######OpenITI# #META#Header#End# ### | # يسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي نقد بصائر المهتدين ~~بأنوار معرفته، وعصمهم من الزيغ والانحراف عن طريق محجته، وفقهم لاتباع ~~طريق أنبيائه وأهل رسالته، وجعلهم متبعين لما أنزل عليهم من فرقانه ~~وإبانته، وحماهم عن قلب الحقائق المعنوية والصورية بالأغاليط المتوهمة ~~الظنية. من كل ماش مكب على وجهه، وعاقب من اتخذ إلهه هواه في سيره وسيرته، ~~وأضله على علم، وختم على سمعه وبصيرته، بتغير في أبار المهالك والمعاطب من ~~عماوته وحيرته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، المنفرد بذاته ~~وفردانيته عن جميع مخلوقاته وبريته، الذي أتصف بالصفات وتسمى بالأسماء في ~~قدمه وأزليته وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله الذي بعثه إلى ~~الخلق برحمته وهدايته صلى الله عليه وعلى آله أهل وده وولايته. وبعد: فإن ~~الله تعالى يقول: ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغى بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون) [الأعراف 33] ، وقال : ( أفن يمشي مكبا على وجهه أهدى ~~أمن يمشي سويا على صرط مستقيم) [الملك : 22]، فقد حرم علينا أن نقول عليه ~~سبحانه ما لا نعلم كما رضي لنا أن نمشي على صراط مستقيم. PageV01P029 ولا ريب أن الله تعالى قد جعل للأشياء حدودا يتميز بها بعضها ~~على بعض، فالخلق محدود مربوب ، يتصرف فيه الباري تعالى بقدرته وإرادته ~~ومشيئته؛ ليس الخلق بعضا من أبعاضه، ولا صفة من صقاته، ولا هو عين ذاته ، ~~بل هو سبحانه ذات منفرد بنفسه، مباين عن جميع خلقه بذاته وصفاته وأسمائه ~~ووجوده؛ فجميع الحركات والسكنات في الخلق صادرة عن مشيئته، وليس هو المتحرك ~~فيها، بل هو المحرك لها، وليس وجودها وجوده، بل لها وجود محدث مفتقر إلى ~~وجوده، كما أن للموجد سبحانه وجود قائم به غير وجودها كما يليق بربوبيته، ~~وللمخلوق وجود قائم به مفتقر كما يليق بعبوديته. فحين جعل الوجود وجودا ~~واحدا ساريا في كل ماهية من الخلق والحق؛ فقد ضل واعتدى، ms01 ومن زعم أن الخلق ~~إنما يمتاز عن الحق بحيثية ما اقتضاه استعداده من قبول الفيض فقط، كان في ~~العدم ثابتا متعددا متنوعا، فقد زاغ عن المحجة الصحيحة والنهج السوي؛ قاتل ~~الله القائلين بهذه المقالة فأنى يؤفكون. والسبب الموجب لنظم هذه الأحرف هو ~~ما وقر في القلوب من ترهات ابن عربي، حيث صار لها شأن في قلوب السالكين، ~~وخطر عند المبتدعين من الطالبين، وما ذلك إلا لقصور فهمهم عن مقاصده، وعجز ~~بصائرهم عن ملاحظة اتحاده في شقائه ، استخرت الله بتعليق كلمات تكون - إن ~~شاء الله تعالى - كشفا لستر مقالته، ومنبها على إلحاده وضلالته مما نقلته ~~من كلامه عن «فصوص الحكم» نقل المسطرة ؛ ليزول بذلك عن الكاشف لستره كل ~~تهمة، وليزن العاقل مقالته على ما دل عليه دين الرسول صعلم فيزنه بالدين ~~الناقد البصير، ليظهر له زيفه وانحرافه وتهوكه وعناده، ولعمري لا يقدر PageV01P030 على هذا الوزن إلا من تحقق الدين ونفذ فيه ذوقا ورسوخا؛ ~~فالمشار إليه راسخ في زندقته ، ضائع في سياق ما يلقيه من كفريات الفلسفة ؛ ~~لاحتوائه على فنون كثيرة من العلوم الشرعية والرياضية والفلسفية، فصارت في ~~ذلك عذبة غريبة، ومقاصده فيها غامضة لا يفطن لها إلا كل ناقد يعرف عوره في ~~مقالاته وترتيبه. ### | فصل # جميع ما يبديه في مصنفاته من الكلام الحق النافع هو ربط واستجلاب لقلوب ~~الطلبة كما يشير إليه في الفتوحات والحكم المربوط وغيرهما؛ فإن الداعي إلى ~~البدعة لا يستجاب له إن لم يكن ذا بصيرة بالدعوة ويستدرج الخلق فيها بلطيف ~~الاستدراج ، بحيث ينقلهم من مرتبة في عقولهم إلى مرتبة أخرى أعلى منها، ~~بحيث تكون تلك المرتبة الأولى ثابتة في العقول، فتسكن العقول في ذلك أولا، ~~ثم يدفق العبارة فتشتاق القلوب إلى حل ذلك أولا؛ فمن العابد ومن المعبود، ~~ومن الشاهد ومن المشهود، كما أنشد: إن قلت عبدا فذلك ميت %~% أو قلت رب أنى ~~مكلف ### | فصل # نبدأ أولا - بعون الله تعالى - في حل قاعدة مذهبه قبل نقل كلامه ؛ لتتضح ~~القاعدة أولا في ذهن العاقل، ثم يتفصل عليها جميع ms02 ما ننقل عنه من كلامه ، ~~ويستفاد من ذلك أن جميع ما يقوله في جميع كتبه وإن اختلفت عباراتها وتنوعت ~~أنحاؤها وإشاراتها نضما ونثرا فهو مسألة واحدة، وهي- حقيقة القاعدة الآتي ~~ذكرها إن شاء الله تعالى، فهو يقول ثم يحط عليه فلا PageV01P031 يتجاوزها ، فمتى فهمها العارف عرف جميع ما يقوله في مجموع ~~كلامه ويستقرئه إن شاء الله تعالى. ### | فصل # قاعدة هذا الرجل في اعتقاده وكشفه الباطل هو عند العلماء والعقلاء خيال ~~لا حقيقة له، ووهم فاسد توهمه، وبنى عليه أصوله ودلائله؛ هو أن يجعل ~~المعدوم شيئا ، ويجعل الماهيات بأسرها - من جميع ما علم من الأكوان علوها ~~وملوها في عدمها أشياء ثابتة في أنفسها، لكن ليس لها وجود، فأفاض الحق ~~تعالى عليها وجوده الذاتي، فقبلت الوجود بحسب استعدادها، فظهرت بعين وجود ~~الحق الذاتي، فكان هو الظاهر فيها بحكم الوجود وهي كانت الظاهرة فيه بحكم ~~الأسماء لتنوعها وتعددها ، ويجعل النسب التي بين الذوات والوجود هي أسماءه ~~تعالى، لولاها لم يكن له اسم؛ فإن الوجود لما أفاض على الماهيات الثابتة ~~عنده، قبلت كل ماهية من الوجود بحسب استعدادها، مثلا كان المرزوق والمنتقم ~~منه، والمرحوم مرحوما والجميل جميلا، فقبلت كل ماهية بحسب ما اقتضاه ~~استعدادها من ذلك الوجود المطلق، فظهر بذلك الاسم: الرزاق والرحيم ~~والمنتقم، ولولا فيض هذا الوجود لم يكن لله تعالى أسماء أصلا، فإن كان شيئا ~~مطلقا لا وجود له يتعين هذا على قواعده واصطلاحاته وتوهماته. ومذهب ~~المسلمين أن الله تعالى لم تزل أسماؤه قديمة موجوده، لم يتجدد له بما أحدث ~~من مخلوقاته شيء لم يكن له في قدمه. وهذا الكلام الذي انتحله هذا الرجل ~~يقتضي أن الله تعالى كان لا وجود له في الظاهر، كان وجوده مطلقا لا يوصف ~~بصفة ولا يسمى باسم، فأراد أن يقرن بنفسه، فتجلى بوجوده على الأعيان، فرأى ~~نفسه فيها، كما قال: PageV01P032 رأيت نفسك فينا وهي واحدة %~% كثيرة ذات أسماء وأوصاف فلما ~~رأى نفسه ظهرت الأسماء باعتبار النسب التي بين الماهيات والوجود الفائض، ~~فلما أفاض عين وجوده على الماهيات ms03 بذلك صار هو موجود في الظاهر، فظهرت ~~الوحدة في الكثرة متكررة فيها لا متعددة لأنها كتكرر الإنسانية في الأشخاص ~~المتعددة ، وهي إنسانية واحدة ، فهو الموجود في الكثرة لا موجود غيره ، ~~والكل هو هذا الظاهر الذي ظهر بوجوده في بريته، وكل موجود له نسبة من وجود ~~الحق لما قبله استعدادا، فتلك النسبة هي عين أسمائه وصفاته، فصار الحق عنده ~~كالإنسانية المطلقة السارية في شخص بالتكرار، وكل واحد إنسان، وبهذا ~~الأشخاص ظهرت الإنسانية في الخارج، ولولاهم كانت شيئا ثابتا في الذهن مطلقة ~~لا حقيقة لها في الحارج متعينة ، فكذلك الرب عنده كان شيئا مطلقا لا ظهور ~~له، فأفاض وجوده على الأكوان كفيض الإنسانية على جنس الإنسان ، فظهر بذلك ~~وجود الحق في الخارج كما ظهرت الإنسانية في الخارج، لتعلقها بالأشخاص ~~المتعينين. فأحل الله الشكوى مما انتحلته هذا الطائفة المبطلة التي قلبت ~~الحقائق وشنعت على ضعفاء هذه الأمة عقولها، وفرقت الربوبية كل ممزق، وقلبت ~~صورة الشريعة ومسختها، فاستهلك الإيمان والإسلام في صورة ما انتحلوه ~~كاستهلاك الإنسانية في القرد الممسوخ، مسخهم الله كما مسخوا دينه، وقلبهم ~~في النار كما قلبوا شريعته وبالله المستعان. فمذهب هذا الرجل: أن الأعيان ~~كانت ثابتة، فهي غذاؤه بالأحكام. يعني يتغذى بها الحق لظهور أحكام أسمائه ~~فيها، وذلك يقتضي افتقاره إليها لأن من يتغذى بالشيء كان مفتقرا إليه، ~~ولذلك أفاض عليها وجوده PageV01P033 ليظهر هو فيها بأسمائه ووجوده، إذ لولاها لم يظهر وجوده ولا ~~أسماؤه، فصارت غذاء له، وكذلك عنده هو غذاء لها أيضا بالوجود، لأن بوجوده ~~ظهرت ، إذ لولا وجوده الفائض لكانت عدما في حال ثبوتها في عدمها، فلما فاض ~~وجوده الذاتي عليها ظهرت به ، فهي غذاؤه وهو غذاؤها بالوجود. وزيادة بيان ~~لمذهبه البعيد على اصطلاحه: يتصرفون في ربهم لما قبلوه من الوجود بحسب ~~استعدادهم، فالرب تعالى عنده ليس له اختيار في مقادير استعداد كل موجود ~~فيما قبله من الوجود له اختيار بحسب ما اقتضاه استعداده . يدل على ذلك ما ~~يأتي ذكره إن شاء الله تعالى من كلامه ، وكذلك عنده أن ms04 الرب تعالى كما ~~تصرفوا هم فيه يتصرف هو أيضا فيهم في إفاضة وجوده عليهم فقط لا غير ذلك، ~~فكان الحاصل من مجموع هذه الحالة أن الرب تعالى على زعمه كان وحدة مطلقة ~~لا يرى نفسه و لا يعرف إياه ولا يوصف باسم ولا بصفة، حتى رأى نفسه متجلية ~~في الماهيات ، فكان المرآة له رأى وجوده فيها، ولزم من ذلك ظهور الأسماء، ~~ومن قبل كان لا اسم له ولا صفة، بل شيئا مطلقا، لأن الأسماء والصفات هي من ~~لوازم الظهور والوجود، وتعلق الوجود بالموجودات، فباعتبار تعلق كل موجود ~~بالوجود يكون للوجود أسماء بحسبه، فلما أراد سبحانه وتعالى أن يكون له ظهور ~~أفاض وجوده على الماهيات الثابتة في العدم، فظهر بوجوده، فكان هو الظاهر ~~حيث وجوده، وكانت الماهيات هي الظاهرة من حيث أسماؤه. PageV01P034 ### | فصل # فيمن وفقه الله تعالى، وفهم هذه القاعدة وحققها في ذهنه الصحيح وعقله ~~الراجح، ونور الله قلبه بنور الإسلام، فعرف أن هذا وهم فاسد، وخيال باطل في ~~زخرف من القول وزور، لما دل عليه الكتاب والسنة من قدم الباري تعالى بذاته ~~المقدسة وجميع أسمائه وصفاته، وكان موجودا بوجود قديم يختص به يعلم نفسه ~~ويرى وجوده، وأن وجود الأكوان ليس هو عين وجوده، بل هو وجود محدث لم يفض ~~عليه من ذات وجود الحق شيء، لأن وجود الحق لا يفيض على مخلوق، وهو وجود ~~قائم به سبحانه وتعالى لا ينتقل إلى غيره ولا يحل في سواه، وهو - سبحانه ~~وتعالى - بهذا الأكوان بهذا الوجود المحدث الذي يليق بالأكوان، وهو خلق من ~~خلقه لا من فيض وجوده الذاتي يريد إمداده، فيكون كما قال الله تعالى : ~~(إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) [النحل:40]، وليس عين ~~ذلك الذي يجده من الوجود سبحانه وتعالى لم يحدث له لإظهار الكون اسم لم يكن ~~له في قدمه ولا صفة يوصف بها في أزله ، فظهور الأكوان ووجودها لم يزد به ~~سبحانه وتعالى مثقال ذرة من اسم ولا صفة كما أنه لو لم يظهرها لم ms05 ينقض بذلك ~~ولم تخف أسماؤه ولا صفاته تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. ~~وها نحن إن شاء الله تعالى ننقل من كلامه نقل المسطرة بلا زيادة ولا نقصان، ~~ليستدل بذلك على صحة ما بينا من مذهبه ليتفطن له العقلاء والنبلاء ~~الطالبون، ونفرق بين ما يقوله، وبين ما يفسره من كلامه بفاصل يتميز به عنه ~~إن شاء الله تعالى. PageV01P035 قال في الكلمة الآدمية: ساق الكلام في آدم عليه السلام إلى أن ~~قال: فسمى هذا المذكور إنسانا وخليفة؛ فأما إنسانيته : فلعموم نشأته، وحصره ~~الحقائق كلها. قوله : لعموم نشأته وحصره الحقائق. يعني به آدم هو العالم ~~الأصغر، قد جمع وحوى جميع ما في العالم لأكبر. ثم قال: وهو للحق تعالى ~~بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصير، ~~فلهذا سمي إنسانا. لأنه من الحق بمثابة إنسان العين، وكفى بهذا كفرا ~~وزندقة، لمن نظر وأنصف. ثم قال: فإنه به نظر الحق قعالى إلى خلقه فرحمهم ، ~~فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي. قوله: به نظر الحق تعالى ~~إلى خلقه. PageV01P036 أي أكسبهم الوجود بسببه، فهو الإنسان الحادث بصورته الأزلية؛ ~~لأنه كان ثابتا في العدم والنشء الدائم الأبدي ، لأنه صار بالوجود الدائم ~~الأبدي. قال في الكلمة الشيثية: ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله [به] في ~~جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا ~~يعطيه إلا ما أعطاه بمنه من العلم به، وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم ~~علم الله من أين حصل، وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم ~~الواقفون على سر القدر. وهذا الذي قاله يقتضي أن ثم قوما يعلمون علم الله ~~بهم من أين يحصل ؟ فيطابق علمهم علم الله بهم من جميع الوجوه ! وهذا لم ~~يثبت في الشرع أنه جعل للأنبياء؛ لأنهم ما كانوا يعلمون من علم الله إلا ما ~~علمهم الله تعالى، وما خفي عنهم منه أكثر مما علموه، فكيف يدعي ms06 مدع أنه ~~يكون في الأمة من يعلم علم الله من أين حصل ! وهذا هو الضلال المبين. ثم ~~قال: ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: أما ذاتيته وأما أسمائيه، فأما المنح ~~والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي، والتجلي من الذات ~~لا يكون إلا بصورة استعداد المتجلى له ، وغير ذلك لا يكون ؛ PageV01P037 فالمتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق ، ولا رأى [الحق] ~~ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه رأى سوى صورته في مرآة الحق. فإنه بفيض ~~الوجود رأى نفسه، ولولا فيض الوجود لما رأى نفسه. قوله : ولا رأى الحق. أي ~~أنه مطلق شائع ، والمطلق لا يرى حقيقته إلا متعينا، فلذلك ولا يمكن أن يراه ~~مع علمه بأنه ما رأى وجود نفسه الثابتة في العدم لا بوجود الحق الفائض ~~عليه، فكان وجوده مرآة نفسه فيها. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فهو مرآتك في ~~رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤية أسمائه وظهور أحكامها. ثم قال: ولست سوى ~~عينيه فاختلط الأمر وانبهم؛ فمنا من جهل في علمه، فقال: العجز عن درك ~~الإدراك إدراك. وهذا مثل ضربه في الصديق رضي الله عنه، فإنه نقل إنه قال: ~~العجز عن درك الإدراك إدراك. PageV01P038 [ثم قال:] ومنا من علم فلم يقل مثل هذا، وهو أعلى القول، بل ~~أعطاه العلم السكوت. معاشر العلماء تدبروا هذا الكلام، وتفهموا محطه؟ قال : ~~فهو مراتك في رؤيتك نفسك. هل تفهمون معناه ؟ أنه لما أفاض وجوده الذاتي ~~عليك كالمرآة فيه، رأيت بثبوتك في عدمك موجود، فكان وجود الحق مرآتك رأيت ~~فيه نفسك . ثم قال: وأنت مرآته في رؤية أسمائه وظهور أحكامها. معناه : ~~لولاك ما ظهرت. هذا نص صريح واقع في القاعدة التي قررناها أولا من مذهبه، ~~مطابقة لها لمن فهم وعقل زندقته. ثم قال: وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل، ~~وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول ~~الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة [الولي] الخاتم، حتى إن ~~الرسل لا يرونه ms07 متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة، ~~أعني نبوة التشريع ورسالته تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا، فالمرسلون من ~~حيث كونهم أولياء لا يرون PageV01P039 ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من ~~الأولياء وأن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به الرسل من ~~التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه [ولا يناقض ما ذهبنا إليه]، فإنه من وجه ~~يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى، وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ~~ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم، وفي تأبير النخل، فما ~~يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء PageV01P040 هل تفهمون - معاشر العقلاء - ما يقول هذا الضال ؛ جعل الرسل ~~والأنبياء لا يرون العلم بالله إلا من مشكاة خاتم الأولياء. فهذا عنده محمد ~~صلى الله عليه وسلم وموسى وعيسى عليهما السلام لا يرون العلم بالله تعالى ~~إلا من مشكاة خاتم الأولياء الآتي في آخر الزمان ؛ ليت شعري وبأي حجة أم ~~بأي دليل أم بأي آية أم بأي خبر أم بأي معقول ! ثم انظر إلى قضية عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه. وكونه صلى الله عليه وسلم مر على قوم يلقحون النخل، ~~فقال : «لو تركتم هذا لصلح»، فتركوه فصار شيصا، فقال : «أللهم أنتم أعلم ~~بأمر دنياكم، وأنا أعلم بأمر دينكم» . أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فأنى ~~لمن أكذب على الله معاشر العقلاء . فهل قضية عمر رضي الله عنه حجة على ما ~~قال ؟ هل كان صلى الله عليه وسلم يرى العلم PageV01P041 بالله من مشكاة عمر رضي الله عنه ! ولو فرضنا في قضية مخصوصة ، ~~هل يلزم من ذلك يكون جميع الأنبياء والرسل يرون العلم بالله جميعه من مشكاة ~~خاتم الأولياء ؟ وهل في قضية التأبير دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم وجد ~~العلم من مشكاة أهل النخل ! نعم الرسول بعثه الله تعالى بشيرا ونذيرا ~~وداعيا إلى الله ولم يبعثه بالفلاحة والتأبير والزراعة، فكون القوم كانوا ~~أعلم بأمر دنياهم ms08 ، هل في ذلك دلالة على أن جميع الأنبياء والرسل يرون ~~العلم من مشكاة خاتم الأولياء ؟ ! تعقلوا رحمكم الله ما يقول هذا الضال، ~~واستدلوا على بعض كلامه ببعض، تفهموا انحلاله، بل تعرفوا خبطه، وتعتبروا ~~وهمه وخياله، وأنه - وإن كان ملتزما لشيء من الشريعة في مقاله - فإن ذلك ~~ربط يربط به القلوب واستدراج لها، (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور) [النور: من الآية 40] تم انظروا - رحمكم الله تعالى - كيف قلب الحقائق ~~وأعيانها في الكلمة النوحية فقال : لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين ~~لأجابوه، فدعاهم جهارا، ثم دعاهم إسرارا، ثم قال لهم : ( أستغفروأ ربكم إنه ~~كان غفارا )) [نوح: من الآية 10] ، وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته ~~لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته، فعلم العلماء بالله أنهم [إنما] لم ~~يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في ~~القرآن لا يصغي إلى الفرقان، وإن كان فيه، فإن القرآن يتضمن الفرقان، ~~والفرقان لا يتضمن القرآن، ولهذا ما اختص القرآن إلا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وهذه الأمة التي هي خير أمة قد أخرجت للناس. PageV01P042 في قوله : ( ليس كمثله شيء [الشورى: من الآية 11] ، جمع الأمر ~~في أمر واحد، فلو أن نوحا عليه السلام أتى بهذه الآية لفظا أجابوه، فإنه ~~شبه ونزه في آية واحدة، ونوح عليه السلام دعا قومه ليلا من حيث عقولهم ~~وروحانيتهم فإنها غيب، ونهارا دعاهم أيضا من حيث ظاهر صورهم وجسمهم، وما ~~جمع في الدعوة مثل ليس كمثله شيء، فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم ~~فرارا، ثم قال عن نفسه : دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك، جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وهذه كلها صورة الستر الذي دعاهم ~~إليها، فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك. ففي ليس كمثله شيء إثبات ونفي، وقال ~~عن نفسه صلى الله عليه وسلم إنه أتي جوامع الكلم، فما دعا محمد صلى الله ~~عليه وسلم قومه ليلا ونهارا، بل دعاهم ليلا في نهار، ونهارا في ليل. فقال ~~نوح ms09 عليه السلام في حكمته لقومه (يرسل السماء عليكم مدرارا ) [هود : من ~~الآية 52] ، وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري ( ويمددكم ~~بأموال) [نوح : من الآية 12] ، أي بما يميل بكم إليه ؛ فإذا مال بكم إليه ~~رأيتم صورتكم فيه، فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى ~~نفسه، فهو العارف. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فقالوا في مكرهم: (لا تذرن ~~إلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق وشرا) [نوح : من الآية23] ، ~~فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل ~~معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله. في المحمديين، ( وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه ) [الإسراء : من الآية 23] ، أي PageV01P043 حكم، فالعالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وإن ~~التفرقة والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة ~~الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، ~~فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره. ثم ساق الكلام إلى أن قال: ~~والأعلى العالم يقول: إنما إلهكم إله واحد فله أسلموا حيث ظهر. فقوله: ما ~~عبد غير الله في كل معبود. أي أن عباد الأصنام كان فيهم خاصة وعامة، عارفون ~~ومحجوبون فالعامة المحجوبون تخيلوا أن في الأصنام ألوهية، وأما العلماء ~~والعارفون من عباد الأصنام يقول العارف منهم: إنما إلهكم إله واحد، فله ~~أسلموا، حيث ظهر أسلم وعبده ، حيث الحق فيه بوجوده الفائض عليه ! افهموا ~~رموزه تعقلا. ثم قال : ( وبشر المخبتين) [الحج : من الآية34] ، الذين خبت ~~نار طبيعتهم بدل نار طبعهم، فقالوا: إلها، ولم يقولوا طبيعة، ( وقد أضلوا ~~كثيرا) نوح: من الآية24]، أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب، ( ولا ~~تزد الظالمين) [نوح : من الآية64] لأنفسهم ، ( المصطفين ) (ص : من ~~الآية47]، الذين أورثوا الكتاب أول الثلاثة، فقدمه على المقتصد والسابق ، ~~(إلا ضلالا ) [نوح : من الآية24] ، إلا حيرة المحمدي، زدني فيك تحيرا. ثم ~~ساق الكلام والتخليط إلى أن قال: PageV01P044 ( مما خطيئتهم أغرقوا) [نوح: من الآية25)]، ms10 أغرقوا في بحار ~~العلم بالله، وهو العلم بالله؛ ( فأدخلوأ نارا ) (نوح : من الآية25] ، في ~~عين الماء ، [في المحمديين ( وإذا البحار سجرت ) (التكوير : 6] ، سجرت ~~التنور إذا أوقدته]، ( فلم يجدوا لهم من دون ألله أنصارا) [نوح: من الآية ~~25]، فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد، فلو خرجوا إلى السيف، ~~سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة [الرفيعة]، وإن كان الكل لله وبالله بل ~~هو الله. ثم ساق الكلام الخبط إلى أن قال : ( إنك إن تذرهم) [نوح : من ~~الآية27] ، أي تدعهم وتتركهم ( يضلوا عبادك ) [نوح : من الآية 27] ، أي ~~يحيروهم ويخرجوهم من العبودية إلى ما هم فيه من أسرار الربوبية، فينظرون ~~أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيدا، فهم العبيد الأرباب. PageV01P045 انظروا معاشر العقلاء رحمكم الله في هذا الكلام في الكلمة ~~النوحية، وما يلزم منها في قوله في حق نوح عليه السلام أنه خيرهم حيث دعاهم ~~ليلا ونهارا، وكان الواجب أن يدعوهم ليلا في نهار ونهارا في ليل. وفي قوله: ~~فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه. ومن قوله: والعالم يعلم من عبد، وفي ~~أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة الروحانية، ~~فما عبد غير الله في كل معبود. ثم ذكر الأدنى يقول كذا، والأعلى يقول: إنما ~~إلهكم إله واحد فله أسلموا حيث ظهر. وقوله: أي حيروهم في تعداد الواحد ~~بالوجوه والنسب. فقد جعل الكون وتفرقته من وحدة الحق كالأعضاء في الصورة PageV01P046 المحبوبية، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية. يفسر ذلك ~~قوله : حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب، أي الأمر شيء واحد لكنه ~~متعدد بالوجوه والنسب والإضافات الأسمائية التي لزمت من ظهور الذوات ~~الثابتة في العدم بفيض الوجود عليها؛ وعلل قول الكفار من قوم نوح عليه ~~السلام في قولهم ( وقالوأ لا تذرت آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا) [نوح : ~~من الآية 23]، وإنهم إذا تركوا ؛ جهلوا من الحق على قدر ما تركوا، فإن الحق ~~في كل معبود؛ فأقام عذرهم في عبادتهم الأصنام، ومهد لهم دينهم ودين كل من ~~عبد وثنا ms11 أو صنما وغير ذلك، فما أبقى هذا للكفار عيبا في قولهم (ما نعبدهم ~~إلا ليقريونا إلى الله زلفى) [الزمر: من الآية 3]، وجميع ذلك يقرر ما ~~نبهناك عليه أولا في بيان قاعدته في مذهبه لمن عقله وفهم مراده، وبالله ~~المستعان. وجملة ما يشير إليه هو أن وجود الحق الذاتي سار في كل متعين، قبل ~~منه كل متعين على قدره وحده، أعطى كل شيء حسب ما يناسب، كالماء في أواني ~~الزجاج المتلونة، فإنه يكون الماء في الأحمر أحمر، وفي الأخضر أخضر، وفي ~~الأسود أسود، والماء شيء واحد، لكن يكون في كل أنية بحسب ما يستمده ، وتلك ~~النسب الموجودة من حمرته وصفرته وخضرته وسواده هي الماء. كذلك لما فاض وجود ~~الحق على الماهيات صار الوجود في كل ماهية بحسب ما تستمده تلك الماهية ~~إنسانا وجملا وفرسا وحمارا وقطا وفارا وكلبا وخنزيرا وقردا ونجاسة، والوجود ~~وحده مطلقة، فلما فاض المطلق على الماهيات قبلت منه بحسب ما تستمده كل ~~ماهية، وذلك هو ظهور الحق المطلق المغيب إلى الوجود في عالم الحس ، وتلك ~~النسب المتعددة PageV01P047 بحسب اختلاف استعداد الماهيات ، هي أسماء الحق لولاها لم يكن ~~للوجود المطلق اسم، فظهرت الموجودات في الخلق كما كانت في عدمها ثابتة لم ~~تنتقل ولم تتغير، بل هي الآن كما كانت فيه علما وثبوتا، فهي الآن فيه ~~وجودا، وهو الجامع لها. يدل عليه قوله: وان التفرقة والكثرة كالأعضاء في ~~الصورة المحسوسة ، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله ~~في كل معبود. ومثال الآخر : تكرر الكلام، وتكرر الأمثلة لتظهر هذه الشبهة ~~التي قد فتن بها كثير من السالكين ، واغتر بها كثير من الجاهلين ؛ أوعية ~~مختلفة الأشكال مثل مثلثه ومربعه ومخمسه ومسدسه ومسبعه ومثمنه مثلا أفاض ~~عليها ماء، فإن الماء يتشكل على شكل كل إناء، يكون في المثلث مثلثا، وفي ~~المربع مربعا، وهلم جرا. وهذا المثل إنما يستقيم من حيثية الاستعداد الكائن ~~في الأشكال المختلفة لا من حيثية الوجود ؛ لأن الوجود سبب لظهور الأشكال ~~التي هي محل الوجود، لأنها كانت ثابتة ms12 في العدم، والوجود هو الذي أظهرها ~~بفيضه عليها، لكن نقول من حيثية استعداد كل محل، فكذلك عنده وجود الحق لما ~~أفاض على الماهيات تشكلت كل ماهية بوجودها بحسب استعدادها وقبولها. فأفهموا ~~ذلك - معاشر الألباب - تنحل عنكم شبهة هؤلاء الزنادقة القرامطة الذين ~~مذهبهم هذا المذهب الخبيث، وهو عين مذهب النصيرية والإسماعيلية ، لكن تختلف ~~فيه العبارات والإشارات، والمقصود شيء واحد، وبالله المستعان. PageV01P048 كذلك يقول ابن سبعين في بعض مصنفاته : يظهر في الماء كلونه وفي ~~النار بلونها. ويشير أن الوجود يظهر في كل ماهية بلونها ، فإلى الله الشكوى ~~من ضلال هؤلاء وإضلالهم ( ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ) ~~[يس : 62] . وقال في الكلمة الإدريسية - زادنا الله بصيرة في قلبه للحقائق ~~- قال : وكذلك الخلفاء من الناس لو كان علوهم بالخلافة علوا ذاتيا ، لكان ~~لكل إنسان، فلما لم يعم عرفنا أن ذلك العلو للمكانة، ومن أسمائه الحسنى : ~~العلي ، علا ! على من؟ وما ثم إلا هو ؟ فهو العلي لذاته، PageV01P049 وما زاد ما هو إلا [هو] ، فعلوه لنفسه ، وهو من حيث الوجود عين ~~الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو، فهو العلي لا ~~علو إضافة ، لأن الأعيان التي لها العدم الثابت فيها ما شمت رائحة الوجود ~~فهي على حالها من تعداد الصور في الموجودات ، والعين واحدة من المجموع في ~~المجموع ، فوحدة الكثرة في الأسماء، وهي النسب ، وهي أمور عدمية، وليس إلا ~~العين الذي هو الذات، فهو العلي لنفسه لا بالإضافة، فما في العالم من هذه ~~الحيثية علو إضافة، لكن الوجوه الوجودية متفاضلة ، فعلو الإضافة موجود في ~~العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة. افهموا - معاشر العقلاء - ما يقول: ~~قال : علا على من؟ وما ثم إلا هو. باعتبار الوجود، فإن الوجود كله في ~~الماهيات هو عين وجوده؛ وإذا كان كذلك، فعلى من يعلو ؟ ثم صرح بذلك فقال: ~~وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية بذاتها. وهذا ~~نص صريح لا يحتاج إلى تفسير ، فعلى هذا يكون الكلب علا بذاته، والقرد والدب ~~والفأر كل واحد ms13 منهما علا بذاته، لأن وجود عين الوجود : المطلق الذاتي PageV01P050 صرح الرجل وما قصر، وأبان عن مذهبه الخفي في هذا الكلام حيث ~~قال: وهو من حيث الوجود عين الموجودات. ثم فسر ذلك فقال: فالمسمى محدثات هي ~~العلية بذاتها. وبعد هذا الإيضاح من لم يفهم مراده بعد هذا التصريح، فقد ~~أبان عن بلادة طبعه وجموده، وبالفه المستعان. قال في الكلمة الإدريسية ~~أيضا: ومن عرف ما فررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق ~~المنزه هو الخلق المشبه، وإن كان قد تميز الخلق من الخالق. يعني باعتبار ~~الذوات المتعددة، فبهذا يتميز الخلق من الخالق، وأما باعتبار الوجود فيكون ~~كما قال أولا: فاختلط الأمر وأنبهم. وأن كلامه يفسر بعضه بعضا. ثم قال: ~~فالأمر الخالق المخلوق ، والأمر المخلوق الخالق ، كل ذلك عين واحدة ، لا هو ~~العين الواحدة، لا بل هو العيون الكثيرة. وهذا ظاهر مذهبه من مراده الذي ~~قدمناه بلا إشكال. PageV01P051 ثم قال: ( فأنظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ) [الصافات ~~: من الآية 102] ، فالولد عين أبيه ، فما رأى يذبح سوى نفسه ( وفديناه ~~بذبح عظيم) [الصافات: 107] ، فظهر بصورة كبش، من ظهر بصورة إنسان، وظهر ~~بصورة ولد، لا بل بحكم ولد من هو عين الولد ( وخلق منها زوجها) [النساء : ~~من الآية1]، فما نكح سوى نفسه، فمنه الصاحبة والولد، والأمر واحد في العدد، ~~فمن الطبيعة ومن الظاهر منها؛ وما رأيناها نقصت بما ظهر منها ولا زادت ~~بعدما ظهر ؟ وما الذي ظهر منها غيرها ، وما هي غير ما ظهر منها ، لاختلاف ~~الصور بالحكم، فهذا بارد يابس، وهذا حار يابس، فجمع باليبس وأبان بغير ذلك، ~~والجامع الطبيعة [لا بل العين الطبيعية]، فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة ~~، لا بل صورة واحدة في مرايا مختلفة ، فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر، ومن ~~عرف ما قلناه لم يحر، وإن كان في مزيد علم، فليس إلا من حكم المحل، والمحل ~~عين العين الثابتة؛ فيها يتنوع الحق في المجلى، فتتنوع الأحكام عليه، فيقبل ~~كل حكم، وما يحكم عليه إلا عين ms14 ما تجلى فيه، وما ثم إلا هذا. معاشر العقلاء ~~هل تفهمون ما يقول هذا الضال في ضلالته ؟ اعقلوا إن كنتم تعقلون ! الولد ~~عين أبيه باعتبار الوجود، فإنه واحد فيه وفي أبيه، فما رأى يذبح سوى نفسه ~~باعتبار الوجود ، فإنه واحد ، فعلى هذا يكون فرعون عين موسى، وأبو جهل عين ~~الصديق، وزيد عين عمرو باعتبار الوجود، فإنه PageV01P052 واحد فيه ، وفي كل شيء، ويكون الملك عين البشر، والصديق عين ~~العدو. ثم صرح بذلك: فظهر في صورة كبش من ظهر بصورة إنسان للا بل بحكم ولد ~~من هو عين الوالد، والكل هو الحق، والكبش والإنسان والوالد والولد تارة ~~يظهر باعتبار الوجود في صورة كبش من ظهر بصورة الإنسان، وبحكم ولد من هو ~~عين الوالد، وما ثم إلا هو. لكن لنعد للمحل والمجلي، والعين واحدة، ثم فسر ~~ذلك وصرح به في قوله : وخلق منها زوجها ، فما نكح سوى نفسه ، فباعتبار ~~الوجود وهو الناكح وهو المنكوح والكل هو، فمن الناكح ومن المنكوح . فهل ~~سمعتم كفرا - معاشر العقلاء - أفحش من هذا، يقال للربوبية أعظم من هذا، من ~~أبو جهل عند هذا ؟ كان أبو جهل خلفا بليدا ، لكنه يبغض الحق ويعادي الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والله ما وصل كفره وفحشه إلى هذا، وما وصلت فطنته إلى ~~قلب الحقائق والأعيان كما هو قلب هذه الحقائق، وجعل الخالق مخلوقا ، ~~والمخلوق خالقا، والناكح ما نكح سوى نفسه ، لأنا ما رأيناه نقص منه شيء، ~~فلما ظهرت حواء منه، فكان الظاهر منها هو، وفي الحقيقة على زعمه وفحشه ~~الوجود المطلق الظاهر في آدم وحواء هو الناكح وهو المنكوح. ثم حقق ذلك ~~فقال: وما الذي ظهر منها غيرها ، وما هي عين ما ظهر منها لاختلاف الصور في ~~الحكم. الأول : باعتبار الوجود الذي ما ظهر منها غيرها، فإن الوجود واحد. ~~والثاني : باعتبار المحل والمجلي الذي تجلى فيه للحق ما هي غير PageV01P053 ما ظهر منها لاختلاف الصور، وهي الذوات في الحكم الموجب الموجب ~~للأسماء. ثم مثل على ذلك، فقال: هذا بارد يابس، وهذا حار ms15 يابس فجمع باليبس ~~وأبان بغير ذلك تعين بالحرارة والجامع الطبيعة، فعالم الطبيعة صور في مرآة ~~واحدة، لا بل صورة واحدة في مرائي مختلفة، فما ثم إلا حيرة للتفرق النظر. ~~ثم قال: فليس إلا من حكم المحل، والمحل عين العين الثابتة، فمنها يتنوع ~~الحق في المجلى، فتتنوع الأحكام عليه. هل تفهمون ما يقول : جعل طبيعة اليبس ~~الجامعة للحار والبارد بمثابة الوجود ، فإنه جامع للأشياء حارها وباردها، ~~وجعل الحرارة والبرودة أحكاما وأسماء للطبع، والواحد الجامع، وهو طبيعة ~~اليبس. ثم قال: فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة، عين الصور المختلفة، يابس ~~حار، يابس بارد، وهذا هو الاختلاف في مرآة واحدة. وهو اليبس من حيث هو يبس ~~، فهو مرآة واحدة، لأنه أمر واحد للأشياء المختلفة. ثم قال: لا بل صورة ~~واحدة في مرايا مختلفة. فإنه طبيعة واحدة في مرائي مختلفة والحار والبارد ~~وهما مختلفان، وهذا تقريب للوجود الفائض، جعل الطبيعة اليابس بمثابة الوجود ~~الجامع، وجعل الحرارة والبرودة بمثابة أحكام الأسماء الموجودة، فعلى هذا ~~يكون PageV01P054 الوجود صورا في مرآة واحدة ، يعني أن لكل عين وجودا منفردا ، ~~منفرد الكنه في مرآة واحدة، وهو الوجود المطلق. ثم قال: بل صورة واحدة في ~~مرايا مختلفة. فإن الوجود المطلق شيء واحد فاض قي مرائي مختلفة. ثم قال: ~~فليس إلا من حكم المحل، والمحل عين العين الثابتة - يعني الذوات الثابتة في ~~العدم - فيها، يتنوع الحق في المجلى، فتتنوع الأحكام. وهو الأسماء الموجودة ~~بحسب الاستعداد. وكل هذا تقرير ما قدمناه أولا من البيان، أصل مذهبه لا ~~يحتمل معنى غيره كما فهم، والله الموفق للصواب. ثم أنشد شعرا: فالحق خلق ~~بهذا الوجه فاعتبروا %~% وليس خلقا بذلك الوجه فاذكروا يعني أن الحق خلق ~~باعتبار الوجود، فإن وجود الجميع واحد، وليس لقا بذلك الوجه لتنوع المحلات ~~لمجلي الحق بحسب استعداد كل محل. من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته %~% وليس ~~يدريه إلا من له بصر جمع وفرق فإن العين واحدة %~% وهي الكثيرة لا تبقي ~~ولا تذر قال - زادنا الله فيه بصيرة - في الكلمة الإبراهيمية. ms16 PageV01P055 فإن الحكماء، وأبا حامد ادعى أنه يعرف الله من غير نظر في ~~العلم، وهذا غلط ، نعم تعرف ذات قديمة أزلية لا يعرف أنها إله ، حتى يعرف ~~المألوه، فهو الدليل عليه، ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق ~~نفسه سبحانه كان عين الدليل على نفسه، وعلى ألوهيته، وإن العالم ليس إلا ~~تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها [بدونه]، وأنه يتنوع ~~ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم منا أنه إله لنا، ~~ثم يأتي الكشف الآخر، فتظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق. يريد ~~بهذا الكلام : أن الكشف لا يكون في أول مرة، لا يعرف الإله حتى يعرف ~~المألوه إلا بمعرفة من إلهه، ثم بعد ذلك يعطيك الكشف بأن العالم ليس إلا ~~تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها. يريد بالتجلي: فيض ~~الوجود الذاتي على مرائي الأعيان الثابتة في العدم كما مر أولا ، فإن عنده ~~: أن الأعيان - إن كانت ثابتة في العدم - ليس لها وجود، فلما فاض الوجود ~~عليها وجدت، فصارت بوجودها عالما، فليس العالم إلا مجرد التجلي في صور ~~الأعيان. ثم يأتي الكشف الثاني فيظهر لك صور ثابتة في وجوده الثاني بصور ~~مختلفة لاختلاف أحكام أسمائها لتنوع استعدادها، وهي أسماء وجوده. قال : ~~فيظهر بعضنا لبعض في الحق. وبلغنا أن في بلاد الشرق يجتمعون، فيظهر لهم هذا ~~الوهم الفاسد، وظهور صورهم المختلفة في الوجود الذاتي ، فيسجد بعضهم لبعض ، ~~لأنهم تعارفوا في الحق، فيسجد كل منهم لصاحبه، ويتوهم أنه عينه، وإنما PageV01P056 سجد لوجوده، وهو الحق الجامع للكل. فأي مخرقة وأحومقة تبلغ هذا ~~! ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، وبالله المستعان. وقال في الكلمة ~~الإبراهيمية أيضا: ولذلك كثر المؤمنون وقل العارفون أصحاب الكشوف، وما منا ~~إلا له مقام معلوم، وهو ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك، هذا إن ثبت ~~لك وجودا؛ فإن ثبت إن الوجود للحق لا لك، فالحكم لك بلا شك في وجود الحق، ~~وإن ثبت إنك الموجود، قالحكم لك ms17 بلا شك، وإن كان الحاكم الحق، فليس له إلا ~~إفاضة الوجود عليك، فلا تحمد إلا نفسك، و لا تذم إلا نفسك، وما يبقى للحق ~~إلا حمد إفاضة الوجود، لأن ذلك له لا لك، فأنت غذاؤه بالأحكام، وهو غذاؤك ~~بالوجود، فتعين عليه ما تعين عليك، فالأمر منه إليك، ومنك إليه غير أنك ~~تسمى مكلفا، وما كلفك إلا بما قلت له كلفني بحالك، وبما أنت عليه، ولا يسمى ~~مكلفا: اسم مفعول. فيحمدني واحمده %~% ويعبدني وأعبده ففي حال أقر به %~% ~~وفي الأعيان أجحده فيعرفني وأنكره %~% وينكرني فأشهده فأنى بالغني وأنا %~% ~~أساعده فأسعده PageV01P057 كذلك الحق أوجدني %~% فأعلمه وأوجده بذا جاء الحديث لنا %~% ~~وحقق في مقصده وحاصل هذه المقالة : أن الحق تعالى على زعمه ليس يحمد إلا ~~لإفاضة الوجود فقط، ليس له فيك من التصرف غير هذا، وما عدا هذا من أحوالك ~~وشؤونك، فهو منك بمقتضى استعدادك، لأن محلك اقتضى أن يأخذ من الوجود ما ~~استعد له، لذلك يسمى بالأسماء المختلفة التي عنده، هي أسماء الحق، فأنت ~~غذاء الحق بالأحكام، فإنه لولاك لم تظهر أسماؤه فيك، فصرت غذاؤه بذلك، وهو ~~غذاؤك بالوجود، إذ لولا وجوده الذاتي الفائض عليك ما ظهرت، فتعين على الرب ~~ما تعين على العبد، فصار لكل منهما على الاخر حق، وافتقر كل منهما إلى ~~الآخر على زعمه، فلذلك: فيحمدني وأحمده %~% ويعبدني وأعبده يعني : يعبدني ~~لأني محل أسمائه ، وللأسماء فيه تصرف لأنها من فيضه، وأعبده لأنني بوجوده ~~ظهرت، فكل منا يعبد الآخر. معاشر العقلاء [انتبهوا] لما يقول ! ولا تصامموا ~~ولا تاذلوا ولا تقولوا: هذه حقائق ما تفهمها ؟ بلى والله بلى والله يفهمها ~~من كان له أدنى مسكة من عقل صحيح، وانصحوا لله وجاهدوا هؤلاء الكفرة الفجرة ~~الذين قد تفننوا في كفرهم بظرائف لم يسبقهم إليها أحد من كفرة خلق الله ~~وملحديهم، وبينوا عوارهم للخلق وأهينوا كتبهم وأسمائهم، فإنهم أهانوا ~~الربوبية ومزقوها مزقهم الله كل ممزق في الدنيا، اسمعوا ما يقول : فيحمدني ~~وأحمده %~% ويعبدني وأعبده ففي حال أقر به %~% وفي الأعيان أجحده PageV01P058 يعني: باعتبار ms18 الوجود أقر به، وفي الكثرة والتعينات المتعددة ~~أجحده، فإنه واحد؛ وهي متعددة كثيرة، فيعرفني وانكره، وأعرفه وأشهده، ~~فيعرفني هو بكثرة أسمائه المتعددة في، وأعرفه بوجوده الفائض علي، فأشهده، ~~وهو قوله: فأنى بالغنى وأنا %~% أساعده وأسعده أي : أنني بوجوده الفائض ~~علي، وبأحكامي التي هي أسماؤه أساعده ؛ لأني محل أسمائه، فبذلك يكون ~~مساعدتي له. وجميع ما في الكتب إشارة إلى هذا المعنى الواحد الذي تكرر ذكره ~~من أول الكتاب إلى هنا، ولولا محبة الافتضاح عن مذهبه بنقل كلامه وحله ~~وتفصيله على القاعدة الأولى لحصلت الكفاية، بعضها تقدم ذكره من تكرار ~~المعنى الواحد في هذه العبارات المختلفة، وبالله المستعان. وقال في الكلمة ~~اليعقوبية : وأما سره وباطنه، فإنه تجل في مرآة وجود الحق، فلا يعود على ~~الممكنات من الحق إلا ما تعطيه ذواتهم في أحوالها، فإن لهم في كل حال صورة ~~، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم ، فيختلف التجلي لاختلاف الحال، فيقع الأثر ~~في العبد بحسب ما يكون، فما أعطاه الخير سواه، و لا أعطاه ضد الخير غيره ، ~~بل هو منعم ذاته ومعذبها ، فلا يذمن إلا نفسه، ولا يحمدن. PageV01P059 ثم قال: السر الذي فوق هذا: أن الممكنات على أصلها من العدم، ~~وليس وجود إلا وجود الحق بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أنفسها ~~وأعيانها فقد علمت من يلتذ ويتألم، وما يعقب كل حال من الأحوال، وبه تسمى ~~عقوبة وعقابا، وهو شائع في الخير والشر، غير أن العرف سماه في الخير. ثوابا ~~[وفي الشر عقابا]، وبهذا سمي أو شرح الدين بالعادة، لأنه عاد عليه ما ~~يقتضيه ويطلبه. قوله: من يلتذ ومن يتألم. يريد أن العارف يعرف أن المتلذذ ~~هو الله، والمتألم هو الله، ويأتي شرحه من نفس كلامه في الكلمة الأيوبية ، ~~ليعرف أنه أراد ذلك حقيقة ، ويكفي بذلك كفرا وزندقة، تعالى الله علوا ~~كبيرا، ويستغنى عن شرح هذا الفصل، فإنه قد سبق في مواضع عدة أشياء إذا فهمت ~~فهم معنى ما قاله هنا، وبالله المستعان. وقال في الكلمة اليوسفية: اعلم أن ~~المقول عليه سوى الحق أو ms19 مسمى العالم بالنسبة للحق كالظل إلى الشخص ، فهو ~~ظل الله، فهو عين نسبة الوجود إلى العالم لأن الظل موجود بلا شك في الحس، ~~ولكن إذا كان ثم من يظهر فيه ذلك الظل، حتى لو قدرت عدم من يظهر فيه ذلك ~~الظل كان الظل معقولا غير موجود في الحس، بل يكون في القوة في ذات الشخص ~~المنسوب إليه الظل، فمحل PageV01P060 ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بالعالم إنما هو أعيان الممكنات؛ ~~عليها امتد هذا الظل. أي محل هذا الوجود الذي فاض من الحق هو أعيان ~~الممكنات عليها امتد وجود الحق كما يمتد وجود الشخص على محله. ثم قال: ~~فيدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات، ولكن باسمه النور ~~وقع الإدراك وامتد هذا الظل على أعيان الممكنات في صورة الغيب المجهول. ثم ~~ساق الكلام إلى أن قال : ( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) (الفرقان: 46]، ~~وإنما قبضه إليه لأنه ظله، فمنه ظهر وإليه رجع وإليه يرجع الأمر كله، فهو ~~لا غيره، فكل ما ندركه، فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية ~~الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه، هو أعيان الممكنات، فكما لا يزول ~~عنه باختلاف الصور؛ اسم الظل [كذلك لا يزول باختلاف الصور أسم] العالم أو ~~اسم سوى الحق ، فمن حيث أحديته كونه ظلا هو الحق لأنه الواحد الأحد، ومن ~~حيث كثرة الصور هو العالم، [فتفطن وتحقق ما أوضحته لك]، وإذا كان الأمر على ~~ما ذكرته [لك]، فالعالم [متوهم] ماله وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال، أي خيل ~~لك أنه أمر زائد قائم بنفسه، خارج عن الحق، وليس كذلك في نفس الأمر، ألا ~~تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك ~~الاتصال، لأنه يستحيل على PageV01P061 الشيء الانفكاك عن ذاته ، فاعرف عينك ، وما أنت وهويتك وما ~~نسبتك للحق، وبما أنت حق، وبما أنت عالم وسوى وغير ذلك. وحاصل هذا الفصل ~~الذي ذكره : أنه جعل نسبة العالم إلى وجود الحق نسبة الظل إلى الشخص ms20 ، ~~وعنده أن وجود الحق امتد على الأعيان الممكنات في العدم كما امتد الظل على ~~محله، فهي ثلاثة فافهمها : محل. وظل عليه يقع. وشخص يكون عنه الظل. فالمحل: ~~الممكنات، والظل الوجود، فكما يقبل المحل من الظل بقدر استعداده ، كذلك على ~~زعمه يقبل الممكن من وجود الحق على قدر استعداده. ثم حقق ذلك فقال : العالم ~~متوهم ما له من وجود حقيقي ، أي كما أن الظل ليس له وجود حقيقي. ثم قال: ~~فاعرف عينك ومن أنت ؟ وما هويتك. وفي هذا الكلام شبهة حق ! بما أشكل على ~~بعض الناس، وهو قوله: ألا تراه - يعني الظل في الحس متصلا بالشخص الذي ~~امتدد عنه ، يستحيل عليه الانفكاك من ذلك الاتصال. نعم الكون متصل بتدبر ~~الحق له وامتداده من قدرته ما يتم به وجوده وبقاؤه، وليس اتصاله بالحق ~~كاتصال الظل بالشخص كلما تحرك تحرك أو PageV01P062 سكن سكن ، هذا مثال فاسد لا يستقيم في نسبة الكون للحق باعتبار ~~أن عين وجود الكون هو عين وجود الحق. قد سبق أن للحق تعالى وجودا قائما به ~~قديما أزليا، وللكون وجود آخر محدث مخلوق مفتقر قائم بإمداد الله تعالى له ~~من قدرته وأمره التكويني، وليس قيامه بعين وجود الحق تعالى ، وجود الحق أن ~~يقوم بعينه شيء غير الله، فإنه وجود يليق به، وللخلق وجود ضعيف مفتقر يليق ~~بهم، وهو صادر عن قدرة صاحب الوجود القديم. هذا هو مذهب المسلمين الذين ~~جعلوا بين الحق والخلق مباينة يقتضيها القدم والحدث. وأما جعل الحق خلقا ~~باعتبار، والمخلوق حقا باعتبار، يعود فيقول : الكل هو ما ثم غيره %~% ~~وأنت هو وهو أنت فهذا صاحب وهم فاسد وخيال زائغ يتعين معرفة زيغه، وتحذير ~~المسلمين من شبهاته، وبالله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. تقدم في الكلمة اليعقوبية كلاما فسره في الكلمة ~~الأيوبية، قال في الكلمة اليعقوبية : الممكنات على أصلها من العدم، وليس ~~وجود إلا وجود الحق، تصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أنفسها وأعيانها، ~~فقد علمت من يلتذ ومن يتألم. PageV01P063 وهو ms21 لم يرد بقوله: من يلتذ ومن يتألم إلا - خاب - : الحق ~~العزيز المنزه . ويفسر ذلك في الكلمة الأيوبية، قال : وعلم أيوب أن في حبس ~~النفس عن الشكوى إلى الله في رفع الضر مقاومة للقهر الإلهي، وهو جهل بالشخص ~~إذا ابتلاه الله بما تتألم فيه نفسه، ولا يدع الله في إزالة ذلك الأمر ~~المؤلم. فهذا جهل أيوب عليه السلام في صبره، وترك الشكوى إلى الله تعالى في ~~أول. وكفى بمن جهل الأنبياء كفرا. قال : بل ينبغي له عند المحقق أن يتضرع ~~ويسأل الله تعالى في إزالة ذلك عنه، فإن ذلك إزالة عن جناب الحق عند العارف ~~صاحب الكشف، فإن الله قد وصف نفسه بأنه يؤذى، فقال : (إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله ) [الأحزاب : من الآية57]، وأي أذي أعظم من أن يبتليك ببلاء عند ~~غفلتك عنه أو عن مقام إلهي لا تعلمه لترجع إلى الله بالشكوى، فيرفعه عنك، ~~فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك، فيرتفع عن الحق الأذى بسؤالك إياه في رفعه ~~عنك إذ أنت صورته الظاهرة. فهل سمعتم - معاشر العقلاء - بمثل هذا الكلام في ~~تجهيل الأنبياء، وفي أن الضرر إذا انكشف عن المبتلى إنما ينكشف عن الحق. ~~ففهم من هاهنا ما قاله في الكلمة اليعقوبية: فقد علمت من يلتذ ومن يتألم. PageV01P064 يريد بالمتلذذ والمتألم: الرب المنزه تعالى عن الالتذاذ ~~والتألم الكائنين في خلقه، وبالله المستعان. وحقق ذلك في قوله: فيندفع عن ~~الحق الأذى بسؤالك إياه في رفعه عنك إذ أنت صورته الظاهرة. أي أن المبتلي ~~المغرور هو صورة الحق الظاهرة، والحق هو حقيقة، فإذا زال عن الصورة البلاء ~~زال عن الحقيقة الأذى لتلازمها إذ كل منها يتألم مما يتألم به الآخر. ~~افهموا ذلك معاشر العقلاء. وقال في الكلمة الإلياسية: إن العقل إذا تجرد ~~لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته لله على التنزيه لا على ~~التشبيه، وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله، فنزه في ~~موضع، وشبه في موضع، ورأى سريان الحق في الصورة الطبيعية [والعنصرية]، وما ~~بقيت له صورة إلا ms22 ويرى عين الحق عينها، وهذه المعرفة [التامة] التي جاءت ~~بها الشرائع المنزلة من عند الله وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها، ولذلك ~~كانت الأوهام أقوى سلطانا من القوى. وقال في الكلمة الهارونية: فكان موسى ~~عليه السلام أعلم بالأمر من هارون عليه السلام لأنه علم PageV01P065 ما عبده أصحاب العجل، [لعلمه] بأن الله تعالى قد قضى ( ألا ~~تعبدوا إلا إياه ) [الإسرء : من الآية23] ، وما حكم الله بشيء إلا وقع، ~~فكان عتب موسى لأخيه هارون لما وقع من إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من ~~يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء، فكان موسى يربي هارون تربية علم، ~~وإن كان أصغر منه في السن. فانظروا رحمكم الله الى قوله : ان عتب موسى ~~لأخيه هارون لما وقع من إنكاره وعدم اتساعه. هل يقول هذا مسلم. وقال في ~~الكلمة الموسوية: فقال له: ( قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين) (الشعراء:29]، والسين في «السجن» من الحروف الزوائد أي: ~~لأسترنك، فإنك أجبت بما أيدتني به أن أقول لك مثل هذا القول، فإن قلت لي: ~~فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي ، والعين واحدة، فكيف فرقت، فيقول فرعون: ~~إنما فرقت المراتب ، العين ما تفرقت ولا انقسمت في ذاتها ، ومرتبتي الآن ~~التحكم فيك يا موسى بالفعل، وأنا وأنت بالفعل ، وغيرك بالرتبة، فلما فهم ~~ذلك موسى منه أعطاه حقه في كونه يقول له : لا تقدر على ذلك، والرتبة تشهد ~~له بالقدرة عليه، وإظهار الأثر فيه، لأن الحق في رتبة فرعون من الصور ~~الظاهرة التي لها التحكم على الرتبة التي كان فيها ظهور موسى في ذلك ~~المجلس. PageV01P066 وخرافات يكاد العاقل يضحك منها ، لكنه يبكي من نسبة الأنبياء ~~صلوات الله عليهم إلى مثل هذه الخرافات، وأنهم كانوا على مذهبهم يتكلمون ~~باصطلاحه من وحدة الوجود بقول موسى عليه السلام لفرعون: العين واحدة، فكيف ~~فرقت ! قال فيقول فرعون: إنما فرقت المراتب، العين ما تفرقت ولا انقسمت في ~~ذاتها. وهذا أيضا يدل على أن فرعون - على زعمه - كان عارفا موحدا يتكلم ~~بلسانه ومعتقده، حيث ms23 كان الحق في رتبته كما ذكره هو أولا. فإلى الله الشكوى ~~وبه المستعان. وفي الكلمة المحمدية: فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم ~~وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاؤه كلها، ولذلك أمره بالاغتسال ~~[منه]، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن الحق غيور ~~على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فطهره بالغسل ليرجع بالنظر إليه، فيمن ~~فنى فيه إذ لا يكون إلا ذلك، فإذا شهد الرجل الحق في المرأة كان شهودا في ~~متفعل، وإذا شاهده في نفسه - من ظهور المرأة عنه - شاهده في فاعل ، وإذا ~~شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما يكون عنه كان شهوده في منفعل عن الحق ~~بلا واسطة، فشهود الحق في المرأة أتم وأكمل، لأنه شاهد الحق من حيث هو فاعل ~~منفعل من نفسه من حيث هو منفعل خاصة، فلهذا أحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم النساء لكمال شهود الحق فيهن ، إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد ~~أبدا . PageV01P067 معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أحب النساء لانه شاهد ~~الحق فيهن، وشهوده في المرأة أقوى وأعلى من شهوده في نفسه، فإن الشهود في ~~المرأة يجمع الأمرين، حيثية كونه فاعلا ومنفعلا، وفي نفسه من حيث ظهور ~~المرأة عنه، يكون شاهدا في فاعل. ويفسر هذا الكلام ما ذكره أولا من قوله: ~~فما نكح سوى عفسه، فهو الناكح - في زعمه الفاسد - وهو المنكوح. إشارة إلى ~~قوله تعالى : ( وخلق منها زوجها) [النساء: من الآية 1] ، فحواء منفعلة عن ~~آدم وآدم من حيثية انفعالها عنه هو كالفاعل فاعل، فإذا شهده في المرأة كان ~~أتم من كونه رآه في صورة هي فاعلة، ثم هو فاعله ناكح وهي منفعلة منكوحة ~~والكل واحد، فما نكح سوى نفسه، وغير ذلك من الخرافات. فانظروا - رحمكم الله ~~تعالى - إلى هذه الخرافات التي لا حقيقة لها إنما حاصلها وهم وخيال، والوهم ~~عنده أعلى من العقل كما بينه عليه فيما تقدم، فمن هذا كلامه وهذا اعتباره، ~~هل يحل لمسلم أن يعتقد فيه ms24 أو في ولايته أو يطالع كلامه عن اعتقاد إلا عن ~~استبصار لشبهة. بل على كل مسلم يفهم عنه أن يحذر المسلمين من الوقوع في ~~مزلاته، ويحجز بينهم وبين التردي في أباده وفي مهالكه، فكم قد أهلك هؤلاء ~~من طالب أقاد في ذهنه هذه الخيالات الفاسدة التي تخرج بصاحبها عن الإيمان، ~~ويمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم ماتوا وهم على هذه العقائد ~~الفاسدة والتوهمات الباطلة ، فرقوا الربوبية وفرقوها في الكائنات كل ممزق. PageV01P068 لقد قال الله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~أبن مريم) [المائدة : من الآية117] . هذا في شخص واحد حكم بكفرهم، وحققهم ~~من حيث قالوا: إنه الله فما ظنك فيمن يجعل جميع الموجودات الله، وأن وجودها ~~عين وجوده فهؤلاء كفروا بالله عدد كل شيء ! ونحن نقول سبحان الله عدد كل ~~شيء. وفيما ذكر من كلامه تنبيه على مراده وسوء عقيدته ، وفي بعض ذلك كفاية ~~لمن رام الشفقة في إلحاده . وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ~~والحمد لله رب العالمين. PageV01P069 ms25