######OpenITI# #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ~~رب يسر وأعن ~~الحمد لله فاتح مغالق القلوب، ومطهرها من أدران الذنوب، ~~وجاذبها إلى حضرات المحبوب، ومثير عزماتها بالشوق إلى أوطان ~~القرب وأكناف مقاعد الصدق فهبت إليه بذلك كل الهبوب. # لاح لها لائحا من هيبة الجلال ؛ وشعاعا باهرا من أشعة الجمال ؛ ~~الذي اتصفت به الربوبية في قدم الأزل وأبد الآباد؛ فامتلأت منه ~~الأرواح وصار لكل عضو من ذلك الشراب أهنأ مشروب، فاستعمل ~~ذلك النور القوالب والأجساد في أصناف القربات؛ وخالص العبوديات؛ ~~بالمحبة الخالصة المشحونة بلواعج الأشواق إلى لقاء المطلوب. # تجلى للأرواح من وراء ستر شرف الغيوب؛ بأكمل الكمال وأتم ~~الجلال والجمال فعرفته بما تعرف إليها من لطائف صفاته؛ ومقدسات ~~نعوته وأسمائه وحقائق أنوار فردانية ذاته؛ فطارت القلوب لذلك فرحا ؛ ~~وحشاها بهيبة الإجلال فانقبضت مهابة وأدبا ؛ فهي شاخصة باهتة ~~خاضعة خاشعة في هيبة الجلال وبهجة الجمال وكيفيات القبض ~~والبسط؛ ليتهذب به من بقايا العبد المربوب، فأورثه ذلك مسارعة إلى PageV01P087 ~~أوامره؛ وتباعدا عن نواهيه وزواجره؛ واغتناما لمسنوناته ونوادبه؛ ~~وافتقارا تاما وتبرئا من الحول والقوة إلى حول الله تعالى وقوته ؛ فهذه ~~صفات العبد المجذوب. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مفرج الآصار والكروب. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فاتح الخير والهادي إلى هذه ~~الفضائل فهو الواسطة بين العبد والمحبوب، صلوات الله عليه وعلى آله ~~وصحبه صلاة دائمة ما سلك إلى الله طالب ومطلوب. # وبعد: ~~فإن الله تعالى إذا أراد بعبد عناية يسلك به فيها إلى طريق ~~المقربين؛ ومقاعد المحبوبين: ألهمه التوبة النصوح، فيعرف ربه سبحانه ~~من فوق عرشه وفوق سبع سماواته ؛ بائنا من خلقه مستويا على العرش ~~- الاستواء اللائق به - ، كما قال تعالى : (إن ربكم الله الذى خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر) ~~والتدبير : هو القيام بأمر المخلوقات من توفيتهم مدد حياتهم؛ ~~وإدرار أرزاقهم، والحكمة التامة في ابتلائهم: ليبلوهم أيهم أحسن ~~عملا ؛ يحيي هذا ويميت هذا، ويمرض هذا ويشفي هذا، ويعز هذا ~~ويذل هذا، ويغني هذا ويفقر هذا، ويولي ms1 هذا ويعزل هذا، ف( تبارك الذي ~~بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحيوة يلبلوكم أيكم أحسن ~~عملا وهو العزيز الغفور). PageV01P088 # وقال تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم). وقال تعالى : (إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه). وقال تعالى : (وهو القاهر فوق ~~عباده). وقال : (بل رفعه الله إليه). وقال تعالى : (وقال فرعون ~~يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات). وهذا يدل ~~على أن موسى صلوات الله عليه أخبر فرعون بأن ربه فوق السماوات، ~~فلذلك قال: (لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات) . # فإذا عرف الطالب ربه سبحانه وتعالى بأنه فوق العرش؛ وفوق ~~السماوات؛ وفوق الأشياء كلها - فوقية تليق بجلاله - : صارت عظمته ~~لقلبه قبلة، فتكون العظمة الإلهية قبلة قلبه؛ كما تكون الكعبة الشريفة قبلة ~~بدنه، وكان قبل ذلك حائرا في صلاته وتوجهه؛ لا يعرف جهة معبوده ~~بأنه فوق الأشياء؛ وهو مع العباد بعلمه وسمعه وبصره ومشيئته ~~وإرادته، فهو عال في دنوه؛ دان في علوه. # وأيقن العبد بذلك: توجه إليه بالتوبة النصوح، رفع كف الابتهال ~~في حضرة ذي الجلال، وأبدى توبة نصوحا خالصة غير التوبة التي PageV01P089 ~~كان يستعملها بحكم الإيمان، فإن هذه توبة خاصة بحكم اليقين، وقال: ~~يا رب إني تائب إليك من جميع الذنوب والخطايا والتقصير في الحقوق ~~التي بيني وبينك؛ والتي بيني وبين عبادك، فاغفر لي يا كريم يا حليم، ~~ثم لا يبرح من موضعه ذلك حتى يرق قلبه ويخشع سره، فذلك من ~~علامات قبول التوبة، ثم يشرع في قضاء الصلوات الفائتة وقضاء الديون ~~والحقوق والمظالم التي بينه وبين عباد الله؛ إما بالوفاء وإما ~~بالاستحلال، فلا يبرح حتى تبرأ ذمته من كل حق هو لله، ومن كل حق ~~هو لعباده. PageV01P090 ### | فصل # ثم يلزم نفسه بالمحاسبة في حركاته وسكناته، فلا يتكلم إلا لله، ~~و لا ينظر إلا لله، ولا يسعى ولا يبطش إلا لله، ويراعي جوارحه السبع ~~عن جميع ما كرهه الله وحرمه: العين والأذن واللسان والبطن والفرج ~~واليد والرجل. # فيحفظ العين من النظر إلى الصور المحرمة، ويحفظ ms2 الأذن من ~~سماع ما كره الله، ويحفظ اللسان من النطق لغير الله بغير رضا الله، ~~ويحفظ البطن عن الشبهات، ويحفظ اليد والرجل عن المساعي ~~المكروهة. # فمتى رعى هذه الجوارح من طلوع الشمس إلى غروبها ؛ ومن ~~غروبها إلى طلوعها؛ واتقى الله عز وجل فيها: فقد أدى حكم ~~المحاسبة، وقام بحقائق التقوى إن شاء الله تعالى. # ويرقى من حكم المحاسبة إلى حكم المراقبة، فإنه متى وفى حق الله ~~تعالى في رعاية جوارحه الظاهرة وسياستها بحكم التقوى: رفعه ذلك ~~إلى تقوى الله تعالى في همومه وخواطره. # قال الله تعالى في الجوارح الظاهرة : (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسئولا) . وقال الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) PageV01P091 ~~وقال تعالى في حق الكفار : (يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا). # وقال تعالى في حكم المراقبة الباطنة والظاهرة: (وذروا ظاهر ~~الإثم وباطنه). وقال تعالى : (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور). وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته. وقال ~~تعالى : (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ~~عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين). # فحكم المحاسبة: رعاية جوارحه الظاهرة خوفا من الله تعالى؛ ~~وإقامة لحق تقواه؛ وامتثال أمره واجتناب نهيه. # وحكم المراقبة: حراسة باطنه عن أن يجري فيه شيء يكرهه الله ~~تعالى ويسخطه من الأفكار المذمومة والهموم المحرمة والمكروهة ~~فإن الله سبحانه وتعالى مطلع على ذلك عليم به، لا يخفى عليه خافية في ~~لأرض ولا في السماء. # فمتى وفق الله العبد لتوفية حق الله في الخواطر الظاهرة والخواطر ~~الباطنة : فقد أدى حق الاستقامة، كما قال تعالى : (إن الذين قالوا ربنا الله PageV01P092 ~~ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # فلا يزال العبد في المكابدة حتى تطمئن نفسه وتتعود ms3 جوارحه على ~~الاستقامة ، ويتعود باطنه على حفظ الأدب ورعاية الحرمات في ~~حضرة الحق. # فمتى اطمأنت النفس والقلب على ذلك ؛ وتعود العبد الاستقامة ؛ ~~وأدمن خشية الله تعالى بالغيب - كما قال تعالى: (إن الذين يخشون ربهم ~~بالغيب لهو مغفرة وأجر كبير) - : فهناك يكون قد طهر الظاهر من جميع ~~المكاره، وطهر الباطن - وهو القلب الذي هو بيت الرب - عن جميع ~~ما لا يحبه الله ويكرهه. PageV01P093 # ومتى طهر الظاهر والباطن : استعد القلب للفيض؛ لأن صاحبه قد ~~كنسه وطهره عن المزابل والرذائل وعن الأخلاق السيئة - مثل حب ~~المشيخة والرئاسة وحب قبول الخلق واستتباعه لهم -، ونفى عن القلب ~~حب أن يصير له شهرة بين الخلق في الكرامات والآيات الظاهرة؛ ~~ومن الكبر فلا يتكبر على مخلوق مثله، والحسد والرياء، فلا يرائي بعمله ~~مخلوقا غير الله، بل يستعمل الإخلاص لله ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ~~ولا يحسد أحدا على ما آتاه الله من فضله، ولا يعجب بعمله، بل يرى ~~نفسه مقصرا حقيرا عاجزا عن أداء ما أمره الله تعالى به، ويحب لجميح ~~المسلمين ما يحبه لنفسه، ويتواضع لهم فلا يرى نفسه خيرا من مخلوق ~~ومثل هذه الأغراض الباطنة إنما ينتبه لها صاحب المراقبة ~~للخواطر، فكثير من العباد والصالحين يكثرون العبادات والنوافل والذكر ~~والتلاوة؛ ويجري في قلوبهم مثل هذه الخبائث ولا يفطنون لها، فيكون ~~مثلهم كمثل من اكتسى حللا بهية وكسوة فاخرة - وهي ما اكتساه من ~~صالح الأعمال - ، ومع ذلك فتفيح في بواطنهم روائح خبيثة منتنة! # فما تفي تلك الرائحة المنتنة بتلك الكسوة الطاهرة. # ومتى اكتسى العبد كسوة المحاسبة والأعمال الصالحة؛ وراقب ~~القلب واستعان بالله في حفظ خطراته وإقامة تقوى الله فيه؛ وأبدل ~~خواطر الرياء بالإخلاص؛ وخواطر العجب برؤية منة الله تعالى وبرؤية ~~حقارة نفسه؛ وخواطر الكبر وحب المشيخة بالتواضع ومحبة الخمول ~~وأن لا يفطن له وأن لا يراه ولا يعلم به أحد غير الله تعالى؛ وخواطر ~~الحسد بمحبته لإخوانه المسلمين ما يحبه لنفسه. PageV01P094 # في الجملة: فيتفطن لما يجري على القلب من تجارة الرب ~~فيطهر بيت الرب - وهو القلب ms4 - عن هذه الرذائل، ويبدلها عن مثل هذه ~~الأخلاق ، ويستعمل مكارم الأخلاق ظاهرا مثل البشاشة وطيب الملاقاة ~~ومحبة إدخال السرور على الصالحين والتواضع لهم، هذا مع الذين ~~يأنس قلبه بهم، وأما من يخاف منهم أن يفسدوا الوقت: فيستعمل معهم ~~المداراة، ويفر منهم فراره من الأسد، فإن مباينة من يفسد الوقت شرط ~~في الطريق، فمتى قام بهذه الآداب ظاهرا وباطنا ؛ وتعودها واطمأنت ~~نفسه عليها : فحينئذ يستعد لمواهب الحق إن شاء الله تعالى، فإنه أوفى ~~ما عليه؛ وبقى ما يقتضيه الفضل والكرم والجود، وبالله المستعان، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # ويرتجى أن يفتح الله تعالى له إذا اشتغل بحكم المحاسبة والمراقبة ~~بحكم النية وآدابها، فيعرف النية في الحركات والسكنات، ومتى عرف ~~النية : عرف الإخلاص، فإن النية إنما يعرفها من صار لقلبه موطن في القيام ~~بين يدي الله تعالى، فإذا أراد أن يتحرك أو يتكلم: ينظر قلبه؛ ماذا يريد بهذا ~~العمل ? فإن كان لله خالصا أمضاه، وإن كان لغيره أو محبطا أخلصه ونقاه. PageV01P095 ### | فصل # ويراعي أحكام الصلوات الخمس، فلا يصلي صلاة العموم، ~~وليتعود أن يصلي الفرائض صلاة الخصوص. # مثلا : إذا سمع النداء بالصلاة فليعلم أنه داعي الله، قال الله ~~تعالى : (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم). # فينوي برواحه إلى المسجد داعي الله، فليجعل نفسه كأنه يزور الله ~~تعالى في بيته، وحق على المزور أن يكرم الزائر. # فإذا دخل المسجد فليستشعر أنه بيت الله، فإذا وقف في المحراب ~~فليعلم أنه واقف بين يدي الله تعالى، وأن الله تعالى مطلع عليه؛ ناظر ~~إليه، يسمع نجواه ويعلم ما في ضميره، فإذا قال: الله أكبر ؛ فلا يكون ~~فو قلبه أكبر من الله. # فإذا شرع في القراءة : فليجعل معاني القراءة وعوضا عن حديث ~~النفس، فلا يحدث نفسه بغير ما يتلو، ومتى فعل ذلك: كان مثله كمثل ~~رجل يقول بلسانه شيئا؛ ويتحدث بقلبه شيئا آخر، وذلك نقص في ~~الصلوات؛ وعيب في حضرة الحق، لكن يجعل الناطق هو القلب ~~فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) ms5 PageV01P096 ~~فليجعل الناطق هو القلب، ويجعل اللسان ترجمانا يترجم عما نطق ~~القلب به . # والناس في الصلاة أربعة أصناف: منهم من يصلي بظاهره ويقول ~~بلسانه وقلبه، يتحدث بغير ما يناجي به ربه بلسانه، وهذه صلاة الغافلين ~~ومنهم: من يقرأ بلسانه ويطالب قلبه بالحضور مع المعاني، وهذه ~~صلاة المجاهدين المكابدين. # ومنهم: من يقرأ بقلبه، فيكون القلب هو الناطق بالقراءة، ~~ويكون اللسان مترجما عما استكن في القلب، فهذه صلاة المريدين ~~الأوابين؛ الذين اطمأنت نفوسهم وقلوبهم بذكر الله. # ومنهم : من إذا قال : الله أكبر؛ غاب سره في مطالعة عظمة ~~الكبرياء، والتبسه جلاليب الجلال، وأشرقت على سره شموس ~~الجمال، واكتنفته أنوار المعارف من جميع جهاته، وقرب الجبار من ~~قلبه، ففني بالله؛ وبقي به، وصارت حركاته به، ويبقى وجوده شبحا PageV01P097 ~~كالخيال والظلال؛ في حضرة ذي الجلال، واحتوشت قلبه نيران المحبة ~~والوجدان، واكتست نفسه المخافة والمهابة من حضرة الديان، وامتحت ~~الأكوان من سره لما باشر قلبه من أنوار الفردانية، فمثل هذا إذا قرأ يعلم ~~ما يقول؛ ومع من يقول، وهذه صلاة المقربين. # ومن فتح الله عليه بمثل هذه الصلاة؛ وحدثته نفسه بأنه قد وصل ~~وصار كذا وكذا : فقد دخل عليه الشيطان من حيث لا يشعر، وتحركت ~~النفس عليه من حيث لا يفطن، وذلك لغفلته عن حكم المراقبة الباطنة. # فيجب على الطالب إتقان هذا الباب وإحكامه ؛ كي لا يفسد النفس ~~والشيطان أعماله وأحواله من حيث لا يشعر، بل من فتح الله عليه بمثل ~~هذا الحال في الصلاة وغير الصلاة: فليعرف عجز نفسه وقصورها، ~~وكونه لا يدري عواقبها ولا يدري ما يختم له، ويذكر منة الله تعالى ~~وفضله وكرمه، فيفنى عن نفسه برؤية فضل الله وكرمه، فيكون باقيا به؛ ~~فانيا عن نفسه، وذلك يدرك بفضل الله؛ وبدوام الاستعانة والاستغاثة، ~~وبالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وكذلك في الركوع والسجود، فليطالب قلبه بالخضوع الباطن كما قد ~~ظهر على ظاهره من الخضوع الظاهر ؛ ليتفق الظاهر والباطن، فكثير من ~~يخضع ببدنه في الركوع والسجود؛ وقلبه غير خاشع ولا خاضع ms6 لله تعالى. PageV01P098 ### | فصل # ومن الأدب في التلاوة: الحضور والفهم والشعور بأن القرآن ~~رسالة الله إلى كل عبد وأن هذا دعوة عامة لجميع الخلق وأن هذا ~~العبد التالي منهم. # فإذا شرع في القراءة: فليستحضر الرسول صلى الله عليه وسلم بسره وليصل عليه ~~وليعظم شأنه وحرماته كما كان يفعل لو رآه بعينه وليجعله الواسطة بينه ~~وبين مولاه فيجعله إماما ومؤدبه ومرشده وليعمل على كمال الاقتداء ~~به والتأدب به في حركاته وسكناته وأكله وشربه وعاداته ويواظب على ~~مطالعة سيرته وسنته. # وليجعل المشايخ وسائط بنيه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم هو ~~الواسطة القريب منه وإن الله تعالى تعرف إلينا من جهته وتجلى علينا PageV01P099 ~~بواسطته ، فيجب علينا معرفته ومحبته واستحضاره وكثرة الصلاة عليه ~~وتعظيم حرماته. # فإذا شرع التالي في التلاوة : فليجعل نفسه كأنه يسمعه من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم؛ يبلغ القرآن عن ربه عز وجل، فيتلقاه العبد بسره من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا فعل ذلك يرجى أن يفتح الله له بأن يشهد بسره ~~المتكلم سبحانه وتعالى ويسمعه بعد ذلك كأنه يسمعه من متكلمه، ~~فينتبه قلبه حينئذ للفهم عن الله عز وجل، ويشعر القلب بوعد الله PageV01P100 ~~ووعيده وتخويفه وتحذيره، ويتنبه لقصصه وأخباره ومواعظه ~~وأنبائه، فيكون كما قال تعالى : (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به). # وذلك الأول هو قراءة المريدين ، وهذه القراءة هي قراءة ~~العارفين . # ولا بد من توفية الرتبة الأولى ؛ ليرتقي العبد إذا وفاها إلى الرتبة ~~الأخرى، وإنما هي درجات بعضها فوق بعض، وبالله المستعان. PageV01P101 ### | فصل # وعلى السالك أن يتعلم ربع العبادات وغيره مما يفتقر دينه إليه ~~بحيث يعلم فرائض الوضوء والصلاة وسننهما وشروطهما؛ وما يفسد ~~الصلاة والوضوء، وغير ذلك من الأحكام، فمن لا يعلم حدود فرائضه : ~~كيف يرتقي له عمل ? ~~وبعد ذلك يسأل عما يعرض له من الأحكام؛ ليكون عارفا بحدود ~~فرائضه ونوافله وواجباتها وسننها. PageV01P102 ### | فصل # وعلى الطالب أن يعبد الله تعالى بالنصح له وإتقان الأعمال، ~~فلا يعامله بالكسل وقلة المبالاة، فالقوم ms7 إنما وصلوا - بعد التوفيق - إلى ~~معالي الدرجات: لكونهم عاملوا مولاهم بالنصح لا بالكسل، نصحوه ~~كما ينصح العبد البار لسيده إذا بعثه في مهم من مهماته؛ أو حاجة من ~~حوائجه، فإنه يجتهد على إيقاع تلك الحاجة على أكمل الوجوه التى ~~ترضي سيده، بخلاف الكسلان الذي لا يبالي أي حاجة اشترى ؛ أو أي ~~شيء أتى به سيده. # والعدل يقتضي أن يعامل المتهاون الكسلان بجنس عمله، ~~ويعامل الناصح بالنصح، فإن السيد إذا رأى عبده قد نصحه في ~~حوائجه : نصحه وتولاه في ملبوسه وحوائجه وضروراته بأحسن الأشياء ~~وأنفسها عنده، فلا يدع حاجة إلا قضاها، ولا ضرورة إلا سدها بأكمل ~~ما يقدر عليه (جزاء وفاقا). # فكذلك العبد إذا عامل ربه تعالى بالنصح - في فرائضه وأوامره ~~واجتناب مناهيه ونافلته وصلاته بالليل والتدبر في تلاوته، واستعمل ~~ما أمره به المولى من رعاية ظاهره وباطنه من المحاسبة والمراقبة، PageV01P103 ~~وتبديل الأخلاق السيئة بمحاسن الأخلاق المرضية واستعمال مكارم ~~الأخلاق التي أمره بها ولهم يدع جهدا في ذلك كله وأتى بالنصح التام ~~من جميع ما يقدر عليه: فإنه يرجى أن ينصحه الله تعالى في جزائه ~~ومعاملته فيتولاه ويتخذه عبدا ويصطنعه لنفسه ولا يدع له ضرورة ~~إلا سدها، ولا حاجة إلا قضاها، اختار له فيها ما يحبه ويرضاه، ~~فإنه عامله بالنصح، فاقتضى أن يجازى بالنصح (جزاء وفاقا) ~~وبالله المستعان. PageV01P104 ### | فصل # وعلى المريد استعمال الطريق الوسط بين الإفراط والتفريط، ~~فلا يحمل نفسه في المكابدة فوق طاقتها، ولا يقصر عنها فتطغى النفس ~~وتتجاوز حدها، فيستعمل من الصوم والفطر؛ والتقليل والتكثير؛ والغنى ~~والفقر؛ والتنعم والتقشف: الوسط من ذلك، فإن الوسط طريق آمن ~~والانحراف إلى إحدى الجهتين خطر، فيصوم تارة ويفطر أخرى، ويتنعم ~~تارة ويتقشف أخرى، إذا رأى النفس قد قويت: أضعف سلطانها بالصوم ~~والتقلل؛ قدرا مناسبا لا مفرطا، إذا وجدها قد ضعفت أو كادت أن ~~تنحرف : أدخل عليها من الرفق والشهوات المباحة ما يعتدل به حالها ~~فيكون مداره على الاعتدال ؛ لأن الرياضة مقصودة لغيرها ~~لا لذاتها، وإنما يقصد بها اعتدال طبيعة النفس كي لا تطغى ms8 وتجمح ~~وتستعصي. # ومن كانت نفسه منقادة مطيعة مطمئنة لا تحتاج إلى عناء وتقشف ~~وإفراط : فإن هذا الانقياد من النفس هو المطلوب، وبالله المستعان. PageV01P105 ### | فصل # فإذا استعان العبد بربه؛ واستعمل ما في هذه الكراسة؛ وعامل الله ~~عز وجل بها مجتهدا مخلصا : فقد صار له طريق إلى ربه؛ يرجى أن يفتح ~~له بذلك ما وراء ذلك من الأبواب التي لم نذكرها هنا، فإن الطريق ~~يكشفها الله تعالى لعبده السالك بعضها ببعض، ويرميه بعضها على البعض ~~الآخر ؛ حتى يستوفي أقسام الخيرات بوصوله إلى قلبه واشتغاله به بعد ~~استقامة جوارحه على أمر الله تعالى، وطمأنينة نفسه على مراد الله تعالى، ~~فهناك يرجى أن يبدو له من الله تعالى ما لم يكن يحتسبه من انفتاق مواد ~~المعارف على القلوب والأرواح، ووجود خالص المعرفة، وشرب رائق ~~المحبة، واستعمال العبودية لله تعالى بترك التدبير والاختيار ~~أول ذلك : لائح يلوح بسره لا يدوم، يبتهج القلب بذلك اللائح ~~محبة، وتكتسب الروح إلى العلي الأعلى جذبة، ثم يعود إلى حاله ~~الأول، ثم يعود ذلك عليه قليلا. # فيكون العبد بين التجلي والاستتار؛ إلى أن يكشف الله عز وجل PageV01P106 ~~عن العبد حجاب الوجود، ويطلع صبح التوحيد وقمره، وتبزغ شموس ~~المعرفة، وينمحي ليل الوجود بطلوع فجر التوحيد. # فيذهب في ذلك من لم يكن، ويبقى من لم يزل، متصفا بجلاله ~~وجماله وكماله وبهائه وسنائه، قائما بالصنع والتدبير والإرادة والمراقبة ~~والجلال والجمال والأمر والنهي. # فيبقى بعد فنائه بربه، ويغيب بصفاته عن صفات نفسه ثم يبقى بها ~~فتذهب رعونات العبد وتدبيره واختياره ومراده وشهواته، ويبقى ~~العبد حينئذ بأمر الله واجتناب نهيه وحسن تدبيره واختياره. # والعبد ذاهب في ذلك كله، والله عز وجل هو المتولي له في سائر ~~شؤونه وحاجاته. # كما قيل: ~~بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه PageV01P107 ~~وأنت حجاب القلب عن سر غيبه ~~ولولاك لم يطبع عليه ختامه ~~وقيل أيضا: ~~من كان في ظلم الليالي ساريا رصد النجوم وأوقد المصباح ~~حتى إذا ما البدر أرشد ضوؤه ترك النجوم وراقب الإصباحا ~~حتى ms9 اذا انجاب الظلام بأسره ورأى الصباح بأفقه قد لاحا ~~ترك المسارج والكواكب كلها والبدر وارتقب السنا الوضاحا ~~فنسأل الله الكريم أن يأخذ بأيدينا في هذا السفر، ولا يكلنا إلى ~~نفوسنا ولا يولينا بعضنا، ولا يجزينا وصفنا، ونسأله أن يعاملنا بما هو ~~أهله، فإنه أهل التقوى والمغفرة، ويأخذ بأيدينا في ظلمات الشكوك، ~~وينور علينا فيها بأنوار اليقين، إنه ولي الفتح المبين. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. PageV01P108 ms10