######OpenITI# #META#Header#End# ### | قاعدة مختصرة في طريق الققر على منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم ### || # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر # الحمد لله الذي اختار من خلقه صفوة أرادهم لقربه فأرادوه ~~وأحبهم فأحبوه، فقهروا بذلك النور وساوس النفس ورعوناتها، ~~ونزغات الشياطين وإراداتها. # أقامهم بين يديه في مقام العبودية، وصفهم في مصاف الخدمة، ~~فهم بين يديه أبدا يتنعمون بأنوار مشاهدته، ووظائف خدمته، يعبدونه ~~كأنهم يرونه، ويتلون كلامه كأنهم يسمعون منه، ويقتفون آثار نبيهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ويعكفون على استماع سنته بقلوب حاضرة، وأسماع ~~واعية، ويستعينون بمولاهم على القيام بمأمورات ربهم، والانتهاء ~~بمناهيه. # فلم تزل هذه طريقة تسير بهم، وكان منتهاها أن طهر الله عز وجل ~~فيها بواطنهم عن المحرمات والمكروهات، وكساهم كسوة اتباع ~~المأمورات والطاعات، وكاشف أسرارهم بحقائق المشاهدات. PageV01P023 # وكان شيخهم في هذه الطريقة وإمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعوث ~~إليهم بالرحمة العامة، والكتاب المنزل، الذي فيه موعظة من ربهم ~~وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين ~~فسبحان من وفقهم بفضله لتحقيق المحاسبة في ظواهرهم، ~~وإتقان المراقبة في بواطنهم، فصفاهم له باطنا وظاهرا، فصلحوا ~~لقربه، ومناجاة حضرته : (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون). # وصلوات الله على نبي الهدى وإمام التقى محمد النبي الأمي ~~وآله، وسلم تسليما كثيرا. # وبعد: ~~فإن بعض الإخوان التمس أن أعلق له قاعدة مختصرة في طريق ~~الفقر المحمدي، فأقررت له بقصر العبارة، وقلة البضاعة. # ثم رأيت المسارعة إلى إجابة سؤاله على قدر الإمكان أولى، ~~وبالله المستعان. # اعلم - أيها الأخ وفقنا الله وإياك - أنك إن أردت الفقر ~~المحمدي الصحيح، الذي له أصل ثابت، وفرع شامخ، فعليك بالفقر ~~المحمدي، فإنه مأخوذ من رأس العين، وإياك أن تأخذ الفقر من ~~أسفل، وتترك الشرب من رأس العين، وتشرب من المياه البعيدة ~~عن منبوعها ، التي قد خالطها السباخ المالحة، واصفرت ألوانها لبعد ~~مائها عن منبوعها، فصارت مغايرة للون المنبوع، منحرفة عن سواء ~~السبيل - وأنت تفهم هذا الرمز، لأني شرحته لك مشافهة -. PageV01P024 # فإن أنت سلكت طريقة الفقر المحمدي رجوت أن ms001 تلتحق ~~بالسابقين الأولين، أصحاب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فتحشر يوم القيامة ~~معهم ومعه، تحت سنجقه ولوائه، إذا حشر الفقراء تحت سناجق ~~شيوخهم، فتحشر أنت تحت سنجق نبيك وشيخك محمد صلى الله عليه وسلم. # فعليك بهذه الطريق لا تخرج عنها، وانصح بها من أحببته من ~~إخوانك ليعملوا بها، فإني أرجو بذلك أن تلتحقوا جميعا بشيخكم ~~ونبيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # واعلم أن الفقر المحمدي لا يتسع لكمال شرحه مجلدات، لكني ~~أشرح لك في هذه القاعدة أصوله، فمن وقع على الأصول يرجى له ~~الصعود - بعون الله - إلى الفروع، وبالله التوفيق. ### || الفصل الأول # من الطريقة أن يشتغل قلبك بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتخذه شيخا ~~وإماما، وتعتقد محبته، والانجماع بشؤونك عليه، دون كل أحد، ~~وتكثر الصلاة عليه، وتكون منزلته من قلبك منزلة المشايخ من قلوب ~~الفقراء، ألا تراهم أنهم إذا ذكر شيخ أحدهم يهتز ويضطرب، وذلك ~~لعظمته في قلبه، ومنزلته منه. # فاجعل أنت نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم في قلبك كذلك، بحيث تملك ~~محبته قلبك، ويصير تمثاله بين عيني فؤادك دائما، إذا ذكر تجد لذة ~~ذكره وتعظيمه في قلبك، بخلاف ذكر كل أحد. # فإذا توجهت إليه بهذه الصورة، وأكثرت من الصلاة عليه، PageV01P025 ~~فواظب المواعيد التي تتلى فيها سنته، وأخباره، وسيرته، ومعجزاته ~~وكراماته، كلما سمعت معجزة من معجزاته، مثل انشقاق القمر، ونبع ~~الماء من بين أصابعه، حتى توضأ منه الجيش كلهم، ومثل حنين ~~الجذع إليه، وإطعام النفر الكثير بالطعام القليل، ومثل ما فعل بقتادة بن ~~النعمان حين انقلعت عينه حتى سالت، فردها صلى الله عليه وسلم حتى عادت ~~كما كانت، ومثل اشتكاء البعير إليه، ومثل انفتاق عين تبوك ببركته بعد ~~أن كانت كالشراك ، وغير ذلك من المعجزات. # فكلما سمعت حديثا من أحاديثه، أو معجزة من معجزاته، تبقى ~~كأنك تراه بعين قلبك، فيزداد حبك له، وتعظيمك إياه، واتباعك لهديه ~~وطريقته، فتصير بذلك من أتباعه حقيقة، حيث ترى الناس أتباع زيد ~~وعمرو ، وكذلك كلما سمعت حديثا مرويا عنه صلى الله ms002 عليه وسلم مضمونه الترغيب ~~في أمر أو الحض عليه، أو النهي عن شيء أو الذم له، استعنت بالله، ~~وطالبت نفسك بالعمل بما حضك عليه، واجتناب ما نهاك عنه، وبالله ~~التوفيق. ### || الفصل الثاني # من هذه الطريقة : أن تجدد الوضوء، وتروح إلى مكان خال ~~لا يراك فيه أحد، ثم تجدد التوبة بينك وبين مولاك وخالقك، الذي ~~بعث هذا النبي الكريم، وأنزل عليه الكتاب العزيز، فتكشف رأسك ~~بين يدي مولاك، بعد أن تصلي ركعتين، بحضور، وخشوع، وبكاء، ~~ثم تقول : يا رب جئتك تائبا إليك، راجعا إليك، معتذرا من تقصيري ~~في مخالفتي أمرك، وارتكاب نهيك، من حيث أعلم، ومن حيث PageV01P026 ~~لا أعلم، وها أنا قد كشفت رأسي بين يديك، نادما، مقلعا، عازما ~~على اتباع أمرك، واجتناب نهيك، والعمل بما أنزلته في كتابك على ~~النبي الكريم، نبيي، وشيخي، وأستاذي، ثم تقول الدعاء المشروع ~~فيما رواه البخاري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ~~خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك ~~من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). # فلا تبرح من مكانك حتى يرق قلبك، وتجري دمعتك، ندما ~~وخضوعا، وإذعانا، وانقيادا لمولاك، فذلك علامة الخير، ورجاء ~~قبول التوبة. ### || الفصل الثالث # من هذه الطريقة المحمدية : إذا رجعت إلى منزلك ، احفظ هذه ~~التوبة، وحكم هذا العهد الذي عاهدت. # فإن قلت : فكيف أحفظه? ~~قلت: اعلم أنك عاهدت ربك عز وجل على لزوم طاعته، فحفظ ~~هذا العهد إنما يكون بحفظ اللسان طول النهار ، عن الغيبة، والنميمة، ~~والزور، وكل كلام لا فائدة فيه، فإن الملائكة عن يمينك وشمالك، ~~يكتبون أقوالك وأفعالك، قال الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد). PageV01P027 # وتحفظ عينيك عن النظر إلى النساء الأجانب والصبيان المرد، ~~وتحذر من الاجتماع بهم لغير ضرورة، وإذا كان ضرووة فتحفظ ~~وترمي بنظرك إلى الأرض، وتحفظ قلبك عن الميل، فإن الله عز وجل ~~يعلم ms003 ما في قلبك، فلا تخن الله عز وجل وهو مطلع عليك، يعلم ~~ما في سرك، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجانب ~~وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، ~~والأمرد كذلك، فاجتنب هؤلاء الأصناف، كيلا يوقعوك في نقض ~~العهد الذي عاهدت مع ربك، فتعصي ربك بعد التوبة بزناء العين. # وزناء القلب. # وكذلك تحفظ سمعك عن الفواحش مما تحفظ عنه لسانك، فإن ~~العبد يسأل يوم القيامة عن سمعه وبصره، وما عقد عليه بقلبه. قال لله ~~تعالى : (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا). # فاستعد لمحاسبة ربك بلزوم طاعته، وطهارة جوارحك ~~عن معاصيه ، عساك أن تلقاه بوجه أبيض - وذلك وجه الطائع - وإياك ~~أن تلقاه بوجه أسود - وذلك وجه العاصي - قال الله تعالى: ~~(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه). # وكذلك تحفظ بطنك عن الحرام والشبهات - على قدر ~~الاستطاعة - وتحفظ يديك ورجليك عن البطش والسعي إلى ما ~~حرمه الله، أو كرهه، فحفظ ذلك العهد والتوبة برعاية جوارحك ~~السبع: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل ~~فهذه هي رعاياك، وأنت راعيها، وكل مسؤول عن رعيته PageV01P028 ~~فإذا اتقيت الله عز وجل فيها، من طلوع الشمس إلى غروبها، ~~ومن غروبها إلى طلوعها ، حياء من الله عز وجل المطلع عليك ، العالم ~~بما تتحرك به، وهو سبحانه فوق عرشه، وفوق سبع سماواته، يراك ~~ويعلم سرك ونجواك، وقد أمرك على لسان نبيك ونهاك، والملكان ~~يحفظان عليك ما تصنعه في عمرك، ويكتبانه في الصحائف، فتوافي ~~في يوم القيامة في الموقف، فتنشر عليك تلك الصحائف فيها ~~الأعمال، ثم توزن تلك الأعمال، فتجازى ، فمتى اتقيت الله ~~- كما وصفت لك - كنت حافظا لذلك العهد الذي عاهدت ربك ~~عز وجل به، وكنت من المتقين، قال الله تعالى: (إنما يتقبل الله من ~~المتقين). # واعلم أن الاشتغال بما وصفت لك ، من إقامة حق التقوى ~~والاستعداد للموت والآخرة، ولقاء الله عز وجل، وإصلاح الأوقات ~~والأعمال، رجاء لقاء الله الحق، بوجه أبيض، وهو راض، في شغل ms004 ~~شاغل عن قيل وقال، وتضييع الزمان بما يكتبه عليك الحفظة، ويعود ~~عليك غبه في الآخرة، فاستعن بالله عز وجل وأقبل على آخرتك ~~وعلى ما ينفعك غدا، فإنك - والله ثم والله - تعرض على الله ~~ويسألك عن أعمالك، فاستعد للمسألة جوابا، وشد مئزرك، وانهض ~~نهضة الأكياس المطيعين، ودع عنك ما اشتغل به الناس في زمانك ~~من اشتغال البعض بالبعض، وصرف الزمان في: كان، وصار، وتم ~~وجرى، وأقبل على ما ينفعك غدا. # قال الله تعالى: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية)، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يحشر الناس حفاة عراة غرلا، وفي حديث آخر: PageV01P029 ~~فينظر العبد عن يمينه، فلا يرى إلا ما قدم، وعن شماله، فلا يرى ~~إلا ما قدم، وبين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ~~ولو بشق تمرة، فإن لم يكن، فبكلمة طيبة. ### || الفصل الرابع # من هذه الطريقة في الفقر المحمدي ، أنك إذا صليت الصلوات ~~الخمس تكن حاضرا بقلبك فيها، ولا تعامل ربك وأنت غائب القلب، ~~بل صل صلاة ناصح لمولاه، قد حضر بين يديه بجميعه، فلم يتخلف ~~عن خدمته بشيء منه ، حضر بقلبه ، كما حضر بجسده ، ويعلم المصلي ~~أنه واقف بين يدي ربه، وخالقه، وهو مطلع عليه، ويرى خطراته. # فإذا سمعت المؤذن، فاجعل نفسك كأنك قد سمعت داعي الله، ~~فأجبت داعيه، ثم نهضت مطيعا ممتثلا لأمره، فتوضأت وضوء كاملا ~~ثلاثا، ثم قصدت بيت مولاك مطيعا له، غير ملتفت، ولا مستعجل ~~بل تمشي بالهيبة والسكينة والوقار. # فإذا دخلت المسجد ققل : أستغفر الله، والحمد لله، والصلاة ~~والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ثم تقصد ~~الصف الأول، عن يمين الإمام، أو بقربه، ثم إن حصل لك مكان، ~~فكل ذلك قد وردت فضيلته في السنة، ففي الحديث: إن الله وملاتكته ~~يصلون على ميامن الصفوف، بشرط ألا يؤذي أحدا، فيشتغل قلبه ~~بالزحام. # فإذا وقفت في مصلاك، فاحضر بين يدي رب الأرباب، ورب PageV01P030 ~~العزة، حضور العبد الذليل، بين يدي الرب الجليل ؛ أو ما يستحي ~~العبد ms005 إذا وقف بين يدي والي المدينة أن يقبل عليه بجميعه، ولا يلتفت ~~عنه خشية سوطه أو إهانته، فإذا حضر بين يدي ملك الملوك، وجبار ~~الجبابرة، وسلطان السلاطين ، جعله أقل الناظرين إليه، ففي الناس من ~~يكون في الصلاة، وقلبه في السوق، أو في الحساب، أو في السوق ~~يبيع ويشتري، فمثل هذه الصلاة تسمى : خرجية - كالمتاع الخرجي -. # ومن عامل الله تعالى معاملة خرجية يعامل - كذا - على نحوها، ~~ومن عامل الله بالنصح والحضور والمحبة والتعظيم، كان جزاؤه على ~~قدر ذلك. # ثم تكبر، وتقرأ الفاتحة، وتفهم ما تقول، ثم اركع متواضعا ~~لعظمته، وتسجد كذلك، وإذا قرأت التحيات تسلم على ربك ~~عز وجل، وعلى نبيك صلى الله عليه وسلم، وعلى الصالحين، فتكون عند ذكرهم ~~وعند الدعاء في آخر الصلاة. # ورد في الأخبار : (أن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحجاب ~~بينه وبينه، وواجهه بوجهه الكريم، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى ~~الهوي، فيصلون بصلاته، ويؤمنون على دعائه، وينادي مناد: لو يعلم ~~المصلي من يناجي ما التفت. وفي رواية: ما انفتل). # وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه : إذا وقف العبد في ~~الصلاة ، يقول الله تعالى : ارفعوا الحجاب بيني وبين عبدي ، فإذا ~~التفت، يقول : ارخوا فيما بيني وبينه، وخلوا عبدي وما اختار ~~لنفسه. PageV01P031 # واعلم بأن كل من كان له حال مع الله تعالى، فإنه يظهر في ~~الصلاة، من كان حاله الخوف ظهر في الصلاة، أو الحب، أو القرب ~~أو الاتصال ، أو الشهود، أو المحاضرة، فإنه يظهر في الصلاة، فإن ~~الصلاة صلة. ومن علبت عليه الوساوس في الصلاة، فلا حال له. # واعلم أن في زمانك هذا تحضر القلوب عند سماع القصائد، ~~وتظهر الأحوال في أوقات الحضور بين يدي الرب عز وجل في الصلاة ~~التي هي أقرب ما يكون فيها العبد من ربه، تروح القلوب وتستولي عليها ~~الوساوس والهواجس، فهذا علامة الفقر الفاسد. قال صلى الله عليه وسلم : أقرب ~~ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا، فإذا كان العبد في أقرب ~~المواطن - وهي الصلاة - بعيدا محجوبا ms006 فترى يحضر قلبه في السوق ? ~~فلذلك قيل : من غلبت عليه الوساوس في الصلاة لا حال له ، لأنه ~~محجوب في أقرب المواطن، فكيف يكون حاله في أبعدها ? ### || الفصل الخامس # من هذه الطريقة المحمدية : أن يعمل على براءة الذمة من ~~الحقوق اللازمة، والديون والودائع، وصداق الزوجات ونفقاتهن، ~~وتحالل من كان بينك وبينه ظلامة، وتذكر من كان له في ذمتك حبة ~~أو قيراط، فتعمل على الخلاص منه كيف أمكن، فإنك قادم على ربك ~~لا محالة، وهو محاسبك على ذلك، فاعمل على أن تلقاه وذمتك ~~مخلصة، والخلاص في الدنيا أهون من الآخرة، ففي الحديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا حضرت الجنازة، قال : هل على ~~صاحبكم دين ? فإن قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم. PageV01P032 # ومن ذلك أن تنصح للمسلمين في المعاملة، والبيع والشراء، ~~فتحب لأخيك المسلم ما تحبه لنفسك، وإياك أن تأخذ الراجح وتعطيه ~~الناقص، قال الله تعالى : (ويل للمطففين لليعم إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ~~ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين). # وفي الجملة: فتهيأ للقاء الله عز وجل بكل ممكن، مستعينا بالله ~~عز وجل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### || الفصل السادس # القيام بحقوق الخلق، فإن الدين شطران: ~~أحدهما : حق تقوم به لله تعالى. # والثاني: حق تقوم به للخلق، وخصوصا للإخوان المحبين ~~الذين يطلبون ما تطلب، ويريدون ما تريد، يحبون العمل على بياض ~~الوجه مع الله تعالى في الدار الآخرة، وعلى بياض الوجه مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # فبياض الوجه مع الله تعالى إنما يكون باتباع أمره، ~~واجتناب نهيه، وجملته اتباع الشرع، فلا يتحرك العبد حركة ~~إلا بالشرع. # وبياض الوجه مع محمد صلى الله عليه وسلم يكون باتباع السنة، والحرص على ~~سماعها، والعمل بها. PageV01P033 # فمن كان مطلبه هذا المطلب، وصحبك للتعاضد والتعاون على ~~البر والتقوى، كما قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوي) ~~فاصحبه بالرحمة والنصيحة، والإيثار بما يفضل عنك إذا كان ~~محتاجا، وإذا رأيت ms007 منه تقصيرا فانصحه بالتقصير لا بالتعنيف، واحلم ~~عنه في أوقات، وطالبه بالرفق في أوقات، وامزج حموضة أمرك له ~~بحلاوة لطفك به، وكن له كالوالد، أو كالأخ الشفيق، تحب له ~~ما تحب لنفسك، ولا تطالبه بحظك، مل تطالبه بحقوق الله تعالى، ~~ففي الحديث : ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، وكان إذا انتهكت ~~المحارم لم يقم لغضبه شيء. # وجره إلى الحق قليلا قليلا، فإن النفوس آبية تحتاج إلى الرفق، ~~و لا تنتظر نتوجه، واعمل على قطع منه، واصحبه لله عز وجل لا لحظ ~~تناله منه . # واعلم أن هذا الصاحب إذا وقعت منه إساءة فهي على ~~قسمين: ~~القسم الأول: أن تكون وقعت على وجه السهو والغفلة والخطأ ~~والجهل، وعلامته: أنه إذا وقع يكون مسترشدا طالب الهدى، يتعلم ~~الطريق إلى محوها، فمثل هذا يطالب بالرفق، فإذا اعتذر قبلت ~~معذرته، ولم تنقطع مادته من القلب. # القسم الثاني : أن يسفه المريد على شيخه تعمدا، ويناديه بغليظ ~~القول، ويذكر عيوبه ومناقصه بحذاه ووراءه، ثم يعود فيعتذر ويكف، ~~فحكم هذا أن تقبل منه المعذرة ظاهرا، ولا يقطع السلام، ولا يصحب PageV01P034 ~~بعدها، فإن عقوق المريد بين الفقراء لا توبة لها، لأن تلك اللطيفة ~~القلبية ، التي كانت تعمل على تربيته ، ويصل منها النصيب الإلهي إليه ~~انقطعت، لأن النصيب إنما يصل إلى المريد إذا كان معظما لشيخه ~~يهابه ، ويحترمه، ويحبه. # إذا جفاه شيخه لا يذكره بسوء، بل يعرض عن ذلك أياما ~~ثم يعود وهو حافظ لحرمته ومنزلته من صدره، فمتى ما جاء شيخه ~~غليظ القول، دل ذلك على سقوط منزلة الشيخ من قلبه، فتنقطع المادة ~~الباطنة ، وتبقى المادة الظاهرة الإسلامية ، فإننا نهينا عن التقاطع ~~والتهاجر، ومثل هذا لا ينبغي أن يصحب، بل يعطى حقه ~~ويكتفى شره. # وينبغي للفقير أن يصحب الفقراء بالعزة والتعظيم، والحرمة ~~والإيثار والتواضع، ويصحب الأغنياء بالغنى عنهم، وعما في أيديهم ~~ويجعل الطلب لهم لا له، فإذا طلبوه وأحبوه لله عز وجل أجابهم، ~~و لا يشبع من طعامهم، على موائدهم، بل يأكل لحفظ قلوبهم، فيكون ~~أكله ms008 لحقهم، لا لحظه. # ويعمل على السكوت عندهم، فإذا كلموه أجابهم على قدر ~~سؤالهم. ويطالبهم مطالبة الأصحاب، ولا ينزلهم من قلبه منزلة ~~المريدين، فيحاققهم على الدقائق، فلكل مرتبة حق وجد، ولكل رجل ~~ميزان يوزن به، فلا ينبغي أن توضع الأشياء إلا في مواضعها، فبذلك ~~تستقيم الأمور. PageV01P035 ### || الفصل السابع # ومن رمى عليك شره، أو طالبك بأمر لا يليق، لقصور فهمه، ~~وخفت تغير قلبه، فداره مداراة بطيب الكلام، والفراغ عنه، لكي تسلم ~~من شره، ولا تقع فيما تكره. # والفرق بين المداراة والمداهنة : أن المداراة هي أن تظهر خلاف ~~ما تضمر لاكتفاء الشر، وحفظ الوقت. # والمداهنة: إظهار ذلك لطلب الحظوظ، والنصيب من الدنيا. # وربما أشبهت المداراة المكر في بعض الوجوه، وهي محمودة ~~على كل حال ، لأن فيها السلامة. # وفي المحاققة مع من لا يسمع أو لا يفهم الشر كله، فمكر ~~تحصل به السلامة، خير من محاققة تفضي إلى شر. # فائدة: ~~لا تحاقق إلا من كان صادقا فيك، يطلب منك أن تحاققه ~~فأما من يرى نفسه عليك، فإياك ومحاققته، بل داره، وأعرض عنه. ### || الفصل الثامن # لا تصحب من الناس من لا يطلب مطلبك، ولا يريد مرادك، ~~ويستخف بالفقراء ويستهين بهم، ولا تصحب المنان الذي يمن عليك ~~برفقته وخدمته وإيثاره، فكل هؤلاء لا خير في صحبتهم. PageV01P036 # واعلم أن الناس يقولون : الفقراء الفقراء، وما يدرون ما حقيقته، ~~ولا ما بدايته، ولا ما نهايته، ولا يعرف الفقر إلا أهله. # وأنا ذاكر لك من بدايات الفقر نكتة واحدة، فإذا عرفتها عرفت ~~عزة الفقر، وعرفت نهاية الققر. # من دخل في ميدان الفقر ، ولا يقدر أن يدخله إلا بعد الفراغ من ~~القيام بالأمر، واجتناب النهي الظاهر، فأول حالهم بعد ذلك أن ~~يحفظوا خواطرهم مع الله عز وجل كما يحفظ المتقي لسانه وسمعه ~~وعينه، فما ظنك برجل تمر في قلبه خطرة لا ترضي مولاه إلا تاب ~~منها. # ومنهم من استقام قلبه، وصلحت خواطره، فلا يخطر له - غالبا - ~~إلا خاطر حق، وهم الأولياء يستحون من الله عز وجل أن يخطر ~~بقلوبهم محرم أو ms009 معارضة، لأنهم موقنون بنظره وعلمه، فإذا كنا ~~ما وصلنا إلى هذا - ونحن من البدايات - كيف لا نستحي من دعوى ~~الفقر. # وأذكر لك نكتة أخرى من نكت الفقراء في بداياتهم - أول ~~بداياتهم - بعد إقامة الأمر واجتناب النهي، وحفظ الخواطر، تبدو ~~على قلوبهم إرادة الحق عز وجل وطلبه، فتشتعل نار الإرادة في ~~قلوبهم طلبا للحق عز وجل فتخلو قلوبهم من مطالب الدنيا ~~ومآربها، وتبقى فارغة من سوى مطلوبها، فإذا كنا ما وصلنا إلى هنا، ~~وهو من البدايات ، كيف تصح لنا دعوى الفقر? وما شممنا لبداياته ~~رائحة. PageV01P037 # وأما أمور الفقراء الواصلين، فلا يتسع هذا الموضع لشرح ~~حالهم، لأن مقصودنا الاقتصار، والقلوب تضيق عن سماع بداياتهم، ~~فكيف يكون حالها في سماع نهاياتهم ? ~~والواجب علينا أن نبكي على أنفسنا حيث قد ابتلينا اليوم بطوائف ~~شغلهم أكل الحرام؛ من الملبوس والمظالم، والحلال عندهم ~~ما وجدوه، والحرام ما فقدوه، ويدورون طول نهارهم على لقمة ~~يحصلونها، أو صورة يتمتعون بالنظر إليها، ويظهرون الأحوال، يتأكلون ~~بها عند الناس، ولهم مع ذلك الدعاوى العريضة، وما شموا رائحة ~~الإسلام الخاص في الظاهر، ولا رائحة الإيمان النافذ في الباطن ~~يقيمون السماعات ويرقصون عليها طول الليل، فإذا صلوا نقروا ~~نقر الغراب، فما أبعدهم عن الله عز وجل. # يتباهون بالدخول على الأمراء، وأخذ فتوحهم - نسأل الله أن ~~يبعدهم عنا - فهؤلاء قطاع الطريق ، قطعهم لطريق الله أصعب من ~~لصوص الطرقات، فإن اللصوص يأخذون المال، وهؤلاء لا يراهم ~~الجاهل، فيظن أن هذا هو الفقر، وهو الدين، فيقطعون عليه الطريق، ~~فشغلهم أكل أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، طهر الله ~~الأرض منهم، وطمس آثارهم، فلقد وسخوا الفقر وسودوا الدين، ~~وهذا هو النفاق حقيقة، أن يظهر الإنسان الحال بلا حقيقة، ليتأكل به. # ورضي الله عن أهل الخشية، والخوف، والتعظيم، والمراقبة، ~~ومعرفة السنة، والمتابعة، المستورين، الذين يعرفهم الله ويعرفونه، ~~أولئك أهل الحضرة الإلهية، والنفحات القدسية، سلام الله عليهم. PageV01P038 # فنسأل الله الكريم أن يوفقنا - وإياكم - لما يحبه ويرضاه ~~ويجنبنا - وإياكم - عما يكرهه ويسخطه، ولا يرضاه، آمين. ### || الفصل التاسع # وعلامة ms010 أهل الفقر المحمدي، أنهم إذا سمعوا القرآن طربوا إليه، ~~وتجلى فيه المتكلم - سبحانه - بصفاته المقدسة على قلوبهم. # يا عجبا لمن يدعي محبة الله تعالى، ولا يجد قلبه عند سماع ~~كلام الحبيب، ويجد قلبه عند سماع القصائد والتصفيق! # أما المحبون لله عز وجل سماع القرآن هو شفاء صدورهم، ~~وراحة أسرارهم، يحضر فيه المتكلم - سبحانه - يشاهدونه في كلامه ~~في أمره ونهيه، في وعده ووعيده، وقصصه وأخباره، ومواعظه ~~وأنبائه، فترق قلوبهم، وتنجذب بالمحبة والشوق أرواحهم، وتخمد ~~صفات نفوسهم، تقهرها عظمة المتكلم - سبحانه - وتجذب قلوبهم ~~بالمحبة لمشاهدة رحمته وألطافه، وجلاله وإكرامه. # و لا تسمع قول من يقول : إن القرآن لا يناسب طباع البشر، ~~فلذلك لا تجد الوجد في سماعه، والشعر يناسب البشر، فلذلك ترق ~~القلوب فيه، فإن هذا كلام فاسد، لا حقيقة له، وذلك لأن الشعر ~~يحرك الطباع بأوزانه، خصوصا إذا قاله صاحب نغمة طيبة، كالرست ~~والرهوي، وغيرهما، وانضاف إليه التصفيق، وكان هناك قوم ~~يرقصون، فمثل هذا يحرك الأطفال والبهائم، بمقتضى الطبع والجبلة ~~لا بمقتضى الإيمان واليقين. PageV01P039 # أما أهل الإيمان واليقين، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم، ~~من أتباعهم بإحسان ، يحرك القرآن عندهم ما سكن من اليقين، فيكون ~~حركة قلوبهم وخشوعهم ووجدهم. واقشعرار جلودهم ولينها إنما ~~هو بحكم اليقين والمعرفة، لا بحكم الطباع والجبلة، فافهم هذا الأمر ~~واعرفه. # قال الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر ~~منه جلود ألذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله). # فارفضوا - رحمكم الله - سماع الأبيات، وعليكم بسماع ~~الآيات، فإن فقدتم قلوبكم في القرآن، فاتهموها بقلة النصيب، من ~~معرفة المتكلم، فأعرف الناس بالله عز وجل أخشعهم عند سماع ~~كلامه، لأنه سمع كلام من يعرفه، والجاهل بالله يجد قلبه في الشعر، ~~لجهله بالله عز وجل، ولا يجده عند قراءة القرآن، لأنه لا يعرف ~~صاحبه، فإذا عملتم سماعا، فاعملوه بقارئ متق لله، طيب الصوت، ~~تشبهوا بذلك أصحاب نبيكم صلى الله عليه وسلم. # تمت القاعدة بحمد الله تعالى وحسن توفيقه، والحمد لله وحده، ~~وصلى ms011 الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل. PageV01P040 ### | قاعدة في صفة العبودية ### || # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله الذي خضعت لهيبته قلوب الأولياء، وخشعت من مهابته ~~أسرار الأصفياء، وانقادت إلى عبوديته أعناق الأتقياء، سبحانه وتعالى ~~هو المتعزز بالوحدانية والكبرياء، والمتعال بعظمته والصفات المقدسة ~~الواردة على ألسن الأنبياء. # أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، رب السموات ~~والأرض، وما بينهما من الأشياء، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ~~ورسوله، سيد ولد آدم من الأموات والأحياء، صلى الله عليه وسلم ~~صلاة دائمة تسمو بصاحبها إلى العلياء . # وبعد: ~~فإن العبودية من أعلى مقامات الصديقين، والتواضع لعظمة الله ~~تعالى من أسنى ملابس المقربين ، من ظهرت آثارهما عليه ، دل ذلك ~~على وجدانه وعرفانه، ومن لم يتقمص بهما، فقد أقر بما يظهر عليه ~~من صفات الطبيعة، ببعده وهوانه. # لا حال للعبد أشرف من ظهوره بصفات العبودية، والارتضاء ~~لأحكام الربوبية. PageV01P041 # من تعدى صفته إلى ما لا تستحقه من الصفات ، أبان عن جهله ~~وحمقه، ومن وقف على ما يقتضيه حاله من صفاته وحدوده أنصف في ~~عبوديته وحقه. # وكيف لا ? والعجز والضعف صفتاه، والفقر والذل حالتاه، قد ~~اتصف ربه بأضدادهما من الصفات، من القدرة والقوة، والغنى ~~والعزة، فمن أظهر إلى الله تعالى عجزه، وشكا إليه ضعفه وفقره، ~~وتقمص ذله وكسره، فكأنه تسمى بأسمائه التي يستحقها، وتكنى بكناه ~~التي بها ظهر للخليقة رقها، لأنهم مربوبون، وبعزة الربوبية مقهورون ~~فذلك سيماء من عرف ربه فقدرها قدرها، وعرف ربه فقدره قدره. # قال الله تعالى : (وما قدروا الله حق قدره) . # وقد جاء في بعض الأخبار : أن الملائكة يقولون يوم القيامة: ~~سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، وقد جاء في بعض الآثار: أن الله ~~تعالى قال لداود عليه السلام : يا داود ، اعرفني واعرف نفسك ~~قال: يا رب قد عرفت نفسي بالعجز والضعف والفناء، وعرفتك ~~بالقدرة والقوة والبقاء، قال الله تعالى: يا داود الآن عرفتني، أو نحو ~~ذلك. # فعلى العبد أن يلازم صفاته، ويعرف نفسه بها، ولا ms012 يتعداها ~~فيكون من الجاهلين، وربما أداه ذلك إلى قلب الحقائق، فيكون من ~~الفراعنة الملحدين ، نسأل الله أن يعصمنا من ذلك وإياكم أجمعين. # وقد جاء في الحديث: أسألك إيمانا يباشر قلبي، فعلامة من ~~باشر الإيمان قلبه، وهو عبارة عن معرفته لربه سبحانه وتعالى، بأفعاله PageV01P042 ~~أو بشيء من أسمائه، أو بلوامع من آثار أنوار صفاته، أو ببارقة تلوح ~~لقلبه، من عظمة ذاته. # هذه جمل المعارف، وإن تعددت أقسامها، وتنوعت درجاتها، ~~جعلنا الله وإياكم من المتحققين بذلك، القائمين بأحكامها. آمين يا رب ~~العالمين. ### || فصل # وينكسر لهذا العارف قلبه لربه، ويذل سره لما قام به من حبه، ~~فإن المعرفة تقتضي المحبة في هذا الشأن، وإن كان لا يلزم منها ~~المحبة في غيرها من الأكوان. # فقد يعرف الإنسان الشيء ولا يحبه، وأما هذا الجناب، ~~فلا يتصور أن يعرف منه شيء إلا وتقترن به المحبة، وإن كان من ~~الصفات القهرية، فإن لها تعلقا باطنا بالصفات اللطيفة الموجبة ~~للمحبة. # فمتى تحقق القلب بوجوده لشيء من هذه المعارف، أعطاه ذلك ~~ذبولا وانكسارا، وتعظيما وافتقارا، هذا إذا لاح للقلب تفصيله على ~~ما ذكر من الأفعال والأسماء والصفات، فإن ذلك يقتضي في القلوب ~~الصافية ، والأذهان الصقيلة الوفية تعظيم المعروف ، لإشراق معارفه ~~في أنوار القلوب ، وتلوح في تلك الأنوار ما يستحقه العبد بمقتضى ~~تلك المعرفة ، من العبودية ، التي تطالبه تلك المعرفة بها، فيفرق في ~~ذلك النور بين صفات ربه، وصفات نفسه، فيعطي الربوبية حقها PageV01P043 ~~- بحسب إمكانه - ويعطي العبودية حقها - بحسب ما قام له من ~~برهانه - (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) . ### || فصل # إذا تأمل المتأمل أسماء الله وصفاته الواردة في التنزيل، وفيما ~~أبان عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، يجد كل اسم وصفة يشير إلى معنى خاص قام ~~بالربوبية، واقتضى ذلك للعارف ذوقا خاصا يعرف به المسمى بذلك ~~الاسم، المتصف بتلك [الصفة]، فكان ذلك الاسم أو الصفة طاقة ~~للعارف يدخل منها إلى جميع المعارف، فيأخذ من كل اسم أو صفة ~~بقدر ما يلزم من تلك الصفة ، أو ms013 الاسم من جميع الأسماء والصفات، ~~وتأخذ بقدر ما يرتبط بين ما عرفه من الأسماء والصفات، وبين بقية ~~الأسماء والصفات، على حد قسم الله له. # مثاله : من عرف ربه تعالى بالاسم : العليم، لزمه من العليم ~~الحياة ، أو من عرفه بالتدبير : لزمه من التدبير العلم والمشيئة، والبصر ~~والقوة والحكمة والرزق والرحمة والقدرة، وأمثال ذلك. # أو من عرفه بصفة الكلام : لزم منه الخبير العليم الحي الموعد ~~المخوف الجليل الجميل، أو عرفه بالاسم المنتقم : لزم منه القادر ~~القاهر الحي الديان، وأمثال ذلك. # وأيضا فإن المعروف بتلك الصفة أو الاسم، هو المعروف ببقية ~~الصفات والأسماء، فإذن كل اسم يسمى الله به، أو صفة اتصف بها، ~~باب إلى صفة الموصوف، وطريق إلى محبة المعروف، ومرقاة إلى PageV01P044 ~~معرفة غيره من الأسماء والصفات، إما بطريق اللزوم، أو بطريق ~~الجمع الجامع للجميع. ### || فصل # إذا علم ذلك، فإن كل اسم أو صفة تقتضي معنى خاصا قام ~~بالربوبية ، كل معنى من مدلولات الأسماء والصفات غير الآخر ~~فكذلك يقتضي كل اسم أو صفة بمعناه الخاص عبودية خاصة من ~~العبيد، الذين عرفوا ربهم بذلك. # فمن عرف ربه تعالى بشيء من أسمائه أو صفاته أو أفعاله ~~فعلامة صحة معرفته وبرهانها ، أن يعبد الله تعالى الذي عرفه من ذلك ~~الاسم الخاص، والصفة الخاصة، عبودية تناسب مقتضى السبب ~~الموجب للمعرفة. # مثال ذلك: الرب سبحانه وتعالى اتصف بالغني القادر، العزيز ~~القوي، فعلامة من عرفه بصفة الغني أن يقوم له قلبه بحقيقة الافتقار، ~~فإن صفة الغني منه - سبحانه وتعالى - اقتضت - هنا - أن نعبده ~~بالافتقار إليه، وكذلك من عرف ربه - سبحانه - بصفة القدرة اقتضت ~~منا هذه المعرفة عبودية خاصة تناسبها، وهي صفة العجز، وكذلك ~~صفة العزة اقتضت منا أن نعبده بصفة الذل لعزته، والخضوع ~~لأحكامه، وكذلك صفة القدرة منه اقتضت منا أن نعبده بصفة الضعف ~~والاستعانة بالقوي لهذا الضعيف، وأمثال ذلك. PageV01P045 ### || فصل # قد تبين فيما تقدم، أن المعرفة الصحيحة، توجب عبودية ~~وخضوعا من كل عارف صحت معرفته، فبرهان المعرفة: العبودية ~~وبرهان المحبة: المذلة، فإن كل محب ذليل لمن أحبه، ms014 وهذا لا يكون ~~إلا فيمن تفصلت معرفته على التفاصيل الشرعية وشعر فلبه بوجوه ~~التفصيل ، ومتى شعر القلب بوجوه التفصيل صار للمعرفة هيمنة على ~~القلب، تحكم عليه بالعبودية الخاصة، بمقتضى الأمر المعروف ~~فيعبد الله بتلك العبودية الخاصة، في مقابلة ما ظهر لقلبه من المعارف، ~~وشعر قلبه - أيضا - بتلك العبودية، وأنه يعامل الله عز وجل به ~~ومن فتح الله عليه هذا الباب، وتحقق به، ودام له، واتصل ~~بالعبودية سره، كان بريئا من رعونات النفس - في غالب الأمر ~~وأكثره - محفوظا من نزغات الشيطان ، وحركات الجبابرة ~~والمتكبرين، بل يلوح عليه سيماء العابدين، الذين يعبدون ربهم ~~بجوارحهم وقلوبهم في العالم، فإن من خصوصية المعارف ~~الصحيحة المفصلة على التفاصيل الإسلامية أن تتصرف في نفس ~~العارف، فتذوبها وتصفيها، وتلطفها وتحميها، فتبقى حارة لطيفة، بعد ~~أن كانت بحكم الطبع باردة يابسة، فيلوح على شمائل العارف مكارم ~~الأخلاق، وظرافة الشيم والصفات، حيث صار له رب في قلبه يعرفه ~~ويحبه ويعبده ويألهه، فنفسه خاضعة لسلطانه، مأسورة في قبضته، ~~وروحه مغمورة في حضرته، وسره ممتع بمشاهدته. PageV01P046 # ومن سكنت هذه الأحوال الشريفة في باطنه ، بقيت نفسه أسيرة ~~حقيرة ، مضبوطة عن صفات المتجبرين ، محفوظة عن مخروم ~~الحركات، موزونة بالعدل، تلطفت غلظته، وتهذبت قسوته، واعتدل ~~جوره، والتزم العدل في أموره، إن تحرك تحرك عدلا، وإن نطق نطق ~~حكمة وفضلا، أو صمت صمت فكرة وحلما، أو نظر نظر عبرة ~~وحقا، أو سمع سمع إشارة وحكما، وذلك لأن عقله تصرف في نفسه ~~تصرف المؤدب لطفله، وعقله تأيد بربه، واتصل بنور قربه، فالقلب ~~منه في اتصاله بربه متصل بتهذيبه لنفسه، فهو قائم بربه على همه ~~وعقله، وقائم بهمه وقلبه على نفسه، وهذه هي العناية لأهل العناية، ~~المتوطنين مقامات أهل الولاية، و(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم). ### || فصل # وهؤلاء قسمان: قسم أهل فناء، وقسم أهل تمكين وبقاء ~~فغالب ما يظهر على أهل الفناء من الانقباض والانفراد، ومجانبة ~~المعارف والناس ، وإهمال بعض حقوقهم؛ من البداية بالسلام، ~~وإظهار التودد إلى أهل الإيمان، والإخلال ببعض جزئيات المتابعة، ms015 ~~من إجابة الدعوة، واتباع الجنائز، ومخالطة الخلق، فما سببه ~~إلا اجتماعهم على حالهم، وسياستهم أنفسهم بما يلزمهم من ~~حقوق معروفهم، فالحال على هؤلاء بسلطنة تقبضهم عن كثير من ~~التفرقات. # وفيهم من يشهد بقلبه انحراف كل منحرف، وما قام بقلبه من PageV01P047 ~~سوء الطويات، وجرائم الآفات، فيهرب بقلبه من تلك الظلمات، فإن ~~عنده ما يشغله عن غيره، ولا يتسع للأغيار، ولا يقوى على مقاومة ~~الأسرار، وذلك لا يقدح في مقامه، وإن كان غيره أكمل منه، ~~لا تساعه، ومثل هذا لا ينشرح إلا لمحب صادق، يميل المحب بقلبه ~~إليه، فيشهد ذلك من باطنه، فيوفيه حق محبته، بالإقبال عليه ~~والإصغاء إليه، وإن وجد هناك استعدادا نصحه، وإلا وفاه حقه ~~وأمسك. # هؤلاء لم يكلفوا غير ذلك، ومتى تكلفوا ما لا يكلفون، تحملوا ~~ما لا يطيقون (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). # القسم الآخرون : الأطباء أهل التمكين والولاية، والبقاء ~~والدراية، أفناهم الله تعالى به، ثم أبقاهم، فكانوا به، فهم الأدلاء ~~لخلقه عليه، والمعالجون لهم في إصلاح أمراضهم ~~هؤلاء كلفوا مخالطة الخلق لقوتهم وتمكينهم، وهم القائمون ~~بجزئيات المتابعة، جملها وتفصيلها، لتصرفهم في أحوالهم، يقومون ~~بأعباء الخليقة، دقها وجلها، يسوسونهم، ويصدونهم عن الباطل. # بسوط الشريعة وحكمها، فهم خلفاء الرسل وأمناؤهم، فلهؤلاء كلفوا ~~ما لم يكلف الأولون، ومن حمل أولئك ما حمله هؤلاء فقد ظلمهم ~~وجهل استعدادهم، (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، ~~وبالله المستعان. PageV01P048 ### || فصل # قد تبين أحوال أهل الحق، ذوي المشارب الصحيحة، والمشاهد ~~العالية المنيرة المفصلة على التفاصيل الشرعية وكونها انقسموا إلى ~~أهل فناء وبقاء، وتبين حكم ما يخص كل فريق منهم، وما هو ~~وظيفته. # وأما الآفات الداخلة على العباد ، أهل الأذواق المجملة ، الذين ~~لا بصيرة لهم في دينهم، ولا معرفة لهم بأحوالهم، ولا ميزان لهم ~~يزنون به حركاتهم وسكناتهم، فهم في حيرة يعمهون، وخبط يتعثرون، ~~فهي أكثر من أن تحصر، لكن نذكر منها أشياء تكون تبصرة واعتبارا، ~~يستدل بها على غيرها من الآفات، وبالله المستعان. # فمنهم من تكون طريقته العبادة، فينازله أحيانا في عبادته شيء من ~~آثار ms016 العظمة الإلهية ، مجملا غير مفصل على تفاصيل الأسماء ~~والصفات، ويتفق أن يكون بليدا لا فطنة له، غليظا لا لطافة له، قوي ~~النفس والطبع، لهما التصرف فيه على عقله وقلبه، فيصبغ قلبه الأمر، ~~فيغيب عن صفات نفسه وشؤونها، وتسلب النفس ذلك الأثر، فتجعله ~~لها، فيظهر هو في مظهر الجبروت والعظمة، وتلوح عليه أمارات ~~الكبرياء والرياسة، فيمشي بين العالم [و]الناس بنفس كبيرة، وصولة ~~جسيمة، ويتردى برداء الكبر والتيه، ويتسلط على أشكاله بالغلظ، مع ~~ما هو فيه، يأمرهم وينهاهم، والنخوة في رأسه، والقسوة في قلبه، ~~والشر في أحداقه، يريد الخير، فيقع في الشر، ويقصد العدل فيهبط ~~في الجور، والظلم هواه، قائده لا عقل له، كأنه ثعبان يرديه في آبار PageV01P049 ~~المهالك والمعاطب، حسود لا يفطن بحسده ، متكبر لا يشعر بكبره، ~~أعمى بقلبه وبصيرته، لا ريب قد اتصف بصفات غيره ، من الكبر ~~والعلو. # وقد جاء في الحديث عن الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة ~~إزاري - فمن نازعني أحدهما أدخلته ناري. # فمثل هذا يكون أصحابه معه في جهد جهيد، وعناء شديد، ينزل ~~على رؤوسهم من أعلى المقامات، ويروم أن يتصرف فيهم، فيكون ~~إليه الإشارات في جميع الحالات، كلما امتلأ كبرا، وكلما ازداد قوة ~~ازداد حالا وامتلأ شرا. # وأهل الله الصفوة على عكس من ذلك، كلما امتلؤوا حالا، ~~اكتسبوا تواضعا، وكلما ازدادوا قوة، ازدادوا شكرا ~~فانظر - رحمك الله - إلى صاحب الحال المفصل ونوره وكونه ~~شعر فلبه بحاله، وشعر - أيضا - بعبوديته المناسبة، لما ظهر في قلبه ~~فعرف ربه، فقام بحقه، وعرف تفسه فأنزلها منزلة من صفات ~~المخلوقين، فعين قلبه ناظرة إلى ربه، خاضعة له، تظهر عليه كسرة ~~الخضوع، وذلة العبودية، وإن كان عزيزا في نفسه، مهيبا بين أبناء ~~جنسه . # فانظر - رحمك الله - إلى صاحب الحال المجمل، وقلة نصيبه ~~من شعوره بربه، وجهله بصفته، وجهله - أيضا - بنفسه وصفتها، ~~وما يجب عليها في العبودية، من قيامها بعبوديته، ومن كونه اتصف ~~بما ظهر لقلبه من العظمة والجبروت، فظهر بما لا يملكه، ففاض عليه PageV01P050 ~~من الأخلاق الملائمة لجهله، من الصولة، والنخوة، والطيش، ~~والحلم ms017 من الله الكريم، والإمهال لهذا العبد الجاهل العديم، ~~يخسف به الأرض كما خسف بقارون، حيث قال : (قال إنما أوتيته ~~على علم عندي) وخرج على قومه في زينته، ولم يخرج في أثواب ~~ذلته وتواضعه، ف (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما ~~أوتي- قارون)، (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ~~آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره ~~الأرض)عوقب بنقيض قصده، طلب العلو، فهوى ~~به طلبه إلى تخوم الأرض. # ولذلك جاء في الحديث : بينا رجل يمشي، إذ عجب بنفسه في ~~حلة يتبختر فيها، فخسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم ~~القيامة، أو نحو هذا. # فنسأل الله العظيم أن يكسينا أثواب العبودية، والتعظيم لمالك ~~البرية، ويوفقنا على ذل نفسنا، وعزة ربنا، معبودنا، إنه أرحم ~~الراحمين، وأكرم الأكرمين، آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله ~~على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P051 ### | قاعدة في الحب في الله حقيقة # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحب في الله: التآلف والتجانب في مشهد الروح، وذلك ~~لا يكون إلا بأن يذوق كل من المتحابين نصيبا من المحبة الخاصة بعد ~~تحقيق مشهد القلب، من الإيمان بالغيب، ووجود آثار الصفات من ~~الفوقية، والكلام، والعظمة، والجلال، وغير ذلك. # ومتى تألفت القلوب في مشهد من المشاهد كان حبا في الله ~~حقيقة، وأعلاه: التألف في مشاهد الروح، من المحبة الخاصة، ~~المشيرة إلى جمال حضرة الذات وكمالها، وهو ما يستغرق الروح حبا ~~وانجذابا وتعظيما ونصحا في المعاملة الخاصة، وائتمارا في الأمر ~~واجتتابا عن النهي، وغير ذلك. # إذا علم ذلك وأمكن وجود التعارف في ذلك المشهد الخاص ~~ووجود الرابطة في ذلك بين القلوب والأرواح، فمن وجد التآلف ~~والتعارف في ذلك المعنى الخاص بينه وبين الصديقين المعروفين ~~المنسوبين إلى المحبة والخصوصية ، مثل : الجنيد وأقرانه القائمين ~~بحقيقة هذا الفن، وصار يحبهم حقيقة ويأنس بذكرهم لوجود المناسبة ~~بينهم وبينه، فذلك من أعلى أقسام التحاب في الله الموجب لمحبة الله PageV01P052 ~~لعبده ، كما قال رسول الله صلى الله ms018 عليه وسلم مخبرا عن ربه تعالى : حقت محبتي ~~للمتحابين في، وربما يتاله في الدنيا قبل الآخرة نصيب من إظلالهم ~~في ظل العرش، فإن المحبوبين دائما في ظل العرش بقلوبهم ~~وأرواحهم، فإنه ورد: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظل ~~عرشي يوم لا ظل إلا ظلي، وذلك موجب لوجود المحبة حقيقة، ~~فإنها ربما كانت دعوى. # إذا علم ذلك؛ ففوق ذلك مرتبة أعلى منها في الحب في الله، ~~وهي التعارف الروحي بين المحب وبين الأنبياء - عليهم السلام ~~القائمين بحقائق الخلة والاصطناع والاجتباء، كالخليل عليه السلام ~~وموسى الكليم، وعيسى سيد الروحانيين، ونوح الباكي الخاشع من ~~عظمة الله، ومحمد خطيب الأنبياء، وإخوانهم في الرسالة والنبوة، ~~فإذا انبعث من القلب التألف بهم، والأنس بذكرهم، والشوق إلو ~~لقائهم، فذلك من الأقسام العالية في الحب في الله. # ومن علامات وجود المحبة في المحب بغير دعوى ولا تكلف؛ ~~إذا علم ذلك وعرف أن من علامات وجود المحبة وجود النسبة بين ~~لمحب وبين المحبين، والتآلف معهم بتلك الرابطة، فأعلاهم من ~~وجد ذوق الحب في الله مع محمد صلى الله عليه وسلم. # أول ذلك شعور القلب ببارقة من نصيبه الخاص من الخلة، ~~والمحبوبية مع ربه، فإنه أكمل الأنبياء محبة، وأعلاهم خلة ~~وهو الحبيب والخليل، كما قال صلى الله عليه وسلم : ولكن صاحبكم خليل الله. # فإذا شعر القلب بنصيبه مع ربه، ثم وجد الشاعر بذلك تآلفا معه PageV01P053 ~~فيما يشعر به من وجده بربه، فذلك أعلى أقسام الحب في الله، وعند ~~ذلك يصير حال العبد محمديا حقيقة ، إذا اتصل بحال نبيه، وامتحت ~~رؤية شيخه الذي أوصله إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بين يديه، ونظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~من مشكاة نفسه ، لا من مشكاة شيخه، فإنه ربما نظر المريد في ~~الابتداء إلى الرسول من طاقة شيخه ، حتى ربما كيف الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أحيانا في سره بكيفية شيخه ، وإذا ارتقى إلى هذه الرتبة ، صعد ~~عن الوسائط إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلقى منه الحب الخاص، وتآلفت ms019 ~~روحه مع روحه حقيقة، كما تلقى منه علوم الأحكام والسنن والآداب ~~والشريعة، فتلك كيفية منورة ذات أنوار، ولتآلف الحال معه صلى الله عليه وسلم ~~كيفية جاذبة ، مأخوذة من معادن الخلة والاصطناع والاجتباء ~~بانجذاب الروح ووجود المحبوب الأصلي المتعارف فيه حقيقة تلك ~~الصفة الموجبة كذلك كما قيل : ~~وما هو إلا أن ظهرت لناظري ~~بأكمل أوصاف على الحسن أربت ~~فحليت لي البلوى ، يعنى الانجذاب في المحبة والتعظيم، ~~وهو ابتلاء السر، فخليت بينها وبيني، فكانت منك أجمل [...] ~~حليتي. # فإذا علم أن أعلى المشاهد مشاهد الروح، لأنها توجب المحبة ~~والانجذاب إلى المحبوب، فما أحسنها حالة ورابطة بين المحب ~~والمحبوب، وما أشرفها نسبة. PageV01P054 # فلو قال القائل : كيف الطريق إلى دوامها ? ~~الجواب : الحس الظاهر هدف للعوارض المشغلة للقلوب ~~بواسطة الحواس الخمس، فالقلب يشتغل تارة بما يرى أو بما يسمع ~~وأمثال ذلك، والقلب هدف لخواطر النفس، من الإرادات والعلق. # فإذا كان هناك خميرة من الحب ، تحجبها العوارض ، فالطريق إلى ~~تنميتها وظهورها حسم مواد التفرق الظاهرة بالعزلة، وحسم مواد ~~العوارض الباطنة بحفظ الخواطر ، واستخراج اللطيفة الإنسانية من بحر ~~الطبع، فإذا وجدت فتعليقها بالمحبوب، والأحوال الخاصة بالأنبياء ~~والصديقين تؤنس الروح في ذلك المعنى الخاص، كما أن المواد ~~العلمية الشرعية تؤنس القلوب في دائرة الإيمان . # وبالله المستعان، وعليه التكلان، والحمد لله رب العالمين. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. PageV01P055 ### | قاعدة في ذكر أسباب المحبة لله تعالى # بسم الله الرحمن الرحيم ### || فصل :الأسباب التي تتركب منها محبة الله تعالى # إذا شاهد معرفته ومعرفة نعمه وآلائه، والتفكر فيها، والتفكر في ~~مصنوعاته، وحكمه الخفية في المخلوقات، مثل التفكر في: ~~أسباب مواد غذاء الحيوانات ، من القطر والنبات. # وفي حكم آلات الاغتذاء بها، من الأضراس والحلقوم والأمعاء ~~وغير ذلك. # وفي التوالد والتناسل والاته، وأوعيته، والحكم المودعة فيه، ~~والشهوة المركبة في الذكر والأنثى، وكون الشهوة هي سبب ذلك ~~الاجتماع ، الذي لولا الشهوة لعافته النفوس، ثم أوعية الحمل. # والقدرة الإلهية، والرحمة الظاهرة في الخلق، ثم في الولادة، وتوسيع ~~الأماكن الضيقة. # وفي الحكمة من احتياج البعض ms020 إلى البعض في المعايش ~~والصناعات، وكون الافتقار لها سببا لحرص كل صاحب صنعة على PageV01P056 ~~إقامة صنعته، وكيف يستفيد ذلك بالصنعة، ويرتفق بها، ويستفيد ~~صاحب الصنعة بأجرة صنعته، أو ثمنها، أو غير ذلك من الحكم ~~الإلهية، والرحمة الظاهرة بالخلق، من الرياح الدواية، والسحب ~~الماطرة، والشمس والقمر والنجوم، وما تتضمنه من المنافع بطريق ~~الذات، كالحرارة في الشمس، والبرودة والنور في القمر، وبطريق ~~العرض والاهتداء ، أو معرفة الفصول ، ثم تسخير المراكب في البحر ~~الزاخر المكدي، تجلب منافع الآدميين، في تجاراتهم، والدولية ~~المحسوسة في هذا الكون، لقيام أسباب المخلوقات، وذلك بحر ~~عميق للمتفكرين. # ومن أسباب المحبة : الإيمان بصفاته المقدسة، الواردة في ~~التنزيل، من حياته وعلمه وقدرته وكلامه وسمعه وبصره، وإرادته ~~ومشيئته، وعلوه وفوقيته، ووجهه الكريم، ذو الجلال والإكرام، الذي ~~ليس كمثله شيء، ولا تشبه صفاته بشيء، ومن نزوله إلى السماء ~~الدنيا، رحمة لعباده، وقربا إليهم، ليجيب داعيهم، ويقبل توبة تائبهم ~~ومن معيته مع عباده، وقربه منهم، ورحمته لهم، ومن رؤيته يوم ~~القيامة، في عرصات القيامة، وبعد دخول الجنة، كما يرى القمر ليلة ~~البدر، لا يضامون في رؤيته، ومن تجليه ضاحكا، ومن كلامه يوم ~~القيامة لعباده. # ومن الأسباب الموجبة للمحبة - أيضا - الصفات التي تدل على ~~كماله، فإن الكمال - أيضا - من موجبات المحبة، وهي قهره وانتقامه ~~من أعدائه، وشدة بطشه وعظمته وهيبته، وسلطانه، وكبريائه وجبروته ~~وجلاله، فذلك - أيضا - دال على كماله، فهو يوجب الخوف PageV01P057 ~~والمهابة من وجه، ويوجب المحبة والتعظيم من وجه آخر، وهو وجه ~~الكمالية. # ومن الأسباب: تلاوة كلامه العزيز بالتدبر، كأنه يسمعه من ~~متكلمه، يخاطب به نبيه صلى الله عليه وسلم، ويقف على مفهوم خطابه، من وعده ~~ووعيده، وترغيبه وتحذيره، ويتجلى منه تجلياته المقدسة التي تقدم ~~ذكرها، فذلك مفتاح المعرفة، ومهيج للحب والتعظيم، بمشيئة الله ~~تعالى وعونه. # ومن الأسباب الموجبة للمحبة: التوبة إليه، وطاعته واتباع ~~أوامره، واجتناب نواهيه، والنصح في معاملته، وأن يتخذ عنده دائما ~~عبودية مدخرة، كدرهم يتصدق به لوجه الكريم، أو ركعتين يصليهما ~~لوجهه الكريم، أو يقضي حاجة لأخيه المسلم لوجهه الكريم، ms021 أو ينفس ~~عن مكروب لوجهه الكريم. # ومن الأسباب الموجبة للمحبة من الطرفين : اتباع سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والقتداء به في أخلاقه وفي أفعاله، وسنته وآدابه، بحيث يجعل ~~طريقته سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فذلك موجب للمحبة من الطرفين، قال الله ~~تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله). # ومن الأسباب: دوام ذكر الله تعالى، ومراقبته، والحياء من ~~نظره، وانجماع الهم على إرادته، واستشعار القرب من علمه وبصره، ~~فبذلك تتأكد بعون الله المعرفة، والمعرفة موجبة للمحبة، وبهما يحيا ~~موات القلوب بوابل مطر أذكار علام الغيوب. PageV01P058 ### || فصل # والأسباب الموجبة لمحبة الله تعالى لعبده - بعد مشيئته أيضا - ~~ما سبق ذكره ، ويحصل كمالها بمشيئة الله تعالى بتحقيق التوبة ظاهرا ~~وباطنا، في الحركات والخطرات، قال الله تعالى: (ان الله يحب ~~التوابين) ، وبالعدل في الظاهر والباطن، فيما يقوله ~~ويفعله، ويخطر له، قال الله تعالى : (وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) ~~وبالصبر على مكروهات الأوامر والنواهي، قال الله ~~تعالى : (وألله يحب الصابرين)، وبا لإحسان ظاهرا ~~وباطنا، وهي مرتبة فوق العدل، كما قال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل ~~واالإحسان) ، وهو الإحسان الزائد على ما يجب شرعا، في ~~الأقوال والأفعال والهموم والخواطر، بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين ~~العباد، قال الله تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). # ثم من الأسباب : التوجه إلى حصول محبة الله تعالى له ، ومن ~~كان متوجها إلى ذلك، فإنه يطلب مراضي من يطلب محبته له بكل ~~ممكن، ويتجنب مساخطه، ويحفظ دبيب الخواطر في سره حذرا أن ~~يجري فيها مكروه، فيمقت، ولا تحصل له المحبة منه، بذلك ~~المكروه، فهو أبدا يعمل على طهارة القلب عن الأدناس، ويسارع إلى ~~مراضي الرب تعالى بكل ممكن، فإذا فتح الله له بهذه الهمة، وبهذه ~~الأعمال، ورزق دوام الاستعانة بمولاه على حصول هذه المرتبة، ~~ومضت عليه الأيام والشهور والأعوام، ووجده قائما فيها بالأوامر، ~~متتهيا عن الزواجر ، طاهر السر عن الهيئات المؤخرة المبعدة ، لا يوجد PageV01P059 ~~منه إلا الطهارة ظاهرا وباطنا، فمثل هذا يرجى أن تناله هذه الرحمة ~~الخاصة، ms022 برحمة الله ومشيئته، ولا يستبطئها ولو بعد حين. # ولها علامات: فمنها الحفظ عند الاستشراف إلى النقص والجفاء، ~~وحمايته عن الهنات، في ظاهره وباطنه، ودوام تجلي الرحمة الخاصة ~~الجمالية الجلالية على روحه، والتعريف الخاص له بما يراد منه، في ~~أغلب الأوقات، في النوم واليقظة، موزونا بالكتاب والسنة، يستخير في ~~أمر، فيمنع منه، أو ييسر له، فيعلم أن ذلك برضا سيده، ومولاه، ~~وحبيبه، ويوقظ عند الفرائض إذا حصلت منه غفلة، وتلقى له المحبة في ~~قلوب الأولياء أهل الصفوة، وربما كان ذلك عاما، وقد لا يكون. # وهناك أمور كثيرة: من ذلك علامات لا تنضبط، وجملتها، أن ~~يوجد في القبضة، ويتولى في الجزئيات والكليات، لا بمعنى أنه يبقى ~~معصوما، بل لا بد أن تجري عليه - بحكم البشرية - الهنات، ويوجد ~~منه عندها الكآبة والندم والتوبة، مع مشاهدة الأقدار والأحكام، فيعبد ~~مولاه بالتوبة في مقابلة الذنب، ويستجير برحمته من نقمته وسخطه ~~مستعينا به في مقابلة القدر والحكم. # وفي الجملة؛ فالله تعالى وليه وكافله، ومتولي حركاته، وهذا ~~المعنى هو ما ورد فيه : فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش ، أي : ~~يتولاه مولاه في ذلك كله. # فنسأل الله أن يجعلنا منهم، بمنه وكرمه ورحمته، آمين. والحمد لله ~~رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. PageV01P060 ### | قاعدة في أسباب محبة الله تعالى معرفته وأسباب معرفته # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الإيمان بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومعجزاته، وغزواته، وابتداء نبوته، فبذلك يعلم عظم شأن النبوة ~~ومتى علمت النبوة، ورسخت في القلوب، كان من لوازمها ~~معرفة الرب العظيم المرسل، لأن النبوة والرسالة آياته وبيناته ودلالاته ~~وتعريفاته لمن اتبع فهمه، وصفا، وأحب ذلك. # وأما من أحب الدنيا ومناصبها، فإنه يضيق قلبه عن شهوة ~~المعرفة، ومن ضاق قلبه عن شيء لم يستعد له، ولم يتجاوز صورة ~~الشريعة، وظواهر أحكامها، إلى حقائق أسرارها، ومعارف الرب ~~تعالى منها، فلا يشرق في قلبه أنوار الأسماء والصفات، ولا حكم ~~الأفعال. # ومن أحب معرفة الله تعالى، ms023 وعزفت نفسه عن الدنيا، ومناصبها ~~وشهواتها، صعد من ظاهر السنة إلى باطنها، وعرف المراد من ~~الرسالة، وهو النور المستجن في ضمن الشرائع والأحكام، فهي ستر ~~على النور، فمن خرقه باشر قلبه بعون الله تعالى: صفو الإيمان PageV01P061 ~~وعرف الرب تعالى، الباعث للأنبياء بشرائعه وأحكامه، بأسمائه ~~وصفاته وأفعاله، بحيث تلوح آثارها في قلبه المرتاض المطهر ~~المحب العارف، الزاهد في الشهوات والرياسات، المعمور بالقرب ~~والطاعات، ومتى عرف أحب، ومتى أحب لزم من المحبة الطاعة، ~~فإن المحب مطيع لمن أحبه فيما أمره به، ونهاه عنه. # ومن لوازمها : دوام التقرب والمعاملة، فإن المحب متحرك إلى ~~من أحبه ، بظاهره وباطنه. # ومن لوازمها: الرضا عنه، فإن المحب راض عمن أحبه، وإن ~~جاء منه ما يسوؤه في الشاهد ، فكيف بمن لا يختار لعباده ومحبيه ~~إلا الأصلح ? ولا يقضي لهم قضاء إلا كان خيرا لهم، وإن خفي ذلك ~~عنهم في الظاهر، فهم لا يتهمونه في أقضيته، ويؤمنون بحكمها ~~ومصالحها. # ومن لوازمها : طلب محبته، فإن ذلك من أكبر بغية المحبين ~~ومن لوازمها : دوام الاستعانة، فإن معرفة الاقتدار، وصحة ~~طالب محبة الله تعالى له، والرضا بكل حال عنه، والاستعانة في كل ~~مطلوب منه به، والطاعة له فيما أمر في ظاهر الجسم، وفي دبيب ~~الخواطر، يرجى أن يستعد بذلك لمحبة المولى الكريم، إذا شاء لزوال ~~الأسباب ، المقت والإعراض من العبد، فإن أسباب المقت ~~والإعراض والبغض منها : الإعراض، وهذا مقبل بطلبه، لمحبة مولاه ~~له ، فيستحق إذا شاء أن يقبل بالمحبة عليه. PageV01P062 # ومنها : السخط بالمقادير، فيستحق إذا شاء أن يرضى عنه، ~~والرضا بساط المحبة منه له. # ومنها : الاستبداد وإظهار القوة الغناء ، وهذا مستعين مفتقر ، ~~ويستحق أن يعان، ولا يوكل إلى غيره. # ومنها: تدنس الظاهر أو الباطن بشيء من المخالفات، أو ترك ~~المأمورات، وهذا طائع والطائع يستحق إذا شاء أن يرحم، والرحمة ~~من مواد المحبة ، فجملتها الإرادة والرضا والاستعانة والطاعة. # وإنما جاء الترتيب هكذا لأنه في أعلى المراتب، فتذكر مرتبة ~~مرتبة، ثم التي تليها، ولو كان في البداية لا يعكس الترتيب، وكان ~~حال المبتدي أولا ms024 الطاعة، ثم إذا انكشفت الأقدار، كان حاله ~~الاستعانة ، ثم إذا اضطربت النفوس في الأحكام الرضا ، ثم إذا لاحت ~~الحقائق الإرادة. # وبالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم. PageV01P063 ### | قاعدة في مقاصد السالكين # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله الذي ملكوت كل شيء بيديه، وهو يجير ولا يجار ~~عليه، ويصير الكل بعد فنائه إليه. # وأشهد أن لا إلله إلا الله وحده لا شريك له، إله البريات، ~~وقيوم الأرض والسموات، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم صفوة الأمم ~~والمخلوقات، المبعوث بأوضح البينات، صلى الله عليه وعلى آله، ~~ممر الدهور والأوقات. # مقاصد السالكين تتنوع أنحاؤها، وتختلف غاياتها: ~~فمنهم: من تقف به همته على الأمر المطلوب، من أشرف ~~المطلوب، وأكمل الأسباب. # ومنهم: من ينحرف قصده، فيضيع سعيه، وينقص فضله ~~فالمنحرف من القاصدين يقصد فضيلة الحال ورياسته ، ليرتقي عن نقص ~~الإفلاس، ويكون من أهل الأنفاس، فيعظم بذلك عند نفسه قدره، ~~وعلامته أن يزدري بمن لا يفطن، ولا يوفيه حقه. # ومنهم: من يطلب نفوذ الكلمة، والتصرف في الأكوان، والتأثير ~~في المخلوقات. PageV01P064 # ومنهم: من يطلب رياسة استتباع الخلق له، وعكوفهم عليه ~~وإشارتهم إليه. # ومنهم: من يطلب بذلك جمع الحطام، والتأكل بدينه وحاله ~~عند الأنام، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~ألصادقين)، علامتهم أن يفروا إلى الله تعالى من ~~نفوسهم، ومما صنعت وفرطت في جنب الله تستعد بالتوبة النصوح، ~~للقاء الله تعالى، لتقر عينها بلقائه، ولتلقاه بوجه أبيض، يوم تسود ~~وجوه أعدائه، لا يزال كذلك حتى يشرق لها أنوار القلوب، وهي ~~أنوار تنافس بها، فتنهض بذلك إلى سلوك ثان، وهو الطلب وا لإرادة ~~لقرب الله تعالى، لأنهم في الأول لما لاحت لهم الآخرة هربوا من ~~الذنوب إليها بالتقوى والطاعة، فلما لاحت لهم بوارق المطلوب فروا ~~من كل شيء إليه. # وهم في هذه الرتبة الثانية إليه، يعملون على تفضيل المشاهدة ~~القلبية على العقائد الإيمانية ، لينفذوا من دينهم إلى أحوالهم ، ومن ~~أحوالهم إلى دينهم، ms025 بحيث لا يبقى دينهم من صوب، وحالهم من ~~صوب آخر، فلا يزالون كذلك حتى يكمل لهم التفضيل، ويرتقون إلى ~~المشاهدة ؛ السر الجامع لجميع المشاهد والصفات، ثم يعملون على ~~ثبات قدمهم على الكشف لهم، فإن أشق شيء على المحبين غيبة ~~محبوبهم عنهم، فإذا دام لهم عملوا على العبودية وتحقيق مبانيها في ~~حضرة مشهودهم ، من الحياء والمهابة والخوف والتعظيم والمحبة، ~~فإن تلوا القرآن كأنهم يسمعونه منه، وإن قاموا بوظيفة من وظائف ~~أوامره حققوا هيئتها، وحضروا مع معناها، وإن أنعم عليهم شكروا، PageV01P065 ~~وإن أذنبوا رجعوا إليه واستغفروا، وإن أمروا ائتمروا، وإن نهوا ~~انتهوا، وإن ابتلوا رضوا وصبروا، أو بثوا أمرهم إليه، مستغيثين به من ~~بلائه ، مستعينين به على إقامة عبوديته. # فإذا كمل ذلك بتوفيق الله صعدوا إلى سلوك آخر ، وبداية أخرى ~~وهو العمل على محبة الله تعالى لهم ، ورضاه عنهم ، وهذا يقتضي ~~سلوكا دقيقا، وتقوى عميقة في القلوب والأسرار، لأنها محل نظر ~~الحق تعالى، فيصونوها عن دقائق المكروهات، ودبيب الخطرات، ~~يقصدون بذلك حقيقة الطاعة له، ويهربون بذلك عن خفايا المعصية ~~له، ويظهر منهم بذلك حقيقة المحبة له. # فهؤلاء غاية أملهم رضا مولاهم عنهم، ومحبته لهم، ويطلبون ~~مع ذلك عافيته، وكفايته، لا ينقطعون، وحينئذ يشرعون في سلوك ~~المحبوبين، ولهم ذنوب خاصة، نذكر من ذلك طرفا. # اعلم أنك إذا أردت تقليل شيء من طاعة أو معصية ، أو خير ~~أو شر، فأنت بمجرد إرادتك لذلك المعنى معه لا تفارقه، فأنت ~~بإرادتك لصلاة تكون معها، أو لفاحشة تكون معها. # فالإنسان بإرادته يكون مصليا عابدا، وعاصيا، مغتابا، وزانيا، ~~وشاربا، ولائطا، لأن الحقيقة الباطنة قارنت ذلك الفعل وإرادته، فإن ~~القلوب تقرب من الأشياء وتمتزج بها بمجرد الإرادة ، وليست القلوب ~~كالأجسام يكون بينها وبين الأجسام الأخرى مسافة، فإن القلوب متى ~~أرادت وعرفت طريق إرادتها، لم يكن بينها وبين ما أرادته مسافة ~~بالباطن، وإن كانت بالجسم مستورة عنه. PageV01P066 # فالقلوب تحج، وتصلي، وتتصدق، وتزكي، وتعرج في ~~السموات، وتكون بين يدي مولاها، ومع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك ~~تكون في الضد من ms026 القبائح: تكفر، وتبتدع، وتفسق، وتلوط، ~~وتزني، وتكون مع المرأة تضاجعها، وتتلذذ بها، وتنظر إلى فرجها ~~بالحقيقة الإنسانية، ومع الصبي تعانقه، وتضاجعه، وتنظر إلى عورته ~~وتباشره. # فاعلم أنه لو كشف للعبد عن حقيقة الإنسانية حين إرادته لشيء ~~من ذلك، وعكوفه بقلبه عليه، وجد حقيقته مع ذلك الشيء بالمعنى ~~والحقيقة، وإن كان غائبا عنه بالجسم، بحيث لو مات الإنسان ~~في تلك الحالة كان ذلك خاتمته، ولقي الله متلطخا بباطنه بذلك، ~~متنجسا به. # ومثل هذه الذنوب تهون على العامة والعباد، يقولون: ما عملنا ~~شيئا بأجسامنا، فيتوبون من ذلك، وتقبل توبتهم، ما لم يحدثوا ~~أو يعملوا. # وأما المحبون لله تعالى، العارفون به، الذين قد صارت قلوبهم ~~محل نظره ومشاهدته، يرون اليسير من ذلك أمثال الجبال الراسية، ~~فهم يحذرون على قلوبهم ، التي هي محل السر الإلهي، أن تتنجس ~~أو تتلطخ بشيء من القاذورات والنجاسات، كما يخافون سدنة قصر ~~الملك على محل نظر الملك، ومجالسه، يسير الأنجاس والأقذار، PageV01P067 ~~ويبادرون إلى غسل اليسير من ذلك، وتنظيفه، تطهيرا لمواطن مجالس ~~الملك، ومحال نظره. # وقلوب المحبين عرش الرحمن، أي عرش لعظمته، ومحبته، ~~وهيبته، ومخافته، وهو عرش للمثل الأعلى، قال الله تعالى ~~(وله المثل الأعلى في السموات) . # فذلك المثل به يعرف الله تعالى، وبه يعبد، وبه يخاف، وبه ~~يهاب، وهو محل المعرفة من قلوب العارفين، فيصونون محل المثل ~~عن مثل هذه الخطرات السيئة، والهمم الدنية، كيلا يتنجس محل النور ~~الأعظم، ولأنها بين يديه، فهي مستخفية من نظره واطلاعه، أن يجد ~~في قلوبهم ما يكرهه ويمقته ويبغضه، وهم على قدم طلب محبته لهم، ~~ورصاه عنهم، وذلك ينافي قصدهم، ولأنهم يرون أن عمل القلب أبلغ ~~من عمل الظاهر ، من الخير والشر ، من وجه ، لأن الظاهر تبع ~~للباطن، والجوارح آلات الحقيقة الإنسانية، فلذلك صار أبلغ من عمل ~~الجوارح من وجه، إلا أن في عمل الجوارح يكون قد كمل الفعل ~~بظاهره وباطنه، وقلبه وروحه وجسده، فلذلك تجب حينئذ عقوبته ~~الشرعية من الحد والتعزير وغيره. # ومن انتهى به سلوكه من التوبة إلى المعرفة، ومن المعرفة ms027 إلى ~~التفصيل الشرعي، ثم إلى العبودية وأقسامها ومرآتها، ثم إلى طلب ~~محبة المولى الكريم لعبده، فإنه يطيعه باطنا، ويتقيه بقلبه حق التقى، ~~لينال بذلك محبته له، يحفظ سره من الحب والبغض لغير الله، ومن ~~الرياء والكبر والحقد والحسد والخيلاء والعجب، ومن جميع PageV01P068 ~~المكروهات، فإن هذه الأشياء متى هي باشرت القلب نظر الله إليها في ~~قلب العبد، فيبعد بذلك عنه، وعن محبته، ويخشى من مقته له، ~~وإعراضه عنه. # وتمتزج هذه الخبائث مع ذكر الرب، وتدنس نور القلب، ويكون ~~المريد إذا أحب شيئا كرهه الله تعالى، كشخص إحدى عينيه ملاحظة ~~للملك، والأخرى ملاحظة للمرحاض، أو شيئا من الرذائل المبعدة ~~ذلك فضيحة مع الله تعالى في سلوكك، ووليجة فبيحة في طريق ~~المحبين، أعاذنا الله وإياكم من موجبات وأسباب إعراضه ومقته ~~آمين ، يا رب العالمين. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P069 ### | قاعدة في بيان عمل يوم وليلة للأبرار وعمل يوم وليلة للسائرين إلى طريق المقربين جعلنا الله منهم # بسم الله الرحمن الرحيم ~~وبه الإعانة ~~اعلم - وفقنا الله وإياك لما يحبه منا ويرضاه - أن الأبرار هم ~~التوابون ، إذا انتبهوا من منامهم اهتموا بإقامة أمر الله عز وجل؛ من ~~الوضوء والصلاة كما أمرهم الله عز وجل ~~فإذا صلوا صلاة الصبح، اشتغلوا بفنون الأوراد، من التلاوة ~~والتسبيح، والتحميد، والدعاء بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ثم يقصدون مجالس العلم والمواعيد، التي يذكر فيها أمر الله ~~ونهيه، ووعده ووعيده، وتفسير كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فتشرق ~~قلوبهم من قسوتها، وتتنور أسرارهم بنور العلم بعد جهلها، وتثور فيها ~~بواعث الخيرات، والمسارعة إليها، مع المسابقة لفوتها، فتتجدد على ~~قلوبهم عزائم الصيام، والاجتناب للآثام، والصدقة والإطعام، وربما ~~اشتاقوا إلى مجاورة البيت المكرم المحرم، أو بيت المقدس لتضاعف ~~الأعمال فيها، هذا ونفوسهم ميالة تسابقهم إلى الشهوات، وهم PageV01P070 ~~يتعبدون الله بمنعها عن ذلك، واللوم لها إذا قارفت شيئا من ذلك. # وهم أهل تودد، وتراحم، وتواصل، يعاشرون المؤمنين ms028 بالرحمة ~~والرفق، وغير ذلك من الأخلاق المشروعة. # فإدا فرغوا من الميعاد ، ركعوا صلاة الضحى، ودعوا ربهم في ~~مهام دينهم ودنياهم وآخرتهم. # ثم من كان منهم له سبب قصد نحوه، ليتعفف به الخلق، ~~ويتصدق منه ويؤثر، وإن كان مفطرا طعم شيئا مما رزفه الله من القوت ~~الحلال. # لا يبرح كذلك إلى قريب الزوال، فينهض متهيئا للصلاة بالوضوء ~~التام، والقصد إلى التهجير، كما ورد في السنة: ولو علموا ما في ~~التهجير لاستبقوا إليه ، وقصد الصف الأول، عن يمين الإمام، ~~كما ورد: ولو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا ~~إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، أو كما ورد : إن الله وملائكته ~~يصلون على ميامين الصفوف. # فإذا قامت الصلاة قام إلى الصف وسدد الخلل، كما ورد في ~~السنة، وعمل على قطع الخواطر في الصلاة، وعلى فهم ما يقول ~~ومع من يقول ? فنفسه تجول في الدنيا وأفكارها، وهو يجاذبها ويدافع ~~الخواطر، كلما قرأ آية طالب نفسه بفهمها. # وإذا ركع وسجد تواضع قلبه، كما تواضع بدنه، فإذا سلم ~~انصرف وهو غاض لبصره، حافظ للسانه، معرض عن البطالين ~~وأقران السوء، إما إلى سببه الذي كان فيه أول، وإن كان كفي المؤنة PageV01P071 ~~نظر أفضل الأحوال، على ما دل عليه العلم، فإن رأى جمعيته في ~~العزلة والعبادة قصد نحوها ، وإن وجد أن مزيده في الميعاد واستماع ~~العلم راح إليه، وإن قصده أخ يستفيد منه أفاده، بشرط ألا يتعاشروا. # و لا يبرح كذلك إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن ~~المغرب إلى العشاء، على هذا النمط، يقدم الأولى فالأولى، ~~والأفضل فالأفضل. # فإذا انصرف إلى منزله ، وقعد على فراشه لينام حاسب نفسه ؛ هل ~~ارتكب في يومه معصية ? أو عمل عملا مفضوللا من الخير، وفوت به ~~على نفسه عملا فاضلا، فيجدد التوبة من سائر الذنوب والمنافص، ~~ثم قرأ شيئا من القرآن، وذكر الله تعالى، ونام على فراشه طاهرا. # وإن تعار من الليل قال : لا إله إلا الله... إلى آخرها ، كما ورد ~~في السنة، فإذا استيقظ للتهجد، استاك كما جاء ms029 في السنة، وقال: ~~الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. # ثم يتوضأ ويدعو الدعاء المشروع، قبل الصلاة: اللهم رب ~~جبريل وميكائيل ... إلى آخره، واللهم لك الحمد أنت نور ~~السموات والأرض ... إلى آخره ، ثم صلى إحدى عشرة ركعة ~~أو ثلاث عشرة ركعة، يطيل قراءتها، وركوعها وسجودها، كما وردت ~~به السنة. # فإذا فرغ وتمكن الثلث الأخير، وجاء الوقت الذي أخبرنا فيه ~~بالنزول، فيكثر فيه العبد من الدعاء والتضرع والابتهال في مصالح ~~الدنيا والآخرة ، إلى أن ينفجر الفجر، فإذا انفجر الفجر، صلى ركعتي PageV01P072 ~~السنة، وخففهما، واضطجع عقيبهما، كما وردت به السنة، ثم خرج ~~إلى مسجد الجماعة لصلاة الفجر، ثم عاد إلى دولابه الدائر حتى يأتيه ~~اليقين. # وأما عمل يوم وليلة السائرين إلى منازل المقربين، فهو أن ~~أحدهم يبيت مهموما بمحبة الله عز وجل، قد حشت المحبة عروقه ~~وأوصاله، وامتلأ باطنه من ذكر الحبيب، فأنساه ذكر غيره، فإذا انقلب ~~إلى فراشه صعدت أنفاسه المحترقة إلى مولاه؛ ذكر وجوده واطلاعه، ~~فربما سلب حلاوة النوم أحيانا، فهم أهل الأرق والقلق، لولا أن الله ~~عز وجل من عليهم بالسكينة والراحة، لتقلقلت أدمغتهم يبسا، ~~وضعفت أوصالهم وهنا، لأن العزيز - سبحانه - تلطف بهم، فحجبهم ~~أحيانا ليعود إليهم روعهم، فتدوم عافية أجسامهم، ولا يرى عليهم أثر ~~ذلك، لأن الصدق غطى عليهم أحوالهم، فهم يتحدثون كما يتحدث ~~الناس، ولا يعلم الناس ما انطوى عليه بواطنهم من ذلك. # فإذا استيقظوا من منامهم ، صعدت إليه همومهم ، مشتاقة طالبة ~~عاكفة محبة، كالحبيب الذي غاب عن محبوبه ومألوفه بالمنام، فلما ~~استيقظ عاد إلى الحنين إليه، وإلى وجوده، ثم ينهض إلى ما ينهض ~~إليه الأبرار، من الأعمال المأمور بها. # فإذا صلى صلاة الصبح ذكروه بما تيسر من الأذكار المشروعة، ~~فإذا فرغوا أطرقوا بين يديه، هيبة وإجلالا، وسلموا إليه ملكه وتدبيره ~~فلم يزاحم تدبيرهم تدبيره، ولا اختيارهم اختياره، وجدوه ملكا قاهرا ~~قابضا على نواصي الخلق، هو المتولي لدولة أمورهم، في أسواقهم PageV01P073 ~~ومعايشهم، وتقلبات أحوالهم، فسلموا إليه ملكه، ولم يدخلوا أنفسهم ~~معه في تدبيره ، من الاهتمام في ms030 الماضي ، والتدبير في المستقبل، ~~هو أجل وأعز في قلوبهم، لم يغيبوا عن ملاحظة تدبيره طرفة عين، وهم ~~أذكى وأعلم من أن يجهلوا وينسوا تدبيره فيدبروا أنفسهم بكذا وكذا. # فلما لاحظوا ملكه وقهره وقبضته على الخلائق، وأسره لقلوبهم، ~~فالقلوب بين أصبعين من اصابعه - سبحانه - يقلبها كيف يشاء، ~~كما ورد في الحديث، فغلب هذا العلم على قلوبهم، ففقدوا شأن ~~مشيئاتهم، فلم يجدوا لهم مشيئة مع مشيئته، بحيث يحتاجون إلى ~~نفيها، غلب على قلوبهم العلم به وبتدبيره، بحيث صار واضحا ~~كالنهار، وعرفوا أن التدبير من الجهل بالعلم بالله وتدبيره، فنفى العلم ~~بالله عز وجل الجهل عن قلوبهم، فامحت المشيئات عن قلوبهم ~~محوا، فنسوا نفوسهم ومصالحهم لما شاهدوا الأمر بتدبيره وفي ~~قبضته، فصاروا بذلك عبيدا له، تقلبهم يد القدرة، ويدعوهم لسان ~~الأزل، فصار أحدهم ابن وقته، لا ينظر وقتا آخر يدبر نفسه فيه، لأن ~~الوقت الآخر بيد مؤقته، فهم أموات، تدبيرهم كتدبير أهل القبور ؛ هل ~~ترى لهم حسا أو حركة ? فكذلك هم في التدبير، وأما في الأمر فأحياء ~~أقوياء، يدبرون ويختارون، وبالله في عبادته يستعينون. # فإذا طلعت الشمس، وركعوا الركعتين، ينظرون ما تنشرح له ~~صدورهم من الأعمال الصالحة، والأوراد، وسماع العلم، وغير ~~ذلك، يقصدونه ناظرين إلى مولاهم الذي حركهم، مستعينين به أن ~~يوفقهم لما يحبه، وعيونهم في كل لحظة شاخصة إلى ما يبرزه من ~~مشيئاته عليهم ، المختلفة المتواترة ، التي ترد على العبد ، كالليل PageV01P074 ~~والنهار، بغير اختيار منه ، فهم يقابلونها بمقتضاها من العبودية، ~~ولا يتأذون ممن يؤذيهم، لأنهم يرون نواصيهم بيد مولاهم، فإن ~~ابتلوا بالأذى فنوا ورضوا وصبروا، ودعوا برفعه، فهذا عبودية ~~الوقت. # وإن أقامهم في طاعة وعبادة، أو رزقهم علما ينتفعون به، ~~أو سخر لهم شيخا يرشدهم إلى نجاتهم، وطب أمراضهم، رأوه فضلا ~~من مولاهم ، فشكروه عليه. # وإن أخذهم عبد من عبيد مولاهم إلى منزله ليطعمهم ، راحوا معه ~~بشرط أن تتحمل قلوبهم المنة، ويشترط ألا يكون من أهل النفوس ~~المنانين، فإن طعامهم سم القلوب، فأولئك يعتذرون إليهم باللطف ~~والاعتذار، ويهجرون هجرا جميلا. # وأما المؤمنون ms031 الصالحون فيأكلون من طعامهم، ويكافئونهم ~~بالدعاء، ويشكرون مولاهم، الذي أنعم عليهم بأن سخر لهم قلوب ~~عباده، التي هي بيده، فهم قط لا يشهدون الوسائط، إلا بالقصد ~~الثاني، ويشهدون الأول - سبحانه - بالقصد الأول، فكل منظور ~~يدلهم عليه فيسبق نظرهم إليه، قبل الثواني والوسائط، بخلاف ~~الأبرار، فإنهم يشهدون الوسائط بالقصد الأول، ويكابدون نفوسهم ~~على رؤية الفاعل مكابدة ، وإن ابتلوا بمعصية من غير قصد رأوا حكمة ~~مولاهم في ذلك أوقعهم في الذنب، ليريهم العجز ونقصهم ومحلهم ~~ليتوبوا إليه، فيعاملهم ببره وحلمه وجوده، فيعبد بالتوبة، ويتصف ~~بصفة الغفار والجود، فيجود عليهم بالمغفرة. PageV01P075 # ثم هم يستعملون أعمال الأبرار كلها، ويزيدون عليهم بنفوذ ~~البصائر في الملكوت، قد أخذت قلوبهم هيبة من ملاحظة مولاهم ~~وأقداره فيهم، ينظرون مشيئاته في كل نفس، وينتظرون فرجه ورزقه ~~الظاهر والباطن في كل ساعة، وعيونهم ممتدة إليه، معرضة عن غيره ~~قد أيسوا من غيره إياسا ما عليه مزيد، ولم يطمعوا إلا فيه، قد أسر ~~قلوبهم فأخذها في قبضته، بل قد غابوا عن كل شيء وذكروه عند رؤية ~~كل شيء، بأنه فاعله وصانعه وقيومه، فهؤلاء السادة ذنوبهم التدبير ~~والتشهي والاختيار، كلما غفل أحدهم واشتهى ودبر رجع إلى مولاه ~~بالتوبة، كما أن ذنوب الأبرار المعاصي الظاهرة. # وفي الجملة فما ذكر لك جملة حالهم هم قوم قد حشا قلوبهم ~~أنوار وجوده، وعمرها بملاحظة فعله، وافيا بصفاته المقدسة شؤون ~~نفوسهم، فصار أقرب إليهم من كل شيء، وفعله أقرب الأفعال إليهم، ~~وقد ملكهم بأمره، فانقادوا له بالطوع والهشاشة، وقاموا بعبودياتها ~~كما تقدم في النعمة والبلية، والطاعة والمعصية، وسترهم بأنوار ~~وجوده، فلا يرون غيره إلها، ويرون وجودهم قائما بقدرته، فانقهرت ~~قلوبهم من وجوده وأمره وفعله، فتحققوا بكلمة : لا إله إلا الله، على ~~الحقيقة ، وتحققوا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الاتباع، فهم أهل ~~التوحيد في الاتباع والعبودية . # فهؤلاء عين الله عز وجل ترعاهم، ولطفه يغذوهم، وشيطانهم ~~حقير مدحوض، منكوص على عقبه، شاحب مغير نحيل مريض، ~~يزدادون كل يوم قربا، ولهم على ساعات الليل والنهار تجليات تظهر ms032 ~~آثارها في قلوبهم، من نظرات العزيز الرحيم إلى قلوبهم وبواطنهم PageV01P076 ~~بمشيئته ولطفه، فهم أهل الله حقيقة، سبقوا الناس فلم يلحقوا ~~بالأعمال، كما ورد : سبق المفردون. قيل : ومن هم يا رسول الله ? ~~قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. # وفي لفظ: وضع الذكر عنهم أثقالهم، فوردوا القيامة خفافا. # وفيهم من يدخل الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ~~ولا يكتوون، [ولا يتطيرون]، وعلى ربهم يتوكلون. # فنسأل الله العظيم، الرب الرحيم، أن يجعلنا منهم، ويستعملنا ~~بأعمالهم، ويمحق صفات نفوسنا بحقائق الإتقان والعرفان، إنه الحنان ~~المنان، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما، وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P077 ### | قاعدة في شرح حال العباد والصوفية الأفراد جعلنا الله منهم بمنه وكرمه # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحب ~~وسلم، إلى يوم الدين. # العباد يصطلحون على الأعمال، ويتآلفون في المواعيد ومجالس ~~الأذكار، حليتهم السمت والحسن والنور في الوجه، والخشوع في ~~الطرف، ولهم مع ذلك نفوس حادة، ورياسة باطنة. # إذا صلى أحدهم ركعات معلومة ، أو سبح تسبيحات معدودة ~~أصبح نشيطا نفسه قوية، ولها على أشكالها صولة، إذا زل أحدهم ~~أو أخطأ يحتاج المعرف له أن يداويه، ويخضع له، ويقبل رأسه؛ تألفا ~~له، ليسمع الحق ويعيه، وقد لا يخضع له، فإنه عبد نفسه، عزيز عظيم ~~عارف، يأنف من الرد عليه، والتعليم له، ويقول : مثلي يقال له هذا ? ~~ومثلي يعلم هذا ? خصوصا إذا كان ذا إيثار وصدقات، فيرى فضله ~~على جميع العباد والفقراء، وربما يقول في نفسه: أنا أتصدق وهذا ~~لا يتصدق، وأنا أبر، وهذا يتصدقون عليه، فهذا جملة أمرهم. PageV01P078 # وهنالك وساوس كثيرة على هذا ، على قدر ما ابتلي أحدهم من ~~نفسه. ومعظم أمرهم أنهم لا يتهمون نفوسهم، بل يزكونها، والصادق ~~الصديق الذي يسلك طريق المقربين، يتهم أعماله وأقواله، وأخلاقه، ~~وآراءه، وظنونه، يحب من يدله على عيبه، ليبرأ منه، فيصفو سيره إلى ~~ربه، ms033 لأن غاية مطلوبه خلاصه من رق صفات نفسه، ووصوله إلى ربه. # وأما الصوفية فإن اجتماعهم وتآلفهم على خلاف ذلك، يصطحبون ~~على تذويب النفوس لطهارة القلوب، ويتآلفون على السير إلى المحبوب، ~~بهمم عالية، وقلوب وجفة، وأكباد محترقة، وأرواح طائرة من شدة ~~الاشتياق إلى مولاهم، وعلى حبه عاكفة، وفي طلب قربه هاتمة، يتهمون ~~نفوسهم، ويزدرون أعمالهم، قال الله تعالى (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة)، قد بذلوا لمولاهم كل ما يقدرون عليه من ~~نفوسهم وأموالهم، حبا له، وشوقا إلى لقائه، لكن على قوانين ~~الشريعة، ومتابعة السنة، فإنها حاكمة عليهم في كل شيء. # يطلبون مولاهم بكل ما يقدرون عليه، من الأذكار، والأوراد، ~~والأخلاق، والأحوال على طريق السير إليه، ينطقون إذا تسامروا ~~بذكره، وإن سكتوا فهو همهم، أو عبدوا فهو معبودهم، أو نطقوا ~~فهو حديثهم، قلوبهم منكسرة، لأنهم فقدوا، فلا يجبر قلوبهم ~~إلا بموجودهم، غاية همهم الوجود، ومعرفة عيب النفس، قد ذوبت ~~الأفكار نفوسهم، وكحلت الأنوار أسرارهم، وصفت العبادة ~~جوارحهم. # فهؤلاء أهل الله وأهل وده، وأحباؤه، قد أنزلوا ذكره من نفوسهم PageV01P079 ~~بمنزلة الأرواح، فبقيت نفوسهم مأسورة مقبوضة، تلوح عليهم بهجة ~~المحبة، وسيماء المعرفة، لقلوبهم زفرات، وفي أفئدتهم حسرات، ~~فانظر رحمك الله إلى الصنف الأول، وغاية أمرهم، وجملة دائرتهم ~~مي أعمالهم وأحوالهم، وفي صحبتهم وتآلفهم، وإلى منتهى حدهم ~~وغاية أمدهم، وانظر إلى هؤلاء ومقصدهم، وعملهم وأحوالهم ~~سيرهم، فهل أبقى الصدق من نفوسهم، وهل تركت إرادة الحق لهم ~~إرادة غيره? ~~لا يميلون إلى غير من يطلبونه بالمحبة، من الدنيا والشهوات ~~والأعراض الفانية، لأن هذا الميل شرك عندهم في المحبة، وهو من ~~الشرك الخفي، لا يحبون إلا مولاهم، ويحبون في مولاهم الأنبياء ~~والصادقين، ولذلك لا يركنون إلى غيره في شأن من شؤونهم، قد ~~ادخروه لكبرهم، وعماهم، وفقرهم، وخاتمهم، وبرزخهم، ليس هذا ~~عندهم شرك - أيضا - في التوحيد، كالشرك الأول في المحبة، ~~وهو من الشرك الخفي، فيصححون الميل والمحبة إليه، بلا شرك ~~لغيره بالمحبة، ويصححون الاستناد إليه بلا شرك يستندون إليه معه، ~~وإن كانوا في أسباب ومعايش يدخلون فيها، ms034 فلا يستندون إليها، ~~ولا يستندون إلا إلى مولاهم، قد هانت الدنيا عندهم، فهي لا تزن ~~جناح بعوضة، لكن هم فيها كما أمرهم الله تعالى، فقال: (والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) ، فهم فيها على حكم مولاهم. # فإذا نظرت إلى الفريق الأول، ثم نظرت إلى الفريق الثاني ~~فانظر إلى نفسك من أي الفريقين أنت، فالزم دائرتك، وعاشر قومك ~~وأصحابك، فإنهم أنسب بك، وأليق بحالك، ولا تعاشر الفريق PageV01P080 ~~الثاني، فإنهم ربما طالبوك بشيء من الصدق، فتثور نفسك، فترد ~~الحق، فتمقت عند الله، وربما تزدري أحدا منهم بقلبك، لأنك لا تعلم ~~حقيقة ما هم عليه، فإنك تحسبهم مثلك عبادا أهل ظاهر، فتخطئ ~~في ذلك. # وإن كنت من الفريقين، فادخل على قومك بالمحبة والمذلة ~~والانكسار، والتخصيص لهم، والتعظيم لنظرهم، وحسن الموافقة ~~لأمرهم، وسرعة الأوبة عند تعريفهم، وجميل الانقياد لإشاراتهم ~~واطلب عيب نفسك منهم عليها، وتعرف منهم طلب الحق تعالى ~~وطرق السلوك إليه، ولا تصحبهم على غير ذلك، فتتعب بهم، وتتعبهم ~~معك، ولا تدخل عليهم برفق ولا إيثار إلا بعد شورهم، فإنهم يحبون ~~لك العدل في أمورك، فقد تسرف في النفقة، وهم لا يحبون لأخيهم ~~الإسراف. # واعلم أن هذه الطريقة تقتضي أن يشاطرهم السالك في أمواله ~~وأزواجه، لأن صحبتهم إنما هي بالأرواح لشدة التآلف في معرفة الله ~~تعالى ، ومعرفة الله ومحبته وطلب قربه، لكنهم لا تساوي دنياك ~~ولا أزواجك عندهم قيمة ، لأن عمدة أمرهم التجريد عما سوى الله، ~~ومن كان أصله التجريد لا يحب مالك ولا أزواجك، فلا تتفرق ~~باستشعارك منهم الطمع في مالك، فإن القوم آمالهم منقطعة من غير ~~مولاهم، فاجمع همك، واعرف ما هم عليه، وما هم قاصدوه ~~وطالبوه، واصحبهم على التعظيم والمحبة، ولا تدخل عليهم PageV01P081 ~~بما لا يحبون، وتعرف منهم الطريق إلى مولاك، وتعرف منهم عيب ~~نفسك، وتتغذى بذلك إذا ذكروا لك عيبا من عيوبك، وليكن ذلك ~~غاية مطلوبك ، متهم ترزق بركتهم إن شاء الله تعالى. # والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلم، تسليما ms035 كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P082 ### | قاعدة في حبس النفس والعكوف على الهم ### || # بسم الله الرحمن الرحيم ~~وبه الإعانة ~~الحمد لله فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر ~~حسبانا ، ذلك تقدير العزيز العليم، الذي أودع خلق الإنسان أنواعا ~~مختلفة من التراكيب القالبية والنفسانية، والقوى والأوعية العقلية، ~~والشؤون القلبية، واللطائف الروحية، ليستعمل الإنسان كل قوة منها ~~بمقتضى ما خلقت له، ويعبد الله بجميع ذلك، فتتم له عبودية الله ~~تعالى بجميع المساعي الظاهرة والباطنة. # فمن وفق لتخليص كل قوة من هذه القوى، واستعملها فيما ~~خلقت له، وسلمت من الآفات العارضة عليها من جهة الطبع ~~والهوى، فهو الإنسان الكامل الذي عرف نفسه وشؤونها، وما أودع الله ~~فيها من الخواص والصفات والأعراض، وعرف ربه ومولاه الذي ~~خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، وأودع روح جسده، ونور ~~عقله، وقام بأوده وكفايته وكلاءته، الحي القيوم، تبارك الله أحسن ~~الخالقين. PageV01P083 # ثم لما عرف نفسه بشؤونها، وعرف ربه - سبحانه - بصفاته ~~وأفعاله، عبده بما خلقه فيه، فرجع الأمر إليه، فاستحق بذلك النعيم ~~الدائم، والقرب التام، والحبور المستمر أبد الآبدين، وعلا بذلك في ~~مراتب خلقه وأطواره، من أدناه إلى أعلاه، صعد من عالم الجن ~~والقالب، إلى عالم الطبيعة والقوى النفسانية، ثم إلى عالم العقل ~~[و] التعلقات الروحانية، ومساعيها الباطنة. # فلما علا في مراتب أطواره المودعة فيه، استحق أن يسمى ~~إنسانا كاملا، لسيره في أطواره، واستعمال كل قوة بحسبها فيما ~~خلقت له. # وإن حكم على نفسه الطبيعة والهوى، لم يعل في هذه المراتب ~~سيرا ولا ترقيا، وتفندت روحه عن الانطلاق إلى عالمها العلوي ~~بما تراكم عليها من ظلمات جبلتها، فرجع الأمر إلى نفسه، فانحط ~~عن مركزها السفلي للتلطخ بأنجاس نفسه، والتلوث بأدرانها، فاستحق ~~بذلك العذاب الأليم، والبعد عن مراتب أهل النعيم، والحجاب ~~عن القرب العظيم، أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه، إنه المتان ~~الكريم. # وأشهد أن لا إله إلا الله رب العرش العظيم، وأشهد أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، النبي الذي أنذر بالنعيم المقيم، والعذاب ~~الأليم ، صلاة دائمة موجبة لرحمة ms036 المولى الرحيم. PageV01P084 ### || فصل: المراتب المبدوء بذكرها وكيفية قطع مشاقاتها، والترقي في درجاته ### ||| الطور الأول : طور التركيب القالبي : # وطريق قطعه والترقي منه، إنما يكون بأداء الواجبات، واجتناب ~~المنهيات ، بزم الجوارح عن المآثم الموبقات، والورع الشافي ~~عن المحارم والشبهات، فبذلك قطع مسافة الأشياء المتجسدة ~~الحسيات، وتفصيل ذلك النصح لله في القيام بفريضة الصلاة ~~والزكاة والحج والصيام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وغير ذلك، من الأوامر الخاصة التي تختص العبد بحسب الأوقات ~~والأعمال، ثم رعاية العين عن النظر إلى المحرمات، والصور الجميلة ~~المحرمة، ورعاية اللسان عن المحرم، كالكذب والغيبة والنميمة ~~وكل فضول، وكذلك الأذن. ورعاية البطن عن الأرزاق المشتبهة، ~~وكذلك زم جميع الجوارح عن الظلم والعدوان، من اليد والرجل ~~والفرج. # والقاعدة الكلية : استعمال العذر فيها، ومجانبة الظلم والعدوان ~~عن مساعيها، كما قال الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرن) PageV01P085 ### ||| الطور التاني : طور القوى النفسانية : # وطريق قطعها بغلبة هواه وقهره، والحكم بالعقل عليها، فإن فيها ~~قوة شهوانية، وقوة غضبية متى استعملت الشهوة في حدها المشروع، ~~ولم يتعد السالك فيها إلى حد لم يشرع له، بأن يكون العقل حاكما ~~عليهما وسائسا لهما، ترقى إلى قطع هذا الطور وتعمير مرتبته، وذلك ~~هو عبودية الله تعالى في هذا الطور. # والشهوة قوة واحدة، لكن تختلف متعلقاتها، فمنها شهوة ~~الأكل، واللباس، والاجتماع، والنظر، والنكاح، والرياسة، وكل أمر ~~يترامى إليه الطبع، فيفتقر كل من ذلك إلى سياسة شرعية، كما أمر الله ~~تعالى ، ورسوله. # والسياسة الشرعية أن يعطي النفس من ذلك ما كان حقا لها، ~~تدعو حاجته إليه ويمنعها من ذلك ما كان حظا يستغني عن تعاطيه. # والقوة الغضبية قوة واحدة، لكن تختلف - أيضا - أسبابها وموجباتها، ~~فطريق سياستها ألا تطلق إلا في حق الله، وتخمد وتكظم إذا كانت ~~غضبا على فوت حظ النفس، من الأقسام العاجلة، ثم إذا أطلقت لله ~~ينبغي أن يكون الانتقام على الحد الذي شرعه الله تعالى، ولا يتجاوز ~~إلى غيره ، فذلك حد سياسة هذه القوى إن ms037 شاء الله تعالى. ### ||| الطور الثالث : طور العقل: # وطريق قطعه بعد صلاح الطورين الأولين، فمتى صلحا واستقرا ~~على ما ينبغي تفرغ الإنسان لقطع طور العقل، ومتى كان الإنسان ~~منهما في معالجة لم تصف أوقاته لقطع طور العقل، فإذا تفرغ من PageV01P086 ~~واجبهما، فطريق قطعه بأن تنقش فيه المعلومات النافعة الواردة عن الله ~~تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان من العلوم موافقا لهما، كي ~~يتخلص الإنسان بذلك من ظلمة الجهل. # وأهم المهام من العلوم : معرفة دلائل النبوة وسيرها، ومعاني ~~السنة وما يتفرع منها، من الأحكام الفقهية العملية، ومعاني التنزيل ~~وما يتفرع عليه من الأحكام الفقهية الظاهرة العملية ، ثم علم ما يتفرع ~~من الكتاب والسنة، من الأحكام القلبية الباطنة الموجبة للرجاء ~~والخوف والرهبة والرغبة والمحبة والخشية، فإنها من العلم، قال الله ~~تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء). # وهذا العلم هو المهم، إذا حصل لم يضر العبد ما فاته من ~~العلوم تلك المضرة المجحفة، وإن كان الجهل مطلقا مضرا، والعلم ~~مطلقا نافعا، إذا انضم إليها القصود الصحيحة، وإلا فالعلوم النافعة قد ~~تضر صاحبها إذا كانت إرادته فاسدة ، لأنه يتوصل بالعلم إلى نيل ~~الأغراض الفاسدة ، كما يتوصل بالعلم إلى الأغراض الصحيحة ~~بالقصود الصحيحة ، وبالله التوفيق. ### ||| الطور الرابع : طور القلب : # وطريق قطعه ، إنما يكون بعد قطع المراتب الثلاث، وهو إصلاحه ~~بإصلاح قصوده وعزائمه وإراداته وهممه وأعماله وخواطره. # فعن صلاح القلب يكون صلاح الجسد ، كما جاء في الحديث : ~~ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب. PageV01P087 # لكن صلاح القلب في الابتداء يكون بإصلاح حركات الجوارح ، ~~فيسري الصلاح من الظاهر إلى الباطن ابتداء ، ثم ينعكس الأمر ، إذا ~~بلغ العبد طور القلب، فينصلح القلب طبيعة ، بعد أن كان صلاحه ~~عارضا، ثم يسري الصلاح من الباطن إلى الظاهر، بعد أن كان سريانه ~~من الظاهر إلى الباطن. # وعلامة صلاح القلب تأدبه بين يدي مولاه وخالقه، في خواطره ~~وهمومه، وعزائمه وقصوده. # عن صلاح القلب يكون حال التوبة، وحال الورع، ms038 وحال ~~الزهد، وحال الصبر، وحال الشكر، وحال الخوف، وحال الرجاء، ~~وحال التوكل، وحال الرضا، وحال الحب، وحال الشوق ~~وحال التوحيد، فإن هذه كلها أعمال القلب وحركاته ومساعيه ~~ونطقه، كما روي عن بعضهم أنه قال: التوحيد نطق القلب، والتوكل ~~عمله. # وهذه الأعمال إنما تظهر من القلب عند عمارته بصلاح حركات ~~الجوارح من الأعمال الصالحة ، وسياسة القوى النفسانية عن التعدي . # واستعمال العدل فيها، واجتناب الظلم في مساعيها، وامتلاء أوعية ~~العقل من العلوم النافعة، والسياسات الشرعية، فينكشف من مجموع ~~هذه العلوم والأعمال هيئة اجتماعية في القلب الإنساني ، المركب في ~~القلب الجسمي الصنوبري الشكل، فذلك هو الذي يسمى القلب، ~~لا مجرد المضغة الصنوبرية، فعند ذلك يشرق القلب بنور الإيمان ~~والمعرفة والتوحيد، ويظهر منه مثل هذه الأحوال والأعمال، لأن PageV01P088 ~~القلب كان في حجاب عن مولاه، فعبد الله بفعل المأمور، واجتناب ~~المنهي، فتنور القلب بنور المعرفة، فانكشف الحجاب، فشرع القلب ~~يعامل مولاه بمثل هذه الأعمال، عبودية له، كأنه بين يديه ناظر في ~~الغيب إليه، ومثل هذا يسمى: صاحب قلب، فإن قلبه فائم بين يدي الله ~~تعالى، يعامله بمثل هذه العبوديات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. ### ||| الطور الخامس : طور الروح: # وإنما ينقطع بعد قطع هذه الأطوار والتوطن بالاستقامة لله فيها، ~~والدخول قي طور الروح موهبة محضة ، تراد بالمحبوبين المصطنعين ~~عند كمال الكشف الروحي بعد كمال الكشف القلبي، فإن القلب ~~لما كشف له حجابه عامل مولاه سبحانه وتعالى بتلك الأعمال ~~لما كشف له عن حجاب التوبة، ودعاه مولاه إليه من باب التوبة، ~~عامله بالتوبة، ثم لما كشف له عن مقام الخوف خاف، وعن مقام ~~الرجاء حصل له حال الرجاء، ويعامل مولاه به، ثم لما كشف له ~~عن حسن تدبيره وكفالته توكل عليه، وعن حسن قضائه لعبده المؤمن ~~رضي به وبقضائه وعن آلائه ونعمائه، فأحبه لما يغذوه من النعم كلما ~~كشف للقلب عن موطن من هذه ودعاه مولاه من باب من هذه ~~الأبواب دخل في العبودية له منها ، حتى كمل له مقام العبودية القلبية ~~بحسب حاله. ms039 # وآخر المقامات القلبية بدايات مقام المحبة، ومقام المحبة ~~هو بدايات الكشف الروحي ، فمحبة الإنعام والإحسان هو آخر PageV01P089 ~~المقامات القلبية، ومحبة الجلال والإحسان هو آخر المقامات القلبية ~~ومحبة الجلال والإكرام أول المقامات الروحية، ويتفاوتون فيها ~~بحسب ارتفاع درجاتهم، ومقاماتهم منها، ومن حظي بشيء منها فقد ~~دخل ذلك في الطور الخامس: وهو طور الروح ~~والتحقيق إنما يكون بإكمال العبودية في هذه المرتبة، وإكمال ~~العبودية في هذه المرتبة ألا يقع شيء منه على غير مولاه كما قال ~~بعضهم: المحبة أخذة من الله لقلب عبده عن كل من سواه، فترى ~~النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعرفته، والقلب مأخوذا في ~~حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد فيزاد، ويفاتح ~~بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، ويكسى حلل التقريب على بساط ~~القربة. # وكمال ذلك ألا يكون منه شيء خارج عن تلك الأخذة، ومن ~~وفق لذلك يرجى أن يكون الله تعالى متوليه ووليه ومدبره، فهو عبد ~~جذب الله باطنه إليه ولم يقع شيء منه إلا بين يديه، فلها به عن كل ~~شيء سواه، فتولاه وقام بأوده وكفايته وهدايته وحمايته وكلاءته ~~ووقايته، فطوى بعد قطع هذه الأطوار في عبودية الملك القهار، ~~ومثل هذا يسمى: إنسانا كاملا عرف نفسه وأطوارها، وعرف معبوده ~~في عبوديته، فاستنار بأنوارها ثم جذبه مولاه إليه فلم يدع منه شيئا ~~لغيره، ثم تولاه وكفاه وهداه، وهذا هو غاية سلوك العبد في سيره ~~ومنتهاه. PageV01P090 # فنسأل الله الكريم أن يوفقنا بتوفيق من أحبه ورضي عنه وقربه، ~~آمين يا رب العالمين. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P091 ### | قاعدة في تصفية الأخلاق استعدادا ليوم الحشر والتلاق # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله الذي هذب أخلاق أهل معرفته ، بلطائف محاسن شيم ~~عبوديته، وبدل منها طباع النفوس وأخلاقها بأخلاق ملائكته، وجعلهم ~~روحانيين، مطهرين من الصفات البهيمية والسبعية، وذلك من علامة ~~اصطناعه لهم بمحبته وكرامته، أجسادهم أرضية، وأرواحهم ~~وأخلاقهم علوية، لقربها من نظره ومعيته. # وأشهد أن لا إله ms040 إلا الله وحده لا شريك له ، الأزلي في أوليته، ~~الأبدي في آخريته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، الذي أيده ~~بحججه الساطعة في رسالته ، وبعثه داعيا إلى المحجة المثلى في ~~بريته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أهل قربه وولايته. # وبعد: ~~فإن الدين يشتمل على عقود صحيحة، ثم علوم صحيحة، ~~ثم أعمال صحيحة، ثم أخلاق مرضية مليحة، ثم أحوال علوية ~~رجيحة، فمن جمع الله تعالى فيه أصول هذه الخمس تم دينه، وكمل ~~يقينه بحسبه ويبقى التفاوت في تفاصيل أصول هذه الخمس، PageV01P092 ~~وقيام العبد بما يقسم الله تعالى له من حملها أولا، ثم من تفصيلها ~~وفروعها ثانيا. # أما العقود: فعلامة صحتها موافقتها لكتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وكونها على طريقة أهل العلم والإيمان والنقل والأثر: ~~كمالك والسفيانين والحمادين وابن المبارك والشافعي وأحمد بن ~~حنبل ، وغيرهم من الأئمة الذين هم على نهجهم وطريقتهم رضي الله ~~عنهم . # وأما العلوم، فعلامة صحتها : أن تكون على نمط الاعتقاد من ~~كونها مؤسسة على قواعد الشرع، مأخوذة عن سلف الأئمة المجمع ~~على فضلهم. # أما الأعمال، فعلامة صحتها : أن تكون مطابقة للعلم في الصورة ~~الظاهرة يراد بها وجه الله تعالى في الهيبة الباطنة، موضوعة عن محالها ~~للعلم في الصورة الظاهرة في محالها وأحايينها المشروعة، محفوظة ~~عن الزيادة والنقصان بالقانون المشروع أيضا. # وأما الأخلاق : فعلامة كونها مرضية هو العدل كما قال ~~الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر) ، والإحسان عام في كل شيء، وفي ~~الأخلاق - أيضا -. # فحد العدل في الأخلاق توفية الحقوق كما يقتضيه الاستحقاق ~~بلا زيادة ولا نقصان، والكف عن الظلم والعدوان فيها، فمن وفى ~~حق أخيه المسلم فيما بينه وبينه ولم يظلمه فيه فذلك هو العدل؛ مثله PageV01P093 ~~رد السلام ومكافأته في الفضل والإنعام، إما بالموجود أو بالدعاء ~~والإكرام، وموافاته بالتودد بلا تكبر ولا احتشام، وكف الأذى عنه في ~~القول والفعل والظن والأوهام، فهذا العدل الذي يجب للمسلم على ~~المسلم. # وأما الإحسان : فهو ms041 مرتبة العدل من الابتداء بالفضل والسماحة ~~بالبذل لمن يستحق ، ولمن لا يستحق ، وهذا الذي تسميه طائفة من ~~الصوفية الفتوة، وفيه يكون احتمال الأذى، ومكافأة المسيء ~~بالإحسان، وفي مرتبة العدل ليس كذلك؛ فإنه إذا اقتص من ظالمه ~~ولم يتعد عليه فإنه يكون عادلا، ولا يسمى محسنا كما قال الله تعالى ~~(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين). # فالأول مرتبة العدل، والصبر مرتبة الإحسان، ومكافأة المسيء ~~بالإحسان شعار الصديقين، وهو من كمال مرتبة الإحسان، فهو إحسان ~~الإحسان ، وهذا كله في حق الأدميين. # وأما الإساءة من الشخص في حق الله تعالى بارتكاب محارمه إذا ~~ظهرت، فالعدل إزالتها كيف أمكن؛ إما باليد، وإما باللسان، وإما ~~بالقلب، وذلك أضعف الإيمان كما جاء في الحديث، ولا يتوصل إلى ~~رضا الحق تعالى بغير ذلك، ولا تبرأ الذمة بغيره. # وأما الإحسان في ذلك بعد إزالة المنكر باليد أو باللسان ~~التقرب إلى العامي وحسن النصيحة له ، واستجلابه بما تعلم أنه ~~ينجذب به، إما من بذل مال له، أو بذل طعام، أو بذل إكرام أو طيب PageV01P094 ~~كلام، فإذا انجذب ومال نصحه وعلمه بما يجب عليه لله تعالى، ~~وما يترتب على عمله السيئ من عقوبات الله تعالى ، فذلك هو الإحسان ~~في إنكار المنكر بعد إقامة حكم العدل فيه. # اعلم أن استعمال الأخلاق الحسنة وترك سفسافها من الأخلاق ~~المذمومة باطنا وظاهرا ركن من أركان الدين، لا يتم الدين إلا به، ~~منه عدل واجب، ومنه عدل إحسان فاضل. # ما العدل في ذلك فهو إزالة الأحقاد من القلوب، وتبديلها ~~بالرحمة والمحبة، ومحبة حصول الحب لمن حقد عليه، وكذلك يطهر ~~القلب من خبائث الأخلاق واجب، وهو من العدل الذي من أهمل ~~حكمه ووقع فيه كان ظالما، فإنه استعمل أشياء في باطنه لا يحل له ~~يكون ذلك ظالما، يستوجب بها مقت الله وغضبه، ويحبط عمله ~~بذلك فيبطل سعيه وذلك مثل: الخبث والكبر، والرياء والحسد، ~~العجب وسوء الظن، ونسيان الله تعالى، والغش وطلب العلو والرفعة ~~والمنزلة، وحب الثناء والمحمدة، وسخط المقدور، والطمع ms042 والبخل ~~وسوء الخلق والبطر، والتعظيم للأغنياء من أجل غناهم، والاستهانة ~~بالفقراء من أجل فقرهم، والتنافس في الدنيا، والمباهاة، والإعراض ~~عن الخلق استكبارا، ونسيان النعمة، وترك ذكر المنعم سبحانه، ~~والعمى عن إحسانه ، وخروج الخشية من القلب ، وترك الانتصار ~~للحق، والأمن من سلب ما أعطي، ومن المكر والخيانة والغش ~~للمسلم، والتجبر وعز النفس واستحقار المؤمن، واستخفافه بحرمته، ~~رؤية حقوقه على الناس، ورؤية فضله عليهم، ونسيان حقهم ~~فضلهم. PageV01P095 # ودقائق هذه الأخلاق وفروعها وهي التي ينقص بها صاحبها ~~و لا يستوجب إحباط العمل مثل : الخوض في ما لا يعنيه، وكثرة ~~الكلام، وفضول النظر وفضول الطعام، والصلف، والتزين للمخلوقين ~~بالنطق والمداهنة، وحب أن يمدح بما لا يفعل، والاشتغال بعيوب ~~الخلق عن عيوب النفس، وافتقاد الحزن من القلب، والانتصار للنفس ~~إذا نالها الذل ، واتخاذ إخوان العلانية على عداوة هي في السر ، ~~وترك الهوى حتى يشاركه في الأمور، وشهوة الكلام الباطل ~~والحرص وطول الأمل، وخوف سقوط المنزلة بين الناس من عيون ~~الخلق، والفظاظة وغلظ القلب، والغفلة عن ذكر الله تعالى وعن نظره ~~واطلاعه وعلمه بما يجول في سره، والفرح بالدنيا والحزن على ~~فوتها، والأنس بالمخلوقين، والوحشة في الخلوة عند ذكر الله تعالى ~~والمراء في الكلام، والجفاء والطيش والحدة، وقلة الحياء وقلة ~~الرحمة. # واعلم أن العبد لا يتم إيمانه ولا يكمل دينه حتى يعرف هذه ~~الأخلاق من نفسه، ويعمل على تبديلها، وتزكية النفس من ~~موادها. # فالقلب لا يزال بعيدا من الله، قريبا من الشيطان ما دام فيه خلق ~~من هذه الأخلاق وهو غير كاره له، ولا تكمل حاله حتى يبدل من ~~نفسه مثل هذه الأخلاق مستعينا بالله تعالى ، ويستعمل الأخلاق ~~المرضية الروحانية ؛ مثل الورع والتقوى والزهد، والصبر والحلم، ~~والرضا والقناعة، والتوكل والتفويض، وسلامة الصدر، وسخاوة ~~النفس، وحسن النية والرجوع لله تعالى في كل شيء، وحسن الظن PageV01P096 ~~بالمسلمين، والرحمة لهم، وحسن الخلق، وحسن المعرفة، وحسن ~~الطاعة، وحسن الصدق، وحسن المعاشرة والإخلاص، وأن يستوى ~~عنده مادحه وذامه، وعلمه بأن المدح لا ينفع إن كان عند الله مذموما، ~~والذم لا يضر ms043 إن كان عند الله ممدوحا ، والشوق إلى لقاء الله تعالى ~~فذلك من علامات كمال الإيمان . # والتواضع للخلق والمؤمنين كما قال الله تعالى : (أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين)، والإخلاص لله وهو ألا يشرك غير الله ~~معه في عمل من أعماله، ومحبة الفقراء أهل البصر بالدين، الذين هم ~~على محجة السالكين ، وتعظيمهم على غيرهم من الأغنياء أهل الدنيا ، ~~وترك المماراة والمداهنة للناس بما لا يحب الله، وخروج الدنيا من ~~القلب، ومحبة إخفاء عباداته وطاعاته وأحواله وكراماته، فذلك من ~~علامات الإخلاص. # وأن يجعل كلامه ضرورة، وأكله كذلك، ونومه كذلك، ومشيه ~~كذلك، ويرى غيره خيرا منه، ولا يرى لنفسه عليه مزية، قال الله ~~تعالى : (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) ، ويستعمل ~~العبودية مع الله تعالى ؛ فيترك التدبير والاختيار والأماني ، ويكره تعظيم ~~الناس له والإشارة إليه بالصلاح ، ويشتغل بعيب نفسه عن عيوب ~~الناس، ويذكر نعم الله تعالى ومننه وصنائعه على الدوام، ويشكره ~~عليها، وينقاد للحق إذا قيل له، ويجانب الهوى في حركاته وأحواله، ~~فلا يدعه يشاركه في شيء منها ، ويحب الصمت إلا عن شيء يعتقد ~~ثواب الله تعالى عليه، فيضع الكلام في موضعه، ولا يتكل في أعماله ~~وطاعاته ، بل على فضل الله تعالى ، ويجانب الحرص على الدنيا، PageV01P097 ~~ويقصر أمله، فإذا أصبح فلا يحدث نفسه بالمساء، وإذا أمسى ~~فلا يحدث نفسه بالصباح، ويستعمل رقة القلب واليقظة والخوف من ~~المكر، ودوام الاستعانة بالله تعالى، ولا يفرح بموجود من الدنيا . # و لا يأسى على ما فاته منها، قال الله تعالى : (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم) . # ويجد الأنس بالله تعالى في الخلوات، والوحشة من الخلق أهل ~~الغفلة في الخلوات، ويترك المماراة والمجادلة، ويشتغل بالمهم ~~وتعظيم حرمة المؤمنين، ويقوم بحقوقهم وبما أوجب الله عليه لهم، ~~خصوصا من ابتلي به من الأهل والأقارب والزوجات، فيحسن ~~معاشرتهم ويكارمهم، ويلطف بهم ويستجلب ودهم بطيب الكلام ولين ~~الجانب، والتغافل عن زللهم، ومع ذلك فيأمرهم بالطهارة عند ~~الحيض، ولا يسامحهم في تضييع حق من حقوق الله تعالى، فإنهم ~~رعيته ms044 وكل راع مسؤول عن رعيته، ولا يجفو عليهم بسوء خلق، ~~ولا يتغافل عن حق لهم أوجبه الله تعالى؛ مثل نفقتهم الواجبة ~~وكسوتهم، وإن عجز استحلهم وا سترضاهم. # ومن الإحسان استعمال النظافة للزوجة ؛ مثل الحمام والطيب ~~رأزالة الوسخ، فإن لهم حقا كما أن له عليهم حقا، وإذا وقعت منه ~~بادرة في حقهم؛ مثل غضب مفرط أو عقوبة مفرطة بغير حق، فليبادر ~~بتداركها ويستحلهم في ذلك، وينبغي أن يسوي بينهم أيضا في ذلك، ~~فإن بعض الطباع يكون من شيمتها المهانة والملامة، فإذا أكرم فسد ~~حاله، وإذا أهين انصلح، فليراع جميع ذلك فإنه من العدل ~~والإحسان. PageV01P098 # وإذا اجتمع بإخوانه فلا يرى نفسه عليهم بعبادة ولا حال، بل ~~يرى نفسه دونهم، وليدع لهم، وليدع للناقصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم تجاوز عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون سليم ~~القلب رحيما بهم، مكرما لكبيرهم، رحيما بصغيرهم؛ فيرى كبيرهم ~~كالوالد، ومتوسطهم كالأخ، وصغيرهم كالولد، وأبناءهم كالمحارم، ~~ويرى العجوز كأمه، والشابة كأخته، والطفلة كولده، فبذلك يسلم ~~القلب، ويكمل الحال، ويتم الدين إن شاء الله. # وليحفظ نفسه من الحدة في قول أو حركة أو فعل، ويستعمل ~~الرفق والسكينة والأناة في مشيه وكلامه حتى يعتاد ذلك، فيتم بذلك ~~عقله ويهدأ قلبه وتسكن نفسه وتطيب أخلاقه، ولا يتعود العجلة في ~~الكلام والمشي والحركات إلا عند الضرورة، والسكينة في الحركات ~~والأقوال والأفعال، سيما الأولياء؛ أهل المعرفة والحياء والأنس ~~والقرب من الله تعالى . # وليقدم على جميع ذلك نية، فتكون نيته باستعمال هذه الأخلاق ~~ومجانبة تلك الأخلاق المشروحة ؛ أولا : الحياء من الله تعالى، ومن ~~نظره إليه، وقربه منه، ومعيته معه، وإطلاعه عليه وعلمه به وبما يجول ~~في قلبه ، ثم ينوي بهذه الأخلاق امتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، ~~وطاعته على الشعور بعلمه به، وقربه منه؛ فيستحى منه، ويهابه ~~ويعظمه، ويعظم نظره، ويطيع أمره، ويعلم أنه سبحانه قريب من ~~المطيعين، معرض عن المخالفين والعاصين، خصوصا في الأعمال ~~والأخلاق. PageV01P099 # واعلم أن أبناء الآخرة قسمان: قسم رضوا ms045 بأن يعبدوا الله ~~بالعبادة الظاهرة؛ من الصلاة والصوم، وقراءة القرآن والذكر، والحج ~~والصدقة والعتق، وعيادة المريض وتشييع الجنائز، وأبواب البر الذي ~~هو ظاهر بالأركان، ولم يخلصوا إلى عبادة القلوب من الصدق ~~والإخلاص والحلم والصبر والتوكل، وغير ذلك من الأخلاق ~~المذكورة أولا ؛ فتركوا العيوب الظاهرة، من الزنا والسرقة، وشرب ~~المسكر والكذب، والغيبة والنميمة، والسعي بالفساد الظاهر، فرضوا ~~بهذا من أنفسهم ولم يعظموها عن عيوب الباطن؛ مثل الغل والحسد، ~~والغش وسوء الخلق، والكبر والتيه والصولة، والأخلاق المذكورة ~~أولا. # فقدموا على ربهم مع هذه العيوب غير تائبين منها؛ لأنهم ~~لم ينتبهوا لها فيتوبوا منها، وكانت هذه أخلاق النفس فلم يؤدبوها، ~~فكانوا يصلون ويصومون ويجتهدون في أنواع البر، فإذا جاءت نوائب ~~هذه الأخلاق حسبت أنهم من الجهال النقاد، وإذا جاءت نوبة ~~الغضب حسبت أن ذلك الصالح أحمق ، وإذا جاء موضع الطمع ~~فكذلك، وإذا جاء موضع الذل فكذلك؛ تراه كاد أن يشرك بالله ~~وينخلع عن دينه هربا من الذل لإقامة جاهه وقدره وعزه، يرضي الخلق ~~بسخط الخالق هربا من الذل. # وإذا جاء موضع الرزق وكأنه لم يسمع بوعد الله قط حيث قال. # (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)، وتراه مغتما مهتما، ~~محزونا مسلوب الاهتمام لدينه، مشغوف القلب من خوف الرزق. # خاليا عن ذكر الله تعالى، أعمى عن سياقة الله لرزقه إليه كيف يسوق. PageV01P100 # فإذا جاء موضع الفقر تراه أنفا هاربا، مستكبرا عن الفقر، وإذا ~~جاء موضع الرئاسة إن رد عليه كلامه بالسر سما وغضب، وتكبر ~~وأنف، فإذا وعظ في ذلك قال: إنما أغضب لرد الحق، فيقال إن كان ~~هو قد كابر الحق فانظر أنت لا تكون كابرت الله تعالى؛ فإن علامة ~~صدقك تواضعك في الرد عليه ، لأنه إنما عليك البلاغ وعلى ربه ~~الهداية، فإنما عليك البيان، فإذا بينت ولم يرزقه الله هداية فمالك ~~غضبت وأنفت وتكبرت. # وإن مر في الطاعات تزين للمخلوقين، وراءى وتصلف، وإن ~~أثنى عليه رجل بالخير الذي ليس فيه لم يفزع، بل يفرح على مدحه، ~~ويصافيه ويخا لله، وإن ms046 ذمه إنسان بما يراه في نفسه حزن على ذمه ~~لا على نفسه، فعاداه وقاطعه، وقام بملاقاته، وترصد له يبتغي ~~معاياته . كثير الكلام كثير الفضول، صاحب الشهوات والنعيم فرح ~~مستبشر ، كأنه قد جاز الصراط وأعطي الخلاص. # وأما الصنف الآخر: فتركوا العيوب الظاهرة ثم فتشوا فوجدوا ~~في الباطن أضعافا مضاعفة فقصدوا التطهير، وراضوا أنفهم فطهروها ~~عن مثل هذه الأخلاق الدنية ، ونظروا إلى الأعمال الظاهرة التي ~~عبدوا الله بها إنما من عليهم ربهم بها، فثقلت عليهم أثقال المنة؛ ~~فانقطعوا وانكسروا ولم يبق لهم معتمد إلا خالقهم، وانتبهوا لهذه ~~العيوب الباطنة التي تنقصهم عند الله تعالى، وأقبلوا على هذه النفس ~~الأمارة بالسوء؛ فزجروها وراضوها حتى تركت هذه الأخلاق، ~~وتطهرت من هذه الأقذار وتعلقت بالخالق؛ فأنسوا بالله، وسكنوا إلي PageV01P101 ~~عند وعده بالرزق، وائتمنوه على أنفسهم؛ ففوضوا أمرهم إليه، ~~وقطعوا القلوب عن كل شيء يشغلهم عن مولاهم، ورأوا أعظم منته ~~عليهم: بالإسلام والإيمان، والقرآن، والرسول صلى. الله عليه وسلم، وإلى ما دعاهم ~~إلى جواره وداره، فتهذبت أخلاقهم وصفت أسرارهم، وخشعت ~~قلوبهم، وصاروا متواضعين لله، متواضعين لخلقه؛ لا يتكبرون عليهم ~~و لا يصولون. # وهم مع ذلك يحذرون من الخلق كيلا يفسدوا عليهم أديانهم ~~قلوبهم، فلا يخالطون إلا من ينتفعوا به من العلوم الظاهرة والأحكام ~~الباطنة، فتراهم خائفين خاشعين، هينين لينين، خاضعين منقادين، آثار ~~العبودية عليهم ظاهرة من الانكسار لعظمة مولاهم، وهم مع ذلك ~~عزيزين ، عزهم في قلوبهم لاستغنائهم بربهم، وفي ألسنتهم عند ~~إقامة دين مولاهم، فلم تزل المادة إليهم من ربهم واصلة، وعليهم ~~من الله الرحمة دارة دائمة ، حتى قربت إليهم قلوبهم، وعرفهم ~~نفسه فعرفوه وأحبوه، وعظموه وهابوه، وأنسوا به في الخلوات، ~~ووثقوا به، وفوضوا إليه فعبدوه في أيام الدنيا كأنهم يرونه كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعبد الله كأنك تراه، فقدموا على ربهم طاهرين ~~مطهرين، مهذبين نازعين عن العيوب الظاهرة والباطنة، نفوسهم ~~مطمئنة بخالقهم، قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وقلوبهم مشغولة ~~بحبه، متعلقة به، مشتاقة إليه، فأولئك خلفاء الله على عباده، وأولياؤه ms047 ~~في أرضه. PageV01P102 # فنسأل الله الكريم أن يوفقنا لما وفقهم، ويفيض علينا ما أفاض ~~عليهم، ويعيننا على تزكية نفوسنا وتهذيب أخلاقنا بمنه وكرمه، وهذا ~~آخر ما تيسر، والحمد لله وحده. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى ~~يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. PageV01P103 ### | قاعدة في الفرق بين كبر النفس وعزة القلب وبين البغي والشجاعة وغيرهما # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~اعلم أن حركات النفس - غالبا - تكون مقارنة للظلم، وهي ~~حركات شيطانية خارجة عن الفطرة العقلية ، التي فطر الله عليها ~~الخلق. # وحركات القلب - غالبا - تكون مقارنة لميزان الفطرة العقلية ، ~~التي ركبت في الإنسان، وكل منهما له علامة يستدل عليها: ~~فعلامة حركات النفس : الحدة والطيش والعجلة والعمى ~~عن ملاحظة العواقب، والغيبة عن حقائق الأشياء، وغالبا تكون مقارنة ~~للنظر القاصر، وقصد قضاء النهم والوطرية. # وعلامة حركات القلب: التؤدة والسكينة، والوقار، والبصر ~~النافذ في العواقب، وفي حقائق الأشياء، والقوة على قصد تنفيذ ~~الأمور على مقتضياتها، ووضعها مواضعها بالميزان الشرعي، على ~~الصواب العقلي. # أما الميزان الشرعي [ف]معلوم، وأما الصواب العقلي، فهو وضع PageV01P104 ~~ذلك المعنى الشرعي مواضعه، بحيث لا يعديه وقته، ولا ينقصه من ~~حده المشروع، فذلك الذي يسمى: صوابا. # إذا علمت ذلك، فاعلم أن الله تعالى قد ركز في جبلة الإنسان ~~خصائص استعملها في مصالحه من أمور دينه ودنياه. # والحكمة الإلهية تقتضي أن يستعمل كل خصيصة فيما خلقت له، ~~بلا بغي ولا ظلم في طرف الإفراط، ولا برودة وفتور في طرف ~~التفريط . # فمتى وقفت على هذه الثلاثة، عرفت - بمشيئة الله تعالى - الفرق ~~بين ما يتلبس من العوارض الظاهرة والباطنة، من : العزة والكبر، ~~والشجاعة والبغي، والعفة والشبق، والحكمة والهذرمة، والتواضع ~~والذلة، والانتقام والتواضع، والظلم واللينة، والأمنية والمودة ~~والعشق، والمداراة والمداهنة، وغير ذلك من الأعراض الإنسانية، ~~التي يلتبس التمييز بين حقها وباطلها، وقدر المشروع منها ~~مما لا يشرع؛ فإن الله تعالى قد ركب في سجية الإنسان عزة القلب، ~~وسكينة العقل ؛ ليستعمل ذلك في أحواله وشؤونه، بينه وبين ms048 ربه وبين ~~عباده. # فمتى أفرط فيه بمشاركة النفس، خرج إلى الكبر ~~وصفة ذلك: أن العبد العاقل المؤمن العارف بربه يكون له قلب ~~وبصيرة، يرى بها عظمة ربه سبحانه وتعالى، ويلاحظ بها أمره ونهيه، ~~وينظر في العواقب، فتركب من مجموع ذلك سكينة وغيبة في صفاء ~~الفكر تلحقه، فتكون هيئته كهيئة من يكون في حضرة الملك PageV01P105 ~~فلا بد أن يلتبسه من عزه ووقاره ما يظهر منه على وجوده الظاهر، ~~بحيث لا يحقر أحدا، ولا يبخسه حقه، ولا يعديه طوره، فهذه التي ~~تسمى : العزة، وهي عزة مقصورة على القلوب، مقرونة بصفات ~~العقل، عليها طلاوة وحلاوة تشربها القلوب، وتستحليها العقول، ~~وتورث صاحبها محبة في القلوب، وميلا إليه مع ما يظهر عليه من آثار ~~تلك العزة. # فمتى قصرت هذه القوة فيه انحط إلى المهانة، فيورث ذلك ~~السخرية والاستهزاء به بين الناس، كما يورث صاحب العزة الوقار ~~والتعظيم بين الناس. # ومتى أفرطت العزة فيه أخرجته إلى الكبر، والكبر: حركات ~~شيطانية نفسانية، تتركب من رؤية قدره، ونفوذ حكمته وعلمه، وقصور ~~غيره عن حاله، وتورثه استكبارا عن الحق إذا طولب به، وإقامة ~~المعاذير لنفسه عند ظهور الحجة عليه، والغيبة عن ربه ومولاه الذي ~~هو رقيب عليه، فلو لاحظ ذلك لذلت نفسه واعتدل كبره، وصار عزة؛ ~~إذ معرفة الله تعالى وظهور صفات النفس - غالبا - لا يجتمعان، اللهم ~~إلا في ناقص البصيرة، بحيث يبصر أمرا ويغيب عن آخر، فقد يدخل ~~عليه بسبب العمى ما يخلفه عن ذلك. # ومن علامات الكبر: أنه يطلب إقامة جاهه وكسر غيره، والانتقام ~~منه بغير حق، ولا يذكر أحدا إلا انتقصه وذكر عيوبه ونسي فضائله ~~وذكر فضائله وأظهر فضائل نفسه، وهو - كما سبق - صفة يقارنها ~~العمى، والعزة صفة يقارنها البصر، وبالله المستعان. PageV01P106 # ومثل ذلك الشجاعة والبغي، فالله سبحانه وتعالى ركب في سجية ~~العبد قوة وغضبا ليقيم به الحق وأهله، ويكسر به الباطل وأهله، ~~والعبد مطالب بتوفير هذه القوة وحفظها، واستعمالها في أوقاتها في ~~مصالح الدين والدنيا، فمتى قصر منها خرج إلى العجز الذي ~~يبغضه الله، ويلوم ms049 عليه، كما جاء في الحديث: إن الله يلوم على ~~العجز، وكان مع العجز تضييع الحقوق وترك الانتصار للمظلوم، ~~وتضييع المصالح الدنيوية التي لا تتم المعيشة إلا بها، وأمثال ذلك. # فالشجاعة المحمودة يقارنها الصبر والعدل، وهو وضع الأشياء ~~مواضعها ، ومتى أفرطت هذه القوة فيه أخرجت إلى البغي والانتصار ~~للنفس، لا لله، وطلب القهر لغيره، بحق وبغير حق، ومثل ذلك. # ومثله العفة والشبق؛ فالله عز وجل ركب في السجية الإنسانية ~~شهوة إذا اعتدلت بها يكون التآلف بين الأزواج ، وبها يتم التوليد ~~والتناسل، وعلامة اعتدالها أن تكون مقارنة للعقل، وتكون مقصورة ~~على الحد المشروع في الأزواج والإماء ، لا تتعدى الهمة إلى غيرهن ~~ومتى قصرت عن ذلك انحط صاحبها إلى العنة والبرودة، وموت ~~الهمة، وهو عيب في الإنسان. # ومتى أفرطت جاوزت الهمة الحد المشروع، وأخرجته إلى ~~الفواحش ، مما حرمه الله تعالى وكرهه، وقرنتها صفات النفس ~~كما تقدم ذكره؛ وهي هم قضاء الوطر في كل ما يمكن قضاؤه من ذكر ~~وأنثى ودابة واستمناء، فيتخلف عنها حكم العقل وميزانه. # وأعدل الأشياء : التوسط بين الإفراط والتفريط، وكذلك الحكم PageV01P107 ~~في الهذرمة والحكمة، فالله سبحانه جعل في الإنسان قوة ناطقة معبرة ~~عن المصالح الدينية والدنيوية ، وهي وهو ترجمان لما تلاحظه البصيرة ~~من وعد الله ووعيده، وتخويفه وتحذيره، بها تقوم حجة الله، وبها ~~يهتدي الخلق بواسطة العلماء المذكورين لآلاء الله تعالى ونعمه ، ~~وعقوباته، وأمره ونهيه، وهي قوة تقارنها السكينة والعقل إذا اعتدلت ~~فمتى قصرت عن ذلك انحط صاحبها إلى العمى ، وعدم البيان، فتضيع ~~لذلك المصالح العاجلة والآجلة. # ومثله إذا أفرطت في صاحبها وأخرجته إلى الحمق والهذرمة، ~~وعلامة ذلك أن تقارنها صفات النفس لشهوة الكلام خيرا كان أو شرا، ~~بنية أو بغير نية، بخلاف الأول؛ فإنها تكون مقرونة بقصد الصلاح، ~~أو بقصد صالح ونية حسنة، فإن هذا يكون مقصورا على الشهوة، ~~فيمل الحاضرين، ويمقت ذلك، فالأول يؤثر صاحبها آثارا حسنة في ~~القلوب، فتصغي إليه القلوب بأسماعها، فيكون ذلك مما يكفيه من ~~الحكمة؛ كبذر يقع في أرض طيبة، فيكون سببا للفلاح والسعادة ms050 في ~~الآخرة، والاغتباط والغنيمة العاجلة، وخير الأمور أوساطها. # ومثل ذلك التواضع والذلة؛ فالتواضع مقرون بصفات العقل وحسن ~~الخلق، كما قال الله تعالى: (وأخفض جناحك للمؤمنين). # وعلامته ألا يضيع حقا لنفسه، ولا يعطي أحدا فوق ما يستحقه، ~~بل ينزل نفسه دون منزلته قليلا، وبذلك يكون التآلف بين المؤمنين. # والتواصل والتراحم والتحابب. # ومتى فرط في هذه المرتبة انحط صاحبها إلى المهانة والذلة PageV01P108 ~~فيورث ذلك استخفافا به، فيضيع لذلك حقه، ويظلم عن إيفائه، ومتى ~~أفرط فيها غاب عن معرفة حكم نفسه، فربما شمخت وتعالت، ~~فأخرجت صاحبها إلى الكبر المندوب ذكره. # ومثل ذلك الانتقام والظلم، قال الله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به)، فمن انتقم لنفسه أو لله بحكم ~~العدل والشرع؛ كالرد على من انتقص منه بغير حق، أو ذكر ظلم من ~~ظلمه، قال الله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) ~~ولذلك إذا كان الانتقام لله؛ كرد غيبة المسلم، وجلد ~~الزاني ورجمه، وقطع السارق، كل ذلك إما واجب وإما جائز، فمتى ~~قصر ذلك في الشخص أخرجه إلى تضييع الحقوق، والله تعالى ~~لا يرضى حتى تقام حدوده وحقوقه. # فأما العبد فمخير في حق نفسه، ففي بعض الأوقات يكون ~~الانتقام أفضل، وهو فيما إذا ضاع في مقابلة ذلك مصلحة أفضل من ~~الصبر على الأذى، فيكون الانتقام أفضل، وقد يكون الصبر أفضل، ~~فمن راعى الأفضلية استعمل العدل في ذلك . # ومتى زاد المنتقم عن رعاية العدل، أخرجه ذلك إلى الظلم ~~ومفارقة صفات النفس، فطلب مجرد الانتقام والضرب والقتل، ~~كما بلغنا عن بعض الملوك، أنه نقل إليه عن بعض خوله قذفا، فجرد ~~السيف وقتل كل من في الدار من الجواري والغلمان. # ومثل ذلك النية والأمنية، فالنية : القصد الصحيح على تنفيذ أمر ~~من أوامر الله تعالى عز وجل، لا يريد به إلا الله، وذلك ركن من PageV01P109 ~~أركان الدين، لا تتم الأعمال إلا به، ولا تصح بدونه، فمتى قصر ~~صاحب الأعمال فيها أخرجته إلى عمل العادة ؛ كصلاة العادة ، ~~وصدقة العادة، وأمثال ذلك. # ومتى أفرط ms051 فيها أخرجته إلى الوسواس، فيحدث نفسه ~~بما لا يمكن ، مثلا يكون صعلوكا، فيحدث نفسه: أنه إذا ملك يعمر ~~جامعا، أو يولي قاضيا، أو أنه إذا لقي كنزا أن يفتح زاوية، وذلك ~~وإن كان محقا، لكنه تضييع للهم، وحموقية، وخروج عن ميزان العقل ~~والشرع إلى مراد النفس وصفاتها. # وكذلك المودة والعشق ؛ فالمودة اعتقاد النصيحة للأخ المسلم ~~في الله، والأنس به، والوحشة عن غيبته زمانا طويلا، فيحب لأخيه ~~ما يحب لنفسه، ويوده بقلبه، ويشركه في شيء من رفقه، وبهذا تتم ~~المودة بين الإخوان، وتدوم الصحبة، وبه يكون التآلف وسريان الخير ~~من الأخ إلى أخيه ، فمتى قصرت هذه القوة في الشخص انحط ~~صاحبها إلى البرودة والتهاون، فيجتمعان، وكان كل واحد منهما ~~معرضا عن أخيه ، مقصرا في حقه، بارد الهمة عن وده؛ كأنه أجنبي ~~عنه، يستوي عنده إقباله وإعراضه، فلا يهتم لشيء من أموره، ~~ولا يكترث به، وبهذا يكون النفوذ، وتضيع بذلك المصالح الدينية ~~والدنيوية. # وكذلك إذا أفرطت هذه القوة في صاحبها أخرجته إلى تعلق ~~القلب بأخيه، وسكونه في حبة قلبه، ولا يصبر على ألا يراه لحظة ~~واحدة، ويطالبه التقيد به ليلا ونهارا، ويبالغ في حبه حتى يحب أن PageV01P110 ~~يكون فراشه عند فراشه، وهذا إنما يقع غالبا في وداد الصبيان، ~~فيخرج عن ميزان العدل والعقل، ويقارنها صفات النفس وقضاء ~~الوطر ، وربما جرت إلى المكروه من تعاطي ما لا يشرع ؛ من معانقة ~~وتقبيل، إن سلم صاحبها عما هو أكثف من ذلك، والعدل: الوسط ~~من ذلك بين الإفراط والتفريط. # ومثل ذلك المداراة والمداهنة ؛ فالمداراة سجية حسنة صالحة، ~~تكون في المؤمن يعاشر بها إخوانه في الله تعالى؛ فإنهم ذوو نفوس ~~ولا بد من ظهور أحكامها في آحاد منهم بعض الأحيان ؛ مثل حدة في ~~قول، أو سبق لسان فيما لا يقصده صاحبه من كلمة تؤذي، وأمثال ~~ذلك، فإذا ظهر مثل ذلك من أخ في الله احتمله، وداراه لله عز وجل ~~طلبا لمرضاته ، فهذه هي المداراة، ومتى قصرت في صاحبها عقد ~~بقلبه على ما سمع، وأورثه ذلك البغض وسوء ms052 الظن، والمقابحة ~~والمقابلة على كل خطأ يقع من إخوانه، أو نسيان، وذلك نقص ~~ومتى كانت مداراته لحظ دنيوي يتوقعه منه، أو لخدمة يخدمه، ~~ولا يلحظ بتلك المداراة وجه الله تعالى ؛ فهذه مداهنة لا مداراة، ومن ~~وفقه الله لوزن نفسه بميزان الاعتدال في الأمور، وأيقظه لطرف ~~الإفراط والتفريط ؛ استقام على الصراط المستقيم بمشيئة الله تعالى ~~وعونه، وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا ~~إلى يوم الدين. PageV01P111 ### | قاعدة في أن العبد يتعين عليه معرفة الطريق إلى الله عز وجل والتعرف له # بسم الله الرحمن الرحيم ~~وبه الإعانة ~~الحمد لله جامع المتفرقات، المان بتحف المبار والصلات، ~~والمتفضل على أهل وداده بمنح الكرامات، الجاذب لقلوبهم إلى دائرة ~~الجمع من تفرقة الشتات ، طوبى لمن كان الله أمله ومبتغاه من جميع ~~الأغراض الفانية والموجودات، وقرة عينه إذا قرت عيون أهل ~~الحظوظ بالأشياء الموات. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأرض والسموات، ~~وعالم ما ظهر وما بطن من الخفيات، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ~~ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليقوم به أهل الضلالات، ~~وينقذهم من المعاثر والورطات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ~~أفضل الصلوات، وحياهم بأكرم التحيات ~~وبعد: ~~فالعبد يتعين عليه معرفة الطريق إلى الله عز وجل، والتعرف له، ~~فمن عرف ذلك؛ كان الكريم على ربه، والسفلة من لم يعرف الطريق ~~إلى الله عز وجل، ولم يتعرفه. PageV01P112 # والواجب على من سلك طريقا إلى الله عز وجل ألا يفارقها حتى ~~يأتيه اليقين، وإن شقت عليه وتعذرت أسبابها لديه؛ فليسلك إلى الله ~~طريقا أخرى، فإن الطرق كثيرة متنوعة، جعلها الله كذلك لتنوع ~~الاستعدادات واختلافها، وذلك رحمة منه وفضلا ؛ إذ لو كانت طريقا ~~واحدة مع اختلاف الأذهان والعقول، وقوة الاستعدادات وضعفها، ~~لم يسلكها إلا واحد بعد واحد، ولكن لما اختلفت الاستعدادات جعلت ~~الطرق متنوعة ليسلك كل امرئ إلى ربه على قدر ما يقتضيه استعداده. # فمن الناس من سلك طريق العلم والتعلم، يريد ms053 بذلك وجه الله ~~تعالى، فلا يزال لذلك عاكفا على طريقه؛ يتعلم ويعلم، حتى ينفذ إلى ~~ربه، أو يموت في طلبه، فيرجى له الوصول بعد مماته. # قال الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه ~~الموت فقد وقع أجره على الله) . # ومن الناس من يسلك طريقا من طرق الآخرة، مواظبا عليه، ~~يريد به وجه الله، عاكفا على ذلك العمل، غير مفارق له بالإرادة ~~الصحيحة في طلب مولاه، مثل جهاد أو رياضة، أو حج، أو صلاة، ~~أو صوم، أو خدمة، أو إعانة، أو إطعام المساكين، أو بر الوالدين ~~وخدمتهما، أو نوعا من العبادات المشروعة، مثل دوام تلاوة ~~أو ذكر، أو مراقبة، أو تجريد، هم في محبة الله تعالى وطلبه ~~وما جرب المجربون من هذه الطرق طريق الصلاة، فإنها صلاة PageV01P113 ~~قال تعالى : (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون). # خصوصا إذا كانت في خلوة بالتلاوة وطول الركوع ~~والسجود؛ فإنها تذوب النفوس، وتنور القلوب، وتوصل إلى ~~المحبوب بعون الله وتوفيقه، وتورث دوام حال المراقبة والتعظيم، ~~فلا يزال على ذلك العمل يريد به وجه الله والوصول إليه، لا يفارق ~~ذلك العمل حتى يموت أو ينفذ إلى ربه. # ومعنى النفوذ أن يتصل قلبه بنور ربه، ويعلق به، فيسلو به ~~عن جميع الشهوات، ويخترق كوامن النفس، ويظهر دسائسها وخفي ~~شهواتها في حق معرفته واتصاله بربه، ثم يعطف عليه مولاه فيقربه ~~ويصطنعه، ويأخذ بقلبه إليه، ويتولاه في أموره ومعاشه وزواجه، ~~ويتولى تربيته كما يربي الوالد ولده، بل أبلغ؛ فإنه سبحانه القيوم بكل ~~شيء من المخلوقات؛ طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن ~~أحبه واعتنى به، واهتم بقربه والوصول إليه?! # ذاك أمر لا تسعه العبارة. # لو كشف الغطاء عن ألطافه به من حيث يعلم العبد ومن حيث ~~لا يعلم، لكاد أن ينقطع شكرا لمولاه، فمن وقع في تربية الحق وتوليه ~~يشعر باتصال قلبه به سبحانه، ويشعر بتوليه له سبحانه في أموره ~~فهو كالمفوض إليه في النوائب وغيرها ، بل في مجاري الأنفاس، ~~ينتظر ما يريده به ms054 مولاه، قد رضي به مدبرا، ومتوليا، ومعينا، ~~وناصرا، وكافلا، وراحما، وكيف لا وهو أرحم الراحمين، وأحسن ~~الخالقين، وخير الناصرين ?! تبارك الله رب العالمين PageV01P114 ~~ومن رزقه الله معرفة ذلك والإيمان به ؛ لم ينحرف عن ربه في ~~طريق يسلكها إليه ، بل يتوجه إليه بالقصد الأول ، ثم يستخير مولاه في ~~طريق يسلكها إليه فيسلكها ، ويدوم عليها حتى يصل إلى ما ذكر من ~~النفوذ، أو يموت في طلبه. # ومن عرف طريقا إلى الله ثم تركها، وأقبل بإراداته على نيل شيء ~~من راحاته ولذاته، تعثر في آبار المعاطب، وسجن قلبه في حبوس ~~المضايق، وعذب بعذاب لم يعذب به أحد من العالمين، وكيف لا وقد ~~ترك طريق مولاه، وأقبل بكليته على هواه، فهو وإن نال بعض ~~حظوظه، وتلذذ براحاته وشؤونه، يكون مقيد القلب عن انطلاقه في ~~فسحة التوحيد ، منحطا بسبب إعراضه عن مولاه في أسفل السافلين. # وإن مات - والعياذ بالله على ذلك - خيف عليه عذابا خاصا من ~~الحجب الحائلة عن مولاه، وأن يحرق بنار من البعد عن قربه، ويحال ~~بينه وبين ما يتمناه من فضله، وإن كان في نعيم عام في البرزخ، فقد ~~يخاف عليه هذا العذاب الخاص في البرزخ وفي الموقف إلى أن ~~يقضى بين الخلائق، ويتخلف بذلك في الجنة عن درجات المقربين ~~المحبوبين النافذين، أو عن درجات الصادقين الطالبين، الذين دام لهم ~~السير المحبوب إلى مولاهم حتى الممات. # ويخشى عليه إذا نال غرضه من شهوته العاجلة أن ينغص عليه ~~لذاتها أحوج ما كان إليها، ويلحقه غب إعراضه، فيعوق عليه أسباب ~~مراده ، فيخسر الأمرين جميعا، فيكون معذبا في الدنيا بتنغيص ~~شهواته، وشدة الاهتمام بطلب أقسام العاجلة من الأسباب بهم PageV01P115 ~~لا ينفذ، وحرص لا ينقطع، وذل وطمع لا حد له، ومعذبا في ~~البرزخ، وغب الإعراض بالبعد عن الاقتراب من مراتب أهل الصدق ~~والثواب. # طوبى لمن عرف طريقا إلى مولاه فلم يترك الذهاب فيه حتى ~~يلقاه. # ومن أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه بكليته، ومن أعرض ~~عن الله بكليته، أعرض الله عنه بكليته، والخير كله في ms055 إقبال المولى ~~المالك على عبده، كما أن الشر كله في إعراضه عنه. # من أعرض الله عنه لزمه التعثير في أحواله، وقارنه سوء الحال ~~في دنياه ومعاده، ومن أقبل عليه مولاه قارنه السعد في أولاه وأخراه. # إن الله تعالى إذا أقبل على جهة استنارت، وأشرقت ساحتها، ~~وتنورت ظلماتها، وظهرت عليها بهجة الجلال، وسيما آثار الحال، ~~وتوجه إليها أهل الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة؛ لأنهم تبع ~~لمولاهم؛ إذا أحب عبدا أحبوه، وإذا أبغض عبدا مقتوه، وناهيك من ~~يتوجه إليه الملك الأعظم بالمحبة والوداد، ويلحظه أهل السموات ~~وصالحو العباد بالاعتناء به في الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. # وإن الرب عز وجل إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس، ~~وأظلمت أرجاؤها، وانكسفت أنوارها، وظهر عليها وحشة الإعراض، ~~وصارت مأوى للشياطين، وهدفا للشرور والتكوين. PageV01P116 # فالمسكين من عرف طريقا إليه ثم أعرض عنها، أو وجد بارقة ~~من حبه ثم سلبها لم ينفذ إلى مولاه منها ، خصوصا إذا مال بتلك ~~الإرادة إلى نيل شيء من اللذات ، أو انصرف بجملته إلى تحصيل ~~كفاية الزوجات، عاكفا على ذلك في ليله ونهاره، وغدوه ورواحه، ~~هابطا من الأوج الأعلى ، إلى الحضيض الأدنى ، مضت عليه برهة من ~~أوقاته، وكان همه الله، وبغيته قربه ورضاه، على ذلك يصبح ويمسي ~~ويظل ويضحي، وكان الرب في تلك الحالة وليه؛ لأنه ولي من والاه ~~وحبيب من والاه، فأصبح ثاويا في آبار التفرقة، معرضا عن المطالب ~~العالية إلى نيل الأغراض الفاتنة، كان قلبه في السموات، فأضحى ~~هاويا في المزلات، كما قيل: ~~وأصبحت كالباز المنتف ريشه ~~يري حسرات كلما طار طائر ~~وقد كان دهرا في الرياض منعما ~~على كل ما يهوى من الصيد قادر ~~إلى أن أصابته من الدهر نكبة ~~فأصبح مقصوص الجانحين حاسر ~~فيا من عرف إلى ربه طريقا وأعرض عنها ؛ ليت شعري بماذا ~~تعوضت عن الأحبة ? أم بماذا قنعت في شراب المحبة إذا قيل لك ~~كيف طاوعك قلبك على الإعراض إلى نيل ما لا يبقى من الأعراض ~~ليت شعري ؛ بأي جواب تجيب وأنت مخطئ غير مصيب ? ~~يا معرضا ms056 عنا ، عناك التعب، يا من باع الدر بالمحلب هذه لذتك ~~الفانية، حاصلها فرح شهر، وعمر دهر، انتبه من رقدتك قبل حصولك PageV01P117 ~~في إشراك، فتبقى كدود القز يسد على نفسه المذاهب بما نسج على ~~نفسه ، فيندم حين لا تنفعه الندامة. # فنسأل الله الكريم ألا يجعلنا من المعرضين عن الطلب ~~الناكصين إلى نيل الحظ العاجل والأرب بكرمه ورحمته، إنه أرحم ~~الراحمين. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P118 ### | قاعدة في تقوية السالك على الوصول إلى مطلوبه # بسم الله الرحمن الرحيم ~~والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~أجمعين. # كتبنا قبل هذا قاعدة في الحث على سلوك طريق الحق سبحانه ~~وتعالى، وأن من سلك طريقا من طرق الحق تعالى، يتعين على ~~سالكها ألا يفارقها حتى ينفذ إلى ربه تعالى منها، أو يموت في طلبه ~~وبينا النفوذ ما هو معناه. # وهذه القاعدة تتمة لتلك القاعدة، فإن تلك القاعدة خاصيتها ~~الانجذاب من طرق الشهوات إلى طريق من طرق الحق تعالى من تلك ~~الطرق المذكورة؛ من الحج أو الصلاة أو الجهاد أو غير ذلك، وخاصية ~~هذه القاعدة تقوية ذلك الذي انجذب من طرق الشهوات إلى طريق من ~~هذه الطرق؛ فإنه يحتاج إلى شيء يقويه في هذه الطريقة ؛ ليبقى سيره ~~فيها أقوى من سير صاحب الشهوة في شهوته، إن شاء الله تعالى. # اعلم أن قوة السالك في سيره وتقواه إنما يكون بقوتين؛ قوة علمية، ~~وقوة عملية. PageV01P119 # فبالقوة العلمية: يبصر ما بين يديه، ويقصد به الأمر الحق، ~~ويجتنب به أسباب المهالك والمعاطب، كشخص يمشي في ليلة ~~مظلمة، وفي يده سراج يبصر في ضوئه ما يتعثر الماشي بمثله من ~~الشوك والحجارة وغيره، ويبصر - أيضا - بالسراج أعلام قصده ~~فيتقوى به على الاهتداء إلى المطلوب، وعلى التحرز من المعاثر ~~والمعاطب. # وأما القوة العملية : فهي حقيقة السير إلى المطلوب ؛ لأن السير ~~عمل المسافر، فكذلك الذاهب إلى ربه إذا بصر طريقه وأبصر المعاثر ~~فيها ، سار إلى ربه في معاملة يتقرب بها إليه، في طريق يختارها الله ms057 ~~له، وكلما أدمن ذلك العمل وواظب عليه قرب من ربه، وذابت غدد ~~نفسه؛ كالمسافر كلما أدمن السير قرب من المنزل، وتلطفت كثافته، ~~وظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم. # ففي الناس من تكون له القوة العلمية التي مقتضاها البصر ~~بالدين، وبالطريق المقربة إلى الله تعالى، وتكون موجودة فيه، ويكون ~~ضعيفا في باب العمل، يبصر الأشياء ولا يعمل بها، ويبصر المتالف ~~والمخاوف ولا يتوقاها، فهم فقهاء حتى يحضر العمل، فيفارقون ~~العامة في البصر فقط، ويشاركوهم في التخلف عن المقصود، وهم ~~غالب المتفقهة من أهل عصرنا. # وفي الناس من تكون له القوة العملية موجودة فيه ، وهي التي ~~مقتضاها السير والسلوك، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة ~~ويكون أعمى عن البصر عند ورود الشبهات في العقائد، والانحرافات ~~في المقامات والأعمال، وهم غالب المتفقرة والمتصوفة من أهل PageV01P120 ~~زماننا ؛ تجد أحدهم سالكا، أعمى عن المطلوب، لا يدري من يعبد، ~~وبماذا يعبد، كما قال القائل: ~~مشرد عن الوطن ~~يبكي الطلول والدمن ~~يهوي ولا يدريي لمن ~~ويكون مع ذلك أعمى عن العبادة، فلا يدري بماذا يعبد ربه، بل ~~يعبده بجميع ما يلذ نفسه من لبس الصوف والحفا، وكشف الرأس. # وحلق اللحية، فهو أعمى عن ربه، وعما يعبد به ربه، لا يعرف دينه ~~و لا شريعته المثلى التي يعبد الخلق بها، وهي الشريعة التي لا يقبل الله ~~عملا ممن تقرب إليه بشيء لم يكن فيها، وإنما يعبد الله ويدان بما شرعه ~~وأمر به، وكذلك لا يعرف صفات ربه التي تعرف إلى عباده بها، ولا يعرف ~~ما يجب له من الصفات، ولا ما يستحيل في حقه من الصفات. # وليعلم العاقل أن السالك لا يتم سيره وسلوكه إلا بكمال ~~القوتين، ووضعهما مواضعهما؛ وهي: القوة العلمية، والقوة العملية، ~~فمتى كملتا في سالك ووضعهما مواضعهما، وسار بهما، استعد بذلك ~~للوصول إلى مطلوبه، إن شاء الله تعالى. # ونبدأ بذكر ما يخص السالك من القوة العلمية التي هي بمثابة ~~البصر من الأمر اللازم الذي لا بد منه ، إن شاء الله تعالى. # يتعين على السالك معرفة الرسول ms058 صلى الله عليه وسلم، ومعرفته متعذرة إلا من ~~طريق سنته من كتب السير والمغازي والسنن المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبذلك يعرف أيامه وأخلاقه وآدابه، ويمكن العارف بذلك أن يتصوره ~~في المدينة صلى الله عليه وسلم كأنه يراه، ويرى أخلاقه مع أصحابه وأزواجه PageV01P121 ~~وعباداته وغزواته وآدابه، فإذا يسر الله تعالى للسالك معرفة ذلك ~~بمواظبة مجالس مواعيد الحديث والتفسير والسير ؛ فقد حصل له ~~بعون الله تعالى الأساس الذي يبني عليه البنيان ، ثم يترقى من ذلك إلى ~~معرفة صفات الله، الرب الذي أرسله وبعثه رحمة للعالمين، كما أخبر ~~سبحانه وتعالى في كتابه، وأخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم من كونه فوق عرشه، ~~فوق سبع سمواته، عالما بما في خلقه، سميعا بصيرا بأحوالهم، يدبر ~~أمورهم، يقبض ويبسط، ويعز ويذل، ويفقر ويغني، ويمرض ويشفي، ~~ويميت ويحيي، (له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) . # أنزل كتابه على عبده، وشرائعه وحدوده من الحلال والحرام، ~~والسنن والأحكام، والمواعظ والآثار، والقصص والأخبار، هدى به ~~الخلق إليه حيث كانوا جهالا لا يعرفون معبودهم، ولا يعرفون بماذا ~~يعبدوه، فمن حصلت له هذه المعرفة بربه وحصل له الفهم عنه في ~~أوامره ونواهيه، وحدوده وأحكامه، بعد معرفة صفات رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وسننه وآدابه وأخلاقه، فقد كملت فيه القوة العلمية البصرية، وانفتحت ~~عين قلبه، واهتدى إلى ربه، وعرف طريقه وشرعه ومنهاجه، فمثله ~~كمثل شخص كان أعمى يتخبط في طرقه، ويتعثر في أحواله، فمن الله ~~عليه فابصر بعد أن كان أعمى، فأشرق عليه نور الشمس، فقد كملت ~~فيه قوة البصر والعلم بالأشياء، وبقي عليه القوة العملية. # وأما القوة العملية التي لا يتتم الوصول إلا بها، فالسالك إذا ~~عرف الله تعالى وعرف نبيه صلى الله عليه وسلم، وأيقن بأن ربه تعالى الذي عرفه فوق ~~عرشه معه، وفوق كل شيء يسمع كلامه، ويرى مكانه، ويعلم سره ~~وإعلانه، يشد حينئذ مئزره في ضوء نور معرفته بين يدي ربه، ويعامله PageV01P122 ~~معاملة تليق به على حسبه؛ ببذل الجهد في ذلك، فإنه قد عرف ms059 من ~~يعامل، وكيف يعامل، فليقم بين يدي مولاه الذي يعلم سره ونجواه، ~~بقلب منكسر، وجسم خاضع، وطرف خاشع، يعبده بعبادة يحب أن ~~يلقاه بها، ويحسن عنده أن يعامل هذا الرب العظيم بها. # وفي هذه المعاملة تتفاوت العقول والأذواق ؛ إذ كل امرئ يحب ~~أن يلقى ربه في عمل يناسبه، ويعظم عنده، ويزكو على غيره من ~~الأعمال، هذا يحب أن يلقى ربه مصليا، وهذا يحب أن يلقاه ~~مجاهدا، وهذا يحب أن يلقاه ذاكرا، وهذا يحب أن يلقاه خادما ~~وهذا يحب أن يلقاه حاجا ومعتمرا، فيواظب على ذلك العمل بين ~~يدي مولاه في ليله ونهاره، يتقنه إتقانا يليق عنده بربه، ويحسن عنده ~~أن يلقاه به، لا يزال كذلك حتى يموت أو ينفذ إلى ربه. # وقد تقدم معنى النفوذ، فمن كملت له هاتان القوتان؛ العلمية ~~والعملية، قوي في طريقه إن شاء الله، وقوي على قطع القواطع، ~~وحجب الموانع؛ فإن القواطع كثيرة، والموانع جسيمة، وقد قيل: ~~الوقت سيف فاقطعه وإلا قطعك، ومتى كان السير ضعيفا، والقواطع ~~النفسانية قوية ؛ خيف على السالك النكوص والرجوع ، نعوذ بالله من ~~العمى بعد البصيرة، ومن الرجوع عن السير وعن قوة العزيمة ، إنه ~~أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P123 ### | قاعدة في المستعد للتصوف # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله منور الصدور بطلائع الإيمان، وشارحها ببوارق اليقين ~~والعرفان، باسطا القلوب في ميادين الروح والريحان، في حضرات ~~قدس تقريب الرحيم الرحمن، بواسطة أنوار الأسماء والصفات، إذا ~~فتحت خزائن الامتنان. # وكيف لا تبتهج القلوب وترفرف سرورا إلى العلى فرحة وحبورا، ~~وقد خرجت من مضايق الشكوك والارتياب، وظلمات الطبائع ~~والحجاب، إلى فسحات التوحيد والاقتراب، في بواهر أنوار تفجأ ~~كبرق السحاب، وأشعة شموس تلمع كالشهاب? ~~طوبى لمن شرف بهذه المنح، وخلعت عليه منها ملا بس الفرح، ~~طوبى له وحسن مآب، (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون). # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ms060 وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~عبده ورسوله، سيد ولد آدم، الفاتح، الخاتم، المنتظر، القائم ~~واسطة العقد، وزينة الدهر، وينبوع الفلاح، ومعدن النجاح، يزيد ~~على الأنبياء زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر PageV01P124 ~~فهو صدرهم وبدرهم، وعليه يدور أمرهم. قطب فلكهم، وواسطة ~~قلائدهم ، عين كتيبتهم ، الداعي إلى حقيقة هذه في دار السلام ، التي ~~نعيمها قالب لنعيم الحقائق، كما أن المتابعة قالب لتلك البوارق ~~شمس ضحاها ، هلال ليلتها ، در تقاصيرها ، زبرجدها. # صلوات الله عليه وعلى آله ما ذر شارق، وحن وامق، وطرق ~~القلوب من الملأ الأعلى طارق. # وبعد: ~~فإن هذا الفن من العلم يفتقر إلى أهلية واستعداد وعقل فائض، ~~قائم بالعبودية بلا استبداد، تتغذى به القلوب من جوعها كما تتغذى ~~الأجساد بالطعام، وتجد لذته كما تجد لذة المحسوسات بين الأنام، ~~تنفرج به عن القلوب كروبها، وتنمو به العقول، فتعلو به في أقدارها ~~وخطوبها، وتتنور به البواطن فيذهب يبسها ورسوبها، وتعلو به هممها ~~نحو السماء، وتنشرح في ذلك الفضاء بين عساكر الأولياء فيذهب ~~همها وحزنها، ويذهب هلعها وجبنها. # هذا تأثير هذا الفن، فمن استعد له مع ما يرزق من صفاء ~~الفكرة، وصحة الرؤية، وسلامة الطوية، وطيب الطبيعة الفطرية، يبدي ~~هذا الفن من السالك بشاشة في وجهه، لما استكن في باطنه من نور ~~ربه، ويجرد عن القلوب غلها وأغلالها، وخبثها وأعلالها، فهم القوم ~~تراهم أروح الناس قلوبا، وأوفرهم عقولا، وأحسنهم في معايش ~~دنياهم تصرفا، وأصحهم في تدبر أديانهم فكرة وتبصرا، وأسكنهم ~~عن الخنا نفوسا، وأطيبهم بذكر الله أرواحا، وأكثرهم بربهم أفراحا؛ PageV01P125 ~~لأن بواطنهم مجذوبة بالمحبة إلى حظائر القدس، مكتحلة باكتحال ~~التقريب والأنس ، سيماء المحبة عليهم لائحة، وبهجة المعرفة لديهم ~~ظاهرة من حسن الأخلاق، ومطايبة الرفاق، والمكارمة في التلاق؛ ~~لتهذبهم في معاملة الخلاق. # فمن ورث في سلوكه هذه الشيم، ومطرت عليه فيه أنوار الفيض ~~كالديم، فصفت عن الكدر عناصره، وأبهجت بالإشراق ظواهره، ~~وسكنت عن حديث النفس خواطره ، وحركت بالمحبة ضمائره، ~~وبلواعج الإشراق سرائره، كان لهذا الأمر مستعدا، وفي مقاماته راقيا ~~مجدا، وافق هذا العلاج ms061 لأمراضه طبا، وأورثه من إخوانه حبا، وكان ~~على عبادة ربه وعبوديته مكبا، شرحت المعرفة صدره، ويسر التفويض ~~إلى الله أمره، وصار قلبه من محبته كالجمرة، ورزق بين إخوانه المحبة ~~والنظرة، فتلقحت أسرارهم بالتالف والتعاضد والنصرة. # هذه شيمة من صحت منهم الفطرة، وكشفت لهم عن آثار ~~القدرة، ومن صفاتهم ما قيل: ~~هينون لينون أجواد ذوو كرم ~~إخوان مكرمة أبناء أيسار ~~من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ~~مثل النجوم التي يسري بها الساري ~~وأما من أورثه الدخول في هذا الشأن تبلدا في ذهنه، وحيرة ~~في عقله، وانقباضا في سره، وشتاتا في معيشته وأمره، وجهالة ~~في عقله وعلمه ، يتعاطى حركات المتثبطين ، ويسأل سؤالات ~~المتعمقين، ويتعاطى الوجد تكلفا، ويتقحم في ميادين المقربين ~~بطبعه تحيرا وتشهيا بلا سلوك مرضي، ولا سير جلي ولا خفي. PageV01P126 # تظهر عليه أمارات الانحراف، وينعطف إلى تدبيره كالكاف، ~~لا ينتظم في سلك العباد من الاجتهاد في الأوراد ، ولا ينحط في ~~أسلوب الأمجاد ، أهل الهمم العلية الأفراد من التكيف بكيفية ~~الواجدين، والبدار إلى حلية السابقين، فليس مع العابدين ~~ولا الواجدين، فما أقربه إلى حلية البطالين الذين كان ثمرة سلوكهم ~~سوء التدبير في المعيشة، والكسل وكثرة الرقاد في العريشة، وإهمال ~~إصلاح العقول بالعلوم المفيدة، وتواتر الهموم عليه بلا نتيجة، وحاله ~~كما قيل : ~~وا ضيعة العمر لا علم ولا عمل ~~ولا ثراء بل التسويف والأمل ~~إن رمت مرتبة الأبرار يبطئ عن ها التقاعد والإهمال والفشل ~~أعلل التفس بالتقوى وبي علل ~~وهل ينال المعالي من به علل ~~ومثل هذا الإنسان الذي لم يستخرج السلوك منه كما استخرج ~~من أهل هذا الشأن ، فيما سبق من الشرح والبيان؛ فعليه أن ~~يتقي الله في نفسه، ولا يتعاطى ما لا يجدي عليه في يومه ولا أمسه، ~~ويستعمل بدنه بما هو أولى به من علم رافع، وسبب دنياوي نافع ~~وعبادة تكون له غدا عند الله كالشافع، ولا تضيع نفسه فيلقيها ~~في فلوات المتالف، ومعاطب التعاطي لما ليس له موافق ولا موالف ~~ويأخذ من نفسه لنفسه، ولا يدخل بالعترسة بين أبناء ms062 جنسه، كما قيل: ~~خل الهوى لأناس يعرفون به ~~من رام شيئا بلا عزم فقد عثرا PageV01P127 ~~دبيب للمجد والساعون قد بذلوا ~~جهد النفوس والقوا دونه الأزرا ~~فكافحوا المجد حتى مل أكثرهم ~~وعانق المجد من أوفى ومن صبرا ~~لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ~~لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ~~فرحم الله امرءا عرف حده، وصوب جده إلى ما فيه في الدنيا ~~والآخرة سعده، وجانب المغالطة مع معرفته بنفسه، واستعدادها ~~وشغلها بما هو أولى بها، وبالله المستعان، وعليه التكلان. # آخر ما تيسر والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. PageV01P128 ### | قاعدة في خصوص طائفة الصوفية # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~وجملة أمرهم أنهم قوم أحبوا صحبة الحق في الغيب، وطالبوا ~~أنفسهم بالقيام بما يمكنهم من حقوق هذا المصحوب، على الأنفس ~~والقلوب والأرواح، من وظائف الحب والتعظيم، وإيثاره على ما سواه ~~من الخلق والحظوظ، ووظائف الآداب والأخلاق معه وبين يديه، ~~وتحمل المشاق له في إقامة ما أمر، واجتناب ما نهى، وقنعوا به عوضا ~~عن كل شيء، فلم يلتفتوا إلى ما يفوتهم من رضاه ومحبته، وقربه من ~~المنازل والدرجات، ولم يجعلوه غائبا، ولم يعاملوه معاملة الغائب، بل ~~معاملة الحاضر الشاهد، فإن غاب عن عيونهم فهو غير غائب ~~عن بصائرهم، وهو أقرب إلى الشخص من حبل الوريد. # فكيف ترى شأن من أحب صحبة الملوك، ومواصلتهم وعبوديتهم ~~والخلوة بهم، إن ذلك لشأن عظيم؛ فمنهم من وفى حق ذلك ~~فطوباه، ومنهم من أقام بالبعض، وقصر استعداده عن البعض؛ فإن الله ~~لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولكل درجات عند الله، وقد قال ~~تعالى : (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) . # فهذا طريق العبد قبل الفناء، وما يجيء بعد الفناء من فضل إنما PageV01P129 ~~هو فضل ومواصلة من ذلك لمن وفق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم. # فعلامة الحال الصحيح الذي تكون أصوله صحيحة ، موصلة على ~~العلم الإلهي الذي أنزل من السماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا يضيع ~~صاحبه حقا أوجبه الله ms063 تعالى عليه، ولا سنة مؤكدة حض عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث تكون مرتبتها فوق مرتبة الفرائض، وذلك حد ~~جامع إن شاء الله تعالى. # ويدخل فيه حقوق الإخوان، ومكارم الأخلاق معهم، وإجابة ~~سؤالهم، من أمور الدين والدنيا، وعيادة المرضى الصالحين من ~~الإخوان، وتشييع جنائزهم، وأمثال ذلك، وإكرام ضيف يطرق منهم، ~~والمحافظة على الجماعة، والكراهة وضيق الصدر لفوتها. # وأما ما يتعلق بالحظوظ النفسانية وإن كانت حقا؛ كالأكل عند ~~الجوع وأمثاله، فقد يشغل الأحوال الصحيحة عنها، ولا يلامون على ~~ذلك، فأما إن حجبهم عن مثل هذه الأشياء لقوة وارد ورد عليهم ~~وقهرهم، فقد يعذرون في ذلك من وجه، ولا يعذرون من وجه. # فوجه عذرهم؛ أنهم ورد عليهم ما حجزهم عن الجمع بين صولة ~~الحال وبين ذلك الأمر الواجب، أو السنة المؤكدة، ووجه كونهم ~~لا يعذرهم أنهم لو فتشوا في أصولهم التي أسسوا عليها قواعد ~~سلوكهم، لوجدوا فيه أدنى خلل، أما من جهة تهاون ما يسير أدنى ~~ما يكون تقديره بالسنن الشرعية، وإن لم تكن تهاونا بالفرائض، ~~أو أدنى لوث في العقيدة ، أو تزلزل لم يتحكم أصولها من جهة ~~المنعقد، التي توجب اليقين، كمن لاحت أدلتها، وأمثال ذلك. PageV01P130 # فجميع هذه وإن كانت عزيزة قليلة في البدايات، يعود حكمها ~~على صاحبها في النهايات ، فتورث الفتور عما أكد الشرع عمله من ~~مؤكدات السنن ، وهذه قاعدة نرجو ألا تخرم - إن شاء الله تعالى - ~~كل نقص كان في البداية ظهر، في الأحوال عند النهاية. # ومثله الكمال يظهر آخرا، وذلك شر دقيق يفطن له الأولياء، ~~وهو أنه إذا عظمت عند السالك أقدار السنن في الابتداء انخمرت في ~~البواطن تعظيمها، فيظهر حكم ذلك التعظيم في الاستغراق، فلا يشغله ~~ما دهمه من الحال عن تحمل تعرفه تلك السنة المؤكدة ، بل يبقى ذلك ~~التعظيم الذي تخمر يحمل صاحبه على معاملة الله تعالى بذلك ~~المندوب كما تحمله الضرورات عند ورود الحال على الأكل والنوم، ~~والضرورة اللازمة التي لا بد منها، فإنه يتعاطاها بحكم الضرورة في ~~استغراقه ، فكذلك هذا. # ومثل هذا ms064 تعظيم المنكرات في الشرع إذا تخمر في العقائد في ~~الابتداء ، فيحمله ذلك في الانتهاء النهاية عند ورود الأحوال على ~~إنكارها، وإذا لم تخمر ذلك في العقائد فقد يسكت الإنسان، ويقول: ~~الإنكار بقول يفرق جمعيتي، فيهمل أمر الله بعذر، ولا يعذر فيه، ~~وهذه أصول دخل فيها من الخلل على السالكين ، في نهاياتهم ~~دواخل، وتوهموا أنهم معذورون لغلبتهم، وكانت أصولها منحلة في ~~الابتداء عندهم، فهم وإن عذروا في غلباتهم، فقد لا يعذرون في ~~تقصيرهم في الابتداء عن أحكامها، والله الموفق. PageV01P131 ### | قاعدة يذكر فيها أمر السالك في الابتداء وفيها تعلق بالأولى # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~السالك في الابتداء قد تكون في نفسه كوامن خفية ، لا يفطن ~~لها، مثل إرادات خفية تنازعه النفس بإراداتها، فلا ينبغي أن يتغافل ~~عنها بمعالجتها بعلاج يذهب تلك الآثار من الباطن، ومتى غفل عنها ~~وأهمل أمر ذلك وهونه، كان ذا كمينا لا بد بعد حين أن يظهر غالبا ~~من القوة إلى الفعل، فيقطع صاحبه عما هو بصدده، ورأسا وحزنا من ~~كان سالكا، فكان في نفسه رؤية مضر، وكان يدافع ذلك عن نفسه، ~~ولا يعالجها بعلاج يذهب أثر ذلك من القلب، فلم تزل نفسه تراوده ~~حتى ترك سلوكه، وراح وراء مراده. # ورأينا من كان تخمر في باطنه إرادة النكاح وهو يهون ذلك ~~فلم تزل تلك الإرادة حتى ظهرت من القوة إلى الفعل، فهرب من ~~الحقائق إلى الظاهر، ودخل في الرخص، وقنعت نفسه بذلك ~~وسكنت عن طلبها، والنكاح سنة لا تجهل، لكن السالك الطالب ~~يعمل على وصوله، والوصول يقتضي فناء ما سوى الله تعالى من قلبه، ~~فإذا صار كذلك، وخمدت جميع شهواته، وصار مراده مرادا واحدا PageV01P132 ~~وهو الله وحده لا شريك له، أدخله ذلك في المحبة الخاصة المسكرة ~~لصاحبها ، عن جميع الأشياء. # ومن أحب الله تعالى وتولاه فإن كان قد قسم له حبيبه الأعظم ~~زوجة ساقها إليها مهيأة، وكفاه بإرادته لا بإرادة العبد، ويبقى أمرها ~~محمولا، ولا تنقطع عليه طريقه إلى مولاه، ورجوعه إلى عوالم ~~الطبيعة والنفس الذي هو الخذلان عند ms065 أهل التحقيق. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P133 ### | قاعدة في اعتبار أهل الخير وغيرهم # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~اعلم أن العاقل إذا تأمل في هذا الزمان أهل الخير والمنقسمين ~~إليه، يجدهم أصنافا، كل صنف قد اقتصروا على شعبة من الأمر التام ~~الكامل، فقل أن تجد أحدا احتوى على الأمر التام إلا من شاء الله. # فتجد قوما قائمين بصورة سنة الرسول علما، وبعض أفعالها ~~عملا ، بعيدين عن أذواق الأرواح الخاصة من المحبة الخاصة ~~المسكرة، والإيمان التام النافذ من صدق التفويض والتوكل، والخوف ~~والرجاء، لكن جملة ما يتم فيه صورة السنة صحته علما مع أشياء من ~~أعمالها فعلا لا روح فيه، بل ربما كان فيه روائح يسيرة من روائح ~~القلب، مثل استرواح عند تلاوة أو سماع حديث أو نحو ذلك لا غير ~~وهؤلاء عندهم جسم الدين وقالبه، ونفوسهم ربما خرمت عليهم شيئا ~~من قالب الدين، فلم يتركهم يكملوه على هيئة العدل والصواب من ~~كل الوجوه. # وتجد قوما يترامون إلى عالم الروح من طريق غير مشروعة، قد ~~أعرضوا عن أهل الصنف وعن جميع ما عندهم من الخير، اللهم ~~إلا رسوم الدين? الجمعة، وصوم رمضان وأشباه ذلك، فوقعوا PageV01P134 ~~لإعراضهم عن الشريعة، وتعاطيهم عالم الأرواح في انحراف كثير، ~~بحيث صاروا في صوب وأهل الدين في صوب، فوقعوا في ~~السماعات المحرمة والمكروهة، وممازجة أهل الصور لميل أهل ~~الأرواح والنفوس إليهم، فبعدوا لطلب الكمال من غير وجهه ~~عن الكمال بعدا كثيرا. # وتجد قوما طلبوا الكمال، وابتدعوا طريقا لذلك تحذلقوا فيها، ~~فعملوا رسوما غير مشروعة، من القيام والقعود والمعاشرة، فانصرفت ~~الهمم إلى إقامة ذلك الرسم، فحجبوا به عن حقائق رسم الدين ~~وصورته، وذهبت حلاوة صورة الدين وآدابه المشروعة عن قلوبهم ~~لأنها امتلأت برسوم نسبوها إلى شيوخهم، وطلبوا الكمال بلا اقتداء ~~بالرسول محض عن الاقتداء بغيره، فبعدوا بذلك عن الكمال بعدا ~~عظيما، وإن كان فيهم ذا روح قتكون روحه مخنوقة مسجونة بحبال ~~هذه الرسوم ، لو خرج منها إلى رسوم لتنزلت تلك الروح على هذا ms066 ~~القالب تنزلا مناسبا له، فمن كان فيهم ذا روح على رسومهم التي ~~أقاموها كانت روحا على قالب لا تناسبه؛ كروح إنسان في جسد ثور، ~~فهي دائما تتألم بذلك الجسد، وتود أن لو كانت في جسد إنسان ~~فإنه مناسب لها. # والأمر التام الكامل أن يتمسك الإنسان بصورة الدين وقالبه ~~المشروع في العبادات والآداب والأخلاق التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودونت في الدواوين ؛ كسنن أبي داود، والترمذي، بحيث لا يتجاوز ~~الإنسان ذلك ولا يتعداه إلى رسم وقالب ابتدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وفي ذلك كفاية تامة للسالك، ومتى لم يكتف بذلك احتاج إلى بدعة PageV01P135 ~~من الرسوم يمتلئ بها، فيتخلف عنه من الخير بقدر ما امتلأ به من تلك ~~الرسوم المحدثة، فإذا تعود الجسد بالقيام بالوظائف والآداب الشرعية ~~والسنن المشروعة لا غير، فيهتم طالب الكمال إلى النفوذ إلى عالم ~~القلوب من هذا القالب الصحيح. # وطريقه إلى ذلك التوجه إلى الله تعالى بصدق التوبة والإنابة ~~والرجوع إليه ، رجوعا لا يولي معه إلى غيره ، ويثبت على هذه الإنابة ~~والرجوع. # ومن لوازمها براءة الذمة من سائر الحقوق المالية، والتوبة من ~~سائر ما فرط في سالف العمر ، فهذه التوبة يظهر ويواجه الحضرة ~~الإلهية، فهي أحسن بالطهارة عن درنه، ومواجهة الحضرة بالرجوع ~~إليه، والإنابة رجوعا وإنابة لا يرجع بعدها إلى غيره، فليثبت على ~~ذلك. # ومتى ثبت على ذلك رجي لصاحب هذا القالب الصحيح النفوذ ~~إلى عالم القلوب ومكاشفات الصفات، فمتى كوشف بشيء منها علق ~~قلبه بها، ولم يتركه أن يرجع عنها، فيبقى أبدا مشتاقا إليها، كلما ~~توارت عنه التهب وانقبض، فلا يسكن حتى يجدها، فلا يزال كذلك ~~حتى يكمل مشاهد الصفات. # ثم يرجو له النفوذ إلى عالم الأرواح ، فيكاشف سره بعد المرور ~~على الصفات بذوق الجلال الأحدي ، والجمال السرمدي ، فينصبغ ~~قلبه بذلك صبغة لا تبرح، وهذا هو الغاية المطلوبة، تكون المتابعة من ~~الآداب والسنن تجري على ظاهره بلا كلفة ، بحيث تصير طبيعة، PageV01P136 ~~وروحه مكاشفة بجلال المحبوب وجماله جل وعلا، فيكون الروح ~~نهاية ms067 بذلك، والجسد عاكف على الأمر، فبذلك الأمر يتم سلوكه، ~~وتنزاح عنه الرعونات التي تلبسها المنحرفون من سائر الطوائف ~~فيراها فيهم، ويحمد الله على العافية منها، ويرحمهم لأجلها؛ فإنهم ~~مساكين، طلبوا الكمال من غير وجهه، فبعدوا، (ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور ). # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P137 ### | قاعدة في الإنابة إلى الله تعالى # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~أهل الخصوص إنابتهم إلى الله عز وجل أرفع الإنابات؛ لأن ~~قوما أنابوا إلى الله تعالى بالرجوع إليه من المخالفات، وقوم أنابوا إليه ~~بالدخول في الطاعات والعبادات، وقوم أنابوا إليه بالتضرع والدعاء ~~والافتقار، وأرواحهم يذواتها قد تكون ملتفتة عنه، معرضة إلى مألوف ~~غيره نفساني. # وهذه الطائفة أهل الخصوص لما عبروا على الصفات، وكوشفوا ~~بآثار الجلال والجمال الأحدي، أنابت إليه أرواحهم بشدة المحبة ~~الخاصة، المغنية لهم عما سوى محبوبهم، وحيث نابت إليه ~~أرواحهم، لم يتخلف منهم شيء عن الإنابة، فإن الكل تبع الروح ~~فأنابت القلوب بالتضرع والدعاء مع الإنابة الروحية الخاصة، وأناب ~~العقل بالانفعال لأوامر المحبوب العظيم ونواهيه، وأنابت النفس ~~بالانخلاع عن عوائدها الذميمة، وعن تدبيرها واختيارها، وتفويضا ~~إلى مولاها وتسليما ، وترك التدبير هو آخر الصفات المذمومة في ~~النفس، وأناب الجسم والجسد بالانفعال لأفعال السنن والآداب، PageV01P138 # رجوع إلى الحبيب الأعظم بالذات، رجوعا لا يتخلف منه عن الله ~~عز وجل شيء. # وأين هذه الإنابة الخاصة لأهل الخصوص ? ~~فمن أناب ساعة بالدعاء، ولنفسه وقلبه وروحه وعقله التفاتات ~~بالذات عمن أناب إليه، وإن كان قد أناب ساعة ببعضه ثم ترك ذلك، ~~فلا إنابة أعلى من إنابة أهل الخصوص إذا أعان الله ووفق. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P139 ### | قاعدة في مظاهر الشهود والمعرفة # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله الدال على نفسه بما أظهر من مصنوعاته، والمنعوت ~~بما أبدى من مقدسات أسمائه وصفاته، والكاشف عن حجب الجلال ~~والعظمة، متقربا إلى محبته بكمال جمال قدر ذاته، وصلواته على ~~سيدنا محمد أشرف الخلق ممن يراه لرسالاته، ms068 صلوات الله عليه ~~وعلى آله وصحبه وقراباته. # وبعد: ~~فإن مظاهر المعرفة تتنوع وتتعدد بحسب الألطاف التي أبرز بها ~~إلى أسرار المكاشفين من مالك الأولين والآخرين. # فعلامة مظهر الإلهية تجلي العظمة في الآيات الفرقانية ~~والأحاديث النبوية ، متعرفا بذلك سبحانه وتعالى وتقدس إلى قلوب ~~أوليائه حين الاستماع والفهم من ذلك بأني (أنا الله لا إله إلا أنا) ~~هذه آياتي وبيناتي، وحججي ودلالتي، وأنا المتكلم بذلك ~~والآمر بما آمر به، والناهي عما أنهى عنه، والمخوف بما أخوف به، PageV01P140 ~~والمرجي بما أرجي به، فاسمعوا قصصي، وأطيعوا أمري، واتبعوا ~~رسولي ، وأنا المنفرد بذاتي وعظمتي فوق سبع سماواتي ، مطلع على ~~عبادي، أعلم سرهم ونجواهم، فاعبدوني ولا تشركوا بي شيئا. # وها أنا معكم فلا تروني عنكم بعيدا، وإنما بينكم وبين الآخرة ~~حجاب يكشفه الموت فتروني عيانا، وتروا صدق وعيدي مما خوفتكم ~~به، وحذرتكم إياه، وصدق وعدي مما رجوتكم إياه، ورغبتكم فيه، ~~وشوقتكم إليه. # ففي أول الأمر تتجلى هذه المعاني أو بعضها على قلوب ~~المتوجهين، فتشعر قلوبهم بحقائق هذه الأسرار، ويكاشفون بصرائح ~~معانيها، ثم تتوارى عنهم بعض الأحيان، فمن دام له تجلي هذا ~~المشهد في الذكر وفي غيره بواسطة عمل وبلا واسطة، فقد صار له ~~مشهد الإلهية مقاما أقيم فيه، وله من المعرفة الكاملة على قدر ما رزق ~~منها، واستقام علمه وعمله، وخلص الخشوع إلى قلبه، والمحبة ~~الصفاتية إلى باطنه، واليقين الصحيح إلى سره. # ومثل هذا الذي يسمى الموقن، والإيقان نهاية التصديق، ~~والإيمان علامة مشهد الربوبية التي مقتضاها القيومية أن يكاشف ~~القدر، والقدر بواسطة التأمل والاعتبار في المصنوعات، فتتجلى له ~~العظمة الإلهية، والقدرة الربوبية، والحكمة القدسية بواسطة هذا ~~التأمل، متعرفا إلى قلوب أوليائه بواسطة ما ظهر من مصنوعاته ~~ومبتدعاته بأني أنا الله لا إله إلا أنا الخالق، البارئ المصور ، الحي ~~القيوم المدبر، خالق الخلق وباسط الرزق، أنا الذي ابتدعت العالم PageV01P141 ~~الذي ترون على غير مثال سبق، وقدرت آجال أهله، وقسمت ~~أرزاقهم، ودبرت أمورهم على تدبير قدرتي بمقتضى حكمتي، وأنتم ~~ترون أنها لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا، ولا ms069 موتا ولا حياة ~~و لا نشورا. # فمن الذي أقامها ويقيمها ويمدها غيري ? أم من الذي يقوم ~~بأودها سواي? أم من الذي صور أشكالها العجيبة، وصبغ ألوانها ~~البديعة، ونفخ فيها الأرواح المتنوعة المتضمنة عجائب الخواص كل ~~منها لا يشبه الآخر، وكل منها يصلح في عالم الحكمة لما لا يصلح ~~له الآخر? ~~كل ذلك تدبيري وتقديري بمقتضى مشيئتي وإرادتي ، الجاري ~~على ذلك قوانين حكمتي ، (أإله مع الله تعالى الله عما يشركون). # فتوكلوا علي، وتقووا بي، وفوضوا أموركم إلي ؛ فإني أنا مالك ~~للأشياء، ومقاليد أمرها بيدي، أتوكل لكم وأكفيكم بما أهمكم، ~~وأفرغكم لما خلقتكم له، وأنا الله رب العالمين. # فإذا كوشف العارف بحقائق هذه المعاني، وتعرف إليه بارئ ~~النسم وخالق الأمم بأسرار هذه الأشياء؛ فإنه ترده الأشياء إلى بارئها ~~خالقها، ولا يحجبه الخلق عن الخالق، ولا يرى مصنوعا الأدلة ~~عليه، ولا اعترضه شأن منها إلا رده إليه، فتبقى الأشياء المتفرقة ~~عن النظر إلى خالقها جامعة دالة عليه ، فلا يرى شيئا إلا ويسبق نظره ~~إلى المبدي الأول، الخالق المعيد قبل نظره إليها، فيراه أولا حين ~~يفجأه النظر إليها، ثم يراها ضمنا وتبعا، وربما غاب بملاحظة PageV01P142 ~~قيموميته عنها، فمتى دام ذلك للعارف بواسطة الاعتبار والنظر وبغير ~~واسطة ، فقد رقي إلى مقام ملاحظة مشهد الربوبية ، ومتى انحرف ~~المشهد الأول إلى هذا، وانحرف هذا إليه كمل كل منهما بملاحظة ~~الآخر، وقوي به. # واعلم أن هذا المشهد بلا شيء من المشهد الأول لا ينفع في ~~الآخرة عند الله؛ لأن المشهد مجمع عليه بين أهل الملل والنحل، ~~وهو بمثابة قول : لا إله إلا الله، ولا ينفع ذلك إلا بأن يكمل ~~بمحمد رسول الله. # فمشهد الربوبية كلمة التوحيد، ومشهد الإلهية كالإيمان بالرسالة ~~فمن جمع له بينهما كمل كل منهما بالآخر، وبالله التوفيق. # علامة مشهد الديانية التي مضمونها الكشف عن عالم الآخرة ~~وموقف الحساب، وعظمة ذلك اليوم، وهو أن يكاشف بمشهد القيامة ~~حين يقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا، يسمعهم الداعي ~~وينفذهم البصر، فتتشقق السموات عن طباقها، وتنزل الملائكة ~~فيصطفوت ms070 بين الخلائق صفوفا، كما قال سبحانه وتعالى : (وجاء ربك ~~والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له ~~الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي). # فيكاشف العبد بهول ذلك اليوم في الدنيا، ويراه ببصيرته بنور ~~الإيقان ، ويتعرف الرب تعالى إلى عبده بواسطة هذا المشهد ؛ بأني ~~أنا الله لا إله إلا أنا جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، أوفي كل نفس ~~بما كسبت، ولا أظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة أضاعفها PageV01P143 ~~ومن يعمل سوءا يجز به، وأضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا. # وأنا سريع الحساب، وشديد العقاب، أدعو كل أناس بإمامهم، ~~فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا، ومن ~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. # فمن ذا ينجيك من ذلك اليوم غيري ، ومن الذي يتجاوز ~~عن سيئاتك سواي، ومن يقبل عملك غيري حين تجيؤونا فرادي ~~كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، ولا تنفع ~~الشفاعة عندي إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولا . # فانتبه عبدي، وشمر لذلك اليوم، عسى تلقاني بوجه أبيض ~~بما أطعتني في دار الدنيا، فأثقل ميزانك، واغفر سيئاتك، وأجزيك ~~جزاء المحسنين . # واحذر أن تلقاني ناكصا عن طاعتي، مدبرا عن أمري، فأذيقك ~~نكالي، وأحرمك السعادة بقربي وجواري، فمن دام له هذا المشهد ~~بحيث لا يتوارى عنه ؛ فقد امتطى غارب الخوف، وذاق طعم الرجاء، ~~وحمله ذلك على الجد والتشمير والاستقامة في الاجتهاد ، السعايات ~~والحركات مشاهدا يوم تعدد فيه الجنايات، وتضاعف فيه الحسنات، ~~ويباشر قلبه بواسطة هذه المعاني ذوق صفة الديان، ولها مع هذا ~~الخوف لذاذة يجدها صاحبها أنسا ومحبة ، فيحمله ذلك على الاعتدال ~~في المسير كلما قبضه ذلك الهول بواسطة المعرفة، وآنسته المحبة ~~تمكن في مقام مشهد الديانة. PageV01P144 # واعلم أن هذا من لوازم مشهد الإلهية، لكنه يكون في ذلك ~~المشهد ضمنا وتبعا، وفي هذا الموطن تمحضا، وبالله التوفيق. # علامة مشهد الفردانية الدال على عظمة الذات وإكرامه، وهو مشهد ~~مستقل بنفسه، يكون غالبا العبد فيه بعد الفناء ms071 في مقام البقاء وطوالعه ~~ولوائحه قبل ذلك في موطن مشاهد الصفات المتقدمة، فيكون مقامه ~~العام في الصفات، وحاله الخاص في طوالع مشهد الفردانية ~~وإنما يتحقق العبد به بعد طهارته، وفناء خواطره بعد العبور على ~~القبض المفني لبقايا العبد المطهر لأدرانه، فيورثه ذلك حالا يسمى ~~عند الطائفة : حال التجلية، فتذهب أذكاره وأفكاره بذهاب وجوده ~~الأول وفنائه، فلا يجد له قلبا يذكر به؛ لأنه خمدت نفسه على قلبه، ~~وذابت أحكامها وصفاتها، وخمد قلبه على صفته، وذهب أحكامه ~~وصفاته، وتجردت روحه عن عوالم النفس والعقل والقلب، فيبقى ~~صاحبه فارغا عن كل شيء، حتى عن الأذكار والأفكار، وملاحظة ~~الصفات، ثم يتعرف إليه المولى العزيز. # في أثناء ذلك يتجلى مستقلا بنفسه، وفيه يقال : عرف ربه به ~~لا بسواه، له ثقل على الأرواح وهيمنة، فيلبس الوجود بثقله، ويلهب ~~الأفئدة بلمعان أشعته، ويتفاوتون في ذلك، وهذا الذي يوجب الحب ~~الخاص الذي فيه السكرات. # والمشاهد الأول يوجب الحب العام، فيتعرف سبحانه إلى عبده ~~بجلاله وجماله فوق عرشه على مملكته، متفردا بفردانيته، متصفا ~~بصفات الكمال في وحدانيته. PageV01P145 # وهذا المشهد الأول لا يعبر عن حقيقة ذوقه، ولا يعرفه إلا من ~~ذاقه. # ومن علاماته : أن يشرق في سره جمال الوحدانية وجلالها، ~~وبهجتها وكمالها الملازم لها في الآزال والآباد، فربما فني الشاهد في ~~شهوده، فني ما لم يكن، وبفي من لم يزل، فيتشرف العبد بمولاه في ~~هذا الفناء حقيقة التشرف، بل ربما يشهد الكون شريفا - أيضا - ~~لمباشرة مولاه إياه في تدبيره وقيوميته له، وقربه منه، وعلمه به ، فيرى ~~كل شيء شريفا مما مدحه العلم، احترازا عما ذمه العلم، فيكاشفه ~~مولاه بهذا العلم، بأني أنا الله لا إله إلا أنا ذو الجلال والإكرام، ~~المتفرد بالفردانية، والمتوحد بالوحدانية، الجامع لجميع صفات ~~الكمال والجمال. # وأنا الحبيب الأعظم، الذي أتقرب بمثل هذه الصفات إلى قلوب ~~المحبين لي، والمكلفين بوجدي، والمحترقين بشوقي، أكشف لهم ~~عن جمالي وجلالي، بحيث قمتلئ أسرارهم من آثارها، وتنبسط ~~أرواحهم من أشعة أنوارها، ولولا الآجال المحتومة، والأقدار ~~المكتوبة لزهقت أنفسهم اشتياقا إلى معانيه ms072 ، حقيقة ما وجدوه من ذلك ~~الجمال الأحدي، والجلال السرمدي، فإياي فاعبد، ولجلالي ~~وجمالي فعظم، وإلى قربي فاشتق. # وإياك أن تميل إلى ملاحظة شيء من المحبوبات الفانية المزاحمة ~~لمحبتي، فمتى ملت إليها بكلك استحققت بذلك السقوط من عيني، ~~والحجاب عن جلالي وجمالي، وبهائي وكمالي. PageV01P146 # واستعن في توليك وحفظك في مقامك هذا بين يدي، وعظم ~~شكري؛ لما كاشفتك به من ذلك، وقم به، وفرغ قلبك بجملته لي، ~~ولتعظم همتك في إقامة أمري، وفوض إلي. # وإياك أن تستبد بقول أو فعل إلا بي، واستقم على حفظ مقامك ~~هذا حتى أمنحك النظر إلي عيانا في الآخرة، فترى ما لا عين رأت ~~ولا آذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # وهذا الذي تجده اليوم إنما هو حجب البشرية، فانظر كيف ~~عظمته وخطره، فما ظنك بما يكون من حقائق ذلك في يوم الزيادة ~~فكن عبدا لي حقيقة ، ناظر إلي في كل ما تقوله وتفعله ، مستخيرا لي ~~في شأنك كله ، راضيا باختياري لك، مستريحا إلى ولايتي لأمرك، ~~خائفا من مكري، فإنه لا يأمن مكري إلا القوم الخاسرون. # واسألني من خير ما أعلم، واستعذ بي من شر ما أعلم؛ فإني ~~أعلم ولا تعلم، وأنا علام الغيوب. # وقد قيل في صفة هذا المشهد: ~~تجلى لهم وصف الحبيب، فشاهدوا محاسن وصف حارفي كنهها العقل ~~فمن رقاه الله تعالى إلى هذا المشهد، وتعرف إليه بحقائق هذه ~~المعاني، بما يلقيه إليه في سره في سكرات حبه، وإبراز كشفه، فهو الذي ~~يعبر عنه بمشهد الفردانية، وربما أسكره ذلك عن شؤونه وأحواله. # ومنهم من قواه الله تعالى فيه على الأعمال والأقوال، فلا يحجبه ~~ذلك عن مشهده، فذلك هو الكمال. PageV01P147 # | ~~وصاحب هذا المشهد في عيش هنيء، غالب حاله البسط ~~الأنسي ، مع ممازجة فيض الهيبة والشعور بأحكام الديانية المبدوء ~~بذكره، ممتلئ من بهجة الجلال والجمال، منشرح الصدر، قد أخذت ~~جواذب المحبة باطنه، وأسرت روحه، فصار وجوده مظهرا لأثر ذلك ~~الجلال والجمال، وبهجة القرب والاتصال، مع كمون خوف الحساب ~~والجزاء، والعرض على الملك الديان، قد ازدادت عبوديته، ms073 وعظم ~~شكره، وصغر عند نفسه قدره، وعظم في قلبه ربه، وتمكن حبه له، ~~ودام خوفه منه، واستمر حياؤه من نظره، وتم أنسه به، واتصل شغله ~~بقربه، وصار هو شغله، مع إقامة أمره، وعظمت لديه تفاصيل الشريعة ~~وأحكامها، وعظم عنده شأن الأنبياء وما جاءوا؛ لأنه كان يعظمهم ~~أولا على الإيمان ، وهنا يشهد بعثهم وما جاءوا به من تلك العين التي ~~أسكره حبها، فصار لعظم الشريعة عنده من تعظيمها، ومحبتها من ~~محبتهم. # فهذا حكم أوائل مشهد الفردانية وما يكاشفون به في أثناء ذلك ~~من المقامات والمنازلات والملاطفات، لا تحصره عبارة، ولا توفيه ~~إشارة، ويتفاوتون فيه على قدر تفاوت أنصبتهم، وهذا غاية ما يشار ~~إليه، وبالله التوفيق. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P148 ### | قاعدة في أصناف التأله وخصوصية تأله كل طائفة من الطوائف # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~اعلم أن الناس يتفاوتون في الهمم؛ لاختلاف طرائقهم. # فالتأله كالروح للحال، والقالب هو الطريقة التي يلبسها المتأله ~~من عمل وعقيدة وقصد. # وقد ذقنا من أقسام التأله في عمرنا ألوانا مختلفة بحسب ما رآه ~~اجتهادنا أنه الأكمل ، ثم نراه مرجوحا، فنتحول عنه إلى غيره ، حتى ~~فتح الله تعالى بالطريقة العلوية ، التي نرجو أنها التي يحبها الله تعالى ~~ويرضاها لمن أراد التأله. # وها نشرح خصوصية كل ذوق وجدناه من أصناف التأله. # أول طريقة دخلنا فيها : طريقة التصوف على روحانية الصوفية ؛ ~~كالجنيد وأبي سعيد الخراز وأقرانهم، بعد طريقة من الفقه على مذهب ~~الشافعي، تعرف بها تفاصيل الفرض والسنة. PageV01P149 # وخصوصية هذه الطريقة : احتراق يجده الطالب إلى الله تعالى . # ولا يقنع من نفسه بما قنعت به منه الشريعة المحمدية ، فيراها محض ~~الرخص، وأنها تصلح للعوام؛ فطالب نفسه التقطع والتمزق والرياضة ~~المتلفة؛ من التجوع والسهر، والفقر والفاقة، والخروج عن جميع ~~أسباب الدنيا، وانتظار الرزق من الله. # فمثل صاحبه كمثل محب لصورة يبذل في طلبها كل من نفسه ~~حتى يكاد أن يقتل نفسه لذلك. # هذا يطلب الله تعالى فيما شرعه، وفيما لم يشرعه مما يجوز ~~الدخول فيه، بشرط ms074 سلامة العافية. # ويتنزل على صاحبها شيء من آثار الجلال والجمال، والقرب ~~والأنس المجمل، لا تفصيل فيه إلا بآثار الصفات؛ كالسمع والبصر، ~~والعلم والإرادة، والحياة والكلام لا غير، أو بعض الصفات ~~غيرها، وهو منبتر عن الأمر الكلي؛ بحيث يثقل على صاحبه ~~ذلك الشهود ، ويكتسب بالأخلاق المنحرفة أخلاقا تشبه أخلاق اليهود ~~من التيبس تارة، وأخلاقا تشبه أخلاق النصارى من اللين والخضوع ~~أخرى. # ثم إن الروح وإن كانت تتشوق بذلك الحال، لكن تجد عون ~~الحال الكامل المشروع، فتبقى جائعة إلى الكمال، ولا تدري ~~ما هو. PageV01P150 # ثم انتقلنا إلى طريق الشاذلية، وهي روحانية غريبة، بينها وبين ~~الطريقة المحمدية بون من بعض الوجوه، وإنما يعرف ذلك البون من ~~عرف الطريق المحمدي. # وصفة ذلك الذوق مبدأه تركه الاختيار والإرادة، والتعلق بنفس ~~الشاذلي وبمطالعة كلامه، واعتقاد أنه القطب الغوث، الفرد الجامع ~~للأسماء والصفات؛ فيجد الواجد ذوقا من صفة القدم؛ حيث كان الله ~~ولا شيء معه ، بحيث يكاد أن يستر ما سواه من الأكوان. # وتتشكل في نفسه قواعد صحيحة، وغير صحيحة، بسبب التعلق ~~بنفس الشيخ المذكور، وله مشاركة بعلوم الفلاسفة؛ فإنه يشير في ~~كلامه إلى العقل الكلي، وربما قام في نفس الذائق أنه قد صار من ~~الشيعة أو من الأبدال، وقد قرب إلى مقام القطبية بحسب ما اشتملت ~~عليه أذواق شيخه، وكلام أصحابه، فيما يتحاورون فيه بينهم، فيبقى ~~في صوب ، وطريق الإسلام المحمدية في صوب. # هذا وإن كان يذوق صاحبه من الأنس والمحبة والقرب أذواق ~~صحيحة ، لكنها في قوالب مغايرة مبدلة ؛ لبعد العهد عن أول الإسلام ~~في رأس السبعمائة من الهجرة ، ومع ذلك فيبقى في الروح فاقة إلى ~~الأمر الكلي، فلا يقتنع بذلك النقصان. # ثم انتقلنا إلى طريق أهل الحديث والقرآن الصرف، الذين ~~تغذوا فيه، فأشرق القلب بأنوار النبوة والحديث والسيرة؛ لتعلق ~~السالك بروحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشرق القلب بأنوار مسألة العلو ~~والفوقية على العرش، وتجلى الباعث للرسول صلى الله عليه وسلم المنزل للكتاب PageV01P151 ~~حقيقة، وطابق الذوق آيات القرآن، بحيث ينزل القرآن على القلب ~~بلا ms075 تكلف. # وكان في تلك الأذواق المتقدمة يضيق الصدر عند التلاوة شغلا ~~بالحال، وكان العبد يتوهم أن هذا الضيق لغلبة الحال، وإلا فلم يضق ~~عن كلام الله تعالى. # فتبين في هذا الذوق أن ذلك الضيق إنما كان عند الانحراف ~~عن روحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى روحانية أشخاص معينين ، بعيدي العهد ~~عن تلك الروحانية. # وانبعث القلب إلى الجهاد في سبيل الله، كما هو معلوم من ذوق ~~النبوة وآيات الكتاب، واكتسب القلب قوة بعد ضعفه، ونورا بعد ~~ظلمته ، لكنه يشتاق أحيانا إلى روحانية الصوفية ؛ لأنه وجد فيها من ~~صفو المحبة، ومشهد الروح من الأنس والقرب، ولطافة الذوق، ورقة ~~حواسه ما لم يجده في هذا الذوق المحمدي؛ فإن فيه قوة وشدة على ~~أعداء الله، فكان يهرب أحيانا إلى ذوق الصوفية؛ ليجد ذلك الذوق ~~ثم يعود فيقول : يا سبحان الله؛ ليت شعري الذوق المحمدي ~~ناقص حتى يكمل بذلك الذوق الآخر ، ليس هذا نظر صحيح ، بل ~~الذوق المحمدي تام كامل، وجميع الخير الذي في تلك الطرق، إنما ~~هو شعب منه ، مع انحراف عنه ، فالخير الذي فيها من الذوق ~~المحمدي، والظلمة والكسفة التي فيها من انحرافها عنه. # فوقع صاحب هذا في حيرة ، لا يعلمها إلا الله، فاستغاث بالله ~~واستجار به أن يهديه لما اختلف فيه من الحق باذنه. PageV01P152 # فأوقع الله تعالى في سره: أن يتخلى عن جميع تلك الأذواق ~~وما فيها من اللطافة والطيبة ومعالي الأمور، وينجمع بكله على ~~روحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث لا يشوب معها روحانية غيره من ~~المشايخ والصوفية، ويصبر على ذلك. # فلما فعل ذلك كشف الله عن بصيرته معنى يشير إلى نكتة شريفة، ~~عظيمة الخطر لمن يعرف قدرها ، وكانت إلهاما من فضل الله على هذا ~~العبد الضعيف المتحير، الذي قد ضاقت به الأمور، وهي أن ~~هذه روحانية الرسول صلى الله عليه وسلم، هي الروحانية المنسوبة إلى الرب عز وجل، ~~بمعنى أنها هي شرعته وطريقته، ونفس كتابه المنزل، وروحه ~~الذي ألقاه على عبده ورسوله، وأنها هي التي يحبها ms076 ويرضاها، ~~وهي التي ليس بينها وبينه انحراف، بل هي مقابلة له، من كل ~~الوجوه. # فلما استقرت هذه النكتة في سره، وشربها قلبه موقنا بها، ~~واطمأنت نفسه إلى صحتها ، عكس عليه الحال الإبراهيمي الخليلي ~~المحمدي بأضعاف أضعاف ما كان يجده في الذوق الصوفي ، الذي ~~كان يفر من الذوق المحمدي إليه طلبا لذلك الحال، فجاءه ذلك ~~الحال بأكمل الأمور وأتمها، وكان يضيق قلبه في ذلك الذوق ~~وهنا وجد سعة وانشراحا وطمأنينة ، وعرف أن هذا هو الأمر ~~الصحيح المطابق للصواب، وذلك الحال الصوفي هو شعبة منه مع ~~انحراف بين فيه ، والانحراف هو عبادة الله بما لم يشرعه ؛ من التقطع ~~والتمزق، فلذلك يورث صاحبه إما أخلاقا يهودية أو نصرانية. PageV01P153 # وهنا جاء الحال الصحيح؛ وهو حال الخلة اللائق بالعبد ~~لا بالأنبياء ، على طيبة وانشراح، وأورث أخلاقا طيبة حسنة إسلامية، ~~واندرجت فيه مسألة العلو والفوقية في حكم الأمر الكلي ، الروحي ~~الماحي لما سواه، في ظهور جلال جمال الذات المقدس للأرواح في ~~مشهد الفردانية ؛ حيث كان ولا شيء معه. # وهنا نكتة لطيفة: ~~اعلم أن مشاهد الصفات لا يتجلى هذا الأمر الكلي فيه ؛ لأنها ~~مشاهد من الأمر الكلي. # فتارة تكون الصفات متعلقة بالكون؛ كالقيوم، والخلاق ~~والرزاق. # وتارة تكون متعلقة بما جاء منه، وهي الأحكام الشرعية؛ مثل ~~مشهد الإلهية. # وتارة تكون الصفات متعلقة بالذات ؛ كالسميع، والبصير، ~~والحي، فلا يظهر في ذلك إلزام الكل؛ لأنه أمر جزئي، بل يظهر ~~إكرام ذلك الوصف وجلاله، فيكون الكون موجودا في الشهود. # أما إذا كشف الغطاء، وتلاشت الأكوان، وجاءت الفردانية، ~~وصار ما سواها كالحي إلى جانب البحر الزاخر، بقرب لا أقرب منه، ~~وفيه يظهر معنى أقرب من حبل الوريد ما هو، مع الاتصاف بالجلال ~~والإكرام، فا لإكرام من لوازم الحقيقة في مشهد الفردانية، وهو الأمر ~~على ما هو عليه، وهو كشف غطاء الفوقية. PageV01P154 # فأول الفردانية معرفة الفوقية كلما جاء الكون يتلاشى وينمحق ~~ويصغر إلى التحقق بالفردانية ، فتظهر حقيقة المحبة في هذا المشهد ~~على ما تقتضيه قوى العبد واتساع بصيرته ، وفضل الحق على صاحبه، ~~فاجتمعت ms077 لصاحبه المتفرقات من سائر الطرق المحمدي. # وبقيت هنا نكتة : ~~وهي أنه: لم لم يظهر له هذا في امتداد جوله في الذوق المحمدي ? ~~فما ذاك إلا لأنه لما كان الغالب عليه شأن الجهاد، وصلابة ~~القلب وقوته، كان في ظاهر الذوق المحمدي، ولم يبلغ إلى باطنه. # وهنا ذاق شيئا من باطن الذوق المحمدي، واجتمعت له ~~المتفرقات في الأذواق كلها فيه. # والحمد لله رب العالمين كثيرا على ما أسدى إلينا من نعمه ~~ومباره، واجتمع الهم كله على الإيمان والقرآن، وروحانية محمد صلى الله عليه وسلم ~~وانحرفت تلك الروحانية إلى روحانية الخليل عليه السلام، وصار ~~الذوق مطابقا للمقصود ، غير منحرف، وبان فيه جميع الانحرافات ~~المتقدمة، وكان أولا عينه ممتدة إلى طريقة فلان وفلان، وذوق فلان ~~وقلان، فصارت الآن الطبيعة مجبولة بروحانية الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن، ~~وهو ربيع القلب، فيه يجد ذوقه وقلبه وحاله، لا يمل قراءته، ~~ولا يطلب الهدى في غيره، ولله الحمد والمنة. # قال مؤلف هذه القاعدة ، الشيخ الزاهد العابد الورع، عماد الدين ~~الواسطي رحمه الله : علقت هذه القاعدة في حق طالب عساه أن يطلب ~~ما طلبناه، فتكون له عنوانا على الأمر التام المطلوب. PageV01P155 ### | قاعدة تتمة لهذه القاعدة في التألهات # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~ذكرنا أن الخلة هي باطن الحال المحمدي، فلو قال القائل: ~~ما الدليل على ذلك ? قلنا : قوله صلى الله عليه وسلم : ولكن صاحبكم خليل الله. # والخلة هي عبارة عن تخلل المحبة بجميع أجزاء العبد، فإذا كان ~~شخص من أمة هذا النبي صلى الله عليه وسلم، يجد من الحب ما لا يمكن أن يعبر ~~عنه، فما ظنك بمحبة الله عز وجل، الكامنة في الرسول صلى الله عليه وسلم، التي قد ~~تخللت جميع أجزائه، هذا أمر لا يجهل، وهو واضح إن شاء الله ~~تعالى. آخرها. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P156 ### | قاعدة في بيان السلوك # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه أجمعين. # ويعد: ~~فالإنسان السالك في ms078 طريق الله تعالى يتوب إلى ربه عز وجل ~~ويعكف على إرادته وطلب مرضاته وطاعته، ويتلبس بوظائف طاعته، ~~ويستمع إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرته، ويتفكر في مصنوعات ربه ~~وأفعاله في بريته، فلا يزال كذلك حتى يبدو على سره شواهد معرفته ~~وآثار صفاته وأسمائه، ومشاهدته يتوارى ذلك عن سره أحيانا، حتى ~~يستقر المشاهد في مقابلة بصيرة قلبه وينصبغ بآثارها صبغة ملازمة لذاته ~~وحقيقته، فمتى وصل إلى ذلك، فليعلم أنه قطع نصف الطريق، وبقي ~~النصف الآخر، وهو حصول محبة ربه لعبده، واصطناعه له من بين ~~خلقه. # فإن قال قائل : فكيف الطريق للعارف إلى ذلك? ~~فالجواب: أن ذلك قد نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به؛ أنه PageV01P157 ~~قال : لا يزال يتقرب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ~~ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه. # وفي الحديث: ما تقرب إلي عبدي بحثل أداء ما افترضت ~~عليه. # وقي الحديث - أيضا - : من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا، ~~ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. # فقد أخبر سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال عبده يتقرب إليه ~~بالنوافل حتى يحبه . هذا الحديث في الصحيح ~~إذا علم ذلك؛ فليشد العارف مئزر جده في طلب محبة ربه له، ~~ويعكف على دوام التقرب إليه بلا فتور، تارة بالذكر، وتارة بالتلاوة ~~وتارة بعمل الخير، وتارة بزيارة الصالحين ، بحيث لا يفتر عن التقرب ~~إلى الله بالنوافل، وهذا هو السير والسلوك إلى تلك الغاية المطلوبة، ~~كما كانت التوبة والإنابة طريقا إلى المعرفة ، وتندرج في هذه القاعدة ~~جميع متفرقات السلوك؛ من الحضور والهيبة، والمراقبة ونفي ~~لخواطر، وتحلية الباطن وإصلاحه، والمشاهدة والفناء والبقاء. # وبيان ذلك أن العبد يشرع أولا في التقربات بالأعمال، مثل ~~الأذكار والصلاة، وهذا ظاهر التقرب، ثم يترقى من ذلك إلى حال ~~التقرب، وهو الانجذاب إلى مولاه بالكلية ؛ بالروح والعقل والكل ~~فيندرج ms079 في ذلك المحبة الخاصة. # ثم ربما أفناه ذلك فيرتقي إلى الفناء في هذه الطريق، ثم يترقى PageV01P158 ~~إلى الكشف الحقيقي، فيتقرب إلى الله عز وجل حينئذ بالحب والتعظيم ~~على المعاينة، فقد تبين أنه يندرج في ذلك جميع المتفرقات، ولا ينبغي ~~أن يشغله حال الكشف عن الحضور مع معاني الصلاة، فإن الحضور ~~مع المعاني هو المراد في مثل ذلك الموطن، فالتفت إليه، ولا يشتغل ~~عنه ، إذا علم ذلك ؛ فهذه القاعدة هي سر السلوك وحقيقته. # ولهذه سر آخر باطن، ربما بالمواظبة عليه يظهر، وهو حال ~~التقرب أن ينبعث من باطن العبد الجود ببذل الروح والوجود في محبة ~~المعبود بلا كلفة ولا تعمل، فيجود بنفسه وروحه وهواه، ومشيئته ~~وإرادته لمولاه حالا لا تكلفا، وهذا حال من صحت محبته ~~هو لمولاه، فإن يسر الله تعالى، ووجد هذا الحال فهو حال القرب، ~~وسره وباطنه، وإن لم يجده فليتكلف التقرب إلى مولاه بالأذكار ~~والسعايات دائما، عساه يجد هذا الحال من باطنه، فمتى وجده فقد ~~تقرب إلى ربه حقيقة بكليته وجملته عبادا وقلبا وروحا، ومن لم يجد ~~ذلك فهو يتقرب بلسانه وبدنه وظاهره فقط. # واعلم أن هذا هو سر لذلك السر، ولهذا سر السر سر آخر ~~باطن، من وفق ربما وجد سر سر السر، وهو شيء لا يمكن العبارة ~~عنه بأكثر مما يقال إنه يجد في باطنه ذوق من تقرب مني شبرا تقربت ~~إليه ذراعا، فهذا ثمرة أول مراتب التقرب، فإن دام على ذلك ربما ~~وجد ذوق معنى التقرب بالباع في مقابلة تقرب العبد بالذراع، وهذا ~~أوسط مراتب التقرب؛ فإن دام على ذلك ربما وجد ذوق معنى ~~الهرولة، ومعناه غاية القرب في مقابلة المشي من العبد تقربا إليه. PageV01P159 # وأما ذوق ما يعطى صاحب الهرولة إلى ربه؛ فإنه لم يذكر في ~~الحديث؛ اللهم لعظم شأن صاحبه، وعظم خطر جزائه، أو لمعنى غير ~~ذلك، أو لكون أنه قد حصل المقصود بهذه الأمثلة من مراتب القرب ~~فكأنه يقال للعبد: وعلى هذا فقس، وعلى قدر ما تبذل من وجودك ~~تقربا إلى ربك ms080 يتقرب إليكم بمثلي ذلك. # ويلزم من هذا أن من تقرب إلى الله عز وجل بروحه وجميع قواه ~~يتقرب إليه بمثلي ذلك، والمثلات في مقابلة تقرب العبد إلى ربه ~~بجميعه لا يمكن العبارة عنه ، وليس القرب في جميع ذلك من ~~الطرفين، قرب المسافة ولا المماسة، بل تقرب من العبد، وقرب من ~~الرب عز وجل بالمعنى لا بالصورة والرسم، فقد علمت أن طلب ~~المحبة من ذلك الطرف في طريق التقرب هو سر السلوك ونهايته. # وقد علمت أن سره حال التقرب وهو الانبعاث بالجملة إلى الله ~~عز وجل وحقيقة الانبعاث ترك المشيئة لمشيئة مولاه، والتدبير لتدبير ~~مولاه، والثقة به لحسن تدبيره له، والخضوع لأحكامه. # وقد علمت أن من تقرب إلى مولاه بشيء من الأشياء جوزي ~~بضعفي ذلك، وقد علمت أن أعلى أحوال التقرب تقرب العبد بجملته ~~وباطنه لمولاه، وهو علامة المحبة من العبد لربه، وقد علمت أن ~~حقيقة ذلك هو التقرب بترك التدبير والإرادة، فمن فعل ذلك فقد تقرب ~~بكله لمولاه، ولم يبق منه بقية، فيرجى أن يجاد عليه بأكمل التولي ~~وأكمل الولاية، ألا ترى أن الرجل الصادق إذا أخلد أمره إلى أستاذه ~~في الطريق وترك تدبيره واختياره، اختار له الأستاذ أعلى الطرق PageV01P160 ~~وأسناها، وحمله على أعلى ما يعلمه من تراتيب السلوك، فما ظنك ~~بمن أخلد إلى مولاه، وتقرب إليه بجملته، ومنع تدبيره، ورضي ~~بنوليه، كيف يجازيه على ذلك الجواد الرحيم ? ~~فيجب على العبد أن يوقن بتقرب الرب عز وجل إلى قلب عبده ~~في مقابلة تقرب العبد إليه، وقد دل على ذلك قوله تعالى: (فاذكوني ~~أذ كركم) . # وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: من ذكرني في نفسه ~~ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. # ويوقن العبد في معاملته لربه قط لا يخسر، بل لا يزال رابحا ~~بجزاء أفضل مما قدمه إلى ربه أضعافا مضاعفة ، لا يعلم قدر خطر ~~ذلك، فإذا أيقن العبد بما أخبره به الرب عز وجل، واستقر ذلك في ~~قلبه حقيقة، ms081 فعليه أن يطلب محبته له سبحانه، ويسلك إلى ذلك في ~~الطريق المشروع الذي نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدوام التقرب. # وقد علمت أن الناس يتفاوتون في التقرب؛ فمنهم من يتقرب ~~بذكره وعمله، ومنهم من يتقرب بقلبه وهمته، ومنهم من يعطى حال ~~التقرب، فيجود بجميعه لمولاه، ويترك تدبيره له ومناه، ومن رزق أن ~~يجود بجميعه لمولاه تقربا إليه وطلبا لمحبته ، دل على محبته لربه ؛ لأن ~~هذا عمل لا يقوم به إلا من صحت محبته لمولاه، ولم يختلج بسره ~~على ما يكرهه ، بل على ما يحبه ويرضاه. # وإذا كان من يتقرب إلى ربه بالشبر والذراع والمشي، يتقرب إليه ~~بالذراع والباع والهرولة ، بمعنى أنه يضاعف جزاءه على تقربه يتقرب ~~إليه خيرا من تقربه، فما ظنك بمن أعطي حال التقرب، فيتقرب إلى PageV01P161 ~~مولاه بجميع إرادته وهمومه، وأعماله وأقواله، فيمكن أن يقال: ~~و لا يبعد بالقياس الذي تقدم أن هذا عبد وهب نفسه لله، وجاد له بها، ~~فيرجى ان يجاد عليه بأن يكون هو حظ هذا المتقرب ونصيبه عوضا ~~عن كل شيء جاد العبد بنفسه تقربا، فجاد عليه المتفضل المنان بنفسه ~~وبتوليه له على ذلك التفضيل جزاء وفاقا. # واعلم أن هذا المتقرب بجميعه يرجى أن يجد جزاء ذوق عمله ~~بما لا يمكن أن يعبر عنه عاجلا في الدنيا إلا بأكثر من أن يقال : إنه ~~تقبل منه ما تقرب به، ويختطف عن وجوده إلى قرب ربه، ويجد قرب ~~ربه من قلبه ومن جميع أجزئه بالغيب، جزاء لما بذل من نفسه، ويجد ~~عنايته وتوليه فوق كل تدبير كل مشفق ناصح، فمن رزقه الله تعالى هذا ~~التقرب، ووجد ذوق جزائه من قلبه ومن تدبيره له، ثم دام له ذلك ~~فطوباه ثم طوباه ثم طوباه، هنأه الله، فليكتم ذلك على نفسه، ولا يبوح ~~به بين أبناء جنسه؛ فإنه سر من أسرار المولى الكريم إلى عبده، ~~فليعض على ذلك بالنواجذ، عساه يعيش عليه ويموت عليه، ويكون ~~في البررخ معه، ويقوم يوم الحساب سائرا إلى ربه به، وهذا ms082 غاية ~~ما يمكن من العبارة به عنه، وهو أمر يعرفه أهله. # فلينتبه العبد لهذا المعنى الخطير، وليطلب قرب ربه منه في هذا ~~الطريق المشروع ، وليجعل عمدته الحديث الصحيح الذي هو فوق ~~كلام المشايخ والعارفين ، بل هو أصل لهم، فيجعله أصله في سيره ~~إلى محبة ربه له وقربه منه، وليكتم ذلك عن غير أبناء جنسه، بل ~~عن أبناء جنسه إلا من ظهر محبته وصدقه وكتمانه للأسرار، مستعينا ~~ومعتضدا بالله تعالى، وبالله المستعان. PageV01P162 # ونعوذ بالله من الحلول والاتحاد، والقول بوحدة الوجود وفيض ~~الوجود، كما هو مذهب صاحب (الفصوص) وأصحابه ؛ فإن جميع ~~ذلك زندقة وكفر. # وليس المعنى بهذا السر المذكور ما ذهبوا إليه، بل الرب سبحانه ~~رب، والعبد عبد، وهو في ذلك إله فوق عرشه وفوق سبع سماواته، ~~بائن من خلقه، يقرب من قلوب محبيه ومريديه الصادقين في طلبه ~~قربا يجدونه ويعرفونه ويتحققونه بلا شبه ولا مثل ولا كيف ولا تحديد، ~~يجدون أثر ذلك في قلوبهم، ولا يمكنهم العبارة عن حقيقته بلا مماسة ~~ولا امتزاج ولا حلول، بل عناية من ربهم عز وجل، ومحبة منه لهم، ~~وقرب منهم يجدون أثره، ولا يكيفون حقيقته سبحانه وتعالى في علوه ~~وفوقيته على مخلوقاته، يتفضل في عظمته وكبريائه، ويلاطف محبيه ~~والصادقين في طلبه، ويقرب منهم في علوه بقرب هو صفة تليق به ~~لا بتقرب معهود مكيف محدد. # جل صاحب التفضيل وتقدست أسماؤه، وعظمت آلاؤه، وله ~~الحمد بجميع محامده على جميع نعمه كلها. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV01P163 ### | قاعدة في سلوك الأولياء الذين ترامت هممهم إلى الاستقرار في عساكر الأولياء ### || # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله الذي (يمسك السملوات وألأتض أن وتزولا ولئن زالتا إن ~~أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا). # وصلى الله على سيدنا محمد نبي الهدى، وعلى آله وصحبه ~~وسلم كثيرا. # وبعد: ~~فمن أراد الله عز وجل أن يقسم له حظا من حظوظ العبيد ~~أشهده الإلهية وحقيقتها، ثم أشهده قيوميته وحقيقتها. # فعلامة التحقق بالإلهية: ms083 التلبس بكسوة السنة والقرآن وأخلاقه، ~~بحيث يصير له هيئة لازمة، وطبيعة ثابتة. # وعلامة التحقق بالقيومية: ذهاب استقلاله واستبداده بالأمور ~~لغلبة العلم بالحي القيوم، والتحقق بقيامه على الأشياء بعد شهوده بأنه ~~الملك فوق الخليقة، يدبر الأمر، بيده النفع والضر، والعطاء والمنع، ~~لا تبديل لكلماته، فعندها يذعن العبد بالانقياد بالعبودية خضوعا PageV01P164 ~~لأحكام الربوبية، شهد عجز نفسه وضعفها وعدم استقلالها بحركة ~~أو سكون ظهر من له الأمر في القلوب ظهورا رجع الكل إليه ~~وصار هو المستقل بالأمور والأسباب، والوسائط ناشئة عن قدرته، ~~منفعلة عن إرادته ومشيئته، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير. # (وجاء ربك والملك صفا صفا) ، بجميع صفاته ~~وأسمائه، وتدبيره وأفعاله، وحكمته النافذة، ومشيئته الكائنة، وكلماته ~~التامات، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وإليه المآب، فصار ~~أقرب من العبيد من حبل الوريد ، يدبر الأمر بقرب هو صفته وحيطة ~~هي نعته، فهناك وقف العبد الذليل مع تدبير المولى الجليل، وبين يديه ~~يطلب التحقق بقربه بعد وجود قربته، وترامى إلى أن يتولى سيره إليه ~~بفضله، ويتولى نقلاته إليه ملكا ملكا، إلى أن تبلغ إما في العمر ~~القصير، أو في البرزخ بين الدنيا والآخرة في موطن القبور، أو في ~~يوم النشور على حسب ما تقتضيه المشيئات الباهرة ، والحكمة التامة، ~~والألطاف العاطفة الراحمة، فوقف هناك لم يبلغ عملا بعد امحاق ~~وجود المحبة من وجوده؛ لتلاشيه عند لمعان أشعة سلطان الوجود، ~~فحينئذ لا وصف للعبد إلا علم التبعية لمولاه، تابعا متلاشيا في ~~متابعته، ولا وجود حقيقة إلا وجود الموجود، وإن كان للعبد وجود ~~فهو كالخيال والظلال، إذ لا نقول بالوجود الواحد في الحق والخلق، ~~تعالى الله عن ذلك، وننزهه عن مقالة صاحب (الفصوص) وأتباعهم ~~- طهر الله الأرض من آثارهم، وأقام آثار دينه الحنيفي - أنه على كل ~~شيء قدير. PageV01P165 # ثم لا صفات إلا صفاته، فهو الظاهر بها، والحكم لها، ~~والكيفيتين لها، والعبد لا شيء موجود غير أنه يعاين المشهود الذي ~~هو بذاته وصفاته موجود، يدبر الأمر، وبيده الحكم. # ووقف في هذا الموطن لا يتجاوز الفريضة ms084 والسنة، منتظرا فضله ~~ونقلاته إليه في مراتب النقلات ، فغض عينه عن كثرة الأعمال الخاصة ~~والمتعدية، وعن التصديق للإرشاد، اللهم إلا إذا أوجب أو تأكد ~~ساكنا ساكتا ، خامدا جامدا ، عابدا مشاهدا ، ذاهبا فانيا، حامدا ~~شاكرا، منتظرا منه المزيد حيث رقاه إلى ملك الوجود، وأذهبه فيه، ~~وأراه أحكامه وصفاته، وجعله غالبا في قلبه على كل شيء، فهو يترقب ~~ملكا آخر يرقيه، ولا ييأس من جذبة تأخذه إلى ملك الملك؛ ليقر عينه ~~بلقاء الحبيب الأول، الكائنة محبته قبل المحبات. # فمن لوازم حال هذا المنتظر إغماض بصره عما سوى مأموله، ~~والاقتصار في حركات المعيشة على حد لا يتم الدين والدنيا إلا بها؛ ~~من الكلام والحركات والأفعال والأخلاق. # وليس حال مثل هذا كحال من وجد ثم رد إلى مرتبة في وجود ~~الشهادة يعمرها ، لينال آخرها، فهو يعمل الليل والنهار على تعميرها ~~ليكمل له هيأتها في عالم الشهادة، ويتعمر بها الدين والدنيا، ~~ويكمل له ثوابها في الآخرة ، فهذا عبد لم تشخص همته إلى ~~ما شخصت إليه همم أهل المراتب، الطالبين للقرب، أولئك قطعهم ~~طلب القرب وانتظار نقلات الحق إليه بعد التحقيق بالقيومية ~~وغلبة كونها وأحكامها على سائر الأحكام، ومحولها ما عداها، PageV01P166 ~~فهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ؛ اهتماما بما يقصدونه، وهم فيه بالله ~~لا بنفوسهم. ### || فصل # هؤلاء السادة أخمد التحقق بالقيومية منهم الخواطر والإرادات ~~شغلا بمدبر الأمر، وشخوصا إلى مشيئاته، والتوطن على أحكامه، ~~ناظرين منه إليه، طالبين منه هو هجم الحال عليهم، شغلة عليهم، ~~فلبس عنهم ما سواه وتخلله، فصار السوى كالهباء في الهواء؛ ~~إن فتشته لم تجده شيئا، وقطع طلب الوصول عنهم الالتفات إلى ~~شيء تنصرف الهمم إلى مثله من السعايات؛ فهمهم واحد في طلب ~~الوصول، ومع ذلك فيتحركون في الأمر والنهي بما أمكن من الفضائل ~~والنوافل، عبودية وتمسكا بالسنة، وهمة الوصول قد أخذت ~~جملتهم، والانتظار لنقلات الحق عز وجل حليتهم، والتغيب بما يبدو ~~من فضل الحق لشؤونهم ، ولهم في ذلك من التلاوة والنافلة حظ ~~وافر. # أما الذكر فإن المذكور حشا بصائرهم، فألسنتهم وقلوبهم قد ms085 ~~تنقبض عن ذكر الموجود الذي هو الذاكر لهم، يستوحشون عما منهم، ~~ويأنسون بما يفنيهم عنهم من وجود الحقائق الغيبية الذاتية مع صفاتها ~~الملازمة لها ، فإلى هنا انتهى سيرهم وانتظارهم ، به يحيون ويموتون ~~إن شاء، وإياه يطلبون، وبوجوده يغيبون فناء ثم بقاء، وإليه النشور. PageV01P167 ### || فصل # من تحقق بالقيومية ويحب مشاهده من نفسه في كل شيء ، يكون ~~حكمه ظهور الذات بوصف القيومية، فإذا رسخ تلطف الله به؛ بأن ~~يعود عليه أحكام الصفات ضمن مشهده من العظمة والجبروت ~~والجلال والإكرام، والاستواء والعلو، والكلام والشرائع والأحكام، ~~فيظهر والله أعلم أن مثل هذا الترتيب يكون أكمل ممن ظهرت له ~~القيومية أولا، ثم تفصيل أحكام صاحبها مثل هذا التفصيل، وتبقى ~~القيومية مندرجة في شهوده كاندراج الفوقية في الشهود الأول. # ووجه كماله أن القيومية تذهب شاهدا للعبودية، فلا يشهد من ~~نفسه أولية إلا بأوليته، ولا آخرية إلا بآخريته، ولا ظاهرية ~~إلا بظاهريته، ولا باطنية إلا بباطنيته، وذلك أول مراتب التحقق ~~بالعبودية ثم يعود الشهود بفصل أحكام الصفات على ما تقدم ~~بخلاف من اندرجت القيومية في مشهده، وكان الحكم للفوقية، فإنه ~~لا يفنى ذلك شاهده؛ لعدم التحقق بالقيومية، وإن شاهدها وفرق بين ~~شاهدها والتحقق بها لتحقق بها، علامته فناء الشواهد، وبلوغ غرض ~~شيخ الإسلام في جميع كتابه (متازل السائرين) ، حيث إنه ساق ~~جميع الأبواب إلى فناء شاهد الخلق، وبقاء الحق، وتصرفه. # وبالله المستعان، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV01P168 ### | قاعدة من علامات التحقق بالقيومية (هذه القاعدة تتمة لما سبقها) ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~من علامات التحقق بالقيومية ألا يجاذب نفسه عند الدفع ~~والجلب بالنظر إلى استجلاب الأشياء ودفعها ، بل يرجع إلى ربه في ~~مبادئ كل أمر رجوعا. # فهو رجل لم يزل يقول : الأمر كله لله، حتى يثبت هذا المعنى ~~في قلبه ثبوتا لا يتوارى، ثم كشف عن حقيقته ذلك، فصار فقيرا ~~بالذات إلى مولاه، لا يرى فعل نفسه إلا بالقصد الثاني، ويرى الأمور ~~كلها بيد الله؛ فإذا أحدث حادث لم يتفكر ms086 في أفعل، أترك، بل يرجع ~~إلى صاحب الأمر ووليه، فيستسلم، ويستمد من فضله به، يرى ذلك ~~الاستسلام والاستمداد من فيض الحق وفضله، والله الموفق. ### || فصل # ولهم بعد الفناء محبة خاصة مقترنة بقرب يغيب عما سواه، ~~وتلك المحبة والله أعلم من عيون البقاء، وربما كانت في حق قوم ~~من المحبة لهم ، فتؤثر تلك المحبة فيهم ، محبة مقترنة PageV01P169 ~~بالفناء عن الوجود المضمحل، والبقاء بالوجود الحقيقي الكابس ~~لوجودهم الذي هو كالخيال والظلال، فحينئذ لا يفرقه إلا ما يتلون ~~العبد به من ثقل الحال في أشياء يعود نفعها خصوصا وعموما ~~وبالله المستعان. ### || فصل # من فتح الله على قلبه بالمحبة الخاصة الملهية للروح عن مشاهده ~~في ظهور الفناء، ثم عن وجود في طور البقاء ، المقارنة للقرب ~~الماحي لما سواه ، بحيث يرى المحب شاهد المحبة من محبة الحق ~~له، ونظره إليه، وعنايته به، فهو به في محبته التي هي محبته، كما قال ~~تعالى : (يحبهم ويحبونه ) . # فعليه أن يستعين بالله، ويستجير به الليل والنهار أن يحفظ عليه ~~ما أولاه، ولا يمتحنه بشيء يستر هذا الحال عن قلبه. # فالأسباب التي يخاف منها : حب الاجتماع، واتحاد الأصدقاء ~~واشتغال القلب بهم وبخدمتهم، والقيام بمصالحهم، والاهتمام ~~بالتزوج والعيال، والرجوع إلى الكسب، ومجالسة الثقلاء ~~المغايرين ، الذين لا يطلبون ما يطلب الصادقون، ومحبة صورة ~~للطافة طبعها أو حسن تركيبها، بحيث يسكن ذلك في القلب ~~فمثل هذه الأشياء حاجبة قاطعة ساترة لهذا الحال الإلهي ~~الشريف. PageV01P170 ### || فصل # المحبة من أصلف المقامات وألطفها، هي كالثوب الأبيض ~~النقي، يدنسه أدنى لواث، فكذلك يغير القلب أدنى التفات، أو علقة ~~من حب مال أو جاه ، أو مشيخة أو اجتماع، أو زوجة أو صورة، ~~أو اجتماع بمغاير لله كيفية بمغايرة لما يكون السالك فيه، أو أي ميل ~~كان، اللهم إلا أن يكون ذلك بالله يدخل عليه، وهو رافع له مما أتيح ~~شرعا، ينفض ثوبه، وهو يتعلق به، فذاك ربما يكون محمولا فيه ~~بشرط عدم الركون إليه والطمأنينة. ### || فصل # ومن الأشياء التي خاف منها السلب : الركون إلى الحال نفسه ، ~~والطمأنينة فيه، ms087 واعتقاد أنه قد صار موطنا له، فلا يركن العبد إلى غير ~~ربه، ونسأله أن يحفظ عليه ما أولاه منه. ### || فصل # يا من سلب حال المحبة، وصرف إلى غيره من الأشياء، وغطى ~~عليه ؛ إن كنت حزينا على ما فاتك فأبشر، وتخل عن كل شيء، واقعد ~~خاليا عن كل هم، واحفظ الحدود، فلا تيأس منه، فإن أكثر النفوس ~~التي رسخت القلوب فحالت بينك وبينها : التخلي منها وعن موادها ~~سنة مع الاستجارة بالله والاستغاثة به ، هذا إن كنت حزينا، وإن كنت ~~مطمئنا فابك على نفسك، فقد فاتك الملك الأعظم، والكنز الأكبر، ~~والفناء الأفضل بمولاك، حيث تصير حبيبا، وأنت له محب، تعيش PageV01P171 ~~على ذلك وتموت عليه، وتحشر عليه في زمرة من أحبهم وأحبوه، ~~فصرفت إهانة لك إلى شيء سواه ، أي شيء كان ؛ لأنك لم تصلح ~~لحبه وقربه والامتلاء منه، يا لها حسرة لا يقابلها حسرة، وبالله ~~المستعان، وأعوذ بالله من الخذلان. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P172 ### | قاعدة في بدايات الأولياء ومنح أهل المصافات الأصفياء ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الذي من على صفوة من خالصته، وأراهم الأشياء ~~على ما هي عليه، فكانوا بحكمها وكيفياتها بلا كيفية منهم تغاير ~~ما جرى به الحكم الشرعي، وانتظام القدري. # فهم منفعلون لما يجتمعان فيه من حكم الله عز وجل ومراده. # فهم به في حركاتهم وهمومهم وإراداتهم، يسمعون وينطقون، ~~ويتصرفون ويتحركون، وإلى حركات نفوسهم لا يلتفتون، ولغير حسن ~~تدبيره لا ينظرون، وبغير أمره لا يعملون. # وهو مستعانهم عند حركات وجودهم، فإليه يرجعون، وإلى ~~مشيئاته وإراداته شاخصون، وعند العوارض الكونية فللطائف حكمه ~~فيها ينظرون، وإلى سواه لا يتحيزون. # عرفوا البلوى بالسواء، فهو الحجاب عن الهدى، والقائم به PageV01P173 ~~هو الذي ولي ما تولى ، والمهتدي من اتحدت إرادته بإرادة المولى ~~فصارت واحدة (وأن إلى ربك المنتهى) . # وصلواته على معدن الهدى، وواسطة عقد الورى، محمد وآله ~~وأصحابه ؛ أهل النصرة والولاء. # بدايات الأولياء عجيبة، وطرائقهم مختصرة قريبة، جمع لهم فيها ~~جميع الحواشي والأطراف، وقربت لهم المطالب البعيدة ms088 عدد ~~الإسعاف ، حيث تضيع أعمار غيرهم في الوقوف عند جزء من أجزاء ~~المشاهدات ، والتحيل على خدع النفوس، ودسائس التسويلات ~~وفنون من الرياضات والمكابدات، والخصوص أخذهم إليه أخذا ~~قريبا، وأراهم حقائق الأشياء بصرا غريبا. # أول ذلك أن كشف لبصائرهم إرادته وتدبيره ، فرأوا ما سوى ~~ذلك باطلا من نوازع الإرادات النفسية، والاختيارات العماوية. # ورأوا منشأ الحركة والسكون، والقبض والبسط، والخفض ~~والرفع، فتفسحت لذلك عزائمهم؛ لكثرة المراد، لتنوعه واختلاف ~~شؤونه ، مع ملاحظة الأمر والنهي ؛ إذ ما يخالفهما إنما ينشأ من قوة ~~الوجود الطبيعي الساتر عن الأمر الحقيقي. # فلما شاهدوا ذلك تحقيقا، أخذهم بقدرته - أيضا - على حكم ~~موافقته جذبا وتوفيقا، فاتحدت منهم الإرادة بالإرادة، بل صارت ~~واحدة، وهي إرادته سبحانه لا غير، إذ لا مراد إلا مراده، ولا حكم ~~إلا حكمه، ولا تدبير إلا تدبيره، فبطلت مشيئاتهم، وصارت شاخصة ~~إلى مشيئاته، يتراءى لهم فيها فنون الحكم واللطائف، وبواهر القدرة PageV01P174 ~~المنوطة بالحكمة التامة والعلم التام، والرحمة التامة. # ويرجعون إليه فيما قصر عنه إدراكه من ذلك، فأصبح غاية آمالهم ~~مواقع الأقدار ، يتعوذون به مما يعجز عنه الاصطبار من دقائق المحن ~~والاختبار، يتبرؤون من حولهم وقوتهم، وعلمهم وعملهم واختيارهم ~~ونظرهم إلى حوله وقوته وعلمه ومشيئته واختياره ونظره. # هم منقطعون إليه حقيقة الانقطاع، وأي انقطاع أبلغ ممن ذهب ~~علمه وعمله، وحسبه ونسبه، وإرادته وتدبيره، وبقي بإرادة مولاه ~~وحسن تدبيره ونظره قائما به في سمعه وبصره، ونطقه وحركته? ~~فهؤلاء انتهت إليهم الطمأنينة والرضا، وحقائق التفويض والغنى ~~ولا يشهدون ولا يدعون من نفوسهم ولا لنفوسهم شيئا إلا آثار ~~النقصان والانحراف ، جل أمرهم الموافقة في كل شيء ، بل الفناء في ~~الموافقة بلا موافقة، بجريان الأحكام عليهم من معادنها، وهم إليها ~~ينظرون، وهم على حسن تدبيره يعتمدون، ولأوامره ينفذون، وعن ~~مناهيه يهربون بتنفيذ أمره الشرعي فيهم، وأخذهم عما يكره، فهم له ~~وبه يعملون، وإلى تصريفه لهم في عملهم ينظرون. # فسبحان الفعال لما يريد، والكل في قبضته عبيد، عبدوه في هذا ~~الموطن بعبوديات الربوبية، وتحققوا بمعرفة أفعاله والكون بها على ~~حلية قربت منهم ms089 في هذا الموطن عين اليقين، فكأنهم هي من تحققهم ~~بالموافقة ، واقتران الإرادة بالإرادة. # ثم لطف بهم بأن كشف لهم شيئا من حقيقة حقه الذي هو به من ~~كمال الأوصاف والنعوت، فشكروا بذلك الحق شكرا لا تطيقه PageV01P175 ~~الإشارة، ولا تحده العبارة، فغرقوا غرقا، وتلاشت نعوتهم تفريدا ~~محققا. # ومن تجلى لسره لائح من عظمة القدرة وهيبة الجلال وكمال ~~الجمال، ونفوذ التصرف والاقتدار على ما هو به متصف مما لا يعلمه ~~سواه، فهو متجل بذاته وصفاته لنفسه بنفسه في بهاء أضوأ مما لا يصفه ~~الواصفون، كمال تمام ما لا يعلمه سواه، فلا هم به يحيطون، (يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما ~~تعدون)، بحيث تندرج في هذه المعرفة جميع ما أبرز من ~~المعارف وصنوف الأسماء والنعوت ، بما لا يعلمه العارف ، بل ~~بما يعلم المعروف نفسه كما هو، فحيوا بهذه المعرفة حياة الأبد، ~~وكانوا على قرة العيون منتهى الأمد، فزالت عنهم بها كلفة التكاليف، ~~ووحشية الانفراد، وعفونات التعاسيف، ولهم من مدد فضل الحق بعد ~~ذلك ما لا يستطيع حاد أن يحده، ولا حاصر أن يحصره، وهو وليهم ~~في ذلك كله، لا يكلهم إلى غيره، حيث أراهم وكالته لهم ابتداء ~~وبالله المستعان. ### || تتمة لكل مقام عبودية بحسبها، فما عبودية من أبدى له الحق من حقه? # الجواب : ~~من أبدى له الحق حقيقة من حقه، وأبرز له لائحا من حق ~~اليقين، فعرف فيه عرفا، وتلاطمت عليه أمواج الحقيقة، بحيث لا يرى PageV01P176 ~~سواها ، ويرى نفسه فيها وبها، فعبوديته ملاحظة ما لازم ذلك اللائح ~~من النهاية، والآجال والكمال قالبها، والجمال والعظمة والإفضال ~~فكأن روحه حيث ترى ذلك ، تقول : أنت لك مما لا يعلمه سواك، ~~وإنما برز لي أمر مجمل أنت تعلم تفصيله، فيكون في علمه بهذه ~~الأشياء كأنه يعبد الله بالمهابة والإجلال، والنظر إليه بالكمال والبهاء ~~والجمال، والعظمة والإفضال، شاخصا إليها، معترفا بها، قد احتوشه ~~آثارها، وقرنته أنوارها مما لا يعلم سواه، وإنما برز للعارف أمر ~~مجمل منه. # فهذه عبودية ms090 صاحب هذا المقام، والله المستعان. ### || تتمة القاعدة وبداية لها # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~إذا أشكل عليك الدخول فيما تقرر في هذا القاعدة ؛ من اتحاد ~~الإرادة بالإرادة ، فتكون واحدة وهي إرادة الله عز وجل، والتحقق ~~بانفساح العزائم لمشاهدة الإرادة، إلا عزائم الأمر والنهي، فإنك ~~مطلوب بها، وهي مراد الله شرعا، وما كان مراد الله عز وجل شرعا ~~فلا يترك للقدر. # فإذا عز عليك تفسح عزائمك، وامحاق مشيئتك، وانتظار ~~مشيئة الله عز وجل، والاستسلام لها، وبعد عليك الفناء في موافقة ~~الحق عر وجل شرعا وقدرا، بحيث لا يبقى إلا قدره وأمره، وأنت ~~ذاهب بلا أنت، يجري عليك ذلك بمشيئته، وأنت تلاحظ الفضل PageV01P177 ~~متيسرا لا مع ربك ، كيفما أراد قدرا وشرعا، بحيث لا ينفك أحدهما ~~عن الآخر، وقد عرفت ما من ذلك بدايات الأولياء، وعرفت أنه مرقاة ~~لى محض الوجود لشيء من حقيقة حق الحق عز وجل ، الموجب ~~للانتباه لكمال عظمته وكمال صفاته ، بحيث يغيب وجودك له في ~~وجوده لنفسه ، وتعظيمك له فيما يستحقه من التعظيم القائم. # فإذا عز عليك ذلك فاستعن بالله تعالى، وارجع إلى الأصول إذا ~~انتبهت من النوم ، أول ما يجري على قلبك أن روحك بيد الله ~~عز وجل، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : والذي نفسي ~~بيده، وأن قلبك بين أصبعيه، كما صح في الحديث، وأن حركاتك ~~وسكناتك آثار قدره، وطاعاتك وقرباتك آثار فضله. # فارجع إليه بكلك، واعلم أنك به، ثم اثبت على ذلك، فكلما ~~تحركت رعونات نفسك فا رجع الى الأصول يتبين لك بطلان العوائد ~~الفاسدة مما يجري على ألسنة الناس: أنا وأنا وأنا، ويكشف لك حقائق ~~الصنع والتدبير في الخارج وفيك، كما قال عز وجل: (سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ). # فهناك ترجو أن تغرق في الفضل - كما وصف في القاعدة ~~المتقدمة - غرقا، وتكون بالوصال محققا إن شاء الله تعالى. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P178 ### | قاعدة ms091 في بيان الطريق إلى الله تعالى من البداية إلى النهاية # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الملك الحق المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ~~ورسوله خاتم النبيين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحبه أجمعين. # بيان الطريق إلى الله تعالى في قاعدة ملخصة يسهل فهمها، ~~ويقرب إلى السالك الإحاطة بحملها ، وإلى الله أرغب في الهداية ~~وتقريب سبلها من البداية إلى الغاية؛ ليعلم السالك وفقه الله ~~وأيده، وفتح له الطريق وسدده: أن الإنسان الطالب لغاية ~~المحققين، ومراتب الواصلين مرتهن بثلاث دوائر، كل دائرة منها ~~فيها عوالم من خلق الله، فيها يعيشون، ومنها إلى المنية يختطفون ~~لاتساع أرجائها. # الدائرة الأولى : ~~دائرة النفس والشيطان، التي أكثر الخلق مرتهنون بها، محبوسون ~~في مضايقها، مأخوذون في مصائدها من عوالم النفس والشهوات PageV01P179 ~~والأماني والاختيارات ، بحكم الجبلة الطبيعية، التي يظهر فيها ~~خصوصية الحيوانية في الإنسان وإن كان ناطقا. # وهذه الدائرة لا يتسع لشرحها مجلدات، وكلها معلومة معروفة ~~عند ذوي العقول؛ من طلب الحطام، وطيب الشراب والطعام والنكاح ~~والمنام، والتكالب على المناصب؛ طلبا للرفعة بين الأنام، كما قال ~~تعالى : (زين للناس حب الشهوت ...) إلى قوله : (وألله عنده حسن ~~المآب). # وخصوصية هذه الدائرة : قلة المبالاة بترك الأوامر، والوثوب ~~على المناهي إذا لم يكن تحصيل الإرب إلا بذلك، والغفلة عن الله ~~تعالى وعن شرائعه، وعن أيامه، وعن ثوابه وعقابه، وإن كان ~~ثم إيمان؛ فإنه يكون في القوة، لا سبيل إلى ظهوره في الفعل بكماله، ~~فالسالك يتعين عليه الوثوب عن هذه الدائرة. # الدائرة الثانية: ~~فأول ما يفتح له من هذه الدائرة الواسعة الأرجاء ، التي هي دائرة ~~النفس والشيطان طاقة إلى دائرة الملك الديان، وهي دائرة القلب ~~والإيمان، فيعرف ربه من فوق عرشه، ومن فوق سبع سماواته، وأنه ~~سميع بصير، قدير عليم ، متكلم ، شاء مريد ، لا تخفى عليه خافية. # أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وأحل وحرم، وله يوم عظيم ~~يجمع الأولين والآخرين، فيجازيهم على الحسنات ms092 إحسانا، وعلى ~~السيئات بحسب ما تقتضيه المشيئة ؛ إما مغفرة أو عقابا ، فيشعر القلب ~~بذلك، ويتنبه، ويستيقظ، وينهض إلى التوبة النصوح، ويعرف ربه PageV01P180 ~~ومعبوده من فوق عرشه، ويعرف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بمعجزاته، وآياته، ~~وكراماته، وترسخ نبوته في قلبه، ويعمل على اتباع سنته، وتستولي ~~على قلبه عند ذلك عظمة الرب تعالى وهيبته، والحياء منه، والمراقبة ~~لنظره وعلمه، والتفهم لكتابه في أمره ونهيه وزجره، ووعده ووعيده، ~~ويفهم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. # فإذا صدق الله في السير والسلوك، انتقل بالتدريج من الدائرة ~~الأولى النفسانية ، التي هي دائرة العادات والشهوات ، إلى هذه الدائرة ~~التي هي موطن الكرامات. # وكلما جاءت هذه الطاقة اتسعت ، فيدخل منها إلى الدائرة الثانية ~~أحيانا، ثم يعود بحكم طبعه إلى الدائرة الأولى؛ لأنها وطنه، ثم يشتاق ~~إلى وطنه من الدائرة الثانية، فإنه صار له فيها مقر - أيضا - . # لكن لا يدوم، فلا يزال كذلك صاعدا إلى المرتبة الثانية، ونازلا ~~من الثانية إلى الأولى بحكم طبعه، حتى يقويه الله تعالى، ويكشف له ~~عن الميدان العريض السمائي ، الذي هو خصوصية المرتبة الثانية ، من ~~العلم بالله، ويصل إلى قلبه منه أنوار من الكتاب العزيز ومن الصفات، ~~فيقوي أنسه ويتوطن فيها، ويجفو المرتبة الأولى ويقلاها إلا ما أبيح له ~~منها ؛ لصلاح جسمه وقلبه. # ويستولي على قلبه المراقبة والحياء من الله تعالى في الخلوات ~~وتتعود جوارحه المسارعة إلى امتثال الأوامر ، والتجافي من الزواجر، ~~فينزل إلى الدائرة الثانية نزولا لا يبرح منه، وكيف يطيب للقلوب ~~الخروج من الأماكن الواسعة الأرجاء ، المنورة الذوات والأسماء ، PageV01P181 ~~إلى الأماكن الضيقة الحرجة الملوثة بأنجاس النفوس، وظلمات ~~الطبائع والنحول? ~~فيكون لسان حاله كما قيل: ~~كانث لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت مذ رآك القلب اهوائي ~~وفيها تصحيح التوبة والعقيدة والأعمال والأحوال القلبية؛ من ~~التوكل والصبر والرضا، فيذوب في هذه بقاياه، ويصفو من كدره. # فإذا يسر الله تعالى وتوطن في هذه الدائرة الثانية المنورة العلوية، ~~وكان مرادا بمقام من مقامات القرب، فيرزق مقام الطمأنينة، فتطمئن ~~نفسه، ويسكن عن الخواطر، ويصير قلبا محضا، وناظرا ms093 إلى الآيات ~~والأخبار، ويقوم بأحكام الصفات. # فعند ذلك تهيج روحه وتضطرب كما يهيج البحر ويلقي زبده، ~~كذلك تهيج الروح وتلقي ما سوى الله تعالى كالزبد الذي يلقيه البحر ~~ومهيج بالمحبة الخاصة؛ لما باشرها من سطوع أنوار الجلال والعظمة. # فعند ذلك يرجى له أن تدب فيه حميا المحبة الخاصة، الموجبة ~~للسكرات، وهو الحب الخاص عن مكاشفة الأرواح بما لا يحل ~~سطره في كتاب، ولا شرحه في خطاب، اللهم إلا على سبيل ~~الإجمال، كي يعرف المريد طريقه وغايتها. # وعند ذلك يتنزل عليها الفيض الخاص المغني له عما سواه، ~~ويصطلي بحرارة الروح، ويصير واجدا بعد أن كان عارفا مشاهدا ~~ببصيرة القلب في الدائرة الثانية. PageV01P182 # إذا علم ذلك ؛ فاعلم أن أصل الدائرة الأولى التي هي دائرة ~~النفس والشيطان تمتد من الكفر والطغيان، ومنتهاها الفسوق ~~والعصيان. # وأصل الدائرة الثانية تمتد من الإيمان والإحسان، ومنتهاها ~~المشاهدة والعرفان. # واصل الدايرة الثالثة تمتد من المحبة المبغضة للأكوان، المنغصة ~~للشهوات، الكافة عن الميلان، المتصلة بالحنان المنان. # واعلم أن طبيعة الدائرة الأولى نارية؛ لأنها تنشأ من حرقات ~~الشهوات ، وتؤدي إلى طبيعتها في الآخرة ~~والدائرة الثانية طبيعتها نورية ، تلتذ بها القلوب، وتبرد القلب ~~من حرارات الشكوك ، فعلها في البواطن فعل برودة القمر في الحيوان ~~والنبات، تلوح عليها بهجة الجنة وميادينها، وتؤدي في الآخرة إلى ~~ذلك. # والدائرة الثالثة طبيعتها نارية جاذبة للأرواح بالمحبة، وهي نار ~~تجذب إلى ما يلهب الأفئدة وتفتن القلوب من أسرار الغيوب، وفعلها ~~في البواطن فعل حرارة الشمس في الحيوان والنبات من الإصلاح ~~والنمو، يلوح عليها بهجة القرب والاتصال بالله، وإليه يؤدي في ~~الآخرة. # فمن وفقه الله تعالى لمعرفة طريقته علما، ثم إتقانه للمسير فيها ~~عملا، ثم التحقيق بجميع ذلك حالا، فهو الذي يسمى: واصلا بحسب ~~جده ومرتبته ، فيترقى من دائرة النفس والشيطان إلى دائرة القلب PageV01P183 ~~والمعرفة والإيمان ، ثم إلى دائرة المحبة والمراقبة إلى الكشف ~~والعيان. # والدائرة الأولى : سفلية نارية، وهو المركز ~~والدائرة الثانية : نورية سماوية قلبية صفاتية ، تجر إلى العلو ومقر ~~الروح والراحة، وهي الجنة، وهي دائرة نصيب ms094 العبد من الإيمان. # والدائرة الثالثة: قريبة ذاتية، وجدية سكرية وصلية، تجلب إلى ~~العندية والمحبوبية ، وهي نصيب العبد من ربه ، فيتعين على العبد ~~تعمير الدوائر الثلاث. # فتعمير الأولى : بالانتزاح عنها، وتبديل صفاتها، والصعود من ~~طبيعة المركز إلى السماء. # وتعمير الثانية: بإتقان علومها وعقائدها وأعمالها، وتأسيس ~~قواعدها على تحقيق الفهم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وبذلك يستوطن العبد ملكوت السماء، ويبتهج بأنوار الصفات؛ من ~~المراقبة والتعظيم والحياء، وتشبه الملكية من بعض الوجوه، ويترقى ~~عن الحيوانية وسائر الكنائف. # وتعمير الدائرة الثالثة : بالتخلي عن السوء ، وطهارة المحل رجاء ~~فتح تلك الدائرة من خزائن الألطاف والغيوب، ففيها الراحة ~~والسرور، وبها تنسد فاقة الروح، فيصبح العبد فرحان بسيده من ~~الوجود، ومن قرب ومن طرب، ولسان حاله فيها: ~~قد كنت قبل اليوم في حكم ~~وتقضى ذلك الحكم ~~فزماني كله طرب ~~دونه الأوتار والنغم PageV01P184 ~~فبذلك يستوطن العبد حضرة القرب ومجالس الأنس بعد استيطانه ~~ملكوت السماء، وصعوده عن المراكز السفلية، وتحقق لصفاء الحق ~~الخاص ؛ لما يبدو عليه من المشاهد الخاصة الذاتية بعد الحظوة في ~~الدائرة الثانية بالمشاهد الصفاتية. # والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P185 ### | قاعدة في تمهيد ما قبلها وتناسبها ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الذي فتح للطالبين أبواب معرفته، وأجلسهم على ~~بساط قربته، وجذب قلوبهم بجواذب محبته، وكسا ظواهرهم لبسة من ~~آداب شريعته، وصبغ قلوبهم بما سترها عن شهواتها ورذائل آفاتها مر ~~أنوار بهجته، وأشعة عظمته، ففيهم من لا يحرف غير مولاه، مما به ~~من قربه أفناه، فهو مستغرق في أحوال سكرته، متنعم به عن كل نعيم ~~خلقه في بريته. # ومنهم من أصحاهم وقواهم، فهم صحاة سكارى، ينطقون ~~بحكمته، ويهدون الطالبين إلى طريق اصطناعه ومحبوبيته. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القادر في قيوميته، ~~المدبر لما أتقن من صنعته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ينبوع ~~الهدى، وواسطة عقد الورى، الذي بعثه برحمته وهدايته، لنجاة ~~الخلق في اتباعه ms095 وطريقته، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته. # وبعد : ~~فمن طلب هذا الطريق وابتغاه، وانبعثت همته إليه، وآثره على PageV01P186 ~~ما سواه، فلا يفرق همه في تنوع أبواب القرب والطاعات، وما أشار ~~إليه القوم من المجاهدات. # واعلم أن الناس طبقات، خلقوا لتعمير المراتب، والأكثر منهم ~~إنما تقوم المراتب بهم في الحجاب عن رب الأرباب، وخيارهم أهل ~~العبادات من المحجوبين؛ فإنهم ليس لهم منه ما يشغلهم عن كل شيء ~~غيره، منهم يتقربون بالسعايات لنيل الدرجات في الجنان، فلو تركوا ~~ما هم عليه لم يبق معهم شيء. # والمرادون بهذا الشأن وقعوا على المطلوب فلهوا به عما سواه، ~~وحصل لهم من العبادات والمعاملات صفوها وخالصها ؛ إذ كانت ~~مغشوشة مشوهة في غيرهم؛ للعمى المركب فيهم عن المطلوب، وفي ~~العمى يدخل النفس والشيطان. # فأكثر العباد لا يسلمون من الرياء والعجب، وسبب ذلك كله ~~الحجاب، وهؤلاء لما وقعوا على المطلوب؛ استغرقت هممهم به، ~~واستعملوا من الأعمال والعبادات - وإن قلت - أصفاها وأزكاها، ~~وكانت أعمارهم كبارا، راجحة مضاعفة، بخلوصها وصفائها، ~~و - أيضا - فإنهم عملوها بمشهد من معبودهم في نور المعرفة ~~وجواذب المحبة، فصفت بذلك وزكت، فلذلك قلت أعمالهم ~~الظاهرة، لكنها متقنة مصفاة من الشوائب. # وسبب قلة أعمالهم أن قلوبهم سرحت في ميادين الفكر ~~والمصنوعات، والشواهد والاعتبارات ، ثم فتح لأرواحهم مقامات ~~المشاهدات، واستغرقوا بما وجدوه من لوائح الصفات، وفي سبر PageV01P187 ~~ذلك شغل شاغل عن كثرة الحركات، اللهم إلا الكمل؛ فإنهم يطيقون ~~ذلك؛ لأنهم انجمعوا بمولاهم، وتوطنت قلوبهم في حضرته توطنا، ~~فهم وإن تفرقوا في الظاهر فهم مجموعون في عين الجمع، فاعرف ~~ذلك، فإن كنت تطلب هذه التحف السنية، والمشاهدات العلية ، من ~~قرب رب البرية، فتقرب إليه بأعلى الأشياء وأسناها؛ من الأعمال ~~القالبية والقلبية، فإن التقرب أثر لازم، أما الأعمال القالبية فيكفيك ~~إتقان الفرائض، وتحرير اجتناب المناهي وما لا تتفرق به من السنن ~~والنوادب. # واما التقرب إليه بالأعمال القلبية، فالحضور بين يديه من وراء ~~حجب الغيوب، كما تحضر مع حبيب لك غائب عن بصرك؛ فإنه ~~يمكنك ذلك، فإذا تعودت الحضور لذلك، تطرقت ms096 إلى حريم ~~المشاهدة، فعامله حينئذ بأفضل الأعمال؛ من الحياء، والمهابة، ~~والحب المحرق لطلب ما سواه، فإن سواه هو العذاب الأليم. ### || فصل # فإذا علمت ذلك فاستعمله واصبر على عكوف الهم، وعلى ~~الاقتصار على هذا دون غيره ، والنفس لا تدعك تقول : لك اعمل ~~كذا ، اعمل كذا ؛ فإنها لا تصبر على الحضرة ؛ إذ لا يصبر عليها ~~إلا محب صادق مستعد ، والذي لا يستعد تحطه النفس إلى السعايات ~~والتكسب بالحركات من أنواع الطاعات فيحتاج الصادق إلى صبرين ~~صبر على دوام الحضور بالحياء والمهابة، والحب والتعظيم، وصبر ~~آخر على الاقتصار على ذلك. PageV01P188 # ثم استعن بالله تعالى في هذا الشأن خصوصا، وفي غيره عموما، ~~فإن قنعت بذلك وصبرت عليه وعما سواه، يرجى أن يكشف لك في ~~ذلك أسرار لا تسمع، وتجد نورا في بصيرتك ترى الحق حقا، ~~والباطل باطلا، وغير ذلك من التحف التي يحظى بها المحبون ~~والمقربون من قريبهم، وفي ذلك كفاية لكل صادق مستعد طالب ~~عرف المقصود فانجمع عليه، وعرف الطريق فلم يعرج عنها إلى ~~ما يتفرق همه لديه. # وصلى الله على سيدنا محمد وسلم. PageV01P189 ### | قاعدة في الأمور التي ينبغي أن تكون هم السالك # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الذي سبحت له السحب الماطرة، والبحار الزاخرة، ~~والتجوم السائرة، والأفلاك الدائرة، بفنون ما أنطقها به بارئها، من ~~أنواع تحميده، وتمجيده، وتقديسه، وتكبيره. # (يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه) ، (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~إنه كان حليما غفورا) ؛ إذ عنت لعظمته منقادة ، بالسجود ~~طوعا وكرها، بذواتها وظلالها، (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) . # باعث الرسل (مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجةا بعد ~~الرسل وكان الله عزيزا حكيما)، ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم عبده ~~ورسوله، وبعثه هاديا، وجعله مهديا، فتح به آذانا صما، وقلوبا غلفا ~~وعيونا عميا، وألزم أمته (كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكا الله ~~بكل شيء عليما)، ونحن نشهد بها مؤمنين موقنين ~~ونسأل ms097 الله أن يكتبنا مع الشاهدين بفضله وكرمه وامتنانه، آمين. PageV01P190 # وبعد : ~~فلما رأيت معظم السالكين قد انصرفت همهم إلى جزيئات من ~~السلوك ، تحرف بصاحبها عن منهج الاستقامة، ويعطب فيها من ~~لم يكن التوفيق إمامه؛ مثل صوم دائم، وتجريد غير ملائم، وتقطع في ~~السياحات، ومطارح صعبة في الفاقات، تذوب فيها مهجهم، ~~وتضمحل فيها قواهم ومددهم، وتذهب اللطيفة الذهنية من عقولهم، ~~التي يلطف إدراكها بتبصر صاحبها ما بين يديه من المطالب العالية، ~~والمعاطب الباطنة من معاثر النفس والشيطان، ومزالق الطوارق ~~والحدثان، فمن عمي عن مطلبه كيف يظفر بأربه? ~~ومن حجب عن أعدائه، ربما قطع عن انتهائه، فيظل أحدهم ~~صائما، وعن إصلاح مزاجه ساهيا، ويعمل على تقطيع بدنه بلا أستاذ ~~يرشده، ولا سائس يؤدبه، فيفتح له من ذلك أخلاق حادة، لاحتراق ~~المادة، ويجمد القلب فلا يسير على الجادة؛ فإن القلب الجامد ~~بالرياضة لا ينفعل، ولا تؤثر فيه السياسة، وربما غلب صاحبه على ~~بغض كامن، وحسد باطن، وأخلاق سيئة، يقع بها صاحبها في ~~الموبقات من الآثام ، فيحبط عمله ، ويبطل سعيه ، فلا تفي رياضته ~~بانحرافه، وربما فاته المطلوب من إسرافه. # وحققت النظر؛ فوجدت الحامل لهم على ذلك الجهل بالمطلوب ~~وبطريق الوصول إليه، والكيس الفطن إذا عرف المطلوب وطريقه ~~لم يعرج عنه إلى غيره من هذه الانحرافات ، التي هي - عند ~~المبصرين - عقوبات. PageV01P191 # ووجدت هذا الأمر لا يفطن له إلا الأكياس الأذكياء، أهل ~~العقول السليمة، والأذهان المستقيمة، والهمم الحارة، والقرائح ~~الحادة، فعلقت هذه القاعدة - بعد الاستخارة - لأجلهم، ورجوت ~~أن الله تعالى يبصرهم بها المبادي والغايات، ويعصمهم من ورطات ~~الانحرافات ، ولحظت فيها تلخيص الأمور المهمة ، التي ينبغي أن ~~يكون هم السالك منصرفا إليها، عاملا على تحقيقها والوصول إليها، ~~وبالله المستعان. # اعلم أيها الأخ الذي كاس وفطن، وطلب الحقائق، وارتفعت ~~همته عن الانبتات على صور الأشياء دون حقائقها : أن المحققين ~~نظروا إلى أهم المطالب وأعظمها خطرا، الأهم منها فالأهم، فشغلوا ~~هممهم بها، وعملوا على التحقيق بحقائقها، فارتفعوا بذلك عن العلوم ~~الناقصة، والأعمال الزائغة، والأحوال التي هي غير نافذة، وساعدهم ~~التوفيق ms098 حتى بلغوا إلى مراد الله تعالى منهم في ذلك كله، فأهم المهام ~~التي يتعين الاهتمام بها أولا وبالله التوفيق : ~~معرفة عقائد الإيمان، وما يجب لله من الصفات، وما يستحيل ~~عليه منها، وهي معالم المعرفة والتوحيد، المستنبطة من كتاب الله ~~تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بلا تحريف ولا تمثيل، وإتقان هذا الباب ~~بحججه ودلائله من الكتاب والسنة من عقائد أهل السنة وفقهاء ~~الحديث؛ كأحمد وسفيان وابن المبارك والشافعي وأقرانهم ونظرائهم. # ومجانبة ما أحدثه أهل الكلام من الرأي والمعقول، ومطالعة ~~كتب أهل السنة في إثبات الصفات؛ ك (كتاب التوحيد) لابن خزيمة، PageV01P192 ~~و(كتاب النقض) لعثمان بن سعيد الدارمي؛ ففي الكتابين وغيرهما ~~يعلم مذاهب السلف في إثبات جميع الصفات بحقائقها لله تعالى من ~~غير تحريف ولا تمثيل، وبالله المستعان. # قهذا المهم الأول الذي عليه تنبني المشاهد القلبية؛ فإنها تنبني ~~على العقائد الإيمانية. # المهم الثاني : معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، والطريق إلى ذلك العكوف ~~على معرفة سيرته، وسنته وهديه وأخلاقه، حتى يختلط العلم بذلك في ~~الأمشاج، وتصير الأيام النبوية كأنها بمنظر العين، من كثرة استماعها ~~ومطالعتها والتفكر فيها، فحفظ الدماغ والأوطار وتناول الشهوات ~~بحصول هذين المهمين، أفضل عند الله من صيام النهار وقيام الليل مع ~~الجهل بذلك، وضعف الذهن وعوزه بسبب الصوم والرياضة يحجب ~~عن استقرار هيئة ذلك في القلب، فهذه علوم المحققين وأصولهم، ~~وسترى ما يترتب على ذلك، إن شاء الله تعالى، فيما يأتي. # المهم الثالث : معرفة ما يلزم العبد من أحكام الشريعة من ~~الفرائض والمسنونات والمندوبات المدونة في كتب الفقه ونصوصها ~~من كتب الحديث ، وشدة الاهتمام باستخراج نصوصها ؛ لتقوم بذلك ~~الحجة عند الله، ويكون الإنسان متبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبذلك يعرف ~~الإنسان دينه، ويصير مسلما حقا، كما صار بمعرفة أصول العقائد من ~~الكتاب والسنة، مؤمنا حقا. # المهم الرابع من مهمات المحققين : رعاية صحة التوبة ~~واستصحاب حكمها؛ من المحاسبة، وحفظ الجوارح، والقيام PageV01P193 ~~بما علمه من الأوامر، ومن ذلك قضاء الديون، ورد الودائع، وقضاء ~~الفوائت من الصوم والصلاة وغير ms099 ذلك، ويكون مستحضرا في كل امر ~~أصله من كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله? ، فبهذا الاستحضار يصير ~~عبدا لله تعالى، يمتثل أوامره، وينتهي عن مناهيه، ويخرج عن جمود ~~التقليد. # المهم الخامس: لا ينتفع من الأعمال بصورها، بل يطالب نفسه ~~بالنصح فيها وإتقانها، فيتقن المناهي بالاحتراز عن جليلها ودقيقها، ~~ويتقن الأوامر برعاية الخشوع والحضور الباطن فيها، ومناجاة الرب ~~تعالى، والإخلاص له فيها مبلغ الطاقة؛ إذا صلى فيصلي بقلبه وقالبه ~~وليفهم ما يقول، وليواطئ في ذلك بين ظاهره وباطنه، وكذا إذا ~~تلا كتاب الله تعالى يكون حاضرا مع معانيه ؛ يفهم عن الله تعالى ~~ومن لم يعتد ذلك فليعتده؛ يصر له طبيعة، لا يصبر عنها، إن شاء الله ~~تعالى. # المهم السادس: معالجة أخلاق السوء وممارستها، وإخراج ~~الخبث والغل والحقد والحسد من القلب، وتبديل ذلك بالرحمة ~~والمحبة والنصيحة، فإذا أحس في قلبه على أحد حقدا أو خبثا أو ثقلا ~~فليكارمه بالبشاشة والإكرام، والبداية بالسلام، والإيثار إن أمكن. # اللهم إلا أن يكون مؤذيا لقلبه وحاله، فيدعو له في ظهر الغيب، ~~ويعمل على مفارقته؛ فإن مجانبة من يفسد الوقت شرط في الطريق. # وإذا أذاه أحد أو سبه أو نال من عرضه فليبادر بالدعاء له بصدق ~~من قلبه، ويعمل على نصحه؛ ليكافئ الإساءة بالإحسان، فهذه أعمال PageV01P194 ~~الصديقين، وأي صيام أو قيام يعادل هذا؛ فبهذا تصفو القلوب ~~لمشيئة الله تعالى ، وتنزل عليها الرحمة من الله تعالى، ويصير مهبطا ~~للملائكة؛ فإن القلب الطاهر نظيف ليس فيه رائحة خبيثة، فهو أنسب ~~المواطن بالملائكة، والقلب المحشو بالآفات؛ من الغل والحقد ~~والبغض والحسد مزبلة، فيه أقذار وأنجاس، فهو أنسب بالشياطين؛ ~~لأن محلهم الكنف والمزابل، وهذا أصل عظيم من الأصول، من ~~اهتم به ورعاه وصابره حتى تبدلت أوصافه ونعوته المذمومة ~~بالأوصاف المحمودة، رجي له أن يكون من الأبدال، وأن يبدل الله ~~سيئاته حسنات، وهذا يحتاج إلى مدة طويلة، وممارسة شديدة ~~وتعود، فيبقى صاحبه سليم القلب للناس، رحيما بهم، محبا ~~لمحسنهم ، داعيا لمسيئهم ، راحما للمسيء العاصي، مع بغض له ~~في الله، ممزوج برحمة، فهذه أخلاق ms100 الأبدال، إن شاء الله تعالى. # المهم السابع، وهو القطب: الاهتمام بمعرفة الله تعالى والقرب ~~منه، وتقديم ذلك على كل أمر، وتعرف الطريق إليه وإلى قربه ~~ومن قطع المهمات الستة التي سبقت وحقق أصولها ومبانيها، ~~وعمل بها فقد قطع نصف الطريق إن شاء الله، وقارب المنزل ~~فليجعل الهم هما واحدا ؛ بالعكوف على ذكر الله ومحبته، واللهج به، ~~ومراقبة نظره واطلاعه ومهابته ومخافته، وشدة الاهتمام به، وقطع ~~الشواغل، وتحقيقها، إن لم يمكن إزالتها، والافتقار إلى الله تعالى في ~~ذلك كله، والصبر على ذلك، ومواصلة الأيام والليالي بذكر الله تعالى ~~ومحبته، واستعمال الأوطار إن أضعف الصوم عنه، وكذلك السهر ~~المفرط. PageV01P195 # فليترك جميع هذه الأشياء، ولا يجعلها بالقصد الأول، بل ~~يستعملها بحسب الحاجة وما يصلح به القلب، ولو استمر النوم ~~بحسب ضعف المزاج فلا يضر إن شاء الله تعالى، مع انفراد الهم بالله ~~والعكوف عليه، والعمل على محبته وإرادته ليلا ونهارا، حتى في ~~معاشه وسوقه، وأموره الضرورية؛ فإن الأمور الضرورية من الأكل ~~والنوم والمعايش لا تضر في ذلك إن شاء الله تعالى. # ولا يضر إلا ما كان فضولا من الشهوات والأعمال، لا يزال ~~كذلك حتى يستقر الطلب والإرادة في القلب، وهو مع ذلك لا يصغي ~~إلى أحكام قلبه ، بل إلى حكم الله ورسوله؛ فإن القلب ربما حكم عليه ~~بالتجريد والسياحة، وترك الأسباب، ولبس الخلقان بحكم الحال، ~~فلا يصغي إليه، ولا يعمل إلا بالسنة، فيجعل السنة حاكما، لا القلب، ~~فبذلك ينصلح وينفذ إن شاء الله تعالى، ويستعمل كتمان الأسرار، ~~فلا يبوح بشيء وقع في سره من الأحوال، اللهم إلا أستاذا يحتاج إليه ~~في تقويم انحرافه لا غير. # لمهم الثامن، وهو الغاية التي إليها عمل العاملون، وعليها ثبت ~~المتقون، ورسخ المحبون : عبودية الله تعالى، وذلك لا يتم ~~إلا عن كشف إيماني، وجميع ما تقدم هو أقسام العبودية. # لكن هذا القسم : هو العبودية الخاصة لأهل الخصوص، ~~وهو الانخلاع عن التدبير والاختيار ، فلا يدبرون ولا يختارون ~~إلا ما اختاره الله شرعا؛ فإن ذلك باختيار الله لا باختيارهم، وذلك ms101 ~~إنما يكون بعد ملاحظة صفة القيومية، يشهدون الباري تعالى قائما ~~بالتصرف والتدبير، لا متصرف غيره، ولا مدبر سواه. PageV01P196 # فتدبير العبد في تدبيره رعونة من بشريته؛ لعماه عن قيوميته، ~~ولو أبصر بقلبه المدبر المختار الذي يبرز في كل نفس مقادير مختلفة ~~وإرادات متنوعة، كما يشاء ويختار؛ يذل هذا ويعز هذا، ويفقر هذا ~~ويغني هذا، ويميت هذا ويحيي هذا، ويبتلي هذا بالمعصية، ويفيض ~~على هذا خلع الطاعات، أشخص إلى مشيئاته ، وذهل عن اختياره، ~~ودام التجاؤه إلى مولاه ، ومن ذاق هذا بقلبه ذوقا يرتفع به عن مجرد ~~الإيمان والعلم، خمدت بشريته، وهرب شيطانه، واتصل شهوده ~~بمشهوده، وتحققت محبته، وعظمت مخافته، وتم توكله، وتحقق ~~تفويضه، وصار عند الله تجري عليه تصاريف المشيئة، وهو يقابلها ~~بمقتضاها من العبودية. # إن استعمل بالطاعة شكر، وإن رأى مبادية الخذلان صرخ ~~وافتقر، وإن قوي سلطان الأنوار فني، وإن جاءت الأوامر والنوادب ~~بقي، فهو بين سكر وصحو، وفناء وبقاء، وغيبة وحضور، وتعظيم ~~وإجلال واضمحلال، يعبد الله تعالى بتلوين الأحوال، وقلبه معلق ~~بالعرش، وهو عبد الله؛ فلا إرادة ولا اختيار إلا ما أراد الله من ~~الأوامر واختار. # وهذا حال المقربين إذا دام، ومن أذواق الموقنين إذا لم يدم. # وهذا حد العبد وسيره، ويبقى بعد هذا تدارك الحق تعالى ~~بالجذبة والقرب الخاص، لمن يشاء من عباده وصفوته ومحبيه، وذلك ~~إنما يكون بالله، فإن العبد قد فنيت رعونته، وزال اختياره وتدبيره، ~~وبقي بالله يقلبه كيف يشاء، وهو مع ذلك في الأوامر مختار مدبر PageV01P197 ~~مريد، واختياره وتدبيره وإرادته لأمر الله؛ إنما هو بالله لا بنفسه، وبه ~~يستعين في عبادته، وبه يريدها، وهو فيما عدا ذلك من حظوظ نفسه ~~وبشريته، فإن ناظر إلى مشيئة المختار المريد، الذي يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد. # معاشر الإخوان؛ من طلب منكم ركوب المحجة المثلى، وطريق ~~المحققين إلى مقاعد السابقين، فليعتن بهذه المهام، وليحكم قواعدها ~~وأصولها، ويعمل على إكمال فروعها، ولا يعوج عنها إلى جزئيات ~~ليس لها كثير منفعة، ولا عظيم جدوى، بل ربما ضرت وحرفت، وإذا ~~وجدتم أستاذا ms102 يشير إلى ذلك، ويمشي مع السالك فيها، فاعلموا أنه ~~غنيمة، وانتهزوه قبل فوته، فإن الآجال بيد الله. # وهؤلاء هم في الدنيا مسجونون، راحتهم الوفاة ولقاء الله تعالى ~~فاغتنموا أيامهم، واقبلوا إشاراتهم، واستعينوا بالله تصلوا، وبقرب ~~مولاكم تفوزوا، وتفرحون إن شاء الله تعالى. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P198 ### | قاعدة في سلوك التحقيق إلى غاية المطالب للسائر إلى ربه الذاهب # وهذه هي الغاية القصوى لمن يروم محل الكرامة من القربى ~~والزلفى؛ فإنها طريق الأبدال الذين يستعدون به لمحبة الله لهم في ~~سائر الأحوال، وفقنا الله تعالى ذلك، وجملنا فيه بالعافية آمين. # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، المتعالي عن خطرات الظنون، ~~القدوس السلام، الذي بيده ملكوت كل شيء، بكلمته : يكون، له ~~خزائن السموات والأرض ، يبسط منها ما يشاء ويقدر ، بيده الخير ~~وهو عنده مخزون. # (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ~~ألف سنة مما تعدون) ، من قصده بإرادته لم يخب من نواله، ~~وكيف يخيب من كرمه الآملون? ~~خلق الخلق ليربحوا عليه، فمن تاجر كان أجره غير ممنون ، ومن ~~عول على غيره فهو المغبون، سبحانه عدد ما سبحه المسبحون، ~~وحمده الحامدون، وهلله المهللون، وكبره المكبرون، وعدد ما غفل ~~عن ذكره الغافلون. PageV01P199 # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي أذعن له ~~بالعبودية العارفون، وصدق في طلبه المحبون، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~عبده ورسوله، الذي ائتم به ليلة مسراه النبيون، صلى الله عليه وعلى ~~آله ما صلى عليه المصلون. # وبعد: ~~فإن جذبات الله بدت من الغيوب على أسرار المنيبين، تخلصوا ~~بها من ورطاتهم، واستقاموا بمددها من عثراتهم، ورأوا بنورها حقيقة ~~أمره فاتبعوه، ولاح لهم فيها خطر زجره فاجتنبوه، فاستقاموا على ~~الطريقة المثلى ، وتوطنوا على الاستقامة في الحركات الباطنة والظاهرة ~~قسطا وعدلا ، فسمت بهم هممهم إلى سني المطالب، ورامت في علا ~~الدرجات أعلى المراتب. # فاشتاقوا إلى الحضرة بصفو اليقين، وتاقوا إلى منح الموقنين ms103 ~~فألاح الله لهم سبلها، وكشف لهم عن وجوهها إذ كانوا ممن رامها ~~وطلبها، فوصلوا بقلوبهم إلى الواسطة، وجعل الله بين قلوبهم وبينه ~~رابطة، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. # فلما أوصلهم الله إليه من الطرق الدالة عليه ؛ تلقوا منه سر ~~الدعوة، وارتضعوا من رضاعة لبان الفطرة، فأشرق عليهم نور ~~الجلال، فشرعت نفوسهم في الاضمحلال، وحييت قلوبهم بحياة ~~السعادة والإقبال، فأوصلهم التعلق بالرسول إلى الوصول إلى لوائح ~~صفات المأمول ؛ كشف بواسطة الرسول عن مشهد الإلهية، ~~وخرقوا إلى ذوق أسرار الربوبية ، فعبدوه بما اقتضته ألوهيته، PageV01P200 ~~واستسلموا لأحكامه بما عرفوه من ربوبيته، فصار لهم من مشهد ~~الصفات مقام معلوم ودام لهم نعيم غير مفصل ولا مفصوم فلاح ~~لهم مما وراء ذلك بوارق لا تدوم ، من أثقال العظمة التي هي حقائق ~~السر المكتوم. # فابتهجوا بالجلال، وانجذبوا بالجمال، وتتابع عليهم الإفضال، ~~واستقبلهم من طلائع الكرم فيض النوال، فصاروا لله عبيدا يعبدونه ~~بأمره، ويستسلمون لقدره وحكمه. # ومع ذلك فالبقايا في النفوس موجودة، والخطرات السيئة تكون ~~أحيانا غير مفقودة مع تمكنهم في النصيب، وتعلقهم بالحبيب، ~~تزاحمهم أحيانا من الخطرات والطوارق المعارضات من دسائس ~~الشهوات، وكوامن آفات النفوس الخفيات ، ما يكاد أحدهم أن يصير ~~حياء من الله كالرفات ؛ لكونهم يجدون من بواطنهم خطرات ~~المخالفات، وهم في قبضة جبار السموات، فيعيل لذلك اصطبارهم، ~~ويعدمون قرارهم، ولا يدرون الطريق إلى تصفية أكدارهم، وتطهير ~~محلهم من درنهم حتى يعرفهم الله تعالى سبيلهم، ويكشف لهم ~~عن ترقيهم عن ذلك، ويريهم تحويلهم ، ويرون أن الإذعان للعبودية ~~الكاملة لم تقم لها القلوب، ولا خلصت من رق النفوس، لتعلق ~~عن الرسوب. # فالنفس هي المتصرفة بعد في الأسرار، لم تنهض بحقيقة التوبة ~~إلى الجبار ، فيشرعون في التوبة الخاصة ، بعد أن حققوا التوبة العامة ، ~~فالتوبة العامة تقييد الجوارح عن المحرمات، وإلزامها وظائف PageV01P201 ~~المأمورات ، بذلك يرتقوا إلى مشاهدة الصفات والمعارف البينة ~~النيرات، ومع ذلك فالنفوس لها الحكم والهيمنة، تتصرف بمقتضى ~~جبلتها الكامنة، لكنه وفي الرتبة العامة، وبقيت عليه طريق الخاصة. # فإذا أراد الله تعالى نقلهم من الطريق الظاهر ms104 إلى السير الباطن ~~الباهر ، يعلمون أن المراد منهم حقائقهم الباطنة ، التي هي نظر الحق، ~~لتبقى من الإبعاد أمنة ، وإن كانت لا تزال خائفة من العواقب الخافية، ~~فياذا علموا وصلوا إلى قلوبهم فقادوها، وظفروا ~~ بها فرموها، وذلك ~~أول الفتح المبين ، والظفر بالعدو المشين، فتبقى الحقيقة الباطنة التي ~~تزيد السرور، وهي الحقيقة الطالبة لمعالي الأمور، فينهض القلب تائبا ~~توبة الخصوص، وهذا خاص لمن ظفر بقلبه، فزمه عن النكوص. # ومثل هذا الذي يسمى صاحب القلب، وإن كان في الاصطلاح ~~المعهود يسمى : الخاشع أيضا صاحب قلب مع امتزاج قلبه بنفسه، ~~وخيره بشره، وهذا أمر آخر وهو الشعور بتجرد القلوب عن مراكز ~~الطبائع والعيوب ، فيرى العبد حقيقة الباطنة ناهضة إلى التوبة بلا تكلف ~~قائمة، فإن التوبة الأولى كانت بحكم العقل عليه، وهذا صارت التوبة ~~حاجة قلبه ، فهي تميل إليه، وقد قيل : (فضح التطبع شيمة المطبوع). # وشتان بين من كلفه العقل أمرا فتكلف، وبين من أحب الشيء ~~بطبعه وتلطف ، ومثل هذا الذي يقال في حقه : استقام باطنه كما استقام ~~ظاهره، وهو التحقق بقوله تعالى: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ~~ذوقا وحالا، لا تكلفا وجهدا، وما سبب ذلك إلا أنه ~~حيث حقق القلب مشاهد الإيمان، وتوطن حقيقة العرفان، فصار له PageV01P202 ~~أمرا يركن إليه، ويستند في أموره عليه، لا يغيب عنه ساعة من ~~الزمان، وإن خطفه عنه أمر من الأكوان، لكنه غالب أمره مشاهد ~~الإيقان. # فلما استقرت في ذلك قدمه نهضت إلى حقيقة التوبة عزائمه، ~~فتجردت القلوب عن النفوس تجرد المتجرد عن المبلوس ، هذا علامة ~~خواص الملك القدوس، فعاملت ربها بالتوبة، بلا أمر تهابه [...] ~~وهذا أول طريق الخاصة، منه يرتقون إلى محبة القلوب، فنهضت ~~قلوبهم إلى الإرادة كما نهضت بالتوبة، وذلك حين صار لها عادة. # فصاحب القلب لو أن آخرا إذا عمل عملا من الأعمال الظاهرة؛ ~~مثل ذكر أو صلاة أو تلاوة أو غيره ، أو من الأعمال الباطنة؛ مثل توبة ~~أو محبة أو رضا أو غيره ، تراه غائبا بذلك العمل عن غيره، مستورا ~~فيه عن هواجس نفسه، فإن محل ms105 الخواطر هو المشتغل بتلك ~~المعاملة، فليس فيه فضل، ولا للآفات النفسانية والشيطانية في غالب ~~الأمور عليه مدخل، وهذا إن شاء الله أول طريق المقربين، وهو تخلص ~~قلوبهم من أسر نفوسهم وخطراتها لصفائها عن أدرانها وأدناسها، ~~سكن العقل فيها فلم يهم إلا بخير، وكيف لا ? وقد صار هو صاحب ~~المعاملة طبعا لا تكلفا. # وأما العباد والصالحون الأبرار؛ فغالبا إنما يسلكون بحكم ~~نفوسهم على عقولهم، ولهذا ترى فيهم المرارة والمنازعة؛ لأن قلوبهم PageV01P203 ~~محكوم عليها؛ لم يصر الخير طبيعة لها، ولا التوبة عملا بالطبع لها ~~لكنها تتطبعه وتتكلفه، فلهذا ترى أحدهم مغمورا في أحواله، مستورا ~~في أنواره، الحسد قائم في قلبه، والشهوة تميل بنفسه إلى حظه، ~~وخطرات السوء تزاحمه في قصده، وسببه أن المحل محكوم عليه؛ ~~لم يقم بتلك الأحوال والأعمال شهوة وطبيعة، فالعقل يورد الحق ~~عليه، وطبيعة المحل تورد الشهوات إليه، فقلبه محل لتزاحم الحق ~~والباطل، وأمره ناقص ليس بكامل. # وأما من صارت التوبة شيمة قلبه، والمحبة طبيعة سره، بعدت ~~عنه الآفات، وهمست في سره الخطرات، وصارت حقيقته هي الثابتة ~~وهي المحبة، قد اشتغل محل الخواطر بذلك، وصارت عليه مكبة، ~~واطمأنت نفسه على الحق وأرادته، فصارت النفس تريد ما يريد القلب ~~والعقل بطبيعته، وهذا هو العطاء الفاضل والمنحة الشريفة، وهو أن ~~يصير العدو صديقا، والمبغوض الممقوت حبيبا حقيقا. # وكان - والله أعلم - أن مراد الحق من العبد هذا القدر، وأن ~~الرب تعالى لا يكمل رضاه عن العبد وفي باطنه طبعه من العذر ~~يحب ما يبغض، ويكره ما يحب، وإن كان معفوا عنه لكراهية ما في ~~طبعه بالاعتقاد واللب، وأما شخص انقلب طبعه فصار يحب ~~ما أحب الله، ويكره ما يكره الله، فهذا - والله أعلم - هو الاستعداد ~~لمحبة الله تعالى له؛ لأنه لم يبق في باطنه ما يكره الله، وانجمع بكليته ~~على مراد الله ، وهذه غاية السياسة التي ينتهي إليها الاكتساب ، وإن ~~كانت في الأصل من فضل الله الوهاب، وهو طريق الأبدال الذي ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات. PageV01P204 # وإنما كان ذلك لتبدل صفاتهم، وتغير طباعهم ms106 وعاداتهم، ~~فاستحقوا بذلك أن يبدل الله سيئاتهم حسنات، وأن يصطفيهم ~~ويصطنعهم ويفيض عليهمم سجال الكرامات، فيصيروا محبوبين ~~ويجعلهم مكرمين. # فعليكم معشر الإخوان بتحقيق ذلك في السلوك، وتفقده من ~~نفوسكم ؛ فإنه الغاية القصوى الموجبة إن شاء الله لمحبة الرب في ~~الأولى ، والاشتغال بغير ذلك من الأمور الخارجة - مع تضييع هذا ~~السر الشريف - بلادة وجمود أو ميل بالطبع إلى التخلف عن مراتب . # أهل الكمال بالتأخر والركون، وهو (فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم). # والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وسلم PageV01P205 ### | قاعدة في أنواع التفاريق وصفة الجمع في الأمر المكمل لصاحبه # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~المبتدئ متفرق الهم، متشعب الخاطر بين أمور متنوعة، أولها ~~تحصيل همة يرتقي بها في علومه وأعماله وأحواله، فهو متعوب في ~~تلونه فيها ، تارة يفقدها، وتارة يجدها. # فإذا وجدها فهو متفرق بين علم يضبطه حفظا، أو يفقهه معنى، ~~فإذا حصل ذلك العلم الذي يحتاجه فهو متفرق من نفسه الأبية ، التي ~~تأبى الانفعال لمتقضى العلم من المحاسبات والمراقبات، والقيام ~~بحقائق التقوى ؛ من أداء وظائف المفروضات على أكمل هيئاتها ~~المشروعة، فتارة يجد همة تبعثه على ذلك، وتارة يفقدها. # فإذا وجدها فتارة يقوم بالوظائف قياما مقارنا، وتارة يقوم بها ~~قياما ناقصا، وتارة تغلبه نفسه وتبرد همته، فيهم إلى ركون المحافات ~~ويتقاعد ويتكاسل عن القيام بوظائف العبوديات؛ من المفروضات ~~والمسنونات، فقلبه متفرق - أيضا - من التقصير في ذلك، ومن ~~النشاط في وقت، ومن الكسف في وقت آخر. # وهو متفرق - أيضا - من عدم مؤاتات الأسباب والأصحاب PageV01P206 ~~والأزمنة والأوقات في حقه؛ فإنه يرى الكل مفرقا عما يطلبه، صادا ~~عما هو بصدده، فهو يداريهم ويداري وقته جمعا بين المصالح، فتارة ~~تغلبه تلك العوارض حتى تستولي عليه وتنسيه ذكر الله تعالى، فينفعل ~~لها، فيبقى بارد القلب، جامد الخاطر، قد انحرف عن دائرة ~~السالكين، ثم يقويه الله تعالى بمشيئته ومعونته على مقاواتها والعود ~~إلى حالته التي يحبها الله منه ويرضاها. # وهو متفرق - أيضا - من إبطاء وقت البوارق: ~~فتارة يلوح له قمر الإيمان حتى يتوهم أنه قط ms107 لا يتوارى عنه، ~~فيعيش في تلك البهجة والنور زمنا ما أطيبه وما أحلاه! # وتارة يمر على قلبه غيوم الطبيعة وغانها، فتحجبه عن ذلك حتى ~~كأنه لم يعرف ربه، ولا وجد رائحة أنسه، ولا ذوق معرفته وقربه. # وتارة تبرد ناره، ويعكف على حظوظه، كأنه يطلب أمرا غير ~~ذلك. # فمن وفقه الله تعالى حتى دامت همته الجاذبة له إلى مرضاة ربه ~~في تحصيل العلوم والأعمال والأحوال، ثم حصل له من العلوم ~~ما يمكن مثله أن يعبد الله به في الأمر الظاهر والباطن من علوم ~~الأحكام وعلوم المقامات والأحوال، ثم ألان الله تعالى له جوارحه ~~وطبعه كما ألان الحديد لداود عليه السلام، فيبقى عمل الحق واعتقاده ~~طبيعة فيه خارجة عن مراد الحق ولا خارجة عن أمره ، ولا مائلة إلى ~~معصيته ومكروهاته ، ثم فتح على قلبه لائحة من شمس المعرفة الجاذبة ~~لقلبه إلى محبة ربه ، بحيث لا يتوارى عنه لمحة ولا طرفة، كيف PageV01P207 ~~التفت وجد بقلبه ما يهيج غرامه، ويكثر منه المهابة لربه مع تلك ~~المحبة الزائدة، والتعظيم له على معاينة باطنه. # روحه تشهد في نورها تفاصيل الأوامر والنواهي والشرائع ~~والنبوات، متصلة بشارعها سبحانه وتعالى لربه بالعبودية الظاهرة ~~والباطنة على تلك المعاينة، فقد تم حاله وشهوده، وصار واصلا ~~بحسب مرتبته ومقامه. # وبالله المستعان، وعليه التكلان، والحمد لله وحده، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV01P208 ### | قاعدة يعرف العبد فيها نصيبه من ربه ويعده من حظوظ نفسه # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلواته على ~~أشرف الورى محمد وآله نجوم الهدى. # من أراد الله أن يقطعه إليه ويصطنعه بمرتبة يوقفه فيها بين يديه، ~~يجر رقه أولا عن رق النفوس، ويدخله في رقه، ويوقفه للقيام بأحكام ~~عبوديته ووظائف حقه، فمن استولت عليه مطالب النفوس ومآربها ~~فهو عبد لها، وإن كان يعبد الله بظاهر جسمه وصورته. # وأغلب الخلائق لا يخلون من شوب ما من عبودية النفوس ~~والنادر منهم من رقها إلى رق الله تعالى وعبوديته، فإنه بالناظر عبد ~~نفسه ms108 وشهوته. # فإذا أعان الله تعالى وأراد بعبد مقاما من مقامات العبودية؛ فطمه ~~عن مراد نفسه الحظوظي إلى مراد ربه الشرعي، ويكشف لقلبه ~~عن عبادته له عن اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، فيعبد الله تعالى ~~بواسطة معرفته له بذلك الاسم أو الصفة ، ثم لا يطيع نفسه في ~~حظوظها ومرادها إلا ما كان موافقا لمراد ربه عز وجل. PageV01P209 # ولو كشف المحققون أنصبة العابدين لله من أسمائه وصفاته لرآهم ~~يعبدون إلها واحدا في مظاهر متعددة، ويستحق كل واحد أن يسمى ~~باسم يليق بعبوديته لله بحسب مشهده من أسمائه وصفاته. # فهذا عبد النور، وهذا عبد المعبود، وهذا عبد القهار والمنتقم، ~~وهذا عبد الكريم، وهذا عبد الرقيب، وهذا عبد الرحيم، وهذا ~~عبد الملك، وهذا عبد الجليل، وهذا عبد الجبار، وهذا عبد القادر، ~~وهذا عبد الجميل، وهذا عبد اللطيف، وهذا عبد الحبيب، وهذا ~~عبد الله، وأمثال ذلك. # فمن كشف له عن لائحة من وجوده فهو: عبد النور، أي عبد الله ~~الذي اسمه النور ؛ لأنه عرفه بأنوار ساطعة تلوح لقلبه من مطالع فوقيته ~~على عرشه. # ومن عرف أنه يستحق العبادة فعبده بالطاعات والقربات، ~~والأذكار والدعوات، فهو : عبد المعبود. # ومن كشف له عن قهره للعباد في الدار الآخرة قيمه ذلك المشهد ~~في الطاعة، ويلزم قلبه خوفا بحجزه عن المكاره، فذلك: عبد القهار ~~وعبد المنتقم. # ومن كشف له عن كرمه فأقامه ذلك بين يديه راجيا مشتاقا إلى ~~لطائف كرمه فهو : عبد الكريم. # ومن بدئ على قلبه بادئ من اطلاعه ونظره فهابه وأجل نظره ~~حياء ومراقبة فهو : عبد الرقيب. PageV01P210 # ومن شاهد رحمته في مخلوقاته وأقامه ذلك في العبودية فهو: ~~عبد الرحيم. # ومن ساس العباد بعلمه وسياسته قربه إلى الله ونأى به عن شريعته ~~فهو : عبد الملك. # ومن استولى عليه بادئ من جلال الله تعالى فقمع نفسه وأذلها ~~ونهرها فهو: عبد الجليل. # ومن بدا عليه سلطان الجبروت القاصم للظهور، المذل لأعناق ~~الفراعنة، فعبد صاحب ذلك المشهد: عبد الجبار. # ومن شاهد بادئا من قيوميته وقدرته في مصنوعاته ومبتدعاته قهو: ~~عبد ms109 القيوم وعبد القادر. # ومن اصطلم قلبه بارقا من اشعة الإكرام المقرب إلى الصفة ~~المدواة بالجلال والإكرام فهو: عبد الجليل. # ومن ورد عليه ما فتن قلبه والهب فؤاده وصبغ باطنه وظاهره ~~بصفة المحبة فلم يبق فيه عرق ولا مفصل إلا كان مجذوبا ~~وبلواعج الأشواق مكروبا ، كما قيل: ~~لم يبق إلا نفس خافت ~~ومقلة إنسانها باهت ~~ومغرم توقد أخشاؤه بالن ~~ار إلا أنه ساكت ~~لم يبق من أعضائه مفصل ~~إلا وفيه سقم ثابت ~~عدوه يبكي له رحمة ~~حسبك من يبكي له الشامت ~~فمثل هذا يحق له أن يسمى: عبد الحبيب وعبد الحنان ~~وعبد الودود. PageV01P211 # ومن حظي بنصيب من حقيقة الاسم الجامع ، المفني لما سواه ~~المحتوي على جميع الأسماء والصفات المعبر عنها بلسان القوم جمع ~~الجمع في الفرق الثاني فهو : عبد الله ، والكل عبيد الله، لكن هذا ~~ارتقى عن المشاهد الجزئية إلى المعنى الكلي الجامع لجميع المعاني ~~والجزئيات. # فرحم الله عبدا انفطم عن رق النفوس إلى عبادة الملك القدوس ~~حتى يتبعه في الآخرة حقيقة عندما يتبع أهل الطواغيت طواغيتهم، ~~كما جاء في [...] متصلا بذكره، قائما بأداء حقه، غير مخلد إلى ~~نفسه وشهواتها ، مترقيا إلى ذرى أوطان العبودية ودرجاتها. # وليعلم أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، كذلك هو عبد نفسه ~~ما بقي عليه خلق من أخلاق النفوس مما حرم أو كره. # جعلنا الله وإياكم من الفائزين، والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كثيرا. PageV01P212 ### | قاعدة في الأمور الموصلة والأمور القاطعة # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الذي ظهر بأفعاله ومصنوعاته، فشهدت الفطر بآياته ~~ودلالاته، وقطعت بوجود حكيم متقن مبتدعاته ومخلوقاته، رحيم بها ~~في تيسير أسباب معايشها، وتكوين موادها من مطره ونباته، مرسل ~~الرياح فتثير سحابا ماطرا من خزائنه التي لا تنفد وآياته ، وجعل من ~~الماء كل شيء حي ليعبر فيؤمن بوجوده بشهادة ما أبرز من قدرته في ~~تصرفاته. # سخر الشمس والقمر لصلاح العالم، وجاعل الليل والنهار ~~آيتين، فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من مواد ms110 ~~صدقاته ، دحى الأرض على تيار الماء، فرفع السماء عليها بلا عمد، ~~ليظهر بواهر قدرته في برياته. # هذا بعض حكمته في العالم الصغير المتضايق الأجزاء في كرة ~~التراب الملتوية على مركز السفل وطبقاته، فما ظنك ببدائع قدرته في ~~ملكوت السماء وما أودع فيه من الأفلاك الدائرة، والنجوم السائرة، ~~والأملاك المسبحة العاكفة على امتثال مأموراته ? PageV01P213 ~~ينزل الأمر بين الأطباق العلوية والسفلية، فيكون بذلك ما يريده ~~من إبرامه وتأثيراته، وما ظنك بتعظيم ما يبرز من بواهر أفعاله وصفاته ~~في عالم الآخرة التي لا يكيفه العقول، بل تؤمن بوجوده وإثباته حين ~~ترتفع الوسائط الحكمية التكوينية والشواهد العقلية الاستدلالية بظهور ~~صريح القدرة الإلهية وسطوع بواهر أنواع العظمة الربانية، فيضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا من مثقال حبة خردل ~~من طاعات العبد وجناياته. # فسبحان الإله الحكيم الفاطر المجيد، المبدئ المعيد، الموفي ~~كل عبد ما اكتسبه من سعاياته. # تعرف إلى قلوب العارفين بتعرف خاص، فعرفوه به بعد أن ظهر ~~لهم في المصنوعات في أنوار تجليات أسمائه وصفاته. # انكشف جلاله وعظمته لأحداق البصائر ، فامتلأت من أنوار ~~عظمته وإشراقات ظهوره وبيناته. # ألفت الأرواح استنشاق نسيم التقريب بواسطة تلك الأنوار ~~فلم تلتفت عنه رغبة في غيره من تلذذ عاجلة العبد وراحاته، وإن ~~خطفه على ذلك أدنى خاطف من العوارض الكونية فهو سريع الأوبة ~~والرجوع من دركاته، صاعدا متشاما بروق الوصال، طائرا بهمته ~~المحترقة إلى أوطانه وأعلى درجاته، لا يستقر في شوقه واضطرابه ~~إلا في مقاعد الصدق تجال والعندية بين أطباق العز وسرادقاته. # لولا الآجال المكتوبة والأقدار المحتومة لزهقت الأروح طربا ~~لما باشرها من سطوع أنوار الجلال وإشراقاته، حقيرة إذا نظرت إلى PageV01P214 ~~حسنها وسفالة قدرها حين رامت عن ما بها أعلى المراقي، وأين الثريا ~~من يد المتلامس ، نسبتها الماء والطين والصلصال والحمأ المسنون، ~~تأكل الطعام فتظل حجلاته متعثرة في أذيال الطلب متقاعدة عن نهاياته، ~~كما قيل: ~~أيها المنكح الثريا سهيلا ~~عمرك الله كيف يجتمعان ~~هي شآمية إذا ما استهلت ~~وسهيل إذا استهل يماني ~~فإذا ولت مدبرة حياء من ms111 طمعها ، نازلة إلى التخوم ، طالبة قدرها ~~ومحلها، عبثت بها أيدي الغرام، وتأججت فيها نيران الوجد والهيام. # مما انصبغت به يوم الميثاق من لذيذ الخطاب والتلاق، فتقول : قدري ~~التراب، وهمتي تعلو السحاب، فلا أغالط نفسي في خستي ، ~~و لا أتقاعد عن طلب مآربي، وبغيتي حقيرة إذا نظرت إلى نفسها، ~~عزيزة إذا لاحظت جنات ربها ، لا تيأس أن يقبلها إذا انحطت في ~~السفول رتبتها، فإنها تقول: ~~برقت منك في الفؤاد بروق ~~احتظي كل عضو ببريق ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~عبده ورسوله نبي الرحمة، وكاشف الغمة، ومصباح الأمة، صلوات الله ~~عليه وعلى آله صلاة دائمة لا انفصال لها في الآباد دارا مدادها في ~~الدنيا والآخرة حين نقوم الأشهاد. # وبعد: ~~فإن بعض من وجب علي حقه أبان في نطقه التماس قاعدة في ~~معرفة الأمور القاطعة الموصلة، فاستخرت ربي تعالى في تعليق هذه PageV01P215 ~~الكلمات إجابة لسؤاله، ورغبة في هدايته ونواله، وبالله المستعان، ~~وعليه أتوكل وإليه أنيب. # اعلم وفقك الله تعالى : أن من أراد معرفة القواطع والوسائل ~~فعليه بمعرفة المقاصد والمطالب؛ فإنها متعددة متنوعة، ولكل مقصد ~~سبب ووسيلة، ودونه حائل وقاطع، فمن عرف المطالب وعرف ~~وسائلها وقواطعها، وعرف مطلوبه من جملتها، استبان له بعون الله ~~رشده، واستقام على الطريقة حده، وبالله المستعان. # مقاصد السعادة ومطالبها مراتب أربع: ~~المطلب الأول : طلب صحة الإيمان والاستقامة في الأعمال. # المطلب الثاني: طلب صحة ذوق الإيمان والنصح التام في ~~دقائق الأعمال. # المطلب الثالث : طلب المحبة الجاذبة للأرواح إلى موطن ~~الأنس والأفراح. # المطلب الرابع: الأمر الكلي الذي به يحصل المقصود، وفيه ~~تتبدل الصفات والنعوت، ويرجى به أن يصير محبوبا. # المرتبة الأولى : صحة الإيمان والاستقامة في الأعمال. # فمن الناس من لا تتجاوز همته هذا المقصد، وعليه يعمل حتى ~~يفنى عمره وينفد. # فالوسيلة إلى صحة الإيمان بعد الاستقامة لله معرفة النبوة معرفة ~~ترسخ دلالتها وهيئاتها في قلبه ، إذا صح له ذلك؛ فجميع جمل PageV01P216 ~~الإيمان من العقائد والمعارف والأعمال من لوازم النبوة، فمتى ms112 تثبت ~~تثبت بطريق اللزوم، ومتى تزلزلت - والعياذ بالله - تزلزلت جميع ~~ما يبنى عليها من ذلك. # والوسيلة إلى الاستقامة في الأعمال : رياضة النفس على المحاسبة ~~في الجوارح، والمراقبة في الخواطر، وإكراه النفس على التقاعد على ~~النهوض إلى الأوامر ، والصادق إن شاء الله إذا تدرب على هذه الرياضة ~~سنة؛ نرجو أن يذهب عنه كلف التكليف، وتصير التكاليف محبوبة ~~عنده، يتلذذ بعملها، ويتألم إذا فاته شيء منها، ويعينه على ذلك ~~الاعتدال في الطعام والشراب والكلام، والمخالطة والمنام. # والقاطع عن تصحيح الإيمان والعقائد الفاسدة، والغفلة ~~عن تصفح وجوه معالم الإسلام والسنة من الأصول والفروع، فيخلو ~~القلب عنها، ومتى كان القلب خاليا عن معرفة السنة؛ تطرقت إليه ~~الشكوك والبدع. # ومن القواطع عن ذلك صحبة المنحرفين؛ فإنه يسري بواسطة ~~امتزاج المعاشرين وكيفيتهم التي تكيفوا بها. # ومن القواطع عن ذلك: ركوب المخالفات، والتقاعد ~~عن المفترضات؛ فإن ذلك يسود القلب ويضعف الإيمان وينقصه، ~~كما أن بالطاعة يزيد الإيمان وينمو. # وأما القواطع عن الاستقامة في الأعمال؛ فمن أسبابه الجهل ~~بقواعد الشريعة وأحكام فرائضها وسننها ومندوبها أولا، فمن جهل ~~أمرا كيف يعلمه ? وإذا علمه فآفته التواني والكسل عن تنفيذ حكم علمه PageV01P217 ~~على نفسه، وذلك يحتاج إلى رياضة وصبر وسياسة مدة، حتى تتمرن ~~الجوارح عملى الاستقامة ، ويتمرن القلب على تبديل الأخلاق ~~والصفات المنهي عنها بالصفات الممدوحة المأمور بها، فقد بان ~~خاصية المقصد الأول. # المطلب الثاني : طلب صحة ذوق الإيمان والنصح التام في ~~دقائق الأعمال. # فمن وسائل ذوق الإيمان ما سبق من وسائل صحة الإيمان، ~~فهو كالجسم؛ لما سيأتي من الوسائل، وما يأتي كالروح له، وقد سبق ~~ذكر جسم هذه الوسائل، وأما روحها - بعد الاستعانة - فاستخراج ~~نصوص المعارف من الكتاب والسنة، وهي آيات الصفات وأخبارها ~~والإيمان بها. # فاستشعار وجود الرب تعالى، وعلوه فيه على عرشه، ونظره ~~واطلاعه على ظاهر العبد، وعلمه بما خفي من خواطره وهواجسه، ~~ثم المراقبة لنظره وسمعه وعلمه بهدو الحركات والأدب في المساعي ~~والتقلبات ، بحيث لا ينحرف في ذلك المراقب، فيخرج إلى الكمود ~~وسوء الخلق وإهمال حقوق المسلمين؛ من ms113 البشاشة، ورد السلام، ~~وطيب اللقاء والكلام، ومتى عدل أمره فيما بينه وبين ربه، وبينه وبين ~~عباده؛ كان ذلك هو المطلوب منه إن شاء الله تعالى. PageV01P218 # ومن روح الوسائل لهذا الأمر التلاوة بالتدبر، وتعرف معاني ~~الصفات بالكلام؛ مثل العظمة، والقدرة، والرحمة، واللطف؛ فإن ~~الكلام العظيم متضمن لآثار هذه الصفات، فإنه يتكلم سبحانه تارة ~~بكلام عظيم وجبار وقهار، وتارة بكلام رحيم لطيف وقادر وعليم، ~~وأمثال ذلك، متى استحلى في التلاوة هذه الصفات، كان بمشيئة الله ~~تعالى وعونه وسيلة إلى ذوق الإيمان. # ومن روح الوسائل ضبط القلب في حضرة علم الله تعالى، فمن ~~واظب على ذلك وأدمن علمه بحيث يصير ذلك أغلب أحواله في ~~خلواته؛ كان ذلك تطهرا لمحل الفيض، واستعدادا، ووسيلة لأن ~~ينصبغ قلبه بذوق الإيمان صبغة لازمة، فيجد نورها في أكله وشربه ~~ومنامه وسائر أحواله. # وبعضهم يشير إلى أن من راقب الله تعالى في الخطرة والهمة ~~صار صديقا، وأما الوسيلة إلى إتقان الأعمال والنصح فيها؛ فمن ~~الوسائل ما سبق في قسم الاستقامة في الأعمال، وذلك جسم ~~لما سيأتي من الأعمال، وأما روحها فهو ألا يعامل بالكسل وقلة ~~المبالاة، بل يعامله كما يعمل المحب للحبيب، يرجو بذلك قرة عينه ~~به في لقائه في القيامة، ولا يعامل مولاه بالكسل والكره والكزازة، بل ~~يعامله بالطبيعة والطلاقة، حتى تجد الأعضاء لذة الكد في الخدمة، ~~فذلك من علامات النصح في الأعمال وإتقانها. # ومن ذلك أن يوقع الأعمال في أماكنها وأوقاتها على حسب مراد ~~الرب تعالى منه، فيضع كل عمل في موضعه، فلا يقدم ما لا يفوت PageV01P219 ~~على ما يفوت، ولا يقدم العمل المفضول على العمل الفاضل ~~يراعي الجمعية مطلقا ، بل يراعي مراد الرب تعالى في العمل ~~ورضاه به، وإن تفرقت جمعيته إذا كان العبد مطالبا بذلك العمل ~~المفرق، أما إذا لم يطالب فرعايته الجمعية أفضل وأولى من رعاية ~~غيرها. # مثاله : إذا رأى مظلوما وأمكنه نصرته باليد أو اللسان بلا فتنة ~~وشر يترتب على نصرته، وله جمعية وحال يعلم أنها تتفرق بنصرته، ~~فليقدم النصرة على الجمعية ؛ لأنها ms114 مراد الرب تعالى منه في ذلك ~~الوقت وذلك الموطن، فكذا إذا رأى منكرا وقد انتهكت المحارم وله ~~جمعية يعلم تفرقها في إقامة دين الله؛ فليقم دين الله، ولا يلتفت إلى ~~الجمعية؛ فإن إقامة الدين هو مراد الرب تعالى في هذا الوقت وفي ~~هذا الموطن، وأمثال ذلك، فكما أنه يتلذذ بالجمعية مع الله؛ ينبغي أن ~~يتلذذ بالتفرق إذا جاء أمر الله؛ فإن الجمعية لله، والتفرق لله، فيكون ~~الفرح برضا الله لا بغير ذلك، ولا بد من استعانة الله تعالى في الجمع ~~بين وجود القلب ومرضاة الرب، وذلك يسير على من يسره الله تعالى ~~عليه، وبالله المستعان. # وأما القاطع عن ذوق الإيمان؛ فقد سبق في صحة الإيمان ~~جسمه، وأما روحه فهو الغفلة عن الله تعالى، والالتهاء بالدنيا ~~عن ذكره، قال تعالي: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) ~~، والذكر الكثير : أن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى، ~~ويشكر فلا يكفر، وقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) PageV01P220 ~~والغفلة مفتاح كل قاطع وشر، قال تعالى : (ومن يعش ~~عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) الآية. # وأما القاطع عن إتقان الأعمال والنصح فيها؛ فقد ذكر جسمه في ~~استقامة الأعمال ، وأما روحه فهو العمل على الغيبة عن الله تعالى ، ~~وهو قدر زائد على مجرد الغفلة ؛ فإن الغفلة تقتضي الغيبة عن الشعور ~~بوجوده وبوجود صفاته، وهذا يقتضي الغيبة عن نظره إليه في حال ~~عمله، ومن غاب عن رؤية ربه له في عبادته؛ لم ينصح فيها، وربما ~~داخله الكسل والفتور. # ومن ذلك إيقاع العمل على هوى النفس، وطلب الجمعية ~~بلا قصد؛ لإيقاعها على الصواب ورضا الرب تعالى، وإهمال وضع ~~كل شيء في محله المأمور به، وإيقاعه في أحايينه المندوب إليه فيه، ~~وقد سبق شرح ضده، وذلك كاف إن شاء الله تعالى لمن أراد إتقان ~~الأعمال، والله المعين. # المطلب الثالث: المحبة الجاذبة للقلوب والأرواح. # فمن الوسائل إليها ما سبق شرحه ، فذلك أصول ما ms115 سيأتي ~~وقوالب له، وأما روحه فهو رعاية القلب عن الميل إلى سوى الله ميلا ~~يشغل السر، ويملأ الباطن، ويعلق الهم، وليجعل همه وهواه محبة ~~مولاه، ومحبة أمره، ويتعود ذلك حتى يستقر في عروقه ومفاصله، ~~ويختلط بأمشاجه، ويستقر ذكر الله بالمحبة في سويداء سره، PageV01P221 ~~وهو حبة القلب، فمتى سكن حب الله تعالى وذكره في تلك الحبة، ~~وسكن محبة طاعته وعبادته في جوارحه بحيث يألفها ويحبها ويعتادها ~~كان محبا. # ومن الوسائل: صحبة المحبين واستنشاق أنفاسهم، والاقتباس ~~من هممهم وأوارهم، وسماع كلامهم؛ فإنه جنود تجذب القلوب من ~~جميع الأشياء إلى محبة علام الغيوب. # وأما القواطع عن ذلك ؛ فالميل إلى الأغيار، وإيثار السوى في ~~الهموم والأسرار، وتعاطي أمر مكروه كما سبق ذكره. # ومن القواطع مجالسة الأضداد ومن لا يريد مرادك ولا يحب ~~محبوبك، خصوصا الحسدة البغاة، وأهل السلب والبغي والحسد على ~~نعم الله؛ فإن مجالستهم سموم قاتلة، وكذلك مجالسة أهل الغفلة ~~البطالين محبي الدنيا ومؤثريها، الذين أكثر كلامهم في ذكر الأموال ~~والزوجات والتعلقات الدنيوية؛ فإنهم موتى القلوب، تموت الهمم ~~بمجالستهم وسماع كلامهم، كما قيل : ~~وما ينفع الجرباء قرب صحيحة منها، ولكن الصحيحة تجرب ~~المطلب الرابع: طلب حصول الامر الكلي الموجب لرضا الله ~~تعالى ومحبته لعبده وتوليه له، وكفالته ووقايته وحماته، بحيث يكون ~~لطفه بائنا على العبد في جميع تصاريفه وشؤونه إذا شاء، وهذا ~~هو الغاية القصوى والمطلب الأجل الأسنى. PageV01P222 # فمن الوسائل إلى ذلك استعمال ما سبق ذكره في الوسائل، ~~واجتناب القواطع عنه مما سبق ذكره في القواطع، وذلك كالقالب ~~والجسم لما سيأتي من الوسائل والقواطع. # وأما روح ذلك بعد الإيمان والذوق والمحبة، فهو الاستسلام ~~لأحكامه نفسا وعقلا وقلبا وروحا، وهو في الشاهد مثل: من وجد ~~ملكا قادرا غنيا عالما، يحيط علما بجمل الأشياء وتفاصيلها، ~~فيستهلك علم الواجد ومعرفته في علم الملك وحسن تدبيره، فيسلم ~~إليه، ويتبرأ من جميع اختياراته، فإن صح ذلك منه؛ فإن ذلك يوجب ~~فناء ذاته في شهوده له، ومحبته له، وفناء صفاته في تدبيره واختياره ~~في شهوده لصفاته. # فهذا رجل معلق ms116 القلب بالله تعالى، مفوض إليه، قد أخذت ~~القدرة بأزمة قلبه وفؤاده، فكيف ما أدير فهو راض عن ربه، راقد ~~النفس في حسن تدبيره ، يستريح إليه، ويستعين به في ذلك، ويطلب ~~المدد منه ، فيكون بذلك مفوضا إليه في تفويضه، غير مستبد في ~~تفويضه - أيضا - . # وهذا شأن الأولياء البدلاء، الذين تبدلت منهم النعوت بالنعوت ~~والأسماء بالأسماء، فغلبت عليهم النعوت الربانية، بمعنى أنه انقهر ~~لها، وخضع وفني فيها، وصار بجملته متعلقا بمولاه، ناظرا إليه، قد ~~أفنته محبته عن محبة الأشياء، وإفناؤه وهو بتدبيره عن تدبير الأشياء ~~إلا فيما أمره به فهو مريد لذلك، مدبر له بإرادة مولاه وتدبيره له، فإن ~~ذلك إنما ينسب إلى الرب لا إلى العبد. PageV01P223 # إذا علم ذلك؛ فالقواطع ضد ذلك من التدبير والاختيار والركون ~~إلى الأسباب والحول والقوة. # وميزان هذا العبد العارف المحب في حالة وجدانه أن يحدث كل ~~قوة منه معنى من المعاني الربوبية ، بحيث لا يلهيه معنى عن معنى ، ~~فتكون الروح مجذوبة إلى الحال الكلي، والقلب خاضع لملاحظة ~~الصفات؛ من مراقبة العلم والسمع والدعاء والاستعانة والافتقار ، ~~في مقابلة القدرة والقوة والغنى، بحيث لا يلهيه مشهد الروح ~~عن الانجذاب إلى الأمر الكلي عن مشهد القلب ؛ من عبوديات ~~الصفات. # ويكون العقل في تلك الحال متفقها في الأمر والنهي الخاص ~~به، يلحظ الأمر ليحكم على القلب والجسم بالإيمان، بحيث لا يلهيه ~~المشهدان الأولان عن ذلك. # وتكون النفس خاضعة منقهرة لسلطان العظمة والعجبروت ، ساكتة ~~عن حديثها وأمانيها، راضية بمقدور ربها، مستسلمة لأحكامه، ~~مقبوضة محصورة في القبضة، مأسورة في القدر مع استصحاب تلك ~~المشاهد. # ويكون الحس قائما بالوظائف التي شاهدها العقل من الأمر ~~والنهي، والفرائض والفضائل فعلا وقالا، فالمشهود واحد، لكن لكل ~~جزء من العبد حظ من العبودية. # فيكون حظ الروح : المحبة والاشتياق لما لاح من الإكرام ~~السرمدي الباقي على الأزل والآباد ، وذلك لا يشهده إلا الروح. PageV01P224 # ويكون حظ القلب : العبودية في مقابلة الصفات كما سبق من ~~التضرع والدعاء، والحياء والمراقبة. فهذا حظ القلب، لا يكون ~~للروح هذا النصيب؛ لأن الروح بسيطة ms117 تشهد أمرا كليا، والقلب مركب ~~يشهد المعاني في الصفات، ويقوم بأحكام عبودياتها ~~ويكون حظ العقل في هذا المشهد : مشاهدة أمر المشهود ونهيه، ~~وانتظار وروده بحسب الأزمان والأوقات، فذلك حظ العقل ~~وهو يورد هذا المعنى على القلب ؛ لأن ذلك هو في محل النظر، ~~بخلاف المشهد القلبي؛ فإنه في محل الفكر، والمشهد القلبي بخلاف ~~المشهد الروحي؛ فإنه وجدان محض وانجذاب محض. # ويكون حظ النفس في هذا المشهد : الخضوع والانقهار للعظمة ~~وسلطان الجبروت والرضا والاستسلام للأحكام، فتخمد نارها، ~~ويخبو شررها، وذلك هو حظها في الشهود. # وإنما يورد ذلك على النفس القلب؛ فإنه يشهد الصفات، ويورد ~~حكمها على النفس ، ويتنوع جميع ذلك من البصيرة الباطنة المشاهدة ~~لجميع ذلك، ويكون حظ القلب العمل لا غير، والكل يشتركون في ~~كل مشهد من المشاهد ، لكن لكل صفة خصوصية لا بد من غيرها، ~~وفي الجمع من هذه المشاهد تتبدل صفات العبد، ويتعلق كل وصف ~~منه بالحق بحسب ما يليق به. # وبيان ذلك: أن النفس خصوصيتها : الفرعنة والاقتدار والمنازعة ~~للأقدار، والاستسلام والرضا بالأحكام، فيتبدل ذلك منها بأضداده من ~~الصفات الحميدة، والعقل خصوصيته : التعقل والنظر في المصالح PageV01P225 ~~الدنيوية العاجلة، فيعبد ربه بالتعقل لأمره ونهيه، والنظر في مصالح ~~آخرته، وخصوصية القلب: العمل بالفكرة الحظوظية، وتأله ~~المخلوقات؛ من الخوف منهم، والرجاء لهم، والطمع فيهم، فتتبدل ~~هذه الصفات بعبودية الله تعالى ؛ من العكوف عليه، والاستعانة به ~~والالتجاء إليه، والخوف منه، والرجاء له، والطمع فيما عنده في ~~مقابلة مشاهده. # والروح كلية ؛ خصوصيتها تعشق الأشياء الجميلة الحظوظية، ~~وانجذابها إليها، فتتبدل ذلك منها بانجذابها إلى محبة العلي الأعلى ، ~~وعكوفها عليه ، ويبقى الجسم خصوصيته : السعايات في الحقوق ~~اللائقة، والحظوظ الآجلة بالقال والفعال، والله الموفق للصواب. # وطوبى لمن وفقه الله تعالى للجمع بين هذه المشاهد في آن ~~واحد ، بحيث لا يلهيه شيء عن شيء، وإن كان الأغلب من الواجدين ~~قد يغيب غالبا بمشهد عن مشهد، لكن هذا الكمال الكلي ~~إن شاء الله تعالى. # وقد أنشدوا في هذا المعنى: ~~يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته عن النديم ولا يلهو عن ms118 الكاس ~~فنسأل الله الكريم أن يوفقنا للتلبس بما وصفناه، ويقبله منا ~~بكرمه، ولا يكلنا إلى ما علمناه وعرفناه، فجملة الوسائل بعد ~~الاستعانة في الإيمان : معرفة النبوة وشواهدها ، واستخراج نصوص ~~المعارف من الكتاب والسنة، والإيمان بها، ورياضة النفس على ~~المحاسبة في الجوارح، والمراقبة في الخواطر، وإكراه النفس عند PageV01P226 ~~التقاعد على النهوض إلى الأوامر ، وكفها عند المسارعة إلى المناهي. # والوسائل في الذوق والإيقان استشعار وجود الرب تعالى وعلوه ~~على عرشه، ونظره واطلاعه على ظاهر العبد وباطنه، وعلمه بما خفي ~~من خواطره وهواجسه، ثم المراقبة لنظره وسمعه وعلمه بهدوء ~~الحركات ، والأدب في المساعي والتقلبات ، بشرط عدم الانحراف في ~~الحركات والسكنات، ثم التلاوة بالتدبر وتعرف معاني الصفات من ~~التلاوة ، ثم ضبط الخواطر في حضرة علم الله تعالى ونظره في سويداء ~~سره، ثم الاعتدال في الأكل والمنام، والمخالطة والكلام، ولا يعامل ~~ربه بالكسل وقلة المبالاة، بل يعامله كما يعامل الحبيب حبيبه ~~وإصابة الصواب في الأعمال، وإيقاعها في أوقاتها وأماكنها، وعلى ~~الوجه المشروع الذي أريد منها فيها، ولا يقدم العمل المفضول على ~~الفاضل ، ويعمل على رضا الرب تعالى ، لا على مجرد الجمعية ، ~~فيرضي ربه وإن تفرقت جمعيته. # والوسائل في مقام المحبة رعاية القلب من الميل إلى سوى الله، ~~وعن الشرك في توحيد الله، وليجعل همه وهواه في محبة مولاه والقيام ~~بأمره، والتعلق بأنفاس المحبين وصحبتهم، والوسائل في الكمال ~~الكلي الاستسلام لله تعالى ؛ بترك التدبير والاختيار ، إلا التدبير ~~الشرعي فيما أمر به ، أو تدبير ما نهى عنه ، ذلك بالله لا بنفسه. # وجملة القواطع أضداد هذه الصفات ، وفي باب الإيمان منها ~~العقائد الفاسدة؛ فالجهل وإهمال تصفح العلم وتعلمه، وصحبة ~~منحرفي العقائد، والتواني والكسل عن اداء المفروضات، ومجانبة PageV01P227 ~~المنهيات. # والقواطع في باب الذوق والإيقان؛ فالغفلة عن الله تعالى ~~والالتهاء بالدنيا عن ذكره، وعدم المراقبة في الخواطر لنظره ~~والمعاملة على الغيبة عن الله وعن نظره ، والعمل على هوى النفس من ~~غير أن يقصد إيقاعه على الصواب الذي يرضاه الله تعالى، بل يعمله ~~كيف اتفق ، وكيف أحب ، مثل أن يقدم المفضول ms119 على الفاضل. # والانحراف في الأكل والمنام والمخالطة والكلام عن حد ~~الاعتدال إلى طريق الإفراط والتفريط. # والقواطع في باب المحبة؛ فالميل وإيثار السوى، ومعاشرة ~~الأضداد، والاختلاط بهم، ومجالسة أهل الغفلة وموتى القلوب، ~~والقواطع في النهايات التمني والتدبير والاختيار ، أما الأوامر فلا كلام ~~فيها ، وأما المختارات قادحة، وإن كانت براء. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم تسليما. PageV01P228 ### | قاعدة في معرفة النقص الداخل على الكمال من العارفين، ومعرفة الكمال في حق هن قام به من الواصلين، أهل البقاء بعد الفناء، والصحو بعد الشكر من مقامات المقربين ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله حمدا كثيرا كما يليق به وبعظمته وكبريائه وجلاله وإٕعلائه ~~وصلواته على سيدنا محمد أشرف أنبيائه، وعلى آله وصحبه ورفقائه. # وبعد: ~~فإنا نجد في بعض من انصبغ باطنه بصبغة المحبة لله تعالى، ~~والانجذاب إليه، غفلة عن أمره ونهيه، وركونا إلى غيره، وتعاطيه ~~الشيء بما يكرهه ، من الحركات أو الكلام ، مع بقاء تلك الصبغة التي ~~في باطنه من محبة الله تعالى. # وكذلك نجد في بعض من تلبس بالتقوى ظاهرا وباطنا، وقام ~~بحقوق الله تعالى، وفتش عن دقائق أوامره ونواهيه، واكتسى كسوة ~~الخوف والخشية والإشفاق، جمودا عن صبغة المحبة، ويبسا في ~~أخلاقه، وجفاء في طباعه، بحيث إذا ذكرت عنده المحبة وشؤونها ~~كان بعيدا عنها. PageV01P229 # وكذلك قد نجد في بعض من انصبغ بصبغة الخوف والمحبة معا ~~صولة في بعض الأوقات، وتدبيرا واختيارا واستبدادا ورعونة وكبرا ~~وتيها، وتعلقا بغير الله من الخوف والرجاء والطمع في غيره، وأمثال ~~ذلك. # وكذلك نجد في بعض من كمل فيه ذلك، وأكثره في بعض ~~الأوقات استيلاء خواطر السوء على قلبه، وعدم تصفيته ~~وطهارته عن الأكدار ؛ من تسخط الأقدار وإرادة الأشياء المحرمة ~~وشهوتها، لم يتخلص قلبه بالأصالة عن شهوتها وإرادتها في بعض ~~الأوقات. # وكذلك نجد في بعض من كمل فيه جميع ذلك برودة عن ~~معاملة الله تعالى بالأركان، وعدم التلذذ بالأعمال المشروعة؛ استغناء ~~بما وجده بقلبه من الأحوال، أو لضيق القلب عنها، ففتشنا عن أصول ~~هذه العلل، ms120 فوجدنا أصولها من ملاحظة شيء، والغيبة عن شيء؛ ~~إما لجهل أو لضيق محل. # بيان ذلك : ~~اعلم أن المعبود سبحانه وتعالى واحد، وإله فرد، له صفات ~~متعددة متنوعة، وكل واحد ممن يعبده صورة وأحدة، لكن ركب فيه ~~معان مختلفة، وصفات متنوعة، ولا تكمل عبادة من يعبده حتى يعبده ~~بجميع أسمائه وصفاته وعظمة ذاته بحسب قدرته واستطاعته واتساعه. # ولكل من صفات المعبود سبحانه وتعالى في التأله له بها والقيام ~~بأحكامها من العبودية: محل في وجود العبد وصفاته، يقع أثر ذلك PageV01P230 ~~الوصف من المعبود سبحانه في المحل الذي فيه وصف ذلك العبد، ~~بحيث يتفعل ذلك المحل من العبد، ويتأثر بأثر ما يقابله من صفات ~~الرب تعالى، فمتى فام العبد بأحكام الأسماء والصفات، وعبد الله ~~تعالى بها، بحيث يتأثر بعبادته محل كل وصف من صفاته، ونعت من ~~نعوته، فيتغير عن هيئة الوضعية المعهودة بأثر ما باشره من صفات ربه ~~كملت عبودية العبد لربه بحسبه؛ إذ هم متفاوتون - أيضا - في ~~الكمال، وبالله المستعان. # وتفصيل هذا المجمل هو : أن العبد مأمور بمحبة الله تعالى ~~إما فرضا : وهي المحبة الظاهرة ، أو ندبا : وهي المحبة الخاصة، ~~ومحلها الروح الكلية من العبد، ومستقر المحبة الخاصة في الأمر ~~الجامع الكلي لجميع الأسماء والصفات، فيقع تأثير الأمر الكلي في ~~روح العبد الكلية ، وتنفعل به قواه جميعها، بحسب ذلك المؤثر، ~~لا بغيره من مؤثرات الصفات. # وكذلك العبد مأمور مع تلك المحبة بالتعلق بالله والاستناد إليه، ~~والتفويض لحكمه، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، والحياء من ~~نظره وعلمه وسمعه وبصره في الظواهر والخواطر، ومحل العبادة بهذه ~~المعاني المتعلقة بالصفات : القلب من العبد، فمتى عبد القلب ربه ~~بهذه المعبودات انفعل بحسب هذه المعاني المؤثرة، ومنها تنفعل ~~جميع القوى كما سبق ذكره. # وكذلك العبد مأمور مع تلك المحبة والعبودية التي تقدم ~~ذكرهما بالتأمل والنظر والفكر في أوامر الله تعالى ونواهيه PageV01P231 ~~وتفاصيل أجزائها وما يخصه منها، وما يخص غيره إن ابتلي بالقضاء ~~أو الفتيا مثلا. # وكذلك هو مأمور - أيضا - مع تلك المعاني المتقدمة بتسريح ~~النظر والاعتبار ms121 في المخلوقات والآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق، ومحل جميع ذلك في العقل، وإن كان العمل ~~للقلب - أيضا - ، إلا أن آلة القلب من مجموع الوجود الإنساني لهذه ~~الخصائص التي أمر العبد بها هو العقل، فمتى عبد العقل ربه بهذه ~~المأمورات انفعل بها بحسب هذه المعاني المؤثرة، ودخل في ~~العبودية. # وكذلك العبد مأمور بعبادة الله تعالى مع ما سبق ذكره بترك ~~الاختيار والتدبير والخضوع والانقهار لعظمة الملك القهار، والطمأنينة ~~والرضا بالأقدار إٕذا وافقت الأمر ولم تخالفه. # والذي يعبد الله تعالى بهذه هو القلب، لكن يتأثر بهذه العبوديات ~~النفس؛ لأن من طبيعتها الاختيار والتدبير، والكبر والجبروت، فمتى ~~عبد العبد ربه بهذه المعاني تأثر بالعبادة محل النفس، وهو محل ~~الأخلاق الذميمة، وإن كانت النفس - أيضا - تتأثر بجميع ما سبق ~~شرحه من المعاني الروحانية والقلبية ، لكن هذه الصفات بالنفس أليق: ~~لأنها أخس الصفات وأرذلها. # وكذلك العبد مأمور بعبادة ربه بقالبه وجسمه؛ من الصلاة والحج ~~والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقائم بهذه العبوديات ~~مجموع العبد ، لكن معظم أحوالها هيئات فعلية محسوسة ظاهرة ، PageV01P232 ~~يظهر أثرها في الجوارح، والحس أغلب من أثرها في الباطن؛ لأنها ~~قد تتعدى إلى غيرها، وقد ينتشر حكمها في الآفاق؛ لظهورها، ~~بخلاف الأعمال القلبية والروحية الباطنة؛ فإنها مقصورة على ~~صاحبها. ### || فصل # إذا علم ذلك يتبين النقص الداخل على المحبين والخائفين ~~والعابدين وأنواع المتوجهين في عبادة رب العالمين من أي الجهات ~~هو ، وما ذاك إلا من إقبالهم على شيء يعبدون ربهم به، وغفلتهم ~~عن شيء آخر يهملون به أمر ربهم فيعصونه، وهم قي إهمالهم لأمر ألله ~~في ذلك المعنى الذي فاتهم قد لا يغيب عنهم حكم ما هم متلبسون به ~~من الأعمال التي قاموا بها، فلا يغيب حكمها عنهم في حالة إهمالهم ~~لغيرها كما سبق ذكره من المحب المنحرف في أفعاله، ففيهم من رزق ~~حبا يعتني به ولا يعنى بغيره من أمر الله كاعتنائه به، فيقوم بحكم الله ~~في حبه، ويضيع أحكام ربه في غيره. # ومنهم من رزق خوفا ms122 وطاعة؛ فهو يعتني بذلك ولا يعتني بأمر ~~الحب كذلك، فيتوارى عنه حكم ما ضيعه من مجموع الأمر الكلي. # ومنهم من رزق مجموع ذلك، ولم يؤدب نفسه، فنفسه قائمة ~~بالاختيار والتدبير، ولها كبر وتيه وصولة ونخوة، فهو معتن بعبادة ربه ~~فيما قام به ، مضيع لأحكامه فيما أمر به من مجموع الأمر الكلي الذي ~~لا يكون الكمال إلا به. PageV01P233 # ومنهم من رزق ذلك وهو مقصر في عبادة الجوارح والأركان، ~~وإقامة الدين وإظهاره؛ لاعتنائه بأمور باطنة، وإعراضه عن كمال إقامة ~~ما أمر به. # فمن وفقه الله تعالى لمحاولة الأمر الكلي، وإن لم يطق جمع ~~جميع أطرافه ، لكن بحسب جهده ومقدرته ، كان قاصدا لكمال ~~عبادة ربه، قائما بمحاولة جميع ما أمر به، ونرجو أن يجزيه ~~الله تعالى على قدر نيته، وإن قصرت عنه أركانه وجبلته، هذا إذا بذل ~~مجهوده، واستفرغه في مرضاة ربه، بعبادته له بجميع ما فهم من ~~الشريعة المحمدية، من أحكام عبادة الله تعالى بالظاهر والباطن، ~~فلا يقنع من روحه إلا بقسط تام من محبة الله تعالى الخاصة ، الذاتية ~~المباشرة لحبة قلبه وسويدائه، ولا يقنع من قلبه إلا بالقيام بما يمكنه ~~من عبوديات الصفات؛ من الحياء والمهابة والأدب، ومحو خواطر ~~السوء وعزائمه، والخشية والإشفاق، والتعلق بالله، والتوكل عليه، ~~والاستعانة به ومراقبة نظره وعلمه ضمن محبته الخاصة، فإنه ~~متى انفك حكم تلك المحبة ، خرج صاحبها إلى ما شرح أولا من ~~الرعونات المذكورة ، وتعاطي شيء مما يكرهه الله تعالى بالقال ~~أو الفعال. # وكذلك لا يقنع من عقله في حال محبته وعبادته القلبية إلا بتأمل ~~أمر الله تعالى الخاص به في ذلك الوقت على نفسه وعلى غيره ، مبالغا ~~في التأمل بما وجب عليه في وقته وفيما نهي عنه في وقته، وفيما ندب ~~إليه في وقته، وذلك في حال محبته وعبادته القلبية؛ فإنه متى انفكت ~~المحبة والعبادة القلبية عن التأمل لمراد الله تعالى ، من العبد في وقته PageV01P234 ~~ذلك؛ دخل عليه داخل من جهة تضييع الأمر الخاص، في الوقت ~~الخاص، فينقص صاحبه بذلك، أو يعصي. # وكذلك لا ms123 يقنع من نفسه مع محبته لله الخاصة وعباداته القلبية ~~وتأمله لأحكام شريعة ربه بتدبير نفسه واختيارها وصولتها وتيهها ~~بما رزقته من الأحوال والأعمال والعلوم، بل يكون مع جميع ذلك ~~خاضعا لربه، مفوضا إليه، غير مستبد ولا متخير، وذلك في حال ~~محبته الخاصة وأعماله القلبية وعلومه التأملية، فإنه متى انفك جميع ~~ذلك عن عبوديات النفس، تحركت بجميع مقتضى طبيعتها وجبلتها، ~~فكدرت الوقت، وشوشت السر، وأفسدت الأحوال والأعمال؛ فإن ~~الكبر والعجب محبط، والتدبير والاختيار للحظوظ مؤخر مبعد. # وكذلك لا يقنع من وجود ذاته في محبته الخاصة وأعماله ~~القلبية، وعلومه النافذة، وطمأنينة نفسه إلى مراد ربه وخضوعها له ~~بالانقهار والعبودية والتذلل أن يكون خاليا عن الحركة بالقالب ~~والجوارح في طاعة الله وعبادته تحصيلا لمجموع الأمر الكلي في ~~مجموع الوجود؛ فإن الحركة في طاعة الله بركة، والكسل في ذلك ~~اعتمادا على الأمور الباطنة دون الظاهرة مفشل معطل بمصالح البدن ~~ونوره في الدنيا، مؤخر عن الثواب الخاص به في الآخرة، فحينئذ ~~تبين بذلك أن علامة الكامل في وصوله أن يقوم بوظائف العبادات ~~ببدنه وقالبه، ويجد اللذة في الكد والاجتهاد، ويزول عنه كلف ~~التكاليف، ويجد الراحة والنشاط فيها بعد الكسل عن ذلك والتقاعد ~~عنه، فيتبدل ذلك الوصف المذموم منه بهذا. PageV01P235 # ومع ذلك فتسكن الخشية والإشفاق، والتسليم للأحكام، والرضا ~~عن المنازعة للأقدار، والخضوع والذل والانكسار لعظمة الملك ~~القهار في محل نفسه ؛ لأنها محل الأمن والدعة، والمنازعة ~~والتحير والاستبداد، فتتبدل تلك الصفات المذمومة بهذه الصفات ~~المحمودة. # وأن يسكن التفتيش عن الأوامر والنواهي ومراعاتها في أوقاتها ~~وحدودها المشروعة في محل عقله ؛ لأنه في محل التفتيش ~~عن المصالح الدنيوية والنظر في المصالح والمعاطب المعيشية، فينظر ~~في هذا الأمر الشرعي كما ينظر في الأمر الدنيوي. # وأن يسكن التعلق بالله، والاستعانة به، والتوكل عليه، والتفويض ~~لأمره، والحياء من نظره وسمعه، وعلمه في حركاته وأقواله، وهمومه ~~وإراداته، فتخمد الخواطر إجلالا لعظمته في محل قلبه؛ لأنه محل ~~التعلق والطمع والرجاء، والرغبة والرهبة لغير الله تعالى من الأمور ~~العاجلة الدنيوية، فتتبدل تلك الصفات منه بهذه ms124 الصفات. # وأن يسكن الحب والانجذاب بصبغة المحبة في محل روحه، ~~لأنها محل محبة غير الله، والانجذاب إليه مما يجب ويستحسن من ~~الأمور الفانية والصور الفانية، فيتبدل ذلك منها بهذه الصفات ~~المحمودة. # فمن اجتمعت فيه هذه الصفات واستحكمت فيه، وانصبغ ظاهره ~~وباطنه بها، ورزق القيام بأحكام جميع ذلك فهو الكامل في وصوله، ~~وكمال كل بحسبه، وبالله المستعان. PageV01P236 # فإن فلت: هذا أمر كبير خطير، يستوعب الحس والنفس ~~والعقل، والقلب والروح، فلا طاقة لي بجملته؛ فإن أمكن أن يكون ~~لهذا مدخل وباب يدخل الإنسان منه ويرجو أن يترقى بدخوله إلى هذه ~~المقامات? فذاك الجواب. # نعم ؛ لكل مدخل يدخل الإنسان ، فيدخل من الأمر الجزئي إلى ~~الأمر الكلي، كفن الفقه مثلا ؛ ألا ترى أنهم يدخلون إليه من بعض ~~المختصرات، فينفذون فيه، فذاك هذا. # وهنا مدخل قريب يسهل الدخول منه إن شاء الله تعالى؛ وهو أن ~~تستعمل في شؤونك من التسبب أو التفقه، أو غير ذلك بما ابتليت به، ~~مراقبة نظر الله تعالى إليك لا غير، فيكون ذلك هجير قلبك على ~~الدوام. # فإن وفقك الله تعالى لذلك، وثبت فيه، يرجى بمشيئة الله تعالى ~~أن تغمر هذه الصفة قلبك، فإذا استولت على قلبك وعمرته، وحالت ~~بينه وبين الوساوس، وحصل لك الأنس بنظر الله تعالى واطلاعه، ~~دخلت بعون الله تعالى إلى جميع ذلك؛ فإن الصفة تجذب بالضرورة ~~المعهودة إلى الموصوف. # فإذا انغمر قلبك بحكم هذه الصفة؛ رجوت أن تنصبغ روحك ~~بالمحبة الخاصة للأمر الكلي الجامع بجميع الصفات، فإن ذلك موهبة ~~تتجلى، تحصل للروح، ويحصل الالتجاء والتعلق للقلب بواسطة ~~البصر، فينغمر القلب بذلك حيث انغمرت الروح، وتنغمر النفس - أيضا ~~- بالتذلل والخضوع والتفويض وترك التدبير لمن راقبت بصره. PageV01P237 # والهيبة الحاصلة من المراقبة تحمل العبد على جولان الفكر في ~~أمر المراقب ونواهيه، وعلى حركة الجسم بعبادته والتلذذ بها، فعليك ~~بلزوم هذا المدخل تحظ بجميع ذلك إن شاء الله تعالى. # فإن قلت : الإنسان حقيقة واحدة، مركب من ظاهره وقالبه، ومن ~~روحه القائمة بظاهره، وأنتم تذكرون القلب والعقل والنفس، فالإنسان ~~هو الذي يفكر ms125 بعقله، وينظر بقلبه، ويتحرك بنفسه، والكل إنسان ~~واحد ، بروح واحد ، فكيف يمكن تخليص هذه المعاني من الشيء ~~وتميز ذلك? ~~الجواب : نعم؛ الإنسان حقيقة واحدة، له ظاهر وباطن، فظاهره ~~الجسم، وباطنة - أيضا - شيء واحد، لكن له صفات باعتبارها تسمى ~~تلك الحقيقة الباطنة باسم القلب أو العقل أو النفس أو الروح، ~~والمتحرك في هذه الصفات المختلفة شيء واحد وهو الإنسان الباطن. # فباعتبار: المحبة والميل وهو معنى روحاني يقال : تحرك ~~بروحه، وباعتبار: خوفه ورجائه واعتماده وعزمه وأمثال ذلك، وهي ~~صفات عملية يمكن أن يراد بها الآخرة والدنيا، يقال : تحرك بقلبه، ~~وباعتبار: تعقله للأشياء وتمييزه بين حقها وباطلها، ومصلحها ~~ومفسدها يقال: تحرك بعقله ورأيه، وباعتبار: شهوته الحيوانية؛ من ~~شهوة الأكل واللبس والنكاح، والغضب والعلو والفخر والخيلاء ~~يقال : تحرك بنفسه، وليس ذلك مذموما مطلقا؛ فإنه مباح فيما أحل له ~~من الأكل والنكاح والعلو، والفخر والخيلاء في حرب الكفار، فإنه ~~وضعه في محله، وهو مذموم في غير ذلك إذا وضعه في غير محله. PageV01P238 # المحرك في جميع هذه الصفات واحد، وهي الحقيقة ~~الإنسانية ، إلا أنها تختلف مظاهرها وصفاتها، فتنسب تلك الحقيقة ~~الواحدة إلى الوصف الذي ظهرت تلك الحقيقة فيه. # مثال لذلك : ألا ترى أن حبة العنب إذا كانت قبل البلوغ تسمى: ~~حصرمة ، وهي تلك الحبة بشكلها وجلدها وماهيتها، فنسبت إلى ~~وصف الحموضة التي غلبت على صورتها، فإذا بلغت وصارت حلوة ~~تسمى تلك الحبة بعينها لم يتغير من كميتها شيء، بل تغيرت كيفيتها ~~فتسمى : عنبة، فإذا أخذت من دردي الخل تلك الحبة بعينها وكميتها ~~فإنك تسميها باسم آخر، فتقول : دردية. # فاختلفت أسماء الحبة الواحدة باختلاف كيفياتها ، فكذلك ~~تختلف أسماء الحقيقة الإنسانية إذا تحركت باختلاف صفاتها ~~وكيفياتها، وهي حقيقة واحدة، والله أعلم. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P239 ### | قاعدة في نقي الخواطر ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الذي فتح طريق الوصول لمن أراد إسعاده وتقريبه ~~واختصر المقامات له في أقرب الأعمال لمن كمل به تهذيبه، وكسا ~~باطنه من لوائح أشعة الجلال والجمال الطالعة ms126 من أفق الغيوب لمن ~~أراد به تطهير ذنوبه وتذويبه، فأوصله بلا تعب له ولا عناء، وأزال ~~بذلك تشعيبه وتعذيبه. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منزل الكتاب، ~~متضمنا ترغيبه وترهيبه، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، المبعوث ~~بواضح الدلالات وباهر المعجزات، الساد لشبهة أهل الريبة، صلى الله ~~عليه وعلى آله صلاة دائمة، ما دارت الأفلاك بالحركات الغريبة، ~~وما سبحت الأملاك بصنوف اللغات العجيبة. # وبعد : ~~أيها الطالب للوصول إلى حضرة المحبة، والفوز بمراتب القربة، ~~لا تتعب ولا تتفرق في جزئيات الطريق وشعبها ؛ فإنها كثيرة الشعب ~~والأعمال، واسعة الأرجاء، متنوعة السبل والألجاء، أجمع لك أمرك PageV01P240 ~~في أصول، فعليها فاعتمد، وإياها فحقق، يرج لك النفوذ إلى ~~حضرات الفوز والسعود إن شاء اله تعالى. # أولها : صحة العقيدة، وتحقيق مسألة العلو والفوقية، ~~وما يتبعها من معرفة الموصوف بها جل وعلا، بإنزال الكتاب، ~~وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة مجملة، ثم السير في تفاصيلها قدرا يقوم به ~~حججها وشواهدها في العقول ، يرتفع به الريب، ويحصل به كمال ~~اليقين بالغيب ، ومعرفة النبوة وشواهدها من الخوارق والمعجزات التي ~~دلت عليها كتب السير والمسندات، ومعرفة أصول السنن بالمرور ~~عليها، وتدبر الكتاب العزيز كأنك تسمعه من متكلمه، فتفهم عنه مراده ~~منك فيما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، واجهد على المداومة ~~والمواظبة على تحصيل معرفة مراد الرب منك في الكتاب والسنة ~~فتستفيد بذلك أمرين: ~~أحدهما : معرفة الأمر الإلهي. # والثاني : معرفة مراده ، فتعرف ما يرضاه منك وما يسخطه من ~~فعلك، وما أباحه لك وجعلك فيه مخيرا. # فمتى وصل ذلك إلى قلبك سرت فيه كيفية عجيبة، فيسر ~~بما يرضاه، وينقبض لما يسخطه ويأباه، ألا ترى في الشاهد: مملوك ~~الملك يعرف كيفية الملك فيما يحبه ويبغضه، فهو أبدا يقصد إلى ~~العمل الذي يحبه، ويجتنب ما يبغضه؛ لما وصل إلى قلبه من كيفيته ~~وكيفية مزاجه، فكذلك العبد العارف بربه؛ يعرف صفات ربه، لأنه ~~جل عن الكيفية، فيعرف ما يحبه من أمره، وما ms127 يكرهه من فعل عبده، PageV01P241 ~~فيقف القلب عند مراضيه فلا يتعداه، ومتى تعد شيئا من ذلك تألم ~~باطنه، وأظلم سره، وانطبقت الدنيا عليه قبضا، كما يجري لمن ~~حاضر الملك وجالسه عندما يبدو منه ما يكرهه الملك. # فهذا الأصل من ضرورة السالك ، لا يتم السير إلا به، وهو ~~الطريق الذي يسمونه : طريق التعرف المؤدي إلى المعرفة بالمعروف ~~وبمراده منك، فهنا شيئان؛ معرفة به، ومعرفة بمراده. # الأصل الثاني : الإرادة ، لا يتم السلوك إلا بها، ويفتقر إليها ~~أولا وآخرا ، فبذلك يمكن الوصول إلى الحقائق الباطنة الروحية ، وهي ~~بمثابة الريح للمركب، متى وقفت الريح وقف المركب، وإنما تسير ~~المراكب على قدر ما يطيب لها الريح. # الأصل الثالث: وهو القطب، وعليه المدار، فلا تغفل عنه ~~و لا تلتفت يمينا ولا شمالا، فهو أصل. # إن غفلت عنه أو أهملته تعبت كثيرا، أو طالت عليك الشقة، وإن ~~حفظته يرج لك في حفظه اختصار الطريق، فاعكف عليه، واجمع ~~همك على حسن الاحتيال له مستعينا بالله تعالى ، مفتقرا إليه في تسهيل ~~هذا الأصل؛ فإنه طريقك إلى مولاك بعد تحقيق ما سبق من الأصول. # إن كنت طالبا حضرة القدس والفوز بما فاز به المحبون والواصلون ~~والمكافحون لصريح الحق . # وهو ان تجعل معاملة لك بينك وبين مولاك؛ ألا تعصيه بحقيقتك ~~الباطنة أبدا، فإنك عرفت في الأصل الأول: ما يحبه من باطنك ~~وما يكرهه، فتجعل عملك بعد الفرائض والنوادب: رعاية باطنك PageV01P242 ~~ألا يختلج فيه ما يكرهه الله تعالى، فتعمل على طهارته من المكاره ~~أبدا، وكلما انفلت منك ضبطته وأقمته على حكم الله وما يرضاه من ~~العدل، فتراه يستعصي عليك أحيانا، ويغلظ ويجفو أحيانا، وينقاد ~~ويرق أحيانا؛ فإنه سريع التقلب، ولذلك سمي القلب قلبا لكثرة تقلبه، ~~وكان صلى الله عليه وسلم يدعو : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. # فلا تزال تعالجه كذلك مدة حتى تملكه ، فإذا ملكته ضبطته على ~~العدل بين يدي الله عز وجل، وتجعل ذلك هو طريقك ومعاملتك ~~ورابطتك مع الله عز وجل، لا تعرج عن ذلك إلى غيره، فإن كان ms128 قد ~~قسم لك نفوذا فإنه يكون غالبا على هذه المعاملة. ### || فصل # في ضبط أصناف تقليبات القلب لتضبط بذلك شؤون حقيقتك ~~الباطنة ، فتقوى بذلك إن شاء الله تعالى على رعايته وإصلاحه، عساك ~~تنفذ إلى الحقائق المطلوبة إن شاء الله تعالى. # وينبوع ذلك أصناف، بحسب تنوعه يكون تسفل العبد في ~~الدركات وترقيه إلى أعلى المقامات والدرجات ، فإنما أنت عند الله ~~عز وجل على قدر ما قام بقلبك في الأمر الظاهر من الطاعة ~~والمعصية. # واعلم أن بهذا التقليب يكون نزول العبد إلى الهاوية، وصعوده ~~إلى الجنات العالية ، وها نحن نضبط ما يفتحه الله عز وجل من ~~ذلك. PageV01P243 # الصنف الأول من ذلك : أنزل الأصناف وأقربها من الدركات ~~السفلى من النار : ~~يكون في حال صلابة النفس وقوتها وانحرافها عن الفطرة إلى ~~طبيعة النفس الأمارة بالسوء، تكون آثار النفس في القلب الشهوات ~~الكثيفة المحرمة من خواطر الزنا والفواحش وتمني الأمور التي ~~يحصل بها ذلك، ويقابلها من أخلاق النفس البغض الشديد ~~والحقد، والعزم على المقاطعة الفاحشة وإرادة هلاك الخصم والكبر، ~~والتيه والعجب، ومهلكات الأخلاق؛ فإن للنفس في القلب غالبا ~~أثرين: أثر شهواني وأثر غضبي، وهذه المرتبة من مراتب الدرك الأسفل ~~من النار، وفيه يكون الشكوك في العقائد، وبغض الأولياء إذا خالفوا ~~مراد النفس ، وذلك للانحراف عن محجة الحق إلى محض الباطل ~~والإفك، وهذه المرتبة أكثف المراتب وأبعدها عن الله تعالى. # الصنف الثاني من تقلبات القلوب : إذا لطفت النفس قليلا ~~عن تلك المرتبة الأولى كان أثرها في القلوب الأماني الشهوانية ~~المكروهة أو المباحة ؛ مثل محبة المال والجاه والرفعة والسعة وأمانى ~~الأكل والشرب وراحات النفس: ~~فحيث يكون حديث النفس وأثرها في القلب ذلك، وفيه تكون ~~الوساوس الباطنية أيضا، ويقابل ذلك من حكم القوة الغضبية ذكر ~~عيوب الناس ونقائصهم، ورؤية تخلفهم عن مرتبته، وربما كان فيه ~~المداهنة والرياء وما يناسب ذلك من الأخلاق السيئة، فإنها مراتب ~~مرتبة أكثف من مرتبة ، وهذه المرتبة من مراتب الطبقة العليا من النار ، PageV01P244 ~~وهي جهنم المعدة للعصاة ، بمعنى أنه من عالمها وإن لم يستحق فاعل ms129 ~~ذلك النار؛ لموانع أخر من حسنات وغيرها. # الصنف الثالث من تقلبات القلوب إذا لطفت النفس قليلا ~~عن هذه المرتبة كان أثرها في القلوب الفكر العقلية في ترتيب ~~المصالح المعيشية : ~~وذلك أول صفاء العقل وتكيف القلب به، وذلك من عالم الجو ~~بين الأرض والسماء القريب من الأرض؛ لأنه من مصالح العقل. # الصنف الرابع : إذا لطفت النفس قليلا أكثر من ذلك سرت ~~الفكرة في العلوم الدينية والمعاني الفقهية، وانحلت المشكلات ~~المعنوية: ~~وذلك من عالم الجو القريب من السماء؛ لأنه من مصالح ~~الأخروية لا الأرضية. # الصنف الخامس : إذا لطفت النفس أكثر من ذلك سرت الفكرة ~~في الحكم الرياضية وترتيب الأمور السلوكية المؤدية إلى منازل القرب : ~~وذلك من عالم أبواب السماء؛ لأن ذلك مفتاح لأبوابها، وذلك ~~من عالم العقل. # الصنف السادس : إذا لطفت النفس أكثر من ذلك أحبت ~~العبادة، واشتاقت إلى الذكر والفكر، والتلاوة والتدبر، والدأب لله ~~عز وجل في الطاعة : ~~وذلك أول صفاء القلب وتكيف النفس بطبيعته، وهو من عالم PageV01P245 ~~السماء، ولأنه يكون مقرونا بالذكر الخالص لله عز وجل، فيستغرق ~~القلب في أنوار الذكر وذلك من عالم السماء القريب إلى الأرض. # الصنف السابع : إذا لطفت النفس قليلا أكثر من ذلك، وقعت ~~الفكرة في ميدان الطلب والإرادة لله عز وجل، وعكوف الهم عليه ~~سبحانه، وجمع الخاطر بين يديه، والمراقبة لعلمه ونظره بالمحبة ~~التامة ، والإرادة الكاملة ، والشوق الزائد إلى اللقاء: ~~وذلك من عالم السموات العلى، القريبة من العرش لمن فهم ~~ذلك وعقله، وكان لبيبا. # الصنف الثامن : إذا لطفت النفس أكثر من ذلك تخلصت من ~~عالم الأرض والسماء، واستغرقت في عالم الشهود والعبودية، ~~وملاحظة الصفات، وكان حديثها المسامرة للحق تعالى بالتوكل ~~والتفويض والدعاء، والنظر إلى الأوامر الشرعية والأحكام القدرية ~~والمعاني الصفاتية كأنه عند الله عز وجل ومعه وبين يديه: ~~وهذا من عالم العرش المجيد، ليس من عالم الأرض ولا عالم ~~السماء. # الصنف التاسع : إذا قوي هذا المعنى عليها هجمت المعرفة ~~الذاتية على الأرواح المورثة لالتهاب الروح بنيران المحبة الخاصة ، ~~الموجبة للسكرات، وتقرب الحقائق منه قربا لا ms130 يغيب عنه: ~~بحيث يلتبس باطنه ويشرق أنوارها على ظاهره ، بحيث يبقي ~~وجود العبد عرشا للمثل الأعلى. PageV01P246 # وكمال هذه المرتبة ألا يغيب تمييز العبد فيها بقوة الاصطلام، ~~بل تكون أجزاء العبد قائمة بما يناسبها من عبودية المعبود، فتكون ~~النفس منكسرة منقهرة ، قد ذهب تدبيرها واختيارها، واستسلمت ~~لأحكام بارئها، ويكون العقل ملاحظا للأوامر والنواهي، قائما بالعزم ~~التام على تنفيذه، ويكون القلب ملاحظا للصفات؛ من الهيبة والحياء، ~~والتوكل والتعظيم، والمراقبة والمناجاة في الصلاة وفي غيرها من ~~حوائجه العامة والخاصة، يكون هجيراه الحب والتعظيم، والخوف ~~والهيبة، وتكون الروح مستغرقة بما باشرها من سطوع أنوار الجلال ~~والجمال، قد أفناها ذلك وألهبها، وأنساها وأطربها، وعمها ~~واستوعبها ، بحيث لا يشغله ذلك عن حكم غيره. # وهذا أعلى أطوار العبد وأتمه وأكمله، وهو المطلوب من السير ~~والسلوك، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وهذا من عالم القدرة، ~~ليس من عالم الملك ولا الملكوت ، وهو من معادن الفضل ~~والمنة، يخص الله بذلك من يشاء من عباده ومحبيه، والله ذو الفضل ~~العظيم. ### || فصل # أيها الأخ ؛ إن أردت وصولك إلى هذا الأمر فاستعن بالله، ~~واشتغل بالأصول المذكورة، ثم اشتغل بمراعاة قلبك كما وصفت ~~لك، وعالجه مدة طويلة حتى تحصله وتضبطه على العدل والحق بين ~~يدي مولاك، وكلما انفلت عنك فاضبطه، فإنه بمثابة السمكة تحتاج ~~إلى تحيل كثير حتى يمكن تحصلها. PageV01P247 # واعلم أن ذلك من أشرف الأعمال وأفضلها، فإياك أن تحقر ~~ذلك، فلا عمل أفضل من أن يطلع الحق على حقيقتك الباطنة فلا يجد ~~فيها ما يكرهه ، ولا ما يمقته ، فيرجى أن يصبغه إذا أدمنت الاستقامة ~~بصبغة المحبة الخاصة المورثة لالتهاب البواطن بمحبة الله عز وجل. # وهذه القواعد تعينك على ضبطه إن شاء الله تعالى ، إذا حررتها ~~عرفت أطوار تقليبات القلوب من الدرك الأسفل من النار إلى أعلى ~~عليين ، إلى ملك القدرة والعظمة الخارجة عن الأكوان ، علويها ~~وسفليها، فتعرف كل وقت ما الغالب على قلبك عند ضبطه، فتعرف ~~طورك ومرتبتك في ذلك الوقت، ولا ترض إلا بعالي الأمور منه ~~فبذلك يتم السير والسلوك إلى الحقائق ms131 المطلوبة إن شاء الله تعالى . # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P248 ### | قاعدة في الجد والاجتهاد # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~عليك بثلاث أعمال؛ شد مئزر جهدك في إتقانها واعتيادها ~~وتمرين النفس بحسن الرياضة للتمكن فيها. # العمل الأول : لا تعص ربك بقلبك في خواطرك. # والطريق إلى ذلك أن تحصل قلبك وتضبطه بين يدي الله عز وجل ~~بالحق والعدل، فذاك طريق الرضا إن شاء الله تعالى، فيستقيم بذلك ~~باطنك، وتستريح من وجه خطرات الآثام والمعاصي، ويصفو قلبك ~~لاستنشاق نسيم الرضا والقرب من الله، فتصبح طيبا، وتمسي طيبا، ~~لا يلج قلبك مكروه، ولا ينطوي على غل وغش. # وذلك يحتاج إلى رياضة شديدة في مدة طويلة ؛ لتعتاد ذلك ، ~~هو أصعب عقبة في الطريق ، فربما يكون الإنسان ذا أحوال عالية ~~لم يصحح مع ربه حفظ باطنه كما أمره تعالى بقوله : (وذروا ظاهر ~~الإثم وباطنه) . # العمل الثاني : اعقد على تفويض أمورك في شأن دينك ودنياك ~~واستند إليه في وعده بكفالتك ووكالتك، واترك الاختيار والتدبير مع PageV01P249 ~~تدبيره واختياره، وارض عنه، واصبر على ما أصابك، واستعن به في ~~ذلك، فتستريح من كدر التدبير والاختيار، وتقليبات القلوب فيه. # فما أكدر قلب من يصبح مفكرا فيما يصنعه، مدبرا لما لا يجدي ~~عليه، يقول: أصنع كذا، لا بل أترك كذا، لا بل أسعى كذا، كأنه ~~محير في أمره ، فيغفل عن تدبير المدبر له ، الذي يفعل ما يشاء ~~ويخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، فالأقدار جارية مع ~~التدبير وعدمه، لكن المفوض يلطف به فيها إذا شاء الله، ويتولى ~~أمره ، ويكفى مؤنه. # والمدبر المختار المتسخط بالأقدار، الشاكي منها لا يلطف به، ~~وخلي إلى نفسه وتدبيره، ولا يجدي عليه ذلك شيء، وما أروح سر من ~~أصبح مسرعا إلى ربه، ساكنا إليه، مفوضا إلى حسن تدبيره، عازما على ~~التوطين والإحكام، والاستعانة فيها، مع اهتمامه الشديد وتدبيره للأمر ~~والنهي؛ لأنه موكل إلى العبد، ولا بد من تدبيره له مع استعانته بمولاه، ~~ويستريح من تدبير ما ms132 قدره الله تعالى من أمور المعايش، وما لم يوكل ~~إلى العبد فهذا نصيبه راحة معجلة من عناء الفكر والتدبير، مع ما له ~~عند الله ، إذا شاء الله من حسن التولي، والحيطة بالعناية. # العمل الثالث : التخلي عن الوجود الذهني. # وذلك مفتاح طريق الفناء، ومفتاح الصبغة الروحية بالمحبة ~~الخاصة المورثة لالتهاب الباطن بحب الله عز وجل، لما يبدو على ~~الباطن الإسرار من الشاهد التي هي برزخ بين اليقين والعيان، وذلك ~~أشرف مواريث الصديقين وأعلاها وأسناها، وهي تحقيق مقام الخلة PageV01P250 ~~الإبراهيمية المحمدية صلوات الله على محمد وعلى أبيه إبراهيم ~~الخليل، وعلى جميع الأنبياء، فهم الذين قاموا بتحقيق ذلك حقيقة ~~ومن قصدها وطلبها وعمل عليها، يرجى له نصيب منها. # وحقيقتها مجلى حكم الذات المقدس على الأرواح، وهو غير ~~التجلي الخاص بالقلوب؛ من مشاهد الصفات، فإنها تورث أنوارا ~~وذاك يورث التهابا واستغراقا وابتهاجا ووجدا، ولا يكون إلا بعد ~~الفناء ومشارفة حال البقاء، وذلك مع المتابعة، وهو مقصود القوم من ~~السلوك والسير والرياض، فطوبى لمن حققها وقام بشروطها، وقبل ~~ذلك منه، وجوزي عليه بالحسنى. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وحسبي الله. PageV01P251 ### | قاعدة في التجريد ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~اعلم أن هذا الأمر يتركب من شئين؛ شيء تبذله لله من نفسك، ~~وشيء يرد عليك من تعريفاته، وقد شرح ذلك في غير هذا الموضع ~~أصناف التعريفات الواردة من فضل الله سبحانه على العارفين. # فمن ذلك: التعريف بصفة الفوقية، والإلهية، والربوبية ~~والديانية، والمعية، وبصفة الوجه والعظمة، والجلال والبهاء ~~والكلام والحكمة والرحمة، والقوة والبطش، وغير ذلك مما يجده ~~الواجد من آثار الصفات المقدسة في أوقات التوجهات والأذكار. # ومن ذلك ظهور الأمر الكلي على الأرواح من آثار الجلال ~~والجمال الذاتي الملهب للأفئدة، والمسكر لها فوق تلك المشاهد ~~الإيمانية القلبية ، ثم القوة على استعمال تلك الصفات وعبودياتها في ~~المشهد الكلي الروحي. # فيكون العبد في حالة مشهده الروحي مستعملا للتفويض ~~والتوكل، والخوف والرجاء، والافتقار وسائر أعمال القلوب بقلبه ~~أو ما يفتح منها، ms133 فيورث ذلك نفسه الخضوع والخشوع. PageV01P252 # ولذلك لا يحجبه ذلك عن تأمل العقل لمواقع الأمر والنهي، ~~وحكمها وتراتيبها، وكذا لا يحجبه ذلك عن معاملة البدن ، بحيث ~~يكون البدن والنفس، والعقل والقلب والروح، كل منهم قائم بوظيفته، ~~بحيث لا تحجبه وظيفة عن وظيفة. # والغاية أن يتولى الله عز وجل حركاته وسكناته، فيصير به في كل ~~شيء من أموره ، وهذا هو خاتمة ما يبادئ به العبد من ذلك الطرف، ~~وتفصيل الكون بالله وأنواعه لا ينضبط من أنواع ما يرد عليه من ~~التعريفات والواردات والتنبيهات وظهور الحقائق العينيات على ~~أكمل الوضوح والظهور، وبهذا استوى مجمل الأحوال من ذلك ~~الطرف. # وأما ما كان من جهة العبد مما يبذله من نفسه لله؛ فمنها: التوبة ~~والإنابة، وسائر ما ذكر من المقامات والأحوال العملية؛ كالورع لله، ~~والزهد له، والصبر، والخوف منه، والرجاء له، والتوكل عليه، ~~والثقة به، والرضا عنه، والحب له، ثم التقرب إليه بالأعمال ~~البدنية؛ كالصدقة والصوم والصلاة، والقراءة والأذكار، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأعمال القلبية؛ كالأذكار ~~والمعاملات القلبية؛ كنفي الخواطر السيئة حياء من الله تعالى ، ~~والنيات الصالحة في المستقبل، والندم على ما مضى عند هجوم ~~ذكره. # وأعلى الأعمال القلبية الإرادة والمحبة والخوف والرجاء والحياء ~~من الله تعالى في الغيب، والصبر له عند المحبوبات والشهوات، PageV01P253 ~~والثقة به والتفويض إليه، والاستناد التام إلى كرمه، والإخلاد إليه عند ~~النوائب إليه، والرضا عنه وبأقداره. # وأعلى ذلك كله المحبة الخاصة فوق المحبة العامة، وقد تقدم ~~ذكرها. # ومن علامات القلوب ما يفتح به على أهل الله الصادقين في حبه ~~وإرادته، المحققين للتقوى والزهد ظاهرا وباطنا حال يسمى التجريد، ~~وهو عمل من أعمال القلوب ، وهو حقيقة الإرادة لله ، والإرادة لله هي ~~مفتاحها، فمتى استحكمت الإرادة لله عز وجل في القلب على المعرفة ~~التامة، فإنها قد تكون إرادة إلى مراد لا يعرف. # فإذا كملت المعارف من دلك الطرف ، وكملت الإرادة من هذا ~~الطرف ، أدت إلى حال التجريد، وهو تجرد الروح والقلب والنفس ~~عن الأكوان ، متنزهة عنها، صاعدة إلى فناء قرب المطلوب، فتنخلع ~~القوة ms134 النفسانية والطبيعية متجردة صاعدة إلى المحبوب ، وعندها يحب ~~الطالب السياحة والأسفار، فإنها قد تعينه على تحقيق حال التجرد ~~الباطن، وفيهم من لا يدخر شيئا لحكم حاله. # فإن التجريد يقتضي حقيقة الفقر، ومن كان له حقيقة الفقر كان ~~المولى موجوده، فهو يحب ألا يدخر شيئا مع موجوده، لا يألف إلى ~~مكان يقيم فيه ، ولا صاحب غير الله يسكن إليه. # فإن غلب هذا الحال على صاحبه حكم عليه بمثل هذه الأعمال ~~تحقيقا لمقام التجريد ، المؤدي إلى مقام التفريد ، الذي هو حقيقة الفقر ~~مما سوى الله، وبان الاستغناء بالله، ومفتاح ذلك كله الإرادة ~~الصحيحة لله عز وجل. PageV01P254 # هذا إذا غلب الحال وتصرف في صاحبه؛ فإن قوي صاحبه حتى ~~تصرف فيه واستعمله في وجوهه، وادخر لله، وصحب لله، وأقام في ~~المكان الذي يقيمه الله فيه، مع قيام حكم التجريد على باطنه، فهذا ~~أتم إن شاء الله تعالى وأكمل. # واعلم أنه كما كان المشهد الروحي على قسم من أقسام ذلك ~~الطرف، فحال التجريد على ما تقرب به العبد في طريق المحبة إلى ~~مولاه، فإنه ترك كل شيء سواه، والتجريد عن غيره. # إذا أردت أن تعرف ذلك ، فانظر إلى رجل يتقرب إلى الله ~~عز وجل بلسانه ، إلى رجل يتقرب إلى الله بنفي خواطره ، إلى رجل ~~يتقرب إلى مولاه بإرادته وطلبه ، إلى رجل يتقرب إلى الله بالتجريد ~~عما سواه، والفقر من غيره، وهذا إنما يكون سببه قوة طوالع الأنس ~~وبالتحقق بالوجدان والقرب، والكمال أن يتقرب بجميع ذلك في حال ~~التجريد. # فقد عرفت بهذه القاعدة معالي الأمور من ذلك الطرف، ومن ~~هذا الطرف، وبالله التوفيق، وهو أعلم. ### || تتمة لهذه القاعدة # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~من فتح الله تعالى على قلبه بحال التجريد ارتفعت همته ~~عن الذات، وغالبا لا تؤثر فيه الأمور المفنية لصعوده عن مناسبتها، ~~وتجريده عن موادها الجالبة لها، إما قبل حال التجريد في حال الإرادة PageV01P255 ~~ونحوها، وبما أثرت في الإنسان الصور ونحوها، وفي حال التجريد ~~يرتفع عنها بتوفيق الله تعالى. # قال الشيخ عماد الدين: قال لي ms135 الشيخ نجم الدين - أعاد الله ~~بركته - كلمات جمعت البدايات والنهايات، لم أفهمها إلا بعد خمس ~~عشرة سنة، وعرفت بها : أنه لم يترك لي من النصح شيئا. # قال: فكرك فيما فات، وتدبيرك لما هو آت؛ شغل عن الحال ~~في الوقت، وهذا يقتضي كمال التقوى [في] الباطن، والمراقبة في ~~الخواطر حياء من الله تعالى، الذي هو مبدأ طريق المقربين. # وقال لي كلاما معناه: كان الله ولا شيء معه، فينبغي للإنسان أن ~~يغيب قلبه في هذا المعنى. # وهذا مفتاح المعرفة لله تعالى على طريق أهل الكلام، والعلم ~~بوجوده ، أما على طريق أهل السنة؛ فمفتاح المعرفة العلم بالفوقية ~~كما يليق بجلاله ، لا كما يتوهم من صفات المخلوقين. # وقال لي - وقد ذكرت له أن الإنسان يرد عليه واردات متنوعة - ~~فقال : هذا تفرقة الإنسان ، ينبغي أن يروح هذا الطلب الذي عنده ~~ويشهد شيئا مليحا. # وهذا الذي قاله إشارة إلى أن الطلب حجاب عن المطلوب؛ فإن ~~الطالب محجوب بحال طلبه عن موجوده. # ثم قال لي مرة : وترى شيئا مليحا إشارة إلى المشهد الروحي ، ~~الذي تقدم ذكره ، وهذا غاية ما يشار إليه. PageV01P256 # وقال لي مرة - ورأى حيوانا يمشي - فقال : أنا أحسد هذا على ~~تجريده. # وهذا يقتضي تنبيهه لي على التجريد عن السوى، فجمع لي ~~رضي الله عنه جميع ما يحتاج الطالب إليه من البدايات والنهايات ؛ من ~~لمراقبة، والمعرفة، والفناء، والمحبة، والتجريد. # لكن لم أفهم إلا بعد هذه المدة، والله يسمع من يشاء، وبالله ~~المستعان. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P257 ### | قاعدة في الفرق بين العابد والمشاهد ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~قد يقع الغلط لبعض الناس في ذلك، وذلك أن العابد لله عز وجل ~~بذكر، أو صلاة أو تلاوة، أو تفكر بلا شهود: يلحقه الملال والفتور، ~~ويجد زيادته في وجود همته ونشاطه، ومتى فترت همته مل العبادة، وسئم. # وصاحب الشهود يعبد الله عز وجل بما تراه بصيرته من عظمته ~~وجلاله وكبريائه واعتلائه، وجماله وكماله الملازم لذاته، فيكون ذكر ~~القلب والروح هو ما بدا عليهما ms136 من ذلك، حتى يغيب المشاهد في ~~عبادته لربه عما يعرفه ويشاهده من نصيبه من معرفة صفات ربه ، وتصير ~~عبادته لربه ذكره له بما اتصف به من الصفات التي يستحقها من العظمة ~~والجلال والجمال والكبرياء والحمد والثناء، والقدس، والسلامة ~~والفضل والجود، مما استأثر الله بعلمه من صفاته عن جميع خلقه. # فيكون المشاهد أولا يعبد ربه بما يراه ببصيرته من معارف ربه، ~~ثم يترقى إلى عبادة ربه بما لا يطلع عليه غيره سبحانه ، من عظمة شأنه ~~وباهر جلاله، فيكون عجزه عن تعظيم ربه بما يعلمه، ورجوعه إلى ~~التعظيم القائم بكمال جلال ذات الحق عز وجل ، هو غاية العلم منه ~~بالله، كما جاء عن الصديق: سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى PageV01P258 ~~معرفته إلا بالعجز عن معرفته، فيكون هجيرا، قلبه في صلاته وتلاوته، ~~وذكره، بحمل ما قام بذات الحق عز وجل، من الكمال الملازم له في ~~الآباد والآزال، ويكون ما عرفه مولاه من نفسه برزخا بين المشاهد ~~وبين ما لا يطلع عليه غير المتصف به. ### || فصل # وربما غاب ذكره عن شعوره وخفي، لأنه خفي لا يعلمه غير ~~المتصف به، فيتولاه مولاه في النيابة عنه في ذكره، فيبقى ذكره لربه ذكر ~~الحق لنفسه بما يعلمه من ذاته المقدسة؛ من العظمة والجلال والجمال ~~والكمال، في الآباد والآزال، بل في الفردانية والوحدانية قبل وجود ~~الموجود الموصوف بالزوال، الذي يجري عليه الاضمحلال. ### || فصل # وهذا الذكر الخفي الذي استأثر الله بعلمه عن عباده ، يجد ~~الواصل آثاره تتنزل على قلبه ، ويرى أنواره بعين بصيرته ، لكن معرفة ~~مجملة، ونورا مجملا، يتولى الحق تعالى تفصيله؛ إذ لا يقدر على ~~تفصيله من الخلق غيره. # فإن قلت: بين لي نصيب العارف من معرفة ربه الذي ذكرت أنه ~~برزخ بين العارف وبين ما لا يحيط به أحد غير الله تعالى، فإنه قد ~~بينت لك الذي استأثر الله عز وجل بعلمه عن عباده، فيكون العارف ~~يذكره ذكرا مجملا ؛ بذكر الله عز وجل لذلك، إذ لا يقدر أحد أن ~~يذكر به ربه، ولا يقوم بمعرفته إلا ms137 من اتصف به، وقد عرفنا أنه يراه PageV01P259 ~~العارف - أيضا - رؤية مجملة لا يقدر على تفصيلها ، فما النصيب ~~الذي يقوى العارف على تفصيله ? وهو نصيبه من معرفته ? ~~فيقال : وهذا الذي يقوى على تفصيله، وهو نصيبه من ربه ~~- أيضا - ، لا يقوى على الإحاطة بتفصيله ، فمن ذلك : ظهور فردانيته ~~لعين بصيرته، التي إذا انكشفت انمحى ظلام الوجود، وصار كالخيال ~~والظلال، قائما بعبادة ذي الجلال، فهل يقدر العارف على الإحاطة ~~بهذا الظهور? لكن معه منه طرف بحسبه، وبقية الأطراف لا يحيط به ~~غير صاحبه عز وجل. # ومن ذلك ظهور مراقبته لعباده، الماحية لتكلف مراقبة نظره. # ومنه ظهور إرادته الفاسخة لإرادة من غلب عليه شهودها ، ~~الماحية لتكلف ترك الإرادة والاختيار . # ومنه ظهور الأمر والنهي المذهب لكلفة العبادة، الحامل للعابد ~~على بذل المجهود. # ومنه الجمال والكمال الذي اتصف به ذو الجلال في الآباد ~~والآزال، الموجب لصفو المحبة والتفريد في صفاء علم التوحيد. # وهذا الظهور بلا صفات؛ هو ظهور في عالم البقاء، بمعنى أن ~~العبد بقي بها، وهو ظهور غير الظهور الذي كان قبل الفناء، الذي ~~كان يظهر تارة، ويتوارى أخرى. # أما في عالم البقاء؛ انجلت هذه المعارف للبصائر ، وصار ~~صاحبها كمن جلس في ضوء الشمس أو القمر، فهل يمكنه أن يغيب PageV01P260 ~~عنهما ? بل ربما غاب فيهما عن نفسه ؛ لغلبة نورهما ، فينسي نفسه ~~ورؤيته برؤيتهما، فهل يمل مثل هذا عن رؤيتهما ? ~~ولو مل لم يدعه شعاعهما عن الشعور بهما، والشعور بهما ~~وذكرهما بما اتصفا به من الضياء والإشراق هو غاية وصفهما بما اتصفا ~~به في حق من رآهما. # كذلك من أشرقت عليه شموس المعارف ؛ هل يدعه ذلك الإشراق ~~عن الغيبة عنها ? ونظره إليها، وعلمه بها هو ذكره مولاه بها، بل ~~هو شهوده مولاه بما اتصف به، وذلك غاية عبادة العابدين، بل نفس من ~~مثل هؤلاء قد تعادل أمثال الجبال من عبادات المحجوبين. # فمثل هؤلاء؛ أي ملال يلحقهم? ~~ولو فرضنا أنه مل من جلوسه في ضوئها؛ لم يجد في الكون ظلا ~~يستره عنها، فيهرب من ضوئها إليه، فكيف ms138 إذا ارتفع الملال، ووجد ~~لذة إشراقها، بل وجد حياة قلبه وروحه مرتبطا بذلك النور، لو حجب ~~عنه لحظة للحقه كما يلحق الإنسان إذا حجب عن الهواء الذي به يقوم ~~وجوده من الضيق والكرب، فذلك النور هو نسيم الأرواح، به يكون ~~روحها في عالم الغيب، كما أن النسيم الظاهر به يتم روح الوجود ~~الظاهر في عالم الشهادة. # فقد عرفت الفرق بين العابد والمشاهد؛ فالمشاهد كلما مل ~~أو حجب فاض عليه أنوار الشهود، فابتهج بوجوده، فعاد إليه حاله، ~~كمن يكون جالسا في الشمس؛ كلما غاب عنه شعوره بالشمس حضر ~~فوجد الشمس معه، كذلك من وجد شمس المعرفة، فوجد أنه لها هو غاية PageV01P261 ~~عبادة ربه؛ لأنه إقرار وعبادة بما تراه بصيرته من جلاله وعظمته، وذلك ~~أنهى العبادات وأرفعها، خصوصا إذا انضم إلى ذلك عبادة الجسم، من ~~صلاة أو تلاوة أو ذكر كان في غاية الكمال، بخلاف العابد الذي ينظر ~~إلى الشمس من وراء حائط بعلم اليقين فهو موقوف على دوام نظره، فهذا ~~يلحقه الملال، فيحتاج أن يستريح ليعود إلى فكره. # فعبادة هذا في صلاته وتلاوته : التفكر والإيمان، فإذا فتر ومل لم يكن ~~له ما يهجم عليه، مما لا يقدر أن يدفعه عنه، ولا يستظل بظل يستره، ~~فتضطر رويته إلى الشعور به، فليس له مثل هذا الحال، فيلحقه الضجر ~~والملال والكلال، وربما فتر أسبوعا أو شهرا، وربما سلب حاله فعاد إلى ~~الغفلة؛ فإن حالة الهمة لا غير، فمتى فترت الهمة عاد إلى العادة. # والعارف خرق بهمته حجب الأكوان، وطلع عليه شموس ~~المعرفة، فلم يبق له ليل يستره عن الصبح، ولا جدار يحجبه ~~عن الشمس؛ فأينما تقلب فحرارة الشمس تقرعه، فإن تأمل فضوؤها ~~يبهره، فإن غفل عنها فمتى فتح بصره وجدها، فعبادته دائمة، وروحه ~~متصل، وهو مع ذلك يترقى من ذكر الشمس بما يراه منها، إلى ما كمن ~~فيها من الصفات، التي لا يحيط بها؛ ليكون ذكره أكمل من شهوده، ~~ليذكر الأمر على ما هو عليه ، لا على مجرد علمه، وذلك فضل الله ~~يؤتيه من ms139 يشاء، والله ذو الفضل العظيم. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P262 ### | قاعدة في الفرق بين مشاهدة القيومية والتحقق بها والفرق بين مشاهدة الجمع والتحقق به # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~وهنا قد يلتبس المشاهد بالمقاعد، أما مشاهدة القيومية: فهي أن ~~تشهد الكل قائما بالله عز وجل، تحركه الموجبات القدرية، والآثار ~~الإرادية، فهذا هو منشأ القيومية. # وأما مشاهدة الجمع: فهي أن يطلع صبح التوحيد من أفق ظلام ~~الوجود، فينجاب قليلا قليلا كما ينجاب الليل من ضوء الفجر، ~~وتشهد نفسك مع الوجود كالخيال المضمحل، ولا وجود حقيقة ~~إلا وجود التوحيد، وسائر الوجودات غيره كالظلال والخيال. # ومن ادعى أن الوجود في الجميع واحد، فقد كذب وأعظم ~~الفرية على الله عز وجل؛ حيث جعل الوجود واحدا في الحق ~~والخلق، فهذا هو مشاهدة الجمع. # أما التحقق بالقيومية: فهو أن يجد العبد نفسه مأخوذا بيدي ~~القدرة، والقدرة قابضة على ناصيته، متصلة بأصله اتصال الفرع ~~بأصله، وهذا يصح له أن يقال: اتصل بالله عز وجل، وهو الاتصال ~~المعنوي لا الحسي؛ فإنه سبحانه بائن من مخلوقاته فوق عرشه PageV01P263 ~~وسمواته ، وعلامة هذا الاتصال المعنوي : أن تتحد الإرادة بالإرادة ~~وهو الاستقامة مع المشيئة. # مثاله : رجل أخذته جرية الماء، فهو منعطف ؛ لا نعطاف الجرية ~~بلا مقاواة لها ولا مخالفة. # وربما يقول القائل: لا ينبغي للإنسان أن يسترسل مع القدر كيفما ~~جرى؛ فإنه يجرى بالمعاصي والطاعات. # فيقال : من كشف الله عن بصيرته هذا المعنى؛ فإنه قد أحبه بذلك ~~واصطنعه، فهو يجريه على وفق أقداره المحبوبين، لا لعموم الخلق، ~~ومن علامة ذلك: حفظهم في أمره ونهيه، وتعريفهم مراده منهم. # وفي الجملة؛ فعلامة التحقق بالقيومية الاتصال المذكور، واتحاد ~~الإرادة ، والحماية من الإصغاء إلى حديث النفس بالأصالة ؛ لأن ~~التحقق بالقيومية انفصال عن النفس، واتصال بالحق، ودوام الإصغاء ~~إلى قدره وأمره بلا إصغاء، فإنه يبقي الفاعل واحدا، والعبد منفعلا، ~~هذا في غاية الأمر، وأما في المبدأ؛ فلا بد من الإصغاء إليه قدرا ~~وشرعا، والإعراض عن مناغاة النفس قطعا، وبالله التوفيق. # وأما علامة ms140 التحقق بالجمع فهو سر دقيق، قد يلتبس بالاتحاد، ~~وتذهب الوحدة، وليس الأمر كذلك؛ فإن الرب سبحانه وتعالى رب، ~~والعبد عبد بوجودين متغايرين، قائم ومقوم به، فعلامة التحقق بالجمع ~~بعد التحقق بالقيومية؛ فإنه في التحقق بالقيومية اتصل الفرع بالأصل، ~~وصار الأصل متصرفا فيه، يقلبه كيف شاء، على وفق أمره وشرعه ~~فهو متصل بهذا الوصف خاصة، وهو وصف القيومية، ثم يرقى من PageV01P264 ~~ذلك إلى أن يبقى اتصال الفرع بأصله غير مقيد بهذا الوصف، ثم يتصل ~~بالحقيقة الجامعة لجميع النعوت، وهنا يتصل الفرع بالكل، لا مجرد ~~اتصاله بوصف مخصوص بالقيومية ، ثم يتحقق بذلك بحيث قد لا يرى ~~غيره تحققا به، وتهيما وغرقا فيه؛ كأنه نفسه أولا، ثم ليس إلا هو ~~آخرا، وهذا يشبه الوحدة والاتحاد من بعض الوجوه، ومعاذ الله أن ~~يكون ذلك. # هذا اتحاد وصفي نوعي ، وأولئك يشيرون إلى الاتحاد العيني ~~الذاتي، فإن أهل الحق مع هذا الاتحاد الوصفي النوعي يعلمون بينونة ~~الحق من خلقه ، وعلوه عليهم على العرش، لكن سبب هذا الاتحاد ~~الوصفي النوعي جاذب المحبة؛ فإن المحب بمحبته يقرب من حبيبه ~~قربا معنويا لا ذاتيا، ذاك إنما يكون في الآخرة. # ومعنى آخر من أسباب ذلك: قوة اليقين والغرق فيه؛ فإن الموقن ~~بالشيء على ما هو به وعليه من كمال الصفات وعظمتها تمحق هذه ~~المعرفة ما سواه من الموجودات التي هي كالدخان الذي لا حقيقة له، ~~وهذه المعرفة محلها سر العارف، فيحصل القرب والاتحاد الوصفي ~~بذلك، عع اليقين بالوجودين المتباينين، الذي يستحيل حلول أحدهما ~~في الآخر أو الاتحاد به شرعا وعقلا، لكن موجبه المعنيان الذي تقدم ~~ذكرهما. # ذكرت هذه القاعدة ليفرق بين وجود أهل الحق وحقائقهم، ~~وبين وجود أهل الباطل والإفك؛ كوجود صاحب (الفصوص)، ~~و(البد). PageV01P265 # و(الفكوك)، قاتلهم الله أنى يؤفكون. # كان الأستاذ رحمه الله ذكر مسألة وأنسيتها ، حتى جرت على ~~خاطري نذكرة من الله عز وجل، وهي: ~~في الناس من تكون غايته العبودية، ومنهم من يترقى مع العبودية ~~إلى غير ذلك، هذا هو الصواب، فإن في الناس من يسلك حتى ~~يعرف ms141 ، فاذا عرف وعرف حقائق الصفات محت الصفات مشيئاته ~~واتحدت إرادته بإرادة مولاه فصارت واحدة وهي إرادته. # ففي الناس من وقفت همته هنا، فصرف لوقوف همته إلى شغل ~~من أشغال الظاهر مع شهوده تولي مولاه له في ذلك الشغل. # وفي الناس من لما وصل إلى هذا الموطن أشير على قصده ~~الأول، فقال : إياك أريد، لا زوجة ولا مالا ولا سماطا، ولا مشيخة ~~ولا أتباعا، ولا ذكرا بين الناس ولا شهرة، بل إياك أريد، وإرادتي ~~لك من إرادتك، فهي واحدة، ظهر أثرها في، فهناك يرجى أن يقع في ~~تربية الحق فيتولى سيره إليه كما تقتضيه رحمته وحكمته فيطهر من ~~أدناسه، ويرقيه إلى الخصوصية ملكا ملكا، حتى يصلح لقربه ونجواه ~~كفاحا . # بخلاف من انتهت همته عند وصوله إلى العبودية، وزعمت نفسه ~~أنه وصل، فماذا يعيقه عن الزاوية والاجتماع والتسليك ? فهذا أبله PageV01P266 ~~القلب، لم ينتبه بعد إلى حقائق الوصول، فيستعين بالعبودية على ~~الظهور في عالم الكون، واللبيب المراد استعمل العبودية على القبول ~~للحضرة، والوقوع في تربية الحق حيث انتهت تربيته لنفسه، وتربية ~~العلم له، وبقيت تربية اللطيف الحكيم لعباده الذين أرادوه ابتداء ~~وانتهاء، ورفضوا ما سوى قربه من الفضائل وإن عزت أخطارها في ~~الدنيا والآخرة. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P267 ### | قاعدة في الوصال واللقاء وهي: بغية المحبين وروح المشتاقين # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~أما بعد حمد الله تعالى وصلواته على سيدنا محمد وآله ~~أجمعين. # من أراد السعادة الكبرى، والفناء التام في الدنيا والآخرة، ~~وهو الفناء الذي لا يقدح فيه الضرورات الظاهرة، والكنز الغيبي الذي ~~لا ينقصه العدم من الأعراض في الدنيا ولا الآخرة إن شاء الله تعالى ، ~~فعليه بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته، والاحتظاء من أنواره الباطنة ~~الملازمة لسنته وظواهر شريعته ، تنقدح تلك الأنوار بين مقادح ~~المكابدة في الاتباع للآثار بالأركان والهموم في العلانية والإسرار، ~~ولا يتصور لقاؤه صلى الله عليه وسلم وزيارته ومشاهدته بالحس الظاهر، فإنه انتقل من ~~عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ولا ms142 يمكن صحبته ومشاهدته إلا غيبا ~~في غيب، وسرا في سر. # ومتى عرف العبد سيرته وأيامه، وسنته وأعلامه، وخوارقه ~~ومعجزاته، وآياته وكراماته، وعرف النسبة بينه وبين الأنبياء من قبله ~~فقد عرفه ووصل إليه بقلبه، وشاهده في الغيب، فعليه حينئذ أن يحبه. PageV01P268 # وعلامة محبته الاهتمام بمعرفة سنته بعد العلم بسيرته، ثم التلبس ~~بها ، مشاهدا لأنوار بهجته كأنه معه في زمانه ، لا يفارقه في سره ~~وإعلانه، فناهيك بها من صحبة ما أتمها، ومجالسة ما أنورها ~~وأبهجها، كما قيل: ~~إن كنت في الغيب عن عيني محتجبا ~~فالقلب يرعاك في الإبعاد والنائي ~~فمن حصل له هذه الحالة يوما من الدهر فقد وصل إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، فكيف يطيب له مفارقته وترك محاضرته ~~والاحتظاء من أنواره ومنادمته ? ! # فإن اقتصرت همته على ذلك فنعمة كاملة شاملة، وعافية في ~~الدين ، مع مشيئة الله ملازمة ، والمرء مع من أحب ، وناهيك من يصير ~~خير الخلائق مؤنسه في باطنه، وسميره وصاحبه ورفيقه، يراه بعين ~~قلبه، ويتبعه بقالبه وسره، فنعم الصاحب حينئذ ونعم المصحوب، لقد ~~جلا الله قلب هذا المهموم والمكروب، وإن ارتفعت همته في هذه ~~الدار إلى لقاء الله تعالى - أيضا - ، والفوز بقربه ، ومشاهدته ~~والاحتظاء من أنواره وخالص محبته، وبالرجوع إليه في أحواله ~~وعوارضه، فتلك همة عالية استعدادها بذل النفس واستفراغ الهموم ~~في طلب الملك القدوس. # أول ذلك استخراج نص من العارف من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم تتحرض ~~البصيرة للتعرف لربه منها، ودوام التوجه بتخلية الباطن، وطهارة ~~الظاهر، والشوق الدائم، والقلب الهائم عساه يحظى بوميض بارق ~~فيذوق بها بوادي الحقائق، فمن ذاق برقا من تلك البروق نفسا PageV01P269 ~~أو نفسين، فإنه يودع قلبه حرقة لا صبر معها، وهيمانا لا سلو بعده، ~~وإن ظهر على صاحبها السكون وتعاطي الطعام والشراب، والدعة ~~والركون، فإنه لا يعلم ما في الأسرار إلا الملك الجبار بذلك: ~~بروق في دجى الليل لوامع ~~تحرك وجدا والدموع هوا مع ~~فإن حظيت أيها الأخ بحقيقة تلك البرقة، وصار لقلبك هنالك ~~وقفة، واستمر عليك حكمها صباحا ms143 ومساء، طوباك ثم طوباك، لقيت ~~نبيك، وحظيت بصحبته، ووجدت ربك وعبدته بعبوديته. # فمن أشرف حالا ممن رزق صحبة الأنبياء في موقف شريف بين ~~يدي الله من مواقف الأولياء. # أضحى موجودك أفضل موجود، وشهودك أكمل الشهود، ~~وطوباك إن ختم لك، وخرجت من هذه الدار، وأنت لنبيك معانقا، ~~ولجلال ربك مشاهدا وامقا. # لقد صحبت في هذه الدار خير مصحوب ، وخرجت إلى من ~~عبدته بمحبة جاذبة للقلوب، فلقيتهم وأنت لهم محب، وعلى طاعتهم ~~واتباعهم مكب، فيرجى لمثلك أن يلاقوك بمثل محبتك أضعافا ~~مضاعفة ؛ لأن الحسنات تتضاعف هناك على مقادير أقدارها ، كما أخبر ~~سبحانه، قال : (من جاء بالحسنة فأم عشر أمثالها) ، وقال : ~~(الذين ينفقون أموالهم في سييل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء). # هذا فيمن أنفق ماله، فكيف بمن أنفق همه وهواه وسعاياته، ~~ومناه طاعة فيما يحبه ربه ويرضاه ? PageV01P270 ~~إن أجر مثل هذا لا يوصف، وحقيقة ثوابه لا يعرف. # فلمثل هذا فليعمل العاملون، وعلى ذلك فليتنافس المتنافسون ~~وبالله المستعان، وعليه التكلان. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا. PageV01P271 ### | قاعدة شي ميزان الاستقامة لأهل القرب والكرامة # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الذي تقر عيون المشتاقين بلقائه، ويحظى بكرامته من ~~قام بحقه متقنا لأدائه، ويفوز بمعرفته من رزق الاهتمام بذوق حقائق ~~صفاته وأسمائه، ورقي إلى مقاعد الصدق من استعد بعبوديته ناجيا من ~~شقائه ، له الحمد في الأولى والآخرة، ومنه المبدأ، وإليه الرجعى. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ~~ورسوله نبي الرحمة ، الهادي إلى الحظوة بدار السلام لمن قسم الله له ~~منها موطنا ومعنى، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة ~~بالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى. # وبعد: ~~فإن العبد يهتم برهة من الزمان في طلب العلوم والمعارف، مكبا ~~على طلبها، مخاطرا بنفسه وعقله بالمشاق والمتالف، فلا يبرح حتى ~~يرتشف من العلوم صفوها، ومن المعارف ms144 ذوقها ورقمها، فيكسى قلبه ~~أنوارا علمية، ويصبغ قلبه بآثار علومه، يكون ذلك لقلبه وطنا، ~~ويشاهده ببصيرته سرا، كما يقوم شواهده من النصوص علنا، وذلك PageV01P272 ~~لا يتم إلا مع التلبس بأحكام العلوم؛ من المحاسبات والرعايات ~~للخواطر والهموم، والقيام بمراضي الرب تعالى ظاهرا وباطنا ~~والتطهر من الرذائل الظاهرة وما كان منها كامنا، فعند ذلك يشد مئزره ~~لتكملة سلوكه بأمر يتم به جميع ذلك، وفيه تظهر حقائق علومه ~~وعقائده ومعارفه وأعمال جوارحه، وهو الغاية التي إليها المنتهى، ~~وهي العاقبة التي تكون ختاما لأهل النهى. # وفيهم من يستصحب هذا الحكم من بدايته إلى غايته، وذلك لمن ~~كمل في عقله ودرايته، وفيهم من لا يتسع فهمه للجمع بين الفضائل. # ولا ينتبه لذلك في الأواخر والأوائل. # وجملة هذا الأمر المشار إليه لزومه حالة يحب لقاء الله تعالى ~~عليها، واستعمال هذه الحالة في جميع شؤونه، مصاحبا لها في ~~تصاريفه وفنونه. # اعلم أيدك الله: أن التائب والعالم والعامل، والذائق والعارف ~~والمحب، ومن التبسه حال الفناء وحال البقاء، ومن بدت عليه بوادي ~~التوحيد فغيبت شعوره في حقائق المواجيد من طلائع الأسماء ~~والصفات وحقائق الفردانية المشيرة إلى عظمة الذات ، كل هؤلاء قد ~~لا يخلو أحدهم عند محوه ورجوعه أحيانا إلى طبعه من رعونات ~~نفسانية، كل بحسبه؛ فأهل البدايات رعونانهم حظوظية، والمتوطنون ~~رعوناتهم اختيارات أمانية، والكمل رعونانهم بهية، لتحققهم بحقائق ~~التقريب من لطائف رب البرية. # وهذه الحالة إذا لزمها المبتدئ أفنت بعون الله ومشيئته حظوظه ~~المذمومة، ولذلك يفنى من المتوسط إراداته ورعوناته المكتومة، PageV01P273 ~~ويصفى من أهل النهايات بقايا عندهم من سكر المقامات معلومة. # والسر في ذلك هوان من لزم الحال الذي يحب لقاء الله عليه، ~~مستعينا بالله في سائر تصاريفه وشؤونه، فإن صاحب هذه الحالة منتظر ~~تصفحات وجه ملك الموت للخروج إلى الدار الآخرة ، فمثله كمثل ~~من هو في دار وهو متشرف في طاقة منها إلى دار أخرى يريد لقاء ربها ~~بأحب الأعمال وأخص الأحوال، فلا يرضى أن يلقاه على أدنى كدر ~~وإن قل، ولا على لوث ما وإن هان أو ms145 جل، فيصفو بذلك مع ~~مشيئة الله ومعونته كدره، وتذوب بقاياه، وتنمحي آثاره، وتصفو الروح ~~في مشاهدها، وتزكو النفوس في عملها ومطالبها، وهذه القاعدة ميزان ~~يعرف به العبد كل وقت انحرافه، ويزن به كل وقت عدله وإسرافه. # أول ذلك : أن يعلم الحال الذي يحب لقاء الله عليه من الأعمال ~~والأحوال والمساعي الظاهرة والباطنة، في الحركة والانتقال، ~~ثم يستعمل ذلك يوما من الدهر، صابرا عليه في السر والجهر. # ثم يتصرف بعد ذلك في شؤونه ، فيعرف انحرافه عن الدائرة المستقيمة ~~في أعماله وظنونه، وهذا ميزان الصادقين أهل اليقين من المتقين ؛ ~~فليستعن بربه في استعماله لهذا الميزان في الخلوة والجلوة؛ فإن ~~موازينه بمشيئة الله شهية حلوة، وفقه الله تعالى للقيام بمرضاته، وقام ~~له بالحماية والرعاية، وكان مؤيده وكافيه، آمين يا رب العالمين. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P274 ### | قاعدة في استجلاب الوداد في معاملة رب الأرباب ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده وهو الغفور الودود الرحيم، ~~الذي هو بالرحمانية مشهود، وعلى سائر الألسنة بوصف نعمائه وآلائه ~~محمود، وبالشرائع المنزلة المحروسة من الشبه معبود، المنزه بصفاته ~~وأسمائه عن الأمثال والحدود، موفق أهل طاعته لإصابة الحق ~~والصواب؛ ليأمنوا من حال المردود، ويصفو لهم الوداد في عبوديتهم ~~وخالص محبتهم، فيستحقوا قربه في ظل ممدود. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة من ~~شبه الجحود، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي خصه بالشفاعة ~~يوم العرض، وشرفه باللواء المعقود، صلى الله عليه وعلى آله صلاة ~~تزيد على القدر المعدود. # وبعد: ~~فاعلم أن الله تعالى إذا جذب عبده إليه، وفتح له طريق القرب ~~منه لديه، وسقاه من المحبة أعذب كؤوسها، وكشف له من الغيوب ~~أشرف مستورها، أقامه بين يديه بصفاء العبودية؛ ليطهر وجوده من PageV01P275 ~~أدران البشرية، ويحققه بوداده في مشاهدة الفردانية، وحقائق المحبة ~~والمحبوبية. # ومن علامات ذلك أن ينطوي على إرادة إصابة الحق والصواب، ~~في مساعيه الظاهرة والباطنة، وهذا حد جامع إن شاء الله تعالى ms146 ~~لمجموع ما يوجبه حال الوداد ، ويستمر به صفاء المشارب، لمن خاف ~~الإبعاد ، وتمثل على إرادة الحق والصواب. # أمثلة يتبين منها شرح حال طالب الوداد مع رب العباد: ~~أولها : الواجبات : ~~فإن لم يزدحم وكانت صلاة، فليكن الوقت مستغرقا بمعانيها، ~~وللقلب في معاني الصلاة وشؤونها شغل عن غيره، وإن ازدحمت ~~فليقدم أهمها على ما يغلب عنده، ويقطع عن قلبه خواطر غيرها؛ ~~ليكمل له إصابة الحق والصواب في القيام بها، والتلبس بها ظاهرا ~~وباطنا، فإن من كان في واجب وباطنه ممتلئ من واجب آخر، لا يقوى ~~على إقامة الحق والصواب في الواجب الذي هو متلبس به ، هذا إذا ~~أمكنه ذلك، وإن لم يمكنه؛ مثل أن يكون في حرب وجهاد يملأ ~~القلب، ودخل وقت صلاة؛ فإنه يصلي صلاة الخوف، ويجب عليه ~~مزج حال الصلاة بحال الجهاد؛ فإنه مطلوب بكل واحد منها، لا يقنع ~~منه الالتفات إلى أحدهما بقلبه دون الآخر. # فمثل هذا يمكن في شأنه استغراق القلب بأحدهما دون الآخر، ~~بل ربما غلب حال الجهاد وقهر القلب عن تفهم حقائق معانى الصلاة ~~وشؤونها الباطنة، فقد تعذر في ذلك، ولا يقوى على ذلك إلا الكمل PageV01P276 ~~الأقوياء، أهل الصحو والتمكين، وقد يضعفون عن ذلك، فيستعينون ~~بمولاهم، ويستعيذونه، فينصرهم. # وكذلك كل حال مشغل عن حقائق الصلاة، إذا كان العبد مطلوبا ~~به في وقته، بحيث يفوت بفوات وقته؛ فقد يعذر المصلي إذا غاب ~~قلبه عن حقائق الصلاة بما هو مطالب به في ذلك الحكم، ومضايق به ~~لفوات وقته، فهذه قاعدة يعلم منها بطرق الذات والعرض إصابة الحق ~~والصواب إن شاء الله تعالى. # ويجب على طالب صفاء الود مع رب العباد أن يقصد إصابة ~~الحق والصواب، في الحب والبغض، على مقدار لا يتجاوز إلى ~~الانحراف، فيخشى بذلك أن يسقط عن الوداد، ويخرج إلى دائرة ~~الإبعاد. # وكذلك في معاشرة الإخوان في الله تعالى، يوفيهم حقوقهم، ~~ويعطيهم نصيبا تاما من محبته، وصفاء وداده، وصدق ألفته، بميل ~~القلب وظهور وصف المحبة والرحمة، والإكرام والإعزاز على ما فيهم ~~من قلة الاستعداد ، وغلظ الطباع، ms147 وبعد الأفهام؛ رحمة لهم، وتعطفا ~~عليهم، فلا يملهم فيبعدهم عنه، لملالته وتبرمه لثقل طباعهم؛ فإن لهم ~~حقا عليه، ولإرادتهم للحق حرمة، يجب محبتهم لأجلها، فينبغي أن ~~يوزن فيصاب فيه الحق والصواب، ولا يخرج إلى الإفراط من امتلاء ~~القلب بمحبتهم، وأنسه بمعاشرتهم، وسكون محبتهم في محل يسكن ~~فيه النصيب الخالي، فذلك انحراف في الصحبة، وظلم يخرج به من ~~إصابة الحق والصواب. PageV01P277 # ومن الانحراف أن يتغافل عن تأديبهم إذا زلوا، ويسامحهم في ~~شيء يحب تعريفهم به ، أو يسكت عن نصيحة ينتفعون بها ، أو يرى ~~في أحدهم طبيعة سوء، يعلم أنها تزول بانتهاره والغلظة عليه ~~فالسكوت عن مثل ذلك تضييع لحقهم، بل يحبهم ويألف إجماعهم، ~~ويؤلفهم، ولا يسكت عن نصيحة ينتفعون بها، وفائدة يستفيدون بها ~~- وإن شق عليهم ذلك - ولا يشغل قلبه بمجيئهم وذهابهم ~~بل يشتغل بحاله عنهم كيلا يحجبونه عن قصده، فإذا جمعهم الله قام ~~لهم بما يجب لهم من حقهم، ومحبتهم، ونصيحتهم على الوجه ~~المذكور. # ومن وجوه إصابة الحق والصواب في الأشياء: أن يقصد رضا ~~مولاه في سائر مساعيه، فإذا وجبت خصومة في الله، أو مخالفة لمن ~~تعدى حدود الله ، أو إنكار منكر حرمه الله، فلا يشتغل حينئذ بمراعاة ~~جمعيته وشؤون قلبه، بل يستعين بالله، ريقيم من الحق ما أمكنه، ~~و لا يضعف فيه؛ فإنه حق الله وجب، فيجب مراعاته، فيكون معينا ~~للحق والصواب. # ومن وجوهه إذا نابت الإسلام نائبة من عدو ظهر، أو دجال ~~ظهر، فتن الناس ببدعته، أو أصابت المسلمين جائحة في أموالهم ~~أو أبدانهم، فمن أصابه الحق في ذلك أن يكون مهتما بذلك، ملتجئا ~~إلى الله تعالى، ويجعل ذلك من أهم مطالبه وحوائجه إلى ربه، ~~ولا يكن كمن يقول من المتصوفة والمتفقرة: الفقير ينبغي أن يشتغل PageV01P278 ~~بقلبه ويحاله. فيخشى على من أهمل ذلك السقوط من حال الوداد مع ~~رب العباد ، إلى دائرة النقص والقلب والإبعاد. ### || فصل # وجملة ما يعتمده طالب الوداد لرب العباد أن يعامل مولاه قاصدا ~~إصابة الحق والصواب، فيما أمره به، وفيما نهاه عنه، مقدما في ms148 جميع ~~ذلك الأولى فالأولى، فيكون دائرا مع رضا مولاه، لا مع قلبه ~~وجمعيته. # واعلم: أن الجمعية جمعيتان؛ جمعية منحرفة، وجمعية ~~صحيحة . # فالجمعية المنحرفة: أن يجتمع قلبه على عبادة يحبها، أو على ~~شخص يحبه، أو على صحبة شيخ، فمتى خرج عن ذلك العمل ~~أو الشخص أو الشيخ؛ تفرقت همته، وتشوش وقته، وربما تتغير ~~محبته بحسب اختلاف مزاجه وطبيعته؛ فإنه مع قلبه وهواه، فمتى خرج ~~عن ذلك اضطرب، ومتى سمع من أستاذه ما يكرهه من الحق ~~المحض؛ خرج عن محبته، وتغير قلبه فيه؛ لأنه مع هواه، فما وافقه ~~انجمع قلبه فيه، وما خالفه أبغضه وخرج عنه. # وصاحب الجمعية الصحيحة: جمعيته مع الله فيما يحبه ويرضاه، ~~فما رضي الله به شرعا كان ذلك هو الأمر الذي يطيب وقته به ساء ~~أو سر، بل قد يصيبه من ذلك ما يسوء، وهو متلذذ القلب برضا ~~مولاه، فهو يجتمع في موضع التفرقة، طلبا لرضا مولاه، ويتفرق في PageV01P279 ~~مواطن الجمعية إذا فجأه من أمر الله ما يوجب ذلك؛ طلبا لرضا ~~مولاه ، وهذا هو الاستعداد التام إن شاء الله لرضا مولاه ومودته ~~ومحبته له. ### || فصل # ومن أقسام ذلك : أن يكون في كل عبادة كما يرضى منه ربه أن ~~يكون فيها، إذا ذكر الله فلا يفكر بقلبه في غيره، وإذا تلا القرآن ~~فليقطع الخواطر ، إلا ما كان متعلقا بأمر التلاوة والفهم عن الله تعالى ~~فيها، وكذلك إذا كان في المراقبة، فلا يمر بقلبه إلا ما يناسب ~~الوقت، وليقطع ما جاء مما لا يليق بالوقت - وإن كان خيرا -، فإن ~~ذلك خير ، لكنه لا يليق بهذا الموطن. # وهذا السالك إنما يعمل على إتقان المعاملة فيما بينه وبين ~~مولاه، وهي مرتبة فوق تصحيحها بشروطها وأركانها، وذلك بمثابة ~~التجويد لمن يعلمه الكتابة، وذلك يستجلب الوداد فيما بينه وبين ~~مولاه؛ لموافقته العدل والحق والصواب، وهذا شغل من اعتنى ~~بمولاه أشد الاعتناء، واهتم بوداده ومحبته له أشد الاهتمام، يعمل ~~على إتقان المعاملة، وإصابة الحق والصواب فيها. ### || فصل # والتحقيق : أن هذا لا ينكشف إلا لمن عرف ms149 دين الله، وعامل الله ~~به ، وتعودت الجوارح إدمان المعاملة على الصحة ، ثم اتصلت شؤون ~~قلبه وحباله بمولاه، وذاق شيئا من طعم وداده، فهو في ذلك الاتصال PageV01P280 ~~والنور يعلم ما يقدح فيه من الأمور ، التي تحرف صاحبها عن إصابة ~~الحق والصواب في المعاملات ، وما يقدح في استجلاب وداده من ~~رب العباد. # ومن رغب في الوداد ، وصفاء المحبة من رب العباد؛ فليعمل ~~على إتقان هذه الأشياء، وليضع كل أمر لله وعبودية له، الموضع الذي ~~تليق بها على الأمر الذي يطلب منه أن يضعها فيه، حسب إمكانه ~~وإن أشكل عليه شيء من ذلك في معرفة وضعه في مواضعه؛ فليسأل ~~عنه، وأرجو أن يكون في هذه القواعد كفاية للمتحفظ اللبيب ~~إن شاء الله تعالى الكريم، وأن يرزقنا صحة المعاملة، وصفة الوداد ~~لننال به رضاه عنا، ومحبته لنا في هذه الدار، ويوم يقوم الأشهاد. # آخر ما تيسر ، ~~والحمد لله وحده، ~~وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. PageV01P281 ### | قاعدة في ذكر الكرامات المعجلة للمنقطعين إلى الله عز وجل في الدنيا # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~إذا خلا القلب من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال ~~و جاه أو صور أو حظ على الإطلاق، وتعلق القلب بالآخرة ~~والاهتمام لها ؛ من تحصيل العدة والأهبة للقدوم على الله عز وجل ، ~~فذلك أول الفتوح والمواهب، وإلا فكم ممن أفنى عمره، وبلغ إلى ~~الستين والسبعين وهو معلق القلب بالدنيا ومتعلقاتها! يبيت مهموما في ~~تحصيلها، ويصبح كذلك. # فإذا فرغ الله عز وجل القلب منها، ومال به إلى الآخرة، فذلك ~~مبادئ فتوحات أهل القرب، فعند ذلك لا يسكن قلبه إلا بتحصيل ~~علوم الأمر والنهي، فيعلم بما يجب لله عز وجل عليه من صباحه إلى ~~مسائه في كل حادثة ونازلة؛ من أحكام الوضوء وفرائضه، وأحكام ~~الغسل وفرائضه، والصلاة وآدابها، وعلم ما يفسد العبادات، ~~وما لا تكمل العبادات إلا به. # وإنما يعرف ذلك من كتب الفقه والحديث، فذلك برهان صحة ~~الإرادة ؛ لأن من أيقن بلقاء الله عز وجل، وعلم أن الله يسائله PageV01P282 ~~عن فرائضه ms150 كيف أداها ؛ اهتم لمعرفة تصحيحها وإيقاع أحكامها على ~~الوجه الذي أمر الله عز وجل به، فكل من لا يقرأ ربع العبادات ~~ويعرف جملة من تفاصيلها، فلا يطمع في فلاحه؛ لأنه مقصر في ~~أمر الله عز وجل في أول ابتدائه، فماذا ينتج منه في انتهائه ? ~~ويكفيه أن يكتب ربع العبادات، ويقرأه على شيخ مرة واحدة، ~~ويطالع منه كل يوم بابا، ويسأل ما أشكل عليه منه، ومتى حصل ذلك ~~منه وقام به، كمل فرضه، وتوجه صلاحه من مطالبة الله عز وجل، ~~فعند ذلك يأنس العبد بالخلوة والوحدة ، ويألف الأماكن الخالية التي ~~تهدأ فيها الأصوات والحركات؛ كالبيوت المظلمة، والمغارات البعيدة ~~من الناس، فيحب الصلاة؛ فإنها تسد أبواب الحواس، وتجمع قواها ~~في القلب، فيأنس بها مدة من الزمان، ويبقى أجنبيا عن الخلق ~~مستوحشا منهم ومن نظرهم، ولا يخالطهم إلا في جمعة أو جماعة ~~أو ميعاد، ثم يفتح له حلاوة العبادة، ويجد الحلاوة في الصلاة، ~~والركوع، والسجود، يحب أن يبقى يومه أجمع لا يشغله عن العبادة ~~شاغل. # ثم يفتح له بحلاوة استماع كلام الله عز وجل وترديده على ~~الأسماع والقلوب، وحلاوة الذكر، فيرزق في التلاوة بوارق الشعور ~~بالمتكلم سبحانه، ويرزق في الذكر الفناء والاستغراق فيه، حتى يغيب ~~فيه، ويدخل بقلبه في عالم الغيب. # ثم يفتح له بعد ذلك إن شاء الله عز وجل بالحياء من الله ~~عز وجل، وذلك أول شواهد المعرفة، وهو نور يقع في القلب، يريه PageV01P283 ~~النور أنه بين يدي الله عز وجل، فيستحيي منه في الخلوات والجلوات ~~وفي أوقات دخول الخلاء وغيره، ويرزق عند ذلك دوام المراقبة ~~للرقيب، ودوام التطلع إلى حضرة الحبيب العلي الأعلى فوق العرش، ~~وعلمه، ونظره، وسمعه في كل مكان، يحيط بالأشياء، فيستولي على ~~العبد شاهد الحياء والمراقبة حتى يغطي عليه كثيرا من الهموم، فيبقى ~~كأنه في عالم آخر، والناس في عالم آخر، نعم؛ هو في عالم آخر، ~~بين يدي الله عز وجل، والناس في حجاب عالم الشهادة في الدنيا، ~~فهو يراهم وهم لا يرونه، ولا يرون مكانه، هم ms151 كما قيل: ~~فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت وأين مكاني ما عرفن مكاني ~~وعند ذلك تقوى محبة التلاوة ؛ لأنه مادة مشهودة ، يشهد المتكلم ~~به في أطوار الكلام وأثنائه، فيستحيي منه ومن اطلاعه. # وتارة يجمعه الذكر فيفنى ويستغرق، ثم يفتح له الشعور بأفعال الله ~~عز وجل، فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريفها بيده ، يراه مالك ~~النفع والضر، فيتوكل عليه ويتخذه وكيلا، ويقل تألمه من الحوادث ~~المؤلمة ؛ فإنه يراها صادرة منه لا من غيره ، فيعفو عمن ظلمه، ~~مشاهدا للحكم القدري، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ~~مشاهدا للحكم الشرعي ، وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من ~~المخلوقات دله على خالقه وبارئه، فلا يحجبه خلق عن ربه عز وجل. # فإذا استمر الأمر به على ذلك، ودام طلبه لربه؛ فتح له باب ~~القبض والبسط، يقبض عليه حتى يجد الألم في قلبه؛ لقوة حال ~~القبض، ثم يقبض وعاءه بالأنوار؛ أنوار الوجود، فيفنى عن وجوده، PageV01P284 ~~وينمحي كما يمحو الشمس نور القمر، ويطوي الكون عن قلبه ~~كما تطوى السموات يوم القيامة، ولا يبقى إلا الله الواحد القهار، ~~وتنبع الأنوار من وسط قلبه كفيضان شعاع الشمس من جرم الشمس، ~~فيغرق العبد في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر، وذلك إنما ~~يكون بعد الرياضة والمجاهدة وزوال الطبيعة ، العناصر الأربعة من ~~العبد وطول الوقوف بالباب. # وهذا الغرق من حق اليقين ، وما وجده من المراقبة والحياء ~~هو من عين اليقين؛ فإن هو استمر على حاله واقفا بباب مولاه، ~~لا يعرج عنه يمينا ولا شمالا، ولا يلتفت إلى زوجة ولا مال، ويعلم ~~أن الأمر وراء ذلك، وأنه لم يصل بعد. # ومتى توهم أنه وصل؛ انقطع، وانقطع عنه المزيد، فيرجى أن ~~يفتح له بالغرق في أنوار الجلال بعد ظهور أنوار الوجود ومحو ~~وجوده، فيبقى كأنه في بحر من أنوار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه ~~كنبع النور من القمر ، أو الماء من العين المعينة، فيبقى لذلك ما شاء الله ~~أن يبقى، ويجد الملكوت الأعلى جميعه كأنه في باطنه وقلبه عال عليه ~~كله، ثم ms152 يرقيه الله عز وجل، فيغرق في أنوار الإكرام، فيبقى في بحر ~~من أشعة الجمال، يفيض ذلك من قلبه على الوجه الذي تقدم ذكره. # وفي هذا المقام من تجلي الجمال الأحدي على الأرواح يرزق ~~العبد المحبة الخاصة الملهية للأرواح والقلوب، فيبقى العبد مأسورا ~~مأخوذ القلب، مفتونا بالحبيب، ولا يعرف ذلك من لم يفتتن بصورة ~~حسنة تنجذب إليها قواه، فما ظنك بمن أشرب طوالع المحبوب قواه. PageV01P285 # وفي هذا المقام يكون العشق وهو شدة الغرام، والمحبة بدايات ~~العشق، وأنكر قوم لفظ العشق وأثبته آخرون، والمراد منه نار تتضرم ~~في الأحشاء يقل معها الاصطبار ، وذلك من أعلى المواهب وأسناها؛ ~~أن يصير القلب مفتونا، مأسورا، مأخوذا لما باداه من أشعة أنوار ~~الجمال الأحدي إذا كان الناس مفتونين بما يفنى من المال والجاه ~~والصور. # وأعلاهم من يكون مفتونا بالحور العين، أو عاملا على ~~الدرجات العالية في الجنان، فهذا رجل قد ترقى في درجة المحبة ~~على أهل المقامات بأسرهم، ينظرون إليه في الجنة كما ينظر إلى ~~الكوكب الدري الغابر في الأفق ؛ لعلو درجته ، وقرب منزلته من الله ~~عز وجل. # ولكل عمل جزاء، وجزاء المحبة المحبة والوصال، والاصطناع ~~والقرب، والاتخاذ - بالخاء المعجمة والذال المعجمة بواحدة من ~~فوق - ، ونعوذ بالله من القول بالاتحاد، فهو بالمحبة يقال فيه : يصلح ~~لهم، وكفى بقولك: يصلح لهم شرفا وفخرا، هذا من كراماتهم التي ~~نالوها في عاجل الدنيا، فما ظنك بمقاماتهم العالية عند مولاهم، ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # والعبد في ذلك كله تارك الاختيار عند الله عز وجل، لا يتقدم ~~بين يديه بتدبير ولا إرادة ولا مشيئة، تقلبه يد القدرة، ويدعوه لسان ~~الأزل؛ فإن هو صبر على ذلك؛ يرقيه الله عز وجل ملكا ملكا، يغرقه ~~في ملك ملك، ثم ينجيه منه، ويوقعه في غيره؛ كما غرقه في بحر PageV01P286 ~~الوجود ثم نجاه منه، وأوقعه في بحر الجلال ثم في بحر الجمال ~~فكذلك يرقيه ملكا ملكا على قدر ما قسم له ، إلى أن يوصله إليه، ~~ويمكن له بين يديه، ويصير ms153 نجواه كفاحا، أو يموت في الطريق. # فيكون أجره على الله. # والموفق من لم يلتفت عن ربه عز وجل يمينا ولا شمالا، ووفقه ~~لقهر هواه وملك نفسه وضبطها عن الشر، فذلك من أول الفتح ~~أيضا - أن يطهر العبد بنفسه وهواه. # وجميع ما ذكرناه من مراتب الوصول إنما هو شواهد وأمثلة؛ إذا ~~تجلت له الحقائق في الغيب من حيث لا يراها ؛ ظهر لتجليها شاهدا ~~في قلبه، وذلك الشاهد دال عليها، وليس هو عينها. # مثاله: نور الجلال في القلب ليس هو عين نور جلال الله ~~عز وجل. # ذاك لا تقوم له السموات والأرض، لكنه شاهد دال على ذلك ~~حيث قرب على قلبه في الغيب، قام له شاهد، والحق عز وجل في ~~جميع ذلك منزه عن الاصطناع على حقيقته أو على أنوار ذاته أو على ~~حقائق صفاته، وإنما جميع ذلك رقائق تقوم بقلب العارف تدل على ~~قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث لا يراها، وإذا فني فإنما يفنى ~~بحال نفسه لا بالله، وإذا بقي فإنما يبقى بحال يجده لا بالله، ولا يبقى ~~بالله عز وجل إلا الله عز وجل. # ومع ذلك فالوصول حق يجد الواصل آثار تجلي الصفات في ~~قلبه، وأثار تجلي الحق في قلبه، ويوقف القلب فوق الأكوان كلها بين PageV01P287 ~~يدي الحق عز وجل، ومن هناك يكاشف بآثار الجلال والجمال، ~~فيجد العرش والكرسي تحت مشهد قلبه حكما، وليس الذي يجده ~~تحت قلبه حقيقة العرش والكرسي ، بل شاهد. # ومثال يدل على قربه من ربه عز وجل أو قرب ربه منه، وبين ~~الذوقين تفاوت كثير، يعرفه من يجده، فإذا قرب الرب عز وجل من ~~قلب المقرب بشاهد يجده المقرب يدل له على ذلك، فتبقى الأكوان ~~بالضرورة تحت مشهد قلبه، ووراء جميع ذلك طلوع شمس التوحيد ~~التي تقطع ضباب الوجود، وعند العبد في هذه الحالة ليس إلا الله ~~يغيب بها عن نفسه، وفي الحقيقة هو باق لم يمح، ولم يفن، وهذه ~~الأحوال واردة عليه، ولم يبق في سره غير ذكر الله. # هذا هو التحقيق، وإن ms154 كان يجد أنه ليس إلا الله، فذلك في ~~شاهده وسره، وحقيقة الأمر كما ذكر؛ إذ لو كان كما يزعمه؛ لكان ~~خالقا، بارئا، مصورا، وليس كذلك إلا الله عز وجل، فافهم ذلك ~~كيلا تقع في المغاليط. # وهذا آخر ما تيسر، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ~~محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما. PageV01P288 ### | قاعدة في العثل الأعلى لقول الله سبحانه: (وله المثل الأعلى) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: تبارك اسمك وتعالى جدك. # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~ليعلم السالك أنه: قد يقوم في قلبه عند التوجه شيء يشهده فوق ~~العرش، فلا يستوحش من ذلك، فإنه ربما يقول: هذا الذي أشهده ~~جسم، فإن جميع ما تتخيله يكون جسما أو عرضا يعلم أن حقيقة الله ~~سبحانه وتعالى لا تتكيفه الأوهام، ولا تحويه الأفهام، ولا يدرك ~~بالقلوب ولا الأرواح، لكن قد يقوم عند التوجه للعظمة مثال يكون ~~ذلك المثال واسطه بين من ليس كمثله شيء، وبين من له مثل. # واعلم: أن ذلك المثل الذي يقوم في القلوب عند التوجه ~~والدعاء، له وجهان: وجه يلي العبد، ووجه يلي جهة العظمة، ~~ولا يقال: إنه غير الله، ولا يقال: إنه هو، إنما هو نور بحسب مرآة ~~العبد وخلقيته وضعفه، فلا بد من هذا المثل، فلا يستوحش العبد منه، ~~فإنه لا يعرف الله إلا به، ولا يدعى إلا به، ولا يحب إلا به، ولولاه ~~لم يعرف ولم يعبد، فإنه لا بد أن يقوم لمن ليس كمثله شيء مثل في ~~القلوب يكون حجابا بين العبد وبين حقيقة الذات، إذ لا يمكن شهادة PageV01P289 ~~حقيقة الذات بالقلوب لأنها فانية، ولا تقوى عليه الأجسام والقلوب ~~إلا في الدار الآخرة لأنها في عالم البقاء. # والتحقيق أن ذلك المثل هو بمثابة الاسم والمسمى، والصفة ~~والموصوف، فلا يقال: هو هو، ولا يقال: إنه غيره، إنما هو بحسب ~~المحل وضعفه وخلقيته. # مثال ليتضح هذا المعنى، فإنه مشكل جدا تهرب منه العقول ~~الضعيفة، ولا يقوى عليه إلا الموفقون : ~~الإنسان يكتب بقلمه: (الله)، وذلك هو اسم الله حقيقة، لكن ms155 ~~بحسب المحل، وهي الكتابة، وكذلك تقول : (الله)، وقوله : (الله) هو ~~اسم الله، لكن بحسب اللفظ المؤدي لذلك المعنى، ومثل ذلك إشارة ~~القلوب إلى الله تعالى ومعرفتها له، وتجليه عليها، فتحبه وتخافه ~~وتشتاقه، وذلك هو نور الله تعالى حقيقة، لكن بحسب المحل الذي ~~يرى ذلك المعنى، وإنما يرى منه بحسب ما يستعده، ولذلك وجهان ~~كما سبق ذكره. # ولهذا منع السلف رضي الله عنهم من وصف الإيمان بالخليقة، ~~فإن له اتصالا بالله حقيقة لا يكيف، وله أيضا اتصال بالعبد يعقل ~~ويدرك، فله بهذا الاعتبار وجهان كما سبق، قال الله تعالى: ~~(وله المثل الأعلى في السموات) ، فبذلك المثل تعبده الملائكة ~~والإنس والجان، وهو مثال عظمته في قلوبهم، وليس كمثله شيء. # لكن لا بد للأمر الموجود - وإن كان لا يمثل - أن يقوم له ~~شاهد في القلوب، وبحسب المحل، ويعلم حينئذ أنه ليس هو حقيقة PageV01P290 ~~لأنه لا تقوم بحقيقته الجبال الرواسي، بل ولا لبارقة هومنه، وليس ~~هو غيره لأنه منسوب إليه، وهو أثر نوره. # مثال ليتضح هذا الإشكال في الشاهد : ~~نور المصباح الواقع على الجدران هو نور المصباح حقيقة ، لكن ~~يفرق بين النور الواقع على الجدران، وبين النور القائم بجرم النار ~~ذاك نور المصباح بحسب محله، وهذا نوره بحسب ذاته، وبهذا ينحل ~~الإشكال إن شاء الله تعالى، فإن النور الذي على الجدران له وجهان: ~~وجه إلى الجدار، ووجه إلى المصباح، وليس هو عين نوره القائم ~~بذاته، ولا هو غير نوره، فاعلم ذلك. # وإنما أطلت الكلام هاهنا لأن كثيرا من المتعبدة يتحيرون بين ~~الإيمان والذوق، ويرون الذوق مغايرا لنفي الكيفية، والتحقيق أنه ليس ~~بينهما تنافي، والله الموفق. # فليعتمد السالك ما أمكن فيما شرح في هذه القاعدة مستعينا بالله ~~تعالى ، مفوضا إليه، رافعا بهمته إلى أعلى المطالب، عساه أن ينال ~~بعون الله تعالى منها سني المراتب، وبالله المستعان. # والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد، وعلى آله ~~وصحبه وسلم. PageV01P291 ### | قاعدة في قوله تعالي:إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد ms156 لله واهب الفضل، القاضي بالعدل ، لا إله إلا هو، مالك ~~الممالك، الذي اصطفى من عباده صفوة قربهم، وأدناهم، وعرفهم ~~نفسه، وصافاهم. # بذلوا في حقه نفوسهم وأموالهم قربانا، وراعوا شأنه بالمحبة ~~والتعظيم في أسرارهم بالغيب، ولم يدخروا عنه منهم شيئا، فجاد ~~عليهم بأن قبلهم واشترى منهم ما باعوه، وقبل منهم ما قدموه ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وسلم تسليما كثيرا. # وبعد: ~~فمن جاد الله عز وجل عليه بمعرفته في طريق النظر والاعتبار، ~~والتدبر للكتاب مع الاستبصار ، حتى لاحت له شواهد اليقين ~~وخرقت أنوارها الساطع المبين باطن سويداء سره، فلم يغب PageV01P292 ~~عن البصائر شاهده طرفة عين ، بل صارت مشاهدة عظمته مقرونة ~~بمجاري الأنفاس، وحركات الجسم والحواس، ألفت الأرواح آثار ~~الجلال فلم تسكن إلى سواه، ولم تنظر إلى غيره مما عداه، فجدير أن ~~يقرب نفسه بين يدي خالقه قربانا؛ شكرا لما وهبه من معرفته. # فمن عرف ربه في الدنيا؛ فكأنما زاره ووصل إليه، ومن عرف ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولاحت له شواهد معرفته وخصوصيته في معجزاته، ~~فكأنما سافر إليه ورآه عيانا، وقد رآه حقيقة ببصيرته، وهي أنفذ من ~~رؤية الأبصار في الأسرار. # وإن كان الحس أقوى باعتبار الوجود الحسي، فالباطن أقوى ~~باعتبار البصر القلبي، والانجذاب الروحي؛ فقد يرى البصر ~~ما لا ينجذب إليه، فإذا رأى بالبصيرة ما جذب كليته؛ كان أقوى من ~~مشاهدة المحسوسات. # وشكر هذه النعمة أن يقرب وجوده بين يدي محبوبه، وهذا شيء ~~مجمل يعرف تفاصيله من دخل فيه. # ومن تفاصيله: تقديم العبد بين يدي مولاه عمله الظاهر، يعبد ربه ~~بذلك؛ كصلاة، أو تلاوة، أو ذكر، أو مراقبة، مع تقدمة همومه ~~وأفكاره وخواطره وإراداته وأعماله ونياته ومقاصده في جميع سعاياته ~~الظاهرة والباطنة شيئا فشيئا على التدريج ، حتى تسكن المحبة في ~~جميع المفاصل والعروق، حتى يقرب المحبوب من جميع العبد؛ فإن ~~هم فله، وإن نطق فله وبه، أو أراد فبأمره ومعونته، أو اختار ~~فباختياره، أو أحب فإياه، والشيء الذي يحبه بحيث لا يخلو العبد قط PageV01P293 ~~منه في فكره، ولا خاطر ms157 ولا هم ولا وسوسة ولا إرادة ولا عمل، ~~وهذا شأن الصادق في محبة الحبيب. # ومن استعان بالله ودخل في هذا الشأن علمه الصدق كيف ~~يصنع، ولا يتكلف ما لا يطيقه، فيبذل من نفسه ما لا يقدر عليه، ~~لكن يبذل أولا ما يقدر عليه من الأذكار والطاعات، والتسبيحات ~~والتهليلات، ثم كلما سمحث نفسه بشيء لمولاه استعان به ~~وقربه. # وقد علمت شأن من تقرب إليه سبحانه بالنوافل بعد الفرائض، ~~وما يكون في مقابلته من محبة الله له ، كما ورد به الحديث الصحيح. # ومن تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا، فماذا يكون جزاء من قدم ~~نفسه وجميع ما منه لمولاه? ~~فصاحب هذا العمل يرجى له أن يجازى بالقبول، وهو أن يقبل ~~منه ما تقربه به العبد، ومتى قبل اختطف من وجوده، وجذبت روحه، ~~بحيث لا يبقى له في ذلك تصرف، فتؤخذ حقيقته منه، ويبقى الجسم ~~تبعا لها، ويبقى الكل بيد الحبيب مخلصا من أسر النفس والشيطان، ~~إلى مملكة الرحيم الرحمن، الحنان المنان، وعند ذلك يحق له ما ورد ~~به الحديث، يبقى سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه ~~الذي ينطق به، فيبقى محبوبا مرضيا عنه، وذلك غاية الغايات، ومنتهى ~~الطلبات. # طوبى لمن وفق لذلك، وحسن مآب. PageV01P294 ### || تتمة لهذه القاعدة # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~أنفس الأشياء التي للعبد قلبه، فليتقرب إلى مولاه بأنفس ~~الأشياء. # ومعنى التقدمة : ~~ألا يجعل نصيبا لغيره ولا لغير أمره، فيقطعه عن جميع الأشياء، ~~ويجعله نصيبا خالصا لمولاه. # ويندرج في ذلك نفي جميع الإرادات والخواطر المحرمة ~~والمكروهة، وجميع السوى سوى الأوامر، وقد سبق ذكر مضاعفة ~~جزاء من تقرب بشيء، فمن تقرب بحقيقته الإنسانية؛ يرجى أن يجازى ~~بقبولها، وقبولها اختطافها إلى القرب الأعظم، وذلك غاية الغايات. # وملاك التقرب بالقلب التقرب بالبدن الظاهر - أيضا -، فيضبط ~~الظاهر والباطن بعمل من أعمال البر؛ كالصلاة أو التلاوة أو الذكر ~~أو المراقبة، فبذلك يكمل التقرب باطنا وظاهرا إن شاء الله تعالى. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P295 ### | قاعدة الروحانيات وفيها ms158 بيان لعا قبله # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~اعلم: أن الإنسان يسلك حتى يصل إلى أنوار المعارف، وأذواق ~~الصفات والتجليات، ثم إلى المعرفة الحقيقية، فتتصل أوقاته وأحواله ~~بشهودها في صلاته وذكره وتلاوته، وأكله وشربه، وسائر أحواله ~~فتبقى الروح مأخوذة بالجمال والجلال، والقلب متعلق بآذيال التوكل ~~والتفويض، والخوف والرجاء، والعقل متسع في ميادين الفهم، والنظر ~~إلى تراتيب الأحكام والأفعال، والنفس راقدة عن تدبيرها واختيارها ~~والقلب مشتغل بوظائف العبادات. # فمن وصل إلى هذه الرتبة السنية الشريفة ، فيبقى عليه محبة الحق ~~تعالى له ووداده له من ذلك الطرف ، كما رزق الحب التام من هذا ~~الطرف. # فيقول القائل : كيف الطريق إلى محبة الرب تعالى لعبده بعد ~~معرفته? ~~فالجواب: ما سبق في تلك القاعدة، وهو التعلق بروحانية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، والاحتظاء من نوره، كما أخبر سبحانه: (قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) . PageV01P296 # فمن تحقق بروحانية الرسول صلى الله عليه وسلم، وترك ما سواها؛ تنزلت عليه ~~الروحانية المنسوبة إلى الحق عز اسمه ، فيرتبط الروح بها كما ارتبطت ~~الروحانية بروحانية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتكون تلك الروحانية العلوية، ~~واستقامتها على قدر الاستقامة، والارتباط بروحانية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وانحرافها عن الكمال على قدر انحرافها عن تلك ، وهناك يرجى ~~حصول المطلوب من محبة الله تعالى لعبده. # فيقول القائل: ما الدليل على ذلك? ~~فيقال : أن تتنزل تلك الروحانية العلوية نتيجة للتحقيق بالمتابعة ~~الظاهرة في العلوم والأعمال، فكان نتيجتها التحقق بالمتابعة في ~~الأحوال، ومن حقق المتابعة في الأعمال والأحوال بحسبه أحبه الله ~~تعالى، كقوله تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله). # وهذه هي الغاية المطلوبة من السير والسلوك، وبالله المستعان. # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P297 ### | قواعد النبوات: قاعدة نبوية ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~سبحانك اللهم وبحمدك، لسلطان جبروتك ذلت الأعناق، ~~ولسبحات وجهك الكريم سجدت الجباه، خاشعة بالتذلل والإشفاق ~~وبجلال جمالك ووحدانيتك انجذبت الأرواح مشتاقة إلى التلاق ، ~~وتخلصت من مضايق الكون إلى فسحات التقريب والانطلاق، ~~فاستنارت أرجاؤها المظلمة بطلائع النور والإشراق. # ولقيومية ربوبيتك ms159 استراحت النفوس ، من قيود التدبير ~~والاختناق ، إلى روح سعة بيداء التفويض وراحات التسليم، وطيب ~~الأخلاق، مستشرفة إلى فيض الجود من خزائن المنة التي لا يفنيها ~~الإنفاق ، بل حصل لها الغناء الكامل بالوجود البائن عن وجود السبع ~~الطباق، وعاشت في قرب كنف مالك الممالك الرحيم الخلاق. # بذلك الوجود يستغني من لا يغنيه الأعراض الكونية من الأموال ~~والأرزاق، والفقير من فقد ذلك الوجود ولو ملك ممالك الآفاق. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأن محمد صلى الله عليه وسلم ~~عبده ورسوله؛ خاتم النبيين ، الشافع المشفع يوم العرض والتلاق ~~الذي بعض معجزاته نبع الماء من بين الأصابع، وإشارته إلى القمر PageV01P298 ~~بالانشقاق، صلوات الله عليه وعلى آله صلاة دائمة ما استنارت النجوم ~~با لإبراق. ### || فصل # فإن التابع لا بد أن تكتنفه كيفية من المتبوع، ولبسة من ملابسه ~~وكيف لا وقد امتزجت تلك الكيفية بأمشاجه، واختلطت بروحه ~~وأخلاقه، فمن صحب فقيها من الفقهاء، أو شيخا من المشايخ ~~الفقراء؛ ظهرت على وجهه سيما علامته، وتكيف بالضرورة بجزئيات ~~من كيفيته ؛ فإن الطباع تأخذ من الملاحف والمعاشر بحسب ~~استعدادها، وتجذب من الخير والشر بحسب تلاؤمها لذلك المعنى ~~على انفرادها. # وإذا كان الأمر كذلك؛ فمن سلك الله به طريق السعادة، وأراد به ~~مواريث الإفادة ؛ تعلقت همته بالأنبياء؛ ليحتظي بصحبتهم من أنوار ~~الاجتباء، فإن أنوارهم مواد الخير الموجود في العالم، وهم أقطاب ~~الدوائر العلمية والعملية، والحالية، والأخلاق المتصفة بالمكارم. # إذا علم ذلك؛ فعليك بالتعلق بسيدهم، وخاتمهم الكامل ~~المكمل ، الهادي إلى طرق العلي الجميل المجمل، سيد ولد آدم، ~~الفاتح الخاتم، المؤيد بحجج الله القائم : محمد صلى الله عليه وسلم. # وصفة التعلق به: أن تدخل تحت ربانيته، أولا بكمال محبته، ~~وذلك لا يتم إلا بأمور: ~~أحدها : معرفة أيامه وسيرته، ثم ملاحظة معجزاته وخصوصيته. PageV01P299 # ا.لثاني : اللهج بذكره وصفته، والتعلق به وبكيفيته. # الثالث: التقمص بشريعته، ومتابعته فيما أمر به واستحبه من ~~سنته، ومجانبة ما حرمه أو كرهه من مخالفة ربه. # فإذا حقق العبد ذلك، وتقمص به، واختلط بعروقه ومفاصله، ~~واحتظى ms160 من نور النبوة حقائق غوامضه، وعرف المناسبة بينه وبين ~~الرسل من قبله، ورأى أنوارهم من مشكاة واحدة بصفاء بصيرته؛ وجد ~~الاتحاد بينه وبين نبيه صلى الله عليه وسلم اتحادا يجد ذوقه في بشريته، وخلعت عليه ~~كسوة من ملابسه، وصار بين روحه وروحه اتصال يحس به في ~~معاملته، وكذا بين روحه وأرواح الأنبياء؛ يجد نسبة نورانية، فيعرفهم ~~من دائرته، ويزورهم بروحه من طاقته. # فهنالك يرجى أن تشتاق الروح إلى نصيب من قرب ربه، عالم ~~سره وخفيته، فينظر إلى المعارف من مشكاة متبوعه ومعرفته، فيطالع ~~ما وصف به متبوعه لربه في أسمائه وصفته، فيتوجه إلى ربه منها ~~موقنا بها في ذوق فطرته، فيرجى أن ينكشف لقلبه ستور اللطائف؛ من ~~مواهب المعارف، بمقتضى نسبته، وينظر إلى ربه من فوق عرشه وبريته ~~بنظر الإيمان والإيقان، في أنوار الطاعة والإحسان، من أفق الغيوب ~~والامتنان، منزها له عن حده وكيفيته، فهنالك لسان الحال يقول: ~~بدا لك أمر طال عنك اكتتامه ~~ولاح صباح كنت أنت ظلامه ~~وأنت حجاب القلب عن سر غيبه ~~ولولاك لم يطبع عليه ختامه ~~وأيضا: ~~ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه ~~وكان بلا كون لأنك كنته PageV01P300 ~~وأيضا: ~~لقد ظهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يعرف القمرا ~~فعند ذلك يبدو منه خالص التوكل والتفويض، والاستناد إلى ~~اللطيف الخبير ؛ بترك الاختيار والتدبير ، والخمود تحت الحكم الشرعي ~~والمقادير، متى وصل العبد إلى ذلك؛ بقيت عليه واحدة، بها يتم أمره، ~~ويصفو كدره، ويعلو بمشيئة الله قدره؛ وهو الزهد في الدنيا. # وحقيقة الزهد ترك الإرادة والهوى، فعند ذلك يخلو الباطن من ~~السوى، فبذلك يرجى - إن شاء الله تعالى - أن يضرب سرادق العزة ~~في أعماق سرائره، ويصل حقائق الغيوب إلى حقائق ضمائره، ويصير ~~واحدا محقا، متخلصا عن شؤمه وعوائده، تعبدا لمحبوبه ورقا، ~~قد وهب منه الكل له، فوهب له الكل بحسبه، وجاد بنفسه في محبة ~~ربه، فعوض عنها بالحياة الأبدية، والعيشة السرمدية، بإيصال ~~محسوس لمن قيض له بالحسنى. # كان ذلك الاتصال مع مشيئة الله تعالى ، لا انفصال له ms161 ، وكفى ~~للعبد بذلك شرفا، وباتصاله بمولاه وذهابه فيه فناء وتلفا. # أنت القتيل بكل من أحببته فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي ~~ما لي سوى روحي وباذل نفسه ~~في حب من يهواه ليس بمسرف ~~فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ~~يا خيبة المسعى إذا لم تسعف ~~وبالله المستعان، وعليه التكلان، والحمد لله وحده، وصلى الله ~~على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم. PageV01P301 ### | قاعدة من دلائل النبوة # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم ما تواتر النقل من طرق كثيرة، وروايات متنوعة في ~~شأنه صلى الله عليه وسلم. # فمن ذلك : صدقه وأمانته قبل مبعثه، بحيث كانوا يسمونه: ~~الأمين، وعفته، وحياؤه، وبراءته من الفواحش والدناءات ومساوئ ~~الأخلاق، ثم قيامه بأعباء النبوة وحده في أول الأمر قبل كثرة أتباعه، ~~ومعاداة الناس، والأهل والأقارب في دين الله، وكونه وعد أصحابه ~~بظهور دينه ؛ حيث جاء في الحديث : ليتمن الله هذا الأمر ؛ حتى يسير ~~الراكب من كذا إلى كذا لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. # وتصديق ذلك في قوله تعالى : ( ليظهره على الدين كله) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، فكان ~~كذلك. # ثم ما حدث به الكهنة من ظهوره، ثم ما ظهر من الهواتف ~~إعلاما بنبوته، ثم تصديق أهل الكتاب المؤمنين به، العارفين بصفاته ~~كما يعرفون أبناءهم؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه، وظهور الكذب ~~والحسد على من كذبه من اليهود؛ حيث ظهر عليهم التحريف وتبديل PageV01P302 ~~التوراة ، بكتمان آية الرجم، وصفة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قول هرقل: قد ~~كنت أعلم أنه يظهر الآن، ولكن ما كنت أعرف أنه منهم. يعني: ~~العرب. # وشهادة الأحبار، ثم الرهبانيين - الذين لقيهم سلمان - له ~~بالنبوة، ومعرفتهم بأنه فد آن أوان ظهوره من أرض الحجاز، ثم ظهور ~~النسبة بينه وبين الأنبياء في الدعوة إلى الله ، بشريعة ماحية لعبادة ~~ما سوى الله، وإبطال الأوثان والأنداد من دون الله، ومجاهدة ~~المكذبين له، العاكفين على عبادة غير الله، وكونه كان لا تأخذه في الله ~~لومة لائم ، ثم ms162 صبره على العداوة والضر والجوع في ~~ شعب بني هاشم، ~~سنتين أو ثلاثا، ثم دعوته إلى إقامة الحق والعدل؛ مثل الصدق، وأداء ~~الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، وعبادة الخالق بالصلاة ~~والزكاة والحج، ونهيه عن التباغض والتقاطع والتدابر، وتحريم الزنا ~~واللواط، والعقوق والكذب، وأعظمها رفض عبادة ما دون الله من ~~مخلوقاته؛ كالنار والأنداد والأصنام؛ فإن ذلك أشنع في العقول، أن ~~يشرك بالله في العبادة بخلق من خلقه. # ثم إذا نسبت بين دينه وبين كل دين كان على وجه الأرض؛ من ~~دين المجوس، وعبادة النار، والذين اتخذوا العزير ابنا لله والمسيح ~~وأمه، والذين اتخذوا الحجارة أندادا لله، وعبادة النار والنور، ~~والفلاسفة أهل المقاييس والعقول والهندسة، فمتى ناسبت بين أي دين ~~أخذته وبين دينه؛ رأيت اتصال دينه بالله حقيقة، واتصال بقية الأديان ~~بالشيطان، وتسويلات النفوس وآرائها، ولا تجد بين الأديان وبين دين ~~الأنبياء نسبة، ليس بين المجوس والكهنة والفلاسفة، وبين دين الأنبياء PageV01P303 ~~نسبة ، وترى نسبة هذا الدين بدين الأنبياء ظاهرة ؛ كأن الجميع من ~~مشكاة واحدة، ولا يشك العاقل أن الله تعالى رحم الخلق ببعثه، ~~حيث بين لهم بواسطة هذا النبي دينه الذي ارتضاه لهم، فتميز دينه ~~بهذه الخصائص عن سائر الأديان، فعافتها القلوب وكرهتها، وعرفت ~~زيغها وانحرافها، وانصبت إلى هذا الدين؛ عارفة أنه دين الذين ~~هدى الله، (فبهداهم أقتده). # وكلما ذكر فضل المعجزات الخارقة الكثيرة ، التي جنسها انشقاق ~~القمر، ونبع الماء من بين الأصابع، وإطعام النفر الكثير من الطعام ~~القليل، وتكثير الماء القليل في الآبار ويوم المزادتين، وإيصال التراب ~~إلى أعين الكفار يوم بدر ويوم حنين، وإبطال الكهنة بمبعثه صلى الله عليه وسلم ~~وحنين الجذع إليه بين أصحابه في جمعهم ومشاهدتهم ذلك من ~~الجذع، والدعاء على سراقة حين ساخت يدا فرسه في الأرض، ~~واشتكاء البعير بحضرة أصحابه بدمع عينه، ودعا بشجرتين حتى توضأ ~~تحتهما، وطاعتهما له بحضرة أصحابه، ورؤية أبي جهل لما أراد أن ~~يؤذيه خندقا من نار بينه وبينه، وكونه مسح ساق ابن عتيك حين ~~انكسرت وكأنه لم يشكها، وضربه الكدية يوم الخندق ms163 فعادت كثيبا ~~أهيل، ومسح ضرع شاة فدرت في خيمتي أم معبد، ومرة أخرى كان ~~بذلك إسلام ابن مسعود، ورد العين المقلوعة، فنبتت وصحت، وتفل ~~في عين علي يوم خيبر فبرأ من ساعته، وأخذت الرعشة لرجل حاده ~~فلم يزل يرتعش حتى مات، وأعطى عكاشة جذلا من حطب فصار ~~سيفا، ونفث في عين رجل كانت مبيضة فأبصر بها حتى مات، ونادى ~~شجرة بالحجون، فأجابته، ثم أمرها فرجعت. PageV01P304 # واستخلص الحق من أبي جهل، وكان ذلك ثمن إبل؛ حيث رأى ~~على رلسه فحلا من الإبل، خاف أن يأكله، وسجدت له الغنم، ~~ولم تنبت رباعية لمن كسروا رباعيته، وكانت رؤيته من ورائه كرؤيته ~~من أمامه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ويسمع أطيط السماء، وعذاب ~~أهل القبور. # ومن ذلك إخباراته التي ما كذبت، ولا أخطأث قط ؛ منها إنذار ~~عثمان بالبلوى، والحسن بأن يصلح الله به بين الناس، وبأن عمار ~~تقتله الفئة الباغية، وأخبر سراقة بأنه يوضع في يده سوار كسرى. # وقوله لجماعة: أحدكم ضرسه في النار مثل أحد، فمات ~~الجميع على الإسلام إلا واحدا. # وقال لآخرين: آخركم موتا في النار، فسقط في النار فاحترق. # وأخبر عدي بن حاتم ارتحال المرأة إلى مكة لا تخاف إلا الله. # قال عدي: وكان كما قال رسلل صلله صلى الله عليه وسلم. # وأخبره - أيضا - أنه سيفتح كنوز كسرى، وكان عدي فيمن ~~افتتحها، وقال لأصحابه: ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من ~~صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله. # وقوله يوم بدر: هذا مصرع فلان وفلان، فما ماط أحدهم ~~عن موضع يده. # وإخباره عن المرتد أن الأرض لا تقبله، فرآه أبو طلحة منبوذا. # وأخبر بأن طوائف من أمته يغزون في البحر. PageV01P305 # وأخبر بنساء كاسيات عاريات، رؤوسهن مثل أسنمة البخت. # وبقوم معهم سياط كأذناب البقر، ولم يرهم. # وأخبر ابنته فاطمة بأنها أول أهله لحاقا به، وبأن أطول نسائه يدا ~~أولهن موتا، فكانت زينب. # ومن ذلك بركته في عكة المرأة التي كانت تهدي له سمنا كلما ~~أرأدوا منها سمنا. # ودعائه لتمرات أبي هريرة، حتى ms164 حمل منها كذا وسق في ~~سبيل الله ~~ومن ذلك دعاؤه المستجاب منه على مضر حين دعا عليهم ~~بالقحط ، حتى أكلوا العلهز ، وهو الدم بالوبر. # ودعاؤه على الملأ من قريش بأسمائهم، فقتلوا يوم بدر. # ودعاؤه على عتبة بن أبي لهب، فقتله السبع. # واستسقاؤه حتى مطروا جمعة، ثم دعاؤه حتى انجاب السحاب ~~عن المدينة كالإكليل. # وجميع ذلك نطقت بها كتب المسانيد والصحاح والسنن، مع ~~تحري الرواة، ورحلتهم المشارق والمغارب لأجلها، وروايتها من ~~الطرق المتعددة التي يصدق بعضها بعضا. PageV01P306 # فهذا خصوصية النبوة ، الدعوى إلى الحق بما تقبله العقول، ~~وإنكار الباطل الذي يأباه، والنهي عنه، وكون ذلك في فترة من الرسل ~~عند فساد الأديان ورجوع الناس إلى آرائهم ونفوسهم وأهوائهم، ~~وظهور البغي والفساد في الأرض، وعبادة غير الله؛ من النار والشجر ~~والحجر، وكل ذلك كان في جميع الملل، حتى في اليهود والنصارى؛ ~~فإنهم عبدوا عزيرا وعيسى، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأمر يقوم أديان ~~العباد ، ويصلح فاسدها. # ثم تأييده بالمعجزات الخارقة للعوائد التي هذا جنسها بما تواتر ~~النقل بها، وبهذا تقوم الحجة على الخلق؛ وقد قامت. # وشرط النبوة ظهور العدل والحق في دعوته، وصدق إخباراته في ~~الماضي والحال، ووقوع إخباراته في المستقبل كما أخبر. # أما العدل فيما دعا به فظاهر، وقد سبق بيانه، وأما إخباراته في ~~الماضي عن الأنبياء؛ فكان كما أخبر، وصدقه بذلك مؤمنو أهل ~~الكتاب. # وأما إخباراته في الحال فصدقت؛ مثل إخباراته عن النجاشي ~~وجعفر وأصحابه، وموت المنافق حين هبت الريح، وقصة الغال ~~وكونه في النار. # وكذا إخباراته في المستقبل؛ من فتوح كنوز كسرى وقيصر، وأن ~~عمود الكتاب ذهب به إلى الشام، وكون أن دينه يتم حتى يسير الراكب ~~من كذا إلى كذا ، وظهور نار الحجاز تضيء لها أعناق البخت ~~ببصرى، وظهور التتار، وكونهم فطس الأنوف؛ كأن وجوههم المجان PageV01P307 ~~المطرقة، وقوله : كاسيات عاريات ، وقوله : تفتح مصر، فيذكر فيها ~~القيراط ، وإخباره عن علي وعثمان وعمار والحسن بما آل أمرهم إليه، ~~وأنه إذا ذهب كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا ذهب قيصر فلا ms165 قيصر ~~بعده، وغزو أمته في البحر، فمتى ظهرت بشرى الأنبياء به في ~~التوراة ، كما صدق به ابن سلام وأصحابه وفي دين عيسى، كما ذكره ~~الرهبان لسلمان، ثم ظهور الهواتف ببعثته، ثم ظهوره بالحق والعدل ~~كما مر ذكره، ثم صدقه في إخباراته، فظهرت عقيب الطلبة؛ كانشقاق ~~القمر، والسقيا، ثم ظهور بقية المعجزات الخارقة على يده، ثم موافقته ~~لأصول جميع الأنبياء في دعوتهم ؛ علمنا : أنه المنتظر الذي كانت ~~تنتظره العلماء من أهل الأديان، وأنه الذي كانت اليهود تنتظره في ~~المدينة، حتى بشروا بطلوع نجمه، وكان يفخرون به على الأنصار، ~~وهجرة ابن التيهان اليهودي إلى المدينة رجاء لقائه، وهو الذي قال ~~هرقل : قد كنت أعلم بظهوره، ولكنني ما كنت أعرف أنه منكم، ~~يعني : العرب. # وهذا الذي إذا ظهر من نبي قامت به حجة الله على عباده ~~وزيادة ؛ لأنه أتى بما ينبغي للأنبياء أن يأتوا به، ووافقهم في أصولهم ~~وإن اختلفت الشرائع، ولكل رسول شريعة كما يشاؤها المرسل في كل ~~حين وأوان، فلله الحجة البالغة علينا، والحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، ~~وما بقي بعد هذا البلاغ بلاغ، ولا بعد هذا الصدق صدق، ولا بعد ~~هذا الإعجاز إعجاز ، إلا أننا نسأل الله حفظ هذا الإيمان، وأن يكتبه ~~في قلوبنا؛ فإنا نخاف سلبه أو تغيره، لأن القلوب بين أصبعين من PageV01P308 ~~أصابع الرحمن، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم، يسأل ربه ويقول: يا مقلب القلوب ~~ثبت قلبي على دينك. # وأيضا فإن الكفار أبصروا بعيونهم ما سمعناه وتحققناه لما تواتر ~~به النقل، ولم تنفعهم الرؤية لذلك، وقد وصل إلينا من علم النبوة ~~- بحمد الله ومنه - ما يشفي ويكفي ، وإلى الله نرغب في حفظ ذلك ~~بمنه وكرمه ورحمته آمين. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، ~~وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV01P309 ### | قاعدة في تعرف النبوة أيضا # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الناس ثلاث طوائف؛ طائفة متمسكة بشريعة الأنبياء، وطائفة ~~بالأديان المختلفة؛ كدين المجوس والفلاسفة، وأهل الأهواء ms166 ~~والآراء، وطائفة ليسوا متمسكين بشيء، وهم الزنادقة؛ الذين لا مع ~~العقل ولا مع الشرع. # إذا ظهر هذا، فالرب تعالى معلوم بالفطرة الإنسانية ، إذ الصنعة ~~لا بد لها من صانع، وكيف لا ? وقد ظهرت حكمته في الأشياء، ~~وعلمه بها في حسن تدبيره لها، واتقانه مختلفات أشكالها وأجناسها ~~والعبد يعرف بالضرورة أنه عبد، وأن أمره ليس بيده، بل له مدبر ~~مختار . هذا علم ضروري. # وبعد هذا العلم؛ فا لإنسان بين ثلاثة الأقسام: المتمسك الذي ~~سبق ذكره؛ فإن دخل في الانحلال والزندقة، وتحرك بمقتضى ~~ما تشتهيه الجبلة والطبيعة من شهوة وفسوق وعصيان، فهذا حال ~~ناقص؛ لأنه مناف للمعرفة الفطرية، بوجوب الرب الصانع ، الذي ~~تجب عبادته بشريعة يشرعها لعباده، فإنها من تمام حكمته وعلمه، ~~إذ لا بد للعبادة من هيئة يعبدونه بها، فالانحلال باطل مناف للعقول PageV01P310 ~~السليمة ، والفطرة الصحيحة. # وإن ترك هذا ودخل في الأديان المختلفة؛ فإنه يظهر عليها ~~الإصابة في شيء ، والخطأ في آخر ؛ لأنها مع تحسين العقول المختلفة ~~والأهواء المتنوعة ؛ هذا يعبد الحجارة ، وهذا يعبد النار ، وهذا ~~يعبد الشجر، وهذا يعبد الكواكب بلا بينة تلوح عليها أنها من أمر ~~الصانع الحكيم، بل يلوح عليها أنها من نتائج الفكر، والقلوب ~~الصحيحة لا تنشرح بهذا أصلا ؛ لأنها تقول : كيف أعبد شيئا من ~~الأشياء باختياري، وتحسين عقلي، بلا شاهد يظهر، ممن يتقرب ~~بذلك إليه ? ~~وهذا فيه نوع سفاهة واستبداد، فما بقي ثم إلا شرائع الأنبياء ~~فإن الفطر قد قضت بحكمة الصانع، وحكمته تقتضي إبراز هيئة يعبده ~~العباد بها، حتى لا يتحيروا في عبادة هذا المعبود بارائهم وأهوائهم ~~وعقولهم، فإن عبادته واجبة عليهم قطعا. # وتأله الصانع فريضة، وإذا كان فريضة لا بد للعباد منها، فمن ~~تمام الحكمة إبراز هيئة يعبده العباد بها. # ودين الانبياء هو الذي تشهد العقول الصحيحة : بأنه من عند ~~الصانع الذي قضت به الفطر والعقول بالضرورة؛ فإنهم جاؤوا بصفاته ~~وأسمائه، وأخبار تصرفاته في مخلوقاته، وإظهار حكمه في مبتدعاته، ~~وكشفوا عن قهره وقدرته في ثوابه وعقابه. # ثم الهيئة التي شرعوها تناسب الرب تعالى في ms167 أن يعبد بها ~~من تحريم الفواحش، والعبادة بالركوع والسجود، وتقريب القرابين PageV01P311 ~~وغير ذلك، ينشرح لذلك صدور العقلاء، وتنقبض عن غير أديان ~~الأنبياء. # إذا ظهر هذا؛ فإن الأنبياء لم يأتوا بأكثر مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~من الآيات البينات، والسور المنزلات، والمعجزات الخارقة ~~للعادات ، بل زاد هو عليهم في أشياء ، وإن كان لغيره خصوصية من ~~بعض الوجوه؛ كفلق البحر، والتكلم، والخلة، وتبريد النار الحامية؛ ~~فلمحمد صلى الله عليه وسلم أشياء تزيد عليها؛ من فلق القمر، ونبع الماء من بين ~~الأصابع، وكسر الأعداء بالتراب الذي سفاه في وجوههم، وإخباره ~~بالمغيبات، وغير ذلك، فتعين اتباعه؛ لأنه ناسخ لما قبله، كما نسخت ~~كل شريعة ما كان قبلها. # فإن قيل : اريد أمرا أوضح من ذلك بلا واسطة؛ فإن الأمور ~~بالوسائط قد يشك فيها، كما شكت قريش، ولو أتاهم بما طلبوا منه ~~أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل ~~وعنب، أو تسقط السماء، أو تزيل الأخشبين عن مكانهما ليزرعوا ؛ ~~لم يبق ثم ريب عندهم، ولانكشف أمر المعبود ببرهان لا يخالطه شك ~~أصلا. # فيقال في جوابه : لو كان الأمر كذلك؛ لم يستحقوا الثواب على ~~الطاعة؛ لأنه بهرهم أمر محسوس لا يحتاج إلى إيمان، لأنه يقين ~~ظاهر ، فلم يستحقوا بالطاعة ثوابا ؛ لأن الإنسان إنما يستحق الثواب ~~على إيمانه بالغيب مع شواهد صحيحة يستدل العاقل بها، فإذا ~~ما انكشفت الأمور انكشافا لا يبقى فيه روية لمن يتروى، ولا فكر PageV01P312 ~~وبصيرة لمن يتبصر، لم يكن لهم في إيمانهم كسب يستحقون عليه ~~الثواب والعقاب، ولبطلت في ذلك. # والحكمة ضرورية للموحد - كما سبق ذكره - ، ومن الحكمة ~~إبراز أمور يمكن الشاك أن يشك ويقول : هذا سحر ؛ لنقصان عقله ~~وفطرته، ولو كان صحيح الفطرة لعرف أنه الحق، قيستحق بهذا العمى ~~النار ، ويستحق لهذه البصيرة والفطرة الصحيحة الجنة، بخلاف ما لو ~~انكشفت الحقائق ؛ لم يكن للجاهل والأحمق كسب؛ فإنه يمكن كل ~~واحد معرفة ذلك؛ أحمق كان أو عاقلا. # إذا ظهر ذلك فليعلم العاقل : أن الإنسان لا يتم ms168 إيمانه حتى يحب ~~هذا النبي الحب البالغ، ويحب جميع ما جاء به؛ من جليل المتابعة ~~ودقيقها، ويرتفع الحرج وضيق الصدر عن جميع أحكامه وشريعته، ~~وإنما يزول الحرج ، وينكشف سر هذا المعنى إذا علم قاعدته، وهي ~~شعوره بأن هذه الأحكام والجزئيات الشرعية هي أحكام الله تعالى، ~~والرسول صلى الله عليه وسلم فيها موافق لربه عز وجل، متبع له، فاتباعه هو اتباع ~~الفاطر الخالق الذي قضت العقول بوجوده وتدبيره، ولهذا وجب زوال ~~الحرج، وضيق الصدر بجميع الأحكام؛ ما جل منها وما دق. # ثم محبة النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون ممزوجة بالأرواح لوجوه: ~~أحدها : لمحبة الحبيب الأكبر له، والمحب يحب لمحبوبه، ~~فهو المحب الأول الذي من بين البرية. # لثانية : لمحبته هو لربه أعلى أقسام المحبة؛ إذ المحب إذا شعر ~~بمن يحب محبوبه ينجذب إليه طبيعة وقلبا. PageV01P313 # الثالثة : لأنه الطريق إلى هذه المحبة، فإن بصحبته والاعتقاد فيه ~~ومتابعة سنته، حصل ما حصل من الإيمان والسنة والمعرفة والمحبة، ~~ولأن طريقك إليه هو طريقك على ما حصل. # وبعد ذلك كله فالالتجاء إلى الله تعالى واجب في حفظ هذا ~~الإيمان، وإن ظهرت شواهده شرعا وعقلا. # وبالله المستعان وعليه التكلان، ~~والحمد لله وحده ~~وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم. PageV01P314 ### | قاعدة في الصفات ### || # [بسم الله الرحمن الرحيم] ~~الحمد لله منور الصدور بطلائع المعرفة والإيقان، وشارحها ~~ببوارق النور الأعظم من الامتنان ، باسط القلوب في ميادين الروح ~~والريحان، من حضرات الأسماء المقدسة والصفات الموجبة لحقائق ~~العرفان. # وكيف لا تبتهج القلوب سرورا، وترفرف إلى العلى فرحا ~~وحبورا، وقد خرجت من مضائق الشكوك والارتياب، وظلمات ~~الطبائع والحجاب إلى فسحات التوحيد والاقتراب، في بواهر أنوار ~~ميادينها كبرق السحاب، مؤدية إلى وجدان أشعة شموس تلمع ~~كالشهاب. # فسبحان من ظهر إلى القلوب بأفعاله ومصنوعاته، فشهدته الفطن ~~بآياته ودلالاته، فقطعت بوجود حكيم عليم، متقن لمبتدعاته ~~ومخلوقاته، رحيم بها في تيسير أسباب معايشها من قطرة يرسل ~~الرياح، فتثير سحابا ماطرا من خزانته وآياته. # وجعل من الماء كل شيء حي، ليوقن المعتبر بقدرته في ms169 ~~تصرفاته، مسخرا الشمس والقمر لصلاح العالم، وجاعل الليل والنهار PageV01P315 ~~آيتين، فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ~~صدقاته . # ودحا الأرض على تيار الماء ، ورفع السماء عليها بلا عماد ~~لتظهر بواهر قدرته في برياته. # هذا بعض حكمته في العالم الصغير ، المتضايق الأجزاء في كرة ~~التراب، الملتوية على مركز السفل وطبقاته، فما ظنك ببدائع قدرته في ~~ملكوت السماء، وما أودع فيها من الأفلاك الدائرة والنجوم السائرة، ~~والأفلاك المسبحة العاكفة على امتثال مأموراته? ~~ينزل الأمر بين الطباق العلوية والسفلية، فيكون بذلك ما يريده ~~من تأثيراته، وما ظنك بعظيم ما يبرز من بواهر أفعاله وصفاته، في ~~عالم الآخرة الذي لا تكيفه العقول، بل يؤمن بوجوده وإثباته، حين ~~ترتفع الوسائط التكوينية والشواهد العقلية الاستدلالية بظهور صريح ~~القدرة الإلهية وسطوح بواهر أنوار العظمة الإلهية ، فيضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا من مثقال حبة من خردل ، من ~~طاعات العبد وجناياته. # فسبحان الإله الحكيم الفاطر المجيد، المبدي المعيد، الموفي ~~كل عبد ما اكتسبه من سعاياته. # تعرف إلى قلوب العارفين بتعرف خاص، فعرفوه به بعد أن ظهر ~~لهم في المصنوعات في أنوار تجليات أسمائه وصفاته. # انكشف جلاله وعظمته لأحداق البصائر ؛ فامتلأت من إشراقات ~~ظهوره وبيناته. PageV01P316 # ألفت الأرواح استنشاق نسيم التقريب بواسطة تلك الأنوار، ~~فلم تلتفت عنه رغبة في غيره من تلذذ عاجل العبد وراحاته، وإن ~~خطفها عن ذلك أدنى خاطفي من العوارض الكونية، فهو سريع ~~الرجوع والأوبة من دركاته. # صاعدا متشاما بروق الوصال، طائرا بهمته المحترقة إلى أعلى ~~درجاته، لا يستقر من شوقه واضطرابه إلا في مقاعد الصدق، ومحال ~~العندية، بين أطناب العز وسرادقاته. # لولا الآجال المكتومة ، والأقدار المحتومة ، لزهقت الأرواح ~~طربا ، لما باشرها من أنصبة الإكرام والإجلال وإشراقاته ~~حقيرة إذا نظرت إلى خستها وسفالة قدرها ، حين رامت عزماتها ~~أعلى المراقي، وأين الثريا من يد الملامس? نسبتها الماء والطين، ~~والصلصال والحمأ المسنون: ~~أيها المنكح الثريا سهيلا ~~عمرك الله كيف يجتمعان ~~هي شآمية إذا ما استهلت ~~وسهيل إذا استهل يماني ! # فإذا ولت مدبرة حياء ms170 من طمعها، نازلة إلى التخوم عبثت بها ~~أيدي الغرام، وتأججت بها نيران الوجد والهيام، وجدته يوم الميثاق ~~من لذيذ الخطاب والتلاق، فنقول: قدري التراب وهمتي تعلو ~~السحاب : ~~برقت منك في الفؤاد بروق احتظى منه كل عضو برفق ~~فصلوات الله وسلامه على نبي الرحمة وكاشف الغمة محمد PageV01P317 ~~النبي، وصحبه وآله ما ذر شارق، وحن وامق، صلاة دائمة لا انقضاء ~~لها في الآباد، وأدامها إلى أن تقوم الأشهاد. # وبعد: ~~فأيها السالك: إن أردت التحقق بالعبودية، والخضوع لأحكام ~~الربوبية، فعليك بالجلوس على بساط الصدق، ناظرا إلى مولاك ~~وما انفرد به منها في عظمة شأنه، وقدس جلاله ناظرا - أيضا - إلى ~~صفاتك الفانية اللائقة بك. ثم أفرد مولاك بما انفرد به من عظمة ~~شأنه، وقدس صفاته، وتحقق أنت بصفاتك والزمها، ولا تتجاوزها، ~~وانظر إلى صفاته، ثم إلى صفاتك راجعا إليه منها، فأول ذلك: ~~أن تنظر إلى غناه عز وجل، فمتى حققت ذلك عرفت نفسك ~~بالفقر، وعرفت مولاك بالغنى، فتبرأت من صفته التي لا تستحقها ~~أنت، واتصفت حينئذ بصفتك الذاتية لك، وهي الفقر، فكنت بذلك ~~لمولاك الغني عبدا. # وكذلك تنظر إلى قوته عز وجل، وتنظر إلى ضعفك، فمتى ~~حققت ذلك عرفت نفسك بالضعف، وعرفت مولاك بالقوة، فتبرأت ~~من صفته التي لا تستحقها أنت ، واتصفت حينئذ بصفتك الذاتية لك ~~وهي الضعف، فكنت بذلك لمولاك القوي عبدا. # وكذلك تنظر إلى قدرته، وتنظر إلى عجزك، فتضيف القدرة إلى ~~وليها، وتتبرأ أنت مما ليس لك، فتكون بذلك عبدا، وكذلك تنظر إلى ~~عزته وتنظر إلى ذلك فتضيف العزة إلى وليها، وتتبرأ أنت مما ليس ~~لك، وتتصف بصفتك اللازمة لك، وهي الذل، فتكون بذلك عبدا. PageV01P318 # واعلم أن لمولاك عز وجل صفات ذاتية، وصفات فعلية ~~وصفات حالية، فصفاته الذاتية اللازمة لذاته المقدسة أزلا وأبدا ~~وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر ~~والإرادة، والجلال، والجمال، والقدس، والكمال ~~والصفات الفعلية كثيرة ، وهي : كل ما تعلق منها بالمخلوقات، ~~كالخلاق، والوهاب، والرزاق، والفتاح، والقابض، والباسط ~~و الخافض، والرافع، والمعز، والمذل، والبارئ، والمصور ~~والغفار، والقهار، والمحصي، والمبدي، والمعيد، ms171 والمجتبي ~~والمميت، والمقدم، والمؤخر، والمنتقم، والمقسط، والجامع ~~والمانع، والضار، والنافع، وغير ذلك. # وأما الصفات الحالية : كقوله سبحانه وتعالى يوم القيامة: ~~يا آدم، قم فابعث بعث النار، وكصفة النزول، وقوله للشيء إذا ~~أراده : كن ، وهو : ما يكون في حال دون حال. # وله سبحانه أسماء ذاتية، وأسماء صفاتية، فأسماء الذات: ~~الله وهو وأنت. # والأسماء الصفاتية كالاسم: النور، والقدوس، والسلام ~~والعزيز، والجبار، والمتكبر، والملك، والرحمن، والرحيم، PageV01P319 ~~والقوي، والغني، وغير ذلك من الأسماء الصفاتية، وكلها راجعة إلى ~~صفات الذات، وهي مندرجة في قولنا فيما تقدم، والجلال، ~~والجمال، والقدس، والكمال، فكلها مندرجة في الكمال. ### || فصل # وكذلك أيضا للعبد أسماء علية وأسماء دنية، فأسماؤه العلية قد ~~وصفه الله عز وجل بها فقال تعالى : (التائبون العابدون الحامدون ~~السابحون ...) إلى آخرها ، وقوله تعالى : (إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين...) وإلى آخر الآية. # وأسماؤه الدنية: كالعاصي والمذنب والظالم وغير ذلك. # إذا علمت ذلك فاعلم أن العبودية إنما يقوم بها من صفت ~~عناصره، وابتهجت بالإشراق ظواهره، وسكنت عن الوساوس ~~خواطره، وتحركت بالمحبة ضمائره، وتجددت أسراره عن غلها ~~وأغلالها وخبثها وأعلالها، فهم القوم تراهم أروح الناس قلوبا، ~~وأوفرهم عقولا، وأسكنهم عن الخنا نفوسا، وأطيبهم بذكر الله ~~أرواحا، وأكثرهم بربهم أفراحا؛ لأن بواطنهم بالمحبة إلى حظائر ~~القدس مكتحلة بأكحال التقريب والأنس، سيماء المحبة عليهم لائحة، ~~وبهجة المعرفة عليهم ظاهرة من حسن الأخلاق، ومطايبة الرفاق، ~~والمكارمة في التلاق لتهذبهم في معاملة الملك الخلاق. PageV01P320 # عرفوا نفوسهم بصفاتها الدنية فمحقوها بصفاتها العلية. # محقوا الاسم : المذنب بالاسم : التواب ، ومحقوا الاسم ~~العاصي منهم بالاسم : الطائع، واسم : الظالم منهم باسم : العادل، ~~فتبدلت أسماؤهم الدنية بأسمائهم العلية. # بدل الله بذلك سيئاتهم حسنات، محقوا أوصاف السيئات منهم ~~بأوصافهم الحسنة، ثم رجعوا من جميع ذلك إلى مولاهم متبرئين من ~~حولهم وقوتهم، فإن وجدوا منهم توبة وجدوا بدايتها من توبته عليهم، ~~قال تعالى: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) ، وإن وجدوا منهم ~~محبة لربهم، وجدوا ابتدائها من محبته لهم، قال تعالى: (يحبهم ~~ويحبونه)، وإن وجدوا منهم علما أو معرفة وجدوا ~~ابتداءها من فيض بره ms172 عليهم، قال تعالى : (الذين علم بالقلم علم الإنسان ~~ما لم يعلم ) . ### || فصل # واعلم: أن مشاهدة الصفات تتنوع على قلوب العارفين كل منهم ~~قد عرف مولاه بما كشف له منها، فعبد الله عز وجل بالعبودية المناسبة ~~لذلك الوصف، إذ كل اسم، أو وصف، يقتضي من العبد عبودية ~~بمقتضاه، فأول مشاهدة الصفات تبدو على قلوبهم ~~مشهد: علا فوق الممالك. وذلك يقتضي التضاؤل والتصاغر، ~~للعبد المشتغل بالذات، عبودية للرب العلي بالذات. # ثم مشهد: متكلم، آمر، ناه، محل، محرم. وذلك يقتضي من PageV01P321 ~~العبد عبودية الائتمار والاجتناب، لما أوجب فعله واجتنابه الملك ~~الوهاب. # ثم مشهد: مدبر، قيوم. وذلك يقتضي من العبد ترك التديير ~~والاختيار ، استسلاما وتفويضا، إلى الملك القهار. # ثم مشهد: الديانة، وهو مشهد الدين، فإنه مالك يوم الدين ~~أي : يوم الجزاء، وذلك يقتضي من العبد الاستعداد للقاء الله عز وجل ~~بالأعمال الصالحة، والمسارعة إليها، كما قال تعالى : (والذين يؤتون ما ~~آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها ~~سابقون) . # ثم مشهد: رقيب، عليم، فتستقيم بذلك الخواطر والسرائر ~~عن الهمم الدنية، والأفكار المحظورة الردية، فكذلك عبوديتها في ~~مقابلة هذا الوصف ، وإذا استقامت السرائر لزم من استقامتها ~~استقامة الجوارح ، لأن الحركات الظاهرة إنما تصدر عن الخطرات ~~الباطنة. # ثم مشهد : (ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ~~وذلك موجب لكمال المحبة والتعظيم، وظهور لواعج الأشواق إلى ~~لقاء الحق عز وجل يوم التلاق، فهذا هو عبودية هذا الوصف، وفي ~~الحديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه . # ثم كان الله ولا شيء معه ، وهو مشهد الأزلية، فينكشف بذلك ~~ظلام الوجود، ويطلع فجر التوحيد، فيذهب به من لم يكن، ويبقى من ~~لم يزل، وهو أول السباحة في بحر التوحيد، فما ظنك بالتوغل فيه ? PageV01P322 ~~نعم، وذلك لا يشرح إلا لأهله، الذين باشر صفو التوحيد بواطنهم، ~~وطلع عليهم صبحه بعد طلوع قمره. # ثم مشهد: شمس الفردانية بعد طلوع صبحها، وذلك موجب ~~الهيمان والالتهاب بنيران الوجد والغرام، وهو أول مشاهد البقاء بعد ~~الفناء خصوصا إذا تفصل على تفاصيل ms173 الصفات فيبقى العبد فيه ~~مشهودا ملحوظا ، بعد أن كان مراقبا مشاهدا. # ثم مشهد: الحقيقة وهو التخلص من أنوار الأنوار إلى حقيقة ~~الأنوار، فإن للسراج نورا يقوم بذات النار، ونورا من ذلك النور ~~يفيض على الجدران. # ففي أول الأمر يكون نصيب العبد من أنوار الأنوار، فيرتقي منها ~~إلى صاحب النور، ومن لا يفهم من الأغبياء يعبد المثل الأعلى ~~و لا يشعر، والمحقق يعبد صاحب المثل حتى يخلص إليه من أنوار ~~الأنوار، وهذا أمر دقيق لا يشرح - أيضا - إلا لأهله، وهم الذين ~~صبروا على الصحبة، والتذويب في كير السبك، ولم يرجعوا من علوم ~~الخاصة إلى علم العامة التي بها تستقيم العموم، وللخصوص قواعد ~~أخرى، هي شفاء لأمراضهم، لا يجدون شفاهم إلا بها، وهي موصلة ~~إلى العلم العام. ### || فصل # علامة المستعد لعلم الخصوص: أن يبقى بينه وبين السالكين من ~~العوام حجاب، لا يقدر على الاجتماع بهم، ومتى كانت نسبته معهم PageV01P323 ~~إذا اجتمعوا يقررون الأمور العامة، فليست له نسبة بالخاصة ، فأين ~~مثل هذا من علم الأسماء والصفات واذواقها ? ~~فمتى اشتغل بها بطل عن وظيفته، وشغل من كلف تعليق شيء ~~من ذلك عن مهم وقته، وواجب حاله، والأولى أن يشتغل كل من ~~العبيد بما أقيم فيه، وبما يجد صلاح قلبه فيه، ولا ينظر إلى ~~علم ما لم يبلغه حاله، فإن علم الخاصة فساد للعامة، وعلم خاصة ~~الخاصة، وإنما كان فسادا لأنه يشغلهم عن مهم وقتهم، عما هم ~~مطلوبون به، فلا يشرح علم الخاصة إلا لأهله، ولا علم خاصة ~~الخاصة إلا لأهله ذلك، هو مهم وقتهم، وواجب حالهم، لكن في ~~الحديث : لا تردوا السائل ولو جاء على فرس. # وإجابة سؤال السائل مندوب إليه، إلا أنه ينبغي أن يعرف ~~وجه الصواب في ذلك ليرجع إلى حكم وقته وواجب حاله، ~~فالواصلون إنما وصلوا بمعرفتهم علم الحال، وقيامهم بحكمه، ~~والداخل على السالكين إنما يدخل من جهلهم بعلم الحال، وإهمالهم ~~القيام بحكمه، ومعنى علم الحال: علم ما يخص العبد من أمر دينه ~~وحاله الذي أقيم فيه، فمتى تعداه إلى غيره، ms174 فقد ضيع حكم وقته، ~~وضيع على الناس - أيضا - حكم أوقاتهم. # وهذا آخر ما تيسر، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على ~~سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم. PageV01P324 ms175