######OpenITI# #META#Header#End# ### | النص: # رحلة الشيخ العابد الزاهد، السالك، العارف، المحقق عماد الدين، أحمد بن ~~الشيخ إبراهيم الواسطي ، وشرح تقلباته في عمره ، كتبت لمستفيد مشتاق إلى ~~الوقوف على أحوال أهل العصر، فيعرف بذلك سليمهم من سقيمهم، ومعوجهم من ~~مستقيمهم، والله - بكرمه - ينفع بها طالبا يريد بها نهج الاستقامة، واجتناب أحوال ~~أهل الانحراف والملامة ، وذلك بعد مطالعتي لرحلة سلمان الفارسي رضي الله ~~عنه - في طلب الهدى، وعثوره عليه بعد عناء شديد. وجدت بين رحلتي ورحلته ~~مناسبة من بعض الوجوه، فأحببت تعليق جمل منها أرجو بها النفع للمهتدين إن ~~شاء الله تعالى ، وبه التوفيق والعصمة، وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P027 ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ~~رب يسر وأعن ~~الحمد لله الذي بين لعباده مناهج سبيله فعبدوه، وتعرف إليهم بآياته وبيناته ~~فعرفوه، وكشف لهم عن قدره فتوكلوا عليه ووثقوه، وظهر لقلوبهم بآثار صفاته ~~فأحبوه وألهوه، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله ، الذي وعد الله عباده بمحبته لهم إذا هم اتبعوه ، صلى الله عليه، وعلى آله ~~وأصحابه، ما سبحه الأملاك وما قدسوه، وبعد: ~~فلما كان بيان الحق والهدى، لعباد الله من النصيحة التي أمر الله بها ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة لله ولرسوله ~~ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ولا يتم ذلك إلا ببيان الانحراف، فإنه لا يعرف ~~الشيء - غالبا - إلا بضده، وبالنور ينكشف الظلام، وبالشعاع يتجلى القتام، أحببت ~~أن أشرح حال رحلتي في طلبي ، وما لقيته من الطوائف المنحرفة عن نهج الحق ~~والصواب، إذ في الناس من يظنهم من أهل الله- وربما يتوسل بهم إلى الله- ليكون ~~ذلك لطالب الهدى في آخر الزمان ، تبصرة ويرهانا ، ومعراجا إلى معرفة مراد الله ~~تعالى من عباده، في مطالبهم وعقودهم وأحوالهم، ليقوم الطالب بذلك فيلقى ربه ~~تعالى بخالص العبودية، فتقر عينه بلقائه، ويجانب من ظهر انحرافه عن طريقة أهل ~~الحق، ويعلم ماهية أذواق الناس، وحقائق أحوالهم في رأس السبعمئة من الهجرة ~~النبوية، فكثير من الناس من تخفى عليه حقائق أحوالهم ms01 ، ويتغطى عنه ما أنعم الله ~~عليه، حيث أحياه في ستر العافية، وأوقعه بين أعلى السنة والجماعة من طفوليته ~~إلى سن شيخوخيته، فهو لا يدري ما أحدث الناس، ولا ما يتقلبون فيه من خطوات ~~الشيطان وشركائه ومصائده، ولا يدري ما بدلوا من دين الله وشريعته. # فيستفاد بمعرفة أحوال الخلق أحوال المحقين من المبطلين، والناقصين من PageV01P029 ~~الكاملين، والمنحرفين من المستقيمين، ويتوصل بذلك إلى سلوك الحق واجتناب ~~الباطل، ويشكر الله تعالى على نعمه والعافية مما أبتلى به كثيرا من خلقه، وذلك بعد ~~مطالعتي لرحلة سلمان الفارسي في سيرة النبي صلم، فرأيت رحلتي مناسبة من ~~رحلته، فعلقت جملا منها، وإلى الله أرغب في النفع بذلك. # وهذا الفن من العلم حرام على من يريد به الوقيعة بين الناس، لنيل أغراضه ~~الفاسدة ، أو الانتصار لهوى متبع . وهو مباح بل مستحب لمن يريد التوقي من التعثر ~~في الورطات، والوقوع في المزلات، لا لمن يريد المعاياة والفرقة والمحاكاة فيتخذ ~~ذلك فرجة وسمرا ، لا معرفة وعبرا ، فيكشف أستار الناس بلا نية صحيحة، ~~والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، والله الموفق للصواب. ### | فصل # أول ذلك أنه كان مولدي ومنشئي بين طائفة من الأحمدية، لأن أبي - عفا الله ~~عنه - كان رئيسا من رؤسائهم ، ووزراء شيوخهم ، وكان مطاعا ، يقول بالنفع ~~المتعدي، من قضاء حوائج الناس، وإطعام الطعام، ورد اللهفة، وذلك هو طريق ~~الفقراء الأحمدية ، فمنهم من يعامل الله تعالى بذلك، ومنهم من يريد به إقامة ~~رئاسته، وتحصيل قيامه ومادته، فما عرفت دين الإسلام، ولا فتحت عيني إلا بين ~~قوم يتخذون الغناء شعارا، والرقص على القصب والكف قربة ودثارا، والاجتماع ~~على الضيافات عادة وإلزاما، والاجتماع بالأجنبيات معروفا لا ينكر، ومحادثتهن ~~ومسامرتهن مباحا لا يقبح. # لا يعرفون تحريم غض الأبصار عن [غير] المحارم ، ولا يفتشون على آداب ~~الشريعة من الحدود والأخلاق والعزائم. قد أسكنوا شيوخهم في قلوبهم في محل ~~العبادة، فإليهم يلجؤون في نوائبهم، وإياهم يذكرون عند نوازلهم. الشيخ في قومه ~~كالنبي، بل ربما عظموه فوق تعظيم الأنبياء، من حط الرؤوس بالسجود، وكشفها ~~بين ms02 يديه، والاستجارة من سخطه وعقوباته الباطنة الغيبية. يعتقدون أنه يقول ما PageV01P030 ~~يشاء، يميت الحي، ويبرئ المريض، ويضرب بسهمه من يشاء فيقتله ~~ووجدت فيهم أذكياء، يعلمون أن الأمر ليس كذلك، لكن حصل لهم بسبب ~~تعظيمهم لشيوخهم رئاسة بين الناس وفتوحا، فهم يقيمون جاه شيوخهم إبقاءا على ~~حظوظ أنفسهم . لا يعرفون الحلال ولا الحرام، ولا الورع عن المحارم والاحترام ~~يجيء إليهم المحب الطالب لطريق الله فيتوبونه، ولا يعلمونه حدود الله ولا أمره ~~وكيف وهم يجهلونها علما، ويتركون أحكامها عملا ? لا يأمرون مريديهم بإتقان ~~العبادات، ولا تحقيق معرفة حدودها، من فرائض الطهارة وسننها، وفرائض الصلاة ~~وسننها. ويقولون: إذا قيل لكم: ما مذهبكم ? فقولوا: الماء والمحراب !! # أبغض ما لهم الفقهاء، إلا عند نكاحهم وطلاقهم أو بيوعهم، فيحتاجون إليهم ~~لأن أمرهم لا ينفذ إلا بذلك، ولو أمكن الاستغناء عنهم لاغتنوا، فلا محاسبة في ~~الجوارح، ولا مراقبة في الباطن، ولا مراعاة لحدود الشرع، ولا حرصا على آداب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في عباداته وعاداته، بل يحرصون على سيرة شيخهم الأكبر ، مثل حضور ~~مجلس السماع بعد العشاء ، يزعمون أن رجال الغيب تحضره ، فترى شيوخهم ~~حريصين في ذلك الوقت على الاجتماع، وجمع الهمم فيه، فإذا جاء وقت الصلاة ~~نقروا نقر الغراب، لا يصدق أحدهم متى ينفلت من صلاته، فيخرج من صلاته إلى ~~السماع، كما يخرج المحبوس من بيت مظلم ضيق إلى الفضاء ~~يسافرون بأصحابهم معهم المغاني والرايات، تتبعهم الرجال والنساء، يقيمون ~~السماع، وتضرب النساء منطقة حول الرجال، بارزة وجوههن، وربما بات النساء في ~~مواضعهن رغبة في الأجر ، ولكونه - في معتقدهم - مجمع الأولياء فيتعبدون ~~بالمبيت حول الرجال، وفي ذلك الدسائس وقضاء أوطار النفوس، فإذا أقاموا ~~السماع عمد مولهوهم إلى حيات لهم معدة في الأكياس، فيستخرجونها ويقضمونها ~~قضم الخيار، وتسيل دماؤها على أشداقهم، ثم ينفخونها على الناس يزعمون أن ~~ذلك يستحيل في أفواههم زعفران وفاكهة، ورأيت منهم من يأكل الضفادع يعدها ~~قبل السماع في عبه، فإذا قام الطابق أخرج واحدة وقضمها، ولا ينكر ذلك أحد PageV01P031 ~~عليهم ، لا من فقهائنا ms03 ولا من ضلحائنا ، بل صارت هذه البدع عندنا سنة معروفة، ~~وشعارا ظاهرا، فيحق لذلك تملك التتر بلادهم واستيلاؤهم عليهم، بل هم طيبون ~~في دولتهم، لأنهم معتقدون فيهم، معظمون لهم، فهل تقوم الطريقة العمياء إلا في ~~الدولة السوداء ? كما لا تقوم الطريقة المنورة إلا قي الدولة البيضاء ، دولة أهل ~~الإسلام ? ، وربما لم ينقطع أثر الخلفاء في بغداد إلا لكونهم لم ينكروا مثل هذه ~~الأشياء، و[لما] لم يغيروها وسلموها لهم، قطعهم الله تعالى لذلك. # أيها السالك، إن أردت الطريقة المثلى فاعكس هذه الأمور، واعتمد خلافها ~~تصب مراد الله منك، فهذا سلوك لك إن فهمت، وهو كافيك. # أول التوبة - عندهم في البداية - الرقص وخدمة الفقراء ، والنهاية عندهم التي ~~ينتهي إليها الطالب ويحصل الوصول ؛ أن يصير للفقير قبول بين الناس ، ويصير ~~صاحب أخذ وعطاء، [و] من لم يكن كذلك لم يصل، ومن حصل له ذلك فقد ~~كمل، ولهم مع ذلك أمور تكاد تخرجهم من الإسلام، منها: ~~أنهم كانوا يأخذوني - وأنا طفل - إلي زيارة قبة الشيخ، فيمشى في المركب ~~إلى القرية التي هو فيها مدفون - أعني أم عبيدة - فإذا لاحت القبة كشفوا ~~رؤوسهم وتضرعوا وابتهلوا، وربما بكوا وانتحبوا، ورقت قلوبهم ودعوا بحوائجهم ~~فإذا جاؤوا إلى باب قبة الشيخ كشفوا رؤوسهم، وسجدوا على عتبته، وكنت أسجد ~~معهم في صغري، ووقفوا على بابه أذلاء وقوفا طويلا، علم الله ما يعظمون الكعبة ~~كما تعظم قبة الشيخ ، بل هناك في الرواق سارية فإذا رأوا قبة الشيخ - من الذي ~~يستجرئ أن يدخل القبة ? بل فيهم من قد شاخ ولا يدري ما داخل القبة - ثم يطفون ~~سبعا بتلك السارية ، فيكون الوقوف على باب القبة كعرفة ، وتلك السارية كالكعبة ، ~~فيكون ذلك حجا لهم كحج الرافضة إلى قبر الحسين. # وحكى لي بعض شيوخهم مادحا لبعضهم، ومترحما عليه، أنه: كان يحرم إذا ~~لاحت القبة ، ويتجرد من مخيط الثياب حتى يدخل القرية ، ويقضي أربه من الزيارة ، ~~ثم يحل من إحرامه، وفيهم من لا يجز شاربيه إلا عند قبة الشيخ. PageV01P032 # وأهل الرواق المجاورين يتعبدون برؤية قبة ms04 الشيخ كأنها إله يعبد، فيرمقونها ~~بأبصارهم، وتتصاعد لذلك أنفاسهم، ويأنسون أنس العابد بمعبوده، وكيف لا ? وهم ~~يرون العالم من آفاق الدنيا يقصدونها بالتعظيم ، وحط الرؤوس والسجود لها ~~ويبذلون أموالهم نذرا لها، من الدراهم والشموع وغير ذلك، ومن ذلك أنهم كانوا لا ~~يتحاشون مؤاخاة النساء الأجانب، ولا المبيت معهن ولا يتحاشون من مؤاخاة ~~الصبي الجميل، ولا المبيت معه ، يزعمون أنهم في المبيت لا يصدر منهم زنا، ~~وربما يتخذ الشيخ منهم أخوات وبنات في الله - بزعمه - فينام في جانب وأخواته ~~وبناته - في الله - في البيت في جانب آخر، ثم يطفئ المصباح، فمن أراد أن يتبرك ~~بقدم الشيخ يكبسها - فلا بأس، فإن قبل الشيخ إحداهن وضاجعها فلا يدرى ما ~~يصنع بعد ذلك!! # فإذا جاء الشيخ الأكبر إلى مريد من مريديه ، ممن استخلفه وجعله شيخا، ~~فيجيئون أصحاب الشيخ الأصغر، ويطالبونه بأن يجمع لهم أخوات يسكنون إليهن، ~~فيجمع الشيخ من نساء أصحابه جمعا، ويفرقهن على أصحاب الشيخ. حدثني من ~~لا أتهمه، سعد الأكال - يقع في قواصر تمر، فيزعم أنه يأكلها بالحال. وأنه [لما] ~~كان صبيا ينام في عناق فلان -خادم الشيخ أحمد الكبير - كأنه يفتخر بذلك وبعناقه ~~له!! فذكر لي - والله أعلم بصدقه من كذبه - أنه ليلة من الليالي - وهذا سعد كان ~~يعتقد أن الشيخ نجم الدين هو مدبر الأمر، وأنه حتي ما مات، لأنه لو مات لم يقم ~~أمر !! سمعت ذاك من لفظه . كأنه اختفى كما اختفى المنتظر الذي للرافضة ، ~~ويستدل بهذا أن المضاجعة عندهم غير محرمة، يفعلها البر والفاجر، فإن تنزه منها ~~ورع من ورعيهم، إنما يفعل ذلك تنزيها لا تحريما !! # هذا الذي شرحته في حق خيارهم، وأما شرارهم فسمعت منهم من يقول: إن ~~الصندوق إذا كان طاهرا - يعنى الصدر - فلا يضر الميل إذا كان في المكحلة. وكان ~~يقوله ممازحا، وهو جد في قالب هزل. ومثل هذا الجنس إذا وقع في كفه امرأة أو ~~صبي واقعه فيما دون الفرج، وقضى شهوته، لا أشك في ذلك. هذا إذا امتنع عليه، PageV01P033 ~~وكم قد أفسدوا من ms05 امرأة - وربما حبلوها، ورأيت من حبل منهن من الزنا - وكم ~~أتلفوا صبيا أخرجوه عن أبويه وحسنوا له الفقر، فيتخذونه ولدا كما يتخذون في ~~الشام الحوار ، ثم يعانقونه طول الليل ، جهده الاجتماع والمعاشرة والاهتمام ~~بالرقص بالغداة والعشي، وشغل قلب بعضهم ببعض. يبتلى الصبي بذلك فيغيب ~~عن قلبه ما يجري عليه بالليل منهم، فيصبح من فراش أحدهم، فيقبل يد الشيخ ~~ويرقص، ويعدو ويدور في الطابق، يتوارى عن قلبه مخازيهم بالليل، ويقولون: ~~السماع شبكة!! نعم شبكة لمأكلتهم، ورجوع من شرود إلى شرود. # وحكى لي من لا أتهمه : أنهم كانوا يجتمعون في بيت؛ الرجال والنساء خلطاء، ~~ثم يقيمون السماع فيأخذهم الحال، فيتعرى الرجال عن جميع ملابسهم لورود ~~الحال، وتبقى عوراتهم بادية - وهم بادية - فإذا انطفأ المصباح أخذ كل فقير في PageV01P034 ~~عناق فقيرة إلى الصباح، والله أعلم بما كان بعد ذلك، وذلك قبيل أخذ التتر ~~بغداد بشؤمهم ، وكان الشيخ العارف نجم الدين الإصفهاني -أعاد الله من بركته - ~~يقول : ما أتلف الدين كطائفتين : الأحمدية في النساء، والحريرية في الصبيان، ~~وأقول أنا: والاتحادية في العقائد أيضا، واليونسية قريبون منهم، وكل هؤلاء أتلفوا ~~الدين ووسخوه، وقلبوا حقائقه وضيعوا حدوده واستهانوا به، وأحلوا حرامه، وبدلوا ~~أحكامه، وانتهكوا حرماته، طهر الله الأرض منهم، وأراح الأرض من أنجاسهم، إنه ~~على كل شيء قدير. # والذي أعتقده - إن شاء الله -أن التتر لم تستول على أهل الإسلام إلا بشؤم ~~هؤلاء الطوائف وظهورهم ، وعهدة ما هم عليه على شيوخهم الأكابر ، كالشيخ ~~أحمد الكبير وأمثاله، فإنهم أول من ابتدع هذه الاجتماعات، ولم يضبطوا ~~أصحابهم على تحريم النظر، وغض الأبصار، وتحرير المراقبة والمحاسبة، وكأن PageV01P035 ~~لهم نصيبا من ربهم استغنوا به عن تحرير الشريعة، ومع ذلك فهم يقرؤون القرآن ~~قراءة من لم تبلغه عن الله دعوة، ويعظمون النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم من لا يعلم بأي شريعة ~~جاء، لا تجاوز قراءتهم حناجرهم ، بكم غتم كالبهائم السارحة، والأنعام الراتعة ~~ينادون من مكان بعيد، ويرون الشريعة من بعيد، يبغضون القائمين بها - وهم ~~العلماء - بغضا ما عليه مزيد ، فما ms06 قولكم - معشر العقلاء - في طفل لم يفتح ~~عينه إلا بين هؤلاء ? ولم يعرف دين الإسلام إلا هكذا ? ~~ومن ألطاف الله تعالى بي أن خلق في غريزة في حال الطفولة كنت أعلم بها أن ~~هؤلاء ليسوا على شيء ، وأن الحق وراء ما يدعونه ، وكنت أتشبث برسالة ~~القشيري، وكتاب (القوت)و(الإحياء) فأعلم باطلهم علما في القوة، ولا سبيل إلى ~~ظهوره في الفعل، لأن الدولة لهم، فلا يمكن ظهور ذلك في الفعل أصلا، وأكابر ~~العلماء المحدثين ، كعز الدين الفاروثي من أشياعهم وأنصارهم يحضر مجالس ~~سماعاتهم، وحضرته - وأنا طفل مراهق وقلت : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة ~~بدعة)، فكيف حال هذا السماع؟ قال: فتشاغل عن جوابي، ولم يعجبه ذلك. وكان ~~أنهى ورعه أنه كان يكره السماع في المسجد ، وربما حضره في المسجد تقية ~~ومدارة. رأيته في مسجد يعمل فيه السماع، فهذا حال المشايخ المحدثين العلماء ~~فكيف يقوم الحق المحمدي، والدين الفرقاني بين هؤلاء ? بل كيف يعرف ويعلم ~~فضلا عن قيامه ونصرته? ~~ومعلوم إذا انطاع أهل المدن لمشايخ البر الفلاحين فسد دينهم وانقلبت ~~أمورهم ، وإن كانوا أولياء، وذلك لأن قلة العقل على أهل البر ظاهرة، ولم PageV01P036 ~~يبعث الله نبيا من أهل البر قط ، ولا من عرب البادية ، فإذا انطاع أهل المدن ~~للعلماء صلح أحوالهم، ومتى انطاعوا لفقراء البر فسدت أحوالهم، ثم سرت هذه ~~البدع من الأحمدية في سائر طوائف فقراء البطائح ومشايخهم ، من مؤاخاة ~~النساء والصبيان ومضاجعتهم، ومسك الحيات، ونزول النار ، وغير ذلك من ~~المخازي، فالوفائية - عندنا- ينزلون النار ، والبدرية - عندنا أيضا - يؤاخون ~~المردان، وأنسب الطوائف -عندنا - الحلوبية ، أصحاب الشيخ ابن حلوبا ، عندهم ~~شيء من التمسك ، لكن غلبتهم طريقة الأحمدية ، من إظهار شعار السماع بين ~~الخاص والعام، واجتماع النساء على رؤوسهم في السطوح يتفرجون على رؤوسهم ~~وتهتكهم، فالأحمدية كانوا كالجرب جرب بهم الناس، واقتبسوا من ظلماتهم، ~~وقامت دولتهم أي قيام، فكيف يقوم الدين مع هذه الظلمات? ### | فصل # ثم انتقلت من هذه الطبقة إلى طبقة الفقهاء الشافعيين لأتعلم العلم، فوقعت ~~بين طائفة خير من الطائفة الأولى ms07 ، عندهم علم الحلال والحرام ، والحدود ~~والأحكام ، وعلم ما يجوز وما لا يجوز، وعلم ما يترتب عليه الثواب والعقاب ~~واعتقاد ذلك وعلمه في تلك الظلمات نور وهدى، فضلا عن العمل به، لكن القوم ~~فيهم الفقة لا غير، وفيهم من يشارك في أصول الفقه، واصطلاح ابن الخطيب مع ~~تعظيمه وتبجيله، والإقرار بأنه الإمام الأعظم، وأنه ركن من أركان الدين، وإذا ~~ذكر[ذكر] قبل الإمام وترضي عنه، وغالب ما فيهم علم خصومات الناس ووقائعهم، ~~فقلوبهم مشحونة بمسائل (التنبيه)، و(المهذب)، و(الوجيز)، و(الوسيط)، و(شرح ~~الوجيز)، و(الحاوي)، و(اللباب)، و(العجاب) لعبد الغفار، و(المحرر) للرافعي ~~لا يوجد عندهم أصول السنة ؛ من علوم الحديث وقواعده ، ومعرفة رجاله، ~~وعلم صحيحه من سقيمه، ولا علم معاملة الله بالسنة، ولا معرفة عندهم بقواعد ~~الاعتقاد ، من طريق الصحابة والسلف الأول ، كالسفيانين ، والحمادين ، وابن PageV01P037 ~~المبارك، وأحمد، وإسحق، وأمثالهم بل قواعد عقائدهم من أصول المتكلمين ~~بالعقل والنظر. والصالح الورع فيهم الممسك عن الخوض في العقائد، ويسلم أمر ~~ذلك إلى مراد الله، فيؤمن بذلك إيمانا مجملا، لا تفصيل فيه، يابسة طباعهم، خالية ~~قلوبهم عن راوئح المحبة لله، والخوف منه، والتعظيم له، والشوق إليه، لا يشم منهم ~~روائح العبودية ، ولا الصدق في المعاملة و[لا] الإخلاص فيها، ولا المسارعة إلى ~~البر بالقصد الصحيح وانشراح الصدر ، متكالبين على الرئاسة والمعلوم ، مزاحمين ~~على المناصب، تخرج نفس أحدهم إذا جلس أحدهم فوق مرتبته، حتى ربما ينغص ~~عليه طعامه وشرابه، وربما وقع فيه بالغيبة والطعن، فهم أوعية فقه وأحكام ~~وخصومات الناس لا غير ~~إذا جاءت حكومة فرجوا عنها بما ينقلونه من الكتب لإباحتها، ولا تفتيش على ~~أصل هذه المسألة من الحديث ، بل إذا وصل الأمر إلى الشرح أو إلى نص فلان ~~انتهى الأمر عنده ، ومع ذلك فو الله لقد استفدت منهم علم ما يجوز وما لا يجوز ~~ومن العجائب أنني أجد فيهم من يعتقد في تلك الطائفة، ويزوره مع علمه بانحراف ~~طريقهم، فاستدل بذلك على أنه ليس عنده من النور المحمدي ما ينكشف به أحوال ~~القوم، فبقيت معهم برهة من الزمان محبوسا كالطائر ms08 في القفص، ولا أشم الهواء إلا ~~من كتب الصوفية. ### | فصل # ثم انتقلت عنهم إلى صحبة مطاوعة البغاددة وفقرائهم، فوجدتهم خيرا من ~~أولئك الأولين بألف طبقة: يحرمون الحرام، ويحلون الحلال، ويتمسكون بمعظم ~~مذاهب الفقهاء غير أنهم أهل دلوق، ومرقعات، وشراشح رقاع، ظراف لطاف، ~~غالب هممهم في الشهوات من طيب الطعام ، وحسن اللباس ، وهندام ~~الثياب، ومنادمة الأغنياء ، ومصادقتهم ومباسطتهم والتواضع الزائد لهم ، والمزح ~~معهم، واستجلاب رفقتهم، وفتوحهم. PageV01P038 # عليها، فإذا رقصوا فلهم في رقصهم هيئة ظريفة من التوقيع على الموسيقا، مثل أن ~~يرفع رجلا ويحط أخرى ، ومثل أن يتحدبوا وينطوا نطا على ذلك الانحداب ~~راكعين. ليس في قلوبهم شيء من الأذواق، ولا يظهر عليهم ذبول العبودية، ولا ~~سيماء الخوف، ولا خرقة المحبة، ولا جمع الهم على العبادة بالقصد الصحيح، ولا ~~يوجد منهم روانح الطلب، ولا يسمع منهم قواعد السير والسلوك والوصول، وقطع ~~عقبات النفس، ووجدان الأذواق من الطوالع والبوارق واللوائح، ولا يرى عليهم ~~ذبول الخوف، ولا سيماء المحبة، اللهم إلا في السماع، ربما رقوا وخشعوا، فإذا ~~خرجوا عن السماع عادوا إلى تلك العوائد النفسانية ، والأوضاع الاصطلاحية ، ~~لكنهم أهل تألف، وتوادد وتواصل وتراحم، وخلق وإيثار، بل غالب ما هم عليه هو ~~ما يظهر منهم من الأخلاق والخلاعة ، والترسم بظاهر الدين، وفيهم من له ورد ~~بالليل وصيام وحج، بل غالب مجاهدتهم المجاورة بمكة، فمن جاور سنة انتهى ~~سيره في سلوكه!! # العادات عليهم غالبة، ونفوسهم عن الحقائق محجوبة، لم أر فيهم ناقدا، ولا ~~طالبا، ولا من يشير إلى طلب الوصول أصلا هذا فن قد مات عندهم، وليس الفقير ~~عندهم إلا من مد كسيرة، أو يكرم الأخوان بالضيافة، أو يفتح الطابق بالسماع فترق ~~القلوب له، فيضيف الناس برقة القلوب. هذا أعز أحوالهم وأعلاها، وانتهى الأمر ~~عند ذلك. # يعظمون المشايخ لا كتعظيم أولئك، بل فيهم شعبة منهم،يكشفون رؤوسهم ~~عند قبة ابن إدريس من الصحراء ، ويقبلون عتبة بابه - فعلت ذلك معهم وأنا ~~شاب - إلا أنهم لا يقعون في تلك المناجس، وربما عشق أحد منهم أمرد على ~~معرفة منه أن ms09 ذلك باطل لا يجوز، وإذا رأوا صاحب عبادة وورع لا يتكايس معهم، ~~ولا يحضر السماع، ولا يطيب فيه، قالوا: هذا يابس ثقيل، فعاشرتهم، فلم تعجبني ~~حالهم ، وعرفت بغريزتي أن الأمر فوق ذلك. ولا أشم الهواء إلا من كتب PageV01P039 ~~الصوفية. ### | فصل # فألقى الله تعالى في قلبي معرفته وقبه، وهام قلبي بذلك، ولا أعلم حقيقة ما ~~وقع بقلبي، ولا أجد من يدلني على مطلبي، ولا من يوقعني على دوائي، ولا من ~~يعرفني ما هذا الهيمان الذي وقع بي، فبقيت متحيرا والها لا أجد القرار، وصدري ~~يضيق من جميع الطوائف التي صحبتها وعاشرتها ، وذلك في سنة ثلاثة وثمانين ~~وستمئة (683 ه) أو قريبا منها، فهاجرت إلى بلاد الشام ومصر، فوجدت بها من ~~الطوائف مثل الذين شرحت أحوالهم ، من الفقهاء والفقراء والمطاوعة سواء ~~بسواء، ومع ذلك أجد قوما أهل سيماء حسن وعبادة، يسيرون إلى صيام الدهر ~~والعبادة، ولا شعور عندهم بالطلب ولا المطلوب، ولا السير ولا السلوك. عباد ~~صرف، أو فقهاء صرف أو مطاوعة صرف. لا أجد من يشير إلى المطلوب أو يعبر ~~عنه، فلطف الله تعالى بي، فوقعت في الإسكندرية بطائفة عرفوا مقصدي ومطلبي ~~فأنست بهم بعض الأنس ~~شهد قلبي بأن معهم شيئا صحيحا ، فإني وجدتهم يشيرون إلى معرفة الذات ~~والصفات والعبودية لله تعالى وطريق ذلك، وبأي وجه يحصل ذلك، ويشيرون إلى ~~محبة الله تعالى واتباع أمره واجتناب نهيه، والرضا بقضائه وقدره، والانجذاب بالهمة ~~إليه، وشممت من أنفاسهم أن هناك قوما خصوا بالمحبة والاصطفاء والتخصيص ~~والتولية ، دخلوا في حضرات الأسماء ، وتحققوا بشيء منها ، وأعطوا حقيقية اسم ~~أو صفة عرفوا الله - عز وجل - بها، فهاموا بحبه، وانقادوا لإرادته، وصارت بذلك ~~إرادتهم تبعا لإرادة ربهم، ثم كشف لهم عن شيء من سبحات العظمة والجلال ~~والبهاء والكمال، والبقاء الأزلي والجمال، فلزم قلوبهم من ذلك الكشف هيمان ~~واحتراق فهم يراقبون مشيئاته ويرضون بها، ويراعون أوامره ويقومون بها PageV01P040 ~~وأرواحهم مختطفة بأشعة عظمته وكبريائه، والهة بقربه، وأعضاؤهم ومفاصلهم ~~ممتلئة من أنواره المخزونة من أنوار جلاله وعظمته، وفيهم من له ms10 مكالمة ومحادثة ~~وتعريفات من ربه، يعرفه بها في اليقظة والمنام، وفيهم من له هاتف وتعريف من ~~الإلهام. # ووجدتهم أشد الناس تعظيما للشريعة والأوامر والنواهي ، زاهدين في الدنيا ~~راغبين في الآخرة، محبين لله والهين بقربه، قد رفضوا كل شيء سواه، فلما خلت ~~قلوبهم من غيره امتلأت من حبه، ومن كشف أسمائه وصفاته، وعظمته وقدس ذاته، ~~يرى أحدهم تدبيره واختياره من أكبر الذنوب، فهو فرح مستبشر بحسن اختيار ربه، ~~مطمئن إليه، ساكن إلى ما ذكره به في أزله، على وفق حكمته ورحمته، حتى كأن ~~أحدهم مع ربه، يراه عيانا بقلبه، ويشرق على وجهه آثار جلاله ومحبته وتعظيمه ~~والانقياد لحكمه، ووجدت آثار ذلك فيهم وفي حركاتهم وسكناتهم وتقلباتهم، ~~فوالله لقد فرحت بهم فرحا شديدا، وسكن قلبي إليهم وإلى طريقهم بعض السكون، ~~لأني رأيت معهم شيئا هو غاية الغايات، ومنتهى الطلبات. # ثم إني فتشت على أساس هذه الذروة التي عندهم على أي أساس قام من ~~العقائد والأصول، فوجدت القوم لا شعور لهم بالسنة، ولا الأيام النبوية، ولا السير ~~الصحابية، ولا الأخلاق الدينية، ووجدتهم يعتقدون شيئا من التجهم ، إلا أني لم ~~أجدهم يصرحون بالتعطيل، بل ميلهم إلى الوقوف، ولا أشك أنهم ينكرون بعض ~~الصفات أو يقفون فيها، كما هو مذهب المتكلمين، ومن ذلك وجدت عليهم كشفة، ~~وفي لمحات وجوهم سعفة، ووجدت هذه الأحوال المذكورة عندهم قد اقتبسوها ~~من شيوخهم، فهم لا يذكرون إلا شيوخهم، لا يستندون فيها إلى الحديث، وإن لم ~~تخالفه لكن مادتهم من أنفاس شيوخهم، وشيوخهم قبل قلوبهم، إليهم يتوجهون في ~~أحوالهم، وعلى كشفهم يعولون، ولا يعرفون ربهم إلا من حين قدمه وأزليته، حيث ~~كان ولا شيء معه، ولا يشيرون إلى كشوف القرآن ، ولا إلى تجليات الصفات في ~~تلاوته، ولكن مع ذلك وجدت معهم شيئا وأي شيء، كما قيل ~~على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ~~وإن كنت من ليلى على الهجر طاويا PageV01P041 ~~فحصلت بتوفيق الله تعالى ما حصلت من فوائدهم، وبركة صحبتهم ضمن ما ~~حصلته من فوائد الفقهاء اليابسين ، من معرفة ما يجوز ms11 وما لا يجوز، فصار ذلك ~~كالقالب الجسمي وهذا كالروح ، لكن كلاهما يابسان ، فقه يابس عن رطوبة ~~الحديث ، ومقابلة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام والأخلاق ، وحال يابس عن مقابلة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فقه مقابل لأئمة الفقه، وحال مقابل لأئمة التصوف والرسول صلى الله عليه وسلم له ~~السكة والخطبة ، والحكم والتوجه إلى غيره ، فبقيت كالعائز الذي حصل أول ~~الدرجات ولاحت له أعلاها وهو عائز بينهما من الدرج، فقنعت بذلك في الحالة ~~الراهنة وتغذى قلبي بذلك من جوعه، فإن الجائع يتغذى بمهما كان قوتا. ### | فصل # فوقعت بعد ذلك بين طوائف صوفية الرسم، في الرباط، فوجدت قوما أهل ~~سيماء ظاهرة، وسجادات وهيئة، وأشكال وذقون مسرحة، وشيء من الأنوار لائحة، ~~فصحبتهم، فوجدهم يشيرون إلى الذكر والخلوة ، وتناول المعلوم ، والاشتغال ~~بالعبادة، لكنني وجدت قلوبهم مشحونة بحركات إخوانهم، لا يطرف بعضهم إنكارا ~~وتطلعا، وحسدا وغيبة. يقولون: خرج فلان، دخل فلان، رأيته يتحدث في السوق ~~مع فلان، فتوجه كذا. فلان له معلوم كذا، بحيث لا يخلو قلب من يصحبهم عن ~~حركاتهم، إلا نادرا، ومع ذلك فربانية الرسوم في صدورهم يعبدونها، قد استعبدتهم ~~وملكتهم، لا تخلص لهم فريضة لله، مثاله: ~~يتوضأ أحدهم حتى يصلي لله الفريضة ، وهو مع ذلك ملتفت إلى الخدام إن ~~تأخر عن الصلاة مع الجماعة في الرباط أن يتكلموا فيه، وإن دام ذلك التخلف منه ~~يوما أو يومين خاف أن يقطعوا معلومه ، ولذلك يخاف أحدهم إن فاتته وظيفة ~~العصر معهم، أو وظيفة يوم الجمعة أن يتكلموا فيه، ولو تأخر عن ذلك أياما قطعوا ~~معلومه، وأخرجوه من بينهم فقط، لا تخلص عبادتهم لله، وكيف تخلص عبادة من ~~يخاف غير الله ? أو يعمل عملا لغير الله? وإن كان لله فهو مشوب بالنظر إلى غير الله. PageV01P042 # يخاف أحدهم بينهم من رثة ثيابه أو وسخه أن يمقتوه، أو يخرجوه من بينهم ~~وكذا لا يقدر بينهم أن يلبس عباءة مخططة إلا سوداء أو بيضاء، فيخاف أحدهم أن ~~يخرج عن هيئتهم، إذ لو خرج عنها لقطعوا معلومه. # وفيهم ms12 شيء من طبيعة التتر كل من قام بالرسم قبلوه ؛ اتحاديا كان أو ~~زنديقا، لا يعترضون عليه، وكذلك - دائما - يكون عندهم الصدرية والعربية مع ~~علمهم بانحرافهم. كذلك التتر، كل من قام بالطاعة قبلوه يهوديا كان أو نصرانيا. # ويرون القيام بذم البدع فضولا، ليس من وظيفة الصوفي ذلك، بل وظيفته السكوت ~~والقيام بالرسم، وتناول المعلوم، [و] إذا قام بذلك حصل المقصود. # يعظمون - بينهم - ذا الهيئة من صاحب المزدوجة الكبيرة ، والأكمام الواسعة ~~والذقن الطويلة خصوصا إذا كانت بيضاء، كان هو المشار إليه بينهم. فوجدت ~~قطعا - [قوما] لا يقدر العبد على عبادة الله وحده ، لا شريك له بينهم ، ولا يجد ~~بينهم لذة الطاعة، ولا الامتلاء من الذكر، ولا استيلاء ربانية الحق على القلوب، ولا ~~وجود ذوق خالص العبودية ، ووجدتهم في ظلمة وعماء، لهم صورة بين العالم، ~~وقلوبهم مغمورة برسم العبادة، وشيء يسير من الحقائق، مخلوط بأمثاله من ربانية ~~المخلوقين وأوضاعهم، فاسترحت بينهم من وجه، ولم أسترح من وجه آخر، ~~فالراحة بينهم بسبب الجمعية لصفاء النظر، فإن ذلك إنما يكون بالكفاية والقطع عن ~~الشواغل، وذلك موجود بينهم، فلما صفا العقل والفكر، وأبصر الإنسان ما بين يديه، ~~وأراد أن يعبد الله بكمال العبادة وجد نفسه مقيدا بينهم عن النفوذ. ### | فصل # واعترني في الربط قوم يشيرون إلى المحبة والتوحيد، ويشيرون إليه، ويقولون: ~~فلان موحد، وفلان ما شم من التوحيد شيئا، ويعظمون شأن توحيدهم، ويقولون: ~~من يصل إليه ? ويذكرون شيوخهم كابن عربي، والصدر القونوي، فبقيت مدة ~~أفتش على التوحيد الذي يشيرون ، فوجدن حاصل توحيدهم أنهم يجعلون الحق ~~تعالى هو الوجود المطلق الساري في جميع الأكوان ، وأنه حقيقة الأعيان ، من PageV01P043 ~~الحيوان والجماد، ويزعمون أن من وصل إلى ذلك شهد الكل في الكل، فهم قوم ~~يقولون : (الله) ، والله عندهم هو الوجود الساري ، الذي هو ضد العدم الذي سرى ~~في كل شيء ، فوجدت - على ما يزعمونه - أن إلههم الذي هو الوجود سار في ~~الكلاب، والخنازير، والفئران، والخنافس، تعالى الله البائن بذاته وصفاته، عن جميع ~~مخلوقاته، أن يكون بهذه المثابة، فإنهم لا ms13 يقولون وجودا قديما، ووجودا حادثا، بل ~~الوجود عندهم وجود واحد ، سار في كل شيء ، والعبد عندهم لا وجود له ، إنما ~~الوجود الذي هو الحق ، والحق هو الوجود فيه ، والعبد كالمظهر له ظهر الوجود ~~بواسطته، إذ لولاه لم يظهر الوجود، ولولا الوجود لم يظهر هو. وحقيقة معتقدهم ~~أن الباري - تعالى - ليس شيئا منفصلا عن الخلق فوق العرش بل عندهم الحق ~~شيء ظهر في السماوات والأرض، وفي كل شيء ظهر فيه بذاته. # هو مطلق تقيد في هذا، وفي هذا، والمجموع شيء واحد، فالوجود الذي قام ~~بالإنسان، والكلب، والنبي، والملك، والسلطان هو وجود واحد عندهم، وهو الحق ~~تعالى ، ليس الحق شيئا زائدا على مطلق الوجود. # هو بعينه الوجود المطلق ، الذي تقيد بالإنسان والحيوان ، والنبات والجماد ~~والكلاب والحمير، والبقر والذباب، والحيات والعقارب، فمثاله عندهم كالحرارة ~~المطلقة، التي تقيدت بالأشياء الحارة في كل حار، على اختلاف أجناسها وأشكالها ~~وأنواعها ، هذا حار ، وهذا حار ، فالحرارة شيء واحد ، مطلقة فتقيدت بعين هذا ~~الحار وكذلك عندهم الحق تعالى ، وحدة مطلقة تقيدت الوحدة بهذا الموجود ~~وبهذا الموجود رفيعا - كان - أو خسيسا. # فلما رأيتهم بهذه المثابة نفر قلبي منهم نفورا شديدا، ولم أكن أقدر على تفصيل ~~معتقدهم، لكني أسمع شيئا أكرهه ولا أحبه بفطرتي، فإني وجدتهم منحلين في باب ~~الحلال والحرام والحدود، وربما قيل لي عن رجل منهم: إنه يبقى جنبا أياما، وربما ~~صلى بنا إماما. # وإذا قصدوا ملكا أو صاحب ولاية، يخاطبونه ويتضرعون إليه كما يتضرعون PageV01P044 ~~إلى الله، فإنه - عندهم - هو مظهر وجوده، وإنما يخاطبون الوجود فيه. # وكان من شيوخهم من يقول للشجاعي - وكان نائب السلطنة معروفا بالظلم ~~والاعتداء - يقول له : أنت اسم الله الأعظم، وأمثال ذلك. # ثم الأمرد الجميل - عندهم - في رتبة عالية من المظاهر الجمالية الإلهية. # والسماع عندهم أشهى شيء، يحرك بواعثهم، ويثور فيها معارف الوجود المطلق. # ويتكلمون على مراتب الأنبياء ، كأنهم من فوقهم . والشريعة عندهم سياج طام ~~لصلاح العالم، وإلا فمن العابد ? وعن المعبود ? الأمر عندهم كما قال قائلهم : # ما الأمر إلا نسق واحد %~% ما فيه ms14 من مدح ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت %~% والطبع والشارع بالحكم # ووجدت بعد ذلك كتاب (الفصوص) لابن عربي دالا على هذا المذهب ~~الخبيث، في تفصيله بعبارات متنوعة، يقول: ما ثم غيره، ثم يقول: فاختلط الأمر ~~وانبهم، ويقول: # فيعبدني وأعبده %~% ويحمدني وأحمده # وأمثال ذلك ففصل بذلك مذهبهم وعرفت به حقيقة مقاصدهم فتعبت بهم PageV01P045 ~~دهرا طويلا. ### | فصل # ثم فتشت الحاصل الذي حصل لي من مجموع الطوائف، فلم أجدني انتفعت ~~إلا بطائفتين - كما سبق - بالفقهاء من معرفة ما يحل ويحرم ، وأن الطاعة موجبة ~~للثواب، والمعصية موجبة للعقاب، واعتقدت ذلك عقيدة، وذلك خير كثير، وانتفعت ~~بطائفة الصوفية الإسكندرا نيين ، عرفت بهم المطلوب ، وصفة الصديقين ، والواصلين ~~والمصطلمين، وذلك - أيضا - خير كثير ووجدت نفسي - كما سبق ذكره - قد ~~والمحبين والمحبوبين وأحكام العبودية، وصفات المتوكلين والراضين، والزاهدين ~~حصل لها الدرجة الأولى والعليا ، وهي عائزة ما بينهما من قواعد الدين وأصوله ~~وتفاصيل الشريعة من الكتاب والسنة ، وأجد جميع ذلك العلم الظاهر ، والحال ~~الباطن من الله ورسوله، في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ### | فصل # فلم أزل في هذا العوز حتى لطف الله تعالى بي، واجتمعت بطائفة بدمشق ~~من الله تعالى علي بهم، فوجدتهم عارفين بأيام النبوة، والسير الصحابية، ومعاني ~~التنزيل وأصول العقائد المستخرجة من الكتاب والسنة ، عارفين بأذواق السالكين ~~وبداياتهم، وتفاصيل أحوالهم، يرونها من كمال الدين، لا يتم الدين إلا بها، ولا ~~تشبه أنفاسهم أنفاس أهل العصر من فقهائهم وصوفيتهم، وما شبهت أنفاسهم إلا ~~بأنفاس القرن الأول والثاني والثالث، في عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكأني ~~- باجتماعي بهم، ورؤيتهم - وجدت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، ووجدت ~~التابعين كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والربيع بن خثيم، وثابت ~~البناني، وأمثالهم وكأني وجدت - برؤيتهم - مالكا والشافعي والسفيانين ~~والحمادين وابن المبارك، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وأقرانهم، ونظراءهم، PageV01P046 ~~فإني وجدتهم عارفين بحقائق العلم الذي أنزل من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم ~~مسارعين إلى إقامة أوامر الله تعالى ، كمسارعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معظمين للدين، مهتمين بإقامته وإظهار شرائعه ms15 وشعائره، حنقين على من هتك ~~حدود الدين، أو انتقص شريعة من شرائعه، اعتقادا أو عملا، وليست أصوله ~~أصول المتكلمين، بل أصول عقائدهم على الآيات والأخبار الصحيحة، وأمروا ~~الصفات كما جاءت بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، وأثبتوا حقائقها لله كما يليق به ~~من الاستواء أو النزول ، وجميع الصفات وظهر لهم - مع ذلك معارف صحيحة ، ~~وأنوار ظاهرة من معرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته القائمة بذاته ذوقا وحالا، مع ~~العلم والنظر، ووجدت آثارها في قلوبهم عند صلاتهم وأذكارهم ودعوتهم إلى الله ~~تعالى. # يعرفون ربهم من فوقهم، ويعبدونه كما وردت به النصوص الدالة على أنه فوق ~~العرش، بذاته وصفاته بفوقية تليق بجلاله وعظمته، لا يجعلونه محصورا في الفوقية، ~~بل كان ولا شيء معه، قبل خلق العرش والأكوان، فلم يكن هناك في الفردانية شيء ~~غيره، فيقال: هو فوقه، فلما أحدثت الأكوان حدثت في جهة التحت بالنسبة إلى ~~علوه الذاتي، فإنه سبحانه بالذات علي على كل شيء، ولا يجوز أن يكون سبحانه ~~تحت الأكوان، لا ممتزجا بها، ولا بائنا عنها، وليس تحتها فلزم بالضرورة أن يكون ~~فوقها. # ثم من صفاتهم: يبذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى، وإقامة الدين، ~~يعرفون قدر الدين، وقدر أهله وحملته، والقائمين به، لأنهم أهله وأنصار السنة ~~والحديث، وأعوان الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعوان دينه، وأركان شريعته. يوالون من والاها ~~ويعادون من عاداها، مستعملون مكارم الأخلاق ، من الرحمة والتودد، والإنصاف ~~والصدق، والبذل والمواساة، والحلم والصبر، وكظم الغيظ والرحمة للخلق، وإعانة PageV01P047 ~~المضطر ، وإغاثة الملهوف ، والشدة على الجبابرة ، والكيفية الحادة على الفراعنة ، لا ~~يخافون في الله لومة لائم. # في أغلب أمورهم يحبون في الله ويبغضون فيه، ويعدلون في الحكم، وينصفون ~~في الوزن، ولا يبخسون أحدا بشر ظهر منه، بل يزنون خيره وشره، ويوفونه مرتبته ~~( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) ~~صبر عند اللقاء ، يتعافون عن الزلة في حقوق أنفسهم ، لا في حقوق الله ، ليسوا ~~بفظاظ ولا غلاظ، ولا صخابين في الأسواق ، بل يعفون ويصفحون ms16 ويحلمون ~~ويكافئون بالحسنة من أساء إليهم. يحبون السنن ويميتون البدع ويمحقونها. # أهل حضور في الصلاة، خاشعين فيها لله. يعرفون لمن يصلون، ولمن يعبدون ~~إذا ذكروا في الصلاة صغر عندهم ما سوى الله، وما سوى أمره في قلوبهم. يتلون ~~كتاب الله ويتدبرونه. أهل الفناء في أمر الله. افنوا ذواتهم في طاعته، ورضوا بأقداره ~~وأقضيته. الرسول صلى الله عليه وسلم نصب أعينهم، كلما حدثت حادثة شخصوا ببصر بصائرهم ~~نحوه ، فيستمعون من سنته ما يؤديه عن ربه، فيعملون بذلك. ينفذون أحكامه ~~وقضاياه. قد بذلوا نفوسهم لنفع المتعدي في مصالح الإسلام وأهله، وإصلاح ما ~~فسد من أديانهم في عقائدهم وأعمالهم وأحوال قلوبهم. # ورثة الأنبياء . مصابيح الدين . غيظ المنافقين. فرح المؤمنين.غبطة النبيين. # بهجة الصادقين. قدوة الصالحين. أئمة المقتفين. نور أهل الأرض وسراجها. # بهم عرف الدين وحقائقه، وعرف السلف وطرائقهم، كأنهم قد صحبوا ~~الصحابة، فما أشبههم بسمتهم ودلهم وبذلهم. والذي أعتقد فيهم أنهم لا يعجزون ~~عن شأن الصوفية الذين وجدتهم بالإسكندرية في حقائقهم وأحوالهم ، لكن ~~شغلهم عن ذلك الاصطلام الاهتمام بمصالح الدين والإسلام هذا وإن كان ~~أولئك أصحابي - شغلا عظيما بربهم. قد هامت به قلوبهم بهتة وتعظيما وإجلالا ~~لكن من هو في إقامة الدين، وإظهار شرائعه وشعائره، لا يليق به أن يصطلم ~~كاصطلام أولئك الذين لم يبق لهم متسع إلا خالقهم، ولو تفرغوا عن الاشتغال PageV01P048 ~~لتفرغهم لم يعجزوا عن مقامهم، ولم يقصروا عنهم، إن شاء الله. # لكن الشغل بجزئيات الشريعة ، وإقامتها مع انصراف الهم الشديد إليها، يوجب ~~أن تبقى عند المقيم لها، والمهتم بها بقية من طبعه ونفسه وبشريته، ليقابل النفوس ~~بها، لأن من قابل شيئا اقتضى أن يكون بينه وبينها نسبة، ولولا النسبة التي بين ~~الأنبياء والعالم، لم ينتفع بهم أحد، إذ لو واجهوهم بما هم به من قرب الله تعالى، ~~لم تقدر العامة أن تفهم عنهم شيئا، لكن جعل الله تعالى بينهم قدرا مشتركا ليحصل ~~بذلك الانتفاع منهم، فكذلك هؤلاء لا يصلح لهم تذويب النفوس بالأصالة لأنهم ~~يحتاجون إلى قوة غضبية يقيمون الحق بها، ms17 أو حالة طبيعية يمازجون أهل الطباع بها ~~ليستوي بواسطة تلك الممازجة أمر الله ودينه إليهم ، وربما يورد بعض محبي ~~مشايخنا ويقول: أنت ذكرت عن مشايخنا أنهم عارفون وذكرت عن أولئك أنهم ~~عارفون أيضا ، فاشترك الجميع في المعرفة فما وجه الخصوصية التي لأولئك ~~وليست لمشايخنا ? ~~فنقول : تلك الخصوصية أن لهم كيفية حادة، يؤثرون في الطالب بمجرد الرؤية ~~وسماع الكلام محبة لله والانجذاب إليه والإرادة له ونسيان ما سواه ، وهذه ~~الخصوصية لهم ليست لغيرهم. # وجه ثان وهو أنهم إذا رؤوا ذكر الله، وصل نوره بحدة وقوة إلى قلب الرائي ~~ومشايخنا إذا رؤوا ذكر الدين والسنة والشريعة، فأولئك اندرجت الشريعة في حالهم ~~اندراجا لظهورهم بكيفية المعرفة ، وهؤلاء اندرجت المعرفة في حالهم اندراجا ~~لظهورهم بكيفية الشريعة، ومجموع هؤلاء العلماء أفضل من انفراد أولئك بتلك ~~الخصوصية ، لاحتوائهم على الأصول الصحيحة والفروع ، بل تلك الخصوصية بلا ~~هذه الأصول لا تستقر ولا تثبت، والذي حققته أن دين هؤلاء أقوى وأثبت، وأمكن ~~في الأصول والفروع، وقلوبهم أنور، لأنها منورة بالكتاب وفهمه، وبالسنة ونورها ~~ومن ذلك اقتبست عقائدها ومشاهدها وعلومها وأحوالها، وهم أقوم بالدين من كل ~~من رأيته في عصري هذا ، في رأس السبعمئة من الهجرة النبوية ، وأتبع لسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كل أحد، فإنهم يمشون على حذوه وطريقته، كأنهم من أصحابه PageV01P049 ~~الذين رأوه وشاهدوه، وشاهدوا أيامه ووقائعه ومغازيه، فهم يحرصون على حذو ~~طريقه وآثاره، وهم أشبه الناس بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأتبع الناس في ~~هذا الزمان لهما، وأولئك الصوفية وجدتهم أحد قلوبا وأقوى اصطلاما وأشد اشتياقا ~~وأعظم بالله وجدا، وأتم زهدا وفراغا، عما يشغل القلوب عن الله، فإنهم أفنوا ~~نفوسهم في الطلب، فقوبلوا بالأمر الكلي، وهو حال له حدة وصولة، ليس كحال ~~غيرهم، فإنما حال غيرهم أنوار مع انشراح الصدور بالله وبدينه، وأحوال أولئك ~~مطالعات خاصة حادة موجبة لجذب الأرواح إلى مواطن القرب ، بتقرب خاص ، ~~ليس لغيرهم كما أنه أعظم بأمر الله علما وعملا ، وذلك - أيضا - من تعظيمهم لله ~~تعالى والوجد، لكن ms18 لكل قوم خصوصية، لا تجهل، ولا يظلمون بطرحها في مقابلة ~~فضل غيرهم ، وكذلك أولئك الصوفية أقوم على سياسة الطبيعة وتصفيتها من ~~أخلاقها، وأقوم على الخواطر وزمها، فإني - كما شاهدته والله أعلم بحقيقة ذلك ~~منهم - شبهتهم بالملائكة في حضرة الله تعالى، الحافين بعرشه وإن لم يشبهوهم من ~~كل وجه، ولا تعجب فإن قلوبهم بين عساكر الأولياء حول العرش فانقلبت طباعهم ~~في أغلب أحوالهم عن البشر إلى الملائكة، وهذه خصوصية لهم، لا تنكر، ولا يقدر ~~غيرهم أن يقوم بها، فإن نفوسهم فانية، وأرواحهم متعلقة وطائرة،وأبدانهم نحلة ~~بالية ، وأكبادهم مشتاقة محترقة ، قد ملكهم الوجد بالله واستولى ذلك على ~~أعضائهم، ومفاصلهم، فأعضاؤهم ومفاصلهم ممتلئة بحب الله، محشوة بأنوار قربه ~~تلوح عليهم بهجة المحبة، وسيماء المعرفة وعرف الوجدان كما قيل: ~~أشم منك نسيما لست أعرفة أظن مئة جرت فيك أردانا ~~وهؤلاء- شيوخنا - شبهتهم بخلفاء الرسل، حيث شبهت أولئك بالملائكة، ~~فشبهتهم بورثة الأنبياء، بل فيهم نسبة من الأنبياء، لقيامهم بدين الله تعالى ونصرته، ~~والذب عنه باللسان والقلم والجنان، والحرص على إقامته حيث ارتضاه الله تعالى ~~لنفسه، وهذه خصوصية لهم لا تنكر ، ولا يقدر غيرهم من أولئك الصوفية على ~~القيام بها. PageV01P050 # مثال الخصوصية التي عند الصوفية وليست عند غيرهم؛ كمن يريد كيفية مذهب ~~مالك وتفصيله، فإنه لا يجد ذلك إلا عند أصحاب مالك، ولو طلب الطالب ذلك من ~~شيوخنا ، لوجد عندهم مذهب مالك معروفا ، بلا تلك الكيفية بل هو عندهم ضمنا ~~وتبعا، والطالب لا يغنيه إلا الكيفية ، فكذلك طالب حقائق التصوف ، لا يجد تلك ~~الكيفية إلا عند أهلها، ويجدها عند شيوخنا الفقهاء مفرقة ضمنا وتبعا لعلمهم. # والكيفية الصوفية إذا حصلت لا تغني بغير فواعد شيوخنا ، لأنها أصول لها ~~تحفظها ، وإلا فتبقى تلك الكيفية مقطوعة، لا أساس لها، فالحمد لله الذي تمم لي ~~رحلتي، وجمع لي مطلبي، في لقاء من يكمل به ديني، وعلم طريقي وحالي. # وجدت أولا من عبر عن الحلال والحرام، ثم عبر عن حقائق المطلوب وهيئة ~~الوصول ، ثم من عبر عن الأصول الشرعية التي هي أصول ms19 العقائد والأعمال ~~والمشاهد والأحوال. # فأرجو من كرم الله تعالى أن يوفقني لسلوك طريقة هؤلاء العلماء، في أصول ~~ديني وعقائده، وأعماله وأحواله، وأن يحققني بحقائق إخواني الصوفية من التحقق ~~بحقائق القرب ، ومراتب الوصول والحظوة بالمحبوبية ، والاختصاص والاصطناع ~~والتولي ، وإلى الله تعالى أرغب أن يحشرني على هذا العلم والاعتقاد والعمل، ~~متصلا بهذا الحال الصوفي ، فيكون صاحبه ممن تم حاله وكمل ، وأن يعيذني من ~~صحبة أولئك الأولين في الدنيا والآخرة، وإياه أسأل أن يهديهم أجمعين، ويخرجهم ~~عن سبيل العمين إلى سبيل الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~وأن يعفو عنا أجمعين، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P051 ms20