######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037713 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: 716هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 716 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037713 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37713 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37713 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سالم بن محمد القرني #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1419هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة العبيكان - الرياض #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الخطبة # بسم الله الرحمن الرحيم # الله عوني وبه توفيقي «1» # أحمد الله الذي أرشدنا إلى الإسلام، وهدانا بفضله سبل السلام، وجنبنا ~~عبادة الأوثان والأصنام، وسائر مذاهب الكفرة اللئام «2». # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم أنف الكافر أشد ~~إرغام، وتوجب لقائلها النعيم «3» في دار المقام. وأصلي على رسوله محمد، ~~الداعي إلى أفضل دين بأشرف كلام، الباقي معجزة على ممر السنين، وتعاقب ~~الأيام، وسلم تسليما كثيرا. # وبعد: # فإني رأيت كتابا صنفه بعض النصارى «4»، يطعن به في دين الإسلام ويقدح به ~~في نبوة محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- فرأيت مناقضته «5» إلى الله ~~PageV01P227 # ورسوله قربانا «1»، ورجوت بها مغفرة من الله ورضوانا، حذرا من أن يستخف ~~«2» ذلك بعض ضعفاء «3» المسلمين، فيورثه شكا في الدين، ولقد رأيت بعض ذلك ~~عيانا وآنست «4» عليه دليلا وبرهانا. فأوردت مناقضته حرفا من كلامه فحرفا، ~~وأبنت عن مقاصد السؤال والجواب على وجه لا يخفى، مع تلخيص العبارة خشية ~~الضجر «5» والإملال «6»، وتخليص المعاني ونصوصيتها «7» خفية الإخلال ~~PageV01P228 # والاختلال. وقدمت على ذلك مقدمات كلية، تتضمن مباحث جلية، عليها ينبني ~~معظم الجواب، وبها يتيسر ظهور الصواب. وعلى الله توكلي، وإليه المآب «1». # وتلك ### | المقدمات ثلاث ### | [المقدمة الأولى: سد باب الاستدلال بكتب أهل الكتاب] # الأولى: أن هذا النصراني رأيته يعتمد في طعنه على الإسلام، على التوراة ~~والإنجيل «2» التي بيد اليهود والنصارى، وعلى كتب الأنبياء الأوائل/: كنبوة ~~أشعياء «3»، وأرمياء «4»، PageV01P229 # ودانيال «1» والأنبياء الاثني عشر «2»، ومزامير «3» داود، ونحوها. # واعلم أن هذه الكتب مما لا تقوم الحجة علينا بها. لأنها عندنا محرفة ~~مبدلة «4». نعم: التبديل لم يأت على جميعها، بل دخلها في الجملة. فلهذا قال ~~PageV01P230 # نبينا محمد- عليه الصلاة والسلام-: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ~~ولا تكذبوهم،" وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم ~~واحد ونحن له مسلمون «1»». فمنع من تصديقهم خشية أن يكون ما PageV01P231 # حدثونا «1» به مما حرف جزما، ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرف «2». # عدلا منه صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن للعاقل دليل على صدقه- عليه ~~السلام- إلا هذا لكفاه، كما قررته ms001 في التعليق على بعض كتب الأوائل «3»، وفي ~~آخر هذا التعليق «4». # ولهذا قال علماء الحديث من المسلمين: إن الراوي إذا عرف منه الكذب يرد ~~حديثه كله، ويصير غير موثوق به. وكذلك من اختلط ولم يتميز ما رواه قبل ~~اختلاطه مما رواه بعده، يترك/ الكل احتياطا، وحزما في الدين. # وأيضا: كما أنهم لا يعدون كتابنا حجة عليهم، كذلك نحن لا نعد كتبهم حجة ~~علينا وأولى، لأن كتبهم تقادم عهدها، وتعاورتها اللغات لفظا وكتابة، بخلاف ~~كتابنا. أما «5» التهمة فهي متجهة إلينا منهم، وإليهم منا. PageV01P232 # وأيضا: فإن هذا النصراني في استدلاله بما لا تقوم به الحجة علينا. إما أن ~~يكون مع العلم بذلك فهو مغالطة ومخاتلة/ وتغابي «1»: إن قصد إقامة الحجة ~~علينا. # وتحصيل الحاصل. # إن قصد إقامة الحجة للنصارى إذ هم «2» في ثبوتهم على دينهم «3» غنيون عن ~~ذلك، حتى لو أراد منهم خلافه لما أطاعوه. أو مع عدم العلم فهو جهالة/ بمذهب ~~الخصم. والعلم بما يلزم الخصم وما لا يلزمه ينبغي أن يكون مقدما على ~~مناظرته. # وفائدة هذه المقدمة: سد باب الاستدلال علينا بكتب الأوائل مطلقا. ### | [المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع] # المقدمة الثانية: # إنه من المعلوم عندنا وعندهم: أن الله- سبحانه- إنما خلق العباد ليعبدوه ~~كما صرح بذلك في القرآن الكريم حيث يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~«4». لكن لما كانت عبادة المعبود تستدعي تقدم معرفته، خلق لهم العقول ~~ليعرفوه بها، ويوطدوا بها قواعد العبادة ومقدماتها. # فظهر من هذا التقرير ما قاله المحققون من أهل العلم بالأصول، وهو أن ~~PageV01P233 # العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده «1»، الذي ~~وافقنا عليه النصارى لفظا لا معنى «2»، وحدوث العالم وجواز إرسال الرسل ~~والدليل على صدقهم، وهو المعجز الذي به تثبت النبوة «3». فإذا ثبتت ثبت ~~الشرع، ووجب قبول ما جاء به. ثم إن كان مما يدركه العقل فلله الحمد. وإن ~~كان مما لا PageV01P234 # يدركه- وهو المسمى في عرف فقهاء الإسلام: تعبدا- وجب تسليمه، وتقليد «1» ~~الشارع فيه، وبثبوت الشرع ينعزل العقل كما ينعزل بقدوم السلطان من سفره من ms002 ~~كان استنابه موضعه في بلده. # وسر هذه المقدمة: ما قررته في" القواعد الصغرى «2» " وهو: أن العبادات ~~والتكاليف مستلزمة للمشقة على أهل التكليف. لكن المشقة تارة تكون عملية كما ~~في الصلاة والصيام والحج والجهاد «3»، وتارة علمية كما في الإيمان بالغيب. ~~وهو PageV01P235 # كلما غاب عن العيان كالله «1» - سبحانه- وملائكته وأحكام الآخرة. وهذا ~~أشق التكليفين «2». ولهذا بدأ الله- سبحانه وتعالى- به في وصف المؤمنين حيث ~~قال/: # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ... (3) «3» فالأول: تكليف علمي. # والثاني: عملي. وكذلك قوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ... ~~(19) «4» # ولذلك المسيح وغيره من الأنبياء/ إنما بدءوا بدعاء الناس إلى الإيمان ~~بهم، وأنهم من عند الله. # ووجه المشقة في الإيمان بالغيب: هو أن النفس الناطقة مطبوعة مفطورة على ~~حب إدراك الأمور بحقائقها، فإذا رأت ما لا تدرك حقيقته تألمت واضطربت، كما ~~يشاهده كل عاقل من غيره، ويجده من نفسه، حتى في أيسر الأشياء. ولهذا يحدث ~~«5» للنفس العجب، وهو عرض يلحقها لخفاء سبب الأمر الحادث، فإذا ظهر لها سبب ~~الأمر «6» بطل العجب، واستراحت. PageV01P236 # فحاصل الأمر: أن الإنسان مركب من هيكل ونفس، وأن التكليف واقع على جزئيه ~~كليهما، على هيكله عملا، وعلى نفسه اعتقادا وعلما. هذا كله مع اتفاق ~~العقلاء «1» على أن الشرع لم يأت بما ينافي العقل، ولا يجوز فيه، بل بما قد ~~لا يدركه العقل مع إمكانه في نفسه. ولهذا قال" أرسطو «2» " على ما حكى عنه ~~هذا النصراني في كتابه هذا الذي نحن بصدد مناقضته في بيان ضرورة النبوة ~~للخلق قال/:" إن الحال في عقولنا عند النظر إلى المبادي الأولى «3»، كحال ~~الخفاش «4» عند النظر إلى الشمس أعني أن الشمس في غاية الظهور في نفسها، ~~وهي خفية عند الخفاش لضعف إبصاره". PageV01P237 # وحكى أيضا هذا النصراني عن" ابن رشد «1» المالكي من المسلمين أنه قال:" ~~لم يقل أحد «2» في العلوم الإلهية قولا يعتد به، ولم يعصم أحد من الخطأ ~~فيها، إلا من عصمه الله «3» بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء ~~«4» ". # وحكى عن" أرسطو" أيضا أنه قال في كتابه" الأسباب" أنه قال:" ms003 العلة الأولى ~~«5» أعلى من أن توصف، ولا تعجز الألسنة عن وصفها، إلا لأنها فوق كل علة «6» ~~". PageV01P238 # وحكى عن أبي حامد/ هو الغزالي «1» - شيئا في معنى ذلك عزاه إلى" كيمياء ~~السعادة" وإلى" المقصد السني «2». # قلت: فالحاصل من هذا أن إدراك الشيء (قد يمتنع تارة لضعف المدرك كبصر ~~الخفاش، وتارة لخفاء المدرك كالسهى «3» عند بعض الناس، كما أن التأثير «4») ~~قد يمتنع في الأمور الفعلية والانفعالية تارة لضعف الفاعل. كالسيف الكال ~~وتارة لصعوبة القابل «5» أو ملابسة مانع له كالجسم الصلب إذا ضرب بسيف «6» ~~ونحوه. PageV01P239 # وفائدة هذه المقدمة: أن نحيل عليها بالجواب عن كل حديث أورده هذا السائل ~~من السنة الإسلامية مما يقصر العقل عن إدراك مضمونه أو يدركه على تعسف، أو ~~بتأويل بعيد. # وقد ساعدنا هو على ذلك بما ذكره عن الحكيم" أرسطو" فكان هذا الخصم ~~كالجادع مارن أنفه بكفه «1»، والباحث عن حتفه بظلفه «2». # وأيضا: فإن من الطرق العامة التي لا يستغنى عنها في كل شريعة، أو غالب ~~الشرائع: أن يقال فيما اشتملت عليه من التعبدات العملية أو العلمية: هذا ~~ممكن أخبر به الصادق، وكل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع. فهذا المشار ~~إليه حق/ واقع. PageV01P240 # والنزاع في هذا الدليل يقع في أمرين: # أحدهما: كون الأمر المشار إليه ممكنا، وقد بينا: أن الشرع لم يأت بما ليس ~~ممكنا. # والثاني: في كون المخبر به صادقا. وعلى أهل كل ملة بيانه بالدليل. # ونحن سنبين صدق محمد- عليه السلام- في أثناء هذا الكتاب، حيث يناسب ~~ذكره،- إن شاء الله تعالى- على وجه يقبله كل منصف عاقل. ### | [المقدمة الثالثة: ما تثبت به الأصول] # المقدمة الثالثة: # إن الأحكام العقلية على وزان الأحكام الحسية. ولهذا إذا أشكل على العقلاء ~~أمر عقلي، ضربوا له مثالا حسيا ليتصور لهم. وصور ذلك كثيرة جدا في سائر ~~العلوم، يعرف ذلك من له أدنى نظر في العلم. # وإذا عرفت/ ذلك فاعلم أن الأدلة الشرعية لها مراتب مختلفة بحسب اختلاف ~~مدلولاتها. # فيثبت ببعضها فروع الشريعة دون أصولها، كالخبر المستفيض «1»، وخبر الواحد ~~«2»، والقياس الظني «3»، PageV01P241 # والاستحسان «1»، والاستصحاب «2»، وقول الصحابي «3» ونحوه. ms004 ولا تثبت أصول ~~الشريعة إلا بقاطع كالبديهيات والنظريات «4» والمتواترات «5» ونحوها. ~~PageV01P242 # ووزانه من المحسوسات البناء. فإنه يحتاط لأسه بتخير الآلة الجيدة القوية ~~الثابتة ما لا يحتاط لحشوه وأعلاه، لأن ثبوت أعلاه بأسه. # وفائدة هذه المقدمة: أن يستند إليها في أن كل ما أورده علينا من الأخبار ~~التي حقها أن لا تثبت بمثلها الأصول، لا ترد علينا، ولا تلزمنا لأن تلك ~~أخبار توجب العمل دون العلم، لكونها مظنونة الثبوت. وإن كانت في البخاري ~~«1» ومسلم «2»، لاحتمال وقوع علة قادحة في طريقها، فلا تقوى على إثبات أصل، ~~ولا على أن يقدح بها في أصل، خصوصا وقد دخلها تصرف الرواة في الرواية ~~بالمعنى. وقد أورث ذلك إشكالا عظيما في أحكام الفروع، واختلافا جما بين أهل ~~العلم. # فنقول في مثل تلك الأحاديث: هذه لا نثبت بها أصلا، ولا ترد علينا نقصا ~~«3». وإنما المعتمد على ما يثبت به ذلك «4». PageV01P243 # وإذا فهمت مقاصد هذه المقدمات، تيسر عليك الجواب، فإن ما أراده هذا ~~الخصم، إن كان من كتبهم كالتوراة والإنجيل ونحوها: منعنا كون ذلك حجة، بما ~~قررناه في المقدمة الأولى. ثم قد نسلمه على جهة التنزل ونجيب عنه بالتزام ~~أو فساد «1» بوجه ما. وإن كان من كتبنا، فإن كان (مما يقصر العقل عن فهمه ~~أجبنا عنه بما حكى هو عن" أرسطو" كما تقرر في المقدمة الثانية، وإن كان ~~«2») مما يصل العقل إلى فهمه أجبنا عنه: إما بأنه مما لا يثبت/ بمثله أصل. ~~بناء على ما قرر في المقدمة الثالثة، أو بتوجيهه وهو يسير بطريق من طرق ~~الأجوبة الجدلية./ # والذكي الفطن إذا اقتصر في جواب كتاب هذا النصراني كله على هذه المقدمات ~~كفاه ذلك. مع أني لا أقتصر عليه، بل سأجيب عن كل منه بما أمكن مفصلا- إن ~~شاء الله تعالى- وما كان في عبارته من تطويل لخصته مع الإتيان بكمال ~~المعنى، وأعرضت عن مكافأته على سوء «3» أدبه على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمثله، لا إكراما له، بل هوانا «4» بقدره ومحله. ### | [المتنبئون الكذبة والتحذير منهم] # فأقول: أول ما افتتح به كتابه ms005 أن قال:" احذروا من الأنبياء الكذابين، ~~الذين يأتونكم في لباس الضأن، وهم في الباطن ذئاب مغيرة، من ثمراتهم ~~PageV01P244 # يعرفون" قال:" وهذه الآية قول الله عز وجل في الإنجيل الطاهر"، وذكر ~~عليها كلاما لا ضرورة لنا إلى ذكره فيما نحن بصدده. # قلت: هذا من كلام المسيح ابن مريم «1»، ذكر في الفصل الخامس «2» من إنجيل ~~متى «3». وقول هذا المصنف:" هذه الآية قول الله تعالى «4» في الإنجيل ~~الطاهر" هو بناء على معتقده: أن المسيح هو الله «5». ويكفيه PageV01P245 # ذلك «1» شناعة وبشاعة على ما قررته «2» بحسب الإمكان في التعليق على ~~الأناجيل الأربعة «3». # قلت: وغرضه بتصدير كتابه بهذه الآية «4»: القدح في محمد عليه السلام ~~PageV01P246 # ونسبته إلى الكذب. ولا حجة له «1» فيها على ذلك، فإنها كلام صحيح، ونحن ~~نقول به/ ومحمد صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من الأنبياء الكذابين «2» أيضا ~~«3»، والمسيح عليه السلام لم ينص على أحد بعينه أنه كاذب، بل حذر ممن «4» ~~صفته الكذب، ممن يدعي النبوة. # وقد كان في بني إسرائيل متنبئون/ كذبة كثير. كما قد صرح به في نبوة ~~أرمياء في الأصحاح الرابع «5» والخامس «6» والسادس «7» منها. كما ذكر هذا ~~PageV01P247 # النصراني بعينه بعد ذكر هذه الآية بأسطر: أن نحو أربعمائة من بني إسرائيل ~~ادعوا النبوة في «1» زمن" آخاب «2» " ملك بني إسرائيل، وكانوا كذبة وأنهم ~~وعدوه بالنصرة على بعض أعدائه فاغتر بهم فخذل وقتل «3». فالمسيح إنما حذر ~~من مثل هؤلاء، لا من مثل محمد، الذي جاء بأتم «4» أخلاق وآداب ودين لا ~~يتمارى في صدقه بعده إلا جاهل أو مجنون وبمعجزات جمة «5»، بأيسرها تثبت ~~النبوة. على ما سيأتي، بل المسيح بشر بمحمد- عليه السلام- كما سيأتي في ~~موضعه من هذا الكتاب «6»، وكما قررتة في «7» فصل" البارقليط «8» " في ~~PageV01P248 # التعليق «1» على بشارة يوحنا بن زيدي «2». والله أعلم. # ثم قال:" وهذا يعني تعريف الأنبياء الكذابين «3» وتعرفهم، والتحذير منهم ~~ضروري، بين الضرورة، نافع، ظاهر المنفعة، والعمل به واضح النجح بين الصلاح ~~لأنه لا رتبة أعلى ولا خطة أرفع في بني آدم من النبوة. فكم ملتمس رامها ~~بالحيل، فأظهر/ من دقائق «4» الحيل، وخفي ms006 المكائد ما اغتر به كثير من ضعفاء ~~العقول، فألقى الشيطان الضلال في الناس، وأدخل بينهم الفساد بواسطة هذا ~~الصنف من الأنبياء الكذابين، كما جاء في قصة" آخاب" ملك إسرائيل، وذكر ~~PageV01P249 # قصته مع أربع المائة الذين تنبئوا في زمانه، وقد سبق ذكرهم. # قلت: هذا «1» كلام صحيح، لا غبار عليه. ونحن نقول به، لكن غرض هذا الخصم، ~~لا يتم منه بحسب ما هو بصدده إلا ببيان: أن محمدا عليه السلام من هذا الصنف ~~من الأنبياء الكذابين/. # وذلك صعب المرام عليه، لوجهين: # أحدهما: أنا ما رأينا ولا سمعنا منذ أهبط آدم «2» إلى الآن: أن نبيا ~~كذابا «3» استوسق «4» له ناموسه، كما استوسق دين الإسلام نحو ألف ~~PageV01P250 # سنة «1»، وهو كلما جاء «2» في زيادة وتمكن. # بل كان المتنبئ لا يلبث إلا يسيرا، حتى يفضحه الله، ويهتك ستره، لأن عادة ~~الله في خلقه: أن يحق الحق، ويبطل الباطل، ويجعل العاقبة للمتقين «3». # الوجه الثاني: أن تأييد الكذاب بالمعجز، وإظهار أمره، وانقياد الناس له ~~قبيح. لأن فيه التباس النبي بالمتنبي، والقبيح لا يجوز على الله فعله خصوصا ~~على رأي هذا الخصم «4»، في انكار القدر «5». فإن هذا من جملة أدلة القدرية ~~«6» PageV01P251 # على نفيه، وسيأتي ذلك في أثناء هذا الكتاب إن شاء الله تعالى «1» وسنذكر ~~من معجزات محمد- عليه السلام- ما يخزى له كل معاند. ### | [حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها] # ثم قال:" فينبغي للعاقل أن يعرف أولا: ما النبوة؟ وما فائدتها؟ وما ~~النبي؟ # وما شروطه؟ وما مراد الله تعالى بإرساله لعبيده؟ لأنه لا بد من تصور ~~الشيء «2» قبل/ التصديق به، ليكون الإنسان «3» قادرا على التفرقة بين كذب ~~النبوة وصدقها، وعلى الفصل بين الصادق والكاذب من الأنبياء". # قلت: هذا كلام صحيح، لا اعتراض لنا، ولا لغيرنا عليه. # ثم قال:" ولا بد عند الخوض في هذا من معرفة الكلام في أربعة أمور: # حقيقة النبوة، ووجودها، ووقوعها، وضرورة الخلق إليها. ومنفعتها". # قلت: هذا أيضا كلام صحيح مسلم. # ثم قال:" أما حقيقة النبوة: فإنها وحي صادق نافع للناس إلهي «4»، يكشف عن ~~الغيب الذي لا يمكن انكشافه بحسب ms007 مجرى الطبيعة" وذكر ما في هذه القيود من/ ~~الاحترازات، وهي ظاهرة. # قلت: وهذا تعريف صحيح لا مطعن عليه. # ثم قال:" وأما وقوع النبوة فغير منازع فيه، عند أهل الملل الثلاث «5». ~~PageV01P252 # وبيانه لمن نازع فيه بحجتين: # إحداهما «1»: أن عناية الباري سبحانه/ بخلقه" قد تثبت في اليسير، من ~~مصالح المعاش، كوضع الحواس والأعضاء، متهيئة لما وضعت له ونحو ذلك من نعم ~~الله التي لا تحصى «2». # فالعناية بهم في أمر المعاد بإرسال من يهديهم إلى طريق السعادة الأبدية ~~والحياة الدائمة «3»، ويكف شر بعض العالم عن بعض «4»، لينتظم أمرهم أولى ~~«5». PageV01P253 # الثانية: ما دل عليه التواتر الكامل الشروط من أن جماعة من الرجال، ادعوا ~~أنهم رسل الله، وظهرت المعجزات على أيديهم، كمعجزات موسى وعيسى، ورد الشمس ~~ليوشع «1». ثم ذهبوا على أوضح سنن من الطهارة والفضيلة والزهد في الدنيا، ~~ودعوا الناس إلى مثل ذلك: فإن هذا يدل على صدقهم في دعواهم وذلك يفيد وقوع ~~النبوة قطعا، هذا حاصل ما ذكره من الحجتين، لخصته أنا، وهو في عبارته طويل ~~جدا. # قلت: وهاتان الحجتان مسلمتان. لكن الأولى مبنية على رعاية الأصلح ونحن لا ~~نقول به وجوبا على الله، بل جوازا «2» على جهة PageV01P254 # التفضل «1»، خلافا للمعتزلة. # وبهاتين الحجتين بعينهما ثبتت نبوة محمد- عليه السلام-. # أما الأولى: فلأنه بعث على فترة من الرسل طويلة «2»، وقد أكل العالم بعضه ~~بعضا خصوصا العرب في جاهليتها وغاراتها. وكانوا يعبدون الأوثان. # والنصارى الصلبان. والفرس: النيران. وغير ذلك من المنكرات فأزال الله به ~~ذلك وأبدل الناس به خير ما ينبغي «3». PageV01P255 # ولا نعلم زمنا قط، كان أحوج إلى/ النبوة من زمن نبوة محمد- عليه السلام ~~«1» -. # وأما الثانية: فلأنه ثبت بالتواتر الكامل الشروط. أنه عليه السلام ادعى ~~النبوة وظهرت على يديه «2» معجزات خارقة سيأتي بيانها وإثباتها على من ~~أنكرها في موضعه إن شاء الله تعالى ثم توفي صلى الله عليه وسلم «3» على ~~أوضح سنن، وأظهر طريقة، وأزكاها وأزهدها في الدنيا، ودعى الناس إلى ذلك، ~~والخصم ينازع من هذه الجملة في ظهور المعجز على يده، وفي طهارته. وسيأتي ~~إثباتهما. PageV01P256 # ومن ms008 معجزاته: انشقاق القمر له «1»، ورد الشمس لابن عمه علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه «2» فكان ردها معجزا للنبي عليه السلام/ وكرامة لعلي رضي الله ~~عنه «3» وقد صحح الحديث بذلك «4»:" الطحاوي «5» " و" القاضي عياض «6» وحسبك ~~بهما إمامين في العلم ولا التفات مع ذلك إلى من جعله موضوعا. إذ ~~PageV01P257 # الإثبات مقدم، وردها ليوشع إنما ثبت عندنا بخبر من أخبار الآحاد، إذ لا ~~وثوق لنا بما يخبر به أهل الكتاب. # فحينئذ الذي ثبت ليوشع النبي، قد ثبت مثله لواحد من أصحاب محمد- عليه ~~السلام-. # قال:" وأما ضرورة الخلق إليها، فلأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة كثير من ~~الأمور «1» الإلهية بمجرد العقل ضرورة، ولا نظرا. بدون الاطلاع الإلهي على ~~ذلك تكميلا لقصور العقل الإنساني- إذ الموجودات بالنسبة إليه إما معلوم «2» ~~ضرورة، كالعلم بأن/ الجزء أصغر من الكل، أو نظرا كالعلم بوجود الإله، ~~واستحالة الخلاء «3»، أو ما يعجز عن إدراكه، كالعلم بعدد أنواع الحيوانات ~~والنبات فضلا عن عدد أشخاصها، وكالعلم بفصول أكثر الأنواع وبكثير من ~~الطبائع والحقائق على الجملة، لا نشك في أن المجهول عندنا غالب على المعلوم ~~منها. فما ظنك بالأمور الإلهية/. PageV01P258 # ثم ذكر كلام" أرسطو" و" ابن رشد" و" أبي حامد" الذي قدمنا ذكره في ~~المقدمة الثانية. # قلت: هذا كلام صحيح، لا نزاع فيه. لكن قوله:" كالعلم باستحالة الخلاء" ~~رأي فلسفي، والمتكلمون يخالفونهم فيه، ونبهت «1» على هذا. وإن لم يتعلق بما ~~نحن بصدده. # وقد ذكر المتكلمون فوائد النبوات «2»: ### | [فوائد النبوات ومنفعتها] # منها: تعريف أوضاع العبادات ومقاديرها ومواقيتها وكيفياتها ومقوماتها من ~~شرط وركن ونحو ذلك. # ومنها: إقامة الحجة على الخلق. إذ بدونها لا تقوم حجة الله على خلقه، كما ~~صرح به في غير موضع من القرآن، كقوله: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل ... (165) «3» وقوله: ولو أنا أهلكناهم بعذاب من ~~قبله ... (134) «4» الآية، وغيرها. # ومنها: تعريف الأحكام الفلكية كتفاصيل علم الهيئة «5»، وأدوار الفلك، ~~PageV01P259 # وحركات الكواكب. فإن ذلك مما لا تستقل «1» به عقول البشر، ولا تفي ~~أعمارهم بادراكه بالتجربة لو اشتغلت به عقولهم ms009 «2». # ومنها: تعريف الأحكام البطنية كقوى الأدوية والأغذية وخواصها، ومنافعها، ~~ومضارها «3»، إذ الأعمار لا تفي بمعرفة ذلك بالتجربة «4»، كما قال" أبقراط ~~«5» ": PageV01P260 # " العمر قصير، والصناعة طويلة، ... والتجربة «1» خطر، والقضاء عسر «2» ". # قلت: ومنها: ما أجرى الله سبحانه على أيديهم من البركات من جلب المصالح، ~~ودرء المفاسد، والدعاء لهم، كإبراء المرضى «3»، ودعاء موسى لقومه، برفع ~~العذاب عنهم مرارا «4»، ورد النبي- عليه السلام- عين قتادة بن النعمان عليه ~~«5»، وأشباه ذلك. PageV01P261 # قال:" وأما منفعة النبوة: فكما قال" أبو حامد" في رسالة التوفيق «1» في ~~ثلاثة أشياء. # أحدها: إصلاح الأخلاق النفسية كالعدل والعفة والصدق والنجدة والحلم ~~والصبر/ والرحمة في مواضعها، والتزام/ حسنها، واجتناب سيئها كأضداد ذلك، ~~فإنه لا غنى للعاقل في معاشه عن ذلك. # الثاني: حفظ حقوق الناس من دم ومال وعرض ونحوه، ورفع المظالم «2» من ~~بينهم، وإلا هلك العالم/، واختل نظامه. # الثالث: نجاة النفس من الهلكة في الدار الآخرة بمعرفة الخالق- سبحانه- ~~وطاعته، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بمجرد الفلسفة «3» بدون النبوة. # ومن ادعى ذلك فدعواه مجردة عن دليل الحق «4»، إذ الفلاسفة مختلفون في ~~الآراء كغيرهم، فمتابعة بعضهم دون بعض ترجيح بلا مرجح". # قلت: هذا كلام صحيح، وهو من جملة فوائد النبوة، وضرورة الناس إليها، ~~المذكورة في الفصل قبله. وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك بأفضل مما ~~جاء به كل من سبقه. يعرف ذلك بالنظر الانصافي «5» في دين الإسلام، وقوانينه ~~«6» الأصلية والفرعية. PageV01P262 # قال:" وإذ قد فرغنا مما ذكرناه. فنبين: ما النبي؟ وما شروطه؟ فنقول: ### | [النبي وشروطه] # النبي: هو الذي يعطى الوحي من عند الله على الصفة المذكورة في حد النبوة" ~~«1». # قلت: هذا مسلم. # قال:" وأما شروطه فأربعة نسوقها بعد توطئة وتمهيد لذلك". # وحاصل التمهيد الذي ذكره:" أن من تردد في شيء فإنه لا يقف على حقيقته إلا ~~بالنظر. فكذلك النبي إنما يعرف صدقه من كذبه بوجود الشروط الأربعة فيه «2». # أولها: الصدق. # وثانيها: طهارة النفس ونزاهتها عن الفواحش، لأن النبي PageV01P263 # من عند الله، فوجب أن يكون على صفته «1» في الصدق PageV01P264 # والطهارة والنزاهة «1». # قلت: هذا كلام صحيح. بل طهارة النفس ms010 وتزكيتها واجب على كل أحد لكن منهم ~~من يحصل/ له ذلك، ومنهم من يحرمه. أما الأنبياء فهو لازم فيهم لأنهم أمناء ~~الله على خلقه ووحيه، صيانة له. # قال:" وقد تكلم في هذا الموطن- يعني موطن الطهارة، وهي الشرط الثاني-" ~~موسى بن عبيد الله «2» " الفيلسوف. في فصل" النبوة" في كتابه المسمى: # " دلالة الحائرين «3» " فقال:" امتحان النبي الصادق، هو اعتبار كماله، ~~وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته. وأكبر علاماته: اطراح اللذات البدنية، والتهاون ~~بها، فإن ذلك شأن «4» أهل العلم، فضلا عن الأنبياء. وخاصة الحاسة التي هي ~~عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سيما قذارة النكاح منها. ولذلك فضح الله ~~بها كل مدع، PageV01P265 # ليتبين الحق، ولا يضلوا، ولا يغلطوا «1» ". # ثم ذكر قصة رجلين ادعيا النبوة، وانهمكا في حساسة لذة الجماع، حتى زنيا، ~~فافتضحا، وأحرقهما ملك بابل «2». كما ذكر ارمياء النبي أو قال برميا النبي ~~«3» في الباب التاسع والعشرين «4». # قلت: شرع العلج «5» يدس الدسائس، ويقدم/ المقدمات الردية، ليستنتج ~~PageV01P266 # منها النتائج الخبيثة،" ومثلي لا يغالط في الحساب" «1». # فأقول: أما قول الفيلسوف:" امتحان النبي الصادق باعتبار كماله، وتعقب ~~أفعاله. وتأمل سيرته" فهذا صحيح. ومن تأمل ذلك من نبينا محمد- عليه السلام- ~~تأمل منصف، لم يجد مقالا، فإنه كان على الغاية في العدل والزهد والورع ~~والتواضع. يعرف ذلك بالنظر في سيرته المنقولة عنه، ولسنا بصدد بيان ذلك ~~مفصلا، إذ فيه كتب مصنفة/ من جيدها كتاب" رياض الصالحين" للنووي «2». # وأما اطراحه اللذات البدنية سوى النكاح- فكان في الغاية منه، فإنه لم ~~ينقل عنه أنه أكل مرققا «3»، ولا على PageV01P267 # أسكرجة «1»، ولا نام على فراش وطئ «2». وكان يقول:" ما لي وللدنيا/. إنما ~~أنا والدنيا كراكب نام تحت شجرة ثم قام وتركها «3» ". ### | [موقف النصارى من النكاح] # وأما قوله:" الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سميا قذارة ~~النكاح منها". # فنقول أولا لهذا المصنف النصراني: أنت قد قدمت في فوائد النبوة: أن ~~مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد ~~الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع. PageV01P268 # ثم ms011 نقول لهذا الفيلسوف: حاسة النكاح عار على من «1»؟ عليك؟ أو على ~~الأنبياء ومن تابعهم؟ إن قلت: عليك. قلنا: عندك أو عندهم؟ إن قلت: عندك ~~فأنت لا عند لك: بل أنت من أعداء أهل الشرائع. ومن أول عداوتك لهم، وطعنك ~~عليهم، تقبيحك عليهم شيئا أجمعوا على جوازه منذ أهبط آدم إلى الآن، وأنت قد ~~اعترفت بصحة نبوتهم وعقولهم، فأحد الأمرين لازم: إما فساد عقلك في إنكارك ~~عليهم التشاغل بالنكاح، أو فساد عقلك في اعترافك بصحة نبوتهم، وكمال ~~عقولهم. # ويقال لأرسطو: ألست القائل آنفا: إن حال عقولنا عند النظر إلى المبادئ ~~«2» كحالة الخفاش عند النظر إلى الشمس. فمن أين لك أن عقلك لم يقصر عن ~~إدراك حكمة الباري- سبحانه- في إباحة النكاح للأنبياء- عليهم السلام «3» -؟ # وهل هذا إلا تهافت؟ # وإن قلت: عند الأنبياء. فهذا كذب عليهم. فإن الأنبياء أجمعوا على حسنه ~~وحكمة الله فيه، من تكثير العباد والعباد، وعمارة الأرض، ودوام العالم، ~~وبقاء النوع الإنساني الذي أجمعت الحكماء على أنه خلاصة الوجود، وتنوع «4» ~~أنواعه. # وإن قلت على الأنبياء- عليهم السلام «5» - فأنت قد اعترفت بكمالهم! / ~~والاقدام على العار ينافي الكمال. فهذا تهافت منك بكل حال. PageV01P269 ### | [فوائد النكاح وفضيلته] # وأما ما ذكر من قذارة/ النكاح، فنقول: # لا نسلم أن فيه قذارة، بل فيه مصالح: # منها: سرور النفس به، وانشراحها للعبادة، ولعل بدونه لا تنشرح لذلك. # ومنها: تحصين الفرج عن الزنا المحرم «1» بإجماع أهل الملل والعقول. # ومنها: تحليل فضلات البدن المحتقنة فيه، وانعاش الحار الغريزي «2» به، ~~فيخف بذلك البدن وينشط. ولهذا بعض الناس يمرض بتركه وتكثر في بدنه الجراحات ~~«3» والدماميل ونحوها «4». PageV01P270 # ومنها: أنه يحسن الخلق، ويبسط بشرة الوجه «1». # وقد نص" جالينوس" «2» على أن سبب سوء خلق الخصيان، وتعبيس وجوههم ~~وانتهارهم لمن كلمهم: ترك «3» الجماع، لاحتباس الماء، وتعفنه في أبدانهم. # ولئن سلمنا أن فيه قذارة فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن قذارته شرعية أو طبيعة؟ إن قلت: شرعية. فهو ممنوع فإن الذي ~~«4» يصلح أن يضاف إليه الاستقذار في الجماع/ هو: المني «5»، PageV01P271 # والمذي «1»، ورطوبة فرج المرأة «2». وهذه الأشياء طاهرة عند كثير من ms012 أهل ~~الشرع. PageV01P272 # ومن قال بنجاستها منهم عفا «1» عن يسيرها دفعا للحرج والمشقة فأما مخرج ~~البول والغائط فلا وطء «2» فيه «3»، والحيض يحرم الوطء «4» في زمنه. فأين ~~القذارة إذن في الجماع؟. # وإن قلت: طبعية لم يلزم من ذلك وجوب اجتنابها عقلا، ولا شرعا، لأن هذه ~~الأشياء كالبصاق، وبلغم المعدة والرأس والمخاط وعرق الحمى. بل مطلق العرق. ~~فإن هذه كلها فضلات تحللها الحرارة من البدن، وهي تورثه خفة ونشاطا وصحة، ~~ومعتمد العلاج الطبي تنقية «5» البدن من المواد التي ليس من شأنها أن تكون ~~فيه. # الثاني: سلمنا أن فيه قذارة بكل حال. لكن مفسدة تلك القذارة مغمورة بما ~~فيه من المصالح العظيمة الدنيوية والأخروية «6». والعقول/ الصحيحة لا ترجح ~~إعدام مفسدة واحدة خفيفة خصوصا وقد باشرها الأنبياء والصديقون أجمعون،- إلا ~~من شذ منهم- على وجود مصالح كثيرة جمة النفع. PageV01P273 # ثم أين قذارة الجماع من قذارة الغائط؟ الذي يتعبد مخاييس «1» النصارى ~~ببقائه على أبدانهم، حتى تغالي فيه النصارى، فجعلوا يتهادونه يتبركون ~~ويستشفون به من الأمراض، بناء منهم «2» على فهمهم الفاسد لكلام المسيح في ~~الفصل الثامن والعشرين/ من إنجيل متى «3» حيث يقول:" ليس النجس ما دخل الفم ~~ثم خرج مستحيلا من المخرج. إنما النجس ما خرج من الفم من الكلام السيئ، ~~لأنه يدل على نجاسة القلب" هذا معنى كلامه «4». # ومن أنكر من النصارى أنهم يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف ~~منكر لما يعلم- كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء «5» في الدبر- وهو ~~PageV01P274 # منصوص في كتبهم وعن أئمتهم «1». ### | [الأنبياء والنكاح] # وأما قوله:" ولذلك فضح الله بها كل مدع" فنقول في جوابه: لا نسلم أن الله ~~فضح المدعين بحاسة النكاح، وإنما فضحهم بدعواهم الكاذبة ولو كانت حاسة ~~النكاح تقتضي الفضيحة لافتضح بها الأنبياء كلهم، بل جميع الخلق كآدم ونوح ~~وإبراهيم، وخصوصا إسرائيل، وداود، وسليمان فإنهم كانوا كثيري النساء ~~والسراري «2»، وكثرة تشاغل إبراهيم وبنيه بالجماع هو الذي أوجب كثرة نسلهم ~~وانتشار الشعوب منهم، لأن الجماع سبب النسل، وكثرة المسبب يدل على كثرة ~~السبب. PageV01P275 # وبالجملة: فمن جعل حاسة النكاح عارا. فقد ألحق العار ms013 بسائر الأنبياء ~~والصديقين والصالحين وعباد الله أجمعين. وإن عارا يتلبس «1» به هؤلاء كلهم ~~ليس بعار:/ # وعيروني بذلي في محبتها ... وبالذي عيروني تم لي الشرف «2» # [وإذ لولا هذه الحاسة لما وجد الأنبياء وشرائعهم، وإنما هي عار على ~~معتقدها عارا، إذ لولا هذا العار لما صار إلى النار] «3». # وأما ما ذكر من قصة الرجلين الذين أحرقهما ملك «4» بابل، فلم أجده في ~~الباب المذكور من كتاب ارمياء النبي، فإن كان المشار إليه برميا «5» النبي، ~~وأنه غير ارمياء، وإلا فلا أعلم صحة هذا النقل، على أنه بتقدير الصحة إنما ~~افتضح هذان الرجلان بدعواهما الكاذبة وزناهما،/ لا بتعاطي شهوة النكاح. # على أني أحسب أن النقل اشتبه عليه، وأن المراد بالرجلين هاروت وماروت ~~«6». ولهما قصة عجيبة وردت بها السنة وذكرها أهل السير. PageV01P276 # منهم:" وثيمة بن موسى بن الفرات «1» في" قصص الأنبياء": # وكان افتضاحهما بتقدير الله، وسببه طعن الملائكة على بني آدم، واستقلالهم ~~أعمالهم وتعبيرهم بخطاياهم وعصيانهم. فلما ابتلى الملائكة بما ابتلى به بنو ~~آدم ساعة من نهار، استقالوا فأقيلوا، إلا هاروت وماروت ثبتا فجرى لهما ما ~~جرى «2»، PageV01P277 # وقد ذكرت بعض قصتهما في" الفوائد" «1». # قلت: والذي أوجب لهذا النصراني تقديم هذا الكلام، وتقبيح حاسة النكاح هو ~~كونه رأى المسيح لا داعي له إليها، ورأى محمدا- عليه السلام- شديد الداعي ~~إلى ذلك. كما نقل عنه حديث يقول: «حبب إلي من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، ~~وجعلت قرة/ عيني في الصلاة» «2» وأنه تزوج كثيرا وتسرى، فأراد العلج أن ~~يجعل هذا مطعنا عليه. # ولقد تاه عن الصواب. فإن نكاح النساء هو عين الطهارة، لما فيه من تحصين ~~الدين، والإعانة على تقوى رب العالمين. ولهذا كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~إذا رأى امرأة أعجبته دخل على بعض نسائه فقضى حاجته منها، ثم خرج. وفعل ذلك ~~يوما ثم PageV01P278 # خرج على أصحابه، فقال: «إن المرأة إذا أقبلت أقبل معها/ شيطان يزينها ~~فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها» «1». # وقال: «إذا كانت لأحدكم إلى امرأته حاجة فليأتها، وإن كانت على التنور" ms014 ~~«2». كل ذلك محافظة على حفظ الدين، لئلا يغلب الإنسان عليه بداعي الشيطان ~~والهوى. PageV01P279 # كما حكي في التوراة «1»: أن" يهوذا بن يعقوب" تعرضت له كنته «2» - زوجة ~~ابنه- في الطريق في صورة زانية، فواقعها على أن يعطيها جديا ورهنها عليه ~~عمامته وقضيبا كان بيده". # وأن" روبيل «3» " وطئ" «4» سرية أبيه يعقوب ونجس فراشه، ونحن لا نقول ~~بصحة هذا ولكنه حجة على النصارى واليهود، وتحقيق ذلك «5» وتلخيصه: # أن شهوة النكاح في الإنسان طبيعية كشهوة الأكل والشرب، وحب الغلبة ~~والرئاسة، بل هي أشد الشهوات. ولذلك كان أكثر افتتان العالم بها، فقضاؤها ~~وأمن غائلتها بالطريق الحلال المصطلح عليه في النواميس الإلهية أولى في ~~العقل من التعرض بتركها «6» لمعصية الرحمن وطاعة الشيطان. # وقول محمد- عليه السلام-: «حبب إلي من دنياكم النساء» ليس ذلك لغلبة ~~شهوته عقله، كيف ذلك وسيرته: سيرته. لمن تأملها، وثباته: ثباته. بل إنما ~~PageV01P280 # المقصود بذلك: أن يتفرغ خاطره التفرغ الكلي لأداء الرسالة «1»، والقيام ~~بأعبائها- كما يتفرغ الجائع بالأكل- لأداء العبادات. # وقد ورد في السنة النبوية الصحيحة عن يوشع بن نون. أنه لما توجه إلى بعض ~~مغازيه- أحسبها: غزاة أريحا «2»، مدينة الجبارين- قال لقومه: # " لا يتبعني «3» رجل قد/ ملك بضع امرأة، يريد أن يبني بها ولما يبن. ولا ~~آخر قد بنى بيوتا، ولم يرفع سقفها «4». ولا آخر قد اشترى غنما، أو خلفات ~~«5»، وهو PageV01P281 # ينتظر أولادها" ... الحديث رواه أحمد «1»، وأخرجاه في الصحيحين «2». # كل ذلك مراعاة لاجتماع «3» / الخواطر في طاعة الله، وحذرا من تفرق الهمم ~~فيها «4»، ونظائر هذا في شريعتنا مطلوب كالنهي عن الصلاة مع مدافعة ~~الأخبثين «5» وكذلك الشبق «6»، وكل ما يلهي. # وبالجملة: فكل عبادة الله- سبحانه- ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى ~~يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا،/ أو قريبا منه قوله- عليه ~~PageV01P282 # السلام-: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» «1» لأن القضاء عبادة، والغضب يشغل ~~عنه. وكذلك كلما في معنى الغضب من مرض أو حر أو برد أو شبق ونحو ذلك. ولهذا ~~كان- عليه السلام- يحب الطيب لا ليلتذ به في نفسه «2»، بل إكراما للملائكة ~~الذين معه خصوصا جبريل صاحب الوحي. ولهذا كان يبغض ms015 الثوم والبصل، وكل ذي ~~ريح كريهة، وقال لأصحابه: «إني أناجي من لا تناجون» «3». PageV01P283 # «وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» «1». # وأما المسيح فلعله في ترك النكاح كان عنينا «2»، أو لكونه لا من ذكر، أو ~~لكونه كان ملكا ظهر في صورة آدمي، فغلبت عليه صفة الملائكة «3». # كما قال الله- سبحانه-: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ... (9) «4» الآية. ~~PageV01P284 # أو لكونه كان هو الله أو ابنه على رأي النصارى الساقط- تعالى الله عما ~~يقولون- ونحن نقول: إن المسيح لو تأسى بسائر الأنبياء في النكاح والنسل، ~~وتكثير العباد والعباد لكان ذلك أكمل له «1». فالذي يحتج علينا في [حاسة] ~~«2» النكاح بترك المسيح له، نحتج عليه في فضيلته بفعل جميع الأنبياء له. ~~وليس المسيح- عليه السلام- بخير من جميع الأنبياء، إلا على هذيان النصارى ~~في أنه: الله، أو ابن الله. وذلك ممنوع عند كل عاقل، بل هو عبد الله ~~ورسوله. وسيأتي تمام الكلام على هذا الشرط عند ذكر تفاصيله. ### | [ظهور المعجز على يد النبي] # قال:" الشرط الثالث/- يعني من شروط النبي-: اظهار المعجز للناس ليرتفع ~~اللبس ويقع الفرق بين الصادق والكاذب". PageV01P285 # قلت: هذا كلام صحيح. # قال:" والمعجز فعل ما ليس في قوة الإنسان أن يفعله بحسب المجرى الطبيعي" ~~«1». # قلت: هذا جيد في تعريف المعجز، لكن للمتكلمين فيه عبارة أخرى أحق من هذه ~~وهو قولهم: المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي ~~عن المعارض. فالأمر: جنس للمعجز وغيره. والممكن: فصل له عن الممتنع، إذ ~~الممتنع لا يوجد. والخارق للعادة يفصله عن الأمور العادية كطلوع الشمس ~~ووقوع المطر وركوب الفرس ونحوها. فإن المستند في دعوى النبوة إليها لا يثبت ~~له شيء والمقرون بالتحدي: احتراز ممن يدعي أن معجز من قبله، دليل على صدقه ~~هو، كما يقول إنسان اليوم: إن قلب موسى عصاه حية، دليل على صدقي في دعوى ~~النبوة. فإن ذلك لا ينفعه، لأن معجزه ليس مقارنا لتحديه، والخالي عن ~~المعارض: احتراز من الشعبذة «2» والنيرنجات/ «3» فإنها تعارض بمثلها، فإذا ~~ظهر على يد شخص هذا الأمر بهذه الشروط كان معجزا وكان الشخص نبيا./ ms016 ~~PageV01P286 # قال:" الشرط الرابع: أن يكون الدين الذي «1» يشرعه موافقا للدين الطبيعي، ~~وهو نوعان: ### | [موافقة ما يأتي به النبي للفطرة] # أحدهما: عام لجميع الأمم، لا يختص بأمة دون أمة، كبر الوالدين، وصلة ~~الرحم والإحسان إلى المحسن، والتجاوز عن المسيء. وبالجملة. جلب المصالح ~~ودرء المفاسد، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل. # والثاني: خاص «2» يختص أمة دون أمة كتحريم لحم الخنزير عند غير النصارى ~~وتحريم ذبح الحيوان عند البراهمة". # هذا حاصل ما ذكره في هذا الشرط. # قلت: هذا شرط متفق على حسنه عقلا وشرعا، وهو عام الوجود في دين الإسلام ~~على ما ذكرنا جملة منه/ في شرح" الآداب الشرعية" «3» لكن لا يلزم أن يأتي ~~النبي به على هذه الصفة، واشتراطه فلسفة صرفة بل لله سبحانه أن يتعبد خلقه ~~بما شاء، سواء كان ذلك مصلحة لهم أو لا. بناء على أصلنا في أن رعاية الأصلح ~~للخلق لا تجب على الله سبحانه وإنما فعل ذلك حيث فعله بهم، تفضلا، لا وجوبا ~~«4». PageV01P287 ### | [موقف عتاة النصارى من نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم] # قال:" وإذ قد فرغنا من الكلام في النبوة والنبي، وشروطه التي يجب امتحانه ~~بها بحيث إن وجدت فيه صدق، وإن اختلت فيه أو بعضها كذب. فإنا وجدنا الرجل ~~المسمى: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ادعى النبوة في أمة من العرب «1» ~~فالتمس منه الشرط الأول وهو الصدق. فوجدنا ما جاء به يشتمل على صنفين: صادق ~~وكاذب- كما سنبين-". # قلت: هذه دعوى مجردة عن حجة، فإذا ذكر الحجة قوبلت بحسب ما ينبغي «2». # قال: وليس كون الصدق بحال كذب «3» المتكلم موجبا لحسن الظن به، بل ~~PageV01P288 # خلط الصدق مع الكذب أبلغ في الحيلة، وأنفذ في المكيدة. ولهذا يقال: # ما من «1» تعليم كاذب إلا ويمازجه شيء من الحق ليلتبس الباطل به، وتكون ~~الخدعة أخفى فيه، والحيلة في التصديق أقوى. # قلت: هذا كلام صحيح «2». وهو من محاسن الحكم لا ينازع فيه عاقل بل النزاع ~~في أن ما أتى به محمد- عليه السلام- يشتمل على الكذب. ### | [امتحان شرط الصدق في نبوة محمد- صلى الله عليه ms017 وسلم] # قال:" فلنورد أقاويل هذا الإنسان من صدق وغيره: # فقسم الصدق: قوله في سورة الصمد: قل هو الله أحد (1). # قلت: لا شك أن هذا الكلام حق في نفسه، لكن اخبار هذا المصنف بصدق هذا ~~الكلام عنده «3»: إما جهل بحقيقة التوحيد، أو ستر لعوار دينه الثالوثي، ~~وتحلية لجيده العاطل منه به، وإلا فأين قوله: الله أحد من قولهم:" الأب، ~~والابن، وروح القدس، إله واحد"، ودعواهم التوحيد/ مع هذا التصريح كلام في ~~الريح، لا يعقل ولا يتحصل، كما قد حققت بطلانه في:" التعليق على الإنجيل" ~~«4». PageV01P289 # قال:" وقوله في سورة يونس «1»: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ... وفي سورة آل عمران «2»: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42) «3» الآية. وقوله في سورة ~~الأنعام «4»: # لا مبدل لكلماته يعني كلمات الله، وهي التوراة والإنجيل- وفي سورة الحجر ~~«5»: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) والذكر: هو التوراة ~~والإنجيل. # ويشهد لذلك قوله في سورة الأنبياء «6»: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7). # فبين بهذا: أن كلمات الله غير مبدلة". # قلت: هذه الآيات كلها حق وصدق. ولكن أخطأ هذا الخصم في إيرادها في مواضع: # منها: أنه حصر ما جاء به محمد من الصدق فيها، والقرآن مملوء من الحكم ~~والأخبار التي يعلم بالضرورة صدقها. وإنما هذا رجل معاند يريد أن ينفي ~~التهمة عن نفسه، بإيهام العدل في إيراد ما يعتقده صدقا وكذبا. وعناده: يأبى ~~عليه إلا إظهار التعصب والجور. فذكر خمس آيات حصر الصدق فيها، وهي مما ~~يعتمد PageV01P290 # عليها. وتنفعه في عناده «1». شرع في ذكر ما يعتقده كذبا، فملأ منه ~~الكتاب. ### | [المقصود بكلمات الله في القرآن الكريم] # ويأبى الله إلا ظهور الحق واستعلاءه «2»، وخمول الباطل واذعانه. # ومنها: قوله: لا مبدل لكلماته ووهم منها في موضعين: # أحدهما: أنه ذكر الكلمات المضافة إلى الضمير، فاحتاج أن يفسره بالله ~~تعالى، وقد كان يستغنى عن ذلك بإيراد الآية التي في أول السورة المذكورة ~~وهي قوله: ولا ms018 مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) «3». # فإن الكلمات فيها مضافة إلى الله- سبحانه- لا إلى ضميره المحتاج إلى ~~تفسير «4»، وهذا لا يقدح في صحة ما احتج به، لكن/ احتجاجه «5» بما ذكرناه ~~أظهر، فعدوله عنه مشعر بالضعف وقصور النظر. # الموضع الثاني: # أنه فسر كلمات الله بالتوراة والإنجيل ليثبت علينا بكتابنا أنها حجة ~~لازمة PageV01P291 # لنا،" وهيهات من دون المراد موانع" «1». # والذي يدل على أنه ليس المراد بالكلمات هنا «2» التوراة والإنجيل: هو أن ~~هذه الآية في سورة الأنعام. وسورة الأنعام كلها جدال ومناظرة لعباد الأوثان ~~الذين ينكرون البعث. ولا تعرض فيها لأهل الكتاب إلا بطريق الاستشهاد بهم. ~~كقوله: # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم «3» وقوله: والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق «4»، وليس المراد بأهل ~~الكتاب: الموجودين الآن بل المعاصرين لزمن النبوة، أو بطريق عموم خطاب ~~غيرهم لهم لا بالقصد، وإذا عرف هذا فالله سبحانه يقول قبل هذه الآية: أفغير ~~الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا «5». # والخطاب لكفار العرب «6»، والكتاب الذي أنزل إليهم هو القرآن وهو المراد ~~بالكلمات. قاله قتادة «7» PageV01P292 # والطبري «1». قال الله سبحانه: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق وهذا استشهاد بأهل الكتاب الموجودين حينئذ من أسلم منهم كعبد ~~الله بن سلام «2» وغيره، أو جميع أهل الكتاب، ولكن يكتم ذلك منهم من يكتمه ~~عنادا «3». PageV01P293 # ولو كان الكلمات هي التوراة والإنجيل لكان الكتاب المذكور هو التوراة ~~والإنجيل، ولم يكن به حاجة إلى أن يستشهد بأهل «1» الكتاب على صحته، لأن ~~التوراة والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى، لم ينازع فيهما أحد حتى يستشهد ~~لهما. وأيضا:/ لو كان كذلك لم تصح شهادة أهل الكتاب لكتابهم لموضع التهمة. ~~ثم قال: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته .. (115) وهي الكتاب ~~الذي أنزل/ مفصلا، وهو القرآن إذ لا معنى لقول القائل:" وهو الذي أنزل ~~إليكم القرآن مفصلا، وتمت التوراة والإنجيل، ولا مبدل للتوراة والإنجيل" ~~لأن المخاطبين بهذا الخطاب هم كفار العرب، ومحمد- عليه السلام- لم يكن ~~يدعوهم إلى التوراة والإنجيل حتى ms019 يثني لهم عليهما، وإنما كان يدعوهم إلى ~~القرآن فثبت بهذا أن المراد بقوله: لا مبدل لكلماته هو القرآن. # وفيما «2» يرجع إليه نفي التبديل قولان: # أحدهما" معناه ومتعلقه من أخبار وحكم ووعد ووعيد، أي أن ما أخبر الله في ~~القرآن من خبر، أو حكم به من حكم، أو وعد من ثواب، أو أوعد من عقاب لا ~~يستطيع أحد تبديله ولا بيان فساده. # والثاني: أنه لفظه: أي لا يقدر أحد أن يزيد فيه ولا ينقص، لأن الله ~~سبحانه ألهم المسلمين حفظه حرفا فحرفا، فلا تدخله الزيادة والنقص كما دخل ~~التوراة والإنجيل على ما قد شاهدته أنا بنفسي في الكتابين من التناقض ~~والاختلاف وأثبته في تعليقي على الكتابين «3». PageV01P294 # ثم إن هذا المصنف جعل عمدته في كتابه: تفسير ابن عطية «1». فما باله لم ~~يذكر ما قاله ابن عطية في تفسير قوله «2»: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا ~~مبدل لكلماته؟ لكنه رآه عليه «3» فحاد عنه. ولعمري أنه معذور في/ ذلك فإن ~~كتب المسلمين ليست عنده حجة. وإنما يذكر منها ما يذكر احتجاجا عليهم ~~وإلزاما لهم ورميا «4» لهم بسهامهم كما نحتج نحن عليهم بالتوراة والإنجيل ~~على هذا الوجه، ولا نعتقد صحة ما فيها. PageV01P295 ### | [المقصود بلفظ الذكر في القرآن الكريم] # ومنها: قوله: إن" الذكر" في قوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~(9) «1» هو التوراة والإنجيل". # وليس كذلك بل هو القرآن بإجماع مفسري القرآن «2». ذكر عبد الرزاق «3» في ~~تفسيره عن معمر «4»، عن قتادة وثابت البناني «5» في قوله: وإنا له لحافظون ~~PageV01P296 # قال:" حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو يبطل «1» منه حقا «2» ~~". # قلت: ونظيره قوله تعالى/: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه «3»، ~~والمعنى واحد. # أما «4» احتجاجه على ذلك بقوله: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) ~~«5» فلا حجة فيه، لأن قبل ذلك قوله سبحانه: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة ~~معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث «6» يعني القرآن بلا خلاف ولا شك ~~إلا استمعوه وهم يلعبون يعني كفار العرب لاهية قلوبهم ms020 وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا وهم الكفار" هل هذا- يعني محمدا- إلا بشر مثلكم" أي فليس بأولى ~~بالرسالة منكم. كما قال قوم نوح له: ما نراك إلا بشرا مثلنا «7» وقول قوم ~~صالح: أبشرا منا واحدا نتبعه «8»؟ ثم قالوا: أفتأتون السحر وأنتم تبصرون؟ ~~فأجابهم الله تعالى عن هذا بقوله: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا PageV01P297 # نوحي إليهم أي أن الرسل الذين كانوا قبلك كانوا بشرا كانوا «1» وقد اعترف ~~هؤلاء الكفار برسالتهم. فما وجه انكارهم لرسالتك مع كونك بشرا؟ ثم قال ~~فسئلوا أهل الذكر يعني أهل التوراة «2»، هل كان المرسلون إلا رجالا يوحى ~~إليهم؟. # فالذكر المراد/ هاهنا «3» غير الذكر المراد في سورة الحجر، وهو الذكر ~~المحفوظ. فإن لفظ الذكر ورد في القرآن على وجوه: # منها: القرآن والتوراة كالموضوعين المذكورين. # ومنها: الرسول، كقوله «4»: قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا على ما ~~قيل فيه «5». PageV01P298 # ومنها: الشرف، كقوله: وإنه لذكر لك ولقومك «1» أي: شرف «2». # فلفظ" الذكر" مطلق على هذه المعاني بالاشتراك أو التواطؤ «3». أو ~~بالحقيقة والمجاز. وبكل تقدير فلا يصح استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو ~~الذكر المسئول أهله. ### | [الرد على تكذيب النصراني لبعض أخبار محمد صلى الله عليه وسلم] # ونبين ذلك بتقرير استدلاله على وجه صناعي هكذا: الله سبحانه حفظ الذكر، ~~والذكر هو التوراة. فالله حفظ التوراة، لكن المقدمة الأولى مهملة، وشرطها ~~في الإنتاج أن تكون كلية، هكذا: الله حفظ كل ذكر. والتوراة ذكر/ لكن ليس ~~التقدير هذا، وحينئذ يدخل/ التفصيل في المقدمة الأولى. فيقال: ما ~~PageV01P299 # تعني بالذكر المحفوظ؟ التوراة أو «1» القرآن؟ الأول ممنوع، والثاني: مسلم ~~لكنه لا يفيد، لأن الحد الأوسط في الشكل مختلف فمحمول الأولى غير موضوع ~~الثانية. # قوله:" فتبين بذلك أن كلمات الله غير مبدلة". # قلنا: هذا صحيح لكن قد بينا أن المراد بكلمات الله ليست التوراة والإنجيل ~~التي بأيديكم بل هي القرآن. ولئن سلمنا أنها التوراة والإنجيل، بل وكل كلام ~~الله غير مبدل، إلا أن ما بأيديكم ليس هو التوراة والإنجيل المرادين هنا ~~«2»، المنزلين على موسى وعيسى، بل كلمات الله التي هي كلماته لا ms021 يدخلها ~~التبديل في خبر ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وما بأيديكم من ذلك تواريخ وسير ~~مبدل محرف متناقض، علمنا تناقضه بالعيان والمباشرة. ### | [رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أخت هارون "] # قال: القسم الثاني من قوله- يعني مما زعم أنه كذب من أخبار محمد- عليه ~~السلام- فمن ذلك قوله: إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني ~~محررا ... إلى قوله: وإني سميتها مريم «3» وقوله في التحريم «4»: ومريم ~~ابنت عمران التي أحصنت فرجها «5» وقوله في سورة مريم: يا أخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء «6». PageV01P300 # قال:" فثبت بهذا كله: أن مريم أم المسيح هي بنت عمران أخت موسى وهارون". # قال:" واسم أبي مريم أم المسيح: يعقيم. وأمها: حنة. وبين مريم هذه وعمران ~~أبي موسى ألف وخمسمائة سنة" «1». # قال: وعذرا له في هذه الغلطة، فإن الناقل، إما جاهل وإما قاصد إيقاعه في ~~الغلط". «2» # قلت: يشير هذا الخصم إلى أن محمدا- عليه السلام- كان يلقن أساطير الأولين ~~ثم ينظمها بعبارته، والملقن له إما جاهل بالنقل أو قاصد «3» تغليطه «4». # قلت: وللعدو أن يقول ما شاء، وإنما يثبت ما قامت عليه الحجة. PageV01P301 # وهذا سؤال قد كفانا/ جوابه صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم فروى المغيرة ~~بن شعبة «1» قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران. فقالوا ~~ألستم تقرءون: يا أخت هارون وقد كان بين عيسى وموسى ما كان؟ فلم أدر ما ~~أجيبهم/ فرجعت «2» إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» فأخبرته. فقال: ~~«ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» رواه مسلم ~~والترمذي «4» وقال حديث حسن صحيح". PageV01P302 # قلت: ومعنى هذا الحديث ما ذكره عبد الرزاق في تفسيره «1». قال: # أخبرنا «2» معمر عن قتادة في قوله يا أخت هارون قال: كان رجلا صالحا في ~~بني إسرائيل يسمى هارون فشبهوها به. فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح «3». # فتحقيق معنى الحديث:/ أن هارون هذا سمي باسم هارون أخي موسى تبركا. # وحينئذ يفسد استدلال هذا الخصم ويكون الحد الأوسط في نظمه وهو هارون ~~مختلفا، كما تقدم في استدلاله على أن ms022 الذكر المحفوظ هو التوراة. ~~PageV01P303 # وأما قوله: إن اسم أبي مريم:" يعقيم" فجوابه من وجهين: # أحدهما: أن هذا لم أعلمه ولا رأيت أحدا ذكره ممن أثق به من علماء ~~المسلمين. وعلماء اليهود والنصارى غير مأمونين عندنا، ولا وثوق لنا بما ~~عندهم على ما سبق في مقدمات الكتاب. ومعنا شيء نحن معتقدون فيه واثقون به، ~~وهو القرآن المتضمن أن اسم أبيها عمران. ويكون ذلك من أسماء الأعلام ~~المشتركة مثل هارون، وهارون، وفرعون، وفرعون، وزيد وزيد، وعمرو، وعمرو، فلا ~~نعدل عنه إلى غيره ولا سبيل لهم إلى إقامة الحجة القاطعة التي نضطر إلى ~~تسليمها علينا، وإن أمكنهم ذلك وفعلوه قبلناه منهم، فإنه لا غرض لنا في ~~العناد بل الحق حيث كان متبع. # الوجه الثاني: أن هذا اختلاف في الأسماء، لا في المسميات فجاز أن يكون ~~عمران تعريب يعقيم، فإن العربية تصرفت في الألفاظ الأعجمية فعربتها كما سمت ~~العرب/ المسيح: عيسى، واسمه في الإنجيل: يسوع. فعكسوه من آخره، وقلبوا ~~الواو ياء. وكان أصل موسى: موشا، بالشين المعجمة، يعني الماء والشجر، لأن ~~آل فرعون التقطوه من بين ماء وشجر حين ألقته أمه في اليم، ومو: هو الماء. # وشا: الشجر «1». PageV01P304 # وكما سموا" حران «1» " هذه المدينة التي بين الشام «2» وبلاد الجزيرة «3» ~~باسم هاران أخي إبراهيم، وهو أبو لوط، لأنه نزلها. فعربوها، فقالوا: حران. # أو لعل عمران اسم ويعقيم لقب، فكل هذا محتمل، فلا يقدح مثله في صاحب ~~ناموس عظيم غلب ناموسه على ناموس المسيح والكليم «4». ### | [رد شبهة النصارى في سكوت زكريا عليه السلام] # قال:" ومن ذلك قوله في سياق تبشير الملائكة لزكريا بيحى «5» " قال رب ~~اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا «6» قال:" وهذا ~~باطل، لان PageV01P305 # سكوت زكريا كان أزيد من تسعة أشهر، وذلك من الوقت الذي بشر به إلى أن ~~وضع، وأن ذلك كان على جهة التأديب والعقاب، يعني على مراجعته الملك، وكونه ~~لم يثق بأول كلامه، لا على جهة الآية" وذكر حكاية ذلك من الإنجيل في كلام ~~طويل قد ذكرته ms023 أنا وجوابه في:" التعليق علي الأناجيل «1» ". # قلت: والذي يحتاج إلى الجواب عنه في هذه الجملة أمران/: # أحدهما: أن سكوته كان أكثر من ثلاثة أيام. # الثاني: أن سكوته كان عقوبة لا علامة. # والجواب/ عن ذلك من وجهين: # أحدهما: الجواب العام وهو أن مستندكم في هذا: الإنجيل. وليس حجة علينا، ~~كما أن ما عندنا ليس حجة عليكم- على زعمكم-، فبقيت دعوانا ودعواكم ولا فاصل ~~بيننا يلزمنا جميعا الرجوع إليه. # الوجه الثاني: أن خبر محمد- عليه السلام- أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما ~~فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة «2». فإذن الجمع بين القولين ممكن، ~~وهو PageV01P306 # أن سكوته/ كان تسعة أشهر، ومنها ثلاثة الأيام المذكورة. # ولعله إنما اقتصر عليها لخصيصة فيها، وذلك أن في القرآن في سورة مريم «1» ~~ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة ~~عن عكرمة «2» قال:" سويا" من غير خرس. وذكر في الإنجيل «3»: أن زكريا بقي ~~أبكم إلى أن وضع يحيى، والأبكم: الأخرس، فلعله كان في ثلاثة الأيام الأول ~~ساكتا من غير خرس، وفي بقية المدة ساكتا من خرس «4»، ويكون الأول: # علامة، والثاني: عقوبة. والقرآن الكريم إنما ذكر هذه القصة في سياق ذكر ~~النعمة على آل إبراهيم وآل عمران واصطفائهم على العالمين، فاقتصر على ذكر ~~زمن الآية والعلامة التي هي من نعم الله على خلقه، إذ هي موجبة لطمأنينة ~~القلوب، ولم يذكر مدة البكم الذي هو عقوبة لئلا يفضي ذلك إلى ضرب من تكدير ~~النعمة بذكر العقوبة عقيبها «5». # والقرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا ~~تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو ~~PageV01P307 # يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) «1» فأضاف الخلق والهداية ~~والإطعام والإسقاء إلى الله. لأنها نعم. وأضاف المرض إلى نفسه لكونه محله، ~~وإن كان ليس منه في الحقيقة تأدبا لأن المرض صورته صورة نقمة «2»، فإضافته ~~إلى المنعم في سياق الاعتراف له بالإنعام تكدير للتأدب. وكذلك لا تنافي بين ~~كون السكوت علامة على صدق البشرى، وعقوبة على عدم ms024 المبادرة إلى التصديق ~~بها. وذكر العقوبة في هذا ليس مما اخترعه هذا المصنف من الأسئلة على ~~القرآن، بل قد ذكره مفسرو القرآن منهم قتادة. قال [القرطبي] «3»:" وهو قول ~~أكثر المفسرين «4» ". # قلت: وعليه إشكال. وإن كان/ قد ذكره المسلمون فإنه لا خلاف بيننا وبين ~~النصارى أن مريم لما بشرت بالولد استعظمت ذلك وقالت: أنى يكون لي ولد ولم ~~يمسسني بشر «5»؟ نطق بذلك قرآننا وإنجيلهم «6»، ثم إنها لم تعاقب على ذلك ~~بشيء. # فإن قال قائل: إن زكريا كان أكمل من مريم والأكمل في الحال أولى ~~PageV01P308 # بالعقوبة على الأفعال وهذا معلوم من قواعد الشرع والعقل، ولهذا كان وعيد ~~العلماء أعظم/ من وعيد الجهال. # قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذا مع قيام المقتضي للعقوبة إنما يقتضي تخفيف العذاب عن ~~المفضول في الحال، لا سقوطه بالكلية،/ وقد وجد مقتضى العقوبة في مريم كما ~~وجد في زكريا، فكان ينبغي أن يحصل لها من العقوبة بحسب حالها. # الثاني: أنه باطل بإبراهيم لما سأل الطمأنينة بمشاهدة كيفية إحياء الموتى ~~«1»، فإنه لم يعاقب، مع أنه في عدم المبادرة إلى قبول خبر الصادق. ك" ~~زكريا" و" مريم" بل أولى لوجهين: # أحدهما: أنه كان في غاية من كمال الحال. # الثاني: أن المخاطب له كان هو الله نفسه على ظاهر القرآن، والمخاطب ~~لزكريا ومريم كان الملك. # وبشارة زوجة إبراهيم حيث فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) «2» ولم تعاقب. # والأشبه- والله أعلم- أن العقوبة لا مدخل لها هنا لوجهين: PageV01P309 # أحدهما: أن الله- سبحانه- خلق الإنسان من ضعف، ولم يجعل في قوة عقله ~~إدراك الحقائق الإلهية، فعدل الله- سبحانه- يقتضي تمهيد عذر الإنسان إذا ~~ضعف في مثل هذه المقامات المدهشة، ما لم يصر على العناد، ولو كان مثل هذا ~~موجبا للعقاب لكان أولى الناس به موسى عليه السلام فإن الله سبحانه لما ~~قال: # وألق عصاك «1» فألقاها إلقاء راغب عنها، ظنا منه أن الله نهاه عن حملها/ ~~ثم التفت فإذا هي حية تسعى، فأمعن هربا، فلما عاد قال له ربه: خذها ولا تخف ~~«2» فلف كم مدرعته على «3» يده، ثم تناولها. فقال ms025 له الملك: أرأيت لو أذن ~~الله لما تحاذر أكانت تنفعك كمك؟ فقال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت «4». # فإن موسى فعل هذه «5» الفعال وهو بحضرة الله- سبحانه- يسمع كلامه بغير ~~PageV01P310 # واسطة، وقد وانسه بالكلام، ولم يبق من أمره في «1» شك فقد كان أولى ~~بالعقوبة إذن، ولكن مثل هذا لا يقتضيها في عدل الله- سبحانه-. # الثاني: أن العقوبة تستدعي ذنبا، وليس هاهنا ما يصح أن يكون ذنبا إلا ~~الشك في قدرة الله، على ما أخبر به، أو في صدقه «2»، والأنبياء عارفون ~~بالله وصفاته لا يخفى عليهم مثل هذا، وهم معصومون منه، وإنما كان ذلك من ~~زكريا ومريم وإبراهيم وسارة وكل من صدر منه ذلك من المؤمنين بالله تعجبا من ~~كيفية المقدور، لا شكا في حقيقته، فأراد أن يعرف: هل يعاد شابا ثم يرزق ~~الولد، أو يرزقه وهو بهذه الحال؟ والتعجب وسؤال الله- سبحانه- كشف الأمور ~~الملتبسة أن لم يقتض ثوابا لم يقتض عقابا. # ومن الدليل على أن العلامة مرادة من سكوت زكريا/ ولا بد: ما ذكر في ~~الإنجيل أن زكريا قال للملك:" من أين أعلم هذا وأنا شيخ وزوجتي قد تناهت في ~~أيامها «3» "؟ فهذا سؤال من زكريا للآية بلا شك. فأجابه الملك وقال:" أنا ~~جبريل الواقف بين يدي الله وأرسلت لأبشرك بهذا. وها أنت تكون ساكتا، لا ~~تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي ~~يتم في زمانها". # فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب ~~PageV01P311 # مطابقته للسؤال. وقد ثبت أن سؤاله كان عن الآية، فيكون الجواب بها. ~~وزيادة العقوبة/ إن ثبت وسلمناه لا ينافي ذلك، لأن الجواب يجوز أن يتضمن ~~زيادة عما في السؤال، كما في قوله تعالى: وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال ~~هي عصاي .. # هذا طبق السؤال، وقوله: أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى (18) «1» هذا زيادة عليه. # وقوله- عليه السلام- حين سئل:" أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: (هو الطهور ~~ماؤه) «2» هذا طبق السؤال. وقوله:" الحل ميتته" زيادة عليه ويكون وجه الجمع ~~بين الآية ms026 والعلامة: إما بما ذكرناه من قبل وهو أن ثلاثة الأيام سويا من ~~غير خرس علامة، وباقيها أخرس عقوبة، أو بأن مطلق السكوت علامة، وامتداده ~~إلى حين الوضع عقوبة. والله أعلم. ### | [رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له] # قال:" ومن ذلك قوله في سورة يوسف: فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ~~... (100) إلى قوله: ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ... (100) «3» ~~وتقرير السؤال من وجهين: PageV01P312 # أحدهما: أنه أخبر أن أبوي يوسف حضرا عنده ذلك الوقت، وقد ثبت في التوراة: ~~أن راحيل أم يوسف ماتت في نفاسها ببنيامين ودفنت ببيت لحم «1». قبل أن يطرأ ~~ليوسف ما طرأ «2». # والثاني: أنه ذكر أنهم سجدوا ليوسف، ولم يذكر في التوراة. غير أن يعقوب ~~لما رأى يوسف فتح ذراعيه، وعانقه باكيا «3» ". # قلت: والجواب عن الأول من وجوه: # أحدها: الجواب العام، وهو: عدم الوثوق بالتوراة، وقد بينت في التعليق ~~عليها «4» من التناقض والتهافت ما تبين لكل عاقل أنها مما لا يعتمد عليه. ~~PageV01P313 # الثاني: أني تأملت هذا الحكم في التوراة على جهة التفصيل فوجدته مختلفا ~~مشتبها جدا وذلك أنه ذكر فيها أن راحيل أم يوسف ماتت على طريق بيت لحم عند ~~قدوم يعقوب من عند خاله" لابن" وذلك قبل أن يرى يوسف الرؤيا بمدة «1»، وذكر ~~فيها: أن يعقوب بعد اجتماعه/ بيوسف بمصر «2» قال له:" وإني حين/ أقبلت من ~~فدان «3» آرام- يعني قدومه من عند خاله" لابن" من حوران «4» - ماتت راحيل ~~أمك في أرض كنعان «5» فقبرتها في بيت لحم «6» " فهذان نصان يقتضيان: أن أم ~~يوسف ماتت قبل أن يرى الرؤيا، وذكر فيها: أن يوسف لما جاءه PageV01P314 # إخوته يطلبون الميرة «1»، فعرفهم وهم له منكرون، اتهمهم بالجاسوسية وجعل ~~ذلك ذريعة إلى سؤالهم عن عدتهم، حتى انتهى إلى ذكر" بنيامين" فقال: ائتوني ~~به لأعلم صدقكم، فرجعوا إلى أبيهم فقالوا: أرسل معنا بنيامين، فقال لهم ~~يعقوب: # " إن أخاه قد مات ولم يبق لأمه غيره ولعله تصيبه في الطريق" «2». # وظاهر هذا: أن أمه الآن حيه، وأنه خاف على وجع قلبها ms027 وقلبه لفقده وكذلك ~~ذكر فيها: أن إخوة يوسف قالوا له حين سألهم عن عدتم «3»:" إن لنا أبا شيخا، ~~وله ابن صغير، وهو ابن كبره، ومات أخوه، وهو واحد لا غير لأمه وأبيه، وأبوه ~~يحبه «4» ". # وهذا قاطع في أن أم" بنيامين" حية إلى الآن «5» - وهي أم يوسف- وهذا ~~تهافت في التوراة «6» كما تراه. فمن احتج بالنص الأول على موتها قبل هذا ~~الحال PageV01P315 # احتججنا عليه بهذا القاطع «1» أنها باقية إلى هذا الحال. ونؤكده بقول ~~يعقوب ليوسف حين قال: إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين (4) «2» فزجره يعقوب وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجئ أنا ~~وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض"/ «3». # فنقول: إن كانت أم يوسف التي ولدته حية الآن فهو يناقض ما في التوراة من ~~أنها ماتت قبل ذلك ودفنت ببيت لحم. وإذا وقع التناقض فيها سقط الاحتجاج بها ~~«4»، وليس للخصم مستند في ذلك غيرها، وإن كانت قد ماتت فقد سمى يعقوب ليوسف ~~بعد أمه أما، فتلك هي التي سجدت له مع يعقوب عند تأويل الرؤيا، سواء كانت ~~هي والدته، أحياها الله حينئذ تصديقا/ لرؤياه «5»، كما قال PageV01P316 # الحسن البصري «1»، أو كانت خالته وسميت أما مجازا، كما قال بعض المفسرين ~~«2». # وكما قد ثبت في الإنجيل: أنهم كانوا يسمون مريم ويوسف: أبوي المسيح، في ~~غير موضع، وقالت له مريم لما تخلف عنها في أوراشليم «3»:" يا بني لم تخلفت ~~عنا وتركتني وأباك نطوف عليك «4» "؟ فكما سمى يوسف أبا المسيح لكونه زوج ~~أمه مجازا «5»، فكذا سميت زوجة يعقوب أما ليوسف مجازا، PageV01P317 # خصوصا وكانت زوجة أبيه أخت أمه نسبا وهي" ليا/ بنت لابن" فقرب المجاز ~~وزال الإشكال. والله أعلم بالصواب. # الثالث: أن المراد بأبويه: أبوه وخالته، والعرب تسمي الخالة أما، والعم ~~أبا كما روى أبو إسحاق «1» عن البراء «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «3». وعن ابن عمر «4»: ~~أن رجلا قال: PageV01P318 # يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك ms028 من أم؟» ~~قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها». أخرجه الترمذي ~~أيضا «1». # وقال الله تعالى حكاية عن بني يعقوب أنهم قالوا له: نعبد إلهك وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا «2» فسموا إسماعيل أباه، وإنما هو عمه، ~~وتكملة هذا الوجه قد سبق في الذي قبله. # الرابع: ما ذكره الحسن وهو أن الله- سبحانه- أحيا راحيل أم يوسف حتى سجدت ~~له تحقيقا لرؤياه. # وقول القائل:" إن هذا ونحوه لم يذكر في التوراة": جهالة، وضيق عطن «3» في ~~العلم، فإن التوراة التي عندكم- إن صح أنها التي جاء بها موسى- PageV01P319 # فهو جزء «1» يسير من علم الله، وتضمنت يسيرا مما جرى للقوم، وقد جرى لهم ~~جزئيات وتفاصيل لم تذكر، فلعل هذا منها. والله- سبحانه- يفضل من شاء على من ~~شاء في العلم والجسم والمال والعقل وغير ذلك «2». فما المانع أن يكون/ ~~الله- سبحانه- اختص محمدا من العلم بما لم يخصكم «3» كما خصه باذلالكم ~~وإرغام أنوفكم، وأخذ الجزية منكم، نحو ثمانمائة سنة «4». # والجواب عن الثاني- وهو سجودهم له- من وجوه: # أحدها: هذا بعينه، وهو أن في القرآن زيادة علم لم تبلغكم، تخصيصا من الله ~~لغيركم عليكم. # الثاني: أن السجود المذكور في القرآن ليس المراد به وضع الجباه على الأرض ~~بل هو الإيماء بالرءوس، والانحناء على جهة التعظيم، وكانت تلك تحية الملوك ~~عندهم، فلعله لخفاء صورته وعدم ظهور تأثيره في هيئة الإنسان الانتصابية «5» ~~لم يذكر في التوراة اعتبارا/ بصورته، وذكر في القرآن اعتبارا بمعناه، وهو ~~التعظيم «6». PageV01P320 # على أنه قد صرح في التوراة «1» بأن إخوة يوسف لما عرفهم وهم له منكرون" ~~خروا له سجدا". # ثم لما «2» عادوا المرة الثانية" خروا له سجدا" «3»، وأن يوسف لما جاء ~~بابنيه" ميشا" «4» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرك عليهما، سجدا له «5». # وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «6» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا ~~له: PageV01P321 # قد وهبناها لك، خر لهم ساجدا «1» على جهة الشكر حيث ياسروه ولم/ يعاسروه. ~~وسألهم أن يأخذوا منه ثمنها. فقد كان السجود عندهم سهلا متعارفا في هذه ~~المواطن اليسيرة الخطب، وهو من ملة أبيهم إبراهيم «2». # وفي التوراة:" ms029 أن يعقوب لما التقى بأخيه العيص سجد له «3» بالأرض سبع ~~مرات" «4»، فما ظنك بحال الدخول على يوسف من قوم متشوقين إليه، وخجلين منه ~~بعد سنين متطاولة، فإن العقول تجزم بأن هذا المقام أولى بالسجود من كل ~~مقام، خصوصا لشخص قد أحياهم الله به، وقد غمرهم بإحسانه بعد أن بالغوا في ~~الإساءة إليه. # ففي السجود له فوائد «5». # منها: إقامة رسم الملك بفعل تحيته «6». # والثانية: التوصل إلى إزالة ما في نفسه. PageV01P322 # والثالثة: إظهار المحبة ليوسف والطاعة له ليرضى/ عنهم يعقوب، ويطيب قلبه ~~بتصافيهم. # الرابعة: مكافأته على بعض إحسانه. # الخامسة: تصحيح رؤياه، فإن" رؤيا الأنبياء وحي «1» ". # الثالث: أنه ذكر في التوراة «2» أن يوسف لما قص رؤياه على يعقوب زجره لما ~~قصها، وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك ~~على الأرض؟ " وكان يعقوب قد وعى معنى الرؤيا. # قلت: وإنما أراد أن يصد عنه كيد إخوته له باستبعاده ذلك وإنكاره «3». # قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له. # وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل ~~تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام. # وأيضا: فإن في التوراة «4» أن يوسف رأى رؤيا أخرى وهي أنه رأى أنه وإخوته ~~جمعوا حزما في المزرعة، وقد قامت حزمته، وجاءت حزم إخوته، فسجدت لها. وهذا ~~يدل على سجودهم له، لما التقوا لأن الرؤيتين دلتا على حكم واحد، وهو ~~السجود. PageV01P323 # الرابع: أنه يجوز حمل ما في القرآن على أن قوله: ورفع أبويه على العرش ~~«1» جملة. وقوله: وخروا جملة مختص ضميرها بإخوة يوسف لم يتناول أبويه، ~~فيكون ذلك موافقا لرؤيا الحزم، فإنها إنما تضمنت ما يدل على سجود الإخوة ~~فقط دون أبويه، ويصير هذا قريبا جدا «2» لأن إخوته سجدوا له قبل ذلك مرتين ~~بنص التوراة، وهذه تكون ثالثة ووقتها أولى بالسجود من غيره على ما سبق ~~وإنما ترك ذكره في التوراة اكتفاء عنه بالمرتين الأوليين، وتنبيها عليه ~~بطريق أولى. # قلت: وفي ورود/ القرآن برؤيا النجوم دون رؤيا ms030 الحزم أقوى دليل على صدق ~~محمد- عليه السلام- وأن القرآن وحي من الله، وأنه إنما أخبر بما أوحى إليه، ~~وإلا فلو كان ينقل ذلك من كتب/ الأولين لتتبعها/ ولظفر برؤيا الحزم، ~~ولذكرها خشية أن يطعن عليه بالنقص والزيادة فاعلم ذلك. PageV01P324 ### | [رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج] # قال:" ومن ذلك في سورة القصص بعد ذكر موسى: ولما ورد ماء مدين وجد عليه ~~أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ... إلى قوله: ... إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ... «1» قال: ~~الكذب في هذه القصة في مواضع: # أحدها: قوله:" وجد على الماء قوما يسقون" ولم يكن كذلك يعني بل «2» القوم ~~طرءوا «3» على بنات شعيب، وقد ملأن الحياض «4» ليسقين غنم أبيهن، فأخرجوهن ~~فقام موسى فحماهن وسقى غنمهن كما سيأتي في لفظ التوراة. # الثانى" أن النساء كن سبعا لا اثنتين. # الثالث: أن عرض شعيب ابنته على موسى واستئجاره على نكاحها ثماني سنين لم ~~يكن منه شيء، إنما كان هذا في زواج يعقوب براحيل بنت خاله" لابن" وإنما ~~اختلطت لهذا الإنسان القصة، أو خلطت له بقصة زواج يعقوب النبي، ثم ذكر ما ~~في التوراة من قصة موسى في ذلك. وهو أن قال فيها بعد ذكر قتل موسى للقبطي ~~«5»:" فسمع فرعون هذا الخبر وكان يطلب قتل موسى فهرب من حضرته، وأقام بأرض ~~مدين «6»، وجلس جوار البئر. PageV01P325 # وكان لإمام مدين سبع بنات. كن أقبلن لاستقاء الماء فملأن الحياض وأحببن ~~سقي غنم" يثرا" «1» أبيهن، فأقبل الرعاة عليهن وأخرجوهن فقام موسى وحمى ~~الجواري وسقى نعاجهن، فلما انصرفن إلى" يثرو" أبيهن، قال لهن: لم جئتن أسرع ~~من المعتاد «2»؟ فأجبن: رجل مسلم «3» مصري أنجانا من الرعاة، وبزيادة استقى ~~الماء وسقى النعاج «4». فقال: أين هو؟ لم خلفتن الإنسان؟ ادعونه ليأكل ~~خبزا، فحلف «5» موسى أن يسكن معه وأخذ سابور «6» بنته زوجة". اه. # قال:" هذا نص التوراة/ أن الجواري كن سبعا، لا اثنتين، وأن والدهن كان ~~اسمه يثرو لا شعيب، ولا ذكر ms031 لاستئجاره ثماني حجج. # ثم ذكر قصة زواج يعقوب من التوراة إلى آخرها. # ثم قال:" فتأمل يا قارئ اختلاط إحدى القصتين بالأخرى". # قلت: والجواب عن هذا السؤال من وجوه: PageV01P326 # أحدها: الجواب العام بالقدح في التوراة وعدم الوثوق بها، كما تقرر في ~~المقدمة وقد وجدنا فيها من التناقض والاختلاف/ ما بعضه يقدح في الاحتجاج ~~بها. # ولذلك سببان ظاهران: # أحدهما: أن اليهود حرفوا منها اسم محمد- عليه السلام- «1» ودلائل نبوته ~~«2» لئلا يكون عليهم حجة له من كتابهم، وحرفوا مع ذلك أشياء مما جاء به ~~محمد عن وضعه الذي في التوراة ليصير ذلك شبهة لهم في تكذيبه، ويقولون: ما ~~نصنع به؟ لو وافق ما عندنا أو ذكر فيه، آمنا به «3». PageV01P327 # السبب الثاني: # أن التوراة تقادم عهدها وحرفت في زمن" بختنصر «1» " وتعاورتها «2» ~~التغيرات والتنقلات من العبراني إلى السرياني إلى القبطي إلى العربي لفظا ~~وخطا. # وبعيد من مثل هذه التغيرات أن لا تخل بالمعاني. ولذلك صارت التوراة التي ~~بيد النصارى «3» تخالف التي بيد اليهود «4»، والتي بيد اليهود يخالف بعضها ~~بعضا كما أن أناجيل النصارى يخالف بعضها بعضا «5»، كما قد بينته/ في ~~التعليق عليها «6» لأن أهل الكتاب معتمدهم على الخط، لا على الحفظ، وعلى ~~الرواية بالمعنى لا باللفظ. # الثاني: أن علماء المسلمين ذكروا قصة موسى، على وفق ما هي في القرآن وكان ~~لهم اجتماع بأهل الكتاب واطلاع على علمهم، وأسلم جماعة من أهل PageV01P328 # الكتاب ووافقوهم على ذلك كعبد الله بن سلام/ من اليهود، والعاقب والسيد ~~«1» رئيسي نجران من النصارى والنجاشي «2» صاحب الحبشة «3» في ناس كثير، فدل ~~أن ما في القرآن موافق لما في الكتب القديمة، ولكن هذا الذي تدعونه تحريف ~~حدث. # فإن قيل: إنما كان إسلام بعض أهل الكتاب «4» وعدم إنكارهم ما جاء به ~~القرآن من الوهم مخافة من سيف الإسلام، فإنه كان مشهورا منصورا، لا يقوم له ~~أحد. PageV01P329 # قلنا: هذا مما لا يفيدكم، فإن مصنف هذا الكتاب قد أبرز فيه كل ما عنده من ~~الطعن في دين الإسلام مع المخافة وظهور الإسلام، ولم يمنعه ذلك، فلو أمكن ~~الأوائل ms032 من أهل الكتاب قدح لفعلوا، ولو في خفية ثم لاشتهر في ذلك العصر ثم ~~نقل إلينا. كيف والمسيح صلى الله عليه وسلم «1» يقول:" ما من خفي إلا ~~سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن «2» ". وهو قول معصوم لا يجرم. # وأيضا فإن من الممتنع عادة أن أحدا لا «3» ينتقل من دين إلى دين إلا بعد ~~انشراحه لما انتقل إليه وانقباضه عما كان عليه، وأن من ينشرح صدره لدين ~~يحتمل الذل والصغار والقتل، ولا ينتقل عنه كاليهود والنصارى في بلاد ~~المسلمين، والمسلمين في بلاد النصارى. فمن المحال عادة أن جماعات من أحبار ~~«4» اليهود والنصارى ورؤسائهم ورعاعهم يتركون دينهم في/ عصر النبوة إليها ~~إلا بعد علمهم بصحة ما جاءت به «5»، وحينئذ يصير هؤلاء حجة على من يقدح في ~~الإسلام من أهل الدينين. PageV01P330 # وهذا" ابن جزلة" «1» صاحب" منهاج البيان" في الطب كان نصرانيا فأسلم وصنف ~~كتابا سماه" إفحام النصارى" ولما مات وقف كتبه على تربة الإمام أبي حنيفة ~~النعمان بن ثابت «2» / ببغداد «3» وكثيرون مثله يسلمون ويحسن إسلامهم، وبعد ~~ذلك يطعنون فيما كانوا عليه من اليهودية أو النصرانية «4» ولم نر مسلما خرج ~~عن الإسلام، فحمد ما انتقل إليه «5» فإن قيل: لأن المسلمين لا يتركونه بل ~~PageV01P331 # يقتلونه فلا يتسع له زمن النظر والترجيح، بين ما انتقل عنه وإليه، ثم ~~انحسمت «1» مادة الردة في الإسلام خوف القتل. # قلنا: لا شك أن مصلحة الدين ومنفعته عظيمة وهي النجاة الأبدية، وعظم ~~مصلحته توجب قوة الداعي المحرك إليه وذلك يوجب انفتاح أبواب الوسائل ~~الموصلة إلى المقصود منه. # وهذه بلاد النصرانية ملاصقة لبلاد الإسلام، والسبل إليها آمنة مسلوكة وفي ~~المسلمين ناس كثير وقفوا على حقيقة دين المسلمين والنصارى وهم عقلاء ألباء، ~~فلو صح لهم ما ذكرتم من القدح في دين الإسلام لتوصلوا إلى أرض النصرانية ~~واعتصموا بها وجعلوها هجرة دينية «2».- والله أعلم-. # ثم لو لم يكن في هذا الجواب إلا معارضة ما نقله المسلمون لما نقلتموه ~~لأوقف دعواكم في صناعة النظر حتى تبدوا مرجحا لما قلتموه أو دليلا آخر. ~~PageV01P332 # الثالث: أن ما حكاه ms033 هذا المصنف من القصة في التوراة/ لا ينافي ما في ~~القرآن بل في القرآن «1» زيادة بيان ومناسبة للقضية «2»، فرد تلك الزيادة ~~لكونها لم تذكر في التوراة جهالة، لأنه إبطال للوجود المحض بالعدم المحض، ~~وذلك عناد أو قصر باع في العلم لما بيناه في الوجه الرابع من الجواب عن ~~قوله: ورفع أبويه على العرش «3» في السؤال قبل هذا، وبيان عدم المنافاة: ~~أما قوله:" إن موسى لما ورد ماء مدين لم يجد القوم/ يسقون بل طرءوا بعد ~~ذلك". فهذه مناقشة باردة ممن لا يعلم مواقع الكلام خصوصا لغة العرب ~~واتساعها، بل ولا حقائق المعقولات فإن" لما" في لغة العرب أداة زمانية: أي ~~تدل على الوقت والزمان، فإذا قلت: قام زيد لما قعد عمرو، معناه: قام زيد ~~وقت أو زمان قيام عمرو. فقوله: ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة «4» / أي: ~~وقت أو زمن ورود ماء مدين وجد عليه أمة ولا شك أن الزمان والمكان يكونان ~~حقيقة ومجازا، فحقيقة المكان: هو الموضع الذي يستقر فيه الجسم، ويحيط به ~~فقط دون ما حوله، كدائرة الكرسي مثلا «5» لمن جلس عليه، ومجاز المكان: # ما قارب مستقر الجسم وما أحاط به من مكانه الحقيقي كالبيت أو الدار ~~بالنسبة إلى الكرسي الذي جلس عليه «6» وحقيقة زمان الفعل: الجزء الذي يحدث ~~فيه الفعل فقط لا يتناول شيئا مما قبله ولا بعده، كالجزء الذي كان فيه ورود ~~موسى، ومجازه: هو ما قارب ذلك الجزء بساعة أو ساعتين أو أقل أو أكثر بحسب ~~قرب المجاز وبعده وعظم الحقيقة وصغرها. PageV01P333 # وإذا ثبت هذا التقرير بان: أن لا منافاة بين قوله في القرآن: ولما ورد ~~ماء مدين وجد عليه أمة وبين قوله في التوراة:" فأقبل الرعاة عليهن ~~وأخرجوهن" لجواز أن يكون إقبال الرعاة، ووجدان موسى لهم جميعا في زمن وروده ~~المجازي، الذي هو بعيد زمن وروده الحقيقي. # وكذلك قوله: ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي ~~حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما «1» مع قوله في التوراة:" ~~فقام ms034 موسى، وحمى الجواري، وسقى نعاجهن" لا تنافي بين الأمرين لجواز أنهما ~~لما أخرجهما الرعاة عن الماء وقفتا تذودان غنمها- أي تحفظانها «2» / من ~~الشرود «3» - فجاء موسى" فقال ما خطبكما" فأخبرتاه، فحماهما وسقى لهما. # وأما قوله" كن سبعا لا اثنتين" فمن الجائز أن السبع حضرن لكن الذي تولى ~~ذود الغنم منهن اثنتان، والأخر يملأن الحياض، أو ينظرن في مصلحة أخرى ~~للغنم، فوقع الخطاب في القرآن على الذائدتين دون البواقي لأنهن حينئذ أخص ~~بالغنم والبواقي كالأجنبيات منها، لا يعلم في الحال تعلقهن بأمرها «4». ~~PageV01P334 # وأما قوله:" لا ذكر لندب شعيب موسى إلى زواج ابنته، ولا لاستئجاره «1» ~~ثماني حجج" فلا ينافي ما في القرآن من ذلك، لأن هذا مجمل وما في القرآن ~~مفصل، ولا تنافي بين المجمل والمفصل. على أن في قوله في التوراة:" أن يثرو ~~قال لبناته: ادعونه يأكل خبزا، فحلف على «2» موسى أن يسكن معه وأخذ سابور ~~«3» بنته زوجة" «4». تنبيها «5» على ما فصله القرآن إذ معناه: أن يثرو عزم ~~على موسى وأقسم عليه أن يسكن معه. وهذا قريب في العرف من قوله: إني أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين .. «6» فإن الناس جرت عاداتهم أنه إذا ورد/ عليهم ~~غريب فظهرت منه النجابة والخير والخصال/ الحميدة والأفعال النافعة تمسكوا ~~به وحسنوا له المقام عندهم، وعرضوا عليه المسكن والسكن ليرتبط بذلك عليهم ~~فينتفعون به وينتفع بهم. وقد كان" يثرو" أحق الناس بمثل هذا لكبره، وكون ~~بناته حرما «7»، ضعفا عن القيام بأمر الغنم، وقد كان الرعاة يستضعفونهن. # وأما قوله:" كان اسم أبيهن يثرو لا شعيب" «8»، فقد سبق جواب مثله عند ~~قوله:" كان اسم أبي مريم أم المسيح يعقيم لا عمران" «9» وذلك أن الأسماء ~~ألفاظ تختلف باختلاف اللغات، ومع «10» اتفاق المسميات/ لا يضر اختلاف ~~الأسماء. PageV01P335 # ويدل على هذا ما ذكره" وثيمة بن موسى بن الفرات" في كتاب" قصص الأنبياء" ~~عن محمد بن إسحاق «1» قال: حدثني عبد الله بن زياد بن سمعان «2» عن بعض من ~~قرأ الكتب أن أهل التوراة يزعمون أن شعيبا اسمه في التوراة ميكائيل بن جزي ~~وبالسريانية ms035 يثرن بن جزي بن يشجر. وبالعربية: شعيب بن جزي بن يشجر ابن لاوى ~~بن يعقوب. # قال:" وحدثني الشرقي ابن القطامي «3» - وكان عالما بالأنساب- قال: هو ~~PageV01P336 # يثرون بالعبرانية، وشعيب بالعربية بن عيفاء بن لوثب «1» بن مدين بن ~~إبراهيم". # فتبين بما ذكرناه أن هذا نزاع لفظي لا يقدح في حقائق المعاني «2». # وأما ما ذكر من أن الاستئجار إنما كان في قصة زواج يعقوب لا موسى. # فجوابه: أن احتجاجك في هذا إنما هو بسكوت التوراة عن ذكره في قصة موسى ~~على ما قد ثبت فيها من التحريف والتبديل والزيادة والنقص والتفاوت في النسخ ~~بالنسبة إلى ما بأيديكم وأيدي اليهود وإلى ما في أيدي طوائف اليهود «3»، ~~وذلك استدلال بالسكوت الصرف والعدم المحض، والقرآن جاء بزيادة بيان فليس ~~قدح التوراة في القرآن لمجيئه بالزيادة أولى من قدح القرآن في التوراة ~~لمجيئها PageV01P337 # بالنقص، فما المرجح لأحد القدحين على الآخر؟ على أن ما في القرآن أولى ~~بالاعتبار لأنه أنسب بسياق القضية لمن تدبره، ولأنه أقرب عهدا بالظهور من ~~التوراة «1»، وأبعد عن التحريف والنقل من لغة إلى لغة، ومن ترجمة إلى ~~ترجمة، والمسلمون أشد عناية بحفظه من أهل الكتابين بحفظهما. PageV01P338 # ثم نقول: ما المانع من أن تكون قصة يعقوب وموسى في زواجهما اتفقتا على ~~صفة واحدة/ كما اتفق لإبراهيم وإسحاق، في أن كل واحد منهما لما دخل أرض" ~~أبيمالخ" «1» / ملك فلسطين «2» ادعى أن زوجته أخته لجمالها، خشية أن يغلب ~~عليها «3». وقد صرحت بذلك التوراة. لكن اتفق أنها شرحت قصة يعقوب بأبسط مما ~~شرحت قصة موسى. PageV01P339 ### | [تناقض كتب النصارى التي بأيديهم] # ثم بعد هذا كله نقول لهذا النصراني: الخلاف والتناقض الذي أوردته علينا ~~بتقدير ثبوته هو في كتابين لملتين، وهما التوراة والقرآن، ولا شك أن في ~~إنجيل لوقا «1» في الفصل الثاني والثلاثين «2»، أن يوحنا قال للمسيح:" يا ~~معلم رأينا إنسانا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه لأنه لم يتبعنا. فقال: لا ~~تمنعوه، لأن كل من ليس عليكم فهو معكم". # وفي إنجيل مرقس «3» هذه الحكاية بعينها، وأن المسيح قال فيها:" كل من ليس ms036 ~~معنا فهو علينا" «4» وهذا تناقض بين. # وبيانه: أن كل واحد من الناس:/ إما أن يكون معك أو عليك، أو لا معك ~~PageV01P340 # ولا عليك، فالطرفان «1» حكمهما معلوم. أما الواسطة وهي الذي لا لك ولا ~~عليك فإنها «2» على لفظ لوقا: تكون لك، لأنها ليس «3» عليك، وعلى لفظ مرقس ~~تكون عليك لأنها ليس «4» لك، فهذا تناقض في انجيلكم، وهو كتاب ملة واحدة، ~~بعضه حجة على بعض، والقدح في بعضه قدح في كله فما كان جوابك عن هذا التناقض ~~الذي في الإنجيل، فهو جوابنا عن التناقض الذي بين التوراة والقرآن «5». ~~ونكون قد سامحناك في هذا، لأن ما أوردناه عليك من تناقض كتابك وارد عليك ~~ولازم لك، وما أوردته أنت علينا من تناقض التوراة والقرآن ليس لازما لنا، ~~لأنا نحن نقول: القرآن حق وصدق، والتوراة/ التي احتججت علينا بها- لا أقول ~~التي أوتيها موسى- كذب وزور، ومحال وافتراء على الله ورسله «6». وأنت لا ~~يمكنك أن تقول: إن إنجيل لوقا حق وصدق، وإنجيل مرقس كذب وزور، أو بالعكس، ~~لأن أناجيلكم «7» الأربعة هي كتاب واحد وموضوعها واحد، وإنما PageV01P341 # اختلفت بالزيادة والنقص والرواية بالمعنى، وما فيها من الاختلاف ~~والتناقض. # فإن قلت: إن الذي أوردته علي من تناقض إنجيل لوقا وإنجيل مرقس ليس تناقضا ~~في الأصل، بل هو من قلم الناسخ فهو خطأ في صورة الخط، لا في حقيقة النبوة ~~المسيحية «1». # قلت: هذا بعينه جوابنا عما أوردته من تناقض التوراة والقرآن في قصة موسى، ~~وهو أن نضيف الخطأ إلى قلم الناسخ وصورة الخط في التوراة وهي أولى بذلك من ~~القرآن لتقادم عهدها وتغير التراجم واللغات فيها، بل وأولى من الإنجيل ~~لأنها قبله. # فإن قلت: أنا ما أوردت تناقضا بين التوراة والقرآن، بل كذبت القرآن ~~بالتوراة/. # قلت: هذا هو معنى التناقض. ثم جوابك ما سبق من أنه ليس تكذيب القرآن ~~بالتوراة أولى من تكذيب التوراة بالقرآن، بل هذا أولى لما بيناه غير مرة، ~~والله أعلم. # هذا تفصيل جوابه على ما ذكر هو في كتابه. [أما ما رأيناه في التوراة مما ~~يدل على ms037 وفاق القرآن نذكر «2» إن طرقه- إن شاء الله تعالى «3»]. ~~PageV01P342 ### | [ابطال دعوى صلب المسيح عليه السلام] # قال:" وفي سورة النساء بعد ذكر اليهود: وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ... (157) «1» وذكر كلاما ~~لابن عطية في تفسير قوله: شبه لهم وأن معناه أن شبه المسيح ألقي على/ صاحب ~~له يقال له: سرجس «2» باختياره على أن يكون رفيق المسيح في الجنة «3». # قال:" ويتمسك المسلمون بهذا في القطع على أن المسيح ما صلب. وذلك باطل ~~بالتواتر عند الأمتين: اليهود والنصارى. ومؤرخي المجوس على صلب المسيح وبنص ~~الكتب المقدسة". # وذكر كلام أشعياء ودانيال، وما في إنجيل متى مما يدل على ذلك وأن المسيح ~~صلب ومات وقبر وقام حيا في اليوم الثالث وظهر لتلاميذه مرارا كثيرة. ~~PageV01P343 # ولما تكلم" السهروردي" «1» في كتاب" التنقيحات" في التواتر وشروطه في ~~أصول الفقه تعرضت «2» له قصة الصلب/ فقال:" ولو لم يصلب عيسى لم يبق على ~~المحسوسات اعتماد". # قلت: هذا حاصل ما أورده على هذا السؤال. # والجواب: # أما الآية الكريمة المخبرة بنفي قتل المسيح وصلبه فنعتقد أنها حق وصدق ~~ونتمسك بها على القطع بذلك لأنها عندنا صادرة عن الحكمة والعلم الإلهيين ~~«3» بواسطة العصمة النبوية وهي منقولة إلينا بالتواتر. # وأما ما حكاه عن" ابن عطية" في تفسير قوله: شبه لهم: فذاك مما لم يختص ~~بنقله" ابن عطية" بل ذكره جميع مفسري القرآن الكريم «4» قديمهم وحديثهم على ~~اختلاف بينهم في ذلك «5». فقال ابن سمعان، ومحمد بن إسحاق:" إن PageV01P344 # الذي ألقي عليه شبه عيسى هو رجل من أصحابه يقال له" سرجس «1» " وقال وهب ~~بن منبه «2»:" هو يهوذا «3» الذي أسلمه، ودل عليه، وهو الذي اسمه في ~~الإنجيل: يهوذا الاسخريوطي «4» ". # قلت: وهذا أشبه. لأن عادة الله- سبحانه- جرت في أنبيائه أن يرد كيد من ~~عاداهم عليه/، كنوح إذ كاده قومه فنجا وغرقوا «5». وإبراهيم إذ ألقي في ~~PageV01P345 # النار فكانت عليه بردا وسلاما ثم هلك فرعونه «1». وموسى إذ عاد مكر ~~فرعونه عليه فأغرق «2». # وقارون إذ قذف موسى بالزنا ليقتله، أو يغض منه فخسف ms038 به «3». وعيسى مكر به ~~يهوذا فعاد مكره عليه. ومحمد- صلى الله عليه وسلم- «4» إذ قال الله سبحانه ~~له: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر ~~الله والله خير الماكرين (30) «5» وقال الله سبحانه: ولا يحيق المكر السيئ ~~PageV01P346 # إلا بأهله «1» وقال في قوم صالح حين أرادوا تبييته «2»: ومكروا مكرا ~~ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين (51) «3». # وأما قوله:" إن ذلك باطل بالتواتر عند الأمتين اليهود والنصارى ومؤرخي ~~المجوس". # فجوابه: أن المدعى تواتره عند اليهود والنصارى: ما هو صلب إنسان مطلق؟ أو ~~صلب إنسان مقيد بأنه «4» المسيح؟ الأول: مسلم ونحن أيضا نوافق عليه وهو ~~جرجيس، أو يهوذا «5» كما سبق عن ابن إسحاق ووهب. والثاني: ممنوع وهو «6» ~~محل النزاع. وسنبين مستند المنع في آخر هذا الجواب «7». # وأما مؤرخو المجوس فالجواب عن تأريخهم بذلك من وجوه: PageV01P347 # أحدها: أنهم لم يكونوا حاضري قضية المسيح ولا أحد منهم. فمدار اعتقادهم ~~صلبه على خبركم وخبر اليهود، ولا حجة فيه؛ لأن أحد الأمر اشتبه على من حضر ~~القصة بأن أظلمت الأرض ظلمة شديدة، صرح بها الإنجيل «1» وغيره ففي تلك ~~الظلمة أطلقت الملائكة المسيح وربطت الذي ألقي عليه شبهه مكانه فاعتقدتم ~~أنتم: أن المسيح صلب. وقوى ذلك الاعتقاد/ في نفوسكم: حنقكم على اليهود، وحب ~~تقرير الظلم «2» والعدوان عليهم، واعتقدت ذلك اليهود كما اعتقدتموه، وحملهم ~~على ذلك الاعتقاد: حب الغلبة والظفر بمن اعتقدوه عدوا لهم ولو وفقوا ~~لتابعوه. فعليهم وعليكم من الله ما تستحقونه. # الوجه الثاني: أنا أجمعنا وإياكم «3» على ضلال المجوس، وسخافة عقولهم حيث ~~عبدوا النار التي يوجدها الحطب، ويعدمها الماء والتراب، وانقطاع مادة ~~الوقود فعقول هذا شأنها كيف تكون حجة على العقلاء، وإن كانوا عندكم عقلاء ~~فاعبدوا النار معهم/ وإذا كنتم أنتم أصحاب الدعوى ندعي نحن أن الأمر اشتبه ~~عليكم والتبس، فما الظن بقوم جهال أجانب من القضية سمعوكم واليهود «4» ~~ترجفون بشيء فقلدوكم فيه، وتابعوكم عليه، كما قلدوا آباءهم في عبادة النار. ~~PageV01P348 # الوجه الثالث: أن المجوس أعداء للمسلمين «1» والنصارى ms039 واليهود مثلكم. # وشأن العدو أن يطلب لعدوه العثرات، ويتبع منه العورات، ولا شك أنهم ~~تتبعوا عثراتكم وعثرات اليهود فوجدوها، أما عثراتكم فدعواكم التثليث وإلهية ~~المسيح، وغير ذلك من سخافاتكم. وأما عثرات اليهود فأكثر من أن تحصى على ما ~~دلت عليه كتب الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وتعديهم حدود الله، وإباقهم عن الانقياد/ له ولرسله «2» وكيدهم للمسيح «3» ~~وتعصبهم عليه مع اظهاره العجائب والبينات. ولمعصيتهم الله- سبحانه- سلط على ~~أوائلهم فرعون سامهم سواء العذاب «4» خمسمائة عام «5» حتى استنقذهم الله ~~بموسى، ثم كان له معهم/ من التعب ما لا يخفى. وأما المسلمون فلم يجدوا لهم ~~عثرة يقدحون بها فيهم، فوافقوكم «6» على صلب المسيح ليوهموا بذلك القدح في ~~القرآن كيدا للمسلمين ولو لم يكن إلا مجرد احتمال هذا القصد منهم كان ذلك ~~تهمة لهم تقتضي عدم الالتفات إلى مقالهم. PageV01P349 # وأما ما ذكره من نص الكتب المقدسة ككتاب" أشعياء" و" دانيال" وإنجيل متى ~~فجوابه من وجوه: # أحدها: الجواب العام. من عدم الوثوق بهذه الكتب لتقادم عهدها ونقلها من ~~لغة إلى لغة وتهمة اليهود والنصارى عليها خصوصا الإنجيل فإنا قد بينا في ~~التعليق عليه «1» ما يقيم عذرنا في عدم الوثوق به من الاختلاف والتناقض. # [الوجه الثاني: أن ما ذكره من مصحف أشعياء هو قوله في صفة المسيح: # يقاد إلى القتل] «2» مثل الضائنة «3» ويصمت كالخروف «4» بين يدي الجازر ~~ولم يفتح فاه «5» " ولا حجة فيه على وقوع القتل بل على القود إلى القتل، ~~ونحن نقول به: فإنهم قادوه ليقتلوه فخلصه الله بما ذكرناه، وكم من قيد إلى ~~القتل ثم نجا فلم يقع به القتل. # نعم قد ذكر أشعياء في الأصحاح الخامس والعشرين من مصحفه «6» في النبوة في ~~المسيح وصلبه مع الأئمة، واحتماله للذنوب ما هو أنص من هذا في قتل المسيح ~~وهو قوله:- وهو يعني المسيح المضروب في سبب ذوات «7» الله المتواضع ~~PageV01P350 # من أجلها:" يقتل من أجل إثمنا، ويتواضع من أجل إثمنا وعليه أدب سلامتنا ~~«1»، لأن بجراحه نبرأ كلنا نهبا مثل الغنم وأقبل كل إنسان منا إلى جانبه، ~~والرب ms040 لقاه خطايانا أجمعين دنا متواضعا ولم يفتح فاه، وسيق مثل الحمل للذبح ~~وكان صامتا كالنعجة قدام جازرها ولم يفتح فاه وسيق من الحبس إلى القضاء. # ومن يقدر أن يحدث بما لقي من خفية «2» / لأنه رفع من أرض الحياة ودنا منه ~~قوم من أئمة شعبي «3» وأذن المنافق بدفنه". # قلت: فهذا فيه تصريح بالإخبار بقتله ودفنه. لكن عليه اشكالان: # أحدهما: أن في أول هذا الفصل بعينه، وهو النبوة في المسيح:" ان عبدي ~~ليفهم ويرتفع ويتعظم ويتعالى جدا، حتى يتعجب منه/ كثير من الناس" وساق ~~صفاته إلى أن اتصل «4» بذكر قتله ودفنه، فهذا تصريح/ بأن المسيح عبد الله، ~~وأنتم تقولون: هو الله، أو ابن الله، كما صرح به الإنجيل. فإن قلتم بمجموع ~~الأمرين: أعني عبوديته وقتله، فقد خالفتم دينكم في القول بالعبودية. وإن ~~ألغيتم الأمرين ولم تعتدوا بهما فقد سقط عنا اشكال الإخبار بالقتل، وإن ~~قلتم بأحدهما دون الآخر وهو القتل كان ذلك ترجيحا من غير مرجح، واحتجاجا ~~بكلام تقدحون في جزءه ثم نقابلكم بمثله، فنقول بالعبودية دون القتل. ~~PageV01P351 # فإن قيل: ذكر العبودية حق باعتبار ناسوت المسيح، وإلهيته حق باعتبار ~~لاهوته فكلا الأمرين صحيح. فنقول بهما ويثبت ما ادعيناه من قتله. # قلنا: هذا هوس، وأنتم عند التحقيق عاجزون عن إثباته. وقد وجهت ذلك في ~~التعليق على الإنجيل «1». # الإشكال الثاني: أن أشعياء قبل المسيح بخمسمائة عام أو نحوها وهو يحكي ما ~~جرى للمسيح بلفظ الماضي حيث قال:" دنا متواضعا، ولم يفتح فاه، وسيق مثل ~~الحمل للذبح، وكان صامتا كالنعجة قدام جازرها" ونحو ذلك من صيغ الماضي وحقه ~~أن يذكر بصيغة المستقبل. وهذا يدل على اضطراب هذا الإخبار، وكونه مدخولا ~~«2». PageV01P352 # قلت: لكن عند الإنصاف، هذا الإشكال/ لا يتجه، لأن اخبارات الله- سبحانه- ~~كثيرا ما جاءت عن المستقبل بصيغة الماضي، وقد وقع مثله في القرآن كثيرا. ~~والمعول عليه في الجواب عما تضمنته الكتب القديمة من قبل المسيح هو الوجه ~~الأول، وهو القدح في صحتها، ودعواهم تواترها ممنوعة وإثباته عليهم شديد ~~«1». # الوجه الثالث: أن هذا الخصم قدح في قوله: ms041 ورفع أبويه على العرش ... (100) ~~«2». # وفي قصة زواج موسى على أن يؤجر نفسه ثماني حجج بأن ذلك لم يذكر في ~~التوراة فنحن أيضا نقدح في دعواه صلب المسيح وقلته بعين ذلك، وهو أنه لم ~~يذكر في التوراة، حيث جمع" إسرائيل" «3» بنيه بمصر قبيل موته، وأخبرهم بما ~~PageV01P353 # يكون لكل منهم في مستقبله. # فإنه تغيظ «1» على" روبيل" «2» وقال له:" نجست فراشي" يعني كونه وطئ سرية ~~أبيه- وقال:" لا يفقد الملك والنبوة والكهنوت من سبط «3» يهوذا ومن بين ~~فخذيه. حتى يأتي من هي له، وإياه تنتظر الشعوب. الرابط في الشجرة جحشه «4». ~~وفي القضيب «5» ابن أتانه «6» تحمر من الخمر عيناه، وأشد بياضا من اللبن ~~أسنانه" «7». # وهذه صفات المسيح بلا شك «8»، ولم يذكر أنه يقتل ولا يصلب. فإن قيل: ثبت ~~قتله بزيادة مقبولة من الأنبياء كما ذكر عن شعياء ودانيال والإنجيل. ~~PageV01P354 # قلنا: ورفع أبوي يوسف على العرش وايجار موسى نفسه ثماني سنين ثبتت «1» ~~بزيادة مقبولة «2» / على لسان محمد في القرآن. وهي زيادة مقبولة «3». # فإن قيل: لكن زيادة قتل المسيح ثبتت على لسان من اتفقنا على نبوته وصدقه، ~~وزيادة رفع أبوي يوسف، وايجار موسى نفسه ثبتت على لسان من اختصصتم/ باعتقاد ~~نبوته، وخالفناكم نحن فيها، ولم نوافقكم عليها. # قلنا: هو كذلك لكن عدم موافقتكم على صدقه لا يقدح في نبوته وصدقه/ لأنكم ~~أنتم وافقتم اليهود على صدق موسى والتوراة، وخالفوكم في صدق المسيح ~~والإنجيل. ولم يكن ذلك قادحا في صدقهما، باتفاق منا ومنكم. # فإن كان عدم وفاقكم لنا على صدق محمد قادحا فيه، لزمكم أن يكون عدم وفاق ~~اليهود لكم على صدق المسيح قادحا فيه، والجواب مشترك «4». # وأما ما ذكر عن" السهروردي" من «5» قوله:" لو لم يصلب عيسى، لم يبق على ~~المحسوسات اعتماد" وهو من أكابر فلاسفة الإسلام. فليس صحيحا عن PageV01P355 # السهروردي. وإنما حكى ذلك حكاية عن بعض من نازع في بعض أحكام التواتر. # من نظر ذلك في كتابه وجده، ولم يتفق لي حكاية لفظه «1». # وبتقدير صحته عنه. فالجواب عنه من وجوه: # أحدها: أن هذا الرجل المذكور رجل ms042 غلبت عليه الفلسفة، ثم انسلخ منها إلى ~~الزندقة «2»، حتى قتل في" حلب" «3» بسيف الشرع، فليس قوله حجة على الله ~~ورسوله، والقرآن وإجماع المسلمين. # وقوله:" كان من أكابر فلاسفة الإسلام" غلط. فإن الفلسفة «4» التي كان ~~يتعاناها «5» هذا وأصحابه ليست من الإسلام في شيء. وكيف يكون من الإسلام ما ~~يقدح فيه، ويقوض مبانيه؟ وإنما الإسلام انقياد واستسلام لأحكام العزيز ~~العلام PageV01P356 # وسنة محمد- عليه السلام- واتباع لا ابتداع. وإنما هؤلاء قوم زنادقة، ~~ينتمون إلى الإسلام لحفظ رياستهم ودمائهم والإسلام فسيح واسع/ يقبل «1» ~~منهم الظاهر، والله أولى بالسرائر فهم في الظاهر منه، وفي الباطن منسلخون ~~عنه. # الثاني: أن قول «2» " السهروردي" إن كان حجة علينا فليكن قول كل من أسلم ~~من النصارى، ثم عاد بالقدح على دين النصرانية حجة عليكم، وإنما تقوم الحجة ~~بقول المعتبرين منا، كالخلفاء الأربعة، والفقهاء السبعة «3». والأئمة ~~الأربعة أو من هو معتبر في الإجماع من أهل الحل والعقد كما لا تقوم حجتنا ~~عليكم إلا بمن تعتبرون قوله منكم. # الثالث: أن" السهروردي" لم يكن عالما بأصول الشرائع والنبوات على الوجه ~~المعتبر فيها، حتى يكون قوله حجة لها وعليها. إنما كان علمه فلسفة محضة ~~وعقليات صرفة وليس له تصنيف إلا في ذلك كاللمحات والألواح «4» والإشراق «5» ~~وغيرها. وهذه" التنقيحات" لا يعتمد/ عليها من المسلمين في أصول الفقه إلا ~~من هو على طريقه في الانحراف إلى الفلسفة، والخلو من علم النبوة وقد ~~PageV01P357 # رأيتها وهي كثيرة التشكيك، لا يكاد يبني شيئا إلا ويهدمه ولا ينصر قولا ~~إلا ويخذله وأنت أيها الخصم قد قدمت عند ذكرك ضرورة الخلق إلى النبوة ~~ومنفعتها: # إن العقل لا يستقل «1» بإدراك الأمور الإلهية بدون تأييد إلهي. # الرابع: قوله:" لو لم يصلب المسيح لم يبق على المحسوسات اعتماد" إن أراد ~~لم يبق عليها اعتماد مع عدم المعارض لها فلا نسلم أن ذلك لازم لعدم صلب ~~المسيح، وإن أراد مع وجود المعارض/ فهو صحيح، فإن مدارك العلم إما حس أو ~~عقل أو مركب منهما. وكلها قد تخلف مع وجود المعارض. أما الحس فكما في ~~التخييلات/ السحرية ms043 والشعبذية وكعدم «2» إدراك الصوت للصمم «3» والريح ~~للخشم «4» والطعم للمرة، واللمس لفساد في آلته، أو لعلة في محله، وأما ~~العقل فكما يعرض للإنسان عند غلبة السوداء «5» أو الحزن أو الفرح المفرطين ~~أو السكر ونحوه من المغيبات كالنوم والإغماء فإنه يرى الحقائق منقلبة، ~~والأمور مضطربة، وأما المركب منهما فكخبر الواحد إذا كان في طريقه كذاب. ~~وكالتواتر إذا فقد فيه شرط. PageV01P358 # وأما البرهان على أن المسيح لم يصلب ولم يقتل فهو: أن قتله إن لم يكن ~~[أشهر] «1» من ولادته من غير ذكر، فهو مثله في الشهرة، ولا بد. ثم إن ~~ولادته من غير ذلك لما كان له وجود، تواتر تواترا لم يختلف فيه اثنان «2» ~~منا ومنكم فلما اختلفنا في قتله، دل على أنه لم يبلغ تلك المرتبة من ~~التواتر فلم يثبت بمجرد الدعاوى أو الحجج الضعيفة «3» وإنما كان الأمر في ~~ذلك مشتبها «4» كما نص عليه القرآن فاشتبه عليكم. # يؤكد «5» ذلك: أن المسيح طبق ذكره الآفاق، لما ظهر على يده من الخوارق ~~وقتل مثل هذا لا يقبل مثل هذا النزاع لما يجب له في مطرد العادات من الشهرة ~~والغلبة، وإذا كان يحيى وزكريا دونه في الشهرة بكثير، ثم لم يختلف في ~~قتلهما. # فما الظن بالمسيح الذي أجمعنا على أنه أفضل أنبياء بني إسرائيل «6» وأنتم ~~تدعونه إلها؟ «7». PageV01P359 ### | [أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك] # قال:" وفي سورة الكهف عند ذكر ذي القرنين «1». قال: حتى إذا بلغ مغرب ~~الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ... (86) «2» قال ابن عطية: على وزن ~~PageV01P360 # فعلة أي ذات حمأة، وقرأ أبو بكر عاصم «1» والباقون: في عين حامية وذكر ~~حديث/ أبي ذر «2» نصا في ذلك. قال:" فدل على أن العين هناك حارة" «3» /. # قال:" وفي سورة يس مثل هذا حيث يقول: والشمس تجري لمستقر لها ... «4» ~~الآية. وذكر حديث البخاري عن أبي ذر حيث قال له النبي- صلى PageV01P361 # الله عليه وسلم «1» -[حين غربت الشمس] «2» أتدري أين تذهب هذه؟ قلت: # الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن ~~لها، ويوشك أن ms044 تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها» «3». # قال:" وهذا كله بين البطلان لكل من له أدنى معرفة «4» في الهيئة لأن ~~الشمس تدور أبدا في فلكها، وهو الفلك الرابع، ولا تغرب في عين حامية ولا ~~تجري لمستقر لها «5»، لأنها ليس لها قرار". # قلت: الجواب عن هذا السؤال: PageV01P362 # أما القراءتان:" حمئة"، من الحماة و" حامية" من الحرارة فهما قراءتان ~~صحيحتان «1»، والأولى «2» قراءة نافع «3» وابن كثير «4» وأبي عمرو «5»، ~~والثانية PageV01P363 # قراءة الباقين «1». والخبط في نقل «2» مذهب القراء فيها لا أدري هل هو من ~~هذا الخصم أو من غيره" وقد روى ابن عباس «3» عن أبي بن كعب «4»: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ: في عين حمئة رواه أبو داود «5» والترمذي «6». ~~وقال: حديث غريب. PageV01P364 # قال والصحيح: أنها قراءة ابن عباس لأنه اختلف هو وعمرو بن العاص «1» فيها ~~وترافعا إلى كعب الأحبار «2»، ولو كان عنده فيها رواية لاكتفى بها. # ووجه الجمع بين القراءتين: أن تلك العين حارة، وهي ذات حماة، فإن اجتماع ~~الأمرين جائز غير ممتنع. وأما حديث أبي ذر فلفظه على ما رواه الترمذي وغيره ~~قال:" دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبي- صلى الله عليه وسلم- «3» جالس. ~~فقال [النبي- صلى الله عليه وسلم- «4»] «أتدري يا أبا ذر PageV01P365 # أين تذهب هذه؟ " قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال/: فإنها تذهب فتستأذن في ~~السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها" ~~قال: ثم قرأ (ذلك مستقر لها) «1» قال: وذلك قراءة عبد الله «2»، قال ~~الترمذي: هو حسن صحيح «3». وأخرجاه في الصحيحين، ورواه أبو داود والنسائي ~~«4». # ووصف الشمس بالسجود وخطا بها من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل ~~بدركها، فيجب تلقيها عن أصحاب الشرائع بالقبول، كما سبق تقريره في المقدمة ~~الثانية في صدر الكتاب. PageV01P366 # وأما معنى غروبها في عين حامية، [ففيه تأويلات: # أحدها: أنها تغرب فيها في رأي العين «1»، لا الحقيقة كما يرى كأنها تغرب ~~في البحر أو من وراء الجبل،/ بل من وراء جدار صغير، بحسب اختلاف مناظرها ~~وأوضاع الناظرين إليها. # الثاني: أن" في" بمعنى على: ms045 أي تغرب على عين حامية،] «2» أي تكون مقابلة ~~لها، وحروف الصفات يقع بعضها موقع بعض كما قال تعالى: ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل ... «3» أي عليها «4»، وقال عنترة «5»: # بطل كأن ثيابه في سرحة ### | ......... # «6» # أي عليها. # وعلى بمعنى" في"، كقول «7» أبي كبير الهذلي «8» PageV01P367 # ولقد سريت على الظلام بمغشم ### | ......... # «1» # أي في الظلام. # الثالث: أنها بمعنى عند «2». أي تغرب عند عين حامية. وقد ترد بمعنى عند، ~~ومع في العربية. فكلام يحتمل هذه «3» التأويلات السابقة في اللغة التي ورد ~~بها، لا ينبغي أن يتهجم على القدح فيه. # وقد نقل بعض المفسرين عن كعب أنه قال:" في التوراة إنها تغرب في ماء ~~وطين" «4». # وأصحاب الهيئة يعترضون على هذا بناء على ما قرروه من أن الشمس مثل كرة ~~الأرض مائة وإحدى «5» وستين مرة ونصف/ وربع «6» فكيف تسعها عين من عيون ~~الأرض؟ والجواب بما سبق. وأما قوله:" إن هذا كله بين البطلان، لمن له أدنى ~~معرفة بالهيئة" فجوابه: أن علم الهيئة مبني على مقدمتين: PageV01P368 # إحداهما: أن حركة «1» الأفلاك متصلة متشابهة يستحيل أن يعرض لها البطء أو ~~السرعة «2» أو الرجوع أو الانقطاع «3». # والثانية: اعتبار الرصد «4». # وقد قدح المحققون فيهما بما لا يسع هذا المكان ذكره «5». ومنه: أن حاصل ~~الرصد: الاعتماد على أبصار الآحاد، [والبصر لا يفيد اليقين لكثرة ما يعرض ~~للبصر من الغلط، خصوصا مع البعد المفرط، وخبر الآحاد] «6» إنما يفيد ظنا ~~PageV01P369 # ضعيفا «1»، ودعوى أهل الهيئة: أن علمهم ثابت بالبراهين الهندسية كذب وزور ~~وبهتان. إذ لو كان كذلك لما وقع الخلاف العظيم بينهم في تفاصيل علمهم ~~وجمله. # وإذا اتجه القدح في مقدمات الهيئة لم يبق بها وثوق، وصار خبر الشرع أوثق ~~منها، على ما قدمت أنت أيها الخصم في بيان ضرورة النبوة من كلام" أرسطو" ~~وغيره. # ثم نقول: إن علم الهيئة على تقدير صحته وثبوته لا ينفي ما فسرناه به ~~كيفية غروب الشمس في العين الحامية. # وأما قوله:" إن الشمس تدور أبدا في فلكها،/ وهو الرابع، ولا تجري لمستقر ~~لها" لأنه ليس لها قرار. # فجوابه من وجهين: # أحدهما: أن يقال ms046 له: أنت إما أن تكون فيلسوفا محضا، أو مشرعا تقول ~~PageV01P370 # بصحة الشرائع، وما جاءت به النبوات./ فإن كنت فيلسوفا ورد عليك كثير مما ~~تقول به من أحكام التوراة والإنجيل مما تعتقد الفلاسفة فسادها. # منها: دعواك في المسيح/ أن لاهوت الله اتحد بنا سوته فصارا حقيقة واحدة، ~~أو أن الله- سبحانه- واحد بالذات، متعدد بالأقانيم «1» التي هي الله «2» ~~والابن وروح القدس «3». وإن كنت مشرعا فيلزمك تجويز أن الشمس يمكن أنها ~~تستقر وتقف، فإنه قد ثبت باتفاقنا: أن يوشع بن نون وقفت له الشمس عن سيرها ~~ليلة السبت، حتى فرغ من قتال الجبارين. وقد ذكرته أنت في كتابك هذا عند ~~بيان وجود النبوة «4». # وثبت أيضا في الأصحاح الثامن عشر «5» من مصحف أشعياء أن الله سبحانه ~~PageV01P371 # رد الشمس إلى خلفها عشر درجات علامة لحزقيا «1» ملك بني إسرائيل على أنه ~~ينفس له في عمره خمس عشرة سنة بعد أن حضره الموت والقصة «2» مشهورة «3». # ومثل هذا لا يصح في علم الهيئة بناء على المقدمة المذكورة، وأن حركة ~~الأفلاك متصلة. ويقال: إن من حين وقوف الشمس لهذين النبيين «4» تخبط حساب ~~المنجمين، واختلط رأيهم فالله أعلم. # وأما أنك تكون تارة فيلسوفا وتارة مشرعا. فهذا مما لا يمكن لأن الفلسفة ~~والتشريع لا يجتمعان. وقد حاول قوم منهم أبو الوليد بن رشد الجمع بينهما ~~فلم يحصل إلا على الحيرة «5»، وظهر أمره فكاد أهل المغرب يقتلونه وأحسبه ~~مات في حبس الشرع «6»، وأنا أحسبك أيها الخصم حائرا مترددا، لا نصرانيا ولا ~~مسلما PageV01P372 # ولا فيلسوفا. # الوجه الثاني: أن قوله" لمستقر لها" له أربع «1» محامل صحيحة: # أحدها: أن" اللام" بمعنى في: أي تجري في مستقر لها «2»، وهو فلكها تجري ~~فيه ما بين/ طرفي مشارقها ومغاربها من ناحية الشمال والجنوب لا تجاوز ذلك. # الثاني: أن تكون بمعنى إلى أي تجري إلى مستقر لها «3»، وهو حين تستقر ~~بزوال «4» حركتها عند قبض الله السموات والأرض وتكوير الشمس والقمر. # وانكدار النجوم عند خراب العالم على ما جاء به شرع الإسلام وأخبر به ~~النبي الصادق- عليه السلام- وأشار إليه المسيح في الإنجيل ms047 حيث يقول:" إذا ~~جاء ابن الإنسان في مجده علا الغمام «5» والملائكة حوله هنالك من عرفني ~~اليوم عرفته ومن أنكرني أنكرته" «6». معنى هذا الكلام. PageV01P373 # ويكون هذا معنى قوله- سبحانه وتعالى/- وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى ... «1». # الثالث: أن بعض أئمة السلف قرأ هذه الآية: والشمس تجري لمستقر لها أي: لا ~~تقف ولا تفتر «2»، وهو معنى قوله تعالى: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ... ~~(33) «3» أي لا يفتران من الدأب «4»، وهو السعي الشديد وتكون هذه القراءة ~~مفسرة للمراد من الأخرى. # وكل هذا محتمل لا يقدح بمثله في فروع شريعة فضلا عن أصولها. # الرابع: أن يكون مستقرها موضع سجودها. كما جاء في الحديث وقد بينا جواز ~~وقوفها عن السير، بقصة يوشع وحزقيا «5». وأن هذا مما يجب أن يتسلم عن ~~النبوات ويتلقى بالقبول،/ ولا يقابل بشبه العقول القاصرة عن إدراك الحقائق ~~الإلهية. والله أعلم. PageV01P374 ### | [البشارة بمحمد- صلى الله عليه وسلم- في التوراة والإنجيل] # قال:" وفي سورة الصف قال: وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل .. - # إلى قوله- .. ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد .. «1». # وفي سورة الأعراف قال: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه «2» ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ... «3». # قال: ولا أمارة لشيء من هذا لا «4» في التوراة ولا في الإنجيل فضلا عن ~~التصريح فيهما قال: ولعل قائلا يقول: نزع اسمه منها. # فالجواب: أن هذا من الأعذار الباطلة المضحكة لأن ظهور محمد إما أن يكون ~~بخير أو شر، وعلى كلي التقديرين لا فائدة في نزع اسمه من الكتب بل يجب ~~ابقاؤه ليعرف فيتابع إن جاء بخير أو يجتنب إن جاء بشر كما في الدجال ~~والشيطان. # هذا حاصل ما ذكره في هذا السؤال. # والجواب: أما ذكره صريحا في التوراة والإنجيل وتبشير المسيح به فقد ثبت ~~PageV01P375 # عندنا بالقرآن المعصوم المتواتر، ونقل علماء المسلمين كوهب بن منبه ~~وغيره: أن الحواريين «1» قالوا للمسيح وهو يودعهم ويوصيهم يا روح الله هل ~~لله نبي بعدك يفوقك؟ قال: نعم النبي العربي قالوا: يا روح الله ومن أين هو؟ ~~قال: يبعث من أرض تهامة «2» فقالوا: من ms048 هو؟ قال: من قريش يمسك بأصل الحكمة ~~ويعطى فروعها. أمته حكماء علماء كأنهم الأنبياء أقرؤه مني السلام" «3». # قلت: ويدل على صحة هذا القول أعني: قوله يمسك بأصل الحكمة ويعطى فروعها. ~~أنك لا تكاد تجد في الإنجيل حكمة عن المسيح إلا وعن محمد صلى الله عليه ~~وسلم معناها أو أحسن منها، بأوجز من عبارتها، وأخصر/ من لفظها وقد ذكرت من ~~PageV01P376 # ذلك أمثلة كثيرة في" الفوائد" «1» وأيضا ما تواتر من أن الأحبار «2» ~~والرهبان «3» والكهان «4» أخبروا بمحمد- عليه السلام- قبل مبعثه وعرفوه لما ~~ظهر بصفته كبحيرا «5» الراهب «6» وغيره، فآمن به من سبقت له السعادة وكفر ~~من سبقت عليه الشقاوة. PageV01P377 # أما قوله:" لا أمارة لنبي من ذلك في الكتابين" فهو:/ إما عناد منه، أو ~~لعدم اطلاعه على ما فيهما، وعدم تنبهه على إشاراتهما وفهمهما، فإن في ~~التوراة من ذلك مواضع: # منها: أن إبراهيم لما فارقه لوط قال الله لإبراهيم: ارفع عينيك وانظر ~~المكان الذي أنت فيه إلى الشمال والجنوب والمشرق والمغرب فإن جميع الأرض ~~التي ترى كلها لك أعطها «1» ولنسلك إلى أبد الأبد" «2» فنظرنا فرأينا ملك ~~بني إسرائيل ارتفع عن أرض كنعان وما حولها وصار إلى العرب. وهو يدل على صحة ~~النبوة فيهم ولا نبي فيهم إلا محمد- عليه السلام-. # ومنها:" لما هربت هاجر «3» من PageV01P378 # سارة «1» تلقاها ملك الرب فقال ارجعي إلى مولاتك فكوني تحت يدها يكثر ~~الله نسلك، وستلدين غلاما اسمه إسماعيل لأن الله سمع تعبدك ويبارك فيه يده ~~على الكل ويد الكل به، وعلى خد جميع إخوته «2» ينزل «3» ". # ومن المعلوم أن إسماعيل لم يستعل على بني إبراهيم هذا الاستعلاء ولا أحد ~~من ولده إلا محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر. فدل على أنه هو المشار إليه ~~من هذا الكلام. # ومنها: قول الله سبحانه «4» لإبراهيم: إن زوجتك سارة تلد لك غلاما ويدعى ~~اسمه إسحاق وأقيم معه ميثاقا/ إلى الأبد ويخلفه «5» من بعده. وعلى ~~PageV01P379 # إسماعيل فقد سمعتك وباركت عليه وكثرته كثيرا جدا ويولد له اثنا عشر شريفا ~~«1» وأجعله لشعب عظيم" «2». # قلت: فهذا الشعب العظيم هم «3» العرب، ms049 فوجب أن يكون فيهم رسول كسائر ~~الشعوب لما سبق من أن عناية الله بخلقه تقتضي ذلك. # وبالجملة: الأمارات «4» الظاهرة في التوراة وغيرها من كتب الأوائل على ~~نبوته كثيرة، ذكر الماوردي وغيره «5» منها جملة في/ دلائل «6» النبوة «7» ~~والذي ذكرته أنا نقلته من نفس التوراة «8». # وأما في الإنجيل. فحيث يقول في/ بشارة يوحنا: # " والفارقليط روح القدس، الذي يرسله أبي باسمي، وهو يعلمكم كل شيء وهو ~~يذكركم كلما ما قلت لكم" «9» وحيث يقول:" إنه خير لكم أني انطلق لأني ~~PageV01P380 # إن لم أذهب لم يأتكم البرقليط «1»، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، وإذا جاء ~~ذلك، فهو يوبخ العالم على الخطية وعلى الحكم. أما على الخطية فلأنهم لم ~~يؤمنوا بي ... وأما على الحكم فلأن [أركون] «2» هذا العالم يدان" «3» ثم ~~قال:" إذا جاء روح الحق ذلك فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من ~~عنده بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما يأتي وهو يمجدني لأنه يأخذ مما هو ~~في ويخبركم «4». # قلت: وإذا تأملنا هذه الإشارات «5» وجدناها مطابقة لصفات محمد- صلى الله ~~عليه وسلم- «6» " لأنه لم يأت بعد المسيح من ادعى النبوة ومجد عيسى وبالغ ~~في تمجيده، وصدقه في نبوته، ووبخ العالم على خطية الكفر وقتل اليهود وغيرهم ~~على تكذيب المسيح وعبادة الأوثان وأخبر بأن الناس يدانون يوم القيامة ~~ويحاسبون، وعلم الناس محاسن «7» الآداب، ومكارم الأخلاق وظهر ناموسه «8» ~~PageV01P381 # واشتهر في البدو والحضر كظهور نواميس الأنبياء قبله إلا محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وإن لم يكن محمد هو الذي أشار إليه «1» لزم القدح في صدق وعده ~~بالبارقليط، لأن من المحال عادة أن عاد أحد يظهر بما ظهر به محمد ويتم له" ~~«2». # فإن قيل: قد ذكر" الفارقليط" في الإنجيل بصفات غير هذه مما لا يطابق صفات ~~محمد فيحمل ما ذكرتموه عليه. # قلنا: مع المسامحة نقول لكم/ كل ما في الإنجيل حق عندكم فيجب اعتباره ما ~~أمكن، وحيث ذكر" الفارقليط" تارة بما يوافق صفات محمد، وتارة بما يخالفها ~~فاجعلوه من باب اللفظ المشترك. فالفارقليط الذي ذكرناه- محمد «3» عليه ~~السلام- والذي ذكرتموه اجعلوه من شئتم ms050 ويحصل لنا المقصود وقد بينت وجه ~~دلالة هذا الفصل على المطلوب، وما عليه من سؤال وجواب في التعليق على ~~الإنجيل، فاكتفيت به هناك عن تكراره هاهنا «4». والله أعلم. # وأما قوله:" لعل قائلا يقول: نزع اسمه منهما". # فهكذا نقول. # وأما جوابه عن ذلك بأن ظهور محمد: إما أن يكون بخير أو شر، وعلى ~~التقديرين يجب ابقاؤه ولا فائدة في نزعه". PageV01P382 # فجوابه:/ أن هذا إنما يصح أن يحتج به من علم منه العدل والإنصاف وطلب ~~الحق وكمال العقل. واليهود والنصارى ليسوا كذلك حتى يصح احتجاجهم بهذا. # أما اليهود فإنهم تعدوا على أنبيائهم وبغوا عليهم وقتلوهم وكفروا «1» ~~بالمسيح مع ظهور صدقه والخوارق على يده لكل غافل منصف. فكفرهم بمحمد ككفرهم ~~بالمسيح، وإنكارهم «2» لاسمه وصفته/ كانكارهم لصفة المسيح المذكورة في ~~التوراة في كلام إسرائيل لما جمع بنيه، وأخبرهم بما يكون منهم على ما سبق ~~بيانه آنفا في الجواب عن صلب المسيح، ولكن اليهود علموا من صفة محمد أنه ~~يظهر بقوة وشوكة، لا يقدرون معها على قتله وصلبه- كما زعمتم وإياهم أنهم ~~فعلوا بالمسيح- فغيروا اسمه وصفته في التوراة لئلا «3» يتحقق عنادهم بقيام/ ~~الحجة عليهم من كتابهم، ورأوا أن العناد بشبهة أولى منه بلا شبهة. # وأما النصارى فلأن الإنجيل الذي صرح فيه بذكر محمد ليس هذا الذي بأيديهم ~~بل هو كتاب نزل على المسيح من السماء كتوراة موسى وقرآن محمد ولكنه عدم فلم ~~يظهر. # وأما الأناجيل التي بأيديهم فهي سيرة المسيح وحكاية ما جرى له وفيها شيء ~~PageV01P383 # من حكمه ومواعظه، فهو بمثابة ما نقل عن الأنبياء من كلام أنفسهم، ~~كالأخبار المروية عن محمد- عليه السلام- وغيره من الأنبياء «1». وكذلك ~~التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، على أنا قد بينا أن في فصل البارقليط من ~~بشارة يوحنا ما يكفي في الإشارة إلى ذكر محمد بصفته. # وأيضا فإن المسيح كان من آيات الله سبحانه، أظل «2» بها من شاء من خلقه، ~~فعصمهم الله به مدة مقامه بين أظهرهم، فلما رفع عنهم ووقع في دينهم الدخل ~~والتلبيس من شياطين الجن والإنس، كما بينته في" ms051 الفوائد، والتعليق على ~~الإنجيل" «3» وذكره هنا يطول. # وأيضا: انضم إلى ذلك في حق الطائفتين أن محمدا جاءهم بترك المألوف من ~~دينهم وذلك شديد على النفوس لا يثبت له إلا كاملو العدل والعقل وقد بينا ~~عدم العدل في اليهود، وعدم العقل في النصارى حيث اعتقدوا أن الله خالق ~~السموات والأرض خرج من بطن مريم ثم أسلم نفسه للقتل والصلب ليستنقذ الخطاة ~~من بني آدم، وقد كان قادرا على استنقاذهم بدون هذا التعب، وعقول تخيل ~~لأهلها اختراع مثل هذا جديرة بأن تخيل/ لهم الاستمرار عليه حتى يحرفوا ~~لأجله أسماء الأنبياء وينازعوا في الحق ويعاندوه. PageV01P384 # وحاصل ما نقوله في جوابه: أن محمدا كان ظهوره بخير عظيم وبركة عميمة ~~ولكنهم/ غيروه حسدا له، واستبقاء للرئاسة فيهم، وغيره عليها أن تخرج منهم ~~وينالها غيرهم. # وإذا كان إخوة يوسف هموا بقتل أخيهم يوسف ثم لما رفقوا به باعوه على ~~الكفار ورموه في رق العبودية حتى لقي من مرارة التهم والسجن ما لقي حسدا له ~~على ما ظنوه من تأويل رؤيا يجوز أن تقع وأن لا تقع مع كونهم من صلب نبي ~~معصوم، وهم معاشرون له صباح مساء، فما الظن باليهود والنصارى والبغاة ~~الجهال، وقد مضى منهم الزبد، وبقي منهم الغثاء والزبد وسفلة العالم وسقطهم ~~فيما علموه بالوحي الإلهي. # وأيضا إذا كانت" سارة" المرأة الصالحة المحفوظة بمعاشرة النبي المعصوم" ~~إبراهيم"- صلوات الله عليه- قالت له: اخرج بابن «1» الأمة- تعني إسماعيل ~~ابن هاجر- عني كي لا يرث مع ابني «2» إسحاق، كما نص عليه في التوراة؛ غيرة ~~منها أن يشارك ابنها في رئاسة أبيه، فما الظن باليهود والنصارى/ على ما عرف ~~منهم؟ «3». # وأما قوله:" لم لم تنزع أسماء الأنبياء الذين كان يخبر بعضهم ببعض سابقهم ~~بلا حقهم كيحيى بن زكريا، ولم ينزع اسم الشيطان والدجال"؟ PageV01P385 # فالجواب: أن الفرق بين أولئك الأنبياء ومحمد- عليهم السلام- من وجهين: # أحدهما: أن موسى لم يأت بعده نبي إلا بتقرير أمر التوراة ومتابعتها ~~فكانوا في المعنى نواب موسى وخلفاؤه/، كالتلاميذ الاثنى عشر لعيسى. # ومحمد- عليه السلام- جاء بنسخ الشرائع كلها وأحكام التوراة ms052 والإنجيل ~~وغيرهما، واستئناف شريعة مبتدأة من عند الله. ولهذا لما جاء المسيح بإبطال ~~السبت وأشياء مما تخالف حكم التوراة تعصبوا عليه وقتلوه،- كما زعمتم ~~وإياهم- «1». # الوجه الثاني: أنهم كانوا يعلمون أن أولئك الأنبياء ضعفى لا شوكة لهم فلم ~~تكن لهم حاجة إلى نزع أسمائهم، بل إن رأوا منهم ما يوافقهم وإلا قتلوهم كما ~~فعلوا بيحيى وزكريا والمسيح «2» وغيرهم من الأنبياء. # ومحمد- عليه السلام- علموا أنهم لا يقدرون عليه كما قدروا على غيره «3» ~~فنزعوا اسمه ليصير شبهة لهم في خلافه- كما سبق-. PageV01P386 ### | [أصل خلق الإنسان واعتراض النصراني على الآيات المخبرة بذلك] # قال:" وفي سورة النور «1»: والله خلق كل دابة من ماء وفي سورة الفرقان ~~«2»: # وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ... (54) / وفي سورة الروم ~~«3»: # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) وفي سورة فاطر ~~«4»: # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ... (11) وفي سورة الأنبياء «5»: وجعلنا ~~من الماء كل شيء حي ... (30) وهذا بين التناقض، والكذب لازم في إحدى ~~القضيتين وخلاف هذا في التوراة، حيث يقال: إن الدواب خلقت من التراب ~~والإنسان من الماء، وخلاف ذلك أيضا في الوجود، إذ بعض الأشياء مخلوقة من ~~الأرض وبعضها من الماء. # قلت: الجواب: أنه لا تناقض في هذا ولا كذب- بحمد الله- عند من عرف وتبين ~~ذلك ببيان معنى كل آية على انفرداها، ثم بيان الجمع بين الجميع. ~~PageV01P387 # أما قوله: والله خلق كل دابة من ماء «1» فنقول: الدابة في وضع اللغة كل ~~ما دب ودرج. وفي عرف الاستعمال اللغوي: مختص بذوات الأربع كالفرس ونحوه، ~~فإن حمل لفظ الدابة على هذا المعنى العرفي فلا إشكال في أنها من ماء، وهو ~~الماء الذي ينزله الذكر في الأنثى وتنزله هي عند الوقاع «2». # وإن حمل على الوضع اللغوي فالجواب من وجوه: # أحدها: أن" من" في قوله من ماء للسببية. بمعنى أن للماء مدخلا وتأثيرا ~~بحقيقته أو بما هو من طبيعته في وجود كل دابة «3». # وهذا صحيح. فإن كل دابة فهي حيوان، وكل حيوان لا بد فيه من رطوبة مائية ~~بها تتقوم ms053 حياته، فيدخل في ذلك العقارب والخنافس ونحوها من الحشرات التي ~~يقال إنها تتولد من التراب، لأنها وإن كانت متولدة من التراب إلا أنها لا ~~تستغني عن رطوبة، هي من طبيعة الماء تقوم حياتها. # الوجه الثاني: أن نقول في الدابة وضعا ما قلناه في الدابة عرفا، وهو أن ~~سائر أشخاصها مخلوقة من" ماء" الوقاع، لأن فيها ذكورا وإناثا قطعا، ولا ~~فائدة للصنفين المذكورين إلا التناسل المعتاد بين سائر أصناف الحيوان، وما ~~يقال: من أن بعض الدواب تخلف من التراب، فلا شك أنه قد قيل، ولكنا لم ~~نشاهده فلا نقلد فيه. ولا عليه دليل قاطع من جهة العقل/، فإن شاهدناه أجبنا ~~حينئذ بحسب ما ينبغي. PageV01P388 # والذي رأيته في هذا: ما ذكر في تواريخ الأولين: أن الملك" سنحاريب" «1» ~~رأى في منامه أن عقربا صعدت سريره فلدغته، فوقع عنه. # فاستدعى بعض المعبرين فسأله عن رؤياه، فقال له: إنها تدل على أنه يغلب ~~على ملكك/ رجل لا أصل له، لأن/ العقرب لا أصل لها، وإنما تخلق من التراب، ~~فكان تأويله أن غلب فرعون على سنحاريب فأخذ ملكه، ولم يكن لفرعون أصل في ~~الملك وإنما كان أبوه راعي غنم. هكذا قيل. لكن في هذا مناقشات كثيرة لا ~~يعتمد عليها معها. # الوجه الثالث: إن ثبت أن بعض الدواب مخلوق من غير الماء كان قوله تعالى: ~~خلق كل دابة من ماء «2» عاما مخصوصا بذلك أي أنه أطلق العام وأراد الخاص، ~~وهو كثير كقوله: الله خالق كل شيء ... (62) «3» وخص بالعقل: # ذاته وصفاته تعالى. # وقوله: تدمر كل شيء «4» - يعني الريح العقيم- وخص بالعقل السموات والأرض ~~وغيرهما مما لم تدمره. وقوله: وأوتيت من كل شيء .. (23) «5» # - يعني بلقيس- وخص بالعقل: ما لم تؤته من ملك سليمان وغيره. PageV01P389 # والتخصيص لازم فيما حكاه الخصم من قوله في التوراة: إن الدواب خلقت من ~~التراب، لأنا نقول: # أي الدواب تريد؟ إن أردت مجموع جنسها أولا وآخرا في جميع أزمنة الوجود ~~فهذا يكذبه العيان، لأنا نشاهد الدواب تتكون من ماء الذكر والأنثى. # وإن أردت أنواع جنس الدواب الأول التي ms054 هي لأنواعها كآدم لنوع «1» البشر، ~~وهو المراد لآن هذا الكلام في سفر الخليفة «2»، وهو إنما يذكر فيه أوائل ~~الموجودات. # وحينئذ يلزم التخصيص إن أريد باللام في" الدواب" الاستغراق. # وإن أريد العهد- يعني أوائل أنواع الدواب- لم يكن فيه حجة على مناقضة ~~القرآن إذ يصير تقديره: بعض جنس الدواب من التراب. # والقرآن تضمن أن كل دابة خلقت من" ماء" فيخص أحد الكتابين الآخر، إن ~~سلمنا صحة التوراة، وإلا لم/ يلزمنا ما فيها، بناء على ما سبق. # وأما قوله: خلق من الماء بشرا .. «3» فإن حملنا لفظ (الدابة) على المعنى ~~الوضعي دخل فيه البشر، واتفقت الآيتان. وإن حملناه على العرفي لم يتناول ~~البشر، وكان في هذه الآية مفردا بالذكر على وفق ما ذكر في الدابة من الخلق ~~من الماء، والمراد أنه خلق الإنسان من الماء يعني" مني" الزوجين وهو مشاهد. ~~PageV01P390 # وأما قوله: وجعلنا من الماء كل شيء حي ... (30) «1» فجوابه من وجهين: # أحدهما: أن" من" فيه للسببية والتقرير ما سبق في الوجه الأول من جواب ~~قوله" خلق كل دابة من ماء". # وأيضا: فإن حياة كل حي إما كاملة كحياة الإنسان وغيره من الحيوانات، أو ~~قاصرة كحياة الزرع والنبات،/ وكل ذلك لا بد في تحقق حياته من/ الماء على ما ~~هو مشاهد. # الثاني: أن كل حي مخلوق من ماء الوقاع كما سبق في الوجه الثاني من جواب ~~الآية المذكورة. # ويمكن أن يحمل على إرادة الخاص بالعام كما سبق في الوجه الثالث هناك على ~~تقدير أن يثبت من الأحياء ما ليس من الماء. # وأما قوله: خلقكم من تراب ... «2» فالمراد خلق أباكم- يعني آدم- من تراب ~~بناء على ما قص «3» الله علينا في كتابه، وأجمع عليه المسلمون من أن آدم ~~خلق من تراب، وإنما خاطبنا بذلك لأنا نسل آدم وولده، وحيث كنا كامنين فيه ~~بالقوة كان خلقه من تراب كخلقنا من تراب وإذ تقرر الكلام على الآيات مفردة ~~ظهر وجه الجمع بينها وأن لا تناقض فيها. PageV01P391 # فقوله في سورة الروم وفاطر: خلقكم من تراب ... يعني أصلكم وأباكم آدم، ~~وقوله في الفرقان: ms055 .. خلق من الماء .. يعني المني من الذكر والأنثى ... ~~بشرا فجعله نسبا وصهرا ... (54) «1» وهو لا ينافي الخلق من تراب، لأن ~~المخلوق من الماء غير المخلوق من التراب- على ما بيناه- ويدل عليه ما في ~~سياق آية فاطر حيث يقول: والله خلقكم من تراب ثم من نطفة .. «2». # أي خلق أباكم آدم من تراب ثم خلقكم منه ومن غيره من ذريته من نطفة «3». # وكذلك قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان .. يعني آدم .. من سلالة من طين ~~(12) «4» أو يكون المراد بالإنسان ذريته خلقوا من سلالة وهي المني المستل ~~من الأصلاب لكن أصل تلك السلالة من طين باعتبار آدم ثم جعلناه يعني الإنسان ~~غير آدم" نطفة" وهو المني ... في قرار مكين (13) وهو الرحم ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما .. ~~(14) «5» الآية. PageV01P392 ### | [قصة الغرانيق، وتعرض الشياطين للأنبياء] # وقوله: خلق كل دابة من ماء «1» وجعلنا من الماء كل شيء حي ... (30) «2» ~~قد سبق وجه المراد منهما. فحصل من ذلك: أنه لا تناقض في هذه الآيات ولا ~~كذب. # وأما قوله:" هذا تناقض والكذب لازم في إحدى القضيتين" فهذا قول من لا ~~يعلم ما التناقض؟ ولا ما الكذب؟ فإن التناقض هو تقابل القضيتين بالسلب ~~والإيجاب مع اتفاقهما في الجزء والكل والقوة والفعل والشرط والزمان والمكان ~~والإضافة، ومتى اختل شيء من ذلك أمكن الجمع ولم يلزم التناقض، وأين اتفاق ~~هذه الآيات كلها في هذه الأمور. والله أعلم. # قال:" وفي سورة الحج «3»: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته والله عليم حكيم (52). # وذكر ما/ حكاه ابن عطية وغيره «4» في التفسير من أن النبي- عليه السلام- ~~PageV01P393 # كان يتمنى أن يتبعه قومه ويؤثر هدايتهم، فلكثرة تمنيه ذلك ألقى الشيطان ~~على لسانه في تلاوة سورة النجم حين قال:" ومناة الثالثة الأخرى: تلك ~~الغرانيق العلى إن شفاعتهم لترتجى" ففرح المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا ~~بخير ms056 فلانوا له وكفوا عن أذاه وأذى أصحابه، فاتصل بمهاجرة الحبشة/- الهجرة ~~الأولى- إن قريشا أسلمت، فجاءوا فوجدوا ما ألقاه الشيطان قد نسخ وعادت قريش ~~إلى غلظها وشقاقها، فعاد الذين جاءوا من الحبشة إليها. وذلك سبب الهجرة ~~الثانية. # ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن ما كان قاله من مدح الأصنام من ~~إلقاء الشيطان اغتم لذلك فأنزل الله- سبحانه- تسلية له: وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ... (52) «1» الآية. # قال: فتضمنت هذه القصة باطلين: # أحدهما: الافتراء على الرسل في وصفهم بهذه المثلبة «2» من أن الشيطان ~~تلبس عليهم في وحي الله- سبحانه- بما يقع به الغواية والإضلال للناس وحاشا ~~الأنبياء من أن يكون للشيطان عليهم سلطان، خصوصا في تخليط الوحي عليهم. # والثاني: إخباره بأن للأصنام شفاعة، ومدحها بذلك ثم ذكر حديثا زعم أن ~~البخاري ذكره في باب العيدين ولم أجده فيه- فلعله قلد في نقله غيره، لكن ~~PageV01P394 # الحديث صحيح في الشريعة. عن أبي هريرة «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الشيطان عرض لي في الصلاة ليقطعها علي، فأمكنني/ الله منه، ولقد ~~هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه». فذكرت قول سليمان: رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ... (35) «2» قال:" فمن له هذا ~~السلطان على الشيطان، كيف يتسلط عليه الشيطان فيعبث به هذا العبث، ويخلط ~~عليه الوحي؟ " قال:" وقد تضمن هذا الحديث أن الشيطان متجسم. لقوله:" هممت ~~أن أربطه إلى سارية" وهذا باطل لأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة ~~كالملائكة والنفوس. # وهذا قول الأنبياء والفلاسفة". # هذا ما ذكره في هذا السؤال. PageV01P395 # والجواب عنه: أما قصة إلقاء الشيطان على لسانه. ما ذكر في سورة النجم فقد ~~استفاض نقلها بين الأمة، ورواها الثقات «1» ويدل على صحتها ما رواه ~~PageV01P396 # البخاري «1» والترمذي وصححه «2» عن عكرمة عن ابن عباس قال:" سجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سورة النجم فسجد معه المسلمون والمشركون والجن ~~والإنس". # قلت: فسجود المشركين كان السبب المذكور «3» / لأنهم ظنوا أنه قد وافقهم ~~بمدحه ms057 آلهتهم وصار الدين واحدا، أو أنهم سجدوا لآلهتهم إعظاما لما سمعوا من ~~مدحها. # وأما الجن فلعلهم جاءوا يستمعون القرآن كما حكى عنهم فيه. # ولا محذور في هذه القضية بوجه من الوجوه لأن الأنبياء في الحقيقة بشر ~~PageV01P397 # يجري عليهم الخطأ والنسيان ويتطرق عليهم الشيطان «1». # وقد اختلف العلماء «2» في أنهم معصومون من المعاصي مطلقا أو من الكبائر ~~فقط أو منها عمدا أو من الصغائر كذلك؟ وجوز بعض الناس عليهم الكفر بناء على ~~أن مطلق المعصية جائز عليهم/ وهو كفر في خلاف كبير «3»، لكن اتفقوا على ~~أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الوحي بحيث لا يلحقهم فيه خطأ، ~~PageV01P398 # وإن لحقهم فيه خطأ بسهو منهم أو تلبيس من شيطان إنسي أو جني نبهوا عليه، ~~ولم يقروا عليه، وهكذا جرى في هذه القصة وأخبر الله أنه يحكم آياته وينسخ ~~ما يلقي الشيطان «1». # وأما تشنيعه/ بقوله:" حاشى لله ومعاذ الله أن يتسلط الشيطان على الأنبياء ~~بمثل هذا" فلعمري أن هذا ليس غيرة منه على الأنبياء ولا تعظيما لهم. فإن ~~اضطرابه في هذا الكتاب بين الفلسفة والشرع يدل على أنه محلول الرابطة ~~بالكلية أو مذبذب لا إلى هذا ولا إلى هذا. ولكن عنادا للإسلام كما قيل: # وما من حبه يحنو عليه ولكن بغض قوم آخرينا «2» # ولعمري إن منصب الأنبياء محفوظ، ولكن هذا أمر جائز عليهم عقلا وشرعا، ~~ولسنا نعطيهم ما ليس لهم ولا هم يرضون بذلك. PageV01P399 # ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ~~بن مريم» «1» يعني حيث اتخذوه إلها، ولكل أحد رتبة لا يتجاوزها فرفعه عنها ~~إفراط ووضعه عنها تفريط. # أما جواز ذلك عليهم عقلا فلأنه لا يلزم منه محال لذاته ولا لغيره. # وأما جوازه شرعا فثبت في شرعنا: أن إبليس سلط على آدم فأخرجه من الجنة ~~«2» وما ذكر في التوراة من أن الحية أغوته لا ينافي ذلك. لأن إبليس دخل في ~~فم الحية إلى الجنة فأغواه «3». # وورد في الآثار: أن موسى لما ذهب لمناجاة ربه على الجبل كان إبليس ms058 يدور ~~حوله، فقال/ له بعض ملائكة الرب: ويحك يا إبليس بم تطمع من موسى وهو في هذا ~~المقام؟ قال بما طمعت به من أبيه حين أخرجته من الجنة «4». PageV01P400 # وسلط على أيوب حتى أتلف جسده وماله امتحانا من الله له بالصبر «1» وسلط ~~بعض الشياطين على سليمان فأخذ خاتمه وألقاه في البحر بعد أن ألقى عليه شبه/ ~~سليمان فجلس على كرسيه أياما «2». وذلك تأويل قوله تعالى: ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) «3» وكان سليمان مسلطا على أصناف ~~العالم. # وبهذا يحصل الجواب عما ذكره في سياق حديث البخاري. # وقوله فيما سيأتي من كلامه:" هذا من الخرافات التي جاء بها القرآن" دعوى ~~مجردة، غاية مستنده فيها سكوت التوراة وكتب الأوائل عنها، وذلك في الحقيقة ~~استدلال على نفي العلم الوجودي بالجهل العدمي، وهو قلة معرفة بالمناظرة. ~~PageV01P401 # وقد صح عندكم في الإنجيل: أن المسيح لما اعتمد من يوحنا المعمداني سلط ~~عليه الشيطان امتحانا له. فقال له:" إن كنت محفوظا فألق نفسك من أعلى هذا ~~الهيكل. فقال له: مكتوب لا تمتحن ربك. وقال له: اسجد لي وأعطيك ممالك ~~العالم كلها- وكانت قد رفعت له- فقال له يسوع: مكتوب اعبد ربك وحده" «1». ~~معنى القصة هذا. # وإذا جاز أن يتعرض الشيطان للأنبياء ويسلمون منه فما المانع من «2» أن ~~يتعرض لهم، وينال «3» منهم. بل هذا ألزم عليكم. لأن المسيح عندكم هو الله ~~أو ابن الله، وقد عارضه الشيطان حتى لقي منه شدة على ما أشار إليه الإنجيل، ~~أو صرح به فالأنبياء لا يبعد أن ينال/ منهم ثم يتداركهم الله بعصمته. وقد ~~سحر نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بعض شياطين اليهود «4» حتى أثر ذلك في ~~أفعاله، ثم شفاه الله تعالى «5» من ذلك «6»، وأنزل عليه PageV01P402 # المعوذات «1». # وبالجملة. الأنبياء بشر، والبشر عرضة لهذه الآفات وغيرها. ثم يتدارك الله ~~بعصمته من شاء./ وإذا كان إلهكم المسيح سلط عليه شياطين اليهود، الذين ~~كيدهم دون كيد الشيطان الحقيقي بكثير فصلبوه وأهانوه ودفن ثم بعث ثلاثة ~~أيام- على زعمكم- فكيف لا يتطرق على الأنبياء- الذين هم دون رتبة ms059 الإلهية ~~بكثير- شيطان الجن الذي هو أقوى كيدا من شياطين الإنس بكثير؟ «2» هذا مما ~~لا يحيله عاقل ولا عادل. PageV01P403 # ثم نقول لهذا الخصم: ما نرى مثلك في تنزيهك للأنبياء عما ذكرت إلا ما حكي ~~عن بعض النساء الخفرات «1» أنها «2» مرت على رجال فاستحيت منهم فكشفت ثوبها ~~عن استها حتى غطت وجهها، وكرجل قال لرسوله: إذا وصلت إلى فلان فسلم لي عليه ~~وصك لي قفاه. # فإنك تنزه الأنبياء عن أن يتعرض لهم الشيطان تعرضا مأمون العاقبة متداركا ~~بالعصمة الإلهية. ثم إنك تصدق ما في التوراة من أن روبيل «3» بن يعقوب وطئ ~~سرية أبيه، ونجس فراشه «4». # وأن يهوذا وجد كنته- زوجة ابنه- على الطريق في صورة زانية فزنى بها بجدي ~~ثم رهنها به «5» خاتمه وعمامته وقضيبا كان في يده، ثم إنه لما ظهر حملها ~~أمر برجمها «6» فلما عرفته أن الحمل منه وأرته العلامة أمر بتركها «7». ~~PageV01P404 # وأن عظيم ساليم قرية سجيم «1» زنا ببنت يعقوب ثم خطبها، وأن ذلك أغضب ~~إخوتها حتى خدعوهم باقتراح الختان/ عليهم، ثم دخلوا وهم مرضى من ألم الختان ~~فقتلوهم، وأخذوا أموالهم «2». # وأن لوطا لما نجا من عذاب قومه أسقته ابنتاه الخمر، ثم ضاجعتاه فوطئهما ~~فأحبلهما «3». # وهذا منصوص مصرح به في التوراة التي بأيديكم وأنتم مع ذلك تحتجون علينا ~~بما فيها. وهذه حكايات- والله- يتنزه سوقة «4» الناس ورعاعهم وأراذلهم ~~عنها. بل عما هو دونها. وأنتم تنسبونها إلى الأنبياء فلعن الله من قال ذلك، ~~ومن يصدقه، فما أسرع ما نسيتم العدل والإنصاف الذي أمركم به المسيح في ~~الإنجيل. # لقد أطعتموه في ذلك كما أطاعته اليهود حيث فعلوا به ما فعلوه من الإهانة ~~والصلب «5» فعليكم جميعا من الله ما تستحقونه. # فإن صدقت بما في التوراة من هذا الهذيان فيكفيك ذلك جهلا وحمقا وقلة ~~PageV01P405 # عقل، وسخافة رأي وزندقة؛ حيث تنسبون الأنبياء المعصومين المعظمين إلى ~~المكر والخداع والزنا بالأجانب وبالبنات وسراري الآباء، وإن لم تصدقوه فكيف ~~تحتجون علينا بكتب فيها مثل هذا الفشار؟ «1». # قوله:" تضمنت هذه القصة باطلين. أحدهما: نسبة الرسل إلى هذه المثلبة ~~والافتراء عليهم بذلك". # قلنا قد ms060 بينا أن هذا لا غضاضة عليهم فيه، وليس هذا افتراء عليهم لأنه نبي ~~معصوم مثلهم. وقد أخبر عنهم بما أوحي إليه. # وأما الباطل الثاني وهو إخباره بأن للأصنام شفاعة فليس ذلك من إخباره، ~~وإنما الشيطان أخبر به على لسانه. وقد بينا أن لا محذور في ذلك ثم نسخه ~~الله. # وإنما كان يتجه القدح أن لو لم ينسخ واستمر لكنه لم يستمر بحمد الله./ # وفسر بعض العلماء إلقاء الشيطان في أمنيته وعلى لسانه بأنه/ نطق بما نطق ~~به مقارنا لنطقه فاشتبه صوته بصوته «2». وهو أولى ما يقال. وبهذا يلتغي «3» ~~المحذور بالأصالة جدا، ثم ننبه هاهنا لدقيقة وهي أن قوله تعالى: وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ... (52) «4» ~~لا يقتضي PageV01P406 # أن «1» كل رسول ونبي تمنى وألقى الشيطان في أمنيته،/ بل يقتضي أن من وجد ~~منه التمني كما وجد منك" ألقى الشيطان في أمنيته" كما ألقى في أمنيتك وذلك ~~لأن الإلقاء وقع في جواب إذا الشرطية التي ينتفي مشروطها لانتفاء شرطه، ~~فحينئذ نقول: قد يوجد التمني من بعض الأنبياء فيوجد الإلقاء من الشيطان وقد ~~لا يوجد التمني فلا يوجد الإلقاء. هذا مقتضى الآية لفظا «2». # أما عقلا فيقتضي أن كلهم تمنوا وكلهم ألقي في أمنيته لأن الله سبحانه ~~بعثهم رحمة للخلق، فمن المحال عادة أن نبيا يبعث إلى أمة، ولا يتمنى رشادها ~~«3» وهداها واتباع ما جاء به من الحق، وترك هواها. # وأما قوله في حديث البخاري:" من له هذا السلطان على الشيطان؟ كيف يعبث به ~~الشيطان هذا العبث؟ " فقد سبق جوابه عند ذكر عبث الشيطان بسليمان، ~~PageV01P407 # ونزيد هاهنا بأن نقول: هو وإن كان له على الشيطان هذا السلطان لكن يجوز ~~أن يسلط عليه الشيطان بإذن الله لحكمة. وقد بين الله سبحانه الحكمة في ذلك ~~حيث يقول: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ... (53) «1» ~~يعني الكفار والمنافقين كانوا قد أيسوا من محمد أن يعبد آلهتهم،/ أو يسكت ~~عن ذمها، وقد ضجر بعضهم وهم أن يدخل ms061 في الإسلام فألقى الشيطان على لسانه ~~«2» مدح الأصنام ليظنوا أنهم منها على شيء فيتمسكوا بعبادتها، وأن لها قدرا ~~عند محمد، فيطمعون في إجابته إلى عبادتها أو الكف «3» عنها، فأمسك من كان ~~أراد الدخول في الإسلام عنه بهذا السبب حتى مات كافرا، وظنوا أن رجوع محمد ~~عن مدحها بعد إلقائه على لسانه عناد لها ورجوع عن الحق في أمرها «4». وهذه ~~الآية من أكبر الأدلة على إثبات القدر. وسيأتي عند ذكر هذا الخصم له. ~~PageV01P408 ### | [تجسم الشياطين وإنكار النصراني ذلك] # وأما قوله:" تضمن هذا الحديث أن الشيطان متجسم": # قلنا: نعم. # قوله: هذا باطل: لأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة. # قلنا: عن المادة العنصرية الكثيفة التي هي كمواد الآدميين؟ أو عن المادة ~~مطلقا؟. # الثاني: ممنوع. والأول: مسلم فإن لهم مادة لطيفة، وكذا الملائكة فإن ~~الشياطين خلقوا من نار، والملائكة من نور، كما صح في السنة النبوية «1». ثم ~~كيف تصح دعوى تجردهم عن المادة مطلقا. # وقد ذكر في الأناجيل في نحو عشرين موضعا. منها: أن المسيح كان يخرج ~~الشياطين من الناس/ وأن بعض الشياطين استغاث منه وقال:" ما لنا ولك يا مسيح ~~ابن الله" «2» وأنه أخرج الشياطين في بعض المرات/ إلى قطيع خنازير فأخذوها ~~حتى رموها في البحر فغرقت «3»، وأنه أخرج من" مريم المجدلية" سبع شياطين، ~~ولذلك لازمت خدمته حتى مات، وكانت أول من رآه بعد قيامه من PageV01P409 # الأموات، وبشرت «1» به التلاميذ «2». # فهل يصح عند عاقل/ أن يدخل في الحيوان ويخرج منه ويستغيث ويصوت إلا جسم؟. # وأما قوله: إن هذا هو قول الأنبياء والفلاسفة. فهو كذب وافتراء على ~~الطائفتين، أما على الأنبياء فلأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانوا يرون ~~الملائكة أجساما «3». وقد صرح في التوراة أن" يعقوب" لما عاد من" حوران" ~~إلى" كنعان" عرض له عند قرية" بالق" «4» رجل فصارعه إلى أن أسفر الصبح وقال ~~له في آخر القصة:" أنت إسرائيل لأنك قاومت الملك والرجل" «5». # فنقول: هذا: إما ملك أو شيطان، وأيهما كان بطلت دعوى هذا في أن ما ذكره ~~مذهب الأنبياء. # لكن رأيت بعض النصارى ms062 قد تدمغ «6» وزعم أن المصارع ليعقوب هنا كان هو ~~الله وهذا رأي المجانين، وهو نظير قولهم إن المسيح هو الله، وبذلك استدل ~~على هذا. PageV01P410 # يعني: أن الله سبحانه «1» لا يظهر للناس حتى يتأنس بهم ويظهر في مظاهرهم. ~~وأما على الفلاسفة فلأنهم يزعمون: أن الملائكة قوى الأفلاك، والشياطين قوى ~~النفوس الأمارة «2». والله أعلم. ### | [بين القرآن والنصارى فيما أوتي سليمان عليه السلام] # قال:" ولقد قال «3» في إخباره عن ملك سليمان خرافات. أفصح بها القرآن من ~~ذلك في سورة النمل: وورث سليمان داود إلى قوله: ... وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين (44) «4» وذكر كلاما يتعلق بتفسير ذلك عن ابن عطية حكاه عن ابن ~~سلام وابن عباس وغيرهما. # ثم قال:" فانظر بعقلك أيها المسترشد إلى هذه الحكاية، وما تحتوي عليه من ~~الأمور التي لو كانت لسليمان أو بعضها لسبق ذكر ذلك في المصاحف لأنها من ~~العجائب التي تتوفر الدواعي على نقلها. فعلم أن تلك خرافات/ موسوسة". ~~PageV01P411 # قلت: أما ما ذكره ابن عطية وغيره من المفسرين فلسنا بصدد الجواب عنه، ~~لأنا لسنا على يقين من صحته، وهم ليسوا معصومين. وإنما نحن بصدد الجواب عن ~~القرآن الكريم، الصادر عن المعصوم «1» على لسان المعصوم بواسطة المعصوم ~~«2». # والجواب: أن ما ذكر في سورة النمل وغيرها من سور القرآن من الحكايات «3» ~~/ والقصص والعجائب ممكن أخبر به الصادق. وكل ممكن أخبر به PageV01P412 # الصادق فهو حق واقع. فما ذكر في سورة النمل وغيرها حق واقع. أما إمكانه ~~فلا نزاع فيه عند من سمعه من العقلاء. إذ الممكن ما لا يلزم من فرض وقوعه ~~محال. # وأما/ كون الذي أخبر به صادقا فلوجوه: # أحدها: ظهور المعجزات الخوارق على يديه. وسنذكرها، وبرهان إثباتها فيما ~~بعد عند قدحك في القرآن في شرط المعجز. # الثاني: ما اشتهر من أن قريشا ما كانت تسميه منذ كان صبيا حتى ادعى ~~النبوة إلا الأمين «1» وإنما كذبوه فيما بعد ذلك، لكونه أخبرهم بحقائق ~~إلهية لم تدركها عقولهم. وذلك جهل منهم بأحكام الشرائع. وأنت قد قدمت عند ~~بيان ضرورة النبوة: أن العقل ms063 لا يستقل بمعرفة الحقائق الإلهية بدون تأييد ~~إلهي وكتكذيب اليهود للمسيح، وكان صادقا. # الثالث: الطريق التي استدل بها" هرقل" «2» ملك الروم على صحة نبوته. # وأنا أسردها بكمالها تكميلا لفائدتها: # قال البخاري: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع «3»، قال: أخبرنا ~~PageV01P413 # شعيب «1» عن الزهري «2» قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن ~~مسعود «3» أن عبد الله بن/ عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب «4» أخبره: أن ~~هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان ~~PageV01P414 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد «1» فيها «2» أبا سفيان وكفار قريش، ~~فأتوه وهم بإيلياء «3» فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ~~بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا. ~~قال: ادنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل «4» ~~لهم إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فو الله لولا الحياء من أن ~~يأثروا علي كذبا لكذبت عنه. # ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. # قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من ~~آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشرف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ~~ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم ~~سخطة «5» لدينه بعد أن يدخل فيه «6»؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه ~~بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في/ ~~مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه ~~الكلمة قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: ~~PageV01P415 # الحرب بيننا وبينه سجال «1»، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: ~~يقول: # اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا ~~بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت ~~أنه ms064 فيكم ذو نسب/ وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك؟ هل أحد منكم قال ~~هذا القول؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل ~~يأتسي «2» بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من «3» ملك؟ فذكرت أن ~~لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألت: هل كنتم ~~تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر ~~الكذب على الناس ويكذب على الله./ وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ ~~فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ ~~فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطه ~~لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة ~~القلوب «4». وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بم ~~يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا PageV01P416 # وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما ~~تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه ~~منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت «1» لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت ~~قدمه" «2». # قلت: فهذا حديث صحيح ثابت بإجماع المسلمين، ويستحيل عادة اختلاق مثله. ثم ~~لو سلم أنه مختلق، لكن هذه القضايا التي فيه مشهورة مثل أنه لم يكن في ~~قومه/ نبي «3» ولا ملك، وأنه غير كاذب ولا غادر ونحوها. # ووجه الاستدلال منها ظاهر جدا، فلو وفق النصارى كلهم لما وفق له هذا ~~الملك «4»، لأفلحوا كل الفلاح، ثم مقصودنا منه: استدلاله على صدقه بقوله: # " لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله"./ # وهكذا النجاشي ملك الحبشة لما سمع ما أنزل على محمد في سورة مريم من صفة ~~المسيح حيث يقول: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) «5» ~~PageV01P417 # الآيات. قال:" ما عدا المسيح ما قال هذه" يعني عوده في يده «1»، وبكى في ~~حديث طويل، وهو حديث أم سلمة ms065 «2» عند هجرتهم إلى الحبشة، وفيه وفي أصحابه ~~أنزل الله سبحانه «3»: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ... إلى ~~قوله: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا ~~من الحق ... (83) «4». PageV01P418 # فهؤلاء ملوك النصارى يعترفون بالحق، ويصيرون إليه، فلا عبرة بقدح حثالتهم ~~ورعاعهم. # وإنما قلنا: إن كل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع لوجهين: # أحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن لأحد وثوق بإخبارات الله ورسله وليس ~~كذلك. # الثاني: لو لم يكن كذلك لم يكن المخبر صادقا. لكنا فرضناه صادقا. # هذا خلف. # وأما قوله:" لو كانت هذه الأمور لسليمان لسبق «1» ذكرها في المصاحف" ~~فجوابه سبق في غير موضع. وهو أن هذا استدلال «2» على الوجود المحض بالعدم ~~المحض وهو جهالة. # وكم من واقعة عظيمة وغيرها قد وقعت/ في ملك الله لم تذكر في التوراة ولا ~~في الإنجيل ولا في القرآن. وقد قال الله سبحانه لمحمد- عليه السلام- في ~~القرآن: ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) «3» وقال لليهود لما سألوه عن الروح: ... قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) «4». PageV01P419 ### | [الرد علي النصراني في انكار الجن وتجسم الشياطين] # قال:" وفي سورة الأحقاف «1»: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~... (29) وفي سورة الجن: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا (1) الآيات. وذكر «2» ما ذكره ابن عطية وغيره في تفسير ~~هذا من رمي مسترقي السمع لمبعثه صلى الله عليه وسلم وأنهم تفرقوا ينظرون ما ~~السبب؟ فوجدوا النبي- عليه السلام- يقرأ فعلموا أنه سبب منعهم «3»، وذكر ~~حديث مسلم من رواية ابن مسعود قال: فقدنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات ~~ليلة فقلنا: اغتيل «4»، أو PageV01P420 # استطير «1»، فلما كان وجه الصبح إذا هو يجيء من قبل حراء، فقال: إنه" ~~أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم ~~وآثار نيرانهم. قال/ الشعبي: سألوه الزاد ms066 وكانوا من جن الجزيرة فقال:" كل ~~عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة ~~علف لدوابكم" قال:" فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" «2» ~~ورواه أحمد «3». # قال:" وقد تقدم العلم بأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة فكيف تصطلي ~~بالنار وتركب الدواب، وتغتذي بنخر العظام؟ إن «4» وافقك عقلك على أن هذا حق ~~فتزحزح عن الآدميين والحق بالبهائم". # قلت: الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أنا قد بينا فيما تقدم أن الشياطين/ ليست مجردة عن المادة مطلقا ~~بل إن صح أن لها تجردا عن المادة فعن الكيفية. وحينئذ يجوز «5» أن يرد ~~عليها هذه PageV01P421 # الأفعال بحسب مادتها. ودلالة الإنجيل قاطعة في نحو عشرين موضعا منه على ~~عدم تجردها. كما سبق. # الثاني: أن الباري- سبحانه وتعالى- إن قلتم ليس مجردا عن المادة فقد ~~جعلتم الملائكة والشياطين أكمل منه. وإن جردتموه عن المادة فقد جوزتم تأنسه ~~بالإنس حتى يمازجهم ويظهر في مظاهرهم كظهوره في ناسوت المسيح حتى صار يأكل ~~ويشرب ويتغوط ويقتل ويصلب ويركب «1» الحمار ويشرب الخمر ويحي العظام النخرة ~~فيجعلها أوفر ما كانت لحما ويصلي ويتعبد، فجواز ذلك على الجن الذين هم بعض ~~خلق الله- سبحانه- بقدرته عليهم، وتصرفه فيهم أولى، وحينئذ لا يمتنع أن ~~الجن إذا أرادوا الطعام خلق الله لهم على ما وجدوه من العظام لحما يأكلونه ~~«2»، وإن كنا نحن لا نرى ذلك، إذ لا حاجة بنا إليه فلا يوجد اللحم عليها ~~حين نراها. # فإن قيل: المسيح كان يفعل ما ذكرتم من الأفعال بناسوته لا لاهوته. # قلنا: هذا باطل. فإنكم صرحتم بأن المسيح هو مجموع اللاهوت والناسوت وأن ~~المسيح هو الله، وأنه إنما ظهر ذلك المظهر بطريق التأنس بالإنس والانتقال ~~من حال إلى حال. PageV01P422 # كذا قرره" ابن الأمثل" «1» مطران «2» " حمص" «3» منكم بنحو عشرين حجة من ~~التوراة والإنجيل. # منها أن الله- سبحانه- ظهر ليعقوب حين قدومه من عند خاله فصارعه إلى ~~الصبح «4». وهذه من جملة الحجج عليكم. # الثالث: أن هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل/ بدركها ~~فيجب ms067 علينا تسلمها عن الشرائع. وإنما ينكر هذا فيلسوف لم ترض «5» نفسه في ~~PageV01P423 # علوم الشرائع. # على أني أراك أيها الخصم مذبذبا./ تارة فيلسوفا صلفا «1». وتارة مشرعا ~~جلفا «2» فأراك كما قال بعضهم لامرأته:/ # إني رأيتك في الهوى ذواقة لا تصبرين على طعام واحد «3» قال:" وانظر أيضا ~~إلى قوله في سورة الرحمن يصف نساء الجنة، الحور العين: ... لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان (56) «4» قال ابن عطية في التفسير: # " قال مجاهد «5»: الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر ~~الزوج، PageV01P424 # " الله تعالى" «1» فنفى في هذه الآية جميع المجامعات. قال ضمرة بن حبيب ~~«2»: # " الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف «3» " يعني النساء من الجن، فنفى في ~~هذه الآية الافتضاض في البشريات والجنيات". # قلت: هكذا وجدت كلامه، وهو مخبط لا يظهر منه وجه الإشكال لكنا نقول: أما ~~قول مجاهد وضمرة بن حبيب فلسنا منه في شيء ولا يرد علينا لو عارض غيره، ~~وأما معنى الآية فهو: أن لمن خاف مقام ربه في الجنة نساء أبكارا لم يفضضهن ~~قبلهم أحد، إنسي ولا جني ثم تلك النساء يجوز أن يكن نساءهم في الدنيا، يعدن ~~أبكارا كما قال تعالى: ... كما بدأنا أول خلق نعيده ... (104) «4» # ويجوز أن يكن منشآت من الجنة. PageV01P425 # وذكر حديث: «إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط» الحديث «1». # وحديث: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب «2» فليشرب بيمينه، فإن ~~الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله «3» ". # قال:" هذا كله تصريح باغتذاء/ الشياطين وجماعها". # قلت: هذا كله إشكال يورده بناء على ما قرره من أن الشياطين بسائط مجردة ~~عن المادة، لا يتأتى منها ذلك. PageV01P426 # قلت: وكأنه يورد تناقضا آخر بين قوله: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) ~~«1» وبين قول مجاهد:" الجن تجامع نساء البشر" وقول ضمرة بن حبيب" الجن في ~~الجنة لهم قاصرات الطرف". # قلت: وجوابه من وجهين: # أحدهما: منع التناقض بما بيناه من أن المراد بالآية أن كلا من أهل الجنة ~~له زوجات أبكار لم يطمثهن قبله غيره. وهذا لا ينفي أن الجن يجامعون نساءهم ~~أو نساء غيرهم ms068 في الدنيا أو في الآخرة. # الثاني: أن التناقض بين قول الله سبحانه وأقوال المفسرين لا يلزمنا. لأن ~~الخلاف بينهم كثير. فإن التزمنا ذلك طال علينا. ولأنهم ليسوا معصومين فيجوز ~~أن يخطئوا. # قال:" وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- «2» ~~قال:" إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليستنثر ثلاثا. فإن الشيطان يبيت على ~~خيشومه" «3» وفيه:" لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس وغروبها، فإنها ~~PageV01P427 # تطلع/ بين قرني شيطان" «1». # قلت: وجه سؤاله من هذا ما قدمه من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فكيف ~~يبيت على خيشوم الآدمي؟ وذلك يستدعي أن يكون جسما. وكيف يكون له قرنان؟ ~~وأيضا: الشمس مثل الأرض مرارا كثيرة فكيف تطلع بين قرني شيطان؟. # والجواب: قد تكلمنا قبل على بساطة الشيطان وتجرده عن المادة ومنعناه ~~مطلقا. بل هو تجرد مقيد- كما سبق-. # وحينئذ يقع «2» منه المبيت على خيشوم الآدمي وأم رأسه/، ليزين له النوم ~~«3» ويثقله فيه، كي لا يستيقظ بالليل فيصلي. كما ذكر في حديث آخر: # " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد، فكلما أراد أن يستيقظ قال ~~له: # نم «4». عليك ليل طويل،. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. وإن توضأ/ ~~PageV01P428 # انحلت عقدة، وإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا. وإلا أصبح خبيث النفس ~~كسلان" «1». # وهذا من الأسرار الإلهية التي اعترف الخصم في أول كتابه: أن العقول لا ~~تستقل بدركها. # وقد ذكر في الإنجيل: أن المسيح بعد قيامه من الأموات صار روحا مجردا يظهر ~~لمن شاء، ويختفي عمن شاء «2». فكذلك الملائكة والشياطين في ظهورها ~~واستخفائها. # وأما قوله:" تطلع بين قرني شيطان" «3» فقال بعض أهل العلم بغريب الحديث: ~~أي ناحيتي رأسه وجانبيه «4». # قلت: وهذا لا ينافي عظمها في نفسها كما تقول خرجت بين الجبلين والجدارين ~~«5»، كما سبق في قوله: تغرب في عين حمئة ... (86) «6» ومعناه: أن ~~PageV01P429 # الشيطان يقارنها على جهة المسامتة «1» لا الملاصق كما تقارن بعض الكواكب ~~السبعة بعضا، وإن كانت في أفلاكها متباعدة المراكز والذوات ليزين للكفار ~~«2» السجود لها. # وقال بعضهم: القرن: القوة. أي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون ms069 ~~كالمعين لها، وقيل: بين قرنيه أي أمتيه الأولين والآخرين من الساجدين لها، ~~المطيعين له في ذلك «3»، أي أن عادة الكفار مستمرة في عبادة الشمس عند ~~طلوعها وغروبها «4»، فلا تصلوا «5» حينئذ لئلا يصير فيكم/ شبه منهم. وهو- ~~عليه السلام- من شرعه: بغض الكفار والتشبه بهم جدا حتى أنه يحسم مواد ذلك ~~بكل ممكن، كما كره في شرعه الصلاة إلى محراب فيه نار تتقد لئلا يشبه ~~PageV01P430 # فعل المجوس «1». وأن لا يشد وسطه في الصلاة بما يشبه شد الزنار لئلا يشبه ~~فعل النصارى «2»، ولا يتعمم غير مذوب «3» لئلا يشبه/ عمامة اليهود «4». ~~وأشباه ذلك كثير. قال بعضهم: وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها، ~~فكأن الشيطان مقترن بها، يسول له ذلك. PageV01P431 # قلت: ومثل هذه الإشارات كثيرة في كلام العرب خصوصا في كلام هذا النبي، ~~فإنه كان أفصح العرب وأبلغها، فليس ينبغي لعلوج النصارى وأعاجمهم أن ~~يناقشوه في ظواهر العبارات «1»، حتى يعلموا لغته فيكونوا مثله فيها «2». ~~والله أعلم. # قال:" وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم ~~«3»: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول ~~الله «4». قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ~~«5» وقال:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" «6». PageV01P432 # قلت: ومن سبب هذا الحديث ما رواه الترمذي من حديث مجالد «1» عن الشعبي ~~«2» عن جابر «3» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلجوا على المغيبات ~~فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم. قالوا: ومنك؟ قال: ومني. ولكن الله ~~أعانني عليه فأسلم» «4». PageV01P433 # والمغيبات: اللاتي غاب عنهن أزواجهن. وفي لفظ لمسلم «1»: «لا يبيتن أحد ~~عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم» «2». # قلت: ومستنده «3» في إنكار هذا ما قدمه/ من أن الشيطان بسيط مجرد عن ~~المادة فلا يوصف بأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم «4». لأن ذلك يوجب جسميته ~~ونحن قد منعنا ذلك عليه في موضعه. وبينا قواطع الإنجيل في جسمية الشياطين ~~لكنها أجسام لطيفة للطافة مادتها وبذلك ms070 يصح عليها أن تجري من ابن آدم مجرى ~~الدم وغيره، كالأرواح، والرياح،/ فإنه قد قال بعض أهل العلم:" إن الروح جسم ~~لطيف سار في هذا الهيكل الكثيف على شكله «5» والهوى يتخرق نواحي البدن، حتى ~~قال بعضهم: الروح هو الهواء المتردد في مخاريق البدن «6»، على أنه يجوز أن ~~يكون أراد بالشيطان هنا: النفس الأمارة، أو الهوى، لأن هذين يوافقان ~~الشيطان على ما يريده وإذا اتجه ما قلناه، واحتمل ما عليه «7» حملناه، لم ~~يبق للاعتراض به وجه. # وروى عبد الرزاق في تفسيره قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: «قال ~~قرينه ربنا ما أطغيته» «8» قال:" قرينه الشيطان" «9». PageV01P434 ### | [تجسم الملائكة والرد على النصراني في إنكار ذلك] # قال:" وفي سورة غافر يصف الملائكة حيث يقول: الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ... (7) «1». # قال ابن عطية في التفسير/: روى جابر بن عبد الله أن النبي «2» قال: «أذن ~~لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش: بين شحمة أذنه وعاتقه «3» مسيرة سبعمائة ~~سنة» «4». # قلت: إن كان إنكاره من هذا للإخبار بالعرش، أو لحملته أو لاستغفارهم ~~للمؤمنين فهذا من الأسرار الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، كما سبق في ~~المقدمة، فيجب تسلمها عن/ أهل الشرائع كما تلقيتم عن المسيح «5» أنه بعد ~~بعثه PageV01P435 # من الأموات صعد فجلس عن يمين أبيه. وأنه يأتي يوم القيامة في مجد أبيه ~~على السحاب، وحوله الملائكة. «1» وإن كان انكاره لعظم خلقة هذا الملك ~~المذكور فنقول «2» له: # إن هذا حديث لم نعرفه إلا في كتاب" العظمة" «3» لأبي جعفر بن حيان «4»، ~~وليس مثله مما تصادم «5» به الشريعة «6». # وثانيا: إن هذا أمر ممكن قد أضيف إلى قدرة الله، وأخبر به الصادق فما ~~ينكر من وقوعه؟ ثم إن الجبال والبحار، بل كرة الأرض، بل كرة العالم جميعه ~~بأفلاكه ونجومه خلق عظيم من خلق الله فلا فرق بينه وبين هذا الملك إلا ~~الشكل والحياة. # على أن الفلاسفة يرون الأفلاك ونجومها أحياء ناطقة متحركة بالإرادة فلا ~~فرق إذن بينها وبين الملك المذكور، وهذه ms071 مشاهدة لكل بصير متبصر، فما وجه ~~إحالة مثل هذا حتى يقدح به في كلام الأنبياء. PageV01P436 # قال:" وفي سورة القصص «1»: كل شيء هالك إلا وجهه ... (88) يعني الله- ~~سبحانه- «2» فجعل الفناء شاملا لما سوى الله تعالى من الملائكة والنفوس". # قلت: كأن وجه إيراده: أن الملائكة والنفوس مجردات عن المادة لا يتصور ~~فناؤها بناء على ما قدم من ذلك. وقد سبق جوابه، وأن الهلاك ممكن في الجميع، ~~ثم ينشئه الله تعالى- كما أخبر-. # ثانيا: أو نقول: ليس المراد بالهلاك العدم المحض، بل هلاك هذه الهيئة ~~التركيبية، كما أن الوعاء من زجاج أو ذهب إذا انكسر فقد هلكت وعائيته، لا ~~زجاجيته وذهبيته وهذان قولان مشهوران/ للمتكلمين «3» وهو أن الأجساد تعدم ~~عدما محضا ونفيا صرفا أو تتفرق مع بقاء أجزائها المفردة. والمسألة مبنية ~~على مسئلة الجوهر الفرد، وهو الجزء/ الذي لا يتجزأ «4». وهي مشهورة بين ~~الفلاسفة والمتكلمين. PageV01P437 # قال:" وفي أول سورة فاطر: ... جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع ... (1). # قلت: كأنه ينكر الأجنحة للملائكة لاستلزامها الجسمية بناء/ على ما سبق من ~~تجردها عن المادة. وقد سبق جوابه كافيا. وقد دفع الله سبحانه «1» هذه ~~الشبهة بقوله متصلا بالكلام المذكور:" يزيد في الخلق ما يشاء" أي لا ~~تستغربوا ملكا له جماعة أجنحة فإن لله التصرف والقدرة على ما يشاء. # قال في سورة الزمر «2»: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله ... (68) وذكر قول ابن عطية عن السدي «3»:" استثنى جبريل ~~وميكائيل وملك الموت ثم أماتهم بعد" «4». # قال:" فصرح في هذه المواضع: أن الملائكة مجسمة وأن لها أجنحة وهي كما ~~يبرهن عند العلماء: عقول بسيطة مجردة. والموت مفارقة الروح الجسد، ولا ~~أجساد للملائكة". PageV01P438 # قلت: جواب هذا كله سبق عند أول مكان ادعى تجرد الملائكة والشياطين عن ~~المادة «1». وبينا أن ذلك لا مذهب للأنبياء ولا الفلاسفة. # ثم يقال له: التجرد عن المادة إن كان صفة نقص وجب تنزيه الملائكة عنها ~~لأنهم أولى بالكمال فيلزم أن يكونوا ذوي مادة، وإن كان صفة كمال. فالله ~~سبحانه إن لم ms072 يكن/ متجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة أكمل منه، وإن كان ~~متجردا عن المادة فقد جوزتم عليه التلبس بالمادة حيث اعتقدتم اتحاد لاهوته ~~بناسوت المسيح، أو جعلتم الثلاثة واحدا. وقد سبق جميع هذا وإنما أعدناه ~~بيانا. ### | [الرد على النصارى في إنكار صفات الباري سبحانه] # قال:" ومما روى عنه من أوصاف الله سبحانه". # وذكر حديث: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» «2» وحديث جهنم: ~~PageV01P439 # «فيضع الرب قدمه فيها فتقول: قط" «1» وحديث: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له ~~كل مؤمن ومؤمنة» «2» وحديث المعراج: «فدنا رب العزة حتى كان منه قاب قوسين ~~أو أدنى» «3» وحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت ~~برد أنامله بين ثديي» «4» وحديث أم الطفيل «5» امرأة أبي بن كعب ~~PageV01P440 # أنها سمعت النبي يذكر أنه رأى ربه في صورة شاب موقر في خضر «1» على رأسه ~~فراش من ذهب، وفي رجليه نعلان من ذهب» «2». # قال:" فتقرر بهذا كله: أن الله جسم، وهذا مخالف للعقل ولمصاحف الأنبياء. ~~ويمتنع أن يكون الله سبحانه جسما لوجهين: # أحدهما: لو كان جسما لكانت «3» جملته معلولا لأجزائه ومفتقرة إليها، وما ~~علل بغيره جاز عدمه عند عدم علته، وواجب الوجود هو ما لا يعدم لعدم/ غيره، ~~بل لعدم ذاته. # الثانية: أن الجسم مركب من الصورة «4» والهيولى «5» فينعدم بانعدام كل ~~PageV01P441 # منهما. والواجب لا ينعدم لانعدام غيره. كما سبق. # وأما بيان ذلك في كتب الأنبياء فإن في الإنجيل:" الله روح". # قلت: هذا حاصل ما ذكر في هذا السؤال، وقرره به. ولعمري أن هذا مما «1» ~~لا/ يقضي منه العجب من هذا الشخص. فإن التوراة والإنجيل مملوءان من ~~التجسيم. # فإن في أول التوراة:" وكانت روح الله ترف على الماء" «2» والروح فيما ~~نشاهده جسم. والحجج على جسميتها كثيرة «3»، لكن نكتفي منها بحجة طبيعية/ ~~ذكرها الأطباء، وهو اضطراب الصدر وحركته لها عند النزع. # فإن قال: إن روح الله ليست جسما، وإن كانت روح غيره جسما. # قلنا: فقد أجبت عنا. كذلك كل ما حكي في دين الإسلام من صفات الله تعالى ms073 ~~ليست على المتعارف من صفات الآدميين، ويسقط هذا التشنيع خصوصا وقد ذكرت أنت ~~في بيان ضرورة النبوة عن" أرسطو" وغيره ما ذكرت من أن الحقائق الإلهية لا ~~بد فيها من التوقيف الشرعي. # وفي التوراة:" قال الله «4»: نخلق بشرا على شبهنا قد رسمنا فضله ليكون ~~PageV01P442 # كصورتنا ومثالنا وأسلطه على سمك البحار وطير السماء" «1» إلى أن قال:" ~~وخلق الله آدم بصورته، صورة الله خلقه ذكرا وأنثى، خلقهما الله وبارك ~~عليهما" «2». # وفيها إن آدم وامرأته:" سمعا صوت الرب يمشي في الفردوس فاستترا من بين ~~يدي الرب بين شجر الفردوس، وقال الله لآدم: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك تمشي ~~في الفردوس ورأيت أني عريان فاستترت فقال الله الرب: ومن أدراك أنك عريان؟ ~~لعلك أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها" «3». # وهذا فيه تشانيع. منها: وصفه بالمشي حتى يسمع صوت مشيه في الفردوس، وهو ~~من خواص الأجسام، وأصعب من النزول المذكور في السنة الإسلامية./ ومنها قوله ~~أين أنت؟ ومنها: قوله:" من أراك أنك عريان؟ لعلك أكلت من الشجرة" فإن ذلك ~~ظاهر في أن الله سبحانه لم يعلم أين هو؟ ولا هل أكل من الشجرة أو لا حتى ~~أعلمه آدم". PageV01P443 # وفيها:" وأكمل الله أعماله في اليوم السادس، واستراح في اليوم السابع" ~~«1». والاستراحة من لواحق الأجسام «2». وهذا في التوراة كثير «3». # وأما في الإنجيل فقولكم: لما اعتمد/ المسيح من يوحنا المعمداني ثم صعد من ~~الماء جاءه روح القدس في جسد حمامة بين السماء والأرض وسمع قائلا يقول: هذا ~~ابني الحبيب الذي به سررت" «4». # ثم إنكم تقولون:" الأب والابن وروح القدس: إله واحد" وهذا مستلزم للجسمية ~~لوجهين: # أحدهما: أن الصوت لا يتصور عقلا وحسا إلا من جسم إذ هو عرض لا يقوم بنفسه ~~«5». PageV01P444 # الثاني: أن الأب والابن والروح في هذه الحال- أعني صعود المسيح من الماء- ~~بعضهم منفصل عن بعض حسا وحقيقة وإنكاره مكابرة. فإن كان ذلك بعد اتحاد ~~الروح والمسيح بالله فقد انفصل عنه جسمان، فيكون هو جسما لأن بعض الجسم ~~جسم، وإن كان قبل الاتحاد، وأن اتحادهم حدث بعد ذلك ms074 فقد اتحد بذات الله ~~جسمان: جسد الحمامة الذي هو الروح، وجسد الابن الذي هو المسيح، ولا يتحد ~~بالجسم إلا جسم هذا على قول من يقول منكم: إن المسيح ابن الله. # أما من «1» يقول: هو الله، فالأمر فيه واضح. # وقرر ذلك" ابن الأمثل" «2» مطران" حمص" بأن قال:" إن الله لا يمكن ظهوره ~~إلى العالم حتى يتأنس ويتحد بهم، وله مظاهر يظهر فيها، كما ظهر في حقيقة ~~[النار لموسى في العليقة ولإبراهيم في حقيقة] «3» / كبش فدى به ولده، ~~وليعقوب في حقيقة رجل فصارعه فكذلك ظهر في حقيقة المسيح". # وفي الفصل الخامس من إنجيل متى:" لا «4» تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله ~~ولا بالأرض فإنها موطئ قدميه". # وفي السادس والخمسين منه «5»:" من حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله ~~والجالس عليه" فوصفه بالقدمين والوطء بهما، وبالجلوس على الكرسي، والجلوس ~~«6» PageV01P445 # من خواص الأجسام، وإن لم يكن هذا تجسيما، فما في الوجود تجسيم أصلا. فإذا ~~كان هذا مضمون كتبكم المعتمدة، وتقرير أئمتكم وفضلائكم، فكيف تنكرون علينا ~~ما هو دونه في ذلك بكثير. وعذرنا فيه أوسع من عذركم على ما سيأتي ولكن في ~~المثل:" رمتني بدائها وانسلت" «1». # وفي الشعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذ افعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن ~~غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم «2» وأما الأحاديث التي ذكرت فصحيحة ثابتة ~~إلا حديث أم الطفيل فإنه حديث موضوع «3» لا أصل له حكم بذلك أئمة الحديث. ~~ثم لو صح لكان محمولا على رؤية المنام كحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة» فإنه ~~كان مناما باتفاق علماء المسلمين. صرح الترمذي وغيره بأنه كان مناما «4». # وأما حديث النزول والقدم/ والساق وغيرها من أحاديث الصفات فلطوائف ~~المسلمين فيها ثلاثة أقوال: PageV01P446 # أحدها: اعتقاد مفهومها المشاهد منها «1». وهو قول المجسمة «2» وهم عندنا ~~في ذلك كالنصارى واليهود في ذلك. # والثاني: تأويلها «3» على ما يصح في الشاهد، ولو كان بعيدا/ كالنزول على ~~نزول العلم أو الرحمة، أو نزول ملك ينادي، أو فعل من أفعال الله. والقدم ~~على قوم يقدمهم إلى النار، والساق ms075 على شدة الأمر وكرب المحشر ودنو الله ~~سبحانه على تعطفه، ورفقه «4» بعبده ونحو ذلك وهو مذهب الأشعرية والمعتزلة ~~ونحوهم. PageV01P447 # والثالث: اعتقاد ما يليق بجلال الله- سبحانه- منها «1»، مع القطع بتنزيه ~~الله- سبحانه- عن مشابهة مخلوقاته أو بعضها، بوجه من الوجوه اعتمادا على ~~قوله تعالى: ... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) «2» فأول الآية ~~تنزيه، والثاني إثبات فهو أولى من الإثبات المفضي إلى التمثيل، والتنزيه ~~المفضي إلى التعطيل وهذا هو الذي أقول به «3»، ولي أن التزم القول قبله في ~~هذا المقام، لأني وهذا الخصم، نبحث في دينين متقابلين، لا في مذهبي دين ~~واحد، على أني أي القولين التزمت لا يلزمني من قبح التجسيم ما لزمك «4». # وأما ما ذكرت من الحجتين على نفي الجسمية فقد سبقك إليه الفلاسفة ~~والمتكلمون. # وقد قرر المسلمون في ذلك براهين كثيرة، فلم تأت أنت بغريبة ولا بشيء ~~نازعناك فيه، بل نحن أحق به منك، فإنا نحن يمكننا الجمع بينه وبين ما عندنا ~~من آيات الصفات وأخبارها بما قدمناه من القولين المختارين. وأنت لا يمكنك ~~الجمع بينه وبين أن المسيح هو الله، أو القول بالثالوث إن كنت نصرانيا حقا. ~~وإن كنت فيلسوفا فمالك ولمذهب النصارى. تكلم في رأي أرسطو ونحوه: ~~PageV01P448 # ودع عنك الشرائع لست منها ولو غبرت وجهك بالتراب/ «1» فإنك رجل مذبذب بين ~~الرأيين كالشاة العائرة «2» بين/ الغنمين. # وأما قوله:" إن هذا مخالف للعقل، ولمصاحف الأنبياء": فإن أراد أن المخالف ~~لذلك كون الله جسما فهو صحيح ونحن نقول به، وإن أراد وصف الله سبحانه بنحو ~~النزول والقدم والساق فباطل عن «3» الأنبياء، فإن في أول الأصحاح الخامس ~~عشر «4» من كتاب أشعياء: # " هذا اسم الرب جائي من بعيد،/ يشتعل غضبه، ووجنه ماجد «5»، شفتاه «6» ~~ممتلئتان غضبا، ولسانه كالنار المتقدة، وروحه كالوادي الذي يجر كلما تمر به ~~تقطع بغضبه إلى العنق ليزجر الشعوب" «7». PageV01P449 # فإن قلت: هذه صفات اسم الرب، لا صفات الرب. # قلت: الاسم إن كان هو المسمى فهذه صفات الرب بلا شك، وإن كان غيره فالاسم ~~معلوم الحقيقة «1»، وهو لا يتصف بهذه الصفات ويجب رجوعها إلى ms076 الرب «2». ~~ويكون ذكر الاسم صلة كقول القائل: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما «3» # وقول الآخر: # تناديه باسم الماء وهو كثير «4» PageV01P450 # وفي الأصحاح الثالث والعشرين منه «1»:" اسمع قولي يا يعقوب وإسرائيل الذي ~~دعوت. أنا الأول وأنا الآخر، ويدي أصلحت أساس الأرض، ويميني بسطت السماء". # وفي الأصحاح التاسع عشر منه «2»:" هذا الله الرب، يأتي بعزه وذراعه بقوة، ~~ثوابه «3» معه، وعمله بين يديه" إلى أن قال:" وشبر «4» السماء بشبره، وكال ~~تراب الأرض بكفه، ووزن الجبال بالمثقال والآكام بالميزان". # وهذا كثير في كتب الأنبياء لو تتبعته لطال. وهذه صفات ظاهرها المتعارف ~~التجسيم، فجوابك عنها هو جوابنا «5» عما ذكرت من الأحاديث./ ### | [القضاء والقدر وأفعال العباد وضلال النصارى في ذلك] # قال:" ومن هذه الأوصاف الواردة في حق الله تعالى عنها ما جاء في سورة ~~البقرة: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ~~ختم الله على قلوبهم ... (7) «6» الآية. # وفي سورة النساء «7»: ... أتريدون أن تهدوا من أضل الله ... (88) الآية. ~~PageV01P451 # وفي الاسراء «1»: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس. # وقال: والله خلقكم وما تعملون (96) «2» وقال: كل من عند الله .. (78) ~~«3»، # والقرآن مصرح في مواضع كثيرة غير هذه بأن أفعال الخلق خيرها وشرها هي ~~بإرادة الله وخلقه، لا بإرادة الخلق وفعلهم". # ثم ذكر أحاديث القدر من الصحيحين وهي مشهورة. ثم قال:" فثبت بهذه ~~الأحاديث ما ثبت بالآيات المذكورة آنفا: من أن الله سبحانه خالق جميع أفعال ~~العباد من الخير والشر، كالقتل والكذب والزنا وغير ذلك، وهو الذي يعاقب ~~ويثيب. وهذا مذهب أهل سنة الإسلام. # وحجتهم عليه: ما أوردناه من الآيات والأحاديث. وإذا تبين لهم فساد هذا ~~المذهب وشناعته، وأن هذا الذي يصفون به الله لا يوصف به إلا الشيطان، لجئوا ~~إلى التمسك بهذه الآية: لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) «4». # قال:" والدليل على فساد هذا المذهب: الحجة والتنزيل. # أما «5» الحجة فمن وجهين: PageV01P452 # أحدهما: ما تقرر في المعقول/ من أن مريد الخير خير ومريد الشر شرير،/ ~~ومريد العدل عادل، ومريد الظلم ظالم، فلو كان الله سبحانه مريدا ms077 للشر ~~والظلم لكان موصوفا بالخيرية والشرية، والعدل والظلم وذلك محال. وشنع في حق ~~الله تعالى. # الوجه الثاني: أن كل آمر بشيء فهو مريد له، فيستحيل من الله تعالى/ أن ~~يأمر عبده بالطاعة ثم لا يريدها. والجمع بين اقتضاء الطاعة وطلبها بالأمر ~~بها، وبين كراهة وقوعها جمع بين نقيضين. وذلك بمثابة الأمر بالشيء والنهي ~~عنه في حالة واحدة". # هذا تلخيص حجته. ثم ذكر كلاما بعده يرجع إليه. # وأما التنزيل: فقول الله في التوراة لقابيل «1»:" إن أحسنت جوزيت، وإن ~~أسأت سيطلع على إساءتك لأنك مالك إرادتك، وأنت مسلط عليها بالاختيار" «2». # وقول داود النبي في الزبور «3»: «روحي في يدي أبدا" يعني: تحت قدرتي. # وقول سليمان:" إن الله صنع الإنسان مستقيما وهو أدخل نفسه في مسائل غير ~~متناهية" «4» يعني بإرادته المخصوصة. # ثم شنع بأن ضرب مثلا، وهو" من أوثق إنسانا شدا وكتافا، ثم ألقاه من ~~PageV01P453 # جبل. وقال له في حال هويه: إن لم تقف أو ترجع إلي، وإلا فعلت بك وفعلت" ~~فهذا سفه وحمق، وتكليف ما لا يطاق. # وحكى قول الزمخشري «1» في الكشاف:" إن كان الله ينهى عن الذنب ثم يلجئ ~~إليه، ويعاقب عليه، فأنا أول من يقول: إنه شيطان وليس بإله" «2». # هذا ملخص «3» ما ذكره في هذا السؤال من غير إخلال بمهم. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا الخصم بصدد القدح في النبوة. وإيرادك هذا السؤال لا يحصل ~~لك المقصود، لأنه ليس كل طوائف المسلمين يقولون بهذه المقالة. فلو ناظرت في ~~هذا معتزليا لخالفك في الإسلام ووافقك في القول بالقدر فانقطعت في هذا ~~المقام. وأنا الذي قد تصديت لمناقضتك لو التزمت مذهب القدرية في هذا، لساغ ~~لي في حكم النظر، لأن البحث بين/ مسلم ونصراني، لا بين قدري وسني. ~~PageV01P454 # الوجه الثاني: أن هذه مسئلة من فروع الشريعة «1» تثبت بثبوت أصلها وتنتفي ~~بانتفائه «2»، فهي تابع لا مقصود، فيغنيك عنها القدح في أصل الدين «3» / إن ~~يثبت «4» لك. وإنما ذكرك لمسألة القدر في هذا المقام كمن يقدح PageV01P455 # في دين النصرانية بقبح التعميد «1»، وبناء المذبح «2»، وتقريب القربان، ms078 ~~فإنك أنت كنت تقول له: تكلم فيما هو فوق هذا. ثم انزل إليه. # الوجه الثالث: أما الآيات والأحاديث فصحيحه. ونحن نقول بها على وجه ~~نقرره، وهو أن المسلمين أجمعوا على أن القرآن حق وصدق، وأن بعضه يوافق ~~بعضا، فما أوهم منه التعارض تلطفوا للجميع بينه بما أمكن من الأسباب ~~الجائزة. # ثم إنهم رأوا الآيات المتضمنة لأفعال العباد موهمة للتعارض. تارة تضاف ~~الأفعال فيها إلى الله، نحو والله خلقكم وما تعملون (96) «3» وقوله: الله ~~خالق كل شيء ... (62) «4»، ... ومن يضلل الله فما له من هاد (33) «5»، ~~وأضله الله على PageV01P456 # علم (23) «1» ونحوها. # وتارة تضاف إلى العباد نحو فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ... (38) «2» # جزاء بما كانوا يعملون (24) «3» - هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) ~~«4»؟ # ونحوها. وهي من الطرفين كثيرة./ ففي هذا المقام انقسم المسلمون إلى ثلاث ~~فرق، فرقة قالت بمقتضى القسم الأول، وألغت الثاني وهم الجبرية «5»: زعموا ~~أن الله موجد أفعال خلقه استقلالا والعباد في وقوعها على جوارحهم مضطرون ~~إليها كاضطرار السعفة إلى الحركة في الريح العاصف وسلبوهم الاختيار. # وفرقة قالت: بمقتضى القسم الثاني وهم القدرية «6» / زعموا أن العباد ~~PageV01P457 # موجدون لأفعالهم استقلالا وأن الله- تعالى- «1» لا تعلق له بها بخلق ولا ~~إرادة. # وفرقة توسطت الطرفين المنحرفين، وقالت «2» بمقتضى القسمين. فنسبوا ~~الأفعال إلى الله إرادة وخلقا، وإلى العباد اجتراحا وكسبا، وفسروا الكسب ~~بأنه أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة، وساعدهم على ذلك ظواهر ~~نصوص الكتاب والسنة من الطرفين «3». وورد على كل واحدة من الفرقتين ~~الأوليين ما قالت به الأخرى، فاحتاجت إلى تأويله، والتعسف في تبطيله، فلزم ~~الجبرية PageV01P458 # التجوير «1»، والقدرية تعجيز القدير، والإشراك معه في آثار المقادير. ~~ولهذا سموا مجوس الأمة، تشبيها بالمجوس القائلين بخالقين. # إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا اشتققنا اسم فاعل من فعل أو صفة نحو شرير ~~وظالم وضارب وقاتل، فتارة يراد به موجد ذلك الفعل وخالقه وعلة وجوده/ وتارة ~~يراد به كاسبه وسببه. فقولك: لو كان الله مريدا للشر، والظلم لكان شريرا ~~ظالما، إن عنيت بالشرير والظالم كاسب الشر، وسببه. فلا نسلم، إنما ذاك ~~الآدمي «2». # وإن ms079 عنيت خالقه وعلته فهو صحيح، لكن يكون في اطلاق لفظ «3» الشرير عليه ~~إساءة أدب. إذ لم ترد الشرائع بإطلاق مثل هذا عليه «4». PageV01P459 # والأشهر عندنا: أن أسماء الله توقيفية «1» لا قياسية وبهذا التفصيل يندفع ~~ما ذكرته من المحال والتشنيع. # وأما قولك:" كل آمر بشيء فهو مريد له، فممنوع. فإن هذا محل وهم، ومزلة ~~قدم. وذلك لأن الإرادة تستعمل تارة بمعنى الطلب وتارة بمعنى رجحان «2» / ~~وجود الممكن في نفس المرجح «3». فالأول ترجيح طلبي بمعنى الأمر، والثاني: ~~ترجيح وجودي، وهو: موضوع الإرادة في الأصل. وأحد الأمرين يشتبه بالآخر، لأن ~~الأول أثر الثاني، فإنه إنما يصدر الطلب غالبا بعد PageV01P460 # رجحان الوجود في النفس «1». وحينئذ نقول: ما تعني بقولك:" كل آمر بشيء" ~~فهو مريد له؟ " الإرادة الطلبية أو الوجودية؟ الأول: مسلم. لكن هذا يصير ~~كقولك كل آمر بشيء فهو أمر به، لأن الإنسان قد يقول لصاحبه أو لعبده: أطلب ~~منك، أو آمرك أن تفعل كذا. وأريد منك أن تفعل كذا بمعنى. والثاني: ممنوع، ~~فلا يصح قولك: كل آمر بشيء فهو مريد له، أي: مرجح لوجوده. # وقد ضرب الأصوليون لهذا مثلا، وهو: من أمر عبده بما لا يريده منه تمهيدا ~~لعذره عند من لامه «2» على ضربه. فإن هذا جائز عقلا. وفيه حكمة مقصودة «3»، ~~فجاز أن يكون/ لله سبحانه في الأمر بالشيء، وعدم إرادته «4» حكمة، وإن لم ~~PageV01P461 # ندركها «1». # وقد ذكر" بقطينوس الحكيم" «2» - وهو من فضلاء النصارى وعلمائهم- من شأن ~~الله- سبحانه- مع ملائكته ما إن صح، صلح أن يكون حكمة لهذا. # وقد أشرت إليه في التعليق على الإنجيل. ولا يسهل علي الآن ذكره «3». ~~PageV01P462 # وحينئذ لا يلزم التناقض بين اقتضاء الطاعة وطلبها وبين كراهة فعلها «1»، ~~لأن اقتضاءها خطابي وكراهتها نفسية. وقد يوجد هذا من البخلاء كثيرا، حيث ~~يقول أحدهم لصاحبه: إذن فكل معي، تجملا «2» وهو يكره ذلك منه لآمة وبخلا، ~~وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين/ الأمر بالشيء والنهي عنه. لأن الأمر والنهي ~~خطابان محلهما اللسان، نحو افعل./ لا تفعل. بخلاف الكراهة فان محلها النفس، ~~فلا تناقض الأمر. # وأما ما ذكر ms080 من نصوص كتب الأنبياء فحق نقول به. وقد ورد به شرعنا. # فإن الإنسان له قدرة واختيار يكتسب بهما، لكنهما تابعان لقدرة الله ~~واختياره، فهما ناقصان نقص التبعية، وكون الشيء ناقصا لا يقدح في وجود ~~مسماه، إنما يقدح في تمامه وكماله «3». PageV01P463 # وأما المثل الذي شنع به من ربط الشخص وإلقائه من جبل. ثم يقال له: # ارجع وإلا عاقبتك، فليس نظير ما نحن فيه، لأن هذا «1» إلجاء محض، وقسر ~~صرف، وصاحبه جائر قاسط، وتعالى الله وحاشاه أن يفعل هذا، وإنما الله سبحانه ~~لطيف لما يشاء، فتلطف إلى بلوغ مراده من شقوة من أراد شقوته من خلقه على ~~وجه لا يلجئهم إلى مراده ولا يهملهم حتى يخرجوا من تحت قهره وقدرته، وسلط ~~«2» على عبده نفسا أمارة، وهوى داعيا، وشيطانا مزينا للشهوات، وفي مقابلة ~~هذه روحا وعقلا ودينا، فالقبيلان كجيشين يصطدمان على فعل الشر وتركه، ~~ويترجح أحدهما بالتوفيق أو الخذلان. # ثم قطع حجته بأن قال: ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه ~~النجدين (10) «3» يعني طريق الخير والشر، ليجتلب ويجتنب، فإذا أراد الله ~~سبحانه شقوة عبد خذله فيرجح جيش شيطانه، وإذا أراد إسعاده وفقه فيرجح جيش ~~عقله، والتوفيق والخذلان للإنسان في مدة عمره، كالخفير وقاطع الطريق في ~~مسافة سفره، فكما أنك إذا استرشدك من لك به عناية عن «4» طريق أريته جهته، ~~ثم سيرت معه غلامك، أو سرت «5» معه بنفسك، فخفرته فيها-/ من أن يضل عنها، ~~أو يطأ فيها مهلكا، أو يقع في مغارة- حتى يقطعها إلى مقصده. PageV01P464 # وإن لم يكن لك به عناية، قلت له: هذا الطريق. ثم تركته بلا تخفير، فمر ~~على عماه «1»، فوقع على سبع فافترسه، أو لص فقتله، أو مهلك فتلف فيه، أو ~~مغارة فمات عطشا، كذلك الله- سبحانه- إذا اعتنى بعبده جعل التوفيق له إلى ~~الموت خفيرا، يمنعه من مفارقة الطاعات، ومقارفة المعاصي، وإذا غضب عليه لم ~~يصحبه التوفيق وذلك هو خذلانه له، فقارف «2» المعاصي، وفارق الطاعات فكان ~~شقيا. # فحقيقة القدر إذا حققت وجدت عدمية، وهي كون الله سبحانه/ لا يتفضل على ~~عبده «3» بالتوفيق ms081 العاصم من الهلاك، وليس عليه سبحانه ذلك بناء على أصلنا/ ~~في أنه لا يجب عليه رعاية الأصلح لخلقه، بل يتفضل به تفضلا «4»، فالله ~~سبحانه لا يلجئ أحدا إلى شر، لكن يخلي بينه وبين الشر. # وفرق بين أنك تترك تخفير رجل في الطريق فيقتل وبين أن تقطع عليه الطريق ~~فتقتله، وبين أنك تراه يريد أن يلقي نفسه من جبل فلا تمنعه، وبين أن تدفعه ~~منه فيقع. فإن الأول ترك نفع، وهو عدم محض، والثاني: فعل ضرر محض، ولهذا ~~أجمع الفقهاء على: أن من أخذ شخصا فغطه في الماء حتى اختنق PageV01P465 # يقاد به «1»، وعلى أن من رأى إنسانا في الماء قد كاد يغرق، وقدر على ~~تخليصه فلم يخلصه حتى غرق، لا يقتل. لكن في ضمانه له بالدية خلاف. الأصح ~~أيضا النفي، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق. # وأصل هذه المسألة إذا حققت رعاية للأصلح «2». # وقد أشير في نبوة ارمياء إلى حقيقة القدر، حيث يقول الرب سبحانه لعصاة ~~بني إسرائيل:" كما لا يقدر/ الهندي أن يغير سواد جلده، والنمر تبقيعه، كذلك ~~أنتم لا تقدرون على الإحسان والخير، لأنكم قد تعودتم الشر" «3». # وتقرير هذا: أن الباري- سبحانه- ركز في طباع العالم وجبلاتهم الميل إلى ~~أفعالهم من خير وشر، كما ركز الإحراق في طبيعة النار، والإغراق في طبيعة ~~الماء، وكما وضع السواد في الجسم «4»، والتبقيع في النمر والفهد والغراب ~~الأبقع، والسم في الحية والظلم والاستيلاء في طبع السبع، لكنه أجرى فعل تلك ~~الطبائع على كسب أهلها. فعلى الكسب يترتب الجزاء، وعلى ركز الفعل في الطبع، ~~وتحريك الداعي له- وهو خلقه، المنسوب إلى الله سبحانه- يترتب التسليم، ~~والله بكل شيء عليم. PageV01P466 # وقد استقصيت القول في مسألة" القدر" في كتاب مفرد، سميته:" درء القول ~~القبيح بالتحسين والتقبيح" «1» على وجه بليغ لمن عقل الأسرار الإلهية. # والله أعلم. # وأما ما حكى عن الزمخشري فهو صحيح. لكنه أسرف في تغليط العبارة «2» فإنا ~~ننزه الله تعالى عن أن يعاقب على فعل ألجأ إليه كما بينا. # ثم نقول: إن الزمخشري رجل معتزلي غال في الاعتزال،/ ms082 حرف القرآن عن ~~مواضعه، ليوافق مذهبه، واضطره ذلك فيما حكمى عنه السخاوي «3» - حتى حمل ~~قوله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ... (28) «4» على معنى: # أصبناه غافلا، كما يقال: أجبنت الرجل وأبخلته إذا وجدته كذلك «5». وتشبث ~~PageV01P467 # فيه بما لا حاصل له على ما بينته غير هاهنا" وأضله الله على علم" حتى نسي ~~قوله: اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم «1» الآية ونظائرها". # بقي هاهنا سؤال إذا ضويق القدرية فزعوا إليه، وهو: أن الله سبحانه وتعالى ~~«2» / إذا خلق الفعل، فإما أن يمكن العبد تركه، أولا، والأول: تعجيز للرب ~~حيث لم يتم مراده، والثاني: إلجاء للعبد، إذ لا يعني بالالجاء إلا اضطراره ~~إلى الفعل على وجه لا يمكنه التخلص منه. # فنقول: إن الله سبحانه إنما يخلق أسباب الفعل ودواعيه الأولية. ثم حقيقة ~~الفعل توجد بكسب العبد مرتبة على تلك الأسباب. والالجاء لا نعرفه إلا ~~بالمباشرة كما مثلتم في من/ ربط شخصا، وألقاه من جبل ثم توعده على السقوط. ~~أما حتم وقوع الفعل بفعل الأسباب والوسائط فلا نراه إلجاء. فإن سميتموه ~~إلجاء فهو نزاع في عبارة، ثم يلزمكم أن لا يستحق على الطاعة ثوابا لأن ~~فاعلها ملجأ إليها، والثواب إنما هو لمن أطاع اختيارا. وذلك لأن الطاعات ~~مترتبة بكسب الآدمي على أسبابها المخلوقة لله، كما أن المعاصي كذلك. # والقدرية يجعلون ثواب الطاعة مستحقا عليها ومعلولا لها. PageV01P468 # ثم يقال لهم: هل يلزم من خلق الفعل والعقوبة عليه غير القبح والتجوير؟ # ثم هو لازم على قولكم في خلق القدرة على الفعل؟ فإن الله سبحانه يخلقها ~~ويتسبب بها إلى إيقاع المعاصي من خلقه، ولو لم يخلق لهم قدرة عليها لم تقع ~~منهم. # وأجمع العقلاء على أن التسبب إلى القبيح قبيح، وإذا لزم القبح على ~~المذهبين لم يكن أحدهما أولى بالفساد من الآخر، ثم يرجع إلى نصوص الشرع وهي ~~في طرفنا. والله أعلم. # قال:" نبذ من صحيح الحديث تنضم إلى ما نحن فيه" يعني من القدح في الصدق. ### | [كلام الأموات وإنكار النصارى ذلك] # ذكر منها قوله- عليه السلام-:" ms083 إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على ~~أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة/ قالت: # يا ويلها، أين تذهبون بها؟ «1» / يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه ~~لصعق" «2». PageV01P469 # قال:" وهذا أبين من أن يتكلم على بطلانه، إذ كيف يكون لميت صوت تسمعه ~~البهائم والجمادات دون الإنسان، لأن شرط المسموع أن يكون صوتا خارجا، يتموج ~~به الهواء، فيقرع صماخ الأذن «1»، فهل للبهائم والجمادات أسماع فضلا عن أن ~~تكون أفضل فيها «2» من الإنسان؟ ". # هذا حاصل ما قرر به «3» هذا السؤال، مع تشنيع ذكره يسير. # قلت: الجواب العام عن كل حديث ذكره في هذا الكتاب: أنه من أخبار الآحاد ~~التي توجب العمل لا العلم، فلا يثبت بها أصل، ولا يقدح بها في أصل وإنما ~~يقدح في الشرائع ما تثبت بمثله الشرائع، وقد قرر هذا في المقدمات «4»، وفي ~~آخر شرط الصدق بعد هذا «5». ولكنا نتبرع بالجواب «6». # وجوابه من وجهين: # أحدهما: أن الكلام في هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي يقصر العقل عن ~~PageV01P470 # ادراكها «1»، فرع على ثبوت النبوة وتابع لها، كمسألة القدر، فحق الكلام ~~أن يكون في رتبة قبلها. وأنت فقد قدمت من كلام" أرسطو" وغيره، أن نسبة ~~إدراكاتنا إلى المبادئ الأولى كنسبة الخفاش إلى ضوء الشمس، ثم إنك في ~~الاعتراض على هذه الأخبار تناقض «2» ذلك. فأنت هناك مشرع جامد، وهاهنا ~~فيلسوف محلول، وحالك لا ينضبط. # الثاني: أن العلماء نقلوا عن موسى، أنه لما ناجاه ربه أمر الريح فأخذت ~~على أسماع الناس، ولولا ذلك لماتوا من صوته- تعالى «3» -، ونحن عندنا أن ~~الكلام والادراكات ليس من شرطها الأدوات، بل يجوز أن يخلقها الله- تعالى- ~~في الجمادات كما قال سبحانه: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ... (44) «4». # وهو عند المحققين على حقيقته التي تليق بكل شيء بحسب قوته واستعداده وما ~~يهيئه الله له، فكذلك يجوز أن ينطق الله تعالى الميت كما أحيى الموتى ~~لعيسى/ ويحجب صوته عن الإنسان لئلا يصير إيمانه بهذه الحقائق الغائبة ~~ضروريا، فتبطل فائدة التكليف بالإيمان بالغيب، ويسمع صوتها «5» غير الإنسان ~~على حسب ما يليق ms084 بالأشياء، لأنها ليست مكلفة فلا محذور. PageV01P471 # وإذا كان الله سبحانه هو خالق الذوات من حيوان ناطق وصامت وجماد فهو ~~خالق/ صفاتها وادراكاتها، وكما أخرج تلك القوى والادراكات من العدم إلى ~~الوجود، كذلك هو قادر على أن يقوي ضعيفها ويضعف قويها، حتى يبلغ مراده، وهو ~~بالغ أمره، وكل ما ينسب إلى قدرة الله- تعالى- من الممكنات لا ينبغي أن ~~يصادم بالانكار، خصوصا إذا اقترن به أخبار أهل النواميس «1» الدالة على صدق ~~أصحابها، وليس في هذا وأمثاله من الاستبعاد، إلا كونه غير مدرك لنا، ولو ~~أدركناه لزال الاستعباد، كما أننا لو لم تثبت عندنا معجزات الأنبياء كقلب ~~العصا حية، وتفجير الماء من الحجر «2»، وإخراج ناقة عظيمة من جبل «3»، ~~PageV01P472 # وإحياء الموتى «1» ونحوه، لما صدقت به العقول بادئ الرأي، إلا بعد نظر ~~دقيق واستدلال «2». # وهكذا ما نحن فيه، لما نظرنا فيه قد اتجه إمكانه، وأما وقوعه فيعتمد ~~[على] «3» خبر الصادق، وقد بينا صدقه، وسنبين. # ويجوز أن يحمل قوله:" سمع صوتها كل شيء إلا الإنسان" على السماع ~~التقديري، أي لو كانت هذه الأشياء مما يسمع لسمعته، ويكون فائدة ذلك: ~~الاخبار بصياح/ الميت عن داع وحرقه «4»، تنبيها على أسفه وشدة ندمه «5» ~~ليتعظ به الأحياء، كما قال الشاعر في صفة الفرس: # وشكا إلي بعبرة وتحمحم «6» PageV01P473 # وقال في صفة الحوض: # امتلأ الحوض وقال: قطني مهلا «1» رويدا، قد ملأت بطني «2» أي لو كان ممن ~~يتكلم لقال ذلك، وأنتم تستبعدون هذا التقدير، لأن لغتكم وأذهانكم قلف «3» ~~مثلكم، مقصورة على إرادة الحقائق، وليس فيها توسع في المجاز، على أن ~~المجازات في كتب الأنبياء كشعياء وغيره كثير «4» جدا «5»، وهو خفي بعيد حتى ~~أنه في بعض المواضع رمز عقد بمرة «6». PageV01P474 ### | [عذاب القبر ونعيمه وموقف النصارى منه] # ومنها قوله في حديث ابن عمر: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وأنكرت ذلك ~~عائشة «1» وقالت:" إنما قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه" ~~«2» قال:" وهذا باطل لأن الله تعالى لا يعذب أحدا بفعل غيره" «3». # قلت: هذا اعتراض صحيح، لكنه ليس على النبي صلى الله عليه وسلم، بل ms085 على ~~الراوي الذي روى ذلك عنه «4». فإن هذا الحكم على خلاف نص القرآن، وهو قوله ~~PageV01P475 # تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى ... (164) «1» ومن المحال عادة أن من يقرر ~~ناموسا وشريعة يخالف ما يدعي أنه أنزل عليه بما يقوله، ونسبته في ذلك/ إلى ~~الغلط والوهم ممتنع عادة، لأن هذا مما لا يخفى عن عاقل، فضلا عن ذي ناموس. # فالحاصل: أن راوي هذا الحديث وهم في روايته، وقد صح عن عائشة أنها قالت: # " وهل «2» أبو عبد الرحمن- تعني ابن عمر-؟ إنما مر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم/ بقوم يبكون «3» على يهودي، أو يهودية، فقال: «إنهم ليبكون ~~عليها/ وإنها تعذب في قبرها» «4». PageV01P476 # فالبكاء والعذاب في هذا ليس بينهما ارتباط سببي، بل هو اتفاقي اتفق أن ~~بكاءهم عليها صادف وقت تعذيبها. هذا على أن لحديث ابن عمر وجها صحيحا في ~~التأويل، وهو أنه محمول على من وصى أن يناح عليه «1»، أو علم من أهله أنهم ~~ينوحون عليه فلم ينههم، وكان ذلك عادة العرب، وزجرهم عليها «2» بهذا، لأن ~~النوح على الميت يدل على التسخط بقضاء الله- سبحانه- فيكون الميت والحالة ~~هذه متسببا إلى إيقاعه بوصيته به وإقراره عليه، والعذاب يترتب على التسبب ~~كما يترتب على المباشرة، وقد قررت هذا الحكم في القواعد «3». # ومنها: حديث عائشة أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فسألت عائشة ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال لهم: «عذاب القبر حق» قالت ~~عائشة: # " فما رأيت النبي [صلى الله عليه وسلم] «4» بعد «5» صلى صلاة إلا تعوذ من ~~عذاب القبر" «6». PageV01P477 # وذكر حديث أنس في عذاب القبر، وسؤال الملكين للميت فيه إلى قوله في ~~الكافر:" يضرب بمطرقة [من حديد] «1» ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من ~~يليه إلا الثقلين" «2». # قال: فتأمل هذا الحديث المصرح بعذاب القبر، وكيف أثبت عليه هذه الأضحوكة ~~من كلام اليهودية مع عائشة؟ وكيف يسمع صياح الميت من يليه «3» إلا الثقلين؟ ~~وكيف يسمع من لا يسمع، ولا يسمع من يسمع؟ ولا «4» يحتاج من له أدنى مسكة من ~~تمييز إلى أن نبين له ms086 ما في هذا من الافتراء". # قلت: هذان الحديثان صحيحان، وأجمعت الأمة المحمدية على إثبات عذاب القبر ~~إلا قليلا منهم، وهم بعض المعتزلة «5» الموافقون للنصارى/ في ذلك وفي ~~القدر- كما سبق-. PageV01P478 # ويكفي أهل السنة من المسلمين فضلية: أن كلام أعداء الإسلام إنما يتجه ~~معهم «1»، وعلى رأيهم، وأن أهل البدع لا يتجه عليهم لموافقتهم أعداء الدين ~~«2» فإن هذا العلج لما قدح في النبوة، إنما وجه شبهه إلى أهل الحديث./ # قلت: والجواب على هذا من وجوه «3»: # أحدها «4»: أنك لو ناظرت في هذا معتزليا لسلمه لك، وخالفك «5» في دعوى ~~الإسلام، فيكون قد أجابك بالقول بالموجب فتنقطع في هذا المقام. ولنا أن ~~نلتزم مذهبه في جدالك، لأنه على كل حال من فرق الإسلام «6»، وإن كان مسلما ~~نجسا «7»، كما أنك أنت نصراني نجس، لأنك تارة تثبت الشرائع وتارة توغل في ~~الفلسفة والتعطيل، العائدة على النبوات بالتبطيل. # الثاني: أن هذا الحكم من فروع الشريعة، ولهذا يذكره الفقهاء في كتب الفقه ~~عند ذكر مشروعية التلقين، فهو تبع لا مقصود. PageV01P479 # الثالث: أن جوابه التفصيلي هو جواب تكلم الجنازة بعينه من حيث التوجيه، ~~ثم نجيب عن كلماته التي أساء بها أدبه. # قوله:" أثبت هذه الأضحوكة بكلام يهودية" قلنا: هذه أضحوكة عند عقلك. لأن ~~الله- سبحانه- يريد ضلالك «1»، حتى يوقعك فيها، وما ينفعك السيد المسيح. ثم ~~إنه لم يثبتها بقول يهودية، بل بالوحي الصادق النازل على سبب إخبار ~~اليهودية./ والقرآن والوحي كان ينزل على أسباب ووقائع «2» تقتضيه. # ودليل عذاب القبر في القرآن نحو قوله تعالى: فإن له معيشة ضنكا «3» ~~سنعذبهم مرتين «4»: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل PageV01P480 # فرعون أشد العذاب (46) «1». # قوله:" كيف يسمع صياح الميت «2» من يليه إلا الثقلين؟ " قلنا: كما وجهناه ~~فيما سبق. # قوله:" كيف يسمع من لا يسمع؟ ". قلنا: يخلق الله قوة السمع فيه. # قوله:" وكيف لا يسمع من يسمع؟ ". # قلنا: يخلق الحجاب المانع للسمع على سمعه، كما سبق في مناجاة موسى «3». # قوله:" لا يحتاج من له أدنى تمييز إلى أن يتبين له أن هذا افتراء". # [قلنا: أما ms087 هذا فلا يشك عاقل أنه ممكن. وقد أخبر به الصادق. # وأما ما يدعيه من إلهية المسيح أو بنوته، واتحاد الأقانيم، ونحو ذلك فلا ~~يشك عاقل أنه افتراء] «4»، على الله ورسله، وأول خصم يكون لك يوم القيامة: # المسيح. على ذلك. وأنت شخص متحير متردد، لا مسيحي ولا فيلسوف. بل كما قال ~~«5» القائل: # حدا باسمك الحادي وناحت حمامة فلم أدر أي الداعيين أجيب؟ «6» PageV01P481 ### | [الحشر والحساب يوم القيامة والرد على النصراني في إنكاره] # ومنها: في كتاب الزكاة «1»: # حديث أبي هريرة: «ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا ~~كان يوم القيامة/ صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها ~~جنبه وجبينه» «2». # وفي الحديث الآخر: «من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة ~~شجاعا «3» يأخذ بلهزمته «4» ثم يقول له: أنا مالك. أنا كنزك. ثم تلا: ولا ~~يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله «5» الآية «6». PageV01P482 # وفي حديث أبي ذر: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي حقها إلا بطح ~~لها يوم القيامة بقاع قرقر «1»، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها حتى يقضى ~~بين الناس» «2». وحديث أبي سعيد «3»: «تكون/ الأرض يوم القيامة خبزة واحدة ~~يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ «4» أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة. ~~فأتى رجل من اليهود. فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم «5». ألا أخبرك ~~بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة، ~~PageV01P483 # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر النبي- صلى الله عليه وسلم «1» - ~~إلينا وضحك «2» حتى بدت نواجذه ثم ذكر أن إدامهم بالام ونون «3» وهما ثور ~~ونون يأكل من زائدة «4» كبدهما سبعون ألفا» «5». # وحديث: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين «6»، واثنان على بعير، ~~وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، ~~تقيل معهم حيث قالوا، وتمسى «7» معهم حيث أمسوا» «8» وفيه:" يقتص للشاة ~~الجماء «9» من القرناء «10»، والعود لم خدش العود؟ " «11». PageV01P484 # وحديث ابن عباس وعائشة: «يحشر الناس «1» حفاة عراة غرلا» ms088 «2» وحديث أبي ~~هريرة: «إذا كان يوم القيامة دفع الله «3» إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا ~~فيقول هذا فداؤك «4» من النار» «5». # ثم قال:" فانظر إلى هذه الأحاديث، وما تضمنته من الأخبار بأن مال الإنسان ~~الذي يبخل به يصير صفائح من نار، ويصير أيضا شجاعا أقرع. وكيف أخبر عن حشر ~~الحشرات والبهائم والعيدان، وأن الله يقتضي «6» بينهن. وكيف تمشي الجمال ~~والبقر على الناس؟ وكيف يحشر الناس «7» على الجمال ركابا؟ ". PageV01P485 # قلت: والجواب عن هذا/ من وجوه: # أحدها: أن كل هذا ممكن، لا شك في إمكانه وقد أخبر به الصادق فيجب قبوله. # الثاني: أنه ليس عندك في إنكاره إلا كونه لم يذكر في كتابك/ ونحوه وقد ~~قدمنا: أن هذا استناد إلى الجهالة، واعتماد على الضلالة، ونحن عندنا أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أكمل الأنبياء وأشرفهم، فلا يمتنع أن يختص من ~~العلم بما لم يعلموه، على أن أصول دين الإسلام مشتركة بين سائر الأديان ~~لقوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا/ الدين ولا تتفرقوا فيه «1». # ولكن ذلك بدل وغير في كتبكم لتطاول العهد، واعتوار «2» اللغات والألسنة ~~عليه «3». PageV01P486 # الثالث: أن هذا من الأمور الإلهية التي اعترفت أنت وحكيت عن أرسطو: # " أن قوتنا بالنسبة إلى ادراكها، كإبصار الخفاش إلى الشمس" «1» وأن فائدة ~~النبوات تعريف مثل ذلك، فليس لك أن تعترف بقصور عقلك عن أمر تعود فتنكره ~~بناء على أن عقلك لا يدركه، بل إن اعترفت بأن الشرائع وردت بما يقصر عنه ~~العقل البشري، لزمك تسليم مثل هذا إذا أخبر به صادق، ولا يبقى لك نزاع إلا ~~في صدقه وعلينا بيانه، وإن أنكرت ذلك فلست من أهل الشرائع حتى نتكلم معك، ~~لأن أهل الشرائع أجمعوا على خلافك «2». # الرابع: أن العالم بأسره لما أنكر عليكم دعواكم: أن الله هو المسيح وأنه ~~عبارة عن ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس، إله واحد، لجأتم إلى إمكان ~~ذلك في قدرة الله، مع أن دعواكم إذا حققت كانت ms089 باطلة قطعا عند كل عاقل، ~~وتمحلتم «3» لاثباتها بتشبيهه بالشمس المتحدة في نفسها المشتملة على جرم ~~وضوء وشعاع، وبالزبرة «4» المحماة المشتملة/ مع وحدتها على حديد ونار وشرر، ~~وأشباه هذا من الأشياء التي لا حاصل لها واستروحتم «5» إلى ذلك، مع أنه ~~مكابرة جبناء فنحن أولى أن نلجأ في هذه الأمور الغائبة عنا، الممكنة في ~~نفسها بلا خوف إلى قدرة الله سبحانه. PageV01P487 # الخامس: أن هذه الأحاديث ممكنة وفيها فوائد وحكم، ومن أتى بشيء ممكن فيه ~~حكمة وفائدة وجب قبوله منه، نبيا كان أو غيره، ما لم يقم دليل على «1» ~~بطلانه. # أما امكانها فظاهر. # وأما فائدتها: # أما في حديث الصفائح والشجاع الأقرع، فتخويف الناس وحضهم على أداء حقوق ~~الفقراء من أموالهم «2». # وفيها: حق لله، وهو تعبدهم بإخراج المال المحبوب، ووجه الجمع بينهما: # إما بأن يحمل على أن بعض الناس يكوى بماله، وبعضهم يمثل له شجاعا، أو بأن ~~مال الإنسان الواحد يكوى به تارة، ويمثل له شجاعا أخرى، ومعنى تمثيله له ~~شجاعا: أن الله- سبحانه- يرسل عليه حية يعاقبه بها على ترك الزكاة. # وقوله:" أنا مالك، أنا كنزك" أي عقاب مالك، وجزاء منع حق كنزك. أو أن ~~الله يخلق من الذهب والفضة شكل حية، ثم ينفخ فيها الروح/ فتفعل ذلك «3»، ~~كما أنه نفخ الروح في خشبة بيد موسى، فصارت حية تلقف ما PageV01P488 # صنعوا «1». # وأما بطح صاحب الأنعام لها حتى تطأه وتنطحه فظاهر الامكان وفائدته: ما ~~ذكر. # وأما حديث «تكون الأرض خبزة» فهو شيء قد أخبر به النبي- صلى الله عليه ~~وسلم- «2» ووافقه عليه حبر من أحبار اليهود، ولهذا فرح النبي- عليه السلام- ~~بموافقته لئلا يستبعد ذلك منه جلف مثلك، وذلك يدل على أن اليهود يجدون ذلك ~~في التوراة/ وهي حجة عليك. # فإن قلت: لم نجد/ هذا في التوراة عندنا الآن، ثم يجوز أن اليهودي واطأه ~~على ذلك، أو خاف من مخالفته لئلا يقتله. # قلت: الجواب عن الأول: أن التوراة حرفت عما كانت في ذلك العصر فلا يلزم ~~من عدم وجدانكم له عدمه حينئذ. # وعن الثاني: بأن اليهود «3» كانوا يوردون عليه المسائل ms090 ويمتحنونه، ~~ويصدقونه في شيء ويكذبونه في أشياء، وما نقل عنه: أنه قتل منهم على ذلك ~~أحدا، بل إنما كان يقتلهم في المحاربة «4»، ولو كان قاتلا أحدا منهم على ~~شيء من ذلك لقتل PageV01P489 # " ابن صياد" «1» لما قال له:" أتشهد «2» أني رسول الله؟ " قال أنت رسول ~~الأميين. ثم قال له ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ " فقال:" آمنت بالله ~~ورسله" فقال له عمر بن الخطاب: دعني أقتله يا رسول الله- وكانوا يرونه ~~الدجال- فقال:" لا" إنه إن يك هو فلن «3» تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا ~~PageV01P490 # خير في قتله" «1». # ولقتل" لبيد بن الأعصم" الذي سحره حتى اضطرب حالة السحر «2»، ثم لما ظهر ~~عليه عفا عنه «3»، وكم بلغه السب والشتم من اليهود وغيرهم فعفا عنهم عن ~~قدرة. # وأما حشر الناس على الإبل والدواب، واقتصاص بعضها من بعض فتحقيقا لإقامة ~~العدل، في كل شيء من خلقه، والآخرة لا تقلب الحقائق، فكما يركب الناس ~~الدواب الآن يركبونها هناك. وهذا يكون في الأرض لأن الله- سبحانه- يطوي ~~السموات والأرض بيمينه «4» ويبدل الأرض غير الأرض «5». PageV01P491 # وأما حشر الناس حفاة غرلا، فتحقيقا لقوله تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا «1». # وأما كونه يدفع إلى كل/ مسلم يهودي أو نصراني، يكون فداءه من النار، فلأن ~~اليهود قتلوا الأنبياء وكذبوهم «2»، وصلبوا إلهكم المسيح بعد ظهور الخوارق ~~على يده «3»، والنصارى «4» ادعوا إلهيته وإنما هو نبي كريم «5». فأولئك ~~فرطوا فيه وهؤلاء أفرطوا فيه «6»،/ وكفرتم جميعا بمحمد- صلى الله عليه ~~وسلم- «7» بعد مجيئه بالبينات والهدى «8» وما جزاء من يفعل ذلك إلا النار. ~~وأنا أرجوا أن تكون أيها العلج فدائي من النار، لما حصل بيني وبينك من ~~النظر والجدال في الله فنحن خصمان اختصموا في ربهم إن شاء الله تعالى «9». ~~PageV01P492 # ومنها: حديث: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، ~~والشهيد في سبيل الله» «1». # وفي سورة آل عمران «2»: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون (169). وذكر عن تفسير ابن عطية «3»، حديث: «إن أرواح ~~الشهداء على باب الجنة في أجواف طير خضر» «4» في أشياء ms091 مما يتعلق بهذا. # قلت: وذلك مما لا إشكال فيه. فإن الأرواح عندنا أجسام لطيفة فلا يمتنع أن ~~يكرم الله الشهداء بأن يعلقها بأشكال الطيور «5»، ليدوم نعيمها حتى القيامة ~~جزاء على جودهم بأنفسهم في سبيل الله. PageV01P493 # وأما بقية الشهداء، فهم شهداء تسمية: إما باعتبار أن لهم كأجر الشهداء في ~~سبيل الله تفضلا «1»، أو لأن ملائكة شهداء المعركة تشهدهم [أو غير ذلك. لا ~~حكما. بدليل أحكام شرعية افترق فيها القبيلان «2»، كالغسل والصلاة «3» ~~ومغفرة الذنب بأول قطرة من دم] «4»، حتى الدين يعفى له عنه على مقتضى حديث ~~روي في ذلك «5»، دون بقية الشهداء/. PageV01P494 ### | [الإسراء والمعراج] # ومنها: حديث المعراج والبراق «1»، وما جرى فيه/ من العجائب، وخلاف الناس ~~في دخوله بيت المقدس أم لا؟ وأن المعراج هل كان بشخصه أم بروحه مناما؟ # قلت: حديث المعراج أجمع المسلمون على صحته. والمعتمد عليه منهم على أنه ~~كان بروحه مناما مرة، ثم كان بشخصه يقظة أخرى. وكانت الأولى تمهيدا ~~للثانية، وأنه عليه السلام دخل بيت المقدس «2». PageV01P495 # وحديث المعراج، وما جرى فيه مما «1» يجب تسلمه عن «2» صاحب الشريعة إذ لا ~~طريق إليه إلا من جهته، كما كان يخبر موسى بما يجري له مع ربه على الطور ~~«3»، وكما أخبر المسيح أنه يصعد إلى أبيه فيكون عن يمينه، وأنه في آخر ~~الزمان يأتي في مجد أبيه والأملاك حوله «4». ### | [الأكل والشرب في الآخرة وموقف النصارى منه] # ومنها: الآيات والأحاديث المتضمنة لذكر ما في الجنة من مأكول ومشروب ~~ومنكوح. وذكر من الأحاديث ما هو صحيح وباطل وأنكر ذلك واستعظمه بناء على ~~شبه: # إحداهن: ما نقل عن الإنجيل: أن المسيح قال في القيامة:" لا يتزوجون ولا ~~يأكلون ولا يشربون، ولكنهم مثل ملائكة الله في السموات" «5» وذكر عن جماعة ~~من الأنبياء/ أنهم سألوا الابتهاج بوجه الله- يعني فلا يكون بغيره. # الثانية: أن الطعام والشراب في الدنيا لضرورة بقاء الأبدان، لأنها ~~بدونهما تلهك، وهناك يصيرون كالملائكة لا يخشى عليهم الهلاك، لأنها دار ~~السعادة الكاملة. PageV01P496 # الثالثة: ما ذكره أبو علي ابن سينا «1» في" التنبيهات" حيث تكلم في: # " البهجة ms092 والسعادة" وحاصله: أن اللذة ليست منحصرة في الحسيات «2» بل ~~الإنسان قد/ يترك الحسيات «3» لتحصيل لذة الغلبة، ولو في أمر ما خسيس ~~كالشطرنج، أو في تحصيل ذكر جميل بعده، يقتحم لأجله الأخطار، وليس ذلك من ~~اللذات العقلية، فما ظنك بالعقلية؟ " «4». # هذا حاصل ما ذكره في هذا «5» السؤال، وان كان قد أسهب «6» فيه وأطال. # والجواب: أما اللذات الحسية من مأكل ومشرب ومنكح، وكل ما يشتهيه الإنسان ~~من اللذات الممكنة التي لا تغذي فيها، فهو مجمع على حصوله في الآخرة بين ~~المسلمين. # وأما شبه هذا الخصم على بطلان ذلك: PageV01P497 # أما الأولى: فلا شك أنهم نقلوا في الإنجيل عن المسيح: أن الزنادقة ~~المنكرين للقيامة سألوه عن سبعة إخوة تزوجوا امرأة واحدا بعد واحد، ويموتون ~~عنها، فلمن تكون في الآخرة؟ «1» فأجابهم بما ذكر هاهنا، وهو: أن الناس في ~~الآخرة كالملائكة لا يأكلون ولا يتزوجون، لكن هذا ينافيه ما في الفصل ~~التاسع والعشرين «2» من إنجيل مرقس: أن المسيح قال لرجل:" بع كلما لك واعطه ~~للمساكين واكنزه في السماء" فصعب على الرجل، فقال له بطرس: ها نحن قد تركنا ~~كل شيء وتبعناك، فقال يسوع:" الحق أقول لكم: إنه ليس أحد ترك بيوتا أو إخوة ~~أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو بنين أو حقلا لأجلي ولأجل بشارتي «3» ~~إلا وهو يأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان: منازل وإخوة وأخوات وأب وأم ~~وبنين في الشدائد وفي الدهر الآتي في الحياة المؤبدة، أولون كثيرون يكونون ~~آخرين، وآخرون أولين". # قلت: فهذا نص في أن الناس في نعيمهم في «4» الآخرة، كهم في الدنيا،/ وصرح ~~بذكر المرأة. وفائدتها: النكاح، وبالحقل. وفائدته:/ الأكل، وكذا «5» قال في ~~آخر الفصل التاسع والعشرين «6» من إنجيل مرقس:" من ترك شيئا لي أخذ أضعافه ~~في الحياة الدائمة". PageV01P498 # وهو عام في كل ما ترك من الدنيا، فيتناول المطعم/ والمشرب والمنكح «1». # فهذا نص المسيح، على خلاف ما ذكرتم عنه في جواب الزنادقة، فأحد النصين ~~كذب قطعا، وحينئذ يسقط الوثوق بالانجيل لوقوع الكذب فيه. # وأما جوابه للزنادقة بما ذكرتم، ms093 فإن صح فهو محمول على قيامة الموت لأن ~~قيامة كل أحد موته، لأنه أول منازل القيامة فكأنه «2» يقول: إذا مات الشخص ~~تجر «3» روحه من بدنه، فكان كالملائكة، حتى يبعث جسده يوم القيامة فيعطى ~~أضعاف ما ترك لأجلي في الدنيا، جمعا بين نصيه، وإلا فالحكاية موضوعة ~~مختلقة، ويدل على ذلك: أن سؤال الزنادقة له إنما هو على جهة الإيراد على ~~دينه، والإلزام له على ما أشار إليه سياق الإنجيل ولا يتم لهم ذلك إلا بعد ~~علمهم بأن من دين موسى والمسيح ثبوت النعيم الحسي في الآخرة، فجوابه لهم ~~بما ذكرتم عنه يكون موافقة ومساعدة لهم. # وقد استوفيت الكلام على ذلك في:" التعليق على الإنجيل" «4». PageV01P499 ### | [رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة] # وأما سؤال الأنبياء للابتهاج «1» بوجه الله سبحانه فلا يبقى ما يدعيه، ~~لجواز أن تكون البهجة بالأمرين، أعني النظر إلى وجه الله، والتمتع باللذات ~~الحسية، وهذا عين ما نقوله. وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ~~التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم «2»، وأجمع على جوازه ووجوبه المسلمون. # وفي القرآن الكريم: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة «3» وأجمع المفسرون/ على ~~أن المراد بالزيادة: النظر إلى وجه الله سبحانه «4». # وأما الثانية: فمثبتة على التي قبلها وقد بطلت، ثم لا نسلم: أن الطعام ~~PageV01P500 # والشراب في الدنيا لضرورة بقاء الأبدان على الاطلاق، لأن ذلك إنما تصح ~~دعواه فيما يقيم الرمق «1» ويحفظ البنية، فما قولك فيما زاد على ذلك كأنواع ~~المآكل والمشارب من اللحوم والحلاوات وأنواع الأشربة، ولهذا من ترهب «2» من ~~النصارى والمسلمين يقتصر على البلغة «3»، ويدع ما سواها مما يتناول للتنعم ~~«4». # وإذا كانت الدنيا مع أنها دار فناء ونفاد، فيها هذا النعيم، فالدار ~~الآخرة الباقية الدائمة المأمونة الزوال أولى بذلك. ثم هب أن المأكول ~~والمشروب لضرورة بقاء البدن، فما تقول في النكاح مع أن البدن يبقى بدونه؟ ~~فهو من باب النعيم لا محالة. ### | [البعث والمعاد والرد على المنكر لذلك] # وأما الثالثة: فهي مبنية على رأي" أبي علي" «5» في أن المعاد لا يكون إلا ~~روحانيا، فلا تتصور «6» اللذات ms094 الحسية. إذ شرط ادراكها/ تعلق النفس بالبدن ~~وحجته على ذلك «7»، ما حكاه الإمام فخر الدين «8» في المباحث المشرقية:" أن ~~PageV01P501 # البدن لو أعيد لكان إما أن يعاد في زمن ابتدائه، أو في غيره. فإن أعيد في ~~زمن ابتدائه، لزم اتحاد الزمنين، مع ما بينهما من الفواصل الكثيرة والأزمنة ~~المتعددة، وهو «1» محال. وإن أعيد في غيره لم يكن المعاد هو عين المبتدأ" ~~«2». # قلت: وهذا وهم قبيح من مثل ذلك الفاضل العلامة. لأنه كأنه يوهم أن الزمان ~~داخل في حقيقة البدن، أو أن اتحاد الزمن شرط في صحة الإعادة. وليس كذلك، ~~ولا دليل عليه. # ومذهب المسلمين/ قاطبة: القول بالمعاد البدني،/ وإدراك اللذات الحسية ~~والعقلية. ولذلك مناسبة حسنة، وهي: أن العالم على ثلاثة أضرب. عقل محض ~~كالملائكة، وشهوة محضة كالبهائم، ومركب من الأمرين وهما الثقلان. فالطرفان ~~لا مشقة عليهم. أما البهائم فلعدم التكليف وأما الملائكة فلعدم الشهوة ~~المعارضة لعقولهم، والثقلان واسطة، عليها المشقة لتنازع العقل والشهوة في ~~مراديهما. # فيتعب «3» الإنسان بينهما كالمخلص بين متخاصمين. فلا جرم أن الملائكة لما ~~عبدوا الله بالعقل المجرد الخالي عن معارضة الشهوة كانت لهم اللذة العقلية، ~~والبهجة PageV01P502 # الروحانية. والبهائم لما خلت عن عقل تعبد الله به تمتعت باللذات الحسية ~~الشهوانية مدة بقائها في استعمال المكلفين لها ثم يوم القيامة، تصير ترابا ~~بعد أن يقتص لبعضها من بعض «1»، لأنه لا عبادة لها تستحق بها يوم القيامة ~~لذة عقلية ولا حسية. # وعند مصيرها ترابا يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا (40) «2» وبنو آدم ~~لما تعبدوا فيما بين العقل والشهوة وجب بمقتضى هذه المناسبة أن يجمع لهم في ~~الآخرة بين اللذتين العقلية بمقتضى العقل الذي عبدوا الله وعرفوه به، ~~والحسية بمقتضى الشهوة التي صبروا على خلافها في طاعة الله- سبحانه- ولو في ~~التوحيد وهذا معنى قوله تعالى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) «3» أي ~~بما صبروا على الطاعات وعن الشهوات «4». # هذا آخر الجواب عما يستحق أن يجاب عنه من هذا السؤال من الآيات والأخبار ~~الصحيحة، فأما ما ذكره من ضعيف الأخبار. وكلام" أبي حامد" «5» وغيره: فلا ms095 ~~يلزمنا/ الجواب عنه، ولا هو ممن يستحق ذلك". PageV01P503 ### | [الرد على اعتراض النصراني على خلق السموات والأرض في ستة أيام] # قال: وفي سورة الأعراف «1»: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ### | .... # وقال في سورة السجدة «2»: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى ~~قوله: فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ... (12) «3». # فمقتضى هذه الآية الثانية أن السموات والأرض خلقتا «4» في ثمانية أيام ~~ألا ترى أنك لو قلت: # بنيت بيتا وأسسته في يومين، وأقمت حيطانه في أربعة أيام، وسقفته في ~~يومين، لم يشك عاقل، يسمع قولك في «5» أن مدة إقامتك البيت بجملته ثمانية ~~أيام. ولهذا يلزم محمدا- صلى الله عليه وسلم- «6» إن كان صادق الإخبار في ~~الآية «7» الأولى فالثانية بالضرورة كاذبة. وبالعكس. وذلك مطلوبنا. ~~PageV01P504 # قلت: الجواب عن هذا: أن الآيتين لا تناقض فيهما «1»، ولكن هذا الشخص لم ~~تكن له معرفة بالقرآن ولا لغة العرب وتنزيل الألفاظ منازلها وجدير بمن ~~يتكلم فيما لا يعلم أن يخطئ ويتلعثم. # وبيان ذلك: أن القرآن مصرح في أكثر من ستة مواضع بأن الله خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام «2». فهذه نصوص لا تحتمل التأويل. وهذه الآيات التي في ~~سورة السجدة «3». فيها نوع اجمال. والمراد بها ما في تلك النصوص، ولا يبين ~~ذلك إلا بالتأويل، والتوفيق بين الكل، ومن قواعد الأصوليين حمل المجمل على ~~المبين،/ والظاهر على النص، والمطلق على المقيد، والعام على الخاص فهذا ~~مجمل، أو محتمل نحمله على ذلك النص الصريح. # وبيانه: أن اليومين المذكورين في قوله: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين؟ داخلان في الأربعة المذكورة في قوله: وجعل فيها رواسي من فوقها ~~وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10) والدليل ~~على ذلك من وجوه: # أحدها: أن الله سبحانه يقول في سجدة" الم" «4» وغيرها: الله الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ... (4) ثم ثبت بهذه الآية ~~المتنازع فيها أنه خلق السموات في يومين، فتعين أنه خلق الأرض بما فيها ms096 من ~~الجبال والشجر PageV01P505 # والبحار والأقوات وغيرها في أربعة أيام، لأن هذه الأشياء إما من حقيقة ~~«1» الأرض، أو مما بينها وبين السماء. فتعين بما ذكرناه أنها داخلة فيما ~~خلق في أربعة أيام التي منها اليومان الأولان «2». # الوجه الثاني: أن قوله: في أربعة أيام إما أن نعلقه بتقدير الأقوات فقط، ~~أو به وبما قبله من خلق الأرض وجبالها، والبركة فيها. والأول باطل، لأنه ~~يلزم «3» / أن يكون فعل ما قبل ذلك، لا في زمان، وهو محال. فتعين الثاني، ~~وهو أن أربعة الأيام متعلقة بجميع ما تقدم، من قوله: خلق الأرض إلى قوله: ~~أقواتها «4» وعلى هذا اعتراض لا يخفى. # الوجه الثالث: أن محمدا- عليه السلام- لم يشك أحد في حكمته وفصاحته ولهذا ~~نسبه الأعداء إلى أنه إنما أقام ناموسه بالحكمة والسيف. ومن يكون من الحكمة ~~في هذه الرتبة لا يناقض ما صرح به في ستة مواضع بما يقوله في موضع، ولا ~~يخفى عليه ذلك. فدل هذا على أنه أراد بما في هذه الآية ما في تلك الآيات. ~~وذلك إنما يصح بجعل اليومين الأولين داخلين في الأربعة الثانية ويصير/ هذا ~~كما لو قلت: سرت من القاهرة «5» إلى بيت المقدس «6» في عشرة أيام، وإلى ~~PageV01P506 # دمشق «1» في عشرين «2». فإن «3» العشرة داخلة في العشرين. # أما ما ذكرته من أن «4» قول القائل: بنيت بيتا فأسسته في يومين وأقمت ~~حيطانه في أربعة أيام، وسقفته في يومين: يفيد أن الجملة ثمانية أيام. ~~فجوابه أن فرضك لهذه الصورة مع تقدير تقدم النص من القائل بأنه «5» أقام ~~جملة البيت في ستة أيام، أو مع عدم تقدير ذلك؟. # فإن قلت: مع «6» تقدير تقدم النص المذكور كان كمسألتنا. فلا نسلم استفادة ~~ثمانية أيام من القول المذكور «7»، بل ستة كالمنصوص. ويكون ذلك النص قرينة ~~في هذا التأويل، أعني حمل الثمانية الظاهرة على الستة المنصوصة. # وإن قلت: مع عدم النص فليس ذلك مثل مسئلتنا، إذ لا نص معنا يكون قرينة ~~نحمل بها الظاهر عليه، وحينئذ لا يلزم ما ذكره من كذب إحدى الآيتين ولا ~~يحصل له مطلوب. PageV01P507 ### | [مكان دفن ms097 الأنبياء] # ومنها: ما رواه مالك «1» في" موطئه" بسنده إلى أبي بكر «2» في كتاب" ~~الجنائز" قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما دفن نبي قط إلا ~~في مكانه الذي توفي فيه» فحفر له فيه «3». # قال:" وهذا افتراء وقول باطل. فإن" يعقوب" توفي بمصر، وحمل إلى «4» مقبرة ~~أبيه إبراهيم" فدفن فيها «5»، وكذلك" إبراهيم" و" إسحاق" دفنا هناك ولم ~~يدفنا في مكانيهما من داريهما، وكذلك" داود" و" سليمان"/ إلى غيرهما من ~~الأنبياء ماتوا بأماكنهم، ودفنوا في غيرها. # وبالجملة: ما دفن نبي من الأنبياء في مكانه الذي توفي فيه، فضلا أن ~~يكونوا أجمعون دفنوا حيث ماتوا". # قلت: الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أن ما ذكره من دفن يعقوب في غير/ موضع موته، مأثور عن التوراة، ~~والتوراة فيها من التحريف والتهافت والتناقض ما يمنع الوثوق بها- كما سبق-. ~~PageV01P508 # الثاني: أنه «1» ذكر في التوراة أن يعقوب بقي بمصر يبكي عليه سبعين يوما ~~«2». ولو بقي ذلك القدر غير مدفون لأنتن وأراح «3» إذ هو بشر على كل حال ~~وذلك إهانة للميت. # ولهذا جاء في شرعنا: أن من إكرام الميت أن يبادر بدفنه، فدل على أنهم ~~دفنوه حتى انقضت مناحتهم «4»، ثم استخرجوه فنقلوه إلى آبائه. وحينئذ لا ~~يكون نقله منافيا لدفنه حيث مات. # فإن قيل: لعلهم صبروه «5» حتى مكث تلك المدة ولم يحتج إلى دفن. # قلنا: هذا لم ينقل في صورة التوراة ولا غيرها ومجرد احتماله لا يكفي في ~~التصديق به. وما ذكر فيها من تحنيطه لا يدل على تصبيره، إذ كل الموتى ~~يحنطون عند الإمكان «6». PageV01P509 # الثالث: أنك ناف ونحن مثبتون، والإثبات مقدم على النفي، إذا استوى ~~المخبران، فكيف والمخبر بالإثبات ذو ناموس عظيم. وأنت فيلسوف علج. # الرابع:- وهو المختار عندي في الجواب- منع صحة الحديث «1»، فإني كشفت عنه ~~في كتاب" الجنائز" من الموطأ فلم أجده «2»، ولم أعلم أحدا رواه إلا أحمد ~~قال: حدثنا عبد الرزاق «3» قال: أنا «4» ابن جريج «5»، قال: أخبرني أبي ~~«6»: PageV01P510 # أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدروا أين يقبروه؟ «1» حتى قال أبو ~~بكر ms098 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يقبر نبي إلا حيث يموت» ~~«2» فأخروا فراشه «3» وحفروا له تحته» «4». # قلت: وفي هذا الحديث جهالة وإرسال، لأن أبا ابن جريج لا يعلم حاله في ~~الرواية، وقد أرسله عن الصحابة، فلا نعلم هل سمعه منهم أو من غيرهم عنهم؟. # وهاتان/ علتان لا يبنى «5» على ما كانتا فيه من الحديث فرع فضلا عن أن ~~نلتزم تسليمه، والجواب عنه فيما يقدح في أصل الشريعة. # ورواه ابن هشام «6» في السيرة من وجه لا يسكن إليه أيضا. وروى الترمذي من ~~حديث عائشة قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه. ~~فقال أبو بكر سمعت من «7» رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته ~~قال:" ما قبض الله نبيا إلا في PageV01P511 # الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه/ في موضع فراشه «1»، وهو حديث غريب. ~~وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي «2» وهو يضعف «3». كيف وقد روى ~~ابن مكة «4» في" أماليه" والسهيلي «5» في" الروض": أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما مات قالوا له: كيف نصلي عليك؟ قال: «إذا وضعتموني على شفير قبري ~~في بيتي فاخرجوا عني، فإن الملائكة تصلي علي أولا» «6». وساق الحديث. فمع ~~هذا النص كيف يكون الخلاف في موضع دفنه؟ فهذا مما يدل على ضعف ذلك الحديث. ~~PageV01P512 # [الجزء الثاني] ### | علامات الساعة وموقف النصارى منها # قال: ومن هذا القبيل من الأخبار عما يستقبل ما خرجه مسلم عن أبي سعيد عنه ~~«1» قال:" لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة [اليوم] " «2» وهذا باطل ~~للعيان، وها نحن على وجه الأرض أكثر من العالم في ذلك الزمان. وقد أتت ~~المائة سنة التي ذكر، وبعدها مئون"/. # قلت: هذا جهل بمراد هذا الحديث، وإنما المراد به ما تبين في حديث أبي ~~سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما على الأرض نفس ~~منفوسة- يعني اليوم «3» - تأتي عليها مائة سنة» / رواه مسلم «4» والترمذي ~~«5». # وعن ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله ms099 عليه وسلم ذات ليلة صلاة ~~العشاء في آخر حياته فلما سلم قال: «أرأيتم ليلتكم هذه؟ على رأس مائة سنة ~~منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد». PageV02P513 # قال ابن عمر: فوهل «1» الناس في ذلك فيما «2» يتحدثونه من هذه الأحاديث ~~عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «3»: # «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» يريد أن «4» ينخرم ذلك القرن". # أخرجاه في الصحيحين «5»، ورواه أبو داود «6» والنسائي «7» والترمذي «8». ~~وقال حديث حسن «9» صحيح. فحديث أبي سعيد إن لم يكن فيه هذا التقييد فهو ~~محمول عليه بهذين النصين «10». PageV02P514 # قال العلماء: وفائدة إخبارهم بذلك: أن يبادروا بالعمل ويغتنموا مدة ~~المهل. # ولعمري إن هذا النصراني معذور في سوء فهمه لهذا الحديث، إذ كان بعض ~~الصحابة وهم فيه. ثم العجب ممن يفهم من هذا الحديث غير ما ذكرناه مع أنه- ~~عليه السلام- وعد بأشياء تكون عند اقتراب الساعة كالدجال ويأجوج ونحوها «1» ~~من نفخ الصعق، والقواطع الدالة على بقاء العالم، لكن الوهم لم يسقط عن أحد. ~~والله أعلم. # قال/: وفي كتاب" الطلاق" «2» من البخاري «3» عن سهل بن سعد الساعدي «4» ~~قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «5»: «بعثت أنا PageV02P515 # والساعة كهاتين» مشيرا بالسبابة والوسطى «1». ومن باب قرب الساعة من ~~البخاري ومسلم عن عائشة: أن رجالا من الأعراب كانوا يأتون النبي- صلى الله ~~عليه وسلم- «2» فيسألونه عن الساعة فكان ينظر إلى أصغرهم/ فيقول: «إن يعش ~~هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم" «3». # قلت: أما الحديث الأول فصحيح المعنى، إذ معناه أنه بعث قريبا من قيام ~~الساعة، لكن البعد والقرب إضافيان، فقد يكون الشيء قريبا بالنسبة إلى أبعد ~~منه، بعيدا بالنسبة إلى أقرب منه، والتفاوت بين الوسطى والسبابة نحو سبعها ~~تقريبا، ومنذ بعث «4» آدم إلى حينئذ نحو سبعة آلاف سنة- على خلاف في ذلك- ~~«5». PageV02P516 # ومن عهد النبوة إلى الآن قريب من ألف سنة «1»، فهذا تقريب صحيح. # ووقت القدح في هذا الحديث لم يأت بعد. فإن تمادي العالم نحو ألف أو ألفي ~~سنة أخرى قد يتجه «2» للقادح أن يقدح أو نجيب نحن «3» بجواب ms100 آخر. وأما ~~الحديث فصحيح أيضا، والمراد بقيام ساعتهم فيه موتهم لأن من مات فقد قامت ~~قيامته، لأنه يصير إلى أوائل أوقات القيامة، إذ" القبر أول منازل الآخرة" ~~«4». ثم هذا معارض بما في آخر الفصل الرابع والعشرين «5» من إنجيل مرقس. ~~والتاسع والعشرين «6» من إنجيل لوقا: حيث يقول المسيح:" إن هاهنا قوما من ~~القيام لا يموتون «7» حتى يعاينوا ملكوت الله" «8». PageV02P517 # ومراده بملكوت الرب: القيامة، كما في سائر المواضع من الإنجيل ولا يصح ~~حمل ملكوت الله هاهنا على الآيات والمعجزات، لأنهم كانوا قد عاينوها. # قال: وفي تفسير ابن عطية لسورة القمر، قال أنس: خطب رسول الله/ وقد كادت ~~الشمس تغيب فقال: «ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقى من هذا اليوم ~~فيما مضى» «1» وقال: «إني لأرجو أن/ يؤخر الله أمتي نصف يوم» «2». # قلت: هذا حديث له أصل في الرواية لكنا لا نحقق صحته كغيره، لكن قد «3» ~~رواه النسائي وابن ماجه «4» والترمذي وحسنه، فلا يلزمنا الجواب عنه، بل ~~PageV02P518 # الأحاديث الثابتة في الرواية كأحاديث البخاري ومسلم لا يلزمنا الجواب ~~عنها في هذا المقام، لأنها آحاد، والآحاد غايتها أن تثبت بها أحكام الفروع ~~لا أن تورد نقضا على أصول/ الشرائع «1». ولهذا قال أكثر طوائف المسلمين:" ~~لا تثبت بأخبار الآحاد صفة لله، لأن مسائل الأصول القطعية لا تثبت إلا ~~بقاطع" «2» وإنما نحن تبرعنا بالجواب عن تفاصيل هذه الأحاديث تبرعا. # وهذه قاعدة نافعة في هذا الباب- وقد سبقت في أول الكتاب- ثم إن «3» ~~تبرعنا بالجواب عن هذا كما تبرعنا به عن غيره «4». فمعنى قوله:" ما بقي من ~~الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي «5» من هذا اليوم فيما مضى" هو قريب من ~~قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين». # والمعنى الجامع بين الحديثين تقليل «6» ما بقي من الدنيا بالإضافة إلى ما ~~مضى منها، وهذا صحيح، فإنه- عليه السلام- أخبر بجملة من أشراط الساعة وقد ~~ظهر PageV02P519 # كثير منها، فما عادت تتأخر، ولو عاش هذا الخصم لأبصر. # وأما قوله: «إني «1» لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» فالمراد باليوم من ~~أيام الآخرة «2» وهو ms101 ألف سنة لقوله تعالى: وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) «3» ولا شك أن علم وقت الساعة من كنوز الغيب الذي استبد «4» ~~الله بعلمه لقوله: إن الله عنده علم الساعة ... (34) «5» وقوله: قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ... (187) «6». # فالنبي- صلى/ الله عليه وسلم- ما كان يعلم عين وقت الساعة، لأنا لم ~~نعتقده إلها، كما اعتقدتم إلهية المسيح، بل هو رسول كريم يعلم ما أعلمه «7» ~~الله سبحانه كما قال: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى ~~من رسول ... (27) «8» فكان يعلم أمارات الساعة وقد أخبر بها ووقع بعضها ~~ونحن ننتظر الباقي لا عين وقتها، ولذلك قال: «اني لأرجو أن يؤخر الله أمتي ~~نصف يوم» يعني خمسمائة «9»، وها قد أعطاه الله رجاءه وزيادة فهذا اليوم ~~سبعمائة سنة وسبع سنين". وفي الزمان تراخي. PageV02P520 ### | [منافع الحبة السوداء] # قال: وفي كتاب الطب من البخاري «1» عن عائشة قالت: سمعت النبي يقول: «إن ~~هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» «2». # قلت: هذا الحديث صحيح متفق عليه «3»، وفي لفظ البخاري عن ابن أبي عتيق ~~«4» قال: (عليكم بهذه الحبة السوداء، خذوا «5» منها خمسا أو سبعا فاسحقوها ~~ثم اقطروها في أنفه- يعني المريض- بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب ~~«6» فإن عائشة حدثتني أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ... الحديث ~~«7». PageV02P521 # وعن قتادة قال: حدثت/ أن أبا هريرة قال:" الشونيز «1» دواء من كل داء إلا ~~السام" قال قتادة: يأخذ كل يوم إحدى وعشرين حبة، فيجعلهن في خرقة، فلينقعه، ~~فليستعط به كل يوم في منخره الأيمن قطرتين، وفي الأيسر قطرة، والثاني: في ~~الأيسر قطرتين وفي الأيمن قطرة./ والثالث: في الأيمن قطرتين وفي الأيسر ~~قطرة «2». # قلت: فالظاهر أن هذا عن توقيف فلا ينبغي أن يقدح في هذا الخبر حتى يجرب ~~على هذه الصفة، فإن صح فقد حصل المقصود، وإلا أمكن الجواب من وجوه: # أحدها: أن أثر الشيء/ قد يتخلف لمانع، فربما تخلف أثر الشونيز لعدم خلوص ~~نية المستشفي به في تلقي خبر الشارع «3»، ولا شك أن ms102 الشارع لم يبعث طبائعيا ~~«4» ولا طبيبا، وإنما يصف ما يصف من هذا على جهة التبرك باختياره فيصير ~~كالأدعية التي أمر بها، وقد صح عنه أنه قال:" إذا دعوتم «5» الله فادعوه ~~وأنتم PageV02P522 # موقنون بالإجابة، فإن الله لا يسمع دعاء من قلب غافل لاه" «1» أو لغير ~~ذلك من الموانع. # الثاني: حمل الخبر على التقييد بما إذا كان المعالج به النبي صلى الله ~~عليه وسلم كرامة له وإعجازا. # الثالث: تقييده بما إذا ركب مع أدوية خاصة «2» تركيبا خاصا أو في زمن خاص ~~أو في مزاج خاص. وليس هذا بأول لفظ قيد من ألفاظ الأنبياء، فإن الاطلاقات ~~في كلامهم كثيرة والعلماء يقيدونها. ثم ماذا ينكر من الخبر. وقد ذكر ~~الأطباء للشونيز منافع كثيرة؟. # قال ابن جزلة «3» في المنهاج «4»: PageV02P523 # «الشونيز حار يابس في الثالثة مقطع للبلغم، جلاء، محلل للرياح والنفخ ~~ويقطع الثئاليل «1» والخيلان «2» والبهق «3» والبرص «4» والجرب «5»، وينفع ~~من الزكام البارد، وخصوصا مقلوا مجموعا على «6» خرقة كتان ويطلى به جبهة من ~~به صداع بارد ويفتح السدد، والسعوط به ينفع ابتداء الماء، وشربه ينفع من ~~انتصاب النفس «7» ويقتل الديدان، ولو طلي على السرة، وبذر الحيض، والماء ~~والعسل للحصاة، ويحل الحميات البلغمية والسوداوية، ودخانه يطرد «8» الهوام، ~~وهو ينفع من لسع الرتيلا «9»، وقدر ما يؤخذ منه إلى درهم «10» ". ~~PageV02P524 # وذكر غيره له غير ذلك من المنافع. ثم إنه إذا كان حارا يابسا في الثالثة ~~فاتجاه مضمون الحديث منه معقول. وذلك لأنه متمكن في طبع الحياة/ وهو ~~الحرارة. فهذا أصل يبنى عليه، ثم المرض ينقسم بانقسام العناصر/ الأربعة في ~~كيفياته، وهي معروفة. # وتقرر أن العلاج قمع الشيء بضده، فإن كان المرض باردا رطبا، فالشونيز ~~مضاد له فيصلح دواء له. وإن كان باردا يابسا فقد تضادا في الحرارة ~~واشتراكهما في اليبوسة يعدل بالمرطبات، وكذلك إن كان المرض حارا رطبا أو ~~يابسا تضادا في الحرارة. وما اشتركا فيه يعدل على ما شرحته الصناعة. # وبهذا التقرير يصح «1» أن فيه دواء من كل داء. # بقي أن يقال: فعلى هذا تبطل فائدة التخصيص بالشونيز، لأن هذا ms103 متجه في كل ~~حار يابس أو رطب فيقال: يجوز أنه خصه بالذكر لما اختص به من خواص لا يشارك ~~فيها، أو أنه كان «2» أعم وجودا عندهم أو أن هذا مفهوم لقب «3» فلا يكون ~~حجة على انتفاء الحكم في غيره «4». PageV02P525 ### | [طهارة محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلو همته] # قال:" وإذ قد فرغنا من امتحان الشرط الأول وهو الصدق. وحصلنا من «1» ذلك ~~على ما اتضح «2» وظهر. فلندخل إلى امتحان الشرط الثاني وهو: الطهارة فنتأمل ~~ما صح عنه من ذلك". # قلت:" قوله: وحصلنا من ذلك على ما اتضح وظهر" يوهم أنه/ حصل على مطلوب. ~~ولم يحصل مع «3» ما أجبنا به على شيء فليجمع خاطره «4». # قال:" فمن ذلك حديث البخاري عن أنس قال: كان النبي يدور على نسائه في ~~الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة «5» قيل له «6»: وكان ~~يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين «7» ". PageV02P526 # ثم ساق أحاديث عشرة النبي- عليه السلام- لنسائه واستمتاعه بهن، نحو ماروت ~~عائشة:" أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «1» كان يقبلها/ وهو صائم ويمص ~~لسانها «2» "، وقولها:" خالط ريقي ريقه في آخر أيام الدنيا" «3»،" وكان ~~يأمرني وأنا حائض فأتزر ويباشرني «4» " وقصة تزوجه زينب «5». وقوله تعالى: ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ... (37) «6». PageV02P527 # وقول عائشة حين نزلت: ترجي «1» من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء «2» ما ~~أرى ربك إلا يسارع في هواك «3». وما ذكره المسلمون من أن من «4» خصائصه أنه ~~كان إذا وقع بصره على امرأة ورغب فيها وجب على الزوج طلاقها، وأنه لما رأى ~~زينب حاسرة قال: (سبحان مقلب القلوب) «5» وأن PageV02P528 # صفية «1» صارت لدحية «2» فوصفت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- «3» فبعث ~~إلى دحية فأعطاه ما أراد ثم أخذها فقال لأم «4» أنس «5»:" أصلحيها" «6». ~~PageV02P529 # وذكر السبب في قوله تعالى: لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~... (1) «1» وأشباه هذا. ولم يذكر في هذا الشرط تشنيعا بناء على ما قدم في ~~أول الكتاب من كلام موسى بن عبيد الله وغيره: أن حاسة/ النكاح عار فهذه ~~مقدمة. ثم أثبت هنا أن محمدا كان مولعا بحاسة النكاح فانتظم ms104 له الدليل «2» ~~فصار في التقدير تقريره هكذا «3»: # محمد كان مولعا بحاسة النكاح، وحاسة النكاح عار، فمحمد كان مولعا بالعار ~~ومن كان مولعا بالعار لا يكون طاهرا. والنبي من شرطه أن يكون طاهرا، فمحمد ~~ليس بطاهر فلا يصلح أن يكون نبيا. # والجواب عن هذا قد سبق أول الكتاب تاما كاملا «4»، لكن نبين هنا وجه ~~بطلان شبهته، وذلك بمنع أن حاسة النكاح عار، بل هو من أحسن الأفعال، وجيد ~~القرب، لأن فيه مصلحتين عظيمتين:/ # إحداهما: وجودية، وهي إقامة النوع الإنساني بتكثير العباد والعبادة «5». # والثانية: عدمية، وهي إعدام الزنا بالاكتفاء بالحلال، ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم PageV02P530 # لأصحابه: «في فعل كذا صدقة، وفي كذا صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا ~~رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ثم يثاب؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان ~~يعاقب؟» قالوا: نعم. قال: (فكذلك) «1». # ثم يقال: إن كان هذا عارا فالأنبياء المتقدمون أولى به، فقد كان لسليمان ~~ألف من بين زوجة وسرية وطاف في ليلة واحدة على سبعين امرأة «2» " وكانت له ~~PageV02P531 # امرأة يحبها فعبدت صورة ابنها في داره بغير علمه، فعاقبه الله عن ذلك بأن ~~نزع عنه الملك أربعين يوما «1» ". # وكان لداود تسع وتسعون امرأة ثم صعد يوما السطح فرأى امرأة أوريا بن حنان ~~«2» تغتسل، وكان من فرسانه وقواده فأرسل فشدد عليه في الجهاد حتى قتل ثم ~~تزوج امرأته فكانت هي أم سليمان، وكانت تلك خطيئة «3». ومحمد- عليه السلام- ~~إنما أخذ امرأة من زوجها باختياره بإذن الله «4». PageV02P532 # وفي التوراة أن" أبيمالخ" أشرف يوما على" إسحاق"/ وهو يلاعب امرأته" ~~رفقا" «1» وأن لوطا" أسكرته ابنتاه حتى أحبلهما «2». وأن" روبيل" ابن يعقوب ~~وطئ سرية أبيه ونجس فراشه «3»، وأن" يهوذا ابن يعقوب" زنا بكنته على الطريق ~~ورهنها عمامته وخاتمه وقضيبه على جدي يعطيها إياه «4». # فأي العارين أشد؟ من ينكح النساء حلالا أم من ينكحهن زنا؟. # على أننا لا نصدق هذا في الأنبياء، بل هو عندنا محرف مبدل، لكنه لازم/ ~~لكم لأنه في التوراة، وأنتم تحتجون علينا بها. # ثم إنا نقول لهذا النصراني: ms105 إن أول من نكح النساء" آدم" ثم تتابع بنوه في ~~النكاح، الأنبياء والأولياء والصالحون والطالحون. فكيف يكون هذا/ عارا في ~~حق بعضهم دون بعض؟ وهل هذا إلا عناد؟. # ولأجل هذا السؤال الفاسد أنزل الله على نبيه- عليه السلام-: ولقد أرسلنا ~~PageV02P533 # رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ... (38) «1». # ولعلك حيث إن المسيح لم ينكح النساء تلزم العار جميع الأنبياء. وذلك لا ~~يلزم، فإن المسيح- على رأيك- كان هو الله، أو ابن الله، فلا يجوز عليه ~~النكاح. # وعلى رأينا: أن «2» ذلك كان منه زهدا وعزوفا عن الدنيا، ولو تزوج وأولد ~~لكان أكمل له، وعلى رأي بعض الناس: إنه كان حصورا كيحيى بن زكريا، لا يقدر ~~على إتيان النساء «3». وعلى رأي آخرين أن ذلك كان آية كما كان «4» وجوده لا ~~من بشر آية. فإلزامك على طريق المسيح ما يعود بالقدح على النوع الإنساني ~~على الإطلاق لا يجوز ولا يسمع. PageV02P534 ### | [معجزات محمد- صلى الله عليه وسلم- وموقف النصراني منها] # قال ### | :" الشرط الثالث" الإعجاز # ولم يأت محمد بمعجز، ولا خارق من خوارق العادة. # قال: والدليل على ذلك: ما جاء في كتاب «1» السير أن أشراف قريش اجتمعوا ~~عند الكعبة. فقالوا: يا محمد ما أدخل أحد على قومه ما أدخلت علينا لقد شتمت ~~الآباء وعبت الدين وسببت الآلهة فإن كنت تريد السيادة سودناك، أو المال ~~أغنيناك أو كان بك جنون بذلنا أموالنا وأبرأناك. فقال:" لا شيء من ذلك كله، ~~بل الله أرسلني إليكم بشيرا ونذيرا" قالوا: فإن كنت غير قابل/ ما عرضناه ~~عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا منا، ولا أشد عيشا، فسل ~~ربك- إن كنت نبيا- فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا ~~بلادنا، وليخرق فيها «2» أنهارا، كأنهار الشام والعراق «3»، وليبعث لنا من ~~مضى من آبائنا، وليكن في من مضى منهم «4» PageV02P535 # " قصي بن كلاب" «1» فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول، فإن صدقوك وصنعت ~~ما سألناك صدقناك، وعرفنا لك منزلتك من الله. وأنك رسوله. # فقال لهم:" ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بالذي «2» بعثني ms106 به" ~~قالوا: فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك فيما تقول، ويراجعنا «3» عنك، وسله ~~فليجعل لك خياما وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي ~~بالأسواق وتلتمس المعايش «4» كما نلتمسها. # قال:" ما أنا بفاعل. ولا أسأل ربي هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله ~~بعثني بشيرا ونذيرا". # قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا. وقالوا كثيرا حتى انتهى مقالهم إلى أن ~~قالوا:/ أما علم ربك أنا سنسألك عما سألناك عنه فعلمك بما تراجعنا به «5»، ~~PageV02P536 # ويخبرك بما هو صانع بنا «1»، إذ لم نقبل منك/ ما جئتنا به «2». # قد بلغنا: أنه إنما يعلمك بهذا رجل باليمامة «3» يقال له: الرحمن «4» ~~وإنا- والله- لا نؤمن بالرحمن أبدا. # ثم انصرف محمد حزينا إلى أهله «5». # قال:" أفلا ترى كيف سألوه عن جملة معجزات، فلم يأت بواحدة، فظهر أنه إنما ~~كان يعلمه القرآن: الرحمن الذي ذكروه، لا غير". PageV02P537 # قلت:/ أما قوله: إن محمدا لم يأت بمعجز فسنذكر من معجزاته ما يكتفي ببعضه ~~العاقل، وأما ما ذكر من أنه لم يجب قريشا إلى ما سألوه من المعجزات فجوابه ~~من أربعة أوجه: # أحدها: أنه علم أنهم معاندون، وأنه لو أتاهم بذلك لم يؤمنوا «1» .. # والدليل على ذلك في كلامهم. فإنهم قالوا له: أزل عنا هذه الجبال، وخرق ~~لنا الأنهار في أرضنا، وأوسعها «2» علينا، وابعث لنا آباءنا مع" قصي «3» " ~~فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك. # فعلقوا تصديقهم له على شريطين: إزالة الجبال ونحوها، وتصديق الموتى [له، ~~ولم يكتفوا بأحد الشرطين. ولا شك أن من له نية في متابعة الحق يكتفي ببعض ~~ذلك. فإن بعد تصديق الموتى] «4» له في ذلك لا يبقى إلا العناد. فلما علم ~~PageV02P538 # عنادهم لم يجبهم إلى ذلك. ولهذا أوحى الله إليه: ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله ... (111) «1». # وكذلك كان. فإنه لم يؤمن من قريش إلى يسير أول الأمر. # الوجه الثاني: أنه علم باستقراء أحوال الأمم الخالية مع أنبيائهم أنه إن ~~«2» عاجلهم بإظهار الآيات مع ما علمه منهم ms107 من العناد، أنهم يهلكون كما هلك ~~قوم فرعون «3» بعد إظهار موسى آياته وعاد «4» وثمود «5» وغيرهم، وكما مسخ ~~قوم PageV02P539 # من قوم المسيح: خنازير، لما لم يؤمنوا بعد نزول المائدة «1»، ونحو ذلك ~~فأراد التمادي بهم رجاء أن يفيئوا إلى الحق. # وقد جاء في الحديث أنه- عليه السلام- قال: «خيرت بين أن يجعل الله لي ~~الصفا/ ذهبا ثم إن لم يؤمنوا هلكوا، وبين أن ينظروا حتى أدعوهم إلى الإسلام ~~فاخترت أن ينظروا» «2» معنى الحديث هذا، فهو «3» - عليه السلام- كان ~~PageV02P540 # حريصا على إسلامهم، لا على تعجيل هلاكهم، ولهذا قال الله سبحانه: وما ~~منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة ~~فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) «1»./ # أي إلا أن كذب بها الأولون فأهلكناهم، وأنت استأنيت «2» بقومك فأجبناك ~~إلى ذلك. ولهذا- لما أتاهم بعد ذلك بالخوارق كانشقاق القمر «3». وتسليم ~~الشجر «4» وعجزوا عن معارضة القرآن، ولم يؤمنوا- جاءهم العذاب فاستؤصلوا ~~بالسيف يوم بدر «5» وغيره. PageV02P541 # الوجه الثالث: أنهم سألوه ما يسقط فائدة التكليف بالإيمان بالغيب وبيانه ~~أنهم سألوه إحياء الموتى. فلو بعثهم لهم لأخبروهم بصحة ما وعدهم وأوعدهم من ~~ثواب وعقاب، وجنة ونار، فكان يحصل لهم بذلك العلم الضروري بما هناك فيصير ~~إيمانهم كإيمان فرعون، لما عاين الملك ليقبض روحه قال:" آمنت «1» " فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا «2». # والمقصود: أنما هو الإيمان الاختيارى، لا الضروري. وما يفضي إلى سقوط ~~فائدة التكليف. لا تجوز الإجابة إليه،/ وكذلك إنزال الملك عليهم يسقط فائدة ~~التكليف. # الرابع: المعارضة بما في الفصل الحادي والعشرين من انجيل مرقس «3»: أنهم ~~سألوا المسيح آية فلم يأت بها. والجواب مشترك. # ومما يدل على جهلهم وعنادهم في سؤالهم له: أنهم أنكروا./ عليه فقره، ~~وابتغاءه الرزق بالأسواق. وقالوا: قل لربك يجعل لك خياما «4» وقصورا وكنوزا ~~من ذهب يغنيك عن ذلك «5». # وهل في ابتغاء الرزق عيب عند أحد من العقلاء؟ وقد كان الأنبياء يبتغونه ~~PageV02P542 # برعاية الغنم وغيرها، وهل علم من حال أحد من الأنبياء أن الله جعل له ~~خياما «1» وقصورا وكنوزا من ذهب «2». إنما فعل ذلك بالفراعنة ms108 لطغيهم كقارون ~~«3» وفرعون وهامان «4» ونظرائهم. ولذلك عاب الله عليهم قولهم حيث قال: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) الآيات إلى قوله: ~~قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (93) «5» ثم قال «6»: تبارك الذي إن ~~شاء جعل PageV02P543 # لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) بل كذبوا ~~بالساعة ... (11) «1» وأما قولهم: أما علم ربك أنا سنسألك عما سألناك ~~فيخبرك بما تراجعنا به، وبما يفعل بنا إذ لم نقبل منك؟ فإنا نقول: تحذيره ~~«2» الذي راجعهم به، هو الذي أمر به، إذ كان لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا ~~وحي يوحى (4) «3» وقد كان يتوعدهم بما سيجري لهم كقوله: ولتعلمن نبأه بعد ~~حين (88) «4» وقوله: # إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) «5» / ونحو ذلك كثير. # وقولهم: وقوله:" إنما يخبره بذلك ويعلمه رحمن اليمامة". # الجواب عنه من وجوه: # أحدها: أنه لم يصح لنا عن محمد- صلى الله عليه وسلم- «6» أنه دخل اليمامة ~~ليجتمع برحمانها «7» ولا جالس أحدا من علماء الأولين، ولا الكهان بمكة ولا ~~غيرها. فهذا كذب منهم وافتراء، وإنما هذا منهم كان على جهة الاستهزاء لما ~~قال لهم: «اسجدوا/ للرحمن «8»» يعني: الله. قالوا: لا رحمن إلا رحمن ~~اليمامة. أنسجد له «9». PageV02P544 # كما أنه لما توعدهم بالزقوم، قال لهم أبو جهل «1»: أتدرون ما الزقوم الذي ~~يتوعدكم به محمد؟ إنما هو الزبد بالعسل. أما والله لئن رأيناه لنتزقمنه ~~تزقما «2» ولذلك يقول الله له: وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست .. (105) ~~«3» وقال: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) ~~«4». # الثاني: أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب، يتيما لا أب له ~~مستضعفا بين قريش وجبابرتها، فكيف يختصه رحمن اليمامة بالتعليم دون غيره من ~~أصحاب الكتابة والقوة؟. # الثالث: أن الذي نسبه إلى التعليم من رحمن اليمامة إنما هم نفر يسير من ~~قريش، من جبابرتها وجهالها، على ما ظهر من جبروتهم وجهلهم في سؤالهم فكيف ~~اختص هؤلاء بعلم ذلك دون بقية سادات العرب الذين اتبعوه من ms109 سائر القبائل ~~كأبي بكر وعمر «5» وعثمان «6» وعلي وغيرهم؟، مع أن المسيح يقول في ~~PageV02P545 # الإنجيل «1»:" ما من خفي إلا سيظهر ولا مكتوم/ إلا سيعلن" فلو علم بقية ~~العرب ذلك وصح عندهم لما بايعوه ولكانوا «2» مع الذين خالفوه وهذا مما ~~تتوفر «3» الدواعي على نقله وظهوره، فاختصاص نفر يسير به دون سائر العرب ~~محال عادة. # الرابع: أن علماء العرب وعقلاءهم كانوا يصدقونه في دعواه، كورقة بن نوفل ~~«4» وأبي طالب «5» حيث يقول: # وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا إلى أن قال: # ولقد صدقت وكنت قدم أمينا «6» PageV02P546 # ورأى ابنه عليا يصلي مع رسول الله فقال: يا بني ما هذا؟ قال:/ علمنيه ~~محمد. فقال: يا بنى تابع ابن عمك، فإنه لا يرشدك إلا إلى خير. وإنما منع ~~أبا طالب من الإسلام، ما ذكره في شعره حيث يقول: # لولا الملامة أو حذاري سبة «1» لوجدتني سمحا بذاك مبينا/ وكزيد بن عمرو ~~بن نفيل «2». PageV02P547 # ومن الكهان الذين بشروا بنبوته:" سطيح" «1» و" شق «2» " و" خطر" «3» ~~PageV02P548 # كاهن ذكره الديار بكرى «1» في تفسير قوله: إلا من استرق السمع ... (18) ~~«2» # وذكر له حكاية عجيبة «3». # ومن الرهبان: بحيرا «4» وسلمان «5» وأصحابه وغير هؤلاء كثير. # الخامس: أن رحمن اليمامة إن كان قد كان عالما بمثل هذا العلم الغزير كيف ~~لم يدع به النبوة، ويستغني عن واسطة غيره؟ مع أن مثل منصب النبوة مما لا ~~يؤثر به أحد غيره، ويجتهد أن لا يدعه يستقر لغيره، لما علم من حب النفوس ~~للرئاسة. PageV02P549 # وقد كان أمية بن أبي الصلت «1» يطمع في النبوة، فلما لم تحصل له مات غيظا ~~وحسدا، ولم يتابع محمدا على أن المعروف أن رحمن اليمامة هو مسيلمة وقد أظهر ~~الله فضيحته يوم الحديقة فقتل، ولما رهقته السيوف قال له أصحابه ما أوحى ~~إليك ربك؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم «2» وحريمكم، واعترف بالكذب على الله. # السادس: أن هذا السؤال ألزم للنصارى «3» منه للمسلمين، لأن محمدا كان ~~أميا، لا يختلف في ذلك اثنان: فإتيانه بمثل هذا العلم والناموس إن سلمتم ~~أنه لم يستفده من بشر «4» غيره ms110 فهو معجز في نفسه، وإن اتهمتموه بأنه تعلمه ~~«5» من غيره فالمسيح أولى بالتهمة لأنه تعلم الكتابة صغيرا وجالس العلماء ~~وسمع منهم وكانوا يتعجبون من فرط ذكائه وإدراكه في هيكل أورشليم «6»، ~~PageV02P550 # وغيره، كما ذكر في الإنجيل «1». # وحينئذ يتسع/ لقائل أن يقول: إن حكمة المسيح كانت من العلماء والكتب، ~~ومعجزاته كانت شعبذة وتخييلا، كما نسبه إلى ذلك اليهود. فأنتم في الطعن على ~~محمد كاليهود في الطعن على المسيح، فإن صدقوا صدقتم. وأن كذبوا كذبتم، ~~والفرق عليكم متعذر عسير «2». # قال: ومن الأدلة على كونه لم يظهر معجزة: ما قال في سورة الإسراء «3»: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) إلى قوله سبحان ربي ~~هل كنت إلا بشرا رسولا (93) «4» وقوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب بها الأولون ... (59) «5» وحسبك شهادة أنه لم يرسل بالآيات. # قلت: لقد أبان هذا السائل في هذا السؤال عن بلادة عظيمة وسوء فهم مع أنه ~~متفلسف، والمعهود من الفلاسفة جودة الذهن وحسن الفهم. # أما قوله: قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (93) «6» / فليس فيه ما ~~يدل على أنه/ لم يأت بمعجز، بل فيه اعتراف بالبشرية والرسالة والعبودية بين ~~PageV02P551 # يدي ربه- عز وجل-. # ونحن «1» نقول:" إن المعجز يخلقه الله على يدى أنبيائه لا أنهم هم ~~يخلقونه على أيديهم". # وقد روى وثيمة في القصص «2» قال: قال سعيد «3» عن قتادة عن الحسن «4»: إن ~~موسى لما غشيه فرعون تقدم إلى البحر فقال له: إن الله أمرني أن أسلك فيك ~~طريقا، وضرب بعصاه البحر من غير أن يوحى إليه، فأنطق الله البحر فقال له يا ~~موسى أنا أعظم منك سلطانا وأشد منك قوة. وأنا أول منك خلقا وكان علي عرش ~~ربنا وأنا لا يدرك «5» قعري ولا أترك أحدا يمر علي إلا بإذن/ ربي وأنا عبد ~~مأمور ولم يوح إلي فيك شيء. ولم ينفرق له حتى أوحى الله إليه بذلك «6». ~~PageV02P552 # وذكر أيضا قال: قال خارجة بن مصعب «1» عن أبي إلياس «2» عن وهب: # أن موسى كان يضرب الحجر بالعصا فتنفجر الأنهار لبني ms111 إسرائيل، فقالوا ~~يوما: لو ضاعت العصا أو الحجر متنا عطشا. فأراد الله أن يريهم قدرته وسوء ~~ظنهم فأوحى إلى موسى فأخبره بذلك وقال: الآن لا تضرب الحجر بالعصا ولكن ~~كلمه واعزم «3» عليه باسمي فإنه يطيعك، فغضب موسى من كلام بني إسرائيل، ~~ونسي ما قال له ربه، فضرب الحجر بالعصا فلم تنفجر الأنهار على عادتها. فذكر ~~عهد ربه فأقسم على الحجر باسمه فأجاب وقال: أما تستحي يا موسى أن تنسى عهد ~~ربك؟ هلا كان هذا قبل الآن؟ ثم تفجرت منه الأنهار «4». # فالأنبياء بشر وليسوا- كما اعتقدتم في المسيح أنه يفعل الأشياء بنفسه، ~~PageV02P553 # فمعنى قوله: ... هل كنت إلا بشرا رسولا (93) «1» أي: لا آتي بالمعجز إلا ~~أن يأذن فيه ربي «2»، وأنه لم يأذن له في ذلك الوقت، للوجوه التي بيناها ~~قبل. # وهذا أيضا معنى قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله ... (109) «3» أي أن إظهارها متوقف على ~~إرادته. # وأما قوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات ... (59) «4» فليس إخبار بنفي ~~الإرسال في عموم الأوقات، حتى انقضى عهد النبوة، بل ينفيه في وقت خاص وهو ~~في أول الأمر ثم أرسل بها بعد ذلك «5» بدليل قوله: اقتربت الساعة وانشق ~~القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) إلى قوله: ولقد جاءهم ~~من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) «6». ~~PageV02P554 # قال:" ولما أسرف «1» عليهم في طلب اعترافهم له بالنبوة، وألحوا عليه في ~~طلب الآيات، وهو لا يظهر منه غير تلاوة القرآن عليهم، عظم ضجرهم حتى ضجوا ~~منه واستغاثوا، فقالوا في صياحهم: .. اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) «2». # قال: فلم يأتهم بآية ولا لحقهم ضرر، فلما رأى ذلك اعتذر بأن تلى عليهم: ~~وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ... (33) «3» الآية. # قلت: وهم في هذه الحكاية،/ وهي حجة عليه. # والصواب فيها: أن قريشا والنبي صلى الله عليه وسلم لما التقوا يوم بدر ~~استفتح عليه المشركون: أبو جهل والنضر بن الحرث «4» وغيرهما. ms112 فقالوا: اللهم ~~إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه. وقال أبو جهل: اللهم انصر ~~أحب الطائفتين إليك اللهم أقطعنا للرحم، وأفسدنا للجماعة فاحنه «5» اليوم. ~~فقتل أبو جهل PageV02P555 # والنضر في السبعين قتيلا، وأسر مثل ذلك في ذلك اليوم، فكان استفتاحهم ~~عليهم «1». # ثم لو سلمنا من أنهم قالوا ذلك لضجرهم منه، لكن قد أتاهم العذاب الأليم ~~يوم بدر وغيره، وأي عذاب يكون أشد من أن يقتل الشخص ذليلا حقيرا، ثم يصير ~~إلى العذاب الأليم؟ «2». # وأما قوله: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ... (33) «3» قال الكلبي «4»: # " معناه لو أراد أن يعذبهم أخرجك من بينهم" «5». # قلت: لأن الأنبياء رحمة، لا عذاب. فلا يعذب من هم فيه. ألا ترى أن لوطا ~~لم يعذب قومه، حتى خرج عنهم، وصالح ونوح وموسى وغيرهم من الأنبياء كذلك. ~~فهكذا. محمد لم يعذب أهل/ مكة حتى خرج منها. PageV02P556 # وقوله: ... وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) «1» فيه قولان: # أحدهما: وفي أصلابهم من سبق في علم الله، أنه سيوجد فيكون من المؤمنين ~~المستغفرين. # والثاني: وبين أظهرهم مؤمنون مستخفون يستغفرون، فلما خرجوا من بينهم ~~عذبوا بفتح مكة، وقيل: بيوم بدر «2». # قال:" فإذا كان أعداؤه المكذبون لا يعذبهم وهو فيهم. فكيف عذب أصحابه ~~يوم" أحد" وهزموا. وقتل منهم جماعة". # والجواب: أن ما جرى لهم يوم أحد ليس عذابا، بل شهادة. بدليل قوله تعالى: ~~... وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم ~~شهداء والله لا يحب الظالمين (140) «3» وقوله: ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) «4» وهي في شهداء أحد ~~«5»، ولئن كان قتل المؤمنين في سبيل الله عذابا فليكن قتل يحيى وزكريا «6» ~~وصلب المسيح عذابا، ونعم الله- سبحانه- على خلقه تارة تكون بأسباب سهلة ~~كالأكل والشرب والنكاح. وتارة PageV02P557 # تكون بأسباب شاقة كالشهادة والعبادات والرياضات. كما أن صحة البدن تارة ~~تكون بتناول الأغذية والأشربة المستلذة وتارة بتناول الأدوية المستكرهة ~~كالصبر «1» ونحوه. # قال:" وجاء في السير «2» ": أن زينب بنت الحرث «3» أهدت لمحمد شاة ~~PageV02P558 # مصلية وأكثرت من السم في الذراع، ms113 لأنه كان يحبها، فلاك منها مضغة فلم ~~يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور «1» فأساغ «2» منها لقمة فهلك. ولفظ ~~محمد لقمته. وقال:" إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم" وساق القصة. قال:" وقد ~~كان/ هذا الموضع أحق المواضع بالمعجز، وأن يعلم بالحال فيجتنب الأكل ويخبر ~~صاحبه. قال" وأما قوله: إن هذا العظم ليخبرني بأنه مسموم" فليس بصحيح لأنه ~~إما أن يكون أخبره قبل أن يسيغ بشر لقمته أو بعد ذلك فإن كان الأول/ فلم لم ~~يخبر بشرا حتى مات بأكلته. وإن كان الثاني فالمخبر له موت بشر في الحال ~~وانزعاج روحه هو حين لاك اللقمة المسمومة وكانت سبب موته بدليل قوله: # " ما زالت أكلة خيبر تعادني «3» حتى كان هذا أوان قطعت أبهرى" «4». ~~PageV02P559 # قلت: أما هذه القصة فصحيحة. وأما قوله هذا الوقت كان أحق بإظهار المعجز ~~فقد بينا أن المعجز وجوده إلى الله لا إلى الأنبياء والله بالغ أمره ~~بأسبابه، ثم هذا يرد عليكم في المسيح، حيث صلبه اليهود فإنكم زعمتم أنه كان ~~إلها وأنه كان يزجر الريح فتسكن والبحر فيركد وكان يحيي الموتى ويستخفي عن ~~أعين الناس إذا أراد، فلما صار في الخشبة صاح صيحة عظيمة وسلم الروح" وقد ~~كان هذا الوقت أحق بإظهار المعجز. # فإن قلتم كان ذلك باختياره. # قلنا: هذا كذب، ومحال، فإن في الإنجيل «1» أنه جمع التلاميذ وصعد بهم إلى ~~الجبل وقال: اسهروا معي الليلة لأسأل أبي أن يغير عني هذه الكأس. وسأل ذلك ~~فلم يجب وجاء أعداؤه فأخذوه من هناك إلى حكم الموت. # وأما إخبار العظم للنبي- عليه السلام- بأنه «2» مسموم فهو حق كما أخبر، ~~وماذا يستبعد منه وقد سبح في يديه الحصى «3»، وحن إليه/ الجذع «4»،/ وسلم ~~PageV02P560 # عليه الحجر «1»، وأطاعه الشجر «2». # قوله:" إما أن يكون أخبره قبل اساغة بشر لقمته أو بعدها". # فجوابه من وجوه: # أحدها: أن هذه قسمة غير حاصرة لجواز أنه أخبره بعد اساغة بشر لقمته، وقبل ~~تغيره فإن السم بالغا ما بلغ ليس صاعقة تحرق بمجرد ملابستها «3» الجسم بل ~~لا بد من نفوذه إلى الروح ثم ms114 سريانه إلى القلب. # الثاني: أنه من الجائز أن بشرا سبق بلقمته فابتلعها، ثم صبر على ما وجده ~~من ألمها ظنا أن ذلك لعارض «4» يزول «5»، أو أن «6» لقمته كانت من الموضع ~~الذي سمه قليل، فإن في القصة أنها أكثرت السم في الذراع وسمت سائر الشاة ~~فلم يحس به سريعا، وأن النبي- عليه السلام- اشتغل يأكل ولم يميز إلى بشر ~~لما عرف من أدبه على الأكل أنه لا ينظر إلى جليسه فأخبره الذراع حينئذ، ثم ~~ظهر بعد ذلك تأثير السم في بشر. PageV02P561 # الثالث: لو حملنا أخبار الذراع هاهنا على مجازه وهو الاستدلال بانزعاج ~~الروح بالسم كما يقال:" أخبرني السيف بما لقي من الوقائع" استدلالا بفلول ~~مضاربه على ذلك. و" أخبرني المنزل برحيل أهله منذ حين" لدروس رسمه، ونسخ ~~الرياح آثاره- لما كان فيه محذور. # فإن لمحمد- عليه السلام- من المعجزات المحققة ما يغنينا عن المنازعة في ~~هذه. # وحينئذ يكون الإخبار صحيحا بلا نزاع. # قال:" فها نحن قد بينا لك بنص القرآن على طريق الاختصار أنه لم يأت ~~بمعجزة وتبين ذلك من الحديث الصحيح عندهم" وذكر حديث مسلم: «ما من نبي من ~~الأنبياء إلا قد أعطي/ من الآيات ما آمن على مثله البشر/ وإنما كان الذي ~~أوتيته وحيا أوحى الله إلى وأرجوا أن أكون «1» أكثرهم تابعا يوم القيامة ~~«2» ". # قال:" فمن حاول التعصب له، ورام الانتصار بشهوة نفسه بالتمسك بنقل الآحاد ~~للمعجزات المردودة عند علماء المسلمين فقال: إنه فعل وصنع شيئا من ~~المعجزات، فهو مكذب لقرآنه، وحديثه الصحيح. PageV02P562 # قال:" وقوله في الحديث:" إني لأرجو «1» أن أكون أكثرهم تابعا يوم ~~القيامة" مسلم له. فإن جميع أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم ~~القيامة. # وأهل الحق الذين هم قليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى ~~الحياة الدائمة"./ # قلت: قوله:؛ قد بينا بنص القرآن أنه لم يأت بمعجز" قد بينا لمن أنصف أنه ~~لم يبين شيئا من ذلك. وإنما مادة كلامه أمران: هوى وقصر باع في العلم وسوء ~~فهم. # وأما قوله في حديث مسلم:" وإنما كان الذي أوتيته وحيا" فجوابه من ms115 وجهين: # أحدهما: أنه يجوز أن هذا الحديث قاله في أول الإسلام قبل تكامل معجزاته. # الثاني: أن الأصوليين اختلفوا في" إنما" هل تقتضي الحصر أم لا؟. بل ~~الإثبات المؤكد وهو الذي يدل عليه الدليل، وحينئذ لا يفيد هذا الحديث ~~انحصار معجزه في القرآن «2» على أنه لو أفاد PageV02P563 # لكان فيه كفاية «1»، كما سنبين «2». # فتقدير الكلام إذن: وأن الذي أوتيته كان وحيا، وإنما خصه بالذكر لأنه أول ~~ما ظهر على يديه ورأى بسببه الملائكة، وهو قديم على أصل أهل السنة «3» ~~وسائر معجزات الأنبياء مخلوقة، وهو المتواتر اللفظي، فلهذه الخصائص خصه ~~بالذكر. PageV02P564 # وقوله:/" فمن حاول التعصب له بالتمسك بنقل الآحاد للمعجزات المردودة عند ~~علماء المسلمين [فقال: إنه فعل وصنع فهو مكذب لقرآنه «1» وحديثه الصحيح. # فجوابه: أنا قد بينا أن القرآن والحديث الصحيح لا يد لان على أنه لم يأت ~~بمعجز. وأما قوله:" نقل الآحاد المردودة «2» عند علماء المسلمين"] «3» فهذا ~~عدم علم بأصول المسلمين واصطلاحهم في دينهم، فيحتاج أن «4» نشرح ذلك بينا، ~~ليعرفه من وقف عليه ممن لم يعرفه. فنقول: اعلم أن الخبر إما متواتر أو آحاد ~~والمتواتر لفظي «5» أو معنوي. # فالمتواتر هو: الخبر الذي ينقله عدد لا يتواطأ مثلهم على الكذب لكثرتهم ~~عن مثلهم عن مثلهم إلى محل صدوره، يستوي طرفاه وواسطته في ذلك، ويستند في ~~أصله إلى حس، لا إلى نظر، واللفظي منه: ما كان الاتفاق فيه على قضية واحدة ~~معينة" يخبر بها هؤلاء القوم بالشرط المذكور، كطوفان نوح، وإغراق «6» ~~فرعون. وقلب «7» عصا موسى حية، وإحياء المسيح الموتى «8». وقول محمد: إني ~~PageV02P565 # رسول الله، وتحديه العرب بالقرآن، ونحو ذلك. # والمعنوي: ما كان إخبار المخبرين فيه عن عدة «1» قضايا جزئية تشترك في ~~كلي واحد، كسخاء حاتم «2»، وشجاعة علي. فإن التواتر لم يوجد في قضية واحدة/ ~~من مكارم حاتم، ولا من شجاعة علي. بل نقل قوم: أن حاتما وهب يوما فرسا ~~ويوما قطعة إبل، ويوما قطيع غنم، ويوما باع نفسه ببعيرين نحرهما لضيفه. في ~~قضايا كثيرة/ حصل التواتر بمجموعها لا بواحدة منها. # وكذلك في شجاعة" علي": ms116 صح عنه أنه كان يوم بدر أول مبارز «3». ويوم أحد ~~أول مقاتل «4»، ويوم الخندق بارز PageV02P566 # عمرا «1»، وقد نكل عنه الناس، ويوم خيبر/ خصه النبي- صلى الله عليه وسلم- ~~«2» بالراية، بعد رجوع الشيخين بها «3» لم يفتح عليهما، فقتل مرحبا «4» في ~~PageV02P567 # جماعة، من اليهود «1»، وكان الفتح على يده «2»: وفي يوم حنين قتل ذا ~~الخمار برازا «3». وفر الناس عن النبي- عليه السلام- فلم يبق معه إلا هو ~~«4» سابع سبعة «5»، وأنه لم يرجع عن مقبل، ولا تبع مدبرا ونحو ذلك مما حصل ~~بمجموعه العلم بشجاعته. # وإن شئت فسم الأول تواترا منفردا «6» والثاني تواترا مركبا، أعني من ~~PageV02P568 # مجموع قضايا. وإن شئت سم الأول كليا، والثاني جزئيا لا حجر في شيء من ذلك ~~«1». # وأما الآحاد: فما رواه العدل الضابط عن مثله عن مثله «2» إلى محل صدوره، ~~ثم ينقسم إلى مستفيض وغيره، فالمستفيض أعلى من الآحادي، ودون التواتر «3». ~~PageV02P569 # فإذا عرفت هذا فمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم متواترة «1». # لكن القرآن تواتره لفظي: وما عداه منها تواتره معنوي، على ما بينا ~~وسنبين، بضرب المثال وحينئذ يتبين أن قوله:" إن «2» ما عدا القرآن من ~~معجزاته آحاد مردودة، عند علماء المسلمين" كلام شخص غير محصل وإنما المردود ~~عندهم هو إخبار الواحد عن الواحد أو الاثنين «3» في قضية واحدة فهذا يوجب ~~العمل، ولا يفيد العلم، ولا يثبت به أصل من أصول الشريعة ولا يرد به عليها ~~«4» قدح «5». PageV02P570 # وقد بينا- فيما سبق «1» - أن جميع ما أورده هذا الخصم من أخبار «2» ~~الآحاد التي زعمها قادحة في الشريعة لا ترد علينا ولا يلزمنا الجواب عنها، ~~وإنما أجبنا عنها في أماكنها تبرعا. # إذا عرفت هذا. فالقرآن معجز ثابت بالتواتر اللفظي، كما سنبين، وباقي ~~المعجزات بالتواتر المعنوي. وقد صنف الناس فيها كتبا ضخمة كالشفاء للقاضي/ ~~عياض، والوفاء بفضائل المصطفى، لأبي الفرج ابن الجوزي «3»، ودلائل النبوة، ~~للبيهقي «4»، والبشر بخير البشر، لابن ظفر «5». # ورأيت لبعض المغاربة: دلائل النبوة ومعجزاتها عشر مجلدات، وغير ذلك مما ~~لم أقف عليه كثير. وإنما أذكر منها هنا جملة منبهة على غيرها: # فمنها: ما أخرجاه/ في الصحيحين من حديث ms117 ابن مسعود قال: انشق القمر على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «6»: اشهدوا. # والروايات بانشقاق القمر في الصحيح عن ابن عمر، وابن عباس وأنس «7». ~~PageV02P571 # ومنها: ما روى جابر بن سمرة «1». قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت إني لأعرفه الآن. رواه مسلم «2» ~~والترمذي «3» وقال: حسن غريب. # ومنها: ما روى علي بن أبي طالب قال:" كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام ~~عليك يا رسول الله" رواه الترمذي «4». وقال: حديث غريب. # ومنها: ما روى أنس/ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب إلى لزق «5» ~~جذع، واتخذوا له منبرا، فخطب عليه، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فمسكه «6» PageV02P572 # فسكن". رواه الترمذي «1» وقال:" حسن صحيح"، ورواه أحمد «2» والبخاري ~~بألفاظ متعددة «3». # ومنها: ما روى ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # بم «4» أعرف أنك نبي؟ قال: «إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني ~~رسول الله؟ فدعاه «5» رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «6» فجعل ينزل من ~~النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له:" ارجع، فعاد. ~~فأسلم الأعرابي. رواه/ الترمذي «7» وقال:" حسن صحيح «8» " والعذق: شمراخ ~~النخل الذي فيه الرطب «9». PageV02P573 # ومنها ما روى يعلى بن مرة «1» قال: خرجت مع النبي- صلى الله عليه وسلم- ~~«2» ذات يوم إلى الجبانة «3»، حتى إذا أبرزنا «4»، قال: انظر ويحك «5» هل ~~ترى من شيء يواريني «6» "؟ قلت: ما أرى شيئا يواريك «7» إلا شجرة، ما أراها ~~PageV02P574 # تواريك قال:؛ فما قربها «1»؟ " قلت: شجرة مثلها أو قريب منها. قال: فاذهب ~~إليهما فقل: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «2» يأمركما أن تجتمعا بإذن ~~الله" قال: فاجتمعنا، فبرز لحاجته ثم رجع فقال:" اذهب إليهما فقل لهما" إن ~~رسول الله يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها فرجعت «3». # قال: وكنت معه ms118 ذات يوم جالسا إذ جاء جمل يخب حتى برك بين يديه ثم ذرفت ~~«4» عيناه فقال:" ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا"/ قال: فسألت فوجدته ~~«5» لرجل من الأنصار، فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ قال: # لا أدري، عملنا «6» عليه ونضحنا عليه «7» حتى عجز عن السقاية فائتمرنا ~~البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال:" فلا تفعل هبة لي، أو بعنيه" قال «8»: بل ~~هو لك يا PageV02P575 # رسول الله. قال: فوسمه بسمة الصدقة «1» ثم بعث به «2». # ومنها: أنه صح أن قتادة بن النعمان قلعت عينه في حرب فقال: يا رسول الله ~~إن لي امرأة وأنا أحبها وأخاف أن تبغضني لعوري أو كما قال «3»، وكانت قد ~~سالت على خده. فأعادها النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانها فكانت أحسن ~~عينيه بعد «4». # وروى البكري «5» في سيرته: أن جابر بن عبد الله الأنصاري دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى بيته في حفر «6» الخندق" وقد ذبح له شاة وطبخها وكان له ~~ابنان صغيران،/ PageV02P576 # فقال أحدهما للآخر: قم حتى أفعل بك، كما فعل أبونا بالشاة، فذبحه ثم جاء ~~«1» ليجعله في التنور، وهو مسجور، فوقع الآخر على رأسه فيه فاحترق، فوقع ~~الصائح في دار جابر. فأخبر النبي بذلك فدعا بهما، فشملهما بكساء أو نحوه، ~~ثم توضأ وصلى ودعا الله، فقاما حيين «2». # إلا أن هذا لم يثبت ثبوت غيره من الخوارق «3». # ومنها: أنه- عليه السلام- يوم حنين لما ولى أصحابه نزل عن البغلة ثم قبض ~~قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال:" شاهت الوجوه" فما خلق الله ~~منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله. # وقسم رسول الله غنائمهم «4» بين المسلمين" رواه مسلم «5»./ PageV02P577 # وفي بعض الروايات أنه قال لبغلته: الصقي بالأرض فلصقت، فأخذ ترابا ثم ~~قامت. وهذا لا ينافي قوله في رواية مسلم: نزل عن البغلة، لأنها لما لصقت ~~بالأرض صار كالنازل عنها بالأرض، فشبه على الراوي فظنه نزولا حقيقيا خصوصا ~~في ذلك الوقت الذي تشتبه الحقائق فيه على الإنسان لاشتغاله بالحرب والقتال ~~«1». # ومنها: ms119 قوله لأصحابه:" إني لأراكم من وراء ظهري «2» ". # ومنها: ما تواتر عنه من نبع «3» الماء من بين أصابعه كالعيون في مرات ~~كثيرة يطول- علي- ذكرها «4». # ومنها: ما أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال: كنا مع ~~PageV02P578 # النبي صلى الله عليه وسلم في «1» مسير،/ فنفدت أزواد القوم، حتى هموا ~~بنحر بعض جمالهم. # فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها ~~ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره، فدعا عليها/ حتى ملأ القوم ~~أزودتهم. فقال عند ذلك:" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى ~~الله بهما عبد غير شاك فيهما «2» إلا دخل الجنة" «3». # وفي أفراده أيضا: من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله في ~~غزاة فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله فجمعنا ~~تزوادنا «4» فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم «5» فإذا هو كربضة العنز ونحن ~~أربع PageV02P579 # عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا .. «1» ". # قلت: وهاتان قضيتان لوجهين: # أحدهما: أن الحديث الأول كان بإشارة عمر، وهذا كان ابتداء من النبي- صلى ~~الله عليه وسلم- «2» على ظاهر الحديث. # الثاني: أنه تبين في غير هذا الطريق أن إشارة عمر كانت «3» في غزوة تبوك ~~وكان عسكرهم فيها فوق ثلاثين ألفا «4»، وهذا الحديث أخبر أنهم كانوا أربع ~~عشرة مائة. إلى قضايا كثيرة غير «5» هذه، حصل لنا من مجموعها العلم الجازم ~~PageV02P580 # بظهور الخارق المطلق على يديه، وإن لم يحصل العلم بوجود كل واحدة واحدة ~~من هذه القضايا الجزئية بعينها، فهذا هو التواتر المعنوي. وهذا المذكور في ~~إطعام الخلق الكثير من زاد قليل، أعظم مما حكاه النصارى في الإنجيل عن ~~المسيح أنه أطعم أربعة آلاف رجل وامرأة من خمس خبزات وحوتين، وفضل اثنتا ~~«1» عشرة سلة «2»، لأن العسكر كان في تبوك فوق ثلاثين ألفا. # فإن قيل: هذا إنما تواتر عند المسلمين، ولم يتواتر عندنا. # قلنا: لا يخلوا إما أن تشترطوا في التواتر ما اشترطه اليهود من أن ~~المخبرين به لا ms120 يجمعهم دين واحد أولا تشترطوا ذلك،/ # فإن اشترطتموه لئلا يلزمكم تواتر هذه الخوارق لمحمد، لزمكم مثله لليهود ~~فإنهم يقولون: ما تواترت عندنا خوارق المسيح. والنصارى متهمون. # وإن لم تشترطوه فهذه خوارق قد تواترت عند المسلمين في شرق الأرض وغربها، ~~فيلزمكم التصديق بها. # ثم نفرض الكلام معكم في هذا الخارق الخاص: وهو إطعام الخلق الكثير من ~~الطعام اليسير. # فنقول: كما لم يتواتر ذلك/ عندكم عن محمد، كذلك/ لم يتواتر عندنا عن ~~المسيح، بل إنجيلكم رأيناه، فإن سلمتم سلمنا، وإن منعتم منعنا. # فإن قلتم: نمنع وتمنعون، ثم نرجع إلى ما سلمتموه من إحياء الموتى ونحوه ~~فأنتم إلى ماذا ترجعون؟. PageV02P581 # قلنا: أما أولا «1»: فنحن ما سلمنا معجزات المسيح المطلق الذي تعتقدونه ~~أنتم إلها أو ابن إله. وتعتقده اليهود: ابن يوسف النجار، أو لبغية «2»، ~~وإنما سلمنا معجزات المسيح، الذي بشر بمحمد وشهد له بالرسالة، وأمر من ~~أدركه منكم باتباعه. أما مسيحكم «3» الذي تعنونه فلا نسلم أنه كان له وجود ~~فضلا عن أنه أتى بمعجز أو غيره «4». # ولو سلمنا ذلك لكم للزمنا أن نعتقد إلهيته كما اعتقدتم. وذلك خروج عن دين ~~الإسلام والسلام. # وأما ثانيا: فإنا نرجع إلى القرآن، وسنبين وجه كونه معجزا. # وقوله:" إن أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم القيامة". PageV02P582 # قلنا: هذا سوء أدب لا يليق على عامة الناس، بل أشرافهم، فضلا عن الأنبياء ~~أرباب الأديان العامة والنواميس المشهورة. ولكن هذا النصراني قد يعذر طبعا ~~في هذا السفه، فإنه قد عاش في أرض الإسلام عمره ذليلا مهانا عليه الجزية، ~~ملتزما أحكام الملة،/ لم يقدر على شفاء غيظ، ولا إراقة فيض، فشفى غيظه ~~بالسفه خفية، كما قال بعضهم: # " أوسعتهم سبا، وراحوا بالإبل «1» " # وكما قالت العامة في المثل: ألستم في الهوى، والصفع في القفا؟ «2» # قوله:" وأهل الحق القليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى ~~الحياة الدائمة". # قلنا: هذا مستدرك من وجهين: # أحدهما: قولك: إنكم قليلون بالنسبة إلى المسلمين. إن عنيت في دار ~~PageV02P583 # الإسلام فهو صحيح. لكن مرادك خلافه بمقتضى كلامك: يتبعون سيدنا المسيح، ms121 ~~فإن هذا يعم- بزعمك- كل نصراني ينتحل دين المسيح، فيكون التهافت على هذا ~~التقدير بين لفظك ومرادك. وإن عنيت مطلقا، فالنصارى أكثر الأمم فإنهم ~~استقلوا بالبلاد الشامية «1»، وأطراف السواحل، وهم أهل الحبشة وملاكها، ~~وبهم وبيأجوج ومأجوج «2» تمتلئ جهنم إن شاء الله. # الوجه الثاني: قولك:" سيدنا المسيح". # من سيدك المسيح؟ لعمري إن مع التحقيق سيدك المسيح ضاع. لأن المسلمين ~~قالوا: ما قتل ولا صلب، بل رفعه الله إليه. وأنتم تقولون: قتل وصلب ودفن ~~وقام «3» بعد ثلاث من الأموات، واليهود وافقوكم على صلبه، وخالفوكم في ~~قيامه. فعلى قولهم سيدكم المسيح قد صار رميما، ثم إذا كان يوم القيامة كان ~~لكم أشد PageV02P584 # الناس خصما لكذبكم وافترائكم عليه واتخاذه إلها،/ ومخالفتكم لوصاياه من ~~بعده. # ثم يلزمه من هذا الكلام تناقض آخر: وهو أنه قد سبق منه انكار النعيم ~~الحسي في الآخرة من الأكل والشرب والنكاح «1». # ثم قد/ أثبت هاهنا جهنم، وذكرت في الإنجيل في مواضع كثيرة، تارة بلفظها ~~وتارة بمعناها، فيقول:" هنالك تكون الظلمة، وصرير الأسنان «2» " وهذا عذاب ~~حسي. فالحكمة تقتضي اتحاد جنس الثواب والعذاب. فإما أن يكونا حسيين، وهو ~~نقض لما سبق منه من إنكار النعيم الحسي، وإما عقليين، كما احتج عليه في طرف ~~«3» النعيم بقول" ابن سينا" في" الإشارات" فيلزمه أن يكون العذاب عقليا، ~~كما قرره الفلاسفة. وفي ذلك ترك ما صرح به الإنجيل من العذاب الحسي. ### | [المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته] # قال:" وإذ فرغنا من الكلام في أنه لم يتحل بمعجزة قدمها بين يدي دعواه/ ~~ولا أظهرها بعد ذلك، فلا متمسك لمنازع إلا أن يقول: القرآن معجزة لفصاحته". # قال:" ولا حجة في ذلك، لأن الفصاحة هي التقرب من البغية، والتباعد من حشو ~~الكلام. وقيل: دلالة اللفظ على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى «4» ونظامه، ~~PageV02P585 # وقلة «1» الألفاظ واختصارها، وإذا تأملت جميع القرآن وجدت أكثر عباراته ~~لا توضح وجه المعنى، ولا تتأتى معانيه على نظام مناسب «2» والدليل على ذلك: # أن المفسرين مع كثرة عددهم يفنون أعمارهم في الاختلاف في تأويله ويصنفون ms122 ~~فيه التصانيف الطويلة، ويقع بينهم الشر والمخالفات، ولا ينفصلون عن معارك ~~النزاع والتضاد في تفسيره، ويتفرقون فرقا ملقبة كالعلوية «3» والبكرية «4»، ~~PageV02P586 # والمعتزلة «1»، والأشعرية «2»، وغيرهم من طوائف عديدة، يكفر بعضهم بعضا ~~ويلعن بعضهم بعضا ويقبح قوم مذهب قوم ولا يقعون على تفسير يتفق أهل الملة ~~بجملتهم عليه ولا شطرها ويكفيك في ذلك شهادة القرآن لما قلناه./ حيث يقول:" ~~وما يعلم تأويله إلا الله «3» ". # قلت: قد بينا: أن محمدا صلى الله عليه وسلم تحلى بالمعجزات. وأما القرآن ~~فهو معجز عظيم لفصاحته، واشتماله على الأخبار بالغيوب، وإفحامه العرب ~~العاربة «4»: # أهل الفصاحة. # وأما ما ذكره من حد الفصاحة أولا، فهو جيد، وهو موجود في القرآن فإن ~~معانيه إلى الفهم تسبق ألفاظه إلى السمع. # وأما ما ذكره ثانيا ففاسد. لأنه لا خلاف عند أحد من العالم أن العرب ~~كانوا فصحاء في نثرهم ونظامهم./ مع أن في كلامهم الفصيح ما هو مجمل لا يتضح ~~فيه وجه المعنى. PageV02P587 # ثم إنك أنت نصراني علج، أقلف اللسان، ما لك وللفصاحة، والبلاغة «1» لها ~~قوم تكلموا فيها. # فقالوا: الفصاحة: خلوص اللفظ من التعقيد، الموجب لقرب فهمه، ولذاذة «2» ~~استماعه. وذلك باشتماله على صفات ذكرت في مواضعها «3»، والبلاغة: كون ~~الكلام الفصيح موصلا للمتكلم إلى أقصى مراده «4»، وقال أمير المؤمنين علي- ~~عليه السلام-: البلاغة: ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة" «5». # وقال في لفظ آخر: البلاغة: أن تقول فلا تبطىء، وتصيب فلا تخطئ «6» وهذا ~~«7» كله موجود في القرآن. # وقوله:" عبارة القرآن لا توضح وجه المعنى، ولا تأتي على نظام مناسب. # سوء فهم وقصور في النظر «8»، ويكفي في بطلان قوله أن عامة الناس وخاصتهم ~~يفهمونه إذا سمعوه «9». PageV02P588 # وأما اختلاف المفسرين في بعضه فليس لما «1» ذكر، بل تارة للخلاف في ~~أسبابه، وتارة لاختلاف مذاهبهم، فيطلبون تأويله عليها، وتارة لإجمال في ~~ألفاظه/ وذلك من وجوه إعجازه حيث كان فصيحا، بالنسبة إلى كل قوم يفهمون منه ~~ما يدعونه، وليس من شرط الفصاحة النصوصية على المراد ألا ترى إلى شعر امرئ ~~القيس «2» ونحوه من الشعراء الجاهلين، لا خلاف في فصاحته مع كثرة احتمالاته ms123 ~~واجمالاته «3». # وأما تكفير بعض الطوائف بعضا «4» فليس سببه اشتباه القرآن، بل ذلك لمواد ~~عقلية وفلسفية دخيلة على الإسلام، كما عرف من مذهب المعتزلة ونحوهم. # وأما قوله:" لم يتفقوا على تفسير شيء منه" فباطل. بل قد اتفقوا على كثير ~~منه، والخلاف فيما اختلفوا فيه منه، ليس لأمر عائد إلى لفظه ولا بد بل وإلى ~~أمور خارجة. PageV02P589 # وبالجملة فإن توقف الأمر معك على ثبوت فصاحة القرآن، استرحنا لأن الفصاحة ~~يرجع فيها إلى أهلها. وقد اتفقوا على فصاحته./ # وقوله:" وما يعلم تأويله إلا الله" ليس في جميع القرآن. كيف؟ وقد ادعى أن ~~الناس صنفوا في تأويله التصانيف الكثيرة. وهل يصنف أحد فيما لا يعلمه؟ # وإنما ذلك في ما تشابه منه حيث قال سبحانه: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم ... (7) «1». # يعنى تأويل المتشابه «2». اتفق العلماء على أن هذا مراده. PageV02P590 # ثم إن ما ذكره في القرآن والمسلمين لازم عليه في الإنجيل والنصارى. فإن ~~في الإنجيل إجمالات كثيرة تتوجه إليها الاحتمالات،/ ولذلك اختلفت النصارى ~~حتى كانوا يعقوبية «1»، وملكانية «2» ونسطورية «3»، وغير ذلك، يكفر بعضهم ~~بعضا. PageV02P591 # قال:" ووجدت أيضا ألفاظه قليلة الاختصار، كثيرة التكرار في إيراده القصص ~~وغير ذلك كسورة قل يا أيها الكافرون (1)، وسورة الرحمن فإنك تجد فيها ما ~~يعنيك وتقمع به معاديك". # قلت: هذا كلام من لا يعلم، وهو جدير أن يتعلم ثم يتكلم «1». # أما تكرار القصص فله فائدتان: # إحداهما: أن القرآن كان ينزل شيئا فشيئا «2»، ويحتاج أن يحمل إلى أقطار ~~الأرض لينتفع الناس بما فيه من أمر ونهي، ووعد ووعيد، ووعظ وأخبار ونحوه ~~وكان المهم دعاءهم إلى الإسلام، وذلك بترهيبهم مما جرى لمخالفين من الأمم ~~قبلهم وترغيبهم فيما فاز به المؤمنون، فكررت القصص وكانت مختلفة الألفاظ ~~ليتفرق في البلاد كذلك، فيسمعها الناس في الأقطار وتكون باختلاف ألفاظها ~~ادعى إلى القبول، لأن النفوس مشغوفة بمعاداة المعادات، كما قد ms124 أنكرت أنت ~~التكرار. PageV02P592 # الفائدة الثانية: أن إعادة القصة الطويلة في مواضع مع اتحاد معناها، ~~واختلاف لفظها طولا وقصرا، أدل على الإعجاز وقدرة المتكلم على الكلام. وأما ~~ما ذكر من التكرار في بقية السور، فالقول المفصل فيه قد ذكرته في" الاكسير" ~~مستوفى «1»، وذكره الناس كثيرا، فلا يخف علي ذكره «2» هنا. # ولكن أذكر فيه قولا مجملا، وهو أن التكرار كما يستغنى عنه في بعض المواطن ~~قد يحتاج إليه في بعضها للتأكيد والتقرير والتنبيه على الاهتمام بالأمر،/ ~~فيكون تركه، حيث ينبغي كذكره حيث لا ينبغي. والله أعلم. # قال:" ونجده أيضا غير خارج على نظام متناسب كقوله في سورة النساء: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع ... (3) «3». # قال:" ولا مناسبة بين العدل في اليتامى «4»، وبين نكاح النساء، ولهذا ~~وغيره يتبين أنه كلام منثور، لا نظام له، ولا تأليف". PageV02P593 # قلت: هذا الخصم معذور في استشكاله هذا الكلام، لأنه من/ المشكلات التي ~~تخفى على كثير من علماء الإسلام، لكنه ملوم في إيراده طعنا على القرآن قبل ~~أن يبحث هل له محمل على الصواب أم لا؟ ولا شك أن العلماء ذكروا لارتباط بعض ~~هذا الكلام ببعض وجوها صحيحة مناسبة: # أحدها: ما روي عن عائشة أنها قالت: نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون في ~~حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها فينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ~~ينكحوهن حتى يقسطوا في الصداق، وأمروا أن ينكحوا من شاءوا من النساء غيرهن" ~~«1». # الثاني: ما روي عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية/ يتزوج العشر من ~~النساء فما زاد، فإذا أعدم مال على مال اليتيم فأنفقه، فأمروا بالاقتصار ~~على العدد الخاص لئلا يحتاجوا إلى الميل على مال اليتيم «2». # الثالث: ما روي عن سعيد بن جبير «3» أنه قال: كانوا يخافون ألا يقسطوا ~~PageV02P594 # في اليتامى، ويتحرجون من ذلك، فنزلت الآية ومعناها: خافوا من عدم القسط ~~في/ النساء ما خفتم منه في اليتامى «1». # قلت: هو من باب قوله: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله «2» ... ... ... PageV02P595 # أي لا ms125 تتحرجوا من الجور على اليتامى، وتجورون على النساء، فهو كما تقول ~~لصاحبك: إن كنت تخشى الله في ظلم زيد، فلا تظلم عمرا. وإن تحرجت من أخذ ~~أموال الناس، فلا تأخذ أعراضهم. كذلك هذا. # الرابع: ما ذكره الحسن البصري، وهو أن معنى الكلام: إن تحرجتم من الميل ~~على اليتامى فتحرجوا من الزنا بنكاح ما أحل الله لكم من امرأة أو اثنتين أو ~~ثلاث أو أربع، لتقمعوا داعية الزنا الحرام بالنكاح الحلال «1». # قلت: والمعنى، لا تتحرجوا عن معصية، وتواقعوا أخرى، فتكونوا كالذي تسامح ~~في الزنا، وتحرج من العزل، أو ترك الغسل. # فهذه أربعة أوجه محتملة احتمالا ظاهرا مناسبة «2» مناسبة صحيحة معقولة ~~فالمبادهة بإنكار ما له هذا التوجيه، قبل استيفاء النظر فيه إما جهل أو ~~عناد، والله أعلم. # وقد استقريت الأناجيل الأربعة، وأوردت عليها من الأسئلة ما لا أظن أن على ~~وجه الأرض نصرانيا يقدر على أن يجيب عن شيء منها بمثل هذه PageV02P596 # الأجوبة «1» عن آية النساء، فضلا عن أوضح منها. فإن لزم بذلك الطعن على ~~القرآن فهو على الإنجيل ألزم. # قال:" ثم هو متناقض. ينقض بعضه بعضا، ولكن مع وقوفك على هذا الإلماع «2» ~~تقول:/ أي جهل أعظم من جهل من ادعى أن إعجاز هذا الكتاب في إثبات النبوة ~~كانقلاب الجماد حيوانا «3»، والبحر يبسا «4»، والحجر الصلد عينا لموسى «5» ~~وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص للمسيح «6». إن هذا لجاهل مائق". # قلت:/ أما دعواه التناقض في القرآن، فوهم، وقد أورد الزنادقة صورا كثيرة ~~ظنوها تناقضا، فأجيبوا عنها. PageV02P597 # صنف في ذلك الإمام أحمد وغيره «1»، فمن جملتها: # قوله «2»: ... إن الله يحب المقسطين (9) «3» مع قوله: وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا (15) «4». # قالوا: هذا تناقض، وذلك جهل منهم لأنه يقال في لغة العرب: أقسط فهو مقسط ~~إذا عدل، وقسط فهو قاسط إذا جار، وهذا يكفي في السخرية بهم «5». # وأما هذا الخصم فما أورد شيئا من التناقض حتى نجيبه عليه. # وأما قوله:" إن إعجاز هذا الكتاب لا يساوي إعجاز بقية المعجزات لموسى ~~وعيسى". # فنقول له: قد بينا لك أول الكتاب: أن المعجز ms126 هو الأمر الممكن الخارق ~~للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارضة «6»، والقرآن يشارك جميع ~~PageV02P598 # المعجزات في هذا، لأنه كما عجز فرعون عن قلب عصا حية حتى عدل إلى تجييش ~~الجيوش وإيقاد الحرب، كذلك العرب عجزت عن معارضة القرآن بعد أن تحداهم ~~بمثله «1»، ثم خفف عنهم فتحداهم بعشر سور مثله «2»، ثم خفف عنهم فقال بسورة ~~من مثله «3» وينزل معهم هذا التنزيل، فعدلت إلى الحرب، والتحام الطعن، ~~والضرب، وزاد القرآن على ما ذكرتم/ من المعجزات بوجهين: # أحدهما: أنه صفة قديمة من صفات الله تعالى «4»، وتلك المعجزات محدثة بلا ~~خلاف ولو لم يكن إلا وقوع الخلاف في قدم القرآن وحدوثه بين المسلمين لكان ~~له مزية على سائر المعجزات. PageV02P599 # الثاني: أنه كلام بريء من «1» أن ينسب إلى أنه سحر، لأنا لم نعلم أن ~~السحر كلام قط. نعم يكون بالكلام،/ فلا يلتبس عليك، وإنما عرفنا السحر ~~أفعالا محسوسة، فتطرق نسبة السحر إلى ما أتى به موسى وعيسى أقرب من تطرقها ~~إلى ما أتى به محمد، ولهذا قال فرعون:" إن هذا لساحر عليم" «2» وفي موضع: ~~إن هذان لساحران «3» وفي موضع: قالوا سحران تظاهرا ... (48) «4» # يعني موسى وهارون «5» وقالوا للسحرة حين اعترفوا بالغلبة: إنه لكبيركم ~~الذي علمكم السحر «6» وكان أكثر السحرة من بني إسرائيل فنسبوهم/ إلى ~~مواطأته، PageV02P600 # لكونه منهم، وإنما يظهر الفرق بين القرآن وغيره من المعجزات «1» من حيث ~~أنه مسموع وهي مبصرة على حسب «2» التفاوت بين المسموعات والمبصرات، وذلك لا ~~تأثير له في حقيقة الإعجاز «3». # والسبب الموجب لهذا التفاوت: # هو أن الله- سبحانه- أرسل كلا من رسله، بما كان غالبا على قومه تحقيقا ~~لإعجازهم، فبعث موسى إلى قوم مهروا في السحر، فأعجزهم بالعصا ونحوها، ~~والمسيح إلى قوم أهل كهانة وطب وحكمة فأعجزهم بما أيده به، وصالحا إلى قوم ~~أهل إبل فأعجزهم بناقة خرجت من جبل «4». فكذلك لما أرسل محمدا إلى قوم أهل ~~فصاحة يعدون الفصاحة والخطابة من أكبر مآثرهم، ويتنافسون فيها، وكانت ~~الفصاحة بعيدة عن نسبة السحر، بعثه بالقرآن الفصيح، ويكفي الطاعن في فصاحة ~~القرآن بعد عجز العرب عن معارضته: ms127 أن" الوليد بن المغيرة" حكيم قريش ~~وفيلسوفها «5» لما سمعه أنصت له ثم استعاده فأعيد عليه. PageV02P601 # ثم قال: والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، ولقد سمعنا ذلك كله وما ~~هو بشيء منه، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر، ثم قال ~~له الكفار: فما ترى أن تقول فيه؟ قال: قولوا: إنه ساحر. # فأنزل الله- سبحانه- «1»: ذرني ومن خلقت وحيدا (11) إلى قوله: إن هذا إلا ~~قول البشر (25) سأصليه سقر (26) «2». # قال:" وإن بقي التباس في هذا على مسكين ناقص الفطرة. قلنا له: تعال نفرض ~~أن القرآن فصيح. لا تكرار فيه ولا تناقض، وأنه جار على نظام واحد في ~~معانيه، ونجعل ذلك إعجازا له، أليس من شرط المعجز أن يكون من غير جنس ~~الأفعال المعتادة؟ إذ هو كلام لا يفضل جميع الكلام، وإنما يختلف بالأقل ~~والأكثر، وتقع فيه المماثلة والمفاضلة فهو جنس واحد، وبحسب التفاضل بينه ~~وبين كلام سائر الخطباء والبلغاء من العرب والمجيدين تتوزع النبوة على كل ~~فصيح بليغ بمرتبة من الفصاحة فينال من النبوة ما تستوجبه فصاحته. # قلت: الجواب عن هذا: # أما أولا: فإنه ناقض في كلامه. لأنه طلب شرط الإعجاز على تقدير ثبوت ~~الإعجاز، والمشروط لا يثبت إلا بعد تكامل شروطه. فمن هذه الحيثية يلزم وجود ~~PageV02P602 # شرطه، ومن حيث طلب شرطه. يلزم/ أن شرطه لم يوجد، وذلك تناقض لا محالة. # لكن لا يستبعد مثل هذا ممن يقول: إن الله هو المسيح، وأنه في السماء/ ~~حالة كونه في الأرض. # وأما ثانيا: فقوله:" شرط المعجز أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة" ~~فجوابه من وجهين: # أحدهما: أنا نقول: من شرط هذا الشرط؟ ومن سلمه لك؟ أنت شرطته وبحثته مع ~~نفسك تقريرا لعنادك وهواك، وفساد دعواك. ونحن قد بينا آنفا وفي مقدمة ~~الكتاب، حيث ذكرت أن الذي اتفق عليه/ المحققون في المعجز: أنه الأمر الممكن ~~الخارق للعادة المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارض. وبينا ما فيه من القيود ~~والاحترازات وبينا أنه موجود في القرآن. # الثاني: أن الإعجاز بالمعتاد أبلغ من الإعجاز بغير ms128 المعتاد بالضرورة لأنه ~~إذا عجز عما هو من عادته، وهو متدرب فيه عارف بأصوله وقواعده، فهو عمالا ~~أنسة له به أعجز «1»، وذلك كما إذا قيل للنجار: اعمل مثل هذا الباب. فلم ~~يقدر. PageV02P603 # فإنا نعلم بالضرورة أنه عن صناعة الزركش «1»، وخياطة الثياب الرفيعة، ~~ونسخ الخط المحرر، إذا لم يكن ذلك من صناعته أعجز، وأعجز. # ولهذا لما تحداهم بسورة منه فعجزوا. دل على أنهم عن معارضة سورتين فأكثر ~~أعجز. # وأما ثالثا: فقوله:" هو كلام لا يفضل جميع الكلام فهو جنس واحد" # قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: لا نسلم أنه لا يفضل جميع الكلام، بل يفضله بخصيصة الإعجاز كما ~~بينا وذلك مدرك بالحس والاستدلال. أما الحس فإن كل من سمعه يحس من نفسه ~~إدراك أنه ليس بكلام «2» آدمي، وأما الاستدلال فبعجز «3» العرب عن معارضته. ~~PageV02P604 # الوجه الثاني: إن سلمنا أنه مع الكلام جنس واحد. فكذلك قلب العصا، وإحياء ~~الموتى مع جنس الفعل جنس واحد، وإنما اختصا «1» عليه بخصيصة الإعجاز كذلك ~~القرآن. والله أعلم. # وأما رابعا: فقوله:" تتوزع النبوة على كل فصيح بليغ بمرتبته من الفصاحة ~~فينال من النبوة ما يستوجبه". # جوابه من وجوه: # أحدها: أنا لا نسلم إيجاد الجنس في القرآن وسائر الكلام/ لأن هذا صفة ~~الإله القديم «2» وذاك صفة المخلوق المحدث،/ وإنما يطلق عليها كلام، وكلام. # كما يطلق على الباري- سبحانه- وما سواه «3» موجود وموجود، وحينئذ لا يلزم ~~التماثل فلا يلزم التوزيع. PageV02P605 # الثاني: أن المسيح عندكم إله، أو ابن الإله، وأجمعنا على أن الأنبياء ~~شاركوه «1» في جنس الخارق فلزمكم على «2» هذا المساق أن توزعوا الإلهية أو ~~البنوة عليه وعليهم فيحصل لكل نبي قسط من الإلهية، أو بنوة الإله في مقابلة ~~قسط من ظهور الخارق على يديه. # الثالث: أن آدم شارك المسيح في أنه ليس من بشر ذكر، وسائر بني آدم شاركوه ~~في أنهم من أم. فيجب أن توزع الإلهية أو البنوة بينهم فيحصل لكل من بني آدم ~~منها بحسب ما شاركه فيه. # الرابع: أن إعجاز القرآن ليس بمجموع مفهوم الفصاحة، ولا بالقدر المشترك ~~منها بينه ms129 وبين سائر الكلام وإنما إعجازه بفصاحته/ الخاصة به، وهي القدر ~~الزائد على نهاية فصاحة البشر، وذلك ليس مشتركا بينه وبين غيره حتى يتجه ~~التوزيع في النبوة بحسبه، وهذا كما تقولون أنتم: إن خصوصية المسيح على سائر ~~الأنبياء هو اتحاد كلمة الله به أو ظهور اللاهوت في ناسوته، وليس ذلك لأحد ~~غيره «3». PageV02P606 # قال:" فإن «1» قلت: إعجازه من جهة أنه لم يعارضه أحد من الناس ولم يأت ~~بسورة من مثله. قلنا: إن محمدا لم يقل للناس في قرآنه: قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ... (88) «2» وقوله: ~~فأتوا بسورة من مثله ... (23) «3»: إلا بعد أن تأسست رئاسته، وظهر سلطانه ~~فمن كان يقدم على معارضته وأسيافه تقطر دما؟ ولذلك لما شرع النضر بن الحرث ~~في معارضته أنهض إليه علي بن/ أبي طالب فقتله شر قتلة «4». # وأما بعد موته فالحماية عنه بسيوف ملوك المسلمين عظيمة لا يقدم أحد معها ~~PageV02P607 # على ذلك، وقد عارضه أبو العلاء المعري «1»، والعنسي «2» بعد موته عارضه ~~ومن معارضته له:" إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، ولا تطع كل كافر ~~وساحر" ولأجل ذلك صلب على العود. وقيل له، وهو/ في الصلب:" إنا أعطيناك ~~العمود، فصل لربك على العود، وأنا ضامن عنك أن لا تعود" «3». PageV02P608 # قلت: الجواب عن هذا: # أما قوله:" إن محمدا لم يتحد الناس بالقرآن إلا بعد تأسيس رئاسته فلم ~~يقدم أحد على معارضته" فهو كذب وافتراء، بل هذه سورة البقرة من أوائل ما ~~نزل من القرآن، وفي أولها «1»: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله ... (23) إلى قوله: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ... (24) «2» ~~وتلا حم السجدة على" عتبة بن ربيعة" «3» حتى بلغ قوله: فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) «4» فقال له «5»: حسبك يا ابن أخي. ~~نشدتك الله والرحم إلا سكت، ثم رجع إلى أصحابه، وكانوا بعثوه إليه. ~~ليستنزله عما يقول، فقالوا: نقسم بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه ~~الذي فارقكم به، وكان ذلك PageV02P609 # انبهارا منه بالقرآن، ms130 وخشية أن تأخذه الصاعقة «1». # وسمعه الوليد بن المغيرة يقرأ: إن الله يأمر بالعدل والإحسان «2» الآية ~~فقال فيه ما قدمنا ذكره «3». وقال: وما هو قول بشر، وكلهم كانوا يعرفون ~~عجزهم عن مثله. وهو بينهم وحيد مستضعف، حتى إنهم أخرجوه إلى الطائف، ثم عاد ~~فاستجار بالمطعم بن عدي «4»، حتى بلغ القرآن، وكان يقول:" من يمنعني/ من ~~قريش. فإنهم قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"؟ «5». PageV02P610 # فلو أمكنهم معارضته لما كان لهم منه مانع. ثم سلمنا أنه لم يتحد به إلا ~~بعد ظهور سلطانه فقد كانت طوائف العرب كثيرة، وأكاسرة «1» الفرس وقياصرة ~~الروم «2» موجودين. فقد كان لمن له قوة المعارضة أن يأوى إلى منعه منهم، ثم ~~يعارضه فإذا أتى بمثله بطل كونه معجزا، ثم كان من تابعه يتخلى عنه، ومن ~~خالفه يشتد عليه حتى يؤول أمره إلى الانحلال والاضمحلال كما آل أمر" مسيلمة ~~الكذاب" و" الأسود العنسي" و" طليحة الأسدي" «3» والأنبياء الكذبة من بني ~~إسرائيل وما رأينا الأمر كذلك. بل لم يزل الناس يدخلون في دينه حتى طبق ~~المشرق والمغرب. PageV02P611 # وأما قوله:" قتل النضر بن الحرث، حيث شرع في معارضته"/ فليس بصحيح أيضا، ~~بل إنما قتله بعد أن أسره يوم بدر في جملة الكفار «1»، ولا شك أنه كان يرد ~~على الفرس في بلادهم فحفظ شيئا من أخبار رستم «2» "/ و" اسفنديار" «3» فكان ~~يقول لقريش أنا أحدثكم كما يحدثكم به محمد «4»، ويحدثهم بذلك، وهو في عزة ~~ومنعة من أهله بمكة قبل بدر بحين، ومحمد بينهم مستضعف فلو كان ما عنده مما ~~يصلح معارضا لاستفاض واشتهر، وملأ البدو والحضر، ومع هذا فإنه أساء إلى ~~النبي- عليه السلام- غير ذلك كثيرا «5»، ثم لما PageV02P612 # قتله وسمع ما قالت أخته" قتيلة بنت الحرث" «1» في مرثيته واستعطاف النبي ~~عليه. قال:" لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته" «2». # وأما حماية ملوك المسلمين عنه، فلا تمنع من معارضته المعارضين لجواز أن ~~يعارضوه سرا، ثم يموتوا فتظهر معارضتهم كما ظهرت معارضات/ المعري والمتنبي" ~~«3» وغيرهم من الزنادقة، بل هذا الخصم بعينه صنف هذا الكتاب في PageV02P613 # الطعن ms131 على الإسلام مستخفيا، ثم إنه على طول الأيام ظهر ونوقض، وليس عند ~~أحد من رؤساء الإسلام منه خبر حتى الآن. # وهذا الكلام يحققه قول المسيح في الإنجيل:" ما من مكتوم إلا سيظهر ولا ~~خفي إلا سيعلن" «1». # وأما معارضة المعري وأضرابه من الزنادقة، فهي ركيكة تشبه لحاهم. ولو كانت ~~مساوية للقرآن في صفاته لظهر لها عصابة من المسلمين ينصرونها ثم اختلفت ~~كلمة الإسلام. # كما أن مناقب أبي بكر وعلي لما كانا متساويين أو متقاربين اختلفت الأمة ~~فيهما على قولين: أيهما أفضل؟ «2» وفضائل PageV02P614 # مروان بن الحكم «1» ومعاوية «2» وعمرو بن العاص، بل سلمان «3»، وعمار ~~«4»، PageV02P615 # بل غالب الصحابة. لما لم تقارب مناقب هذين الرجلين لم تختلف الأمة فيهم ~~«1» فكما أنه ليس كل فضيلة توجب النزاع في صاحبها وغيره. كذلك كل معارض لا ~~يصلح أن يكون معارضا مفرقا للناس. # وأيضا: فإن كل من عارض القرآن إنما سرق بعض ألفاظه، وتابع أسلوبه فلم ~~يلحق به لأنه مادته، كما أن التلاميذ لما كانت مادتهم في التأبيد من جهة ~~المسيح لم يفضلهم أحد عليه، ولم يسوهم به. # وأما" العنسي" الذي صلب على العود فلا أحقق لفظه لأنه مشتبه الصورة في ~~الكتاب الذي نقلت منه. # فإن أراد الأسود العنسي- بعين مهملة ونون وسين مهملة- فذاك قتل غيلة «2»، ~~ولم/ نعلم أنه صلب، وإن أراد القيسي أو غيره من الألفاظ فلا نعلم من هو إلا ~~أن «3» يكون مسيلمة الكذاب، ولم نعلم أنه صلب أيضا، ومن قرآنه «4»:" ضفدع ~~بنت «5» ضفدعين/. نقي كم «6» تنقين. أعلاك في الماء PageV02P616 # وأسفلك في الطين" «1»." والزارعات زرعا، فالحاصدات حصدا، ... # فالطاحنات طحنا، فالخابزات خبزا، فالآكلات أكلا، فاللاقمات لقما، إهالة ~~وسمنا، لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون" «2». # وهذا مع كونه منسوجا على أسلوب سورة" والمرسلات عرفا" فهو ضحكة مثل ~~قائله. # وكذا قول القائل:" إنا أعطيناك الجماهر" وقول بعضهم:" إنا أعطيناك ~~اللقلق، فصل لربك وازعق، إن شانئك هو الأبلق" فإن هذا منسوج على منوال: # إنا أعطيناك الكوثر (1). # ولقد عدم أهله من يضحك عليهم، فضحكوا على أنفسهم ولعمري إن ms132 قول القائل:" ~~إنا أعطيناك العمود" إلخ خير وأفصح وأرشق من هذا كله وشعر الشعراء المجيدين ~~كجرير «3» PageV02P617 # والفرزدق «1» وذي الرمة «2»، ومن المحدثين أبو تمام «3» والبحتري «4» ~~والمتنبئ خير من هذه المعارضات/ بما لا يتناهى، وهي دون القرآن بما لا ~~يتناهى، والله أعلم. PageV02P618 # قال:" ومن لم يقنع بهذه الأدلة التي أوردناها، وبقي له نزاع أو جدل في ~~شيء من دين محمد مع إيضاح فساده وبيانه وتمسك بعلاقة منازعه فهو كالحية قطع ~~رأسها وبقي ذنبها يتحرك". # قلت: قد بينا أن ما أورده شبه صادرة عن سوء فهم، وضيق علم، وأنها كحبل ~~سحرة فرعون، وما تكلمنا به عليها كعصا موسى تلقف ما يأفكون. # قال ### | :" الشرط الرابع: حسن الشريعة # والدين، وكمالهما «1» في الخير والفضل والمعدلة، وذلك أن يتضمن دينه حض ~~الأمة على حب الله وتوحيده والعمل الصالح وحسن العبادة وموالاتهما،/ وأن ~~يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه. فلنختبر دين هذا الرجل هل هو موافق للدين ~~الطبيعي المذكور وشرائع الله التي أرسل بها رسله كموسى وغيره؟ وهل هي جارية ~~على هذا المنزع أم لا؟ ". # قلت:/ أما هذه الخصال التي ذكرها فهي منصوص عليها وعلى غيرها من خصال ~~الخير في دين الإسلام، والكتاب والسنة بها مملوءان، ولولا أن ذكر ذلك ~~يستدعى كتبا ويخرجنا عما نحن بصدده من مناقضة هذا الخصم لذكرته. # وأما قوله:" حض الأمة على حب الله وتوحيده" فهو تمويه وزور، أين النصراني ~~من التوحيد مع قوله بالتثليث؟، أما اشتماله على مصالح العباد العامة ~~والخاصة، الضروريات وغيرها، فأمر لا شك فيه، على ما أشرنا إليه في القاعدة ~~الأولى من القواعد الفروعية في" القواعد الدمشقية". PageV02P619 ### | [نسخ شريعة محمد- صلى الله عليه وسلم- لشرائع الأنبياء قبله] # وأما شرائع الأنبياء المتقدمين. فأحكامها قسمان: # ما ورد شرعنا بنسخه فليس حجة علينا، ولا شرعا لنا. # وما لم يرد شرعنا بنسخه، فهل هو شرع لنا أم لا؟ فيه قولان للمسلمين «1». ~~PageV02P620 # ومن أصل شرعنا: جواز نسخ الشرائع بعضها ببعض، وأن شريعتنا ناسخة لما ~~قبلها في الجملة. فمن نازعنا في جواز النسخ أو وقوعه أو شيء من ms133 أحكامه فقد ~~بينه الأصوليون في كتب الأصول «1». PageV02P621 ### | [تعدد الزوجات، والطلاق بين الإسلام والنصرانية] # قال:" فرأيناه قد ذكر في سورة النساء: ... فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع ... (3) إلى قوله: .. أو ما ملكت أيمانكم ... «1» فأجاز ~~نكاح أربع نسوة والتسري بملك اليمين إلى غير عدد محصور: على أي دين كن من ~~الأديان وأن يطلق الرجل ما شاء ويستبدل ما شاء كذلك ما عاش". # قلت:/ هذا نقل صحيح عن دين الإسلام. إلا قوله في ملك «2» اليمين: # " على أي دين كن من الأديان" فليس بجيد، بل إنما تباح الكتابية دون ~~الوثنية والمجوسية ونحوهما. وإن كان قد ذهب إلى ذلك أحد من المسلمين فليس ~~معتقدنا «3». PageV02P622 # قال:" ونبين بطلان هذا بحجج كثيرة: # أولها: أن الله تعالى لم يعط آدم إلا زوجة واحدة وهي التي خلقها من الضلع ~~ليتبين بذلك تأييد الصحبة والمحبة «1» بينهما كتأبيد المحبة بين أعضاء ~~الجسد، ولهذا «2» حكي عن آدم في التوراة أنه قال:" هذه عظم من عظامي ولحم ~~من لحمي سميت امرأة لأنها أخذت من المرء، فلذلك يترك الإنسان أباه وأمه ~~ويلزم زوجته" «3». # وبهذا يتبين أنه بحسب الفطرة تكون واحدة لواحد، إذ لو كان في كثرة ~~الزوجات فضيلة لكان/ آدم أولى بها، لأنه كان واحدا في العالم ليكثر نسله". # قلت: أما كون آدم لم تكن له إلا زوجة واحدة،/ فلا يدل ذلك على وجوب ~~الاقتصار على الواحدة. # قوله:" لو كان في كثرة النساء فضيلة لكان أولى بها إذ كان مفردا وليكثر ~~نسله". قلنا: أما من نسله، فما كان يجوز له أن ينكح لو عاش «4» إلى يوم ~~القيامة لأنهن بناته وإن سفلن، ونكاح البنات حرام فيما علمناه، ولم نعلم ~~نبيا وطئ بنته إلا ما حكي في التوراة عن لوط أنه أحبل ابنتيه وهو سكران ~~«5». فعلى من قال هذا «6» أو صدقه لعنة الله. PageV02P623 # وأما من غير نسله بأن يخلق الله له مثل حواء فلجواز أن حواء كانت تكفيه ~~فلم يحتج إلى غيرها، لأنها خلقت في الجنة. وقد ملأ الله من نسلهما الدنيا ~~مفردين ms134 فلو كان له غيرها لما وسعتهم الأرض. # فإن قيل: كيف تمنعون آدم من نكاح بناته وقد زوجه الله حواء، وهي/ خلقت من ~~ذاته من ضلعه. # قلنا: لأن بناته منه على جهة الولادة، وحواء ليست على جهة الولادة وقد ~~فرقتم أنتم بين آدم وحواء والمسيح بهذا بعينه، فقلتم: المسيح خرج من رحم ~~فكان ابن الله، بخلاف حواء وآدم «1». # قوله:" خلقت من ضلعه ليتبين بذلك تأبيد الصحبة «2» بينهما كتأبيدها بين ~~أعضاء الجسد". # قلنا: ليس ذلك لهذه العلة بل لما ذكر في القرآن من قوله تعالى: ومن آياته ~~أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ... (21) ~~«3» وهذا لا يقتضي تأبيد الصحبة، وترك الرجل أباه وأمه، ولزوم زوجته لا ~~يقتضي أيضا ذلك، بل سببه المودة والرحمة بينهما، وذلك مشترك بين المرأة ~~الواحدة والزوجات «4». PageV02P624 # وأما إنكاره جواز الطلاق حيث شاء «1» الإنسان، فإنما استفادوه مما حكوه ~~عن المسيح في الإنجيل في الفصل الأربعين «2» من إنجيل متى: أن الفريسين ~~قالوا للمسيح ليجربوه:" هل يحل للإنسان يطلق «3» امرأته لأجل كل علة؟ فقال ~~لهم: # أما قرأتم: أن الذي خلق في البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟. # ومن أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه، ويلصق «4» بامرأته، ويكونا كلاهما ~~جسدا واحدا؟ وما جمعه الله لا يفرقه الإنسان. قالوا له: لماذا موسى أوصى أن ~~تعطى كتاب طلاق وتخلى؟ «5» قال: لأن موسى علم قساوة قلوبكم فأوصاكم «6» / ~~أن تطلقوا نساءكم، ومن البدء لم يكن هذا، وأقول لكم من طلق امرأته من غير ~~زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنا" اه. # لكن الجواب عنه من وجوه: # أحدها: الجواب العام، وهو عدم الوثوق بالإنجيل. # الثاني: بتقدير الاحتجاج بالإنجيل. لكن هذا الكلام بعينه متهافت/ بين ~~التهافت «7» فلا تليق نسبته إلى المسيح، وسنبين وجه تهافته. PageV02P625 # الثالث: الجواب من حيث التفصيل. # أما كونه خلقهما ذكرا وأنثى، وأن الإنسان شديد الألفة بامرأته، فلا يقتضي ~~عدم جواز الطلاق ولا يناسبه، وأما قوله:" ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان" ~~فنقول: # أولا: الجمع بين الزوجين ليس حقيقيا كاجتماع ms135 بدن الإنسان ونحوه، وإن ~~سلمناه فهو عام مخصوص بصور كثيرة كتفريق أعضاء البدن لمصلحة العقوبة ~~وغيرها، وأما قوله:" لم يكن هذا في البدء" فلا يدل على ذلك أيضا لجواز ~~النسخ. # وأما اعتذاره عن تجويز موسى الطلاق بعلمه بقساوة قلوبهم. إلى آخره ~~فالمناقشة عليه من وجوه: # أحدها: أن قساوة قلوبهم/ إن كانت مقتضية لجواز الطلاق، فلم لم يجزه ~~المسيح أيضا لذلك، ولعل محمدا- عليه السلام- أجاز الطلاق توسيعا على قساة ~~«1» القلوب من أمته. # فإن قلتم: نسخ ذلك في دين المسيح. # قلنا: ونسخ ما في دين المسيح في دين محمد. # وإن لم تكن مقتضية لجواز الطلاق لزم أن يكون موسى شرع غير الحق لغير ~~موجب. PageV02P626 # الثاني: أن ما جاز أن يكون حقا في دين موسى فما المانع أن يكون حقا في ~~دين محمد؟. # الثالث: أن قوله: «من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا" كلام ~~مستدرك بأن ذلك غير لازم من طلاقها. لأنا إذا ألجأناها أن تتزوج بغيره لم ~~يحصل من طلاقه لها الالجاء إلى الزنا، ثم إن مفهومه جواز طلاقها إذا زنت، ~~وعموم قوله:" من تزوج مطلقة فقد زنا" يقتضي أن أحدا لا يتزوج مطلقة سواء ~~طلقت لكونها زنت أو مع عدم الزنا، وذلك يلزم منه إلجاؤها إلى/ الزنا- أعني ~~جواز طلاقها- إذا زنت. والمنع من تزوج المطلقة مطلقا على ظاهر هذا العموم. ~~لأنها حينئذ تبقى مطلقة بطالة فتحملها البطالة على التشاغل بالزنا، كما حكي ~~في التوراة عن كنة «1»." يهوذا" لما مات/ زوجها أحوجتها البطالة إلى أن ~~تعرضت ليهوذا على الطريق حتى زنا بها «2»، ونحن نتبرأ إلى الله من هذا. # وبهذا بان ما في هذا الكلام من التهافت، وعدم التناسب، بحيث يجب تبرئة ~~السيد المسيح عن مثله. والله أعلم «3». # قال:" وأيضا. فإن الطبيعة لا تجمع إلا اثنين في فعل التناسل. فينبغي أن ~~لا يكون للرجل إلا زوجة واحدة". PageV02P627 # قلت: هذا خلف من الكلام. فإنه إن أراد أنها لا تجمع إلا اثنين في حالة ~~واحدة فهو مسلم. لكن لا يقتضي ذلك الاقتصار على واحدة، ms136 وإن أراد في وقتين ~~فصاعدا فممنوع، وحينئذ يجوز أن يطوف الإنسان في ساعة على جماعة من النساء ~~واحدة بعد واحدة. # قال:" وأيضا. فإن كثيرا من الحيوانات ليس للذكر منها إلا أنثى واحدة ~~كالأسد والدب وغيرهما من البهائم، وكأكثر الطيور فالإنسان لخصيصة عقله أولى ~~بذلك قمعا للشهوة". # قلت: جواب هذا من وجهين: # أحدهما: أنه معارض بما يتخذ من الحيوانات عدة إناث، فلم كان التأسي بأحد ~~القبيلين أولى من التأسي بالآخر؟. # الثاني: أن اقتصار هذه الحيوانات على أنثى واحدة هل هو على جهة قمع ~~الشهوة، أو على جهة الحيوانية والطبيعة، وعدم الشعور بحقائق الأمور؟ فإن ~~كان الأول لزم أن تكون هذه الحيوانات عقلاء كاملي العقل/ حتى قمعت شهوتها ~~بعقلها، وأن الدب «1» أعقل من" إبراهيم" حيث كان في فراشه" سارة" و" هاجر"، ~~ومن" يعقوب" حيث جمع بين ابنتي خاله" ليا" و" راحيل" وجاريتهما في فراش ~~واحد، فضلا عن أن تكون هذه الحيوانات أعقل من بقية عقلاء الآدميين. وإن كان ~~الثاني لم تصح الأولوية ولا القياس. والتنظير بم يكون؟ # قد اجتمعتم أنتم وبعض الحيوان البهيم على رأي. ونحن وبقية العالم على ~~رأي، PageV02P628 # وموافقة الأكثر أولى من موافقة شرذمة قليلة، تقلد في دينها ودنياها ~~ومعاشها ومعادها حيوانا بهيما، خصوصا السبع والدب اللذين هما من أدمغ ~~الحيوانات وأبلده «1». # ولعل هذا من جملة الأسباب الموجبة لاطباق الحمى على الأسد، لأن طبيعته في ~~الأصل حارة، وباقتصاره على أنثى واحدة يقل نزوه، فتحتقن الحرارة في بدنه، ~~فيبثها القلب/ إلى سائر نواحيه. وهذه حقيقة الحمى. # وقد بينا في أول الكتاب: أن منافع النكاح تخفيف البدن وتنشيطه. # فإن قلت: فالأسد في الشجاعة والنشاط على الغاية بخلاف سائر الحيوان/ وما ~~ذكرته يقتضي تثبطه لثقل بدنه. # قلت: وما يدريك لعله لو أكثر «2» من النزو بحسب ما تقتضيه حاله، كان يكون ~~أشجع وأنشط. # قال:" وأيضا فإن فائدة آلة التناسل في الزوجين: الذرية لا اللذة ثم اللذة ~~وإن كانت تصحبها تبعا، لا بالقصد الوضعي، لكن استعمال الآلة للذة فقط ~~استعمال سوء «3» مائل عن الاستعمال المستقيم. ms137 ولذلك هو ذنب". # قلت: هذا ممنوع، بل المقصود من آلة التناسل الذرية واللذة جميعا بالقصد/ ~~الأول. أما الذرية فبالاتفاق، وأما اللذة فلأن الباري- سبحانه- ابتلى خلقه ~~بتركيب الشهوات فيهم خصوصا هذه الشهوة فإنها أشدها. PageV02P629 # فلو لم يجعل إلى قضائها طريقا مباحا للزم منه تكليف ما لا يطاق، إذ كان ~~يكون مثال «1» الشخص في الدنيا «2» مع كثرة نسائها مثل شخص حبس في دار ~~مملوءة حيات بحيث لا يطأ إلا على جماعة منهن. ثم يقال له: إياك أن تطأ منهن ~~شيئا، واحترس أن يلدغنك. # ثم قد أجمع الناس على جواز نكاح العاقر والصغيرة التي لا تلد، ومن ارتفع ~~حيضها ونحوهن، فلو لم تكن اللذة مقصودا أصليا، لما جاز ذلك. # وأما «3» قوله:" إنه ذنب". # فجوابه: أن يقال: هو ذنب إذا كان حراما أو مطلقا؟ الأول مسلم، والثاني ~~ممنوع، ولو كان كذلك لم يفعله الأنبياء. وأيضا لو كان استعمال الآلة للذة ~~فقط ذنبا واستعمال سوء، مع أن حصول الذرية منه غير مقطوع به لكان في تجويزه ~~لأجل الذرية إقدام على ذنب محقق «4» لتحصيل فائدة غير محققة وذلك ينافي «5» ~~السياسة العقلية. # قال:" وأيضا لذة اللحم ليس شأنها اجتلاب فائدة، بل تدفع الفوائد ~~الروحانية وهي في نفسها خسيسة ردية مهلكة، فإنها كالخمر تسكر الذهن ~~الإنساني وتذهب قوته، وكالضباب يصير العيون مظلمة". PageV02P630 # قلت: قد بينا فوائد هذه الحاسة أول الكتاب «1»، ونص عليها الأطباء وعلى ~~مضار تركها. ولو صح ما قاله من دفعها الفوائد الروحانية،/ لوجب أن تكون ~~مخاييس النصارى وغيرهم الذين لم ينكحوا قط، أفضل من الأنبياء كإبراهيم ~~وموسى وهارون/ ويوشع بن نون، والأنبياء الاثني عشر، وأشعياء ودانيال، وأكثر ~~«2» روحانية منهم. # ولقد حيرني هذا العلج في أمري بتلونه، فإنه تارة نصراني مثلث أو غيره ~~وتارة فيلسوف معطل، وتارة عامي جلف، فنعود بالله من التلون. # قوله:" هي في نفسها خسيسة ردية مهلكة" إن «3» أراد بخستها قبح صورتها ~~طبعا، ورد عليه حالة البول والتغوط، بل حالة الأكل لأنها سببها. لا يقال ~~هذه الأحوال ضرورية طبعا، لأنا نقول مثله هناك، إذ النكاح ms138 ضروري من حيث ~~الطبيعة والشهوة، يتأذى بتركه الدين والبدن كما سبق. # وقوله:" مهلكة «4» " إن أراد هلاك «5» الدين بالتتابع فيها فذاك إنما هو ~~في الحرام والحلال وإن أراد هلاك البدن بإضعافه فذلك يتقدر بحسب اختلاف ~~المروءات والعقول «6» والمحمود منه: القدر المتوسط، الذي لا ينهك البدن ~~بكثرته ولا يفضي إلى إنهاك الدين بالإقلال منه. PageV02P631 # ويحكى:" أن أبا مسلم الخراساني «1» كان لا يأتي النساء في/ السنة أكثر من ~~مرة. ويقول: هذا جنون. فأكثر من مرة لا يكون «2» ". # قلت: ويغلب على ظني أنه قد كان به علة مانعة، أو فكرة شاغلة. # فإن قيل: فمحمد كان أولى بهذا التماسك من أبي مسلم لفضيلة منصب النبوة ~~وفكرته في الجهاد، وإقامة الدين، وكمال معرفته بأحكام الآخرة. # قلنا: كذلك كان، ولهذا قالت عائشة: كان أملككم لإربه «3» " لكنه لو بالغ ~~في التماسك عن هذه الشهوة لشق على أمته التأسي به. فإنه كان يطيق ما لا ~~يطيقون PageV02P632 # فكان يلزمهم الحرج وذلك ينافي نصوص الشريعة برفع الحرج فأكثر منه رفعا/ ~~للحرج عن أمته، وأيضا فإنه كان مشرعا معلما كما قال:" إنما بعثت معلما «1» ~~" وعلم أن في صورة هذا الفعل ما تحتشمه النفوس وتنجبه منه فجرأهم عليه ~~بإكثاره منه فعلا وقولا لئلا يتقاصروا عنه حياء «2» أو يقدموا عليه على وهم ~~وانحاش «3» فيحرجوا بذلك، فأراد أن يوسع عليهم المجال في الحلال ويخالف أهل ~~الزور والمحال والنصارى الضلال./. # قوله:" إنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته". # قلنا: إن صح هذا فهو الإكثار «4» منها لا مطلقها، على أن الإنسان إذا ~~داوم تركه بعد اعتياده يجد لذلك ثقل بدن وكرب وانقباض يورثه بلادة ووسواسا ~~ويحصل له بفعله انشراح وانبساط، ولذلك هو أكبر دواء العشاق كما ذكره ~~الأطباء. PageV02P633 # قال:" ولأنها مضادة لأنواع السرور الروحانية العلية، فهي تصرف النفس ~~بالكلية عنها، إذ يفسد ذوق القلب، فلا يستطيب شيئا من الخير، كما في العكس، ~~وهو أن الذين يستطيبون الأمور الروحانية الأزلية لا يستطيبون اللذات ~~الجسدانية بل يكرهونها ويهربون عنها". # قلت: أما قوله:" إنها مضادة للروحانيات" فباطل بالأنبياء، إذ هم ms139 أعظم ~~البشر روحانية، وكانوا يستعملون هذه اللذة، وكل ما ذكره في هذا الفصل باطل ~~والحق خلافه، بل هذه اللذة إذا استعملت على الوجه الحلال قصدا لا إفراط «1» ~~ولا تفريط، وقصد بها اعفاف الدين وتحصين الدين والفرج والتفرغ من قلق ~~الشبق، لطاعة الباري في النهار والغسق «2»، كانت أفضل من عبادات كثيرة. # ولهذا قال بعض علماء المسلمين:" إن التشاغل" بالنكاح أفضل من التخلي/ ~~لنوافل العبادة، حسما لمادة فساد الدين بالزنا ونحوه «3» ". # وأما ترجيح الروحانيات عند أصحابها، فلأنهم لا يحصلونها إلا بعد قهر ~~PageV02P634 # الطبيعة برياضة البدن وكسر شرته «1»، وإضعاف قوته بصيام الهواجر «2»، ~~وقيام الدياجر «3»، حتى تقوى قوى النفس على البدن، وحينئذ يصير تركهم له ~~«4» لضعفهم عنه لا لما أراد. # ولو كان ما ذكر صحيحا لوجب حين استعلن «5» الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~وتجلى لموسى وناجاه، أن كانوا يطلقون نساءهم، ثم لا يجتمعون بهن أبدا. # قال:" فقد بان بأن اللذة اللحمية ينبغى أن تبقى بحسب استطاعة الطبيعة ~~وإذا كان الواجب أن تبقى، فأولى أن لا تعمل شيئا لاجتلابها،/ فينبغى أن ~~تعدل وتقمع حيث لا يستطاع أن تبقى على كل حال". # قلت: المسلم له من هذا وجوب إبقاء الحرام، وما ينهك البدن أما غيره فلا، ~~PageV02P635 # وهذا كلام في الريح. # قال:" فينبغي أن لا يكثر الزوجات والجواري، بل يقتصر على واحدة ويكون ~~قصده تحصيل/ الروحانيات". # قلت: هذا حاصل ما ذكره بعد ما سبق في كلام مخبط متهافت. # واعلم: أن النكاح بالغا ما بلغ منه الإنسان لا يشغل عن الروحانيات لمن له ~~نية صادقة، ونفس صافية وهمة عالية. # قال:" ويقال أيضا: الشهوة اللحمية إما أن يقال: ينبغي أن تقمع، أو لا ~~يقال؟ فإن قيل لا ينبغي أن تقمع، لزم أن تبقى الطبيعة الإنسانية ذاهبة في ~~كل نجاسة ولواط وبهيمية. وإن قيل: ينبغي أن تقمع لكن لاستعمال النساء ~~والجواري الكثيرة كما قال محمد، فهو مردود بوجوه: # الأول: أن الشهوة مشتركة بين القبيلين، فينبغي أن يكون للمرأة أزواج/ كما ~~للرجل زوجات، ولم يقل به أحد. # الثاني: أن المرأة إلى الزنا ms140 أقرب إلى الرجل لوفور شهوتها ونقصان عقلها ~~فمن احتاط للرجل بكثرة النساء بحيث إن كانت واحدة مريضة أو عاقرا لا تحمل، ~~وجد الأخرى صحيحة تحمل، لزمه أن يجعل للمرأة أزواجا بحيث إن كان أحدهم ~~مريضا أو غائبا وجدت الآخر يصونها عن الزنا. # الثالث: أن في الباب الثاني «1» من كتاب أيوب:" سل البهائم تعلمك وطيور ~~السماء تريك". PageV02P636 # قال:" والبهائم وطيور السماء تتبع عادة آباءها، فينبغى لنا أن نتبع عادة ~~أبينا ولم يكن له إلا زوجة واحدة". # الرابع: أن تكثير الزوجات والجواري موجب لتحاسدهن، وتشتيت قلوبهن «1»، ~~والغضب والقطيعة وذلك شر، والله خير محض، فلا يفعل الشر، ولا يأمر به". # قلت: الجواب عن هذا بأنا نقول: يجب قمع هذه الشهوة بالطريق الشرعي وهو ~~النكاح والتسري أو الصوم لمن لا يقدر على ذلك. # قوله:" الشهوة مشتركة بين القبيلين" قلنا: نعم. # قوله:" ينبغى أن يكون للمرأة أزواج كما للرجل زوجات". # قلنا: هذا قد كان مقتضى العدل، لكن منع منه مانع أقوى منه وهو اختلاط ~~المياه واشتباه الأنساب، ونحن شرعنا مبني على مراعاة المصالح والمفاسد، ~~فإذا تحررت «2» المصلحة حصلناها، أو المفسدة نفيناها. وإن تعارضتا فإن ~~ترجحت المصلحة حصلت، أو المفسدة نفيت. وإن تساوتا تخيرنا وهاهنا تعارضت ~~مصلحة العدل في النساء بتسويتهن بالرجال في تعدد الأزواج ومفسدة/ اختلاط ~~الأنساب/ لكن ترجحت هذه المفسدة فنفاها الشرع وحفظ المرأة. # وتحصينها من الزنا يحصل باحتجابها في البيت على حسب الإمكان على ~~PageV02P637 # أنها لو كان لها أزواج لما تركت الزنا بالكلية، كما أن الرجل على ما هو ~~مشاهد- وإن كان له زوجات لا يتركه بالكلية، بل يطمح إلى غيرها من ذكر وأنثى ~~لواطا وزنا. # لكن غاية ما يقال على تقدير «1» كثرة أزواجها كأن يكون داعيها إلى الزنا ~~أضعف فيكون وقوعه منها أقل لكن يعارضه مفسدة اختلاط النسب وتغاير الرجال ~~الذين نفوسهم أقوى، وهممهم أعلى من همم النساء، ثم أنتم لم تقولوا بذلك في ~~جانب الرجل «2».؟ # وهذا سؤال قد أحكمت الجواب عنه في أوائل" الفوائد" وما ظننت أن أحدا ~~أورده. لكن فرضته/ وأجبت ms141 عنه. وبهذا حصل الجواب عن سؤاله الثاني. # أما الثالث: فقوله في كتاب أيوب على تقدير الوثوق بصحته، فليس المراد به: ~~أن الطيور تعلمه أمر دينه والأحكام الشرعية. PageV02P638 # ثم هو مطلق لا عموم له. فلم قلت: إن سؤالها يتعين أن يكون عين «1» هذا ~~الحكم؟ بل لعله التوكل من حيث أنها لصدق توكلها" تغدو «2» خماصا، وتروح ~~بطانا «3» فيأمره أن يكون في التوكل مثلها أو غير ذلك. فقد قال الله تعالى ~~في القرآن: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~... (38) «4». # وأما قوله:" ينبغى أن نتبع عادة أبينا في الاقتصار على واحدة" فجوابه من ~~وجهين: # أحدهما: أن نقول له: هات لنا مثل حواء حتى نقتصر عليها. # الثاني: أن شرعنا أمرنا بمتابعة/ الحق بالحجة، ونهانا عن تقليد الآباء ~~بقوله ... قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ... (21) «5» في آيات كثيرة. # وأما السؤال الرابع: فإن تكثير النساء وإن كان موجبا للتغاير بينهن ~~وتقاطعهن. لكن هذه مفسدة عارضتها مصلحة أرجح منها، وهو تحصين فروج ~~PageV02P639 # الرجال وأديانهم، ولم يعارض هذه المصلحة مانع اختلاط النسب كما عارضها ~~«1» في حق النساء، فحصلت هذه المصلحة الراجحة لما قررناه من مراعاة شرعنا ~~للمصالح. # وأعلم أننا بحمد الله أهل صدق وعدل وانصاف، وعلى ذلك تأسيس دين الإسلام، ~~ولا شك/ أنا نرى غالب الناس من المسلمين وغيرهم مع إباحة التزوج والتسري ~~لهم قد استحوذ عليهم الشيطان، حتى يترك أحدهم ما يحل له من ذلك وإن كثر ~~ويعدل إلى الزنا بالنسوان، واللواط بالغلمان. فلو حصروا في واحدة كما أشار ~~به هذا الخصم، لعمري لقد كانوا يدبون على الشيوخ والكهول والشباب والبهائم ~~في البر والحيتان في البحر، فكان فيما جاء به دين الإسلام من تكثير مجال ~~النكاح عليهم تقليل لهذه المفسدة. # ولعل هذا النصراني غره احتباس رهبانه في البيع «2» والديارات «3» فيظن أن ~~ذلك يمنعهم عن الفجور، ولو علم أنهم يدبون على PageV02P640 # الشماسة «1» وكل صبي وشيخ يدخل إليهم. لأجاز لهم التزوج بعشرين، ولولا ما ~~هم فيه من الرياضة ونحوها لدبوا على أطعمة المذبح. ms142 ### | [الرد على النصراني في ادعائه أن الإسلام أجاز إتيان المرأة في دبرها] # قال:" وفي سورة البقرة: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ... (223) ~~«2» قال في التفسير: يعني من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة" قال: وهذا تعليم ~~تستنكف «3» / منه البهائم، فضلا عن أن الله يعلمه خلقه". # قلت: هذا غباوة أو عناد. فإن لهذه الآية أسبابا تقتضي ما تضمنته من ~~الحكم: # منها: أن اليهود كانت تقول: إذا جامع الرجل زوجته من دبرها في قبلها جاء ~~الولد أحول، فبين الله تعالى بهذه الآية أن لا أثر لذلك، بل للرجل أن يأتي ~~امرأته مقبلة ومدبرة بشرط أن يكون في القبل «4». PageV02P641 # الثاني: أن المهاجرين كانوا يجبون نساءهم، يعني يأتونهن «1» مدبرات في ~~القبل فلما جاءوا المدينة جعلوا يفعلون ذلك بأزواجهم من الأنصار. ولم يكن ~~لهن به عادة فأخبرن بذلك النبي- عليه السلام- ووقع فيه الكلام فبين الله ~~حكمه «2». # الثالث: ما روى ابن عباس قال: جاء عمر، فقال يا رسول الله هلكت، قال:" ما ~~أهلكك"؟ قال: حولت رحلي الليلة فأنزل «3» الله هذه الآية: فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم اقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة. رواه الترمذي «4» والنسائي «5». # وحينئذ نقول: ما المحذور في أن الله- سبحانه- بين له في كيفية الوطء ما ~~ينبغي مما لا ينبغي؟ وإنما استقبح/ هذا الخصم هذا بناء على رأيه الفاسد في ~~أن اللذة ليست مقصودة لذاتها من الجماع، وقد تقدم منعه، وما جعل النساء إلا ~~للمتعة./ PageV02P642 # على أن النسائي قد روى في سننه الكثير عن ابن عمر: أن رجلا أتى امرأته في ~~دبرها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوجد النبي- صلى الله عليه وسلم ~~«1» - وجدا شديدا. فأنزل الله- سبحانه-: فأتوا حرثكم أنى شئتم «2». # ويحتج بهذا من أجاز وطء المرأة في دبرها، ويعزى إلى مذهب مالك وأهل ~~الحجاز «3»، وهذا أشد وأغلظ على النصارى «4». PageV02P643 ### | [كراهة الطلاق وإباحته لمصلحة الزوجين] # قال:/" وفي هذه السورة «1»: الطلاق مرتان ... (229) إلى قوله: فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ... (230) «2» وذكر حديث امرأة رفاعة ~~القرظي «3»: (لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) «4» وكأن حاصل ms143 ما ذكره: ~~انكار فراق المرأة بالطلاق أو المرض أو العيب ونحوه. قال:" ولو جاز ترك ~~المرأة لأجل شيء من العيوب، لجاز للمرأة ترك الرجل لذلك. لأنها أحوج إلى ~~الرفق بها لضعفها". PageV02P644 # قال: بل ينبغي أن تمان «1» المرأة ذات العيب لأجل الضرورة ولا تفارق لأن ~~أحد المتعاهدين إذا فارق صاحبه حال المرض والضرورة عد قاسيا خائنا". # قلت: أما الطلاق فجائز بإجماع المسلمين، وقد تقدم البحث معه فيه «2»، وأن ~~النكاح عقد معاوضة في الحقيقة فجاز فسخه كالبيع، نعم جاء في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أبغض المباح إلى الله الطلاق» «3» وعليه اشكال، ~~وهو أن البغضة تقتضي الكراهة والإباحة تقتضي التسوية، فالجمع بينهما متعذر. # وأجيب: بأن المباح قد يراد به تساوى الطرفين وقد يراد به القدر المشترك ~~بين المتساوي الطرفين وراجح الترك وراجح من غير جزم وبهذا يستقيم معنى ~~الحديث، لأنه يصير تقديره: أبغض ما للإنسان فعله: الطلاق. وهو أعم من ~~المتساوي وغيره «4». PageV02P645 # قوله:" لو جاز ترك المرأة لعيب ونحوه، لجاز لها ترك الرجل". # قلنا: هكذا نقول على تفصيل فيه. # تقريره مختصرا: إن العيب في أحد الزوجين: إما أن لا يخل بمقصود النكاح أو ~~كماله، فلا يثبت به الفسخ، أو يخل بذلك فيثبت به إقامة/ للعدل وإزالة ~~للمكروه عن المكلف. # ثم العيوب الموجبة للفسخ: إما خاص «1» بالرجل كالجب «2» والعنة «3»، أو ~~بالمرأة كالقرن «4» / والرتق «5». أو مشترك بينهما كالجنون والجذام والبرص، ~~ولكل من الزوجين فسخ نكاح صاحبه، لما يخل بمقصود «6» نكاحه من ذلك. ~~PageV02P646 # قوله:؛ تمان المرأة للضرورة ولا تفارق". # قلنا: فيه إلزام للرجل مكروها، له عنه مندوحة، وذلك ينافي العدل. # قوله:" أحد المتعاهدين إذا فارق صاحبه حال الضرورة عد قاسيا خائنا". # قلنا: النكاح من باب العقود العوضية «1»، لا من باب العهود. # والعقود العوضية «2» يجوز فسخها بعيب وإقالة، فكذلك النكاح يفسخ بالعيوب ~~والخلع، وهو نظير الإقالة في البيع ونحوه، والفرق بين العقد والعهد أن ~~العقد «3» يتضمن عوضا، والعهد لا يتضمن عوضا، وقد أمر الله بالوفاء ~~بالأمرين ومن الوفاء بالعقد، الفسخ عند قيام المقتضى له، ms144 ولو كان اجتماع ~~الزوجين على جهة العهد على ما ذكرنا لكان زنا حراما بإجماع المسلمين. # وحينئذ نقول: فسخ العقد لا قسوة فيه ولا جناية، بل إنما ذلك في العهد. # فأما قوله تعالى: وأخذن منكم ميثاقا غليظا «4» فقال المفسرون/ عقدا ~~مؤكدا. وهي كلمة الله التي أخذها «5» للنساء على الرجال، وهي الإمساك ~~بالمعروف أو التسريح بالإحسان، قال قتادة:" وكان ذلك يؤخذ عند عقدة النكاح ~~«6» ". PageV02P647 # نعم: إن شرط في العقد ألا يفسخ أحد من الزوجين بعيب ظهر بصاحبه. # فإن قلنا: لا فسخ بالعيب الحادث، كان هذا الشرط مؤكدا للحكم وإن قلنا ~~يثبت به الفسخ احتمل/ أن يلزمهما بموجب الشرط لقوله عليه السلام: «المسلمون ~~على شروطهم «1»» واحتمل أن يبطل النكاح من أصله، بناء على الشروط الفاسدة ~~في العقود. وأحكام الأنكحة الفاسدة معلومة. # ثم ما ذكره ينتقض بالتلاميذ «2» مع المسيح، حيث آمنوا به وبايعوه على ~~دينه، ثم لما قبض اليهود عليه فروا عنه، خصوصا بطرس التلاميذ الكبير «3» ~~الذي قال له:" لو أنكرك كل واحد «4» لما أنكرتك" ثم أنكره قبل صياح الديك ~~ثلاث مرات «5» ". # فهذا هو ترك العهد لا طلاق الزوجة. فإن قيل: إن تفرقهم عنه كان بإذنه. ~~PageV02P648 # قلنا: وطلاق الزوجة وفراق الزوج بإذن الشارع الذي هو إله المسيح والزوجين ~~وغيرهما من العالم. # فإن منعوا أن ذلك بإذن الله/، عدنا إلى النزاع في تصديق الرسول، وخرجنا ~~عن مسألة إنكار الطلاق. # قال:" ثم إن جاز أن تترك المرأة بلا سبب أو بسبب ضعيف، كما في ملة ~~المسلمين أفضى ذلك بسبب الهجرة والغضب إلى تبديل الزوجات الكثيرة وتنجيسهن ~~واحدة بعد أخرى، وافتضاض الأبكار وتركهن. وذلك يورث البغض بين النساء ~~وأزواجهن وأقربائهن، وذلك خلاف الدين الطبيعي والصيانة والمروءة". # قلت: أما إفضاء ذلك إلى تبديل النساء فلا محذور فيه، بناء على ما ذكرنا ~~من أن النكاح عقد، والمرأة معقود عليه، كالفرس والشاة، لا فرق بينهما إلا ~~أن هذه من الجنس بخلاف الفرس. # وأما تنجيسهن فالجماع لا نجاسة فيه، وإنما هذه لفظة استفادتها النصارى من ~~قول" يعقوب" لابنه/ روبيل:" وطئت سريتي ms145 ونجست فراشي «1» " وهذه حكاية ~~باطلة، ثم لو صحت لكان التنجيس هنا مجازا عن انتهاك حرمة فراشه وإلحاق ~~العار به بذلك، والعلاقة المجوزة فيه تأذي الإنسان بلحوق العار، كما يتأذى ~~بلحوق النجاسة، وإن تفاوت «2» الأديان أو يكون أراد نجاسة الفعل يعني قبحه، ~~لاشتراك النجاسة والفعل القبيح في القبح. PageV02P649 # وأما افتضاض الأبكار وتركهن فتلك متعة أمتع الله بها خلقه، فالمانع منها ~~متحجر فضولي. والدليل على ذلك صريح العقل، فإن الخلق كلهم ذكرهم وأنثاهم ~~عباد الله وإماؤه، فإذا سمح لعبيده بوطء إمائه على وجه مخصوص جاز، كما أن ~~الواحد «1» من الخلق يجوز أن يهب لعبده ألف جارية له، يقول افعل بهن ما ~~شئت، فإنه يجوز أن يتصرف فيهن بسائر التصرفات من بيع وعتق ووطء للبعض دون ~~البعض أو للكل. # والانتقال من واحدة إلى واحدة وغير ذلك، فإن نازعتمونا في أن الله سبحانه ~~أذن لنا في ذلك خرجنا عن المسألة «2» كما سبق. # وأما قوله:" ذلك يورث البغض بين الرجال ونسائهم وأزواجهن" «3» فممنوع. ~~بيانه: # هو أن الشرائع قوانين متبعة لا يخرج عنها من هو من أهلها، فإذا علم الناس ~~من شرعهم جواز التزوج والطلاق، وافتضاض الأبكار وتركهن، وجب عليهم أن لا/ ~~يتباغضوا لذلك ولا يتحاقدوا، كما يجب عليهم أن لا يتباغضوا/ لتأدية الحقوق ~~المالية، كالديون ونحوها، وإن كان أداؤها على خلاف الطبع. PageV02P650 # وما فائدة الشرع إلا كف الطباع عن الشر الذي جبلت عليه- وهذا منه- فإن ~~غلبتهم النفوس/ على البغضاء والحقد بالطبع كان ذلك مراغمة للشرع فيعصي ~~فاعله ولا يكون بفعله اعتبار، كما أنه لما حرم أخذ المال بغير حق كان فعل ~~قطاع الطريق ونحوهم إثما عليهم يستحقون به العقوبة، وهو ساقط الاعتبار، لا ~~يفيد ملكا ولا يجيز تصرفا، وتصرفات الطبائع لا يلزم موافقتها للشرائع، فما ~~وافق الشرع منها كان حقا كالنكاح، وما خالفه كان باطلا كالسفاح ثم هذا ~~معارض بأن الطلاق إن كان يفضي إلى التباغض فلزوم النكاح أبدا والحبس على ~~زوجة واحدة يفضي إلى تكره كل منهما بالآخر وتبرمه به، وتضجره منه، وقل أن ~~يطيب ms146 مع ذلك عيش لبهيمتين، فضلا عن إنسانين فتدوم المفسدة، وربما انتفى ~~لذلك مقصود النكاح، وربما أفضى إلى مفارقة الدين. # كما حكي أن بعض النصارى تزوج امرأة فلما دخلت عليه رآها عوراء فقال: ~~عورتا، قالت: بلستا «1». قال:" محمد بن عبد الله" على الباب، ثم خرج فأسلم. # فحجز الدين ما بينهما «2»، فلو كان في دين النصارى فسحة في الطلاق ~~PageV02P651 # لقال عوض كلمة الإسلام: أنت طالق، ثم استراح منها، ولم يحتج إلى فراق دين ~~يعتقدونه حقا إلى دين يعتقدونه باطلا. مع أن فراق كل من في الدنيا أهون من ~~فراق الدين. # فإن قلت: نحن مع قولنا بلزوم النكاح أبدا، وارتباط الرجل على زوجته يوجب ~~على كل منهما احتمال صاحبه وعشرته بالمعروف، وأن لا يتبرم به، ولا يتضجر ~~منه، فإن خالف ذلك كان فعله خلاف الشرع «1»، وهو غير معتبر. # قلنا: فقل في الطرف الآخر هكذا، وهو أنا/ إذا اخترنا الطلاق والفراق ~~أوجبنا على الرجال والنساء أن لا يغضبوا، ولا يحقد بعضهم على بعض فإن ~~خالفوا ذلك كان فعلهم على خلاف الشرع، وهو غير معتبر. # ثم يترجح ما قلناه بوجهين: # أحدهما: أنه إذا لم يكن بد من البغضة الطبيعية، فتباغض الزوجين بعد أن ~~يصيرا أجنبيين أسهل من تباغضهما في عصمة النكاح مجتمعين لافضاء ذلك إلى ~~تكدر عيشهما باجتماعهما، وربما/ غلبت المرأة لوفور شهوتها وقلة دينها ~~وعقلها على أن تقتل زوجها بسم أو غيره لتستريح منه وتصير إلى غيره، وكم قد ~~وقع مثل هذا، وذلك مأمون بعد الفراق. # الثاني: أن الفرقة عذاب، والعذاب مؤدب. فإذا افترقا ربما استقام أحدهما ~~للآخر، فعادا بعد نكاح جديد أو قبله بخلاف ما إذا داما مجتمعين فإنه لا ~~يرجى لهما استقامة، بل كلما جاءا في سآمة وملل وتضجر وتبرم- والله أعلم-. ~~PageV02P652 # قال:" وأيضا ما أشد ما يكون ظلم النساء بوقوع الطلاق عليهن بلا ذنب". # قلت: هذه غفلة عن الصواب. فإن الطلاق فسخ عقد معاملة لا إيقاع معاقبة، ~~وإنما يكون ظلما إيقاع العقوبة بلا ذنب، ولو كان الطلاق عقوبة/ لوجب أنها ~~إذا زنت ms147 ونجست فراشه تكون استدامة نكاحها أفضل في حقه، للإجماع من عقلاء ~~العالم، على «1» أن الحلم عن الذنب أفضل من العقوبة عليه، وهذا لا يقول به ~~عاقل، اللهم إلا أن تكون رياضة النفوس قد بلغت بالنصارى إلى رتبة القيادة، ~~والصبر على الدياثة «2». فقد قال بعض الحكماء: إن أربعا من الأمم أكثروا ~~«3» من أكل أربع، فأورثتهم أربعا: فالترك/ أكثروا من لحم الخيل فأورثهم ~~القوة والقسوة، والعرب أكثروا من لحم الإبل فأورثهم الحقد والكرم، والحبشة ~~أكثروا من لحم القردة فأورثهم الرفض «4»، والنصارى أكثروا من لحم الخنزير ~~فأورثهم الدياثة وعدم الغيرة «5». PageV02P653 # ونقل القرطبي في تفسيره «1» عن محمد بن سيرين «2» أنه قال:" ليس شيء من ~~الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار". # فلعل النصارى ورثوا من أكل لحم الخنزير اللواط بصبيانهم، حتى اكتفوا ~~بالواحدة من نسائهم، وعدم الغيرة حتى صبروا معهن على القيادة. # قال:" وأيضا فإن هذا يفضي إلى انقطاع النسل الذي هو أعظم خير في الزواج ~~إذ يجوز لكل واحد منهم في اليوم أن يتزوج أربعا ويطلقهن، ويأخذ أربعا غيرهن ~~كذلك في جميع زمانه، وهذه ليست سنة العقلاء والأعفاء بل سنة الفجار ~~والعواهر، بل سنة الكلاب والحمير". # قلت: هذا جهل منه بحكم دين الإسلام. فإن الرجل لو تزوج أربعا وطلقهن في ~~يوم واحد جاز ذلك له، والنسب محفوظ بوجوب العدة/ إذ به يتبين PageV02P654 # الحمل فيلحق بأبيه، وإن لم يكن حمل فلا محذور، وحينئذ يكون فهمه: هو فهم ~~الكلاب والحمير، لا سنة المسلمين «1». # قال:" وأيضا. ما أقبح وأشنع توقف رجوع المرأة بعد طلاقها إلى زوجها على ~~نكاح غيره، إذ تأبى ذلك نفس الرجل والمرأة، وذلك خلاف الطبيعة بالنسبة إلى ~~الناس بل إلى كثير من الدواب والطيور كالأسد والدب، فإن كل واحد من أشخاص ~~هذه الأنواع لا يتعدى إلى أنثى الآخر". # قلت: لو عقل هذا العلج لكفاه هذا الحكم في الدلالة/ على حكمة شريعة ~~الإسلام وصحتها ولكن: # لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي «2» PageV02P655 # وبيان ذلك: أن الشارع لما علم من طبيعة ms148 البشر كراهة ذلك، والنفور منه ~~جعله شرطا في جواز ارتجاع الرجل زوجته، ليكون ذلك مانعا له من المبادرة ~~بطلاقها، وحاملا لكل من الزوجين على عشرة الآخر بالمعروف، واحتمال بوادره ~~وسوء أخلاقه. فكان اشتراط نكاح المرأة زوجا غير مطلقها مفضيا إلى نفيه ~~وتقليله جدا، حتى أن هذا إنما يقع في النادر بالنسبة إلى كثرة الأنكحة ~~وللطلاق «1»، ونظيره القتل بالقصاص ناف للقتل بالعدوان ومقلل له، وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى: # ولكم في القصاص حياة يا ... (179) «2» وتقول العرب:" القتل أنفى للقتل ~~«3» " ويقول الشاعر: # بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما وبالقتل تنجو كل نفس من القتل «4» وأما ~~الأسد والدب ونحوهما فليسوا مكلفين،/ حتى يشرع في حقهم ما يمنعهم من ~~المبادرة إلى الطلاق، وإنما كان ذلك فيهم طبيعة. PageV02P656 ### | [نكاح المتعة وموقف الإسلام منه] # قال:" وفي كتاب المناسك من مسلم. قال: سئل ابن عباس عن متعة الحج فرخص ~~فيها «1»، وفي كتاب النكاح منه «2» عن أبي الزبير «3» عن جابر، قال: كنا ~~نستمتع بالقبضة من التمر «4» والدقيق، على عهد رسول الله «5» " وذكر حديث ~~الربيع بن سبرة الجهني «6»، وحديث عمران بن PageV02P657 # حصين «1» قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ولم ~~ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات «2» " قال:" فهل فاحشة أو نجاسة ~~أقذر من هذا الفعل في الكلاب؟ / دع الإنسان يعطى المرأة ما ترضى به فيزنى ~~بها. هذا منزع PageV02P658 # الزنا لا غير، هذا أمر الشيطان لا أمر الله. وهذا هو المتعة. والعقلاء من ~~المسلمين/ يستنكفون «1» من ذلك، وكثير من أهل الحجاز «2» ومكة باقون عليها ~~إلى الآن". # قلت: هذا غلط منه على الشريعة حيث جعل المتعتين واحدة. # وإنما المتعة في حديث ابن عباس: هي نسك من أنساك الحج وهو قرينة الإفراد ~~والقران. وصورتها: أن يعتمر أولا ثم يحل ثم يحرم بالحج. # وأما المتعة في الأحاديث الأخر، فلا شك أنها ثبتت في أول الإسلام لضرورة، ~~وهو غربتهم عن أوطانهم في الجهاد وحاجتهم إلى النساء، فرخص لهم فيها بشبهة ~~عقد وصورته فكان ذلك خيرا مما يفعلونه زنا محضا. ms149 ثم نسخ ذلك في عهد النبوة، ~~وليس عليه اليوم من المسلمين إلا شرذمة قليلة، وأكثر من يقول به الرافضة ~~«3». PageV02P659 # وأما حديث عمران بن حصين:" ولم ينه عنها حتى مات «1» " فلأنه لم يبلغه ~~النهي عنها وقد بلغ غيره فنقله على أن القياس شرعا وعقلا: جواز المتعة ~~وإنما منع الشرع منها تعبدا. أما شرعا: فلأن الله إنما حرم الزنا، والمتعة ~~ليست زنا لأن الحد فيها ساقط والنسب لاحق، والزنا ليس كذلك، وأما عقلا ~~فلأنها منفعة من منافعها، فجاز معاوضتها عليها مطلقا كالخدمة، بل الزنا ليس ~~قبيحا عقلا إذ ليس فيه إلا انتفاع كل من بشرين بآخر وإنما قبح شرعا، ثم ~~تلقت العقول قبحه من الشرع ونفرة الطبع. PageV02P660 # وأما تشنيعه بالمتعة فقد بينا في غير موضع أن في التوراة أن يهوذا بن ~~يعقوب/ لقي كنته- زوجة ابنه- على الطريق في «1» صورة زانية فوطئها على أن ~~يعطيها «2» جديا من الغنم ثم رهنها عليه عمامته وقضيبا معه «3» " وهذه صورة ~~المتعة بل صورة الزنا. والجواب مشترك. # وأيضا المتعة أحسن حالا من وطء روبيل بن يعقوب جارية أبيه لأنه زنا محض ~~«4». # قال:" وفي كتاب العتق من البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي- صلى الله ~~عليه وسلم- «5»: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدورها، ما لم تعمل به ~~أو تكلم) «6». PageV02P661 # قلت: لا أعلم ما وجه إيراده لهذا الحديث، إلا أن يكون انكارا لوسوسة ~~الشياطين أو للعفو عنها، بناء على أنه لم يذكر في كتبهم. فأما الشياطين ~~ووساوسهم «1» فثابتان وأما عدم ذكر ذلك في كتبهم فاحتجاج بالعدم./ وقد سبق ~~في غير موضع: أنه اعتماد على الجهل. # وذكر أحاديث العزل عن النساء «2». ### | [العزل وإباحته في غير معارضة القدر] # قال:" وهو أن يجامع الرجل ثم يعزل ذكره عن فرجها، فيلقى المني خارجا"، ~~قال:" وهو قبيح/ رذل عار على فاعله". # قلت: المأخذ في مشروعية النكاح في دين الإسلام هو تحصين الدين والفرج ~~والعفاف عن الزنا، وذلك حاصل مع العزل وعدمه، «3» وعندهم مأخذه تحصيل ~~الذرية، فلعلهم لذلك قبحوه، ولا شك أن هذه المسألة من فروع ms150 الشريعة وفيها ~~خلاف: فقيل: يجوز مطلقا «4»، وقيل: لا يجوز مطلقا «5». وقيل: يجوز بإذن ~~PageV02P662 # الزوجة وإذن سيد الأمة «1»، ومسئلة فيها هذا الخلاف في الحكم والدليل، لا ~~ترد هادمة لشريعة. # ثم إذا حاققناهم: فإما أن نمنع قبح العزل وتحريمه ونطالبهم بالدليل على ~~ذلك فلا يستطيعونه،/ وليس فيه إلا وهم الاحتشام الطبيعي. ولو كان ذلك موجبا ~~للعار لوجب أن يكون نفس الجماع عارا، وقد بينا بطلانه «2» وإما أن نسلم ~~تحريمه ونحتج عليه بما روى أبو سعيد قال:" ذكر العزل عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «لم يفعل أحدكم؟ فإنها ليست نفس مخلوقة إلا الله ~~خالقها» أخرجاه في الصحيحين «3»، ورواه أبو داود «4» والنسائي «5» والترمذي ~~وصححه «6». PageV02P663 # فقوله:" لم يفعل؟ " استفهام انكار، وذلك يوجب المنع «1»، ولأن فيه فرارا ~~من القدر وهو حرام «2»، ونوع عبث إذ لا فائدة له إذا كان لا مانع لما أراد ~~الله خلقه، ثم نجعل هذا ناسخا لأحاديث إباحته «3»، فلا يمكنهم النزاع في ~~ذلك «4». والله أعلم. PageV02P664 # [حد الزنا ... وحرص الإسلام على الستر والإغضاء] # قال:" وفي سورة النساء: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ... (15) إلى ~~قوله: والذان يأتيانها منكم فآذوهما ... (16) «1» وذكر ما قاله «2» ~~المفسرون في الأذى: أنه التعيير «3» والتوبيخ، أو السب والجفاء أو النيل ~~«4» باللسان واليد، والضرب بالنعال، ونحوه «5». # قال:" وفي هذا تكثير للزنا لطمع الزانيين بتعذر اجتماع أربعة شهود غالبا، ~~حتى يقضيا وطرهما، ولضعف هذه العقوبة إذ لا يزجر «6» مثلها عن هذا الفعل ~~وشرعية الزنا وقوعه في الخلق أمر مغضب للرب، وموجب حلول نقمته وسخطه فينبغي ~~أن يحسم تشديد العقاب، حتى لا يقع «7» إلا نادرا". # قلت: قد تبين بهذا السؤال أن هذا الشخص قد كان يأخذ ما يورده على الشريعة ~~من كتب التفسير والحديث من غير أن ينظر في كتب/ الفقهاء، إذ لو نظر فيها ~~لعرف أحكام/ الشرع، ولم «8» يورد هذا الزور والمحال، ولعمري أن الكتاب ~~PageV02P665 # والسنة، وإن كانا أصل الشريعة ومادتها لكن اقتناص الأحكام منها يحتاج إلى ~~تصرف في التركيب، كما أن مفردات الدواء مادته، ولا بد في الانتفاع بها من ms151 ~~تصرف في التركيب، وكذلك مقدمات الدليل مادته ولا ينتفع بها في إثبات الحكم ~~إلا بمعرفة تركيب الدليل منها، وكذا الكلام في مفردات كل مركب. وإذا عرفت ~~هذا فحكم دين الإسلام في الزاني إن كان محصنا الرجم حتى يموت، وهل يجلد ~~قبله مائة جلدة؟ على قولين «1». وإن كان بكرا PageV02P666 # جلد مائة وتغريب عام «1» إلى مسافة القصر «2» لأن قوله تعالى: فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) «3» ~~السبيل PageV02P667 # هاهنا: مجمل تبينه السنة فيما روى عبادة بن الصامت «1» قال:" قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني. قد «2» جعل الله لهن سبيلا، الثيب ~~بالثيب جلد مائة ثم الرجم،/ والبكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة» رواه مسلم ~~«3» وأبو داود «4» والنسائي «5» وابن ماجه «6» والترمذي، وقال: حسن صحيح ~~«7». وفيه أحاديث غير هذا. # وبهذا يتبين: أن ما ذكر في تفسير الأذى ضعيف لا يثبت، أو منسوخ بهذا ~~الحديث «8»، أو محمول على البكر، أو على أنه يفعل بالزانيين ولا يقتصر لهما ~~عليه، بل يقام عليهما من الحد ما أتت به السنة في بيان السبيل. PageV02P668 # وأما قوله: في اعتبار الأربعة تكثير الزنا للطمع في تعذرهم. فجوابه: أنا ~~قد بينا أن بناء شرعنا على مراعاة المصالح والمفاسد،/ وترجيح بعضها على ~~بعض، ولا شك أن اعتبار الأربعة في الزنا، وإن كان مفضيا إلى تكثيره بما ~~ذكرت لكن الزنا يتبعه مفاسد عظيمة: # منها: ضياع النسب. # ومنها: لحوق العار بالزانيين وأهلهما «1». # ومنها: وجوب القتل عليهما أو الجلد الذي يفضي إلى القتل. # ومنها: سلب العدالة فيترتب عليه رد الشهادة وسلب أهلية الولايات الدينية ~~والدنيوية. # وهذه المفاسد كلها راجعة إلى حقوق الآدميين، فكان في تقليل ثبوت الزنا ~~بتكثير الشهود، تقليل لهذه المفاسد في الحكم. # وأما معصية الزنا الواقع في نفس الأمر، فالعقوبة عليها/ حق الله، والدنيا ~~ليست دار جزاء، إنما هي دار تكليف، فيتأخر حق الله إلى حين المصير إليه، ~~فيعاقب أو يعفو. ولهذا غالب المعاصي لم يشرع فيها عقوبة في الدنيا إلا فيما ~~كان فيه إفساد لنظام ms152 العالم فشرع فيه العقوبة لذلك، وأخر حقوقه في سائر ~~المعاصي إلى الدار الآخرة، دار الجزاء، ولهذا لا يوجد في كلام المسيح ترتيب ~~عقوبة دنيوية على شيء من المعاصي، بل إنما يتوعد بجهنم وبالظلمة وصرير ~~الأسنان على ما تضمنه الإنجيل. PageV02P669 # وما تضمنه دين النصارى من العقوبات «1» الدنيوية فهو إما متناول من ~~التوراة أو من جهة علمائهم على جهة السياسة، بناء على قول المسيح: # " ما حللتموه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطتموه في الأرض فهو ~~مربوط في السماء «2» ". # مع أن دين الإسلام مبني على إيثار الستر والإغضاء «3» ومكارم الأخلاق، ~~لطفا من الله بخلقه، ولولا ما في المعاصي ذوات الحدود من المفاسد الدنيوية ~~لما شرع فيها حد «4»./ # والجواب عن هذا السؤال ذكرته مبسوطا في القواعد الدمشقية وإنما أشرت إليه ~~هنا إشارة. PageV02P670 ### | [الاستمتاع بالحائض في زمن الحيض] # قال:" وفي الموطأ عن زيد بن أسلم «1» أن رجلا سأل رسول الله فقال: ما يحل ~~لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله: لتشد إزارها ثم شأنك بأعلاها «2» ~~". # قلت: كأنه يستعظم مقاربة الحائض. # قلت: وهذا لا محذور فيه، لأنا أجمعنا على جواز وطء المرأة إذا كانت ~~طاهرا. والحيض إنما اختص بالفرج. وقضية العقل: أن المانع يختص تأثيره ~~بمحله، بما لم يقم دليل على تعدي حكمه. وذلك يقتضي اختصاص الفرج فقط ~~بالاجتناب PageV02P671 # في زمن الحيض، وبقية البدن يجوز الاستمتاع به «1». وكذلك نص القرآن: # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض «2» يعني: موضع ~~الحيض «3»، وهو الفرج. # وفي حديث صحيح:" اصنعوا كل شيء ما خلا النكاح «4» " وفي/ حديث ~~PageV02P672 # عمر:" اتق الحيضة والدبر «1» " اللهم إلا أن تنكر هذا، لكون غير الفرج ~~ليس محلا لزرع الولد فيضع الماء ويصير بمثابة العزل، بناء على أن مقصود ~~النكاح الأصلي إنما هو الولد، لكن هذا شيء قد منعناه، وسبق الجواب عنه «2». # قال:" وفي كتاب الرجم «3» من مسلم: أن سعد بن عبادة «4» قال لرسول الله: ~~أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلا. أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال له ~~رسول الله:" ms153 نعم «5» ". # قلت:/ وقد قدم هو وجه السؤال من هذا، وهو تكثير الزنا، وقدمنا جوابه. ~~PageV02P673 ### | [حكم الحنث فى اليمين وجمعة بين تعظيم الله ورفع الحرج عن المكلفين] # قال: وفي حديث أبي موسى «1» حيث جاء يستحمله «2» فقال:" والله لا أحملكم" ~~ثم حملهم. فسألوه فقال:/ ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، وأنا والله- إن شاء ~~الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها أحسن منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي ~~هو خير «3» ". # قلت: وجه سؤاله من هذا: أن الحنث في اليمين استخفاف بحق الله، وتهوين ~~بعظمته، بناء على ما عندهم في الإنجيل عن المسيح أنه قال:" سمعتم ما قيل ~~للأولين: لا تحنث في يمينك، وأوف الرب قسمك «4» وأنا أقول لكم: # لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ ~~قدميه ولا PageV02P674 # ببروشليم «1» فإنها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك تحلف ولتكن كلمتكم: ~~نعم. # نعم. ولا. لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير «2» ". # والجواب: أن دين الإسلام مبني على رفع الحرج والضيق بناء على أن الغرض من ~~تكليف الخلق تعظيم الله والانقياد له، لا لحوق «3» المشقة لهم بذلك فمتى ~~أمكن الجمع بين تعظيمه تعالى ورفع الحرج عن المكلفين كان ذلك حسنا جائزا، ~~وتعظيم الله سبحانه في باب الأيمان يحصل إما بالتزام العقد معه بأن لا يحنث ~~فيها، مثل أن يحلف أن يفعل فيفعل أو لا يفعل فلا يفعل، أو بالتكفير إن خالف ~~ما حلف «4» عليه «5»، لأن في التزام التكفير بجزء من المال المحبوب طبعا، ~~أو بالتعبد بإلحاق المشقة بالصوم للبدن تعظيما لله سبحانه ولا بد، وقد نص ~~عليه PageV02P675 # القرآن «1»، ولعل التعظيم بذلك أشد من التعظيم بالتزام ما حلف عليه، إذ ~~قد يحلف أن لا يأكل هذه اللقمة فتركها عليه يسير غالبا، فإذا أكلها لمصلحة ~~دينية وأعتق عوض ذلك رقبة «2» أو أطعم أو كسى عشرة مساكين أو صام ثلاثة ~~أيام متتابعة «3» / كان ذلك لا شك أبلغ في تعظيم الله- جل جلاله وتبارك ~~اسمه-. # وأما ما ذكروه عن المسيح من قوله:" لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي ms154 الله" ~~فكلام متهافت لا تليق نسبته إلى المسيح. وبيان تهافته: أنه فاسد الاعتبار، ~~إذ النهي عن الحلف بالسماء يقتضي عدم تعظيمها، وكونها كرسي الله يقتضي ~~تعظيمها، وجواز الحلف بها، ثم إن هذا الكلام في الفصل الخامس من إنجيل متى، ~~وهو PageV02P676 ### | [متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه] # مناقض لما في الفصل السادس والخمسين «1» منه حيث يقول:" من حلف بالسماء ~~فهو يحلف بكرسي الله والجالس عليه" فإنه يقتضي صحة الحلف بالسماء/ وجوازه ~~«2»، وأن الحالف بها حالف بالله سبحانه. # فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء الذين يقدحون في دين الإسلام بهذا الكلام ~~المتناقض المتهافت. # وذكر حديث قتل كعب بن الأشرف «3»، وأن محمد بن مسلمة «4» خدعه ~~PageV02P677 # حتى استمكن منه فقتله، وذلك بإذن النبي- عليه السلام- «1». # قلت: ووجه السؤال منه: أنهم خدعوه بإذن محمد حتى أمن وسلم نفسه إليهم ثم ~~قتلوه وهذا غدر. # قلت: وجوابه من وجهين: # أحدهما: أن هذا من باب الخديعة في الحرب، وهو جائز في دين الإسلام وقد ~~قال النبي- عليه السلام- (الحرب خدعة) «2» وغاية ما في الباب: أنه كذب. ~~PageV02P678 # لكن الكذب ليس قبيحا لذاته عندنا بل «1» لما فيه من المفسدة. فإذا تضمن ~~مصلحة راجحة على مفسدته تعينت. وكان من قبيل اعتبار المصالح. ولا شك أن قتل ~~كعب ابن الأشرف تضمن مصلحة دينية، وهو أنه كان يهجو النبي- عليه السلام- ~~والمسلمين ويقذف نساءهم في شعره، ويأخذ أعراضهم، وهو يهودى ملعون من أعداء ~~المسيح وقتلته/- على زعمك «2» - وبعض هذا يوجب قتله وقتل كل يهودي على وجه ~~الأرض. # وأجمع «3» العقلاء على أن الكذب واجب على من رأى ظالما يتبع نبينا أو ~~وليا أو مظلوما بالجملة ليقتله. إذا سأله فليصده عنه «4» بالكذب، ولو صدق ~~حتى قتل ذلك المظلوم لأثم بالصدق. # قال العلماء: الكذب: واجب، ومندوب، ومباح، وحرام. # فالواجب: كالصورة المذكورة آنفا. والمندوب: الكذب للإصلاح «5» بين ~~PageV02P679 # المؤمنين. وفي الحديث الصحيح: (ليس بالكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا، ~~أو نمى «1» خيرا «2» والمباح: كذب الرجل لامرأته في الوعد والتأميل «3»، ~~ليكف شرها عنه أو لا تكدر «4» عليه. والحرام: ما سوى ذلك وهو كل كذب لم ~~يتضمن ms155 مصلحة راجحة على مفسدته «5». PageV02P680 # وقد صرحت التوراة بأن إبراهيم وإسحاق جميعا قال كل منهما عن زوجته: # إنها أخته «1» حين خشي عليها من" أبيمالخ" ملك الأردن وفلسطين، ولما تضمن ~~ذلك مصلحة لم يقبح منهما. فهذا مثله سواء، لأن محمدا وأصحابه كانوا مظلومين ~~مع كعب في هجائه لهم وقذفه لنسائهم، كما كان إبراهيم مظلوما بتغلب" ~~أبيمالخ" ملك الأردن «2» على زوجته، لولا عصمة الله لها منه. # الوجه الثاني: أن عظيم ساليم قرية «3» سجيم لما فضح «4» بنت يعقوب وأراد ~~أن يتزوجها صعب على بني يعقوب ذلك. فقالوا له: إن من ديننا الختان، فإن ~~اختتنت أنت وأهل قريتك زوجناك. فلما اختتنوا جميعا دخلوا عليهم، وهم في ألم ~~الختان لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، وهذا غدر ~~صريح، والجواب عنه مشترك لأن/ الجميع أنبياء، وقد نصت التوراة على هذه ~~الحكاية «5». # وذكر حديث: أعطيت/ خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل PageV02P681 # لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة «1»، وكل نبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى ~~الناس عامة «2» ". # قلت: لا أعلم ما «3» وجه السؤال من هذا، إلا أن يكون يكذب بالإخبار بهذه ~~الأشياء بناء على عدم علمه بها، أو على مناقضة محرفة في كتبهم، ولو ذكر وجه ~~سؤاله منه لأجبته بحسبه «4». ### | [حسن العطاس وكراهة التثاؤب] # وذكر قوله- عليه السلام-:" إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" إلى ~~قوله:" وأما التثاؤب فهو من الشيطان. فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ~~فإنه إذا تثاءب «5» ضحك منه الشيطان «6» ". PageV02P682 # قلت: قد سبق ذكرنا لقواطع الإنجيل على جسمية الشيطان «1»، ومناقشتنا له ~~في قوله: الشياطين بسائط مجردة عن المائدة" ومع جسميتهم لا يمتنع الضحك ~~والأكل وسائر خواص الأجسام منهم. وأما قوله:" إن الله يحب العطاس ويكره ~~التثاؤب" ومعنى كونه من الشيطان فله تأولان: # أحدهما: ذكره الخطابي «2»، وهو أن العطاس يكون عن خفة البدن من الطعام، ~~والتثاؤب عن ثقله به «3». فالحب والكراهة راجعان إلي سببيهما «4»، وهما قلة ~~الأكل وكثرته الموجبان لخفته وثقله «5» لا إلى ذاتيهما ms156 «6». # الثاني: أن العطاس يتعقبه حمد الله. وذكره بخلاف التثاؤب، فلذلك فرق ~~بينهما في الحب والكراهة، وعدم ذكر الله من أخلاق الشيطان، وما يؤثره، ~~فلذلك قيل في التثاؤب: إنه من الشيطان. PageV02P683 ### | [آدب الأكل فى الإسلام وجهل النصارى بها] # وذكر أن رسول الله أمر بلعق الأصابع والصحفة. وقال:" إنكم لا تدرون في ~~أيه البركة «1» ". # وقوله:" إذا أكل أحدكم فلا/ يمسح يده حتى يلعقها، أو يلعقها «2» " وأنه ~~كان" يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها" «3». # وقوله:" إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء حتى يحضره عند أكل طعامه «4»، ~~فإذا سقط «5» من أحدكم اللقمة فليمط ما بها «6» من أذى، ثم PageV02P684 # ليأكلها، ولا يدعها للشيطان وإذا «1» فرغ فليلعق أصابعه «2» ". ### | [حكم مرور الكلب الأسود بين يدي المصلي، والرد على النصراني في اعتراضه على ذلك] # قلت: هذه آداب حسنة من آداب الأكل، فإن في لعق الأصابع والصحفة تعظيم ما ~~عليهما من بقية الطعام بأكله وتنظيف الإصبع «3» والصحفة، ولعله علم في ذلك ~~سرا آخر من خصائص النبوة، وإليه أشار بقوله/" لا تدرون في أيه البركة" وقد ~~سبق في أول الكتاب قول أرسطو وغيره" أنه لا بد في معرفة الشرائع من «4» ~~توقيف إلهي يبين للعقل ما يقصر عنه، وليس من شأنه إدراكه" «5». # وذكر حديث أبي ذر:" يقطع الصلاة: الحمار والمرأة والكلب الأسود" # وقال:" الكلب الأسود شيطان" «6». PageV02P685 # قلت: الجواب من وجوه: # أحدها: أن الشيطان لا يمتنع أن يختص بالدخول في الكلب الأسود لخصيصة فيه ~~من شدة خبثه أو نحو ذلك، كما ذكر في الإنجيل: أن المسيح أخرج الشياطين من ~~الناس فدخلت في قطيع خنازير ثم ألقتها في البحر فغرقت «1». # وقد ذكر ابن الأشل «2» مطران حمص في تقرير الثالوث:" أن الله سبحانه ظهر ~~في كبش إبراهيم" فإذا جاز في عقولكم أن خالق السماوات والأرض يظهر في كبش ~~فكيف يمتنع ذلك في بعض مخلوقاته أن يظهر في كلب. # الثاني: قال الجاحظ «3»:" معنى قوله: الكلب الأسود شيطان:/ أن فعله فعل ~~الشيطان لأنه أخبث الكلاب، وأكثرها عقرا للحيوان «4» ". PageV02P686 # قلت أنا: لكن هذا لا ms157 يناسب قطعه للصلاة، فيحتمل أن يكون لكثرة خبثه، ويدل ~~على خبثه، سواده كما استدلوا على خبث الأسود من الحيات بسواده، وحيث اشتد ~~خبثه قاربت طبيعة الشيطان في الشر، فاستأنس به- والشكول أقارب «1» - فدخل ~~فيه وقارب المصلي، لينتهز منه فرصة، كما دخل إبليس في في الحية إلى الجنة/ ~~حتى أغوى آدم «2». PageV02P687 # وقد ذكر بعض أهل التاريخ- أحسبه الشيخ أبا الفرج في المنتظم- أن آدم لما ~~كان فخارا، كان إبليس يطوف به ويتعجب منه، ففي بعض الأيام بصق عليه، فوقع ~~بصاقه في موضع السرة منه، فقطع موضع البصقة منه فألقي، فخلق منه الكلب ~~الأسود «1». # فإن ثبت هذا صح أن في الكلب الأسود طبيعة من الشيطان، لأجل تلك البصقة، ~~وإن كان المخلوق من بصقة إبليس كلبا غير أسود، فلعله انضم إلى الأسود خصيصة ~~كملت بها شيطنته، فاختص بما ذكر من قطع الصلاة وتحريم صيده «2»، ونحوه. # الثالث: قال الخطابي: في قوله:" تطلع الشمس بين قرني الشيطان" «3» هذا ~~PageV02P688 ### | [التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب] # من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد هو بمعانيها، ويجب علينا «1» التصديق ~~بها والوقوف عند الإقرار بأحكامها والعمل بها «2». # قلت أنا"/ والاختلاف في أن هذا «3» معقول المعنى، أو هو تعبد، اختلف ~~الفقهاء فيما لو اتفق أن مر بين يدي المصلي شيطان حقيقى. هل يقطع الصلاة أم ~~لا؟ «4» على وجهين: # أحدهما: يقطعها «5»، لمقتضى تعليله أن/ الكلب الأسود شيطان. # والثاني: لا. لأنا لا نعقل ما معنى شيطنته فهو إذن تعبد نتلقاه بالتسليم. # والتعبدية «6» فرع المعقولية، وحيث لا معقولية فلا تعبدية «7». # وذكر عن ابن قتيبة «8» في مختلف الحديث قال «9»:" وقد رخص في PageV02P689 # الكذب في الحرب لأنه «1» خدعة، وفى الإصلاح «2» بين الناس، وفي إرضاء ~~الرجل أهله، ورخص «3» أن يوري في يمينه إلى شيء، إذا ظلم، أو خاف على نفسه. ~~والتورية: أن ينوي غير ما نوى مستحلفه: ... وجاءت الرخصة في المعاريض ~~وقيل:" إن فيها مندوحة عن الكذب" «4». # قلت: هذه أحكام صحيحة في الإسلام. وقد سبق الكلام على أنواع الكذب «5». # وأما التورية والمعاريض فكما قال إبراهيم عن زوجته: إنها أختي. وعني ~~باعتبار ms158 الأب الأبعد، أو في الإسلام. وكذلك إسحاق. # وفي الحديث النبوي الصحيح قال:" لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" ما حل ~~«6» بهن عن دين الله. ذكر قوله عن زوجته:" إنها أختي" وقوله لقومه:" إني ~~سقيم" أي سأسقم. وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا» «7» وهذه معاريض وسماها كذبا ~~مجازا. PageV02P690 ### | [جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك] # قال:" حديث يكذبه النظر، والخبر:" إن الشمس تطلع على قرني شيطان فلا ~~تصلوا لطلوعها «1» " فجعلوا للشيطان قرونا تبلغ «2» إلى السماء وجعلوا ~~الشمس التي هي مثل الأرض مرات تجري بين قرنيه، وهم مع هذا يزعمون أن ~~الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فهو في هذه الحال ألطف من كل شيء وفي ~~تلك الحال أعظم من كل شيء، وجعلوا علة ترك الصلاة، في وقت طلوع الشمس ~~طلوعها من بين قرنيه، وما على المصلي لله إذا/ خرجت الشمس بين قرني ~~الشيطان؟ وما في هذا مما يمنع من الصلاة لله؟. # قلت: الجواب عن هذا الحديث قد سبق «3»، لكنه لم يوجه السؤال منه هناك كما ~~وجهه هاهنا فيحتاج أن نعيده فنقول: الجواب من وجوه: # أحدها: ما ذكر عن" إبراهيم الحربي «4» " وحسبك به إماما في معرفة ~~PageV02P691 # الحديث ومعانيه- قال:" هذا تمثيل أي حينئذ يتحرك/ الشيطان ويتسلط، يعني ~~حيث يرى الكفار قد أشركوا/ بالله وسجدوا للشمس في الشرق والغرب، وهم المراد ~~بقرنيه" قال:" كذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، أي يتسلط عليه، ~~فيوسوس له، لا أنه يدخل جوفه" «1». # الوجه الثاني: جواب مفصل: # قوله:" جعلوا للشيطان قرونا تبلغ إلى السماء". # أما جعل القرون له فمبني على جسميته وقد أثبتناها قبل هذا، وإن كانت ~~مادته لطيفة. وعندكم «2» أن الملائكة منهم على صور البقر وعلى صور الأسد، ~~وعلى صور النسور وعلى صور الناس. وإذا جاز هذا في الملائكة كان في الشياطين ~~أجوز، لأن الجميع مشترك في التجرد عن المادة عند الفلاسفة «3» وفي لطافتها ~~عندنا. وأما كون قرونه تبلغ إلى السماء فلم نقل به، ولا هو لازم لقولنا، بل ~~يجوز في رأي العين أن تخرج ms159 الشمس بين جبلين، بل أكمتين، بل جدارين صغيرين ~~بل انسانين بل من بين قرني ثور متباعدين قليلا، كما تقرر في قوله «4»: # تغرب في عين حمئة ... (86) «5». PageV02P692 # قوله:" وهم مع ذلك يزعمون: أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم". # قلنا: نعم ولذلك توجيهان: # أحدهما:/ أن الشياطين كثيرة فالذي يجري من ابن آدم مجرى الدم هو قرينه ~~الملازم له، كما سبق في قوله- عليه السلام-:" ما منكم أحد إلا معه شيطان ~~«1» ". # والذي تطلع الشمس بين قرينه شيطان آخر أكبر منه، فإن جنود إبليس كثيرون ~~على أنواع وصفات مختلفة بينهم في أشغاله ومهامه، ولا يمتنع أنه يبعث بعض ~~سحرة الشياطين العظيمي الخلقة أو غيرهم، فيقارن الشمس ويزينها في أعين ~~الكفار بزينة صنم أو آلهة على جهة الشعبذة والتخييل فيسجدون لها لزينتها في ~~أعينهم فإنا قد علمنا في بني آدم من يأتي من التخييلات بما لا يشك الرائي ~~في ثبوته في الأعيان، وهو سيماء «2» وتخييل، لا حقيقة له في الخارج، وإنما ~~هي خيالات ذهنية تغلب وتقوى وتستولي حتى تغلب الأحكام الخارجية، فيبقى ~~الإنسان كأنه نائم يقظان، وقد علم هذا بفعل سحرة فرعون حيث خيلوا أن حبالهم ~~حيات تسعى. # الوجه الثاني: أن مادة الشيطان لطيفة، وقد جعل له من القابلية، والقوة ما ~~أنه/ يتشكل في أشكال مختلفة ويتصور في صور متباينة، فإن سلمنا أن الشيطان ~~المقارن للشمس هو الجاري من ابن آدم مجرى الدم وأنه كبير عظيم هائل الخلقة، ~~PageV02P693 # فلا يمتنع أن يكون يتشكل عند مقارنتها بشكل عظيم وعند جريانه من ابن آدم ~~بشكل صغير كما قرره" ابن الأشل" مطران" حمص"- وهو من فضلاء النصارى- في أن ~~خالق السموات والأرض ظهر لإبراهيم في صورة كبش، ولإسرائيل في صورة رجل ~~صارعه إلى الصبح ولموسى في صورة نار في عليقة «1» وظهر للناس في صورة/ ~~المسيح فهذا- وإن كنا ننكره عليكم- لكنه يلزمكم لتجويزكم إياه أو بعضكم ممن ~~هو موافق لكم على مقالتكم أو بعضها، فما ذكرناه في الشيطان أولى بالجواز، ~~وأما الملائكة، فثبت ذلك فيهم في دين الإسلام فملك الموت: الدنيا بين عينيه ms160 ~~كدارة درهم «2»، ثم إنه جاء إلى موسى في صورة رجل فأراد قبض روحه، ~~PageV02P694 # ففقأ موسى عينه «1»، وجبريل تراءى للنبي- صلى الله عليه وسلم- في أول ~~الأمر، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب «2». ثم كان يأتيه بعد ذلك في صورة ~~دحية الكلبي «3» - رجل أعرابي-/ وجاءه مرة في صورة شاب أبيض الثياب، يسأله ~~عن معالم الدين PageV02P695 # ليتعلمها المسلمون «1». # ثم هذا مما لا يمتنع عقلا أن تكون المادة منطبعة لطيفة تقبل توارد ~~الأشكال عليها، كبندقة شمع «2»، إن شئت صورتها فرسا أو فيلا أو خنزيرا أو ~~شجرة، كبيرا ذلك أو صغيرا، وكالنور والماء إذا وجدا محلا فسيحا انبسطا فيه ~~كشعاع الشمس في الفضاء، والماء في البحار، وإذا اكتنفتهما الأجرام الكثيفة ~~انقبضا كالنور في كوة البيت «3»، يرى دقيقا ضئيلا، والماء في ساقية الدولاب ~~«4»، وأنبوب القصب «5» ونحوه يرى دقيقا قليلا. فهذا أنهى ما تصل إليه عقول ~~البشر «6» في هذا من التقريب والتمثيل ووراء ذلك أمر لا يرام جليل. ~~PageV02P696 # الوجه الثالث: ما سبق من قول الخطابي «1»: أن قوله:" بين قرني الشيطان" ~~من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد بمعانيها، ويجب علينا التصديق بها، ~~والوقوف عند الإقرار بأحكامها، والعمل بها يعني التسليم المحض والتقليد ~~الصرف/- بناء على ما سبق «2» من قول" أرسطو" وغيره «3»:" إن عقولنا عند ~~أحكام المبادي الأولى «4» كالخفاش عند شعاع الشمس". # قوله:" جعلوا علة ترك الصلاة لله: طلوع/ الشمس بين قرني الشيطان وليس ~~مناسب". ### | [النهي عن مشابهة النصارى غيرهم في أوقات الصلوات] # قلنا: قد سبق جواب هذا بأن من أصول شريعة الإسلام المبالغة في خلاف ~~الكفار، فيما لم يرد شرعنا بوقفه، حتى في «5» التشبه بهم ولو أدنى مشابهة ~~ولا شك أن عند طلوع الشمس يسجد لها الكفار فتكون في الصلاة حينئذ مشابهة ~~لهم. # قلت: وهذا سؤال يورده المسلمون على هذا الحديث ومع التحقيق لا جواب عنه ~~إلا بنسبه إلى التعبد المتلقى بالقبول. وذلك لأنا لا نجد سببا ظاهرا نعلل ~~به منع الصلاة عند طلوع الشمس إلا ما ذكرناه من مشابهة الكفار لكنه يعارض ~~بأن في الصلاة حينئذ مخالفة للشيطان وحزبه ms161 ومراغمة لهم أشد من التشبه بهم. ~~PageV02P697 # وقد حكي في مناقب" معروف الكرخي «1» " أنه كان يمر عليه اليهود، يوم ~~السبت إلى" الكنيسة" فقال في نفسه: إن هؤلاء يكفرون بالله في هذا اليوم ~~كفرا عظيما، فلأخالفنهم بأن أقطع هذا اليوم بالصلاة والصوم فجازاه الله على ~~ذلك بأن جعل زيارته يوم السبت، فيهرع إلى ضريحه خلق عظيم فيه على الخصوص ~~«2». # ولأن وفاق الكفار بالصلاة عند طلوع الشمس بالصورة الفعلية وخلافهم بالقصد ~~والنية لأنهم يعبدون الشمس ونحن نعبد الله وقد قال الله تعالى «3»: ~~PageV02P698 # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) «1». # فالاعتبار هنا «2» بالقصد والنية، لا بالمشابهة الصورية «3». # فإن قيل: لما تعارض عندنا مفسدة المشابهة، ومصلحة المراغمة غلب الشارع ~~جانب مفسدة المشابهة لأن الخطاب كان في صدر الإسلام والقوم «4» قريبو عهد ~~بالجاهلية. فمنعهم من الصلاة حينئذ تنفيرا عن المشابهة، مبالغة في تكريه ~~الكفر PageV02P699 # وشعاره إليهم، ثم صار «1» ذلك سنة متبعة، كالرمل «2» زالت حكمته السببية ~~وبقيت صورته السنية. # قلنا: جوابه من وجهين: # أحدهما: أن تنفيرهم من الكفر وتكريهه إليهم/ بأمرهم بمراغمته ومناقضة ~~أهله بعبادة الله «3» عبادة أبلغ. # الثاني: أن ذلك منقوض بصلاة الفرض. فإنه أجازها لهم، وهي جائزة بالاجماع ~~في تلك الأوقات المنهي عن التطوع فيها. مع أن مشابهة الكفار الصورية موجودة ~~«4» / فإن قيل: الفرض واجب فلا يترك حق لباطل «5» قلنا: والتطوع مندوب فلا ~~يترك حق لباطل، وخصيصة الوجوب لا تصلح فارقا فبان بهذا البحث والتقرير: أن ~~هذا الحكم وأمثاله مما يتلقى عن الشرع بالقبول ولا يصادم بتصرفات العقول، ~~ولا شك أن دين الإسلام مشتمل على الأحكام التعبدية والمعقولة «6» العلية ~~كما قررته في" القواعد الصغرى" وبنيت الحكمة فيه على الوجه الأجل. ~~PageV02P700 ### | [إثبات نصوص الصفات على ما يليق بالله سبحانه] # وذكر حديث أبي هريرة وأبي ذر:" من تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن ~~أتاني يمشي أتيته هروله «1» ". # قلت: ووجه سؤاله منه: أن ظاهره/ التجسيم. # قلت: وقد سبق تقرير قاعدة هذه الأحاديث. # ثم الجواب عن ms162 هذا من وجهين: # أحدهما: أن الحديث مؤول عندنا على التقرب بالرحمة واللطف والإكرام، كما ~~يقال: فلان قريب من السلطان، والأمير «2» قريب من فلان يعنى تقارب القلوب ~~والمنزلة «3»، وأنا وإن كنت أثريا في آيات الصفات وأخبارها، إلا أن ~~PageV02P701 # المجاز «1» عندي في هذا الحديث ظاهر غالب، فلا يتوقف في تأويله إلا جامد ~~«2». # وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن النصوص في الصفات من حيث السند على ثلاث ~~طبقات: صحيح مجمع على صحته بين أهل النقل، وضعيف متفق على ضعفه، ومختلف في ~~صحته. PageV02P702 # فالأول مما تثبت «1» به الصفات، والآخرين لا يعول عليهما في ذلك، في وقت ~~من الأوقات «2». # ثم الحديث المجمع على صحته من حيث دلالة المتن على ثلاث طبقات: # ما ترجح فيه إرادة الحقيقة، وما ترجح فيه إرادة المجاز، وما استوى فيه ~~الأمران. # فالأول: كحديث الساق «3» والقدم «4» والأصابع «5» ونحوه فهذه إرادة ~~المجاز فيها مرجوحة فحكمها أن تحمل على حقائق لائقة بالباري- جل جلاله- ولا ~~يلزمنا تعيين كيفيتها كذاته سبحانه أثبتنا وجودها ونحن عن تفاصيل أحكامها ~~بمعزل، والثاني: كهذا الحديث قوله:" من تقرب مني تقربت منه" وقوله:" قلوب ~~PageV02P703 # الخلق بين اصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء «1» " و" الحجر الأسود ~~يمين الله فى الأرض «2» " وقوله:" ساعد الله أشد" وموسى الله أحد «3» " ~~ونحوه. فإن المجاز فيه راجح وحكمه: التأويل على ما ترجح فيه «4»، كقوله: ~~ويبقى وجه PageV02P704 # ربك ... (27) «1» فإنه متردد «2» بين الصفة الوجيهة اللائقة بمنصب ~~الإلهية/ وبين/ الرتبة الجاهية الراجعة إلى العظمة الذاتية فحكم مثل هذا ~~راجع إلى ترجيح المجتهد في أحكام العقائد فإن غالب مسائلها من هذا وأشباهه ~~اجتهادية لكنها أعلى رتبة من مسائل الفروع فهذا هو الطريق الذي أراه قصدا ~~بين الإفراط والتفريط سالما من الخبط والتخليط والله من ورائهم محيط. ~~PageV02P705 # الوجه الثاني: أنه قد ثبت في التوراة أن آدم لما أكل من الشجرة انفتحت ~~عينه وبان له أنه عريان فاستتر بالشجر وجعل يخصف عليه الورق وسمع «1» حس ~~الله يمشي في الجنة فاختفى منه فقال له، الله الرب: ما لك يا آدم؟ قال: أنا ~~عريان أستحي ms163 منك وسمعت حسك تمشي فاستحيت/ فقال:" لعلك أكلت من شجرة معرفة ~~الخير والشر؟ قال: نعم" «2»، وقد سبق ذلك «3». فهذا تصريح بأن الله يمشي ~~والمجاز فيه مرجوح جدا، فما تنكر «4» علينا من حديث المجاز فيه راجح جدا، ~~هذا ما هو إلا عناد ولو وقع لارتفع الخلاف. ### | [حث محمد- صلى الله عليه وسلم- لأمته على طاعة الله والرد على إنكار النصراني لمغفرة الله لذنوب عباده] # قال: وفى حديث أبي هريرة:" من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا «5» غفر له ~~ما تقدم من ذنبه «6» " وذكر حديث:" من صام رمضان إيمانا واحتسابا «7» غفر ~~له PageV02P706 # ما تقدم من ذنبه «1» "، وقوله:" إذا أمن الإمام فأمنوا، فمن وافق تأمينه ~~تامين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه «2» " وحديث سلمان:" من اغتسل يوم ~~الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر" الحديث إلى قوله:" غفر له ما بينه وبين ~~الجمعة الأخرى «3» " وقوله:" حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما ~~يغسل فيه رأسه وجسده «4» " وحديث أبي عبس: «5» " سمعت النبي يقول:" من ~~PageV02P707 # اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه/ الله على النار «1» ". # وقوله:" من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه «2» " وحديث أبي ~~ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرني جبريل بالحرة، قال: بشر ~~أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: ~~نعم». كررها ثلاثا «3»، حتى قال في الثالثة: (وإن شرب الخمر «4»). ~~PageV02P708 # وذكر النصراني: في لفظ آخر للحديث" قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك ~~بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «1» يدخل النار «2» " وقوله:" لكل نبي دعوة ~~يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة «3» ". # وقوله:" لله تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا،/ لا يحفظها أحد إلا دخل ~~الجنة «4» " وقوله:" من صلى البردين دخل الجنة «5» " وقوله:" من سبح الله ~~في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" الحديث إلى قوله:" كفرت عنه خطاياه «6» وإن ~~كانت PageV02P709 # مثل زبد البحر «1» " وقوله:" قد حرم على النار من قال: لا إله إلا ms164 الله. ~~يبتغي بذلك وجه الله «2» ". # ثم قال النصراني:" فقد ظهر أنه لم يوجد فيه شيء من الشروط الأربعة «3» ~~التي ينبغي- ولا بد- أن توجد في النبي". # قلت: سرد هذا «4» الخصم هذه الأحاديث، ولم يبين وجه سؤاله منها والذي ~~فهمته من ذلك أنه أوردها إشكالا على وعد النبي أمته على الطاعات المذكورة ~~مغفرة الذنب، ودخول الجنة، والتحريم على النار. إما استبعادا من هذا الخصم ~~لذلك بناء على اعتقاده في المسلمين أنهم عنده كفار، أو على ما صح في السنة ~~من دخول عصاة الأمة النار وإخراجهم بالرحمة والشفاعة، فيكون ذلك تناقضا في ~~الأخبار «5». PageV02P710 # والجواب: أن هذه الأحاديث صحيحة وأحكامها ثابتة عندنا ولا/ مطعن فيها ~~لطاعن. أما استبعاده لما وعدت به هذه الأمة بناء على سوء اعتقاده فيهم، فلا ~~وجه له «1» إذ لا اعتبار به. إنما الاعتبار بالحجة. ثم هو معارض باستبعاد ~~المسلمين ما يزعم النصارى: أن المسيح وعدهم به في قوله:" من عرفني وآمن بي ~~كان معي عند أبي الذي في السموات «2» " ونحوه. # فإن من آمن بالمسيح كإيمان النصارى/ به في أنه: الله، أو ابن الله فهو ~~كافر عند المسلمين، خالد في النار، قد حرم الله عليه الجنة «3». فلم كان ~~اعتبار أحد الاعتقادين أولى من الآخر؟. # وأما دعواه التناقض فمردودة بأن هذه ظواهر وعمومات كانت في أول الإسلام ~~وآخره قبل أن يكمل الإسلام وتتم أركانه وشروطه ومتقوماته. ثم لما كمل ~~الإسلام صار غفران الذنوب ودخول الجنة والتحريم على النار متوقفا على كماله ~~وتمامه، فمن أخل بجميع حقيقته كان كافرا، ومن أخل بشيء منه جوزي بحسبه، كما ~~قال الزهري في قوله عليه السلام «4»:" من قال لا إله إلا الله PageV02P711 # حرمه الله على النار) «1»:" كان ذلك فى أول الإسلام قبل نزول الفرائض ~~والأمر والنهي «2» ". # قلت: وقد قال بعض أهل العلم:" إن المراد تحريم الخلود لا تحريم الدخول ~~«3» " جمعا بين الأحاديث. فأما اللفظ الذي ذكره وهو قوله:" من مات ~~PageV02P712 # لا يشرك بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «1» يدخل النار" فهذه الزيادة لا ~~نعرفها في شيء من دواوين «2» السنة، ms165 بل الذي صح في السنة: إثبات دخول الجنة ~~لا نفي دخول النار «3»، ولا تنافي/ بينهما لجواز أن يدخل النار بمعصيته ~~«4»، ثم يخرج منها فيدخل الجنة بطاعته «5»، كما تواترت به أحاديث الشفاعة ~~تحقيقا لقول «6» الله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره (8) «7». # على أن هذا اللفظ إن صح وجب تأويله على أنه لم يدخل النار دخول خلود ~~بخلاف المشركين فإنهم يدخلونها دخول خلود، وحينئذ رد الله كيد هذا الخصم، ~~وتبين أن شروط النبوة الأربعة موجودة في محمد- صلى الله عليه وسلم-. ~~PageV02P713 ### | [زيارة النبي- صلى الله عليه وسلم- لقبر أمه. وأنه لا محذور في ذلك] # قال:" وينضم إلى ذلك فى حقه ما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: # " زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر ~~لها فلم يؤذن لي «1» " وقال:" جاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ~~«2» - فقال: يا رسول الله: أين أبي؟ قال: «إن أبي وأباك في النار «3»». # قلت: ولا محذور في هذا، فإن إبراهيم الخليل- صلوات الله عليه- كان أبوه ~~كافرا، ولأن من قاعدة الإسلام وغيره من الأديان «4» أن الكفار في النار، ~~وأبوا «5» النبي كانا كافرين فحكم لهما بحكم الله فيهما. وهذا من أكبر ~~الأدلة على صدقه لوجهين: # أحدهما: أنه ظهر من قول كفار يدعو إلى الناموس الأعظم، فلو لم يكن صادقا ~~لا تبع دين آبائه كغيره. PageV02P714 # الثاني: أنه حكم لأبويه بالنار ولجده وعمه وكل قريب له، فلو لم يكن في ~~غاية الصدق والأمانة والعدل حتى أنه يخبر بالحق على نفسه ولها لتعصب لقومه ~~وقال: هم في الجنة ببركتي لاختصاصي عند ربي، وكان يصدق في ذلك كما صدق في ~~غيره. # قال: وقال أيضا:" ليت شعري ما فعل أبواي؟ فأنزل عليه «1»: ... ولا تسئل ~~عن أصحاب الجحيم (119) «2». # قلت: هذا إن صح فجوابه ما سبق قبله، لكنه لا يصح لسياق «3» الكلام وهو ~~قوله تعالى في سياق ذم اليهود والنصارى والكفار:/ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) بضم التاء «4» المثناة ms166 من تسأل على ~~ما لم يسم فاعله، فهو معنى قوله: .. ولا تسئلون عما كانوا يعملون (134) «5» ~~وقوله: # قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) «6» وقوله: ... فإنما ~~عليه ما PageV02P715 # حمل وعليكم ما حملتم ... (54) «1» وقوله: ... إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ~~(7) «2» وقوله: ... ولا تزر وازرة وزر أخرى ... (164) «3» ومعنى ذلك كله: ~~أن عليك إنذارهم وليس عليك شيء من «4» عقابهم، كما قال: ... ما عليك من ~~حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ... (52) «5» وهذا عام فى جميع ~~الكفار. # نعم. قد قرئ لا تسئل على النهي له عن السؤال،/ وهو محتمل لما ذكره هذا ~~الخصم «6». والجواب عنه ما سبق. ### | [الرد على زعم النصراني بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا بد أن يعلم الغيب] # وذكر النصوص التي تضمنت أنه لا يعلم الغيب كقوله «7»: وما أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم ... (9) «8» وقوله: ... ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ~~... (188) «9». PageV02P716 # قال:" فأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لاجتلب الخير، واجتنب الشر، واستعد ~~لكل أمر بما ينبغي له. وكقوله «1»: ... لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ... ~~(188) «2» وقوله: ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ... (31) ~~«3» # وقوله: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) «4» وقول عائشة:" من زعم أن ~~محمدا يخبر بما يكون فقد أعظم الفرية على الله «5». والله يقول: قل لا يعلم ~~من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ... (65) «6». # قلت: هذا غير وارد بحمد الله- تعالى- فإن محمدا لم يدع أنه يعلم الغيب ~~كله ولا أنه يعلم ما علم منه بنفسه، بل بإخبار الله له بذلك، كما قال الله ~~سبحانه: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) «7». PageV02P717 # وأما قول عائشة:" من زعم أن محمدا يخبر بما يكون" فلا أعرف هذا اللفظ ~~إنما المشهور من رواية الترمذي وغيره أنها قالت:" ومن زعم أن محمدا يعلم ما ~~في غد «1» " والمعنى متقارب، وكلامها محمول على ما ذكرناه من التقييد، أي ~~لا يعلم ما في غد ولا يخبر بما يكون ms167 من عند نفسه بل بإخبار الله له وهل كان ~~النبي- صلى الله عليه وسلم- إلا عبدا مأمورا «2»؟. # ولم يكن إلها معبودا كما اعتقدتم في المسيح، ثم خفي عنكم ما تضمنه ~~اعتقادكم الفاسد، من جهلكم المتزايد، فإن المسيح إن كان يعلم الغيب فكيف لم ~~«3» يعلم أنه يؤخذ فيقتل،/ فيختفي عنهم، لئلا يقع في الصلب والقتل؟. # فإن قلتم: كان يعلم ذلك لكن هو سلم نفسه ليفتدي الخلق من العذاب بنفسه. # قلنا: نتابعكم على جهلكم في هذا، ونسلمه لكم، لكنه لما بات ليلة في الجبل ~~ساهرا يصلي ويدعو أباه من الموت، ويعبر عنه كأسه. PageV02P718 # يرد عليكم إذ من يجود بنفسه هذا الجود، كيف يجزع هذا الجزع ويشح بنفسه ~~هذا الشح، ويستسعد بالتلاميذ أن يساهروه، ويسألوا معه تعبير «1» كأس الموت ~~عنه؟. # سامحناكم في هذه، لكنه لو كان يعلم الغيب- كما زعمتم- فلا يخلو في سؤاله ~~تعبير كأس الموت عنه، إما أن يكون علم أنه يجاب في سؤاله أو لا يجاب/ ~~والأول باطل لوقوع الأمر بخلافه، فما علم الغيب في هذه القضية «2». # والثاني: يوجب أن سؤاله كان عبثا لا يليق برعاع الناس فضلا عن الأنبياء ~~على رأينا فيه. فضلا عن ابن الله أو الله، خالق السموات والأرض على رأيكم ~~الفاسد فيه. # ثم نقول لكم: من «3» من الأنبياء/ علم الغيب لذاته؟ آدم لما أخرج من ~~الجنة؟ # أو إبراهيم لما امتحن بذبح ولده؟ أو إسحاق لما أوهمه ابنه يعقوب أنه ابنه ~~العيص، فأخذ بكوريته وجعل يخبر «4» في أمره، ويقول:" الصوت صوت يعقوب ~~واللمس لمس العيص" «5»؟ أو يعقوب لما جرى ليوسف ما جرى وهو يظنه ميتا؟ أو ~~موسى لما PageV02P719 # أرسل فرعون الذباحين خلفه «1» ليقتلوه؟ فلو لم يبادر رجل مؤمن فأنذره حتى ~~هرب لفات فيه الفائت. # ما أقل عقل هؤلاء القوم الضلال، بل ما أقل من يتعجب من قلة عقولهم بعد ما ~~يعلم منهم ما هم عليه. إنما الأنبياء عبيد الله يعلمهم ما لا يعلمون وما لا ~~يعلمهموه لا يعلموه. # قال:" وينضم إلى ذلك وعده للمسلمين يوم أحد بالنصر على عدوهم، فكان بخلاف ms168 ~~ما أخبرهم. فقتلوا وهزموا وجرح هو وانكسرت رباعيته، ودخل حلق المغفر «2» في ~~وجهه ثم لما تبين كذبه اعتذر إليهم بقوله: وكأين من نبي قاتل معه ربيون ~~كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ... (146) ~~«3» الآية. # قال:" واعتذاره أقبح من خلف وعده، لأنه باطل. فإن الأنبياء المتقدمين على ~~نوعين: # أحدهما: جاءوا باللين والملاطفة والخشوع مثل حزقيال وارمياء وأشعياء ~~ونحوهم لم يحاربوا أحدا، ولا خاصموه، بل أعداؤهم الكفار استضعفوهم فعذبوهم ~~وقتلوهم ولم يقتل/ أحد منهم في حرب ولا قتل معه حبر. PageV02P720 # الثاني: جاءوا بالتأييد من عند الله، والظهور على الأعداء والقهر لهم ~~فقمعوا المشركين، ولم يقتل أحد منهم في حرب ولا هزم يوما واحدا، ولا قتل ~~معه ربي «1» ولا حبر مثل موسى وداود وسليمان". # قال:" وأنت إذا تأملت أحوال/ محمد، علمت أنه ليس من أحد هذين النوعين، ~~لأنه لم يأت بخشوع ولا خضوع فيكون من النوع الأول ولا أيد بمعجزة يقهر بها ~~أعداءه فيكون من النوع الثاني. # نعم. هو من النوع الذي حذر عنه سيدنا/ المسيح حيث قال في إنجيله الطاهر:" ~~تحذروا عن الأنبياء الكذابين، الذين يأتونكم في لباس الضأن وهم في الباطن ~~ذئاب خاطفة، ومن ثمراتهم تعرفونهم" «2». # قلت: أما خروج النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى أحد فلم يكن منشرحا له، ~~ولا اختاره بادئ الرأي. وإنما كان رأيه: أن يتحصن في المدينة فإن دخل العدو ~~عليه قاتله بالسلاح والحجارة وإن بقي خارج المدينة بقي بشر، ولم يلق كيدا. ~~PageV02P721 # لكن رجالا من المسلمين ممن لم يشهدوا بدرا تأسفوا على فوات حضورها ~~فأشاروا بالخروج إلى أحد وألحوا على ذلك لما أراد الله لهم من الإكرام ~~بالشهادة وتصديقا لرؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث رأى في منامه كأنه ~~في درع حصينة، وكأن في سيفه فلولا، وكأن بقرا تذبح. فأول الدرع الحصينة ~~بالمدينة، والفلول في سيفه بأنه يصاب أصحابه، والبقر بمن قتل من الكفار ~~يومئذ «1». # وأما وعده إياهم بالنصر فصحيح. وقد نصروا في أول الحرب وهزم الله الكفار، ~~لكن لما خالف الرماة ما أمرهم ms169 به، وتركوا مراكزهم التي «2» وكلوا ~~PageV02P722 # بحفظها وطلبوا «1» الغنيمة من أموال المشركين، عاقبهم الله بالمخالفة ~~فخرج عليهم الكمين فنال منهم ما نال «2». # وقد شرح الله هذه القصة في القرآن حيث يقول: ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم - أي تقتلونهم «3» - بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم ~~صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) إذ ~~تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم الآيات ~~«4». # فقد صدقهم في/ الوعد لكنهم خالفوا فعوقبوا بذنبهم. ثم يقال: إنما وعدهم ~~بالنصر الكلي ذلك اليوم بشرط أن يسمعوا له ويطيعوا لكنهم خالفوا فانتفى ~~المشروط لانتفاء شرطه. # وأما ما أصابه من ذلك في نفسه: فهو كالذي أصاب الأنبياء قبله من القتل ~~والضرب، بل من النشر بالمناشير، كما جرى لجرجيس النبي- عليه السلام «5» -. ~~PageV02P723 # وأما قوله: وكأين من نبي قاتل «1» معه ربيون كثير ... (146) فهو إخبار ~~صحيح لكن قوله قاتل معه/ ربيون فيه تقديران مناسبان لسياق القصة. # أحدهما: أن الكلام تم على قوله: «قتل» وفيه ضمير النبي، أي كائن. أي كم ~~من نبي قتل، وهو صحيح، فإن الخصم قد اعترف بأن كثيرا من الأنبياء قتلوا ~~كيحيى وزكريا والمسيح- على زعمه- وغيرهم كثير. وقوله: معه ربيون كثير جملة ~~حالية، أي قتل حال كونه ذا أصحاب كثيرين فما أوجب قتله لهم أن تزلزلوا في ~~دينه، بل ثبتوا عليه بعده «2». # ووجه مناسبة هذا التقدير: أن الشيطان صاح يوم أحد:" قتل محمد" فاضطربت ~~قلوب أصحابه. وقالوا: عمن عدنا نقاتل؟ ولمن نتبع؟ فعاتبهم الله على هذا «3» ~~بقوله: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم ~~على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ~~(144) إلى قوله: # وكأين من نبي قاتل ... (146) «4» أي ما ضعف أحد بعد نبيه ورجع عن دينه، ~~كما هممتم أنتم أن/ تفعلوا. PageV02P724 # التقدير الثاني: أن" قتل" مسند إلى" ربيون" وهم جمع" ربي" والربي ms170 منسوب ~~إلى الربة وهي الجماعة كأنه قال: قتل معه قوم رؤساء ذوو جماعات كالقواد ~~والأمراء «1». وقيل الربيون: الأتقياء العلماء «2»، وهذا مناسب لقوله قبل ~~ذلك: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) «3». # ولكونهم وجدوا لما أصابهم يوم أحد من قتل الإخوان والأقارب فكأنه يسليهم ~~بذلك ويأسيهم بمن سبق منهم. # ولا شك أن من الأنبياء المتقدمين من كان ذا حروب ومغازى كداود وسليمان ~~وموسى ويوشع بن نون، ولم يزل بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام «4» يكون ~~لهم ملك للحرب، ونبي يعرفه بأمر الله بالوحي. # والجهاد فيهم دائم، وكانوا/ يقدمون التابوت بين أيديهم، وكان من حمله لا ~~يرجع به حتى يفتح عليه أو يقتل «5». وقد غزا يوشع بن نون مدينة الجبارين ~~PageV02P725 # ليلة السبت، ثم سأل الله. أن يحبس عليه الشمس حتى يفرغ منهم قبل أن يدخل ~~السبت ففعل «1». # وكان غزاة بني إسرائيل أكثرهم أو كثير منهم علماء أتقياء بررة أخيار ~~أحبار لأنهم أوتوا الكتاب والحكم والنبوة وفضلوا على العالمين، كما نص عليه ~~القرآن «2». # ومن المحال عادة أن يكون فيهم هذا الجهاد ولا يقتل منهم أحد ومتى ثبت أنه ~~قتل منهم ثلاثة فصاعدا ثبت صحة ما أخبر به محمد- عليه السلام- كيف؟ وقد ثبت ~~أنه قتل منهم في الحروب والمغازي ما لا يحصى كثرة على ما دلت عليه الكتب ~~والتواريخ والسير، وحينئذ انكار هذا الخصم أن يكون قتل مع الأنبياء ~~المحاربين منهم أحد لا/ يسمع. # وقد بينا أن الربيين لا يختصون بالأخبار/ والعلماء على القول المذكور ~~أولا، بل عام في غيرهم من المقاتلة. فنقول: # إنك ذكرت للأنبياء نوعين، ونحن ذكرنا للآية تقديرين. فتقديرنا الأول «3» ~~يصح في نوع الأنبياء الأول، وتقديرنا الثاني يصح في نوعهم الثانى، وأيضا صح ~~PageV02P726 # [عندكم «1»] في التوراة: أن إبراهيم قاتل الذين أغاروا على أموال لوط، ~~فاستاقوها فتبعهم إبراهيم بعبيده وغلمانه حتى قتلهم واسترد ما أخذوه «2»، ~~على أن الآية قرئت على وجهين: «قتل معه» و «قاتل ms171 معه «3»». # لكن يقال- لنا «4»: إن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف فيلزمكم ~~الجواب عن القراءتين. # فنقول: قد دلت القراءتان على أن جمعا كثيرا من الأنبياء قتلوا، وعلى أن ~~جمعا كثيرا منهم قاتل معه أصحابه، وقتل معه أصحابه، وقد بينا صحة ذلك إذ ~~العادة في الغزوات والحروب: أن الناس يقاتلون ويقتلون «5». # قوله:" ليس من أحد النوعين. إنما هو رجل هزم وهزم، وأصيب وأصاب". # قلنا: قد بينا بما ذكرنا من معجزاته قبل هذا، أنه من الأنبياء. وأنه بما ~~«6» علم من حسن سيرته وآدابه ولينه وتواضعه وخشوعه وتحديه وشجاعته وفصاحته ~~وغير ذلك من أخلاقه الكاملة، وصفاته الجميلة متخلق بأخلاق النوعين من ~~الأنبياء، وأنه اجتمع فيه ما لم يجتمع في واحد منهم. PageV02P727 # وأنت لو نظرت حق النظر في سيرته لعلمت ذلك لكنك عدو أخذت/ الشبه التي ~~زعمت أن لك فيها متعلقا، وتركت ما عليك فيه المتعلق على عادة الأعداء «1» ~~في إظهار القبيح، وإخفاء المليح. على أنه لا قبيح في سيرة النبي- صلى الله ~~عليه وسلم-. # وأما قولك:" هزم وهزم،/ وأصاب وأصيب «2» ": # فالنوع الثاني من الأنبياء الذين ذكرتهم. هكذا كانوا. وقد هزمت «3» بنو ~~إسرائيل وأخذ منهم التابوت إلى أرض أعدائهم، حتى رد عليهم في زمن طالوت ~~الملك «4». # وأما النوع الأول منهم فكانوا تارة يثبتون، وتارة يهربون، كما كان المسيح ~~يفر من اليهود من مكان إلى مكان «5» لخوفه منهم، حتى كان منه ومنهم ما كان. # وقد أخبر الله تعالى بذلك في القرآن حيث يقول: وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس ... (140) «6» والله أعلم. PageV02P728 # ثم يقال له: هل رأيت ملكا يهزم ويهزم ويصيب ويصاب يبقى ناموسه بعده قريب ~~ألف سنة، وهو كلما «1» جاء في رسوخ/ وثبوت؟ هذا عقل فاسد «2». # وأما ما حكاه عن سيده المسيح في إنجيله الطاهر: فقد بينا في أول الكتاب: # أنه لا حجة فيه، ولعمري أن في الإنجيل الذي يعتمد عليه من التناقض ~~والمحال ما يمنعه أن يتصف بصفة الطهارة # وذكر حديث عائشة: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- سحر، حتى كان يخيل إليه ~~أنه يفعل الشيء ولا ms172 يفعله «3». # قلت: هذا صحيح، وقد بينا عند قوله تعالى: إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته ... (52) «4» أن السحر ونحوه جائز على الأنبياء وأنهم معصومون فيما ~~يوحى إليهم، بمعنى أنهم لا يقرون فيه على خطأ «5». # وذكر حديث عائشة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ~~قالت:" فلولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ قبره مسجدا «6» ". ~~PageV02P729 # قلت: وهذا صحيح مشهور عنهم. فإنهم لغلوهم في أنبيائهم كما غلوتم في ~~المسيح فجعلتموه إلها، كانوا يتعبدون عند قبور أنبيائهم/، ذلك منهي عنه في ~~دين الإسلام لئلا يصير النبي بالصلاة عنده شبيه المعبود، وإن كانت النية ~~تميز العبادة لمن «1»؟. # لكن لمجرد الشبه تكره، وأيضا فإن الأنبياء معظمون، فإذا عبد الله عندهم ~~«2» لم يؤمن أن يجيء من بعد ذلك العصر فتظن العبادة لهم لتعظيمهم «3» في ~~النفوس كما يقال: إن إدريس لما رفع إلى السماء «4» جاء إبليس إلى أخ له ~~فقال له: أصنع لك تمثالا على صورة إدريس تتسلى بها؟ قال: نعم./ فصنع له ~~تمثالا كان يدخل عليه كل يوم يبكي عنده، ويتذكر إدريس به فيحصل «5» له بعض ~~السلوة، وكان التمثال في خزانة لا يدخلها غيره، فلما مات أخو إدريس- أو أنه ~~PageV02P730 # كان صاحبه وخليله- جاء من بعده فوجدوا التمثال في الخزانة، فجاءهم إبليس، ~~فقال: أتعرفون هذا التمثال؟ هذا إله إدريس وأخيه فاعبدوه فعبدوه، فكان ذلك ~~أصل الجاهلية الأولى «1». # وأما الجاهلية الثانية: فإن البيت الحرام كان عظيما عند أهل مكة، فكانوا ~~إذا سافروا حملوا من حجارة الحرم معهم في أسفارهم يحتمون ويتبركون بها، ثم ~~تدرجوا إلى أن عادوا يضعونها، ويطوفون بها حيث/ حلوا من الأرض، كما يطوفون ~~PageV02P731 # بالبيت، ثم تدرجوا من عصر إلى عصر، حتى عبدوها، ونشأت عبادة الأصنام بهذا ~~السبب، فكان ذلك أصل الجاهلية الأخرى التي أزالها الله بمحمد- صلى الله ~~عليه وسلم- «1». # وذكر قوله- عليه السلام- في مرضه:" ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت ~~بخيبر. فهذا أوان قطع أبهري «2» ". # قلت: قد بينا أن الأنبياء بشر، تجوز عليهم الآفات والموت وأسبابه، ~~وليسوا/ كما يعتقدون في المسيح أنه إله ثم ms173 هو مع ذلك قتل وصلب ودفن ولم ~~تنفعه الإلهية. # والأبهر: عرق ينزل من الدماغ، فهو في العنق الوريد، وفي الصلب الأبهر، ~~وفي القلب الوتين. ومن أي مواضعه انقطع هلك صاحبه والوريد والوتين مذكوران ~~في القرآن «3». PageV02P732 ### | [نفي الضلال عن أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- وشدة الموت عليه والرد على شبهة النصراني في ذلك] # وذكر حديث البخاري عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله- صلى الله عليه ~~وسلم- الموت. # وفي البيت رجال. قال:" هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده" فقال بعضهم: # إن «1» رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. فاختلف ~~أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم ~~من يقول غير ذلك. فلما أكثر اللغط والاختلاف قال رسول الله- صلى الله عليه ~~وسلم- «2»: (قوموا) فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حيل بين ~~رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب «3». ~~PageV02P733 # قلت: لم يوجه سؤاله من هذا الكتاب. وأنا يخطر لي توجيهه من وجهين: # أحدهما: القدح «1» في جميع المسلمين. وتقريره: أنه علق عدم ضلالهم على/ ~~كتب الكتاب. ومن المعلوم أن المشروط ينتفي لانتفاء شرطه، والكتاب لم يكتب ~~فنفي الضلال لم يحصل، فيكون الضلال بعده ثابتا، إذ لا واسطة بين النفي ~~والإثبات «2». # الثاني: قول القائل:" قد غلبه الوجع" يعني: فهو لا يدري ما يقول وكان هذا ~~القائل عمر بن الخطاب. وفي لفظ الصحيح:" أنه قال «3» إن الرجل تهجر" يعني ~~تخلط في كلامه. لأن الهجر: الكلام الذي لا معنى له «4»، ولا فائدة. # والجواب عن الأول من وجهين: # أحدهما:/ أن المراد بالضلال الذي علق نفيه على كتابة الكتاب هو الاختلاف ~~في الإمامة لمن هي بعده «5». بدليل قوله تعالى: أكملت لكم دينكم ~~PageV02P734 # وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... (3) «1» وبدليل قوله/ ~~عليه السلام قبل «2» موته:" لقد تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها «3» ~~"، وقوله:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من عاندهم إلى ~~يوم القيامة «4» " في نصوص كثيرة، فنفى ضلال الأمة بعده، فتعين حمل ms174 الضلال ~~في هذا الحديث على النزاع في الخلافة «5». PageV02P735 # ولا شك أنهم تنازعوها بعده: علي وسعد بن عبادة وأبو بكر «1» فكانت له ~~بمقتضى وعد النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:" يأبى الله والمسلمون إلا ~~أبا بكر «2» " وقوله:" الخلافة بعدي ثلاثون ثم يصير ملكا" «3» وكانت أيام ~~أبي بكر من جملة الثلاثين «4». PageV02P736 # الوجه الثاني: أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- في أيام حياته. إما أن ~~تدعوا أنه كان على هدى أو ضلال؟. # فإن قلتم: على هدى، فأمته بعده على ملته وسنته ومنهاجه. وإذا اختلفوا في ~~أمر لجئوا إلى ما أنزل عليه، وإلى ما قاله من السنة، فهم أيضا مهتدون مثله. # وإن قلتم على ضلال فأمته- على زعمكم- قد ضلوا عما كان عليه، والضلال عن ~~الضلال هدى، إذ نقيض الضلال الرشاد فهم إذن مهتدون. # فعلى التقديرين القدح «1» في أمته لا يتجه من هذا الحديث، والقدح فيه قد ~~سبق جوابه. # والجواب عن الثاني: أن عمر- رضي الله عنه- ليس معصوما، فهو وهم في هذا ~~وظن الأمر على خلاف ما هو عليه حيث نسب النبي- صلى الله عليه وسلم «2» - ~~إلى التخليط في الكلام «3» كما وهم في قوله:/" إن محمدا لم يمت، ~~PageV02P737 # وإنما ذهب إلى مناجاة ربه بروحه، كما ذهب موسى للمناجاة ببدنه" «1». ~~PageV02P738 # وأحسب أن عمر عوقب على هذه الكلمة/ عقوبة دائمة «1» من جهة أن الرافضة ~~تعلقت عليه بها ونسبته إلى أنه علم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- إن كتب ~~لهم كتابا نص فيه على علي بن أبي طالب" وعلم أنها إن صارت إلى" علي" ~~تداولها بنو هاشم فلا تخرج عنهم، فلا تحصل له، وهو كان يرجوها بعد أبي بكر، ~~كما وقع، فصدهم «2» عن كتابة الكتاب حتى مات النبي- صلى الله عليه وسلم- ثم ~~بادر بالبيعة لأبي بكر مخالسة «3» كما قال:؛ كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى ~~الله شرها" «4» ثم مات سريعا فتناولها بعده. PageV02P739 # فهم يشنعون عليه بذلك، ويتهمونه به، ويسبونه، ويشتمونه لأجله، ولعمري إن ~~هذا شبهة «1». ولكن لما كانت خلافة عمر على السداد والرشاد، وما فيه صلاح ~~البلاد والعباد، وكانت/ أيامه غرة في وجه الدهر، ms175 ودولته واسطة في عقد نحر ~~دول العصر لم يضرنا ذلك ولو ثبت تحققه «2». PageV02P740 ### | [مكان قبض النبي صلى الله عليه وسلم وشدة الموت عليه، والرد على شبهة النصراني في ذلك] # وذكر حديث عائشة «1»: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يسأل في مرضه ~~الذي مات فيه: (أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟) يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه ~~«2» يكون حيث شاء فكان في بيتي حتى مات في اليوم الذي كان يدور علي فيه، ~~فقبضه الله، وإن رأسه لبين سحري «3» ونحري، وخالط ريقي ريقه في آخر أيامه ~~من الدنيا «4» " ولقد اشتد عليه الموت حتى لا أكره شدة الموت لأحد بعده «5» ~~". PageV02P741 # قلت: ووجه السؤال فيه من وجهين: # أحدهما: أنه لم يغفل عن لذة النكاح التي هي عار عند الخصم حتى في مرض ~~الموت./ # الثاني: أن شدة الموت عليه عقوبة، فدل «1» أنه كان يستحقها. # قلت: والجواب عن الأول من وجهين: # أحدهما: أن النكاح قد بينا أنه عبادة وهو من سنن المرسلين، والقول بأنه ~~عار سفه. # الثاني: أنه كان يحب عائشة ويألفها أكثر من غيرها، ولهذا كان يقول: (هذا ~~قسمي فيما أملك فهب لي ما لا أملك «2»)، ولا يلزم من ألف الشخص صاحبه أن ~~يكون يستمتع به من جهة اللذة المشهورة، بل يصير الميل إليه خلقا للنفس حتى ~~مع الغفلة عن اللذة. PageV02P742 # والجواب عن الثاني: أن لحوق المشاق في الدنيا من أسباب النعم الأخروية، ~~خصوصا شدة الموت فإنه آخر ما يكفر به عن العبد المؤمن ذنوبه إن كان له ~~ذنوب، وإلا رفع به درجات في الجنة، ولهذا يرى غالب المؤمنين أهل بلاء في ~~الدنيا، وغالب/ الكفار أهل عافية. # وفي الحديث النبوي الصحيح: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر «1»» وفي ~~المثل العامي:" المؤمن ملقى، والفاجر موقى «2» " ثم لو كان لحوق المشقة في ~~الدنيا عقوبة لوجب أن يكون إلقاء إبراهيم في النار، وعمى إسحاق ويعقوب، وما ~~جرى ليوسف، وحزن أبيه عليه، وبلاء أيوب، وما قاساه موسى وهارون من بني ~~إسرائيل وقوم فرعون، وقتل يحيى وزكريا وغيرهم من الأنبياء، وإهانة اليهود ms176 ~~للمسيح، ثم قتله وصلبه «3»، وما جرى لتلاميذه بعده وقتل" جرجيس «4» " أربع ~~مرات ثم يعيش، وحبس يونس في جوف الحوت ونحو ذلك عقوبات في حقهم، واحد لا ~~يقول بذلك. PageV02P743 # وأما قول عائشة:" خالط/ ريقي ريقه" فليس ذلك بمباشرة استمتاعية، بل لأن ~~النبي- صلى الله عليه وسلم- كان مستندا/ إلى صدرها فدخل عبد الرحمن بن أبي ~~بكر أخو عائشة ومعه سواك يستاك به فأتبعه النبي- صلى الله عليه وسلم- بصره، ~~فقالت له عائشة: آخذه لك يا رسول الله، فأومأ برأسه، أي نعم- وكان يحب ~~السواك لأنه كما قال- عليه السلام-: (مطهرة للفم، مرضاة للرب «1») - فأخذته ~~من أخيها فمضغته بفمها حتى لان، ثم أعطته النبي «2» صلى الله عليه وسلم ~~فاستاك به «3». فذلك هو المراد باجتماع ريقهما. PageV02P744 # وهذا آخر ما وجدناه من هذا الكتاب على مصنفه من الله ما يستحقه. # واعلم أن كل متناظرين لا تثبت دعوى أحدهما إلا بمقدمات مشتركة بينهما ~~يتفقون عليها تكون بينهما كالحكم. فلمن وافقت تلك المقدمات تثبت دعواه. # وإذا عرفت هذا فنحن ليس بيننا وبين النصارى واليهود مقدمات مشتركة إلا ~~العقليات وما تركب منها ومن غيرها. لأن كل واحد من أهل الكتاب والمسلمين ~~يقدح في كتاب الآخر الذي بيده فلا تقوم عليه الحجة به. # فلنختم هذا الكتاب بذكر ### | حجج واضحة على صحة دين الإسلام وصدق محمد- عليه السلام- ### | الحجة الأولى # وهي التي يعتمدها غالب المتكلمين في كتبهم وهي: أن محمدا ادعى النبوة ~~وظهر المعجز على يده وكل من كان كذلك فهو رسول الله حقا، فمحمد رسول الله ~~حقا. أما إنه ادعى النبوة فبالتواتر، وأيضا لو لم يدع النبوة لما كان لنزاع ~~الخصم فائدة، وأما أن المعجز ظهر على يده، فلما قررناه قبل، وهو أن المعجز ~~هو الأمر الممكن الخارق للعادة المقرون بالتحدي الخالي عن المعارض، والقرآن ~~الذي أتى به كذلك،/ وإلا لظهر/ معارضه مع توفر الدواعي عليه والاشكالات ~~التي عليه للفلاسفة والبراهمة وغيرهم من منكري النبوءات مشتركة لا نختص نحن ~~بها، والتي عليه لليهود أو النصارى قد أجبنا عنها قبل. # وأما أن من ظهر المعجز على وفق ms177 دعواه يكون رسول الله. فللقطع بأن # PageV02P745 # رجلا لو قال لقوم: أنا رسول فلان الملك إليكم، ودليل صدقي أنه يخرق عادته ~~الفلانية لأجلي. مثل أن يقوم عن سريره، أو ينزل عن مركب فيمشي لأجلي،/ أو ~~ينزع تاجه فيجعله على رأسي. فوجد ذلك من الملك. دل على صدق مدعي الرسالة. # وهذا إنما يحتج به على منكري النبوات. أما اليهود والنصارى فيسلمون أن ~~ظهور المعجز يدل على صدق المدعي، وإنما ينازعونا في وجود المعجز. وقد ~~أثبتناه. ### | الحجة الثانية # أن محمدا- عليه السلام- إما ملك ما حق، أو نبي صادق، لكنه ليس ملكا ما ~~حقا فهو نبي صادق. وإنما قلنا إنه إما ملك أو نبي، لأنه لا قائل بقول ثالث ~~إذ الخصم يدعي أنه كان ملكا ذا سيف «1» أقام ناموسه بسيفه، ونحن نقول: كان ~~نبيا صادقا مؤيدا من الله تعالى، فقام ناموسه بالتأييد الإلهي، وإنما قلنا: ~~إنه ليس ملكا كما زعمتم، بل نبي صادق. لأنا علمنا بالاستقراء التام، ~~والتواتر القاطع: أن ملكا من ملوك الدنيا لم يبق ناموسه بعده، بل يتغير ~~بموته. وإنما تبقى نواميس الأنبياء بعدهم، ثم رأينا ناموس محمد باقيا بعده ~~قريب ألف سنة «2»، فعلمنا أنه من الأنبياء لا من الملوك. PageV02P746 ### | الحجة الثالثة # أن نبوة محمد- عليه السلام- لازمة لنبوة من قبله من الأنبياء جميعهم/ ثم ~~قد وجد الملزوم الذي هو نبوة الأنبياء قبله، فيجب أن يوجد اللازم، وهو ~~نبوته. # وإنما قلنا: إن نبوته لازمة لنبوة من قبله، لأنا أجمعنا على أن المقتضي ~~لنبوتهم إرادة الله، والدليل عليها: ظهور المعجز. لكن إرادة الله «1» خفية ~~عن البشر. لا سبيل إلى معرفتها، فبقي الطريق إلى ثبوت النبوة منحصرا في ~~ظهور المعجز «2»، والمعجز مشترك بينه وبينهم بما قد حققناه غير مرة. # وإنما قلنا: إن وجود الملزوم يوجب وجود اللازم للقطع بأن ملزوما لا لازم ~~له محال الوجود. PageV02P747 ### | الحجة الرابعة # أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- أقر اليهود والنصارى «1» في شريعته ~~بالجزية، مع علمه بأنهم يكذبونه ويقدحون في صدقه، وما «2» كان ذلك منه إلا ~~مراعاة لحرمة كتابهم/ وأنبيائهم لأنه علم أنهم وإن ms178 تصرفوا فيها بالتبديل ~~والتحريف لكنهم «3» لم يحرفوا الجميع، إنما حرفوا ما كان تحريفه مهما ~~عندهم، فهم على بقايا من شرائعهم، فراعاهم لذلك وجعل عقوبة كفرهم به: دفع ~~«4» الجزية والصغار عليهم. # ومن المعلوم أنه لو كان ملكا محضا لا نبوة له لأخلى «5» الأرض منهم على ~~تكذيبهم له، وعدم طاعته لأن هذا شأن الملوك. لا يستبقون من خشوا عاقبته/ ~~خصوصا «6»، ولم يكن يخفى عليه أن جنس الملتين يبقى بعده، ويتطرق منها تشكيك ~~أمته بالشبهات والترهات، وذلك مما يضعف الناموس فلما تركهم بالجزية دل على ~~أنه مأمور فيهم من الله بما لا تصبر عليه نفوس البشر. # ولا يتجه على هذه الحجة إلا أن يقال: لعله تركهم ليستنبط له من/ تركهم ~~هذه الشبهة ويوهم الناس العدل وأخلاق النبوة. PageV02P748 # لكن الجواب عنها أنه لو كان قصده ذلك لكان ذلك يحصل له بأن يعف عنهم في ~~حياته فقط، ولا كان يوصي بهم كما أوصى بأمته حتى قال: (أنا بريء ممن وافاني ~~يوم القيامة ولذمي عليه مظلمة «1»). وقال (لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ~~«2»). # وهذا أبو حنيفة- رحمه الله- أول أئمة الإسلام وشيخ السلف يقتل المسلم ~~بالذمي لهذا الحديث، وروى فى مسنده بإسناد متصل أن النبي- صلى الله عليه ~~وسلم- أقاد PageV02P749 # مسلما بكافر «1»، فلولا أنه مأمور فيهم من الله تعالى بالاستبقاء، ولو ~~«2» كان ملكا محضا يحب الرئاسة وإقامة الناموس لكان استبقاهم حال حياته ~~وسكت عن الوصية فيهم بعد موته. حتى كان المسلمون قد أخلوا منهم الأرض ولم ~~يبق منهم من يورد هذه الشبه على دينه. PageV02P750 ### | الحجة الخامسة # أنه- عليه السلام- قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ~~... وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون (46) «1»» «2». # وإنما قال ذلك: لأنه علم أنهم حرفوا بعض كتبهم لا كلها فمنع من تصديقهم ~~خشية أن يكون ما قالوه مما حرفوه ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرفوه. ~~فالأول في غاية الحزم والثاني: فى غاية العدل، ولو لم يكن نبيا مأمورا فيهم ~~بذلك كما في القرآن الكريم «3» وما ينطق عن ms179 الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى ~~(4) «4» لأغرى الناس بتكذيب كل ما عندهم وكان ذلك أتم لناموسه وأغض من رءوس ~~أعدائه، لأنا علمنا بالاستقراء من ملوك الدنيا أجمعين أن/ أحدا منهم/ لم ~~يترك من آثار من قبله من الملوك ولا الأنبياء ما يحذر منه على ملكه إلا ~~عجزا. ### | الحجة السادسة # تختص بالنصارى «5»: وتقريرها: أنكم زعمتم: أن المسيح هو الله أو ابن ~~الله، وأنه ظهر إلى العالم/ لينقذ أهل الإثم من إثمهم وخطاياهم وفداهم ~~بنفسه ثم PageV02P751 # بعد ذلك صعد إلى أبيه، فهو جالس عن يمينه. فإن كان هذا حقا فقد كان يجب ~~عليه وينبغي له أن يقول لأبيه حين ظهر محمد بدعوته: أهلك هذا ولا تدعه يفتن ~~الناس ويضلهم، ثم احتاج: أن أنزل إليهم فاستنقذهم من فتنته. فاقتل «1» ~~واصلب من يأتيه «2»، لأن عندكم أن المسيح كامل العلم والقدرة لا يخفى عنه ~~شيء في ملكه أو ملك «3» أبيه فبالضرورة أنه علم بظهور محمد- عليه السلام- ~~فسكوته عن الإنكار والتغيير بحضرة أبيه يوجب إما التقصير والرضا بالضلال، ~~والراضي بالضلال ضال، أو أن محمدا على طريق الرشد والكمال، وقد خيرناكم بين ~~الأمرين ولا واسطة بين القسمين. ### | الحجة السابعة # جرت عادة الله في خلقه أنه يتداركهم على كل فترة برسول يرشدهم إلى الهدى ~~ويصدهم عن الردى، ولا خلاف «4» أن العرب في جاهليتها لا سيما في أواخرها ~~عند أوان ظهور محمد- عليه السلام-، كانت أحوج الخلق إلى ذلك لما كانت عليه ~~من الظلم والبغي والغارات والقتل «5» بغير حق وسبي الحريم وظلم الغريم، ~~فالعناية الإلهية يستحيل منها عادة إهمالهم على ذلك من غير معلم ~~PageV02P752 # يرشدهم ويسددهم كما تقرر هذا أول الكتاب في ضرورة الخلق إلى النبوات،/ ~~وما رأينا أحدا ظهر بناموس قمع تلك الجاهلية وما كانت عليه من المنكرات إلا ~~محمدا- عليه السلام- فدل على أنه هو النبي المبعوث فيها، وإذا ثبتت نبوته ~~بهذا الطريق إلى العرب فالنبي لا يكذب وقد صح عنه بالتواتر أنه قال:" بعثت ~~إلى الناس كافة" «1» " وبعثت إلى الأحمر والأسود «2» " وبهذا يظهر تغفيل من ~~سلم من اليهود أنه أرسل ms180 إلى العرب خاصة «3»، لا إلى غيرهم. PageV02P753 ### | الحجة الثامنة # لا خلاف عند كل عاقل أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- كان من أعلى الناس ~~همة وأوفرهم حكمة، ولولا ذلك لما انتظم له أمر هذا الناموس، هكذا بعده مدة ~~طويلة مع أنه دعوى عند الخصم لا حجة معه. # ولا خلاف أن من كان بهذه المثابة من علو الهمة ووفور الحكمة وهمته تعلو ~~إلى تقرير منصب دائم ورئاسة باقية، أنه يحتاط/ لأمره ويعمل نتائج فكره حتى ~~لا يتوجه عليه ما يفسد حاله. ويبخس مآله، ومن المعلوم عند كل حكيم/ فطن ~~لبيب أن الكذب ينكشف ويستحيل رونقه وينكشف، ويعود سروره شرورا وتدبيره ~~تدميرا «1» خصوصا والمسيح إله النصارى يقول:" ما من مكتوب إلا سيعلن ولا ~~خفي إلا سيظهر" «2» فلو لم يكن محمد على يقين من صدق نفسه لما أقدم على ~~دعواه خشية أن ينكشف أمره في تضاعيف الأزمان فيعود عليه سوء الذكر مدى ~~الدهر. وكلامنا في عالي الهمة وافر الحكمة نخشى معرة المآل كما نخشى معرة ~~الحال، فلا يرد علينا من يؤسس «3» رئاسة في حياته بما أمكنه من كذبه ~~وترهاته ثم لا يبالي ما كان بعد مماته فإن ذلك في غاية/ الخساسة ويحصل ~~مقصوده برئاسة الملك دون دعوى هذه الرئاسة. PageV02P754 ### | الحجة التاسعة # لو لم يكن محمد صادقا لكان المسيح كاذبا، لكن المسيح ليس بكاذب فمحمد ~~صادق. # بيان الملازمة أن المسيح- صلى الله عليه وسلم- قال «1» في الإنجيل:" ما ~~من خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن" وهذه نكرة في سياق النفي فتقتضي ~~العموم، وأن كل خفي لا بد أن سيظهر، فعدم صدق محمد في دعواه، إما أن كان ~~ظاهرا أو خفيا فإن كان ظاهرا كان يجب أن لا يتابعه أحد، وإن تابعه لرهبته ~~أو رغبته فبالظاهر دون الباطن، حتى إذا زالت رهبته أو رغبته بزواله رجع ~~عنه، لأن عاقلا لا يختار الباطل على الحق، ولا الكذب على الصدق فكيف بهذا ~~الجمع الكبير، والجم «2» الغفير فى أقطار الأرض يختارون ذلك. هذا محال، وإن ~~كان خفيا وجب أن يظهر لا سيما ms181 مع دهاء العرب وذكائهم وفطنتهم وصحة طبعهم ~~وفطرتهم، فقد كان فيهم الكهنة والمنجمون والزجار «3» والمتطيرون وأكثرهم ~~يصيبون ولا يخطئون. # منهم من الأذكياء أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وكثيرون ~~لا يحصرهم عدد، وقد كانوا يستخرجون بأذهانهم ما هو أخفى من ذلك «4» ~~PageV02P755 # ويكفيهم أن ابن المقفع «1» فيلسوف العجم شهد لهم بالفضيلة على الروم ~~والفرس وسائر الأمم فيما ذكره أبو حيان التوحيدي «2» في كتاب له. فمن ~~المحال عادة أن يخفى عليهم أمر محمد- صلى الله عليه وسلم- «3» لو كان ~~باطلا، فدل على أنهم ما انهرعوا إليه، مع كونه أول الإسلام في نفر قليل ~~ضعيف مستضعف إلا وقد علموا صدقه، فصح/ قولنا: لو لم يكن محمد صادقا لكان ~~المسيح/ كاذبا في قوله:" ما من خفي إلا سيظهر" وأما أن المسيح ليس بكاذب ~~فبالاتفاق/ منا ومنكم، ولو نازعتمونا في صدقه أنتم أو غيركم، لما وافقناكم ~~على ذلك، لأنا نحن أحق به منكم. PageV02P756 ### | الحجة العاشرة # أن من نظر في دين الإسلام فوجده معظما لجميع «1» الرسل عيسى وموسى ~~وغيرهما بحيث أن من سب أحدا منهم أو تنقصه قتل ورأى اليهود يغضون من المسيح ~~ويفوقون «2» إليه السهام «3» وهم والنصارى ينتقصون محمدا- عليه السلام- علم ~~أن المسلمين أهل حق لا يشوبه تحامل وأن اليهود والنصارى أهل عناد وتجاهل. # فإن قالت اليهود: إنما غضضنا من المسيح ومحمد لأنهما كاذبان. # قلنا: فالذي ثبت به صدق موسى قد أتى المسيح بما هو أعظم منه فمقتضى ~~التصديق مشترك، فإما أن تصدقوا الاثنين أو تكذبوهما، أما الفرق فهوى ~~وتحامل. # وإن قالت النصارى: إنما تنقصنا محمدا لأنه ليس بصادق. # قلنا «4»: تلزمكم مقالة اليهود في أنهم إنما تنقصوا المسيح لأنه ليس ~~بصادق. # فإن قالوا: اليهود كفار عاندوا الله. # قلنا: كذلك نقول عنكم بالنسبة إلى تنقص محمد- عليه السلام-. PageV02P757 # فإن قيل: اليهود عاندوا بعد قيام الحجة بإظهار المعجز ونحن لم يأتنا محمد ~~بمعجز. # قلنا «1»: بل جاءكم بمعجزات قد سبق تقريرها ولكن عاندتم أو جهلتم، ولهذا ~~سمى الله تعالى اليهود مغضوبا عليهم والنصارى ضالين لأن تكذيب اليهود عناد ~~وتكذيبكم ms182 يغلب عليه الجهل. ولو أعطيتم النظر حقه لوفقتم ورشدتم. # هذا آخر ما تيسر إيراده في هذا الكتاب وأنا/ أسأل الله الكريم الوهاب أن ~~يجعله لي إلى رحمته وشفاعة نبيه أنجح الوسائل وأقوى الأسباب ويوفقني وسائر ~~المسلمين «2» لما يحبه ويرضاه، ويوقفنا عما يبغضه ويقلاه «3» فإنه لا إله ~~إلا هو «4»، ولا فاعل في الوجود سواه «5». # وكان الفراغ من تعليق هذه المسودة صبيحة الاثنين سابع ذي قعدة الحرام سنة ~~سبع وسبعمائة والابتداء فيها يوم الاثنين ثاني عشر شوال من السنة المذكورة ~~بالمدرسة الصالحية من مدينة القاهرة- حماها الله وسائر بلاد الإسلام- على ~~يد العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير سليمان بن عبد القوي البغدادي الطوفي ~~الحنبلي عفا الله عنهم [وعن جميع المسلمين وصلى الله على سيدنا محمد سيدنا ~~خاتم PageV02P758 # النبيين وسيد المرسلين آمين آمين آمين يا رب العالمين «1»]. # ثم أنهاه نظرا وتصحيحا لما وجد فيه من خلل طغيان/ القلم وملحقا به ما خطر ~~له من الفوائد اللائق إلحاقها عشية الأحد عاشر شوال سنة ثمان وسبعمائة ~~هجرية «2». والحمد لله رب العالمين. # نجزت هذه المبيضة كتابة من خط مصنفها أمتع الله ببقائه ونفع المسلمين ~~ببركته في السادس من شهر المحرم المبارك من سنة إحدى عشرة وسبعمائة أحسن ~~الله فتحها بخير وعافية. # كتبه الفقير الحقير المعترف بالتقصير الراجي عفو الله الكريم الناسخ علي ~~الزعيم. ms183