######OpenITI# #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله الملك الحق المبين ، باسط الرزق ذي القوة المتين ، منزل الوحي على ~~المرسلين ، باعثهم إلى الكافة ( مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل )، وقد أوضح طريق مراضيه ومساخطه بالتبيين، وفرق بكتابه، ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بين الضلال المشين ، المردي في طبقات سجين ، وبين الهدى ~~المرقي إلى درجات الفردوس في عليين، وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحجة البالغة، والدلالة ~~الواضحة، وجعله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، فتح الله صلى الله عليه وسلم ~~ببعثته عيونا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فتلقحت بنوره العقول، واستقامت به ~~الأعمال في طريق الوصول، واكتسبت الفطر من شمائله كرائم الأخلاق، فكان لها ~~نهاية السلوك، وانجذبت الأرواح بالمحبة إلى فاطرها العلي ، فارتفعت إلى قربه ~~صاعدة من السفول، راقية من دركات الإبعاد، ومهاوي الأضداد والنزول، وكمل ~~الأمة بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم غاية المأمول - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه - وخصه ~~بالمقام المحمود، وقدم الصدق الثابت ، الذي لا يتزلزل ولا يزول، ورزقنا اتباعه، ~~وسلوك نهجه المضيء، الذي لا ضلالة فيه، ولا لإضاءته أفول، وبعد: ~~فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني المؤمنين في الآفاق - جمعنا الله وإياهم في ~~حضرة قدسه يوم التلاق وذلك لما كان في النصيحة لله ، والتواصي بالحق ~~والتواصي بالصبر من المندوب ، الذي لا يسع المؤمن تركه ، ولا الإعراض عنه ~~خصوصا في هذه الأزمنة المتباعدة عن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلها اليوم سبعمئة سنة ~~وكسور، فحدثت في هذه المدة الطويلة الأحداث، وكثرت البدع وتشربتها النفوس ~~فقذفت بمقدار ما تشربته من البدع المنكرة سننا معروفة، فصار الإسلام غريبا ~~وأهله غرباء، كما اخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد رحم الله الأمة بأن أقام لها في كل قرن أعلاما يكونون لدينه أنصارا PageV01P229 ~~فينبهون الناس على الأحداث الناشئة، والبدع الكائنة، يتلو بعضهم بعضا، يصلحون ~~ما أفسد الناس من سنن، وفي الحديث:(من أحيا سنة أميتت فقد أحياني، ومن ~~أحياني كان معي في الجنة). ### | فصل ms01 # إنما يقتدي العاقة برؤسائها وأشرافها ومشايخها، فعليهم وزر ما ابتدعوا، ولهم ~~أجر ما تبعوا - كذلك - إلى يوم القيامة ، وقي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن ابتدع بدعة ~~لا يرضاها، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وعنه صلى الله عليه وسلم قال (ما من ~~قتيل يقتل إلا وعلى ابن آدم الأول كفل من دمه، فإنه أول من سن القتل) يعني به ~~(قابيل) الذي قتل (هابيل). # وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل : (وإن توليت ، فعليك إثم الأريسيين) ~~والأريسيون هم الأتباع والأكرة، يعني إن توليت عن الحق فإن عليك إثم من اتبعك ~~في الضلالة، والتولي عن أمر الله تعالى. # وهل أفسد الدين إلا الملوك ~~وأحبار دين ورهبانها ~~يروى هذا القصيد بكماله عن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه. ### | فصل # القادة في زماننا أصناف : ملوك، وأمراء، ورؤساء، وعلماء، ومشايخ صوفية ~~ومشايخ فقراء، فالملوك والرؤساء والأمراء - وإن كانوا أولي أمر- فأبصارهم ~~طامحة إلى مشايخ العلم، ومشايخ الزي، فإلى مشايخ العلم يستندون في القضايا ~~والأحكام، ومن مشايخ الزي يستنشقون أرائج المواجيد، وحقائق الإيمان، ثم إن ~~الملوك، والأمراء، والرؤساء، لما انصرفت هممهم إلى جمع الحطام، وقهر الأنام، ~~وشرب الخمور، ومعانقة المنكر والمحظور، واستحلال المحارم والمظالم PageV01P230 ~~والمكوس، واقتناء المماليك للاستمتاع المحرم، فقست لذلك القلوب وأظلمت ~~أرجاؤها، وانعكست فطرهم، فصار عندهم الحسن ما استحسنته نفوسهم واستطابته، ~~والقبيح ما قبح في نظرهم، فأعرضوا عن استحسان الشرع واستقباحه، اللهم إلا ~~أشياء ظواهر ، ينخرم الدين جملة بتعاطيها ، وخرق سياجها ، كاستباحة المحارم ~~ظاهرا، وخرق سياج الصوم والصلاة، فهذا لم يمكنهم تركه لأنه خروج إلى الكفر ~~بالأصالة. # فلما عميت قلوبهم وأظلمت أسرارهم، خفي عنهم تمييز الصادق من الكاذب ~~وكل من لبس عندهم هيئة العلماء، ووجدوا عنده كلاما ونهمة في المنطق ، كان ~~فقيها، وكل من تزيا عندهم بلبس المرقعة كان صوفيا أو فقيرا، فضلت العامة بهم ~~ضلالا مبينا، لجهلهم بالصادقين، ms02 وعدم التمييز بينهم وبين الكاذبين. ### | فصل # وأما العلماء، فلما اهتموا - أيضا - بحب الدنيا، وجمع الحطام، والتكالب على ~~الرفعة والمناصب بين الأنام، وشدة الاهتمام بالتقرب إلى الأمراء والدخول معهم في ~~أهوائهم، ويفتنونهم بآرائهم طلبا للمنزلة عندهم، أظلمت - أيضا - قلوبهم، وعميت ~~عن الرشد، فتصرف هواهم في علومهم وكدرها، فصارت علومهم الشرعية مشوبة ~~بأكدار الهوى، ممزوجة - وإن كانت حقا - بأباطيل آرائهم ومحبوباتهم، فلا ينكرون ~~المنكر، ولا ما قام لهم فيه مصلحة دنيوية ، من كسر من عاندهم أو ناوأهم ، ~~فيكسرونهم بحجة إقامة الدين، ويظهرون مثالبهم، ولا يأمرون من المعروف إلا ما ~~استجلبوا به رفقا أوجب لهم رئاسة وظهورا، فمات الحق لظهور رغبتهم، وظهر ~~المنكر لإبقائهم على رئاستهم، فبعدوا عن الله تعالى وأبعدوا، وكانت زلاتهم كالسفينة ~~تغرق وتغرق، اللهم إلا بقايا منهم خاملون مضطهدون مبغوضون (وقليل ما هم) فضل ~~بهم العامة والملوك، وصاروا حجة في العوائد الفاسدة والأحكام الباطلة، والرغبة ~~في الدنيا، والتهاون بأمور الدين، يقول الناس بأجمعهم: (إذا كان الفقهاء يفعلون ~~ويتركون) فاتخذوهم قدوة، فضلوا في أنفسهم، وأضلوا عن سواء السبيل. PageV01P231 ### | فصل # وأما مشايخ الزي، فلما أعرضوا عن مجموع أمر الله تعالى، فطلبوا الدنيا ~~وطاب لهم أكلها بما يظهرون من الزي والحال، وحسن السمت، ومد العنق، وحب ~~الشهرة والقبول ، ومحبة الاستتباع والاتباع في الدنيا ، داهنوا لهذه الأغراض الملوك ~~والأمراء، إبقاء على رئاستهم، وكرهوا أن يصدعوهم، فصار سكوتهم حجة لظلم ~~الظالم. # وأما أهل الانحراف من أهل الزي، الذين شأنهم الستجلاب قلوب الجهال ~~والبطلة، والنساء، والفلاحين ، بإظهار السماع والرقص ، ودعوى أنهم أهل المحبة ، ~~والمعرفة، والاتصال بالله، والتصوف، فاتخذوا هذه الدعوى سبيلا إلى أكل أموال ~~الناس بالباطل، والتمتع بنسائهم وصبيانهم بعقد المؤاخاة، والمضاجعة معهم، فإن ~~أحدهم - على زعمهم - إنما يضاجع أخته أو أخاه، وذلك عندهم لا بأس به إذا ~~كان القلب نظيفا !! # يتقربون إلى الأمراء لنيل الدراهم والجاه عندهم ، ويزوكرون بالصياح والثهد ~~عندهم، والأمراء منغمسون في الفواحش والمظالم، قد أظلمت قلوبهم، وعميت ~~عن الحق أبصارهم، فصاروا لا يعرفون التمييز بين الحق والباطل، ولا بين الصادق ~~والكاذب، فيرون ms03 شيخا معه جمع كثير، عليهم المرقعات، قد أحسنوا زيهم، وتزينوا ~~للخلق باجتماعهم وعكوفهم على شيخهم يعظمونه ويقبلون يده ، وكيف لا ~~وهو دكانهم، وسبب إلى نيل معاشهم. # بهذه الصورة تقوم صورهم، إذ لولاها لماتوا جوعا، فهو لهم صنم يرتقون به ~~والحادي صنم آخر ، على حسه يجتمع الناس ، ويؤلف بينهم ، فالشيخ هو محل ~~الوهم الذي يوهمون به الخلق، وأن هذا هو، وهو والحادي كطبل المشعبذ، يجمع ~~الناس على ذلك الوهم الفاسد ، فينتج من اجتماعهم ميل القلب إليهم، ومحبتهم ~~لهم، وصنعة الطعام لاجتماعهم، ولا بد من أولاد حسان وزوجات وضيئات، فإذا PageV01P232 ~~مال الآباء إليهم، فبالضرورة يحن الأولاد والأزواج إليهم، فيرتقون بطعام الآباء ~~ويتمتعون بالإخوة - وهم الأولاد والأزواج فتبلغ نفوسهم هواها وغرضها بهذه ~~الصورة التي أقاموها، فضلوا بذلك وأضلوا كثيرا، وأظلمت قلوبهم والتبستهم صور ~~شيطانية، يرى العارفون بشاعتها من وجوههم، فما أبعدهم عن الله تعالى، وأبعدهم ~~عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن ~~سبيل الله حقيقة، وهم قطاع الطريق، يقطعون طريق الحق عن اتباع السنة والوصول ~~إلى الله تعالى،فما جاء الإسلام قوم أضر منهم على أهله ، إنما يعرف ضررهم على ~~الإسلام من يعرف الإسلام وطريقته، وما أصدق من قال: ~~وهل أفسد الدين إلا الملوك ~~وأحبار سوء ورهبانها ~~فنسأل الله العظيم، الجبار القدير ، العزيز الحكيم ، أن يكشف هذه الظلمة عن ~~وجه الإسلام، وأن يعفي آثارها، ويمحق منارها، وأن يكشفهم للخاص والعام، حتى ~~ترميهم العيون بالنظر الشزر والازدراء،و يقلاهم الخلق فينالهم الذل عقوبة الافتراء ~~فيموتوا جوعا وعريا وحفاء وذلة، أو يرجعوا إلى طريق الحق والصواب ، ويتبعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجيء والذهاب. ### | فصل # سبب انحراف الأمة وتشعبها، هو أنه حدث في هذه القرون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مشايخ صالحون، أولو أحوال أميون،لا يعرفون تفاصيل الشريعة، فلم يعملوها، ولم ~~يحملوا أصحابهم على تفاصيلها، فصات أفعال شيخ كل طائفة بها يقتدي أصحابها، ~~وصار الشيخ هو المتبوع في شمائله وأحواله وعاداته، وأعرضوا بذلك عن اتباع ms04 ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والله تعالى سائلهم يوم القيامة عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لا عن اتباع الشيخ ~~فلذلك افترقت الأمة فرقا، وصاروا بهذا الافتراق شيعا. ### | فصل في ميزان توزن به المشايخ، ليكون متبعهم على بصيرة من أمره ونيته من حاله PageV01P233 ~~اعلم أن المشايخ في زماننا ثلاثة : شيخ علم، وهو الفقيه، وشيخ سلوك، وهو ~~الصوفي، وشيخ عامة، وهو شيخ الفقراء، ولا بد لهم من ميزان تعرف به جادة طريق ~~المستقيم منهم والمنحرف ، ومن الذي يتعين اتباعه منهم ، والذي يجب اجتنابه ~~والتباعد عنه منهم، وبالله التوفيق ، ونسأله أن يرينا الحق حقا ويعيننا على اتباعه ، ~~ويرينا الباطل باطلا ويعيننا على اجتنابه. ### | الفصل الأول في بيان استقامة طريق شيخ العلم من انحرافه # (العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه ~~أخذ بحظ وافر) ، كذا جاء في الحديث ، وقال الله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان ) فالعلم الكامل هو اسم يدخل تحته كل فضيلة تتعلق بالدين ~~الظاهر ، أو بالحال الباطن، علما وعملا وخلقا وحالا، قال الله تعالى (إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء ) فقد نبه على أن الخشية من الله تعالى ميزان العلم ، أي ~~العلم به، وبأمره، ونهيه. # فانقسم العلماء ثلاثة أقسام:[ الأول ] عالم بالله عز و جل، وعالم بدينه، وهو العالم ~~الكامل الجامع ، الذي علمه وحاله قوت ومادة لكل مؤمن، ومسلم، وصديق، ~~ومثالهم في الأمة كأبي بكر، وعمر، وبقية العشرة، وعلماء الصحابة وفقهائهم، أهل ~~العلم الشرعي ، والعمل الموفي به ، والعلم اللدني ، جمعوا كل فضيلة من علم ~~وعمل، وخلق وحال رضي الله عنهم فهم كانوا أعمق الناس علوما، وأصحهم أعمالا، وأكملهم ~~أحوالا. # كانوا متبعين لأمر الله تعالى في الظاهر مجتنبين لنهيه ، عالمين يأمره ونهيه ، ~~يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. يبذل أحدهم نفسه لله، يرى دماءه تسيل PageV01P234 ~~وهو إلى قدام يقاتل على دين الله من خالف الله وكفر به، هذا عملهم، وأما وعلمهم ~~وحالهم، فكان شيخهم، وممدهم من العلم والحال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms05 فهو سيد العلماء، ~~وسيد العارفين ، وكان علم الصحابة من بحر علم الرسول صلى الله عليه وسلم ورثوا الحال من ~~صحبته ونظره، وورثوا العلم من أقواله وأفعاله، فهم سادات الأمة، بهم نقتدي ~~وبهم نهتدي. # أيها المنصف !! فهل كانوا كشيوخ الفقراء في زماننا?! كلا - والله - بل لو ~~رأوهم لجاهدوهم وقاتلوهم على ما ابتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وكذلك ~~جاء بعد الصحابة سادات التابعين وعارفوهم وعلماؤهم ، كسعيد بن المسيب ، ~~وأصحاب ابن مسعود ، كعلقمة والأسود - من أهل البصرة - والحسن البصري ~~وغيرهم، كان الحسن إماما في كل فن، كان قوم يأخذون عنه العربية، وقوم يأخذون ~~عنه التفسير، وقوم الأحكام الفقهية، وقوم يأخذون عنه أحوال القلوب، فكان إذا ~~اجتمع به أهل القلوب يخلو بهم، فلا يدع غيرهم يدخل معهم، فرأى يوما في حلقته ~~شيخا من غيرهم، فقال: ما أجلسك عندنا يا لكع؟ إنما جلسنا مع أصحابنا نتذاكر. # وكذلك كان في كل قرن سادات من العلماء الكمل، جمعوا العلوم، والأعمال ~~والأخلاق، والأحوال، حتى كان في المئة الرابعة، شيخ الإسلام وقدوة الأنام، أبو ~~إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي بهراة ، صاحب (منازل السائرين) كان إماما في ~~السنة والتفسير، إماما في المواجيد والأحوال رضي الله عنه ثم كان في المئة الخامسة الشيخ ~~الإمام عبد القادر الجيلي رضي الله عنه ببغداد، كان الفقيه يأخذ عنه مدد علمه، وكان العارف ~~يأخذ عنه مدد عرفانه، فهؤلاء العلماء الكمل رضي الله عنهم. # الثاني : عالم بأمر الله تعالى، وليس عالما بالله، وهم الفقهاء، ويعرفون أمر الله ~~نهيه ، ولم تتصل قلوبهم بالله اتصال المحبة التامة ، بكمال الزهد في الدنيا ~~والمناصب. # الثالث: عالم بالله تعالى، وليس عالما بامره، وهم العارفون الأميون، أحدهم له ~~نصيب من الله عز وجل في قلبه، ولا يعرف تفاصيل الأمر والنهي، فهو صحيح بشرط ألا PageV01P235 ~~يخرج من معرفته إلى بدعة ، لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلامة استقامة طريق شيخ ~~العلم في زماننا أن يكون عارفا بكتاب الله عز وجل، عالما بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ms06 عالما بفروع ~~الأحكام، ورد الحوادث إلى الأصول، يقيم برهان ذلك إذا سئل عند النازلة، فيدل ~~عليه من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون مع ذلك عاملا بعلمه، لا يجري ~~على ظاهره من الأقوال والأفعال ما يخالف علمه، وأن يكون حريصا على الأمر ~~بالمعروف ، مهتما به ، يصبح مهتما بإقامة أمر الله ، ويمسي به مهتما ، حريصا على ~~النهي عن المنكر ، لا يدع فيه ممكنا ، يبذل فيه ما أمكنه من ماله وجاهه ، يتآلف ~~الناس بماله وخلقه على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون زاهدا في المناصب، ~~وفضول الدنيا تطلبه ولا يطلبها، وتأتيه ولا يأتيها، وأن يكون مجانبا للدخول على ~~الملوك والأمراء الظلمة، فلا يدخل عليهم لطلب مال ولا جاه، يدخل عليهم ~~ليأمرهم بالحق والعدل، ويعلمهم أمر الله ونهيه، وينهاهم عن البغي والظلم والإثم ~~والعدوان، يدخل عليهم ليستضيئوا بعلمه ونوره في ظلمات حوادثهم، فهذا الدخول ~~عليهم قد يكون واجبا عليه تارة، وأخرى مستحبا، وأن لا يداهنهم، ولا يدخل معهم ~~في أغراضهم الفاسدة، ولا يفتيهم بما يأكلون من أموال الناس بالباطل، فيقلدونه ~~فيها، فيدخل معهم بالتأويلات الفاسدة لينال من جاههم ومالهم، فيكون جسرا لهم ~~يعبرون على رقبته إلى النار، وأن يكون من أهل الحديث والسنة، مجانبا للكلام ~~والمنطق وأهله، عقيدته عقيدة أهل الحديث والأثر، لا عقيدة أهل الكلام والآراء ~~الفاسدة، وأن يكون ورعا في منطقه، فلا يتكلم بما لا يعلمه، وإن سئل عما لا يعلم ~~يقول: الله أعلم. ورعا في مأكله وملبسه، يكون له معيشة يستغني بها عن الناس، لا ~~يقبل الهدية من مستفت يستفتيه، غرضه أن يفتيه في تحريم حلال، أو تحليل حر ام ~~على وفق غرضه، وأن يكون أعف الناس وأعقلهم، فمن قل عقله لا يؤمن في علمه ~~من الخطأ، وسوء الرأي، وأن يكون ظاهر المروءة، له مع ربه في خلواته عبارات ~~وأوراد ، تعامله يظهر أنوار المعاملة على وجهه، ويظهر السكينة على منطقه وعمله، ~~قليل الانبساط، ضحكه تبسم، مستعمل الأخلاق من الحلم، والصبر، والتواضع ms07 مع PageV01P236 ~~المؤمنين ، مستعملا للشدة والغلظة، سمتعملا للمصابرة والمداراة مع من يرجو منه ~~الانتفاع بعلمه وكلامه ، راقد النفس ، ساكن الهوى ، فمن غلب عليه الهوى في علمه ~~لا يؤمن أن ينتصر لباطل إذا حوجج فيه، ويخذل الحق إذا ظهر مع خصمه، فمن ~~اجتمعت فيه هذه الخصال من علماء زمانكم فاغتنموه، واسألوه عن أمور دينكم، ~~وقلدوه أحكام حوادثكم ونوائبكم، واعلموا أن مثل هذا العالم يسمى وارثا، فإنه قد ~~ورث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما قام به من العلم والعمل والخلق، فهو نور الأمة، ومصباح ~~العالم، يستضاء بنوره، ويهتدى بعلمه. ### | فصل # ومتى رأيتم العالم يعمل بخلاف ما يعلم، فيخالف عمله علمه، ويقول ما لا ~~يفعل ، أو يميل إلى الهوى في العلم ، أو يقل الاكتراث بالسنة والنصوص ، ويجنح ~~إلى الرأي والتقليد ، مع قدرته على ذلك ، فيستدل بأعماله - بذلك - على سقوط ~~منزلة النصوص عن قلبه، فيستدل بذلك على قلة دينه، أو سوء عقيدته، ومتى رأيتم ~~العالم غير مهتم بالأمر بالمعروف ، غير مكترث بالنهي عن المنكر ، لا يبالي إذا ~~انتهكت المحارم، ولا يتوجع قلبه لها، ولا يتأسف إذا عصي الله في أرضه، ولا ~~يغضب لله في مخالفة أمره، ولا يحرص على الأمر بالمعروف، ويتآلف الناس عليه ~~بالمال والخلق، فاتهموه في علمه ودينه، واستدلوا بذلك على قسوة قلبه، والطبع ~~عليه، فما أشبه هذا بعلماء اليهود. قال تعالى: ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة ) [ الخطاب مع اليهود، وكذلك من عرف أمرا وخالفه ~~أورثه ذلك القسوة، وبضده من عمل بما يعلم، أورثه ذلك الحكمة والحكم، ميراث ~~خشوع القلب وصلاحه ، وإذا رأيتم العالم راغبا في فضول الدنيا ، نازعا لأهل ~~المناصب في مناصبهم، يأتي أبواب الظلمة لما يناله من ذلك أو يطمع فيه، إذا دخل ~~مع الأمراء يدخل معهم في أهوائهم، لا يحسن الحسن عندهم، ولا يقبح القبيح ~~يأخذ معهم في الحكايات المضحكات لبسطهم ، ويأتي بالمحاضرات والملح ~~فيمازحمهم، فاتهموه على علمه، وعلى دينه خصوصا إذ لم ينصر عندهم مظلوما، PageV01P237 ~~و لا يعتني بقضاء حاجة مضطر ملهوف، ms08 فإنه من القاسية قلوبهم ، المعرضين عن ~~ربهم، قلبه بعيد من الآخرة، متعلق بالدنيا، علمه دكانه، ويتأكل ويرتزق، ولا يعامل ~~الله بعلمه إلا قليلا، يسكت عن الحق خشية سقوط منزلته، ويمالئ على الباطل طلبا ~~للرفعة، فما أبعد هذا عن الله وعن طريقه، علمه حجة عليه. # ومتى رأيتم العالم قليل الووع في كلامه ، يتكلم مجازفة ، ويكذب أحيانا ، ~~ويستعمل الهزل واللعب، ويذكر المردان، ويميل إليهم، أو رأيتموه قليل الورع في ~~المأكل والمشرب، والمدخل والمخرج، لا يبالي ما أكل حلالا كان أو حراما ~~فاتهموه على علمه وعلى دينه، ولا تقلدوه أموركم، واحذروه أن يسلبكم دينكم، ~~بتهوينه للأشياء الصغيرة من الحرام والشبهات، يسرق بذلك عقولكم، فيستدرجكم ~~من حيث لا تعلمون. # ومتى رأيتم العالم يقبل الهدية من المستفتي ويفتيه على غرضه ، ويدخل في ~~التأويلات والشبهات، كمسألة الاستحلال ، ومسألة الربا والمعاملة، ولا تجدونه ~~متعففا في معيشته ، ترونه طامعا في أموال الناس ، يداخل القضاة ليولوه الولايات، ~~مع شرهه على الدنيا ، وقلة ورعه ومبالاته بالحلال والحرام ، فاتهموه على علمه ~~ودينه. # ومتى رأيتم عالما في عقله سخافة، وفي نظره قصور، يضع الأشياء - غالبا - في ~~غير مواضعها، فاتهموه على استنباطه وعلمه ورأيه، ولا تقلدوه ~~ومتى رأيتم العالم لا يتمم صلاته المفروضة ، ولا يطمئن في ركوعه ~~وسجودها، ولا يحضر مع قراءته فيها بالخشوع والحضور، والتدبر والترتيل ~~فاتهموه بقساوة القلب، وبعده عن الرب عز وجل. # ومتى وجدتم العالم لا معاملة له مع ربه عز وجل ، تظهر عليه بهجتها وأنوارها ~~وسكينتها ، من تلاوة وصيام وقيام، فاعلموا أنه قليل النصيب من ثمرة العلم إذ ثمرة ~~العلم المعاملة ، وقليل النصيب من المحبة والخشية، و( إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) . PageV01P238 # ومتى رأيتم العالم هواه غالب على عقله، ينتصر لنفسه في الباطل، ويخذل غيره ~~في الحق فاتهموه على علمه ، ولا تقلدوه حتى تظهر لكم الحجة الصحيحة على ~~فتياه، وبالله التوفيق والمستعان، وهو أعلم. ### | فصل # وأما ميزان استقامة طريق شيخ السلوك، فهو أن يكون عالما بأمر الله ونهيه، مما ~~يلزم علمه والعمل به، دون علم النكاح والطلاق واللعان ms09 وغيره من الأحكام العامة، ~~فإن اتسع لذلك كان أكمل لمرتبته، وأعلى لحاله، وأن يكون عاملا بعلمه، واقفا عند ~~حدوده ، ليس للشريعة عليه مطالبة، لا في ظاهره، ولا في باطنه. قد أحكم شيئين ~~هما ركنا الطريق، وعليهما تبنى قواعده، الأول : التقوى، والتقوى هو: معنى عام في ~~كل قول وفعل وخاطر، قد أحكم هذا الأستاذ تقوى الله تعالى في لسانه، فلا يتكلم ~~بما حرمه العلم أو كرهه، واتقى الله تعالى في عينيه ، فلا ينظر إلى ما حرمه العلم أو ~~كرهه، واتقى الله تعالى في سمعه فلا يسمع ما لا يحبه الله، ولا ما يكرهه، واتقى الله ~~تعالى في بطنه، فلا يدخله من الطعام إلا ما أحله العلم، ويجتنب ما حرمه العلم، أو ~~كرهه، واتقى الله تعالى في يديه ورجليه، فلا ينقلهما ولا يحركهما إلا إلى ما يحب ~~الله ويرضاه، ولا ينقلهما إلى لهو ولعب وباطل، وفي الجملة فلا يحرك جوارحه إلا ~~فيما يرجو ثواب الله عليه، وفيما يأمن فيه عقابه بمقتضى العلم وحده، ثم تصل تقواه ~~من ظاهره إلى باطنه، فيبقى الله تعالى في الخطرات والوساوس، والهم والعزائم ~~والمقصود حتى يحرس قلبه من جميع ما حرمه الله وكرهه، كما حرس جوارحه فإن ~~الخطرة من الشر إذا أهملها صاحبها صارت وسوسة، بمعنى أنها تتردد وتتكرر، فإن ~~حفظها قبل أن تصير وسواسا اندفعت، وصلح القلب، وذهب أثرها عنه، وإن تركت ~~صارت وسواسا ، فيصعب دفعها في حال الوسواس أكثر من صعوبته في حال ~~الخطرة، ثم إن دفعت الوسوسة ذهب أثرها، وصلح القلب وطهر من كونها، وإن ~~تركت صارت الوسوسة همه، فيكون دفعها أصعب فإن دفعت الهمة اندفعت، وإلا ~~صارت عزما فيكون دفع العزم أصعب وأصعب وأصعب، فإن اندفع وإلا صار PageV01P239 ~~قصدا، فإن اندفع وإلا صار عملا ظاهرا بالجوارح، فيعصي العبد بذلك ربه. # فهذه قاعدة عظيمة النفع من عرفها وكابد نفسه فيها استقام باطنه، واستقام ~~ظاهره لاستقامة باطنه، فإن القلب إذا صلح صلح الجسد كله، وبها يعرف الإنسان ~~كيف تنشأ المعاصي، فجميع المعاصي والطاعات هكذا تنشأ ms10 مبدأ من الخواطر، فلا ~~يزال هذا الشيخ يتقي الله في ظاهره وباطنه حتى يملك ظاهره بالمحاسبة ، ويملك ~~باطنه بالمراقبة ، فيصير القلب كالكوكب الدري في أفق السماء ، تتلألأ فيه الأنوار ~~بمشاهدة الأذكار، ومتى لم يكن الشيخ بهذه المثابة لا يصلح للمشيخة، لأنه يريد أن ~~يأخذ المريد في هذه الطريقة، وهو لم يحكمها ولم يحقق عملها فكيف يقدر على ~~أن يسوس المريد فيها. # الركن الثاني من أركان الطريق بعد تحقيق التقوى يكون الشيخ المذكور ~~قد حقق الزهد في الدنيا، فتكون نفسه ساكنة، غير متحركة إلى طلب الدنيا من مالها ~~وجاهها، ففي الناس من يكون ساكنا عن طلب المال تحركا إلى طلب العلو ~~والرفعة والاستتباع، يحب أن يطأ عقبه الناس، وينكسر إذا لم ير وراءه أحدا، فهذا ~~طالب رئاسة ، وهي من أغلى مطالب الدنيا ، فقد يبذل المال لطلب الرئاسة، قال ~~تعالي: ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) ~~ومن لم يتحقق التقوى والزهد في فضول الدنيا، من مالها وجاهها، ~~كيف يلج قلبه ملكوت السماء ? وكيف يذوق الحب الخالص الملهب للأرراح ? هذا ~~مستحيل ، ومن لم يلج قلبه ملكوت السماء، ولم يكاشف بالمحبة الخالصة كيف ~~يصلح للمشيخة ?!، وهو يريد أن يأخذ المريدين في طريقها ولم يبلغها هو. ### | فصل # ومن شرط شيخ السلوك أن يكون متعففا، غير طامع في فتوح الناس، وإن كان ~~ذا سبب كان أكمل بحاله، وأن لا يقبل الفتوح من كل أحد، ولا يأكل طعام كل ~~أحد، ولا يأكل إلا طعام من يقصد الله تعالى بإنفاقه، ولا يكون لما أنفقه في قلبه PageV01P240 ~~منزلة بل يراه قليلا ، ويرى نفسه بإنفاقه قليلة حقيرة ، ولا يرى بإنفاقه لنفسه منزلة ~~وفضلا على الفقير الذي أطعمه، ويرى الفضل لمن آكله يشكره على أكله، ويعتذر ~~إليه من تقليله وتهجمه، والفقير لا يقبل إلا لقلب هذا العبد الصالح، ويرى منة الله ~~تعالى عليه لسياقة هذا الرزق إليه، فكل منهما قد يثاب على إنفاقه وبذله، وهذا يثاب ~~على قبوله وتناوله، إذ كل منهما له ms11 فيما عمله قصد صالح وعمل صالح، ولا يأكل ~~الفقير طعام أهل النفوس الحارة ، العامية طباعهم، الثقيلة أنفاسهم، الذين يذكرون ما ~~أنفقوا، ويمنون بلسان حالهم، وإن لم يقولوا بألسنتهم، وإن كانوا عبادا صلحاء فإنهم ~~أهل نفوس تثقل نفوسهم في طعامهم، فمثل طعام هؤلاء سم يضر القلوب ويوهنها ~~بل ربما كان أكل الشبهة ممن عنده أهلية ورياضة، أقل ضررا من الحلال إذا كان ~~الباذل له صاحب نفس ثقيلة، ولهذا قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: (جوائز السلطان أحب ~~إلي من صلة الإخوان) ، فقد تعارض في هذا الشبهة والمنة ، فاختار الشبهة لما له ~~فيها من الحق في بيت المال على المنة التي تضر القلوب وتشغلها، وهذا من دقائق ~~علوم أهل الله وخاصته والصفوة من عباده. # ومن شرط شيخ السلوك أن يكون قلبه متصلا بالله تعالى، وأنفاسه محفوظة ~~مع الله عز وجل، قد أشهده الله تعالى مشاهد الإلهية، ومشاهد الربوبية، ومشاهد الجمع ~~وحققه بمشهد الفردانية وعمر وجوده بأنواره، وصار له نصيب من القرب الخاص ~~والمحبة الخالصة، وأوقفه الله تعالى على الفرق بين دقائق التوحيد ودقائق الاتحاد ، ~~وعرف المداخل والمخارج، والقوادح والقواطع، والنهايات والحقائق، والتهب ~~باطنه بالمحبة الخاصة من أنوار الله المخزونة ، فإذا عرفه المريد أوقفه على مقام ~~مقام ، وسار به إلى موطن موطن، بشرط الموافقة من المريد وحسن الاعتقاد، وترك ~~الاختيار ، وحسن الانقياد والاستسلام، فيتخلص المريد بصحبته من حجب النفوس ~~الكثيفة، ثم من حجبها اللطيفة، ثم من حجب القلوب وأنوارها، فيخلص إلى فضاء ~~الوجدان، ومباشرة الروح صريح الفتوح، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم. PageV01P241 ### | فصل # وإذا رأيتم شيخ السلوك جاهلا بأمر الله ونهيه، لا فقه عنده فيما يخصه من دين ~~الله، ولا يسأل العلماء إذا نابته نائبة، أو يكون عالما مخالفا لعلمه، مفرطا في عمله، ~~لم يحكم أساسه على التقوى والزهد ، يحب الدنيا والمال والمناصب ، يداهن العامة ~~لحفظ منصبه، لا يأمرهم بمعروف ولا ينهاهم عن منكر، يتملقهم بالكلام والطعام ~~ليحبوه ، يتقرب إلى أبناء الدنيا ويكرمهم لينال فتوحهم، يجالس غير ms12 أبناء جنسه أو ~~يجري على لسانه الغيبة والنميمة والكذب والفضول والهذيان والهزليات ~~والمضحكات، أو يتباهى بالنظر إلى الصور الملاح ، ولا يبالى بصحبة الأحداث ~~ومعاشرتهم، أو يحضر السماعات، فيستمع المكروهات، من الدفوف والشبابات، أو ~~يرقص على التصفيق والتوقيع في هذه الاجتماعات ، أو لا يبالي بما يأكله من ~~الشبهات، فمثل هذا يكون بعيدا عن حفظ الخطرات بين يدي قيوم السموات وعالم ~~الخفيات ، ويكون محجوب القلب عن الأحوال والكرامات ، فإن من خلط في ~~الجوارح الظاهرة ، وأهمل المراعاة القلبية الباطنة ،كيف يتحقق بدعوى الحال? ~~وعمله قد أبان عما به عن الصدق حال ، ومن أين لمثل هذا الإحاطة بالمشاهد ~~الربانية ?، وكيف يعرف هذا الجمع والفرق ? ، والسكر والصحو? ، والفناء والبقاء ? ~~والانفصال والاتصال? وهو في عبودية النفس الأمارة لم ينفصل عنها ولم يحكم ~~سياسة الشرع عليها، ولم يذعن قلبه للشرع ولا لأحكامه ؟ فمثل هذا يتهم في ~~سلوكه ، وصحبتة تقسي القلب ، وتفسد الوقت، ونعوذ بالله ممن يكون ممقوتا ~~بدعوى الحال ، فينقلب سواد وجهه إلى الآخرة في المآل. ### | فصل # وأما ميزان شيخ الفقراء، أو علامة استقامته في طريقته ، أن يكون فقيها فيما ~~يخصه من أمر دينه، يعلم فرائض الوضوء وسننها، وفرائض الصلاة وسننها، وأحكام ~~الماء الطاهر والنجس وغير ذلك مما يخصه ، عالما بالواجبات والمندوبات PageV01P242 ~~والمستحبات عاملا بأحكام علمه، متبعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه وطريقته، يأمر ~~بالمعروف، وينهى عن المنكر، يحل ما أحله الله، ويحرم ما حرمه، ويكره ما كرهه. # قد طالع كتب الحديث ومر على الصحاح الستة سماعا، فاكتسب قلبه من المرور ~~عليها التخلص من الكيفية الجاهلية ، والتكيف بالمحمدية، وأن يكون محبا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يهتز قلبه عند ذكره، أكثر ما يهتز عند ذكر شيخه، يأمر بالمعروف، وينهى عن ~~المنكر ، يضرب أصحابه إذا اجتمعوا بالنساء الأجنبيات أو واخوهن ، أو اتخذوا ~~الصبي أخا ، وهو الذي يسمونه الحوار ، ويعرفهم أن الأنس بالنساء الأجانب ~~والصبيان ليس من طريقة الرحمن، إنما هو من طريقة الشيطان، والسبب الموجب ~~لذلك هيجان شهوة النكاح، ويعرفهم أن النظر إليهم ms13 زنا العين، (إن العين لتزني وإن ~~اليد لتزني، وإن اللسان ليزني والفرج يصدق ذلك ويكذبه،، والشيخ إذا كان متبعا لله ~~ورسوله يعلم ذلك، فيتبع قول الله عز وجل ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) ~~فإذا كان الشيخ مخالفا لله، ولا ينهى أصحابه عن مخالفة الله عز وجل كيف يكون اتباعه ~~والاجتماع به ? ~~ومن شرط مشايخ الفقراء أن يكون قد صحح التوبة في بدايته، وصحح مقام ~~الورع ومقام الزهد ومقام المحاسبة والرعاية ، ودخل في ميدان الخوف والرجاء ~~فحينئذ يحق له أن يدخل في مقام الفقر، فلا يصح الفقر إلا لمن صحح هذه ~~المقامات قبله ، وهي عبارة عن الفقر عما سوى الله ، ثم يدخل بعدها إلى مقام الغنا ~~بالله وهو مقام الشكر ، ثم ينتقل إلى ~~مقام التوكل فيصحه ، ثم إلى مقام الرضا ~~فيصححه، ثم إلى مقام المحبة والمكاشفة، فحينئذ يصح له مشيخة الفقر، وأن يكون ~~داعيا إلى طريقة الفقر. # ومن شرط الشيخ أن يتشبه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتهد هو وأصحابه على ~~اتباع طريقهم والعمل بعملهم، والذي يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعمل السماع ولا يرقص ~~فيه، ولا يدع أصحابه ينزلون النار، ولا يمسكون الحيات، فإن الصحابة كانوا أفضل ~~الناس، وأعلم الناس، وأقرب الناس إلى الله، ورسوله سيد الأولين والآخرين بين PageV01P243 ~~أظهرهم، وهو معلمهم ومؤدبهم، والوحي من عند الله مع جبريل ينزل عليهم، فهم ~~أفضل الخلق، وسادات الناس، بلغكم معاشر العقلاء أنهم عملوا سماعا قط ? ~~بلغكم أن أبا بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان أو على بن أبي ~~طالب رقصوا في الطابق ، أو داروا? أم هل بلغكم أن بلالا الحبشي أو غيره غنى ~~بالكف أو الدف ? أم هل بلغكم أنه كان فيهم مولهون مكشوفو الرؤوس لهم شغف ? ~~أم هل بلغكم أنهم كانوا يدورون من قرية إلى قرية بأكياس الحيات، ويتخذون ~~الحوار ? أم هل بلغكم أنه كان لهم الشخرة والنخرة ? ~~يا قوم انتبهوا !! ، يا قوم اعقلوا !! ، يا قوم ارجعوا إلى الله، فإذا كان أصحاب ~~رسول ms14 الله صلى الله عليه وسلم ما اتبعتم ، وكذلك التابعين ما اتبعتم ، لأنه قط ما بلغنا أنهم كانوا ~~يعملون من ذلك شيئا بل كان طريقهم طريق الصحابة، وعملهم عملهم، وكذلك ~~تابع التابعين ما اتبعتم ، لأنهم قط ما بلغنا أنهم عملوا هذه الأشياء، فليت شعري ~~لمن اتبعتم ? أم بمن اقتديتم ? ~~لم يظهر بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي آخر بشريعة أخرى، كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ~~فليت شعري من أين جاءت هذه الشريعة الزائغة ? ومن الذي أظهرها، ودعا الناس ~~إليها فأضلهم بها ? يا شؤم حالنا، يا فضيحتنا مع الله تعالى، إن لم يتب علينا، يا سوء ~~حالنا إن لقينا الله تعالى ونحن مصرون على هذه البدع، يا سواد وجوهنا إن لقينا الله ~~ونحن على هذه الحال. # ومن شرط شيخ الفقراء: ~~ألا يدخل على الأمراء والظلمة، لينال صدقاتهم ومبراتهم، ولا يأكل طعامهم، ~~فإن الجسم إذا نبت من حرام، فالنار أولى به. # وأن يأمر الفقراء بكتمان الحال والوجد، فقد رأيتم من يصرخ في السماع ~~ويرقص ويضطرب كأنه يقول للناس: يا معاشر الناس اعرفوني اعرفوني، فإني ولي ~~الله، وأنا صاحب حال أعطوني أعطوني ، يا صبايا، يا صبيان، أنا رجل صالح، ~~واخوني واخوني،، تقربوا مني حتى أعطيكم حالي، حتى ينالكم مني نصيب !! PageV01P244 # معاشر العقلاء !! مثل هذا [لا] ينطلي إلا على أحمق، قليل العقل ، جاهل ~~بأمر الله تعالى ورسوله ، بعيد عن معرفة الإسلام وأهله، أعمى عن معرفة الصادقين ~~والتمييز بينهم وبين الكاذبين. # بعدنا عن الله ، وقلت عقولنا حتى صار مثل هؤلاء البغضاء البعداء ، إخوان ~~الشياطين ، يدخلون منازلنا، ويأكلون طعامنا، ويتمتعون بصبياننا ونسائنا، بحجة: ~~سيدي فلان، وسيدي فلان، وسيدي فلان !! # أما آن لنا أن تصحو عقولنا ? وتنفتح عيوننا، ونقف على زوكرة هؤلاء، ونعلم ~~أنهم متأكلة يأكلون الناس، ويتفرجون على نسائهم وصبيانهم ? ~~حيرة ، يا سبحان الله !! قط ما سمعنا طريقة السلف الصالحين ، الذين كانوا بعد ~~الصحابة ، وبعد التابعين ، مثل : الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، ووهب بن ~~الورد، ووهب بن منبه، وحذيفة المرعشي، وسفيان الثوري، ms15 ومن جاء بعدهم، مثل ~~ذي النون المصري، وشقيق البلخي، وحاتم الأصم، وسهل التستري، ومعروف ~~الكرخي وسري السقطي وأبي القاسم الجنيد وغيرهم قط - يا مسلمون ~~عملوا هذه الأعمال ، أم قط اتصفوا بهذه الصفات. كانوا قوما مستورين صادقين ~~مع ربهم، يحتقرون أعمالهم، ويخافون ربهم، ويغضون أبصارهم، ويستمعون إلى ~~القرآن هو سماعهم، شغلهم الصيام والقيام، والذكر على الدوام، والخوف المحرق ~~للأكباد ، ينتظرون الآخرة والقدوم على الله ، قد تهيؤوا للموت والقبر والحساب ~~والميزان والصراط، يخافون النار، ويرجون رحمة الله، متبعين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤون ~~كتاب ربهم، وسنة نبيهم، مشتغلين بالصدق مع مولاهم. # معاشر العقلاء !! أفلا تنتبهون وتستيقظون ? أفكان هؤلاء يشبهون هؤلاء، أو ~~قريبا منهم ? كلا والله، ثم والله لقد ضل هؤلاء الزواكر ضلالا بعيدا، وتاهوا في تيه ~~الضلال والانحراف، بعدوا عن الله وعن أمره، وعن المروءة، فيا ليتهم يأكلون الدنيا ~~بالدين، بل يأكلونها بالمحال والزوكرة، يستخفون العامة والجهال والنساء كما قال ~~الله : ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين) فعليكم PageV01P245 ~~معاشر العقلاء بمجانبة هؤلاء، والبعد عنهم، والمقت لهم، فإنهم ممقوتون، يمقتهم ~~الله من فوق عرشه لمخالفتهم أمره وارتكابهم نهيه ~~واعلموا أن إيمانهم ليس بطائل، لغلبة النفاق على قلوبهم، أشهد بالله الذي لا ~~إله إلا هو، لو رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، أو أمراء ~~الصحابة، أو أمراء بني أمية، وهم على هذه الحال، قوم مكشفة رؤوسهم، يزبدون ~~ويشخرون، وينقرون الصلاة إذا صلوا، ويهربون من القرآن إذا سمعوه، فإذا دخلوا ~~في السماع طربوا ورقصوا يوما إلى الليل ، معهم اكياس الحيات ، يخرجون للناس ~~اللاذن والزعفران، ويؤاخون النسوان والمردان، ويأكلون الحرام - أي شيء جاءهم ~~أكلوه - لا يقولون: هذا حلال، ولا هذا حرام، همتهم بطونهم، أو مليح أو مليحة، ~~يحتفون عليهم، فهم عبيد بطونهم وفروجهم، يرقصون ويأكلون ويشاهدون ~~وينامون، ويدعون أنهم أهل القطع والوصل والتصرف، وأنهم أولياء الله. كذبوا على ~~الله، وابتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، أشهد بالله لو رأؤهم على هذه الحال ~~لدعوهم ms16 إلى الله، فلو امتنعوا لجاهدوهم بالسيوف، لأنهم ظهروا يشعار محدث ~~مبتدع، مم ينزل من السماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي بعض هذا الوصف كفاية، ومن لم يكفه هذا من الكلام لا ينفعه التطويل، ~~ومصنف هذه الأحرف أعرف الناس بهم، قال: كان أبوه من بعض شيوخهم، وربي ~~بينهم ، ثم أنقذه الله تعالى بكرمه منهم ، إلى طرين الحق والسنة، فهو المحمود ~~المشكور على ذلك. ### | فصل # معاشر الإخوان !! اجتنبوا هذا الصنف من الناس، فإنهم دجالون كذابون ~~وعليكم بضحبة المشايخ والفقراء أهل الطريق ، الذين يعرفون دين الله ، وطريقة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهاج أولياء الله، الذين يعرفون تفاصيل الأمر والنهي، ويفهمون عن ~~الله كلامه، ويستمعون إليه في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وقصصه وأخباره، PageV01P246 ~~ويكاشفون في القرآن بمعنى الصفات المقدسة من الهيبة والجلال والإكرام، ~~والفضل والأنعام الذين يدعون الخلق إلى محبة الله عز وجل والقرب منه، وإخلاص ~~العمل له ، والتوكل عليه ، والتعويض إليه ، واتباع السنة المحمدية في الأقوال ~~والأفعال ، والسنن والآداب ، تكتسبون بصحبتهم الخوف من الله عز وجل والرجاء ~~والمحبة له والمحبة لدينه ، فتمتلئ قلوبكم من عظمة الله ومهابته ، والحياء منه ~~والخشية له، أولئك المشايخ والفقراء، هم أولياء الله وحجته على خلقه، وأمناؤه بين ~~عباده ، يدعون إلى معرفته ومحبته والقرب منه، فتفلحوا بصحبتهم كل الفلاح - إن ~~شاء الله تعالى - وتتصل ظواهركم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اتصالا لا انفصال له، وهذا هو ~~حقيقة الفقر إذا سألكم سائل ما الفقر? فقولوا له : اتصال الظاهر بالسنة اتصالا لا ~~انفصال له، واتصال القلب بالله عز وجل اتصالا لا انفصال له ~~ونسأل الله الكريم ألا يجعلنا ممن يكذب علمه عمله، ويخالف قوله فعله، قال ~~تعالي ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) وأن يوفقنا وإياكم إلى ~~المحجة البيضاء، إنه قيوم الأرض والسماء. ### | فصل # ومن علامات صحة طريقة شيخ الفقراء: ~~أن يكون خاشعا في صلاة الفريضة ، يكمل هو أصحابه الركوع والسجود ~~ويجد هو أصحابه لذة الصلاة والتنعم بها. # وأن يجد لذة سماع القرآن ms17 هو وأصحابه ~~وأن يحبوا الفقهاء ويجالسوهم ويسألوهم عن أمور دينهم ~~وأن يعتقدوا أن الحقيقة يجب أن تكون موافقة الشريعة، وكل حقيقة لا توافق ~~الشريعة فهي زندقة، وكل من ادعى أن الحقيقة شيء، والشريعة شيء، وأن صاحب ~~الحقيقة قد صار حرا، ولا يحتاج إلى الشريعة ولا إلى العبودية ، فهو زنديق ضال ~~مضل يجب أن يستتاب كما يستتاب المرتد فان تاب، وإلا ضربت عنقه. # وأن يكون الشيخ أورع الناس، وكل من ادعى أن صاحب الحال لا يضره PageV01P247 ~~الحرام، فهو مبتدع ضال، فلا حال أكمل من حال الصديق رضي الله عنه شرب لبنا ثم سأل ~~عن أصله فلم يرضه، فقام وتقيأه، وأكل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لحم جزور ~~جزره الجزار بعشر منه، ولم يعلماه فقاما فتقيآه، رواه ابن اسحق في السيرة، وفي ~~الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في فم الحسن أوالحسين تمرا من تمر الصدقة وهما ~~دون البلوغ فأخرجها من فم أحدهما، فقال: (كخ كخ، إن الصدقة لا تحل لمحمد، ~~ولا لآل محمد) فإذا كان مثل هؤلاء الكمل يضرهم الحرام والشبهة، فما ظنك بأهل ~~الدعوى والنقص ? ~~أعاذنا الله من سيئات الإجرام ، وموبقات الآثام ، وحققنا بالسنة واتباعها مدي ~~الأيام ، والحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. PageV01P248 ms18