######OpenITI# #META# bkid: 148531 #META# bk: درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح #META# المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: 716 ه) #META# المحقق: أيمن محمود شحادة #META# الناشر: الدار العربية للموسوعات بيروت #META# الطبعة: الأولى #META# سنة: 1426 ه #META# عدد الأجزاء: 1 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: الطوفي #META# authinf: الصرصري (657 - 716 ه = 1259 - 1316 م). سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين. فقيه حنبلي، من العلماء. ولد بقرية طوف - أو طوفا - (من أعمال صرصر: في العراق) ودخل بغداد سنة 691 ه ورحل إلى دمشق سنة 704 ه وزار مصر، وجاور بالحرمين، وتوفي في بلد الخليل (بفلسطين). له:. • (بغية السائل في أمهات المسائل) في أصول الدين. • (الإكسير في قواعد التفسير - خ) في دار الكتب. • (الرياض النواضر في الأشباه والنظائر). • (معراج الوصول) في أصول الفقه. • (الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة). • (تحفة أهل الأدب في معرفة لسان العرب). • (الإشارات الإلهية والمباحث الأصولية خ) في دار الكتب (20561 ب) [طبع]. • (العذاب الواصب على أرواح النواصب) حبس من أجله، وطيف به في القاهرة. • (تعاليق على الأناجيل). • (شرح المقامات الحريرية). • (البلبل في أصول الفقه - خ) اختصر به (روضة الناظر وجنة المناظر) لابن قدامة، رأيت تصوير نسخة منه في المكتبة السعودية بالرياض، الرقم 93/ 86. • (موائد الحيس في فوائد امرئ القيس - خ) في دار الكتب (5601). • (مختصر الجامع الصحيح للترمذي - خ) في مجلدين (1). __________. (1) الكتبخانة 1: 411 وجلاء العينين 23 والمنهج الأحمد - خ. وشذرات الذهب 6: 39 والدرر الكامنة 2: 154 والأنس الجليل 2: 593 وهو فيه (سليمان بن عبد الله الطوفي) والمخطوطات المصورة 1: 20، 538 و 2: 116 ومخطوطات الدار 1: 49. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافات بين معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 148531 #META# over: 1 #META# seal: 30EA3B06 #META# oauth: 1103 #META# bver: 1 #META# pdf: None #META# oauthver: 6 #META# vername: None #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# lng: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين #META# higrid: 716 #META# ad: 716 #META# aseal: 213C6F85 #META# blnk: None #META# pdfcs: None #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/148531 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO [مقدمة] # الحمد لله الذي لا حاكم في الوجود سواه، ولا هادي ولا مضل لمن أضله ~~وهداه. قضى على إبليس بالضلالة فأغواه، وقدر على آدم المعصية فعصاه. الحليم ~~الذي لا يعجل على العصاة، العليم الذي أحاط بكل شيء علما وأحصاه. امتحن ~~الملائكة في حضرة الملكوت، فأوقع في المحنة منهم هاروت وماروت. وقدر على ذي ~~النون فالتقمه الحوت، وابتلي داود بسؤاله فلم يمكنه السكوت. سبحانه هو الحي ~~الذي لا يموت، القادر الذي مطلوبه لا يعجز ولا يفوت. أحمده على جميل آلائه، ~~وأعوذ به من وبيل بلائه، حمد من استسلم لقدره وقضائه، وعلم أن لا مضاء لحكم ~~قبل إمضائه في أرضه وسمائه. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مؤمن بالقدر، موقن أنه ~~إذا أراد أمرا، غلب عليه وقهر. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد البشر، ~~وصفيه المجتبى من ربيعة ومضر، صلى الله عليه وعلى آله السراة الغرر، ~~وأصحابه المؤثرين بجهادهم في الدين أحسن أثر، وسلم تسليما وأكثر. أما بعد. # فإن الله سبحانه أحسن خلق الإنسان بما ركب فيه من العقل وعلمه من البيان. ~~ثم كلفه بما وجه من التكاليف إليه. وجعل عقله سببا إلى فهم ذلك، وعونا ~~عليه. فوظيفة العقل في الوجود الإرشاد، لا الحكم على الرب والعباد. وبه ~~يعرف الحسن عرفا وشرعا من القبيح، لا أنه موجب للتحسين والتقبيح. # لكن الله سبحانه أوهم بعض الخلق ذلك. وهو سبحانه القاضي بالنجاة والهلكة ~~على كل ناج وهالك. فأول من وقع في هذه الشبهة الملائكة الكرام - عليهم ~~الصلاة والسلام - حيث قالوا، لما أخبرهم الله أنه جاعل في الأرض خليفة: ~~"ليخلق الله ما شاء؛ فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا". كأنهم أخذوا ذلك من ~~قربهم من الله، ودأبهم في الطاعة، وأنهم سكان السماء، فهم أشرف ممن يكون في ~~الأرض. أو علموا أن الخليفة يخلق من الأرض، وهي جوهر كثيف، ففضلوا عليه ~~الجوهر اللطيف. # ثم وقع فيها إبليس - عليه اللعنة والتنكيس - حيث قال في اعتذاره عن معصية ms001 ~~رب PageV01P067 # العالمين: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}. فإنه نظر إلى ~~لطافة النار وتصاعدها وإشراقها، وغفل عن طيشها وشرها وإحراقها. ونظر إلى ~~ثقل الطين وهبوطه وكثافته، وغفل عن ثباته عن الطيش ورزانته. فلا جرم، عاد ~~كل منهما إلى طبيعته: إبليس إلى كبره وافتتانه، وآدم إلى حلمه وثباته. فصار ~~إبليس شقيا لعينا طريدا، وآدم متداركا بالرحمة سعيدا. # ثم وقعت فيها الملائكة مرة ثانية: حيث عابوا على بتي آدم معاصيهم، ولم ~~ينظروا في النفوس والشهوات الآخذة بنواصيهم. وقالوا: " ربنا لو كلفتنا بما ~~كلفتهم، لما عصيناك؛ ولكنا بالطاعة قد أرضيناك". فركب الباري سبحانه فيهم ~~الشهوات ساعة من نهار، فاستقاموا، وطلبوا الفرار. وقامت لبني آدم عندهم ~~واضحات الأعذار. فأخذوا في الدعاء لهم والاستغفار. إلا هاروت وماروت، أقدما ~~على كبر الامتحان. فكانا ممن آن هلاكه، فحان. # ثم تتابع بنو آدم في التحسين والتقبيح. فما منهم إلا من هو للشيطان ذبيح ~~أو جريح. فمنهم من عبد الفلك لارتفاعه وعمومه وإشراق دراريه ونجومه. ومنهم ~~من عبد الشمس وإشراق أنوارها. ومنهم من عبد ما استحسن، فأساء وما أحسن. ~~فإذن، مدار كثير من الضلالات على الأصل المذكور منذ خلق آدم، وحتى ينفخ في الصور. # وكان أشد الناس اعتمادا عليه أهل الفلسفة والاعتزال؛ فتزلزلت قواعدهم ~~أعظم الزلزال. وغالب مذهبهم مبني عليه، آي عند التحقيق إليه. وقد وضعت هذا ~~الكتاب لأبين فيه فساد ذلك الأصل، وما بني عليه من الأصول، وأن لا حاصل له ~~ولا محصول. وبتوفيق الله أتكلم وأقول، وبقوته أجاول وأصول، وبفضله أرجو ~~الوصول إلى مقام القبول، إنه هو البر الوصول. # وفيه مسائل. PageV01P068 ### | AUTO [أولا: في العقل، وفي أصل التحسين والتقبيح] ### || AUTO الأولى: في لفظ العقل # اعلم ضأن مادة ع- ق- ل ترجع إلى معنى المنع والحبس. فمن ذلك عقال البعير، ~~وهو الحبل الذي يربط به ساقه إلى ركبته لئلا يشرد. يقال: "عقلت البعير، ~~أعقله عقلا"، إذا فعلت به ذلك. ثم سمي إعطاء القاتل وأقاربه دية القتيل، ~~ونفس الإبل المدفوعة في الدنيا عقلا، "، تسمية بالمصدر المذكور، المجاورة ~~والملابسة؛ ms002 لأن الإبل تعقل بالعقال. # وذلك لأن القاتل كان يأتي بدية القتيل، فيعقلها بفناء أوليائه ليسلمها ~~إليهم. وكأنهم كانوا يفعلون ذلك ليكون القاتل في موقف سؤال القبول. ومن ذلك ~~سميت العصبة "عاقلة". # ومنه المعاقل، وهو الحصون. واحدها مععقل؛ لأنه يمنع العدو من الوصول. وفي ~~الحديث، "ليعقلن هذا الدين من الحجاز معل الأروية (يعني بقرة الوحش) من رأس ~~الجبل (أي يتحصن به ويمتع فيه) ويعود الدين إلى الحجاز كما بدأ منه". # ومنه اعتقال الرمح. وهو أن يجعله الفارس تحت فخذه، ويجر آخر وراءه على ~~الأرض؛ لأنه ذلك يمنعه من السقوط. و "اعتقل الشاة"، إذا جعل رجلها بين رجله ~~وفخذ ليحلبها و "فلان معتقل"، أى محبوس. # ومنه والعقال (بضم العين، وتشديد القاف وتخفيفها)، اسم فرس كان للنبي ~~عليه السلام. وهو أيضا فرس من فحول الجاهلية المشهورة، جاء في شعر حمزة بن ~~عبد المطلب، رضي الله عنه: PageV01P069 # ليس عندي إلا السلاح وورد ... قارح من بنات ذى العقال # تقي دونه المنايا بنفسي ... وهو دوني يلقى صدور العوالي # والعقال رداء يكون في رجلي الدابة، فيعقلها، أي يمنعها عن الحركة. وأضيف ~~إليه هذا الفرس، إما تفاؤلا له بالنشاط، على عادتهم في التفاؤل بالعكس؛ ~~كقولهم للديغ "سليم" مفازة، وللبرء "اندمال". أو مبالغة في شدة جريه ~~ونشاطه؛ كذلك كقولهم للغراب "أعور" لحدة بصره، أتو دفعا لعين السوء عنه. # ومنه في حديث الدجال: "ثم يأتي الخضب فيعقل الكرم"، أي يخرج العقيلى (بضم ~~العين، ونشديد القاف، مقصورا) وهو الحصرم. قلت: لأنه يمتنع بحموضته عن أن ~~يؤكل على صفته غالبا. # ومن ذلك، العقل الذي في الإنسان الذي هو مناط التكليف. سمى بمصدر "عقل ~~يعقل عقلا"، إذا منع؛ لأنه يمنع العاقل من فعل ما لا يليق. وإلى هذا المعنى ~~ترجع فروع هذه المادة جميعها. ### || AUTO المسألة الثانية: في حقيقة العقل # وقد اختلف فيها. فقيل: هو قوة غريزية توجد في الإنسان من أول وجوده. ثم ~~تتزايد بتزايد بدنه تزايدا تدريجيا، حتى يبلغ سن التكليف، فتكون قد بلغت ~~أول درجات كمالها. ثم تنتهي زيادتها إلى ms003 سبع وعشرين سنة، كما روي عن أمير ~~المؤمنين علي رضى الله عنه: " يحتلم الغلام لأربع عشة، وينتهي طوله لإحدى ~~وعشرين، وينتهي عقله لسبع وعشرين. إلا التجاريب، فإنه لا غاية لها". هذا في ~~العقل الغريزي. أما التجربي، فلا يزال في زيادة ما دام العاقل حيا؛ كما ~~قالى علي. # وعند الحكماء، العقل جوهر بسيط. لأنهم أدخلوه في تقسيم الجهر، حيث قالوا: ~~"الجوهر إما محل، وهو الهيولي (يعني المادة المهيئة لقبول الصورة؛ ومن لفظ ~~"التهيؤ" PageV01P070 # اشتق لفظ "الهيلوي"، فكأنه أعجمي معرب)؛ أو حال في المحل، وهو الصورة؛ أو ~~مركب منهما، وهو الجسم؛ أو لا محل ولا حال ولا مركب منهما، وهو إما أن ~~يتعلق بالجسم تعلق التدبير، وهو النفس، أو لا ينعلق بها كذلك، وهو العقل". # وبعض الفلاسفة يزعم أن العقل من المجادات الغنية عن المحل والموضوع. فهو ~~لا داخل البدن ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه. وأعلم أن دعوى تجرده ~~ممكنة بناء على أنه روحاني. أما عدم دخوله وخروجه واتصاله وانفصاله، فهو ~~غير معقول؛ لأن النقيين لا يرتفعان. # وقال الأستاذ أبو إسحق: "العقل معنى يتمكن به من الاستدلال على ما وراء ~~المحسوسات". # وقال قوم: "هو ما لا يخلو العاقل عنه عند التذكر، ولا يشاركه فيه من ليس ~~بعاقل". # وحكي عن المعتزلة أنه ما يعرف به حسن الحسن وقبح القبيح. وعن الجبائي أنه ~~الداعي إلى الحسن، الصاد عن القبيح. وهو بناء على أصلهم الذي نحن بصدد ~~إبطاله. والتعريفان قبله مدخولان، لإجمال الأول، وتعريف العقل في الثاني بنفسه. # وقال قوم: "هو ما يعرف به خير الخيرين وشر الشرين". وهو شديد الإجمال أيضا. # وقالت الخوارج: " العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه". وهو فاسد، لتعريفه بنفسه. # والذى وقع عليه اختيار المحققين أن العقل ضرب من العلوم الضرورية. وهو ~~العلم بوجوب الواجبات واستجالة المستحيلات وإمكان الممكنات. لأنه لو لم يكن ~~من قبيل العلوم، لصح انفكاك أحدهما عن الآخر وهو باطل، لاستحالة وجود عاقل ~~لا يعلم شيئا البتة، أو عالم بجميع الأشياء، فليس علما بالمحسوسات؛ ms004 لحصوله ~~في البهائم والمجانين؛ وليسوا عقلاء. فهو إذن من العلوم الكلية. ثم ليس من ~~العلوم النظرية؛ لأنها مشروطة بالعقل PageV01P071 # وتصرفه. فلو كانت هي العقل، لكان شرطا لنفسه؛ وهو محال. فتعين أن يكون ~~عبارة عن علم كلى بديهي. # وأورد على هذا الاستدلال أن التغاير لا يقتضي جواز الانفكاك؛ بدليل [أن] ~~الجوهر والعرض، والعلة والمعلول، متلازمان ولا ينفكان. ولئن سلم أن التغاير ~~يقتضي الانفكاك، لكن العقل قد ينفك عن العلم. كالنائم واليقظان الذي لا ~~يستحضر شيئا من وجوب الواجبات واستحالة المستحيلات؛ فإن العقل فيهما موجود، ~~والعلم مفقود. # فدل ذلك على أن العقل غريزة تلزمها هذه العلوم عند سلامة الحواس. كما قال ~~المحاسبي: "إنه غريرزة طبيعية يتوصل بها إلى المعرفة، لا أنه نفس تلك ~~العلوم". # قلت: وهذا سؤال قوي لا جواب عنه. ومما يؤكده أن العقل إذا فسد، تسبب ~~الأطباء إلى إصلاحه بالعلاج. فمن ذلك دليلان. أحدهما أن موضوع علم الطب ~~إنما هو الأجسام الطبيعية وما اشتملت عليه من الطبيعيات؛ والعلوم ليست ~~منها. وربما قوى هذا قول الفلاسفة، "إنه جوهر"؛ لأن سلطان الطب على الجواهر ~~أغلب منه على الأعراض. الثاني أن فساد العلوم إنم هو بسيانها وذهابها عن ~~القوة الحافظة، بحيث يتعذر على العالم استحضارها. والأطباء لا سلطان لهم ~~على تذكير علم منسي، أو رد علم ذاهب. وإنما سلطانهم على القوى والغرائز، ~~بالتسبب إلى إصلاحها إذا فسدت فدل على أن العقل غريزة يحصل بها العلم؛ لا ~~نفس العلم، بل لازم له. # فإن قال: اللازم يصح وجوده بدون المازوم. فلو كان العقل غريزة، لازما ~~للعلم، لا نفس العلم، لصح وجود العقل بدون علم، فكان يوجد عاقل لا يعلم ~~شيئا أصلا. وهو باطل؛ لأن عاقلا لا يخلو من علم ضروري. # فالجواب بالتزام ذلك. فإن المجنون عقله قائم به لم يفارقه. وإنما عليه ما ~~عرض له من العلة، فاختفى أثره، وهو باق لم يفارق. إذ لو فارق، لم يعد. وهذا ~~كما يبطل تأثير المغناطيش إذا لطخ بالثوم، وقوته الجاذبة باقية؛ لكن بطل ~~تأثيرها لغلبة المانع والمعارض. ms005 # وكما يبطل تأثير الروح بالسكات العارض، والروح باق في البدن لم يفارق. ~~ولهذا PageV01P072 # بعض الناس يظن أنه مات، فيأخذ في جهازه إلى القبر. وإنما يكون مسكتا. ~~فربما زال سكاته، فتحرك في اللحد قبل أن يطم، فيرد إلى أهله حيا. وربما طم ~~بالتراب، فيموت خنقا وغما. ولهذا ذكر الفقهاء أن ميتا لو نبش، فوجد قد مزق ~~أكفانه وهو ميت، وجبت ديته على دافنيه. لأنه، بتمزق أكفانه، علمنا أنه دفن ~~حيا وأنه كان مسكتا. فكان موته بعد ذلك خطأ من دافنيه. قال بن عقيل في ~~الفصول، فيما أظن بعد طول عهد: "هذه الواقعة وقعت في عصرنا، فتفتيت فيها ~~بذلك". ولهذا قالوا أيضا: يتيقن موته، إن شك فيه، بانخساف صدغيه وميل أنفه ~~وانفصال كفيه واسترخاء رجليه؛ لأن الروح تربط بعض الأعضاء ببعض، فبانفصالها ~~يعلم زواله. # وأيضا، فإن مادة ج- ن- ن ترجع إلى معنى الستر، لا إلى معنى الزوال ~~والمفارقة. علم ذلك باستقراء مواردها. فالجنون استتار لعقل، لا زوال العقل. ~~فاعلم ذلك. # وقد سلك القاضي أبو بكر وإمام الحرمين في بيان أن العقل علم ضروري طريقا ~~آخر نحوا من الأول. وهو أن العقل موجود؛ إذ لا أثر للمعدوم. فهو إما قديم- ~~وهو باطل؛ إذ القديم لا يحل المحدث- أو حادث. وهو إما جوهر، أو عرض. والأول ~~باطل؛ لأن الجوهر لا يقوم بالجوهر. والعرض ليس بكون ولا كون؛ لأن العقل ~~يوجد بدونها، وينتفى معها. فهو من قبيل العلوم. وليس نظريا، لما سبق؛ ولا ~~كل ضروري، لأن بعض الضروريات تحصل للمجانين. لكن إمام الحرمين يقول: "العقل ~~والعلم جميعا يعلمان بالتقسيم هكذا، لا بالتحديد، لقصور العبارة عن الوفاء ~~بماهيتهما". وقد خولف في ذلك. 1 PageV01P073 ### || AUTO المسألة الثالثة: في مكان العقل # وقد اختلف في ذلك حكماء الطبيعة وعلماء الإسلام. فقال بعضهم: "هو في ~~الرأس، ومحله الدماغ. وقال آخرون: "هو في البدن ومحله القلب". والقولان ~~منقولان عن أحمد والشافعي. # احتج الأولون من وجوه. # أحدها: أن العقل إذا فسد، أو عرضت، له آفة، بادر الحكماء إلى علاج الدماغ ~~دون القلب. وإنما يوضع الدواء ms006 يمقتضى الحكمة في موضع الداء. فدل على أن ~~العقل في الرأس. واعترض على هذا بما لا حاصل له. وهو أن الصدر. فم يرى ~~الدواء إلى القلب بواسطة الأعضاء. وهذا ضعيف؛ إذ يمكن ثبوت الدواء على ~~الصدر بربط أو إلصاق ونحوه. ولو صح أن العقل في القلب، لما أعجز الحكماء ~~مداواته في محله. # الثاني: قد تبين، ما سبق، أن العقل قوة مدركة. ومحل القوى المدركة كلها ~~الرأس: الظاهرة منها، كالسمع والبصر والشم والذوق واللمس، وإن اشترك في ~~اللمس جميع البدن؛ والباطنة، كالمخيلة والذاكرة والمفكرة والوهم والحس ~~المشترك. فنظام الحكمة في الوجود أن تكون تلك القوة بين تلك القوى. # الثالث: أن الرأس أشرف ما في الإنسان وأعلاه. والعقل نور، إما بحقيقته، ~~أو بأثره. # وشأن الأنوار أن تكون في الأماكن العالية، لتشرف على ما يستنير بها؛ ~~كالشمس والقمر والنجوم بالنسبة إلى الأرض، وعيني الإنسان بالنسبة إلى سائر ~~بدنه. وكذلك السرج والقناديل، جعلت مستعلية. فكذلك العقل، في قياس الحكمة ~~ومقتضاها واستقراس آثارها، يقتضى أن يكون في أعلى الإنسان، وهو رأسه. # الرابع: أن الدماغ لو فقد العقل. ولو قدنا بقاء الإنسان بعد فقد قلبه ~~حيا، لم يفقد العقل؛ لأنه يعقل بما في رأسه من العقل. وهذا وجه ضعيف؛ لأنه ~~دعوى محل النزاع. ثم هو معارض بمثله سواء. # واحتج الآخرون بوجوه. PageV01P074 # أحدهما: أن العقل أنفس ما في الإنسان. والقلب أوثق محل فيه. ولذلك جعل في ~~الصدر، لما دونه من الوقايات. فاقتضت الحكمة جعل الأنفس في المكان الأوثق، ~~كما توضع الجواهر النفسية في الأماكن الحريزة. وعورض هذا بأن الرأس أوثق ~~وأحرز، لما دونه من عظم القحف ونحوه من الجواهر الصلبة. # الثاني: أن القلب أول ما يتكون من الإنسان. فكان أولى بمحلية العقل؛ لأن ~~أولية تكوين القلب دليل شرفه والعناية الربانية به. ففي جعل العقل فيه جمع ~~بين شريفين نفيسين في محل واحد. فيكون ذكل أعون على صلاح البدن، كاجتماع ~~السلطان والوزير في المدينة. وأجيب عنه بأنا لا نسلم أن القلب أول متكون من ~~الإنسان. بل للحكماء في ms007 ذلك ثلاثة أقوال. أحدها ما ذكرتم. الثاني أنه ~~الدماغ؛ لأنه مجمع الحواس الشريفة السابق ذكرها. الثالث أنه العصعص؛ وهو ~~موافق لصحيح السنة، وهو قوله عليه السلام: "كل جسد ابن آدم يبلى، إلا عجب ~~الذنب، ومنه تبتدأ إعادته". # فيكون أول القلب أول مكون منه؛ لكن لا يلزم من ذلك كونه أشرف ما في ~~الإنسان؛ إذ ربما سبقت أواخر الأشياء أوائلها شرفا وفضلا. وفي المعنى قول ~~الشاعر: # لا تقعدن عن المكارم والعلى ... فلربما سبق الأخير الأولا # وقول الآخر: # افخر بآخر من بليت بحبه ... لا فخر في حب الحبيب الأول # أوليس قد ساد النبي محمد ... كل الأنام وكان آخر مرسل # سلمنا أن أوليته تدل على شرفه، لكن لا نسلم أن ذلك يقتضي كون العقل فيه. # قولهم "ذلك أعون على صلاح البدن"، معارض بعكسه؛ وهو أنهما إذا افترقا، ~~فكان أحدهما في الرأس والآخر في البدن، كان أجدو بالصلاح. كما تجعل الشجعان PageV01P075 # الأكفاء في ميمنة العسكر وميسرته وقلبه؛ ولو اجتمعوا في موضع واحد، ~~لانكسر من الجهة الأخرى. وكما تفرق الحكام والولاة في البلدان لإصلاحها. ~~واستعانة السلطان بالوزير لا تتوقف على كونه معه بالمدينة؛ إذ قد يستعان ~~برأيه على بعد المسافة. # الثالث: وهو من أدلة المشرعين، قوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها}، ~~{يعقلون بها}؛ {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}؛ {فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}؛ ونحوه من الآي التي يضاف فيها العقل أو ~~أثره كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب". والجسد يفسد بفساد ~~العقل؛ فدل على أنه في القلب. # والجواب عن هذا جملة وتفصيلا: # أما الأول، فإن العقل والقلب، مع اختلاف مكانهما من الإنسان، يتعاونان ~~على صلاح البدن والنفس؛ إذ نسبة العقل إلى القلب نسبة ضوء الشمس ونحوها إلى ~~العين. وكما لا إدراك للبصر بدون واسطة الضوء، فلا إدراك للقلب ولا اهتداء ~~بدون العقل. إذ نور العقل مشرق على القلب؛ فيه يهتدي ويدرك ما يحتاج إليه. ~~فلما كان بينهما هذا التعاضد، كانا كالشيء الواحد المركب ms008 من جزأين. فصح أن ~~يتجوز بأحدهما عن الآخر ويضاف أحدهما إلى الآخر، على مذهب العرب في تجوزها ~~عن الشيء بغيره، من لازم، أو علة، أو سبب، أو مجاور، أو مقارن، ونحو ذلك. # وأما الثانى، فقوله، {لا يفقهون}، و {لا يعقلون بها}، أي لا يتلقون ~~بقلوبهم عن العقل ما يفقه ويعقله من خطابه المرشد لهم إلى السعادة؛ لأن ~~العقل هو آلة الفقه والفهم، لا القلب. وذلك لأنا قد بينا أن العقل هو آلة ~~الفقه والفهم، لا القلب. وذلك لأنا قد بينا أن اهتداء القلب بما يشرق ويفيض ~~عليه من نور PageV01P076 # العقل. وقلوب الكفار مطبوع عليها، كما أخبر الله عنهم. والقلب جوهر مجوف، ~~كالعين والأذن؛ فإذا ختم عليه، حال الختم والطبع بين داخله ونور العقل، فلا ~~يتبصر؛ كما تحول الغشاوة، أو العمى، ونحوه من أعراض العين، بين القوة ~~الباصرة ونور الشمس ونحوها؛ فلا تبصر. فإذا فهم العقل معنى الخطاب، # [ألقى] بنوره إلى القلب؛ فإن صادفه منشرحا، أضاء بنوره وامتدى، وإن صادفه ~~مختوما عليه، بقي النور يموج من خارج، والقلب مظلم من داخله، فضل وغوى. # وكذا الكلام في قوله، {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب}، وقوله ~~{لذكرى لمن كان له قلب}، أي منشرح، غير مطبوع عليه، يتلقى عن عقله ما يلقى ~~إليه من نور الهداية. بخلاف من له قلب مختوم عليه، فإن ذاك كم لا قلب له، ~~لعدم انتفاعه بلقبه، على مذهب العرب وغيرهم في الإخبار بنفي الشيء لانتفاء ~~فائدته؛ كقولهم "لا علم إلا ما نفع"، و"لا سلطان إلا من عدل"، ونحوه وعلى ~~هذا يحمل ما روي عن علي رضي الله عنه: "إن العقل في القلب": أي هدايته ~~وأثره في القلب. # وأما الحديث، فمعناه ما ذكرنا أيضا؛ لأن صلاح بصلاح القلب إذا تلقى نور ~~الهداية عن العقل، وفساده بفساده إذا أبى نور الهداية عن العقل، لانطماسه ~~والختم عليه. أو يكون المراد النية والقصد اللذين محلهما القلب؛ فإذا صلحا، ~~ظهر الصلاح على الجسد ظاهرا وباطنا؛ وإذا فسدا، كان بالعكس. فيكون الحديث ~~نازعا منزع ms009 قوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات". ويستأنس على هذا التأويل، ~~مع ظهوره بأن الحديثين- أعني حديث "الأعمال بالنيات، وحديث "إن في الجسد ~~مضغة، ألا وهي القلب"- هما من الأحديث الأربعة التي هي مدار الإسلام ~~ومبانيه. والثالث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". والرابع "كل عمل ~~ليس عليه أمرنا، فهو رد". وفي الختم والطبع على القلب كلام سيأتي -إن شاء ~~الله- في موضعه. PageV01P077 # والذي نختاره أن محل العقل الدماغ؛ لأن أدلته أقوى وأسلم من المعارض. وقد ~~حكي عن الحسن وعطاء أن الله سبحانه بعث العقل والحياء والسخاء إلى آدم ~~ليختار أحدهما. فقال للعقل: "أين تكون أنت؟ " قال: "في الرأس". وقال ~~للحياء: "أين تكون أنت؟ " قال: "في العين". وقال للسخاء: "وأنت؟ " قال: "في ~~القلب". فقال للعقل: "قد اخترتك". فقالا: "لو اخترت غيره، ما صحبناه". # وعلى هذه الحكاية إشكال. وهو أن يقال: كيف كان آدم عاقلا قبل العقل، حتى ~~اختار العقل؟ وجوابه أنه اختاره بالإلهام، كما تختار البهائم الأصلح لها، ~~ولا عقل لها. ولعل آدم إنما اختار العقل لعلو همته لاختياره أعلى العاقل، ~~فهو موافق لقوله عليه السلام، "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها". ~~والله أعلم. ### || AUTO المسألة الرابعة: في فعل العقل وأثره # وهو الإرشاد والهداية إلى الصواب، إذ خلا عن معارض، من غلبة هوى، أو فساد ~~في مزاجه، ونحو ذلك. والدليل عليه ما تواترت به، آي القرآن، من قوله تعالى، ~~{إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}، {لأولى الألباب}. ولو لم يكن العقل هاديا ~~ومرشدا إلى الصواب والحق، لما كان لتخصيص العقلاء بهذا الخطاب معنى، ولما ~~كان بينهم وبين البهائم فرق، ولما قامت حجة الله على ابن آدم. لأنه بالعقل ~~يفهم خطاب التكليف، فتتحقق منه الطاعة والمعية، فيحق له الثواب، وعليه ~~العقاب. ولهذا، رفع القلم التكليفي عن الصبي والمجنون والبهائم. # وقد سبق بيان كيفية إرشاده. وهو أن نوره يفيض على القلب من الدماغ. فمن ~~أراد الله عز وجل إرشاده. جمع بين نور عقله وبصر قلبه بلا حائل، ثم أيدهما ~~بنور PageV01P078 # التوفيق، كتأييد بصر الرأس ms010 والهواء الذي يجول فيه الشعاع بضوء الشمس. ومن ~~أراد إضلاله، حال بين نور عقله وقلبه، بأن ختم على سمععه وقلبه وجعل على ~~بصره غشاوة. فمن يهديه من بعد الله؟ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب ~~لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. ### || AUTO المسألة الخامسة: في تحقيق القول في التحسين والتقبيح ### ||| AUTO [مفهوم التحسين والتقبيح] # أعلم أن الأصوليين تناقلوا هذه المسألة بهذه الترجمة خلفا عن سلف. وهي ~~ترجمة مجملة لا تفيد حقيقة المقصود. ثم لما شرعوا في تلخيص محل النزاع ~~فيها، لم يعر تلخيصهم لها عن إجمال وإبهام. وأنا أذكر معنى عبارتهم في ذلك، ~~ثم أعقب ذلك بما يقع عليه الاختيار من كلام العلماء الأخيار. فأقول، والله ~~المستعان: # قال ابن برهان في كتاب الاعتصام: "مذهب أهل الحق من جميع أصحابنا أن ~~الحسن والقبيح يعرفان بالشرع. فلا حسن إلا ما حسنه الشرع، ولا قبيح إلا ما ~~قبحه الشرع. وخالفنا في ذلك جميع المعتزلة والخوارج والروافض والكرامية ~~والبراهمة والتناسخية والثنوية (زاد غيره: "واليهود والنصارى")، وقالوا: ~~"بالعقل يعرف حسن الأشياء وقبحها". والشرع إذ ورد بتحسين أو تقبيح، فهو ~~مخبر عن حكم العقل بذلك، وأمرنا الاحتراز عما قبحه". # ثم ذكر عن المعتزلة تقسيما سنذكره، إن شاء الله. ثم ذكر عبارات للمعتزلة ~~في تعريف الحسن والقبيح. فقال بعضهم: "الحسن هو الفعل العاري عن وجوه ~~القبح". وقيل: "ما لا يستحق فاعله الذم". قال: "وهما باطلان، بأفعال ~~البهائم والمجانين". PageV01P079 # قلت: لأن أفعالهما لا توصف بحسن ولا قبح، فهي عرية عن وجوه القبح. وكذلك ~~هما لا يستحقان مدحا ولا ذما. # وقال الجبائي: "الحسن ما للقادر عليه فعله". قلت: وهو دوري؛ لأنا لا نعلم ~~أن له فعله حتى نعلم حسنه. فلو عرفنا كونه حسنا بأنه عرى عن وجوه القبح ~~وعدم استحقاق فاعله الذم، كان دورا. وإذا عرف الكلام على الحسن تعريفا ~~وتزييفا، فالكلام على القبيح على وزانه في ذلك عكسا. # ومذهبنا: الحسن ما ورد به الشرع اقتضاء لفعله وإثناء على فاعل؛ فيتناول ~~الواجب والمندوب. [والقبيح ما ورد ms011 به الشرع] اقتضاء لتركه وذما لفاعله؛ ~~فيتناول الحرام والمكروه. # فإن قيل: "المباح من أحكام الشرع؛ ولو تتناوله هذه القسمة". فالجواب من ~~وجوه. أحدها: أن المباح لوقوع التخيير فيه صار كأفعال البهائم، لا حسن ولا ~~قبيح، ولا مدح فيه ولا ذم. ولهذا، قالت المعتزلة: "إنه ليس من أحكام ~~التكليف؛ إذ التكليف يقتضي المشقة، ولا مشقة مع التخيير". # الثاني: قال ابن برهان: "المباح أيضا إ ن الشارع في إطلاق الثناء على ~~فاعله. فتتناوله القسمة المذكورة". قلت: هذا إنما يتحقق على رأى الكعبيى في ~~قوله، "كل مباح ترك حرام؛ وترك الحرام واجب". لكن هذا يوجب أنه من قسم ~~الواجب، وأن لا مباح. بل يقال: إن فعل المباح يستلزم ترك الحرام، فيتوجه ~~الثناء إلى فاعله من هذه الحيثية. وبالجملة، في هذا الوجه شيء. # الثالث: أن الإسفرائيني لهذا الإشكال قال: "الحسن هو المأذون فيه شرعا"؛ ~~فيتناول المباح. فلنا أن نفسر الاقتضاء المذكور في قسمتنا بالإذن. أو نقول: ~~الاقتضاء يتضمن PageV01P080 # الإذن. على أن على تعريف الإسفرائيني مناقشة. وهو أن المباح لا قبيح ولا ~~حسن. والنزاع في أنه حكم شرعي أولا لفظي، كما بان في أصول الفقه. # ثم قال ابن برهان في موضع آخر: "مذهب أصحابنا أن وجوب الواجبات يعرف ~~بالشرع. فقبل وورد الشرع، لا وجوب أصلا. # وقال جماعة من المتكلمين والفقهاء: كل حسن، فوجوبه بالعقل. ثم منها ما ~~يجب لنفسه؛ كرد المغصوب، وإغاثة المطلوب. ومنها ما يجب لغيره؛ كالنظر، يجب ~~لتحصيل العلم. ومنها ما يجب لكونه تركا لقبيح. قلت: هذا من قبيل ما يجب ~~لغيره. فينحصر الواجب فيما يجب لنفسه أو لغيره. # وقال الآمدى: "الحاكم هو الله. ولا حاكم سواه. ويتفرع عليه أن العقل لا ~~يحسن، ولا يقبح، ولا يوجب شكرا لمنعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع. فهذه ~~ثلاث مسائل. # الأولى: ذهبت المعتزلة والكرامية والخوارج والبراهمة والثوية إلى أن ~~الأفعال منقسمة ذواتها إلى حسنة وقبيحة. وذهب أصحابنا وأكثر العقلاء إلى ~~نفي ذلك. # قلت: فظاهر عبارة ابن برهان في حكايته عنهم، كل حسن، فوجوبه بالعقل"، ~~وقول ms012 الآمدي، "الحاكم هو الله، ولا حاكم سواه"، أن مذهب القائلين بالتحسين ~~والتقبيح أن العقل موجب وحاكم. وبذلك صرح بعض الأصوليين. # فأما الإمام فخر الدين أبو عبد الله الرازي، في المحصل والنهاية والمحصول ~~وغيره من كتبه، وأتباعه، كالأرمويين، في الحاصل والتحصيل، فإنهم سلكوا في ~~تلخيص محل النزاع وحكاية مذهب الخصم طريقا معناه أن الحسن والقبح يطلقان، ~~ويراد بهما PageV01P081 # تارة ما لا يلائم الطبع وينافره، كالحلاوة والمرارة والفرح والحزن واللذة ~~والألم، وتارة كون الشيء صفة كمال أو نقص، كالعالم والجهل والشجاعة والجبن ~~والقدرة والعجز ونحو ذلك. وهما بهذين المعنيين عقليان، أي يعرفان بالعقل. ~~وفي هذا الإطلاق نظر أو تجوز. فإنهما بالمعنى الأول إنما يعرفان بالطبع ~~والحس والوجدان؛ والأمر قريب. "وتارة يراد بهما كون الفعل موجبا للثواب ~~والعقاب والمدح والذم، وهما بهذا المعنى شرعيان عندنا، خلافا للمعتزلة". ~~هذه عبارته في المحصل. # وقال في المحصول: "النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا". # قلت: ولفظ "التعلف"- أعني كون الذم متعلقا بالفعل، أو الفعل متعلقا للذم- ~~لا يدل على أن العقل موجب لذلك. وفي عبارة المحصل صرح بلفظ "الوجوب"؛ ~~فظاهره ظاهر كلام الأولين قبله، في أنه فهم أن مذهب المعتزلة أن العقل موب. # وناقشه القرافي على عبارة المحصول في شرحه له، بأن قال: "النزاع في كون ~~الفعل متعلقا للذم أو العقاب"، مشعر بأن ترتب الذم والعقاب على الفعل ~~متنازع فيه. # وليس كذلك عندنا ولا عندهم؛ إذ يجوز أن يحرم الله تعالى ويوجب، ولا يعجل ~~ذما أصلا، بل يحصل المقصود بالوعيد من غير ذم. ويجوز أن يكلف، ولا يؤجل ~~العقاب، بل يعجله عقيب الذنب؛ كما أهلك كثيرا من المجرمين عقيب ذنوبهم. لكن ~~الله سبحانه قدر بإرادته تعجيل الذم وتأخير العقاب. وغيره ممكن عند ~~الفريقين. وإنما النزاع في كون الفعل متلق المؤاخذة الشرعية كيف كانت، ذما ~~أو غيره، عاجلة أو آجلة، هل يستقل العقل بذلك أم لا؟ " # قلت: هذا كلام جيد لا غبار عليه. هذا الذي حضر من حكاية كلامهم. وظاهر ~~أكثره أن العقل موجب ومحرم على جهة ms013 الاستقلال، لاستقلال الحسن والقبح بترتب ~~الأحكام، لارتباطها بها عقلا. والذى يدل قطعا أنهم فهموا أن الفضلاء ~~المعتبرين PageV01P082 # منهم يستدلون بقوله تعالى، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، ونظائرها من ~~الآي. ولو كان العقل موجبا أو حاكما، لأوجب العقاب قبل البعثة؛ وهو خلاف النص. # والتحقيق في ذلك أن مذهب المعتزلة أن الفعل إن اشتمل على مصلحة خالصة أو ~~راجحة، اقتضى العقل أن الله سبحانه طلبه. وإن اشتمل على مفسدة خالصة أو ~~راجحة، اقتضى العقل أن الله سبحانه طلب تركه. وإن تكافأت مصلحة الفعل ~~ومفسدته، أو عرى عنهما أصلا، كان مباحا؛ وليس حكما شرعيا عندهم، لثبوته قبل ~~ورود الشرع. وأن العقل أدرك أن الله سبحانه يجب له لحكمته البالغة أن لا ~~يدع مصلحة في وقت ما إلا أوجبها وأثاب عليهما، ولا يدع مفسدة في قوت ما إلا ~~حرمها وعاقب عليها، تحقيقا لكونه حكيما؛ وإلا لفاتت الحكمة في جانب ~~الربوبية؛ وهو خلاف الإجماع على كمال حكمته تعالى. فعندهم، إدراك العقل، ~~لما ذكرناه، من قبيل الواجبات للعفل، لا من قبيل الجائزات، كما نقول نحن. ~~بل عندهم، كما وجب في العقل أن الله سبحانه متصف بصفات الكمال من العلم ~~والقدرة والإدارة، فكذلك وجب في العقل أن الله سبحانه يوجب المصالح ويثيب ~~عليها، ويحرم المفاسد ويعاقب عليها. # فتلخص من هذا كله أن إيجاب الله للمصالح وإثابته عليها، وتحريمه للمفاسد ~~وعقابه عليها، جزم به العقل عندهم جزما. وعندنا إنما جوزه تجويزا. وليس ~~مرادهم أن الأوصاف مستقلة بالأحكام، ولا أن العقل موجب ومحرم. # هذا حاصل ما قرره القرافي رحمه الله في شرح المحصول. وهو الحق الذي لا ~~يجوز عنه العدول. ولم أر هذا التحقيق لغيره. وأنت إذا قابلت بين هذا ~~التقرير وبين ظاهرات عبارات الأصوليين، وجدتهم قد أحالوا المعنى ونقلوا عن ~~المعتزلة ما لا ينبغي لعاقل ولا يتسنى. # وإذ ثبت من مذهبم ربط المدح والذم والثواب والعقاب بالمصالح والمفاسد، ~~وأن العقل اقتضى ذلك وأدركه جزما، فقد قالوا: "إن الحسن والقبح منه ما ~~يدركه العقل ضرورة، كحسن العدل والصدق ms014 النافع، وإنقاذ الغرقى، وتخليص ~~الهلكى، ونحوه، PageV01P083 # وكقبح الظلم، والكذب، وإهلاك البريء، والتقاعد عن تخليص المشفي على ~~الهلاك مع القدرة عليه، ونحوه. # "ومنه ما يدركه نظرا، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع، لتعارض ~~المصلحة والمفسدة فيه؛ فينظر في أيهما أرجح، بخلاف الأول، فإنه ضروري لتمحض ~~مصلحته. # "ومنه ما لا سبيل للعقل إلى إدراكه بدون التوقيف، كحسن العبادات، كالصلاة ~~والزكاة، وقبح المحرمات النافعة، كالخمر ونحوها، وكتقدير نصات الزكوات ~~وأروش الجنايات، وإيجاب صوم آخر يوم من رمضان، وتحريم صوم الذي بعده، ~~وتحريم صوم الأيام الخمسة، ومشروعيته في غيرها من الأوقات، وتحريم الصلاة ~~في الأوقات الخمسة والأماكن السبعة، ومشروعيتها في غيرها من الأزمنة ~~والأمكنة. وذلك هو حظ النبوات، وفائدة إرسال الرسل، هو وغيره من فوائد ~~البعثة على ما بينه العلماء". # وحاصل ذلك أن العقل إن أدرك كون الفعل مصلحة أو مفسدة جزم بارتباط الثواب ~~أو العقاب بها ابتداء. وإن لم يدرك ذلك، توقف في جزمه على تعريف الشرع له ~~بكونه مصلحة أو مفسدة. ### ||| AUTO [مآخذ الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح] ### |||| AUTO [المأخذان الكيان] # وإذ قد تلخص محل النزاع، فنذكر مآخذ الخلاف، وهو من وجهين. # أحدهما: أن الحسن عندهم صفة قامت بالفعل، أوجبت كونه حسنا، والقبح صفة ~~قامت به أوجبت كونه قبيحا، حملا للأفعال على الأجسام. فإن الحسن والقبح ~~إنما هو نسبة وإضافة حاصلة بين الفعل واقتضاء الشرع إيجاد والكف عنه. فإذا ~~قال الشرع: "صل! "، قلنا: الصلاة حسنة: "لا تزن! " قلنا: الزنا قبيح. وعلى ~~هذا فقس. # وما ذكروه، من أن الحسن والقبح صفتان للفعل، باطل, لأن الصفات أعراض؛ PageV01P084 # والفعل عرض؛ والعرض لا يقوم بالعرض. لأن العرض لا يقوم بنفسه؛ وإنما يقوم ~~بالجوهر؛ فكيف يقوم به غيره! وأيضا، لو قام العرض بالعرض، لانقلب العرض ~~جوهرا. إذ لا معنى لقيام العرض بالمحل إلا كونه في حيازه. والعرض لا حيز ~~له؛ إلا أن ينقلب جوهرا. لكنه محال. # فأما ما يشككون به على هذا- من أن السرعة والبطء عرضان، ويقومان بالحركة؛ ~~والحركة عرض؛ وذلك عرض قد قام بعرض؛ ومنه قولنا، ms015 "سواد حالك"، و "لون كثيف ~~ورقيق"؛ فالحلك والكثافة والرقة أعراض قامت باللون؛ وهو عرض- فليس بشيء لأن ~~هذه الأعراض كلها إنما قامت بالجواهر بواسطة الأعراض. فحاصل الأمر أن ~~الأعراض لا تقوم إلا بالجواهر؛ نعم، تارة بلا واسطة، كالحركة، وتارة ~~بواسطة، كالسرعة قامت بالجوهر بواسطة الحركة. وإذا ثبت هذا، فقياس الأفعال ~~على الأجسام في قياس الحسن والقبح بها لا يصح، لصحة قيام الأعراض بالأجسام ~~والجواهر، دون الأعراض. # المأخذ الثاني: أن الشرع ورد عندهم مقررا لحكم العقل ومؤكدا له. وعندنا، ~~ورد الشرع كاسمع شارعا للأحكام ابتداء. وتحقيق ذلك أن العقل احتيج إليه قبل ~~الشرع لتقرير مقدماته، كالتوحيد، وجواز البعثة، والنظر في المعجز كالنائب ~~للشرع في ذلك. كما إذا ملك السلطان مدينة، بعث نائبه بين يديه ليزينها ~~لدخوله، ويقيم له الإقامات، ويهييء له المساكن؛ حتى إذا دخلها السلطان، ~~انعزل النائب، وصار الحكم له. كذلك العقل، إذا قرر مقدمات النبوة تثبت ~~وانعزل وصار مأمورا بامتثال ما يصدر عنها. # ولهذا، أجمع أهل الملة على أن النبي الصادق إذا أخبر خبرا لا يدركه ~~العقل، وجب الإيمان به وتلقيه بالقبول. وتلك خصيصة الإيمان بالغيب، اتى مدح ~~الله بها المؤمنين. # وقد وافق المعتزلة على هذا في تقسيمهم للحسن إلى ما يدركه العقل ابتداء، ~~وإلى ما لا يدركه إلا بتوفيق الشرع. ولهذا، لما قلدوا عقولهم في إنكار عذاب ~~القبر، وسؤال منكر ونكير، ووزن الأعمال، وقعوا في عقال الضلال؛ لأنهم عدلوا ~~عن قول المعصوم، PageV01P085 # إلى تقليد المتهم الموصوم؛ إذ العقل يعرض له الأغلاط، فينزل عن سواء ~~الصراط. # فإن قيل: "لو اتهم العقل بعد النبوة في نظره، لاتهم في ذلك قبلها في ~~تقرير مقدماتها؛ فلم يكن به وثوق. ثم تزلزلت قواعد النبوات، وكان أهلها ~~بانين على الماء، أو على متن الهباء". # قلنا: قبل النبوة، لم يكن له معارض يرجح عليه. وبعدها، هي أقوى منه. ولا ~~يلزم من اتهام الشاهد مع من يخالفه اتهامه إذ كان وحده لا مخالف له. وهذا ~~من أصعب أسئلتهم. وجوابه ما ذكرنا. فحاصل هذا المأخذ أن الشرع مؤكد ms016 عندهم، ~~وعندنا مؤسس. والقاعدة المتفق عليها أنه إذا تعارض التأكيد والتأسيس، كان ~~التأكيد أولى، لأنه أكثر فائدة. # ومما يشبه هذا المأخذ اختلاف الأصوليين فيما إذا ورد حديثان، أحدهما ~~مخالف للأصل، ناقل عن حكمه، والآخر موافق له مقرر لحكمه. فقال قوم: "يقدم ~~المقرر؛ لأنهما دليلان يعضد أحدهما الآخر". وقال آخرون: "يقدم الناقل؛ لأنه ~~أفاد فائدة زائدة". # ومن فروع هذا الأصل النزاع في تقديم بينة الداخل والخارج؛ لأن بينة ~~الداخل كالحديث المقرر للأصل؛ لأنها مقوية لدلالة اليد. وبينة الخارج ~~كالحديث الناقل عن حكم الأصل. # فهذان مأخذان كليان للمسألة ### |||| AUTO [المآخذ الجزئية] # أما الأدلة الجزئية، فلنذكر منها وجوها. # أحدها: لو اقتضى العقل قبح شيء من الأفعال، لكان قبحه لما من الله، أو من العبد. # والأول باطل؛ إذ لا يقبح من الله شيء، بإتفاق. وإن نوزع فيه، فبرهانه في ~~موضعه. والثاني أيضا باطل؛ لأن فعل العبد إما اضطراري أو اتفاقي؛ ولا قبح ~~في واحد منهما. وبيان انحصاره في الاضطرار والاتفاق أن فعل العبد إن صدر ~~منه عند خلق الله سبحانه داعى الفعل فيه، صار وقوعه واجبا بالضرورة؛ فكان ~~اضطراريا. وإن صدر عند استواء داعي الفعل والترك، وجاز الترجيح من غير ~~مرجح، كان ذلك بالاتفاق؛ فكان اتفاقيا. PageV01P086 # أو نقول في تقريره: إن فعل العبد للشىس أو تركه لابد فيه من خلق الله ~~سبحانه داعية فيه. فإن ترجح داعي الفعل، صار واجبا اضطراريا. وإن ترجح داعي ~~الترك، صار واجبا، والفعل ممتنعا. وإن استوى داعيهما، وجاز الترجيح بلا ~~مرجح، كان الفعل اتفاقيا. وإن لم يجز، كان ممتنعا، لامتناع الترجيح بلا ~~مرجح. وإذا دار فعل المكلف، بين أن يكون واجبا أو ممتنعا أو اتفاقيا، فلا ~~قبح في شيء من ذلك. # ويرد على هذه الحجة أمران. # أحدهما: أن يمنعوا توقف فعل العبد على خلق الرب. فقد حكى ابن برهان عن ~~بعضهم أن العبد خالق على الحقيقة كالرب. وقال بعضهم: "الخالق على الحقيقة ~~هو العبد، والله خالق على جهة المجاز". وحينئذ، يكون القبح من العبد ~~لاستقلاله بالخلق. وهو مطلوبهم. # الأمر ms017 الثاني: أن يقال: سلمنا أن فعل العبد متوقف على خلق الله الداعي. ~~لكن لا نسلم أن خلق الداعي مستقل بوجوب وجود الفعل إنما حصل من جهة العبد. ~~فيكون القبيح منه من هذه الجهة. ويحصل المطلوب. وهذا سؤال قوى على هذه ~~الحجة. غير أنه يقتضي وقوع المقدور بين قادرين؛ وهم لا يقولون به. # الوجه الثاني من صور النزاع: تكليف ما لا يطاق. فنقول: لو كان قبيحا، لما ~~فعله الله سبحانه؛ وقد فعله؛ فلا يكون قبيح. وبيان أنه فعله أنه كلف الكفار ~~الذين علم أنهم يمونون كفارا بالإيمان بالرسل وما جاءهم. ومن جملة ما جاءهم ~~أن أولئك لا يؤمنون؛ كقوله: {وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ~~آمن}، وقول موسى: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الآليم قال قد أجيبت دعوتكما} وقوله لمحمد عليه السلام: {إن ~~الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل آية}، {كذلك حقت كلمت ~~ربك على الذين فسقوا أنهم PageV01P087 # لا يؤمنون}، وقوله في أبى لهب: {سيصلى نارا ذات لهب}، مع أنهم مكلفون إلى ~~وقت موتهم بالإيمان بما جاءت به الرسل. فقد كلفوا بأنهم يؤمنون بأنهم لا ~~يؤمنون. وهو تكليف بالجمع بين الضدين. # ولا اعتراض على هذه الحجة إلا بأن يقل: لا نسلم أن تكليفهم باق إلى ~~الموت. بل انقطع تكليفهم لما ورد النص بعدم إيمانهم: فصاروا عند ذلك كأنهم ~~موتى، أو في النار. لكن القول بارتفاع التكليف، مع صحة العقل والبلوغ، في ~~دار التكليف، ضعيف. # الوجه الثالث: أن الكذب من صور النزاع. فول كان قبيحا، لكان قبحه إما ~~لذاته، أو لغيره. والأول باطل؛ وإلا لما كان لمصلحة رجحة، كتخليص مظلوم أو ~~نبي أو ولي من الظلم أو القتل، [أثر]؛ لأن الأحكام الذاتية لا تتغير ~~بالأمور العارضة. لكنه قد جاز، بل وجب، باتفاق. وأما الثاني، فذلك الخبر إن ~~كان تعلق خطاب الشرع به بالمنع منه، فهو الذي نقوله. وإن كان غير ذلك، ~~فبينوه. # الوجه الربع: أن الحسن ms018 والقبح إما عدميان، فلا يتعلق بهما حكم؛ أو ~~ثبوتيان، فهو باطل، لقيامهما بالمعدومات. كقولنا للصلاة والقتل قبل دخولهما ~~في الوجود "حسن" و "قبيح". وأيضا، كل ما فعله واجب، فالترك عدمي قد اتصف ~~بالصفة الثبوتية؛ وهو محال. # ولا يرد على هذا وصف الأشياء قبل وجودها بالإمكان والامتناع والوجوب؛ لأن ~~هذه نسب وإضافات عدمية. فمعنى "الممكن" أنه غير واجب ولا ممتنع. وكذلك ~~الآخران. ### ||| AUTO [أدلة المعتزلة على التحسين والتقبيح] # وأما عمدتهم في ذلك، فهو من وجوه. # أحدها: أن قبح بعض الأشياء وحسنها ثابت بالضرورة قبل ورود الشرع، وعند من ~~لا يقول بالشرع، كالبراهة ونحوهم من منكري النبوات؛ كقبح الجور والفجور، PageV01P088 # وحسن العدل والبر، وكذلك سائر المعروفات والمنكرات، حسنها وقبحها معلوم ~~للعقلاء بالضرورة. ولو توقف على ورود الشرع، لما عرف قبله، ولا من ينكره. ~~بل البراهمة من جملة حججهم في إبطال النبوات أن قالوا: "الفعل إن دل العقل ~~على حسنه أثبتناه، أو على قبحه، أثبتناه؛ وإن لم يدل على حسنه ولا قبحه، ~~فعلنا منه ما اضطررنا إليه، وتركنا ما لا ضرورة إليه احتياطا. وحينئذ ~~نستغني عن النبوات". فكيف يقال: إن ما يحتج به على إبطال النبوات لا يعرف ~~إلا بها؟ هذا خلف. # والجواب: أنا لا ننكر أن في الأفعال ما يعلم حسنه وقبحه قبل الشرع، ولمن ~~لا يقول بالشرع. لكن ذلك الحسن والقبح إنما هو بأحد المعنيين الأوليين من ~~أوجه الحسن والقبح التي يطلق عليهما، كما سبق. وهما الميل والنفرة ~~الطبيعيان، أو صفة الكمال والنقص. فإن المعروف والبر تميل إليهما الطباع؛ ~~وهما لفاعلهما صفتا كمال. وضدهما المنكر والفجور، تنفر عنهما الطباع؛ وهما ~~لفاعلهما صفتا نقص. ولهذا يمدح الإنسان بأن يقال: "عادل بار، فاعل للمعروف، ~~صادق"؛ ويذم بأضداد ذلك، فيقال: "جائز فاجر، فاعل للمنكر، كذاب". # وقد يستحسن الفعل لدفع الأذى عن النفس؛ كإنقاذ الغريق وإعطاء المسكين، ~~لدفع تأذى النفس برقتها عليه. أو لاتفاق العالم أو أهل العلم على أنه من ~~المصالح الخاصة أو العامة، لا ينتظم أمر الناس إلا به، كنفي الظلم والكذب. ~~وهو ms019 راجع إلى ما ذكرنا أولا. # وإذا ثبت هذا، فليس النزاع فيه؛ إنما النزاع في ربط الذم والمدح والجزاء ~~على الأفعال بحصول المفاسد والمصالح منها جزما في العقل. وما ذكر تموه ليس نظيره. # ثم ما ذكرتموه من استقباح البراهمة ونحوهم لبعض الأفعال قبل الشرع معارض ~~بما كانت العرب في الجاهلية على كثرتهم وكمال عقولهم وحكمتهم، على ما دل ~~عليه سيرتهم ومحاوراتهم نزما ونثرا، تستحسنه وتفتخر به، من إراقة الدماء، ~~ونهب الأموال، وسبي العيال، وقهر الخصوم، وغير ذلك. فإن قلتم: "ذلك حسن"، ~~يلزم التناقض. وإن قلتم: "قبيح"، فكيف يتفق على حسنه الجم الغفير من ~~العقلاء؟ فإن PageV01P089 # قيل: "ذلك قبيح، وإنما استحسنوه لجهلهم، ولذلك سموه جاهلية"، قلنا: ليس ~~كذلك؛ وإنما سموه جاهلية بجهلهم بالشرائع. وذلك دليل على ما نقوله من أن ~~حسن الأفعال وقبيحها بالمعنى المتنازع فيه إنما يعرفان بالشرع لا غير. # الوجه الثاني: إن من استوى عنده الصدق والكذب من كل وجه، إلا من جهة ~~كونهما كذبا وصدقا، فإنه يرجح الصدق. ولولا اختصاصه بصفة كان لأجلها حسنا، ~~لما رجحه. وكذلك المللك العظيم يجد مسكينا وحده في برية مشرفا على الهلاك، ~~فيميل إلى إنقاذه وليس ذلك إلا لحسن الإنقاذ لا غير. إذ الملك غني عن ~~مكافأة المكسين، والفرض أن ليس هناك من يتشوق إلى ثنائه عليه بذلك. # والجواب أن ترجيح الصدق وإنقاذ المسكين، إن فرضنا تساوى فعلهما وتركهما ~~من كل وجه، بحيث لا يتبع فيهما عرف ولا إلفن ولا يدفع بهما تألم نفس ولا ~~نفرة طبع، لم يسلم أنه يرجح واحدا منهما. وإنما يرجح أحدهما لما سبق من ~~اطراد عرف، أو إلف، أو دفع ألم أو رقة. لأن العاقل إذا رأى غيره هي شدة، ~~جوز أن يكون هو فيها، ثم فرض لحوقها به. فيلحقه لذلك رقة وألم، أو رقة، أو ~~ألم، فيبادر إلى إنقاذه دفعا لذلك عنه. # الوجه الثالث: لو كان حسن الأشياء وقبحها إنما يثبت بالشرع، ما قبح من ~~الله شيء. ولو كان كذلك، لجاز أن يظهر المعجزات على أيدي الكاذبين. وفي ms020 ذلك ~~سد باب معرفة النبوات، لالتباس الصادق بالكاذب. ولجاز أن يأمر الله سبحانه ~~خلقه بكل قبيح، كالكفر والجور والظلم والكذب، وينهاهم عن كل حسن، كالإيمان ~~والعدل والصدق. وذلك محال. # والجواب أنه لا يقبح من الله شيء. وإلا لكان خلقه لكل مفسدة في العالم، ~~وخلقه للكفار للنار، وخلقه لإبليس سببا لإضلال الخلق، وخلقه للطباع المائلة ~~والشهوات المستميلة حتى تجذب المعاصي فيما بين ذلك، قبيحا. وقد اتفقنا على ~~عدم قبح ذلك كله. وأما جواز فعله ما ذكرتموه من المستقبحات، فثابت. ولو فعل ~~ذلك كله، لم يكن قبيحا؛ كالأشياء التي ذكرناها واتفقنا على عدم قبحها. لأن ~~ما ادعيتم قبحه وما سلمتهم عدم قبحه قبيح بالإضافة إلى نظر العقل. فإما أن ~~تقولوا بالقبح في الجميع؛ فيلزمكم أن PageV01P090 # الله فعل قبائح كثيرة؛ وأنتم لا تقولون به. وإما أن تقولوا بعدم القبح في ~~الجميع؛ فلا يلزم من جواز ما ذكرتموه محذور. # ثم نقول: إن جواز ما ذكرتموه وغيره لا يستلزم وقوعه. ونحن نجزم ضرورة ~~بعدم وقوعه، وأن الله لم يظهر المعجز إلا على يد صادق، وأنه لم يأمر بقبيح ~~أصلا. لأن القبيح عندنا ما نهى عنه ومنع منه. فلو كان آمرا به، لكان جامعا ~~بين الأمر بالشيء والنهي عنه بعينه؛ وهو تناقض. وإذا كان علمنا بأن ما ~~ألزمتمونا جوازه من القبائح لم يقع ضروريا، فلا تأثير لمجرد احتمال الجواز ~~المذكور في العلم الضروري. وصار ذلك من باب احتمال انقلاب العلوم العادية؛ ~~كانقلاب الجبال ذهبا، والبحار عسلا. فإنه محتمل جائز عقلا في كل لحظة وكل ~~نفس؛ بمعنى أنه لو قدر، لم يلزممنه محال لذاته، مع أنا نعلم قطعا أنه لم ~~يقع؛ ولم يقدح جواز ذلك في قطعنا بعدمه. # وأيضا، لو قدرنا إظهار المعجز على يد الكاذب، قدرنا في قبالته ما يدفع ~~محذوره، بأن نقول: إن كان الله تعالى قصد بذلك إضلال تلك المعجزات فرجة ~~للناس يتفرجون فيها ويتنزهون بها، كما يتفرجون في سائر الأشباء المتضادة، ~~كالحيوانات الحسنة والقبحية، والأشجار الطبية الرائحة والطعم والخبيثة، ~~وكما يتفرجون الآن في ms021 شعبذة المشعبذين وسحر السحرة. أو يقدر اتفاقنا على ~~تجوز تكليف ما لا يطاق؛ فلا يلزم من ذلك المحال. وبالجملة، لو قدرنا ما ~~ذكرتموه، قدرنا انقلاب حقائق ما نحن فيه الآن على وجه يدفع محذوره. فأما ~~أنكم تلزمونا تقدير بقائنا على حالنا الآن، فهذا ليس بإنصاف منكم. وأنتم ~~إنما تنازعون على ثبوت العدل والإنصاف بزعمكم؛ ولذلك وسمتم بإنصاف منكم. ~~وأنتم إنما تنازعون على ثبوت العدل والإنصاف بزعمكم؛ ولذلك وسمتم أنفسكم ~~بأهل العدل. # الوجه الرابع: لو لم يعرف الحسن والقبح إلا بالشرع، للزم منه إفحام ~~الرسل، بأن يقال لهم: "لا ننظر في معجزكم، حتى يجب علينا النظر، حتى يثبت ~~شرعكم. ولا يثبت شرعكم حتى ننظر في المعجز". وذلك دور ممتنع؛ وسيأتي هذا ~~وجوابه. # الوجه الخامس: لو لم يكن الحسن والقبح معلومين عقلا، لما عرفناهما عند ~~ورود PageV01P091 # الشرع؛ لأن إنه التصديق مسبوق بالتصور. # والجواب إنه إلزام لنا على أصلهم في أن ماهية الحشن ورد مؤكدا لحكم العقل ~~في ذلك. وقد سبق منعه. ونحن إنما نستفيد الحكم بحسن الشيء وقبحه من أمر ~~الشرع ونهيه. وقبل الشرع، لا يستحيل منا تصور ماهيتهما بهذا المعنى، بأن ~~نقول: لو جاء شرع، أو قدرنا ورود شرعن لكان الحسن والقبيح ما أمر به ونهى عنه. # الوجه السادس: لو لم يكونا عقليين، لم يجز إسناد الأحكام إلى المصالح. ~~وحينئذ، ينسد باب القياس في الشرع بتحسينها، وكذا المفاسد. # والنزاع معكم إنما هو فيما سبق. وهو كون العقل بذاته أدرك المصالح ~~والمفاسد، ثم جزم وأوجب في حكم الله سبحانه ربط الجزاء بها ثوابا وعقابا ~~وذلك غير ما نحن فيه. # الوجه السابع: لو كان حسن الأفعال لورود الأمر بها، لم تكن أفعال الله ~~سبحانه حسنة، لاستحالة توجه الأمر إليه من غيره. ولو كان قبح الفعل للنهي ~~عنه، لاقتضى نهي التنزيه قبح المنهي عنه. # والجواب أن الحسن عندنا ما علم فاعله أنه غير ممنوع منه. فيتناول أفعال ~~الله سبحانه؛ إذ لا مانع. والمقتضي للقبح هو نهي مخصوص، وهو نهي التحريم، ~~لا مطلق النهي. وأما ms022 قولنا في بعض المواضع، "الحسن ما أذن فيه الشرع، ~~والقبيح ما منع منه"، فإنما نريد بذلك الحسن من أفعالنا؛ وهو حسن خاص. أما ~~إذا أردنا به ما يعم الحسن منا ومن الله سبحانه، عرفناه بما ذكرنا. والله أعلم. ### ||| AUTO [إبطال التحسين والتقبيح] # والمعتمد في ### ||| AUTO إبطال التحسين والتقبيح # أن رعاية مصالح الخلق غير واجبة على الله. ويلزم من ذلك بطلان ~~التحسينوالتقبيح. # أما الأول، فلأن خلق الله سبحانه للعالم في وقته الذي خلقه فيه، دون ما ~~قبله وعده، إما مصلحة لهم، أو مفسدة، أو مصلحة لبعضهم دون بعض. فإن كان ~~مصلحة، فقد فوتها فيما قبل خلق العالم بدهور وأزمنة لا تتناهى. وإن كان ~~مفسدة، PageV01P092 # فقد أوجدها، مع قدرته على الاستمرار على نفيها. وإن كان الثالث، فالكلام ~~في كل واحد من القسمين كالكلام على الجميع؛ إذ قد كان يمكنه أن لا يوجد من ~~العالم إلا من له في الوجود مصلحة. # فإن قيل: "لعله علم أنه ليس في وجوده قبل وقته المعين مصلحة، فأخره إلى ~~ذلك الوقت نظرا لهم في ذلك مصلحة، فلم يرد إيصالها إليهم لكونه لا يراعي ~~مصالحهم التزاما". فإن قيل "لا يليق ذلك بكرمه"، قلنا: "هذا رجوع إلى ~~التحسين والتقبيح؛ ونزاعنا فيه". # ثم نقول: هب أنه أخر خلق العالم إلى وقته المعين لمصلحتهم. فبعد خلقه، ~~اشتمل العالم على مفاسد، أم لا؟ إن اشتمل على مفاسد، فإما أن يكون سبحانه ~~عالما بها قبل خلقها؛ فقد كان يجب على قاعدتكم أن لا يخلقها رعاية للمصلحة. ~~أو لا يكون عالما بها؛ لكنه ليس مذهبا لكم. لأنا اتفقنا على أنه عالم ~~بالأشياء في الأزل؛ وإنما اختلفنا في أنه عالم لذاته، أو بمعنى زائد هو ~~علم؛ وهو أمر وراء ما نحن فيه. وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه: "إذا ~~سلم القدرية العلم، خصموا في جميع هذه المسائل". وبتقدير أنه إنما يعلم ~~الأشياء بعد وقوعها، على رأي بعضهم، وإن كان فاسدا، لكنه قادر على رفعها ~~بعد وجودها وقطع استدامتها؛ ولم يفعل. # وأيضا، فمن مصلحة الكفار ms023 والعصاة أن كان يعصمهم من أسباب العذاب. إذ هو ~~قادر على ذلك. وحيث لم يعصمهم، فهلا عفا عنهم! إذ العفو أصلح لهم. وحيث ~~عاقبهم، فلم خلدهم في النار؟ وإخراجهم منها، ولو بعد حين، أصلح لهم. وقد ~~اضطر التزام رعاية الأصلح بعض المعتزلة حتى التزموا أن خلود الكفار في ~~النار أصلح لهم. # وأما الثاني، وهو أن بطلان رعاية المصالح يلزم منه بطلان التحسين ~~والتقبيح، فلأنا قد بينا أن معنى التحسين والتقبيح هو جزم العقل بوجوب ~~ارتباط الأحكام بالمصالح والمفاسد. وحيث بطلت رعاية الأصلح أو المصالح، لم ~~يجب في العقل أن يربط الله أحكامه بالمصالح والمفاسد. بل يجوز ذلك ونقيضه؛ ~~وهو المطلوب. وحيث كثر من الله PageV01P093 # سبحانه رعاية مصالح خلقه، فإنما كان ذلك تفضلا منه، لا وجوبا عليه. ومما ~~يحقق ذلك أنه سبحانه امتن عليهم بأنه راعى مصالحهم؛ كقوله: {ألم نجعل الارض ~~مهادا}، إلى قوله، {وجنات ألفافا}، وقوله {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا}، {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه}؛ ونحوه كثير في ~~القرآن. ولو كان واجبا عليه، لما صح امتنانه به؛ كما لا يصح أن يمتن أحدنا ~~على غريمه بأداء دين عليه، أو بأداء العبادات الواجبة بالنذر، وبأصل الشرع. # ومما يبطل قاعدة الأصلح الصورة التي فرضها الأشعري، وسأل عنها الجبائي، ~~حيث قال له: "ما تقول في ثلاثة أخوة، أحدهم بر تقي، والآخر فاجر شقي، ~~والآخر مات قبل التكليف؟ "فقال الجبائي: " الأول في الدرجات، والثاني في ~~الدركات، والآخر من أهل السلامة". قال له الأشعري: "فلو قال الصبي: "يارب، ~~ارفعني إلى درجات أخي التقي! " ما يكون جوابه؟ " قال: "يقال له: " إنك لم ~~تعمل كعمله، فلم تصل إلى محله". قال: "فإن قال: " يارب، إنك لم تبقني إلى ~~وقت التكليف؛ ولو أبقيتني، عملت". قال الجبائي: "يقال له: " لو أبقيتك، ~~لكنت كأخيك الفاجر؛ فراعيت مصلحتك بموتك قبل ذلك". قال الأشعري: "فإن قال ~~الفاجر: "يارب، فهلا راعيت مصلحتي كما راعيت مصلحة أخي الصغير، فأمتني ~~صغيرا، وسلمتني من هذا العذاب! " فانقطع الجبائي ms024 عن الجواب. # وقد ذكر العلماء مناظرة جرت لإبليس مع الله سبحانه في هذا الباب. وهو أنه ~~لما عصى، فأبلس، قال: "يارب، إني أقر وأعترف أنك ربى، لك الأمر والحكم. لكن ~~في نفسي شيء أسأل عنه. فإنك، يارب، علمت أن غاية وجودي إلى اللعنة ~~والإبلاس. فلم أوجدتني، وقد كان استمرار عدمي أصلح لي؟ وحيث أوجدتني، فلم ~~ابتليتني، وقد كانت العافية، أصلح لى؟ وحيث ابتليتني، فهلا ابتليتني، فهلا ~~ابتليتني بدون ما ابتليت به من PageV01P094 # الطرد والإبلاس، كما ابتليت آدم، ثم تداركته؟ وكيف أمرتني بالسجود، مع ~~علمك أني لا أسجد؟ وترك الأمر كان أصلح لي. وحيث أمرتني، فعصيت، كيف سلطتني ~~على آدم؟ ولو عصمته مني، كان أصلح له ولي. وحيث سلطتني عليه، فكيف أنظرتني ~~وسلطتني على عقبه؟ وقد كان إلاكي قبل ذلك أصلح لهم ولي. وحيث أنظرتني ~~وسلطتني عليهم، فكيف جعلتني أراهم ولا يروني، ولا لقبيلي من الشياطين؟ ولو ~~جعلتهم يرونا، كان أصلح لهم؛ لأنه كان أجدر أن يحترزوا منا. # وكان ذلك من إبليس بمشهد الملائكة. فلم يحيروا عن ذلك جوابا. فأجابه الله ~~سبحانه عن سؤاله، وقال: "إن كلامك ينقض آخره أوله؛ لأنك أولا سلمت أني ربك، ~~لي الأمر والحكم. ثم تسألني سؤال مجادل. أنا لا أسأل عما أفعل وهم يسألون". ~~وسنورد، إن شاء الله سبحانه، نصوص الكتاب والسنة في مسألة القدر، ونبين وجه ~~دلالاتها، وجواب ما يرد عليها من الإشكال، آخر هذا التصنيف، ولها وضعناه، ~~إن شاء الله تعالى. # وحيث انتهى الكلام على التحسين والتقبيح، وهو الأصل الصعب الفاسد الذي ~~تفرع عنه كثير من الضلالات من أول العالم إلى آخره، كما ذكرناه في الخطبة، ~~فلنردفه بذكر جملة من فروعه في أصول الدين والفقه وفروعه. وإنما نذكر منها ~~ما تيسر وحضر. إذ لو التزمنا الحصر، لزمنا الحصر. PageV01P095 ### | AUTO [ثانيا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين] ### || AUTO [وجوب النظر عقلي عند المعتزلة] # أما فروعه في أصول الدين، فمنها أن وجوب النظر فيما لا يعرف إلا بالنظر- ~~كإثبيات الصانع، وحدوث العالم، وجواز بعثة الرسل، ودلالتة المعجز ms025 على ~~صدقهم، ونحو ذلك- سمعي عندنا، أي إنما عرف بالسمع؛ كقوله: {انظروا}، {أفلا ~~ينظرون}، ونحوها من الآي، وهو كثير. عقلي عند المعتزلة، أي لا يعرف إلا ~~بالعقل. # لنا، لو وجب قبل الشرع، لترتب عليه الثواب والعقاب، لأنهما من آثار ~~الوجوب ولواحقه. وهو منفي بقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، ~~{لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، ونحوه من الآيات. # احتجوا بأنه لو لم يعرف إلا بالشرع، لزم إفحام الرسل؛ بأن يقال للنبي: ~~"لا أنظر في معجزك، حتى يجب علي النظر بالشرع؛ ولا يثبت الشرع حتى أنظر؛ ~~فيصير حاصله: لا أنظر حتى أنظر. وهو دور ممتنع". # وأجيب بأنه لازم عليكم؛ لأن وجوب النظر عندكم، وإن كان عقليا، لكنه ليس ~~ضروريا. بل هو نظري، لتوقفه على مقدمات نظرية. وهي أعلم بوجوب معرفة الله؛ ~~وبأن للنظر طريق إليها؛ وأن لا طريق إليها سواه؛ وأن ما لا يتم الواجب إلا ~~به واجب. وحينئذ، للمخاطب أن يقول: "لا أنظر حتى أعرف وجوب النظر؛ ولا أعرف ~~وجوب النظر حتى أنظر". فيؤول إلى الدور الممتنع. # وطريق حله أن وجوب النظر ليس متوقفا على العلمن بوجوبه، بل على إمكان ~~العلم بوجوبه؛ وهو حاصل كاف في الوجوب. وعند من يرى أن دلالة المعجز على ~~صدق المدعي النبوة ذاتي، يسهل الأمر؛ إذ يحصل العلم بصدقه ضرورة. PageV01P096 ### || AUTO [إنكارهم كلام النفس] # ومنها أنهم أنكروا كلام النفس الذي أثبته الأشعرية بناء منهم على أن ~~فائدة الكلام أمر الخلق ونهيهم، وهو سبحانه مستغن عنه بأن يخلق فيهم علوما ~~ضرورية بما يستدعيه منهم من فعل أو كف. وإذا كان مستغنيا عن الكلام بذلك، ~~فإثباته مع الاستغناء عنه عبث، وهو قبيح عقلا. ### || AUTO [قولهم: "يقبح من الله ما يقبح منا"] # ومنها قولهم، "إن الله سبحانه يقبح منه ما يقبح منا" حتى قالوا: "إن ~~العبد موجد لأفعاله مستقل بها خالق لها، وإلا لكان عقابه عليها ظلما؛ وهو ~~قبيح عقلا". ولهذه مزيد بيان في آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى. ### || AUTO [إيجابهم رعاية مصالح الخلق ms026 على الله] # ومنها أنهم قالوا: "يجب على الله رعاية مصالح خلقه واللطف والثواب لهم". ~~والبغداديون منهم خاصة يوجبون العقاب، ويوجبون الأصلح في الدنيا. هذا نقل ~~المحصل. وقال ابن برهان: "اتفقت المعتزلة على وجوب صلاح العباد على الله ~~سبحانه؛ إلا إن البغداديين منهم قالوا: يجب ذلك في الدنيا والآخرة. ~~والبصريون قالوا: يجب عليه حفظ خصالهم الدينية دون النيوية". وقد سبق بطلان ~~هذه القاعد عليهم، وبيان ما التزموه فيها من الأمر الشنيع. وعندنا، لا يجب ~~على الله سبحانه شيء، بل هو الموجب لما شاء، وإن ما أولى من خير، ففضل؛ وما ~~ابتلى به من شر، فعدل. # [أفعال الله معللة بالأغراض عندهم؛ إذ فعل بلا غرض قبيح عقلا. فلذلك ~~قالوا: "علة حسن تكليف العباد تعريضهم لاستحقاق النعم والثواب؛ إذ PageV01P097 # استحقاقه بسبب من المستحق أولى وأحسن وأكمل من التفضل به على ما هو مدرك ~~لنا بالضرورة. ثم بنوا على ذلك استحقاق الثواب على العمل. واعلم أن هذه ~~المسألة كبيرة، ولنا عليهم كلام في موضعين. # أحدهما: إن قول القائل، "أفعال الله تعالى معللة بالأغراض"، إن أراد بذلك ~~أغراضا، إن أراد بذلك أغراضا تفيده كمالا ليس له- كما في حقنا، حيث يعمل ~~أحدنا سريرا لينام عليه، أو يقاتل أعداءه ليملك أرضهم ويرأس عليهم، ونحو ~~ذلك -فهذا ممتنع في حق الله. إذ كماله ذاتى أزلي سرمدي. وإن أراد أغراضا هي ~~حكم، الأفعال مقتضيات وغايات لها، كتصرف الملوك في ممالكهم، فهذا لا وجه ~~لمنعه؛ والقرآن مملوء بالتصريح به، كقوله: {وجعلنا الليل والنهار آيتين}، ~~إلى قوله: {لعلموا}، وقوله: {جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا}، {وهو الذي ~~أرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته}، {ألم نجعل الأرض مهادا}، ونحوه كثير. ~~وبالجملة، ما فعل الله سبحانه ولا يفعل فعلا إلا لحكمة من مقتض وغاية، ~~لقوله تعالى: {أفحسبتن أنما خلقناكم عبثا}، إلى قوله: {فتعالى الله الملك ~~الحق}، أي عن العبث وما ينسب إليه من الشرك. # ومما يحقق أن أفعاله معللة بالتفسير المذكور أنها لو لم تكن كذلك، لزم ~~منه إفحام الرسل؛ لأن يقال للرسول: "معجزك ms027 هذا الذي أثبت به لم يخلقه الله ~~لأجل تصديقك، بل خلقه لا لعلة ولا لغرض، وإنما ظهر على وفق دعوالك اتفاقا". ~~فتعليل الأفعال لازم لصحة الاحتجاج بالمعجز. وإذا لزم خلق المعجز لأجل ~~التصديق، جاز تعليل غيره من الأفعال؛ إذ لا قائل بالفرق. # الموضع الثانى: قولهم، "استحقاق الثواب بالعمل"، كلام فيه إجمال. وقد ورد ~~في الكتاب والسنة ما يدل على نفيه وإثباته؛ فلابد من تحقيق وجه الجمع بين ~~ذلك. PageV01P098 # أما ما ورد في الكتاب مما يدل على إثباته، فقوله تعالى: {جزاء بما كانوا ~~يعملون}، ونحوها؛ وهي كثيرة. وهذه الباء تقتضي في عرف الاستعمال المقابلة ~~والعوضية، نحو "بعتك هذا بهذا". # وأما ما في السنة من ذلك، فما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى، كرجل استعمل عمالا، فقال: "من ~~يعمل لى نصف النهار على قيراط قيراط؟ " فعملت اليهود على قيراط قيراط. ~~فقال: "من يعمل لى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط؟ " فعملت ~~النصارى على قيراط قيراط. ثم أنتم تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على ~~قيراطين قيراطين: فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: "نحن أكثر عملا وأقل ~~عطاء". فقال: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ " قالوا: "لا". قال: "فإنه فضلى، ~~أوتيه من أشاء". رواه البخاري والترمذي وصححه. فوجه دلالته أنه شبه العباد ~~في طاعتهم بالأجراء في أعمالهم، وقال: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ ؟ سماه ~~"حقا لهم"؛ ودل على أنه لو نقصهم مما استعملهم عليه شيئا، ظلمهم. # وأما ما ورد في الكتاب مما يدل على نفيه، فقوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم ~~أنى لا أضيع عمل عامل منكم}، إلى قوله: {ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار ثوابا من عند الله}. وقوله: {لكن الذين اتقول ربهم لهم جنات تجرى ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله} أي تفضلا من عنده، لا يجب ~~عليه. هذا من عرف اللغة في قول القائل، "أعطيته كذا وكذا من عندي". وكذا ~~قوله تعالى: {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}، {لأولى ms028 الألباب}. PageV01P099 # أما السنة، فما صح من قوله عليه السلام، "لن يدخل أحدا عمله الجنة". ~~قالوا: "ولا أنت يا رسول الله؟ " قال: "ولا أنا، إلا أن يغمدني الله برحمة ~~منه وفضل. # وروى الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أمر يحيى ~~بن زكريا بخمس كلمات، ليعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها؛ فجمع ~~الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشرف. فقال: "إن الله ~~أمرني بخمس كلمات أن أعمال بهن، وآمركم أن تعملوا بهن. أولهن أن تعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من ~~خالص ماله بذهب أو ورق، فقال: "هذه داري، وهذا عملي؛ فاعمل، وأد إلي". فكان ~~يعمل ويؤدى إلى غير سيده؛ فأيكم يرضى أن يكون كذلك؟ " الحديث، رواه النسائي ~~والترمذي وصححه. # ووجه دلالته أنه شبه الناس في المثال بالعبيد؛ وهم كذلك عبيد الله حقيقة. ~~والعبد وأعماله، سواء كانت خلقا له كما تقول المعتزلة، أو كسبا كما نقوله ~~نحن، ملك لسيده. فبماذا يستحقون عليه الجزاء؟ وإنما يجازيهم على طاعتهم ~~تفضلا، بدليل قوله سبحانه: {ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله}. ~~وكعبد أحدنا إذا صاد صيدا، أو وجد لقطة، فجاء بها إلى سيده، فقال له: ~~"اذهب، فكلها، وانتفع بها"، تفضلا من السيد بملكه على عبده، لا استحقاقا ~~للعبد على سيده. ودلالة هذا الحديث على نفي استحقاقهم للثواب أقوى من دلالة ~~حديث ابن عمر على إثباته؛ لأنه شبه فيه العبيد حقيقة بالأجراء، تقريبا إلى ~~الأفهام بضرب المثال، وليسوا أجراء قطعا، بل هم عبيد مملوكون. وملك الله ~~فيهم أقوى وأكمل من ملك أحدنا لعبده. # وقد رأينا في الآثار أن الله سبحانه يقول لأهل الجنة: "ادخلوها برحمتي، ~~واقتسموها بأعمالكم"؛ وهو تفضل منه أيضا، لما سبق. وكل ما دل أو أشعر في ~~الشرع بوجوب الثواب على الله سبحانه، فإنما ذلك بمعنى أنه التزم على نفسه ~~الجزاء PageV01P100 # تفضلا؛ لقوله: {وعدا علينا إنا كنا فاعلين}، وتصديقا لخبر، حيث قال: " لا ~~يخلف الله وعده". ms029 وكما يلتزم أحدنا مكأفاة صاحبه على إحسان أو فعل جميل. ~~وفي التنزيل: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}. # [مسألة الوعيد] # ومنها أن وعيد أهل الكبائر غير منقطع عندهم ما لم يتوبوا، وأن العفو من ~~الله عمن مات مصرا على المعصية محال؛ لما يأثرون، "لا تنظروا إلى صغر ~~الذنب، ولكن انظروا على من اجترأتم". ولأن العفو عن مثل هذا إغراء للعصاة ~~بالمعصية، وهو قبيح عقلا، إذ شأن الملك أن يوقع الرهبة ولا يخرق الناموس. ~~ولأن ذلك أصلح للخلق ليرتدعوا. وهو عند أهل السنة في مشيئة الله، لقوله: ~~{ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. # وجواب المعتزلة: أما ما أثروه، فلا يثبت إلا عن بعض التابعين. وأما إغراء ~~العصاة، فباطل بالتوبة؛ فإن قبولها واجب عندهم مع حصول الإغراء به. إذ ~~إقدام العاصي على المعصية إتكالا على التوبة، كإقدامه اتكالا على العفو. ~~وأما اعتبار خرق الناموس، فهو تحسين عقلي باطل. ثم قبحه معارض بحسن العفو. ~~وترك الوعيد مكرمة عند العقلاء؛ لقول الشاعر: # وإني وإن أوعدته أو وعدته .... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # وهذا البيت احتج به أبو عمرو بن العلاء على عمرو بن عبيد. فيقال: إن عمرو ~~بن عبيد قال لأبي عمرو: "إن الله يتعالى عن الخلف. والشاعر قد يقول الشئ ~~وخلافه؛ فهلا قلت ما قال الشاعر: # إن أبا ثابت لمجتمع ال ... رأي شريف الإباء والبيت # لا يخلف الوعد والعيد ولا ... يثبت من ثأره على فوت" PageV01P101 # قلت: وفي معناه قول أبي تمام: # قوم إذا وعدوا أو أوعدوا ملؤوا ... صدقا ذوائب ما قالوا بما فعلوا # والله أعلم. # وأما كونه أصلح للخلق، فبينا بطلانه. والقاطع في الباب قوله تعالى: {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. فإذا فرضنا من عمل ~~شرا وخيرا، فجزاؤه على الخير إنما هو في الآخرة بالجنة. فهو إما بدخولها ~~بعد جزائه على الشر بالنار؛ وهو المطلوب. أو بدخولها، ثم دخول النار؛ وهو ~~خلاف الإجماع وقوله تعالى: {وما هم منها بمخرجين}، {فادخلوها خالدين}. وأما ~~العمومات الدالة على ما ذكروه، نحو ms030 {ومن يقتل مؤمنا متعمدا}، {وإن الفجار ~~لفى جحيم}، ونحوه، فعام مخصوص بأدلتنا؛ لأن صيغ العموم غير قاطعة في ~~الاستغراق؛ فاحتملت التخصيص. ### || AUTO [إنكارهم الشفاعة] # ومنها إنكار الشفاعة للعصاة، لما ذكروه من الإغراء. وجوابه ما سبق، ونصوص ~~الكتاب والسنة، وإجماع السلف على خلافهم. وتمسكوا من الكتاب بعمومات ضعيفة، ~~نحو {ولا تنفعها شفاعة}، {فما لنا من شافعين}، {ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع}، ونحوها، مما لو وفي بالدلالة، لكان معارضا بأقوى منه؛ PageV01P102 # نحو {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}، {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا}، قيل بالتوحيد، {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}، {إلا ~~بإذنه}، ونحو ذلك. فضلا عن نصوص السنة المتواترة المفصلة المجمع على ثبوتها ~~وصحتها. ### || AUTO [قبول التوبة واجب على الله عندهم] # ومنها أن ### || AUTO قبول التوبة واجب على الله عندهم # ، إما لكونه أصلح- وقد أبطلنا رعاية الأصلح؛ ثم يلزمهم على ذلك إيجاب ~~الشفاعة وأن لا يدخلهم النار، لأنه أصلح لهم- أو تصديقا لخبره، حيث قال: ~~{وقابل التوب}، {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده}، ونحوه. إذ خلاف الخبر ~~كذب؛ وهو قبيح. وقد أبطلنا قاعدة التقبيح العقلى. ثم يلزمهم عليه أن يغفر ~~جميع الذنوب؛ لقوله، {غافر الذنب}، {إن الله يغفر الذنوب جميعا}، أو لنحو ~~قال القائل: # إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكل فتى لا يقبل العذر مذنب # وهذا عجب! إذ يخالفون نصوص القرآن وتواتر السنة، ويحتجون بالشعر الركيك. ~~ثم الكلام فيه في المخلوقين، لقوله، "وكل فتى"؛ فقاسوا الله على خلقخ في ~~وجوب قبول العذر، وهو قياس ضعيف في إثبات أصل عظيم. ثم يلزمهم أن يسقط ~~الذنب بالعذر فقط، ولا حاجة إلى التوبة. # والقول عندنا أن قبول التوبة ليس بواجب على الله، بل هو جائز مرجو من ~~فضله PageV01P103 # وكرمه. والإخبارات الواردة بقبولها مقدر فيها اشتراط المشيئة، أى يقبل ~~التوبة ممن يشاء؛ كما قال: {ادعوني استجب لكم}، ثم قيده بقوله: {بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء}. وقوله: {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها}، ثم قيده ms031 بقوله: {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} فكذلك، هذا مقيد ~~تقديرا، وإن لم يصرح به في موضع آخر. # وعهدتهم من المنقول قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء}، الآية؛ ولفظ "على" للوجوب. وعندهم أنهم يخلفون التوبة أفعالا ~~يستوجبون بها القبول. # وعندنا، التوبة مخلوقة لله، وقبولها تفضل من الله. وقوله: {إنما التوبة ~~على الله}، منزل على وجوب وقوع الوعد بالقبول تصديقا للخبر بأن وعده لا ~~يخلف، أو أن معناه التوبة الواردة على رسل الله، أي على ألسنة رسله؛ كقوله: ~~{ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك}. ### || AUTO [إنكارهم الاستثناء في الإيمان] # ومنها ### || AUTO إنكارهم الاستثناء في الإيمان # ، نحو "أنا مؤمن، إن شاء الله"، ظنا منهم أن شلك شك. وغفلوا عن فائدته؛ ~~وهي التبرك بذكر الله، إن أريد: "أنا مؤمن في الحال". أو صرفه إلى كمال ~~الإيمان، إذ لا يثصق كل أحد بكمال إيمانه، والإتيان بما أخذ عليه فيه من ~~الأقوال والأفعال. ولو علم كماله، فهو يعتصم بالاستثناء من الخذلان لتاليه، ~~فيبتلى بما ينقص إيمانه. أو صرفه إلى المال؛ إذ ليس على ثقة من الموت ~~مؤمنا. PageV01P104 # ورأينا في أرض مصر قوما يقال لهم المرازقة، يستثنون في كل خير. إن أحدهم ~~يقول: "هذا حصير، إن شاء الله. هذا إنسان، أة زيد، أو النار حارة، أو الماء ~~بارد، إن شاء الله". فهو في الغلو والإفراط مقابل المعتزلة في التفريط. # والتحقيق في هذا أن كل قضية عملت يقينا، وأجرى الله عادته ببقائها وعدم ~~تغيرها، لا يشرع فيها الاستثناء، لأنه عبث. وربما جر إلى السفسطة وإنكار ~~الحقائق؛ إذ يقول الشخص: "هذا الجبل حجر، إن شاء الله"، خشية أن لا يكون ~~شواء، أو لبنية، أو حلواء، أو مريسا، أو قطنا، أو تبنا، أو لا شيء، بل خيال ~~في منام. وذلك خروج عن العقل. ### || AUTO [إيجابهم إرسال الرسل، وإيجاب الرافضة نصب الأئمة، على الله عقلا] # ومنها أن إرسال الرسل واجب على الله عقلا رعاية للصلاح. وأوجبت الرافضة ~~نصب الإمام على الله عقلا. ووافقهم أبو الحسين البصري، ms032 على ما حكي فيه ~~المحصل. وحكاه ابن برهان عن غيره من المعتزلة. وهو قياس إيجابهم إرسال ~~الرسل، لاستوائهما في رعاية المصالح. وقد أبطلنا أصل ذلك. # وحكي عن الأصم أن العالم إذا تناصفوا بينهم، بحيث يستغنى عن سياسة ~~الإمام، لم يجب نصبه. وهو قول صحيح. والجمهور على أن نصب الإمام من الله ~~تفضل، وهو على الأمة واجب على الكفاية. ### || AUTO [قول أبي هاشم: "دفع الضرر عن النفس واجب عقلا، وعن الغير سمعا"] # ومنها ما حكي ابن برهان عن أبي هاشم، أنه يجب على العاقل بالعقل دفع ~~الضرر عن نفسه، ولا يجب عن غيره إلا بسمع. قلت: الوجوب العقلي باطل، لما ~~سبق. أما الحكم في هذا عند بعض العلماء، فإن الإنسان يلزمه الدفع مع القدرة ~~عن حرمته إذا أريدت للزنا، لأن الدفع حق الله، دون ماله، لأنه حق نفسه. وفي ~~نفسه قولان، بناء أريدت للزنا، لأن الدفع حق الله، دون ماله، لأنه حق نفسه. ~~وفي نفسه قولان، بناء PageV01P105 # على أن المغلب فيها حق الله، لكونها ملكة، وهذا لا يجوز له التصرف بما ~~يود بها بغير إذن شرعي؛ أو الإنسان، لأنه المختص بالألم فيها، والمستحق ~~لبذلها قصاصا أودية. وقد قررت هذا الأصل في الفوائد. # وأما دفعه عن غيره، فظاهر قوله عليه السلام، " انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما"، يقتضي وجوبه. وفيه نصوص غير ذلك. ويحتمل أن يخرج فيه القولان ~~كالنفس، لقوله عليه السلام، "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد ~~الواحد"؛ وفي "الجسد الواحد" القولان. # [قولهم: "القبح محرم إما لنفسه، أو لكونه مفسدة] # ومنها ما حكاه أيضا عنهم أنهم قالوا "القبيح إما محرم لنفسه، كالكذب وكفر ~~النعمة، أو لكونه ترك واجب، كترك العبادات، أو لكونه مفسدة مخالفة للعقل، ~~كالزنا ونحوه". # قلت: قد سبق الدليل على بطلان قبح الكذب لنفسه. وقد وردت الشريعة ~~بمشروعيته لمصالح راجحة على مفسدته. ولو كان قبيحا لنفسه، لما وردت به. ~~فروت أم كلثوم بنت عقبة، قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"ليس بالكاذب من أصلح بين الناس، فقال ms033 خيرا أو نمى خيرا". رواه النسائي ~~وأبو داوود والترمذي وصححه، وأخرجاه في الصحيحين؛ زاد مسلم: "لا يحل الكذب ~~إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح ~~بين الناس". واللفظ في هذه الزيادة للترمذي من حديث أسماء بنت يزيد، وقال: ~~"هو حسن غريب". PageV01P106 # قال بعض العلماء: "الكذب قد يكون واجبا إذا تضمن واجبا؛ كإنقاذ ولي أو ~~مظلوم من قتل أو ظلم. وقد يكون مندوبا، كالإصلاح بين الناس. وقد يباح، ~~لاستصلاح الزوجة. وما عدا ذلك منه، فهو حرام قبيح شرعا، للنصوص فيه". ### || AUTO [المعدوم شيء، أو ليس بشيء] # ومنها أن المعدوم ليس بشيء عند الجمهور، وعندهم هو شيء. حتى قال أبو ~~هاشم: "هو ذات ونفس وجوهر وعرض". لكن لم يقم العرض بالجوهر عنده أزلا. ~~وخالفه أبو يعقوب الشحام، فأثبت ذلك. ومذهب جمهورهم أن المعدوم شيء، وليس ~~بذات؛ والقدرة القديمة إنما تؤثر في جعله شيئا؛ إذ هو تحصيل الحاصل. وعلى ~~رأي أبي هاشم والشحام، إنما تؤثر في إظهاره بعد الخفاء، لا في إيجداه بعد ~~العدم. أو لعلهما من القائلين بالحال، وهو الواسطة بين الوجود والعدم، وهي ~~الثبوت. إذ الثبوت عندهم ليس وجودا ولا عدما. والثابت لا موجود ولا معدوم ~~لأنهم يقولون: "المعدوم، كطلوع الشمس غدا مثلا، متميز عن غيره قطعا؛ وكل ~~متميز ثابت؛ فالمعدوم ثابت". والقدح في المقدمة الأولى بأنه متميز في ~~الذهبن، لا في الخارج؛ وهو غير مجد، إذ الكلام في الأحكام الخارجية. فعلى ~~رأي القائلين بالحال، يكون تأثير القدرة في نقله عن الواسطة إلى أحد ~~الطرفين، وهو الوجود. والذي حملهم على هذه التمويهات كون العقل لا يدرك ~~إيجاد شيء لا من شيء. وهو هرب من التحسين والتقبيح، أو مشبه له. فمالت بهم ~~نزعة فلسفية، فقالو بقدم العالم. ### || AUTO [قولهم: "إن البنية شرط في الكلام"] # ومنها قولهم، إن البنية شرط في الكلام، قياسا على الشاهد. فلا جرم نفوا ~~أن الله متكلم بحرف وصوت، كما يقول بعض أهل السنة. وقد سبق نفيهم لكلام ~~النفس الذي أثبته الأشعرية. وإنما قالوا: ms034 "القرآن كلام الله، بمعنى أنه ~~خلقه في جسم ما، فأضيف إليه إضافة خلق وفعل، لا إضافة صفة وقول". وكذلك ~~التزموا جواز أن يشتق للشيء اسم من معنى قام بغيره. لأن عندهم الكلام قام ~~بغير الله. واشتق لله منه اسم PageV01P107 # "متكلم". وكذا قالوا: "انبعاث الأشعة من الحدق، واتصالها بالمرئي، شرط في ~~الرؤية، قياسا على الشاهد". فلا جرم منعوا جواز رؤية الله، لاستحالة اتصال ~~الأشعة به. وهذا، إن لم يكن من باب التحسين والتقبيح، فهو من باب قياس ~~الغائب على الشاهد. وهو نازع منزعه، ومأخوذ منه؛ كأنهم قالوا: يقبح في ~~العقل إثبات ما يخالف العقل". وهو خلاف ما اشترطوه من البنية، واتصال ~~الأشعة غير معقول. ### || AUTO [حكموا بقبح الآلام في العالم إلا لغرض صحيح] # ومنها أنهم ### || AUTO حكموا بقبح الآلام في العالم إلا لغرض صحيح # ، كتحقيق عقاب وزجر، كالقصاص، أو التزام ثواب في مقابلتها، أو دفع ما هو ~~أعظم بلاء منها. وعندنا، لا يقبح من الله شيء، حتى إيلام البريء والطفل ~~والدابة، لأنه ماك متصرف تام التصرف. # ويفسد مذهبهم بأن يقال: الألم قبيح لذاته، أو لغيره؟ إن كان لذاته، فكيف ~~انقلب في الصور التي استثنيتموها حسنا؟ والأحكام الذاتية لا تقبل التغير ما ~~دامت الذات باقية. وإن كان لغيره. فذلك الغير إما لازم له، لا ينفك عنه؛ ~~فيصير كالقبيح لذاته، ويعود الكلام فيه. وإن لم يكن لازما، فبتقدير ~~انفكاكه، يزول قبح الألم؛ فيجوز، أو لا يمنع فعله مطلقا. وأنتم أثبتم قبحه، ~~فيما عدا الصور المستثناة، مطلقا. وأيضا، الأعراض التي جوزتم الألم لأجلها ~~في الصور المستثناة يقدر الله صبحانه على تحصيلها بدون الإيلام؛ فتصير ~~واسطة مستغنى عنها، وهو عبث قبيح. فإذن، لا وجه لاستثنائكم تلك الصور. ~~فيلزمكم تقبيح الإيلام مطلقا، أو تحسينه مطلقا. ### || AUTO [الأنبياء أفضل أم الملائكة؟ # ] # ومنها أن الأنبياء، عند الجمهور، أفضل من الملائكة. وعند المعتزلة ~~والفلاسفة الملائكة أفضل. وفي الملة ستة أقوال، ذكرتها في تفسير قوله ~~تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}. ومن مآخذ الفلاسفة فيها أن الملك ~~روحاني نوراني شفاف ms035 خفيف، وأنه مجاور للحضرة الملكوتية، بخلاف النبي وسائر ~~البشر. وهو من باب التحسين PageV01P108 # والتقبيح، أو ما يشبهه. # وقد ذهب بعض المشرعين إلى ما ذهبوا إليه. ومأخذهم نقلة، لقوله تعالى: {لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون}. وفي مثل هذا ~~السياق، إنما يؤخر الأشرف، كقولك، "لا يأبى الوزير خدمتي، ولا السلطان"، ~~وقوله، {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك}. # واحتج ابن حزم الظاهري على ذلك بقوله تعالى في بني آدم: {وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا}؛ وأجمعنا على تفضيلهم على من عدا الملائكة؛ فلم يبق ~~إلا الملائكة. قلت: هذا إنما يفيد أن بني آدم ليسوا أفضل من الملائكة. فإذا ~~انضم إلى دلالة الآية قوله سبحانه، فيما حكي عنه في صحيح السنة، "من ذكرني ~~في نفسه، ذكرته في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه"، يعني ~~الملائكة، كملن الدلالة، وثبت المدعى، وهو أن الملائكة أشرف من بني آدم. ### || AUTO [إنكارهم كرامات الأولياء] # ومنها أنهم أنكروا كرامات الأولياء؛ لأنها إنما تكون بخرق العادات، فتبطل ~~خصائص الأنبياء ومعجزاتهم، ويقع اللبس بين النبي والولي. والحق ثبوت ~~الكرامات. نعم، هل يجوز بلوغ الكرامة حد المعجز في خرق العادة؟ على قولين. ~~فإن لم يجز، ظهر الفرق بينهما، بقصور الكرامة عن المعجز ضرورة. وإن جاز، ~~فالفرق يظهر من وجوه. # أحدها: أن المعجز مقرون بالتحدي، وهو طلب النبي المعارضة تعجيزا للناس؛ ~~بخلاف الكرامة. فإن تحدى صاحب الكرامة بها مدعيا للنبوة، لزم قطعا أن يعجزه ~~الله عن إظهارها، أو يقيض له معارضا يبطلها، صيانة لخواص النبوة عن ~~الإبطال. على أن عادة PageV01P109 # الله سبحانه جرت أنه لا يكرم بخوارق العادات إلا متأدبا مراقبا خائفا من ~~المكر والاستدراج، لا أحمق يعدو طوره، ويتجاوز حده. فصار امتناع ذلك من ~~المعلومات العادية، كانقلاب الجبال ذهبا، والبحار عسلا. # الثانى: أن النبي مأمور بإظهار المعجزة. ويجوز افتخاره بها. بخلاف الولى فيهما. # الثالث: أن المعجز أمان للنبي من المكر والاستدراج بخلاف كرامة الولي؛ ms036 ~~فإنه يجوز أن يكون مخادعا مستدرجا. ### || AUTO [إنكارهم السحر] # ومنها أنهم أنكروا أن السحر حقيقة، وإنما هو تخييل وتمويه؛ إذ لو كان له ~~حقيقة لالتبس بالمعجزات، لأنه يخرق العادات، فتبطل النبوات؛ ولما جاز ~~تسليطه على الأنبياء؛ لأنهم معصومون. # والجواب: إن التباسه بالنبوات يرتفع بأن السحر تجوز معارضته؛ بخلاف ~~المعجز. فإن قيل: "قد يوجد في السحرة مبرز لا يعارض سحره"؛ فالجواب أن ~~صيانة النبوات لازم شرعا. فيلزم إما سلبه القدرة على السحر، أو تقييض ~~المعارض، كالمتحدي بالكرامة. وأما عصمة الأنبياء، فهي لمن شاء الله منهم، ~~وفيما يختص بتبليغ الوحي عن الله، لا مطلقا. إذ قد سلط الكفار على قتل ~~الأنبياء وأذاهم؛ فكسرت رباعية النبي عليه السلام يوم أحد، وأدمى وجهه، ~~وسلط إبليس على أيوب وماله وولده. فتسليط السحر عليهم كتسليط سائر الآفات. # وقد صرح بثبوته الكتاب والسنة في قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين} ~~الآية. فجعله متلوا، ومعلما، ومنزلا، ومفرقا بين المرء وزوجه، ومكفرا ~~بتعلمه. وذلك فيما لا حقيقة له محال. وسحر النبي عليه السلام وعائشة ~~وغيرهما. وأوجب الشافعي وأحمد في القتل به القود. وإثباته بما لا حقيقة له ~~محال على مثلهما. وما شنع به عليهما في ذلك، من أنه خلاف لإجماع، ليس بشيء؛ ~~لأن مقدورات الله سبحانه لا تتناهى؛ ففي مقدوره ترتيب القتل عند فعل السحر؛ ~~لأنه ينقض الطباع، ترتيب القتل عند فعل السحر؛ لأنه ينقض الطباع، PageV01P110 # ويغير الأوضاع؛ فيكون قتلا بغير محد. وفيه خلاف مشهور بنيهما وبين العمل ~~وغيره. فأين خلاف الإجماع؟ ### || AUTO [إنكارهم الجن والشياطين] # ومنها ### || AUTO إنكارهم الجن والشياطين # ، مع تصريح النصوص بهم، وإجماع الأمة على ثبوتهم، بناء على أصلين. أحدهما ~~فلسفى، وهو أن عنصر النار وحده لا يمكن أن يوجد منه جسم؛ لأنه بسيط؛ فلا ~~يوجد منه بمفرده مركب. # والجواب له: يجوز أن يخلق الله الحياة والإدراك في البسائط؛ فلا ضرورة ~~إلى التركيب. على أنا نقول: ما تعنون بالبسيط؟ إن عنيتم ما استوت أجزاؤه في ~~الحد والحقيقة، فقد نمنعه، وندعي تركب الشيطان من النار وعناصر أخر ms037 يعلمها ~~الله. لكن لغلبة النارية عليه، قيل: "خلق من نار"، واقتصر على عنصرها في مادته. # الأصل الثاني أن عندهم، مع صجة الحاسمة، ومقابلة المرئي، وارتفاع الحجب ~~والموانع، وحصول الشرائط، يستحيل تخلف الرؤية. فلو كان للجن أو الشيطان ~~حقيقة، لكان إذا حضر عندنا، رأيناه. وبهذا احتجوا على عدم جواز رؤية الله ~~سبحانه؛ وإلا لرأيناه الآن، إذ هو سبحانه لا يحجبه شيء. وبالغوا في ~~التشنيع؛ حتى قالوا: "لو جاز تخلف الرؤية مع ما ذكرناه، لجاز أن يكون ~~بحضرتنا فيلة وجواميس، بل جبال، ونحن لا نراها. والعقل يأبى ذلك، ويقبح ~~دعواه". # وذلك منهم فاسد. أما أولا، فلقوله تعالى: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا ~~تبصرون}. فأثبت أن في الموجودات ما لا يرى، كالهواء؛ فجاز أن الشيطان مثله. ~~وقد ذكر العلماء أنه في الملائكة. وإن وصلنا معهم إلى هذا، ناظرناهم في ~~إثبات النبوة، بل في أصل التوحيد؛ لأن ما ذكروه قادح فيهما. فإن الأمة ~~أجمعت، رواية وقبولا، على أنه عليه السلام أخبر أن شيطانا تفلت عليه ليقطع ~~صلاته، وأنه لولا دعوة PageV01P111 # سليمان، {رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى}، لربطته إلى بعض سواري ~~المسجد، حتى يصبح ولدان المدينة يلعبون به. وإنه عليه السلام اجتمع بجن ~~نصيبين، وآمنوا به، وقرأ عليهم القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين. ولهم ~~سورة مستقلة في القرآن. # فإذن، الأمر دائر بين صدق الرسول، أو صدق المعتزلة. فيكون الرسول قد وضع ~~القرآن وأخبر بما لا كان. وذلك عين الزندقة والكفران. نعوذ بالله من ~~الخذلان. # وقد ذكر ابن حزم الظاهري، في كتاب تقريب المنطق، أن الهواء ونحوه مما لا ~~يرى لم يحمل العرض، فلذلك لم ير. وعدم حمل العرض لا يستلزم نفي التركيب. # وأما ثانيا، فلأنهم إنما أحالوا تخلف الرؤية عن حصول شرائطها وارتفاع ~~موانعها؛ فمن أين لهم ذلك في رؤية الشيطان؟ فلعله تخلف شرط، أو وجد مانع، ~~ككونه في غاية اللطافة، أو غير حامل للعرض، أو غير ذلك؛ بخلاف ما يشنعون به ~~من الفيلة ونحوها. # قلت: هذا هو المشهور ms038 عن المعتزلة في كتب الأصوليين الناقلين عنهم. أما ~~القاضي عبد الجبار، في طبقات المعتزلة، فإنه أثبت الشيطان ووسوسته؛ ووجهها ~~بأنه، للطافته ولطف بنيته، يتمكن مما لا يتمكن منه بعضنا من بعض. وفرق بين ~~شياطين الإنس والجن، بأن شياطين الجن لا يمكنهم الدعاء إلى المعصية جهرا، ~~بل خفية بالوسوسة، بخلاف الآخرين. فلعل النافي للشياطين بعض المعتزلة. فيصح ~~الثقلان. PageV01P112 ### || AUTO [غاية الأجل والرزق] # ومنها أن غاية أجل الحيوان، عندنا، هي الوقت الذي تفارقه فيه الحياة ~~قتلا، أو حتف أنفه. وعندهم، هي الوقت الذي يموت فيه حتف أنفه. فالقاتل له ~~قبل ذلك قاطع لأجله؛ حتى لو لم يقتله، لبقي حيا، استصحابا لحال حياته. ~~وعندنا، ما ندري ما كان يكون منه؛ فلعل الله سبحانه يهلكه بسبب آخر ويعدمه. # والرزق عندنا ما انتفع به الحيوان في إقامة بدنه، سواء تناوله بسبب مباح ~~أو حرم. وعندهم لا رزق إلا الحلال؛ والحرام ليس من رزق الله. وهما من شنيع ~~قولهم. ومن حججهم في الرزق، أن الله سبحانه مدح المنفقين من الرزق بقوله: ~~{ومما رزقناهم ينفقون}؛ وذم من أنفق من الحرام، بدليل النص والإجماع. فلا ~~يكون الرزق حراما، ولا الحرام رزقا. # وجوابه أن ذم المنفق من الحرام إنما هو على كسب الحرام، لا على الإنفاق ~~منه؛ إذ الإنفاق، من حيث هو متضمن للسماح في ذات الله بما يعز على النفس، ~~ممدوح لا نزاع فيه. ثم لنا قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها}؛ فيتناول العقلاء بالحقيقة الوضعية. وأيضا، لو لم يكن الحرام رزقا، ~~لكان من عاش طول عمره على الحرام غير آكل من رزق الله. وهو باطل. وأيضا، ~~قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم}؛ والخطاب ~~للكفار الذين كانت معيشتهم من النهاب والغارات؛ وذلك حرام قطعا. ### || AUTO [إنكارهم عذاب القبر] # ومنها المشهور بين علماء أهل السنة في تصانيفهم ومحاوراتهم، أن المعتزلة ~~ينكرون عذاب القبر، ومنكرا ونكيرا الملكين السائلين للميت في قبره، وأنهم ~~حملوا المنكر على PageV01P113 # تلجلج العاصي عند الجواب، والنكير على ms039 تقريع الملكين للكافر. كذا ذكر ابن ~~برهان في الاعتصام. # والذى ذكره القاضي عبد الجبار في طبقات المعتزلة إنكار هذا النقل عنهم. ~~قال: "وإنما أنكره أولا ضرار بن عمرو، وكان من أصحاب واصل؛ فظن الناس أن ~~المعتزلة أنكروه. وإنما المعتزلة رجلان: أحدهما يجوز ذلك، كما وردت به ~~الأخبار. والثاني، وهم أكثر شيوخنا، يقطعون بذلك، لظهور الأخبار؛ وإنما ~~ينكرون قول طائفة من الجهلة، "إنهم يعذبون وهم موتى لا حياة فيهم"، لأن ~~دليل العقل يأبى ذلك". # قلت: ذكر الشهرستاني في النبوات أن هذا الذي أنكروه هو قول صالح والصالحي ~~منهم، ومال إليه الكرامية. ويحكى مثله عن ابن جرير الطبري. قال: "وزعم بعض ~~أهل المقالات أن الآلام تجتمع في أجساد الموتى وتتضاعف. حتى إذا حشروا، ~~أحسوها دفعة واحدة، كالسكران والمغشي عليه لو [جرح] بالسكين، فلا يحس ~~بالألم حتى يفيق". قال الشهرستاني: "وأما ضرار وبشر المريسي ويحيى بن كامل ~~وباقي المعتزلة، فنفوا عذاب القبر ورد الأرواح إلى الأجساد. وعليه معظم ~~معتزلة عصرنا". ### || AUTO [إنكارهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن] # ومنها أنهم أنكروا أن الجنة والنار مخلوقتان الآن؛ بل ستخلفان؛ لأن ~~خلقهما قبل الحاجة إليهما عبث؛ وهو قبيح. وعندنا هما موجودتان، رأهما النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وصرح بوجودهما الكتاب والسنة. والعبث فيهما ممنوع؛ بل ~~فيه ترغيب وترهيب. # هذا ما تيسر إثباته من فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين. PageV01P114 ### | AUTO [ثالثا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه] # وأما فروعه في أصول الفقه، ### || AUTO [عندهم أن شكر المنعم واجب عقلا] # فمنها أن شكر المنعم لا يجب عقلا، عندنا. وعندهم، يجب. أما وجوبه شرعا، ~~فمتفق عليه. ### || AUTO [حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع] # ومنها أن أفعال العقلاء لا حكم لها قبل ورود الشرع، عندنا. وعندهم، ~~الأفعال الاختيارية، إما حسن بالعقل، أو قبيح، أو ما لم ينص فيه العقل بحسن ~~ولا بقبح. # والأول واجب، أو مندوب، أو مباح. والثانى حرام، أو مكروه. والثالث، هل هو ~~واجب، أو مباح، أو على الوقف؟ هم فيه ثلاث فرق. أما الأفعال الاضطرارية، ~~كالتنفس ms040 ونحوه، فحسنة، قولا واحدا. ### || AUTO [تكليف ما لا يطاق] # ومنها مسألة ### || AUTO تكليف ما لا يطاق # . وبعضهم يترجمها بالتكليف بالمحال؛ وله يستعمل، لأنه أخص. ويحتاج إلى ~~تحقيق الكلام فيها، لأن لها فروعا متعددة؛ فهي أصل لها. وإن كانت فرعا ~~للتحسين والتقبيح، فهي أصل وسط، كالأفرع المتوسطة، كالحيوان بين الجسم ~~النامى والإنسان. # فنقول: اعلم أن المعلوم إما ممكن، أو واجب، أو ممتنع. فالممكن ما استوت ~~نسبته إلى الوجود والعدم؛ فيحتاج في وجوده إلى مرجح ومخصص. والواجب ما ترجح ~~وجوده على عدمه. والممتنع ما ترجح عدمه على وجوده. ثم كل واحد من الواجب ~~والممتنع، إما أن يكون وجوبه أو امتناعه لذاته، أو لغيره. فالواجب لذاته ما ~~لم يقف وجوده على سبب خارج عن ذاته؛ كسائر الموجودات حال وجودها. والممتنع ~~لذاته، كالجمع بين الضدين. والممتنع لغير نحو كل ما علم الله سبحانه أنه لا ~~يوجد؛ كإيمان من علم أنه يموت كافرا، وهو المثال المشهور في هذا الباب. # فإذا، المحال ضربان: محال لذاته، ولغيره. وقد اختلف فيهما. فأجاز التكليف ~~بهما PageV01P115 # قوم، ومنعه آخرون. وأجاز قوم التكليف بالثاني دون الأول. وحكي عن أبي ~~إسحق أن التكليف نوعان: تكليف طلب واقتضاء، وهو فيما لا يطاق محال وخروج عن ~~الحكمة؛ وتكليف تسخير وتعجيز، يعني نحو قوله: {كونوا قردة}، {كونوا حجارة ~~أو حديدا}؛ فهو جائز عقلا. قلت: وقوله داخل في الأقوال المذكورة؛ وإنما ~~حكيناه لما فيه من التفصيل. # وذكر [أبو الحسن] الأشعري وأكثر أصحابه على جواز تكليف المحال وجوها. ~~أحدها أن أفعال العباد مخلوقة لله، كما سيأتى مذهبه فيه. وهم مكلفون ~~بإيقاعها، كالصلاة وسائر العبادات؛ وذلك تحصيل الحاصل؛ وهو محال. # الثاني أن القدرة الحادثة مع المقدور؛ وهو مكللف به قبل إيقاعه؛ ولا معنى ~~لتكليف المحال إلا التكليف بما لا قدرة للمكللف عليه. قلت: المعتزلة يمنعون ~~المقدمتين الأوليين من هاتين الحجتين. # الثالث: عند معتزلة بغداد أن الختم والطبع مانعان من الإيمان، مع أن ~~المطبوع على قلبه مأمور به. وهو تكليف مع عدم القدرة. قلت: إن صح هذا عن ~~معتزلة ms041 بغداد، فجمهور المعتزلة على أن الطبع والختم تسمية العبد مطبوعا ~~ومختوما على قلبه؛ وهو لا يمنع الإيمان عندهم. ومن أدلة السمع، قوله تعالى: ~~{ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}. ولولا جوازه، لما استعاذوا منه؛ إذ ~~الاستعاذة من المحال محال. والخصم يتأول الآية على ما فيه كلفة ومشقة. ثم ~~هي معارضة بقوله تعالى في صدر هذه الآية بعينها، وفي غير موضع من القرآن: ~~{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. PageV01P116 # قلت: هذه حجج ذكرناها ليعرفها الناظر وما يتوجه عليها. ونحن نذكر المختار ~~في تقرير المسألة ومآخذها، ونذكر دليل القولين الأولين من الأقوال الثلاثة، ~~فبها يعلم دليل القول الثالث، لأنه داخل فيهما، مركب منهما. # فنقول: احتج من منع التكليف بالمحال لذاته، بأن التكليف طلب؛ والطلب ~~يستدعي تصور المطلوب في نفس الطالب؛ لكن المحال لذاته لا تصور له في النفس؛ ~~فلا يكون مطلوبا؛ فلا يكون مكلفا به. وأورد عليه أن المحال لذاته، لو لم ~~يصح تصوره في النفس، لما صح الحكم عليه بالاستحالة في قولنا مثلا، طالجمع ~~بين الضدين مستحيل"؛ لأن الحكم عليه تصديق؛ والتصديق فرع التطور لطرفيه، ~~الحكم والمحكوم عليه. # والجواب أن الحكم يكون تارة بالإيجاب، وتارة بالسلب. والحكم الممتنع على ~~المحال إنما هو الأول، وهو الحكم بوجوبه، أو وجوده، أو إمكانه، أو ما ~~يستلزم شيئا من ذلك؛ كقولنا، "الجمع بين الضدين واجب، أو موجود، أو ممكن، ~~أو غير ممتنع". أما الثاني، وهو الحكم السلبي، فليس ممتنعا عليه؛ كقولنا، ~~"الجمع بين الضدين غير موجود، أو غير ممكن، أو هو محال"؛ لأنه في تقدير ~~السلب. وقولنا، "المحال لا تصور له، أو غير متصور في النفس"، من هذا الباب. ~~فإن ماهية الجمع المطلقة متصورة ممكنة؛ وسلبها عن المحال لا يقتضي وجوده ~~ولا تصوره، ولا يستلزم محالا. # واحتج من أجاز التكليف بالمحال لذاته أيضا بما سبق من حجج الأشعري عقلا ~~وسمعا -وقد عرف ما عليها- وبما سبق أيضا من قوله تعالى: {أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن}، ونحوه. فإنهم كلفوا بتصديق الرسل في ms042 أنهم لا يؤمنون؛ ~~وهو تكليف بالجمع بين الضدين. # والخصم منع ذلك، وقال "إنما كلفوا بالإيمان بما أخبر به الرسل من الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. أما أنهم كلفوا بالإيمان بأنهم ~~لا يؤمنون، فلا". # وفي هذا المنع نظر؛ لأنه أمة كل نبي مكلفة بالإيمان بكل ما جاء به نبيها. ~~حتى إن PageV01P117 # التكذيب بحرف منه كالتكذيب بجميعه. ومما جاء به الرسول أنهم لا يؤمنون؛ ~~وهم مأمورون بالإيمان به. هذا تقرير الدليل التفصيلي من الطرفين. # أما المأخذ الإجمالي المختصر، فهو أن الغرض من التكليف تحصيل الفعل ~~المكلف به، أو جعل عدمه أمارة على العقاب، ووجوده أمارة على الثواب. فمن ~~قال بالأول، منع التكليف بالمحال لذاته؛ لأن تحصيله ملزوم لتصور وجوده. ~~وإذا انتفى اللازم، استحال وجود الملزوم، وقبح طلبه؛ لأن السيد لو قال ~~لعبده: "اجمع بين الحركة والسكون! " أو "بين قيامك وقعودك في وقت واحد! " ~~لكان له أن يقول "كلفني ما أقدر عليه، حتى أطيعك. أما هذا، فليس داخلا تحت ~~مقدوري" # ومن قال بالثاني، أجاز التكليف بالمحال. إذ لا يمتنع من الله سبحانه أن ~~يجعل عدمه أمارة على ذم المكلف ةعقابه، كما جعل وجود التكاليف الممكنة ~~أمارة على مدحه وثوابه، وإن كانت عندنا واجبة الوقوع بفعل الله تعالى. ~~وأكثر ما يقال على هذا: "إنه جوز على المكلف أن يعاقب من غير عصيان". لكن ~~هذا يندفع بأن لله سبحانه أن يحكم بعلمه في خلقه. فيجوز أن يجعل ذلك أمارة ~~على عقاب من علم منه أنه يستحق العقاب، لسوء اعتقاد، أو نية، أو خبث سريرة ~~وطوية، أو مجرد إرادة لذلك. وقد دل على هذا قوله عليه السلام في أطفال ~~الكفار، "الله أعلم بما كانوا عاملين". فإنه تصريح بالحكم عليهم بسابق ~~العلم فيهم. فكذا ها هنا، وأولى. # قلت: تقرير هذا المأخذ ينبني على أصلين. أحدهما أن الغرض من التكليف ~~تحصيل الفعل، ليترتب العقاب على تركه، أو جعله أمارة على الجزاء؟ الثانى أن ~~الأعمال أمارات على الجزاء معرفات، أو علل موجبات؟ والأصلان مختلف فيهما ~~بيننا وبين ms043 المعتزلة. فكل بنى فرعه على أصله. # أما النزاع في جواز التكليف بالمحال لغيره، فمأخذه أن ما علم الله تعالى ~~أنه لا يكون، هل هو مقدور له، أم لا؟ ذهب عباد بن سليمان إلى أنه غير ~~مقدور. وخالفه PageV01P118 # غيره، نظرا إلى أنه ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته مقدو. والرجحان يظهر في ~~مذهب عباد. لأن صفات ذات الله سبحانه أزلية يستحيل انقلابها وتغيرها؛ فلو ~~تعلقت قدرة الله سبحانه بإيجاد ما تعلق علمه بأن لا يوجد، لتنازع فيه ~~الصفتان. فإن تم مقتضى القدرة من إيجاده، لزم انقلاب العلم جهلا. وإن تم ~~مقتضى العلم من أنه لا يوجد، لزم انقلاب القدرة عجزا. وإن تم مقتضاهما ~~جميعا، لزم الجمع بين الضدين؛ بأن يوجد ذلك الشيء، ولا يوجد. والكل محال. ~~فأما نظر الخصم إلى أنه ممكن لذاته، فغير مجد عليه؛ لأن إمكانه لذاته انتسخ ~~بصيرورته ممتنعا لغيره. # فإن قيل: "علم الله في الأزل، إن لم يتعلق بكون هذا الشئ ممكنا لذاته، ~~لزم خلق بعض الأشياء عن تعلق علم الله بها أزلا؛ وهو محال. وإن تعلق بذلك، ~~استحال انقلابه بعد ذلك ممتنعا". قلنا: المستحيل إ~نما هو انقلاب الممكن ~~لذاته ممتنعا لذاته. أما انقلابه ممتنعا لغيره، فلا، جعلا له من ذوات ~~الجهتين. وكذلك تعلق علم الله تعالى به في الأزل ممكنا لذاته، ممتنعا ~~لغيره؛ وهو تعلق علمهبأنه لا يوجد؛ وذلك غير مستحيل. # وهذه المسألة من صور الواسطة بين الطرفين. لأن المعلوم إما واجب مطلقا، ~~فيوجد؛ أو ممتنع مطلقا، فلا يوجد؛ أو ممكن لذاته، واجب لغيره، فهو واسطة ~~بين الطرفين، فوقع النزاع فيه. فاعلم ذلك. ### || AUTO [القدرة مع الفعل أو قبله؟ # ] # وإذ تقررت مسألة تكليف المحال، فمن فروعها أن القدرة عندنا مع الفعل، ~~وعندهم قبله. لأن الكافر كفره مأمور بالإيمنا، والمحدث حال حدثه مأمور ~~بالصلاة. فلو لم يكن حينئذ قادرا على ذلك، لزم تكليف ما لا يطاق؛ وقد سبق ~~أن الأشعري جعل هذا الفرع مقدمة في الحجة الثانية على إثبات الأصل. ### || AUTO [وقت العبادة مضيق أو موسع؟ # ] # ومنها ms044 أن وقت العبادة إما بقدر فعلها، وهو المضيق؛ " أو أكبر، وهو ~~الموسع؛ أو أقل، كإيجاب أربع ركعات في زمن لا يسع إلا ركعتين، وهو غير جائز ~~إلا على تكليف المحال. PageV01P119 ### || AUTO [الفعل الواحد لا يكون مأمورا به منهيا عنه] # ومنها أن الفعل الواحد لا يكون مأمورا به، منهيا عنه من جهة واحدة، إلا ~~على تكليف المحال. أما من جهتين، فلا يمتنع؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، ~~على قول. ### || AUTO [تكليف الصبي والمجنون] # ومنها ### || AUTO تكليف الصبي والمجنون # ، لا يجوز إلا على تكليف المحال. ويكون تكليفهما أمارة على ما يريد الله ~~بهما، لسابق علمه فيهما. ومن صحح خطاب المعدوم، على ما سيأتي تفسيره، فخطاب ~~هذين أولى. # قد أوقع الحنيفة طلاق المكره، مع أنه غير مختار، جعلا للتلفظ به أمارة ~~على وقوعه، من باب ربط الحكم بالسبب. وصحح بعض الشافعية حج المجنون؛ وهو ~~قياس تصحيح حج الصبي إذا حج بهما. ### || AUTO [تكليف الملجأ] # ومنها أن المكره إذا بلغ حد الإلجاء- وهو أن يجب منه الفعل، ولا يتمكن من ~~الامتناع منه- لا يجوز تكليفه إلا على تكليف المحال. واختلف فيه إذا لم ~~يبلغ حد الإلجاء. لا يجوز تكليفه إلا على تكليف المحال. واختلف فيه إذا لم ~~يبلغ حد الإلجاء, أما المخطئ والساهي والناسي، فقد لحقهم بعض التكليف في ~~بعض الصور. والأولى أن التكليف إنما يلحقهم من باب ربط الحكم بالسبب؛ لأن ~~العقوبات والآثام موضوعة عمن لم يتعمد المعاصي. وأما الغرامات واستدراكات ~~البعبادات ونحوها، فسلبي، كما قلنا؛ لأنه من باب العدل، لا من باب التكليف. ### || AUTO [تكليف الحائض بالصوم] # ومنها أن الحائض مكلفة بالصوم، بتقدير الطهي. كالمحدث مكلف بالصلاة، ~~بتقدير الوضوء. والكافر مخاطب بأداء الفروع، بشرط الإسلام. والمعدوم مخاطب، ~~بتقدير الوجود. أما تكليفها بالصوم شرعا حال الحيض، فهو خارج على تكليف ~~المحال. ### || AUTO [التكليف بفعل علم الآمر انتفاء شرط وقوعه] # ومنها أن ### || AUTO التكليف بفعل علم الآمر انتفاء شرط وقوعه # دون المأمور، ممتنع عندهم. إذ هو تكليف بالمحال. وصورة المسألة ما إذا ~~أمره بصوم رمضان، وهو يعلم ms045 موته في شعبان؛ أو حيض المرأة المأمورة به؛ أو ~~نفاسها طول رمضان. PageV01P120 # والحق صحة هذا التكليف، وأنه ليس من تكليف المحال في شيء. لأنه تكليف ~~مفيد ظاهرا؛ بأن يعزم المكلف على الامتثال، فيثاب؛ أو لا يعزم، فيعاقب. ~~وينقطع هذا التكليف عنه بموته، كانقطاع سائر التكاليف المتكررة التي فعل ~~بعضها، كالصلوات ونحوها. والخلاف في هذا الفرع يشبه الخلاف معهم في نسخ ~~الفعل قبل وقته. ### || AUTO [تأخير البيان عن وقت الحاجة] # ومنها أن ### || AUTO تأخير البيان عن وقت الحاجة # ، وهو وقت العمل، لا يجوز إجماعا، إلا على تكليف المحال. ولعل امتناعه ~~عند المعتزلة بناء على التحسين والتقبيح، وعند من لا يقول به لمدرك آخر. ### || AUTO [بقاء التكليف مع زوال العقل] # ومنها أن بقاء التكليف، مع زوال العقل، يخرج على تكليف المحال. وهو ~~كتكليف الصبي والمجنون ابتداء. # فهذا ما حضر من فروع تكليف المحال. والنزاع في هذه الصور كلها في جوازه ~~عقلا. أما وقوعه سمعا، فلم نعلمه في الشريعة. وتردد فيه قول الأشعري، ~~واختلف فيه أصحابه. ووقوعه في مسألة خلق الأفعال لازم على رأيه فيه، كما ~~سبق. ويأتي إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: "لو كان جائزا، لوقع، ولو في صورة متفق عليها". قلنا: هذا ~~الطريق إنما يفيد في مسائل الفروع الظنية. أما العقليات فلا يفيد فيها؛ إذ ~~الوقوع ليس من لوزام الجواز. وكثير من الجائزات لم تقع؛ كالمعلومات ~~العادية؛ نحو انقلاب الجبل ذاهبا، والبحر عسلا، والأرض خبزا، علامة ونحوها. ~~فإنها جائزة في أنفسها؛ ولكن العادة جرت بأنها لا تقع. ولهذا، إذا انخرقت ~~العادات يوم القيامة، صارت الأرض خبزة، كما صحت به السنة. # ثم عدنا إلى فروع الأصل الأكبر، وهو التحسين والتقبيح. ### || AUTO [تكليف المعدوم] # ومنها ### || AUTO تكليف المعدوم # ، بمعنى قيام طلب الفعل بذات الله تعالى من المعدوم، بتقدير PageV01P121 # وجوده. وهذا مبني على إثبات كلام النفس؛ وأن التكليف بمعنى الطلب. ومن ~~زعم أن كلام الله حروف وأصوات قديمة، جعلها متوجهة إلى المعدوم بتقدير ~~وجوده أيضا. والمعتزلة أنكروا الكلام بالمعنيين. وأيضا، زعموا أن كلام ms046 من ~~لا يسمع ولا يعقل، بل هو عدم محض، قبيح عقلا. ### || AUTO [إبطال اليهود النسخ] # ومنها أن اليهود مما تمسكوا به في إبطال النسخ أن الحكم المنسوخ إما من ~~حسن، فنسخه قبيح؛ أو قبيح، فابتداء شرعه أقبح. وجوابه أنه مبني على التحسين ~~والتقبيح؛ وهم من القائلين به. وقد أبطلناه. والمعتمد عندنا في ذلك أن ~~مصالح الخلق تختلف باختلاف الأوقات. فيجوز لذلك نسخ الأحكام رعاية لمصالحهم ~~تفضلا من الله تعالى؛ كما يفعل الطبيب بالمريض، حيث يأمره اليوم بغذاء ~~يمنعه منه غدا، لاختلاف مصلحة بدنه بذلك. والشراع طبيب الأديان. ### || AUTO [منع جمهور المعتزلة من نسخ الحكم قبل دخول وقته] # ومنها أن جمهور المعتزلة منعوا من نسخ الحكم قبل دخول وقته. كما لو قال: ~~"صوموا رمضان"، أو "حجوا هذا العام"؛ ثم قال: "في شعبان"، و"قبل يوم عرفة، ~~لا تفعلوا"، بناء على أن ذلك عبث. إذ لا يحصل مقصود العبادة. وهو قبيح. وهي ~~فرد من أفراد التكليف بفعل يعلم الآمر انتفاء شرطه، كما سبق. إذ إرادة الله ~~سبحانه إيقاع الفعل شرط فيه. وبالنسخ، زال تعلق الإرادة به، أو تبينا أنها ~~لم تتعلق به. ولعل هذا مأخذ الخلاف. وهو أن الإرادة شرط في الأمر عندهم؛ ~~فإذا تعلقت بالمأمور، لا يزول تعلقها حتى يقع. وعندنا، ليست شرطا فيه. ### || AUTO [نسخ وجوب معرفة الله وشكر المنعم وتحريم الكفر والظلم] # ومنها أن أصحابا والمعتزلة اختلفوا في تصور نسخ وجوب معرفة الله وشكر ~~المنعم، وتحريم الكفر والظلم ونحوه، بناء على الخلاف في التحسين والتقبيح. ~~فمنعه المعتزلة بناء على أصلهم. # هذا ما تيسر إثباته من فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه. PageV01P122 ### | AUTO [رابعا: فروع التحسين والتقبيح في الفروع الفقهية] # وأما فروعه في الفقه، فكثيرة بالضرورة؛ لأنه إذا كثرت فروعه الأصولية، مع ~~كونها قواعد كليات، ففروعه الفقهية، مع أنها جزئيات لتلك الكليات، أولى. ~~وأكثر المذاهب نزوعا إلى قاعدة التحسين والتقبيح في الفروع مذهب أهل الرأي ~~من الكوفيين. وسبب ذلك، فيما قيل، قلة محصولهم من النصوص. فكانوا يجتهدون ~~في إصابة الحق بالقياس؛ ms047 فيجذبهم العقل إلى ما ألفه محصولهم من النصوص. ~~فكانوا يجتهدون في إصابة الحق بالقياس؛ فيجذبهم العقل إلى ما ألفه واعتاده ~~وطبع عليه من الأمور الملائمة والمناسبات المقبولة. # ولا أعني، بنزوع مذهبهم إلى قاعدة التحسين والتقبيح، أنهم يقولون بها ~~ويفرعون عليها. بل هي نازعة إليها لضرب من الشبه، أو الإغراق في طلب ~~المناسبة، أو التحقيق. فيجاوزون الحد في ذلك؛ وهو معنى ما سبق. ولا شك أننا ~~نحن وغيرنا من المذاهب، وإن قلنا باعتبار المصالح والمناسبات، لكنها مناسبا ~~شهد لها الشرع، ودل عليها الدليل. فأما مجاوزة الحد في اعتبار المناسبات ~~إلى أن يعتبر منها ما لا شاهد له، أو لا دليل عليه، بل قد يخالف النصوص، ~~فليس ذلك من باب اعتبار المصالح. ### || AUTO [النية في الوضوء] # فمن ذلك، أن النية شرط في الوضوء، عندنا. وعندهم، هي سنة لا تجب. فذكر ~~الزنجاتي في مآخذ الأحكام للخلاف مأخذا. وهو أن الماء عند أبي حنيفة مطهر ~~بطبعه، كما أنه مرو بطبعه؛ فلا يحتاج إلى النية. فجعله من قبيل العادات. ~~وهو عندنا من قبيل العبادات المفتقرة إلى النية المميزة لها من العادات. ~~وهذا مأخذ نازغ إلى الطبيعيات، فضلا عن العقليات. والمشهور في هذه المسألة ~~مأخذان. # أحدهما: أن اشتراط ### || AUTO النية في الوضوء # زيتدة على النص. والزيادة على النص نسخ؛ فتحتاج إلى دليل. وجوابه: لا ~~نسلم أن اشتراط النية زيادة على النص؛ بل النص دال على النية. إذ معقوله ~~{إذا قمتم إلى الصلاة}، لأجلها؛ كقولك، "إذا صادفت PageV01P123 # الأمير، فترجل"، أي له؛ و"إذا برزت إلى خصمك، فتأهب"، أي له. سلمناه؛ لكن ~~لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، لما تقرر في أصول الفقه. # المأخذ الثاني: أن الوضوء عبادة، أم لا؟ أو أنها مترددة بين العبادات ~~والعادات؟ فأيهما يغلب فيها؟ وبأيهما يلحق؟ وظاهر كلامه في هدايتهم أنه من ~~ذوات الوجهين. فمن حيث هو مفتاح للصلاة، يصح بدون النية؛ ومن حيث هو قربة، ~~لا يصح بدونها. فلهذا، سنت له النية، ليحصل كونه مفتاحا وقربة. # والصواب أنها عبادة؛ لقوله عليه السلام: ms048 "الوضوء شطر الإييمان"؛ والإيمان ~~عبادة. ولأن معنى العبادة، وهو الانقياد والذل، حاصل في الوضوء. إذ لولا ~~استشعار ذل العبودية بين يدي عزة الربوبية لما انقاد أحد للصلاة، فضلا عن ~~الوضوء. ### || AUTO [رؤية الهلال في الصحو] # ومنها قولهم، "لا يقبل في ### || AUTO رؤية الهلال في الصحو # إلا خبر يحصل العلم". وهو بناء على قاعدتهم في أن خبر الواحد فيما نعم ~~به البلوى غير مقبول. لأن عموم البلوى يقتضي توفر الداوعي على النقل؛ فعدمه ~~مستفيضا يدل على ضعف الخبر. وهذا تصرف عقلي، مع العلم بأن أحكام الشريعة ~~مبنية على غلبات الظنون. ولو صح ما ذكروه، لكان أولى ما اعتبرت الاستفاضة ~~في حقوق الآدميين. وقد قيل في الأموال والنفوس والحدود ما لم يبلغ ~~الاستفاضة، كأربعة في الزنا، واثنين في القصاص والمال، ورجل وامرأتين وشاهد ~~ويمين، عند الجمهور. ### || AUTO [صحة إسلام الصبي] # ومنها ما حكاه الزنجاتي عنهم في كتاب تخريج الفروع على الأصول، من أن ~~الصبي يصح إسلامه؛ لأن حسن الإسلام وقبح الكفر معلوم بالعقل. ### || AUTO [صحة شهادة الكفار بعضهم على بعض] # وتصح شهادة الكفار بعضهم على بعض لأن قبح الكذب عقلي؛ فلا يقدم عليه PageV01P124 ### || CHECK نقاش كلامه في لزوم النفل بالشروع # العاقل. ولو قبح هذا، لجازت شهادتهم مطلقا، حتى على المسلمين. ### || AUTO [حكاية مسائل ذكرها العالمي الحنفي نازعة إلى التحسين والتقبيح] # وقد ذكر العالمي الحنفي في قواعده مسائل نازعة هذا المنزع، وقرر مآخذها. ~~وأنا أذكر بعضها، وأبين ضعف تلك المآخذ، وأنها نازعة إلى مناسبات عقلية لا ~~تسلم من مبطل. ### || AUTO [لزوم النفل بالشروع] # فمنها أنه ذكر مسألة ### || AUTO لزوم النفل بالشروع # . وقررها بما حاصله أن الله سبحانه إنما خلق خلقه للعبادة؛ لقوله: {وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، أى يوحدوني ويأتون بالعبادة على وجهها. ~~وذلك يقتضي وجوب جنس العبادات، على جنس المكلفين، في جنس الأوقات؛ وأن ~~المكلف يستغرق وقته بالعبادة. لكن الله سبحانه لطف بهم؛ فعين لبعص عباداته ~~أوقاتا تفعل فيها، ووكل بعضها إلى اختيار المكلفين، توفيرا لأكثر أوقاتهم ~~عليهم، لئلا تتعطل معايشهم. ms049 فإذا عين العبد وقتا للعبادة بالنذر أو الشروع، ~~دل على فراغه لها. فعمل الدليل الأصلي عمله؛ فلزمت بالشروع. قلت أنا: ~~فكأنهم نزلوه بذلك منزلة المقر المؤاخذ بإقراره. # [نقاش كلامه في ### || AUTO لزوم النفل بالشروع] # قلت: هذا منزع لا بأس به؛ إلا أنه مناقش عليه في مواضع. # أحدها: قوله، "الآية اقتضت وجوب جنس العبادات، في جنس الأوقات"، فيه نظر؛ ~~لأن لفظ "العبادة" فيها مطلق، والوقت غير مذكور فيها صريحا؛ وإنما دل عليه ~~الفعل لزوما. وهو أيضا مطلق، والمطلق لا عموم له. # الموضع الثاني: أن "العبادة" هنا عند بعض المفسرين التوحيد؛ لأنه المطلوب ~~الأهم. ولهذا اتفقنا على أن من مات موحدا، كان له حكم المسلمين، وإن لم يأت ~~بعبادة فرعية PageV01P125 # أصلا. ولأن الآية مكتنفة بذكر الكفار والمشركين؛ فدل على أن العبادة ~~المذكورة ما يناقض ذلك، وهو الإيمان والتوحيد. أما قبلها، فقوله بعد ذكر ~~قوم نوح وموسى وغيرهم، {ولا تجعلوا مع الله إلها آخر}، ما بعدها إلى الآية ~~المذكورة. وأما بعدها، فقوله، {فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون}. ~~وعلى هذا التقدير، لا تتناول الآية محل النزاع. واعلم أن هذا، وإن كان له ~~اتجاه، إلا إن لفظ "العبادة" نص في مجلولها؛ فحمله على التوحيد وفروعه أولى. # الموضع الثالث: قوله، "عين الله سبحانه للعبادات أوقاتا لطفا بهم ورفقا". ~~فيقال له: إن الله سبحانه كريم. والكريم إذا وهب شيئا، لا يعود فيه. وعلى ~~رأيك، قد وهب لهم بعض الزمن لمعاشهم والسعي في مصالحهم؛ ثم عاد فيه، حيث ~~أوجب النفل بالشروع. # فإن قيل: "إنما يقيح الرجوع في الهبة، إذا كانت مطلقة. وعندي، وإنما وهب ~~لهم بعض الزمن بشرط استغراق حاجاتهم إليه لمعاشهم. والتلبس بالنفل دل على ~~عدم ذلك الاستغراق. فانتفى شرط الهبة في ذلك الزمان؛ فعاد إلى مستحقه. ثم ~~ما ذكرتموه لازم في النذر؛ وهو محل وفاق". # فالجواب أن ما ذكرتموه من الشرط محل النزاع. وقد اتفقنا على الهبة؛ ~~والأصل فيها الإطلاق. ثم الهبة بشرط لا تصح فيما بيننا. فكيف يفعلها الله ~~سبحانه، وهو أكرم الأكرمين، ms050 وأحكم الحكماء! وشأن الحكيم أن لا يفعل فعلا ~~إلا محض الصحة. # ولو سلمنا أنها بشرط، كما ذكرتم، لكن مع ذلك التكرم يأتي الرجوع. ألا ترى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من جابر بعيرا، ووفاه ثمنه، ثم قال: "هو ~~لك والدنانير"؛ مع أنه كان له الرجوع فيها، لأنه بدلها بشرط حصول عوض؛ ولم ~~يحصل. وكذلك مع أنه كان له الرجوع فيها، لأنه بدلها بشرط حصول عوض؛ ولم ~~يحصل. وكذلك ما ثبت من حديث الكفل مع المرأة التي راودها عن نفسها بستين أو ~~مئة دينار، ثم ارتدع عن المعصية، وترك لها المال. وحكي عن كثير من الناس ~~أنه اشترى شيئا PageV01P126 # وقبض ثمنه، ثم رد ما قبض، ولم يسترد الثمن. فإذا كان هذا شعارا بين عبيد ~~الله، فالله أولى به. # وأما النذر، فهو عهد قولي بين العبد وربه، ورد النص بوفائه؛ بخلاف ما نحن فيه. # وإطالتنا في هذا المقام إنما هو مقابلة لتحسينه العقلي بتحسين مثله، ~~وكيلا له بصاعه. وإلا، فنحن يكفينا في الجوارب ما صح من رواية عائشة، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أكل عندها من حيس أهدي لها، بعدما أخبر أنه أصبح ~~صائما. رواه مسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي. ولا يصح حمله على أنه من ~~خصائصه؛ لأنها محصورة، والأصل عدمه. ولو صح ما ذكرتم، لكان النبي عليه ~~السلام أولى باستعماله، وأعلم بمأخذه. وبقوله تعالى، {ولا تبطلوا أعمالكم}. # قلت: لكن علمت من حال ثقة لا اتهمه، بحيث حصل لى العلم بصدقه، أنه إذا ~~شرع في صوم التطوع، ثم أبطله، حصل له نكد، وصار له ذلك عادة مطردة، حتى ظن ~~بها أن الحق عند الله لزوم النفل بالشروع. لكن هذا ممكن حمله على أنه تأديب ~~إلهي خاص لبعض من له به عناية، حتى بلزوم ما لا يلزم ما لا يلزم. وتأديب ~~أصحاب العنايات خارج عن قياس الشرعيات. ويدل على هذا التأويل أنه لم يكن ~~كذلك قبل، ثم صار كذلك. ولو كان ذلك لأن الحق عند الله لزوم النفل بالشروع، ~~لم ms051 يختلف بزمان دون زمان. والله أعلم. ### || AUTO [قاعدته في الزكاة] # ومنها أنه قرر قاعدة الزكوات بما حاصله أن الزكاة إنما شرعت تحصيلا ~~لرياضة النفس، وصونا لها عن الطغيان الموجب للعقاب. وذلك لأن المال سبب ~~للطغيان؛ لقوله تعالى: {إن الإنسان ليطغى أن راه استغنى}. فلما كان المال ~~سبب الطغيان، اقتضت العناية شرع ما يمنع منه، وهو رياضة النفس بإخراج بعض ~~المال. PageV01P127 # قال: "ولم تجب الزكاة إلا لهذا المعنى؛ لأن الزكاة في ذاتها محض مفسدة ~~وضرر، لكونها تنتقيصا للمال الذي هو قوام الحياة. فلابد في مقابلته من ~~مصلحة ونفع. وليس ذلك النفع عائدا إلى غير المزكي؛ إذ نفع زيد لا يدفع ضرر ~~عمرو. فتعين أنه إليه. ثم ليس هو في الدنيا؛ لعدم جواز الرجوع بما دفع من ~~الزكاة، أو ببذله على ما أخذه. فتعين أنه في الآخرة. ثم ليس هو تحصيل ~~الثواب؛ لأن تحصيل المنافع ليس واجبا، وحصول النفع لا يجبر وقوع الضرر، ولا ~~يخرجه عن كونه ضررا. فتعين أن النفع الذي التزم ضرر الزكاة لأجله هو دفع ~~ضرر العقاب في الآخرة. وذلك إنما يحصل بتحصيل ارتياض النفس بأداء الزكاة في ~~الدنيا، وتخلصها من معرة الطغيان". # ثم قال: "فإن قيل: " الزكاة واجبة على الأنبياء والأولياء ونحوهم، ممن لا ~~عقاب عليه "، قلنا: سبب العقاب يصح منهم، وهو الطغيان بالمال ومنع الزكاة. ~~لكن الله عصمهم من ذلك، ولطف لهم. والعقاب معتبر بسببه، ولا بوقوعه". # قلت: هذا حاصل ما قررته هذه القاعدة. وهو تصرف عقلي، وضرب من التحسين ~~والمناسبة. ### || AUTO [فروع قاعدته في الزكاة] # ثم بنى عليها فروعا. ### ||| AUTO [وجوب الزكاة على الصبي والمجنون] # منها: أن الزكاة لا تجب على الصبي والمجنون. إذ لا رياضة ولا طغيان ولا ~~عقاب في حقهما فلا تقع الزكاة منهما دافعة للعقاب وصارت ضررا محضا. ### ||| AUTO [من مات وعليه زكاة] # ومنها: أن من مات، وعليه زكاة، لا تؤخذ من تركته؛ لامتناع حصول الارتياض ~~ووقع العقاب في حقه. كذا قال. ### ||| AUTO [وجوب الزكاة على المديون] # ومنها: أن الزكاة لا تجب على ms052 المديون؛ لحصول الارتياض في حقه بدونها؛ إذ ~~هو مقهور بالدين، ممتنع من الطغيان. فخلن الزكاة في حقه عن معناها الذي ~~شرعت له. PageV01P128 ### ||| AUTO [وجوب الزكاة في مال الضمار] # ومنها: لا تاجب الزكاة في مال الضمار؛ كالضلال، والمدفون الضائع، ونحوه. ~~إذ ليس سببا للطغيان. ### ||| AUTO [وجوب الزكاة في الحلي] # ومنها: أن الزكاة تجب في الحلي؛ لأن حاجة التحلي به لا تمنع كونه سببا ~~للطغيان. فتجب الزكاة تحصيلا لمعنى الارتياض. # قال: "وعلى هذا تخرج مسائل الزكاة". ### || AUTO [الكلام على قاعدته في الزكاة] # قلت: مأخذ النزاع بيننا وبينهم في الزكاة أنها عبادة معللة بما ذكر من ~~الارتياض، أو أنها مؤونة مالية وجبت للفقراء بقرابة الإسلام؟ وهذا الثاني ~~أرجح. فلا جرم قلنا: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنهما، وإن لم ~~يكونا من أهل العبادات، فمالهما محتمل للمواساة؛ كنفقة الأقارب. والوجوب ~~على الولي، لا عليهما. وتؤخذ من تركة الميت، لأنها وجبت بوجود سببها ~~وشرطها، ونفقة الأقارب، وإن سقطت بمضة المدة. إلا إن الزكاة ليست مجردة من ~~معنى العبادة؛ ولهذا وجبت فيها النية. أو تقول: غرامته مالية، كنفقة ~~الزوجات، وهي لا تسقط بمضي الزمان. # وأما سقوطها عن المديون، فليس لما ذكروه؛ بل لأن المواساة تسبق عليه، ولا ~~يحتملها حاله؛ ولأن نفقة الأقارب إنما تجب فيما فضل عن الضرورات. وإذا ~~أسقطناها عن مال الضمار؛ فلأنه أشبه الموجود؛ لثبوت الملك. ولا تجب في ~~الحلي؛ لأنه مصروف عن وجه النماء. فلا تتعلق به المواساة؛ ولا يعلل ~~بالطغيان. # والتحقيق في الزكاة أن لله سبحانه في إيجابها حكمتين. إحداهما في مصدرها، ~~وهو الغني، ابتلاء له بالطاعة، وامتحانا بالسماح بما يحبه في طاعته. ~~والثانية: في موردها، وهي إغناء الفقراء ونفعهم. ولهذا قيل: "الفقراء عالة ~~الأغنياء". وقيل: "فرض PageV01P129 # الله سبحانه للفقراء في مال الأغنياء كفايتهم. لكن بعض الأغنياء منع ما ~~يستحق عليه، وبعضهم أخذ منها ما لا يستحقه، فضاق على الفقراء". # والحكمتان ملحوظتان من الزكاة. أما معنى العبادة، فللاتفاق على اشتراط ~~النية فيها، واقترانها بالصلاة في الأمر بهما. وأما معنى المواساة، ~~فلإجرائها ms053 ظاهرا إذا أخذت قهرا من الممتنع. ولقوله تعالى، {إنما الصدقات ~~للفقراء}، الآية؛ جعلهم مصرفا لها. ولهذا ترددت بين حق الخالق والمخلوق في ~~بعض الأحكام. هذا فصل الخطاب في المسألة. # ثم غلب أبو حنيفة فيها جانب العبادة. وغلب غيره معن المؤونة المالية ~~والمواساة. أما ما قرره العالمي من معنى الطغيان والرياضة، وأن المصلحة ~~المقابلة لمفسدة الزكاة إنما هي دفع ضرر العقاب لا غير، فضعيف مخالف لصحيح ~~النقل وصريح العقل. # أما صحيح النقل، فقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له وله أجر كريم}؛ وقوله، {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم ~~المضعفون}. فوعد على الزكاة بالأجر الكريم والمضاعفة. وجعل ذلك جابرا لضرر ~~الزكاة. # وأما المعقول، فلأن الواحد منا يكلف عبده تكليفا. ثم تارة يتوعده على ~~تركه، وتارة يعده على فعله، وتارة يجمعها له. وكذا الأمر في الزكاة؛ فإن ~~الوعد والوعيد فيما يتعلق بفعل الزكاة وتركها كثير. وحينئذ، لا يتعين دفع ~~العقاب مرغوبا في الزكاة، ليخرج منه الصبي والمجنون. وقد يجرز أن تكون ~~فائدة الزكاة دنيوية؛ وهي دفع المعرة عن الأغنياء بفاقة الفقراء؛ وهم بنو ~~أب واحد وأم واحدة؛ فتعيرهم بذلك الملائكة والجن. وتحقيق قولهم: {أتجعل ~~فيها من يفسد فيها}، فلطف الله سبحانه بدفع تلك المعرة عنهم. فتتناول هذه ~~المصلحة الصبي والمجنون. فقوله، "لم تجب إلا لمعنى الارتياض"، تحكم. وقد ~~تكون المصلحة ما يخلفه الله عليه بالبركة من حيث لا يعلم؛ حيث انقاد للزكاة ~~وسلم. PageV01P130 # وفي الحديث: "ما نقصت صدقة من مال، بل تزداد". كما جاء فيه: "ما خالطت ~~الصدقة مالا إلا أهلكته"؛ يعني خالطته بمنعها، فيصير حق الفقراء مختلطا ~~بمال من وجبت عليه الزكاة. # وقوله، "ليس النفع تحصيل الثواب؛ لأن تحصيله غير واجب"، ممنوع. بل هو ~~واجب عقلا. والنفع والمصلحة تارة يكونان بجلب خير، وتارة بدفع شر. بدليل ~~قوله عليه السلام: "ما من داع يدعو، إلا استجيب له؛ فأعطي ما قال، أو ادخر ~~له في الآخرة، أو دفع عنه الشر مثله". فجعل دفع الشر عوضا عن ms054 الخير ~~المطلوب. # وبان بهذا أن قوله، "حصول النفع لا يجبر وقوع الضرر" غير صحيح. وإذا نوزع ~~في مقدمات قاعدته، لم تثبت، ولا فروعها. # وقوله في الفرع الثاني: "إن العقاب ممتنع في حق من مات، وعليه زكاة ~~ظاهرة"، غير صحيح. # قلت: ومما يتجه تفريعه على المأخذين تعلق الزكاة بالذمة أو العين. إن ~~غلبنا فيها معنى العبادة، تعلقت بالذمة، كالصلاة. وإن غلبنا معنى المواساة، ~~تعلقت بالمال؛ لأنه محلها. # ومنها إذا تلف المال بعد الوجوب، وقبل إمكان الأداء. إن غلب معنى ~~الارتياض، سقطت لزوال سببه؛ كما لو مات المزكي. وإن غلبت المواساة، لم ~~تسقط، وانتقلت عن المال بعد تلفه إلى الذمة؛ لوجوبها قبل ذلك. بخلاف سقوطها ~~عن المديون، وفى مال الضمار؛ لأن الوجوب هناك لم يسبق. # فأما ضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب، وإخراجه القيمة في ~~الزكاة، وجواز إخراجها عن المصر، فيستوي فيهن المأخذان؛ لقيام سبب الارتياض ~~والمواساة فيهن. ولهذا كان مذهب أصحابنا في الأخريين مرجوحا. # ومن ذلك زكاة الفطر، يعتبر لوجوبها النصاب الزكوي، عنده. فلا تجب بدونه، ~~نظرا PageV01P131 # إلى معنى الارتياض، وقد وجد سببه. وعندنا تجب على من ملك قوت يوم العيد ~~وليلته، وفضل بعده ما يؤدى؛ لأن ذلك محتمل لهذه المواساة. ### || AUTO ومن قواعده قاعدة الصيام # وحاصل ما قررها به أن الصيام لابد وأن يكون إيجابه لمصلحة. إذ لا يجوز أن ~~يكلفنا الشرع بفعل لا مصلحة فيه. ثم المصلحة ليست نفس الصيام؛ لأنه مفسدة ~~في نفسه؛ إذ هو ماتناع عن المباحات. فتعين أنه متضمن للمصلحة، مشتمل عليها. ~~وتلك المصلحة إنما هي صيانة النفس المفضية إلى حفظت وبقائها، المقضى إلى ~~دوام توحيد الله ومعرفته المقصودين له سبحانه، لإقامة رسم عبادته، ولدفع ~~العقاب عن المكلف في الآخرة؛ لأن النفس، لما طبعت عليه من الشهوات، لو خلت ~~من روابط يصونها عن الانهماك فيها، استغرقت فيها حتى هلكت؛ كما هو مشاهد من ~~أحوال العامة. فيفوت بذلك نقاؤها؛ فيفوت التوحيد والمعرفة المطلوبان؛ ويقع ~~المكلف في ورطة العقاب. ثم قال: "لا يقال: "إن مصلحة الصوم ms055 التوسل به إلى ~~الثواب في الآخرة"؛ لما سبق (يعنى في قاعدة الزكاة) من أن جلب الفع غير ~~واجب؛ فهو إنما يكون بفعل يخير فيه ترغيبا. وإنما الواجب دفع الضرر؛ وهو ~~إنما يكون بما ألزمه المكلف، ليدفع بفعله العقاب عن نفسه". # هذا حاصل ما أجاب به، وقرر به قاعدة الصيام. وهو تصرف عقلي نازع إلى ~~التحسين والتقبيح، كما سنبينه. ### || AUTO [فروع قاعدته في الصيام] # ثم بنى على ذلك أن من صام رمضان، بمطلق النية، أو بنية من الليل، أو بنية ~~من النهار، صح صومه؛ فقد حصلت مصلحة الصوم. قال: "وهذا يقتضي أن لا تشترط ~~النية للصوم أصلا. لكن إنما اشترطنا أصل النية (يعني كون الصوم عبادة) ~~تمييزا له من العادات ونحوها". PageV01P132 ### || AUTO [الكلام على قاعدته في الصيام] # قلت: الكلام على ما قرره أول قوله، "لا يجوز أن يكلفنا الشرع بفعل لا ~~مصلحة فيه". إن أراد: "لا يجوز عقلا"، فهذا تقبيح عقلي، وقول بلزوم رعاية ~~المصالح لله تعالى؛ وقد أبطلناه. وإن أراد: "لا يجوز شرعا"، فمن أين ~~استفاده من الشرع؟ # ولو لزم أن الشرع لا يكلفنا إلا بما فيه مصلحة، لكن تلك المصلحة يلزم أن ~~تكون بينة ظاهرة لنا، أم لا؟ فإن لزم ذلك، بطلت فائدة التعبدات في الشرع؛ ~~إذ فائدتها امتحان المكلفين بالانقياد لفعل ما لا يعلمون حكمته، تحصيلا ~~لمعنى الإيمان بالغيب ونحوه. ومتى ظهر وجه المصلحة في الفعل للمكلف، زال ~~ذلك المعنى، ولم يبق عنده فرق بين إقامة العبادة، وبين سفره في تجاراته ~~ومعايشه؛ لاشتراك الأمرين في المصلحة الظاهرة له. وإن لم يلزم كون المصلحة ~~ظاهرة للمكلفين، فمن أين لك أن مصلحة الضوم ما ذكرت؟ فإن قلت: ~~"بالاستدلال"، قلنا: وخصمك يبين غير المصلحة التي ادعيتها بالاستدلال؛ فما ~~المرجح لدعواك؟ فإن قال: "صحة استدلالي، دون استدلال خصمي"، قلنا: هو دعوى؛ ~~فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. # قوله، "ومصلحة الصوم ما اشتمل عليه من صيانة النفس المفضي إلى بقائها، ~~لاستدامة التوحيد، لدفع العقاب عن المكلف". # قلنا: أما أولا، فهذا إشارة إلى ما سبق ms056 من لزوم رعاية المصلحة، وتعليل ~~أحكام الله. إذ عللت إيجاب التوحيد بدفع العقاب. وهما أصلان منازع فيهما. # وأما ثانيا، فإنه لو كانت مصلحة الصوم وحكمته صيانة النفس، كما ذكرت، ~~لكان يجب صيام الدهر، أو أكثره؛ لأن الإنسان، لغلبة شهواته وملازمتها لذاته ~~على الدوام، يحتاج إلى ما يصونه عنها على الدوام؛ لأن دوام المقتضى يقتضي ~~دوام الحكم. ولم يوجب الشرع عليهم إلا شهرا في السنة؛ فما عسى أن يحلل صيام ~~ذلك الشهر من صيانة النفس في باقي العام؟ بل نحن نشاهد الناس في رمضان ~~يصيرون ليلهم نهارهم. ثم يفعلون فيه من قضاء الشهوات أكثر مما يقضونه في ~~نهار غيره؛ لأنهم، لتوقع المنع منها بمجيء النهار، يعدون الليل فرصة ~~ينتهزونها، وخلسة يغتنمونها، خصوصا PageV01P133 # فيما شاهدناه بمدينة القاهرة. وما مثل من جعل صوم شهر من سنة صائنا ~~للنفوس عن الشهوات، إلا مثل من أراد إشباع الأسد ببقة، أو إرواء الجمل ~~بمذقة. ونحن نشاهد أن كثيرا من المنقطعين للرياضة يصوم الدهر، ويواصل في ~~بعضه، ثم تكون غايته أن يعجز عن ضبط نفسه؛ فتجمح به، فتصرعه صرعات أقبح من ~~صرعات العوام الذين لا رياضة لهم، بل لا يصومون رمضان أصلا. والحكمة تقتضي ~~أن يكون الفعل صالحا لما قصدته من الحكمة والمصلحة. وإلا، كان كمن ادعى أن ~~الله سبحانه خلق الثعالب والضباع لإهلاك النمور والسباع، وخلق الحمام في ~~الدور لحراسة الطيور من العقبان والصقور، وخلق الذبان لإهلاك كل حية ~~وثعبان! وذلك مما تجب صيانة العامة، فضلا عن الحكماء، عنه. # وأما ثالثا، فما ذكرته معارض بأن مصلحة الصوم حصول الثواب في الآخرة، أو ~~تصفية النفس لإدراك المعارف؟ فإن للجوع أثرا في الفهم والإدراك. ولهذا قيل: ~~البطنة تذب الفطنة؛ والجوع يورث العلم الدقيق، أو إذاقة الإنسان ألم الجوع، ~~ليسمح للمساكين، ولا يبخل. # ومثل هذا، حكي أن معلما لأنوشروان ضربه ذات يوم ضربا وجيعا بغير ذنب؛ ~~وذلك عندما برع فيما أراد من العلم، وأراد الخروج من عند المعلم. فحقد عليه ~~أنوشروان. فلما ولي الملك، أحضر المعلم، فقال: "لم ضربتني ms057 ذلك اليوم، ولم ~~يكن لي ذنب؟ " فقال له: "ظننت أنك ستلي الأمر بعد أبيك، لما رأيت من ~~نجابتك. فأردت أن أذيقك مرارة الظلم، لئلا تظلم أحدا". فقال أنوشروان: ~~"تحسينا لما قصده المعلم. # وقد ذكر للصوم فوائد غير هذه. فجاز أن تكون مصلحة الصوم جميع تلك ~~الفوائد. # وجاز أن يكون بعضها غير التي عنيتها أنت من الصيانة. وجاز أن يكون ما ~~عنيته. فما ذكرته إنما يصح على تقدير من ثلاث تقادير. وهو مرجوح مغلوب؛ فلا ~~يعول عليه. لأن المرجوح في الشرعيات كالمعدوم. # أما قوله، "لا يجوز أن تكون مصلحة الصوم حصول الثواب، بل دفع العقاب"، ~~ففيه نظر؛ لوجهين: # أحدهما أن النصوص تقارب التواتر في الوعد بالثواب على الصيام؛ وهي أكثر ~~من PageV01P134 # نصوص الوعيد على تركه. بل لا أعرف نصا في ذلك إلا قوله عليه السلام، "من ~~ترك يوما من رمضان، لم يقض عند صوم الدهر على ما فيه". # الثاني: أن حقيقة الوجوب عند الأصوليين مركبة من أمرين: مطلوبية الفعل، ~~والمنع من الترك. فباعتبار المطلوبية، يترتب الثواب. وباعتبار المنع، يترتب ~~العقاب. وصح في الحديث: "ما تقرب إلي عبدي بشيء مثل أداء ما افترضت عليه". ~~والإخبار بالقرب كناية عن الوعد بالثواب، لأن بينهما رابطا سببيا. # وإذا ثبت أن حصول الثواب مصلحة في الصوم، فإن عورض بها ما ادعيته من دفع ~~العقاب، وقفت. وإن ادعي أن مصلحة الصوم هي مجموع الأمرين، حصول الثواب ودفع ~~العقاب، لم يصح حصرك للمصلحة في أحدهما. # ثم قد سبق في قاعدة الزكاة، جوابا له عن هذا بعينه، أن العبادات أضرار ~~عاجلة لتحصيل منافع آجلة. والنفع تارة يكون بتحصيل خير، وتارة بدفع شر. # قوله، "لا يجوز أن يجبر الإنسان على تحصيل نفعه، كما لا يجبر على عقد ~~الإجارة لتحصيل الأجرة. ويجوز أن يجبر عليها لينتفي عنه الأجرة التي ~~استغلها واستحقها". قلنا: هذا قياس تصرف الله سبحانه على تصرق غيره. وهو ~~غير صحيح. فإنا نقول: المجبر، إن كان هو الله سبحانه، جاز أن يجبر على ~~الأمرين. وإن كان غيره، لم يجز ms058 على الأمرين. فإن الواحد منا ليس له إجبار ~~الأجنبي منه على جلب نفعه، ولا على دفع ضرره. إلا أن يكون تحت حجره؛ فيصير ~~كتصرف الله في خلقه يملكهما. # أما المؤجر، حيث أجبرناه على عقد الإجارة، فإنا لم نجبره من حيث أن ذلك ~~دفع ضرر عنه؛ بل من حيث هو حق عليه، وجب وفاؤه؛ كما يجبر البائع على تسليم ~~المبيع. ثم يقول المجبر في ذلك: "هو الشرع؛ وهو من تصرف الله سبحانه". وقد ~~بينا أن له إجبار خلقه على الأمرين. PageV01P135 # قلت: فحيث يطلب مقدمات قاعدته، لم تصح له الدعوى في فروعها؛ وهو صحة صوم ~~الفرض بنية من النهار، أو بمطلق النية. وهذه الصورة أسهل؛ لأن قرينة رمضان ~~تعين المطلقة بما وجب في الشرع. # وقوله، "إن الصوم يكون عادة وعبادة؛ فوجب أصل النية للتمييز"، كلام صحيح. ~~لكنه يلزمهم في اشتراط النية للوضوء؛ ولم يقولوا به هناك. ونحن اشترطناها ~~بغير هذا التقرير، كما سبق. وقرر الزنجاتي مذهبهم في هذه المسألة بغير هذا ~~التقرير، وإن قرب منه في حال ما. وذلك أن الصوم عبادة قصد بها إلحاق المشقة ~~بالمكلف. ومشقة الصوم إنما تلحق غالبا بعد مضي جزء صالح من النهار؛ لأن ~~الإنسان يصبح شعبان ريان؛ فإذا تعالى النهار، انهضم الطعام، وتراقت الأبرخة ~~من المعدة إلى الفم؛ فحصلت مشقة الجوع والعطش. فحينئذ، يتحقق وجود مقصود ~~العبادة، وهو المشقة. فاعتبرت قبل الزوال، لا ليلا. ةوهذا، على ما فيه، ~~أصلح من الأول. # ومعتمدنا في اشتارط النية قبل طلوع الفجر أن الصوم عبادة محضة؛ فاشترطت ~~لها النية تمييزا لها من العادة والتداوى، كما سبق. وشأن الشرط أن يعم ~~أجزاء المشروط؛ كما قلنا في نية الوضوء: يجب تقدمها على أول واجبات الصلاة. ~~فأما الاكتفاء بسوم الماء ... السنة، مع أنه شرط لوجوب الزكاة فيها، فخارج ~~عن قاعدة الشروط، لعارض طلب الاحتياط للفقراء. # فأما قوله عليه السلام، "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، وفي لفظ، ~~"من لم يبيت الصيام من اليل، فلا صيام له"، فهو من أدلتنا في المسألة. ms059 لكنه ~~متردد الدلالة، من جهة أن"؛ PageV01P136 # كما اختلف في قوله، "إنما الأعمال بالنيات"؟ فتشترط النية للوضوء على ~~الأول، دون الثاني؛ لأن انتفاء الكمال لا يقتضي انتفاء الصحة والإجزاء. ~~والله أعلم. ### || AUTO ومنها قاعدته في الكفارات والمقدرات # افتتحها بأن قال: "اعلم أن المشرواعت كلها مصالح، لا خلاف فيه، إنما ~~الخلاف في مفعولات الله سبحانه وتعالى. فعندنا، يجوز أن يفعل الله بعباده ~~ما لا مصلحة لهم فيه. وعند المعتزلة، لا يجوز. وأجمعنا على أن الله سبحانه ~~لا يوجب على عباده، ولا يشرع لهم فعلا، إلا لهم فيه مصلحة مخصوصة، يتعلق ~~بها وجوب شيء، بحيث لا تحصل تلك المصلحة من كل نفل أو مباح". # قلت: هذا أولا إما تناقض، أو سوء عبارة؛ لأنه أوجب برعاية المصلحة في ~~المشروعات جزءا من مفعولات [الله]. فإن أراد بالمشروعات "مفعولات خاصة، فهو ~~سوء عبارة. وإلا، فهو تناقض؛ إذ المشروعات دون مفعولات الله سبحانه. فيكون ~~قد أتى الاعتزال من حيث أباه. # وتحقيق مراده أن ما اقتضاه الله من خلقه اقتضاء تكليف، يستلزم المصلحة ~~لهم. وما اقتضاه اقتضاء تقدير وتكوين، كتقدير الآلام والمعاصي، لا يستلزم ~~المصلحة، كما سبق في الرد على المعتزلة في هذا الأصل، وهو رعاية الأصلح. ثم ~~كان حاصل ما قررته القاعدة المذكورة أن مصلحة الإيجاب الزائدة على مصلحة ~~المباح والندب، إما عاجلة، أو آجلة. لكن المصالح تختلف في ذواتها ومقدارها ~~باختلاف الأحوال والأشخاص والأفعال. كاختلاف قصر الصلاة وإتمامها وجمعها، ~~باختلاف حال السفر والحضر؛ PageV01P137 # وسقوطها عن المرأة ووجوبها، باختلاف حال الحيض والطهر شرعا؛ والسفر وعدمه ~~للتاجر، باختلاف حال ظن الربح وأمن الطريق، أو ظن الخسران وخوف اللصوص، ~~عقلا. وككون الفعل الواحد مصلحة لزيد، مفسدة لعمرو، لاختلاف الأشخاص. وككون ~~الأكل للجائع مصلحة، والشرب له مفسدة، لاختلاف الأفعال في ذواتها. وككون ~~القدر اليسير نافعا للشخص، دون الكثير من غذاء أو دواء، لاختلاف المقدار. # وإذا ثبت ذلك، لم يجز لنا الحكم بوجود المصلحة في الفعل، مع توهم ~~انعدامها؛ لما بينا من لزومها في المشروعات. بل لابد من القطع بوجوبها. ولا ms060 ~~يكفي جواز وجودها، ولا ظنه؛ لما بينا من وجوب زيادتها على مصلحة المباح ~~والمندوب. بخلاف القياس وخبر الواحد؛ حيث وجب العمل بهما؛ لأن الدليل ~~القطاع قام على أن العمل بهما مصلحة؛ بخلاف ما نحن فيه. ### || AUTO [فروع قاعتدته في الكفارات والمقدرات] # ثم بنى على ذلك أن الكفارة لا تجب في قتل العمد، ولا يمين الغموس، ولا ~~على من انفرد برؤية هلال رمضان، فردت شهادته، ثم أفطر؛ لأنا بينا أن ~~المصلحة تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. والكفارة في هذه المواضع مقدار ~~محدود، لا يخلف بزيادة ولا نقص. فنحن لا نعلم أن إيجابها في هذه المسائل ~~مصلحة أم لا؛ لجواز اختلاف المصلحة، بما ذكرنا وبينا أن هذه المصلحة لا ~~يكفي في وجودها الظن، ولنسا بها قاطعين. ### || AUTO [الكلام على قاعدته في الكفارات والمقدرات] # قلت: الكلام على ما قرره. وحاصله أن المشروع لابد فيه من مصلحة، وأن ~~مصلحة الواجب زيادة على مصلحة الندب؛ وأنه لابد من القطع بوجودها، ولا يكفي ~~فيه الظن. وهو منازع في الجميع. أما أن المشروع لابد فيه من مصلحة، فقد ~~بينا ضعفه في القاعدة قبل هذه. وأما أن مصلحة الواجب يلزم أن تكون زائدة ~~على مصلحة الندب، PageV01P138 # فممنوع أيضا؛ لأنا إذا نازعناه في أصل وجوب ثبوت المصلحة، فالنزاع في ~~مقدارها أولى. # ثم نقول: لم لا يجوز أن يتعبد سبحانه خلقه بالأفعال المختلفة لمصالح ~~متساوية؟ إن منعته عقلا، فقد سبق الكلام في قاعدة التحسين والتقبيح. وإن ~~منعته شرعا، فأين دليله في الشرع؟ وظواهر السنة الصحيحة المستفيضة، بل ~~نصوصها، تدل على صحة ذلك ووقوعه. كقوله عليه السلام: "من فطر صائما، فله ~~أجر صائم؛ ومن جهز غازيا، أو خلفه في أهله بخير، فقد غزا"؛ وقوله: "من سأل ~~الله الشهادة خالصا من قلبه بلغه الله مراتب الشهداء، وإن مات على فراشه". ~~وقوله في غزاة تبوك: "إن بالمدينة ناسا، ما هبطتم واديا، ولا قطعتم منزلا، ~~إلا كانوا معكم"؛ قالوا: "وهم بالمدينة؟ " قال: "وهم بالمدينة؛ حبسهم ~~العذر، يعني بنياتهم. وهذه مصالح متساوية في ظاهر الأمر، مع ms061 تفاوت الأعمال؛ ~~إذ بين الصائم والمفطر، وبين الغازي والمجهز، وبين النية والفعل في لحوق ~~مشاق العبادات، بون بعيد. # وأما أن المصلحة لابد من القطع بوجودها في الفعل، فضعيف أيضا. لأنه لو ~~لزم القطع بوجودها، للزم القطع بتعيينها، لكنا نقول: تعيين المصلحة أولى ~~بأن يعتبر القطع فيه من وجودها؛ لأنه أهم وافيد وأشرح لصدر المكلف، لما فيه ~~من معرفة خصوصية العلة. بخلاف الاكتفاء بمجرد الوجود؛ فإن المصلحة قد تكون ~~مجملة. فإذا لم يعتبر القطع بتعيينها الأهم، فأن لا يعتبر القطع بوجودها أولى. ### || AUTO [الكلام على فروع قاعدته في الكفارات والمقدرات] # وإذ بطلت مقدمات قاعدته، بطلت دعواه في فروعها الثلاثة. ولنا في كل واحدة ~~منها قولان. والمختار فيهن وجوب الكفارة؛ وهو الصحيح في المذهب، إلا في ~~يمين PageV01P139 # الغموس؛ لأنا بينا في القواعد أن الكفارة مترددة بين معنى العقوبة ومعنى ~~الجبران، وأن معنى العقوبة فيها أظهر؛ لقوله سبحانه، في كفارة الصيد: ~~{ليذوث وبال أمره}؛ يعني القاتل عوقب بالغرم في ماله أو بنيته، لكونه أتلف ~~مالا لله، هو ممنوع منه، بإتلاف بدن الصيد. وأيضا، فإن الفقهاء قالوا: ~~"التعزيز مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، لئلا يخلو الفعل من ~~عقوبة". فدل على أن الكفارة عقوبة، كالحد والتعزيز. # ولا يرد على كون الكفارة عقوبة إلا كفارة قتل الخطأ؛ إذ لا إثم يعاقب بها ~~عليه ونحن نقول: إنها عقوبة على تفريطه؛ إذ لم يثبت ليظهر له وجه الخطأ، ~~فيجتنب أسبابه. فإن من رأى حيوانا في ليل، أو في حمر، يمكنه أن يتأنى ليحقق ~~هو إنسان أو لا. فإذا لم يحقق ذلك، بل بادر ورمى، فقتله، فإذا هو إنسان، ~~ناسب عقلا وشرعا أن يتعلق بفعله العقوبة على استعجاله. وعلى هذا، فقس في ~~صور الخطأ. # أو نقول: إن كفارة الخطأ تثبت من قبيل ربط الحكم بالسبب؛ بثنيها على عظم ~~القتل والتغليط في أمره. وربط الأحكام بالأسباب على خلاف الأصل؛ لما قررناه ~~في القواعد. # إذا ثبت أن الراجح في الكفارة معنى العقوبة، فلا شك في مناسبة هذه ms062 ~~الأفعال الثلاثة للعقوبة. # أما القتل عمدا، فظاهر. ولهذا أوجبت العقوبة في النفس بالقود، وفي المال ~~بالدية، لحق الآدمي. فكذلك، فالمال بالكفارة، لحق الله سبحانه؛ إذ قد بينا ~~أن الحق في النفس مشترك لله سبحانه، وللعبج بالعرض؛ وإن كان في الأصل حقا ~~لله لا غير، بمقتضى المالكية الثابتة بالخالقية؛ إذ الأصل أن كل من خلق ~~شيئا وأوجده، ملكه. ولا خالق للموجودات إلا الله؛ فلا مالك لها إلا هو ~~سبحانه. # وأما يمين الغموس، وهي أن يحلف كاذبا عالما بكذبه، فلأنه اجترأن على الله ~~وانتهك حرمة اسمه العظيم. وفي ذلك نوع استخفاف واستهانة. فالعقوبة فيه أنسب ~~منها في PageV01P140 # قتل النفس؛ لأنه اجتراء على ملك الله، وهذا اجتراء على عظمة الله. ونحن ~~نرى أن الملك، أو ذا القدر والمنصب من المخلوقين، قد يعفو عن ملس الأرض ~~ذهبا وعبيدا وخيلا وغير ذلك، ولا يسامح بكلمة تغض من قدره ومنصبه. ولو لم ~~تغض منه أيضا، لم يسامح بها، لاقتضاء أنفة المنصب ذلك. فالله سبحانه أولى ~~بهذه الغيرة على عظمته. ولولا أن الله تعالى حليم، لما قنع من صاحب يمين ~~الغموس بكفارة، هي قدر نزر في نفسها وفي العقوبة بها. بل لو أهلك الوجود ~~جميعه بمثل ذلك، لكان قليلا في جنب عظمته. لكنه سبحانه يقول: {ولو يؤاخذ ~~الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}، إلى قوله في آية أخرى: {إنه كان ~~حليما غفورا}. لكنه أعد للحانث في الآخرة ما دل عليه قوله تعالى، {إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا}، الآية، وما ورد في السنة من ~~الوعيد. # فأما قول الفقهاء، "لا يجب، لأن الذي أتى أعظم من أن يكون فيه كفارة" فهو ~~بناء منهم على أن الكفارة تكفر الإثم، أي تغطيه أو تزيله. فإثم الغموس ~~ونحوها لا يكفر بشيء. وهو غير مسلم. بل إنما هي عقوبة؛ والعقوبات شرعت ~~زواجر. وأولى ما زجر عنه حرمة الله سلحنه أن تنتهك في ملكه وعظمته. # ثم هذا القاتل والحانث، إذا صارا إلى الله، إما أن تتقدم لهما توبة؛ ~~فقبولها ms063 واجب عند المتعزلة، مرجو عندنا من كرم الله؛ فيسلمان. أو لا تتقدم ~~لهما توبة؛ فقبولها واجب عند المعتزلة، مرجو عندنا من كرم الله؛ فيسلمان. ~~أو لا تتقدم لهما توبة. فإما أن يخلدا في النار، كما تقوله المعتزلة؛ أو لا ~~يخلدا. فإن خلدا، فقد أشبها الكفار، وسقطت حرمتهما. فإيجاب الكفارة عليهما ~~في دار التكليف، مع مصيسرهما إلى الخلود في النار، لا محذور فيه، لسقوط ~~حرمتهما المبين في المال. وإن لم يخلدا، فعذابهما على القتل والحنث متناه. ~~فلتكن الكفارة الآن من جملة ذلك المتناهى تحصيلا لفائدة ردعه، بتعجيل بعض ~~العقاب له، وزجر غيره. والله سبحانه لا يظلمه. فهو يخفف عنه من عذاب الآخرة ~~بقدر ما أخذ منه في الدنيا. PageV01P141 # وأما المنفرد برؤية هلال رمضان، إذا لم يثبت الصوم العام برؤيته، وفعل في ~~ذلك اليوم ما يقتضى وجوب الكفارة في غيره، فالعقوبة له مناسبة؛ لأنه انتهك ~~حرمة الله بمخالفته أمره قطعا؛ إذ لا أعلى من مدرك البصر؛ وقد شاهد الهلال؛ ~~فثبت في حقه قطعا. والحنفية يقولون: "إنما ثبت الشهر من وجه؛ يعني بالنسبة ~~إليه دون غيره. فكان ذلك ثبوتا ناقصا. فكان شبهة في درء الكفارة لأنها حد؛ ~~والحدود تدرأ بالشبهات". وهذه قاعدة عامة لهم في الأحكام؛ أعني تأثير ~~الوجود من وجه دون وجه في ضعف الموجود. وهي ها هنا تخيل لا حقيقة له؛ لأن ~~الشهر، كما ثبت بالنسبة إليه، فكذلك وجوب الكفارة إنما هو عليه مختص به، لم ~~يوجد على غيره بقوله سببا. # ثم نقول: منعكم لوجوب الكفارة عليه، إما في الباطن، أعني فيما بنيه وبين ~~الله تعالى؛ أو في ظاهر الحكم، لوقوع الشبهة وكونه مظنة لغلظه. والأول لا ~~سبيل إليه؛ لأنه متى ثبت في نفس الأمر أنه وطأ في نهار رمضان، تعلق به ~~مقتضى الوطء باطنا. وإلا لزم انقلاب حقائق أحكام الشريعة؛ لأن الشبهات إنما ~~تؤثر في ظواهر الأحكام؛ أما في الحقائق الثابتة عند الله سبحانه، فلا. # وأما الثاني، فلنفرض الكلام فيمن أخبر أنه رأى الهلال، ولم يتشكك فيه، ~~وأنه وطأ في ms064 ذلك اليوم. فإن ألزمتموه الكفارة، حصل الوفاق. وغيره مثله؛ ~~لأنا إنما نوجبها على من ثبت عليه ذلك قطعا. وإن لم تلزموه الكفارة، ~~فالدليل عليه أنه أقر بحق آدمي، أو مساو لحق الآدمي. وكل من أقر من أقر ~~بذلك، لزمه مقتضى إقراره. أما أنه أقر بحق آدمي، فلأن مصرف الكفارات ~~الفقراء. ولأجلهم أوجبها الله بأسبابها، كما أوجب الزكاة. # فإن قيل: "هو حق آدمي ناقص؛ لأنه ليس مستقلا بالاستحقاق؛ فلا يصح قياسه ~~على الحق الكامل". قلنا: فهو إما حق الله، أو حق الآدمي، أو حقهما؛ لأنه من ~~أحدهما. فإن كان حق الآدمي، فقد ثبت المطلوب. وإن كان حق الله، فهو مساو ~~لحق الآدمي في التأكد، بل آكد. بدليل قوله عليه السلام، "فدين الله أحق ~~بالقضاء". وحكم المتساويين مساو. وإن كان حقهما جميعا، فحق اثنين آكد من حق ~~واحد. على PageV01P142 # أن الحق في نفس الأمر لله، زجرا عن انتهاك محارمه، أو جبرا لما قهر من ~~عباداته، أو استصلاحا لعباده. وإنما الفقراء مصرف له. # وأما أن كل من أقر بحق، لزمه مقتضى إقراره، فللإجماع على ذلك من الأقارير ~~بالأموال والحدود والأنساب وغيرها من الأحكام. # فثبت بما ذكرنا أن ما ذكره من قاعدة المقدررات واهية، وأن الكفارة في ~~المسائل الثلاث التي ذكرناه ثابتة، وأنه إنما أتى من النزوع إلى التحسين ~~والتقبيح، وقد صرح بلفظه فيها، حيث قال: "كل ما حكم بوجوبه الشرع، لابد وأن ~~يحكم بوجود المصلحة فيه قطعا. ولا يجوز إيجابه مع توهم انعدامه. لأن في ذلك ~~إيجاب ما يتوهم فيه المضرة والمفسدة؛ والاحتراز عن الضرر الموهوم واجب؛ ~~وإيجاب ذلك قبيح". هذه عبارته. والله أعلم. ### || AUTO ومنها قاعدته في الأنكحة # وحاصل ما قررها به أن النكاح تضمن، أو استلزم، معنى تجب إقامته. لأنه ثبت ~~مع وجود المنافي. فلو لم يتضمن ذلك المعنى، لم يجب مع وجود المنافي. # أما أنه ثبت مع وجود المنافي، فلأن النكاح رق وملك؛ لقوله عليه السلام، ~~"النكاح رق". ولئن نوقشنا في عبارة "الملك والرق"، قلنا: هو إثبات ولاية ~~على المرأة، ms065 واختصاص بها، تنافيه حريتها؛ لأن الحرية تنبئ عن الخلوص لفظا؛ ~~وهي كذلك عقلا وشرعا، من حيث إن الله سبحانه خلق لإقامة عباداته وتوحيده. ~~ولن يتمكن الإنسان من ذلك إلا إذا اختص بنفسه، وانتفى عنه اختصاص الغير به، ~~ولأن الإنسانية بأصلخا تقتضي الكرامة والاستقلال، فثبوت الرق والملك ~~والاختصاص ينافي ذلك. # وأما أن ثبوته مع المنافى يقتضي أنه تضمن، أو استلزم، معنى تجب إقامته، ~~فلأنه لو لم يكن كذلك، لما كان إطلاقه أولى من حظره. # قلت: هكذا قال في تقرير هذه المقدمة. ولها تقرير أقوى وأوضح من هذا. وهو ~~أن الشيء مع منافيه لا يجتمعان عقلا؛ وكذلك لا يجتمعان شرعا، إلا لمصلحة ~~راجحة على مصلحة الندب، كما سبق تقريره له؛ وليس إلا الواجب. PageV01P143 # قال: "وأما المعنى الذي اشتمل عليه النكاح، [و] تجب إقامته، فيكفينا ~~إثباته مجملا؛ إذ قد دل عليه الدليل؛ لأن الشيء يعرف بذاته تارة، وبدليله ~~ولازمه أخرى. وإن بيناه، قلنا: ذلك المعنى هو التوالد والتناسل والسكن ~~والازدواج والتوسل به إلى استدامة إقامة التوحيد، باستبقاء النفس، بصيانتها ~~عن الزنا وأسباب الهلاك، كما سبق. وذلك لأن الإبضاع لا يباح بمطلق الإباحة؛ ~~فلابد من ضرب حد واختصاص، يمنع الغير عن مشاركة الرجل في مائة؛ ليثق بأن ~~الولد منه؛ فيقوم بتربيته والإرضاع. # و[إلا] اختل أمر التناسل. ولو لم يكن له على المرأة ولاية، تمنعها من ~~الخروج والتبد عليه، وتلزمها المطاوعة على الاستمتاع بها، لما حصل السكن ~~والازدواج". # ثم قال: "فإن قيل: "الإنسان لا يأثم بترك النكاح؛ وذلك ينقض الوجوب"، ~~قلنا: إنما لا يأثم بالترك في كل زمان؛ لأنه واجب موسع، أو على الكفاية. ~~على أن بعضهم قال: "لو ترك النكاح جميع عمره، ومات من غير نكاح، عوقب عليه ~~في الآخرة". # هذا حاصل ما قرر به هذه القاعدة. ### || AUTO [فروع قاعدته في الأنكحة] # ثم بنى عليها فروعا. ### ||| AUTO [الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي للنوافل] # منها أن الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ لتضمنه معنى ~~تجب إقامته، بخلاف النوافل. قلت: وهذا مذهب أحمد، خلافا للشافعي. ms066 ### ||| AUTO [إجبار لمولى عبده على النكاح] # ومنها أن المولى يملك إجبار عبده على النكاح، استبقاء لماله، وهو العبد، ~~وصيانة له. ### ||| AUTO [إرسال الطلقات الثلاث جملة] # ومنها ### ||| AUTO إرسال الطلقات الثلاث جملة # حرام وبدعة؛ لأن ذلك قطع للمصلحة التي تجب إقامتها بالكلية، احترازا عن ~~تفريقها، فإنه جائز. PageV01P144 ### ||| AUTO [فسخ النكاح بالعيب] # ومنها أن النكاح لا يفسخ بالعيب. لأنه ثبت مع وجود المنافي ضرورة إقامة ~~للمعنى الواجب. وما ثبت للضرورة تقدر بقدرها في خصوصية المعنى المقتضى له؛ ~~فلا يظهر أثره في غيره. وما يتضمنه الفسخ، من زوال الضرر وإقامة العدل، قد ~~جعل له طريق يحصل به، وهو الطلاق. ### ||| AUTO [الكلام على قاعدته في الأنكحة] # قلت: هذه القاعدة ليس نزوعها إلى التصرف العقلي كغيرها. لكنه يناقش فيها ~~تفقها؛ فيقال: المعنى الذي ذكرت أن النكاح تضمنه، يجب عقلا، أو طبعا، أو ~~شرعا؟ إن قلت: "عقلا"، فقد أبطلنا قاعدة ذلك. وإن قلت: "طبعا"، فالطبيعيات ~~لا مدخل لها في الشرعيات. ولهذا، لم يقدر بعض بعض العلماء المدة التي يلزم ~~الزوج وطء الزوجة فيها اجتزاء بداعي الطبع. وإن قلت "شرعا"، فأين دليله؟ ~~وقوله عليه السلام: " تناكحوا، تناسلوا؛ ومن رغب عن سنتي، فليس مني"، ~~ونحوه، قد حمل على الندب، لا الوجوب. # بدليل قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء}؛ ولو وجب، لما علق ~~باستطابتهم له؛ وقوله تعالى: {وأن تصبروا خير لكم}. وأيضا، فإنن العلماء ~~قالوا: "الاقتصار على واحدة أفضل". ولو كان واجبا، لكان الإكثار منه أفضل، ~~ولوجبت الأربع؛ لأنها غاية الواجب، كالصلاة الرباعية. وإذا لم يجب النكاح، ~~لم يجب المعنى الذي تضمنه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب. فإذا لم يجب ~~ما لا يتم غيره إلا غيره إلا به، علم أن ذلك الغير ليس بواجب. # وأما قوله، "ثبت النكاح مع وجود المنافي"، فله اتجاه. لكن لو عكس عاكس، ~~وقال: إنما ثبت مع وجود الملائم المناسب، وذلك لأن الله سبحانه خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى على تفاوت في الدين والعقل، كما صح به نقل الشرع، أن النساء ~~ناقصات ms067 عقل ودين؛ ولذلك كان شهادة امرأتين وإرثهما بشهادة رجل وإرثه. ~~والدين والعقل PageV01P145 # هما اللذان يحملان على صيانة النفوس عن الشهوات وملابسة المحظورات؛ وذلك ~~أجدر أن يبقى النفس لإقمة التوحيد. وذلك لما سبق من أن العقل مشتق من عقال ~~البعير المانع له من الندود والشرود عن مالكه. و "الدين" مشتق من "دان ~~يدين"، إذا خضع وذل. ومنه "الدين"؛ لأن المديون يذل لصاحبه. فالإنسان يمتنع ~~عما لا يحل بمقتضى العقل طاعة لربه بمقتضى الدين. والمرأة لما نقص حظها من ~~هذين المعنيين الشريفين، ناسب أن تثبت عليها ولاية الزوج، لمصلحته ~~باستمتاعه بها، ولمصلحتها بحبسها عن الشرود والتسارع إلى ما لا ينبغي. # ولهذا رأينا النسوان في زمننا هذا قد استخرجن بمكرهن طريقة يتوصل بها ~~أكثرهن إلى الشرود عن قيد الأزواج. فإذا أرادت المرأة تخرج لقضاء وطر ما ~~إلى بعض المواسم والفرج، كالقرافة بالقاهرة، وموسى والجواد ببغداد، وكان ~~زوجها فقيرا [لا] يطمع في جاننه، ادعت عليه عند القاضي بكسوة ونفقة ماضية، ~~وجعلت دعواها عند من يقبل قولها، مع تمنيها في عدم الإنفاق عليها، استصحابا ~~للحال، وتمسكا بالأصل دون الظاهر، كالحنبلي. فتحبسه على ذلك. ثم تذهب حيث ~~شاءت. فإذا عادت، أخرجته. فإذا كان هذا فعلن مع رابطة الزوجية، فما الظن لو ~~خلون عنها! وحينئذ، لم يثبت النكاح إلا مع الملائم المناسب، بمقتضى الحكمة ~~الشرعية. # وأما حديث "النحاك رق"، فلا يثبت عند أهل النقل. وأما عدوله عن لفظ ~~"الرق" إلى "الاختصاص"، فغير مجد؛ لأنا بينا أنهما جميعا ما ثبتا. إلا مع ~~الملائم المناسب. # وأما قوله: "إن شرف الحرية وخلق الآدمى لإقامة العبادات يقتضي الاستقلال ~~وعدم الاعتراض". قلنا: هي مستقلة بنفسها فيما يتعلق بإقامة العبادات، لا ~~اعتراض عليها في ذلك. ولهذا قلنا: إن له الاستمتاع بها ما لم يضربها، أو ~~يشغلها عن واجب. فليس له اعتراض عليها في صلاة الخمس، وصوم الشهر، وحج ~~الفرض، إذا وجدت شروطه. وأما ولايته عليها فيما عدا ذلك، فهو بمقتضى عقد ~~النكاح الواجب الوفاء به، بموجب PageV01P146 # قوله تعالى: {أوفوا بالعقود}. وذلك لا يغض ms068 من منصب الإنسانية، ولا ~~الحرية. كما أنها هي تتسلط عليه بحكم العقد؛ فتحبسه على مهرها ومؤونتها، ~~ويمتنع عن التزوج والتسري عليها، وإخراجها من دارها او بلدها بشرطها؛ عملا ~~بقوله عليه السلام: "المؤمنون على شروطهم"، ونحوه. وليس ذلك قادحا في شرف ~~حريته، ولا إنسانيته. # وأما قوله: "لو لم يتضمن النكاح معنى تجب إقامته، لما كان إطلاقه أولى من ~~حظره"، فليس بلازم؛ لجواز ترجح إطلاقه تجح ندب واستحباب، لا ترجح عزم ~~وإيجاب. # وأما قوله: "إن المعنى الذي تجب إقامته عو التوالد والتناسل"، فهو ضعيف؛ ~~لأن ذلك لو وجب شرعا، لوجبت نيته عند عقد النكاح، أو عند الوطء. ولا نعلم ~~خلافا بين المسلمين في أن للرجل أن يتزوج ويطأ، وإن لم يخطر بباله الولد. ~~بل أبلغ من هذا أن النصوص صحت بجواز العزل لمنع الوالد؛ وأجاز العلماء شرب ~~دواء لقطع الحيض، مع إفضائه إلى منع الحمل. وإنما الله سبحانه أجرى العادة، ~~بأن هذا النوع الإنساني متصل الوجود إلى اليوم الموعود، بحكم الدواعي ~~الطبيعية الحيوانية، كسائر أنواع الحيوان من البهائم والطير والحشرات. # وأما الازدواج والسكن، فهو أيضا حاصل بفضل إلهي. ولهذا امتن به عليهم، ~~فقال: {وجعل بينكم مودة ورحمة}، ونحوه. وذلك لما يحصل لكل من الزوجين من ~~اللذة بالآخر. حتى لو أراد أحدهما أن لا يحب صاحبه، لغلبه قلبه، ولم تطاوعه ~~نفسه. فانجذاب قلب كل منهما إلى الآخر كانجذاب الحديد إلى المغناطيس. وليس ~~ذلك بكسب الإنسان، حتى يكون من معاني النكاح الواجبة. وإما استيفاء النفس، ~~بصيانتها عن الهلاك، لاستدامة التوحيد، فدعواه من أضعف ما يكون. وقد تقرر ~~ضعفها في نظير ذلك في الصوم. وذلك لأن الشهوات دائمة ملازمة؛ فلو كان ~~المقتضي للوجوب ما ذكر، لوجب استدامة النكاح ما دامت الشهوات PageV01P147 # المحذور منها الهلاك. وهو قد صرح بأنه واجب موسع، لا يجب إلا في آخر ~~العمر، أو فرض كفاية، يسقط عن البعض بفعل البعض. وقال الفقهاء الذين أوجبوا ~~النكاح: "يخرج عن عهدة الواجب بالوطء في مكاح مرة واحدة". # قلت: فيظهر لي، والله أعلم، أن حكمة ms069 النكاح هو ارتداع المكلف بعده عن ~~الزنا؛ لأنه بالنكاح مرة يصير محصنا. وقد علم أن حكم الشريعة في المحصن؛ ~~إذا زنى، الرجم. فإذا زنى بعد الإحصان، فهو يتوقع أن تقوم عليه البينة؛ أو ~~يحدث الله فيه داعي الاعتراف، كما اعترف ما عز والغامدية، فرجما؛ أو يبقى ~~غير نفس الأمر مباح الدم، غير محرم شرعا، بحيث لو قتله قاتل، لم يستحق في ~~الآخرة عن دمه عوضا. وهذه محذورات يأباها العاقل يأباها العاقل المؤمن ~~لنفسه؛ فتكون رادعا له. # وأما قوله، "ولو لم يختص الإنسان بزوجته، لم يثق بأن الولد له؛ فيتقاعد ~~عن تربيته؛ فيضيع"؛ فهذا قد علل به العلماء. وعليه إشكال؛ وهو أنهم في ~~الجاهلية كان لهم نكاح الرايات. يدخل الجماعة على المرأة؛ كل منهم يركز ~~رايته على الباب. حتى إذا فرغ، خرج، ودخل غيره كذلك. ثم، إن اختل له حكم. ~~فنقول: لو قدرا أن الشرع قرر ذلك، لجاز قطعا، مع عدم الاختصاص المذكور. وقد ~~استقصيت بالجواب عنه هذا في الفوائد. # هذا هو الكلارم على مقدمات القاعدة. فلنتكلم على الفروع. ### || AUTO [الكلام على فروع قاعدته في الأنكحة] # أما كون التشاغل بالنكاح، فيحصل من الفاعل بنوافل العبادات، فقد خالف فيه ~~الشافعي بناء على أن الله تعالى مدح يحيى بن زكريا بأنه حصور لا يأتي ~~النساء. وما كان صفة مدح، لا يكون ضده أفضل. ولأن ذلك حظ محض للنفس؛ والله ~~تعالى إنما PageV01P148 # تعبد خلقه بترك حظوظ أنفسهم؛ فيكون تركه هو العبادة. وهذا أقوى من حيث النظر. # أما قصة يحيى، فالاستدلال بها مبني على الاحتجاج بشرع من قبلنا. على أن ~~الخصم يدعي نسخه بنصوص السنة في اقتضاء النكاح؛ فلا يبقى حجة، باتفاق. # ومأخذ المسألة، فيما ذكره الزنجانى، أن النهي عن الفعل، هل هو أمر بأحد ~~أضداده، أم لا؟ من قال بالأول، أوجب النكاح؛ لأنه منهى عن الزنا؛ فيكون ~~مأمورا بضده، وهو النكاح. ومن قال بالثاني، فمذهبه ظاهر. وفي الاستدلال ~~بهذا على وجوب النكاح نظر؛ فإن بين الزنا والنكاح واسطة؛ وهي ترك الزنا ~~بدون النكاح صبرا ms070 واستعفافا. وترك الشيء ضده؛ فقد امتثل بفعل ضد المنهي ~~عنه. ولا يلزم منه وجوب النكاح. # والتحقيق أنه إذا خاف الزنا بترك النكاح، وجب؛ لأن ترك الزنا واجب؛ وما ~~لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. فوجوبه مبني على هذا الأصل. ولما عارضه خظ ~~النفس، قال الخصم: "يباح له أن يأمن غائلة الزنا بالنكاح؛ أما الوجوب، ~~فيحتاج إلى دليل. وإنما يتمحض ما لا يتم الواجب إلا به موجبا فيما إذا خلا ~~عن معارض؛ كمسح جزء من الرأس، وإمساك جزء من الليل، واجتناب المباح المشتبه ~~خشية إصابة المحظور. # وأما إجبار السيد عبده على النكاح، فهو عندنا مختص بالصغير. أما الكبير، ~~فلأنه إن وجب عليه النكاح لحق الشرع، فالشرع هو المجبر، لا السيد. وإن لم ~~يجب، فمصلحة النكاح مختصة بالعبد؛ ولا ولاية عليه في ذلك، كما لو ترك من ~~الطعام والشراب ما لا يضر بمالية السيد من بدنه، فليس له إجباره على أكل ~~اللحم السمين والحلوى الطيبة. والكلام فيما إذا لم يجب عليه النكاح بخوف ~~الزنا، فلا يرد ما ذكره من أن لبه استبقاء نفسه بصيانته. # وأما إرسال الطلقات الثلاث، فلم يكن محرما؛ لقطعها المعنى الذي تجب ~~إقامته بالنكاح، متضمن لمصالح بالجملة، سواء كانت واجبة أو لا. والله تعالى ~~ناظر لعباده، ومؤدب لهم، ومرشد إلى المصالح. فولاية النكاح إذا ثبتت على ~~المحل، كانت تلك المصالح مستمرة. واستيفاء الطلاق يزيلها بالكلية، بحيث ~~يبعد استدراكها بعد زوج PageV01P149 # ثان. ومصلحة الطلاق إن عرضت، حصلت بالطلقة الواحدة؛ لإفضائها إلى ~~البينونة بانقضاء العدة واستباحة المرأة الزوج فإن احتيج إلى استيفاء ~~الثلاث، فليكن بالتدريج، في كل طهر طلقة. كل ذلك مراعاة لمصلحتهما، خشية أن ~~يبدو له في إمساكها. فإذا استبقى من الولاية عليها طرفا، أمكنه ذلك. وربما ~~كان بينهما ولد، فاستدرك تربيته. وربما تأدبت هي بالطلقة، أو هو؛ فانتظم ~~حالهما بعد المراجعة. وإذا لم يبق من الولاية شيئا، فات ذلك عليه، فتضرر. ~~وقد بينا أن الحق في النفوس لله. فله الحجر عليها، ودفع الضرر التكليفي ~~عنها. فهذا منزع جيد. ms071 # وأما منعه فسخ النكاح بالعيب، فقد أبطلنا أصله الذي بناه عليه؛ وهو ثبوت ~~النكاح مع المنافي. ومقتضى العدل الشرعي جواز الفسخ بالعيب المخل بمقصود ~~النكاح لكل من الزوجين؛ لأن النكاح في الحقيقة عقد معاوضة؛ فجاز فسخه ~~بالعيب؛ كالبيع والإجارة. وما اختص به النكاح من سائر خواصه لا يقدح في هذا ~~القياس؛ لأن تلك ثبتت لمقتضيات أخر. ولأنه قد جعل من جملة المعنى الذي تجب ~~إقامته بالنكاح التوالد والتناسل والسكن والازدواج؛ والعيب مخل به لخصوص ~~النفرة. # وأما الطلاق، فهو، وإن كان طريقا إلى التخلص، إلا إن فيه ضررا على الزوج، ~~لا يقتضيه دليل. وهو إلزامه المهر، وإسقاط ولايته عن المحل، بحيث لا يمكنه ~~استداركها إلا بعد زوج أو عقد. بخلاف الفسخ؛ فإنه يرجع به عندنا على من ~~غرره من زوجة، أو ولي؛ وتبقى ولايته للفائدة المذكورة. ولأن الأحكام ~~الشرعية كالأبدان الطبيعية، كلما عرض لها عارض، اقتضى علاجا خاصا. والعيب ~~في النكاح عارض لحكمه؛ فيقتضي علاجا خاصا، غير المعهود بغيره. وليس إلا ~~الفسخ. ولا شك في اقتضاء العيب حكما خاصا، ومناسبته للفسخ في حكم العقل ~~وعدل الشرع. # قوله، "المصلحة مع العيب، إما في بقاء النكاح، فقد أبقيناه؛ أو في قطعه، ~~فقد PageV01P150 # جعلنا له طريقا، وهو الطلاق". قلنا: ليست القسمة حاصرة. إذ لقائل أن ~~يقول: "المصلحة في قطعه أو رفعه بسبب خاص، وهو الفسخ". # قلت: وقد حكة الزنجاني عن الحنفية أن مورد عقد النكاح عندهم هو الرقية، ~~لا المنفعة، استدلالا بقوله عليه السلام: "النكاح رق". إلا أنه لا ينتج ~~البيع. فإن ثبت هذا عنهم، جاز أن يرجع مأخذ المسألة إلى أن المعقود عليه ~~الرقية، أو منافع البضع؟ فعلى الأول، لا يستحق الفسخ؛ لأن الرقية سليمة لا ~~نقص فيها. وعلى الثاني، يستحق؛ لاختلال المنافع بالنفرة الحاصلة عن العيب. ~~والله أعلم. ### || AUTO ومنها قاعدته في المالية وأهلية الأملاك # واضطرب كلامه فيها. وكان حاصله أن المالك المتصرف شرعا هو المختص بحال، ~~لكونه عليها، يتمكن من التصرف في الأموال بضرب من الاختصاص؛ لأنه محتاج إلى ~~استبقاء نفسه، ms072 لإقامة رسم التكليف في مدته. فلو لم يثبت له اختصاص ~~بالأموالأ، لما كان أولى بها من غيره. والتكليف مشعر بكونه على الحال التي ~~يتمكن بها من الاختصاص بالأموال؛ لأن التكليف يشعر بكونه واجب البقاس، ~~لإقامة رسمه. # ثم أورد عليه سؤال ضعيف. وهو أن التكليف إما أن يدل على المالكية قبل ~~أوان التكليف، أو وقت مجيئه؟ والأول باطل؛ إذ لا تكليف قبل أوانه؛ فلا حاجة ~~إلى الاستبقاء للخروج عن دائرة التكليف. والنفى باطل؛ لأن وقت مجيء التكليف ~~يخرج عن العهدة بفعل المكلف به؛ فلا حاجة إلى الاستبقاء. فحتاج هو لأجل هذا ~~السؤال إلى أن قال: "أنا ما جعلت ذات التكليف دليل الماكلية والاستبقاء، بل ~~قلت: إذا استجمع الإنسان أمورا يلازمها التكليف، يجب عليه الاستبقاء؛ لأن ~~الإنسان كلما كمل عقله، استجمع أمورا لابد أن يكلف معها، إما في الحال، أو ~~في الثاني". # قلت: فكلامه بهذا مع ما سبق متهافت في الظاهر. وإن أمكن تصحيحه، لكن ~~عبارته لم تف بمقصوده؛ فأشعر كلامه بالاضطراب. والسؤال الذي أورد عليه ~~فاسد؛ لأن التكليف ليس بفعل واحد في حال من التكليف، حتى يفعله ويستغنى عن PageV01P151 # استبقاء نفسه. بل هي أفعال من أحوال وأنواع في أزمان متطاولة، لا يمكن ~~إقاعها دفعة واحدة. فلا جرم احتاج إلى استبقاء نفسه وإلى المالكية لأجله. ### || AUTO [فروع قاعدته في المالية وأهلية الأملاك] # ثم بنى على هذه القاعدة مسائل. ### ||| AUTO [تصرف العبد المأذون له] # منها أن العبد المأذون له في نوع من التصرفات يصير مأذونا له في الأنواع ~~كلها؛ لأن بالإذن ارتفع الحجر وظهرت مالكيته بمقتضى التكليف. والمانع له ~~إنما كان تعلق حق السيد بخدمته. فاذا أسطقه في نوع أو زمن ما، سقطت في ~~الأزمان كلها. ### ||| AUTO [تصرف الصبي المأذون له] # ومنها أن الصبي المأذون له إذا تصرف، نفذ تصرفه؛ لأنه على حال، لكونه ~~عليها يتمكن من الاختصاص بالأموال والتصرف فيها. # قلت: تبين من كلامه هذا، ومما سبق، أن مراده بأن الإنسان إذا استجمع ~~أمورا يلازمهاالتكليف، وجب الاستبقاء. لأنه ما دام يترقى إلى ms073 التكليف من ~~حال إلى حال بالتدريج، فهو متهي للملك، ومتوقع لوجوب استبقاء نفسه في ~~الثاني؛ لأنه جعل الصبى متصفا بالحال التي تصح بها المالكية. فوجب حمل ~~كلامه على ما ذكرنا. لكن قصور عبارته عن مراده أوقع في كلامه الإشعار ~~بالاضطرابات. ### ||| AUTO [تجزؤ العتق] # ومنها أن العتق يتجزأ؛ لأن المملوكية ليست وصفا قائما بالمملوك. بل هو ~~بحق الأصل متهيئ لملك الأشياء، قابل له، غير قابل لأن يملكه غيره. وإطلاق ~~اسم "المملوك" عليه تجوز شرعي شرعي، معناه أن اختصاص غيره باستعماله ~~والانتفاع به مانع له من التصرف في نفسه. ثم ذلك المانع قد يثبت لشخص واحد، ~~وقد يثبت لشخصين، فأكثر، يشتركان في الاختصاص باستعماله. فإذا قدر زوال ~~المانع من جهة أحدهما، لسبب، PageV01P152 # من عتق أو غيره، فوقوع ذلك السبب يبقتضى وقوع أثره؛ وهو زوال مانع العبد ~~من استعمال مالكية في نفسه من تلك الجهة. ولأنه يقتضي زوال المانع من جهة ~~الشريك، إذ لا مقتضى لذلك عقلا ولا شرعا، فتعينت التجزئة. ### || AUTO [الكلام على قاعدته في المالية وأهلية الأملاك] # قلت: قد نبهت على اضطراب كلامه في هذه القاعدة من حيث اللفظ، إن لم يكن ~~من حيث المعنى. وما أوقعه في ذلك [إلا] الإغراق في التناسب العقلي. وذلك ~~لأنه رأى المالكية صفة شريفة. والتكليف جاء به كمال؛ فتناسب إضافتها إليه، ~~على ما قرره. والتحقيق في الباب أن يقال: إن الله سبحانه لما خلق العباد، ~~لما أراد منهم من العبادة والتكليف، وجعلهم محتاجين إلى ما تقوم به ~~أبدانهم، وتبقى به نفوسهم، خلق لهم أشياء، برسم ذلك، متعاا لهم- كما امتن ~~الله سبحانه عليهم بذلك في قوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}، ~~{وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} - ثم ابتلاء، بتمكن كل ~~منهم من الانتفاع بجزس مما خلق له من المتاع، إلا بضرب من الاختصاص. وإلا، ~~كان انتفاعه به بدون غيره ترجيحا من غير مرجح. وربط الشرع ذلك الاختصاص ~~بضفات شريفة مناسبة. وهي، بالاستقراس، الحياة والإنسانية والحرية، وهي عدم ~~الولاية ms074 عليه لغيره، بحيث يختص بمنافعه دونه. فالملك دائر مع هذه الصفات ~~وجودا وعدما. والحكمة في إثبات الملك إقامة الأبدان إلى أوان التكليف ~~وانقطاعه. فيشترك في ذلك المكلف وغيره، وليدا، أو فطيما، أو حملا؛ لأنهم ~~جميعا يحتاجون إلى إقامة أبدانهم. والجماد والميت لا يملكان، لانتفاء ~~الحياة التي هي شرط الإنسانية والاتصاف بالحريية. فانتفت فيه الصفات ~~الثلاث. والبهيمة لا تملك، لانتفاء الإنسانية. والعبد لا يملك، لانتفاء ~~الحرية. والتكليف الذي ذكره إنما هو شرط الاستقلال بالتصرف، لا لاستحقاق ~~المالكية. # بقى الكلام في الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح. فيقال: إن قلتم: "يملك"، ~~فالحياة منتفية فيه؛ وقد شرطتموها للملك. وإن قلتم: "لا يملك"، فبتقدير أن ~~يموت أبوه قبل PageV01P153 # نفخ الروح فيه، يجب انتقال التركة بموته إلى بقية الورثة دون الجنين. ~~فكيف وقفتم له الميراث وهو بحال لا يملك، ثم ورثتموه بشرط الولادة؟ فالجواب ~~إنه يملك. والحياة، وإن لم توجد فيه حالا، فهو صائر إليها بحكم العادة ~~المطردة، أو الغالبة، مالا؛ فهو حي بالقوة. فقامت هذه القوة مقام الفعل ~~لغلبتها واطراد العادة بها. بخلاف الميت. فإن العادة لم تطرد بعوده حيا ~~فهذا كلام واضح في الملك، لا غبار عليه. ### || AUTO [الكلام على فروع قاعدته في المالية وأهلية الأملاك] # أما الفروع التي ذكرها، فالأول منها ممنوع، وضعفه أظهر من أن يظهر. ~~فقوله: "بالإذن ارتفع الحجر". قلنا: مطلقا، أو بالنسبة إلى ما أذن له فيه؟ ~~الأول ممنوع؛ ولا دليل عليه. والثاني مسلم. # قوله، "إذا رضي السيد بإسقاط حقه من خدمة العبد في زمان، سقط في جميع ~~الأزمان"، تحكم لا رابط فيه، ولا ضابط يحويه. وإنما هو كمن يقول: "إذا جاز ~~أكل الميتة في وقت الضرورة، جاز في جميع الأوقات. وإذا فك بالحجر عن العبد ~~بحضور العدو البلد، واحتاج الناس إلى دفعه، على رأي الشافعي، انفك عنه في ~~جميع الأوقات". ولو صح ذلك، للزم منه بطلان جميع عمومات الشرع؛ لأنها ~~مخصوصة بصور معروفة عند العلماء. وتعلق حق السيد بخدمة العبد في عموم ~~الأوقات كعمومات الشرع المتعلقة بأفعال المكلفين. ms075 فلو استفاد العبد، بإذن ~~السيد له في نوع خاص، رفع الحجر عنه في كل نوع، لاستفاد المكلفون، بتخصيص ~~صورة من كل عام، تخصيص جميع صوره. وذلك محال. وإنما عدل الشرع والعقل أن ~~يختص تصرفه بما بما أذن له فيه دون غيره، كسائر التخصيصات. # وأما الصبي، فإن كان مميزا، ففيه خلاف بين العلماء. فإن أجيز، فكالعبد؛ ~~يختص تصرفه بما أذن له فيه. وإن لم يجز، فالفرق بينه وبين العبد التكليف ~~وعدمه. وإن لم يكن مميزا، لم يجز تصرفه؛ مظنة التفريط. # وأما تجزؤ العتق، فصحيح. لكن مأخذه أن الإنسان في أصل الفطرة حر بالإضافة PageV01P154 # إلى المخلوقين. فالحرية أصل فيه، لحكمة الاستقلال بطاعة الله وعبادته ~~التي خلق لأجلها؛ والرق طارئ عليها. فإذا وجد مقتضة الحرية في بعض العبد، ~~ظهر حكم الأصل فيه؛ وهو الحرية. ثم استولى عندنا على باقيه، فيما إذا كان ~~المعتق لبعصه موسرا، وتضمن نصيب شريكه. وعندهم، يستسعى العبد، ظهر حكم ~~الأصل فيه؛ وهوالحرية. ثم استولى عندنا على باقيه، فيما إذا كان المعتق ~~لبعضه موسرا، وتضمن نصيب شريكه. وعندهم، يستسعى العبد في قيمة باقية، إن لم ~~يكن المعتق موسرا. كل ذلك لاجتذاب الحرية العبد إليها؛ لأنها الأصل؛ ~~وللأصول قوة. وصار كالأجير مستحق المنفعة مدة الإجارة؛ فإذا انقضت. وأيضا، ~~الذي قرره في تجزؤ العتق، لا نحن نمنعه، ولا هو ينافي ما قلناه؛ بل هما من ~~واد واحد. # ومما يدل على ضعف ما ذكره في أصل القاعدة أن التكليف لو كان مناطا للملك، ~~أو غاية للحال التي يستحق بها الملك، على ما فسرنا به كلامه من التدريج، ~~لوجب أن تتفاوت أملاك الناس باستجماعها استحوا الملك. فيكون ملك الوليد ~~أقوى من ملك الجنين، والفطيم أقوى من الوليد، والمراهق أقوى من الوليد، ~~والبالغ أقوى من المراهق. ولا قائل بذلك. ### || AUTO ومنها قاعدته في الأملاك # وحاصل ما قررها به أن الأملاك في الأصل لله سبحانه؛ لأنه موجدها؛ وموجد ~~الشيء ومخترعه أحق بملكيته من غيره. وإنما شرعت للناس استصلاحا لهم، ~~ليتوصلوا بها إلى التوحيد وإقامة العبادات. فالمقصود ms076 منها الانتفاع ~~المستبقى للنفوس. وهذا يقتضى أن [فى] كل موضع كان المقصود أكثر حصولا، كان ~~الملك أولى بالثبوت. ### || AUTO [فروع قاعدته في الأملاك] # ثم بنى على ذلك فروعا ### ||| AUTO [استيلاء الكفار على أموال المسلمين في دار الحرب] # منها أن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب، ~~ملكوها؛ لأنهم أوصل إلى المقصود منها؛ لاستيلائهم عليها، وتملكهم من ~~الانتفاع بها. بخلاف المسلمين؛ فإنهم لا يتهيأ لهم بها انتفاع إلا على تقدم ~~الحال والزمان. PageV01P155 ### ||| AUTO [قسمة الغنائم في دار الحرب] # ومنها أن ### ||| AUTO قسمة الغنائم في دار الحرب # لا تجوز؛ لأن الدار دار الكفار؛ فيقدرون على استردادها غالبا. فهم أوصل ~~إلى الانتفاع بها. بخلاف جزئيات الغنائم، كالطعام والعلف للغزاة؛ فإنه ملك ~~الغزا، لتعجل انتفاعهم به. قال: "ولا يلزم على هذا الغاضب؛ لأنا لا نسلم ~~أنه أوصل إلى الانتفاع بالمغصوب من المالك، لاستوائهما في الدار؛ ويرجح ~~المالك بالملكية؛ فيمكنه الاسترداد غالبا، إما بنفسه، أو بالمرافعة إلى ~~الإمام". ### ||| AUTO [تغيير الغاصب في المال المغصوب] # ومنها أن الغاصب إذا طحن الحنطة، أو خبزها، أو ذبح الشاة وطبخها، أو أدخل ~~الساحة في بنائه، انقطع حق المالك من ذلك؛ لصيرورة الغاصب أوصل إلى ~~الانتفاع منه به. ### ||| AUTO [الكلام على قاعتدته في الأملاك] # قلت: هذه قاعدة عن التحقيق قاعدة. أما أولا، فلا نسلم أن الأملاك شرعت ~~استصلاحا للعباد فقط، بل وللامتحان لهم بالتصرف فيها؛ بدليل قوله تعالى: ~~{ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}، وقول موسى لقومه ~~ذلك بعينه، وقول النبي عليه السلام، "إن الدنيا حلوة خضرة؛ وإن الله ~~مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون". ولهذا، جاء في الأثر، "يجمع الله سبحانه ~~الذهب والفضة يوم القيامة جبلين. ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا؛ سعد به ~~قوم، وشقى آخرون". # وإذا ثبت ذلك، لم يلزم أن يكون مقصود المال الانتفاع به، بل والتكليف ~~بحسن PageV01P156 # التصرف فيه على ما أمر به الشرع. وحينئذ، تنهم القاعدة المذكورة؛ لأن كل ~~من فرضناه أوصل إلى الانتفاع بمال، قلنا: هل انتفاعه به ms077 يكون مشروعا، أم ~~لا؟ فإن كان مشروعا، ملك. وإلا، فلا. وأما ثانيا، فلا نسلم أن من كان أوصل ~~إلى النفع كان أولى بثبوت الملك، لما ذكرناه. فالقاعدة ممنوعة بمقدمتيها. ### || AUTO [الكلام على فروع قاعدته في الأملاك] # وأما فروعها، فنقول: قواعد مذهبنا تقتضي أن الكفار لا يملكون أموال ~~المسلمينبالاستيلاء عليها. وهو مقتضى العدل؛ لأنه سبب محرم؛ والأسباب ~~المحرمة لا تفيد الملك؛ لأن المحرم شرعا كالمعدوم؛ والمعدوم نفي صرف؛ فلا ~~يفيد شيئا. # ونص أحمد أنهم يملكونها، لكن مأخذه غير ما ذكرتم. وهو أن المسلمين أصيبوا ~~بأموالهم في سبيل الله؛ فكان أجرهم فيها على الله. فلا يجمع لهم بين العوض ~~والمعوض؛ كما لو وقفوها على الكفار، أو تصدقوا بها عليهم. فصار كأنها ~~انتقلت إلى الله؛ ثم ملكها الله الكفار بذلك السبب المحرم، زيادة في ~~إطغائهم وعذابهم وإقامة الحجة عليهم. وهذا مأخوذ من رأي عمر رضي الله عنه؛ ~~حيث أراد أبو بكر أن يأخذ دية قتلى المسلمين من أهل الردة؛ فقال له عمر: ~~"لا دية لهم؛ لأنهم بذلوا أنفسهم في سبيل الله؛ فأجرهم على الله". # وذكر الزنجانى أن المسألة مبنية على تكليف الكفار بفروع الإسلام، فعند ~~الحنفية، لا يكلفون بها؛ فلا يثبت تحريم أموالنا في حقهم؛ فلا يملكونها. ~~وعلى هذا يقوى ما قرره أبو الخطاب. فكيون نص أحمد في هذا الفرع على خلاف أصله. # وأما قسمة الغنيمة في دار الحرب، فهو عندنا مخير بينه وبين تأخيره إلى ~~دار الإسلام. قوله، "الكفار في دارهم أوصل إلى الانتفاع". قلنا: بماذا؟ بما ~~في أيديهم PageV01P157 # وإحرازهم؟ الأول مسلم. لكن ليس الكلام فيه؛ إذ لا يسمى "غنيمة". إنما ~~الغنيمة ما أخذ منهم قهرا بالقتال، وصار في قبض المسلمين. وحينئذ، المسلمون ~~أوصل إلى الانتفاع به من الكفار. فجازت فسمته كسائر أملاكهم. # قوله، "الدار للكفار؛ فيقدرون على الاسترداد والانتفاع". قلنا: هذا تعليل ~~جبان. فإن المؤثر في الغنيمة إنما هو السيف، لا قرب الدار وبعدها. ويلزمهم ~~على هذا أن لا يجيزوا قسمة المسلمين أموال أنفسهم التي جازوا بها من دار ~~الإسلام في ms078 دار الحرب؛ لأنها دار الكفار؛ فكما يقدرون على استنفاذ أموالهم، ~~يقدرون على أخذ أموال المسلمين. ولا قائل به. ثم يلزمهم بمقتضى الفقه أن ~~يفصلوا، فيقولوا: "إن كان جيش الإمام قويا مستظهرا على عدوة في غالب الظن، ~~جازت القسمة. وإلا، فلا"؛ كما قلنا: لا يستعين بالكفار إلا إذا كان جيشه ~~يكافئ عدوه ومن أعانه منهم؛ وإن لا، فلا. # وأما صور الغصب، فممنوعة عندنا؛ بل يرجع بعين ماله حيث أمكنه. ولا نسلم ~~أن الغاصب يصير بما ذكر أولى من المغصوب منه؛ إذ لو صار بذلك أولى، لصار ~~بمجرد الغصب وصيرورة المغصوب في يده. وكل ما اعتذر به عن مجرد الغضب لازم ~~له، في طحن الدقيق، وخبزه، وذبح الشاة، وطبخها، والبناء على الساحة، ~~ومحوها؛ لأن علتهم موجودة في الموضعين. وما أوقعهم في هذا الأصل الضعيف إلا ~~ظنهم أن الأملاك شرعت لمجرد استصلاح العباد. ثم رجحوا قرب المصلحة على ~~بعدها؛ وهذا ضرب من رعاية الأصلح الذي أبطلناه. ### || AUTO ومنها قاعدته في وصف الفعل بأنه ضرب أو قبيح # فقال: "ليس كون الفعل متعبا، أو شاقا مؤلما، هو المقتضى لكونه ضررا، أو ~~قبيحا، إذ لو كان كذلك، لما ورد الشرع بالأفعال الشاقة على الطباع؛ لأن جهة ~~القبح إذن فيها قائمة، وهي كراهة الطبع ونفرة النفس. والعقل ينفي القبح ~~والضرر. فورود الشرع به مناف للعقل. وهو تناقض في الحجج. فإذن، الجهة ~~المقبحة الموجبة لكون الفعل ضررا قبيحا هو وقوع الفعل على غير وجه ~~الاستحقاق، أو خلوه عن نفع، أو دفع ضرر. فإيلام الجانى حسن عند العقلاء قبل ~~ورود السمع. وكذلك ما تعلق به من الإيلام حصول PageV01P158 # نفع، أو دفع ضرر؛ كالفصد والحجامة. فحاصل الأمر أن كل فعل وقع مستحقا، أو ~~حصل نفعا، أو دفع ضررا، فهو حسن. وإلا، فلا". # قال: "ولهذا قلنا: يبطل قول من ينفي الزكاة عن الصبي، والحرية عن الذمي ~~بعد الإسلام، والقتل عن شريك الأب. ونقول: إيجاب هذه الأشياء أضرار بنفسها؛ ~~فلا تشرع لقبحها". قال: "لأنا نقول لهم: لابد من نفي ما قلنا من ms079 وجوه الحسن ~~والمصحلة ليصير الفعل إضرارا أو قبيحا". ### || AUTO [الكلام على قاعدته في وصف الفعل بأنه ضرر أو قبيح] # قلت: أما تقريره لقاعدة الإيلام، فقد سبق القول فيها مع لمعتزلة؛ وإنهم ~~يقبحون الإيلام إذا تعلقت به مصلحة. وهذا نسج على ذلك المنوال. إلا إن الحق ~~أن تقريره هنا صواب. لأن كلامه في الإيلام، من حيث هو مشروع يترتب عليه ~~الأحكام، لا من حيث هو مقدور لله سبحانه. فتقريره صحيح. لكن قد ترتب عليه ~~أنه ناقض ما قدمه في أن الصبي لا تجب عليه الزكاة؛ فإن كلامه هنا يقتضي ~~وجوبها. # وأما سقوط الجزية عمن أسلم، أو مات كافرا، فهو مذهب أبي حنيفة؛ خلافا ~~للشافعي؛ فقد خالف مذهبه أيضا. ومأخذ الخلاف أن الجزية شرعت عقوبة وصغارا ~~على الكفر، وبدلا عن نصرة المسلمين؛ إذ لا عقوبة على ميت أو مسلم. وفي ~~الحديث، "ليس على مسلم جزية". ولأن المسلم قد بذل النصرة بنفسه، فسقطت عنه ~~في ماله على ذلك الوجه. والكافر الميت سقط عنه تكليف الشرع، وصار إلى عذاب ~~الآخرة. ومن قال بالثاني، قال: "قد استوفى المعوض، وهو العصمة والسكنى؛ فلم ~~تسقط بالموت والإسلام، كالأجرة ودين الآدمي". # والمأخذ الأول هو ظاهر الآية، حيث قال الله سبحانه: {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله}، إلى قوله: {من الذين أوتوا الكتاب حت يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون}؛ فصرح PageV01P159 # بالصغار. وأشار إلى العقوبة على ترك الإسلام بقوله: {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله .. ولا يحرمون ... ولا يدينون دين الحق}. واقتران الفعل ~~بالوصف المناسب يفيد التعليل به، لقوله: {فاقتلوا المشركين}، "واقطعوا ~~السارق"، "واجلدوا الزاني". ولأن الجزية بدل عن القتل؛ وهو عقوبة على ~~الكفر؛ وبدل العقوبة عقوبة. # وأما القول بأن الجزية عوض عن العصمة أو السكنى، فيه ضعف من جهة أنا نعلم ~~أن مقصود الشارع وانصراف همته بالكلية إنما هي إلى تحصيل الإيمان والزجر عن ~~الكفر، لا إلى المعاش والتجارة. ولا شك أن المعاوضة ضرب من التجارة؛ والشرع ~~ورد زاجرا، لا تاجرا. والذي يحقق هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ms080 كان ~~يتألف الواحد من الكفار على الإسلام بالمال العظيم. كالذي أعطاه غنما بين ~~جبلين، فأسلم هو وقومه، وقال: "يا قوم! أسلموا! فإن محمدا يعطي عطاء من لا ~~يخشى الفاقة". ومه هذا، يبعد جدا أنه تماكس ذميا أسلم على أجرة دار سنة، مع ~~أن همة أهل الذمة دنيئة؛ فربما رغب أحدهم في الإسلام طمعا أن تسقط عنه ~~الجزية للعام الماضي. فإشذا لم تسقط عنه، امتنع غيره من الإسلام، لفوات ما ~~يرغب فيه. وبهذا التقرير، يتجه أن يقال: تسقط عمن أسلم منهم، دون من مات ~~كافرا- وهو مذهب أحمد رحمه الله- لأن الكافر أهل للعقوبة. وأصل العقوبة أن ~~تكون في بدنه القتل. ثم انتقلت إلى ماله، بعقد الذمة؛ وماله باق؛ وقد ~~استحقت فيه. # وأما شريك الأب في القتل، فيجب القصاص عليه. وهو قول مالك والشافعي ~~وأحمد؛ لأن المقتضى للقصاص قائم في حقهما. ولهذا أوجبه مالك على الأب إذا ~~ذبح ولده، ونحوه من الأفعال التي لا تحتمل التأديب؛ بخلاف ما لو حذفه بسيف ~~ونحوه، لاحتماله ذلك. وإنما قلنا: "إن المقتضى قائم"، لأن مقتضى القصاص هو ~~القتل العمد PageV01P160 # العدوان؛ وهو موجود منهما؛ فاقتضى وجوب القصاص عليهما. وإنما تخلف الحكم ~~عن مقتضيه في حق الأب، لمانع مختص به؛ وهو قوله عليه السلام: "لا يقتل والد ~~بولده". ومن حيث الحكمة، إن الأب كان سبب وجود الولد، فلا يناسب أن يكون ~~الود سبب عدمه. وهذا قلنا: إذا ملك أباه، عتق عليه؛ لأن الرق عدن حكمي، ~~والجزية وجود حكمي. فوجب في الحكمة أن يكافئ والده على إيجاده له حقيقة ~~بالولادة، بإيجاده لأبيه حكما بالإعتاق. # وقد أورد على هذه الحكمة ما إذا زنى بابنته؛ فإنه يرجم. فهي إذن سبب ~~إعدامه، مع أنه سبب إيجادها. فمن أراد تصحيح حكم نفي القصاص عن الأب، قال: ~~"لا يكون الابن سبب إعدامه، لحق نفسه؛ فيخرج رجمه بزناه بابنته؛ لأن ذلك ~~الحق الله. ولهذا، لو قتلها، لم يقتل بها؛ لأن القصاص حقها، أو حق ورثتها". ~~وقد يمنع هذا أيضا بناء على أن المانع من القصاص اختص ms081 بالأب؛ بقي الأجنبي ~~في وجوب القصاص على أصل المقتضى له. # ومن أقط القصاص عنه، ألحقه بشريك المخطئ؛ بجامع أن كلا منهما قصاص منتفض ~~في الحكم، أى وجب على أحد القاتلين، دون الآخر؛ فصار شبهة تدرأ الحد. # وهو ضعيف. إذ الفرق بنيهما أن المانع من القصاص في حق الأب منشأ كالأبوة- ~~أي كونه أبا؛ لما ذكر من الحكمة المناسبة- والمانع في حق المخطئ إنما هو من ~~جهة فعله؛ وهو الخطأ. فسرى حكم الخطأ من فعله إلى فعل شريكه لاتحاد محل ~~الفعلين. فلم يتمحض العمد في حق الشريك؛ ولم يكن منشأ المانع كون المخطئ ~~أجنبيا مثلا، ليختص به. ولو كان، لشاركه الآخر أيضا فيما إذا كان كذلك. ~~فحاصل هذا الفرق أن المانع في حق الأب راجع إلى ذاته، فاختص به؛ وفي حق ~~المخطئ راجع إلى فعله، فسرى إلى فعل شريكه. # وأما قولهم، "ينقض القصاص شبهة تدرأ الحد". قلنا: ليس ذلك مطلقا. إنما PageV01P161 # تدرأ الأحد شبهة متمكنة تصلح لدرئه. وهي كذلك في شريك المخطئ، لكونها في ~~الفعل المشترك بينهما؛ بخلافها في شريك الأب، فإنها المختصة بالفاعلة، الذي ~~هو الأب، دون شريكه؛ وذلك لا يقتضي التعدي إلى ذاته، ولا إلى فعله. أو ~~نقول: شرط وجوب القود العمد وهو موجود في شريك الأب؛ بخلاف شريك المخطئ. # هذا ما تيسر إيرداه من فروع الأصل المذكور، وما ناسبه وقارنه ونزع إليه ~~على ما بينا وجهه. وفي ذلك كثرة لمن أراد الإطلاع عليه. PageV01P162 ### | AUTO [خامسا: مسألتا القدر وخلق الأفعال] # ولنشرع الآن في مسألة القدر، وفي مسألة خلق الأفعال، نقلا ودليلا من ~~المعقول والمنقول. فنقول، وبالله الاعتصام والتوفيق: # اعلم أن هذه المسألة، أعني مسألة القدر، هي سر من أسرار الله سبحانه، لا ~~سبيل لبشر إلى الاطلاع على كنهه وحقيقته، إلا إن شاء الله. ولو كان لبشر ~~إلى الوقوف على كنهها سبيل، لكان أولى الناس بذلك الأنبياء. وقد سأل عنها ~~موسى وعيسى وعزيز؛ فكان جوابهم، "إنما أنتم عبادي، وهذا سر من أسراري؛ وأنا ~~لا أسأل عما أفعل". فأمسك موسى وعيسى، وعاود عزيز ms082 فيها؛ فأغلظ له القول، ~~ومحي من ديوان النبوة؛ فهو لا يعد فيهم. وأما نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فاكتفى عن السؤال عنها بما علمه الله سبحانه مما يقتضي الإمساك. وقال ~~الصديق: "العجز عن درك الإدراك إدراك". وقال أمير المؤمنين علي رضى الله ~~عنه: "كلما زاد عقل المرء، زاد إيمانه بالقدر". وكفاك بأمير المؤمنين عقلا ~~وفهما؛ ثم هو قد ألقى السلام في هذا المقام. # وإنما غرضنا وغرض غيرنا بالكلام فيها دفع شبه الخصوم، المفضية إلى ~~الاعتقاد الموصوم والعقد المقصود؛ لأنها شبهة شيطانية، أصلها متلقى من ~~إبليس، كما سبق في مناظرته. فهي تزلزل الاعتقاد، وتحيد بالإنسان عن نهج ~~الرشاد. فإذا تبين بطلانها، رجع الشخص إلى ما جاء به الشرع، من الإيمان ~~والتسليم، بقلب من الشبهات نقي سليم. مثال ذلك ملك متحصن بحصن، أو قلعة، ~~وفيها نخر يخاف إن يفتق من قبله. فقلبه مشغول من جهته. فإذا سده، وأمن ~~غائلته، اجتمع همه وزوال غمه. # فلهذا، كل من وقفنا على كلامه في هذه المسألة من القدرية، إنما نجيبهم ~~بالمدافعات والإلزامات، بأن نبين أن الاشكال الذي يوردونه لازم عليهم، ولا ~~نأتي في توجيه حقيقة المسألة بما يمثل إليه العقل مثله إلى شبه الخصوم. حتى ~~إن أبا عبد الله PageV01P163 # الرازي، مع تبحره في الكلام، ومعرفته بطرق الاستدلال والإلزام، لما أورد ~~شبهات أب الحسين الآتي، إن شاء الله، ذكها، وأجاب عنها، قال بعد ذلك: "فإن ~~قيل: " فما الحيلة؟ " قيل: الحيلة ترك الحيلة، والرجوع إلى قوله تعالى: {لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون}. وكلامه هذا مقتضب مما سبق، من قول الصديق، ~~"العجز عن درك الإدراك إدراك". ### || AUTO [بيان معنى "الكسب" و"الخلق"] # وعند هذا، يحتاج، قبل الشروع في خاصية المسألة، إلى بيان معنى "الكسب" و ~~"الخلق"؛ لأن مدار المسألة عليهما؛ إذ أفعال العباد عندنا صادرة؛ أعني خلق ~~البارئ، وكسب العبد. فنقول: "الخلق" يستعمل بمعاني: # منها الإبداعوالاختراع، وهو إيجاد الشئ بعد أن لم يكن؛ كقوله سبحانه: ~~{خلق السموات والأرض}، {وخلق كل شئ}، {خالق كل شئ}. وهذا خاص بالله، يستحيل ms083 ~~من غيره. # ومنها الكذب والافتراء والاختلاق؛ نحو: {إن هذا إلا خلق الأولين}، بسكون ~~اللام؛ و {إن هذا إلا اختلاق}. وهذا على الله مستحيل. # ومنها التصوير، وهو جعل المادة على شكل وصورة ما، نحو: {وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير}، {فتبارك الله أحسن الخهالقين}، أى المصورين. # وتقدير الشيء بالشيء، أي جعله على قدره. ومنه سمي الحذاء "خالقا"، لأنه ~~يقدر PageV01P164 # الحذاء بالخشبة التي تسميها الأساكفة "قالبا". # والقصد إلى الشيء، فيما قيل؛ نحو: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى # أى تحكم ما قصدت إليه من أمورك. وأصله من قولك، "خلقت الأديم"، إذا قدرته ~~وهيأته لما تريد من قميض، أو وعاء، ونحوه، ثم تقطعه على حسب ذلك. فنقول: ~~إنك إذا قدرت في نفسك شيئا، فعلته في الخارج مطابقات لذلك التقدير الذهني؛ ~~فهو بصفة إحكام تصوراته الذهنية وأفعاله الخارجية ونظائرهما. # وهو، بهذه المعاني الثلاثة، جائز من الله ومن خلقه. ثم اختلف في أن الخلق ~~حقيقة في المعنى الأول، مجاز في غيره، يحتاج في حمله عليه إلى قرينة؛ أو ~~أنه حقيقة في كل واحد من المعاني المذكورة بالاشتراك. والأول رأي الأشعري. ~~والثاني رأي القاضي أبى بكر من أصجابه. والأول أولى؛ لتبادره إلى الذهن عند ~~الإطلاق؛ ولأنه يعارض الاشتراك والمجاز، وهو أولى. # ثم اختلفت في حقيقته عبارات الأئمة؛ فقال بعضهم: "الخلق هو فعل فاعل". ~~وهو ضعيف؛ لأنه يقتضي أن يكون كل فعل خلقا؛ وليس كذلك. بل الخلق أخص من ~~الفعل؛ فكل خلق ففعل، وليس كل فعل خلقا. فأفعال الله سبحانه تسمى "خلقا"، ~~بمعنى أنها إحداث وإبداع واختراع، وتصير المعدوم موجودا، وبالعكس. وذلك ~~حقيقة الخلق في الاختيار. # وأفعال العباد لا تسمى "خلقا"، إلا أن يراد به الكسب، على ما يأتى بيانه، ~~إن شاء الله تعالى. ولهذا، أخبر الله سبحانه عن نفهس، ووصفها بالخلق، في ~~غير موضع. ولم يصف به خلقه؛ بل يقول: {بما كانوا يفعلون}، {يعملون}، ~~{يكسبون}، PageV01P165 # {يقترفون}؛ ولم يقل قط: "بما كانوا يخلقون". وأما قوله: {وتخلقون إفكا}، ~~فهو من معنى الكذب. وقوله، {أحسن ms084 الخالقين}، هو من معنى التصوير، كما سبق فيهما. # وأما "الكسب"، فهو، في عرف اللغة، تحصيل الشيء مباشرة. ولذلك سميت جوارح ~~الطير وسباع الوحش "كواسب". قال لبيد: "غبس كواسب ما يمن طعامها"؛ يعني ~~الذئب، لا منة عليها في طعامها؛ لأنها تكسبه بأنفسها. ولهذا لم يوصف االه ~~سبحانه والاكتساب، لأنه سبحانه فعال بلا مباشرة. كما قال ذو النون، في وصفه ~~تعالى، "موجود بلا مزاج، فعال بلا علاج". فأما إطلاق "الكسب" على ما لا ~~مباشرة فيه، كقولهم، "كسب مالى"، بمعنى "ربح"، فهو تنزيل للمال منزلة كاسب ~~مباشر مجازا، مع أنه عرف عامي. # ثم لهم في حقيقة الكسب عبارات. قال القاضي: "هو ما وجدت عليه قدرة ~~حادثة". وفيه إجمال وفساد؛ إذ هو مشعر باستقلال القدرة الحادثة بالإيجاد؛ ~~وليس هعو المراد. بل يريد وصف الحادث بأنه كسب العبد. وحينئذ، يصير تعريف ~~الكسب بالكسب؛ وهو دور. وقيل: "هو المقدور عليه بالقدرة الحادثة". وهو قريب ~~مما قبله. وقيل: "هو المتعلق بالقادر عليه، لا على جهة الحدوث". وهو ~~أقربها. # وأصح ما قيل فيه: "إن الكسب أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة". ~~وذلك أن الله سبحانه هو يخترع الأفعال ويوجدها على أدوات العبد وجوارحه، ~~مطابقة لعزمه وإرادته واختياره. وجوارحه، مطابقة لعزمه وإرادته واختياره. ~~وجوارحه هي محل قدرته الحادثة. # فهو، في التقريب والتصوير، كما يحرك أحدنا، أو الريح، شجرة أو نباتا. ~~فالحركة، في رأي العين، قائمة بالشجرة. ومادتها، في الحقيقة، من ذلك ~~المحرك. غير أن حركة العبد، في أفعاله المقدورة فيه، مطابقة لقصده ~~واختياره. بخلاف الشجرة؛ إذ ليس لا قصد ولا اختيار. فبالأول، انفصل مذهبنا ~~من مذهب القدرية. وبهذا الأخير، تميز عن PageV01P166 # مذهب الحبرية. # ثم لهم في الفرق بين الخلق والكسب عبارات. فقيل: "الخللق ما وقع بقدرة ~~الخالق على وجه لا يتفرد به". وقيل: "الخلق ما تعلقت به قدرة القادر عليه ~~من جميع الوجوه؛ والكسب إنما تتعلق به قدرة القادر عليه بوجه ما". وقيل: ~~"الخلق يصير العدم وجودا من غير تغير الفاعل بفعله وتركه؛ والكسب مقدور، ~~إذا وقع، اتصف ms085 القادر عليه بفعله وتركه؛ ككونه عاصيا، أو مطيعا، أو متحركا، ~~أو ساكنا". قلت: هذا ينزع إلى قول من يزعم أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله، ~~وكونه طاعة ومعصية يقع بقدرة العبد. وسيأتي، إن شاء الله، قريبا. # فحينئذ، ها هنا ثلاثة أسماء: "الخلق"، وهو مختص بالله سبحانه؛ و "الكسب"، ~~وهو مختص بالعبد؛ و "الفعل"، وهو مشترك، نحو {فعال لما يريد}؛ {بما كانوا ~~يفعلون}. ### || AUTO أما نقل المذاهب في المسألة # فقال الأشعري: "لا تأثير لقدرة العبد على مقدوره أصلا؛ بل القدرة ~~والمقدور واقعان بقدرة الله". قلت: فحقيقة مذهبه أن الأفعال مقدورة مخلوقة ~~لله سبحانه، بواسطة خلق القدرة علهيا. فالعبد يتلقى أفعاله عن قدرته؛ ~~وقدرته تتلقاها عن قدرة البارئ سبحانه. والأفعال تمر على قدرة العبد مرور ~~جواز، لا مرور تأثر. # وقال القاضي: "ذات الفعل واقعة بقدرة الله تعالى؛ وكونه طاعة ومعصية، ~~بقدرة العبد". قلت: فذات الفعل، نحو كونه حركة أو سكونا، وصفته، نحو كونه ~~زنا أو صلاة. وذلك توسط منه بين المذهبين؛ لأنه قام الدليل عنده على أن ~~الأفعال مخلوقة لله؛ ثم رآه ممدوحا ومذموما ومنهيا ومأمورا ومعاتبا وموبخا. ~~فاحتاج أن يجعل لذلك مستندا؛ وهو صفة الفعل، كما ذكر. PageV01P167 # وقال الأستاذ أبو إسحق: "إن ذات الفعل يقع بالقدرتين". قلت: هو بناء على ~~وقوع الفعل بين القدرين. لكن إن عنى "بوقوعه بالقدرتين"، أن صدوره عن ~~القدرة الحادثة صدور الشئ عن محله، فهو كقول الأشعري. وإن عنى أن صدور الشئ ~~عن مؤثره، فهو ضرب من الاعتزال؛ لأن النزاع معهم إنما هو في تثير القدرة ~~الحادثة في الفعل أصلا؛ فنفيناه نحن، وأثبتوه هم. فإذا جعل فيها تأثيرا في ~~الفعل مع غيرها، فقد أخذ قسطا وحظا من الاعتزال. # وقال إمام الحرمين: "الله سبحانه يوجد للعبد القدرة والإدارة. ثم هما ~~يوجبان وجود المقدور". وهو قول الفلاسفة، وأبي الحسين من المعتزلة. وهو في ~~التحقيق راجع إلى الأول؛ لأن موجد الموجب موجد. # أما جمهور المعتزلة فقالوا: "العبد موجد لأفعاله، لا على نعت الإيجاب، بل ~~على صفة الاختيار". وغلا بعضهم، حتى ms086 صار إلى أن العبد خالق على الحقيقة، ~~كالرب. وتغالى بعض متأخريهم، حتى صار إلى أن لا خلق على الحقيقة إلا العبد؛ ~~أما الرب سبحانه، فهو خالق مجازا. # قلت: فإذن، أهل السنة والمعتزلة في هذا على طرفي نقيض؛ لأن هؤلاء يقولون: ~~"لا خالق للأفعال حقيقة إلا الله؛ والعبد خالق مجازا؛ وهؤلاء يعكسون، كما ذكرنا. ### || AUTO [مقدمات المسألة] # واعلم أن هذه المسألة مبنية على مسائل، هي مقدمات لها. # منها: التكليف بالمحال، وهي مسألة تكليف ما لا يطاق؛ وقد سبق القول فيها. # ومنها: عدم تأثير القدرة الحادثة في المقدور، عندنا. وعندهم في مؤثرة، ~~كما سبقت الإشارة إليه آنفا. # ومنها: أن القدرة قبل الفعل، عندهم؛ فالعبد قادر على أفعاله قبل وقوعها. ~~وعندنا، القدرة يخلقها الله عند الفعل، فيجري عليها. والتحقيق على ما ذكره ~~بعض مشايخنا أن القدرة المصححة للتكليف قبل الفعل؛ والقدرة المصححة للفعل ~~معه. إلا أن النزاع PageV01P168 # مع المعتزلة إنما هو في الثانية، دون الأولى. # ومنها: أن البارئ سبحانه مريد لجميع الكائنات، عندنا. وعندهم المعاصي ~~ليست مرادة له. أما أنه سبحانه خالق لها، بدليل قوله: {خالق كل شئ}. وخالق ~~الشيء مريد لوجوده؛ إذ الخلق بدون الإدارة محال؛ لأن التخصيص بالأزمان ~~والمقادير من لوازم الخلق؛ والتخصيص إنما يكون بالإدارة. والخصم يمنع أن ~~الله خالق للمعاصي؛ ويخص الآية بما سوى المعاصي، كما سيأتي الكلام عليها، ~~إن شاء الله. وأيضا، لو لم يكن مريدا لها، ثم وقعت بإرادة غيره، لكان ذلك ~~الغير أقدر وأكمل إدارة منه؛ فيكون أولى بالإلهية؛ وهو محال. # احتجوا بوجوه. أحدها: أنه أمر الكافر بالإيمان؛ والأمر يدل على الإدارة. ~~الثاني: الطاعة موافقة الإدارة؛ فلو أراد الله كفر الكافر ومعصية العاصي، ~~لكان مطيعا لله بذلك. الثالث: أن الرضا بقضائه تعالى واجب؛ والكفر والمعصية ~~لا يجوز الرضا بهما؛ فلا يكونان بقضا الله سبحانه. # والجواب عن الأول أنه مبني على أن الإدارة شرط في الأمر؛ وهو ممنوع. بل ~~لا تلازم بين الأمر والإدارة؛ فيتفاكان. فيصح أن يريد ما لا يأمر به، وأن ~~يأمر بما لا يريد. ms087 وعن الثاني، بأن الطاعة موافقة الأمر، لا الإدارة، لغة ~~وعقلا وشرعا. إذ لو قال السيد لعبده: "افعل! " وهو لا يريده أن يفعل، فلم ~~يفعل، لجاز له لومه وعقابه، وإن كان وافق إرادته. وعن الثالب، أن الواجب ~~الرضا بالقضاء؛ والكفر والمعصية مقتضيان؛ فهما أثران للقضاء، لا نفس ~~القضاء. # فهذه جملة من مقدمات المسألة ومبانيها، فيها النزاع. ### || AUTO [الكلام الساذج التقريبي في المسألة] # و ### || AUTO الكلام الساذج التقريبي في المسألة # هو أن النزاع إنما نشأ فيها لما بينا غير موضع، من أن غالب مسائل الخلاف ~~إنما وقع الخلاف فيها من حيث كانت واسطة بين الطرفين؛ وكل واسطة بين طرفين ~~يتجه النزاع فيها لضربها بالنسبة إلى كل من الطرفين. وهذه المسألة من ذلك. PageV01P169 # وبيانه أن الأفعال إما اختيارية محضة، وهي الأفعال المضافة إلى الله ~~سبحانه؛ أو قسرية محضة، وهي الأفعال المضافة إلى الجمادات، كحركة الحجر ~~الذي يدحرج على الأرض، أو يدهده من رأس الجبل، وكحركات الأفلاك بكواكبها ~~عندنا، ونحو ذلك فهذان طرفان. # والأفعال المضافة إلى الآدمي ونحوه تشبه القسم الأول في الاختيار المحضر ~~من جهة المشاهدة والحس. فإنا نشاهد الإنسان يمشي ويأكل ويضرب ويفعل أفعاله ~~دائرة مع اختياره وجودا وعدما. # وتشبه القسم الثاني في القسر والجبر من جهة الدليل العقلي. وتلخيصه أنا ~~نرى الإنسان يفعل أفعالا هي جائزة الوجود وكل جائز، فلا يوجد إلا لمرجح. ~~وذلك المرجح إن كان من العبد، فهو جائز أيضا، يحتاج إلى مرجح. فإن توقف ~~المرجح الثاني على المرجح الأول، لزم الدور. وإن لم يتوقف عليه، فإن استلزم ~~مرجحات لا تتناهى، لزم التسلسل. وهما محالان. وإن وقف عند مرجح لا يتوقف ~~على غيره، فهو من الله تعالى، ولابد. وعند وجود ذلك المرجح، إما أن لا يجب ~~الفعل، فيبقى على جاوزه؛ ويلزم منه محالان. أحدهما: أن وجود المرجح الأول ~~كععدمه. الثاني: توقف هذا الجائز على مرجح، ويعود الكلام، فيتسلسل. أو يجب ~~الفعل عقيب المرجح؛ فيكون الفعل مضافا إلى الله سبحانه بواسطة المرجح. ولا ~~فرق في صحة إضافة الفعل إلى الفاعل ms088 بين أن يكون بواسطة، أو بغير واسطة. # وقد سم أبو الحسين البصري أن فعل العبد متوقف على الداعي من الله سبحانه، ~~وأن الفعل عقيب خلق الداعي واجب. وهذا تسليم للمدعي، وترك الاعتزال ~~بالكلية. ولهذا، أتهم أنه في نصرته للاعتزال، بعد تسليم هاتين المقدمتين، ~~على تقية من المعتزلة. # ومما يازم جميع المعتزلة أنا قد بينا أن ما تعلق علم الله بأنه لا يوجد ~~يخرج عن المقدورية. وإيمان من مات كافرا كذلك؛ مع أنه مكلف به؛ فهو تكليف ~~محال. وإذا كان تكليف المحال في جانب ما علم امنناع وجوده، جاز في طرف ما ~~علم وجوب وجوده، وهي المعصية التي يخلقها، وينهى عنها. وأيضا، الفعل إما أن ~~يتعلق علم الله بوجوده، فيجب؛ أو بعدمه، فيمتنع. والتكليف بهما محال؛ ويعود ~~الكلام. PageV01P170 # وحاصل الأمر أن أفعال الله سبحانه كذاته وصفاته. فكما أن لا تشبه الذوات، ~~وصفاته لا تشبه الصفات، فإذا قال قائل: "ذاته جسم، أو علمه عرض؛ لأنا ما ~~وجدنا ذاتا ولا صفة إلا كذلك"، قلنا له: أخطأت! ذات الله لا تقاس بالذوات، ~~وصفاته ولا تقاس بالصفات، فكذلك إذا قال: "أفعال الله علاجية، أو مباشرة، ~~أو معللة، أو من الواجب أنه إذا فعلل شيئا، لا يلوم عليه، أو إذا خلق في ~~عبد فعلا، لا ينسب ذم ذلك الفعل إليه". نقول له: أخطأت! أفعال الله لا تقاس ~~بالأفعال. # فإن قال: "يلزم من مخالفة أفعاله أفعال غيره في ذلك التجوير"، قلنا: ~~فليلزم من إثبات ذاته مخالفة لذواتنا، وإن لم نعلم حقيقتها وكنهها، كذلك ~~نثبت عدله مخالفا للعدل فيما بيننا، وإن لم نعلم وجهه. ألا ترى أن الخضر ~~عبد من عباد الله، اختص على موسى بمسائل من مكنون غيب الله، طاش لها موسى، ~~ولم يصبر لها، حتى كان منه ما قصه علينا القرآن، ثم، لما ظهرت له حكمة ذلك، ~~خضع لعلم الله، وبكى على مفارقة الخضر؛ إذ لم يزدد من علمه. فإذا كان مخلوق ~~تخفى عنه حكمة مخلوق، حتى يظنها ظلما وجورا وعبثا، فما الظن بالمخلوق ~~بالإضافة إلى ms089 حكمة الله! فمن الجائز أن الناس إذا صاروا إلى الله، بين لهم ~~بالضرورة أن حكمه في مسألة القدر، على رأي أهل السنة، حكمة وعدل؛ ويبدو ~~للقدرية من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويتبين لهم أن عقولهم كانت عن درك ~~الحكمة في ذلك معقولة، وألبابهم في ساحة حضرة العلم إلى خارج الباب منقولة. ~~وسيأتي تقرير ذلك وبيانه على وجه جلي. # فهذا القدر من التوجيه الساذج يكفي من نور الله بصيرته واستمسك بعصم ~~الكتاب والسن الآتي ذكر نصوصهم، إن شاء الله، ورغب بدينه وعقله عن تكلف ~~سماع الشبه الشيطانية وأجوبتها. أما من أحب الوقوف على ذلك وكيفية إبطال ~~شبه الخصوم، فيظهر له ذلك بإيراد شبه المعتزلة وأجوبتها مناقضة وإلزاما. ~~وأنا أذكرها معقبا كل شبهة بجوانبها؛ لأنه أسهل على الناظر، كما فعلت في ~~شبههم في التحسين والتقبيح وأجوبتها. فأقول، وبالله التوفيق: PageV01P171 ### || AUTO [الوجوه العقلية التي أوردها أبو الحسين البصري المعتزلي] # إنا لما استدللنا على أن أفعال العباد مخلوقة لله بدلل المرجح واجب؛ فثبت ~~أن فعل العبد مخلوق لله، وقد سبق تقريره غير موضع- اعترضوا عليه بما أمكن. # ثم قال أبو الحسين وأصحابه: "هذا الاستدلال فاسد الاعتبار؛ لأنه في ~~مقابلة ما علم صحته بضرورة العقل. وبيانه من وجوه. # "الأول: أن كل عاقل يعلم بالضرورة منه ومن غيره أن أفعاله تابعة لدواعيه ~~وقصوده وجودا وعدم. فيتناول الطعام والشراب، إذا احتاج إليهما، ولم يمنعه ~~منهما مانع. ويتركهما إذا لم يحتج إليهما، أو كانا مضرين له. وكذلك ينغمس ~~في الماء في الصيف للتبرد، ويجتنبه في الشتاء للمضرة؛ وبالعكس في اصطلاء ~~النار. وإذا كان الموجد للشيء هو الذي يحدث منه الفعل موافقا لدواعيه، وثبت ~~أن العقلاء تقرر في بداية عقولهم أن العبد كذلك، علمنا أن علمهم بأنهم هم ~~الذين يحدثون أفعالهم علم ضروري. # "الثاني: أن العقلاء بالضرورة يعلمون حسن ذمش المسيء ومدح المحسن، ~~ويبادرون إلى ذلك ببدائههم. حتى إن الصبي، أو المراهق، إذا أعطيته كسرة، ~~مدحك؛ وإذا ضربته بحجر آلمه، بادر إلى ذم الرامي له ببديهته، دون الحجر أو ms090 ~~غيره. ولولا علمه بالضرورة أن الرامى هو الفاعل، لما استحسن ذلك، ولا بادر ~~إليه. كما إنه هو وغيره من العقلاء لا يذمون القصير لقصره، ولا الأسود ~~لسواده؛ لأن ذلك ليس فعلا له. # "الثالث: أن الواحد منا يجد من نفسه وغيره أنه إذا طلب من غيره فعلا، أنه ~~يطلبه منه طلب عالم أنه الذي يوجد ذلك الفعل ويحدثه؛ ولذلك يتلطف له بكل ~~ممكن، ويتوصل إليه بكل وسيلة، من تواضع ومدح وترغيب وترهيب وتوبيخ ومعاتبة ~~على الترك، ويتعجب منه، ويعجب منه، ويعجب منه غيره، ويستظرفه. ونجد من ~~أنفسنا الفرق الضروري بين أمر الشخص بالقيام والقعود، وبين أمره بإيجاد ~~السماء والكواكب، أو حيوان، أو إنسان مثله. ولولا أن العلم لضروري حاصل بأن ~~العبد هو الموجد بأفعاله PageV01P172 # الاختيارية، [لما وجدنا ذلك]. فكل حجة تذكرونها في خلاف ذلك، إما أن لا ~~تكون قادحة فيما ذكرناه؛ فقد حصل مقصودنا، لسلامة ما ذكرناه من قادح. أو ~~تكون قادحة؛ فلا تستحق الجواب؛ لأن القادح في الضروريات معلوم البطلان ~~بالضرورة؛ فلا يستحق الجواب". # والجواب أن ما ذكره مستدرك ضعيف. أما كونه مستدركا، فإن قوله، "ما ~~ذكرتكوه من الحجج على أن العبد ليس موجدا لأفعاله، إما أن يكون قادحا فيما ~~ذكرناه من العلم الضروري، أو لا يكون"، لا معنى له؛ لأن المعلوم بالضرورة ~~لا يقدح فيه شيء. لأن القدح في الدليل ونحوه هو تضعيفه وتوهينه؛ والضروريات ~~لا يلحقها ذلك. وهو قد أثبت القدح فيما ذكره منه على أحد التقديرية، وذكر ~~أن حكمه أنه لا يستحق الجواب. وقد كان سبيله أن يعكس، فيقول: "ما ذكرتموه، ~~إما أن لا يستحق جوابا، فقد كفينا مؤونته؛ أو يستحق جوابا، لكنه على كل حال ~~لا يقوى على دفع الضرورات". # فذلك أسد مما ذكره. # وأما كونه ضعيفا، فلوجهين. # أحدهما: أن العلم الضروري لا يتنازع فيه العقلاء. وهذه مسألة قد وقع ~~النزاع فيها من أول العالم، وإلى آخره. ولم يزل الناس قبل أبي الحسين إما ~~قائل بأن العبد موجد لأفعاله، أو منكر لذلك على جهة الجبر، أو ms091 على جهة ~~التوسط. فالناس فيها ثلاث فرق: قدرية ومجبرة ومتوسطة. فكيف تصح نسبة هؤلاء ~~كلهم إلى إنكار الضرورات! وإنما المعلوم بالضرورة أن أفعال العبد دائرة مع ~~قصده وإرادته التامةوجودا وعدما. أما كونه هو المؤثر فيها، فلا؛ وهو محل ~~النزاع. # الوجه الثاني: أن كل عاقل، فهو يعلم من نفسه بالضرورة أن إرادته لشيء لا ~~تتوقف على إرادة له أخرى. بل سواء أراد تلك الإدارة، أو لم يردها، فإنها ~~تحصل له؛ ويعلم أن تلك الإدارة متى حصلت له جازمة، وجب بعدها حصول المراد. ~~وإذا كان العلم الضروري بصحة هاتين المقدمتين حاصلا، علم بالضرورة أن لا ~~إرادة منه ولا فعل؛ بل الإرادة حاصلة به بفعل الله سبحانه، وهى ~~المسمى"بالداعي المرجح لأحد طرفي الممكن". والفعل واقع بفعل الله، بواسطة ~~تلك الإرادة. فقد انعكس ما قاله؛ وصار PageV01P173 # بطلان ما ادعى صحته ضرورة ضروريا. # أما الأول، فوجود أفعال العبد مطابقة لداعيته وقصده دائرة معه وجودا أو ~~عدما، لا يدل على أنه هو المؤثر فيها، الموجد لها؛ لجواز أن الله سبحانه ~~أوجدها مطابقة لقصوده، دائرة معها، بواسطة خلقه الإدارة له، كما بينا قبل. # وأنا الوجهين الآخرين، فكل ما ذكر فيهما، من ذم العقلا للمسيء، ومدحهم ~~للمحسن، وطلبهم للأمر، وتلطفهم لمن طلأبوا ذلك منه، إلى سائر ما ذكره، فإنه ~~راجع [إلى] كسبه الذي أجراه الله سبحانه مطابقا لقصده، بواسطة إادته. فلم ~~قلت: "إنه ليس كذلك"؟ # قوله، "لأنهم يفعلون ذلك فعل عالم بأنه الذي يود ذلك الفعل". قلنا: ~~الكلام على هذا من وجهين. أحدهما: لا نسلم أنهم يعملون ذلك؛ بل يعتقدونه، ~~لما رأوا الفعل جاريا على أدواته، بحسب قصوده وإرادته. والاعتقاد يصيب ~~ويخطئ [فتبقى] حاجة إلى أن نبين أن اعتقادهم ذلك صواب. # الوجه الثاني: أن نقول: "احتجاجك في هذا بمن من العقلاء؟ والرعاع؟ أو ~~بأهل النظر والإطلاع؟ إن كان احتجاجك باعتقاد القسم الأول، فلا عبرة بهم ~~ولا باعتقادهم. ثم هم معارضون بأضعافم من أهل الإثبات، يقولون في كل أمر ~~واقع: "هذا فعل الله، وهذا مقدور عليه". وكذلك قال النبي ms092 صلى الله عليه ~~وسلم لأنس، "لا تقل لشيءكان: "ليته لم يكن"؛ ولا لشئ لم يكن: "ليته كان"؛ ~~ولكن قل: "قدر الله، وما شاء فعل". وإن كان احتجاجك بالقسم الثاني، ~~فالمنازع لك منهم أكثر من المتابع. فهذا جوابه عن دعوى العلم الضروري بأن ~~الهبد موجد لأفعاله. # ثم قال أبو الحسين: وإن سلمنا أن ما ذكرتموه ينفي كون العبد موجدا، لكن ~~عندنا ما يقتضي نقيض ذلك من وجوه عقلية وسمعية. أما العقلية، فثلاثة. PageV01P174 # "أحدها: وقوع أفعالنا بحسب دواعينا، وانتفاؤها بحسب كراهتنا". وقرره بنحو ~~ما قررت به الوجه الأول من الثلاثة الضرورية. وجوابه بما سبق فيه. # "الثاني: أن الأنبياء اتفقوا على أن الله سبحانه أمر عباده بأشياء، ~~ونهاهم عن أشياء. # والأمر بالفعل يتضمن الإخبار بقدرة المأمور عليه. حتى لو عجز عنه لمرض، ~~أو غيره من الأسباب، لعد الآمر له سفيها؛ إذ يأمره، مع علمه أنه لا يقدر ~~على الامتثال. ولو صح ذبك، بصح أن يبعث الله رسولا إلى الجمادات، يبلغها ما ~~أرسل به؛ ثم يخلق فيها الحياة، ويعاقبها لكونها لم تمتثل, وذلك معلوم ~~الفساد بالبديهة". # والجواب: لا شك أن الأنبياء اتفقوا على ما ذكر. لكن قوله: "الأمر بالفعل ~~يتضمن الإخبار بقدرة المأمور عليه"، كلام مجمل. فنقول: إن عنيت أن قدرته ~~مؤثرة في وجود الفعل، فهذا محل النزاع. وأيضا، إن عنيت بأن الأمر يتضمن ~~قدرة المأمور هو الله"، فهو ممنوع؛ لأنه راجع إلى أن ذلك قبيح عقلا؛ لأنه ~~تكليف ما لا يطاق. ونحن فقد أبطلنا الأصل الأول، وأثبتنا الثانى، بما فيه ~~كفاية. وأما ما ألزمه على ذلك، من تكليف الجمادات، ثم عقابها على ترك ~~الامتثال، فالكلام عليه من وجوه. # أحدها: أن وقوع ذلك جائز عقلا؛ إذ لا يلزم منه محال لذاته، وإنما اللازم ~~منه قبحه عقلا، وسفه فاعله. لكن هذا بناء على التحسين والتقبيح العقليين؛ ~~وهو باطل. وقد قدمنا أن عندنا لا يقبح من الله شيء كان ما عسى أن يكون. وقد ~~سبق تقريره في الوجه الثالث من أدلتهم في الحسن والقبح. # الثاني: سلمنا ms093 أن ذلك يلزم منه محال لذاته. لكن قد قررنا جواز التكليف ~~بالمحال؛ ويعود الكلام إليه. PageV01P175 # الثالث: أن الفرق بين تكليف الحي العافل، الواقعة أكسابه باختياره بحسب ~~إرادته دائرة معها وجودا وعدما، وبين تكليف جماد لا يتصف بشيء من ذلك أصلا، ~~حاصل بالضرورة، ظاهر ظهورا لا يتردد فيه عاقل؛ لأن الأول يصح منه كسب ~~المأمورات والمنهيات والتلذذ بها، سواء كانت تلك الأكساب خلقا له، أو لم ~~تكن. والحجر الأصم لا يصح منه ذلك، ولا يجد له لذة بالضرورة. لا يلزم من ~~صحة تكليف الأول تكليف الثاني؛ لأن الأول أكمل؛ ولو لم يكن إلا بالصورة. ~~ولا يلزم من تكليف الأكمل تكليف ما هو دونه. # الوجه الثالث: قال: "لو كان الله سبحانه ه الخالق لأفعال العباد، للزم ~~فيه محذورات. # "منها سد باب الاستدلال على وجود الصانع. وذلك لأنه لا طريق إلى إثبات ~~الصانع إلا القياس؛ لأن يقال: "العالم محدث؛ فيحتاج إلى المحدث"، قياسا على ~~أفعالنا المحتاجة إلينا. فمن منع حكم الأصل في هذا القياس، وحكم بأن العباد ~~غير موجدين لأفعالهم، لم يمكنه الاستدلال به على وجود الصانع. # والجواب: لا نسلم أن هذا المحذور لازم للقول بأن الله خالق أفعال العباد. ~~قوله: "لا طريق إلى إثبات الصانع إلا القياس المذكور". قلنا: لا نسلم حصر ~~طريق ذلك في هذا القياس؛ بل ولا أن العالم محدث؛ لأنه مؤلف؛ وكل مؤلف محدث؛ ~~وكل محدث، فالعقل لذاته يدل على أن له محدثا. فذلك المحدث، إن كان محدثا ~~أيضا، لزم الدور والتسلسل الباطلان. وإن كان قديما، فهو المطلوب. ولا واسطة ~~بين المحدث والقديم. # قوله: "من منع حكم الأصل في القياس المذكور، انسد عليه باب إثبات ~~الصانع". # قلنا: "من منع حكم الأصل"؛ بمعنى أن لا كسب للعبد، أو بمعنى أن لا إيجاد ~~للعبد؟ الأول مسلم؛ لأن الأصل حينئذ يخلو عن العلة في الحقيقة والصورة. ~~والثاني ممنوع؛ لأنا، وإن نفينا إيجاد العبد لأفعاله، لكنا أثبتنا كسبه ~~لها، بمعنى صدورها عن قدرة الله سبحانه خلقا على أدوات العبد، دائرة مع ~~إرادته كسبا. ms094 وحينئذ، يمكننا أن نجعل الجامع PageV01P176 # فى القياس هو القدر المشترك بين الأصل والفرع؛ وهو الظهور. أعني أن ~~العالم ظهر بعد أن لم يكن ظاهرا. وأفعال العبد ظهرت بعد أن لم تكن ظاهرة. # فإن قيل: "لكن يلزم من ذلك أن يكون صانع العالم كاسبا له، لا موجدا، ~~كالعبد مع أفعاله. فيحتاج أيضا إلى موجد؛ ويلزم التسلسل، أو يفسد القياس"، ~~قلنا: لا يتعين أن يلزم ذلك. بل جاز أن يلزم ذلك. بل جاز أن يلزم أن ~~المعدوم شيء وذات وجوهر، وأن العالم كذلك في الأزل. والقدرة القديمة إنما ~~أثرت في إظهاره بعد خفائه، كما سبق من مذاهب المعتزلة. فيكون القياس على ~~أصلهم صحيحا؛ وإن كنا ننازع في ذلك. # "ومنها أن الله سبحانه سد باب النبوات؛ لأن الله سبحانه، إذا كان خالقا ~~لجميع القبائح، لم يمتنع من أن يظهر المعجزات على أيدي الكاتبين؛ فيقع ~~اللبس بين النبي والمتنبيء." # قلت: وقد سبق جواب هذا مستوفيا في الوجه الثالث من أدلتهم على تحسين ~~العقل وتقبيحه. ونزيد ها هنا بأن نقول: هذا المحذور، كما هو لازم علينا، ~~فهو لازم عليكم. أما على أبي الحسين، فلأنه سلم أن العبد لا يفعل إلا لداع ~~من الله، دفعا للتسلسل، وسلم أن حصول الفعل عقيب الداعي واجب. فحينئذ، قد ~~فعل الله في العبد ما أوجب صدور الكفر عنه. ولا فرق في العقل بين فعل ~~القبيح وقعل ما يوجب القبيح. فإن لزم علينا من الأول سد باب النبوة، لزم ~~عليه من الثاني ذلك بعينه؛ وقد سبق هذا أيضا. # وأما على مشايخ المعتزلة، فلأنهم حكموا بأن الله قادر على القبيح، وعلى ~~إيجاد ما علم أنه لا يوجد. فلما قيل لهم: "ذلك يدل على السفه، وعلى انقلاب ~~العلم جهلا؛ وهو محال على الله سبحانه"، قالوا: "القبيح الذي يوجده الله ~~سبحانه لا يقال إنه يدل على السفه والجهل، ولا إنه لا يدل؛ بل يمسك عن ~~القولين". وإذا جاز لهم مثل هذا PageV01P177 # الجواب، جاز لنا مثله ها هنا؛ فنقول: إظهار الله سبحانه المعجز على يد ms095 ~~الكاذب، لا إنه قبيح، ولا إنه غير قبيح؛ بل يمسك عن القولين. أو نقول: ~~المعجز الظاهر على يد الكاذب، لا نقول إنه يدل على صدقه، ولا إنه لا يدل؛ ~~بخلاف الصادق، فإن معجزه يدل على صدقه، ولابد. # قلت: كذا ألزمهم الإمام فخر الدين في النهاية. وفيه نظر؛ لأن المعجز إذا ~~ظهر على أيديهما، لم يعلم أيهما الصادق، ليكون معجزه دليل صدقه؛ ولا أيهما ~~الكاذب، ليمسك عن عدم ذلك ونفيه. وإنما يصح له ما ذكر لو علم منهما الصادق ~~من الكاذب قبل ظهور المعجز. فبتقدير أن لا يعلم ذلك، يقع اللبس؛ وهو المدعى قبحه. # والتحقيق أن هذا الذي ألزمهم به هو من باب مقابلة الفاسد بالفاسد؛ لأن ~~قولهم، "لا نقول هو خطأ، ولا إنه ليس بخطأ، وقوله، "لا نقول إنه يدل على ~~صدقه، ولا إنه لا يدل"، إن عنوا به إثبات الواسطة بين القسمين، فلا واسطة؛ ~~بل هو رفع للنقيضيت. وإن عنوا به السكوت أدبا مع الله، فقد قالوا بأحد ~~النقيضين في المعنى من حيث نفوه. والله أعلم. # "ومنها سد باب الوثوق بوعد الله ووعيده؛ لأنه إذا جاز أن يخلق القبائح، ~~جاز عليه الكذب؛ فلا يوثق بشيء من إخباره". # والجواب أن "الكذب" إما أن يقال هو الخبر غير المطابق، أو يقال هو ~~الإخبار غير المطابق. فإن كان الكذب هو الأول، فالخبر لا شك أنه كلام الله؛ ~~وهو صفة له ذاتية، سواء قيل: "هو معنى نفساني"، على رأي الأشعري، أو "قول ~~متلو"، على رأي جمهور السلف. وأيا ما كان، استحال لحوق الكذب له؛ لأنه نقص؛ ~~والنقص لا يلحق صفاته تعالى، كما لا يلحق ذاته. فحينئذ، يصير معنى قوله: ~~"لو جاز أن يخلق القبائح، للحق النقض صفاته". وهو كقوله: "للحق النقص ~~ذاته". ولا ملازمة بين ذلك وبين خلقه، أو جواز خلقه للقبائح. # وأيضا، دل الدليل القاطع على استحالة الكذب عليه سبحانه. إذا لو جاز عليه ~~الكذب، لكان إما كاذبا لنفسه، كقول المعتزلة في الصفات؛ أو بكذب قديم؛ إذ ~~لا تقوم PageV01P178 # به الحوادث؛ أو ms096 بمعنى أنه ليس بصادق. وبكل حال، يكون الكذب منه قديما؛ ~~فيستحيل الصدق منه بعد. والكذب نقص؛ فيلزم لحوق النقص له؛ وهو محال. وإذا ~~كان الكذب عليه محالا، استحال أن يكون لازما لخلقه الأفعال؛ لأن المحال لا ~~وجود له حتى يكون لازما أو ملزوما. # وإن كان الكذب هو الإخبار غير المطابق، فالإخبار إظهار الخبر؛ والخبر ~~قديم، كما بينا؛ فإظهاره لا يغير عن صفة الكمال؛ والصدق كمال له، والكذب ~~نقص فيه؛ محالا؛ ويعود الكلام. # وأيضا، الكذب إما معنى وجودي، فقد بينا استحالته؛ أو عدمي والعدمي يستحيل ~~أن يكون لازما لأمر الوجودي الذي هو خلق الأفعال، أو جوازه. # وأيضا، الكذب لابد له، على أصلكم، من علة؛ بناء على تعليل الأفعال. وتلك ~~العلة، إما للرهبة، أو للرغبة، لجلب نفع، أو دفع ضرر؛ وذلك على الله محال. # وأيضا، إنما يوصل الكذب إلى أغراضه من يعجز عن تحصيلها بذاته؛ والله ~~سبحانه لا يعجزه شيء؛ وهو بقدرته الكاملة غني عن الوسائط. # "ومنها سد باب العلم بصحة الشرائع، لوجهين. أحدهما: أنه لو جاز أن يفعل ~~القبائح، جاز أن يدعو، أو يبعث من يدعو، إليها. ولو جاز أن كل شرع دعى إليه ~~قبيح؛ فتزول الثقة بالشرائع. # الثاني: لو جاز ان يخلق في العبد الكفر والضلال، ويزينه له، ويستدرجه ~~بذلك إلى عقابه، لجاز أن دين الإسلام هو الكفر والضلال، استدرج أهله إليه، ~~وأن بعض الملل المخالفة للإسلام هي الحق، ولكان صرف الله المسلمين عنه، ~~وزين لهم خلافه. ومتى جاز ذلك، جاز أن أهل الاعتزال في هذه المسألة وغيرها ~~على الحق، وأنتم على الباطل". # والجواب عن الوجه الأول أنه مبني على التقبيح العقلي، وأن حسن الأشياء ~~وقبحها معلومان قبل الشرع؛ وهو ممنوع. بل الحسن والقبح مستفادان من أمر ~~الشارع ونهيه. فلو أمر الله سبحانه بما شاء، كان حسنا. ولو نهى عما شاء، ~~لكان قبيحا. وعن PageV01P179 # الوجه الثاني أن قوله: "لجاز أن يستدرج العبد، بخلق الكفر فيه، إلى ~~عقابه"، قلنا: نعم. هو جائز وواقع؛ والنزاع فيه. # وأما جواز أن دين الإسلام هو ms097 الباطل، وغيره الحق، فممتنع. وذلك لأن حقية ~~دين الإسلام علمناها بالأدلة العقلية الدالة لذواتها، لا بوضع واضع. فلا ~~يجوز تغير حقيقة دلالتها. فتجويز أن دين الإسلام باطل، مع أن حقيته ثابتة ~~بالدليل العقلي الدال لذاته، مما لا يجتمعان؛ وإلا لزم منه قلب حقائق ~~الأشياء؛ وهو محال. فلا جرم، لما كان تجويز بطلان الإسلام ملزوما لهذا ~~المحال، كان محالا. ثم لمضا كان نفي خلق الله سبحانه الكفر والضلال في ~~العبد استدارجا له ملزوما لتجويز بطلان الإسلام، كان أيضا محالا. وإذا كان ~~نفى خلقه الكفر والضلال في العبد محالا، كان نقيضه- وهو خلقه الكفر والضلال ~~في العبد- واجبا؛ وهو المطلوب فسؤاله انقلب عليه. # ثم نقول: إن الإسلام إنما ثبت بدلالة المعجز. ولا شك أن الناس اختلفوا في ~~دلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة، هل هي لذاتها، أعني لكونه معجزا؟ أو ~~لينزل ظهوره على يده منزلة قول الله، "صدقت، إنك رسولي"؟ فإن كان الأول، ~~لزم منه المحال المتقدم. وهو أن خلاف الدليل الدال لذاته محال؛ فملزومه، ~~وهو تجويز بطلان الإسلام، محال، وإن كان الثاني، وهو الصحيح، كان بطلان ~~الإسلام ملزوما لوقوع الكذب من الله سبحانه، لينزل ظهور المعجز على يد ~~النبي منزلة قول الله له، "صدقت". فلو كان الإسلام باطلا، لكان هذا التصديق ~~كاذبا؛ وهو محال، لما سبق من استحالة الكذب على الله سبحانه. # وأما تجويز أن المعتزلة في هذه المسألة وغيرها من مسائل النزاع الإسلامية ~~معهم على الحق، ونحن على الباطل، فهو صحيح. لأنا بينا أن هذه المسألة ~~ونحوها ليس الحكم معلوما فيها بالضرورة؛ وإلا لما تنازعنا فيها. ولهذا، ~~اختلف الناس في تفكيرهم بها وبأمثالها. لكن التجويز الطلق أعم من أن يكون ~~راجحا، أو مرجوحا، أو مساويا. فكل. فكل من الفريقين، إذا أنصف، جوز على ~~الحق، ونحن على الباطل، فهو صحيح. لأنا بينا أن هذه المسألة ونحوها ليس ~~الحكم معلوما فيها بالضرورة؛ وإلا لما تنازعنا فيها. ولهذا، اختلف الناس في ~~تكفيرهم بها وبأمثالها. لكن التجويز المطلق أعم من أن يكون راجحا، أو ~~مرجوحا، أو ms098 مساويا. فكل من الفريقين، إذا أنصف، جوز على رأيه الخطأ؛ لكن ~~يدعي رجحانه. # قوله: "فلا تستحقون الجواب إلا لمرجح". قلنا: هذا معارض بمثله. فإنكم ~~أيضا إذا استدللتم في المسألة، قلنا لكم: تجويز خطأكم غير ممتنع؛ فلا ~~تستحقون الجواب. ولا PageV01P180 # شك أن مناظرتنا لكم ليست ضربة لازب. وكذلك أنتم معنا. إذ كل منا قد اعتقد ~~صحة مذهبه؛ فهو يقول لخصمه: "لكم مذهبكم، ولي مذهبي"؛ كما يقول لخصمه من ~~غير الدين: "لكم دينكم، ولي دين". وإنما التبيان فيما إذا انقضنا على ~~المناظرة لتحقيق الحق وتعيينه في طرف، ودفع الشبهة عن ضعفي العامة. أليس كل ~~منا يلزمه الجواب عن سؤال صاحبه بمقتضى التزامه الدخول معه في المناظرة؟ ~~بلى! وذلك هو الإنصاف. # "ومنها لزوم أمور بالإجماع؛ وهي تسعة. # "أحدها: لو كان الله سبحانه خالق القبائح، كالظلم والعبث، لجاز أن يخلقها ~~مستقلا منفردا بها، غير مجر لها على أدوات العبد. وحينئذ، كان يكون ظالما ~~عابثا. إذ حقيقة الظالم والعابث موجد الظلم والعبث". # والجواب أن هذا السؤال محال؛ ولازم المحال محال. وبيانه أنك إن عنيت" ~~بخلقه للظلم والعبث ونحوه منفردا به"، أنه يجريه على ذاته على حد إجرائه ~~إياه على ذات الآدمي، فهو محال؛ لأن ذلك يجري على حركات الآدمي وأبعاضه ~~وأجزائه؛ والله سبحانه منزه بالإجماع عن الحركات والأبعاض والأجزاء. وإن ~~عنيت أنه يخلقها قائمة بنفسها، لا في ذاته، ولا ذات غيره، فهو محال؛ لأنها ~~أعراض لا تقوم بنفسها. والمحال لا يدخل تحت المقدورية ولا قسم وراء هذين ~~القمسين. إلا أن يقال: "يجوز أن ينفرد بخلقها". بمعنى أن يجريها على ذات ما ~~ليس بعاقل، ولا مكلف، كالجمادات والبهائم. فهو خارج على تكليف المحال؛ وقد ~~سبق الكلام عليه. # وعلى المقادير كلها، لا يلزم تسميته "ظالما" ولا "عابثا". أما أولا، فلأن ~~أسماءه عندنا توقيفية؛ ولأن إطلاق ذلك عليه يوهم قيام الظلم ونحوه بذاته. ~~وإذا كنا لا نقول: "يا خالق القاذورات"، ونحو ذلك، مع أنه عري عن الإبهام ~~المذكور، فأن لا نسميه "ظالما" أولى. وأما ثانيا: فلأن عل هذا ms099 التقدير، نحن ~~إنما نشتق للذات صفة من معنى قام بها، لا يغيرها؛ كالأسود لمن قام به ~~السواد، والمتحرك لمن قام به الحركة؛ خلافا لكم في ذلك، حيث سميتم الله ~~تعالى متكلما لكلام زعمتم أنه خلقه في ذات غيره، من PageV01P181 # جسم، أو نبى، أو ملك. # "الثاني: أن من جملة القبائح الإشراك بالله، ونسبة ما لا يليق به إليه، ~~من سب وشتم ونحوه. فلو كان خالق ذلك، لكان سابا شاتما لنفسه؛ وذلك من أفعال ~~السفهاء، لا الحكماء". # والجواب: إن عنيتم أنه يكون شاتما لنفسه حقيقة، أعنى بغير واسطة، فهو غير ~~لازم. وإن عنيتم مجازا، أي بواسطة خلق السب والشتم على جارحة الآدمي، فهو ~~كذلك. إلا أنا لا نطلق ذلك عليه، لإيهامه، أو توقفه على التوقيف، كما مر. # "الثالث: لو جاز أن يخلق الزنا واللواط، لجاز أن يبعث رسولا هذا دينه. ثم ~~لجاز أن يكون في الأنبياء المتقدمين من لم يبعث إلا للدعوة إلى المنكرات، ~~كالسرقة والخيانة، ومدح الشيطان، وعبادته، والاستخفاف بالله ورسوله، والنهي ~~عن المعروفات، كأضداد ذلك. وهو باطل". # والجواب عن مثل هذا قد سبق غير موضع. ثم هو لازم عليهم من وجهين. أحدهما ~~أن الزنا واللواط من القبائح الشرعية، لا العقلية، فتجوز بعثة رسول بالدعاء ~~إليهما. وهو لازم لكم أيضا؛ لأنكم إنما تمنعون إرسال الرسل بالدعاء إلى ~~القبائح العقلية. # الثاني: لابد في هذه الأفعال من داع مخلوق لله، كما سبق في غير موضع. # ووقوعها عقيب الداعى واجب. فقد فعل الله فعلا أوجب عبده وقوعها. ففي ~~الحقيقة، هو فاعل له بواسطة الداعى. ثم نقول: رب شيء نجوزه من الله، مع ~~القطع بعدم وقوعه؛ كما تقرر في العاديات. وإذا كان تجويزنا لتلك الأشياء لا ~~يقدح في القطع بعدم وقوعها، فلا محذور في التزام مجرد جوازه؛ فنلتزمه. # "الرابع: لو كان يخلق الكفر في العبد، ثم يعذبه عليه، لكان ضرره على ~~العبد أشد PageV01P182 # من ضرر إبليس. لأن إغواء إبليس عندكم من فعل الله؛ وإبليس لا يقدر على ~~اضطرار العبد إلى المعصية؛ كما قال: {وما كان ms100 لى عليكم من سلطان إلا أنن ~~دعوتكم فاستجبتم لى}؛ والله سبحانه يضطرهم إل فعلها. فلو كان كذلك، لحسن من ~~الكافر ثم الله ومدح إبليس، أو تفضيله على الله في الشكر؛ لأنه أقل ضررا؛ ~~وتقليل الضرر نعمة توجب الشكر". # والجواب إنه لازم لكم من وجهين. # أحدهما: أنه خلق الشهوات المستميلة، وشهواتهم المائلة، ونفوسهم الأمارة، ~~والشيطان المغوي، وقدرتهم التي بها يتمكنون من مواقعة المعاصة. ثم كلفهم، ~~مع علمه أنهم يتضررون بالتكليف، ولا يمتنعون؛ مع أنه كان قادرا أن لا ~~يخلقهم؛ أو أنه إذا خلقهم، عصمهم. ومن يفعل مثل هذا، فضرره أعظم من ضرر تلك ~~الأشياء. فلنلزمكم ما ألزمتمونا، وأكثر. # الوجه الثاني: يلزمكم أن تقولوا بتعصيته؛ لأنه ترك الأصلح لهم؛ ورعايته ~~واجب عليه، وأيضا، القدح في حكمته؛ لأن تارك ما يجب عليه عقلا، أو شرعا، لا ~~يكون حكيما. # "الخامس: لو خلق الكفر في الكافر، لكان قد خلقه للعذاب. ولو كان كذلك، لم ~~يكن لله على الكافر نعمة. لكنه باطل؛ بقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بذلوا ~~نعمت الله كفرا}؛ {فاذكروا آلاء الله}. والإجماع من دين محمد أن ما من عبد ~~إلا والله عليه نعم، مسلما، أو كافرا". # والجواب أن الله خلق الكفر في الكافر، وخلقه للعذاب. دل على ذلك نص قوله، ~~{ولقد ذرأنل لجهنهم}؛ وهي لام الاختصاص والتعليل، لا لازم العاقبة. قوله: " ~~فلو كان PageV01P183 # كذلك، لم يكن لله على الكافر نعمة". قلنا: دينية، أو دنيوية؟ الأول مسلم؛ ~~فإن الله سبحانه ليس له على أحد من الكفار نعمة في دينه؛ إذ النعمة الدينية ~~هي الهداية إلى الإيمان، كما قال سبحانه: {بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان}، وقوله: {ما يريد أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم ~~الإسلام دينا}. والثاني ممنوع؛ بل لله على الكفار أجل النعم الدنيوية؛ قال ~~الله سبحانه: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها}. # قولهم، "اللذة الدنيوية الفانية، بالنسبة إلى العقوبة الأبدية الدائمة، ~~كالقطر من البحر، بل أقل. وإنما ذلك كالسم في الحلوى، يستدرج بها آكلها ~~ليهلك بما في ضمنها. ms101 كما قال الشاعر: # هوى يلذ، وإن ساءت عواقبه ... كما يلذ ويؤذي حكه الجرب # قلنا: هو كما زعمت لا محالة. لكن لا يخرج ما ألعطوه في الدنيا عن أن يكون ~~نعمة؛ لأنها مشتقة في اللغة من النعومة والتنعم. ومن نازع في حصول ذلك ~~لكسرى وقيصر ونمرود وفرعون ونحوهم ممن هو دونهم وفوقهم من الكفار، فهو ~~منازع في الضرورات. # "لسادس: لو خلق الكفر في الكافر، ثم كلفه بالإيمان، لكان ذلك تكليف ما لا ~~يطاق. ولو جاز ذلك، لجاز تكليف الأعمى نقط المصحف، والزمن العدو، ولجاز ~~التكليف بخلق القديم، والجمع بين الضدين، ولو جاز ذلك تكليف الجمادات. وكل ~~ذلك باطل، بالضرورة". # والجواب: قد سبق هذا السؤال؛ وجوابه مستقصيا, ثم أكثر ما فيه التكليف PageV01P184 # بالحال؛ وقد سبق بيان جوازه. # "السابع: لو كان الله خالق القبائح، لكان جاهلا ومحتاجا. لأنه كذلك في ~~الشاهد. بل كان هو أولى بذلك؛ لأنه مسقل بالفعل؛ بخلاف الشاهد". # والجواب أن قياس الغائب على الشاهد مطلقا، فاسد، وإلا لزمكم قول المجسمة؛ ~~إذ لا فاعل في الشاهد إلا جسم. ولا نسلم أن خلقه القبائح يستلزم الجهل، أو ~~الحاجة؛ لأنا وإياكم وغيرنا لم نحط بحكمه ومعلوماته. فعسى له في ذلك من ~~الحكمة خفيت عنا، كما سبق لموسى مع الخضر؛ وأولى. ولو لم يكن في ذلك من ~~الحكمة إلا استحقاق أحد الفريقين منا ومنكم الملامة بسوء العقيدة، لكان ~~كافيا. فإذا، إنا أو إياكم، لعلى هدى، أو في ضلال مبين. # "الثامن: لو كان هو الخالق للأفعال، لكان إما أن يتوقف خلقه لها على ~~دواعي العبيد وقدرهم؛ فيلزم احتياجه إلى ذلك منهم. أو لا يتوقف؛ فيلزم وقوع ~~الأفعال المحكمة، كالكتابة والنساجة، ممن لا علم له بها. ووقوع الأفعال ~~العظيمة الهائلة ممن لا قدرة له عليها، كنقل النملة جبلا شامخا، ونحو ذلك، ~~مما فساده ضرورى. وفي ذلك زوال الفرق بين القوي والضعيف، وفساد تصرفات ~~العقلاس، في حبسهم اللصوص وقطاع الطريق، وعقوبتهم كل جان. وكل ذلك باطل ~~بالضرورة". # والجواب: لنا أن نلتزم القسم الأول، ونقول بتوقف خلقه لأفعالهم ms102 على ~~دواعيهم وقدرهم، لا توقف حاجة، بل توقف الحكمة على شرط وجودها؛ كما توقفت ~~معرفة ربوبيته على إيجاد العالم، وإن لم يكن به إليهم ولا إليها حاجة. # ولنا أن نلتزم الثاني، ونلتزم ما ألزموه، من وقوع الأفعال المحكمة ممن لا ~~علم له بها، بطريق الإلهام والتسخير، كالنحل في بنائها المسدسات الهندسية، ~~والعنكبوت في بنائها بيتها، ومن خلق الرعشة في المرتعش خالية عن حكمة قادر ~~أن يرتب عليها أفضل الحكم. # وأما حمل النملة الجبل، وعجز الرجل عن رفع آجرة من الأرض، فهو أيضا مقدور ~~له؛ PageV01P185 # بأن يقول له: "كن"، أو بسلب الجبل ذقل، والرجل قوته. ولا استحالة في شيء ~~من ذلك. # وأما ما ذكرتم، من فساد تصرفات العقلاء، في حبس اللصوص، ونحوه، فقد أجزتم ~~مثله؛ وهو أن يزيل الله القيد من رجل اللص، ويخرق له الجدار، ليفر. ولكنكم ~~تقولون: "إنه لا يفعل"؛ بنحن أيضا نقول ذلك. # قلت: بهذا أجاب الإمام فخر الدين عن هذا السؤال. وفيه نظر؛ لأنه إلزم ~~للجواز على الوقوف؛ وبينهما بون؛ لأنهم هم إنما جوزوا على الله إزالة ~~القيد، وخرق الجدار للص، ومنعوا وقوع ذلك منه؛ كسائر العاديات التي تجوز؛ ~~ولا تقع. وهو كثيرا ما يحتج بها عليهم. وهم إنما ألزموه وقوع العقوبات من ~~العقلاء باللصوص ونحوهم. # والأولى في الجواب أن يقال: قد قدمنا الفرق بين الخلق والكسب. ونحن عندنا ~~أن عقوبات العقلاء للجناة أكساب خلقها الله فيهم؛ ثم أوقعها بالجناة مكافأة ~~لهم على أكسابهم، التي هي الجنايات القبيحة. فالجنايت وعقوباتها مخلوقات ~~لله سبحانه على أدوات العباد، دائرة مع قصودهم وإراداتهم وجودا وعدما. ولا ~~يلزم من ذلك فساد تصرف العقلاء في ذلك؛ لأنكم إن عنيتم "بفساده" كونه قبيحا ~~في العقل، حيث عاقبوا غير موجد الجناية، فنحن قد أبطلنا القبح العقلي. وإن ~~عنيتم كونه قبيحا في الشرع، فالإجماع على خلافه؛ لأن الشرع أذن في ~~عقوباتهم؛ وهو المحسن المقبح. على أن أكثر ما فيه تكليف ما لا يطاق؛ ونحن ~~نجيزه. فلتكن جناية الجاني مخلوقة لله، لتكون أمارة على استحقاقه عذاب ms103 ~~الآخرة. وقد أقمنا الدلالة على جواز تكليف ما لا يطاق. فإن سلمنموه، بطل ما ~~ألزمتموناه. وإن منعتموه، فشنعوا به؛ لأن ما ألزمتموناه من فروعه ولوازمه. ~~ولا توهموا أنا التزمنا محالات كثيرة؛ وإنما هي مسألة واحدة. # "التاسع: لو لم يكن العبد موجدا لأفعاله، لما استحث ثوابا ولا عقابا، ~~ولكان الله PageV01P186 # سبحانه مبتدئا بالثواب والعقاب من غير استحقاق من العبد. ولو جاز ذلك، ~~لجاز منه تعذيب الأنبياء والأولياء، وإصابة الفراعنة والأبالسة؛ وذلك من ~~فعل السفهاء، ومناف لقوله، {أفنجعل المسلمين كالمجرمين}، ونحوه من الآيات". # والجواب: عندنا أن العبد غير موجد لأفعاله؛ بل كاسب لها، كما سبق. ولا ~~يستحق على الله ثوابا. وقد مرت المسألة مستوفاة. والله سبحانه مبتدئ ~~بالثواب والعقاب بشبهة الاكتساب. ولا يستحق أحد على الله شيئا. وما ~~ألزمتموه، من جواز تعذيب الأنبياء وإثابة الفراعنة، هو ملتزم الجواز؛ لكن ~~منع من وقوعه مانعان. أحدهما: كونه من العاديات التي تجوز لذاتها، ويمتنع ~~وقوعها، لاطراد العادة، كما سبق غير موضع؛ كما جوزتم إعانة اللص على ~~الفرار، ومنعتم وقوعه منه تعالى. المانع الثاني: إخبار القرآن بإثابة ~~الطائع وعقاب العاصى. والخلف في إخبار الله تعالى محال. وخص من هذا الدليل ~~أصحاب الوعيد من الأمة سمعا، بقوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، ~~ونحوه، مما سبق. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن يدخل أحدأ منكم عمله ". ~~الجنة". قالوا: "ولا أنت؟ " قال: "ولا أنا. إلا أن يتعمدني الله برحمته" ~~ولا خلاف بين المعتبرين من أهل النقل في صحة هذا الحديث؛ وتلقته الأمة ~~بالقبول. ومذهب المعتزلة يقتضي أنه باطل؛ فيخالفون بذلك جميع الأمة. # وروي عنه عليه السلام أنه قال: "لو عذبني وابن مريم، لكان عادلا". # قوله، "ذلك من فعل السفهاء". قلنا: هو تقبيح عقلي؛ وقد أبطلناه. ومهما ~~فرضنا PageV01P187 # وقوعه من الله، كان حسنا عدلا؛ لأنه سبحانه لذاته منزه عن النقائص ~~والجور. ولا قبيح نقص؛ فلا يضاف إليه. # أما الآيات، نحو {أفنجل المسلمين كالمجرمين}، و {أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون}، {أم ms104 نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار}، {لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة}، ~~ونحوها؛ فقد بينا أنها أحد المانعين؛ لوقوع ذلك منه. والله أعلم. ### || AUTO [الوجوه النقلية التي للمعتزلة] # وأما ### || AUTO الوجوه النقلية التي للمعتزلة # ، فمن الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب، فنحو قوله تعالى، {فتبارك الله أحسن الخالقين}؛ أثبت خالقين، ~~وأنه أحسنهم خلقا. ونحوها من الآيات التي أضيفت الأعمال فيها إلى العباد. ~~وبالجملة، آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، ووصفهم بأنهم محسنون أو ~~مسيئون. وآيات اللوم والتوبيخ لهم تدل على أنهم هو الموجدون لأفعالهم. # وأما السنة، فقوله عليه السلام: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له"، "نية ~~المؤمن خير من عمله"، "إنما الأعمال بالنيات". # وأما الإجماع، فهو أن الرضا بقضاء الله واجب. فلو كان الكفر والمعاصي ~~مخلوقة لله ولا مقتضيا له. PageV01P188 # والجواب عن آي الكتاب أنها راجعة إلى الكسب؛ أو أن خلق الله للمعاصي جعل ~~أمارة على توجه اللوم والتوبيخ إليهم، بناء على تكليف ما لا يطاق، كما سبق. # ثم هي معارضة بأكثر منها، مما يدل على أن أفعال العباد مخلوقة مقدورة ~~مقضية له سبحانه، كما سنورده، إن شاء الله. # أما قوله، {أحسن الخالقين}، فسبق أن المراد "المصورين"، أو "المقدرين"، ~~أو على زعمكم. # وأما الأحاديث، فالمراد "بالأعمال" فيها الاكتساب أيضا. ثم إن الحديث ~~الأول حجة لنا؛ لأنه قال: "كل ميسر لما خلق له". فدل على أن الله سبحانه ~~خلق كل عبد لشيء، من طاعة أو معصية، وكفر أو إيمان، وجنة أو نار؛ وأنه إنما ~~يصير إلى ذلك بتيسير الله له، وهو خلق الداعي المرجح له، وإيجاد شروط ~~وقوعه، ونفي الصوارف عنه. وقد سلمتم أن الفعل يجب عقيب ذلك؛ فصار فعل العبد ~~دائرا مع إرادة الله وخلقه الداعى إليه وجودا وعدما. ولا معنى للفاعل ~~الموجد إلا ذلك. وبه احتج أبو الحسين في أحد وجوهه الضرورية على أن العبد ~~موجد لفعله. # وأما الحديث الثاني، فإنه أضاف فيه النية إلى المؤمن، كما أضاف إليه ~~العمل. ثم النية هي القصد والإدارة. ms105 وإدارة الإنسان وقصده ليسا مخلوقين له، ~~باتفاق؛ فكذلك العمل. # على أن على رأي القاضي أبى بكر في أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله سبحانه، ~~وصفته من طاعة ومعصية بقدرة العبد، يندفع عنا إشكال الآيات والأحاديث، ولا ~~يخرجنا عن رأينا؛ لأن النزاع معهم في ذات الفعل وصفته. فإذا سلمنا لهم أن ~~صفة الفعل بقدرة العبد، بقي النزاع في ذاته كما كان. # وأما ما ذكروه من الإجماع، فقد سبق جوابه في مقدمات المسألة، في أن الله PageV01P189 # سبحانه مريد لجميع الكائنات. وهو أن قضاء الله حكمه؛ والكفر ونحوه واقع ~~بحكمه وقضائه؛ فهو مقضي، لا قضاء. وإنما يجب الرضا بقضاء الله، لا بمقضيه، ~~من الكفر والمعاصي. والمقضي هو متعلق القضاء، ومحل تأثيره. والله أعلم. # هذه أضعف ما للخصوم في المسألة من الشبه. وقد وقع الجواب عنها مبينا على ~~أصولنا التي أحكمناها قبل بطلان التحسين والتقبيح، ووجوب رعاية المصالح، ~~وجواز تكليف المحال. ### || AUTO [كلام على طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار المعتزلى] # واعلم أن القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، رئيس المعتزلة في عصره، ~~ذكر في طبقات المعتزلة، من الطبقة الأولى منهم من الصحابة، أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب- كذلك، قدمه في الذكر- وأبا بكر، وعمر، وابن عباس، وابن ~~عمر؛ قال: "ومن يجرى مجراهم". # ثم ذكر، من الطبقة الثانية منهم، الحسن والحسين- قال: "وإنما ذكرناهما في ~~الثانية لنزين بذكرهما هذه الطبقة"- ومحمد بن علي، يعني ابن الحنفية. قال: ~~"ومن التابعين الكبار ممن حكينا عنه العدل: السعيد بن المسيب، وأصحاب علي ~~عليه السلام وابن مسعود". # "ومن الطبقة الثالثة، أبو هاشم عبد الله بن محمد بن على، وأخوه الحسن بن ~~محمد، والحسن البصري، وابن سيرين، ومن في طبقتهم ممن حكينا عنه العدل". # قال: "وأبو هاشم هو أستاذ واصل بن عطاء؛ فإنه يحكى أنه كان معه في المكتب ~~في دار أبيه، يأخذ عنه وعن أبيه هذه الأصول". # قلت: فعلى هذا، محمد ابن الحنفية هو أستاذ واصل في الاعتزال. والمعتزلة ~~يسمون PageV01P190 # مقالتهم في أن الله تعالى لم يخلق أفعال العباد "عدلا"، ويلقبون أنفسهم ms106 ~~"أهل العدل"، بناء منهم على ما سبق، من أنه تعالى لو خلق الأفعال، وعاقب ~~عليها، لكان جائزا. وما ذكره عن الصحابة والتابعين، من أنهم أهل عدل صحيح، ~~لكن الشأن في العدل ما هو؟ هل هو قوله بإثبات الشركاء لله في الخلق؟ أو ~~قولنا بتوحيد الله في ذاته وأفعاله؟ وذلك غير خارج عن العدل، كما بينا ~~وسنبين، إن شاء الله. فإن أراد بالعدل الذي أضافه إليهم الاعتزال الذي يراه ~~هو وأصحابه، فليس ذلك عنهم صحيحا. كيف، وإنه لا خلاف بين الأمة أن الصحابة ~~لم يتركوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم! حتى إن ابن عمر كان يضع قدمه موضع ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مبالغة في الاتياع؛ وكان يبيت بالمحصب، ~~مع أن النبي عليه السلام إنما نزله اتفاقا والمحظوظ عن ابن مسعود أنه كان ~~يقول: "دعوا التنطع في الدين؛ وعدوا في المحدثات؛ وعليكم بالعتيق"؛ يعني ما ~~كان النبي عليه السلام وأصحابه عليه. وذلك مأخوذ من قوله عليه السلام، "شر ~~الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة يدعة؛ وكل بدعة ضلالة؛ وكل ضلالة في النار". ~~وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ؛ فإنه ~~من يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا". فشهد للخلفاء بعده بأنهم على سنته ~~المرضية. وقد بلغتنا سيرتهم ومذاهبم بالتواتر؛ فلم نر فيها اعتزالا، ولا ~~نفيا للقدر. بل المحظوظ عن عمر أنه لما فتح بيت المقدس، خطب الناس، وتحت ~~منبره عالم من علماء النصارى. فقال عمر في خطبته: "من يهده الله، فلا مضل ~~له؛ ومن يضلل، فلا هادي له". فقال النصراني: "ما تقول؟ " ففسر له ما قال ~~عمر. فنفض يده، وقال: "إن الله لا يضل أحدا". فسأل عمر عما قاله النصراني؛ ~~فأخبر به. فقال عمر: "كذبت، أي عدو الله! إن الله هو الهادي المضل. والله ~~هو أضلك، وأوجب لك النار. ولولا الأمان، لضربت عنقك". والمحظوظ عن علي رضى ~~الله عنه مناظرات مفحمة لأهل القدر. # ومن المعلوم بالضرورة من حال التابعين أنهم لم يعدلوا عن سنة النبي ~~وأصحابه؛ بل بالغ ms107 قوم منهم، حتى أخذوا بظواهر الأحاديث؛ حتى استن بهم من ~~بعدهم، فنسبوا إلى PageV01P191 # التشبيه. وكيث تصح نسبة الحسن البصري، وابن سيرين، ونحوهم، إلى الاعتزال، ~~مع أن أهل السنة والحديث من أهل عصرهم كانوا أبغض الناس في المعتزلة ومن ~~قال بقولهم، وأحب الناس في الحسن وابن سيرين، يروون عنهم التفسير والحديث ~~والتعبير والمواعظ والحكمة. # وإنما دعوى عبد الجبار لاعتزال الحسن وابن سيرين كدعوى اليهود والنصاري ~~أن إبراهيم ومحمدا كانا يهوديين، أو نصرانيين. وتلك دعوى لا تسمع. كيف، وقد ~~حكى القيرواني في مفتاح خزانة التعبير أن أبا السيار ذكر أن كامل بن طلحة ~~قال: "قلت لحماد بن سلمة: "يا أبا سلمة. ما لك لا تروي عن عمرو بن عبيد، ~~كما يروى أصحابك؟ "فقال: "إني رأيت في المنام كأني دخلت المسجد، والناس ~~كلهم يصلون صفوفا إلى القبلة؛ وإذا عمرو يصلي مستدبرها. فتركت الرواية عنه". # قال القيرواني: "وقيل للحسن البصري: "لم هجرت عمرو بن عبيد؟ " فقال: "يا ~~قوم. أتعذلونني في رجل، والله، لقد رأيته في المنام يسجد للشمس من دون ~~الله! ". # قلت: عمرو بن عبيد بن باب هو رئيس المعتزلة. كان حمو واصل بن عطاء؛ وكان ~~يناظر في الاعتزال والقدر. ومناظرته لأبي عمرو بن العلاء في الوعيد مشهورة؛ ~~وقد سبقت في مسألة الوعيد. وقد رآه الحسن يسجد للشمس من دون الله؛ وهو ~~إشارة من تلك الرؤيا إلى أنه مشابه لبلقيس التي قال الله فيها، حكاية عن ~~الهدهد: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله}، الآية. وكانت، فيما ذكر ~~أهل السير، مجوسية. وقد وردت الأخبار بأن القدرية مجوس هذه الأمة، الذين ~~يقولون: "لا قدر"، كما سنورد الأحاديث في ذلك، إن شار الله. فهذا معنى رؤيا ~~الحسن. فكيف يصح أن الحسن معتزلي، مع أنه وأصحابه من أهل الحديث هجروا عمرو ~~بن عبيد لأجل الاعتزال، لا غير؛ لأن عمروا كان من الزهد وترك الدنيا وفعل ~~العبادات أوحد زمانه؛ PageV01P192 # وإنما كبا به جواد الاعتقاد الردي. # قلت: وذكر عبد الجبار في الطبقات، قال: "فصل في مدح الاعتزال. وقد ذكر ms108 ~~محمد بن يزداد في كتاب المصابيح أن كل أرباب المذاهب نفوا عن أنفسهم ~~الألقاب، إلا المعتزلة. فإنهم تبجحوا بها، وجعلوا ذلك علما لمن تمسك ~~بالتوحيد والعدل. واحتج (يعني محمد بن يزداد) في ذلك بأنه تعالى ما ذكره ~~إلا في الاعتزال عن الشر؛ كقول إبراهيم: {واعتزلكم وما تدعون من دون الله}. ~~وذكر أن المعتزلة هي المقتصدة، اعتزلت الإفراط والتقصير، وسلكت طريق ~~الأدلة. وذكر أن المعتزلة الأولى هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأنهم كانوا يدا واحدة، يتولى بعضهم بعضا، واتفقوا على هذه الأصول. وروي عن ~~حذيفة بن اليمان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، أنه قال: "من ~~اعتزل من السوء، سقط من الخير". # قلت: هذا كله يحكيه عبد الجبار عن محمد بن يزداد صاحب كتاب المصابيح. وهو ~~كلام فاسد. أما قوله، "إن المعتزلة تبجحت بلقبها"، فلا مدح فيه؛ لأن أهل كل ~~دين وبدعة يعتقدون صوابها؛ كاليهود والنصاري يتبجحون بدينهم واسمه، ويدعون ~~إليه؛ كقوله تعالى، حكاية عنهم: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا}. # وأما قوله: "كل أرباب المذاهب نفوا عنهم الألقاب إلا المعتزلة"، فليس ~~بصحيح. لأنهم لما استفاض قوله عليه السلام، "القدرية مجوس هذه الأمة"، ~~ونحوه من الأحاديث، فروا من هذا اللقب، ونفوه، وأضافوه إلى مثبتي القدر، ~~مكابرة؛ كما يقال في المثل: "رمتنب بدائها وانسلت"، وقولهم، "حد اسمك ~~سمني". مع أن النبي عليه السلام فسر "القدرية" بأنهم الذين يقولون: "لا ~~قدر". {فنادوا ولات حين PageV01P193 # مناص}؛ {يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر}. فإن هذه الصفة ليست ~~إلا فيهم. # وأما قوله، "لم يذكره في الاعتزال [عن الخير]، ولم يذكره الله إلا في ~~الاعتزال عن الشر"، فليس بصحيح. فإنه إما غير حافظ للقرآن، أو غافل عن ~~تدبره. وما كان ينبغي له هذا الحصر، إلا بعد السبر؛ فإن موسى لقال لقوم ~~فرعون: {وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون}؛ وقال سبحانه: {ونادى نوح ابنه وكان في ~~معزل يا بنى اركب معنا}. # أفترى اعتزال قوم فرعون موسى، واعتزال ابن نوح نوحا، كان اعتزالا ms109 عن ~~الشر، أو عن الخير والنبوة والإيمان؟ ومادة الألفاظ كلها واحدة؛ وهي "عزل ~~يعزل"، إذا أفرد الشيء ونحاه. و "العزلة": الانفراد. فمن انفرد عن خير أو ~~شر، فقد اعتزله. وفي الحديث: "إذا سجد ابن آدم، اعتزل الشيطان يبكي". # وأما قوله، "المعتزلة هي المقتصدة، اعتزلت الإفراط والتقصير، وسلكت طريقة ~~الأدلة"، فليس بجيد. وإنما سموا "معتزلة" لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري، ~~وقول جمهور السلف في إثبات القدر، واتخذوا حلقة لهم يقررون فيها أن الله لا ~~يخلق أفعال العباد، ويجب عليه رعاية المصالح، ويجب عليه إقابة الطائع، ~~وعقوبة العاصي، وأنه لا شفاعة للعصاة، ونحو ذلك من أصولهم السابقة. فنبذهم ~~الناس لذلك، واعتزلوهم أيضا. فكان في اعتزالهم واعتزال الناس لهم ضرب من ~~اعتزال الخوارج. وكيف تكون مقتصدة، وهي تجعل كل واحد من عباد الله خالقا ~~معه في كل وقت وكل زمان! وأي إفراط بعد هذا؟ وأي تقصير لأقبح منه؟ والله ~~سبحانه يقول: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شيء وهو الواحد القهار}؛ وقال: PageV01P194 # {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تتذكرون}. # وأما طريقة الأدلة التي سلكوها، فهي طريقة إبليس، طريقة التحسين ~~والتقبيح، حيث قال: {أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين}. ولما ~~سلكها، آل أمره إلى ما قد عرف. # وأما قوله، "إن المعتزلة الأولى أصحاب رسول الله". فإن أراد "بالاعتزال" ~~ما عليه المعتزلة، فهو كذب على الصحابة؛ والتواتر عنهم بخلاف ذلك. وإن أراد ~~أنهم اعتزلوا الشرك والشر والبدع، فهو كذلك. # وأما كونهم يدا واحدة، يتولى بعضهم بعضا، فليس ذلك من خواص الصحابة، ولا ~~المعتزلة، بل هو حكم عام في دين الإسلام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"المسلمون تتكافأ دماؤهم"، الحديث، إلى أن قال: "وهم يد على من سواهم". ~~وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد"، الحديث. ~~والناس كذلك حتى الساعة. # غاية ما في الباب أن الصحابة كانوا أشد في ذلك. والمعتزلة أشد فيه لإقامة ~~بدعتهم؛ إذ هي خاملة في العالم. فهو كتعاضد أهل ms110 الكتابين، ن لضعفهم ~~وخمولهم، واتفاق الكتاب والسنة على ذم رأيهم، وغربتهم بين أهل القلبة. وكل ~~غريب للغريب نسيب. # وأما الحديث، "من اعتزل من الشر، سقط في الخير"، فهو إن ثبت، مساو لعكسه. ~~إذ الشر والخير نقيضان؛ من اعتزل أحدهما: سقط في الآخر. # ثم قال: "وروي عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة. ~~وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة". ثم قال ~~سفيان لأصحابه: "تسموا بهذا الاسم؛ لأنكم قد اعتزلتم الظلم". فقيل له: "قد ~~تسمى به عمرو بن عبيد وأصحابه". فكان (يعني PageV01P195 # سفيان) بعد ذلك لا يذكر في الحديث هذا القول؛ بل يقول: "واحدة منها ~~ناجية". # وروي عن عثمان الطويل، قال: لقيت قتادة، فقال لي: "يا عثمان. ما حبسك ~~عنا؟ لعل هذه المعتزلة حبستك عنا؟ " قلت: "نعم. حديث سمعته يرونه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ سمعتك تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ستفترق أمتي على فرق؛ خيرها وأبرها المعتزلة". فأنا اليوم ممن لزمه هذا ~~الاسم". # قلت: هذان الحديثان باطلان بالضرورة، لا أصل لهما بوجه من الوجوه؛ أعني ~~الزيادة التي مدح بها المعتزلة. أما الأول، فلأنه غير معروف من حديث سفيان، ~~على كثرة أصحابه والرواة عنه، واختلافهم في ألفاظ روايته. حتى يقول أحدهم ~~مثلا: "وما فاتكم، فأتموا"، وبعضهم يزيد: "بالأرض" أو "فى اللحد"؛ ونحو ذلك ~~كثير. وغرضنا ضرب المثال في تحريه وتحري أصحابه في ألفاظ السنة، فكيف ~~يتواطؤون على كتمان هذه اللفظة، ويتركون الحق للباطل؛ كاليهود في تغييرهم ~~صفة محمد في التوراة! معاذ الله أن ينسب هذا إلى صباين المحدثين، فضلا عن ~~أئمتهموأهل المناقب منهم. # ولو لم يكن الحديث ما يدل على بطلانه إلا هذا، لكفى. كيف، وإنه قد فسر ~~"الفرقة الناجية" بقوله، "ما أنا عليه وأصحابى"! صح ذلك وثبت في السنة. فإن ~~ادعوا أنهم على ما هو عليه وأصحابه، قلنا: ما الغرض ها هنا هذا. بل الغرض ~~أن ms111 تفسير "الفرقة الناجية" ورد بغير لفظ "المعتزلة". أما كونكم أنتم الذين ~~على ما هو عليه وأصحابه، أو غيركم، فذاك أمر آخر. مع أن الظاهر الذي لا ~~يخفى، والمعروف الذي لا ينكر، أن أهل الحديث هم الذين هم على ما كان عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فمن نازعهم في ذلك، فقد ادعى ما ليس له. PageV01P196 # ثم إنه زعم أن سفيان روى الحديث لأصحابه مصرحا بأن الفرقة الناجية ~~المعتزلة. فلما علم أنهم سبقوا إلى ذلك، أمسك عن التصريح. ولا شك أن العادة ~~تقتضي امتناع كتمان مثل هذا إذ كيف تخلو حلقة مثل سفيان ممن تمثل نفسه إلى ~~هذا الحديث، فيصير إلى المعتزلة، ثم يشيعه، فيشتهر عنه! وهذا حديث غير ~~معروف أصلا؛ فضلا عن أن يكون غير مشهور. # وأيضا، فإن أصحاب سفيان قد نقلوا عنه وعن غيره في صفات البارئ، وأفعاله، ~~والفتن الواقعة بين أصحابه، ونحو ذلك أعظم من هذا الحديث وقعا. فلو جزا أن ~~يكتموا شيئا من الحديث، لكانت تلك أولى بالكتمان. # وأما عثمان الطويل، فمعتزلي منهم في إشادة مذهبه وثبوته بمدح طائفته. ثم ~~هو مجهول عند أهل النقل والرواية. وقد قال الله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم}. ### || AUTO [رسالة في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبار] # ثم اعلم أن عبد الجبار ذكر عن الحسن رسالة في نصرة القدر، فقال: # "الحسن البصري ممن دعا إلى الله الدهر الأطول بالموعظة والتصنيف والرسائل ~~والخطب. فالمشهور عنه أن عبد الملك كاتبه، فقال: "إنه قد بلغنا عنك في وصف ~~القدر ما لم يبلغنا عن أحد من الصحابة. فاكتب بقولك إلينا ف هذا الباب" ~~فكتب إليه: # "سلام عليك. أما بعد. فإن الأمير أصبح في قليل من كثير مضوا والقليل من ~~أهل الخير مغفول عنهم. وقد أدركنا السلف الذين قاموا بأمر الله، واستنوا ~~بسنة PageV01P197 # رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يبطلوا حقا، ولا ألحقوا بالرب إلا ما ~~ألحق بنفسه. ولا يحتجون إلا بما احتج الله به على خلقه؛ وقوله الحق: {وما ~~خلقت ms112 الجن والإنس إلا ليعبدون}. ولم يخلقهم لأمر، ثم حال بينهم وبينه؛ لأنه ~~تعالى ليس {بظلام للعبيد}. # "ولم يكن في السلف أحد ينكر ذلك ولا يجادل فيه؛ لأنهم كانوا على أمر واحد ~~متسق. وإنما أحدثنا الكلام فيه حيث أحدث الناس النكرة له. فلما أحدث ~~المحدثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث الله للمتمسكين بكتابه ما يطفئون به ~~المحدثات، ويحذرون به من المهلكات". # وذكر "أن الذي أوقعهم فيه سببه الأهواء، وترك كتاب الله. ألم تر إلى قوله ~~تعالى: {هاتوا برهانكن إن كنتم صادقين}! . # "فافهم، أيها الأمير، ما أقوله. فإن ما نهى الله عنه، فليس منه؛ لأنه لا ~~يرضى ما يسخط، وهو من العباد. فإنه تعالى يقول: {ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم}. فلو كان الكفر ممن قضائه وقدره، لرضى به ممن عمله. وقال ~~تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}. وقال: {والذى قدر فهدى}؛ ولم يقل: ~~"قدر فأضل". لقد أحكم الله آياته وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال له: ~~{قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى}. وقال: ~~{الذى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}؛ ولم يقل: "ثم أصل". وقال: {إن علينا ~~للهدى}؛ ولم يقل: إن علينا PageV01P198 # للإضلال". ولا يجوز أن ينهى العباد عن شيء في العلانية، ويقدره عليهم في ~~السر ربنا أكرم من ذلك [وأرحم]. # "ولو كان الأمر كما يقول الجاهلون، ما كان يقول: {اعملوا ما شئتم}؛ ~~ولقال: "اعملوا ما قدرت عليكم". وقال: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر}؛ ~~لأنه جعل فيه من القوة ذلك، لينظر كيف يعملون. ولو كان الأمر كما قاله ~~المخطئون، لما كان إليهم أن يتقدموا ولا يتأخروا، ولا كان لمتقدم حمد فيما ~~عمل، ولا على متأخر لوم، ولقال: "جزاء بما عمل بهم"، ولم يقل: "جزاء بما ~~عملوا، وبما كسبوا". # "وقال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}؛ أى بين لها ما ~~تأتى وما تذر. ثم قال: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}؛ فلو كان هو ~~الذي دساها، ms113 ما كان ليخيب نفسه، تعالى عما يقولون. # "وقال تعالى: {ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار}. فلو كان ~~الله تعالى هو الذي قدم لهم الشر، ما قال ذلك. # "وقال تعالى: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا}؛ ~~وقال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}؛ {ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه}. وقال: {وأضل فرعون قومه وما هدى}. وقال تعالى: {وما أضلنا إلا PageV01P199 # المجرمون}، {وأضلهم السامرى}، و {إن الشيطان ينزغ بنيهم}، {وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم}. وقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}؛ ~~فكان بدء الهدي من الله، واستحباب العمى بأهوائهم وظلم آدم نفسه، ولم يظلم ~~ربه؛ وقال: {ربنا ظلمنا أنفسنا}. وقال موسى: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو ~~مضل مبين}." # وذكر "أن أهل الجهل قالوا: "إن الله يضل ويهدي من يشاء". ولم ينظروا إلى ~~ما قبل الآية وبعدها، ليستبين لهم أنه تعالى لا يضل إلا بتقدم الفسق ~~والكفر؛ كقوله، {ويضل الله الظالمين}، وقوله، {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم}، وقوله، {وما يضل به إلا الفاسقين}. # وبين، رحمه الله، في كلامه، الوعيد. فقال: # "إنه تعالى قال: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنفذ من في ~~النار}.وقال: {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا}. وقال تعالى: {ادخلوا في ~~السلم كافة}. فكيف يدعوهم إلى ذلك، وفد حال بينهم وبينه! . PageV01P200 # "وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}. كيف يجوز ذلك، وقد منع ~~خلقه من طاعته! ". # قال: "والقوم ينازعون في المشيئة. وإنما شاء الله تعالى الخير قبل أن ~~نشاءه. وقال: [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. # وقال في ولد الزنا: # "إنه من خلق. وإنما الزاني وضع نطفته في غير حقها؛ فتعدى أمر الله؛ والله ~~يخلق من ذلك ما يشاء. وكذلك صاحب البذر، إذا وضعه في غير حقه". # وقال في الرسالة: # "إن الله تعالى أعدل وأرحم من أن يعمي عبدا، ثم يقول له: "أبصر، وإلا ~~عذبتك! " فكيف يضله، ثم يقول له: "اهتد، وإلا عذبتك" وإذا خلق الله الشقي ~~شقيا، ms114 ولم يجعل له سبيلا إلى السعادة، فكيف يعذبه! # "وقال الله لآدم وحواء: {فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}.فغلبه ~~الشيطان على هواه. ثم قال: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم ~~من الجنة}؛ وليس للشيطان عليهم سلطان، {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو ~~منها في شك}. # "وبعث الرسول نورا ورحمة. فقال: {استجيبوا لله وللرسول}؛ وقال: {استجيبوا ~~لربكم}؛ وقال: {أجيبوا داعى الله}؛ {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعون}. PageV01P201 # وقال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. فكيف يفعل ذلك، ثم يعميهم عن ~~القبول! وقال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل}. ونهى عما أمر به الشيطان. وقال ~~في الشيطان: {يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}؛ فمن أجاب الشيطان، كان ~~من حزبه. # "ولو كان كما قاله الجاهلون، لكان إبليس أصوب من الأنبياء؛ إذ دعا إلى ~~إرادة الله وقضائه، ودعت الأنبياء إلى خلاف ذلك، وإلى ما علموا أن الله قد ~~حال بينهم وبينه. # "وقال القوم فيمن أسخط الله: "إن الله حمله على إسخاط". وكيف يسخط، إذا ~~عملوا بقضائه عليهم وإرادته! ويقول: {ذلك بما قدمت يداك}! وهؤلاء الجهال ~~يقولون: "إن الله قدمه لهم، وما أضلهم سواه". # "وقال تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه}. فلو كان الأمر كما زعموا، ~~لكان الدعاء والأمر لا تأثير له؛ لأن الأمر مفروغ منه. لكن التأويل على ~~خلاف ما قالوه. وقد قال الله تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم ~~مشهود}. ثم قال: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد}. والسعيد ~~ذلك اليوم هو المتمسك بأمر الله؛ والشقي هو المضيع". # وقال في الرسالة: # "واعلم، أيها الأمي، أن المخالفين لكتاب الله وعدله يخوضونن وفي لغط ~~يعولون في PageV01P202 # أمر تدينهم بزعمهم على القدر. ثم لا يرضون في أمر دنياهم إلا بالاجتهاد ~~والبحث والطلب والأخذ بالحزم فيه- وذلك لثقل الحق عليهم- ولا يعملون في أمر ~~دنياهم في سائر تصرفهم على القضاء والقدر. فلو قيل لأحدهم: "لا تستوثق من ~~أمورك، ms115 ولا تقفل حانوتك احترازا لمسائك، واتكل على القضاء والقدر"، لم يقبل ~~ذلك. ثم يعولون عليه في الدين". # قال: # ومما يحتجون به أن الله قبض قبضة، فقال: "هذه في الجنة، ولا أبالى"؛ وقبض ~~أخرى، وقال: "هذه في النار، ولا أبالي". كأنهم يرون أن ربهم يفعل ذلك ~~كالمصارع بينهم المحارب- تعالى الله عما يصفونه به. وإن كان الحديث حقا، ~~فقد علم الله أهل النار قبل القبضتين، وقبل أن خلقهم. فإنما قبض أثر أهل ~~الجنة الذين في علمه أنهم يقلون، وأنهم سيعملون بما علموا ممكنين، غير ~~مجبرين. # وكان يجب على ما رووه أن تكون أعمال الناس هباء منثورا، من حيث قد فرغ من ~~الأمر. وكيف يصح ذلك، مع قوله: {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا}، وهو الذي حملهم عليه! وما معنى قوله، ~~{فما لهم لا يمنون}، وقد منعهم! . # "وكيف يقول: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله}! بل كان يجب أن يقول: "ما كان لأهل المدينة أن يعملوا بما قضيت ~~عليهم". ولما قال: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض}، وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة! PageV01P203 # "وإذا كان الأمر مفروغا منه، فكيف يقول: {ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج}! وكيف ابتلى العباد، فعاتبهم على فعلهم! ~~وكيف يقول: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}! وكيف يقول: {قدر ~~فهدى}، ولم يقل: "قدر فأضل"! وكيف يصح أنه خلقهم للرحمة والعبادة، بقوله، ~~{فطرت الله التي فطر الناس عليها}، وقوله، {فطركم أول مرة}، وقوله، {لا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم}! فإذا خلقهم لذلك، فكيف يصح أن لا يجعل لهم سبيلا، ~~ويقسرهم على السعادة والشقاء، على ما يذكرون! وكيف يبتلى إبليس بالسجود ~~لآدم؛ فإذا عصى، يقول: {اهبط منها}، ويجعله شيطانا رجيما! وكيف يقول: {فما ~~يكون لك أن تتكبر فيها}! وكيف يحذر آدم عداوته، إن كان الأمر مفروغا منه، ~~على ما يقولون! ". # وقال في الرسالة: ms116 # "واعلم، أيها الأمير، ما أقول. إن الله تعالى لم يخف عليه بقضائه شيء، ~~ولم يزده علما بالتجربة؛ بل هو عالم بما هو كائن وما لم يكن. وكذلك قال: ~~{ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}، {ولولا أن يكون الناس أمة ~~واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن}، الآية. فبين لنا أنه يخلق خلقا من ملائكة ~~وجن وإنس، وأنه سيبتليهم قبل أن يخلقهم. فعلم ما يفعلون، كما قدر أقواتهم، ~~وقدر ثواب أهل الجنة PageV01P204 # وعقاب أهل النار قبل ذلك. ولو شاء إدخال العصاة النار، لفعل. لكنه سهل ~~سبيلهم؛ ليكون الحجة البالغة له على خلقه. والعلم ليس بدافع لهم إلى ~~معاصيه؛ لأن العلم غير العمل. فتبارك الله أحسن الخالقين" # وقال في قولهم في الضلال والهدى، وفي قوله، {ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض}، و {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}: # "إن المراد بذلك إطهار قدرته على ما يريده، كما قال: {إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء؛ {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم}؛ ~~{ولو نشاء لطمسنا على أعينهم}؛ {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذير}. وقال: ~~{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا}. حتى بلغ من قوله تعالى أن قال: ~~{فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء}. فإنما دل بذلك ~~رسوله على قدرته؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم يوم القيام ~~رادا بذلك رسوله على قدرته؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم ~~يوم القيامة رادا لقولهم: {لو أن الله هدانى لكنت من المتقين}؛ رد ذلك ~~بقوله، {بلى قد جائتك آياتى فكذبت بها واستكبرت}. # "وقال تعالى، بعدما حكى عنهم قولهم، {لو شاء الرحمن ما عبدناهم}، تكذيبا ~~لهم: {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا}. فنعوذ بالله ممن PageV01P205 # ألحق بالله الكذب، وجعلوا القضاء والقدر معذرة. وكيف يصح ذلك، مع قوله، ~~{وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}! وكيف يصح أن يقول: {وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك}! أي العقوبة التي أصابتك ms117 إنما هي من قبل نفسك بعملك. ولو ~~شاء الله تعالى أخذهم بالعقوبة من دون معصية، لقدر على ذلك. لكنه رؤوف ~~رحيم. ولذلك أرسل موسى إلى فرعون، وقد قال: {ما علمت لكم من إله غيرى}؛ ~~فقال: {فقولا له قولا لينا}. وقال: {اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى ~~أن تزكى}. وقال: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلم ~~يذكرون}، فيتوبون. فلما لجوا في كفرهم بعد كل ذلك، من الأمر والترغيب في ~~طاعته، أخذهم بما فعلوا". # قال: # "ثم انظر أيها الأمير كيف صنيعه بمن أطاع؛ فقال: {إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}؛ {ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا؛ {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل}. وقال موسى: ~~{ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين}؛ وقال: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين}. ~~فهذا صنيعه بأهل طاعته؛ وما قدمناه صنيعه بأهل معاصيه عاجلا. فإذا اتبعوا ~~أهواءهم، عاقبهم بما يستحقون". PageV01P206 # وقال في الرسالة: # "ولا يصح عمل الخير إلا بمعونة الله. ولذلك قال لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم: {ولوا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}؛ وقال يوسف: {وإلا ~~تصرف عنى كيدهن أصب إليهن}. فقد بين وأمر ونهى، وجعل للعبد السبيل إلى ~~عبادته، وأعانه بكل وجه. ولو كان عمل العبد يقع قسرا، لم يصح ذلك". # هذا آخر ما حكاه من رسالة الحسن. ### ||| AUTO [الجواب على الرسالة] # قلت: وهذه الرسالة، وإن كان الحسن قد رمى بالقدر مرة، وهي تشبه فصاحته ~~وبيانه، إلا أن المشهور عنه إبطال القدر، والطعن على أهله، كما بينا أولا. ~~فإن ثبتت هذه عنه، فلعله قالها أولا، حين كان يقول بالقدر؛ ثم عاد بآخره عن ~~ذلك. وإلا، فهي منحولة عليه. ويشبه أنها لواصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد، ~~أو معبد، أو غيلان، ونحوهم من أركان الاعتزال. # ولو صح أن الحسن خاطب بهذه عبد الملك بن مروان، لفعل به كما فعل ms118 هشام ~~بغيلان: قطع يديه ورجليه، لغلوه في القدر، ودعاء الناس إليه. والحسن كان ~~أشهر في الناس من علم؛ فلو صحت هذه عنه، لما سكت عنه التابعونأن يعاتبوه ~~عليها، أو ينكرون عليه ويعارضون ما قال. # ولكن هذه من كلام رجل خامل من القدرية، أو من ليست شهرته كشهرة الحسن. ~~فأعرض الناس، فيما علمنا، عن معارضتها لأمر ما، مع أن الرسالة هائلة في ~~بابها، والجواب عنه متعين؛ إذ قد تضمنت كل حجج القدرية في المسألة، أو ~~جلها. وهي راجعة إلى شبههم السابقة؛ لكن تحتاج إلى جواب خاص بها يطابقها، ~~ويتضمن جوابها تقرير قواعد يحتاج إليها في الباب، وتكون تذكرة لأولى ~~الألباب. فنقول، وبالله التوفيق: PageV01P207 # قول هذا القائل، "أركنا السلف الذين قاموا بأمر الله، لم يبطلوا حقا، ولا ~~ألحقوا بالرب باطلا، إلا ما ألحق بنفسه". قلنا: كذلك كانوا، رحمهم الله. ~~وهو الواجب عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين. والقول بأن مع الله شركاء خالقين ~~ليس بحق حتى يكون خلافه باطلا. والرب سبحانه ألحق بنفسه خلق الأفعال، ~~بقوله: {خالق كل شئ}؛ {خلقكم وما تعملون}. ولم يضف إلى عباده خلق شئ؛ إنما ~~أضاف إليهم كسب أعمالهم. ولو كانوا خالقيها، لكان قوله، "جزاء بما كانوا ~~يخلقون"، أبلغ في الحجة عليهم؛ لأن الخلق أبلغ في استحقاق الجزاء من الكسب. ~~وقد بينا الفرق بينهما. فما ألحقوا بالله إلا ما ألحق بنفسه من ذلك. # قوله، "ولا يحتجون إلا بما احتج الله به على خلقه". قلنا: نعم؛ وكذلك ~~يجب. وإنما كانوا يحتجون بكتاب الله وسنة رسوله؛ وهما مملوآن من إثبات ~~القضاء والقدر وخلق الأعمال. قال الله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}؛ ~~وقال: {من يضلل الله فلا هادى له}؛ ونحوها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يحزن على أمر يفوته؛ بل يقول: "لو قدر، لكان". وسبق قول عمر للنصراني، ~~كذبت! إن الله هو الهادى المضل، وهو الذي أضلك وأوجب لك النار". فهذا ~~وأمثاله كان حجة السلف في إثبات القدر. # فأما لومهم للعاصي، وذمهم وعقوبتهم له، فذلك امتثال لأمر الله فيه؛ ms119 إذ ~~جعل وقوع المعصية على جوارحه دائرة مع قصده وإرادته وجودا وعدما، علما على ~~وقوع ما قدر عليه من العقوبة به. ولله التصرف في خلقه بما يشاء. ومن أصول ~~أهل السنة، الذين قام الدليل على أنهم هم الفرقة الناجية، إن شاء الله، ~~السكوت عن "كيف؟ " في صفاته، وهم "لم؟ " في أفعاله. PageV01P208 # قوله، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}؛ ولم يخلقهم لأمر، ثم حال ~~بينهم وبينه؛ لأنه تعال ليس بظلام للعبيد". قلنا: أما قوله، "ما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون"، فهو حق؛ لكن الكلام في تأويله. فنقول: لا يخلو إما أن ~~يكون معناه، "ما خلقتم إلا مريدا لوقوع العبادة منهم"، أو يكون معناه "ما ~~خلقتم إلا لأكلفهم العبادة. والأول باطل. لأنه لو أراد منهم وقوع العبادة؛ ~~وإلا لم يطابق مراده ومعلومه إرادته وعلمه؛ فيفضي إلى انقلاب حقائق صفاته؛ ~~لأن إرادته لا تتعلق بوقوع شيء، إلا وقد تعلق علمه بذلك؛ إذ متعلق صفاته لا ~~يتنافى، لما قررناه في أن ما تعلق علمه بأنه لا يكون غير مقدور. لكن ~~العبادة لم تقع من جميع الجن والإنس؛ فلا يكون المراد أنه أراد وقوع ~~العبادة منهم. فتعين أن معنى الآية إلى "ما خلقتهم إلا لآمرهم بالعبادة ~~وأكلفهم بها". # والأمر عندنا لا يستلزم الإدارة، ولا هي من شرطه. وإذا كان خلقهم ~~للتكليف، لم يلزم منه أنه خلقهم لإرادة وقوع العبادة. وحينئذ، لا تنافى بين ~~تكليفهم بالعبادة وصرفهم عنها، بناء على ما سبق من من تكليف ما لا يطاق. ~~والقبح فيه عقلي؛ وقد أبطلناه. ولا يلزم من ذلك ظلمه لهم؛ وهو سبحانه ليس ~~بظلام للعبيد، كما وصف نفسه. غير أنه سبحانه ليس في ملكه لعباده وتصرفه ~~فيهم، كعبادة في أملاكهم وتصرفهم فيها؛ لأنه سبحانه. فقول القائل، "يقبح من ~~الله أن يكلفني شيئا، ويصرفني عنه، كما يقبح مني أن أكلف عبدي شيئا، وأصرفه ~~عنه"، قياس فاسد؛ لأن شرط القياس استواء الأصل والفرع في القوة والصفات، ~~وغير ذلك، إلا من حيث الإلحاق، وهو الذكورة والأنوثة. ولا شك أن ملك ms120 الله ~~في عباده أقوى من ملك عباده بعضهم لبعض. فقياس الأقوى على الأضعف لا يصح في ~~مسائل الفروع؛ فما الظن به في هذا الأصل الذي قد عم الأديان والملل؛ فهدى ~~الله فيه من هدى، وأضل من أضل. PageV01P209 # ويوضح صحة ما ذكرناه أن أحدنا ليس له أن يقتل عبده بغير إذن شرعى، ولا ~~يقطع منه عضوا؛ حتى قال بعض العلماء: "لو مثل بعبده، مثل أن جب ذكره، أو ~~عضوا غيره، أو حرق منه شيئا بالنر، أنه يعتق عليه بذلك؛ لأن الله سبحانه ~~إنما ملكه إياه بشرط الإحسان إليه؛ فإذا انتفى الإحسان، انتفى شرط التمليك، ~~فعاد إلى ملك الله الخالص، وهو الحرية". # والله سبحانه له أن يهلك الثقلين وسائر العالم في لحظة واحدة، وإن كانوا ~~طائعين لا يعصونه طرفة عين. فإن ادعى مدع أن ذلك قبيح، فهو تقبيح عقلى ~~باطل. ويوضح ذلك أن كل صانع، إذا اتقن صنعته، كالنساج للثوب، والفخار ~~للجرار، ونحوها، له بعد ذلك أن يهلكها، لا اعتراض عليه في ذلك لغيره. وإنما ~~امتنع ذلك شرعا؛ لكونه تضييع مال، لحكمة قررناها غير ها هنا. # وكذلك يقبح من أحدنا أن يمكن عبده من أمته يزني بها، أو عبده من عبده ~~يقتله. ولا خلاف أن الله سبحانه أمكن عبيده من قتل بعضهم بعضا، وزنا بعضهم ~~ببعض. إذ لو شاء، لحال بينهم؛ لأنه قادر على ذلك. ولا نزاع أن هذا قبيح من ~~العبد، غير قبيح من الله سبحانه. فإذا جاز أن يقبح منا مثل ذلك، ولا يقبح ~~من الله، فلم لا يجوز مثله في مسألة القدر؟ # فهذا التقرير ها هنا كاف. وله مزيد يبين فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ~~وحاصل الأمر بيننا وبين المعتزلة أنهم هم مستدلون على نفي القدر وقبح ~~إثباته بالقياس الفاسد المذكور، ليس لهم من جهة العقل سواء، وعليه مدار ~~شبههم، ونحن قادحون في قياسهم، مانعون لصحته بالفرق المذكور الذي قررناه ~~بين الأصل والفرع. فيحتاجون إلى حجة غيره يثبتون بها دعواهم. ونحن مانعون؛ ~~والمانع مستريح. وإنما قلنا: "إنهم هم ms121 المستدلون"؛ لأن دعوانا نحن في إثبات ~~القدر على وفق الأصل عقلا وشرعا. أما عقلا، فلأنه سبحانه ثبت أنه خالق ~~العالم وموجد، بالدليل العقلى؛ والعالم ما سوى الله سبحانه؛ وأفعال العباد ~~داخلة في ذلك. ولما قررناه من تمام ملك الله سبحانه، واقتضاء العقل تصرف ~~المالك كما يريد. وأما شرعا، فلما ثبت في PageV01P210 # الكتاب والسنة، مما يدل على ما قلناه، مما يأتي استقراؤه. # فهم إذا خالفوا هذا الأصل في أفعال العباد، وجب عليهم في حكم النظر بيان ~~مستند المخالفة. فكانوا مستدلين بالقياس المذكور، وقد منعناه. فإن أتوا ~~بحجة صحيحة غيره تلزمنا، لمانعناهم. وإلا، فنحن على وفق الأصل عقلا وشرعا. ~~فهذه طريقة جيدة في مناظرتهم. # قوله، "ولم يكن في السلف أحد ينكر ذلك ولا يجادل فيه؛ لأنهم كانوا على ~~أمر واحد متسق". قلت: قوله ذلك إشارة إلى ما سبق من قوله: "لم يبطلوا حقا، ~~ولا ألحقوا بالرب إلا ما ألحق بنفسه، ولا احتجوا إلا بما احتج الله على ~~خلقه"؛ وقد بيتا صحة ذلك منهم، وأنهم كانوا مثبتين للقدر. فإن أراد به هذا- ~~وليس مراده- فصحيح أنه لم ينكره أحد من السلف. وإن أراد أنهم لم يكونوا ~~ينكرون الاعتزال والقول بنفي خلق الأفعال، فهو كذب عليهم، بما سيأتي من ~~نصوص السنة يجادل فيه"، فخطأ صراح. وهو مما يدل على أن الرسالة ليست من ~~كلام الحسن. فإنه لم يكن يخفى عليه غالبا، مع تبحره في علم الرواية، ما ~~رواه أبو هريرة. قال: فرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع ~~في القدر. # فغضب، حتى احمر وجهه، حتى كأنما فقيء في وجنتيه الرمان. فقال: "أبهذا ~~أمرتم! أم بهذا أرسلت إليكم! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا ~~الأمر. عزمت عليكم أن لا تتنازعوا فيه". وهذا الحديث، وإن كان الترمذي قد ~~غربه، وقال: "لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، وله غراب ينفرد بها"، لكن ~~قد روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث عمرو بن العاص. ومثل هذه قضية تشتهر، ~~ولم تقع إلا بعد نزاع ms122 طويل، حتى اجتمعوا لها ليستخرجوا صوابها؛ فكيف يصح أن ~~يقال: "إنهم لم يجادلوا فيه"؟ PageV01P211 # وإذا كان الأمر فيها مقطوعا به، على ما زعمت المعتزلة، من أن صحة مذهبهم ~~فيها ضروري، فكيف ينهاهم النبي عليه السلام عن النزاع فيها، مع إمكانه ~~تصويب أحد القولين، فيرتفع الخلاف، وتشتهر فتواه فيها، وتنقل إلى يوم ~~القيامة! وهل كان النبي عليه السلام تخفى عنه الضروريات، وتعلمها المعتزلة! ~~ما هذا إلا كقولهم، "خفي على موسى أن رؤية الله لا تجوز، حتى سألها"، وظهر ~~ذلك لهم! فهم إذن أعلم بذات الله وصفاته وأفعاله من موسى ومحمدا! وكفى بذلك ~~عليهم معرة. # وأيضا، لو كان القدر مما يعلم بالنظر فضلا عن الضرورة، لما هلك فيه الأمم ~~السالفة، ولما ترك النبي عليه السلام بيانه عند الحاجة. ألا ترى أنه لما ~~سئل عن رؤيته ربه تعالى، قال مرة: "رأيته"، ومرة "نو أني راه"؟ وكذا سائر ~~ما كان يسأل عنه، كان ييقطع فيه بنفي أو إثبات. فلما ترك الأمر ها هنا على ~~إبهامه، دل على أن القدر سر لا يطلع على حقيقته البشر، حتى الأنبياء عليهم ~~السلام؛ أو أن النبي عليه السلام علم حقيقته، ولم يؤذن له فى إطلاعهم عليها ~~تحقيقا للامتحان التكليفي. وقد نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضى ~~إلي ربي ليلة أسري [بي] بأسرار لم يأذن لي في إفشائها". فلعل هذا السر ~~منها. لكن القدرية يقدحون في الحديث المذكور وأمثاله، بأنها آحاد لا تفيد ~~العلم. وهذه المسألة ونحوها علمية لا تثبت بمثل ذلك. # وبمثل هذا أجابوا عن أحاديث الشفاعة؛ وهو معرة عليهم أيضا. فإن النصوص في ~~المسألتين- أعني مسألة القدر والشفاعة- إن لم تبلغ التواتر الحقيقي، فهي لا ~~شك قد بلغت التوارت المعنوي في دين الإسلام، كسخاء حاتم وشجاعة علي، أو ~~استضافت استفاضة عالية يقبلها لأجلها جميع الأمة، مع أن نصوص الكتاب واردة بذلك. # قوله، "وإنما أحدثنا الكلام فيه حيث أحدث الناس النكرة له". قلنا: إحداث ~~الكلام لتحقيق الحق وكشف الشبه واللبس واجب على الكفاية، لكن إذا كان له ms123 ~~مستند من PageV01P212 # مادة الحق، كالكتاب والسنة وإجماع من يعتمد عليه في الدين. وبهذا كان ~~الأئمة المتقدمون، كالإمام أحمد وأضاربه، ينهون عن الكلام؛ فلما احتاجوا، ~~تكلموا. أما الكلام بالعقل الصرف، ونقول لا دلة فيها، فهذا غير جائز. # قوله، "فلما أحدث المحدثون في دينهم ما أحدثوا، أحدث الله للمستكين ~~بكتابه ما يطفئون به المحدثات ويحذرون به من المهلكات". قلنا: المتمسكون ~~بكتاب الله هم أهل السنة المثبتون للقدر. وأنتم المحدثون في الدين. ولهذا ~~سميتم "معتزلة"؛ لأنكم اعتزلتم ما عليه سواد الأمة الأعظم، وشذذتم عنه. وقد ~~علم ما قيل فيمن فعل ذلك. # قوله، "وكان الذي أوقعهم فيه سببه الأهواء وترك كتاب الله" قلنا: إذا ~~قابلنا نصوص المذهبين بعضها ببعض، تبين تارك الحجة الشرعية ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله، وترك كتاب الله. فإنا لا ننكر أن على دعواكم آيات من ~~كتاب الله سبحانه، سواء كانت حججا أو شبها؛ وغاية ما يقال إنها حجج. لكن ~~مقابلها ما هو أنص وأدل وأكثر منها. فلنفرض المسألأة اجتهادية- وكذا هي في ~~الحقيقة- فأي الطرفين أحق بالاتباع؟ لا يختلف أهل العقول أن الحكم إذا ~~تجاذبه حجتان، كان الأخذ بأقوالهما وأوضحهما متعينا. وسنبين أن حجتنا من ~~الكتاب أنص وأدل وأكثر، ونركدها بالسنة الصحيحة الصريحة المستفيضة. وحينئذ، ~~يكون العادل عن الحجة الراجحة هو متبع الهوى، تارك كتاب الله. # قوله، "ما نهى الله عنه ليس منه" قلنا: أم الجواب من حيث الإجمال من حيث ~~الإجمال، فلا نسلم أنه ليس منه؛ لقوله، {كل من عند الله}؛ والإشارة إلى ~~السيئة والحسنة المذكورين في قوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة ... وإن تصبهم ~~سيئة}؛ وهما نكرتان في سياق الشرط؛ وهو فيد العموم. فدل على أن كل سيئة وكل ~~حسنة من الله. PageV01P213 # أما من حيث التفصيل، فنقول: إن عنيت أن ما نهى الله عنه ليس منه، بمعنى ~~أنه كسبه، أو باشره، أو أمر به، أو أحبه، فكل ضلك صحيح. وإن عنيت أنه لم ~~يقدره، ولم يقض به ولم يخلقه بواسطة الداعي الذي يجب الفعل عقيبه، فلا ~~نسلم؛ وهو محل ms124 النزاع. # قوله، "لأنه لا يرضى ما يسخط". قلنا: إن عنيت أنه لا يرضاهه عبادة وقربة ~~إليه، ولا يؤثره إيثار الطاعات، فصحيح. وإن عنيت أنه لا يرضاه واقعا في ~~الوجود والملكوت، فلا نسلم. وقد خلق إبليس وجنوده، وهو يسخطهم ويسخط عليهم. ~~وخلق الحيوانات المؤذية، كالهوام ذوات السموم والسباع القاتلة، وهو يسخط ما ~~يصدر منها من الفساد وإهلاك العباد؛ لكنه رضي إيقاع ذلك في الوجود، لحكمة علمها. # وعلى هذا التقرري، لا تنافي بين سخطه للشيء لذاته، أو لأمر صادر عنه، ~~وبين رضاه وقوعه في الوجود؛ ولم يمنعه؟ وإلا، لكان كل واحد من خلقه أقدر ~~منه، حيث غلبت قدرته وإرادته قدرة البارئ وإرادته، فأوقع في ملكوت الله ما ~~يكرهه الله مراغمة. فكذلك يجوز أن يسخط الشئ ويخلقه؛ لأن خلق القبيح وترك ~~منع وقوعه، مع القدرة عليه، سواء في حقيقة القبح بالضرورة عند العقلاء. ألا ~~ترى أنه لا فرق في استحقاق مسمى "القبح" و "الذم" بين من يزني ويظلم الناس، ~~وبين من يرى زنا أو ظلما، ويمكن إزالته، فلا يفعل؟ وحينئذ، تنافى بين سخطه ~~للمعصية وخلقها؛ كما لا تنافي بين سخطها وترك المنع منها، لاستوائهما في ~~القبح شاهدا. ولم يقبح الأخير من الله سبحانه، باتفاق؛ والأول مثله؛ وحكم ~~المثلين واحد. # والسر فى هذا المقام هو أن كل مالك سوى الله سبحانه، فإنما له فى ملكه ~~التصرف الأمري؛ نحو "افعل! "، "لا تفعل! " والله سبحانه له في خلقه التصرف ~~الأمري، كما ذكرناه، وهو التكليفي، والتصرف التكويني الاستقلالي المقتضى ~~عدم الاعتراض عليه بالكلية. وهذا التصرف من خواصه سبحانه، لم يشاركه فيه ~~غيره؛ لأنه سبحانه اختص بتكوين الكائنات ذاتا وصفة. فتصرفه بذلك تصرف وراء ~~التصرف الأمري. فلذلك، جاز أن يكلف بالطاعات وينهى عن المعاصي بما استحقه ~~من تصرفه الأمر؛ وجاز أن يصرف عبده عما كلفه بفعله، ويخلق فيه خلافه بما ~~استحقه من تصرفه الكوني PageV01P214 # الاستقلالى. ولو قدر أن الله سبحانه جعل لغيره من الملاك هذا التصرف ~~الخاص، لجاز لهم ما جاز له من الأمر بالفعل، والصرف عنه، والنهي ms125 عنه، ~~وتقديره. # وهذهنكتة يجب أن يفزع في مضيق هذه المسألة إليها، ويعول عليها، وتعقد ~~عليها الحناجر ويعض عليها بالنواجذ وبعدها أخرى أحسن منها، وهي سر المسألة؛ ~~والله أعلم. # قوله، "وهو يعني ما نهى الله عنه من العباد". قلنا: خلقا أو كسبا؟ الأول ~~ممنوع؛ والثاني مسلم، وقد سبق تقريره غير موضع. # قوله، "فإنه تعالى يقول: {ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}. ~~فلو كان الكفر من قضائه وقدره، لرضي به ممن عمله". قلنا: قد بينا أن معنى ~~كونه لا يرضى لعباده الكفر، "لا يرضاه لهم طاعة وعبادة ولا سببا يقربون ~~به".أما "لا يرضى به، أو لا يرضاه واقعا في الوجود"، فلا. وإلا، لزم أن يقع ~~في ملكوته ما لا يرضى به ولا يقدر على منعه؛ وذلك تعجيز له سبحانه عن ذلك. # قلت: فقد دار الأمر بين لزوم لعجز فى حقه تعالى، على رأيهم، ولزوم الجور ~~عقلا، على رأينا. لكن الثاني أولى أن يلتزم؛ لأنا إذا قلنا بما يقتضي ~~الجور، أمكننا أن نقول: "هذا جور"، بالإضافة إلى تصرفاتنا في ملكنا. أما ~~بالإضافة إلى تصرف الله التام، فلا جور؛ بل كل ما يصدر منه عدل. ونستند من ~~السمع إلى قوله، {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}. أما لو قلنا بقولهم، الذي ~~يلزم عليه عجزه سبحانه عن نفي المكروهات الواقعة في ملكه، فإنه لا يمكننا ~~أن نقول: "هذا عجز"، بالإضافة إلينا، لا إليه سبحانه؛ لأن العجز إما عدم ~~القدرة، أو معنى ملازمة عدم القدرة؛ وهو أمر حقيقي لا يختلف بتمام الملك ~~ونقصانه؛ بخلاف الجور. # قوله، "لو كان من قضائه وقدره، لرضي به ممن عمله". قلنا: لرضي به رضا ~~تكليف، أو رضا تكوين؟ الأول مسلم أنه لا يرضى به. والثاني ممنوع. وقد بينا ~~أنه لا تنافي بين PageV01P215 # قضائه وتقديره، وبين أمره ونهيه، بما قررناه من التصرفين التكليفي ~~والتكويني. وحينئذ، لا يلزم بين قضائه وعدم رضاه التكويني. فيجوز أن يقضي ~~تقديرا، ويرضى تكوينا. وأنتم عندكم أن الإنسان موجد لأفعاله، مع أن العقل ~~لا يقبح منه ms126 أن يقتل ولده أو قريبه. ولمصلحة راجحة لنفسه، فهو يرضى بذلك ~~عقلا، لا طبعا. وقد قتل قيس بن زهير العبسي بني بدر، وهو بنو عمه؛ لأنه رأى ~~مصلحته في قتلهم، من حيث آذوه وناصبوه العدواة، وإن كان عليه فيه مفسدة، من ~~حيث إنهم بنو العم والعشيرة، فنقص بهم عدده. ولهذا كان الناس يدخلون عليه، ~~فيهنؤنه بإدراك الثأر، ويعزونه بمصيبته في بني عمه. وقال شعرا تضمن ~~الأمرين، وهو قوله: # شفيت النفس من حمل بن بدر .. وسيفي من حذيفة قد شفاني # فإن أك قد بردت غليلي .. فإنى قد قطعت بهم بناني # فما النامع من أن يكون الله سبحانه يرضى بالكفر وجودا وكونا، ولا يرضى به ~~عبادة ودينا؟ يرجع حاصل الأمر إلى أن الكفر في الرضا به من ذوات الجهتين، ~~خصوصا على مذهب المعتزلة في وجوب رعاية المصالح. فلعل في خلقه الكفر مصلحة ~~لخلقه وليس ذلك بأبعد مما يلزمهم على هذا الأصل، وقد التزمه بعضهم، من أن ~~دخول الكفار النار مصلحة لهم. وإذا كان دخولهم النار مصلحة لهم، مع أن الله ~~سبحانه قادر أن يعفيهم منه، فخلق الكفر فيهم أولى بجواز كونه مصلحة؛ لأنه ~~سبب لدخولهم النار وإذا كان المسبب مصلحة، فالسبب كذلك، وأولى؛ لأنه لا ~~تتوصل إلى المسبب إلا به. # قوله، {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}. قلنا: صدق الله. لكن "قضى" لفظ ~~يطلق بمعان. "فقضى" بمعنى "أمر"؟ أو بمعنى "حكم وقدر"؟ الأول مسلم، والثاني ~~ممنوع فالله سبحانه أمر خلقه أن لا تعبدوا غيره وحكم وقدر على بعضهم أن ~~يشرك به. وقد بينا أنه لا تنافي بين أمره وتقديره باعتبار ما استحقه من ~~تصرفيه المذكورين قبل. PageV01P216 # وقد قال سبحانه: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم}. وقد ضل ~~بعض الاتحادية في هذه الآية المذكورة؛ فحمل "قضى" فيها على معنى "حكم ~~وقدر"، حتى أفضى به ذلك إلى أن كل معبود عبده الخلق، من شمس وقمر ونجم وحجر ~~وشجر، وأن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وكل صنم ووثن، هو عين الله سبحانه؛ ms127 ~~لأنه قدر أن لا يعبد سواه؛ ولا خلف في تقديره؛ فلزم أن جميع المعبودات هي ~~هو. وإنما يخفى ذلك على من ليس بمحقق. قلت: وهذا الجاهل إنما أتي من عدم ~~فهمه لكتاب الله وغفلته عن إجمال اللفظ. وقد قال بعض محققي العلماء ومدققي ~~الفضلاء: "إن أكثر اختلاف الرجال من جهة الاشتراك والإجمال" هو صحيح؛ ولذلك ~~أمثلة لسنا بصدد ذكرها. # قوله، {قدر فهدى}، ولم يقل: "قدر فأضل"؛ و {الذى أعطى كل شئ خلقه ثم ~~هدى}، قال: "أعطى كل شيء ما يضلحه ثم هداه له". ومراده ومراد غيره بذلك PageV01P217 # أنه أعطى الأشياء مصالحها الدنيوية وهداها لها، من تناول المأكول ~~والمشروب والملبوس والمنكوح، وغير ذلك من تحصيل المنافع ودفع المضار بالعقل ~~والحواس. ولا تعرض في ذلك لسر القدر بنفي ولا إثبات. # ومما يدل على أن المراد ما ذكرنا أن القائل لذلك هو موسى لفرعون. فلو ~~أراد به الهدى الديني، لكان ذلك حجة لفرعون. مفحمة لموسى؛ لأنه كان له أن ~~يقول لموسى: "قد زعمت أن ربك هدى كل شيء، وأنا من جملة الأشياء، فإن كل قد ~~هداني، فإلى ما تدعوني؟ إنما تدعوني إلى الضلال؛ إذ ليس بعد الحق إلا ~~الضلال. وإن لم يكن هداني، فقد كذبت في صفة ربك. ولست رسوله؛ لأن الرسول لا ~~تخفى عليه صفات مرسله." لا يقال: "إن فرعون كان أبلد من أن يتنبه لهذا ~~السؤال"؛ لأنا نقول: أليس هذا السؤال واردا على التقدير المذكور؟ والله ~~سبحانه لم يبعثرسله على وجه يرد عليهم سؤال مفحم. فدل على أن الهدى من الله ~~يطلق بمعنيين: أحدهما: خلق الهداية في قلب العبد. والثاني الإرشاد إلى سبيل ~~الحق. ثم هو قسمان: هدي مجرد، كما قال: {وهديناه النجدين}، أي عرفناه طريق ~~الخير والشر، وقوله، {وأما ثمود فهديناهم}. والثاني هدي مستجمع لشروط ~~الهداية، وانتفاء موانعها. فالاهتداء إنما يلزم من هذا الهدى، وهو لمن سبقت ~~له العناية؛ لا من الذي قبله، وهو حجة على من سبقت عليه الشقاوة. # ونظيره من المشاهدات أن يسألك رجل ل كبه عناية عن ms128 طريق الموضع الفلاني؛ ~~فتقول له: "هذا هو الطريق؛ وأنا أكون معك خفيرا مما فيه، من لص، أو سبع". ~~فتخفره وتجنبه المخاوف حتى يبلغ مقصده. ويسألك آخر، هو عدوك، أو لا عناية ~~لك به، فتقول له: "هذا الطريق؛ واحذر مما تجد فيه". وندعه يذهب وحده. فقد ~~يأخذه اللص، وقد يأكله السبع، وقد يتردى في بئر لا يتنبه لها، وقد تلدغه ~~هامة، وغير ذلك من الآفات. # فلذلك، الله تعالى، مع خلقه من سبقت له عنده عناية، أرشده إلى سبيل ~~النجاة؛ ثم PageV01P218 # صحبه بالعصمة والتوفيق؛ فنجاه. ومن سبقت له في علمه الشقاوة، أرشده إلى ~~سبيل النجاة، حجة عليه. ثم أرسله وخلاه وما بين يديه. فتارة يجتاله الشيطان ~~عن الطريق، وتارة يميل به الهوى والنفس الأمارة عن سبيل التحقيق. فلا جرم ~~يصحبه الخذلان، ويخذله التوفيق. وفي القسم، قال الله سبحانه: {لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون}. # إذا ثبت هذا، فنقول: قوله، {قدر فهدى}، إن حلمناه على الهداية للمصالح ~~الدنيوية، لم تكن فيه حجة على محل النزاع، كالآية الأخرى. ولعله قول أكثر ~~المفسرين. وإن حملناه على "هدى"، نقيض "أضل"، فإن جعلناه بمعنى خلق الهداية ~~في قلب العبد"، لزم أن يكون قوله تعالى، {ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون}، ~~{فلن تجد له وليا مرشدا}، {وأضله الله على علم}، ونظائر ذلك، بمعنى "خلق ~~الضلال في قلب الضال". ويؤول الأمر إلى ما قلناه، من أنه يهدي قوما ويضل ~~آخرين. لكنكم لا تقولون بذلك. وإن حملناه على "هدى"، بمعنى "أرشد"، فقد ~~بينا أن الإرشاد يكون مجردا ومقيدا باستكمال الشروط، وانتفاء الموانع، ~~وتخلف الخذلان، وصحبة التوفيق. فالأول للأشقياء، والثاني للسعداء. وكلاهما ~~أيضا منسوب إلى الله. # وتحقيق ذلك أن الله سبحانه خلق المكلفين، وخلق لهم نفوسا مائلة، وشهوات ~~مستميلة، ونفسا أمارة، وشيطانا وغويا، وعقلا رادعا، ودينا وروحا وازعا. ~~فالعقل والروح والدين في جانب، والنفس والهوى والشيطان في جانب. وهما ~~كجيشين متقابلين يقتتلان. ولله سبحانه جندان، وهما التوفيق والخذلان خلق ~~الدواعي الصارفة إلى فعل المعاصي وترك الطاعات. فإن أرسل الله التوفيق ms129 في ~~صف العقل، PageV01P219 # غلب.؟ وإن أرسل الخذلان في صف النفس، غلب، وأوجب لصاحبه الويل والحرب. # فنقول حينئذ: قد ثبت من رأي المعتزلة أن رعاية مصالح العباد واجب على ~~الله سبحانه جل جلاله. ولا فرق في استحقاق مسمى "الذم" و"القبح"، عقلا ~~عندكم، وشرعا عندنا، بين من أوجد سبب القبيح والمعاصي، وبين من أعدم، أو ~~منع، سبب الحسن والطاعات. حتى قال بعض علماء الشريعة: "لا فرق بين من أوقع ~~إنسانا في هلكة، فهلك، وبين من رأى إنسانا في هلكة، وهو قادر على إنقاذه ~~منها، فلم يفعل، حتى هلك، في أنه يأثم ويضمن. # وحينئذ نقول: سواء كان إصلال الكافر بإرسال الخذلان عليه، أو بقطع ~~التوفيق عنه، وسواء كان معنى "إضلاله له" بتوفيقه للمعصية، أو بمنع توفيقه ~~للطاعة؛ كل ذلك منسوب إلى الله. فنحن إن جعلنا الإضلال بمعنى خلق الداعي ~~الموجب للضلال، فقد دلت عليه الأدلة، وسبق تقريره. لكنا نفتقر فيه إلى ~~الاعتصام بقوله: {لا يسأل عما يفعل}. وإن جعلناه بمعنى قطع التوفيق عن ~~الهداية، قرب مأخذ مذهبنا من جهة العقل. لكنه يقرب من مذهبهم؛ إذ يلزم منه ~~أن تكون القدرة الحادثة هي المؤثرة في إيجاد الفعل. وإنما الحاصل من الله ~~سبحانه في ذلك هو منع التوفيق لترك المعصية. # والتحقيق عندي في القدر أنه اضطرارا إلهي كوني للعبد إلى مواقعة المقدور، ~~وجريان ما كتب عليه من الأمور، بأسباب حادة وصوارف رادة. وله من المشاهدات أمثلة. # منها القنطرة على البحر. فإن الماء من جانبيه تضطر العبد إلى الجواز ~~عليها. فكذلك القدر قنطرة القدرة، والأسباب والصوارف من جانبيه تضطر العبد ~~إلى المرور عليه. # ومنها فخ الصياد للصيد. فإن الصياد يجعل الطعم في الفخ؛ ثم يجعل إليه ~~طريقا للصيد بين حائطين شاخصين، من حجارة أو غيرها. أول ذلك الطريق واسع. ~~وكلما جاء إلى ضيق ليسعى الصيد إلى الفخ فيه، ويمنعه الحائطان عن العدول ~~عنه يمنة أو يسرة. فلا جرم إن لم يلهم الإبكار، فيعتصم بالفرار، وقع في ~~الفخ، ثم صار إلى النار. PageV01P220 # فكذلك الإنسان مع فخ الأقدار. ms130 فالمعاصي كالفخاخ، والشهوات كالطعم الذي ~~فيها، والقدر كالحائطين والطريق بينهما، والإنسان كالطائر. فيجري في طريق ~~القدر، حتى يقف على فخ المعصية. فإن أيد حينئذ بالتوفيق، راجع عقله، فامتنع ~~ورجع. وإلا قارنه الخذلان، فوقع. # ومنها ما يفعله الملوك وأتباعهم في الصيد أيضا. فإنهم تارة يحتوشون الصيد ~~بالخيل والرجال من أقطاره، حتى يلزوه إلى مضيق، فيأخذوه. وتارة يضربون عليه ~~حلقة دائرة، ثم يرمونه بالسهام، ويلقون عليه سباع الطير والبهائم؛ ثم ~~يأخذونه. وتارة يجعلون الفهد خلف شجرة، أو نحوها، ثم يضايقون الصيد، أو ~~يهمونه أنهم يطلبونه، حتى مر على الفهد، فيثب عليه، فيأخذه. # فهذا مثال القدر عندي. وأمثلته كبيرة. ولا يتجه على الله في ذلك لوم، ولا ~~يلزمه منه جور، تعالى الله المتصرف في ملكوته بجبروته كمات يشاء. والله أعلم. # قوله، {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي}. ~~قلت: الجواب أن معناه: إن لبست ضلالا، فوبال كسبي على نفسي. وجعل الله ~~تعالى ذلك أمارة على ما يراد به، كما سبق غير موضع. # قوله، {إن علينا للهدي}، ولم يقل: "إن علينا للإضلال". قلنا: ظاهر الآية ~~أن الهدى واجب على الله. وأنتم منازعون فيه. ثم المراد "بالهدى" الإرشاد. ~~وقد سبق تحقيق الجواب على قوله، {قدر فهدى}. # قوله، "ولا يجوز أن ينهي العباد عن شيء في العلانية، ويقدره عليهم في ~~السر. ربنا أكرم من ذلك وأرحم". قلنا: لا يجوز عقلا، أو شرعا؟ الأول ممنوع؛ ~~إذ لا يلزم منه PageV01P221 # محال لذاته. فإن قيل: "بل يلزم منه الجور؛ وهو على الله محال". والثاني ~~ممنوع. وقد بينا أن لا جور باعتبار ذلك. ثم لا نسلم أن الجور لذاته محال؛ ~~وإلا لما صح من المخلوقين. على أنه لا يلزم في حق الله سبحانه، سواء استحال ~~لذاته، أو لغيره. وأما جواز ذلك شرعا، فقد دل عليه قوله، {سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون}، {واعملوا أن الله يحول بين المرء وقلبه}، كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم}. ولا معنى لتقديره الكفر ونحوه في السر إلا تزيينه للكافر؛ وهو ms131 ~~الاستدراج والمكر؛ وقد وصف الله نفسه بهما. # قوله، "ربنا أكرم من ذلك وأرحم" قلنا: تصرفه في ملكه بما يشاء بمقتضى ~~ملكه التام لا ينافي الكرم والرحمة. وقد ثبت كرمه بإقامة الوجود وتفويضه ~~الخلق في ملكه. # ثم عاد يفترض منهم. وأثاب الطائع منهم على ما لولا توفيقه لم يوجد منه، ~~وهو مع ذلك مستحق له. # قوله، "لو كان الأمر كما قاله الجاهلون، لما قال: {اعملوا ما شئتم}، ~~ولقال: "اعملوا ما قدرت عليكم". قلنا: الجواب من وجوه. # أحدها: أن هذا أمر تهديد، لا تخيير؛ فلا يلزم ما ذكرتم. ولو كان أمر ~~تخيير، كقوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، لكنه تخيير لفظي؛ وهو في ~~المعنى تعجيز كوني، كقوله: {كونوا حجارة أو حديدا}؛ والتقدير "اعملوا ما ~~شئتم، فإنكم صائرون إلى ما قدر عليكم". # الثاني: أنه أمر بتكليف؛ والتصرف الكوني وراء ذلك. وهو معنى الجواب قبله. # الثالث: أنه سبحانه قال: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا}. PageV01P222 # وهو نص صريح في المسألة. وتكلفات المعتزلة في تأويله باللطف له، أو ~~بتسميته "حقا"، لا "هباء منثورا"، غير مسموع. # ولما أخبر النبي عليه السلام أصحابه بتقدير المقادير قبل الخلق، قالوا: ~~"فعلى ما نعمل، يا رسول الله؟ " قال: "اعملوا على مواقع القدر". وهو معنى ~~قوله، "اعملوا ما قدرت عليكم، ومعنى الحديث أن، كل من قدر عليه شيء في ~~سابق علم الله سبحانه، لابد أن يقع عليه. # وها هنا فائدة جليلة وتقرير حسن لمن تدبر. وهو أن الله سبحانه علام ~~الغيوب، ما كان منها، وما يكون، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض، كما أخبر عن نفسه سبحانه، وأنه علم مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض، كما أخبر عن نفسه سبحانه، وأنه علم الأشياء، جزئيها وكليها، فى ~~الأزل. سلمت المعتزلة، أو جمهورهم، ذلك [و] من منعه منهم، فالدليل ~~بالمرصاد. والسبب في أن الله سبحانه علم الأشياء، جزئيها وكليها، في الأزل. ~~سلمت المعتزلة، أو جمهورهم، ذلك [و] من منعه منهم، ms132 فالدليل بالمرصاد. ~~والسبب في أن الله سبحانه علم الغيب قبل كونه، وإن تطاول زمنه، هو [أن] ~~الله سبحانه تام القدرة، نافذ المشيئة، لا مغالب له، ولا معاجز، ولا معاند ~~له فى ملكه، ولا مناجز، لا مانع له عما أراده، ولا دافع؛ وليس لمن أذل وخفض ~~معز ولا رافع. وكل من قدر في نفسه فعلا في زمان أو مكان، وهو قادر على ذلك ~~الفعل في زمنه ومكانه، لا صاد ولا دافع له عنه، علم وقوعه لذلك بالضرورة؛ ~~لأنه عازم على إيقاعه حالا، ولا مانع له منه مآلا. # وبيان ذلك بالمثال. وهو أن الله سبحانه قدر في الأزل أنه على رأس سنة كذا ~~وكذا من إهباط آدم، يبعث الله نبيا له يسمي "نوحا" إلى قوم يكذبونه، ويجري ~~له معهم ما قد علم من تفاصيل قصتهم، ثم يغرقهم؛ وعلى رأس سنة كذا وكذا من ~~طوفان نوح، يبعث نبيا له يقال له "إبراهيم" إلى جبار يسمى "نمرود" يكذبه، ~~ويجري له معه ما عرف من تفاصيل القصة؛ وعلى رأس سنة كذا وكذا من بعثة ~~إبراهيم، يرسا الله نبيا له اسمه "موسى" إلى جبار يسمى "فرعون" أو ~~"الوليد"، فيدعوه إلى الإيمان، فيكاد أن يؤمن، ثم يستمر على الكفر، فيغرقه ~~الله وقومه في البحر. وكذا الكلام في سائر الوقائع، صغارها وكبارها. فلما ~~قدر الله سبحانه ذلك في الأزل، وعلم أنه قادر على إيقاع ذلك في وقته المقدر ~~له في علمه، كان لا جرم عالما بتلك الغيوب. PageV01P223 # ولو فرضنا أن واحدا منا فى سنتنا هذه، وهي سنة ثمان وسبعمئة للهجرة ~~المحمدية، صلى الله على صاحبها، عزم على أن يحج في سنة عشر، أو خمس عشرة، ~~أو عشرين وسبعمئة إلى البيت الحرام، بطريق كذا، وينزل يوم كذا في موضع كذا، ~~ونحو ذلك من جزئيات المسير، وعلم جزما أنه قادر حينئذ على الحج، فذلك لا ~~مانع له منه بوجه من الوجوه؛ لعلم الآن قطعا أنه يحج في تلك السنة، ويفعل ~~تلك الجزئيات التى قدرها في نفسه. ولكن إنما يمنعنا من ms133 ذلك أنا عاجزون عن ~~فعل كل ما نقدره في أنفسنا. # وإذا ثبت أن هذا هو الطريق في معرفة كيفية علم الله للغيوب، فلو فرضنا أن ~~أفعال فرعون مخلوقة له، مع أن علم الله تعالى تعللق أزلا باستمراره على ~~كفره وإغراقه، لجاز أن يخالف فرعون مقتضى هذا العلم، فيؤمن؛ لأن إيمانه ~~وكفره من فعله عندهم، لا تعلق لقدرة الله به بوجه؛ أو يستمر على كفره، لكنه ~~يمتنع عن نزول البحر عند انفراقه، فيسلم، لأنه مختار تام الاختيار عندهم. ~~وفي ذلك كله انقلاب العلم الأزلي جهلا؛ وهو محال. وإنما استمر على كفره حتى ~~غرق بخلق الله ذلك فيه واضطراره كونا إليه، كما ضربنا أمثلته. فإذا نظر ~~العارف في مثل هذه التقريرات والدقائق، علم أن المعتزلة على ترهات وشقاشق ~~وجهل بحقائق صفات الخالق. # قوله، "وقال: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر}؛ لأنه جعل فيه من القوة ~~ذلك، لينظر كيف يعملون" قلنا: قد سبق الجواب عن تخييرهم لفظا. والقوة إنما ~~جعلها على الكسب الدائر مع قصودهم واختياراتهم، لا على الخلق. بدليل أنه ~~سبحانه قادر على منع وقوع الفعل عند إرادة الإنسان له، وعلى إيقاعه عند عدم ~~إرادته له؛ كما في حركة النائم والمرتعش. فلما دار الفعل مع إرادة الله ~~وجودا وعدما بالاستحقاق، دل على أن دورانه مع إرادة العبد إنما هو على سبيل ~~الاتفاق؛ حتى لو لم يرده، لكان في مقدور الله إيقاعه. ومن أنكر قدرة الله ~~على ذلك، فهو محجوج بالنصوص والإجماع؛ ولأنه سبحانه قادر على خلق الحياة في ~~الجمادات، وسلبها في الحيوانات. وقد خلق الحياة في الحجر، حتى أخذ ثياب ~~موسى وفر. PageV01P224 # قوله، "ولو كان الأمر كما قاله المخطئون، لما كان إليهم أن يتقدموا ولا ~~يتأخروا". # قلنا: لما كان إليهم كسبا، أو خلقا؟ الأول ممنوع؛ والثاني مسلم. فإن ~~العبد إنما يفعل التقدم والتأخر وغيرهما عند خلق داعي ذلك فيه؛ وعند ذلك ~~يجب الفعل، كما حكي عن أبي الحسين. ولا يعنى بالخلق إلا هذا. فهو خلق للفعل ~~بواسطة الداعي. # قوله، "ولا كان ms134 لمتقدم حمد فيما عمل، ولا على متأخر ذم". قلنا: حمد ~~المتقدم فضل من الله؛ إذ هو وتقدمه وسائر أكسابه ملك له، كما سبق. وإنما ~~تفضل عليه بالحمد والثواب تفضلا محضا، لا يستحق على الله من ذلك حبة خردل، ~~كما سبق. وأما ذمه وعقابه، فهو عدل من الله. وجعل كسبه للمعاصي أمارة عليه؛ ~~والله الخالق لها، كما قرر غير موضع. # قوله، "ولقال: "جزاء بما عمل بهم"، ولم يقل: "بما عملوا"، أو "بما كسبوا" ~~قلنا: أفتراه قط قال: "جزاء بما خلقوا"؟ ولو كانوا خالقين، لكانت هذه ~~العبارة آكد عليهم في الحجة. وإنما لم يقل: "بما عمل بهم"؛ لأنه سبحانه ~~إنما جعل الأمارة على جزائهم كسبهم، لا خلقه؛ لأنه يخاطبهم من جهة تصرفه ~~الأمري، لا من جهة تصرفه الكوني؛ وقد سبق تقريرهما. # قوله، "وقال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}؛ أي بين لها ~~ما تأتي وما تذر". قلنا: "لا نسلم أن المراد "بألهمها": بيم لها. وإنما هذا ~~قول قتادة؛ قال: "قد بين لها الفجور والتقوى". وخالفه الضحاك، فقال: ~~"ألهمها الطاعة والمعصية"؛ فحمل اللفظ على أصله. وإنما لاالإلهام أن يلقي ~~الله في النفس أمرا يبعثها على الفعل PageV01P225 # والترك؛ ذكره ابن الأثير في النهاية. وهو مرادنا بخلق الداعي. واشتاق ~~"الإلهام" من قولهم "جيش لهام"، أي يختطف كل ما مر عليه. ويجوز أن يكون ~~"الجيش اللهام" مشتقا من "الإلهام"؛ لأن قوة لفظه تفيد إشراب النفس ما ~~ألهتمته، وتغلغله في حقيقتها كتغلغل الماء فيما شربه من شجر أو حيوان. ~~ومنه، {وأشربوا في قلوبهم العجل}. # وأما قول قتادة، "بين لها"، فهو مخالف لظاهر لفظ "الإلهام". ولم أعلم في ~~لغة ولا اصطلاح أن الإلهام بمعنى "البيان"، إلا فيما ذكره قتادة. وهو، وإن ~~كان إماما، إلا إن له أقوالا مرجوحة. والعلم ما قام عليه الدليل. ثم هو غير ~~صحيح على رأي المعتزلة؛ لأن الفجور والتقوى بينان للنفس بالعقل عندهم، على ~~ما مر. فلا حاجة فيهما إلى بيان غيره. فحمل الإلهام على ما يفيد فائدة ~~تأسيسية. وحينئذ، صارت الآية حجة ms135 لنا؛ لأن معناها إذن "خلق فيها داعي ~~الفجور والتقوى"؛ وهما واجبات عند خلق الداعي؛ فصار الله سبحانه خالقهما ~~بواسطة خلق الداعي، كما أنه خالق كل فرع بواسطة أصله. والمعتزلة منازعون في ~~التولد. # قوله، "ثم قال: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}. فلو كان هو الذي ~~دساها، ما كان ليخيب نفسه". قلنا: "لو كان هو الذي دساها"، كسبا، أو خلقا؟ ~~الأول ممنوع؛ والثاني مسلم. ولا يلزم منه أن يخيب نفسه؛ لأن ذلك من حيث ~~تصرفه الكونى، لا التكليفي. وإنما هذا كقوله، خيبة لأهل النار، لما صاروا ~~إليه من العذاب"، مع أنه هو الذي أدخلهموها. # قوله: "وقال تعالى: {قالوا بنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في ~~النار}. فلو كان الله هو الذي قدم لهم الشر، ما قال ذلك" قلت: هذا من كلام ~~الكفار الأتباع الله هو الذي قدم لهم الشر، ما قال ذلك" قلت: هذا من كلام ~~الكفار الأتباع لمتبوعهم؛ حكام الله عنهم. والمراد أن سادتنا وكبراءنا ~~قدموا لنا سبب هذا العذاب، لأنهم كانوا سبب ضلالنا، حيث تابعناهم تقليدا ~~فيما قدر عليهم من الضلال؛ كما PageV01P226 # قالوا، {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا}، بكونهم سببا لذلك. # أما قوله، "لو كان الله هو الذي قدم لهم الشر، لما قال ذلك"؛ قلنا: لو ~~كان هو الذي قدم لهم الشر كسبا، أو خلقا؟ الأول مسلم؛ والثاني ممنوع. بل هو ~~قدمه لهم تقديرا وخلقا، وأجراه على جوارحهم اجتراحا وكسبا. ثم إنه سبحانه ~~ما قال ذلك، بل حكاه عمن قاله من الكفار ولا شك أن الكفار خفي عنهم وجه ~~استدراج الله لهم وتزيينه لكفرهم؛ فظنوا كما ظننتم ظن الجهال أن السادات ~~والكبراء هم الذين خلقوا الضلال. والاحتجاج إنما يصح بكلام الله، أو بما ~~أقر عليه. وهذا كاملا الكفار. ولم يعلم أنه أقرهم عليه. # قوله: "فالكبراء أضلوهم دون الله". قلنا: أضلوهم بالتسبب والكسب، لا ~~بالإيجاد والخلق. # قوله: "بل قال: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفروا}. قلنا: قد سبق ~~معنى "هديناه"؛ والمراد الإرشاد المجرد، لا ms136 الإرشاد الكامل، ولا خلق ~~الهداية في الناس. إذ لو كان كذلك، لوجبت هدايته، واستحال انقسامه إلى شاكر وكفور. # قوله: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه}. قلنا: المراد "من شكر، ففائدة شكر ~~عائدة إلى نفسه"؛ كقوله، {من عمل صالحا فلنفسه}، و {إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم}. والله سبحانه هو الذي خلق فيه الشكر بواسطة الداعي، ثم أثابه ~~عليه تفضلا، لسبق العناية له بالسعادة؛ والكافر بخلاف ذلك. # قوله: {وأضل فرعونقومه وما هدى}، {وما أضلنا إلا المجرمون}، و {أضلهم PageV01P227 # السامرى}، و {إن الشيطان ينزغ بينهم}، {وزين لهم الشيكان أعمالهم}. قلنا: ~~أضلهم في ذلك كله بالتسبب، لا الخلق. ولو كان فرعون أضل قومه، لكان موسى هو ~~الذي هدى قومه. وإن فتحنا هذا الباب، نسبنا هداية المؤمنين إلى أنبيائهم ~~وأئمتهم، وضلال الكفار إلى طغاتهم وفراعنتهم، وانعزا الإله عن التصرف في ~~خلقه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # فإن قيل: "نعم. موسى هو هدى قومه، بمعنى أرشدهم إلى الطريق الحق"؛ قلنا: ~~لا نسلم. بل الله أرشدهم بواسطته. ولهذا، لما أضلهم السامري، بنسبته إلى ~~عمل العجل، لم يملك له موسى ولا هارون، وكان معهم حاصل، هدى ولا رشدا. # وقد روى حرب الكرماني في مسائله، عن إسحاق بن راهويه، ثنا محمد بن الوزير ~~الدمشقي، ثنا يوسف بن السفر، ثنا الأوزاعي، ثنا يونس بن يزيد الأيلي، عن ~~ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن الله لما وعد موسى أن يكلمه، خرج للوقت الذي وقته ~~الله. قال: "فبينا موسى يناجي ربه، إذ سمع خلفه صوتا؛ فقال: "إلهي؛ أني ~~لأسمع خلفي صوتا. لعل قومي ضلوا". قال: "نعم، يا موسى". قال: "إلهي؛ فمن ~~أضلهم؟ " قال: "صاغ لهم عجلا جسدا، له خوار". قال: "إلهى؛ هذا السامرى. ~~قال: إلهي؛ وما أضلهم؟ قال: "صاغ لهم عجلا جسدا، له خورا". قال: "إلهى؛ هذا ~~السامري صاغ لهم العجل، فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار. قال: "أنا يا ~~موسى". قال: "فوعزتك إلهي، ما أضل قومي أحد ms137 غيرك" .. قال: "صدقت يا حكيم ~~الحكماء؛ لا ينبغى لحكيم أن يكون أحكم منك". PageV01P228 # قلت: هذا سيد كما نراه جيد. وقد نسب الله سبحانه الإضلال فيه تارة ~~السامري، وتارة إلى نفسه تعالى. وليس ذلك إلا باعتبار الكسب والتسبب من ~~السامري؛ والخلق من الله تعالى بخلق الحياة في العجل وخلق داعي عبادته في ~~نفس من عبده. ولا معنى للخق المتنازع فيه إلا هذا. # فإشن قيل: "هذا الحديث، بتقدير صحة سنده في إصطلاح المحدثين، في متنه ~~أمران قادحان فيه. # أحدهما: أنه على خلاف ما صح عن موسى أنه لام آدم، وقال: "خيبتنا، أخرجتنا ~~من الجنة". فإنه يقتضي أن موسى، في هذا الحديث، قدريى بنسبته الإخراج إلى ~~آدم، ولومه عليه؛ وفي حديث إسحاق، هو جبري بنسبته إضلا قومه إلى الله ~~سبحانه فأحد الحديثين باطل قطعا. وهذا أولى بالبطلان؛ لأن ذاك أصح منه. # الأمر الثاني: أن فيه أن الله قال لموسى: "لا ينبغي لحكيم أن يكون أحكم ~~منك"؟ ومن المعلوم أن محمدا والمسيح أحكم من موسى. فإن لم يكن المسيح أحكم ~~منه، فمحمد متفق عليه في ذلك. وهذا يدل على وهن الخبر. # فالجواب عن الأول أن الحديثين لا تنافى بينهما؛ لأنه، في مناظرة آدم، نسب ~~الإخراج إلى تسببه وكسبه، حيث أكل من الشجرة. ولهذا لما احتج عليه آدم بقدر ~~الله عليه، وسبق علمه فيه، انقطع موسى؛ حتى قال النبي عليه السلام: "فحج ~~آدم موسى" وفي هذا الحديث، نسب الإضلال إلى الله بالخلق والتقدير. فاندفع ~~السؤال. # وعن الثاني، بأن معناه: "لا ينبغي لحكيم من أهل عصرك، أو من عالمك"؛ ~~لحكيم سوى محمدا؛ لقيام الدليل عليه. أو "لحكيم موجود"؛ ومحمد عليه السلام ~~لم يكن حينئذ موجودا. وبالجملة، هو عام خص بالدليل. # قوله، {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، فكان بدء الهدى من PageV01P229 # الله، واستحباب العمى بأهوائهم". قلنا: "هديناهم" يعني "أرشدناهم إرشادا ~~مجردا وقطعنا عنهم خفير التوفيق، فزلوا عن سواء الطرق". وأما "العمى"، فكأن ~~يخلق الله داعي استحبابه فيهم؛ فأهواؤهم التي يدعونها هي نفس الداعى ~~المخلوق لله ms138 المرجح لأحد طرفي الممكن على الآخر. # قوله، "وظلم آدم نفسه، ولم يظلم ربه؛ فقال: {ربنا ظلمان أنفسنا}. قلنا: ~~نعم، لأنا بينا أن الله، على ما كان منه إلى عباده، ليس بظالم لهم؛ وآدم ~~كان عاقلا. قال بعض العلماء: "لو وزن عقل آدم بعقل جميع ذريته، إلا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، لرجح به".فلذلك، فهم حقيقة القضية؛ فاعترف على نفسه ~~بالظلم، باعتبار كسبه، واحتج على موسى لما ناظره بتقدير الله وخلقه. ويدل ~~على هذا قوله سبحانه، {إنى جاعلى في الأرض خليفة}. فما خلق آدم إلاذ ~~ليستخلفه في الأرض، بسبب مخالفته ومعصيته، لئلا يخرجه من دار الكرامة بغير ~~سبب ظاهر. فلو جمعتم بين طرفي القضية كما جمع آدم لأصبتم وسلمتم؛ ولكن ~~أخذتم تعارضون الحكمة الإلهية، كما فعل إبليس، فكأنكم وقد بان لكم خطأ ~~رأيكم وندمتم. # قوله، "وقال موسى: {هذا من عمل الشيطان}. قلنا: نعم؛ أقترونه قال: "هذا ~~من خلق الشيطان"؟ وقد سبق الفرق بين الكسب والخلق. فأضاف العمل إلى ~~الشيطان، باعتبار كسبه بوسوسته. أو إنه من جنس عمل الشيطان؛ لأنه يأمر ~~بالفساد وسفك الدماء وقتل النفوس؛ والشرائع إنما تأمر بانتظام العالم ~~واستبقاء صحة مزاجه. قوله، "قال أهل الجهل: "إن الله يضل ويهدي من يشاء" ~~قلنا: نعم. نقول ذلك؛ والله قاله. وإنما الجاهل من ينفى بعقله ما أثبت الله ~~بحكمه وشرعه. # قوله، "ولم ينظروا إلى ما قبل الآية وبعدها ليستبين لهم أنه تعالى لا يضل ~~إلا بتقدم PageV01P230 # الفسق والكفر، كقوله، {ويضل الله الظالمين}، وقوله، " {فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم}، وقوله، {وما يضل به إلا الفاسقين}، قلنا: بلى، قد نظرنا في ~~ذلك؛ فما رأيناه منافيا لما نقول نحن، ولا موافيا لما تقول أنت. فإنا نعود ~~معك إلى الأول، ونقول: الفسق والكفر المتقدمان على إضلاله إياهم، من خلقه ~~فيهم؟ وتعود المسألة من أولها. والنزاع فيه. # ثم نقول: سلمنا أن فسقهم المتقدم خلق لهم. لكن ما وجه اقتضاء فسقهم ~~لإضلالهم؟ أعلى جهة استراجهم، لتكمل شبه العقوبة؟ أم على جهة العقوبة على ~~فسقهم؟ إن كان الأول، فجور ms139 وافى الفسق المتقدم ذلك؛ ولا فرق. وإن كان ~~الثانى، فلم عاقبهم عليه بالإضلال؟ وهلا عاقبهم بالإهلاك والمصير إلى ~~النار، على ما هو القياس في العقبات! وكيف يسوغ في العقل أن يجعل عقوبة ~~الزانى زنا مثله، أو الشارب شربا مثل شربه، أو اللائط لواطا مثل فعله! . # ما هذا إلا كما يحكى في النوادر أن بعض مغفلى القضاة كان إذا حضر بين ~~يديه زان، أو نحوه، قدم له صحن قطائف بعسل. ثم قال له: "كله جميعه! وإلا ~~بعبعتك أو جعجعتك! " فإن أكله، سلم. وإن بقي منه شيء، أركبه القاضي حمارا؛ ~~ثم تعرى القاضي، وكشف رأسه، وسود وجهه بسخام قدر أو نحوه؛ ثم كشر عن ~~أسنانه، وشرع عينيه في وجه ذلك المعاقب. وقال له "بع بع"! أو "جع جع! " ~~فتلك بعبعته وجعجعته؛ وهي عقوبته. فهذا مثله سواء بزنا الشخص بامرأة مرة، ~~فيعاقبه الله سبحانه بأن يسلم إليه أولاد الناس ذكورا وإناثا، فيستمتع بهم ~~باقي عمره. هذه عقول القدرية الصحيحة. ولكن عقول نفذ فيها قدر الله، ففسدت. ~~ونفقت عقول المؤمنين في سوق الملكوت، وكسدت. # فإن قيل: "مال وجه التشنيع علينا في هذا، وعقوبة الذنب قد تكون من جنسه PageV01P231 # وبذنب مثله؟ " قلنا: العقوبة تستلزم الإيلام، إما للبدن، أو للنفس. ~~فكونها من الجنس مثل قوله: {يستهزءون}، {الله يستهزئ بهم}، {إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم}، و {ومكروا ومكرنا مكرا}، ونحوه مما ذكرنا من أمثلته جملة ~~في القواعد الصغرى. وأما كونها بمثل الذنب، فإنما قال ذلك العارفون. وهو ~~مروي عن الحسن البصرى أن عقوبة الذنب مثله؛ بمعنى أن الله يعاقب فاعل ~~الذنب، بأن يقضى عليه بفعل مثله، ليكون سببا لعقوبته في الآخرة، تكميلا ~~لسبب العقوبة؛ لا أنه يجعل العقوبة الحقيقية على شرب كأس من الخمر شربها ~~باقي العمر. ولئن جاز ذلك، فجوزوا أن تكون عقوبة الفساق والفجار في الآخرة ~~بمثل ذلك. فيكون فرعون في الجنة أعظم نعيما منه في الدنيا بما لا نهاية له. # ثم نقول: أنتم توجبون على الله رعاية مصالح عباده، كما يجب على الأب ms140 ~~رعاية مصالح أولاده. وحينئذ، تقدم الكفر والفسوق من العبد يقتضي على ذلك أن ~~الله تعالى يكفه عنه وينقذه منه رعاية لمصلحته. كما إذا رأى الأب في نار ~~محرق، أو ماء مغرق، فإنه ينقذه منه. فأما أنه سبحانه يزيد العبد ضلالا إلى ~~ضلالته، وفسقا إلى فسقه، فهذا ينافي أصلكم وكرم الله ورحمته التي تحتجون ~~بها علينا في نفي خلق الفعل. # قوله في الوعيد: {أفمن حق عليه كلمة العذاب}، {كذلك حقت كلمت ربك على ~~الذين فسقوا}. قلنا: نعم؛ حقت عليهم كلمة الله بقدر الله عليهم أن يفعلوا ~~المعاصى. ثم الآية حجة عليكم؛ لأن المراد "بكلمة ربك" هي قوله: {لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين}؛ وهذه الكلمة ازلية، أو أنها قبل خلقهم، ~~ولابد. وقد سبق PageV01P232 # علم الله فيهم بأنهم من أهل الشقاء بما يجري على أدواتهم من الأعمال؛ ولا ~~مبدل لكلمات الله. وقد سبق أن ما تعلق علم الله بأنه لا يكون، خرج عن كونه ~~مقدورا. وإيمان الكافر وطاعة العاصي كذلك؛ فهي محال. فصار ضدها، وهو الكفر ~~والمعاصي، واجبة منهم، بخلق دواعي ذلك فيهم. وهذا هو المطلوب. # قوله، "قال الله تعالى: {ادخلوا في السلم كافة}؛ كيف يدعوهم إلى ذلك، وقد ~~حال بينهم وبينه! " قلنا: قد سبق أنه لا تنافي بينهما عقلا ولا شرعا. ~~فيدعوهم إليه بمقتضى تصرفه التكليفى، ويحول دونه بمقتضى تصرفه التكويني؛ ~~كما أنه، عندنا، أمر بكسب الحلال، ثم حال دونه في حق بعض الناس، ورزقه ~~الحرام. وهذا ما تنازه فيه المعتزلة، كما سبق. إلا إن الدليل عليه ما مر ~~هناك، وأن الله أعانه على كسب الحرام، باتفاق، بخلق الدواعي إليه والقدرة ~~عليه. ولا يعني بأنه رزقه الحرام إلا هذا؛ وإلا فقد كان قادرا أن يمنعه عن ~~كسبه؛ وترك المنع من القبيح للقادر عن المنع قبيح، كما سبق. # قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}؛ كيث يجوز ذلك، وقد منع ~~خلقه من طاعته! " قلنا: هذه اللام مثلها في قوله: {إلا ليعبدون}؛ وقد سبق ~~الكلام عليها. ثم نقول: هنا اللام، إما ms141 للعاقبة فقد قيدها "بإذن الله"؛ فلا ~~مطيع للرسل إلا من أذن له في ذلك إذنا كونيا زاشدا على أمره التكليفي. وإن ~~كانت لام "كي"، فالمراد معنى الأمر والتكليف، لا الإرادة الكونية. فالتقدير ~~"ما أرسلنا من رسول إلا وكلفنا الناس بطاعته وأمرنا ليطيعوه". وقد بينا أنه ~~لا تنافى في حق الله بين تكليفه PageV01P233 # لهم وحيلولته دونهم، وإن قبح ذلك من غيره؛ لما بينا [ما] بينه وبين غيره ~~من الفرق بقوة الملك وضعفه، وغير ذلك. # قوله، "والقوم ينازعون في المشيئة، وإنما شاء الله الخير قبل أن نشاءه". ~~قلت: لا أعلم ما وجه استدلاله بهذا. إلا إنه يشير إلى قوله: {وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله}. ونحن نقول: إن الله سبحانه شاء الخير والشر، وقدرهما ~~قبل خلق السماوات والأرض بدهور وأزمان، كما سيأتى في الحديث. # قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. قلنا: هذا، إن خصصناه ~~بسببه، فهو في إفطار المسار في رمضان. وإن لم نخضه، فهو في عموم أحكام ~~التكليف. ونحن في مسألة تكوينية؛ لأنهم يقولون: "العبد يكون أفعاله"؛ ونحن ~~نقول: بل الله يكونها. فأين هذا من هذا! . # ثم هي لازمة عليكم؛ لأنه خلق العصاة وأحياهم، حتى استكملوا معاصيهم؛ ثم ~~أدخلهم النار؛ وأوقع الآلام والمكاره في العالم، وخلق إبليس وجنده وأعوانه، ~~من نفوس وشهوات وكل ذلك عسر ومشقة، شابت فيها النواصي، وعادت الظهور منها ~~كالصياصى. # قوله في الزنا، "ليس من خلق الله؛ وإنما الزانى نظفته في غير حقها، فتعدى ~~أمر الله؛ والله يخلق من ذلك ما يشاء. وكذلك صاحب البذر، إذا وضعه في غير ~~حقه". قلنا: الزاني وضع نظفته في غير حقها بكسبه؛ وتعدى أمر الله، ولم يتعد ~~قدر الله. وأما أن الله يخلق من ذلك وغيره ما يشاء، فلا نزاع فيه. وأما ~~البذر، فمن هي عن فعله، وهو مقدور الله على فاعله. PageV01P234 # قوله، "الله أعدل وأرحم من أن يعمي عبدا، ثم يقول له: "أبصر، وإلا عذبتك! ~~" فكيف يضله، ثم يقول له: "اهتد، وإلا عذبتك" قلنا: هذا أولا قياس لعمى ms142 ~~البصر على عمى البصيرة؛ وهو من عمى البصيرة. فإنه فاسد الاعتبار، مع قوله ~~تعالى: {يضل من يشاء}، {ويختار}. # وأما ثانيا، فقد بينا أنه لا تنافي بين تصرف التكليف والتكوين. والفرق ~~بين إعماء البصر والبصيرة أن الله سبحانه أراد استدارجهم من حيث لا يعلمون، ~~والمكر بهم من حيث لا يشعرون. فلذلك أعمى بصائرهم، لخفاء عماهم عنهم؛ ولم ~~يعم أبصارهم، لظهور عماهم، ولتكون حجة عليهم؛ كما قال: {ألم نجعل له عينين ~~ولسانا وشفتين}، وقال: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء}، الآية. وقد سبق الجواب عن باقيها. # قلت: وقد خطر لى في هذا المقام نكتة القدر. وهو أن الله سبحانه حكم في ~~الطائفتين في نفس الأمر بعلمه. لأنه لما خلقهم من مادتين، طيبة وخبيثة، ~~وطبيعتين، عاصية ومطيعة، علم ما سيكون منهم. {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير}! فعلم أن هذه الطائفة لا يكون منها إلا الخير والطاعة ولو تركت على ~~اختيارها، خالقة لأفعالها؛ وأن هذه الطائفة لا يكون منها إلا الشر ~~والمعصية، ولو تركت على اختيارها، خالقة لأفعالها؛ لما طبع عليه نفوس كل ~~واحدة من الطائفتين، من اقتضاء الخير والشر، كهبوط الحجر وتصاعد النار. # فلما استوى في علمه الأمران- أعني ترك النفوس على اختيارها، وخلقه ~~لأفعالها- وبنفوذ مشيئته واقتدارها، رجح سبحانه أحد الأمرين، وإن استويا في ~~التقديرين؛ لما PageV01P235 # وجب له من العظمة والاقتدار واتصافه بالعزيز الجبار. فإن الملك التام ~~يقتضي عموم التصرف؛ فكون الملك بتصرف في بعض ملكه دون بعض يكون نوع قصور في ~~الملك. فجعل الله تعالى أفعال العباد من جملة مخلوقاته إيهاما لتصرفه في ~~ملكه؛ علما بأنه لو فوض خلقها إليهم، لكانت كما لو خلفها. وقد نبه الله على ~~هذه النكتة بقوله: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون}، وبقوله، {ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون}. # أو يقال: اختار أحد الأمرين، وهو خلق الأفعال، دون تركها، على الختيار ~~فاعليها، لمرجح ما غير ما ذكرنا. فلو اعترض معترض، ms143 وقال: "فهلا اختار الأمر ~~الآخر! " قلنا: هو سؤال دوري؛ لأنه لو اختار تركهم على اختيارهم، لقال هذا ~~القائل: "حيث استوى الامران، فهلا اختار الأمر الآخر، وكان أكمل لملكه! ". # ومما يدل على أنه حكم فيهم بعلمه، أو يستشهد على ذلك، أنه حكم في أطفال ~~الكفار بعلمه؛ حيث قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". # وقد روي في الحديث، مستندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا ~~كان يوم القيامة، جيء بأهل الفترة وبأطفال المشركين (أو قال: "أطفال ~~الناس")؛ فيؤمر بهم إلى النار؛ فيقولون: "ربنا! كيف تعذبنا، ولم ترسل ~~إلينا، ولا قامت علينا حججك؟ " فيقول: "لو أرسلنا إليكم، أكنتم مطيعي؟ " ~~فيقولون: "نعم" فيقول: "فإني مرسل إليكم الآن". فيبعث فيهم رسولا أو رسلا ~~منهم؛ ثم تؤجج لهم نار؛ ويقال للرسل: "مروهم، فليدخلوها؛ وادخلوا بين ~~أيديهم" فيدخل الرسل؛ فيتبهم قوم، فيكونون من أهل الجنة. ويأبى آخرون، ~~فيكونون من أهل النار". أو كمال قال. # فهذا حكم في هؤلاء بالعلم؛ فلا يبعد أنه حكم في جميع العصاة بعلمه، ورجح ~~جانب خلقه أفعالهم طردا لتصرفه في كل شيء من ملكه؛ لئلا يكون معه شركاء PageV01P236 # مستقلون بتصرف ما. # هذا الكلام باعتبار نفس الأمر. أما في ظاهر الحكم، فلم يحكم فيهم بعلمه؛ ~~بل بالحجج والبراهين، تحقيقا لعداله في الظاهر، ولقدرته وكمال تصرفه في ~~الباطن. فقال: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل}؛ وقال: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبه آياتك من قبل أن نذل ونخزى}؛ وقال: {ولولا أن تصيبهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~ونكون من المؤمنين فلما جاءهم الحق}، الآية؛ وقال: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك ~~القرى بظلم وأهلها غافلون}؛ ونظائر ذلك من الكتاب. # وأما من السنة، فقد ثبت في الحديث أن قوم نوح يقولون يوم القيامة: "ما ~~أرسلت إلينا أحدا، وما أتانا من نذير". فيؤتى بنوح، فيقول: "قد بلغتهم". ~~فيقول: "من يشهد لك؟ " فيقول: "محمد وأمته". فيؤتى ms144 بأمة محمد؛ فيقولون: "قد ~~بلغهم". فيقال لهم: "كيف تشهدون على ما لم تشاهدوا؟ " فيقولون: "أرسلت ~~إلينا رسولك بكتابك؛ فآمنا وصدقنا". فيؤتى بالنبى صلى الله عليه وسلم، ~~فيقال: "بما تشهد؟ " فيقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أرسلنا نوحا إلى ~~قومه أن أنذر قومك}، السورة إلى آخرها. فيقول الله سبحانه حينئذ: "صدق نوح، ~~وصدقت أمة محمد". ثم يؤمر بقوم نوح إلى النار. # فهذا عدل ظاهر ليس له غاية. وذلك اقتدار باطل ليس له نهاية. فهذا شيء قد ~~فتح الله سبحانه به في أمر القدر، فيه لذي اللب معتبر، وعن الآراء ~~الشيطانية الشركية PageV01P237 # مزدجر. وهي النكتى التي وعدنا بها قبل. # قوله، "وقال لآدم وحواء: {فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}؛ ~~فغلبه الشيطان على هواه؛ ثم قال: {يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة}؛ وليس للشيطان عليهم سلطان، {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ~~مممن هو منها في شك}. قلنا: غلبه الشيطان بالوسوسة، وطاوعه آدم بالكسب. ~~والخلق لله؛ بدليل احتجاج آدم بسبق علم الله فيه بذلك. وبالضرورة، يلزم أن ~~يقع المقدور على وفق المعلوم؛ وإلا انقلبت حقائق صفاته سبحانه، كما سبق؛ ~~وهو محال. وإضافة الفتنة والإخراج إلى الشيطان بالوسوسة والإغواء. وأما ~~كونه ليس له سلطان، فصحيح؛ إلا أن دعاهم، فاستجابوا بكسبهم المتفرع على خلق ~~ربهم؛ كما حكى عنهم، وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت ~~مبلغا، وليس إلى من الهداية شيء؛ وخلق إبليس موسوسا، وليس إليه من الغواية ~~شيء". وهذا كلام صحيح يشهد له نص القرآن. أما الأول، فلقوله: {إنك لا تهدى ~~من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء}. وأما الثاني، فلقوله: {وأضله الله على ~~علم}؛ {ومن يضلل الله فما له من سبيل}؛ ونحوها. # فإن قيل: "نفي كون الهداية إليه، والغواية إلى إبليس، لا يدل على إضافتها ~~إلى الله؛ فجاز أنه عليه السلام أراد استقلال العبيد بها، كما هو مذهبنا"؛ ~~قلنا: يبطل ذلك نصوص الكتاب والسنة، وأنه عليه السلام كان يقول دائما: "لو ~~قدر، لكان"؛ ms145 "قدر PageV01P238 # الله، وما شاء فعل". وهذا شيء كان مشهورا في الجاهلية، وجاء الإسلام ~~بتقريره. أما شهرته في الجاهلية، فحسبك بلبيد بن ربيعة حيث يقول: # إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثى وعجل # أحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل # من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضل # ولولا اشتهار ذلك فيهم، لما صار إلى لبيد، ولأنكر عليه. وأما تقرير ~~الإسلام، فهذه نصوص الكتاب والسنة على ما تأتي إن شاء الله تعالى. # قوله، "قال: {استجيبوا لله}، {استجيببوا لربكم}، {أجيبوا داعى الله}، ~~{هذا صراطى مستقيما فاتبعوه}، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}؛ فكيف يفعل ~~ذلك، ثم يعميهم عن القبول! وقال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل}، وأين هي عما ~~أمر به الشيطان. "قلنا: هذا سؤال واحد، وقد تكرر جوابه. # قوله، "قال في الشيطان: {يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}؛ فمن أجاب ~~الشيطان، كان من حزبه. ولو كان كما قاله الجاهلون، لكان إبليس أصوب من ~~الأنبياء؛ إذ دعى إلى إرادة الله وقضائه، ودعى الأنبياء إلى خلاف ذلك، وإلى ~~ما علموا أن الله قد حال بينهم وبينه". قلنا: هيهات! فإن هذه شبهة مبنية ~~على أصل فاسد؛ وهو أن إرادة المأمور شرط في كون الأمر أمرا، وأن الطاعة ~~موافقة الإرادة؛ وقد أبطلنا ذلك. وإنما PageV01P239 # الطاعة موافقة الأمر. فالأنبياء دعوا إلى موافقة أمر الله؛ فهو طاعة، وإن ~~كان خلاف مراده وتقديره. وإبليس دعا إلى خلاف أمر الله؛ فهو معصية، وإن كان ~~وفق مراده وتقديره. وقد قررنا أن الله سبحانه يستحق غى خلقه تصرفين، ~~تكليفيا وكونيا. فهو بالأول مكلف، وبالثاني متصرف. وقد بينا بذلك أنه لا ~~تنافى بين دعائه إلى شيء وحيلولته دونه. # قوله، "وقال القوم فيمن أسخط الله: "إن الله حمله على إسخاطه"؛ وكيف يسخط ~~إذا علموا بقضائه عليهم وإرادته؟ والله يقول: {ذلك بما قدمت يداك}؛ وهؤلاء ~~الجهال يقولون: "إن الله قدمه لهم، وما أضلهم سواه"! قلنا: الله حملهم على ~~إسخاطه بقضائه وقدره بمقتضى تصرفه الكوني ويسخطه منهم بمقتضى تصرفه ~~التكليفي. ms146 وقد بينا أن لا تنافي بينهما. وهذه من سنة إبليس؛ قال: "رب لم ~~أغويتني؟ وإنما فعلت ما أردت". فكان جوابه ما سبق، من أني لا أسأل. ثم قد ~~ثبت في القرآن أن إبليس قال: {قال رب بما أغويتنى}. فأثبت أن الله أغواه، ~~أي أضله. وأقره الله على ذلك. ومع ذلك، سخط فعله، لمخالفة أمره. فجوابه عن ~~إبليس هو جوابنا عن سائر العصاة. # وأما قوله: {بما قدمت يداك}؛ فالمراد "كسبت، بتقدير الله سبحانه". فالله ~~قدمه، بمعنى "خلقه وقدره". والعبد قدمه، بمعنى "كسبه واجترحه". وما أضلهم ~~سواه، لقوله، {وأضله الله}. # قوله: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم}، إلى قوله، ~~{ولو شاء الله ما فعلوه}. فلو كان الأمر كما زعموا، لكان الدعاء والأمر لا ~~تأثير له؛ لأن الأمر مفروغ منه. قلت: أما تزيين الشركاء، فمعارض بقوله، ~~{كذلك زينا لكل أمة PageV01P240 # عملهم}. والجمع بينهما بأن الله سبحانه زين للشركاء ذلك التزيين، فزينوه ~~للكفار. فكان تزيين الله لهم عملهم بواسطة تزيين شركائهم لهم. # أما قوله، {لو شاء الله ما فعلوه}، فحجة عظيمة لنا؛ لأنه أخبر أن أفعالهم ~~دائرة مع مشيئته وجودا وعدما؛ وذلك دليل استقلاله بالتصرف. وبدليل قوله، ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله}؛ أي مشيئتكم تابعة لمشيئة الله، إن شاء ~~شئتم، وإلا فلا. {ولو شاء الله ما اقتتلوا}! ؛ ونحو ذلك. # فأما قوله: "يلزم أن لا تأثير للدعاء والأمر" هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه ~~مقابلة نص الشرع القاطع بعقل سخيف ضعيف. ثم نقول: لا تأثير للأمر ظاهرا ~~بالنسبة إلى التصرف التكليفي، أو باطنا، بالنسبة إلى التصرف الكوني؟ الأول ~~ممنوع؛ لأن بمخالفة التكليف تقوم الحجة ظاهرا، وبربطهم على حكم المقدور ~~تظهر القدرة باطنا وظاهرا. وبهذا يظهر الإعجاز الإلهي، حيث جمع الله سبحانه ~~بين إقامة رسم القدرة ونشر علم العدل باعتبار الباطن والظاهر. وأما أن ~~الأمر مفروغ منه، فمما لا شك فيه، ولا مرية تعتريه؛ وهو مقطوع به في دين ~~الإسلام. # قوله: {ذلك يوم مجموع له الناس}، إلى قوله: {فمنهم شقى وسعيد}؛ والسعيد ~~ذلك اليوم هو ms147 المتمسك بأمر الله، والشقي هو المضيع". قلنا: هكذا نقول. لكن ~~هذا إطلاق لا نرتضيه؛ بل السعيد هو المتمسك بأمر الله بنعمة الله، والشقي ~~هو المضيع". قلنا: هكذا نقول. لكن هذا إطلاق لا نرتضيه؛ بل السعيد هو ~~المتمسك بأمر الله بنعمة الله، والشقي هو المضيع لأمر الله بتقدير الله. # قوله، "هؤلاء قوم يعولون على القدر في أمر دينهم، ولا يعولون عليه في أمر ~~دنياهم. فلو قيل لأحدهم: "لا تستوثق مشن أمورك، ولا تغلق حانوتك، واتكل على ~~القضاء والقذر"، لم يقبل ذلك". قلت: هذا ضرب من الخروج عن حقيقة الكلام في ~~المسألة. PageV01P241 # والجواب عنه أن أدلة مذهبنا في القدر تقتضب محض التفويض والتسليم في أمور ~~الدنيا والدين. لكن الشرع ورد بالحزم والاحتياط فيهما، وتعاطب الأسباب ~~لهما؛ كقوله "اعملوا على مواقع القدر"؛ "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"؛ ~~"اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"؛ وقوله في ~~الناقة، "اعقلها وتوكل"؛ وظاهر النبي عليه السلام يوم أحد بين درعين؛ ونحوه ~~كثير. وذلك كله إما تنبيه من الشارع على أن حظ العبد من هذا الباب إنما هو ~~الاكتساب؛ أو على أن الأسباب والأكساب لا تلغى في نظر الشرع في هذا الباب ~~ولا غيره؛ أو لأنه علم أن الإنسان خلق من ضعف، فلا تثبت نفسه للتسليم ~~المحض، لخفاء سر القدر الذي لا يدركه إلا أولوا الألباب، وظهور أمر الوسائل ~~والأسباب. فأمر بالجزم والاحتياط، ليكونوا من أمرهم على طمأنينة بالنسبة ~~إلى قواهم؛ وقدر الله من وراء ذلك. ولهذا نرى كثيرا من الناس يسلم من حيث ~~فرط وكثيرا منهم يهلك من حيث احتاط؛ حتى قال الشاعر: # قد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر # وقال آخر: # إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد. # فقد جرت الحنفاء حتف حذيفة ... وكان يراها عدة للشدائد # والحنفاء فرس حذيفة بن بدر، كان للمضائق، ينجو عليها. فلما هرب من قيس ~~ابن زهير، ونزل على جفر الهباءة، اقتص بنو عبس أثر ms148 الحنفاء، حت وقعوا عليه، ~~فقتلوه. وقال الله سبحانه: {وعسى أن تكوهوا شيئا وهو خير لكم}، الآية. وقال ~~البحتري: PageV01P242 # وربما كان مكروه الأمور إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب # وقد كان موسى عليه السلام من أولي العزم من الأنبياء. ولما قال الله: ~~{خذها ولا تخف}، لف كم مدرعته على يده ليتناولها بها؛ فقا له الملك: "أرأيت ~~لو أذن الله لما تحذر؛ أكانت كمك تنفعك؟ "فقال: " لا؛ ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت". # فهذا السر، شرع الاحتياط والحزم وتعاطي الأسباب؛ إذ ليس كل أحد يصبر قلبه ~~للتفويض؛ وإنما يوجد ذلك نادرا. كإبراهيم حين ألقي في النار، فعر له جبريل ~~في الهواء؛ فقا له: "ألك حاجة؟ " فقال: "أما إليك، فلا". فلا جرم اتخذه ~~الله خليلا. # ثم الناس بعد إبراهيم على طبقات في التفويض والتوكل. فالذي يمنحه الله ~~عقلا يعكس ما عليه الأكثرون؛ فيفوض في أمور الدنيا غاية التفويض حتى لا ~~يهتم لها أصلا، اعتمادا على أن ما قدر منها واصل؛ ويحتاط ويدأب في أمور ~~الآخرة غاية الاحتياط والدأب، لا لاعتقاده أن اختياطه يزيده عما في علم ~~الله، ولا أن تفريطه ينقصه عنه- إذ قد وجد من عاش مؤمنا مجتهدا إلى آخر ~~نفس، ثم مات كافرا، كبرصيصا العابد، ومن عاش كافرا إلى آخر نفس، ثم آمن، ~~كاليهودي الذي عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأعرابي الذي وقصته ~~ناقته عقيب إسلامه، فقال النبي عليه السلام: "هذا منن عمل قليلا وأجر ~~كثيرا"- بل لإزالة اللائمة عن النفس؛ كما حكي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: ~~"لأجهدن نفسى، فإن سلمت، فذاك؛ وإلا، فلا ألومنها على تقصير"، أو كلاما هذا ~~معناه. وكما قال الشاعر: # لأطلبن العلى جهدي طلاب فتى ... يدوس بالعزم هام السبعة الشهب # فإن أنل، فبسعيي ما أتيت به ... بدعا، وإلا فقد أعذرت في الطلب PageV01P243 # غير أن هذا الشاعر غلا في قوله، "بسعيي"، إلا أن يريد السببية. وأوفق من ~~هذا لما نحن فيه قول الآخر، # سأطرح التعلل والتواني # ولا أصغى إلى عر لحاني # وأطلق في طلابتها عناني # فإن ms149 أدركتها فهي الأماني # وإن فاتت فذاك عذير حالي # قوله، "ومما يحتجون به أن الله قبض قبضة، فقال: "هذه هي الجنة، ولا ~~أبالي"، وقبض أخرى، وقال: "هذه في النار، ولا أبالي؛ كأنهم يرون أن ربهم ~~يصنع ذلك كالمصارع بينهم المحارب، تعالى الله عما يصفونه". قلت: هذا ~~الحديث، إن صح، فهو حجة في الباب. وإن لم يصح، فقد صح، فهو حجة في الباب. ~~وإن لم يصح، فقد صح غيره بمعناه من غير وجه، كما سيأتي، إن شاء الله. ووجه ~~الحجة منه أنه إذا سبق علمه بإيمان زيد وكفر عمرو، صار خلاف ما علمه فيهما ~~محالا، غير مقدور، كما سبق تقريره، وما علمه فيهم واجبا منهم بتقديره ~~ومقتضى علمه السابق. # قوله، "وإن كان الحديث حقا، فقد علم الله أهل الجنة وأهل النار قبل ~~القبضتين وقبل أن خلقهم، فإنما قبض أثر أهل الجنة الذين في علمه أنهم ~~يعلمون بما علموا ممكنين غير مجبرين؟ "قلنا: إذا سلمت أنه علم أهل الجنة ~~والنار في الأزل، رجع النزاع معك إلى أن خلاف معلومه مقدور، أو غير مقدور؟ ~~وقد سبق الدليل على أنه غير مقدور؛ فصار مكلفا لهم بالمحال؛ وما صدر منهم ~~واجب الوقوع لغيره؛ فيلزم ما ذكرنا. # أما قولك، "أثر من كان في علمه مطيعا ممكنا غير مجبر". قلنا: لم لا يجوز ~~أن PageV01P244 # يكون علم استواء حالتهم في الاختيار وعدمه، فرجح خلق الأفعال فيهم، لما ~~سبق تقريره؟ واحتمال هذا مما لا يمكن القطع بنفيه. وحينئذ، لا يمكنك القطع ~~بصحة ما ذكرت، وأنت في مقام الاستدلال. ونعود إلى ما مر من النزاع. # قوله، "وكان يجب على ما رووه أن تكون أعمال الناس هباء منثورا من حيث قد ~~فرغ من الأمر". قلنا: قد مر الجواب عن هذا؛ وهو أنها متعبرة من حيث تصرف ~~الله التكليفي الاستقلالي تحقيقا لقدرته باطنا. # ويروى في الآثار أنه سبحانه أوحى إلى داوود: "يا داوود؛ خفني كما يخاف ~~الأسد". # قال بعض العلماء: "معناه أن الله سبحانه، لاستقلاله بالتصرف في خلقه، لا ~~يبالى بما فعل فيهم ms150 من خير أو شر؛ كالأسد لا يؤثر في سبعيته افتراس، كائنا ~~ما كان، عالما أو جاهلا بقدرته الغالبة باطنا؛ لأنه غالب على أمره، بالغ ما ~~أراد من خلقه. # ثم يقال لهم: لا يخلو إما أن يكون الله قادرا على إضلال الكافر، أو لا ~~يكون، فإن لم يكن قادرا على ذلك، لزم عجزه عما قدر عليه المجرمون ونحوهم. ~~فإن الكفار يقولون يوم القيامة: {وما أضلنا إلا المجرمون}، {فأضلونا ~~السبيلا}؛ يعني سادتهم وكبراءهم. وفي هذا من القبح والجرأة على الله، ~~والاستخفاف بقدرته، ما لا يخفى على عاقل. وإن كان قادرا عليه، فهو مقدور ~~له؛ وقد صرح بأنه خالق كل مقدور. فأما قولهم، "ما أضلنا إلا المجرمون"، فقد ~~سبق جوابه. # قوله، "وكيف يصح ذلك مع قوله، {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا}؛ وهو الذي حملهم عليه! " قلنا: يصح ذلك PageV01P245 # بالنظر إلى تصرفه الكوني التام فيهم؛ وينكر عليهم ويقيم الشناعات عليهم ~~بالنظر إلى تصرفه التكليفي. ثم كيف [ينكر] عاقل أنه حملهم على ذلك بالقضاء ~~والقدر، وهو يبعث إلى النصارى عيسى من غير أن يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه ~~والأبرص، وينفخ في فخار جماد، فيطير، ويمشي على الماء، ويزجر الريح العاصف ~~فيسكن، ويضرب برجله الأرض فتتفجر عيونها وتظهر كنوزها، وعلى أي قبر مر ضربه ~~بعصاه، فقام صاحبه يخبره سالفا أو آنفا، ويقول لهم مع ذلك كله: "أرسلني ~~أبي"، و "كنت عند أبي"، و"أمشى إلى أبي". وهل يثبت على هذا عقل إلا بعصمة ~~الله! ولولا أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم، فكشف شبهة التثنية ~~والتثليث، بما جاء به من التوحيد، لكان الناس كلهم يدعون لله ولدا أو ~~شريكا، سبحانه وتعالى عن ذلك. # والدليل على هذا أن العرب، مع حكمتهم ووفور أحلامهم إلى زمن البعثة، لم ~~يزالوا يتهافتوت على التنصر. وكان ذلك مشهورا في غسان وتنوخ وفهر وتغلب؛ ~~وأحكامهم موجودة في الإسلام. ولما أراد عمر ضرب الجزية على تغلب، أنفوا ~~منها، وأذعنوا للزكاة. وخيف من شكوتهم؛ فأخذت الزكاة منهم ms151 ضعفب ما يؤخذ من ~~المسلمين. فقال عمر: "ما رأيت أجهل من هؤلاء؛ رضوا المعنى، ونازعوا في ~~الاسم". ونحن لا نعنى بأن الله حملهم عليه إلا هذا، وهو خالق الدواعي ~~الباطنة بتحريك الأسباب الظاهرة. # قوله، "وما معنى قوله، {فما لهم لا يؤمنون}، وقد منهم؟ " قلنا: معناه ما ~~سبق غير مرة. # قوله، "وكيف يقول: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله}؟ وكان يجب أن يقول: "ما كان لهم أن يعلموا بما قضيت عليهم". قلنا: # لأنه محال أن لا يعلموا بما قضى عليهم، لوجوبه منهم. والحجة لا تقوم ~~علهيم من حيث القضاء والقدر. إنما تقوم عليهم من حيث التكليف. فعاتبهم من ~~حيث تقوم PageV01P246 # الحجة عليهم. وأما من حيث لا يلزمهم ظاهرا، لم يعاتبهم؛ لأنه سر انفرد ~~به، وتصرف كوني لا يشارك فيه. # قوله، "وكيف يقول: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض}، وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة! " قلنا: سبق جوابه غير مرة. # قوله، "وإذا كان الأمر مفروغا منه، فكيف يقول: {ليس على الأعمى حرج ولا ~~على الأعرج حرج}! وكيف ابتلى العباد، فعاقبهم على فعلهم! " قلنا: الأمر ~~مفروغ منه من حيث التكوين، أو من حيث التكليف؟ الأول مسلم؛ لكنه لا ينافي ~~المعاتبة والمعاقبة على مخالفة التكليف؛ لأنا بينا أن التكليف والتكوين ~~أمران متفاضلان متفاكان من أحد الطرفين، بالنسبة إلى كل واحد من الله ~~والعبد. فالله سبحانه يكون ما لا يكلفه، كالجمادات والبهائم. والعبد يكلف ~~ما لا يكونه، كغلامه. وأما بالنسبة إلى الله والعبد، فهما متفاكان من ~~الطرفين. فالله يكون ما لا يكلف؛ والعيد يكلف ما لا يكون وإذا كان التكوين ~~والتكليف حقيقتين متفاكتين، فلا تعلق لإحداهما بالأخرى؛ والفراغ من ~~إحدامهما لا يستلزم الفراغ من الأخرى. هذا أمر معقول عند ذوي العقول. # بقيت شبهتهم الفاسدة، "وإن ذلك جور"؛ وقد سبق الجواب عنها بأنها قياس ~~فاسد، للفرق بين أصله وفرعه، بما فيه كفاية. # قوله، "وكيف يقول: {إنا هدناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}! ms152 وكيف يقول: ~~{قدر فهدى}، ولم يقل: "فأضل"! "قلنا: كما سبق جوابه. # قوله، "وكيف يصح أنه خلقهم للرحمة والعبادة، لقوله، {فطرت الله التي فطر ~~الناس PageV01P247 # عليها}، وقوله: {فطركم أول مرة}، وقوله: {إلا من حرم ... ولذلك خلقهم}! ~~فإذا خلقهم لذلك، فكيف يصح أن لا يجعل لهم سبيلا، ويقسرهم على السعادة ~~والشقاء، على ما يذكرون! " قلت: هذا السؤال فيه تخبيط وتخليط. وذلك لأن ~~المفسرين اختلفوا في قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم}. فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن معناه "للرحمة خلقهم". ~~وروى ابن التيمي، عن جعفر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "ولا يزالون ~~مختلفين، إلا أهل رحمته، فإنهم لا يختلفون، ولذلك خلقهم". وروى جعفر بن ~~سليمان، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: "للاختلاف خلقهم". # قلت: فانظر إلى هذا الخبط. عمرو بن عبيد، رئيس المعتزلة، وأشدهم في ~~الاعتزال، يروى عن الحسن الذي ادعوه منهم، ونسبوا إليه هذه الرسالة؛ يقثول: ~~"إنه خلقهم للاختلاف: . وإذا كان للاختلاف خلقهم للاختلاف". وإذا كان ~~للاختلاف خلقهم، فالاختلاف ليس إلا كفرا وإيمانا. فحينئذ، قد خلق الكافر ~~للكفر، والمؤمن للإيمان. وهذا هو الذي نقوله، والذي يليق بعقل الحسن، وما ~~اشتهر من مذهبه في السنة. واتضح أن الرسالة موضوعة عليه، منسوبة إليه. # وقال بعض المفسرين: "ولذلك"، أي للرحمة والاختلاف، "خلقهم جميعا" بين ~~القولين. وهو حسن جيد مطابق. غير أن الاختلاف واقع بالنسبة إلى المجموع بين ~~المجموع، والرحمة واقعة بالنسبة إلى المجموع لبعض المجموع، كما يقال: "خلق ~~ذرية آدم للجهاد"؛ وإنما هو بالرجال؛ وهم بعض مجموع الذرية. أو يكون ~~بالنسبة إلى الرحمة عاما مخصوصا. # وأما توجيه القولين الأولين، فمن قال: "للرحمة خلقهم"، قال: "لأنها أقرب PageV01P248 # المذكورين؛ فجعلت الإشارة إليها"؛ واعتبار القرب موجود في لغة العرب، كما ~~في تنازع العاملين. وتعارض هذا بمذهب الكوفيين في إعمال الأول. ومن قال: ~~"للاختلاف خلقهم"، احتج بوجهين. أحدهما أن اللفظ بتقديره يكون على عمومه؛ ~~لما عرف من أن الاختلاف عام لجميع الناس؛ بخلاف الرحمة، لأنها لبعضهم قليل ~~منهم. الثاني ms153 أن اللفظ المشار به، وهو قوله: "ولذلك"، مكتنف بالخلاف قبله ~~وبعده. أما قبله، فقوله، {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون ~~مختلفين}. وأما بعده، فقوله، {وتمت كلمة ربك لأملان جهنهم من الجنة والناس ~~أجمعين}. وهذا خلاف في المال، حيث كان فريق محكوما عليه بالتكفير. وهذان ~~الوجهان أقوى من مناسبة اعتبار القرب، مع كنها معارضة بما ذكره. وأيضا، ~~فإنه سبحانه في سياق تخفيف هم النبي عليه السلام اللاحق له بسبب اختلاف ~~الناس عليه، فبين له أنه خلقهم للاختلاف؛ فلا يستطيع أن يجمعهم على مقالة ~~واحدة، كما قال له، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان نلفس أن تؤمن إلا بإذن الله}، الآية. ~~وكقوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت}، إلى قوله: {ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}. # وقد شهدت هذه الآية بجهل المعتزلة وأتباعهم؛ لأن الله سبحانه أخبر بأن ~~المانع من جمع الناس على الهدى هو كونه لم يرد ذلك؛ وسمى من أنكر ذلك ~~"جاهلا". وهم ينكرونه، ويقولون: "إنما المانع لاجتماعهم على الهدى إرادة ~~الضالين منهم، وخلقهم الضلال في أنفسهم". ولو لم يكن على المعتزلة إلا هذه ~~الحجة، لكانت لهم قامعة، ولترهاتهم قاطعة. PageV01P249 # وإذا اتضح أنه للاختلاف، فقد جعل لهم السبيل إلى ما خلقهم له. فأما قسرهم ~~على السعادة والشقاء، فذاك من حسث القدرة والإدارة، لا من حيث الأمر ~~والنهى. # وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: "الجبار جبر خلقه على ما ~~شاء". قلت: يريد من الجهة التي ذكرناها. # فإن قيل: "هذا تصريح بالجبر"، قلنا: هو من جهة التصرف الكوني لازم لأهل ~~السنة، لا ينفضون عنه، ولو استغاثوا بالجن والإنس ومن سوى الله! وأما من ~~جهة التصرف الأمري التكليفي، فهم أهل عدل وقسط، يقطعون السارق، ويرجمون ~~الزاني، ويقتلون القاتل؛ وبالجملة يقيمون إليه بعد بما يحتاج إليه من ~~المصالح. وقد بينا أنه لا تنافى بين التصرفين، وأن الجور غير لازم، لقيام ~~الفرق بين ms154 الصورتين. # وأما قوله: {فطرت الله التي فطر الناس عليها}، فروى عبد الرزاق، عن معمر، ~~عن الحسن، أنه كان يقول: "فطرة الله الإسلام". وهو مناف لما نسبه السائل ~~إلى الحسن، من الاحتجاج بالفطرة. لأن مراده "بالفطرة" أن الله تعالى فطر ~~خلقه عن الهدى، أي ألهمهم إياه، وجعله غريزة لهم؛ ولكنهم ضلوا أنفسهم. ~~وتفسير "الفطرة" بالإسلام ينافي ذلك؛ لأن الناس ما دخلوه إلا بالسيف؛ فكيف ~~يكون معلوما بالضرورة والبديهة، مركوزا في الجبلة والغريزة؟ وقد سبق تقرير ~~المعتزلة أن من شرائع الإسلام ما لا يدرك للعقل حسنه ولا قبحه، فحيتاج إلى ~~توقيف الشرع. وحينئذ، يكون الله سبحانه قد أمر نبيه بإقامة الإسلام؛ فساعده ~~ومن تابعه التوفيق، فأقاموه، وباعد غيرهم الخذلان عنه، فأضعوه وأناموه. ~~فالأول بفضل الله، والثاني بقدر الله، سبحانه وتعالى عن أن ينسب إلى الجور، ~~أو يضاف إليه الجور بعد الكور، وجل أن يتطرق إليه العجز، أو يتردى عنه رداء ~~العظمة والعز. # قوله، "وكيف يبتلي إبليس بالسجود لآدم؛ فإذا عصى، يقول: {اهبط منها}، PageV01P250 # ويجعله شيطانا رجيما! كيف يقول: {فما يكون لك أن تتكبر فيها}! وكيف يحذر ~~آدم عدواته، لتقوم عليه الحجة، إن كان الأمر مفروغا منه، كما يقولون! " ~~قلت: قد سبق جواب مثل هذا. وأما إبليس، فقد بينا أن الله لعله علم أنه لو ~~تركه واختياره، لعصى فرجح جانب القسر الكوني الباطن إقامة لرسم القدرة، ~~وتنزها عن مشارك في الخلق. ويكون حاكما فيه وفي غيره بعلمه في نفس الأمر. ~~وهو الذي خلق فيه داعي الكبر والامتناع من السجود وسؤال النظرة إلى يوم ~~يبعثون؛ بدليل قوله: {رب بما أغويتني}. ولا شك أن الأمر مفروغ منه في سر ~~القدرة، غير مفروغ منه في ظاهر الصورة. # قوله، "والله سبحانه لم يخف عليه بقضائه شيء، ولم يزدد علما بالتجربة؛ بل ~~هو عالم بما كان وما لم يكن"، إلى آخر كلامه. قلنا: هذا اعتراف بما نقول. # قوله، "والعلم ليس بدافع لهم إلى معاصيه؛ لأن العلم غير العمل؛ فتبارك ~~الله أحسن الخالقين". قلنا: لا نسلم أن العلم ليس ms155 بدافع لهم إلى المعاصي. ~~لما بينا من أن العلم إذا تعلق بعدم الطاعة، صارت غير مقدورة، والتكليف بها ~~محالا، وصارت المعاصي منهم واجبة لغيرها، كما سبق تقريره. وليس ذلك إلا ~~بتقدير الله سبحانه؛ وبه احتج آدم على موسى. # وأيضا، لو تركوا على اختيارهم في نفس الأمر، مع تعلق علم الله بصدور ~~المعاصي منهم في الأزل، لكانوا عند وجودهم إما أن لا يجوز عدولهم إلى ~~الطاعات؛ فتكون المعاصي منهم واجبة الوقوع، وهو المطلوب؛ أو يجوز؛ فيلزم ~~انقلاب العلم الأزلى جهلا لعدم مطابقته للواقع. # فإن قيل: "لا يجوز عدولهم إلى الطاعات؛ والعلم الأزلى لم يتعلق بعدم ~~الجواز؛ إنما PageV01P251 # تعلق بعدم الوقوع. وإنما يتحقق عدم مطابقة العلم في الواقع بتقدير وقوع ~~الطاعات منهم؛ ولكنها لم تقع"؛ قلنا: حاصل ما ذكرتم أنها لم تقع منهم، مع ~~جواز أن تقع وحينئذ، صارت الطاعات منهم من المحالات العادية، والمعاصى من ~~الواجبات العادية. ويحصل المقصود؛ إذ لا فرق في حقيقة الوجوب والاستحالة ~~بين أن يكون بالذات أو بالعدة. وإنما الفرق بينهما في أمر خارج عن حقيقة ~~الوجوب والاستحالة؛ وهو أن المحال لذاته يلزم من فرض وقوعه محال لذاته؛ ~~والمحال عادة لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته. وهذا أمر وراء حقيقة ~~المحالأ. فحينئذ، تعلق علم الله سبحانه بوجود المعاصي منهم استلزم أن تكون ~~الطاعات محالا منهم في العادة؛ فتكون المعاصى واجبة منهم في العادة. وليس ~~ذلك إلا بانضمام تأثير القدرة إلى تعلق العلم؛ إذ العالم نفسه لا تأثير له ~~في المعلومات. والله أعلم. # قوله، في قوله تعالى: {ولو شاء ربك لامن من في الأرض}؛ {ولوشاء الله ~~لجمعهم على الهدى}، "إن المراد بذلك إظهار قدرته على ما يريد، كقوله: {لإن ~~نشأ نخسف بهم الأرض}، {ولو نشاء لمسخناهم}، {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا}؛ إنما دل رسوله بذلك على قدرته؛ وذلك غير الذي شاءه منهم". قلت: ~~يريد بهذا أن قوله، {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}، ونحوه من آيات ~~المشيئة في هذا الباب، إنما المراد به بيان أنه ms156 قادر على جمعهم على الهدى؛ ~~لأنه منعهم من الهدى. # واعلم أن هذا تأويل ساقط. أما أولا، فلأنه عليه السلام وغيره من المؤمنين ~~لم يكونوا في شك من قدرةالله على كل شيء. وقد صرح الله سبحانه لهم بذلك بما ~~هو صريح في إفادته؛ فقال في غير موضع من القرآن: {إن الله على كل شيء ~~قدير}. فأي حاجة كانت لهم إلى تعريفهم قدرته بألفاظ محتملة؟ فإن قيل: ~~"النصوصية على هذا المقدور PageV01P252 # المعين، وهو هداية الكفار وجمعهم على الهدى؛ وذلك أقوى من استفادته من ~~عموم {إن الله على كل شيء قدير}؛ قلنا: فكان يجب أن ينص لهم بصريح لا يحتمل ~~غير ذلك. ونحن سنبين أن اللفط مجمل في معنييه، أو أنه فيما ندعيه أظهر. ثم ~~إنا قد بينا قبل أن قوله: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة}، {لآمن من في ~~الأرض}، ونحوه، في سياق لا يحتمل ما ذكرتموه. إنما هو للتخفيف عن قلب النبي ~~عليه السلام، بأن الله تعالى قدر الخلاف، من كفر وإيمان، وقضى به. ثم نقول: ~~إذا كان المراد بيان قدرته على هدايتهم، فهلا هداهم، لأن ذلك أصلح لهم، ~~وأنتم توجبون عليه رعاية الأصلح لخلقه! وحينئذ، أحد الأمرين لازم لكم من ~~الآية: إما كونه منعهم الهدى ومنحهم الضلال، وهو يبطل أصلكم في القدر؛ أو ~~تركه رعاية الأصلح لهم، وهو ينقض رأيكم في رعاية المصالح. وإن كان لكم من ~~هذا الإشكال مخلص، فانفذوا، ولا تنفذون إلا بسلطان. # أما مقتضى قوله، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض}، في اللغة، فهو امتناع ~~الإيمان لامتناع مشيئة الله له. فدلت هذه الآية على أن من لا يشاء الله ~~إيمانه لا يؤمن. ودلت بمفهومها ومنطوق قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يؤد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}، على أن من شاء ~~إيمانه آمن. وقد جمع بين الأمرين في قوله: {من يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}. وحينئذ، قد دار الضلال والهدى مع مشيئته ~~وجودا ms157 وعدما. فذاك إما أن يقتضي أنها مع القدرة مؤثرة في وجود الضلال، أو ~~غير مؤثرة، أو موثرة مع قدرة الآدمي وإرادته. والأول تسليم لقولنا. والثاني ~~يبطل استدلالكم المتقدم على أن العبد موجد لأفعاله، تدور بها مع قصده ~~وإرادته وجودا وعدما؛ وهو ما زعمتموه ضروريا. والثالث يقتضي وقوع المقدور ~~بين قادرين؛ وأنتم لا تقولون به. PageV01P253 # قوله، "إن الله تعالى رد قول الكافر يوم القيامة، {لو أن الله هدانى لكنت ~~من المتقين} بقوله: {بلى قد جائتك آياتى فكذبت بها}، الآية. فلو قامعذره ~~بأن الله لم يهده، لم يكذبه".قلنا: التكذب وقع لدعواه أن الله لم يهده؛ ولا ~~شك أنه كذب باعتبار أحد معنيى "الهدى" اللذين قررناهما قبل، وهو الإرشاد ~~إلى طريق الحق. فإن الله أرشده إلى ذلك بالرسل والكتب وإظهار المعجزات؛ ~~فوقع تكذيبه بهذا الاعتبار. وإنما وقع منه التقصير مستندا إلى القضاء ~~والتقدير من العزيز القدير. أما "الهدى" بالمعنى الآخر الذي يصحب الإنسان ~~فيه خفير التوفيق، فلم يحصل له، ولا هو واجب على أحد المجملن. ولعله الذي ~~أراده الكافر نفى الهدى نفيا مجملا؛ فخرج التكذيب له على أحد المجملين. ~~ولعله الذي أراده الكافر؛ لأنه لم ير الرسل والكتب تهدي. وأما المجمل ~~الآخر، فلم يكن يعترف به. # قوله، "ولما قالوا: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم}، أكذبهم الله، فقال: ~~{كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا}؛ فنعوذ بالله ممن ألحق الكذب ~~بالله". قلت: الوارد في القرآن من هذا الباب فيما أستحضر ثلاث آيات: في ~~الأنعام: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيءكذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا}؛ وفي النحل: {وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم}؛ وفي الزخرف: {وقالوا لو شاء الرحمن ~~ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون}. # وليس تكذيبهم في هذه الآيات لكونهم أضافوا إشركاهم إلى مشيئة الله، أو ~~امتناعهم ms158 إلى امتناع مشيئة الله ضده، وهو الإيمان واتوحيد؛ لأنه لو كذبهم ~~لأجل ذلك، لاقتضى PageV01P254 # أن لا تعلق لمشيئته بضلال الضالين. لكن ذلك يناقض قوله: {من يشأ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على ضراط مستقيم}؛ والتناقض في القرآن محال باتفاق. ~~فثبت أن تكذيبهم لأجل أمر وراء ذلك؛ وهو أنهم قالوا ذلك على جهة التهكم، أو ~~العنت، أو المدافعة. كأنهم قالوا: "أنت، يا محمد، تزعم أن ربك هو الذي يضل ~~من يشاء ويهدى من يشاء؛ فإذن نحن بمشيئته أشركنا؛ ولو شاء لما أشركنا. وإذا ~~كان إشراكنا بمشيئته وإرادته، فأنت في دعائنا إلى غيره متكلف؛ لأن الله ~~يرضى منا بما يوافق إرادته". فدخلت عليهم شبهة القدرية في أن الطاعة موافقة ~~الإرادة؛ فأكذبهم الله سبحانه في إخراجهم هذا الكلام في صورة التفويض ~~والتسليم واعتقاد نفوذ مشيئة الله وإرادته فيهم، وإنما هم مجادلون معاندون، ~~يلزمونك على مقتضى إخبارك ما يظنون به إفحامك. وهذا كما في قوله تعالى: ~~{وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من ~~لو يشاء الله أطعمه}؛ معناه أنهم لما أمروا بالصدقة، قالوا للمؤمنين: "أنتم ~~تزعمون أن الله هو الرازق، وأن من شاء الله أطعمه؛ ومن لا، فلا فأى حاجة ~~إلى أمرنا بالإنفاق"، إلزاما لهم على ما يعتقدون. فلا شك أن الله لو شاء، ~~ما أشركوا. ولكن أكذبهم في زعمهم التفويض إليه، كما أكذبهم حين قالوا: "إنك ~~رسول الله". ولم يكذبهم في هذا القول؛ لأنه حق؛ وإنما أكذبهم في أنهم ~~يعتقدون صحة ذلك القول؛ فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وباعتبار ~~تصرفه التكليفى، ومخالفتهم خطابه الأمري، فإنه أمرهم بالتوحيد، فخالفوه ~~وأشركوا. قال بعض المفسرين: "وقد يذم الإنسان على العنت والعناد، وإن كان ~~حقا؛ كقولهم، "أنزل علينا كتابا"، و "فجر لنا ينبوعا"، ونحوه مما حكي عنهم ~~في سورة بني إسرائيل وغيرها، ذمهم الله عليه، لا لكونه سؤالا معجزا على جهة ~~الاسترشاد، بل لكونه سؤال تعجيز وعناد. ولمضا قالت الخوارج لعلي: "لا حكم ~~إلا لله"، قال: "كلمة حق ms159 PageV01P255 # أريد بها باطل". # قوله، "وجعلوا القضاء والقدر معذرة. وكيف يصح ذلك، مع قوله: {وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا هم الظالمين}! "قلت: إن أراد أن أهل السنة يجعلون القدر عذرا في ~~استباحة مواقعة المحظورات، أو إسقاط الحدود الشرعية عن فاعلها، وتأثيمهم ~~إياه، فهذا محال عليهم. بل العاصى هو نفسه يقددم عليها، وهو يلزم نفسه، ~~وبعلمه فعلها، يظلم نفسه، ويستغفر ربه. وإن أراد أنهم يجعلونه عذرا في دفع ~~لائمة المخلوقين وتوبيخهم عنهم، بمعنى أن ذلك واجب الوقوع منهم بالتقدير ~~الأزلي، وأن القوة البشرية لا تستطيع الخروج عن مقدور القدرة الإلهية، فهو ~~حق. وبذلك احتج آدم على موسى، فصوب النبي عليه السلام احتجاجه؛ ولم يكن ~~لموسى ولا لغيره تقريع عاص وتوبيخه ما لم يكن ذلك حدا مشروعا. وبهذا جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم موسى محجوجا. # فإن الله سبحانه عدل لا يظلم أحدا. فإذا رتب على جناية العاصي حدا، عاجلا ~~أو آجلا، كان ذلك مسقطا لحكم المعصية بالنسبة إلى الآدميين، حتى يعود ~~العاصي بعد معصيته كحاله قبلها. والجميع عباد الله؛ فليس لأحد منهم أن يؤذي ~~أحدا بتوبيخ ولا تقريع. ولهذا، لما رجمت الغامدة، سبها خالد، فنهاه النبي ~~عليه السلام. ولما جيء بشارب خمر ليجلد، فلعنه بعضهم، فنهاه النبي عليه ~~السلام، وقال: "إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها ولا يثرب"، أي لا يلومها ~~ويوبخها. وهذا جرى على قاعدة العدل، والفرق بين تصرف الله التكليفي، وتصرفه ~~الكونى. فباعتبار الأول، رتب الحدود على المعاصي، وباعتبار الثاني، منع من ~~توبيخ العاصي، جمعا بين عدل الله وقدرته ونفوذ مشيئته وإرادته. PageV01P256 # وأما قوله: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} "، ونظائرها، فأمرها ~~واضح باعتبار تصرف الله في خلقه، كونا باطنا، وتكليفا ظاهرا. # قوله، وكيف يصح أن يقال: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك}، أي العقوبة التي ~~أصابتك إنما هي من قبل نفسك بعملك. ولو شاء الله أخذهم بالعقوبة من غير ~~معصية، لقدر على ذلك؛ لكنه رؤوف رحيم"؛ إلى آخر كلامه في هذا المعنى. قلت: ~~قد سبق نحو هذا البحث، أو هو بعينه. ms160 وقبل هذه الآية، {قل كل من عند الله}، ~~يعني الحسنات والسيئات. وقال الله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات}، ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة}. وإن كان في الاستدلال ببعض هذا نظر، لكن، ~~بالجملة، الحسنة والسيئة من عند الله، أي بخلقه وتقديره. # وأما قوله: {فمن نفسك}، فمعناه "سبب السيئة من نفسك"؛ وهو الكسب الصادر ~~على وفق قصدك بتقدير الله ومشيئته. لكن تصرف التكليف مقصور على مراعاة ~~الاكتساب. وتقدير الله لها، مضافا إلى تصرف التكوين، فليس من هذا الباب. # قوله، "لو شاء الله، عاقبهم من غير معصية" قلنا: نعم. ولو فعل، لكان ~~عادلا في ذلك حقيقة معقولة. لا نقول ذلك بغتى، ولا جمودا على التفويض ~~التقليدى؛ بل هو معقول واقع. أما أنه معقول، فلما قررنا قب من أنه خلق ~~النفوس، وعلم ما يصدر منها من خير وشر. فلو عاقب بعضها بدون صدور ذنب منها، ~~وقلنا بتحسين العقل وتقبيحه، كما تقولون لأمكننا، بقول الله تعالى: {ولا ~~يظلم ... أحدا}؛ وعقابه لهذا بدون ذنب ظلم؛ وهو منزه عنه. فدل على أنه علم ~~من جبلته وطبيعة نفسه PageV01P257 # الشر، فأهلكه، أو عاقبه، لدفع شره. ونزلنا علمه سبحانه المحقق منزلة صدور ~~المعصية من ذلك الشرير بالفعل، كما اتفق العقلاء على قتل الحية، حتى الصغير ~~الذي لا يؤذي، لخبث نفسه وشر طبيعته. # وقد قال ابن قتيبة في قوله تعالى: {وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم ~~من يؤمن بالأجرة ممن هو منها في شك}، الآية: "إن علم الله على ضربين: خاص ~~به لا يظهر عليه غيره؛ فهذا، لعدل الله، لا يحتج به على خلقه. والضرب ~~الثاني مشترك بينه وبين خلقه، وهو الذي تقوم به الحجة الظاهرة عليهم. ~~فقوله، {إلا لنعلم}، يعني العلم المشترك الذي تقوم به الحجة عليهم وإلا، ~~فقد علم الله تعالى قبل خلقهم من يؤمن ممن لا يؤمن". هذا معنى كلامه. # وقد صرح الله سبحانه بنحو هذا فيما صحت به عنه السنة، حيث قال: "إن من ~~عبادي من لا يصلحه إلا الفقر. ولو أغنيته، لأفسده الغنى. وإن من عبادي ms161 من ~~لا يصلحه إلا الغنى. ولو أفقرته، لأفسده الفقر". وذكر مثل ذلك في المرض ~~والصحة. ثم قال: "إنى أدبر عبادي بعلمي فيهم؛ أني عليم خبير". # وأما أنه واقع، فلأن الله سبحانه أذن للخضر في قتل الغلام، لعلمه أنه إن ~~عاش، أرهق أبويه طغيانا وكفرا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الغلام ~~طبع كافرا؛ ولو عاش، لأرهق أبويه طغيانا وكفرا"، غضب، وقال: "وما يدريك؟ إن ~~الله خلق للجنة والنار خلقا وهم في أصلاب آبائهم. "قالت: "أرأيت من لم يبلغ ~~الحلم؟ " قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". وهذا حكم فيهم بالعلم. وقد ~~ورد أنه بالآخرة تؤجج لهم نار يمتحنون بها. PageV01P258 # ومن باب الحكم بالعلم، ما قاله بعض أصحابنا في الساحر يقتل، قال: "لأنه ~~صار له قدرة على أذى الناس في أموالهم وأنفسهم وحريمهم؛ والشهوات تحمله على ~~ذلك؛ فصار كالكلب العقور، يقتل لتهيئه لأذى الناس". وهو توجيه حسن. # فأما خلقه الأفعال فيهم، ثم يعاقبهم، فلما قررناه من أنه علم استحقاقهم ~~لذلك لو تركهم باختارهم. فلما استوى حال الاضطرار والاختيار، غلب الأول، ~~محافظة على رسم القدرة وكمال التصرف. # قوله، "لكنه رؤوف رحيم". قلنا: رأفته ورحمته لا تنافى تصرفه في خلقه ~~التصرف الكوني الاستقلالي. أما التصرف التكليفي، فلم يعاقب فيه أحد، إلا ~~بحجة بالغة. # ومما يوضح إثبات التصريفين المذكورين، وعليهما مدار مناظرتنا للقدرية، هو ~~أن بين الله سبحانه وبين عباده قدرا مشتركا، وهو الوجود؛ إذ كل موجود. وقد ~~قسم المتكلمون الموجود إلى قديم ومحدث. وله سبحانه خاصة ليست لبعاده، وهي ~~الإلهية. فباعتبار القدر المشترك، وهو الوجود، ثبت التصرف المشترك، وهو ~~التصرف الخطابي التكليفي؛ كقوله سبحانه، {أقيموا الصلاة}، {ولا تقربوا ~~الزنى}؛ وقول أحدنا لعبده، "قم! " و"لا تخرج! " وباعتبار خاصة الإلهية، ~~اختص الله سبحانه بالتصرف الإيجادي الكوني؛ وقد فهم هذا مما قررنا قبل. # وقد بقي في الرسالة كلمات، الجواب عنها معلوم مما قررنا في جواب ما سبق ~~منها. ومن حقق ما ذكرناه في جواب هذه الرسالة، راح عنه الباطل، وحل بواد من ~~الحق غير ما حل. ms162 PageV01P259 ### | AUTO [سادسا: الأدلة النقلية على القدر] ### || AUTO [آي إثبات القدر من القرآن] # واعلم أني كنت ملكت ببغداد كتابا نظيفا من تصنيف القاضي الشريف ابن أبي ~~موسى الهاشمى، يشتمل على آيات القدر من الطرفين، على ترتيب السور، والكلام ~~عليها بما علمه. واتفق أن الكتاب فقد، ولم أقض منه الوطر؛ فبقى ذلك في ~~نفسي. فلما ألفت هذا الكتاب، رأيت استقرياء أي القدر من القرآن على نهج ذلك ~~الكتاب، ثم إتباعها بالأخبار الصحيحة في الباب؛ ليكون الكتاب جامعا لمباحث ~~المسألة المعقولة، وحججها المنقولة. فأقول، وبالله العصمة والتوفيق: ### ||| AUTO سورة الفاتحة # قوله تعالى، {إياك نعبد وإياك نستعين}. أي نستعينك على عبادتك. وهو معنى ~~قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ أي لا قوة لنا على طاعتك إلا بتوفيقك. ~~ولو كان العبد مستقلا بخلق فعله، لم يكن له حاجة إلى الاستعانة بربه. # فإن قيل: "قد ذكرنا في الرسالة المذكورة أن عمل الخير لا يصح إلا بمعونة ~~الله؛ لكن لا يلزم من ذلك أن الله هو الخالق للفعل"، قلنا: قد سبق أن لا ~~نعني "بخلق الله للطاعات" إلا خلق دواعيها وإزالة موانع وقوعها، حتى تحدث ~~عقيب ذلك. وهذا بعنيه موجود في المعاصي. فإن الله سبحانه هو يخلق دواعيها، ~~باتفاق- وإلا لزم التسلسل- ويهيء أسبابها، كالشهوات المستميلة، والنفوس ~~المائلة، وصرف العوائق دونها. فتحدث المعاصي عقيب ذلك. فإذا سلمتم هذا، فقد ~~حصل الاتفاق في المعنى، وبقي النزاع في اللفظ. فأنتم تسمون ذلك "إعانة"، ~~ونحن نسميه "خلقا". وإن لم تسلموا ما ذكرناه من المقدمات، فالدليل عليه ~~واضح؛ وقد سبق. PageV01P260 # فإن قيل: "لا نسلم أن ما ذكرتموه، من خلق الداعي ونحوه، هو خلق المعصية؛ ~~بل خلقها هو قوله، "كن"، فيكون، كما يكون غيرها من الأعيان والأفعال". ~~قلنا: هو يكون المعاصي كذلك، لكن مرتبة بحكم عادته في خلقه، على الأسباب ~~المذكورة. فإن نازعتم في قوله لها، "كن"، قلنا: ليس فراركم من ذلك إلا من ~~لزوم القبح عقلا؛ وهو باطل، كما سبق. ثم هو لازم عليكم، بخلق الشيطان ~~والنفوس والشهوات، وترك منع العصاة مواقعة ms163 المحظورات. وحينئذ، لا فائدة في ~~منعكم قبيحا واحدا يلزمكم من جنسه قبائح. # ومنها قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}. هو طريق الحق. ووجه الدلالة ~~أنهم سألوا الهداية منه. فلو لم تكن إليه، لما سألوها؛ إذ هم مستقلون بها، ~~على زعم الخصم فإن قيل: "ظاهر الآية محال؛ لأنهم طلبوا الهداية منه؛ وطالب ~~الشيء لا يكون ذلك الشيء حاصلا له؛ وإلا لكان طلبه له، مع حصوله له، تحصيلا ~~للحاصل؛ وهو محال"؛ قلنا: فلابد للطلب من فائدة، فإن كان لحقيقة الهداية، ~~حصل مقصود الدليل. وإن كان للاستمرار على الهداية، أو لزيادة الهداية، حصل ~~أيضا. لأن الاستمرار على الشيء والازدياد منه فعل، ولابد. فإما أن يكون من ~~العباد، كما زعمتم؛ فهو محال، لبطلان فائدة السؤال؛ أو من الله سبحانه؛ فهو ~~المطلوب. # قوله، {أنعمت عليهم}. يعني بالهداية. فأضافوها إليه؛ فاقتضي استقلاله ~~بها. وهو خلاف قول الخصم، "إن العبد يهدى نفسه ويضلها". ### ||| AUTO سورة البقرة # فمنها قوله: {أولئك على هدى من ربهم}. "من" لابتداء الغاية؛ أي "منشأ ~~الهدى وابتداؤه هو ربهم؛ فهو صادر عنه، وحاصل منه". وليست للتبغيض؛ ~~لاستحالته على الرب سبحانه. ولا للجنس؛ إذ ضابط الجنسية أن يكون ما بعدها ~~أعم مما قبلها وجنسا PageV01P261 # له؛ نحو "ثوب من خز"، و "خاتم من حديد"، و "باب من خشب". وليس بين العبيد ~~والرب اتصال بعموم ولا خصوص. وبهذا ضعف قول من زعمن أن "من" في قوله: ~~{فاجتنبوا الرجس من الأوثان}، جنسية؛ لأن الأوثان ليست أعم من الرجس، ولا ~~جنسا له. بل هي لابتداء الغاية، كهذه التي نحن فيها؛ أي "الرجس الحاصل، أو ~~الناشئ، من الأوثان". وإذا ثبت أن الرب سبحانه مبدأ الهدى، فما ذلك إلا ~~لأنه خالقه وموجده. # ومنها يقوله سبحانه: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ~~غشاوة}. ونظريها في النحل، {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم}، وفي الجاثية، {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ~~وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصر غشاوة فمن يهديه من بعد الله}. قلت: ~~"الختم" و ms164 "الطبع" و"الرين"، في قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون}، أي "غطى عليها"، هي عندنا أعراض يخلقها الله في قلوب ~~الأشقياء، يمنعهم بها من الإيمان، بالإعراض والصرف عن النظر في آياته وتدبر ~~علاماته. ومن هذا الباب، "الأكنة"، في قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه}. # أما المعتزلة والقدرية، فزعم أن الختم والطبع مجرد تسمية الله العبد ~~"كافرا" و "ضالا" و "مختوما، أو مطبوعا، على قلبه". وهو فاسد، لوجهين. ~~أحدها أن الله سبحانه ذكر ذلك في معرض التضرف فيهم بما يصرفهم عن الإيمان؛ ~~ومجرد التسمية لا تؤثر في ذلك. الثاني أنا نحن قادرون على تسمية الكافر ~~"كافرا"، ولسنا قادرين على الختم والطبع على قلبه؛ دل ذلك على تغايرهما. ~~وأيضا، لو صح ما ذكروه، لكان أقبح PageV01P262 # القبيح؛ لأنه يذمهم على مجرد تسميته لهم بذلك؛ وورود الختم والطبع في ~~سياق الذم ظاهر. # وقال بعضهم: " هي سمات وعلامات يجعلها الله على قلوب الكفار". وهو باطل؛ ~~لأن شأن السمة والعلامة أن تدل على الشيء، لا أنها تمنعه وتصرفه عما ينبغي ~~له. والله سبحانه ذكرها في معرض ذلك بدليل قوله، {أكنة أن يفقهوه}؛ أي ~~"يمنعهم من أن يفقهوه"، أو "لئلا يفقهوه". # وقال بعضهم: "الختم والطبع عقوبة من الله، يجازي بها أهل المعاصي. وهي ~~إنما تضاد الإخلاص، لا الإيمان؛ فيصح اجتماعه معها" وهو باطل؛ لأن الله ~~سبحانه لم يذكرها إلا في حق الكفار. ولعلهم أخذوا ذلك من نحو قوله تعالى: ~~{بل طبع الله عليها بكفرهم}؛ أي "بسبب كفرهم"؛ فدل على أنها عقوبة على ~~المعصية. لكنا قد بينا بطلان العقوبة على الذنب بذنب مثله، أو بما يفضي إلى ~~مثله، فيما سبق، بيانا شافيا. والباء في الآية، وإن كانت ظاهرة في السببية، ~~إلا إنها مؤولة عند العلماء على الحالية؛ أي "طبع الله على قلوبهم متلبسين ~~بكفرهم"، أي حال كفرهم". ويفيد ذلك تقيد الطبع بحال كفرهم، ولا طبع عليها ~~حال إيمانهم. # والتحقيق في الباب أن "الختم" و"الطبع" و"الوسم" متقاربة في المعنى، وهي ~~الاستيثاق على الجسم المجوف بالسد ms165 ونحوه، لئلا يدخله شيء؛ كختم الكيس ~~والإناء ونحوه. فالختم على القلب يحتمل أنه حقيقة، بأن يكون، كما قيل، شكلا ~~صنوبريا مجوفا، يعقل الأشياء بانطباعها فيه، كانطباع الأشياء المحسوسة في ~~الحواس، كالمبصرت في جليدية العين، ونحوها، إن قلنا إن العقل في القلب؛ أو ~~بواسطة فيض نوره عليه من الدماغ، على ما مر في ذلك. فيمنع الله سبحانه دخول ~~المعقولات وانطباعها فيه بشيء محسوس يغطيه. كما قيل، "إن للقلب غياية ~~القمر، إذا تغشته بشيء ما سمع، وإذا تجلت عنه ذكر". و"الغياية"، بعين ~~معجمة، ويائين آخر الحروف: السحابة. وقال مجاهد: "القلب كالكف، يقبض منه ~~بكل ذنب أصبع، ثم يطبع". PageV01P263 # قلت: الأحاديث الصحيحة دلت على أنه حقيقة. فروى أبوهريرة، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكنة ~~سوداء. فإذا هو نزع واستغفر وتاب، سقل قلبه. وإن عاد، زيد فيها، حتى تغلق ~~قلبه. وهو الران الذي ذكر الله؛ {كلا بل ران على قلوبهم}، الآية". رواه ابن ~~ماجه والنسائى، وصححه الترمذى. # وفي حديث حذيفة، "إن الأمانى نزلت في جذر قلوب الرجال"؛ إلى قوله، ثم ~~حدثنا، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، عن رفع الأمانة، فقال: "ينام الرجل ~~النومة، فتقبض الأمانة من قلبه؛ فيظل أثرها مثل المجل كحمر دحرجته على ~~رجلك، فنفطت؛ فتراه منتبرا". حديث صحيح متفق عليه. # وفي بعض الأحاديث، يصف القلب أنه إذا اكتسب الخطايا، [صار] منكوسا ~~كالكوز، مجخيا مربادا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. وكل هذه صفات ~~الأجسام المجوفة. # ويحتمل أن يكون الختم والطبع مجازا عن خلق الله سبحانه داعي الكفر في ~~القلب، أو عدم خلق داعي الإيمان فيه. فيكون امتناع قيام الإيمان بالقلب ~~لعدم خلق داعيه فيه، أو لقيام ضده به، وهو الكفر، كامتناع قيامه به لوجود ~~ما يغطيه، فيمنعه من الانطباع فيه لو كان مجوفا. # وربما رجح هذا الوجه بدليل السمع والبصر المقارنين للقلب في الآية. فإن ~~الختم والغشاوة عليهما غير محسوسين، بل معقولان، كما ذكرنا وهو معنى قوله ~~تعالى: {واعلموا ms166 أن الله يحول بين المرء وقلبه}. # والمقصود على الاحتمالين حاصل، وهو أن "الختم" و "الطبع" و "الأكنة" ~~و"الغشاوة" PageV01P264 # و "الأخذ"، في قوله: {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم}، موانع تمنع من قامت به من الإيمان بإرادة الله وتقديره وخلقه. # واعلم أن ها هنا تنبيها ليس من مهمات ما نحن فيه؛ لكنه متعلق بالآيات ~~المذكورة. وهو أن آية النحل شركت بين القلوب والسمع والإبصار في الطبع؛ وهو ~~وبمعنى الختم وآية الجاثية خصت الغشاوة بالبصر. وآية البقرة هذه هو فيها ~~متردد بين أنه مختوم عليه، أو عليه غشاوة. والأول أظهر لفظا. وبدليل باقي ~~الآيات، واختلاف ألفاظ هذه الآي في الحائل دون القلب والسمع، يقوي الاحتمال ~~الثاني، وأن ذلك مجاز. # وقال بعض الفضلاء: "القلوب والأسماع مجوفة. فالختم بها أشبه. والأبصار ~~بارزة والإدراك بظاهرها. فكان الغشاء بها أليق". وهذا بناء على أن ذلك ~~حقيقة، أو بيان لمناسبة الاستعارة. # ومنها قوله تعالى: {فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا}. "المرض" إما الشك ~~أو الضلال عن الهداية. وقد أخبر أنه زادهم إياه، مضافا إلى ما في قلوبهم ~~منه. وهو كقوله: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم}. وإذا جاز أن تكون الزيادة منه، ~~جاز أن يكون الأصل منه. وجميع ذلك إنما خو بخلق الدواعي وإقامة الشبهات ~~والصوارف. وقد أجبنا عن قولهم، "إنما الزيادة منه عقوبة على أصل المرض الذي ~~في قلوبهم". # ومنها قوله سبحانه: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}. و ~~{يمدهم}، أي "يملى لهم". {فى طغيانهم}، أي غلوهم في الكفر. {يعمهون}: ~~يترددون في الضلالة ويتحيرون. والعمه في القلب كالعمى في البصر. فيقال ~~للخصم: إما أن يكون الله قادرا على إنقاذهم من الحيرة، بكشف شبهتهم واللبس ~~عنهم، أو لا. # فإن كان قادرا، فلم لم يفعل، وهو من المصالح الواجبة عليه؟ فكما جاز أن ~~لا ينقذهم منها، جاز أن يوقعهم فيها ابتداء؛ إذ كلا لأمرين قبيح شاهدا. ~~فإذا جاز أحدهما في PageV01P265 # حقه، وجب أن يجوز الآخر؛ إذ حكم المثلين واحد. وقد سبق هذا البحث. وإن لم ms167 ~~يكن قادرا على إنقاذهم منها، لزم أن يكون عاجزا عما فعلوه هم بأنفسهم، ~~وساعد عليه الشيطان؛ فيكونون أقدر منه. وحينئذ، لا يؤمن أن يكون الشياطين ~~وبعض الكفار قد اتفقوا على أن غلبوا على ملكوت السماوات والأرض، فصاروا ~~آلهة، أو على الأرض فقط، وعزلوا البارئ عن الإلهية فيها، تعالى الله عن ذلك. # ومنها قوله: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}. والخصم زعم أن الإنسان ~~يهدي نفسه ويضلها؛ فما بالهم لم يكونوا مهتدين؟ وإنما ذلك عندنا لأن الله ~~لم يهدهم الهدى المصاحب بخفير التوفيق. أما الإرشاد المجرد، فقد حصل. # ومنها قوله: {ذهب الله بنورهم}. وليس الضمير راجعا إلى الممثل به، وهو ~~المستوقد للنار. بل إما إلى صاحب المثل، وهم المنافقون، ذهب الله بهدايتهم؛ ~~أو إليهم وإلى المستوقد على جهة المزج والاستخدام، كما قررناه في التفسير. ~~وإذا جاز أن يذهب بهدايتهم، فما المانع من أن يأتي بضلالتهم؟ وهذا على ~~تقدير أن ذهابه بنورهم، وهو الهدى والإيمان، في الدنيا. أما إن أريد به في ~~الآخرة، فلا تكون هذه الآية مما نحن فيه. # ومنها قوله: {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا}. ثم ~~قال الله تعالى: {يضل به كثيرا ويهدى به كثير}. فصرح بإضافة الإضلال والهدى ~~إليه. والجواب عن قولهم، "إنما أضلهم بعد فسقهم، بدليل باقى الآية"، قد ~~سبق. وكان سبب الآية [أن] الكفار: "الله أجل من أن يذكر هذه الحشرات ~~الخسيسة؛ وإنما هذا من كلام محمد. فأنزل الله سبحانه: {إن الله لا يستحيي ~~أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}. PageV01P266 # ووجه إضلالهم وهداية غيرهم أن الله سبحانه ألهمهم الشبهة المذكورة بسبب ~~الأمثال المضروبة، وضلوا، وعضم منها الآخرين، فلم يضلوا، فاهتدوا؛ إذ لا ~~واسطة بين الضلال والهدى. # ومنها قوله: {إنى جاعل في الأرض خليفة}. ووجه الاستدلال بها ما سبق، من ~~[أن] الله تعالى خلق آدم ليكون خليفة في الأرض على الوجه الذي أهبط به ~~إليها، وهو المعصية. فقد تعلق علمه بها قبل خلقه. وخلاف ما تعلق علمه، قد ~~بينا أنه غير مقدور. فما ms168 تعلق به علمه يكون واجب الوقوع. وبذلك احتج آدم ~~على موسى. # ومنها قوله: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئونى}، الآية، إلى قوله: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}. وجه ~~الاستدلال؛ ثم وبخهم بقوله: {ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض}. ~~فكذلك، يجوز أن يضطر العبد إلى فعل ما يذمه ويوبخه عليه. ولا فرق بينهما في ~~الحقيقة؛ إلا أن يقال: "إن فعل الله سبحانه مع الملائكة يحسن فعله في ~~الشاهد؛ بخلاف فعله مع العبد، على زعكم" لكن جوابه من وجهين. أحدهما منع ~~جواز السؤال تعجيزا في الشاهد. لأنه عنت؛ والعقل والشرع يقبحانه. فقد جاء ~~في الحديث، "إياكم وأعلوطات المسائل"؛ وهي المسائل الصعبة. ولذلك، كل عاقل، ~~إذا سئل سؤال امتحان، يجد في نفسه لذلك؛ لإشعار السؤال باستجهال السائل له ~~واستقصائه عن معرفته. إلا إنه قد يقال: "إن سؤال التعجيز في مثل قضية ~~الملائكة يجوز، بل يحسن، بل ربمما وجب قياس قول المعتزلة في رعاية الأصلح؛ ~~لأنه خرج مخرج التأديب لهم عن تعاطي الإنكار فيما لا علم لهم به". الوجه ~~الثاني أن الفرق المذكور اجع إلى التحسين والتقبيح وقياس الغائب على ~~الشاهد؛ وهما PageV01P267 # أصلان باطلان. # ومنها قوله تعالى: {اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس}. وجه الاستدلال بها ~~أنه علم أن إبليس لا يسجد؛ بدليل قوله، {أعلم غيب السموات والأرض}. وقال ~~بعض المفسرين: "إن الإشارة بقوله: {إنى أعلم مات لا تعلمون}، إلى امتناع ~~إبليس من السجود. فأراد أن يبين سرة المكنون فيه؛ لأنهم كادوا يفتنون في ~~إبليس لكثرةعبادته. وقد ثبت أن خلاف معلومه محال؛ فمعلومه واجب. فترك إبليس ~~للسجود واجب؛ وقد كلفه به. وتمام الاستدلال ظاهر؛ وقد سبق. وكذلك الاستدلال ~~بكل تكليف علم الله من المكلف خلافه؛ وهو كثير. فلنكتف بذكر قاعدته ها هنا، ~~ولا نعيده حيث تكرر، إلا يسيرا. # ومنها قوله تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون}. و"اللعن" ~~هنا راجع إلى معنى الختم والطبع. ونظيرها في سورة النساء: {بل طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون ms169 إلا قليلا}. وقد سبق الكلام في معنى قوله، ~~"بكفرهم". # ومنها قوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل}، على الصحيح في تأويله. وإن ~~المراد "أشربوا في قلوبهم حب العجل". ووجه دلالته أنه حذف الفاعل في قوله: ~~{واشربوا}، وبناه لما لم يسم فاعله. ولو كان الفاعل "هم"، لقال: "وشربوا"، ~~كما قال قبله: {قالوا سمعنا وعصينا}. فلما قطعه عن نظائره، وما عطف عليه في ~~تسمية PageV01P268 # الفاعل، دل على أن الفاعل غيرهم. وليس إلا أنه سبحانه أشرب قلوبهم حب ~~العجل، أي ألهمها إياه حتى شربته وتشربته وتغلغل فيها تغلغل الماء في ~~الشجرة، ونحوه. وقد سبق قول موسى، "رب أنت أضللت قومى". # ومنها قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه}. وجه دلالتها أنه امتحن الناس بتحويل القبلة، ~~ليعلم المتابع من المنازع، مع علمه بأن منهم من ينازع ولا يتابع. وتمام ~~الاستدلال بها كما سبق في سجود إبليس وغيره. وقوله، {إلا لنعلم}؛ يعني ~~العلم المشترك بنيه وبين الخلق، كما سبق. # ومنها قوله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا ~~قبلتك}. وما ذاك إلا لأنه منعهم عن اتباعه بخلق الدواعي وإقامة الصوارف. ~~وإلا، فلا خلاف في أنه قادر على أن يلطف لهم ويزيل عنهم الشبه، حتى يعلموا ~~صحتها، فيتابعوها. فما صار المنع إلا من قبله. ومن بابه، قوله تعالى: {إن ~~الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون}، {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة}، ~~إلى قوله: {كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}. # ومنها قوله تعالى: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا}. وذلك إعانة لهم على ~~الكفر والطغيان، وإمداد لهم فيه. وقد كان الأصلح لهم أن يزهدهم فيها كما ~~زهد فيها أولياءه. وإذا جاز أن يعينهم على الكفر، جاز أن خلقه فيهم. وقد ~~صرح الله تعالى بقوله: {كذلك زينا لكل أمة عملهم}. # ومنها قوله تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ~~والله يهدي من PageV01P269 # يشاء إلى صراط مستقيم}. ودلالتها من وجهين: # أحدهما: قوله: {فهدى الله ms170 الذين آمنوا}؛ خصهم بالهداية. وتلك الهداية إما ~~الإرشاد المجرد، أو الإرشاد المقيد بصحبة التوفيق. والأول باطل؛ لأنه لم ~~يختص به المؤمنون. بل الله سبحانه أرشد الفريقين إلى طريق الحق، بدليل ~~قوله: {وهديناه النجدين}، {وأما ثمود فهديناهم}. فتعن أن الهدى الذي اختص ~~به المؤمنون هو الهدى المصاحب للتوفيق إلى غاية التحقيق؛ وذلك بخلق دواعى ~~الاتباع، ونفي دواعي الامتناع. # الوجه الثاني: قوله، {والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم}. والهدى فيما ~~هو المذكور في الوجه قبله؛ وقد خص به من يشاء. وقد صرح الله سبحانه بالدعاء ~~عاما والهداية خاصا في قوله: {والله يدعو إلة دار السلام ويهدى من يشاء إلى ~~صراط مستقيم}. # ومنها قوله تعالى: {لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم}، إلى قوله: ~~{ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد}. تقدير الآية ونظائرها: ~~"لو شاء الله أن لا يفعلوا، أو أن لا يقتتلوا، لما اقتتلوا". فقد أقرهم ~~سبحانه على الاقتتال مع قدرته على رفعه عنهم وصرفهم عنه؛ وعلل بأنه يفعل ما ~~يريد. والقبح فيها لازم على المعتزلة؛ حيث لم يراع مصلحة المقتتلين بصرفهم ~~عن الاقتتال؛ ولا مصلحة فيه بحال ذلك عليها. # قال ابن المنير: "ومن عادة الزمخشري في تفسيره أن يؤول أي الإثبات على ما ~~يوافق رأيه في الاعتزال. لكن أعرض عن الكلام على المشيئة ها هنا، لاعتياصه ~~عليه. وهو دليل على فساد مذهبه". قلت: والذي ذكر الزمخشري في الكشاف أن ~~قال: "لو شاء PageV01P270 # الله مشيئة إلجاء ما اقتتلوا". وهذا تأويل منه للآية. إلا إنه تأويل ~~فاسد. لأن مشيئته لا تكون إلا ملجئة. # ومنها قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}. وهي دلالة على جواز ~~تكليف ما لا يطاق، ومحل النزاع منه. وعورض بأول الآية، {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها}. فالآية يستدل بها من الطريقين. وقد سبق الاستدلال بها والكلام ~~عليه في مسألة تكليف المحال. ### ||| AUTO سورة آل عمران # فمنها قوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}. أخبر الله سبحانه ~~أن هذا ms171 قول الراسخين في العلم، مادحا لهم بذلك. وقد نسبوا إليه إزاغة ~~القلوب وهدايتهم وإقرار الله سبحانه على الكلام كقوله إياه. ولو كان كما ~~زعمه المعتزلة، لذمهم على ذلك وأنكر عليهم، وقال: "أنا لا أزيغ قلب أحد، ~~ولا أهدي أحدا؛ بل الناس يفعلون ذلك بأنفسهم"؛ لأن ذلك كان أصلح لقائله؛ إذ ~~هو إرشاد إلى قول الحق، وهو واجب على الله عند المعتزلة. # وأيضا، فإن هذا ترك لبيان عند الحاجة إليه قطعا؛ وقد سبق اتفاقهم على أنه ~~لا يجوز. فحيث سمى الله سبحانه قائل هذه المقالة "راسخا" في العلم"، دل على ~~أن مخالفه راسخ في الجهل. وهم يتأولون الآية على معنى "لا تبلنا ببلايا ~~تزيغ فيها قلبونا، ولا تمنعنا ألطافك". وهو تحريف، ثم لا ينفعهم؛ لأنه ~~سبحانه حينئذ يكون مضطرا لهم إشلى الزيغ بالبلايا ومع الألطفا. # ومنها قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات}، الآية. فالمزين لها إما الله ~~سبحانه، بدليل قوله: {كذلك زينا لكل أمة عملهم}؛ أو الشيطان، بدليل قوله ~~تعالى: PageV01P271 # {وزين لهم الشيطان أعمالهم}؛ فيكون ذلك تزيينا من الله بواسطة الشيطان؛ ~~وهو من جملة الأسباب التي تخلق الأفعال عندها. وإذا كان الله هو الذي يزين ~~حب الشهوات، فالمعاصي واقعة حبها ضرورة؛ ولقوله عليه السلام، "حب الدنيا ~~رأس كل خطيئة". # ومنها قوله تعالى: {ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم قل إن الهدى هدى ~~الله}. ونظيرها في البقرة: {قل إن هدى الله هو الهدى}. فظاهر الآيتين حجة ~~في الباب؛ إذ تقديره أن الهدى الكامل الذي يتعقبه الاهتداء هو هدى الله ~~الذي يصاحبه التوفيق. ويحتمل أن المراد بهما أن الدين الحق الصحيح هو دين ~~الله الذي هدى الله إليه. وهو الأظهر؛ لورود الآيتين في سياق محاولة أهل ~~الكتاب متابعة المسلمين لهم على دينهم. # ومنها قوله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبر الدين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم}. ونظيرها قوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا}، وقوله قبل: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم}، "وقوله: ms172 {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ~~مشيدة}. كل هذه الآيات من باب واحد. والاستدلال بالآية الأولى أظهر. ووجهه ~~أنهم لو كانوا مستقلين بإيجاد أفعالهم، لاستقلوا ببروزهم إلى مضاجعهم؛ لأنه ~~من أفعالهم. ولو استقلوا به، لأمكنهم فعله وتركه على جهة الاختيار. ولو صح ~~ذلك، لما استلزم كتب الله القتل عليهم خروجهم إلى مضاجعهم؛ لجواز أن يكتبه ~~هو، ويأبوه هم. فلما استلزم كتب القتل عليهم بروزهم له، دل على أنهم مضطرون ~~إليه، لا مختارون. وإذا ثبت اضطرارهم في هذا PageV01P272 # الفعل، ثبت في كل فعل؛ إذ لا قائل بالفرق. # ومنها قوله سبحانه، {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخلكم فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده}. ودلالتها من وجهين: # أحدهما: أن عدو الإنسان ضربان: إنسان من جنسه، وشيطان من غير جنسه. وقد ~~ثبت بالآية أن انتصاره على عدوه من جنسه دائر مع نصر الله، أو خذلانه له، ~~وجودا وعدما. فكذلك انتصاره على عدوه من غير جنسه، وهو الشيطان، كذلك. ولا ~~نعني، بنصر الله وخذلانه، إلا خلق داعي مخالفة الشيطان، أو خلق داعي ~~موافقته. وقد سبق أن الفعل يجب عقيب الداعي، وأن الله سبحانه خلق [الفعل] ~~له بواسطة الداعي. # الثاني: أن الانتصار على العدو في الشاهد ليس إلا بالأمور المحسوسة ~~المشاهدة، وهي الكر بالخيل والركاب، والطعن والضرب بالسلاح. ولو كان ذلك ~~مستقلا بالمقصود، لما كان المؤثر هو نصر الله، دل على أنه سبحانه هو خالق ~~النصر وأسبابه التي هي الكر والفر والطعن والضرب ونحوها. وفي هذا الوجه نظر. # ومنها قوله تعالى: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة}. وجه ~~الاستدلال بها أن مسارعتهم في الكفر، لو كانت خلقا لهم، لما أثرت إرادة ~~الله في ذلك. دل على أن مسارعتهم ليست خلقا لهم. ثم إن الإرادة إنما ~~تأثيرها في تخصيص الأفعال في زمان ومكان ونوع وقدر، لا في نفس الإيجاد، ~~وإنما المؤثر في الإيجاد القدرة. فدل على أن إرادة الله وقدرته أثرتا في ~~نفي حظهم في الآخرة؛ وما ذلك إلا بخلق الكفر ms173 فيهم. والله أعلم. ### ||| AUTO سورة النساء # فمنها قوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقواو هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولو هذه من عندك قل كل من عند الله}. أي كل واحدة من السيئة والحسنة من PageV01P273 # عند الله. فظاهر الآية حجة في الباب. لأن "سيئة" فيعلة، من "ساء يسوء"، ~~وهي من سياق الشرط؛ فيقتضي العموم، ويتناول كل ما ساء؛ فيدخل فيه الكفر ~~والمعاصي. وكذلك الحسنة تتناول الإيمان وسائر الطاعات. وقد أخبر الله ~~سبحانه أن ذلك كله من عنده، أي بإرادته وقضائه وقدرته. لكن قد قيل إن ~~المراد "بالسيئة" الجدب والغلاء. وقيل: القتل والهزيمة؛ والحسنة ضد ذلك. ~~وهو مقتضى سبب الآية وسياقها، وإن كان خلاف ظاهرها وعموم لفظها. فعلى هذا، ~~ليست من حجج الباب. وقد سيق بعض الكلام فيها. ووجه الجمع بينها وبين قوله: ~~{وما أصابك من سيئة فمن نفسك}. وبالغ في إنكار ذلك عليهم، حيث قال: {فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا}. # ومنها قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين والله بما كسبوا أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا}. وفيها على المكلوب ~~ثلاثة أدلة. أحدها: # قوله، {والله أركسهم}؛ وهم قوم آمنوا، لم رجعوا عن الجهاد مع رسول الله. ~~فاختلف الصحابة؛ فقال بعضهم: "هم منافقون"؛ وقال بعضهم: "ليسوا منافقين". ~~فنزلت الآية، وأخبر الله أنه هو أركسهم؛ أي "ردهم". ومنه سمى الرجيع" ركسا". # الثاني: قوله: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله}. نسب سبحانه الإضلال إليه، ~~كما نسب الهدى إليه في غير موضع. وحاول الزمخشري الخلاص من هذه بأن قال: ~~{من أضل الله}، أي "جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك"، أو "خذله حتى ~~ضل". وهيهات لات حين مناص! أما حملها على الحكم بالضلال، فخلاف PageV01P274 # موضوع اللفظ. ثم هو مجمل. فنحن نقول: "حكم" بمعنى "قضى وقدر"؛ وهو يقول: ~~بمعنى "أبان وأظهر"؛ وهو نحو من قولهم "الطبع والختم بالتسمية". وأما جعله ~~ضالا، أو خذلانه حتى ضل، فهو تسليم لما نقول. إذ جعله ضالا إنما هو بخلق ms174 ~~الضلال فيه وخذلانه، حتى ضل من أسباب خلق الضلال، كما أن التوفيق من أسباب ~~خلق الهدى. # الثالث: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا}؛ أي إلى الهدى. والفرق بين هذا ~~والذي قبله أن ذاك خاص، أو في معناه، وهذا عام، لأنه في سياق الشرط. # ومنها قوله سبحانه: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا}. وهي كالتي قبلها. # ومنها قوله تعالى، {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا}. فنسب الطبع عليها إليه. وقد سبق الكلام على معنى ~~{بكفرهم}. # ومنها قوله سبحانه: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريق إلا طريق جهنم}. فأخبر الله سبحانه بأنه يهديهم إلى طريق ~~النار، ولا يهديهم إلى طريق الجنة. وإن لم يكن هذا إضلالا، فليس في الوجود ~~إضلال أصلا. وقد بينا أن كون ذلك مرتبا على كفرهم وظلمهم لا ينفي ما نقول ~~بيانا شافيا. والله أعلم. ### ||| AUTO سورة المائدة # فمنها قوله تعالى: {فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة}. فنسب الإغراء بينهم إليه. ولا تأثير لكونه ~~مرتبا على نسيانهم لكونه مرتبا على نسيانهم حظا منه، لما سبق. PageV01P275 # ومنها قوله تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن الملك له من الله شيئا أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم}. ومن المعلوم أن إرادة الله سبحانه ~~فتنتهم وعدم تطهير قلوبهم قبل وجودهم. فلا يصح للهصم أن يقول: "إنهم لما ~~كفروا، أ {اد بهم ذلك عقوبة لهم". فإن قيل: "أراده جاريا على كفرهم عقوبة"، ~~قلنا: فهذا هو المراد. # وتأولها الزمخشري على معنى "من يرد الله تركه مفتونا، فلن تستطيع له من ~~لطف الله شيئا يرد به عن فتنته؛ ولم يرد تطهير قلوبهم لعلمه أن ذلك لا ~~ينفع". قلت: أما الأول، فهو على بعده عن الظاهر، له نوع اتجاه. وأما ~~الثانى، فهو كقولهم في المثل، "اضربه على ذنبه عشرة، وعلى عذره عشرين! " ~~لأن الله سبحانه لو ms175 قدر أنه أراد أن يطهر قلوبهم من الكفر والشك، فإما أن ~~يكون ذلك مع إرادة أنه ينفع فيهم، أو لا. والأول مستلزم للنفع؛ أنه سبحانه ~~فعال لما يريد؛ وإلا لزم نفوذ إرادتهم وإرادة الشيطان فيهم، دون إرادة ~~البارئ سبحانه. والثاني يوجب الجمع بين الضدين. وهو أنه أراد التطهير، ولم ~~يرده؛ وهو محال. فتبين أن الآية قاطعة في مذهب أهل الحق. # ومنها قوله تعالى في اليهود والنصارى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن ~~الله لا يهدى القوم الظالمين}. فنسب نفى الهدى إليه، فدل على أنه هو الفاعل ~~له ولضده. ولا تأثير لترتب نفي الهداية لهم على ظلمهم لنا سبق. ولعله يريد ~~الظالمين في علمه؛ فيكون نفي الهداية ابتداء الأمر، بناء على ظلم أو غيره. # ومنها قوله تعالى: {فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبوه}، إلى قوله: {ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء}. ونظائرها في القرآن، من اختصاصه سبحانه بفضله من ~~يشاء. فدل على أنه لا علة للهداية والضلال إلا مشيئة الله وقدرته. # ومنها قوله سبحانه: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا}. PageV01P276 # وهو مثل قوله: {فزادهم الله مرضا}، {فزادتهم رجسا إلى رجسهم}. وإذا جاز ~~أن يتسبب إلى زيادة الضلالة، جاز أن يفعل. إذ لا فرق بين فاعل القبيح ~~والمتسبب إليه في استحقاق أصلح القبح. وإذا جاز أن يفعل زيادة الضلال، جاز ~~أن يفعل أصل الضلال. # ومنها قوله سبحانه: {واتقوا الله وأسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين}. ~~والاستدلال بها كما سبق. # ومنها قوله سبحانه، حكاية عن المسيح: {إن تعذبهم فإنهم عبادك}. جعل السبب ~~المصحح للتعذيب هو العبودية، ولم يعلل بمعصية ولا غيرها. فدل ذلك على مذهب ~~أهل الحق، من أن الله إن يرحم العاصي ويعذب الطائع، بعلة العبودية وكونه ~~مالكا لا غير، فإن انضم إلى ذلك صف طاعة أو معصية، كان مؤكدا، أو علة ~~ثانية. وإن لله سبحانه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ### ||| AUTO سورة الأنعام # فمنها قوله سبحانه: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون}. ms176 وهو نص صريح في أن الله سبحانه [ما] إن يلبس على العبد أمره حتى ~~يضله. وقد وقع هذا تحقيقا في المسيح؛ فإنه يقال إن الروح الذي أرسل إلى ~~مريم كان ملكا؛ فحملته؛ ثم ظهر رجلا. فهذا ملك قد جعله الله رجلا. ويدل على ~~ذلك أخلاقه وأفعاله؛ فإنها كانت كأخلاق الملائكة وأفعالهم. وكقوله: {وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض ليقولوا}، الآية، فيما بعد؛ وقوله: {وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبئ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}، إلى قوله: {ليجعل ما ~~يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض}. فهذا صريح PageV01P277 # فى أنه ينصب لهم أشراك الضلال ليقعوا فيها. وإن لم يكن هذا نصا فيما ~~ذكرنا، فما ورد الشرع بنص في حكم أصلا. # ومنها قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنه أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا}. ~~ولها نظائر في سورة الكهف وغيرها. وهي في معنى قوله: {ختم الله على ~~قلوبهم}؛ وقد سبق. # ومنه قوله تعالى، عقيب قولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب}، {ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}. ومن المحال أنهم يعودون لما نهوا عنه بعد ~~معاينتهم النار ومشاهدة أمور الآخرة، إلا بأن ينسيهم ملك ويضطرهم إلى الكفر ~~والمعاصي؛ وهو إضلال لهم بالتسبب أو المباشرة؛ وهو المطلوب. وقد سبق. # واعلم أنا قد قدمنا أن بعض المعتزلة غلا في وجوب رعاية الأصلح، حتى التزم ~~أن دخول الكفار النار أصلح لهم. قلت: ولا يتجه في ذلك مصلحة، إلا أن يكون ~~هذا القائل شذ عن أصحابه، وتخيل أن العالم يعود دورا آخر إلى دار التكليف؛ ~~فيكون قد تأدب بالنار، حتى إذا كلف ثانيا أطاع. وهذه الآية ونحوها ترده من وجهين: # أحدهما: أنها تضمنت أنهم يسألون أن يردوا، فلا يجابون؛ بدليل قوله: {ولو ~~ردوا لعادوا}؛ فاقتضى امتناع العود، لامتناع الرد على ما هو مقتضى "لو". # الثاني: أنه، على تقدير الرد، أخبر أنهم يعودونه للكفر؛ فلا ينفعهم ~~التأديب. # ومنها قوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}. وقد سبق الاستدلال ~~بها في جواب الرسالة. # ومنها قوله ms177 تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم}. PageV01P278 # ومنها: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتى فإذا هم مبلسون}؛ أي: آيسون متحسرون. وهذا معنى ~~قوله: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. قيل: "معناها: كلما جدوا معصية، جددنا ~~لهم نعمة". وهذا مكر من الله بهم، كمكر الصائد بالصيد حتى يصيده. وهو إصلال ~~بالخلق والتسبب؛ لأن خالق السبب خالق المسبب؛ ولا خالق إلا الله. # ومنها قوله تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم ~~من بيننا}. # قلت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجالس المستضعفين من المؤمنين، كبلال ~~وعمار وصهيب وسلمان. فازدراهم الكفار، وقالوا: "هؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا! لو كان هذا الأمر حقا، لما خص به هؤلاء". وكان ذلك فتنة من الله ~~لهم؛ كقول قوم نوح له: {ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين ~~هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين}. # ومنها قوله تعالى: {قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين}. ~~والاستدلال بها ها هنا أقوى منه بالتي في البقرة وآل عمران، بدلالة ما في ~~سياقها. # ومنها قول إبراهيم، حين رآى القمر بازغا، ثم أفل: {قال لئن لم يهدنى ربى ~~لأكونن من القوم الظالمين}. وتأويله على "لئن لم يلطف لى حتى أهتدي"، لا ~~دليل عليه. واللفظ واف بمقصود أهل السنة. وقال بعده: {وحاجة قومه قال ~~أتحاجونى في الله وقد هدان}؛ فنسب الهداية إلى الله سبحانه. # ومنها قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من ~~قبل}، إلى PageV01P279 # قوله: {واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدى به من ~~يشاء من عباده}، إلى قوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدى}. # ومنها قوله سبحانه: {ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما ~~أنت عليهم بوكيل}. ومشيئة الله سبحانه إرادته، وتعلقها بالمرادات موجب ~~لوقوعها، بشرط ms178 تأثير القدرة فيها؛ لئلا تتناقض مقتضيات صفاته تعالى؛ وهو ~~محال، كما سبق. وبهذا يندفع قولهم، "لو شاء مشيئة إلجاء"؛ فإن على ما ~~قررناه لا تكون مشيئته لا ملجئة موجبة. # ومنها قوله سبحانه: {كذلك زينا لكل أمة عملهم}. أي حسناه في نفوسهم، ~~ليعملوه. والميل إلى ما زينه الله سبحانه واجب، كما قال: {زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين}. وعلى ذلك تقطع الأعناق. وسبب ذلك أن الله ~~سبحانه خلق الطباع، وعلم ما تميل إليه ميلا واجبا؛ فخلقه لها. فصار ذلك ~~بمثابة من يقرب الحطب من النار، والحديد من المغناطيس. فإنه بالضرورة يؤثر ~~فيه، مع زوال المانع. وعكس هذه الآية قوله تعالى للمؤمنين: {ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}. الآية. # ومنها قوله تعالى: {قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم إنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون}؛ على قراءة من كسر الهمزة، وهو أبو عمرو وأبو بكر، عن عاصم. فإنه ~~قد أخبر أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات. ومعلوم الله واجب الوقوع، كما سبق ~~غير موضع. PageV01P280 # ثم قال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمون}. واختلف في هذه الجملة. فقيل: "مستأنفة إخبارا من الله ~~سبحانه أنه يقلب قلوبهم عن إدراك الحق، فلا يتبعوه: كقوله عليه السلام، "يا ~~مقلب القلوب، ثبتني على دينك" وتقليب القلوب يحتمل أن يكون حقيقة، بأن ~~تتلبس، أو يختم عليها، فلا يدخلها نور العقل؛ أو مجازا، بمعنى خلق داعي ما ~~يشاء الله فيها، على ما سبق تقريره في أول البقرة وغيره." وقيل: "الجملة ~~حالية متصلة بما قبلها"؛ أي "كيف يؤمنون، ونحن نقلب أفئدته عن الهدى". وقد ~~سبق الجواب عن كونه مرتبا على عدم الإيمان به أول مرة. # ومنها قثوله سبحانه: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ~~وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كان ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون}. وذلك [أنهم] سألوا النبي عليه السلام أن ينزل لهم ملكا يصدقونه. ~~فأخبر الله سبحانه أنه لو ms179 فعل ذلك، وأحيى لهم كل ميت، ما آمنوا إلا بمشيئة ~~الله. ولكنهم جاهلون في التزامهم الإيمان، إا ظهرت الآيات التي اقترحوها؛ ~~لأنهم يظنون أن هدايتهم إليهم. وليس كذلك؛ وإنما هي إلى الله. وهذا من أبلغ ~~ما يكون؛ لأن العاقل إذا رأى الملك وإحياء الميت يضطر إلى الإيمان؛ ومع ذلك ~~أخبر الله أنهم لا يؤمنون لا يقال: "هذا مبالغة لا تراد حقيقته"؛ لأنا ~~نقول: هو مبالغة بأمر مقدور لله. وقد خبر الله بنفي إيمانهم على تقدير ~~وقوعه في حال؛ فلا مانع من حمله على إرادة حقيقته. PageV01P281 # ومنها قوله تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في ~~الناس}، إلى قولهن {وكذلك زين للكافرين}، على أن ضلاله بقدر الله. # ومنها قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}. # روى عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن ~~أبي جعفر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، كيف يشرح ~~صدره؟ قال: "نور يقذف فيه فينشرح وينفسخ". قالوا "فهل لذلك من أمرة يعرف ~~بها؟ " "نعم الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد ~~للموت قبل لقاء الموت". # وروى أيضا عن معمر، عن عطاء الخرساني والكلبي، في قوله: {يجعل صدره ضيقا ~~حرجا}. قالا: "ليس للخير فيه منفذ". # {كأنما يصعد في السماء}. قلت: أي يجد لقبول الإيمان مشقة وتكلفا، كما يجد ~~الذي يصعد في السماء؛ أي يريد الصعود، ولا يمكنه. # ثم قال: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}. و "الرجس" اللعنة ~~والعذاب. وقيل: الكفر. وقيل: الشيطان، يسلط عليه، فيفضله. # ومنها قوله تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم}، ~~إلى قوله: {ولوشاء الله ما فعلوه}، وقبلها: {ولو شاء ربك ما فعلوه}. ~~والاستدلال بمثل هذا سبق. # ومنها قوله: {ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظالمين}. وسبق ~~مثلها والكلام عليه. PageV01P282 # ومنها قوله سبحانه: {قل ms180 فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}. قلت: ~~هذه أقوى حجة في الباب. لأن الله سبحانه جمع فيها بين طرفي المسألة. فأثبت ~~الحجة البالغة له على الخلق، باعتبار تصرفه التكليفى فيهم. فكأنه قال: "لي ~~الحجة البالغة عليكم؛ وأنا قدرت الضلال عليكم. وغاية ما في الباب أنكم لا ~~تفهمون حقيقة هذا. لكن تصرفى فيكم لا يتوقف على فهمكم؛ لأني فعال لما أريد، ~~ولست بظلام للعبيد". # ونظير هذه الآية في إثبات الصفات ونفي التشبيه قوله تعالى: {ليس كمثله ~~شئ}، فهذا تنزيه، {وهو السميع البصير}، وهذا إثبات. وغاية ما في الباب أنه ~~لا يدرك سميع بصير إلا جسم؛ لكن الله سبحانه في ذاته وصفاته بخلاف ~~المساهدات. وكذلك في أفعاله. والله أعلم. # ومنها قوله تعالى: {قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم}، الآية. نسب ~~الهداية إليه. فإن قيل. "فإنها واجبة على الله؛ بخلاف الإضلال؛ فإنه قبيح"، ~~قلنا: على تقير تسليم ذلك، فإن تقدير أسباب الضلال قبيح أيضا؛ وقد سلمتم ~~أنه يفعلها. ### ||| AUTO سورة الأعراف # فمنها قوله تعالى، حكاية عن إبليس، قال: {قال فبما أغويتنى}. فنسب ~~الإغواء إلى الله؛ وأقره عليه مع قوله له: {قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك ~~قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طرين}. فإبليس علم أنه عوقب ~~بكسبه، وفهم أن الله قدر ذلك عليه وأقره الله على ذلك، فلم ينكره عليه. ثم ~~الإغواء المنسوب إلى الله سبحانه إما أن يكون بخلق الغواية في القلب، فيحصل ~~المقصود؛ أو بالتسبب إليها، وهو قبيح عندكم، ينافي اللطف ورعاية الأصلح ~~الواجب عليه. ولا يصح حمل "أغويتني" على معنى PageV01P283 # "أصبتني غاويا"، من "أحببن الرجل وأبخلته"؛ لأنه احتمال مرجوح جدا، ظاهر ~~الفساد؛ لأن إبليس أراد المقابلة؛ أي "اجعل إنظارك لي في مقابل إغوائك لي" ~~ولو كان الإغواء بالمعنى المذكور، لما صح ذلك؛ لأنه كان يقال له: "أنا ما ~~أغويتك لأخلف عليك إغواءك بإنظارك؛ بل أنت أغويت نفسك. فماذا أخلف عليك؟ بل ~~أهلكك، وأريح الناس منك". # ومنها قوله تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم ms181 الضلالة}. ومعناه حقت ~~عليهم الضلالة بقدر الله؛ كما قال: {ولكن حق القول منى لأملأن جهنم}. وأما ~~تعليله ذلك بقوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله}، فتلك العلة ~~مع معلولها مقدورة مقضية لله. فهو الذي قدر الضلالة جارية على سببها؛ فهما ~~مقدوران هل؛ كما أنه خلق سائر المضار والمنافع مع أسبابها. # ومنها قوله سبحانه: {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدى ~~لولا أن هدانا الله}. وإذا كانت الهدائة مع فعله وإرادته سبحانه وجودا ~~وعدما، فكذلك الضلالة، كما سبق. # ومنها قوله شعيب لقومه: {وما يكون لنا أن نعود فيها}، يعني لملتهم، {إلا ~~أن يشاء الله ربنا}؛ فدل على أن الردة عن الإيمان بمشيئة الله مع قدرته، ~~لما سبق من [أن] الإرادة لا تستقل بالإيجاد. # ومنها قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبى إلأا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء}، إلى قوله: {فأهذناهم بغتة وهم لا يشعرون}. فإن هذا، وما سبق في ~~الأنعام، من قوله: PageV01P284 # {فتحنا عليهم أبواب كل شئ}، تفصيل لقوله: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. ~~وهذا إما إضلال حقيقى، أو تسب إليه. وكلاهما قبيح عندهم؛ فكان الواجب ~~انتفاؤه، لأنه أصلح. # ومنها قوله تعالى: {أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون}. والاستدلال لمثله سبق. وبعده، } كذلك يطيع الله على قلوب ~~الكافرين}. # ومنها قوله موسى: {إن هي لأفتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء}. فأقره ~~الله على ذلك. وقد سبق أنه قال له: "أنت حكيم الحكماء"، حيث اعترف بالقدر، ~~وأن لا خالق إلا الله. # ومنها قوله: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ~~كذلك نبلوهم}. وهذا اضطرار سبي؛ فليجر الاضطرار الخلقي، لاستوائهما في ~~الاضطرار. ومن زعم أن هذا ليس باضطرار، فهو كمن ألقى حطبا في النار؛ ~~فاحترق؛ ثم قال: "ما أحرقته". ولا فرق بينهما، إلا إرادة الإنسان ~~الاختيارية؛ وهي مسخرة لله سبحانه، مصرفة فيما يريد. # ومنها قوله سبحانه: {وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم}، إلى ~~قوله: {أن تقولوا يوم ms182 القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}. ووجه الاستدلال بها ~~أنه أخذ ميثاقهم، ثم أنساهم إياه؛ فهم اليوم يفعلون ما كان منهم غير ذاكرين ~~للميثاق؛ بل أكثرهم منكر له. ولعلهم لو ذكروه، لوفوا به. فهم الآن غافلون ~~عنه، بل جاهلون به قطعا. ثم يوم القيامة يذكرهم إياه؛ ثم يعاقبهم. وهذا ~~تكليف ما لا يطاق قطعا. فليكن خلق الأفعال PageV01P285 # والتعذيب عليها كذلك؛ ولا فرق. # ومنها قوله تعالى: {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد}. تقديره، والله ~~أعلم، "ولكنا لم نشأ أن نرفعه بها؛ فأخلد {إلأى الأرض واتبع هواه}. فصار ~~إخلاده واتباعه هواه مرتبا على عدم مشيئة الله. فهو من باب الاكتفاء ~~بالمسبب عن السبب لرفعه. وكذلك كل سبب اعتل الله به على خلقه هو مقدور له. # ومنها قوله تعالى: {من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ~~ولقد ذرأنا لجهنم}، الآية. # ومنها قوله تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. ~~وقد سبق تفصيل هذا الاستدراج في قوله، {وما أرسلنا في قرية من نبى إلا ~~أخذنا أهلها بلبأساء}، الآية. وهو إضلال بالتسبب. # ومنها قوله تعالى: {من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم في طغيانهم يعمهون}. ### ||| AUTO سورة الأنفال وبراءة # ومنها قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}. نفى الله سبحانه ~~رمي نبيه عليه السلام بقوله، {ما رميت}، وأثبت بقوله: {إذا رميت}. فقال ~~العلماء: "الرمي لابد فيه من قبض وإرسال، وهما من فعل النبي عليه السلام؛ ~~وتبليغ وإصابة، وهما من فعل الله سبحانه". فعلى هذا القياس، تكون الأفعال ~~منسوبة إلى العبد بالكسب، وإلى الرب بالخلق. أو يقال: "مبادئ الأفعال بعزم ~~العبد وكسبه؛ وغاياتها بخلق الله ومعونته. وفي صدر الآية: {فلم تقتلوهم ~~ولكن الله قتلهم}؛ وهو قاطع في الباب. # ومنها قوله سبحانه: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}. يعني: بخلق PageV01P286 # الدواعي إلى ما يريد، والصوارف عمنا لا يريد. قال ابن عباس: "يحول بين ~~الكافر واطعته، والمؤمن ومعصيته". وقال مجاهد: "يحول بينه وبين قلبه حتى لا ~~يعقل، ولا يدرى ما ms183 يفعل". وقيل: "يحول بين المؤمن واعتقاد الكفر، وبين ~~الكافر وبين الإيمان". # ومن براءة: {زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين}. وقد سبق ~~مثلهما، والاستدلال به. # ومنها قوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين}. "ثبطهم": "حل عزائمهم عن الجهاد، وزين لهم التخلف". وقيل: "أي ~~بلسان القدرة الكونية". فهذا قاطع في أن التكليف والتكوين لا يتناقضان من ~~الله سبحانه؛ لأنه قال لهم بلسان التكليف: "جاهدوا، وانهضوا مع رسول الله ~~في سبيل الله"؛ وقال لهم بلسان التكوين والقدر: " {اقعدوا مع القاعدين}. ~~فكذلك يجوز أن يقول للعبد: "لا تزن"، ثم يخلق في الزنا؛ أو: "صل"، ثم يثبطه ~~عن الصلاة. # ومنها قوله تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه}. أي جعل ~~الله النفاق في قلوبهم. وذلك إضلال لهم، أو زيادة إضلال. # ومنها قوله تعالى: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع}. وفي التي بعدها ~~بآيات: {وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون}. {ولا يفقهون}. وقد سبق معنى ~~"الطبع". PageV01P287 # ومنها قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون}. # أخبر الله سبحانه أنه يضل من بين له، فلم يتق. وذلك هو هداه لهم -أعني ~~البيان- وهو الهدى المجرد. # فأما قوله: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم}؛ فيحتمل أنه دعاء عليهم بصرف قلوبهم عن الاهتداء، ~~وما في قلوب المؤمنين من الانشراح للآيات. ويحتمل أنه إخبار من الله سبحانه ~~أنه صرف قلوبهم ومنعها عن تلقي الحق. وعلى التقديرين، فهي حجة؛ لأن دعاء ~~الله واقع، وخبره صادق. ### ||| AUTO سورة يونس عليه السلام # قوله سبحانه: {وكذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون}. وسبق نظيرها في ~~الأنعام. # ومنها قوله تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم}. فأخبر أن دعاءه عام للناس، وهدايته خاصة بمن يشاء. وقد سبق أن ~~مطابقة مقدوره لمعلومه واجب. # ومنها قوله تعالى: {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون}. ms184 ~~وهذا يؤكد ما ذكرناه، من وجوب مطابقة مقدوره معلومه. لأن كلمت لما حقت بعدم ~~إيمانهم، وجب أن يحول بينهم وبين الإيمان، لئلا يؤمنوا؛ فيخالف الخبر ~~الخبر، والعلم متعلقه. # ومنها قوله سبحانه: {قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى ~~للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلى أن يهدى}. أي لا يرشد ~~إلا أن يرشده الله PageV01P288 # إرشادا كاملا، بحيث يصح منه أن يرشد الناس، وإن حمل "الهدى" في هذه الآية ~~على الإرشاد المجرد، لم يكن حجة في الباب. # ومنها قوله تعالى: {أفأنت تسمع الصم}، {أفأنت تهدى العمى}. أي أنهم صم ~~عمى. فهو مثل قوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصاره غشاوة}. ~~ومنها قوله تعالى: {كذلك نطبع على قلوب المعتدين}. # ومنها قول موسى: {وقال موسى ربن إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}. قال الله سبحانه: {قد أجيبت دعوتكما}. ~~والسد على القلب في معنى الختم عليه، ومنعه من أن يستنير بضياء العقل. # ومنها قوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الآليم}. والاستدلال بها كالاستدلال بنظيرها في أوائل ~~السورة. # ومنها قوله سبحانه: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين}. وقد سبقت، ونظيرتها من سورة الأنعام وهود. ثم ~~قال: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون}. وقد سبقت نظيرتها في الأنعام في قوله: {يجعل .. الرجس}. PageV01P289 ### ||| AUTO سورة هود عليه السلام # فمنها قوله تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون}. يحتمل أن ~~يجعل من أدلة الباب على معنى أن الله سبحانه لما ختم على سمعهم وبصرهم، ~~صاروا لا يستطيعون سمعا ولا يبصرون. وحقيقته أنه أغفلهم عن التدبير والنظر؛ ~~فصاروا كمن لا يسمع ولا يبصر؛ لأن سمعهم وبصرهم لم ينفعهم؛ فصار ms185 كالمعدوم ~~المتعذر. ويحتمل أن يجعل ذلك مثلا محضا؛ أي لبغضهم القرآن والإيمان، لا ~~يستطيعون سمعه وإبصار من يدعوهم إليه؛ كما يقال: "ما أستطيع أرى فلانا، ولا ~~أسمع كلامه. ولهذا قال بعد: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ~~هل يستويان مثلا}. # ومنها قوله سبحانه: {وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}. ~~وقد مر الاستدلال به في تكليف ما لا يطاق، وغيره. # ومنها قوله تعالى: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}. أي قاهر لها، فلا ~~تتصرف إلا بما يصرفها فيه ويخلق فيه دواعيه. يدل على أنها في سياق قول هود ~~لقومه، {فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون أني توكلت على الله ربى وربكم ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها}؛ أي لا تفعلون بى إلا ما يقدره الله على أيديكم. ~~وحينئذ، يكون الفعل في الحقيقة منه، لا منكم. وأنا راض بما يكون من ربى عز وجل. # ومنها قوله سبحانه: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون ~~مختلفين}، الآيتين. وقد سبق الاستدلال بهما. PageV01P290 ### ||| AUTO سورة يوسف عليه السلام # فمنها قوله تعالى: {والله غالب على أمره}. وهو معنى قوله: {إن الله بالغ ~~أمره}. ومعنى ذلك أنه أراد شيئا، كان. وقد بينا أن مراده ومقدوره لابد وأن ~~يطابق معلومه السابق، لئلا يتناقض مقتضى صفاته الذاتية. وذلك يقتضي ما ~~قلناه من [أن] تقدير الأفعال وخلقه أطبق معلومه. # ومنها قوله تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء}. وإنما صرف ذلك عنه ~~بإظهار البرهان وخلق دواعي الترك. # وقد أخبرني بعض من أثق به عن بعض من يثق به أنه قال: "تعلقت امرأة. فلم ~~أزل بها، حتى حصلتها في البيت. وقعدت منها مقعد الرجل من إمرأته، وتلقاء ~~وجهي رآة لأهلي. فعرض لي أن نظرت إلى المرآة؛ فإذا صورتي صورة خنزير "قال: ~~"فتركت ما أنا فيه، ووقعت مغشيا على. فلم استيقظ إلا والمرأة قد ذهبت، وقد ~~صار أهلي حولي، وكانوا غيبا". # قلت فكما يصرف عن بعض خلقه الفحشاء بهذه الدواعي والبراهين. وليس ذلك ~~واجبا ms186 عليه، كذلك يوقع بعضهم فيها بخلق دواعيها وترك ما يردع عنها. وليس ~~ذلك مستقبحا منه. والله أعلم. # ومنها قوله، حكاية عن يوسف: {وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إلين}، إلى قوله: ~~{فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن}. فصرح يوسف بأن الله سبحانه إن لم يصرف ~~عنه كيدهن، وقع فيه. لا يقال: "الآية حجة عليكم، لأنه قال: "إن لا تصرف ~~عني، أصب"؛ فنسب الصبو إلى نفسه؛ وهو مرادنا"؛ لأنا نقول: إنما نسب الصبو ~~إلى نفسه من حيث هو كسب له، على ما سبق في تفسير الكسب. ونحن لا ننكر ذلك. ~~لا أنه ادعاه خلقأ؛ إذا لو كان خلقا له باختياره، لما كان لصرف الله وعدمه ~~فيه تأثير. وما يدعونه من إعانه الله ولطفه تموويه راجع إلى حقيقة ما نقوله ~~نحن. PageV01P291 ### ||| AUTO سورة الرعد # فمنها قوله سبحانه: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من ~~دونه من وال}. # وهو، لكونه في سياق الشرط، عام في كل في كل سوء جرى على العبد من خارج ~~نفسه، أو من فعله. وقد أخبر الله أن ما أراد من ذلك لا مرد له؛ فدل على أنه ~~بتقديره. إذ لو لم يكن بتقديره، لجاز أن يريده، فلا يكون؛ فيكون ما أراده ~~من ذلك مرد، فيخالف الخبر الخبر. # ومنها قوله سبحانه: {قل الله خالق كل شئ}. ونظيرها في سورة الزمر. وهو ~~عام في الأعيان والأفعال. لكن الاعتراض عليه بأنه عام مخصوص بذات الله ~~سبحانه وصفاته، عند المثبتين لها. والعام دلالته على جميع الأفراد ظنية، لا ~~قاطعة. فإذا خص، ازدادت دلالته ضعفا؛ لوقوع الخلاف في بقائه حجة أم لا، وفي ~~بقائه حقيقة أو مجازا. وبتقدير بقائه حجة، يجوز تخصيص محل النزاع منه ~~بدليل. فنحن نخص أفعال العباد من هذا العموم بأدلتنا السابقة. فيبقى ~~المخلوق لله سبحانه، ما عدا ذاته وصفاته وأفعال خلقه. # والجواب أن العام حجة بالجملة، وسواء كانت دلالته قاطعة أو ظنية. وهو حجة ~~بعد التخصيص. وتخصيص محل النزاع من بدليل جائز. لكن أدلتكم السابقة قد ms187 ~~أجبنا عنها بما مر؛ وأكثرها لازم عليكم. # ومنها قوله سبحانه: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب}. وقد ~~سبق لها نظائر. فإن قيل: "رتب الهدى على الإنابة؛ فدل على أنه لا يضل ويهدي ~~ابتداء، بل مكافأة على الطاعة والمعصية"، قلنا: هذا سؤال سبق، وجوابه. وهو ~~إن ثبت ما ذكرتم، فالضلال والهداية وشبهها الذي ترتبا عليه مخلوقات لله ~~سبحانه. ويخص PageV01P292 # هذا المكان ونحوه بأن المراد "يهدي إليه من علم أنه لو تركه واختياره، ~~لكان منيبا"، وقد سبق تقريره. ثم نقول: إن رتب الهداية على الإنابة، فقد ~~رتب الاستدلال على المشيئة المجردة؛ وهو المطلوب. # ومنها قوله سبحانه: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا}. وقد سبق نظيرها في سورة يونس وهود عليهما السلام. # ومنها قوله سبحانه: {بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل ~~الله فما له من هاد}. فهذه الجملة كلها نصوص المقصود. إذ تضمنن تزيين المكر ~~لهم؛ والمزين لهم إما الله، وإما الشيطان، بتقدير الله كما سبق. وأنهم صدوا ~~عن السبيل؛ والكلام في الصد كالتزيين. وأن من يضلله الله فما له من هاد، ~~كما سبق في الأعراف، ويأتي في الكهف، إن شاء الله تعالى. # ومنها قوله سبحانه: {يمحو الله ما يشاء ويثبت}. هذه من شبه المسألة؛ ~~وليست قاطعة فيها. لأن جنس ما يمحوه ويثبته ليس مبنيا فيها؛ لجواز أنه يمحو ~~ما يشاء ويثبت من الأرزاق والآجال، أو القرآن نسخا وحكاما لكن قد روى في ~~تأويلها آثار عن السلف، تدل على المقصود. فروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن ~~ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت}، قال: "إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت". قلت: ~~يعني أن هذه الأشياء معلومة عنده، سبق بها علمه، ونفذت فيها مشيئته، فلا تتغير. # وروى عن عن معمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن "أم الكتاب"، PageV01P293 # فقال: قال كعب: "خلق الله الخلق، وعلم ما هم ms188 عاملون. ثم قال لعلمه: "كن"، ~~فكان كتابا". قلت: يعني قال لمعلومه فيهم: "كن"؛ لأن علمه سبحانه لا يقبل ~~تأثيرا وإرادة وقدرة؛ لأنه سمي المعلوم "علما" تجوزا. # وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، قال: "من كذب بالقدر، فقد ~~كذب القرآن". وهذا يدل على أن تلك الرسالة منحولة على الحسن. # ومنها قوله سبحانه: {والله يحكم لا معقب لحكمه}. وقد بينا أن تعلق علم ~~الله في الأزل بوقوع المعاصي يستلزم الحكم بها، بمعنى القضاء والتقدير؛ ~~لئلا يخالف العلم المعلوم؛ فلا يكون لذلك الحكم عقب، أي ناقض. ويلزم من ذلك ~~أنه مقدر الأفعال وموجدها. والله أعلم. ### ||| AUTO سورة إبراهيم عليه السلام # فمنها قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل ~~الله من يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم}. قد ذكر في آخر السورة: ~~{ويضل الله الظالمين}. فللخصم أن يقول: "قوله، يضل من} يشاء"، عام؛ وقوله، ~~"يضل الله الظالمين"، خاص؛ بتقدم. وحينئذ، ما أضل إلا ظالما". لكن قد سبق ~~الجواب عن هذا مستوفى. # ومنها قوله: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا}. وإذا كان هو ~~الذي هدى الرسل، جاز أن يكون هو الذي أضل الكفار. وقد دل على وقوعه النصوص. ~~فإن العبد هو هادي نفسه عند الخصم، كما أنه مضلها وهذه الآية ونحوها ترد ~~عليه. PageV01P294 # ومنها قوله تعالى، حكاية عن الضعفاء والمستكبرين: {إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم معنون عنا من عذاب الله من شيء قالو لو هدانا الله لهديناكم}. وأقرهم ~~الله على هذا، ولم ينكر عليهمم كما أنكر على القائل: {لو أن الله هدانى ~~لكنت من المتقين}. لأن هذا أراد نفي الإرشاد المجرد؛ فكذبه الله بقوله: ~~{بلى قد جاءتك آياتى}؛ وأولئك أرادوا الهدى الكامل المصاحب بالتوفيق؛ فلم ~~يكذبهم. وتبين بهذا أن قول الشيطان لهم بعد هذا، {فلا تلومونى ولوموا ~~أنفسكم}. معناه "على كسبكم"، على ما سبق تفسيره، أو "على أنكم لو تركتم ~~مختارين، لعصيتم"، كما سبق. # ومنها قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ms189 الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}. وليس يعد هذا ~~بصريح غى إثبات القدر. ### ||| AUTO سورة الحجر # فمنها قوله سبحانه: {كذلك نسلكه في قارب المجرمين}. اختلف في الضمير ~~"نسلكه". فقيل: هو ضمر "الذكر" في {إنا نحن نزلنا الذكر}. وهو الظاهر، ~~بدليل قوله في الشعراء: {كذلك سلكناه}؛ فهو ضميره؛ لأن السياق له، وهو قريب ~~منه جدا. ومعنى الآية على هذا: "إنا سلكنا القرآن في قلوب الكفار كما ~~سلكناه في قلوب المؤمنين، لتقوم الحجة عليهم في كفرهم وتكذيبهم". ومعنى ~~"سلكه في قلوبهم"، إسماعهم إياه، حتى وصلت معانيه بواسطة ألفاظه إلى ~~قلوبهم". قلت: لكنه منعهم فهمه وقبوله بالأكنة التي جعلها، والختم والطبع ~~على قلوبهم. PageV01P295 # وقيل: الضمير للكفر والشرك. روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن حميد، عن ~~الحسن، في قوله: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين}، قال: "الشرك".وروى عن ~~معمر، عن قتادة، قال: "إذا كذبوا، سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به". ~~قال بعض المقسرسن: "معناه: كما سلك الكفر والتكذيب في قلوب الأولين، يسلكه ~~في قلوب هؤلاء؛ فلا يؤمنون به، [أى] بمحمد، أو بالقرآن، أو بهما؛ وهما ~~متلازمان". # ومها قوله تعالى، حكاية عن إبليس، {رب ما أغويتنى}. وقد سبق وجه ~~الاستدلال بها في سورة الأعراف. ### ||| AUTO سورة النحل # فمنها قوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم ~~أجمعين}. وقد سبق نظيرها ووجه الاستدلال به. # ومنها قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة}. والمراد "بالهدى" ~~ها هنا الهدى التام، وهو الإرشاد المصاحب بالتوفيق؛ لأن الإرشاد المجرد حصل ~~للجميع، وبه قامت الحجة على الخلق. و {حقت عليه الضلالة}، يعني من الله ~~بقضائه وقدره، كما سبق. # ومنها قوله تعالى: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل}. على ~~قراءة من بنى "يهدى"، لما لم لم يسم فاعله. و "يهدى من الخلق من أضله ~~الله"؛ أو "من يضله الله لا يهدى". PageV01P296 # ومنها ms190 قوله سبحانه: {إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}. ~~والاستدلال بها يتوقف على ثبوت إدارة الله لجميع الكائنات وقد سبق الكلام ~~فيه. فإذا ثبت، قلنا: الكفر ماد لله؛ وكل مراد لله، فإنما يوجد بتكوينه؛ ~~فالكفر يوجد بتكوينه. # ومنها قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}. والإيمان والهدى أكبر ~~النعم؛ فهما من الله؛ بمعنى أنه خلقهما فيهم عقب الإرشاد إليهما والتوفيق ~~لهما. وعند الخصم، إن الإنسان يهدى نفسه ويضلها؛ ولولا ذلك، لما قامت عليه ~~الحجة. قلت: وإذا كان النعم منه سبحانه، فكذا النقم؛ والضرل أعظمها. # ومنها قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أما واحدة ولكن يضل من يشاء ~~ويهدى من يشاؤ ولتسألن عما كنتم تعملون}. وقد سبق لها نظائر. # ومنها قوله تعالى، {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله}. فدل ~~على أن الهداية وسلبها منه سبحانه. # ومنها قوله تعالى: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ~~وأولئك هم الغافلون. قلت: والله هو الذي أغفلهم؛ بدليل قوله: {ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذركنا}. وقد سبقت الآية ونظائرها أول البقرة. # ومنها قوله، في حق إبراهيم: {اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم}. وقد سبق قول ~~إبراهيم: {لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الظالمين}. PageV01P297 ### ||| AUTO سورة بني إسرائيل، على صالحيهم السلام # فمنها قوله تعالى، {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها}. ~~كثر النزاع في هذه الآية. فقرأ بعض القراء "أمر"، بالتشديد من الإمرة ~~والتأمير، وهي الولاية؛ وليناهم أمرها، ففسقوا". لأن الولاية سبب قوى ~~الفسق؛ لأجل القدرة التي تصح مقتضى الشهوات. # وقرأ بعضهم "آمرنا"، بالمد والتخفيف، و " آمرنا"، بغير مد، بمعنى "كثرنا ~~أهلها، ففسقوا". والكثرة، مع الطباع الرديئة، سبب للفسق أيضا. ولذلك كانت ~~الإمامة واجبة على الأمة للصلاح، والعدل بين الناس، ودفع الظلم. روى عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: "أمرنا مترفيها: أكثر". # وقرأ بعضهم "أمرنا"، من الأمر الذي هو ضد النهى. وحقيقة اللفظ، "قلنا ~~لهم: افسقوا". إلا إنها غير مرادة قطعا؛ لقوله تعالى: {إن ms191 الله لا يأمر ~~بالفحشاء}. فلابد من حملها على المجاز فقال الزمخشري: "معناه إن الله أنعم ~~عليهم ليشكروا؛ فجعلوا النعمة سبب البطر". وقال غيره: "أمرناهم بالطاعة، ~~فخالفوا؛ ففسقوا بالمخالفة؛ فحق عليهم القول بذلك". # وهي على هذين الوجهين حجة في الباب، تقريرها ما سبق، من أن فسقهم كان ~~معلوما لله. فأمرهم بالطاعة، مع العلم لمخالفتهم، اضطرار لهم إلى الفسق ~~بجهة التسبب. ولنا أن نحمل الأمر هنا على الأمر الكوني؛ أي أمرناهم بسان ~~التكوين، ففسقوا، لبتلغ عليهم حجتنا، وتنفذ فيهم مشيئتنا، كما سبق في قوله ~~تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}. وهذا ~~أوضح التأويلات على رأى مثبتى القدر. PageV01P298 # ومنها قوله سبحانه: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا}. ~~وهي ونظائرها في معنى الختم والطبع؛ وقد سبق أول البقرة. # ومنها قوله تعالى: {إن عبادى ليس لك عليهم سلطان}. ونظيرها في سورة الحجر ~~ووجه دلالتها أنه سبحانه جعل لنفسه عباد اختص بهم، وأصفاهم إليه، وعصمهم من ~~الشيطان قبل خلقهم. وآخرين غاوين أبعدهم وأبغضهم؛ ولو تركوا واختيارهم في ~~أفعالهم، مع ظهور آيات الله وقوارع معجزاته، لهدوا أنفسهم. فما كانوا غاوين ~~ضالين إلا بقضائه وقدره .. وقد سبقت هذه الطريقة. # ومنها قوله سبحانه: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}. و ~~"تثبيته" هو خلق الثبات فيه بواسطة خلق داعيه فيه. فمن لا يثبته الله، يرتد ~~عن دينه. وقد سبق أنه لا فرق بين فعل القبيح، وبين ترك منعه من القادر على ~~ذلك. فإذا جاز ترك العصمة من الكفر، جاز خلق الكفر. والله أعلم. # ومنها قوله تعالى: {ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء ~~من دونه}. وقد سبق لها نظائر. ### ||| AUTO سورة الكهف # فمنها قوله تعالى: {وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم}. أي ثبتناهم على ~~الهدى لئلا يضلوا كما ضل قومهم. # ومنها قوله: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}. ~~وهي كنظائرها من النصوص القواطع في الباب. PageV01P299 # ومنها قوله تعالى: {ولا تقولن لشئ ms192 أني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله}، ~~إلى قوله، {وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هشا رشدا}. فأخبر أن بدون مشيئته ~~لا يتم أمر؛ وقد دل عليه سبب الآية وأمر النبي عليه السلام أن تترجى ~~الهداية من الله سبحانه. # ومنها قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه}. ومعنى ~~"أغفلنا": "صرفنا قلبه عن ذكرنا"؛ كقوله: {صرف لله قلوبهم}، {وأضله الله ~~على علم}. وحمل الزمخشري {أغفلنا} على معنى "جعلناه غافلا عن الذكر ~~بالخذلان"، أو "وجدناه غافلا؛ كقولك "أحمدته، وأبخلته، وأجبنته"، أي وجدته ~~كذلك؛ أو من "أغفل إبله"، إذا لم يجعل لها سمة تعرف بها. كأنه سبحانه لم ~~يسم قلبه بالذكر، ولم يجعله ممن كتب في قلوبهم الإيمان". قلت: والأول ~~والآخر تسليم لما نقوله. والثاني خلاف الظاهر. ثم هو غير مناف؛ لجواز أن ~~تجده غافلا، لكونه خلق فيه الغفلة. # فأما قوله: {واتبع هواه}؛ ولم يقل: "فاتبع"؛ لأن المراد اجتمع له ~~الأمران: إغفالنا له بالخلق، واتباعه هواه بالكسب. ولم ترد الأخبار بأن ~~الإغفال سبب اتباع الهوى، وإن كان في نفس الأمر كذلك. # ومنها قوله سبحانه: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله}. وتقديره "ما شاء الله كان"، كما هو مستفيض على ألسنة الناس. # ومنها قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت ~~يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا}. ثم أكد ذلك ~~بقوله: {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا}. وهذا جرم منه بأنهم لا ~~يهتدون في المستقبل. ولولا أنه المانع لهم، لما وثق حتى جزم بهذا الجزم. ~~فإن قيل: "وثوقه مستند إلى العلم"، قلنا: فقد بينا أن المقدور منهم يجب ~~مطابقته للعلم. وإلا، جاز أن لا يطابق؛ فينقلب العلم جهلا. PageV01P300 ### ||| AUTO سورة مريم عليها وعلى ابنها السلام # فمنها قوله تعالى، حكاية عن المسيح: {وجعلنى مباركا أين ما كنت}، إلى ~~قوله، {ولم يجعلنى جبارا شقيا}. فدل على أن كل من كان جبارا شقيا، ms193 فإن الله ~~جعله كذلك وهذا مما لا يحتمل تأويلا. إلا إن يقال: "خذله، فتجبر"؛ وهو جعل ~~بالتسبب؛ فلا فرق. # ومنها قوله تعالى: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا}. ~~وهو إضلال بالتسبب. # سورة طه لم نعد فيها من أدلة الإثبات شيئا. وكذلك سورة الأنبياء. ### ||| AUTO سورة الحج # فمنها قوله تعالى: {وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدى من يريد}. ~~وقد سبق نظيرها. # ومنها قوله تعالى: {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد}. ~~فبنى الفعل لما لم يسم فاعله. فدل على أن الفعل للهداية فيهم غيرهم. وليس ~~إلا الله سبحانه. فالضلال كذلك؛ لأنهما سواء عند الخصم. # ومنها قوله سبحانه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته فنفسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته}. ~~ثم قال: {ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم}. وكان إلقاء الشيطان أنه شبه صوته بصوت رسول الله، وهو يتلو سورة ~~النجم. حتى وصل إلى قوله، {ومناة الثالثة الأخرى}، ألقى الشيطان، "تلك ~~الغرانيق العلى إن شفاعتهم لترتجى". فافتتنت قريش بذلك، وقالوا: PageV01P301 # "اعترف محمد بفضل آلهتنا، وذكرها بخير. فارتد بعض من كان أسلم، وامتنع من ~~كان عزم على الإسلام منهم. فأخبر الله سبحانه أنه قدر ذلك ليفتتنوا؛ فهذا ~~إضلال من الله لهم قطعا. # ومنها قوله: {وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}. فخص بهدايته ~~الخاصة المؤمنين. ثم قال: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه}؛ أخبر بدوام ~~ضلالهم في المستقبل. ولا سبيل إلى مطابقة الخبر إلا بإضلالهم، بحكم القضاء ~~والقدر. ### ||| AUTO سورة المؤمنون # فمنها قوله تعالى: {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا}، يعني التي كتبت علينا ~~في سابق علمك، {وكنا قوما ضالين}، بتقديرك علينا والاستدلال بها سبق غير موضع. ### ||| AUTO سورة النور # فمنها قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ~~ولكن الله يزكى من يشاء}. وهي معنى قوله: {يضل الله من يشاء ويهدى من ~~يشاء}، ms194 وقوله: {ولوا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}. # ومنها قوله تعالى: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور}. وهي كقوله: ~~{من يضلل الله فلا هاددى له}؛ لأن المراد "بالنور" هنا الإيمان. # ومنها قوله تعالى: {والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم}. وسبق نظيرها ~~ووالاستدلال به. PageV01P302 ### ||| AUTO سورة الفرقان # فمنها قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقده تقدير}. والاستدلال بعمومها؛ وهو ~~أقوى من عموم قوله، {قل الله خالق كل شئ}؛ لأن الفعل أقول من اسم الفاعل. ~~وقد سبق الاعتراض عليه والجوةاب عنه في الرعد. ### ||| AUTO سورة الشعراء # فمنها قول إبراهيم: {الذي خلقنى فهو يهدين}. وقد سبق قوله: {وقد هدان}، ~~{لئن لم يهدنى لأكونن من القوم الضالين}، في الأنعام. # ومنها قوله: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب ~~الأليم}. وقد سبق الكلام على نظيرها في سورة الحجر. ### ||| AUTO سورة النمل # فمنها قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم ~~يعمهون}. وقد سبق لها نظائر. # ومنها قوله تعالى: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون}. فالله سبحانه هو الذي زين ~~للشيطان أن زين لهم أعمالهم، وزين الهم أن تابعوا الشيطان؛ بدليل قوله: ~~{وأجلب علهيم بخيلك PageV01P303 # ورجلك}، وقوله: {أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين}. فكان الله سبحانه هو ~~الذي زين للجميع أعمالهم؛ بدليل قوله: {زينا لهم أعمالهم}. لكن تزيين الله ~~سبحانه بالقضاء والقدر وخلق الدواعي، وتزيين الشيطان بالوسوسة والإغواء. # ومنها قول صالح لقومه: {بل أنتم قوم تفتنون}. فلم يسم الفاعل. فالفاعل ~~لعم إما الله، كقوله: {زينا لهم أعمالهم}، وقول موسى، {إن هي إلا فتنتك}؛ ~~أو الشيطان، بقضاء الله، لما سبق آنفا. وعلى التقديرين، ففتنتهم مضافة إلى ~~الله سبحانه. ### ||| AUTO سورة القصص # فمنها قوله تعالى: {إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو ~~أعلم بالمهتدين}. # ومنها قوله سبحانه: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}، إلبى ~~قوله: {وله الحكم وإليه ms195 ترجعون}. وجه دلالتها أنه نفى الخيرة نفيا عاما؛ ~~فيتناول نفى خيرتهم في أفعالهم. فدل على أن العبد غير مختار عملا؛ بمقتضى ~~قوله: {وربك يخلق ما يشاء ويختار}. ثم أكد ذلك بقوله، {وله الحكم}؛ أي جميع ~~الحكم؛ أي جميع الحكم؛ فلا حكم إلا له سبحانه. ولو كان العبد موجدا ~~لأفعاله، لكان حاكما على نفسه؛ فلا يكون الحكم كله لله؛ وهو خلاف النص. ~~وأيضا، كما أن عبد أحدنا لا يتصرف إلا بإذنه التكليفي الخطابي؛ كذلك عبد ~~الله لا يتصرف إلا بأمره الكوني القدري. PageV01P304 ### ||| AUTO سورة العنكبوت # فمنها قوله تعالى: {ويعذب من يشاء ويرحم من يشاء}. جعل مناط العذاب ~~والرحمة مشيئته لا غير. نعم، جعل الطاعة والمعصية سببا تعلقت به مشيئة ~~إقامة للعدل الظاهر، لنفور عقول الجهال، كالقدرية ونحوهم، من عدله الباطن. ~~وهو ما أشرنا إليه من تصرفه الكوني. # ومنها قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}. فهدايته إياهم ~~إلى سبله، وإن كانت مرتبة على جهادهم فيه، لكن جهادهم فهي من جملة سبله. ~~فوجب أن يكون هو الهادي لهم إلى السبب والمسبب وعند الخصم، إن العبد هدى ~~نفسه في الجهاد إلى الله؛ فكافأه الله على ذلك بأن هداه سبله. وإذا ثبت ذلك ~~في طرق الهدى، فطرق الضلال مثله. ### ||| AUTO سورة الروم # فمنها قوله تعالى: {فمن يهدى من أضل الله}. وقد سبق نظيرها في غير موضع. # ومنها قوله تعالى: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون}. وقد سبق ~~نظيرها. ### ||| AUTO سورة لقمان # فمنها قوله تعالى: {وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا}. نبه الله سبحانه بذلك ~~[على] الحجة المشهورة في هذه المسألة. وهي: لو كان العبد خالقا لأفعاله، PageV01P305 # لكان عالما بتفاصيلها وبلوازمه، من زمانها ومكانها؛ واللازم باطل؛ ~~فالملزوم كذلك وعليها اعتراضات، ولها جواب؛ مذكور ذلك في كتبهم. ### ||| AUTO سورة السجدة # فمنها قوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}. والاستدلال بها من حيث المشيئة ~~والعلم، كما سبق. ### ||| AUTO سورة الأحزاب # فمنها قوله تعالى: {والله ms196 يقول الحق وهو يهدى السبيل}. # ومنها قوله سبحانه: {وكان أمر الله معقولا}. أي مأمور الله محترم الوقوع؛ ~~كقولنا، "ما شاء الله كان". وقد تنوزع في أن الأمر بمعنى المأمور، لأنه ~~مجاز، والأصل الحقيقة. وظاهر الآية عند الإنصاف ما ذكرناه. ومن يثبت لله ~~سبحانه كلاما ذا صيغة. يحتج بهذه على أنه مخلوق، حملا للأمر على الصيغة. ~~وهو تية عن المراد بالآية؛ بدليل قوله بعد: {وكان أمر الله قدر مقدورا}. ~~فإنه ظاهر، إن لم يكن نصا فيما ذكرنا. # ومنها قوله تعالى، {يا أيها الذين آمنوا اتقول الله وقولوا قولا سديدا ~~يصلح لكم أعمالكم}. وهي، بالنظر إليها لا غير، مشتركة الدلالة؛ لاحتمال أن ~~المراد: "يخلق أعمالكم فيكم صالحة"، أو "يلطف لكم حتى تخلوقها صالحة". لكن ~~النصوص PageV01P306 # السابقة، قوله: {خالق كل شئ}، {وخلق كل شيء}، {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، ~~يبين أن المراد بالتقدير الأول. # سورة سبأ خالية مما نريد. ### ||| AUTO سورة الملائكة # فمنها قوله سبحانه: {هل من خالق غير الله}. وهو استفهام بمعنى النفي؛ ~~تقديره: "ليس من خالق"، أو "لا خالق، إلا الله"؛ نفى جنس الخالق سواه. ~~وأفعال العباد مخلوقة، باتفاق؛ وإنما النزاع في خالفها من هو فيجب أن يكون ~~هو الله الذي أخبر أن لا خالق سواه. ### ||| AUTO سورة يس # فمنها قوله تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون}. أي سبق في ~~علم الله، وحقت كلمته؛ أي تكلم كلمة حقا أنهم لا يؤمنون. ووجه دلالتها سبق. # روى عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن منصور، أن ابن مسعود قال لأصحابه: نعم ~~القوم أنتم، لولا آية في ياسين: {لقد سبق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون}؛ ~~وكان يقرأها كذلك. # ومنها قوله تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا}. هي كناية عن موانع ~~القدرة لهم من الهداية. كأن القدرة تمنعهم عن ذلك منع الغل صاحبه عن ~~الانطلاق والاستقلال. # وروى عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة: {فهم مقمحوم}، قال: ~~"مغلولون". PageV01P307 # وفي قوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا}، قال: "ضلالة". # قلت: ثم ms197 قوله تعالى: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون}، كقوله، {وعلى أبصارهم ~~غشاوة}، وكقوله، {صم بكم عمى فهم لا يعقلون}. # ومنها قوله تعالى: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}. هي ~~ونظيرتها في أول البقرة من حجج الباب؛ وتقريرها ما سبق. # ومنها قوله تعالى: {لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين}. والمراد ~~"بالحى" هنا المؤمن، لمقابلته بالكافر. أي "كان حي القلب، يفهم ما يوعظ به ~~وينظر ويتدبر". شبه الإيمان بالحياة. ثم الحياة مخوقة لله سبحانه؛ فكذا ~~الإيمان في الجملة. ولأهل السنة في أن الإيمان مخلوق أم لا كلام وتفصيل. ### ||| AUTO سورة الصافات # فمنها قوله تعالى، حكاية عن الكفار: {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون}. ~~والاستدلال به كما سبق. # ومنها قوله تعالى في شجرة الزقوم: {إنا جلعناها فتنة للظالمين}. وهي ~~الشجرة الملعونة في القرآن، المذكورة في سورة سبح. # روى عن عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قنادة، في قوله: {فتنة للظالمين}؛ ~~قال: "زادتهم تكذيبا حين أخبرهم أن في النار شجرة؛ فقالوا: "يخبركم أن في ~~النار شجرة؛ PageV01P308 # والنار تحرق الشجر". فأخبرهم أن غذاءها من النار". ووجه دلالتها أنه ~~أخبرهم بما لا تحتمله عقولهم، ولم يبرهن لهم عليه، مع علمه بأنهم لا ~~يؤمنون. فبالضرورة افتتنوا؛ وكانت فتنته سبحانه، كما قال موسى: {إن هي إلا ~~فتنتك}. # ومنها قوله تعالى، حكاية عن إبراهيم، إذ قال لقومه: {قال أتعبدون ما ~~تنحتون والله خلقكم وما تعملون}. وهي عمدة أهل الإثبات. والنزاع بينهم وبين ~~القدرية مبني على أن "ما" في الآيتين موصولة، أو مصدرية؟ فعند القدرية، هي ~~موصولة؛ تقديره: "أتعبدون الذي تنحتون، والله خلقكم والذي تعملون! " يعني ~~الجواهر التي تصورونها، من خشب أو حجر وغير ذلك؛ فلا دليل فيها على خلق ~~الأعمال. وعند المثبتة، هي مصدرية؛ تقديره: "أتعبدون نحتكم، والله خلقكم ~~وعملكم؟ " وذلك أنهم لم يعبدوا الجواهر المجردة؛ وإلا لما خصوا بعض الجواهر ~~دون بعض. وإنما عبدوها لما قام بها من الصور والأشكال؛ وهي آثار عملهم؛ ~~فصاروا كأنهم عبدوا عملهم؛ وهو مخلوق لهم. فاتجه الإلزام والحجة؛ وهو أنكم ~~عبدتم ms198 عملكم المخلوق؛ فكيف يعبد مخلوق خلوقا! ولو كان المراد الجواهر، لما ~~اتجهت الحجة عليهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أنها غير مخلوقة لهم؛ فكان لهم أن ~~يقولوا: "لم نعبد ما عملنا". # ومنها قوله تعالى: {ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم}. روي عبد ~~الرزاق، قال: أنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في ~~قولهن {ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الحجيم}. قال: "لا تفتنون إلا ~~من هو صالى الجحيم". قال: "وأنا عمر بن ذر، قال: "سمعت عمر بن عبد العزيز ~~يقول: "لو شاء الله أن لا يعصى، لم يخلق إبليس. وقد بين ذلك في آية من ~~كتابه، عقلها من عقلها، وجهلها من جهلها، {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه ~~بقاتنين إلا من هو صال الجحيم}. # ولم أجد في سورة ث شيئا. PageV01P309 ### ||| AUTO سورة الزمر # فمنها قوله تعالى: {أولئك الذيم هداهم الله}. والاستدلال بها كما سبق. # ومنها قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}، الآية. ~~والاستدلال بها كلمة في قوله، {يشرح صدره للإسلام}. # ومنها قوله تعالى: {ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من ~~مضل أليس الله بعزيز ذى انتقام}. وهي كالتي قبلها. # ومنها قوله تعالى: {ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل ~~هي فتنة}. أي النعمة التي خولناه إياها فتنة. وهو من باب الاستدراج. # ومنها قوله تعالى: {الله خالق كل شئ}. وقد سبق نظيرها في الرعد والفرقان ~~وغيرها. # ومنها قوله تعالى، حكاية عن الكفار: {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين}. وقد سبق نظيرها. والله أعلم. ### ||| AUTO آل حاميم ### ||| AUTO سورة المؤمن # فمنها قوله تعالى: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب ~~النار}. PageV01P310 # ومنها قوله تعالى: {إن الله لا يهدى من هوو مسرف كذاب}. بين أنه المنفرد ~~بالهداية؛ يمنعها من شاء، ويمنحها من شاء. # ومنها قوله تعالى: {ومن يضلل الله فما له من هاد}. # ومنها قوله تعالى: {كذلك ms199 يضل الله من هو مسرف مرتاب}. # ومنها قوله تعالى: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} # ومنها قوله تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل}. # ومنها قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو}. ونظيرها ~~في الأنعام والاستدلال بعمومها، كما سبق. # ومنها قوله تعالى: {كذلك يضل الله الكافرين}. ### ||| AUTO سورة فصلت # فمنها قوله تعالى: {وقيضنا لهم قرباء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~وحق عليهم القول}، الآية. ### ||| AUTO سورة الشورى # فمنها قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في ~~رحمته}. ففيها دليلان: أحدهما: تأثير مشيئته في الاختلاف. والثاني: جعلها PageV01P311 # مناط الرحمة. وقد سبق ذلك. # ومنها قوله تعالى: {الله يجتبى إليه من يشاء}. ولم يلل بطاعة ولا معصية. ~~وإنما المعنى: إذا تعلقت إرادته باجتباء شخص، وفقه لما ينبغي له من ذلك. # ومنها قوله تعالى: {ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده}، الآية. # ومنها قوله، {ومن يضلل الله فما له من سبيل}. # ولم أجد في سورة الزخرف والدخان شيئا من هذا الباب. ### ||| AUTO أما سورة الجاثية # ومنها قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم ~~على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله}. وحمل "أضله" ~~على معنى "أصابه"، أو "وجده ضالا" ونحوه من التأويلات، عدول عن الظاهر، ~~وفرار من الزحف. ثم هو باطل، بقوله: {فمن يهديه من بعد الله}؛ إذ هو مقابل ~~{أضله}. وليس المراد "يصيبه مهتديا"، باتفاق فتعين أن "أضله" على جهة ~~"يهديه"، في إضافة الفعل إلى الله سبحانه. # ولم أجد في الأحقاف شيئا من الباب. ### ||| AUTO سورة محمد عليه السلام # فمنها قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم}؛ إلى ~~قوله: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم}؛ ~~إلى قوله، {والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم}. كل ذلك ظاهره الضلال ~~الذي هو نقيض الهدى. PageV01P312 # وحمل الزمخشري قوله: {أضل أعمالهم}، على معنى: ms200 "جعلها كالضالة، بمضيعة لا ~~تقبل"؛ أو "على أنها ضلت في كفرهم، أي استهلكت، فلم يظهر لها أثر"؛ يعني ~~أعمالهم الحسنة، من إطعام وقري ضعيف، وصلة رحم؛ من قولهم، " ضل اللبن في ~~الماء"، إذا استهلك. وقواه ابن المنير، لمقابلته بقوله في المؤمنين، {كفر ~~عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}. # قلت: يعني أن معروف الكافر يستهلك في كفره، ومنكر المؤمن يستهلك في ~~إيمانه. # ويزيده قوة قوله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا}؛ أي بلا شيء؛ فلم يجدوا له جدوى. كقوله: {وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}؛ وقوله: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ~~كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف}؛ ونظائر ذلك؛ وقوله في هذه السورة، عقب ~~الآية الثالثة: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}. # ومنها قوله تعالى: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم}. ### ||| AUTO سورة الفتح # فمنها قوله تعالى: {ليدخل الله في رحمته من يشاء}. # وقوله: {وألزمهم كلمة التقوى}. ### ||| AUTO سورة الحجرات # فمنها: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق PageV01P313 # والعصيان}. وكذلك فعل عكس هذا الكفار: زين في قلوبهم الكفر، وكره إليهم ~~الإيمان. # ولم أجد في سورة ق شيئا من الباب. وكذلك إلى ### ||| AUTO سورة النجم # . ### ||| AUTO [سورة النجم] # فمنها قوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق ~~الزوجين الذكر والأنثى}. وذلك ظاهر في أنه خلق الضحك والبكاء، كما خلق ~~الإماتة والإحياء، والزوجين الذكر والأنثى. ### ||| AUTO سورة القمر # فمنها قوله تعالى: {إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم}. يحتمل نصبها أن تكون ~~حالا مقدرة متوقعة، أي أن الفتنة كامنة فيها حال إرسالها؛ ثم ظهرت بعد ذلك. # ويحتمل أنه معفول له؛ أي "أرسلناها لفتنهم"، أو"لنفتنهم بها". فعلى هذا، ~~هي من حجج البا، كما سبق في قوله: {فتنا بعضهم ببعض}، {ليجعل ما يلقى ~~الشيطان فتنة للذيم في قلوبهم مرض}، {لنفتنهم فيه ورزق خير وأبقى}. وهو ~~إضلال تسببى؛ وقبحه لازم. وعندنا يعقبه الإضلال الخلقي. # ومنها قوله تعالى: ms201 {إنا كل شيء خلقناه بقدر}. اتفق القراء على نصب "كل" ~~ها هنا؛ وإن كان الرفع أبين؛ لأن الكلام عليه جملة واحدة، وعلى النصب ~~جملتان والأول أخص. لكن، بتقدير الرفع، تكون "خلقناه" صفة لشيء تقديره "إنا ~~كل شيء مخلوق لنا بقدر". فلا يدل على استيعاب الخلق للأشياء. وبتقدير ~~النصب، يكون PageV01P314 # "كل" مفعولا مقدما، و "خلقناه" مفسر للناصب، تقديره "إنا خلقنا كل شيء ~~بقدر". فيفيد استيعاب الخلق وعمومه لكل شيء، وأن كل شيء فهو مخلوق لله ~~سبحانه بقدره وقدرته. والمعنى على هذا دون الأول؛ لما روى مسلم والترمذي من ~~حديث أبي هريرة، قال: "جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخاصمون في القدر؛ فنزلت هذه الآية: {يوم يسحبون في النار على وجودههم ~~ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر}. # وروى عبد الرزاق، أنا داوود بن قيس، قال: "سمعت محمد بن كعب القرظى يقول: ~~"كنت أرأ هذه الآية، فلا أدرى من عني بها، حتى سقطت عليها {إن المجرمين في ~~ضلال وسعر}، إلى قوله، {كلمح بالبصر}. فإذا هم المكذبون بالقدر". # ومنها قوله تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر}. أي سبق العلم به. وقد بينا ~~وجوب مطابقة العلم المعلوم. ولا يمكن ذلك إلا بخلق الأفعال. # ولم أجد شيئا من حجج الباب إلى ### ||| AUTO سورة الحديد # . ### ||| AUTO [سورة الحديد] # فمنها قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها}، أي نخلقها والكفر والمعاصي أعظم المصائب. ### ||| AUTO سورة المجادلة # فمنها قوله تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}. فمعنى ~~"كتب": "خلق"، أو "أثبت في قلوبهم الإيمان بالإلهام". و"أيدهم": "قواهم على PageV01P315 # وسواس الشيطان وإضلاله بروح منه "؛ كقوله: {وأيدناه بروح القدس}. # وقد جاء في الآثار أن الأرواح متعددة؛ فروح عامة في الناس بحسب الإنسانية ~~وروح اختص بها المؤمنون على الكفار، وروح اختص بها الأولياء، وروح اختص بها ~~الأنبياء، وروح اختص بها المسيح صلى الله عليه وسلم. فقوله، "بروح منه"، ~~تحتمل أن الضمير للإيمان؛ أي ms202 أيدهم بروح من الإيمان، وهي روح الإيمان، ~~ويحتمل أن الضمير لله؛ أي أيدهم بروح من فضله، أو من عصمته. فبواسطة ذلك ~~الروح، يفعل فيهم الإيمان؛ وبواسطة الروح الخبيث الشيطانى يخلق في الكافر ~~الضلال؛ أو بواسطة الدواعي، كما سبق. ### ||| AUTO سورة الحشر # فمنها قوله تعالى: {وقذف في قلوبهم الرعب}. وليست من حجج الباب. ولكن ~~ذكرناها نظيرا لخلق الكفر في القلب، لمن ينكر ذلك، أو يستبعد تصوره. فنقول: ~~خلق الكفر في القلب كقذف الرعب فيه؛ إن كان بالمباشرة، فالمباشرة؛ أو ~~بالواسطة، فبالواسطة. # ومنها قوله سبحانه: {ولا تجعل في قلوبنا للذين آمنوا}. وجعل الكفر في ~~القلب كجعل الغل فيه. # ومنها قوله تعالى في صفة نفسه تعالى: {الجبار} روى عبد الرزاق، عن معمر، ~~عن قتادة، قال: "جبر خلقه على ما أراد". وهذا التفسير، إن ثبت، فهو على ما ~~قررناه أولا من التصرف الكوني. أما التصرف التكليفي، فلا جبر فيه. وقيل: ~~"الجبار: المصلح للأمور"، من "جبرت العظم"، أو الكسر"، إذا أصلحته. وقيل: ~~"الجبار: "المصلح للأمور"، من "جبرت العظ، أو الكسر"، إذا أصلحته. وقيل: ~~"هو العالى الذي لا يناله أحد"، من قولهم، "نخلة جبارة، إذا طالت. فالله ~~سبحانه لا تدركه PageV01P316 # الأفهام، ولا تحيط بكنهة الأوهام. # ولا شيء فيما بعد، إلى ### ||| AUTO سورة الصف # . ### ||| AUTO [سورة الصف] # فمنها قوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}. وهو كقوله: {لا تزغ ~~قلوبنا}، وما نسبه من الزيغ إليهم، فهو باعتبار كسبهم الواقع بخلقه، مقارنا ~~لإرادتهم، كما سبق. ثم قال: {والله لا يهدى القوم الفاسقين}؛ وبعدها، ~~{والله لا يهدى القوم الفاسقين}. ### ||| AUTO سورة الجمعة # فمنها قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم}، إلى قوله: {ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}. وقد سبق نظيره. # ومنها قوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها}، الآية. وذلك ~~مع علمه أنهم لا يحملونها، أي لا يعملون بها. وهو من تكليف ما لا يطاق، كما ~~سبق في قوله: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}. ثم قال: ms203 {والله لا يهدى ~~القوم الظاملين}. هو ساقهم إلى أن ظلأموا؛ ثم نفى هدايتهم بظلمهم. وما ذلك ~~إلا عملا يتصرفه الكوني، كما سبق. # ومنها قوله: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما}. ذمهم ~~على PageV01P317 # ذلك، مع أنه هو الذي ساق لهم سبب الانفضاض، وهو العير القادمة من الشام ~~بالمسيرة، وخلق فيهم داعي الانفضاض إليها. وكذلك فعل في الكافر والعاصي ~~سواء؛ قيض له سبب المعصية، وخلق فيها داعيها؛ فلا جرم وقعت منه، وإن هي إلا ~~فتنتك. نسأل الله عصمة منه تحول بيننا وبين ما يكره. ### ||| AUTO سورة المنافقين # فمنها قوله سبحانه: {سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ~~الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين}. والاستدلال بها كما سبق. ولا ~~أثر لسببية الفسق؛ لأنه بقدره أيضا. ### ||| AUTO سورة التغابن # فمنها قوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}. يحتمل هذا ~~تقديرين: أحدهما: "خلقكم كافرين ومؤمنين"، أي على هذه الحال. وهى، على هذا ~~التقدير، النزاع بينا وبين الخصم. فنحن نقول: "فمنك كافر ومؤمن يخلق الله ~~فيه الكفر والإيمان". وهم يقولون: "فمنكم كافر، أي آت بالكفر، ومؤمن، أي آت ~~بالإيمان بدليل قوله: {والله بمات عملون بصير}، أضاف العمل إليهم". ومعنى ~~الكلام عندهم أن الله يفضل على خلقه بالإيجاد؛ فكان يجب عليهم النظر ~~الصحيح؛ ولكنهم تفرقوا؛ ففعل الكفار في أنفسهم الكفر. # ثم أورد الزمخشري على نفسه السؤال الذي قد يكون إيراده فيما سبق من هذا ~~الكتاب. وهو أن الله خلق هؤلاء، مع علمه أن سيكفرون؛ وخلق القبيح وخلق ~~فاعله سيان في القبح. كواهب سيف لقطع الطريق؛ فإنه وقاطع الطريق سيان في ~~استحقاق أصل القبح. وأجاب بأن الله سبحانه حكيم. وجهلنا بالحكمة في خلقهم ~~لا يقدح في PageV01P318 # حكمته، ولا في كون ذلك حسنا؛ كجهلنا بدواعي الحكمة في أكثر مخلوقاته. هذا ~~حاصل سؤاله وجوابه؛ وهو مشترك. فإنا نقول في خلقه للكفر ما قاله هو في خلقه ~~للكافر؛ خصوصا على رأي أصحابه الذين التزموا، على قاعدة رعاية الأصلح، أن ~~النار أصلح ms204 للكافر. # ومنها قوله تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه}. أضاف هداية القلب إليه ~~جزاء؛ فكذا ابتداء. والمعنى: "من ينعم عليه بالإيمان ابتداء، يتم نعمته ~~عليه بهداية القلب، بحسب علمه فيه وإرادته به". فإن قيل: "لا يلزم من ~~الإيمان ابتداء هداية القلب دواما؛ لأنا نرى كثيرا يؤمنون بدءا، ويكفرون ~~عند الخاتمة. وقد ورد الحديث بذلك، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~من الناس من يولد مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا؛ ومنهم من يولد كافرا ~~ويعيش كافرا ويموت كافرا؛ ومنهم يولد مؤمنا ويموت كافرا؛ وعكسه؛ وأقساما ~~أخر. قلنا: هذا السؤال مشترك الإلزام. لأنا أشرنا إلى أن الاستثناء مضمر في ~~الآية، تقديره: من يؤمن بالله، يهد قلبه، إن شاء، وسبقت له العناية. ### ||| AUTO سورة الطلاق # فمنها قوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. قال الزمخشري، فيما ~~حكاه عنه ابن المنير: "نسلم للقدر؛ وهو التوكل". ثم قال ابن المنير: "أين ~~القدري من التسليم للقدر! فهو يعتقد أن المقدر أكثره لا يقع. فأكثر ~~الكائنات تتبع إرادة الخلق عندهم؛ وإن وافقت إرادة الله، فليس لها أثر في ~~الإيجاد". ثم قال: "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ لا معقب لحكمه". PageV01P319 # ومنها قوله تعالى: {إن الله بالغ أمره}. ومن هذا، أخذ الناس قولهم، "إذا ~~أراد الله شيئا بلغه". وهذا خبر لا يطابق مخبره إلا إذا اضطر الله خلقه إلى ~~ما يريد منهم إذ لو كانوا مختارين، وبأفعالهم مستقلين، لجاز أن يخالفوا ~~معلومه ومراده؛ فلا يكون بالغا أمره؛ وهو محال، لوجوب صدق إخباره. وهذه ~~الآية مثل قوله: {والله غالب على أمره}. وقد ثبت إحداهما الأخرى، وأن الله ~~بالغ أمره بالغلبة والاقتدار عليه. # ومنها قوله تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا}. وعمومها حجة في الباب، ~~سواء قلنا: "القدر": "الزمن الذي قدر فيه وقوع الشيء"، أو "كمية الشى ~~ومقداره". # لأن الآية تتناول بعمومها أفعال العباد؛ فتكون أزمتها وكمياتها بجعل الله ~~تعالى لها قدرا على علمه بوجودها وتأثيره بإيجادها. وقد تناقش هذه الدلالة. ### ||| AUTO ومن ms205 سورة الملك # قوله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم ~~من خلق}. وجه دلالتها أنه سبحانه وتعالى دل على علمه السر والجهر بخلقه ~~لهما؛ لأن العلم بالمخلوق من لوازم خلقه. فدل سبحانه بوجود الملزوم، وهو ~~الخلق، على وجود اللازم، وهو العلم. فأما ما سبق، من أن العبد لو خلق أفعال ~~نفسه، لكان عالما، فهو استدلال بانتفاء اللازم، وهو العلم، على انتفاء ~~الملزوم، وهو الخلق. إذا عرف هذا، فالسر والجهر والقول من أفعال القلوب؛ ~~وقد أثبت الله سبحانه أنه خالقها. وإذا عرف هذا، فالسر والجهر والقول من ~~أفعال القلوب؛ وقد أثبت الله سبحانه أنه خالقها. وإذا ثبت خلقه لأفعال ~~القلوب، أو بعضها، ثبت خلقه لأفعال القلوب، أو بعضها، ثبت خلقه لسائر ~~الأفعال؛ إذ لا فرق. # فأما قوله: {من خلق}، فعند الزمخشري، هي منصوبة "بيعلم". وعند غيره ~~مرفوعة على أنها فاعل {يعلم}؛ وهو أجود؛ إذ التقدير "ألا يعلم الخالق ما ~~خلق! " ولو كان كما قاله الزمخشري، لقال: "ألا يعلم ما خلق"؛ لأن المستدل ~~على خلقه، وهو PageV01P320 # السر والجهر، لا يفعل". فإن قال: "المراد" "بمن" الفاعلون، وإذا علم ~~الفاعل، علم فعله" قلنا: بتقدير تسليمه، تبطلل قاعدة القدر؛ لأنه أخبر أن ~~معلومه مخلوق له. فإذا ثبت أن الفعل تابع لفاعل في العلم، تبعه أيضا في ~~الخلق، ولزم القول بخلق الأفعال. ومعنى قوله تعالى: {وهو اللطيف الخبير}، ~~أن علمه سبحانه للطفه يتخلل الأشياء، فلا يعزب عنه منها شيء. ### ||| AUTO سورة ن # فمنها قوله تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. وقد سبق نظيرها ~~والاستدلال بها في الأعراف. ### ||| AUTO سورة الحاقة # فمنها قوله تعالى: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون}. فالذي نبصره ~~الجواهر والأجسام وبعض الأعراض. ومما لا نبصره بعض الأعراض، كالحركات وسائر ~~المعانى، والرياح والجن والشياطين والملائكة والنفوس والعقول والأرواح. ~~فيجوز أن يكون من ذلك خلق الله للأفعال. ومع جواز ذلك، كيف يقطعون بأنها ~~مخلوقة للناس، اعتمادا على مشاهدتهم صدورها عنهم، كما سبق؟ وهذا إنما فيه ~~بطلان رأيهم، لا تصحيح ms206 رأينا. إذ لا يلزم من الجواز الوقوع. ### ||| AUTO سورة سائل سائل # فمنها قوله تعالى: {إن الإنسان خلق هلووعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه ~~الخير منوعا إلا المضلين}؛ الآيات. فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان مطبوعا ~~على هذه الأخلاق والأحوال؛ وهي من المعاصي. وخالق الفاعل خالق هيئته التي ~~خلق عليها. إذ الحال وصف هيئة الفاعل أو المفعول. و {هلوعا} و {جزوعا} و ~~{منوعا} منصوبات على الحال. PageV01P321 # فصار حاصل الجملة المطلوبة أن الله سبحانه خلق الإنسان وخلق الشرور فيه، ~~إما بعينها، أو بخلق جملته المقتضية لها. إلا قوما سبقت لهم العناية؛ فلم ~~يخلق فيهم الشر، وأبدلهم منه خصال الخير المذكورة، من صلاة وزكاة وأمانة ~~وخوف من الله سبحانه، وغير ذلك. ### ||| AUTO سورة نوح # فمنها قوله تعالى: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا}. وإذا زاد الظالمين ~~ضلالا، جاز أن يبتدئه فيهم، لما سبق تقريره. والخصم يتأول هذا ونحوه على ~~معنى "امنع ألطافك عنهم فلا يهتدون، أو فيستمرون على ضلالهم". ومقتضى اللفظ ~~وسائر النصوص تأباه. ### ||| AUTO سورة الجن # فمنها قولهم، {وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا}. فدل على أنه سبحانه يريد بعباده الشر. وعلى هذا سؤالان: أحدهما: أنه ~~محكي عن الجن. الثانى: أنهم لم يسموا مريد الشر؛ حيث قالوا: {أشر أريد بمن ~~في الأرض}؛ ولم يقولوا: {أراد بهم ربهم}، كما قالوا في الرشد. فدل على أن ~~المريد مختلف. فجواب الأول أنه، وإن كان محكيا عن الجن، إلا إن الله حكاه ~~عنهم في معرض التقرير عليه؛ بدليل قوله للنبي عليه السلام: {قل أوحى إلى ~~أنه استمع نفر من الجن فقالوا}؛ ثم حكى أقوالهم إلى آخرها. فكانت حجة ~~بتقرير الله عليها وعدم إنكارها. وجواب الثاني أنهم حذفوا فاعل الشر تأدبا؛ ~~كقول إبراهيم: {الذي خلقنى فهو يهدين}؛ ثم قال: {وإذا مرضت}، ولم يقل: ~~"أمرضني"، تأدبا. كذا ها هنا. # وليس في سورة المزل شيء من الباب. PageV01P322 ### ||| AUTO أما سورة المدثر # فمنها قوله تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم ms207 ~~إلا فتنة للذين كفروا}. والاستدلال بها كما سبق غير موضع. # ومنها قوله: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء}. وقد سبق نظيرها ~~والاستدلال به في البقرة. ### ||| AUTO سورة الإنسان # فمنها قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}. أي مشيئتكم تابعة ~~لمشيئته. فلا تشاؤون إلا ما قد شاء. ثم ألحمكم مشيئته. ويحتج بها من قال: ~~"إن منت قال لزوجته: "أنت طالق، إن شاء الله"، يقع الطلاق". لأن مشيئة الله ~~لازمة لمشيئة العبد، ووجود الملزوم يدل على وجود اللازم. وإذا ثبت أن مشيئة ~~العبد تابعة لمشيئة العبد، ووجود الملزوم يدل على وجود اللازم. وإذا ثبت أن ~~مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب، فكذا قدرته تابعة لقدرة الرب؛ لأن الله ~~سبحانه إذا شاء أمرا، أثرت فيه قدرته؛ ثم جرى على قدرة العبد جريان كسب لا ~~خلق. لأن الخلق حصل بقدرة الرب؛ فلا يبقى لقدرة العبد محل تؤثر فيه. وأيضا، ~~وجود الفعل عن قادرين باطل عند الخصم. # ومنها قوله سبحانه: {يدخل من يشاء في رحمته}. والاستدلال به كما سبق. # ثم لم أجد شيئا إلى ### ||| AUTO سورة التكوير # . ### ||| AUTO [سورة التكوير] # فمنها: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}، عقب قوله: {لمن شاء ~~منكم أن يستقيم}. والاستدلال كما سبق في سورة "هل أتى". PageV01P323 ### ||| AUTO ثم إلى سورة المطففين # فمنها قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم كا كانوا يكسبون}. وقد سبق ~~نظيره ووجه الاستدلال به أول البقرة. ### ||| AUTO ثم إلى سورة البروج # فمنها قوله تعالى: {فعال لما يريد}. ولها نظائر في القرآن، نحو: {إن الله ~~يفعل ما يريد}، {يفعل ما يشاء}. والناس يلهجون بالاحتجاج بها في هذا الباب. ~~وهي حجة، إلا أنها لا تلزم الخصم؛ لأنه يسلم أن الله يفعل ما يريد؛ لكن ~~عنده أن أفعال العباد غير مادة له حتى يفعلها. وقد سبق الكلام معهم في أن ~~الله مريد لجميع الكائنات أم لا. وإنما يكون حجة لو قال: "لا يكون إلا ما ~~يريد". والتحقيق في هذا أن الإرادة لازم للفعل؛ والفعل ملزوم ms208 للإشرادة. فمن ~~يحتج على إذبات القدر بقوله، {فعال لما يريد}، يكون محتجا بوجود اللازم، ~~وهو إرادة الله سبحانه. لكن وجود اللازم لا يدل على وجود الملزوم، ولا ~~عدمه. وإنما وجه استدلال أهل السنة بالآية هو أن قوتها وسياقها يقتضي أن ~~الله أثبت لنفسه التصرف الكامل الاستقلالى في الوجود؛ بمعنى: لا متصرف ~~غيره، ولا فاعل سواه فاعلم ذلك. # ثم لم أجد شيئا من الباب إلى سورة والشمس. ### ||| AUTO [سورة الشمس] # فمنها قوله تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها}. أي جبلها عليه وأشربها ~~إياه. وقد PageV01P324 ### ||| AUTO ثم إلى سورة الضحى # فمنها قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى}. فنسب هداه إليه. أما قوله، "وجدك ~~ضالا"، فله وجهان جيدان: # أحدهما: "وجدك لا تعلم الهدى الذي جاءك، فعلمك إياه، وهداك به"؛ لقوله: ~~{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم}؛ وقوله: {ما كنت ~~تدرى ما الكتاب وولا الإيمان}، يعني الذي جاءك. وإلا، فهو لم يكن قبل ضالا ~~عن الإيمان المطلق. الوجه الثاني: "وجدك وقد انعقد لك سبب الضلال، بإجماع ~~قومك عليه؛ فلو لم يهدك، لتابعتهم؛ فهداك عما كانوا عليه إلى ما صرت إليه. ~~فهو كقوله: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}، {ولولا أن ثبتناك ~~لقد كت تركن إليهم}. ### ||| AUTO ثم إلى سورة الفلق # فمنها قوله: {قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق}. وإنما أراد أن يعلمه ~~التعوذ من شر جميع الموجودات تعوذا عاما. فدل على أن سائر الموجودات، من ~~ذات وحركة وكاسب وكسب، خلقه سبحانه. وقد ثبت في السنة تعوذه عليه السلام من ~~شر كل شيء. فأما قوله: {أعوذ بك من همزات الشياطين}، و {من شر السواس}، ~~ونحو ذك مما خصه بالاستعاذة منه، فلمتض للتخصيص؛ ولم يذكره بصفة تقتضي ~~العموم، كالخلق ها هنا. فكأنه قال: "من شر مخلوقاته"، أو " الذي خلقه". # وقرأ بعض القدرية محرفا للقرآن، فقرأ: "من شر ما خلق"، بتنوين "شر"، وجعل ~~"ما" نافية. يعني: "ما يفعله المكلفون، من المعاصي والمآثم، وغير المكلفين، ~~من PageV01P325 # الشرور، كلدغ الهوام وإحراق النار؛ لأن الله ms209 لا يفعل ذلك كله عندهم؛ ~~لأنذه شر، بناء على رعاية الأصلح. وكفى بتحريفهم للقرآن على خلاف الإجماع ~~دليلا على بطلان رأيهم. # هذا آخر ما أمكن استقراؤه من آيات الإثبات. # { ### || AUTO استدلال القدرية من أي القرآن] # أما ما يحتج به القدرية من أي الكتاب، فأكثر من أن يحصى. وليس ذلك دالا ~~على صحة رأيهم. وإنما سببه ما كنا قدمناه من تقرير تصرف الله في خلقه ~~التكويني والتكليفي. وإنما تقوم الحجة عليهم ظاهرا بالتصرف الثاني، وهو ~~التكليفي. فلا جرم كان أكثر مخاطبته لهم وعنهم مبنيا عليه، من ذم ومدح ~~وتقريع وتوبيخ وشرط وجزاء، ونحو ذلك. فنحن إن شرعنا نستقرئ كل ما في القرآن ~~مما يحتجون به من القرآن. ولا أرى أنه يبقى بعدها مما يحتجون من القرآن ~~شيء. والوجوه الكلية التي احتجوا بها من القرآن عشرة. # الأول إضافة الأفعال إلى العباد. نحو: {يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة}، ~~{يكتبون الكتاب بأيديهم}، {يكتمون ما أنزلنا}، {يكسبون}، {يعلمون}، ~~{يفعلون}، {جزاء بما كسبا}، ونحوه كثير جدا. # الثانى مدح المطيعين على الطاعات، وذم العصاة على المعاصي، والوعد ~~والوعيد عليهما. نحو: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت}، {اليوم تجزون ما كنتم PageV01P326 # تعملون}، {لتجزى كل نفس بما تسعى}، {أولئك هم الوارثون}، {أولئك هم ~~الظالمون}، ونحو ذلك. # الثالث الآيات المنزهة لله سبحانه عن الظلم والتفاوت. نحو: {إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة}، {ولا يظلمون فتيلا}، {وما ربك بظلام للعبيد}. وتعذيبهم ~~على أفعال خلقها فيهم ظلم. وقوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}، {الذي ~~أحسن كل شيء خلقه}. وأفعال العباد متفاوتة قبيحة؛ فليست أفعال الله. # الرابع توبيخ العصاة على المعاصي. نحو: {كيف تكفرون بالله}، {فما لهم لا ~~يؤمنون}، {وماذا عليهم لو آمنوا بالله}، {ما منعك أن تسجد}، {فما لهم عن ~~التذكرة معرضين}. فكيف يوبخهم على ما لم يفعلوا! أو كيف يمنعم عن الفعل، ثم ~~يقول: "لم لم تفعولا"! ولو فعل هذا واحد من الناس، لأطبقوا على تسفيهه ~~وتجهيله. # الخامس الآيات التي اقتضت تخييرهم في الفعل وتركه، بحسب مشيئتهم. نحو PageV01P327 # {من شاء ms210 فليؤمن ومن شاء فليكفر}، {لمن شاء منكم أن يتقدم أن يتأخر}، {فمن ~~شاء ذكره}، {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}، {مآبا}، {اعملوا ما شئتم}، ~~{اعملوا فسيرة الله عملكم}. وأنكر على مت نفى المشيئة عن نفسه وأضافها إلى ~~الله، بقوله: {لو شاء الله ما أشركنا}، الآية، كما سبق. وذلك يدل على أنهم ~~مختارون مستقلون بأفعالهم. # السادس الآيات التي أمروا فيها بالمسارعة إلى الطاعات وامتثالها. نحو: ~~{سارعوا}، {سابقوا إلى مغفرة من ربكم}، {أجيبوا داعى الله}، {استجيبوا ~~لله}، {لربكم}، {اركعوا واسجدوا}. وأمرهم بذلك، مع أنه ليس من فعلهم، أو مع ~~منعهم منه، كمن يقول للزمن: "قم" ولمن رمي من رأس جبل: "إياك أن تقع! " # السابع الآيات التي أمروا فيها بالاستعانة بالله. نحو {إياك نستعين}، ~~{فاستعذ بالله من الشيطان}، {استعينوا بالله}، فإذا كان الله خالق الكفر ~~والمعاصي، PageV01P328 # {ربنا ظلمان أنفسنا}، {إنى ظلمت نفسى}، {فاغفر لى}، {إنى كنت من ~~الظالمين}. # التاسع اعتراف الكفار والعصاة بأن كفرهم ومعاصيهم منهم. نحو: {قالوا لم ~~نك من الظالمين}. # التاسع اعتراف الكفار والعصاة بأن كفرهم ومعاصيهم منهم. نحو: {قالوا لم ~~نك من المصلين}، {فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ}، ونحو ذلك. # العاشر تندمهم في الآخرة على تفريطهم في الدنيا، وطلب الرجوع. نحو: {يا ~~حسرتنا على ما فرطنا}، {يا حسرتى على ما فرطت فى}، {رب ارجعون}، {فلو أن ~~لنا كرة فنكون من المؤمنين}، {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون}. # هذه كليات ما استدلوا به من القرآن. ### || AUTO [الجواب على استدلال القدرية من أي القرآن] # والجواب عنه من حيث الإجمال والتفصيل # أما الإجمال، فمن وجهين: أحدهما: ما سبق تقريره من الفرق بين تصرف الله ~~التكويني والتكليفي. فهذه الوجوه العشرة إنما هي باعتبار تصرفه الثاني. ~~الوجه الثاني: أن ما ذكرتموه معارض بالنصوص والظواهر التي استقرأناها، وإذا ~~وقع التعارض بين ما PageV01P329 # ذكرتموه وذكرناه، وجب التوفيق بين القسمين. وليس إلا بحمله على ما ذكرنا ~~من التصرفين، واعتقاد عدل الله، والتسليم حكم الله، كما قلنا في آيات ~~الصفات، مع قوله تعالى: {ليس كمثله شئ}. ms211 # واعترض أبو الهذيل وعلى هذا بأن قال: "لو فهمت العرب من آيات الإثبات ~~التي استقرأتموها ما فهمتم، لاحتجوا على النبي عليه السلام بها، وقالوا: ~~"كيف تأمرنا بالإيمان، وقد حيل بيننا وبوينه؟ وتنهانا عن الكفر، وقد خلقه ~~الله فينا، واضطرنا إليه؟ " وكان يكون ذلك من أقوى القوادح في نبوته؛ لظهور ~~تناقض ما جاء به، من أمره بالإيمان وإخباره بمنعهم منه. فلما لم يحتجوا ~~عليه بذلك، دل على أن المراد من تلك الآيات غير ما فهمتم". # والجواب على هذا من ووجوه. # أحدها: أنه باطل بقوله تعالى: {سيوق الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا} فها هم قد احتجوا عليه بما كر، وأكذبهم الله، كما سبق تقريره. ~~ولم يك ذلك قادحا في النبوة. # الوجه الثاني: بتقدير أنهم ما احتجوا بذلك، فإنهم صرفوا عن الاحتجاج به، ~~لكونه قادحا في النبوة؛ كما صرفوا عن معارضة القرآن عند المعتزلة، بناء على ~~الصرفة عندهم. # الوجه الثالث: أن العرب لم يكونوا في التشكك كأبي الهذيل؛ فلم ينتهوا لذلك. # ويرد على هذين الوجهين أن الصرفة عامة للكفار فمن بعدهم، حتى لا يتسطيع ~~أحد [أن] يعارض القرآن. فلو عارضه الآن معارض، لقدح في النبوة. والذي صرف ~~عنه الكفار من الاحتجاج بآيات القدر، قد احتججتم أنتم به. فيجب أن يكون ~~قادحا في النبوة؛ وهو خلاف الإجماع. وكذلك قولهم، "إن الكفار لم يكونوا ~~كأبي الهذيل"، يقتضي أن سؤال أبي الهذيل قادح في النبوة؛ وليس كذلك. ~~والأجود في الجواب الأول. PageV01P330 # وأما التفصيل، فإن الجواب عن أكثر ما ذكروه في الوجوه العشرة قد سبق في ~~جواب رسالة الحسن. ونحن نستقرئ الوجوه المذكورة إقامة لرسم الجواب فنقول: # أما الأول، فإضافة الأفعال فيه [إلى] العباد من حيث الكسب، لا الخلق. وقد ~~سبق دعوى أبي الحسين الضرورة بهذا الطريق على أن أفعال العباد خلق لهم ~~جوابها. # فإن قيل: "العبد إما أن يكون مستبدا بإدخال فعله في الوجود، أو لا. فإن ~~كان، فهو تسليم الدعوى للمعتزلة. وإن لم يكن، كان مضطرا؛ لأن الله سبحانه ~~إن خلقه ms212 فيه، وجب وقوعه؛ وإن لم يخلقه، امتنع وقوعه. وحينئذ، يظهر أن الكسب ~~اسم لا مسمى له". # والجواب من وجهين: أحدهما: أنه لازم عليهم أيضا، كما سبق. وبيانه ها هنا ~~أن ما علم الله أنه يوجد، وجب وقوعه؛ وما علم أنه لا يوجد، امتنع وقوعه. ~~فالعبد مكلف إما بواجب، أو ممتنع. والأول اضطرار، والثاني تكليف بالمحال. ~~فإن قالوا: "لا نسلم أنه يجب وقوعه لمجرد علم الله بوقوعه، بل بشرط تأثير ~~قدرة العبد فيه"، قلنا: فنحن نقول أيضا إنه لا يجب بمجرد علم الله بوقوعه، ~~بل بشرط إجرائه على أدوات العبد موافقا لعزمه وإرادته؛ وهو الكسب الذي ~~نعنيه. واستوى القولان. وغاية ما يلزم من قولنا تكليف المحال؛ وهو لازم ~~عليكم؛ وقد بينا جوازه. # الثاني: أن نفي حقيقة الكسب، مع أن الله أضافه إليهم في غير موضع، ولم ~~يضف الخلق إليهم في موضع واحد، بهت ومكابرة. فثبت أن الكسب حقيقة في نفس الأمر. # وهب أنا أخطأنا معرفة تلك الحقيقة؛ لكن ذلك غير قادح ثى ثبوتها. وحينئذ، ~~ينصرف جميع ما ذكرتموه إليها. # هذا هو الجواب عن الثاني والرابع والسادس والثامن وما بعده. # وأما الثالث، فقد بينا أن لا اتجاه للظلم على الله سبحانه مع إثبات ~~التصرف الكوني. وأما التفاوت والقبح، فهو في أكساب العباد، وكسب العبد يجوز ~~أن يؤثر PageV01P331 # قبحا في الفعل، وإن لم يؤثر في وجود ذاته. وليس ذلك المراد من الآية. ~~إنما المراد الأعيان؛ بدليل ما قبل الآية وبعدها؛ وهو قوله تعالى: {الذي ~~خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}، إلى قوله: {ثم ارجع ~~البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}. فدل على أن المراد بالخلق ~~المذكور الأعيان المحسوسة، وأنه لا تفاوت فيها فيما تقتضيه الحكمة؛ بل خلق ~~كل شيء منها طبق الحكمة التي خلق لها. # وأما الخامس، فالآيات الواردة بالتخيير بين الفعل والترك، إما محمولة على ~~التعجيز؛ أي "اعملوا ما استطعتم، فلا خروج لكم عن مقتضى إرادتي وقهر ~~قدرتي"، كقوله: {يا معشر الجن .. إن استطعتم أن ms213 تنفذوا .. فانفذوا}. أو على ~~التخيير الصوري باعتبار التصرف التكليفي. على أن قوله: {من شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر}، هو في التهديد؛ نحو: {اعملوا ما شئتم}. # وأما السابع، ففائدة الاستعانة الإعانة واللطف لدفع الخذلان الموجب ~~للشقاوة. على أن الأمر مفروغ منه. فمن سبقت له السعادة بالإعانة، وفق ~~للاستعانة، وخلق فيه داعيها؛ ومن لا، فلا. # وبعد هذا كله، فلا تنس ما قررناه من حكم الله سبحانه في الخلق بعلمه. ~~فأحسب أنه سر القدرونكتته. ### ||| AUTO [حجة على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهي نكتة أجنبية عن الباب] # وإذ قد انتهى الكلام بنا إلى ها هنا، فلنردف أي الكتاب بأحاديث السنة في ~~الباب، بعد ذكر نكتة نوردها استطرادا، ليست من الباب في شيء، لكنها مستفادة ~~مما ذكرنا من أي القدر بطريق الاستدلال. وهي أنا قد أوردنا الآيات المختلفة ~~ظاهرا فيما يتعلق بالقدر. فنقول: ورود هذه الآيات المتعارضة ظاهرا في ذلك ~~حجة قوية على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على منكريها. PageV01P332 # وتقرير الحجة المذكورة هو أنه لو لم يكن نبيا حقا ورسولا صدقا، لما جاءت ~~هذه النصوص المتعارضة على لسانه في كتابه. لكنها وردت على لسانه؛ فيكون ~~نبيا حقا. # بيان الشرطية هو أنه عليه السلام لم يشك أحد من منكري نبوته في فضيلته ~~وحكمته. ولولا ذلك، ما تقرر له هذا الناموس الدائم عندهم. وأيضا، من أنصف ~~ونظر في سيرته، وآدابه، وتأدبه أمته، وأصول شريعته، وفروعها، علم قطعا أنه ~~كان على غاية من الحكمة والسياسة. # وإذا ثبت ذلك، فنقول: صدور هذا التعارض العظيم من مثل ذلك الحكيم، إن لم ~~يكن من عند الله سبحانه، تلقاه تلقيا وأخذه عنه توقيفا، محال في العادة. ~~وذلك لأنا رأينا الحكماء الذين لم يقرروا مثل شريعة محمد ولا مثل ناموسه، ~~كبقراط وآرسطو وجالينوس وأضرابهم، يصنف أحدهم الكتب العظيمة الحج، التي ~~أصغرها حجما أكبر من حجم المصحف الكريم، فيحترز من التعارض فيها؛ فلا يأتي ~~منه بموضع واحد. بل هذه أجلاف العرب ينشئ أحدهم الخطبة، أو الرسالة، أو ~~القصيدة ms214 الطويلة، فينقحها حتى لا تناقض فيها في موضع واحد. فما الظن بحكيم ~~يؤسس شريعة وناموسا يبقى على مرور الأيام، يأتى بكتاب لطيف الحجم، فيه هذا ~~التعارص العظيم ظاهرا؛ مع أنه عند خصومع صنفه في مدة عمره ستين سنة! فإن ~~العادة تحيل، مع حكمة المصنف ولطف التصنيف وطول زمنه وعظم المقصود منه، أن ~~يترك فيه مثل هذا التعارض، أو يخفى عنه مكانه، لظهوره، وحينئذ، يدل بضرورة ~~العادة أنه إنما جاء به من عند الله، وفوض أمره إلى الله. # وهذه حجة قوية مستندها العلم الضروري العادي. ولا أعلم يرد عليها إلا ~~سؤال واحد؛ وهو أن يقال: "لعله وضع هذا التعارض في كتابه، ليحتج له به، كما ~~قررتموه، ويوهم الناس أن هذا لو كان من عندي، لما كان فيه هذا المتشابه ~~والمختلف. فينبههم ذلك على أنه من عند الله، وإن لم يكن كذلك؛ كما يوهم ~~الساحر بسحره أنه معجز؛ وليس كذلك". PageV01P333 # والجواب أن ما ذكرتموه، وإن كان لقائل أن يقوله في مقام المدافعة ~~والعناد، إلا إنه باطل في مستقر العادات. وذلك لأن من القضايا الضرورية عند ~~العقلاء ترجيح أعظم المصلحتين، ودفع أعظم المفسدتين؛ حتى قال القائل: # إن اللبيب إذا ألم بجسمه .. مرضان مختلفان داوى الأخطرا # ومن حصل مصلحة مرجوحة، مع تفويت مصلحة راجحة جدا، أو دفع مفسدة يسيرة، ~~والتزم أشد منها، عد عند العقلاء سفيها، يحكمون عليه بذلك بديهة. ونحن قد ~~بينا حكمة محمد عليه السلام ومعرفته بأحكام السياسة. ووافق الخصم على ذلك ~~وحينئذ، لو تعمد هذا التعارض والاختلاف في كتابه، لكان مفوتا لمصلحة راجحة ~~مقطوعة، لأجل مصلحة مرجوحة مظنونة، وملتزما لمفسدة راجحة مقطوعة، لدفع ~~مفسدة مرجوحة مظنونة. وحينئذ، يكون من قبيل السفهاء؛ وقد فرضناه من أفضل ~~الحكماء؛ هذا خلف. # وبيان ذلك أن هذا التعارض، مع ظهوره، ومبادرة الأذهان إليه، منفر لمن ~~حوله عنه، موجب لسوء الظن به. وذلك مما يعكس مقصوده، ويفرق عنه جنوده. فلو ~~تعمده لأجل تنههم على الحجة المذكورة، لكان عادلا عن الراجح إلى المرجوح، ~~كما ذكرنا. لأن الحجة المذكورة ms215 إنما يتنبه لها أذكياء الناس وفضلاؤهم؛ ~~والتعارض المذكور ينفر عنه جميعهم، أوأكثرهم. فقد تبين بما ذكرناه ضعف ~~السؤال وقوة ما ذكرناه من الاستدلال. PageV01P334 ### || AUTO [أحاديث القدر] # ولنرجع إلى ما هو مقصود من إيراد ما تيسر من ### || AUTO أحاديث القدر # ؛ إذا استيعابها لا نستطيعه؛ إذ قد صنف العلماء فيه تصانيف مستقلة، ككتاب ~~القدر، لأبي داوود السجستاني، وغيره. فنقول، وبالله التوفيق: # [1] أخبرنا أبو بكر بن أحمد بن أبي بكر الباجسري القلانسي وأحمد بن عكبر، ~~قالا: أنا عبد الصمد بن أبي الجيش المقرئ، قال: أنا أبو الفرج بن الجوزى، ~~قال: أنا ابن الحصين، قال: حدثني أبى، قال: حدنا [أبو] عبد الرحمن الحبلى ~~يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "قدر الله تبارك وتعالى المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ~~ألف سنة". ورواه الترمذي وصححه؛ وهو في الصحيحن. ولفظ مسلم: طكتب الله ~~مقادير الخلائق"، الحديث؛ وزاد: "وعرشه على الماء". # وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو أيضا، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق خلق في ظلمة؛ فألقى عليهم من نوره فمن ~~أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل؛ فلذلك أقول: جف القلم على علم ~~الله". قال الترمذى: "حديث حسن". # [2] وبالإسناد الأول، ثنا أحمد، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سفيان، قال: حدثني ~~سعيد بن سنان، ثنا وهب بن خالد، عن ابن الديلمي قال: "لقيت أبي بن كعب، ~~فقلت: "يا أبا المنذر. إنه قد وقع في قلبي شيء من هذا القدر؛ فحدثني بشيء، ~~لعله PageV01P335 # يذهب من قلبي ".قال: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم، وهو ~~غير ظالم لهم. ولو رحمهم، كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم. ولو أنفقت مثل ~~جبل أحد ذهبا في سبيل الله، ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما ~~أصابك ما كان ليخطئك، وما اخطأك لم يكن ليصيبك. وو مت على غير ذلك، لدخلت ~~النار". قال: "فأتيت حذيفة، فقال لى مثل ms216 ذلك. وأتيت ابن مسعود، فقال لي مثل ~~ذلك. وأتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك". # [3] وأخبرنا أبو بكر الباجسري، قال: أنا عبد الصمد، قال: أنا أبو علي ~~الحسن بن المبارك الزبيدي، وأبو نصر الحسين بن أحمد بن حسنون النرسي، قالا: ~~أنا أبو الوقت عبد الأول السجري، أنا أبو الحسن الداوودي، أنا أبو عبد الله ~~السرخسي، أنا الفربري، أنا البخارة، قال: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ~~قال: حفظنا من عمرو، عن طاووس، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"احتج آدم وموسى: فقال موسى: "يا آدم؛ أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من ~~الجنة". فقال له آدم: "يا موسى؛ اصطفاك الله بكلامه، وخط بك التوراة بيده؛ ~~أتلومنى على أمر قدره الله على قبل أن يخلقنى بأربعين سنة؟ " فحج آدم ~~موسى". قالها ثلاثا. وأخرجه مسلم، عن محمد بن حاتم، عن سفيان. # ورواه الترمذي وصححه. ولفظه: "قال موسى: "يا آدم؛ أنت الذي خلقك الله ~~بيده، ونفخ فيك من روحه؛ أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة". فقال آدم: "وأنت ~~موسى الذي اصطفاك الله؛ أتلومني على عمل كتبه الله على قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض؟ " قال: "فحج آدم موسى". # ولفظ الترمذي أولى اللفظين؛ لأن علم الله تعالى تعلق بمعصية آدم في ~~الأزل؛ فلا معنى لتقدير مدته بأربعين سنة قبل خلقه. ولوم موسى لآدم، ~~واعتذار آدم لموسى يحقق ما قررناه قبل، من تصرف الله الكوني والتكليفي؛ لأن ~~تقدير المعصية على آدم كان PageV01P336 # باعتبار التصرف الأول، وعقوبته بالتصرف الثاني. # ولما رمى الرواة الإثبات بالروايات المسندات المتقنات بهذا الحديث بين ~~أكتاف القدرية، أخذوا ينقضون عنه ويتخلصون منه. أما أولا، فبكونه خبر واحد ~~لا يفيد العلم. وسيأتى جواب ذلك، وقد سبق شيء منه. وأما ثانيأ، فبتحريف ~~لفظه؛ فإن الرواة اتفقوا على أن "آدم" مرفوع على أنه فاعل "حاج"؛ و "موسى" ~~منصوب تقديرا؛ لأنه مقصور، على أنه مفعول "محجوج". فعكس القدرية، وجعلوا ~~موسى الفاعل؛ يريدون ليطفئون نور الله بأفواههم. # [4] وبالإسناد الأول، قال: حدثنا ms217 أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن جعفر، نا ~~شعبة، عن منصور، عن ربعي ن حراش، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: حتى يشهد أن لا إله إلا الله؛ وأني رسول ~~الله، بعثني بالحق؛ وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت؛ وحتى يؤمن بالقدر" ورواه ~~ابن ماجه والترمذي. # قلت: وفي قصة جبريل لما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن معالم ~~الدين، قال: "ما الإيمان؟ " قال: "أن تؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم ~~الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". قال: "صدقت". روى القصة مسلم وأبو داوود ~~وابن ماجه والنسائي والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح". # [5] وبإسناد البخاري، قال: ثنا عثمان، قال: جرر، عن منصور، عن سعد بن ~~عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي، قل كنا في جنازة في بقيع الغرقد؛ فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقعد رجل: "يا رول الله. أفلا نتكل على كتابنا، ~~وند العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة؛ ومن ~~كان منا من أهل الشقاوة، PageV01P337 # فسيصير إلى عمل الشقاوة": "إما أهل السعادة، فسييسرون لعمل السعادة. وأما ~~أهل الشقاوة، فييسرون لعمل الشقاوة". ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى}، الآية. ~~ورواه مسلم وأبو داوود وابن ماجه والترمذي، وصححه. # [6] وبإسناد مسند أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن ~~يزيد الرشك، قال: سمعت مطرقا يحدث عن عمران بن الحصين، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أنه سئل: "أيعرف أهل النار من أهل الجنة؟ " فقال: "نعم". قال: ~~"فلم يعمل العاملون؟ " قال: "يعمل كل لما خلق له (أو: "لما يسر له") " ~~وأخرجاه في الصحيحين. # [7] وبه، قال أحمد، ثنا صفوان بن عيسى، قال: أنا عزرة بن ثابت، عن يحيى ~~ابن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي، قال: غدوت على عمران بن ~~حصين يوما من الأيام، فقال لي: يا أبو الأسود. إن رجلا من جهينة، أو مزينة، ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله. أرأيت ms218 ما يعمل الناس ~~اليوم، ويكدحون فيه؛ شيء قضى عليهم، أو مضى عليهم في قدر سبق، أو فيما ~~يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؛ فاتخذت عليهم به الحجة: . قال: "بل شيء قضى ~~عليهم، ومضى عليهم". قال: "فلم يعملون إذن، يا رسول الله؟ " قال: "من كان ~~الله عز وجل خلقه لواحدة من المنزلتين، يهيئه لعملها. وتصديق ذلك في كتاب ~~الله تبارك وتعالى، "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها". وأخرجه مسلم. # وهذا والذي قبله قضية واحدة، لكن أحد طرفيها أبسط من الآخر. # وروى ابن عمرو، قال: قال عمر: "يا رسول الله. أرأيت ما نعمل فيه، أمر ~~مبتدع، أو مبتدأ، أو فيما قد فرغ منه؟ " قال: "فيما قد فرغ منه، يا ابن ~~الخطاب. وكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة، فإنه يعمل ~~للسعادة. وأما من كان من أهل PageV01P338 # الشقاء، فإنه يعمل للشقاء". رواه الترمذي وصححه. # قلت: وحاصل هذه الأحاديث أن الله سبحانه جعل في علمه الأزلي استحقاق ~~الثواب والعقاب جاريا على أعمل البر والفجور جريان السببات على أسبابها؛ ~~والسبب معرف لا يؤثر. وهذا يؤكد ما قررناه من قبل من حكم الله في خلقه ~~بعلمه في نفس الأمر. # [8] وبالإسناد، قال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا ليث، قال: حدثني، ~~قال: حدثني أبو قبيل المعافري، عن شفي الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو، قال: ~~خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابات. فقال: "أتدرون ما ~~هذان الكتابان؟ " قلنا: "لا إلا أن تخبرنا، يا رسول الله" فقال للذي في يده ~~اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين تبارك وتعالى؛ فيه أسماء أهل الجنة وأسماء ~~آبائهم وقبائلهم. ثم أجمل على آخرهم، لا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا. ثم ~~قال للذي في يساره: "هذا كتاب أهل النار، بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم. ~~ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا". فقال أصحاب رسول ~~الله صلة الله عليه وسلم: "فلأي شيء نعمل، إن كان هذا أمرا قد فرغ منه؟ " ~~قال رسول ms219 الله صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا. فإن صاحب الجنة يختم له ~~بعمل الجنة، وإن عمل أى عمل. وإن صاحب النار يختم له بعمل النار، وإن عمل ~~أى عمل". ثم قال بيده، فقبضها. ثم قال: "فرغ ربكم من العباد". ثم قال ~~باليمنى، فنبذ بها، فقال: "فريق في الجنة"، ونبذ باليسرى، وقال: "فريق في ~~السعير". وأخرجه النسائي والترمذي، وقال: "حسن صحيح غريب". # [9] وبه، قال أحمد، ثنا الحسن بن سوار، ثنا ليث بن سعد، عن معاوية، عن ~~راشد ابن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "إن الله عز وجل خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره؛ فقال: "هؤلاء ~~في الجنة، ولا أبالي؛ وهؤلاء في النار، ولا أبالي". فقال قائل: "يا رسول ~~الله. فعلى ما نعمل؟ " قال: "على مواقع PageV01P339 # القدر". # قلت: معناه ما سبق، أن من قدر عليه شيء، وقع عليه لا محالة. # [10] وبه، قال أحمد، ثنا عبد الرزاق، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن ~~عبد الله اليشكتري، عن المعرور بن سوسد، عن عبد الله، قال: قالت أم حبيبة: ~~"اللهم متعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية". فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " قد سألت الله عز وجل لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، ~~وآثار مبلوغة، لا يعجل منها شيء قبل حله، ولا يؤخر منها شيء بعد حله. ولو ~~سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار، وعذاب في القبر، كان خيرا لك". رواه مسلم. # وهذا أصح مما رواه الترمذي من حديث سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر". وقال: "حن غريب ~~من حديث سلمان". # فتقدم حديث أم حبيبة عليه. فإن صح حديث سلمان، حمل على مجاز سهولة العيش ~~وطيبته، ونحوه. فإنه يسمى "زيادة في العمر" مجازا. # ولمسلم، من حديث جابر بن عبد الله، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، ~~فقال: "يا رسول الله: بين لنا ديننا، كأنا خلقنا الآن. فيم ms220 العمل اليوم؟ ~~فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ " فقال: "بل فيما ~~جفت به الأقلام وجرت به المقادير". فقال: "فيم العمل، يا رسول الله؟ ". ~~فقال: "كل عامل ميسر لعمله". # [11] وبالإسناد، إلى عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا مصعب الزبيري، قال: ~~حدثني مالك، عز زيد عن أبي أنيسة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب، أخبره عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم}. فقال عمر: "سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P340 # سئل عنها، فقال: "إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ~~ذريته؛ فقال: "خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون". ثم مسح ظهره، ~~فاستخرج منه ذرية؛ فقال: "خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون". فقال ~~رجل: "يا رسول الله. ففيم العمل؟ " فقال: "إن الله عز وجل إذا خلق العبد ~~للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة؛ [حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، ~~فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار] حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار". # والمراد من هذا الحديث أنه يختم له بأحد العملين، فيلحقه بأهله؛ لا أنه ~~يستعمله طول عمره بعمل واحد حتى يموت عليه. بدليل حديث أبي سعيد، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: "الا إن بنى آدم خلقوا على طبقات شتى. فمنهم من ~~يولد مؤمنا، ويحيى مؤمنا، ويموت مؤمنا. ومنهم من يولد كافرا، ويحيى كافرا، ~~ويحيى كافرا، ويموت كافرا. ومنهم من يولد مؤمنا، ويحيى مؤمنا، ويموت كافرا. ~~ومنهم من يولد كافرا، ويحيى كافرا، ويموت مؤمنا" رواه ابن ماجه والنسائي ~~والترمذي، وقال: "حديث حسن". # وروى أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبد ~~خيرا، استعمله". فقيل: "كيف يستعمله؟ " قال: "يوفقه لعمل صالح قبل الموت". ~~رواه الترمذي وصححه. # وفي الصحيحين، من حديث سهل بن سعد: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل ms221 الجنة فيما ~~يرى الناس، وهو من أهل النار. ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو ~~من أهل الجنة. وإنما الأعمال بالخواتيم". # [12] وبالإسناد، إلى عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، ~~قال: حدثنا أبو داوود الحفري، عن سفيان، عن أبي إسحق، عن مطر بن عكامس، ~~قال: قال PageV01P341 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قضى الله منية عبد بأرض، جعل له ~~إليها حاجة. ورواه الترمذي، قال: "حسن غريب". لكن صحح مثله من حديث أبي ~~عزة، واسمه يسار بن عبد؛ وله صحبة. # وروى حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، أن أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب ~~عليه امرأة من بني ليث. فقال أهلها: "أما سلمان، فلا نزوجه؛ ولكنا نزوجك". ~~فتزوجها أبو الدرداء. ثم جاء إلى سلمان، فقال له: "قد كان شيء؛ وأنا أستحي ~~أن أذكره لك" ثم أخبره الخبر. فقال سلمان: "أنا أحق أن أستحيي منك أن ~~أخطبها، وقد كان الله قضاها لك". # وعن عبد الواحد بن سليم، قال: قدمت مكة، فلقيت عطاء بن أبي رياح، فقلت ~~له: "يا أبا محمد. إن أهل البصرة يقولون في القدر". قال: "يا بنى. أتقرأ ~~القرآن؟ " قلت: "نعم". قال: "فاقرأ الزخرف. قال: "فقرأت: {حم والكتاب ~~المبين}، إلى قوله: {وإنه في أم الكتاب}. فقال: "أتدرى ما أم الكتاب؟ " ~~قلت: "الله ورسوله أعلم". قال: "فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماء، ~~وقبل أن يخلق الأرض؛ فيه إن فرعون من أهل النار؛ وفيه: تبت يدا أبي لهب ~~وتب". قال عطاء: "فلقيت الوليد ابن عبادة بن الصامت، صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ فسألته: "ما كان وصية أبيك عند الموت؟ " قال: "دعانى، ~~فقال: "يا بني، اتق الله. واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله، وتؤمن ~~بالقدر كله خيره وشره. فإن مت على غير هذا، دخلت النار. إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم؛ فقال: "كتب". قال: ~~"وما أكتب؟ " قال: "اكتب القدر، ما كان وما ms222 هو كائن إلى الأبد". رواه ~~الترمذي، وقال: "حسن غريب" وقد تضمن هذا الحديث قول النبي، ووصية الصحابي، ~~وتفسير التابعي. PageV01P342 # وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "يا مقلب ~~القلوب، ثبت قلبي على دينك". فقلت: "يا رسول الله. آمنا بك، وبما جئت به. ~~فهل تخاف علينا؟ " قال: "نعم. إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها ~~كيف شاء". رواه الترمذي، وقال: "حديث شريف". # ولمسلم معناه، من حديث عبد الله بن عمرو؛ وقال: "بين أصابع الرحمن، كقلب ~~واحد". وقال: "صرف قلوبنا إلى طاعتك" # ومعنى هذا الحديث أن الله يصرف القلوب بقدرته كما يصرف الرجل العصا أو ~~نحوها بين أصابعه. وهذا هو الذي نعنيه "بخلق الأفعال"؛ وهو أن الله سبحانه ~~إذا أراد من العبد طاعة أو معصية، صرف قلبه إليها، وقيض له أسبابها ~~ودواعيها؛ فوقعت منه لا محالة. # وعن ابن عباس، قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما. فقال: "يا ~~غلام. إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت، ~~فاسأل الله. وإذا استعنت، فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ~~ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. ولو اجتمعوا على أن ~~يضروك، لم يضروك إلا بشيء، كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفت الصحف". ~~صححه الترمذي. # وعن ابن مسعود، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق ~~المصدق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون علقة مثل ~~ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح. ~~ويؤمر بأربع: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره، إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع؛ ثم يسبق ~~عليه الكتاب؛ فيختم له بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع؛ ثم يسبق عليه الكتاب؛ فيختم له ~~بعمل أهل الجنة، فيدخلها". أخرجها ms223 في الصحيحين؛ PageV01P343 # ورواه أبو داوود وابن ماجه والترمذي، وصححه. وفي الصحيحين معناه من حديث أنس. # وقد سبق ذكر نهي النبي عليه السلام عن النزاع في القدر. وعليه حمل بعض ~~العلماء قوله عليه السلام، "المراء في القرآن كفر". وسبق في سورة القمر، ~~ذكر مخاصمة قريش في القدر، وما نزل في ذلك، وآثار عن السلف. # وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمتي ~~ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية". رواه الترمذي، وقال: "غريب". ~~وقد روي عن ابن عباس من غير وجه. ورواه ابن ماجه. # وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "يكون في أمتي خسف ومسخ ~~(أو: "قذف")؛ وذلك في المكذبين بالقدر". رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: ~~"حديث حسن صحيح غريب". # وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: "القدرية مجوس هذه الأمة. إن مرضوا، فلا تعودوهم. وإن ماتوا، فلا ~~تشهدوهم". # قال الخطابي: "إنما جعلهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم ~~بالأصلين، النور والظلمة. يزعمون أن الخبر من فعل النور، والشر من فعل ~~الظلمة. فصاروا ثنوية. وكذلك القدرية؛ يضيفون الخير إلى الله، والشر إلى ~~غيره؛ والله تعالى هو خالق الخير والشر". PageV01P344 # قلت: ولما ورد هذا الحديث ونظائره في القدرية، تنصلوا من هذا اللقب، ~~وقالوا: "لسنا نحن القدرية؛ بل خصمونا هم القدرية؛ لأنهم يثبتون القدر، ~~ونحن ننفيه. فإضافة اللقب المذكور إلى المثبتين، لما اشتق منه، أولى من ~~إضافته إلى من ينفيه". # وذلك فرار منهم عن لزوم هذا اللقب لهم. ولات حين مناص! فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شبههم بالمجوس. وإنما يصح ذلك فيهم، لا في المثبتين للقدر، ~~لأنهم موحدون ذاتا وفعلا. # وهذا ما تيسر إيراده من أحاديث القدر؛ وفيها كثرة تجاوز حد الإحصاء. وقد ~~صح عن النبي عليه السلام أنه قال في وصية لبعض أصحابه: "لا تقل لشيء لم ~~يكن: "ليته كان"؛ ولا لشيء كان: "ليته لم يكن"؛ ولكن قل: "قدر الله، ms224 وما ~~شاء فعل". ولما جاءه الملك بصورة عائشة في خرقة حرير، قال: "إن يكن من عند ~~الله، يمضه". وقال: "اشفعوا، تؤجروا؛ وليقض الله على لسان نبيه ما شاء" ~~ولما قيل له: "سعر لنا"، قال: "إن الله هو المسعر القابض الباسط". وقال علي ~~عليه السلام: "كلما كمل عقل المراد، ازداد إيمانه بالقدر". وعن سعد بن أبي ~~وقاص، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى ~~الله له. ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله. ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما ~~قضى الله". # وحديث صلاة الاستخارة مشهور؛ وهو يتضمن الإيمان بالقدر؛ وفيه: "اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر، ولا ~~أقدر؛ وتعلم، ولا أعلم؛ وأنت علام الغيوب"وهو صريح في نفي القدرة الحادثة. ~~وهو حديث شريف صحيح. # ومن استقرأ سير الأنبياء والملوك وغيرهم، ووقف على قضاياهم ووقائعهم، علم ~~بالضرورة أن لا خالق ولا متصرف في الوجود إلا الله. وإنما أتي هؤلاء القوم ~~من قصور PageV01P345 # علمهم، واعتمادهم على مجرد عقلهم، مع تسليمهم وتقريرهم أن من أحكام الشرع ~~ما لا يعلم إلا بتوقيف الشارع. وهذا تناقض. فهلا جعلوا هذا الأصل من ~~التوقيفيات، ووافقوا نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وخلفها! . # ولقد أخبرني الشقة عن بعض رؤساء الحنفية ببغداد، أنه قال: "إني لأخرج من ~~بيتي قدريا؛ ثم أعود إليه سنيا". فقيل له: "كيف ذلك؟ " قال: "أخرج على أني ~~أفعل كذا وكذا، وأذهب إلى كذا وكذا، وأرى أني متمكن من ذلك قادر. فيذهب ~~النهار، ولم يتيسر لي من ذلك شيء. فأرجع، وأنا أقول: لو قدر، لكان". # قلت: فهذه أحاديث وآثار، إن لم تكن متواترة تواترا حقيقيا، فهي متواترة ~~تواترا معنويا؛ كسخاء حاتم، وشجاعة علي. وإن لم تكن كذلك، فهي مستفيضة، ~~تلقتها الأمة بالقبول على تعاقب الأعصار، في سائر الأمصار، لم ينقل عن أحد ~~منهم لها إنكار. فإذن، مستند صحتها إما التواتر لمعلوم، أو الإجماع ~~المعصوم. فلينظر أمره لنفسه، وليخلص اعتقادا يلقى فائدته في رمسه، ولينظر ~~أيهما ms225 أحق بالاتباع: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، ~~والصحابة، والتابعون، وأئمة الشرع الصالحون، والفضلاء المحققون؛ أم واصل بن ~~عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبو الهذيل العلاف، والشحام، والإسكافي، والجبائي ~~الذي يقول: "يسمى الله "محبلا"؛ لأنه لا يحبل النساء إلا هو"، و "لا يسمى ~~"حنانا"؛ لأنه مشتق من الحنين"؛ وغير ذلك من مقالاتهم البائرة، المبنية على ~~أصولهم الهائرة. ### || AUTO [مآخذ مسألة القدر] # وحيث انتهينا في مسألة القدر إلى هذا المقام بعد طويل من الكلام، فلننبه ~~على مآخذها باختصار؛ وهي ثلاثة: # أحدها: أنهم ينكرون تصرف الله التكويني في أفعال خلقه؛ ونحن نثبته. وقد ~~سبق تقديره. PageV01P346 # الثاني: أن العدل عندهم ما حسن في العقل، والجور ما قبح فيه، بناء على ~~التحسين والتقبيح، وأنه يحسن ويقبح من الله ما حسن وقبح منا. وعندنا، العدل ~~ما ورد الشرع بإثباته؛ والجور ما ورد بنفيه. وحظ العقل عندنا فهم الخطاب، ~~لا التحكم على رب الأرباب. # الثالث: أن الطاعة عندهم موافقة الإرادة، بناء على أن الإرادة شرط في كون ~~الصيغة أمرا. وعندنا، الطاعة موافقة الأمر. وهو راجح إلى المأخذ الأول. # وحكى الإمام فخر الدين في شرح الأسماء الحسنى أن القاضي عبد الجبار ~~الهمذاني رئيس المعتزلة دخل على الأستاذ أبي إسحق الإسفرائيني، وهو في دار ~~الصاحب بن عباد. فقال القاضي، معرضا بالأستاذ: "سبحان من تنزه عن الفحشاء! ~~" فقال أبو إسحق: "سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء! " # قلت: أشار عبد الجبار إلى قوله تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء}. ~~وعنده، الإرادة شرط في الأمر؛ فلا جرم لزم على رأيه أن الله ينزه على ~~الفحشاء أمرا وإرادة. وأشار أبو إسحق إلى قوله، {فعال لما يريد}، ونظائرها، ~~على ما قررناه في سورة البروج. فقد جمع هذان الرئيسان عمدة الطائفتين في ~~كلمتيهما. إلا إن كلمة عبد الجبار جبار، وعلى شفا جرف هار؛ لأنه منازع في ~~أن الإرادة شرط للأمر، وفي أن الله إذا نهى عما يريد وقوعه، أو أمر بما لا ~~يريد وقوعه، جائز؛ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ms226 كبيرا. وقد سبق تقرير ~~ذلك. PageV01P347 ### | AUTO [خاتمة: في أن المعتزلة هل يكفرون بمقالتهم هذه، أم لا؟ # ] # ولنختم الكتاب بذكر فائدة مهمة؛ وهي أن المعتزلة هل يكفرون بمقالتهم هذه، أم لا؟ # والجواب أن ظاهر الأحاديث يقضي بكفرهم، كما سبق. أما قاعدة العقل ~~والشريعة العامة في المعتزلة وغيرهم، أن من أراد بمقالته خيرا، من تنزيه ~~الله سبحانه عما لا يليق به في اعتقاده بحسب اجتهاده، أنه لا يكفر، ولا ~~يفسق. بل إن خالف الدليل في نفس الأمر، كان مخطئا. ثم إن لم يكن مأجورا، لم ~~يكن مأزورا. وبذلك بشرط أن لا يخالف قاطعا من قواطع الشريعة، أو ظاهرا جليا ~~لا معارض له. والأصل في ذلك قوله عليه السلام، "إنما الأعمال بالنيات". ~~والاعتقادات من أعمال القلوب؛ فيعتبر فيها المقاصد والنيات. # وليست هذه المسألة وأشباهها من القواطع، وإنما هي من الاعتقادات. وفرق ~~بين القطع والاعتقاد. ومن زعم أن هذه، ومسألة الحرف والصوت وأشباها، مما ~~يفرغ على الوحدانية والنبوة وتجاذبية الشبه والأدلة، من القطعيات، فقد وهم. ~~كيف، والشبه فيها قد أعمت النظائر، وعمت البادي والحاضر! والله سبحانه لم ~~يكلف عباده القطع بما لم يجعل لهم إلى القطع به سبيلا؛ إذ ذلك تكليف ~~بالمحال، والثابت عند من أثبته جوازه، ولا وقوعه. وذلك بخلاف إثبات الصانع، ~~ووحدانيته، وقدمه، وجواز البعثة، وثبوت النبوات؛ فإن الأدلة عليها قواطع. ~~والتشكيكات على ذلك كالتشكيكات على العاديات، كما سبق؛ فلا يؤثر ولا يسمع. # وتحقيق هذا أن أحكام الشريعة إما قطعي، قام عليه دليل قاطع؛ أوظني، لم ~~يقم عليه إلا دليل ظني؛ أو واسطة بينهما، وهو ما قام عليه دليل ارتفع عن ~~الظني، ولم يلحق بالقطعي. فالأول كما ذكرناه من وجود الصانع، وقدمه، ~~ووحدانيته، وإثبات النبوات. والثاني كالفروع العمليات، كمسائل الطهارات، ~~والعبادات، والمعاملات، وما استندت إليه من مسائل أصول الفقه الخاصة به. ~~وهذا القسم متفاوت في مراتب الظنون. فأدلة أصول الفقه أعلى رتبة من أدلة ~~الفقه. ثم كل منها يتفاوت في ذلك PageV01P348 # بحسب مواد المآخذ. # وأما الواسطة، فكمسائل العقائد التي وقع النزاع فيها ms227 بين الأمة من العلم ~~المسمى بأصول الدين فإن أدلته لما ترددت بين القطع والظن، تردد هو بين ~~القطعي والظني بالضرورة؛ فوقع النزاع فيه، وعظم الخلاف. وقد بينا أن كل ~~واسطة وقعت بين طرفين أخذت شبها منهما؛ فجاذباها بحكم الشبه بينهما. ~~فالفقهاء ونحوها يلحقونها بالقسم الأول القطعي. ومن أنعم فيها، رآها بالقسم ~~الثاني الظني أشبه، وإلحاقها به أولى، وإن ارتفعت عنه شيئا. ويعنى "بالدليل ~~القاطع" ما لم يعارضه ما يقدح في النفس احتمال خلافه احتمالا معتبرا؛ و ~~"غير القاطع" يقابله. # فعلى هذا، القسم الأول قاطع؛ لأنه لم يعارضه إلا شبه منكري الصانع ~~ووحدانيته، ومنكري النبوات. وهي كالشبه الواردة على العاديات؛ كاحتمال ~~انقلاب الجبال ذهبا، والبحر خمرا ولبنا؛ وليس ذلك معتبرا. # والقسم الثاني من الفروعيات غير قاطع؛ لأن المعارض قد يكون مثله وأقوى ~~منه؛ كأدلة المذاهب وغيرها في الفقه. # والقسم الثالث الذي نحن فيه هو بغير القاطع أشبه. مثاله في مسألة القدر ~~أنا قد بينا تعارض آى الكتاب فيه ظاهرا بما استقرأناه منها. وأدلة العقل ~~فيه أشد تعارضا. والعقول إلى ما في جانب المعتزلة منها أميل؛ والنفوس لها ~~أقبل. حتى قد بينا أن تحارير المتكلمين، إذا انحصروا فيها، لجؤوا إلى قوله ~~تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}؛ وتسميها أهل السنة "آية الدبوس". ~~وإن كان ذلك في نفس الأمر حقا، كما بيناه، إلا إن مسألة يكون فيها مثل هذه ~~الشبه الباهرة نقلا وعقلا لا يليق بعاقل أن يجعلها من القطعيات. وعلى هذا ~~القياس مسألة الحرف والصوت؛ فإن النظر فيها متردد جدا؛ ولا نص قاطع فيها. ~~أما مسألة الجهة، فهي إلى القطعيات أقرب؛ بل PageV01P349 # هي عند التحقيق قطعية. وأما مسألة عذاب القبر والشفاعة، ونحوها من أحكام ~~الآخرة، فهي قطعيات لا شك فيها؛ لأن النص فيها قاطع خال عن معارض معتبر. ~~وما يعارض به المنكرون شبه عقلية تضعف عن الاحتمال الوارد على العلوم ~~العادية. # وإذا عرفت بما ذكرناه من القاعدة القطعي من غيره، صار المتنازعون في ~~المسائل غير القطعية في المثال كشاعرين استفرغا وسعهما ms228 في مدح ملك؛ لكن قصر ~~أحدهما، وبرز الآخر. فكلاهما يستحق الجائزة في قضية العقل والشرع. أما ~~العقل، فظاهر؛ وليس هذا اعتمادا منا على التحسين العقلي المتنازع فيه. إنما ~~هو اعتماد على التحسين المتفق عليه، كما سبق في موضعه. وأما في الشرع، ~~فالقاعدة الإسلامية العظيمة التي انبنى عليها معظم أعمال القلوب والجوارح، ~~وهي قوله عليه السلام، "الأعمال بالنيات"؛ من سأل الله الشهادة خالصا من ~~قلبه، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه"؛ إن بالمدينة قوما ما ~~قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر"؛ وقوله لمعن بن يزيد، "لك ما ~~أخذت يا معن؛ ولك ما نويت يا يزيد". # فكل هذا وأمثاله قصور عن الكمال، أكمله الله بالنية. فكذلك، المخالف في ~~هذه المسألة، غايته أن يقصر عن إدراك الصواب في نفس الأمر؛ لكنه يلحق رتبة ~~المجتهدين بالنية الصالحة. فهو كمن مات على فراشه ناويا للجهاد. # ومن الحجج القاطعة في الاعتذار لهؤلاء المخالفين ما ثبت في السنة، من أن ~~رجلا كان قبلكم قال لأولاده: "إذا مت فاحرقوني، ثم اذروني في اليم، لعلي ~~أعجز الله (وفي لفظ: "أضل الله")، فإنه إن يقدر على، عذبني عذابا لا يعذبه ~~أحدا". وكان الرجل نباش القبور. فلما مات، فعلوا ذلك به. فأعاده الله، ثم ~~أوقفه بين يديه؛ فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: "مخافتك يارب". قال: ~~"فإني قد غفرت لك". PageV01P350 # فهذا الرجل قد أنكر القدرة بالكلية؛ فعذرة الله لجهله، ورحمه بإيمانه. ~~ومن تأول هذا الحديث على غير ما ذكرناه من جهل الرجل بقدرة الله عليه، فقد ~~راغم ظاهر السنة وليس ذلك بصعب. فإن العلماء قالوا: من مات في مهلة النظر ~~قبل أن يعرف الله، فهو مت أهل السلامة". فمن عرف الله، وخفي عليه بعض ~~صفاته، أولى بذلك. # وإذا ثبت تجاوز الله عمن أنكر قدرته جهلا، فتجاوزه عمن أنكر أثرا من آثار ~~قدرته جهلا، أو لتعارض الأدلة، أولى. وإذا ثبت أن الشاعرين المذكورين ~~يستحقان الجائزة عقلا وشرعا، فالتفاوت يظهر بين المقصر والمبرز في أن ~~للممدوح أن يفضل أحدهما ms229 على الآخر بحسب ما بنيهما من الفضيلة. فكذلك هؤلاء ~~المختلفون في هذه المسائل؛ يكون المخطئ منهم سالما، أو يتفاوتون في الثواب ~~بحسب تفاوتهم في إدراك الصواب. وعلى الله توكلي، وإليه مآب. # ولا يلزم على هذا خطأ اليهود والنصارى، مع أنهم مجتهدون، فينبغي أن ~~يعذروا. لأن القرآن صرح بأنهم معاندون مراغمون. حتى لو ثبت أنهم لم ~~يراغموا، لعذرناهم كغيرهم. وأيضا، فالذي نازعوا فيه قطعي، لا مما نحن فيه. # وهذا آخر ما تيسر إيراده من هذا الكتاب. نسأل الله سبحانه أن يجعله خالصا ~~لوجهه، وأن ينفع به كثيرا من خلقه، ويوفقنا في القول والعمل للإصابة، ويعفو ~~عن زللنا في السمع والإجابة. ms230