######OpenITI# #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد الله الذي فتح من قلوب مريديه مغالق أقفالها، وحدا بها ~~إلى حضرات قدسه من علائقها وأغلالها وجمع في الملأ الأعلى بين ~~أرواحها وأرواح أشكالها وقدس عزائمها عن الشوائب القادحة وزكى ~~بالقبول جميع أعمالها وخلع عليها هنالك من خلع الأسماء العلية ~~والصفات المقدسة الجلالية حللا بهية فهم يرفلون في أذيالها أولئك ~~قوم اختصهم الله برحمته وسقاهم بكأس محبته من أنهار الاجتباء وعيون ~~الاصطناع رائق الأشربة وعذب زلالها. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد بالوحدانية ~~لنفسه وأولوا العلم من خلقه. # ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله أرسله لهذه الأمة بشيرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله ~~صلاة تكون لصاحبها يوم العرض والنشور برهانا ونورا. # وبعد: ~~فإن الموجب لتعليق هذه الكلمات: هو ما أودع الله تعالى في قلبي PageV01P037 ~~من المودة والرحمة والشفقة لإخوان التجريد - أهل التخلي والانفراد ~~لطلب التوحيد - ، الذين قطعوا العلائق ؛ وانفردوا عن الخلائق ؛ وطلبوا ~~الحقائق : بالجهد الجهيد. # هجروا الأوطان؛ وفارقوا الإخوان ، تجرعوا مرارات الفاقات ؛ ~~وكابدوا مضض التقطع في طلب الله سبحانه بالمجاهدات ~~والرياضات، واستبدلوا من العز ذلا ، ومن الغنى فقرا، درسوا ~~أنسابهم في الله وطمسوا فيه أحسابهم، وفارقوا في حبه أترابهم ~~بقلوب لها بنار الوجد زفير، وأكباد بها لفحات الشوق كحر الهجير، ~~تحركهم هبوب الرياح في الأصائل، ينبعثون إذا أظلم عليهم ~~الدياجي بالأحزان والبلابل، يقول قائلهم: ~~أموت وما ماتت إليك صبابتي ~~ولا قضيت من فرط حبك أوطاري ~~وقال: ~~قوم همومهم بالله قد علقت فما لهم همة تسمو إلى أحد PageV01P038 ~~فمطلب القوم مولاهم وسيدهم يا حسن مطلبهم للواحد الصمد ~~ما إن تنازعهم دنيا ولا شرف من المطاعم واللذات والولد ~~بلبلت قلوبهم بلابل الأحزان، وطرقها طارق الفقد والأشجان: أن ~~هبت من الغور نسمة تمر على أسرارهم من شدي الحب، لسان ~~حالهم فيما يجدون، وعبادتهم عما يستجن في سرهم المكنون: ~~إذا غبت عن عيني تملا بك الفكر ~~وإن لم يزرني الطيف طاف بك السر ms01 ~~وكلي لسان عن هواك مخبر ~~وكلي قلب أنت في طيه نشر ~~برقت على قلوبهم بوارق المطلوب، وتدلت عليها لوامع من سر ~~الغيوب، فأصبحوا بها هائمين، وفي ابتداء الطلب تائهين. # والله لو حلف العشاق أنهم سكرى من الوجد يوم البت ~~ما حنثوا، ومن العجب العجيب أن أحدا منهم لا يدري ما به وما السبب ~~لهيمانه ? وما الوجه الذي إذا أمه وتوجه إليه ظفر بمرامه ? PageV01P039 ~~فمنهم من تقطعه السياحات، وتتزل به في أسفاره نوازل الفاقات، ~~ومنهم من يعانق الجوع والضر والزهد والتقشف والفقر، غرباء بين ~~الخلق، يظن الناس أن بهم جنونا وليسوا بمجانين، غير أن الطلب ~~استولى على عقولهم فهيمها وبلبل أسرارها وأزعجها، وهم مع ذلك ~~يشتاقون إلى لقاء دليل ناصح يدلهم على نهج السبيل، عساهم يظفرون ~~بما عليه يهيمون، وإياه يؤملون. # فمن أراد الله به خيرا ألقاه على دليل ناصح، متبع لآثار الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على المنهج الواضح، يعرف أمراضهم وعللهم وترحهم ومضضهم، ~~فيحضنهم كما تحضن الطير ولدها، ويرضعهم من لبان المعرفة ما يبرد به ~~من قلوبهم لهبها، ويسد بأقوات المعارف فاقاتهم، ويروي بمياه الوصول ~~ظمأ أكبادهم، فهم جياع بغير المعرفة لا يشبعون، عطاش بغير مياه ~~الوصول لا يروون، أذلاء بغير مقاعد الصدق لا يعتزون، مفاليس بغير ~~كنوز التقريب لا يستغنون، هذا شأنهم وهم الغرباء، وطوبى للغرباء. PageV01P040 # ومن أراد الله امتحانه منهم حجبه عن الدليل وطول عليه الطريق ~~حكمة بالغة منه في حقه، يمحص بذلك أدناسهم، ويمحو به بقاياهم ~~وأدرانهم. # وفي هذه الأزمنة في رأس السبعمائة من الهجرة النبوية: والزمان ~~الذي عز فيه الأدلاء الناصحون؛ وكثرت فيه الأكاذيب والمدعون، ~~واستعلن مذهب الوحدة والاتحاد، بدعواهم أنهم سبل الهدى ~~والرشاد، والصادقون يلتزمون الخلوة والأذكار؛ والتقلل والانتظار. # فمنهم من ينتهي في سلوكه إلى مجرد فنائه في الذكر؛ وهمود ~~خواطره في السر، بلا فرقان يلوح ببينة يتبعها شاهد من شواهد ~~الفتوح. # فتراه جامد الظاهر، غايته فناء الخواطر، وربما فرحت نفسه بواقعة ~~وجدها؛ أو رؤيا صالحة قنع بها وضبطها. # وفي الناقدين من أهل زماننا ms02 من يرد عليه حال يصطلمه ، تعجز ~~عبارته عن تميزه، وتكل بصيرته عن تحديده وتقديره، لا يعرف العبادة ~~ولا المعبود، إلا أنه مستغرق في مجمل الشهود، ولا شعور له بالصفات ~~التي على صاحبها بالمعرفة الصحيحة تعود. PageV01P041 # فتراه أجنبيا عن السنة والقرآن، فهو عنهما معرض حيران، يتغير ~~ذوقه عند القراءة، ويهرب من مجالس الحديث والإفادة، كأنه في طريق ~~مغايرة لطريق الدين، كأنه ليس من جملة المسلمين. # وصاحب الذوق الصحيح إذا سمع القرآن طرب إليه، واتصل ~~القرآن بذوقه اتصال الصفة بالموصوف، والكلام بالمتكلم المعروف، ~~ولذلك إذا سمع الحديث يجيب قلبه لدواعي : (وما أتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا). # ويظهر بهذا أن الأذواق المجملة غير المفصلة - وهو التأله ~~البسيط - : يشترك فيه متعبدو أهل جميع الملل من اليهود والنصارى ~~والصابئين، إذ القدر المشترك بينهم مطلق التأله، وهذا حال لا يغني ~~شيئا، حتى يتفصل على التفاصيل الإسلامية، فيعرف الله نعالى من ~~التفاصيل التي تعرف إلينا بها من نعوته التامات؛ وصفاته الكاملات. # وفيهم من يجعل القرآن والسنة علما ظاهرا، والسلوك إلى الله ~~تعالى من أحوال السرائر. # ومنهم من يسكره لائحة من التوحيد؛ فيغرق في بحر القدر ~~والتفريد، فيغيب بفعل الخالق عن فعل المخلوق، ويسكر بعلم كلمات PageV01P042 ~~التكوين عن علم كلمات التكليف، فيبقى غائبا عن الأوامر والنواهي، ~~يتطلع إلى صرف القدر المحض من جميع النواحي، وأنى تروي هذه ~~الأشياء غليلا? ! أو تشفي بالمحبة الصادقة عليلا? ! # فالصادق في ابتدائه في أوان غلبات وجده كالعطشان، كلما رأى ~~سرابا مال إليه، وحام نحوه وعليه. # فإن وقع في كفة هؤلاء الأقسام المذكورين طالب صحيح الطلب ~~- بحيث يلقوه في لفيفهم؛ ويحشروه في مضيفهم - ؛ وكان غرا جاهلا ~~بمتاهات الطريق قد يسلك معهم برهة من الزمان حتى يصل إلى غاية ~~أمدهم؛ أو منتهى حدهم ومددهم: فيظهر حينئذ أنه ليس على تحقيق ~~وأنه تائه عن الطريق، فيتعب بهم دهرا طويلا؛ ويشقى بسببهم شقاء ~~بعيدا، خصوصا إذا أذابوا مهجته بالرياضات، وطرحوه في مشابك ~~التجوع والفاقات، فتضعف بذلك قواه البدنية، وتتغير لطيفته الذهنية ~~فتروح حدته ونشاطه معهم، ms03 ويضيع عنفوان شبيبته في طريق انحرافهم، ~~حتى يصل إلى غاياتهم ؛ فيرى ما هم فيه سرابا (يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءو لم يجده شيئا). # وقليل من السالكين يقف على عورهم، بل الغالب منهم ينقطعون ~~معهم حيث انقطعوا، ويقفون في متاهاتهم متحيرين حيث وقفوا، ~~ولا يقف على عورهم عند انتهاء سلوكه معهم إلا الصادقون؛ لأن ~~الصادق لاحت له لوائح صادقة ؛ ولوامع صحيحة رائقة. PageV01P043 # والبارقة وإن كانت شعلة من وقود؛ وقبسا لطيفا من الأمر الكلي ~~الموجود: فإنها دالة على ما وراءها من الكمالات، وهي أنموذج صغير ~~من ذلك الأمر الكبير. # فإذا أداه السلوك السقيم؛ والطريق الذي هو ليس بمستقيم: إلى ~~غايته ومنتهى أمده ؛ عرف بما عنده من البوارق الصحيحة أنه على غير ~~طريق، وأن بلوغه ليس ببلوغ أهل التحقيق ~~ثم غالب المصنفين لكتب الرقائق: تجدهم يصفون الطريق من ~~الابتداء إلى الانتهاء؛ ومن التوبة إلى الفناء والبقاء، ولا يبينون الأمر ~~الذي به يتم السير والسلوك، ولا ينبهون على الأمر - الذي تتدرج هذه ~~المقامات فيه تدريجا - تنبيها تمتحي معه الشكوك. # ففيهم من أشار إلى مجرد الذكر البسيط أو المركب مع الخلوة ~~والتقلل، وذلك يعطي حالا مجملا لا تمييز شرعي فيه، فيبقى بينه وبين ~~ذائقي أهل الملل قدرا مشتركا، غير أنه يصدق بصاحب الشريعة وهم به ~~مكذبون، والقدر الجامع بينهم مطلق التأله كما ذكر أولا. # ومنهم من أشار إلى العبادة والتلاوة بالتدبر، وإنما ينفذ في التلاوة ~~حقيقة النفوذ الموصل إلى المطلوب : من عرف المقدمات - التي هي ~~بمثابة الأساس للبنيان - من معرفة الأيام النبوية ؛ والسير الصحابية، ~~وكيف كان ابتداء الإسلام وطلوع شمسه وبزوغ قمره? وكيف أينع غصن ~~الإيمان وأينق؛ وسطع نوره وأشرق ? PageV01P044 ~~فمن عرف ذلك وتحقق بمعرفة الرسول صلى الله عليه وسمل وعرف دلائل نبوته وقام ~~برهان ذلك في سره حتى صار علمه بذلك ضروريا؛ ثم عرف نبوة ~~الأنبياء من قبله بوقوفه على قصصهم المطابقة لما نطق به الكتاب العزيز ~~والسنة المأثورة وذاق طعم الإيمان بصدقهم؛ ثم وجد في ذوقه ووجده ~~أن الذي جاء به هذا ms04 النبي الخاتم للنبوة وما جاءت به الرسل والأنبياء ~~من قبله هو من عين واحدة ونورهم جميعا من مشكاة الربوبية - فدينهم ~~واحد وشرائعهم مختلفة؛ والرب الذي يدعون إليه إله واحد-؛ ثم وجد ~~نفس الرحمن وذوق الحق ظاهرا في جميع مللهم وشرائعهم بذوقه ~~الصحيح وكشفه البين المنير : انتفع حينئذ بالتلاوة حقيقة الانتفاع ~~وصارت طريقا للطالب يوقعه على مطلوبه، وسبيلا يوصل المحب إلى ~~معرفة محبوبه، ومع ذلك لا بد من شيخ يريك شخوصها؛ أو صاحب ~~ذائق ينبهك على رموزها. # وفي الجملة؛ فالكتاب لا يستغني عن السنة في البيان، والسنة ~~لا تستغني عن الكتاب، كلاهما من الله تعالى، وكل منهما يبين الآخر ~~ويوضحه ويدل على حقائقه. # فلما وجدت الطالبين في زماني على هذا المنهج سائرين؛ ~~قد قطعتهم الإرادات؛ وجحفت بهم الانحرافات: استخرت الله تعالى PageV01P045 ~~في تعليق كلمات موجزات تكون للطالب الصادق أنموذجا يستدل بها ~~على ما وراءها من حقائق المطالب العالية، وترشده إلى سبيل ~~الصادقين من أمة هذا النبي الكريم أهل المشاهد الكاملة غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين، فتحها الله تعالى علي علما قطعت بصحته ~~وأرجو من كرم الله تعالى أن يحققها لي حالا أتصف بها بين أهل ~~ولايته، فالناطقون عن علم لهم مرتبة الإخبار من علم اليقين، ~~والواجدون لهم مرتبة التحقيق من عين اليقين، ويجب البيان كيلا يلتبس ~~المتكلم بالعلم: بالمتكلم بالحال، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. PageV01P046 ### | الفصل الأول: في المبادئ # إذا أراد الله بعبد خيرا : أيقظه من سنة الغفلة للتخلص من موبقات ~~الآثام والورطة. # فأول ذلك : عند ظهور الإنابة إلى الله ترد على العبد جذبات ~~تجذب قلبه وهو في غمار الغفلة، تتلاطم عليه فيه أمواج الطبيعة ~~والهوى ، ويستبين له الرشد والهدى، على قدر استمرار تلك الجذبات ~~التي تجذب قلبه من عوالمه الأرضية إلى مقر روحه، فيشرق له في ذلك ~~الحال بنور عقله ضياء الطريق، ثم يعود عليه عوالمه الأرضية، فيبقى ~~متحيرا في ظلماتها. # فمنهم من يتعاطى في تلك الظلمة ما يتقاضاه الطبع والهوى ؛ إلا أن ~~يعصمه الله تعالى، فلا ms05 يزال كذلك صاعدا مرة إلى أوجه؛ وتارة أخرى ~~إلى حضيضه، فيكون في أول الأمر أوقات صعوده نادرا، ثم تتوالى عليه ~~الجذبات ؛ إلى أن يبقى الصعود والنزول متساويين، ثم تغلب أوقات ~~الصعود على أوقات النزول، ثم تندرأوقات النزول كما كانت أولا ~~أوقات الصعود نادرة. PageV01P047 # فهو بين ظهور القلب والروح: هما أوجاه؛ الذي تصعده الجذبة ~~إلى مقرهما العلوي، والطبع يحطه عن أوجه إلى حضيضه الذي هو مركز ~~النفس والشهوات والحظوظ الدنيوية ~~فصاحب القلب الذي أغلب أوقاته يظهر عليه حكم القلب إذا ~~سقط : وقع على أرض طبيعته، وصاحب الروح الذي أغلب أوقاته يظهر ~~عليه أحكام الروح إذا سقط : وقع على القلب، فيكون محفوظا بنور ~~قلبه. # وقد يسقط في بعض الأحيان على طبعه؛ لكن يكون ذلك نادرا، ~~ومن وقع على طبعه : فحكمه ضبط نفسه عن أن ينصرف بحكم نفسه ~~وطبعه، إذ لا يبقى معه نور يحرسه ويتغذى به. PageV01P048 ### | الفصل الثاني: في الأمور التي يعتني بها صاحب هذا الحال # لا شك أن من هذا شأنه يكون غالبا تارة؛ ومغلوبا أخرى ، تارة ~~يقهر جند القلب والروح؛ فتكون كلمة الله العليا على باطن الشخص ~~وظاهره، وتارة يغلب جند النفس والهوى والشيطان؛ فتكون الشهوات ~~والإرادات النفسانية حاكمة على الشخص غالبة عليه، فهو في كل وقت ~~في حرب وجهاد، يرد عليه في كل يوم من العوارض المحمودة ~~والمذمومة من ظاهره وباطنه من الخلائق أمور متعارضة متقابلة، ومثل ~~هذا لا بد أن يبتلى بقواطع وموانع ليمتحن صبره فيها. # وقد جعل في الكون جنودا تتقوى بها جنود القلب والروح ~~وجنودا تمدح الطبع والهوى والشيطان من الجن والإنس ، فالعلماء ~~والصالحون والأولياء والمقربون والعبادات والقربات والدعاء ~~والالتجاء: جنود تمدح القلب والروح، والبطالون والغافلون وتعاطي ~~الشهوة والغفلة عن الله تعالى : يتركب منها جنود يتقوى بها جنود الطبع ~~والهوى. # ولا بد أن تعرض له فتن كقطع الليل المظلم، وتدعوه الشياطين ~~إلى طرق الضلالات وسبيل المتاهات، فليستعن بالله ويكثر الدعاء PageV01P049 ~~والتضرع والابتهال في طلب النصرة منه، كما قال الله تعالى : (إذ تستغيثون ~~ربكم فاستجاب لكم). وقال ms06 : (واعتصموا بالله هو مولاكم). # ثم أنفع ما له: الاشتغال بمواد تقوي جنود قلبه وتسهل له سبيل ~~رشده لتغلب جنود الرحمن جند الشيطان، وتصير كلمة الله هي العليا، ~~وتفتح عكا النفس؛ وطرابلس الهوى، وتكسر الصلبان؛ ويوحد ~~الرحمن، وتتدلى على القلب أسباب الهدى؛ وتفتح مغالق المطالب التي ~~إليها المنتهى، كما قال تعالى: (وأن إلى ربك المننهى ). # وأهم ما له بعد القيام بالأوامر واجتناب النواهي: رعاية الجوارح ~~عن المحرمات والمكروهات، والتخلص من قضاء الصلوات الفائتات، ~~والحقوق الواجبات فيما بينه وبين الله تعالى؛ وبين الخلق، حتى لا يبقى ~~قلبه مظلما. # ولزوم المحاسبة: يحاسب النفس على كل قول يقوله أو عمل ~~يعمله، فلا يعمل شيئا إلا لله عز وجل، مثلا : لا يتكلم إلا لله؛ ~~و لا يتحرك إلا لله، يقدم النية الصالحة على كل عمل من أعماله، وأي ~~حركة أو عمل خلت من نية صالحة: استغفر الله منها. # ولزوم المراقبة على الهموم والإرادات، فلا يهم إلا بخير، ~~ولا ينوي إلا خيرا، فإن الهموم مقدمات الأعمال، فمتى صلحت PageV01P050 ~~الهموم: صلحت الأعمال، ومتى فسدت: فسدت الأعمال، ويراقب ~~نظر الله تعالى إلى قلبه، ويستشعر علمه به وقيامه عليه، كما قال تعالى: ~~(وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا ~~إذ تفيضون فيه). وقال تعالى : (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور). # فيراقب علم الله تعالى في سويداء قلبه فيتقيه ويخشاه في ضميره، ~~فهذا كله مهم وقته وواجب حاله؛ لا غناء له عنه البتة، ولا يستقيم إلا به ~~ولا ينفذ إلا به، فإن باستعمال ذلك: تذوب طبيعة النفس؛ ويضعف ~~الشيطان وتقوى جنود القلب والروح بالمحبة والعرفان. # فأهم ما له مع ذلك : الاعتناء بعلم الحديث؛ والسير النبوية؛ ~~والأيام الصحابية، كالسيرة لابن إسحاق والواقدي وغيرهما، والصحاح ~~الستة، والاعتناء بالمرور عليها، ويطالع المسانيد الكبار كمسند الإمام ~~أحمد بن حنبل وعبد بن حميد وغيرهما، ويطالع كتب دلائل النبوة ~~كدلائل النبوة للبيهقي ولأبي نعيم الإصفهاني والقاضي عياض المغربي ~~وشرف المصطفى لابن الجوزي وغير ms07 ذلك، ومطالعة قصص الأنبياء ~~كالمبتدى الذي للكسائي أو غيره. PageV01P051 # فيعرف كيف بعثت الأنبياء ? وكيف عالجوا الكفار? فيعرف من ~~السيرة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم - ويتحقق بقلبه أنه بعث كما بعثوا، وأن الذي ~~جاؤوا به جميعا من مشكاة واحدة. # وكذلك يعتني بعلم أيام الصحابة، كالطبقات لابن سعد والاستيعاب ~~لا بن عبد البر، وعلم أسباب النزول، وعلم التفسير والتأويل للقرآن بعد ~~معرفة محمد، وواجبات الوضوء والصلاة وشرائطهما، وعلم واجبات ~~ما يخصه من الأمور التي يبتلى بها دون أمر العامة؛ إلا أن يستعد له ويتسع ~~لتحصيله مع حفظ مهمات حاله وواجبات وقته. # ولا بد من شيخ نافذ إلى الله؛ يعرف الله تعالى من طريقة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، يكون علمه خالصا عن شوب العلوم الفاسدة المنحرفة، قد ~~ارتضع من لبان الرسول صلى الله عليه وسلم وتضلع من رضاعه، فيأخذ عنه مقاصد ~~الكتاب والسنة؛ بلا تأويل ولا تحريف، فإن رزق مثل هذا الشيخ: ~~فهو من ألطاف الله، وذلك من جملة التوفيق. PageV01P052 ### | الفصل الثالث: في بيان المطلوب حقيقة هو في الكتاب والسنة دون غيرهما من الأشياء والطرق # اعلم أن الله سبحانه وتعالى أكمل هذا الدين ولم يجعله معوزا ~~فيتمم من غيره كما يعمله أهل هذا الزمان، يجعلون الكتاب والسنة علما ~~ظاهرا يستعملونه في ظواهر العبادات والمعاملات والعادات. # فإذا طلبوا معرفة الله والنفوذ إليه والوصول إلى الحقائق والأسرار ~~الإلهية: صرفوا وجوههم عن الكتاب والسنة، وطلبوا ذلك من علوم ~~الصوفية والفقراء؛ ومن الرياضة والتجوع والعزلة والانفراد؛ أو من قطع ~~الأسباب والتجرد عما لا بد منه، فيفتح لهم أمر مجمل لا تفصيل فيه ~~- كما ذكر أولا -. # فمن جعل علم الصوفية قبلة قلبه: أعطته حالا مجملا لا تفصيل ~~فيه، ومن جعلها طريقا إلى أن يستنبط بها من الكتاب والسنة ~~الحقائق التي أشارت علوم الطائفة إليها : فقد وفق وهدي إلى ~~طريق مستقيم. # وإنما الطريقة الكاملة الجامعة المستقيمة التي لا زيغ فيها ~~ولا انحراف : أن تطلب معرفة الله من حيث تعرف إلينا من أسمائه ~~العلية؛ وصفاته الجلالية والجمالية؛ التي ms08 نطق الكتاب العزيز بها، ونص PageV01P053 ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عليها: من أخبار الصفات وآياتها التي يدل كل خبر منها ~~على سر عظيم من أسرار المعرفة؛ وشأن كبير من شؤون العظمة، يفتح ~~به على الطالبين أبواب المعارف؛ وتحف اللطائف، عرف ذلك من ~~عرفه ؛ وجهله من جهله . # والسر في إظهارها لنا وخطابنا بها: هو أن نعرف الموصوف بها ~~فنعبده ونتوكل عليه؛ ونتألهه ونشتاق إليه، ونراقبه ونعظم حرماته، فيكون ~~لقلوبنا بالمرصاد. # فبعض الناس يتخذ آيات الصفات وأخبارها من قبل الحروف ~~والمتشابهة الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وحقيقة: لا يعلم تأويل ~~آيات الصفات وأخبارها إلا الله، لكن ما الحكمة في خطابنا به ~~وإظهارها لنا ? فما هو إلا لنذوق منها أذواق المعارف ؛ ونحب ~~الموصوف بها صاحب المكرمات واللطائف، وننفي عنها التمثيل ~~والتكييف؛ والتأويل والتحريف. # فمن المحال أن يبين الله تعالى في كتابه العزيز وفي سنة ~~رسوله صلى الله عليه و سلم كل شيء - كما ورد : (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء ~~حتى الخراءة) - ويترك شؤون المعرفة وطريق الوصول إلى الله PageV01P054 ~~تعالى مبهمة؛ فنفتقر إلى المعرفة بها إلى علم آخر غير الكتاب ~~والسنة! بل ذلك في الكتاب والسنة، عرف ذلك من عرفه؛ وجهله ~~من جهله. # ثم اعلم أن الله تعالى تعرف إلينا وأعلمنا بأنه فوق كل شيء ~~عرشه، وفوق سبع سماواته، في قوله : (الرحمن على العرش استوى) ~~وبقوله : (يخافون ربهم من فوقهم ). وبقوله : (إليه يصعد الكلم الطيب) ~~وبقوله : (سبح اسم ربك الأعلى) . وبقوله : (وهو القاهر فوق عباده) ~~وبقوله : (أأمنتم من في السماء). وبقوله : (إذ قال الله يا عيسى إنى متوفيك ~~ورافعك إلي ) . وقوله : (بل رفعه الله إليه). # وقوله حكاية عن فرعون : (وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا) . وهذا يدل على أن موسى عليه السلام أخبره بأن إلهه ~~فوق السماوات، ولأجل ذلك قال: (وإني لأظنم كاذبا). PageV01P055 # فمجموع ذلك؛ ومعراج النبي صلى الله عليه وسلم من سماء إلى سماء إلى ms09 أن أوحى ~~إليه ما أوحى: دلائل قطعية؛ وعلوم ضرورية بأن ربنا سبحانه فوق عرشه؛ ~~وفوق سبع سماواته؛ وفوق الأشياء كلها، متنزه عن الدخول في خلقه، ~~ووجوده سبحانه بائن عن وجود خلقه، منفرد بنفسه وبجميع صفاته عن ~~خلقه، وفوقيته سبحانه فوقية مختصة به؛ لا كفوقية الجسم المخلوق على ~~الجسم المخلوق المحصور المحدود - تعالى الله عن ذلك -، فإن العرش ~~المجيد لا يقله ولا يحيط به، وهو الحامل للعرش المحيط به، فعلوه ~~وفوقيته واستواؤه مختصة به؛ صفات تليق به، منزه عن صفات الحدث، ~~كما أن سمعه العظيم منزه عن سمع المخلوق، وبصره العظيم منزه أن ~~يكون كبصر المخلوق، وعلمه الكريم منزه عن أن يكون كعلم المخلوق. # فكذلك علوه واستواؤه منزه أن يكون كعلو المخلوق واستوائه، فافهم ذلك ~~وأثبت الصفة ونزه الموصوف عن صفات الحدث. # وقوله تعالى : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) . أي : من ~~على السماء، كما قال تعالى : (فسيحوا في الأرض) . أي : على الأرض ~~وقوله : (ولأصلبنكم في جذوع النخل) . أي : على جذوع النخل ~~فهذه مسألة العرش، فافهمها وحققها: تفز بالكنز الأكبر؛ والسر ~~العظيم. PageV01P056 ### | الفصل الرابع: في أن مسألة العرش أصل من أصول السالكين لا يستقيم أمرهم إلا بها ولا ينفذون إلى دينهم إلا بمعرفتها وتحقيقها ~~اعلم وفقك الله أن مسألة العرش أصل من أصول السالكين، هي ~~مبدأ المعارف الإلهية والأذواق الوجدية، هي نقطة أمرهم ومركز ~~دائرتهم، عليها تنشأ قواعدهم، وأكثر من انحرف عن التحقيق: فلجهله ~~بها، فمعظم من لقيته من السالكين والطالبين: وجدتهم ليس لقلوبهم قبلة ~~تتوجه إليها، لكونهم لا يحققون أن ربهم فوق كل شيء؛ بائن من ~~خلقه، فهم حائرون فيه، فمنهم من يعتقد أنه لا داخل العالم ولا خارج ~~العالم؛ ولا فوقه ولا تحته، وفيهم من يقول : إنه في كل مكان، فهؤلاء ~~قطعا لا تصل قلوبهم إلى حقيقة الأمر؛ لأن مبدأ الحقائق ووجوده ~~- علما واعتقادا - في نفس المريد والسالك، ثم تعود تلك العقائد ~~فتصير مشاهد، فإذا كانت العقائد فاسدة : كانت المشاهد وهمية فاسدة. # فأول أمور الصادقين: معرفتهم بأن ms10 ربهم فوق كل شيء، فمن ~~عرف منهم ذلك: صار لقلبه قبلة في توجهه ودعائه، كما أن المصلي ~~قبلته في صلاته الكعبة، إليها يتوجه؛ ونحوها ينحو، فالطالب المريد إذا ~~أيقن بذلك: يصير ما فوق العرش قبلة قلبه في توجهه وإرادته PageV01P057 ~~ومن ذلك المحل العلوي: تنزل عليه البركات؛ وتفتح عليه حقائق ~~الفتوحات بمشيئة الله وإرادته، وهو سبحانه وتعالى قريب في علوه؛ علي ~~في قربه، لا يغير قربه ومعيته: علوه وفو قيته، فهو بذاته وصفاته فوق ~~عرشه بائن من خلقه، وهو في علوه مع خلقه بمعية هي صفته، وحيطة ~~هي نعته ، لا يكيف ولا يمثل، وهو بذاته فوق العرش المجيد، يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد؛ فيما وصف به لنا نفسه، وتعرف إلينا بأنه فوق ~~عرشه، وتعرف إلينا بأسمائه العلية؛ وصفاته المقدسة الجلالية، من ~~حياته وعلمه وكلامه وسمعه وبصره وإرادته وقدرته ومشيئته ووجهه ~~الكريم ذي الجلال والإكرام ويديه المبسوطتين وقبضته (والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة)، ويمينه في قوله :(والسموات مطويات ~~بيمينه). # ووصف نفسه بعزته وقهره ولطفه ورضاه ومحبته وغضبه ولعنته ~~وسخطه وبطشه وانتقامه ورؤيته لعباده ومعيته معهم ومراقبته، (وكان الله ~~على كل شيء رقيبا). وإتيانه يوم القيامة ومجيئه في قوله : (هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)، (وجاء ربك والملك صفا صفا). PageV01P058 # وغير ذلك من الصفات المقدسة الواردة في الكتاب العزيز ~~لمن عرفها وتدبرها؛ وعرف الكتاب العزيز وتدبره وفهمه وتلاه حق ~~تلاوته. # فمن فتحت بصيرته ورزق صفاء الفهم وحسن الاستماع: يجد ~~الباري تعالى في كتابه العزيز يتعرف إلينا بمعاني صفاته، فتراه يخاطبنا ~~بكلام رحيم لطيف بعباده، وتارة يخاطبنا بكلام جبار قاهر منتقم من ~~مخالفيه وأعدائه، وتارة يخاطبنا بكلام مقتدر يدبر الأمر ويفعل ما يشاء، ~~وتارة بكلام عظيم ذي مهابة وعزة، كل ذلك معرفة بمعاني صفاته، ~~ويقابل وكل صفة من صفاته بمقتضاها من العبودية والخضوع ~~والطاعة. # فمثال الأول : قوله تحالى: (يا عبادي الذين أسرفوأ على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) ~~فانظر ms11 ما الذي تدل عليه هذه الآية من معاني صفاته الرحيمة ~~واللطف والكرم والجود الموجب لسعة الرجاء. # ومثال الثاني: قوله : (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه). # فانظر ما الذي تدل عليه هذه الآية من معاني صفات الجبروت ~~والقهر والانتقام من مخالفيه وأعدائه. PageV01P059 # ومثال الثالث: قوله : (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك ~~الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون الله الذى رفع السموات بغير عمد ترونها ثم ~~استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل ~~الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون). # فانظر ما الذي تدل عليه هذه الآية من معاني الملك والربوبية ~~والاقتدار ومثال ذلك. # وإنما نبه على جنس هذه المعاني ليستدل بها على ما وراءها، ~~ولذلك نطقت السنة النبوية بأخبار الصفات التي تفيد المعرفة ~~بالموصوف، وهي كثيرة أيضا، وقد صنف فيها كتب كثيرة، فليطلبها من ~~أراد الوقوف عليها. # فمن ذلك : ما ورد من نزوله سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا ~~حين يبقى ثلث الليل الأخير ، فيقول : هل من تائب ? ~~هل من مستغفر ? إلى أن يطلع الفجر ، ومن تجليه يوم PageV01P060 ~~القيامة ضاحكا، ومن فرحه بتوبة عبده، ومن تعجبه PageV01P061 ~~ومن رؤيته يوم القيامة في حديث الرؤية ~~وقد أفرد الدارقطني رحمه الله كتابا في حديث الرؤية وطرقه ~~فإنه حديث عظيم من الأحاديث الدالة على المعرفة وأبواب المحبة من ~~تجليه في صفة غير الصفة التي عرفوها، ومن كون المؤمنين يتبعونه حين ~~يتبع أهل الطواغيت طواغيتهم ، ومن القدم حين يضعه في النار ؛ PageV01P062 ~~فتقول النار: قط قط، أو قد قد، ومن ذكر الأصابع الواردة في ~~الصحيح حديث الحبر لما قال: إن الله يأخذ السموات على أصبع ~~والأرضين على أصبع؛ الحديث، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا لما قال ~~الحبر ؛ وتصديقا له . PageV01P063 # ومن غير ذلك من الصفات الواردة في السنة الصحيحة المأثورة ~~المنزهة عن التشبيه والتمثيل ؛ المحققة التي لا تأويل لها إلا حقائقها ~~مع نفي التأويل والتعطيل. # وكل صفة من هذه الصفات: باب مفتوح إلى ms12 طريق المعرفة، ~~وكوة يشرق منها سر من أسرار الإلهية؛ وشأن عظيم من شؤون ~~العظمة، يشهد المحب العارف الذائق الموصوف بها، فتكون الصفة ~~الواحدة بابا إلى معرفة الموصوف. # فما ظنك بجميع الصفات الواردة والأسماء إذا كوشف العارف ~~بحقائقها ووجد أذواقها?! فيشهدها كما تليق بالرب سبحانه، عرية عن ~~التمثيل بشيء من المخلوقات والمتوهمات والمتخيلات ~~والعارف الذائق - لا المحجوب الجامد البارد اليابس ؛ لكن ~~المحب الصادق والواجد الذائق - : يذوق بقلبه حقيقة وجودها، قائمة ~~بالموصوف الكبير المتعال، لا كيفية لها ولا مثل. PageV01P064 # وكل عاقل لبيب يفرق بين وجود الشيء وحقيقته بالذوق؛ بلا كيف ~~ولا إحاطة ؛ وبين تكييف الشيء والإحاطة به وتخيله. # فإن قلت: فالخيال لا بد منه؛ لأنه لا بد أن يقوم بقلب العارف شيء ~~فيقال : نعم؛ لكن ليس كمثل الذي يقوم بقلبه شيء، ولذلك يذوق ~~العارف حقيقة وجود الصفة عرية عن التكييف والتمثيل، قال الله تعالى: ~~(وله المثل ألأعلى في السموات والأرض) . وجاء في الحديث : (وتعالى ~~جدك). # فهو سبحانه وتعالى له المثل الأعلى في السماوات والأرض وفي ~~قلوب المؤمنين، وليس لذلك المثل مثل يشبه به. # وهذا المثل يجده العارفون في قلوبهم؛ هو بمثابة الاسم ~~والمسمى، فليس الاسم غير المسمى ولا عينه، ومن توهم أن الذي PageV01P065 ~~يجده في قلبه عين الحقيقة : فقد ادعى الحلول والاتحاد ؛ تعالى الله أن ~~يحل في شيء أو يحل فيه شيء ~~وهذا المثل مطابق للحقيقة بحسب استعداد المحل، فإن ~~مطابقة المثل بحسب محله، فافهم ذلك فإنه مهم جدا إن كنت ~~تطلب معونة الرب والوصول إليه، فصفات الباري تعالى يذوق العارف ~~حقائقها بلا تكييف ولا إحاطة؛ كما يؤمن المؤمن بها بلا تكييف ~~ولا إحاطة. # فإن قيل : كيف يعرف من ليست له ماهية محدودة ? وكيف يحب ~~من ليس له جمال ممثل ? ~~فالجواب : أن الحقائق إنما غابت ماهيتها عن القلوب وتعذر ~~تمثيلها وتكييفها : لقدمها وكمالها؛ وحدوث صاحب القلب ونقصه، ~~فإذا كان الشيء المحدود المحصور يحب ويعرف بجسده وكيفيته: ~~فمن غابت حقيقته عن القلوب وكماله فهو أولى بالمحبة من الأشياء ~~الممثلة، ولهذا الكمال جمال يلوح ms13 في القلوب أظهر من الجمال الظاهر ~~المحدود الموصوف ؛ يجده العارفون، فافهم هذا السر ؛ عساك أن ~~تذوقه. # فإذا وفق الله تعالى العبد للتفقه في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم: يستفيد ~~أولا معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيعرف بسيرته وأيامه ومعجزاته وآياته وسنته ~~وآدابه وغزواته وحركاته وسكناته وكراماته؛ كما يعرف فقراء زماننا ~~وصوفيته: شيوخهم بأنسابهم وصفاتهم ووقائعهم وكراماتهم. # واعلم أن معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أول رتبة من رتب المعارف، ~~وهي أصل المعرفة وأساسه؛ لأن الله تعالى تعرف إلينا بواسطته، وتجلى PageV01P066 ~~علينا من جهته، فصارت معرفة الرسول هي الأساس؛ عليها تبنى مباني ~~المعارف، وعلى قدر التحقق بمعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم: يكون التحقق بمعرفة ~~المرسل. # فإذا أتقن العبد معرفة الرسول ترقى حينئذ إلى معرفة المرسل من ~~الرسالة وهي القرآن، فيرقى إلى فهم الكتاب العزيز، ويعرف الرب تعالى ~~حينئذ من الصفات الواردة فيه، فيبقى حينئذ يسمع القرآن كأنه يسمعه من ~~متكلمه من فوق عرشه وهو معه، وتستولي المراقبة حينئذ على قلب ~~العارف؛ والهيبة للرب تعالى والشعور بعظمته، فيتحقق حينئذ بمعرفة ~~الإلهية؛ وهو معنى الإله الذي تألهه القلوب وتعبده وتطلبه وتحبه وتحب ~~قربه. # فإذا كمل هذا المشهد: يرجى أن يفتح عليه بمعرفة الربوبية ~~التي مضمونها : (إياك نعبد وإياك نستعين)؛ بعد أن يتحقق ~~(إياك نعبد). PageV01P067 ### | الفصل الخامس: في كيقية الترقي إلى علم صفة الوبوبية بعد إحكام صفة الإلهية # فإذا يسر الله تعالى للسالك التحقق بمشهد الإلهية؛ وقام السالك ~~بتحققه واستولى عليه حكمه: يرجى أن يفتح له علم معرفة الربوبية، ~~وهو الكشف عن سر التوحيد والكلمات التكوينيات، ويظهر له قيام ~~الرب تعالى بتدبير خلقه، فلا نفع ولا ضر؛ ولا حركة ولا سكون ~~و لا قبض ولا بسط؛ ولا خفض ولا رفع: إلا والله سبحانه وتعالى فاعله ~~وخالقه وقابضه وباسطه وخافضه ورافعه ، له الملك وله الحمد وهو على ~~كل شيء قدير. # فحينئذ يتحقق العبد العبودية؛ ويخضع لأحكام الربوبية؛ ويستسلم ~~للقدر؛ ويطمئن إلى كفالته سبحانه؛ ويرضى بتقديره وتدبيره، ويتحقق ~~حينئذ بإياك نعبد ms14 فيقول: (إياك نعبد واياك نستعين). # وهذا الباب هو كشف سر الكلمات التكوينيات؛ وهو علم صفة ~~الربوبية، والأول هو علم صفة الإلهية؛ والتحقق بالقيام بالأمر والنهي ~~يكون عن كشف علم الإلهية؛ والتحقق بالتوكل والتفويض، ~~وحقائق العبودية يكون بكشف علم الربوبية؛ وهو علم التدبير الساري PageV01P068 ~~في الأكوان من الكلمات التكوينيات، كما قال تعالى : (إنما قولنا لشيء، ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون). وقوله تعالى : (ومريم ابنت عمران التي ~~أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها). أي: بكلماته ~~التكوينيات (وكتبه). أي : بالكلمات التكليفيات. # فإذا وفق الله تعالى العبد وحققه بهذا المشهد - بحيث لا يحجبه ~~عن المشهد الأول - : فهو الكمال. # فكثير من المفتوح عليهم ينحجب بأحد المشهدين عن الآخر، ومن ~~وفق للجمع بينهما بلا ضعف منه؛ بل يكون كمن له عينان ينظر بأحدهما ~~إلى هذا وبالأخرى إلى هذا؛ فيقوم بحكم هذا ويستعين بالله بحكم ~~الآخر : فقد وفق وهدي إلى صراط مستقيم. # ففيهم من يكون قويا في باب العبادة قائما بالأوامر الشرعية؛ فاذا ~~جاءت الأحكام القدرية : ضعف وتزلزل واضطرب ولم يقف على حقيقة ~~التوكل ولا على حقيقة التفويض، بل خاصم وسخط ونازع ولم يرض ~~بقضاء الله ولا بفعله، وهذا عبد شهد الإلهية ولم يشهد الربوبية ~~وفيهم من يكون قويا في باب الاستعانة والتوكل والجريان مع ~~القدر؛ ضعيفا في باب الحلال والحرام والمحاسبة والمراقبة والقيام ~~بأحكام الكلمات التكوينيات: فيقع في المحظورات والمحذورات بحكم ~~طبعه وشهوته، وهذا عبد شهد الربوبية ولم يشهد الإلهية. PageV01P069 # والطبع والشهوة لا يخمد نارهما إلا القيام بالعبادة التامة مع ~~الاستعانة التامة، ومن وفق للجمع بينهما : استقام على الجادة؛ ~~على صراط (الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) ~~(غير المغضوب عليهم ولا الضالين). فحينئذ يرجى أن يفتح له ~~بالكشف عن صفة المعية. PageV01P070 ### | الفصل السادس: في بيان الكشف عن صفة المعية الخاصة # وهي معية خاصة، وهي الصفة الثابتة لله تعالى بأنه مع كل شيء ~~كما يليق به، فيجتمع للعبد الجمع في هذا المشهد بين مشهد الإلهية ~~والربوبية، فيشهد الإله الآمر ms15 الناهي المتكلم بالقرآن الباعث للرسول صلى الله عليه وسلم: ~~هو الرب القادر المدبر لملكه؛ وكل شيء في قبضته وتدبيره ~~وهو في علوه وارتفاعه مع العبد ومع كل شيء، فيأنس العبد حينئذ ~~من بعد وحشته ، ويصير له سمير من فيض معرفته ؛ حين تحقق ~~بصفة معيته، فلا يرى بينه وبين ربه مسافة تحجبه، ويجده محيطا به ~~قابضا على ناصيته، ناظرا في سويداء سره ذوقا ووجدا؛ لا نظرا وعلما، ~~هو معه حيث ما كان ؛ فحيث ما تحرك أو تصرف ، باطنه ممتلئ من ~~ذوق صفة معيته، فيستحييه العبد ويراعي اطلاعه عليه وعلمه به، ~~فإذا صار إلى هذا المقام: فقد شارف مقام الجمع؛ ويرجى أن يفتح له ~~بمشهد الجمع. PageV01P071 ### | الفصل السابع: في بيان الكشف عن حال الجمع # فإذا جمع الله تعالى للعبد المشاهد الثلاثة - مشهد الإلهية والربوبية ~~والمعية - : يبقى القلب مستهترا بذكر الذات الجامع لجميع الصفات ~~الكمالية، وهذا أول الجمع، ثم يرد عليه حال الجمع بمشيئة الله تعالى، ~~فهو هجوم اليقين عليه من جميع جهاته في فناء وجوده، فيفنى حينئذ من ~~لم يكن؛ ويبقى من لم يزل، ويضمحل الحدث لظهور القدم. # ومن ذاق من ذلك شيئا : فهو يعمل على صفاء شهوده من شوب ~~وجوده، فهو يتوب أبدا من وجوده المزاحم لصفاء شهوده، كما قيل: ~~وجودك ذنب لا يقاس به ذنب. PageV01P072 # والنفس في هذا المقام تتلطف في الدخول عليه بإرادات لطيفة ~~مشوبة بأعمال صالحة ليعود عليه وجوده، فإن عيشها في بقاء وجودها؛ ~~وموتها في فناء وجودها، فلا يزال كذلك حتى يستقر له حال الجمع. # وتارة يضعف قلب صاحب الجمع عن مخالطة الصفات المتقدمة ~~لشدة ظهور حكم الذات فلا يتسع للصفات حتى يتقوى ويرى الأمر ~~مطابقا للاعتقاد، فإن الكشف الصحيح - هو ما كان مطابقا للاعتقاد - ~~يقتضي أن الرب تعالى لم يزل متصفا بالصفات قديما وأزلا؛ ولا يزال ~~كذلك أبدا، فيكمل له حينئذ شهود الجمع مع الصفات؛ وهو المشهد ~~التام الكامل، وحال صاحب هذا المقام : التزام العبودية لله تعالى؛ ~~ورفض الاستبداد بقول أو فعل، فمتى استبد بقول أو ms16 فعل: عوقب إما ~~بعقوبة ظاهرة أو باطنة. # فإنه قد وجد الله بقلبه، ومن وجد الله بقلبه: استسلم له ولأحكامه، ~~وصار عبدا له في جميع شؤونه وأحواله، فهو لا يدبر ولا يتحرك ~~و لا يتكلم إلا بما أمر به في ظاهر العلم؛ أو ندب إليه شرعا، وأما ~~ما لم يجب عليه: لم يندب إليه، فهو في الشرع مخير بين تركه والدخول ~~فيه، فيطرق قلبه فيه بين يدي سيده؛ ينظر ما يفيض عليه من شهوده شارع ~~فيه، وإن وجد الفيض توقف حتى يتبين له حكمه، فهو عبد الله تعالى ~~وآثار العبودية وخضوع القلب لله عليه ظاهر، وحكم التوكل والتفويض ~~عليه لائح، وقد يؤمر بالدخول في الأمر بهاتف أو منام ليمضي فيه، أما ~~ما وجب بظاهر العلم لم يحتج معه إلى بينة باطنة، لكنه يمضي فيه؛ وإن ~~وجد القبض؛ لأن الحكم حاكم على الذوق الباطن في كل شيء، ~~فلا يزال قائما مع الله تعالى بوصف العبودية حتى يقبله الله تعالى ويتخذه ~~عبدا ويصطنعه ويقربه ويرتب له مرتبة بين يديه. PageV01P073 # فأول علامة ذلك : جذبة تأخذ بروحه فتعرج به إلى الملكوت حتى ~~يجاوزه بعروج روحه، ويرتب له مرتبة في القرب بعيان الروح، وهذا ~~الذي يسمى الوصول، وتلك مشاهدة القلوب بأنوار الإيمان. # وفرق بين عيان الروح وشهادة القلب، فحكم هذا حينئذ: حكم من ~~رأى الملك - أعني صاحب هذه المشاهدة الإيمانية - وبعد لم يصل إلى ~~قربه، فهو يتأدب ويترك الاختيار، ويرجع إلى الله تعالى في كل شيء ~~حتى يرحمه ويقربه وينظر بقلبه إليه ويرتب له بين يديه مرتبة، فذلك حينئذ ~~أول وقوعه في تولي الحق؛ وأول علاماته في قبوله له. # فلا يزال قائما في حكم تلك المرتبة حتى ينتقل إلى غيرها ثم إلى ~~غيرها، حتى يتصفى من كدره؛ وتذوب بقاياه فيصلح للدخول على ~~الملك ومناجاته كفاحا، ويصير من الخواص الذين لا يحجبون عن ~~منازل الملوك، وذلك الغاية التي انتهى عندها الطلب؛ وحصل المقصود ~~من السير والسلوك، وحينئذ يبقى مأذونا له لطهارته، باقيا بربه بقيد ~~حاله؛ ولا تقيده ms17 الحال لأنه بربه لا محالة، فبه يسمع؛ وبه يبصر؛ وبه ~~ينطق، وهذا مقام المقربين المحبوبين المصطنعين، ولا حول ولا قوة ~~الا بالله العلي العظيم. PageV01P074 ### | الفصل الثامن: في لواحق بها يكمل الكتاب # اعلم أن هذه المعارف الشريفة ؛ والمقامات العالية المنيفة : ~~لا تسكن إلا في القلوب الطاهرة؛ والأبدان المستعملة في مراضي الله ~~تعالى من الأعمال الصالحة، ولا تسكن في قلب ملوث بالشهوات ~~محشو بمحبة العلو والاستتباع والرئاسات، ولا في قلب معلق بشيء من ~~العوالم السفليات، إلا في قلب صادق في طلب رب السماوات، لتقر ~~عينه بلقائه ويحظى لديه بخصائص التقريبات. # وعلامة صاحب هذه الهمة: كمال التقوى والمحاسبة ورعاية ~~الجوارح السبعة: العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل ~~كما مر أولا - عن جميع محرمات الشرع ومكروهها، ومع ذلك فيكون ~~قواما على قلبه بالرعاية التامة والمراقبة للهمم الدينية والخواطر ~~النفسانية، يراعي اطلاع الرب تعالى عليها، فهو يتقيه ويخشاه في سره ~~كما يخشاه في علانيته، فهذا علامة الصديقين الطالبين المستعدين لهذه ~~المعارف السنية؛ والأحوال العلية. # وكل من لم يحقق هذا الأصل؛ ولم يدخل فيه: لا يصلح لهذا ~~الشأن إلا أن يشاء الله له ذلك، فإن علامة المرادين لهذا الأمر : قيامهم ~~على الخواطر حتى ينقوها من المكاره، ثم من الفضول، ثم ينطلق من ~~أسرار النفس فتبقى سماوية ذاكرة ذكر اللذات. PageV01P075 # ومن لم يتحقق هذا؛ ولم يروض نفسه فيه غالبا : لا يثبت مشهده ~~و لا يستقر، ولا يصلح لانطلاق قلبه إلى ملكوت ربه ووصوله إلى ~~ما تعاينه الأرواح ؛ التي تبقى فيها مشاهدة القلوب المذكورة كالظلمات ~~لمعاينة الحقائق، فاعلم ذلك وحققه. # فليزن الإنسان نفسه بهذه الموازين ، أولها : خلو قلبه عن التعلق ~~بالأدنى من جميع العوالم السفليات، فإن صاحب العلائق محجوب ~~عن الولوج إلى عالم السماوات، فيحتاج مثل هذا القلب إلى تطهر، ~~فإذا طهر استعد لطلب الحقائق، فكثير من الناس يكون مشتغلا ~~بالتقوى والمراقبة وسياسة النفس بالآداب الشرعية؛ وقلبه مقيد ~~معلق بشيء من الكون، وذلك هو حجابه؛ لأن لذلك الشيء على ~~قلبه سلطنة وهيمنة وربانية تمنع وصول سلطنة الحق ms18 وربانيته إلى ~~القلوب. # وأكثر المحجوبين عن الحقائق لهذه الموانع، وذلك مثل حب ~~رئاسة أو مال أو جاه أو مملوك أو معاشرة ؛ أو غير ذلك من الأشياء ~~التي يتعلق بها سره ويسكن إليها قلبه، فلا يكمل إقباله على ربه ~~ولا طلبه؛ فيحجب لذلك. # فمن حرم الوصول من الطالبين: فليتهم نفسه، وليتطهر من ~~الأدناس ؛ ولينفك عن العلائق. PageV01P076 # وقد يكون الإنسان باشر الأمور الكبيرة وليس بين قلبه وبينها ~~ارتباط، بل قلبه متعلق بالله تعالى، وتشبه حال هذا: حال الحزينة ~~الثكلى، تباشر مصالحها والحزن كامن في قلبها، فنفس المباشرة ~~لا تحجب، بل تعلق القلب وتقييده بها: هو الحاجب. # قال بعض المشايخ: المحب من لا سلطان على: قلبه لغير محبوبه، ~~و لا مشيئة له مع مشيئته. PageV01P077 ### | خاتمة الكتاب # فإذا وفق الله تعالى العبد لما ذكر من استعمال التقوى والتلبس ~~بالآداب الشرعية؛ وتطهر الباطن عن التعلقات : فلا بد أيضا من الانفراد ~~وقطع الشواغل المفرقة؛ وإن لم يتعلق القلب بها، وجمع الهمة ~~والعكوف على صدق الطلب والتوجه إلى قبلة القلوب المذكورة أولا ~~وإن أمكن الجمع بين التوجه إلى قبلة الطائفين بالظاهر وإلى قبلة الباطن ~~بالباطن: كان أكمل، ولا بد من مفارقة الإخوان البطالين؛ والأقران ~~الغافلين ، الذين لا يساعدونه على حقيقة الإسلام والدين. # واعلم أن هذا المعنى كالعروس المفتنة بحسنها وجمالها ؛ الممتنعة ~~على خطابها، تطلب عاشقا صادقا في حبها، يبذل في طلبها مهجته، ~~ويحلو عنده المرارات في طلبها، وتهون عليه المشقات في ~~طلب الوصول إليها ، كما قيل : (من عرف ما يطلب : هان عليه ~~ما يبذل). PageV01P078 # خليلي قطاع الفيافي إلى الحمى ~~كشير وأما الواصلون قليل ~~تروم وصالا من سليمى ولم تجد ~~بنفسك هل نال الوصال بخيل ~~وقال آخر: ~~عمن تسائل من في الدار من رجل ~~بزينب بات مشغولا عن الشغل ~~قد جرحته الصبا مما يكابدها ليلا وقد تقممته نسمة الأصل ~~ومن عرف هذا المعنى : تحقق أن هذا السر لا يفتح غالبا إلا على ~~القلوب الطاهرة والقصود الصادقة والهمم المحترقة ؛ المتخلية عما سوى ~~مطلوبها. # وهيهات أن يحصل لها بعض مطلوبها، ms19 وكيف بأهل القلوب ~~الملوثة والأسرار المقيدة المعانقة لأجزاء الكون بالإرادة والتعشق ? إن ~~هذا منهم بعيد ! # ومن رزقه الله تعالى هذه الهمة العلية والتخلي عما سوى مراده ~~والتعرض التام لبواديه ونفحاته أيضا عليه شرط آخر : وهو القصد من ~~السير، فبعض الصادقين من الطالبين لحدة عزمه وفرط غرامه: يتعدى ~~الأمور المشروعة ؛ ويتحمل من المشقات ما لا يطيق ~~بل على المريد أن يتعلم السنة ليستفيد منها معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~ومعرفة آدابه وأخلاقه، ويمر السنة على نفسه قولا وفعلا، ويقتصر على ~~ذلك بلا غلو ولا انحراف. PageV01P079 # فالصوم والسهر الدائم وترك الأسباب التي بها يقوم الوجود ~~البدني: كل ذلك غير مشروع، بل يصوم قصدا؛ ويقوم قصدا، ويقطع ~~قلبه عن الركون إلى الأسباب، ولا يعامل الله تعالى ولا يتقرب إليه ~~إلا بما شرعه في كتابه أو سنة رسول صلى الله عليه وسلم. # ومن خالف ذلك وارتكب أعمالا شاقة غير مشروعة: لم يجد لها ~~ثمرة، وأوهنت بدنه؛ وأضعفته في آخر الأمر عن المشروع ~~والمندوب، وأورثته أحوالا منحرفة ممزوجة بحدة وسوء خلق، عرف ~~ذلك من عرفه؛ وجهله من جهله. # وليقتصر الطالب على الصلوات الخمس المشروعة باكمال وضوئها ~~والخشوع والحضور في ركوعها وسجودها. # وبعض الناس يعتقد أنه خاشع في صلاته، وإنما الخشوع هو أن ~~لا يخطر له في التلاوة غير معاني ما يتلوه فيها، فإذا قال: (الحمد لله ~~رب العالمين)؛ قال بقلبه : الحمد لله رب العالمين، ويجتهد أن يكو ن ~~اللسان تبعا للقلب فيها، فإذا ركع فليخضع بقلبه كما يخضع، وإذا سجد ~~فليسجد بقلبه تواضعا لربه تعالى، ولا يغفل عن شيء منها البتة، فذلك ~~مو الخشوع، وقد قال الله تعالى: (قد أفلح ألمؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون). PageV01P080 # وفي الجملة: فليقتصر على المشروع والمسنون الذي سنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتعداه، بل يخص قلبه فيه، ويعتني بمعاملة ربه به، ~~خصوصا في الصلاة وفي الأذكار المشروعة في عقبها؛ وما شرع قبلها ~~من إجابة المؤذن والتهجير ومراعاة الصف الأول، واجتناب تخطي ~~الرقاب، وغيره من السنن. ms20 # ويستعمل الصوم المشروع، ويقتصر عليه، مثل الاثنين والخميس ~~وأيام البيض؛ والعشران، فإن ذلك كافيه، وكذلك يتناول القوت ~~المشروع وهو القدر الذي تتم به صحته؛ ويقوى ضعفه. PageV01P081 # وفي الجملة: فلا يغير عادته من الماكل والمشروب أصلا؛ لكن ~~ينقص منه قليلا، ويجتنب السرف فيه، وكذلك ينام حتى يستريح، ويقوم ~~من الليل بالتهجد المشروع بحزب خفيف لا يشق عليه. # ومع ذلك فيشد عزمه ويجمع همته وقصده على التورع عن المحارم ~~ومجانبة الفضول والمآثم، ويكون أغلب همه أن لا يعصي ربه في جميع ~~نهاره وجميع ليله؛ لا بقول ولا بفعل. # فإن وفق للاقتصار على ذلك : اجتمعت همته وتوفرت قوته على ~~القيام بما أمر؛ وشدة الانبعاث إلى ما يحب ويطلب. # وهذا الانبعاث والطلب هو السر المطلوب من الصادق، فمن ~~الناس من تموت همته ومحبته لشدة ما يتعاطاه من الأعمال الشاقة ~~وحسب العبد الطالب قيامه بأمر ربه وتوفر همته على طلب مراده ~~مع حفظ قوته وصحة مزاجه وعدم انحرافه. # ثم عليه أن يترجى الأوقات الفاضلة، مثل يوم الجمعة؛ ويوم ~~عرفة؛ والثلث الأخير من الليل، فإن فيها تتنزل الأنصبة على الطالبين، ~~وتلوح البوارق على المحبين والمشتاقين. # أما يوم الجمعة: فهو شبيه بيوم الزيادة وأنموذج منه، إذا اجتمع ~~الناس للصلاة : تتنزل التجليات على القلوب الصادقة الفارغة من ~~الهموم؛ المطلقة من القيود، وكذلك يوم عرفة، وكذلك أواخر الليل. # وعليه أن يستعمل ما يحلو له من الأذكار، ويجعل عقدة أمره ~~وذروة سنامه : تدبر كتاب ربه تعالى؛ وفهم خطاب ربه تعالى، ويعمل ~~على أن يتعرف منه معاني صفاته بقلب طالب وقصد صادق وهم PageV01P082 ~~مجموع، ويفتقر إلى ربه في ذلك، فالفهم والمعرفة فتوح وهو هبة، ~~وإنما العمل والتدبير واسطة وسبب. # وإنما السر في ذلك: أن الله تعالى بعث إليه رسولا برسالة، فمن ~~اعتنى بالوقوف على فهمها وغاص في حقائق المراد منها وطلب تعرف ~~صفات المرسل المتعالي منها: كان ذلك هو طريقة إلى معرفته حقيقة، ~~وغير ذلك من الطرق فروع وشعب هذا أصلها. # فافهم هذا السر راشدا: تفز إن شاء الله تعالى فلا ms21 تزال كذلك ~~مجتهدا حتى تتحقق بمشهد صفة الإلهية فإنها إذا فتحت جاء الخير ~~وانفتح الباب وانجلى الظلام واجتدت الأفهام وانجذبت القلوب. # فقد يظهر من مشاهدة الإلهية بوارق تلوح للقلوب أحيانا ~~ولا تدوم بمثابة البروق اللوامع فليلازم حاله ولا يستبطئ عودها ~~فإن المواهب على قدر الاستعداد فقد لا يكون في هذا الآن مستعدا ~~لكمال الأمر. # فمنهم من تلوح له البارقة في سنة مرة وفي الشهر مرة وفي ~~الأسبوع مرة، ثم تتقارب حتى تصير في اليوم مرة ثم متى توجه وجد ~~ذلك الحال، ثم يترقى إلى أن يكتسي القلب بصبغته فيشتغل عنه وهو ~~غير منفصل عنه. # واعلم أن المشاهد تلتبس بالمقاعد، فقد يشهد المريد مشهدا ~~ولا يكون لقلبه مقعدا، فأول الأمر تكون المشاهد عقائد، ثم تصير لهم PageV01P083 ~~مقاعد، فيروح الواحد يمينا وشمالا؛ لا في مرضات ربه، ثم يعود إلى ~~مقعده ومركزه، كالفرس تجول ثم تعود إلى أخيته. # فعلى العبد الاعتناء بهذا المشهد الأول؛ فإنه الباب، فإذا شهد ~~لا يقنع حتى يصير له مقعدا، ثم يرجى أن يفتح الله عليه ببقية المشاهد ~~المكملة للأمر الكلي والحال الصديقي. # ومن فتح الله عليه بحقائق هذه المشاهد وختم له بالحسنى عليها: ~~رجي له أن يتحقق حقائقها الذاتية في الدار الأخرى في مراتب الكشف ~~والعيان ؛ كما حققها في الدنيا في مراتب الإيمان والإيقان والإحسان ~~والعرفان، فالذي رزقوه في هذه الدار من الأحوال: نموذجات مقاصد ~~الصدق ورقائقها، قال الله تعالى : (إن المتقين في جنات ونهر فى مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر ). # والله تعالى بكرمه وإحسانه يوفقنا لما يقربنا إليه ؛ ويزلفنا لديه، ~~ويدخلنا في زمرة أوليائه المفلحين؛ وحزبه المقربين، الذين اختصهم ~~لنفسه؛ واصطنعهم لقربه، إنه أرحم الراحمين. PageV01P084 ms22