######OpenITI# #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله على تواتر نعمائه؛ وتوالي آلائه. # حمدا كثيرا يصعد إليه في شموسه وعلائه، تلوح أمارات القبول ~~على صفحاته وأرجائه. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة موحد في ~~مقاصده وإنجائه. # وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله المسدد في جميع أعماله ~~وآرائه. # صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة ملء أرضه وسمائه. # وبعد: ~~فإن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا : أقام فيه شاهدا من ذكر ~~الآخرة ، يريه فناء الدنيا وبقاء الآخرة ودوامها، فيزهد في الفاني ويرغب ~~في الباقي، فيبدأ بالسير والسلوك في طريق الآخرة. PageV01P111 # وأول السير فيها : تصحيح التوبة. # والتوبة لا تصح إلا بالمحاسبة ورعاية الجوارح السبع : العين ~~والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل عن جميع المحارم ~~والمكاره والفضول. # هذا أحد شطري الدين، ويبقى الشطر الآخر وهو القيام ~~با لأوامر، فيحقق الشطر الأول وهو ترك المناهي من قالبه وقلبه. # أما القالب: فلا يعصي الله بجارحة من جوارحه، ومتى زل ~~أو أخطأ تاب. # وأما القلب: فينقي منه الموبقات والمهلكات، مثل: الرياء ~~والعجب والكبر والحسد والبغض - لغير الله وبغض الدنيا - ورد ~~الحق واستثقاله والازدراء بالخلق ومقتهم، وغير ذلك من الكبائر ~~القلبية التي هي في مقابلة الكبائر القالبية ومثلها من شرب الخمر والزنا ~~والقذف وغير ذلك، فهذه كبائر ظاهرة؛ وتلك كبائر باطنة تحبط ~~اللأعمال. # فمن انطوى على شيء من الكبائر الباطنة ولم يتب : حبط عمله، ~~والدليل على ذلك : الأخبار والآثار، فمنها ما في الحديث: (لا يدخل ~~الجنة من في قلبه أو رأسه مثقال ذرة من كبر). PageV01P112 # وجاء: (إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب). # وجاء: (يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا ~~أشرك فيه معي غيري : تركته وشريكه). # وقد قال الله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا). # وقد جاء: (من قال : هلكت الناس؛ فهو أهلكهم). PageV01P113 ### | فصل # ومتى تنقى القلب من مثل هذه الخبائث والرذائل: طهر، وسكن ~~فيه الرحمة في مقابلة ms1 البغض؛ والتواضع في مقابلة الكبر ؛ والنصيحة في ~~مقابلة الغش؛ والإخلاص في مقابلة الرياء والسمعة؛ ورؤية المنة في ~~مقابلة العجب ورؤية النفس، فعند ذلك تزكو الأعمال وتصعد إلى الله ~~تعالى، ويطهر القلب ويبقى محلا لنظر الحق بمشيئة الله تعالى ومعونته. # فهذا أحد شطري الدين؛ وهو رعاية الجوارح السبعة عن المآثم ~~والمحارم، ورعاية الباطن والقلب عن موبقات الجرائم. PageV01P114 ### | فصل # وأما الشطر الآخر من الدين: فهو القيام بالأوامر، ولا يتم القيام ~~بها حتى ينصح لله تعالى فيها كما ينصح العبد البار الناصح لسيده إذا ~~بعثه في مهم من حوائجه، فإنه يبذل نصحه وموجوده حتى يوقع الحاجة ~~على أكمل الوجوه وأحسنها، يتقرب بذلك إلى سيده ليرضى عنه ويحبه. # وكذلك العبد إذا توجه عليه أمر من أوامر الله تعالى مثل صلاة ~~أو صوم أو زكاة أو قضاء فائت أو قضاء دين أو أمر بمعروف أو نهي ~~عن منكر أو حق من الحقوق التي بينه وبين الله تعالى أو بينه وبين ~~عباده، فإنه ينصح لله في ذلك العمل ويبذل فيه مجهوده، ويوقعه على أتم ~~الوجوه وأكملها، إن كانت صلاة خشع فيها لله تعالى بقلبه وخضع ~~وحضر بين يدي الله تعالى بقلبه وفؤاده وتضرع إليه، والتجأ فيها بسره ~~إليه، وإن كان الحق صياما حفظه من الغيبة والنميمة والنظر إلى كل قادح ~~يقدح فيه، وهذه الأعمال لا يقوى على القيام بها إلا المحبون. # والمحبة تسهل هذه الأشياء الشاقة على المحب الصادق، ~~و لا يقوى على ذلك العبد السالك إلا بمعونة الله تعالى وفضله، فعليه ~~بدوام الالتجاء إلى ربه ليعينه في سائر أموره وسائر شؤونه، كما علمنا في ~~الصلوات الخمس أن نناجيه، ونقول: (إياك نعبد واياك نستعين) PageV01P115 ~~فلا بد من العمل والصبر والمكابدة والمجاهدة، فبذلك تتم ~~العبادة، ولا بد من الاستعانة والالتجاء فإنه لا معين إلا الله. # فتكميل شطري الدين أمر لازم ؛ لا يتم الإسلام والإيمان والسلوك ~~إلا بهما، ومن لم يصحح ذلك ولم ينفذ: فمثل ذلك كمثل زارع قمحا ~~وشوكا، فالقمح ينبت قطعا، لكن مجاورة الشوك ومزاحمته إياه ms2 تفسده، ~~كذلك موبقات الأعمال الظاهرة والباطنة تفسد الأعمال وتمحقها ؛ ~~كما يفسد الشوك ما حوله من النبات، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # ولا يتم تكميل شطري الدين إلا بصحة الاعتقاد ومحبة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحة الاعتقادات بإثبات صفات الرب تعالى كما يليق ~~به، أولها : صفة العلو، فيعتقد أن ربه سبحانه وتعالى علي فوق الأشياء ~~كلها والكائنات، ينظر إلى عباده من فوق عرشه ويعلم ما هم عاملوه، ~~ويسمع ما هم قائلوه، ويدبر ما هم فاعلوه، ويريد ما هم مكتسبوه، فإذا ~~أيقن القلب بذلك بلا تكييف ولا تشبيه: يرجى أن يتم بذلك سير العبد ~~في سلوكه بمعونة الله تعالى. # وأما محبة الرسول صلى الله عليه وسلم: فهي أن يتخذه السالك نبيه وأستاذه وشيخه ~~ومؤدبه، فيجمع همه عليه دون كل شيخ ومؤدب وأستاذ، ويعكف على ~~مطالعة سيرته واستماع سنته، ويطالب نفسه بالاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم في ~~جزئيات المتابعة وكلياتها، ولا يسامح نفسه أن يترك سنة من السنن، ~~مثل السواك والتهجد والصف الأول وميامن الصفوف والقرب من الإمام PageV01P116 ~~وحضور التكبيرة الأولى والتهجير إلى المسجد والتيمن في اللباس ~~والأفعال وغير ذلك، فبذلك يكمل الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم ويصح الحب له. # ومتى صحت محبة الرسل صلى الله عليه وسلم واتباعه : يرجى للعبد أن يحبه الله ~~تعالى، كما قال تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). # وجميع ما ذكرنا من التوبة والمحاسبة والرعاية والخشوع في ~~الصلاة: قكل ذلك من جزئيات المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم والمتابعة أصل ~~جامع لجميع الخيرات، والله الموفق للصواب. # ومن جزئيات المتابعة: التهجد والمواظبة عليه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أخبرنا بأن الرب ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول : (هل ~~من تائب فأتوب عليه ? هل من مستغفر فأغفر له ? هل من داع فأستجيب ~~له ? ولا يزال كذلك حتى يطلع الفجر). # وقد جاء في الحديث: (أقرب ما يكون من عبده في جوف الليل ~~الآخر). PageV01P117 # فالمريد ينبغي له أن لا ms3 يفوته ذلك الوقت، فإنه وقت يفتح الملك ~~بابه، فيتعين علينا أن نرجو ذلك الوقت، ومن واظب على التهجد في ~~جوف الليل : يرجى له نصيب من أنصبة المقربين إن شاء الله تعالى، ~~ويرجى أن يرقى من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى محبة مرسله سبحانه ~~ويترقى إلى فهم كلامه سبحانه وهو القرآن المجيد، وتتبع رؤية تجليات ~~الصفات المقدسة، فيرقى بذلك إلى مواطن القرب والمحبة الخاصة ~~بمعونة الله تعالى وتوفيقه. PageV01P118 ### | فصل # والمرتبة الثانية من السلوك: فهي الطلب والإرادة والشوق إلى ~~الوصول والقرب، وهذا شأن من ذاق بقلبه شيئا من اللوائح الإيمانية ~~ووجد آثار الصفات المقدسة اليقينية، ومتى ذاقت القلوب شيئا من ذلك: ~~لم يهنها عيش حتى تبلغ من ذلك الذوق إلى غايته وكماله ونهايته. # وكان مثل هذا الذائق لها : كمثل شخص رأى من وراء حجب ~~كثيفة شيئا من لمحات محبوب فاق كل شيء في الملاحة والجمال ~~والحسن والكمال ولم يحققه ببصره، لكن لاحت له لمحات منه على ~~بعد من الدار، فهيجت أشواقه إليه، وتعلقت الروح به، فلا تزال الروح ~~مجذوبة إليه مشتاقة إلى لقائه؛ وقد شغلها عن ذلك شواغل من أمور ~~الطبيعة، ولكنه متى صفا قلبه وخلا: هاج وتأججت نيرانه، كما قيل: ~~وما في الأرض أشقى من محب ~~وإن وجد الهوى حلو المذاق ~~فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ~~ويبكي إن دنوا خوف الفراق PageV01P119 ~~وكما قيل: ~~وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ~~برق تألق موهنا لمعانه ~~يبدو لحاشية الرداء ودونه ~~صعب الذري ممتنع أركانه ~~فبدا لينظر كيف لاح فلم يطق ~~نظرا إليه وصده سجانه ~~فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ~~والماء ما سفحت به أجفانه ~~فمثل هذا إذا لم يكن له أستاذ عارف أو قرين ناصح يرشده في ~~حيرته : قد يخشى عليه أن تقطعه الفاقات والمجاهدات والرياضات؛ ~~فينحرف لذلك مزاجه ويفسد حاله لانحراف مزاج قلبه فيفوته المطلوب ، ~~ومثل هذا يحتاج إلى سياسة لطيفة تتم بها مصالحه في أمور دينه ودنياه ~~وآخرته بمعونة الله وتوفيقه. # فأول ذلك : دوام الالتجاء إلى الله عز وجل، ms4 فإنه لا ينجي من ~~المهالك والمتالف في أسفار الدنيا والآخرة إلا الله، ولا يوصل إلى الله ~~إلا الله، هذا أول الأمر وأساسه. # وليعلم أن الجوع المفرط مضر؛ كما أن الشبع المفرط مضر، ~~والخروج من الأسباب الدنيوية التي تتم بها المعيشة مضر ؛ كما أن ~~الانهماك فيها والتكالب عليها مضر. PageV01P120 ### | فصل # والأمر الذي يبلغ السالك به إلى المطلوب بمعونة الله: الأمر ~~الوسط المعتدل من الصوم والفطر؛ والجوع والشبع؛ والتقشف والتنعم ~~والتسبب والتجرد. # أما الصوم : فيكفيه صوم الأيام الفاضلة المشروع صومها، كالاثنين ~~والخميس وأيام البيض وعرفة وعاشوراء، وبعض هذا يكفيه إن عجز عن ~~جميعه. # والجوع والشبع : فليعتمد على أكل الأشياء الرطبة المولدة ~~للأخلاط الصحيحة والدم الصحيح، كالمسلوقة واللبن أو الحليب ~~والعسل المرقق بالماء؛ يغلى حتى يبقى كالدبس السائل، ومثل الفواكه ~~الناضجة كالمشمش والبطيخ والعنب وأمثاله، ويجتنب الأغذية المولدة ~~للسوداء؛ إلا القليل منها، فإن البدن لا يستغني عن ذوات الطعوم ~~كالحامض والحريف والمالح، فيتناول من الأغذية الملائمة قدرا ~~معتدلا بين القليل والكثير، مثل أن يأكل حتى يكتفي ولا يمتلئ منه ~~وإذا شبع في يومه مرة فلا يشبع مرة أخرى فيه ؛ إلا إذا أصبح صائما PageV01P121 ~~لكن يأكل لقيمات خفيفة على القلب حتى يبقى فارغا من ثقل الطعام، ~~ولا يثقل الطعام على أحد إلا ينحجب عن الصفاء والنور، فهذا حد ~~الأكل والمأكول وقانونه، والله الموفق والمعين. # وأما التقشف والتنعم: فليستعمل من التنعم مثل الحمام والنكاح ~~واللباس والطيب وغيره بقدر الحاجة؛ وبقدر ما يصلح به البدن؛ ~~متى وجد البدن قد قشف وقحل أو قارب أن يتقشف: رطبه وغذاه، ~~ومتى وجده قد كاد أن يقسوا ويغلظ: عدله بالتقلل من الشهوات ~~والصوم؛ ويحوم حول الاعتدال في كل شيء، فبذلك يكمل الأمر ~~بمعونة الله تعالى، فإذا أعطى الجوارح حقها : فيشرع فيستوفي الحق ~~الذي عليها. # وأما التسبب والتجرد: فلا يشرع له ترك الأسباب؛ كما لم يشرع ~~له الحرص والتكالب عليها، لكن يسعى في أمر يكفيه ويكفي عياله في ~~عامه بالمعروف، ويؤثر منه ويتصدق ويعين الصالحين، ولا يحرص ~~الحرص البالغ بحيث يستحوذ ms5 عليه الشيطان بحب الدنيا فينسيه ذكر الله ~~تعالى، فيبقى كالذين نسوا الله فنسيهم، فينقطع بذلك عن الله تعالى ~~وكذلك التجرد عن الدنيا بالكلية: يشغل النفوس بالحاجة والفاقة، وذلك ~~حجاب أيضا، وخير الأمور أوساطها، والله الموفق والمعين. PageV01P122 ### | فصل # وإذا وفقه الله تعالى للقيام بشطري الدين - المذكور أولا - ؛ ثم ~~بسياسة النفس على قانون العدل من الصوم والفطر؛ والشبع؛ والتقشف؛ ~~والتجرد والتسبب: فليسلك إن شاء الله تعالى؛ ليتحقق قلبه بذلك الذوق ~~الذي وجده. # واعلم أن كل حال جاء بالجوع ذهب بالشبع، أو حصل بالخلوة ~~ذهب في الخلطة في أغلب الأمور. # ومن سلك طريقا معتدلا في أمور معاشه وصلاح جسمه: استقام ~~حاله بمعونة الله تعالى وتوفيقه، فإذا استقامت النفس على الاعتدال ~~المذكور وتعودته؛ واعتادت المحاسبة ورعاية الجوارح واستقبال ~~الحركات بالنيات الصالحة؛ والنصح في البيع والشراء وسائر المعاملات ~~بحيث يحب العبد لأخيه ما يحبه لنفسه، ويرضي ربه في زوجه واخوانه ~~بما يتعاطاه معهم من مكارم الأخلاق؛ وبشاشة الوجه وحسن السيرة ~~وظهور الرحمة من قلبه لهم وإرادة المصلحة لهم في سائر أمورهم: ~~فليشرع حينئذ في هذه الطريقة السهلة الخاصة إلى الله تعالى ؛ بلا جوع ~~مفرط ولا تقشف مضر تسيء به الأخلاق ويعطب بسببه الجوارح، لظهور ~~اليبس في بدنه والطيش في دماغه لانحرافه عن حد الاعتدال. PageV01P123 ### | فصل # أول هذه الطريقة السهلة : أن يعلم العبد أن صلاح القلوب وقربها ~~من الله إنما يكون بشعورها بقربه سبحانه منها؛ إذا شعرت القلوب ~~بقرب الله منها؛ وبأن الله يعلم سرها وخفي هواجسها ودبيب خطراتها: ~~استقامت القلوب وصلحت وقربت من ربها. # ولا طريق أعدل من أن يجعل الإنسان لنفسه وقتا يتخلى فيه عن ~~الشواغل ؛ إما في الليل أو النهار، ثم يجلس في موضع خال فيصلي ~~ركعتين ويتوب إلى الله تعالى من جميع الذنوب التي اجترحها في يومه ~~ذاك أو ليلته ما علم من ذنوبه وما لم يعلم، فإن ما لا يعلمه من الذنوب ~~أكثر مما يعلمه. # فإذا تاب كذلك يشرع في التلاوة للقرآن المجيد ويجعل نفسه كأنه ~~بين يدي ربه تعالى، فكأنه ms6 يناجي ربه تعالى بكلامه، وكأن الرب تعالى ~~يسمع مناجاته ويرى مكانه في هذه الحال، ويجتهد أن لا يخطر بقلبه ~~غير معاني ما يتلو، فيجعل المعاني في محل دبيب الخواطر، وهذا أنفع ~~شيء للسالكين من كثرة الصلاة والعبادة بلا قلب، وليس بينهما نسبة ~~إلا شخصا يتلو كلام الله تعالى ويجعل الحق تعالى ناظرا إليه، ويجعل ~~المعاني عوضا عن حديث النفس في محل دبيب الخواطر، وهذا أمر ~~لا يقوى عليه إلا من يريد الله أن يقربه ويصطنعه، والله الموفق والمعين. PageV01P124 ### | فصل # فأول ما يفتح على من سلك هذه الطريقة بمشيئة الله تعالى ~~وتوفيقه : أن يغيب قلبه في المعاني، وتلتذ الروح بالمعاني كما تلتذ ~~بالنسيم البارد في الهواجر الحارة، وهذا أول الفتوح. # ثم يفتح له بعد ذلك شم القلب لنسيم القرب بعد شمه لنسيم معاني ~~كلام الرب تعالى، وحينئذ يشعر القلب بعظمة الله تعالى المتكلم ~~بالقرآن، وهذه مرتبة ثانية. # ثم يرجى أن يفتح له بعد ذلك سماع الكلام كأنه يسمعه من ~~متكلمه، فإنه كان في الابتداء يقرأ القرآن كأنما يقرؤه على الله تعالى؛ ~~والله تعالى ناظر إليه يسمع قرآنه، فيرقى من الرتبة إلى سماع الكلام كأنه ~~يسمعه من متكلمه، ويشعر القلب بقربه وعظمته، ويكاشف في القرآن ~~بصفات المتكلم من رحمته ولطفه وعظمته وقهره وجلاله وكماله؛ ووعده ~~ووعيده؛ وتخويفه وتحذيره وترغيبه؛ وغير ذلك من الصفات. PageV01P125 ### | فصل # من فتح له هذا القرآن العظيم في التلاوة: فقد صار القرآن ربيع ~~قلبه وشفاء صدره وجلاء حزنه ؛ وطريقه إلى الله تعالى ؛ صراطا مستقيما ~~يبلغه إلى قرب الله بمعونته وتوفيقه. PageV01P126 ### | فصل # واعلم أن هذه الأذواق العظيمة - التي هي أذواق المقربين ؛ ~~ومشارب العارفين والمحبين - لا يذوقها في كلام رب العالمين من يبس ~~مزاجه بالصوم والجوع، فإن الصوم والجوع المفرطين يؤثران في ~~القلب اليبس والانحراف، ويبقى القلب جامدا كالحجر ؛ لا يتصرف فيه ~~القرآن ولا يؤثر فيه قوارعه؛ لغلبة حكم اليبس عليه، ولا يناوله من ~~الأحوال إلا ممتزجا بطبيعة اليبس، فيثور من باطنه عند الحال حدة ~~وصراخ وانحراف يستدل بذلك على انحراف ms7 مزاجه. # وأما صاحب المزاج المترطب المعتدل إذا شرع في التلاوة ~~والخلوة؛ وثار له شيء من هذه الموارد: يتصرف الموارد في قلبه، ~~وينفعل القلب لها للطافته ورقته واعتدال مزاجه، ويغيب في الموارد ~~ويستغرق فيها كما يستغرق من لاحت له شواهد محبوبه وأنس به وغاب ~~به وبصفاته عن كل شيء سواه، فإذا أفاق من ذلك: رجع إلى أعماله ~~الباطنة والظاهرة ومساعي دنياه التي لا يتم صلاح جسمه إلا بها، وهذا ~~هو الأمر الكامل المعتدل المناسب لمألوف الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان رضي الله عنهم أجمعين. PageV01P127 ### | فصل # ومن سلك هذا القانون وهذه الطريقة : كان حاله كمن عمر الدنيا ~~بقيامه في مصالحه، وعمر الآخرة بقيامه بمأمورات ربه، وعمر مكارم ~~الأخلاق بحسن تأتيه مع أهله وإخوانه بما يرضي ربه، وعمر منازل ~~القرب ومواطن الأنس بدخوله في طريق قريبة سهلة إلى ربه ~~ومع هذا فجسده صحيح رطب؛ وقلبه خاشع لين؛ وأخلاقه طيبة ~~زاكية؛ وزوجته راضية قد أعطاها ما تستحقه، وقام بما يصلح نفس ~~ويصلحها من حقوق الله تعالى الواجبة، وإخوانه راضون بما بذل لهم ~~من حقوقهم المتأكدة عليه، وهذا هو الكمال إن شاء الله تعالى ~~والله الموفق والمعين. # وأصول ذلك وعمدته : التوبة النصوح، والانتهاء عن منهيات ~~الظاهر والباطن وسياسات النفس في العادات بمقتضى العدل باستعمال ~~الأمر الأوسط بين الإفراط والتفريط. # وعمدة الطريقة : أن تصل معاني القرآن إلى دبيب الخواطر، فمتى ~~وصلت سهل الأمر وقرب بمشيئة الله ومعونته. # ونسأل الله الكريم أن يوفقنا لما يحب منا، وأن يدلنا عليه من ~~أقرب الطرق وأدلها عليه، وأن يعافينا من تعب الطريق وطولها، ~~و لا يجعلنا ممن طول عليه وابتلاه من أمور دنياه مما فيه التعويق، آمين ~~يا رب العالمين. PageV01P128 # والحمد لله رب العالمين وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما. PageV01P129 ms8