنه تصرف في ملك نفسه والملك عبارة عن المطلق الحاجز، فكان المالك ~~مطلقا تصرفه كيف شاء ولكن فيه صفة التبذير فكان سفيها. # (وإن كان أصله مشروعا) أي وإن كان أصل فعل ### || AUTO السفه # المصطلح بين الفقهاء وهو التبذير في صرفه ماله إلى من يستحق الصرف إليه ~~وإلى من لا يستحق الصرف إليه مشروعا؛ لأن ذلك يدل على فرط الجود وهو مشروع، PageV05P2393 # وهو أيضا تصرف في ماله نفسه كسف شاء وهو مشروع، والإسراف: مجاوزة الحد، ~~وكلا طرفي الأمور ذميم، وخير الأمور أوساطها. # وقيل بالفارسية: اكر احتياط مبالغت كني در وسوسه افتى، ثم إضافة الأموال ~~إلى المخاطبين في (قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) باعتبار وصله ~~الولاية والقيام والمحافظة للأموال لا الملك، وفي قوله: (فادفعوا إليهم ~~أموالهم)) هذه الإضافة للملك، فإن هذه الأموال مملوكة لليتامى لا للأولياء، ~~إلا إضافة الشيء إلى الشيء تجوز بأدنى وصلة وملابسة بينهما، كما يصح أن ~~يقال لمن يقرب من طرف الخشبة: خذ طرفك وإن لم يكن الطرف ملكا له باعتبار ~~وصلة القرب منه، ومنه قوله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن) والبيوت للأزواج ~~لكنها كانت في أيدي النساء بالسكني فأضيفت إليهن. PageV05P2394 # (الخبرة): الامتحان. (حدث ضرب من الرشد) لاستيفاء مدة التجربة وهي مدة ~~خمس وعشرين سنة، فإن هذه المدة مدة استيفاء التجربة وانتهاء آثار الصبا، ~~فإن هذه مدة تصلح لأن يكون الإنسان فيها جدا فحينئذ يصير فرعه واليا، فمحال ~~أن يكون هو موصوفا بأوصاف الصبا ويكون هو محجورا عليه بعده مع وجود عقله. # (إما عقوبة) زجرا له عن فعله الحرام ومنعا له عن ذلك، (وإما حكم لا يعقل ~~معناه)؛ لأن منع المال عن مالكه لا يعقل؛ لأن الملك عبارة عن المطلق الحاجر ~~على ما مر فعكس الأمر في حقه ms953 وهو أن يحجز المالك عن التصرف في ملكه ويطلق ~~غيره بالتصرف فيه من غير رضا مالكه حكم لا يعقل معناه. PageV05P2395 # (فيتعلق بعين النص)؛ لأن الحكم الذي هو للعقوبة أو الحكم الذي هو غير ~~معقول المعنى لا يمكن تعديته. # وقوله: (فإذا دخله شبهة) يتعلق بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء) أي دخله شبهة ~~في بقاء السفه. # وقوله: (أو صار الشرط في حكم الوجود) يتعلق بقوله: (فإن آنستم منهم رشدا) ~~أي صار إيناس الرشد المنكر في حكم الوجود # (وجب جزاؤه) وهو الدفع؛ لأن ذلك جزاء الشرط وهو قوله تعالى: (فادفعوا). # (واختلفوا في وجوب النظر للسفيه فقال أبو حنيفة- رضي الله عنه-) لا يجوز ~~الحجر عليه عن التصرفات بسبب السفه، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي- رحمهم ~~الله- يجوز الحجر عليه بهذا السبب عن التصرفات المحتملة للفسخ. # إلا أن أبا يوسف ومحمدا- رحمهما الله- قالا: إن الحجر عليه على سبيل ~~النظر له، وقال الشافعي: على سبيل الزجر والعقوبة عليه، ويتبين هذا الخلاف ~~بينهم فيما إذا كان مفسدا في دينه مصلحا في ماله كالفاسق، فعند PageV05P2396 # الشافعي يحجر عليه بهذا النوع من الفساد بطريقة العقوبة والزجر، ولهذا ~~يجعل الفاسق أهلا للولاية وعندهما لا يحجر عليه. كذا في " المبسوط". # (بل كان مؤكدا) أي بل كان الخطاب مؤكدا ولازما بسبب التقصير في حقوق الله ~~تعالى، مجانة وسفها لا أن يكون الخطاب ساقطا عنه؛ لأن الترك موجب العقل، ~~والشرع بعد وجود العقل زيادة تأكيد في لزوم الخطاب لا سقوط الخطاب. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام: "ويل للجاهل مرة وللعالم سبعين مرة" (وقد ~~يحبس عقوبة) أي في حقوق العباد كما إذا مطل ديون أرباب الديون. # (النظر واجب حقا للمسلمين) أي الحجر للسفيه عن التصرفات واجب حقا للنظر ~~والمرحمة لأجل المسلمين؛ لأنه ربما يكون للمسلمين على السفيه ديون فلو لم ~~يحجر عن التصرفات يتلف ماله ويضر بالمسلمين الذين هم أرباب PageV05P2397 # الديون. # (وحقا له دينه) أي النظر واجب للسفيه لأجل دينه الإسلام؛ لأنه لو لم يحجر ~~عسى أن يتلف ماله لنفسه شيئا ينفقه على نفسه، ثم الحجر عندهما ms954 عن التصرفات ~~إنما هو عن التصرفات التي هي قابلة للفسخ كالبيع والإجارة. # وأما عن التصرفات التي لا تقبل الفسخ كالطلاق والعتاق فلا يتحجر عنها ~~بالاتفاق؛ لأن السفيه في معنى الهازل فلذلك يؤثر الحجر عليه فيما يؤثر فيه ~~الهزل وما لا فلا. وقوله: (لا لسفهه) جواب عما قال أبو حنيفة- رضي الله ~~عنه- بقوله: " لما كان السفه مكابرة وتركا إلى قوله: لم يحجز أن يكون سببا ~~للنظر". # (وقاساه بمنع المال) أي وقاس أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- حجر السفيه عن ~~التصرفات على منع ماله عنه إذا بلغ سفيها. # (أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في الدنيا)، فإن العفو عمن PageV05P2398 # وجب عليه القصاص حسن، قال الله تعالى: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) وقال ~~تعالى: (ذلك تخفيف من ربكم) ولم يخرجه بكبيرته عن استهال المرحمة في ~~الدنيا، وهذا لأنه وإن كان مرتكبا للكبيرة فكيمياء الإيمان معه، وخاصية ~~الكيمياء هي ا، تجعل الصفر ذهبا، فكذلك الإيمان يجعل غيره طاعة، وإليه وقعت ~~الإشارة في قوله تعالى (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). # (وأما في الآخرة) فإن الكبيرة سوى الكفر جائز المغفرة، فكان العفو عن ~~صاحب الكبيرة في الآخرة حسنا أيضا. # وقوله (النظر من هذا الوجه جائز لا واجب) جواب عن قولهما. # يعني أن ما ذكرتم لا يدل على أن النظر واجب، بل يدل على أنه جائز حسن كما ~~في حق صاحب الكبيرة فلم قلتم أنه واجب؟ ثم قوله: (وإنما يحسن إذا لم يتضمن ~~ضررا فوقه) جواب لما يرد شبهة على ذلك الجواب الذي أجاب به. PageV05P2399 # أبو حنيفة- رضي الله عنه- عن قولهما بقوله: "النظر من هذا الوجه جائز لا ~~واجب" بأن يقال: لما دل هذا على الجواز فلم لم تقل أنت في هذا بجواز الحجر ~~على السفيه؟ # فقال أبو حنيفة- رحمه الله- في جوابه: وإنما يجوز ويحسن إذا لم يتضمن ضرر ~~الحجر ضررا يفوق ذلك الضرر على الضرر الذي يلزم عند ترك الحجر وهاهنا كذلك، ~~فإن الحجر يلزم أن يكون كلام الرجل المنطيق ملحقا في اللغو بالنعيق. # وذات الإنسان الصائم القائم مشبها بالبهائم في سلب ms955 ولايته وبطلان تصرفاته ~~وولاية غيره عليه، وتحمل الضرر الأدنى يجوز أن يكون حسنا بمقابلة حصول نفع ~~يماثل ذلك الضرر، فصار كأنه لم يتضرر لمعادلة الضرر بالنفع كما في التجارات ~~التي لا ربح فيها ولا خسران لما أن ضرر زوال العين ينجبر بحصول نفع ثمن ~~يعادله في القيمة فصار كأنه لم يتضرر بزوال العين. # وأما إذا زال العين عنه بمقابلة حصول نفع لا يماثل عشر قيمته فلا يرضى به ~~عاقل، وروى في قصة معاوية- رضي الله عنه- أنه دخل عليه أعرابي يوما PageV05P2400 # فقال لمعاوية: أمك كانت عظيمة الكفل، فحلم معاوية عنه، فقال: لأجل ذلك ~~كان يحبها أبي، فخرج الأعرابي من عنده فرأى ابنه يزيد # فقال: كانت جدتك عظيمة الكفل فضربه يزيد بالصيف وقتله، فسمع معاوية ذلك ~~فقال: قتله حلمي فلو أن معاوية أدبه على ذلك لما فعل به يزيد ما فعله، ~~أوردوا هذه القصة في هذا المقام لبيان تحمل ضرر التأديب الذي هو الأدنى من ~~الأعرابي كان حسنا بمقابلة حصول نفع الحياة الذي يفوق على ذلك الضرر، وأما ~~عند غلبة الضرر على النفع فلا. # (واللسان والأهلية نعمة أصلية) لما أن الإنسان إنما باين سائر الحيوان ~~بالبيان، قال الله تعالى: [الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه ~~البيان] من الله تعالى على الإنسان بعد خلقه وإيجاده بتعليم البيان. PageV05P2401 # فعلم بهذا أن نعمة بعد الوجود لم تكن تساوي نعمة البيان في حق الإنسان، ~~ففي حجر السفينة عن التصرفات على وجه لا اعتبار لكلامه أصلا كان فيه تفويت ~~لأعلى النعم كلها فلا يكون ذلك من النظر له بل هو أقوى الإضرار به، فكان ~~تدبير النظر له بهذا الطريق عائدا على موضوعه بالنقض. # (فيبطل القياس)؛ لأن من شرط صحة القياس أن يكون الفرع نظيرا للأصل ~~(لإبطال أعلى النعمتين) وهو نعمة اللسان (باعتبار أدناهما) وهو نعمة اليد ~~فهو لا يصح. # كما إذا أكره على شرب الخمر بالقتل يلزم عليه شرب الخمر لأن في شرب الخمر ~~إزالة جزئه وهو العقل وفي الامتناع عنه إزالة كله بالقتل وهو النفس فلا ~~يباح ms956 اختيار إزالة النفس باعتبار إبقاء جزئها. # (وقال: بهذه الأمور صارت حقا للعبد رفقا به) أي صحة العبارة واليد ~~واللسان تثبت رفقا يصاحبها، (فإذا أدى إلى الضرر وجب الرد) لئلا يصير الرفق ~~عائدا على موضوعه بالنقض؛ لأن هذه النعم تثبت لنفع صاحبها فإذا صار ~~اعتبارها ضررا لا يبقى الانتفاع بهذه النعم، فالعقل نعمة عظيمة فإذا لم ~~يتأمل صاحب العقل بعقله في آيات الله تعالى حتى استحق به العقاب صار وجود ~~العقل ضررا له. # ألا ترى أن المجنون لا يعاقب باعتبار عدم العقل والعاقل يعاقب باعتبار PageV05P2402 # وجود العقل عند ترك التأمل، فكذلك نفع البصر والسمع، فإن البصير والسميع ~~لما لم بهما كان وجودهما أضر من عدمهما، فلذلك كان الكفار أضل من الأنعام، ~~قال الله تعالى: [أولئك كالأنعام بل هم أضل] # (وهذا قياس ما روى عن أبي يوسف- رحمه الله) أي حجر السفينة عن التصرف في ~~ملكه لدفع المسلمين نظير ما روى عن أبي يوسف في أن صاحب الملك يمنع عن ~~التصرف في ملكه لتأذي جاره. # وذكر في "التتمة" وعن أبي يوسف- رحمه الله- من اتخذ داره حماما فتأذى ~~الجيران من دخانه فلعم منعه إلا أن يكون دخان الحمام مثل دخان الجيران. # (وإنما يجب أن ينظر إلى ما فيه نظر له أبدا فلا يلحق بالصبي) إلى أخره. ~~يعني لما كان حجر السفيه عندهما لأجل النظر له لدينه أو للمسلمين يجب علينا ~~أن ننظر في أي موضع من المواضع المجمع عليها من مسائل الصبي PageV05P2403 # والمريض والمكره يتحقق النظر له عند إلحاقه به يلحق به، فلا يقتصر ~~بالإلحاق بالصبي لا غير ولا بالمريض لا غير ولا بالمكره لا غير بل في أي ~~موضع يتيسر النظر له فيلحق هو ربه. # وذكر بيان إلحاق المحجور علي بسبب السفه بهذه المواضع من المسائل في ~~حجر"المبسوط". # أما إلحاقه بالمريض فهو أن السفيه البالغ المحجور عليه إذا تزوج امرأة ~~جاز نكاحه وينظر إلى ما تزوجها عليه وإلى مهر مثلها فيلزمه أقلهما ويبطل ~~الفضل عن مهر مثلها أو ما سمي، وهو في ذلك كالمريض ms957 المديون فإن التزوج من ~~حوائجه، وكذلك لو جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه منه وكان الولد حرا لا ~~سبيل عليه والجارية أم ولد له، فإن مات كانت حرة لا سبيل عليها لأحد؛ لأن ~~توفير النظر في إلحاقه بالرشيد في حكم الاستيلاء فإنه محتاج إلى ذلك لإبقاء ~~نسله وصيانة مائه. ويلحق في هذا الحكم أيضا بالمريض المديون إذا ادعى نسب ~~ولد جاريته. # وأما إلحاقه بالمكره فهو أن المحجور عليه بسبب السفه إذا اشترى ابنه وهو ~~معروف وقبضه كان شراؤه فاسدا ويعتق الغلام حين قبضه، ويجعل في هذا الحكم ~~بمنزلة شراء المكره فيثبت له الملك بالقبض ويعتق عليه؛ ويجعل في هذا الحكم ~~بمنزلة شراء المكره فيثبت له الملك بالقبض ويعتق عليه؛ لأنه الملك ابنه ثم ~~يسعى في قيمته للبائع. PageV05P2404 # وأما إلحاقه بالصبي ففي هذه الصورة أنه ليس للبائع في مال المشتري شيء من ~~ذلك؛ لأنه وإن ملكه بالقبض فالتزام الثمن أو القيمة بالعقد منه غير صحيح ~~لما في ذلك من الضرر عليه، وهو في هذا الحكم ملحق بالصبي، وإذا لم يجب على ~~المحجور شيء لا يسلم له أيضا شيء من سعايته فتكون السعاية الواجبة على ~~العبد للبائع، وهذا الذي ذكرته هو ما أحال به على "المبسوط" في قوله (على ~~ما هو مذكور في "المبسوط"). # وقوله: (عندهما) ظرف لقوله: "أنواع" أي تنويع الحجر على هذه الأنواع ~~الثلاثة إنما هو عندهما لا عند أبي حنيفة- رحمه الله- فإن عنده لا حجر أصلا ~~على الحر العاقل البالغ فلا يتأتي التنويع. # وذكر في حجر "المبسوط" قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- الحجر على الحر ~~باطل. ومراد إذا بلغ عاقلا، وحكي عنه أنه كان يقول: لا يجوز الحجر إلا على ~~ثلاثة: على المفتي الماجن، وعلى المتطبب الجاهل، وعلى المكاري المفلس لما ~~فيع من الضرر إذا لم يحجر عليهم. # فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم، والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، ~~والمكاري المفلس يتلف أموالهم فيمنعون من ذلك دفعا للضرر. # ثم الاختلاف بين العلماء وراء هذا في فصلين؛ أحدهما: الحجر على السفيه ~~المبذر والأخر ms958 الحجر على المديون بسبب الدين- وذكر تفسير الحجر PageV05P2405 # على السفيه بأحكامه إلى أن قال- ثم بلغ سفيها عند محمد- رحمه الله- يكون ~~محجورا عليه بدون حجر القاضي. # وقال أبو يوسف- رحمه الله- لا يصير محجورا عليه ما لم يحجر عليه القاضي، ~~وكذلك لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها فمحمد- رحمه الله- يقول: قد قامت بدلالة ~~لنا على أن السفه في ثبوت الحجر به نظير الجنون والعته والحجر يثبت بنفسهما ~~هناك من غير حاجة إلى قضاء القاضي فكذلك السفه، وأبو يوسف- رحمه الله- يقول ~~الحجر على السفيه لمعنى النظر له، وهو متردد بين النظر والضرر، ففي إبقاء ~~الملك له نظر وفي إهدار قوله ضرر وبمثل هذا لا يترجح أحد الجانبين منه إلا ~~بقضاء القاضي. # ولأن الحجر بهذا السبب مختلف فيه بين العلماء فلا يثبت إلا بقضاء القاضي ~~كالحجر بسبب الدين، ثم قال: والكلام في الحجر بسبب الدين في موضعين: ~~أحدهما- أن من ركبته الديون إذا خيف أن يلجئ ماله بطريق الإقرار فطلب ~~الغرماء من القاضي أن يحجر عليه عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- لا يحجر عليه ~~القاضي وعندهما يحجر عليه، وبعد الحجر لا ينفذ تصرفه في المال الذي كان في ~~يده عند الحجر وينفذ تصرفاته فيما يكتسب من المال بعده وفي هذا الحجر نظر ~~للمسلمين. # فإذا جاز عندهما الحجر عليه بطريق النظر له فكذلك يحجر عليه لأجل النظر ~~للمسلمين، وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- كما لا يحجر على المديون PageV05P2406 # نظرا له فكذلك لا يحجر عليه نظرا للغرماء لما في الحيلولة بينه وبين ~~التصرف في ماله من الضرر عليه. # وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر إلا بقدر ما ورد ~~الشر عبه وهو الحبس في الدين لأجل ظلمه الذي تحقق بالامتناع من قضاء الدين ~~مع تمكنه منه، وخوف التلجئة ظلم موهوم منه فلا يجعل كالمتحقق، ثم الضرر في ~~إهدار قوله فوق الضرر في حبسه ولا يستدل بثبوت الأدنى على ثبوت الأعلى. # ثم هذا الحجر عندهما لا يثبت إلا بقضاء القاضي، ومحمد- رحمه الله- يفرق ~~بين هذا وبين الأول فيقول: الحجر هنا لأجل النظر للغرماء ms959 فيتوقف على طلبهم، ~~وذلك لا يتم إلا بقضاء القاضي والحجر على السفيه لأجل النظر له- وكونه ~~سفيها لا يتوقف على طلب أحد فيثبت حكمه بدون القضاء لذلك-. # والفصل الثاني- أنه لا يباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة- رضي الله ~~عنه- العروض والعقار في ذلك سواء، وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- يبيع ~~عليه ماله فيقضي دينه إلى أخره. # (حجر بسبب السفه مطلقا) أي سواء سفه بعد أن بلغ رشيدا أو بلغ سفيها. PageV05P2407 # (لكنه بمنزلة العضل) من الأولياء معناه أن للولي أن يمنع الحرة العاقلة ~~البالغة من التزوج ليحصل التزوج برأي الولي، ولئلا تقع المرأة تحت غير كفء، ~~ولئلا تنسب إلى الوقاحة بمباشرة النكاح بنفسها بدون رأي الولي، فلهذا ملك ~~الأولياء عضلهن ندبا لا حتما عند أبي حنيفة- رضي الله عنه-، وعند محمد- ~~رحمه الله- حتما، وكذلك عند أبي يوسف- رحمه الله- في رواية عنه حتى يتوقف ~~نكاحها بدون الولي إلى إجازة الولي. # ووجه الاتصال بمسألة السفيه أن شرعية العضل إنما كانت نظرا للأولياء ~~وللمرأة لا أنها تصير موليا عليها في الحقيقة، فكذلك الحجر ثبت في حق ~~السفيه نظرا له؛ لا أن السفه يوجب النظر في الحقيقة، وقيل لقوله: "بمنزلة ~~العضل" معنى أخر وهو أن المديون في امتناعه عن أداء الديون بمنزلة عضل PageV05P2408 # الولي وهو امتناع الولي عن تزويج وليته عند مخاطبة الكفء الخاطب، فإن ~~القاضي يقوم مقامه ويزوج وليته وينحجر الولي عن العضل، وهذا قول قيل فيه، ~~لكن لفظ الكتاب لا يساعده؛ لأنه لو كان معناه هذا لقيل لكنه بمنزلة عضل ~~الأولياء، ولكنه لما قال: بمنزلة العضل من الأولياء، علم أن المعنى هو ~~الأول، ولأن في تعليل "الأسرار" إشارة إلى المعنى الأول. # وحاصل ذلك أن من امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه وهو مما لا تجري فيه ~~النيابة ناب القاضي في منابه. كالذمي إذا أسلم عبده فأبى أن يبيعه باعه ~~القاضي عليه لهذا، والعنين بعد مضي المدة إذا أبي أن بفارقها ناب القاضي ~~منابه في التفريق بينهما. PageV05P2409 # ["السفر"] # (لكنه من أسباب التخفيف بنفسه مطلقا) أي سواء كان فيه المشقة ms960 أو لم تكن، ~~حتى إن السلطان إذا تنزه من بستان إلى بستان في سفره فإنه يترخص برخص ~~المسافرين باعتبار وجود نفس السفر من غير توقف إلى وجود نفس المشقة، أي من ~~غير توقف إلى وجود المشقة القوية إذ هو عبارة عن الخروج المديد فكان فيه ~~تحرك ممتد، ونفس التحرك أشق على النفس من السكون في مكانه واحد خصوصا ما ~~إذا كان ممتدا، فلذلك قال في الكتاب (لأنه من أسباب المشقة لا محالة). PageV05P2410 # وقوله: (لأنه متنوع على ما قلنا) أي في باب تقسيم المأمور به بقوله: ~~"وأما المريض فالصحيح عندنا فيه أن يقع صومه بكل حال عن الفرض" إلى أخره. # (ولنا على ما قلنا دليلا ظاهران ودليلان خفيان) وإنما سمي الأولين من ~~الدليل ظاهرين؛ لأن أحدهما (حديثة عائشة- رضي الله عنها-) وهو نص ظاهر. # والثاني قياس على النوافل بدليل ظاهر. PageV05P2411 # وسمى الآخرين من الدليل خفين لدقتهما في نفسهما لا يدركان إلا بزيادة ~~التأمل، وهذا لأن ما ثبت بطريقة الرخصة لا يبطل الحكم المشروع بطريقة ~~العزيمة كما في صوم المسافر على ما ذكره الشافعي وهو الظاهر، ثم مع ذلك كان ~~القول ببطلان حكم العزيمة قولا مخالفا للدليل الظاهر فكان خفيا، وكذلك ~~القول بنفس المشيئة المطلقة والاختيار الكامل للعباد مع أن الله تعالى ~~خلقهم مختارين وشائين، إذ بدون الاختيار يلزم الجبر والجبر باطل كان قولا ~~مخالفا للدليل الظاهر فكان خفيا. # (وحق الصلاة علينا حق لا يتحمل التمليك) فكان إسقاطا محضا فكان من قبيل ~~الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص لا من قبيل الإبراء وتمليك PageV05P2412 # الأمر باليد ولله تعالى الاختيار المطلق، قال الله تعالى: [ويفعل الله ما ~~يشاء]، مدح ذاته بالمشيئة المطلقة فلا يكون ذلك لغيره ثابتا لو ثبت له ~~الاختيار بين القصر والإكمال لكان ذلك اختيارا في وضع الشرع، ولا يرد علة ~~هذا كون العبد مختارا في الأقل والأكثر من التطوعات كما في صلاة الضحى فإنه ~~مخير بين أن يصليها ركعتين وبين أن يصليها أربعا أو أكثر، ولم يقل فيه أحد ~~بأنه لا يجوز؛ لأن ms961 ذلك يؤدي إلى الاختيار في وضع الشرع. # قلنا: إن ذلك في التطوعات وما نحن بصدده في الفرائض، فإن الاختيار في أصل ~~التطوعات ثابت، فإن كل إنسان مختار في أن يفعلها وأن لا يفعلها، فأولى أن ~~يثبت الاختيار في قدرها ولا يرد أيضا على هذا قول تعالى: [اعملوا ما شيءتم] ~~لأن تلك المشيئة ليست على حقيقتها التي توجب الإطلاق. # وكذلك الأمر بالعمل بها ليس على حقيقته؛ لأن المشيئة الصادرة من الشارع ~~إذا كانت على حقيقتها كانت عبارة عن الإذن والإباحة بفعل ما يشاء وكذلك ~~الأمر إذا كان على حقيقته كان أول درجاته الإباحة، وليس في فعل PageV05P2413 # الكفر والمعاصي الإباحة، بل هو أمر تهديد وتوبيخ فكان ذلك من قبيل قوله ~~تعالى: [فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر] وقد ذكرناه. # (وكذلك المكاتب في جناياته) فإن المكاتب إذا جني موجبة للمال كانت جنايته ~~عليه يجب الأقل من قيمته ومن الأرش، هكذا ذكر في "فتاوى قاضي خان". # (ولا رفق في اختيار الكثير على القليل) بل الرفق متعين في اختيار القليل، ~~(والجنس واحد) أي من حيث المال. PageV05P2414 # (فما الثواب إلا في حسن الطاعة لا في الطول والقصر) قال النبي عليه ~~السلام: "ركعتان من متق خير من ألف ركعة من مخلط" فرب درهم يكون له ثواب ~~عشرة ورب درهم يكون له ثواب سبعمائة ويكون ضعفه أيضا. # فعلم أن الثواب في حسن الطاعة لا يصلح بناؤه على حكم الآخرة وهو الثواب. # (وإنما ثبت هذا الحكم) أي حكم الرخصة (إذا اتصل بسبب الوجوب) PageV05P2415 # وهو وقت الأداء (وإذا لم يتصل به فلا) أي وإذا لم يتصل السفر بوجوب ~~الأداء فلا يثبت هذا الحكم وهو سقوط الركعتين في قضائه. # (ولما كان السفر من الأمور المختارة) احترز بهذا القيد عن المرض فإنه ليس ~~من الأمور المختارة، فلذلك تفاوتا في الحكم، (ولم يكن موجبا ضرورة لازمة) ~~يعني أن السفر موجب لكن يتعلق باختياره فلم يكن موجبا على وجه لا يمكن ~~دفعه؛ لأن في وسعه الامتناع عن السفر فيكون في وسعه الامتناع عن حكمه ms962 ~~بواسطة الامتناع عن سببه فلم يكن حكمه من الأمور اللازمة بهذا الطريق، وظهر ~~أثر هذا الفرق في الأحكام المذكورة التي بنيت عليهما أي على السفر والمرض. # (بخلاف المريض إذا تكلف) إلى قوله (لأنه سبب ضروري) يعني أن المرض سبب ~~ضروري على وجه لا يمكن دفعه لكونه سماويا فكان ضرورة لازمة وأثره يظهر فيما ~~ذكر من الفروع. # (وهذا موضوع لها) أي السفر موضوع للمشقة لكن العبد فيه مختار. PageV05P2416 # (وأحكام السفر تثبت بنفس الخروج بالسنة المشهورة) وهي ما ذكر في ~~((المصابيح)) قال أنس -رضي الله عنه- ((إن النبي -صل الله عليه وسلم- صلى ~~الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفه ركعتين)) والقياس أن لا يثبت ~~إلا بعد تمام السفر؛ لأن العلة إنما تتم حينئذ، وحكم العلة لا يثبت قبلها، ~~لكن ترك القياس لما روينا. # ولتحقيق الرخصة في كل فرد من أفراد المسافرين؛ لأنه لو توقف حكم علة ~~السفر إلى تمام العلة وهو سير ثلاثة أيام لتخلفت الرخصة في حق بعض PageV05P2417 # المسافرين وهو ما إذا قصد المسافر إلى مسيرة ثلاثة أيام فلا يترخص هو ~~حينئذ لا قبل ثلاثة أيام ولا بعدها وهو مسافر من حيث خرج بالحديث؛ لأن ~~الشارع أثبت رخصة السفر لجنس المسافرين بقوله: ((يمسح المقيم يوما وليلة ~~والمسافر ثلاثة أيام ولياليها)). # (ألا ترى أنه إذا نوى رفضه) أي رفض السفر (صار مقيما) يعني فيما إذا لم ~~تتم ثلاثة أيام (وإن كان في غير موضع الإقامة) بأن كان في المفازة (لأن هذا ~~ابتداء إيجاب) أي إيجاب إقامة. # ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد)) قيل: أريد بالباغي الخارج على الإمام، ~~وبالعادي الذي يقطع الطريق على المسلمين، وبهذا التأويل تمسك الشافعي، ~~ويحتمل أن يكون المراد من الباغي الذي يطلب ادخار الميتة بعد ما وجدها PageV05P2418 # وبالعادي أن يأكل الشبع، وهذا التأويل بهذا الموضع أليق على ما يجيء بعيد هذا. # فصار النهي عن هذه الجملة نهيا لمعنى في غير المنهي عنه، أي النهي عن سفر ~~في إباق عن المولى والنهي عن سفر فيه قطع لطريق المسلمين، والنهي عن ms963 سفر ~~فيه خروج على الإمام من الباغي نهي عن السفر لمعنى في الإباق ولمعنى في قطع ~~الطريق ولمعنى في الخروج على الإمام لا لمعنى في عين السفر. PageV05P2419 # (وبذلك لا يمتنع تحقق الفعل) وهو السفر مشروعا. # (لأن صفة الحل في السفر دون صفة القربة في المشروع) يعني أن المشروع ~~مقصود، والسبب وسيلة، والقربة أقوى في المشروعية من نفس الحل لزيادة وصف ~~محمود فيها وهو القربة في المشروع، ثم زوال صفة القربة عن المشروع لا يمنعه ~~من تحققه مشروعا كالإحرام الفاسد والصلاة في الأرض المغصوبة, فلأن لا يمنع ~~زوال صفة الحل عن السبب من تحققه سببا أولى، فكان سفر المعصية سببا لثبوت ~~الرخصة. # وهذا لأن المشروع يبقى مشروعا وإن كان منهيا لمعنى في غيره، فكذلك السبب ~~يصلح أن يكون سببا إذا كان النهي لمعنى في غيره كالصلاة في الأرض المغصوبة ~~فكذلك هاهنا سفر الآبق والباغي غير منهي لمعنى في نفسه من حيث PageV05P2420 # إنه خروج مديد بل هو مباح في نفسه وإنما صار منهيا لمعنى في غيره مجاور ~~له وهو التمرد على المولى والخروج على الإمام والإضرار بالمسلمين بقطع ~~الطريق، وذلك معنى منفصل عن السفر فلا يخرج هذا السفر عن كونه سببا لثبوت ~~الرخصة. # ألا ترى أن العبد المتمرد على المولى في البلد يتمكن من المسح على الخف ~~مسح الإقامة فيجب أن يكون متمكنا في السفر وإن كان متمردا على مولاه من مسح السفر. # وأما قوله تعالى: ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد)) قيل أريد به ما تمسك به ~~الشافعي -رحمه الله- وهو أنه أريد بالباغي الخارج على الإمام، وبالعادي ~~الذي يقطع الطريق على المسلمين. # وقيل أيضا: أريد بالباغي الذي يطلب ادخار الميتة بعدما وجدها، وبالعادي ~~أن يأكل إلى الشبع ولا يكتفي بما يسد به جوعه، وهذا التأويل أليق بهذا ~~الموضع؛ لأن الآية وردت في أكل الميتة وغيرها والعدوان في الأكل ما قلنا، ~~فكان هو أدل ما هو على المراد من الآية، ولأن صيغة قوله: ((ولا عاد)) تنبئ ~~عن التعدي في عين ذلك الفعل، ms964 وهو ما قاله في الكتاب (بأن يتغذى المضطر على ~~غيره). PageV05P2421 # وأما السفر على وجه الإباق عن المولى ليس بتعد في عين ذلك الفعل فإن ~~التمرد ينفصل عن السفر وجودا وعدما على ما ذكر في الكتاب؛ حيث يوجد السفر ~~ولا تمرد فيه، بل فيه طاعة وقربة لخروجه إلى الغزو، ويوجد التمرد بلا وجود ~~السفر وهو أن يتمرد العبد على مولاه في البلد. # فعلم بهذا أن النهي عن سفر الإباق ليس بنهي في عين السفر بل لغيره وهو ~~الإباق، فلا ينافي مشروعية السفر كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض ~~المغصوبة، ولما كان نفس السفر مشروعا يترخص العبد الآبق وقاطع الطريق في ~~سفرهما برخص المسافرين كما يترخص من يسافر للتجارة، وأحكام السفر أكثر من ~~أن تحصى وهي معروفة. PageV05P2422 # الفصل السادس: وهو ### || AUTO الخطأ # وقوله: (وشبهة) -بالنصب- معطوف على قوله: (عذرا). # (إن الخاطئ لا يأثم) إثم القتل العمد، وأما هو في نفسه فلا يخلو عن ضرب ~~تقصير حتى احتاج المخطئ فيه إلى التكفير، (ولا يؤاخذ بحد) أي لو وجد ما ~~يوجب الحد من الزنا وغيره بطريق ### || AUTO الخطأ # لا يجب عليه الحد حتى إنه لو زفت إليه غير امرأته وقال النساء: إنها ~~زوجتك فوطئها لا حد عليه، فإن هذا زنا حقيقة ولكن وجد ذلك منه خطأ فلم يوجب ~~الحد وإنما وقع فيه بسبب إخبار النساء بأنها امرأته في موضع الاشتباه فكان ~~ذلك عذرا له في دفع الحد، وكذلك لو شرب الخمر على ظن أنه ماء، كما لو رمى ~~على إنسان سهما على PageV05P2423 # ظن أنه صيد فإنه يسقط القصاص هناك، فكذا الشرب هنا يسقط الحد؛ (لأنه جزاء ~~كامل) أي الحد والقصاص. # (لأنه ضمان مال لا جزاء فعل) يعني أن ضمان استهلاك مال الغير ضمان لجبر ~~نقصان مال الغير، لا أن يكون مجازاة لفعله بخلاف الحد والقصاص فإنهما جزاء ~~الفعل الذي هو حرام وتعد. # ألا ترى أنه لو اجتمع عشرة في إتلاف مال إنسان فأتلفوا عليه يجب عليهم ~~ضمان واحد، فلو كان جزاء فعل لوجب على كل ms965 واحد منهم جزاء كامل، كما لو ~~اجتمع المجرمون في قتل صيد واحد أو اجتمعوا في قتل موجب للقصاص. # (صلح سببا للتخفيف بالفعل فيما هو صلة) أي صلح الخطأ سببا للتخفيف فيما ~~هو صلة بسبب الفعل الخطأ, أو معناه صلح سببا للتخفيف في موجب الفعل القاصر ~~إذا كان ذلك الموجب صلة لا يقابل مالا, ومن أثر PageV05P2424 # تخفيفه أن الدية تجب على العاقلة في ثلاث سنين. # وحاصله أن جزاء قتل الخطأ يشبه بجزاء الفعل من وجه ولضمان المحل من وجه، ~~فلشبهه لجزاء الفعل يجب الكفارة، ولشبهه بضمان المحل تجب الدية، لكن لما ~~كان وجوب الدية في مقابلة ما ليس بمال سوهل فيه بالوجوب على العاقلة في ~~ثلاث سنين فكان جزاء قتل الخطأ من هذا الطريق مشابها بقتل المحرم صيدا ~~مملوكا للغير؛ حيث يجب عليه الجزاء والقيمة مع ذلك، فالجزاء باعتبار جزاء ~~الفعل والقيمة باعتبار ضمان المحل. # (ولقام البلوغ مقام الرضى أيضا فيما يعتمد الرضى) أي فيما يقتضي الرضى ~~وهو البيع، فحينئذ ينبغي أن يصح بيع المكره البالغ بلا فساد وليس كذلك، ~~وكذلك بيع المخطئ والهازل. # (أن الشيء إنما يقوم مقام غيره إذا صلح دليلا وكان في الوقوف على الأصل ~~حرج) كالنوم للحدث والسفر للمشقة فإن النائم لا يمكنه الوقوف على خروج ~~الريح منه. # (وليس في أصل العمل بالعقل حرج في دركه) أي في درك أصل العمل أي ليس لأحد ~~حرج في أن يدرك أن أصل عمله بالعقل، (ولا حرج في PageV05P2425 # معرفته) أي في معرفة أن النوم ينافي أن يكون أصل العمل بالعقل. # (فلم يقم البلوغ مقامه) أي فلم يقم البلوغ في حق النائم مقام أصل العمل ~~بالعقل. # (والرضى عبارة عن امتلاء الاختيار حتى يفضي إلى الظاهر). # ألا ترى أن من كان راضيا يرى في وجهه وعينيه بشاشة وسرور. # (ولهذا كان الرضى والغضب من المتشابه) أي ولأجل أن الرضا عبارة عن امتلاء ~~الاختيار حتى يفضي إلى الظاهر، والغضب عبارة عن غليان دم القلب على وجه ~~يظهر أثره في حماليق العينين، وهذان الوصفان لا ms966 يستقيم إثباتهما في حق الله ~~تعالى على الحقيقة، ثم ورودهما مع ذلك في حق الله تعالى بقوله: ((رضي الله ~~عنهم))، وقوله تعالى: ((من لعنه الله وغضب عليه)) من المتشابه. PageV05P2426 # (فلم يجز إقامة غيره مقامه) أي لم تجز إقامة غير الرضى وهو البلوغ مقام ~~الرضى؛ لأن البلوغ لا يصلح دليلا على الرضا. # وقوله: (لما كان الخطأ لا يخلو) إلى آخره، ابتداء نكتة يفرق بها بين ~~الخاطئ والناسي في حق عدم بقاء الصوم في حق الخاطئ وبقائه في حق الناسي لما ~~أن الخاطئ غير مستحق لكرامة بقاء الصوم لوجود ضرب تقصير منه وهو ترك التأني ~~في سبق الماء إلى حلقه عند المضمضة مع تذكر صومه. # (ألا تراه صالحا للجزاء) هذا إيضاح لقوله: ((الخطأ لا يخلو عن ضرب ~~تقصير)) أي ألا ترى أن الخطأ يصلح أن يكون سببا للجزاء القاصر وهو الكفارة. # (استوجب بقاء الصوم من غير أداء) أي من غير أداء الصوم حقيقة؛ لأنه وجد ~~الأكل حقيقة وبوجود الأكل الحقيقي في النهار لا يتصور أداء الصوم PageV05P2427 # حقيقة، ومع ذلك جعله الشارع أداء فكان ذلك كرامة للناسي. # (وجعل المناقض) وهو الأكل (عدما في حقه) أي في حق الناسي، وإلى تحقيق ~~الكرامة أشار النبي عليه السلام في قوله: ((إنما أطعمك الله وسقاك)) فقطع ~~فعل التقصير منه وأضاف الإطعام إلى الله تعالى وهو إكرام منه. # (لوجود الاختيار وضعا) لأن هذا فعل وجد من الآدمي المختار لا على طريق ~~النسيان فكان جريان لفظ البيع في لسانه ليس كجريان الماء وطول الثبات؛ ~~لأنهما ليسا من ذي اختيار ولكن انعدم به الرضى فكان بمنزلة بيع المكره، وله ~~اختيار في إجراء كلمة البيع على لسانه؛ لأنه علم الشرين فاختار أهونهما ~~عليه وليس له رضى بثبوت موجب البيع بذلك اللفظ. PageV05P2428 # وأما الفصل الآخر فهو: ### || AUTO فصل الإكراه # (ألا ترى أنه يتردد بين فرض وحظر) إلى آخره، فالفرض: فيما إذا أكره بأكل ~~الميتة وشرب الخمر بالقتل فإنه يفترض عليه الإقدام على الأكل والشرب حتى لو ~~صبر فقتل كان آثما كما في ms967 ترك الفرض باختياره. # والحظر: فيما إذا أكره على قتل الغير أو على الزنا بالقتل فالإقدام على ~~القتل والزنا محظور فيأثم بفعلهما، والإباحة: فيما إذا أكره على الإفطار في ~~صوم رمضان بالقتل فإنه يباح له الفطر؛ لأن الإفطار في نهار رمضان يباح PageV05P2429 # فى الجملة بعذر، وهذا أقوى الأعذار؛ إذ فيه هلاك النفس على تقدير ترك ~~الإفطار. # والرخصة: فيما إذا أكره على إجراء كلمة الكفر على اللسان إذ هو يستحيل ~~اتصافه بالإباحة لكن يرخص له الإقدام على ذلك عند طمأنينة القلب بالإيمان، ~~(فيأثم مرة) كما إذا صبر عن أكل الميتة وشرب الخمر حتى قتل يكون آثما. ~~(ويؤجر أخرى) كما إذا صبر عن إجراء كلمة الكفر على اللسان فقتل كان مأجورا. # (لأنه لو سقط) أي الاختيار (لبطل) أي (الإكراه)؛ لأن الإكراه إنما يتحقق ~~في حق فعل هو في إمكان المكره تحصيله فكان فيه مختارا، وأما في حق فعل ليس ~~هو في إمكانه تحصيله فلا يتحقق الإكراه لانعدام الاختيار كما إذا أكره ~~القصير بأن يكون طويلا أو على العكس يبطل حكم الإكراه لسقوط الاختيار. # (ألا ترى أنه حمل على الاختيار) أي أجبر المكره على أن يختار ما هو ~~الأهون من الأمرين المكروهين وكل منهما في وسعه ولكن هو شيء شاق عليه. # (وقد وافق الحامل فكيف لا يكون مختارا؟) فإن الموافقة لأمر الأمراء PageV05P2430 # دليل الاختيار حيث علم المكروهين عليه فاختار أهونهما عليه، ولو لم يكن ~~مختارا لما قيل إنه وافق أمر الأمراء. # ألا ترى أنه لو قال للماء الجاري: أجر فجرى لا يقال: بأن الماء وافق ~~أمره؛ لأنه لا معرفة للماء بأمر الآمر ولا خبرة له بالشر ولا بأهونه. # (إلا بدليل غيره على مثال فعل الطائع) أراد به أن لفعل الطائع موجبا ~~أصليا، وإذا قارنه دليل مغير عن موجبه الأصلي غيره عنه فكذلك في حق المكره ~~لأقواله وأفعاله موجب أصلي، فإذا قارنها ما يغيرها عن موجبها الأصلي غيرها ~~عنه، فإن موجب إجراء كلمة الكفر على اللسان الكفر ولما أجرى المكره تلك ~~الكلمة الشنعاء على لسانه ms968 بالإكراه لم يثبت موجبها الذي هو الكفر لقران ~~دليل غيرها عن موجبها الأصلي بها وهو الإكراه. # كما يغير الدليل المغير إذا قارن قول الطائع في مسألة الشرط والاستثناء ~~في قوله لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وإقراره بغيره بقوله: لك علي ألف ~~درهم إلا مائة. # وكذلك في الأفعال؛ فإن موجب شرب الخمر وموجب الزنا الحد فإذا فعلهما ~~بالإكراه بالقتل لم يثبت موجبها الذي هو الحد لقرن الدليل الذي غيره عن ~~موجبه كما يثبت ذلك التغير في حق فعل الطائع عند قران الدليل المغير بفعله، ~~وهو ما إذا شرب الخمر أو زنا -والعياذ بالله- في دار الحرب لا يجب الحد ~~لقران المغير ذلك الفعل عن موجبه وهو وجود فعل طائع فيهما في دار الحرب. # (وإنما أثر الكره إذا تكامل في تبديل النسبة) المراد من تكامل الإكراه PageV05P2431 # هو أن يكون ملجئا بأن يكرهه على أمر لو لم يفعله يقتله أو يقطع عضوه أو ~~نحو ذلك، والمراد من تبديل النسبة أن يكون فعل المكره المحمول حسا أن يكون ~~فعل المكره الحامل حكما حتى يجب القصاص في القتل على المكره الحامل لا على ~~المكره المحمول, وهذا الذي ذكره من تبديل النسبة إنما يتحقق في الفعل الذي ~~يحتمل تبديل النسبة كما في الإتلاف على ما يجيء بيانه. # (وأثره إذا قصر في تفويت الرضا) أي لا في تبديل النسبة، والمراد من ~~الإكراه القاصر هو أن يكون الإكراه بالحبس أو القيد، وتفويت الرضى وإن كان ~~عاما في الإكراه الكامل والقاصر، لكن لما لم يكن للقاصر أثر غيره صار كأنه ~~هو المخصوص به. # (فأما في الإهدار فلا) أي ليس للإكراه أثر في إهدار القول والفعل، وقوله: ~~(خلافا للشافعي) راجع إلى نفي الإهدار عندنا وإلى إثبات الفرق بين الإكراه ~~الكامل والقاصر، فإن إهدار القول والفعل بالإكراه الباطل ثابت عند الشافعي ~~على السواء من غير فرق بينهما حتى لا يقع طلاق المكره ولا إعتاقه، ولا يفسد ~~صومه بالأكل بالإكراه لبطلان قول المكره وفعله، وكذلك عنده لا فرق بين ~~الإكراه الكامل والقاصر ms969 بل القاصر مثل الكامل. PageV05P2432 # (فيبطل عند عدمه) أي فيبطل القول عند عدم القصد والاختيار، فصار كأن ~~القول لم يكن فلا يقع بمثل هذا القول الطلاق والعتاق، وإنما قلنا إن القول ~~يبطل عند عدم القصد والاختيار لقوله تعالى: ((إذا جاءك المنافقون قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون)) أخبر الله تعالى بأنهم كاذبون مع أنهم شهدوا برسالة محمد عليه ~~الصلاة والسلام لما خالف لسانهم ضميرهم فبطل صحة القول بعدم القصد ~~والاختيار. # ألا ترى أن قول الصبي الذي هو غير عاقل لا يصح لعدم قصده، وكذلك قول ~~النائم باطل لعدم قصده. # (وتحقيق العصمة في دفع الضرر عنه عند عدم الرضا) يعني أن ماله معصوم لأنه ~~ليس بكافر حربي بل هو مسلم أو ذمي لأن كلامنا فيه، فتحقيق عصمته في أن لا ~~يفوت عن ملكه إلا برضاه دفعا للضرر عنه فتحققت العصمة فوجب أن يبقى على ~~ملكه عند عدم الرضى. PageV05P2433 # (وتمامه بأن يجعل عذرا يبيح الفعل) أي شرعا كما إذا أكره على إتلاف مال ~~الغير وعلى شرب الخمر فإن أمكن أن ينسب إلى المكره نسب إليه كما في إتلاف ~~مال الغير، فيجعل كأن المكره هو الذي أتلفه بنفسه حتى وجب الضمان عليه ~~بالاتفاق؛ لأنه يمكن أن ينسب إليه الإتلاف ويجعل المكره آلة له بأن يأخذ ~~المكره رجل المكره فيلقيه على مال إنسان فيتلفه، ففي الإكراه على إتلاف مال ~~الغير يجعل كأنه فعل كذلك فيجب الضمان على المكره لذلك. # (وإلا فيبطل حكمه) أي وإن لم يمكن أن ينسب ذلك الفعل الذي حصل من المكره ~~إلى المكره بطل حكم ذلك الفعل أي يجعل كأنه لم يوجد ذلك الفعل لا من المكره ~~ولا من المكره كما في شرب الخمر بالإكراه، حيث لا يجب حد الشرب لا على ~~المكره ولا على المكره، وكذلك لو أكره الصائم الصائم في نهار رمضان على ~~الأكل والشرب فأكل المكره أو شرب لا يفسد صوم المكره الآكل ولا صوم المكره ~~الآمر؛ لأن فعل الأكل والشرب ms970 من الأفعال التي لا يمكن أن ينسب إلى المكره ~~الآمر؛ لأن الإنسان لا يمكن له أن يأكل أو يشرب بفم غيره، فلذلك جعل كأن ~~الأكل والشرب لم يوجدا أصلا فلا يجب حد الشرب PageV05P2434 # والأكل على أحد، ولا يفسد صوم أحد على أصله، (وقال في الإكراه على الزنا: ~~إنه يجب الحد على الفاعل) لأن هذا من قبيل الإكراه غير التام؛ لأن الزنا لا ~~يباح بالإكراه بالاتفاق، فلما لم يتم الإكراه على أصله صار كأن الإكراه لم ~~يوجد، ووجد الزنا من الزاني من غير إكراه فيجب الحد عليه لذلك. # (وكذلك قال في المكره على القتل: إنه يقتل) أي إذا قتل لما قلنا إشارة ~~إلى قوله: ((لأنه لم يحل له الفعل)). # (وأما المكره فإنما يقتل بالتسبيب) جواب لإشكال وهو أن يقال: لما بقى ~~القتل مضافا إلى المكره حتى وجب القصاص عليه ولم يوجد القتل من الآمر حقيقة ~~فلم وجب القصاص عليه أيضا؟ PageV05P2435 # فقال: إنما يقتل الآمر لوجود تسبيب القتل منه والمسبب عنده بمنزلة ~~المباشر في استحقاق القصاص عليه كشهود القصاص إذا رجعوا. # (وقال في الإكراه على الإسلام: إن المكره إذا كان ذميا) وذكر في ~~((المبسوط)) (أو مستأمنا)، وقوله: (لأن إكراه الذمي باطل) قال العبد الضعيف ~~عبد الله -غفر الله له- فيعلم بهذا أن عدم تمام الإكراه غير منحصر على عدم ~~إباحة الفعل على المكره بل عليه، وعلى عدم إباحة فعل الإكراه على المكره ~~الآمر، وهذا لأن الذمي لو أسلم عند الإكراه عليه كان الإسلام مباحا له بل ~~يقع فرضا، وما ذكره قبل هذا بقوله: ((وتمامه بأن يجعل عذرا يبيح الفعل)) ~~معناه يبيح الفعل على المكره المأمور أو يبيح فعل الإكراه على المكره الآمر ~~بالإكراه. # (وكذلك المولي) هو اسم فاعل من الإيلاء. # (وذلك بعد المدة عنده) لأن الطلاق لا يقع عند الشافعي -رحمه الله- PageV05P2436 # بعد انقضاء مدة الإيلاء، بل يتوقف إلى التفريق فإذا لم يفرق فالقاضي ~~يجبره ويكون الإجبار حقا، فلذلك وقع الطلاق لكون التفريق مستحقا على المولى ~~بعد انقضاء المدة فكان الإكراه حقا عليه كإكراه ms971 المديون على بيع ماله عند ~~المماطلة، فأن بيع صحيح وإن كان بإكراه لكون الإكراه على البيع حقا. # (فكان دون الهزل وشرط الخيار والخطأ) أي للإكراه دون هذه الأشياء في ~~إفادة الحكم فكانت هذه الأشياء أقوى في إثبات الحكم من الإكراه؛ لأن الرضى ~~بالسبب موجود في الهزل وشرط الخيار والبلوغ قائم مقام الحفظ مع اعتدال ~~العقل في الخطأ، فكان الرضا والاختيار موجودا، والإكراه فيما يتعلق بالرضى ~~دون هذه الأشياء، فلذلك كان أبعد في إفادة الحكم من الهزل وأختيه، وفيما ~~يتعلق بالاختيار دون الرضا كالطلاق فوق الهزل لوجود الاختيار والحكم جميعا، ~~وإن كان فاسدا، وفي الهزل وشرط الخيار الاختيار للحكم معدوم. # (فإذا عارضه اختيار صحيح) وهو اختيار المكره. PageV05P2437 # (وفيما لا يحتمله لا يستقيم نسبته إلى المكره) وهو الأقوال كلها، ومن ~~الأفعال الأكل والوطء. # (لأنه صالح) أي لأن الاختيار الفاسد صالح لنسبة الحكم إليه. # (ألا ترى أن هذا القدر صالح للخطاب) حتى قيل: إن المكره متردد بين فرض ~~وحظر وإباحة ورخصة إلى آخر ما ذكرنا قبل هذا. # (منقسمة إلى هذين القسمين) أي فيما يصلح آلة للمكره وفيما لا يصلح آلة ~~له: أحدهما: مثل (الأقوال) أي في أن لا يصلح آلة للمكره كالأكل والوطء. # والثاني: ما يصلح أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره كما في إتلاف مال الغير. # (ما يحتمل الفسخ ويتوقف على الرضى) كالبيع والهبة، (وما لا PageV05P2438 # يحتمل الفسخ) كالطلاق والعتاق. # (كامل يفسد الاختيار ويوجب الإلجاء) كالإكراه بالقتل أو بقطع العضو. # (وقاصر يعدم الرضا) كالإكراه بالحبس والقيد. # (حرمة لا تنكشف) أي لا يزول عنها الحرمة أصلا كالزنا والقتل بغير حق. # (وحرمة) تحتمل السقوط أصلا كشرب الخمر بالإكراه، (وحرمة لا تحتمل السقوط ~~لكنها تحتمل الرخصة) كإجراء كلمة الكفر على اللسان. # (وحرمة تحتمل السقوط لكنها لم تسقط بعذر الكره واحتملت الرخصة أيضا) ~~كتناول مال الغير بالإكراه، فإن تلك الحرمة تحتمل السقوط بإباحة صاحب المال ~~لكن لم تسقط حرمته بعذر الكره بل يرخص له الأكل عند المخمصة على معنى عدم ~~المؤاخذة لا أنه يحل أكله بل ms972 بشرط الضمان يرخص له الأكل. PageV05P2439 # (إن الإكراه لا يوجب تبديل الحكم بحال) يعني أن حكم السبب الموضوع له لا ~~يبتدل بالإكراه بل يبقى حكمه كما في حق الطائع؛ لأن السبب إنما أوجب الحكم ~~لكونه صادرا عن ذي عقل وتمييز وأهل خطاب وبلوغ، وبالإكراه لا تنعدم هذه ~~المعاني لما ذكرنا من انقسام أفعال المكره إلى الفرض والحظر والإباحة ~~والرخصة كأفعال الطائع. # ولا يوجب أيضا بتبديل (محل الجناية)؛ لأن في تبديل محل الجناية تبديل محل ~~الحكم، وهو لا يصح على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. # (ولا وجه لنقل الحكم بدون نقل الفعل)؛ إذ في نقل الحكم بدون نقل الفعل ~~انفكاك الأثر عن المؤثر وذلك لا يصح؛ لأن فيه قولا بوجود الضرب في محل ~~ووجود الألم في محل آخر وهو محال. # (ولا وجه لنقل الفعل ذاته) أي لا وجه لنقل ذات الفعل؛ لأن الفعل عرض فلا ~~يوصف بالانتقال من محل إلى محل؛ لأنه إذا وجد في محل اضمحل وتلاشى بعد ~~الوجود؛ فلم يتصور نقله لا حال الوجود ولا بعد PageV05P2440 # الوجود فوجب القول بنقل الفعل بأن يجعل المكره آلة للمكره. (بهذا الطريق) ~~وهو إشارة إلى قوله: ((وهو أن يجعل المكره آلة للمكره)) وطريق جعله آلة هو ~~ما ذكر قبل هذا بقوله: ((فيجعل الاختيار الفاسد معدوما في مقابلته)) أي في ~~مقابلة الاختيار الصحيح، فلما كان اختيار المكره معدوما كان هو والسيف سواء ~~في أن كل واحد منهما عديم الاختيار، والسيف آلة للضارب فكذا المكره المأمور ~~آلة للمكره الآمر. # (ففي الأقوال كلها لا يصلح أن يتكلم الرجل بلسان غيره) ولا يلزم على هذا ~~قول الرسول، فإن قوله منتقل إلى المرسل مع أن القول لا يمكن نقله من القائل ~~إلى غيره؛ لأنا نقول: إن انتقاله إلى المرسل شرعي لا حسي لوجود الرضى ~~والطواعية من الرسول في انتقال كلامه إلى المرسل؛ لأنه يبذل منفعة نفسه إلى ~~المرسل توسعة للأمر على الناس وفي الإكراه لم يوجد الرضا والطواعية في ~~انتقال كلامه إلى المكره، ولو انتقل إنما ينتقل ms973 حسا وذلك غير ممكن في القول. # (لأن ذلك لا يبطل بالهزل وهو ينافي الاختيار أصلا) أي الطلاق PageV05P2441 # والعتاق والنكاح لا يبطل بالهزل مع أن الهزل ينافي الاختيار أصلا، ~~والإكراه لا يبطل الاختيار بل يفسده فلأن لا يبطل صحة الطلاق به أولى. # (فلم يتوقف الطلاق عليه) أي على لزوم المال، بل وقع ولكن يتوقف على قبول ~~المال فإنه ذكر في ((الجامع الصغير)) لقاضي خان -رحمه الله- إذا قال الرجل ~~لامرأته الصغيرة: أنت طالق على ألف يتوقف على قبولها وإن كان لا يلزمها ~~المال عند قبولها، وكذا ذكر في ((الهداية)) وقال: وإن شرط الألف عليها أي ~~وإن شرط الزوج الألف على امرأته الصغيرة توقف على قبولها إن كانت من أهل ~~القبول، يعني بأن كانت تعقل العقد وتعبر عن نفسها، فإن قبلت وقع الطلاق ~~لوجود الشرط ولا يجب المال؛ لأنها ليست من أهل الغرامة. # (بخلاف الهزل في الخلع عند أبي حنيفة -رضي الله عنه-) حيث يتوقف الطلاق ~~هناك حتى تشاء المرأة وجوب المال على نفسها، وهاهنا يقع الطلاق ولا يجب ~~المال، وأما الفرق لهما حيث يقولان بوجوب المال في صورة الهزل في الخلع ولم ~~يجب هاهنا فيما إذا أكرهت على قبول المال في الخلع. # وذكر في ((المبسوط)) وللكل حاجة إلى الفرق بين مسألة الإكراه وبين PageV05P2442 # مسألة الخيار والهزل. # فأما أبو حنيفة -رضي الله عنه- يقول فيقول: الإكراه لا يعدم الاختيار في ~~السبب والحكم وإنما ينعدم الرضا بالحكم، فلوجود الاختيار في السبب والحكم ~~تم القبول ووقع الطلاق، ولانعدام الرضى لا يجب المال فصار كأن المال لا ~~يذكر أصلا. # فأما خيار الشرط فلا يعدم الاختيار والرضا بالسبب ويعدم الاختيار والرضى ~~بالحكم فيتوقف الحكم وهو وقوع الطلاق ووجوب المال على وجود الاختيار والرضى به. # وكذلك الهزل لا ينافي الاختيار ولا الرضى بالسبب وإنما ينعدم الاختيار ~~فيه والرضى بالحكم فتوقف الحكم لانعدام الاختيار في حقه وصح التزام المال ~~به موقوفا على أن يلزم عند تمام الرضا. # وهما يقولان: إن الإكراه يعدم الرضى بالحكم ولا يعدم الاختيار في الحكم ~~والسبب ms974 جميعا فيثبت الحكم وهو الطلاق ولا يجب المال لانعدام الرضى به فكأنه ~~لم يذكر، وأما الهزل وشرط الخيار لا يعدمان الرضا بالسبب، والحكم لا ينفصل ~~عن السبب. # فالرضى بالسبب فيهما يكون رضا بالحكم فيقع الطلاق ويجب المال؛ لأن المال ~~صار تبعا للطلاق في الحكم، وفي الإكراه انعدم الرضى بالسبب فلا يثبت ما ~~يعتمد ثبوته على الرضى وهو المال، ويثبت من الحكم ما لا يعتمد ثبوته على PageV05P2443 # الرضى وهو الطلاق. # وقوله: (ولأنه يعدم الرضا والاختيار جميعا) أي لأن الهزل يعدم الرضا ~~والاختيار جميعا. # (كشرط الخيار) أي على قول أبي حنيفة -رضي الله عنه- (فإنه) أي فإن شرط ~~الخيار بأن اختلعت المرأة على المال على أنها بالخيار ثلاثة أيام كذلك ~~هاهنا أي في الهزل أي يتوقف الطلاق على وجوب المال عند أبي حنيفة -رضي الله ~~عنه- كشرط الخيار وهو عندهما. # (وما دخل على السبب يؤثر في المال دون الطلاق) كما في فصل الإكراه؛ ~~(لأنه) أي لأن المال لا يجب إلا بشرط الخيار، (فكان في الإيجاب مثل PageV05P2444 # اليمين) أي فكان وجوب المال في إيجاب الخلع مثل ذكر الشرط فين اليمين ~~يعني في اليمين لا يجب الجزاء إلا بعد وجود الشرط فكذلك المال في الخلع لا ~~يجب إلا بوجود شرط ذكر البدل. # (وبعد صحة الإيجاب يتبع الطلاق الذي هو المقصود) أي بعد صحة إيجاب الخلع ~~يتبع وجوب المال لوقوع الطلاق، وبهذا يفرقان بين الهزل في الخلع وبين ~~الإكراه فيه؛ حيث يجب المال في الهزل فيه ولا يجب في الإكراه فيه، يعني لما ~~صح السبب في فصل الهزل وجب المال هناك أيضا تبعا لصحة السبب لأنه راض ~~بمباشرة السبب فكان السبب صحيحا فوجب المال بالتبعية. # بخلاف الإكراه فإنه لما لم يصح السبب فيه لعدم الرضى بالسبب لم يتبعه ~~وجوب المال، وفي بعض النسخ: ((فكان في الإيجاب مثل الثمن)) يعني كما أن ~~الثمن لا يجب إلا بشرط الذكر في البيع كذلك لا يجب المال في الخلع إلا بشرط الذكر. # ثم إذا صح الإيجاب في البيع وجب الثمن وإن ms975 فسد لا يجب، فكذلك في الخلع ~~إذا صح الإيجاب وجب المال وذلك موجود في الهزل بالخلع لوجود الرضى بالسبب ~~فوجب المال تبعا للطلاق لكون الطلاق مقصودا فلا يتوقف الطلاق على المال بل ~~يقع الطلاق في الحال والمال يتبعه، وفي الإكراه فسد الإيجاب لعدم الرضى ~~بالسبب والحكم جميعا فلا يلزم المال؛ لأن لزوم المال PageV05P2445 # يتوقف على الرضى ولم يوجد فكان وجوب المال من أثر صحة الإيجاب. # (ولا تصح الأقارير كلها) أي سواء كان الإقرار بما يحتمل الفسخ أو لا يحتمل. # (والكامل من الإكراه والقاصر في هذا سواء) أي في إبطال الأقارير كلها. # وذكر في باب ما يكره عليه اللصوص من إكراه ((المبسوط)) ولو هددوه بقتل أو ~~إتلاف أو بحبس أو بقيد ليقر لهذا الرجل بألف درهم فأقر له به فالإقرار باطل. # أما إذا هددوه بما يخاف منه التلف فهو ملجأ إلى الإقرار محمول عليه، ~~والإقرار خبر متميل بين الصدق والكذب، فإنما يوجب الحق باعتبار رجحان جانب ~~الصدق وذلك ينعدم بالحبس والقيد لما يلحقه من الهم والحزن به، وانعدام ~~الرضى يمنع ترجيح جانب الصدق في إقراره، ثم قد بينا أن الإكراه نظير الهزل ~~ومن PageV05P2446 # هزل بالإقرار لغيره وتصادقا على أنه هزل بذلك لم يلزمه شيء فكذلك إذا ~~أكره عليه. # فإن قيل: لماذا لم يجعل هذا بمنزلة شرط الخيار وشرط الخيار لا يمنع صحة ~~الإقرار؟ # قلنا: لا كذلك، بل متى صح شرط الخيار مع الإقرار بالمال لا يجب المال حتى ~~لو قال: كفلت لفلان على فلان بألف درهم على أني بالخيار لا يلزمه المال. # فأما إذا أطلق الإقرار بالمال وهو خبر عن الماضي فلا يصح معه شرط الخيار، ~~والإكراه هاهنا متحقق، وإنما يعتبر بموضع صح فيه اشتراط الخيار وهذا بخلاف ~~ما تقدم من تناول الحرام - يعني لا يحل له التناول بالإكراه القاصر- لأن ~~المؤثر هناك الإلجاء وذلك مما يخاف منه التلف، وهنا المانع من وجوب المال ~~عليه انعدام الرضى بالالتزام. # وقد انعدم الرضا بالإكراه وإن كان بحبس أو قيد، ثم قال: ولو أوعدوه بضرب ms976 ~~سوط واحد أو حبس يوم أو قيد يوم على الإقرار بألف فأقر به كان الإقرار ~~جائزا لأنه لا يصير مكرها بهذا القدر من الحبس والقيد، فالجهال PageV05P2447 # يتهازلون فيما بينهم فيحبس الرجل صاحبه يوما أو بعض يوم. # ثم قال بعد هذا في باب من الإكراه على الإقرار: وإذا أكره الرجل بوعيد ~~تلف أو غير تلف على أن يقر بعتق ماض أو طلاق أو نكاح وهو يقول: لم أفعله ~~فأقر به مكرها فالإقرار باطل، والعبد عبده كما كان، والمرأة زوجته كما ~~كانت؛ لأن الإقرار خبر محتمل بين الصدق والكذب، والإكراه الظاهر دليل على ~~أنه كاذب فيما يقر به قاصد إلى دفع شر عن نفسه، والمخبر عنه إذا كان كذبا ~~فبالإخبار لا يصير صدقا. ثم قال: والإكراه بالحبس والقتل في هذا سواء؛ لأن ~~الإقرار تصرف من حيث القول ويعتمد تمام الرضا وبسبب الإكراه بالحبس ينعدم ~~ذلك، وكذلك الإقرار بالرجعة أو الفيء في الإيلاء أو العفو عن دم العمد فإنه ~~لا يصح مع الإكراه لما قلنا. # فإن قيل أليس عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- إذا قال لمن هو أكبر سنا منه: ~~هذا ابني يعتق عليه، وهناك يتيقن بكذبه فيما قال فوق ما يتيقن بالكذب عند ~~الإقرار مكرها, فإذا نفذ العتق ثمة ينبغي أن ينفذ هنا بالطريق الأولى. # قلنا: أبو حنيفة -رضي الله عنه- يجعل ذلك الكلام مجازا عن الإقرار ~~بالعتق. كأنه قال عتق علي من حين ملكته، وباعتبار هذا المجاز لا يظهر رجحان ~~جانب الكذب في إقراره. # فأما عند الإكراه أكثر ما فيه أن يجعل هذا مجازا عن الإقرار بالعتق ولكن PageV05P2448 # الإكراه يمنع صحة الإقرار بالنسب. # (فإن كان عليه) أي على المكره المحمول (ما أوجب جرحه وجب به القود في ~~النفس) أي على المكره الحامل. قال شيخي- رحمه الله-: صورته أن يكون مع ~~المكره المحمول آله قاتلة كالسيف والخنجر، ثم أن المكره الحامل أخذ المكره ~~المحمول بتلك الآلة وألقاهما على إنسان فتلف لك الإنسان بتلك الآلة يجب ~~القصاص على الملقى بالإجماع، وإنما فرض المسألة في المكره ms977 الذي معه آله ~~جارحة ليرتب عليه جواب المسألة بالقصاص على الاتفاق؛ لأن في القتل بالمثقل ~~اختلافا. # (وليس في ذلك تبديل محل الجناية) وإنما قال هذا لدفع شبهة وهي أن يقال: ~~ففي جعل المكره آله للمكره حتى يجب القصاص على المكره الآمر في العمد ~~والدية على عاقلته في صورة الخطأ والكفارة عليه تبديل محل الجناية لأن ~~الجناية حقيقة وجدت من المكره المأمور فكان في جعل الجناية من الآمر تبديل ~~محل الجناية. # فقال في جوابه: ليس فى ذلك تبديل محل الجناية على الوجه الذي قلنا، وهو ~~أن المكره امأمور فاسد الاختيار والمكره الآمر صحيح الاختيار والفاسد في PageV05P2449 # مقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم فصار المكره كأنه لا اختيار له أصلا، فصار ~~آلة للمكره من هذا الوجه، مع أن جعله آله له في الحقيقة متصور على ما ذكره ~~بقوله: "وهوأن ياخذه فيضرببه نفسا أومالا فيتلفه" فحينئذ كانت الجناية ~~موجودة من الآمر فيؤخذ بموجب الجناية محل الجناية الذ وجدت منه الجناية ولم ~~يكن فيه تبديل. # (ولذلك قلنا) أي ولأجل أن المكره صار بمنزلة الآلة للمكره، (والكفارة ~~عليه) أي علالمكره الآمر؛ لأن المكره لما جعل آلة خرج هو من البين فلا تجب ~~عليه الدية والكفارة؛ لأنهما لا تجبان على الآلة فكذلك لا تجبان على المكره ~~المأمور لصيرورته آلة للمكره الآمر. # وقوله (لحرمة هذا المحل أيضا) دليل وجوب الكفارةعلى المكره الآمر مع تضمن ~~دفع شبهة، وهي أن المكره لا يصلح آلة للمكره في حق الإثم والكفارة لرفع ~~الإثم فكان ينبغي أن تجب الكفارة على المكره المأمور؛ لأن فعل المكره في حق ~~القتل حرام بدليل أنه يأثم في ذلك، ومع ذلك وجبت الكفارة PageV05P2450 # على المكره الآمر. # فأجاب عنه بهذ: أي نعم كذلك أن الكفارة جزاء الفعل المحرم، ولكن لحرمة ~~المحل والمكره المأمور فيما يرجع إلى المحل يجعل آلة للمكره كما في الدية ~~فتجب على المكره الآمر لذلك. # (وهذه نسبة ثبتت شرعا) أي نسبة فعل المكره المأمور إلى المكره الآمر ثبتت ~~شرعا باقتضاء النص، وهو قوله عليه السلام: "رفع عن ms978 امتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه" وإنما قلنا: إن هذا يثبت شرعا باقتضاء النص؛ لأن الإتلاف ~~وجد من المكره المأمور حسا وحقيقة، ولما ثبت رفع الفعل من المكره المأمور ~~بعبارة النص لم يكن بجد من تحقيق موجب الفعل على أحد، وليس هاهناأحد ينسب ~~إليه الفعل سوى المكره الآمر بعد انتفاء نسبة الفعل إى المكره المأمورفنسب ~~إلى الآمر، فكانت نسبة إتلاف النفس والمال إلى المكره الآمر باقتضاءالنص ~~بهذا الطريق. # (وهذا كالأمر) أي ثبوت النسبة في الإكراه إلى غير الفاعل حقيقة لثبوت ~~نسبة الفعل في غير الإكراه وهو الآمر إلى غير الفاعل حقيقة. # (فإنه متى صح) أي فإن الأمر متى صح واحترز بقوله: "صح" عن الأمر الذي لم ~~يصح، وهو فيما ذكر بعده بقوله: "وإذا كان في جادة الطريق لا PageV05P2451 # يشكل حاله بطل الأمر"، وبهذا يعلم أن المراد من صحة الأمرهوأن يعلم ~~المأموربأن للآمرحق الأمر بذلك الفعل شرعا كما في الأمر بحفر البئر في فنائه. # وقوله: (قد يخفى على الناس) تفسير لقوله: "إشكال" أي الإشكال قد يتأتى من ~~قبل خفاء ذلك الموضع على المأمور بأنه ملك الآمر أو حق المسلمين ولم يقيد ~~في هذه المسألأة بالإشكال في "المبسوط". # وقال: وإن أمر عبدا له فحفر بئرا في فنائه فضمان ما يقع فيها على الآمر، ~~ولو كان في غير فنائه فالضمان في عنق العبد يدفع به أو يفدى. # ثم قال: ولم يفصل هنا بين أن يكون العبد عالما بذلك أو غير عالم بخلاف ~~الحر، والفرق أن الضمان هناك لمعنى الغرور ولا غرورو بين العبد وسيده، فإن ~~قرار المان في الفصلين على السيد، فلهذا جعل فعل عبده بأمركفعله بنفسه. # ثم إنما ألحق هذه المسألة بمسألة الإكراه في حق نقل الفعل من الفاعل إلى ~~الآمر إذا صح يعني أن الأمر إذا صح يستقيم نقل الفعل من الفاعل إلى الآمر ~~كما يستقيم نقل فعل المكره إلى المكره الآمر في الإكراه أي تحقق وثبت من كل ~~وجه وهو الإكراه الملجئ؛ يعني أن ما قلنا من نقل فعل المكره ms979 إلى المكره ~~الآمر عند صحة الإكراه ليس ببعيد؛ لأن مثل ذلك موجود في الأمر، فإن الأمر ~~إذا صح ينتقل فعل المأمور إلى الآمر فكذا في الإكراه. PageV05P2452 # (وكذلك لو استأجر حرا- إلى قوله- فإن ضمان ما يعطب به على الأمر ~~استحسانا) يعني لو استأجر حرا على حفر البئر فيطريق المسلمين في غير فنائه ~~ولكن ذلك الموضع في موضع مشكل بأن ذلك الموضع حق الآمر أم حق المسلمين وكان ~~ذلك الموضع في الحقيقة حق المسلمين. # والدليل على هذا التفسير ما ذكره في باب البئر وما يحدث فيها من ديات ~~"المبسوط" بقوله: فإن كان استأجر عليها- أي على حفر البئر في طريق ~~المسلمين- أجراء فحروها له فذلك على المستأجر ولا شيء على الأجزاء إن لم ~~يعلموا أنها في غير فنائه؛ لأنهم صاروا مغرورين من جهته حين لم يعلمهم أن ~~ذلك الموضع ليس من فنائه وإنما حفروا اعتمادا على أمره، وعلى أن ذلك من فنائه. # فلدفع ضرر الغرور ينقل فعلهم إلى الآمر فيصير كأن المستاجر حفر بنفسه، ~~وإن كانوا يعلمون أنها في غير فنائه فالضمان عليهم؛ لأنهم جناة في الحفر ~~وأمره إياهم بالحفر غير معتبر شرعا؛ لأنه غير مالك للحفر بنفسه في هذا ~~الموضع، وإنما يعتبر أمره لإثبات صفة الحل به أو لدفع الغرور عن الحافر وقد ~~انعدما جميعا في هذا الموضع فسقط اعتبار أمره، فكان الضمان على الذين ~~باشروا الحفر، وإن كان في فنائه فهو على الآمر دون الأجراء إن علموا أو لم PageV05P2453 # يعلموا؛ لأن أمره في فنائه معتبر، فإن عند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- ~~له أن يحفر في فنائه إذا كان لا يضر بالمارة لأحد أن يمنعه، وعند أبي ~~حنيفة- رضي الله عنه- يحل ذلك له فيما بينه وبين ربه ما لم يمعنه مانع؛ لأن ~~الفناء اسم لموضع اختص صاحب لملك بالانتفاع به من حيث كسر الحطب وإيقاف ~~الدابة وإلقاء الكناسة فيه فكان أمره معتبرا في الحل، وانتقل فعل الأجراء ~~إليه بهذا الأمر فيصير كأنه فعل هذا ذلك بنفسه. # وقوله: (وكذلك من قتل عبد غيره بأمر مولاه) أي قتل ms980 حر أو عبد عبد غيه ~~بأمر مولى ذلك العبد المقتول؛ لأنه موضع شبهة؛ لأنه يشتبه عليه. # فنقول: يحتمل أن يكن أمر مولى العبد لآخر بقتل عبده كان صحيحا باعتبار ~~أنه صار حلا الدم عنده والمولى يتصرف في ملك نفسه، والأصل أن يكون تصرف ~~المسلم حلالا له، (بخلاف ما إذا قتل حرأ بأمر حر آخر فإن الضمان على ~~المباشر)؛ لأن هذا الأمر ظاهر الفساد وجلي عدم صحة أمره على العباد؛ إذ لا ~~ولاية لحر على حر آخر، فو كان مباح الدم كان الأمر بالقتل للولاة والحكام ~~لا لكل أحد من آحاد الأنام، فكان الاشتباه على المباشر بسبب تقصير من جهته ~~لا أن يكون الغرور له من جانب الآمر، فلذلك اقتصر PageV05P2454 # الضمان على المباشر. # (والإكراه صحيح بكل حال) أي سواء كان الأمر في موضع الاشتباه بأن أكره ~~الحافر على حفر بئر في فناء داره أو في غير موضع الاشتباه بأن أكره الحافر ~~على حفر بئر في طريق المسلمين، وكذلك إذا أكره رجلا على قتل عبده أو على ~~قتل حر فإن الإكراه في الفصلين صحيح والضمان على المكره الآمر بذلك الفعل، ~~وإنما كان هكذا لأن الدليل الموجب للنقل في الإكراه خوف التلف وهو لا ~~يتفاوت بين أن يكرهه على قتل عبده أو قتل حر بخلاف الآمر، فإن دليل النقل ~~فيه صحة الأمر، وهي إنما توجد في الأمر بقتل عبده لا في الأمر بقتل حر آخر، ~~فلما لم يصح الأمر لم ينقل الفعل إلى الآمر. # (وأما الإكراه الذي لا يوجب الإلجاء) وهو الإكراه بالحبس والقيد لا ~~بالقتل ولا بإتلاف العضو. # (فذلك مثل الأكل)؛ لأنه لا يصلح آلة للمكره في حق الأكل لما ذكر في ~~الكتاب فكان الأكل منحصرا على الأكل، فلذلك قلنا بفساد صوم المكره المأمور ~~بالأكل إذا كان صائما بأكله لوجود الأكل منه حقيقة، ثم حكم الضمان هو ما ~~ذكر في "تتمة الفتاوى" فقال: لو أكره على أكل طعام نفسه فأكل فإن PageV05P2455 # كان جائعا لا يرجع على المكره بشيء، وإن كان شبعان يرجع ms981 عليه بقيمة ~~الطعام؛ لأن منفعة الأكل حصلت للمكره في الفعل الأول وفي الثاني لا. # ثم قال: فإن قيل: هذا العذر يشكل بما لو أكره على أكل طعام الغير فإن ~~الضمان على المكره الآمر لا على المكره، وإن كان جائعا وقد حصل له منفعة الأكل. # قلنا: إنما لم يجب الضمان على المكره المأمور؛ لأنه أكل طعام المكره ~~الآمر بإذنه؛ لأن الإكراه على الأكل إكراه على القبض؛ لأنه لا يمكنه بدون ~~القبض وكما قبض المكره المأمور الطعم صار قبضه منقولا إلى المكره الآمر ~~فصار كأن المكره قبضه بنفسه وقال: كل، ولو قبض بنفسه صار غاضبا ضامنا ثم ~~آذنا له بالأكل، وفي طعام نفسه لم يصر آكلا طعام المكره بإذنه؛ لأن المكره ~~هناك يضمن بعد الأكل والإن وجد قبل الأكل. # إلى أن قال: وإذا لم يوجد سبب الضمان في طعام المكره قبل الأكل صار ~~المكره آكلا طعام نفسه لا طعام المكره، إلا أن المكره متى كان شبعان لم ~~يحصل منفعة فقد أكرهه على إتلاف ماله، ومن أكره غيره على إتلاف ماله فأتلف ~~ضضمن المكره الآمر فكذا هنا. # وقوله: (والوطء والزنا) أراد بكليهما واحدا وهو الزنا، ولهذا اقتصر بذكر ~~الزنا عند ذكرالدليل، ثم لما اختصر حكم الزنا على الزاني كان ينبغي أن PageV05P2456 # يجب الحد على الزاني كما هو القول القول لأبي حنيفة- رحمه الله- وهو قول ~~زفر لما ذكرنا؛ للأن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بانتشار الآلة، ولا تنتشر ~~آلته إلا بلذة وذلك دليل الطواعية. # وفرق على هذا القول بين الرجل والمرأة؛ لأن المرأة في الزنا محل الفعل ~~ومع الخوف يتمكن التمكين منها، وفرق على هذا القول بين الإكراه على الزنا ~~وبين الإكراه على القتل. # قال: لا قود على المكره المأمور وعليه الحد في الزنا، ففي كل واحد من ~~الموضعين الحرمة لا تنكشف بالإكراه ولكن القتل فعل يصلح أن يكون المكره فيه ~~آلة للمكره وبسبب الإلجاء يصير الفعل منسوبا إليه، ولهذا ألزمه القصاص ~~بخلاف الزنا فإن المكره فيه لا يصلح أن يكون آلة للمكره ولهذا ms982 لا يجب الحد ~~على المكره. # ووجه قوله الآخر وهو قولهما أن الحد مشروع للزجر ولا حاجة إلى الزجر في ~~حالة الإكراه؛ لأنه كان منزجرا عنه إلى أن يحقق الإلجاء وخوف التلف على ~~نفسه فإنما كان قصده إلى هذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا اقتضاء الشهوة ~~فيصير ذلك شبهة في إسقاط الحد عنه، وانتشار الآلة لا يدل على انعدام الخوف، ~~فقد تنتشر الآلة طبعا بالفحولة التي ركبها الله تعالى في الرجال، وقد يكون ~~ذلك طوعا. PageV05P2457 # ألا ترى أن النائم قد تنتشر آلته طبعا من غير اختيار له، وإن كان الإكراه ~~على الزنا بحبس ففعل ذلك كان عليه الحد؛ لأن تمكن الشبهة باعتبار الإلجاء ~~وسبب الإكراه بالحبس لا يتحقق الإلجاء فوجوده وعدمه في حكم الحد سواء، ثم ~~في كل موضع وجب الحد على المكره لا يجب المهر لها؛ لأن المهر والحد لا ~~يجتمعان عندنا بسبب فعل واحد خلافا للشافعي. # وفي كل موضع سقط الحد وجب المهر؛ لأن الوطء في غير الملك لا ينفك عن حد ~~أو مهر، فإذا سقط الحد وجب المهر لإظهار خطر المحل بإنه مصون عن الابتذال ~~محرما كاحترام النفوس ويتسوي إن كانت المرأة اذنت له في ذلك أو استكرهها. # أما وجوب المهر عند استكراهها فغير مشكل؛ لأن المهر يجب عوضا عما أتلف ~~عليها ولم يوجد الرضا منها بسقوط حقها. وأما إذا أذنت له في ذلك فلأنه لا ~~يحل لها شرعا أن تأذن في ذلك فيكون إذنها لغوا لكونها محجوره عن ذلك شرعا ~~بمنزلة إذن الصبي والمجنون في إتلاف ماله. # كذا في "المبسوط"، ثم ذكر في "تتمة الفتاوى" ولا يرجع بما ضمن على ~~المكره؛ لأن منفعة الوطء حصلت للزاني وكان كما لو أكره على أكل طعام نفسه ~~فأكل، إن كان جائعا لا يرجع على المكره بشيء وإن كان شبعان PageV05P2458 # يرجع عليه بقيمه الطعام وقد ذكرناه. # (وكذلك إذا كان نفس الفعل مما يتصور أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره صورة ~~إلا أن المحل غير الذي يلاقيه الإتلاف صورة- إلى قوله- وذلك مثل ms983 إكراه ~~المحرم على قتل الصيد) يعني أن نفس القتل من قال إنه إتلاف قابل للنقل من ~~الفاعل إلى المكره الآمر. # ومن قال إنه جناية في دين القاتل وإحرامه غير قابل للنقل فإن إنسانا لو ~~أثم في شيء ففعله لا يمكن أن يقال: إن إثمه منه إلى من أمره بذلك الفعل ~~لقوله تعالى: (عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وهذا لأنا لو قلنا بأن ~~المحرم الآمر بقتل الصيد هو الذي قتله بواسطة المكره المأمور يلزم منه ~~تبديل محل الجناية؛ لأن محل الجناية صورة هو الصيد. # وفي الحقيقة محل الجناية الإحرام، وفي جعل المكره آلة تبديل محل الجناية؛ ~~لأنه حينئذ تكون الجناية واقعة على إحرام المكره الآمر وفي ذلك بطلان ~~الكره؛ لأن إنسانا لو أكره آخر بأن يجني المكره المأمور في محل معين وهو ~~أوقع جنايته في محل آخر غير المحل الذي أمر به المكره الآمر كان ذلك جناية PageV05P2459 # منه بطريق الطوع لا بطريقه الكره، وهذا بخلاف الإكراه على قتل نفس ~~معصومة؛ لأن محل الجناية هو المقتول فلا يكون في تبديل النسبة تبديل محل ~~الجناية. # أما الصيد ففي قتله محل الجناية الإحرام في حق المحرم أو الدين في حق صيد ~~الحرم في حق الحلال؛ لأنه لا حرمة للصيد في نفسه. # ألا ترى أن اصطياده لغير المحرم في غير الحرم حلال وللمحرم أيضا يحل أكله ~~وكذلك صيد الحرم. # ألا ترى أنه لو خرج من الحرم يحل اصطياده، فلما كان محل الجناية في ~~الحقيقة هو الإحرام أو الدين كان في تبديل النسبة تبديل محل الجناية. # وفي تبديل المحل خلاف المكره، أي مخالفة المكره؛ لأن الإكراه لما وقع في ~~محل، وفعل المكره المأمور في محل آخر لم يبق ما أكره عليه، فكان هو مخالفة ~~للمكره الآمر ضرورة؛ لأنه لم يوجد الإكراه في حق المحل الآخر فيبطل الكره. # وعاد الأمر إلى المحل الأول، وهو إحرام المكره المأمور؛ لأن الفعل قام ~~ببدن المكره الفاعل وهو المأمور حقيقة، والانتقال عنه إنما يكون إلى الآمر ~~إذا PageV05P2460 # وافق المكره المكره ms984 الآمر، فإذا خالفه يعود الفعل إلى المحل الأول وهو ~~إحرام الفاعل. # وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لما ذكر قبله وهو قوله: وكذلك إذا كان نفس ~~الفعل مما يتوصر أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره، إلا أن المحل غير الذي ~~يلاقيه الإتلاف صورة، يعني أن الفعل إذا كان مشتملا لمعنى قابل للنقل إلى ~~المكره الآمر ولمعنى غير قابل للنقل إليه فينقل ما هو قابل له، ويقتصر على ~~الفاعل ما هو غير قابل له، كما إذا أكره على قتل نفس معصومة ففي القتل ~~بالإكراه معنيان: # أحدهما- قابل للنقل وهو معنى الإتلاف فلذلك وجب القصاص فيما فيه القصاص، ~~والضمان فيما ليس فيه قصاص، والكفارة على المكره الآمر. # والثاني- غير قابل للنقل وهو جناية القتل على دين نفسه حى يأثم المكره ~~المكره المأمور بالقتل عند قتله؛ حيث لا ينقل قتله إلى الآمر فيحق الإثم ~~بأن لا يأثم المكره القاتل بل يأثم الآمر، وهذا لأن إثم المكره القاتل ~~باعتبار اختياره قبل غيره على قتل نفسه بأن يصبر عن قتل غيره حتى يقتل هو، ~~والاخيتار PageV05P2461 # إنما ينشأ عن عزيمة قلبه فكان الإثم بمقابلة عزيمة قلبه عند اتصال الفعل ~~بها وهو في ذلك لا يصلح آلة لغيرة؛ لأن ذلك ليس بأمر حسي حتى يتصور أن يكون ~~الفاعل فيه آلة لغيره كما في الإتلاف. # وكذلك قوله: (ولهذا قلنا في المكره على البيع والتسليم) إيضاح لذلك أيضا، ~~وهو أن المكره على البيع والتسليم لما لم يصلح آلة للمكره في حق التسليم ~~اقتصر التسليم على المكره المأمور، وإن كان التسليم فعلا حسيا كما في ~~الإتلاف؛ لأنا لو جعلنا المكره المأمور آلة للمكره في حق التسليم صار اآمر ~~كأنه قبض من المالك بغير رضاه وسلمه إلى المشتري، فحينئذ يكون هذا غصبا ~~محضا لا إكراها على البيع وحكم الغضب غير حكم البيع. # وقوله: (لتبدل المحل) إلى محل الإكراه، فإنه إنما أكرهه على البيع على أن ~~يتصرف المالك في مال نفسه بالبيع ولو جعل آلة يكون بيعا في المغصوب، وفي ~~لفظ البيع أيضا لا يصلح المكره ms985 آلة للمكرة الآمر؛ لأن البيع يحصل بالتكلم ~~والمكره لا يصلح آلة للمكره الآمر في حق التكلم، فكذا فيما يتم به البيع ~~وهو التسليم لا ينقل إلى المكره من حيث إنه إتمام البيع. # (وإذا ثبت أنه أمر حكمي صرنا إليه استقام ذلك) فقوله: "استقام" ذلك جزاء ~~الشرط، وقوله: "صرنا إليه" صفة بعد صفة لقوله: "أمر" أي وإذا PageV05P2462 # ثبت أن نقل فعل المكره إلى المكره الآمر أمرحكمي مصير إليه لا حسي استقام ~~ذلك القول بالنقل فيما يعقل نقله بالطريق الذي قال بأن يأخذ المكره الآمر ~~رجل المكره المأمور فيلقيه على النفس أو على المال فيتلفه، ولكن ذلك ~~الإتلاف من المكره الأمر غير محسوس، بل الإتلاف إنما وجد حسا من المكره ~~المأمور. # فيعلم من هذا أن فعل المكره المأمور لا ينقل إلى المكره فيما لا يعقل ~~نقلله كما في الأقوال كلها، وكما في الأكل والوطء وفي حق الإثم وفي حق ~~الجناية على الدين. # (وأن القسم الأول هو الزنا بالمرأة والقتل والجرح) وإنما قدم هذه الأشياء ~~على سائر الحرمات؛ لأن حرمة هذه الأشياء مصمتة لا تنكشف أصلا على وج لا ~~يجري فيها الرخصة في حال من الأحوال. # (فسقط الكره) فلما سقط الكره كان بمنزلة من قتل نفسا معصومة بدون الكره ~~فيأثم. PageV05P2463 # وقوله: (حتى إن من قيل له- إلى قوله- ويد غيره ونفسه سواء) يتعلق بما ~~ذكره قبله من التعداد بقوله: "والقتل والجرح" # فيعلم بهذا أن جرح غيره بمنزلة قتل نفسه في حق الحرمة، ومعنى قوله: "أو ~~لتقطعن يدك" حتى يقطعن. # (غير باغ) أي غير طالب للحرام ببعد إبقاء المهجة (ولا عاد) أي ولا مجاوز ~~من حد سد الرمق، وقد ذكرنا قبل هذا بأتم منه. PageV05P2464 # (فإذا سقطت الحرمة أصلا) أي في فصل الخمر وغيرها. # (وهذا إذا تم الإكراه) وهو في فصل الإكراه الكامل. # (فأما إذا قصر لم يحل له التناول) وكذك هذا في إتلاف مال الغير إنما يضمن ~~المكره في الإكراه الكامل؛ لأن المكره إنما يصير كالآلة عند تمام الإلجاء. # وأما إذا أكرهه بحبس أو بقيد ففعله ms986 لم يكن على المكره الآمر ضمان ولا قود ~~فبقي الفعل مقصورا على الفاعل المأمور فيواخذ بحكمه. إلى هذا أشار في ~~"المبسوط". # (وأما الذي لا يسقط) أي لا يسقط حرمته أبدا، (ويحتمل الرخصة) PageV05P2465 # فمعنى احتمال الرخصة هو ان لا يأثم بفعله. # أما لولا يفعل وصبر على عذاب القتل فقتل كان هو أولى من الترخص بفعله. # (رخص بالنص في قصة عمار بن ياسر- رضي الله عنه-) وهو ما روى أو عبيدة بن ~~محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب ~~رسول الله عليه السلام وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما آتى رسول الله عليه ~~السلام قال عليه السلام: "ما رواءك"؟ قل: شر ما تركوني حتى نلت وذكرت ~~آلهتهم بخير. قال عليه السلام: "فكيف تجد قلبك؟ " قال: أجده مطمئنا ~~بالإيمان. قال عليه السلام له: "إن عادوا فعد" أي إن عادوا إلى الإكراه ~~بالقتل فعد إلى طمأنينة القلب وتخليص نفسك. # فإن قلت: على هذا ينبغي أن يكون إجراء كلمة الكفر أولى من الصبر PageV05P2466 # والحكم على العكس! وذلك لأن النبي عليه السلام أمره بالعود وتخليص النفس، ~~ولا يحصل تخليص النفس إلا بإجراء كلمة الشرك على اللسان فكان هذا منه أمر ~~بإجراء كلمة الشرك على اللسان ومطلق الأمر للأيجاب، ولأن ما أجراه على ~~لسانه ليس بكفر عند طمأنينة القلب بالإيمان فينبغي أن يكون الإجراء أولى من ~~الصبر كما في الإكراه بالقتل على شرب الخمر. # قلت: لا، بل معنى قوله عليه السلام: "إن عادوا فعد إن عادوا فعد" إلى ~~طمأنينة القلب بالإيمان. # هكذا ذكره الإمام المعو عليه شمس الأئمة- رحمه الله- في إكراه "المبسوط" ~~فقال فيه: وبعض العلماء يحملون قوله: "إن عادوا فعد" على ظاهره، يعني إن ~~عادوا إلى الإكراه فعد إلى ما كان منك من النيل مني وذكر آلهتهم بخير، وهو ~~غلط فإنه لا يظن برسول اله عليه السلام أنه يأمر أحدا بالتكلم بكلمة الشرك، ~~ولكن مراده: "فإن عادوا فعد" إلى طمأنينة القلب بالإيمان، وهذا لأن التكلم ~~وإن كان يرخص له فيه ms987 فالامتناع منه أفضل. # ألا ترى أن خبيب بن عدي- رضي الله عنه- لما امتنع حتى قتل سماه PageV05P2467 # رسول الله عليه السلام أفضل الشهداء وقال: "هو رفيقي في الجنة"، وأما ~~قوله: ولأن ما أجراه على لسانه ليس بكفر عند طمأنينة القلب بالإيمان. # قلنا: نعم كذلك، ولكن كما يجب على المؤمن صيانة إيمانه بقلبه كذلك يجب ~~صيانته بلسانه؛ لأن القلب واللسان محلا ركني الإيمان، وهما: التصديق ~~والإقرار بالإيمان وإن كان الإقرار ركنا زائدا؛ لأنه يجب على المؤمن صيانة ~~إيمانه ظاهرا وباطنا ولا تحصل الصيانة هكذا إلا بكاللف عن تبديلهما معا، ~~هذا هو القياس؛ لأن تبديل الاعتقاد من الإيمان إلى الكفر كفر في جميع ~~الأحوال، فكذا يجب أن يكون تبديل اللسان من كلمة الإيمان إلى كلمة الكفر كفرا. # إلا أنه لما جاء النص بإباحة إجراء كلمة الكفر على اللسان مع طمأنينة ~~القلب بالإيمان وجب أن يحمل ذلك على رخصة الأمر مع قيام المحرم لا على ~~الجواز المطلق، فلما حمل ذلك على الرخصة مع قيام الحرمة كان الصبر عن إجراء ~~كلمة الشرك حتى يقتل أولى من إجرائها وتخليص نفسه، وإلى هذا المعنى أشاء ~~النبي عليه السلام في حديث خبيب -رضي الله عنه- حيث سماه أفضل الشهداء ~~وقال: "هو رفيقي في الجنة". PageV05P2468 # (وفي هتك الظاهر مع قرار القلب ضرب جناية)، وهذا إشارة إلى ما قلت: إن ~~على المؤمن صيانة الظاهر واجب، وهي أن لا تجرى كلمة الشرك على لسانه لئلا ~~يهتك ظاهر إيمانه وإن كان في حال الإكراه، ولو هتك ظاهر إيمانه في حال ~~الإكراه بإجراء كلمة الشرك على لسانه مع قرار قلبه بالإيمان كان هو نوع ~~جناية منه. # (لكنه دون القتل) يعني كشته شدن، أي دون أن يقتل المكره الذي صبر حتى أن ~~يقتل بسبب الامتناع عن إجراء كلمة الشرك على لسانه، أي إجراء كلمة الكفر مع ~~طمأنينة القلب أدون وأحقر من أن يقتل المكره الصابر؛ لأن في إجراء كلمة ~~الكفر مع طمأنينة القلب هتك صورة الإيمان مع بقائه معنى لبقى الركن الأصلي ~~وهو طمأنينة القلب بالإيمان، ms988 وفي الكف حتى يقتل هدم للآدمي الذي هو بنيان ~~صورة، ومعنى لكن مع ذلك كان الامتناع عن إجراء PageV05P2469 # كلمة الكفر أولى لكون ذلك جهادا في سبيل الله وإظهار صلابة في دينه والذي ~~ذكره من الدليل كان ذلك دليل الترخص في حق إجراء كلمة الكفر. # (فصار هذا القسم قسمين) أي القسم الثاني من تقسيم المحرمات، أي فصار ~~القسم الذي لا تسقط حرمته أصلا ولكن يحتمل الرخصة قسمين. # (والأداء فيه ركن ضم إليه) أي الإقرار باللسان في الإيمان ركن ضم إلى ~~الاعتقاد الذي هو أصل في الإيمان، يعني أن الإقرار باللسان ليس بركن أصلي ~~كالاعتقاد، بل هو من الزوائد فيحتمل السقوط بعارض الإكراه بخلاف الاعتقاد ~~فإنه لا يحتمل السقوط أصلا. PageV05P2470 # (فصار عمدة الشرع) أي فصار الاعتقاد ما يعتمد عليه الشرع، (وصار غيره ~~عرضة للعوارض) أي وصار غير الاعتقاد وهو الإقرار باللسان والصلاة والصوم ~~وسائر العبادات الظاهرة محل تعرض العوارض، أي محل أن يمنعه مانع من المضي ~~على ما عليه أصل تلك العبادات. # وقوله: (وما كان من حقوق العباد -إلى قوله- قسم آخر) مبتدأ وخبر بيان ~~للقسم الثاني الذي ذكره قبل هذا بقوله: (فصار هذا القسم قسمين). # فإن قلت ففي قوله: (فصار هذا القسم قسمين -إلى قوله- لم تحتمل الرخصة ~~بالتبديل) شبهتان هائلتان واردتان على القسم الأول والثاني. # إحداهما -هي ما ذكرنا إن الإشارة في قوله: (فصار هذا القسم) راجعة إلى ~~قوله: (وأما الذي لا يسقط ويحتمل الرخصة) والقسم الأول من هذين القسمين لا ~~يحتمل الرخصة كما ذكر بقوله: (لم يحتمل الرخصة بالتبديل) وهذا الأصل مقرر ~~وهو أن موضع التقسيم يجب أن يكون مشتركا بين ما يرد على ذلك التقسيم من ~~الأنواع كما تقول: الإنسان حيوان ناطق ثم تقسم الإنسان على أنواع ثلاثة بين ~~الرجل والمرأة والصبي فوصفا الإنسان وهما الحيوانية والناطقية موجودتان في ~~كل واحد من هذه الأنواع. # وهاهنا القسم الذي انشعب منه هذان القسمان محتمل للرخصة، والقسم الأول من ~~هذين القسمين غير محتمل للرخصة كما ترى فوجب أن لا يصح PageV05P2471 # القسم عليه لانعدام ms989 تناول موضع التقسيم له. # والثانية -هي أن وصف هذا القسم الأول من هذين القسمين حرمة تبديل الإيمان ~~إلى الكفر لا تسقط ولا تحتمل الرخصة، فكان هذا القسم في حق هذين الوصفين ~~نظير ما ذكر قبل هذاا بورق بعينه بقوله: (فإن القسم الأول هو الزنا بالمرأة ~~والقتل والجرح لا يحل ذلك بعذر الكره ولا يرخص فيه) فلما كان هذا القسم عين ~~ذلك القسم في الاتصاف بهذين الوصفين ما فائدة إفراد هذا القسم بجعله أحد ~~قسمي القسم الثاني، ولم لم يورد هذا القسم في ذلك القسم الذي ذكر فيه الزنا ~~وغيره حتى ينصب هذا الوصفان على كليهما انصبابة واحدة؟ # قلت: أما الجواب عن الشبهة الأولى فهو أنه لما ذكر القسم الثاني الذي هو ~~موضع التقسيم بقوله: وأما الذي لا يسقط ويحتمل الرخصة فمثل إجراء كلمة ~~الكفر على اللسان والقلب مطمئن بالإيمان كان ذلك القسم محتملا شيئين: # أحدهما- غير محتمل لسقوط حرمته ولكن يحتمل الرخصة وهو إجراء كلمة الكفر ~~على اللسان. # والثاني- غير محتمل لسقوط حرمته ولا يحتمل الرخصة وهو ترك اطمئنان القلب ~~بالإيمان، لكن جعل كون إجراء كلمة الكفر على اللسان نظيرا لما ذكر بطريق ~~العبارة والقصد، وجعل ترك اطمئنان القلب نظيرا لما ذكر بطريق الإشارة ~~والضمن؛ حيث لم يعلم هناك ذلك المقصود الحاصل من PageV05P2472 # الإشارة، ثم إن جر ما ذكره من حكم إجراء كلمة الكفر على اللسان مع زيادة ~~تقرير فيه إلى أنه ألحق به حكم استهلاك أموال الناس وجواز الترخيص فيه ~~بالإكراه التام. # ثم ذكر هاهنا حكم ضد ذينك الشيئين بطريق النتيجة لما ذكر قبله بقوله: ~~فصار هذا القسم قسمين" إلى آخره أعني بذينك الشيئين إجراء كلمة الكفر على ~~اللسان وترك اطمينان القلب بالإيمان، وأعني بضدهما الإقرار بالإيمان بالله ~~تعالى باللسان واطمينان القلب بالإيمان، والدليل على ما قلته من ذكرهما ~~بطريق النتيجة كما قلته شيئان: # أحدهما- ذكر الفاء في قوله: "فصار هذا القسم". والثاني- إعادة عين ما ذكر ~~فيه من اطمئنان القلب بالإيمان، لكن عبر عنه هاهنا بلفظ العقيدة، ومن ذكر ~~جنس ما يحتمل ms990 السقوط كان هو إجراء كلمة الكفر على اللسان. # وحاصله أنه لما ذكر هناك حكم إجراء كلمة الكفر على اللسان عند الإكراه ~~كان ذكر حكم ضده وهو الإقرار بالإيمان بالله تعالى في حق الإيمان نتيجة له، ~~فكان الذي ذكر هناك في حق تحمل الرخصة مقصودا عند الإكراه والذي هنا في حق ~~تعلق الله تعالى بالإيمان مقصودا وهو شيئان: أحدهما- الاعتقاد الثابت على ~~الإيمان. # والثاني- الإقرار بالله تعالى باللسان، وفي حق ذكر تحمل الرخصة أو عدم ~~تحملها تبعا، فلذلك ذكر هذا القسم الذي صار قسمين في حق الإيمان وغيره بعد ~~ذلك ذكر فيه تحمل الرخصة مقصودا. PageV05P2473 # وأما الجواب عن الشبهة الثانية فمستخرج من جواب الشبهة الأولى، وهو أنه ~~لما استقام ذكر القسم الثاني وهو قوله " وأما الذي لا يسقط ويحتمل الرخصة" ~~باعتبار المقابلة للقسم الأول لما أن القسم الأول وهو الزنا وغيره لا يحتمل ~~الرخصة. # وهذا القسم الثاني يحتملها كان ذكر هنا القسم الذي يتراءى التكرار بالقسم ~~الأول بطريق النتيجة والتبعية للقسم الثاني، فلم يكن تكراره ملتفتا إليه؛ ~~لأن تكراره لم يكن بمقابلة القسم الأول، وهذا أيضا جواب لعدم إيراد هذا ~~القسم تبعا ونتيجة للقسم الثاني والقسم الثاني مضاد للقسم الأول ومقابل له ~~كان تبع القسم القاني أيضا مضادا للقسم الأول من حيث المعنى. # فحينئذ لا يستقيم إيراد هذا القسم هناك. والله أعلم # هذا الذي أدت إليه رويتي وحجري وانتهت إليه نهيتي وفكري من PageV05P2474 # الجواب لمثار الشبهتين المثارتين من قبلي والمزبرحتين من عندي، ومن كان ~~عنده جواب أصح متنا وأوسع صحنا فليبرزه فهو في سعة في ذاك وخليق بأن يقال ~~المئنة هناك. # وقوله: (أنه يتحمل السقوط بأصله لكن دليل السقوط لما لم يوجد) # وأرى لهذا تناول مال الغير عند المخمصة نظيرا، فاحتمال السقوط هناك بأصله ~~بأن يأذن صاحب المال بالتناول له، ولكن لما لم يعلم الإذن منه كان التناول ~~منه قبل الإذن حراما في أصله فلذلك كان الكف عنه عزيمة صيانة المال المسلم، ~~فإن وجوب صيانة مال كصيانة نفسه. # ألا ترى أن لصاحب المال ms991 أن يقاتل لأجل صيانة ماله كمال أن يقاتل لأجل ~~صيانة نفسه، فلو مات فيه مات شهيدا، لكن دليل السقوط لم للم يوجد وعارضه ~~أمر فوقه وهو تلف النفس بسبب صيانة المال، وإنما جعل تلف النفس فوق تلف ~~المال وإن كان في وجوب الصيانة سواء علة ما ذكرنا؛ لأن المال في أصله خلق ~~لوقاية النفس فكانت مرتبة الموقي أقوى من مرتبة الواقي، PageV05P2475 # فكانت حرمة تلف النفس أشد حرمة وأعظم خطرا من حرمة تلف المال، مع أن ~~استهلاك المال بالتناول مجبور بالضمان بقيمة المال، ففي الإكراه على المكره ~~الآمر، وفي المخمصة على الآكل فصار كأن المال لم يهلك؛ لأن قيمة المال تقوك ~~مقام المال. # فإن قلت: بالنظر إلى هذا الدليل ينبغي أن تكون هذه الرخصة من قبيل رخصة ~~الإسقاط كما أكل الميتة وشرب الخمر حالة الإكراه وحالة المخمصة بل أولى؛ ~~لأن حرمتهما في نفسهما ثابتة؛ لأنه ذكر في إيمانه "التتمة" محالا علة ~~"المنتقي" رجل حلف لا يأكل الحرام فاضطر إلى ميتة فأكل منها حنث. # وأما هاهنا فلما ضمن قيمة المال وأداها صار كأنه لم يستهلك المال لقيام ~~قيمته مقامه، فحينئذ كان قاتلا نفسه بالامتناع عن التناول بدون استهلاك ~~كمال الغير فيجب أن يأثم لصبره حتى قتل، والحكم على خلاف ذلك، فإنه لو ~~امتنع حتى قتل كان شهيدا مأجورا. # قلت: نعم كذلك غير أم جواب هذا وأمثاله مبني على ما ذكر في آخر إكراه ~~"المبسوط" فقال: وكل أمر أحله الله في مثل ما أحل في الضرورة من الميتة ~~وغيرها والفطر في المرضى والسفر فلم يفعل حتى مات أو قتل فهو آثم، وما أمر ~~حرمه الله تعالى ولم يجيء فيه إحلال إلا أن فيه رخصة فأبى أن يأخذ PageV05P2476 # بالرخصة حتى قتل فهو في سعة؛ لأن في هذا إعزاز الدين. # ألا ترى أن محرما لو اضطر إلى ميتة وإلى ذبح صيد حل له عندنا أكل الميتة ~~ولم يحل له ذبح الصيد ما دام يجد الميتة؛ لأن الميتة حلال في الضرورة ~~والصيد جاء تحريمه على المحرم ms992 جملة أي لم يجيء فيه نص إحلال في صورة من ~~الصور، فيبقى على حرمته، ومن أبقى الحرام حراما حتى يقتل كان إعزازا للدين ~~الحق فكان شهيدا بخلاف الميتة والخمر حيث جاء نص بإحلالهما على مضطر ~~بالاستثناء عن التحريم. # وأما قوله: فلما ضمن قيمة المال وأداها صار كأنه لم يستهلك، فقلنا: لا ~~كذلك فإن لصاحب المال في عين ماله حقا قويا فليس لغيره أن يتعرض لعين ماله ~~بدون رضاه وإن كان هو مضمونا بقيمته فكان ضمان القيمة وأداؤها هنا بمنزلة ~~ضمان القضاء في إفساد الصلاة المفروضة وقضائها وإفساد صوم رمضان وقضائه، ~~فإنه وإن كان قضاؤهما قائما مقام الأداء كان الصبر على المكره بالإفساد حتى ~~يقتل أفضل له من الإفساد. # إلى هذا أشار في آخره إكراه "المبسوط"، وهذا أيضا مبني على ما ذكرنا قبل ~~هذا من الأصل المذكور من "المبسوط" فإنه لما لم يجيء نص بالإحلال بترك ~~الصلاة المفروضة عن وقتها وترك الصوم المفروض عن وقته كان في الصبر على ~~القتل إعزاز لدين الله تعالى. PageV05P2477 # وإن كان قضاؤهما مشروعا، وفي كل موضع جاء النص بتأخير تلك العبادة فلم ~~يؤخر حتى قتل أثما، وقال في "المبسوط" وفي صوم رمضان لو قيل له وهو مقيم ~~لإن لم تفطر لنقتلنك فإبى أن يفطر حتى قتل وهو يعلم أن ذلك يسعه كان ~~مأجورا؛ لأنه متمسك بالعزيمة وفيما لا يفعل يظهر إظهار الصلابة في الدين ~~فإن أفطر وسعة ذلك؛ لأن الفطر رخصة له عند الضرورة إلا أن يكون مريضا يخاف ~~على نفسه إن لم يأكل ولم يشرب فلم يفعل حتى مات وهو يعلم أن ذلك يسعه ~~فحينئذ يكون أثما. # وكذلك لو كان مسافرا في شهر رمضان فقيل له: لنقتلنك أو لتفطرن فأبى أن ~~يفطر حتى قتل كان أثما؛ لأن الله تعالى أباح له الفطر في هذين الوجهين ~~بقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) # (وذلك مثل تناول محظور الإحرام) أي وتناول مال الغير مثل تناول محظور ~~الإحرام من غير ضرورة بالمحرم. ms993 # (فكذلك هاهنا) أي في تناول مال الغير يرخص له ويضمن، ثم قوله: "وذلك مثل ~~تناول محظور الإحرام عن ضرورة بالمحرم" يتناول الإكراه والمخمصة؛ لأن كلا ~~منهما يضطر المضطر إلى الإقدام على قتل الصيد فلذلك PageV05P2478 # رخص له القتل وضمن جزاء الصيد. # فإن قلت: يلزمم على هذا أن يكون قتل الصيد للمحرم أغلظ من قتل المسلم ~~المحرم قتله، فإن المكره لو أكره رجلا على قتل المسلم بالإكراه الكامل ~~فقتله لم يجب على القاتل شيء، وهنا يجب جزاء الصيد على القاتل وإن كان هو ~~في الإكراه الكامل ولا يتمحل في هذا بإن وجوب جزاء الصيد على المكره القاتل ~~باعتبار أنه حق الله تعالى وجناية على إحرامه، فإن ذلك متقوض بعد وجوب ~~الكفارة على المكره القاتل المسلم في قتل الخطأ، بل تجب الكفارة على المكره ~~الآمر لا على القاتل على ما ذكرناه قبل هذا، مع أن وجوب الكفارة لرفع الإثم ~~الثابت في دين القاتل وهي حق الله تعالى أيضا فلما لم يجب على المكره ~~القاتل شيء مع أنه لا رخصة في القتل أصلا وإن كان في حال الإكراه الكامل ~~وجب أن لا يجب هنا بالطريق الأولى فإن للمحرم رخصة في قتل الصيد عند ~~الضرورة بخلاف قتل المسلم بغير حق. # قلت: هذا الذي ذكره من ضمان الجزاء في الصيد جواب الاستحسان. # وأما في جواب القياس فلا يجب عليه شيء كما في قتل المسلم؛ لأن القاتل في ~~الإكراه الكامل كالآلة ولا يجب شيء على الآلة فكذا على القاتل، ولأنه لما ~~لم يجب في قتل المسلم شيء مع أنه لا يسعه الإقدام على القتل، وهنا أولى أن ~~لا يجب على القاتل شيء لأنه رخص له القتل هاهنا. PageV05P2479 # أما وجه الاستحسان وهو وجه الحكم المذكور في الكتاب على وجه الفرق بين ~~قتل المسلم وبين قتل المحرم الصيد فهوأن قتل الصيد من المحرم جناية على ~~إحرامه وهو في الجناية على إحرام نفسه لا يصلح أن يكون آلة لغيره. # فأما قتل المسلم جناية على المحل وهو يصلح أن يكون آلة ms994 للمكره في ذلك حتى ~~أنه في حق الإثم لما كان جناية على دينه وهو لا يصلح أن يكون آلة لغيره في ~~ذلك اقتصر الفعل عليه في حق الإثم. # يوضحه أنه لما لم يجب على الآمر هنا شيء- إذا كان حلالا- فلو لم نوجب ~~الكفارة على القاتل كان تأثير الإكراه في الإهدار، وقد بينا أنه لا تأثير ~~للإكراه في الإهدار ولا في تبديل محل الجناية وإن كانا محرمين جميعا فعلى ~~كل واحد منهما كفارة. # أما على المكره فلأنه لو باشر قتل الصيد بيده لزمته الكفارة فكذلك إذا ~~باشر بالإكراه. # وأما المكره فلأنه في الجناية على إحرام نفسه لا يصلح آلة لغيره. # يوضحه أنه لا حاجة هنا إلى نسبة أصل الفعل إلى المكره في إيجاب الكفارة ~~عليه لما أن كفارة الصيد على المحرم بالدلالة والإشارة وإن لم يصر أصل ~~الفعل منسوبا إليه فكذلك هاهنا، وبه فارق كفارة القتل إذا كان خطأ أو شبه ~~عمد فإنه يكون على المكره الآمر دون المكره بمنزلة ضمان الدية والقصاص؛ لأن ~~تلك الكفارة لا تجب إلا بمباشرة القتل، ومن ضرورة نسبة PageV05P2480 # المباشرة إلى المكره أن يبقى فعل في جانب المكره المأمور، وهاهنا وجوب ~~الكفارة لا يعتمد مباشرة القتل فيجوز إيجابه على المكره المأمور بالمباشرة ~~وعلى المكره الآمر بالتسبيب. كذا في "المبسوط" والله أعلم. PageV05P2481 # يقول العبد الضعيف حسين بن علي بن حجاج السغناقي حاطه الله عما يهمه، ~~وساسه عما يلمه بتاريخ يوم الخميس الثامن عشر من شهر جمادى الأولى من شهور ~~سنة أربع وسبعمائة قد اسلنطخ ما اصلخد مما سرهفت، في التامور، واخرنمس، PageV05P2482 # ما غمغم مما يمور، معبقرا بما يلوح من المعاني الدقيقة ومزبرحا بما يجود ~~من الكلمات الرقيقة وما انهل هطلان البيان على حقلد الكلام إلا أرى فيه ~~العجاب، وشفى مرض الجهل، وإن كان فيه داء القلاب، وواشكت، PageV05P2483 # إلى ما انتدبوني بالاحرنجام، وسارعت إلى تحرير ما ارتبك عليهم بالارتطام، ~~ولينت ما اطرخم من دراهس الكلام، وأوضحت ما ادلهم من عكامس الظلام، وما ~~ادخرت مما قيل فيه من البيان أو ms995 يقال، رجاء ان يعفى عني ما عسى فيه عثرة أو ~~يقال، وما قصرت في إيراد ما يزداد به الكتاب إيضاحا، وما ينقضي به حاج من ~~تأرض فيه لانسلاكه إنجاحا، PageV05P2484 # ودغففت فيه غدق النظائر، في مضايق معضلات لا تدركها البصائر، وكثرت لها ~~شواهد من المبسوط غير مسردق على وجه يفقهها المحذق وغير المحذق، ويضربان ~~هذا المثل من جرا التسهيل والتخضيع، إن أهون السقي التشريع، وكتابي هذا ~~يعرف قدره من أكرمه الله بالمدارسة، فإنه يشاح على غيره للمنافسة، لما أن ~~هذا جامع للفوائد المزدحمة، والنظائر المرتكمة وما جووز مضيق إلا وقد أعلم ~~بالتوسيع، وما أنهي إلى مغمم إلا وقد رسم PageV05P2485 # بالتقشيع، ولما كان أمره بكفاية كل مهم من الكتاب، وتقسيع كل مغم من ~~الخطاب، سميته ب"الكافي" وجعلتها علمين في تفسيح المشكلات وتكشيف المعضلات، ~~وقد وفقني الله تعالى لإتمامهما برحمته في هذا الوقت الموصوف بالادلهمام ~~والدهر المنعوت بنوه بالاطرخمام، وأرجو أن يوفقني بفضله على عمل يسرني يوم ~~التناد، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. # تمت كتابة هذا الشرح الموضح والأصل المربح المنجح في غرة شهر الله ~~المبارك رمضان الميسر لعباده المدينين بالرحمة والغفران، حجة إحدى عشرة ~~وسبعمائة بالمدينة المتبركة المأنوسة دمشق المحروسة، نقلا عن خط مصنفه ~~الشيخ الإمام الهمام والقزم السميدع القمقام حسام الملة والدين، شارح PageV05P2486 # مشكلات الفقه ومعضلات القوانين، المخصوص بجزائل نعم الله تعالى الدائم ~~الباقي، حسين بن علي بن حجاج بن علي السغناقي جازاه الله عن المسلمين ~~المستفيدين بفوائده خيرا، وكافاه سعادات الدنيا والآخرة أحسن مكافأة وأجرا. ms996