######OpenITI# #META# bkid: 13550 #META# bk: الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية #META# المؤلف: نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن عيد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (المتوفى 716 ه) #META# تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل #META# الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# الطبعة: الأولى، 1426 ه - 2005 م #META# عدد الأجزاء: 1 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: الطوفي #META# authinf: الصرصري (657 - 716 ه = 1259 - 1316 م). سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين. فقيه حنبلي، من العلماء. ولد بقرية طوف - أو طوفا - (من أعمال صرصر: في العراق) ودخل بغداد سنة 691 ه ورحل إلى دمشق سنة 704 ه وزار مصر، وجاور بالحرمين، وتوفي في بلد الخليل (بفلسطين). له:. • (بغية السائل في أمهات المسائل) في أصول الدين. • (الإكسير في قواعد التفسير - خ) في دار الكتب. • (الرياض النواضر في الأشباه والنظائر). • (معراج الوصول) في أصول الفقه. • (الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة). • (تحفة أهل الأدب في معرفة لسان العرب). • (الإشارات الإلهية والمباحث الأصولية خ) في دار الكتب (20561 ب) [طبع]. • (العذاب الواصب على أرواح النواصب) حبس من أجله، وطيف به في القاهرة. • (تعاليق على الأناجيل). • (شرح المقامات الحريرية). • (البلبل في أصول الفقه - خ) اختصر به (روضة الناظر وجنة المناظر) لابن قدامة، رأيت تصوير نسخة منه في المكتبة السعودية بالرياض، الرقم 93/ 86. • (موائد الحيس في فوائد امرئ القيس - خ) في دار الكتب (5601). • (مختصر الجامع الصحيح للترمذي - خ) في مجلدين (1). __________. (1) الكتبخانة 1: 411 وجلاء العينين 23 والمنهج الأحمد - خ. وشذرات الذهب 6: 39 والدرر الكامنة 2: 154 والأنس الجليل 2: 593 وهو فيه (سليمان بن عبد الله الطوفي) والمخطوطات المصورة 1: 20، 538 و 2: 116 ومخطوطات الدار 1: 49. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافات بين معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 13550 #META# over: 1 #META# seal: BD44F08C #META# oauth: 1103 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 6 #META# vername: None #META# cat: التفاسير #META# lng: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين #META# higrid: 716 #META# ad: 716 #META# aseal: 213C6F85 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/13550 #META#Header#End# ### | CHECK [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي أنزل القرآن ~~كتابا جامعا، وبرهانا قاطعا، ودليلا متينا، ونورا مبينا، لا يأتي على فضله ~~العد، ولا يخلق على كثرة الرد، من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه أصبح صدره ~~ضيقا حرجا، فيه لكل شيء تبيان، وبين كل حق وباطل فصل وقرآن، عرف ذلك من ~~استوى على متن تياره في فلك النظر، وغاص في لجج بحاره فاستخرج يتائم الدرر، ~~فهو مادة لعلوم المعقول والمنقول، وينبوع لفنون الفروع والأصول. وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تكشف عن قائلها شبه المطالب، وتوضح ~~له بعين اليقين كل ما هو له طالب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى ~~الأعاجم والأعارب، المنعوت في كتب الأولين بأنه الخاتم العاقب، صلى الله ~~عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى ذوي الأحساب والمناقب ما ظهر فلك في المشارق ~~والمغارب. # أما بعد. . # فهذا إن شاء الله عز وجل إملاء، سميناه ب «الإشارات الإلهية إلى المباحث ~~الأصولية»، ولا بد قبل الخوض في مقاصده من تقرير مقدمة، هي له كالأصول، ~~تشتمل على فصول: # الفصل الأول: في شرح اسم هذا الكتاب، ويتم ذلك ببيان معنى الإشارات ~~الإلهية، والمباحث الأصولية. # أما الإشارات فهي جمع إشارة، هي الإيماء بفعل أو قول إلى أمر. # فالإيماء بالفعل كالرمز والغمز بعين أو حاجب، ومن ذلك خائنة الأعين (1) ~~والإشارة باليد ونحوه، قال سحيم: # أشارت بمدراها وقالت لتربها ... أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا # والإيماء بالقول هو التنبيه بالقول الوجيز على المعنى البسيط، كقوله عز وجل: # {فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم} (78) [طه: 78]. # {فأوحى إلى عبده ما أوحى} (10) [النجم: 10]. PageV01P011 # وقول امرئ القيس: # على هيطل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كر ولا وان # فقوله: (أفانين جري) إشارة وجيزة إلى معان كثيرة، وهو أنواع جري الفرس، ~~ولا شك أن في القرآن العظيم إشارات في هذا الباب، هي معجزات، كقوله عز وجل: # {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند ms001 كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون} (29) [الأعراف: 29]. # {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين} (104) [الأنبياء: 104]. # {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} (15) [ق: 15] فإن هذه ~~إشارات تضمنت ما أطنب فيه المتكلمون من تقرير دليل البعث والإعادة قياسا ~~على البدء، ونحوه كثير مما ستراه إن شاء الله عز وجل. # وأما الإلهية: فنسبة إلى الإله، وهو المعبود [الواجب] الوجود، ونسبت/ [2 ~~ب/م] إليه لأنها منه صدرت وعنه وردت، إذ القرآن كلام الله عز وجل. # وأما المباحث: / [2/ل] فجمع مبحث، وهو موضع البحث ومحله، نحو: مطلع الفجر ~~والشمس، لموضع طلوعهما، وقياسه كسر الحاء فلعله فتح لأجل حرف الحلق، حملا ~~على مضارعه وهو يبحث. # والبحث في الأصل: هو كشف التراب ونحوه عما تحته من دفين وغيره، ثم نقل ~~إلى الكشف عن حقائق المعاني بالنظر؛ لأن الناظر يكشف عنها الشبه (1)، كما ~~يكشف الباحث التراب فهو في البحث الاصطلاحي حقيقة عرفية، مجاز لغوي. # وأما الأصولية: فنسبة إلى الأصول؛ لأن الكتاب موضوع لاستخراج مسائل ~~الأصول من إشارات التنزيل، وإنما نسب إلى لفظ الجمع، وإن كان القياس في هذا ~~الباب رد الجمع إلى الواحد، ثم ينسب إليه نحو: «رجلي» في النسبة إلى رجال، ~~و «عبدي» إلى عباد؛ لأن الأصول صار علما، أو كالعلم على هذا الفن من العلم؛ ~~فجرى لذلك مجرى النسبة إلى الأنصار والمدائن والفرائض، يقال: أنصاري ~~ومدائني وفرائضي ونحوه. PageV01P012 # الفصل الثاني: في ذكر السبب الباعث على وضع هذا الكتاب، وهو ضربان: كلي، وجزئي. # أما الكلي: فهو أن المسلمين منذ ظهر الإسلام يستفيدون أصول دينهم وفروعه ~~من كتاب ربهم، وسنة نبيهم، واستنباطات علمائهم، حتى نشأ في آخرهم قوم عدلوا ~~في ذلك عن الكتاب والسنة إلى محض القضايا العقلية، ومازجين لها بالشبه ~~الفلسفية، والمغالطات السوفسطائية، واستمر ذلك حتى صار في أصول الدين ~~كالحقيقة العرفية، ولا يعرف عند الإطلاق غيره، ولا يعد كلاما في أصول الدين ~~سواه، فجاء ضعفاء العلم بعدهم، فوجدوا كلاما فلسفيا، ms002 ليس من الدين في شيء، ~~مع أن أئمة الدين ومشايخهم نهوا عنه مثله، وشددوا النكير على من تعاطاه، ~~فضاعت أصول الدين عليهم؛ وضلت عنهم، إذ لم يعلموا لهم أصول دين [غيره ~~لغلبته] عرفا. # وإنما عدل المتأخرون في أصول الدين عن اعتبار الكتاب والسنة، إما لجهلهم ~~باستنباطها منها، أو ظنا أن أدلة السمع فرع على العقل، فلا يستدل بالفرع مع ~~وجود الأصل كشاهد الفرع مع شاهد الأصل، أو زعما منهم أن الكتاب غالبه ~~الظواهر، والسنة غالبها الآحاد. # ومثل ذلك لا يصلح مستندا في المطالب القطعية الدينية أو لأن خصومهم من ~~الفلاسفة والزنادقة ونحوهم لا يقولون بالشرائع، ولا يرون السمعيات حجة، فلا ~~يجدي الاحتجاج عليهم بها، أو لغير ذلك من الخواطر والأوهام/ [3 أ/م]. # وأما السبب الجزئي: فإني رأيت بعض الناس قد كتب مسائل يسأل عنها بعض أهل ~~العلم، منها هذا السؤال وهو: أن الناس هل لهم أصول دين أم لا؟ فإن لم يكن ~~لهم أصول دين فكيف يكون دين لا أصل له؟ وإن كان لهم أصول/ [3/ل] دين، فهل ~~هي هذه الموجودة بين الناس ككتب الإمام فخر الدين بن الخطيب (1) وأتباعه ~~ونحوها؟ أم غيرها؟ وكيف ذم أئمة الشرع الاشتغال بأصول الدين مع أنه لا بد ~~للدين من أصول يعتمد عليها؟ # ولو علم هؤلاء الملبوس عليهم أن أصول الدين الحقيقية التي هي أحد فروض ~~الكفايات في طي الكتاب على أبلغ تقرير وأحسن تحرير، بحيث لا يستطيع الزيادة ~~عليها متكلم ولا فيلسوف، وحتى إن المسلمين إنما استفادوا طرقهم الكلامية أو ~~أكثرها منهما، لما قالوا ذلك. # ونحن نجيب عن هذا السؤال المذكور على جهة الفتيا والاختصار؛ لئلا تبقى ~~شبهة في PageV01P013 # قلب الناظر، فنقول-الجواب-ومن الله-عز وجل-استمداد الحق والصواب: للناس ~~أصول دين إذ دين لا أصل له فرع مجرد لا وثوق به، وأصول الدين هو العلم ~~الباحث عن أحكام العقائد الإسلامية وجملتها لا تخرج عن الكلام في الإيمان ~~بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، كما صرح به الكتاب ~~والسنة، وهو موجود في كتب السلف مجردا، ms003 وفي كتب الخلف كالكتب المشار إليها ~~في السؤال، ممزوجا بما ليس من أصول الدين، إما مزجا اضطراريا كجواب عن شبهة ~~فلسفية، أو مزجا اختياريا كما ضمنه الإمام فخر الدين وغيره كتبهم من ~~المباحث الفلسفية المستقلة، كالكلام في الفلكيات والعناصر والنفوس وغيرها، ~~تكثيرا لسواد كتبهم، وتنبيها على فضائلهم، أو غير ذلك مما نووه، والأعمال ~~بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. # وأما ذم أئمة الشرع الاشتغال بأصول الدين، فتشكيك مجمل غير محرر، إذ كيف ~~يذمون الاشتغال بعلم قد صنفوا وتكلموا فيه! ! وهو مستند دينهم! ! وقد أفتوا ~~بأنه فرض كفاية في مذاهبهم، هذا مما لا يقبل عليهم، ولا يجوز صدوره منهم. # وطريق كشف هذه الشبهة أن أصول الدين لفظ مشترك أو كالمشترك، فتارة يراد ~~به العلم الباحث عن تقرير أحكام العقائد الإسلامية بالحجج الشرعية المؤيدة ~~بالبراهين العقلية، وهذا لم ينه عنه أحد، بل هو فرض كفاية على الموحدين. # وتارة يراد به العلم الباحث عن الأحكام العقلية المحضة الفلسفية ~~والكلامية التي هي فضول في الشرع لا من ضروراته، ولا مكملاته فذلك الذي ذمه ~~الأئمة؛ على أنهم إنما عبروا عنه بالكلام، ولم يذم أحد منهم أصول/ [3 ب/م] ~~الدين قط، وإنما ذموا الكلام المذكور لوجوه: # أحدها: أنه كما ذكرنا فضول في الدين. # الثاني: أن العقل بمجرده لا يستقل يدرك الحقائق، لأنه إنما جعل لإقامة ~~رسم العبودية، لا لإدراك حقيقة الربوبية، فربما زل فضل كما جرى [لأكثر] / ~~[4 ب/ل] الفلاسفة والمتكلمين في غالب أحكامهم. # الثالث: أن صاحبه كالمزاحم لله-عز وجل-في الاطلاع على حقائق الموجودات، ~~ودقائق المصنوعات فذموه لذلك، كما ذموا النظر في أحكام النجوم وعلى هذا ~~فعلم الكلام صار محمودا باعتبار، مذموما باعتبار، كالجدل ورد الشرع بمدحه ~~وذمه باعتبارين: # فمن حيث يستعمل لتحقيق الحق وإبطال الباطل هو محمود، ومن حيث يستعمل لعكس PageV01P014 # ذلك هو مذموم. # الفصل الثالث: فيما نعتمده في هذا التعليق، وهو أنا إن شاء الله-عز وجل- ~~نستقرئ القرآن من أوله إلى آخره، ونقرر منه المطالب الأصولية، وهي ضربان: # أصول دين، وأصول فقه: # فأصول الدين: علم يبحث ms004 فيه عن أحكام العقائد صحة وفسادا، ومتعلقاته ~~الكلية هي كما سبق: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ~~والقدر. # وأصول الفقه: علم يبحث فيه عن الأدلة السمعية والنظرية من جهة اتصالها ~~إلى الأحكام الشرعية الفرعية ومتعلقاته بالاستقراء تسعة عشر، عليها مدار ~~الفروع، وفيها بحث علماء الأمة اتفاقا منهم على بعضها، واختلافا في بعضها، ~~وهي على ما سرده الفضلاء في كتبهم: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وإجماع ~~أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع العترة، ~~والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، ~~والعوائد، والاستقراء، وسد الذرائع، والاستدلال، والاستحسان، والأخذ بالأخف ~~والعصمة. # فالكتاب: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. # وقيل: ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا وهو دوري، والكتاب والقرآن ~~والفرقان واحد. # والسنة: ما ثبت نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم أو من في معناه، تواترا ~~أو آحادا من قول، أو فعل، أو إقرار على أحدهما. # وإجماع الأمة: هو اتفاق مجتهديها في عصر ما على حكم ديني. # وإجماع أهل المدينة والكوفة: اتفاق مجتهديهما كذلك، وكذا إجماع الخلفاء، ~~والعترة اتفاقهم على حكم. # والقياس: تعدية حكم المنصوص، أو المتفق عليه إلى غيره بجامع مشترك. # وقول الصحابي: فتياه عن اجتهاد إذا لم يخالف فيها. # والمصلحة المرسلة: اعتبار أمر مناسب لم يرد الشرع فيه باعتبار ولا إلغاء/ ~~[4 أ/م]. # والاستصحاب: هو الاستمرار على ما عهد من نفي أو إثبات أصلي أو حكم شرعي، ~~وهو المعبر عنه في ألسنة الفقهاء بقولهم: الأصل بقاء ما كان [على ما كان]، ~~والأصل عدم كذا أو بقاؤه. PageV01P015 # والبراءة الأصلية: استصحاب خاص، وهو الاستمرار على الحكم بفراغ الذمة ~~الثابت / [5/ل] قبل وجودها، أو قبل الدعوى باشتغالها. # والعوائد: جمع عادة وهي الأمر المتكرر المعاود، أو هي معاودة الأمر ~~وتكرره، وفي تخصيص العموم بها خلاف وتفصيل مثل أن يرد الشرع بحكم عام للناس ~~فيه عادة خاصة، فينزل العموم على خصوص العادة فيه. # والاستقراء: تتبع الجزئيات، والحكم على كليها بمثل حكمها، وإن شئت فقل: ~~هو الحكم على كلي بما حكم به ms005 في جزئياته. # وسد الذرائع: هو حسم مواد المفاسد بالمنع من يسيرها؛ لئلا يتوصل منه إلى ~~كبيرها، كتحريم يسير الخمر الداعي إلى كثيره. # والاستدلال: هو النظر، وهو ترتيب أمرين، أو أمور معلومة، لاكتساب مجهول. # والاستحسان: هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لمعنى أو لمصلحة أرجح. ~~وقيل فيه غير ذلك. وقد أجاد الحنيفية تقريره. # والأخذ بالأخف: أي من الأحكام، وهو التزام أقلها أو أيسرها لأنه المتيقن، ~~وما زاد منفي بالاستصحاب أو البراءة الأصلية كقول من قال: «دية الذمي ثلث ~~دية المسلم دون نصفها وكمالها». # والعصمة: هي كون العين أو المنفعة ممنوعة من تملك الغير أو استعماله لها، ~~لثبوت الحق فيها لمن هو له، وهي راجعة إلى ضرب من الاستصحاب لأنا نستصحب ~~حكم الملك للمالك، فيمتنع مزاحمة غيره له. # والأصول: جمع أصل، وأصل الشيء قيل: ما منه الشيء. وقيل: مادة الشيء. وقيل: # ما بني عليه غيره. وقيل: ما استند الشيء في تحقق وجوده إليه. # وهو ضربان عقلي كالدليل للمدلول والقياس للنتيجة. # وطبيعي كالشجرة للغصن والوالد للولد. # والدين يطلق بالاشتراك على الجزاء نحو {مالك يوم الدين} (4) وعلى العادة نحو: # كدينك من أم الحويرث قبلها. # وقوله: أهذا دينه أبدا وديني # أي كعادتك، وهذه عادته وعادتي. # وعلى الطريقة السياسية نحو: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها ~~من} PageV01P016 # وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء ~~الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) [يوسف: 76] والولاية ~~التي يدين لها الرعية نحو قول زهير: # لئن حللت بجو من بني أسد ... في دين عمر وبيننا فدك # وعلى الشريعة الإلهية نحو: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو ~~في الآخرة من الخاسرين} (85) [آل عمران: 85]. # {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ms006 عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (3) [المائدة: 3]. # {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} (19) # [آل عمران: 19] وهو المراد هاهنا، أي أصول الشريعة الإلهية. # والفقه لغة: الفهم. وقيل: العلم. # وقيل: كل نوع علمي فهو فقه لغة كالطب، والحساب، والنحو، والشعر، وغيرها، ~~وإنما/ [4 ب/م] اختصت بهذه الأسماء الخاصة اصطلاحا. # وأما في الاصطلاح: فالفقه علم يبحث فيه عن أحكام أفعال المكلفين وما ~~أشبهها، خطابا أو وضعا، ويشمل ذلك الوجوب، والندب والكراهة، والحظر، ~~والإباحة، والصحة، والفساد، ونحوها. # وإن شئت قلت: الفقه سياسة شرعية، مادتها تعظيم الشرع، وغايتها الطاعة ~~والعدل، وثمرتها السعادة يوم الفصل. # أما أنه السياسة؛ فلأن/ [6/ل] السياسة هي القانون الموضوع لرعاية الآداب ~~والمصالح، وانتظام الأحوال. والفقه كذلك، لكن لما كان هذا القانون من جهة ~~الشرع؛ PageV01P017 # قلنا: هو سياسة شرعية، وأما أن مادتها تعظيم الشرع؛ فلأن من لا يعظم ~~الشرع، لا يرتبط بأحكام الفقه عبادة ولا عادة. # وأما أن غايتها الطاعة والعدل؛ فلأن خطاب الشرع الواجب تعظيمه بامتثاله ~~الوارد بالأحكام الفقهية يتعلق بالعبادات والعادات، فامتثاله في العبادات ~~طاعة، وفي العادات بكف أذى الناس بعضهم عن بعض والتزام الإنصاف بينهم، وهو ~~طاعة وعدل. # وأما أن ثمرتها السعادة يوم الفصل، فلأن الفقه شرع الله وأوامره، فمن ~~امتثلها كان مطيعا، ومن كان مطيعا كان من أهل السعادة إن شاء الله عز وجل. # إذا عرفت هذا فاعلم أن في أصول الدين قاعدة عظيمة عامة، وهي قاعدة القدر، ~~وقد كنت أفردت فيها تأليفا. # وفي أصول الفقه قاعدة كذلك، وهي قاعدة العموم والخصوص، وقد كنت عزمت أن ~~أفردها بتأليف، لكن رأيت إدراجها في هذا الإملاء، إذ هي من جزئياته. # وهاتان القاعدتان عامتا الوقوع في الكتاب والسنة، فلنقرر كلياتهما هاهنا ~~ثم نحيل عليه، أو نكتفي به عند ذكر جزئياتهما في أثناء هذا التعليق إن شاء ~~الله عز وجل. # أما ms007 القدر فالنظر في لفظه، وحده، وحكمه، واختلاف الناس فيه، وتردد الأدلة ~~فيه، والكشف عن سره. # أما لفظه فهو مصدر قدر يقدر، بضم الدال وكسرها، قدرا، وقدرا، بسكونها ~~وفتحها. # وفي التنزيل: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (1) [القدر: 1]. # ثم {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر ~~عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل ~~مدين ثم جئت على قدر يا موسى} (40) [طه: 40]. # وأما حده على رأي الجمهور: فهو خلق الأفعال بالقدرة القديمة وإجراؤها على ~~محل القدرة الحادثة، وهي جوارح المكتسبين لها. # وعلى رأي المعتزلة (1): هو منع الألطاف عن العبد ليقع في معصية المعبود. # وإن شئت قلت: القدر هو تعلق الإرادة الجازمة بوقوع أمر ممكن، أو هو ترجيح ~~أحد PageV01P018 # طرفي الفعل الممكن بمرجح إلهي. # وأما حكمه: فهو تحتم وقوع مقتضاه من الرب [سبحانه]، ووجوب الرضا والتسليم ~~له من العبد، وأما اختلاف/ [5 أ/م] الناس فيه؛ فهم على فرق: # أحدها: من ذهب إلى أن أفعال المخلوقين مخلوقة لهم خلقا محضا، لا يشاركهم ~~فيها أحد؛ وهم المعتزلة. # وثانيها: من ذهب إلى أنها مخلوقة لله عز وجل-خلقا محضا، لا يشاركه في ~~خلقها وإيقاعها غيره، وأن حركات العبد الظاهرة منه كحركة السعفة بالريح؛ هو ~~مجبور عليها؛ وهم الجبرية، ويقال: المجبرة. ### || AUTO مطلب في الفرق بين الخلق والكسب # وثالثها: من ذهب إلى أنها خلق للرب وكسب للعبد، وفرقوا بين الخلق والكسب ~~/ [7/ل] بأن الخلق هو الإنشاء والاختراع من العدم إلى الوجود، والكسب هو ~~التسبب إلى ظهور ذلك الخلق على الجوارح، ورسموه بأنه ظهور أثر القدرة ~~القديمة في محل القدرة الحادثة، وذلك كالولد هو مخلوق لله-عز وجل-مكسوب ~~للأبوين بالجماع، فالخالق موجد، والكاسب متسبب، وهؤلاء هم الكسبية وهم ~~الجمهور والسواد الأعظم من المحدثين والفقهاء. # ورابعها: من ذهب إلى أن الفعل مخلوق للرب والعبد اشتراكا، بناء على جواز ~~أثر من مؤثرين ومقدور بين قادرين. # وخامسها: من ذهب إلى أن الله-عز وجل-يوجد قدرة للعبد، والعبد يوجد بقدرته الفعل. # وسادسها: ms008 من ذهب إلى أن الفعل له جهة عامة، وهي كونه فعلا: حركة أو ~~سكونا، وجهة خاصة، وهي كونه طاعة كالصلاة، أو معصية كالزنا. وهو من الجهة ~~الأولى مخلوق للرب [عز وجل] ومن الجهة الثانية مخلوق للعبد. . ولعل فيه ~~مذاهب أخر. # وأما تردد الأدلة فيه: # فأما سمعا: فلأن القرآن [العزيز]: تارة يضيف الأفعال إلى العباد؛ نحو: ~~{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون} (159) [الأنعام: 159]. PageV01P019 # {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} (108) ~~[الأنعام: 108]. # {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون} (138) [الأنعام: 138]. # {فما لهم لا يؤمنون} (20) [الانشقاق: 20]. # {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما} (39) [النساء: 39]. # {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين} (12) [الأعراف: 12] ونحوه. # وتارة يضيفها إلى الله-عز وجل-: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} ~~(62) [الزمر: 62]. # {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا} (2) [الفرقان: 2]. # {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} (3) [فاطر: 3]. # {والله خلقكم وما تعملون} (96) [الصافات: 96]. # {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (14) [الملك: 14]. # {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار} (16) [الرعد: 16] ونحوه. PageV01P020 # وأما عقلا: فلأن المعتزلة قالوا: لو خلق الله-عز وجل-معاصي خلقه، ثم ~~عاقبهم عليها، لكان ms009 عن العدل خارجا، وفي ساحة الجور والجا. ولأن ما يخلقه ~~الله-عز وجل- يجب وقوعه؛ فتكليف العبد بعد ذلك بإيجاده تكليف بالواجب أو ~~الممتنع، وتحصيل للحاصل، وهو محال. ولأنا ندرك بالحس أو الضرورة وقوع ~~أفعالنا بأدواتنا على وفق دواعينا وقدرتنا وإرادتنا، ونعلم بالوجدان أننا ~~الموجدون المخترعون لها؛ فلا نقبل بعد ذلك الحوالة على غائب لا ندركه، وصار ~~النزاع في ذلك من باب التشكيك في البديهات والسفسطة؛ فلا يسمع. # وقالت المجبرة: لو كان العبد خالقا لأفعاله/ [5 ب/م] لكان مع الله-عز ~~وجل- خالقون كثيرون، وذلك ضرب من الشرك كالمجوسية؛ ومن ثم ورد تشبيه ~~القدرية بالمجوس (1)، ولأن أخص صفات الله-عز وجل-كونه قديما مخترعا، فلو ~~كان معه مخترع غيره لكان ذلك المخترع منازعا في الإلهية أو مقاسما فيها، ~~وهو باطل؛ ولأن فعل العبد ممكن، وكل ممكن فإنه لا يخرج إلى الوجود إلا ~~بمرجح، ثم ذلك المرجح: إما من العبد؛ فيلزم: إما الدور، أو التسلسل. أو من ~~الرب-عز وجل-فيكون هو الخالق، وهو المطلوب. # وأما الكشف عن سره فذلك يظهر/ [8/ل] بمقدمات: # الأولى: أن الله عز وجل-أحب أن يكون له في خلقه المشيئة النافذة. # الثانية: أنه-عز وجل-أحب أن يكون له عليهم الحجة البالغة. # الثالثة: أنه-عز وجل-علم ما سيكون منهم قبل أن يوجدهم؛ فعلم مثلا من آدم ~~وإبراهيم وموسى ومحمد-عليهم الصلاة والسلام-أنه سيكون منهم الطاعة، وعلم من ~~إبليس ونمرود وفرعون وأبي جهل وأبي لهب أنه ستكون منهم المعصية، وعلم أنه ~~لو ترك كلا واختياره وفوض إليه أفعاله لم يكن منهم إلا ما تعلق به علمه؛ من ~~طاعة أولئك، ومعصية هؤلاء. وحينئذ استوت حالتا جبرهم على أعمالهم وتفويضها ~~إليهم، فلو فوض إليهم أعمالهم والحالة هذه، لضاعت فائدة التفويض، ولم يبق ~~فيه إلا مجرد مفسدة مشاركة المخلوق له في الاختراع، فرغب سبحانه وتعالى- ~~ببالغ حكمته عن هذه المفسدة المجردة، وآثر التوحد في خلقه من غير مشارك؛ ~~صيانة لجانب الإلهية والملك عن وصمة المنازعة والشرك. # ثم إنه-عز وجل-لما علم أن في خلقه من يعترض عليه ويقول: إنك إذا أجبرتنا ~~لم PageV01P021 # تعدل فينا؛ ولو ms010 فوضت أعمالنا إلينا لقمنا من طاعتك بما علينا-أخفى عنهم ~~طريق الجبر بلطيف حكمته؛ ليقيم عليهم بالغ حجته؛ وذلك بأن خلق فيهم أفعالهم ~~بواسطة مشيئاتهم، فظنوا أنهم لها خالقون، وإنما هم بلطيف الحكمة وعظيم ~~القدرة مجبورون غالطون، وذلك اللبس عليهم من شؤم اعتراضهم، ولو سلموا الأمر ~~لرب الأمر، لكشف لهم عن حقيقة الأمر. # وتقرير ذلك أنه-عز وجل-إذا شاء من عبده فعلا، خلق له مشيئة ذلك الفعل، ثم ~~خلق ذلك الفعل على أدوات العبد، موافقا لإرادته. وهذا مستفاد من قوله-عز وجل-: # {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين} (29) [التكوير: 29] فمشيئة ~~الله-عز وجل-سبب مؤثر أبعد، ومشيئة العبد سبب مقارن أقرب. # فالقدري نظر إلى المقارن لقربه، والجبري نظر إلى المؤثر، ولم يمنعه من ~~ذلك بعده، فكان نظره أسد. وعلى هذا، فنسبة فعل العبد إلى الرب-عز وجل-شبيه ~~بنسبة التالي إلى المقدم في الشرطية اللزومية؛ نحو: «إن كانت الشمس طالعة ~~فالعالم مضيء»، ونسبته إلى العبد نسبة التالي إلى المقدم في/ [5 أ/م] ~~الشرطية الاتفاقية؛ نحو: «إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل». # إذ الله-عز وجل-مؤثر في الفعل على جهة الغلبة، والعبد ليس له منه إلا ~~وقوعه مقارنا له على جهة الاتفاق؛ ولهذا تراه ربما أراد الفعل وسعى فيه فلا ~~يقع، وربما كرهه وتحرز منه فيقع؛ فدل على أن المؤثر فيه غيره، وإنما العبد ~~واسطة/ [9/ل] لإقامة الحجة عليه. # وأما ما احتج به المعتزلة، فراجع [إما] إلى التحسين والتقبيح العقلي، وهو ~~ممنوع، أو إلى دعوى الضرورة في غير موضعها، وهو مكابرة. ### || AUTO وقد بقي الكلام بين الجبرية والكسبية # : # فقالت المجبرة: اتفقنا وإياكم على أن الله-عز وجل-هو خالق فعل العبد، ~~وادعيتم أن هناك للعبد كسبا، ونحن ننكره، فعليكم إثباته، ولا سبيل لكم ~~إليه؛ لأن الله-عز وجل-إذا خلق في العبد فعلا وقضى عليه بأمر: فإما أن يكون ~~للعبد قدرة على التخلص من ذلك الأمر بألا يقع منه، أو لا يكون: # فإن كان له قدرة على ذلك كانت قدرته أغلب من قدرة الرب-عز وجل-ومشيئته ~~أنفذ من مشيئته؛ فيكون أولى بالربوبية؛ ms011 وحينئذ يصير العبد ربا والرب عبدا، ~~وإنه محال. # وإن لم يكن له قدرة على ذلك كان الفعل منه واجبا بمجرد الخلق ولا أثر ~~للكسب؛ فسقط اعتباره، ولأن الكسب الذي تدعونه: إما مخلوق للعبد، وهو خلاف ~~مذهبكم؛ إذ PageV01P022 # العبد لا يخلق باتفاق أو للرب فيحتاج إلى كسب، ثم القول فيه كالقول في ~~الكسب الأول؛ ويتسلسل، وإنه محال. # وهذا مما يصعب موقعه على الكسبية ويتعذر عليهم التخلص منه. # قف على حجة أهل السنة: احتج الكسبية بوجهين: # أحدهما: أن القول بالقدر يقتضي الشرك، والقول بالجبر يقتضي الجور أو سقوط ~~التكليف وانقطاع حجة الله-عز وجل-عن خلقه، والكل محال. فسلكنا طريق الكسب ~~تخلصا من ذلك. # الوجه الثاني: أنا وجدنا القرآن تارة يضيف أفعال الخلق إليهم، وتارة إلى ~~الله-عز وجل-فقلنا بذلك، وأضفناها إليه خلقا وإليهم كسبا؛ جمعا بين الأدلة. # الجواب: أن هذا إقناعي اجتهادي، وما ذكرناه قاطع عقلي؛ فلا يعارضه ما ذكرتم. # لكنهم قالوا: إنا نرى الإنسان مؤثرا في أفعاله بالجملة عيانا، لكن قام ~~الدليل على أن تأثيره ليس بتام بحيث يكون خالقا؛ فبقي أن يكون تأثيرا غير ~~تام، ونحن سمينا ذلك كسبا، والقول بأن لا تأثير له في أفعاله بالكلية بهتان ~~ومعاندة للعيان. # وهذا من الكسبية قوي؛ لاستنادهم فيه إلى ظاهر العيان، إلا أن جواب ~~المجبرة عن هذا أنه إن صح لكم الاستدلال بظاهر العيان على أن تأثير الإنسان ~~في فعله غير تام، بحيث يكون كسبا، صح للمعتزلة الاستدلال بظاهر العيان/ [5 ~~ب/م] على تمام تأثيره، بحيث يكون خلقا، بل العيان معهم أقوى، وهم به أسعد وأحظى. # وأيضا لو كان [له] فيه نوع تأثير لكان له فيه بقسط ذلك من الاختراع، وصار ~~ذلك قولا بمقدور بين قادرين، وأنتم لا تقولون بذلك؛ وحينئذ يسقط ما استندتم ~~إليه من العيان، ويبقى ما ذكرته المجبرة من واضح البرهان. # إذا عرفت ذلك، فاعلم أن آيات الجبر في القرآن/ [10/ل] العزيز أكثر من ~~آيات القدر، فنحن إذا مررنا بآية من ذلك في أثناء هذا التعليق فإن كانت ~~صريحة في بابها ms012 لا تقبل التأويل، فليس لها إلا المعارضة إن وجد لها معارض. # وإن تطرق التأويل إليها] بينا كيف تقرير الدليل منها، وكيف يتطرق التأويل إليها. # وأنها في آخر الأمر لأي المذهبين، وفي جانب أي الخصمين، إن شاء الله-عز ~~وجل. PageV01P023 ### || AUTO مبحث العموم والخصوص # وأما العموم والخصوص، فالنظر في لفظ العموم، وحده، وأدواته وحكمه. # أما لفظه فهو مصدر «عم يعم [عما و] عموما» نحو «شمل يشمل شمولا» وزنا ~~ومعنى؛ إذ معنى العموم هو الشمول؛ يقال: «اللهم عمنا برحمتك» أي: اشملنا بها. # وأما حده فهو: استغراق اللفظ لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. # والعام هو: اللفظ المستغرق لما يصلح له كذلك. # وقد يشتبه العام بالمطلق وهو اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي، من ~~غير اعتبار قيد زائد؛ نحو «رجل» و «رقبة» و «دابة» بخلاف «الرجال» و ~~«الرقاب» و «الدواب»؛ فإنه عام، وبخلاف «رجل مؤمن» و «رقبة كافرة»، أو ~~«صحيحة» و «دابة فارهة» ونحوه؛ فإنه مقيد. # وأما أدواته-أعني ألفاظه وما يفيده-: فاعلم أن المفيد للعموم: إما أن ~~يفيده لغة أو عرفا أو عقلا، والذي يفيده لغة: إما أن يفيده على الجمع، أو ~~على البدل، والذي يفيده على الجمع: إما أن يفيده وهو اسم موضوع له، أو ~~يفيده بمقارن أفاده. فالذي يفيده بالوضع: إما أن يكون موضوعا لذوي العلم ~~فقط، وهو «من» في الشرط والاستفهام؛ نحو: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} (123) ~~[النساء: 123]. # و{قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني ~~من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير} (63) [هود: 63]. # و«من عندك». # أو لذوي العلم وغيرهم: وهو «أي» شرطا أو استفهاما؛ نحو: {قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا ~~تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} (110) [الإسراء: 110]. # و{وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي ms013 الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} (81) [الأنعام: 81]. # و«أي الرجال لقيت؟ ». و «كل» و «جميع» أيضا؛ نحو: {وإن كل لما جميع ~~لدينا} PageV01P024 # محضرون (32) [يس: 32] هو للقبيلين: ذوي العقول وغيرهم. أو لغير ذوي العلم ~~فقط، وهو: إما لجميعهم، وهو «ما» غالبا؛ نحو: «ما ركبت من الدواب» وقد ~~يستعمل لذوي العلم قليلا؛ نحو: {والسماء وما بناها} (5) [الشمس: 5]. أو ~~لبعضهم، وهي «متى» للزمان و «أين» و «حيث» للمكان. # والذي يفيد العموم بمقارن أفاده: إما أن يكون في الثبوت، وهو الإضافة ~~ولام الجنس؛ نحو «عبيدي» و «الرجال»، أو في النفي؛ كالنكرة؛ نحو: «لا رجل ~~في الدار». # والمفيد للعموم على البدل/ [6 أ/م] أسماء النكرات؛ نحو: «اضرب رجلا» و ~~«أعتق رقبة» فأي رجل ضربه وأي عبد أعتقه أجزأه، حتى زعم بعضهم لذلك أنه عام ~~على الجمع. # والمراد بعمومه على البدل: أن كل فرد من أفراد مدلوله يصح أن يكون بدلا ~~عن الآخر؛ كالرقبة المعتقة. # هذا كله/ [11/ل] في المفيد للعموم لغة. # أما المفيد له عرفا فنحو: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ~~وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم ~~بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما} ~~(23) [النساء: 23] أي جميع وجوه الاستمتاع بهن. # والمفيد له عقلا له صور: # منها: العلة، تفيد عموم الحكم في جميع مواردها؛ أي: حيث وجدت وجد حكمها. # ومنها: ما ورد جواب سؤال؛ نحو: «ما حكم من أفطر؟ » فيقال: «يقضي أو يكفر» ~~فيعم كل مفطر، والعموم في التحقيق ل «من» مقدرة في الجواب. # ومنها: دليل الخطاب؛ نحو: «في السائمة الزكاة» يفيد أن لا زكاة في عموم ~~ما عداها. # هذه جوامع أدوات العموم، وإن شذ عنها شيء، فربما تعرضنا له في مواضعه، إن ~~شاء الله، عز وجل. # وأما حكم العموم فاعتبار عمومه إلا ما خص منه بدليل، ويبقى حجة فيما عدا ms014 ~~محل التخصيص عند الأكثر؛ نحو: «اقتلوا المشركين أو الكفار» ثم خص منه أهل ~~الذمة والعهد PageV01P025 # والمستأمنون ونحوهم، أو حيث دل الدليل على أن المراد بالعام الخاص؛ نحو: ~~{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل} (173) [آل عمران: 173] يعني: عروة بن مسعود الثقفي ~~لأبي سفيان. # وباقي أحكام العموم سنتعرض [لما نحتاج] إليه منها في مواضعه، إن شاء ~~الله، عز وجل. # وأما الخصوص فالنظر في: لفظه، وحده، وأدواته، وحكمه: # أما لفظه: فهو مصدر «خص يخص خصوصا» وهو مقابل العموم. # وأما حده: فالخصوص: تعيين فرد أفراد بحكم؛ نحو: {محمد رسول الله} (29) ~~[الفتح: 29]. # {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا} (37) [الأحزاب: 37]. # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~ذلك الفوز العظيم} (100) [التوبة: 100]. # وقد يكون الخاص عاما بالنسبة إلى جهة أخرى؛ نحو: {محمد رسول الله والذين ~~معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ ~~بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} ~~(29) [الفتح: 29] خصوص بالنسبة إلى صحبته ومعيته، وعموم النسبة إلى مجموع ~~أفرادهم. # والخاص: ما عين بحكم وأفرد به دون غيره. PageV01P026 # والتخصيص لغة: هو ذلك التعيين، وهو مرادف للخصوص؛ كالتعميم المرادف ~~للعموم؛ فهما مصدران أو شبيه بهما. # واصطلاحا: هو بيان المراد باللفظ العام؛ كما إذا قال: «أكرم الرجال» ثم ~~قال: «تكرم زيدا» تبين أن مراده بالرجال من عدا زيدا. # وقيل: هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ، ms015 أو بيان ما صح أن يتناوله. # وأما أدوات التخصيص-أي ما يخص به العام-فهو: متصل، ومنفصل، وبناء عام على ~~خاص. فالمتصل: استثناء، وشرط، وغاية، وصفة. # فالاستثناء: إخراج بعض الجملة بلفظ «إلا» أو ما في معناها؛ نحو: {ولقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ~~ظالمون} (14) [العنكبوت: 14]. # والشرط: نحو: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ~~وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} (6) [الطلاق: 6] ~~وأنت طالق إن دخلت الدار/ [6/ب/م]. # والغاية: نحو [قوله تعالى]: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك ~~حدود الله يبينها لقوم يعلمون} (230) [البقرة: 230]. # و{ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن ~~حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين} (222) [البقرة: 222]. # و{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد} PageV01P027 # ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) [المائدة: 6]. # والصفة: نحو: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} ~~[12/ل]. . . [التوبة: 112]. # و«أكرم الرجال العلماء الشرفاء الفضلاء». # والمنفصل: عقل، وحس، وسمع. # فالعقل: نحو: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} (62) [الزمر: 62] ~~خص بالعقل ذاته عز وجل-وصفاته القائمة بها. # والحس: نحو: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك ~~نجزي القوم المجرمين} (25) [الأحقاف: 25]. # و{إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} (23) [النمل: ~~23] مع أن هناك أشياء ms016 محسوسة لم تدخل في هذا العموم؛ كالسموات والأرضين ~~وملك سليمان. # والسمع: كتخصيص الكتاب والسنة بمثليهما على تفصيل فيه؛ نحو: # {*والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما} (24) [النساء: 24] خص بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» (1). # وبناء العام على الخاص: هو أن يتعارض دليلان، فيعمل بالخاص في خصوصه، ~~وبالعام فيما عدا صورة التخصيص؛ نحو: «فيما سقت السماء العشر» (2) خص منه ~~ما دون خمسة PageV01P028 # أوسق بالحديث الآخر، وتجب الزكاة فيما زاد على ذلك؛ لأن الخاص أقوى ~~دلالة، فالعمل به وبالعام فيما عداه استعمال للدليلين، وإلغاء الخاص ترك ~~لأقوى الدليلين، وهو غير جائز. فالأول متعين. # وفي هذا المقام تفصيل وخلاف مذكور في أصول الفقه، نذكر منه إن شاء الله- ~~عز وجل-ما نحتاج إليه في مواضعه. # وأما حكم الخصوص: فهو ما ذكرناه من العمل به مقدما على العام، إلا حيث دل ~~الدليل على أن المراد بالخاص العام. # وقد ذكر بعض العلماء أن كلام العرب لا يخلو من أربعة أقسام: إما عام يراد ~~به العام؛ نحو: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} (29) [البقرة: 29]. # أو خاص يراد به الخاص؛ نحو {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون} (33) [البقرة: 33]. # {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا} ~~(46) [مريم: # 46]. # {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا وكان أمر الله ms017 مفعولا} (37) [الأحزاب: 37] ونحوه. # أو عام يراد به الخاص؛ نحو: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} (173) [آل عمران: ~~173]. PageV01P029 # أو خاص يراد به العام؛ نحو: {*وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ~~وقل لهما قولا كريما} (23) [الإسراء: 23]؛ إذ ليس المراد النهي عن خصوص ~~التأفيف لا غير، بل وعن جميع أنواع أذاهما. # وتعرف هذه الأقسام بالدليل، وهذه قاعدة نفيسة عامة تجب مراعاتها، وإذ قد ~~فرغنا من قاعدة العموم والخصوص، فنحن-إن شاء الله، عز وجل-كلما مررنا بلفظ ~~عام وجهنا عمومه إن احتاج إلى ذلك، ثم بينا أنه باق على عمومه، أو خص بشيء، ~~وبماذا خص، وفيم خص، وفي ذلك فوائد جمة، كل ذلك بحسب الإمكان، إن شاء الله ~~عز وجل، وهو المستعان. # وكذلك كلما مررت بمسألة أصولية بينت أنها من أي أقسام ذلك الفن هي؛ إن ~~كانت من أصول الدين بينت أنها من مسائل الإيمان بالله-عز وجل-/ [7 أ/م]، أو ~~ملائكته أو كتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو القدر. وإن كانت من أصول ~~الفقه بينت أنها من مسائل الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس أو غيرها. ~~ومهما استوفيت الكلام على مسألة ثم تكررت أحلت بها على ما مضى، إلا أن ~~يتضمن التكرار فائدة/ [13/ل] زائدة، فأذكرها إن شاء الله عز وجل. # وإنما رتبت هذا التعليق على ترتيب القرآن العزيز لوجوه: # أحدها: التبرك بترتيبه. # الثاني: أنه أضبط وأجدر بالإتيان على جميع المطالب المذكورة من القرآن. # الثالث: أن ذلك أنشط للناظر فيه؛ إذ يخرج من فن إلى غيره ومن مسألة إلى ~~غيرها، فهو شبيه بما قصده الحريري (1) في مقاماته من الإحماض حيث قال: «وما ~~قصدت بالإحماض فيه، إلا تنشيط قارئيه». وإن كمل هذا التعليق-إن شاء الله عز ~~وجل- رجوت أن يكون دستورا نافعا، ولجملة صالحة من المطالب النفسية جامعا، ~~إن شاء الله عز وجل. هذا آخر المقدمة. # ... PageV01P030 ### | AUTO القول في ms018 الفاتحة # {الحمد لله رب العالمين} (2) [الفاتحة: 2]. # الرب: قيل: هو المالك. # وقيل: السيد. # وقيل: المربي والمصلح. # ويجوز أن يكون الخالق؛ لقوله-عز وجل-: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء ~~وكيل} (62) [الزمر: 62] خالق كل شيء ففسر «الرب» في موضع، بالخالق في آخر. # والعالمون: جمع عالم، وهو ما سوى الله-عز وجل-إن اشتققناه من العلامة إذ ~~هو علامة على جود صانعه، ومختص بذوي العلم كالملائكة والجن والإنس، إن ~~اشتققناه من العلم. # ويقال: إن لله-عز وجل-تسعين ألف عالم كل عالم كالدنيا وما فيها. # وقيل: ألف عالم، أربعمائة منها في البر، وستمائة في البحر. وإضافة «رب» ~~إلى العالمين إشارة إلى أمور: # أحدها: كمال نعمته التي استحق بها الحمد؛ إذ [العالمون] جزء من نعمته، ~~كما قال: # له أياد إلي سابقة ... أعد منها ولا أعددها # الثاني: إشارة إلى كمال قدرته؛ لأن العالمين خلق عظيم، فالقدرة الموجدة ~~لهم أعظم بالضرورة. # الثالث: إشارة إلى أنه خالق العالم وصانعه القديم، وهذا هو المقصود من ~~هذه الآية، وهي مسألة وجود الصانع، وهي من مسائل أصول الدين، والاستدلال ~~فيها بوجود الأثر على المؤثر. # وتقريره: أن العالم حقيقة موجودة بالحس، فالمؤثر في وجوده: إما جملته، أو ~~ما هو داخل فيها، أو ما هو خارج عنها، والأول والثاني باطلان فتعين الثالث، ~~أما بطلان الأول فلاستحالة إيجاد الشيء نفسه؛ لأنه من حيث هو مؤثر يقتضي ~~أنه موجود؛ إذا المعدوم لا تأثير له، ومن حيث هو أثر يقتضي أنه معدوم؛ إذ ~~الموجود لا يقبل الوجود؛ لاستحالة تحصيل الحاصل. فلو كان العالم موجدا ~~لنفسه لزم أن يكون موجودا معدوما في حالة/ [8 ب/م] واحدة وإنه محال. PageV01P031 # [والثاني باطل؛ لأن] الموجد للعالم لو كان جزؤه الداخل في حقيقته لكان ~~ذلك الجزء موجدا لنفسه، ويلزم المحال/ [14/ل] بعينه. # وإذا تعين أن الموجد للعالم خارج عن حقيقته، فذلك الخارج: إما قديم، ~~[وإما] حادث، فإن كان قديما فهو المطلوب، وإن كان حادثا فالموجد له إن كان ~~هو العالم لزم الدور؛ لتوقف كل واحد منهما على الآخر. وإن كان غير العالم: ~~فإن ms019 انتهى إلى قديم فهو المطلوب، وإلا لزم التسلسل، وهو محال. # وهذه مسألة انتظمت الدلالة على وجود الصانع وقدمه، ولها مواقع أخر ربما ~~تذكر فيها، إن شاء الله عز وجل. # قوله-عز وجل-: {الرحمن الرحيم} (3) [الفاتحة: 3]: اعلم أن الكلام في ~~الله- عز وجل-في أصول الدين: إما في ذاته أو صفاته، أو أفعاله، والكلام ~~هاهنا من قبيل الكلام في الصفات، ف {الرحمن الرحيم} (3) [الفاتحة: 3] مشتق ~~من الرحمة، وقد اختلف فيها: فقيل: هي صفة فعلية بمعنى الإحسان إلى الخلق، ~~والإحسان مخلوق لا يقوم بذاته-عز وجل-لاستحالة قيام الحادث بالقديم؛ يقال: ~~رحم الطبيب المريض: إذا عالجه؛ لأن علاجه له إحسان إليه. # وقيل: الرحمة صفة ذاتية؛ أي: معنى قائم بذاته-عز وجل-كالعلم. # وقد اختلف الناس في هذا، وأن الله عز وجل-هل يجوز أن يقوم به صفات زائدة ~~على مفهوم ذاته، وللكلام في ذلك موطن هو أليق به من هذا، والمقصود فيه أصرح. # ثم اختلف في أيهما أبلغ: فقيل: الرحمن؛ لأن بناء «فعلان» للمبالغة؛ نحو: ~~غضبان للممتلئ غضبا، ونحوه. # وقيل: الرحيم؛ لأنه عدل به عن «فاعل» إلى «فعيل» وهو عدول عن صيغة الفاعل ~~إلى بناء المفعول؛ فكان أبلغ، كما عدلوا عن عالم وقادر إلى عليم وقدير، وعن ~~خاطب إلى خطيب، وعن قول بالغ إلى بليغ. # ولأن العرب إذا أرادت المبالغة عدلت بالشيء إلى ضده، تنبيها على شدة ~~التفاوت بين المعدول والمعدول عنه؛ كما عدلوا في «عالم» إلى «علامة» بلفظ ~~المؤنث، وفي «امرأة صابرة» إلى «صبور» بإسقاط علامة التأنيث وقالوا للغراب: ~~أعور؛ لحدة بصره، و «رحم» إنما اسم الفاعل منه «راحم» فالعدول به إلى ~~«رحيم» على «فعيل» الذي أصله للمفعول يدل على ما ذكرناه من المبالغة. PageV01P032 # وهذا ونحوه وإن كان خارجا عن الأصول، إلا أنها فوائد مستطردة، فلا ~~تنكرنها. # قوله-عز وجل-: {مالك يوم الدين} (4) [الفاتحة: 4] هذا من مسائل اليوم ~~الآخر؛ إذ معناه: مالك يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وفيه مباحث تؤخر إلى ~~الموضع الأليق بها، إن شاء الله، عز وجل. # قوله-عز وجل-: {إياك نعبد وإياك نستعين} (5) [الفاتحة: 5] البحث في هذا ~~يتعلق ms020 بالقدر، وهاهنا سؤال؛ وهو أن قولهم: «نعبد» يقتضي/ [15/ل] [9 أ/م] ~~تمكنهم من فعل العبادة؛ لإضافتهم إياه إلى أنفسهم بصيغة «نفعل». # وقولهم: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] يقتضي عجزهم عنه بدون إعانته لهم، ~~وذلك ينافي تمكنهم واستقلالهم به، المستفاد من قولهم: «نعبد» وهو تناقض؟ ! # والجواب: أما على رأي الكسبية فالمراد: إياك نعبد كسبا، وإياك نستعين على ~~العبادة خلقا لها منك فينا. # وأما على رأي المعتزلة فالمراد: إياك نعبد بخلقنا لأفعال العبادة، وإياك ~~نستعين بأن تمدنا بألطافك من خلق دواعي العبادة، ونفي الصوارف عنها. # وعلى رأي المجبرة: إياك نعبد بظاهر حركاتنا، وإياك نستعين بإجبارك لنا ~~عليها وخلقك لها فينا. # قوله-عز وجل- {اهدنا الصراط المستقيم} (6) [الفاتحة: 6]. # إن قيل: إن كانوا مهتدين فسؤالهم الهداية تحصيل الحاصل، وإن كانوا غير ~~مهتدين كان ذلك مناقضا لقولهم: {إياك نعبد وإياك نستعين} (5) [الفاتحة: 5]. # والجواب: أنهم لم يسألوا أصل الهداية بل الدوام والاستمرار عليها، فهو من باب: # {يا أيها النبي اتق الله} [الأحزاب: 1] أي: دم على تقواه، و «أنا مؤمن إن ~~شاء الله» أي: # أدوم على الإيمان إن شاء الله، عز وجل. # ثم قولهم: (اهدنا) يقتضي أن لا هادي إلا الله-عز وجل-، ويحتج بها على ~~القدرية، وهي قوية عليهم، وهم يجيبون عنها بأن المراد: أعنا على أن نهدي ~~أنفسنا بإمدادك لنا باللطف، وهو أمر من أمر الله-عز وجل-إذا فعله بالعبد ~~كان أقرب إلى الهدى، وإذا منعه إياه كان أقرب إلى الضلال. # أما حقيقة الهدى والضلال فالعبد يفعلهما لنفسه عندهم، وتأويلهم للآية ~~بعيد؛ فهي PageV01P033 # إذن عليهم لا لهم. # أما الكلام في اللطف فموضعه غير هاهنا إن شاء الله؛ عز وجل. # قوله عز وجل: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~(7) [الفاتحة: 7] متردد بين الفريقين؛ لأن الجمهور يقولون: أنعمت عليهم ~~بخلق الهداية فيهم. # والقدرية يقولون: أنعمت عليهم بإمدادهم بالألطاف حتى اهتدوا بأنفسهم. # والمختار أن المعنى: أنعمت عليهم برضاك فوفقتهم لهداك، بدليل مقابلة ~~{أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] ب {المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] والرضا يقابل الغضب. # قوله-عز وجل-: {ولا الضالين} (7) [الفاتحة: 7] يتمسك به القدرية على ms021 أن ~~الكافر والعاصي هو يضل نفسه، لأنه نسب الضلال إليهم بصيغة اسم الفاعل الذي ~~تصريفه: ضل يضل، فهو ضال. # وجواب الجمهور عنه: إنما نسب إليهم لأنهم كسبوه، أو لأنه ظهر على أدواتهم ~~ظاهرا، وإن جبروا عليه باطنا، أو لأنهم لو فوض إليهم وتركوا واختيارهم ~~لفعلوه. # هذا كله يتعلق بمسائل القدر. # ... PageV01P034 ### | AUTO القول في سورة البقرة # قوله عز وجل: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} (3) [البقرة: 2، 3]. # [16/ل] يتمسك به القدرية على عكس تمسكهم ب {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} (7) [الفاتحة: 7] وهو أنه نسب التقوى والإيمان ~~إليهم نسبة الفعل إلى الفاعل/ [8 ب/م] فاقتضى أن لا جبر. # ويجاب عنه بنحو ما سبق؛ من أنه أضيف إليهم؛ لأنه كسبهم، أو هم محل ظهوره، ~~أو لأنه لو فوض إليهم لفعلوه، على ما سبق في قاعدته، وهذا سؤال وجواب عامان ~~في كل فعل نسب إلى المخلوقين، فاعرفه فتكراره في كل مواطنه يصعب، وربما ~~حادثناك به المرة بعد المرة تذكرة بهذه القاعدة. # قوله-عز وجل- {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} ~~(3) [البقرة: 3] هذه من مسائل الأرزاق والآجال، وهو تابع لباب القدر. # واحتج بها المعتزلة على أن الحرام ليس من رزق الله-عز وجل-بل العبد يرزقه نفسه. # وتقريره: أن المنفق من رزق الله عز وجل-ممدوح بهذه الآية، والمنفق من ~~الحرام ليس بممدوح بالإجماع؛ ولأن الحرام لا يملك، فالمنفق منه فضولي في ~~إنفاقه، والفضولي مذموم؛ ينتج أن المنفق من رزق الله ليس بمنفق من الحرام، ~~وينعكس كليا أو جزئيا: المنفق من الحرام ليس بمنفق من رزق الله عز وجل وهو ~~يستلزم المطلوب. # ويمكن تقريره بأبين من هذا؛ وهو أن المنفق من الحرام: إما ممدوح، وهو ~~خلاف الإجماع، أو مذموم؛ فهو غير منفق من رزق الله-عز وجل-إذ هذا ممدوح ~~وذاك مذموم؛ فهذا غير ذاك. # والجواب: أن المنفق من الحرام مذموم من جهة اكتساب الحرام، ممدوح من جهة ~~الإنفاق والبذل، وحينئذ إن أردتم أنه ليس بممدوح من جهة ms022 كسب الحرام، سلمناه ~~ولكن لا ينتج قياسكم لعدم اتحاد الأوسط فيه، وإن أردتم أنه ليس بممدوح من ~~جهة الإنفاق، منعنا ذلك؛ فلا يتم دليلكم. وأما كونه فضوليا مذموما، فإنما ~~ذلك من جهة تصرفه في ملك الغير بالإنفاق، لا من جهة نفس الإنفاق. PageV01P035 # وحجة الجمهور على أن الحرام من رزق الله-عز وجل-كالحلال-عموم الآيات-: # {*وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل ~~في كتاب مبين} (6) [هود 6]. # و{وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} ~~(60) [العنكبوت: 60]. # {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (58) [الذاريات: 58]. # {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} (15) [سبأ: 15] مع قضاء العادة بأنهم لم ~~يسلموا من أكل الحرام؛ أعني: قوم سبأ، مع كثرتهم وكفرهم. ولأن الحلال لو ~~كان شرطا في رزق الله-عز وجل-لما كانت البهائم في رزقه، إذ لا حلال في حقها ~~ولا ملك لها. # قوله-عز وجل-: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة ~~هم يوقنون} (4) [البقرة: 4] هذه من مسائل الكتب، وهي تقتضي صحة الكتب ~~المنزلة على الأنبياء لا الكتب المحرفة المبدلة؛ كالتوراة التي بأيدي ~~اليهود، والإنجيل الذي بأيدي النصارى؛ إذ الإيمان بما ليس بصحيح لا يمدح ~~أهله. ولم يرد الأمر قط إلا بالمنزل؛ لأنه سالم عن التحريف. / [17/ل] و ~~{*ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} ~~(46) [العنكبوت: 46]. # وتقتضي أيضا أن كلام الله-عز وجل-وكتبه المنزلة متساوية في الإيمان بها، ~~وإن تفاوتت في الأحكام والشرائع، ويتعلق بهذا بحث وكلام يذكر بعد، إن شاء ~~الله عز وجل. # قوله سبحانه وتعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون} (4) [البقرة: 4] يتعلق بأحكام اليوم الآخر. وهو يقتضي ~~مدح المؤمن به، وله تفاصيل. [9 أ/م]. # قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} (5) [البقرة: 5] ~~هذه من ms023 مسائل القدر، يحتج به الجمهور على أن هدى المهتدين من الله؛ أي: ~~بفضله وخلقه. PageV01P036 # ويجيب القدرية بأن معنى كون الهدى من ربهم أنه بسبب إلطافه بهم وتوفيقهم، ~~لا أنه خلقه فيهم، وهو خلاف الظاهر. # قوله-عز وجل-: {ختم الله على قلوبهم} هو عند الجمهور بخلق الكفر فيها ~~فتبقى كالوعاء المختوم لا يدخلها الإيمان. # وقيل: القلب جسم مجوف، ونور العقل والمعرفة ينزل عليه من الدماغ ما دام ~~مفتوحا، فإذا طبع عليه بما شاء الله-عز وجل-امتنع نور المعرفة من الدخول ~~فيه، فأظلم وضل. # والختم عند المعتزلة [إما بمنع] اللطف أو بتسمية العبد مختوما على قلبه. ~~وهو بعيد جدا لا يعول على مثله. # والختم على القلب ألا يعقل فيؤمن، وعلى السمع ألا يسمع فيعقل، وعلى البصر ~~ألا ينظر في آيات الله-عز وجل-وعجائب الملكوت فيعتبر. # قوله-عز وجل-: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} اختلف في الأعمال طاعة ~~ومعصية؛ هل هي علة للجزاء: ثوابا وعقابا، أو سبب لا علة موجبة؟ . # قالت المعتزلة بالأول، والجمهور بالثاني، والآية محتملة لهما؛ لأن قولك: ~~«عذبت زيدا بكذبه، وضربته بسوء أدبه» يحتمل العلية والسببية، والفرق بينهما ~~أن العلة موجبة لمعلولها بخلاف السبب لمسببه فهو كالأمارة عليه. # ومن هاهنا اختلف في الحج عن الغير لعذر، هل يصح أم لا؟ فمن رأى العمل علة قال: # لا يصح؛ لأن عمل زيد لا يكون علة لبراءة ذمة عمرو، أو لحصول الثواب له. ~~ومن رآه سببا قال: يصح؛ لأن عمل زيد جاز أن يكون سببا لبراءة ذمة عمرو، ~~وعلما على حصول الأجر له. # قوله-عز وجل-: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون} (21) [البقرة: 21]، قيل: هذا إشارة إلى حدوث العالم وقدم ~~الصانع، وتقريره: أن هؤلاء الكفار قد سلموا أنهم مخلوقون؛ لقوله عز وجل: ~~{ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} (87) [الزخرف: 87] فالخالق ~~لهم: إما أنفسهم، وهو محال؛ لما مر، أو غيرهم. وذلك الغير: إما من قبلهم من ~~الأمم، أو غيرهم، والأول باطل؛ لأن الخالق لمن قبلهم إن كان هؤلاء ~~المخاطبين لزم ms024 الدور، أو غيرهم من الأمم ذاهبا إلى غير النهاية لزم ~~التسلسل. PageV01P037 # والثاني: وهو أن الخالق لهم غير الأمم قبلهم-فذلك الغير: / [18/ل] إما ~~قديم وهو المطلوب، أو حادث: فإن أثر فيه بعض مخلوقاته لزم الدور، أو مؤثر ~~آخر لزم التسلسل. # وحاصله: أنكم ومن قبلكم مخلوقون، فلا بد لكم من خالق قديم: «فالخالق»: ~~احتراز من التعطيل، و «القديم» احتراز من لزوم الدور والتسلسل. # فائدة: # الدور: توقف وجود الشيء على نفسه: إما بغير واسطة، أو بواسطة متحدة؛ ~~كتوقف «أ» على «ب» و «ب» على «أ» أو متعددة، إما متناهية؛ كتوقف «أ» / ~~[9/ب/م] على «ب» و «ب» على «ج» و «ج» على «د»، و «د» على «ه»، [و «ه» على ~~«أ»] أو غير متناهية؛ كتوقف «ه» على «ز»، وتوقف «ز» على «ح» وهلم جرا، إلى ~~غير النهاية، وهو محال. # والتسلسل: تعلق كل سبب بآخر قبله وتوقفه عليه، إلى غير النهاية، وهو محال. # وعلى حدوث العالم ووجود الصانع أسئلة يأتي منها ما اعترض لنا، إن شاء ~~الله عز وجل. # قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} (22) ~~[البقرة: 22]، فيه تنبيه على كيفية النظر، وكيفيته تستدعي تحققه ووجوبه، ~~وسيأتي بيانه -إن شاء الله عز وجل-وقد سبق حد النظر، وهو يفضي في وجود ~~الصانع وحدوث العالم إلى ما سبق من الاستدلال بدليل الدور والتسلسل، وقد ~~احتج النبي صلى الله عليه وسلم بهما، إذ قيل له حين قال: «لا عدوى» -: يا ~~رسول الله، ما بال الإبل-تكون كالظباء فيخالطها البعير الأجرب فتجرب؟ قال: ~~«فمن أعدى الأول؟ ! » (1) يعني: لو كان كل أجرب يستدعي أجرب يعديه لزم ~~تسلسل الجربى، لكنه باطل بالعيان؛ إذ البعير الأول لم يستدع أجرب يعديه. # أو يقال: لو كانت العدوى لازمة، لكان البعير الأول: إما أن تعديه الإبل ~~التي أعداها هو؛ فيلزم الدور، أو غيره فيلزم التسلسل. وانظر إلى قوله-عليه ~~الصلاة والسلام-: «فمن أعدى الأول؟ » مع قوله عز وجل-: {أفعيينا ms025 بالخلق ~~الأول بل هم في لبس من خلق} PageV01P038 # {جديد} (15) [ق: 15] كيف [كان] كل منهما ثلاث كلمات تضمنت دليلا عقليا ~~عظيما أسهب في تقريره المتكلمون، وذلك دليل على تشابه الكلامين، وأنه عليه- ~~الصلاة والسلام-مؤيد من العلي الأعلى ما ينطق عن الهوى. # قوله-عز وجل-: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} (23) [البقرة: 23]. # هذه من مسائل النبوات، وهي تتضمن إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بتقريره معجزه وهو القرآن، وتقرير الدليل: أن محمدا صلى الله عليه وسلم لو ~~[كان كاذبا] في دعوى النبوة لأمكنكم أن تعارضوا معجزه-وهو القرآن-ولو بسورة ~~منه، لكن لا يمكنكم معارضته؛ فيلزم أنه ليس بكاذب؛ فهو إذن صادق. # وقوله-عز وجل-: {على عبدنا} [البقرة: 23] أي: من مثل محمد-عليه الصلاة ~~والسلام-تنبيه على وجه صدقه؛ وهو أن صدور مثل هذا الكلام المعجز للخلق عن ~~أمي لا يقرأ ولا يكتب، يدل على صدقه قطعا؛ كما أن/ [20/ل] قلب العصاحية ~~وإحياء الموتى، ممن لم يشتغل بعلم السحر ولا الطلب، يدل على صدقه. # وقوله: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين} (24) [البقرة: 24] معجز معترض في هذا الاستدلال؛ ~~لأنه إخبار عن غيب، بأنهم لا يعارضون القرآن، وكان كما قال. ولقد كان هذا ~~مما يقوي دواعيهم على تعاطي المعارضة، فلو قدروا عليها لفعلوها، ثم لكذبوه ~~في خبره، وقالوا: زعمت أنا لن نفعل وها نحن قد فعلنا؛ فلما لم يعارضوه مع ~~توفر الدواعي على المعارضة، دل على العجز والإعجاز. # قوله عز وجل: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين} (24) [البقرة: 24]. # مع قوله عز وجل: {*وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين} (133) [آل عمران: 133]. # يحتج بهما على وجود الجنة والنار في الخارج، خلافا للمعتزلة؛ إذ قالوا: ~~إنما هما موجودتان في العلم لا في الخارج. # حجة الجمهور: هذا النص؛ إذ المعدوم لا يقال له: «أعد» فهو معد؛ ولأنه قد ~~ثبت أن PageV01P039 # آدم-عليه ms026 السلام-دخل الجنة ثم أخرج منها (1) وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، (2) وأن أرواح الشهداء في حواصل طير ~~في الجنة (3). # احتج الخصم بأن الحاجة إليهما إنما هي في الآخرة، فإيجادهما قبلها عبث. # وأجيب بالمنع، بل في ذلك ترغيب وترهيب كآلات العقوبة؛ كالصلابة ونحوها، ~~يعدها السلطان ترهيبا للأشرار، وآلات الثواب والإنعام ترغيبا للأخيار. # قوله-عز وجل-: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ~~وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون} (25) [البقرة: 25]. # يقتضي أن المعاد جسماني فيه أكل ثمار ونكاح أزواج، خلافا للفلاسفة ~~والنصارى القائلين بأن المعاد روحاني، لا أكل فيه ولا نكاح، وإنما الثواب ~~والعقاب هناك بالقرب من الله-عز وجل-والبعد منه، أو بالتذاذ النفس بالعقائد ~~الحقة وتجردها عن الهيئات الطبيعية الرذيلة وتألمها بخلاف ذلك. # فالجواب: أن هذا بناء منهم على استحالة إعادة الأجسام، وسيأتي الكلام ~~معهم فيه، إن شاء الله-عز وجل-فإذا ثبت المعاد الجسماني جاز وجود الأكل ~~وغيره من لواحق الطبيعة، وقد أخبر به الشرع؛ فكان واجب الوقوع سمعا، ولأن ~~أولياء الله-عز وجل- تعبدوا له بترك الملاذ والشهوات، والحكمة تقتضي ~~تعويضهم عنها بمثلها أو خير منها من جنسها، وعلى هذا كلام ربما ذكرناه بعد، ~~إن شاء الله-عز وجل. # قوله عز وجل: {*إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما ~~الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا} PageV01P040 # {الفاسقين} (26) [البقرة: 26]. # مع قوله عز وجل: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر} (31) [المدثر: 31] يقتضي أنه-عز وجل- يشاء ~~إضلال بعض الخلق ويفعله، خلافا للمعتزلة، ولهم عن هذا ونحوه من كل موضع نسب ~~الله عز وجل فيه الإضلال إلى نفسه جوابان: # أحدهما: أن هذه ظواهر سمعية؛ / [21/ل] فلا يعارض القواطع ms027 العقلية ~~[العدلية]- زعموا-عندهم. # والثاني: أن: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون} (93) [النحل: 93] يحتمل أنه بمنع الإلطاف، ~~ويحتمل أنه بمعنى أصابه ضالا؛ كما يقال: أضللت دابتي: أصبتها ضالة، وأبخلت ~~زيدا، وأجبنته؛ أي: أصبته بخيلا جبانا. # ويحتمل أن يضله بخلق الإضلال فيه، كما زعم الجبرية. وإذا تطرق إليه ~~التأويل واحتمال الأمرين، عاد مجملا لا حجة فيه. # والصواب أن هذه العبارة ونحوها قواطع في غالب مواقعها؛ فلا يسمع ما ذكروه ~~من/ [10/ب/م] التأويل البعيد. # قوله عز وجل: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون} (28) [البقرة: 28]. أي: كنتم معدومين عدما أصليا، ~~فأوجدكم. # وقيل: كنتم نطفا فجعلكم أحياء، ثم يميتكم الموت الطبيعي المشهور الذي ~~يترقبه الأحياء، ثم يحييكم بالإعادة في الآخرة. # وفي هذا إشارة إلى إثبات إعادة الخلق بعد الموت، بالقياس على إبدائه بعد ~~العدم الأصلي وأولى؛ لأن الإعادة تكون بعد وجود خارجي محقق، والإبداء إنما ~~كان بعد عدم أصلي ليس بوجود محقق، سواء قيل: إن المعدوم شيء-على رأي ~~المعتزلة-أو ليس بشيء، على رأي الجمهور. # وإلى هذه الأولوية أشار عز وجل بقوله: {وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~وهو} PageV01P041 # أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ~~[الروم: 27] وهذه من مسائل اليوم الآخر. # قوله-عز وجل-: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} (29) [البقرة: 29] أي: لأجلكم ~~ومصلحتكم، وهذا إشارة إلى تعليل خلقه ما في الأرض بمصلحتهم وحاجتهم، وفي ~~كون أفعاله-عز وجل-وأحكامه معللة-بحث وخلاف له موضع أنسب من هذا يذكر فيه ~~إن شاء الله عز وجل. # قوله-عز وجل-: {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] هذا عام لم يخص بشيء ~~أصلا؛ لتعلق علمه عز وجل [بالمواد الثلاث: مادة] الواجب، والممكن والممتنع، ~~بخلاف قوله-عز وجل-: {يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء ms028 ~~قدير} (20) [البقرة: 20] فإنه عام مخصوص بالمحالات، والواجبات التي لا تدخل ~~تحت المقدورية؛ كالجمع بين الضدين، وكخلق ذاته وصفاته وأشباه ذلك. # واعلم أني سهوت عن ذكر جزئيات العموم والخصوص إلى هاهنا، وأنا عائد ~~فمستدركها من أول الفاتحة، إن شاء الله عز وجل. # فمنها: (الحمد الله) هو عام؛ أي: جنس الحمد، وكل حمد ممكن وجوده فهو ~~مستحق لله-عز وجل-لأن النعم لما كانت كلها منه كان الحمد كله له. وهذا على ~~عمومه، لم يخص. # ومنها: {الحمد لله رب العالمين} (2) [الفاتحة: 2] أي: رب كل شيء، كما نص ~~عليه في موضع آخر، وهو على عمومه. # ومنها: {مالك يوم الدين} (4) [الفاتحة: 4] أي: المتصرف في جميع ذلك اليوم ~~وما بعده. # ومنها: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (7) ~~[الفاتحة: 7] هو عام في المنعم عليهم، لم يخص. # وكذا {المغضوب عليهم ولا الضالين} (7) [الفاتحة: 7]. PageV01P042 # ومنها: {هدى للمتقين} (2) [البقرة: 2] وصفاتهم المذكورة بعد. # ومنها: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} (6) ~~[البقرة: 6] عام في الكفار، لكن المراد به خاص؛ وهم الكفار الذين سبق في ~~علم الله- عز وجل-أنه يموتون كفارا؛ نحو: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما ~~لهم من ناصرين} (91) [آل عمران: 91]، {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا ~~يؤمنون} (96) [يونس: 96] / [22/ل] ونحوه. # ودليل هذا التخصيص أنه ليس جميع الكفار الذين نزلت هذه الآية في زمانهم، ~~انتفى إيمانهم، بل آمن بعد نزول الآية كثير منهم؛ فلهذا قلنا: إنه أريد به ~~التخصيص؛ لئلا يخالف الخبر المخبر، اللهم إلا [11/م] أن يكون (الذين كفروا) ~~لقوم معهودين؛ فلا يحتاج إلى التخصيص. # ومنها: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} (8) ~~[البقرة: 8] أي: ما لهم إيمان، فهو نكرة في سياق النفي فتعم، وينفي جميع ~~أفراد الإيمان. # [فإن قيل: الإيمان] حقيقة واحدة بسيطة لا تعدد فيها حتى يلحقها العموم في ~~النفي، بخلاف: «لا رجل» لأجل التعدد في جنسه. # قلنا: الإيمان هو التصديق، وهو ms029 كلي تتعدد جزئياته بتعدد متعلقاتها؛ فمنها ~~تصديق بالله- عز وجل-وتصديق بملائكته، وتصديق برسله، وتصديق بكتبه، وتصديق ~~باليوم الآخر، فقوله -عز وجل-: {ومن الناس} [البقرة: 8] تضمن نفي كل فرد من ~~هذه التصديقات. # ومنها: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} ~~(9) [البقرة: 9] أي: والمؤمنين، إن كانوا معهودين فلا إشكال، وإلا فهو عام ~~في جميع المؤمنين، فيحتمل أنه لم يخص؛ لعموم مخادعة الكفار لهم، ويحتمل أنه ~~خص بقوم لم يقصد المنافقون خداعهم؛ إما تعظيما لهم أو يأسا منهم. # ومنها: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا ~~إنا معكم إنما نحن مستهزؤن} (14) [البقرة: 14] والقول فيها كالتي قبلها. PageV01P043 # ومنها: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] يحتمل أنهم من شياطين ~~معهودة، ويحتمل أنه عام في جميع شياطينهم من الإنس والجن أو أحدهما، ثم ~~يحتمل أنه خص ببعض الشياطين فلم يمكنهم الخلوة به لغيبة أو مرض أو نحوه من ~~الأسباب. ويحتمل أنه لم يخص بأحد منهم. # ومنها: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا ~~مهتدين} (16) [البقرة: 16] يحتمل أن المراد بالضلالة جنس الضلال، اشتروه ~~بجنس الهدى، عاما بعام، ويحتمل ضلالة واحدة؛ أي: فرد من أفراد جنس الضلال؛ ~~كالتمرة الواحدة من التمر اشتروها بجنس الهدى، وهو أبلغ في غبنهم وخسارتهم؛ ~~إذ أخذوا فردا من أفراد الضلال وأعطوا جميع أفراد الهدى؛ كمن يأخذ حجرا ~~واحدا من أفراد الحجارة ويعطى جميع أفراد الدنانير. وهو على الأول عام جار ~~على عمومه. # ومنها: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] أي: ما حصل فيها ربح فهو عام في ~~نفي الربح، وكذا: {وما كانوا مهتدين} (16) [البقرة: 16] عام في نفي هداهم؛ أي: # وما كان لهم هدى. # ومنها: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون} (17) [البقرة: 17] عام في جميع ما حوله. ثم ~~احتمال تخصيصه بحسب الواقع خارجا أو ذهنا، إن كان ما حوله مكشوفا ليس فيه ~~ذو ظل يحجب الضوء عما يحاذيه، فلا تخصيص، وإلا خض منه ما يحاذي ذوات الظلال ms030 ~~فيما حوله. # مثاله: لو قدر فيما حوله من الأرض شجرة لم يحصل الضوء في ظلها فيكون ~~مخصوصا من عموم «أضاءت ما حوله». # ومنها: {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17] عام في جميع نورهم؛ لأنه اسم جنس ~~مضاف. / [23/ل]. # ومنها: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم ~~من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} (19) [البقرة: 19] يحتمل ~~العموم؛ لظاهر اللفظ، ويحتمل العهد؛ لأن أصله: والله محيط بهم، لكن وضع ~~الظاهر موضع الضمير ترهيبا. # ثم الضمير في «بهم» راجع إلى «من» في قوله-عز وجل-/ [11 ب/م]: {ومن} PageV01P044 # الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) [البقرة: 8] ~~وهي نكرة موصوفة لا عموم لها؛ أي: ومن الناس قوم يقولون: آمنا. وإذ لا عموم ~~لها فلا عموم للعائد إليها، وهو الضمير في: والله [بهم محيط]. # ومنها: {يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم ~~قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} (20) ~~[البقرة: 20]. # قيل: هو خاص بالممكنات، مخصوص بما عداها من الواجب والممتنع. # والتقدير: إن الله على كل شيء ممكن قدير؛ إذ غير الممكن لا يدخل تحت ~~القدرة. # ومنها: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون} (21) [البقرة: 21]. # قيل: هو عام أريد به خصوص أهل مكة. # وقيل: هو عام فيهم وفي غيرهم ممن شملته دعوة الإسلام، لكن مخصوص بمن لا ~~تلزمه العبادة كغير المكلفين. # وقد عرض هاهنا تنبيه حسن؛ وهو أن العام قد يكون (قار) الكمية، أي: لا ~~يلحقه زيادة ولا نقص؛ كقولنا: الوجود أو العالم ما كان منه وما يكون ممكن ~~أو مخلوق، وقد لا يكون كذلك بأن تلحقه الزيادة والنقص؛ نحو: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} (21) [البقرة: 21] ~~فإنه خطاب للمكلفين، وعام فيهم، ثم إنهم يزيدون بمن ينتقل إلى حال التكليف؛ ~~كالصبي يبلغ والمجنون يفيق، وينقصون؛ كالعاقل يجن والحي يموت. # ومنها: {من قبلكم} [البقرة: 21] هو عام في المخلوقين، هم والذين ms031 من قبلهم ~~من الأمم. # ومنها: {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} (22) ~~[البقرة: 22] عام في الأرض خص بالبحار ونحوها مما لا يفترشه الناس. # ومنها: {والسماء بناء} [البقرة: 22] أي: سقفا مبنيا فوقكم، مثل: {وجعلنا} PageV01P045 # السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) [الأنبياء: 32]، و {والسقف ~~المرفوع} (5) [الطور: 5] ثم يحتمل أنه على عمومه في السماء؛ لأن السماء مع ~~العالم كبيت واسع فيه ناس، وهو سقف مبنى عليهم. ويحتمل أن يخص في السماء ~~بما خرج عن سمت الأرض المسكونة منها؛ كالسماء المسامتة للربع الخراب من ~~الأرض [لا تعلق له بأهل المعمور منها بكونه سقفا لهم ولا بناء فوقهم، وصار ~~ذلك من السماء كالبحر الذي تعذر كونه فراشا من الأرض، وصار حقيقة الكلام: ~~الذي جعل لكم الأرض] التي يمكنكم التصرف عليها والاستقرار فراشا، والسماء ~~التي تسامتكم وتظلكم بناء. أو جعل الأرض التي تقلكم فراشا، والسماء التي ~~تظلكم بناء، والبحر لا يقلنا، وما لا يسامتنا من السماء لا يظلنا؛ فلا يكون ~~مرادا من لفظهما أو يكون مخصوصا منه. # ومنها: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} (23) [البقرة: 23] أي: من الذي ~~نزلناه، فهو عام في جميع المنزل لم يخص منه شيء؛ لأنه لم يؤمنوا منه بشيء. # ومنها: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين} (24) [البقرة: 24] عام أريد به الخاص، وهو الناس ~~العصاة، أو الكفار، وحجارة الكبريت، على ما ورد في التفسير. # ومنها: {أعدت للكافرين} (24) [البقرة: 24] عام أريد به الخاص، وهو من مات ~~على كفره، وإلا فكثير ممن كان كافرا وقت نزولها أسلم بعد ذلك، فخرج عن ~~العموم. # ومنها: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا ~~به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون} ms032 (25) [البقرة: 25] هو ~~عام فيهم أريد به/ [13 أ/م] الخاص، وهو من آمن وعمل/ [24/ل] جميع الصالحات ~~المأمور بها إلى الموت، ولا يخفى ما فيه من التقييد. # ومنها: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ~~آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله} PageV01P046 # بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) ~~[البقرة: 26]، {وأما الذين كفروا} [البقرة: 26] عام فيهم إن لم يرد بهم أو ~~ببعضهم معهود. # ومنها: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} (27) [البقرة: 27] لفظها عام، ~~فإن أريد فسادهم في كلها المجموعي من حيث هو كل فلا تخصيص، إذ من أفسد في ~~ذراع من الأرض، صدق أنه أفسد في الأرض بهذا الاعتبار. # وإن أريد فسادهم في كلية أجزائها أي في كل جزء منها، فهو مخصوص بكل جزء ~~منها لم يفسدوا فيه. # ومنها: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} (29) [البقرة: 29]، هو عام مؤكد ب (جميعا) ~~ثم يحتمل أن يكون مخصوصا بما ليس للمخاطبين مما في الأرض كعلف البهائم ~~ونحوه، ويحتمل إجراؤه على عمومه بأن يقال: علف البهائم ونحوه هو للمخاطبين ~~بواسطتها؛ لأن البهائم خلقت لهم، وعلفها خلق لها، والمخلوق للمخلوق للشيء ~~مخلوق لذلك الشيء. والعيان يشهد أن علف البهائم يصير لحما لها ولبنا، ثم ~~يأكله الناس. # قوله عز وجل: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ~~لا تعلمون} (30) [البقرة: 30] هو عام فيهم لم يخص، {ويسفك الدماء} [البقرة: ~~30] يحتمل أنه لتعريف الحقيقة، أو هو مجرد جمع لا للعموم، ويحتمل أنه [عام ~~خص] بالواقع بأن بني آدم لم يسفكوا كل دم. # ثم إن الناس اختلفوا في عصمة الملائكة؛ فأثبتها الجمهور ونفاها المعتزلة، ~~متمسكين ms033 من هذه القصة بوجوه: # أحدها: قولهم: (أتجعل فيها) وهو استفهام إنكار، واعتراض على الله-عز وجل- ~~وهو سوء أدب. # الثاني: قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك} PageV01P047 # ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) [البقرة: 30] وهو غيبة لبني ~~آدم، وقذف لهم رجما بالغيب. # الثالث: قولهم: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس} [البقرة: 30] وهو عجب منهم ~~بأعمالهم، ومن [منهم] على الله-عز وجل-بها، وكل هذه أفعال تنافي العصمة. # الرابع: أن إبليس وهاروت وماروت من رؤسائهم وقد علم ما كان منهم مما ~~ينافي العصمة فمن دونهم من الملائكة أولى. # الخامس: أن البشر أفضل من الملائكة عند كثير من الناس، ثم إنهم غير ~~معصومين، فالملائكة الذين هم مفضولون أولى. # واحتج الجمهور بوجوه: # أحدها: أن الملائكة رسل الله، لقوله-عز وجل-: {الحمد لله فاطر السماوات ~~والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما ~~يشاء إن الله على كل شيء قدير} (1) [فاطر: 1]. # {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير} (75) [الحج: ~~75]. ورسل الله-عز وجل-معصومون لقوله عز وجل: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين ~~أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} (124) [الأنعام: 124]. # الثاني: قوله-عز وجل-في وصفهم: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون} (6) [التحريم: 6] وهو معنى العصمة. / [25/ل] # الثالث: أن المنافي للعصمة هو المعاصي، و [هي] إنما تصدر عن الشهوة ~~والغضب، وهم مجردون عنهما؛ فكانوا معصومين/ [13 ب/م] عنها. # قالوا: وهذه الوجوه قواطع في عصمتهم، وما ذكره المعتزلة في نفيها ما بين ~~ممنوع أو ظاهر لا يعارض القاطع. PageV01P048 # وأقول في هذا: إن الله-عز وجل-متصرف عدل فبتصرفه ابتلى البعض بالبعض، ~~وبعدله سلط بعض بني آدم على الملائكة فتكلموا فيهم انتصافا منهم، ثم إنه-عز ~~وجل- بين للملائكة فضل بني آدم حتى صاروا يستغفرون لهم. # قوله-عز وجل-: {وعلم آدم الأسماء كلها ms034 ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} (31) [البقرة: 31]، قيل: أسماء ~~الملائكة فهو خاص بهم. # وقيل: أسماء الموجودات فهو عام فيها (1)، ويحتج به من يرى أن اللغات ~~توقيفية لا اصطلاحية. # وأجيب عنه بأنه يجوز أنه علمه لغة من كان قبله، وهي في الأصل اصطلاحية، ~~ويجوز أنه علمه ذلك بأن أقدره على الاصطلاح، وألهمه اللغات فوضعها. # وهذه المسألة من مسائل اللغات من أصول الفقه، وقد اختلف فيها فقيل: ~~اللغات توقيف، وقيل: اصطلاح، وقيل: القدر المعرف للتخاطب توقيف، والباقي ~~اصطلاح، وقيل غير ذلك، وهذه المسألة من رياضات الفن، لا من ضرورياته. # قولهم: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} ~~(32) [البقرة: # 32] عام خص بالاستثناء المذكور، وفيه رد على من تأله الملائكة، إذ لو ~~كانوا آلهة لكان علمهم كاملا عام التعلق بالأشياء. # {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} (33) [البقرة: ~~33] ظاهر في أن الأسماء التي علمها أسماء الملائكة، أي: أنبئ الملائكة ~~بأسمائهم، [ويحتمل: أنبئهم بأسماء المسميات كلها. أو بأسماء] الملائكة من ~~جملة المسميات، وبه يحصل مقصود إعجازهم. # {إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} (33) ~~[البقرة: 33] عام في كل ما غاب فيهما عن الخلق، أما الله-عز وجل-فلا يغيب ~~عنه شيء، ولا تخصيص فيه مثل: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل ~~شيء} PageV01P049 # {عليم} (3) [الحديد: 3]. # واعلم أن المصحح لعلم الغيب هو كمال العلم والقدرة والإرادة، وهذا الكمال ~~[لم يحصل إلا لله]-عز وجل-فلذلك اختص بعلم الغيب وقد شرحت ذلك في موضع آخر. # قوله-عز وجل-: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين} (34) [البقرة: 34] هو عام فيهم لم يخص. # {فسجدوا إلا إبليس} احتج به من رأى أن إبليس من الملائكة، إذ لو لم يكن ~~منهم لما تناوله الأمر لهم، وعورض بقوله-عز وجل- {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ms035 ربه أفتتخذونه وذريته ~~أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} (50) [الكهف: 50] ~~والاستثناء منقطع، أي لكن إبليس أبى. # واحتج به أيضا من رأى الأمر المطلق يقتضي الوجوب والفورية (1)، لأن ~~الملائكة لما قيل لهم: # {اسجدوا لآدم} [البقرة: 34] فسجدوا على الفور سلموا من اللائمة، / [26/ل] ~~وإبليس لما ترك السجود لحقته اللائمة، فدل على أنه ترك الواجب الفوري، وإلا ~~لما لزمه اللوم إذ كان له أن يقول: أمرتني، ومقتضى الأمر الندب أو التراخي، ~~فأسجد متى شئت، وقد ناظر بأشد من هذا حيث قال: {أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين} (76) [ص: 76]، / [13 أ/م] فلو كان له حجة من جهة الندب، أو ~~التراخي لما تركها. # وأجاب المخالف بأن الوجوب لعله فهم من قرينة حالية أو مقالية، لم يحكها ~~القرآن، أو من خصوصية تلك اللغة التي وقع الأمر بها، إذ العربية لم تكن ~~حينئذ وإنما حكى القرآن بها ما وقع بغيرها، والخلاف إنما هو في الأمر ~~المجرد عن القرائن بلغة العرب. وأما الفور فلم يفهم [من مجرد] الأمر وهو: ~~{اسجدوا} [البقرة: 34] بل إما من قرينة، أو مقتضى تلك اللغة كما سبق، أو من ~~قوله-عز وجل-: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} PageV01P050 # {فقعوا له ساجدين} (29) [الحجر: 29] فتعقيب التسوية والنفخ بالأمر ~~بالسجود بفاء التعقيب خصوصا بلفظ الوقوع الدال على أبلغ ما يكون من ~~المبادرة قاطع في الفورية. # {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} (35) [البقرة: 35] عام فيهما. # {وكلا منها رغدا حيث شئتما} [البقرة: 35] عام في أمكنتها. # {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} (35) [البقرة: 35] خصت من ~~عموم الجنة. # قوله-عز وجل-: {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} (36) [البقرة: 36] ~~زللهما مخلوق لله عند المجبرة، ولآدم وحواء عند المعتزلة، ومكسوب لهما ~~مخلوق لله-عز وجل- عند الكسبية، وهي من مسائل القدر، وأضيف الإزلال إلى ~~الشيطان لتسببه إليه بالوسوسة. # {فأخرجهما مما كانا فيه} عام خص ms036 بورق الجنة الذي خصفاه عليهما منها، وهو ~~مما كانا فيه من نعيم الجنة، وهو كما قيل: متاع قليل من حبيب مفارق. # {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} (36) ~~[البقرة: 36] عام في الهابطين المخاطبين وهم آدم وحواء وإبليس والحية ~~والطاووس (1) فيما قيل. # {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (38) [البقرة: 38] عام، ~~مخصوص بمن مات على الهدى. # {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (38) [البقرة: 38] عام، سواء بني الخوف مع ~~لا أو رفع منونا؛ لأنه جنس لا يقبل التثنية وقع عليه النفي، بخلاف نحو: لا ~~رجل بالرفع؛ لأنه يقبل التثنية؛ فيجوز أن يقال فيه؛ لا رجل في الدار بل ~~رجلان أو رجال، ولا يحسن هاهنا لا خوف عليهم بل خوفان؛ وكذا {والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار} PageV01P051 # {هم فيها خالدون} (39) [البقرة: 39] عام فيهم بشرط أن يموتوا على الكفر. # قوله-عز وجل-: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون} (40) [البقرة: 40] عام فيهم [الموجودين ~~في] عصر النبوة. # {وأوفوا بعهدي} (40) [البقرة: 40] عام في العهد وهو ما التزموه من/ ~~[27/ل] الإيمان والطاعة # {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون} (41) [البقرة: 41] أي بجميعه فهو عام فيه، ~~إذا الكفر بحرف منه كالكفر بجميعه. # {مصدقا لما معكم} أي لجميعه. فلا تناقض ولا تكاذب فيما جاء من عند الله- ~~عز وجل-كليا ولا جزئيا؛ بل كل قضية منه موافقة لباقي قضاياه؛ لأن كلام الله ~~-عز وجل-إن كان هو العبارات المسموعة فهو غني عن الكذب فيه، وإن كان هو ~~المعنى القائم بذاته فالكذب نقص لا يجوز قيامه بها فعلى كل حال لا كذب، ~~ولا/ [13 ب/م] تناقض في كلامه عز وجل. # {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} (42) [البقرة: 42] ~~عام أريد به الخاص، أي: لا تخلطوا الحق الذي من عندكم من صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالباطل الذي تخترعونه لتضيعوا أمره على الناس. # قوله-عز وجل-: {الذين يظنون ms037 أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون} (46) ~~[البقرة: 46] أي يعلمون أو يعتقدون، وإلا فالظن المجرد لا يكفي في العقائد، ~~والفرق بين الثلاثة أن العلم جازم لا يقبل التشكيك [كالعلم بأن الواحد نصف ~~الاثنين، والظن غير جازم ويقبل التشكيك] كظن أن النية شرط في الوضوء، ~~والاعتقاد جازم لكنه يقبل التشكيك، ولهذا ينتقل أهله عنه كالقدري يصير ~~جبريا والمعتزلي أشعريا ونحوه. # والظن لغة الاعتقاد غير الجازم راجحا كان أو مرجوحا؛ لأنهم قالوا: الظن ~~خلاف العلم وهو يتناول ذلك. # وفي الاصطلاح، وهو الحكم الراجح في أحد الاحتمالين، والمرجوح وهم ~~والمساوي PageV01P052 # شك (1)، وقد يستعمل الظن بمعنى العلم وفي القرآن منه مواضع هذا الموضع ~~{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} (53) ~~[الكهف: 53]. # و{وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص} (48) [فصلت: ~~48]، {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي ~~بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما ~~فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} (24) [ص: 24] وقول الشاعر: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المرد # وقد يحتج بهذا ونحوه مثل: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} (110) [الكهف: 110]، {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} (10) [يونس: 10] وأشباهه من يرى أن ~~الله-عز وجل-يرى في الآخرة وهو مذهب الجمهور، وهي من مسائل صفات الله-عز ~~وجل-وهو كونه مرئيا. # ووجهه أن اللقاء لغة يقتضي بإطلاقه الرؤية، وفي هذه المسألة بحث يذكر في ~~موضعه إن شاء الله عز وجل. # قوله-سبحانه وتعالى-: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأني فضلتكم على العالمين} (47) [البقرة: 47] عام أريد به الخاص، وهو عالمو ~~زمانهم أو عام خص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها أفضل الأمم بالنص ~~والإجماع. # {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ms038 ~~عدل ولا هم ينصرون} (48) [البقرة: 48]. # يحتج به المعتزلة وبنحوه مثل: {فما لنا من شافعين} (100) [الشعراء: 100]، ~~{فما} PageV01P053 # {تنفعهم شفاعة الشافعين} (48) [المدثر: 48] / [18/ل]- {وأنذرهم يوم ~~الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} ~~(18) [غافر: # 18] على أن العصاة ما لم يتوبوا في دار التكليف لا تنفعهم الشفاعة، ~~والجمهور يخالفونهم في ذلك بما سيقع في مواضعه إن شاء الله-عز وجل-وحملوا ~~هذه الآيات على الكفار، وعلى هذا يكون {ولا يقبل منها شفاعة} [البقرة: 48] ~~مخصوص بذوي الشفاعة في الآخرة حيث تقبل منهم وبأهل الكبائر من الموحدين حيث ~~تقبل فيهم، أما {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} (48) [البقرة: 48] أي فدية فعلى عمومه لم ~~يخص، إذ لا فدية هناك ولو ملء الأرض ذهبا. # قوله-عز وجل-: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} (49) [البقرة: 49] ~~عام في ذلك إلا من خص كموسى-عليه السلام-إذ سلم من الذبح، ومن عساه قتل من ~~النساء بسبب خاص. # {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} (50) ~~[البقرة: 50] عام إذ لم ينقل [15 أ/م] أنه سلم منهم أحد، ودل على ذلك قوله ~~عز وجل {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} (55) الزخرف: 55] فأكد. # فأما قوله-عز وجل-في فرعون {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن ~~كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس: 92]. # فمعناه نلقيك على نجوة من الأرض أي: موضع عال ميتا ليعتبر بك، ويحتمل أنه ~~ننجيك من ابتلاع البحر لك كما ابتلع قومك فلم يظهر منهم أحد. PageV01P054 # بعضا، إن ثبت أن جميع من عبد العجل واتخذه قتل فهو على عمومه؛ وإلا فهو ~~مخصوص بمن سلم منهم كالسامري ونحوه. # {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون} (55) [البقرة: 55] عام أريد به الخاص، وهم السبعون المختارون، لكن ~~لما كانوا على رأي الباقين، وهم كالأئمة لهم صار صعقهم كصعق الجميع. # {ثم بعثناكم ms039 من بعد موتكم لعلكم تشكرون} (56) [البقرة: 56] دل على أن ~~الصعق كان موتا حقيقيا ثم عاشوا بعده كما عاش الذين خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف حذر الموت، وهذه من مسائل المعاد. # وقد صنف ابن أبي الدنيا أو غيره كتابا فيمن عاش بعد الموت، ذكر فيه خلقا ~~كثيرا، وزعم قوم أن هؤلاء السبعين لم يموتوا، وإنما لحقهم صعق كصعقة موسى ~~شبيها بالإغماء والخروج عن عالم الحس، ثم أفاقوا كما أفاق موسى، وسمي موتا ~~بجامع الخروج عن الإحساس أو لكونه من مقدمات الموت، وأما قولهم: {لن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] فيحتج به المعتزلة على امتناع رؤيته-عز ~~وجل-إذ لو كانت جائزة لما قوبلوا على سؤالها بالموت والصعق، ولا حجة فيه، ~~لاحتمال أن صعقهم لم يكن عقوبة على مجرد سؤالهم الرؤية، بل على سؤالها ~~تكذيبا وعنادا/ [29/ل] أو على سؤالها في الدنيا، وإنما وقتها الآخرة. # {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (57) [البقرة: 57] هو إما ~~غمام ومن وسلوى معهود أو عام أريد به الخاص، إذ ليس كل غمام ظلل عليهم، ولا ~~كل من وسلوى أنزل عليهم، بل القدر الذي احتاجوا إليه من ذلك. # قوله-عز وجل-: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ~~وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين} (58) ~~[البقرة: 58] عام في جميع الخطايا، تمحوها التوبة والاستغفار وهو معنى قولهم: # «حطة»، وهو مخصوص بالشرك لا يغفر إلا بالإيمان لقوله-عز وجل-: {إن الله ~~لا} PageV01P055 # يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى ~~إثما عظيما (48) [النساء: 48]. # {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا ~~من السماء بما كانوا يفسقون} (59) [البقرة: 59] عام في أولئك الظالمين أنهم ~~أهلكوا بالطاعون أو غيره. # {فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] عام فيما سألوه من البقول ونحوها، ~~وتخصيصه موقوف على/ [15 ب/م] الدليل. # {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} عام أريد به الخاص، أي ms040 الذلة الكافية في ~~خزيهم أو هو للعهد، أي الذلة المعهودة لهم. # {يكفرون بآيات الله} [البقرة: 61] عام سواء كفروا بجميعها أو ببعضها الذي ~~هو كالكفر بجميعها. # {ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} (61) [البقرة: ~~61] عام أريد به الخاص أو عام مخصوص بمن لم يقتلوه منهم كموسى وهارون ~~-عليهما السلام-وغيرهما. # {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (62) ~~[البقرة: # 62]، الآية عام لم يخص. # {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون} (63) [البقرة: 63]. # عام فيجب على كل من أوتي تكليفا من الله-عز وجل-أن يأخذ بجميعه ويعمل به ~~كله إلا ما خص منه بنسخ [ونحوه، وكذلك: (واذكروا ما فيه) أي: من العهد يجب ~~الوفاء بجميعه إلا ما خص منه بنسخ] أو عجز أو نسيان مسقط، فالصلاة مثلا عهد ~~وأمانة عند المكلف يسقط منها القيام ونحوه بالعجز عنه، وواجباتها الثمانية ~~عند من يراها بالنسيان والتضييق فيها سقط استحبابه بالنسخ. PageV01P056 # قوله-عز وجل-: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين} (65) [البقرة: 65] هذا أمر تكوين واقتدار، وصيغة «افعل» تأتي ~~على نحو من عشرين وجها منها هذا، وسنشير إلى الباقي في مواضعه إن شاء الله- ~~عز وجل- وهذه تذكر في مسائل الأمر من أصول الفقه. # {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} (67) [البقرة: 67] هي مطلقة لدلالتها ~~على ماهية البقرة من غير قيد، وفيه جواز التكليف والخطاب بالمطلق، ثم قد ~~كان في علم الله-عز وجل-تقييدها بالقيود المذكورة بعد كالصفرة وعدم الشية ~~ونحوها، فمن ثم احتج به من رأى جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت ~~الحاجة إلى العمل خلافا لبعض الأصوليين (1)؛ لأن ذلك يوهم اعتقاد الخطأ. # وجوابه: أن ذلك وإن كان مفسدة لكن قد يتعلق به مصلحة نية الطاعة، والعزم ~~على الامتثال وهي أرجح. # وقد يكون المجمل أجدر ms041 بحصول تلك المصلحة فلذلك جاز، والأكثرون على [أن] ~~تأخير البيان عن وقت الخطاب وإلى وقت الحاجة/ [30/ل] جائز، وعن وقت الحاجة ~~ممتنع وهو الأظهر. وهذه من باب المطلق والمقيد والمجمل والمبين. # {فقلنا اضربوه ببعضها} [البقرة: 73]. # أي: فضربوه ببعضها فعاش. {كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم ~~تعقلون} [البقرة: 73]، فيها مسائل: # الأولى: جواز الإضمار إذا اقتضاه ودل عليه الكلام؛ لأن ضرب الميت ببعضه ~~وحياته ليس مذكورا هاهنا بل هو مقتضى الكلام ومدلوله، ومن هذا الباب {*وإذ ~~استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد ~~علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ~~(60) PageV01P057 # [البقرة: 60] أي: فضرب فانفجرت. # {أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون} (184) [البقرة: 184] أي: فأفطر فعليه صوم عدة. # {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) ~~يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر ~~وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} (46) [يوسف: 45 - 46] أي: / ~~[16 أ/م] فأرسلوه، فجاء إليه، فقال {يوسف أيها الصديق} [يوسف: 46]. # المسألة الثانية: إثبات المعاد بإحياء هذا الميت، والإخبار بإحياء ~~الموتى. # المسألة الثالثة: جواز القياس كأنه قال: كما أحيينا هذا الميت الخاص كذلك ~~نحيي غيره لاشتراكهما في علة الإحياء ومصححه، أما علته فالقدرة التامة، ~~وأما مصححه فكون الإحياء ممكنا، والقياس إما لجمع على جمع، أو لمفرد على ~~مفرد، أو لمفرد على جمع، أو لجمع على مفرد، كما في هذه المسألة إذ قاس ~~إحياء الموتى على إحياء هذا الميت الواحد. # {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} ~~(73) [البقرة: 73] عام أريد به الخاص، أي: الآيات التي أراها بني إسرائيل. # {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها ms042 لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون} (74) [البقرة: 74]. # قيل: بل أشد [وهو ضعيف، وقيل: (أو) للتخيير، أي: أنتم مخيرون في أنها ~~كالحجارة أو أشد]، اختاروا أي الحكمين شئتم، وقيل: هي للشك بالنسبة إلى من ~~يجوز عليه، وقيل غير ذلك. # ونحوه القول في: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم ~~في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} (19) [البقرة: 19] ~~وهذه من مسألة حروف المعاني في أصول الفقه. PageV01P058 # قوله-عز وجل-: {*أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام ~~الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} (75) [البقرة: 75]. # وكذلك: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} (6) [التوبة: 6] احتج به من ذهب إلى أن ~~كلام الله-عز وجل-هو العبارات المسموعة بالحقيقة، إذ لا نعلم كلاما وراء ~~ذلك، وأجاب الأشعرية بأن المراد يسمعون دليل كلام الله، لأن كلام الله-عز ~~وجل-عندهم معنى قائم بذاته لا يفارقها كالعلم، وهذه العبارات المسموعة ~~مخلوقة دليل عليه كالعالم حادث، وهو دليل على الصانع القديم، واحتجوا هم ~~والمعتزلة على خلق المسموع بأنه مسموع وكل مسموع مخلوق عملا بالاستقراء في ~~المسموعات، لكنه استقراء غير تام فلا يفيد اليقين، واحتجوا بأنه مؤلف من ~~الحروف وكل مؤلف مخلوق، وفيه كلام يأتي بعد إن شاء الله-عز وجل. # وأصل الخلاف أن الكلام حقيقة في العبارات المسموعة، أو في المعنى القائم ~~بالنفس، أو مشترك بينهما؟ # فيه ثلاثة أقوال عن/ [31/ل] الأشعري. # فإن قيل: هو حقيقة في العبارات انبنى على أن الكلام صفة فعل أو ذات، فمن ~~رآه صفة فعل قال: هو مخلوق كالمعتزلة، ومن رآه صفة ذات قال: هو قديم ~~كالحنابلة، ومن رآه معنى قائما بالنفس قال: العبارات ليست بكلام بل هي دليل ~~على الكلام وهي مخلوقة. # ومن قال: هو مشترك بينهما، قال: الذاتي قديم والنطقي مخلوق، وهذه من ~~مسائل الصفات من أصول الدين. # {*ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} ms043 [البقرة: 75]. # وهذا ونحوه مثل: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا ~~وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا} (46) [النساء: 46] عام أريد به الخاص؛ لأنهم لم ~~يحرفوا جميع كلم التوراة، ولا جميع ما سمعوه من كلام الله-عز وجل-على ~~الطور، وإنما حرفوا بعضه، وهو ما لهم في PageV01P059 # تحريفه: [16 ب/م] مصلحة كتخفيف التكليف الثقيل، وتغيير صفات النبي-عليه ~~الصلاة والسلام، وهل تحريفهم لذلك تحريف تبديل أو تحريف تأويل؟ فيه قولان، ~~والأشبه أنهم جمعوا بينهما، فبدلوا بعضا وتأولوا على غير وجهه بعضا. # {فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} (76) [يس: 76] عام لا ~~تخصيص فيه لعموم تعلق العلم الأزلي. # {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~(81) [البقرة: 81] هو عام لم يخص؛ لأن المراد بالسيئة الكفر بدليل مقابلته ~~بالإيمان في الآية بعدها وإحاطتها به أن يموت عليها ومن مات كافرا خلد في ~~النار بغير تخصيص ولا مثنوية وأما {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون} (82) [البقرة: 82] فعام مخصوص بمن مات على ~~ذلك، ولم يقطع عليه بالكفر طريق النجاة. # قوله-عز وجل-: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ~~وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} (83) ~~[البقرة: 83] هو عام في الأصناف المذكورة، مخصوص بمن لم يوجد منه ما يوجب ~~الإساءة إليه كجناية توجب حدا، أو بغي يوجب قتالا، أو بدعة توجب هجرا، ~~ونحوه على أن هذه الأشياء من باب التأديب له لا من باب الإساءة إليه، ~~فاللفظ إذن على عمومه. # {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] عام مخصوص بمن وجد منه ما يقتضي إساءة ~~القول له، والقول فيه كالذي قبله، وهذه الآداب قد وردت في خصوص شرعنا، ~~وإنما يحتج بها من خطاب بني إسرائيل بها هاهنا بناء على أن شرع ms044 من قبلنا ~~شرع لنا كما سيأتي بيانه إن شاء الله عز وجل. # {ثم توليتم} [البقرة: 83] عام خص بالاستثناء بعده وهو {إلا قليلا منكم ~~وأنتم معرضون} (83) [البقرة: 83]. PageV01P060 # البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) [البقرة: 87] عام أريد به الخاص، ~~وهم الرسل الذين بعده إذ جماعة من الرسل كانوا قبله كآدم ونوح وإبراهيم ~~ونحوهم. # {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} [البقرة: 87] يعني المعهودة التي ظهرت ~~على يديه إذ لم يؤت كل بينة في الوجود. # {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} (88) ~~[البقرة: 88] / [32/ل] (الباء) هل هي للعلية أو للسببية؟ وينبني عليه أن ~~الكفر علة اللعن المؤثرة فيه أو سبب له، وإنما المؤثر فيه إرادة الله-عز ~~وجل-التي لا يعلل مقتضاها، وهذا من باب مسائل القدر. # {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ~~قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين} (93) [البقرة: 93]، أي حب العجل، وهو مجاز جمع بين ~~الاستعارة والحذف، أما الاستعارة، فلأن حب العجل لما سرى في قلوبهم سريان ~~المشروب في بدن الشارب استعار له لفظ الشرب، وأما الحذف فلأن نفس العجل لم ~~يسر في قلوبهم، فتعين تقدير حبه، ومن المجاز {في قلوبهم مرض فزادهم الله ~~مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} (10) [البقرة: 10] أي: نفاق وشك. # {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (72) [آل عمران: 72]. # و{واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} (24) ~~[الإسراء 24] وهو كثير، والأكثر على وقوع المجاز في القرآن لما ذكر خلافا ~~للظاهرية/ [17 أ/م] ونحوهم ممن أنكره وهو ضعيف، والمجاز هو اللفظ المستعمل ~~في غير موضوع أول لغة أو عرفا أو اصطلاحا، والحقيقة تقابله، وهذه من مسائل ~~المجاز في أصول الفقه. # قوله-عز وجل-: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} ~~(95) [البقرة: 95] فيه مسألتان: PageV01P061 # إحداهما: أنه تضمن معجزا نبويا ms045 وهو أنه-عليه الصلاة والسلام-أخبر اليهود ~~بأنهم لا يتمنون الموت بعد أن تحداهم به، وقد كان يمكنهم أن يبطلوا دعواه ~~بكلمة، وهو أن يقولوا: تمنينا الموت، فلما لم يفعلوا، دل على علمهم بصدقه، ~~أو صارف صرفهم عن تكذيبه مع سهولته ظاهرا وتوفر الدواعي عليه. # والثانية: أن المعتزلة احتجوا على أن الله-عز وجل-لا يرى، بقوله-عز وجل- ~~لموسى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن ~~تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} ~~(143) [الأعراف: 143] وهو نفي عام التأييد فينقض عليهم بهذه، فإن نفي تمني ~~الموت فيها بلن، ولم يقتض التأييد لأنهم في النار سيتمنون الموت، وهذه ~~الآية في معنى المثل المشهور: من أساء استوحش. # [قوله-عز وجل: ] {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ~~مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين} (97) [البقرة: 97] الآيتين فيهما ~~إثبات الملائكة وهم أحد أركان أصول الدين ومتعلقات الاعتقاد، وهم جواهر ~~روحانية نورية أعطوا من قوة السراية في العالم والنفوذ في أجزائه، والتشكل ~~بالأشكال المختلفة ما لم يعط غيرهم، وأنكرهم الفلاسفة أو بعضهم وعبروا عنهم ~~بأنه قوى الأفلاك، وتارة بأنه عقول الأفلاك ونفوسها، إذ الأفلاك عندهم حية ~~ناطقة لا بد لها من ذلك، ونصوص الكتب الإلهية، وإجماع الأنبياء والرسل على ~~إثبات الملائكة [حجة عليهم، وإثباتهم مقدم على نفي الفلاسفة]. PageV01P062 # الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) [البقرة: ~~102] هو عام تخصيصه موقوف على الدليل، إذ يحتمل أن جميع الشياطين تلوا ذلك، ~~فلا تخصيص، ويحتمل أن التالي له بعضهم، فيكون مخصوصا بمن لم يتل، أو عاما ~~أريد به الخاص/ [33/ل]، وهو من تلا. # {يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] أما الناس فعام أريد به الخاص، إذ ~~ليس كل الناس علموا السحر، وأما السحر فيحتمل أنه على عمومه لانضباط ~~أبوابه، [ويحتمل أنهم لم يعلموا الناس جميع أبوابه] فيكون مخصوصا بما لم ~~يعلموه. ms046 # {إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] يحتج به من يرى كفر الساحر بنفس ~~تعلمه السحر، وقد اختلف فيه، والظاهر أنه إن تعلمه لينفع الناس به بأن يبطل ~~عنهم سحر السحرة، أو ليميز بينه وبين غيره من العلوم المشتبهة به كالسيمياء ~~والكيمياء، فلا بأس به، وقد ذهب بعضهم إلى وجوب تعلمه، لأنه لما نهى عنه، ~~وجب اجتناب استعماله، واجتناب ما لا يعرف محال فوجب تعلمه لذلك من باب: ~~[عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه]. # ولأن المفتي قد يحتاج إلى أن يفتي في السحر والساحر، فإن لم يعرف حقيقته ~~ربما غلط فضل وأضل، خصوصا من يكفر بالسحر، ويقتل به، فيكون/ [17 ب/م] غلطه ~~في إراقة دم، أو حكم بكفر وهو شديد. # {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] التفريق ~~بينهما مخلوق لله-عز وجل-مكتسب للسحرة، بدليل {وما هم بضارين به من أحد إلا ~~بإذن الله} [البقرة: 102]. # {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم ~~لو كانوا يعلمون} (102) [البقرة: 102] احتج به من رأى أن الساحر يقتل؛ لأن ~~الآية دلت على أنه شرى نفسه، أي: باعها بالسحر، وجعله ثمنا لها، وقد استوفي ~~الثمن، فوجب أن يستوفى منه الثمن وهو نفسه، وقد يجاب عنه بأن المراد شروا ~~به أنفسهم للنار في الآخرة، فلا يتعين القتل في الدنيا، ويحتمل غير ذلك. # والسحر؛ قيل: هو تمريج قوى أرضية بقوى سماوية، بحيث يحصل من بينهما قوة ~~مؤثرة في الأجسام والأحوال، وإنما تكلمنا في السحر وإن كان أكثر أحكامه ~~إنما تذكر في PageV01P063 # الفروع لتعلق الكفر والقتل به عند بعض أهل العلم، والكفر والإيمان من باب ~~الأسماء والأحكام في أصول الدين، والصواب إن شاء الله-عز وجل-أن الكفر إنما ~~هو إنكار ما علم كونه من الدين ضرورة، فما لا يدخل تحت هذا الحد لا يكون ~~كفرا، وقد يقال: # إن الكفر لما كان ضد الإيمان ثم كان الإيمان هو التصديق بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجب أن يكون الكفر هو التكذيب بذلك أو ms047 بعضه، ~~اعتبارا للشيء بضده. # قوله-عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ~~واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} (104) [البقرة: 104] قيل: كان المسلمون ~~يقولون: يا رسول الله، راعنا. من المراعاة. فاتخذه اليهود دخلا، وجعلوا ~~يقولون: يا محمد راعنا. من الرعونة، إلغازا عليه فنهي المسلمون عن ذلك/ ~~[34/ل]. # واحتج به على سد الذرائع، وهو مذهب مالك وأحمد، حسما لمواد الفساد ~~الباطنة، وأجاز ذلك بعض الأئمة، وصنفوا كتبا في الحيل والذرائع، اعتبارا ~~للصور الظاهرة، ويحتمل أن يقال: إذا رأينا صورة ظاهرة يحتمل أن تحتها ذريعة ~~باطنة، فإن علمنا أو ظننا وجود الذريعة [الفاسدة، منعنا تلك الصورة، وإن ~~علمنا أو ظننا انتفاء الذريعة] أجزنا، وإن ترددنا على السواء احتمل المنع ~~احتياطا، واحتمل أن يخرج فيه الخلاف كسائر الوسائط المترددة بين الأطراف. # {* ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير} (106) [البقرة: 106] فيه مسألتان: # إحداهما: إثبات النسخ (1)، وقد أنكره اليهود؛ بعضهم عقلا، وبعضهم سمعا. # لنا: أن النسخ إما بيان انتهاء مدة الحكم، أو رفع الحكم الشرعي بطريق ~~شرعي، وكلاهما لا يلزم منه محال؛ فوجب القول بجوازه، ولأن الشرع للأديان ~~كالطبيب للأبدان؛ فجاز أن ينهى اليوم عما أمره به أمس، كما يصف الطبيب ~~اليوم للمريض ما نهاه عنه أمس، وذلك بحسب المصالح أو إرادة المكلف، وهو ~~الشارع، ولأنه قد وقع في التوراة في عدة صور فالقول بجوازه لازم/ [18 أ/م] ~~لهم. PageV01P064 # احتجوا بوجوه: # أحدها: أن [الحكم المنسوخ] إما حسن فالنهي عنه قبيح، [أو قبيح] فابتداء ~~شرع أقبح. # وجوابه أنه مبني على قاعدة: التحسين والتقبيح العقلي، وهي ممنوعة. # الثاني: أن النسخ يلزم منه البداء، وذلك يقتضي الجهل بعواقب الأمور، وهو ~~على الله -عز وجل-محال. # وجوابه بمنع لزوم البداء من النسخ، وإنما هو بحسب اختلاف مصالح الخلق ~~متعلقا ذلك كله بالعلم الأزلي، [ثم إن في توراة اليهود: إن الله-عز وجل-لما ~~أرسل الطوفان أسف وندم، وقال: ما عدت أهلك الخلق به مرة أخرى، أو كما قال. ~~فمن يندم ms048 ويأسف كيف يمتنع عليه البداء-على قولهم]. # الثالث: أن موسى-عليه السلام-نص على دوام شريعته وتأييدها ما دامت ~~السماوات والأرض، وهو يقتضي أن لا ناسخ لها، فأحد الأمرين لازم، إما كذب ~~خبر موسى، أو بطلان شرع من بعده. # وأجاب المسلمون عن هذا بجوابين؛ # أحدهما: أن هذا من موضوعات ابن الراوندي، وضعه لليهود فتمسكوا به، وهو ~~ضعيف؛ لأن النص عندهم موجود في التوراة، فلا حاجة لهم إلى وضع الراوندي. # الثاني: القدح في تواتر هذا الخبر بأن بختنصر لما فتح بيت المقدس حرق ~~التوراة، وقتل اليهود حتى أفناهم؛ إلا يسيرا منهم، لا يحصل التواتر بخبره، ~~فصار هذا الخبر آحادا لا يقبل في العلميات، وهذا قريب غير أنه ليس بشاف؛ ~~لأنهم يدعون تواتره، وتواتر التوراة جميعها، ويمنعون ما ذكر من سبب انقطاع ~~التواتر بأن بختنصر أسر نحو عشرة آلاف من بني إسرائيل منهم أربعة آلاف من ~~أولاد الأنبياء مثل دانيال ونحوه، كلهم يحفظ/ [35/ل] التوراة عن ظهر قلب. # والمختار في الجواب أن في التوراة نصوصا كثيرة وردت مؤبدة، ثم تبين أن ~~المراد بها التوقيت بمدة مقدر كقوله: إذا خربت صور لا تعمر أبدا: ثم إنها ~~عمرت بعد خمسين سنة. # ومنها: إذ أخدم العبد سبع سنين أعتق فإن لم يقبل العتق استخدم أبدا، ثم ~~أمر بعتقه بعد مدة معينة، سبعين سنة أو غيرها. وإذا جاز في هذه النصوص ~~المؤبدة أن يراد بها التوقيت، فلم لا يجوز في نص موسى على تأييد شريعته، ~~وإلا فما الفرق؟ PageV01P065 # فإن قيل: إذا جاز أن يكون نص موسى المؤبد مؤقتا حتى جاز نسخ شريعته، جاز ~~أن يكون نص محمد صلى الله عليه وسلم على تأبيد شريعته مؤقتا؛ فيجوز نسخها ~~بعده بغيره، والمسلمون يأبون ذلك. # قلنا: لا يلزم ذلك، والفرق بين النصين أن موسى عليه السلام-ورد كتابه ~~التوراة بنصوص بلفظ التأييد، والمراد بها/ [18 ب/م] التوقيت بخلاف محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإن كتابه لم يرد بذلك، فلم يرد مثله في نصه، وقد استقصيت ~~هذه المسألة بأبلغ من هذا في «مختصر الجدل». ms049 # المسألة الثانية: احتج بالآية من يرى أن النسخ يجب أن يكون إلى بدل؛ ~~لقوله-عز وجل-: {*ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير} (106) [البقرة: 106] وأجيب بأن الذي هو خير منها ~~لا يتعين أن يكون بدلا عنها، أو يكون المعنى: نأت منها [بخير أو بخير منها] ~~غالبا لا لزوما، وقد ورد نسخ الصدقة أمام النجوى لا إلى بدل، فانتقضت به ~~دعوى هذا القائل. # ويجوز نسخ الحكم إلى مثله وأخف منه وأثقل عند الأكثرين، كنسخ التخيير بين ~~الصوم والفدية إلى تعيين صومه، ومنعه قوم محتجين بهذه الآية: {نأت بخير ~~منها أو مثلها} والأثقل ليس بخير، ولا مماثل: وأجيب بأنه قد يكون خيرا أو ~~مثلا في المصلحة والأجر. # قوله-عز وجل-: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير} (107) [البقرة: 107]. # عام لم يخص بشيء، وكذا تمامها {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} ~~(107) [البقرة: 107] وكذا {أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ~~ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} (108) [البقرة: 108]. PageV01P066 # بينهما، ودلالة الاقتران شبيهة بأنها من أصول الفقه من باب كيفية ~~الاستدلال على الأحكام، واستثمارها منها. # {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير} ~~[البقرة: 110] عام مطرد، أي لم يخص. # {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين} (111) [البقرة: 111] يحتج به من يرى أن على المدعي ~~الثاني دليلا؛ لأن دعوى هؤلاء نافية، وهي قولهم: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (111) ~~/ [36/ل]) [البقرة: 111]، وقد طولبوا بالدليل عليها. # وفي المسألة أقوال: # ثالثها: أن ذلك يجب في العقليات لسهولته ببيان لزوم المحال من الإثبات ~~بخلاف النقليات، إذ لا يمكن فيها ذلك، فيكتفي مدعي النفي فيها بالاستصحاب. # {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ms050 إن الله واسع عليم} ~~(115) [البقرة: 115] قيل: جهة التقرب إليه لا يحتمل هاهنا إلا ذلك بخلاف ~~{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (27) [الرحمن: 27] على ما سيأتي، إن ~~شاء الله عز وجل. # {وقالوا اتخذ الله ولدا} [البقرة: 116] يعني اليهود والنصارى والكفار ~~{سبحانه} أي تنزه عن ذلك {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون} (116) [البقرة: 116] يعني أن الولدية تنافي ~~الملكية، وما في السماوات والأرض بأسره مملوك له-عز وجل، فيمتنع أن يكون ~~شيء منها ولدا له، ويستفاد من هذا أن من ملك ولده عتق عليه بنفس الشري، وهو ~~ملك مجازا، وقد بينا أن/ [19 أ/م] الولدية تنافي الملكية، ثم بعضهم قاس ~~باقي ذوي الرحم المحرم على الولد، هو مذهب أحمد. # {بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (117) # [البقرة: 117] فيها مسألتان: # إحداهما: الرد على القائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم؛ لأن بديع ~~السماوات PageV01P067 # والأرض مخترعهما بعد عدمهما، وذلك ينافي قدمهما والخلاف معهم مبني على أصلين: # أحدهما: أن الصانع عندهم فاعل بالطبع والإيجاب فلا يتأخر عنه معلوله ~~كالنار لا يتأخر عنها الإحراق، والشمس لا يتأخر عنها الإشراق وإضاءة ~~العالم، وعندنا: هو فاعل بالقدرة والاختيار فيفعل ما شاء متى شاء. # الأصل الثاني: أن القديم عندنا يمتنع استناده وافتقاره إلى المؤثر، ~~وعندهم لا يمتنع ذلك إلا في القديم لذاته لا في القديم لغيره كالعالم. # المسألة الثانية: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (117) [البقرة: ~~117] احتج به من قال بخلق القرآن المسموع وقدمه. # أما الأول: فتقريره أن «كن» مركب من حرفين سابق ومسبوق، وكل ما تضمن ~~سابقا ومسبوقا فهو حادث، وإذا ثبت حدوث «كن» أو النون منها ثبت حدوث باقي ~~عبارات القرآن لاستواء الجميع. # وأما الثاني: فتقريره أن العالم مخلوق ب «كن» فلو كانت «كن» مخلوقة لزم ~~الدور إن خلقت بالعالم، أو التسلسل إن خلقت بغيره وهما محالان، فوجب أنها ~~غير مخلوقة، ثم باقي العبارات مثلها لاستوائهما. # {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن ms051 يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون} (121) [البقرة: 121] عام مطرد. # {* وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ~~ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} (124) [البقرة: 124] يحتج به من لا ~~يرى إمامة الفاسق، لأن الإمامة عهد الله، وعهد الله-عز وجل-لا يناله فاسق، ~~فالإمامة لا ينالها في الحكم فاسق، فإن نالها فاسق فإنما نالها بالحكم ~~القدري لا بالإذن الحكمي، وهذا هو الذي حمل جماعة من خيار السلف على ~~الخروج/ [37/ل] على أئمة عصرهم لاعتقادهم فسقهم، فخرج الحسين وابن الزبير ~~والشعبي وجماعة من نظرائه كسعيد بن جبير متأولين هذه الآية. PageV01P068 # -عليه السلام-عرض الله-عز وجل-عليه الإسلام، فقال: أسلمت، فكفاه، وقد ~~جعله الله-عز وجل-إماما يقتدى به فقال: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم ~~النصير} (78) [الحج: 78]. # {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} (123) ~~[النحل: 123] وربما ذهب ذاهب إلى أنه لا يدخل في الإسلام بدونهما لقوله- ~~عليه الصلاة والسلام-: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ~~[محمد رسول الله] الحديث (1). # {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون} (136) [البقرة: 136] ما في/ [19/ب] جميعها بمعنى ~~الذي عام مطرد، إذ الكفر بحرف من المنزل كالكفر بجميعه. # قوله-عز وجل-: {*سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (142) [البقرة: # 142] هي من صور النسخ ودليل على وقوعه، إذ حولت القبلة عن جهة بيت المقدس ~~إلى جهة الكعبة. # {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ms052 الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع} PageV01P069 # {إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم} (143) [البقرة: 143] يحتج بها على ~~الإجماع حجة، وتقرير الحجة منها أن الله-عز وجل-وصفهم بكونهم وسطا أي عدولا ~~خيارا، والعدول الخيار لا يقولون إلا حقا، ولا يجمعون إلا على حق، ولا حجة ~~في ذلك؛ لأن العدل قصاراه أنه لا يتعمد الكذب أما كونه لا يخطئ فلا، وإنما ~~ذلك شأن المعصوم، وإنما يصح الاستدلال بهذه الطريقة أن لو قال: «وكذلك ~~جعلناكم أمة معصومين». # {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه} [البقرة: 143] يستدل بها على تعليل أحكام الله-عز وجل-؛ لأنه ~~أخبر أنه إنما حول القبلة لعلة أن يعلم المتبع من المنقلب، وفي هذا بحث ~~يأتي في موضع آخر، إن شاء الله عز وجل. # {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي: صلاتكم، سماها إيمانا ~~بلسان الشرع، ويستدل به من أثبت الحقائق الشرعية، ومعنى ذلك أن الشرع هل ~~وضع لنفسه أسماء هي في مدلولاتها حقائق بوضعه الأول أم لا، بل أخذ الحقائق ~~اللغوية، فضم إليها شروطا شرعية، وذلك كالصلاة والزكاة والصيام والحج هل هي ~~حقائق في الشرع بوضعه أو متلقاة من اللغة على ما هي فيها مزيد عليها أمور ~~شرعية كالأفعال الخاصة في الصلاة والإمساك الخاص في الصيام. # منهم من قال بالأول؛ لأنه-عز وجل-سمى الصلاة إيمانا، وهو في اللغة ~~التصديق، وذلك وضع شرعي، ولأن الشرع جهة مستقلة فلا بد له من حقائق يفهم ~~بها عنه كاللغة. # ومنهم من قال بالثاني؛ لأن هذه الألفاظ في القرآن وهو عربي إنما خاطبنا ~~بلغة العرب، فوجب القول بأنها مبقاة على وضعها لغة وإنما زيد عليها أمور ~~شريعة لحق الشرع، ولأن القول بذلك أسهل من القول بوضع مستأنف. # وأما تسمية الصلاة إيمانا فلاشتمالها/ [38/ل] أو دلالتها عليه، وهذه من ~~مسائل أصول الفقه. # {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا ms053 وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} (144) [البقرة: 144] يحتج بها من ~~يرى أن الله-عز وجل-في جهة السماء من وجهين: PageV01P070 # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوقع تحويل القبلة، ويترقب ذلك ~~من جهة السماء، والأحكام إنما تأتي من عند الله-عز وجل-فدل على أنه-عليه ~~الصلاة والسلام- كان يعتقد أنه-عز وجل-في جهة السماء. # الوجه الثاني: أنه-عز وجل-رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقلب نظره إلى/ ~~[20 أ/م] السماء ينتظر الوحي من عند الله-عز وجل-ثم لم ينكر عليه، ولم يقل ~~له: لست في السماء، فماذا تطلب من جهتها بل أقره على ذلك فصار في المسألة ~~اعتقاد النبي عليه الصلاة والسلام، وإقرار الله-عز وجل-له على ذلك وناهيك ~~به حجة. # وأجاب الخصم بأنا لا نسلم أنه-عليه الصلاة والسلام-كان في تقليب وجهه إلى ~~السماء يعتقد أن الله-عز وجل-فيها، وإنما كان ينتظر الوحي من جهتها على ~~لسان جبريل-عليه السلام-لاعتياده ذلك منه. # ولا يلزم من نزول جبريل بالوحي من جهة السماء أن يكون الله-عز وجل-فيها، ~~وإلا للزم من صعود الملائكة بالأمر من الأرض أن يكون الله-عز وجل-فيها وأنه باطل. # {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] عام مطرد. # {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما ~~يعملون} (144) [البقرة: 144] فيه أنهم إنما أوتوا من قبل [العناد، لا من ~~قبل] الخطأ في الاجتهاد، فلذلك لم يعذروا، بخلاف المخطئ في الأصول مع ~~الاجتهاد حيث كان معذورا على رأي الجاحظ (1) والعنبري (2)، ولا يلزمهما ~~إقامة عذر اليهود والنصارى المتوغلين في البحار وراء القطب الشمالي ~~[ونحوهم]. # وقد دل على هذا التخصيص قوله-عز وجل-: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} (146) [البقرة: ~~146]. PageV01P071 # {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شيء قدير} (148) [البقرة: 148] عام في المكان مطرد، وهو ~~إخبار بالبعث بعد تفرق الأجسام والأجزاء في الأماكن، وأحال به على مجرد ~~القدرة. # قوله-عز وجل-: {ولا تقولوا ms054 لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون} (154) [البقرة: 154] فيه مسألتان: # إحداهما أنه عام في كل مقتول في سبيل الله أنه حي يرزق، وهو مطرد إلا من ~~دل دليل خاص على أنه ليس بحي لكن لم نعلم ذلك ولم يبلغنا عن أحد. # الثانية: مفهوم الآية: أن غير المقتول في سبيل الله لا يقال له حي بل ~~ميت، وهذا كله متجه على ما تبين في السنة من أن «الشهداء تجعل أرواحهم في ~~أجواف طير خضر ترعى في الجنة» (1) / [39/ل] بخلاف غيرهم إذ لم يرد فيهم ~~ذلك، والحياة هي تعلق النفس ببدن طبيعي تستوكره، والموت انقطاع تعلقها عن ~~بدن طبيعي، وهاتان من قبيل مسائل المعاد واليوم الآخر، إذ أول اليوم الآخر ~~من حين الموت، ولهذا ورد/ [20 ب/م] أن من مات فقد قامت قيامته. # {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} (163) [البقرة: 163] هذه ~~دعوى وجود الصانع والوحدانية وبرهانها يليها، وهو {إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ~~وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل ~~دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} ~~(164) [البقرة: 164] ذكر سبع آيات من نظر فيها علم وجود الصانع: # الأولى: خلق السماوات والأرض. # الثانية: اختلاف الليل والنهار يأخذ أحدهما من الآخر طولا وقصرا وحرا ~~وبردا بحسب اختلاف الفصول التابع لانتقالات الشمس في فلكها قربا وبعدا ~~وتوسطا. PageV01P072 # الثالثة: الفلك التي تجري في البحر وهي المراكب والسفن، وهي إبل البحر ~~كما أن الإبل سفن البر. # الرابعة: المطر النازل من السماء لإحياء الأرض كيف ينزل عليها وهي قفر ~~موحشة فإذا هي عن قرب تهتز خضرا أنيسة. # الخامسة: [الدواب المبثوثة] في الأرض على اختلاف أجناسها وأنواعها ~~وأصنافها وأشخاصها. # السادسة: تصريف الرياح وهو نقلها في الجهات من الجنوب إلى الشمال ومن ~~الصبا إلى الدبور، وعكس ذلك لتطييب ما بين السماء والأرض ولولاها لأنتن ~~وأوبأ، ولتسيير الفلك في البحر، ms055 ولولاها لظلت رواكد عن ظهره؛ ولتحصيل الروح ~~للحيوان، ودفع الوخم عنه، وغير ذلك من فوائدها. # السابعة: السحاب المسخر بين السماء والأرض تحمله الرياح إلى البلاد ليمطر فيها. # فمن نظر في هذه الآيات الظاهرة والقدرة الباهرة علم قطعا أن لها صانعا ~~قديما بما مر من دليل الدور والتسلسل، وهو أن هذه الآيات موجودة حسا، فإما ~~أنها أوجدت نفسها وهو محال، أو أوجدها غيرها، وهو إما حادث؛ فيلزم الدور أو ~~التسلسل، أو قديم وهو المطلوب، ثم إذا ثبت أن لها صانعا قديما ثبت أنه واحد ~~بما سيتأتى في سورة «الفرقان» والأنبياء والمؤمنون وغيرها، إن شاء الله عز وجل. # فإن قيل: الدعوى وقعت خاصة بإثبات إله واحد، والاستدلال إنما وقع عاما ~~على وجود الصانع فقط، فهلا طابق بينهما بأن جعل الدعوى عامة كالاستدلال، أو ~~الاستدلال خاصا كالدعوى. # فالجواب: أن العرب كانوا على قسمين؛ معطلة ينكرون الصانع، / [40/ل] ~~ومثبتة للصانع؛ لكنهم يشركون به. وهذه الآية وردت جوابا للمعطلة بإثبات ~~الصانع، واستطرد فيها ذكر الوحدانية ردا على المشركين بمجرد الدعوى، وأخر ~~الاستدلال عليهم إلى موضع آخر؛ لأنهم لم يسألوا هاهنا شيئا، بخلاف المعطلة ~~فإنهم سألوا: من إلهنا؟ ومن صانع العالم؟ فقال: إلهكم إله واحد، واستدلوا ~~عليه بهذه الآيات المذكورة تعلموا وجوده. # وفي قوله-عز وجل-: {لآيات لقوم يعقلون} إشارة إلى مشروعية النظر العقلي، ~~وأنه طريق/ [22 أ/م] إلى العلم، وإلى أن العقل آلة شريفة لشرف ما يتوصل بها ~~إليه، وإلى شرف علم الأصول والنظر فيها بصحيح المعقول؛ لأنه-عز وجل-إنما ~~نبه على PageV01P073 # الاستدلال بهذه الآيات من يعقل لشرف العقل وأثره وتصرفه، ولم يقل: لآيات ~~لقوم ينقلون-لما لم يكن النقل المجرد وافيا بالغرض في هذا المقام. # {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم ~~الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} (167) [البقرة: 167] ~~عام مطرد إذ لا ينفع الكافر من عمله شيء بشهادة {وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء منثورا} (23) [الفرقان: 23]. # {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ms056 طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين} (168) [البقرة: 168] عام مطرد {كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا} [البقرة: # 168] عام في جميع ما فيها يجوز الأكل منه، وهو مخصوص بالحرام، لا يجوز ~~أكله بدليل قوله -عز وجل-: {حلالا طيبا} [البقرة: 168] قيد المأكول بالحلال ~~فكان تخصيصا له. # {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} [البقرة: 168] عام مطرد إذ لا خير في شيء من ~~خطواته، ولا بركة في شيء من متابعته {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} (169) [البقرة: 169] اختلف في «إنما»: هل ~~تقتضي الحصر، وهو إثبات الحكم لما بعدها، ونفيه عما عداه، أم لا؟ . # فيه أقوال؛ ثالثها أنها تقتضيه بعرف الاستعمال لا بوضع اللغة. # حجة الحصر من وجهين: # أحدهما: أنها وردت له في بعض الاستعمال، فلو كانت لغيره لزم إما الاشتراك ~~أو المجاز وكلاهما خلاف الأصل. # الثاني: أن «إنما» مركبة من «إن» المثبتة و «ما» النافية، فأفادت إثباتا ~~ونفيا كما قبل التركيب، وهو إثبات المذكور ونفيه عما عداه، إذ عكسه باطل ~~باتفاق. # واعترض عليه أما على الوجه الأول، فبأنها وردت [لغير الحصر، فلو وردت] له ~~أيضا لزم الاشتراك أو المجاز. # وأما على الثاني فلا نسلم أنها مركبة بل موضوعة وضعا أولا كذلك، سلمناه ~~لكن لا نسلم أن «ما» فيها نافية لجواز أنها زائدة أو غيرها من أقسام «ما» ~~سلمناه، لكن لا نسلم أنها/ [41/ل] تفيد بعد التركيب ما أفادته قبله، إذ ذلك ~~منقوض ب «لولا» أفادت بعد PageV01P074 # التركيب خلاف ما أفادته قبله. # حجة عدم الحصر: أنها وردت للحصر وغيره، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ~~فوجب جعلها للقدر المشترك وهو الإثبات المؤكد حجة. # الثالث: أنها لما كانت للإثبات المؤكد تجوزوا بها إلى استعمالها في الحصر ~~عرفا، فصارت للحصر بعرف الاستعمال، لا بوضع اللغة، إذ لم ينقل وضعها له، ~~ولا دل عليه القياس. # فإذن معنى {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} (169) [البقرة: # 169] على الأول: أنه لا يأمركم. الآية، وعلى الثاني إثبات أمره لهم ~~إثباتا مؤكدا، يدل على قوة ms057 داعية منه إلى ذلك لا على معنى الحصر، لكن قد دل ~~الدليل/ [22 ب/م] المنفصل على أن الشيطان لا يأمرهم إلا بالسوء، فالحصر في ~~هذه القضية لازم، إما بمقتضى إنما وضعا أو عرفا أو بالدليل الخارج. # وهذه الأقوال في «إنما» إنما هي فيما إذا تجردت، أما إن اقترن بها ما ~~يفيد حصرا أو عدمه، وجب اعتبار مقتضى القرينة، وقد يكون الحصر مطلقا، وقد ~~يكون من وجه دون وجه، وسيأتي القول في ذلك، وفي أدوات الحصر في مواضعه، إن ~~شاء الله عز وجل. # وهذه المسألة من باب حروف المعاني في أصول الفقه. # قوله-عز وجل-: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (170) ~~[البقرة: 170] فيه ذم التقليد، وهو اعتقاد الحكم بناء على حس الظن بمن أخذ ~~عنه لا عن نظر وهو كذلك (1)؛ لأنه استناد إلى جهالة محضة وعدم علم، وعدم ~~العلم لا يفيد علما لا بالعدم ولا بالوجود؛ ولأن المقلد إما أن يعلم خطأ من ~~قلده أو إصابته، فإن علم خطأه لم يجز متابعته، وإن علم إصابته فإما بتقليد ~~آخر فيعود الكلام فيه ويتسلسل، أو بنظر فليس حينئذ مقلدا لاستناد اعتقاده ~~إلى نظر واستدلال، لكن قد فرضناه مقلدا هذا خلف. # واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع ~~التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات كالتوحيد ونحوه، أما الفروع فلا، بل قد ~~دل قوله-عز PageV01P075 # وجل-: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون} (7) [الأنبياء: 7] على جواز التقليد فيها. # والأقوال الممكنة في التقليد أنه يجوز في الأصول والفروع ولا يجوز فيهما، ~~ويجوز في الفروع لا في الأصول مطلقا، / [42/ل] ويجوز في الفروع وفي الأصول ~~لمن لا يمكنه استعمال النظر فيها على وجهه إما لضعف فهمه، أو لانقطاعه بذلك ~~عن مصالح معاشه الضرورية كالعامة ونحوهم. # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان ms058 آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (170) [البقرة: 170]. # إشارة إلى دليل بطلان التقليد، وتقريره: أن آباءهم يجوز أن يصيبوا ~~ويخطئوا فبتقدير أن يخطئوا لا يجوز متابعتهم، أفتتبعونهم على ذلك، وأما ~~إصابتهم فليست متعينة، فإن علمتموها بتقليد آخر لزم تسلسل التقليدات، أو ~~بنظر فلستم إذن مقلدين. # وخرجنا عن المسألة، وهذه المسألة من باب صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقه. # {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون} (172) [البقرة: 172] أي: من حلال رزقنا ومفهومه: لا تأكلوا من حرام ~~ما رزقناكم، وهو يقتضي أن الحلال والحرام من رزق الله-عز وجل-وهو يرزقه ~~خلافا للمعتزلة إذ قالوا: لا يرزق الحرام، وقد سبق القول عليهم. # {إن كنتم إياه تعبدون} (172) [البقرة: 172] هذه من أدوات/ [23/أ] الحصر، ~~وهو تقديم المفعول نحو: {(إياك نعبد)}، والله أحمد، و {(بل الله فاعبد)}، ~~وإنما، وقد سبق ذكرها قريبا، والنفي المتلقي بإلا نحو ما قام إلا زيد، وما ~~فعلوه إلا قليل، وحصر المبتدأ في الخبر الأعم أو المساوي، إذ يستحيل أن ~~يكون الخبر أخص، فإذا قلت: كل إنسان حيوان، صح؛ لأن الخبر أعم، أو الإنسان ~~ناطق، صح؛ لأنه مساو، والشيء ينحصر في الأعم منه، والمساوي له، ولو قلت: ~~الحيوان إنسان أو كل حيوان إنسان لم يصح، لأن الخبر أخص، ومطابقة الأقل ~~للأكثر محال. {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} (173) ~~[البقرة: 173]. # هذا تخصيص لعموم {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم ~~به} PageV01P076 # مؤمنون (88) [المائدة: 88] خص بهذه الأشياء، وبقي ما عداها من الأرزاق ~~حلالا، بناء على أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي إلى أن ورد نهيه عليه ~~الصلاة والسلام عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير (1)، فحرم ذلك ~~أيضا، وكذلك كل ما قام الدليل على تخصيصه بالتحريم من عموم الأرزاق الحلال ~~كالجلالة (2) والهوام والمستخبثات بقوله-عز وجل-: {الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه ms059 مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} (157) [الأعراف: # 157] ونحو ذلك. # ثم (الميتة) عام في التحريم خص منها السمك والجراد بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» (3) وكذلك ~~ما يصيد بسهم، أو جارح فلم يدرك زكاته أو ند بعير ونحوه، أو تردى في بئر ~~فرمى أو جرح فمات بشرطه/ [43/ل] والميتة في المخمصة. # كل ذلك حلال خص من عموم تحريم الميتة، والدم خص منه الكبد والطحال ~~بالحديث وما اضطر إليه في المخمصة بما في سياق هذه الآية، وكذلك الخنزير خص ~~منه ما اضطر إليه في مخمصة لم يجد غيره، {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم} (173) [البقرة: 173]، أي: إذا أكل من هذه المحرمات مضطرا ~~لا إثم عليه، والمضطر من خشي على نفسه الهلاك أو مرضا أو ضعفا فاحشا يخشى ~~منه الهلاك أو الزمانة، ونحو ذلك من الضرر الفظيع، فله أن يأكل ما يسد الرمق. # وفي تمام الشبع قولان للعلماء، ويحتمل ثالث وهو جوازه من الميتة والدم ~~دون لحم الخنزير؛ لأنه منصوص على تحريمه مثلهما، واختص بأن نهى عنه تعبدا ~~بمخالفة النصارى، PageV01P077 # وبأن من خاصيته التخنيث وتقليل الغيرة، وكونه ممسوخا، أو على صفة الممسوخ ~~وكذلك ما أهل به أي: ذبح لغير الله كالذي ذبح على النصب للأصنام ونحوها ~~حرام لا يباح منه إلا في المخمصة راجع إلى المحرمات الأربعة يباح ذلك منها. # {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم} (174) [البقرة: 174] إما لمعهود أي: النار الوافية بعذابهم التي ~~تسعها بطونهم، أو عام أريد به الخاص، وهو ذلك. # قوله-عز ms060 وجل-: {*ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (177) [البقرة: 177]. # هذه هي أركان أصول/ [23 ب/م] الدين الخمسة تارة تذكر هكذا طرفين وواسطة، ~~فالله-عز وجل-هو المبدأ، واليوم الآخر هو المعاد، وهما الطرفان والثلاثة ~~الأخر واسطة، وتارة تذكر على الترتيب الوجودي: الله، وملائكته، وكتبه، ~~ورسله، واليوم الآخر. # فالإيمان بالله-عز وجل-هو التصديق بوجوده وصفاته وأفعاله، فمن صفاته أنه ~~قديم باق حي عالم قادر مريد متكلم سميع بصير غني، وبالجملة متصف بصفات ~~الكمال منعوت بنعوت الجلال منزه عن [لحوق كل نقص، وعن فوات كل كمال]، ومن ~~أفعاله العالم ففي الحقيقة لا موجود إلا الله-عز وجل-وصفاته الذاتية، / ~~[44/ل] وأفعاله. # والإيمان بالملائكة التصديق بوجودهم، وأنهم من حيث المادة نورانيون، ومن ~~حيث المرتبة {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} (26) ~~[الأنبياء: 26]، ومن حيث الوظيفة {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} (20) ~~[الأنبياء: 20]، ومن حيث الطاعة والعصمة {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} (6) [التحريم: 6] إلى غير ذلك من أوصافهم ~~وأحكامهم. والإيمان بالكتب كالتوراة والإنجيل وصحف آدم PageV01P078 # وإبراهيم ونحوها المنزلات والقرآن؛ هو التصديق بأنها حق من حق موافق ~~بعضها لبعض لا تناقض فيها ولا اختلاف، التكليف بها حق، والعمل بها صواب، ~~فأما القول في أنها حادثة أو قديمة، وأنها معنى نفساني أو (قول لساني)، فقد ~~سبق، وسيأتي إن شاء الله-عز وجل- شيء منه. # والإيمان بالنبيين هو التصديق بأنهم صادقون فيما بلغوا من الرسالات ~~مؤيدون من الله -عز وجل-بالحجج والبينات، سفراء بين الله-عز وجل-وخلقه، ~~قائمون في خدمته بواجب حقه، معصومون فيما بلغوه من الكذب، منزهون عن إتيان ~~الفواحش والريب. # فأما كونهم أفضل من الملائكة فسيأتي إن شاء الله-عز وجل. # والإيمان باليوم ms061 الآخر هو التصديق بوقوعه، وبما سيقع فيه من الأمور ~~الواردة في السمع، كالجنة والنار والصراط والميزان ووزن الأعمال، وأخذ ~~الصحف باليمين والشمال، وغير ذلك مما ذكر في دواوين السنة، وكتاب «البعث ~~والنشور» وكتاب «العاقبة»، فهذه جمل أصول الدين وتفاصيلها [في الكتب]، ~~وسنذكر منها في هذا التعليق ما تيسر مما تضمنه القرآن العزيز إن شاء الله ~~عز وجل. # واعلم أن الدين مشتمل على الإيمان والإسلام والإحسان كما في حديث جبريل- ~~عليه السلام-وهذه الآية تضمنت ذلك، وهو التصديق والتقوى لقوله-عز وجل-في ~~آخرها: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (177) [البقرة: 177] وهو ~~خصال الولاية لقوله-عز وجل-في صفة الأولياء: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} ~~(63) [يونس: 63] فالتقوى مساوية للولاية، فكل متق على الحقيقة ولي، وكل ولي ~~على الحقيقة متق. PageV01P079 # انتفى فيه القصاص بأدلة تخصيصه المشهورة (1). # {الحر بالحر والعبد بالعبد} [البقرة: 178]، مفهومه/ [24 أ/م] أن لا يقتل ~~حر بعبد وهو خاص، فيخص به عموم النفس بالنفس خلافا لأبي حنيفة، وأصل الخلاف ~~أن المفهوم حجة عندنا، فيخص به العموم، لأن عنده {والأنثى بالأنثى} ~~[البقرة: 178] مفهومه لا يقتل ذكر بأنثى، لكنه متروك لضعفه ولزوم المفسدة ~~العامة منه، وللإجماع فيقتل الذكر بالأنثى، ولا شيء لورثته. # وذهب بعض العلماء إلى أنه يقتل بها، ويعطى ورثته نصف ديته؛ لأن المرأة ~~تودى بنصف دية الرجل، هو رواية بعيدة عن أحمد، ولعل مأخذها هذا المفهوم، ~~وهو أن الآية اقتضت أن لا يقتل بها، فلما تركناه في القتل اعتبرنا المساواة ~~بينهما بحسب الدية حتى كأنا أخذنا بنفس المرأة نصف نفس رجل كنسبة ديتها من ديته. # {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] أي: من قتل فعفا له الولي عن ~~القصاص، أو عن بعض الدية، فعلى الولي اتباع الجاني بالدية أو ما بقي منها ~~بالمعروف، وعلى الجاني أداء ذلك بإحسان هذا ظاهر الكلام، وهو عام مطرد، وفي ~~تفسيره خلاف. # {فمن اعتدى بعد ذلك} [البقرة: 178] أي: من عفا عن القصاص، ثم قتل الجاني ~~بعد العفو عنه أو اقتص منه في طرف {فله عذاب أليم} (178) [البقرة: 178]، أي ~~بالقصاص منه؛ لأنه ms062 جنى عمدا [أو أنه] أشبه الجاني ابتداء، وهذا عام خص منه ~~ما إذا قتل الجاني بعد العفو عنه خطأ أو جهلا بالتحريم ونحوه من صور العذر ~~المسقطة للقصاص؛ لقوله عز وجل: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما} (5) [الأحزاب: 5] ونحوه، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». # {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} (179) [البقرة: 179] ~~هذا خبر عام، وهو بحسب السياسة الكلية الظاهرة وجاري العادة مطرد؛ لأن ~~الإنسان إذا PageV01P080 # علم أنه إذا قتل قتل كف عن القتل، فكان في كفه حياتهما جميعا وحياة من ~~يتبعهما؛ من يدخل في نصرتهما إما بحسب أمور جزئية باطنة، فقد يكون في ~~القصاص موت كثير مثل أن يقتص من شخص، فتأخذ العزة قوم المقتص منه فيغتالون ~~بعض أولياء القصاص، فيظهر ذلك عليهم، فتلتحم الفتنة، فيقتل خلق كثير أو ~~يقاد المغتالون فهذا القصاص المفروض/ [46/ل] أفضى إلى موت أكثر مما كان ~~يفضي إليه عدم القصاص، لكن مثل هذا لا يعد تخصيصا إذ هو مفروض على خلاف جهة ~~عموم القرآن؛ إذ هو وارد على جهة السياسة الكلية الظاهرة لا على جهة الصور ~~الفرضية الجزئية النادرة. # أما قول العرب: القتل أنفى للقتل، فلا يرد عليه مثل هذا التخصيص؛ إذ ~~معناه: القتل أقرب إلى نفي القتل، ولا يلزم منه أن ينفيه مطلقا في كل صورة ~~حتى يرد للصورة المفروضة ونحوها عليه. # {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين} (180) / [25 ب/م]) [البقرة: 180] هو عام في كل ~~من حضره الموت ممن له مال وأقارب يوصي لهم ثم قيل: إنه نسخ بآية الميراث، ~~وقوله- عليه الصلاة والسلام-: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية ~~لوارث» (1) [فارتفع حكمه بالكلية. # وقيل: لم ينسخ وإنما خص بمن له ميراث، فلا وصية له] وبقي على أصل عمومه ~~فيمن لا ميراث له من الأقارب فتجب له الوصية، وهو أشبه، ولأن التخصيص ms063 أيسر ~~من النسخ، فكان التزامه أولى. # {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم} ~~(181) [البقرة: 181] معناها فهو آثم وهو عام مخصوص بمن بدل حكم الوصية ~~للأقارب جاهلا بتحريم التبديل أو متأولا له على أنه مندوب لا واجب أو واجب ~~منسوخ [ونحو هؤلاء] {فلا إثم عليه} [البقرة: 182] {فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه} [البقرة: 182] هو عام مخصوص بمن أصلح بينهم ~~منهما لجر نفع PageV01P081 # إلى نفسه أو خادعا لبعض الورثة، أو للميت عن بعض المصالح، أو مائلا مع ~~بعضهم لهوى ونحوه، فإن هذا إثم من الجهة التي خرج فيها عن موجب الصلح ~~العدلي. # قوله-عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين ~~من قبلكم لعلكم تتقون} (183) [البقرة: 183] أما الصيام فهو معهود خاص ~~برمضان من سائر الصيام، وهو عام بالنسبة إلى أيامه الثلاثين أو التسع ~~والعشرين، أما {الذين آمنوا} فعام أريد به الخاص وهو أهل التكليف والخطاب، ~~فيخرج من ليس كذلك كالصبي والمجنون وفي تناوله العبيد خلاف. ثم هو بعد ذلك ~~مخصوص إما مطلقا كالعاقل يجن في أثناء رمضان فلا يلزمه صومه ولا قضاؤه إذا ~~أفاق، أو لا مطلقا كالمريض والمسافر والكبير والحائض والحامل والمرضع؛ ~~فيسقط عنهم أداؤه لا قضاؤه {كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (183) ~~[البقرة: 183] [هذا يقتضي وجوب الصوم على عموم من كان قبلنا] من الأمم ~~المتشرعة. # والظاهر أن الصيام المكتوب عليهم كان هو رمضان ويحتمل أنه صوم/ [47/ل] ~~غيره، ثم الظاهر أن التخصيص في حقهم كان كما [كان] في حقنا لسقوط الصوم عن ~~ذوي الأعذار منهم مطلقا أو لا مطلقا كما سبق، ويحتمل خلاف ذلك بالتغليظ ~~عليهم ما لم يغلظ علينا؛ لأن الآصار والأغلال كان عليهم أشد. # {أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] هذا عام أريد به الخاص، وهو المريض الذي يخاف ضررا بالصوم، ~~والمسافر سفرا يقصر في مثله الصلاة لا مطلق المريض، والمسافر ms064 دل على هذا ~~التخصيص النظر والإجماع المعتبر. # {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] قيل: معناه على ~~الذين لا يطيقونه، وإنما حذفت لا كما حذفت في {قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف ~~حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين} (85) [يوسف: 85] أي: لا تفتأ، وهو ضعيف ~~إذ الحذف لا بد عليه من دليل ولا دليل عليه هنا بخلاف «تالله تفتأ» فإن ~~دليل حذفها فيه واضح وقيل-وهو الصحيح-: إنهم كانوا في صدر الصوم أعني أول ~~ما فرض يخير من/ [26 أ/م] أطاقه بين أن يصوم أو يفطر ويفدي، ثم نسخ هذا ~~التخيير PageV01P082 # بتعيين الصوم على ما أطاقه وبقيت رخصة التخيير فيمن لا يطيقه أو يشق ~~عليه، فالتقدير إذن: «وعلى الذين يطيقونه ويختارون الفطر دون فدية». # {فمن تطوع خيرا فهو خير له} [البقرة: 184] أي: فمن تطوع بزيادة على إطعام ~~مسكين عن إفطار كل يوم مثل أن يطعم عن كل يوم مسكينين أو مساكين، فهو خير ~~له، كقوله-عليه الصلاة والسلام-لرجل جاء بناقة فتية، وإنما عليه ابنة مخاض ~~أو لبون فقال: # «ذلك الذي عليك وإن زدت شيئا فهو خير لك» (1) وهذا عام في كل من أفطر، ~~فزاد في الفدية عن إطعام مسكين، [وربما خص بمن تعلقت ضرورته أو ضرورة عياله ~~بالزيادة على طعام مسكين] فيجب صرفها إلى جهة تلك الضرورة حتى لو خالفت ~~فأضر بعياله أو بنفسه أثم. # {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} (184) [البقرة: 184] هذا عام إذا ~~تقديره: وصومكم خير لكم، وهو اسم جنس مضاف، وهو يتناول من خير بين الصوم ~~والفطر بأصل الشرع كالصحابة قبل نسخ ذلك في حقهم. # ومن خير على جهة الرخصة لعذر كالمسافر ونحوه، كل هؤلاء الصوم خير لهم من ~~الإفطار، وهو مخصوص بمن خشي بالصوم التلف أو بلغ به الجهد كقيس بن صرمة ~~الأنصاري (2) حين أصبح طليحا من الصوم أي مجهودا منقطعا، أو أخل الصوم عليه ~~ببعض مصالح الجهاد، كما روي/ [48/ل] أنه عليه الصلاة والسلام-كان في سفر ~~فوقع الصائمون وقام المفطرون فنصبوا واستقوا وأسقوا وطبخوا فقال صلى الله ms065 ~~عليه وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (3) وقال في الصائمين في موضع آخر: ~~«أولئك من العصاة» (4) «ليس من البر الصيام في السفر» (5). # ففي هذه الصورة ونحوها الفطر خير وأفضل تخصيصا لها من عموم {وأن تصوموا} PageV01P083 # {خير لكم} [البقرة: 184] بالدليل # {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس} [البقرة: 185] يقتضي أن جميع ~~القرآن أنزل في رمضان، وهو كذلك أنزل جميعه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ~~في السماء الدنيا في شهر رمضان، أما نزوله إلى الأرض فنزل في رمضان وغيره. # {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] هو عام مطرد باعتبار القوة ~~والصلاحية، أي في قوته وصلاحيته أن يهدي جميع الناس، وعام مخصوص بمن لم ~~يهتد باعتبار الفعل، إذ كثير من الناس لم يهتد به، وإن أريد بالناس مسماهم ~~أو ناس معهود خرج عن قبيل العام. # {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 185] عام فيمن شهد الشهر، أي كان فيه شاهدا أهله حاضرا غير مسافر، ~~فخص منه المسافر بمفهومه وبما سبق، والمريض بما بعده وقبله، وباقي أهل ~~الأعذار بالدليل، للقياس على المخصوص من العموم أو غيره. # {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] يحتج به القدرية ~~على أن الله-عز وجل-لا يريد الكفر والمعاصي من خلقه، وإنما هم يريدونها ~~ويخلقونها / [26 ب/م]، وتقريره أن المعاصي شر، ولا شيء من الشر بيسر، ينتج ~~لا شيء من المعاصي، فالمعاصي عسر، والله-عز وجل-لا يريد بخلقه العسر؛ فيلزم ~~أن المعاصي بيسر لا يريدها الله تعالى بخلقه؛ وهو المطلوب. # ويجاب عنه بوجوه: # أحدها: أن هذه الآية في سياق الصوم، فهي خاصة به بدلالة السياق، ولا تعلق ~~لها بالعقائد، والمعنى: يريد الله بكم اليسر لا العسر في أحكام الصوم ~~والفطر لا مطلقا. # الثاني: أنه عز وجل قال: {يريد الله بكم} والنزاع في أنه يريد منهم ~~المعاصي، وفرق بين أردت به، وأردت منه؛ إذ أحدهما غير الآخر. # الثالث: يحتمل أنه لا يريد بهم العسر عبادة وتكليفا، وإن أراده منهم خلقا ms066 ~~وتقديرا. # الرابع: أن اللام في العسر، يحتمل أن لا تكون للعموم، فلا تكون كبرى ~~قياسكم كلية، فلا تنتح، إذ يبقى هكذا: المعاصي عسر، وبعض العسر/ [49/ل] ليس ~~بمراد الله-عز وجل. PageV01P084 # {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (186) [البقرة: 186] هو عام مخصوص بما لم يشأ ~~الله- عز وجل-إجابته بدليل: # {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} (41) ~~[الأنعام 41]، ويحتمل أن يقال هو عام مطرد غير أن كل داع لا يخلو من ~~الإجابة، إما بنفس مطلوبه، أو بدفع شر عنه عوض ذلك، أو بأن يدخر له في ~~الآخرة مثل ذلك كما صح في الحديث، والإجابة أعم من كل واحد من هذه الثلاثة، ~~فأيها حصل كان إجابة لدعائه. # {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} ~~[البقرة: 187] هو عام مطرد في جميع الليلة، وفي أنواع الرفث من الجماع ~~ومقدماته وما يتصل به إلى نسائكم عام خص منه الحائض والنفساء، والمحرمة، ~~والمعتكفة، ونحوهن ممن بها مانع من الوطء حكما. # {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] عام في ما بين غروب الشمس وطلوع ~~الفجر، ويخص منه بعض ذلك لأسباب خاصة بمنع الأكل والشرب كالصلاة لا يجوز ~~ذلك فيها. # {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] عام مطرد في تحريم ~~المباشرة في حال الاعتكاف. # {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} (188) [البقرة: 188] عام مطرد فلا ~~يجوز أكل مال أحد إلا بحق. # {* يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون} (189) [البقرة: 189] هذا عام على جهة التأدب في حالة الإحرام ~~وغيره، وخص منه إتيان البيوت من غير أبوابها، كتسور الحيطان ونحوه للضرورات ~~والحاجات والمصالح الراجحة، ولا يكون ذلك-والحالة هذه ms067 منافيا لحسن الأدب. PageV01P085 # قوله عز وجل: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين} (190) [البقرة: 190] هو عام يخص بما إذا اقتضت المصلحة ~~ترك قتال المقاتل مداراة عند الضعف عنه كما في الهدنة والصلح، أو خديعة له ~~إذ الحرب خدعة أو نحو ذلك. # {ولا تعتدوا} [البقرة: 190] عام مطرد في ترك العدوان الحقيقي. # {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} (194) ~~[البقرة: 194] أي: من انتهك لكم حرمة، فانتهكوا له مثلها لتقتصوا منه ~~بدليل: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين} (194) [البقرة: 194] / [27 أ/م] إذ هذا بيان ~~للحرمات قصاص، وهو عام في جواز الاقتصاص، وخص منه في القصاص في الأطراف ما ~~إذا خيف الحيف كالجائفة لا قصاص فيها لتعذر المماثلة، وفيما إذا قتله بمحرم ~~[في نفسه] كتجريع للخمر واللواط لا يقتص منه بمثله لئلا يكون دفعا للظلم ~~الحرام بمثله، ومحوا للأثر القبيح بأقبح منه، وكذا لو قتل/ [50/ل] رجل قريب ~~رجل أو عبده أو دابته، أو زنا بامرأته أو أمته، لم يجز للمجني عليه أن يفعل ~~بالجاني مثل ذلك بل يقتص منه ويغرمه. ويرفعه إلى من يحده، ونحو ذلك. # {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين} (195) [البقرة: 195] عام مثل: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (29) [النساء: 29]، وهو مخصوص بما إذا تضمن ~~الإلقاء إلى التهلكة أجرا أو مصلحة كمن يحمل في صف العدو وحده لإعزاز الدين ~~ونكاية الفاسقين، أو يلقى النار في مركبه ويظن السلامة في إلقاء نفسه في ~~البحر، أو يخاطر في صعود حصن أو النزول منه لفتحه على المسلمين أو نحو ذلك. # {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (195) [البقرة: 195] عام خص منه من ترجحت ~~إساءته على إحسانه، فالظاهر أنه لا ms068 يحبه، وفيما إذا استويا نظر. PageV01P086 # {ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله} عام في بلوغ الهدي محله، فلو كان ~~مع المحرم هدي متعدد، فبلغ بعضه المحل دون بعض لم يحل ولم يجز له الحلق حتى ~~يبلغ جميعه المحل، عملا بمقتضى عموم الاية. # {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ~~[البقرة: 196]، أي فحلق فعليه فدية، وهو عام في جواز حلق المحرم رأسه للمرض ~~والأذى، ويقاس عليه استباحة سائر محظورات الإحرام للأعذار كاللبس، وتغطية ~~الرأس، وقصر الظفر، والتطيب ونحوه. # {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] هذا عام ~~في كل متمتع في الحج أن يلزمه دم لما أخل به من الإحرام بالحج من ميقاته، ~~وذلك بشروط التمتع. # {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: 196] عام في كل متمتع ~~عدم الدم أن يصوم عنه عشرة أيام ويخص بمن عدمه ثم وجده قبل الشروع في ~~الصوم، فإنه يرجع إليه في أظهر القولين، وفي الآخر لا يرجع، ويشرع في ~~الصوم، لدخوله تحت عموم الآية أما إن وجد الهدي بعد الشروع في الصوم فلا ~~يلزمه الرجوع إليه قولا واحدا، وكذا {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: ~~196] عام [في] جواز إيقاعها في جميع أيامه ما بين الإحرام به إلى التحلل منه. # {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] هو عام في كل ~~مكي أو من في حكمه من مجاور، أو من هو منها على دون مسافة القصر أن لا متعة ~~لهم إذ لا خروج عليهم إلى ميقات الحج للإحرام منه حتى يجب الدم للإخلال به. # {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب} (197) / [51/ل]) [البقرة: 197] عام في النهي عن هذه الأشياء، مطرد ~~إلا في الجدال فإنه مخصوص بما إذا/ [27 ب/م] كان لإقامة حجة أو كشف شبهة ~~فإنه يستحب، ms069 وربما وجب خصوصا إن كان الجدال في بعض أحكام الإحرام والحج ~~للعمل به معجلا، فإن هذا يبقى فرض كفاية على العلماء الحاضرين، وكثيرا ما ~~يقع هذا هنالك. PageV01P087 # {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} [البقرة: 197] أي: فيجازيكم عليه، وهو ~~عام في الأمرين علمه والجزاء عليه بدليل: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} (29) ~~[البقرة: 29]، {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن ~~كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} (47) [الأنبياء: 47]، ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} (7) [الزلزلة: 7] ونحوه. # {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197] عام مطرد إذ لا أفضل منها زادا. # {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين} ~~(198) [البقرة: 198] عام في نفي الجناح في التجارة في أيام الحج، والأفضل ~~أن لا يفعل ليتجرد قصده للعبادة، ولا تنافي بين نفي الجناح وترك [الأفضل، ~~ولا بين المباح وترك] المندوب. # {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس ~~من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} (200) [البقرة: 200]. # عام مطرد في نفي الخلاف نحو {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} (20) # [الشورى: 20]. # {*واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} (203) ~~[البقرة: 203] عام في نفي الإثم في التعجل والتأخر، ولا يقتضي ذلك التسوية ~~بينهما، فالتأخر واستكمال أيام منى الثلاث أفضل؛ لأن نفي الإثم أعم من ~~الأفضل والمساوي فلا دلالة له عليهما، وجودا ولا عدما. PageV01P088 # ذلك وما صدق عليه، أما العموم فمتعذر عادة؛ إذ لا يقدر على السعي في كل ~~جزء من الأرض] ولا إهلاك كل حرث ونسل. # {والله لا يحب ms070 الفساد} (205) [البقرة: 205] عام مطرد في نفي محبته ~~الفساد، وهو كل قبيح لا نفع فيه، أو كل فعل محض الضرر، أو كل فعل لم يؤذن ~~فيه شرعا. # ويحتج المعتزلة بهذا على أن معاصي العباد ليست خلقا له؛ إذ لو خلقها ~~لأحبها، أو لأنه لا يخلق ما لا يحب، ولأن ما لا يحبه لا يخلقه. # والجواب: أن جميع هذه العبارات منقوضة بالكفار والشياطين/ [52/ل] ونحوهم، ~~قد خلقهم مع أنه لا يحبهم. # {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد} (207) ~~[البقرة: 207] عام في كل عبد أنه لا بد له من شيء من رأفة الله عز وجل. # ولا ينافي ذلك تعذيب بعضهم في الدنيا بالبلايا، والمحن في الآخرة بالنار؛ ~~لأن العموم هنا في لفظ العباد لا في لفظ رءوف، إذ هو مطلق، يصدق بالمسمى ~~كما بيناه بشيء من الرأفة لكل عبد. # {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين} (208) [البقرة: 208] عام خص منه من لا خطاب معه، ولا تكليف ~~عليه، وقد سبق أن مثل هذا العام يزيد وينقص. # {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم} (209) ~~[البقرة: 209] أي: الإسلامية المعهودة، وإلا فكل بينة في الإمكان والقدرة ~~لم تأت. # {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الأمور} (210) [البقرة: 210] عام مطرد في الملائكة يأتي/ ~~[28/م] جميعهم يوم القيامة، وفي الأمور يرجع جميعها إلى الله-عز وجل-فلا ~~أمر لأحد معه. # {سل بني إسرائيل} [البقرة: 211] أي: أهل العلم منهم؛ إذ هم أهل السؤال، ~~فهو عام أريد به الخاص. # {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب} (212) [البقرة: 212]. PageV01P089 # يحتمل اختصاصه بمن له دنيا وزينة، ويحتمل عمومه بخلق زينة مطلق الحياة ~~الدنيا في قلب كل كافر، ولهذا كانت الدنيا جنة الكافر لزينتها عنده، وسجن ~~المؤمن لتبغيضها إليه، كما زين الإيمان في قلب المؤمن، وكره إليه ms071 الكفر. # {ويسخرون من الذين آمنوا} [البقرة: 212] يحتمل أنه من المؤمنين ~~المعهودين، ويحتمل أنه من المؤمنين الذين شاهدوهم حتى سخروا منهم، فيكون ~~عاما أريد به الخاص. # {والذين اتقوا} [البقرة: 212] عام في المتقين هم فوق الكفار يوم القيامة. # {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (213) ~~[البقرة: 213] عام فيهم كانوا بعد نوح-عليه السلام-ملة واحدة على الكفر، ثم ~~جاءتهم الرسل فاختلفوا فآمن بعضهم، وكفر بعض. # {فبعث الله النبيين} [البقرة: 213] عام فيهم أو لأنبياء معهودين، وهم ~~أصحاب الشرائع والكتب بدليل {وأنزل معهم الكتاب بالحق} [البقرة: 213]، ~~وأصحاب الكتب معدودون إذ ليس كل نبي جاء بكتاب. # {ليحكم بين الناس} عام فيهم خص بمن لا تكليف عليه، إذ لا حكم يتعلق به من ~~حيث هو غير مكلف، وبمن لا اختلاف بينهم إلا حاجة لهم إلى الحكم بينهم. # {فهدى الله الذين آمنوا} [البقرة: 213] عام مطرد {ما أصاب من مصيبة إلا ~~بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} (11) [التغابن: 11]. # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب} (214) [البقرة: 214] يحتمل أنه عام مطرد، وأن ~~الصحابة امتحنوا بما امتحن به جميع من قبلهم، ويحتمل أنه أريد به المعهود ~~أو الخاص أي قوم ممن كان قبلكم امتحنتم بما امتحنوا. # {مستهم البأساء والضراء} [البقرة: 214] أي المعهود منهما أو مسماهما، ~~وإلا PageV01P090 # فجنس البأساء والضراء لم يمس قوما بعينهم أو شخصا بعينه، اللهم إلا أن ~~يكون هذا من باب مقابلة الجمع بالجمع فيكون [معناه أن جنس من قبلكم مسهم ~~جنس البأساء والضراء فيجوز]. # {حتى يقول الرسول} [البقرة: 214] يجوز أن يكون اسم جنس فيكون عاما في ~~الرسل، ويجوز أن ms072 يكون معناه حتى يقول الرسول منهم فيكون واحدا. # {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} (217) [البقرة: 217] عام مطرد. # [قوله عز وجل]: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ~~ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} (221) [البقرة: 221] عام خص ~~بالكتابيات يجوز نكاحهن مع شركهن. # وإن قلنا: إن المشركين في عرف الشرع لمن عدا أهل الكتاب من الكفار فهو ~~عام مطرد، لا تخصيص فيه. # {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا ~~إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} (221) [البقرة: ~~221] عام مطرد. # {ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن ~~حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} أي: في زمن الحيض هو عام ~~في اعتزالهن فيما تحت الإزار، وجواز الاستمتاع بما وراء ذلك ثبت ببيان السنة. # {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} (222) [البقرة: 222] عام مطرد، ~~ويحتمل تخصيصه بمن تكررت توبته/ [28/ب/م] استهزاء أو لعبا، أو عن غير عزم، ~~وبمن أكثر الطهارة إسرافا ووسواسا ونحو ذلك، فالظاهر أنه لا يحبهما مع ~~دخولهما تحت عموم PageV01P091 # التوابين والمتطهرين. # {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله ~~واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين} (223) [البقرة: 223] عام مطرد في ~~الأزواج وهن المراد [من النساء]، {فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] ~~اعلم أن «أنى» تستعمل بمعنى «أين» وبمعنى «من أين»، وبمعنى «كيف» فمن حملها ~~هاهنا على معنى «أين» وهي عامة في المكان قال: المعنى فأتوا حرثكم أين شئتم ~~من قبل أو دبر، وهؤلاء هم الشيعة وطائفة من أهل الحجاز، ويعزى إلى مالك، ~~وقد شاهدناه عنه في كتاب «السر» من نسخة صحيحة متصلة ms073 الإسناد إليه، وأصحابه ~~تارة يسلمون صحته عنه، ويدعون رجوعه، وتارة ينكرونه عنه أصلا، وينكرون صحة ~~كتاب «السر» عنه بالأصالة ثم ينقلون من كتاب «السر» مسائل في غير هذا الباب. # والدليل على صحته عنه أن عظم مادته عن نافع عن ابن عمر، وقد نقل ذلك ~~عنهما، أما نافع فقد روي في مسند أبي حنيفة-رحمه الله-أنه قيل له: ما لك لم ~~تأخذ عن نافع؟ فقال: قد قصدته لاخذ عنه؛ فوجدته بين أصحابه، وهو يفتي بجواز ~~وطء المرأة في الدبر، فتركته فلم آخذ عنه شيئا. # وأما ابن عمر فروى عبد الرزاق في تفسيره بإسناده إلى ابن عمر أنه تلا ~~{أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل ~~أنتم قوم عادون} (166) [الشعراء: 165، 166] قال يعني مثله من الذكر، قال ~~ابن عمر: ولا ينبغي أن يقال هذا للعوام أو كما قال. / [54/ل] # ومن حملها على معنى كيف أو من أين قال: يأتيها كيف شاء مقبلة ومدبرة ~~وقائمة ومضطجعة ومن أين شاء كذلك لكن في صمام واحد، وهو القبل. # واحتج الأولون بقوله عز وجل: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] على ~~تفسيرهم لها بمعنى أين، وبما روي أن رجلا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتى امرأته في دبرها، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد لذلك ~~وجدا شديدا، فنزلت {وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين} (223) [البقرة: 223]. # قالوا: وهذا ظاهر في إقامة عذر الوطئ، وإزالة موجدة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولأن هذا المكان PageV01P092 # المتنازع فيه إما أن يتناوله عقد النكاح أو لا، فإن تناوله وجب القول ~~بإباحة الوطء فيه كالقبل، وإن لم يتناوله وجب أنه إذا أضاف الطلاق إليه أن ~~لا تطلق كما لو أضافه إلى فرج جارتها، وهو باطل، ولأن تفضيل الرجل على ~~المرأة قد ظهر في الإرث والشهادة حتى كان إرثه ضعف إرثها، وشهادته ضعف ~~شهادتها فجاز أن يظهر ذلك في استمتاعه بها بأن يستمتع منها بجهتين، ~~[وتستمتع هي] منه بجهة واحدة على نسبة الضعف ms074 له والنصف لها، كالشهادة ~~والإرث. # واحتج الآخرون بالآية على تفسيرهم لها بمعنى كيف أو من أين، وبما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى ذلك اللوطية الصغرى (1)، ولعن من فعلها ~~(2)، وبأن الله-عز وجل-سماهن حرثا والحرث إنما/ [27/أ/م] يكون حيث يظهر ~~الزرع هو هاهنا القبل الذي هو محل الولد لا الدبر الذي ليس محلا إلا لخروج ~~النجاسة؛ ولأن الوطء فيه مؤذ، أو منجس، فكان حراما كالوطء في الحيض. # وفي المسألة من البحث أكثر من هذا اقتصرنا منه على ما ذكرنا. # {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] عام مطرد، ولغو ~~اليمين قيل: هو ما يجري على اللسان عن غير قصد نحو لا والله، وبلى والله، ~~وقيل: هو أن يحلف على شيء يظن أنه بار صادق فيه، وهو في نفس الأمر على خلاف ~~ظنه عن غير قصد منه للكذب. # {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم} (225) [البقرة: 225] أي: # بالنيات والعزائم وهو عام مطرد. # وحديث النفس المعفو عنه لا يدخل تحت كسب القلب، حتى يخص به؛ لأن كسب ~~القلب يراد به أمر قار، وهو العزيمة والنية الجازمة بخلاف حديث النفس، فإنه ~~ليس كذلك، بل هو من باب الخطرات السيالة التي لا ثبات لها. # {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] / [55/ل] عام خص ~~منه الصبي والمجنون، ونحوهما ممن لا يصح إيلاؤه. PageV01P093 # {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن} [البقرة: 228] هذا عام أريد به الخاص، وهن المطلقات [الحوائل ~~ذوات الأقراء]، أو نقول: هو عام مخصوص بالمطلقات الحوامل عدتهن بوضع الحمل ~~بدليل {وأولات الأحمال.} # {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} (228) [البقرة: 228] أي ~~بارتجاعهن في العدة، وهو عام مخصوص بمن راجع لا لإرادة الإصلاح، فلا تشرع ~~له المراجعة على ظاهر الآية. # {إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] لكن هل هذا شرط لجواز الرجعة، أو هو ~~شرط تأديب؟ فيه احتمال، وإذ قد ثبت أن ms075 الضمير في {وبعولتهن} [البقرة: 228] ~~للرجعيات فهل يقتضي ذلك تخصيص المطلقات في أول الآية بالرجعيات أم لا؟ # فيه قولان للأصوليين: أظهرهما: لا يقتضيه وتكون كل جملة مستقلة بنفسها، ~~لا ارتباط لها بالأخرى حتى كأنه قال: وبعولة الرجعيات أحق بردهن. # والثاني: أنه يقتضيه؛ لأن الضمير في {وبعولتهن} لا يستقل بنفسه دون ظاهر ~~يرجع إليه، وليس قبله ما يصلح مرجعا له إلا المطلقات في أول الآية، ثم ~~الضمير خاص بالرجعيات، فمرجعه وهو للمطلقات يجب اختصاصه بالرجعيات؛ لأن ~~الراجع والمرجوع إليه-أعني الضمير وظاهره-متحدان في المعنى، فلو اختص ~~الضمير وعم الظاهر لزم أن يكون الواحد في المعنى عاما خاصا من جهة واحدة ~~وأنه محال. # ويجاب عن هذا بأن الضمير في {وبعولتهن} إما راجع [إلى النساء] لأنهن ~~مذكورات في الكلام بالقوة وقد سبق {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ~~وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين} (223) ~~[البقرة: 223]. # {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم} ~~(226) [البقرة: 226] أو أن الضمير المذكور وضع موضع الظاهر اختصارا/ [27 ~~ب/م] كما يوضع الظاهر موضع الضمير تعظيما فكان التقدير: وبعولة [النساء: أو ~~بعولة] PageV01P094 # الرجعيات أحق بردهن، وحينئذ يستقل بنفسه ولا يرتبط بالمطلقات قبله حتى ~~يخصصهن، وهذا بحث جيد من الطرفين، فتأمله إن شاء الله-عز وجل. # وهذه من مشهورات مسائل العموم والخصوص في أصول الفقه، ويترجمونها بما إذا ~~تعقب ضمير خاص، هل يخصصه أم لا، ويوردون لها هذا المثال بعينه. # {وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} (228) [البقرة: 228]. # أي: من حيث هم رجال، فهو عام مطرد ونظيره {الرجال قوامون على النساء بما ~~فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34] إما بالنظر ~~إلى أشخاص الرجال والنساء، فرب امرأة لها على الرجال درجات. # {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ms076 ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون} (229) [البقرة: 229]. # أي: إذا طلق الرجل امرأته لا يحل له أن يرجع عليها بشيء من مهرها؛ لأنها ~~استحقته بما استحل منها، وهذا عام خص بما بعده وهو {إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما} [البقرة: 229] ~~فيخص العموم المتقدم بما إذا خاف الزوجان في المقام على الزوجية الإثم بسوء ~~العشرة بينهما، وتمانعهما حق الزوجية وأن لا يقيما حدود الله بينهما، ويأبى ~~الزوج طلاقا بلا عوض، فحينئذ يجوز لهما أن يصطلحا على شيء تبذله الزوجة له، ~~إما المهر الذي ساقه إليها أو بعضه أو غير ذلك من المال، ويطلقها افتداء ~~لنفسها منه بذلك. # ومن الإثم بالمقام، وهذا كما قالت المرأة الأنصارية، وقد تشعث الحال ~~بينها وبين زوجها: يا رسول الله، إني لا أنقم من فلان شيئا غير أني أكره ~~الكفر في الإسلام. تعني أنها تخشى أن لا يقوم بينهما حدود الله فتأثم أو ~~نحو هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟ » يعني التي ~~كان قد ساقها إليها مهرا قالت: نعم. فقال للزوج: «يا فلان، خذ PageV01P095 # الحديقة وطلقها تطليقة» (1)، ففعل وهذه القصة إما أنها سبب نزول هذه ~~الآية، أو أنها محكوم بالآية فيها، {فإن طلقها} يعني بعد المرتين ~~السابقتين، {فإن طلقها فلا تحل له من بعد، } هذا عام خص بالغاية بعده، وهي ~~حتى تنكح زوجا غيره، {فإن طلقها} يعني الزوج الثاني المحلل لعودها إلى ~~الأول، فلا جناح عليهما أي على المرأة، ومطلقها الأول ثلاثا، {أن يتراجعا} ~~أي يرجعا إلى النكاح بعقد وعدد جديد، وهذا عام بما بعده وهو الشرط. # {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} [البقرة: 230]. # أمره ونهيه في حقوق الزوجية، فالعموم المذكور مخصوص بما إذا لم يظنا ~~إقامة الحدود بعد التراجع، فلا يجوز لهما، وحاصله أنهما إن ظنا إقامة ~~الحدود بعد التراجع جاز وإلا فلا، فإن قيل: ما ms077 الحكمة في أنها لا تحل ~~لمطلقها ثلاثا إلا بعد نكاح زوج ثان؟ قلنا: زجر الرجال عن الطلاق؛ لأن من ~~علم أن زوجته إذ طلقها ثلاثا لا يقدر عليها إلا بعد/ [28 أ/م] أن ينكحها ~~غيره، وذلك مما تأنف منه الطباع والنفوس الأبية احتملها على ما كان منها، ~~واستبقاها فلم يطلقها خشية ما يأباه طبعه من نكاح الزوج الثاني. # فكان في اشتراط النكاح الثاني استبقاء النكاح الأول على نحو {ولكم في ~~القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} (179) [البقرة: 179]. # إذ في القتل استبقاء الحياة، أو نقول: في النكاح نفي الطلاق، كما في ~~القصاص نفي الجناية. # قوله عز وجل: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} [البقرة: ~~231] عام مطرد؛ لأن من طلق المرأة طلاقا رجعيا، ثم كلما قارب انقضاء عدتها ~~راجعها إضرارا بها وعدوانا، فقد ظلم نفسه بالإثم فيها لتعويقها عن مصلحتها ~~وحبسها/ PageV01P096 # [57/ل] على ما تكره، وكذلك من راجعها وأمسكها بغير المعروف ضرارا عدوانا، ~~والآية تحتمل الوجهين، والأشبه بالمراد الثاني. # {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} [البقرة: 231] عام مطرد في تحريم الاستهزاء ~~بآيات الله عز وجل: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن} [التوبة: 65]. # {* والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير} (233) [البقرة: 233] هو ونظائره حجة في عدم تكليف ما لا يطاق، وآخر ~~السورة أليق به من هاهنا، إن شاء الله-عز وجل. # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير} ms078 (234) [البقرة: 234] هذا عام خص منه المتوفى عنها الحامل عدتها بوضع ~~الحمل، بدليل {وأولات الأحمال} ولحديث سبيعة الأسلمية (1)، وذهب قوم إلى أن ~~الحامل المتوفى عنها تعتد بأطول الأجلين من وضع الحمل وعدة الوفاة، روي ذلك ~~عن علي وابن عباس، وأبي بن كعب، وغيرهم؛ لأن دليل العدتين صادق عليها، إذ ~~هي متوفى عنها ومن ذوات الأحمال، والنسب مما يحتاط له، والاحتياط في ~~اعتدادها بأطول الأجلين فكان واجبا. # ولعل هؤلاء لم يبلغهم حديث سبيعة أو لم يصح عندهم، أو نحو ذلك مما رأوه ~~من وجوه الاجتهاد. # {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم} [البقرة: 234]، {ولا جناح عليكم فيما ~~عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن ~~لا} PageV01P097 # {تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن ~~الله غفور حليم} (235) [البقرة: 235] عام مطرد {ولا تعزموا عقدة النكاح} ~~[البقرة: 235] أي: لا تعقدوا على المعتدة هو عام خص بالغاية بعده {حتى يبلغ ~~الكتاب أجله} [البقرة: 235] أي تنقضي عدتها فحينئذ يجوز عقد النكاح عليها. # {يعلم ما في أنفسكم} [البقرة: 235] عام مطرد {هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} (29) ~~[البقرة: 29]. # {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} (238) [البقرة: ~~238] عام مطرد في المكتوبات {والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] عطف خاص على ~~عام، وهي العصر على الأصح من سبعة عشر قولا (1). # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم} (240) [البقرة: 240] المشهور أنها نسخت بعدة أربعة أشهر وعشرا. # وحكي عن مجاهد أو غيره من أهل العلم أنها/ [28 ب/م] نسخت في الاعتداد ~~بالحول، أما الوصية لها فلم تنسخ، فتعتد بأربعة أشهر وعشر بالآية السابقة، ~~ويصرف لها من تركة الزوج نفقة سبعة أشهر وثلثي شهر تمام نفقة الحول بهذه الآية. # {والذين ms079 يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} [البقرة: 240] عام ~~مطرد كنظيرها السابق. # {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} (241) [البقرة: 241] اختلف ~~الناس فيها فمنهم من طرد عمومها وأوجب المتعة لكل مطلقة، وهو ما يعطاه من ~~مال على الموسر قدره وعلى المقتر قدره، ويتولى تقديرها الحاكم، ومنهم من لم ~~يجعل المتعة إلا PageV01P098 # لمن طلقت قبل الدخول بها/ [58/ل] وفرض المهر لها، فيكون لفظ المطلقات إما ~~مخصوصا عنده بمن سوى هذه المذكورة، أو عاما أريد به الخاص، وهو هذه ~~المذكورة. # ودليل التخصيص قوله عز وجل: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} (236) [البقرة: 236] وبقوله-عز وجل: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} (49) [الأحزاب: 49]. # ومنهم من قال: تجب المتعة لكل مطلقة إلا لمن دخل بها، وسمى مهرها، فلا ~~تجب لها المتعة لمفهوم قوله-عز وجل: {ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~ومتعوهن} [البقرة: 236]، فإن مفهوم هذا أن الممسوسة المفروض لها صداق لا ~~متعة لها، ويخص بهذا المفهوم عموم {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين} (241) [البقرة: # 241] ولأن المتعة كالعوض عن المهر، فلو جمع بينهما كان جمعا بين العوض ~~والمعوض منه وهذا أشبه في النظر، لأنه يتضمن العمل بالأدلة جميعها [منطوقها ~~ومفهومها]. # وهذه الأقوال الثلاثة روايات عن أحمد-رحمه الله-وجهها ما ذكرنا. # {* إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (243) [البقرة: ~~243] عام مطرد، أما قوله عز وجل: {*ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] فعام في ~~جميعهم إماتة وإحياء، وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: اثنا عشر ألفا، وقيل: ~~ثلاثون ألفا، وهو حجة على إمكان المعاد، وبعث الأجساد، خلافا للفلاسفة ~~والنصارى إذ قصروا المعاد على الروحاني دون الجسماني # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ~~ويبصط وإليه ترجعون} (245) [البقرة: 245] عام مطرد لا يتخلف أحد عن الرجوع ~~إليه عز وجل. ms080 PageV01P099 # القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) [البقرة: 246] ~~عام خص بالاستثناء المذكور. # وزعمت الشيعة أن هذه الآية مثل ضربه الله-عز وجل-لأصحاب محمد عليه الصلاة ~~والسلام، وأن بني إسرائيل كما تولوا عن ملكهم الذي هو منصوب نبيهم إلا ~~قليلا منهم، كذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تولوا عن إمامهم الذي هو ~~منصوب نبيهم إلا قليلا منهم، وليس ما ذكروه بنص فيما ادعوه ولا ظاهر. # قال: {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع ~~عليم} (247) [البقرة: 247]. # احتجت الشيعة به على أن عليا هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتقريره: / [29 أ/م] أن بني إسرائيل لما عين لهم طالوت ملكا امتنعوا من ~~تمليكه عليهم، معللين بفقره وخمول نسبه فقالوا: {أنى يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} [البقرة: 247] فأجابهم نبيهم ~~بقوله: {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم} [البقرة: 247]. # وجعل هذه الصفات سببا لاستحقاق التقدم عليهم قالوا: وهذه الصفات الثلاث ~~كانت/ [59/ل] لعلي دون أبي بكر، أما الاصطفاء فلأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم اصطفى عليا بالنص عليه يوم الغدير حيث قال للناس: «ألست أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا بلى، قال: # «فمن كنت مولاه فعلي مولاه» (1). # قالوا: وهذا بعد كل اعتراض وبعد كل سؤال وجواب قاطع في استخلاف علي ~~عليهم، ويدل عليه حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي» رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح، ~~وروى أحمد أيضا في PageV01P100 # كتاب فضائل علي من حديث بريدة بن الخصيب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن عليا مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي» هكذا بكاف الخطاب، قالوا: ~~والمفهوم من الولي هو الرئيس المطاع وهو ms081 معنى الإمام، وهذا هو المفهوم من ~~قولنا: ولي المرأة، وولي اليتيم، أي: الرئيس المطاع عليهما النافذ تصرفه ~~فيهما. قالوا: وهذه أخبار الآحاد، وإن كنا لا نقول بها، لكنها تلزمكم؛ ~~لأنها حجة عندكم فنحن نوردها إلزاما لكم لا استدلالا عليكم. # وأما أبو بكر فليس منصوصا عليه باتفاق، لأن مستند بيعته عندكم الاختيار ~~والإجماع، ولو كان منصوصا عليه لما احتيج إلى ذلك، قالوا: فهذا الاصطفاء ~~وهو معنى النص قد ثبت لعلي دون أبي بكر، وأما البسطة في العلم فلقوله صلى ~~الله عليه وسلم «أقضاكم علي»، وإنما يكون أقضاهم إذا كان أعلمهم، ولأن من ~~المشهور أنه كان له من الخوض في طلب العلم ما لم يكن لأبي بكر، بدليل أن ~~الصدقة بين يدي [نجوى] الرسول-عليه الصلاة والسلام-لم يعمل بها أحد سوى ~~علي، حتى كان معه عشرة دراهم هو محتاج إليها؛ فآثر تحصيل العلم على ضرورته ~~وتصدق بها حتى استفاد من النبي صلى الله عليه وسلم-عشر مسائل، ولم يعرف مثل ~~ذلك لغيره، وكذلك نفوذه في الفقه وسرعة أجوبته في المشكلات كالمسألة ~~المنبرية والدينارية وغيرهما مما لم يكن لغيره يدل على أنه كان أبسط في ~~العلم من أبي بكر وغيره. # وأما البسطة في الجسم يعني القوة والشجاعة، فلا يشك منصف أنه كان أشجع ~~الصحابة أبي بكر وغيره، أما أولا؛ فلأن أبا بكر على ما ذكر في صفته كان ~~شيخا ضئيلا نحيفا/ [29/م] ولو لم يكن إلا إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأنه ضعيف/ [60/ل] في بدنه حيث قال: «رأيته ينزع بذنوب، وفي نزعه ضعف والله ~~يغفر له (1)، وقوله: «إن تولوها أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه قويا في أمر ~~الله» -لكان كافيا في ضعف بدنه. # وأما علي فبالتواتر أنه كان عظيم الجسم، شديد القوة، عظيم المشاش، ما ~~صارع أحدا إلا صرعه، ولا أمسك بعضد أحد إلا أخذ بنفسه، وإنما سمي حيدرة ~~تشبيها له بالأسد في الخلقة والقوة، وكان مع ذلك شابا في عنفوان شبيبته، ~~ولا يشك أحد أن الشاب القوي الجلد أشد وأشجع من ms082 الشيخ الضعيف النحيف. # وأما ثانيا فإن خالد بن الوليد كان هو العلم المشهور في الصحابة ~~بالشجاعة، ثم لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم وعليا إلى اليمن أمر عليا ~~عليه وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم في كل أمر أقوم الناس PageV01P101 # به، فلولا أن عليا أشجع من خالد لما قدمه عليه، والأشجع من الأشجع أشجع ~~بالضرورة، فإن قال قائل: إن الشجاعة ليست بقوة البدن الظاهرة، وإنما هي ~~بقوة القلب الباطنة، فرب شيخ ضعيف نحيف أشجع من شاب قوي جليد. # قلنا: فدعونا من هذا، فقد أجمعت العرب وأهل الأدب على أن أشجع بيت قيل ~~قول عباس بن مرداس: # أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها # ولا خلاف أن عليا كان أقوم بهذه الصفة، وأقدم على الحروب من أبي بكر، قالوا: # ولو أبطلتم لنا كل حجة على ذلك قلنا حجة تضطرون إلى تسليمها ولا تستطيعون ~~إبطالها، وهي أن الأصوليين إذا أرادوا إثبات الإجماع بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «أمتي لا تجتمع على ضلالة» (1)، وحاولوا إثبات تواتر هذا الخبر. ~~قالوا: تواتر تواترا معنويا حتى صار كشجاعة علي، وسخاء حاتم، فلا تراهم ~~يضربون المثل إلا بشجاعة علي، ولو كان أبو بكر أشجع لكان أولى بضرب المثل ~~بشجاعته، وأيضا فإنهم قرنوا شجاعة علي بسخاء حاتم، ثم لما كان حاتم أجود ~~العرب، وجب أن يكون قرينه في ضرب المثل أشجع العرب، فهذا مما لا جواب عنه ~~ولا خلاص منه. # قالوا: فثبت أن الصفات التي احتج بها نبي بني إسرائيل عليهم في تقديم ~~طالوت مختصة بعلي دون أبي بكر، فوجب أن يكون علي أولى بالتقديم من أبي بكر ~~كما/ [61/ل] كان طالوت أولى بالتقديم على بني إسرائيل. # وقد ورد الأثر بأن عليا طالوت هذه الأمة، وهو إشارة إلى ما قررناه من ~~كونه واجب التقديم عليها كما وجب تقديم طالوت. # هذا ما قررت به الشيعة إمامة علي من هذه الآية ومناقضته على التفصيل ~~يطول، وربما تعذر في البعض، وإنما/ [30 أ/م] أجاب الجمهور عنه ms083 بانعقاد ~~الإجماع بموافقة علي على PageV01P102 # إمامة أبي بكر، فإذا سلم صاحب الحق فكلام الشيعة بعد ذلك فضول محض. # {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين} (249) [البقرة: 249]، استروح إلى هذه ونحوها بأن قالوا: ~~قلتنا بالنسبة إلى الجمهور لا تدل على أننا مغلوبون في الحجة، ولا على أنهم ~~مستأثرون بالحق، إذ كم من قليل غلب كثيرا. # وأجاب الجمهور بأن قالوا: نحن السواد الأعظم فمن شذ عنا شذ في النار. # وهذه المسائل وكل مسألة يذكر الخلاف فيها بين الجمهور والشيعة فهي من ~~مسائل الإمامة وتوابعها، وهي من قسم أصول الدين. # {فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين} (251) [البقرة: 251] عام أريد به الخاص، أي: الملك على بني ~~إسرائيل، وحكمة مخصوصة إذ من المعلوم أن داود-عليه السلام-لم يؤت جنس الملك ~~ولا جنس الحكمة، إذ ذلك ليس إلا لله-عز وجل-الذي عم ملكه وحكمته. # {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] هو عام ~~مطرد في الناس وفي المسكون من الأرض، إذ المعنى لفسد حال أهل الأرض، وأرض ~~لا ساكن بها لا يتأتى ذلك فيها. # {ولكن الله ذو فضل على العالمين} (251) [البقرة: 251] عام مطرد، إذ لا ~~أحد من العالمين إلا ولله-عز وجل-عليه فضل. [قوله عز وجل]: PageV01P103 # اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) [البقرة: 253] اعلم أن للرسل مراتب ~~وهم درجات عند الله، وإنما ورد النهي عن التفضيل بينهم لئلا يوهم ذلك الغض ~~من المفضول [منهم] وتنقصه، وجانبهم مصون عن مثل ذلك، وهذه من مسائل الرسل ~~من أصول الدين نحن ذكرناها وقليلا ما تذكر. # {منهم ms084 من كلم الله} [البقرة: 253] يحتج به من يرى القرآن وكلام الله-عز ~~وجل -هو العبارات المسموعة، وأنه-عز وجل-يتكلم بحرف وصوت قالوا: والإشارة ~~إلى موسى الكليم، ولولا أنه كلمه كلاما مسموعا/ [62/م] عرفا لما كانت له ~~خصيصة على غيره إذ قد كلم الله-عز وجل-غيره وحيا وإلهاما وغير ذلك، فدل على ~~أن لكلامه موسى خصيصة على الجميع، وليس إلا لما ذكرنا من أنه كلمه بكلام مسموع. # وأجاب الأشعرية [وسائر أهل الحق] بأن الله-عز وجل-كما ترى ذاته وليست ~~جوهرا ولا عرضا كذلك يفهم كلامه وليس بصوت ولا حرف، وأكثر ما فيه خلاف ~~العادة والمألوف في الشاهد وهو مشترك بين المسألتين، وهذا النائم يفهم ~~الكلام في النوم من غير صوت ولا حرف في الخارج، ومعتمد هؤلاء أن الصوت ~~والحرف لا يعقل إلا من جسم، والله-عز وجل-ليس بجسم، ومعتمد الآخرين أن ~~الكلام المفهوم لا يعقل إلا/ [30 ب/م] بصوت وحرف، وربما أجاب الأولون بأن ~~الكتابة والإشارة تفهم المراد، ولا صوت ولا حرف، وأيضا كما أن تأثيره-عز ~~وجل-في إيجاد خلقه بلا علاج كذلك تأثيره في أسماعهم وأفهامهم بلا صوت ولا ~~حرف ولا حركة، وكما أنه يرى بلا جارحة ولا انطباع ولا خروج شعاع، كذلك ~~يتكلم بلا حركة [ولا صوت ولا حرف]. # {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} (253) [البقرة: 253] ~~يحتج به الجمهور على أن الله-عز وجل-مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها؛ لأن ~~اقتتال هؤلاء المشار إليهم شر، وقد أخبر أنه بإرادته، وأنه لو شاء أن لا ~~يكون لما يكون. # والمعتزلة هاهنا يضطرون ويتلجلجون، وإلى التأويلات البعيدة جدا يلجأون؛ ~~كقولهم: # لو شاء الله إجبارهم على ترك الاقتتال لأجبرهم عليه، فلم يقتتلوا، ولكنه ~~تركهم واختيارهم، فلذلك اقتتلوا وهو كما تراه، وهذا هو جوابهم في كل موضع ~~ذكرت فيه المشيئة وظاهرها عليهم يتأولون الإجبار. PageV01P104 # ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) [البقرة: 254] عام مطرد، ليس هناك ~~بيع يعقد، ولا فدية تقبل (ولا خلة) أي: ولا صداقة، إذ لا صداقة ولا غيرها ~~تنفع يومئذ من أمر الله. # حتى إن إبراهيم خليل ms085 الرحمن لا يملك لأبيه نفعا، فيؤخذ برجليه ويديه في ~~صورة ضبعان فيلقى في النار، ويحتمل أنه مخصوص بخلة المتقين، / [63/ل] فإنها ~~نافعة من بعضهم لبعض بالشفاعة والإيثار بالحسنات ونحو ذلك لقوله-عز وجل-: ~~{الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} (67) [الزخرف: 67] أي: فلا ~~عداوة بينهم فهم أصدقاء وأخلاء. # {ولا شفاعة} يحتج بها المعتزلة في نفي الشفاعة لمن مات غير تائب، وقد سبق. # واحتجاجهم بعمومه وعند الجمهور هو خاص بالكفار لا شفاعة لهم ولا فيهم، ~~بخلاف المؤمنين فإنهم يشفعون ويشفع فيهم. # {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} (254) [البقرة: 254] عام مطرد، ~~وليس المراد أن مطلق الظلم محصور فيهم بل إن أعظم الظلم وهو الكفر محصور فيهم. # {الله لا إله إلا هو} [البقرة: 255] عام مطرد فما من إله إلا الله. # {لا تأخذه سنة ولا نوم} عام مطرد. # {له ما في السماوات وما في الأرض} [البقرة: 255] عام مطرد، وكذا الجمل ~~الأربع بعدها عامة مطردة إلا {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع ~~كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم} (255) [البقرة: ~~255] فإنه خص بالاستثناء بعده. # {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] عام خص بالمرتد يجبر على الإسلام ~~ونحوه من صور الإكراه بأدلتها. # {قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] أي في الإيمان والكفر تبين الحق ~~من الباطل والرشد من الضلال، فالحق هو الإسلام والباطل ما عداه، فهو عام ~~مخصوص، إذ ليس الرشد PageV01P105 # من الغي واضحا في كل شيء، بل الأمور كلها إما أمر تبين رشده أو أمر تبين ~~غيه، فهذان طرفان واضحان/ [31 أ/م] أو أمر اشتبه رشده بغيه، وهو واسطة ~~بينهما فحكمها أن يستعمل فيها النظر والاستدلال، ولا بد معه من مساعدة ~~التوفيق والهداية الربانية. # {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ~~والله سميع عليم} (256) [البقرة: 256] هذه الجملة عامة مطردة. # {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم ms086 الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} (257) [البقرة: 257] اعلم أن ولاية الله-عز وجل-لخلقه على أقسام؛ ~~عامة وخاصة وأخص. # فالعامة؛ ولايته للمؤمنين باعتبار الإيمان يدخل فيها العدل والفاسق ~~والمتبع والمبتدع وغيرهم، وإذ لولا توليته إياهم وعنايته بهم لما وفقهم ~~للإيمان وأخرجهم من ظلمات الكفر والطغيان. # والخاصة؛ وهي ولاية الصالحين. # والأخص؛ ولاية المقربين. # فالآية المذكورة عامة مطردة بالاعتبار/ [64/ل] الأول لا غير. # {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} (257) [البقرة: 257] عام بشرط الموافاة على الكفر. # {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} ~~(258) [البقرة: 258] تضمنت هذه الآية مناظرة بين إبراهيم ونمروذ فلنقرها ~~وهي في إثبات إلهية الله-عز وجل دون نمروذ، قال إبراهيم: {ربي الذي يحيي ~~ويميت، } وهذا استدلال منه-عليه السلام-معناه: إنك يا نمروذ لست ربي ولا رب ~~غيري؛ لأنك تحيي ولا تميت، والرب حقيقة هو من يحيي ويميت فأنت لست برب، ~~وهذا قياس من الشكل الثاني. PageV01P106 # قال نمروذ: {قال أنا أحيي وأميت} [البقرة: 258] وهو اعتراض على دليل ~~إبراهيم وتقديره: لا أسلم مقدمتك الأولى بل أنا أحيي وأميت. # قال إبراهيم: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} ~~[البقرة: # 258] بعض الناس زعم أن هذا انتقال من إبراهيم عليه السلام عن تمشية ~~الدليل الأول، واستدل به على جواز الانتقال في الجدال، واعلم أن هذا الكلام ~~غير محرر، بل الانتقال في المناظرة على ضربين: أحدهما: يكون للعجز عن تمشية ~~الدليل الأول، وهو انقطاع. # والثاني: يكون مع القدرة على تمشية الدليل الأول]، وهذا يسمى تنزيلا على ~~تقدير التسليم، وهذا هو الذي استعمله إبراهيم عليه السلام؛ لأن نمرود لما ~~قال: أنا أحيي وأميت كان هذا دعوى منه تضمنت منع دليل إبراهيم، ثم يقال: إن ~~نمروذ بين مستند ms087 منعه بأن أخرج شخصين من السجن قد وجب عليهما القتل؛ فأطلق ~~أحدهما، وقال: قد أحييته، وقتل الآخر، وقال: قد أمته. فرأى إبراهيم أن خصمه ~~يغالطه بالمجاز عن الحقيقة، فانتقل إلى ما لا يقدر فيه على المغالطة، فقال: ~~على تقدير أنك تحيي وتميت، فإن لربي فعلا آخر، به وبأمثاله استحق الإلهية، ~~وهو أنه يصرف الشمس وأنت لا تصرف الشمس، فأنت لست برب. # ثم إن إبراهيم إنما طالبه بتصريف الشمس من المغرب على خلاف العادة؛ لأنه ~~رأى من نمروذ [31 ب/م] الشغب والمكابرة والمغالطة والوقاحة وقلة الحياء ~~والإنصاف في المناظرة، فخشي إن قال له فأت بها من المشرق أيضا أن يقول له: ~~نعم أنا آتي بها من المشرق، ثم يصبر حتى تطلع منه يقول: ها قد أطلعتها من ~~المشرق، أو يدعي ذلك بوقاحته فيحتاج إبراهيم إلى ما يبطل به/ [65/ل] تلك ~~الدعوى، وفي ذلك تطويل البحث وانتشاره، فاستراح من ذلك بأن طلب منه ما ~~يعجزه، وهو أن يأتي بها من المغرب. # {فبهت الذي كفر} [البقرة: 258] أي انقطع؛ لأنه إن ادعى أنه يأتي بها كذلك ~~عجز عن تحقيق دعواه [وإن اعترف بالعجز عن ذلك ظهر نقصه وبطلان دعواه] ~~الإلهية. # وإنما قلنا: إنه في الدليل الأول غالط بالمجاز عن الحقيقة، لأن إبراهيم ~~عليه السلام، إنما ادعى لربه الأمانة الحقيقة، وهي نزع الروح الحيواني عن ~~الجسد بغير علاج محسوس، والإحياء الحقيقي، وهو إعادة الروح إليه بعد نزعها منه. # والنمروذ إنما أثبت لنفسه مجاز ذلك وهو استبقاء الحياة في الإحياء ~~وتفويتها بالعلاج المحسوس في الإماتة، وذلك مما يقدر عليه اللصوص والشلوح ~~وقطاع الطريق، فلا مزية PageV01P107 # لنمروذ فيه، وقد تضمنت هذه الآية جواز المناظرة في طلب الحق، وتقرير ~~الأدلة، وحذف بعض مقدماتها للعلم بها، وهو المسمى قياس الإضمار، والتنزل مع ~~الخصم على تقدير التسليم، وإبطال الشبه والشكوك، وإلزام الخصم ما يفهمه، ~~وجواز مناظرة السوفسطائية ونحوهم من منكري الحقائق ونحوهم، بما يقيم الحجة ~~عقلا أو حسا، وقيام الحجة بانقطاع الخصم وانقطاعه بالعجز عن تمشية الدليل ~~إذ لم يكن ms088 خائفا، وتضمن شرف علم الجدل والأصول والنظر في المعقول، والكلام ~~في التوحيد به، وإمام الناس فيه إبراهيم عليه السلام. # [فلا جرم] قيل: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} (78) [الحج: 78]. # {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين} (135) [البقرة: 135]. # {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} (123) ~~[النحل: 123]، ولا جرم لما أمر نبينا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة ~~إبراهيم ورد كتابه القرآن مملوءا من المباحث الجدلية مشحونا بالحقائق ~~النظرية، في هذا منقبة عظيمة للمتكلمين والأصوليين وأهل النظر. ولكن أكثر ~~الناس لا يعقلون ولأجل هذا وضعنا هذا الكتاب. # {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} (259) [البقرة: 259]. # هذا من حجج البعث والمعاد كما في إحياء البقرة الألوف {وإذ قال إبراهيم ~~رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ} PageV01P108 # أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك ~~سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) [البقرة: 260]. # اعلم أن من الناس من زعم أن إبراهيم شك في القدرة على إحياء الموتى/ ~~[66/ل] حكاه القرطبي عن الطبري، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق ~~بالشك من إبراهيم» (1) وليس هذا بشيء، إذ برهان القدرة واضح، فكيف يخفى ~~مثله على إبراهيم مع استخراجه حدوث العالم وقدم/ ms089 [32، /م] الصانع بلطيف ~~النظر من أفول الكوكب والشمس والقمر، وإذا كنا لا نظن ذلك بذي النون حيث ~~{وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (87) [الأنبياء: 87] حتى تأولناه على ~~خلاف ظاهره مما يدفع ذلك عنه مع أن رتبة إبراهيم أعلى منه فكيف نظنه ~~بإبراهيم. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فليس معناه ~~إثبات الشك من إبراهيم، وإنما هي نفي للشك عنه بطريق أولى، ومعناه لو شك ~~إبراهيم لكنا [بالشك أولى] منه؛ لقصورنا في المعرفة عنه، لكنا نحن لم نشك ~~فإبراهيم أولى أن لا يشك، وهذا تأويل جيد للحديث، ثم أورد بعضهم هاهنا ~~سؤالا وهو: أن قول إبراهيم: بلى. يقتضي أنه آمن، أي: # بلى آمنت، وقوله: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] ~~يقتضي أن قلبه لم يطمئن إلى الآن، لكن الإيمان تلزمه الطمأنينة وحينئذ يصير ~~كأنه قال: آمنت ما آمنت، أو اطمأن قلبي ولم يطمئن وهو تناقض. # والجواب: [أنه قد قيل: معناه، بلى] آمنت بالقدرة، ولكن ليطمئن قلبي ~~بالخلة، وكان قد جعل إظهاره على إحياء الموتى علامة على اتخاذه خليلا، وعلى ~~هذا فلا تناقض، وهذا وإن كان قريبا ممكنا غير أن المختار غيره، وهو الإيمان ~~يستند إلى العلم والعلم له مراتب: # علم اليقين هو ما حصل عن النظر والاستدلال، وعين اليقين وهو ما حصل على ~~شهادة وعيان، وحق اليقين وهو ما حصل عن العيان مع المباشرة، فالأول كمن علم ~~بالعادة أن في البحر ماء. PageV01P109 # والثاني: كمن مشى إليه حتى وقف على ساحله وعاينه. # والثالث: كمن خاض فيه، واغتسل وشرب منه، وإذا عرفت هذا فإيمان إبراهيم ~~عليه السلام بالقدرة على إحياء الموتى قبل أن يراه كان عن علم يقين نظري، ~~فأراد أن يطمئن قلبه بالإيمان بذلك عن عين اليقين، فلذلك قيل له: خذ أربعة ~~من الطير إلى آخره، أي: # باشر هذا الأمر ليحصل لك عين اليقين عيانا وحق اليقين مباشرة. ms090 # وفي الحديث: «ليس الخبر كالعيان» إن موسى بلغه أن قومه قد فتنوا فلم ~~يتغير فلما رآهم عاكفين على العجل أخذ برأس أخيه يجره إليه، وفي هذا المعنى قيل: # ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم # وحينئذ يكون معنى الكلام: بل آمنت عن/ [67/ل] نظر واستدلال، ولكن أريد ~~طمأنينة القلب بنظر العيان، وهذه أيضا دليل على إمكان البعث. # {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} (261) [البقرة: ~~261]، هذا عام مطرد، أما المرائي فليس منفقا في سبيل الله، فلذلك لم ينتفع ~~بإنفاقه، غير أن في هذه الآية إطلاقا قيد في الآية بعد بقوله-عز وجل-: {ثم ~~لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى} [البقرة: 262] فصارت/ [32 ب/م] مضاعفة ~~الصدقة إلى سبعمائة ضعف مشروطة بعد المن والأذى، وصار تقدير الآية: مثل ~~الذين ينفقون أموالهم [في سبيل الله ثم] لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، ~~{لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] عام في بطلان الصدقات بذلك ~~والمن تذكير النعمة، والأذى إلحاق ضرر بالسائل دون أخذها كانتهاره، وزجره ~~وتقريعه ونحو ذلك. # {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم ~~الكافرين} (264) [البقرة: 264] عام مطرد؛ إذ أعمال الكفار والمرائين هباءا ~~منثورا. PageV01P110 # غني حميد (267) [البقرة: 267] يستدل به على تعلق الزكاة بكل ما يخرج من ~~الأرض من معدن ونبات وثمر، لكن خص العلماء من أشياء بأدلة وحددها، وبقيت ~~الزكاة في الباقي كالركاز والمعدن، والعنب والرطب، والمكيل المدخر على ~~تفاصيل فيه. # {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب} (269) [البقرة: 269] عام مطرد، لكن ما هذه الحكمة؟ فالأشبه ~~أنه العلم الموصل إلى معرفة وجود الله-عز وجل-وما يجوز عليه، وما لا يجوز، ~~وإلى معرفة معاملته، فالأول: علم ms091 أصول الدين، والثاني: علم الفقه لأدب ~~الظاهر، وعلم الأخلاق وأعمال القلوب لأدب الباطن، وذلك لأن المكلف لا بد له ~~من اعتقاد يلقى الله -عز وجل-به، وعمل ظاهر يقيم به رسوم التكليف، وأدب ~~باطن يقيم به رسم العبودية، فهذه العلوم الثلاثة أركان الحكمة، والقيم ~~بالأول المتكلمون، وبالثاني الفقهاء، وبالثالث محققو الصوفية كشيخ الإسلام ~~في مقاماته ونحوه. # فأما الحكمة التي هي عبارة عن المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي، فهي ~~حكمة فلسفية باصطلاحهم والخطر في الإلهي منها عظيم على رأيهم، فلا يليق ~~النظر فيه إلا لمتضلع من الحكمة الأولى وعلوم الشرع. # وقد [68/ل] يحتج الفلاسفة على أن الحكمة في الآية هي حكمتهم المذكورة ~~لقوله- عز وجل-عقيب ذلك: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} [البقرة: 269] ~~والتذكر: # النظر، والألباب: العقول، فهو إذن إشارة إلى أن الحكمة المذكورة إنما ~~طريق إدراكها نظر العقل. وحكمتنا أحق بذلك؛ لأنها مؤسسة على النظر ~~والاستدلال العقلي. # {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار} (270) [البقرة: 270] أي فيجازى عليه، وهو عام مطرد. PageV01P111 # لا يقدر عليه إلا الله-عز وجل، وهو المراد هاهنا، وقد أخبر الله-عز وجل- ~~أنه مستبد به يهدي، من يشاء، ويحتج به الجمهور على أن الإنسان لا يملك هدى ~~نفسه، والحجة معهم، خلافا للمعتزلة إذ عندهم أن العقل كاف في المعرفة ~~والنظر، ومخلوق للناظر، والعلم متولد عنه والهدى تابع للعلم بتحقيق الحجة ~~وكشف الشبهة وذلك يقتضي أن هداهم مخلوق لهم. # {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (274) [البقرة: 274]. # قالت الشيعة: نزلت هذه في علي؛ كان معه أربعة دراهم، أنفق درهما ليلا، ~~ودرهما نهارا، ودرهما سرا، ودرهما علانية، فنزلت هذه الآية ذكره عبد الرزاق ~~في تفسيره. # قالوا: وليس مثله لأبي بكر ولا غيره فيكون أفضل، وعارضه الجمهور بنحو: # {وسيجنبها الأتقى} (17) [الليل: 17]. # {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من ms092 بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير} (10) [الحديد: 10]. # {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} (33) [الزمر: 33] {إلا ~~تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم ~~تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} ~~(40) [التوبة: 40]. PageV01P112 # النظم الواضح يقتضي أن يقال: «إنما الربا مثل البيع» فالعدول إلى عكسه ~~غير متضح، والجواب أن الكفار إنما أرادوا بقولهم {إنما البيع مثل الربا} ~~[البقرة: 275] المناقضة والإلزام كأنهم قالوا: يعاب علينا الربا والبيع ~~مثله، فمن أنكر علينا الربا لحصول التغابن فيه لزمه إنكار البيع لحصول ~~التغابن فيه. / [69/ل]. # ولو قالوا: إنما الربا مثل البيع، لكان ذلك قياسا، كأنه قيل: الربا صفقة ~~تضمنت تفاضلا وتغابنا فكان حلالا كالبيع، [لكن هؤلاء إنما قصدوا] الإلزام ~~والمناقضة لا القياس والمماثلة، وإنما ذكرنا هذا لكونه سؤالا كثير إيراده ~~واستشكاله، ولتعلقه بالقياس [والنص والإلزام]، وذلك من مسائل أصول الفقه. # {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] هذا فيه حجة قوية للظاهرية ~~في اعتبارهم الظواهر السمعية، دون العلل القياسية، وتقرير ذلك أن أكلة ~~الربا لما أوردوا مناقضتهم المذكورة أجابهم الله-عز وجل-بالحكم الإلهي ~~فقال: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] فيجب عليكم متابعة هذا ~~الحكم المنصوص، ولم يحتج عليهم بحكمة تحريم الربا المناسبة مع أنها ظاهرة ~~مؤثرة، وهي أن الربا إنما يكون مع اتحاد الجنس أو العلة، فالغبن فيه لازم ~~لا يستدرك بخلاف البيع، فإنه يكون مع اختلاف الجنس فالغبن فيه يمكن ~~استدراكه، مثاله: لو اشترى ثوبا بعشرين وهو/ [33 ب/م] يساوي عشرة، أمكن أن ~~تبيعه بعشرين أو أكثر، لرغبة أو ارتفاع سوق ونحوه، أما لو اشترى مد قمح ~~بمدين، فيبعد أن يرد له المد الواحد مدين [إلا ويرد] المدان البائع أربعة ~~أمداد، اللهم إلا أن يختلفا بالجودة والرداءة بحيث يساوي المد الجيد مدين ~~رديئين. # لكن الجودة الرداءة هاهنا غير معتبرة طردا للباب في المنع، ms093 ولو كانت هذه ~~الحكمة القياسية حجة لاحتج بها عليهم؛ لأنها أشبه بإلزامهم المذكور، وأقرب ~~إلى عقولهم، فلما لم يحتج عليهم بها بل بالنص القاطع للحجة، دل على، لا حجة ~~في العلل والمناسبات وصار هذا كما قال لإبليس: {قال ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك} (12) [الأعراف: 12]، احتج عليه بالأمر، ولم يسمع منه علته الفلسفية ~~المزخرفة، وهي قوله: {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (12) ~~[الأعراف: 12]. # وقد كان يمكنه أن يعارضه بأحسن منها وأنس في العقل، وهو أن الطين ثابت ~~ورزين متواضع لين رطبن والنار مضطربة خفيفة، مستعلية يابسة شريرة محرقة. PageV01P113 # ومن ثم رجع إبليس إلى أصله في الخفة والطيش، ورجع آدم إلى أصله في الثبات ~~والرزانة، فقال: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين} (23) [الأعراف: 23] فاعترف؛ فعرف واستغفر؛ فغفر له، فما لم ~~يفعل ذلك / [70/ل]؛ دل على أن لا ارتباط للأحكام إلا بالنصوص والظواهر. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (277) [البقرة: 277] قد تكرر هذا في ~~القرآن كثيرا، ويحتج به من يرى الإيمان مجرد التصديق، وأن الأعمال ليست ~~ركنا للإيمان بل أثرا من آثاره خلافا للجمهور من المحدثين وغيرهم. # حجة الأول: أنه عطف العمل الصالح على الإيمان والعطف يقتضي التغاير، ~~فالإيمان غير الأعمال، وأجاب الآخرون بأن هذا من باب عطف الخاص على العام ~~كالصلاة الوسطى على الصلوات، وجبريل وميكائيل على الملائكة، ولا ينافي ذلك ~~كون الخاص من العام، وهذا ضعيف؛ لأنا لو اقتصرنا على الملائكة فهمنا جبريل ~~وميكائيل وهاهنا لو اقتصرنا على الإيمان لم نفهم العمل الصالح إلا على دعوى ~~الخصم ويعود النزاع. # {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} ~~(281) [البقرة: 281] أي كل نفس مكلفة، أو كل نفس منكم ليخرج من العموم من ~~ليس بمكلف، كالصبيان والمجانين والبهائم ونحوهم، فالعموم مخصوص بهم. # {ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: 282] عام مطرد. # {ولا يأب الشهداء إذا ms094 ما دعوا} [البقرة: 282] عام خص منه ما إذا أبى لمرض ~~أو خوف أو كونه مكرها على تحملها بالباطل، أو كان عبدا تحملها بلا إذن ~~سيده، ومنعه من السعي للأداء. # وذهب بعض الأئمة إلى عدم أهلية العبد للشهادة/ [34 أ/م] بهذه الآية، لأنه ~~مأمور بالسعي للأداء، وذلك يبطل حق السيد من خدمته ومقتضى هذا أنه عن ~~تحملها بإذن السيد جاز أن يسعى للأداء، ودخل في عموم {ولا يأب الشهداء.} # {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] أمر إرشاد، وذهب بعض الظاهرية إلى ~~أنه أمر وجوب قطعا للتنازع وصيغة «افعل» ترد بمعان: منها الإرشاد والإباحة ~~والتكوين PageV01P114 # والتعجيز، والوجوب والتسوية والتهديد والإهانة، وغير ذلك، وهذه من مسائل ~~الأوامر من أصول الفقه. # {* وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم} (283) [البقرة: 283] احتج به ~~الظاهرية على أن الرهن لا يجوز في الحضر، بمفهوم قوله-عز وجل-: {وإن كنتم ~~على سفر} [البقرة: 283] والجمهور على خلافه، وحملوا هذا المفهوم على أنه ~~خرج مخرج الغالب، إذ الغالب في السفر عدم الكاتب، والمفهوم إذا خرج الغالب ~~لا يحتج به، ومنه {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما} (23) [النساء: 23]. # {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا} (35) [النساء: 35] {ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا} (31) ~~[الإسراء: # 31]، وهذه من مسائل دليل الخطاب # {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا ms095 وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير} (285) [البقرة: 285] هذه غالب/ [71/ل] أركان الإيمان، وقد سبق ~~الكلام عليها عند {ليس البر} [البقرة: 177]. # {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] تعريض باليهود والنصارى حين ~~كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرت اليهود بالمسيح، والكل رسل الله- ~~صلواته عليهم أجمعين- كما سيأتي تقريره إن شاء الله-عز وجل. PageV01P115 # {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} (286) [البقرة: 286] احتج به ~~المعتزلة على امتناع تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يدخل تحت الوسع وما لا يدخل ~~تحت الوسع لا يكلف به، فما لا يطاق لا يكلف به، والأولى قاطعة والثانية ~~سمعية بهذه الآية. # ولأن التكليف شرطه الإمكان ليتبين المطيع من العاصي، فما ليس بممكن لا ~~يكلف به، وإلا كان جورا. # {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] هذا رفع للتكليف ~~الناسي والمخطئ، كقوله-عليه الصلاة والسلام- «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان ~~وما استكرهوا عليه» ولأن التكليف شرطه الفهم وإلا لكلف الجماد والحيوان ~~الأعجم، وهو باطل، ثم الناسي والساهي لا يفهم فلا يكلف، وأما المخطئ فلم ~~ينتهك حرمة، ولا قصد له حتى ينتظمه دليل التكليف، فإن ترتب حكم التكليف على ~~أحد منهم كالصائم يفطر وتلزمه الكفارة بالنسيان، والمخطئ في القتل تلزمه ~~الدية، ونحو ذلك-فهو من باب ربط الأحكام بالأسباب أو مخصوص من عموم القاعدة ~~بدليل: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] احتج به من أجاز تكليف ما ~~لا يطاق وإلا لم يكن/ [34 ب/م] لهذا السؤال فائدة، واعلم أن بعض الأصوليين ~~يترجم هذه المسألة بتكليف ما لا يطاق، وبعضهم بتكليف المحال، وما لا يطاق ~~يطلق تارة على ما يشق فعله وإن أمكن لذاته، وتارة على ما لا يمكن وقوعه، ~~والمحال إما لذاته كالجمع بين الضدين، وإما لغيره كإيمان من تعلق علم ms096 الله- ~~عز وجل-بأنه لا يؤمن. # وقد قال قوم بجواز التكليف بالقسمين، وقوم بامتناعه فيهما، وآخرون بجوازه ~~في المحال لغيره، دون ذاته، والأشبه الأول. وإذا اشترك القسمان في استحالة ~~الوقوع، فلا أثر للفرق بالإمكان الذاتي وعدمه. # ومأخذ الخلاف في هذه المسألة أن المقصود من التكليف الامتثال وامتحان ~~الطائع من العاصي عند المعتزلة، فلذلك اشترطوا كون الفعل المكلف به ممكنا، ~~وعند الجماعة ليس المقصود منه ذلك بل المقصود جعل وجود الفعل أو عدمه علما ~~أو أمارة/ [72/ل] على PageV01P116 # الثواب أو العقاب، وعلى السعادة أو الشقاء، وذلك حاصل من التكليف بالممكن ~~وغيره، أما وقوع التكليف بما لا يطاق، فقد اختلف فيه أيضا، والأشبه أنه وقع ~~في مسألة خلق الأفعال على رأي الجبرية والكسبية؛ إذ الإنسان مكلف بكسب ما ~~خلقه الله-عز وجل- وهو تحصيل الحاصل، وفي مسألة تكليف الكافر بالإيمان مع ~~العلم بأنه سيموت كافرا، وإذا تعلق علم الله-عز وجل-بوجود شيء أو عدمه [فهل ~~يبقى خلاف معلوم الله-عز وجل-مقدورا أم لا؟ فيه قولان. # والحق أنه مقدور لذاته لا لغيره]. # واعلم أن مواد الأفعال ثلاث: واجب، وممتنع وممكن خاص، فالممكن يجوز ~~التكليف به إجماعا، والواجب والممتنع يخرج التكليف بهما على تكليف المحال، ~~والله-عز وجل- أعلم بالصواب. # ... PageV01P117 ### | AUTO القول في سورة آل عمران # {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل} (3) ~~[آل عمران: 3] عام مطرد كما سبق في {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ~~قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل ~~فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} (91) [البقرة: 91]. # {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) ~~من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ~~والله عزيز ذو انتقام} (4) [آل عمران: 3، 4] عام بحسب القوة كما سبق في ~~{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم ms097 اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون} (185) [البقرة: 185]. # {من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب ~~شديد والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] أي بشرط الموافاة على الكفر فهو ~~مخصوص بمن ختم له منهم بالإيمان. # {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} (5) [آل عمران: 5] ~~عام مطرد نحو {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير} (29) [آل عمران: 29]. # {يصوركم في الأرحام} [آل عمران: 6] عام أريد به الخاص وهي الأرحام ~~القابلة للحمل، أو مخصوص بالأرحام العواقر. # {كيف يشاء} [آل عمران: 6] عام مطرد في جميع الكيفيات التي يتعلق بها ~~[مشيئة الله]-عز وجل-من طويل وقصير، وأسود، وأبيض، وغير ذلك {في أي صورة ~~ما} PageV01P118 # شاء ركبك (8) [الانفطار: 8]. # {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (7) [35 أ/م]) [آل عمران: 7] اختلف ~~الناس في المحكم والمتشابه على نحو اثني عشر قولا، أجودها أن المحكم هو ~~المتضح المعنى. # والمتشابه: هو ما أشكل معناه؛ لاشتراك أو إيهام تشبيه ونحوه، ويجب رده ~~إلى المحكم؛ لأن الله-عز وجل-سمى المحكمات أم الكتاب، أي أصله، والأشياء ~~يجب ردها [عند الإشكال] إلى أصولها، فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات ~~إلى محكم {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (11) [الشورى: 11]. ~~ورد المتشابهات في الأفعال إلى محكم {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم ~~أجمعين} (149) [الأنعام: 149] الآيتين على ما سنوضحه في موضعهما إن شاء ~~الله عز وجل. # وهذه الآية نفسها من المتشابه؛ حيث تردد الوقف فيها بين أن يكون على {إلا ~~الله} وبين أن يكون على ms098 {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (7) [آل عمران: ~~7] وترددت الواو في/ [73/ل] {والراسخون} بين الاستئناف والعطف، والأشبه ~~أنها للاستئناف، وأن الوقف على {إلا الله، } وأن الله-عز وجل-تعبد عباده من ~~كتابه بما لا يعلمون، وهو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون، وهو ~~التعبدات؛ ولأن العبادات فرع القرآن إذ به ثبتت، والقرآن فرع الذات، إذ هو ~~صفتها وعنها صدر، وكما أن من الذات ما يعقل وهو وجودها، وما لا يعقل وهو ~~ماهيتها التي هي بها هي [فكذا يجوز] أن يكون في فرعها وفرع فرعها ما يفهم ~~وما لا يفهم، ولأن قوله-عز وجل-تردد بين كونه حالا PageV01P119 # فضلة، وخبرا عمدة، وهذا الثاني أولى، وهو يقوي ما ذكرنا، والبحث هنا ~~طويل، وهذا منه كاف إن شاء الله-عز وجل. # {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] عام مطرد في ~~المتشابه وغيره، وهو تسليم يقتضي ما قررناه [في التي قبلها]. # {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} ~~(8) [آل عمران: 8] يقتضي أن إزاغة القلوب وهدايتها من فعله-عز وجل- ومنسوب ~~إليه، خلافا للمعتزلة، وحملوا الآية على منع [الألطاف]، وقد عرف ما فيه. # {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد} (9) # [آل عمران: 9] عام مطرد. # {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~هم وقود النار} (10) [آل عمران: 10] عام مطردا]. # {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد العقاب} (11) [آل عمران: 11] عام أريد به الخاص، وهو الآيات الظاهرة ~~على يد موسى، ويحتمل أنه عام مطرد، لأن آيات الأنبياء متفقة الدلالة على ~~التوحيد والإيمان فتكذيب بعضها كتكذيب جميعها فلما كذبوا بآيات موسى، صاروا ~~كأنهم ms099 كذبوا آيات جميع الأنبياء بل وآيات الله-عز وجل-جميعها لو ظهرت إلى ~~الوجود، وشبيه بهذا قوله-عز وجل-: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ~~واتبعوا أمر كل جبار عنيد} (59) [هود: 59]. # {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد العقاب} (11) [آل عمران: 11] الذنوب سبب الأخذ عند الجمهور، وعلة له ~~عند المعتزلة/ [35/ب/م] وقد سبق أصل هذا وتقريره. # {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} (12) [آل عمران: ~~12] هو إما لمعهودين أو عام أريد به الخاص، وهو من علم أن سيموت كافرا إذ ~~قد أسلم بعد نزول هذه الآية كفار كثيرون فصاروا غالبين، ووجب لهم الجنة. PageV01P120 # {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار} (13) [آل عمران: 13] إن قيل: ما وجه هذا؟ وكيف يتصور؟ قلنا: يتجه ~~ذلك بأن يخلق في المرئي كثرة/ [74/ل] إما حقيقة أو غيرها حتى يرى مثلي ما ~~هو عليه في نفس الأمر، كما يغمز الإنسان إحدى عينيه؛ فيرى الشيء الواحد ~~اثنين، وإلى هذا أشير برأي العين، أي لا في نفس الأمر، ويجوز أن يكون بأن ~~يخلق في شعاع العين اضطرابا [أو تفريقا] بحيث يصير للخط الواحد منه خطين؛ ~~فيتصل بموضعين من الشخص الواحد، فيظن اثنين، ويجوز أن يكون بأن أمر جماعة ~~من الملائكة على هيئتهم، دخلوا بينهم فحصلت فيهم كثرة حقيقة، فصاروا مثلي ~~ما كانوا، ولولا أن قوله-عز وجل-: # {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب} (14) [آل عمران: 14] يأبى هذا الوجه أو ينبو عنه لكان أقوى ~~الوجوه. # {ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] ربما ~~استدل بهذا على إثبات أن القياس حجة، كما استدل بقوله-عز وجل-: {هو الذي ~~أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا ms100 أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} (2) [الحشر: 2] وسيأتي إن شاء الله-عز وجل-القول فيه. # {زين للناس حب الشهوات} [آل عمران: 14]، الفاعل هاهنا محذوف؛ فيحتمل أن ~~الذي زين هو الله-عز وجل-نحو: {ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم ~~حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ~~بما كانوا يعملون} (108) [الأنعام: 107 - 108]. # {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم} PageV01P121 # الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون (7) [الحجرات: 7] ويحتمل أنه للشيطان؛ نحو: {فلولا إذ جاءهم بأسنا ~~تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} (43) [الأنعام: ~~43] ويحتمل أنه النفوس تزين لأهلها حب هذه الأشياء نحو: {فطوعت له نفسه قتل ~~أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} (30) [المائدة: 30] والأشبه الأول؛ لأنه-عز ~~وجل-هو خلق الشهوات بهية الزينة فكان هو المزين لها، وهذه من جنس مسائل القدر. # {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} [آل عمران: 14] أشار إلى حصر متاع ~~الدنيا في الأشياء الستة المذكورة، لأنها معظم الشهوات كقوله صلى الله عليه ~~وسلم «الحج عرفة» (1) وإلا فرب شهوة زينت لبعض الناس ليست من هذه الأشياء ~~كالسياحة في الأرض والفرجة فيها حتى يؤثرها بعض الناس على الأشياء ~~المذكورة. # {الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} (17) [آل ~~عمران: 17] عام، ثم يحتمل أنه مطرد بحيث لا يدخل تحت هذا المدح إلا من ~~استغفر في جميع أسحار عمره، ويحتمل أنه عام أريد به الخاص، وهو غالب أسحار ~~العمر، مع أن الأسحار جمع قلة، وأكثره عشرة، فمن استغفر في عشرة أسحار من ~~عمره، دخل تحت هذا الوعد، لكن هذا يقدح في كون الأسحار لفظا عاما فيما أرى. # {شهد الله أنه لا إله إلا ms101 هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم} (18) [آل عمران: 18] تضمنت ثلاثة شهود/ [36 أ/م] وهم: # الله-عز وجل-، والملائكة، وأولوا العلم. على أمرين مشهود عليهما وهما: ~~التوحيد في أولها، وصحة دين الإسلام، بل انحصار الدين الحق فيه في آخرها. ~~[75/ل]. PageV01P122 # أما الملائكة، فعام مطرد، وأما أولو العلم فعام أريد به الخاص، وهم علماء ~~الأصول؛ لأنهم هم الذين يعرفون التوحيد ويثبتونه بالبرهان، وكذلك هم الذين ~~يعرفون حقيقة دين الإسلام من بين الأديان بالدليل وغيرهم إنما يعرفون ذلك ~~تقليدا لهم، ولأن الشهادة إنما تعتبر وتصح ممن تحقق المشهود عليه، والمحقق ~~لهذين المطلوبين أعني التوحيد وحقيقة الإسلام هم علماء أصول الدين؛ فكانوا ~~هم المراد بأولي العلم هاهنا، وهذه منقبة شريفة لهؤلاء القوم وعلمهم، ~~فليعلم ذلك إن شاء الله عز وجل. # {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله ~~بصير بالعباد} (20) [آل عمران: 20] ليس في هذا حجة لمن قال بالتقليد حيث ~~قابل المحاجة بالتسليم؛ لأن إنما أمر بذلك وفعله حيث علم أنه على حق من ~~أمره وإياس من إجابة خصمه، وأن محاجته عناد محض ومدافعة عن الحق صرف، وكيف ~~يؤمر بالتقليد وينهى عن المناظرة في الحق من كتابه المنزل عليه مشحون ~~بالحجج والبراهين والأدلة النظرية. # ومن قيل له في كتابه: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (125) ~~[النحل: 125] نعم يستدل بالآية على أن من علم الحق في جانبه وأنس المعاندة ~~من خصمه، وأنس منه أن يترك مناظرته ويعرض عنه {أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} (63) [النساء: 63]. # {فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} ~~(20) [آل عمران: 20] هذه قسمة حاضرة، مساوية لقوله عز وجل: {وما أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين} (107) [الأنبياء: 107]. # {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ms102 ليكون للعالمين نذيرا} (1) [الفرقان: ~~1] {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~(28) [سبأ: 28]. # {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات} PageV01P123 # والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) [الأعراف: 158] ونحوه، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (1)، وذلك أنه ليس في ~~العالم إلا أمي، وهو من لم يؤت كتابا ولا كتابة كالعرب، أو غير أمي، وهو من ~~أوتي الكتاب أو الكتابة كاليهود والنصارى والمجوس والهند واليونان والروم ~~والفرس وغيرهم، فعموم الدعوة يستفاد [من هاهنا كما يستفاد] من المواضع ~~الصريحة فيه، وهذه من مسائل النبوات. # {من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب ~~شديد والله عزيز ذو انتقام} (4) [آل عمران: 4]، تضمنت جملا عامة لا يقف ~~الوعيد فيها على عمومها، بل الفرد منها يكفي في تحقيق ذلك؛ فالكفر بآية ~~واحدة من آيات الله-عز وجل- يوجب العذاب الأليم، وكذلك قتل نبي واحد وقتل ~~آمر واحد بالقسط، وإنما/ [76/ل] ذكر هذه الجمل بلفظ العموم حكاية الحال ~~هؤلاء الكفار حيث كفروا بآيات كثيرة، وقتلوا نبيين، وآمرين بالقسط كثيرا، ~~وتشنيعا عليهم بكثرة جرائمهم. / [36 ب/م]. # {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} (22) ~~[آل عمران: 22] عام مطرد. # {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون} (24) [آل عمران: 24] زعمت اليهود أن النار كالبحر، يخوضونها ~~أربعين يوما قاطعين لها؛ ثم يتخلصون منها إلى الجنة، ويبقى المسلمون في ~~النار والنصارى أبدا، وهو من ترهات اليهود، وأمانيهم، فلذلك قيل لهم: ~~{وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} (80) [البقرة: 80]. # وهذا القسم الثاني هو الحق قالوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وهذه من مسائل ~~اليوم الآخر. # {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا} ms103 PageV01P124 # {يظلمون} (25) [آل عمران: 25] عام مطرد، وكذا الجملة بعدها {قل اللهم ~~مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من ~~تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} (26) [آل عمران: 26]. # أي: والشر كما قال الله عز وجل: {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر ~~والخير فتنة وإلينا ترجعون} (35) [الأنبياء: 35]. # {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون} (168) [الأعراف: 168]. # وإنما اقتصر على ذكر الخير إما اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر اختصارا نحو: ~~{وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم} (13) [الأنعام: 13]. # أي: وتحرك، و {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون} (81) [النحل: 81]. # أي: والبرد؛ أو تعليما لخلقه الأدب نحو: {وإذا مرضت فهو يشفين} (80) ~~[الشعراء: 80]. # {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} (10) [الجن: ~~10] بحيث لا يضيفون إليه إلا الحسن الجميل وغيره، يعدلون به عنه إلى ~~أنفسهم، نحو: # {وإذا مرضت فهو يشفين} (80) [الشعراء: 80]. # ولم يقل: أمرضني، أو لا يسمون فاعله نحو {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض} (10) [الجن: 10] ولم يقل: أراد بهم ربهم؛ فأما قوله صلى الله عليه ~~وسلم في بعض دعائه: # «والشر ليس إليك» (1) فاحتج به المعتزلة على مذهبهم في أنه عز وجل لا ~~يخلق المعاصي الشرية ولا الشرور العصيانية، وتأوله الجمهور على معنى أن طلب ~~الشر ليس إليك أن الله PageV01P125 # لا يأمر بالفحشاء، أو على أن الشر لا يتقرب به إليك، أو أنه لا يصعد إليك ~~لمفهوم {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} ~~(10) [فاطر: 10] وهو تأويل قريب جيد. # {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} ~~(28) [آل ms104 عمران: 28]، احتج بها الشيعة على جواز التقية خلافا للجمهور. # واعلم أن مسألة التقية مشهورة ينبغي فصل الخطاب فيها، فنقول: احتج ~~الجمهور على بطلانها وتحريم استعمالها بأن قالوا: التقية نفاق، والنفاق ~~حرام، فالتقية حرام، أما أن التقية نفاق فلاتفاقهما في الحد/ [77/ل] ~~والحقيقة إذ كل واحد منهما إبطان أمر وإظهار خلافه خشية الضرر، وأما أن ~~النفاق حرام، فلورود الشرع بذم المنافقين عليه، وتوعدهم بالدرك الأسفل من ~~النار، ولولا تحريمه لما كان كذلك، فثبت أن التقية حرام؛ ولأنها لو جازت ~~لجاز إظهار الكفر من الأنبياء تقية، وأنه باطل. # احتج الشيعة على جواز التقية بالكتاب والسنة، وفتاوى الأئمة والنظر، أما ~~الكتاب فمنه آيات: الأولى: هذه الآية {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ~~ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} (28) / [37 أ/] [آل عمران: 28] وقرئت ~~«تقية» بنفس اللفظ المتنازع فيه. # ووجه دلالتها: أن الله-عز وجل-حرم موالاة الكفار تحريما مغلظا حتى حكم ~~بأن من يتولهم فإنه منهم، ثم إنه أباح موالاتهم على سبيل التقية، فدل على ~~تأكد جوازها حيث أباحها فيما هو مكفر بدونها. # الآية الثانية قوله-عز وجل-: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم ~~عذاب عظيم} (106) [النحل: 106] فأباح إظهار الكفر تقية مع إبطان الإيمان. PageV01P126 # الآية الثالثة: قوله-عز وجل-: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} (97) [النساء: 97]، احتج ~~بها البخاري في باب الإكراه، ووجه الحجة منها: أن الملائكة عذروا هؤلاء في ~~قولهم: {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} [النساء: 97] وإنما ~~لاموهم بتركهم الهجرة في الأرض مع القدرة عليها؛ فدل على أن المستضعف يكون ~~معذورا فيما أظهره على خلاف ما يعتقده، وهو المراد بالتقية. # الآية الرابعة: قول لوط: {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} (71) [الحجر: ms105 ~~71] مع قوله: {وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا ~~قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل ~~رشيد} (78) [هود: 78] وقوله: # {قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} (80) [هود: 80] هو ظاهر إن ~~لم يكن قاطعا في أنه إنما بذل لهم نكاح بناته تقية لعجزه عن مدافعتهم. وأما ~~السنة فأحاديث: # أحدها: حديث حاطب بن أبي بلتعة، حيث كاتب الكفار ليحفظوه في صاغيته بمكة، ~~مع كونه محاربا لهم، مسرا لعداوتهم، وقد صدقه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك (1). # الثاني: حديث عائشة: أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«بئس أخو العشيرة»، أو «بئس ابن العشيرة»، فلما سئل عن ذلك، قال: «إن شر ~~الناس من أكرمه الناس اتقاء فحشه» (2). # وهذا صريح في التقية، أو كالصريح. # الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم لعمار حين كان يعذب على أن يكفر: «يا ~~عمار، إن عادوا فعد». # الرابع: حديث الزهري عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة «أن فاطمة جاءت PageV01P127 # تطلب إرثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. . .» وساق الحديث إلى أن ~~قالت: «وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه ~~الناس عن علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع لمصالحة أبي بكر؛ ~~فقال له: موعدك البيعة العشية. . .» (1) الحديث متفق عليه. # وهذا نص من عائشة على/ [78/ل] أن عليا بايع أبا بكر تقية. # الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية محا بسم الله الرحمن ~~الرحيم، وكتب باسمك اللهم، ومحا «محمد رسول الله»، وكتب اسمه واسم أبيه، ~~وأعطاهم يومئذ أمورا في الظاهر، وهو محارب عليها في الباطن، وذلك عين ~~التقية إذ خاف استئصال المسلمين ذلك اليوم. # السادس: قول الحسن البصري: التقية إلى يوم القيامة. ذكره البخاري في باب ~~الإكراه، يعني أنها باقية أو جائزة/ [37 ب/م] إلى يوم القيامة. # ونقلوا عن جعفر الصادق أنه قال: التقية ديني ودين آبائي. # وأما ms106 فتاوى الأئمة، فهؤلاء الأربعة الذين هم أئمة الجمهور سوى أبي حنيفة، ~~يفتون بأن طلاق المكره لا يقع، وكذلك يمينه، وضرب مالك سبعين سوطا على أن ~~يفتي بأن بيعة المكره تنعقد فلم يفعل. # وقالوا: من أكره على شرب الخمر أو الزنا وغيره، فلا إثم ولا حد، وإنما ~~وجب القصاص على من أكره على القتل فقتل عند بعضهم، لأنه بافتدائه نفسه بنفس ~~المقتول خرج عن حد الإكراه إلى حد الاختيار. # على أن بعض أهل العراق قال: لا قصاص عليهما، أعني المكره والمكره، وأما ~~إيقاع أبي حنيفة طلاق المكره؛ فلأنه جعله من باب ربط الحكم بالسبب. # وبالجملة فالمكره عند أكثر الأصوليين غير مكلف لصيرورة الفعل واجبا منه ~~بالإكراه. # وإذا ثبت هذا في الإكراه، فهو من مادة التقية، ولهذا استطرد البخاري ~~دلائل التقية في باب الإكراه، ولأن حاصل حال المكره أنه فعل ما لولا ~~الإكراه لم يفعله خشية الضرر، وهو عين التقية. # وأما النظر فمن وجهين أحدهما: أن التقية ضرب من الرخصة لاستواء أحدهما، ~~إذ الرخصة هي استباحة المحظور مع قيام المانع، وكذلك التقية من غير فرق، إذ ~~المتقي يستبيح PageV01P128 # مثلا إظهار الكفر، حفظا لنفسه [مع قيام] المانع من الكفر كما يستبيح ~~[المترض] (1) مع قيام المانع منه. # الوجه الثاني: أن في التقية جمعا بين مصلحتين: دفع الضرر مع استبقاء ~~المعتقد، وهو أولى من تضييع إحداهما. # هذا أقصى ما علمناه للشيعة من دليل التقية، ثم أجابوا عن حجة الجمهور بأن قالوا: # قولكم: التقية نفاق، قلنا: لا نسلم، بل هي رخصة كما سبق بيانه، ولو سلمنا ~~أنها نفاق، لكن قولكم: النفاق حرام قضية مهملة، فإن أخذتموها على إهمالها ~~كانت جزئية، وقياسكم المذكور شرط إنتاجه كلية كبراه فلا تنتج إذن، وإن ~~أخذتموها كلية هكذا: التقية نفاق، وكل نفاق حرام، منعنا كليتها، ومستند ~~المنع أن النفاق له مسميان: / [79/ل] لغوي، وهو: إبطان أمر ما، وإظهار ~~خلافه خشية الضرر، وشرعي وهو: إبطان الكفر أو البدعة، وإظهار الإيمان أو ~~السنة خشية الضرر. والأول أعم من الثاني، والذي نسلم تحريمه إنما ms107 هو ~~الثاني، هو النفاق بحسب مسماه الشرعي، أما اللغوي فلا نسلم تحريمه، فتعود ~~كبرى قياسكم جزئية فلا تنتج. # والتقية التي ندعي جوازها إن سلمنا كونها نفاقا، فإنما هي نفاق لغوي لا ~~شرعي؛ إذ دعوى كونها نفاقا شرعيا مسألة أخرى تخرجنا عن الكلام في مسألة ~~التقية بالكلية، إذ يبقى النزاع في أن ما أخفاه المتقي هو بدعة أولا، وذلك ~~بلا/ [38/أ/م] شك مسألة أخرى. # وأما قولكم: لو جازت التقية لجاز إظهار الكفر من الأنبياء تقية، وهو باطل. # قلنا: لا نسلم بطلان الجواز أعني جواز إظهار الكفر منهم تقية، وإنما ~~الباطل هو وقوع الكفر منهم، وهو غير لازم؛ لأن الله-عز وجل-يعصمهم منه مع ~~جوازه عليهم كسائر المعاصي التي عصموا منها، ولولا جواز ذلك عليهم لم تظهر ~~فائدة عصمتهم منه. # قالت الشيعة: فقد تبين بطلان شبهتكم في إبطال التقية، ووضح برهاننا على ~~صحتها وجوازها، وأنها من دين الله-عز وجل-ورسله، وأولى العلم. # وإنما نازعتمونا في أصل التقية؛ لأجل فرع من فروعها، وجزء من جزئياتها، ~~وهو أن بيعة علي لأبي بكر كانت تقية، فطردتم المنع [في الأصل] الكلي لأجل ~~المعنى الجزئي، كما منعت اليهود أصل النسخ، لئلا تلزمهم نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم والمسيح-عليه السلام-ونحن PageV01P129 # نقيلكم من ذلك، ولا نبني بيعته على [تقية علي] جواز التقية بل نحن نثبتها ~~عليكم بحديث الزهري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وقد سبق ذكره، ~~فإنه نص في أنه إنما بايع ضارعا أي: مقهورا مغلوبا لانصراف وجوه الناس عنه ~~عند موت فاطمة. # وحينئذ لا يبقى لمنعكم جواز التقية من حيث هي تقية معنى، مع وضوح ~~برهانها، والله -عز وجل-أعلم [بالصواب]. # {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد} (30) [آل عمران: ~~30] اختلف فيه، فذهب قوم إلى إثبات النفس لله-عز وجل-على ما يليق به، ~~وجعلوه من آيات الصفات، وتأوله آخرون على الذات، أي: يحذركم الله ذاته، ~~وكذا القول في: # {وإذ ms108 قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد ~~علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} (116) ~~[المائدة: 116]. # {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد} (30) [آل عمران: ~~30]، عام مطرد في الخير والشر، يلقى كل أحد ما عمل منهما {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} (31) [آل ~~عمران: 31] يحتج به على وجوب متابعة النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، ~~وأنهما منه للوجوب، لأنه جعل متابعته لازما لمحبة الله-عز وجل-لأنا/ [80/ل] ~~نفرضها مقدمة استثنائية هكذا: لو أحب زيد الله لاتبع رسوله، فقد وقع اتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تاليا، وهو اللازم ومحبة الله-عز ~~وجل-[لازمة] واجبة، ولازم الواجب واجب، فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~واجب، ثم اتباعه تارة يكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتارة بموافقته في ~~فعل مثل فعله، وترك مثل ما ترك لأجل أنه فعل وترك، وذلك يقتضي أن أمره ~~وفعله يقتضيان الوجوب، وفيهما خلاف وتفصيل. PageV01P130 # أمره، فأمره واجب الامتثال، لكن في هذا دور، إذ هو بناء لكن الأمر للوجوب ~~على نفسه إذ صار تقديره امتثال أمره واجب، لأن الأمر للوجوب، فإن الله لا ~~يحب الكافرين، دليل خطابه أنه يحب المؤمنين، ويؤكد هذا قوله-عز وجل- {إن ~~أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين} (68) [آل عمران: 68] {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (257) [البقرة: 257] ولا يتولى إلا من ~~يحبه، وحينئذ يستفاد من الآية أن عاقبة المؤمنين الرحمة والسلامة من الخلود ~~في النار، لأن كل مؤمن محبوب لله-عز وجل- مرحوم، سواء سلم من العذاب ~~بالكلية أو عذب ms109 مدة ثم يرحم. # {* إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} (33) ~~[آل عمران: 33]، يحتج به من يقول: إن آدم-عليه السلام-كان رسولا أخذا من ~~لفظ (اصطفى) واقترانه بجماعة من المرسلين وليس بنص فيه، وفي المسألة خلاف، ~~وهي من مسائل النبوات. # {*إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} (33) [آل ~~عمران: 33]، أي على عالمي زمانهم، أو على من عدا محمد صلى الله عليه وسلم. # {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} (36) ~~[آل عمران: 36] عام في ذرية مريم، وهم المسيح [وأخوته من يوسف النجار] فيما ~~قيل. وقد صح في البخاري أن عمار بن ياسر كان محفوظا من الشيطان على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم (1) فلعله كان ينزع إلى هذه الذرية من جهة بعض ~~أمهاته، أو بسبب ما كالرضاع ونحوه. # {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا} [آل عمران: 37] يحتج بها ~~الجمهور على ثبوت كرامات الأولياء، خلافا للمعتزلة في إنكارها، وإنما يصح ~~الاستدلال المذكور على القول بأن مريم لم تكن نبية، أما إن قيل: إنها كانت ~~نبية فلا حجة PageV01P131 # فيه، إذ يكون ذلك من قبيل المعجزات لا الكرامات، وقد اختلف في مريم وأم ~~موسى وسارة زوجة إبراهيم/ [81/ل] وآسية امرأة فرعون، هل كن نبيات أم لا؟ ~~على قولين للعلماء، أصحهما: لا، واختلف من الرجال في طالوت والإسكندر ~~والخضر ولقمان هل كانوا أنبياء أم لا؟ على قولين؛ أصحهما: لا، قال ذلك ابن ~~حزم في كتاب الإجماع له. # {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء} (40) [آل عمران: 40] هذا من خوارق العادات، أعني ولادة ~~العاقر فهو معجزة لزكريا عليه السلام. # {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} (41) [آل عمران: 41] فيه مسائل: # الأولى: جواز جعل العلة الشرعية أمرا سلبيا عدميا ms110 نحو؛ ليس بمكيل فلا ~~يجرى فيه الربا ونحوه، لأن الله-عز وجل-جعل له الأمارة على ولادة امرأة ~~زكريا عدم كلامه ثلاثة أيام، وإذا جاز ذلك في معجز نبوي فهو في حكم فرعي أجوز. # الثانية أن [39 أ/م] قوله-عز وجل: {إلا رمزا} استثناء متصل أو منقطع؟ فيه ~~خلاف، واحتمال الثالثة: لو حلف لا يكلم زيدا، فرمز إليه أو غمزه بما يفهم ~~به عنه، انبنى على الخلاف إن قلنا: الاستثناء المذكور متصل، فالرمز كلام ~~يحنث به وإلا فلا. # {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين} (42) [آل عمران: 42] يحتج به من يرى نبوتها كما مر نحو: {*إن ~~الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} (33) [آل عمران: ~~33] {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن ~~من الشاكرين} (144) [الأعراف: 144] وليس بنص في ذلك كما سبق. # {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين} (42) [آل عمران: 42] [إن قلنا: إن مريم] وصواحباتها نبيات فهن ~~أفضل من فاطمة وخديجة وعائشة، وإن قلنا: لسن بنبيات احتمل أنهن أيضا أفضل ~~للخلاف في بنوتهن، واحتمل التسوية بين الجميع تخصيصا لهن [بأدلتهن الخاصة] ~~من بين النساء، PageV01P132 # واحتمل تفضيل فاطمة على الجميع لقوله صلى الله عليه وسلم: «فاطمة سيدة ~~نساء أهل الجنة» (1) «فاطمة بضعة مني» وبضعة النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يعدل بها شيء، وهو أظهر الاحتمالات إن شاء الله عز وجل. # {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} (43) [آل عمران: 43] ~~يحتج به من يرى أن الواو لا تقتضي الترتيب لتقديمه السجود على الركوع. # وأجيب بأن في شرعهم كان ترتيب الصلاة هكذا، فقد أفادت الترتيب في ذلك ~~الشرع، والأظهر أنها للجمع المطلق، لا للترتيب، فإذا قلنا: قام زيد وعمرو، ~~احتمل قيامها معا، ومتعاقبين، ومع التراخي، وكون زيد قام قبل عمرو وبالعكس. # وسنذكر المسألة غير هاهنا إن شاء الله عز وجل. # {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ms111 ~~يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} (44) ([82/ل]) [آل عمران: 44] هي حجة ~~على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وتقريرها: أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم قد أخبر بغيب لم يحضره، ولم يخبره به مخبر سوى الله-عز وجل-، وكل من ~~أخبر بغيب كذلك فهو نبي صادق؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم نبي صادق، أما ~~الأولى فلأنه أخبرهم بما كان من أمر زكريا-عليه السلام- ومريم، ولم يحضره ~~قطعا، ولم يخبره سوى الله عز وجل؛ إذ لم يكن كاتبا، ولا مؤرخا، ولا خالط ~~أحدا ممن هو كذلك حتى يخبره. # وأما الثانية: فلأن من كان كذلك يعلم قطعا أنه علم ذلك الغيب بوحي، وكل ~~من أوحي [إليه] الوحي الحقيقي فهو نبي، ويستفاد من هذا أن واصف اللقطة إذا ~~أصاب صفتها يجب دفعها إليه؛ لأنه إذا وصفها والتقدير أنه لم يحضر عند ~~التقاطها ولا أخبره بها الملتقط ولا غيره دل على أنه صاحبها لانحصار القسمة ~~في ذلك. # قوله-عز وجل-في صفة عيسى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين} (45) ~~[آل عمران: 45] اعلم أنا قد نهينا عن التفضيل بين الأنبياء، لكن/ [39 ب/م] ~~قد بلغنا عن بعض الناس أنه يفضل موسى على عيسى، فخالف النص وأخطأ الصواب، ~~وغرضنا الرد PageV01P133 # عليه لا غير، وبيانه أن الله-عز وجل-لما أثنى على موسى-عليه السلام-قال: # {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ~~وكان عند الله وجيها} (69) [الأحزاب: 69] وقال في عيسى-عليه السلام- {إن ~~الله يبشرك بكلمة منه} [آل عمران: 45] وهذا الثناء أبلغ، فالمثنى عليه به ~~أفضل، ولأن موسى ذو آية، وعيسى في نفسه آية، وموسى كليم، وعيسى روح [وقد ~~علم أن ذلك إنما هو] بمجرد الإضافة، ولأن موسى حين يستشفع الناس به في ~~الموقف يذكر ذنبا يمتنع به من الشفاعة، وعيسى لا يذكر ذنبا، ولأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، وعيسى أقرب إليه، والأقرب من الأفضل أفضل، ~~وقد يعارض هذا كله ms112 بأن مكان موسى من السماء أرفع من مكان عيسى كما صح في ~~حديث المعراج (1) وليس بقاطع في كونه أفضل؛ لاحتمال أن ذلك لكون عيسى على ~~عزم النزول إلى الأرض كما يكون الجالس في التشهد الأول غير متورك بل كأنه ~~على الرضف مستوفزا لكونه على عزم النهوض، أو لغير ذلك من الأسرار؛ ولأن ~~الإجماع على أن جبريل أفضل الملائكة مع أن فوقه في المكان خلقا كثيرا منهم، ~~وبالجملة/ [83/ل] فارتفاع المكان لا يدل على ارتفاع المكانة. # {ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين} (46) [آل عمران: 46] هذه من ~~آيات عيسى، والكلام على أصل أهل السنة مخلوق لله-عز وجل-كسائر الأفعال؛ ~~فجاز أن يخلقه على لسان الطفل وغيره، والذين تكلموا في المهد: عيسى وصاحب ~~جريج وابن صاحبة الأخدود، وابن المرأة الذي رأى امرأة تضرب فقال: اللهم ~~اجعلني مثلها، ورأى رجلا ذا يسارة فقال: اللهم لا تجعلني مثله. وشاهد يوسف ~~عليه السلام على خلاف فيه، (2) وهذه من مسائل النبوات من المعجزات. # {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (47) [آل عمران: 47]. # إن قلنا: إن مريم نبية؛ فهذا معجز لها ولابنها، وإن قلنا: ليست بنبية فهو ~~معجز لابنها PageV01P134 # وكرامة لها، كما كان رد الشمس على القول بإثباته معجزا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وكرامة منه لعلي رضي الله عنه، وخلق بشر لا من أب بل ولا من أم ~~أيضا ممكن لذاته، وإنما أطردت العادة بخلافه فصار غريبا خارقا. # وقد أحال الله-عز وجل-به على القدرة فقال عز وجل: {إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون} (47) [آل عمران: 47]. # {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله} [آل عمران: 49] هذا من ~~معجزاته -عليه السلام-جعل الله-عز وجل-في روحه قوة تتعدى إلى الطين، فيصير ~~طيرا وهو روح القدس على أحد الأقوال فيه، وهو كالنار توقد غيرها ولا تنقص/ ~~[40 أ/م]. ms113 # {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} (49) [آل عمران: 49] ~~هذه كلها من معجزاته والمعجز أمر ممكن خارق للعادة، مقرون بالتحدي خال عن ~~المعارض، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام كلها داخلة تحت هذا الحد. # {ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم ~~بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون} (50) [آل عمران: 50] يعني في شرع موسى- ~~عليه السلام-أحل لهم السبت، ولأجله حاولت اليهود قتله بناء على أن أحكام ~~التوراة مؤبدة عندهم. # وقد بينا بطلان ذلك في مسألة النسخ، وتغيير المسيح له مع صحة نبوته ووضوح ~~برهانه ومعجزته دليل على جواز النسخ وكذلك اليهود في دعوى التأييد أو ~~تأويله على ما سبق بيانه وعند المسلمين في بقاء تحريم السبت عليهم قولان ~~قوله عز وجل: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} (52) [آل عمران: ~~52] قيل معناه مع الله، والصواب أنها على أصلها في انتهاء الغاية أي: من ~~أنصاري لأصل إلى إقامة أمر الله، أو أنه ضمن أنصاري معنى أصحابي؛ لأن ~~الناصر صاحب. والصحبة لا بد لها من مقصد وغاية، وهي هاهنا الوصول إلى الله- ~~عز وجل-وكذا القول في {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} PageV01P135 # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) ([84/ل]) ~~[النساء: 2]. # {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} (6) ~~[المائدة: 6] فيهما خلاف. # {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي ms114 مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون} (55) [آل عمران: 55] اختلف فيه، فقيل: # مات ثلاث ساعات، وصلي عليه في السماء ثم عاش، وقيل: لم يمت إلى الآن، ولا ~~يموت حتى يقتل الدجال ثم يموت بعد مدة، ويدفن في حجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذلك بسؤاله أن يكون له نصيب من جهاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فأجيب ورزق أفضل جهادها: جهاد الدجال، ومعنى الآية على هذا: إني رافعك ~~ومتوفيك بعد الرفع بناء على أن الواو لا تقتضي الترتيب. # {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} (55) [آل عمران: 55]. # احتج به النصارى على طريق الإلزام على أنهم أفضل الأمم، قالوا: لأنا نحن ~~الذين اتبعوه، وقد حكم القرآن بأننا فوق الذين كفروا به، فكل من خالفنا في ~~مقالنا في المسيح فنحن فوقه وأفضل منه بنص القرآن. # والجواب: لا نسلم أنكم اتبعتموه بل أنتم أول من خالفه وكفر به، إذ هو ~~يقول: أنا عبد الله ورسوله، وأنتم تقولون: إنه إله، وقد ورد القرآن بأنه ~~تبرأ منكم، واعتذر إلى الله -عز وجل-مما قلتم، وإنما الذين اتبعوه هم ~~المسلمون الذين اعتدلوا فيه؛ فقالوا: عبد الله ورسوله، فقذفوه، وعلى زعمكم ~~قتلوه، يدل [هذا على] أنه جعل العلامة أن يجعل الذين اتبعوه فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة، والمسلمون هم بحمد الله عز وجل الظاهرون على غيرهم ~~إلى يوم القيامة إن شاء الله-عز وجل. PageV01P136 # (/ [40 ب/م] {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون} (33) [التوبة: 33]. # {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين} (56) [آل عمران: 56]، الآيتين، عام مطرد بشرط الموافاة على الكفر ~~والإيمان. # {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (59) ~~[آل عمران: 59]. # هذا جواب عن شبهة احتج بها النصارى على إلهية المسيح، وصورة الشبهة أن ~~المسيح آية في نفسه؛ لوجوده على خلاف مطرد العادة من غير أب، ولك من كان ~~كذلك فهو إله. # وتقرير الجواب: لا ms115 نسلم المقدمة الثانية إذ هي باطلة بآدم، قيل له: «كن» ~~فكان، لا من أب ولا أم، ثم ليس هو إلها، ولو كان ما زعمتم يقتضي الإلهية، ~~لكان آدم أحق بها؛ لأنه أغرب وأعجب وأقعد في خرق العادة، ثم إن بعض النصارى ~~يفرق بين آدم وعيسى بأنه مولود خرج من الرحم/ [85/ل] بخلاف آدم. # والجواب أن هذا الفرق لا أثر له بل هو مقرر لضعف دعواكم؛ لأن كونه مولودا ~~يقرر له حكم البشرية والإنسانية، وذلك ينافي الإلهية. # {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين} (61) # [آل عمران: 61] فيها بحثان مع النصارى والشيعة، فإن نصارى نجران وفدوا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ليجادلوه في إلهية المسيح، ورئيسهم يومئذ ~~العاقب والسيد وعبد المسيح، فقالوا: # يا محمد، هل تعلم بشرا يولد من غير أب، فإن لم يكن المسيح إلها فمن ~~أبواه؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تعلمون ولدا إلا من جنس ~~أبيه؟ » قالوا: لا، قال: «فإن كان المسيح ابن الله كما زعمتم، وجب أن يكون ~~أبوه مثله، وهو مثله» فأفحمهم، ثم إنهم عاندوا وطلبوا المحاجة بعد هذا ~~الانقطاع، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا والحسن والحسين وفاطمة خلفهم ~~حتى جاء للموعد، فلما رآه النصارى ومن معه عرفوا الحق، وقال بعضهم لبعض: ~~إنا لنرى وجوها إن دعوا علينا أضرم علينا الوادي نارا فاحترقنا؛ أو أسلموا ~~معه ولا تباهلوه، فقالوا: أما PageV01P137 # الإسلام فلا، وأما الجزية فنعم، ففعلوا ذلك وصالحوه على شيء كثير من سلاح ~~وكراع ومال وغيره؛ ثم انصرفوا، ثم بعد مدة عاد السيد فأسلم في آخرين معه، ~~أو كما قيل، هذا ما يتعلق بالآية مع النصارى. # وأما البحث فيها مع الشيعة، فإنهم احتجوا بهذه القصة على أن أهل البيت ~~هؤلاء الأربعة أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة ~~والقرابة/ [41/أ/م] وعلى أن عليا أفضل من أبي بكر وفاطمة أفضل من ms116 عائشة، ~~وقرروا هذه الدعاوى من حيث الجملة بوجوه: # أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام-عول على هؤلاء الأربعة في أهم الأمور، ~~وهو إثبات التوحيد على منكريه دون غيرهم، وكل من عول عليه في أهم الأمور ~~دون غيره فهو أفضل. # الوجه الثاني: أنهم منصوص عليهم للمباهلة في القرآن من السماء، وكل من ~~كان منصوصا عليه من السماء/ [86/ل] فهو أفضل. # الوجه الثالث: أن الجهاد ضربان: روحاني وجسماني، والروحاني أفضل، ثم إن ~~عليه الصلاة والسلام-جعل هؤلاء القوم جنده في أفضل الجهادين، وهو الروحاني؛ ~~فكانوا أفضل من جنده في الجهاد الجسماني، ثم كان علي أفضل أهل البيت ~~لاجتماع الجهادين له، أما الروحاني ففي هذا المقام، وأما الجسماني فكم له ~~فيه من مقام. # الوجه الرابع: أن نساءه في هذا المقام المشهود كانت فاطمة، ونفسه كان هو ~~عليا، فوجب أن يكونا أفضل من عائشة وأبي بكر. # الوجه الخامس: لو كان أبو بكر وعمر وعائشة وحفصة في طبقة أهل البيت في ~~الفضيلة، لأخرجهم معهم للمباهلة، لأن أهل الفضل إنما يدخرون لأوقات الكروب، ~~كما أن الشجعان إنما يدخرون للحروب. # وقصة المباهلة على معنى ما ذكرناه ثابتة في صحيح مسلم، وهي بيان للآية. PageV01P138 # القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) [القصص: 71]. # {إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم} ~~(62) [آل عمران: 62]. # {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون} (65) [آل عمران: 65] هذا أصل في استدلال أصحاب الحديث ~~على كذب الكذابين فيه بالتاريخ بأن يروي أحدهم عمن مات قبل ولادته، أو يؤرخ ~~سماعه منه بوقت قد مات قبله، مثل أن يقول: حدثني فلان سنة ست عشرة، ووفاة ~~فلان سنة خمس عشرة وهو أصل في استخراج كذبهم، ومرجعه إلى هذه الآية؛ لأن ~~اليهود والنصارى جادلوا في إبراهيم، وادعت كل طائفة أنه كان على دينها فقيل ~~لهم: أديانكم وكتبكم، وهي التوراة والإنجيل، إنما ظهرت بعد إبراهيم بدهر ~~طويل فكيف يكون عليها مع أنه كان قبلها، وهو ms117 نظير قول المحدث للراوي ~~الكاذب، فلان مات قبل أن تولد، فكيف سمعت منه هذا محال. # {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (66) [آل عمران: 66]. # هذا حجة/ [41/ب/م] على أن شرط صحة المناظرة أن تكون في علم يعلمه ~~المناظران، أما أن يناظرا/ [87/ل] في علم لا يعلمه أحدهما فلا، إذ مقصودها ~~إحقاق الحق، وإبطال الباطل بالدليل. # ومن لا يعرف ذلك العلم لا يمكنه ذلك، وإنما هو كالأعمى يريد الكتابة وهذه ~~تتعلق بأصول الفقه؛ لأن الجدل مذكور في أواخره في كثير من الكتب. # {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} (68) [آل عمران: 68] أي في عصره ~~{وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} (68) [آل عمران: 68] يعني ~~محمدا وأمته لا اليهود والنصارى. # {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون} ~~(69) [آل عمران: 69] يحتج به القدرية في أن الإنسان يضل نفسه لا أن غيره يضله. # وأجاب الجمهور بأن الله-عز وجل-يضله حقا، وهو يضل نفسه اختيارا وكسبا، PageV01P139 # أو يضله بالسبب الأبعد، ويضل هو نفسه بالسبب الأقرب كما سبق في موضعه. # {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} (70) [آل عمران: 70] ~~أي بصحتها؛ وهو إنكار شديد عليهم في ذلك، وفيه دليل [عظيم على] قبح شهادة ~~الزور، وأنه جدير بأن يكون إحدى الموبقات، لأن شاهد الزور يشهد بالشيء، وهو ~~يعلم صحة بطلانه، وينفي الشيء وهو يعلم ثبوته، فأشبه اليهود في كفرهم بما ~~علموا صحته، وقد نهى عن التشبه بهم نهيا مغلظا، وكذلك {يا أهل الكتاب لم ~~تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} (71) [آل عمران: 71]. # {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (72) [آل عمران: 72] أوله ووقت إقباله، بدليل ~~مقابلته باخره تشبيها له بوجه الحيوان، لأنه أول جسده، وهو مجاز محل الكلام ~~فيه أصول الفقه. # {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ms118 ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم} (73) [آل عمران: 73]. # {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} (74) [آل عمران: 74] هو حجة ~~على أن مناط الفضل والرحمة والخير والبركة، إنما هو مشيئة الله-عز وجل-لا ~~استعداد المستعد، ولا سعي الساعي، ولا حزم الحازم، ولا عجز العاجز ونحوه، ~~وإنما تلك الأسباب إذا تعلقت المشيئة بشيء قدرت أسبابه اختيارا، وإلا ~~اضطرارا. # {* ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (75) [آل عمران: 75] ~~يستشهد بها على مفهوم الموافقة، وهو ما يكون المفهوم فيه أولى بالحكم من ~~المنطوق؛ لأن من يؤدي قنطارا أولى بأداء الدينار، ومن يمنع دينارا أولى ~~بمنع القنطار، وهو من باب: # {فلا تقل لهما أف} / [88/ل] [الإسراء: 23]. # واعلم أن الحكم إما أن يستفاد من منظوم الكلام، وهو المنطوق، أو من ~~مفهومه، وهو PageV01P140 # إما أن يكون أولى بالحكم من المنطوق وهو مفهوم الموافقة، أو لا يكون أولى ~~به وهو مفهوم المخالفة نحو: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (15) ~~[المطففين: 15] «وفي سائمة الغنم الزكاة» (1) / [42 أ/م] وإلى هذه القسمة ~~ترجع الألقاب الكثيرة نحو مفهوم الخطاب، ودليله وفحواه ولحنه وما كان من ذلك. # {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون} (79) # [آل عمران: 79] دليل خطابه أنه يكلم ويزكي من ليس كذلك، ممن وفى بعهده ~~ولم يشتر بعهد الله-عز وجل-ويمينه ثمنا قليلا. # {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (79) [آل ~~عمران: 79]، تدل على أن من علم الكتاب وعلمه ودرس كان ربانيا، وهو مشاهد، ~~ودل صدر الآية وهو {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين ms119 بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون} (79) [آل عمران: 79]. على أنه لا أحد من البشر ~~ينبغي أن يكون إلها حقيقيا، وهي قضية سالبة دائمة إن لم تكن ضرورية، وهي ~~تنعكس كنفسها هكذا: لا واحد من الالهة الحقيقية ينبغي أن يكون بشرا، وهو ~~مبطل لمذهب النصارى في اعتقادهم إلهية المسيح، والكلام معهم طويل. # {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون} (80) # [آل عمران: 80] فيه رد على اليهود والنصارى، حيث تألهوا عزيرا والمسيح، ~~وعلى الصابئة حيث عبدوا الملائكة والكواكب. # ومستند الرد أن هؤلاء كلهم حادثون، لما سبق في بيان حدوث العالم، [ولا ~~شيء] من الحادث بإله، فلا شيء من هؤلاء بإله، وهو واضح. # {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم} PageV01P141 # {رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} (81) [آل عمران: 81] ~~فيها مسألتان: # إحداهما: جواز التكليف بالمعدوم بشرط وجوده، لأن الله-عز وجل-أخذ ميثاق ~~النبيين-عليهم السلام-على نصرة محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به في ~~الزمن القديم وليس حينئذ موجودا، لكن بشرط وجوده في عصره. # الثانية: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين} (81) [آل عمران: 81] فيه مستدل لمن اشترط في صحة ~~الرواية إقرار الشيخ بأن يقال له: حدثكم فلان أو سمعتم، فيقول: سمعت. أو: ~~نعم، وهو مذهب من شدد في الرواية، والصحيح أنه متى علم إقراره بالسماع ~~ونحوه بنص منه أو قرينة جازت الرواية. # {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ~~(85) / [89/ل]) [آل عمران: 85] عام مطرد. # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} (91) [آل عمران: 91] عام ~~مطرد في عدم قبول الفدية منهم، ولحوق العذاب الأليم بهم، وعدم الناصر لهم. # {* كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ms120 من قبل ~~أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} (93) [آل ~~عمران: 93] عام خص بالاستثناء بعده. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (102) # [آل عمران: 102] قيل: عام خص بقوله-عز وجل- {فاتقوا الله ما استطعتم ~~واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ~~(16) [التغابن: 16] وقيل: عام أريد به ذلك الخاص، وقيل: منسوخ به في البعض، ~~وهو ما لا يستطاع، ولعلك تطلب الفرق بين العام المخصوص، والعام الذي أريد PageV01P142 # به الخاص وهو فرق مهم، وهو المتكلم إذا أطلق اللفظ العام فإن أراد سلب ~~الحكم عن بعض منه فهو العام المخصوص، مثاله: قام الناس. فإن أردت إثبات ~~القيام لزيد مثلا لا غير، فهو عام أريد به الخاص، وإن أردت سلب القيام عن ~~[زيد] فهو عام مخصوص، وأيضا العام يراد به الخاص، إنما يحتاج إلى دليل ~~معنوي يمنع من إرادة الجميع فيتعين له البعض، والعام المخصوص يحتاج إلى ~~مخصص لفظي غالبا كالشرط والاستثناء والغاية والصفة والمنفصل نحو: قام ~~القوم، ثم بقوله: ما قام زيد. # {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} (103) [آل عمران: ~~103] يحتج به وبأمثاله من ذم الفرقة، والنهي عنها من ينكر الخلاف في ~~الفروع، وتقريره: أن الخلاف مطلقا مذموم، ولا شيء من المذموم بمشروع ~~فالخلاف مطلقا ليس بمشروع، فإن اضطر إليه لتعارض الأمارات والماخذ، فليجتهد ~~في تقليله ما أمكن، على ما تقرر في كتاب «عمدة الاختلاف في تقليل الخلاف». # {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تهتدون} (103) [آل عمران: 103] يحتج بظاهره من يرى أن ما قارب الشيء ~~يعطى حكم ذلك؛ لأن هؤلاء المخاطبين كانوا قد قاربوا الوقوع في النار فأعطوا ~~حكم من وقع فيها، ثم أخرج منها، أما إن تأولناه على معنى: فأنقذكم من ~~الوقوع فيها، على ms121 تقدير حذف المضاف لم ينهض حجة على ذلك. # {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون} (104) [آل عمران: 104] فيها أن الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر فرض كفاية، لأن/ [90/ل] المأمور به بعض الناس، ويلزم منه جواز ~~الإيجاب على الكفاية، خلافا لمن منعه؛ لأنه إيجاب على مبهم مجهول، وذلك غير معقول. # والجواب يمنع أنه غير معقول؛ إذ لا يأبى العقل أن يوجب السيد على جماعة ~~عبيده عملا إن تركوه عاقبهم، وإن فعلوه سلموا من العقاب سواء فعله جميعهم ~~أو بعضهم، ولا يعين لفعله أحدا منهم، وقياسا على الواجب المخير، إذ هو ~~تكليف ببعض غير معين وعلى الواجب الموسع إذ هو تكليف في زمن غير معين، ~~والمسائل الثلاث من مادة واحدة، إذ PageV01P143 # هي مشتركة في تعلق الحكم بالقدر المشترك. # {وما الله يريد ظلما للعالمين} (108) [آل عمران: 108] يحتج به المعتزلة ~~على أن الظلم الواقع في العالم ليس من الله-عز وجل-بخلق ولا إرادة، وتقريره ~~أن الله-عز وجل-نفى أن يريد أن يظلم هو أحدا، ولو كان الظلم الواقع منهم ~~مخلوقا، أو مرادا له ثم عاقبهم عليه لكان ظالما لهم وذلك مع كونه لا يظلمهم ~~ما لا يجتمع. # وجواب الجمهور بمنع هذه الملازمة فلا نسلم أنه لو خلق الظلم فيهم ثم ~~عاقبهم عليه كان ظالما. # ومستند/ [43/أ/م] المنع ما قررناه في سر القدر. # {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} ~~(110) [آل عمران: 110] ربما تعلق به بعض الجهال في الطعن على الأمة بأن ~~قال: معنى الآية {كنتم خير أمة} ثم انتقلتم عن الخيرية كما يقال: # كانت دولة فلان وانقضت، وكان الناس كراما، ثم حالوا عن الكلام. # والجواب: أن هذا جهل بالكلام وأقسامه، فإن هذا إنما يصح أن لو كانت «كان» ~~هاهنا ناقصة، وليست كذلك بل هي تامة تقديره: وجدتم خير أمة، نحو: إذا كان ~~الشتاء أي: إذا وقع، {وإن كان ذو عسرة} أي وجد. # {تأمرون ms122 بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] فيه ~~أن هذه الخصال الثلاثة هي جماع الخير وملاكه؛ لأنه عز وجل فسر خيرية الأمة بها. # {وتؤمنون بالكتاب كله} (119) [آل عمران: 119] عام مطرد. # {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا ~~بغيظكم} [آل عمران: 119] هذا أمر تعجيز وتحسير، أي: أنكم عاجزون عن كيدنا، ~~وبحسرته تموتون. # {إن الله عليم بذات الصدور} (119) [آل عمران: 119] عام مطرد. PageV01P144 # عموم وخصوص تضمن عموما/ [91/ل] مطردا، وكذلك كل جملة تضمنت نفيا ب «ما» ~~وإثباتا ب «إلا» فقوله-عز وجل: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} ~~(126) [آل عمران: 126] عام، أي ما النصر موجود، ثم خص بالاستثناء بعد وهو ~~{إلا من عند الله} فحصل منهما عام مطرد تقديره: النصر كله من عنده الله. # {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} (128) [آل ~~عمران: 128] عام مطرد، إذ هو نكرة في سياق نفي، وهو شبيه بقوله-عز وجل- ~~{إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} (56) ~~[القصص: # 56] في الدلالة على استبداد الله-عز وجل-بالتصرف في خلقه من غير مشارك. # {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون} (130) [آل عمران: 130] هذا خرج مخرج الغالب، أو حكاية حالهم في أكل ~~الربا، أو التعريض بالتشنيع على أكلته، كذلك فلا مفهوم حتى لو أكله آكل لا ~~أضعافا مضاعفة لكان حراما أيضا. # {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} ~~(144) [آل عمران: # 144] فيه إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم وسيأتي البرهان عليها في سورة ~~الفتح إن شاء الله عز وجل. # {انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا} (144) # [آل عمران: 144] زعمت الشيعة أن هذا تعريض من الله-عز وجل-بارتداد ~~الصحابة، وانقلابهم على أعقابهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~والنبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، فأكد ms123 في نهيهم عنه، بقوله: «لا ترجعوا ~~بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا ترجعوا بعدي ضلالا. . .» (1) الحديث، ~~ثم لم يكفه ذلك حتى أخبرهم بأنهم سيؤخذ بهم يوم القيامة عن الحوض ذات ~~الشمال إلى النار حتى لا يخلص منهم إلا همل النعم، قالوا: وقد كان ذلك منهم ~~بانحرافهم عن إمامهم المنصوص عليه وهو علي إلى غيره. PageV01P145 # وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم أن في الآية تعريضا بما ذكرتم، وإنما هو جملة ~~شرطية دخل عليها حرف الاستفهام، فأفادت تشجيعهم على القيام بالأمر معه/ [43 ~~ب/أ] ومن بعده، وقد فعلوا، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي ~~كفارا» فهو نهي لهم عن مثل ما خلفت به الأمم السالفة أنبياءها من الكفر، ~~وقد امتثلوا فلم يكفروا، وما كان بينهم من الحروب والدماء فعن تأويل ~~واجتهاد هم فيه معذورون بل ومأجورون، وأما المأخوذ بهم ذات الشمال إلى ~~النار فمحمول على أهل الردة الذين ماتوا عليها. # {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} (145) [آل عمران: # 145] عام مخصوص بمن شاء الله-عز وجل-أن ينال ذلك، ووفق لأسبابه بدليل: # {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا} (18) [الإسراء: 18]. # {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} (151) [آل عمران: 151] أي: بما نخلق ~~فيها من أسباب الضعف والجبن، ونقرره فيها من مقدمات خذلانهم ونصر المؤمنين ~~عليهم، وهو من مادة {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل ~~الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (13) [آل عمران: 13] ونحوه. PageV01P146 # وغيرها من العوالم لا تصرف في شيء من ذلك في الدنيا والآخرة لغيره، عز وجل. # {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون} ms124 (123) [هود: 123]، {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ~~وإلى الله ترجع الأمور} (4) [فاطر: 4]، {وأن إلى ربك المنتهى} (42) [النجم: # 42]، {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ~~وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} (154) # [آل عمران: 154] يعني بقدرة الله-عز وجل-وقضائه وقدره الغالب النافذ، ~~ومستند ذلك وسببه ما يلقيه ويخلقه في النفوس من دواعي البروز إلى القتال ~~والصوارف عن القرار في البيوت، بما تسول للإنسان نفسه من لذة الظفر بخصمه، ~~أو الغنيمة ونحوه. # فإذا خرج ضعفت أسبابه، وانعكس حسابه، وأخذت أسلابه كما جرى للكفار ببدر. # {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} (48) [الأنفال: 48] ونحو ذلك، وكشف ~~السر عن خلق الدواعي والصوارف، وتحقيق كيفيته ما لا يليق مع كل أحد، وهو ~~إذا حقق انتفضت به قوى القدر وانعزل الصواب عن أهل الاعتزال. وهذه كقوله عز وجل: # {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة ~~يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند ~~الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} (78) [النساء: 78] وقول ~~الشاعر: # فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما # أي: أينما ذهب. # قول علي-رضي الله عنه-: # في أي يومي من الموت أفر [أيوم لم يقدر] أو يوم قدر ونظائره (كثيرة). # {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} (155) [آل عمران: 155]، فيها ~~مسائل للشيعة: PageV01P147 # الأولى: أن هذا كان يوم أحد ففر عثمان وثبت علي؛ فدل على أن عليا أفضل؛ ~~لأنه سلم من هذه اللائمة. # الثانية/: [44 أ/م]: أن الفرار من الزحف كبيرة خصوصا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تلك الضائقة، وقد أتاها عثمان. # الثالثة: دلت الآية على ms125 أن فرار عثمان إنما كان عقوبة على ذنب آخر أتاه ~~لقوله عز وجل: {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} [آل عمران: 155] فكان ~~عقوبة الذنب ذنبا مثله. # وأجابت السنة بتمام الآية، وهو/ [93/ل] قوله-عز وجل: {ولقد عفا الله عنهم ~~إن الله غفور حليم} (155) [آل عمران: 155] والذنب المغفور كغير المعمول، ~~ولو ساعد الدليل على أن يحمل تولى عثمان وأصحابه توليا مباحا، إما تحرفا ~~لقتال، أو تحيزا إلى فئة، لكان أولى، لكنه لا يساعد إذ لو كان كذلك لما ~~لحقتهم اللائمة، ولما احتاجوا إلى العفو، وبما أجبنا به أولا أجاب ابن عمر ~~عن عثمان مع معرفة ابن عمر بحقيقة الواقعة. # {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} (156) [آل عمران: ~~156] هذا هو قول القدرية المعتقدين لكون الإنسان يخلق الموت والقتل ~~وأسبابه، فلو لم يخلقه لم يقع، فرد الله-عز وجل-ذلك عليهم بأنه هو الذي يحي ~~ويميت بما يخلقه من الموت والحياة على أيدي خلقه، ويجبرهم على اكتساب ~~أسبابه، وإنما خذل القدرية حتى اعتقدوا معتقدهم ليجعل ذلك حسرة في قلوبهم، ~~يتندمون على فعلها كلما ذكروها تعجيلا لجزء من عذاب القدر لهم في الدنيا ~~قبل الآخرة. # {قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] أي: بذنوبكم، فعله الله-عز وجل- ~~بكم، وليس المراد أنكم خلقتموه كما زعم القدرية بدليل قوله عز وجل: # {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين} (166) [آل ~~عمران: 166] إشارة إلى تعليل هذا الفعل بهذه الحكمة، ويحتج به على أن ~~أفعاله-عز وجل-معللة بالعلل الحكمية {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا ~~قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} PageV01P148 # قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) [آل عمران: 167] ~~يحتج به المعتزلة في إثبات المنزلة بين المنزلتين، وعلى المنافقين لا كفار ~~ولا مؤمنون، كالخنثى بين الذكر ms126 والأنثى؛ لأن الكلام هنا في المنافقين، ولم ~~يقطع لهم أحد بأحد الطرفين بل جعلهم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، وهو يدل ~~على ما ذكرنا، وكذلك المعتزلة قالوا: المؤمن إذا أتى الكبيرة خرج عن ~~الإيمان لفسقه، ولم يدخل في الكفر لبقاء إسلامه وتوحيده، فهو إذن في منزلة ~~بين منزلتين، لا كافر ولا مؤمن. # {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين} (168) [آل عمران: 168] كقولهم: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى ~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله ~~يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} (156) [آل عمران: 156] وقد سبق، ثم ~~أجيبوا على جهة التعجيز والتكذيب؛ فقيل لهم: {فادرؤا} أي ادفعوا {الذين ~~قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين} (168) [آل عمران: 168]، لأن من يدفع عن غيره أولى/ [44 ب/م] ~~بأن يدفع عن نفسه، وهم لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم كما تبين في الواقع، ~~فكذا عن غيرهم. # {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ~~(169) [آل عمران: 169] يعني الشهداء، يحتج بها على أن الأرواح أجسام؛ لأنه ~~وصفوا بعد القتل بالحياة والرزق والفرح والاستبشار وتلك صفات الأجسام، ثم ~~إن تلك ليست هي الأجسام الطبيعية التي كانت قبل القتل؛ لأن تلك مشاهدة ~~عندنا ليس لها شيء من الصفات المذكورة، فدل على أنها صفات أجسام [هي] ~~الأرواح، ولقائل أن يقول: لعل الصفات المذكورة للطير الخضر التي تتعلق بها ~~أرواح الشهداء، وتعلق من شجر الجنة، وحينئذ لا يدل على أن الأرواح أجسام. PageV01P149 # حسبنا الله ونعم الوكيل (173) [آل عمران: 173] هذا عام أريد به الخاص كما ~~مر في المقدمة. # {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (175) # [آل عمران: 175] أي يخوفكم أولياءه، وفيه إثبات الشيطان والجن خلافا ~~للفلاسفة. # {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ms127 يريد الله ~~ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم} (176) [آل عمران: 176] هو يشوش ~~مذهب المعتزلة من وجهين: # أحدهما: أن هذا شر وقد أراده، وهم زعموا أنه لا يريد الشر. # الثاني: أنهم زعموا أنه يجب عليه اللطف ورعاية المصالح. # وهذا ينافي ذلك، إذ لا مصلحة لهم في حرمان حظهم من الآخرة، وفي لزوم هذا ~~لهم نظر. # {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} (178) [آل عمران: 178] هذا أيضا ينافي رعاية ~~المصالح لهم، إذ إن مصلحتهم إذن في أن يعاجلهم ليكون أقل لإثمهم، بل في ألا ~~كان يبتليهم، بل ألا كان يخلقهم. # {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} (182) [آل عمران: 182] ~~يحتج به القدرية في أن فعلهم مخلوق لهم، ويحمله الآخرون على الكسب أو مقتضى ~~الجبر على ما عرف. # {الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين} (183) [آل عمران: 183] ظاهرة أنه سلم لهم هذه الدعوى، ثم ألزمهم ~~المناقضة، وهو قتلهم من جاءهم بذلك، فإن كان صادقا فلم قتلتموه! وإن كان ~~كاذبا فقد بطل كون القربان المذكور علامة على صدقه. # والتحقيق له [أنه] إنما سلم لهم ذلك على سبيل التنزيل، كأنه قال: لا أسلم ~~أن الله-عز وجل-عهد إليكم بذلك، سلمناه لكن قد قتلتم من هذه صفته فلزمكم ما ~~ذكرناه. PageV01P150 # {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (185) [آل عمران: ~~185] عام مخصوص بنفس الله-عز وجل-بأن وصف له نفسا، وعالم الجنة إن قلنا: لا ~~يموتون، وحينئذ تقديره: كل نفس حادثة لم تخلق للبقاء ذائقة الموت. # فيختص بالقيد الأول، نفس الله-عز وجل-وبالثاني عالم الجنة ونحوه، ممن خلق ~~للبقاء. # {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} [آل عمران: 185] عام مطرد في توفية ~~الأجور والحصر هو للتوفية في ذلك اليوم. # وكذا {فمن ms128 زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} [آل عمران: 185]، وهو مثل ~~{وما النصر إلا من عند الله} [آل عمران: 126] / [45 أ/م] في أنه جمع عموما ~~وخصوصا حصل منه عموم مطرد. # {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} ~~(190) [آل عمران: 190] الآيتين، فيهما إشارة إلى كيفية النظر في شواهد ~~الوجود الدالة على الصانع الموجود، كما في نظيرتها في البقرة غير أن هذه ~~أخص من تلك وأحق بهذا المعنى، إذ فيها التصريح/ [95/ل] بالتفكر في خلقهما، ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها وما بعدها حين يقوم من منامه، ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ويل لمن قرأها ثم لم يتدبرها» (1). # {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} (191) [آل عمران: ~~191] إشارة إلى وجه الاستدلال بها وهو هكذا: ربنا أنت خلقت هذا، ومن خلق ~~هذا لم يخلقه باطلا، فأنت لم تخلق هذا باطلا ولا عبثا نحو: # {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} (115) [المؤمنون: ~~115] ففيه إشارة إلى الاستدلال على المبدأ، وهو الصانع، وعلى المعاد وهو ~~المرجع. # {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا} PageV01P151 # {ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} (193) [آل عمران: 193] ربما ~~استشعر منه وجوب إجابة الداعي بمجرد دعواه من غير معجز، وليس كذلك، بل لا ~~بد من المعجز والنظر فيه، وإلا ادعى النبوة كل أحد، [وإذا] كان مع اشتراط ~~المعجز ظهر كذابون دجالون يدعون النبوة فكيف لو لم يشترط. # وهذه الآية مطلقة أو مجملة في اشتراط المعجز، قيدت أو [بينت] بالإجماع ~~والنظر على ما قد يأتي إن شاء الله-عز وجل. # {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من ~~بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا ~~لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند ~~الله والله عنده حسن الثواب} (195) [آل عمران: ms129 195] يحتج به المعتزلة على ~~مذهبهم في الأعمال؛ لأن الثواب هو العوض، فلولا أن أعمالهم التي استحق ~~عليها الثواب من خلقهم لكان العوض والمعوض من جهة واحدة وأنه محال. # والكسبية قالوا: هو ثواب على أكسابهم. # الجبرية قالوا: سمي ثوابا مجازا، وإلا فكلاهما العمل والجزاء عليه من ~~الله عز وجل. # ... PageV01P152 ### | AUTO القول في سورة النساء # {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا} (1) [النساء: 1] عام مطرد. # {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} ~~[النساء: 1] الضمير عام إذ جميع الناس خلقوا من تلك النفس. # {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم ~~إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} (2) [النساء: 2] عام مطرد في اليتامى تدفع ~~إليهم أموالهم بشرطه المذكور بعد. # {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] أي: مضمومة إليها، فمعنى ~~الغاية موجود، ولا ضرورة إلى حملها على معنى مع. # {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا ~~تعولوا} (3) [النساء: 3] عام مطرد في الصفة، خاص في (لكم) أي: أنكحوا هذا ~~العدد المخصوص على أي صفة كن من الصفات الطبيعية ونحوها. # {أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} (3) [النساء: 3] عام خص بذوات ~~محارمه من نسب أو رضاع إذا ملكهن، لا يباح له وطؤهن ونحو ذلك، مما قام ~~الدليل على تخصيصه. # {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا} (4) [النساء: 4] عام خص بما وهبته المرأة له أو أبرأته منه، أو سقط ~~بأمر من جهتها فلا يجب إيتاء شيء/ [45 ب/م] من ذلك. PageV01P153 # وقيل فيه غير ذلك. # {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ~~ومن كان فقيرا فليأكل ms130 بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ~~وكفى بالله حسيبا} (6) [النساء: 6] عام مطرد، أي اختبروهم فإن صلحوا لتسليم ~~المال إليهم سلموا بشرط البلوغ والرشد. # {ومن كان غنيا فليستعفف} [النساء: 6] عام مطرد. # {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] وهو الأقل من كفايته وأجرة ~~مثله، فلو كانت كفايته درهما كل يوم وأجرة مثله درهمين أو بالعكس، أخذ ~~درهما لأنه المعروف [المتيقن استحقاقه]. # {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} (7) [النساء: 7] الظاهر أن هذا ~~النصيب بالإرث؛ فيكون عاما مخصوصا بالعبد [والقاتل والكافر] من المسلم ~~وبالعكس، وبمن حجب فلم يرث، وكذا {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} [النساء: 7] أما ما ترك فعام أيضا، يخص ~~بالوصايا ونحوها، وبالديون لا نصيب للورثة في شيء من ذلك. # ولقائل أن يقول: مقدار الدين لم يتركه الميت فلا يتناوله العموم، فلا ~~يحتاج إلى أن يخص، وجوابه بالمنع بل هو تركة يتناوله العموم، بدليل ما لو ~~برئ الميت من الدين تناول العموم مقداره بلا خلاف. نعم ذلك المقدار تعلق به ~~حق الغير، وذلك لا يمنع من دخوله تحت عموم التركة. # {وإذا حضر القسمة} أي: قسمة الميراث {أولوا القربى} [النساء: 8] يعني ~~قرابة الميت الذين لا إرث لهم {واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم ~~قولا معروفا} [النساء: 8] عام في هذه الأصناف إلا من خص بدليل وإعطاؤهم من ~~الميراث على جهة الصدقة والتبرع والأمر به ظاهر في الوجوب، ويحتمل الندب. PageV01P154 # وسيصلون سعيرا (10) [النساء: 10] عام مطرد في أموال اليتامى، ومن فرط ~~فيها، وخاص في الأكل [أريد به العام]، إذ ليس المراد خصوصه، بل عموم تفويت ~~أموالهم عليهم، وإنما خص الأكل؛ لأنه غالب ما يغصب لأجله المال. # {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه ms131 أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما} (11) [النساء: ~~11] أي في توريثهم {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] خص منهم من سبق من ~~عبد وكافر وقاتل ومحجوب كابن الابن يحجبه الابن، وبنت الابن يحجبها بنات الصلب. # {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان ~~عليما حكيما} (11) [النساء: 11] عام مطرد فيهم إذ لا يعلم عاقبة النفع ~~والضرر فيهم إلا الله-عز وجل-وفيه إشارة إلى أن تفاوت أنصباء الورثة بالقلة ~~والكثرة والإرث والحجب لتفاوت نفعهم للموروث في علم الله عز وجل دنيا وأخرى. # {* ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم ~~الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم ~~يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها ~~أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ~~السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم} (12) [النساء: 12]، وكذلك ~~{ولهن الربع مما تركتم} [النساء: 12] عام في الأزواج والزوجات خص بمن لا ~~يرث كالرقيق/ [97/ل] والذمي والقاتل فلو ترك زوجة أمة أو ذمية أو قاتلة له ~~لم ترثه، وكذا لو تركت زوجا عبدا أو قاتلا لم يرثها. PageV01P155 # {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} (13) / [46 أ/م] [النساء: 13]. # {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} ~~(14) [النساء: 14] عام فيهما بشرط الموافاة على ذلك. # {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} (15) ~~[النساء: ms132 15] عام في إتيان الفواحش غير أن الآية منسوخة في إمساكهن في ~~البيوت، بما شرع فيهن من الجلد والرجم والتغريب. # {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما} (17) [النساء: 17] هذا عام ~~في هؤلاء مطرد. # {إنما التوبة على الله} [النساء: 17] أي واجب منه بمقتضى صدق وعده لا أنه ~~واجب عليه، خلافا للمعتزلة، إذ أوجبوا عليه قبول التوبة، ورعاية المصالح ~~وفعل اللطف وإزاحة [العلل في التكليف]؛ لأنه لو لم يجب عليه لجاز له تركه، ~~ولو تركه لكان [ذلك قدحا في الحكمة والعدل، وأنه محال. # وقال الجمهور: لو وجب عليه شيء من ذلك لكان] فوقه موجب أعلى منه شرع أو ~~عقل وأنه محال، إذ الله-عز وجل-هو العلي المطلق، فلا أعلى منه، ولا نسلم ~~أنه لو ترك شيئا مما ذكرتم لكان قد جار في حكمه أو عدل، فلم قلتم ذلك، فإن ~~الله يتصرف في خلقه بحق ملكه التام واستعلائه العام، وإنما هذا من الخصم ~~بناء على التحسين والتقبيح العقلي، وهو ممنوع. # {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} (18) # [النساء: 18] عام مطرد في سلب قبول التوبة عن هذين الفريقين لكنهما إنما ~~تنقطع عن عامل السيئات عند حضور الموت، ومعاينة الملك ونحوه، وهي مقبولة ما ~~لم ييأس من الحياة إن شاء الله عز وجل. PageV01P156 # {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} (19) [النساء: ~~19] عام في الوارث والموروث وجهة الإرث. # {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} (20) [النساء: 20] عام خص بما تراضيا ~~عليه كتواهب أو تخالع كما سبق في قوله-عز وجل-: {الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ms133 تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون} (229) [البقرة: 229]. # {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] عام، والاستثناء بعده ~~منقطع، فليس بمخصوص، نعم من يرى أن النكاح حقيقة في الوطء، وأن الزنا لا ~~يوجب تحريم المصاهرة يخص منه موطوءة الأب بالزنا فيبيحها للابن واختلف في ~~النكاح؛ فقيل: هو حقيقة في العقد، وقيل: في الوطء، وقيل فيهما. # والأشبه أنه في الوطء حقيقة وضعية، وفي العقد حقيقة عرفية مجاز لغوي، ثم ~~من يرى استعمال اللفظ الواحد في حقيقه ومجازه معا/ [98/ل] فقياس قوله ~~التحريم بهما، ومن لم ير ذلك غلب إحدى الحقيقتين فحرم بها دون الأخرى ~~والأشبه الأول. # {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما} (23) [النساء: 23] عام فيهن من الطرفين ~~كأمه وأمها وأم أبيه وأم جده ومن ولدتهن وإن علون. PageV01P157 # {وأخواتكم} من الطرفين أو أحدهما {وعماتكم وخالاتكم} كذلك إذ العمة أخت ~~الأب من الجهات/ [46 ب/م] الثلاث، والخالة أخت الأم منهن. # {وبنات الأخ} الذي هو من الجهات الثلاث، (وبنات الأخت) التي هي كذلك. # {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] عام فيهن من ~~النسب والرضاع. # {وربائبكم} [النساء: 23] الواحدة ربيبة، وهي بنت زوجته المدخول بها دون ~~غير المدخول بها، فلو دخل بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها. ولو عقد عليها ولم ~~يدخل بها حرمت عليه أمها لعموم {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] دون ابنتها ~~لخصوص {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23]، ولا أثر لتخصيصهن ~~بالحجور؛ لأنه دليل خطاب خرج مخرج ms134 الغالب، وليس بحجة خلافا لداود حيث أباح ~~للرجل ربيبته التي ليست في حجره لظاهر دليل الخطاب. # {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ~~إن الله كان غفورا رحيما} (23) [النساء: 23] خص به عموم مسمى الأبناء فخرج ~~منه أبناء التبني لا النسب، كزيد بن حارثة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وسالم بالنسبة إلى مولاه أبي حذيفة فلا تحرم عليه زوجته، وهو عام في ~~تحريم زوجة الابن وابن الابن وابن البنت لأنه من الصلب بواسطة أمه [البنت] ~~وإن سفلوا في هذه البنوة. # {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما} (23) ~~[النساء: 23] أي: والجمع بين الأختين حرام عليكم؛ فاقتضى عمومه تحريم الجمع ~~بينهما بالنكاح والملك. # وقوله عز وجل: {*واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي ~~القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ~~وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} (36) ~~[النساء: 36]. # {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع} PageV01P158 # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) ~~[النساء: 3] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} (30) ~~[المعارج: 30] جوازه بملك اليمين، من ثم قيل: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ~~فمن ثم حرم الجمع بينهما بالنكاح إجماعا، وخرج فيه بالملك قولان للعلماء: ~~أحدهما: يحرم لعموم {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما} (23) [النساء: ~~23] والثاني: تباح لعموم: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين} (30) [المعارج: 30] ثم من حاول ترجيح الإباحة قال: {فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] خاص ms135 بتحريم النكاح فتبقى إباحة ~~الجمع بينهما بالملك على عمومه من غير معارض، ومن حاول ترجيح التحريم قال: # {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا ~~تعولوا} (3) [النساء: 3] عام خص بأمته المشركة والمجوسية لا تحل له. # {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما} (23) ~~[النساء: 23] عام لم يخص، [وما لم يخص] أولى بالاعتبار، مما خص، فيكون ~~العمل بمقتضاه أولى والأشبه الأول، ثم قوله/ [99/ل]: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] ذهب الكرخي (1) إلى ~~أنه مجمل؛ لأن عين [الأم والميتة] لا تحرم، وإنما المحرم هو فعل متعلق بها. ~~وذلك الفعل غير متعين؛ لاحتمال أنه من الأم وطؤها أو استخدامها أو إجارتها ~~وغيره من الأفعال، ومن الميتة أكلها أو بيعها أو PageV01P159 # إتلافها ونحوه. # فكان النص فيها مجملا، والجمهور على أنه ليس بمجمل، والتحريم ينصرف إلى ~~الفعل المعهود، وهو الاستمتاع بالأم، وأكل الميتة/ [47 أ/م] وصار ذلك ~~كالحقيقة العرفية لمبادرة الذهن إليه خصوصا، والآية مكتنفة بذكر النكاح ~~قبلها وبعدها نحو: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه ~~كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} (22) [النساء: 22]. # {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] فصار ذلك ~~كالقاطع في البيان، وهذه من مسائل المجمل والمبين. # {* والمحصنات من النساء} [النساء: 24] أي المزوجات يعني ذوات الأزواج ~~حرام عليكم وهو عام خص بالاستثناء بعده {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] ~~بالسبي، لأن سبيهن يقطع عصمة نكاحهن، فإذا اعترض الملك بابتداء الرق على ~~النكاح قطعه وأباح، وإذا اعترض النكاح على الملك كالأمة يزوجها السيد، لم ~~يبح له وطؤها. # {وأحل ms136 لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] أي نكاح ما سوى المحرمات المذكورة، ~~وهو عام خص بالسنة في تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها ونكاحهما عليها. # {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] عام في جنس المال وقدره، فيستدل به ~~على جواز كون المهر نقدا وعرضا من جماد وثياب وحيوان وجوهر أو عرضا ~~كالمنافع؛ إذ هي كالمال في مقابلتها بالعوض وعلى جواز كونه قليلا وكثيرا ~~كخاتم حديد وقنطار ذهب. # {محصنين غير مسافحين} [النساء: 24]. # احتج الشيعة بهذا على جواز نكاح المتعة، وهو عقد النكاح إلى مدة معلومة ~~مع باقي شروطه عند الجمهور، من خلوها من زوج وعدة، وغير ذلك ولحوق النسب ~~فيها ونحوه PageV01P160 # من آثار النكاح، وخالفهم الجمهور. # حجة الشيعة من وجوه أحدها: هذه الآية، وجه استدلالهم بها قوله عز وجل: # {محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] وهو بعمومه يتناول المتعة ثم قال: ~~{فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} [النساء: 24]. وهو عام أيضا يتناولها ~~مع أنه صرح بلفظ مشتق منها، وهو استمتعتم تنبيه على أنها مراده من العموم؛ ~~لئلا يطمع طامع في تخصيصها أو في عدم تناول/ [100/ل] العموم لها. # الوجه الثاني: ما روى جابر بن عبد الله قال: «كنا نتمتع»، أو قال: ~~«تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ~~بالرغيف والقبضة من الشعير حتى حرمها عمر في شأن عمر بن حريث»، أو كما قال، ~~رواه مسلم (1). # قالوا: وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أباحها، ثم لم ينسخها حتى ~~مات، بحيث عمل بها في خلافة الشيخين عملا مشهورا. # وأيضا فتحريم عمر لها يقتضي بقاء إباحتها [إلى خلافته]. # الوجه الثالث: ما روي عن علي أنه قال: لولا أن عمر حرم المتعة، لما زنى ~~إلا شقي رواه ابن شاهين (2) في كتاب الناسخ والمنسوخ له. ويدل على/ [47 ~~ب/م] ذلك ما روي من قول عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنا أحرمهما يعني: متعة الحج، ومتعة النكاح (3). فدل على أن إباحتها ~~استمرت إلى بعد موت ms137 الرسول صلى الله عليه وسلم. # الوجه الرابع: ثبت أن المتعة أبيحت قبل خيبر أو في أيامها، ثم حرمت بحديث ~~علي الصحيح عند الخصم في ذلك، وهو قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم خيبر عن المتعة، وعن لحوم الحمر الإنسية» (4) رواه البخاري وغيره؛ ثم ~~ثبت إباحتها يوم الفتح إباحة تواترت؛ لأنه-عليه الصلاة والسلام-أشاع ~~إباحتها في جميع الجيش، وهو يومئذ اثنا عشر ألفا ثم PageV01P161 # ادعى الخصم نسخها بخبر واحد وهو حديث سيرة بن معبد الجهني (1) ونحوه. # والقاعدة: أن الآحاد لا تنسخ التواتر فلنتمسك بالتواتر في إباحتها حتى ~~يرد لها ناسخ يساويه في القوة. # الوجه الخامس: حديث ابن مسعود (2) حين تذاكروا المتعة عنده؛ فتلا: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين} (87) [المائدة: 87]، وذلك يقتضي بقاء إباحتها، وأنها من ~~الطيبات، وإلا لما خفي ذلك على ابن مسعود عادة. # الوجه السادس: إجماع أهل البيت على إباحتها وهو عند الشيعة معصوم. # الوجه السابع: أن المتعة غايتها أنها نكاح مؤقت؛ فكان جائزا كالمؤقت في ~~الدوام، فيما إذا علق طلاقها بما يجب وقوعه، كطلوع الشمس ومجيء الليل، ومن ~~ثم أوقع مالك الطلاق في الحال إلحاقا لتوقيت الدوام بتوقيت الابتداء عنده. # الوجه الثامن: إذا تعارضت الأدلة في المتعة فلنرجع فيها إلى الأصل فيما ~~قبل الشرع، وهو الحل في الأفعال. # الوجه التاسع: أن المتعة مذهب ابن عباس، وهو حبر القرآن، وبحر العلم، ~~وقول/ [101/ل] الصحابي حجة عند كثير من علماء الجمهور. # الوجه العاشر: أن المتعة فيها توسعة على الناس بمستند شرعي، وكل ما كان ~~كذلك كان جائزا، فالمتعة جائزة، والمستند الشرعي ما سردناه من الأدلة على ~~جوازها، ولا يلزم عليه الزنا إذ هو توسعة؛ لأنه لا مستند له من الشرع بل ~~الشرع صرح بتحريمه، والإجماع منعقد عليه. # هذا ما استحضرته لهم على إباحة المتعة، وقد رأيت لبعضهم على ذلك خمسة عشر ~~وجها لم أستحضر جميعها، وأكثر هذه الوجوه إلزامي للخصم إذ الشيعة لا تحتج ~~بأخبار الآحاد. ms138 PageV01P162 # احتج الجمهور بوجوه: أحدها قوله عز وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير} (234) [البقرة: 234] ~~والمتعة ليست من المعروف، فتتضمن الجناح فتكون حراما. # الثاني: حديث علي/ [41 أ/م] رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن المتعة يوم خيبر. والأصل بقاء ما كان على ما كان. # الثالث: أن أئمة الحديث كمسلم وغيره نقلوا حديث سبرة بن معبد نقلا ~~مستفيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم المتعة، والتغليظ فيها، وتأبيد ~~تحريمها إلى يوم القيامة بألفاظ كثيرة مختلفة، ومثل ذلك ينسخ به غيره. # الرابع: إجماع الجمهور من الصحابة ومن بعدهم على تحريمها، وهو قاطع، فلا ~~يعارضه غيره. # الخامس: أن ذات المتعة لا زوجة، وإلا لورثت منه إذا مات، ولا ملك يمين، ~~وإلا لما جاز نكاحها له، وحينئذ يكون حراما، وهو بنكاحها عاد لقوله-عز ~~وجل-: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} (6) ~~[المؤمنون: 6]. # هذه حجج الفريقين في المسألة [على ما] حضرني الآن، ولكل على حجة صاحبه ~~اعتراض، وجواب يطول ذكره. # {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك ~~لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25]. # يعني إذا تزوجت الأمة [ثم زنت]؛ فعليها نصف حد الحرة المحصنة، وهو عام في ~~تنصيف الحد خص بالتغريب فلا تغرب ولا ترجم؛ لعدم الإحصان الشرعي، وإنما ~~تجلد خمسين جلدة، فكأنه قال: نصف ما على المحصنات مما يقبل التنصيف والجلد ~~يقبله دون التغريب؛ لأنه معنى بسيط لا يقبل التجزئة بخلاف الضرب فإنه مجموع ~~حركات يقبل التجزئة من حيث هي مجموع، فإن قيل: تغريب العام نصفه تغريب نصف ~~عام؛ فقد قبل التجزئة، قلنا: إنما قبلها هاهنا باعتبار طرفه الزماني لا ~~بحسب ذاته، إذ حقيقة التغريب أنه التفريق بينه وبين وطنه، ومفهوم التفريق ~~من حيث هو لا يعقل فيه التجزئة كضده/ [102/ل] الذي هو الجمع بينهما. PageV01P163 # {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] أي: وصبركم ms139 عن النكاح أو عن نكاح ~~الإماء خير لكم، وهو عام يخص بمن خشي بتركه العنت، فإنه يشرع في حقه وجوبا ~~أو ندبا. # {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم} (26) [النساء: 26] قد يستشعر منه أن من قبل هذه الأمة أفضل منها إذ ~~جعلوا كالقدوة لها وهو مناقض لما سبق من كونها خير أمة أخرجت للناس. # والجواب: أنه لا نسلم أنه يشعر بذلك ولو أشعر به لكنه محتمل، وغيره قاطع ~~فلا يعارضه. # {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] عام ~~مطرد، والاستثناء بعده وهو {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ~~منقطع فلا يكون مخصصا. # {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (29) [النساء: 29] أي: لا ~~تقتلوها مباشرة، ولا/ [48 ب/م] تسببا فهو عام يخص في المباشرة بما إذا قال ~~الجاني للولي: أنا أقتص لك من نفسي؛ فرضي جاز، ويقتل الجاني نفسه في ذلك؛ ~~لأن ذلك حق عليه يؤديه، أو لأن يده كيد الولي، وفي التسبب بكل ما تضمن ~~مصلحة مطلوبة شرعا كالجهاد، ونحوه مما سبق في {وأنفقوا في سبيل الله ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (195) [البقرة: 195]. # {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا} ~~(30) [النساء: 30] عام مطرد، وفي تقييده بالعدوان إشارة إلى تخصيص ما قبله ~~إذ يدل على أن قتل الإنسان نفسه قد لا يكون عدوانا وظلما؛ فيجوز إلا أن ~~يحمل هذا التقييد على عادة كانت، أو أن ذلك هو مقتضى قتل نفسه. # {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} ~~(31) [النساء: 31] فيه انقسام السيئات إلى كبائر وصغائر، وأن اجتناب جميع ~~الكبائر مكفر لجميع الصغائر، واختلف في الكبائر، فقيل: السبع المنصوص عليها ~~(1). وهي PageV01P164 # الشرك، والقتل، والسحر، والقذف، وأكل مال اليتيم، والزنا، وشهادة الزور. # وزيد فيها في حديث آخر: التولي عن الزحف، وأكل الربا. # وقيل: هي سبعون موزعة على الجوارح (1). # وقيل: هي ما ترتب عليه حد في ms140 الدنيا، أو وعيد في الآخرة. # وقيل: هي المنصوص عليه، وكل معصية ساوى قبحها ومفسدتها واحدة من المنصوص ~~عليه وهو أجود الأقوال ما ذكر منها، وما لم يذكر. # وقيل: لا صغير في الذنوب، بل كلها كبائر نظرا إلى عظم المعصى. # كما قيل: لا تنظروا إلى صغر الذنوب، ولكن انظروا على من اجترأتم. # وهو خلاف مقتضى هذه الآية، وقوله-عز وجل-: {الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ~~وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (32) ~~[النجم: 32] وتكفير الصغائر باجتناب الكبائر مناسب عرفا وشرعا، أما عرفا ~~فلأن الملك إذا أطاعته الرعية ولم تنازعه ملكه وكان حليما صفح لها عن سائر ~~ما يصدر عنها من الجرائم، وأما شرعا؛ فلأن الشخص إذا اجتنب النجاسة المغلظة ~~كالبول/ [103/ل] والغائط، عفي له عن النجاسة الخفيفة المختلف فيها، وإذا ~~اجتنب ما يمكنه التحرز منه، عفي له عما يشق تحرزه منه كطين الشوارع، ونحوه، ~~ولو أتى كبيرة واحدة، اختل شرط تكفير الصغائر. # {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا} (33) [النساء: 33] هذا عام في ~~إرث المولى بالموالاة، ثم نسخ بإرث الأقارب. # {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} (75) [الأنفال: 75]. # {*والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن} PageV01P165 # {أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله ~~كان عليما حكيما} (24) [النساء: 24] هو عام وهو شبيه بقوله-عز وجل- ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم} ms141 (228) [البقرة: 228] أي: يقومون بأمر النساء ويكفلونهن. # {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} الآية ~~عامة، وذلك حكم كل ناشزة. # {* واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن ~~السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} (36) ~~[النساء: 36] عام في تحريم الفخر والخيلاء/ [49 ب/م] وبغض فاعلهما خص من ~~ذلك الخيلاء حال الحرب، لقوله صلى الله عليه وسلم «إن هذه مشية يبغضها الله ~~إلا في هذا المكان» (1)، أو في حال الضرورة. # {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} (38) [النساء: 38] هو عام في ذم ~~الشيطان، خص بقرين النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر أنه أعين عليه فأسلم ~~إذا قيل: أنه صار مسلما، فإنه لا يذم حينئذ. # {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما} (39) [النساء: 39] يحتج بها القدرية، وتقريره لو كان الكفر ~~وانتفاء الإيمان مخلوقا له لما لامهم عليه، فدل على أنه مخلوق لهم. # وجواب الكسبية: أنه لامهم على كسبهم للكفر على وفق إرادتهم. # وجواب الجبرية: أنه لامهم على ما ظهر على جوارحهم، أو على ما لو فرض ~~إليهم كان معصية وكفرا. PageV01P166 # {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما} (40) [النساء: 40] عام مطرد، ومفهوم الموافقة دل على نفي الظلم في ~~أكبر من ذلك. # {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا} (43) [النساء: 43] يستدل بها على ~~صحة تكليف من لا يفهم كالناسي والسكران. إذا كان هذا خطابا تكليفيا ~~للسكارى، ولا حجة فيه، إنما هو خطاب للصحابة أن لا يقربوا الصلاة ms142 حال سكرهم ~~أو خطاب لهم بأن لا يسكروا ثم يقربوا الصلاة. # {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما} (48) [النساء: 48] فيها مسألتان: # إحداهما: أن الشرك لا يغفر لمن مات عليه ومدركه سمعي كهذه الآية ونحوها، ~~لا عقلي إذ العقل لا يمنع العفو عن كل كافر. # المسألة الثانية: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما} (56) ~~[النساء: 56] يقتضي أن أفعاله-عز وجل-وأحكامه معللة بالأمور الحكمية، وقد ~~اختلف في تعليل أحكامه-عز وجل-على قولين: أحدهما: لا تعلل، لأن كل من فعل ~~فعلا لعلة كان مستكملا بتلك العلة، ما لم يكن له قبلها/ [105/ل] من الكمال، ~~فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره، وذلك على الله-عز وجل-محال. # والثاني: أنها تعلل؛ لأن كل فعل لا علة له ولا غاية فهو عبث، [والعبث] ~~على الله- عز وجل-محال. # والتحقيق في هذا أن العلة تارة يراد بها موجب الفعل وموجده، وتارة غايته ~~والحكمة الباعثة على فعله؛ فإن أريد بالعلة هاهنا الأولى، فالله-عز وجل-هو ~~علة أفعاله لا علة لها سواه، وإن أريد بها الثانية؛ فلا بد منها تحرزا عن ~~لزوم العبث، إذ من لا غاية لفعله يقصدها به إما عابث أو فاعل بالطبع، ~~وكلاهما على الله-عز وجل-محال، ولا يلزم استكماله PageV01P167 # بغيره، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت مصالح أفعاله ونفعها عائدا إليه، وليس ~~كذلك إنما هي عائدة إلى خلقه، فالكمال المستفاد بتلك العلل الغائية لهم لا ~~له سبحانه وتعالى. # فإن قيل: أي نفع لخلقه في تجديد جلود أهل النار ليذوقوا العذاب؟ # قلنا: زجر السامعين بذلك ليرتدعوا من مثل أفعال أولئك المعذبين. # {* إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} (58) ~~[النساء: 58] عام، ربما خص بما إذا تعلق برد الأمانة مفسدة راجحة مثل مال ~~المحجور عليه بيد الولي إذا خاف من رده إليه تضييعه، ms143 وسلاح أهل الحرب ~~والبغاة ونحوهم، إذا كان أمانة وعلم أو ظن أنه إن رد إليهم استعانوا به على ~~الفساد فيجب تعويقه/ [50/أ/م] حتى تؤمن غائلته وأشباه ذلك. # {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58] عام مطرد. # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا} (59) [النساء: 59] عام مخصوص، بما إذا دعوا إلى بدعة ~~أو معصية لا تجوز طاعتهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: # «إنما الطاعة في المعروف لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». # وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد ~~والبدع، وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة لهم حجة. # {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] يحتج به ~~الظاهرية على إنكار القياس، لأن الحكم إما مجمع عليه، فلا حاجة إلى القياس ~~فيه، أو مختلف فيه، فيجب رده إلى الله والرسول والمراد كتاب الله-عز وجل- ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واستفادته منهما وهذا موضع بيان، فلو كان ~~القياس مدركا للحكم لوجب ذكره هاهنا، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~وأنه باطل، وأجاب القياسيون/ [106/ل] بأن القياس مستفاد من الكتاب والسنة، ~~فرد الحكم إليهما يتضمن اعتبار القياس لأنا نقول: القياس يقتضي أن الحكم ~~المتنازع فيه كذا وكذا. # والكتاب والسنة دلا على أن القياس دليل معتبر. PageV01P168 # [النساء: 64] هذه اللام تفيد تعليلا تكليفيا لا تكوينيا قدريا، ومعناه: ~~إنا أرسلنا الرسل لقصد تكليف الناس طاعتهم، وليس المراد أنا أرسلناهم ~~وقدرنا طاعة الخلق لهم، إذ لو قدرت طاعتهم من جميع الخلق لكانت، لكن الواقع ~~بخلافه بدليل معصية الأكثر لهم، وهذا هو القول في نحو: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} (56) [الذاريات: 56] وأشباهه، وأما قوله-عز وجل {بإذن ~~الله} فأفاد أن طاعة المطيع مشروطة بإذن الله-عز وجل-فيها وتقديره لها، ~~بحيث إنها بدون ذلك لا توجد، وهذا متردد بين المعتزلة والجمهور؛ لأن ~~المعتزلة يقولون: أشار بإذن الله إلى الإمداد بالألطاف، ms144 والأفعال مخلوقة ~~للمكلفين. والجمهور يقولون: أشار به إلى أنه يخلق أفعالهم على وفق إرادتهم ~~وأكسابهم، أما باقي الآية وهو: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ~~ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما} (64) [النساء: 64] فيقوي به المعتزلة دعواهم [إذ هم] لا ~~يكونون ظالمين بما هو فعل لله-عز وجل-ولا مستغفرين منه، ولو كان كذلك لكان ~~الله-عز وجل-غافرا لفعل نفسه. # والجواب على رأي الكسبية والمجبرة معروف، وقد تكرر في عدة مواضع، وقد ~~سبقت قاعدته. # قوله-عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (65) [النساء: 65] هذه عظيمة في ~~الاعتصام بالسنة والتسليم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وقد/50 ب/م] ~~تنازعتها فرق الأمة في المسائل التي كفر بها بعضهم بعضا، إذ كل فرقة تقول ~~للأخرى: لو آمنتم لسلمتم ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم لكنكم لم ~~تسلموا فأنتم كفار أو ضلال وخصوصا الشيعة والسنة؛ فإن الشيعة زعموا أن ~~الصحابة لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإمامة ولم يسلموا له ~~حكمه؛ إذ خالفوا نصه علي يوم الغدير فخرجوا عن الإيمان بذلك. # والسنة قالوا لهم: أنتم لم تحكموا النبي صلى الله عليه وسلم ولم تسلموا ~~له، إذ نص على فضل- الصحابة-رضي الله عنهم-وقطع لهم بالجنة معينا منهم وغير ~~معين، ثم أنتم تكفرونهم فخرجتم عن الإيمان بذلك. PageV01P169 # هكذا ترتيبهم في الحقيقة فقد يحتج به من يرى الواو للترتيب، ولا حجة فيه ~~لأن هذا ترتيب اتفاقي لا اقتضائي. # {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] هو من ~~باب: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ~~وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} ~~(154) [آل عمران: 154] وقد سبق القول فيها، وإدراك الموت لهم، إما بدخوله ~~عليهم غير مانع أو بخروجهم إليه بما يخلق في نفوسهم من دواعي الخروج ~~والصوارف عن القعود. ms145 # {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} (78) # [النساء: 78] يعني السيئة والحسنة وهما المكروه والمحبوب والجدب والخصب، ~~ويتناول بعمومه الطاعة والمعصية لأنهما حسنة وسيئة ويحتج به الجمهور على أن ~~الله-عز وجل- خالق المعاصي والشرور حتى جعل من خالف ذلك لا يكاد يفقه بما ~~ذكر في تمام الآية. # وعارضت المعتزلة بقوله-عز وجل- {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} (79) [النساء: 79] ~~وأجيب بأن معناه فبكسبك جزاء على فعلك نحو {وما أصابكم يوم التقى الجمعان ~~فبإذن الله وليعلم المؤمنين} (166) [آل عمران: 166] مع قوله-عز وجل-: ~~{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن ~~الله على كل شيء قدير} (165) [آل عمران: 165]. وقيل: معناه فمن نفسك على ~~جهة الإنكار أي ليست السيئة التي تصيبك من نفسك فتنفق مع التي قبلها، وحذف ~~همزة الاستفهام إذا دل عليه دليل جائز نحو: # {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} (34) [الأنبياء: ~~34] أي: أفهم الخالدون. # {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون} PageV01P170 # (79) [النساء: 79] فيه عموم الدعوة إلى عموم الناس نحو {وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (28) [سبأ: 28]. # {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات ~~والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (158) [الأعراف: 158] # {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} (79) [النساء: 79] أي على ~~رسالتك يشهد لك بإظهار المعجزات على صدقك، إذ المعجز في قوة قول الله عز ~~وجل. صدق عبدي في أنه رسولي، وهاتان من مسائل النبوات، والثانية مقررة ~~للأولى؛ لأنه إنما [بينت عموم دعوته بإخباره وما ورد على لسانه، ms146 وخبره إنما ~~يقبل إذا ثبت صدقه، وصدقه إنما] ثبت بالمعجز، فإذن نظم الدليل هكذا: محمد ~~صلى الله عليه وسلم أتى بالمعجز وكل من أتى بالمعجز فهو صاد [ق: وكل [51 ~~أ/م] صادق يجب قبول خبره [فمحمد صلى الله عليه وسلم يجب قبول خبره]، وقد ~~أخبر بعموم دعوته فيجب قبول خبره بعموم دعوته وهو المطلوب. # {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا} (80) ~~[النساء: 80] هذه وأمثالها نحو {فتول عنهم حتى حين} (174) [الصافات: 174] ~~وأشباهه يحتمل أنه إشارة إلى الوعيد لهم فيكون محكما، ويحتمل أنه على ظاهره ~~في التولي والإعراض عن قتالهم فيكون منسوخا بآية السيف، وهذه كالقاعدة ~~الكلية في هذا الضرب/ [108/ل] والأشبه أنها وعيد فلا نسخ وأيضا الأصل عدمه ~~(فأعرض عنهم) من هذا الباب. # {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~(82) [النساء: 82] هذا قياس استثنائي، يستثنى منه نقيض التالي، فينتج عين ~~المقدم هكذا، لكن لا يجدون فيه اختلافا فليس هو من عند غير الله [فهو إذن ~~من عند الله] عز وجل. # وهذا القياس يلزمه لو لم يكن من عند الله لما اتفق لكن اتفق فهو من عند ~~الله، والمراد بالاختلاف التناقض المحض بشروطه، وهو ليس موجودا في القرآن ~~كما بيناه في كتاب «دفع التعارض عما يوهم التناقض» لا مطلق الاختلاف؛ لأنه ~~موجود كثيرا في القرآن لكن ذلك لا يقدح؛ فإن قيل: لم قلتم: إنه لو كان من ~~عند غير الله لزمه الاختلاف وظاهر أنه ليس كذلك؟ فإن كثيرا من الكتب ~~المصنفة هي من عند غير الله-عز وجل-ولا PageV01P171 # اختلاف فيها [لإتقان مصنفها له] وتدبرهم إياها. # وجوابه من وجهين: أحدهما أن مثل القرآن في نظمه وطريق إعجازه لو قدر أن ~~بشرا تكلفه في مثل حجمه للزمه الاختلاف لو عورة طريقه على السالك غير ~~المعصوم. # الثاني: أنه لو تكلفه بشر بغير إذن إلهي لأعجزه الله فيه بوقوع الاختلاف ~~فيه الدال على كذبه لما عرف من أنه-عز وجل-لا يؤيد بالمعجزة كذابا، تمييزا ~~للصادق من غيره. ms147 # {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا} (87) [النساء: 87]. # هاهنا مسألتان: إحداهما: التوحيد الذي هو مقتضى لا إله إلا الله. # والثانية: المعاد والحشر ليوم القيامة، وسيأتي برهانهما في موضعه إن شاء ~~الله-عز وجل. # {ومن أصدق من الله حديثا} (87) [النساء: 87] عام مطرد، أي: لا أحد أصدق ~~منه حديثا، وفيه تقرير لدعوى التوحيد والمعاد المذكورين في سياقه {أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله} الآية، هي من قواصم الظهر على المعتزلة لتصريحها ~~بإسناد الإضلال إلى الله -عز وجل-وتأويلهم المشهور وهو أن معنى (أضل الله) ~~أصابه ضالا من باب: أبخلت زيدا وأجبنته إذا أصبته كذلك لا يتجه هاهنا؛ لأن ~~معنى الآية: أتريدون أن/ [51 ب/م] تناقضوا حكم الله-عز وجل-فتجعلون مهتديا ~~من جعله الله-عز وجل-ضالا! ليس لها معنى إلا هذا، وهو [يأبى] تأويلهم # {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} (88) # [النساء: 88] يعني إلى الرشد؛ لأن من يضله الله-عز وجل-يسد عليه طرق ~~الاهتداء بما يخلق في نفسه من الصوارف عنه والدواعي إلى الضلال، ويطبع على ~~قلبه ومن يفعل الله-عز وجل-ذلك به لا يجد إلى الرشد سبيلا وهو عام مطرد. PageV01P172 # قتل المؤمن خطأ، وإنما التقدير لكن إن قتله خطأ فالإثم ساقط، ويحتمل كونه ~~متصلا على تقدير {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} إذ قتله حرام يأثم به إلا ~~قتله خطأ فلا يأثم به {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية} [النساء: ~~92] هو عام مطرد في الرقبة لأنها حق الله-عز وجل-ومخصوص في الدية بما إذا ~~تصدق بها الأولياء على القاتل سقطت؛ لأنها حقهم {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين} [النساء: 92] هو عام مطرد فيمن لم يقدر على عتق رقبة، أن يصوم شهرين. # {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما} (93) [النساء: 93] احتج بها المعتزلة على تخليد قاتل ~~المؤمن عمدا عدوانا. # ونقل عن ابن عباس القول ms148 بتخليده، وقال: تكاتف الوعيد فيها، ولم ينزل ~~بعدها ما ينسخها. ثم طرد المعتزلة حكمها في كل ذي كبيرة لم يتب عنها. # وأجاب الجمهور بوجوه: أحدها أنها محمولة على القاتل مستحلا؛ لأنه حينئذ ~~يكفر باستحلال القتل، وحكمه التخليد، أما غير المستحل فلا، [فهي] عندهم عام ~~مخصوص، وقد [أجمعنا] على تخصيص عمومها بالقتل العدوان إذ ظاهره أن المتعمد ~~كيف ما قتل وجب تخليده. # وبالإجماع لو قتله عمدا في حد أو قصاص لما كان عليه حرج والعام إذا خص ضعف. # ومن ثم اختلف في كونه حجة بعد التخصيص، وحينئذ يتسلط عليها تخصيصنا ~~المذكور. # والثاني: أنها نسخت بآية الفرقان {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} (70) [الفرقان: 70] ~~الآيتان بالآية ولقائل أن يقول: دعوى نسخها ضعيفة؛ لأنها خبر، والخبر لا ~~ينسخ، لأن ذلك يستلزم الكذب، ويجاب عنه بأنها وإن كانت خبرا لكنها تضمنت ~~حكما شرعيا والخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه من جهة كونه حكما شرعيا لا ~~من جهة كونه خبرا. # الثالث: أنها معارضة بقوله-عز وجل: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وهو ~~يتناول القتل عمدا، وهو يقتضي أن القاتل عمدا في المشيئة لا مجزوم له ~~بالتخليد، ولقائل أن يقول: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ~~وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} (93) [النساء: 93] أخص من {إن ~~الله لا يغفر أن} PageV01P173 # يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ~~(48) [النساء: 48] [52 أ/م] والخاص مقدم، ومما يجاب به عنها الأحاديث ~~الصحيحة المستفيضة [110/ل] في أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ~~(1) وهو يتناول القاتل عمدا وغيره. ولقائل أن يقول: الآية أخص من مقتضى ~~الحديث، والخاص مقدم. # {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله ~~الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} (95) [النساء: 95] ~~[أول ما نزلت] هكذا عامة، ثم خصصت ب {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ~~أولي الضرر والمجاهدون ms149 في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} [النساء: 95] وهي ~~تقتضي التسوية بين المجاهد بماله ونفسه، والقاعد عن الجهاد [لضرر أو زمانة ~~بنية الجهاد] لو قدر وزايله الضرر، وهو موافق لأحاديث السنة نحو حديث مسلم ~~من رواية سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سأل ~~الشهادة خالصا من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (2)، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم ~~واديا، ولا نزلتم منزلا إلا كانوا معكم» قالوا: وهم بالمدينة؟ ! قال: «وهم ~~بالمدينة حبسهم العذر» (3). # ومن هاهنا أخذ علي-رضي الله عنه-قوله فيما روي عنه أنه قال في حروبه في ~~الجمل وصفين والنهروان: لقد حضر حروبنا هذه قوم هم الآن في أصلاب الآباء ~~وأرحام الأمهات، سيلفظهم الدهر. أي حضروا معنا بالنيات على تقدير وجودهم، ~~ولعلك تستبعد هذا، وهو قريب جدا إذ ليس مقصود الجهاد نصرة الله-عز وجل-من ~~كل، ولا تكثيره من قل؛ لأن الله-عز وجل-قادر على الانتصار من كل عدو له ~~بكلمة أو يجمعهم على الإيمان به والطاعة له، فلا يبقى له عدو، وإنما مقصود ~~الجهاد امتحان النفوس PageV01P174 # ببذلها في حبه وتعريضها للهلاك في سبيله، ولا فرق في ذلك بين من بذل نفسه ~~بالفعل ومن بذلها بالقوة بالنية الصادقة. # وشواهد هذا كثيرة ومرجع الجميع إلى أن الأعمال بالنيات ولا يقدح فيما ~~ذكرناه. # قوله-عز وجل-: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما} (95) [النساء: 95] لأن المراد بالقاعدين بغير نية الجهاد، أو أنه ~~يفضلهم من جهة دون جهة مثل أن يسوي بين الفريقين في كمية الأجر، ويفضل ~~المجاهدين في كيفيته. # ونحو ذلك {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا} (97) [النساء: 97] يحتج بها الشيعة على التقية ~~كما ms150 فعل البخاري في كتابه. وقد سبق وجه الاستدلال بها في آل عمران. # {* ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان ~~الله غفورا رحيما} (100) [النساء: 100] يحتج بها المعتزلة على أن ثواب ~~الطاعة واجب على الله-عز وجل-ويتبع ذلك أن أفعال المكلفين مخلوقة لهم. وقد ~~سبق الجواب عن ذلك. # {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} (101) [النساء: 101] ~~يحتج بهذه مع قول يعلى بن منية (1): ما بالنا/ [52/ب/م] نقصر وقد أمنا-على ~~أن مفهوم الشرط حجة. ووجهه أن هذا الرجل العربي فهم من تعليق جواز قصر ~~الصلاة على الخوف انتفاءه عند انتفاء الخوف، وكذلك/ [111/ل] عمر بن الخطاب- ~~رضوان الله عليه- فهم ذلك فأقرهما النبي صلى الله عليه وسلم على فهمهما، ثم ~~بين لهما أن انتفاء الجواز عند [الانتفاء] إنما PageV01P175 # هو من جهة أخرى وهي الصدقة عليهم والتخفيف عنهم. # ولولا أن المفهوم المذكور حجة لما فهماه ولما أقرهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم على فهمهما إياه. # وبعضهم يترجم مفهوم الشرط بأن يقول: المعلق على شيء بحرف «إن» عدم عند ~~ذلك الشيء نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق؛ علق طلاقها على الدخول، فينتفي ~~عند انتفاء الدخول. # والمفهوم على أضرب: مفهوم الشرط والحصر والصفة والعدد واللقب وغير ذلك ~~مما سيقع في مواضعه إن شاء الله، عز وجل. # {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} (101) ~~[النساء: 101] هو لكفار معهودين، أو عام أريد به الخاص، أو عام خص بمن أسلم ~~منهم بعد ذلك أو صار أخا وصديقا لا عدوا، أو المراد: كانوا لكم عدوا حال كفرهم. # {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ms151 وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا} ~~(102) [النساء: 102] فيه دليل على جواز فرض مسائل لم تقع بعد، وإعداد حكمها ~~لوقت وقوعها؛ لأن الله-عز وجل-بين لهم حكم المطر والمرض قبل وقوعه على ~~تقدير وقوعه. # {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما} (104) [النساء: 104] ~~فيه ترجيح أحد الدليلين المتعارضين بما يختص به من أسباب القوة؛ لأن الله- ~~عز وجل-قال للمؤمنين: جدوا في جهاد الكفار، ولا يصدنكم عنهم ألم الجهاد؛ ~~فإن الألم مشترك بينكم وبينهم، وتترجحون عليهم برجاء ثواب الآخرة دونهم، ~~وذلك مما يناسب جدكم في جهادكم. PageV01P176 # ويحتمل أن المراد: بما أراكه بواسطة نظرك واجتهادك في أحكام الكتاب ~~وأدلته. وفيه على هذا دليل على أنه-عليه الصلاة والسلام-كان يجتهد فيما لا ~~نص عنده فيه من الحوادث. وهي مسألة خلاف في أصول الفقه. # حجة من أجاز هذه الآية وأن الاجتهاد في الأحكام منصب كمال، فلا ينبغي أن ~~يفوته صلى الله عليه وسلم وقد دل على وقوعه منه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«لو قلت: نعم، لوجبت» (1). # و«لو سمعت شعرها قبل قتله لم أقتله» (2) في قضيتين مشهورتين. # حجة المانع: {وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى} (4) [النجم: 3، ~~4] ولأنه قادر على يقين الوحي، والاجتهاد لا يفيد اليقين [112/ل] فجوازه في ~~حقه والحالة هذه كالتيمم/ [53 أ/م] مع القدرة على الماء. # ثم على القول الأول: وهو أن الاجتهاد جائز له؛ هل يقع منه الخطأ أم لا؟ ~~فيه قولان للأصوليين، أحدهما: لا (3) لعصمته، صلى الله عليه وسلم. # والثاني: نعم (4)، بشرط أن لا يقر عليه، استدلالا بنحو: {عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} (43) [التوبة: 43]. # {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم} (67) [الأنفال: 67] ونحو ذلك. ms152 # ويتعلق بهذا مسألة التفويض: وهي أنه هل يجوز أن يفوض الله-عز وجل-إلى نبي ~~حكم الأمة؛ بأن يقول: احكم بينهم باجتهادك، وما حكمت به فهو حق، أو وأنت لا ~~تحكم إلا بالحق؟ فيه قولان، أقربهما الجواز، وهو قول موسى بن عمران من ~~الأصوليين؛ لأنه مضمون له إصابة الحق، وكل مضمون له ذلك جاز له الحكم أو ~~يقال: هذا التفويض PageV01P177 # لا محذور فيه، وكل ما كان كذلك كان جائزا. # {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول وكان الله بما يعملون محيطا} (108) [النساء: 108] هذه المعية عند ~~الجمهور بالعلم، وعند بعض الفرق من المتكلمين والصوفية بالذات كالهواء مع ~~الناس بذاته ولا يرونه، والأول قول الأئمة. # والخلاف مطرد في {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} (46) [طه: 46] {قال ~~كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} (15) [الشعراء: 15] {ألم تر أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} (7) [المجادلة: 7] ونحوه. # {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول وكان الله بما يعملون محيطا} (108) [النساء: 108] عام مطرد، أي ~~بالعلم، وهو يدل على قول الأئمة في أن المعية بالعلم أيضا. # {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة أم من يكون عليهم وكيلا} (109) [النساء: 109] ظاهره استعمال الجدل ~~يوم القيامة عند الحساب، يحتج الله-عز وجل-على خلقه، ويحتج كل منهم لنفسه، ~~ويحتج بعض الناس على بعض؛ بدليل: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ~~ربكم أفلا تعقلون} (76) [البقرة: 76] وهو يدل على شرف علم الجدل؛ إذا كان ~~طريقا إلى لزوم الحق ونفي الباطل في الدنيا والآخرة. # {ومن يعمل سوءا أو ms153 يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} (110) ~~[النساء: 110] عام، لكن بشرط الإخلاص في التوبة والاستغفار وسابقة القبول. # {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما} (111) ~~[النساء: 111] عام مطرد. PageV01P178 # {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} ~~(112) [النساء: # 112] عام خص منه من دخل دار الحرب بغير أمان ولا عهد، بل مغيرا أو متلصصا ~~جاز أن يقتل ما شاء، ويحيل به على بعضهم؛ لأن له أذاهم مباشرة فبالتسبب أولى. # {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك} (113) [النساء: # 113] عام أريد به الخاص وهو الضرر في الدين؛ بدليل {وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يضرونك من شيء} [النساء: 113] وإن حمل على أنه عام مطلق كان مخصوصا بما ~~لحقه من أذى الكفار وضررهم كيوم أحد ونحوه. [113/ل]. # {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله ~~عليك عظيما} (113) [النساء: 113] إن أريد بالحكمة السنة دل على أنها منزلة ~~كالكتاب، وكان / [53 ب/م] هذا شاهدا، وموافقا لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، وإن جبريل يأتيني بالسنة كما يأتيني ~~بالقرآن» (1). # {وعلمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113] إن جعلنا «ما» نكرة موصوفة: أي ~~علمك شيئا لم تكن تعلمه؛ فلا عموم. وإن كانت خبرية عامة فالمراد بها خصوص ~~ما علمه، أو كانت مخصوصة بما استبد الله-عز وجل-به مما لم يكن يعلمه، بدليل: # {فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ~~رب زدني علما} (114) [طه: 114] ولو كان قد علم كل ما لم يعلم لم يبق شيء ~~يسأل زيادة علمه. # {* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين ~~الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} (114) ~~[النساء: 114] عام في نفي الخير فيه، خص بالاستثناء المذكور. # {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله} [النساء: 114] عام مطرد. # قوله عز وجل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ms154 له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (115) [النساء: 115] هذه PageV01P179 # عمدة الجمهور في أن الإجماع حجة (1) وتقريره أن الله-عز وجل-توعد على ~~اتباع غير سبيل المؤمنين؛ فدل على تحريمه ويلزم منه وجوب اتباع سبيل ~~المؤمنين وهو الإجماع، أو نقول: اتباع غير سبيل المؤمنين متوعد عليه، وكل ~~متوعد عليه حرام، فاتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وسبيل المؤمنين هو ~~الإجماع، فاتباع غير الإجماع حرام، فاتباع الإجماع واجب، واعترض عليه ~~بوجوه: الأول: أن قولكم: توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، تريدون أنه ~~توعد عليه وحده أو مع غيره؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكنه حينئذ لا يدل ~~على تحريمه؛ لجواز أن يكون التحريم إنما هو للجموع المركب من اتباع غير ~~سبيل المؤمنين ذلك الغير، وهو مشاقة الرسول هاهنا، فلا يكون اتباع غير سبيل ~~المؤمنين بمفرده حراما. # الوجه الثاني: سلمنا أن التوعد عليه بمفرده، وأن ذلك يدل على تحريمه لكن ~~لم قلتم: إنه يلزم منه حينئذ وجوب اتباع سبيل المؤمنين؟ وظاهر أنه ليس كذلك ~~لاحتمال الواسطة بين سبيل المؤمنين وسبيل غيرهم. وهو الوقف بين طريقين لا ~~طريق هؤلاء، ولا طريق هؤلاء، بل بينهما وسطاء، إما على [جهة الجواز] ~~والإباحة التي لا رجحان لأحد طرفيها، أو على جهة الوقف والتردد في مهلة ~~النظر وبتقدير هذه الواسطة [لا يلزم اتباع سبيل المؤمنين، وفي هذا الوجه ~~نظر؛ لأن هذه الواسطة] إنما تصور لو قيل: «ويتبع سبيل غير المؤمنين» أما ~~إذا قيل: ويتبع غير سبيل المؤمنين فتندرج الواسطة المذكورة تحت هذا القسم ~~الممنوع فلا يبقى متعينا إلا اتباع سبيل المؤمنين. # الوجه الثالث: لم قلتم: إن/ [54 أ/م] سبيل المؤمنين/ [114/ل] هو الإجماع ~~ولا بد، بل جاز أن يكون سبيل المؤمنين هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وترك مشاقته المتوعد عليها، حتى كأنه قيل: ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين في متابعته وترك شقاقه، وحينئذ يكون الوعيد على الكفر وترك ~~الإيمان لا على ترك الإجماع. # وجاز أن يكون سبيل المؤمنين هو ما صاروا به ms155 مؤمنين وهو الإيمان حتى كأنه قيل: # ويتبع غير سبيل المؤمنين، وهو الإيمان، وهذا متجه جدا؛ لأنه يصير من باب ~~اقتران الحكم بالوصف المناسب لاشتقاق المؤمنين من الإيمان، وجاز أن يكون ~~سبيل المؤمنين هو ما سبق في الآية قبلها، وهو الأمر بالصدقة والمعروف ~~والإصلاح، حتى كأنه قيل: ويتبع غير سبيل المؤمنين في الأمر بهذه الخصال. PageV01P180 # وإذا احتمل سبيل المؤمنين هذه المعاني امتنع تعينه للإجماع، أو نقول ~~حينئذ: تبقى الآية فيه ظاهرا لا قاطعا، ثم يلزم المحال من وجهين: أحدهما ~~إثبات القاعدة القاطعة بالظاهر المحتمل، وهو إثبات الأقوى بالأضعف، وهو باطل. # والثاني: أن الظاهر إنما عمل به بالإجماع، فلو أثبت الإجماع بالظاهر لزم ~~الدور، وأنه محال لاستناد الإجماع إلى نفسه بواسطة العمل بالظاهر. # الوجه الرابع: قوله في الطريقة الثانية: اتباع غير سبيل المؤمنين متوعد ~~عليه [يتوجه عليه] أسئلة: # أحدها: الوجه الأول على الطريقة الأولى. # الثاني: أن غير لا يتعرف بالإضافة، وحينئذ يبقى تقدير الكلام: ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين أي ويتبع مغايرا لسبيل المؤمنين وحينئذ يكون هذا مطلقا في ~~غير سبيل المؤمنين، لا عاما في كل ما غاير سبيل المؤمنين وإذا كان الأمر ~~كذلك احتمل [أن يكون السبيل المتوعد عليه المغاير لسبيل المؤمنين سبيلا ~~معهودا هو سبيل] الكفر. # ويحصل بذلك الوفاء بوظيفة اللفظ المطلق فلا يبقى اللفظ واجب التناول ~~للإجماع. # ويجاب عن هذا بأن غير إذا تعين ما أضيفت إليه، تعرفت نحو هذا الحق غير ~~الباطل، وهاهنا قد تعين ما أضيفت إليه وهو سبيل المؤمنين [فتعرفت به]. # الثالث: أن اللام في المؤمنين يحتمل أنها للعموم، فيقرب ما قلتم، ويحتمل ~~أنها لبعض معهود منهم، فيبقى تقديره: ويتبع غير سبيل قوم مخصوصين من ~~المؤمنين؛ فلا يكون المراد / [115/ل] به الإجماع، ثم نقول: ما ذكرتم من ~~الدليل لو دل على أن الإجماع حجة لكان عندنا ما/ [54 ب/م] يعارضه، وذلك من وجوه: # أحدها: أن ابن عباس خالف عثمان في حجب الأم باثنين من الإخوة والأخوات؛ ~~وقال: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك. فاحتج عليه عثمان بالإجماع ms156 قبله، وفي ~~عصره على ذلك؛ فلم يرجع ابن عباس إليه واستمر ابن عباس على خلافه، ولم ينكر ~~عليه عثمان ولا أخذ على يده ورده إلى إجماع الناس؛ ولو كان الإجماع حجة لما ~~استمر ابن عباس على خلافه، ولا أقره عثمان على ذلك. وأيضا فأحد الأمرين ~~لازم، إما أن ما احتج به عثمان ليس بإجماع مع أنه إجماع الشيخين في عصرهما ~~فغيره في عصرهما فغيره في الأعصار بعد ذلك أولى أن لا يكون إجماعا، أو أن ~~ابن عباس خالف الإجماع، وأقره عثمان على ذلك. # الوجه الثاني: أن ابن مسعود كان لا يجوز لمن عدم الماء أن يتيمم كما ثبت ~~في البخاري في مناظرته أبا موسى على ذلك، وهذا منه مخالف للنص والإجماع؛ ~~فإن كان ابن مسعود PageV01P181 # مصيبا في ذلك كان الإجماع على جواز التيمم لعادم الماء، فلا يكون الإجماع ~~حجة لجواز الخطأ فيه، وإن كان مخطئا فالصحابة لم ينكروا عليه مخالفته ~~للإجماع، فيكون إجماعهم على ترك الإنكار خطأ، فلا يكون الإجماع [حجة لما] ذكرنا. # الثالث: أن الإجماع: هو اتفاق مجتهدي المؤمنين على أمر ديني، والمؤمن من ~~اتصف بالإيمان، والإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، وبذلك فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل-عليه السلام- ~~المتفق عليه (1)، ثم إن المؤمنين المتصفين بهذا الإيمان المصدقين بهذه ~~الأركان-قد اشتهر انقسامهم إلى نيف وسبعين فرقة منهم من يرى الإجماع حجة، ~~ومنهم من لا يراه؛ كالشيعة والخوارج والنظام (2)، ومن تابعهم. # فإن أريد بالإجماع سبيل المجتهدين من طوائف الأمة كلها النيف والسبعين لم ~~ينكر وجوده؛ لأن بعضهم ينكر كونه حجة [فلا يمكن اعتبار موافقته في الإجماع؛ ~~لأن اعتباره في الإجماع فرع على كونه يرى الإجماع حجة]، والأصل منتف فالفرع أولى. # وإن أريد بالإجماع سبيل المجتهدين من بعض طوائف الأمة/ [116/ل] فهؤلاء ~~بعض المؤمنين، والآية إنما نزلت على وجوب اتباع سبيل مجتهدي (3) جميع ~~المؤمنين لا سبيل مجتهدي بعضهم. # واعلم أن هذه إشكالات صعبة على الإجماع عند من هو فاضل يدري ما يقول. # ويقال له: ولا ms157 تظن هذا غريبا مني، فقد وقفت على شرح وريقات إمام الحرمين، ~~للشيخ الإمام الفاضل تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، ~~المعروف بالفركاح الدمشقي (4). وقد زيف فيها أدلة الإجماع بأسرها/ [55 أ/م] ~~ولم يعتمد منها إلا على ما هو تحلة القسم. والذي يقتضيه النظر أن الإجماع ~~أحد أدلة الشرع كالنص والقياس؛ وربما قدم عليه الظاهر كما قدمه ابن عباس ~~عليه؛ إذ قدم ظاهر: {يوصيكم الله في أولادكم} PageV01P182 # {للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن ~~كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ~~فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ~~فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما} (11) [النساء: 11] على الإجماع ~~الذي احتج به عثمان مع أنه أقوى الإجماعات إذ هو إجماع الصحابة الذي خالفت ~~الظاهرية فيما سواه من الإجماعات. # وكما قدم ابن مسعود القياس المصلحي على الإجماع على جواز التيمم لعادم ~~الماء حيث قال: لو أجزنا لهم التيمم لأوشك إذا برد الماء على أحدهم أن ~~يتيمم والماء حاضر. # قوله عز وجل: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} ~~(117) [النساء: 117] يعني الكفار العابدين للأوثان: ما يدعون منها إلا ~~إناثا، كاللات والعزى ومناة ونحوها. # {وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} (117) [النساء: 117] وهو الذي سول لهم ~~عبادتها وكلمهم من أجوافها، أما غير الوثنيين من العرب فقد دعوا من دون ~~الله-عز وجل-الملائكة والكواكب وغيرها. # فهذا العام مخصوص بهؤلاء، أو عام أريد به الخاص وهم الوثنيون من العرب. # {ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا} (119) ~~[النساء: 119] عام أريد به الخاص؛ إذ لم يبتكوا [آذان جميع الأنعام، ولا ~~غيروا جميع خلق الله، عز وجل. # {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ms158 غرورا} (120) [النساء: 120] عام مطرد. # {أولئك مأواهم جهنم} [النساء: 121]، عام أريد به من مات على هذه الأوصاف ~~منهم، وهي عبادة الأوثان وما بعدها. # {ولا يجدون عنها محيصا} (121) [النساء: 121] عام مطرد. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا} (122) [النساء: 122] ~~عام مطرد. PageV01P183 # {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا} (123) [النساء: 123] عام خص بما عفا الله-عز وجل- ~~عنه إما تفضلا أو بشفاعة، أو سقط مقاصة. # {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا} (124) [النساء: 124] عام مطرد بشرط الموت على ذلك. # {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا} (128) [النساء: 128] عام خص بما إذا أفضى إلى مفسدة ~~راجحة، أو فساد لا يتدارك فتركه خير. # {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] هذا عام مطرد باعتبار الفطرة المطبوع ~~عليها الإنسان أنه يشح ويبخل، / [117/ل] فلا تناقض. # قوله-عز وجل-: {والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} (9) [الحشر: 9] كما أن الإنسان ~~طبع على الشهوة، ولا ينافيه وجود معصوم من آثارها. # {ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا} (131) [النساء: 131] عام مطرد شاهده {يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم} {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} ~~(132) [النساء: 132] تكرر في القرآن، وهو عام مطرد {من كان يريد ثواب ~~الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا} (134) ~~[النساء: 134] عام مطرد. PageV01P184 # تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله ms159 كان بما تعملون خبيرا (135) ~~[النساء: 135] عام في أمر المؤمنين بذلك وكذلك {يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن ~~يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} (136) ~~[النساء: 136] عام مطرد فيمن كفر بهذه الأركان أو بعضها، وهي أركان/ [55 ~~ب/م] الإيمان كما سبق. # {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} (138) [النساء: 138] عام فيمن مات ~~منافقا. # {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا} (139) [النساء: 139] عام مطرد. # {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} (140) [النساء: 140] عام مطرد. # {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا} (143) [النساء: 143] عام مطرد، وهو حجة على المعتزلة، وقد سبق مثله. # {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} (145) ~~[النساء: 145] عام فيمن مات منافقا. # {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} (146) [النساء: 146] عام مطرد. # {* لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما} ~~(148) [النساء: 148] يحتج بدليل خطابه على استحباب الجهر بالصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم؛ خلافا لبعض متكلمي العصر؛ حيث قال-فيما بلغنا عنه-: لا يستحب. # وبيانه أن مفهوم {*لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} [النساء: 148] أنه ~~يحب الجهر بالحسن من القول، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها ~~من الأذكار من حسن القول، فيحب الله-عز وجل-الجهر بها لكن بشرط أمن الرياء ~~والعجب ونحوه من المحبطات، PageV01P185 # فإن خاف شيئا من ذلك فالإسرار أفضل، وربما وجب. # وتحقيق القسمة: أن الذاكر وكل طائع إن قصد التأسي به وأمن المحبط استحب ~~له الجهر، وإن خاف المحبط أو لم يقصد التأسي أو قصده، وليس أهلا له وجب ms160 ~~الإسرار، وإن قصد التأسي وخاف المحبط فالأحوط الإسرار. # وإن لم يقصد التأسي؛ ولا خاف المحبط جاز الأمران، وفي أيهما أفضل؟ ~~احتمالان؛ أصحهما الإسرار للحديث: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» (1). / ~~[118/ل] واختصاص ذكره بالذات القديمة أفضل من ذكره في ملأ الملائكة، ~~{ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا.} # {أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} (151) [النساء: ~~151] اعلم أن هذا توسط في الصورة، وهو انحراف في الحقيقة، فلذلك ذم بخلاف ~~باقي التوسطات نحو: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا} (29) [الإسراء 29]. # {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} (110) [الإسراء 110]. # {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (67) ~~الفرقان [67] ونحوها، فإن التوسط فيها محمود. # وتحقيق ذلك أن الحق لما كان تابعا للبرهان فتارة يكون في الوسط، وتارة ~~يكون في الطرف، فإذا كان في الوسط كان التطرف انحرافا مذموما، كما في قوله ~~عز وجل: # {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء 29] فهذان ~~طرفان مذمومان والحق في الواسطة، وهو القصد بين الإسراف والتقتير، وإذا كان ~~الحق في الطرف كان التوسط انحرافا مذموما كما في هذه الآية، فإن الإنسان ~~إما يؤمن بالله- عز وجل-وبرسله، أو يكفر بهما جميعا، أو يؤمن بالبعض ويكفر ~~بالبعض، فالحق في الطرف الأول، فالثاني مع الواسطة انحراف باطل، والغالب هو ~~القسم الأول، وهو كون PageV01P186 # الصواب في الواسطة فمن ثم ورد: «خير الأمور/ [56 أ/م] أوساطها» (1) وقال ~~الشاعر: # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # بناء على الغالب والتحقيق ما قلناه وهذه القاعدة شبيهة بقياس الشبه، إذا ~~كان معناه تردد الواسطة بين طرفين، فيلحق بأشبههما بها. # {يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا} (153) [النساء: ~~153] يحتج بها ms161 المعتزلة على عدم جواز الرؤية، وقد سبق ذلك في البقرة. # {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} (155) [النساء: ~~155] يحتج بها المعتزلة والجمهور، أما المعتزلة فقالوا: الطبع على قلوبهم ~~كان عقوبة على كفر، صدر عنهم بخلقهم، وإلا استحال أن يعاقبهم على فعله. # والجمهور قالوا: كما طبع عليها آخرا عقوبة طبع عليها أولا إبعادا أو بغضا ~~بحسب سابق العلم. # {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا} (157) [النساء: 157] هذا أعنى {رسول الله، } تخصيص ~~من الله-عز وجل-لعيسى-عليه السلام-[وتنويها بذكره] بإثبات رسالته، وليس من ~~قول اليهود؛ إذ لو كان من قولهم لكان ذلك اعترافا منهم برسالته، وذلك/ ~~[119/ل] مع اعترافهم بقتله على زعمهم وافتخارهم به، محال. # {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه} [النساء: 157] اختلف أهل الملل في ~~قتل المسيح وصلبه، فادعاه اليهود والنصارى، وأنكره المسلمون. PageV01P187 # أما اليهود فادعوه على جهة التشفي بالمسيح حيث بدل دين التوراة، وأحل ~~السبت ونحو ذلك. # وأما النصارى فادعوه على جهة المرتبة للمسيح والتشنيع على اليهود بقتل ~~داع إلى الحق، واحتجوا بأن التواتر ثابت بين اليهود والنصارى والمجوس على ~~قتل المسيح وصلبه قبل ظهور ملة الإسلام، وهو سبب العداوة بين اليهود ~~والنصارى، وبأن قتل المسيح ثابت في الإنجيل المتواتر، وكل ما ثبت في ~~الإنجيل المتواتر فهو حق ثابت في نفس الأمر. # أما أنه ثابت في الإنجيل فمشاهد بالعيان لمن نظر فيه. وأما أن الإنجيل ~~متواتر فلإطباق النصارى عليه في شرق الأرض وغربها كإطباق المسلمين على ~~القرآن، وأما أن ما ثبت في المتواتر فهو حق؛ فلأن التواتر يفيد العلم قطعا، ~~وأيضا فلأن الإنجيل معصوم، وما ثبت في الكتاب المعصوم فهو حق. # احتج المسلمون بوجهين: أحدهما: أن نفي قتل المسيح ثابت في القرآن ~~المعصوم، وكل ما ثبت في القرآن المعصوم ms162 فهو حق معصوم؛ فنفي قتل المسيح حق ~~معصوم، أما أن نفي قتله ثابت في القرآن، فلهذه الآية {الذين اختلفوا فيه ~~لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} [النساء: 157] وأما أن القرآن ~~معصوم فلقيام البرهان على أنه كلام الله-عز وجل-وكلام الله-عز وجل-معصوم. # وأما أن ما ثبت في المعصوم معصوم؛ فلأنه جزء من المعصوم، وجزء المعصوم ~~معصوم، فثبت بذلك نفي قتل المسيح، فلو ثبت قتله مع ذلك لاجتمع النقيضان، ~~وأنه محال. / [56 أ/م] الوجه الثاني: أن قتل المسيح لو ثبت لتواتر قتله، ~~كتواتر مولده، ودعواه التي ادعاها، واللازم باطل فالملزوم كذلك. # بيان الملازمة أن قتل المسيح بعد ظهور أمره وانتشار دعوته، وظهور الخوارق ~~على يده أمر شنيع جدا في العقول والطباع، كما أن ولادته من غير أب أمر غريب ~~في العادات والعقول، فلو كان لقتله أصل لوجب اشتهاره اشتهارا مساويا ~~لولادته، ولو اشتهر كذلك لتواتر كتواتره لقضاء العادات بتواتر المشهورات. # بيان انتفائه اللازم أنه لو تواتر قتله كتواتر مولده لما اختلف فيه كما ~~لم/ [120/ل] يختلف في مولده، لكن رأينا الخلاف وقع في قتله، ولم يقع في ~~مولده ودعوته، فدل على أن قتله لم يتواتر، وإلا لكان أحد المتواترين ~~المتساويين في القوة مختلفا فيه دون الآخر، وأنه محال. # وحاصل هذا الدليل أن تواتر قتله لازم [لقتله، واللازم منتف فالقتل منتف، ~~وإنما قلنا: PageV01P188 # إن المتواتر منتف؛ لأن الاتفاق عليه بتقدير وقوعه لازم له، والاتفاق ~~منتف؛ فالتواتر منتف. # والجواب عن شبهتهم قوله: التواتر ثابت بين الملل الثلاث على قتل المسيح. # قلنا: لا نسلم التواتر عندهم، سلمناه، لكن التواتر إنما يحتج به إذا كان ~~داعيه متفقا وليس كذلك هاهنا؛ لأن داعي اليهود إلى إثباته التشفي بالمسيح، ~~وداعي النصارى إلى إثباته التعدي على اليهود والتشنيع عليهم، وأما داعي ~~المجوس فيحتمل أنه التقليد للطائفتين، ويحتمل أنه السخرية بهم، ويحتمل أنه ~~استدراجهم إلى الضلال، إذ لم يوافقوهم في التنبيه من هذا التواتر مركب ~~الداعي محتمل للباطل فلا يسمع. # سلمنا ثبوت التواتر بينهم لكن لا ms163 نسلم لهم على قتل عين المسيح، بل على ~~قتل شخص ظن الراءون أنه المسيح، ولا يلزم من ذلك أنه عين المسيح لاحتمال ~~أنه شبه لهم، كما جزم به القرآن، ويدل على تحقيق ذلك أن في الإنجيل أنهم ~~لما أخذوا المسيح ليقتلوه أظلم الوجود من الساعة الثالثة من النهار إلى ~~الساعة التاسعة حتى ظن الناس أن الساعة قد قامت، ففي هذه المدة المزعجة ~~ألقي شبه المسيح إما على بعض تلاميذه وأحبائه منحه له وفداء للمسيح به، أو ~~على عدوه يهوذا الأسخر يوطي الذي دل عليه وأسلمه كيدا له ومكرا به، فقتل ~~وعرج بالمسيح، وهذا الاحتمال لا ينتفي أبدا، وما لم ينتف لا تتم حجتهم، ولا ~~تسلم من كدورات الظن، فلا يعتمد عليها في مقام القطع، وأما كون قتله سببا ~~للعداوة بين اليهود والنصارى فبناء على اعتقادهم الفاسد في أن اليهود ~~قتلته؛ فلا حجة فيه. # قوله: قتل المسيح ثابت في الإنجيل المتواتر. # قلنا: أما أنه ثابت في/ [57 أ/م] الإنجيل فنعم، وذلك لا يضرنا، كما لا ~~يضركم إثبات تنبيه المجوس ونبوة نبيهم زرادشت في كتبهم. # وأما كون الإنجيل متواترا فممنوع؛ لأنه إنما ألف على جهة التأريخ، وحفظ ~~سيرة المسيح بعد أن رفع وقتل وصلب على زعمكم بنحو ثمانين سنة، معتمدا في ~~جمعه على أربعة، وهم: لوقا ومرقص ويوحنا ومتى، ومثل هذا لا يحصل به ~~التواتر، ودعوى النصارى أن هؤلاء كانوا أنبياء معصومين حل عليهم روح القدس ~~دعوى خيال تورث الخبال تكاد تزول منها الجبال، فلا تسمع قوله: أطبقت ~~النصارى عليه في شرق البلاد وغربها كإطباق المسلمين على القرآن. # قلنا: التواتر لا يثبت بمجرد الإطباق، وإنما يثبت بوجود حقيقته وشروطه، ~~وهي اتفاق العدد الكثير المأمون تواطؤه على الكذب على الإخبار عن محسوس مع ~~اتفاق الطرفين PageV01P189 # والواسطة في هذه القيود، وهذا المعنى موجود في إطباق المسلمين على نقل ~~القرآن، وليس موجودا في نقل النصارى للإنجيل، فإن الطرف الأول الذي على عهد ~~المسيح لم يكونوا على شرط التواتر لقلتهم وضعفهم، حتى إن المسيح-على زعمكم- ~~قتل قتل ms164 اللصوص وصلب بين لصين، وما استطلقوا جثته إلا استطلاقا من هيردوس ~~الملك، حتى دفنوها، وإن بطرس رئيس الحواريين وأشجعهم وأصدقهم في محبة ~~المسيح [لما سئل عن المسيح] أنكره في ليلة واحدة قبل أن يصيح الديك ثلاث ~~مرات، ثم لم تزل الملة المسيحية خاملة مستضعفة مع اليهود لا يجسر أحد أن ~~يتظاهر بذكر المسيح ولا بسيرته، ولا بالإنجيل حتى ظهر قسطنطين ابن قسطنطين ~~فأظهرها، وذلك بين من السنين نحو ثلاثمائة سنة؛ فأين التواتر وما هذا شأنه. # وكذا قوله: إن الإنجيل معصوم. وهو ممنوع؛ لأن المعصوم له تفسيرات، ~~أحدهما: يراد به كلام الله-عز وجل-ورسله والإنجيل [الذي بأيدي النصارى ليس ~~كلام الله عز وجل إلا على زعمهم أن المسيح هو الله والإنجيل] كلامه وذلك ~~بناء ممنوع [على ممنوع]، وليس هو كلام المسيح جميعه بل بعضه كلامه وأكثره ~~حكايات ومجريات من كلام غيره شبيه بالسيرة والتاريخ. # والثاني: أن يراد به المحفوظ من التناقض [والتهافت وليس الإنجيل كذلك إذ ~~قد بين الناس فيه من التناقض] كثيرا جدا على ما استقصيناه في كتاب مفرد، ~~ولو لم يكن من ذلك إلا التهافت الذي في قصة صلب المسيح لكان كافيا حتى ~~احتاج شراحه والمفسرون له إلى تكلف بعيد في إزالته، ولم يزل، فأين الإنجيل ~~والحالة هذه من العصمة، وقد تكلم في تهافت الإنجيل [والرد على] جماعة منهم ~~أبو محمد بن حزم (1) وابن عوف/ [57 ب/م] الزهري الإسكندري (2) وتقي الدين ~~صالح الخطيب القوصي، وأحسنوا، وأجودهم ابن عوف، فلقد شفى وكفى. # فتبين بما ذكرناه ضعف، بل بطلان دعواهم في قتل المسيح إن شاء الله، عز وجل. # {وما قتلوه يقينا} (157) / [121/ل] [النساء: 157] هذا يحتمل أنه نفي ~~ليقين القتل، ويحتمل أنه يقين لنفي القتل، وهو المراد، وإن شئت يحتمل أن ~~القتل منفي التيقن أو PageV01P190 # متيقن النفي، وهو المراد. # {* إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا} (163) [النساء: 163] يحتج به على أمرين أحدهما: أن آدم ~~لم ms165 يكن نبيا، وإلا لبدأ بذكره في هذا السياق؛ لأنه أبلغ. # ويجاب عنه بوجهين: # أحدهما: أن آدم دخل في قوله-عز وجل-: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} (164) [النساء: 164] وقد سبقت ~~قصة آدم. # الثاني: أن ذلك منقوض بإدريس هو نبي باتفاق، ولم يصرح به هنا. # الأمر الثاني: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه لاستواء الوحي إلى ~~نبينا وغيره من النبيين؛ لأن الشرائع متلقاة عن الوحي، فإذا استوى الجميع ~~في الوحي استووا في الشرائع. # وأجيب بأن المراد كما أوحينا إليهم في التوحيد ونحوه من قواعد الأصول ردا ~~على تثليث النصارى المذكورين قبل هذه الآية وبعدها بدليل: {وأنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما ~~أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات ~~إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} (48) [المائدة: 48] ~~والجمع بينهما بما ذكرناه من استواء الشرائع في الأصول التي لا تقبل ~~التغيير دون الفروع التي تقبله. # {وكلم الله موسى تكليما} (164) [النساء: 164] يحتج به الصوتية على أنه ~~كلمه بحرف وصوت، ووجهه أنه أكد الفعل بالمصدر إرادة لحقيقة الكلام وهو ~~بالحرف والصوت. # احتج الآخرون بما سبق، وبأنه إنما أكده بالمصدر لئلا يظن أنه كلمه إلهاما ~~أو في الرؤيا أو نحو ذلك، وتأوله بعض المعتزلة على أنه كلمه بإظهار المحن ~~من الكلم وهو الجرح، بدليل: {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ~~فرجعناك إلى أمك كي} PageV01P191 # تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين ~~في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) [طه: 40] وهو ضعيف بعيد. # {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما} (165) [النساء: 165] يحتج به على أن الله-عز وجل-لو لم يرسل ~~الرسل إلى خلقه لم تقم حجته عليهم. ms166 # ونظير ذلك: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} (134) [طه: 134]. # {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} (47) [القصص: 47] وتحقيق هذا أن حجة ~~الله- عز وجل-على ضربين: خفية يستبد بعلمها، وظاهرة يشاركه في العلم بها ~~خلقه، فالأولى: # قائمة على الخلق بدون الرسل؛ إذ هو سبحانه وتعالى غير متهم في حكمه وعدله. # والثانية: لا تقوم بدون الرسل، أقوى الحجتين وأظهرهما، فأخذ الله-عز وجل- ~~بها؛ لأنها أحوط لدفع تهمة الجور عنه من الكفار؛ إذ لو عاقبهم بحسب علمه ~~فيهم لقالوا: ما أنصفتنا، لو أنذرتنا برسول، / [122/ل] لما توجهت لك علينا ~~حجة، ثم ترتب على هذا أن العقل [لا حكم] له إذ/ [58 أ/م] لو كان له حكم لما ~~توقف قيام حجة الله-عز وجل-على خلقه على بعثة الرسل، إذ كان العقل كافيا في ~~قيام الحجة، وهذه الآية من هذا الوجه موافقة لقوله عز وجل-: {من اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} (15) [الإسراء: 15] ولم يقل حتى نجعل لكم عقولا، ~~غير أن تحقيق محل النزاع ما هو، فالجمهور يحكون عن المعتزلة أنهم يقولون: ~~العقل حاكم، وهي عبارة فيها إجمال وشناعة لإيهامه الشرك في الحكم كما ~~أشركوا في خلق الأفعال، والمعتزلة يفسرون مرادهم بأن العقل جعله الله-عز ~~وجل-مدركا لحسن الحسن وقبح القبيح، بحيث يقتضي من جهة الحكمة المناسبة ~~والمناسبة الحكمية أن يثاب على الأول، ويعاقب على الثاني، وأن الحسن والقبح ~~مدركان بالعقل، كما يدركان بالشرع، وأن الشرع مؤكد لحكم العقل في ذلك PageV01P192 # {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا} (166) [النساء: 166] ونظيره: {فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} (14) [هود: 14]، اعلم أن ~~الناس اتفقوا إلا من عساه شذ منهم على أن الله-عز وجل-عالم قادر مريد حي ~~متكلم سميع ms167 بصير قديم باق. # ثم اختلفوا، فالجمهور على أنه كذلك لمعان قديمة زائدة على مفهوم ذاته، ~~قائمة بها كالحياة والعلم والقدرة وكذلك سائرها. # وذهب المعتزلة ومن تابعهم إلى أن لا صفة هناك ثبوتية زائدة، ثم اختلفوا، ~~فقال بعضهم: معنى كونه عالما قادرا حيا: أنه ليس بجاهل ولا عاجز ولا ميت، ~~وكذلك سائرها ويسمون السلبية. # وقال آخرون: هو كذلك لمعان ليست موجودة ولا معدومة، وهي مشتقة من المعاني ~~الثبوتية سموها أحوالا كالعالمية والقادرية والحيية، وهي كونه عالما قادرا ~~حيا، حجة الجمهور هذه الآية {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ~~والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} (166) [النساء: 166] دل على أن له علما ~~[والمعقول منه] صفة ثبوتية زائدة، وأيضا القرآن عربي ولغة العرب أن العالم ~~من قام به العلم، وهو وصف ثبوتي، وأيضا {خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} (107) [هود: 107] مع أن الفعل ~~مشتق من المصدر، وهو الإرادة، وقد وجد الفعل المشتق، فوجب أن يكون الإرادة ~~المشتق منها موجودة، وإذا ثبت هذا في العلم والإرادة، وجب مثله في باقي ~~الصفات، إذ لا قائل بالفرق، وتأول الخصم {أنزله بعلمه} على معنى أنزله وهو ~~يعلمه احترازا من أن/ [123/ل] يكون ساهيا أو غافلا. حجة الخصم: لو كان ~~عالما بعلم قائم بذاته زائد على مفهومها قديم، لزم تعدد التقديم، وأيضا ~~افتقار الذات إلى غيرها في كمالها وهما محالان، وجوابه أن المحال إنما هو ~~تعدد الذوات القديمة، لا الذات والصفات، وكذلك افتقار الذات إلى/ [58 ب/م] ~~غيرها في وجودها، هو المحال لا في غيره، وافتقارها إلى غير خارج عنها، لا ~~إلى غير قائم بها، لا ينفك عنها مع أن المحال الذي ادعاه أصحاب الأحوال لا ~~موجودا ولا معدوما غير معقول. # واستقصاء البحث في هذا في موضع آخر، وإنما هذا إشارة إلى مأخذ المذهبين. PageV01P193 # {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ms168 منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} (171) ~~[النساء: 171] فيها مباحث: # الأول: إثبات رسالة المسيح-عليه السلام-خلافا لليهود، وسنذكر برهانه في ~~سورة المائدة-إن شاء الله-عز وجل. # الثاني: معنى كونه كلمة الله-عز وجل-عند المسلمين أنه خلقه بكلمته، وهي ~~«كن» التي يخلق بها الأشياء، وخص عيسى بتسميته كلمة تشريفا، نحو: ناقة ~~الله، وبيت الله، ومعناه عند النصارى أن كلمة الله الحقيقية التي هي من صفة ~~النطق حلت في مريم، واستحالت لحما ودما حتى تكون منها عيسى، وهو محال لوجوه: # أحدها: انتقال الصفة مجردة عن محلها إلى غيره يوجب قيامها بنفسها، فيما ~~بين المحلين المنتقل عنه وإليه. # الثاني: حلول الصفة القديمة في المحل الحادث، وهو مريم. # الثالث: استحالة القديم وتغيره. # الرابع: استحالة الصفة التي لا قيام لها بذاتها ذاتا قائمة بنفسها، والكل محال. # الثالث: ألقاها إلى مريم، معناه: عند المسلمين ما حكي في سورة مريم، ~~وغيرها من تعرض الملك لها، ونفخه في فمها، أو جيب درعها حتى حملت بالمسيح، ~~وعندهم حلول الكلمة القديمة فيها كما مر، وبطلانه بما سبق. # الرابع: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ~~إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} ~~(171) [النساء: 171] معناه عند المسلمين أنه روح مخلوق خاص، سلكه في المسيح ~~له قوة إظهار الخوارق والتعدي إلى التغيير كتصيير الطين ضربا من الطير، ~~وعندهم أنه روح من ذات الله- PageV01P194 # عز وجل-وبه كان إلها عندهم، قالوا: لأن «من» للتبعيض وقد أخبر أن المسيح ~~روح منه وهو المسمى روح القدس، وهو صفة الله القديمة يعني حياته، وهي أحد ~~الأقانيم القديمة الثلاثة. # والجواب أن «منه» هاهنا لابتداء الغاية لا للتبعيض كقوله-عز وجل-: {وسخر ms169 ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} ~~(13) / [124/ل]) [الجاثية: 13] أي ابتداؤه منه ومن فضله، وكذلك {يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ~~ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ~~ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} (171) [النساء: 171] ~~أي الله-عز وجل-مبدأ هذا الروح خلقا، لئلا يظن قدمه، ولو كان روح المسيح هو ~~حياة الله-عز وجل-لكان إما جميع روحه أو بعضه فإن كان الأول لزم بقاؤه بعد ~~انتقال حياته إلى المسيح بلا حياة؛ فيكون قد مات الأب لحياة الابن، وأنه ~~محال، وإن كان الثاني لزم تبعيض حياة الله-عز وجل-وهو محال لوجهين: # أحدهما: أنها صفة فلو تبعضت لكانت جسما، وذلك/ [59 أ/م] انقلاب الحقائق، ~~إذ صارت الصفة ذاتا. # والثاني: أن الحياة صفة بسيطة، فلو تبعضت لزم انقلاب البسيط مركبا، وأنه محال. # الخامس: {فآمنوا بالله ورسله} [النساء: 171] أي اعتقدوا المسيح رسولا. # كسائر الرسل، ولا تعتقدوه إلها؛ لأن ذلك غلو في الدين، كما ذكر في صدر الآية. # السادس: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} [النساء: 171] هو نهي لهم عن ~~التثليث، ومعناه عندهم أن الله-عز وجل-جوهر، ذو ثلاثة أقانيم، وعنوا ~~بالجوهر القائم بذاته الغني عن محل يقوم به أو يقومه، وبالأقانيم الصفات، ~~أو القوى، وهي كونه موجودا ناطقا حيا، فأقنوم الوجود سموه أبا، وأقنوم ~~النطق سموه ابنا، وهو الكلمة المسيحية، وأقنوم الحياة سموه روح القدس. # قالوا: فقولنا: الأب والابن وروح القدس [كقول المسلمين: الله الرحمن ~~الرحيم، ثم إنهم زعموا أن كل واحد من الأب والابن وروح القدس إله] كامل ~~بالحد والحقيقة، وأنهم مع ذلك ليسوا ثلاثة آلهة [في خبط كثير وتخليط] غزير ~~منه ما لا يعقل، ومنه ما لا تساعده PageV01P195 # الشبهة فضلا عن الحجة، فلهذا قيل لهم: انتهوا عن هذا الاعتقاد الباطل ~~الذي ليس له ms170 حاصل ولا وراءه طائل يكن الانتهاء عنه خيرا لكم. # {إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في ~~الأرض وكفى بالله وكيلا} (171) [النساء: 171] أي من كل الجهات لا تعدد ولا ~~انقسام له بوجه؛ فقولكم: الأب والابن وروح القدس إله واحد، تناقض؛ لأنكم ~~كثرتموه [أولا ثم] وحدتموه ثانيا، وهو [تهافت وتلاعب من الشيطان بعقولكم] ~~وهذا بخلاف قول المسلمين: # {بسم الله الرحمن الرحيم، } (1) لأنهم يقولون ذلك على معنى أن الذات ~~الإلهية واحدة لكنها متصفة بصفات كمالية، فإن اقتصرتم أنتم على مثل ذلك ~~وافقتم، وإن تماديتم في تخليطكم المذكور فلكم الويل والثبور. # السابع: {سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا} (171) / [125/ل]) [النساء: 171] أي تنزه عن الولد؛ إذ ما سواه ~~في السماوات والأرض مملوك له، والملك ينافي الولدية، كما سبق في البقرة، ~~والبحث مع النصارى طويل، أفردنا له عدة تعاليق. # قوله-عز وجل- {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} (172) [النساء: 172]. # لما زعمت النصارى إلهية المسيح قيل لهم: إن المسيح نفسه لن يستنكف، ولا ~~يأنف من الإقرار بالعبودية فأنتم يا نصارى في تنزيهه عنها فضولية، ثم احتج ~~بهذه الآية من يرى أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وتقريره أن هذا السياق في ~~مثل هذا المقام يقتضي أن المذكور آخرا أفضل كما يقال: إن فلانا لا/ [59/ب] ~~يستنكف عن خدمته أو زيارته الوزير، ولا السلطان. وذلك يقتضي أن الملائكة ~~أفضل من الأنبياء؛ لأن المسيح من أفضلهم، فإذا كانت الملائكة أفضل منه ~~فغيره ممن هو أفضل منه بطريق أولى. # واعترض عليه بأنا لا نسلم صحة ما ادعيتم، سلمناه، لكن الآية إنما تضمنت ~~تفضيل الملائكة المقربين على المسيح؛ فلا يلزم تفضيل غيرهم عليه، ولا تفضيل ~~أحد من الملائكة على غيره من الأنبياء. # واعلم أن الآية شديدة الظهور في تفضيل الملائكة، ولها شواهد أخر من ~~الكتاب والسنة PageV01P196 # والنظر، أما الكتاب فقوله-عز وجل-: {قل لا أقول لكم ms171 عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} (50) [الأنعام: 50]. # {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم} (31) [يوسف: 31]. # وقوله-عز وجل-في بني آدم {*ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (70) [الإسراء ~~70] ولم يقل: على جميع من خلقنا، مع أن بني آدم فضلوا على من سوى الملائكة ~~فلم يبق أحد ينبغي أن لا يكونوا فضلوا عليه إلا الملائكة، ثم قوله صلى الله ~~عليه وسلم حكاية عن الله-عز وجل: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ~~ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم» تصريح بأن الملائكة أفضل من بني آدم، ~~ويتناول عموم الأنبياء. # وأما النظر فلأن الملائكة رسل الله-عز وجل-إلى [الأنبياء: بغير واسطة، ~~ورسل الله بغير واسطة أفضل من رسله بواسطة، وأيضا فالأنبياء] للملائكة ~~كالأمم للنبيين، والرسول أفضل من أمته، ولأن الملائكة معلمون والأنبياء ~~متعلمون منهم، والمعلم المفيد أفضل من المتعلم المستفيد، والأدلة على هذا ~~كثيرة، غير أنه مذهب المعتزلة والفلاسفة، والجمهور على خلافهم لوجوه: # أحدها: أن الأنبياء بهم قامت حجة الله-عز وجل-على خلقه، بخلاف الملائكة ~~حتى قال الله-عز وجل-: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا.} # الثاني: أن الأنبياء في الدعاء إلى الله وإقامة حججه على خلقه أشد تعبا ~~ونصبا لما جرى عليهم من التكذيب والأذى والثواب والفضيلة/ [126/ل] على قدر ~~المشقة. # الثالث: أن آدم أبا البشر سجد له الملائكة، والمسجود له أفضل من الساجد، ~~ثم في الأنبياء من هو أفضل من آدم-عليه السلام-فهو أولى بأن يكون أفضل من ~~الملائكة. # الرابع: أن الناس في الموقف إنما يستشفعون بالأنبياء في تخفيف الموقف ~~عنهم لا بالملائكة، ولو كانوا أفضل من الأنبياء لكانوا أولى بالشفاعة. # الخامس: أن الأنبياء عبدوا الله-عز وجل-، ورضي عنهم مع معارضة ms172 الشهوة PageV01P197 # والغضب المجبول عليهما البشر، وعبادة الملائكة مع تجردهم عنها، والعبادة ~~أفضل لشدتها ومشقتها/60 أ/م] فالعابد أفضل. # السادس: أن إبليس وهاروت وماروت كانوا من خيار الملائكة، وصدر عنهم ما لم ~~يصدر مثله أو بعضه إلا عن شرار بني آدم، والحجاج من الطرفين كثير. # وذهب قوم إلى أن خواص البشر أفضل من الملائكة والملائكة أفضل من عامة البشر. # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا} (173) [النساء: 173] يحتج به المعتزلة، إذ لو كانت أعمالهم ~~مخلوقة له لكان منه العوض والمعوض وقد سبق هذا وجوابه. # {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا} (174) ~~[النساء: # 174] يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يعني القرآن برهان أي حجة لله-عز وجل-على خلقه، لما اشتمل ~~عليه من حجج التوحيد والنبوات، وغير ذلك، ويحتمل أنه برهان لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم على رسالته، وتقريره أن القرآن معجز، وكل معجز برهان على صدق من ~~جاء به، فالقرآن برهان على صدق من جاء به، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقد سبق تقرير كونه معجزا فيما أقول وهو ظاهر. # واعلم أن القرآن من حيث هو حجة لله-عز وجل-ولرسوله يسمى برهانا، ومن حيث ~~هو مرشد للخلق إلى مصالح معاشهم ومعادهم كاشف عنهم للعمى قائد لهم إلى ~~الهدى يسمى نورا. # {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين ~~الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم} (176) [النساء: 176]، أي يبين لكم ~~طريق الهدى. لئلا تضلوا، وقيل: يبين طرق الضلال لتجتنبوها من باب قول ~~القائل: # عرفت الشر ولا للشر، لكن لتوقيه، والله-عز وجل-أعلم بالصواب. # ... PageV01P198 ### | AUTO القول في سورة المائدة # {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 1] خطاب عام. # {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وهي ms173 العهود والمواثيق، وهو عام مخصوص ~~بالعقود الفاسدة، والمتضمنة للمفاسد الراجحة، كاشتراط أهل الحرب في الهدنة ~~رد من جاء من نسائهم إلينا مسلما، أو على أن يدفع إليهم مصحف، ونحو ذلك، ~~فلا يجب الوفاء به. # {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] عام خص بالاستثناء بعده. # {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] / [127/ل] وهو ما تضمنته الآية بعد وهي ~~{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (3) [المائدة: 3]. # {إن الله يحكم ما يريد} (1) [المائدة: 1] عام مطرد. # {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ~~ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب} (2) [المائدة: 2] عام مخصوص بأحوال الضرورات، كإحلال مكة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، وحكم ذلك باق عند الحاجة، ~~وكإحلالهم من الإحرام للإحصار، ونحو ذلك، وشعائر الله-عز وجل-حرماته ~~المعظمة. # {ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} [المائدة: 2] عام كالذي ~~قبله في التخصيص الضروري. # {وإذا حللتم} [المائدة: 2] أي من الإحرام، {فاصطادوا} إباحة، واختلف في ~~الأمر الوارد بعد الحظر هل/ [60 ب/م] هو للإباحة، أو على مقتضاه الأصلي ~~وجوبا، أو غيره؟ PageV01P199 # فيه قولان (1): فمن قال: هو على مقتضاه الوضعي، قال: خرج نحو {فاصطادوا.} # {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون} (10) الجمعة [10] بدليل خاص. # {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب} (2) [المائدة: 2] عام في كل بر وتقوى، ms174 يخص منه ما عجز ~~عنه، أو عارضه مفسدة راجحة كالنهي عن منكر، يثير فتنة عامة والأمر بمعروف ~~يفوت أهم منه، فلا يتعاون عليه {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا} ~~[المائدة: 2] عام أيضا يخص منه ما استكره عليه، أو جهل تحريمه، أو تضمن ~~مصلحة راجحة لقوم هموا بفسق عام كالقتل والزنا وإتلاف المال، وأمكن إشغالهم ~~وتعويقهم عن ذلك بسماع الملاهي أو شرب شراب ونحوه مما مفسدته أقل من مفسدة ~~ما هموا به، جاز إعانتهم عليه، وربما وجب. # {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة} [المائدة: 3] عام في تحريمها، ويخص بما خصت ~~به الميتة في المخمصمة ونحوه. # {وما أكل السبع} [المائدة: 3] عام خص بالاستثناء. # {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] وكذلك هو مخصص للأربعة قبلها فما أدركت ~~تذكيته منها حل، وهذا استثناء رجع إلى جمل، وهل يرجع الاستثناء إلى ما قبله ~~فقط، أو إلى جميع ما تقدمه مما يصلح رجوعه إليه، أو يوقف فيه؟ فيه أقوال: ~~موضعها سورة النور، إن شاء الله، عز وجل. # {وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام} [المائدة: 3] عام إلا في ~~ضرورة يستباح بها الكفر، ونحوه. # {ذلكم فسق} [المائدة: 3] أي جميعه أكل المحرمات، والاستقسام وهو عام في ~~كونه فسقا، إلا ما استبيح منه بالتخصيص، فلا فسق فيه. PageV01P200 # {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} [المائدة: 3] عام في الكفار الايسين ما ~~عاد أحد منهم يطمع في تبديل دين الإسلام بالكلية. # {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] عام في الدين، لم يبق في شيء منه / ~~[128/ل] نقص. # {وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] عام أريد به الخاص وهو نعمة الدين، ~~أما نعمة الدنيا، ففي إتمامها نظر؛ فإنها إنما تتم بملك الدنيا بأسرها كما ~~ملكها سليمان ونحوه. # ولقائل أن يقول: لعل الاقتصار من نعمة الدنيا على بعضها من إتمام نعمة ~~الدين في حق هؤلاء المخاطبين لئلا تلهيهم عن مهام الآخرة. # {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] إن قيل: هاهنا وفي قوله-عز وجل- ~~{إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا ms175 الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} (19) ~~[آل عمران: 19] {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين} (85) [آل عمران: # 85] جعل الإسلام هو الدين جميعه، وفي حديث جبريل الصحيح جعل الإيمان ~~والإسلام والإحسان هو الدين، فالدين الذي/ [61/أ/م] هو الإسلام في الآيات ~~الثلاث هو ثلث الدين الذي هو مجموع الأمور الثلاثة في الحديث، فكيف الجمع؟ # وجوابه من وجوه: # أحدها: أن الثلاثة لما كانت متلازمة في نظر الشرع جاز التعبير ببعضها عن ~~جميعها؛ لأن باقيها لا ينفك عن المذكور منها كما يقال: الإنسان هو الناطق، ~~ولا ينص على الحيوان للزومه إياه. # الثاني: أن يكون الدين مشتركا بين الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث، ~~وبين الإسلام وحده المذكور في الآية. فأراد في كل واحد منهما أحد ~~المشتركين. # الثالث: يكون معناه: ورضيت لكم الإسلام من الدين، أي رضيته لكم جزءا من ~~الدين مضموما إليه الجزآن الآخران. # الرابع: أن معناه ورضيت لكم دين الإسلام وهو مجموع الأمور الثلاثة فتتفق ~~الآية والحديث. # الخامس: أن الإسلام صار في العرف علما على ما يقابل اليهودية والنصرانية ~~وسائر PageV01P201 # الملل من الأديان، فكأنه قال: ورضيت لكم هذه الملة الخاصة المقابلة لسائر ~~الملل دينا، وهو معنى الذي قبله. # {فمن اضطر في مخمصة} [المائدة: 3] عام في المضطر، وهذا مخصوص لعموم ~~التحريم المتقدم في الميتة، وما بعدها وظاهره جواز الأكل مما أهل به لغير ~~الله-عز وجل- وما ذبح على النصب للمخمصة. # {يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب} (4) [المائدة: 4] ليس المراد بها ضد ~~الخبائث المحرمات، إذ كان يصير تقديره، أحل لكم الحلال، وهو دور لا يحصل به ~~جوابهم، وإنما المراد أحل لكم المستلذات والمستطابات، فيكون عاما مخصوصا ~~بما حرم منها كالخمر ولحم الخنزير، والسباع والجوارح، ونحوها من المستلذات ~~المحرمة. # {وما علمتم} [المائدة: 4] أي وأحل لكم صيد ms176 الجوارح المعلمة، وهو عام فيه، ~~خص بصور: # منها: ما أمسكه الكلب ونحوه على نفسه لا/ [129/ل] على صاحبه بدليل {فكلوا ~~مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4]. # ومنها: ما أكل الكلب منه لدلالته على أنه إنما أمسك على نفسه. # ومنها: ما لم يسم الله-عز وجل-على الصائد عند إرساله عليه على خلاف فيه، ~~بدليل {واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4]. # {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (121) [الأنعام: 121] ~~وغير ذلك من الصور المفصلة في الفقه، والجوارح عام خص بصفة التعليم ~~والتكليب. # {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] عام خص بما لم يسم عليه على ما مر، ~~وبما شارك الكلب فيه غيره مما يقدح في الحل، ككلب استرسل بنفسه، أو كلب ~~مجوسي، أو ترد من علو أو ماء/ [61 ب/م] مغرق أو كان الكلب مغصوبا، إذ صيده ~~لمالكه، أو PageV01P202 # كان ما أمسكه الجارح ونحوه، غير مأكول كسبع أو جارح مثله، ونحو ذلك من الصور. # {واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] فيه مسألتان: # إحداهما: أنه يدل على أن الاسم غير المسمى، أما أولا فلإضافة اسم إلى ~~الله، والإضافة تقتضي التغاير. # وأما ثانيا: فلأن الذي يتحرك به لسان المسمي على الصيد، ليس هو الذات ~~القديمة قطعا، وإنما هو لفظ دال عليها، وذلك قاطع في التغاير. # الثانية: أن اسم الله هاهنا إما عام أريد به الخاص أو المراد به المعهود، ~~وهو لفظ الله، وليس المراد عمومه، وإلا لتوقف حل الصيد، والذبيحة على ذكر ~~كل اسم لله-عز وجل -أو على ذكر التسعة والتسعين اسما، وأنه باطل بإجماع. # {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} (5) [المائدة: 5] عام خص بصور: # منها: ما حرم علينا ابتداء كالميتة والخنزير، فيكون محرما علينا ابتداء، ~~بواسطة أهل الكتاب. # منها: ms177 ما حرم عليهم كذي الظفر من بهيمة الأنعام، ونحوها؛ لأننا تبع لهم ~~في حل طعامهم فحرم علينا ما حرم عليهم. # ومنها: [شحم الثرب] (1) والكليتين مما يحل لهم ذبحه يحرم عليهم وفي حله ~~لنا قولان: # ومنها: الغدة، وإذن القلب، يكره أكله لنا مطلقا مما ذبحوه، أو ذبحناه، ~~وفي تحريمه خلاف. وما كان من مثل هذه الصور. # {وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5] عام، ويخص منه شحم ذبائحنا المحرم عليه، ~~لو ذبحه هو. # {والمحصنات من المؤمنات} [المائدة: 5] أي: العفائف يحل لكم نكاحهن، ويخص ~~منه ذوات الأزواج، والمعتدة والمحرمة بسبب أو نسب مما ذكر في سورة النساء، ~~والمشتبهة PageV01P203 # كأخته المشتبهة بأجنبيات حتى تتعين، والزانية على الزاني وغيره حتى تتوب، ~~وتعتد لمفهوم المحصنات/ [130/ل]. # كل هؤلاء يحرم نكاحهن مطلقا أو مؤقتا ويخص بهن هذا العموم. {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] عام في حرائر أهل الكتاب يحل ~~نكاحهن من الذميات والحربيات، وفي الحربيات خلاف، الأصح جوازه للعموم، ~~والأصح امتناع نكاح إمائهم للتخصيص بالمحصنات، وهن الحرائر، إذ لا إحصان لأمة. # {ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] عام مطرد. # قوله-عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون} (6) [المائدة: 6] اقتضى بعمومه وجوب الوضوء لكل صلاة، فإن تعذر ~~الوضوء فالتيمم خص ذلك في الوضوء بالإجماع؛ لكونه رافعا، فلا يجب إلا على ~~من أراد الصلاة وهو محدث، وبقي في التيمم على عمومه/ [62 أ/م] فيجب عند ~~إرادة كل صلاة بحيث لا يجمع بتيمم واحد فرضين في وقت واحد، وهو مذهب ~~الشافعي، وقول لأحمد، والصحيح عنده أن التيمم وظيفة الوقت؛ فيصلي به ما شاء ~~في الوقت من فروض ونوافل، حتى ms178 يخرج. # {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] عام في الوجه، وهو من منابت شعر الرأس ~~المعتاد إلى مجتمع اللحيين طولا، وما بين الأذنين عرضا، وخص منه داخل ~~العينين؛ فلا يجب غسله إذا خيف الضرر، وإن أمن ففي استحبابه وجهان، ومقتضى ~~العموم وجوبه، وفي المسترسل من اللحية عن مجتمع اللحيين قولان: # أحدهما: يجب غسله؛ لاتصاله بمحل الفرض. # والثاني: لا يجب لخروجه عن حد الوجه، وداخل الفم والأنف متردد بين ظاهر ~~الوجه PageV01P204 # وباطن الحلق؛ فمن ثم وقع الخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق. # {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] عام ثم إن قيل: حد اليد إلى تحت ~~الإبط كما فهمه الصحابة أولا، فقد خص منها ما بين المرافق والآباط؛ وإن ~~قيل: إن حدها إلى الكوع؛ كما في قطع السارق؛ فهو عام مطرد؛ وزيد عليه ما ~~بين الكوع إلى المرفق، بالغاية المذكورة إلى المرافق؛ وبهذا [يتضح القول] ~~في دخول المرافق في الغسل؛ فعلى حد اليد الأول يكون دخول المرفق في الغسل ~~بعموم لفظ اليد بعد تخصيص ما فوق المرفق إلى الإبط وعلى حدها الثاني. ينبني ~~على أن «إلى» بمعنى مع على غير المختار، فيدخلان في الغسل أو على أصلها في ~~الغاية؛ فينبني على أن الغاية تتناول ما بعدها، فيه أقوال. # ثالثها: إن كان من جنسها، تناولته وإلا فلا، وهو اختيار المبرد. # ورابعها: أنها مجملة في التناول وعدمه، يقف على الدليل فإن قلنا: يتناوله ~~مطلقا، أو إذا كان من جنسها دخل/ [131/ل] في الغسل هاهنا؛ لأن المرفق من ~~جنس اليد، وإن قلنا: يتناول ما بعدها، أو هي مجملة يحتمل التناول وعدمه، ~~ففيه قولان: # أحدهما: يدخل في الغسل؛ لبيان النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بفعله حيث ~~توضأ فغسل يديه، وأدار الماء على مرفقيه. # والثاني: لا يدخل، هو قول زفر بن الهذيل (1) من أهل العراق، عملا بمقتضى ~~الغاية في عدم التناول أو اقتصارا على الأقل المتيقن إن جعلناها مجملة، ~~ويحمل فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غسل المرافق على الاستحباب، والقول ~~في {إلى الكعبين} [المائدة: 6] نحو منه في {إلى المرافق} ms179 [المائدة: 6]. # {وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] فيه مسائل: # الأولى: الباء، قيل: للإلصاق. وقيل: زائدة. فتقتضي تعميم الرأس بالمسح أي ~~امسحوا رؤوسكم ملصقين بها أيديكم، وهو مذهب مالك أحمد رحمهما الله. # وقيل/ [62 ب/م]: للتبعيض، فيقتضي إجزاء مسح بعضه، وهو مذهب الشافعي- رحمه ~~الله-ولو شعرة لحصول مسمى المسح، والزيادة والتبعيض ضعيفان، وإن كان PageV01P205 # التبعيض في الباء منقولا عن الشافعي، ولو ثبت عنه كان حجة، وقد خرج مسح ~~البعض على غير تبعيض الباء، وهو أن الباء إن وردت للتبعيض وغيره في ~~الاستعمال فكانت في الآية مجملة لاحتمالها الأمرين، فاقتصر فيه على الأقل ~~المتيقن، وهو ما يصدق عليه اسم المسح، وهو تقرير الإمام فخر الدين، في ~~تفسيره. # وعند أبي حنيفة-رحمه الله-الواجب مسح ربع الرأس، وعنه قدر الناصية، وعنه ~~قدر ثلاث أصابع؛ لأن المسح يقتضي آلة يمسح بها، وهي الكف، وثلاث أصابع ~~أكثره، فقامت مقام جميعه، وفي كون الباء للتبعيض أولا مباحث نظرية، مذكورة ~~في أصول الفقه لا نطيل بذكرها، ويكفي في ذلك إطباق أهل اللغة على إنكار ~~أنها للتبعيض إلا ابن كيسان (1)، وما يروى عن الشافعي، قال ابن برهان ~~الأصولي النحوي (2): من زعم أن الباء للتبعيض، فقد أتى أهل اللغة بما لا ~~يعرفونه، ومحل الخلاف ما إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه نحو: # مسحت رأسي، وبرأسي لا مطلقا. # المسألة الثانية: ذكر الرأس، وهو ممسوح متخللا للمغسولات، احتج به من رأى ~~الترتيب فرضا في الوضوء، هو الشافعي وأحمد-رحمهما الله-بناء على أن ذلك، لا ~~بد له من فائدة، ولا فائدة إلا التنبيه على الترتيب، وفيه نظر؛ لأن لقائل ~~أن يقول: إن تخلل الرأس للمغسولات هو بمقتضى الكلام القديم عبارة مسموعة ~~جعل أو معنى ذاتيا، والكلام القديم لا يعلل بالفوائد والعلل، سلمنا أنه لا ~~بد له من/ [123/ل] فائدة، لكن جاز أن تلك الفائدة تعديل الكلام المعتبر في ~~الإعجاز، وجاز أنها للتنبيه على استحباب الترتيب لا وجوبه، ومن الشافعية من ~~بنى الترتيب في الوضوء على كون الواو العاطفة تقتضي الترتيب [لا وجوبه] ~~وبعض الأعضاء معطوف على ms180 بعض بها. ويحكى أيضا عن الشافعي، والصحيح أن لا ~~ترتيب فيها وأنها للجمع المطلق كما مر. # ومنهم من أثبت بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وقال: «هذا وضوء لا ~~يقبل الله الصلاة إلا به» (3)، وذلك الوضوء إما مرتب؛ فيلزم ألا تقبل ~~الصلاة إلا بوضوء مرتب، وهو المطلوب، PageV01P206 # أو غير مرتب؛ فيلزم أن لا تقبل الصلاة إلا بوضوء غير مرتب، وهو خلاف ~~للإجماع، وهي طريقة حسنة مطردة، في جميع أبعاض الوضوء غير أنها منتقضة على ~~كل مستدل بها بما لا يقول هو بوجوبه في الوضوء كالمضمضة والاستنشاق ~~والموالاة/ [63 أ/م] وسائر السنن عند من لا يرى فرضية شيء منها؛ فإن النكتة ~~جارية فيه بعينها بأن يقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم لا ~~يخلو إما أنه عليه الصلاة والسلام تمضمض فيه أو لا، إلى آخرها. # المسألة الثالثة: {وأرجلكم} [المائدة: 6] قرأ نصف القراء بفتح اللام نصبا ~~عطفا على الوجوه والأيدي في الغسل. واحتج به الجمهور، وقرأ الباقون بكسر ~~اللام جرا عطفا على الرءوس في المسح. واحتج به الشيعة. # ثم كل واحد من الفريقين تأول قراءة الآخر على خلاف الظاهر؛ فالجمهور ~~تأولوا قراءة الجر على المجاورة للرءوس، نحو: # . . . ... كبير أنا في بجاد مزمل # . . . ... صفيف شواء أو قدير معجل # وجحر ضب خرب، والأصل مزمل وخرب بالرفع، وقديرا بالنصب، وإنما جر الثلاثة ~~لمجاورتها المجرور قبلها. # وردت الشيعة ذلك بأن الإعراب على المجاورة شاذ نادر، أو ضعيف في القياس ~~فلا تحمل عليه القراءة المشهورة، ثم هو إنما يستعمل حيث يؤمن اللبس لا حيث ~~يلبس كما هاهنا، على أن معنى الشاهد الثالث: لكم جحر ضب خرب جحره، فهو نعت ~~سببي مقيس لكن حذف الفاعل لدلالة خبر المبتدأ عليه؛ إذا التقدير: هذا جحر ~~ضب خرب جحره. # والشيعة تأولوا قراءة النصب على أنها على محل {برؤسكم} [المائدة: 6] وهو ~~نصب نحو: «فلسنا بالجبال ولا الحديدا»، وهو أقرب من الوجوه والأيدي، والعطف ~~على الأقرب أولى. # ورد الجمهور ذلك بأن العطف على محل {برؤسكم} [المائدة: 6] وإن كان أقرب، ms181 ~~لكن العطف على لفظ الوجوه والأيدي أقوى/ [133/ل] واعتبار الأقوى أولى من ~~اعتبار الأقرب؛ لأن القوة معنى حقيقي، والقرب معنى إضافي عدمي، ثم أكدوا ~~ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واتفاق السواد الأعظم على غسل ~~الرجلين. PageV01P207 # واعلم أن الخلاف لما قوي في هذه المسألة من الطرفين ذهب قوم من الجمهور ~~إلى التخيير بين الغسل والمسح، وآخرون إلى الجمع بينهما احتياطا؛ فصار فيها ~~أربعة مذاهب، وخص من عموم الأعضاء الأربعة ما قام به مانع من التطهير ~~كالجراحة والشجة ونحوها. # {أو لامستم النساء} [المائدة: 6] عام خص منه من لا تشتهى لصغرها والمحرم، ~~على خلاف في ذلك؛ فلا ينقض الوضوء مسها واللمس من غير قصد أو لغير شهوة عند ~~بعضهم، ثم إن الملامسة حقيقة وضعية في تماس البشرتين، ومجاز في الوطء؛ فمن ~~اعتبرهما من لفظ واحد-كالشافعي ونحوه-ينقض الوضوء بالجماع واللمس، ومن لم ~~يعتبرهما في لفظ واحد-كأبي حنيفة-نقض/ [63 ب/م] الوضوء بالجماع للإجماع، ~~ولم ينقضه باللمس، وإلا لاعتبر من اللفظ الواحد حقيقته ومجازه وأنه باطل ~~عنده، وهذا من مسائل الحقيقة والمجاز في أصول الفقه. # {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] هذا نكرة في سياق نفي؛ فيعم، ~~ومقتضاه أنه إن لم يعدم جميع أفراد الماء المطلق لا يجوز له التيمم. وقد ~~وقع النزاع في صور: # منها: الماء المتغير بالطاهرات تغيرا شديدا بحيث لا يخرجه عن طبيعة الماء ~~وقوته، هل يجوز الوضوء بناء على أن الماء المطلق يتناوله أم لا؟ (1). # ومنها: المستعمل في رفع الحدث (2)، أجاز مالك استعماله في الطهارة مع ~~الكراهة، ومنعه الباقون؛ بناء على ذلك أو كونه صار نجسا عند بعضهم. # ومنها: نبيذ التمر عند عدم الماء في السفر، هل يتوضأ به أم لا؟ # منعه الأئمة إلا أبا حنيفة (3). # حجة المانع: أن جميع أفراد الماء معدومة فوجب الانتقال إلى التيمم؛ إذ لم ~~يجعل الشرع بينهما واسطة فمن أجاز الوضوء بالنبيذ فقد أثبت الواسطة، حيث لم ~~يثبتها الشرع، وأنه غير جائز. PageV01P208 # حجة من أجاز قوله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود ولم يجد معه ms182 إلا نبيذا: ~~«ثمرة طيبة وماء طهور» (1) فسماه ماء؛ ولأنه لا بد في النبيذ من أجزاء ~~مائية؛ فوجده لم يعدم جميع أفراد الماء فيلزمه استعمال تلك الأجزاء ~~واستعمالها مفردة لا يمكن لاستهلاكها/ [134/ل] فيوصل إليه باستعمال الجميع- ~~أعني الماء-وما استهلك فيه، وصار ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. # والجواب: أن الحديث قد ضعف، والأجزاء المائية في النبيذ خرجت عن اسم ~~الماء وطبيعته؛ فلا يتناولها العموم، فلا يجب استعمالها. # {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] اختلف في من هاهنا هل هي ~~للتبعيض أو لابتداء الغاية؟ فعلى الأول يشترط فيما يتيمم به أن يكون له ~~غبار يعلق بمحل التيمم؛ تحقيقا لمعنى الباء في التبعيض، وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد (2)، وعلى الثاني: لا يشترط ذلك؛ لأن الواجب ابتداء المسح من الصعيد، ~~وهو حاصل بدون الغبار حتى لو ضرب بيده على حجر صلد ونحوه مما لا غبار فيه ~~جاز، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة (3). # ثم ألزم الشافعية الاكتفاء بمسح بعض الوجه في التيمم من قوله-عز وجل-: # {فامسحوا بوجوهكم} [المائدة: 6] كما جاز الاكتفاء بمسح بعض الرأس من ~~{وامسحوا برؤسكم} [المائدة: 6] وإلا فسووا بينهما في التعميم، أو أفرقوا ~~بين الموضعين مع اتحاد الصيغة، ووجود الباء المبعضة فيهما لكنهم فرقوا بأن ~~المسح في الرأس أصل فعمل فيه مقتضى الباء التبعيض بخلاف المسح في/ [64 أ/م] ~~الوجه فإنه ينزل عما يجب استيعابه به وهو الغسل فألحق بأصله. PageV01P209 # وهذا عند التحقيق ليس بالقوي؛ لأن مقتضيات الألفاظ لا يؤثر فيها اختلاف ~~الأحكام، وهذا البحث يتعلق بحروف المعاني، وهي من أبواب أصول الفقه. # {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] هو عام بدليل {وجاهدوا ~~في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} (78) [الحج: 78] وهو عام مطرد؛ لأن الله- ~~عز وجل- لم يشرع حكما إلا وأوسع الطريق ms183 إليه ويسره، حتى لم يبق دون حرج ولا ~~عسر ويحتج بهذه الآية ونحوها من رأى أنه إذا تعارض في مسألة حكمان ~~اجتهاديان-خفيف وثقيل- ترجح الخفيف دفعا للحرج. وفي هذا أقوال: # ثالثها: التخيير والأخذ بالأثقل أحوط، وهذه من أصول الفقه. # قوله-عز وجل-: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور} (7) [المائدة: 7] ~~يحتمل [أن هذا] تذكير [للمؤمنين بالعهد المأخوذ عليهم {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن ~~تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} (172) [الأعراف: 172] ويحتمل ~~أنه تذكير لهم ببيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم على النصرة والإسلام ~~والتزام أحكام الشريعة، وهو أشبه/ [135/ل]. # {* ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال ~~الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} (12) [المائدة: 12] يعني ~~على طاعة موسى-عليه السلام-وهو عام فيهم. # {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] استشهد الإمامية بهذا على أن ~~أئمة PageV01P210 # الأمة من أهل البيت اثنا عشر على عدد نقباء بني إسرائيل؛ لأن النقباء هنا ~~الشهود بدليل سياق الآية، والأئمة شهود على الأمة؛ لقوله عز وجل: {يوم ~~ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا ~~يظلمون فتيلا} (71) [الإسراء: # 71] ولأن الإمام خليفة الرسول، والرسول شاهد على الأمة فكذا خلفاؤه. # واعلم أن هذا تشبيه مجرد عن غير ربط لزومي، وإنما الأشبه بنقباء بني ~~إسرائيل نقباء الأنصار الذين بايعوا بيعة العقبة. # {وقال الله إني معكم} [المائدة: 12] أي بالنصرة والإعانة. # {وآمنتم برسلي} [المائدة: 12] عام مطرد في الإيمان بالرسل. # {لأكفرن عنكم سيئاتكم} [المائدة: 12] عام في تكفير جميعها، ولا يجوز ~~تخصيصه بالكفر لقوله-عز وجل-: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} ms184 (48) [النساء: 48] لأن ~~تكفير سيئاتهم إنما هو على تقدير الإيمان كما صرحت به الآية، وهو والكفر لا ~~يجتمعان؛ فإذن تكفير السيئات عام مطرد فيما سوى الكفر. # {فمن كفر بعد ذلك} [المائدة: 12] عام مطرد. # {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} (13) [المائدة: 13] يحتمل أن نقضهم إياه ~~بمخالفة جميع أجزائه وهي الخمسة المذكورة في الآية قبلها «إقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وتعظيمهم، وإقراض الله-عز وجل-قرضا حسنا» ~~ويحتمل أن نقضه بمخالفة بعض أجزائه، ولو جزء واحد/ [64 ب/م] منه؛ لأن ماهية ~~الجملة تنتفي بانتفاء جزء منها، كالعشرة تنتفي صورتها وماهيتها بعدم واحد منها. # ويحتج القدرية بهذه ونحوها، ووجهه أنه-عز وجل-لعنهم بنقضهم الميثاق، فلو ~~كان نقضه مخلوقا له لكان لاعنا لهم على فعله، وذلك جور. وقد عرف هذا وجوابه ~~غير مرة على رأي الكسبية والمجبرة. PageV01P211 # {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13] قسوة القلب صلابته، فلا يلين لطاعة ~~الله- عز وجل-وذكره، وسببها ما يخلقه الله-عز وجل-في القلب من غلبة شهوات ~~الدنيا عليه والاغترار بها فيخالف في تحصيلها المأمورات، ويرتكب المحظورات، ~~وربما قال المعتزلة: # إنه-عز وجل-جعل تقسيته لقلوبهم عقوبة على نقضهم للميثاق فلو كانت العقوبة ~~والذنب جميعا من فعله وخلقه لما كان أحدهما بأن يكون ذنبا والاخر عقوبة ~~أولى من العكس، ويجاب عنه بالمنع بل نقول: لما كانا جميعا/ [136/ل] مخلوقين ~~له بالقدرة والاختيار اختار أن خلق النقض ذنبا وتقسية القلوب عقوبة. # {يحرفون الكلم عن مواضعه} [المائدة: 13] قيل: حرفوه بالتبديل، وقيل: # بالتأويل، والحق أنهم حرفوه بالأمرين، ولعل اختلاف العبارتين وهي (يحرفون ~~الكلم عن مواضعه) و (من بعد مواضعه) إشارة إلى ذلك، ويشبه أن تحريفه من بعد ~~مواضعه بالتبديل، وعن مواضعه بالتأويل، لأن التبديل أخص التحريفين، ومن بعد ~~مواضعه أخص العبارتين، فيجعل الأخص للأخص عملا بموجب المناسبة، هذا كله في ~~اليهود. # ثم قال الله-عز وجل-: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا ~~حظا مما ms185 ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} (14) [المائدة: 14] أي بالتوحيد، فثلثوا، ~~كما سبق من مذهبهم، وهذا عام مطرد في النصارى. # {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير} (17) ~~[المائدة: 17] هذا عام مطرد. # واعلم أنهم قرروا هذه الدعوى بأن قالوا: كلمة الله-عز وجل-حلت في هيكل ~~المسيح، وكلمة الله لا تنفك عن ذات الله؛ فهيكل المسيح لا ينفك عن ذات الله ~~بواسطة الكلمة الحالة. قالوا: ولا نعني بكون المسيح هو الله، والله هو ~~المسيح إلا أن ذاته لا تنفك عن ذاته بطريق الحلول، وقد سبق بطلان هذه ~~المقدمات. # وأجاب الله-عز وجل-عن دعواهم هذه بقوله-عز وجل: {فمن يملك من الله} PageV01P212 # شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم [المائدة: 17] وتقريره لو كان الله ~~هو المسيح ابن مريم لامتنع عليه إهلاكه واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان ~~الملازمة أن الله- عز وجل-لو كان هو المسيح لكانا ذاتا واحدة قديمة، [ولو ~~كانا ذاتا واحدة قديمة لامتنع أن يهلك الله] ذاته القديمة/ [65 أ/م] إذ ~~القديم لا يقبل العدم ولا الهلاك ولا التأثر بوجه. # بيان انتفاء اللازم وهو أن الله-عز وجل-قادر على إهلاك من في الأرض ~~جميعا، بل جميع العالم، فعلى إهلاك المسيح وحده أولى، وإذا كان قادرا على ~~إهلاكه لزم أنه ليس هو الله-عز وجل-لأن إهلاك المسيح مقدور، وإهلاك الله-عز ~~وجل-نفسه غير مقدور؛ ينتج أن المسيح ليس هو الله، وينعكس كليا أن الله-عز ~~وجل-ليس هو المسيح، وهو المطلوب. # {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء ~~قدير} (17) / [137/ل] [المائدة: 17] إشارة إلى ما سبق من أن العالم بأسره ~~مملوك لله-عز وجل-ونفسه أو ابنه على تقدير قول النصارى ليس مملوكا له فلو ~~كان المسيح هو الله- عز وجل-أو ابنه كما قالوا؛ لكان المسيح ms186 خارجا عن عالم ~~السماوات والأرض، وأنه باطل، وإذا ثبت أنه من العالم والعالم مملوك مخلوق ~~فالمسيح بهيكله وروحه وكثيفه ولطيفه مملوك مخلوق، ومختصر هذا أن المسيح من ~~العالم، وكل ما هو من العالم فهو مملوك مخلوق فالمسيح مملوك مخلوق. # {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير} (18) [المائدة: 18] تقريره أنكم أيها اليهود ~~والنصارى معذبون بذنوبكم، والأبناء والأحباء لا يعذبون بذنوبهم، فأنتم أيها ~~اليهود والنصارى لستم أبناء الله ولا أحباءه، بل أنتم بشر من خلقه يغفر لمن ~~شاء منكم ويعذب منكم من يشاء. PageV01P213 # فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) [طه: 134] ونحوه من الاحتجاج على ~~الله- عز وجل-بنفي بعثه الرسل فقطع هذه الحجة عنه بإرسال محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} (20) [المائدة: 20] يقتضي ~~أن النبوة نعمة على النبي وعلى قومه لشرفهم به، كما قال الله-عز وجل-لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: # {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون} (44) [الزخرف: 44] أي: شرف. # قال: {*واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ~~ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} (27) ~~[المائدة: 27] يحتج به من يرى أن الفاسق لا يقبل له عمل، ولعله رأي ~~الخوارج، وتقريره أن الفاسق ليس بمتق، وكل من ليس بمتق لا يقبل منه عمل، ~~فالفاسق لا يقبل منه عمل، أما الأولى فواضحة بذاتها، وأما الثانية فلهذه ~~الآية لاقتضائها حصر تقبل العمل في المتقين وحصر الشيء في الشيء يقتضي أن ~~لا يوجد في غيره فالتقبل لا يوجد في غير المتقي؛ وهو المطلوب. أو يقال: ~~المتقبل عمله متق والفاسق ليس بمتق، فالمتقبل منه ليس بفاسق، وينعكس كليا ~~الفاسق ليس متقبلا منه. # والجواب: أن هذه الشبهة مبنية على أن {إنما} [المائدة: 27] في الآية ~~للحصر ms187 وأن التقوى هي العامة، وهي تقوى المعاصي على/ [65 ب/م] الإطلاق ~~وكلاهما ممنوع؛ أما الأول فلما تقرر قبل من أن (إنما) / [138/ل] لا تقتضي ~~الحصر، بل الإثبات المؤكد، وأما الثاني فلأن المراد التقوى الخاصة، وهي ~~اجتناب الكفر، وعلى هذا التقدير نمنع مقدمتي الدليل المذكور، فلا نسلم أن ~~الفاسق ليس بمتق، ولا أن كل من ليس بمتق لا يتقبل منه ويدل على ما ذكرناه ~~قوله-عز وجل-: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} (54) ~~[التوبة: 54] فحصر المانع من قبول النفقة في الكفر، وذلك يقتضي أن غير ~~الكفر لا يمنع من قبولها، وحينئذ ينتظم الدليل هكذا: المانع من قبول النفقة ~~هو الكفر، والكفر غير موجود في الفاسق المؤمن، فالمانع غير موجود في الفاسق ~~المؤمن. PageV01P214 # {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} (31) ~~[المائدة: 31] إن كان هذا الغراب ملكا كما قيل، فلا عجب، وإن كان غرابا ~~حقيقيا فطالما أرشد الله-عز وجل-الإنسان ببعض الحيوان؛ فهذا جالينوس الحكيم ~~إنما استفاد الحقنة من طائر في البحر؛ إذا أصابه تخمة زج بمنقاره من ماء ~~البحر في دبره فيستطلق فيبرأ. # واستفادوا أن الرازيانج فيه جلاء للبصر من الحية؛ إذا طال مقامها في ~~الشتاء تحت الأرض أظلم بصرها، فتخرج إذا خرجت على الفور إلى الرازيانج ~~الأخضر فتفتح عينها فيه، وتجل به بصرها؛ فيزول عنها، وهذا النوع كثير في ~~أسرار الحيوان، وقد أعطى الله-عز وجل-كل شيء خلقه ثم هدى؛ فإرشاد ابن آدم ~~إلى دفن أخيه بالغراب من هذا الباب. # {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} (32) ~~[المائدة: 32] اعلم أن العلة الشرعية تارة تستفاد من النص ms188 عليها، وتارة ~~بالإيماء إليها، وتارة بالسير والتقسيم، وتارة بالدوران بالنص كما في هذه ~~الآية، وبها يستشهد في ذلك نحو. فعلت كذا لكذا، أو من أجل كذا، أو لعلة ~~كذا، ونحوه. وباقي الأقسام تشير إلى ما نمر به منه إن شاء الله، عز وجل. # {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم} (38) [المائدة: 38] يحتج بها القدرية في أن أفعال العباد مخلوقة ~~لهم، وإلا لكان قطع السارق عقوبة له على خلق غيره، وذلك جور. # وأجيب بأن قطعه على كسبه، كما صرحت به الآية، ولا يلزم من كون الفعل كسبا ~~له أن يكون مخلوقا له. PageV01P215 # فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم (41) [المائدة: 41] هذا حجة على المعتزلة في أن/ [139/ل] الله- ~~عز وجل-يريد فتنة بعض الخلق أي: ضلالهم/ [66 أ/م] ولا يريد تطهير قلوبهم ~~بالإيمان والهدى، فيمتنعان منهم، والآية فيه واضحة غنية عن البيان بتقرير ~~البرهان. # {سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} ~~(42) [المائدة: 42] هذا مخصص لعموم قوله-عز وجل-: {إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} (105) ~~[النساء: 105] خص في أهل الكتاب بهذه الآية حيث خير في الحكم بينهم، فأما ~~الحكام بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهل يلزمهم الحكم بين أهل الذمة إذا ~~ترافعوا إليهم؟ فيه خلاف وتفصيل. # {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين} (43) [المائدة: 43] يحتج اليهود بهذا على صحة توراتهم ~~إلزاما للمسلمين، لأن القرآن قد صرح بأن فيها حكم الله، وكل ما فيه حكم ~~الله فهو حق معتبر؛ فالتوراة حق معتبر. # وجوابه: أن معنى {فيها حكم الله} أي بعضه أو حكم خاص كحكم الزانيين الذين ~~كانت فيهما ms189 القصة، ونحن لا ندعي تحريف جميعها، بل ما نلزمهم به الحجة من ~~صفات محمد صلى الله عليه وسلم ونحوه، ولا يلزم من تضمنها بعض حكم الله أن ~~يكون جميعها حقا معتبرا، وإنما يلزم ذلك أن لو قال: «في جميعها حكم الله». ~~أو: «فيها جميع»، أو: «كل حكم الله»، لكنه لم يقل ذلك، ثم قوله: وكل ما فيه ~~حكم الله فهو حق معتبر-غلط أو مغالطة؛ لأن قولنا: {فيها حكم الله} ظرف ~~ومظروف فالمظروف الذي هو حكم الله هو الحق المعتبر، أما الظرف الذي فيه ~~الحكم فجاز أن يكون حقا وباطلا، ولو صح ما ذكرت لكان إذا تحقق أن في ~~الإنجيل أو كتاب المجوس ونحوه حكما واحدا حقا هو حكم الله-عز وجل- PageV01P216 # وجب أن يكون جميع الإنجيل ونحوه حقا معتبرا. وأنت لا تقول به. # {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} [المائدة: 44] هذا ~~إنما هو في التوراة المنزلة، وهي حق، فلا حجة لليهود فيه على حقية التوراة ~~التي بأيديهم؛ لأنها مبدل فيها ومحرف. # {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (44) [المائدة: 44]. # {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون} (45) [المائدة: 45]. # {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون} (47) [المائدة: 47] في فواصل الآيات الثلاث، وإنما تفاوتت هذه ~~الفواصل إما لأن الكفر يستلزم الظلم والفسق، أو لأنه بحسب مراتب المخالفة ~~في الحكم، فتارك الحكم بما أنزل الله في التوحيد ونحوه من أركان الدين/ ~~[140/ل] يكون كافرا، وتاركه في أحكام الفروع كالقصاص ونحوه يكون ظلما فاسقا. # وهو عام فيمن لم يحكم بما أنزل الله، أو يحكم بغير ما أنزل الله، ويخص ~~منه المكره والمخطئ في الاجتهاد، وتارك الحكم ms190 بين أهل الذمة إذا ترافعوا ~~إليه إذا/ [66 ب/م] قلنا: يخير في الحكم بينهم، أو لإشكال الحكم وتعارض ~~الدليل ونحو ذلك. # قوله-عز وجل-: {أن النفس بالنفس} يحتج به من رأى قتل الحر بالعبد، ~~والمسلم بالذمي، بناء على أصول: # أحدها: أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ إذ النفس بالنفس من شرع التوراة. # الثاني: أن المفهوم ليس بحجة، فمفهوم الحر بالحر لا يخصص هذا العموم. # الثالث: آخر الآية: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو ~~كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} (45) [المائدة: ~~45] يتناول أهل PageV01P217 # الإسلام وغيرهم مع أهل التوراة. # وروى أبو حنيفة في مسنده بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما ~~بذمي، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» (1). # حجة الآخرين أن القصاص شرطه المكافأة ولفظه ينبئ عن ذلك، والعبد لا يكافئ ~~الحر، والذمي لا يكافئ المسلم، والأصلان الأولان مع الحديث الذي رواه ~~ممنوعة. والأصل الثالث منصوص أو متروك بأقوى منه. # {والجروح قصاص} [المائدة: 45] عام يخص بما تعذر فيه ذلك بأن لا يؤمن فيه ~~الحيف كالجائفة ونحوها، وجروح العبد لا يقتص بها من الحر لعدم التكافؤ ~~بينهما، كما مر. # {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين} (46) [المائدة: 46] يعني الإنجيل المنزل لا المبدل، فلا حجة في ~~هذه للنصارى كما لا حجة لليهود في التي سبقت. # {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون} (47) [المائدة: 47] كانوا مأمورين بالحكم بالإنجيل المنزل قبل ~~نسخ شريعتهم أو بعده إذا تحاكموا إلى حاكمهم وأمكنه معرفة الحكم المنزل. # {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ms191 ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} ~~(48) [المائدة: 48] [يحتمل أن هذا ناسخ لما سبق من تخييره [في الحكم] ~~بينهم، ويحتمل أن المعنى احكم بينهم بما أنزل الله إن اخترت الحكم بينهم، ~~نحو: {وإن حكمت فاحكم} PageV01P218 # {بينهم بالقسط} [المائدة: 42] # {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] يحتج به على أن شرع من ~~قبلنا ليس شرعا لنا، إذ لو لم يكن كذلك لما خصت كل أمة بشرعة ومنهاج. # وأجيب بأن اختصاص كل أمة بشرعة إنما هو في فروع التكاليف، أما التوحيد ~~ونحوه من أصول الديانات فالشرائع فيه واحدة، ثم إن الآية ليست في محل ~~النزاع؛ إذ/ [141/ل] ما كان لنا فيه شرعة ومنهاج لا يحتاج فيه إلى شرع من ~~قبلنا، إنما محل النزاع هو الحكم الذي لا دليل عندنا فيه، وهو موجود في شرع ~~من قبلنا، ولم يرد شرعنا بنسخه، والآية ليست في ذلك. # {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} [المائدة: 48] هو حجة على المعتزلة في ~~أن الله-عز وجل-أراد اختلاف الأمم، ويلزم من ذلك أنه أراد هداية المهتدي ~~وضلال الضال؛ إذ بهما يتقوم الاختلاف، وفي هذا اللزوم نظر، بل الاختلاف ~~يحصل بإرادته هداية البعض، أما ضلال البعض الآخر فهو منهم عند الخصم، ~~وبالجملة فالآية مراغمة لهم. # {إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} (48) [المائدة: ~~48] فيه إثبات البعث/ [67 أ/م] والمعاد، وهو عام مطرد في الجميع. # {* يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (51) ~~[المائدة: 51] عام في ترك موالاتهم والاستعانة بهم بطريق الموالاة في أمر ~~دين أو دنيا، إلا حيث يضطر إليهم ولا يوجد مسلم يقوم مقامهم في كتابة أو ~~تطبب ونحوه؛ فيجوز على ما فيه، أما بطريق المعاملة كالمبايعة والإجازة ~~والمناكحة، ونحو ذلك مجردا عن الموالاة فجائز. # والموالاة هي: العناية الظاهرة عن موادة باطنة. # {بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] أي: إنما يصلح موالاة بعضهم لبعض لما ~~بينهم [من ms192 جامع الكفر لا للمؤمنين، لا أنهم في الواقع متوالون؛ كيف وقد ~~ألقي بينهم] العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. # {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (51) ~~[المائدة: 51] ظاهره أنه يكفر بموالاتهم، وهو كذلك؛ إذ موالاتهم تستلزم ~~معاداة المؤمنين، وهي كفر. PageV01P219 # أما من اعتنى بأمر بعضهم على جهة الرحمة أو رعاية الذمة، أو استمالتهم ~~إلى الإسلام، ونحو ذلك مجردا عن موالاتهم فلا بأس لقوله-عز وجل- {لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (8) [الممتحنة: 8]. # قوله-عز وجل-: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (55) [المائدة: 55] احتجت بها الشيعة على إمامة ~~علي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتقرير حجتهم منها من وجوه: # أحدها: حصر وليهم في المذكور بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو علي، ~~والولي هو الإمام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام-: «إن عليا مني وأنا منه، وهو ~~ولي كل مؤمن بعدي» (1) وفي حديث آخر: «وهو وليكم بعدي» (2) حديثان مشهوران ~~رواهما أحمد، والمفهوم من الولي هو الرئيس المطاع أو المتصرف النافذ ~~التصرف، كولي اليتيم والمرأة خصوصا، وقد قال: «وليكم بعدي» وهذه البعدية/ ~~[142/ل] تقتضي في العرف الاستخلاف؛ لأنهم إنما يحتاجون بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى إمام يقوم مقامه بأمرهم العام. # الوجه الثاني: قوله-عز وجل-: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون} (56) [المائدة: 56] عام أريد به الخاص، وهو علي عليه ~~السلام كقوله-عز وجل-: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} (173) [آل عمران: 173] يعني ~~عروة بن مسعود قال لأبي سفيان، ولأن جميع المؤمنين لما كانوا في رعاية ~~إمامهم وحياطته وهم تابعون له وردا وصدرا؛ جاز أن يعبر عنه بلفظهم خصوصا ~~علي-رضي الله عنه-في شهرته PageV01P220 # وشرفه وكمال فضله، وليس الأمر بمستنكر أن يجمع العالم في واحد، وإنما ~~قلنا: إن المراد بالذين آمنوا علي لقوله-عز وجل-: {الذين يقيمون الصلاة ms193 ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (55) [المائدة: 55] فجعل هذه الجملة بدلا من ~~{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} [المائدة: 55] قبلها، ثم إن النقلة ~~اتفقوا-إلا من شذ منهم-على أن عليا هو الذي تصدق في الصلاة/ [67/ب/م] ~~بخاتمه وهو راكع فكان هذا كالعلامة على إمامته، وقد وجدت هذه العلامة في ~~علي دون غيره؛ فوجب أن يكون هو المراد بولاية المؤمنين التي هي عبارة عن ~~إمامتهم، وإنما قلنا: إن المراد بهذه العلامة الصدقة في حال الركوع؛ لأنه- ~~عز وجل-قال: {يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (55) [المائدة: 55] ~~أي في حال ركوعهم، والجملة حالية. # الوجه الثالث: قوله-عز وجل-قبل هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (54) [المائدة: 54] ثم استطرد الآية ~~المذكورة مع قوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: # «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يكون الفتح على ~~يديه» (1) مع قوله-عز وجل-هاهنا: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون} (56) [المائدة: 56] فيه دليل واضح على ذلك؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بما وصفه الله-عز وجل-به من محبته لله ومحبة ~~الله-عز وجل-إياه، بالفتح المستلزم لكونه غالبا إشارة من النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى أن المراد بالآية هو صاحب هذه الصفات، وصار ذلك كالتفسير ~~والبيان للآية من النبي صلى الله عليه وسلم. هذا وجه استدلالهم بهذه الآية. # واعترض الجمهور عليهم بأن قالوا: قولكم: إنه حصر وليهم في المذكور بعد- ~~إنما هو بناء على أن «إنما» للحصر، وهو ممنوع سلمناه، لكن لا نسلم أن ~~المراد/ [143/ل] بوليهم علي؛ لأن المذكور في الآية الله ورسوله والذين ~~آمنوا فتخصيصه بعلي وحده بعيد PageV01P221 # في النظر والاستعمال، سلمناه، لكن لا نسلم أن المراد بالولي الإمام إنما ~~المراد به ضد العدو؛ لأن الآية وردت في سياق: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ms194 ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} (57) [المائدة: 57] فنهاهم عن ~~موالاة أهل الكتاب، ثم بين لهم من يتولون وهم الله ورسوله والذين آمنوا، ~~فكان مقتضى سياق الآية: أن اتخذوا المؤمنين أولياء لا اليهود ولا النصارى، ~~ويبعد جدا أن يقال: لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ولا أصدقاء، لكن ~~اتخذوا عليا إماما أو المؤمنين أئمة؛ لأنه في هذا المقام فيما يتعلق ~~بالموالاة والمعاداة لا فيما يتعلق بالإمرة والإمامة، سلمناه، لكن لا نسلم ~~أن {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} [المائدة: 55] عام أريد به ~~الخاص؛ إذ هو دعوى خلاف الأصل، سلمناه لكن لا نسلم أن هذا الخاص المراد ~~بالآية هو علي، بل قد نقل أنه أبو بكر-رضي الله عنه- # قوله الصدقة في حال الركوع علامة على أنه هو المراد لوجودها فيه خاصة ~~قلنا: لا نسلم أن المراد بالآية الصدقة في حال الركوع لوجهين: # أحدهما: أن ذلك عمل في الصلاة يبطلها عند بعض العلماء فكيف يجعل صفة مدح ~~تتلى/ [68/أ/م] ويستحق به الإمامة الكبرى. # الثاني: أنا لا نسلم أن قوله-عز وجل-: {وهم راكعون} جملة حالية، بل هي ~~استئنافية. # والوجه الثالث: لهم مناسبة إقناعية لا يعول على مثلها. وقولهم: صار ذلك ~~كالتفسير والبيان للآية من النبي صلى الله عليه وسلم اعتراف منهم بأن الآية ~~مجملة تحتاج إلى البيان، والمجمل لا دلالة له، وما ادعوه بيانا لا نسلمه. # واعلم أن جميع ما ذكر في هذا الاعتراض تحقيق إلا الوجهين في منع أن ~~المراد بالآية الصدقة في حال الركوع فإنهما ضعيفان (جدليان) أما الأول فلأن ~~الجمهور من العلماء على أن العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها، والصدقة ~~بالدرهم والخاتم ونحوه فيها عمل يسير، فلا تبطل، وأما الثاني فلأن جعل {وهم ~~راكعون} [المائدة: 55] جملة حالية أولى؛ لأنه أقل لعدد الجمل، وأيضا لو ~~جعلت استئنافية لزم عطف الركوع على الصلاة وهو [تكرار أو] عطف خاص على عام، ~~وقد كان السجود أحق بذلك فكان يجب أن يقال: # وهم ساجدون. PageV01P222 # واعلم أن هذه الآية من ms195 عمد الشيعة، / [144/ل] وعند التحقيق واعتبار ما ~~سبقها ولحقها لا حجة لهم فيها بوجه، والذي قرروه منها ضرب من الشبهة وإنما ~~مقصودها التعلق بولاية الله ورسوله والمؤمنين والإعراض عن ولاية اليهود ~~والنصارى والمشركين وأخصر ما يرد به على الشيعة أن هذه الآية أعم من ~~دعواكم، والعام لا دلالة له على الخاص بنفي ولا إثبات؛ لأنها دلالة لازم ~~على ملزوم وهي عقيم. # {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} (56) ~~[المائدة: # 56] عام مطرد، لكن غلبتهم تارة في الدنيا بالظهور، وتارة بالنصرة يوم ~~النشور. # {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (51) ~~[غافر: 51] وحينئذ لا يرد سؤال من يقول: قد رأينا كثيرا من أولياء الله-عز ~~وجل- مغلوبين لا غالبين، فليكن هذا العام مخصوصا بهم أو أريد به خصوص ~~الغالبين من أولياء الله-عز وجل-لا يقال هذا لما ذكرنا. # {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} ~~(60) [المائدة: 60] هذا إشارة إلى من مسخ من بني إسرائيل من أصحاب السبت ~~والمائدة. # والمسخ هو: قلب الحقيقة الصورية لا الهيولانية إلى غيرها، كالإنسان قردا ونحوه. # ومعنى ذلك أن أجناس الأعيان العنصرية ثلاثة: جماد ونبات وحيوان، وهيولي ~~الجميع- أعني مادته-واحدة، وهي الجسم، إذ هو مشترك بين الكل، لكن الجماد ~~بقي على مطلق الجسمية، والنبات اختص عنه بقوة نباتية أفادته صورة النبات ~~والحيوان اختص بالنفس الحيوانية، فأفادته صورة الحيوان، وكذلك الإنسان اختص ~~بالنفس الناطقة، / [68 ب/م]. # فالمسخ نقل هذه الصورة بعضها إلى بعض على مثال استحالة العناصر الأربعة ~~بعضها إلى بعض، مع أنها لا تخرج عن دائرة الجوهرية، كذلك صور الأجسام ~~الخاصة ينتقل بعضها إلى بعض مع بقائها في دائرة الجسمية كما مسخ هؤلاء قردة ~~وخنازير، وامرأة لوط مسخت فيما نقل في التوراة ملحا، فانقلبت صورتها ~~الإنسانية إلى الجمادية، ولا يستحضر أحد مسخ نباتا، غير أنه ممكن، واحتج ~~أهل الكيمياء على إمكانها بهذا، إذ ليس فيها ms196 إلا نقل صورة معدن إلى معدن، ~~كما ينقل صورة عنصر إلى عنصر، كالماء هواء، والهواء نارا وبالعكس، وكانتقال ~~الإنسان خنزيرا وقردا كذلك تنتقل الصورة النحاسية مثلا أو الفضية PageV01P223 # ذهبية ونحوه/ [145/ل]. # والفاعل لذلك عند الجمهور هو الله-عز وجل-والصانع كاسب فلم يبق للمنع من ~~إمكان ذلك وجه. # ومن زعم أن الكيمياء خلق الذهب والفضة أو غيرهما وذلك محال من غير الله- ~~عز وجل-فقد وهم، وإنما هي كما ذكرنا نقل صورة إلى غيرها من الأعيان لا خلق ~~مادة واختراعها، غير أن الاشتغال في الكيمياء قطع وقت عتيد في طلب أمر ~~بعيد، وذلك جهل شديد، وهذه المسألة وإن لم تكن مشهورة من أصول الدين لكنها ~~ذكرت في سياق ما يناسبها من المسخ، وكلاهما يتعلق بأفعال الله-عز وجل-وهي ~~مندرجة تحت أركان أصول الدين كما ذكرناه قبل أن الكلام في الله-عز وجل-إما ~~[في الذات] أو الصفات أو الأفعال. # {* يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} (67) [المائدة: 67] ~~عام مطرد في الأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه، وقد فعل ذلك صلى الله عليه ~~وسلم، فمن زعم أنه كتم شيئا من القرآن فقد كذب، أما كونه يؤخر التبليغ أو ~~البيان لمصلحة إما يوحي أو اجتهاد، فذلك جائز. # {*يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} ~~[المائدة: 67] أورد بعضهم أن هذا الكلام تضمن إيجاد الشرط والمشروط؛ إذ ~~التقدير: بلغ رسالات ربك، فإن لم تبلغها فما بلغتها، وظاهره غير مفيد. # وجوابه: أن المعنى: وإن لم تبلغها فحكمك حكم من أمر بالتبليغ فلم يفعل، ~~أو: وإن لم تبلغها فقد خالفت أو استحققت الوعيد ونحو ذلك، ولكن الله-عز ~~وجل-أكرم نبيه عن التصريح بكلام مزعج، فعرض له تعريضا، وأفهمه المقصود من ~~[لفظ يتضمنه] أو يرادفه نحو: {عبس وتولى} (1) [عبس: 1] بلفظ الماضي المسند ~~إلى غائب، ولم يقل: # عبست وتوليت إذا جاءك الأعمى، كل ذلك إكراما بالتلطف في خطابه صلى الله ms197 ~~عليه وسلم. # قوله عز وجل-: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال ~~المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم ~~الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} (72) [المائدة: 72] ~~سبق القول في هذا. PageV01P224 # {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 72] هذا ~~اعتراف منه بأنه عبد مربوب، وقد نطق الإنجيل الذي/ [69/أ] بأيدي النصارى ~~بمثل هذا، وحينئذ يقال: المسيح مربوب، ولا شيء من المربوب بإله، فالمسيح ~~ليس بإله. أما الأولى فبنص القرآن والإنجيل، وأما الثانية فبالاتفاق، لكن ~~النصارى زعموا أن المربوب ناسوته لا لاهوته، فلا ينتج الدليل المذكور إلا ~~سلب الإلهية عن الناسوت/ [146/ل] لا عن جملة المسيح. # وجوابه: أن النص دل على مربوبية المسيح، والمسيح هو مجموع الجملة المركبة ~~من كثيفه ولطيفه، وذلك ينفي أن يكون فيه لطيفا غير مربوب، فينتفي أن يكون ~~فيه شيء من اللاهوت، على أن دعوى حلول اللاهوت فيه باطلة ممنوعة. # {من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من ~~أنصار} (72) [المائدة: 72] فيه إثبات العذاب الحسي في المعاد خلافا للنصارى ~~والفلاسفة؛ إذ قالوا: لا عذاب إلا العقلي، وهو البعد عن الله-عز وجل-ونحوه ~~مما سبق، وهذا نص من المسيح على خلاف ذلك، وقد وافق عليه الإنجيل؛ إذ حكي ~~فيه أن المسيح أمر بعض أتباعه بالخروج عن ماله، ثم قال: الحق أقول لكم: من ~~ترك في هذه الدار زوجة أو زرعا أو مالا فله في الآخرة خير من ذلك. أو كما ~~قال. وهو قاطع في إثبات النعيم الحسي فكذا العذاب المقابل له. # {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} (73) [المائدة: 73] ~~قد سبق أنهم يريدون بذلك ثالث ثلاثة أقانيم، وهي: الأب، والابن، وروح ~~القدس، وأن كل واحد من هذه الثلاثة إله كامل بالحد والحقيقة، وأنهم مع ذلك ~~ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد، ms198 وإن ذلك تناقض وتخليط. # وأما عامة الناس فيظنون أن مرادهم بالثلاثة: الله، ومريم، والمسيح، وليس كذلك. # ووجه كفرهم إشراكهم؛ إذ مقالتهم المذكورة واعتقادهم يلزمه الشرك قطعا، ~~وكذلك نوقضوا بإثبات التوحيد بقوله-عز وجل-: {وما من إله إلا إله واحد} ~~[المائدة: # 73] ثم توعدوا على كفرهم بأن قيل: {وإن لم ينتهوا عما يقولون} [المائدة: ~~73] PageV01P225 # أي: من الكفر بالإسلام {ليمسن الذين كفروا منهم} [المائدة: 73] أي: ~~المستمرين على الكفر منهم {عذاب أليم} (73) [المائدة: 73]. # {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} (75) ~~[المائدة: 75] اعلم أن هذه الجملة تضمنت نفي إلهية المسيح؛ خلافا للنصارى، ~~وإثبات رسالته، خلافا لليهود. # أما نفي إلهيته فقد سبق عليه أدلة، وقد استدل الله-عز وجل-عليه هاهنا بقوله: # {كانا} [المائدة: 75] يعني هو وأمه مريم {يأكلان الطعام} [المائدة: 75] ~~وهو كناية عن شيئين: # أحدهما: أنهما كانا يفتقران إلى أكل الطعام المقيم للبنية، وكل مفتقر إلى ~~ذلك فليس بإله؛ ينتج أنهما ليسا بإلهين. # الثاني: / [69 ب/م] كانا يحتاجان إلى الخلاء وقضاء الحاجة، وكل من احتاج ~~إلى ذلك فهو حادث، وكل حادث فليس هو بقديم، وكل من ليس بقديم فليس هو بإله؛ ~~ينتج أنهما ليسا بإلهين. # ولما علم النصارى بقوة هذه البراهين/ [147/ل] وكونها مبطلة لدعواهم-فزعوا ~~إلى شبهة سولها لهم الشيطان؛ فزعموا أن المسيح جملة مركبة من ناسوت ظاهر، ~~ولاهوت باطن، وأنه كان يأكل ويشرب ويقضي الحاجة، ويألم من جهة ناسوته، ~~ويفعل المعجزات ويظهر الخوارق من جهة لاهوته. # قالوا: وحينئذ ما ذكرتموه من البرهان إنما يدل على نفي الإلهية والقدم عن ~~ناسوته فقط لا عن لاهوته، وهذا بناء منهم على أن اللاهوت حل في جسد المسيح، ~~وقد سبق بطلانه. # ولنذكر هاهنا من ذلك وجهين: أحدهما أن المعقول من الحلول إحاطة المحل ~~بالحال كإحاطة الظرف بالمظروف، فلو حل اللاهوت هيكل المسيح لكان جسد المسيح ~~أكبر مما حل فيه، فيكون الجسد البشري أعظم من الذات الإلهية، وأنه محال. # الوجه الثاني: أنه لو عورضوا ms199 بمثل دعواهم في جميع الأنبياء وأنهم ركبوا ~~من ناسوت ولاهوت، وأنهم أكلوا الطعام بناسوتهم، وأظهروا المعجزات بلاهوتهم ~~لم يجدوا عن ذلك جوابا، ولا أمكنهم الانفصال عنه بطائل غير أنهم يقولون: ~~ولد من غير أب فينتقض عليهم PageV01P226 # بآدم، وأولى إذ كان لا من أب ولا من أم ولا أثر لخروجه من الرحم. # أو يقولون: ورد النص الإلهي بتسميته ابنا والله-عز وجل-له أبا؛ فيقال ~~لهم: لا نسلم أن النص الإلهي ورد بذلك، ولا نسلم صحة ما تدعونه من النصوص. ~~سلمناه لكنه ينتقض بيعقوب إذ قيل له في التوراة: أنت ابني بكري، وبقول ~~المسيح للحواريين وغيرهم: # إن أباكم السماوي يراكم. وقوله: أذهب إلى أبي وأبيكم: وإلهي وإلهكم. ~~فليكن هؤلاء كلهم آلهة لأجل هذه التسمية، وأنه باطل باتفاق. # {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم} (76) [المائدة: 76] هذا دليل آخر على عدم إلهية المسيح، وتقريره أن ~~الإله يملك لكم الضر والنفع والمسيح لا يملك الضر والنفع، فالإله ليس ~~بالمسيح، وينعكس كنفسه المسيح ليس بإله. والمقدمة الأولى واضحة، وأما ~~الثانية فلأن المسيح لم يملك لنفسه ضرا ولا نفعا؛ إذ عند النصارى أنه قتل ~~وصلب وقهر وظلم، فلم يمتنع، غير أن/ [148/ل] النصارى يتجاهلون ويزعمون أنه ~~لم يعجز عنه نفع نفسه ولكنه هو أسلمها لعدوه إقامة للحجة عليهم، في أمور ~~أخر/ [70 أ/م] يرغب عن ذكرها لسخافتها وضعف عقل قائلها. # وأما إثبات رسالة المسيح-خلافا لليهود-فلأنه ادعى النبوة وأظهر المعجز ~~على وفق دعواه، وكل من فعل ذلك فهو رسول صادق، فالمسيح رسول صادق. # أما أنه ادعى النبوة فبالتواتر، وقد صرح به القرآن في قوله-عز وجل-: {وإذ ~~قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي ~~من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا ~~هذا سحر مبين} (6) [الصف: 6] وأما أنه أظهر المعجز على وفق دعواه، ~~فبالتواتر أيضا كإحياء الموتى وغيره، من الخوارق التي هي كمعجزات موسى-عليه ~~السلام-وأعظم. # وأما أن ms200 كل من كان كذلك فهو رسول صادق: فلوجهين: # أحدهما: أن تأييد الله-عز وجل-من ادعى النبوة بالمعجز يتنزل منزلة قوله: ~~صدق عبدي في دعواه أنه رسولي. بدليل أن إنسانا لو قال لجماعة بحضرة ملك أنا ~~رسول الملك إليكم، ثم قال للملك: صدق دعواي بخرق عادة من عاداتك، ففعل ~~الملك ذلك؛ علم بالضرورة صدق ذلك الإنسان في دعواه. # الثاني: لو لم يكن كل من أتى بالمعجز على وفق دعواه صادقا لجاز أن لا ~~يكون موسى PageV01P227 # في مثل ذلك صادقا، لكن ذلك باتفاق منا ومنهم باطل؛ فثبت بما ذكرناه أن ~~المسيح رسول الله، ولزم من ثبوت رسالته ثبوت النسخ الذي يفرون منه. # واعترض اليهود على هذه الحجة بأن قالوا: لا نسلم أن المسيح ادعى الرسالة، ~~وإنما ادعى أنه ابن الله، والمسيح الذي وعدنا به هو ابن داود، فالمسيح ابن ~~مريم ليس هو المسيح الموعود، ولا ادعى الرسالة، بل الإلهية، سلمناه لكن لا ~~نسلم أنه أظهر المعجز على وفق دعواه، ولكنه لما فرت به أمه إلى مصر خدم بعض ~~أحبار اليهود ممن كان قد أوتي الاسم الأعظم فسرقه أو تعلمه منه، فكان يفعل ~~به الخوارق، ويدعي ما شاء، وإذا بطلت المقدمة الأولى من دليلكم لم تنفعكم ~~الثانية وحدها، ولا حاجة بنا نحن إلى منعها. # والجواب: أن كون المسيح-عليه السلام-ادعى أنه ابن الله باطل من أباطيل ~~النصارى، ثم تلقاه اليهود منهم [على جهة الإلزام لهم] من أباطيل النصارى، ~~ولو سلم لكان ذلك مجازا أو تشريفا، كما قيل لإسرائيل: أنت ابني بكري، ولو ~~أن يعقوب-عليه السلام-قال: أنا ابن الله بهذا الاعتبار/ [149/ل] لم يكن ذلك ~~منافيا لدعواه الرسالة، وأما كون المسيح الذي وعدتم به هو ابن داود فهو ~~صادق على عيسى ابن مريم؛ إذ هو ابن داود من جهة أمه مريم، وقول اليهود: إن ~~دين التوراة أن النسب لا يثبت من جهة/ [70 ب/م] الأم مدافعة هم غير مأمونين ~~عليها، ولو سلم ذلك لم يضر؛ لأن المسيح صاحب دعوة مستقلة وشريعة وملة، ~~والنسب في شرعه يثبت ms201 من جهة الأم عل خلاف حكم التوراة؛ فيجب التسليم لما ~~جاء به من المعجز، ثم ينزل كونه ابن داود على مقتضى شرعه، ثم إن صفة ~~المسيح-عليه السلام-واردة في التوراة عند ذكر موت يعقوب- عليه السلام- ~~ووصيته أولاده حيث قال: لا يزال الملك بين فخذي يهوذا حتى يأتي المنتظر ~~الذي يركب الحمار ويحمر من الحر وجهه، وأشد بياضا من اللبن أسنانه. في صفات ~~أخر موجودة في المسيح، فإنكار اليهود له مكابرة وعناد، وأما كونه سرق الاسم ~~الأعظم من بعض أحبارهم فإن فتحوا هذا عورضوا بمثله في موسى-عليه السلام- ~~وأنه سرق الاسم الأعظم المعظم من شعيب-عليه السلام-حين صاهره ورعى له الغنم ~~عشر سنين، لكن ذلك باطل في حق موسى فكذلك في حق المسيح. # {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} (79) [المائدة: ~~79] تقتضي أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-مع إمكانه والقدرة عليه- ~~كبيرة يستحق بها اللعن. PageV01P228 # {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون} (80) [المائدة: 80] الآيتين، يقتضي أن تولي ~~الكفار كفر موجب للسخط، مخلد في العذاب، مناف للإيمان بالله-عز وجل ورسله وكتبه. # {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون} (82) [المائدة: 82] الآيات، تعلق بها النصارى على جهة الإلزام ~~للمسلمين، وتقرير شبهتهم منها أن قالوا: نحن قد أثنى علينا القرآن، وكل من ~~أثنى عليه القرآن فهو خير محق؛ فنحن خيرون محقون، أما أن القرآن أثنى علينا ~~ففي هذه الآيات أثنى علينا بأن منا قسيسين ورهبانا، وأنا متواضعون لا ~~استكبار عندنا وغير ذلك، وأما أن من أثنى عليه القرآن يكون محقا فلأنه ~~معصوم عند المسلمين، والمعصوم لا يقول إلا حقا، ولا يمدح ولا يقدح إلا بحق. # والجواب أن المراد بالنصارى/ [150/ل] في الآية نصارى مخصوصون، وهم ~~النجاشي وأصحابه من أهل الحبشة لا جميع النصارى؛ بدليل أنه وصفهم بأنهم ~~أقرب مودة للمسلمين، وأنتم أشد عداوة لهم، ووصفهم ms202 بأنهم إذا سمعوا القرآن ~~فاضت أعينهم تصديقا له، وأنتم لا تصدقونه، ووصفهم بأنهم آمنوا بالإسلام ~~وشهدوا بصلاح المسلمين، وأنتم لستم كذلك؛ فدل على أن المراد ما ذكرناه من ~~خصوص النصارى، لا ما ذكرتموه من عمومهم، وكيف يثني عليكم وقد صرح قبل هذا ~~بكفركم [لأجل التثليث] الذي تدينون به. في أول/ [71 أ/م] هذه السورة يقول: ~~{ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا ~~يصنعون} (14) [المائدة: 14] وهو ذم لهم؛ فدل على أن الذم والمدح مختلف ~~الموضوع، وأن المذموم غير الممدوح. # وهذه شبهة أوردها علي بعض النصارى، فأجبته بنحو هذا الجواب. PageV01P229 # ما إذا نذر صوما أو إحراما أو تطوع به فإنه قد حرم على نفسه طيبات، وهو ~~غير منهي عن ذلك. ولقائل أن يقول: ليس هذا من باب تحريم الطيبات، وإنما هي ~~عبادات تبعها تحريم طيبات، فتحريم الطيبات حصل تبعا لا قصدا. # {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} (89) [المائدة: 89] هذا هو ~~المثال المشهور في الواجب المخير، وهو إيجاب أحد أشياء على التخيير لا على ~~التعيين، والخلاف في جوازه مع المعتزلة، وهو عند التحقيق خلاف لفظي؛ لأن ~~الجميع اتفقوا على أنه لو فعل الجميع أو ترك الجميع لما أثيب ولا عوقب إلا ~~على واحد. # وتحقيق المسألة: أن التكليف تعلق بالقدر المشترك بين الأشياء المخير ~~فيها، وهو واحد منها، فمن أتى بهذا المشترك خرج عنه عهدة التكليف، ومن عطل ~~المشترك [بين الأشياء] بترك الجميع أثم، وهذا القول في الواجب الموسع وفرض ~~الكفاية. # {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} (90) [المائدة: 90] هذا عام في تحريم هذه ~~الأربعة، خص منه الخمر للتداوي ms203 عند بعض العلماء، وبعضهم يطرد فيه [العموم ~~فلا] يبيحه لتداو ولا غيره إلا لدفع لقمة غص بها ولم يجد غيره، أو أكره على ~~شربه. / [151/ل]. # {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين} (93) [المائدة: # 93] أي من المباحات، فهو مخصوص بها. PageV01P230 # تحت عموم التحريم حتى يخص منه؛ لأن العموم إنما يتناول قتله عن قصد، وهذا ~~لم يقصد قتله، لكن يخص بلا خلاف بالصيد الصائل إذا قتله لا تحريم فيه ولا ~~إثم، ولكن هل يضمنه أم لا؟ فيه خلاف الأصح: لا يجب ضمانه. # {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم} ~~[المائدة: 95] يحتج به على أن الكفارة شرعت عقوبة وزجرا لا جبرا، والتحقيق ~~أن الكفارات منها ما شرع زجرا كهذه، ومنها ما شرع جابرا كفدية/ [71 ب/م] ~~الأذى؛ إذ لا معصية هناك يزجر عنها. # وهذه قاعدة في الكفارات حيث كانت عن معصية فالمقصود بها الزجر، وإن كان ~~فيها جبر فهو تبع، وحيث لا معصية فهي جابرة لما نقص من العبادات أو فات من ~~بعض الحقوق التعبدية. # {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون} (96) [المائدة: 96] عام خص منه ~~الضفدع والتمساح والكوسج، وعلى قياسه كل سبع مائي، وإنسان الماء وكلبه، ~~وخنزيره، وكل ما حرم نظيره في البر على خلاف بينهم في بعض هذه الصور ~~المخصوصة. # {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] يعني حرم عليكم أكله ~~وهو عام خص منه صيد الحلال؛ يجوز للمحرم أكله [إذ لم يصده لأجله] لقوله- ~~عليه الصلاة والسلام-: «صيد البر حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» (1). # {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} (103) [المائدة: 103] عامة في ~~نفي الأربعة المذكورة فيها، فلا يشرع في الإسلام شيء منها. # {يا أيها ms204 الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله} PageV01P231 # {مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون} (105) [المائدة: 105] ربما احتج ~~بها بعض من لا يعلم على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وليس كذلك، ~~إذ هو خلاف الإجماع على وجوب الأمر والنهي عن المنكر، وإنما معنى الآية: ~~اعملوا على خلاص أنفسكم بالطاعة وترك المعصية، ثم إن ضل ضال لم يضركم إذا ~~اهتديتم، وإن اهتدى مهتد لم ينفعكم إذا ضللتم، كما قيل: عليك بخاصة نفسك. # {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب} (109) [المائدة: 109] عام مطرد. # {فيقول ماذا أجبتم} [المائدة: 109] فيه أن الأنبياء يستشهدون على الأمم نحو: # {فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين} (6) [الأعراف: 6] وهذه من ~~أحكام اليوم الآخر. # {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك ~~بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} (110) / ~~[152/ل]. # [المائدة: 110] فيها جملة من معجزات المسيح الدالة على صدقه في دعوى ~~الرسالة كما سبق في آل عمران. # {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن ~~هذا إلا سحر مبين} (110) [المائدة: 110] فيه رد على من زعم أنه قتل وصلب مع ~~ما سبق في آل عمران وفي سورة النساء من النص على ذلك. # {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ~~من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} (112) [المائدة: 112] الآيات ~~فيها ذكر المائدة، وهي من معجزات عيسى-عليه السلام-لم تذكر إلا في هذا ~~المكان. # واعلم أن الحواريين قد [ورد الثناء عليهم] فوجب دفع ما لا يليق بحالهم ~~عنهم، فمنه PageV01P232 # قولهم: {هل يستطيع ربك} أما على قراءة الخطاب فلا إشكال؛ إذ ms205 تقديره: هل ~~تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك. وأما على الغائب فمعناه: هل يفعل ربك ذلك إن ~~سألته، فعبروا عن الفعل بالاستطاعة؛ لأنها من لوازمه. # ومنه قولهم: {قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ~~ونكون عليها من الشاهدين} (113) [72 أ/م] [المائدة: 113] ظاهر في أنهم ~~كانوا شاكين في صدقه؛ فيجاب عنه بوجوه: # أحدها: أن هذا كان عند أول متابعتهم له، ولما يرسخ الإيمان في قلوبهم، ~~كالمؤلفة قلوبهم من مؤمني الصحابة حتى استقر إيمانهم. # والثاني: أن يكون هذا القول من بعض أتباع الحواريين، إليهم مجازا، كما ~~ينسب إلى الرجل قول بعض حاشيته وأتباعه. # الثالث: أن يجاب عنه بمثل ما أجيب عن قول إبراهيم: {وإذ قال إبراهيم رب ~~أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة ~~من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا ~~واعلم أن الله عزيز حكيم} (260) [البقرة: 260] أي بالعيان: وإن كانت قلوبنا ~~مطمئنة بالإيمان. # {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد ~~علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} (116) ~~[المائدة: 116] اختلف في هذا؛ فقيل: # إنه وقع، وأن الله-عز وجل-سأل عنه المسيح لما رفع إليه، وقيل: لم يقع، ~~ولكن سيقع يوم القيامة، ويسأله عنه تقريعا للنصارى وتوبيخا لهم، والمعنى: ~~وإذ يقول الله: يا عيسى، واستعمل الماضي موضع المضارع، وعكسه {واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين} أي: ما تلت. # {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} ~~(117) [المائدة: 117] هذا مما سبق من الاعتراف بالعبودية والربوبية على ما ~~مر تقريره. # ... PageV01P233 ### | AUTO القول في سورة الأنعام # {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين ms206 كفروا ~~بربهم يعدلون} (1) [الأنعام: 1] اختلف في أيهما خلق أولا؟ على قولين ~~مشهورين ممكنين تضمنهما القرآن، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله-عز وجل. # {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] فيه سؤلان: أحدهما [لم قدم] الظلمات ~~على النور؟ # وجوابه: أن الظلمة أمر عدمي؛ إذ هي عدم الاستنارة عما من شأنه/ [153/ل] ~~أن يستنير، والنور أمر وجودي، والعدم قبل الوجود. # الثاني: لم جمع الظلمات ووحد النور؟ # والجواب: أن النور أمر واحد حقيقي بسيط: والظلمات أعدام نشأت عن الأجرام ~~المتعددة، إذ الظلمة إنما تحدث في مكان لحيلولة جرم كثيف بينه وبين النير، ~~فإذا حالت عدة أجرام بين النير وعدة أمكنة حدثت ظلمات بالضرورة، واعتبر هذا ~~بعدة أشجار متفرقة يحدث لها في النهار المشمس والليل المقمرم عدة ظلال، ~~والليل ظلمة حدثت لحيلولة الأرض بين الشمس والفضاء، فلذلك أظلم. # {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} (1) [الأنعام: 1] أي يجعلون له عدلا يعبد ~~معه، مع أنه مخلوق وإنما الله-عز وجل-هو خالق كل شيء، وهذا من أدلة ~~التوحيد، وتقريره أن الله-عز وجل-[هو خالق الموجودات. / [72 ب/م] وكل من ~~كان خالق الموجودات، فهو وحده الإله، فالله-عز وجل-] وحده هو الإله، ~~والمقدمتان واضحتان، وفيه تعريض بالمجوس؛ لنصه على خلق الظلمات والنور ~~اللذين اعتقدهما المجوس إلهين، وتقريره أن الظلمة والنور مخلوقان، ولا شيء ~~من المخلوق بإله، فلا شيء من الظلمة والنور بإله، وإنما اغتر المجوس بأن ~~قالوا: العالم مشتمل على خير وشر، وهما لا يصدران عن مبدأ واحد، فهما ~~صادران عن مبدأين، وليس أولى بهما من النور والظلمة؛ لأن النور خير فناسب ~~أن يصدر عنه الخير، والظلمة شر؛ فناسب أن يصدر عنها الشر. # واعلم أن هذا كلام ركيك لا يستحق جوابا، لكن لا بد من كشف الشبهة، فنقول: # قولكم: «الخير والشر لا يصدران عن مبدأ واحد». إن بنيتم ذلك على رأي ~~الفلاسفة في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فهو أصل باطل وشبهة زائفة، ~~وإن كان شيئا قلتموه PageV01P234 # بالمناسبة المجردة، فهو منقوض نقضا كليا وجزئيا. # أما نقضه الكلي؛ فإن العناصر الأربعة التي هي ms207 أمهات العالم كل واحد منها ~~يصدر عنه خير وشر مع أنه واحد، فالنار تنضج الطبيخ والخبز وهو خير، وتحرق ~~الثياب ونحوها وهو شر، والهواء ينفس عن الحيوان ويدفع نتن الفضاء ونحوه من ~~منافعه وهو خير، ويعصف ويشتد؛ فيهدم البيوت ويحطم الأشجار ونحوه من مضاره، ~~/ [154/ل] وهو شر، والماء يروي العطشان، ويطهر المغتسل، ويبرد جسم المتبرد ~~به وهو خير، ويغرق كثيرا من الناس والحيوان كما فعل الطوفان وذلك شر، ~~والأرض تقل الحيوان أن يغور فيها، ويخرج منها الزرع والنبات والمعادن، وهو ~~خير، وإذا استولى جرم منها على حيوان قتله غما، وهو شر. # وأما نقضه الجزئي: فقل شيء يعتبر حاله إلا وفي طيه ضر ونفع، وخير وشر؛ ~~كالسباع هي ضارة بالافتراس، نافعة بما فيها من الخواص، والأفعى ونحوها من ~~ذوات السموم فيها السم الضار، والدرياق النافع، ونحو ذلك كثير؛ فبطل قولكم ~~في وجوب تعدد المبدأ. # ثم قولكم: ليس أولى بهما من النور والظلمة، معارض بأن السماء والأرض أولى ~~بهما؛ لأن السماء شفافة علوية لطيفة فهي خير، والأرض سفلية كثيفة، فهي شر، ~~وهما أصلان، أو كالأصلين للنور والظلمة. # ومما يناقضون به أن النهار فاضح بنوره، والليل كاتم بظلمته، وذلك شر صادر ~~عن الخير، وخير صدر/ [73 أ/م] عن شر، ومن ثم قال الشاعر: # لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد # وقال الآخر في صفة هارب تحت الليل: # وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب # وهم أصحاب ماني الزنديق، طائفة من المجوس، وأيضا لو كان النور والظلمة ~~إلهين لكانا مؤثرين فيما يحدث فيهما؛ فلو ولد مولود في النور وآخر في ~~الظلمة أمكن في العقل أن يكونا خيرين [أو شريرين، أو أحدهما خيرا والآخر ~~شريرا، فبتقدير أن يكونا خيرين] يلزم صدور الخير عن الظلمة الشريرة، ~~وبتقدير أن يكونا شريرين يلزم صدور الشر عن النور والخير، وبتقدير أن يكون ~~المولود في [النور: شريرا و] الآخر خيرا يلزم الأمران جميعا، وكل ذلك ما ~~ينقض قولهم ويهدم أصلهم. PageV01P235 # [155/ل] مشهور، حتى صار ms208 الواقف على السماوات يعرف بذلك أنه من مثبتي ~~الجهة، والأشبه من حيث المعنى عدم الوقف عليه كقوله-عز وجل- {وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم} (84) [الزخرف: 84]. # {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} (9) [الأنعام: ~~9] زعم بعضهم أن المسيح كان ملكا في هيكل بشر إلباسا على الناس، حتى ضلت ~~فيه النصارى. قال: وهذه الآية تشير إلى ذلك، وهذا قول مشتق من قول النصارى؛ ~~لأن أولئك جعلوا الحلول فيه للاهوت وهذا نزل درجة، وجعله للملك. # ثم يحتج بالآية على المعتزلة في أن الله-عز وجل-هو الذي يهدي ويضل؛ لأنه ~~أخبر أنه لو أجاب الكفار إلى سؤالهم لما نفعهم ذلك في الهداية، مع إلباسه ~~وتشبيهه عليهم. # {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} (12) [الأنعام: ~~12] هذا إخبار بالبعث، وبرهانه في مواضع أخر تذكر إن شاء الله عز وجل. # {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم} (13) [الأنعام: 13] أي: ~~وتحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر؛ لدلالته عليه بالالتزام، ولعل فيه ~~إشارة إلى دليل حدوث العالم، وتقريره أن كل ما اشتمل عليه الليل والنهار ~~فهو إما ساكن، وإما متحرك وكل ما كان إما ساكنا وإما متحركا فهو حادث، فكل ~~ما اشتمل عليه الليل والنهار حادث. # أما الأولى: فواضحة لاستحالة خلق شيء مما اشتملا عليه من الحركة والسكون، ~~إن كان جوهرا فبالذات، وإن كان عرضا فبالعرض، كالجوهر واللون القائم به. # وأما الثانية: فلأن الحركة والسكون من أمارات الحدوث كما عرف. # {وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير} (18) [الأنعام: 18] احتج بها ~~أصحاب الجهة حملا له على الفوقية الحسية، وحمله الآخرون [وهم كافة أهل ~~الحق] / [73 ب/م] على الفوقية المعنوية، نحو قولهم: الملك فوق الوزير، أي: ~~في الرتبة، وفوقية الله -عز وجل-بالرتبة والقدرة والكمال إذ هو قديم قادر ~~كامل، ومن سواه حادث عاجز ناقص، وفي المسألة مباحث أخر. PageV01P236 # لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع ms209 الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل ~~إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) [الأنعام: 19] هذا قاطع في ~~جواز تسمية الله عز وجل شيئا، خلافا لبعض المعتزلة والشيعة. لنا أن معنى ~~هذا الكلام: قل الله أعظم شيء أو أعظم الأشياء شهادة/ [156/ل]. وأفعل ~~التفضيل إنما يضاف إلى ما هو بعضه، ثم ينتظم القياس هكذا: الله أكبر شهادة، ~~والأكبر شهادة شيء، فالله-عز وجل- شيء، ولأن الشيء لغة هو الموجود، والله- ~~عز وجل-موجود، فالله-عز وجل-شيء. # احتج الخصم بأن الله-عز وجل-لو كان شيئا لأشبه الأشياء، ولو من جهة ~~تسميته، وكونه شيئا، وكل ما أشبه الأشياء من جهة ما، فله حكمها وهو الحدوث. ~~وذلك يوجب أن يكون الله-عز وجل-حادثا، وأنه محال. # والجواب: أن هذا بعينه لازم في كونه موجودا، فإن أثبت كونه موجودا، ألزمك ~~إثباته شيئا، وإلا لزمك اعتقاد أنه معدوم، أو خال من الأحوال، لا موجود ولا ~~معدوم، أو موجود معدوم من جهة واحدة أو من جهتين، والكل محال. # {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة ~~أخرى} [الأنعام: 19] هذا دليل على عموم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~القرآن بلغ جميع العالم، ولا أحد ممن بلغه القرآن بخارج عن دعوته، فلا أحد ~~من العالم بخارج عن دعوة القرآن. # فإن قيل: لا نسلم أن القرآن بلغ جميع العالم، بل في أقطار المعمورة من لم ~~يسمع بالقرآن فضلا عن أن يبلغه، قلنا: هب أنا سلمنا ذلك تنزلا لكن المراد: ~~ومن بلغه القرآن بالإمكان، وهو بالغ جميع العالم بالإمكان، كأنه قال: ~~لأنذركم به، ومن بلغه بالقوة أو الفعل، أو من بلغه أو أمكن أن يبلغه، وذلك ~~يستغرق العالم. # {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} (19) تضمنت نفي الشرك وإثبات التوحيد، ~~وسيأتي برهانه إن شاء الله-عز وجل. PageV01P237 # عبد الله بن ms210 سلام: «إني لأعرف محمدا أشد مما أعرف ابني» قيل له: وكيف ~~ذلك؟ قال: # «لأني أعلم أنه رسول الله بإخبار الله، ولا أعلم/ [74 أ/م] ما تصنع ~~النساء» ثم ينتظم من هذا حجة على كفرهم وتقريره أنهم كذبوا من علموا صدقه، ~~وكل [من كذب] من علم صدقه فهو كافر، فأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم كفار، لكن هل أهل الكتاب عام مطرد، أو عام أريد به الخاص، ~~وهم الأحبار، وأهل العلم منها، وهذا هو الأشبه لأن كثيرا من عوامهم ~~وجهالهم/ [157/ل] لم يقرأ التوراة وغيرها من الكتب حتى يرى صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيها، إنما أخذ عن الأحبار تقليدا أن محمدا ليس مذكورا فيها ~~باسم ولا صفة، فاعتقاد مثل هذا العامي جهل مستند إلى كذب، لكن القسمان تحت ~~دائرة اللوم والوعيد، أما العالم: فلكذبه وكتمانه الحق، وأما العامي: ~~فلتركه البحث وسؤال العلماء عن هذا الأمر مع عموم دعوة الإسلام، ووضوح ~~برهانها، وهب أنه عذر لجهله، لكنه لا يعذر في ترك سؤال العلماء حتى يحصل له ~~سكون النفس، إما بإثبات أو نفي. # {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} ~~(22) [الأنعام: 22] هي ونظائرها حيث وقعت إخبارا عن البعث والمعاد والجزاء. # {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين} (25) [الأنعام: 25] هذا إما على حقيقته على وجه ~~يعلمه الله-عز وجل-أو كناية عما يخلقه في قلوبهم من دواعي المخالفة ~~والصوارف عن متابعة الحق، وقد سبق القول في {ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} (7) [البقرة: 7]، وهو من هذا الباب. # {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} (26) ~~[الأنعام: 26] الأشبه أن المراد به عامة الكفار المشاقين للنبي صلى الله ~~عليه وسلم كانوا ينهون الناس عن اتباعه، وينأون أي: يبعدون عنه، فذمهم ~~الله-عز وجل-على شدة ms211 نفورهم وتنفيرهم عن الحق، وقيل: المراد بها أبو طالب، ~~كان ينهى عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم وينتصر له بجهده، وهو مع ذلك ~~ينأى أي يبعد بنفسه عن متابعته فذمه الله-عز وجل-على ذلك. # وقد اختلف الجمهور والشيعة في إسلام أبي طالب، ويأتي الكلام عليه-إن شاء ~~الله عز وجل-في سورة القصص. PageV01P238 # {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون} (28) [الأنعام: 28] يحتج بها على أن الله-عز وجل-يعلم ما كان وما ~~يكون وما لا يكون على تقدير لو كان كيف كان يكون، وهو كذلك، والاستدلال ~~مطابق، وأصله معرفة كيفية علم الغيب، وهو واضح، لكن شرطه لا يوجد إلا في ~~الله-عز وجل- فلذلك استبد به سبحانه وتعالى، وأما في هذه المسألة الخاصة، ~~فلأنه-عز وجل-علم أنهم بموجب طباعهم وفطرهم التي فطرهم عليها/ [74 ب/م] من ~~الأشر والبطر والاستكبار عن الحق وغلبة الشهوات والأهواء عليهم لو ردوا من ~~عذاب الآخرة إلى/ [158/ل] الدنيا لعادوا إلى كفرهم، مع أنه ينسيهم أمر ~~المعاد واليوم الآخر وما جرى لهم في النار، ومثل هذا واقع في الدنيا كثيرا، ~~وهم المفسدون واللصوص، ونحوهم إذا ظفر بهم، ليقتلوا أو يقطعوا، أعطوا ~~التوبة من فسادهم، فإذا تركوا عادوا إلى شر مما كانوا عليه، وكذلك لو فرض ~~أن الحية أو الفأرة تابت عند القتل من اللدغ والفساد لعلم كذبها؛ وأنها إن ~~ردت عادت لغلبة طبعها الفطري عليها. # {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} (29) [الأنعام: 29] ~~وفي آية أخرى {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين} (37) ~~[المؤمنون: 37] اعلم أن الناس اختلفوا في المعاد، فمنهم من أثبت المعاد ~~الجسماني والروحاني وهم المسلمون ومن تابعهم، و [منهم] من أثبت الروحاني ~~دون الجسماني وهم الفلاسفة والنصارى، ومنهم من أنكرهما جميعا وهم هؤلاء ~~الدهرية الملحدة؛ قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر فهو باق بعدنا، ولا رجعة لنا. ~~وتوقف جالينوس في هذه المذاهب. # أم المعاد الجسماني دون الروحاني فلم نعلم به قائلا؛ لاستحالته وقد قرر ~~الله-عز وجل-براهين المعاد ms212 في مواضعها، ونحن الآن إن شاء الله-عز وجل-نشير ~~إليها جملة لتعرف، ثم نذكرها مفصلة كلما مررنا بشيء منها، وهي على أضرب ~~أحدها: قياس الإعادة على الابتداء نحو: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون} (29) [الأعراف: 29]. # {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين} (104) [الأنبياء: 104]، {وهو الذي يبدؤا الخلق ثم} PageV01P239 # يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (27) [الروم: 27] {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} ~~(15) [ق: 15] وما كان من ذلك. # الضرب الثاني: قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق أولى نحو: # {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم} (81) [يس: 81]. # {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} (40) [القيامة: 40]، {لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (57) [غافر: 57]. # الضرب الثالث: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات ~~وهو في كل موضع ذكر إنزال المطر غالبا نحو: {يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} (19) [الروم: 19]. # الضرب الرابع: قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر، وهو في ~~موضع واحد في آخر «يس». # هذا الذي استحضرناه من براهين الإعادة، فإن وجدنا شيئا آخر تكلمنا عليه/ ~~[159/ل] في موضعه إن شاء الله عز وجل. # {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} ~~(31) [الأنعام: 31] عام مطرد في المكذبين/ [159/ل] بشرط الموافاة على ذلك ~~كما دلت عليه الآية. # ويحتج به على المعتزلة في مسألة الرؤيا، بناء على أن اللقاء يقتضي ~~الرؤية، وتقريره أن الله-عز وجل-ذم من كذب بلقائه وحكم بخسرانه، ثم ينتظم ~~الدليل هكذا: إن كان لقاء الله-عز وجل-واقعا فرؤيته واقعة، لكن المقدم حق ~~فالتالي مثله، بيان الملازمة ما تقدم من أن اللقاء ms213 لغة يقتضي الرؤية، فلقاء ~~الله-عز وجل-يقتضي رؤيته، وأما حقية المقدم، فبهذه الآية وغيرها من نصوص ~~القرآن على أن لقاء الله حق واقع لا محالة، وأما PageV01P240 # حقية التالي؛ فلأن الرؤية قد ثبت أنها من لوازم اللقاء، وقد ثبت الملزوم ~~فوجب ثبوت اللازم بالضرورة. # {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون} (33) [الأنعام: 33] هذا عام معهود أو عام أريد به الخاص، أي: ~~الذي يقولونه من التكذيب والكفر، وإلا فقد كانوا يسلمون عليه ويعظمونه ~~ويقاربونه في أمور كثيرة، ومثل ذلك لا يحزنه. # {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} ~~(35) [الأنعام: # 35] يحتج به على القدرية من وجهين، أحدهما: أن المانع لهؤلاء من الهدى ~~مشيئته، ومشيئته واجبة فامتناع هداهم واجب، وهو معنى الجبر. # الثاني: أن جمعهم على الهدى أصلح لهم، وعند الخصم يجب عليه رعاية الأصلح، ~~فما باله لم يفعله. # والخصم يجيب عن الأول بمنع وجوب مشيئته-عز وجل-بل هي عنده حادثة لا في ~~محل، وهو من محالاتهم التي يأباها العقل، وزعم أن معنى الآية، أنه لو شاء ~~لجبرهم على الهدى جبرا وقسرا، لا أن مشيئته مانعة لهم عن الهدى. # {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} (36) ~~[الأنعام: 36] أي وهؤلاء كالموتى لا يسمعون، ينتج أن هؤلاء لا يستجيبون ~~يعني لداعي الهدى والحق، وهذا يشير إلى قوله-عز وجل-: {ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (23) [الأنفال: 23] أي: هؤلاء ~~لم يسمعهم الله وكل من لم يسمعه الله-عز وجل-لا يستجيبون. # ومعنى كونه لم يسمعهم، أنه لم يخلق فيهم داعيا لقبول الحق، بل خلق فيهم ~~الصوارف عنه فصاروا كالموتى لا يسمعون. PageV01P241 # قد أخبروا أنه لم يأت بآية، ووافقهم هو على ذلك، ولم ينازعهم فيه، بل ~~أحالهم في الآية على مجرد قدرة الله-عز وجل على إنزالها ومجرد القدرة على ~~إنزالها، لا يقتضي إنزالها، فبقي على أصل العدم ms214 وبقي الحال على ما زعمه ~~القوم من أنه لم يأت/ [75/م] بآية. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذا إنما كان بعد أن ظهرت آياته، وبهرت، لكن هؤلاء الكفار ~~تلقوها بالعناد المحض، وزعموا أنها سحر مستمر كما عاند فرعون آيات موسى، ~~وعاند اليهود آيات المسيح، فكان قول الكفار: {لولا نزل عليه آية} بناء منهم ~~على أن ما جاءهم به من الآيات ليس بشيء، بناء على عنادهم، وسوء اعتقادهم. # الوجه الثاني: [أن معنى الآية: لولا نزل عليه آية تضطرنا] إلى الإيمان به ~~مثل أن نرى الملائكة، أو نرى ربنا ونحوه. فأجاب الله-عز وجل-بأنه قادر على ~~أن ينزل ذلك لكنه يفوت حكمة التكليف؛ إذ المراد منهم الإيمان الاختياري، لا ~~الاضطراري إذ هو غير مراد، ولا نافع، وإلا لنفع فرعون حين أدركه الغرق، ~~وعاين الحق، ولنفع أهل النار، فإنهم يؤمنون حينئذ، لكن إيمانا اضطراريا لا ~~ينفعهم. # وقد نقل عن الإمام أبي حنيفة-رحمه الله-قال: لا يدخل النار إلا مؤمن، ~~فقيل له: # كيف ذلك؟ فتلا: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين} (84) [غافر: 84] ولعل الإشارة إلى هذا وقعت بقوله-عز وجل-: ~~{فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون} (131) [الأعراف: 131] أي: ~~لا يعلمون وجه الحكمة في ترك اضطرارهم إلى الإيمان، وفي الجواب وجه آخر ~~أشير إليه في قوله- عز وجل-: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} ~~(59) [الإسراء: 59] وهو يشير إلى أن الآيات فترت عن كفار العرب فطلبوها، ~~فقيل لهم: إنما أمسكناها عنكم إبقاء عليكم، لئلا تكذبوا بها، فتهلكوا كما ~~هلك من قبلكم. PageV01P242 # احتج بها التناسخية؛ وهم القائلون بتناسخ أرواح الحيوان بعضها في أجساد ~~بعض بعد موته، ووجه استدلالهم بها أنها تضمنت أن الدواب والطير أمم أمثال ~~الناس، وإنما يكونون أمثال الناس بتقدير أنهم كانوا على مثل حالهم، ثم ~~انتقلوا إلى صور الدواب والطير/ [161/ل]، ms215 وذلك معنى التناسخ. # وجوابه: أن التناسخ على رأي أهله قد تقرر في الكلام والحكمة أنه محال، ~~وأما هذه الآية فليست نصا فيه ولا ظاهرا، فلا وجه للاستدلال بها عليه، ولكن ~~الأشياء نسبة فدليلهم كمدلولهم في الضعف والبعد عن العقل، والآية تحتمل وجوها. # أحدها: أن الدواب والطير أمثالنا في العبادة، بدليل {ألم تر أن الله يسبح ~~له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم ~~بما يفعلون} (41) [النور: 41]، {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} ~~(44) [الإسراء: 44]. # الثاني: أنهم مثلنا في التكليف وإرسال الرسل فيهم، بدليل {ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من ~~حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (36) / ~~[76 أ/م]) [النحل: 36]. على ما ذهب إليه بعضهم في عمومه في أمم العقلاء، ~~وغيرهم. # الثالث: أنهم أمثالنا في أنهم عقلاء مدركون، على ما ذهب إليه قوم. # الرابع: أنهم أمثالنا في أنهم يرزقون، بدليل {*وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} (6) [هود: 6]، ~~{وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} (60) ~~[العنكبوت: 60]. # الخامس: أنهم أمثالنا في أنهم يبعثون، ويحشرون كما دل عليه آخر الآية، ~~ويحتمل غير ذلك مما يستبد الله-عز وجل-بعلمه، [ومع هذه الاحتمالات القريبة ~~الظاهرة، أي شيء يبقى للتناسخ البعيد عنها يحتج عليه منها]. # {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا ~~في} PageV01P243 # الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) [الأنعام: 38] يحتج به الظاهرية ~~على إبطال القياس، وتقريره أن كل حكم من أحكام الشرع الممكنة فهو شيء، ~~والكتاب لم يفرط فيه في شيء، ينتج أن كل حكم من أحكام الشرع الممكنة لم ~~يفرط فيه في الكتاب. # وحينئذ لا حاجة إلى القياس؛ لأنا نستفيد الأحكام من نصوص الكتاب وعموماته ~~وظواهره، وبيان السنة ms216 له، وما لا حاجة بنا إليه فإثباته عبث، والعبث باطل، ~~فإثبات القياس باطل وجوابه من وجهين: # أحدهما: أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ الجامع لكليات العالم وجزئياته، ~~حتى إن الكتب المنزلة جميعها جزء منه، وليس المراد به خصوص القرآن، فلا يتم ~~استدلالهم. # الثاني: سلمنا أنه المراد لكن القياس من جملة الأشياء التي لم يفرط في ~~الكتاب فيها، وهو حجة من حجج الشرع، بدلالة مستفادة من الكتاب، ثم ينتظم ~~الدليل هكذا: القياس شيء والكتاب لم يفرط فيه في شيء، فالقياس لم يفرط فيه ~~في الكتاب. # وسيأتي القول فيه في موضع آخر، إن شاء الله-عز وجل. # {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين} (40) [الأنعام: 40] هذا من قواصم الاعتزال في نسبة الهداية ~~والإضلال إلى الله -عز وجل-وقد سبق مثله، وسبب ذلك ما يخلقه الله-عز وجل-من ~~الدواعي. # والصوارف في قلب الإنسان فيهتدي أو يضل بها. # {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين} (40) / [162/ل]) [الأنعام: 40] الآيتين: هذا من أدلة التوحيد، ~~وتقريره أن الإله هو المفزوع إليه عند الشدائد، ولا شيء من الأصنام ونحوها، ~~بل ومما سوى الله-عز وجل-[مفزوع إليه عند الشدائد، تنتج لا شيء من الأصنام، ~~وما سوى الله-عز وجل-] بإله، والمقدمتان واضحتان. PageV01P244 # يرشدون (186) [البقرة: 186] أو مقيد لمطلقه، كما مر. # {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون} (43) [الأنعام: 43] وما/ [76 ب/م] قبلها تدل على أن الله عز وجل-قد ~~يمتحن عباده بالبأساء والضراء والمصائب؛ رياضة لأنفسهم على الذل والضراعة، ~~وإليه الإشارة ب {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء لعلهم يضرعون} (94) [الأعراف: 94]، ويدل على أن التضرع عند النوازل ~~من أنجع الوسائل، ووجهه أن كبرياء الإله-جل جلاله-يقتضي له الضراعة والذل ~~ممن دونه، فمن فعل ذلك رحم، كقوم يونس عليه السلام لما أظلهم العذاب ~~تضرعوا، فسلموا، ومن قسى قلبه فلم يتضرع فقد أخل بوظيفة الكبرياء؛ وعرض ~~نفسه للهلاك. # ومثل هذا بعينه يجري ms217 مع ملوك الأرض، من ضرع لهم سلم، ومن تجلد عليهم قصم، ~~وهو أنموذج لما ذكرنا، ويقال: إن النمر يواثب الإنسان ما دام منتصب الشخص، ~~فإذا نام تركه، وفي الأثر أن الله-عز وجل-أوحى إلى داود-عليه السلام-: يا ~~داود، خفني كما تخاف الأسد. # ومن كلام بعض الحكماء: القضاء والقدر سبعان، فتماوت بين أيديهما، فإن ~~السبع لا يأكل الميتة. وهذه المسألة تتعلق بصفة الكبرياء. # {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون} (43) [الأنعام: 43] مع قوله-عز وجل- {ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} (108) [الأنعام: 108] فالله-عز وجل- يزين ~~ما يشاء بخلق الدواعي إليه والصوارف عن غيره، والشيطان يزين بالوسوسة وهي ~~سبب ضعيف، إنما جيء به لإقامة الحجة على الشيطان وفتنته، من نسب إيجاد الشر ~~إليه بالظلم والعدوان. {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} ~~(76) [النساء: 76] والعلة التامة الموجبة لكل شيء هي إرادة الله-عز وجل- ~~وتصرفه. PageV01P245 # {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} (44) [الأنعام: 44] هذا هو حقيقة ~~الاستدراج، وهو ضرب من ضروب القدر، بل بحر من بحاره، غرق فيه الخلائق إلا ~~من تداركه الله- عز وجل-فأنقذه منه أو حفظه ابتداء عنه. # {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} (45) [الأنعام: ~~45] يحتمل أمرين: # أحدهما: أن الظالمين هلكوا/ [163/ل] والله-عز وجل-باق يستحق الحمد أزلا ~~وأبدا، فتكون هذه راجعة إلى صفة البقاء الأزلي الأبدي. # والثاني: أن الظالمين لما هلكوا، كان هلاكهم نعمة من الله-عز وجل-يستحق ~~الحمد عليها، إذ هلاك الظالم راحة للناس، فهو مستريح ومستراح منه. # {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون} (46) [الأنعام: 46] هي من ~~دلائل التوحيد من جهة الأفعال وكمال القدرة والتصرف. وتقريره: ms218 أن الله عز ~~وجل- هو المتصرف في سمعكم وأبصاركم وقلوبكم بالأخذ والرد، وكل متصرف في ذلك ~~فهو الإله فالله-عز وجل-/ [77 أ/م] هو الإله. # بيان الأولى: أن هذا التصرف ممكن، وكل ممكن مقدور لله-عز وجل-فهذا التصرف ~~مقدور لله-عز وجل. # بيان الثانية: أن المتصرف في ذلك يجب أن يكون تام القدرة، وكل من وجب أن ~~يكون تام القدرة فهو الإله. # {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} (50) ~~[الأنعام: # 50] يحتج به من يرى الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد سبق ذلك، وتقريره ~~هاهنا أن الكفار كانوا يعتقدون أن الملك أفضل من النبي، ولهذا طلبوا رؤية ~~الملائكة، وأن يرسل إليهم ملك، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ~~هذا الاعتقاد، وقال: أنا لا أدعي أني ملك كما تعتقدون في الملك، بل أنا بشر ~~أتبع ما يوحى إلي، وحينئذ يقال: النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على PageV01P246 # اعتقاد تفضيل الملك، وكل ما أقر النبي صلى الله عليه وسلم عليه فهو حق، ~~وللخصم منع الأولى. # {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين} (53) [الأنعام: 53] يحتج به على المعتزلة في أن الله-عز ~~وجل -يفتن من يشاء، بأن ينصب له أشراك الضلال ليضل، ولو لم ينصبها لهم لما ~~وقعوا فيها. # وشرح ذلك أن الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه كعمار بن ياسر، ~~وبلال، وصهيب، وسلمان، وخباب ونحوهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتقريبهم ومخالفة الكفار في طردهم وإبعادهم، فلما فعل ذلك، قال الكفار: لو ~~كان الإسلام منة ونعمة لما اختص بها هؤلاء دوننا، فكان ذلك الأمر سببا لهذا ~~الاستدلال الفاسد الموجب لفتنتهم والامتناع من الإسلام، ولو أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإبعاد المذكورين، وتقريب الكفار، لكان أشرح لصدورهم وأرغب ~~لهم في الإسلام، ويشهد لهذا قوله/ [164/ل]-عز وجل- {ليجعل ما يلقي الشيطان ~~فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ms219 قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} ~~(53) [الحج: 53] وفي الايتين دليل على أن أفعال الله-عز وجل-وأحكامه معللة ~~بالحكم والمقاصد، إذ علل فتن الكفار بقولهم أهؤلاء من الله عليهم؟ وعلل ~~إلقاء الشيطان في أمنية النبي-عليه السلام-بفتنة المرضى القلوب. # {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} ~~(54) [الأنعام: 54] يحتج به على لزوم قبول التوبة لأن الله-عز وجل-أخبر ~~بقبولها بقوله: {فأنه غفور رحيم} (54) [الأنعام: 54] إذ هو مرادف لقوله: ~~«ثم من تاب قبلت توبته»، وكل ما أخبر الله-عز وجل-به فهو واقع لا محالة. # ثم المعتزلة يجعلون قبولها واجبا عليه، والجمهور واجبا منه. PageV01P247 # لذلك؛ فمنه: {ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} ~~[الأنعام: 59] إلى آخر الآية من الغيوب الكلية والجزئية. # واختلف في المقتضي لعموم علمه؛ فقالت المعتزلة: هو ذاته لا لصفة زائدة، ~~وقال الجمهور: هو العلم، وهو صفة قائمة بذاته زائدة على مفهومها، وقد سبق ذلك. # قوله-عز وجل-: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم ~~يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} (60) ~~[الأنعام: 60] أي بالنوم، سماه وفاة بجامع تعطل الحس فيهما، ومن ثم قيل: ~~النوم أخو الموت، وقد جاء في بعض كتب الأولين: أن الأرواح تعرج إلى الله-عز ~~وجل-في حال النوم، فيلقي إليها من أمره [ما يشاء] فإذا عادت إلى الأجسام ~~ألقت ذلك إلى النفوس والقلوب، فحركت له الأعضاء والجوارح. # وإن ثبت هذا فلعله المراد بخلق الدواعي والصوارف، وعند الفلاسفة أن النفس ~~عالم علوي مطبوع على حب إدراك العلوم والحقائق، لكنه تعلق بهذا البدن ~~الطبيعي قسرا على جهة التدبير له، فهي مشغولة به حالة اليقظة، فإذا كان ~~النوم تجردت، وإلى عالمها العلوي توجهت؛ لاقتناص المطالب العلمية؛ وتحصيل ~~الحقائق الكشفية الغيبية، فتحصل من ذلك بحسب قوتها واستعدادها، وشبهوا ~~النفس بامرأة مربية لولدها، فلا تزال مشغولة به ما دام يقظان فإذا نام ~~انتهزت فرصة خلوتها وتوجهت إلى ms220 ما هو من/ [165/ل] همتها. # وقد اختلف في أن الروح والنفس شيء واحد، أو شيئان مختلفان، فإن صح أنهما ~~شيئان، أمكن صحة القولين، أعني قول الفلاسفة في النفس، وما جاء في بعض ~~الكتب القديمة في الروح، وتكون النفس تحصل العلوم والروح تأتي بالأمر ~~بالمحتوم، وعلم ذلك تحقيقا عند الله-عز وجل. # {ثم يبعثكم فيه} [الأنعام: 60] أي في النهار عن نوم الليل {ليقضى أجل ~~مسمى} [الأنعام: 60] وهو أجل الحياة، {ثم إليه مرجعكم} [الأنعام: 60] ~~بالموت ثم البعث {فينبئكم بما كنتم تعملون} (105) [المائدة: 105] أي ~~ويجازيكم عليه، وهذه المسألة مركبة من أنواع من أصول الدين. PageV01P248 # مكلف اثنان منهم يحفظون عليه أعماله. # {وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون} (12) ~~[الانفطار: 10 - 12] {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (18) [ق: 18] ~~وبعض الزنادقة ينكرهم؛ لأنه لا يراهم، ويلزمه أن ينكر الهواء المالئ للفضاء ~~لأنه لا يراه، وأن ينكر عقله/ [78 أ/م] ونفسه وروحه؛ لأنه لا يرى شيئا من ذلك. # {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من ~~هذه لنكونن من الشاكرين} (63) [الأنعام: 63] الآيتين من أدلة التوحيد، ~~وتقريره كما سبق في {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير ~~الله تدعون إن كنتم صادقين} (40) [الأنعام: 40]. # {وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} (66) [الأنعام: 66] يعني ~~القرآن، الدليل على حقيقته وجوه: # أحدها: أنه معجز في نفسه، وكل معجز حق. # الثاني: ظهور معجزات غيره على يد من جاء به وأخبر بحقيقته. # الثالث: ما تضمنه من الأخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، فكان الإخبار ~~مطابقا مع وجوه أخر. # {وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} (66) [الأنعام: 66] منسوخ ~~بآية السيف. أو خارج مخرج الوعيد، فهو محكم. # {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} (68) ~~[الأنعام: 68] دلت هذه الآية على أن الناسي غير مكلف، لقوله-عز وجل-: # {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} (68) [الأنعام: 68] دل على أن ~~قعوده معهم ms221 حال النسيان غير منهي عنه؛ لأنه فيه معذور بالنسيان، ولو كان ~~مكلفا حينئذ لتعلق به النهي، وإذا ثبت هذا في الناسي ألحق به الساهي ~~والمخطئ والجاهل والمكره، يؤكد ذلك PageV01P249 # قوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا ~~عليه (1)» ولأن توجه التكليف مع هذه الأعذار تكليف ما لا يطاق، وأنه مرفوع، ~~ويتفرع/ [66/ل] عن هذا الأصل مسائل كثيرة من العبادات والعادات فيسقط لهذه ~~الأعذار الإثم، والحكم المختص بالله- عز وجل-دون الحكم المتعلق بحقوق ~~الآدميين، كدية الخطأ، وقيمة المتلف خطأ ونحوه، لأن ذلك من باب العدل، ~~والأعذار لا تؤثر في سقوط العدل، بخلاف التكليف. # {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين} (71) ~~[الأنعام: 71] هذا من أدلة التوحيد، وقد سبق تقريره في المائدة {قل أتعبدون ~~من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} (76) ~~[المائدة: 76]. # {يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير} (73) ~~[الأنعام: 73] فيه إثبات النفخ في الصور، [وقد تكرر ذكره] في القرآن، وهو ~~أمر من أحكام اليوم الآخر ورد به القرآن هكذا، وبينته السنة بأنه قرن عظيم ~~كسعة السماوات والأرض، قد التقمه ملك يسمى إسرافيل، وجثى على ركبتيه ينتظر ~~متى يؤمر، فينفخ فيه نفخا مزعجا جدا، وعند ذلك تقوم الساعة، ويبعث الموتى ~~ونحو ذلك من أمور الآخرة. # {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] أي أن الله-عز وجل-يعلم ما غاب عن ~~خلقه وما شهدوه، فالغيب إنما هو بالنسبة إليهم [لا إليه، إذ] لا يغيب عنه ~~شيء علما ولا رؤية. # واعلم أن العالم على ضربين: عالم غيب، وهو ما غاب عن المخلوق: [78 ب/م] ~~وعالم شهادة، وهو ما شهده كالسماوات والأرض والجبال والبحار وسائر الجزئيات ~~العنصرية، وعالم الغيب أشرف من عالم الشهادة لوجوه: # أحدها: أن الله-عز وجل-من قبيل الغيب، ولذلك جعله أبو عمرو بن ms222 العلاء ~~اسما PageV01P250 # من أسمائه، فقال في قوله-عز وجل-: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون} (3) [البقرة: 3] أي: يؤمنون بالله. # الثاني: أن ما غاب عنا تشوقت النفس إليه عزيزا، وما شوهد سئمته فصار ~~ملولا وذليلا إلا ما خصه دليل. # الثالث: أنه حيث ذكر قدم فلا يكاد أن يقال: عالم الشهادة والغيب، وذلك ~~لدليل شرفه على طريق العرب في تقديم الأهم، سواء قلنا: الواو للترتيب أو ~~لا، وعالم الغيب [والشهادة هو المشار إليه بقوله-عز وجل- {فلا أقسم بما ~~تبصرون} [الحاقة: 38] ثم لنذكر أقسام العالمين: أما عالم الغيب، فهو إما ~~قديم أو حادث، فالقديم هو الله-عز وجل-ولا تنكرن إدراجنا له تحت العالم ~~فإنما هذا مجاز والمعنى مفهوم، والحادث على أقسام: # أحدها: الملائكة. # والثاني: العقول. # والثالث: / [167/ل] النفوس. # والرابع: النار، والذي يرى منها إنما هو [مظهر لها] أو أثر من آثارها، ~~وأما حقيقتها فجوهر لا يرى كالهواء، وأولى لأن موضعها أعلى من موضعه. # والخامس: الهواء. # والسادس: الجن والشياطين؛ لأنهم فرع النار التي هي غير مرئية. # السابع: ما وراء العالم من قبيل الغيب، ومن ثم اختلف فيه: هل هو خلاء أو ~~ملاء؟ . # الثامن: الآخرة غيب والدنيا شهادة. # التاسع: النوم غيب واليقظة شهادة، والحيوان يتقلب بينهما كل يوم وليلة، ~~ويكشف للإنسان في منامه كشوفات غيبية. # ولقد أحسن الشيخ نجم الدين بن إسرائيل في قوله: # وإذا غدت للمؤمن يقظاته ... حجب فموطن كشفه الأحلام # ومما يشبه ذلك المرض المغيب للذهن الذي يعرض فيه الاستغراق «كالبرسام» ~~ونحوه حال الموت وغيره، فإن الكشوفات تحصل فيه كثيرا، وهو مشهور، والمنام ~~من أفضل أحوال الغيب، إذ كان جزءا من النبوة، وقد أوحي إلى الأنبياء في ~~المنام كثيرا. # العاشر: الرجال السالكون إلى الله-عز وجل-إذا تمكنوا حصل لهم سكر، وصحو، PageV01P251 # وهما غيب وشهادة، ثم إن الغيب والشهادة قد يلزمان موضعهما من الخفاء ~~والظهور، وقد ينتقلان فيتعاقبان على موضع واحد كالسماء وزينتها النجومية، ~~هي غيب في النهار، وشهادة في الليل، وقد يتعدد موضعهما كزيد وعمرو غاب ~~أحدهما عنك وشاهدت الآخر، فهما غيب وشهادة، وتفصيل ذلك ms223 يكثر/ [79 أ/م] وليس ~~هو المقصود، وإنما المقصود أن اللذة ضربان: حسية كالأكل والشرب والنكاح، ~~وعقلية كإدراك الحقائق العقلية، والمعاني الروحانية، والأولى شهادة ~~والثانية غيب. # وإذا ثبت لنا أن عالم الغيب أفضل من عالم الشهادة ثبت أن اللذة العقلية ~~أفضل من الحسية، ومن فوائد العلم بذلك الجد في طلبها، وسهولة الموت على ~~النفس في العبور إليها. # فإن قيل: قد جعلتم الشياطين من عالم الغيب، وزعمتم أنه أفضل من عالم ~~الشهادة؛ فيلزم أن الشياطين أفضل من الآدميين. # قلنا: الشياطين لهم جهتان: # إحداهما: كونهم من عالم الغيب. # والثانية: كونهم شياطين أشرارا. # فمن الجهة الأولى لا يمتنع أنهم أفضل من بني آدم، ومن الجهة الثانية ~~الكلاب/ [168/ ل] أفضل منهم كما قيل في بني آدم من جهة كونهم أناسا عقلاء ~~هم أفضل من البهائم، ومن غلب هواه منهم على عقله كانت البهيمة أفضل منه. # {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} (75) ~~[الأنعام: 75] هذا يدل على أن قوله: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي ~~الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير ~~فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن ~~الله عزيز حكيم} (260) [البقرة: 260] أراد به طمأنينة العيان كما ذكر في ~~موضعه؛ لأن الله-عز وجل-أخبر أنه أراه الملكوت ليوقن وإحياء الموتى من قبيل ~~الملكوت الغيبي. # {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} ~~(76) [الأنعام: 76] الآيات، حاصلها أنه استدل بحركات الكواكب وأفولها على ~~عدم إلهيتها وربوبيتها، وذلك بناء على مقدمات: # الأولى: إثبات الأعراض، وهي ما لا يقوم بنفسه؛ فيفتقر إلى موضوع يقوم به، PageV01P252 # كالحركة والسكون، والألوان والطعوم والأراييج والأكوان، وهي الاجتماع ~~والافتراق وغير ذلك من الأعراض، [وإثباتها شهادة بالحس. # [الثانية: أن الأعراض] مغايرة للجواهر بدليل أن الجوهر الواحد يعاقب عليه ~~الأضداد من الأعراض كالحركة والسكون والسواد والبياض، وذاته في الحالين ~~واحدة فالجوهر الباقي غير العرض الفاني. # الثالثة: أن الأعراض لا تنفك عن الجواهر؛ ms224 إذ لو انفكت عنها لزم قيام ~~العرض بذاته، وأنه محال. # الرابعة: أن الأعراض حادثة؛ لأنها تتعاقب على الجواهر وجودا وعدما مسبوقا ~~بعضها ببعض، والحدوث من لوازم المسبوقية، والملزوم موجود قطعا، فاللازم كذلك. # الخامسة: أن ما لا ينفك عن الحادث أو لا ينفك عنه الحادث يجب أن يكون ~~حادثا، إذ لو كان قديما مع أنه لم يفارق الحادث لزم تقدمه على الحادث؛ وذلك ~~يوجب انفكاكه عن الحادث فيما قبل وجود الحادث، وذلك يستلزم أنه انفك عن ~~الحادث/ [79 ب/م] على تقدير أنه لم ينفك عنه، وأنه محال؛ ولأن زيدا وعمرا ~~لو ولدا في ساعة واحدة، ثم استمرا إلى تسعين سنة من مولدهما استحال أن يكون ~~أحدهما مائة دون الآخر. # وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت حدوث الجواهر لعدم انفكاكها عن الأعراض ~~الحادثة، وينتظم البرهان هكذا: الجوهر لا يفارق الحوادث وكل ما لا يفارق ~~الحوادث حادث، فالجوهر حادث. # والعالم إما جواهر وإما أعراض، وقد ثبت حدوثهما فالعالم المؤلف منهما ~~بأسره حادث، والحادث إما أن يكون الموجد له هو، وهو محال، أو غيره فهو إما ~~حادث؛ فيلزم الدور، أو التسلسل، أو قديم، وهو المطلوب، كما سبق تقريره، ~~فهذه الطريقة العامة في إثبات حدوث العالم، وقدم الصانع، وهي مستفادة من ~~إبراهيم-عليه السلام-في مقامه هذا النظري، ولقد أوتي رشده من قبل ومتكلمو ~~الإسلام تلاميذه في هذه الطريقة، وهي من أيسر الطرق وأحسنها، والرشد ~~الإبراهيمي عليها ظاهر، ونور برهانها ساطع باهر. PageV01P253 # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو ~~العلي العظيم (255) [البقرة: 255] على معنى معلومة، ونحو: {لكن الله يشهد ~~بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} (166) ~~[النساء: 166] على معنى أنزله وهو يعلمه، وأما هذه الآية، ونحوها فلا ~~يمكنهم تأويلها بذلك إذ لا يصح أن يقال: وسع ربي كل شيء معلوما ولا: وهو ~~يعلم، ولا: وسع ربي كل شيء ذاتا، ولا حالا؛ فتعين إثبات ms225 العلم هاهنا معنى ~~قائما بذاته، إذ التقدير: وسع علم ربي كل شيء، كما يقال: طاب زيد نفسا، أي: ~~طابت نفس زيد، وتفقأ الكبش شحما أي تفقأ شحم الكبش، فهذه الآية ونحوها قوية ~~في هذه الآية. # {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (82) ~~[الأنعام: 82] وقد وردت السنة بتفسير الظلم هاهنا بالشرك استدلالا بقول لقمان: # {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} ~~(13) [لقمان: 13] فعلى هذا لا حجة فيه للمعتزلة، وإن حمل الظلم على ظاهره ~~العام، أمكنهم أن يحتجوا به على أن صاحب الكبيرة مخلد في النار، إذا لم يتب ~~منها، إذ يكون مفهوم الآية: أن من آمن وخلط إيمانه بظلم ما؛ فليس له أمن، ~~ولا هو مهتد، وهو ظاهر في دعواهم إن لم يكن قاطعا م [80/أم]. # {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم} (83) [الأنعام: 83] هذه الحجة المشار إليها، إما استدلاله المتقدم ~~على عدم ربوبية النجوم، أو حجة أخرى على التوحيد؛ لأن قومه كانوا صابئة ~~مشركين، وهما إنما كان يناظرهم على التوحيد؛ واحتجاجه عليهم إنما كان بدليل ~~العقل، إذ لم يكن هناك سمع يلزمهم، وأدلة العقل هي الطريقة الكلامية، وفي ~~هذا شرف عظيم للكلام وأهله، إذ جعل الله الكلام حجة له أضافها إليه، وجعل ~~صدورها عنه بقوله-عز وجل- {نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] فيه إشارة ~~إلى ارتفاع درجة المتكلمين عند الله-عز وجل-كما رفع درجة إبراهيم على قومه ~~بالحجة البالغة الغالبة. PageV01P254 # داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) ~~[الأنعام: 84] أي: ومن ذرية إبراهيم: {داود وسليمان} إلى {وزكريا ويحيى ~~وعيسى} هذا يرد على اليهود دعواهم السابقة: أن النسب في شرع التوراة لا ~~يلحق من جهة الأم، حتى زعموا أن المسيح ليس هو ابن داود، وذلك لأن القرآن ~~شرك بين عيسى وسائر النبيين المذكورين معه في كونهم من ذرية إبراهيم مع أن ~~عيسى (انتمى) إليه من جهة أمه، فدل على بطلان دعوى اليهود، اللهم إلا ms226 أن ~~يريدوا أن العصوبة لا تثبت من جهة الأم فهذا نعم؛ لأن إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب وداود إنما هم أجداد المسيح لأمه، وليسوا بعصبة، وليعلم أن أيوب ذكر ~~في هؤلاء النبيين الذين هم من ذرية إبراهيم، مع أن أيوب ليس من بني إسرائيل ~~إنما هو من بني العيص بن إسحاق؛ فأيوب هو ابن أخي إسرائيل؛ لأن العيص ~~ويعقوب إسرائيل هما ابنا إسحاق بن إبراهيم فأيوب هو ابن عم بني إسرائيل لا ~~أخوهم من ولد إسرائيل، وجميع الأنبياء من بني إسرائيل إلا اثني عشر منهم ~~أيوب، وهم: # آدم، إدريس، نوح، وهود، صالح، إبراهيم، لوط، إسحاق، إسماعيل، إسرائيل وهو ~~يعقوب، أيوب، محمد-صلى الله عليهم أجمعين. # {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين} (86) [الأنعام: ~~86] يحتمل أن هؤلاء جمعيهم من حيث هم جمع فضلوا على جميع العالمين، ويحتمل ~~أن كل واحد منهم فضل على عالم زمانه أو على من عدا باقي النبيين أو بعضهم. # {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} ~~(87) [الأنعام: 87] هذا العموم لا يتناول عيسى، إذ لا أب له ولا ذرية، فهو ~~مخصوص به. # {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون} (88) [الأنعام: 88] يحتج به على المعتزلة من وجهين: # أحدهما: أنه] أضاف الهدى إليه؛ فدل على أنه منه لا من العبد. # الثاني: أنه أخبر أنه يهدي بهداه من يشاء، فجعل مناط الهداية المشيئة لا ~~غيرها من طاعة أو استعداد ونحوه، ولا يجوز حمل الهدى هاهنا على الإرشاد؛ ~~لأن/ [80 ب/م] الإرشاد [عام لا يخص؛ بل هو للمؤمن والكافر بدليل {وأما ثمود ~~فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون} (17) [فصلت: PageV01P255 # 17] غير أن المؤمن يوفق فيهتدي، والكافر يخذل فلا يهتدي، وبالجملة ~~الإرشاد] لا يلزم منه حصول الرشاد. # {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون} (88) [الأنعام: 88] ظاهر هذا أنه راجع إلى الأنبياء المذكورين ~~وآبائهم وذرياتهم وإخوانهم، فيدل على أن الأنبياء يجوز ms227 عليهم الشرك، وأنهم ~~إنما عصموا من وقوعه منهم لا من جوازه عليهم، ونظيره {ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} (65) [الزمر: 65]. # قوله-عز وجل-: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه ~~أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين} (90) [الأنعام: 90] يحتج بهذا على أن نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع هؤلاء الأنبياء، لأنه أمر بالاقتداء ~~بجميعهم، والاقتداء بهم فعل مثل ما فعلوا، ولا بد أنه امتثل هذا الأمر ~~لانعقاد الإجماع على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حينئذ ~~قد فعل وحده من الطاعة مثل ما فعل هؤلاء جميعهم، والواحد إذا فعل مثل ما ~~فعل الجماعة كان أفضل منهم. # ويحكى أن هذه المسألة وقعت في زمن الشيخ عز الدين بن عبد السلام (1) ~~فأفتى فيها بأنه عليه الصلاة والسلام-كان أفضل من كل واحد منهم، لا أنه ~~أفضل من جميعهم، فتمالأ جماعة من علماء عصره على تكفيره، فعصمه الله-عز ~~وجل-منهم. # {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في ~~خوضهم يلعبون} (91) [الأنعام: 91] دعوى منهم عامة، في نفي الإنزال. # {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} [الأنعام: 91] نقض للدعوى العامة ~~بهذه الصورة الجزئية، ويحتج بهذا من يرى أن العام نص في كل فرد من أفراده، ~~إذ لو لم PageV01P256 # يكن كذلك لجاز أن تكون تلك الصورة الخاصة غير مراده من العام، فلا ينتقض بها. # وقد اختلف في أن العام نص في أفراده، أم لا؟ # على قولين؛ أحدهما: هو نص فيها لما ذكرناه. # والثاني: ليس نصا فيها وإلا كان تخصيص العام نسخا للقدر المخصوص منه، إذ ~~هو رفع للحكم في المنصوص عليه. # ويحتمل أن يكون نصا في أفراده في النفي دون الإثبات لاعتضاد العام المنفي ~~بالنفي الأصلي دون المثبت، فإذا قيل: ms228 لا رجل في الدار [أو: ما في الدار] من ~~رجل، كان نصا في نفي كل رجل فينتقض بزيد إذا كان فيها، لأن النفي اللفظي ~~اعتضد بالنفي الأصلي؛ فحصل منها النص على نفي كل فرد بخلاف قولنا: الرجال ~~في الدار؛ إذ هو إثبات فلم يوافقه النفي الأصلي، فلم يحصل التعاضد على النص ~~على كل فرد، فلا ينتقض بزيد إذا لم يكن فيها، وهذا بحث جيد بادئ الرأي، ~~وعند النظر فيه لا يخلو من كلام. # {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} / [81 أ/م] [الأنعام: 91] الكلام ~~في عمومه كما في {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} (113) / [172/ل]) [النساء: 113] ~~وقد سبق. # {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (91) [الأنعام: 91] أي قل: أنزله الله ~~{ثم ذرهم} يعني المنكرين {في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91] ويستشهد به ~~الصوفية، وأهل السلوك على الانقطاع عن الناس بالقلب أو القالب أو بهما؛ ~~فيقولون: {قل الله ثم ذرهم.} # {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون} (94) [الأنعام: 94] هذا يحتمل أن يقال لهم يوم القيامة؛ ~~فيكون {ما خولناكم} [الأنعام: 94] عاما مطردا، ويحتمل أنه عقيب الموت فيكون ~~مخصوصا بما يصحب أحدهم من الكفن من جملة من خوله. PageV01P257 # {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون} (95) [الأنعام: 95] عام أريد به الخاص، وهو الحب والنوى ~~الذي انفلق عن الشجر والزرع، أما غيره فذلك يتلف في الأرض، فلا يفلق عن شيء. # {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون} (97) [الأنعام: 97] عام أريد به الخاص، وهي النجوم ~~التي لها هداية، كالقطب والجدي والفرقدين، ونحوها دون ما لا هداية له ~~كالسيارة، فإنها مشرقة ms229 ومغربة ومتوسطة، فلا دلالة لها على جهة بعينها. # {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} (99) [الأنعام: 99] هو عام مطرد في أن كل نبات، ~~فإنما هو خارج بماء السماء، إذ ليس المراد بماء السماء المطر وحده، بل كل ~~ما في الأرض من بحر ونهر وعين، وغير ذلك، فأصله من السماء بدليل: {ألم تر ~~أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ~~ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} ~~(21) [الزمر: 21]، {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ~~ذهاب به لقادرون} (18) [المؤمنون: 18]. # {بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (117) ~~[البقرة: 117] تضمنت خمس جمل كلها عام مطرد. # قوله-عز وجل-: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} ~~(103) [الأنعام: 103] احتج بها [فريقان: أحدهما: ] المعتزلة على نفي ~~الرؤية؛ لأنه -عز وجل-تمدح بأنه يدرك الأبصار [وهو اللطيف] ولا تدركه، ولو ~~جازت رؤيته، لما كان فيه تمدح. وجوابه من وجوه: # أحدها: أنه إنما تمدح بأن الأبصار لا تدركه لا بأنها لا يجوز أن تدركه. # الثاني: أن الإدراك ينبني على الإحاطة، ونحن لا ندعيها، وإنما ندعي ~~الرؤية وإحداهما PageV01P258 # غير الأخرى. # الثالث: أن معنى الآية نفي رؤيته في الدنيا لا في الآخرة، ونزاعنا فيه. # الرابع: أن الأبصار عام أريد به الخاص، وهو أبصار الكفار في الآخرة، ~~بدليل: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (15) [المطففين: 15] وهو ضعيف. # الخامس: أن الآية عام خص بقوله: -عز وجل-: {وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ~~ربها ناظرة} (23) / [173/ل]) [القيامة: 22، 23] وتمام الكلام في هذه ~~المسألة يأتي في الأعراف، وغيرها إن شاء الله-عز وجل. # الفريق الثاني: الاتحادية، وهم القائلون بأن الباري-عز وجل-سار بذاته في ~~الوجود كسريان الماء في العود/ [81 ms230 ب/م] ووجه احتجاجهم بها أنه-عز وجل-أخبر ~~أنه في كل حال من الأحوال يدرك الخلق وهم لا يدركونه، وما ذاك إلا لأنه سار ~~بذاته فيهم كالهواء الساري في العالم المتخلل لأجرامه، ثم بين ذلك بقوله: ~~{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (14) [الملك: 14] إشارة إلى أنه ~~للطافة ذاته سرى في العالم؛ فهو يراهم، و [هم] لا يرونه للطافته وكذلك هو ~~للطافته؛ وسريانه فيهم خبير بأحوالهم، وأكدوا هذا الاستدلال، بقوله-عز ~~وجل-: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} (16) [ق: 16] {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} (85) [الواقعة: 85]. # {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ~~ما كنتم والله بما تعملون بصير} (4) [الحديد: 4]، {قال لا تخافا إنني معكما ~~أسمع وأرى} (46) [طه: 46] {قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} (15) ~~[الشعراء: # 15] {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم} (7) PageV01P259 # [المجادلة: 7] الآيات مع قوله صلى الله عليه وسلم: «إن المصلي يناجي ربه» ~~(1) «إن الله بين أحدكم وبين قبلته» (2) «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم ~~تدعون سميعا قريبا، إنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (3). # قالوا: وهذه نصوص كثيرة ظاهرة في أنه مع العالم بذاته، فلا يجوز تأويلها ~~على أنه معهم بعلمه، لوجهين: # أحدهما: أنه خلاف الظاهر، ولا قاطع يوجبه. # الثاني: أن المخالف فريقان: # أحدهما: لا يرى تأويل آيات الصفات؛ فلا يجوز له تأويل هذه النصوص وإلا ~~لزمه التأويل في الباقي. # والثاني: من يرى التأويل لكن التأويل لا بد له من دليل موجب له، قاطع أو ~~راجح على المؤول، وكل دليل يبديه مما يوجب التأويل يلزمه مثله في ms231 مذهب ~~التأويل؛ فيستوي التأويل وعدمه في لزوم المحال عليه عنده، وحينئذ يترجح ترك ~~التأويل؛ لأنه الأصل. # بيان ذلك المؤول لهذه الآيات على العلم إما مثبت للجهة، أو ناف لها، فإن ~~كان مثبتا للجهة؛ فهو إنما يتأول هذه الآيات على أنها بالعلم؛ لئلا يلزم من ~~سريان الذات القديمة في العالم مباشرتها للمحدثات؛ فيجري عليها ما يجري على ~~المحدثات، أو لئلا يلزمها التحيز والانحصار في داخل كرة العالم. وكلا ~~الأمرين باطل، أما الأول فلأن الزئبق يباشر غيره من الجواهر، وهو / [174/ل] ~~بطبيعته وصقالته لا يتلوث بها، ولا يتأثر؛ فجاز أن يكون للذات القديمة خاصة ~~تمنعها من التأثر بالمحدثات عن مباشرتها لها، وأما الثاني فلازم لهم في ~~كونه على العرش مختصا بذاته بجهة فوق، فإنه حينئذ لا يخلو من أن يكون ~~مطابقا للعرش في المقدار، أو أصغر أو أكبر، وعلى كل تقدير يلزم منه التحيز ~~والجسمية أو الجوهرية فقد لزمهم من مذهبهم ما فروا منه في مذهب الاتحاد، ~~وإن كان نافيا للجهة؛ فهو إنما يفر من سريانه بذاته في الوجود من لزوم ~~التحيز والانحصار، وهو لازم له قطعا؛ لأن نفاة/ [82 أ/م] الجهة اتفقوا على ~~أن الباري PageV01P260 # -عز وجل-ليس بذاته داخلا تحت الكرة؛ وهذا يقتضي قطعا أن ذاته متناهية من ~~جهة داخل كرة العالم؛ لأن كل ذات خلا منها مكان أو جهة فهي متناهية من جهة ~~ذلك المكان؛ أو تلك الجهة، وكل جهة تناهت من بعض الجهات لزم تحيزها ~~وانحصارها فيما سوى تلك الجهة التي تناهت منها، وينتظم الدليل عليهم هكذا، ~~ذات الله متناهية من جهة كرة العالم، وكل ذات متناهية من جهة ما فهي منحصرة ~~فيما سوى تلك الجهة، ينتج أن ذات الله-عز وجل-منحصرة فيما سوى كرة العالم؛ ~~فقد لزم هؤلاء من مذهبهم ما فروا من الاتحاد، وإذا لزمهم المحذور مع ~~التأويل فالتزامه مع عدم التأويل أولى لصيرورة التأويل عبثا بلا فائدة، هذا ~~أقصى ما أمكن الآن في تقرير شبهة الاتحادية. # والجواب عنها من وجهين: مجمل، ومفصل، أما المجمل؛ فهو أن إجماع ms232 المسلمين ~~قاطع بخلاف مذهب الاتحاد؛ وهو يقتضي بطلانه. # وهذه الشبهة لا ثبوت لها مع الإجماع، إذ أي شخص من أهل الإجماع تصدى ~~لنقضها. # وأما الشبهة لا ثبوت لها مع الإجماع، إذ أي شخص من أهل الإجماع تصدى ~~لنقضها. # وأما المفصل؛ فيطول هاهنا، ويصرفنا عما نحن بصدده وقد استقصينا هذه ~~المسألة سؤالا وجوابا في التعليق المسمى «بالباهر في أحكام الظاهر ~~والباطن». # وإنما استقصينا شبهة الاتحادية هاهنا؛ لئلا نحتاج إلى ذكرها في موضع آخر، ~~ثم كلما مررنا بآية يحتجون بها أحلنا بالكلام فيها على هذا الموضع. # {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ} (104) [الأنعام: 104] عام مطرد. # {بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} (86) [هود: 86] ~~ونظائره محكم وعيدي أو منسوخ بآية السيف، وكذلك {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين} (94) [الحجر: 94] والنسخ فيها أظهر/ [175/ل]. PageV01P261 # (137) [الأنعام: 137] حجة على المعتزلة، سبق تقريرها، والاعتراض عليها ~~عند {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما ~~في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين} (35) [الأنعام: 35]. # {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} (108) ~~[الأنعام: 108] يحتج بها على سد الذرائع، وحسم مواد الفساد؛ إذ كان معنى ~~الآية: لا تسبوا آلهتهم فيجعلوا ذلك وسيلة وذريعة إلى سب إلهكم. # ونظيره {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب أليم} (104) [البقرة: 104] كما سبق فيه، وقاعدة سد الذرائع ~~عظيمة، وفروعها كثيرة، قال بها مالك وأحمد، ومن تابعهما، خلافا لباقي ~~العلماء، إذ أجازوا الحيل، وصنفوا فيها الكتب. # {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم} [الأنعام: 108] سبق القول فيه. # {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} (108) [الأنعام: 108] فيه ~~إثبات المعاد. PageV01P262 # -عز وجل-في خلقه إما بطرد العادات، كطلوع الشمس من ms233 المشرق كل يوم أو بخرق ~~العادات كانشقاق القمر، وطلوع الشمس من المغرب أو بخلق الدواعي والصوارف، ~~وهو غريب بديع عجيب. # {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} (111) [الأنعام: ~~111] تدل على أنه هو المانع لهم عن الإيمان إلا أن يشاء، وذلك بما يخلقه في ~~نفوسهم من دواعي الكفر والصوارف عن الإيمان بما يخيل إليهم من أن تلك ~~الخوارق سحر، فلا يؤمنون بها كما قالوا في انشقاق القمر، وغيره: إنه سحر مستمر. # {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} (114) ~~[الأنعام: # 114] سبق الكلام في مثله. # {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} (115) ~~[الأنعام: 115] يحتج به على قدم الكلام؛ لأنه وصف بالتمام، والحادث ليس ~~بتام؛ فكلام الله-عز وجل-ليس بحادث فهو قديم، ثم يبقى النزاع في أن الكلام ~~معنى ذاتي أو عبارة مسموعة، [على ما] سبق. # {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون} (120) [الأنعام: 120] عام مطرد جامع. # {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون} (124) [الأنعام: 124] يحتج بها على عصمة الملائكة والأنبياء؛ لأنهم ~~جميعا رسل الله وكل رسول معصوم. والحق أنها إنما تدل على صلاح الرسل، أما ~~العصمة فدليلها غير هذا. PageV01P263 # {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} ~~(125) [الأنعام: 125] من قواصم الظهر على المعتزلة؛ لأنها دلت على أن ~~المؤثر في الهدى والضلال إرادة الله-عز وجل-وفعله من شرح الصدر/ [176/ل] ~~وتوسعته أو تضييقه وتحريجه. # {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم ms234 الحياة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين} (130) [الأنعام: 130] يحتج بها على أن الجن أرسل ~~فيهم رسل منهم كالإنس، وهي ظاهرة في ذلك، وهي مسألة خلاف. # فالمثبت لذلك احتج بهذا الظاهر، والمانع تأول إضافة الرسل إلى الفريقين، ~~كإضافة اللؤلؤ والمرجان إلى البحرين، في قوله عز وجل: {مرج البحرين ~~يلتقيان} (19) [الرحمن: # 19]، ثم قال: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (22) [الرحمن: 22] وإنما هو ~~خارج من أحدها، وهو الملح، وليس هذا بشيء، بل هو خارج منهما بدليل قوله-عز وجل-: # {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون ~~لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون} (12) [فاطر: 12] والحلية هنا هي اللؤلؤ والمرجان هناك، وقد ~~أخبر أنها من كل واحد من البحرين، وإنما اعتمد هذا القائل على قول الحكماء ~~الطبيعيين مثل أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية، وكتاب الأحجار وغيره، ~~حيث زعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يتكون إلا في البحر المالح، والله-عز ~~وجل-[أخبر منهم] بمخلوقاته، وعجائب مصنوعاته: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير} (14) [الملك: 14] غير أن نبينا صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الجن ~~والإنس؛ لأنهم قصدوه وسمعوا/ [83 أ/م] منه القرآن، وأخذوا عنه الشرائع، ولو ~~كان هناك نبي منهم؛ لامتنع في العادة أن يتركوه، ويقصدوا غير جنسهم، وإذا ~~ثبت أن الجن أرسل إليهم رسل منهم، ثبت أنهم مكلفون مخاطبون كالإنس، وفي كون ~~كفارهم مخاطبين بفروع الدين ما في كفار الإنس من الخلاف، وهذه مسألة PageV01P264 # وقعت فذكرناها. # {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} (131) [الأنعام: 131] ~~يحتج بها وبنظائرها المعتزلة، ووجه احتجاجهم أن أفعالهم لو كانت مخلوقة ~~لغيرهم، لكان إهلاكهم بها ظلما لهم، واللازم باطل بهذه الآيات، فالملزوم ~~كذلك، وأجاب الكسبية بأنها مكسوبة لهم، والجبرية بأنها لو فوضت إليهم لكانت ~~معاصي يستحقون بها الهلاك، فعاملهم على حسب علمه فيهم. # {ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون} (132) [الأنعام: 132] ~~وهذا يدل على ما ورد من أن دخول الجنة بفضل الله-عز وجل-واقتسام درجاتها ~~بالأعمال. ms235 # {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما ~~أنشأكم من ذرية قوم آخرين} (133) [الأنعام: 133] يستدل بها على استعمال ~~القياس؛ لأنه قاس إهلاكهم واستخلاف غيرهم بعدهم على إهلاك من قبلهم، ~~واستخلافهم بعدهم، وتلخيصه: يستخلف بعدكم أبناءكم كما استخلفناكم بعد ~~آبائكم، وهو قياس تمثيل [177/ل]. # {* وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (141) [الأنعام: 141] يحتج به على ~~جواز عطف الوجوب على الإباحة؛ لأنه عطف إيتاء الحق الواجب على الأكل ~~المباح، وإذا جاز ذلك جاز عكسه؛ نحو: {وآتوا حقه} و {كلوا؛ } وكذلك عطف ~~سائر الأحكام بعضها على بعض؛ ويحتج به أيضا على جواز الخطاب بالمجمل؛ لأن ~~الحق المذكور مجمل؛ وبينته السنة بنصف العشر أو كماله من خمسة أوسق فصاعدا، ~~ونحو ذلك من أحكامه. # {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} ~~(143) [الأنعام: 143] يحتج بها على الاستدلال بالسبر والتقسيم. PageV01P265 # ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) [الأنعام: 145] حصر المحرمات في هذه ~~الثلاثة؛ فاقتضى إباحة ما عداها، ثم خص من ذلك العام بالسنة كل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير، وبالقرآن كل مستخبث، ونقل عن مالك التمسك ~~بهذه الآية في إباحة ما عداها. # {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما} [الأنعام: 146] عام مطرد في تحريم ذلك على اليهود. # {إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم ~~وإنا لصادقون} (146) [الأنعام: 146] عام خص بالمستثنيات بعده. # {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} (146) [الأنعام: 146] دل على أن تحريم ~~الطيبات من العقوبات، ثم قد يكون بدون عقاب محسوس كهذه الآية. # وقد يكون مع عقاب محسوس كاليهود وغيرهم من الكفار في/ [83 ب/م] الآخرة ~~يحرمون الجنة الطيبة، ويعاقبون بالنار المؤصدة-أعاذنا الله-عز وجل-وإياكم منها. # {سيقول الذين أشركوا ms236 لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} (148) [الأنعام: 148] قرئت (كذب) ~~بالتشديد فلا حجة فيها للمعتزلة، وقرئت (كذب) بالتخفيف، وحينئذ يحتجون بها، ~~وتقريره: أن كذبهم في إحالة شركهم على مشيئة الله-عز وجل-ولو كان شركهم ~~بمشيئته لكانوا صادقين ولم يكذبهم؛ فدل على أن الشرك، وتحريم المباح وغير ~~ذلك من المعاصي ليس بمشيئة الله-عز وجل-وإنما هو بمشيئة فاعليه وخلقهم، ~~وهذا من عمدهم في المسألة. # وأجاب الجمهور عنها بأن تكذيبهم ليس راجعا إلى قولهم: {لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} (148) [الأنعام: 148] وإنما هو راجع ~~إلى ما تضمنه من إخبارهم باعتقاد ذلك؛ كأنه قال: كذبتم في إخباركم/ب 178/ب] ~~بأنكم تعتقدون نفوذ مشيئة الله بإشراككم وذلك لأن قولهم: {لو شاء الله ما ~~أشركنا} [الأنعام: PageV01P266 # 148] خرج منهم مخرج الاستهزاء والتهكم والإلزام للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث أخبر بذلك، وهذا كما حكي عنهم في قوله عز وجل: {وإذا قيل لهم أنفقوا ~~مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ~~إن أنتم إلا في ضلال مبين} (47) [يس: 47] وشبيه بقوله-عز وجل-في المنافقين ~~حين قالوا: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} (1) [المنافقون: 1] فإنه لم ~~يكذبهم في أن محمدا رسول الله، إذ ذاك حق نص عليه في سورة الفتح، وإنما ~~كذبهم في دعواهم الشهادة بالرسالة إذا الشهادة قول مطابق للاعتقاد، وهم ~~إنما قالوا ذلك قولا يخالفهم اعتقادهم؛ كذلك هاهنا كذبهم في دعواهم أنهم ~~يعتقدون أن لو شاء الله ما أشركوا لا في نفس هذه القضية، لأنه قد نص عليها ~~قبل هذا بآيات. # {ولو شاء الله ما أشركوا} [الأنعام: 107] {وما جعلناك عليهم حفيظا} ~~[الأنعام: 107] {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم ms237 حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} (148) [الأنعام: 148] ~~يقتضي أن الظن خلاف العلم؛ لأنه نفى أحدهما وأثبت الآخر لكن الظن في اللغة ~~يشمل الاحتمال الراجح من غير جزم والاحتمال المتساوي. وعند الأصوليين ~~الأول: ظن، والثاني: شك. # {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ~~ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون} (150) [الأنعام: 150] يستدل به على أن العالم بشهود الزور يحرم ~~عليه موافقتهم حاكما كان أو شاهدا أو مشهودا له أو عليه، أو غيرهم، خلافا ~~للمسألة المشهورة عن أبي حنيفة: في أن شاهدي زور لو شهدا أن فلانا مات، جاز ~~لآخر أن يتزوج امرأته مع علمه بكذبهما، وحل له وطؤها؛ لأن عنده الحاكم منشئ ~~للأحكام لا مثبت لها على وفق الواقع. PageV01P267 # لغافلين (156) / [84 أ/م]) [الأنعام: 156] هذا خطاب للعرب، ومعناه أنزلنا ~~عليكم القرآن لئلا تقولوا ما جاءنا من كتاب نتبعه، وإنما أنزل الكتاب على ~~طائفتين من قبلنا، وهم اليهود والنصارى، ونحن غير عارفين بما عندهم، وهذا ~~من باب تقرير الحجة عليهم نحو: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما} (165) [النساء: 165]، وفيه أن ~~المجوس لم يأتهم كتاب لأنه- عز وجل-أخبر أن العرب لو احتجوا بأن الكتاب لم ~~ينزل إلا على اليهود والنصارى لكانوا صادقين، وحجتهم قائمة وعذرهم واضح، ~~وبالجملة فهذا تقرير من الله-عز وجل-لهم على/ [179/ل] حصر الكتاب في ~~الطائفتين، على تقدير أنهم يحصرونه فيهما، والله-عز وجل-لا يقر إلا على حق، ~~وهذه مسألة خلاف هل كان للمجوس كتاب ورفع، أو لم يكن لهم كتاب أصلا؟ وهو ~~ظاهر هذه الآية؟ أما المجوس فزعموا أن نبيهم زرادشت جاءهم بكتاب فيه تفصيل ~~ما كان وما يكون، وأنه جلد اثنتي عشرة ألف جلدة على ما حكاه ابن أبي الإصبغ ~~في تاريخ الأطباء، والظاهر أن هذا اختلاق منهم أو عليهم، إذ مثل هذا لا ~~يكتم، فلو كان حقا ms238 لتواتر، والمشهور أن زرادشت [هذا] ليس بمحترم حرمة ~~النبيين ولا الصديقين، ولا الشهداء ولا الصالحين، ولا له في أحكام الرقيق ~~نصيب، ولا هو من المختلف في نبوتهم، بل مقطوع بعدم نبوته، وهو من طبقة ماني ~~ومزدك لا شيء في سبه ولعنه. # وظاهر كلام القاضي عياض في آخر كتاب «الشفا» أن من سبه عذر وعوقب، وجعله ~~في ذلك كالخضر ونحوه، وأظنه-والله عز وجل أعلم-وهما منه فإن لم يكن وهما ~~فهو نقل غريب جدا فتأمله. PageV01P268 # حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت ~~بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258) [البقرة: ~~258] قالوا: # هذا من إبراهيم يتضمن قدرة الله تعالى على أن يأتي بها من المغرب وليس ~~كذلك، إذ هو محال لا يدخل تحت المقدورية، فأكذبوا بإخراجها من المغرب في ~~آخر الوقت. وإن ثبت أنها ردت لعلي-رضي الله عنه-كما حكاه القاضي عياض في ~~الشفاء، فقد تقدم إكذابهم من حينئذ. # {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} (159) [الأنعام: 159] / [84 ب/م] يحتج به من ~~أنكر الخلاف بين الأئمة في الفروع فضلا عن الأصول؛ لأن ذلك تفريق للدين، ~~وهو مذموم. # وأجيب بأنه محمول على التفرق في أصول الدين لا في فروعه للإجماع على جوازه. # {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (162) [الأنعام: 162] ~~احتج به أبو حنيفة على وجوب الأضحية، لأن الإشارة إلى ما سبق من الصلاة، ~~والنسك، والأضحية من النسك، والآية اقتضت أنها مأمور بها والأمر للوجوب. # وأجيب بأن المخاطب/ [180/ل] بالأمر بها هو النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~كان الأمر به على الوجوب فهو خاص به لا يتعدى إلى الأمة. # {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما ms239 كنتم فيه تختلفون} (164) ~~[الأنعام: 164] قيل المراد: إلا لها، بدليل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا ~~تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} ~~(286) [البقرة: # 286]، واستعملت على بمعنى اللام، وقيل: المعنى إلا عليها في الشر ولها في ~~الخير، فاكتفى بأحدهما كقوله: عز وجل {*وله ما سكن في الليل والنهار وهو ~~السميع العليم} (13) PageV01P269 # [الأنعام: 13] {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون} (81) [النحل: 81] ونحوه. # {ثم إلى ربكم مرجعكم} فيه إثبات المعاد {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل ~~شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} (164) [الأنعام: 164] فيه أن كشف الحقائق ~~وارتفاع الخلاف إنما يكون في عالم الآخرة، وأوله عقيب الموت بل حال الموت ~~وعيان الملك وهذه في النحل، أوضح منها هاهنا. # {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} (165) [الأنعام: 165] يحتج به ~~على تعليل أفعاله-عز وجل-أي فاضل بينكم ليختبر ما عندكم من الطاعة والشكر. # ... PageV01P270 ### | AUTO القول في سورة الأعراف # {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} (2) ~~[الأعراف: 2] ثم قال-عز وجل-: {لتنذر به} [الأعراف: 2] وتعليل الإنزال ~~بالإنذار وهو من باب ما سبق آنفا. # {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما ~~تذكرون} (3) [الأعراف: 3] إن أريد باتباعه تصديقه فهو عام مطرد؛ لأن تصديق ~~الجميع واجب بمعنى الاعتقاد أنه حق من حق، وإن أريد به الامتثال التكليفي ~~فهو عام أريد به الخاص وهو الأوامر والنواهي. # {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم ms240 قائلون} (4) [الأعراف: ~~4] أي: أهلكناها في الحكم، فجاءها بأسنا في التنفيذ الواقع، وهذا كما حكي: ~~أن شخصا وقع من علو فمات؛ فقيل وقع فلان فمات؛ فقال بعض العارفين: بل مات ~~فوقع، أي لما حكم بموته، جعل وقوعه سببا لتنفيذ ما حكم به. # وقيل: المعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، وهو قريب من الأول، وقيل: هو ~~من باب التقديم والتأخير، أي جاءها بأسنا فأهلكناها، وهذه من باب حروف ~~المعاني في أصول الفقه. # {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} (8) [الأعراف: ~~8] الآيتين يحتج به ونظيريه في (المؤمنون)، و (القارعة) على وزن أعمال ~~العباد، ثم اختلف فيه: # فالجمهور على أنه وزن حقيقي بميزان ذات كفتين ولسان، وأن الموزون صحائف ~~الأعمال أو اعتمادات تساوي حركات الأعمال، أو يخلق الله-عز وجل-فيهما ثقلا ~~وخفة تكون أمارة على ما يراد/ [85 أ/م] بالعبد من سعادة أو غيرها، ~~والمعتزلة على أنه وزن مجاز/ [181/ل] بمعنى إقامة العدل بحيث لا بخس ولا ~~ظلم بدليل: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} (47) [الأنبياء: 47] أبدل ~~القسط من الموازين، والمقصود هو البدل لا المبدل منه كما [اقتضته العربية] ~~كأنه قال: ونضع القسط، وأجيب بأن وضع القسط لا ينافي نصب الموازين لجواز أن ~~سبب القسط هو الميزان. PageV01P271 # إبليس لم يكن من الساجدين (11) [الأعراف: 11] يحتمل أن الخلق والتصوير ~~لآدم، وأضيفا إلى المخاطبين لتضمن صلب آدم لهم، فالترتيب والتراخي يتم على ~~أصله، ويحتمل أنهما للمخاطبين فيكون الجواب على نحو ما مر في {وكم من قرية ~~أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} (4) [الأعراف: 4] أي خلقناكم في ~~علمنا، أو أردنا خلقكم ثم قلنا أو قلنا {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} (34) [البقرة: 34] ثم ~~خلقناكم. # {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين} (12) [الأعراف: 12] فيه اقتضاء الأمر الوجوب والفور لأنه لامه على ~~تأخير السجود عن وقت أمره به؛ ms241 لأن «إذ» للوقت تقديره: ما منعك أن تسجد وقت ~~أمري لك بالسجود، وفيهما خلاف، و «لا» في «أن لا تسجد» زائدة، وإلا لاقتضى ~~أن إبليس سجد ثم ليم على السجود الذي هو طاعة، وأنه محال، ونظيره في زيادة ~~«لا» قول الراجز: # فما ألوم البيض أن لا تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا # أي أن تسخر. # {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (12) [الأعراف: 12] تضمن ~~هذا من إبليس مخالفة وعنادا واستكبارا واعتراضا وقدحا في الحكمة وجهلا ~~بالحقائق وغلطا في الفلسفة؛ لأن النار خفيفة طائشة محرقة شريرة، والطين ~~رزين ثابت متواضع، ولا جرم رجع كل منهما إلى أصله، فإبليس مذموم وآدم مرحوم. # وبالجملة فإبليس استعمل الفلسفة؛ فوقع في السفه، ولو أعطى الفلسفة حقها؛ ~~لأعطى الطاعة مستحقها. # {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين} (13) ~~[الأعراف: 13] الضمير إما للسماء أو للجنة وعلى التقديرين يدل على أن الجنة ~~دار تواضع وأدب لا كبر فيها، وعلى القول بأن الضمير للجنة، وهو الظاهر ~~يقتضي ظاهرا: # أن آدم ومن سجد له وإبليس جميعا كانوا في تلك الحال في الجنة، فما امتنع ~~إبليس من الطاعة على الفور، عوقب بالخروج من الجنة على الفور. PageV01P272 # به الجمهور على أن الهادي والمضل والمغوي هو الله-عز وجل-/ [85 ب/م]؛ ~~لأنه أقر إبليس على نسبة الإغواء إليه، ولولا أن/ [182/ل] الأمر كذلك لما ~~أقره بل كان يقول له: ويحك أمعصية وبهتا؛ أتعصيني وتبهتني؟ ! فلما أقره على ~~ذلك دل على صحته. # والجمهور إذا تمسكوا بهذا قال لهم المعتزلة: أنتم تلاميذ إبليس، تشنيعا ~~عليهم، وليس احتجاج الجمهور بقول إبليس، وإنما هو بإقرار الله-عز وجل-عليه. # {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} (20) ~~[الأعراف: 20] أي وسوس لهما ليعصيا؛ فتبدو سوآتهما، فذكر الغاية البعدى ~~لاستلزامها القربى، إذا كانت أثرا لهما. # {وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا ms242 من ~~الخالدين} [الأعراف: 20] أي لئلا تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين. يحتج ~~بهذا من يرى الملائكة أفضل من البشر حتى آدم. # وتقريره أن هذا يدل على أن ذلك كان مشهورا متقررا عند آدم وحواء حتى جعله ~~إبليس سببا لإغرائهما واستذلالهما، وإلا لما قبلاه منه مسارعين إليه، وأيضا ~~لما أقدما على المخالفة حرصا على رتبة الملائكة دل على ما قلناه؛ لأن ~~العاقل إنما يحصر على ما يعتقده كمالا له، وأيضا [لما قرن كونهما ملكين ~~بكونهما من الخالدين، دل على أن الملك أفضل من البشر] كما أن الخالد أفضل ~~من الزائل. # {فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين} (22) [الأعراف: 22] يحتج به مثبتو الحرف والصوت في ~~كلام الله- عز وجل-أعني نفس تكلمه؛ لأن النداء لا يعقل إلا كذلك، ومثله: ~~{وإذ نادى ربك موسى} ونحوه. # وأجاب الآخرون بأنه ناداهما بواسطة [الملك: أو سمى إفهامهما] بكلامه ~~الذاتي نداء بجامع الإفهام. PageV01P273 # ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) [الأعراف: 26] ~~تضمنت هذه الآية المجاز بمراتب، وذلك لأن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس ~~إنما هو الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس، وصار ذلك ~~كقول الراجز: # الحمد لله العظيم المنان ... صار الثريد في رءوس العيدان # سمى السنبل في رءوس العصف الذي تحته ثريدا، وإنما يصير ثريدا بعد أن ~~يحصد، ثم يدرس، ثم يصفى، ثم يطحن، ثم يخبز، ثم يثرد، سمى ابن السيد ~~البطليوسي (1) هذا وأمثاله [مجاز المراتب]، وهو من غرائب مسائل المجاز. # {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} (27) [الأعراف: 27] أضاف الفتنة إلى ~~الشيطان مع قول موسى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم ~~الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء ms243 منا إن ~~هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الغافرين} (155) [الأعراف: 155] وقوله-عز وجل- {وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~(53) [الأنعام: 53] وتحقيقه ما سبق من أن فتنة/الشيطان بالوسوسة، وفتنة ~~الله-عز وجل- / [86 أ/م] بالتقدير، وخلق الدواعي والصوارف. # {إنه يراكم هو وقبيله} / [183/ل] {من حيث لا ترونهم} هذا من جملة ~~الابتلاء والمحنة، وعظيم الفتنة، إذ لو رآهم بنو آدم لاحترزوا منهم كما ~~يحترز بعضهم من بعض، ولكن صاروا كما قيل: # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برامي # والسبب في أنهم يروننا ولا نراهم مادتهم نارية لطيفة، ومادتنا طينية ~~كثيفة، والكثيف PageV01P274 # لا يرى اللطيف. # فإن قيل: فنحن نرى النار التي هي مادتهم فما بالنا لا نراهم؟ ! # قلنا: التخليق يلطف المادة، ألا ترى أن البشر ألطف من الطين الذي هو ~~مادته، وكذلك كل فرع هو ألطف من أصله كالزيت من الزيتون، والعصير من العنب، ~~والدبس من الرطب، ونحو ذلك. # {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} (28) [الأعراف: 28] يحتج ~~بها المعتزلة، ووجه احتجاجهم أنه كما لا يأمر بالفحشاء لا يريدها. # وقال الجمهور: بل هو يريدها ويقدرها بتقدير أسبابها، وخلق دواعيها ~~والصوارف عنها وإن لم يأمر بها، ولعل أصل الخلاف أن المعصية خلاف الأمر عند ~~الجمهور، فلا ينافيه موافقة الإرادة في المعصية، وعند المعتزلة هي مخالفة ~~الإرادة، فلو كان مريدا للمعصية لكان المكلف عاصيا من حيث هو مطيع، وأنه محال. # ومذهب الجمهور في أن الطاعة والمعصية دائران مع الأمر والنهي أشبه باللغة ~~والنظر، وهو الصواب. # ويحكى أن الشيخ أبا إسحاق الإسفراييني دخل على الصاحب بن عباد، وعنده ~~القاضي عبد الجبار الهمذاني، فلما رآه القاضي قال تعريضا به: سبحان المنزه ~~عن الفحشاء، فقال الشيخ أبو إسحاق: سبحان من يفعل ما يشاء، فاستوفى كل واحد ~~منهما حجته في خمس كلمات، واعلم ms244 أن هؤلاء الذين قالوا في فاحشتهم: {وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} (28) [الأعراف: 28] صدقوا في ~~تقليد آبائهم وكذبوا على ربهم. # {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون} (29) [الأعراف: 29] يحتمل أمرين: أحدهما: إثبات المعاد، ~~أي كما بدأكم أي: ابتداء خلقكم بعد العدم الأصلي، كذلك يعيدكم بعد العدم ~~الطارئ على وجودكم، وهو أيسر، ولا فرق غير أن الإنسان في ابتداء نشأته ~~يتدرج في الأطوار السبعة. # نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخرها، وفي إعادته لا يتدرج في الأطوار، غير أن ~~هذا ليس مؤثرا في حكم القدرة التامة، وقد قيل: إن عند إرادة البعث تمطر ~~السماء أربعين يوما ماء كمني PageV01P275 # الرجال، فلعل الأرض تجعل فيها حرارة كحرارة الرحم، ثم يتطور العالم في ~~بطنها كتطوره في بطون الأمهات/ [184/ل]، والأرض تسمى أما، فلعله لذلك أو له ~~ولغيره/ [86 ب/م]، وبالجملة فالقدرة صالحة للتأثير بواسطة التطوير ودون ~~التطوير. # الثاني: إثبات القدر أولا وآخرا، أي كما بدأ خلقكم مؤمنا وكافرا، ومهتديا ~~وضالا، كذلك يعيدكم كما بدأكم، يشهد لذلك قوله عز وجل: {هو الذي خلقكم ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} (2) [التغابن: 2] وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره؛ فمن ~~أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» (1). # وقوله صلى الله عليه وسلم: «يبعث كل إنسان على ما مات عليه» (2) أي من ~~هدى وضلال وكفر وإيمان؛ دل على هذا الاحتمال قوله عز وجل: {قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين ~~أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} (30) [الأعراف: 29 - 30]، إشارة ~~إلى افتراقهم في الهدى والضلال من البدء، ثم يعادون على ما بدئوا عليه من ~~ذلك، وانظر إلى لطيف حكمته عز وجل في قوله: {فريقا ms245 هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} ~~(30) [الأعراف: 30] نسب الهدى إليه، إذ لا محذور فيه، ولم يقل: وفريقا أضل، ~~بل قال: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء ~~من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} (30) [الأعراف: 30] فأحال بضلالهم على ~~علته الكسبية من جهتهم، وأشار إلى علتهم القدرية من جهته؛ فتحرر من ذلك أن ~~علة ضلالهم مركبة من تقديره الجازم المتقادم، وكسبهم الآخر المتراخي، ولو ~~شاء الله ما فعلوه، وإنما ألزموه شبهة في PageV01P276 # استحقاق الذم وغير الإرادة الإلهية. # {* يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين} (31) [الأعراف: 31] هذا من أصول الطب، وتدبير الأبدان، وهو ~~الاقتصاد في المأكل والمشرب. # ويحكى أن جبرائيل بن بختيشوع الطبيب دخل على هارون الرشيد، وعنده قارئ؛ ~~فقرأ هذه الآية؛ فقال الحكيم: يا أمير المؤمنين، ما ترك كتابكم شيئا من ~~الطب إلا استوفاه في هذه الكلمات. # ووجه ذلك أن المقصود من الطعام والشراب إنما هو بقاء النفس بما يستحيل ~~منه من الدم ويتجوهر منه من الروح الحاس والمدرك، فإذا اقتصد فيه، قويت ~~المعدة على هضمه، فانصرف أكثره إلى المقصود، وبقي باقية تدفعه الطبيعة ~~[ثفلا] فيبقى البدن خالصا من الفضول بعده كما كان قبله، وإذا أسرف فيه ~~باقية الزائد على المقصود فضولا وأخلاطا في البدن خصوصا إن ضعفت المعدة عن ~~هضمه، فتكون تلك الأخلاط غليظة ثم تتعفن تلك الأخلاط، فتولد أمراضا يكون ~~منها العطب. # ويحكى عن جالينوس أنه قال: أنا أحب أن آكل لأعيش، وهؤلاء يحبون أن يعيشوا ~~[185/ل] ليأكلوا، يعني أن الحكمة تقتضي أن تكون الحياة غاية الأكل والأكل ~~وسيلة لها، والعامة عكسوا ذلك فجعلوا الأكل غاية الحياة، والحياة وسيلة له ~~وهو دأب البهائم/ [87 أ/م]. # وقال ابن الرومي: # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # {وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31] أمر إباحة {ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] ~~بحتمل أنه نهي إرشاد، ويحتمل ms246 الكراهة. # {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] هذا جامع لكل محرم، ~~والخصال الأربع المذكورة، بعدة معطوفة عليه عطف الخاص على العام. # {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~(33) [الأعراف: PageV01P277 # 33] يحتج به من زعم أن خبر الواحد يفيد العلم؛ لأنا إنما نقبل خبر العدل، ~~والعدل قد حرم عليه أن يقول ما لا يعلم، فوجب أن لا يقول إلا ما يعلم، وذلك ~~يفيد العلم، وهو ضعيف ومقدمته الأخيرة ظنية؛ لجواز أن يخالف لداع أو صارف؛ ~~فيقول ما لا يعلم، ثم لو أفادت الآحاد العلم لما احتيج إلى العدد في ~~البينات، وما تفاوتت في العدد ولما كان للاستفاضة والتواتر مزية على الآحاد ~~واللوازم باطلة؛ فالملزوم كذلك؛ ولأنا نجد أنفسنا غير عالمة بموجب خبر ~~الواحد فالقول بإفادته العلم مصادم لهذا العلم الوجداني الضروري؛ فلا يلتفت ~~إليه، وربما احتج بقوله-عز وجل-: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} (32) [الأعراف: 32] من يرى إباحة الطرب ~~وسماع الملاهي، لأن الآية اقتضت إباحة عموم الطيبات من الرزق وهذه الأشياء ~~من طيبات رزق السمع؛ فكانت مباحة كطيبات رزق الذوق والشم والبصر واللمس، ~~وهذه والتي قبلها-أعني إفادة خبر الواحد العلم-يعزيان إلى مذهب الظاهرية، ~~والأشبه أن سماع الملاهي إن دعا إلى حرام، أو أشغل عن واجب فهو حرام، وإن ~~دعا إلى مكروه أو صد عن مندوب فهو مكروه، وإلا فهو مباح، وحيث يحرم يخرج ~~جواز التداوي به من الماليخوليا ونحوه من الأمراض، على الخلاف في التداوي/ ~~[186/ل] بالمسكر. # {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (34) ~~[الأعراف: 34] ونظائرها حجة للجمهور على أن المقتول هلك بأجله لم يكن ~~ليستأخر عن ذلك ولا يستقدم، ولو لم يقتله القاتل [لهلك في وقت القتل بسبب ~~غيره، خلافا للمعتزلة فيما حكي ms247 عنهم من أن القاتل] قطع عليه أجله، ولو لم ~~يقتله لاستمر حيا إلى آخر أجله؛ استصحابا لحال حياته، والأشبه الأول؛ لأن ~~تفويت هذه الحياة المعينة في هذا الوقت المعين بالسبب المعين معلوم لله-عز ~~وجل-وكل ما كان معلوما لله-عز وجل -استحال تغيره بتقدم أو تأخر، وما قاله ~~المعتزلة تخيل ذهني لا وقوع له في الخارج أصلا. # {فمن} / [87 ب /م] {اتقى وأصلح} أي اتقى الكفر وأصلح العمل فهو في قوة ~~{فمن اتقى وأصلح} {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقد سبق القول فيه. PageV01P278 # (36) [الأعراف: 36] لم يشترط مع الكفر نفي العمل الصالح كما اشترط مع ~~الإيمان وجوده، والفرق أن العمل الصالح لا يتصور مع الكفر، إذ الكفر مانع ~~من وجوده فلم يحتج إلى اشتراط نفيه؛ لأنه منفي لوجود مانعه أو انتفاء شرطه، ~~وهو الإيمان بخلاف الإيمان، فإن انتفاء العمل الصالح يصح معه؛ فلذلك اشترط ~~وجوده في تمام الجزاء عليه. # وهذا يقتضي أن الكفر في بابه أعظم من الإيمان في بابه، وكذلك النواهي ~~والمعاصي أعظم من الأوامر والطاعات في بابها، وسبب ذلك، عظمة الجناب الإلهي ~~عن الجرأة عليه بالمعاصي واستغناؤه عن الطاعات فالمعاصي تغضبه، والطاعات لا ~~تنفعه إنما هي إحسان من المطيع إلى نفسه، ألا ترى أن السلطان إذا خرج عن ~~طاعته خارجي جهز إليه العساكر، وقام له وقعد، ولو أهدى له ملك الأرض لم ~~يحتفل له بعض ذلك الاحتفال. # {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} (37) [الأعراف: 37] ~~يحتمل أن المراد نصيبهم من الشقاوة السابقة [لهم في الكتاب] ويحتمل أن ~~المراد نصيبهم من الرزق المقسوم لهم في الكتاب، ويحتمل إرادة الأمرين، ~~والنكتة المقصودة قوله-عز وجل-: {ينالهم نصيبهم} [الأعراف: 37] ولم يقل ~~ينالون نصيبهم، إشارة إلى أن ما سبق في الكتاب من شقاوة وسعادة ورزق هو أشد ~~طلبا للإنسان حتى يناله من الإنسان له حتى يدركه، ولو ms248 لم يكن لأهل التفويض ~~والتوكل غير هذه لكفتهم إذا فهموها. # {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين} (40) ~~[الأعراف: 40] يعني لأرواحهم عقيب الموت/ [187/ل] بل ترد فتخر من السماء ~~تهوي بها الريح في مكان سحيق أي بعيد، وهو سجين بخلاف المؤمنين، فإن أبواب ~~السماء تفتح لأرواحهم حتى تنتهي إلى العرش إكراما لها ثم تعاد إلى القبر ~~للسؤال. # وتفصيل هذا في حديث البراء بن عازب، وهذه من متعلقات اليوم الآخر. # {حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] هو من باب تعليق الشيء ~~المحال، نحو حتى يعود اللبن في الضرع، حتى يشيب الغراب ويبيض القار. PageV01P279 # وحتى يؤوب القارصان كلاهما وينشر في القتلى كليب لوائل ونحو ذلك. # {ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} (43) [الأعراف: 43] يعني ~~كان في الدنيا، وقد يستبعد ذلك وليس ببعيد، أما إن نسب إلى القدرة الإلهية ~~فظاهر، وأما إن نسب إلى الواقع، فكثيرا ما طابت/ [88 أ/م] النفوس عن خبث، ~~واصطلح الناس عن غضب، وتنازلوا عن غل وإحن. # وقد حكي في كتاب عجائب المخلوقات أن في البحر سمكة إذا أكلها المتضاغنان ~~زال ما في نفوسهما وعادا أصدقاء. # وبالجملة فهذا أمر ممكن، وكل ممكن مقدور، وكل مقدور أخبر الصادق بوقوعه ~~فهو واقع لا محالة. # {ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} (43) [الأعراف: 43] لعلهم ~~يقولون هذا لما يرون من صعوبة الطريق ووعورة المسلك، فيعلمون أنهم عاجزون ~~عن قطعه لولا إعانة الله-عز وجل-لهم فيحمدونه على نعمه، ويعترفون بالحمد ~~والحق لأهله. # ويحتج به الجمهور على أن الهدى من الله، ويطردون ms249 حكمه في مقابله وهو ~~الضلال بقضائه وقدره. # {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 43] عرفوا ذلك عيانا بعد أن كانوا ~~يعرفونه في دار التكليف نظرا وبرهانا وتلك المعرفة أتم. # {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43] يعني أن ~~الجنة كانت للكفار، بتقدير أن لو آمنوا والنار للمؤمنين أن لو كفروا، فإذا ~~دخل المؤمنون الجنة؛ فكأنهم ورثوا ما كان للكفار لو آمنوا، وذلك هو التغابن ~~يغبن أهل الجنة أهل النار بفوزهم وهلاك أولئك. PageV01P280 # {وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون} ~~(45) [الأعراف: 44، 45] إلى آخر القصة من أحكام اليوم الآخر في محاورة أهل ~~الجنة والنار. # {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} (53) [الأعراف: 53] [118/ ~~ل] هي في الكفار لا تنفعهم شفاعة، ولا يجدون شافعا. # {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (54) [الأعراف: 54]. # قيل: هي من أيام ربك كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقيل: هي من أيامنا هذه، ~~وهو أشبه وعلى كمال القدرة أدل، وهاهنا سؤال مشهور، وهو كيف خلقها في ستة ~~أيام مع قدرته على خلقها «بكن» فيكون؟ ! # وجوابه أن ذلك ليعلم عبيده الأناة والتثبت، ولذلك أمرهم بذلك فقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا} ~~(94) [النساء: 94] {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} ms250 (6) [الحجرات: 6] وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: ~~الحلم والأناة» (1). # {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على} PageV01P281 # {العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (54) [الأعراف: 54] هذه ~~وذكرها في القرآن تعرف بمسألة الاستواء، وهي: أن الله-عز وجل-هل يقال إنه ~~بذاته استوى على عرشه فوق السماوات، أم لا؟ أثبته الحنابلة والمحدثون، ~~ونفاه المعتزلة والأشعريون ومن تابعهم، وبعضهم يسميها مسألة الجهة، وبعضهم ~~مسألة العلو. # احتج المثبتون بوجوه: أحدها: هذه الآيات؛ إذ [88 ب/م] [تقتضي استواءه) ~~على العرش، هو السر الإلهي بذاته. # الثاني: أن الله-عز وجل-والعالم حقيقتان موجودتان، وكل موجودين فإما أن ~~يكون أحدهما ساريا في الآخر، أو مماسا له، أو بائنا عنه، والأولان محال على ~~الله-عز وجل-فتعين الثالث، وهو أنه مباين للعالم، وقد ورد الشرع بما يصلح ~~أن يكون جهة مباينة له، وهي جهة العلو؛ فتعينت بتعيين الشرع، ولأنها أشرف. # الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى ربه، وأنه-عليه الصلاة ~~والسلام-عرج به إلى جهة فوق ينتج من الشكل. # الثالث: أن رب محمد في جهة فوق، ويتعين أنه مستو على العرش بالنص. # الرابع: قوله-عز وجل-: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور} (10) [فاطر: 10] مع قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ~~تجاوز صلاتهم آذانهم» (1)، فبين أن صعود الأعمال إليه إلى جهة فوق، وذلك ~~يقتضي أنه فوق. # الخامس: قوله-عز وجل-: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي ~~تمور} (16) [الملك: 16] {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ~~فستعلمون كيف نذير} (17) [الملك: 17] مع قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما ~~امرأة باتت هاجرة لفراش زوجها كان الذي في السماء ساخطا عليها» (2) رواه ~~مسلم. نظم الدليل منه: أن الله-عز وجل-هو PageV01P282 # المؤثر سخطه، والمؤثر سخطه في السماء، فالله-عز وجل-في السماء/ ms251 [189/ل] ~~والأولى إجماعية، والثانية: ثابتة بالحديث. # السادس: شهادة القرآن بأن فرعون بنى صرحا ليطلع إلى إله موسى في السماوات ~~وأقره موسى على ذلك، والاحتجاج بإقرار موسى لا بفعل فرعون. # السابع: تكليم موسى على الجبل، ليكون أقرب إلى جهة الرب، وإلا لم يكن ~~لصعوده الجبل فائدة. # الثامن: الله-عز وجل-ذات موجودة، وكل ذات موجودة، فإما في السماوات، أو ~~في الأرض، أو فيهما، أو لا في واحدة منهما، والكل باطل إلا الأول والخصم ~~يدعي الأخير، وهو أنه لا في واحدة منهما كسائر المجردات. # التاسع: حديث الجويرية: إذ قال لها: «أين الله»؟ فأشارت إلى السماء؛ فحكم ~~بإيمانها بذلك، والخصم يكفر من حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان مثله، ~~وهذه مباينة للشرع. # العاشر: أجمع الناس على رفع أيديهم إلى السماء في الدعاء لتلقي الخير ~~والبركة منه، وهي شهادة شرعية فطرية عامة، على أنه فوق السماء. # احتج النافون بوجوه: # أحدها: أنه لو كان بذاته سبحانه على العرش لكان إما أصغر منه أو أكبر أو ~~مساويا وبكل حال يلزم كونه متحيزا جسما مركبا منقسما، وأنه محال. # الثاني: أن الله-عز وجل-قديم واجب غني فلو كان مستويا بذاته على العرش في ~~جهة فوق لكان متحيزا/ [89 أ/م] وكل متحيز جسم أو جوهر، وكل جسم أو جوهر ~~حادث ممكن مفتقر، فالقديم حادث، هذا خلف. # الثالث: أن العرش إن كان قديما لزم تعدد الذات القديمة، وهو محال، وإن ~~كان حادثا، فإن كان الاستواء عليه قديما لزم قدم الحادث أو حدوث [القديم] ~~وأنه محال وإن كان حادثا فإن كان صفة قائمة بذات القديم لزم قيام الحوادث ~~بذاته وهو محال، وإن لم يكن قائما بذاته، فالتقدير حدوثه فهو مسبوق بعدمه ~~فعدمه أزلي والأزلي لا يزول، فعدم الاستواء لم يزل والاستواء لم يكن، ~~وحينئذ يجب تأويل الاستواء على الاستيلاء نحو: # قد استوى بشر على العراق ... بغير سيف ودم مهراق # وقول لآخر: # ولما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وطائر PageV01P283 # الرابع: أن الله-عز وجل-: في الأزل لم يكن مستويا على العرش، وهو الآن ~~على ms252 ما كان/ [190/ل) عليه في الأزل، فهو الآن غير مستو على العرش على ما ~~يقوله الخصم، وهذا ضعيف، إذ لقائل أن يعارضه بأنه لم يكن معه عالم في الأزل ~~وهو الآن على ما كان عليه في الأزل، فالعالم ليس معه الآن، لكنه خلاف ~~العيان. # وذهب [أبو عبد الله بن حامد] إلى أن معنى استوائه على العرش الاستقرار، ~~كما ذهب إلى أن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا انتقال. واحتج بقوله-عز ~~وجل-: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من ~~القوم الظالمين} (28) [المؤمنون: 28] وقد أنكر ذلك على ابن حامد، ورد عليه. # واعلم أن السمع قوي في الإثبات، والعقل قوي في النفي، غير أن النفاة ~~قالوا: العقل أصل السمع؛ فيجب تقديمه، وإلا لزم القدح في دلالة الأصل [على ~~الفرع]، وذلك قادح في الفرع أيضا، فتقديم الفرع مبطل لشهادة الأصل والفرع ~~جميعا، وأنه غير جائز. # وأجابوا عن حجج المثبتين من حيث الإجمال بأنها شبه وظواهر فلا تعارض ~~الحجج القواطع. # قال بعض النفاة: أحد الأمرين لازم، إما بطلان مذهب المثبتين أو صحة مذهب ~~الاتحادية؛ لأن إثبات الجهة والاستواء يستلزم التجسيم، وهو لا يصح إلا على ~~رأي الاتحادية الذين يجيزون ظهور الحق سبحانه وتعالى في المظاهر الجسمانية ~~والأطوار الطبيعية، وإليه الإشارة بقول الحلاج للجنيد: يا معلم، من الذي ~~يأتي البشر على رسوم الطبع؟ فقال له الجنيد: اسكت، ويحك! أي خشبة تريد أن تفسد. # {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (54) [الأعراف: 54] احتج به من قال: ~~إن القرآن ليس بمخلوق؛ لأن القرآن هو الأمر، والأمر غير الخلق، فالقرآن غير ~~الخلق، فالقرآن غير مخلوق، وأما أن القرآن هو الأمر، فلقوله-عز/ [89 ب/م] ~~وجل-: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر ~~حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} (5) [الدخان: 3 - 5] ففسر القرآن ~~بالأمر، ms253 وأما أن الأمر غير الخلق PageV01P284 # فلعطفه عليه في هذه الآية والعطف يقتضي التغاير، وأجاب الخصم بأن الأمر ~~مشترك بين القرآن وغيره. ولا نسلم أن المراد به هاهنا القرآن سلمناه، لكن ~~لا نسلم أن الأمر غير الخلق، وعطفه عليه ليس عطف تغاير، بل عطف خاص على عام. # {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} (55) [الأعراف: 55] تنبيه ~~على عظمته التي يستحق بها ضراعة غير له. # {وخفية} تنبيه على قربه الذي لا يحتاج معه إلى أن يجهر له، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا ~~قريبا، إنه أقرب/ [191، ل] إلى أحدكم من عنق راحلته». # {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب ~~من المحسنين} (56) [الأعراف: 56] إن كانت الرحمة صفة فعل فهي قريبة بذاتها، ~~وإن كانت صفة ذات، فالقرب أثرها [أو ذاتها على رأي من يرى أن الله-عز وجل- ~~بذاته في كل مكان، أو على رأي الاتحادية؛ لأنها حينئذ لا تفارق الذات؛ فلا ~~يمكن قربها بذاتها إلا على رأي هؤلاء]. # {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ~~سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون} (57) [الأعراف: 57] هذه من أدلة المعاد؛ قياسا على ~~إحياء الأرض بالمطر والنبات، وقد صرح بالقياس؛ فقال-عز وجل-: {وهو الذي ~~يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} ~~(57) [الأعراف: 57] أي كإخراج الثمرات بالمطر من الأرض الميتة يخرج الموتى ~~من الأرض، وتوجيه القياس أن حب الثمار مفرق في الأرض كأجزاء الموتى، وهي ~~الجواهر المفردة المنحلة إليها الأجسام، ثم إنه-عز وجل-يجمع ذلك الحب ~~ويحييه حتى يخرج زرعا وثمرا نافعا، وكذلك يجمع أجزاء الموتى من الأرض، ~~ويحييها حتى يخرج بشرا سويا، [والجامع إمكانهما]، ودخول الممكن تحت ~~المقدورية. PageV01P285 # {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما ms254 لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} (59) [الأعراف: 59] قول نوح هذا وغيره من ~~الرسل في هذه السورة وغيرها شهادة بالتوحيد، موافقة لقوله-عز وجل-: {وسئل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} (45) ~~[الزخرف: 45] وسيأتي برهان التوحيد في موضعه، إن شاء الله-عز وجل. # قول هود لقومه: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ~~واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء ~~الله لعلكم تفلحون} (69) [الأعراف: 69] أي نعمه، واحدها نعمة، وقد اختلف ~~العلماء في أن الله-عز وجل-على الكفار نعمة، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: نعم لهذه الآية وغيرها مما عدد عليهم فيها. # والثاني: لا، لأن ما أعطوه من/ [90 أ/م] متاع الدنيا استدراج لا نعمة، ~~فهو كالعسل المسموم هو آفة لا حلاوة. # ومرجع الخلاف إلى أن النعمة ما هي: إن أريد به مجرد اللذة والتنعيم فعلى ~~الكفار نعم عظيمة، وإن أريد بها [التنعيم مع] سلامة العاقبة فيه، فلا نعمة ~~عليهم بل هي نقم في صورة نعم. PageV01P286 # عدم إيمانهم مفهوم من تكذيبهم، وإنما أتى به تأكيدا، والتأكيد من أبواب ~~اللغات في أصول الفقه، وكذا: {وأضل فرعون قومه وما هدى} (79) [طه: 79] {ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} (14) ~~[النساء: 14] / [192/ل] الثاني فيهما مفهوم من الأول، وجئ به تأكيدا. # قول شعيب: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء ~~علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} ~~(89) [الأعراف: 89] لما كان منشؤه في قوم كفار انعقد له سبب موافقتهم فتجوز ~~به عن ملابسة ملتهم فسمى إعراضه عنها بهداية الله-عز وجل-إياه نجاة منها ~~ودخوله فيها لو قدر عودا إليها. # وقوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} [الأعراف: 89] ~~يدل على جواز الكفر على الأنبياء إذا ms255 شاءه الله-عز وجل-وإلا لم يكن ~~لاستثنائه معنى، وقد سبق أن عصمتهم إنما هي من وقوع الكفر لا من جوازه. # {أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون} (100) [الأعراف: 100] يحتج به المعتزلة ~~على أن الذنوب مخلوقة لأهلها، وإلا لكان مصيبا لهم بما هو مخلوق له، وذلك ~~جور، والطبع على قلوبهم إذا كان من جملة عقوبتهم على ذنوبهم لم يكن فيه ~~حجة، وجوابه قد عرف غير مرة، وقاعدته في مقدمة الكتاب وافية به حيث وقع. # {تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} (101) ~~[الأعراف: 101] يحتج بها الفريقان، أما المعتزلة فلكونه علل الطبع على ~~قلوبهم بكفرهم، فلو كان كفرهم معلولا للطبع على قلوبهم، لزم الدور، فدل على ~~كفرهم معلول لإرادتهم مخلوق لهم، والجمهور منعوا كون الطبع على قلوبهم ~~معللا بكفرهم بل كفرهم معلل بالطبع على قلوبهم، كأنه قال: كذلك يطبع الله ~~على قلوب قوم فيكفرون بسبب الطبع على قلوبهم. PageV01P287 # {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ~~قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} (127) [الأعراف: 127] ~~/ [90 ب/م] يستشهد به من يحمل الفوقية في حق الله-عز وجل- حيث وقعت على ~~المعنوية لا الحسية. # {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} (137) [الأعراف: 137] يعني أرض مصر أورثها ~~بني إسرائيل؛ لأنهم هم المستضعفون كانوا فيها بدليل: {ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} (5) [القصص: # 5] إلى {ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون} (6) [القصص: 6] وبدليل {فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام ~~كريم} (58) [الشعراء: 57 - 58] ذكر السهيلي في «الأعلام» أنه الفيوم. # {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} (59) [الشعراء: 59] يعني جنات فرعون ~~وكنوزه، أورثها الله تعالى بني إسرائيل، لا ms256 يقال: إن بني إسرائيل بعد أن ~~جاوزوا البحر فارين من فرعون، لم ينقل أنهم عادوا إلى مصر فكيف ورثوها؟ ~~لأنا نقول: هذه دعوى مجردة، بل قد نقل وثيمة بن موسى في قصص الأنبياء: أن ~~فرعون/ [193/ل] لما هلك وقومه وأمنت بنو إسرائيل غائلته ندب نقيبين من ~~نقبائه الاثني عشر: أحدهما: ثالب بن يوفنا والثاني: # يوشع بن نون، مع كل واحد من سبطه اثنا عشر ألفا، وأرسلهما إلى مصر، وقد ~~خلت من حامية لغرق أهلها مع فرعون، فأخذوا ذخائر فرعون وكنوزه، وعادوا إلى ~~موسى، فذلك توريثهم أرض مصر. PageV01P288 # بعدي» (1) وهارون خليفة موسى على أمته عند ذهابه لميقات ربه، فكذلك علي ~~يجب أن يكون خليفة محمد صلى الله عليه وسلم على أمته عند إجابته داعي ربه، ~~وربما قرروه بطريق آخر، وهو أنه لما استثنى النبوة من منازل هارون، دل على ~~أنه أثبت لعلي منه باقي المنازل الهارونية من موسى، ومن تلك المنازل أنه ~~خليفته في حياته، ولو عاش بعد وفاته، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~استخلف عليا في حياته عند خروجه إلى تبوك، ثم إنه عاش بعده مدة، فوجب أن ~~يكون خليفته بعد وفاته لتثبت له المنزلة الهارونية تحقيقا في الحياة ~~وتقديرا بعد الوفاة. # وأجاب الجمهور عن الطريقة الأولى بأن استخلاف موسى لهارون كان في حياته، ~~ودعواكم استخلاف علي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والحياة والوفاة ~~نقيضان لا يصح قياس أحدهما على الآخر، وعن الطريقة الثانية بأنا لا نسلم أن ~~هارون/ [91 أ/م] لو عاش بعد موسى كان خليفة بعده، وحينئذ لا تثبت هذه ~~المنزلة لهارون، فلا تثبت لعلي لأنه مشبه به، وفرع عليه. # {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} (143) ~~[الأعراف: 143] يحتج به الجمهور على جواز رؤية الله-عز وجل- وإلا لكان موسى ~~غير عارف بما ms257 يجوز على الله عز وجل وما لا يجوز، أو مجترئا عليه بسؤال ما ~~لا يجوز عليه، وكلاهما باطل، واعترض المعتزلة بأن قالوا: لم يكن سؤال موسى ~~الرؤية لنفسه، إنما كان لقومه حين قالوا: أرنا الله جهرة. وقد قوبلوا عليه ~~بالصعق والموت ولم يلزم من ذلك جهل ولا جرأة من موسى؛ إذ كان مبلغا عن ~~غيره، ومبلغ الكفر والمعصية ليس بكافر ولا عاص. # والجواب: أن هذا جهل بمراتب آي الكتاب ووقائعه، أو تجاهل بذلك، وذلك أن ~~موسى-عليه السلام-كان له مع الله-عز وجل-في هذا المقام ميقاتان: أحدهما هذا ~~وكان فيه وحده، وسأل الرؤية فيه لنفسه، والثاني بعد هذا، وهو مذكور بعد على ~~ترتيب / [194/ل] الواقع عند قوله-عز وجل-: {واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا ~~بما} PageV01P289 # {فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} (155) [الأعراف: 155] وهنالك ~~سأل قومه الرؤية، فأخذتهم الصاعقة، فهذا الاعتراض من المعتزلة فاسد، إما عن ~~غلط أو مغالطة. # {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} (143) ~~[الأعراف: 143] احتج به المعتزلة على عدم جواز رؤيته-عز وجل -لأنه نفى رؤية ~~موسى له بلن المقتضية لتأبيد النفي، وذلك يقتضي انتفاء رؤيته إياه في ~~الدنيا والآخرة، وإذا لم يره موسى في الدارين مع أن الكليم القريب، فغيره ~~ممن هو دونه بطريق أولى وغيره ممن هو مثله كذلك؛ إذ حكم المثلين واحد، ~~ولعدم القائل بالفرق. # وجوابه: لا نسلم أن «لن» تقتضي تأبيد النفي بدليل {ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} (95) [البقرة: 95] على ما قرر هناك، على ~~أنا لا نسلم أنه نفى جواز الرؤية بل وقوعها في الدنيا لا غير، ثم إن محمدا ~~صلى ms258 الله عليه وسلم والمسيح عليه السلام أفضل من موسى عليه السلام للإجماع ~~في محمد صلى الله عليه وسلم وما سبق في تقريره في المسيح، فلا يلزم من ~~انتفاء الرؤية [في حق موسى] انتفاؤها في حقهما، وإذا جازت لهما حصل المقصود ~~إذ النزاع في جوازها. # {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} (143) ~~[الأعراف: 143] احتج [به الفريقان]: أما الجمهور فقالوا: علق رؤيته على ~~استقرار الجبل حال التجلي: واستقراره حينئذ ممكن، فالرؤية إذن معلقة على ~~أمر ممكن وكل معلق على ممكن فهو ممكن فالرؤية ممكنة، وهو المطلوب، وأما ~~المعتزلة فقالوا: # إن الله-عز وجل-علم أن الجبل لا يستقر عند تجليه له وحينئذ إنما علق ~~الرؤية على استقرار الجبل حال اضطرابه واندكاكه للتجلي، واستقراره/ [91 ~~ب/م] حال اضطرابه PageV01P290 # محال، فالرؤية إنما علقت على محال [والمعلق على المحال محال] فالرؤية محال. # واعلم أن الجمهور لاحظوا إمكان استقرار الجبل لذاته حال التجلي، ولا شك ~~في إمكان ذلك بهذا الاعتبار. # والمعتزلة لاحظوا استحالة استقراره حال اضطرابه بحسب ما عرض له من هيبة ~~التجلي، واعتبار الشيء لذاته أولى من اعتباره بعارض له، فتلخص أن الدست ~~هاهنا للجمهور. # {فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] قالت ~~المعتزلة معناه: تبت إليك [مطلقا أو] من سؤال الرؤية [في الدنيا] وأنا أول ~~المؤمنين [بأنك لا ترى، وليس نصا فيما قالوه لاحتمال أن المعنى: تبت إليك ~~مطلقا أو من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا أول المؤمنين] بعظمتك حتى لا يثبت ~~لتجليك الجبال. # {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن ~~من الشاكرين} (144) [الأعراف: 144] عام أريد به الخاص أي على ناس عصره؛ إذ ~~لم يكن فيه نبي/ [195/ل] غيره، أما الأنبياء والرسل قبله وبعده فكثير، وأما ~~الكلام فخص به كفاحا على من عداه، ms259 إلا من خصه الدليل كنبينا صلى الله عليه ~~وسلم ليلة المعراج. # {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم} (153) [الأعراف: 153] ظاهرها وجوب قبول التوبة من التائب، لكن وجوبه ~~[من الله-عز وجل-] عند الجمهور وعليه عند المعتزلة كما سبق. # {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} ~~(155) [الأعراف: 155] يحتج به الجمهور على ما عرف من مذهبهم في الضلال ~~والهدى، وهو وأشباهه قاطع لأحبلة المعتزلة. # ويقال: إن الله-عز وجل-أخبر موسى بافتتان قومه من بعده بالعجل وهو يكلمه ~~على الطور فقال موسى: يا رب، هذا السامري صنع صورة العجل فمن نفخ فيه الروح ~~حتى خار؟ قال: أنا يا موسى، قال: فما أرى أضل قومي إلا أنت! فقال: أحسنت يا ~~حكيم الحكماء. وهذا نص في المدعي، وفيه أن الإيمان بالقدر وتفويض الأمر إلى ~~الله-عز PageV01P291 # وجل-من الحكمة. # {* واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي ~~أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون} (156) [الأعراف: 156] فيه أن مناط العذاب ~~والرحمة ومدارهما هو المشيئة لا الطاعة والمعصية ولا الاستعداد ونحوه، ويدل ~~على هذا أن الرحمة قد تلحق من لم يعمل خيرا ظاهرا قط ككافر يؤمن عند الموت، ~~والعذاب يلحق من تعبد طول عمره، كمؤمن كفر عند الموت وإنما الأعمال أمارات ~~قد تصدق وقد لا. # {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} (157) [الأعراف: ~~157] أما التوراة فالنبي صلى الله عليه وسلم مذكور فيها باسمه وصفته في عدة ~~مواضع على ما ms260 استخرجه العلماء في دلائل النبوة، ورأينا بعضه فيها من ذلك ~~قوله: واستعلن الله من جبال فاران، أي ظهر دينه من هناك، والمراد جبال مكة. ~~[92 أ/م] وأما الإنجيل فصفة النبي صلى الله عليه وسلم في فصل البارقليط من ~~إنجيل يوحنا على ما قررناه منه في مناقضة الإنجيل، هذا مع ما لحق الكتابين ~~من التحريف والتبديل، لكن بقاء ما ذكرناه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيهما من قبيل المعجز؛ لأن اجتهاد أمتين عظيمتين على إزالة ذكره من كتابين ~~لطيفي الحجم، ثم لا يستطيعون ذلك معجز لا شك فيه، وتعجيز إلهي لا ريب فيه. # ومعنى الآية: يجدون ذكره أو اسمه أو وصفه مكتوبا/ [196/ل] عندهم؛ إذ لا ~~يمكن أن تكون ذاته وعينه البشرية في الكتابين لما سبق من استحالة كون الاسم ~~هو عين المسمى. # {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} [الأعراف: 157] يحتج به من يرى ~~تحسين العقل وتقبيحه، ووجهه أن معنى الآية: يأمرهم بما يعرفون وينهاهم عما ~~ينكرون، إذ لو لم يكن كذلك لكان تقديره: يأمرهم بما جاء به، وينهاهم عما لم ~~يجئ به، أو يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم، وهو إما خلف من القول أو ~~تقصير في الوصف، فتعين أن المراد ما ذكرنا. PageV01P292 # ثم لا يخلو إما أن يكون المراد: يأمرهم بما يعرفون في الشرائع السابقة، ~~أو بما يعرفون في عقولهم، والأول باطل وإلا لكان شرع النبي صلى الله عليه ~~وسلم تابعا لشرع من قبله، وهو باطل؛ فتعين الثاني، وهو المطلوب. والقول ~~بالتحسين والتقبيح هو رأي المعتزلة ومن تابعهم. # والجمهور قالوا: إن الحسن والقبح يطلق باعتبارات ثلاثة: # أحدها: بمعنى الكمال والنقص؛ كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح، والثاني: ~~بمعنى ما يلائم الطبع وينافره كقولنا اللذة حسن والألم قبيح، والثالث: ~~بمعنى المدح والثواب على العمل شرعا أو الذم والعقاب شرعا، والحسن والقبح ~~بالاعتبارين الأولين عقليان، أي يدركان بالعقل، وبالاعتبار الثالث شرعيان، ~~أي لا يدركان إلا بالشرع، وهو محل النزاع، أما الأولان فمحل وفقا معهم، ~~وحينئذ يجوز حمل الآية على الاعتبار الأول ms261 أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر اللذين هما من باب الكمالات والنقائص؛ لأن ذلك هو الذي يحتاج إليه ~~في إقامة الدعوة، ويستميل القلوب إلى الإجابة، وأما المعروف والمنكر اللذان ~~بحسب الذم والمدح والثواب والعقاب، فيثبت حكمها بدليل منفصل. # وتحقيق مذهب المعتزلة في هذا أنهم لا يقولون: إن العقل حاكم موجب أو ~~محرم، وإنما يقولون: إنه مدرك بما جعل الله-عز وجل-فيه القوة/ [92 ب/م] أن ~~هذا الفعل ينبغي أو لا ينبغي، ويدرك إدراكا حكميا أي من حجة الحكمة أن هذا ~~الفعل مما تقتضي السياسة الشرعية أن يثاب أو يعاقب عليه لا أنهم يقولون: إن ~~الشارع إن لم يثب أو يعاقب عليه عوقب أو استحق العقاب، قالوا: وإنما قلنا ~~ذلك؛ لأن المعلومات/ [197/ ل] على ضربين حقائق وتكاليف؛ فالحقائق ثلاث: ~~واجب: وهو ما يلزم من عدمه محال لذاته، وممتنع: وهو ما لا يلزم من عدمه ~~محال لذاته، وممكن خاص: وهو ما لا يلزم محال وجوده ولا عدمه، والتكاليف ~~ثلاث: مأمور به، ومزجور عنه، ومخير فيه بين فعله وتركه، ثم لما كان العقل ~~يدرك أحكام الحقائق من حيث الجواز والامتناع والوجوب، فكذلك يدرك أحكام ~~التكاليف من حسن وقبح وما بينهما. # وأجاب الجمهور: بأنا لا نسلم أنه يلزم من إدراكه أحكام الحقائق العقلية ~~أنه يدرك أحكام التكاليف الشرعية، وهل محل النزاع بيننا إلا هذا بعينه؟ PageV01P293 # في عموم دعوة الإسلام مع نصوص أخر من الكتاب والسنة، وعارضه اليهود ~~والنصارى بقوله-عز وجل: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} (46) [القصص: 46] وذلك ~~يقتضي اختصاص دعوته بالعرب الأميين دون غيرهم من الأمم والفرق الذين سبقت ~~فيهم النذر، وأنزلت فيهم الكتب، وسيأتي جوابه في موضعه إن شاء الله-عز وجل. # {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين} (161) [الأعراف: 161] يحتج ~~به مع نظيره في البقرة على أن الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأن السجود قدم في ~~إحداهما ms262 وأخر في الأخرى والقصة واحدة، فلو كان للترتيب لزم اختلاف الخبر، ~~والكذب في أحد النصين وإنه محال. # {وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون} (163) [الأعراف: 163] يحتج بها الجبرية ونحوهم؛ لأن هذا اضطرار أو ~~شبيه بالاضطرار لهم إلى المعصية؛ لأنه ألقى عليهم شهوة السمك وحرم عليهم ~~العمل يوم السبت، ومنع الحيتان ألا تأتي إلا فيه فصار شبيها بما قيل: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء # وقد صرح بمعنى هذا حيث قال-عز وجل-: {وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة ~~البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون ~~لا تأتيهم} [163] قالت المعتزلة الفرق بينهما أن هؤلاء المعتدين في السبت ~~مختارون لصيد السمك بخلاف الملقى في الماء مكتوفا؛ إذ لا اختيار له، ثم ~~باقي الآية لنا وهو {كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] دل على ~~[أن ابتلاءهم] بذلك عقوبة على فسق صدر عنهم باختيارهم/ [198/ل] وهم علته ~~التامة. # وجواب الكسبية/ [93 أ/م] والجبرية عنه قد عرف. # ثم إن في ضمن هذه القصة احتيال أصحاب السبت على الصيد المحرم بأن نصبوا PageV01P294 # المصائد يوم الجمعة فوقع فيها الحيتان، ثم أخذوها يوم الأحد، وغالطوا ~~أنفسهم وظنوا أن ذلك [يخلصهم من اللائمة] فلم يخلصوا ولم يعذروا، ولم يعد ~~ذلك منهم كياسة وتلطفا في حصول المقصود، بل عد منهم مكرا قوبلوا بمثله ~~{استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} (43) ~~[فاطر: 43] فمسخوا قردة؛ لأنهم مسخوا حكم الله فأحالوه عن صورته بحيلتهم ~~فأحال الله-عز وجل-صورهم بحوله. # ويحتج بهذا من منع الحيل في أحكام الشرع، وهو مالك وأحمد ومن تابعهما، ~~خلافا للباقين في إجازتها، كالمخالعة والتحليل والمعاملة الربوية، ونحوها، ~~ولعلهم رأوا أن المنع من مثل ذلك تضييق في شرع من قبلنا من ms263 قبيل الآصار ~~والأغلال التي كانت عليهم، واستباحته لنا من باب الرخصة والتوسعة علينا؛ ~~لأن آصارهم وأغلالهم رفعت عنا ببركة نبينا صلى الله عليه وسلم كما سبق في ~~هذه الصورة قريبا، ولعل الخلاف مبني على مسألة شرع من قبلنا شرع لنا. # وأيضا العقود لها صور ومعان فاعتبار صورة العقد ومعناه كالعزيمة كما في ~~النكاح والبيع المجمع عليهما، واعتبار صورته فقط كالرخصة كما في التحليل ~~وبيع المعاملة، ونظيره من العقليات الحد التام من الجنس والفصل جميعا، ~~والفصل وحده حد ناقص، ولأن الصورة أمارة يدور الحكم عليها. # ولما قيل لهم: الحيلة قنطرة الحرام، قالوا: فقد حصل مقصودنا؛ لأن القنطرة ~~إنما وضعت لتمنع من الوقوع في الماء فالحيلة تخلصنا من الحرام. # واعلم أنهم غلطوا في هذا الفهم أو غالطوا؛ لأن أولئك إنما أرادوا أن ~~الحيلة قنطرة إلى الحرام: موصلة إليه لا أنها قنطرة عليه مخلصة منه، وفي ~~هذه المسألة بحث طويل هذا حاصله، وتعظيم الشعائر والحرمات في طرف من حرم ~~الحيل المخيلات. # {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} (164) [الأعراف: 164] تدل على وجوب ~~إنكار المنكر على من أصر عليه وعلم أنه لا يزدجر بشرط أمن المفسدة الراجحة؛ ~~وتفصيله أن الإنكار إن خلا عن مفسدة أصلا وجب، وإن استلزم مفسدة/ [199/ل] ~~راجحة لم يجب، وإن تضمن مفسدة مساوية لمصلحة احتمل الخلاف والتخيير والأولى ~~الترك؛ لأن تحريك الساكن يخشى منه التفاقم. PageV01P295 # {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} (165) [الأعراف: 165] اعلم أن أصحاب السبت ~~انقسموا إلى: مباشر للمعصية/ [93 ب/م] ومنكر لها ناه عنها، ولا مباشر ولا ~~منكر، فلم ينج من العذاب إلا الناهون، وأما العصاة فعوقبوا بمعصيتهم ~~والساكتون عنها عوقبوا لتركهم الإنكار الواجب. وتعلقت الشيعة بهذا؛ إذ ~~زعموا أن الصحابة انقسموا إلى: مؤذ لأهل البيت ومعين له، وساكت عن الإنكار ~~والنصرة مع القدرة، ومنكر منتصر بلسانه أو قلبه. قالوا: والفرق الثلاث ~~الأول هالكة ms264 والناجية هي الرابعة وهم الشيعة أولا وآخرا كما في أصحاب السبت. # وأجاب أهل السنة: بأنا لا نسلم أن أحدا من الصحابة رضي الله عنهم آذى أهل ~~البيت، ولو سلمناه لكن القرآن ورد بمدحهم، وذم أصحاب السبت فلا يصح قياس ~~أحدهما على الآخر؛ إذ هو قياس ضد على ضد، أو جمع حيث فرق النص، وهو فاسد ~~الاعتبار. # {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر ~~لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون} (169) [الأعراف: 169] تضمنت أن الكذب على الله-عز وجل-وكتبه ورسله ~~حرام لا يجوز أخذ الأجرة عليه، فيحتج به على أن تحريف التأويل والنصوص من ~~الكتاب والسنة والأحكام والفتاوى لا تجوز بعوض ولا محاباة ولا غيرهما، ~~خلافا لما حكي عن بعض الفقهاء أنه يفتى الأجانب بالعزائم والأقارب ~~والأصدقاء بالرخص، وإن ضعف مستندها في النظر. # قوله-عز وجل-: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين} (172) [الأعراف: 172] دلت على أن الذرية أخذت من ظهور بني آدم، ~~والتفسير بأنها أخذت من ظهر آدم، وكلاهما حق؛ لأن الذرية استخرجت في هذا ~~المقام على ترتيبها وتفصيلها ذرية آدم من ظهره، ثم ذرية كل واحد من بنيه من ~~ظهره؛ كما إذا فرضنا ألف صندوق بعضها في بعض في كل صندوق شيء من الجوهر ~~فاستخرجنا بعضها من بعض. PageV01P296 # {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} (172) ~~[الأعراف: 172] تقرير لهم بالتوحيد والربوبية {قالوا بلى} [الأعراف: 172] ~~المشهور أن بلى حرف إيجاب يجاب به النفي، فيقرر خلاف مضمونه، فلست بربكم ~~مضمونه سلب الربوبية، وبلى قررت خلاف هذا السلب وهو إثبات الربوبية ونعم ~~لكونها مقررة لمضمون ما قبلها لم تصلح هاهنا، وإلا ms265 كان تقريرا لسلب ~~الربوبية/ [200/ل] وإنه كفر. # ويحكى أن ابن الأنباري (1) دعي في جماعة ليشهد على شخص، فقال بعضهم ~~للشخص: ألا [نشهد عليك؟ فقال: نعم، فشهدوا عليه إلا ابن الأنباري امتنع، ~~فقيل له في ذلك؛ فقال: هذه الشهادة لا تصح على موجب اللغة؛ لأنه إنما قرركم ~~على ألا] تشهدوا عليه، كأنه قال: نعم لا تشهدوا علي. # واعلم أن حكم هذه الشهادة على موجب الفقه أنها تصح على عامي لا يفرق بين ~~بلى ونعم دون عالم يفرق بينهما، فلعل ابن الأنباري أخذ بالأحوط الذي لا ~~يعترض فيه/ [94 أ/م] احتمال خلاف، أو أنه أراد بيان هذا الحكم اللغوي ~~لأصحابه. # وقد ذكر ابن الأنباري في بعض كتبه أن بلى مركبة من بل الإضرابية ولا ~~النافية، ويتضح معناها في مواردها مطردة على ذلك، فإذا وقعت في جواب السلب ~~كان معناها سلب سلب ما بعدها، وسلب السلب إيجاب؛ فمعناها الإيجاب، مثاله في ~~هذه الآية لما قيل: (ألست بربكم قالوا بلى) أي بل لا لست ربنا وهو في قوة. ~~بل أنت ربنا؛ لأن لا للسلب و «لست» للسلب وسلب السلب إيجاب، فسلب سلب ~~الربوبية إيجاب لها، فاعلم ذلك، ثم في الآية سؤلان أحدهما أنه لو سبق للناس ~~مقام شهدوا فيه بالتوحيد، وأخذ إقرارهم به لكانوا الآن يذكرون ذلك، وجوابه: ~~أنهم كانوا حينئذ نفوسا، أو أرواحا مجردة، والذكر إنما هو بحاسة بدنية أو ~~متعلقة بالبدن، والبدن وقواه ومتعلقاته إنما حدث بعد ذلك، فلذلك لم يذكروا ~~ذلك المقام الآن، وإنما هذا السؤال كمن يقول: لو كان زيد حضر عند السلطان ~~لكان ثوبه عليه، وهو غير لازم لجواز حضوره مجردا عن لباس، PageV01P297 # ويحتمل أن يكون تجرد النفس شرطا في ذكر ذلك، أو تعلقها بالبدن مانعا منه، ~~فإذا تجردت بالموت كشف عنها غطاؤها فأبصرت ما بين يديها ووراءها. # السؤال الثاني: كيف قامت عليهم الحجة الآن بذلك الإقرار وهم لا يذكرونه؟ # وجوابه: أن المراد ليس إقامة الحجة عليهم الآن، بل تقوم يوم القيامة {أن ~~تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ms266 هذا غافلين} (172) [الأعراف: 172] وهم يومئذ ~~يذكرون ذلك المقام إما بخلق الذكر فيهم أو بإزالة الموجب للنسيان، ثم لا ~~يمتنع قيام الحجة عليهم بما لم يذكروا كما لزمهم الإيمان بما لم يدركوا، ~~ولأن الصادق أخبرهم بوقوع ذلك المقام فلزمهم تصديقه ثم تقوم/ [201/ل] الحجة ~~عليهم بذلك، كما لو علم الشاهد أن هذا خطه ولم يذكره. # ثم ربما ظن ظان أن الذرية إنما تكون للرجال دون النساء؛ لقوله-عز وجل: ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] ولم يقل من ~~بناته، ولا من ولده، وليس كذلك بدليل قوله-عز وجل: {فلما وضعتها قالت رب ~~إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم ~~وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} (36) [آل عمران: 36] وإنما قال: ~~بني آدم، تغليبا لجانب الذكورية على ما هو المعتاد فيه. # {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} (178) [الأعراف: # 178] يحتج به الجمهور في أن الهدى والإضلال من فعل الله-عز وجل-وخلقه ~~وأنهما ينسبان إليه من هذه الجهة. # والمعتزلة يتأولون ذلك على أنه يهدي ويضل بفعل الألطاف أو منعها، ثم إذا ~~قيل لهم: # منع اللطف إما موجب/ [94 ب/م] للضلال فيلزمكم المحذور كما لو كان هو ~~الخالق له، أو غير موجب له فلا يؤثر. قالوا: منع اللطف واسطة بين ما ذكرتم، ~~وهو أنه مرجح للضلال غير موجب له، وإنما الموجب له اختيار العبد وفعله، ~~وحينئذ يقال لهم: الموجب له فعل المكلف وحده أو مع منع اللطف، الأول باطل؛ ~~لأنه إنما فعل شيئا يرجح وقوعه فاستحال استقلاله به بعد ذلك فتعين الثاني، ~~وهو أن الموجب للفعل العبد مع منع اللطف؛ فيلزمكم إيقاع المقدور من قادرين، ~~وأن ينسب إلى الله-عز وجل-من الجور الذي PageV01P298 # تفرون منه بقدر تأثيره في الفعل بمنع اللطف. # أو يقال لهم: العبد هو الموجب الكامل للفعل، أو يشاركه فيه منع اللطف ~~ويعود ما ذكرناه، وهذا تحقيق مع المعتزلة في البحث، وهو صعب عليهم. # {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب ms267 لا يفقهون بها ولهم ~~أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون} (179) [الأعراف: 179] يحتج به الجمهور أيضا، وتقريره أن ~~هذا يقتضي أن الإرادة والعلم تعلقا بأن هؤلاء للنار ثم خلقوا لأجلها، فكان ~~تعلق الإرادة والعلم بأنهم للنار موجبا لصدور المعاصي التي هي أمارة العقاب ~~منهم، وإلا انقلب العلم الأزلي جهلا والإرادة غير مؤثرة وإنه محال. # ويجاب بأن اللام في: «لجهنم» للعاقبة، أي: ذرأناهم للجنة على تقدير أن ~~يطيعوا فعصوا فكانت عاقبتهم إلى النار، ثم لا نسلم أن تعلق العلم والإرادة ~~بشيء ما يكون موجبا له؛ إذ شأن العلم الكشف، وشأن الإرادة التخصيص وإنما ~~الإيجاب والتأثير/ [202/ل] للقدرة فلا يعترض عليها غيرها من الصفات؛ إذ لكل ~~صفة وظيفة تختص بها، ويعترض على هذا الجواب بأن لام التعليل أكثر من لام ~~العاقبة، فحمل هذا اللازم على الأكثر أولى. # وأما قولهم: العلم والإرادة ليسا موجبين، قلنا: نعم لكنهما يستتبعان تعلق ~~القدرة على وفق ما تعلقا به، وإلا تناقض مقتضى الصفات الأزلية أو الأحوال ~~أو الذات على الخلاف في ذلك، وإنه محال، مثاله: لو تعلق العلم والإرادة به ~~بأن زيدا في النار، فالقدرة إن تعلقت بذلك فهو المطلوب، وإن تعلقت بخلافه ~~تناقضت الصفات في مقتضاها ولزم النقص في [هذه الصفة] التي لا يوجد متعلقها ~~أو الجمع بين المتعلقات المتنافية وأنه محال هذا بحث جيد فتدبره. PageV01P299 # الحسنى كلها أسماء بالاصطلاح النحوي، وعلى التفسير اللغوي ليس فيها اسم ~~إلا الله والباقي صفات: إما ثبوتية، أو سلبية، أو إضافية، أو مركبة من ذلك. # {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} (182) [الأعراف: # 182] إن قيل: استدراجهم إما إلى كمال المعصية، فتكذيبهم الآيات كفر عظيم، ~~فلا فائدة للاستدراج، [أو إلى الإهلاك فالله-عز وجل-قادر على إهلاكهم ~~مجاهرة على كفرهم في الحال، فلا فائدة للاستدراج]. # ويجاب بأن فائدته الإملاء لهم ليؤخذوا على غرة وغفلة من غير توبة؛ كما ~~قال-عز وجل-: {وأملي لهم إن كيدي متين} (183) [الأعراف: 183] {ومن الإبل ~~اثنين ومن البقر اثنين ms268 قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (144) [الأنعام: # 144] [وحينئذ يقال] للمعتزلة: أنتم توجبون رعاية الأصلح، والأصلح لهؤلاء ~~أن يؤخذ بقلوبهم إلى الطاعة والإيمان، لا أن يستدرجوا إلى الموت على الكفر ~~والعصيان، لكن إن كانوا لا يقولون بوجوب رعاية الأصلح مطلقا، بل بوجوبها في ~~مقدمات التكليف وما يتوقف عليه لم يلزمهم هذا السؤال، غير أن المشهور عنهم ~~الإطلاق حتى التزمه/ [203/ل] بعضهم في دخول النار لأهلها، وقال: هو أصلح ~~لهم، وقد حصل. ثم يقال: # استدراجهم إلى أخذهم على غرة وغير توبة، إما موجب لمقصوده فيلزم الجبر ~~وعدم رعاية الأصلح، أو غير مؤثر أصلا، وهو نقص في القدرة والإرادة، وهو ~~محال أو مرجح لمقصوده من غير إيجاب، فيلزم مقدور بين قادرين، وإعانة الله- ~~عز وجل-لهم على فعل القبيح فيستحق من الذم ونسبة الجور إليه بقدر مشاركته ~~في ذلك، وكله محال، فدل على صحة مذهب الجبر والتفويض. # {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} (185) [الأعراف: 185] في هذه ~~الجملة مسائل: الأولى: وجوب النظر على المكلفين؛ لأنه-عز وجل-أنكر تركه على ~~هؤلاء المكذبين، وذلك يقتضي وجوبه. # الثانية: أن النظر طريق إلى العلم بالمنظور فيه، وإلا لم يكن لإيجابه ~~وإنكار تركه معنى، PageV01P300 # والواقع قاطع في ذلك؛ إذ قد أدرك بالنظر علوم كثيرة. # الثالثة: أن المخلوقات بأسرها من حيث هي حكمة ومن حيث هي كل فرد فرد تدل ~~على وجود الصانع وقدمه؛ لأن/ [95 ب/م] كل فرد من أفراد المخلوقات هو إما ~~جوهر أو عرض على رأي المتكلمين، وهو إما هيولي أو صورة أو جسم أو عقل أو ~~نفس على رأي الفلاسفة، وعلى كل تقدير فذلك الفرد موجود فله موجد وليس موجده ~~نفسه، وإلا لزم الدور، فهو غيره وهو إما معدوم وهو محال إذ المعدوم لا ~~يؤثر، ms269 أو موجود، وهو إما حادث؛ فيلزم الدور أو التسلسل، أو قديم وهو ~~المطلوب. # وهذا مستفاد من قوله-عز وجل-: {وما خلق الله من شيء} [الأعراف: 185] أي: ~~كل شيء من المخلوقات يدل على صانعه هذه الدلالة، والنظر إما بالبصر وهو ~~الرؤية أو بالقلب وهو العطف والرحمة، أو البصيرة وهو المراد هاهنا، وهو ~~ترتيب أكثر من تصديق معلوم ترتيبا خاصا لاستعلام مجهول. # {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} (187) [الأعراف: # 187]، يحتج بها الجمهور على رأيهم المشهور: وهو أن الله-عز وجل-خالق ~~الضلال. PageV01P301 # عدد أيام الأسبوع، غير أن كل يوم منها اثنان وسبعون ألف سنة، وأن المنقضي ~~منها إلى وقت الطوفان المائي النوحي ستة أيام وقد بقي منها يوم واحد قد ~~انقضى منه إلى عامنا هذا وهو عام «ست عشرة وسبعمائة» للهجرة ما بينه وبين ~~الطوفان وهو نحو ثلاثة آلاف سنة تقريبا؛ فالباقي على قوله من أيام العالم ~~نحو تسعة وستين ألف سنة، وزعم هذا القائل أن هذا أمر مبرهن، وذكر برهانه ~~عليه في تاريخه، غير أن هذا بعيد لوجوه يستغنى عن ذكرها بأن هذا القول ~~دهرية صغرى، فالأشبه الأول إن شاء الله، عز وجل. # {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} ~~(188) [الأعراف: 188] يعني أن علم الغيب من خواص الإله لا من شأن الرسل؛ إذ ~~إنما شأنهم التبليغ، كما قال: {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} ~~[الأعراف: 188]. # ورأيت بعض من ينسب إلى فضيلة ما يستشكل هذه الملازمة المذكورة [في ~~الآية]، وهي الاستكثار من الخير على تقدير علم الغيب، وما ظننت أحدا يستشكل ~~ذلك لوضوحه، فإن من علم الغيب/ [96 أ/م] علم أسباب الخير فتلقاها وأسباب ~~الشر (فتحاماها)، ألا ترى أن من مر بأرض فعلم أن بها كنزا سعى في إخراجه ~~لينتفع به، ولو علم أن فيها نارا محرقة أو بئرا مهلكا أو ثعبانا ناهشا حاد ~~عنها، فهذا أمر واضح لا ms270 يخفى عن ذي لب. # {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} ~~(190) [الأعراف: 190] [زعم بعضهم أن المراد آدم وحواء؛ كانا لا يعيش لهما ~~ولد فقال لهما إبليس: سموه عبد الحارث وهو اسمه؛ فإنه يعيش. فسمياه، فعاش ~~فنقم الله-عز وجل- عليهما ذلك، ويحتج به من يجيز الكبائر على الأنبياء؛ لأن ~~هذا كبيرة، وقد صدر من آدم وهو نبي، ولا برهان على ثبوت هذا عن آدم سمعي ~~ولا نظري، غير أن ظاهر الآية ونظمها يقتضيه، فالله-عز وجل-أعلم]. # وحمله بعض المفسرين على إشراك المشركين عموما بدليل أن في سياقه متصلا به: # {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ~~(190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} (191) [الأعراف: 190 - 191] وهو ~~جمع يطابق كثرة المشركين لا تثنية آدم وحواء. PageV01P302 # {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} (195) ~~[الأعراف: 195] احتج بها بعض المشبهة على إثبات الرجل واليد والعين والأذن ~~لله- عز وجل-محتجا بأن الآية دلت على أن عدم هذه الجوارح صفة نقص للأصنام ~~تمنعها من استحقاق الإلهية فإثباتها يجب أن يكون صفة كمال لله-عز وجل-مصححة ~~لاستحقاق الإلهية عملا بموجب قيام العكس، ويجاب عنه بأن ليس معنى الآية ما ~~فهمتم إنما معناه: أن الإنسان مع ثبوت هذه الجوارح قاصر عن رتبة الإلهية، ~~والأصنام لفقد هذه الجوارح وغيرها/ [205/ل] قاصرة عن رتبة الإنسان، والقاصر ~~عن الشيء أولى بالقصور عن ذلك الشيء، أو نقول: الصنم قاصر عن رتبة الإنسان، ~~والإنسان قاصر عن الإلهية، فالصنم قاصر عن الإلهية. وهذا أبلغ في ~~الاستدلال، وإذا أمكن حمل الآية على هذا الوجه التنزيهي لم يجز حملها على ~~تفسيركم التشبيهي. # {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ~~(198) [الأعراف: 198] يحتج به المعتزلة على أن قوله-عز وجل-: {وجوه يومئذ ~~ناضرة (22) إلى ربها ناظرة} (23) [القيامة: 22، 23] لا يقتضي رؤية الله-عز ~~وجل- وإبصاره؛ لأن الآية المذكورة تضمنت إثبات النظر المقرون بإلى ms271 مع نفي ~~الرؤية والإبصار، فدل على أن الأول لا يلزمه الثاني. # وجوابه: أن المشار إليه في الآية هم الأصنام، كأنهم ينظرون إلى الإنسان ~~إذا قابلهم، لكونهم مصنوعين على صورة الإنسان، و [هم] لا يبصرون إبصارا ~~حقيقيا لكونهم جمادا، بخلاف الحي إذا نظر إلى شيء فإن إبصار ذلك الشيء يحل ~~لا محالة عند انتفاء موانع الرؤية. # {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (199) [الأعراف: 199] وعيدي ~~محكم أو منسوخ بآية السيف. # {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} (200) ~~[الأعراف: # 200] فيه إثبات الشيطان ونزغه وتعريضه بالإنسان في يقظته ومنامه، وإن ~~الإنسان إذا وجد بعض ذلك يتعوذ بالله-عز وجل-من الشيطان وبذكر/ [96 ب/م] ~~الله عز وجل-يذهب غيه الشيطاني ويبصر رشده الرحماني. PageV01P303 # {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} (206) ~~[الأعراف: 206] إشارة إلى الملائكة أو إلى الملأ الأعلى منهم. # واحتج به من رأى الملائكة أفضل من البشر؛ لأنهم وصفوا بعندية مضافة إلى ~~الله-عز وجل-دون البشر، فكانوا أشرف وأفضل. # [ويحتج به من يثبت الجهة حملا للعندية على المكانية، وحملها خصمه على ~~العندية المكانية القربية التشريفية، والله-عز وجل-أعلم بالصواب]. # ... PageV01P304 ### | AUTO القول في سورة الأنفال # {يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} (1) [الأنفال: 1] كانت كذلك يوم ~~بدر، ثم نسخت بقوله-عز وجل-: {*واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ~~وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء ~~قدير} (41) [الأنفال: 41] على ذلك التفصيل. # {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} (2) [الأنفال: 2] هذا حصر للمؤمن الكامل ~~لا لمطلق المؤمن؛ بدليل أن المؤمن يصدق بدون بعض هذه الصفات بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» (1) لا يقال: إن من ~~كان بهذه الصفة استلزم الصفات التي في الآية لأنا لا نمنع من ذلك، ms272 ولا دليل عليه. # {يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} (6) ~~[206/ل] [الأنفال: 6] إشارة إلى كراهة ذلك من فاعله فيقتضي تحريم الجدال في ~~الحق بعد بيانه، وذم من فعله، وأن الجدال كذلك هو المذموم، لا مطلق الجدال ~~كما مر. # {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم} (17) [الأنفال: 17] يحتج به ~~الفريقان، أما المعتزلة فبقوله-عز وجل-: {وما رميت إذ رميت} [الأنفال: 17] ~~أضاف الرمي إليه، وأما الجمهور فبقوله-عز وجل-: {وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى} [الأنفال: 17] نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأثبته ~~لنفسه، وقد حقق ذلك بعض المفسرين فقال: الرمي بالتراب أو الحجر اشتمل على ~~قبض وإرسال، وهما من النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P305 # وعلى تبليغ وإصابة، وهما لله-عز وجل-ف {وما رميت} باعتبار هذين {إذ رميت ~~ولكن الله رمى} باعتبار الأولين، وهما عند الجمهور كسب له لا خلق. # {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (23) ~~[الأنفال: 23] هذا ظاهره مشكل لأنه على صورة قياس مركب من شرطيتين؛ ينتج من ~~الشكل الأول: لو علم الله فيهم خيرا لأعرضوا عن الحق، وذلك يستلزم خلاف ~~مقتضى العلم الأزلي، وأنه محال، وأجيب عنه من وجهين: أحدهما: أن معناه: لو ~~أسمعهم على تقدير أن لا يعلم فيهم خيرا لأعرضوا، وتقريره: أن الجملة ~~المذكورة متضمنة قياسين استثنائيين حذف من كل واحد منهما مقدمته ~~الاستثنائية لظهورها، أحدهما: لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، لكنه لم يعلم ~~فيهم خيرا فلم يسمعهم. # والثاني: لو أسمعهم لتولوا، أي: على تقدير ألا يعلم فيهم خيرا كما دل ~~عليه الاستثناء قبله، لو أسمعهم لتولوا لكنه لم يسمعهم، يعني الدواب البكم ~~الصم، فلم يتصور منهم التولي والإعراض. هذا تقريره على رأي المفسرين. # الثالث: على رأي المنطقيين: أن شرط إنتاج/ [97 أ/م] الشكل الأول كلية ~~كبراه، والكبرى هاهنا وهي {ولو أسمعهم} [الأنفال: 23] ليست كلية إذ ليست ~~مسورة بكلما ونحوها على ما عرف ms273 في موضعه، فلذلك لم تنتج الأشكال المذكورة. # وفي هذه الآية إشارة إلى ما قررناه في سر القدر في مقدمة هذا الكتاب، وهو ~~أن الله- عز وجل-لو فرض أعمال العصاة إليهم لما كانت إلا معصية بحسب علمه ~~فيهم، فرجح جانب الجبر، وأجراهم على مقتضى العلم. # {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} (24) [الأنفال: 24] أي: # يخلق الدواعي والصوارف في القلب يحول بين المرء وإرادته، فربما أراد ~~الإنسان بطبعه، أو عقله شيئا فيخلق فيه الصارف عنه والداعي إلى خلافه. # ومن هاهنا أخذ بعض العارفين حين سئل: بماذا عرفت ربك؟ فقال: بنقض ~~العزائم، أي إنه يعزم على شيء فينقضه الله-عز وجل-عليه بما يخلقه في قلبه ~~من الصارف عنه، وهذا من أدلة الجمهور على المعتزلة؛ لأن فعل الإنسان إنما ~~يتم بإرادته، وإذا حال الله-عز وجل-بينه وبين إرادته امتنع مقتضاها ووجب ~~مقتضى الصارف، مثاله لو أراد أن يصلي PageV01P306 # فصرفه الله-عز وجل-عن الصلاة إلى الأكل لامتنعت منه الصلاة حينئذ، ووجب ~~الأكل، والممتنع لا يوجد سواء امتنع لذاته أو لغيره. # {وأنه إليه تحشرون} [الأنفال: 24] فيه إثبات المعاد. # {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد ~~العقاب} (25) [الأنفال: 25] يحتمل أن المراد: اتقوا معصية لا يختص عقابها ~~بمباشريها، بل يتعدى إلى من ترك إنكارها، فيكون فيها حجة على وجوب إنكار ~~المنكر، وأن تارك الإنكار مع القدرة في حكم فاعل المنكر في لحوق الوعيد، ~~كما أن الردء كالمباشر في قطاع الطريق، وسامع الغيبة أحد المغتابين، وراوي ~~الكذب عالما به أحد الكذابين، ونحو ذلك. # ويدل على هذا التأويل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا ~~ظهر فيكم المنكر فلم تنكروه أوشك أن يعمكم الله بعقاب من عنده» (1). # {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} (29) [الأنفال: 29] أي: هداية تفرقون بها ~~بين الحق والباطل، وهذه أدل على هذا المطلوب من قوله-عز ms274 وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق ~~وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ~~أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن ~~لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} PageV01P307 # {وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ~~واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} (282) [البقرة: 282] لاحتمال ~~أن هذه اتفاقية اقترانية فقط لا لزوم فيها بين التقوى والتعليم بخلاف/ ~~[208/ل] {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: ~~29] فإنها شرطية لزومية. # وتوجيه ذلك: أن المتقي ولي الله، وولي الله-عز وجل-مهدى إلى الحق، ~~فالمتقي مهدي إلى الحق، أما الأولى فلقوله-عز وجل-: {ألا إن أولياء الله لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} (62) [يونس: 62] وصف الأولياء بالتقوى فالولي ~~متق، والمتقى ولي، لأنهما متساويان، فينعكس أحدهما على الآخر لخصوص المادة، ~~وإن كان/ [97 ب/م] الموجب الكلي لا ينعكس كليا. # وأما الثانية فلقوله عز وجل: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا} (2) [الطلاق: 2] ~~أي، من المضايق الحسية والعقلية؛ لأن اللفظ يعمهما، واشتباه الحق بالباطل ~~من المضايق العقلية، فالمتقي يجعل له منها مخرجا بأن ينصب له علم فرقان بين ~~الحق والباطل. وأيضا: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه والله بكل شيء عليم} (11) [التغابن: 11]. # {* واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ms275 لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير} (41) [الأنفال: 41] عام ~~خص بسلب المقتول مبارزة تغريرا فإنه لقاتله غير مخموس وما كان أن من جنس ~~هذه الصورة. PageV01P308 # والصوارف. وذلك لأن الله-عز وجل-لما أراد بموجب علمه السابق هلاك الكفار ~~ببدر ونصرة دينه ورسوله والمؤمنين-حرك قريشا على إرسال عيرهم إلى الشام مع ~~أبي سفيان على عادتهم في التجارة، ثم حرك لأخذها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه من المدينة فأرصدوا لها على ماء بدر، فعلمت قريش، فتحركت لحفظ ~~مالها، فجاءوا حتى التقى الجمعان بعدوتي بدر المذكورتين هاهنا. # كل ذلك بإرادة الله-عز وجل-وما خلقه في قلوب الفريقين من الدواعي ~~والصوارف، ولولا ذلك لكانوا لو تواعدوا إلى هناك لاختلفوا في الميعاد؛ ~~ليعلم أن لا مراد لله إلا كائن، ولا كائن إلا مراد. # فإذا شغب هاهنا ذو اعتزال حكم على/ [209/ل] عقله عنه بالانعزال. # {إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور} (43) [الأنفال: 43] قيل: المنام ~~هاهنا محل النوم وهو العين والرؤية، لذلك كانت يقظة، وقيل: المنام على ~~ظاهره في أنه خلاف اليقظة فكان ذلك رؤيا لا رؤية. لكن رؤيا النبي صلى الله ~~عليه وسلم حق ووحي، فعلى كلا التقديرين يستدل بالآية على أن لله-عز وجل-أن ~~يظهر الأشياء على خلاف حقائقها في نفس الأمر لحكمة، كما أظهر هاهنا قلة ~~الكفار، وهم في نفس الأمر كثيرون لئلا يفشل ويتنازع المؤمنون. ثم لا يعد ~~ذلك منه سبحانه وتعالى خطأ ولا كذبا ولا جهلا، ولا يعد بالكلية نقصا، بل ~~يعد حكمة وحكما، {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا ~~الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل ~~شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفاتحين} (89) [الأعراف: 89]. PageV01P309 # عز وجل-والجميع ممكن مقدور. ms276 # {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} (48) [الأنفال: 48]، جاء في ~~التفسير: أن إبليس تراءى لكفار قريش/ [98 أ/م] على صورة سراقة بن مالك بن ~~جعشم؛ فغرهم بغروره حتى شركوه في ثبوره، ففي ذلك دليل على أن الشياطين تظهر ~~لبعض الإنس، وتتصور بما شاءت من الصور، وشواهده كثيرة، والكل ممكن مقدور. # {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (63) [الأنفال: 63]، اعلم أن الحق سبحانه ~~وتعالى لما كان هو الواحد بالحقيقة والوحدة من خواصه-كانت قوته وبطشه في ~~وحدته فلا يحتاج إلى تكثير من قلة، ولا تقوية من ضعف، والخلق لما كان ~~التعدد والكثرة والتركيب من لوازمهم-كانت قوتهم في اجتماعهم وكثرتهم، وشرط ~~اجتماعهم اتفاقهم، واتفاقهم إنما يكون بميل القلوب بعضها إلى بعض، وقد سبق ~~الله-عز وجل-هو المتصرف في القلوب بخلق الدواعي والصوارف، وأنه يحول بين ~~المرء وقلبه، فكان أمر الله تأليف القلوب وتفريقها إليه-عز وجل-لا إلى ~~غيره، ثم خلق دواعي الميل والألفة قد يكون مجردا عن سبب/ [210/ل]، وقد يكون ~~مبنيا على سبب، إما (صالح كالإسلام) وظهور المعجزات في تأليف قلوب الصحابة ~~ونحوهم من أتباع الرسل، أو فاسد كأكل الحرام ونحوه في تأليف قطاع الطريق ~~ونحوهم من المفسدين. # {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} (64) [الأنفال: 64] قيل: # معناه يكفيك ويكفي من اتبعك، فمن عطف على الكاف في {حسبك} [الأنفال: 64] ~~محلا. وقيل: هي عطف على الله، أي: ويكفيك المتبعون من المؤمنين؛ بدليل {هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [الأنفال: 62] فالكفاية هاهنا مضافة إلى الله- ~~عز وجل-خلقا، وإلى المؤمنين سعيا وكسبا على رأي الجمهور. # {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] نسخت بما بعدها PageV01P310 # إحداهما: نسخ الحكم إلى أخف منه؛ لأن ثبوت الواحد لاثنين أخف من ثبوته ~~لعشرة، ويجوز أيضا إلى الأثقل والمساوي. ms277 # الثانية: قوله-عز وجل-: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} ~~[الأنفال: 66] احتج بها هشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة على حدوث علم ~~الله-عز وجل-وأنه لا يعلم شيئا حتى يكون؛ استدلالا بقوله: {خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا} [الأنفال: 66] عطف العلم على التخفيف ثم التخفيف حادث ~~لتقييده بالآن، فكذا ما عطف عليه. # وجوابه: أن المعطوف إنما يشارك المعطوف عليه وجوبا في الإعراب ونحوه؛ أما ~~في الأحكام العقلية فلا، وإنما معنى الآية: الآن خفف الله عنكم، وقد علم-أي ~~في الأزل- أن فيكم الآن ضعفا عما كلفتموه فخففه/ [98 ب/م] عنكم بالنسخ. ~~غاية ما يلزم منه استعمال الفعل الماضي في موضع الحال بدون قد، وهو مذهب ~~الكوفيين خلافا للبصريين، وشاهده: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله ~~لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما ~~جعل الله لكم عليهم سبيلا} (90) [النساء: 90] مع شواهد أخر في كلام العرب. ~~وعلى رأي البصريين] تكون قد مقدرة، ولعل هشاما بنى ذلك على جواز قيام ~~الحادث بذات الله-عز وجل-أو على أنه يعلم بعلم حادث لا في محل كالإرادة ~~عنده وعند أصحابه، وكلا الأمرين فاسد، وتأسيس بنيان جوار على شفا جرف هار. # {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم} (67) [الأنفال: 67] يحتج بهما على أمرين: # أحدهما: أن الأنبياء/ [211/ل] يجوز منهم الصغائر. الثاني: وقوع الخطأ ~~منهم في الاجتهاد. ثم ينبهون عليه، وقد سبق هذا في سورة النساء. # والحق أن الأنبياء-عليهم السلام-معصومون مطلقا، وما عوتبوا عليه، فإنما ~~هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو نحو ذلك والله-عز وجل-أعلم ~~بالصواب. # ... PageV01P311 ### | AUTO القول في سورة براءة # {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} (6) [التوبة: 6] يحتج به الصوفية، وقد سبق القول فيه. # {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل ms278 الآيات ~~لقوم يعلمون} (11) [التوبة: 11] يحتج به من رأى تكفير تارك الصلاة تكاسلا، ~~وهو مذهب أحمد، وتقريره أنه علق كونهم إخواننا في الدين على إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة بحرف إن، والمعلق بها عدم عند عدم ما علق عليه عملا بموجب ~~مفهوم الشرط، فكونهم إخواننا في الدين منتف عند انتفاء إقامتهم الصلاة، ~~وذلك يقتضي كفرهم؛ لأن المؤمنين إخواننا وهؤلاء ليسوا إخواننا، فهؤلاء ~~ليسوا مؤمنين، وأكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «بين العبد والكفر ترك ~~الصلاة، فمن تركها فقد كفر» حديث صحيح؛ ولأنه ركن يدخل في الإسلام بفعله ~~فخرج منه بتركه كالشهادتين. # واعترض عليه بأن الآية في الكفار الأصليين ونحوهم بعلة الكفر، وترك ~~الصلاة وغيرها من أعمال الكفار، فلا يلزم مثله في غيرهم. # وعن الحديث بحمله على التغليظ أو كفر النعمة، بدليل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» (2) ونحوه من العمومات المانعة ~~من تكفير تارك الصلاة. # وعن القياس: بأنا لا نسلم دخوله في الإسلام بفعل الصلاة، سلمناه لكن لا ~~نسلم أن كفره بترك الشهادتين معلل بأنه يدخل في الإسلام بهما، بل لأن ~~امتناعه منهما دل على كفر باطن؛ فحكم بكفره لذلك. # وقد نقل عن أحمد أنه رجع عن هذا القول إلى موافقة باقي الأئمة. # {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد} PageV01P312 # {عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم} (28) / [99 أ/م] [التوبة: 28] فيه أن شعائر الله-عز وجل-يجب تعظيمها، ~~ولا يتسامح فيها بجعل يؤخذ من الكفار، وقد جرت عادة اليهود ببيت المقدس أن ~~يدخلوا المسجد فيصلون إلى قبة/ [212 ل] الصخرة آمنين يرفعون أصواتهم ~~بكتابهم يجعل يبذلونه لولي الأمر، وهذه الآية نص أو كالنص في منع ذلك. # {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} (30) ~~[التوبة: 30]، اليهود فهاهنا طائفة مخصوصة منهم يقال لهم: العنابة فيما ~~أقول، وليس ذلك ms279 قولا لجميعهم، وإنما زعموا ذلك في عزير؛ لأن بخت نصر لما ~~أحرق التوراة أملاها عزير من حفظه، فقالوا: ما حفظها إلا وهو ابن الله، ~~تعالى الله عن قولهم. # ويحكى عن ابن كمونة شارح التلويحات السهروردية أنه مر على قارئ يقرأ ~~{وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30] فقال والله، ما قالت اليهود ~~هذا، فتبعه من سمعه من المسلمين ليقتلوه، فأعجزهم وتحصن منهم. # وهذا جهل منه من وجهين: # أحدهما: حمل اللام في اليهود على الاستغراق، وإنما هي للعهد كما قلنا. # الثاني: جهله بمقالات أهل دينه وفرقهم، ولو عرف أن ذلك مقالة طائفة من ~~اليهود لما أنكر. # وأما النصارى فقد سبق القول معهم غير مرة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون} (31) [التوبة: 31] أما المسيح فاتخذوه ربا ~~معبودا بالحقيقة، وأما الأحبار لليهود والرهبان للنصارى؛ فإنما اتخذوهم ~~أربابا مجازا، لأنهم أمروهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وإنكار رسالته، ~~فأطاعوهم، وغير ذلك مما أطاعوهم فيه، فصاروا كالأرباب لهم بجامع الطاعة. # والنصارى يزعمون أن المسيح قال لتلاميذه عند صعوده عنهم ما حللتموه فهو ~~محلول في السماء، وما ربطتموه فهو مربوط في السماء فمن ثم إذا أذنب أحدهم ~~ذنبا جاء PageV01P313 # بالقربان إلى البترك أو الراهب، وقال. يا أبونا، اغفر لي: بناء على أن ~~خلافة المسيح مستمرة فيهم، وأنهم أهل الحل والعقد في السماء والأرض، على ما ~~نقلوه عن المسيح، وهو من ابتداعاتهم في الدين {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون} (31) [التوبة: 31] بدليل قول المسيح: {وقال ~~المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم ~~الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} (72) [المائدة: 72]. # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون} (33) [التوبة: 33] أي على جميع الأديان والملل بالحجة والسيف حيث ~~انتهى ms280 حكمه. وتأول/ [213/ل] عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-هذه الآية في موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن رسول الله لم يمت ولن يموت حتى يظهر ~~الله على الدين كله، كما وعده، وكان تأويلها إظهار أمته بدينه على الأمم ~~والأديان/ [99 ب/م] لأن الكلمة والدعوة له صلى الله عليه وسلم والأمة بسيفه ~~يضربون وببركته ينتصرون، فقد تحقق وعد الله-عز وجل-له ولو كره الكافرون. # {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40]. # احتج به أهل السنة على فضل أبي بكر-رضي الله عنه-من وجوه: # أحدها: النص على ثبوت صحبته حتى قال بعض العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر ~~فقد كفر؛ لتكذيبه النص المتواتر القاطع بإثباتها، بخلاف من أنكر صحبة غيره ~~لعدم ذلك، وفيه نظر؛ لأن غيره كعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة ثبتت صحبتهم ~~بالتواتر، وهو قاطع أيضا فإنكار مدلوله كفر. # الوجه الثاني: قوله: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] فكان له في هذه ~~المعية اختصاص لم يشاركه فيها صحابي. وقد يقال بأن هذا التشريف حصل لجميع ~~الصحابة PageV01P314 # بقوله-عز وجل-: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ~~ولن يتركم أعمالكم} (35) [محمد: 35] غير أن لقائل أن يقول: معية أبي بكر ~~[رضوان الله عنه] أخص من هذه، فيمتاز بها. # الوجه الثالث: {ثاني اثنين} [التوبة: 40] قالوا: فيه إشارة إلى شيئين: # أحدهما: أنه ثانيه من بعده في الإمرة. # الثاني: أن اسمه لم يفارق اسمه؛ إذ كان يقال له: خليفة رسول الله، حتى ~~توفي، فقيل لمن بعده-وهو عمر-رضي الله عنه-: أمير المؤمنين، وانقطعت خصيصة ~~{ثاني اثنين} [التوبة: 40]. # الوجه الرابع: {فأنزل الله سكينته عليه} [التوبة: 40] قال بعضهم: الضمير ~~في (عليه) لأبي بكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تفارقه السكينة أبدا ~~حتى يحتاج إلى نزولها عليه، وإنما أنزلت على أبي بكر-رضي الله عنه-وهو ~~ضعيف، أما أولا فلقوله-عز وجل-: # {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته ms281 ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان ~~الله بكل شيء عليما} (26) [الفتح: 26] فقد أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم ~~السكينة مع ما ذكروه من عدم مفارقتها له، ولا امتناع من أن يزاد سكينة على ~~سكينة، ونورا على نور، وأما ثانيا: # فلأن ذلك يقتضي أن الضمير في {وأيده بجنود لم تروها} [التوبة: 40] لأبي ~~بكر أيضا، وهو خلاف الظاهر/ [214/ل] بل القاطع، ولا أظن أحدا قال بذلك. # أما الشيعة فطعنوا على أبي بكر-رضي الله عنه-من الآية بوجه واحد، وهو قوله: # {لا تحزن} [التوبة: 40] دل على أنه حزن لأجل طلب الكفار لهما مع أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعين الله تحت رعاية الله، وقد سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخبر بأنه سيظهر على أعدائه ويظهر دينه على جميع الأديان؛ فحزن ~~أبي بكر والحالة هذه، إما شك في هذا الخبر، أو ضعف منه وخور. # قالوا: وإنما الشجاع المؤمن واللبيب الموقن علي بن أبي طالب-رضي الله ~~عنه- حيث كان حينئذ نائما على فراش النبي صلى الله عليه وسلم/ [100 أ/م] ~~معرضا نفسه من أيدي الكفار لشرب كؤوس الحمام، فما شك وما خار، ولا تبلد ~~ذهنه ولا حار. # وأجاب أهل السنة بأن حزن أبي بكر-رضي الله عنه-لم يكن ضعفا ولا شكا، ~~وإنما PageV01P315 # كان رقة غالبة وشفقة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك عن شك أو ~~ضعف لكان أولى ما صدر منه يوم بدر حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد» (1) وأبو بكر آخذ بردائه يقول: كفاك ~~مناشدتك ربك، إن الله سينجز لك ما وعدك. وهذا غاية الشجاعة، والإيمان ثبوت ~~الجنان عند قراع الأقران. # {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} ~~(43) [التوبة: 43] يحتج بها على أمرين: # أحدهما: كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على ربه؛ حيث بدأه بالعفو قبل ~~العتاب. وقيل: لولا ذلك لتقطع قبله صلى الله عليه وسلم فرقا وخشية من الله- ~~عز وجل-. ms282 # الثاني: الخطأ في الاجتهاد حيث أذن لهم في التخلف عن الغزو في غير موضع ~~الإذن، بدليل أنه عوتب عليه؛ وجوابه ما سبق في آخر الأنفال. # {* ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين} (46) [التوبة: 46] فيه مسائل: # الأولى: إثبات الكراهة صفة لله-عز وجل-ثم هل هي ذاتية أو فعلية؟ فيه ~~خلاف، ويحتمل أن كراهته للشيء عبارة عن سلب إرادته له، أو عن إرادة/ ~~[215/ل] سلبه. # الثانية: أن تثبيط هؤلاء هو تحليل عزائمهم بما يخل [ق: في قلوبهم] من ~~دواعي القعود والصوارف عن الخروج، ثم إن تثبيطه لا بد وأن يكون مؤثرا، إما ~~وحده فيكون حجة للمجبرة، أو مع فعل العبد كما يقوله المعتزلة؛ فيلزم ~~المقدور بين قادرين واستحقاق جزء من التجويز، بحسب للتثبيط من التأثير وهما ~~باطلان، وقد سبق تقرير هذا في آخر الأعراف. # الثالثة: {وقيل اقعدوا} [التوبة: 46] ظاهره التناقض مع قوله لهم {انفروا ~~خفافا وثقالا} [التوبة: 41] وجوابه: أن قوله {انفروا خفافا وثقالا} ~~[التوبة: 41] بلسان التكليف، و {وقيل اقعدوا} [التوبة: 46] بلسان التقدير ~~والتكوين؛ فلا تناقض. # {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون} (51) [التوبة: 51] هذا أصل في التفويض والتسليم لتقدير العزيز ~~العليم، PageV01P316 # وهو عام في مصائب الدنيا والدين غير أن ما لا كسب للعبد فيه، كالمرض ~~والموت-لا لائمة عليه فيه، وما له فيه كسب كالمعاصي تلحقه فيه اللائمة ~~باعتبار كسبه على ما عرف من رأى الكسبية والمجبرة. # {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة بأنهم كانوا مجرمين} (66) [التوبة: 65 - 66] قوله: {قد كفرتم} ~~[التوبة: 66] يحتمل أنه إخبار عن كفرهم بأسباب معروفة، ويحتمل أنه إنشاء ~~للحكم بكفرهم عقب استهزائهم/ [100 ب/م] فيحتج به على أن من استهزأ بالله أو ~~رسول من رسله أو بشيء من كتبه المنزلة-كافر، ولا نعلم فيه خلافا. # {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ms283 وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون} (77) [التوبة: 77] فيها إشارة إلى أن الكذب وخلف الوعد ~~الحرام يعقب النفاق؛ [لأن هؤلاء عقبوا النفاق] بخلف الوعد والكذب، ويشهد له ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه فهو منافق، ومن كانت فيه خصلة ~~منهن كانت فيه خصلة من النفاق: من إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد ~~غدر، وإذا خاصم فجر» وانظر إلى هذه المناسبة، وهي أن الأربع المذكورة فيها ~~معنى النفاق من مخالفة الظاهر للباطن، وهو ظاهر في الثلاث الأول، وأما ~~الرابعة فلأن الإنسان في حال/ [216/ل] اعتداله وعدم الخصومة يعتقد فيه تقوى ~~وعفاف واقتصاد باطن، فإذا فجر في خصومته تبين ظاهره مخالفا لما اعتقد في باطنه. # {وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] يستدل به على أن الجملة الشرطية خبرية ~~يلحقها الصدق والكذب؛ لأن كذبهم وإخلافهم إنما هو في قوله: {*ومنهم من عاهد ~~الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} (75) [التوبة: 75] وهي ~~قضية شرطية، وقد سمى تركهم مضمونها إخلافا وكذبا، وذلك من خواص الخبر فدل ~~على ما قلناه. PageV01P317 # {إلى يوم يلقونه} [التوبة: 77] يحتج به على رؤية الله-عز وجل-وقد سبق ~~نظائره. # {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين} (80) [التوبة: 80]. # هذا ونحوه من المقادير العددية نحو {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت ~~أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (4) [يوسف: 4]. # و{*ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال ~~الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} (12) [المائدة: 12]. # و{إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في ~~الخطاب} (23) [ص: 23]. # و{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} (4) [النور: 4] يتضمن ms284 من ~~حيث هو مفهوما عدديا، وهو انتفاء الخبر أو الحكم عما زاد عليه أو نقص على ~~خلاف في هذا المفهوم، أما هذا الموضع بعينه فلم يرد به المفهوم؛ لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر ~~لهم لزدت» (1)، وإنما خرج مخرج المبالغة والتكثير؛ لأن العرب لهجت بالسبعين ~~كثيرا حتى تداولوها في معرض التكثير. # {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو ~~كانوا يفقهون} (81) [التوبة: 81] فيه إشارة إلى فقه العباد والمجتهدين ~~والمجاهدين أنفسهم في ذات الله-عز وجل-المتجشمين متاعب الدنيا خوفا من ~~متاعب الآخرة. وذلك مستفاد من قياس العكس؛ PageV01P318 # لأنه جعل من عرض نفسه لنار الآخرة بالسلامة من حر الدنيا لا يفقه، فاقتضى ~~أن عكسه وهو من صبر على حر الدنيا في الطاعة خوفا من حر الآخرة فقيه، وهو كذلك. # {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون} (82) [التوبة: 82] ~~/ [101 أ/م] احتج بها الفريقان أما المعتزلة؛ فلأنه جعل بكاءهم بعلة من ~~جهتهم، وهي أفعالهم، فدل على أنهم خالقوها وموجدوها. # وأما الجمهور/ [217/ل] فقالوا: هو جزاء على كسبهم كما صرح به في الآية، ~~ولا يلزم من الكسب الخلق. # {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين} ~~(83) [التوبة: 83] أي لعلة رضاكم بالقعود، فيحتج به وبأمثاله نحو: {وصدها ~~ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين} (43) [النمل: 43] و: ~~«إنها من الطوافين» (1) على أن «إن» تفيد التعليل. # {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون} (85) [التوبة: 85] دلت على أن المال والولد عذاب ~~في الدنيا على خلاف ما في ظن الناس أنها نعمة وراحة، ثم يستفاد من هذه، ومن ~~قوله-عز وجل-: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا ms285 وخير أملا} (46) [الكهف: 46] أن زينة الدنيا عذاب وينتظم ~~القياس هكذا: المال والبنون زينة الدنيا والمال والولد عذاب. أو: ليس براحة ~~في الدنيا ينتج أن زينة الدنيا عذاب. أو: ليس براحة في الدنيا. # ولقائل أن يقول: العذاب إنما هو سياسة المال، وأما الانتفاع به فهو نعيم ~~لا عذاب، والتقدير حينئذ: إنما يريد الله أن يعذبهم بسياستها وحفظها في ~~الدنيا، وحينئذ لا ينتج PageV01P319 # القياس؛ إذ يبقى هكذا: المال والولد زينة، وسياسة المال والولد عذاب، فلا ~~يتحد الأوسط فلا ينتج. # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~ذلك الفوز العظيم} (100) [التوبة: 100] والأخرى السابقة: {لكن الرسول ~~والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم ~~المفلحون} (88) [التوبة: 88] احتج بها الجمهور على فضل الصحابة-رضي الله ~~عنهم-وأنهم مرضي عنهم، ومن أهل الجنة لتصريحها بذلك وعمومها فيهم. # واعترض الشيعة [أبعدهم الله] بأن عمومها مخصوص بمن عادى أهل البيت وخالف ~~الإمام المنصوص عليه منهم، وأجيب بأن أحدا من الصحابة لم يعاد أهل البيت ~~ولا خالف إماما منصوصا عليه منهم. # {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (105) [التوبة: 105] فيه إشارة إلى معنى ~~قوله-عز وجل-: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم} (143) [البقرة: 143] ~~وإلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم: # «أنتم شهداء الله في الأرض» (1). # {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (105) [التوبة: 105] فيه إثبات المعاد. # {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم} PageV01P320 # (106) [التوبة: 106] التردد هاهنا بالنسبة إلى السامعين، أي: لا تدرون أي ~~الأمرين يفعل بهم، أما المتكلم سبحانه وتعالى فلا يلحقه ms286 التردد في شيء، ولا ~~يخفى عليه شيء، وهذه/ [101 ب/م] ترجع إلى صفة العلم. # {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} (113) [التوبة: 113] إلى {وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} (114) [التوبة: 114] فيه احتراز المتكلم ~~في كلامه عما يرد عليه في حكاية أو تعليل أو نظم أو قياس، وإجابته عن سؤال ~~يتوقع وروده، وبيانه أنه -عز وجل-لما نهى النبي والمؤمنين عن الاستغفار ~~للمشركين قدر أن قائلا قال: فهذا إبراهيم استغفر لأبيه المشرك بقوله: ~~{واغفر لأبي إنه كان من الضالين} (86) [الشعراء: # 86] أفلا نتأسى به؟ ويقال: إن هذا وقع من بعض الناس، فأجاب الله-عز وجل- ~~عنه بأن ذاك كان لأن أباه وعده أن يؤمن، فلما أصر على كفره تبرأ منه وترك ~~استغفاره له، وقد يقال: إن إبراهيم لم يرد باستغفاره لأبيه حقيقة ~~الاستغفار، إنما دعا له بما هو لازم المغفرة، وهو الإيمان، كأنه قال: اهد ~~أبي ليصير أهلا للمغفرة، يدل على هذا قوله: # {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} (86) [الشعراء: 86] فلما علل بضلاله دل ~~على أنه إنما دعا له بضد الضلال، وهو الهدى والإيمان. # {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم} (115) [التوبة: 115] احتج بها الفريقان، أما الجمهور فلأنه-عز ~~وجل-أسند الإضلال والهداية إلى نفسه. # وأما المعتزلة فلأنه أخبر أن حجته قائمة عليهم بأنه بين لهم ما يتقون، ~~فخالفوا ولم يتقوا، وقد عرف الجواب. وهذا من المتشابه في أحكام الأفعال. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (119) [التوبة: ~~119] يقال: # إن أبا بكر-رضي الله عنه-يوم السقيفة لما طلبت الأنصار الإمرة استدل ~~عليهم بهذه الآية. وتقريره: إننا نحن الصادقون وقد أمرتم أن تكونوا مع ~~الصادقين، فأنتم أمرتم أن تكونوا معنا؛ فتكونون تبعا لنا. PageV01P321 # أما الأولى/ [219/ل] فلقوله عز وجل في سورة الحشر في صفة المهاجرين: # {للفقراء المهاجرين ms287 الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (8) [الحشر: 8]. # وأما الثانية/فلهذه الآية. # واعترض على هذا الاستدلال بوجوه: أحدها: لا نسلم أن الصدق وصف خاص ~~بالمهاجرين، بل هو وصف عام للصحابة وغيرهم من أهل التقوى: إذ كل متق صادق، ~~لقوله- عز وجل-: {*ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء} [البقرة: 177]. # فذكر خصال التقوى، ثم قال: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} ~~[البقرة: 177]. وقال-عز وجل-: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} (23) [الأحزاب: # 23] وكان أكثرهم من الأنصار يوم أحد. # الوجه الثاني: أن المأمور بالكون مع الصادقين هم عموم الذين آمنوا من ~~المهاجرين والأنصار، فلو صح الاستدلال المذكور للزم إما اختصاص الأنصار ~~بالإيمان دون المهاجرين أو أمر المهاجرين بأن يكونوا مع أنفسهم، وكلاهما محال. # والوجه الثالث: / [102 أ/م] لا نسلم أن الكون مع الصادقين يقتضي ~~متبوعيتهم، ولا تبعية الكائن معهم، بل هما سواء. # {* وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (122) ~~[التوبة: # 122] يحتج بها على أمور أحدها: قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة تصدق على ~~الواحد، وقد جعل منذرا، ووجب الحذر بإخباره، ولولا قبول خبره لما كان كذلك. # واعترض عليه: بأنا لا نسلم بأن الطائفة تصدق على الواحد، سلمناه لكنها ~~تصدق PageV01P322 # عليه وعلى غيره، إما بالاشتراك أو التواطؤ أو الحقيقة والمجاز، فيكون ~~مجملا دلالة له، ثم إنذاره وتحذيره يحتمل أنه إنما يقبل بقرينة، فلا يستقل ~~وحده بوجوب القبول. # الأمر الثاني: صحة فرض الكفاية: وهو إيجاب الفعل على جميع المكلفين مع ~~سقوطه بفعل بعضهم. وتقريره من الآية: أنه خص المؤمنين على نفير طائفة منهم ~~للتفقه في الدين، ms288 وذلك يقتضي تكليف جميعهم بما يكفى فيه فعل طائفة منهم، ~~وهو المطلوب. # الأمر الثالث: أن التفقه في الدين فرض كفاية، وهو واضح من الآية. # {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} (124) [التوبة: 124] هذه ونظائرها تدل ~~على أن الإيمان يقبل الزيادة والنقصان؛ خلافا لقوم، وأصل الخلاف أن حقيقة ~~الإيمان ما هي؟ إن قيل: هو التصديق المجرد لم يقبلهما؛ إذ لا تفاوت في ~~التصديق الجازم، وإن قيل: هو التصديق مع العمل قولا وفعلا-قبلهما؛ لأن ~~القول والعمل/ [220/ل] جزء الإيمان وهما يقبلان الزيادة والنقصان، فجزء ~~الإيمان يقبلهما، فالإيمان يقبلهما. # ثم يعترض على المذهب الأول بأن الإيمان هو التصديق الاعتقادي لا العلمي، ~~والاعتقادي يقبل التفاوت قوة وضعفا، وبحسب قبوله للتشكيك وعدمه. سلمنا أن ~~الإيمان هو التصديق العلمي. لكن قد سبق في قصة إبراهيم-عليه السلام-وسؤاله ~~أن يرى إحياء الموتى أن العلم على أضرب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق ~~اليقين، وهذه مراتب متفاوته في القوة والضعف والزيادة والنقص. # وقول المتكلمين: إن العلم لا يقبل التفاوت إنما يريدون به العلم النظري، ~~أما باعتبار مراتبه المذكورة فيقبله. # {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون} (126) [التوبة: 126] فيه إشارة إلى أن الفتن والبلايا والمحن قد ~~تكون زواجر وروادع وتنبيهات للإنسان على ترك ذنبه والإقبال على ربه-عز وجل- ~~فمن وفق فعل. PageV01P323 # القرآن، والإجابة لداعي الإيمان. # وهو حجة الجمهور على خلق الأفعال بواسطة خلق الدواعي والصوارف. # قالت المعتزلة: إنه لم يصرف قلوبهم إلا بعد أن انصرفوا بأنفسهم، فكان صرف ~~قلوبهم عقوبة على انصرافهم الاختياري. # وأجيب بأن انصرافهم مكسوب لهم، وصرف قلوبهم مخلوق لله-عز وجل-على ما عرف. # {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف ~~رحيم} (128) [التوبة: 128] الآيتين تضمنتا التوحيد والنبوة، أعني رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وبرهانهما، سيأتي إن شاء الله-عز وجل-مع ما مضى به. # ... PageV01P324 ### | AUTO القول في سورة يونس # {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل ms289 منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} (2) [يونس: 2] ~~الإنذار عام، والبشارة خاص. # {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون} (4) [يونس: 4] فيه إثبات المعاد. # {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون} (4) [يونس: 4] علل إعادة الخلق بمجازاتهم، فدل على جواز ~~تعليل أفعاله بالحكم كما سبق، وكذلك {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل ~~الآيات لقوم يعلمون} (5) [يونس: 5] يدل على التعليل. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم ~~الأنهار في جنات النعيم} (9) [يونس: 9] الباء علية أو عوضية عند المعتزلة، ~~سببية عند الجمهور. / [221/ل]. # {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من ~~قبله أفلا تعقلون} (16) [يونس: 16] هذا من أدلة النبوة، وتقريره: إني قد ~~عشت فيكم عمرا قبل دعواي النبوة، فلو كنت مدعيا متقولا للقرآن من عندي ~~مختلقا له لفعلت ذلك من أول وقت، واللازم باطل، فالملزوم كذلك، وذلك يدل ~~على أنني إنما أتبع ما يوحى إلي في زمن بتخصيص الله-عز وجل. PageV01P325 # على فعل الله-عز وجل-والماكر عليه، ومنه: {ومكروا ومكر الله والله خير ~~الماكرين} (54) [آل عمران: 54] واشترط بعضهم لذلك أن يقابل بمكر الغير نحو: # {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون} (50) [النمل: 50] وفيه نظر؛ ~~بدليل قوله-عز وجل-: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون} [الأعراف: 99] ولم يقابله مكر غيره. # والمكر والاستدراج متقاربان أو مستويان؛ لاشتراكهما في تحصيل المقصود ~~بطريق خفي لطيف. # {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} [يونس: 21] يعني الحفظة، وقد سبق ذكرهم في ~~الأنعام. # {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في ms290 الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} ~~(22) [يونس: 22] يحتج به الجمهور؛ لأنه أضاف التسيير إليه مع أنه ظاهرا من ~~الخلق، فدل على أنه يسيرهم خلقا وهم يسيرون كسبا، وتسييره لهم بخلق التسيير ~~والحركات منهم أو بخلق الدواعي والصوارف، أو بكلا الأمرين. # {وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين} (22) [يونس: 22] فيه دليل التوحيد، كما سبق في ~~الأنعام. # {والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (25) / [103 ~~أ/م] [يونس: 25] هذا من القواصم للمعتزلة؛ لأنه دعاء عاما وهدى خاصا لمن ~~شاء؛ فدل على أن الهدى بفضله والضلال بقدره، كل ذلك مستند إلى سابق علمه. # {* للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون} (26) [يونس: 26] ذكر أهل التفسير أن الزيادة هي رؤية ~~الله- عز وجل-وهذا وإن يكن قاطعا، لكنه يؤكد أدلة الرؤية. PageV01P326 # الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون (31) [يونس: 31] تضمنت دليل التوحيد من وجوه: # أحدها: أن الله-عز وجل-هو الرازق من السماوات والأرض بالمطر والنبات، وكل ~~من كان كذلك فهو الإله الحق. # الثاني: أنه-عز وجل-هو الذي يملك السمع والأبصار وكل من ملك السمع ~~والأبصار هو الإله الحق، ومعناه يتصرف في السمع والبصر فلا يدركان شيئا من ~~مدركاتهما إلا بإذنه وإرادته، وتعلق به الاتحادية؛ قالوا: لم يملك ذلك إلا ~~وهو سار في الأجسام/ [222/ل]، وليس بلازم، وهذا المغناطيس يتصرف في الحديد ~~من غير سريان ولا ملابسة. # وقد سبق القول معهم في الأنعام. # الثالث: أنه-عز وجل-يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. # الرابع: أنه يدبر الأمر، أي أمر السماوات والأرض بالتحريك والتسكين ~~والتسخير والتصريف، والتقدير. وقد وافق الكفار المخاطبون بهذا الخطاب على ~~هذه الوجوه كلها بقولهم: هو الله، وكل من كان كذلك فهو الإله الحق، ms291 فالله- ~~عز وجل-هو الإله الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال؛ إذ لا واسطة بين الحق ~~والباطل، والهدى والضلال. فإن أجبتم إلى التوحيد وإلا فأنتم ضلال. # {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا} [يونس: 33] أي خرجوا عن الإيمان ~~بالكفر {أنهم لا يؤمنون} [يونس: 33] احتج به الجمهور لأنه-عز وجل- أخبر بأن ~~كلمته حقت عليهم بالكفر، وكل من حقت عليه الكلمة بالكفر لا يؤمن واستحال ~~منه الإيمان؛ فهؤلاء لا يؤمنون. ومعنى حقت عليهم الكلمة تعلق العلم ~~والإرادة الأزليان بكفرهم، وكل ما تعلقا به كان واجب الوقوع، فكفر هؤلاء ~~واجب الوقوع، وكل واجب الوقوع من الإنسان فهو مجبور عليه، فهؤلاء مجبورون ~~على كفرهم، والجور غير لازم لما سبق في مقدمة الكتاب. PageV01P327 # الإلهية لا تبدأ الخلق ولا تعيده، فشركاؤهم ليسوا آلهة. # الثاني: أن شركاءهم لا يملكون الهداية إلى الحق، والإله-عز وجل-يهدي إلى ~~الحق؛ فشركاؤهم ليسوا إلها. # وهذه براهين واضحة؛ لأن بدء الخلق والهداية إلى/ [103 ب/م] الحق وغيرها ~~أمور ممكنة، والله-عز وجل-قادر على جميع الممكنات، والأصنام جماد لا تقدر ~~على شيء من الممكنات، فالله-عز وجل-ليس هو الأصنام، وينعكس كنفسه: الأصنام ~~ليست هي الله-عز وجل. # {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون} (36) [يونس: 36] / [223/ل] احتج به من منع العمل بخبر الواحد؛ لأنه ~~إنما يفيد الظن، وهو لا يغني عن الحق. # وأجيب بأن الآية إنما منعت من اتباع الظن في التوحيد ونحوه من القطعيات، ~~أما العمليات فلا. # {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} (37) [يونس: 37] أي: لا ينبغي ~~للقرآن أن يكون من عند غير الله؛ لأنه معجز في نفسه عبارة ومعنى، وذلك لا ~~يقدر عليه إلا الله-عز وجل-وهذا من مسائل القرآن وإعجازه ودلائل النبوة. # ودليل إعجازه الآية بعده: # {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين} (38) [يونس: 38] وتقريره: إنكم إما أن تسلموا أنه من عند ~~الله-عز ms292 وجل-فيلزمكم الإيمان به وبمن جاء به، أو لا تسلموا ذلك وتدعوا أن ~~محمدا افتراه؛ فيلزمكم أن تأتوا بسورة مثله تفترونها لتصححوا دعواكم في ~~افترائه، وإلا فأنتم كاذبون خاطئون في دعواكم. وقد سبق نحو هذا في أول ~~البقرة. ثم إنه تنزل معهم في التحدي بالقرآن من مثله إلى عشر سور إلى سورة مثله. # {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون} (41) [يونس: 41] وعيدية محكمة أو منسوخة بآية القتال. PageV01P328 # {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} (44) [يونس: 44] ~~يحتج بها المعتزلة على مذهبهم؛ لأنه لو خلق أفعالهم، ثم عاقبهم لكان [ظالما ~~لهم] واللازم باطل. # وأجاب المجبرة بأنا لا نسلم ذلك، وإنما يلزمكم أن لو كان يعلم أنه لو فوض ~~إليهم أفعالهم لخلصوا من اللائمة، أما وهو يعلم أنه لو فوض إليهم لكانوا ~~ظالمين أيضا فلا. # والكسبية قالوا: إنما يلزم الظلم أن لو لم يكن لهم مع خلقه كسب، أما ولهم ~~كسب يناسب العقاب عليه فلا. # {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء ~~أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (49) [يونس: 49] أي فأملك لنفسي ضرا ~~ونفعا بمشيئته هو لي كسب وله خلق، وإن كان الاستثناء منقطعا؛ فالنفي قبله ~~عام مطرد. # {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون} (59) [يونس: 59] يحتج به وبنظائره على صحة ~~الاستدلال بالسبر والتقسيم، وهو حصر الأقسام وإبطالها سوى المدعى عليه؛ ~~مثاله هاهنا: # إنكم أيها الكفار حرمتم بعض/ [224/ل] ما رزقتموه، فلا يخلو تحريمكم لذلك ~~إما أن يكون بإذن شرعي أو افتراء منكم، والأول باطل؛ لأن الشرع خصمكم، وهو ~~ينكر الإذن لكم فتعين الثاني، وهو أنكم حرمتموه افتراء [104 أ/م] على الله ~~كذبا عليه، وما كان كذلك لا يلتفت إليه، وقد سبق نحو هذا في أواخر الأنعام. # {ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] هذا ~~يحتج ms293 به الصوفية في وجوب دوام المراقبة لدوام الشهادة، وفي الأثر «اتقوا ~~الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم»، وربما تعلقت الاتحادية بهذا على ~~أنه شاهد بذاته، وما ذاك إلا لسريانه في العالم واستتاره باطنا بهم وظاهرا، ~~وسياق الآية يقتضي أنه شاهد بعلمه وهو {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من ~~قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك ~~من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين} (61) [يونس: 61]. PageV01P329 # الفوز العظيم (64) [يونس: 64] روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن البشرى في الدنيا هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له (1). # وأما البشرى في الآخرة فقيل: رؤية الله-عز وجل-كالزيادة في {*للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون} (26) [يونس: # 26] والأشبه أنها قول الملائكة. {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون} [فصلت: 30]. # {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض ~~إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون} (68) [يونس: 68] ~~إشارة إلى أن الولد إنما يكون لافتقار إلى نصرته من ذلة أو التكثر به من ~~قلة، والله-عز وجل-غني بذاته من كل جهة عما سواه، وأشار بأن لهما في ~~السماوات، وما في الأرض إلى أمرين: # أحدهما: بيان مستند غناه الذي أثبته لنفسه. # والثاني: منافاة الملكية للولدية، كما سبق في البقرة. # والغني هو الذي لا يحتاج في وجوده ولا دوامه ولا في كماله إلى غيره، ~~وقيل: هو من لا مزاج له يحتاج لتغيره إلى ما يحتاج إليه ذوات الأمزجة. # {إن عندكم من سلطان بهذا} [يونس: 68] أي لا حجة عندكم على اتخاذه ولدا، ~~وهو يقتضي أن ما لا حجة عليه، لا يثبت. # {* واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي ~~وتذكيري بآيات ms294 الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} (71) [يونس: 71] يستشهد به على ~~أن الإجماع لغة هو الاتفاق/ [225/ل] والعزم، إذ المعنى اتفقوا واعزموا على ~~ما تريدون. PageV01P330 # {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} ~~(84) [يونس: 84] يقتضي أن التوكل من مهمات الإيمان حتى يكاد يكون شرطا فيه ~~أو على كماله، وشواهده كثيرة، وتوجيهه أن التوكل هو التفويض، ومن لا يفوض ~~إلى الله-عز وجل-فكأنه لم يرض به ربا ومدبرا، فإن كان ذلك عن عمد واحتقار ~~لشأن القدرة فهو كفر، وإن كان من ضعف وغلبة جزع فهو نقص من الإيمان أو كماله. # {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ~~ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا ~~حتى يروا العذاب الأليم} (88) [يونس: 88] يقال: إنها انقلبت حجارة وحصى، ~~وهو مسخ في الجماد، وقد [قال بعض العلماء المحققين المتأخرين رضي الله ~~عنهم: ] رأيت بسفح جبل المقطم بالقاهرة حصى مستديرا منقوشا على هيئة ~~الدنانير، وحتى لم أشك أول ما رأيتها أنها دنانير وهي كثيرة جدا يجمع منها/ ~~[104 ب/م] قناطير كثيرة، زعم الناس هناك أن هذا موضع خزائن فرعون، وأن هذا ~~مما مسخ [من ماله، ثم إني رأيت] في أحد أهرام الجيزة بمصر أحجارا فيها حصى ~~(ملصق) على هيئة الدنانير، فترددت حينئذ فيما قيل من أن ذلك مما مسخ من مال ~~فرعون، إذ الأهرام قبل فرعون بدهور، ثم زال عني التردد لاحتمال أن مال ~~فرعون مسخ على هيئة تلك الأحجار القديمة، كما مسخ بعض الناس على صورة ~~القردة والخنازير، أو لأن ذلك عذاب عذب الله-عز وجل-به قوما قبل آل فرعون ~~فمسخ أموالهم، غير ذلك من الاحتمالات. # قوله تعالى: {واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا} [يونس: 88] أي اربط عليها فلا ~~يدخلها الإيمان كالوعاء المربوط وهو الطبع والختم بما يخلق فيها من دواعي ~~الكفر والصوارف عن الإيمان. # {*وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده ms295 بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين} (90) [يونس: 90] يحتج به من [لا علم له] أن فرعون مات مسلما، وهو ~~خلاف النصوص والإجماع، أما النصوص فقوله-عز وجل-بعد هذه مقرعا له: # {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} (91) [يونس: 91] وهذا إنكار من PageV01P331 # الله-عز وجل-: يتضمن نفى قبول توبته، وأيضا قوله-عز وجل- {فأخذناه وجنوده ~~فنبذناهم في اليم} [الذاريات: 40] يعني فرعون أتى بما يلام عليه وهذا ذم ~~له، ولو مات مسلما لما أثنى عليه بالذم/ [226/ل]، وكذلك {فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} (8) [القصص: ~~8]، {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب} (46) [غافر: 46] وحكمه وحكم آله واحد؛ إذ قد حكم على الجميع بأنهم ~~كانوا خاطئين، وأما الإجماع فمشهور على ذلك وعلى جواز لعنة فرعون، [وإنما ~~أظهر هذه المقالة الشيخ محيي الدين بن العربي الأندلسي الحاتمي صاحب فصوص ~~الحكم]، والإجماع قبله على خلافه، وإن ادعى ذلك كشفا، فالكشف لا يرفع حكم ~~الإجماع الظاهر، كما أن القدر الباطن لا يرفع حكم الكسب الظاهر. # {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون} (92) [يونس: 92] أي لمن بعدك وسمى البعد خلفا، لأن الناس متوجهون ~~إلى الآخرة، فمن بعدهم متوجه إليها خلفهم، أو لأن من بعده خلفه في ملكه، أو ~~لأن جهة خلف خلاف قدام، [وهذا يقتضي تسمية قدام خلفا، إذ كل منهما خلاف ~~صاحبه، وليس ببعيد، كما يسمى قدام] وراء في نحو ذلك: {أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا} (79) [الكهف: 79] أي: أمامهم؛ لأن فيهما معنى المواراة وكذا فيهما ~~معنى المخالفة. PageV01P332 # المعقول أصلا محكما يرد إليه السمعي الذي هو كالفرع المجمل، ولذلك تراهم ~~إذ لاح لهم في حكم ما يعتقدونه برهانا، عولوا عليه واشتغلوا بتأويل ~~السمعيات المخالفة له توفيقا بين الأدلة. وتقرير احتجاجهم من هذه الآية أن ~~الله-عز وجل-أخبر ms296 عن بني إسرائيل أنهم مكثوا برهة متفقين قبل أن يأتيهم ~~العلم السمعي؛ فلما جاءهم اختلفوا، وإنما كانوا قبل ورود السمع يعتمدون على ~~سياسة العقل والعرف ونحوه، والاتفاق محمود والاختلاف مذموم، فدل على أن ~~تصرف العقل أوثق وأوفق من ظواهر السمع لما في تصرف العقل من الحزم وعدم ~~قبول التأويل، وفي السمعيات من الإجمال والاشتراك والترددات المانعة من ~~الحزم القابلة للتأويل، وهذه مسألة أصولية وهي أن النقليات هل تفيد اليقين ~~أم لا؟ فيه أقوال: # ثالثها: أنها تفيد بانضمام قرائن إليها لا بمجردها، [ووجه النفي مطلقا أن ~~النقليات يتوقف إفادتها اليقين على أمور غير متيقنة لعدم المجاز والإضمار ~~والنقل والاشتراك والتخصيص ونحوها، وكل ما توقف على غير المتيقن فهو غير متيقن. # ثم تفرع على هذا مسألة أخرى وهي إذا تعارض السمع وما أدركه العقل في ~~أحكام العقائد فأيهما يقدم؟ فالمحدثون قدموا السمع لاحتمال غلط العقل في ~~الأمور الإلهية ونحوها، والشرع أوثق منه في ذلك وغيره، والمتكلمون ~~كالأشاعرة والمعتزلة والفلاسفة قدموا مدرك العقل؛ لأن السمع إنما ثبت بدليل ~~العقل فلو قدم السمع عليه كان ذلك قدحا في الأصل بالفرع ثم في الفرع تبعا ~~لأصله، وأنه باطل] والجواب عن شبهتهم من الآية أن العلم أعم من السمعي ~~وغيره، والعام لا يدل على الخاص، فلا نسلم أن المراد: فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم السمعي، بل هو أعم من ذلك وحينئذ يلزمكم في العلم العقلي ما ~~ألزمتمونا في السمعي، سلمناه، لكن قد سماه علما، وهو في العرف والإدراك ~~الجازم الذي لا يحتمل النقيض، ومثل هذا كيف يختلف فيه أو يكون/ [227/ل] ~~سببا للاختلاف؟ ! سلمناه لكن ما ذكرتموه إنما يلزم أن لو كان اختلافهم بعد ~~مجيء العلم من جهة العلم لكن جهة اختلافهم أعم من ذلك، ثم قد عينت بجهة ~~البغي بينهم لقوله-عز وجل-/ [105 ب/م]: {إن الدين عند الله الإسلام وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب} (19) [آل عمران: 19] والاختلاف بغيا لا ms297 ~~يوجب العلم غيا. PageV01P333 # لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) [يونس: 94] قد يتوهم من ~~ظاهرها أنه-صلى الله عليه وسلم-اعترضه شك في بعض الأوقات فيما أنزل إليه ~~كما توهمه بعض النصارى، فأورده متعلقا به. # وليس كذلك لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من الشك والارتياب لقوله-عز ~~وجل-: {ألم نشرح لك صدرك} (1) [الشرح: 1] وإنما وجه الآية صرف الخطاب إلى ~~من يجوز عليه الشك من أتباعه وأخصامه، نحو {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} (43) [الرعد: 43] {وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (7) ~~[الأنبياء: 7] فإن لم يكن بد من صرف الكلام إليه على ظاهر اللفظ، فمعناه ~~على تقدير: # إن تشك فاسأل وإن كان ذلك التقدير لا يقع نحو {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} (22) [الأنبياء: 22] أي لو ~~قدر آلهة أخرى، لزم الفساد، لكن ذلك التقدير ممتنع، وهذا يتخرج على ما سبق ~~من أن الأنبياء معصومون من وقوع الكفر، لا من جوازه عقلا. # {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون} (96) [يونس: 96] سبق نظيرها في ~~أوائل السورة، والكلام عليه، وحاصله صرفهم عن الإيمان بما يخلقه فيهم من ~~الدواعي والصوارف. PageV01P334 # الإيمان عند العيان، يبقى اضطراريا، والمعتبر النافع إنما هو الاختياري ~~دون الاضراري. # {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] احتج الجمهور بها ~~على مذهبهم كنظائرها، ومعناها: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى بما يخلق ~~فيهم من دواعيه، وتأولها المعتزلة على معنى لو شاء/ [228/ل] لأجبرهم على ~~الإيمان واضطرهم إليه بدليل {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: ~~99]، لكن الإيمان الاضطراري غير معتبر، فلذلك لم يجبرهم [فالمنفي عنهم] هو ~~إجبارهم على الإيمان وإلجاؤهم واضطرارهم إليه، لا لهدايتهم وإرشادهم إليه، ~~وعند الجمهور المنفي مشيئة [إيمانهم لا غير، ثم إن المشيئة] لا تخلو من ~~التعلق بالضدين جميعا، فلما لم [تتعلق] بإيمانهم لزم أنها تعلقت بكفرهم ~~وتعلقها موجب لوقوع/ [106 أ/م] متعلقها، ms298 فكفر الكفار وعصيان العصاة واجب ~~الوقوع بغيره، وهو تعلق الإرادة به، وهو يقوي مقالة الجبرية. # {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} ~~(100) [يونس: 100] أي يمتنع الإيمان من نفس إلا بإذن الله]، أي إرادته ~~ومشيئته، فهذه اقتضت مع التي قبلها أن إذن الله-عز وجل-وإرادته ومشيئته، ~~فهذه اقتضت مع التي قبلها أن إذن الله-عز وجل-وإرادته مناط ومدار للإيمان ~~وجودا وعدما، إن وجدت الإرادة للإيمان وجد، وإن انتفت انتفى. وذلك يقوي ~~مقالة الجمهور، ويحتج بآخر الآية من يرى أن العلوم العقلية سبب للعصمة من ~~رجس الكفر والضلال، بطريق قياس العكس، لأنها اقتضت وقوع الرجس بمن لا يعقل، ~~وهو يقتضي أن من يعقل لا يلحقه رجس، والمراد بمن يعقل أي يستخرج الأحكام ~~الحقة الحقيقية بالأنظار العقلية، وهذا أحق بشرط مساعدة التوفيق، وإلا فكم ~~من حكيم زل وذي نظر ضل. # {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون} (101) [يونس: 101]. # فيه إيجاب النظر؛ لأنه مأمور به، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، وقد سبق ~~هذا في أوامر الأعراف، وكيفية النظر فيما في السماوات والأرض قد سبق أيضا. # {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101] أي عن قوم انتفى ~~إيمانهم لتعلق مشيئة الله-عز وجل-بانتفائه، أي لا ينفع النظر في الآيات ~~والتدبر لعجائب المصنوعات، قوما حقت عليهم كلمة العذاب فضرب بينهم وبين ~~الإيمان حجاب. PageV01P335 # {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين} (106) [يونس: 106] هذا أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك، وبرهانه معه، ~~وهو الاستدلال بعدم القدرة على النفع الضر على عدم الإلهية، كما تقرر في ~~«المائدة». # {فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس: 106] أي بوضع الدعاء والعبادة/ ~~[229/ل] غير موضعهما، وهو يشير إلى أن العصمة للأنبياء إنما هي من وقوع ~~الكفر لا جوازه. # {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير} (17) [الأنعام: 17] حجة مؤكدة لما قبلها على التوحيد، بدليل ms299 الطرد ~~والعكس نحو {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده وهو العزيز الحكيم} (2) [فاطر: 2] وتقريره: أن الله-عز وجل-هو الذي ~~يدور النفع والضر والخير والشر مع إرادته وجودا وعدما، وكل من كان كذلك فهو ~~الإله الحق، فالله-عز وجل-هو الإله الحق، ومقدمتاه بينتان. # {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل} (108) [يونس: 108] يحتج به ~~المعتزلة؛ إذ نسب الهدى والضلال/ [106 ب/م] إلى المخلوق لا إلى نفسه، ~~وجوابه: أنه أضافه إليهم باعتبار أنهم محله أو كاسبوه، أو على تقدير أنه لو ~~فوض إليهم خلقه لكان منهم إما ضلالا، وإما هدى. # {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل} (108) [يونس: 108] وعيدي محكم ~~أو منسوخ بآية القتال {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} (5) [التوبة: 5]. PageV01P336 ### | AUTO القول في سورة هود # {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} (1) [هود: 1] يستدل به ~~على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، إذ ظاهره تراخي التفصيل عن وقت ~~إنزاله؛ لأن (ثم) تقتضي التراخي، ويحتمل أنها لمجرد العطف كالواو أو تنبيها ~~على تعظيم المنة أو العناية بالتفصيل كما تقول: أطعمت فلانا ثم كسوته ~~وآويته، ثم زوجته، ونحو ذلك فلا يدل على المدعى. # {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} (2) [هود: 2] فيه إثبات ~~التوحيد والنبوة، وسيأتي برهانه إن شاء الله عز وجل. # {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت ~~كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} (3) [هود: 3] ~~هكذا هو الترتيب الطبيعي، أن يستغفر مما فعل، ثم يتوب عن أن يفعل، إذ ~~الاستغفار طلب المغفرة لما وقع، والتوبة: العزم ms300 على ألا يوقع شيئا من ~~الذنوب بعده. # ولما قدم التوبة على الاستغفار في قوله-عز وجل-: {أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه والله غفور رحيم} (74) [المائدة: 74] لم يعطف/ [230/ل] ~~الاستغفار، ثم لهذا المعنى {*وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} (6) [هود: 6] يحتج به على أن ~~عموم الرزق من الله -عز وجل-حلاله وحرامه، خلافا للمعتزلة فيه كما سبق في ~~أول «البقرة». # {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} [هود: 7] هذا يحتج به من رأى العرش سريرا أو جرما مستعليا ~~بالجملة، ونفي تفسيره بالملك أو نحوه مما تأوله نفاة الاستواء؛ إذ لا يصح ~~أن يقال: # وكان ملكه على الماء. # وقد جاء في الحديث: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض؟ PageV01P337 # قال: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء» (1) والعماء ممدودا هو ~~الغيم الرقيق. # {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} [هود: 7] هو تعليل لخلق السماوات والأرض بالابتلاء، ويحتج ~~به على تعليل أفعاله، وأحكامه-سبحانه وتعالى-. # {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين} [هود: 7] فيه إثبات البعث. # {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين} (13) [هود: 13] فيه إثبات إعجاز القرآن والتحدي ~~به، وإثبات النبوة بذلك على ما سبق في «البقرة» و «يونس». # {فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل ~~أنتم مسلمون} (14) [هود: 14] يحتج بها الجمهور على إثبات العلم صفة زائدة ~~على مفهوم الذات وعلى قياسه سائر الصفات، تأوله المعتزلة على معنى أنزله، ~~وهو يعلمه إما بذاته أو بعالميته: [107 أ/م] ولا يلزم من ذلك أن يكون هناك ~~صفة زائدة. # قوله-عز وجل- {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ms301 ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا ~~تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} (17) [هود: 17] ~~تعلقت به الشيعة في أن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-هو حليفة رسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم [لأن الذي على بينة من ربه هو النبي عليه السلام] بدليل قوله: # {قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} (57) [الأنعام: 57] والشاهد منه هو PageV01P338 # علي لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن عليا مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي» ~~وفي رواية «ولي كل مؤمن». # لأن الإمام خليفة النبي-عليه السلام-والنبي شاهد على الأمة فكذا خليفته، ~~فدل ذلك على أن عليا هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم. # وأجابت السنة عن هذا: بأن المراد بقوله-عز وجل-: {أفمن كان على بينة من ~~ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن ~~يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون} (17) [231 ل] [هود: 17] هو القرآن من الله-عز وجل- ~~شاهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالصدق، لأنه معجزه الأكبر، يدل عليه قوله: ~~{ومن قبله كتاب موسى} [هود: 17] أي: ومن قبل الشاهد كتاب موسى، فدل على أن ~~الشاهد وكتاب موسى من جنس واحد، وعلي ليس من جنس كتاب موسى، فلا يكون مرادا ~~من الآية. # وهذا بحث جيد من الطرفين، ومن جهة الجمهور أجود، ومأخذ الخلاف أن الضمير ~~في «منه» يحتمل رجوعه إلى من كان والى ربه، فحمله الشيعة على الأول، ~~والجمهور على الثاني، وهو أقرب المذكورين. # ويحتمل أن المراد بقوله: {أفمن كان على بينة من ربه} [هود: 17] أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بدليل قوله-عز وجل-: {أولئك يؤمنون به} [هود: 17] فدل ~~على أن المراد بمن كان جمع لا مفرد، وحينئذ يسقط الاستدلال به بالكلية. # و{أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من ms302 أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} (20) [هود: # 20] يحتج به الجبرية على أنهم لجبرهم على الكفر لم يستطيعوا الإيمان، ~~وتأوله المعتزلة على أنهم لشدة كراهتهم للإيمان ما كانوا يستطيعون سماع ~~دلائله، كما يقال: فلان ما يستطيع أن يسمع بذكر فلان ونحوه. # {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين} (31) [هود: 31] يحتج به من يرى أن الملائكة أفضل من ~~الأنبياء، وقد سبق ذلك. PageV01P339 # {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين} (32) [هود: 32] يحتج به على مشروعية الجدال في إظهار الحق وإخفاء ~~الباطل؛ لأن الآية دلت على أن نوحا فعله وأكثر منه مع قومه، خصوصا في أصول ~~الدين مع الكفار والمبتدعة، كما فعل نوح عليه السلام. # {*شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} (13) [الشورى: 13]. # {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ~~ربكم وإليه ترجعون} (34) [هود: 34]، يحتج بها الجمهور على أن الله-عز وجل- ~~يريد إغواء بعض الخلق، ومراد الله-عز وجل-واجب، فإغواء هؤلاء واجب، هو/ ~~[107 ب/م] المراد بخلق الأفعال، إذ لا معنى لخلقها إلا إيجادها واختراعها ~~بأسباب موجبة لها، والإغواء منها. # ولعل المعتزلة يتأولون ذلك على أن (يغويكم) معناه يصيبهم غاوين، من باب ~~أجبنت الرجل وأبخلته أي أصبته، ووجدته جبانا وبخيلا. # {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون} (36) / [232/ل] [هود: 36] يحتج به من يرى تكليف ما لا يطاق، ~~وتقريره أن نوحا أخبر أن قومه لم يؤمن في المستقبل أحد منهم، وخبر الله-عز ~~وجل- صدق ومتعلقه جازم لا خلف فيه، ثم إنهم مع ذلك ms303 لم ينقطع الخطاب ~~التكليفي عنهم، حينئذ هم مأمورون بالإيمان مع استحالة وقوعه منهم، وهو ~~تكليف ما لا يطاق أو تكليف بالمحال، لا يقال: إن تعلق العلم والإخبار ~~الإلهي بعد إيمانهم لا يوجب صيرورته منهم محالا؛ لأن العلم كاشف عن الحقائق ~~لا مؤثر فيها، لأنا نقول: تعلق العلم بعدم إيمانهم يقتضي تعلق الإرادة ~~والقدرة بذلك أيضا؛ لئلا تتنافى الصفات القديمة في متعلقاتها، وحينئذ يبقى ~~إيمانهم خلاف المعلوم والمخبر به والمراد والمقدور، وذلك يوجب استحالته ~~قطعا. PageV01P340 # فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) [هود: 38] فيه جواز مقابلة الجاهل ~~والأحمق ونحوهما بمثل فعله، ويشهد له النصوص نحو: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} (194) ~~[البقرة: 194]، و {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه ~~لا يحب الظالمين} (40) [الشورى: 40] و {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} (126) [النحل: 126] وأشباهه. # {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} (40) [هود: 40] عام ~~فيهم خص بالاستثناء بعده {إلا من سبق} [هود: 40] وهو ابنه المذكور أنه غرق بعد. # {وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] يحتج به الشيعة في أنهم المصيبون على ~~قلتهم، دون الجمهور على كثرتهم، وقد سبق، وجوابه عند {كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] في «البقرة». # {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم ~~الحاكمين} (45) [هود: 45] يحتج به من يرى العموم، وأن له صيغة والتمسك به؛ ~~لأن نوحا إنما تمسك في هذا السؤال بعموم قوله-عز وجل-: {احمل فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك} [هود: 40] وهو اسم جنس مضاف يفيد فيه العموم، فصار ~~تقدير سؤال نوح: إن ابني من أهلي وقد وعدتني بإنجاء أهلي، ينتج قد وعدتني ~~بإنجاء ابني. # {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} [هود: 46] يحتمل وجوها: # أحدها: أن ابنك ms304 مخصوص في علمنا من عموم أهلك [وليس هو من أهلك] الناجين. # الثاني: أنه ليس من أهل دينك بدليل {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] وحينئذ ~~يكون الأهل في قوله-عز وجل- {أهلك} [هود: 40] مجازا عن الموافقين في ~~الإيمان. # الثالث: ما قيل: إن هذا الولد كان ابن زوجته، أو أنه ولد على فراشه من ~~غيره بدليل (فخانتاهما) [التحريم: 10] {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} ~~[108 أ/م] PageV01P341 # [هود: 46] برفع عمل ونحوه مما لا يلي [ق: بعضه] بالأنبياء، وعلى كل حال ~~فلا بد [في هذه] القضية من استعمال المجاز في أهلك، أو تخصيص عمومه بالابن ~~المذكور، أو تجوز نوح بولده/ [233/ل] عن ابن امرأته، فيحتج بها على استعمال ~~المجاز والتخصيص في الكلام. # {فلا تسئلن ما ليس لك به علم} [هود: 46] كأن نوحا لما قال: {ونادى نوح ~~ربه فقال رب إن ابني من أهلي} [هود: 45] كان ذلك [نوع اعتراض منه أو تذكيرا ~~لمن لا ينسى]؛ لأن الله-عز وجل-قد حكم بإنجاء أهله، فحكمه لا يتغير، فلا ~~فرق بين شفاعة نوح في ابنه وعدمها، فلذلك قوبل بهذا الكلام الذي يصعب موقعه ~~فيقال: إن نوحا بكى من هذا الكلام دهرا طويلا. # [{تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين} (49) [هود: 49] سبقت دلالتها على النبوة في «آل ~~عمران».] # {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي ~~على صراط مستقيم} (56) [هود: 56] [زعم الاتحادية أن معنى ذلك سريانه-عز ~~وجل- بذاته في العالم، حتى في الدواب، فلذلك أخذ بنواصيها؛ لأنه الذي ~~يحركها ويتحرك فيها]. # [ولذلك زعم ابن العربي في «الفصوص» أن هودا أعلم الأنبياء وأعرفهم بسر ~~الإلهية لأجل هذا الكلام] ومعنى الآية عند علماء التوحيد أنه [عز وجل] لما ~~فطر الدواب على طباع لا مخرج لها عن مقتضاها كان من حيث القدرة آخذا ~~[بنواصيها]، وبحيث لا تتحرك إلا بمقتضى ما طبعها وفطرها عليه، كذا قال ~~الحكيم الترمذي في بعض كتبه. # {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ms305 وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد} (59) ~~[هود: 59] لما كان دين الأنبياء واحدا في التوحيد وكلمتهم واحدة، كان عصيان ~~الواحد منهم كعصيان جميعهم، وإلا فعاد ما عصوا بالحقيقة إلا من أرسل إليهم، ~~وهو هود وحده. # {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} (74) [هود: # 74] فيه جواز الجدال حتى مع الأكابر ومن فوق رتبة الشخص إذا لم يعد ذلك ~~إهانة لهم، ولم يثر فتنة أو مفسدة راجحة كجدال إبراهيم ربه، وقد أمرنا ~~باتباع ملته. PageV01P342 # بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ~~(78) [هود: 78] يحتج لها الشيعة على جواز التقية، لأنه إنما سمح بنكاح ~~بناته لاضطراره إلى صيانة أضيافه، ولولا ذلك لما سمح لهم بهن، وقد سبق ذلك ~~في «آل عمران». # {إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه ~~يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} (98) [هود: 97 - 98] قاطعة ~~في الرد على من زعم أنه مات مسلما؛ لأن الله-عز وجل-سلب عنه الرشاد بعد ~~موته، والمسلم لا يسلب عنه الرشاد بعد موته، وهو ينتج المقصود. # {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} (101) [هود: 101] يحتج ~~به المعتزلة إذ لو ذمهم على ما خلقه فيهم لكان ظالما لهم، وقد عرف هذا ~~وجوابه مرارا، ثم ينتقض بالشخص القبيح الصورة فإنه مذموم بالطبع كالقرد/ ~~[108 ب/م] والخنزير، ومن أشبههما من الناس، وصورته مخلوقه لله-عز وجل-خلقا ~~محضا بلا خلاف. # {وما نؤخره إلا لأجل معدود} (104) [هود: 104] يحتج به على تناهي أيام ~~العالم وانقضاء مدة الدنيا خلافا للدهرية/ [234/ل] والفلاسفة حيث زعموا أن ~~الزمان أزلي أبدي، لا ابتداء له ولا انقضاء، ولا أول ولا آخر، وحجتهم أن ~~الزمان لو كان حادثا لكان عدمه قبل وجوده، وتلك القبلية من لواحق الزمان، ~~فيلزم وجود الزمان قبل وجوده وأنه محال. # وجوابه أن القبلية والبعدية من الأمور الإضافية التي هي عدم محض، فلا ~~نسلم ms306 أنها تلحق شيئا، ولا يحلقها شيء، سلمناه، لكن قولكم: القبلية من لواحق ~~الزمان تريدون الزمان الحقيقي الخارجي أو التقدير الذهني؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم ولا يلزم منه قدم الزمان الخارجي، ولعلك ~~تستغرب إثبات الزمان التقديري والدليل عليه وجهان: # أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله النور يوم الأربعاء» (1) مع ~~أن النور إنما هو حاصل النيرات الفلكية، ومنها الشمس التي حركتها سبب وجود ~~الزمان الحقيقي، وذلك يقتضي PageV01P343 # أنه خلق النور قبل الزمان الحقيقي، ثم أخبر بأنه خلقه في زمان وهو ~~الأربعاء؛ ويلزم أن ذلك الزمان التقديري ذهني لا حقيقي خارجي. # الوجه الثاني: أن الزمان من لوازم الفعل، ولذلك دل عليه بالالتزام، ثم ~~إنه يصح أن يقال: خلق الله الزمان فيجب أن يكون خلقه إياه في زمان تقديري، ~~وإلا لكان في زمان خارجي، فيلزم وجوده قبل وجوده، وأنه محال. # {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد} (107) [هود: 107] في أهل النار والجنة، وقد استشكل هذا الاستثناء، ~~ولبعضهم فيه تصنيف مفرد، والذي يتجه أن يقال فيه: أما في أهل النار فمعناه: ~~إلا ما شاء الله من مقامهم في البرزخ أو في حال الحياة أو فيهما، فإن ذلك ~~كله في مدة دوام السماوات والأرض وليسوا حينئذ في النار، أو معناه إلا ما ~~شاء الله من مقامهم في الزمهرير فإنهم يستغيثون من النار، فيخرجون إلى ~~الزمهرير يعذبون به وهو البرد الشديد، وهم حينئذ ليسوا في النار، وأما في ~~أهل الجنة فيحتمل إلا ما شاء الله من حضورهم في حظيرة القدس عند رؤية الرب- ~~عز وجل-كل جمعة أو في أوقات الرؤية، وذلك المقام خارج عن الجنة ثم يعودون ~~إليها، ويحتمل إلا: ما شاء الله من تنزههم في أقطار الملكوت فإنه واسع، ~~والجنة جزء يسير منه فيتنزهون فيه/ [109 أ] ثم يعودون كما يخرج الناس من ~~بساتينهم [للقاء ملوكهم، والسلام عليهم والتشرف برؤيتهم، وكما يخرج الملوك ~~من بساتينهم] للصيد ونحوه، ثم يعودون إليها، ويحتمل غير ذلك مما في علم ~~الله-عز ms307 وجل- مما أراد بكلامه. # {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} (112) ~~[هود: 112] كلمة/ [235/ل] جامعة لخصال الإيمان والإسلام والإحسان، تقتضي ~~فعل كل مأمور وترك كل محظور، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شيبتني ~~هود وأخواتها» (1) أما هود فبهذه الكلمة؛ لأنه خاف ألا يقوم بموجبها، وألا ~~يفي بها، و [أما] أخواتها فسورة التكوير، والانفطار، والانشقاق؛ لتضمنهن ~~حكاية أمر الآخرة وأهوال القيامة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من PageV01P344 # أحب أن يرى القيامة رأي عين فليقرأ: {إذا الشمس كورت} (1) [التكوير: 1] (1). # ونظير هذه الكلمة قوله-عز وجل-لموسى وهارون: {قال قد أجيبت دعوتكما ~~فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} (89) [يونس: 89] وفي وصف ~~الأولياء {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} (30) [فصلت: 30]. # {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} (112) ~~[هود: 112] أي وليستقم من تاب معك كما أمر، وهو أمر بالاستقامة لجميع ~~الأمة، ولن يقوم بذلك إلا معان موفق. # {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين} (114) [هود: 114] يحتج به من قال بالمحابطة والمقاصة بين ~~الحسنات والسيئات، ومعناه: أنهما إن استويا تساقطا أو حبط أحدهما بالآخر، ~~وإن تفاوتا سقط القدر المشترك من الطرفين وبقي الزائد له أو عليه، وهذا ~~مقتضى العدل ووضع الموازين القسط. # نعم الحسنات والسيئات فيهن كبائر وصغائر، فالصغيرة تسقط بمثلها وكذا ~~الكبيرة، أما الصغيرة مع الكبيرة إذا تقابلتا فالسيئة الكبيرة تسقط الحسنة ~~الصغيرة، وأما العكس ففيه نظر، إلا أن يتفضل الله-عز وجل-ويسامح. # وهذا كله إذا صح الأساس وهو الإيمان، أما مع الكفر فلا توجد الحسنة، وإن ~~وجدت عادت هباء منثورا. # {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين} ~~(116) [هود: 116] تضمنت الذم لأكثر القرون الخالية على ترك إنكار المنكر، ~~وذلك يقتضي وجوبه ونجاة فاعله وهلاك تاركه، والأمر ms308 بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر من أصول الإسلام ومهمات الدين. PageV01P345 # {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} (117) [هود: 117] يحتج به ~~المعتزلة كما في نظيره في «الأنعام» {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا ~~يزالون مختلفين} (118) [هود: 118] يحتج به الجمهور كنظائره السابقة. # {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (119) ~~[هود: 118 - 119]. # أي وللخلاف خلقهم؛ كقوله-عز وجل: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ~~أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (179) [الأعراف: 179] / ~~[236/ل، وقيل: للرحمة/ [109 ب/م] خلقهم، فإن أريد به عموم الناس فباطل، إذ ~~أكثرهم للعذاب كما ثبت، وإن أريد البعض فيبقى تقديره، ولذلك خلق من رحم أي: # وللرحمة خلق من رحم، وهو متجه على ما فيه من ضعف، فالأشبه الأول بدليل ~~تمام الآية: # {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 119]. # ... PageV01P346 ### | AUTO القول في سورة يوسف # {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (2) [يوسف: 2] يحتج به من قال ~~بقدم القرآن، وأنه منزل غير مخلوق، وعارضه الخصم بنحوه، {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي ~~عزيز} (25) [الحديد: 25]. # و{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (3) [الزخرف: 3]، والحديد مخلوق، ~~مع أنه منزل، وكل مجعول مخلوق، وقد وقعت المناظرة في هذا بين عبد العزيز ~~المكي وبشر المريسي على ما ذكر في كتاب «الحيدة». # {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين} (4) [يوسف: 4] يحتج به على أن النجوم في الرؤيا تدل على قوم ~~أشراف، وذكر في «التوراة والسير» أن يوسف رأى مع رؤية النجوم رؤيا أخرى، ~~وهي أنه رأى كأنه وإخوته احتطبوا حطبا، وربطوا حزمهم وأقاموها ليرفعوها؛ ~~فجاء حزم إخوته حتى سجدت ms309 لحزمته، وهي كرؤيا النجوم في التأويل. # {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (21) [يوسف: 21]. # أي إذا أراد أمرا غلب عليه وفعله نحو {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} (3) ~~[الطلاق: # 3] ويحتج به الجبرية، لأن مقتضاه: أنه إذا أراد فعلا أو حالا من إنسان ~~غلب عليه، وإذا غلب عليه كان الإنسان مجبورا عليه قطعا. # وقيل: غالب على أمره يوسف يدبره وينصره ويحسن عاقبته، والأول أظهر. # {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 21] أي لا يعلمون أن الله غالب على ~~أمره؛ لغلبة أحكام الحس عليهم، فإذا لم يدركوا ذلك بحسهم لم يعلموه، إنما ~~يعلمه أقلهم ممن جاوز حكم الحس إلى حكم العقل نظرا واستدلالا، أو كشفا ~~واطلاعا، كما PageV01P347 # حكي عن بعض أهل الكشف أنه قال: «إن هؤلاء المعتزلة يشككوننا في العيان، ~~إنا والله لنرى المعاصي تنزل من السماء على جوارح العباد كالغمام» أو كما قال. # {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} (24) [يوسف: 24] هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه لولا/ [237/ل] رؤية البرهان [لهم إذ همت به، وذلك يقتضي أنه ~~لم يهم بالمعصية. # والثاني: أن الهم بها وجد منه، فلولا رؤية البرهان] لأمضى ما هم به ~~وفعله، فيتعلق به من يتكلم في عصمة الأنبياء، ولا حجة فيه؛ لأن الهم ~~بالمعصية إنما يكون معصية إذا تمكن من القلب/ [110 أ/م] وصار عزما مؤكدا، ~~وما دون ذلك فهو خطرات غير قارة، وحديث نفس معفو عنه، وقد أخبر الله-عز ~~وجل-أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وأنه من عباده المخلصين، ومن هذه صفته ~~فليس لأحد عليه متعلق. # {قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين} (26) [يوسف: 26] دليل ms310 على تعليق الأحكام بالقرائن ~~والأمارات المناسبة، وعلى ترجيح إحدى الدعوتين أو البينتين [إذا تعارضتا ~~بمرجح مناسب؛ لأنه رجح هاهنا قول يوسف بقد قميصه من دبر مع استوائهما) في ~~عدم البينة، فكذلك في الاستواء في وجود البينة من الطرفين لتكافؤ الطرفين ~~في الصورتين # {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم} (31) [يوسف: 31] يحتج به من فضل الملائكة على البشر ~~ولا حجة فيه لوجهين: # أحدهما: أن هذا قول نساء كوافر قليلات عقل ودين، قد غلب عليهن الهوى فلا يسمع. # الثاني: أن تفضيلهن الملك هاهنا إنما هو في الحسن والجمال؛ لاقتضاء الحال ~~ذلك، وليس محل النزاع، إنما الخلاف في الفضل والكمال وارتفاع الدرجة عند ذي ~~الجلال وذلك إنما يعرف عن الأنبياء لا عن النساء. PageV01P348 # {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين} (33) [يوسف: 33] تقتضي ألا عاصم من المعصية وغيرها إلا ~~الله-عز وجل-وبقياس العكس وقواطع الأدلة: أن لا موبق فيها إلا الله-عز وجل- ~~وذلك بما يقدر من أسباب العصمة أو الوصمة، ويخلقه من الدواعي والصوارف ~~والهمة. # {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} ~~(37) [يوسف: 37] الآيتين، يستدل بهما على، ترك الباطل واتباع الحق يورث ~~التعليم من الله -عز وجل-لأن يوسف-عليه السلام-علل تعليم الله-عز وجل-له ~~تأويل الرؤيا بتركه ملة الكفار واتباعه ملة آبائه الأبرار، وتعليمه تأويل ~~الرؤيا يحتمل أنه بالوحي على لسان الملك، ويحتمل أنه بالإلهام، أو بتحريك ~~الفكر على النظر والاستدلال. # {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} (39) [يوسف: ~~39] استدلال من يوسف-عليه السلام-على التوحيد لإرشاد أصحابه في السجن، فقد ~~كان داعيا إلى الله-عز وجل-في كل حال من شدة ورخاء. # وتقريره: أن الله-عز وجل-رب واحد، والرب الواحد خير من الأرباب ~~المتفرقين، أما ms311 الأولى فلما سيأتي إن شاء الله-عز وجل-من براهين التوحيد. # وأما الثانية: فلأن/ [238/ل] / [110 ب/م] أحكام الواحد متفقة، وأحكام ~~المتفرقين متفرقة مختلفة، والاتفاق خير من الفرقة، وبالقياس على الشاهد أن ~~الرعية مع ملك واحد أصلح حالا من ملوك، والعبد مع سيد واحد أحسن حالا منه ~~مع جماعة سادة. # {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} (40) [يوسف: 40] يحتج به من رأى أن الاسم هو المسمى؛ لأنه ~~المعبود لا الاسم، ولا حجة فيه كما سبق. # {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين} (42) [يوسف: 42] فيه أن علم التعبير علم مظنون، وقد ~~يقطع بالتأويل بقرائن، أو اطراد عادة، ونحوه. PageV01P349 # {فأنساه الشيطان ذكر ربه} [يوسف: 42] إنساء الشيطان بوسوسته، والشيطان ~~ووسوسته من قدر الله-عز وجل-وأسبابه المقدرة، فإلى ربك المنتهى في كل شيء، ~~وإليه يرجع الأمر كله. # {قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون} (47) [يوسف: 47] قيل: معناه ازرعوا، فهو خبر بمعنى الأمر، أو أمر ~~بلفظ الخبر، وقيل: هو خبر لفظا ومعنى، ففيه إذن جواز إطلاق الخبر بتأويل ~~الرؤيا على تقدير صدقها، ولا يشترط أن يقول: إن صدقت رؤياك يكون كذا وكذا، ~~ولا يكون مسيئا بترك ذلك، كما قال بعض المعبرين. # {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون} (58) [يوسف: 58] ~~يستشهد به الشيعة في غيبة الإمام، وأنه موجود ولكن أكثر الناس لا يعرفونه، ~~وإن رأوه كما أن إخوة يوسف رأوه فعرفهم ولم يعرفوه، وهو قياس تمثيل لا يفيد ~~عندهم في الفرعيات، فما الظن بالدينيات. # {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني ~~عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} ~~(67) [يوسف: 67] قيل: خشي عليهم من العين؛ لأنهم كانوا ذوي رواء حسن، فخاف ms312 ~~عليهم، وهي الحاجة التي كانت في نفسه، فقضاها، وقد أثنى الله-عز وجل-عليه ~~بذلك، فقال: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من ~~شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون} (68) [يوسف: 68] ووافق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «العين حق» ~~(1)، فاتفق على ذلك شرعنا وشرع من قبلنا، فتأكد حكمها، وفي كيفية الإصابة ~~بالعين خلاف؛ فقيل: هو سم ينفصل عن العين لخبث [في النفس]؛ فيتصل الشي مع ~~الشعاع البصري، فيغيره. # وقيل: وهم قوة نفس تنفعل له الأجسام العنصرية، كانفعال الحديد للمغناطيس، PageV01P350 # والعاشق للمعشوق، والنجوم لما تؤثر فيه على رأي أهلها. # وقيل: هو تغير يحدثه الله-عز وجل-مقارنا لرؤية الرائي تنبيها له على أن ~~الدار دار تغير وزوال، فلا يغتر بما هي عليه من حسن الحال تزهيدا له فيها/ ~~[111 أ/م] وترغيبا عنها، وقيل غير ذلك. # {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون} (70) [يوسف: 70] إلى آخر القصة، إن كان قوله-عز وجل-: # {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} ~~(112) [النساء: 112] عاما مطلقا في جميع الشرائع والأمم فيحتمل/ [239/ل] ~~أنه مخصوص بهذه الواقعة ونحوها مما أذن الله-عز وجل-فيه؛ أو تضمن مصلحة لا ~~يسمى خطيئة حتى يخص به عموم الخطيئة. # {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين} (81) [يوسف: 81] يحتج به من رأى الظن نوع علم؛ لأنهم ~~سموا ما حصل لهم علما، وإنما كان ظنا باطلا لظهور كذبه بعد بأن ابنه سرق ~~تهمة ولم يسرق حقيقة. # وأجيب بأنهم سموا الظن علما مجازا لما شابه العلم في قوته، وبالجملة فبين ~~العلم والظن قدر مشترك يصلح علاقة للتجوز، وهو الرجحان ونظير هذه المسألة ~~في «سبحان» و «الامتحان». # {وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون} (82) ~~[يوسف: 82] أي: أهلها وهو من باب مجاز الحذف والنقصان، والمجاز إما ms313 بزيادة ~~نحو {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] أو بنقصان نحو {وسئل القرية} [يوسف: 82] ~~أو بنقل واستعارة نحو {وجه النهار} [آل عمران: 72] و {واخفض لهما جناح الذل ~~من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} (24) [الإسراء: 24] وأشباه ~~ذلك. PageV01P351 # مبين (8) [يوسف: 8] وليس المراد ضلالا في الدين، بل في حب يوسف، ~~والمبالغة في الحب تسمى ضلالا. # {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم من الله ما لا تعلمون} (96) [يوسف: 96] يقال: إن هذا القميص كان من ~~حرير الجنة، جاء به جبريل-عليه السلام-فكساه يوسف، أو وضع في قصبة، أو ~~نحوها، وعلق في عنقه. # وبكل حال هذه معجزة [ليوسف-عليه السلام-]. # {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم} (100) [يوسف: 100] أي سجود تحية لا عبادة، ولم يزل الناس كذلك حتى ~~حرمه الإسلام تمييزا لله-عز وجل-بهذه العبادة الخاصة دون غيره، فمن سجد ~~لغير الله-عز وجل- قاصدا لعبادته عالما بتحريم ذلك، كفر. # {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم ~~يمكرون} (102) [يوسف: 102] حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم كما مر في ~~«هود»، و «آل عمران»، وإنما قال ذلك في موضع، وتلك في آخر، ذهابا إلى القصص ~~تارة وإلى القصة أخرى. # {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} (103) [يوسف: 103] أخبر الله [-عز ~~وجل- بذلك لعلمه أنه سيصرف أكثرهم عن الإيمان بما سيخلقه] فيهم من الدواعي ~~والصوارف. # {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} (106) [يوسف: 106] يعني الكفار ~~كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة ~~والإيمان وهو التصديق بالله-عز وجل-لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك ~~هو التوحيد وهم كانوا/ [111 ب/م] يؤمنون بالله-عز وجل-وجودا وخلقا/ [240/ل] ~~وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادة. # {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا ms314 أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] بالتشديد أي: ~~كذبهم قومهم؛ فلا يتابعهم أحد. PageV01P352 # {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] بإمالة قلوب الناس إليهم، و {كذبوا} [يوسف: ~~110] بالتخفيف أي: أخلفهم الله-عز وجل-وعده في النصرة، وأنهم ليسوا على شيء ~~{جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] بإنجائهم ومن اتبعهم، وإهلاك الكافرين. # وقد أنكرت عائشة-رضي الله عنها-هذا التأويل تنزيها للأنبياء عن الشك في ~~أمرهم، واختارت الوجه الأول أو نحوه، وليس ما أنكرته بالمنكر، إذ الإنسان ~~يطرأ عليه لخوف أو حزن أو مرض أو هم وغم-أحوال يقول ويظن فيها أقوالا ~~وظنونا هو فيها معذور؛ لغلبة ذلك الحال، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما تراخى [عنه الوحي في مبادئ أمره خرج ليتردى من شواهق الجبال وجدا ~~لانقطاع الوحي] والرسل يوم القيامة يقال لهم: ماذا أجبتم؟ فيقولون: لا علم ~~لنا. ينسون أو يشدهون لغلبة تلك الحال عليهم، ثم يتذكرون فيشهدون بما ~~علموا، فكذا ظن الرسل هاهنا أنهم قد كذبوا هو من هذا الباب، والله-عز وجل- ~~أعلم بالصواب. # ... PageV01P353 ### | AUTO القول في سورة الرعد # {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون} ~~(2) [الرعد: 2] المشهور أن معناه ترون السماء بغير عمد؛ لأنها كرة مستديرة ~~لا حاجة إلى عمد، قيل: لا عمد لها ترونه، فيفهم أن لها عمدا لا ترى، وليس ~~بشيء؛ إذ كونها بغير عمد أدل على القدرة والحكمة. # {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (3) [الرعد: ~~3] أي جعل كل واحد منهما يغشى صاحبه، وسبب ذلك دوران الشمس في فلكها؛ فإذا ~~غابت حالت الأرض بينها وبين الفضاء فأظلم فكان الليل، وإذا طلعت قابلت ~~الفضاء فأضاء، فكان النهار. # {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ~~يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} ~~(4) [الرعد: 4] يحتج بها المتكلمون على أن الله-عز ms315 وجل-يفعل بالقدرة ~~والاختيار لا بالطبع والإيجاب خلافا للفلاسفة، ووجهه أن الشجر إذا سقي بماء ~~واحد فلو كان المؤثر فيه فاعلا بالطبع لاتفق في الأكل؛ لأن الماء واحد وأثر ~~الطبع يتحد؛ فيتعين الاتفاق في الأكل، فلما اختلف أكله مع اتحاد الماء دل ~~على أن/ [241/ل] اختلافه من جهة اختيار الصانع. # فإن قيل: لعل اختلاف الثمار في طعومها وألوانها من قبيل اختلاف طبائع ~~الشجر، أو اختلاف القوابل كالشمس تفعل بالطبع، وهي تبيض الثوب/ [112 أ/م] ~~وتسود وجه القصار. # فالجواب: لا نسلم أن الشمس تفعل بطبعها، ولا الماء ولا النار [يفعل شيئا] ~~من ذلك بطبعه، بل هذه الأشياء أسباب، والفاعل الخالق وهو الله-عز وجل-ثم إن ~~اختلاف الطبائع والقوابل بفعل الله-عز وجل-إذ هو خالق كل شيء. وذلك يدل على ~~الفاعل المختار، وإلا لاتحدت الطبائع والقوابل أيضا. PageV01P354 # {* وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين ~~كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~(5) [الرعد: 5] دل هذا الكلام على البعث والمعاد؛ لأنه لما أنكر تعجبهم ~~منه، دل على أن وقوعه ممكن، وليس بعجب، ثم إنه كفرهم وتوعدهم على إنكار ~~المعاد فدل على وجوب اعتقاد وقوعه، إذ الوعيد لا يكون إلا على محرم، فدل ~~على [أن إنكارهم] للمعاد محرم؛ فيكون الاعتراف به واجبا. # {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد} (7) [الرعد: 7] ربما احتج به الشيعة على وجوب الإمامة أو وجود الإمام، ~~ولا دلالة فيه على ذلك؛ إذ المراد لكل قوم رسول يرشدهم إلى الحق، أو لكل ~~قوم هاد هو الله-عز وجل- يهدي من يشاء منهم؛ كأنه قال: يسألونك الآيات، ~~وليس ذلك إليك، إنما أنت منذر كسائر الرسل قبلك، أو أنت منذر وأنا الهادي، ~~كما قيل: «فإني واعظ والله هادي». # {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده ~~بمقدار} (8) [الرعد: 8] هذا من مفاتح الغيب الخمس، وإنما علمه لأنه خلقه ~~{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ms316 (14) [الملك: 14]. # {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال} (11) [الرعد: 11] يحتج به الجمهور؛ لأن السوء يعم المعاصي ~~وغيرها من البلاء. # وينتظم الدليل هكذا: الله-عز وجل-يريد المعاصي، وكل ما أراده الله-عز ~~وجل- لا مرد له فالله عز وجل إذا أراد المعصية من قوم فلا مرد لها، وحينئذ ~~تصير واجبة منهم، وذلك المراد بخلقه إياها، أو هكذا المعاصي مراد الله، ~~وذلك مراد لله [فلا مرد له] فالمعاصي لا مرد لها. والخصم ينازع في المقدمة ~~الأولى. # {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال} (12) [الرعد: # 12] قيل: هو سوط ملك السحاب إذا ساقه به، أو (وري) النار، وعند الحكماء ~~هو نار أو نور يحصل باصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض، والسحاب عندهم بخار ~~ودخان يحتقن في الأرض/ [242/ل] والجبال؛ فيندفع خارجا؛ فتحمله الريح صاعدا، ~~فإذا لقي PageV01P355 # برد الهواء اجتمع وتكاثف؛ ثم انعصر؛ فنزلت رطوبته مطرا، والصواعق نار ~~تتكون عن الدخانية المتراقية من الأرض. # {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (14) ~~[الرعد: 14] أي هو المدعو إلها حقا لا غيره، وما دعي من دونه كالأصنام ~~ونحوها ليست آلهة؛ لأنها لا تستجيب ولا تنفع، وقد سبق نظم الدليل على ذلك. # {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار} (16) [الرعد: 16] يحتج بعمومه على أنه-عز وجل- خالق ~~الأفعال من خير وشر وطاعة ومعصية، وتقريره أن أفعال العباد شيء، وكل شيء ~~مخلوق لله-عز وجل-؛ فأفعال/ [122 ب/م] العباد مخلوقة لله-عز وجل-والخصم ~~يدعي تخصيص الثانية بما سوى المعاصي بدليله ms317 العدلي زعم، والصواب طرد العموم ~~فيها، تصحيحا لرأي الجمهور. # {وهو الواحد القهار} [الرعد: 16] أي واحد لا خالق معه، ولا شريك، قهار ~~لمن سواه على ما يريد منه بخلق الدواعي والصوارف، ونحو ذلك من الأسباب ~~الغالبة، ومع ذلك فله الحجة البالغة، ويحتج على المعتزلة أيضا بقوله-عز ~~وجل-: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه} [الرعد: 16] ولو صح ما قالته ~~المعتزلة من أن الناس خالقون لأفعالهم، لكان له شركاء يخلقون كخلقه، وإنه محال. # [وأجاب الخصم بأن الخلق على ضربين، خلق أعيان وخلق أعراض؛ فخلق الأعيان ~~وبعض الأعراض كالألوان ونحوها مختص بالله-عز وجل-فإثباته لغيره هو الكفر ~~والشرك الذي أنكره في الآية، وخلق بعض الأعراض، وهي أفعال الحيوان غير مختص ~~به بل يشاركه فيه الناس، وذلك ليس بشرك وهذا كما أن معلوماته ضربان: # أحدهما: اختص به كالغيوب. # والثاني: مشروك فيه معلومات البشر]. PageV01P356 # {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب} (27) [الرعد: 27] أي: ليست الآيات موجبة للهداية، ولا ~~عدمها موجبا للضلال، بل ذلك دائر مع المشيئة وجودا وعدما. # ويحتج به الجمهور على أن الله-عز وجل-هو الهادي المضل لمن يشاء بخلق ~~الهدى والضلال. # {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد} (31) [الرعد: 31] فيه حجة لهم كما مر في ~~نظائره. # {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن ~~يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب} (38) [الرعد: 38] أي أن الكفار ~~يجهلون، ويظنون أن الأمر المعجز إلى النبي، وليس كذلك، بل أمره إلى الله-عز ~~وجل-فالنبي لا يستطيع أن يأتي إلا بإذن الله عز وجل. # {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] أي للآيات أجل وقت ستأتيكم فيه، وإليه ~~الإشارة بقوله-عز وجل-: {ويقولون لولا ms318 أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب ~~لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين} (20) [يونس: 20] أي وقت مجيئها عند ~~حلول أجله، وهذه ونحوها من مسائل النبوات والمعجزات. # {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (39) [الرعد: 39] هذا يعم ~~النسخ التكليفي، كنسخ إباحة الخمر بتحريمها، والتكويني كنسخ الإماتة ~~بالإحياء وعكسه، ونقص العمر وزيادته باعتبار ما في اللوح المحفوظ، ويستقر ~~الواقع على مطابقة العلم الأزلي القائم بالذات، المشار إليه بأم الكتاب، ~~فالكتاب يطلق على القرآن وغيره من الكتب المنزلة/ [113 أ/م] وعلى اللوح ~~المحفوظ، وأم الكتاب أي: أصل الكتب هو [العلم] القائم بذاته-عز وجل. PageV01P357 # وهو سريع الحساب (41) [الرعد: 41] أي لا معارض ممانع ولا مستدرك، ولا ~~طاعن على حكمته كإبليس ونحوه، فحاصله أنه لا ناقض لحكمه ولا طاعن في حكمته، ~~وفيها إشارة إلى نحو {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} (23) [الأنبياء: 23] في ~~التسليم للأقدار والأحكام. # {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب} (43) [الرعد: 43] لما قدح الكفار في رسالته أمر بمحاكمتهم إلى ~~من عنده علم الكتاب، وهم علماء بني إسرائيل ممن عرف الحق فاتبعه كعبد الله ~~بن سلام ونحوه؛ لأنهم يعلمون أنه نبي موعود به في الكتب السابقة على لسان ~~الأنبياء المتقدمين. # وقيل: المراد بمن عنده علم الكتاب هو الله-عز وجل-عنده علم كل شيء في ~~كتاب مبين. أي: إن أنكرتم رسالتي، فيكفيني الله شهيدا على صدقي، وهو يقضي ~~بيني وبينكم بالنصرة في الدنيا والآخرة، وكذلك كان، والله-عز وجل-أعلم ~~بالصواب. PageV01P358 ### | AUTO القول في سورة إبراهيم # {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد} (1) [إبراهيم: 1] فيها تعليل إنزال الكتاب بإخراج ~~الناس من الظلمات إلى النور، ويحتج به على تعليل الأحكام الإلهية بالحكم ~~والمقاصد. # {بإذن ربهم} [إبراهيم: 1] إشارة إلى أن لا خارج عن ظلمة الضلال إلا ~~بإذنه-عز وجل-ويحتج به على القدرية في أن إذن الله-عز وجل-وإرادته مدار ~~الضلال والهدى وجودا وعدما. # {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل ms319 الله من يشاء ويهدي ~~من يشاء وهو العزيز الحكيم} (4) [إبراهيم: 4] يستدل به على أن اللغات ~~اصطلاحية؛ إذ لو كانت توقيفية لكان التوقيف على لسان الرسول؛ فيحتاج إلى ~~توقيف آخر، ويلزم التسلسل، وإذا كانت اصطلاحية لم يلزم ذلك، وانقطع التسلسل ~~بالاصطلاح. # {فيضل الله من يشاء} [إبراهيم: 4] يحتج به الجمهور على أن الله-عز وجل- ~~هو الهادي المضل، وأن مدار ذلك على مشيئته. PageV01P359 # وكما قال يوسف عليه السلام: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار} (39) [يوسف: 39] والظاهر أنه إنما أرشد إلى الله-عز وجل- ~~بالطريق النظري الذي عرف به. # {*قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} (10) [إبراهيم: 10] هذه شبهة ~~الكفار، وتقريرها: أننا نحن وأنتم بشر؛ فلستم أولى بالرسالة منا، وإلا لزم ~~الترجيح بلا مرجح، {فأتونا بسلطان} أي حجة ومعجزة وبرهان على صدقكم يكون ~~مرجحا لدعواكم. # {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون} (11) [إبراهيم: 11] أي ما ذكرتموه من أننا وإياكم بشر مسلم، لكن ~~قولكم: لستم أولى بالرسالة منا-ممنوع، وقولكم: يلزم الترجيح بلا مرجح، ~~قلنا: المرجح لنا عليكم منة الله-عز وجل-علينا دونكم. # فإن الله يمن على من يشاء من عباده دون بعض بإرادته واختياره وسابق علمه ~~في خلقه، وأما الآية والمعجز؛ فموقوف على إذن الله-عز وجل-وأمره ليس إلينا ~~بل هو يؤيدنا بذلك إذا شاء. واعلم أن هذا يوهم أن هؤلاء الرسل دعوا إلى ~~الله-عز وجل- بلا معجز، ثم أحالوا بالمعجز على إذن الله-عز وجل-وليس كذلك ~~لقوله-عز وجل- في صدر القصة: {ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا ~~أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا ~~إليه مريب} (9) [إبراهيم: 9] وهي ms320 الحجج والآيات الظاهرة، لكن لما عاندهم ~~قومهم وطلبوا منهم آيات أخر عنادا، أحالوهم على إذن الله-عز وجل-وهو كذلك ~~ردا لعنادهم. # فإن قيل: لعل البينات التي جاءت بها هذه الرسل بينات نظرية وهي الحجج ~~الاستدلالية كقولهم: {*قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ~~ليغفر} PageV01P360 # لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون ~~أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) [إبراهيم: 10] ~~وقومهم سألوهم آيات ومعجزات محسوسة ظاهرة قاطعة، قلنا: عرف القرآن في بينات ~~الرسل أنها المعجزات القاطعة للحجة المثبتة للنبوة، وقد تضمنت الآية أن ~~هؤلاء الرسل جاءوا قومهم بالبينات، وأما الاستدلال بخلق السماوات والأرض ~~فنافلة وزيادة على المعجزات، كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم جاء بمعجزات ~~كثيرة، ثم كان ينبههم على الحق بالإشارات النظرية، وقد تضمنت هذه القصة ~~جدالا ومناظرة من الرسل لقومهم، واحتجاجا بينا منهم على ما قررناه، وفي ~~ذلك/ [245/ل] ما يدل على شرف العلوم النظرية، [ووجوب استعمالها عند الحاجة إليها. # {يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه ~~عذاب غليظ} (17) /114 أ/م] [إبراهيم: 17] ليس هذا تناقضا؛ لأن سلب الموت ~~حقيقة وإثباته مجاز، ولا تعارض بينهما. # {وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء ~~علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} (21) [إبراهيم: 21] يحتج به الجمهور ~~على أن هداية العبد من الله-عز وجل-لا من نفسه، وأنها تمتنع إذا لم يردها ~~الله عز وجل. # وربما أجاب المعتزلة بأن هذه حكاية كلام الكفار في الكفار وقد كانوا ~~جبرية مثلكم، فلا حجة فيه؛ لأنكم احتججتم علينا بعين مقالتكم، ونحن كما لم ~~نسلمها في دار التكليف، لا نسلمها في دار الجزاء؛ لأنها باطلة، والباطل لا ~~يتعين حقيقته باختلاف المواطن. # ويجاب عنه بأن هؤلاء الكفار لما صاروا في دار الحق، صار كلامهم حجة ~~لوجهين: # أحدهما: أن دار الحق لا يقع ms321 فيها إلا حق. # الثاني: أن الله-عز وجل-حكاه عنهم غير منكر له منهم، بل مقر لهم عليه، ~~وحسبك بما لم ينكره الله-عز وجل-أن يكون معروفا، وبما يقر عليه ألا يكون ~~منكرا. PageV01P361 # ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) [إبراهيم: 22] يحتج به المعتزلة؛ لأن ~~الشيطان في دار الحق، فلا يقول إلا حقا، وقد ألزم الكفار الملامة، فدل على ~~أن سببها منهم. # وأجيب بأن سببها منهم كسبا لا خلقا، ويكفي كسبهم لها في توجيه اللائمة عليهم. # {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} (27) [إبراهيم: 27] يحتج به الجمهور، ~~وهو صريح في دعواهم نسبة إضلال الظالمين إلى الله-عز وجل-ويجيب المعتزلة ~~بأنه إنما أضلهم بعد ثبوت ظلمهم المخلوق لهم عقوبة عليه، ويقال لهم: عندكم ~~يمتنع منه أن يضل أحدا مطلقا؛ فإذا جاز أن يضلهم] [عقوبة جاز أن يضلهم ~~ابتداء، أو يقال: لا نسلم أن ظلمهم مخلوق لهم بل هو كسب لهم لا غير، فهو ~~أضلهم فظلموا، ثم زادهم ضلالا لما ظلموا، كل ذلك بحسب تصرفه وعلمه فيهم. # {*ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} (28) ~~[إبراهيم: 28] إلى {وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن ~~مصيركم إلى النار} (30) [إبراهيم: 30] يقتضي أن لله-عز وجل-على الكفار نعما ~~يتمتعون بها، خلافا لمن منع ذلك، وقد سبق الخلاف فيه في الأعراف. # {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار} (34) [إبراهيم: 34] إن جعل هذا عاما مطردا؛ لزم أن كل من سأل ~~شيئا من جميع الخلق يكون قد أوتيه أو أعطي منه، ولا أرى هذا بتحقيق، ~~فالأشبه أنه عام أريد به الخاص، وهو ما شاء الله-عز وجل-إيتاءهم إياه، ~~فالتقدير إذن: آتاكم من كل ما سألتموه مما شاء يؤتيكموه، وصار هذا من باب ~~{بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} (41) ~~[الأنعام: 41] مع عموم ms322 {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (186) [البقرة: 186] ونحوه. PageV01P362 # {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار} (34) [إبراهيم: 34] هذا واضح ولو لم يكن إلا أن للإنسان/ [114 ~~ب/م] حواس خمسا يدرك بها محسوساتها، وعليه بكل واحد منها نعمة، وهو لا يطيق ~~إحصاءها، بل حس البصر وحده أو حس أيها شئت لا يطيق إحصاءه، وأنت تدرك ببصرك ~~نجوم السماء؛ فعليك بإدراك كل نجم نعمة، فهل تحصي نجوم السماء، كلا، فالحمد ~~لله عدد نعمه على جميع خلقه، ما بين الأزل والأبد حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده. # {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ~~(35) [إبراهيم: 35] يستدل به على ما سبق من أن عصمة الأنبياء-عليهم السلام- ~~إنما هي من وقوع الكفر، لا من جوازه عليهم، وإلا لم يكن لهذا الدعاء فائدة، ~~ولم يصح كما لا يصح أن يقول: اجنبني أن أكون بشرا حجرا في حالة واحدة. # {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم} (36) [إبراهيم: 36] أي: كن سبب ضلالهم، [وإلا] فالمضل لهم بالحقيقة، ~~إما هم لأنفسهم على رأي المعتزلة، أو الله-عز وجل-على رأي الجمهور. # {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} ~~(39) [إبراهيم: 39] هذا يقتضي أن الولد نعمة يحمد عليها، وقد ثبت الولد من ~~زينة الدنيا، فيقال: هكذا الولد نعمة والولد زينة، ينتج بعض النعمة زينة ~~وينعكس بعض الزينة نعمة، والغرض من هذا التعريف كيفية نظم المقدمات ~~المتفرقة في القرآن واستنتاج نتائجها، وكذلك ثبت أن بعض الولد عدو، والولد ~~نعمة ينتج بعض العدو نعمة، فبعض النعمة عدو. # وعلى هذا وإن أمكن تخلف بعض [الشروط] فيما ذكرناه لكن المقصود تعريف ~~تأليف مقدمات القرآن، وعليك أنت باعتبار شروط القياس. PageV01P363 # الكتاب (39) [الرعد: 39]. # {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا ~~الألباب} (52) [إبراهيم: 52] فيه إثبات الوحدانية، وأن القرآن يدل عليها ms323 ~~لأنه أخبر أنه أنزل القرآن بلاغا للناس لأجل إنذارهم به وعلمهم بالوحدانية، ~~ولولا تضمنه دليلها لما صح هذا التعليل، وسيأتي بيان دليل التوحيد في ~~«الأنبياء» و «سبحان» و «المؤمنون» وغيرها، وقد مضى شيء من ذلك. # ... PageV01P364 ### | AUTO القول في سورة الحجر # {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} (3) [الحجر: 3] محكم ~~وعيدي، أو منسوخ بآية السيف. # {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} (5) [الحجر: 5] فيه أن القاتل لا ~~يقطع أجل المقتول، وقد سبق القول فيه. # {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} (8) [الحجر: 8] لأن ~~برؤية/ [115 أ/م] الملائكة يبقى الإيمان اضطراريا غير نافع كما سبق. # {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (9) [الحجر: 9] يحتج بها على أنه ~~منزل غير مخلوق، وقد سبق، وعلى أنه محفوظ من الزيادة والنقص وسائر التغيرات ~~خلافا لمن زعم أنه يغير ببعض هذه الوجوه، والدليل على حفظه ضبط المصاحف ~~والحفاظ له في سائر الأعصار ضبطا متواترا، والتغير يستحيل على ما هذه صفته عادة. # {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} (14) [الحجر: 14] هذا ~~كقوله-عز وجل-: {*ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا ~~عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} ~~(111) [الأنعام: 111] والمانع لهم فيهما من الإيمان هو الخذلان بخلق ~~الدواعي والصوارف، وأن الذي عاينوه من البرهان سحر مستمر وفي ذلك حجة ~~للجمهور على مذهبهم المشهور. # {وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} ~~(18) [الحجر: 17 - 18] فيه إثبات الشياطين واستراقهم السمع، وحراسة السماء ~~بالشهب من ذلك. # وعند الفلاسفة أن الشهب المنقضة سببها مادة دخانية تتراقى من الأرض متصلة ~~بالأبتر وهو كرة النار، فيعلق في تلك المادة وبحسبها قلة وكثرة تكون الشهب ~~صغرا وكبرا، وطول مدة وقصرا، ولم يرد الشرع بما قالوه ولا بنفيه، فالله ~~أعلم بما خلق. # {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} (27) [الحجر: 27] فيه أن وجود ~~الجان والجن قبل آدم والإنس. PageV01P365 # {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (29) [الحجر: 29] يحتج ~~بها ms324 من رأى قدم الروح، ويحكى عن أهل جيلان، وحجتهم أنه أضاف الروح إليه، ~~فدل على أنها روح ذاته، وأيضا أن الملائكة لم يؤمروا بالسجود لآدم قبل حلول ~~الروح فيه وأمروا بالسجود له بعد ذلك، والسجود إنما يكون للقديم؛ فدل على ~~أنه الروح القديم حل فيه حتى استحق أن يسجد له. # وجوابه أن إضافة/ [246/ل] الروح إليه إضافة تشريف، وإلا لزم ما قالته ~~النصارى في المسيح للنص على أنه كلمة الله وروح منه، وللإجماع على أنه روح ~~الله، وأما السجود فإما أن يقال: إنه لله-عز وجل-وآدم قبلة له، أو يكون ~~لآدم وهو سجود تحية لا عبادة كسجود أبوي يوسف وإخوته له. # {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين} (37) [الحجر: # 36 - 37] يحتج به الجمهور على أن الله-عز وجل-لو لم يرد إضلال بعض الناس ~~وإهلاكهم وإغواءهم، لما أجاب إبليس إلى هذا السؤال، ومن زعم أن حكيما أو ~~غيره يحصر قوما في دار، ويرسل فيها النار العامة أو الأفاعي القاتلة ~~الكثيرة، ولم يرد أذى أولئك القوم بالإحراق أو اللسع، فقد خرج عن فطرة البشر. # {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} (39) [الحجر: # 39] سبق ذكره في الأعراف. # {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا ~~عبادك منهم المخلصين} (40) [الحجر: 39 - 40] / [115 ب/م] تزيين الشيطان ~~وإغواؤه بالوسوسة، وإنما يتم ذلك بقدر الله-عز وجل-وخلقه الدواعي والصوارف. # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} (42) [الحجر: # 42] يحتج به من أجاز استثناء الأكثر مع قوله: {قال رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين} (40) [الحجر: ~~39 - 40] فاستثنى تارة المخلصين من عموم العباد، وتارة الغاوين من عموم ~~المخلصين، وأيهما كان أكثر لزم استثناء الأكثر. # وأجيب بأن استثناء المخلصين من عموم العباد استثناء الأقل، وأما استثناء ~~الغاوين من PageV01P366 # عبادي فليس متصلا، إذ ليس «الغاوين» من العباد الذين ليس لإبليس عليهم ~~سلطان، وإلا لما كانوا غاوين، فهو إذن منقطع، وإنما يتم دليلكم أن لو كان ms325 متصلا. # واعلم أن استثناء الأقل صحيح، والاستثناء المستغرق باطل، واستثناء الأكثر ~~والنصف محل خلاف، وهو في الأكثر أبعد. # {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ~~(59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} (60) [الحجر: 58 - 60] هذا ~~استثناء من استثناء، الأول منفي فالثاني مثبت، بناء على أن الاستثناء من ~~الإثبات نفي، ومن النفي إثبات خلافا للحنفية، ومأخذ الخلاف أنا إذا قلنا ما ~~قام أحد إلا زيد، هل زيد محكوم عليه بإثبات القيام، أو أنه مجرد حكم إثبات ~~أو نفي، وهذا قولهم، والأشبه الأول، [لأن الاستثناء] يتضمن جملتين بمقتضى ~~لسان العرب مستثنى منها ومستثناة، فهما إما موجبتان أو سالبتان، وهو باطل؛ ~~إذ هو تطويل محض بلا فائدة، أو الأولى موجبة والثانية سالبة، وهو خلاف ~~الفرض، إذ الكلام في الاستثناء من النفي، فتعين الرابع، وهو أن: الأولى ~~سالبة والثانية موجبة وهو المطلوب. # واستدل عليه بأن الاستثناء من النفي لو لم يكن إثباتا لما حصل التوحيد ~~بلا إله إلا الله، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم كذلك. # وأجيب بأن ثبوت إلهية الله-عز وجل-إنما حصلت بدليل العقل لا من هذا ~~اللفظ، واحتج الحنفية بأن الاستثناء من النفي لو كان إثباتا، للزم من قوله ~~صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور» (1) و (لا نكاح إلا بولي) (2) صحة ~~الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، واللازم باطل فالملزوم كذلك، ~~ويجاب بوجهين: # أحدهما: أن الخلاف في الاستثناء من ذات متعددة نحو: ما قام القوم إلا ~~زيد، وما PageV01P367 # ذكرتموه استثناء من مصدر، فليس محل النزاع. # الثاني: هب أنه من محل النزاع لكن منع من لزوم ما ذكرتم مانع، وهو أنه لو ~~لزم ذلك لزم خلاف قاعدة عقلية، وهي أن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ~~[المشروط]، إنما يلزم من/ [116 أ/م] عدمه [عدمه]، فتأثيره في عدمه لا في ~~وجوده، وعلى ما ذكرتم كان يلزم من وجود بعض شروط الحكم وجوده وأنه باطل لما ~~ذكرنا، ولاحتمال بطلان الصلاة والنكاح لتخلف شرط آخر، وإذا خصت قاعدة ~~«الاستثناء من النفي إثبات» ms326 بقاعدة «الشرط العقلية» بقي حكم الاستثناء فيما ~~عدا ذلك للدليل السالم عن المعارض، وبيان الآية المذكورة من هذا الباب أنه ~~استثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثم استثنى امرأته من آله كأنه قال: ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم، وهم قوم لوط إلا آل لوط فليسوا مجرمين، ~~فنحن منجوهم إلا امرأته من آله، فإنها مجرمة فتهلك؛ فأثبت لها الإجرام ~~والهلاك المنفي عن الآل، وهو استثناء مثبت من منفي، وهو المطلوب. # {فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث ~~تؤمرون} (65) [الحجر: 65] قد يقال: إنه عام خص بقوله-عز وجل-في سورة هود: # {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب} (81) [هود: 81] والحق/ [248/ل] أن هذا ليس بتخصيص؛ لأن امرأته ~~لم يكن مأمورا أن يسري بها، ولا كانت هي منهية عن الالتفات حتى تناولها ~~الخطاب فتخص منه، إنما أمر بالإسراء بغيرها من أهله، لكن هي تبعتهم بغير ~~إذن طمعا في النجاة، فقدر عليها أن التفتت، فهلكت، فصار التقدير: ولا يلتفت ~~منكم أحد وإن امرأتك ستتبعكم وتلتفت؛ فتهلك، فهو خبر آخر لا تخصيص. # {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} (75) [الحجر: 75] قيل: هم المتفرسون؛ فيستدل ~~به على صحة الفراسة واستعمالها والاعتماد عليها في بعض الأحكام، وهي ~~الاستدلال بأمارات خلقية ظاهرة على أخلاق باطنة، كالاستدلال بشقرة اللون ~~وزرقة العين على الشر، على ما اشتهر ونحو ذلك، وقد صنف الناس فيها كتبا ~~كأرسطو ونحوه من القدماء، والإمام فخر الدين من المتأخرين وغيرهم. PageV01P368 # فاصفح الصفح الجميل (85) [الحجر: 85] فيه وجوب قيام الساعة سمعا. # {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل} (85) [الحجر: 85] منسوخ بآية القتال. # {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} (94) [الحجر: 94] يحتمل أنه وعيدي ~~محكم، [أو منسوخ بما ذكر] أو معناه: اصدع بما تؤمر، ولا تلتفت إليهم [في ~~تثبيطهم] لك عن ذلك. PageV01P369 ### | AUTO القول في سورة النحل # {أتى ms327 أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون} (1) [النحل: 1] أي ~~قرب وسيأتي، فنزل المستقبل لقربه منزلة الماضي لتحقق وقوعه في علمه. # {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون} (1) [النحل: 1] ~~فيه ذم الشرك ونفيه وإثبات التوحيد. # {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا ~~إله إلا أنا فاتقون} (2) [النحل: 2] فيها إثبات عموم النبوة والتوحيد خلافا ~~للبراهمة في النبوة فإنهم نفوها، محتجين بأن العقل كاف فيما ينبغي أن ~~يستعمله المكلف؛ لأنه/ [116 ب/م] يأتي الحسن ويجتنب القبيح، ويحتاط في ~~المشتبه بفعل أو ترك، فالأنبياء إما أن يأتوا على وفق العقل، فلا حاجة معه ~~إليهم، أو على خلاف العقل، فلا التفات إليهم. # وجوابه: أن هذا مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وهو ممنوع، وبتقدير ~~تسليمه لا نسلم أن العقل يستقل بجميع ما ينبغي خصوصا في حقوق الإله-عز وجل- ~~فلا بد له من معين على معرفة ما لا يستقل به من مصالح المعاش والمعاد ~~وكيفية شكر المنعم والتعبد له وتعريف المقدرات ونحو ذلك، وحينئذ لا نسلم ~~أنهم إن جاءوا على وفق العقل لا حاجة إليهم؛ لجواز أن يعرفوه بعض ما يخفى ~~عليه مما ينبغي له، أو يؤكدوا حكمه بحكمهم، ودليلان أقوى/ [249/ل] من دليل ~~واحد، ولا نسلم أنهم إن جاءوا على خلافه لا يلتفت إليهم؛ لجواز أن يخالفوه ~~فيما يخفى عنه كما مر، على أن ذلك في نفس الأمر فرض محال لإجماع الناس على ~~أن الشرع لا يأتي بخلاف العقل في نفس الأمر، وإنما يأتي بما يقصر عن إدراكه ~~العقل كتفضيل بعض الأمكنة والأزمنة على بعض لأسرار خفيت عنه، وكوجوب صوم ~~آخر يوم من رمضان وإفطار الذي بعده، ونحو ذلك ومع البراهمة كلام أبسط من هذا. # وخلافا لبعض المتصوفة حيث زعموا أن الرسل سوى الله، وكل سوى الله حجاب عن ~~الله-عز وجل-فالرسل حجاب عن الله-عز وجل-فلا حاجة بالخلق إليهم، وهذا من ~~هؤلاء إما جهل ظاهر، وفساد عقل أصابهم من غلبة الرياضة عليهم، أو زندقة ~~خفية وإلحاد غلب عليهم ms328 من نظر فاسد. وأيسر ما يجابون به أن كبرى قياسهم ~~ممنوعة الكلية، وهو كاف في فساد قياسهم، فإن الرسل وسيلة إلى معرفة الله-عز ~~وجل-والوصول PageV01P370 # إليه، لا حجاب عنه، وهل يقبل ذو عقل أن يقال: نائب السلطان في بلاده حجاب ~~عنه، فلا حاجة إليه؟ إذ الأنبياء يسوسون العباد في أمر المعاش والمعاد ~~كنواب الملك في بلاده. # وهب أن هذا المتصوف وشرذمة قليلة من أصحابه أمكنهم الوصول إلى الله-عز ~~وجل-بلا واسطة لقوة رياضتهم واستعدادهم وقابليتهم، فالسواد الأعظم الذين لا ~~يمكنهم ما أمكن هؤلاء يتركون على انقطاعهم وجهلهم من غير موصل ومعرف؟ ! هذا ~~جهل عظيم من هؤلاء، وإنما هذا كمن له عبيد كثيرون سائرون في سفر عرض لهم ~~بحر وفيهم نفر يسير عوامون، والباقون لا يعرفون العوم، فإن مكثوا انقطعوا ~~وإن خاضوا غرقوا، فهل ينكر العقل أن يمدوا بعوامين أو ملاحين يقطعون بهم ~~تلك اللجة/ [117 أ/م]. # {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف ~~رحيم} (7) [النحل: 7] ربما ظن بعضهم أن المراد بهذا البلد مكة على الخصوص، ~~وليس كذلك، بل عموم البلاد التي تحتاج فيها إلى الظهر، وتلحق المشقة دون ~~بلوغها، وكيف ولعل الخطاب لأهل مكة وما حولها، ولا مشقة عليهم بالنسبة إلى ~~بلوغها، لأنها دارهم وقرارهم. # {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} (8) [النحل: # 8] احتج بها أبو حنيفة ومالك-رحمهما الله-على تحريم لحوم الخيل؛ لأنه-عز ~~وجل- قرنها بما لا يؤكل، وهي البغال والحمير ونص على الحكمة في خلقها ~~[250/ل] في سياق الامتنان به، ولو كان في خلقها حكمة سوى الركوب، لاقتضى ~~سياق الامتنان ذكرها كما قال في الأنعام: {الله الذي جعل لكم الأنعام ~~لتركبوا منها ومنها تأكلون} (79) [غافر: 79] حتى عد لها خمس حكم، ولما لم ~~يذكر لخلق الخيل سوى حكمة واحدة، صار كقوله: لا تنتفعوا من الخيل بغير ~~الركوب، وهو نص في المطلوب. # أما الشافعي وأحمد-رحمهما الله-ومن تابعهما، فلما رأوا هذا الاستدلال لا ~~يخرج عنه كونه بالمفهوم وهو لا يعارض المنطوق، رجحوا عليه السنة الصحيحة من ~~حديث ms329 جابر (1) وأسماء: «نحرنا فرسا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأكلناه» (2) ومثل هذا ظاهر إن لم يكن PageV01P371 # قاطعا في أنه بلغه فأقر عليه، وذلك حجة في إباحة لحم الفرس، وربما علل ~~المانعون بأن في إباحة لحم الخيل إغراء بها وتقليلا لآلة الجهاد، وهو جيد، ~~غير أنه منتقض بالإبل كانت أكثر آلة جهادهم، وقد أبيح أكلها باتفاق، وليس ~~لمانع أن يمنع كون الإبل من آلة الجهاد، لقوله- عز وجل-: {وما أفاء الله ~~على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على ~~من يشاء والله على كل شيء قدير} (6) [الحشر: 6]. # {وعلى الله قصد السبيل} أي إرشاد قصد السبيل، أي عليه أن يرشدكم إلى ~~السبيل الأقصد والطريق الأقوم الأرشد، وهذا وجوب منه لا عليه، خلافا ~~للمعتزلة بناء على وجوب رعاية مصالح التكليف واللطف بالمكلف على الله-عز ~~وجل-عندهم، وأنشد بعضهم في نحو ذلك: # يا من تمكن في علم ومعرفة ... مفرقا بين صدق القول والكذب # هل جائز من كريم كل ذي كرم ... عبد له من جميع العجم والعرب # يدعو إلى فضله قوما ويمنعهم ... عند ابتداء بلا جرم ولا سبب # وتحدى صاحب هذه الأبيات بها جماعة من أهل العلم، فوقفوا إلا عن قوله: {لا ~~يسئل عما يفعل وهم يسئلون} (23) [الأنبياء: 23]. # وجواب ذلك لا يخرج عما قررناه في مقدمة هذا التعليق من رأي الجبرية، وهو ~~أنه يمنعهم لعلمه بأن لو فوض إليهم خلق أفعالهم/ [117 ب/م] لامتنعوا من ~~الطاعة و [قارفوا] المعصية، وكذلك من دعا إلى مأدبة قوما جاز أن يمنع بعضهم ~~عنها بأسباب توجب منعه، لعلمه لفساد نية أو خبث طوية، أو لعلمه بأنه إنما ~~أجاب كارها أو متثاقلا، وأنه لو ترك وعزمه لم يجب. {*ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} ~~(46) [التوبة: 46]. # ثم قوله: هل جائز؟ إن أراد الجواز العقلي وهو الإمكان الخاص، فلا شكل في ~~جوازه كذلك، وإن أراد هل حسن؟ فهو تحسين عقلي، وهو ممنوع. # ثم إن سؤاله خارج ms330 عن/ [251/ل] محل النزاع؛ لأن فرضه أنه دعاهم ثم منعهم ~~ابتداء بلا موجب، ومحل النزاع فيما إذا منعهم لموجب اختص هو بعلمه، {ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (14) [الملك: 14]. PageV01P372 # وهذا كما أشار إليه بقوله-عز وجل-: {*ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} (46) [التوبة: 46]. # ثم بين سبب الكراهة بقوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين} (47) ~~[التوبة: 47]. # وكما أشار إليه بقوله-عز وجل- {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة ~~في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (32) [النجم: 32]. # وعند هذا التحقيق سقط ما قاله هذا القائل من التلفيق، والله ولي التوفيق. # (ومنها) أي ومن السبل (جائر) أي مائل عن القصد، وهو كقوله-عز وجل-: # {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} (153) [الأنعام: 153]. # {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين} (9) [النحل: # 9]. يحتج به الجمهور كما سبق. # {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون} (11) [النحل: 11]. # هذا عطف عام على خاص، ومثله: {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} (34) [إبراهيم: 34]. # مع ما قبله و {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون} (77) [الحج: 77]. # عطف عام على خاص، ثم على أخص؛ إذ العبادة أعم مما قبلها، وفعل الخير أعم ~~من العبادة، وكلام العرب إما عطف خاص على عام نحو: وملائكته وجبريل، أو عام ~~على خاص كما ذكر هاهنا، أو عام على عام نحو الإنس والبشر، أو خاص على خاص، نحو: # محمد وأحمد. PageV01P373 # {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} (17) [النحل: 17] هذا من أدلة ~~التوحيد، وقد سبق تقريره. # {ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ms331 قال ~~الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} (27) [النحل: 27] ~~لا ينبغي لعالم أن يغفل عن هذه، فإنها قاطعة بأن لأهل العلم مقالا بين يدي ~~الله-عز وجل-يوم القيامة، وأنه ربما حكم بقولهم هناك إكراما لهم كما أجرى ~~أحكامه على ألسنتهم في الدنيا. # {* وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين} (30) [النحل: 30] هو عام ~~في المحسنين مطلق في الحسنة، فكل محسن لا بد له في الدنيا من حسنة جزاء ~~كثيرا أو قليلا، ولو وصف الإحسان. # {جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي ~~الله المتقين} (31) [النحل: 31] عام مطرد، لا يقال: لو شاءوا الظلم أو ~~الزنا لم يكن لهم فيها، لأنا نقول: يصرفون عنه فلا يشاءونه/ [118 أ/م] ~~لغناهم عنه بخير منه، أو لمجرد الصرف عنه. # {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين} (35) [النحل: 35] سبق القول على نظيرها في الأنعام. PageV01P374 # طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ~~ربهم يحشرون (38) [الأنعام: 38] {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ~~والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (41) ~~[النور: # 41]، {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} (44) [الإسراء: 44] ونحو ذلك. # {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من ~~هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين} (36) [النحل: 36] هو مثل {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ~~إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} (30) ~~[الأعراف: 30]. # {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين} (37) ~~[النحل: 37] يحتج به الجمهور ms332 على تقدير أن فاعل يضل هو الله-عز وجل- ~~والمعتزلة على تقدير أن فاعله راجع إلى «من» لنسبة الضلال إلى المكلف، ~~ويحمله الجمهور على أن معناه يضل بالكسب، أو على تقدير التفويض على ما عرف، ~~وعلى تقدير يضل غير مسمى الفاعل يحتج به الفريقان لتردد فاعل الضلال بين ~~الله-عز وجل-وغيره كالشيطان نحو {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ~~بما كانوا يعملون} (108) [الأنعام: 108]. {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} (24) ~~[النمل: 24]. # {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} (122) ~~[الأنعام: 122] ونحوه. PageV01P375 # بأمرين أحدهما بيان ما يختلفون فيه، والثاني تكذيب الكفار في دعاويهم ~~الباطلة كإنكار البعث ونحوه، وقد دلت هذه على أن كشف الحقائق المختلف فيها ~~إنما يكون في الآخرة، لأن هذه الدار كما أنها دار تكليف لا جزاء كذلك هي ~~دار خلف لا كشف. # {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين} (119) [هود: 119] {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد} (22) [ق: 22]. وشبهتهم في إنكار البعث: أن الأجسام إذا انحل ~~تركيبها تلاشت وصارت عدما محضا ونفيا صرفا، وإعادة ما ذلك شأنه محال. # وجوابه: لا نسلم أنها إذا انحلت صارت عدما محضا بل تنحل إلى جواهر مفردة ~~قارة الحقائق حافظة لمواد الأجسام، والإعادة بجمع تلك الجواهر وتأليفها ~~ثانيا كما كانت أولا، ومثاله عقد انقطع سلكه فتفرق حبه، فإعادته عقدا بجمعه ~~ونظمه، سلمنا أنها تصير عدما محضا. لكنها مع ذلك يجوز إعادتها عن عدم، كما ~~جاز ابتداؤها عن عدم، وتمام القول في هذا يأتي إن شاء الله-عز وجل-: # {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (40) [النحل: 40] هذا ~~بيان لوقوع البعث ومستند صحته، وهو صلاحية القدرة الأزلية لفعل/ [118 ب/م] ms333 ~~كل ممكن، فإن قيل: لا نسلم أن إعادة المعدوم وبعث الموتى ممكن حتى يدخل تحت ~~عموم المقدورية، قلنا: بيان إمكانه من وجهين: أحدهما أنه لا يلزم من فرض ~~وقوعه محال لذاته. # الثاني: أن كل حقيقة وماهية من جسم وغيره فوجودها من حيث هو إما ممكن أو ~~ممتنع، فإن كان ممكنا حصل المقصود وجاز إيجادها ثانيا كإيجادها أولا، وإن ~~كان ممتنعا فامتناعه إما/ [253/ل] لذات تلك الماهية، أو لبعض لوازمها، أو ~~لأمر خارج عنها، فإن كان لذاتها أو للازمها لزم ألا توجد ابتداء، وإنه ~~باطل، لأنها قد وجدت ابتداء فتعين أن امتناع وجودها لأمر خارج عن حقيقتها ~~وعارض من عوارضها، وذلك العارض يجوز انفكاكه عنها ومفارقته لها، فيزول ~~امتناع وجودها لزوال سببه، وحينئذ يبقى وجودها جائزا، وهو المطلوب، أو ~~نقول: يكون وجودها معلقا على أمر ممكن؛ وهو انفكاك ذلك الأمر العارض عنها، ~~والمعلق على الممكن ممكن، فكل ماهية إعادتها ممكنة، وهو المطلوب، # ويورد على هذه الآية سؤال، وهو أن الشيء المراد كونه متى يقال له: كن، ~~أفي حال وجوده، أو في حال عدمه؟ PageV01P376 # إن كان الأول، فتكوينه تحصيل الحاصل، وإن كان الثاني، فليس حينئذ شيئا ~~حتى يقال له: كن، والآية تضمنت أن الذي يقال له: كن شيء، والشيء في اللغة ~~الموجود، وهو نقيض المعدوم. # والجواب: على رأي المعتزلة سهل؛ لأن عندهم بين الموجود والمعدوم واسطة ~~تسمى الثابت، وهو لا موجود ولا معدوم، فعلى هذا معنى الآية: إذا أردنا ~~إخراج بعض هذه الأفراد الثابتة إلى الوجود، قلنا له: كن موجودا أو كن خارجا ~~عن حال الثبوت إلى الوجود، فيخرج. # أما على رأي الجمهور النفاة لهذه الواسطة؛ فنقول: إن للحقائق بالنسبة ~~إلينا وجودا خارجيا وذهنيا ولسانيا وبنانيا، أي: بالكتابة بالبنان، والوجود ~~الذهني صورة [في الذهن] مطابقة للخارجي، وإذا عرف هذا فنحن نثبت الحقائق ~~بالنسبة إلى الله-عز وجل-وجودا علميا على وزان وجودها الذهني بالنسبة ~~إلينا، وحينئذ معنى الآية: إذا أردنا إيجاد شيء من الموجودات العلمية إلى ~~الخارج، قلنا له: كن فيكون، فباعتبار وجوده في ms334 العلم صح تسميته شيئا ~~وموجودا وباعتبار عدم وجوده في الخارج صح إيجاده وقبوله لتأثير المؤثر. # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون} (43) [النحل: 43]. # هذا/ [119 أ/م] جواب من قال: {فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ~~ضلال وسعر} (24) [القمر: 24]. # أو جواب من قال: {*وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة ~~أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} (21) [الفرقان: 21]. # أو {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون} ~~(8) [الأنعام: 8] ونحوه، وتقرير شبهتهم: أن هذا رجل مثلنا، فاختصاصه ~~بالرسالة دوننا ترجيح بلا مرجح، فأجيبوا، بأنا قد أرسلنا قبله رسلا رجالا ~~إلى أممهم السالفة، وقد سلمتم ذلك، فإن لزم المحال من إرسال محمد إليكم، ~~فيلزم من إرسال الرجال إلى من قبلكم، وهذا واف في إبطال شبهتهم، أما بيان ~~عدم لزوم الترجيح بلا مرجح، فقد سبق في سورة إبراهيم، ولكن الله يمن على من ~~يشاء من عباده. PageV01P377 # {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي عن الرسل/ [254/ل] المتقدمين، ~~هل كانوا رجالا أم لا، اسألوا عنهم أهل الكتاب إن أنكرتم أو جهلتم ذلك، ~~فهذا الأمر الخاص هو سبب هذا الكلام. # ثم احتج العلماء بعموم لفظه على جواز تقليد العامي للعالم، وبمفهومه على ~~أن العالم [لا يقلد العالم] وفي هذه أقوال ثالثها: يقلده لنفسه لا لغيره، ~~ورابعها: يقلده إن ضاق الوقت ولم يجد الحكم في حاصله، واستدلالهم بهذه ~~الآية على هذا الحكم بناء على أن النص الوارد على سبب خاص يعتبر عموم لفظه ~~لا خصوص سببه؛ خلافا لمالك في ذلك وفيه عندهم تفصيل، وهو أن اللفظ إن استقل ~~دون سببه اعتبر عمومه، وإن لم يستقل دونه اختص به. # {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} (44) [النحل: 44] هذا متعلق «بأرسلنا» لا ب «تعلمون» أي: {وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~(43) [النحل: 43] بالبينات أي ms335 أرسلناهم {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (44) [النحل: 44]، [هذا ~~متعلق] وليس معناه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون البينات والزبر، ~~وإنما نبهت على هذا؛ لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي في تعليقته في أصول ~~الفقه تأول الآية على هذا، وعلق الباء ب «تعلمون»، وليس الأمر كذلك، ~~والوجه ما ذكرناه. # {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} (44) [النحل: 44] أي: كما أرسلنا الرسل قبلك بالبينات والزبر ~~أرسلناك بالقرآن. # وأنزلناه إليك {لتبين للناس ما نزل إليهم} وفي هذا مسائل: # الأولى: أن في الكتاب ما يحتاج إلى البيان، وإلا لم يكن للتعليل المذكور ~~وبيان الرسول -عليه الصلاة والسلام-فائدة. # الثانية: جواز التكلم بالمجمل لاستلزام الحاجة إلى [بيان ذلك]. # الثالثة: ما نزل إليهم، إن كانت «ما» نكرة موصوفة، فالتقدير: لتبين للناس ~~شيئا أو PageV01P378 # كلاما نزل إليهم فلا عموم فيها، وإن كانت بمعنى الذي فهو عام أريد به ~~الخاص وهو المجمل/ [119/ب/م] الكتابي؛ إذ فيه كثير مما هو بين بذاته، لا ~~يحتاج إلى بيان. # الرابعة: أن بيان النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن إذا وجد كان مقدما على ~~غيره؛ لأنه المخصوص ببيان الكتاب. # الخامسة: وجوب العمل بخبر الواحد؛ لأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم ~~للقرآن واجب القبول، والتواتر فيه نادر، فلو لم تقبل الآحاد لتعطل أكثر ~~البيان. # السادسة: جواز بيان المتواتر بالآحاد بخلاف النسخ؛ لأنه رفع والبيان كشف، ~~والأقوى يكشف الأضعف، ولا يرفع به. # السابعة: (للناس) عام مخصوص بمن ليس بمكلف، إذ لا حاجة له إلى البيان، ~~وبالكفار لأن البيان فرع الكتاب، وهم ينازعون في الأصل فلا يفيدهم البيان، ~~وإنما يدعون أولا إلى الإيمان بالأصل ثم يبين لهم. # الثامنة: قوله-عز وجل-: {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (44) [النحل: 44]. # أي: أنزلناه إليك مبلغا، نزل إليهم مكلفين به، وهو صلى الله عليه وسلم/ ~~[255/ل] من حيث هو مكلف بأحكام الكتاب داخل في عموم الناس في التكليف، أو ~~تقديره: أنزلناه إليك لتبلغه، ms336 وتعمل به، ونزل إليهم ليعملوا به. # {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون} (49) [النحل: 49] ليس هذا من باب عطف الخاص على العام، إذ ~~الملائكة ليسوا دواب وإنما هو من باب: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} ~~(172) [النساء: 172] في كون كل واحد من المعطوفين أفضل مما قبله. # {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} (50) [النحل: 50] يحتج به ~~مثبتو جهة العلو، حملا للفوقية على المحسوسة خصوصا، وقد أضيفت إلى الملائكة ~~الذين هم غالبا في السماء، وفوقيتهم محسوسة، وحملها الخصم على الفوقية ~~المعقولة بالربوبية والمالكية والقدرة والعظمة ونحوها. # {ويفعلون ما يؤمرون} (50) [النحل: 50] يحتج به على عصمتهم، إذ لا معنى PageV01P379 # للمعصوم إلا المحفوظ من المعاصي، وهؤلاء إذا فعلوا ما يؤمرون لزم أنهم لا ~~يعصون، لأن الأمر إما بفعل أو كف عن فعل فيدخل في فعلهم ما يؤمرون فعل ~~المأمورات وترك المحظورات، ولا شيء من المعصية ينسب إلى من كان كذلك. # {* وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} ~~(51) [النحل: 51] هذا نهي عن الشرك، وإثبات للتوحيد يتضمن الأمر به. # {وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون} (52) ~~[النحل: # 52] إشارة إلى برهان التوحيد السابق إثباته، وتقريره: أن كل ما يدعى إلها ~~مع الله-عز وجل-مملوك له وكل مملوك له ليس بإله معه/ [120/م] فكل ما يدعى ~~[إلها] معه ليس في الحقيقة إلها معه. # بيان الأولى: بالآية إذ تضمنت: أن له ما في السماوات والأرض وما كان له، ~~فهو مملوك له. # بيان الثانية: أن الإله مالك، والمملوك من حيث هو مملوك لا يكون مالكا، ~~فالإله ليس بمملوك، فالمملوك من حيث هو لا يكون إلها، وإن شئت قلت: لو كان ~~مع الله إله غيره لكان مملوكا له، واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان ~~الشرطية أن ذلك الغير مما في السماوات والأرض، وكل ما في السماوات والأرض ~~مملوك له، فذلك الغير مملوك له بيان انتفاء ms337 اللازم استحالة اجتماع ~~المملوكية مع الإلهية بما سبق. # {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} (55) [النحل: 55] هذا أمر ~~تهديد مثل: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار ~~خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} (40) ~~[فصلت: 40]. # {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} (57) [النحل: 57] هذا حكاية ~~مذهب الكفار، زعموا أن الملائكة بنات الله؛ لأنهم أشخاص شريفة، ولا بد لهم ~~أن يصدروا/ [256/ل] بالولادة من غيرهم، ولا أشرف من الله يصدرون بالولادة ~~عنه، ثم هم ليسوا بذكور، فكانوا إناثا بنات الله، وهذا تلفيق بحسب عقولهم ~~وما ألفوه، والملائكة صادرون عن الله-عز وجل-بالخلق والاختراع، لا ~~بالولادة، ثم رد الله عليهم بوجهين: # أحدهما: التنزيه الحقيقي العقلي، فقال عز وجل: {سبحانه} أي تنزه عن اتخاذ PageV01P380 # الولد؛ لأنه يستدعي ولادة والولادة تستدعي زوجة وافتقارا إلى الوقاع ~~المستلزم للجمسية، وكل ذلك ممتنع في حق الله-عز وجل. # الوجه الثاني: التقريع العرفي بقوله-عز وجل- {ويجعلون لله البنات سبحانه ~~ولهم ما يشتهون} (57) [النحل: 57]، {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم} (58) [النحل: 58] أي أنهم يختارون لأنفسهم البنين الذين هم أشرف ~~وأكمل، ويعتقدون لربهم البنات اللاتي هن أخس وأنقص، حتى إن أحدهم إذا بشر ~~أن قد ولدت له بنت اسود وجهه من الكآبة والحزن، يتوارى من أصحابه حياء ~~وخجلا، وظنا أن قد لحقه عار عظيم، ثم يتردد رأيه بين أن يستبقي تلك البنت ~~على هوان وعار يلحقه منها، أو يدفنها في التراب حية، وهي الموءودة كشفا ~~للعار عنه، ومع هذا كله يختارون لربهم نقائص البنات، ويستأثرون عليه ~~باختيار كمال البنين، وقد كان يجب-إن لم يكن بد من سوء القالة، وقبح ~~المقالة-أن يختاروا له أفضل القبيلين، لكن {ألكم الذكر وله الأنثى} (21) / ~~[120 ب/م) [النجم: 21]. # {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون} (62) [النحل: 62] فزين لهم الشيطان أعمالهم بالوسواس ~~ومساعدة القدر {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فهو ms338 وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} (63) [النحل: 63] يحتمل أنه وليهم من حين ~~ماتوا، حيث حلوا دار البوار باتباعه؛ فيصح أنه كان وليهم يوم نزلت هذه ~~الآية، ويحتمل أن هذا الكلام قيل في الأزل على جهة الحكاية كما يقال يوم ~~القيامة، أي زين لهم الشيطان أعمالهم، حتى إنه ليقال يوم القيامة: {تالله ~~لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم ~~عذاب أليم} (63) [النحل: 63]. # {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون} (67) [النحل: 67] منسوخ بالنصوص في تحريم المسكر. # {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} ~~(68) [النحل: 68] أي ألهمه، والوحي إما بإلهام أو إرسال أو رؤيا ونحوه. PageV01P381 # {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون} (71) [النحل: 71] شاهد على ~~التوحيد وتقريره: أن الله-عز وجل-فضل السادة على العبيد في الرزق، ثم إن ~~السادة لا يردون من فضل رزقهم على عبيدهم بحيث يشاركونهم ويساوونهم فيه ~~والأصنام، وسائر الآلهة التي يدعونها مع الله-عز وجل-عبيد له ومملوكون، فلا ~~ينبغي لكم أن تشركوهم في عبادته التي اختص بها كما [257/ل] لا تشركون ~~عبيدكم في فضل رزقكم، وهذا دليل قياسي في التوحيد؛ فيدل على جواز استعمال ~~القياس في الفروع بطريق أولى خلافا للظاهرية. # {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون} (73) [النحل: 73] دليل آخر على التوحيد، وتقريره: أن الإله هو ~~الرازق، وآلهتكم لا شيء منها برازق، فلا شيء من آلهتكم بإله، وهو واضح. # {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون} (17) [العنكبوت: 17]. # {* ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا ~~فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} (75) ~~[النحل: 75] دليل آخر ms339 على التوحيد، وتقريره أن الله-عز وجل-غني له ملك ~~السماوات والأرض، وآلهتكم عبيد فقراء، فلا يساوونه في رتبة الإلهية، ولا ~~يستحقون معه صفة المعبودية، كما لا يستوي العبد الفقير منكم والموسر الذي ~~ينفق من يساره سرا وجهرا. # ويحتج بهذه على أن العبد لا يملك بالتمليك، لأن الفقر جعل وصفا له لازما ~~في دليل التوحيد؛ فلا يجوز زواله، كما لا يزول التوحيد. PageV01P382 # قادر كافل لخلقه آمرناه، فلا تساويه أصنامكم العادمة لهذه الصفات، كما لا ~~يستوي رجلان أحدهما جامع لهذه الصفات، وآخر عادمها. # {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون} (78) [النحل: 78] يذكرها بعضهم في أوائل المنطق ~~فيقول: / [121 أ] إن الإنسان في مبدأ الفطرة لا يعلم شيئا، ثم إنه يدرك ~~المحسوسات بحواسه، فيتنبه لمشاركات بينها ومباينات، فيستنتج منها تصورات ~~وتصديقات تحصل علوما عقلية ومطالب نظرية. # {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون} (79) [النحل: 79] هذا عند الجمهور على معنى: أنه خلق ~~لها آلة تطير بها، وتستمسك وتنهض بها وتنزل، كما خلق للدواب قوائم تمشي ~~عليها، [وعند الاتحادية إنما أمسكها لحلوله وسريانه بذاته فيها كما مر من ~~حكاية مذهبهم]. # {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن ~~عما كنتم تعملون} (93) [النحل: 93] يحتج بها الجمهور كما سبق. # {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون} (101) [النحل: 101] يحتج بها على النسخ. # {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين} (103) [النحل: 103] والإشارة إلى سلمان الفارسي، كانت ~~الكفار يقولون: إنه يعلم محمدا أخبار الفرس وقصص الأولين، فأجيبوا بأن لسان ~~الذي أشرتم إليه أعجمي، ولسان القرآن عربي؛ فكيف يكون تعليم البشر، وقد ~~أورد على هذا سؤال/ [258/ل]: وهو أن يكون البشر المشار إليه يعلمه بلسانه ~~وهو يلخصه بعبارته وفصاحته، وحينئذ لا يقدح اختلاف اللسانين في تعليم البشر له؟ ms340 # ويجاب عن هذا: بأن البشر المشار إليه إن كان هو سلمان، فهو إنما أسلم بعد ~~الهجرة بالمدينة بعد استقرار الإسلام وظهور المعجزات، وذلك لا يقدح فيما ~~ثبت، ولو قدر أن سلمان كان يحكي له بعض أيام الفرس وقصصها على جهة التعريف ~~بحالهم فلا يقدح في نبوة قد تقررت، ومن أين لهم أنه كان ينقل ما يسمعه من ~~سلمان قرآنا، ولو كان ذلك PageV01P383 # حقا لعورض، ثم ظهرت معارضته وقد كان النضر بن الحارث يتعاطى أن يعارض ~~القرآن بما كان عنده من أحاديث الفرس مثل بهرام وإسفنديار ورستم ونحوهم؛ ~~فعجز وقصر، وإن كان المشار إليه غير سلمان، فهو إما عربي كرحمان اليمامة ~~الذي زعموه، أو عجمي، فالأول باطل، إذ لو صح [ذلك] لكان هذا العربي يدعي ~~الأمر لنفسه، وهو أولى بالعلم الذي عنده يجعله دليلا على نبوته، وما كان ~~ليؤثر بذلك على نفسه أحدا، والثاني باطل، وإلا فقد كان [بينهما ترجمان]، ~~فصاروا في القضية ثلاثة، وكل حديث جاوز اثنين شائع؛ فكان يجب أن يشيع ذلك ~~ويشتهر، ويتعين فاعله، كما اشتهر أمر مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح، ~~وغيرهم من الكذابين. # والذي يظهر لي في سبب هذه الشبهة أنها فتنة فتنهم الله-عز وجل-بها، وإن ~~بعض كفار مكة أو غيرهم/ [121 ب/م] كشف له حتى رأى جبريل يوحي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم على صورة بشر دحية الكلبي أو غيره، فقالوا: إنما يعلمه بشر، ~~وأشاروا إلى شخص كان جبريل على صورته. # {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم} (104) ~~[النحل: 104] يحتج بها الجمهور على أنه-عز وجل-يملك منع الهداية، فلا يهتدي ~~أحد إلا بإرادته، وأجاب المعتزلة بأنه جعل مع هدايتهم عقوبة على كفرهم ~~بآياته؛ فذلك الكفر منهم؟ قلنا: نعم هو منهم بكسبهم، وخلق الله-عز وجل-إياه ~~فيهم، وإذا ملك سلب هدايتهم عقوبة ملكه ابتداء، ولو كان لهم جهة خلق الكفر ~~لكان لهم جهة خلق الهداية، لما منعهم إياها، وحينئذ كانوا غالبين لله-عز ~~وجل-وهو محال/ [275/ل]. # {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا ms341 من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} (106) [النحل: # 106] يحتج بها الشيعة على جواز التقية كما سبق تقريره في آل عمران، ~~واختلف فيمن أكره [على كلمة الكفر] بالقتل، أيما أفضل له: إعزاز الدين ~~بالامتناع والصبر على القتل، أو حفظ نفسه بالإجابة مع اعتقاد الإيمان؟ فيه قولان. # ويحتمل أن الأفضل فعل الأثقل على نفسه، ورجح بعضهم حفظ النفس استبقاء ~~للحقوق الإلهية التكليفية فيها، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمار: «إن ~~عادوا فعد» مع قوله له ولمن معه: # «صبرا فإن موعدكم الجنة» (1) فلو كان الامتناع أفضل لاختاره لهم؛ لأنه ~~أسرع لهم إلى الجنة. PageV01P384 # {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون} ~~(108) [النحل: 108] يحتج بها الجمهور كما سبق أول البقرة. # {* يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} ~~(111) [النحل: 111] إن قيل: هذا يوجب أن يكون لكل نفس نفس؛ فيلزم التسلسل، ~~قيل: ليس كذلك بل النفس لفظ مشترك بين الهيكل الجسماني ذي الروح، والجوهر ~~البسيط المستوكر له المسمى نفسا؛ فالهيكل نفس تجادل عن الجوهر، الذي هو ~~نفس، ومجادلتها محاجتها عن نفسها بما ترجو أن يخلصها. # {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه ~~تعبدون} (114) [النحل: 114] أي توحدونه بالعبادة، وهي تدل على أن شكر ~~النعمة من التوحيد؛ لأنه يضيف النعمة إلى الله-عز وجل-وحده كما توجه ~~العبادة إليه وحده، {وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 121]، لعله إشارة إلى ~~هدايته للنظر والاستدلال بأفول الكواكب على وجود الصانع، ثم إلى طمأنينة ~~القلب برأي العيان، وحينئذ فيه إشارة إلى أن طريق النظر والاستدلال صراط ~~مستقيم، وأنه يرجى إيصاله إلى مقام العيان؛ لأن النفس إذا استعدت لقبول ~~العيان، بالعلوم النظرية صارت كسراج فيه ذبالة مرواة بالزيت، فإذا أشرقت ~~عليها أنوار المعرفة أوقدتها فعادت كمشكاة/ [122 أ/م] فيها مصباح. # {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} (123) ~~[النحل: 123] يحتج بها من رأى أنه صلى الله ms342 عليه وسلم كان قبل النبوة غير ~~متعبد بشريعة أحد؛ إذ لو تعبد بشريعة أحد، لكان أولى ما تعبد به شريعة ~~إبراهيم-عليه السلام-لأنها اختيرت له بعد النبوة، ثم لو كان متعبدا بها قبل ~~النبوة؛ لكان مستصحبا لها إلى ما بعدها، فلم يحتج إلى تجديد الأمر ~~باتباعها، وقد اختلف في هذه فقيل: لم/ [276/ل] يكن متعبدا بشريعة أحد، لئلا ~~يكون تبعا لغيره، وقيل: كان على ملة إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، ~~وقيل: كان يتعبد بما يراه، وهو معصوم فيه على جهة التفويض على مذهب موسى بن PageV01P385 # عمران الأصولي كما سبق. # {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون} (124) [النحل: 124] اختلف قوم في بقاء تحريم السبت ~~على اليهود، وفيه قولان للعلماء: # أحدهما: هو باق، لاعتقادهم له واعترافهم وتدينهم به، مؤاخذة لهم ~~بإقرارهم. # والثاني: أنه ليس بباق، لثبوت نسخه بشريعتي المسيح ومحمد-عليهما السلام- ~~فلو استباحه يهودي اتجه تعزيره وتأديبه على الأول، لانتهاكه حرمة يعتقدها ~~لله-عز وجل- دون الثاني. # {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (125) [النحل: 125] يحتج بها ~~المنطقيون على صحة علمهم ووجوب استعماله في الدعاء إلى الله-عز وجل-لإقامة ~~الحجة وكشف الشبهة، قالوا: لأن المنطق ليس إلا علما يتعرف فيه أحوال ~~الأقيسة النظرية قوة وضعفا، وصحة وفسادا؛ ليتوصل بها إلى تحقيق الحق وإبطال ~~الباطل، وجملة الأقيسة المبحوث عنها في المنطق خمسة: البرهاني والإقناعي ~~والجدلي والسوفسطائي والشعري، والثلاثة الأول هي المعول عليها في المطالب ~~العلمية، فالبرهان لإدراك اليقين، ويصلح لمن ارتاض بالحكمة، أو كانت له ~~فطرة جيدة يدركه بها، والإقناع للعامة القاصرين عن رتبة البرهان، والجدل ~~لمن يقصد المغالبة أو المغالطة في الحق فيلقى به ليكف عاديته، وأشير في ~~الآية إلى هذه الثلاثة وسمي البرهان حكمة والإقناع الخطابي موعظة، وأشار ~~إلى الجدلي بقوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ms343 أعلم بالمهتدين} (125) ~~[النحل: 125]. # أما السوفسطائي فتشكيك في الحقائق، وإنما يعرف ليجتنب، أو ليبطل إن شكك به. # والشعري تخييل يؤثر قبضا وبسطا في النفس يخدع به الناس عن أموالهم، فلا ~~يستعملان في غير ذلك فلم يبق إلا الثلاثة الأول المشار إليها في الآية، وهي ~~المقصود من علم المنطق، وإنما قلنا: إن استعماله في الدعاء إلى الحق واجب؛ ~~لأنه أمر بالدعاء إليه به والأمر للوجوب، ولأن المنطق للمعاني كالنحو ~~للألفاظ/ [122 ب/م] فبدونه لا تتحرر الحجج، وما لم تتحرر الحجج لا يتضح ~~الحق؛ فلذلك قلنا: إن استعماله واجب، وعلى المنطق PageV01P386 # شكوك قد ذكرت غير هاهنا، والتنبيه من الآية على معنى ما ذكرناه وذكره ~~الإمام فخر الدين في أول شرح الإشارات. # {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (125) / [259/ل]) [النحل: ~~125] يستدل به على أنه هو خالق الإضلال والهدى لقوله: {ألا يعلم من خلق وهو ~~اللطيف الخبير} (14) [الملك: 14] فلما علم بمن ضل دل على أنه خلق ما به ضل. # {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} (128) [النحل: 128] معية ~~إعانة وعناية ونصرة ورعاية. # ... PageV01P387 ### | AUTO القول في سورة سبحان # {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} (1) [الإسراء: 1] فيه ~~إثبات الإسراء ويتبعه المعراج، لاتصاله به، وقد أنكره بعض الفلاسفة ~~والمعتزلة، بناء على أن الجسم الثقيل الكثيف الهابط لا يرتقي إلى العالم ~~اللطيف، وإنما كان مناما بدليل قوله: # «فاستيقظت فإذا أنا [نائم] في بيت أم هانئ» (1) ونحوه مما يدل على أنه ~~كان مناما. # واعلم أن هذا مثل فلسفة إبليس في قوله: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ~~قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (12) [الأعراف: 12] فإن صعود ~~الجسماني الأرضي إلى العالم الروحاني السماوي ممكن لذاته، وكل مقدور، ~~والفاعل عندنا مختار يفعل ما يشاء ويختار، فلا يبقى لامتناع ذلك وجه. # وتوجيهه على رأي المتكلمين بأن ms344 يخلق الله-عز وجل-في الجسم الكثيف قوة ~~جاذبة له إلى فوق أو خفة بحيث يحمله اللطيف، أو يخلق في القضاء اللطيف ~~كثافة بحيث يحمل الكثيف، وهذا الغمام والمطر والبرد والصواعق وسائر الآثار ~~العلوية كثيفة أو كثير منها، ويحملها الفضاء اللطيف، وأما المنام فقد لعمري ~~كان مناما مرة توطئة لليقظة، ثم كان يقظة، والأحاديث الصحيحة دلت عليهما ~~جميعا، ولو لم يكن إلا مناما لما أنكرته قريش، وبالإجماع أنهم أنكروه. # {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا} (13) [الإسراء: 13] قيل: هي صحيفة عمله تعلق في عنقه في قبره حتى ~~يبعث بها، فيحاسب عليها وهي الكتاب الذي يخرج له يوم القيامة، فيلقاه ~~منشورا. # {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (15) [الإسراء: 15] يحتج بها المعتزلة ~~لإسناد الهدى والضلال إلى المكلف لا إلى الرب-عز وجل. PageV01P388 # وأجيب بأنه أسند إليه باعتبار الكسب، وقد تكرر هذا، والقاعدة الكلية أنه ~~لما أضيف تارة إلى الرب، وتارة إلى العبد، حمل على الأول باعتبار الخلق، ~~وعلى الثاني باعتبار الكسب، أو التفويض التقديري عند أهل الجبر جمعا بين ~~النصوص. # {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (15) [الإسراء: 15] يحتج به الجمهور ~~على أن لا حكم للعقل بإيجاب، ولا حظر ولا تحسين ولا تقبيح، ولا يقتضي شيئا ~~من ذلك، وتقريره أنه لو كان له حكم لتوجه/ [123 أ/م] التعذيب على من عصى ~~بموجب حكمه قبل بعثة الرسل، واللازم باطل، فالملزوم كذلك، أما الملازمة، ~~فلأنه لو كان له حكم لكان مخالفه/ [260/ل] عاصيا قبل البعثة، ولو كان ~~مخالفه عاصيا لتوجه التعذيب عليه حينئذ. # وأما انتفاء اللازم، فلهذه الآية، إذ نفي التعذيب قبل البعثة، وقد سبق ~~القول في هذا، وحكاية مذهب المعتزلة فيه في سورة الأعراف. # {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا} (16) [الإسراء: 16] ظاهرها متروك ms345 بالنص والإجماع على أن ~~الله-عز وجل- لا يأمر بالفحشاء والفسق أمر اقتضاء واستدعاء، ولكن في ~~تأويلها أقوال: # أحدها: أمرناهم بالطاعة فعصوا ففسقوا، فحق عليهم القول ولزمتهم الحجة ~~فعاقبناهم. # الثاني: أمرناهم كثرناهم، ففسقوا، والكثرة سبب الفساد، يقال: أمر بنو ~~فلان أي: # كثروا وعظموا. # الثالث: أمرناهم: جعلناهم يمورون فيها أي: يسعون ويجولون، من مار يمور، ~~ففسقوا وهذا بخلق الدواعي والصوارف فيهم لذلك. # الرابع: أمرناهم بلسان التكوين لا التكليف، ففسقوا كما قلنا في قوله-عز وجل: # {*ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين} (46) [التوبة: 46] مع {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} (41) [التوبة: # 41] وذلك بخلق دواعي الفساد فيهم. PageV01P389 # {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا} (18) [الإسراء: 18] هذه قيدت بقيدين: # أحدهما: في المراد وهو ما نشاء، والثاني في المريد: وهو لمن نريد، وبذلك ~~قيد مطلق {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} (145) ~~[آل عمران: 145]، {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} (20) [الشورى: 20] ونحوه، ~~وكذلك {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ~~(19) [الإسراء: 19] مقيد بقيدين السعي المناسب والإيمان، ولا يبعد أن يفسر ~~المحكم بمثل هذه المقيدات والمتشابه بما يقابلها من المطلقات. # {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} (21) ~~[الإسراء: 21] إن قيل: تفاوت الدرجات في الآخرة مما يتأذى به المفضول فيها ~~عادة، وذلك يعارض النص بأن لا نصب فيها ولا حزن، ولا هم، قلنا: العادة ~~ترتفع هناك، ويرضى كل بما حصل له، وثمرة التفاوت تحصل في نفس إدراك النعيم، ~~فإدراك بعضهم أقوى ولذته أتم من بعض، وهذا كما تفاوتوا في الدنيا في ~~العقول، ثم كل منهم راض بعقله، وثمرة التفاوت ms346 فيها يظهر في الإدراك العقلي ~~قوة وضعفا. PageV01P390 # لأنه-عز وجل-: «قضى» أي: حكم ألا يعبد سواه، وما قضاه لا مخالف له، فما ~~عبد في الوجود إلا هو وهذه الأشياء قد عبدت، فوجب أن تكون هي إياه، وما ذلك ~~إلا لسريانه بذاته في العالم أو كونه عين العالم. # ورد عليه بأن الغلط إنما وقع من جهة اشتراك اللفظ، وإنما معنى قضى أمر، ~~ولا يلزم من الأمر الطاعة، فهو أمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه، وعبدوا سواه. # {*وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما} (23) ~~[الإسراء: 23] هذا هو المثال المشهور في مفهوم الموافقة، وهو ما استفيد من ~~غير محل النطق أقوى من المنطوق، فالمنطوق هنا تحريم التأفيف، والمفهوم ~~تحريم الضرب، وهو أقوى من المنطوق بمعنى أن التحريم فيه أولى من تحريم ~~التأفيف، يدرك ذلك بالضرورة. # واختلف فيه، أهو قياس، أم لا؟ فقال قوم: هو قياس جلي، ونظمه: إن ضرب ~~الوالدين أذى لهما فكان حراما كالتأفيف لهما وأولى، وأركان القياس موجودة ~~الأصل والفرع والعلة والحكم. # وقال آخرون: ليس بقياس، وإنما هو مدلول لفظي، لتفاهم العرب له مع عدم ~~معرفتهم بالقياس، ولأن ذلك يفهمه من لا يتصور القياس، ولا يخطر له ببال، ~~ويحتمل أن يقال: # المنطوق في [مثل] هذا أعم، أو كالأعم من المفهوم. فالنهي عنه من باب نفي ~~الأعم المستلزم نفي الأخص، وهذا من باب الدلالة العقلية لا اللفظية. # {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} (24) ~~[الإسراء: 24] هذا مجاز [تشبيها للولد] في ذلك بطائر خفض جناحه لأفراخه ~~يظلهم به، وكذا {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم ~~واخفض جناحك للمؤمنين} (88) [الحجر: 88]، ولما قال أبو تمام الطائي في ~~قصيدته المشهورة: # لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي # أنكرت عليه هذه الاستعارة، ولم تستحسن منه، فأرسل إليه العتابي غلاما له، ~~ومعه قارورة وقال له: قل له: ms347 احتجنا إلى شيء من ماء الملام فابعث به إلينا ~~في هذه القارورة، فعلم أبو تمام أنه منكر عليه، متهكم مستهزئ به فقال ~~للغلام: ارجع إلى مولاك فقل له: # يرسل إلي بريشة من جناح الذل، أخرجه له بها، فكان في ذلك مناظرة بالكناية ~~شبيهة PageV01P391 # بمناظرة القاضي عبد الجبار وأبي إسحاق المذكورة عند قوله-عز وجل-: {وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} (28) [الأعراف: 28]. # وتوجيهها: أن العتابي قال لأبي تمام: إن الملام لا ماء له فكيف استجزت ~~استعارته؟ ! فقال له أبو تمام: فإن الذل لا جناح له/ [124 أ/م] فكيف استجيز ~~استعارته في القرآن. # واعلم أن المؤاخذة على أبي تمام ليست في نفس الاستعارة، وإنما هي/ ~~[262/ل] في حسنها وتمامها وتطبيق المفصل بها، وليست استعارته في ذلك ~~كاستعارة جناح الذل، وبينهما بون بعيد يدرك ذلك حسا وعقلا، وإن شئت تحقق ~~ذلك فتخيل الذل طائرا خفض جناحه، وتخيل الملام ماء في وعاء نخيل تجد الأول ~~أسرع والنفس إليه أبدر، واستقصاء الكلام في هذا غير هاهنا. # {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} ~~(29) [الإسراء: 29] شاهد على مدح التوسط، وذم الانحراف والتطرف. # {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} (30) ~~[الإسراء: 30] وكيفية ذلك بتقدير الأسباب المفيدة للرزق ومنعها: وهي بيد ~~الله-عز وجل-وذلك ظاهر، وعلل ذلك بما تضمنه قوله-عز وجل-: {إن ربك يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} (30) [الإسراء: 30] وهو ~~أن فيهم من لا يصلحه إلا بسط الرزق، وفيهم عكس ذلك، فهو يراعى بذلك مصلحة ~~من يشاء منهم، تفضلا منه من حيث لا يعلمون، ولا يشك عاقل أن قارون لو كان ~~فقيرا لكان أقرب إلى صلاحه، وأن السارق وقاطع الطريق لاضطرار الفقر له إلى ~~ذلك لو كان موسرا لكان أقرب إلى صلاحه. # {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ ~~كبيرا} (31) [الإسراء: 31] مفهوم خرج ms348 مخرج الغالب فلا يعتبر. # {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤلا} (36) [الإسراء: 36] احتج به من رأى الظن نوع علم، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن اتباع غير العلم، ثم إنه كان يحكم بالظن المستفاد من ~~البينة واليمين وخبر الواحد ونحوه. PageV01P392 # ولولا أن ذلك نوع علم لكان مرتكبا للنهي، وأنه غير جائز منه. # وجوابه أنه سمى الظن علما للرجحان المشترك بينه وبين العلم كما سبق في ~~{ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين} (81) [يوسف: 81]. # واحتج بهذا أيضا من منع العمل بخبر الواحد، وهم الشيعة، ومن تابعهم، لأنه ~~إنما يفيد الظن لا العلم وقد نهى عن اتباع غير العلم وذلك يقتضي النهي عن ~~العلم بخبر الواحد. # وأجيب بأن هذا عام خص في خبر الواحد بأدلة كثيرة، منها ما سبق في ~~{بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} (44) [النحل: 44] {*وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون} (122) [التوبة: 122] وبالإجماع على قبول خبر المفتي والشاهد ~~والحاكم ثبت عندي، ونحو ذلك. # {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا} (39) [الإسراء: 39] يعني الآداب المتضمنة للطاعة ~~واجتناب المعصية، وهذا التفسير لها داخل فيما سبق في تعريفها عند قوله-عز ~~وجل-: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر ~~إلا أولوا الألباب} (269) [البقرة: 269] {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ~~ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} (39) [الإسراء: 39] ~~نهى عن الشرك، وأمر بالتوحيد وظاهره يقتضي ما سبق من أن عصمة الأنبياء- ~~عليهم السلام- من وقوع الشرك لا من جوازه/ [263/ل] خصوصا على رأي من يقول: ~~إن النهي عن الشيء [124 ب/م] يقتضي صحة وقوعه. PageV01P393 # أضافوا إلى الله-عز وجل-ما هو منزه عنه، ويستحيل ms349 عليه واستئثارهم عليه ~~بالأكمل على تقدير جواز ذلك عليه. # {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} (42) ~~[الإسراء: 42] هذا من أدلة التوحيد، وتقريره من وجهين: # أحدهما: لو كان معه إله غيره لطلب ذلك الغير سبيلا إلى مغالبة ذي العرش ~~على الملك وانفراده بالإلهية دونه واللازم باطل؛ فالملزوم كذلك؛ بيان ~~الملازمة أن العادة اطردت بأن المشتركين في الملك يحاول كل واحد منهما ~~المكر بصاحبه، أو مغالبته على إخراجه من الملك، وانفراده به دونه، واطراد ~~العادة حجة، ولذلك كان انخراقها للأنبياء معجزا، بيان بطلان اللازم أن كل ~~من ادعيتموه إلها مع الله تعالى كالأصنام ونحوها أسير في قبضة قدرته لا ~~يستطيع السبيل إلى الخروج عن عبوديته فضلا عن ابتغاء السبيل إلى مغالبته. # الوجه الثاني: لو كان معه غيره لطلب ذلك الغير السبيل إلى الوصول إلى ~~رتبة ذي العرش أو إلى الشفاعة إليه فيما يريد، على العادة في بلوغ النظير ~~رتبة نظيره والشفاعة إليه في بعض أموره، واللازم باطل، والمعول عليه هو ~~الوجه الأول. # {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} (44) [الإسراء: 44] فيه قولان: # أحدهما: أنه عام أريد به الخاص وهم ذوو الحياة المتأتي منهم التسبيح، ~~وعلى هذا يتمسك به الفلاسفة في أن الأفلاك حية ناطقة، لأنها مسبحة بهذا ~~النص، وكل مسبح حي ناطق، فالأفلاك حية ناطقة. # وجوابه: بمنع كونها مسبحة على هذا التقدير، وينتقض عليهم بالأرض؛ فإنها ~~مسبحة بهذا النص، وليست حية باتفاق. # الثاني: أنه عام مطرد في الحي وغيره كالجمادات، لكن تسبيح كل شيء بحسبه؛ ~~فالحي بالنطق والجماد إما بظهور آثار القدرة فيه والتسخير له قسرا أو بخلق ~~حياة فيه، أو أصوات يسبح بها لا يعلمها ويدركها إلا خالقها، ومن أطلعه ~~عليها، [قال بعض العلماء المحققين رضي الله عنهم: ] وقد أخبرني الثقة، أنه ~~كان نائما في بستان فاستيقظ ليلا فسمع للنخيل والأشجار وجدار البستان كدوي ~~النحل بالتسبيح، وأخبرني الثقة عن الثقة فيما ms350 أحسب أنه مر في أرض/ [264/ل] ~~مزروعة حنطة، وهو يسبح، فسمع السنبل جميعه يسبح، وفي تسبيح الجبال مع داود- ~~عليه السلام-غنية عن ذلك كله. PageV01P394 # [وعلى هذا فربما احتج به الاتحادية على أنه سار/ [125 أ/م] بذاته في كل ~~شيء، وأنه يسبح نفسه منها. # وجوابه أن ذلك يقتضي اتحاده بها أو حلوله فيها، وهو محال على ما تبرهن في ~~الكلام والحكمة، ويحتج ب {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} (44) ~~[الإسراء: 44] ونحوه على أن الفقه لغة الفهم، وقد قيل: هو العلم كما مر في ~~مقدمة الكتاب]. # [قوله تعالى] {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا} (45) [الإسراء: 45] قيل: ساترا، فلا يرونك ليؤذوك إذا ~~أرادوا، وقيل: مستورا عن أعين الناظرين، وهو إما خلق الصوارف [في قلوبهم ~~عنك، أو ملائكة يسترونك عنهم كما ستره ملك عن أم جميل امرأة أبي لهب حين ~~جاءته وهو في المسجد لتؤذيه. # {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} (46) [الإسراء: 46] هذه الأكنة والوقر ~~في آذانهم إما حسية، أو عقلية بخلق الصوارف] عن اتباع القرآن كما مر في ختم ~~الله على قلوبهم. # {وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا} (49) [الإسراء: ~~49] تضمنت إنكارهم للبعث بشبهتهم السابقة في سورة النحل. # {أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا} (51) # [الإسراء: 51] هذا جوابهم عن إنكار البعث بإثباته والاستدلال عليه، بقياس ~~الإعادة على الابتداء أول مرة، بجامع الإمكان والقدرة على كل ممكن فيهما. # {أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا} (51) # [الإسراء: 51] ليس فيه تحديد لوقت قيام الساعة، إذ القريب أمر إضافي فألف ~~سنة قريب بالإضافة إلى عشرة آلاف ms351 سنة، وبعيد بالنسبة إلى مائة سنة، ومائة ~~ألف سنة قريب [إلى ألف ألف سنة بعيد بالنسبة إلى] [عشرة آلاف]. PageV01P395 # [الإسراء: 52] اعلم أن الأجساد للأرواح كالثياب للأجساد، وكما أن جماعة ~~عراة إذا صاح بهم صائح بادر كل منهم إلى ثوبه فلبسه، ثم أجاب الصائح، كذلك ~~الموتى تتجرد أرواحهم، ثم تبلى أجسادهم فإذا أريد بعثهم أعيدت الأجساد كما ~~كانت، وقد دللنا على إمكانه ووقوعه، ثم بادر كل روح إلى جسده فلبسه، ثم ~~أجاب داعي البعث، وكما خلق الله-عز وجل-الجسم بالتطوير والتصوير من نطفة ثم ~~علقة ثم مضغة إلى آخرها، فهو قادر على إعادته بدون ذلك، كما أنه خلق بني ~~آدم بالتطوير ومن قبلهم خلق آدم بدونه، فالقدر المشترك في ذلك كله وغيره هو ~~القدرة/ [265/ل] التامة، وما زاد فهو كالآلات لا ينبغي أن يوقف معه، فهذه ~~حقيقة البعث إن شاء الله-عز وجل. # {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا} ~~(54) [الإسراء: 54] مورية لزناد الجبرية، حيث قالوا: إنه-عز وجل-علم أنه لو ~~فوض إلى العاصي عمله لكان معصية، فجبر على ما لو فوض إليه لفعله كما تقرر ~~في/ [125 ب/م] المقدمة، وبيانه من الآية أن المعنى الظاهر منها ربكم أعلم ~~بكم، لو فوض إليكم خلق أفعالكم، ماذا كان يكون فهو يرحم ويعذب بحسب ذلك العلم. # {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~وآتينا داود زبورا} (55) [الإسراء: 55] دلت على أن بعضهم أفضل من بعض في ~~الحقيقة، وأما نحن فنهينا عن التفضيل بينهم لما عرف من إيهام ذلك غضا من ~~المفضول، فقد جاء في الحديث «لا تفضلوا بين الأنبياء» (1). # {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} ~~(56) [الإسراء: 56] هو من أدلة التوحيد، ونفي الشرك، وقد سبق نظيره في غير موضع. # {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} (57) [الإسراء: 57] معناه: # أن آلهتكم التي تدعونها شركاء عبيد لله-عز وجل-ضارعون يطلبون القرب ms352 إليه ~~ويرجونه ويخافونه، ولا شيء ممن هو كذلك بإله. PageV01P396 # {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} (57) [الإسراء: 57] اعلم أن بعض ~~علماء الظاهر ينكر على بعض أهل العمل قوله: لست أعبد الله-عز وجل-رجاء ~~جنته، ولا خوفا من ناره. والتحقيق أن الجزم في هذا بأحد الطرفين، أعني ~~الجواز والمنع مطلقا حطأ، بل الحق التفصيل، وهو أن من قال هذا القول إظهارا ~~للاستغناء عن فضل الله ورحمته وجرأة عليه، فهو مخطئ كافر، ومن قاله ~~لاعتقاده أن الله-عز وجل-أهل للعبادة لذاته حتى لو لم يكن هناك رحمة ولا ~~عذاب ولا جنة ولا نار، لكان أهلا أن يعبد فهو محقق عارف، وتحقيق ذلك أن ~~للحق-عز وجل-صفتي جلال وجمال، فلو انتفى الخوف من جهة صفة جلاله لوجبت ~~عبادته لما هو عليه من الكمال [من جهة صفة] جماله. # {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} (59) [الإسراء: 59] تضمنت ~~الجواب عن استعجال الكفار الآيات في أول الأمر، وقولهم: {ويقول الذين كفروا ~~لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} (7) [الرعد: 7]. # {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} (7) [الحجر: 7] ونحوه، ~~وتقريره: أنه لم يمنعنا من تعجيل الآيات إلا الإبقاء عليكم إذ جرت عادتنا ~~أن من كذب باياتنا أهلكناه كما كذب بها الأولون فأهلكناهم فأخرناها عنكم/ ~~[266/ل] مدة لعلكم تراجعون الحق، فلما أصروا على كفرهم، جاءتهم الآيات ~~كانشقاق القمر وإمساك المطر وتسليم الحجر والشجر، ونحوها، [فلزمهم بها] ~~الحجة ثم أهلكوا، سنة الله التي قد خلت من قبل. # {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} (59) [الإسراء: 59] يحتج به ~~من زعم أن [لا عذاب] في الآخرة وبقوله-عز وجل-: {لهم من فوقهم ظلل من النار ~~ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون} (16) [الزمر: 16] قالوا: # لأن هذه ms353 الآية دلت على أن ما ثم إلا التخويف، أما إيقاع ما وقع به ~~التخويف فلا. # وجوابه: أن هذا الحصر ممنوع بل هناك تخويف، وهو لا ينافي وقوع ما خوف به، ~~وقد PageV01P397 # صرحت به/ [126 أ/م] النصوص فوجب القول به. # واحتجوا بأن العقاب إما للطائع وهو غير مناسب، أو للعاصي، وهو إما لا ~~لفائدة وهو عبث، أو لفائدة، وهي إما لله-عز وجل-وهو غني عما سواه، أو ~~للمكلف فهي إما في الدنيا وقد انقطعت فصارت عدما، أو في الآخرة وهو باطل؛ ~~لأن العقاب ضرر محض مناف للفائدة، فثبت أن العقاب باطل لبطلان جميع أقسامه ~~وأحواله. # وجوابه من وجوه: # أحدها: أن هذا مخالف للنصوص القاطعة وإجماع العلماء، فلا يلتفت إليه ولا ~~يعارض القاطع. # الثاني: أن العقاب لفائدة وحكمة استأثر الله-عز وجل-بها، ولا نسلم أن ~~العقاب ينافي الفائدة، كما في تأديب الصبي ونحوه. # الثالث: أن العظمة الإلهية لذاتها تقتضي العقاب على المعصية. # الرابع: أن ما ذكرتموه منتقض بآلام الدنيا ومصائبها ومحنها، هي ضرب من ~~العذاب، وهي إما للطائع أو العاصي إلى آخر ما ذكرتم، فيلزم أن تكون منتفية، ~~وهو باطل، لا يقال: محن الدنيا تعوض عنها بخلاف عقاب الآخرة؛ لأنا نقول: ~~العوض عندنا غير لازم، بل لله-عز وجل-أن يؤلم ويهلك ويمتحن بما شاء من غير ~~تعويض، وحينئذ جوابكم عن بلاء الدنيا هو جوابنا عن عذاب الآخرة. # {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} ~~(60) [الإسراء: 60] يحتج به الجمهور على أن الله-عز وجل-يريد ويقصد فتنة ~~بعض الناس وإضلاله، وينصب لهم شراك ذلك، وهذه الرؤيا هي رؤيا النبي صلى ~~الله عليه وسلم شجرة الزقوم في النار، فأخبر بها الكفار، فكذبوا وقالوا: ~~النار تأكل الشجر، فلا يكون فيها شجر، وهو غلط منهم، لجواز أن يخلق في ~~النار ضعف عن أكل الشجرة، أو في الشجرة قوة على الثبات في النار؛ وهذا ~~السمندل طائر يعيش في النار، فالشجرة أولى. # والشجرة الملعونة في ms354 القرآن هي عند الجمهور شجرة الزقوم، كما ثبت في ~~الحديث، وعند الشيعة هي شجرة بني أمية لما صدر عنهم من قطع أرحام بني عبد ~~المطلب، وقاطع الرحم ملعون بالنص والإجماع، ولما ورد في السنة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم توفي وهو غير راض عن ثقيف وبني حنيفة/ [267/ل] وبني أمية. PageV01P398 # والأشبه الأول؛ لأن الشجرة فيه على حقيقتها وهي على الثاني مجاز، ~~والحقيقة أولى. # {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} (64) [الإسراء: 64] قيل: # بالربا، (والأولاد) قيل: بالحنث في طلاق الزوجات، وقيل: بمشاركته الرجل ~~في وطء امرأته، إذ لم يسم عند الجماع. روي عن ابن عباس: أن الرجل إذا جامع ~~ولم يسم، قعد الشيطان على فخذه، ينكح معه، ويقوي/ [126 ب/م] ذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «لو أن أحدهم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا؛ فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان» حديث ~~صحيح، ومفهومه أنه إذا لم يسم فقضي بينهما ولد ضره الشيطان، ولا ضرر أبلغ ~~من أن يشارك فيه. # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا} (65) [الإسراء: 65] أي ~~عبادي المخلصين الخواص عندي المختصين بعنايتي ورعايتي لا سلطان لك عليهم، ~~وحينئذ ادعت الشيعة أن من أبغض عليا فهو ولد زنا، وهو ابن الشيطان لأن عليا ~~لا يبغضه إلا منافق بالنص الصحيح. # والمنافق ليس من عباد الله الخواص المنفي عنهم سلطان الشيطان، فهو من ~~العباد المبعدين عن الله المستولي عليهم سلطان الشيطان، فالمنافق داخل تحت ~~سلطان الشيطان، ومن سلطان الشيطان عليه مشاركته لأبيه فيه كما سبق، فمبغض ~~علي يشارك الشيطان فيه؛ فهو ولد زنا وابن الشيطان. ثم أكدوا ذلك بما ذكره ~~القرطبي في تفسيره من حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: ~~بينا علي بن أبي طالب يمشي في بعض سكك المدينة عرض له إبليس، فهم علي بقتله ~~ليريح الناس منه، فقال له إبليس: مهلا يا ms355 أبا الحسن ما هذا جزائي منك؛ ~~فقال: وأي جزاء لك عندي يا ملعون؟ قال: والله ما أبغضك أحد إلا وقد شركت ~~أباه في أمه، وهذا من الشيعة تعريض بالخوارج والنواصب. # وأجاب الجمهور عن هذا بأن قالوا: نحن نحب عليا [ولا] نبغضه، فلا يلحقنا ~~مما قررتموه معرة، نعم أنتم أولى بما ذكرتم لأنكم ترون إباحة المتعة وهي ~~زنا، وأكثركم أو كثير منكم مولود منها. PageV01P399 # تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) [الأنعام: 41] ونحوه. # {أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم ~~بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} (69) [الإسراء: 69] أي في ~~البحر، وهذا مما يحتج به على أن كسب الإنسان مخلوق لله-عز وجل-والإنسان ~~مجبور؛ لأن الله- عز وجل-نسب إعادتهم إلى البحر إليه شاءوا أم أبوا، وذلك ~~إنما يكون بما يجبرهم به على ذلك من خلق الدواعي والصوارف، فإن الإنسان يرى ~~من هول البحر ما يزعجه جدا حتى/ [268/ل] [يعزم، وربما حلف الأيمان المغلظة ~~أنه لا يعاود ركوبه، ثم يكذبه الله- عز وجل-] ويرغمه ويضطره إلى ركوبه ~~خاسئا [مخشوشا بخشاش] القدر كالجمل الذلول، لا يمكنه أن يمتنع، وهو دليل ~~على ما ذكرناه. # {* ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (70) [الإسراء: 70] يحتج بها من فضل ~~الملائكة على بني آدم لأنهم/ [127 أ/م] إنما فضلوا على كثير من المخلوقات ~~لا على جميعها، والإجماع على تفضيلهم على من عدا الملائكة، فدل هذا على أنه ~~لم يفضلوا على الملائكة، ثم إذا انضم إلى هذا الحديث الصحيح: «ومن ذكرني في ~~ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» تم الاستدلال على الملائكة أفضل من بني آدم. # {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} (74) [الإسراء: 74] ~~هاهنا مسائل: # الأولى: أن العصمة تثبيت وصرف عن المعصية بما يخلق في النفس من شدة الخوف ~~وغيره من الأسباب، بدليل {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} ~~(74) [الإسراء: 74] {قال رب السجن أحب إلي ms356 مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} (33) [يوسف: 33]، وليست العصمة امتناع ~~وقوع المعصية عقلا، وإلا لما ظهرت فضيلة التقوى أبدا، ولتعذر ابتلاء أحد ~~بالمعصية؛ إذ الممتنع عقلا لا يدخل تحت المقدورية. # الثانية: [أن عصمة الأنبياء إما هي من وقوع المعصية والكفر لا من جواز ~~ذلك؛ لأن الله -عز وجل-أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه هو الذي ثبته عن ~~الركون إلى الكفار بالافتراء على الله بغير PageV01P400 # ما أنزل، وأنه لو لم يثبته لركن إليهم، ثم لأصابه العذاب المضاعف وذلك ~~قاطع فيما ذكرنا. # الثالثة: تفاوت الناس في المعصية بحسب مراتبهم، بحيث يستكثر من بعضهم ~~قليلها، لأن الله-عز وجل-أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لو ركن إليهم ~~شيئا قليلا؛ لأذاقه عذابا مضاعفا. # ولقائل أن يقول: إن ذلك الركون لقليل لو وقع لكان كفرا عظيما، إذ هو ~~افتراء على الله-عز وجل-والكفر العظيم لا يستقل منه شيء. # قوله-عز وجل-: {ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا} (85) [الإسراء: 85] يحتج به من يرى قدم الروح، وقرروه بأن ~~الروح من أمر الله، وأمر الله قديم، فالروح قديم. # أما الأولى فلصريح هذه الآية، وأما الثانية فلما سبق في قوله-عز وجل-: ~~{إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (54) [الأعراف: 54] وأجيب عنه بأن ~~الأمر مشترك بين الكلام والفعل والخلق وغيرها، فهو مجمل، ويكفي ذلك في سقوط ~~الاستدلال به، ثم إنا نقول: {ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا} (85) [الإسراء: 85] أي من خلقه، بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وكانت روح عيسى ~~في تلك الأرواح» (1) وقوله صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة فما ~~تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (2) والجنود المجندة ليست قديمة، ~~ولأنه قد سبق الدليل ms357 على جسمية الروح ولا شيء من الجسم بقديم؛ ولأنها لو ~~كانت قديمة لزم القول بالحلول أو الاتحاد وتعدد القديم، وكل ذلك محال، ~~وإنما قيل: الروح من أمر ربي هكذا/ [127 ب/م] مجملا؛ لأن اليهود سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح سؤال تعجيز PageV01P401 # وتغليظ؛ إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر ~~يقال له: # الروح، وصنف من الملائكة/ [269/ل]، والقرآن، وعيسى ابن مريم كل واحد من ~~هذه الستة [يسمى روحا]، فقصد اليهود أن يسألوه فبأي مسمى أجابهم، قالوا: ~~ليس هو الذي قلت: فجاءهم الجواب مجملا [كما سألوا مجملا] {ويسئلونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (85) [الإسراء: ~~85] وأمر ربي يصدق على كل واحد من مسميات الروح، فكان هذا الإجمال كيدا ~~[قوبل به] كيدهم. # قوله-عز وجل-: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (88) [الإسراء: 88] هذه أعظم ~~آيات التحدي بالقرآن، لأن بعض هذا مما يوفر دواعي الخصوم على طلب الإتيان ~~بمثله، فلو كان ذلك في وسعهم لفعلوه بالضرورة عادة، لكنهم لم يفعلوا، ولم ~~يأتوا بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة مثله، فدل على عجزهم عن معارضته ~~مع كثرتهم وتمكنهم في الفصاحة والبيان، وذلك يقتضي كونه معجزا؛ إذ لا معنى ~~للمعجز إلا أمر ممكن خارق للعادة مقرون بالتحدي خال عن المعارض، وهذه ~~الصفات موجودة في القرآن فكان معجزا مع أن المتحدى به هاهنا هم الجن ~~والإنس، وكل ما عجز عنه الجن والإنس معجز: بالطرد في معجزات الأنبياء، ~~وبالعكس في غيرها؛ إذ كل أمر غريب ليس بمعجز فإن مجموع الجن والإنس لا ~~يعجزون عن مثله. # ثم إن اليهود والنصارى وغيرهم من الخصوم [ألفوا] شكوكا على إعجاز القرآن ~~إيرادها يطول، وقد أفرد في ذلك كتب. # وهاهنا مسألتان: إحداهما أن تحدي الجن والإنس به يدل على دخولهم تحت ~~دعوته، وأنه صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن والإنس، إذ لم تنتظمهم دعوته ~~لما ms358 تحداهم بكتابه كما لم يتحد به الملائكة والشياطين والبهائم، ولأن العجز ~~عن معارضة المعجز كالنكول عن اليمين، وذلك مستلزم لحكم الدعوى. # الثانية: احتج بالآية من رأى خلق القرآن؛ لأنها تضمنت إثبات مثل للقرآن، ~~حيث طولبوا بالإتيان بمثله، وأخبروا بالعجز عن مثله، وكل ما له مثل فهو ~~مخلوق، وسئل بعضهم: ما الدليل على خلق القرآن؟ فقال: قدرة الله على مثله، ~~ومعناه أن الله-عز وجل-إن لم يقدر على مثل القرآن لزم التعجيز، وإن قدر على ~~مثله لزم أنه مخلوق، PageV01P402 # والأول محال، فالثاني حق، ولأن القرآن معجز نبوي [وكل معجز نبوي] مخلوق/ ~~[128 أ/م] أما الأولى فإجماعية، وأما الثانية فاستقرائية الاستقراء التام، ~~إذ معجزات الأنبياء- عليهم السلام-كلها مخلوقة كالعصا واليد البيضاء وإحياء ~~الموتى، والناقة وغيرها. وليس بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي يتوقع له ~~معجز قديم ينخرم به هذا الاستقراء فوجب العمل بمقتضاه. # واحتج القائلون بقدم القرآن بأن جميع معجزات الأنبياء لم يتحد بها الجن/ ~~[270/ل] مع الإنس إلا القرآن، وإنما ذلك لكونه قديما، وبقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما ~~كان الذي أوتيته وحيا» وإنما أشار بذلك إلى الفرق بين [معجزه، ومعجز] غيره ~~بالقدم والحدوث، ولأن القرآن معجز باق وغيره من المعجزات فان، لم يبق إلا ~~ذكره، فدل على قدم القرآن وحدوث غيره. # وقد سبق في هذا المعنى كلام من الطرفين. # {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} أي: ليس أمر الآيات التي ~~اقترحتموها إلي إنما علي البلاغ {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب} (38) ~~[الرعد: 38]. # {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا} (95) [الإسراء: 95] أي لم تستغربون أن يبعث الله إليكم بشرا رسولا، ~~فإن الحكمة لا تقتضي إلا ذلك، أن يرسل البشر إلى مثله، أما إرسال الملك إلى ~~البشر، فيبطل حكمة الإرسال، إذ يصير الإيمان برؤية الملك اضطرارا ms359 والحكمة ~~تقتضي الإيمان الاختياري، حتى لو كان في الأرض ملائكة ساكنون مقيمون فيها ~~لأرسلنا إليهم ملكا من جنسهم، إذ الحكمة لا تنافي ذلك؛ لأن إيمان الملائكة ~~بملك منهم لا يصير اضطراريا يخل بحكمة الإرسال؛ إذ نسبتهم إليه نسبة البشر ~~إلى الرسول البشري، ودلت الآية على أن الأرض ليس فيها ملائكة يمشون ~~مطمئنين، أي: قاطنين بها كالإنس، وعلى أن فيها ملائكة يمشون، لكن [لا ~~مطمئنين] قاطنين وشواهده كثيرة. PageV01P403 # يضل بعض الخلق ثم يحشرهم يوم القيامة إلى جهنم مع أنه في ذلك ليس بظالم ~~لهم؛ فدل على ما قلناه من أنه عاملهم على ما علم منهم على تقدير التفويض إليهم. # وقد حكى ابن خميس في كتاب مناقب الأبرار في ترجمة الجنيد قال: ناظرت ~~قدريا فاشتد بيني وبينه الكلام وقام مصرا على رأيه، فلما كان الليل رأيت ~~إنسانا يقول لي: ما ينكر هؤلاء القدرية أن الله-عز وجل-علم ممن عصاه من ~~خلقه أنه لو فوض إليهم لعصوه، فجبرهم على وفق الواقع منهم، لو فوض إليهم ثم ~~عاقبهم على تقدير ذلك، أو كلاما هذا معناه بعينه، وهذا/ [128 ب/م] هو سر ~~القدر الذي قررناه في المقدمة، وكنت أظن أن أحدا لم يسبقني إليه حتى رأيت ~~حكاية الجنيد هذه. # {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا} (98) [الإسراء: 98] هذا إنكار منهم للبعث واستبعاد أو ~~إحالة له. # {* أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا} (99) [الإسراء: 99] / ~~[271/ ل]، دليل جواز البعث، وتقريره: أن خلق السماوات والأرض أعظم من ~~إعادتكم وبعثكم، فالقادر على ذلك؛ قادر على بعثكم بطريق أولى، وإنما قلنا ~~ذلك لأن خلق السماوات والأرض أعظم من ابتداء خلقكم، وابتداء خلقكم أعظم من ~~إعادتكم، ينتج خلق السماوات والأرض أعظم من إعادتكم. # بيان الأولى: قوله تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} (57) [غافر: 57] بيان الثانية: قوله-عز وجل-: {وهو ~~الذي يبدؤا الخلق ثم ms360 يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم} (27) [الروم: 27] وإن شئت فاعكس، واستدل بالأهون فقل: # إعادتكم أهون من ابتدائكم، وابتداؤكم أهون من خلق السماوات والأرض، ~~فإعادتكم أهون من خلق السماوات والأرض، والأهون من الأهون أهون، فالقادر ~~على الأعظم الأصعب يكون على الأيسر الأهون أقدر بالضرورة. # {*أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا} (99) [الإسراء: 99] ~~يحتج به PageV01P404 # على تحتم الأجل المضروب، لا زيادة ولا نقص كما سبق. # {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له ~~فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} (101) [الإسراء: 101] قيل: هي العصا، ~~واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفلاق ~~البحر، والظلة. # {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له ~~فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} (101) [الإسراء: 101] أي: يخيل إليك أشياء ~~لا حقائق لها تظنها آيات، ويحتمل أن مراده: إني لأظنك ساحرا، ويصير هذا كما ~~في {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا} (45) [الإسراء: 45] هل هو فاعل أو على أصله مفعول. # قال: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني ~~لأظنك يا فرعون مثبورا} (102) [الإسراء: 102] ضم التاء وفتحها تتخرج على ~~القولين في مسحورا، إن أريد به المفعول فالمناسب له ضم التاء أي لقد علمت ~~أنا أن هذه آيات حق من حق، وما أنا بمسحور، وإن أريد به الفاعل ناسبه فتح ~~التاء، أي: لقد علمت يا فرعون أنها آيات حق، وأني غير ساحر، ولكنك معاند ~~مثبور، سيحل بك الثبور، وهو الهلاك. # {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} (110) [الإسراء: 110] يحتج ~~به على أن الاسم غير المسمى، كما مر وعلى تسمية الصفات كالرحمن أسماء إما ~~مجازا لغويا أو حقيقة اصطلاحية، كما سبق تقريره في آخر الأعراف. ms361 # {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} (110) [الإسراء: 110] وهو ~~من أدلة التوسط بين الطرفين، وذم الانحراف إلى أحدهما، وقد سبق آخر وهو ~~{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} ~~(29) [الإسراء: 29] وبقي آخر في الفرقان {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك} PageV01P405 # قواما (67) [الفرقان: 67]. # {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل وكبره تكبيرا} (111) [الإسراء: 111]، فيه نفي الولد والشريك، ~~والولي من الذل أي/ [129 أ/م] الناصر، ويجيب به الجمهور عن قوله صلى الله ~~عليه وسلم في علي: «إنه مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن/ [272/ل] بعدي» أي ~~ناصر كل مؤمن، وكذلك يقولون في قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وهو بعيد ~~من السياق والظاهر. PageV01P406 ### | AUTO القول في سورة الكهف # {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} (1) [الكهف: 1] ~~يحتج به على أنه منزل غير مخلوق، وقد سبق. # {ولم يجعل له عوجا} (1) [الكهف: 1] وكذلك {قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم ~~يتقون} (28) [الزمر: 28] [قيل: ليس بمخلوق. # وأجيب بأن المراد: أنه مستقيم الطريقة لا ضلال فيه ولا اعوجاج عن الحق، ~~وما ادعيتموه من عدم الخلق ليس نصا في الآية ولا ظاهرا، ولا تفسيرا لها عمن ~~يعتد به متواترا]. # {قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا} (2) [الكهف: 2] فيه تعليل الأفعال الإلهية كما سبق. # {قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا} (2) [الكهف: 2] هذا أدل على تغاير الإيمان والعمل الصالح من ~~{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا} [الكهف: ~~107]، لأن صفة المؤمنين هاهنا بعمل الصالحات مستقلة، وهناك صلة معطوفة على ~~صلة، فلا استقلال لها. # {ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ms362 ~~كذبا} (5) [الكهف: 5] تعظيم للقول باتخاذ الولد وتكذيب لهم فيه. # {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} (7) [الكهف: ~~7] تعليل للفعل الإلهي بحكمة الابتلاء. # {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا} (14) [الكهف: 14] [هذا استدلال بالنظر على ~~وجود الصانع، لأن السماوات والأرض] خلقان عظيمان في العقل يلزمهما وجود، ~~مؤثر فينتقل العقل منهما إليه انتقالا من الملزوم إلى اللازم وهو ضروري، ~~وقد سبق تقريره غير موضع. # {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا} (14) [الكهف: 14] هذا توحيد ودليله قولهم: PageV01P407 # {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا} (15) [الكهف: 15] وتقريره: أن السماوات والأرض ~~دليل على إله قديم كامل، وغيره مما اتخذ آلهة لا دليل عليه، وما لا دليل ~~عليه لا يثبت، إذ عدم الدليل على الشيء كدليل عدم الشيء، كما أن عدم البينة ~~كبينة العدم، فكأن أهل الكهف تمسكوا على نفي الإله الثاني باستصحاب الحال، ~~ورأوه كافيا، فكأنهم قالوا: قد ثبت لنا بدلالة السماوات والأرض على صانعهما ~~إله، فمن ادعى ثانيا فصاعدا فعليه الدليل، ويحتمل أنهم أشاروا بذلك إلى ~~طريقة للمتكلمين في نفي ما سوى الله-عز وجل-إلها، وتقريرها: أن الإله من ~~حيث هو إله قد ثبت وهو يصدق بواحد، فإثبات الثاني ليس أولى من ثالث ورابع ~~إلى ما لا نهاية له، وحينئذ إثبات ما فوق إله واحد من هذه الأعداد ~~والمقادير ترجيح بلا مرجح وإنه محال، ولعلهم إلى هذا أشاروا بقولهم: ~~{وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا} (14) [الكهف: 14] أي بعيدا محالا للزوم ~~الترجيح منه بلا مرجح منه/ [129 ب/م]: # {* وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات ~~الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو ms363 المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا} (17) [الكهف: 17] يحتج به الجمهور على مذهبهم/ ~~[273/ل] وهو صريح فيه. # {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} (21) [الكهف: 21] جعل إيقاظهم من ~~نومهم الطويل دليلا على البعث عن الموت؛ لأن النوم أخو الموت بجامع تعطل ~~الحس، غير أن الموت نوم ثقيل، والنوم موت خفيف، ومن ثم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (1) وحكي عن المسيح أنه كان ~~يقول: «يا بني إسرائيل كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون» كل ذلك ~~إشارة إلى تقارب النوم والموت، ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم أفي ~~الجنة PageV01P408 # نوم؟ قل: «لا لأن النوم أخو الموت» (1) وفي الأثر: عجبت لمن ينكر البعث، ~~وهو كل يوم يموت ثم يبعث! فأما قول أبي الطيب: # تمتع في حياتك من رقاد ... ولا ترجو كرى تحت الرجام # فإن لثالث الحالين معنى ... سوي حال انتباهك والمنام # فأشار إلى أن للإنسان ثلاثة أحوال: حال يقظة وموت ونوم، فاليقظة والموت ~~طرفان؛ إذا اليقظة عبارة عن حال تعلق النفس بالبدن مستعملة للحواس، والموت ~~عبارة عن حال انقطاع تعلق النفس بالبدن انقطاعا كليا من كل وجه، ويلزم ذلك ~~تعطل الحواس لعدم تعقل النفس المستعملة لها، وأما النوم فواسطة بينهما؛ لأن ~~النفس لا ينقطع تعلقها بالبدن فيه مطلقا، بل من وجه، وهو أنها تغتنم ركود ~~الحواس بالنوم فتتوجه إلى عالم الغيب لاقتناص العلوم الغيبية مع التفاتها ~~إلى الجسد، وعزمها على معاودته إذا قضت أربها من عالمها، فصار لثالث ~~الحالين-وهو الموت، الذي هو ثالث لحالتي النوم واليقظة-معنى يخالف معنى ~~النوم واليقظة. # فالنوم أشبه الموت بجامع التفاتها إلى عالمها، وفارقه وأشبه الحياة من ~~جهة تعلق همها بالجسد. # وإن شئت قلت: اليقظة بقاء الحس والحركة، والموت تعطلهما جميعا، والنوم ~~تعطل الحس دون الحركة؛ إذ هو يتحرك متقلبا من جنب إلى جنب، فبتعطل الحس ms364 ~~أشبه الموت وببقاء الحركة أشبه اليقظة، والسر في ذلك غريب عجيب، ومن ثم كان ~~من آيات الله- عز وجل-إذ يقول: {ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم ~~من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} (23) [الروم: 23]. # {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا ~~نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} (24) [الكهف: 23 - 24] هذا ~~ضرب من التوحيد لأن من علم ألا تصرف له في نفسه، وأن التصرف لله-عز وجل -/ ~~[274/ل] فيه وفي غيره من العالم على الإطلاق، وأنه مصرف تحت مشيئته لا ~~يستطيع حركة ولا سكونا إلا بإذنه وإرادته/ [130 أ/م] كان في ذروة من ~~التوحيد، PageV01P409 # وعكسه من اعتقد أنه يفعل ما اختار من غير توقف على إرادة القادر المختار، ~~فذلك من المشركين الكفار إما حقيقة كعبدة الأوثان، أو مجازا كالقدرية ~~المحادين للرحمن. # ومن ثم قال الفقهاء: إذا حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل ~~وإن شاء ترك، ولا حنث عليه؛ لأنه أعطى [المشيئة حقها من الأدب، بخلاف ما ~~إذا لم يستثن، فإن تألى فأكذب، ثم بالكفارة] عوقب، وقد عود بعض الناس أنه ~~إذا قال: أفعل كذا إن شاء الله-عز وجل-وفق لفعله غالبا وإلا فلا. # {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا} (28) [الكهف: 28] يحتج به الجمهور في أن الله-عز وجل ~~-هو الذي يغفل من شاء عن ذكره ويضله وينسيه ونحو ذلك، وتأوله المعتزلة على معنى: # أصبناه غافلا، على ما عرف من تأويلهم. # {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين} (29) [الكهف: 29] يحتج به المعتزلة على أن ~~العبد مختار تام الاختيار؛ لأنه خيره بين الإيمان والكفر، وعلق ذلك ~~بمشيئته، فلو لم يكن والحالة هذه مختارا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، إذ ~~حاصله أنه يتوعده توعد مختار ويسخره تسخير مجبر ms365 مكره، والجمهور تأولوا هذا ~~على أنه أمر تهديد نحو: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن ~~يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما ~~تعملون بصير} (40) [فصلت: 40]، والإلزام باق عليهم إذ لو لم يكن مختارا لما ~~تهدده، وليس لهم إلا الرجوع إلى أصلهم من أنه مختار من حيث الكسب، مجبر من ~~حيث خلق الفعل فيه على وجه لا يمكنه التخلص منه، أو على تفويض الجبرية، وهو ~~أن هذا التخيير على تقدير ذلك التفويض، أي لو فوض إليه التفويض التام حتى ~~كان مختارا بالحقيقة لكان منه ما وقع بالجبر من خير أو شر وإيمان أو كفر. PageV01P410 # واحدة، وإنه محال وقد سبق هذا. # وجوابه من جهة الجمهور: أن الأجر تفضل من الله-عز وجل-على كسبهم، وتسميته ~~أجرا لا يضيع مجازا. # {وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} (36) ~~[الكهف: 36] هذا إنكار للبعث {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا} (37) [الكهف: 37] أي يجادله، فيه مشروعية ~~الجدال لإقامة الحق وإنامة الضلال، وجوبا أو ندبا على حسب الحال. # {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا} (37) [الكهف: 37] إشارة إلى إنكار البعث كفر {قال له صاحبه وهو ~~يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا} (37) [الكهف: ~~37] استدلال على جواز البعث/ [277/ل] بالقياس على الابتداء: {قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون} (29) [الأعراف: 29]. # {لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا} (38) [الكهف: 38] أي لكن أنا، ~~فاختصر وأدغم حتى قيل: {لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا} (38) [الكهف: ~~38] / [130 ب/م] توحيد {لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا} (38) [الكهف: ~~38] نفي للشرك، وقد سبق دليلهما ويأتي منه أشياء إن شاء الله عز وجل. # {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ms366 إن ترن أنا أقل ~~منك مالا وولدا} (39) [الكهف: 39]. # توحيد في المشيئة والقوة، {وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ~~وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} (42) [الكهف: 42]. # هذا ندم على الشرك وقع من هذا الشخص المعين، وفيه إشارة إلى أن كل مشرك ~~سيندم في الآخرة، إذا حرم الجنة ودخل النار، وهم جديرون بذلك، فنسأل الله- ~~عز PageV01P411 # وجل-الثبات والعصمة والدخول في كنف الرحمة. # ويقال: إن هذين الرجلين المتحاورين هما المذكوران في «الصافات» القائل ~~أحدهما للآخر {قال تالله إن كدت لتردين} (56) [الصافات: 56]. # {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} (47) ~~[الكهف: 47]، هذا من مقدمات الساعة، وهو ممكن غير أنه بعيد في قوة البشر، ~~وإن أردت تقريبه فانظر إلى الغمام المطبق للفضاء كيف يسير، وهو كالجبال أو ~~قريب منها. # {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} (47) ~~[الكهف: 47] الآيتين، إخبار بالحشر والعرض على الله-عز وجل-واجب الوقوع؛ إذ ~~كان خبر معصوم من الكذب. # {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا} (49) [الكهف: 49]، فيه الحساب والمقابلة بصحائف الأعمال ~~أخذا باليمين والشمال {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} [الكهف: 49] قيل: هما ~~التبسم والضحك، وقيل: الذنب الصغير كالكذبة والكبير كالقذف. # {إلا أحصاها} [الكهف: 49] أي تحريره وضبطه {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا} (49) [الكهف: 49] يحتج به المعتزلة، وحجتهم منه وجوابها ~~معروف كما سبق، وهذه جملة من أحكام اليوم الآخر يجب تسليمها والإيمان بها، ~~لأنها ممكن أخبر به الصادق، وكل ما كان كذلك فهو واجب الوقوع، يجب الإيمان ~~به. PageV01P412 # أحدها قوله: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين} (12) [الأعراف: 12] مع قوله-عز وجل- {والجان خلقناه من ~~قبل من نار السموم} (27) [الحجر: 27]، {وخلق الجان من مارج من نار} (15) ~~[الرحمن: 15] مع قوله صلى الله عليه وسلم: «خلقت الملائكة من نور» (1) وهذا ms367 ~~يقتضي أنه من الجن الناريين، لا من الملائكة النوريين: [278/ل]. # الثاني: أن إبليس له ذرية بدليل {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ~~وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} (50) [الكهف: 50] والملائكة لا ذرية لهم، ~~فإبليس ليس من الملائكة، والقول بأنه منهم لكنه لما أبليس تجدد له النسل؛ ضعيف. # الثالث: أن قوله-عز وجل-: {كان من الجن ففسق} شبيه بالتعليل لفسقه بكون ~~من الجن، من باب اقتران الحكم بالوصف المناسب، وهو يقتضي أن الفسق غالب على ~~الجن أو كثير جدا/ [131 أ/م] حتى كأنهم علة مناسبة لوجوده، وليس أحد من ~~الملائكة كذلك. # الرابع: قول الملائكة: {قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون} (41) [سبأ: 41] يقتضي أن الجن غير جنس الملائكة، ~~وإلا لكانوا قد أحالوا بالذنب على أنفسهم، وهو خلف من الاعتذار. # الخامس: أن الجن عند إطلاقهم يبادر الذهن إلى غير الملائكة، وهم الجن ~~الناريون، وهو دليل الحقيقة المرادة. # {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} (53) ~~[الكهف: 53] أي: علموا وتيقنوا، وهو من استعمال الظن في موضع اليقين ~~بقرينة. # {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} ~~(54) [الكهف: 54] هذا ذم للجدل لا مطلقا، بل إذا عاند الحق؛ لأن الكافر ضرب ~~له أمثال الحق، ونظمت له براهين الصدق، فعاند وجادل بالباطل ليدحض به الحق ~~{يجادلونك في} PageV01P413 # {الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} (6) [الأنفال: 6]. # {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا} (57) [الكهف: 57] سبق نظيرها في (سبحان). # {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا} (57) [الكهف: 57] لما صرفوا به عن اتباع ms368 الحق، مما خلق في قلوبهم من ~~دواعي الضلال والصوارف عن الهدى. # {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ~~أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} (63) [الكهف: 63] يعني الحوت، {قال ~~ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} (64) [الكهف: 64] يستدل به على ~~كون العلة الشرعية عدمية بطريق أولى؛ إذ كان ذهاب الحوت وانعدامه من حيث ~~فقدانه علامة على وجود الخضر الذي طلباه. # {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} (65) ~~[الكهف: 65] أي: من عندنا، وهذا هو متعلق الصوفية وأهل السلوك في إثبات ~~العلم اللدني، نسبة إلى {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما} (65) [الكهف: 65] وهو إلهام المعرفة بالحقائق ~~الغيبية وغيرها، ثم إن العلم اللدني إذا تقدمها استعداد بالعلوم النظرية ~~أقوى مما إذا ورد على النفس غير مستعدة، والخضر- عليه السلام-كان قد تقدم ~~له استعداد بذلك على ما حكي في قصته ومبدأ أمره، فلهذا كان علمه اللدني ~~عالي الطبقة بحيث صلح به أن يكون معلما لموسى الكليم-عليه السلام. فإن قيل: ~~سائر علوم الناس من لدن الله-عز وجل-وعنده؛ فما وجه تخصيص بعض العلوم/ ~~[279/ل] باللدني؟ قلنا: اللدنية والعندية متفاوتة في مراتب الخصوص، فهذا ~~العلم اللدني خاص، ألا ترى أن السلطان يعطي جنده وحاشيته ورعيته، ويخلع ~~عليهم على مراتبهم من الصوف إلى ثياب الذهب والجميع من عنده وخزانته، فكذلك ~~هاهنا. PageV01P414 # {قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} (66) [الكهف: # 66] فيه استحباب طلب العلم حتى للعالم زيادة على ما عنده والسفر في طلبه ~~وسؤال المشايخ الصحبة لذلك، اقتداء بموسى عليه السلام. # {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} (67) [الكهف: 67] الآيتين، فيه جواز ~~الإعراض عن صحبة المريد والتلميذ إذا علم أن الطريق صعب عليه، وطي الأسرار ~~عنه لذلك والاقتصار به/ [131 ب/م] على ما يطيق من ذلك الطريق، اقتداء ~~بالخضر، وهو من سياسة المشايخ والعلماء للمريدين والطلبة. وفي الأثر. ~~«حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (1). # {قال ستجدني ms369 إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} (69) [الكهف: 69] فيه ~~استحباب تعليق الأمور المطلوبة والأراجي ونحوها بالمشيئة، احترازا من ~~التالي المكذب اقتداء بموسى-عليه السلام-وبما سبق في أوائل السورة. # فإن قيل: موسى علق صبره على المشيئة ولم يصبر، وسليمان ترك التعليق في ~~رجاء حصول الأولاد للجهاد فلم يحصلوا؛ فقد استوى التعليق وعدمه، فما ~~فائدته؟ وجوابه: أن التعليق بالمشيئة ليس موجبا لحصول المطلوب، كيف وأن ~~مقتضاه الترديد بين أن يشاء الله فيفعل أو لا يشاء فلا يفعل؟ وإنما فائدته ~~أن الإنسان إذا تأدب مع الله-عز وجل- بتعليق الأمور بمشيئته وتقييدها ~~بإرادته، كان أجدر بحصول مراده وأمنيته، على أنا لا نسلم أن موسى لم يحصل ~~له ما علق على المشيئة، فإنه كان نبيا ذا كتاب وشريعة، وهو إمام عدل وحق ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنه لما رأى الخضر قد خرق سفينة قوم ~~مساكين، وقتل غلاما لم يبلغ الحلم أخذ برجل الخضر ليلقيه في البحر فيقتله ~~بالغلام، فلولا أن الله-عز وجل-ثبته وصبره لكان قد أمضى ما هم به من قتل ~~الخضر كما قتل القبطي بوكزه، فالصبر المهم قد حصل وأفاد تعليقه بالمشيئة، ~~ولعله لولا ذلك لم يصبر ولكان قد قتل الخضر. # {قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} (70) [الكهف: # 70] فيه استحباب تأديب المشايخ للمريدين بالوصايا الحسنة من ترك الاعتراض ~~ونحوه، PageV01P415 # والتزام المريد ذلك إذا وثق بحسن طريق الشيخ وسلوكه لمقتضى وصية الخضر، ~~[280/ل] وفيه وفيما بعد جواز الاعتراض على المشايخ فيما يخالف ظاهر الشرع ~~ممن له ذلك من أولي الأمر العام اقتداء بموسى، وأن فاعل ما يخالف ظاهر ~~الشرع إذا ادعى أن ذلك جائز في العلم الباطن ونحوه، لا يسمع منه إلا بدليل ~~شرعي قاطع كالنص على الخضر. # {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} (72) [الكهف: 72] فيه تقريع المريد ~~وتذكيره بما يقوي همته على الصبر على صعوبة السلوك؛ لأن ذلك أجدر بالوصول. # {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} (73) [الكهف: 73] فيه ~~أن الناسي معذور، وأنه ms370 ينبغي مسامحته إذ هو غير منتهك للحرمة، ومن ثم ورد ~~شرعنا بالعفو عنه وأنه غير مكلف. # {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا} (74) [الكهف: 74] إشارة من موسى إلى ما كان عنده في التوراة أن/ ~~[132 أ/م] النفس بالنفس إلى قوله-عز وجل-: {من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن ~~كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} (32) [المائدة: 32] وأن موسى كان ~~يتبع نصوص كتابه عاملا بها. # {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} (77) [الكهف: ~~77] هذا تعريض من موسى بالاعتراض والإنكار؛ إذ كان قد التزم له تركه وألا ~~يصاحبه إن عاوده {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا} (78) [الكهف: 78] وذلك فيه ترتيب أحكام التصريح على التعريض إذا أفهم ~~معناه بقرينة؛ لأن الخضر رتب على تعريض موسى بالإنكار من مفارقته ما كان ~~التزمه له بالتصريح به. # {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} (78) ~~[الكهف: 78] فيه استحباب التبرؤ من التهم وإقامة الأعذار بكشف الأسرار. PageV01P416 # {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا} (79) [الكهف: 79] قيل كان خلفهم يطلبهم، وقيل: ~~قدامهم مرصدا لهم، و «وراء» مشترك بينهما؛ لأنه مشتق من المواراة، وكلا ~~الجهتين يحصل ذلك منه. # {* وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا} (99) ~~[الكهف: 99] فيه إثباته وقد سبق في «الأنعام». # {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} (101) ~~[الكهف: 101] فيه وجوب النظر والاستدلال؛ لأنه ذمهم على تركه بما خلقه فيهم ~~من الصارف عنه، إذ معناه كانت أعين رءوسهم وقلوبهم معرضة عن النظر في ~~ملكوتي ليذكروا بذلك وجودي وجبروتي. # {أولم ms371 ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} (185) [الأعراف: 185]. # ولا يجوز حمل الذكر على اللساني؛ لأنه ليس بالأعين، {الذين كانت أعينهم ~~في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} (101) [الكهف: 101]. # مثل {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} (20) [هود: # 20]. # {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا} (102) [الكهف: 102]. # أي: وأسكت عنهم ولا أعاقبهم، هذا لا يكون، وفيه تعظيم الشرك قبحا ~~والتوحيد حسنا، وهو مثل {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} (48) [النساء: 48]. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا} (107) # [الكهف: 107] فيه إثبات الجنة والمعاد والنعيم/ [281/ل] الجسمانيين كما ~~مر. PageV01P417 # {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو ~~جئنا بمثله مددا} (109) [الكهف: 109] يستدل بها من رأى قدم القرآن؛ لأنها ~~اقتضت أن كلماته-عز وجل-لا تفنى ولا تنفد، وما كان كذلك فهو قديم، واعترض ~~عليه بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، فإنهما لا ينفدان وهما حادثان، ~~وربما فرق بأن نعيم الجنة لا ينفد من طرف لا يزال وهو الأبد، والكلمات لا ~~تنفد من الطرفين، لا تزال ولم تزل وهو الأزل، وهذا الفرق عين محل النزاع. # {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (110) [الكهف: 110] هذا ~~حصر له في البشرية، باعتبار من نازعه في النبوة، وسأله الآيات عنادا ~~ونحوهم، وأما باعتبار نفسه من حيث هو فلا ينحصر في وصف البشرية إذ له صفات/ ~~[132 ب/م] أخر ككونه جسما، حيا، متحركا، بشيرا نذيرا، نبيا رسولا وغير ذلك، ~~والحصر يأتي على ضربين: مطلقا باعتبار جميع الجهات، ومقيدا باعتبار بعضها ~~كما في ms372 هذه الآية، وهذه من مسائل المفهوم الحصري. # {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} [الكهف: 110] ~~إثبات للتوحيد {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا} (110) [الكهف: 110] يحتج به على الرؤية كما سبق. # ... PageV01P418 ### | AUTO القول في سورة مريم # {وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا} [مريم: 5] اعترض به ~~الشيعة على الحديث الصحيح المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنا ~~معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» (1) قالوا: لأن زكريا نبي وقد سأل ~~أن يوهب له وارث فوهب له يحيى، فورثه، وهو يقتضي أن الأنبياء يورثون فيكون ~~الحديث المذكور متروكا لوجوه: # أحدها: أنه خبر واحد وهو عندهم غير معتبر. # الثاني: أنه على خلاف نص القرآن القاطع فلا يقبل. # الثالث: أن العباس وعليا وفاطمة نازعوا أبا بكر في روايته إياه كما ثبت ~~في الصحيحين. # الرابع: أنه متناقض في نفسه، لأنه ثبت في الصحيح أن عليا والعباس سمعاه ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنهما مع ذلك جاءا يطلبان الإرث من أبي ~~بكر، ولو كانا سمعا لما طلباه من أبي بكر، ثم من عمر بعده، إذ كان معنى ذلك ~~منهما حينئذ أعطونا إرث من لا يورث، وهو خلف من القول، لا ينسب إلى رعاة ~~الإبل، فضلا عن العباس وعلي في علمهما وفضلهما وسؤددهما. # وأجاب الجمهور عن الأول: خبر/ [282/ل] الواحد عندنا حجة، وعن الثاني بأن ~~زكريا إنما ورث العلم لا المال، فلا يكون الخبر مخالفا للنص، وعن الثالث: ~~لا نسلم أنهم نازعوا أبا بكر-رضي الله عنه-سلمناه لكنهم نازعوه أولا لعدم ~~علمهم بالخبر، فلما أثبته لهم بكثرة من رواه من الصحابة كعمر، وعثمان، ~~وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وأبي هريرة، وعائشة-رضوان الله عليهم-قبلوه ~~وسلموا له، وعن الرابع: بأنهما نسيا الرواية فلما ذكرا ذكرا فتركا المطالبة ~~وحينئذ لا تناقض. # ويشكل على هذا أنه لو كان كذلك لما كررت فاطمة مطالبة أبي بكر مرارا، ~~ولما طلبه العباس وعلى عمر بعد أبي بكر، ثم لما منعهما ms373 واحتج عليهما ~~بالحديث رأياه [كاذبا آثما] كما رواه مسلم من حديث مالك بن أوس بن الحدثان ~~البصري. # {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا} (7) [مريم: ~~7] يحتج به من رأى الاسم المسمى مع قوله بعد {يا يحيى خذ الكتاب بقوة ~~وآتيناه الحكم صبيا} [مريم: 12] فنادى الاسم فدل على/ [133 أ/م] أنه PageV01P419 # المسمى، ولا حجة فيه كما سبق، ومعناه يا أيها الشخص المسمى يحيى ونحوه. # {قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} (9) [مريم: ~~9] يحتج به من رأى المعدوم ليس بشيء؛ لأنه أخبر أن زكريا قبل وجوده لم يك ~~شيئا، وهو حينئذ معدوم، فلو كان المعدوم شيئا لما صح هذا الخبر، وأجاب ~~المعتزلة: بأن معناه لم تك شيئا مذكورا، كما صرح به في موضع آخر، فالمنفي ~~هو المذكورية لا الشيئية، وبعض المعتزلة لم يقتصر على أن المعدوم شيء، بل ~~زعم أنه ذات وجوهر وعرض، وكأنهم زعموا ذلك من قبل أن صدور الموجودات عن عدم ~~محض لا يعقل، فأثبتوا في العدم شيئا يكون مادة للموجودات، وتخيلوا أن ~~المعدومات في بحر العدم كالجواهر في قعر البحر متقررة في ذواتها، وإن غابت ~~عن الحس، وهي نزعة فلسفية تلقوها عن الفلاسفة في إثباتهم قدم الهيولي وهى ~~المادة الإمكانية، ولو كان المعدوم شيئا لكان الموجود لا شيء، أو لاستوى ~~الموجود والمعدوم في الشيئية وإنه محال. # {قال رب اجعل لي آية} [مريم: 10] أي: على وجود الولد {قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا} (10) [مريم: 10] هذه علامة عدمية، وهي نفي الكلام ~~على أمر وجودي، وهو وجود الولد، فيحتج به على جعل علة الحكم الشرعي أمرا ~~عدميا على الأصح فيه؛ لأن علل الشرع أمارات ومعرفات لا موجبات ومؤثرات. # {فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} (17) [مريم: # 17] قيل هو جبريل، وقيل: روح القدس الذي أيد به عيسى، دخل بطنها فتكون ~~منه المسيح، وبذلك ضلت النصارى حيث اشتبه عليهم/ [283/ل] الملك بالإله، ~~وإضافة الروح إلى ms374 الله-عز وجل-إضافة تشريف كما سبق. # {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} (29) [مريم: 29] ~~العادة اطردت بأن مثل هذا لا يتكلم {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا} (30) [مريم: 30] اعتراف بالعبودية خلافا للنصارى، وربما موهوا بأنه ~~عبد بناسوته دون لاهوته كما سبق من قولهم وهو تمحل. # {وجعلني نبيا} (30) [مريم: 30] رد على اليهود حيث أنكروا نبوته. PageV01P420 # قال [يحيى؛ تبرئة وتنزيها لمريم عما رميت به من السوء، وكان كلامه هذا ~~معجزا خارقا] للعادة آمن به من آمن وكفر به من كفر. # {ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} ~~(35) [مريم: 35] أي يمتنع ويستحيل عليه لما مر {ما كان لله أن يتخذ من ولد ~~سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (35) [مريم: 35] إشارة إلى أن ~~عيسى مخلوق له لا ولد، وفى هذا إشارة/ [133 ب/م] إلى أن الولادة تنافي ~~الخالقية بحيث إن الوالد لا يخلق الولد؛ لأنه نفى الولدية وأثبت الخالقية، ~~فلو جاز اجتماعهما لما قامت الحجة لاحتمال أنه ولده وخلقه {وإن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} (36) [مريم: 36] هذا حكاية قول المسيح، وهو ~~تصريح منه بالعبودية والمربوبية كما سبق. # {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} (36) [مريم: 36] يعني طريق ~~التوحيد {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا} (42) [مريم: 42] يحتج به على إثبات السمع والبصر لله-عز وجل-لأنه ~~أنكر على أبيه عبادة من لا يسمع ولا يبصر، وعرض له بعبادة من يسمع ويبصر هو ~~الله-عز وجل. # واعلم أن المثبت لله-عز وجل-صفتا السمع والبصر وأنه {ذلك بأن الله يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير} (61) [الحج: ~~61] يسمع ويبصر لا إثبات الجارحة كالعين والأذن، والإنسان إنما يسمع ويبصر ~~بقوة السمع والبصر لا بالأذن والعين، بل هما محل لتلك القوة، فنظير تلك ~~القوة في حق الله-عز وجل- نسميها صفة له، وهي مجردة من غير جارحة. # {يا أبت إني قد ms375 جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا} (43) ~~[مريم: 43] فيه جواز بل وجوب تقليد العامي للعالم الثقة الأمين. PageV01P421 # يقال: بل عذب فعصى، ما سبق من قول القائل: وقع فلان فمات، فقيل: بل مات فوقع. # ولعلك تنكر أن تعلق العلم بشيء موجب له فقد سبق أن الإرادة والقدرة لا ~~يتعلقان إلا بما يتعلق/ [284/ل] به العلم، ومجموع هذه التعلقات موجبة لوقوع ~~متعلقها. # {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} (47) [مريم: 47] هذا وعد ~~بالاستغفار وفى به في قوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} (86) ~~[الشعراء: 86] فلما أصر أبوه وتبين إبراهيم أنه عدو لله تبرأ منه كما سبق. # {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} (53) [مريم: 53] وسماه في موضع ~~آخر وزيرا وفى موضع رسولا، وكان جامعا للصفات الثلاث، ولكن موسى كان في ~~الدعوة أشهر منه. # {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا} (58) [مريم: 58] هل يجوز أن يكون هذا تفسيرا للمنعم عليهم ~~من النبيين في سورة «النساء» في قوله-عز وجل-: {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} (69) [النساء: 69] أم هؤلاء أعم وأكثر لتناولهم جميع ~~النبيين، والذين في سورة مريم/ [134 أ/م] جماعة منهم؟ فيه نظر. # {جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا} (61) [مريم: ~~61] إشارة إلى أن النافع هو الإيمان بالغيب إذا العيان لا يكابر، ألا تراه يقول: # «عباده» وهو وصف مدح اقترن بالإيمان بالغيب اللازم عن وعده بالجنات ~~وتصديقهم له وهو يقتضي تعليل مدحهم بإيمانهم الغيبي. # {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} (62) [مريم: ~~62] استثناء منقطع، إذا السلام ليس من جنس اللغو، والاستثناء أحد المخصصات ~~للعموم، وهو متصل ومنقطع؛ فالمتصل ما كان من الجنس، والمنقطع خلافه. هذا ~~المتداول، وله تفسير آخر يأتي إن شاء الله-عز وجل-ذكره في آخر ms376 الدخان. PageV01P422 # {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} (62) [مريم: # 62] يحتج به من رأى أن في الجنة ليلا ونهارا، ومن أنكره احتج بقوله-عز وجل-: # {متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} (13) [الإنسان: ~~13] أي: ولا قمرا، وهما المصححان لوجود الليل والنهار، فإذا انتفيا انتفيا ~~لانتفاء الشيء بانتفاء علته. # وتأول هذه على معنى: أن رزقهم يأتيهم عند حاجتهم إليه في وقت هو نظير ~~البكرة والعشي في الدنيا. # {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا} (64) [مريم: 64] يحتج به الجمهور على إثبات زمن الحال، إذا هو ~~المراد ب {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ~~وما كان ربك نسيا} (64) [مريم: 64] ويقول الشاعر: # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم # خلافا للفلاسفة، فإنهم قالوا: الزمان إما منقض وهو الماضي، أو غير منقض/ ~~[285/ل] وهو المستقبل، ولا حال. ورد بأن غير المنقضي إما حاضر وهو الحال، ~~أو منتظر وهو المستقبل. وقالوا أيضا: الزمان إما منتظر وهو المستقبل أو لا ~~وهو الماضي، ورد بأن غير المنتظر إما حاضر وهو الحال، أو منقض وهو الماضي، ~~وحجتهم المعتمدة أن الزمان حقيقة سيالة لا تستقر، فكل ما ادعيتموه حالا ورد ~~عليه التقسيم إلى ماض ومستقبل وحال، ويلزم منه تسلسل الأحوال، وانقسام ~~الحال إلى الماضي والمستقبل، وإنه محال. # والمسألة مبنية على الجوهر الفرد، من أثبته أثبت الحال، ومن لا فلا، ومن ~~حجج النحاة أن العرب وضعت لفعل الحال صيغة، كما وضعت لطرفيه، ونصت على ~~الحال بالآن، كما أخلصت المستقبل بالسين، وسوف، وزعم بعضهم أن «يفعل» مشترك ~~بين الحال والمستقبل، وكل ذلك يدل على أنهم تصوروا الحال وعقلوا إمكانه ~~بالضرورة، حتى وضعوا له. # وأجيب بأن ذلك حال تقريبا لا تحقيقا، واحتج/ [134 ب/م] مثبتو الحال بأن ~~منكر الحال حال إنكاره إما أن يكون في زمن ماض، أو مستقبل وهو محال، وإلا ~~لزم ms377 عدمه بعد الماضي، أو أنه لم يوجد بعد تبعا للمستقبل، فتعين أنه في زمن ~~بينهما وهو الحال، وهذه قوية لا مخلص للفلاسفة منها. PageV01P423 # {ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا} (66) [مريم: 66] هذا إنكار ~~للبعث، وجوابه: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} (67) [مريم: # 67] أي: كما ابتدأناه عن عدم نوجده، ولو عن عدم، وهو قياس الإعادة على ~~الابتداء. # {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} (71) [مريم: 71] يعني ~~النار يمر الناس على الصراط وهو كالجسر مقنطر عليها؛ فالمتقي ناج، وغيره ~~هاو فيها. # {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا} (75) [مريم: # 75]، يحتج بها المعتزلة، إذ نسب الكون في الضلالة إلى الضال، ويجاب بأن ~~الكون فيها أعم من أن يكون بفعله أو بخلق الله-عز وجل-وجبره إياه، والعام ~~لا يدل على الخاص، وكذا الجواب عن قوله-عز وجل-: {ويزيد الله الذين اهتدوا ~~هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا} (76) [مريم: # 76] ثم يحتج به من رأى الإيمان يقبل الزيادة والنقصان، لأن الهدى هو ~~الإيمان. # {أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا} (78) [مريم: 78] استدلال بالسبر ~~والتقسيم كما مر في {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} (59) [يونس: 59]. {وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا} (92) [مريم: 92] هذا وما قبله وبعده دال/ [286/ل] على ~~استحالة الولد لله-عز وجل-ومنافاة الولدية للملكية، واستعظام هذا القول ~~جدا، وقد سبق جميع ذلك. # ... PageV01P424 ### | AUTO القول في سورة طه # {الرحمن على العرش استوى} (5) [طه: 5] سبق القول فيه. # {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} (8) [طه: 8]-سبق أيضا. # {إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى} (15) [طه: 15] أي: ~~عن نفسي فكيف أظهرها للخلق، وهو معنى {يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل ~~إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا ~~تأتيكم ms378 إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} (187) [الأعراف: 187] {إن الله عنده علم الساعة وينزل ~~الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت إن الله عليم خبير} (34) [لقمان: 34]. # {وما تلك بيمينك يا موسى} (17) [طه: 17] سؤال تأنيس، {قال هي عصاي أتوكؤا ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} (18) [طه: 18] هذا جواب ~~السؤال، وباقي كلامه زائد على الجواب المطابق استئناسا من موسى، ويستدل به ~~على الجواب بأكثر مما سئل عنه لفائدة، إما الاستئناس كما هاهنا، أو زيادة ~~فائدة وتمهيد فاعدة، كقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن البحر «هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته» (1). # {فألقاها فإذا هي حية تسعى} (20) [طه: 20] الآيتين، هذا من المعجزات ~~النبوية، وتوجيهه عن المتكلمين أنه يخلق الحياة فيها إذا شاء ويسلبها عنها ~~إذا شاء، وزعم بعضهم أنا العصا كانت من آس الجنة، وفيها حياة كامنة، إذا ~~أريد انقلابها حية ظهرت الحياة وكمنت الجمادية، وإذا أريد عودها عصا انعكس ~~ذلك، وهو بعيد، ولعله/ [135 أ/م] مأخوذ PageV01P425 # من قول أصحاب الكمون، عند الاستدلال على حدوث الأعراض، والفلاسفة ينكرون ~~قلب العصي حية، وصرح لي بعضهم بذلك، وجعل يتعجب من تصديقي به. # {واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه ~~في أمري} (32) [طه: 29 - 32] احتجت به الشيعة على أن عليا هو الإمام الحق ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرروه بأن هذا النص اقتضى أن هارون شريك ~~موسى في أمره، والحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: «أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» اقتضى إثبات المنازل الهارونية من موسى ~~لعلي من محمد صلى الله عليه وسلم إلا النبوة، ومن منازل هارون الشركة في ~~أمر موسى، فاقتضى مشاركة علي لمحمد في أمره، ثم النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانت له النبوة والإمامة، وقد استثنى النبوة عن مشاركة علي فيها، فوجب أن ~~يكون شريكه في ms379 الإمامة»، لكن قام الدليل وانعقد الإجماع على أنه لم يكن ~~شريكه فيها حال حياته، فوجب أن يبقى مقتضى الحديث فيها بعد وفاته؛ لزوال ~~المانع، ثم أكدوا ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن عليا مني وأنا منه، ~~وهو ولي كل مؤمن بعدي» رواه أحمد في المسند من حديث عمران بن/ [287/ل] ~~حصين، وفى كتاب فضائل علي من حديث بريدة بن الحصيب «وهو وليكم بعدي». # {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (50) [طه: 50] أي خلقته وبنيته ~~{قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (50) [طه: 50] إما بعقل كالعقلاء، ~~أو بإلهام كغيرهم، كالنحل في بناء بيوتها، والعنكبوت في نسجه، وغيرهما. # {قال فما بال القرون الأولى} (51) [طه: 51] هذا إشارة من فرعون إلى إنكار ~~البعث والقول بالدهر، فأجابه موسى بإثبات البعث بقوله: {وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن وقربناه نجيا} (52) [مريم: 52] أي: يعلم تلك القرون علم ضبط، ~~ثم إذا جاء وقت إعادتها أعادها، وبدليل البعث وهو قوله: {الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى} (53) [طه: 53] أي يخرجهم من الأرض كما يخرج منها النبات، وهو ~~الدليل العام على البعث في القرآن، وقد سبق وسيأتي إن شاء الله عز وجل. PageV01P426 # [طه: 66] يحتج به من يرى السحر خيالا لا حقيقة له، لقوله: {يخيل إليه، } ~~المشهور والمشهور أن له حقيقة في الخارج؛ لأنه يقتل، ولا شيء مما يقتل ~~بخيال، أو لا حقيقة له، وقد أوجب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد ~~القصاص في القتل بالسحر عمدا، ولولا أن له حقيقة لما فعلوا، وقد يقال: إن ~~الخيال/ [135 ب/م] والوهم قد يغلبان فيقتلان ولا حقيقة لهما خارجية، ويجاب ~~بأن القتل أثر وجودي خارجي، والأثر الوجودي استحال أن يكون مؤثره عدميا ~~لاستحالة تأثير العدم في الوجود. # {فأوجس في نفسه خيفة موسى} (67) [طه: 67] قيل: خاف أن يفتتن الناظرون ~~بذلك السحر، ويلتبس الأمر عليهم فلا يتبين الحق أو لا يتمحض، وقيل: لما ~~أراد السحرة الإلقاء سمع موسى ms380 هاتفا يقول: ألقوا يا أولياء الله، فخاف أن ~~يكون ممكورا به، وأن العناية [بخصمه] دونه، وإنما سموا أولياء الله باعتبار ~~مآل حالهم كما وقع. # {وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى} (69) [طه: 69] خبر وحكم عام بعدم فلاحه في الدنيا والآخرة ما لم ~~يتب، ومن ثم كان الساحر شبيها بالشيطان خاسئا [مذموما] مدحورا قبيح السمعة ~~سيئ الحالة والقالة. # {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى} (71) [طه: 71] قيل: أي: على جذوع النخل، وقيل: هي ظرفية على أصلها ~~لتمكن المصلوب على الجذع تمكن المظروف على الظرف. # {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى} (77) [طه: 77] وهو من معجزاته، ضرب البحر بعصاه ~~فامتنع، فأوحي إليه أن أكنه، فكناه، وقال: انفلق أبا خالد، وهى كنية البحر، ~~{فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} ~~(63) [الشعراء: 63] وظهرت أرض البحر يابسة ويعايا بها، فيقال: ما أرض لم تر ~~الشمس إلا مرة واحدة؟ ! وهي هذه. PageV01P427 # {فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم} (78) [طه: 78] هذه من ~~الإشارات/ [288/ل] جوامع الكلم. # {وأضل فرعون قومه وما هدى} (79) [طه: 79] بالكسب والتسبب، عند الجمهور، ~~وبخلق الضلال عند المعتزلة، و {وأضل فرعون قومه وما هدى} (79) [طه: 79] ~~يحتمل أنه تأكيد لمعني {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} ~~(85) [طه: 85]، ويحتمل أن «أضل» لما كان في سياق الإثبات كان مطلقا لا عموم ~~له، يصدق بمرة واحدة بين إرادة العموم منه بعموم لازمه، وهو سلب الهداية، ~~إذ الضلال يلزمه عدم الهدى. # {قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى} (84) [طه: 84] يستفاد منه ~~أن الأمر للفور؛ لأن موسى كان مأمورا بالسعي لميقات ربه، ثم إنه علل عجلته ~~برضى ربه، وجعلها سببا له، وإذا كانت الفورية في امتثال الأمر سببا للرضى، ~~كان ms381 التراخي سببا للغضب عملا بموجب قياس العكس، وغضب الله-عز وجل-واجب ~~الاجتناب، ورضاه واجب التحصيل، وسببه فورية الامتثال، وسبب الواجب واجب، ~~ففورية الامتثال واجبة، وهو المطلوب. # {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} (85) [طه: 85] يحتج به ~~الجمهور لإضافة الله-عز وجل-فتنتهم إلى نفسه، وربما أجيب بأن الفتنة هاهنا ~~الاختبار لا الضلال، اختبرهم فلم يثبتوا على محك الامتحان. # {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} (85) [طه: 85] يحتج به ~~المعتزلة لإضافة الضلال/ [136 أ/م] إلى السامري، ويجاب عنه بأنه أضيف إليه ~~باعتبار التسبب والكسب، وقد سبق في «الأعراف» أن موسى قال: «يا رب هذا ~~السامري صاغ العجل فمن أنطقه؟ » قال: أنا، قال: فما فتن قومي إلا أنت {إن ~~هي إلا فتنتك} [الأعراف: 155]، قال: أحسنت يا حكيم الحكماء. PageV01P428 # جمعا كثيرا من بني إسرائيل أدركوا بفطرتهم أن هذا هو الإله وهم كانوا أهل ~~التحقيق والمعرفة منهم. # وأجيب بأن قبل هذا وبعده ما يقطع ببطلانه، وهو قوله-عز وجل- {قال فإنا قد ~~فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} (85) [طه: 85] فجعل ذلك فتنة ضلالا، وهو ~~قول هارون لهم {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} (90) [طه: 90] وانتظم الدليل هكذا: الرحمن ~~ربكم، والعجل ليس بربكم، ينتج أن الرحمن ليس هو العجل، وأن العجل ليس هو ~~الرحمن، ولو صح ما زعمه الاتحادية لكان عبدة العجل المتوعدون بالغضب والذلة ~~أعرف بالله-عز وجل-من موسى وهارون، وأنه محال. # {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} (89) [طه: # 89] يستدل به الصوفية على أن الله-عز وجل-متكلم بحرف وصوت؛ لأن دل/ ~~[289/ل] من باب قياس العكس على أن الله-عز وجل-متصف بأنه يرجع إليهم القول ~~لو شاء، وحقيقة ذلك المتعارفة المتبادر إليها الفهم هو القول بحرف وصوت، ~~وأجاب الخصم بأن حاصل هذا أنه استدلال بالمفهوم، وهو ضعيف وإنما سلب النطق ~~والكلام عن العجل، وذلك لا يقتضي إثباته لله-عز وجل-إلا بطريق المفهوم، ودل ~~على التوحيد بنفي الضر والنفع، عن غير الله-عز وجل-ونظمه ms382 هكذا: الإله يملك ~~الضر والنفع، والعجل غيره لا يملك الضر والنفع، فالإله ليس هو العجل، ~~فالعجل ليس هو الإله. # {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري} (90) [طه: 90] فيه أن الطاعة موافقة الأمر {ألا ~~تتبعن أفعصيت أمري} (93) [طه: 93] يفيد أن المعصية مخالفة الأمر لا ~~الإرادة، خلافا لما يحكى عن المعتزلة. # وفيه أيضا أن الأمر على الوجوب والفور، أما الأولى فلعقاب موسى لهارون ~~بالأخذ بلحيته ورأسه على مخالفة أمره. وأما الثاني: فلقوله: {قال يا هارون ~~ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري} (93) [طه: 92، 93] وإذ ~~وقتية أي: ما منعك حين أو وقت ضلالهم من اتباعي لتخبرني، أو من سلوك طريقي ~~فيهم بالردع والمنع PageV01P429 # والجهاد، فعاقبه على تأخير اتباعه عن وقت ضلالهم/ [136 ب/م]، وأخبر أنه ~~بذلك عصى أمره. # {قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي} (94) [طه: 94] فيه جواز التصرف في الأحكام ~~والسياسات بحسن رعاية المصالح؛ لأن هارون حصل أعلى المصلحتين عنده، وهو جمع ~~بني إسرائيل وتأليفهم، ودفع أعظم المفسدين، وهو التفريق بينهم، وإن استلزم ~~ذلك مخالفة أمر أو ارتكاب نهي، وأن المتصرف بحسب المصلحة مؤديا للنصيحة ~~معذور، وأشار هارون بقوله: # {قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي} (94) [طه: 94] إلى قول موسى له {*وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه ~~هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} (142) [الأعراف: # 142] وللشيعة هاهنا كلام، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليا منه ~~منزلة هارون من موسى، وعلي هو الإمام الحق بعده صلى الله عليه وسلم ومقتضى ~~استخلافه أن يسوس الأمة بالأصلح فالأصلح، وأن يجمعها ولا يفرقها، فلما خرج ~~عليه، وغدر به رأى الأصلح جمع الكلمة، وعدمه الفرقة، فلذلك لم يجاهدهم ~~معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا ms383 لقيه يوم القيامة بما اعتذر به ~~هارون إلى موسى، وهو قوله: إني خشيت أن تقول: فرقت بين الأمة ولم ترقب ~~مقتضى استخلافي لك اعتبار السياسة بالأصلح فالأصلح. # ويجاب عن هذا بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن موسى كان/ [290/ل] منتظر ~~العودة، فأخر هارون الجهاد والإنكار حتى يعود فيرى رأيه، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم غير منتظر العودة إلى الدنيا، فقد كان الواجب على علي إن كان هو ~~الإمام الحق، كما زعمتم أن يجاهد بمن أطاعه، وإن قل من عصاه، وإن كثروا إن ~~كانوا كفارا أو بغاة كما قاتل الخوارج وأصحاب صفين والجمل، وإلا لكان تاركا ~~لواجب الجهاد، وهاهنا بحث من الطرفين يطول. PageV01P430 # الاختصاص بذلك قد يكون معجزا وكرامة لنبي أو ولي، وقد يكون فتنة ~~واستدراجا كما في السامري، وبلعام الذي قال فيه تعالى: {واتل عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} (175) ~~[الأعراف: 175] فلا ينبغي لأحد أن يغتر بما كوشف به من الأسرار والحقائق ~~لما ذكرنا، بل ينظر في حال نفسه، فإن كان موافقا للشرع رجا خيرا وخشي المكر ~~الخفي، وسوء العاقبة وإن كان مخالفا للشرع، فليحذر وليرتدع وليعلم أنه ~~ممكور به، ثم لا ييأس من اللطف والتدارك/ [137 أ/م] {يا بني اذهبوا فتحسسوا ~~من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون} (87) [يوسف: 87] والذي بصر به السامري هو أن جبريل-عليه السلام- ~~كان يوم أغرق فرعون وقومه على حجرة تسمى الحياة مهما وطأت شيئا تحرك حيا ~~تحت حافرها، فألهم أن تراب حافرها يفيد الجمادات حياة فلما صاغ العجل، وقد ~~كان أخذ من ذلك التراب شيئا ألقاه عليه فتحرك وخار، وصار عجلا جسدا له ~~خوار، فذلك معنى قوله: {قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول} (96) [طه: 96] أي: من أثر حافر فرس الرسول {فنبذتها} [طه: 96] أي: ~~على العجل لما صغته {وكذلك سولت لي نفسي} (96) [طه: 96] أي: ألهمت أو خطر ~~لي، فكان ذلك التراب إكسير الحياة (كإكسير) الذهب، ms384 ويحتج بهذا أصحاب ~~الكيمياء، لأن الجماد إذا جاز أن ينتقل إلى الحيوان بجوهر يضاف إليه، ~~فانتقاله إلى رتبة أخرى من رتب الجماد بجوهر يضاف إليه أولى بالجواز. # {قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه ~~وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا} (97) ~~[طه: 97]، إنما سمى العجل إلها باعتبار اعتقاد السامري وتهكما به، وأحرقه ~~ونسفه في البحر تحقيقا لما سبق من أنه لا يملك ضرا ولا نفعا لنفسه فكيف ~~لغيره؟ ! ويلزم ذلك أنه ليس بإله لما مر. PageV01P431 # [طه: 100]، فيه إيجاب الإيمان بالقرآن واتباعه بدليل الوعيد على الإعراض ~~عنه، وفيه/ [291/ل] وفيما بعده إثبات القيامة والصور والمحشر ونحوه من ~~أحكام اليوم الاخر. # {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث ~~لهم ذكرا} (113) [طه: 113] يحتج به من رأى أن لا معرب في القرآن، وهو ما ~~أصله أعجمي ثم عرب، وإلا لما كان جميع القرآن عربيا، وهو خلاف ظاهر الاية. # وأجيب بأن الاية عام مخصوص بما ثبت تعريبه: كالسجيل والقسطاس والمشكاة ~~ونحوه، أو عام أريد به الخاص، وهو أكثره، أي: وكذلك جعلنا أكثر القرآن ~~عربيا، أو لأن المعرب فيه استولى عليه لسان العرب فصار عربيا حقيقة أو ~~حكما، كما أن إبليس وإن كان من الجن غلب عليه حكم الملائكة، حتى تناوله ~~أمرهم بالسجود لادم، والشيء قد ينتقل عن حكمه الأصلي بالغلبة الطارئة عليه. # {فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ~~رب زدني علما} (114) [طه: 114] دليل على شرف العلم، وأنه إنما يحصل بتعليم ~~الله-عز وجل-كشفا أو إلهاما أو توفيقا لأسباب التعلم، وهذا من خواص العلم ~~على المال؛ إن العلم تحمد الزيادة منه. # {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} (115) [طه: 115] أي: ~~ترك العهد، وقيل: هو نسيان حقيقي، ورد بأنه لو كان كذلك لما عصي، ولا عوقب ~~لرفع حكم النسيان في موجب العدل. # {ولقد عهدنا إلى آدم من ms385 قبل فنسي ولم نجد له عزما} (115) [طه: 115] أي: ~~على رعاية العهد، وحفظه، كقوله: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: 102]. # {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} (117) ~~[طه: 117] إشارة إلى تحمل الرجل مؤونة المرأة، لتخصيصه بالشفاء دونها، ولم يقل: # فتشقيا، وهذا شبيه بدلالة المفهوم وهو اختصاص الشيء بالحكم لتخصيصه ~~بالذكر. # {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} (118) [طه: 118] قرن بينهما؛ لأن الجوع ~~عري الباطن وخلوه، كما أن عدم الثياب عري الظاهر. PageV01P432 # {وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى} (119) [طه: 119] لأن الضحى هو البروز ~~للشمس ظمأ الظاهر، والظمأ ضحى الباطن، بجامع لحوق الحرارة لهما. # {فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ~~آدم ربه فغوى} (121) [طه: 121] يحتج به من رأى أن الأنبياء غير معصومين من ~~الكبائر؛ لأن هذه كانت كبيرة من آدم، ولذلك سميت غيا، وهو الضلال، وعوقب ~~عليها بالإخراج من الجنة. # وأجيب بأن آدم حينئذ لم يكن نبيا، فهو في ذلك كبني يعقوب، فيما فعلوا، ~~وحينئذ الاية خارجة عن محل النزاع]. # {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (124) ~~[طه: 124] يحتج به على عذاب القبر، وتقريره أن للإنسان ثلاثة أحوال: # معاشه في الدنيا، ومعاده يوم الحشر، وما بينهما، وهو البرزخ وفى القبر، ~~وليس المراد بالمعيشة الضنك المعاش في الدنيا/ [292/ل]؛ لئلا يخالف الخبر ~~المخبر؛ إذ أكثر المعرضين عن الإيمان، والذكر في أوسع معيشة ولا معاده يوم ~~الحشر؛ لتعقيب المعيشة الضنك به، وهو دليل التغاير، فتعين أن المراد ما ~~بينهما، وهو في حاله القبر وسماه معيشة؛ لأنه لا يدرك عذاب القبر إلا وهو ~~حي، فهو يعيش عيشا نكدا فيه. PageV01P433 # به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) [طه: # 131] فيه تعليل تمتعهم بفتنتهم، وهو تعليل للفعل الإلهي، وإضافة الفتن ~~إلى الله-عز وجل-وقد سبق. # {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} ~~(133) [طه: 133] يعني أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في ms386 الكتب القديمة: ~~أنه نبي آية واضحة على نبوته كافية يعلمها أهل الكتاب، فيلزمهم بها الحجة، ~~ويخبرون بها المشركين فيحصل لهم العلم بذلك، فيلزمهم الحجة-أيضا-لكن أهل ~~الكتاب عاندوا وكتموا فلهذا كانوا / [138 أ/م] أشد جرما، وأعظم دركا. # {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} (134) [طه: 134] وهو نظير {رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما} ~~(165) [النساء: 165] ونظيرها في القصص. # ... PageV01P434 ### | AUTO القول في سورة الأنبياء # {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} (1) [الأنبياء: 1] هو كقوله: # {أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا} (51) [الإسراء: ~~51]، في أنه لا تحديد ولا تقدير فيه لمدة الساعة، بل هو تقريب إضافي. # {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} (2) [الأنبياء: ~~2] يحتج به من رأى خلق القرآن، لأن الذكر هاهنا هو القرآن بدليل {ما يأتيهم ~~من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} (2) [الأنبياء: 2] وقد وصفه ~~بالحدوث وأجيب بأنا لا نسلم أن الذكر هو القرآن بل هو الرسل بدليل # {لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون} (3) [الأنبياء: 3] {أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا ~~الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا ~~يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} (11) [الطلاق: 10، 11] و ~~{ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} (2) [الأنبياء: 2] ~~أي / [293/ل]: سمعوه أو استمعوا إليه، يقال: سمعت زيدا، استمعت إليه. # سلمنا أنه القرآن، لكن لا نسلم أنه وصفه بحدوث الوجود بل بحدوث النزول، ~~فهو محدث النزول قديم الوجود، وقد سبق فيه كلام من الطرفين. # {ما آمنت ms387 قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} (6) [الأنبياء: 6] أي: # أنا نريد هلاكهم فلا يؤمنون، كما لم يؤمن قبلهم الأمم الهالكة، وهذا حكم ~~منه بأنهم لا يؤمنون، وما ذاك إلا لما يعلم أن سيخلقه فيهم من الصوارف عن ~~الإيمان، ويحتج به الجبرية كما عرف من مذهبهم، واستدلالهم. PageV01P435 # {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون} (7) [الأنبياء: 7] هذا جواب لقولهم: {لاهية قلوبهم وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} (3) ~~[الأنبياء: 3] أي: فإرساله إليكم دون العكس، ترجيح بلا مرجح، وقد سبق القول فيه. # {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون} (19) [الأنبياء: 19] يحتج بظاهره من يرى أن الله-عز وجل-ليس في ~~السماوات ولا في الأرض، وإلا لكان {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون} (19) [الأنبياء: 19] تكرارا. # ويجاب: بأنه من باب عطف الخاص على العام، أو يريد ومن عنده في الملأ ~~الأعلى بين يدي العرش، وذلك فوق السماوات لا فيها ولا في الأرض، والإشارة ~~ب {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون} (19) [الأنبياء: 19] إلى الملائكة المقربين. # {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} (20) [الأنبياء: 20] يقتضي أنهم لا ~~ينامون لاستغراق التسبيح زمانهم ويقتضي أنهم زمانيون أي: يعمهم حقيقة ~~الزمان، وإذ جعل الليل والنهار ظرفا لتسبيحهم، وأنهم معصومون، إذ من لا ~~يفتر عنه الطاعة متى يتفرغ للمعصية. # قوله-عز وجل-: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} (21) [الأنبياء: # 21] أي: يبعثون الموتى، وهو استدلال على نفي الشريك، بأن الإله الحق هو ~~الذي ينشر الموتى، وسائر ما اتخذا إلها لا ينشر الموتى، فالإله الحق ليس هو ~~سائر ما اتخذ إلها، فما اتخذ إلها ليس هو الإله الحق. # {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} ~~(22) [الأنبياء: 22] هذا هو والدليل المشهور على التوحيد، ويسمى/ [138 ب/م] ~~دليل التمانع، وتقريره من وجهين: # أحدهما: لو كان مع الله إله غيره لفسد العالم، ms388 واللازم باطل فالملزوم ~~كذلك، بيان الملازمة: # أنه لو كان معه غيره، فليفرض أنهما اختلفا في الإرادة بأن أراد أحدهما ~~تحريك جسم أو PageV01P436 # إحياؤه، والاخر تسكينه أو إماتته، فإن تم مرادهما، اجتمع النقيضان أو ~~انتفى مرادهما، ارتفع النقيضان، أو تم مراد أحدهما فقط فهو الإله الحق دون ~~العاجز، فالإله الحق واحد. # فإن قيل: فرض اختلافهما محال، والمحال جاز أن/ [294/ل] يلزمه المحال، ~~ونحن إنما نثبتهما قديمين حكيمين لا يختلفان ولا يتناقضان ولا تتعلق إرادة ~~أحدهما بنقيض ولا ضد ما تتعلق به إرادة الاخر، فلا يلزم ما ذكرتم من ~~المحال. # قلنا: إن كان اتفاقهما في الإرادة على جهة المصانعة من كل منهما لصاحبه، ~~واتقاء الخلاف والمنافرة له، فهما عاجزان؛ إذ هذا شأن المصانع المداري، وإن ~~كان اتفاقهما لقدم إرادتهما بحيث لا تتعلق إرادة أحدهما بغير ما تعلق به ~~إرادة الاخر لزم إذا تعلقت إرادتهما بتحريك جسم في وقت بعينه أن تتعلق ~~قدرتهما أيضا بتحريكه لئلا تتناقض الإرادة والقدرة في متعلقهما، وهو محال، ~~وحينئذ يلزم توارد القدرتين القديمتين على مقدور واحد، والعلتان المستقلتان ~~على معلول واحد وأنه محال، وإنما قلنا: إن توارد مؤثرين مستقلين على أثر ~~واحد محال؛ لأن وجوده بكل واحد منهما يقتضي استغناءه عن الآخر، فلو وجد ~~[بهما جميعا] لاستغنى عنهما جميعا، فيكون موجودا بكل واحد منهما غير موجود ~~بواحد منهما وأنه محال. # الوجه الثاني: أنه لو كان ثم إلهان لكانا مشتركين في خلق العالم وللزم ~~العالم طاعتهما، فلو أمر أحدهما بشيء ونهى الآخر عنه، لم تتصور طاعتهما من ~~الجميع، وإن أطاع كل واحد بعض العالم دون بعض، أوشك أن يعاقب من عصاه وأطاع ~~الآخر، وأوشك الآخر أن يدافع عمن أطاعه، فيقع الحرب بينهما كسلطانين كل ~~منهما يدافع عن رعيته، وذلك يفضي إلى فساد العالم لاختلافهما كما تفسد ~~الرعية عند اختلاف ملوكها، واللازم باطل بما نراه من انتظام العالم، و [هذا ~~تقرير الشيخ محيي الدين بن العربي في بعض كتبه المختصرة]. # وأما الفلاسفة فاحتجوا على التوحيد بأنه لو كان في الوجود ms389 إلهان لكانا ~~قديمين، ولو كانا قديمين لاشتركا في وجوب الوجود، وامتاز كل منهما [بعين ~~ماهيته وبعينه وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيلزم أن يكون كل ~~منهما] مركبا مما به/ [139 أ/م] الاشتراك والامتياز، وهما الوجوب والتعين ~~فيلزم أن يكون القديم الواجب مركبا وأنه محال، واعترض عليه بجواز أن يكون ~~تعينهما أمرا عدميا وهو كون عين كل واحد منهما ليست غيرها والعدم لا يتركب ~~مع الوجود، فلا يلزم التركيب المنافي للوجوب، وهو سؤال قوي على دليلهم ~~فتبين أن الطريقة الجيدة الثابتة على محل النظر هي طريقة القرآن PageV01P437 # والتصرف في خلقه فلا يعترض عليه وهذه/ [295/ل] عمدة الجمهور في القدر ~~وإليها يرجعون ويسمونها آية الدبوس. # وعند النظر فيما قررناه من سر القدر يتبين أن الأمر واضح بالمعقول لا ~~بالدبوس. # {أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون} (24) [الأنبياء: 24] أي: طالبهم ~~بالدليل على إلهية آلهتهم فسيعجزون عن إقامته ثم قل: {أم اتخذوا من دونه ~~آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون ~~الحق فهم معرضون} (24) [الأنبياء: 24] أي احتج عليهم بإجماع الأنبياء ~~المتقدمين على التوحيد، وهو كقوله-عز وجل-: {وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} (45) [الزخرف: 45] وتقريره: أن ~~التوحيد مجمع عليه بين الرسل وكل مجمع عليه بين الرسل، فهو حق فالتوحيد حق ~~بيان الأولى قوله-عز وجل- بعد: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} (25) [الأنبياء: 25]. # بيان الثانية: أن الأنبياء معصومون جماعة وفرادى فلا يقولون إلا صدقا، ~~ولا يعتقدون إلا حقا. # {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} (26) [الأنبياء: 26] ~~يعنى قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه: {بل عباد مكرمون} (26) [الأنبياء: ~~26] أي: هم عباد مكرمون؛ فعباد، رد على من تألههم، ومكرمون: رد على من ~~تنقصهم، كاليهود حين استعدوا جبريل. # {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (27) [الأنبياء: 27] رد على من زعم ms390 ~~أن لهم تصرفا في العالم بالاستقلال فبين أنهم لا يفعلون شيئا إلا بإذنه-عز ~~وجل- وفيه من الأدب أن العبد والتلميذ والرعية والولد وكل ذي رتبة دنيا لا ~~يسابق من فوقه بالقول، بل يكون تبعا له في كلامه. # {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (27) [الأنبياء: 27] رد على من PageV01P438 # قدح في عصمتهم بمخالفة ونحوها. # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون} (28) [الأنبياء: 28] أي: ما قبلهم وبعدهم إشارة إلى أن لوجودهم ~~ابتداء وانتهاء ردا على من اعتقد قدمهم، وأنهم أزليون أبديون {يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} (28) ~~[الأنبياء: # 28] فيه إثبات الشفاعة لبعض الناس، وأن الملائكة تشفع لهم بإذن الله-عز ~~وجل-، وهم من خشيته مشفقون إشارة إلى أدبهم، وكمال خشيتهم التي هي سبب ~~عصمتهم؛ إذ العصمة هي اجتناب المعصية/ [139 ب/م] لكمال المعرفة، وكمال ~~المعرفة توجب الخشية، {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} (28) [فاطر: 28]. # {* ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} ~~(29) [الأنبياء: 29] تحتمل وجوها: أن على تقدير أن يقول ذلك منهم قائل ~~نعذبه، إشارة إلى تعظيم الشرك قبحا، وأنه-عز وجل-لا يحابي فيه أحدا حتى ~~أكرم الخلق عنده، وإن كان ذلك لا يقع منه لعصمتهم، لكنه مفروض. # الثاني: أن ذلك إشارة إلى/ [296/ل] إبليس على القول بأنه من الملائكة، ~~وأنه هم في نفسه بالمنازعة بالإلهية؛ فجوزي الخزي واللعنة. # الثالث: التنبيه على أن هذا القول جائز الوقوع منهم إشارة إلى أن عصمتهم ~~من وقوع المعصية، والكفر لا من جوازهما كما سبق في الأنبياء. PageV01P439 # أو تقريعا لهم على ترك ذلك وتقريره: أن هذه آيات وآثار عظيمة تدل على ~~مؤثر عظيم كامل، ومن عظمته وكماله أن لا يكون معه شريك؛ إذا الوحدانية كمال ~~والشرك نقص بالضرورة؛ إذ ما يكون للواحد وحدة يكون له مع الشريك نصفه. # وقوله: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل ms391 في فلك يسبحون} ~~(33) [الأنبياء: 33] وهو مما يقرأ بالانعكاس مثل ساكب كأس، وهو من محاسن ~~وأنواع البديع. # {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} (35) ~~[الأنبياء: # 35] يحتج به الجمهور في أن الشر والخير من عند الله-عز وجل-عدلا وفضلا. # {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} (47) [الأنبياء: 47] تمسك الجمهور بلفظ ~~الموازين في إثبات الميزان والوزن حقيقة وتأوله المعتزلة على إقامة العدل؛ ~~لأنه أبدل القسط من الموازين والمقصود في الجملة البدلية هو البدل لا ~~المبدل منه كأنه قال: # ونضع القسط، أي العدل. # {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين} (54) [الأنبياء: 53، 54] فيه ذم التقليد وبطلانه خصوصا إذا قابله ~~النظري القاطع ونحوه: {قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ~~ذلكم من الشاهدين} (56) [الأنبياء: 56] هذا استدلال من إبراهيم-عليه ~~السلام- عليهم أو تنبيه لهم على صانعهما كما عرف في غير موضع وفطرهن: ~~أنشأهن. # {قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون} (63) [الأنبياء: 63] ~~هذه إحدى الكذبات المنسوبة إليه في الحديث الصحيح، والأخريان قوله: # {فقال إني سقيم} (89) [الصافات: 89] وقوله لسارة: هي أختي، والتحقيق أن ~~هذه معاريض، وإنما سماها النبي صلى الله عليه وسلم كذبات مجازا وتعظيما ~~لشأن/ [140 أ/م] إبراهيم-عليه السلام-بحيث إن مثله يسمى تعريضه كذبا ~~لارتفاعه عنه شبيه بقولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين. # {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم} (66) [الأنبياء: ~~66] استدلال على نفي إلهية الأصنام بعدم ضرها ونفعها وقد سبق مرارا. PageV01P440 # {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} (69) [الأنبياء: 69] سلبها ~~قوتها المحرقة، ثم لو لم يقل: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} ~~(69) [الأنبياء: 69] لأهلكته ببردها لمبالغتها في امتثال أمر ربها. # {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~والطير وكنا فاعلين} (79) [الأنبياء: 79] احتج بها من يرى أن كل مجتهد مصيب ~~وغيره/ [297/ل]، أما الأول؛ فلأنه أثنى عليهما بالعلم، وأما الثاني؛ فلأنه ~~خص سليمان ms392 بالتفهيم، ولو كان داود مع ذلك مصيبا لما كان لتخصيص سليمان ~~بالتفهيم معنى. # وصورة المسألة أن غنما لقوم وقعت ليلا في كرم قوم فرعته فقضى داود بالغنم ~~لصاحب الكرم، وقضى سليمان بأن تسلم الغنم إلى صاحب الكرم ينتفع بصوفها ~~ولبنها، ويعمل صاحب الغنم في إصلاح الكرم حتى يعود كما كان يوم رعته، ولا ~~شك أن هذا أقرب إلى التحقيق والعدل، لأن الغنم أتلفت فرع الكرم وهو ورقه ~~وأغصانه ونحو ذلك، فإذا من فروعها صوفا ولبنا ما يقابل ما أتلفت حتى يعاد ~~الكرم إلى حاله يوم أتلفته كان مناسبا، أما أخذ الغنم أصلا ورأسا بالكرم مع ~~احتمال تفاوتهما في القيمة، ففيه ما لا يخفى والثناء عليهما بالعلم لا يدل ~~على إصابة داود، لأنه لم يقل: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ~~وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين} (79) [الأنبياء: 79] في ~~هذه الواقعة، وإنما المراد أصاب سليمان وقد كان داود عالما، ولا يقتضي ذلك ~~إصابته في هذا الحكم بعينه، ثم إن قولهم: كل مجتهد مصيب، ليس معناه: أن قول ~~المجتهدين المختلفين مطابق لما في نفس الأمر وإلا لكان الشيء المختلف في ~~تحريمه حراما في نفس الأمر وأنه محال، وإنما المراد إصابتهما في ظاهر ~~الاجتهاد بحيث يخرجان عن العهدة مع أن للمصيب أجر الإصابة وفضلها والمخطئ ~~حظه في أنه لا يأثم على خطئه وإن أجر على اجتهاده. # وقد استدل بعضهم على أن ليس كل مجتهد مصيبا بأن القائل: ليس كل مجتهد ~~مصيبا إما مصيب أو مخطئ. فإن كان مصيبا صح أنه ليس كل مجتهد مصيبا لمطابقة ~~خبره مخبره وحكمه الواقع، وإن كان مخطئا، فقد اختلت كلية دعواه به نفسه، ~~فليس كل مجتهد مصيبا. # {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~والطير وكنا فاعلين} (79) [الأنبياء: 79] قد سبق أن كل شيء يسبح بحمد PageV01P441 # ربه، وأن خلق التسبيح في الجبال ممكن إما بإظهار حياة كامنة فيها، أو ~~بخلق حياة لم تكن. # {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} (85) [الأنبياء: 85] يحتج به ms393 ~~على أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه حكى عن/ [140 ب/م] الذبيح أنه قال عند ~~إرادة ذبحه: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} ~~(102) [الصافات: 102] ثم وصفه هاهنا بالصبر الموصوف به هناك، فكان ظاهرا في ~~أن الصابر هنا هو الصابر هناك. # {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (87) [الأنبياء: 87] [حمله بعضهم ~~على ظاهره في نفي القدرة، وتأوله] الأكثرون على معنى لن نضيق عليه من قوله- ~~عز وجل-: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} (7) [الطلاق: # 7]، {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا متاع} (26) [الرعد: 26] أي يضيق، تنزيها لنبي الله ~~يونس عن أن يعتقد نفي قدرة الله-عز وجل-عن شيء، هو أليق بحال الأنبياء، بل ~~المتعين في حقهم، إذ لا يجوز أن يكون نبيا من يجهل صفات ربه، وما يجوز ~~عليهن وما يمتنع. # فأما ذلك النباش الذي قال لبنيه: إذ مت فاحرقوني وذروني في البحر؛ فإن ~~ربي إن قدر علي عذبني، ثم إن الله-عز وجل-غفر له فإنه عذره لجهله مع أن ذلك ~~منه أيضا قد تأوله بعض الناس. PageV01P442 # يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من ~~يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) [الزمر: 23] والأشبه أن النبوة نعمة ~~مرتبة على طاعة وتزكية اقتضاها التوفيق، وإلا لجاز أن ينالها الشيطان وأنه بعيد. # {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} (98) [الأنبياء: 98]. # لما نزلت قال عبد الله بن الزبعرى: «يا محمد، فقد عبدت الملائكة والمسيح ~~أفتراهم حصب جهنم؟ ! فيقال: إنه نزل: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون} (101) [الأنبياء: 101] مخصصة ms394 للعموم المذكور، ويقال إنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لابن الزبعرى: «ما أجهلك بلسان قومك، إنما قال الله-عز ~~وجل-: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} (98) ~~[الأنبياء: 98] ولم يقل: ومن «تعبدون» يعني أن «ما» لما لا يعقل، فلا ~~يتناول العقلاء كالملائكة والمسيح وهذا أحسن الجوابين، ولعلهما اجتمعا بمنع ~~ورود السؤال ثم تسليمه، وتخصيص العموم. # {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون} (99) [الأنبياء: 99] أي ~~أن الإله لا يرد النار وهؤلاء المتخذون من دون الله يردون النار، فالإله ~~ليس هو هؤلاء فهؤلاء ليسوا آلهة. # {لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} (100) [الأنبياء: 100] إن كانت عامة ~~في كل ما عبد من دون الله-عز وجل-جماد أو غيره، فهذا يقتضي أن الجماد يخلق ~~فيه حياة يصبح بها/ [141 أ/م] منه الزفير في جهنم، والأشبه أن يختص ذلك ~~بالأحياء من الآلهة. # {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين} (104) [الأنبياء: 104] استدلال على الإعادة بالقياس على ~~الابتداء. # {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (107) [الأنبياء: 107] تصريح برسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتها بالبرهان في آخر الفتح إن شاء الله-عز وجل. # ... PageV01P443 ### | AUTO القول في سورة الحج # / [296/ ل] {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} (1) ~~[الحج: 1] يحتج بها المعتزلة على أن المعدوم شيء، لأنه سمى الساعة شيئا، ~~وهي معدومة لم توجد بعد. # وأجيب بأنه إنما سماها شيئا على تقدير وجودها، أو لتحقيق وجودها في علمه؛ ~~فنزل المتحتم الوجود منزلة الوجود. # {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (2) [الحج: 2] نفي السكر حقيقة ~~وإثباته مجاز، فلا تعارض. # {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد} (3) [الحج: # 3] منطوقه ذم الجدل بغير علم، ومفهومه جواز الجدل حتى في الله-عز وجل- بعلم. # {كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} (4) [الحج: # 4] يعني الشيطان يضل وليه بالوسوسة والضلال ms395 مخلوق لله، عز وجل. # {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} (5) [الحج: 5] يستدل على ~~جواز البعث بدليلين: # أحدهما: القياس على ابتداء الخلق من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة، والجامع ~~بينهما الإمكان والمقدورية، ولا أثر للفرق بأن ابتداء الخلق على طريق ~~التنقل في الأطوار لانتقاضه بآدم وحواء لم ينتقلا في الأطوار ولإمكان ~~التزام مثل ذلك في الإعادة بأن تمطر الموتى، ويجعل في الأرض قوة مربية كما ~~في الرحم وينقلوا في الأطوار، ثم تنشق الأرض عنهم. # الدليل الثاني: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} PageV01P444 # وأنبتت من كل زوج بهيج (5) [الحج: 5] وهو قياس إخراج الموتى أحياء من ~~الأرض على إخراج الزرع من الأرض، والجامع الإمكان والمقدورية، ووجه الشبه ~~أن أجزاء الموتى تتفرق في الأرض كالحب فيها ثم تجمع الأجزاء، وتخرج بشرا ~~كما ينبت الحب ويخرج زرعا [وقد سبق]. # وقوله-عز وجل-: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج} (5) [الحج: 5] ظاهر في أن إخراج الموتى يكون بمطر يمطرونه، كما حكي ~~أن السماء تمطر مطرا كمني الرجال أربعين يوما، فتخرج به الموتى نباتا، ولما ~~ذكر [هذين القياسين] قال: {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على ~~كل شيء قدير} (6) [الحج: 6] هذا هو النتيجة أي: كما بدأ الخلق وأحيا الأرض ~~يحيي الموتى، ثم أحال بذلك على القدرة التامة، فقال: {وأنه على كل شيء ~~قدير} (6) [الحج: 6]، {وأن الساعة آتية لا ريب فيها} (7) [الحج: 7] إثبات ~~للقيامة لمحاسبة الناس، والعدل فيهم {وأن الله يبعث من في القبور} (7) ~~[الحج: 7] تأكيد لما تقدم من أنه يحيي الموتى. # {ذلك ms396 بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد} (10) [الحج: 10] أي: بما ~~كسبت {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد} (10) [الحج: 10] أما ~~على رأي العدلية/ [141 ب/م] فظاهر، وأما على رأي الجمهور فإما باعتبار ~~كسبهم، أو على تقدير أن لو فوض إليهم لعصوا. # {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد} (10) [الحج: 10] استدلال ~~على عدم الإلهية بعدم النفع والضر، وبقياس العكس أن من ملك النفع والضر ~~مستقلا فهو الإله. # {يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} (13) [الحج: 13] ~~لأن الصنم يحتاج إلى خدمة في الدنيا على ما/ [300/ل] التزمه له الكفار، وهو ~~سبب العذاب في الآخرة، فصار ضره محققا ونفعه معدوما. PageV01P445 # العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) [الحج: ~~18] تضمنت سجود الجمادات كالجبال والنبات والشجر، والحيوان كالدواب، ~~والعقلاء كالناس، ومن في السماء والأرض والعلويات كالشمس والقمر والنجوم، ~~ومن في السماوات والسفليات كمن في الأرض والجبال ونحوها. وللسجود مسميان: ~~أحدهما لغوي وهو الذل كقول الشاعر: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # يعني أن الجبال الصغار تذل لحوافر الخيل حين تصعدها. # والثاني: شرعي وهو وضع الجبهة على الأرض تقربا إلى الله-عز وجل-وعبادة ~~له، والمشهور أن سجود العقلاء بالمعنى الشرعي لتصوره منهم، وسجود غيرهم ~~بالمعنى اللغوي لظهور الذل والتسخير والانقياد للقدرة لتصوره منهما دون ~~الشرعي، ثم يحتج بالآية من أجاز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا ~~معا؛ لأن قوله-عز وجل-: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير ~~حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} (18) ~~[الحج: 18] هو بالنسبة إلى العقلاء شرعي وإلى غيرهم لغوي، وقد استعمل في ~~مفهوميه معا، وكذلك {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما} (56) [الأحزاب: 56] إذ الصلاة من الله-عز وجل- ~~الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار وقد أريدا من لفظ يصلون. # وأجاب المانع لذلك: بأن ms397 التقدير تكرار الفعل أي: ألم تر أن الله يسجد له ~~من في السماوات والأرض، ويسجد له الشمس والقمر والنجوم، ويسجد له الجبال ~~وكذلك باقيها، وكذا: إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون على النبي. PageV01P446 # أول مبارز، وأبو بكر في العريش مع النبي صلى الله عليه وسلم فعلي أعظم ~~جهادا، فليكن أفضل من أبي بكر لقوله-عز وجل-: {لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} (95) [النساء: 95]. # وأجيب بأنه يلزمكم مثله، في النبي صلى الله عليه وسلم وأن عليا أفضل منه ~~وإنه محال؛ فإن قيل: / [142 أ/م] النبي صلى الله عليه وسلم كالإمام شأنه أن ~~يقاتل بين يديه، قيل: وأبو بكر كالوزير شأنه أن يكون مع الإمام. # {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} (24) [الحج: 24] هو ~~قولهم في فاطر {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} ~~(34) [فاطر: 34] وهو الكلم الطيب المذكور في «إليه يصعد الكلم الطيب» أو ~~منه فينبغي المحافظة على الحمد خصوصا [بلفظ الآية خصوصا] عند اندفاع البلاء ~~وتجدد النعماء. # {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} (40) [الحج: 40] احتج بعض ~~النصارى من هذه بوجهين: أحدهما: أنه قدم ذكر الصوامع والبيع، وهي من شعار ~~النصارى على المساجد التي هي شعار المسلمين، وذلك يقتضي أن النصارى ودينهم أفضل. # الثاني: أنه وصف الصوامع/ [301/ل] والبيع بذكر الله فيها كثيرا كالمساجد ~~على جهة المدح، وهو يقتضي مدح النصارى وصحة عباداتهم وأذكارهم وإلا لما مدحت. # والجواب عن الأول: أن العطف بالواو، وهى لا تفيد الترتيب، ثم يلزمهم من ~~قوله- عز وجل-: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن ms398 الله على كل شيء شهيد} ~~(17) [الحج: 17] أن تكون هذه الطوائف الثلاث أفضل من النصارى لتقديمها ~~عليهم. PageV01P447 # وعن الثاني: أن {يذكر فيها اسم الله كثيرا} عائدا إلى المساجد لأنها ~~الأقرب دون غيرها، سلمنا رجوعه إلى الجميع لكنه [محمول على] بيع المؤمنين ~~من النصارى قبل الإسلام مثل بحيرا الراهب وأشباهه ممن قبل وصية المسيح في ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالنية. # {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (46) [الحج: 46] ~~أي بخلق الصوارف عن النظر والاعتبار. # {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} ~~(52) [الحج: 52] فيه مسائل: # الأولى: الفرق بين الرسول والنبي وإلا لم يكن لعطف أحدهما على الآخر ~~معنى، وليس عطف خاص على عام بل بالعكس، ثم قيل: الفرق بينهما أن الرسول من ~~له شريعة وكتاب، وقيل: هو من يوحي إليه يقظة بخلاف النبي فيهما. # الثانية: جواز النسخ، وقد سبق، ولقائل أن يقول: المنسوخ هنا ما يلقيه ~~الشيطان فلا يدل على نسخ كلام الرحمن. # الثالثة: جواز فتنة بعض الناس واستدراجهم إلى الضلال بتقدير الأسباب ~~الموجبة لذلك لأنه-عز وجل-علل إلقاء الشيطان في أمنية النبي، ونسخ ذلك ~~بفتنة الذين في قلوبهم مرض، وهو كقوله-عز وجل-: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} (53) / ~~[142 ب/م] [الأنعام: 53] كما ذكر في الأنعام. # {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور} (66) [الحج: 66] ~~فيه إثبات البعث ونظائره عديدة. # {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون} (68) [الحج: 68] لم يؤمر هاهنا ~~بمجادلتهم لعنادهم وشغبهم، وكذلك ينبغي ترك جدال كل مشاغب ما لم يلزم من ~~تركه مفسدة. PageV01P448 # الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب (73) [الحج: 73] فيه الجدال والمناظرة بضرب ~~الأمثال، وهي بالحقيقة أقيسة جلية إذ قوله-عز ms399 وجل-: {إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} [الحج: 73] إشارة إلى عجز الآلهة ~~وأنها لا تخلق، فنظمه إذن هكذا: الالهة التي تدعونها عاجزة لا تخلق شيئا، ~~والله-عز وجل-وهو قياس في الشكل الثاني. # {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير} (75) [الحج: ~~75] هذا جواب من يقدح في الرسل بقوله: {بشر مثلنا} / [302/ل] فليس أولى ~~بالرسالة منا إذا يلزم الترجيح بلا مرجح. # وجوابه: أن إرسال من الناس والملائكة مستند إلى اختيار الله-عز وجل-فهو ~~المرجح، فلا يلزم ما ذكرتم. # وربما استدل بهذه من رأى تفضيل الملائكة رسلا وأمما على غيرهم لتقديمهم ~~في الذكر وفيه ما عرف. # {يا أيها الذين آمنوا} [الحج: 77] خاص {اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم} ~~[الحج: 77] أعم منه {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} (77) [الحج: # 77] أعم منه فهو من باب عطف الأعم على الأخص وقد سبق. # ... PageV01P449 ### | AUTO القول في سورة المؤمنون # قوله-عز وجل-: {الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو معرضون ~~(3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون} (5) [المؤمنون: ~~2 - 5] يحتج به المعتزلة في إضافة الأفعال إلى الناس وجوابه أن ذلك من جهة ~~الكسب، أو كونهم محلها كما يقال: تدحرج الحجر وتحرك الشجر، والمحرك له غيره. # {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} (6) [المؤمنون: ~~6] الآيتين: [يحتج به الجمهور] على تحريم المتعة، لأن ذات المتعة لا ملك ~~يمين بإجماع، ولا هي زوجة لعدم التوارث بينهما فتكون داخلة في حد العدوان، ~~وأجاب القائلون بالمتعة بأن # {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} (7) [المؤمنون: 7] عام خص ~~بالمتعة بما سبق من دليلها، كما خص {*والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين ~~غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما} (24) [النساء: 24] ~~بتحريم نكاح الأخت والعمة ونحوهما، والاستدلال بعدم الإرث منقوض بالزوجة ~~الذمية لا ترث مع أنها زوجة بإجماع. ms400 # {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} ~~(13) [المؤمنون: 12، 13] الإنسان هاهنا مطلق بالاستخدام على آدم وذريته، ~~فآدم خلق من سلالة من طين وذريته جعلوا نطفة في قرار مكين. # {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} (14) ~~[المؤمنون: 14] يحتج به القدرية؛ لأنه/ [143 أ/م] أثبت خالقين هو أحسنهم، ~~ولا خالق للأعيان سواه، فتعين أن الخالقين للأفعال وهم الناس يخلقون ~~أفعالهم. # وأجيب بأن هذا خرج على اعتقاد الخصم المعتقد أن ثم خالقين، أو على جهة ~~التنزل أي على تسليم أن هناك خالقين فالله-عز وجل-هو أحسنهم وأحكمهم، فيجب PageV01P450 # ترجيحه بذلك فيتعين للعبادة دون غيره. # {ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} (16) ~~[المؤمنون: 15، 16] فيه إثبات البعث، يقال هاهنا: [لم أكد] الموت مع ~~الإجماع عليه دون البعث مع الاختلاف فيه، [وقد كان العكس أنسب؟ ! ]. # وأجيب بوجوه: أحدها: أن {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} (16) [المؤمنون: ~~16] فعل و «ميتون» اسم فاعل ودلالته على المصدر الذي هو الموت بواسطة ~~الفعل، فاحتاج إلى تقويته بلام التأكيد، بخلاف يبعثون فإن قوة دلالته بنفسه ~~على البعث أغناه عن التأكيد/ [303/ل]. # الوجه الثاني: أن هذا الكلام مع من ينكر الموت كالتناسخية القائلين ~~بانتقال الروح من حيوان إلى غيره، فاحتيج إلى تأكيد وقوعه في إخبارهم به. # الوجه الثالث: أن ترك تأكيد البعث إشارة إلى أنه لقوته في نفسه كالمجمع ~~عليه الغني عن التأكيد. # الوجه الرابع: أن المخاطب بالبعث إما مصدق للرسول المخبر به فلا حاجة له ~~إلى التأكيد، أو مكذب له فلا يفيد معه التأكيد، فسقط التأكيد لسقوط فائدته ~~في هذا المكان. # {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} (24) ~~[المؤمنون: 24] هذا قدح في النبوة بلزوم الترجيح من غير مرجح، وقد سبق ~~جوابه في غير موضع. # {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل ms401 الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين} (28) [المؤمنون: 28] استشهد به أبو عبد الله بن حامد على ~~الاستواء على العرش استقرار كاستواء راكب الفلك عليها، وقد رد عليه ذلك ~~لاستلزامه التجسيم]. # {وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} (29) [المؤمنون: 29] ~~فأنزل الله-عز وجل-نوحا أرض الجزيرة وهى الموصل وما حولها، فصارت البلاد ~~المنصوص على بركتها أرض مصر لما مر في الأعراف، وما حول المسجد الأقصى لما ~~ذكر في سبحان، وأرض الجزيرة لهذه الآية وهى تعد من مناقب الجزيرة. # [قال بعض العلماء المحققين-رضي الله عنهم-]: وأخبرني بعض المشايخ الصلحاء ~~أنه صعد إلى جبل الجودي فوجد مسمارا كبيرا من مسامير سفينة نوح، وهو إذا ~~فرك تناثرت PageV01P451 # أجزاؤه لاستيلاء البلى عليه لطول العهد واستمرار الدهر، وأنه جعله في ~~صندوق لأجل البركة، فلم يزل عنده حتى فقد في غزاة قازان للشام عام سبعمائة ~~أو نحوه للهجرة المحمدية صلوات الله على/ [143 ب/م] من نسبت إليه. # {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين} (37) [المؤمنون: ~~37] قد سبقت شبهة منكري البعث وجوابها في النحل وهي قولهم هاهنا: {قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ~~من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين} (83) [المؤمنون: 82 - 83] قوله عز وجل: ~~{ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} (91) [المؤمنون: 91] هذا من براهين ~~التوحيد المشهورة، وتقريره: لو كان مع الله إله آخر لكان كل منهما خالقا ~~لبعض العالم، ثم لانحاز كل منهما بما خلق ثم طلب العلو على صاحبه، ويلزم ~~الاختلاف المستلزم لفساد العالم وإنه محال كما مر، لا يقال: لا نسلم أنه ~~يلزم أن كلا منهما يكون خالقا لبعض العالم، بل كلاهما خالق لجميع العالم ~~لأنا نقول: يلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد وإنه محال. # {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} (101) ~~[المؤمنون: 101] الآيات تضمنت نفخ الصور ووزن الأعمال وعذاب النار وتقريع أهلها. # {ألم ms402 تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} (105) [المؤمنون: 105] يحتج ~~به المعتزلة لإضافة التكذيب إليهم. # {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين} (106) [المؤمنون: 106] ~~يحتج به الجبرية ونحوهم، إذ معناه: غلبتنا أقدارك وما خلقته/ [304/ل] فينا ~~من دواعي الكفر والصوارف عن الإيمان فلم نستطع هداية فضلنا. PageV01P452 # العالم لا يكون غايته مجرد وجوده ثم عدمه بالكلية؛ لأن مثل هذه الغاية ~~تقصر عن مثل هذا الفعل العظيم؛ فإذن للعالم غاية عظمى أعظم من مجرد وجوده، ~~وما ذاك إلا إعادته ثم إظهار أسرار الوجود فيه. # وقد قرر هذا المعنى بوجهين: أحدهما: أن العالم ما بين مطيع يناسبه الثواب ~~وعاص يناسبه العقاب، وهذه الدار لا تصلح لثواب المطيع ولا لعقاب العاصي؛ إذ ~~لذاتها التي ارتبطت بها عقول الناس إنما هي دفع آلام لا لذات في الحقيقة ~~كالأكل والشرب والنكاح إنما هي رفع ألم الجوع والعطش والشبق، وحينئذ يجب ~~عقلا أن يكون للناس دار ينالون فيها ثواب طاعاتهم، وينالهم عقاب معاصيهم ~~لذات وآلام حقيقية، وهي الدار الآخرة وإليه الإشارة بقوله-عز وجل-: {كل نفس ~~ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ~~فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (185) [آل عمران: 185]. # الوجه الثاني: أن في الناس ظالما/ [144 أ/م] ومظلوما، والظالم يناسبه ~~العقاب على ظلمه عقلا، ثم نرى كثيرا من الظالمين يخرج من الدنيا سالما ~~موقرا لم تصبه قارعة ولم ترزأه رزية، فدل على أن هناك دارا يستوفى منه فيها ~~جزاء ظلمه، وإليه الإشارة بما حكي عن ابن عباس أنه رأى جنازة، فقال: من ~~هذا؟ قيل: فلان، لرجل ظالم لم يصب في حياته بمكروه، فقال ابن عباس: الله ~~أكبر أشهد أن للناس معادا يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم، من الظالم، أو كما قال. # {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا ~~يفلح الكافرون} (117) [المؤمنون: 117] ليس المراد أن ثم إلها آخر عليه ~~برهان، بل المراد أن إثبات آخر لا برهان عليه، فمن ادعاه والحالة ms403 هذه فهو ~~كافر تقليدا أو عنادا، وحسابه عند ربه-عز وجل-ثم إنه لا يفلح. # ... PageV01P453 ### | AUTO القول في سورة النور # {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين} (2) [النور: 2] عام خص بالمكره ومن ليس بمكلف ونحوهم. # {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} (5) [النور: 4، 5] هذا استثناء تقدمه جمل ~~تصلح لرجوعه إليها، وفيه وفي نظائره أقوال: # أحدها: يرجع إلى جميعها إلا لمانع، وهو مذهب الشافعي وأحمد. # والثاني: يختص بالأخيرة فقط لقربها وحصول المقصود، وهو تعليق الاستثناء ~~بها، وهو قول أبي حنفية/ [305/ل]. # والثالث: أن رجوعه إلى الجميع وإلى الأخيرة وقد استعمل فهو مشترك بين ~~الأمرين، فالوقف على مرجح واجب، وهو قول القاضي أبي بكر. # والرابع: الوقف لتردد الحال بينهما، وهو قول الشريف المرتضى من الشيعة، ~~فهو وقف ترددي وما قبله اشتراكي، وعلى هذا فاتفقوا في هذه الآية على أن ~~القاذف إذا تاب لا يسقط الجلد عنه؛ لأنه حق آدمي كالدين وعلى أن فسقه يزول، ~~واختلفوا في قبول شهادته فقبلها الشافعي وأحمد ردا لحكم الاستثناء إليها ~~لصلاحيته لذلك من غير مانع بخلاف الجلد؛ إذ كونه آدميا مانعا من السقوط، ~~ولم يقبلها أبو حنيفة لاختصاص الاستثناء بزوال الفسق، فلم يتعد إلى قبول ~~الشهادة، ووجهوه بأن استمرار رد شهادته عقوبة على جنايته فلم ترتفع كالجلد، ~~ولا يلزم من زوال الفسق قبول الشهادة؛ لأنها قد ترد لمانع كشهادة الوالد ~~لولده وعكسه والرجل على عدوه ونحوه، ردت شهادتهم للمانع الخاص مع ثبوت ~~العدالة، فحاصله: أن قبول / [144 ب/م] الشهادة هل يلحق بالجلد في استمراره ~~أو بالفسق في زواله وهو أشبه؛ لأن الظاهر أن المراد بهما شيء واحد، وإنام ~~عبر تارة باللازم، وهو رد الشهادة وتارة بالملزوم، وهو الفسق تعظيما للقضية ~~وتقبيحا لها، كما يقال: الذي يسرق فأقم ms404 عليه حده واقطعه ونكل به، واحرمه ~~الانتفاع بجارحته وكف عاديته عن الناس والكل واحد. PageV01P454 # {* يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} (21) [النور: 21] أي: ~~لاتبعتم الشيطان وخطواته فلم يزك منكم أحد، فاقتضى أن العصمة من الشيطان ~~بفضله، والوصمة بوساوس الشيطان ومكائده بقدر الله-عز وجل-وعدله، ويحتج به ~~الجمهور {ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} (21) [النور: 21] يؤكد ~~ذلك لاختصاص التزكية بمن شاء. # {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم} (22) [النور: 22] احتج بها الجمهور على فضل أبي بكر لأنها ~~نزلت فيه؛ إذ ترك الإنفاق على مسطح وقد وصف فيها بأنه من أولي الفضل [أي ~~والله الذي لا إله إلا هو أنه من أولي الفضل أعظم أولي الفضل من هذه الأمة- ~~رضي الله عنه وأرضاه-] وأجابت الشيعة [لعنهم الله] بأن المراد فضل المال ~~وكثرته بدليل اقترانه بالسعة لا الفضل الذي هو الكمال وضد النقص، لكن يحتج ~~بها الجمهور من موضع-آخر وهو قوله-عز وجل-: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم والله غفور رحيم} (22) [النور: 22] وهو يدل على أنه مغفور له. # {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} (26) [النور: 26] هذا ~~مع قوله في أول القصة {إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل ~~هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم} (11) [النور: 11] وما بينهما يحتج به الجمهور على براءة عائشة رضوان ~~الله عليها/ [306/ل] مما رميت به، والأحاديث الصحيحة دلت على ذلك حتى قال ~~بعض الحنفية بكفر من قذف عائشة لمخالفته القاطع دون غيرها. PageV01P455 # إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ms405 ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) [النور: 31] فيه مسألتان: إحداهما وجوب ~~التوبة على كل مؤمن، لأنها مأمور بها والأمر للوجوب، ولأن المؤمن لكونه غير ~~معصوم لا يخلو من ذنب يوجب التوبة، كيف وإن أكثر أحواله ذنوب إلا من وفق. # الثانية: احتج بها من رأى التوبة من الأعمال الصالحة، وزعم أن ذلك شأن ~~الأبرار والمقربين، وتقرير حجته أن المخاطب بالتوبة هم المؤمنون ولا تتجه ~~توبة المؤمن إلا من العمل الصالح، وهذا ضعيف، وإنما يصح لو كان المؤمن ~~معصوما من المعاصي أما وهو غير معصوم فتتجه توبته من معاص تقع منه، نعم لو ~~احتج بأن الآفات المفسدة للأعمال كالرياء والعجب ونحوهما خفية عن المؤمن ~~غالبة عليه جدا؛ فالظاهر أن عمله لا يسلم منها، ثم إن القسمة العقلية/ [145 ~~أ/م] تقتضي أن العمل إما أن يقطع بسلامته من المفسدات، أو بفساده بها، أو ~~يتردد فيه بين الأمرين، والعلم بسلامة العمل عزيز نادر أو متعذر في العادة، ~~فصار الغالب في العمل إما القطع بفساده أو التردد فيه، فوجب الاستغفار ~~والتوبة منه بناء على الغالب؛ لأن الطاعة إذا فسدت صارت معصية كالعصير إذا ~~فسد صار خمرا، وصار الجهل بسلامة العمل كالقطع بفساده فتجب التوبة كما قيل ~~في باب الربا: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فيجب اجتناب المعاملة فيه- ~~لكن هذا تقرير جيد غير خارج عن قواعد الشرع والنظر وهذا المذهب يعزى إلى ~~المحققين من أهل الطريق، ويرجع إلى أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ~~فالعارف المقرب يرى الحسنات بالإضافة إلى غيره سيئات بالإضافة إليه فيتوب منها. # واحتج الآخرون بأن التوبة هي الندم على الفعل والعزم على تركه، والطاعات ~~لا يجوز الندم على فعلها ولا العزم على تركها فالتوبة ms406 منها لا تجوز. # والجواب: أن هذا خارج عن محل النزاع، لأن الطاعة التي يقطع بصحتها ~~وسلامتها من مفسد لا تجب التوبة منها، وإنما تجب التوبة من الطاعة لا من ~~حيث هي طاعة، بل من حيث PageV01P456 # اشتملت غالبا على معصية كالرياء ونحوه من المفسدات، وهذا كمن اشترى دراهم ~~أو سلعة مغشوشة وجب له ردها على صاحبها لا من حيث هي فضة بل من حيث هي ~~مغشوشة، فينبغي للإنسان أن يتوب بهذا الاعتبار من جميع أفعاله احتياطا، ولا ~~يعول/ [307/ل] منها على شيء، ولا يلقى الله-عز وجل-إلا فقيرا إلى رحمته غير ~~ملتفت إلى غيرها، أما توبته من المعاصي فلقبحها، وأما من الطاعات فلعدم ~~القطع بسلامتها لغلبة المفسدات الخفية والظاهرة عليها، ولا يلتفت إلى إنكار ~~الظاهريين لهذا فإنه مقام نظري لم يصلوا إليه. # {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} (33) [النور: ~~33] هذا عطف واجب على مندوب؛ إذ الكتابة ندب والإيتاء فيها واجب. # {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ~~ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} (33) [النور: 33] يحتج به ~~من لم ير المفهوم حجة؛ لأن مفهوم هذا: إن لم يردن تحصنا فأكرهوهن على ~~البغاء وليس الحكم كذلك. # وأجيب بأن هذا المفهوم لا يتصور، فبطلانه لعدم تصوره، لا لأن المفهوم ليس ~~حجة، وبيانه أن الإكراه إنما يكون على خلاف الإرادة والاختيار، فالأمة إذا ~~أرادت التحصن صح إكراهها على الزنا، أما إذا لم ترد التحصن وأرادت الزنا ~~فلا يصح إكراهها عليه؛ لأن الإكراه/ [145 ب/م] حينئذ على وفق مرادها، فهو ~~تحصيل الحاصل، وهذا كما إذا امتنع الإنسان من دخول الدار صح أن يدفع في ~~قفاه أو يلبب ويجر ليدخلها، أما إذا دخلها مختارا فلا يصح ذلك منه ms407 وكان ~~تحصيل الحاصل. # {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} (39) [النور: 39] ~~فيه أن الكفر لا يزكو معه عمل ولا تنفع معه حسنة، وأخذ بقياس عكسه قوم، ~~فقالوا: الإيمان لا تضر معه سيئة فأرجأوا العمل وأبطلوا الوعيد عن العصاة ~~وهم المرجئة، وليس كذلك. PageV01P457 # {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (41) [النور: 41] هو من باب {تسبح له ~~السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} (44) [الإسراء: 44] واحتج به من قال بأن من ~~أعتق طائرا زال ملكه عنه؛ لأنه مصل مسبح بهذا النص فصح عتقه كالآدمي، ~~ويعترض عليه بأن الصلاة والتسبيح ليست متحدة فيهما بالحقيقة فلم يتحد جامع ~~القياس فلا يصح. # {ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج ~~من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ~~من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} (43) [النور: 43] اختلف في كاد فقيل: ~~هي كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات، وقيل عكسه: نفيها إثبات ~~وإثباتها نفي، فكاد زيد يقوم معناه ما قام، ولم يكد زيد يقوم معناه قام، ~~والصحيح الأول؛ لأن كاد معناها مقاربة الفعل فإذا دخل عليها نفي انتفت ~~مقاربة الفعل، فانتفاء نفس الفعل أولى إلا بدليل يثبته، وفى الإثبات يثبت ~~مقاربة الفعل ويبقى نفس الفعل على استصحاب النفي إلا بدليل يثبته، فقولنا: ~~كاد زيد يقوم أي قارب القيام أما كونه قام فالأصل عدمه إلا أن يثبت بدليل، ~~وقولنا/ [308/ل]: ما كاد زيد يقوم، أي: ما قارب القيام، فانتفاء القيام ~~بنفسه أولى إلا أن يثبت بدليل؛ فههنا {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} (43) ~~[النور: 43] إثبات لمقاربة ذهاب البصر فنفس ذهابه على أصل العدم ولا دليل ~~عليه ثبته، أما {أو كظلمات في بحر ms408 لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ~~ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور} (40) [النور: 40] فمعناه: لم يقارب رؤيتها فانتفاء رؤيتها ~~أولى، لكن ثبت رؤيتها بدليل العادة أن اليد لقربها ترى على كل حال، فهذه ~~قاعدة كاد وحاصلها أن كاد لمقاربة الفعل وهو من لوازم الفعل، وانتفاء ~~اللازم يوجب انتفاء الملزوم، وثبوته لا يقتضي ثبوته إلا لدليل منفصل فيهما ~~وقد تبين ذلك، وهذه القاعدة مطردة في كاد حيث وقعت، وعليها يتخرج قول ذي ~~الرمة: PageV01P458 # إذا أغير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # أي لم يقارب البراح، وإذا انتفت مقاربة البراح فانتفاء نفس البراح الذي ~~هو ملزوم مقاربته المنفية أولى، وبهذا يتبين خطأ ابن شبرمة في اعتراضه على ~~ذي الرمة حيث قال له: # أراه قد برح، وخطأ ذي الرمة حيث يرجع إلى ابن شبرمة وغير «يكد» «أجد» ما ~~استدرك عليهما/ [146 أ/م] أبو البختري، والأشبه أن الوهم إنما هو من ابن ~~شبرمة وحده، فأما ذو الرمة فإنما رجع إليه؛ لأنه لما رأى المكان موضع وهم ~~يهم فيه مثل ابن شبرمة مع فضله وأدبه أراد رفع الاستدراك عن كلامه، والوهم ~~فيه بالكلية وتخلصه عن شوائب الاستدراكات والأوهام هذا عذر ذي الرمة. # {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} ~~(45) [النور: 45] عام، واعترض عليه بعض النصارى بأن العقرب ونحوها من ~~الحشرات مخلوقة من التراب لا من الماء وجوابه من وجوه. # أحدها: منع أن التراب المحض يتكون منه حيوان أصلا. # الثاني: أنه ليس المراد بتكوين الدواب من الماء البسيط الذي هو أحد ~~العناصر الأربعة بل من الماء المستل من الأبوين وهو النطفة والعقارب تتناسل ~~كغيرها. # الثالث: أن المراد بخلقها من ماء أن بدنها لا يتقوم إلا برطوبة مائية، ~~وهذا لازم في كل ms409 حيوان. # الرابع: هب أن ما ذكرته صحيح لا جواب عنه فيكون الكلام عاما مخصوصا ~~بالعقرب ونحوها، أو عاما أريد به الخاص، وذلك لا يعد تعارضا ولا تناقضا ولا ~~خلفا من القول ولا يقدح في القرآن، ولا في غيره، من الكلام بوجه. # وأما تناقض إنجيلهم فقد قررنا منه شيئا كثيرا في كتاب مستقل. # {لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (46) ~~[النور: 46] يحتج به الجمهور في تعليق الهداية/ [309/ل] بالمشيئة وجودا ~~وعدما، وأما الآيات فالمقصود بها إقامة الحجة بالكشف عن طريق المحجة لا ~~غير، أما أنها تهدي الهداية المخلصة فلا وإنما هي مرشدة. PageV01P459 # ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) ~~[النور: # 54] هذا وعيدي محكم نحو: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ~~مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} (41) [يونس: 41] وليس بمنسوخ. # {ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} (55) [النور: 55] يحتج بها الجمهور على صحة خلافة الأشياخ الثلاثة ~~قبل علي، وتقريره: أن الله-عز وجل-وعد مؤمني هذه الأمة بالاستخلاف في الأرض ~~وتمكين الدين وتبديل خوفهم بالأمن، ووعد الله-عز وجل-واقع لا محالة، ثم لا ~~يخلو أن يكون المراد بالذين آمنوا المستخلفين في الأرض عليا وحده، أو عموم ~~مؤمني الأمة، أو عموم خلفائها، أو الأشياخ الثلاثة الخصوص وليس المراد عليا ~~وحده؛ لأن الوعد للذين آمنوا، وعلي وحده ليس جمعا ولا يصح التعبير عنه بلفظ ~~الجمع إلا مجازا من باب العام أريد به الخاص ولا ضرورة إليه، سلمنا أنه ~~المراد لكن الآية تضمنت أن استخلافه كاستخلاف من قبله، الذين قبله الأشياخ ~~الثلاثة، فيلزم صحة استخلافهم [كصحة استخلافه] تحقيقا للتشبيه، وإلا لزم ~~بطلان استخلافه تحقيقا للشبيه أيضا وإنه باطل/ [146 ب/م] باتفاق ولا يجوز ~~أن يكون المراد عموم مؤمني الأمة إذ لم يستخلف كل واحد منهم ولا حاجة إلى ~~ذلك؛ إذ الخلفاء رعاة وواحد من كل عصر يكفي، فتعين أن المراد إما الأشياخ ~~الثلاثة على الخصوص فيحصل المقصود، أو ms410 عموم خلفاء الأمة فيحصل أيضا لاندراج ~~الأشباح الثلاثة تحت عموم الخلفاء، هذا أحسن ما قرر به الدليل من هذه الآية. # واعترضت الشيعة [أبعدهم الله] بأن قالوا: لا نسلم أن الاستخلاف هاهنا من ~~الخلافة التي هي الإمامة والسلطنة، وإنما هو من الخلف المقابل للسلف، ~~وقولهم: خلف فلان فلانا على زوجته أو ماله ونحوه، وحينئذ لا دلالة في الآية ~~على ما ذكرتم أصلا، ويكون الخطاب لجميع الأمة أنهم يخلفون من تقدمهم من ~~الأمم في الأرض كما قال عز وجل: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر ~~كيف تعملون} (14) [يونس: 14] وقد أنجز الله-عز وجل-وعده بأن جعل هذه الأمة ~~خلفاء في الأرض عمن قبلها من الأمم ولا تعرض في ذلك للخلافة والإمرة أصلا، ~~سلمنا ذلك لكن الموعود باستخلافه هو المهدي عند نزول عيسى، يمكن الله له ~~الدين بعد اضطرابه بالدجال، ويبدل به الخوف أمنا والجور عدلا، أما في أول ~~الإسلام فتمكين الدين/ [310/ل] وتبديل الخوف حصل PageV01P460 # بالنبي صلى الله عليه وسلم لا بغيره، سلمنا أن المراد الخلفاء الثلاثة ~~بخصوصهم لكن الاستخلاف والوعد به لا يقتضي أن يكون حقا؛ لأن الله-عز جل-قد ~~استخلف في أرضه من عباده محقا ومبطلا، ويعد الإنسان بخير بالنسبة إليه، ثم ~~قد يكون ذلك الخير شرا في نفس الأمر [كما يعد ملكا بفتح مدينة يقتل فيها ~~ويسبي؛ فذلك خير بالنسبة إلى الملك شر في نفس الأمر] فكذلك خلافة هؤلاء جاز ~~أن تكون من هذا القبيل. # هذا هو الكلام على هذه الآية من الطرفين في هذا المعنى، والعموم فيها قوي ~~فلا تدل على خصوصية الأمر المتنازع فيه إلا دلالة لطيفة كما قررناه. # {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم} (63) [النور: 63] يحتج به على أن مقتضى الأمر المطلق الوجوب ~~لأنه-عز وجل-توعد المخالفين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفتنة ~~والعذاب، والوعيد إنما يكون على ترك واجب أو فعل محرم، وذلك يقتضي أن ms411 ~~مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم حرام فامتثال أمره واجب، وهو المطلوب، ~~وتلخيص الدليل: أن مخالفة أمره متوعد عليه وكل متوعد عليه حرام فمخالفة ~~أمره حرام، فامتثاله واجب. # ... PageV01P461 ### | AUTO القول في سورة الفرقان # {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1] يحتج به على أنه منزل ~~غير مخلوق كما سبق. # {ليكون للعالمين نذيرا} (1) [الفرقان: 1] / [147 أ/م] يحتج به على عموم ~~الدعوة في العالمين، ثم تخص منه الملائكة والبهائم ونحوهم ممن خرج عن ~~عمومها بدليله. # {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} ~~[الفرقان: 2] فيه نفي الولد والشريك، وقد سبق. # {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} (2) [الفرقان: 2] يحتج بعمومه على خلقه- عز ~~وجل-لأفعال المخلوقين خيرا وشرا، والمعتزلة خصوصا عمومه بدليلهم العدلي، ~~زعموا، وقد سبق القول فيه. # وخلق الشيء اختراعه وإبداعه وإخراجه من العدم إلى الوجود وتقديره: جعله ~~على قدر الحاجة وفق الحكمة زمانا ومكانا وهيئة وشكلا ونحو ذلك. # {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا} (3) [الفرقان: 3] استدلال ~~على نفي إلهيتهم بمخلوقيتهم وعدم خالقيتهم، وأنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا، ~~وقد سبق تقريره. # {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما وزورا} (4) [الفرقان: 4] فيه اعتراف منهم بإعجاز القرآن؛ لأنهم ~~يعترفون بأن النبي صلى الله عليه وسلم أفصحهم أو من أفصحهم، ثم مع ذلك ~~اعتقدوا أنه لم يستقل بالقرآن حتى أعانه عليه قوم آخرون، فاقتضى أنهم كانوا ~~يرونه معجزا للفصيح الواحد، فإذا ادعوا أنه استعان عليه بقوم آخرين؛ قيل ~~لهم: فاستعينوا أنتم على معارضته بمثله بقوم آخرين، وقد أطلقتم في الجن ~~والإنس/ [311/ل] تستعينون بهم، فإذا عجزتم دل على أنه معجز على الإطلاق ~~باعترافكم. PageV01P462 # ملك فيكون معه نذيرا (7) [الفرقان: 7] جوابه {وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا} (20) [الفرقان: 20]. # وكأن هؤلاء قاسوا قياسا فاسدا؛ فرأوا أن ms412 الرسول ملك من ملوك الأرض إذا ~~ورد بلدا برسالته يحتجب حشمه فلا يرى آكلا ولا في سوق؛ فقالوا: رسول الله ~~أولى بذلك؛ لأن الله-عز وجل-أعظم الملوك. وهذا شبيه بقول القائلين: إن ~~الله-عز وجل-أكرم من أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت؛ فكان هذا القياس ~~الفاسد فتنة للفريقين، ضربوا بسببه الأمثال فضلوا {انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} (9) [الفرقان: 9] أي لا يستطيعون طريقا ~~إلى الهدى؛ لأن طريق الهدى اتباع الرسول وقد سد عليهم بما خلق في نفوسهم من ~~القياس الفاسد المانع من اتباعه. # {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل} (17) [الفرقان: 17] إلى قوله: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي ~~لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا ~~قوما بورا} (18) / [147 ب/م] [الفرقان: 18] انظر إلى هؤلاء المتخذين آلهة، ~~كيف أنهم لما فهموا سر القدر عدلوا عن القسمين؛ فلم يقولوا: نحن أضللناهم، ~~ولا قالوا: # هم ضلوا السبيل، بل حكوا عين ما وقع، وهو أن الله-عز وجل-استدرجهم بالنعم ~~والتمتع، وما يتبع ذلك من خلق الدواعي والصوارف حتى شغلهم عن الذكر فنسوه، ~~وهذا هو مستند الجبرية؛ فإن استدراجهم المذكور إن كان موجبا لنسيان الذكر ~~حصل المقصود وإن لم يكن موجبا، فلا أقل من أن يضاف إلى الله-عز وجل-بقدر ما ~~وجد منه من الاستدراج والشغل عنه. # اللهم إلا أن يقول القدري: إنه إنما متعهم تفضلا عليهم لا ليشغلهم عن ~~الذكر، وإنما هم الذين اشتغلوا بنعمته عن ذكره، فلذلك لزمتهم الحجة، بدليل: ~~{فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} (44) [الأنعام: 44]. PageV01P463 # {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} (182) [الأعراف: 182] ~~فلعمري لقد قال مقالا، غير أن نرجع إلى أصل المسألة فنقول: نسيانهم للذكر ~~إما أن يكون مراد الوجود منهم أو مراد العدم، أو لا مراد الوجود ولا مراد ~~العدم، فإن كان مراد الوجود حصل المقصود، لما تقرر من أن القدرة ms413 لا تتعلق ~~إلا بما تتعلق به الإرادة، فإن كان مرادا منهم كان مقدورا عليهم، والمقدور ~~واجب الوقوع. # وإن كان مراد العدم لزم أن يكون وجوده منهم مراغما للإرادة/ [312/ل] ~~والعلم والقدرة الأزلية؛ لاستحالة تعلق الجميع إلا بمتعلق واحد؛ لئلا ~~تتنافى الصفات القديمة أو الذات أو الأحوال في متعلقاتها، وهو محال، وحينئذ ~~يلزم غلبة الحادث للقديم، وهو باطل. # وإن كان لا مراد الوجود، ولا مراد العدم لزم خلو بعض الموجودات عن تعلق ~~الإرادة والعلم والقدرة به؛ لاستحالة تعلق بعضها بما لا يتعلق به البعض، ~~وإنه محال. # {فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا} (19) [الفرقان: 19] يحتج به القدرية، ووجهه: أن الله- عز وجل- ~~قسم في سؤال الآلهة تقسيما حاضرا؛ فقال: أأنتم أضللتم هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل؟ قالوا: ما أضللناهم. فتعين أنه هم ضلوا، فلذلك أكذبهم في دعواهم أن ~~هؤلاء المعبودين من دون الله أضلونا، وحينئذ يلزم نسبة ضلالهم إلى أنفسهم. # والجواب: أنا لا نسلم أن المراد بقوله-عز وجل-: {ويوم يحشرهم وما يعبدون ~~من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} (17) ~~[الفرقان: # 17] الحصر، بل المراد تكذيب الكفار في أن معبوديهم أضلوهم، وهو حاصل ~~بتنصل المعبودين عن ذلك، والقسمة تقتضي أن الذي أضلهم إما معبودوهم أو ~~أنفسهم، أو الله- عز وجل-مستقلا بإضلالهم كما/ [148 أ/م] تقول الجبرية، أو ~~مشاركا فيه، كما تقول الكسبية؛ وحينئذ لا يتعين ما ذكرتموه من أنهم هم ضلوا ~~بأنفسهم. # فإن قيل: فعلى كل حال لم تقم لهم حجة، ولا أقيم لهم عذر، ولو صح ما ~~ذكرتموه لاحتجوا به والتمسوا العذر ولأغنى عنهم شيئا. # وجوابه: أن هذا لا يلزم؛ لأن الكسبي يقول: قامت الحجة عليهم بكسبهم، ~~والجبري يقول: قامت الحجة عليهم بموجب علمه أن لو فوض إليهم خلق أفعالهم ~~لكانوا كفارا عصاة. PageV01P464 # الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) [الفرقان: ~~20] فيه تصريح بالتسبب إلى إيقاع الفتنة والضلال، ومعناه: جعلنا المرسلين ~~يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لنفتن بهم الكفار، ليقولوا: ms414 أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا، فيخالفونهم، فيكفرون فيعذبهم. # وهذه مقدمات صحيحة يستلزم بعضها بعضا، مستندا ذلك إلى ما فطرهم عليه من ~~الكبر وخلق فيهم من صوارف الإيمان ودواعي الكفر. # {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} (23) [الفرقان: 23] ~~سبق معناه في سورة النور عند {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب} (39) [النور: 39]. # {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} (25) [الفرقان: 25] فيه ~~دليل على أن السماء والأفلاك تقبل الخرق والالتئام؛ خلافا للفلاسفة، وحجتهم ~~أن حركة الفلك مستديرة والخرق والالتئام إنما يكون بحركة مستقيمة، ~~واجتماعها في موضوع واحد محال؛ ولأن الفلك هو المحدد للجهات، فلو قبل الخرق ~~والالتئام لكان ذلك بحركة قطعا، وتلك الحركة لا بد وأن تكون إلى جهة، ولا ~~جهة وراء محدد الجهات. # والجواب عن الأول: أنه مبني على أن الصانع فاعل بالطبع، وأن العلويات لا ~~تقبل الزوال، وذلك ممنوع/ [313/ل]، بل الصانع فاعل بالاختيار، فهو باختياره ~~يسلب الفلك حركته المستديرة ويحركه بالمستقيمة، فيقبل الخرق. # وعن الثاني: بأنه مبني على أن الجهة أمر ثبوتي متقرر لا تتجاوزه حركة وهو ~~ممنوع، بل هي أمر اعتباري أو إضافي فلا يلزم فيها ما ذكرتم، ولأن العلويات ~~أجسام، وكل جسم يقبل الخرق والالتئام. # {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} (29) [الفرقان: 28 - 29] أي بالكسب ~~والتسبب عند الجمهور، وبالخلق عند القدري. PageV01P465 # فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) [الفرقان: 32] تضمنت شبهة على الرسالة ~~وجوابها. # أما الشبهة فتقريرها: لو كان هذا الرسول صادقا لنزل عليه القرآن جملة ~~واحدة كتوراة موسى، لكنه يخترعه من عنده شيئا فشيئا على حسب ما يريده ويرد ~~عليه من الحوادث. # وجوابه: ليس كما ذكرتم، بل لتنزيله مفرقا حكمة من وجوه: أحدها: تثبيت ~~فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم باتصال نزول الوحي عليه. / [148 ب/م]. # والثاني: ترتيله في التنزيل ليتأدب بذلك في التلاوة {أو زد عليه ورتل ~~القرآن ترتيلا} ms415 (4) [المزمل: 4]. # والثالث: أن الكفار متى أوردوا إشكالا أو شبهة أو أتوا بسؤال أو مثل-كان ~~جوابهم بالمرصاد نأتيك به، وما ذكرتم من أنه لو كان صادقا لجاء بالقرآن ~~جملة واحدة-منتقض طردا وعكسا في الواقع أو في التقدير؛ إذ رب من جاء بكتاب ~~جملة وهو كاذب كالمتنبئين بالباطل، ورب من جاء بكتاب مفرقا وهو صادق، فليس ~~ما ذكرتموه بلازم. # {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا} (35) [الفرقان: ~~35] يحتج به الشيعة كما سبق في «طه»: {واجعل لي وزيرا من أهلي} (29) [طه: 29]. # {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا} (45) [الفرقان: 45] هذه آية أرضية تابعة لآية سماوية، نبه الله-عز ~~وجل-عليها؛ لأن حركة الظل وامتداده تابعة لحركة الشمس وغيرها من النيرات، ~~ولما كانت حركته بحركة الشمس مثلا كان سكونه، لو قدر، لسكونها، وسكون الشمس ~~في مجراها مقدور. # {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا} ~~(55) [الفرقان: 55] سبق نظيره أول السورة. # {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} ~~(58) [الفرقان: 58] يدل على أن حياته معنى زائد؛ لأن الموت مفارقة الحياة ~~فدل على أن له حياة لا تفارق. [وفيه ونظر]. PageV01P466 # ينوب عنها الباء، وأن الحروف ينوب بعضها عن بعض. ومنهم من يخرج ما وقع من ~~ذلك على قاعدة التضمين، كأنه هاهنا ضمن اسأل معنى ذاكر به خبيرا. # {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (67) ~~[الفرقان: 67] سبق نظيرها في مدح التوسط في «سبحان». # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} (68) [الفرقان: 68] الآيتين ~~تضمنتا/ [314/ل] قبول توبة القاتل عدوانا، وهي عند الجمهور ناسخة لآية ~~النساء في من يقتل مؤمنا متعمدا، كما سبق هناك. # {قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما} (77) ~~[الفرقان: 77] يقتضي أن لا حكمة ولا مقصود لخلق الناس إلا التوحيد والدعاء ~~بالوحدانية، نحو: ms416 {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (56) [الذاريات: 56] ~~وقيل: معناه: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم آلهة سواه، نحو: {ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما} (147) [النساء: 147] وهو ~~يقتضي ألا يعذب إلا مشرك، لكن دل دليل منفصل على تعذيب غير المشرك عذابا ~~منقطعا، والله- عز وجل-أعلم بالصواب. # ... PageV01P467 ### | AUTO القول في سورة الشعراء # {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} (4) ~~[الشعراء: # 4] فيه أن في قدرة الله-عز وجل-اضطرار خلقه إلى الإيمان بما يبهرهم به من ~~الآيات/ [149 أ/م]؛ لأن العقل لا يستقر لعجائب القدرة، فإذا غلبت عليه بهرته. # فأجاب: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} (5) ~~[الشعراء: 5] سبق نظيرها في «الأنبياء». # {قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} (15) [الشعراء: 15] يحتج به ~~الاتحادية، كما سبق. # {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} (16) [الشعراء: 16] وحد الرسول ~~باعتبار الجنس أو الرسالة، و {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني ~~إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى} (47) ~~[طه: 47] في «طه» لتعدد الشخص. # {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين} (20) [الشعراء: 20] لا حجة فيه لنفاة ~~عصمة الأنبياء-عليهم السلام-لأن هذا كان قبل النبوة، بدليل: {ففررت منكم ~~لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين} (21) [الشعراء: 21]. # {قال فرعون وما رب العالمين} (23) [الشعراء: 23] أبان بهذا عن جهله، إذ ~~لم يفرق بين من يعلم ومن لا يعلم حتى وضع «ما» في سؤاله موضع «من»، ولما ~~علم موسى خطأ فرعون في السؤال أجابه على مراده، لا على لفظه؛ فقال: {قال رب ~~السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} (24) [الشعراء: 24]. # {قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} (43) [الشعراء: 43] هذا أمر تعجيز، أي: # أنتم عاجزون عن معارضتي كيفما فعلتم، وحينئذ لا يرد قول من قال: كيف ~~أمرهم بإلقاء عصيهم وهو منكر؛ والأمر بالمنكر حرام؟ PageV01P468 # الجمهور، وبالذات والحقيقة عند الاتحادية. # {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود ~~العظيم} (63) [الشعراء: 63] أي فضربه فانفلق، وهذا من ms417 دلالة الاقتضاء وهى ~~التزامية؛ إذ انفلاقه يستلزم سببا وهو الضرب المأمور به. # فإن قيل: كيف يتصور انفلاق البحر وتماسك أجزاء الماء، وهو بطبعه سيال؟ ~~قلنا: هو ممكن، وكل ممكن مقدور. وبيان إمكانه أن طبع الماء مخلوق، فالخالق ~~له يقدر على إعدامه؛ فيتماسك أو يخلق في الماء كثافة حجرية يستمسك بها، كما ~~يقلب الماء ملحا، وقد سبق وتبرهن أن العناصر الأربعة يجوز انقلاب بعضها إلى ~~بعض، والماء أحدها؛ فجاز انقلاب/ [366/ل] طبعه كما ينقلب بغلبة الأرض ~~اليابسة عليه فيصير طينا. # فإن قيل: ما السبب في انفعال البحر وغيره لعصا موسى؟ قلنا: أما على رأي ~~المتكلمين؛ فجعل الله-عز وجل-استعمال موسى لها أمارة على خوارق يخلقها عند ~~ذلك، فهي سبب وأمارة [لا علة ومؤثرة. # وأما على رأي الاتحادية؛ فالله-عز وجل-بذاته ظهر فيها وجعلها مظهرا له ~~يتجلى منها لمخلوقاته وهو-عز وجل-إذا تجلى لشيء خضع له]، فلما تجلى للبحر ~~من العصا خضع له، فانفعل وانفلق، كما أنه لما تجلى للجبل اندك ولموسى أخذه الصعق. # {قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون} (73) [الشعراء: ~~72، 73] إشارة إلى سلب الأصنام الإلهية/ [149 ب/م] لنقصها، فيقتضي بقياس ~~العكس أن الإله الحق كامل لا نقص فيه. # {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} (74) [الشعراء: 74] احتجوا بالتقليد ~~الباطل. # {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} (77) [الشعراء: 77] قيل: استثناء منقطع؛ ~~لأن رب العالمين ليس من جنس ما يعبدون هم وآباؤهم الأقدمون، ويحتمل اتصاله؛ ~~لأن آباءهم الأقدمين يتناولهم إلى آدم، وكثير منهم كان يعبد رب العالمين. # وهو داخل في عموم ما كانوا يعبدون، فيكون إخراجه بالاستثناء متصلا. PageV01P469 # الهدى، [فالمستقل بالهدى] يستقل بالضلال. # {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} (82) [الشعراء: 82] يحتج به ~~على وقوع الخطيئة من الأنبياء لاعتراف إبراهيم بها على نفسه. # {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} (86) [الشعراء: 86] هذا إنجاز وعده إياه ~~بالاستغفار في سورة مريم؛ حيث قال: {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان ~~بي حفيا} (47) [مريم: 47] المراد: اهد أبي ليصير أهلا للمغفرة، بدليل: ~~{واغفر لأبي إنه كان من الضالين} ms418 (86) [الشعراء: 86]. # {فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون} (95) [الشعراء: 94 - ~~95] يعني العابد والمعبود والشيطان المغوي بعبادته يكبكبون في النار ~~لاشتراكهم في كسب الشرك. # {وما أضلنا إلا المجرمون} (99) [الشعراء: 99] يحتج به المعتزلة؛ إذ حصروا ~~إضلالهم في المجرمين المسولين لهم. # وأجاب الجمهور بأنهم أضلوهم بالكسب والتسبب. # {فما لنا من شافعين} (100) [الشعراء: 100] هذا في حق الكفار، فلا حجة فيه ~~للمعتزلة على نفي الشفاعة على الإطلاق. # {أمدكم بأنعام وبنين} (133) [الشعراء: 133] فيه إثبات النعمة على الكفار، ~~وقد سبق نظيره في الأعراف. # {قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} (155) [الشعراء: 155] قيل: # خرجت هذه الناقة من الجبل تمخض عنها، ثم انصدع فخرجت منه، وذلك ممكن ~~كالدود يعيش في باطن الأحجار. # ويحتمل أن الجبل جعل فيه تخلخل ومسام يدخل منه النسيم إليها ويخرج منه ~~النفس، إن قيل: إنها كانت هناك مدة، وإن قيل: اخترعها في الحال. فلا حاجة ~~إلى التوجيه. # {وإنه لتنزيل رب العالمين} (192) / [317 ل]) [الشعراء: 192] يحتج به على ~~أنه منزل لا مخلوق، وقد سبق. PageV01P470 # الكتب القديمة، فهو آية صدق النبي صلى الله عليه وسلم بدليل: {أولم يكن ~~لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} (197) [الشعراء: 197] ولو لم يكن ~~المراد ما ذكرناه لما كان آية، ولا قامت الحجة على الكفار بعلم علماء بني ~~إسرائيل، لأن مجرد كون معاني القرآن في التوراة مثلا لا يكفي في الحجة على ~~صدق الرسول. # {ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين} ~~(199) / [150 أ/م]) [الشعراء: 198 - 199] هذا شبيه بقوله-عز وجل-: {ولو ~~جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} (97) [يونس: 97] {*ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا ~~إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} (111) [الأنعام: 111] لأن إظهار هذا ~~القرآن على لسان رجل أعجمي معجز ضروري، ثم لو كان كذلك لما آمنوا لما يخلق ~~في قلوبهم من الصوارف عن الإيمان، دل على ذلك قوله-عز وجل-: {كذلك سلكناه ~~في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} (201) ~~[الشعراء: 200 - 201] أي سلكنا ms419 الشك فيه والتكذيب به في قلوبهم، فلا يدعهم ~~ذلك أن يؤمنوا. # {إنهم عن السمع لمعزولون} (212) [الشعراء: 212] لحراسة الشهب للسماء. # {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} (213) [الشعراء: 213] يحتج ~~بها على ما سبق في غير موضع من أن عصمة الأنبياء إنما هي من وقوع الكفر لا ~~من جوازه، وإلا لما كان لهذا النهي والوعيد عليه فائدة. # {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} (216) [الشعراء: 216] وعيدي محكم مثل ~~{وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون} (41) [يونس: 41]. # ... PageV01P471 ### | AUTO القول في سورة النمل # {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} (4) [النمل: ~~4] نسب تزيين الكفر إليه؛ فيحتج به الجمهور. # وأجاب المعتزلة: بأن ذلك جزاء على عدم إيمانهم لا ابتداء، وقد عرف. ~~وجوابه: # {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين} (8) [النمل: 8] احتج بها الاتحادية على أن الله-عز وجل-يظهر في ~~المظاهر؛ لأنه هاهنا ظهر لموسى في النار، ولذلك قال: {فلما جاءها نودي أن ~~بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين} (8) [النمل: 8] مجد ~~نفسه التي في النار، وبارك على موسى الذي هو حولها، ولأنه أخبر أن في النار ~~من يعبر عنه بمن في قوله: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين} (8) [النمل: 8]، ولا نعلم قائلا بأنه كان فيها ~~ملك ولا جان ولا إنس؛ فتعين أنه هو الذي كان فيها. # والجمهور عندهم أن هذا لو صح لكان إما على جهة الاتحادية أو الحلول، ~~وكلاهما باطل تبرهن بطلانه عندهم. # {وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم} (11) [النمل: 10، 11] قيل: هو استثناء منقطع. [وقيل: متصل، فاحتج به ~~من يرى جواز الظلم ونحوه من الأنبياء.] # {وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل ~~شيء ms420 إن هذا لهو الفضل المبين} (16) [النمل: 16] احتج به الشيعة على أن ~~الأنبياء يورثون؛ ليبطلوا الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إنا معاشر الأنبياء، لا نورث ما تركنا صدقة» (1) أخرجاه في الصحيحين ~~وغيرهما، وجه احتجاجهم منه قوله-عز وجل-في داود: {فهزموهم بإذن الله وقتل ~~داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة} PageV01P472 # {وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ~~ذو فضل على العالمين} (251) [البقرة: 251] ثم قال هاهنا: {وورث سليمان داود ~~وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل ~~المبين} (16) [النمل: 16] فدل على أن الملك الذي أوتيه داود ورثه سليمان ~~هاهنا، وإذا ثبت ذلك كان الحديث المشهور على خلاف نص/ [150 ب/م] القرآن، ~~فيكون مردودا، واعترض الجمهور بوجهين: # أحدهما: أن المراد: وورث سليمان داود علمه وحكمته، بدليل أن قبل ذلك ~~{ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين} (15) [النمل: 15] وبعده {وورث سليمان داود وقال يا أيها ~~الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين} (16) ~~[النمل: 16] يعني سليمان. # الوجه الثاني: أن قوله-عز وجل-: {وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين} (16) / ~~[318/ل] [النمل: 16] مطلق لا عموم له، فيصدق بصورة تتأدى بها وظيفته، ~~وأجمعنا أنه ورثه العلم، فلم يبق لإرث المال ما يقتضيه من اللفظ فتسقط دعواه. # وأجاب الشيعة عن الأول: بأنا لا نسلم المراد إرث العلم لوجهين: # أحدهما: إن إرث العلم مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # الثاني: أن سليمان كان قد أوتي من العلم أكثر من علم داود، بدليل قوله-عز ~~وجل- {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~والطير وكنا فاعلين} (79) [الأنبياء: 79] وكان سليمان يستدرك على داود ~~قضاياه، كما في قصة المرأتين اللتين أخذ الذئب ابن إحداهما وغيرها، فلم يكن ~~له حاجة إلى إرث علم داود. # وأما قوله-عز وجل-: {ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا ms421 الحمد لله الذي ~~فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} (15) [النمل: 15] فحجة لنا؛ لأنه يقتضي PageV01P473 # استغناء سليمان عن علم داود لكونه أوتي من العلم مثله. وقوله: {وورث ~~سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا ~~لهو الفضل المبين} (16) [النمل: 16] إما خاص بسليمان؛ فيؤكد ما قلناه، أو ~~عام فيه وفي داود، وهو لا يقتضي أنه ورثه. # وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه ورثه العلم، وإنما ورثه عندنا الملك الذي ~~أوتيه وبه تأدية وظيفة اللفظ. # قالوا: ومما يقدح في الحديث أن أهل السير اتفقوا على أن إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا مياسير ذوي ثروة. من إبل وغنم وكراع وأثاث، ~~ثم إن بعضهم ورث بعضا، ولم ينقل قط أن أحدا منهم قال: تصدقوا بتركتي؛ فإني ~~لا أورث، ولو كان ذلك مشهورا لكان متواترا عن الأنبياء كمعجزاتهم. # وقصد الشيعة [لعنهم الله] بذلك تظليم الشيخين بمنع فاطمة إرثها من أبيها، ~~والعباس [إرثه من] ابن أخيه صلى الله عليه وسلم اعتمادا على حديث هو على ~~خلاف نص أو ظاهر القرآن. وبين الطائفتين فيه بحث طويل قد سبق نبذة جيدة منه ~~في أول سورة مريم. # {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} (23) [النمل: ~~23] يحتج به، وبقوله-عز وجل-: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين} (25) [الأحقاف: 25] على تخصيص العموم ~~بالحس؛ لأنه من المدرك حسا أن بلقيس هذه لم تؤت من ملكوت السماوات شيئا، ~~وكذلك الريح لم تدمر السماوات والأرض والجبال. والأشبه أن يجعل ذلك من/ ~~[151 أ/م] باب العام أريد به الخاص، وهو خصوص ما أوتيته هذه ودمرته الريح. # {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل فهم لا يهتدون} (24) [النمل: 24] أي بالوسوسة، والله-عز وجل- ~~زينها لهم خلقا، وأي خلقها بما خلق فيهم من دواعيها؛ لقوله-عز وجل-: # {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم ms422 إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} (108) ~~[الأنعام: 108]. PageV01P474 # {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} (35) [النمل: 35] قيل: ~~أي منتظرة. ويستشهد به المعتزلة على أن ناظرة في قوله-عز وجل-: {إلى ربها ~~ناظرة} (23) [القيامة: 23] بمعنى منتظرة، أي تنتظر نعم ربها؛ لئلا يلزمهم ~~ثبوت الرؤية. # ويجاب بأن قولها: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} (35) ~~[النمل: 35] معناه فرائية بم يرجع، كما يقال: قد أرسلت إلى فلان بكذا ~~لأنظر، أي لأرى ما يكون منه، وهى رؤية عين أو قلب، فيسقط استشهادهم. # {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي ~~أمين} (39) [النمل: 39] إلى قول الآخر: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} ~~(40) [النمل: 40] فيه أن التصرف بالقدرة أعظم/ [319 ل] من التصرف بالأقدار؛ ~~لأن تصرف العفريت لو وقع كان بإقدار الله-عز وجل-له عليه، وتصرف الذي عنده ~~علم من الكتاب كان بقدرة الله-عز وجل-بواسطة اسمه الأعظم، فلذلك كان أسرع وأعظم. # {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون} (50) [النمل: 50] فيه جواز وصف ~~الله-عز وجل-بالمكر، وهو بلوغ المقصود بطريق لطيف يخفى على الخصم، ثم إن ~~المخلوق إنما يستعمل المكر غالبا لعجزه عن بلوغ المقصود مجاهرة، والله-عز ~~وجل- يفعله على طريق الحكمة وإقامة الحجة ونحوه، لا عجزا عن المجاهرة؛ إذ ~~لا يعجزه شيء. PageV01P475 # عز وجل-يحتج بها على وحدانيته ونفي الشريك له، وأنه الإله الحق لا غيره. # ونظم الدليل منه هكذا: إن الله-عز وجل-يفعل هذه الأفعال، وكل من فعل ذلك ~~فهو الإله الحق لا غيره، فالله-عز وجل-هو الإله الحق لا غيره. # أو يقال: لا شيء من آلهتكم [تفعل هذه الأفعال، والإله الحق يفعل هذه ~~الأفعال، وكل من فعل ذلك فهو الإله الحق لا غيره، فالله-عز وجل-هو الإله ~~الحق لا غيره. # أو يقال: لا شيء من آلهتكم [تفعل هذه الأفعال، والإله الحق ms423 يفعل هذه ~~الأفعال، فلا شيء من آلهتكم] بإله الحق. # {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان ~~يبعثون} (65) [النمل: 65] إنما كان كذلك؛ لأن مدار علم الغيب على كمال ~~القدرة والإرادة والعلم، وهذا الكمال مختص بالله-عز وجل-فذلك اختص بعلم الغيب. # وبيان ذلك: أن الله-عز وجل-إذا أراد إيقاع المطر مثلا بعد شهر وإرادته/ ~~[151 ب/م] لا معارض لها يمنعها عن إيقاعه بعد الشهر وقدرته على ذلك تامة لا ~~عجز يلحقها، وعلم أنه لا ينسخ هذا الحكم ولا يلحقه فيه بداء علم قطعا وقوع ~~المطر بعد شهر، وهكذا علم الغيب في سائر الصور، [ولو كان مثل هذه الإرادة ~~والقدرة والعلم لأحد من الخلق لعلم الغيب قطعا، لكن ذلك في المخلوق غير ~~موجود] وإنما من خواص واجب الوجود- سبحانه وتعالى. # {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان ~~يبعثون} (65) [النمل: 65] يعني من في السماوات والأرض لا يعلمون متى البعث؛ ~~لأنه عند قيام الساعة وقيام الساعة من مفاتح الغيب الخفي علمها عن الخلق. # {وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون} (67) [النمل: ~~67] هذا إنكار منهم للبعث، وسبق نظيره في «المؤمنون» ودليله في النحل، ~~وتقريره يأتي بعد إن شاء الله عز وجل. # {قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} (72) [النمل: 72] يستدل به ~~على زيادة اللام؛ إذ تقديره: ردفكم، ويحتمل أنه ضمن ردف معنى بدأ أو غيره ~~مما يتعدى باللام، أي: بدا أو ظهر لكم، ولا يحتاج إلى حمله على الزيادة ~~لأنها خلاف الأصل. PageV01P476 # وقد وجهتم كيفية علم الغيب في الأشياء الخارجة، فكيف توجيه علمه بذات ~~الصدور الباطنة؟ قلنا: قد] اختلف في توجيهه، فالمتكلمون [وسائر أهل الحق] ~~قالوا: لأن علمه كامل، وهو صفة قديمة قائمة بذاته عامة التعلق بالمعلومات ~~الظاهرة والباطنة، الكلية والجزئية، كما إرادته عامة التعلق بالمرادات، ~~وقدرته عامة التعلق بالمقدورات. # والفلاسفة والمعتزلة لما كانوا يرون أن لا علم زائد على مفهوم ذاته؛ ~~قالوا: إن ذاته لما استغرقت الأزل والأبد وجودا كذلك استغرقت ما ms424 بينهما من ~~المعلومات علما {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا ~~الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل ~~شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفاتحين} (89) [الأعراف: 89]. # [وزعموا أن الفرق بينه وبين غيره في عموم العلم وخصوصه هو هذا، وهو أن ~~علمه بالأشياء بذاته، فعم علمه وعلم غيره بصفة زائدة على مفهوم ذاته، فخص ~~علمه بعض المعلومات دون بعض. # وقد سبق الكلام معهم في هذه المسألة. # وزعم بعض الأوائل: أن أرواح الخلق تعرج إليه كل يوم وليلة حال النوم، ~~فتفضي إليه بما تكنه الصدور، ويأمرها بما يحرك به القلوب. كما حكاه ميخا ~~النبي أو غيره من أهل الكتب الاثني عشر في (مرامية). # وأما الاتحادية فعندهم: أنه سار بذاته في الخلق؛ فلذلك يعلم ما تكنه ~~الصدور/ [152 أ/م] وتوسوس به النفوس، واستدلوا بنحو: {ونحن أقرب إليه منكم ~~ولكن لا تبصرون} (85) [الواقعة: 85]، {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ~~به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (16) [ق: 16] وغيره مما سبق من ~~حجتهم في سورة الأنعام، فهذا ما حضرنا الآن في هذا الجواب، والأقرب إلى ~~تنزيه الله-عز وجل-وأدلة الشرع-هو قول المتكلمين، وهو مذهب المسلمين]. # {وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} (75) [النمل: 75] اعلم ~~أن علمه-عز وجل-سبق بالكائنات/ [320 ل] في الأزل، ثم أثبتها في الكتاب ~~المبين وهو اللوح المحفوظ على وفق علمه الذاتي، أو كما شاء ثم إنها في ~~الواقع تقع على مطابقة ما سبق في العلم الأزلي والكتاب المبين. PageV01P477 # {* وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون} (82) [النمل: 82] هذه من غائبات القرآن الواجب وقوعها، ~~ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بالغائبات التي لا بد من ~~وجودها. # {حتى إذا جاؤ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون} ~~(84) [النمل: 84] يحتج به الظاهرية في العقائد ويقولون: إن الله-عز ms425 وجل- ~~خاطبنا من صفات ذاته بما لا نحيط به، فيجب علينا الإيمان بظاهره. # ويجاب عنه: بأن ذلك متشابه، وقوله-عز وجل: {فاطر السماوات والأرض جعل لكم ~~من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير} (11) [الشورى: 11] محكم، فيجب رد المتشابه إليه واستعمال التنزيه ~~عما لا يليق بجلاله-عز وجل. # {وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من ~~المنذرين} (92) [النمل: 92] يحتج به القدرية لنسبة الضلال إلى المكلف ~~ومقابلته بالإنذار، وقد عرف جوابه. # ... PageV01P478 ### | AUTO القول في سورة القصص # {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين} (8) [القصص: 8] هذه لام العاقبة. أي: لتكون عاقبتهم ذلك؛ نحو: # لدوا للموت وابنوا للخراب .... . . # {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من المؤمنين} (10) [القصص: 10] أي: ثبتناها عن الإبداء بأمر موسى. # وذلك لما ألهمناها وخلقناه في قلبها من دواعي الكتمان والصوارف عن ~~الإذاعة. واستعارة الربط [هاهنا] من بديع الاستعارة تشبيها للقلب بوعاء ربط ~~لحفظ ما فيه. # ويحتج الجمهور بهذا؛ لأن الله-عز وجل-إذا كان له من التصرف في القلوب أن ~~يربط عليها ويطلقها-كان له من التصرف فيها أن يهديها ويضلها. # {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون} (13) [القصص: 13] فيه تعليل أفعاله-عز وجل-/ [152 ب/م] ~~بالحكم والمقاصد. # {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} (15) [القصص: 15] احتج ~~به الشيخ شمس الدين الجزري شارح المنهاج في أصول الفقه على الشيخ تقي الدين ~~ابن تيمية-فيما قيل عنه إنه قال: لا يستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأن الاستغاثة بالله-عز وجل-من خصائصه وحقوقه الخاصة به؛ فلا تكون لغيره ~~كالعبادة. # وتقرير الحجة المذكورة: أنه قال: يجب أن ينظر في حقيقة الاستغاثة ما ms426 هي، ~~وهي الاستنصار والاستصراخ، ثم قد وجدنا هذا الإسرائيلي استغاث بموسى ~~واستنصره واستصرخه بنص هذه الآيات، وهي استغاثة مخلوق بمخلوق، وقد أقر موسى ~~عليها الإسرائيلي، وأقر الله-عز وجل-موسى على ذلك، ولم ينكر محمد صلى الله ~~عليه وسلم ذلك لما نزلت عليه هذه الآية. أي فكان هذا إقرارا من الله-عز وجل ~~ورسوله على استغاثة المخلوق PageV01P479 # بالمخلوق، وإذا جاز أن يستغاث بموسى فبمحمد صلى الله عليه وسلم/ [321 ل] ~~أولى؛ لأنه أفضل بإجماع. # ومما يحتج به على ذلك حديث هاجر أم إسماعيل حيث التمست الماء لابنها؛ فلم ~~تجد، فسمعت حسا في بطن الوادي، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. وهذا في ~~معنى الاستغاثة منها بجبريل، وقد أقرها على ذلك ولم ينكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم عليها لما حكاه عنها. # ولأن اعتقاد التوحيد من لوازم الإسلام، فإذا رأينا مسلما يستغيث بمخلوق ~~علمنا قطعا / [153 أ/م] أنه غير مشرك لذلك المخلوق مع الله عز وجل، وإنما ~~ذلك منه طلب مساعدة، أو توجه إلى الله ببركة ذلك المخلوق، وإذا استصرخ ~~الناس في موقف القيامة بالأنبياء ليشفعوا لهم في التخفيف عنهم، جاز ~~استصراخهم بهم في غير ذلك المقام، وقد صنف الشيخ أبو عبد الله بن نعمان ~~كتابا سماه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» واشتهر هذا الكتاب ~~وأجمع أهل عصره على تلقيه منه بالقبول، وإجماع أهل كل عصر حجة، فالمنكر ~~لذلك مخالف لهذا الإجماع؛ فإن قيل: الآية المذكورة في قصة موسى والإسرائيلي ~~ليست في محل النزاع من وجهين: أحدهما أن موسى حينئذ كان حيا، ونحن إنما ~~نمنع من الاستغاثة بميت. الثاني أن استغاثة صاحب موسى به كان في أمر يمكن ~~موسى فعله وهو إعانته على خصمه وهو أمر معتاد، ونحن إنما نمنع من الاستغاثة ~~بالمخلوق فيما يختص بالله-عز وجل-كالرحمة والمغفرة والرزق والحياة، ونحو ~~ذلك: فلا يقال: يا محمد، اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو أجبني أو أعطني ~~مالا وولدا؛ لأن ذلك شرك بإجماع. # وأجيب عن الأول بأن الاستغاثة إذا جازت بالحي فبالميت المساوي-فضلا ms427 عن ~~الأفضل-أولى؛ لأنه أقرب إلى الله-عز وجل-من الحي لوجوه: # أحدها: أنه في دار الكرامة والجزاء، والحي في دار التكليف. # الثاني: أن الميت تجرد عن عالم الطبيعة القاطعة عن الوصول إلى عالم ~~الآخرة، والحي متلبس بها. # الثالث: أن الشهداء في حياتهم محجوبون، ويعد موتهم أحياء عند ربهم ~~يرزقون. # وعن الثاني: أن ما ذكرتموه أمر مجمع عليه معلوم عند صغير المسلمين-فضلا ~~عن كبيرهم-أن المخلوق على الإطلاق لا يطلب منه ولا ينسب إليه فعل ما اختصت ~~القدرة الإلهية به، وقد رأينا إغمار النار وعامتهم وأبعدهم عن العلم ~~والمعرفة يلوذون بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزيدون على أن يسألوا ~~الشفاعة والوسيلة: [يا رسول]، اشفع لنا، يا الله ببركة نبيك اغفر لنا: فصار ~~الكلام في المسألة المفروضة فضلا لا حاجة بأحد من المسلمين إليه. PageV01P480 # وإذا لم يمكن بد من التعريف بهذا الحكم خشية أن يقع فيه أحد، فليكن ~~بعبارة لا توهم نقصا في النبي صلى الله عليه وسلم ولا غضا من منصبه، مثل أن ~~يقال: ما استأثر الله-عز وجل-بالقدرة عليه، فلا يطلب من مخلوق/ [322 ل] على ~~الإطلاق أو نحو هذا ولا يتعرض للنبي صلى الله عليه وسلم سلب الاستغاثة عنه ~~مطلقا ولا مقيدا، ولا يذكر إلا بالصلاة والسلام عليه، والرواية عنه، ونحو ذلك. # هذا حاصل ما وقع في هذه المسألة، سؤالا وجوابا، ذكرته بمعناه وزيادات من عندي. # {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} (15) [القصص: 15] يحتج ~~به المعتزلة في نسبة خلق الأفعال إلى المخلوق: لأن موسى نسب قتله القبطي ~~إلى الشيطان بأنه من عمله. # وأجيب بأن معناه، هذا من جنس عمل الشيطان، أو مما وسوس به [وزينه] ~~الشيطان ونحو ذلك، وإلا فقتل القبطي مخلوق لموسى عندكم [على] الحقيقة، ~~وعندنا الله-عز وجل-فلم يبق للشيطان إلا التزيين والوسوسة، ولموسى إلا ~~الكسب عندنا. # {قال ms428 رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} (16) ~~[القصص: 16] أي بكسب القتل عندنا وبخلقه عندهم. # {فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين} (18) [القصص: 18] فسر الاستغاثة السابقة بالاستنصار / ~~[153 ب/م] والاستصراخ فدل على أنها مترادفة على معنى واحد، كما سبق ذكره. # {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ~~يا موسى إني أنا الله رب العالمين} (30) [القصص: 30] يحتج بها الصوتية لأن ~~المنادي هاهنا هو الله-عز وجل-بنفسه، بدليل {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} ~~(30) [القصص: 30] والنداء لا يعقل إلا بحرف وصوت. PageV01P481 # وأجاب الخصم باحتمال أن النداء بواسطة ملك حاك؛ لقوله: {فلما أتاها نودي ~~من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا ~~الله رب العالمين} (30) [القصص: 30] أو يكون موسى غاب عن حسه فأدرك النداء ~~بلا صوت ولا حرف في الخارج كما يدرك النائم الكلام كذلك، ولو صح قول ~~الصوتية للزم أن الله-عز وجل-جسم في ذاته أو أنه يتطور في الأجسام إذا شاء ~~ويتخذها مظهرا له على رأي الحلولية أو الاتحادية، وإنه باطل؛ لأن الجسمية ~~من لوازم الصوت قطعا. # {اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب ~~فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين} (32) ~~[القصص: 32] البرهان هو الحجة المركبة من مقدمتين قاطعتين، وعصا موسى ويده ~~البيضاء كذلك؛ إذ يقال في كل واحدة منهما: هذا خارق للعادة، وكل خارق ~~للعادة معجز يدل على صدق صاحبه، فهذا معجز يدل على صدق موسى. # {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن ~~يكذبون} (34) [القصص: 34] هذا مما تناقض به الشيعة [لعنهم الله] حيث قالوا: ~~إن قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» أثبت له ~~المنازل الهارونية. فيقال له: # فيجب أن يكون ms429 علي أفصح منه، كما كان هارون أفصح من موسى. فإن التزموا ذلك ~~فهو خلاف الإجماع، وخلاف قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أفصح من نطق الضاد» ~~(1) وإن لم يلتزموه انقضت دعواهم، اللهم إلا أن يمنعوا كون الفصاحة منزلة ~~من المنازل، أو يسلموا ذلك ويدعوا تخصيصها بدليل كالنبوة، مع أن كثيرا منهم ~~يزعم أن كلام علي في النهج وغيره أفصح الكلام بعد القرآن. # {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان ~~على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين} ~~(38) / [323 ل]) [القصص: 38] يحتج بها أصحاب الجهة كما سبق. PageV01P482 # {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} (40) ~~[القصص: 40] إلى {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} ~~(41) [القصص: 41] إلى قوله: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم ~~من المقبوحين} (42) [القصص: 42] هذا كله يتناول بعمومه فرعون مع جنوده وهو ~~قاطع في الرد على من زعم أنه مات مؤمنا إيمانا اختياريا نافعا. # {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين} ~~(44) [القصص: 44] إلى {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} (46) [القصص: 46] هذا ~~استدلال على صدق محمد-عليه الصلاة والسلام-وتقريره كما سبق في {ذلك من ~~أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما ~~كنت لديهم إذ يختصمون} (44) [آل عمران: 44] أي أنت لم تشهد موسى حين أوحينا ~~إليه، ولا كتبت ولا دارست ولا أخبرت/ [154 أ/م]، فما قصصت خبره على وجهه ~~إلا رحمة من ربك وهو الوحي. # واعلم أن في التوراة: أن إسحاق أو يعقوب جرى له في سقي الغنم ولقاء ~~المرأتين، ونكاح امرأة ونحوه شبيها بما تضمنته هذه السورة مما جرى لموسى مع ~~ابنتي شعيب. # وليست قصة هذا السياق في التوراة، فاليهود إذا سمعوا قراء المسلمين ~~يقرءون سورة القصص تغامزوا بينهم، أي انظروا كيف اشتبهت القصة ms430 على محمد أو ~~على من لقنه فحرفها وبدلها؛ لأنها عندهم قصة إسحاق أو يعقوب، وأنا رأيتهم ~~ينظر بعضهم إلى بعض [في بعض] الأسواق، وقارئ ضرير يقرأ هذه القصة. # والجواب: أن ما ذكروه غير لازم؛ لجواز أن القصة حرفت في التوراة عن موسى ~~إلى غيره. والتوراة أولى بالتحريف لوجوه: # أحدها: تقادم عهدها. # الثاني: إحراق بخت نصر لها حتى لم يجدوها إلا عند عزيز، فأملاها عن ظهر ~~قلب، فزعموا أنه ابن الله لذلك على ما قيل. # الثالث: أن أحبارهم حرفوا منها كثيرا من صفات محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأحواله الدالة على نبوته PageV01P483 # استزلالا لعامتهم أن يؤمنوا، واستدامة للرياسة عليهم، فلعلهم حرفوا هذه ~~القصة إلى إسحاق لما سمعوها في القرآن مضافة إلى موسى إيقاعا للريبة في ~~قلوب عوامهم. # وقد رأيت لأبي الفخر الإسكندري النصراني-وكان يهوديا فتنصر-أو لغيره جزءا ~~جمع فيه ما حرفه اليهود من التوراة، تحريف تبديل لا تحريف تأويل، رأيت هذا ~~الجزء عند أبي البشائر بن فرج الله النصراني الحكيم بقوص من بلاد الصعيد. # سلمنا أن القصة لم تحرف في التوراة، لكن جاز أنها جرت لإسحاق وموسى ~~جميعا، فذكرت عن إسحاق في التوراة وعن موسى في القرآن دون التوراة، على حسب ~~اختيار المتكلم أو حكمته أو الداعي إلى ذلك. # ومع هذا الاحتمال لا يجوز القطع بالتحريف على أحد الموضعين. # كيف وإن عبد الله بسلام أعلم اليهود/ [324 ل] بالتوراة ومن تابعه منهم-مع ~~علمهم بسورة القصص-لم يمتنعوا من الإسلام، ولو صح عندهم ما قلتم لامتنعوا ~~منه، بل قامت عندهم براهين النبي صلى الله عليه وسلم من التوراة وغيرها من ~~كتب الأولين: فأسلموا. # قوله-عز وجل-: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر ~~قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} (46) [القصص: 46] احتج بها ~~بعض أهل الذمة في كتاب له على أن محمدا إنما أرسل إلى العرب. لأنهم هم ~~الذين ما أتاهم من نذير قبله، أما/ [154 ب/م] بنو إسرائيل فالنذر والرسل ~~قبله فيهم كثير. # وجوابه من وجهين: # أحدهما: ms431 أن المراد ما أتاهم من نذير من قبلك في هذه الفترة التي بينك ~~وبين المسيح، فطال العهد وحرفت الكتب ودخلت الملل، فاحتيج إلى رسول يرشد ~~الناس إرشادا خالصا من الريب، وإليه الإشارة بقوله-عز وجل-: {ولكنا أنشأنا ~~قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ~~ولكنا كنا مرسلين} (45) [القصص: 45]. # الوجه الثاني: هب أن المراد بالقوم الذين لم يأتهم نذير قبله هم العرب، ~~لكن ليس في الآية ما يقتضي تخصيص إرساله إليهم إلا بطريق مفهوم ضعيف، لكن ~~ذلك المفهوم لا يعارض نصوص القرآن في عموم الدعوة، ثم إن من اعترف برسالته ~~إلى العرب لزمه القول بعموم دعوته؛ لأن مطلق رسالته ولو إلى قبيلة من العرب ~~يستلزم صدقه، وقد تواتر عنه أنه PageV01P484 # ادعى عموم الدعوة، فيجب قبول ذلك منه لثبوت رسالته المطلقة، أو مطلق ~~رسالته. # {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} (47) [القصص: 47] سبق نظيرها في ~~إقامة الحجة بإرسال الرسل في آخر «طه» و «النساء». # {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} (56) ~~[القصص: 56] سياق ما قبلها يقتضي أنها في أهل الكتاب؛ لأنه قسمهم قسمين: # أحدهما: معاند للقرآن منكر له، وهو المذكور في قوله-عز وجل-: {ولولا أن ~~تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين} (47) [القصص: 47] إلى {*ولقد وصلنا لهم القول ~~لعلهم يتذكرون} (51) [القصص: 51]. # والثاني: مؤمن بالقرآن. وهم مؤمنو أهل الكتاب، وهو المراد بقوله-عز وجل-: # {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} (52) [القصص: 52] إلى ~~{أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ~~ينفقون} (54) [القصص: 54] إلى {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} (55) [القصص: 55] ~~وهؤلاء كعبد الله بن سلام وأصحابه، ثم جاءت هذه الآية مشتركة بين القسمين ~~فقوله-عز وجل- {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] إشارة إلى القسم الأول ~~الضال منهم، وقوله-عز وجل-: {ولكن ms432 الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} ~~(56) [القصص: 56] إشارة إلى القسم الثاني المهتدي منهم، فهذا كلام متجه ~~بشهادة ظاهر الكتاب، غير أن الحديث الصحيح ورد بأن هذه نزلت في أبي طالب ~~حين أحب النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى الإسلام عند موته، فالمشهور ~~أنه امتنع ومات على ملة عبد المطلب. # وحكى ابن إسحاق أنه نطق/ [325 ل] بكلمة الشهادة قبل خروج روحه والعباس ~~عنده فسمعه، فقال العباس: إنه قد أسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ~~سمعت شيئا» فلما اختلف النقل في ذلك اختلف [أهل] السنة والشيعة في ذلك، ~~فقال الجمهور: إنه مات كافرا، PageV01P485 # واحتجوا بوجوه: # أحدها: هذه الآية نزلت بسببه، وهى تقتضي عدمه إسلامه/ [155 أ/م] لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب إسلامه، والآية تضمنت أنه لا يهدي من أحب. # الثاني: الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قيل له: إن أبا طالب كان ~~يحوطك، فهل تنفعه بشيء؟ قال «نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في ~~الدرك الأسفل من النار» (1) وفي حديث آخر: «في رجليه نعلان من نار يغلي ~~منهما دماغه» (2). # الثالث: ما جاء في بعض الآثار أن أبا طالب لما جاء علي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «فاذهب فواره» (3) ~~ثم أمر عليا بعد ذلك بالغسل، ولولا أنه مات كافرا لما سماه ابنه علي ضالا، ~~ولا أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولا تخلف عن شهود أمره ولا أمر ~~عليا بالاغتسال من غسله. # الرابع: أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع سرير أبي طالب ~~عارضه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «وصلتك رحم يا عم» (4) ولم يتبعه، ~~ولو مات مسلما لكان أحق وأفضل من تبعه لما كان يحوطه وينصره ويشفق عليه، ~~وقالت الشيعة: إنه مات مسلما، واحتجوا بوجوه: # أحدها: قوله-عز وجل-: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ms433 ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون} (157) [الأعراف: 157] قالوا: ولا يقدر أحد يدعي أن أحدا نصر ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ووقره نصرة أبي طالب له حين لا ناصر من الخلق ~~سواه، حتى حارب قريشا بأسرها PageV01P486 # في نصرته، وقد فصل في السير المعتبرة من ذلك ما لا نطيل بذكره، ولم ينصره ~~هذه النصرة وقطع فيه رحم قومه إلا وهو مؤمن به، ولكنه أخفى إيمانه تقية؛ ~~لأن تدبير الحرب والمكيدة في نصرة الله ورسوله اقتضت ذلك، ولو أظهر خلافهم ~~في الدين لتمالؤوا عليه، ثم لم يثبت لهم، فلما أيقن بالموت أظهر إسلامه كما ~~رواه عنه العباس فيما رواه ابن إسحاق؛ لأنه لم ييأس من نفسه وحرب قومه إلا ~~ذلك الوقت. # الثاني: أن أبا طالب كفل يتيما، وكل من كفل يتيما فهو في الجنة، أما ~~الأولى فلأن أبا طالب كفل محمدا صلى الله عليه وسلم يتيما وهو أفضل الأيتام ~~وغيره. وأما الثانية فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين ~~في الجنة» (1) وأشار بإصبعيه، فإذن أبو طالب في الجنة، وذلك يستلزم/ [326 ~~ل] إيمانه. # الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على نكاح زوجته فاطمة بنت أسد ~~أم علي، ولولا أنه مؤمن لما أقره، إذ ليس من دينه نكاح الكافر المسلمة. # الرابع: أن الحديث الصحيح ورد بأن المرء مع من أحب، ولا يشك أحد أن أبا ~~طالب كان/ [155 ل/م] يحب النبي صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليؤثره على ~~أولاده، فليكن معه صلى الله عليه وسلم عملا بموجب الحديث، وذلك مستلزم ~~لإيمانه. # الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أبا طالب؛ لأنه كافله ~~وناصره ومربيه وعمه صنو أبيه لأبويه، لا يشك أحد في ذلك، وكل من أحبه النبي ~~صلى الله عليه وسلم أولى بذلك، وإن شك شاك في حب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأبي طالب فلينظر ms434 إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «جبلت القلوب على حب من ~~أحسن إليها» (2) ولا أحد أحسن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إحسان أبي ~~طالب؛ فوجب أنه صلى الله عليه وسلم كان يحبه. # السادس: أن أبا طالب جاهد في الله، وكل من جاهد في الله مؤمن، أما الأولى ~~فلأنه نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من نصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو مجاهد في الله، ومن تأمل السيرة علم أن جهاد أبي طالب في ~~نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه وذبه عنه، وحياطته له أفضل ~~الجهاد حين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وقصارى من اتبعه أن يفروا ~~بدينهم إلى الحبشة وغيرها، وقريش بأسرها وأحابيشها وأتباعها ترميه عن قوس ~~واحدة، وأبو طالب يلقى عنه بنحره، هذا مما لا ينكره منصف. PageV01P487 # وأما الثانية فلقوله عز وجل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن ~~الله لمع المحسنين} (69) [العنكبوت: 69] وحسبك به وعدا يقتضي هداية من جاهد ~~في الله. # السابع: أن أشعار أبي طالب في ديوانه تنادي بإيمانه، كقوله في مدح النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # إن اقتضى سياقه أنه مدح فيه ولا أحقق ذلك والظاهر خلافه، وليس هذا ~~بالمقصود، إنما المقصود مثل قوله: # ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا # وفى رواية: # وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا # وقوله: # فاصدع بأمرك ما عليك خصاصة ... وافرح وقر بذاك منك عيونا # فهذا مدح لدينه وتصديق له، وأمر له بإظهاره والصدع به، ولا إيمان فوق ~~ذلك، وأشعاره في المعنى كثيرة لم نستحضرها. فهذا ما نحفظه ونستحضره الآن من ~~حجج الأخرى يطول فلنقتصر/ [156 أ/م]. # وقد رأيت لبعض الشيعة كتابا مستقلا في إسلام أبي طالب، والذي ذكرته لهم ~~جل ما فيه-إن لم يكن كله-فاعلم ذلك. # ثم إن قوله-عز وجل-: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو ~~أعلم بالمهتدين} (56) [القصص: 56] يحتج بها ms435 الجمهور في أن الهداية إلى ~~الله- عز وجل-فكذا الضلال مقابل لها هو بقدره خلافا للمعتزلة. # {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} (59) [القصص: 59] سبق نظيرها في ~~الأنعام وهود. PageV01P488 # يدل عليه: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم ~~وإليه ترجعون} (70) [القصص: 70] أي فيهما، وإذا كان له الحكم في الدنيا على ~~العموم والإطلاق، فلا حكم لأحد معه، ولا اختيار، وذلك حقيقة الإجبار. # {ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون} (75) [القصص: 75] فيه أن المستدل إذا طولب بالدليل ~~على دعواه فلم يذكره أو لم ينهض بتقريره أنه يكون منقطعا؛ لأن هؤلاء ادعوا ~~الشركاء فإذا طولبوا بالبرهان لم يجدوه. # وقد حكم بانقطاعهم ولزوم الحجة لهم. # {قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا} [القصص: 78] قيل: هو الكيمياء، وقد ~~سبق القول فيها غير مرة، وذكر في السير أن موسى لما أمر ببناء قبة الزمان ~~بالذهب بنى بما مع بني إسرائيل من الذهب الذي كانوا خرجوا به من مصر، فلم ~~يكف، فشكا موسى ذلك إلى ربه فنزل جبريل فعلمه الكيمياء: فعمل منها ما كمل ~~به بناء القبة، ثم تركها، ثم إنه علمها أخته وأخاه هارون، فسأله قارون أن ~~يعلمه إياها، فقال: لا خير لك فيها، فألح عليه حتى علمه فكنز منها الكنوز. ~~ثم كانت سبب هلاكه دنيا وأخرى. # قيل: ومن ثم كان أكثر ما يوجد الكيمياء والزغل في ولد هارون من اليهود. # {ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} (78) [القصص: 78] أي بعد إقامة الحجة ~~عليهم، إذ لا فائدة في سؤالهم بعد ذلك. # {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون} (88) [القصص: 88] قيل: ذاته، وقيل: صفة تسمى وجها، وقيل: إلا ~~ما أريد به جهة التقرب إليه. ms436 # ... PageV01P489 ### | AUTO القول في سورة العنكبوت # {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون} (14) [العنكبوت: 14] يحتج به على استثناء الأقل. # {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون} (17) [العنكبوت: 17] يحتج به القدرية لتصريحه إضافة خلق الإفك إليهم. # وجوابه: أن معناه: وتكذبون كذبا، أو وتكسبون إفكا، والخلق مشترك بين ~~الاختراع والكذب وغيرهما، ومنه/ [328 ل]: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ~~إن هذا إلا اختلاق} (7) [ص: 7] {إن هذا إلا خلق الأولين} (137) [الشعراء: ~~137] {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون} (17) / [156 ب/م]) [العنكبوت: 17] احتجاج على التوحيد، ونفي الشرك ~~بأن الشريك لا يملك الرزق، وقد سبق هو أو نحوه. # {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير} (19) ~~[العنكبوت: 19] أي ثم هو يعيده، وهو احتجاج على الإعادة بالقياس على ~~الابتداء، وكذا {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} (20) [العنكبوت: 20] {فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون} (24) [العنكبوت: 24] لأنه قطعهم وأفحمهم في الجدال والاحتجاج ~~على عادته في حسن النظر والتأييد بالحجة. # {أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} (29) ~~[العنكبوت: 29] إشارة إلى حكمة تحريم اللواط، وذلك من وجهين: PageV01P490 # أحدهما: أن ذلك يضعف رجوليتهم وهمتهم، والحاجة داعية إليهم للجهاد، فإذا ~~وجد شجاع أو مجاهد منجب ممن فعل به ذلك لم تنتقض هذه العلة؛ لأنه لو لم ~~يفعل به لكان أشجع وأنجب، والزيادة في ذلك مطلوبة. # والثاني: قطع سبيل النسل؛ إذ ليس في محل الحرث. # {ولما ms437 جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين} (31) [العنكبوت: 31] مع قول إبراهيم: {قال إن فيها ~~لوطا} [العنكبوت: 32] وقول الملائكة: {قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} (32) [العنكبوت: 32] يحتج به على أن ~~للعموم صيغة؛ لأن إبراهيم فهمه من صيغة أهل هذه القرية حتى عرض بتخصيص لوط. # {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين} (38) [العنكبوت: 38] أي بإغوائه ووسوسته. # {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين} (38) [العنكبوت: 38] إشارة إلى غلبة القدرة ~~والإرادة، وانقهار العقول تحت مجاري الأقدار بحيث لا ينفع الاستبصار، وربما ~~حمله القدرية على أنهم عاندوا الحق مع استبصارهم به تقريرا للحجة عليهم. # {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ~~ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون} (40) [العنكبوت: 40] يحتج به المعتزلة؛ إذا كان الله-عز ~~وجل-خالقا لأفعالهم لكان قد ظلمهم ولم يكن آخذا لهم بذنبهم. # وجوابه؛ على ما عرف على أصل الكسبية والجبرية. PageV01P491 # متصور في الذهن لا غير. # وبيت العنكبوت موجود في الخارج منه ألوف من البيوت، وما لا وجود له أصلا ~~أوهن مما له وجود على كل حال. # وإنما ذكرت هذا لأن الإنكار المذكور لو لزم الحريري لاقتضى كفره، لتضمنه ~~الرد على الله-عز وجل-فيما بالغ فيه، والتكفير ونحوه من مسائل أصول الدين. # {* ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ~~وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون} (46) [العنكبوت: 46] فيه مشروعية جدال أهل الكتاب إذا أثاروا شبهة ~~فكشف؛ لئلا يظن أن معهم حقا، ثم إن كانوا ذمة أو مستأمنين وجب/ [329 ل] ~~الرفق بهم/ [157 أ/م]، ولا يعنف عليهم؛ لئلا يظن أنهم استبقوا حجة لم ~~يقدروا على إظهارها، ورعاية لعهد الذمة. # وإن كانوا حربا فحكمهم واضح؛ إذ قتالهم جائز، ومن ms438 كان عندهم بدار الحرب، ~~فإن أمن على نفسه كرسول المسلمين جاز أن يصدعهم بالحجة، ويغلظ لهم إعزازا ~~للكلمة، وإن لم يأمن كالأسير والمستأمن إليهم من المسلمين ففيه الخلاف بمن ~~أكره على الكفر، أيهما أفضل له؟ الإجابة أو الامتناع؟ # إن قلنا: الإجابة، فهناك الأفضل الرفق في الجدال. وإن قلنا: الامتناع ~~فهناك الأفضل الغلظة. # {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} ~~(48) [العنكبوت: 48] هذا احتجاج على صدقه صلى الله عليه وسلم، أي إنك جئت ~~بكتاب خارق للعادة عظيم الوقع، مع أنك لم تكن قبله قارئا ولا كاتبا، وكل من ~~أتى بكتاب على هذا الوجه فهو نبي آت بمعجز، فأنت نبي آت بمعجز. # أما الأولى فلأنه صلى الله عليه وسلم أتى بالقرآن، وحسبك به كتاب عجز عن ~~معارضة أيسره فصحاء العرب، وأما أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن كاتبا ولا ~~قارئا فواضح، وخصومه من الكفار سلموا ذلك، حتى إنهم لما اتهموه، [إنما ~~اتهموه] بأنه يستملي ذلك ممن يقرأ ويكتب، ولو كان قارئا كاتبا لما احتاجوا ~~إلى ذلك، بل قالوا: أنت قارئ كاتب، فلا يستكثر لك هذا القرآن، وإليه ~~الإشارة بقوله: {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون} (48) [العنكبوت: 48]. PageV01P492 # وأما الثانية: فلأن من أتى بكتاب على هذا الوجه بهذا الوصف كان خارقا ~~للعادة، كما لو أن راعي غنم لم يكتب قط ولا فارق الصحراء، ولم يجتمع بكاتب ~~قط فكتب خطا أعجز فيه ابن مقلة وابن البواب وأضرابهم من مبرزي الكتاب-كان ~~خارقا للعادة قطعا. # وكل خارق للعادة من التحدي وعدم المعارضة فهو نبي آت بمعجز، فهذا برهان واضح. # {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون} (49) [العنكبوت: 49] يحتج به من قال: إن حقيقة القرآن الذي هو ~~كتاب الله-عز وجل-وكلامه في الصدور لظاهر الآية مع القول بقدمه، والآخرون ~~قالوا: هذا يوجب حلول القديم في الحادث، وهو قول بالحلول وهو محال، بل إما ~~أن يقولوا بخلقه ليكون حلول مخلوق ms439 في مخلوق، أو بقدمه قائما بذات الله-عز ~~وجل- والحاصل منه في الصدور مثال مطابق له أو ذكره وحفظه، كما أن الله-عز ~~وجل- مذكور باللسان والقلب محفوظ فيه، وليست ذاته حالة في شيء. # وقد بالغ بعضهم في التشنيع على من قال بقدم القرآن وحلوله في الصدور، حتى قال: # هؤلاء أكفر من النصارى/ [157 ب/م]؛ إذ النصارى إنما قالوا بحلول القديم ~~في ذات المسيح/ [330 ل] لا غير، وهؤلاء يلزمهم حلول القديم في كل شخص حفظ ~~القرآن أو بعضه ولو آية. # واختلف القائلون بظاهر الآية؛ هل حقيقة القرآن في الصدور كالمظروف في ~~الظرف؟ أو أنه كظهور الوجه في المرآة؟ أو كظهور نقش الخاتم في الشمع؟ على أقوال. # وقال قوم: للقرآن أربع وجودات: وجود عيني، وهو تقرر حقيقته في الخارج، ~~إما بذات الله-عز وجل-أو غيره على الخلاف في حدوثه وقدمه، ووجود ذهني، هو ~~حصول صورة في الذهن مطابقة له وحفظه هو ذلك مع إمكان استحضاره لفظا ونظما ~~بحسب الاختيار، ووجود لساني وهو تلاوته، وبناني وهو كتابته بالبنان. PageV01P493 # عدم الاكتفاء بها، فدل على أنه كاف شاف، وقد تبين وجه كونه معجزا. # {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} ~~(60) [العنكبوت: 60] يحتج به على أن عموم الرزق من الله-عز وجل-حلالا ~~وحراما، وقد سبق عليه ما هو أدل من هذا. # {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن ~~الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} (63) [العنكبوت: 63] إلى {وما هذه ~~الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} ~~(64) [العنكبوت: 64] إشارة إلى دليل البعث بقياس إحياء الأرض بالنبات، وليس ~~صريحا فيه كغيره. # {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون} (66) [العنكبوت: 66] أمر ~~تهديد ووعيد كنظيره في النحل. # ... PageV01P494 ### | AUTO القول في سورة الروم # {في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون} (4) ~~[الروم: 4] يحتج به القائلون بقدم القرآن بناء على أن الأمر هو القرآن. ~~ومعنى {في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ms440 ويومئذ يفرح المؤمنون} (4) ~~[الروم: 4] أي: # من قبل كل شيء وبعد كل شيء، فانتظم الدليل هكذا: القرآن هو الأمر والأمر ~~ثابت لله- عز وجل-قبل كل شيء وبعده، فالقرآن ثابت لله قبل كل شيء وبعده. # واعترض عليه بأن الأمر لفظ مشترك، والمراد به هاهنا الحكم والتصرف الذي ~~به غلبت الروم وغلبت، نحو {قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر ~~إليك فانظري ماذا تأمرين} (33) [النمل: 33] أي التصرف، سلمناه لكن المراد ~~بمن قبل أي: من قبل غلبهم وبعده، وذلك لا يدل على القدم. # وهب أن المراد قبل كل شيء، لكن ذلك ليس هو الأزل؛ لأن العالم حادث، وقبل ~~حدوثه بلحظة يصدق أنه قبل كل شيء، اللهم إلا أن يعتقدوا قدم العالم فيكون ~~الأمر المذكور قبله بالذات لا بالزمان كما زعمت الفلاسفة في قدم الصانع على ~~العالم، لكنهم لا يقولون بذلك. # {الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون} (11) [الروم: 11] فيها ~~الإخبار بالبعث ودليله [بعده بيسير] يذكر إن/ [158 أ/م] شاء الله-عز وجل. # {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} (12) [الروم: 12] هاهنا وفى آخر السورة ~~إخبار بقيامها وذكر بعض أحكامها مما ذكر، وسيذكر إن شاء الله، عز وجل. # {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون} (19) [الروم: 19] فيه دليلان على إمكان البعث والمعاد؛ أحدهما قياس ~~إخراج الموتى من الأرض على إخراج الحي من الميت، ونظمه هكذا: البعث إخراج ~~حي من ميت، وهو ممكن، وكل ممكن مقدور فالبعث مقدور. # أما أن البعث إخراج حي من ميت فلأن الأرض والرمم موات يخرج منها الناس ~~أحياء، وإنما قلنا: إن ذلك ممكن لأنه لا يلزم منه محال لذاته، وقياسا على ~~إخراج الحيوان الحي من حيوان ميت، وهو كثير مشاهد في بني آدم وغيرهم. PageV01P495 # وأما أن كل (ممكن) مقدور فواضح. # الثاني: قياس البعث على إحياء الأرض بالمطر بعد موتها. # وقد سبق تقريره في الأعراف وغيرها، فهذا دليل إمكانه، أما وقوعه فإخبار ~~الصادق به. # {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك ~~لآيات للعالمين} ms441 (22) [الروم: 22] يحتج به على أن اللغات توقيفية؛ لأن ~~الألسنة هي اللغات، وقد أضاف اختلافها إليه، وذلك ظاهر في التوقيف، مع ~~احتمال أنه خلق فيهم دواعي الاصطلاح وأقدرهم عليه، فيكون وضعها اصطلاحيا ~~وخلقه منسوبا إليه؟ # {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون} (25) [الروم: 25] ذكره عقيب قوله-عز وجل-: {ومن آياته يريكم ~~البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون} (24) [الروم: 24] فهو ما سبق من قياس الإعادة على إحياء الأرض. # {وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} (27) [الروم: 27] أي عندكم، أو هو أهون ~~بمعنى هين، وهذا استدلال على الإعادة بقياسها على البدء بجامع الإمكان ~~والمقدورية، وكونها أهون ضروري؛ إذ إعادة الجدار المستهدم بآلاته أهون على ~~بانيه من ابتدائه أول مرة قطعا. وكذلك قدمنا أن الجسم ينحل إلى جواهر ~~مفردة، كأنقاض الجدار، ثم الله- عز وجل-يجمع تلك الجواهر ويؤلف منها الجسم ~~فيعود كما كان. وهذا في أول سورة (ق) أبين منه هاهنا، وسيأتي إن شاء الله- ~~عز وجل. # {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون} (28) [الروم: 28] من أدلة التوحيد شبيهة بآية النحل {والله فضل ~~بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ~~فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون} (71) [النحل: 71]. PageV01P496 # وتقرير هذه: إن آلهتكم مملوكة لله-عز وجل-وكما أن عبيدكم وما ملكت ~~أيمانكم لا يشاركونكم في أرزاقكم وأموالكم كذلك الله-عز وجل-لا تشاركه ~~الآلهة المملوكة له في عبادته وخلقه/ [158 ب/م] وهو مقياس جلي وكذلك كما لا ~~تخافون عبيدكم فالله-عز وجل-لا يخاف الآلهة المملوكة له. # ولو كانت آلهة حقا لكان يخافها؛ إذ كانت تكون مثله، فتبغي إلى ذي العرش ~~سبيلا فيخاف غائلتها، والتالي باطل، فالمقدم مثله. # فهذان برهانان في هذه الآية. # {بل اتبع ms442 الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ~~ناصرين} (29) [الروم: 29] صريح في مذهب الجمهور؛ لأنه أضاف إضلالهم إليه، ~~وهو موجب لضلالهم فيكون سهم القدرة مصيبا، وإلا كان مخطئا وإنه باطل. # {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} (40) [الروم: 40] فيه إشارة إلى ~~انحتام الرزق كالخلق والموت والبعث لاقتران الرزق بالثلاثة وسرد الجميع في قرن. # وهذا مما يقوي عزائم الفقراء ونحوهم، ولعل بعض الناس من هاهنا أخذ قوله: ~~«الرزق كالأجل يطلبك وأنت [عنه غافل]». # {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} (40) [الروم: 40] دليل على التوحيد ~~ونفي الشريك. # ونظمه هكذا: آلهتكم لا تفعل شيئا من هذه الأربعة، والإله الحق يفعل هذه ~~الأربعة، فآلهتكم ليست هي الإله الحق. PageV01P497 # على الجامع وهو الإمكان والقدرة بقوله-عز وجل-: {فانظر إلى آثار رحمت ~~الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير} ~~(50) [الروم: 50] والإمكان من لوازم المقدورية. # {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} (59) [الروم: 59] أي يختم ~~عليها، وقد سبق معناه. # فإن قيل: أي فائدة في الطبع على قلب من لا يعلم؟ وهل هو إلا تحصيل ~~الحاصل، أو شبيه به؟ # والجواب: أن المراد يطبع على قلب من لا يستعمل العلم بالنظر في آيات ~~الحق، فعبر بالعلم عن استعماله، ألا ترى أن هذا وقع عقيب قوله-عز وجل-: ~~{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون} (58) [الروم: 58] أي: يبادرون بالإنكار والعناد، ~~ولا ينظرون في أدلة الحق ليعرفوه. # ... PageV01P498 ### | AUTO القول في سورة لقمان # {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ~~أولئك لهم عذاب مهين} (6) [لقمان: 6] يحتج بها الفقهاء على تحريم السماع، ~~وليست نصا فيه، ولأهل السماع فيه تفاصيل، ثم هو معارض ms443 بقوله-عز وجل-: # {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولوا الألباب} (18) [الزمر: 18] فلو كان في السماع قول وعظي فاتبعه السامع ~~لدخل تحت هذه الآية. # {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين} ~~(11) [لقمان: 11] استدلال على عدم إلهيتهم بعدم كونهن خالقين، وتقريره ~~هكذا/ [333/ل]: آلهتكم لا تخلق، أو لا شيء من آلهتكم بخالق، والإله/ [159 ~~أ/م] الحق خالق، فلا شيء من آلهتكم بإله حق، وهذا يقتضي أن الخلق والإبداع ~~من لوازم الإله وخواصه. # {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غني حميد} (12) [لقمان: 12] قد سبق الخلاف في نبوته والمشهور أنه ~~ليس نبيا بل حكيم صالح. # {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر ~~لي ولوالديك إلي المصير} (14) [لقمان: 14] أي اشكر لي على خلقي ورزقي لك، ~~واشكر لهما على كسبها لك وكونهما سبب وجودك، وهذا يدل على أن الأكساب ~~والأسباب ليس مطرحة الاعتبار كما هو المشهور. # {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور} (17) [لقمان: 17]. يحتمل أن الصبر جملة مستقلة أمرا ~~بالصبر على الإطلاق، ويحتمل ارتباطها بما قبلها؛ أي: اصبر على ما أصابك من ~~الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن هذا مراد على التقديرين ~~لدخول هذا الصبر الخاص في الصبر على الإطلاق. PageV01P499 # {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} (34) [لقمان: ~~34] تضمنت مفاتح الغيب الخمس المذكورة في الحديث الصحيح (1). # ... PageV01P500 ### | AUTO القول في السورة السجدة # {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} (2) [السجدة: 2] تضمنت أن ~~الكتاب حق منزل، ويحتج به على أنه غير مخلوق، وفيه ما سبق مرارا. # {أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك لعلهم يهتدون} (3) [السجدة: ms444 3] سبق الكلام عليه في القصص. # {وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون} ~~(10) [السجدة: 10] تضمنت حكاية إنكارهم للبعث، وقد سبق غير مرة. # {* قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} (11) [السجدة: ~~11] فيه إثبات المعاد إلى الله-عز وجل-بعد الموت، خلافا للتناسخية القائلين ~~بانتقال الأرواح في الأجسام جسما بعد جسم، فما كمل منها لحق بعالمه العلوي، ~~وما لم يكمل بقي مترددا في الأجسام أبدا، وهو رأي خيالي لا مستند له يعتمد. # ثم قد ذكر هنا: {*قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} ~~(11) [السجدة: 11] وفى الأنعام: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ~~حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} (61) [الأنعام: 61] ~~وفى موضع آخر: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون} (42) [الزمر: 42] ووجه الجمع أنه-عز وجل-يتوفى الأنفس بقدرته ~~بواسطة الملائكة وملك الموت بحق التقدم على ملائكة القبض والملائكة الأعوان ~~بالمباشرة، فيقال: إنهم يعالجون حتى تبلغ الفم فيقبضه ملك الموت بيده، وهذا ~~كما يقال: قتل السلطان فلانا، ويكون ذلك بواسطة الوالي والنائب، إمرة ثم ~~بمباشرة الجند، واختلف في البهائم ونحوها هل يقبضها ملك الموت أم لا؟ فقيل: ~~لا، لعدم السمع فيه ولخصوص يتوفاكم، وقيل: بلى لعموم: {وما من دابة في ~~الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم ~~إلى ربهم يحشرون} (38) / [159 ب/م]) [الأنعام: 38] ولأنها تحشر للقصاص/ ~~[334 ل] بينها؛ فكان القابض PageV01P501 # لها ملك الموت كالعقلاء، ولعل الخلاف فيها مبني على أنها عاقلة مكلفة ~~تكليفا خفيا عن البشر أم لا، وفيه خلاف مشهور. # {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} (13) [السجدة: 13]، يحتج بها الجمهور على أن مشيئته هي ~~المانعة لمن شاء هداه، وقد سبق هو واعتراض القدرية عليه. # {ولو شئنا لآتينا كل نفس ms445 هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} (13) [السجدة: 13]، أي فوجب تصديق قوله السابق بمنع الهدى ~~الخاص من سبق أنه من أهل جهنم بحسب المشيئة وخلق الدواعي والصوارف، هذه كله ~~مع اعتقاد أن لله-عز وجل-في خلقه المشيئة النافذة، وله عليهم الحجة ~~البالغة. # {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} (23) [الأنبياء: 23] وقد سبق توجيه ذلك في ~~مقدمة الكتاب. # {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} (21) ~~[السجدة: 21] زعم بعضهم أن العذاب الأدنى عذاب القبر، والعذاب الأكبر عذاب ~~النار، وهو ضعيف بل باطل، لأنه علل إذاقتهم العذاب الأدنى برجوعهم عن كفرهم ~~بقوله: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} (21) ~~[السجدة: 21] وفى القبر استحال رجوعهم إلى الدنيا، وإنما العذاب الأدنى ~~يشبه أن يكون السنين التي أصابتهم على عهد النبوة المذكورة في سورة الدخان. # {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} (28) [السجدة: 28] هي في سياق: ~~{أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم أفلا يبصرون} (27) [السجدة: 27] يشير إلى دليل البعث المشهور وهو ~~القياس على إحياء الأرض. # {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} (30) [السجدة: 30] وعيدي محكم. # ... PageV01P502 ### | AUTO القول في سورة الأحزاب # {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما} (1) [الأحزاب: 1] أي استدم على ما أنت عليه من التقوى، لأن التقوى ~~لم تفارقه لعصمته حتى يؤمر بها أمر استئناف. # {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا} (6) [الأحزاب: 6] احتجت الشيعة بهذا مع ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه» قالوا: لأنه صدر هذا ~~الحديث بالإشارة إلى هذه الآية فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» ~~قالوا: بلى. قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه» فاقتضى ذلك بموجب هذا السياق ~~أنه جعل لعلي عليهم من الطاعة بعده ما جعله لنفسه. # والجمهور منعوا صحة هذا الحديث بالكلية، ثم دلالته ms446 على ما قالوه، والبحث ~~فيه طويل. # {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا} (16) [الأحزاب: 16] هذا كقوله-عز وجل-: {أينما تكونوا يدرككم الموت ~~ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا} (78) [النساء: 78] و {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ~~يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ~~يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا ~~يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} (154) / [160 أ/م]) [آل ~~عمران: 154] الآيتين على ما مر. PageV01P503 # {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا} (21) [الأحزاب: 21] يحتج بها على التأسي به في أفعاله، ثم ~~اختلف في فعله صلى الله عليه وسلم فقيل: يقتضي الوجوب/ [335 ل]، وقيل: ~~الندب، وقيل: الإباحة، والصحيح أن ما كان عاديا كالأكل والشرب والجماع ~~فللإباحة، وهيئاته للندب كالأكل مستوفزا غير متكئ، والشرب في ثلاثة أنفاس، ~~وما كان وجه القربة، فإن وقع بيانا لمجمل فحكمه حكم المبين، وإن لم يقع ~~بيانا فإن صرح بحكمه وجوبا أو ندبا أو غيره، أو دل عليه قرينة فهو ذاك، ~~وإلا فالإباحة متيقنة، والندب والوجوب في محل الإجمال موقوف على البيان. # احتج من قال بأن فعله للوجوب مطلقا بقوله-عز وجل-: {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (21) ~~[الأحزاب: 21] فإنه جار مجرى الوعيد على ترك التأسي به وذلك يقتضي وجوب ~~التأسي به. # واعلم أن الاستدلال بهذه الآية على التأسي مبني على أن الآية في نفسها ms447 ~~عامة، ثم على أن الاعتبار في العام بعموم لفظه لا بخصوص سببه؛ لأن هذه ~~الآية إنما وردت على سبب خاص، وهو اعتزال المنافقين القتال في غزوة الأحزاب ~~مع مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لها، فقيل لهم: # هلا تأسيتم برسول الله في لقاء العدو، فلقد كان لكم فيه أسوة، ألا تراه يقول: # {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا} (21) [الأحزاب: 20 - 21] وما قيل ذلك يدل على هذا من تقاعد ~~المنافقين وأراجيفهم، لكن الأصلان ممنوعان، أما عموم الآية فلأن {لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا} (21) مطلق لا عام، إذ هي نكرة في سياق إثبات، والمطلق تتأدى وظيفة ~~العمل به في صورة ما، وقد تأسى به الناس في الإيمان والإسلام وكثير من ~~الأحكام، فلم يبق في الآية ما يقتضي وجوب التأسي به في عموم الأفعال، وأما ~~اعتبار عموم اللفظ دون خصوص السبب ففيه من الخلاف مع المالكية وغيرهم ما قد ~~عرف وسبقت إليه الإشارة. PageV01P504 # {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} (33) [الأحزاب: 33] تتعلق به الشيعة [أخزاهم الله] على ~~عائشة رضى الله عنها، يقولون: أمرت أن تقر في بيتها فخالفت وخرجت إلى تفريق ~~المؤمنين وقتال علي بالبصرة، حتى قتل بسببها من قتل وهم نحو عشرين ألفا. # والجمهور أجابوا بأنها خرجت/ [160 ب/م] مصلحة للفساد مطفئة للثائرة ~~مجتهدة في ذلك، فهي لا تنفك من أجر أصاب اجتهادها أو أخطأ. # قوله-عز وجل-: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن ~~الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (33) [الأحزاب: 33] احتج بها الشيعة على أن ms448 أهل ~~البيت معصومون، ثم على أن إجماعهم حجة. # أما أنهم معصومون فلأنهم طهروا وأذهب الرجس عنهم، وكل من كان كذلك فهو ~~معصوم، أما الأولى/ [336 ل] فلنص هذه الآية، وأما الثانية فلأن الرجس اسم ~~جامع لكل شر ونقص، والخطأ وعدم العصمة بالجملة شر ونقص، فيكون ذلك مندرجا ~~تحت عموم الرجس الذاهب عنهم، فتكون الإصابة في القول والفعل والاعتقاد ~~والعصمة بالجملة ثابتا لهم. # وأيضا فلأن الله-عز وجل-طهرهم وأكد تطهيرهم بالمصدر حيث قال: {وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن ~~الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ~~(33) [الأحزاب: 33] أي: ويطهركم من الرجس وغيره تطهيرا، وهو يقتضي عموم ~~تطهيرهم من كل ما ينبغي التطهير منه عرفا أو عقلا أو شرعا، والخطأ وعدم ~~العصمة داخل تحت ذلك، فيكونون مطهرين منه، ويلزم من ذلك عموم إصابتهم ~~وعصمتهم، ثم أكدوا دليل عصمتهم من الكتاب بالسنة في علي وحده، وفي فاطمة ~~وحدها، وفي جميعهم. # أما دليل العصمة [في علي] فيما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أرسله إلى اليمن قاضيا قال: يا رسول الله، كيف تبعثني قاضيا ولا علم لي ~~بالقضاء؟ قال: «اذهب فإن الله سيهدي قلبك PageV01P505 # ويسدد لسانك» ثم ضرب صدره وقال: «اللهم اهد قلبه وسدد لسانه» (1) قالوا: ~~قد دعا له بهداية القلب وسداد اللسان، وأخبره بأن سيكونان له، ودعاؤه ~~مستجاب وخبره حق وصدق، ونحن لا نعني بالعصمة إلا هداية القلب للحق ونطق ~~اللسان بالصدق، فمن كان عنده للعصمة معنى غير هذا أو ما يلازمه فليذكره. # وأما دليل العصمة في فاطمة-رضي الله عنها-فكقوله-صلى الله عليه وسلم: ~~«فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» (2) والنبي صلى الله ~~عليه وسلم-معصوم فبضعته أي جزؤه والقطعة منه يجب أن تكون معصومة. # وأما دليل العصمة في جميعهم-أعني عليا وفاطمة وولديهما فلقوله-صلى الله ~~عليه وسلم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل ~~بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» (3) رواه ms449 الترمذي، ووجه دلالته ~~أنه لازم/ [161 أ/م] بين أهل بيته والقرآن المعصوم، وما لازم فهو معصوم، ~~قالوا: وإذا ثبت عصمة أهل البيت وجب أن يكون إجماعهم حجة لامتناع الخطأ ~~والرجس عنهم بشهادة المعصوم، وإلا لزم وقوع الخطأ فيه وإنه محال. # واعترض الجمهور بأن قالوا: لا نسلم أن أهل البيت في الآية هم من ذكرتم، ~~بل هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم بدليل سياقها وانتظام ما استدللتم به ~~معه، فإن الله-عز وجل-قال: # {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع ~~الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا} (32) [الأحزاب: 32]، ثم استطردها إلى ~~أن قال: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة ~~وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت} PageV01P506 # {ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن ~~الله كان لطيفا خبيرا} (34) / [337 ل]) [الأحزاب: 33 - 34]، فخطاب نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكتنفا لذكر أهل البيت قبله وبعده منتظما له، ~~فاقتضى أنهن المراد به، وحينئذ لا يكون لكم في الآية متعلق أصلا، ويسقط ~~الاستدلال بها بالكلية، سلمناه لكن لا نسلم أن المراد بالرجس ما ذكرتم، بل ~~المراد به رجس الكفر أو نحوه من المسميات الخاصة، وأما ما أكدتم به عصمتهم ~~من السنة فأخبار آحاد لا يقولون بها مع أن دلالتها ضعيفة. # وأجابت الشيعة بأن قالوا: الدليل على أن أهل البيت في الآية هم من ذكرنا ~~النص والإجماع، أما النص فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بقي بعد ~~نزول هذه الآية ستة أشهر يمر وقت صلاة الفجر على بيت فاطمة فينادي: «الصلاة ~~يا أهل البيت {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة ~~وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} (33) [الأحزاب: 33] رواه الترمذي وغيره، (1) وهو تفسير منه ~~لأهل البيت بفاطمة ومن في بيتها، وهو نص، وأنص منه حديث أم سلمة أنه صلى ms450 ~~الله عليه وسلم أرسل خلف فاطمة وعلي ولديهما، فجاءوا فأدخلهم تحت الكساء ثم ~~جعل يقول: «اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي، اللهم هؤلاء أهل بيتي ~~وخاصتي» (2) وفي رواية: «حامتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت ~~أم سلمة: فقلت: يا رسول [الله]، ألست من أهل بيتك؟ قال: # «أنت إلى خير» (3) رواه أحمد وهو نص في أهل البيت وظاهر في أن نساءه «أنت ~~إلى خير» [رواه أحمد] ولم يقل: بلى أنت منهم. # وأما الإجماع فلأن الأمة اتفقت على أن لفظ أهل البيت إذا أطلق إنما ينصرف ~~إلى من ذكرناه دون النساء، ولو لم يكن إلا شهرته فيهم كفى، وإذا ثبت بما ~~ذكرنا من النص PageV01P507 # والإجماع أن أهل البيت علي وزوجته وولداه فما استدللتم به من سياق الآية ~~ونظمه على خلافه لا يعارضه؛ لأنه مجمل الأمرين/ [161 ب/م]، وقصاراه أنه ~~ظاهر فيما ادعيتم؛ لكن الظاهر لا يعارض النص والإجماع، ثم إن الكلام العربي ~~يدخله الاستطراد والاعتراض وهو تخلل الجمل الأجنبية بين الكلام المنتظم ~~المتناسب، كقوله-عز وجل-: {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا ~~أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} (34) [النمل: 34] فقوله: {قالت إن الملوك ~~إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} (34) [النمل: ~~34] جملة معترضة من جهة الله-عز وجل- / [338 ل] بين كلام بلقيس، وقوله-عز ~~وجل: {*فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه ~~لقرآن كريم} (77) [الواقعة: 75 - 77] أي فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن ~~كريم، وما بينهما اعتراض على اعتراض، وهو كثير في القرآن وغيره من الكلام ~~العربي، فلم لا يجوز أن يكون قوله-عز وجل-: # {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} (33) [الأحزاب: 33] جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم على هذا النهج؟ وحينئذ يضعف اعتراضكم بمرة. # وأما الرجس فإنما يجوز حمله على الكفر أو على مسمى خاص لو كان له معهود، ~~لكن لا معهود ms451 له، فوجب حمله على عمومه، إذ هو اسم جنس معرف باللام وهو من ~~أدوات العموم. # وأما ما ذكرناه من أخبار الآحاد فإنما أكدنا به دليل الكتاب، ثم هي لازمة ~~لكم فنحن أوردناها إلزاما لا استدلالا. # واعلم أن الآية ليست نصا ولا قاطعا في عصمة أهل البيت، وإنما قصاراها ~~أنها ظاهرة في ذلك بطريق الاستدلال الذي حكيناه عنهم. PageV01P508 # فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة ~~وأجرا عظيما (35) [الأحزاب: 35] يحتج به على إن الإناث لا يدخلن في جمع ~~المذكر السالم، وإلا لكان والمسلمات تكرارا، ولأنه حكي عن أم سلمة أنها ~~قالت: يا رسول الله، ما بال النساء لا يذكرن مع الرجال؟ أو كما قالت، فنزلت ~~هذه الآية، ففهمت أم سلمة أن صيغة المذكر لا تتناول الإناث، وأقرت على ذلك ~~ووافقها التنزيل فدل على ما قلنا. # وتفصيل المسألة أن اللفظ المختص بأحد القبيلين لا يتناول غيره كالرجال ~~والذكور وكالنساء والإناث، واللفظ الموضوع لهما يتناولهما كلفظ من، واختلف ~~في نحو المؤمنين والمسلمين، هل تتناول الإناث ما لم يدل على قرينة؟ على ~~قولين؛ أحدهما: لا، لما ذكرنا، وكما لا يتناول نحو المسلمات والمؤمنات ~~الذكور. # والثاني نعم، لأن أكثر خطاب القرآن بهذه الصيغة والحكم فيها يتناول ~~النساء. # وأجيب عنه بأن ذلك إن ثبت فهو بطريق التغليب لا بالوضع، والنزاع إنما هو ~~فيه لا في دلالة القرائن، وأما لفظ القوم فهل يختص الرجال أو يتناول ~~القبيلين؟ فيه خلاف موضع ذكره/ [162 أ/م] في سورة الحجرات، إن شاء الله عز وجل. # {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} (39) [الأحزاب: 38 - 39] قال بعضهم: ~~هذا تعريض من الله-عز وجل-برسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال له: {وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ms452 أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا وكان أمر الله مفعولا} (37) / [339 ل]) [الأحزاب: 37] كأنه قال: لم ~~تفعل ذلك، وهلا تكون كهؤلاء الذين يبلغون، ولا يخشون أحدا إلا الله. # وجوابه: أن المعلوم من هذا الكلام: أنه مدح لهؤلاء الرسل وثناء عليهم، ~~وأما كونه تضمن تعريضا بالنبي صلى الله عليه وسلم فغير معلوم، وبتقدير أن ~~الأمر كذلك [لا يضر]، إذ لا قدح بذلك في منصب ولا عصمة، والله-عز وجل-له ~~التصرف في عباده، رسلا كانوا أو PageV01P509 # غيرهم، بالفعل والقول، تصريحا وتعريضا، وإشارة وكناية وكيف شاء. # {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله ~~بكل شيء عليما} (40) [الأحزاب: 40] احتج به الحجاج على أن الحسن والحسين ~~ليسا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يرد عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم للحسن: «إن ابني هذا سيد» (1)؛ لأن إثبات بنوته مجاز، باعتبار أنه ~~سبطه ومن ذريته، وسلب الآية ثبوت بنين النبي صلى الله عليه وسلم كإبراهيم ~~والقاسم والطيب؛ لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال، والآية إنما سلبت أبوته عن ~~الرجال، وعند التحقيق فالآية ما سيقت لهذا، إنما المراد منها نفي أبوته ~~الحقيقية عن زيد بن حارثة؛ لأنه لما تبناه ثم تزوج امرأته، أرجف به ~~المنافقون، وقالوا: تزوج امرأة ابنه، وذلك حرام في دينه؛ فعرفوا أنه ليس ~~ابنه لصلبه، والمحرم إنما هي زوجة ابنه لصلبه، كما صرح به في سورة النساء. # والدليل على أن الحسن من ذرية النبي نص القرآن على أن المسيح من ذرية ~~إبراهيم، مع أنه إنما ينتسب إليه من جهة أمه مريم في قوله-عز وجل-: {ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان ~~وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين} (84) [الأنعام: 84] إلى قوله: # {وعيسى، } ونسبة الحسن إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسبة المسيح إلى ~~إبراهيم فكان من ذريته. # {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن ms453 رسول الله وخاتم النبيين وكان الله ~~بكل شيء عليما} (40) [الأحزاب: 40] تضمنت هذه الجملة إثبات رسالته صلى الله ~~عليه وسلم وموضع تقريره سورة الفتح إن شاء الله-عز وجل-وأنه خاتم النبيين ~~أي: لا نبي بعدي» (2). # والدليل عليه هذا النص المعصوم، وقوله صلى الله عليه وسلم «أنا خاتم ~~النبيبن لا نبي بعدي» (2). # فإن قيل: هذا إثبات الدعوى/ [162 ب/م] بنفسها فهل من دليل عليها غير ذلك، ~~[فإن اليهود والنصارى كل واحد من الفريقين يدعي أن نبيه خاتم النبيين لا ~~نبي بعده، وقد ظهر كذبهم عندكم فبما تنفصلون أنتم عمن يلزمكم ما لزمهم، ~~وهؤلاء الفلاسفة يدعون قدم العالم ودوامه، وأن النبوات لا تنقطع بل هي ~~متصلة مستمرة بحسب الحاجة إليها في PageV01P510 # كل حين. # والجواب: أن معتمدنا في أن محمدا خاتم النبيين لا نبي بعده، إنما هو ~~السمع؛ إذ العقل لا يمنع من ذلك، غير] أن السمع الذي هو معتمدنا، ينتهي إلى ~~دليل العقل، وتقريره: أن القرآن دل دليل النبوة-وهو المعجز النبوي-على أنه ~~كلام الله-عز وجل-، ودل السمع والعقل على أن كلام الله-عز وجل-حق وصدق، لا ~~يلحقه باطل ولا كذب / [340 ل]، وقد صرح بأنه خاتم النبيين الذي لا نبي ~~بعده، فوجب القطع بصحته بهذا الدليل الذي بذاته السمع وغايته العقل، [ولم ~~يثبت لنا مثل هذا الدليل على ما ادعته اليهود والنصارى في أن لا نبي بعد ~~نبيهم، بل الواقع كذبهم بظهور محمد صلى الله عليه وسلم نبيا بعد المسيح، ~~والمسيح بعد موسى، وأما الفلاسفة فدعواهم مبنية على قدم العالم أو أبديته، ~~فإن كان صاحب هذا السؤال منهم ناظرناه في ذلك الأصل كما سبق، وإن كان من ~~غيرهم؛ فقد اتفقنا وإياه على بطلان قولهم، وزال السؤال واندفع الإشكال. # فإن قيل: قد اعترفتم أن العقل لا يمنع من تجدد النبوة، ثم زعمتم أن ~~دليلكم على عدم تجددها ينتهي إلى العقل، فلزم أن العقل يمنع من تجددها ولا ~~يمنع معا، وهو تناقض. # قلنا: ليس تناقضا، لأن الذي يمنعه وقوع النبوة فيما بعد، والذي لا يمنعه ~~جواز وقوعها، ms454 ولا تناقض بينهما، ولا يلزم من نفي الوقوع نفي الجواز]. # {تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما} (44) [الأحزاب: 44] يحتج ~~به الجمهور على رؤية الله-عز وجل-في الآخرة، بناء على أن اللقاء يقتضي ~~الرؤية لغة أو عرفا، وقد سبق. # {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} (46) [الأحزاب: 46] يحتمل أمرين: # أحدهما: تصديقه صلى الله عليه وسلم في الرسالة وأنه إنما دعا إلى الله-عز ~~وجل-بإذن الله [لا فضوليا ولا متقولا]، فيكون من باب إثبات الرسالة. # ويحتمل أن المراد: وداعيا إلى الله، ثم لا يصل أحد إليه إلا بإذنه، أو لا ~~يهتدي بدعائك أحد إلا بإذنه، كقوله: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (16) ~~[المائدة: 16] فيحتج به على القدرية في أن أحدا لا يستقل بالهداية بدون إذن ~~الله-عز وجل. PageV01P511 # غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما (53) [الأحزاب: 53] أي غير منتظرين نضجه وفراغه، وهذا ~~أدل للمعتزلة على/ [163 أ/م] مطلوبهم من قوله: {وإني مرسلة إليهم بهدية ~~فناظرة بم يرجع المرسلون} (35) [النمل: 35] على ما ذكر هناك. # {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما} (56) [الأحزاب: 56]، يحتج بها على استعمال اللفظ المشترك في ~~مفهوميه معا على ما سبق، وجوابه في سورة الحج عند: {ألم تر أن الله يسجد له ~~من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ~~وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله ~~يفعل ما يشاء} (18) [الحج: 18]. # وفى المسألة خلاف، والأشبه الجواز إذا لم يورث لبسا أو خللا في الكلام ~~يخل بالإفهام. # ويحتج بها أيضا على جواز ما ms455 يفعله بعض الناس عقب الصلاة من قوله: السلام ~~عليك يا رسول الله جهرا أو خفية، مشيرا بإصبعه، أو غير مشير، لأن الله-عز ~~وجل-عطف الأمر بالسلام عليه على الأمر بالصلاة عليه، فكما كانت الصلاة عليه ~~مشروعة في الأحوال المذكورة، كذلك السلام عليه، خلافا لمن منع ذلك وأغلظ فيه. # ويحتج بها على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة للأمر بها ~~المقتضي للوجوب، ثم هل وجوبها على العين أو الكفاية فيه نظر، والأشبه على ~~الأعيان؛ لأن الصلاة عليه جرت مجرى العظيم له والتوقير، وذلك فرض العين، ثم ~~إذا وجبت على العين خرج تكرارها على أن الأمر يقتضي التكرار أم لا؟ ، ~~والأشبه أنه لا يقتضيه؛ فيخرج المكلف عن عهدة وجوبها عليه بالصلاة عليه مرة ~~في عمره. PageV01P512 # مهينا (57) [الأحزاب: 57] ههنا كلام للشيعة نرغب عن ذكره لصعوبته. # {* لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} (60) [الأحزاب: 60] يحتمل أن ~~يكون ذلك الإغراء بالأمر التكليفي، ويحتمل أن يكون بالأمر التكويني، وهو ~~خلق دواعي حربهم في قلبه، فيجليهم عن المدينة. # {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} (62) ~~[الأحزاب: 62] يحتج به على اطراد العادات، لأن السنة هي الطريقة والعادة، ~~وقد نفى أن تتبدل، وهو المراد من اطرادها. # {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} (67) [الأحزاب: ~~67] أي/ [341 ل] بالإغواء والكسب عند الجمهور، وبالخلق عند المعتزلة. # {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} (72) [الأحزاب: 72] قيل: كان ~~إشارة إلى أن الظلم والجهل غريزة في طبيعة الإنسان كالشيء المتقادم في ~~معدنه [وكذلك هي في صفات الله-عز وجل-نحو {ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما} (73) [الأحزاب: 73] إشارة إلى أنها في معاني قديمة، لم تفارق ذاته]. # ... PageV01P513 ### | AUTO القول في سورة سبأ # {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا ~~يعزب عنه ms456 مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين} (3) [سبأ: 3]، فيه إنكار البعث من الكفار، وإثباته عليهم بقوله: # {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة} [سبأ: 3]. # وبيانه: أنه عالم بكل شيء، فهو يعلم أجزاء الموتى المنحلة إليها أجسادهم، ~~ثم إذا أراد بعثهم/ [163 ب/م] ضم تلك الأجزاء بعضها إلى بعض، فعادوا كما ~~كانوا أول مرة. # {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم} (4) ~~[سبأ: 4] بيان لغاية البعث وعلته الحكيمة، وحكمته العلية، فإذا مبنى البعث ~~على العلم لجمع الأجزاء والقدرة لنظمها وتأليفها كما كانت. # {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد} (7) [سبأ: 7] هذا إنكار آخر منهم استغنى عن جوابه بجواب الأول. # {أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ~~والضلال البعيد} (8) [سبأ: 8] احتج به الجاحظ على أن بين الصدق والكذب ~~واسطة، وهى الجنة التي ادعوها، إذ ليست صدقا قطعا ولا كذبا لمقابلتها ~~الكذب، فلزم أنها واسطة بينهما لا صدقا ولا كذبا، وقد اختلف في الصدق ~~والكذب؛ فقيل: هما الخبر المطابق واللا مطابق مطلقا فعلى هذا لا واسطة ~~بينهما؛ لأن الخبر إن طابق فصدق، وإلا فكذب، وقيل: إن طابق فصدق وإن لم ~~يطابق، فإن علم المتكلم بعدم مطابقته فكذب، وإن لم يعلم فخطأ لا كذب، وهذا ~~الاصطلاح وعليه الآية، لأنهم نسبوه إلى أنه أخطأ في إخباره عن البعث عن غير ~~عمد للكذب فصار في خطئه كذي الجنة، لا يدري ما يقول. PageV01P514 # ابتداء، أو بنار كامنة فيه، أو بتغليب الجزء المائي عليه ونحوه والكل ممكن. # [وعند الاتحادية أنه سرى بذاته في الجبال والطير، وسبح منها نفسه كما مر]. # {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ~~آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} (13) [سبأ: 13] يحتج به على أن الشكر ~~بالعمل والحمد بالقول بدليل: {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ~~ربك بغافل عما تعملون} ms457 (93) [النمل: 93] وقيل: الشكر الاعتراف بالنعمة، ~~وضده الكفر. والحمد: الثناء على الحي بأوصافه الجميلة وضده الذم. # {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} (20) [سبأ: ~~20] يعني قوله: {قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا} (62) [الإسراء: 62] ودلت هذه الآية على أنه قال ~~ذلك ظنا وحسدا، وهو شأنه وشأن كل مخلوق، إذ لا يعلم الغيب إلا الله-عز وجل ~~/ [342 ل]. # {وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ~~وربك على كل شيء حفيظ} (21) [سبأ: 21] أي من قوة وتصرف يجبرهم به على ~~المعصية، إنما كان يدعوهم ويوسوس لهم، وهو موافق لقوله: # {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ~~وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم} (22) [إبراهيم: 22]، {وما كان له عليهم من سلطان ~~إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ} (21) ~~[سبأ: 21] أي لنعلم العلم [العام] المشترك بيننا وبينهم، الذي تلزمهم به ~~الحجة في ظاهرة العدل، وإلا فالله-عز وجل-لم يزل عالما بالمؤمن من غيره قبل ~~خلقهم/ [164 أ/م] لكن علما اختص به لا تلزمهم به الحجة في PageV01P515 # ظاهر العدل، وإن لزمتهم به في باطن العدل، كما قالته الجبرية، إذا الله- ~~عز وجل-غير متهم على خلقه. # {وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ~~وربك على كل شيء حفيظ} (21) [سبأ: 21] اعلم أن المكلف إما مصدق بالآخرة ~~جازم أو مكذب بها جازم أو شاك فيها متردد، وهو ملحق بالمكذب، لأن الإيمان ~~هو التصديق الجازم والشك والتردد ينافي الجزم. # {قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون} (25) [سبأ: 25] هذا وعيدي محكم. # {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~(28) [سبأ: 28] قيل: ms458 معناه للناس كافة، ففيه التصريح بعموم الدعوة وقيل: ~~كافا لهم عن الشرك والشر، والتاء للمبالغة مثلها في: علامة ونسابة وداهية. # {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (40) ~~[سبأ: 40]، تقتضي أن الجن ليسوا من الملائكة، وإلا كان ذلك ضعفا في حجة ~~الملائكة، إذ ينفون المعبودية عنهم ويضيفونها إلى طائفة منهم، ويتبع هذا أن ~~إبليس من الجن، لا من الملائكة كما سبق. # ... PageV01P516 ### | AUTO القول في سورة الملائكة # {الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} (1) [فاطر: 1] ~~دليل على عصمتهم إذ لا يؤمن على الوحي يبلغه إلا معصوم. # {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء ~~قدير} (1) [فاطر: 1] هذا خرق لعادة الناس، فبين أن ذلك زيادة في الخلق، ~~وأنه إلى اختياره ومشيئته، فقال: {يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل ~~شيء قدير} (1) [فاطر: 1]. # {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} (3) [فاطر: 3] من أدلة التوحيد ~~كما سبق. # {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون} (8) [فاطر: 8] يحتج به ~~الجمهور كما سبق ودل على أنه هو الذي يزين للمجرم سوء عمله، في قوله-عز ~~وجل- {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون} (8) [فاطر: 8] إلى ~~{والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور} (9) [فاطر: 9] إثبات للبعث والمعاد بالقياس على ~~إحياء الأرض بالمطر والنبات. # {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} ~~(10) [فاطر: 10] يحتج به أصحاب ms459 الجهة؛ لأن حقيقة الصعود إلى فوق، وقد بينه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم الحديث، ~~وينتظم الدليل هكذا الأعمال تصعد إلى [الله، والأعمال تصعد إلى] فوق، فالله ~~في جهة فوق. وأجيب/ [343 ل] عنه بما سبق من أن الصعود والفوقية معنويان لا ~~حسيان، وإلا لزم التحيز والجسمية. PageV01P517 # {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير} (11) [فاطر: 11] احتج به المعتزلة على أن القاتل يقطع حياة ~~المقتول، وينقص من عمره، وقد دلت هذه الآية على جوازه وإليه وإلى نحوه ~~الإشارة بها كالطبيب يسيء تدبير مزاج المريض، فيقتله ونحو ذلك. # وجوابه أن الأجل/ [164 ب/م] والعمر لا ينقص عما في علم الله-عز وجل-لما ~~مر من النصوص عليه نحو: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ~~لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (49) [يونس: ~~49]، ومعنى هذه الآية، ما يعمر من معمر، ولا ينقص غيره عن عمره بأن يعيش ~~المعمر مائة سنة، وينقص آخر من عمر ذلك المعمر فيعيش خمسين، وقيل: ينقص ~~الإنسان من عمره بالنسبة إلى بنيته الصالحة لتعميره أكثر من ذلك مثل أن ~~يعيش خمسين وبنيته وتركيبه يصلح لتعمير مائة، وقيل غير ذلك، وبالجملة ليست ~~نصا فيما قالوه، فلا تعارض النصوص فيما قلناه. # {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} (32) [فاطر: 32] إن ~~قيل: كيف يكون المصطفى ظالما؟ قيل: إنما يمتنع ذلك في شخص واحد من وجه ~~واحد، والمصطفى هاهنا أمة متعددة الأفراد، فاصطفاؤها من حيث جملتها وظلمها ~~من جهة أفرادها، وذلك لا يمتنع. # {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} (32) [فاطر: # 32]، أي: بإرادته، ويحتج به الجمهور ms460 في أن إذن الله وإرادته وعلمه وقدرته ~~هي المؤثرة في السبق والظلم والاقتصاد والشقوة والسعادة، وأن الإنسان لا ~~يستقل بشيء من ذلك. # {الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} ~~(35) [فاطر: 35] يحتج به على أن دخول الجنة بفضل من الله-عز وجل-لا عوض عن ~~الطاعات. # ... PageV01P518 ### | AUTO القول في سورة يس # {إنك لمن المرسلين} (3) [يس: 3] إثبات لرسالته صلى الله عليه وسلم ~~وبرهانها يأتي إن شاء الله -عز وجل-. # {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} (6) [يس: 6] احتج بها بعض ~~النصارى على اختصاص رسالة محمد بالعرب؛ لأنهم هم الذين لم ينذر آباؤهم، أما ~~بنو إسرائيل من اليهود والنصارى فقد أنذر آباؤهم بالرسل والكتب، فليس هو ~~مرسلا إليهم. # والجواب أن المراد ما أنذر آباؤهم [بالرسل والكتب] في الفترة، وهى ما بين ~~عيسى ومحمد؛ فيعم الأمم كلها ثم هذا [الاستدلال] بمفهوم ضعيف؛ فلا يعارض ~~النصوص على عموم دعوته، وأيضا من سلم أنه رسول إلى العرب لزمه تصديقه في ~~دعوى عموم الرسالة والدعوة. # {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} (7) [يس: 7] يعني القول ~~المذكورين/ [344 ل] في قوله: {إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ~~وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها ~~المرسلون} (13) [يس: 12، 13]، ولما حق القول القديم عليهم بذلك وجب تحقيقه ~~عند وجودهم بإجبارهم على المراد منهم بخلق الدواعي والصوارف في قلوبهم ~~الموجبة لذلك، وإليها الإشارة بالأغلال في أعناقهم والسد من بين أيديهم ومن ~~خلفهم ومن أراد أن ينظر إلى عظمة الله-عز وجل-/ [165 أ/م] فلينظر إلى هذا ~~حيث جبر خلقه على ما يريد منهم، بحيث لا خروج لهم عنه ولا خلاص لهم منه، ثم ~~هو يحاكمهم إلى عقولهم فتقضي عقولهم عليهم، ما ذاك إلا لأن الخلق عبيده ~~والعقول خلقه وجنوده، فلم يجعل في فطرها إلا ما عليه فطرها، وهو القضاء على ~~ذويها بحكم كسبها الظاهر، وعدم إقامة عذرهم بالجبر الإلهي الباطن، فلله ~~فيهم الإرادة الغالبة وعليهم الحجة البالغة. # {أأتخذ من ms461 دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} (23) [يس: 23] استدلال على التوحيد، وتقريره هكذا: لا شيء من ~~الآلهة بنافذ الإرادة، والإله الحق نافذ الإرادة، فلا شيء من الآلهة بإله حق. # {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} (32) [يس: 32] هذا إثبات للبعث. PageV01P519 # {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} (37) [يس: 37] إشارة ~~إلى دليل البعث المذكور قبلها، وهو الدليل المشهور في قياس البعث على إحياء الأرض. # وكذلك {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} (37) [يس: 37] ~~حجة على البعث؛ لأن الليل مظلم كثيف كالعظام البالية مظلمة، لعدم الحياة، ~~كثيفة لتمحض طبيعة الأرض فيها، ثم إن النهار مشرق لطيف، كالجسم الحي مشرق ~~بنور الحياة، لطيف بما فيه من العنصر المائي اللطيف ثم لما كان سلخ النهار ~~من الليل ممكنا، فكذلك إخراج الأجساد الحية من العظام البالية، ثم ذكر مع ~~هاتين الحجتين على البعث حججا أخر على وجود الصانع لمن ينكره، وهي جريان ~~الشمس لمستقر لها، وتقدير القمر منازل، وحمل الناس في الفلك المشحون ~~وتقريره: أن هذه أفعال وآثار عظيمة؛ فتستدعي مؤثرا قطعا، ثم يستدل على قدمه ~~ووحدانيته كما سبق. # {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون} (49) [يس: 49] الآيات فيهن ~~إثبات البعث ونفخ الصور ونحوه. من أحكام الآخرة. # {* ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} ~~(60) [يس: 60] أي تطيعوه، وفيه إشارة إلى أن العبادة هي الطاعة، وهى كذلك، ~~غير أنها في العرف العام هي الطاعة على جهة الذل والخضوع. # {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} (62) [يس: 62] يعني ~~بالإغواء والوسوسة، إذ لم يكن له عليهم سلطان إلا أن دعاهم فاستجابوا له، ~~فبقيت الأفعال مترددة بين الله-عز وجل-بالخلق، والعباد بالكسب. # {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} ~~(65) [يس: 65] / [345 ل] هذا من خوارق العادات في الآخرة؛ لأن العادة اطردت ~~اليوم بظهور الكلام من فم وشفتين ولسان ومخارج وأسنان، فإذا سمع العقل ~~بصدور كلام على غير هذه ms462 الصفة استغربه، وحقيقة الكلام إنما [هي صوت] مفهم ~~خارج من / [165 ب/م] جسم، وهو من اليد والرجل وسائر الأعضاء ممكن، قريب بأن ~~يخلق فيها الصوت المفهم، وقد يمكن أن ينقل الفم إلى اليد؛ فتنطق به، وهل ~~اختصاص الفم بالوجه إلا عادة اطردت، وإلا فنسبته من حيث هو إلى سائر ~~الأعضاء واحدة. PageV01P520 # 66]، يقطع مادة الروح الباصر عنها، أو بالتحام الجفنين أو غير ذلك. # {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} (67) [يس: ~~67] بسلب الحياة والرطوبة من أجسادهم، فتتمخض طبيعة الأرض فيها فيعودون جمادا. # {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} (69) [يس: 69] ~~يعني صيانة لمعجز القرآن أن ينسب إلى الشعر، فتمكن الشبهة وتضعف الحجة، وهو ~~من باب {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون} (48) [العنكبوت: 48] وعلى هذا اختلف فيما ورد عن النبي [من قوله]: # «أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب» (1) # وقوله: # «هل أنت إلا إصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت» (2) # وقوله: # «إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما» (3) # وقوله: # «اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا» (4) # فمن أهل العلم من قال: هذا رجز، وحكم بأن الرجز ليس بشعر، طردا {وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} (69) [يس: 69] ومنهم ~~من سلم أن الرجز شعر، وهو مذهب الخليل والأكثرين، ولكن أجابوا بوجوه: # أحدها: أن هذا كلام موزون كان يصدر عنه اتفاقا لا قصدا لوزنه، ويسمى ~~انسجاما PageV01P521 # لجودة القريحة وكمال الفطرة، وقد وقع مثله في القرآن كثير، نحو {*نبئ ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم} (49) [الحجر: 49]، وفى كلام الناس قول بعض ~~المرضى لأهله: اذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا قد اكتوى. # ويحكى أن جماعة من الشعراء جاءوا إلى منزل أوس بن حجر ليشاعروه؛ فخرجت ~~إليهم بنت له صغيرة، فقالت: ما تريدون من أبي، قالوا: جئنا لشاعره؛ فقالت: # تجمعتم من كل أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد # فعادوا مغلوبين، وهذا ms463 شعر جيد متين صدر عنها انسجاما، ما لم تقصده، فهذا ~~سبيل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من الرجز على قلته وندوره. # والوجه الثاني: أن الشعر هو ما سمي به الإنسان شاعرا، وهو نظم القصيد ~~المتعدد الأبيات اللازم للوزن والروي، ويطرد ذلك من صاحبه [346 ل] وليس ~~كذلك ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم فإن مجموع ما صدر عنه من ذلك هذا الذي ~~أوردناه لا نحفظ عنه غيره، وهو أبيات رجزية، فاذة في أغراض مختلفة. # الثالث: أنهم أوردوا/ [166 أ/م] الكلام المذكور عنه بتحريك أواخره، أو ~~سكونها ليخرج عن حد النظم إلى حد النثر؛ فقالوا: أنا النبي لا كذب، بفتح ~~الباء أنا ابن عبد المطلب بكسرها، وكذلك دميت ولقيت بسكون التاء فيهما، وما ~~عدا هذين البيتين فمسموع قبله لغيره، فقوله: «إن تغفر اللهم» البيت محفوظ ~~عن زيد بن عمرو بن نفيل، أو عن أمية بن أبي الصلت، وقوله: لولا أنت ما ~~اهتدينا، محفوظ عن عامر بن الأكوع رجزية في طريقهم إلى خيبر، وحينئذ يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا له متمثلا به لا منشئا له، كما كان يتمثل ~~بقول طرفة: ويأتيك من لم تزود بالأخبار، وبكسره هكذا تحقيقا لقوله -عز ~~وجل-: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} (69) [يس: # 69] وكذا قوله: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» ~~وهو نثر لا نظم، وربما قال: فاغفر للمهاجرين والأنصار». PageV01P522 # النار» (1)، فنزلت هذه الآيات مشتملة على جملة من أدلة البعث أحدها هذا ~~وهو قياس الإعادة على الإبداء أي الذي ابتدأها، أولا يعيدها ثانيا بجامع ~~الإمكان والقدرة التامة، وقد سبق هذا. # ثم احتجت النصارى بهذه الآية على إلهية المسيح إلزاما للمسلمين، وتقريره: ~~أن المسيح أحيا العظام وهي رميم، وكل من أحيا العظام وهي رميم فهو الذي ~~أنشأها أول مرة، فالمسيح هو الذي أنشأها أول مرة، أما الأولى فلنصوص القرآن ~~والإنجيل إجماع الملتين على أن المسيح [أحيا الموتى، وأما الثانية فلهذه ~~الآية إذ اقتضت أن ms464 لا محيي للعظام إلا منشئها أول مرة؛ فثبت أن المسيح] ~~منشئ العظام أول مرة، ومنشئ العظام أول مرة هو الله فالمسيح هو الله، وهذه ~~شبهة روجوها هكذا والغلط فيها واضح، فإن قولهم: المسيح أحيا العظام وهي ~~رميم، إن أرادوا أنه أحياها مستقلا بإحيائها، فهو ممنوع، وإن أرادوا أنه ~~أحياها بإذن الله كما صرح به القرآن، فإن أخذوا المقدمة الأخرى مقيدة بهذا ~~القيد منعناها أيضا، وإن أخذوها بدونه لم يتحد الأوسط/ [347 ل] في القياس، ~~فلا تنتج، إذا يصير هكذا: المسيح أحياها بإذن الله، وكل من أحياها مطلقا هو ~~الذي أنشأها، فالوسط كما تراه غير متحد، ثم ما ذكروه معارض بأن الله يحيي ~~العظام/ [166 ب/ل] مستقلا بإحيائها والمسيح أحياها غير مستقل بإحيائها، ~~فالله غير المسيح فالمسيح غير الله، أو نقول المسيح أحياها بإذن الله، ولا ~~أحد ممن أحياها بإذن الله بإله؛ فالمسيح ليس بإله، أما الأولى فلنص كتابنا ~~ونص الإنجيل أنه كان إذا أراد إحياء ميت صلى ودعا وبكى وخضع، وذلك دليل على ~~عدم استقلاله بذلك بدون إذن الله، وأما الثانية؛ فلأن الحاجة إلى الإذن ~~دليل على قصور في القدرة، ولا أحد ممن هو قاصر القدرة بإله فهذا هو البرهان ~~الواضح لا ما روجوه وغالطوا فيه. # ثم قوله-عز وجل-: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} (79) ~~[يس: 79]، إشارة إلى ما ذكرناه في قوله: {وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في} PageV01P523 # {الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} (3) [3] في سبأ. # {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} (80) [يس: 80] ~~تضمنت الدليل الثاني على البعث، وبيانه أن الذي أحاله منكر. # والبعث هو إخراج الجسم الحي المشتمل على الحرارة والرطوبة من عظم نخر، قد ~~استولت عليه طبيعة التراب الباردة اليابسة، وذلك إخراج ضد من ضد وإيجاد طبع ~~الحياة من طبع الموت، وأنه محال فيما زعموا فقيل لهم: هذا الشجر ms465 الأخضر ~~الرطب قد أخرجنا لكم منه نارا في غاية اليبوسة، أنتم تستخرجونها بأيديكم من ~~المرخ والعفار وغيرهما من الأشجار وهو إخراج يابس من رطب وضد من ضد؛ فإذا ~~جاز إخراج يابس الناس من رطب الشجر، فلم لا يجوز إخراج رطب الحي من يابس ~~العظم النخر؟ فإما أن تأتوا بفرق صحيح بين الصورتين ولن تجدوا، أو تمنعوا ~~الجواز في الصورتين ولن تستطيعوا لثبوته عيانا في إخراج النار من الشجر أو ~~تسلموا الجواز في الصورتين وهو المطلوب. # فإن قال قائل: إن إخراج الجسم الرطب الحي من العظم اليابس، محال لاحتياج ~~الجسم إلى الرطوبة وهي معدومة في العظم الترابي اليابس بخلاف إخراج النار ~~من الشجر الأخضر لجواز كمون النار في الشجر لغلبة العنصر الناري عليه، ~~فتقاوم رطوبة الشجرة ما يقابلها من النار وتبقى بقية النار لا معارض لها ~~تخرج عند استخراجها بالقدح، ومثل هذا التوجيه لا يتأتى في إخراج الحي من ~~العظم فظهر الفرق [348 ل]. # فالجواب أن الاحتياج لم يقع على توجيه إخراج الحي من العظم [الميت] ~~بالتوجيه الطبيعي الذي ذكرتموه، حتى يصح مقتضى هذا الفرق، وإنما وضع على ~~جواز إخراج الضد الطبيعي من ضده على مشترك بين الصورتين، إذ إخراج اليابس/ ~~[167 أ/م] من الرطب، وإخراج الرطب من اليابس كلاهما يجمعه إخراج ضد من ضد. # أما توجيه حصول الرطوبة للجسم، فذاك ثبت بدليل آخر، وهو أنه ممكن، وكل ~~ممكن مقدور، وبيان إمكانه أنه يجوز أن تستخرج له رطوبية مائية في الأرض، أو ~~تمطر عليه من السماء، أو تخترع له اختراعا، وقد ورد أن الأرض تمطر عند ~~إرادة البعث أربعين يوما مطرا كمني الرجال. # وحينئذ لا يبعد أن تجعل في الأرض حرارة كحرارة الرحم يتولد منها، ومن ذلك ~~الماء الغليظ اللزج ما تقوم به الأجسام حية، ثم هذا البذر يقع يابسا في أرض ~~يابسة فتهتز بعد أيام خضراء يعصر فيخرج منه الماء، فمن أين ذلك؟ PageV01P524 # والجواب مشترك، أما قولكم لجواز كمون النار في الشجر: فالكمون عندنا ~~باطل، وأنتم عند المحاقة لا تقدرون ms466 على إثباته، فإنا لو قطعنا شجرة النار ~~وشرحناها بأبلغ ما يكون ما وجدنا للنار أثرا لا عيانا ولا لمسا ولا غيره، ~~وإنما النار يخلقها الله-عز وجل- عند القدح، وغاية ذلك أن يكون اختصاص هذه ~~الشجرة بإخراج النار منها طبيعة مناسبة للنار لكن ذلك لا يدل على كمون ~~النار فيها على أن في كل شجر نارا، فلا اختصاص لبعضه دون بعض بذلك، وإنما ~~هو كما قلنا مخترع عند استخراجه. # قوله: لغلبة الجزء الناري عليه، قلنا: العنصر الناري الكامن في الشجرة ~~إما فاسد الصورة أو موجود الصورة؛ فإن كان فاسد الصورة فليس ذلك بنار ~~كالعنصر الناري في الإنسان لا يسمى نارا موقدة ولا يوقد منها. # وإن كان موجود الصورة قائمها، فإما أن يكون غالبا للجزء المائي، أو ~~مغلوبا له أو مكافئا مقاوما، فإن كان غالبا له، وجب أن يحرقه ثم يستولي على ~~أثره في الشجرة، وهو رطوبتها فيذهبها ثم على جرم الشجرة فيحرقها بالكلية، ~~والعيان بخلافة، وإن كان مغلوبا للمائي وجب أن ينطفئ لغلبة المائي عليه. # وحينئذ [يجب] أن لا تخرج النار من الشجرة بالقدح والاستخراج، والعيان ~~بخلافه، وإن كان مكافئا مقاوما، وجب إذا شرحنا الشجرة أن نحسه عيانا، أو ~~لمسا/ [349 ل] لأن الفرض أن صورته النارية قائمة لا فاسدة والعيان خلافه، ~~فهذه الأقسام حاصرة وكلها باطلة، فبطل قولكم بكمون النار في الشجر لغلبة ~~العنصر الناري عليه، ثم قوله: تبقى بقية النار لا معارض لها يخرج عند ~~استخراجها، قلنا: إن بقيت فاسدة الصورة، فليست بنار، وإن بقيت بصورتها ~~النارية، وجب أن تحرق ما تلاقيه من أجزاء الشجرة/ [167/م] إذ الفرض أنه لا ~~معارض لها، فتبين بطلان الفرق المذكور من كل وجه. # ثم إن المزاج هو كيفية متوسطة حاصلة عن تفاعل العناصر بعضها في بعض وإذا ~~تفاعلت كسر كل منها صورة الآخر وذهبت صورته بالكلية، ففرض كمون أحد العناصر ~~بصورته في الجسم محال، نارا كان ذلك أو غيره. وإنما أطلنا الكلام هاهنا ~~لوجهين: # أحدهما: لئلا يظن ظان أن الفرق المذكور مؤثر، فلا يثق ms467 بدليل القرآن، # الثاني: الإعلام بأن براهين القرآن بعد كل سؤال وجواب وتشكيك من ذي ~~ارتياب تظهر أنها قوية متينة واضحة سالمة عن المبطلات، مستولية بالإبطال ~~على الشبهات. PageV01P525 # الخلاق العليم (81) [يس: 81] تضمن الدليل الثالث على البعث، وقد سبق، ~~وتقريره: # أن خلق السماوات والأرض أعظم من إعادتهم يعني منكري البعث، والقادر على ~~الأعظم هو على الأيسر أقدر، أو يقال: إعادتهم أهون من خلق السماوات والأرض، ~~فهو قادر عليها بطريق أولى، ودليل ذلك النص النظر، أما النص فقوله-عز وجل-: ~~{لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (57) ~~[غافر: 57] وأما النظر فلأن الإنسان عالم صغير والسماوات والأرض هما العالم ~~الأكبر، أعظم من الأصغر، كما أن الأصغر أيسر من الأكبر، ومن أتقن علم ~~الهيئة والطب بحيث يقف على عجائب أشكال الأفلاك ودوائرها، وبدائع عجائبها ~~وأجناس ما في السماوات والأرض وأنواعها وأصنافها وأشخاصها علم أن في ذلك من ~~الحكمة وبديع الصنعة أضعاف ما في بدن الإنسان من الحكمة التي عرفت ~~بالتشريح. # ثم إنه-عز وجل-لما قرر أدلة البعث، ذكر مستندها جملة وهو عموم القدرة على ~~جميع الممكنات فقال: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (82) ~~[يس: 82] أي، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إلى غيره من الآلات/ [349 ل] ~~والعلاجات. # وربما قال قائل: إنما دل هذا الدليل على أنه قادر على أن يخلق مثل الناس، ~~وهو ابتداء خلق والنزاع في الإعادة لا في ابتداء الخلق، فيقال: لعله نبه ~~بهذا على أنه على الإعادة أقدر، إذ قد تقرر في سورة الروم وغيرها أن ~~الإعادة أهون من الابتداء، أو يكون مراده بيخلق مثلهم يعيدهم مثل ما كانوا، ~~والأمر قريب، والله-عز وجل-أعلم بالصواب. # ... PageV01P526 ### | AUTO القول في سورة الصافات # {إن إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق} (5) ~~[الصافات: 4، 5] احتجاج على/ [168 أ/م] الوحدانية أي أن رب هذا الملك لا ~~ينبغي أن يكون إلا واحدا بدليل التمانع السابق {وحفظا من كل شيطان مارد} ~~(7) [الصافات: 7] الآيات فيها إثبات الشياطين واستراقهم السمع ورميهم ~~بالشهب. # {أإذا متنا ms468 وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون} (16) [الصافات: 16] فيه ~~إنكار البعث من الكفار. # {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} (19) [الصافات: 19] إشارة إلى نفخة ~~البعث في الصور. # {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} (37) [الصافات: 37] إثبات لنبوته صلى الله ~~عليه وسلم وتصديقه الرسل في التوحيد. # {إنكم لذائقوا العذاب الأليم} (38) [الصافات: 38] إلى {فهم على آثارهم ~~يهرعون} (70) [الصافات: 70] متضمن لإثبات العذاب والنعيم الحسيين خلافا ~~للفلاسفة والنصارى. # {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم} (64) [الصافات: 62 - 64] وجه الفتنة فيها أنهم ~~قالوا: النار تأكل الشجر، فلا تبقى شجرة الزقوم فيها؛ فكذبوا بها، وإنما ~~فتنهم الارتباط بالمعتاد، والآخرة تنخرق فيها العادات. # {قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون} (96) [الصافات: # 95 - 96] تنازع الفريقان في هذا؛ فالجمهور قالوا: معناه والله خلقكم ~~وعملكم، وجعلوا ما مصدرية؛ فتدل على أن أعمالهم مخلوقة لله عز وجل. # والمعتزلة قالوا: [معناه] خلقكم والذي تعملون فيه يعني: الأصنام؛ لأن ~~المعنى عليه، إذ المراد: أن الله خلقكم وخلق معبودكم، ومعبودهم هو الوثن ~~المنحوت المعمول فيه النحت، لا نفس العمل الذي هو النحت، قالوا: ولو كان ~~المراد: خلقكم وأعمالكم، لقالوا لإبراهيم: إذا كان قد خلقنا وأعمالنا فلا ~~لوم علينا في أعمالنا كما لا لوم علينا في ذواتنا PageV01P527 # المخلوقة له. # والجمهور قالوا: أراد بذلك الإخبار [بعموم إلهيته] وقدرته على العامل ~~وعمله ومحل عمله، حتى لا يخرج عن دائرة قدرته شيء، كما قال: {ذلكم الله ~~ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل} (102) ~~[الأنعام: 102] وهم تمسكوا بظاهر اللفظ وعمومه، والمعتزلة تمسكوا بمعناه ~~على ما قلناه، وغايتها/ [351 ل] أن تكون من متشابه هذا الباب، فيرد إلى ~~محكمه، وهو مع الجمهور كما عرف في مواضعه. # {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} (99) [الصافات: 99] يعارض به نفاة الجهة ~~مثبتيها إذا احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى ربه إلى فوق ~~فدل على أنه فوق، قالوا: فقد أخبر إبراهيم أنه ذاهب إلى ربه، ثم ذهب إلى ms469 ~~الشام؛ فيلزمكم أنه في الشام. # وقد يجاب بأن إبراهيم يظهر من كلامه وحاله أن ذهابه مجاز، وأن مراده: إني ~~ذاهب إلى قدرة ربي [أو رضى] ربي، بخلاف عروج محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ~~إلى ذات ربه قطعا. # {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} (102) / [168 ~~ب/م]) [الصافات: 102] أي إني رأيت، فعبر عن الماضي بالمضارع، ثم تابعه ابنه ~~على ذلك. # فقال {افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] أي ما أمرت {فلما أسلما وتله للجبين} ~~(103) [الصافات: 103]: أي استسلما لأمر الله-عز وجل-وطاعته {وتله للجبين} ~~(103) [الصافات: 103] أضجعه للذبح {وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت ~~الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين} (105) [الصافات: 104 - 105] أي: صدقت فرأى ~~عزمك على ذبح ابنك، وإنما المقصود امتحان صدقك لا ذبحه، وقد حصل ذلك بصدق ~~عزمك {وفديناه بذبح عظيم} (107) [الصافات: 107] هو كبش هابيل المذكور في ~~قصة ابني آدم في التفسير. # واحتج الجمهور بهذه القصة على جواز نسخ الفعل قبل وقوعه؛ لأن إبراهيم- ~~عليه السلام-أمر بذبح ابنه، ثم نسخ عنه قبل أن يفعل، ومنع ذلك المعتزلة. # ومأخذ الخلاف نظرا أن مثل هذا الفعل هل له فائدة أم لا؟ # فالجمهور قالوا: له فائدة وهي امتحان المكلف بصدق العزم على الامتثال كما ~~كان PageV01P528 # من إبراهيم. # والمعتزلة قالوا: لا فائدة لذلك؛ إذ حاصله افعل لا تفعل، وهو تهافت، ثم ~~أجابوا عن القصة بوجوه: # أحدها: لا نسلم أنه رأى أنه مأمور بذبحه وإنما ظن أن سيرى بدليل قوله: ~~إني أرى وهو مستقبل لا ماض، ولهذا قال ابنه: افعل ما تؤمر بصيغة المستقبل، ~~أي إن أمرت بذبحي كما خطر لك أنه سيكون، فافعل. # الثاني: سلمنا أنه أمر بشيء، لكنه لم يؤمر بنفس الذبح بل بمقدماته كأخذ ~~المدية والإضجاع والربط ونحوه، وقد فعل ذلك بدليل: {قد صدقت الرؤيا إنا ~~كذلك نجزي المحسنين} (105) [الصافات: 105] ولو كان مأمورا بنفس الذبح لما ~~كان صدقها. # الثالث: سلمنا أنه أمر بذبحه؛ لكن لا نسلم ms470 أنه نسخ قبل فعله، بل فعله، ~~وكان كلما قطع جزءا من عنقه التحم، فلم يفرغ من قطعها حتى التحمت جزءا ~~فجزءا، واعلم أن من تأمل القصة/ [352 ل] وسياقها علم بطلان هذه الوجوه ~~بالضرورة واستغنى عن تكلف الجواب، لكن لا بد من جوابها على العادة. # والجواب عن الأول ما سبق من استعمال المضارع بمعنى الماضي، والمضارع أريد ~~به الحال لا المستقبل؛ لأنه لما رأى رؤياه في الليل أصبح وهو يتذكرها ~~ويتخيلها في الحال، وهو حال كل ذي رؤيا يذكرها، فلذلك عبر عن الماضي بلفظ ~~الحال، وكذا قول ابنه {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين} (102) [الصافات: 102] أي ما أنت مأمور به في الحال؛ لأنه مأمور ~~في الحال بما كان أمر به في الماضي استصحابا لحاله، إذ لم ينسخ عنه بعد، ~~وعن الثاني بأنه خلاف نص قوله: {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ماذا ترى} (102) [الصافات: 102] ولم يقل، إني أعزم على ذبحك، ولأنه ~~لو كان مأمورا بمقدمات الذبح لا غير/ [169 أ/م] لما كان فيه امتحان، ولا ~~بلاء مبين، والنص مصرح بأنه كان بلاء مبينا، وأيضا لما كان فيه مزية ~~لإبراهيم- عليه السلام-على غيره، إذ صغار الناس إذا علم أنه مأمور بمقدمات ~~ذبح نفسه لا غير، لم يتوقف في فعل ذلك، ورأى أنه مأمور بأنه يلعب. # وعن الثالث بأنه لو صح، لكان أولى ما ذكر في القصة هو، إذ هو أعظم وأعجب ~~وأغرب وأتم نعمة على إبراهيم وابنه من الفداء بالكبش، وقد ذكر وعظم إذ قال: PageV01P529 # {وفديناه بذبح عظيم} (107) [الصافات: 107] سلمنا أنه لا يلزم ذكره، لكن ~~لو صح ما ذكرتموه، لما كان للفداء بالكبش معنى؛ لأن معنى الآية: وفديناه من ~~الذبح بذبح عظيم فلو كان قد ذبح كما زعمتم لكان هذا الإخبار غير مطابق. # {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} (112) [الصافات: 112] يحتج به من رأى ~~أن الذبيح إسماعيل، لأنه لما فرغ من قصة الذبيح بشر بإسحاق، وهو يدل على أن ~~الذبيح غيره، وليس إلا إسماعيل ms471 وليس بنص، إذا العطف بين القصتين، أعني: قصة ~~الذبح والبشرى بالواو، وهي لا تفيد الترتيب واحتمل أنه بشر بإسحاق أولا ثم ~~أمر بذبحه ثانيا، وقد اختلف الناس في الذبيح، فالمسلمون على أنه إسماعيل، ~~وأهل الكتاب على أنه إسحاق وعن أحمد فيه القولان: # احتج الأول بوجوه: أحدها: ما ذكرناه من سياق القصة وهو إن لم يكن نصا فهو ظاهر. # الثاني: أن إسماعيل هو أكبرهما؛ [فالظاهر أن] الامتحان كان فيه؛ لأنه ~~الأنفس والأفضل عند الأب عادة. # الثالث: قوله: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين ~~(100) فبشرناه بغلام حليم} (101) / [353 ل]) [الصافات: 99 - 101] ثم استطرد ~~قصته دل على أن المذبوح هو أول ما وهب له من الولد وهو إسماعيل، وهذا الوجه ~~كالدليل والمستند للذي قبله وبينهما اشتباه وتغاير. # الرابع: قوله: {فبشرناه بغلام حليم} (101) [الصافات: 101] والأب تظهر ~~أخلاقه في أولاده، والعرب الذين هم بنو إسماعيل أحلم من بني إسرائيل الذين ~~هم بنو إسحاق فالظاهر أن الحليم المأمور بذبحه هو إسماعيل. # الخامس: من قوله هاهنا: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} (102) ~~[الصافات: 102] مع قوله في الأنبياء: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من ~~الصابرين} (85) [الأنبياء: 85] فوصف بالصبر هنا مبهما، وفى الأنبياء مبينا ~~والمبين يقضي على المجمل المبهم، فالظاهر أن الصابر هناك هو الصابر المذبوح هنا. # السادس: قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن الذبيحين ولا فخر» وهو من ولد ~~إسماعيل لا إسحاق. PageV01P530 # السابع: قوله: -عز وجل-: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب} (71) [هود: 71] والظاهر أنها بشرت بيعقوب على صفته من أنه ~~[من] ولد إسحاق، ثم لا يخفى مثل ذلك عن/ [169 ب/م] إبراهيم وحينئذ يكون ~~إسحاق معلوم الحياة إلى أن يولد له بالبشرى الإلهية، ومثل ذلك لا يفيد ~~الامتحان بالأمر بذبحه، لأن من علم قطعا أن ابنه يعيش إلى بعد البلوغ لا ~~يخشى عليه قبل البلوغ من أمر بذبحه، ولا غيره، فتعين إسماعيل للقصة. # واحتج الآخرون بقوله-عز وجل-: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار (45) إنا أخلصناهم بخالصة ms472 ذكرى الدار} (46) [ص: 45 - 46] ~~فذكر إسحاق مع من أخلص بالامتحان؛ ثم قال: {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل ~~وكل من الأخيار} (48) [ص: 48] ولم يذكر ما يقتضي امتحانا فدل على أن الذبيح ~~هو إسحاق، وهذا ليس بشيء وجوابه من وجوه: # أحدها: أن ذكره من المخلصين لا يدل على أن إخلاصه بالامتحان بجواز أنه ~~وصف له بالإخلاص في العبادة والطاعة. # الثاني: سلمناه لكن لا نسلم أن امتحانه بخصوصية الذبح لجواز أنه امتحن ~~بالعمى كابنه يعقوب، وقد عمي إسحاق فلم يمت إلا مكفوفا أو بغير العمى. # الثالث: أن ما ذكرتموه منقوض بيوسف وأيوب وذي النون وداود وموسى، وغيرهم ~~ممن أخلص بالامتحان ولم يذكر هاهنا. # الرابع: أن ما ذكرتموه معارض بوصف إسماعيل بالصبر في قوله-عز وجل-: # {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} (85) [الأنبياء: 85] أي: قد ~~أتى بما يلام عليه يحتج [به من يرى وقوع المعاصي من الأنبياء ولحوق اللائمة ~~لهم على بعض أفعالهم، وقد سبق القول فيه، وأن معاملة الله-عز وجل-لهم على ~~طريق حسنات الأبرار سيئات المقربين]. # {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون} (150) [الصافات: 149 - 150] إنكار على من زعم أن الملائكة بنات ~~الله وقد سبق. PageV01P531 # {ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون} (152) ~~[الصافات: 151 - 152] لاستحالة ذلك في حقه {أصطفى البنات على البنين (153) ~~ما لكم كيف تحكمون} (154) [الصافات: 153 - 154] هو كما سبق من قوله-عز ~~وجل-: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} (57) [النحل: 57] أي كيف ~~هذا الحكم الفاسد يجعلون الأنقص للأكمل وبالعكس والحكم الجيد إذا لم يكن بد ~~من هذا الاعتقاد الرديء خلاف ذلك {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} (40) [الإسراء: 40] {تلك إذا قسمة ضيزى} ~~(22) [النجم: 22]، {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون} (158) [الصافات: 158] زعموا أن الملائكة، وهذا إنما جاءهم من قبل ~~أنهم تكلموا في الإلهيات بغير دليل شرعي، ولا نظر عقلي، فإن النظر العقلي ~~يفضي إلى بطلان ما قالوه كالفلاسفة لم يقولوا بالشرع، وقد أبطلوا ما زعمه ~~هؤلاء الكفار ms473 / [170 أ/م] إذ النكاح والولادة يستلزم الجسمية، وهي محال في ~~حق القديم الواجب الوجود سبحانه. # {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} (158) [الصافات: 158] أي لعذاب من كفر ~~منهم، ولو كانوا كما زعم الكفار لكانوا صهرا له ونسبا، فلم يعذبهم، أو ~~المراد [أن الكفار] يكذبون على الجن بأنهم أصهار الله-عز وجل-والجن تعلم ~~كذبهم في ذلك، إذ يعلمون أنه لا نسبة لهم إليه إلا بالعبودية، وأنهم ما بين ~~محضر العذاب يوم القيامة مرحوم. # {سبحان الله عما يصفون} (159) [الصافات: 159] أي تنزه عن قولهم إذ لا ~~يليق به وهو محال في حقه-عز وجل- {إلا عباد الله المخلصين} (160) [الصافات: ~~160] مستثنى من قوله: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} (158) [الصافات: 158] ~~أي لمحضرون النار والعذاب إلا المخلصين منهم فلا يعذبون، وهذه قسمة للجن ~~إلى مخلص وغيره كانقسام الإنس إليهما في قوله: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ~~(82) إلا عبادك منهم المخلصين} (83) [ص: 82 - 83]. PageV01P532 # {فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال ~~الجحيم} (163) [الصافات: 161 - 163] يحتج به الجمهور على أن لا فتنة من ~~مخلوق، إذ معنى ذلك أنكم أيها الكفار لا تفتنون أحدا بعبادة معبودكم إلا من ~~سبق عليه القول بأنه يصلى الجحيم، فيكون المؤثر في فتنته إرادة الله-عز ~~وجل-لا إغواؤكم وفتنتكم أنتم. # والمعتزلة يوجهونها على مذهبهم؛ فيقولون معناها: أنكم لا تفتنون من يعبد ~~آلهتكم بل هو يفتن نفسه ويضلها. # {وما منا إلا له مقام معلوم} (164) [الصافات: 164] هذا حكاية قول ~~الملائكة، وهم متفاوتون في مقاماتهم كالإنس في درجاتهم {هم درجات عند الله ~~والله بصير بما يعملون} (163) [آل عمران: 163] {ولكل درجات مما عملوا وما ~~ربك بغافل عما يعملون} (132) [الأنعام: 132] وقياسا على حاشية الملك ~~مقاماتهم عنده متفاوتة. # {وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون} (166) [الصافات: 165 - ~~166] هذا كالتفسير {والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا} ~~(3) في أول السورة، وأنهم الملائكة يصفون أجنحتهم أو أقدامهم ويتلون تسبيح ~~الرب عز وجل. # ... PageV01P533 ### | AUTO القول في سورة ص # {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} (4) [ص: 4] ~~نظيره: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن ms474 أنذر الناس وبشر الذين ~~آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} (2) [يونس: ~~2] ووجه عجبهم لزوم الترجيح بلا مرجح في زعمهم، وقد سبق، وجوابه في سورة ~~إبراهيم وغيرها. # {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} (5) [ص: 5] لما ألفت نفوسهم ~~الكثرة نفرت من التوحيد فهم في ذلك على محض التقليد ولو وفقوا لحسن النظر ~~لعلم كل منهم ما يأتي ويذر. # {أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب} (8) ~~[ص: 8] هو إلزام الترجيح بلا مرجح بزعمهم، وهو غير لازم وجوابه {أم عندهم ~~خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} (9) [ص: 9] / [170 ب/م] أي أنت خصصت من ~~بينهم [بالنبوة] برحمة ربك. # {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} (9) [ص: 9] أي أنت خصصت بإنزال ~~الذكر دونهم برحمة الله وإرادته، وهو ذو الملك المتصرف فيه بما يختار، فإن ~~كانوا هم أهل التصرف في الملك أو شركاء صاحب الملك. # {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب} (10) [ص: ~~10] أي في الحبال إليه لينازعوه ملكه، ويحتمل أن الارتقاء في الأسباب مثل ~~ومعناه كمعنى قوله: {فإن كان لكم كيد فكيدون} (39) [المرسلات: 39]، وحاصل ~~الكلام أن اعتراضهم في تخصيصي إياك بالنبوة دونهم شأن منازع لي في ملكي لا ~~شأن من يعترف بأنه عبدي. PageV01P534 # فاعلين (79) [الأنبياء: 79] {*ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد} (10) [سبأ: 10] وقد سبق توجيه ذلك. # {* وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} (21) [ص: 21] يحتج به على أن ~~أقل الجمع اثنان لأن هذا الخصم كان اثنين، وقد رد إليهم ضمير الجمع؛ فقال: ~~تسوروا. # وأجيب بأنه يحتمل كان معهم غيرهم؛ فصاروا جمعا، ويحتمل أن جمع الضمير ~~باعتبار لفظ الخصم، فإنه من المصادر يصدق على القليل والكثير. # {إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ~~فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط} (22) [ص: 22]، لأنهم ~~دخلوا عليه في غير وقت التحاكم فأنكرهم، ففزع إما لما ms475 تخشاه الملوك من ~~غوائل الإنس، أو لما تفرسه وكان يتوقعه من إلزام الحجة له على لسان بعض خلق ~~الله-عز وجل-. # {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة} قيل حقيقة، وقيل: كنى عن المرأة بالشاة ~~لما ذكر في القصة، وكقوله: # يا شاه ما قنص لمن حلت له .... . . # وقوله: # والشاه ممكنة لمن هو مرتمي .... . . # البيتين. # {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها} / [356 ل] ~~[ص: 23] أي أعطنيها، واجعلني أكفلها {وعزني في الخطاب} (23) [ص: 23] أي ~~غلبني، وفى المثل: من [عزيز]، أي: من غلب سلب. # {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} إلى قوله: {وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} (24) [ص: 24] أي علم أننا أصبناه بالمحنة، ~~وألزمناه الحجة. # وتلخيص القصة أن داود فيما حكي في السير قال: يا رب نوه بذكري كما نوهت ~~بذكر آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب: فقال له: # أولئك ابتليتهم، فصبروا، قال داود: فابتلني حتى أصبر، قال: فاستعد لذلك ~~يوم كذا وقت كذا؛ فلزم داود محرابه في ذلك الوقت محترزا يقرأ في الزبور؛ ~~فبينا هو كذلك، إذ PageV01P535 # وقع بين يديه طائر صغير، بديع الخلقة جدا؛ فأعجبه فمد يده ليأخذه لبعض ~~صغار ولده؛ فتأخر الطائر يسيرا؛ فتقدم له داود؛ فتأخر يسيرا، فلم يزل كذلك ~~يستتبع داود مطعما له، حتى صعد سطح المحراب، ثم طار فأتبعه داود بصره؛ ~~فوقعت/ [171 أ/م] عينه على امرأة تغتسل، فأعجبه جمالها، وكان زوجها: أوريا ~~بن حنان في الجهاد؛ فكتب داود إلى أمير الجيش: أن قدم أوريا بن حنان في ~~الجهاد؛ فكتب داود إلى أمير الجيش: أن قدم أوريا بالتابوت، وكان لا يتقدم ~~به أحد، فيرجع إلا مفتوحا عليه أو مستشهدا؛ فقدمه بالتابوت مرارا، ويفتح ~~عليه؛ ثم قتل بعد ذلك، لما ألظ الأمر به؛ فتزوج داود امرأته، وكان له غيرها ~~تسع وتسعون امرأة؛ ولم يكن لأوريا إلا تلك المرأة، فلذلك جاءه الخصمان، ~~فألزماه الحجة على لسانه بقياس جلي واضح. # وقد اختلف الناس فمنهم من صحح هذه القصة [وجوز على الأنبياء الكبائر ms476 ~~بسببها وما أشبهها]، ومنهم من منع صحتها، لأنه من أخبار القصاص وغبرات أهل ~~الكتاب أهل التحريف والتبديل، وهم لا يرون عصمة الأنبياء؛ فلا يتحاشون من ~~نسبة مثل هذا وأعظم منه إليهم، فقد ذكر في توراتهم على ما شاهدته أن روبيل ~~بن يعقوب وطأ سرية لأبيه فغضب عليه يعقوب، وقال: نجست فراشي وإن بعض كنائن ~~يعقوب وقفت لزوجها في الطريق من حيث لا يعرفها فوطئها، غير عالم أنها ~~زوجته، وأعطاها جديدا من المعز، وإن لوطا لما نجا بابنتيه إلى مغارة في ~~الجبل، قالت إحداهما للأخرى: إن أبانا لا زرع له فهلمي نسقيه خمرا ~~فيواقعنا؛ فيحصل له منا زرع؛ فأسكرتاه فواقعهما فأحبلهما، فكان من ولد ~~إحداهما من ذلك الحمل بنو موات يعني المواتين، وزعموا أن داود من ذلك النسل ~~وحينئذ فلعل هذه القصة في حق داود من أكاذيبهم على الأنبياء فلا يترك لها ~~ما ثبت من دليل عصمتهم، وهذا هو اللائق بحالهم. # وإن كان الظاهر من حال داود-عليه السلام-وقوع ذلك منه؛ لأن الذي حكاه ~~ثقات المسلمين، كوهب بن منبه/ [357 ل] وكعب الأحبار، وغيرهم، وكانوا أئمة ~~أثباتا نقادا، فلو علموا فيها مغمزا لما حكوها عنه، ولأنه لولا مثل هذه ~~القصة من مثل داود لما بكى ذلك البكاء، وناح ذلك النواح المحكي عنه فالله- ~~عز وجل-أعلم بحقائق المغيبات بما كان، وما هو آت، وبتقدير صحة القصة يحتج ~~بها على إثبات القياس، إذ حاصلها أنك ما كان لك أن تغلب أوريا على امرأته ~~مع أن لك تسعا وتسعين امرأة كما لم يكن لأحد الخصمين أن يغلب صاحبه على ~~نعجته مع أن له تسعا وتسعين نعجة. PageV01P536 # فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب (26) [ص: 26] فيه إشارة إلى أن عصمتهم من وقوع الضلال [لا من ~~جوازه]، وقد سبق له نظائر. # {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} (34) [ص: 34] / [171 ~~ب/م] قيل: هو صخر المارد الذي أخذ خاتمه، وتشكل بشكله، وجلس على سريره؛ ~~فسلب ملكه بسببه ms477 مدة، ثم عاد إليه، وقيل: هو ولده الذي حصل له من طوافه على ~~تسعين امرأة في ليلة ثم أشفق عليه من الموت فسلمه إلى الغمام تكفله فقبض ثم ~~ألقي ميتا على سريره. # {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} (35) ~~[ص: 35]. # تكلم الناس في هذا فربما ظن قوم أنه [حب للدنيا]، وآخرون أنه استئثار على ~~أبناء الجنس، وآخرون غير ذلك وكله مما لا يليق نسبته إلى سليمان خصوصا مع ~~حكمته، وتمام معرفته بالله-عز وجل. # والأشبه أن ذلك كان أمارة على عناية الله-عز وجل-به وحظوته عنده، فلذلك ~~سأله، كما قيل: إن سؤال إبراهيم إحياء الموتى كان لكونه أمارة على خلته، أو ~~لأن هذا جرى من سليمان مجرى الاستكثار من فضل الله وبركته، والتخصص بمزيد ~~فضله كما أن أيوب مع كثرة ماله لما أمطر الله عليه جرادا من ذهب جعل يحثي ~~في حجره؛ فلما قيل له: # ألم نكثر مالك قال: بلى، يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك. # {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب} (49) [ص: 49] الآيات، فيها إثبات النعيم ~~الحسي، وفيما بعدها من ذكر الحميم والغساق ونحو إثبات العذاب الحسي خلافا ~~للنصارى والفلاسفة كما سبق. # {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} (54) [ص: 54] فيه دوام رزق الجنة وأكلها ~~من غير انقطاع، وأن المعدوم منقطع إذ لا يجوز انقلابه دائما أبدا، واعلم أن ~~المعلوم إما أزلي أبدي، وهو الحق سبحانه وتعالى، أو لا أزلي ولا أبدي ~~كالأعراض تحدث وتفنى على الفور، أو أزلي لا أبدي كعدم العالم، أو أبدي لا ~~أزلي كنعيم الجنة وعذاب النار وأهلهما، والله-عز وجل-أعلم بالصواب. # ... PageV01P537 ### | AUTO القول في سورة الزمر # {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله ~~الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار} (3) [الزمر: 2، 3] فيه الاهتمام بالإخلاص لوصية الله-عز وجل- ~~رسوله به ms478 مع أنه معصوم من الرياء وغيره. # {ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله ~~لا يهدي من هو كاذب كفار} (3) [الزمر: 3] أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى هذا رأي الوثنيين وعبدة الكواكب من الصابئين يحتجون بذلك ~~[تنصلا] من الشرك. # {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص} (3) [ص: 3] فإن الله- ~~عز وجل-إنما يتقرب إليه بعبادته وطاعته من غير واسطة، ثبت ذلك بتواتر الرسل ~~والكتب، ومن ذلك قوله: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} (19) ~~[ق: 19]. # قوله-عز وجل-: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ~~سبحانه هو الله الواحد القهار} (4) [الزمر: 4]، زعم/ [172 أ/م] أبو محمد بن ~~حزم الظاهري في كتاب «الملل والنحل» له أن الله-عز وجل-قادر على أن يتخذ ~~ولدا لظاهر هذه الآية، وهو قول شنيع باطل. # أما شناعته فلمضارعته النصرانية؛ فإنهم إذا حاجوا في ذلك قالوا: الولد ~~صفة كمال، فانتفاؤه في حق الله-عز وجل-نقص وامتناعه على الله-عز وجل-عجز. # وأما بطلانه، فلأن ما زعمه إنما يصح أن لو قال: لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لولد أو لتزوج ونسل، أو لاتخذ ونحو ذلك، لكنه إنما قال: لاصطفى مما ~~يخلق ما يشاء، [ونحن قد بينا قبل أن الولدية تنافي المخلوقية كما تنافي ~~المملوكية، فلو قدر أنه اتخذ ولدا مما يخلق لم يكن ذلك الولد ولدا، وإنما ~~يكون على جهة التبني، لا على حقيقة البنوة والولدية، فإن زعم هذا القائل أن ~~معنى الآية: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق زوجة، فأولدها ولدا ~~كما قال: {لو أردنا أن نتخذ} PageV01P538 # لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) [الأنبياء: 17] أي: زوجة نلهو ~~بها لزمه أن يجيز عليه التزوج والنكاح والنسل ونحوه من لوازم الأجسام، وذلك ~~محال باطل بإجماع، وإنما يصح ذلك على رأي الاتحادية الذين يجيزون عليه ~~الظهور في المظاهر الطبيعية، وابن حزم ms479 لا يقول ذلك]، وإن قال: إن الولد ~~الذي يقدر على اتخاذه روحاني لا جسماني كالنور مولود للشمس، والحكمة مولودة ~~للعقل، فلا يلزم التجسيم. # قلنا: هذا هو عين مذهب النصارى، فإنهم لما ألزموا ما ألزمت من التجسيم، ~~ادعوا ما ادعيت من الولادة الروحانية، فإن قال: النصارى ادعوا وقوع اتخاذ ~~الولد، وأنا إنما ادعيت القدرة عليه وجوازه؛ قلنا: يلزمك أن مذهب النصارى ~~جائز، وأجمع المسلمون-بل العقلاء- على أنه محال، فقد كنت بدعواك هذه تخالف ~~الشرع، فالآن خالفت الشرع والعقل جميعا، فإن قال: لو لم يقدر على اتخاذ ~~ولد، لكان عاجزا، قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأن اتخاذ الولد عليه محال، والمحال ~~لا يدخل تحت المقدورية أي: لا يقبل تأثير القدرة فيه ليكون عدم تأثيرها فيه ~~عجزا فإن تأثير القدرة في الشيء تارة ينتفي لقصورها عنه وتارة لعدم قبول ~~ذلك الشيء لتأثيرها فيه لعدم إمكانه بوجوب أو امتناع، والعجز هو الأول لا ~~الثاني، وإلا لزمك أن/ [172 ب/م] تجيز عليه جميع المحالات بعلة أنه لو لم ~~يقدر عليها، لكان عاجزا. # [فإن قال: فما معنى قوله: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما ~~يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} (4) [الزمر: 4] إذن قلنا معناه: لو ~~احتاج إلى ولد لاستغنى عنه بمن يختاره من مخلوقيه، كما لو قيل لرجل: لو ~~تزوجت لجاءك ولد يخدمك؛ فقال: لو أردت ولدا يخدمني أو لو احتجت إلى خدمة ~~الولد، لاشتريت بمالي عبيدا يخدموني. # وهذا التأويل قريب من ظاهرها جدا، وهو خير من اقتحام الشناعة والمحال. # {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار} (4) [الزمر: 4] أي: تنزه عن اتخاذ الولد وقوعا وجوازا إذ ~~{هو الله الواحد القهار} (4) [الزمر: 4] أي: أن حكمة الولد التكثر به من ~~قلة أو الاستعانة/ [359 ل] به عن غلبة وانقهار، والله-عز وجل-واحد لا يجوز ~~عليه الكثرة، ولا التكثر؛ قهار لا يلحقه الانقهار، وإذا انتفت حكمة الولد ~~في حقه، وجب انتفاؤه وقوعا وجوازا، إذ ما لا حكمه فيه، لا ms480 يجوز وجوده. {إن ~~تكفروا فإن الله غني عنكم ولا} PageV01P539 # يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ~~ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) [الزمر: 7] ~~احتج به المعتزلة؛ لأن من لا يرضى لهم الكفر، لا يخلقه فيهم، ولا يقدره ~~عليهم، ولا يتسبب إليه بوجه كما أن في الشاهد من لا يرضى لعباده المؤمنين ~~الكفر لسابق علمه فيهم بالعصمة منه. # الثاني: لا يرضى لهم الكفر عبادة وطاعة وقربة، وإن رضيه ابتلاء ومنحة بدليل: # {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} (35) ~~[الأنبياء: 35]. # الثالث: أن لا يرضى معناه: يكره، وكراهته الشيء لا تقتضي عدم فعله بدليل ~~أن الله -عز وجل-خالق عين الكافر، وهو يكرهه، كذلك جاز أن يخلق الكفر وهو يكرهه. # {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا ~~عباد فاتقون} (16) [الزمر: 16] الكلام كما في {وما منعنا أن نرسل بالآيات ~~إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل ~~بالآيات إلا تخويفا} (59) [الإسراء: 59] وقد سبق هناك. # {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين} (22) [الزمر: 22] شرح الصدر هو كشف حجاب ~~القلب بما يخلق فيه من براهين الحق ودواعي اتباعه، وهو النور المذكور، وقد ~~أخبر الله- عز وجل أنه الذي يشرح الصدر، فكذا هو الذي يجعله ضيقا حرجا، بضد ~~ما يشرحه به من الطبع عليه، وخلق ظلمات الشكوك والريب فيه؛ فيقسو عن اتباع الحق. # {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} (23) [الزمر: 23]: يشبه، ~~ويصدق بعضه بعضا. # {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ~~ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد} (23) [الزمر: ~~23] هو سبحانه وتعالى يخلق الخوف في قلوبهم، ثم/ [173 أ/م] يترتب على الخوف ~~الاقشعرار، ثم PageV01P540 # لين الجلود والقلوب إلى ذكر الله، كل ذلك بفعل الله-عز وجل-وإرادته. ms481 # {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} [الزمر: 23] أضاف هذا الهدى إليه لأنه ~~مرتب على أسباب مخلوقة له. # {ومن يضلل الله فما له من هاد} (23) [الزمر: 23] صريح في إضلاله من يشاء؛ ~~بأن يخلق في قلبه ضد ما خلق في قلب المهتدي. # {قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} (28) [الزمر: 28] قيل: غير مخلوق، ~~وقد سبق القول فيه. # {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} (29) [الزمر: 29] هو من أدلة التوحيد؛ ~~وبيانه أن التوحيد أصلح للموحد، كما أن المالك الواحد للعبد أصلح له من ~~تعدد الملاك؛ لأن كثرة الأرباب / [360 ل] والملاك تتنازع الواحد؛ فيهلك، أو ~~يشقى ويتعب؛ بخلاف الرب الواحد؛ والمالك الواحد، إذ لا تنازع مع الوحدة ~~وهذه المادة شبيهة بمادة {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله ~~رب العرش عما يصفون} (22) [الأنبياء: 22]. # {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} (33) [الزمر: 33] الآيات ~~تنازعها الفريقان: السنة: فزعموا أنها لأبي بكر الصديق؛ لأنه الصديق، ~~والشيعة [لعنهم الله] فزعموا أنها لعلي لأنه عندهم الصديق الأكبر، وأول من أسلم. # واعترض الجمهور عليهم بأن في سياق هذا {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} (35) [الزمر: 35] وعلي عندكم ~~معصوم، لا سيئة له؛ فليست الآية له، فهي لأبي بكر-رضي الله عنه-، وأجاب ~~الشيعة بأنا قد أثبتنا عصمة علي فيما سبق، والعصمة لا تنافي اليسير من سوء ~~العمل، [بدليل: أن الأنبياء عندكم تجوز عليهم الكبائر والصغائر، و] وقوله- ~~عز وجل-: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما} (2) [الفتح: 2]. # والجواب مشترك، والحق أن الآية ليست لواحد بعينه، بل هي عامة لكل من اتصف ~~بالصدق والتصديق، بدليل ما اكتنف الآية قبلها وبعدها. PageV01P541 # أما قبلها فقوله-عز وجل-: {*فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ ~~جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} (32) [الزمر: 32] وهو ذم ووعيد عام، ثم ~~قابله بالذي جاء بالصدق وصدق به، وأي صدق ms482 وصدق، وهو مقابل لمن كذب وكذب في ~~الآية قبلها، وهو مدح ووعد عام، وأما بعدها، فقوله: {والذي جاء بالصدق وصدق ~~به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين} (34) ~~[الزمر: 33 - 34] الآيات بصيغة الجمع المقتضي للعموم، ولا مقتضى لاختصاصها ~~بأحد الرجلين، إلا عصبية الفريقين، نعم هما داخلان تحت الوعد فيها، ومن أحق ~~الناس بها. # {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من ~~هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام} (37) ~~[الزمر: 36 - 37] صريح في مذهب الجمهور، وتأوله المعتزلة على أنه يهدي بفعل ~~الألطاف، ويضل بمنعها. وقد سبق القول في ذلك. # {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} (38) [الزمر: 38] / [173 ~~ب] هي شبيهة بقول إبراهيم: {أو ينفعونكم أو يضرون} (73) [الشعراء: 73] وقول ~~صاحب يس: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ~~ولا ينقذون} (23) [يس: 23] وهو استدلال على التوحيد، ونفي إلهية الشركاء ~~بعدم ملكهم التصرف بالضر والنفع أي: هؤلاء لا تصرف لهم، وكل من لا تصرف له؛ ~~فليس بإله، فهؤلاء ليسوا آلهة. PageV01P542 # أنا فلنفسه ومن أضللته فعليها، وهذا محض جور لا تقوم به حجة في حكم ~~العدل، ويجاب بأن جميع ذلك أعني نسبة الضلال إليهم والاحتجاج والوعيد لهم ~~يتعلق بالكسب عن الكسبية وبالخلق على تقدير التفويض عند المجبرة، كما تقرر ~~في مقدمة الكتاب/ [361 ل]. # {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (42) ~~[الزمر: 42] أي: أن الله-عز وجل-تارة يقبض الأرواح بالكلية، وهو الموت، ~~وتارة تعرج إليه على عزم معاودة البدن، وهو النوم ثم قد يقضي الموت على ~~النائم، فيمسك روحه عنده فيموت، وقد لا يقضي عليه ms483 الموت؛ فيرسل روحه إلى ~~جسده؛ فيستيقظ حيا، وهو ضرب من الموت والبعث، يقال: إن النفس تعرج والروح ~~تبقى يتحرك به النائم، فإن قضى عليه الموت نائما قبض الروح إلى النفس، وإلا ~~عاد النفس إلى الروح، وقد سبق نحو هذا في الأنعام. # {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (42) [الزمر: 42] هو كقوله: {ومن آياته ~~منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} ~~(23) [الروم: 23]. # {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} ~~(43) [الزمر: 43] أي: شركاء يرجون شفاعتهم، قل: أتتخذونهم شركاء، وإن كانوا ~~لا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا يعقلون شيئا، إذ هم أصنام جماد، فإن قالوا: ~~نعم فقد لزمهم غاية السفه والضلال، وإن قالوا: لا، فقل: فإن شركاءكم كذلك ~~لا يعقلون ولا يملكون فلا تتخذونهم. # وهو دليل على التوحيد تلخيصه: أن اتخاذكم لهؤلاء الآلهة، إما مع علمكم ~~بأنهم لا يملكون ولا يعقلون، فهو سفه وضلال، أو مع عدم علمكم بذلك، فقد ~~أعلمناكم فدعوهم ولا تدعوهم آلهة. PageV01P543 # أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما (48) [النساء: 48]. # وأما في المغفور له؛ فلقوله-عز وجل-: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} (48) [النساء: 48] فمن لا يشاء أن يغفر ~~له مخصوص من عموم العباد المغفور لهم هاهنا. # فإن قيل: فما فائدة قوله: (جميعا) قلنا: يعني يغفر جميع ما سوى الشرك لمن ~~شاء أن يغفر له، أو جميع الذنوب حتى الشرك بالإيمان. # {أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين} ~~(56) [الزمر: 56] زعم أبو عبد الله/ [174 أ/م] بن حامد: أن لله-عز وجل-صفة ~~ذاتية تسمى الجنب، كما قال في اليد والوجه، وهو ضعيف جدا، لغلبة المجاز على ~~هذه الكلمة، إذا يقال: طمع فلان في جنب فلان وجانبه، وخذ هذا الدرهم في جنب ~~الله، فإثبات صفة ذاتية بمثل ذلك لا وجه له. # {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت ms484 من الكافرين} (59) [الزمر: ~~59] احتج المعتزلة بهذا، ووجهه أنه-عز وجل-رد على الكافر قوله: # {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين} (57) [الزمر: 57] بقوله هذا، ~~ومعناه: قد هديتك بمجيء آياتي، فكذبت واستكبرت، فلو كان هو الذي أضله أو ~~منع عنه الهدى لما اتجه هذا التكذيب حتى قال: {ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} (60) [الزمر: ~~60] أي الذين كذبوا عليه بقولهم: ما هدانا؛ فدل على أنه هداهم/ [362 ل]، ~~ولم يضلهم. # والجواب: أن الهدى مشترك بين الإرشاد و [بين] العصمة من الضلال بما يخلق ~~في القلوب من موجبات الإيمان، والكافر إنما أنكر الهدى بمعنى الإرشاد، ولا ~~شك في أنه كذب، لأن الله-عز وجل-قطع الحجة وأوضح المحجة بالإرشاد بالكتب ~~على ألسنة الرسل، وإنما الذي فات الكافر هو الهدى بالمعنى الثاني، فالله-عز ~~وجل-هداه تكليفا، ولم يهده تكوينا، فلا تناقض، وعدنا إلى قاعدة الكسب ~~والجبر في قيام الحجة على الكافر. PageV01P544 # بالإجماع بذات الله وصفاته، ثم اختلف فيه بعد ذلك؛ فطرده الجمهور فيما ~~عدا ذلك، حتى أفعال الناس مخلوقة له، وخصها المعتزلة منه بدليلهم العدلي ~~فيما زعموا. # {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين} (65) [الزمر: 65] يحتج بظاهره على جواز الشرك من الأنبياء، وإن ~~عصموا من وقوعه، وتأول بعضهم هذه على أن الخطاب فيها له، والمراد أمته، وهو ~~ضعيف؛ لأن قوله-عز وجل-: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} (66) [الزمر: 66] ~~عطف عليه، وهو مراد منه باتفاق فكذا ما قبله يكون مرادا منه. # {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} (67) [الزمر: 67] اختلف الناس في ~~آيات الصفات مثل هذه في القبضة واليمين، ونحو: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} (27) [الرحمن: 27] {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما ~~أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة كلما أوقدوا نارا ms485 للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله ~~لا يحب المفسدين} (64) [المائدة: 64] و {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون} (42) [القلم: 42] «يضع الجبار قدمه» (1) «يحمل السماوات على ~~إصبع» (2) الحديث، ونحو ذلك على أقوال: # أحدها: إمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل، وهو مذهب أهل الحديث. # الثاني: حملها على ظاهرها في التشبيه وصرحوا به، وهو قول الكرامية، ورد ~~عليهم ب {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (11) [الشورى: 11] ~~وباستحالة PageV01P545 # التجسيم على القديم. # الثالث: حملها على صفات لله-عز وجل-حقيقة مقولة على صفات المخلوقين/ ~~[174/م] بالاشتراك اللفظي، [اللهم كأنهم] قالوا: لله يد هي صفة لائقة به لا ~~تشبه يدنا، ولنا يد هي هذه الجارحة مستحيلة في حقه عز وجل. وهو محكي عن ~~الظاهرية، وإليه يرجع المذهب الأول. # الرابع: تأويل ما أوهم منها التشبيه على ما يزيل تلك الشناعة مما يحتمله ~~اللفظ في كلام العرب، وهو مذهب الأشعرية، ومن وافقهم. # الخامس: أن اللفظ إن ظهر منه إرادة الحقيقة حمل عليها على المذهب الأول، ~~أو إرادة المجاز حمل عليه كلفظ الجنب، «وقلب المؤمن بين إصبعين» (1) و ~~«الحجر يمين الله في الأرض» (2) ونحوه، وإن لم يظهر منه أحدهما اجتهد فيه ~~المجتهد في الأصول، وقلد فيه المقلد، والأشبه الأخذ بالمذهب الثالث. # ولعلك تقول: هل يجوز التقليد في أصول الدين حتى يقول: وقلد فيه المقلد؟ فنقول: # نعم. # وتحرير ذلك أن مسائل الشريعة إما/ [363 ل] ظني كالفقهيات، أو علمي قاطع ~~كالتوحيد والنبوات، أو واسطة بينهما، كهذه المسائل الدائرة بين أهل الحديث ~~والمعتزلة والجهمية ونحوهم، فهذه ارتفع دليلها عن القسم الأول، وانحط عن ~~القسم الثاني، لكن تعارضت فيها الشبه وتصادمت الحجج؛ فجاز فيها التقليد ~~للعامي، ولم يسغ فيها التكفير، والله-عز وجل-أعلم بالصواب. # {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} (68) [الزمر: 68] هذه نفخ الصعق ونفخة ~~البعث، وقبلها نفخة الفزع المذكورة ms486 في سورة النمل، فهي ثلاث نفخات، وهذا من ~~أحكام اليوم الآخر {إلا من شاء} قيل: من في الجنة، وقيل: بعضه الملائكة. PageV01P546 # {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون} (69) [الزمر: 69] إن قيل: ما يمنعها الآن أن تشرق به؟ # قيل: دون أنواره الخاصة حجاب العزة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«حجابه النور لو كشف عنه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ~~(1) أو كما قال. # ويوم القيامة يكشف هذا الحجاب؛ فتشرق الأرض بنور رب الأرباب. # {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} (71) [الزمر: 71] احتج عليهم ~~بالعدل، واحتجوا بالجبر، فلم ينفعهم لما قررناه في سورة يس. # {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين} (75) [الزمر: 75] هذا يمنع من تأويل العرش على ~~الملك على ما زعمه قوم. # ... PageV01P547 ### | AUTO القول في سورة غافر # {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} (4) ~~[غافر: 4] فيه ذم الجدال بالباطل، إذ المراد يجادل في آيات الله ليبطلها، ~~كما قال بعد: {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} (5) ~~[غافر: 5]. # {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} (6) [غافر: 6] ~~أي: وجبت ولزمهم/ [175 أ/م] حكمها مع تعلق العلم والإرادة بكفرهم، ويلزم الجبر. # واعلم أن الجبر على ضربين: جبر محسوس، كمن يقبض على أطواق شخص ويجره إلى ~~الدار، وجبر معقول كمن يزين له دخولها بما يخيله إليه من الأسباب المقتضية ~~لذلك، أو يجذبه إلى ذلك بجاذب حالي نفساني، ونحوه. # والضرب الأول من الجبر مجمع على عدمه في أحكام القدر، وإنما النزاع في ~~الضرب الثاني فالجبرية أثبتوه، والمعتزلة نفوه. # {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ms487 بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم} (7) [غافر: 7] احتج بها من فضل مؤمني البشر على ~~الملائكة؛ لأنهم لم يستغفروا لهم إلا وقد علموا أنهم أشق عملا وأفضل منزلة. # وقال بعضهم: بل الملائكة أتقياء، فتقواهم حملتهم على الاستغفار للمؤمنين، ~~جبرا لما وقع منهم في حقهم بقولهم في البدء: {وإذ قال ربك للملائكة إني ~~جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} (30) [البقرة: 30] وهذه كلمة ~~استرسلت على جميع أفراد بني آدم/ [364 ل]، فالكافر ونحوه وقعت منه موقعها، ~~والمؤمن لم تقع منه موقعها؛ فرأوها غيبة أو قذفا؛ فاستدركوها بالاستغفار ~~لهم، وهذا حكم من اغتاب شخصا أو قذفه أو يعرفه ما قال فيه، ويستوهب منه، ~~فإن لم يمكنه تعريفه استغفر له حتى يعلم أنه قد PageV01P548 # تدارك أمره معه. # فإن قيل: فما يمنع الملائكة أن تستوهب ذلك من بني آدم؟ قيل: لأنهم من ~~أركان الإيمان، وهم غيب، فلو ظهروا ليستوهبوا صار الإيمان بهم وبسائر أركان ~~الإيمان ضروريا، وبطلت فائدة التكليف؛ فلذلك عدلوا إلى التدارك بالاستغفار. # {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل} (11) [غافر: 11] سبق ذكره في أوائل البقرة عند: {كيف تكفرون بالله ~~وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} (28) [البقرة: 28]. # {رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر ~~يوم التلاق} (15) [غافر: 15] يحتج بظاهره مثبتو الجهة حملا له على الرفعة ~~الحسية بدليل اقترانه بذكر العرش، وتأوله الآخرون على الرفعة المعنوية]. # {على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق} (15) [غافر: 15] فيها إثبات ~~النبوات على ما تقرر في نظيرها في أول النحل. # {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} (17) ~~[غافر: 17] يحتج به المعتزلة، ويجيب الجمهور بما قبله، وهو {اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ms488 إن الله سريع الحساب} (17) [غافر: 17] فلا ظلم ~~عليهم إذ هم مجزيون على كسبهم. # {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع} (18) [غافر: 18] احتج به المعتزلة في إنكار الشفاعة؛ ~~للمذنبين لعموم لفظ الظالمين. # وأجيب بأن المراد الكفار؛ بدليل: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم ~~الظالمون} (254) [البقرة: # 254]، {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم ~~عظيم} (13) [لقمان: 13]، {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من} PageV01P549 # قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ~~(6) [الرعد: 6] أي كفرهم {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} (82) [الأنعام: 82] أي: كفر ونحوه، لا الظالمون من أهل ~~الإيمان، فإذن / [175 ب/م] احتجاجهم بعام مخصوص، أو أريد به الخصوص، وهو ~~غالب ما يعتمدون عليه في هذه المسألة، ونحوها من السمعيات. # {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم ~~بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} (28) [غافر: 28] احتجت ~~بها الشيعة على جواز التقية؛ لأن هذا المؤمن استعملها، وقد أثنى الله-عز ~~وجل- عليه ومدحه، وعلى أن أبا طالب كان مؤمنا، لكنه استعمل التقية مع قريش ~~في نصرة محمد صلى الله عليه وسلم كما استعملها هذا المؤمن في نصرة موسى، ~~وقد سبق المسألتان في موضعهما من آل عمران والقصص. # {وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} ~~(28) [غافر: 28] يحتج بها على أن لا واسطة بين الصدق والكذب؛ لأنه احتج ~~عليهم بالسبر والتقسيم، ولو كان هناك واسطة لما كان تقسيمه حاصرا، ولكانت ~~حجته فاسدة، لكن القرآن، يقتضي صحتها، فيكون التقسيم حاصرا، فلا يكون بين ~~الصدق والكذب واسطة، وقد سبق تفصيل هذا في أول سورة سبأ، والمراد هنا ms489 ~~بالصدق والكذب مطلق المطابقة، وإلا مطابقة من غير تقييد، فمن ثم انتفت ~~الواسطة. # {أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون ~~سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} (37) [غافر: 37] / [365 ~~ل] على ما لم يسم فاعله يحتج بها الجبرية. # {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} (38) [غافر: 38] دعاهم ~~إلى التوحيد، والإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى الإعراض عن الدنيا، ~~والإقبال على الآخرة، على ما هو ظاهر في كلامه. PageV01P550 # {فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} (46) ~~[غافر: 45 - 46] أي: في البرزخ، ويستدل به على عذاب القبر؛ بدليل: # {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب} (46) [غافر: 46] فإنه يقتضي أن عرضهم على النار غدوا وعشيا قبل يوم ~~القيامة، وليس ذلك في الدنيا فتعين أنه في البرزخ، وهو ما بينهما. # {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} (52) [غافر: ~~52] يحتج به المعتزلة، إذ لو كانت أعمالهم مخلوقة لله-عز وجل-لنفعتهم ~~معذرتهم بأن يقولوا: خلقت فينا ما لا خروج لنا عنه، فكنا مجبورين فعلام ~~تعذبنا؟ وجوابه ما سبق من أن جبره إياهم جبر معقول يدركه ولا تنكره العقول، ~~فعقولهم تقضي عليهم باللائمة بحسب كسبهم ولا يعذرهم بجبرهم. # {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ~~ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} (56) [غافر: 56] فيها ~~وفى نظيرتها قبل بقليل دليل على ذم الجدال بغير علم وبغير الحق، وأن ذلك ~~إما عن جهل أو/ [176 أ/م] عناد واستكبار. # {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~(57) [غافر: 57] مع قوله بعد: {إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون} (59) [غافر: 59] إشارة إلى دليل البعث والمعاد، وينتظم ~~هكذا: إعادة الناس أهون من ابتداء خلقهم، وابتداء خلقهم أهون من خلق ~~السماوات والأرض، فإعادتهم ms490 أهون من خلق السماوات والأرض، فهو عليها أقدر. ~~أو هكذا: خلق السماوات أكبر من خلقكم وخلقكم أكبر من إعادتكم، فخلق ~~السماوات أكبر من إعادتكم، فالقادر عليه يكون عليها أقدر، وقد سبق هذا في ~~آخر سورة يس وغيرها. PageV01P551 # عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون (186) [البقرة: 186]، {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (60) [غافر: 60] ظاهر في تسمية ~~الدعاء عبادة، وأن الاستكبار عنه حرام، إذ فيه إظهار الاستغناء عن الله-عز ~~وجل-وفى الحديث: «الدعاء مخ العبادة» (1) وذلك لأنه إنما يكون عن محض ~~التوحيد. # {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} (62) [غافر: 62] ~~يحتج به الجمهور كما سبق في آخر الزمر وغيره. # {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم ~~تعقلون} (67) [غافر: 67] إلى: {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون} (68) [غافر: 68] احتجاج على البعث والإعادة بقياس ~~الابتداء كما في أول الحج. # {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} (70) [غافر: 69 - 70] الآيات ~~منطبقة على الفلاسفة، صادقة عليهم، إما بخصوصهم/ [366 ل]، أو في عموم ~~مدلولها؛ لأن الفلاسفة بنوا أمرهم على أن البرهان العقلي لا يعارضه شيء، ثم ~~تسامحوا حتى عدوا ما ليس ببرهان برهانا، إما وهما منهم أو هوى، أو عصبية، ~~أو غير ذلك، فإذا قرروا شبهة هي عندهم برهان؛ جادلوا بها الكتب المنزلة على ~~الأنبياء، إما بالتكذيب المحض، أو بالتأويل الباطل، فإذا سمعوا الكتب تثبت ~~الصفات لله، تأولوها على أن مقاصدها ثابتة له لذاته؛ لئلا يلزم تعدد ~~القدماء، ويتأولون الملائكة على قوى الأفلاك ونحوها، والرسل على قوم حكماء، ~~ذوي سياسة ونفوس قوية، تنفعل لها العنصريات يضعون قوانين حافظة لنظام PageV01P552 # العالم، وأنها دائمة أبدا بدوام العالم أبدا لا تنقطع، ms491 وكلما دثرت ملة ~~ظهرت أخرى. # [وإذ سمعوا من يقول: إن محمدا خاتم النبيين لا نبي بعده، سخروا من عقله، ~~كما حكي عن بعضهم أنه رأى الناس يركضون عند إقامة الجمعة، ليدركوها، فوقف ~~متعجبا يقول: # سبحان الله، ما فعل هذا العربي بالناس؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ~~نسبة إلى العرب-إنما يستخف عقول الناس حتى أجابوه إلى مثل هذه الخفة/ [176 ~~ب/م]: زعم. ويتأولون المعاد على الروحاني دون الجسماني، ويثبتون قدم ~~العالم، وأنه أزلي أبدي، وأن الله-عز وجل-إنما يفعل بالطبع والإيجاب، لا ~~بالقدرة والاختيار، وغير ذلك من أصولهم، كقولهم: ] إن النعيم والعذاب فيما ~~بعد الموت عقلي لا حسي، كل ذلك على خلاف ما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب. # وإذا تأدبوا مع الشرائع تأولوا نصوصها على ما يوافق أصولهم، ثم لا يبالون ~~كان التأويل قريبا من الظاهر، أو بعيدا جدا شبيها بالتلاعب، كقول بعضهم في ~~عصا موسى: # {فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} (45) [الشعراء: 45]-: إنه ~~كناية عن حجته غلبت حجة فرعون وقومه، وفى انفجار اثنتي عشرة عينا من الحجر، ~~إنه إشارة إلى منافذ الإنسان كعينيه وأذنيه ومنخريه وفمه وقبله ودبره ~~وسرته، وليت شعري هذه عشر فأين الآخران؟ ! ! وأشباه ذلك من تلاعبهم، فالآية ~~بالضرورة صادقة عليهم مع نظرائهم من المشركين. PageV01P553 # الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) [غافر: 78] ~~فرأيته ضحك حتى رأيت أسنانه، فترددت في النوم في ضحكه: هل هو استقصار لعلمي ~~أو لأني تحريت الصدق، ولم أعد الحق وهذا هو أظهر الاحتمالين، ثم لما ~~استيقظت نظرت / [367 ل] في تأويل هذه الرؤيا، فذكر فيها بعض المعبرين أن من ~~رأى المسيح في النوم، فقدر له الاشتغال بالطب في ذلك العام برز فيه، فشرعت ~~من حينئذ في قراءة القانون في الطب، فقرأت فيه يومين أو ثلاثة، ثم لم يقدر ~~لي الاستمرار. # {فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون} (78) [غافر: 78] سبق ~~نظيرها والكلام فيه. # {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ms492 ~~به يستهزؤن} (83) [غافر: 83] إشارة إلى أنه لا ينبغي لأحد أن/ [177 أ/م] ~~يعارض علم الرسل بغيره، فإنه حينئذ كمن يعارض طب بقراط وجالينوس بطب ~~العجائز، بل أسخف عقلا وأضعف رأيا؛ إذ الأنبياء يستندون في علمهم إلى كشف ~~عياني مستند إلى قدرة وعلم رباني، وهذا المعارض له بعلمه مستند إلى عقله ~~وفهمه، وأين عقل الإنسان الضعيف من علم الحكيم اللطيف. # ... PageV01P554 ### | AUTO القول في سورة فصلت # {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} ~~(7) [فصلت: 6، 7] يحتج بها على أن الكفار مكلفون بفروع الدين، لأنه ذمهم ~~وتوعدهم على منع الزكاة وهي فرع، كما توعدهم على الشرك وترك الإيمان، وهو ~~أصل فدل على أنهم مكلفون بهما، إذ ما لا مدخل له في العلة لا يعلل به، وما ~~ليس بواجب لا يتوعد على تركه. # احتج الخصم بأنهم لو كلفوا بالفروع لصحت منهم حال الكفر، أو لوجب عليهم ~~قضاؤها بعد الإسلام، واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان الملازمة أنهم لو ~~كلفوا بها لم يكن للتكليف بها بد من فائدة، ولا فائدة إلا صحة أدائها أو ~~وجوب قضائها، بيان انتفاء اللازم الإجماع على أن الأداء لا يصح منهم، ~~والقضاء لا يجب عليهم. # وجوابه: أنا لا نسلم انحصار فائدة التكليف بها فيما ذكرتم. بل له فوائد ~~المشهور منها تضعيف العذاب عليهم في الآخرة لأجلها مثل: إن استحق أن يجلد ~~على الكفر سوطين من نار؛ فيجلد عليه وعلى ترك الزكاة ثلاثة أسواط ونحو هذا ~~مثلا، [وبواقي فوائده] ذكرها القرافي في شرحه نحو ثنتي عشرة فائدة، فلتطلب ~~من هناك. وأما عدم صحتها منهم، حال الكفر فلأنها عبادات لا بد فيها من ~~النية، ولا نية لكافر، فانتفاء صحتها منهم لانتفاء شرط الصحة، لا لعدم ~~وجوبها كانتفاء صحة الصلاة من المحدث، وأما عدم وجوب قضائها، فإما لأن ~~القضاء بأمر جديد، ولم يرد في حقهم، أو لأن الإسلام يجب ما قبله، أو لأن ~~الكافر كالميت فالإسلام كابتداء/ [368 ms493 ل] وجوده وولادته ولا قضاء عليه لما ~~قبل ولادته، أو لئلا ينفر الكفار عن الإسلام لكثرة ما يلزمهم قضاؤه في ~~أزمنة كفرهم المتطاولة، أو لغير ذلك من حكمة الشرع، وفى المسألة أقوال: # ثالثها: أن الكفار مكلفون بالنواهي دون الأمر، لصحة الترك منهم لعدم ~~توقفه على النية، دون الفعل لتوقفه عليها وفيه كلام. والطرفان قد وجهناهما. # {* قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين} (9) [فصلت: 9] الآيات اقتضت أنه خلق السماوات/ [177 ب/م] والأرض ~~في ثمانية أيام؛ هذين اليومين والأربعة بعدهما، وهو مخالف لباقي النصوص على ~~أنه خلقها في ستة أيام. PageV01P555 # والجواب: أن اليومين الأولين داخلان في الأربعة بعدهما، وذلك مع اليومين ~~الآخرين ستة أيام، كأنه قال: خلق الأرض في يومين، وقدر فيها أقواتها في ~~تمام أربعة أيام، أو في أربعة أيام مع اليومين السابقين. وبعضهم يسمي هذا ~~فذلكة الحساب، مشتق من قولهم مثلا: أضف اثنين إلى اثنين فذلك أربعة، وإنما ~~قلنا ذلك لأن هذه الآية مجملة لاحتمالها إرادة ثمانية أيام، واحتمالها ~~إرادة ستة، وباقي النصوص مبينة ناصة مجمعة على الستة. # والقاعدة: حمل المجمل على المبين. # ثم تضمنت هذه الآيات خلق الأرض قبل السماء، وفى النازعات ذكر خلق السماء، ~~ثم قال: {والأرض بعد ذلك دحاها} (30) [النازعات: 30]. # وجوابه: أنه خلق الأرض غير مدحوة، ثم بنى السماء ثم دحا الأرض، ودحوها ~~غير خلقها إنما كانت كحصير ملفوف، ثم فرش، {والأرض فرشناها فنعم الماهدون} ~~(48) [الذاريات: 48]. # وقد اختلف الناس في أيهما خلقت قبل الأخرى على قولين، أظنهما سبقا. # {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين} (11) [فصلت: 11] ظاهره أنهما نطقا حقيقة بحياة خلقت فيهما، ~~وحمله قوم على مجاز سرعة الإجابة والانقياد للقدرة والإرادة، فكأنهما لذلك ~~مصرحتان بالطاعة. # {إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو ~~شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون} (14) [فصلت: 14] هذه ~~شبهة الكفار على الرسل، وهي لزوم الترجيح بلا مرجح، وقد ms494 سبق وجوابه. PageV01P556 # {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} (30) [الإنسان: 30]. # {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} (21) [فصلت: 21] قد سبق في آخر يس الإشارة إلى ~~كيفية إنطاق الجوارح، وقد أحاله هاهنا على مجرد القدرة والحكمة. # {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} (21) [فصلت: 21] عام أريد به الخاص، وهو ~~الأعيان بخلاف الأعراض، فإنها لا يتصور منها النطق/ [178 أ/م] فلعله أشار ~~إلى كيفية إنطاقها بأنه خلق النطق في الناطق، وذلك يستوي فيه جميع الأعيان ~~من جارحة وغيرها، ونظمه هكذا: الجارحة عين، وكل عين يمكن أن يخلق فيها ~~النطق فتنطق، فالجارحة يمكن أن يخلق فيها النطق فتنطق. # {قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} ~~(21) [فصلت: 21] إن كان هذا من قول الجوارح يوم القيامة-عطفا على: {وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} (21) [فصلت: 21] فهو توجيه ثان لإنطاقها، ~~وتقريره: أن إنطاق الجوارح أيسر من خلقها أول مرة، فالقدرة عليه أولى، وإن ~~كان ابتداء كلام من الله-عز وجل-فهو مع ما بعده دليل على الإعادة بقياس ~~الابتداء، أي: أنه يبعثكم كما خلقكم أول مرة، ثم ترجعون إليه، [وأما على ~~رأي الاتحادية فهو الناطق منها؛ لأنه سار بذاته فيها.] # {* وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول ~~في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} (25) [فصلت: 25] ~~يحتج به الجمهور على أن الله-عز وجل-يضل خلقه بتقدير الأسباب، فإن تقييض ~~القرناء، وهم الشياطين، للتزيين كان مع خلق فيهم من الأكساب الظاهرة، وفى ~~قلوبهم من الدواعي والصوارف، كان علة تامة لضلالهم، وكون القول حق عليهم، ~~وكل ذلك منه لا شيء لهم فيه إلا حركات اكتسابية مقارنة لاختيارات جبرية. PageV01P557 # أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) [فصلت: 29] أي تسببا في ضلالنا بالإغواء ~~والوسوسة والمشورة والقدوة. # {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ms495 ما تشتهي أنفسكم ~~ولكم فيها ما تدعون} (31) [فصلت: 31]، أما في الآخرة فبالإكرام والسلام ~~والخدمة ونحوها، وأما في الدنيا فبلمة الملك المشار إليها في الحديث ~~النبوي: «إن لكل إنسان لمة من الملك ولمة من الشيطان والمعصوم من عصم الله» ~~(1) أو كما قال، وهذا يدل على أن استقامة من استقام في الدنيا بإعانة من ~~الله بتولي الملائكة له، ينفثون في روعه بالخير وتقبيح الشر. # {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} (33) ~~[فصلت: 33] هذا يدخل فيه الملائكة يدعون الأنبياء إلى الله-عز وجل-بما ~~يوحون إليهم، والأنبياء يدعون الأمم إلى الله بما يبلغونهم، / [370 ل] ~~والعلماء والأولياء يدعون إلى الله هؤلاء بأقوالهم وهؤلاء بأحوالهم، ~~فيكشفون عن القلوب الغيابات ويبلغون في البيان أقصى الغايات. والدعاء إلى ~~الله-عز وجل-هو اجتذاب القلوب إلى معرفته وطاعته، بتنبيهها على آياته وعظيم ~~ربوبيته، وإنما كان هذا القول أحسن الأقوال/ [178 ب/م] لأنه وسيلة إلى ~~المعرفة التي هي أحسن الأحوال. # {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} ~~(38) [فصلت: 38] إشارة إلى الملائكة، وهو من باب: # {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} (172) [النساء: 172] أي الملائكة مع ~~شرفهم لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم أولى ألا تستكبروا. # {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير} (39) [فصلت: 39] استدلال على ~~البعث بإحياء الأرض كما سبق في مواضع، وينتظم القياس اقترانيا واستثنائيا. PageV01P558 # أما الاقتراني فهكذا: إحياء الموتى كإحياء الأرض، وإحياء الأرض ممكن ~~مقدور، فإحياء الموتى ممكن مقدور. أما الأولى فلأن الأرض تكون يابسة قد غلب ~~عليها اليبس والغبار، وهي هامدة خاشعة، أي: متواطئة، فينزل عليها ماء ~~المطر، فيتخلل أعماقها فتربو وترتفع، وتنبت الحب الذي فيها، فإذا هي تهتز ~~خضراء، وكذلك الموتى غلب عليهم اليبس الذي هو طبيعة الأرض؛ فيجمعها الله-عز ~~وجل-ثم يمطر عليها ماء قدرته، إما حسا كما قيل: إن السماء تمطر ms496 أربعين يوما ~~ماء كمني الرجال، أو عقلا كما يشاء الله-عز وجل- فيعود إلى العظام ما كان ~~لها حال الحياة من رطوبة وغيرها، ثم تعاد إليها الأرواح، {ونفخ في الصور ~~فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم ~~قيام ينظرون} (68) [الزمر: 68] وأما الثانية فمشاهدة؛ إذ الأرض تكون مواتا فتحيا. # وأما الاستثنائي فهكذا: إن كان إحياء الأرض بعد موتها ممكنا، فإحياء ~~الموتى ممكن، والمقدم حق؛ فالتالي مثله، والتقرير ما سبق إنه على كل شيء ~~قدير، إشارة إلى الجامع في القياس، وهو المقدورية وتمام القدرة، أي: أن ~~المصحح لإحياء الأرض المقدورية والإمكان، وهو وإحياء الموتى في ذلك سيان. # {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (42) ~~[فصلت: 42] أي: لم يتضمن كذبا في إخباره بما كان ولا إخباره بما سيكون، ~~والمراد لا يلحقه الباطل ولا الإبطال بجهة من الجهات، لا بمناقضة، ولا ~~معارضة، ولا تنكيت، ولا تبكيت، ولا شيء من جنس ذلك. # وربما احتج بهذا من منع النسخ في القرآن كأبي مسلم الأصفهاني؛ لأن النسخ ~~إبطال للنص، وهو باطل منفي عن الكتاب بالنص، ويجاب بمنع أن النسخ إبطال/ ~~[371 ل]، ثم بمنع أن هذا الإبطال باطل، بل هو حق من حق {يمحوا الله ما يشاء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب} (39) [الرعد: 39]، وقد سبق القول في مسألة النسخ. PageV01P559 # معرب في القرآن، لاقتضائها نفي الأعجمية عنه، وإثبات العربية له. / [179 ~~أ/م] ولا حجة فيها على ذلك؛ لجواز أن يكون فيه ألفاظ يسيرة من المعرب ~~كالمشكاة والسجيل ونحوها، لا يوجب له لقلتها العجمية، ولا تسلبه، وبالجملة ~~فالاحتجاج بعمومها، وباب التخصيص مفتوح وطريقه مهيع فسيح. # {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} (46) [فصلت: ~~46] ونظيرتها في سورة الروم: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون} (44) [الروم: 44]، يحتج بهما المعتزلة، وإلا لكان الوعد والوعيد ~~فيهما على فعله وما هو مخلوق له، وإنه محال. # وجوابه ما عرف من تعلق الوعيد بالكسب تحقيقا عند ms497 الكسبية، أو تقديرا عند ~~الجبرية. # {ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} (46) [فصلت: 46] وقد عرفت شبهتهم ~~منها، وجوابها. # {* إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد} ~~(47) [فصلت: 47] الآية. أي لا يعلم هذه الأشياء سواه، وهي من مفاتح الغيب. # {وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص} (48) [فصلت: 48] ~~أي: علموا وتيقنوا، وقد سبقت نظائره. # {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ} (50) [فصلت: 50] يحتج بها القدرية لنسبة كفرهم، ~~وعملهم إليهم، وتعذيبهم عليه. وجوابه باعتبار الكسب. # {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد} (53) [فصلت: 53]، أي في الآفاق بفتحها، وفي ~~أنفسهم بهلاكهم حتى يتبين لهم أن الله ودينه ورسوله هو الحق. # ويحتمل أن معناه: سنريهم آياتنا في آفاق السماوات والأرض وأقطارها من ~~بديع PageV01P560 # الصنعة، ولطيف الحكمة، وفى أنفسهم من عجائب خلق الإنسان التي أفادها علم ~~التشريح وغيره؛ ويشهد لهذا التأويل-قوله-عز وجل-: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ~~(21) [الذاريات: 21] وهذه الآية لشدة إجمالها وكثرة احتمالها يستشهد بها ~~المتكلمون والفلاسفة والصوفية، كل على بعض مطالب علمه، فلكل منها ورد وعنها صدر. # {ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط} (54) [فصلت: 54] ~~فيه عموم العلم، أحاط بكل شيء علما. # ... PageV01P561 ### | AUTO القول في سورة الشورى # {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم} (5) [الشورى: 5] أي: # لكثرة الملائكة، ما فيها موضع قدم إلا فيه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد. ~~«أطت السماء، وحق لها أن تئط» (1). # {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ms498 إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر} (31) [المدثر: 31] وهذا يدل على جسمية الملائكة، ~~وأن لهم ثقلا تئط منه السماء حتى تكاد تتفطر، وإذا جاز أن يكون في الملائكة ~~ثقل، جاز أن يكون في السماء والأفلاك / [372/ل]؛ لأن الجميع عالم سماوي. # وزعم الفلاسفة أن الفلك لا ثقيل ولا خفيف، لأنه غير متحرك عن الوسط ~~كالنار. # ولا إلى الوسط كالأرض، وكل ما/ [179 ب/م] كان كذلك، فلا ثقل فيه، وإلا ~~لتحرك إلى الوسط، ولا خفة وإلا لتحرك عن الوسط. # والجواب بمنع عموم الثانية، فإن قولهم: كل ما كان كذلك؛ إن أرادوا بطبعه ~~فنعم، وإن أرادوا بتسخير القادر المختار فممنوع، لجواز أن يوجد جسم ثقيل أو ~~خفيف، ثم يتحرك بإرادة القادر المختار حركة دورية كرية لا إلى الوسط، ولا عنه. # {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم} (5) [الشورى: 5] سبق القول على ~~نظيره في سورة غافر. # {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ~~ما} PageV01P562 # {لهم من ولي ولا نصير} (8) [الشورى: 8] يحتج به الجمهور كما سبق من ~~نظائره. # {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء ~~قدير} (9) [الشورى: 9]، فيه إثبات البعث إحالة على القدرة كما سبق، وإثبات ~~التوحيد، ونظمه: أولياؤكم لا يحيون الموتى ولا يقدرون، والإله الحق يحيي ~~ويقدر، فأولياؤكم لا شيء منهم بإله حق. # {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب} (10) [الشورى: 10] يحتج به الظاهرية في نفي القياس؛ لأنه ليس هو الله ~~حتى ترد إليه الأحكام، ويجاب عنه بأن المراد: فحكمه إلى دين الله، أو كتاب ~~الله، والقياس من دين الله وكتاب الله، وهذا البعث الذي هو أهم أركان ~~الإيمان يحتج ms499 عليه في القرآن بالقياس، فما الظن بفروع مستندها الظن. # {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (11) [الشورى: 11] هذه الآية ~~أولها تنزيه وآخرها إثبات، فمن جمع بينهما بأن أثبت لله ما أثبت، ونزهه عما ~~لا يليق به من مشابهة المخلوقات وأثبت غير ممثل، ونزه غير معطل؛ فقد أصاب، ~~ومن انحرف في التنزيه حتى عطل، أو في الإثبات حتى شبه ومثل، فقد أخطأ، ~~وتوفيقه عنها أبطأ، ونظيرها في الجمع بين طرفين: قوله-عز وجل-: {قل فلله ~~الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} (149) [الأنعام: 149] إذ أولها ~~اعتزال قدري وآخرها تفويض جبري، فمن توسط بينهما فاعتقد أن لله في خلقه ~~المشيئة الغالبة، وعليهم الحجة البالغة، فقد أصاب، ومن انحرف فاعتزل أو ظلم ~~ربا لم يزل، فقد زل، ومن أوج التوحيد نزل. # ثم هنا مسألتان: إحداهما في الكاف في: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ~~(11) [الشورى: 11] فقيل: زائدة أي: ليس مثله، وقيل: على أصلها في التشبيه، ~~ومثل بمعنى هو أي: ليس كهو أو كذاته شيء، أما أن الكاف ومثل على أصلهما ~~فمحال؛ إذ يبقى تقديره: ليس مثل مثله أو ليس يشبه مثله شيء، وهو محال ~~لوجهين: # أحدهما: إثبات مثل له، والقديم/ [373/ل] لا مثل له. # والثاني: أن له مثلا مع أن مثله لا مثل له [180 أ/م] فيكون مثله أكمل ~~منه، وإنه PageV01P563 # محال، ويحتمل صحة ذلك على طريق الفرض والتقدير، أي: لو فرض له مثل لكان ~~ذلك المثل لا مثل له، وإذا لم يكن لمثله الفرضي مثل فهو أولى ألا يكون له مثل. # المسألة الثانية: {وهو السميع البصير} (11) [الشورى: 11] أي يدرك ~~المسموعات والمبصرات، وعند بعضهم: معناه سلب الصمم والعمى عنه، والأول وهو ~~الصواب، وقد سبق جميع هذا. # واعلم أن لنا سمعا ومحله ومسموعا وسامعا وسميعا، فالسمع القوة المدركة ~~للمسموع، وهي من الله-عز وجل-تسمى صفة قديمة، ومحل السمع يسمى جارحة وأذنا، ~~والله-عز وجل- منزه عنها، والمسموع هو الأصوات المدركة بقوة السمع، والسامع ~~هو المدرك للأصوات بالفعل ms500 والله-عز وجل-متصف بذلك من حين وجود الأصوات، أما ~~قبلها فمحال، وإلا لزم قدمها أو وجودها حال عدمها وإنه محال، والسميع من له ~~صفة السمع، والله-عز وجل- متصف بذلك في الأزل؛ إذ لا يلزم من وجود الصفة ~~وجود متعلقها، وإلا للزم قدم المعلومات والمقدورات والمرادات لقدم الصفات ~~المتعلقة هي بها، وهى العلم والقدرة والإرادة، وإنه محال، والكلام في ~~البصير على هذا التفصيل، وهو تحقيق في هذا المكان. # {* شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} (13) [الشورى: ~~13]، يحتج بها على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأنها تضمنت أن شرائع أولي ~~العزم الخمسة واحدة. # ويعترض عليه بأن ذلك في أصول الدين كالتوحيد ونحوه؛ بدليل قوله: {شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} (13) [الشورى: 13] وهذا تفسير ~~لما شرعه لهم وأخبر أنه يكبر على المشركين، وإنما كبر على المشركين التوحيد ~~من الأصول لا من الفروع؛ فإذن شرع من قبلنا شرع لنا في التوحيد ونحوه، وأما ~~في الفروع فهو محل خلاف، ولا دليل في الآية عليه. # {يجتبي إليه من يشاء} [الشورى: 13] يحتج به الجمهور [لتعليق الاجتباء] ~~بالمشيئة. # {ويهدي إليه من ينيب} (13) [الشورى: 13] يحتج به الفريقان؛ الجمهور ~~لإضافة PageV01P564 # الهداية إليه، والمعتزلة لترتيب الهداية على الإنابة المضافة إليهم. # وجوابه: أنها أضيفت إليهم كسبا وهي له خلق، فإذن إنما يهدي إليه من جعله ~~منيبا بخلق الإنابة فيه. # {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} (15) [الشورى: 15] فيه إيجاب ~~الإيمان بجميع الكتب المنزلة ms501 لا المبدلة؛ لأن ما أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنحن مأمورون به إلا ما خصه دليل، ولقوله-عز وجل-: {وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون} (153) [الأنعام: # 153]، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~والله غفور رحيم} (31) [آل عمران: 31] وقوله: {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (21) ~~[الأحزاب: 21] ونحوه. # {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} (15) [الشورى: 15] فيه إثبات ~~البعث والحشر. # {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} (18) [الشورى: 18] فيه ~~أن من أنكر القيامة ضال كافر؛ لأنها من أركان الإيمان الخمسة، وهذا إجماع ~~حتى قال العلماء: لو قال لامرأته أو أمته: أنت طالق أو حرة إن قامت ~~القيامة، عالما بمقتضى حرف الشرط-كفر؛ بخلاف: إذا قامت-فرقا بينهما بأن ~~«إذا» تقتضي وجوب وقوع ما علق عليها «وإن» تقتضي الخاص الذي لا يقتضي وجوب ~~الوقوع ولا امتناعه، وذلك ينافي وجوب اعتقاد وجوب قيام القيامة، فكان كفرا، ~~كما لو قال: أنت طالق إن كان الله موجودا، أو محمد رسولا. PageV01P565 # فيه إشارة إلى أن تخصيصه من يشاء بالرزق وقبضه وبسطه لطف منه بعباده ~~ورعاية لمصالحهم؛ لئلا يفسد الفقر منهم قوما والغنى آخرين، وقد شرح ذلك في ~~قوله-عز وجل-: {*ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ~~ما يشاء إنه بعباده خبير بصير} (27) [الشورى: 27]، وأشار إليه في آخر ~~العنكبوت في قوله: # {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم} (62) ~~[العنكبوت: 62] وأوضحه النبي صلى الله عليه وسلم غاية الإيضاح في الحديث ~~الإلهي: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو ms502 أغنيته لأفسده الغنى» ~~وبالعكس، وكذلك ذكر في العافية والبلاء ثم قال: «إني أدبر عبادي بعلمي ~~فيهم، إني عليم خبير» (1). # {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم} (21) [الشورى: 21] يحتج بها ~~الظاهرية على إبطال القياس، لأنه شرع لما لم يأذن به الله، وجوابه بالمنع، ~~والله-عز وجل-أذن فيه بالأمر باتباع الرسول، وقد فعله الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في عدة قضايا، والله-عز وجل-استعمله في أدلة التوحيد والمعاد كثيرا، ~~كما قررناه في مواضعه من هذا الكتاب وغيره. # وقد شدد أبو محمد بن حزم النكير على القياسين حتى كاد يكفرهم، معتلا بأنه ~~شرعوا ما لم يأذن به الله-عز وجل-وذلك في كتاب: «إبطال الرأي» له، ثم إنه ~~زعم أن الله-عز وجل- قادر على أن يتخذ ولدا كما سبق في سورة الزمر، وهذا من ~~أعجب الأشياء وأشد الانحراف عن سنن الاعتدال؛ إذ يكفر المسلمين في مسألة/ ~~[181 أ/م] فرعية تتعلق بالعمل، والتزم الكفر في مسألة أصولية تتعلق بالعلم، ~~فهو كما قيل: وحيث وجب أن تسجد بلت. # {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله ~~غفور شكور} (23) [الشورى: 23] اختلف في القربى؛ فقيل هي قربى كل مكلف أوصى ~~بمودتها، فهو كالوصية بصلة الرحم. PageV01P566 # وقيل: هي قربى النبي صلى الله عليه وسلم ثم اختلف فيها؛ فقيل: هي جميع ~~بطون قريش، كما فسره ابن عباس فيما رواه البخاري وغيره، وقيل: هي قرابته ~~الأدنون، وهم أهل بيته: علي وفاطمة وولداهما أوصى بمودتهم، وعند هذا ~~استطالت الشيعة، وزعموا أن الصحابة خالفوا هذا الأمر، ونكثوا هذا العهد ~~بأذاهم أهل البيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه سأل مودتهم، ونزلها ~~منزلة الأجر على ما لا يجوز الأجر عليه، وإلى هذه الآية أشار الكميت بن زيد ~~الأسدي، وكان شيعيا حيث قال: # وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب ms503 # أي: المجاهر ومن تحت التقية جميعا تأولناها على أنكم المراد بها. # وأجاب الجمهور: بمنع أن القربى فيها من ذكرتموه، ثم بمنع أن أحدا من ~~الصحابة أذاهم أو نكث العهد فيهم. # {* ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه ~~بعباده خبير بصير} (27) [الشورى: 27] سبق القول فيها عند نظيرها قريبا. # {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} (30) [الشورى: ~~30] هو كقوله-عز وجل-: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ~~قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} (165) [آل عمران: 165]، {ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا ~~وكفى بالله شهيدا} (79) [النساء: 79] وقد سبق، ونحوه: {ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا} (123) [النساء: 123] على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ~~رضي الله عنه-أي مصائبكم جزاء بما كسبتم. PageV01P567 # ومن يضلل فلا هادي له» (1) وهو أيضا متكرر في القرآن، وكذلك: {وما كان ~~لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل} (46) ~~[الشورى: 46] أي إلى الهدى؛ لأنه إذا خلق الضلال في قلبه استحال أن يدخله ~~الهدى حينئذ؛ لامتناع اجتماع الضدين في محل واحد. # {* وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} (51) [الشورى: 51] يحتج به من يرى أن ~~الله-عز وجل-يتكلم بحرف وصوت؛ لأنه حصر تكليمه للبشر في ثلاثة أحوال: # أحدهما: الوحي، وهو الإلهام وخلق الكلام/ [181 ب/م] في النفس، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي» (2) الحديث. # والثاني: أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه كجبريل إلى الأنبياء. # الثالث: التكليم من وراء حجاب، كما كلم موسى ولم يره موسى بل سأله الرؤية ~~فقال: {لن تراني، } وهذه الحال ليست وحيا ولا بواسطة رسول؛ لأنها قسيم لهما ~~فاستحال أن تكون إحداهما، فهي ms504 حال ثالثة، [وليس إلا التكليم بحرف وصوت. # وأجاب الخصم بأن الحرف والصوت لما دل الدليل على استحالتهما في حقه-عز ~~وجل-وجب تأويل هذا على] أن المكلم [من وراء حجاب/ [376/ل] أخذ عن حسه حتى ~~سمع الكلام من غير صوت في الخارج كالنائم ونحوه، أو على غير ذلك من ~~التأويل. # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} PageV01P568 # (52) [الشورى: 52] سمى الوحي والقرآن روحا؛ لأنه سبب الروح والرحمة، ~~ولأنه للقلوب كالروح تحيا به، أو تسمية له باسم الروح الأمين النازل به. # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} ~~(52) [الشورى: 52] [زعم قوم أخذوا بظاهر هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان قبل أن يوحى إليه غير مؤمن، كما قال: {ووجدك ضالا فهدى} (7) [الضحى: 7] ~~وهذا صعب شديد أن يقال فيه صلى الله عليه وسلم]-مع قوله: «كنت نبيا وآدم ~~بين الماء والطين» (1) وأنه حين ولد خر ساجدا مشيرا بأصعبه إلى السماء، ~~وأنه لم يزل كارها للأصنام مبغضا لها قبل النبوة، لم يحلف بها ولا أكل مما ~~ذبح لها، وإجماع الناس على أن نبيا من الأنبياء لم يكفر بالله ولا خلا من ~~الإيمان به طرفة عين. # [قالوا: يجب تأويل الآية على ما يزيل عنها هذا المحذور، مثل] المراد: ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا ماهية الإيمان وحقيقته، ولا يلزم من كونه مؤمنا ~~معرفة ذلك، بدليل أن أكثر الناس هم كذلك. [أو: ما] كنت تدري ما الكتاب ولا ~~كيفية الدعاء إلى الإيمان؛ إذ كيفية دعاء الناس إلى الإيمان إنما يعلم ~~بالوحي، فقبل الوحي من أين يعلم، ولا يلزم من كون الإنسان مؤمنا في نفسه أن ~~يدري كيف يدعو أو إلى ما يدعو غيره، لجواز أن يتعبد الله-عز وجل- كل إنسان ~~بأمر غير ما يتعبد به الآخر، كما اختص النبي ms505 صلى الله عليه وسلم بخواص تعبد ~~بها لم تكن لغيره. # {نهدي به من نشاء} (52) [القيامة: 52] يحتج به الجمهور لإضافة الهدى ~~إليه-عز وجل-وتخصيصه بمن شاء، وعند المعتزلة الهدى منسوب إلى الخلق يهدون ~~أنفسهم. # {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (52) [الشورى: 52] أي ترشد، وهذا الهدى غير ~~الهدى المسلوب في قوله-عز وجل-: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء وهو أعلم بالمهتدين} (56) [القصص: 56] فلا يتناقض هذا الإيجاب مع ذلك السلب. # ... PageV01P569 ### | AUTO القول في سورة الزخرف # {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (3) [الزخرف: 3] يحتج به جمهور من ~~قال بخلق القرآن؛ لأن كل مجعول مخلوق، وقد سبق وجوابه. # {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} (5) [الزخرف: 5] يحتج به ~~على بطلان فساد الوضع في الأقيسة، وهو ترتيب خلاف مقتضى العلة عليها. # وتقريره/ [182 أ/م] أنه-عز وجل-أنكر ترتيب الإضراب والصفح عنهم على ~~إسرافهم، كأنه قال: إسرافكم يناسب أخذكم وتعذيبكم لا الإضراب والصفح عنكم، ~~وكذلك قوله عز وجل: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} (17) [التوبة: 17] ~~أي: إن شركهم وشهادتهم على أنفسهم بالكفر لا يناسب عمارتهم للمسجد؛ لأنهم ~~رجس، وإنما يناسب مجانبتهم المسجد تنزيها له عن رجسهم ونجسهم، وكذلك لما ~~قال / [377 ل] فرعون لموسى {قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين} (18) [الشعراء: 18] قال له موسى: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني ~~إسرائيل} (22) [الشعراء: 22] أي: استعبدتهم، واتخذتهم عبيدا، وإنما ربيتني ~~ولدا حين اتخذت قومي عبيدا، فامتنانك علي بذلك غير مناسب، وإنما المناسب أن ~~تعتذر إلي من ذلك. # ومثاله المشهور بين الأصوليين أن يقول الشافعي: لفظ الهبة ينعقد به غير ~~النكاح، فلا ينعقد به النكاح كالبيع، فيقول الحنفي: هذا فاسد الوضع أو ~~الاعتبار، إذ انعقاد غير النكاح به يدل على قوته وتأثيره في العقود وتصرفه ~~فيها، فقد رتبت على العلة نقيض مقتضاها. # {والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون} (11) ~~[الزخرف: 11]، فيه الاستدلال على البعث بقياس إحياء ms506 الأرض كما عرف في مواضع. # {والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} (12) ~~[الزخرف: 12] فيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه؛ لأن ركوب الفلك ~~مجاز، وركوب الأنعام حقيقة؛ لمبادرة الفهم إليه عند الإطلاق. PageV01P570 # تعليل الفقهاء في بعض أحكامهما بأن بينهما جزئية وبعضية، وأكد ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم «فاطمة بضعة مني» أي: قطعة وجزء. # {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} (16) [الزخرف: 16] الآيتين، سبق ~~نظيره في النحل وسبحان. # {أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين} (18) [الزخرف: 18] فيه ~~إشارة إلى أمور: # أحدها: أن الزينة والترف والعي كالفطرة والغريزة للنساء، إذ معنى الكلام: ~~أتجعلون لله من شأنه هذه الصفات. # الثاني: أن البيان مقصود في الخصام، وأن الغلبة في الجدال أعظم منها في ~~الجلاد، لأن الإنسان أكثر ما يصارع بجلاده ألفا، وهو بجداله وحسن بيانه قد ~~يصرع ألوفا بل أمما. # الثالث: مدح البيان والثناء على أهله، وهو إفهام المعنى على الوجه التام ~~بطريق سهل عام، ومأخذ ذلك من قياس العكس؛ لأنه لما ذم غير المبين دل على ~~مدح المبين، وإلا استوى النقيضان في الحكم، وإنه محال. # {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون} (19) [الزخرف: 19] فيها إشارة إلى أمور: # أحدها: أن جعل يكون بمعنى سمى/ [182 ب/م] واعتقد، أي: سموا الملائكة ~~واعتقدوهم إناثا، [وقد نوقض على من احتج على خلق القرآن بقوله: {إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (3) [الزخرف: 3] لأن المجعول مخلوق؛ فقيل له ~~يبطل بقوله: # {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون} (19) [الزخرف: 19] مع أنهم لم يخلقوهم، ولا يصح هذا النقض، وإنما ~~يصح أن لو صح هذا المعنى في: {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (3) ~~[الزخرف: 3] لكنه لا يصح أن يقال: إنا سميناه أو اعتقدنا قرآنا، وإنما هو ~~بمعنى: صيرناه قرآنا عربيا مع قدرتنا/ [378 ل] على أن نصيره عبرانيا أو ~~سريانيا. # الثاني: أن الملائكة ذكور لوجهين: # أحدهما: أنه سماهم عباد الرحمن، وواحد العباد عبد، هو اسم ms507 للذكر العاقل ~~في لسان العرب. PageV01P571 # الثاني: أنه نفى عنهم الأنوثة، فتعينت الذكورة لهم، إذ لا واسطة بين ~~القسمين في جنس الحي. # الثالث: (ستكب شهادتهم) فسر الجعل بالشهادة، كأنه قال: وشهدوا أن ~~الملائكة إناث، ثم قوله (ستكتب) تقتضي أنها لم تكتب بعد. وإنما ستكتب في ~~المستقبل، وقوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (18) [ق: 18]، {وإذا ~~أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع ~~مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} (21) [يونس: 21] يقتضي أنها كتبت حين ~~الشهادة، والإجماع على ذلك أن الحفظة يكتبون ما يصور عن الإنسان شيئا ~~فشيئا، وإن أخر كاتب الشمال شيئا فلحظة أو ساعة رجاء التدارك بالتوبة، ~~وحينئذ يلزم أن هذه الشهادة كتبت حين وقوعها، ولم تكتب معا، وإنه محال. # والجواب: أن (ستكتب) مجاز عن أنهم سيجزون بها ويعاقبون عليها، لكن لما ~~كان حفظ العمل بالكتابة سببا للجزاء عليه عبر عن المسبب بالسبب. # {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} ~~(20) [الزخرف: 20] يحتج بها المعتزلة بأنهم لما أضافوا عبادتهم للأوثان إلى ~~مشيئة الله عز وجل جهلهم وكذبهم، ولو كانت عبادتهم لها مشيئة لما كانت ~~كذلك، ويجاب عنه بنحو ما سبق في نظيره في آخر الأنعام، وهو أنه لم يكذبهم ~~في إضافة ذلك إلى مشيئته، كيف وإنه يقول: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم ~~وما يفترون} (137) [الأنعام: 137] وإنما أراد أن ما قالوه من إضافة عبادة ~~الأصنام إلى مشيئته، وإن كان حقا في نفس الأمر، لكنهم لم يبلغوا من معرفة ~~الله عز وجل إلى حيث يعلمون دوران الأشياء مع مشيئته وجودا وعدما، وإنما ~~يقولون خرصا أو تخمينا أو مناقضة للرسول وجدلا؛ فهم وإن أصابوا بغير علم ~~خطأ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ» (1) ~~وقال/ [183 أ/م] الفقهاء: من اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير اجتهاد فيها ~~لزمته الإعادة وإن ms508 أصاب؛ لتركه فرض الاجتهاد، على خلاف فيه. PageV01P572 # {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} (22) ~~[الزخرف: # 22] الآيات دلت على ذم التقليد، والمشهور المطابق لهذه الآية أنه متابعة ~~الغير في قول أو فعل من غير دليل، بل لحسن ظن به، أو غلبة عادة وإلف. # وقيل: هو قبول قول القائل، وأنت لا تعلم مأخذه ومستنده، فعلى الأول لا ~~يسمى قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم/ [379 ل] تقليدا؛ لأن قوله عين ~~الدليل والحجة، فلا يصح أن يقال: # تابعناه وقبلنا قوله بغير حجة أو دليل. # وعلى الثاني في تسمية قبول قوله تقليدا وجهان: # أحدهما: يسمى تقليدا؛ لأنا لا نحيط بعلمه ومأخذه ومستنده الوحي، بدليل: ~~{إن هو إلا وحي يوحى} (4) [النجم: 4]. # وأصل الوجهين أنه صلى الله عليه وسلم هل كان يجتهد في الأحكام بالنظر ~~ونحوه، فيسمى قبول قوله تقليدا لخفاء مأخذه أم لا، بل يقتصر على الوحي فلا ~~يسمى تقليدا لعلمنا بمغزاه ومأخذه. # ذكر هذه النبذة الشيخ أبو محمد الجويني في أول كتابه المسمى ب «المسلسل» ~~في الفقه. وقد اختصرناه. # {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون} (33) [الزخرف: 33]، فيه تعليل أفعاله عز وجل ~~بالمصالح وامتناعها للمفاسد. # {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} (36) [الزخرف: # 36]، يحتج بها المعتزلة؛ لأنه أضاف الإعراض عن الذكر إليهم، وصدهم عن ~~السبيل إلى الشياطين، وجعل تقييض القرناء لهم عقوبة على إعراضهم. # وأجاب الجمهور بأن ذلك كله باعتبار الكسب، وأما الخلق فلمن له الخلق ~~والأمر، وقد دلت النصوص والبراهين على ذلك. PageV01P573 # يفسدها، نعم قد تستعمل معارضة الفاسد بالفاسد في الجدل؛ دفعا لشر الخصم ~~وتسلطه. # وفى الآية سؤال، وهو أن إذ للزمن الماضي؛ فكيف يصح وقوع النفع اليوم/ ~~[183 ب/م] فيه؟ إذ يصير تقديره: لن ينفعكم اليوم اشتراككم وقت ظلمكم منذ ~~ألف سنة، أو لا ينفعكم اشتراككم اليوم وقت ظلمكم أمس؟ # وجوابه: أن «إذ» هنا التعليل، وخرجت عن الظرفية، فتقديره لن ينفعكم ~~اشتراككم اليوم ms509 لعلة ظلمكم أمس. # {وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ~~(45) [الزخرف: 45]، إن قيل: قد ماتوا قبله بدهور فأين هم حتى يسألهم؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن المراد: سل كتبهم ومن بقي من أصحابهم، وما حكاه القرآن عنهم. # والثاني: / [380 ل] أنهم بعثوا له ليلة الإسراء في بيت المقدس أو في ~~السماء فسألهم، وفيها إجماع الأنبياء وأديانهم على التوحيد، ويكفي في ذلك ~~أن النصارى مع شركهم الظاهر يدعون التوحيد، ويصرحون بأن آلهة كل واحد منهم ~~إله كامل، ثم يقولون: هم إله واحد، ويفتتحون كتبهم بقولهم: باسم الأب ~~والابن وروح القدس إله واحد. فلو كان للشرك أصل في ملة من الملل لتعلقت به ~~النصارى احتجاجا واستئناسا، ولا نعلم النور والظلمة إلهين. وقد سبق الكلام معهم. # {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} (54) [الزخرف: 54] [فيه أن ~~الفاسق سريع القبول للباطل؛ لأن هذا تعليل لطاعتهم إياه بفسقهم]، كما سبق ~~أن «إن» للتعليل، وسبب ذلك أن الفسق والباطل من واد واحد لخروجها عن ~~الاعتدال ودخولهما في حيز الضلال، والجنس ميال إلى الجنس. # {وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} (58) ~~[الزخرف: 58] فيه ذم الجدل بالباطل، وأن من الجدل ما يقصد به غلبة الخصم لا ~~تحقيق الحق. # {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} (59) [الزخرف: ~~59] هذا رد على النصارى في تألههم إياه. # {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} (59) [الزخرف: ~~59] رد على اليهود في تكذيبه وبهته وأمه. # {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} (81) [الزخرف: 81] فيه وجهان: PageV01P574 # أحدهما: فأنا أول الجاحدين للولد، أو الآنفين من إثباته. # ومنه قول الفرزدق: # وأعبد أن تهجى كليب بدارم # أي: آنف من ذلك ولا أرضى به لعدم مكافأتهم لنا. # والثاني: أنا أول العابدين لله على تقدير ثبوت الولد؛ إذ مقصودي اتباع ~~الحق وطاعة الله-عز وجل-[على أي حال] أو تقدير كان من التقادير الحقة. وهذا ~~هو الصحيح، والأول ضعيف؛ إذ فيه جحد الولد ms510 على تقدير ثبوته، وهو تناقض ~~وعناد، اللهم إلا أن يحمل/ [184 أ/م] على معنى: إن كان له ولد عندكم وفي ~~اعتقادكم فأنا أول الجاحدين له على اعتقادي، وإنما أعبد الله وحده منزها عن ~~ولد وغيره مما لا يليق به، فهذا يصح ويستقيم. # {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم} (84) [الزخرف: ~~84] اختلف في هذا؛ فقيل: هو فيهما بذاته، وهو قول القائلين: إنه في كل مكان بذاته. # وقيل: ليس في واحد منهما بذاته، وإلا لزم التحيز والتجسيم، وهو قول ~~الأشعرية ومن وافقهم. # وقيل: هو في السماء فوق العرش بذاته وفى الأرض بعلمه وحكمه؛ كما يقال: ~~فلان في مصر سلطان، وفى الشام هو سلطان، أي: في إحداهما بنفسه وفى الأخرى ~~بحكمه. وهو قول أهل الحديث من الحنابلة وغيرهم. # [وأما الاتحادية فربما احتجوا بهذا على رأيهم في سريانه في جميع العالم]. # قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} (87) ~~[الزخرف: 87]. # أي كيف [وإلى أين] ينصرفون عن عبادة خالقهم إلى عبادة غيره؟ وهو من أدلة ~~التوحيد. # ونظمه: لا شيء من آلهتكم بخالق لكم، والله خالق لكم، فلا شئ من آلهتكم/ ~~[383/ل] بإله وقد سبق في مواضع. # {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} (89) [الزخرف: 89] وعيدي محكم، أو ~~منسوخ بآية السيف. # ... PageV01P575 ### | AUTO القول في سورة الدخان # {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} (3) [الدخان: 3] أي أنزلناه ~~يعني القرآن. # {أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} (5) [الدخان: 5] يحتج به على قدم القرآن ~~المسموع؛ لأنه أمر الله والأمر قديم، وقد سبق القول فيه. # {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} (21) [الدخان: 21] احتج بعض المعتزلة على ~~شرف طائفتهم بأن اسمهم مشتق من عزل والاعتزال، ولم تذكر هذه المادة في ~~القرآن إلا في سياق الخير، نحو: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ~~ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} (48) [مريم: 48]، {فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} (49) [مريم: ~~49]، {ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ms511 تقربوهن ~~حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين} (222) [البقرة: 222] ونحوه، فينتقض عليهم بهذه الآية؛ فإن فيها ~~اعتزال الكفار عن الرسول والهدى، وهو [شر، و] بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«إذ سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي» (1) وإنما الاعتزال الانفراد بمعزل، ~~وهو قد يكون في الخير، وقد يكون في الشر، فلا حجة فيه [ولا استشهاد]. # وإن ساغ ذلك لهم ساغ للخوارج أن يقولوا: اسمنا مشتق من الخروج {الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (257) ~~[البقرة: 257] [وللجبرية أن يقولوا]: اسمنا مشتق من الجبر ضد الكسر، ~~وللشيعة أن يقولوا: اسمنا مشتق من مشايعة الحق، ومن قوله-عز وجل-: {*وإن من ~~شيعته لإبراهيم} (83) [الصافات: 83] وللأشعرية أن يقولوا: اسمنا مشتق من ~~الشعور، وهو PageV01P576 # العلم، أو من الأشعريين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # والكرامية مشتق من الكرم، بل لليهود أن يقولوا: نحن من قوله: {*واكتب لنا ~~في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ~~ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون} (156) [الأعراف: 156] أي تبنا. # والنصارى من نصرة المسيح، ونحوه كثير لا صيور له إلا النقض على من استند ~~إلى مثله. # {كم تركوا من جنات وعيون} (25) / [184 ب/م] [الدخان: 25] إلى قوله: # {كذلك وأورثناها قوما آخرين} (28) [الدخان: 28] يعني بني إسرائيل، كما ~~صرح به في الشعراء، وهو دليل على أنهم ورثوا أهل مصر من آل فرعون، على ما ~~حكيناه في الأعراف. # قوله-عز وجل-: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب ~~الجحيم} (56) [الدخان: 56] استثناء منقطع، أي لكن الموتة الأولى قد سبق ~~ذوقهم لها وانقطع. # وقد اختلف في الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع؛ فقيل: المتصل ما كان ~~من الجنس، نحو: قام القوم إلا زيدا. والمنقطع ما يقابله، نحو: قام القوم ~~إلا حمارا، وقيل في بطلان هذا: إنه لو قال في قوم ms512 ليس فيهم زيد: قام القوم ~~إلا زيدا، كان استثناء منقطعا مع أنه من الجنس، فعلى هذا: المتصل هو المخرج ~~مما قبله بإلا أو نحوها، والمنقطع هو المذكور بعد إلا أو نحوها غير داخل ~~فيما قبلها. وقال الشيخ شهاب الدين القرافي: المتصل/ [384/ل] هو الحكم على ~~جنس ما حكمت عليه أولا بنقيض ما حكمت به ثانيا، والمنقطع ما اختل فيه أحد ~~هذين القيدين، وهو أن تحكم على غير جنس ما حكمت عليه أولا، أو بغير نقيض ما ~~حكمت به أولا. # قلت: مثال الأول: جاء القوم إلا الفرس، ومثال الثاني: [جاء القوم] إلا أن ~~زيدا اكل أو شارب، أو نحو ذلك. # ... PageV01P577 ### | AUTO القول في سورة الجاثية # {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} (15) ~~[الجاثية: 15] وقد سبق احتجاج المعتزلة به وجوابه. # {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} (23) [الجاثية: 23] ~~يحتج به الجمهور على أن الله-عز وجل-هو يضل من يشاء، وتأوله الخصم على منع ~~اللطف، وقد عرف جوابه. # {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} (23) [الجاثية: 23] ~~يحتج به الجمهور أيضا، وقد سبق القول أول البقرة. # {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} (23) [الجاثية: 23] هو نحو: # {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل} (44) [الشورى: 44]. # {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} (24) [الجاثية: 24] شبهتهم على إنكار ~~البعث، وأسندوها بقولهم: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا ~~أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} (25) [الجاثية: 25]. # وجوابه: {قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم ms513 إلى يوم القيامة لا ريب فيه ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (26) [الجاثية: 26] ولم يبرهن عليه هاهنا ~~لوجهين: # أحدهما: أنهم يلزمهم تصديق قوله في البعث، لقيام دليل صدقه على أيدي الرسل. # وبالنظر في آيات الوجود سواء برهن أو لم يبرهن. # الثاني: اكتفاء بما قرره من براهين البعث في مواضعه، وقد يحتمل أنه ترك ~~البرهان هاهنا PageV01P578 # على البعث إشارة إلى وضوحه وعناد الخصم وعدم قبوله للحق، فالإعراض عنه ~~وترك مكالمته أولى، وهو حكم الخصم المعاند المشاغب. # {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (29) ~~[الجاثية: 29] يستدل به على أن النسخ حقيقة في النقل؛ لأن استنساخ الكتاب ~~نقله من أصل إلى فرع. وفيه أقوال؛ أحدها هذا. # والثاني: أنه حقيقة في الإزالة لقولهم: نسخت الشمس الظل. أي: أزالته. # والثالث: / [185 أ/م] أنه مشترك بينهما، والإزالة أعم من النقل؛ لأنها قد ~~تكون بالنقل وغيره، كإعدام الجوهر من مكانه من غير نقل، فهي أشبه أن يفسر ~~بها النسخ؛ لأنها القدر المشترك. # {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} (32) [الجاثية: 32] فيه الفرق بين الظن ~~واليقين؛ لإثبات أحدهما ونفي الآخر، وقد سبق الفرق بينهما. # ... PageV01P579 ### | AUTO القول في سورة الأحقاف # {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا ~~عما أنذروا معرضون} (3) [الأحقاف: 3]، يحتج بها على انقراض العالم عند بلوغ ~~أجله المسمى، خلافا للفلاسفة في قولهم: هو أبدي/ [385/ل] لا يزال. والخلاف ~~معهم مبني على قدمه، وقد سبق. # {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك ~~في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} (4) ~~[الأحقاف: 4] دليل على التوحيد، وتقريره هكذا: لا شيء من آلهتكم خالق في ~~الأرض، ولا ذو ملك في السماوات، والإله الحق خالق في الأرض ذو ملك في ~~السماوات؛ فلا شيء من آلهتكم بالإله الحق. وهما واضحتان. # {قل أرأيتم ما تدعون من دون ms514 الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك ~~في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} (4) ~~[الأحقاف: 4] قيل: معناه حدثني أبي عن جدي، فيحتج به المحدثون على شرف علم ~~الحديث والإسناد. وقيل: هو ضرب الرمل، فيحتج به الرمالون. # {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين} (15) [الأحقاف: 15] مع قوله: {ووصينا الإنسان ~~بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي ~~المصير} (14) [لقمان: 14] يحتج به على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو نوع ~~من أنواع كيفية الاستدلال بالخطاب على الحكم مذكور في أصول الفقه. PageV01P580 # [الأحقاف: 17] إنكار منه للبعث، وجوابه قولهما له: {ويلك آمن إن وعد الله ~~حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين} (17) [الأحقاف: 17] أي وقد وعد ~~بالبعث. # {ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون} (19) [الأحقاف: # 19] يحتج به على أن للأعمال أثرا في تفاوت الدرجات؛ فيقال: إنه يقال لأهل الجنة: # ادخلوها برحمة الله واقتسموها بأعمالكم. # {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم ~~المجرمين} (25) [الأحقاف: 25] قيل: وهو عام خص بالحس لمشاهدتنا السماوات ~~والأرض لم تدمر، والأشبه أنه عام أريد به الخاص، وهو ما يختص بقوم عاد من ~~المساكن والأموال والأنفس ونحوها، بدليل: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم} (42) [الذاريات: 42] فحصر ما دمرته بما أتت عليه، وإنما أتت ~~على أرض عاد. # {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} (29) [الأحقاف: 29] إلى قولهم: {يا قومنا ~~أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} (31) ~~[الأحقاف: 31] يحتج به على وجود الجن، وأن منهم مسلمين. # وقولهم: {قالوا يا قومنا إنا سمعنا ms515 كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} (30) [الأحقاف: 30] لعلهم كانوا على ~~دين التوراة، فلذلك خصوا بالذكر موسى دون عيسى. # {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على ~~أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} (33) [الأحقاف: 33] استدلال/ [185 ~~ب/م] على منكري البعث وقد سبق في هذه السورة في قول القائل: {والذي قال ~~لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان ~~الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين} (17) ~~[الأحقاف: 17] وقد سبق تقرير هذا الدليل في «يس» وغيرها. PageV01P581 # {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} (35) ~~[الأحقاف: 35] قيل: هم جميع الرسل، وقيل: هم الخمسة المذكورون في قوله: ~~{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} (7) [الأحزاب: 7]، وقوله: {*شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من ~~يشاء ويهدي إليه من ينيب} (13) [الشورى: 13]. # ويحتمل أنهم المذكورة قصتهم في سورة هود، وهم سبعة لقوله في آخرها: {وكلا ~~نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين} (120) [هود: 120] والأشبه الأول/ [386/ل]؛ لأنه في غالب القرآن ~~إنما يؤسيه بعموم الرسل نحو: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ~~وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين} ~~(34) [الأنعام: 34]. # ... PageV01P582 ### | AUTO القول في سورة محمد # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} (2) [محمد: 2] عطف خاص على عام، وهو يدل على ~~أن الإيمان بالقرآن أخص وأفضل أنواع الإيمان، ms516 وهو كذلك؛ لأنه يشمل جميع ~~أنواع الإيمان وغيرها من القصص والأخبار والأحكام. # {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ~~فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر ~~منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} ~~(4) [محمد: 4] يحتج به على جواز أسر الكفار إذا ظفر بهم في الحرب، وعلى ~~نسخها لآية الأنفال: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ~~تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} (67) [الأنفال: 67] ~~أو أن هذه كان حكمها إلى غاية الإثخان، وقد حصلت فلا يكون نسخا، بل انقضاء ~~حكم بانقضاء مدته كالإجازة. # {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ~~فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر ~~منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} ~~(4) [محمد: 4] يحتج بها المعتزلة؛ لأنه لو كان خالقا لأفعالهم لعلم بما ~~يكون منهم قبل ابتلاء بعضهم ببعض، ولم يبق للابتلاء فائدة. # وأجيب بأنه خالق لأفعالهم، عالم بما سيكون منهم، غير أنه أراد أن يظهر ما ~~في علمه ليكون أمارة على حكمه وعدله في حكمه. # {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع ~~أمعاءهم} (15) [محمد: # 15] يحتج بها على النعيم والعذاب الحسيين، ومثل ذلك كثير؛ خلافا للفلاسفة ~~والنصارى. PageV01P583 # {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ~~ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} (16) ~~[محمد: 16] أي خلقا. # {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} (17) [محمد: 17] يستدل به على ~~قبول الإيمان والهدى والزيادة والنقصان. # {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا ms517 ~~جاءتهم ذكراهم} (18) [محمد: 18] يستدل به على قربها؛ لأن علامات الشيء ~~ومقدماته تدل على قربه، وقد سبق أن القرب والبعد أمران إضافيان. # {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله ~~يعلم متقلبكم ومثواكم} (19) [محمد: 19] يحتج به على تقديم/ [186 أ/م] أصول ~~الدين كالتوحيد على فروعه كالاستغفار وغيره؛ لتقديمه التوحيد هاهنا، ولأن ~~رتبة الأصل قبل رتبة الفرع، وعلى أن المعتبر في الأصول العلم لا غيره؛ ~~لقوله: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ~~والله يعلم متقلبكم ومثواكم} (19) [محمد: # 19] وهذا فيه تفصيل، وهو أن ما كان من القضايا الأصولية بديهيا استوى فيه ~~العالم وغيره، واعتبر فيه العلم، وما كان نظريا فإن كان قريبا من البديهي ~~جاز أن يكلف العامي بالنظر فيه ليعلم، وإن لم يكن قريبا بعد أن يكلف به ~~العامي لإفضائه إلى تعطيل معاشه خصوصا مع كثرة الشبه ودقتها، وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقنع من عامة الناس بمجرد التصديق والانقياد/ [387/ل] ~~لما جاء به، ولو وجب العلم النظري عليهم بينه لهم. # {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} (23) [محمد: 22 - 23] يحتج به على ~~جواز لعن يزيد، وقد اختلف فيها؛ فمنهم من منعه حسما لمادة الترقي إلى من ~~فوقه، ومنهم من أجازه لفجوره وقطعه الرحم الواجب صلتها. # وقد حكي عن أحمد أنه سئل عن لعن يزيد؛ فقال: ألا يجوز لعن من لعنه الله ~~في كتابه؟ ثم تلا هذه الآية. فقيل له: [لم لا] تلعنه أنت؟ فقال: ومن لعنت ~~أنا حتى ألعن يزيد. فمن الناس من اقتدى بفعل أحمد في الترك، ومنهم من اقتدى ~~بفتياه في اللعن. PageV01P584 # ويحتمل أن يقال: من غلبت عليه الحمية لله ورسوله وإنكار المنكر جاز أن ~~يلعنه، ومن غلبت عليه عصبية الرافضة لم يجز له ذلك؛ فليتفقد الإنسان نيته ~~وقصده، فإنما الأعمال بالنيات (1). # {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} (31) [محمد: # 31] علم الله على ضربين: خاص به، وعام يشركه فيه ms518 خلقه، وهو الذي يقوم به ~~الحجة عليهم، وهو المراد هاهنا، أي: حتى نعلم المجاهدين وغيرهم علما مشتركا ~~تقوم به الحجة، وأظن هذا قد سبق. # ... PageV01P585 ### | AUTO القول في سورة الفتح # {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما} (2) [الفتح: 2] قيل: ما تقدم من ذنب أبيك آدم، وما تأخر من ذنب أمتك. # وقيل: على ظاهره في جواز وقوع الصغائر من الأنبياء. ويدل على ضعف الأول ~~مخالفته للظاهر، وأنه صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه فقيل: أليس ~~قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» (1) فدل ~~على اختصاص الآية به دون غيره. # {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما} (4) [الفتح: 4] يحتج به على ~~قبول الإيمان الزيادة والنقصان/ [186 م/ب]. # قوله-عز وجل- {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} (16) [الفتح: 16] احتج بها الجمهور على ~~صحة خلافة أبي بكر-رضوان الله عليه-وتقريره: المخلفين من الأعراب أمروا ~~بطاعته أو بطاعة مستخلفه، وكل من كان كذلك فهو صحيح الخلافة؛ فأبو بكر صحيح ~~الخلافة. # أما الأولى فلأن المراد بالمخلفين هم الذين تخلفوا عن تبوك، وقد أخبر ~~الله-عز وجل- أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد، وأن الداعي لهم إلى ~~ذلك واجب الطاعة؛ لتوعدهم على مخالفته والتولي عنه، وهذا الداعي إما أبو ~~بكر فيحصل المقصود أو عمر، وهو خليفة أبي بكر وفرع عليه، وإذا وجبت طاعة ~~عمر-رضي الله عنه-صحت خلافته، ويلزم صحة خلافة مستخلفه أبي بكر/ [388/ل]، ~~وإنما قلنا: إن هذا الداعي أحد الرجلين؛ لأن القوم أولي البأس الشديد إما ~~بنو حنيفة والمجاهد لهم أبو بكر، أو فارس والروم والمجاهد لهم عمر. # وأما الثانية: فلأن من لا يكون صحيح الخلافة لا تجب طاعته، أو نقول: ~~لأنهم توعدوا على مخالفته بالعذاب الأليم، ووعدوا على ms519 طاعته بالأجر الحسن؛ ~~وكل من كان كذلك كان صحيح الخلافة؛ إذ لا نعني بصحيح الخلافة إلا من وجبت ~~طاعته وحرمت مخالفته. PageV01P586 # واعترض الشيعة [لعنهم الله] على هذا بأن قالوا: لا نسلم أن المخلفين ~~أمروا بطاعته، قوله: المخلفون هم الذين تخلفوا عن تبوك، قلنا: لا نسلم، ~~وإنما هم المخلفون عن الحديبية، وقد تخلف عنها جماعة من المنافقين كما ذكره ~~المفسرون، والذي يدل على أن هؤلاء المخلفين غير أولئك اختلافهم في علة ~~التخلف، فهؤلاء مخلفو الحديبية قالوا: (شغلتنا أموالنا وأهلونا). وأولئك ~~مخلفو تبوك؛ قالوا: (لا تنفروا في الحر)، ومنهم من قال: (ائذن لي ولا ~~تفتني)، يعني بنساء الروم اذا غزاهم افتتن بهن. وإنما وقع الاشتباه من ~~اشتراك لفظ المخلفين بين مخلفي الحديبية وتبوك. # قوله: وهذا الداعي إما أبو بكر أو عمر، قلنا: لا نسلم، وإنما يصح هذا أن ~~لو ثبت أن المخلفين بين مخلفي الحديبية وتبوك. # قوله: القوم أولو البأس الشديد إما بنو حنيفة أو فارس؛ قلنا: لا نسلم، ~~وإنما هذا بناء منكم على أن الداعي أبو بكر أو عمر، وهو ممنوع على ما سبق، ~~وإنما أولو البأس الشديد هوازن، والداعي إلى قتالهم هو النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو مفترض الطاعة بلا خلاف (1). # وقد ذهب جماعة من جلة/ [187 أ/م] المفسرين إلى أنهم هوازن، وقد ثبت أن ~~الداعي إلى قتالهم هو النبي صلى الله عليه وسلم، وجدير بهوازن أن يكونوا ~~أولي بأس شديد، والله-عز وجل-يقول للمؤمنين: {لقد نصركم الله في مواطن ~~كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت ثم وليتم مدبرين} (25) [التوبة: 25] وحسبك منهم قوم لم ينتصف منهم ~~إلا بالمعجز الإلهي النبوي حيث رماهم بقبضة تراب، فقال الله-عز وجل-: {فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين ~~منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم} (17) [الأنفال: 17] قالوا: فثبت أن هذه ~~الآية في مخلفي الحديبية ورسول الله وهوازن، لا في مخلفي تبوك وأبي بكر ~~وفارس أو بني حنيفة. # واعلم ms520 أن الخلاف في هذه الآية وهذه المسألة مبني على أولي البأس الشديد ~~من هم؟ وقد اختلف فيه المفسرون-كما ذكره ابن عطية وغيره-ومع الخلاف لا يمكن ~~الجزم بشيء. # {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك} PageV01P587 # {مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ ~~فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} (29) [الفتح: 29] خلافا لليهود والنصارى. # لنا: أنه صلى الله عليه وسلم/ [389/ل] ادعى النبوة وأتى بالمعجز، وكل من ~~فعل ذلك فهو رسول الله؛ فمحمد رسول الله، وجميع هذه المقامات قد سبق ~~تقريرها على اليهود في إثبات المسيح إلا كونه أتى بالمعجز، والدليل عليه من وجوه: # أحدها: أنه أتى بالقرآن، وهو غير كاتب ولا قارئ ولا مدارس بالعلوم؛ فتحدى ~~به العرب الفصحاء؛ فأعجزهم أن يعارضوه، وذلك بعد كل شك وسؤال يورد يقتضي ~~أنه معجز، وقد تقرر هذا في مواضع من هذا التعليق. # الثاني: أن القمر انشق له معجزا استفاض ذلك في السنة بعد أن تواتر في ~~القرآن. # الثالث: تسليم الحجر عليه. # الرابع: نبع الماء من بين أصابعه حتى سقى جيشا وتطهروا منه. # الخامس: أنه أشبع جيشا عشرين ألفا وزودهم حتى ملؤوا أوعيتهم من نحو سبعة ~~أو ثمانية آصع. # السادس: تسليم الشجر عليه. # السابع: إخباره بالغائبات فلم يخرج شيء منها. # الثامن: إخباره عن قصص الماضين، فوافق ما عند أهل الكتاب. # التاسع: تظليل الغمام له [وميل ظل] الشجرة عليه لتظله. # العاشر: أنه رمى هوازن-هم عشرون ألفا-بكف تراب فملأ أعينهم جميعهم ~~فانكسروا. # وهذا قليل من كثير من معجزاته صلى الله عليه وسلم، فمن وفق علم بالضرورة ~~صحتها لتواترها عند المسلمين على كثرتهم تواترا لفظيا أو معنويا، ثم علم ~~بالضرورة أن من ظهر ذلك على يده نبي صادق. # وأيضا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم إما أن يكون نبيا صادقا أو ملكا ما ~~حقا، فالثاني ms521 باطل، فالأول حق، أما الحصر فلأنه لا/ [187 ب/م] قائل بثالث؛ ~~لأن المسلمين يقولون: هو نبي صادق، والخصم ممن ينكر نبوته يقول: هو ملك ما ~~حق، أعطي نصرة وسعادة حتى قهر أعداءه ومحقهم، ثم استولى على دعوى النبوة. # وأما بطلان كونه ملكا كما زعموا فلأن العادة المطردة والاستقراء التام ~~استمر PageV01P588 # بانقراض دول الملوك وسياساتهم بموتهم، ودولة محمد صلى الله عليه وسلم ~~باقية مستمرة نحو ألف سنة، وهي في زيادة وقوة، وذلك يدل على أنه ليس بملك ~~كما زعموا، وينتظم الدليل هكذا: لا شيء من دول الملوك بباق بعدهم، ودولة ~~محمد باقية بعده؛ وذلك ينتج المطلوب. وإذا انتفى كونه ملكا ما حقا تعين أنه ~~نبي صادق؛ ضرورة انحصار الحكم في أحد القسمين عند انتفائه عن الآخر، وقد ~~بسطت هذا غير هاهنا. # {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} (29) [الفتح: 29] يحتج به الجمهور على ~~كفر الرافضة المبغضين للصحابة، وتقريره أن من أبغضهم فقد غاظوه، وكل من/ ~~[390/ل] غاظوه فهو كافر، فمن أبغضهم فهو كافر [ينضم إليها صغرى: الرافضة ~~يبغضونهم وكل من أبغضهم فهو كافر]، فالرافضة كفار، والمقدمات واضحة. # والرافضة لما رأوا قوة هذا الدليل فزعوا إلى التأويل، فتارة حملوا ~~{والذين معه} على أهل البيت وأتباعهم ومن أحبهم، دون من تحامل عليهم ونكث ~~عهدهم، وجعلوه من باب العام المخصوص، أو المراد به الخاص، وتارة حملوا ~~الكلام في الكفار على العهد، لا الاستغراق، أي ليغيظ بهم الكفار المعهودين ~~في عصرهم، أو من أبغضهم عنادا بغير حق، أما من أبغضهم بتأويل واجتهاد ~~مستندا إلى حجة أو شبهة، فلا نسلم دخوله تحت هذا الوعيد، وربما منعوا ~~المقدمة القائلة: كل من غاظوه فهو كافر؛ لأن القرآن إنما دل على أن ms522 كل كافر ~~يغتاظ من الصحابة بالضرورة، وإنما تنعكس هذه إلى أن بعض من يغتاظ منهم كافر ~~بالإطلاق، لا إلى كل من يغتاظ منهم كافر، وحينئذ يكون كبرى القياس جزئية، ~~فلا ينتج، وهذا المنع أجود من تأويلهم. # ... PageV01P589 ### | AUTO القول في سورة الحجرات # {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم} (1) [الحجرات: 1] أي لا تسبقوه بالرأي والكلام، وسبب الآية يدل ~~عليه، وهو تنازع أبي بكر وعمر [كرم الله وجوههما] في تولية الأقرع بن حابس ~~أو القعقاع بن عمرو. # {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} (2) [الحجرات: ~~2]، فيه احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وحبوط العمل بالتفريط في ~~حسن الأدب معه/ [188 أ/م]، وهذا مستمر بعد موته كحال حياته، بلغ أبلغ. # {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (6) [الحجرات: 6] اعلم أن الناس إما معلوم ~~العدالة فيقبل خبره، أو معلوم الفسق فلا يقبل خبره، أو مجهول الحال فيقبل ~~خبره، أبو حنيفة دون الشافعي، ظاهر هذه الآية مع أبي حنيفة؛ لأنه أمر ~~بالتبيين والتثبت عند خبر الفاسق. ومفهومه أن عند غيره لا يجب ذلك بل يقبل، ~~وذلك يتناول القسمين الآخرين كأنه قال: إن أخبركم فاسق فتبينوا وإلا ~~فاقبلوا. ولعل مأخذ الخلاف أن شرط قبول الخبر العلم بعدالة الراوي، فلا ~~يقبل خبر [المجهول لعدم العلم بعدالته، أو عدم العلم بفسقه فيقبل خبر ~~المجهول] إذ ليس معلوم الفسق، وهو ظاهر الآية كما قلنا، ثم يتفرع على هذا ~~قبول المرسل: وهو ما سقط من إسناده راو تابعي عند المحدثين ومطلق عند ~~غيرهم؛ لأن الراوي الذي سقط ذكره مجهول والخلاف والأحوط أن لا يقبل. # {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون} (7) [الحجرات: ms523 7] فيه إثبات تصرف الله-عز وجل-في القلوب ~~وتقليبها، وأنه يحبب إليها ما يشاء فتحبه/ [391/ل] فتقبل عليه، ويكره إليها ~~ما يشاء فتكرهه فتعرض عنه، ويترتب على ذلك خلق الأفعال، ومذهب [الجمهور في ~~الكسب] والجبر. PageV01P590 # {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} (9) [الحجرات: 9] احتج به من رأى أقل ~~الجمع اثنين، وتقريره أنه رد ضمير الجمع إلى الطائفتين، ولولا أنهما جمع ~~لما حسن ذلك، وبوجوه أخر: # أحدها: {*هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ~~يصب من فوق رؤسهم الحميم} (19) [الحج: 19]. # وثانيها: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين} (78) [الأنبياء: 78]. # وثالثها: قول يوسف عليه السلام: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار} (39) [يوسف: 39] ثم قال: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (40) [يوسف: # 40]. # ورابعها: قوله صلى الله عليه وسلم: «اثنان فما فوقهما جماعة» (1) فأخبر ~~بالجماعة عن اثنين. # وخامسها: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله ~~هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} (4) [التحريم: 4]. # وسادسها: أن الجمع ضم شيء إلى غيره، وهو موجود في الاثنين. # واحتج به الآخرون بوجوه: # أحدها: قول ابن عباس لعثمان: ليس الأخوان أخوة في لسان قومك، فلم ينازعه ~~في PageV01P591 # ذلك، وإنما احتج بالإجماع وذلك في حجب الأم بالأخوين. # الثاني: لو كان الاثنان أقل الجمع لصح أن يقال: رأيت رجلين ثلاثة أو ~~ثلاثة رجلين، أو رأيت الرجلين كلهم أو الرجال كلاهما، وليس كذلك بإجماع. # الثالث: أن أهل اللغة وضعوا لكل واحد من التثنية والجمع بابا [وصيغة غير] ~~ما وضعوا للآخر، فقالوا: مسلمان ومسلمون، ورجلان ورجال، فدل على التغاير. # والجواب عن حجة الأولين/ ms524 [188 ب/م] أما عن الأول: فإن الطائفة تصدق على ~~الواحد والجماعة، والطائفتان جماعة، فرد إليهما ضمير الجمع باعتبار ~~أفرادهما، ثم عاد إلى ضمير التثنية في: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ~~(9) [الحجرات: 9] إلى آخره، باعتبار الفريقين، فحاصله أن في الطائفتين جهتي ~~تثنية وجمع فرد إليهما ضمير الجمع والتثنية بالاعتبارين، وكذا القول في: ~~{*هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم} (19) [الحج: 19]، {*وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ~~المحراب} (21) [ص: 21] على ما مر في موضعه. # وعن الثالث: أن الضمير في {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه ~~غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} (78) [الأنبياء: 78] عائد إلى سليمان وداود ~~المتحاكمين إليهما وهم جماعة. # وعن الرابع: أن المراد صاحبا السجن وقومهما. # وعن الخامس: أن الاثنين جماعة في حكم الصلاة، وحصول أصل فضيلة الجماعة، ~~لا أنهما جماعة في اللغة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان أحكام ~~الشرع لا اللغة. # وعن السادس: أن: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} (4) ~~[التحريم: # 4] كناية عن إرادتكما التي مبدؤها القلب، أو تثنية لفظية لئلا يجمع بين ~~تثنيتين لو قال: # قلباكما. PageV01P592 # وعن السابع: أن الجمع أخص مما ذكرتم، وهو ضم شيء إلى أكثر منه، وهو غير ~~موجود في التثنية. # وقد أورد على هذه/ [392/ل] المسألة، إشكال وهو أنه إن أريد أن الاثنين ~~أقل جمع الكثرة فأقله أحد عشر على ما صرح به أهل العربية: أن جمع القلة ما ~~بين الثلاثة إلى العشرة، وجمع الكثرة ما فوق ذلك. وإن أريد أقل جمع القلة ~~فمقتضى كلامهم أعم من ذلك؛ لأنهم جعلوا من جمع القلة الجمع السالم، نحو ~~مسلمين ومسلمات، {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ~~آمن وعمل ms525 صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} ~~(37) [سبأ: 37]. # ويمكن أن يجاب عنه بأن الجمع ضم شيء إلى غيره، وهو من حيث هو أعم من جمع ~~القلة والكثرة لانقسامه إليهما، فجاز أن يراد به أن الاثنين أقل الجمع ~~المطلق من حيث هو، وهو ما صح أن يرد إليه ضمير الجمع. # واستدل بالآية على أن الفاسق لا يخرج عن وصف الإيمان؛ لأن البغي فسق ~~والباغي فاسق، وقد أطلق عليه وصف الإيمان في قوله-عز وجل- {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين} (9) [الحجرات: 9] فسمى الجميع مؤمنين، وكذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم للحسن: # «إن ابني هذا سيد ولعل الله [يصلح] به بين فئتين [عظيمتين] من المسلمين» ~~(1) يعني أهل العراق وبغاة الشام، وفى الاستدلال بهذا الحديث [نظر]. # {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (11) ~~[الحجرات: 11] احتج به من يرى أن القوم خاص بالرجال؛ لأنه قابله بالنساء ~~فيكون قسيما للقوم، وقسيم الشيء استحال أن يدخل تحته ويكون قسما منه/ [189 ~~أ/م] ولقول الشاعر: PageV01P593 # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء # والاستدلال به كما سبق، ولأن القوم مشتق من القيام بالأمور، وهو وصف ~~الرجال لا النساء، والرجال قوامون على النساء، ولأن العرب تقول: يا لقومي، ~~وإنما يستغاث ويستنجد بالرجال لا النساء. # واعترض على الأولين بأنه إنما اختص القوم فيهما بالرجال لقرينة المقابلة ~~والتقسيم؛ فلعله لولا ذلك لما دل. # وعلى الثالث بأن النساء لهن حظ في القيام بالأمور: كخدمة المنازل وتربية ~~الأولاد ونحوه. # وعن الرابع بأنه معارض بقولهم: هذه امرأة من قومي، ولولا صدق القوم على ~~النساء لما صح ذلك. # واحتج الآخرون بوجوه: # أحدها: قوله-عز ms526 وجل-: {كذبت قوم نوح المرسلين} (105) [الشعراء: 105] ~~ونحوه، وهو يتناول النساء. # الثاني: ما سبق من قولهم: هذه امرأة من قومي. # الثالث: لو وصى لقومه دخل النساء. # الرابع: أن الرجال والنساء كل منهما يتقوم بالآخر في التناسل والوجود، ~~فمعنى القوم موجود فيهما/ [393/ل]. # واعترض على الأولين بدخول النساء في القوم تبعا لتغليب الرجال. # وعلى الثالث بأنهن دخلن بقرينة الوصية، وأن مقصودها البر وصلة الرحم. # وعلى الرابع بأن القوم راجح في الرجال، ولذلك كان النسب شرفا ودناءة ~~مختصا بهم. # {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (13) [الحجرات: 13] هذا في ~~مشروعية علم النسب وتفاصيله في الكتب. PageV01P594 # الإسلام فاقتضى التغاير، وهو كذلك لغة وشرعا ومركبا منهما. # أما لغة: فالإيمان التصديق ومحله القلب، والإسلام الانقياد ومحله القلب ~~والبدن جميعا، فهو أعم، والتغاير حاصل، وهذا وهو المراد بالآية، أي: لم ~~تؤمنوا بقلوبكم، وإنما أسلمتم، أي: انقدتم بظواهركم. # وأما شرعا: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان في حديث جبريل ~~بالتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفسر الإسلام بالأعمال ~~الظاهرة، وهي الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج، ~~والتغاير أيضا حاصل؛ لأن عمل القلب غير عمل البدن، وما تعلق بالباطن غير ما ~~تعلق بالظاهر. # وأما مركبا منهما: فالإيمان لغة: التصديق، والإسلام شرعا ما ذكر من ~~الأعمال الظاهرة وهما متغايران، وإن كان العمل الظاهر قد [يلزم التصديق] / ~~[189 ب/م]، والتصديق قد يترتب عليه العمل الظاهر، والإسلام لغة: الانقياد ~~بالباطن أو الظاهر أو بهما، والإيمان شرعا: التصديق بالله-عز وجل-وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر (1)، وهما متغايران، وإن كان التصديق بهذه ~~الأركان قد يترتب عليه الانقياد الظاهر، والانقياد بالظاهر قد يلزمه ~~التصديق بهذه الأركان، أما التصديق بهما والانقياد بالباطن فهما واحد أو ~~متلازمان. # {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (15) [الحجرات: 15] إن قيل: هذا ~~تعريف الشيء نفسه. # قلنا: ليس كذلك، بل هو تعريف الإيمان ms527 الشرعي باللغوي، أي: إنما المؤمنون ~~شرعا الذين آمنوا لغة، أي: صدقوا بالله ورسوله، وهو كقوله-عليه الصلاة ~~والسلام-لجبريل حين سأله عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله» إلى آخره. # ... PageV01P595 ### | AUTO القول في سورة ق # {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب} (2) [ق: 2] ~~سبق القول في أول سورة يس وغيرها. # {أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} (3) [ق: 3] هذه شبهة منكري البعث من ~~الكفار وتقريرها: أننا بالموت نصير/ [394/ل] ترابا، والتراب استحال أن يرجع ~~بشرا سويا، فنحن نستحيل أن نرجع بعد الموت بشرا كما كنا. # والجواب: ما أشار الله-عز وجل-إليه بقوله-عز وجل-: {قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} (4) [ق: 4] وتقريره أن يقال: أما قولكم: إنا ~~نصير بالموت ترابا؛ فصحيح، وأما قولكم: التراب استحال أن يرجع بشرا سويا؛ ~~فباطل ممنوع، بل هو ممكن، وبيان إمكانه أن الإنسان ينحل بدنه بعد ما تنقص ~~الأرض والبلى منه إلى جواهر حافظة لصورها باقية، ونحن نعلم أعيان تلك ~~الجواهر وأماكنها من الأرض ومن بدن الإنسان، فنحن نؤلف تلك الأجزاء بعضها ~~إلى بعض بعلمنا وقدرتنا، ثم ننشئ عوضا عما نقصت الأرض منه، ثم نعيده بشرا ~~سويا، وهذا أمر ممكن لا ينكره العقل ولا يقصر عن إدراكه، وإنما ضل هؤلاء من ~~حيث الجهل، إذ نزلوا الممكن البعيد عنهم منزلة المستحيل في نفسه، فاختلط ~~عليهم الحق بالباطل والصواب بالخطأ. # {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} (5) [ق: 5] أي: مختلط، ~~وينتظم الدليل هكذا: الجسم ينحل إلى جواهر معلومة المحال، وكل ما كان كذلك ~~أمكن إعادته، فالجسم أمكن إعادته، والأولى ثابتة بهذه الآية، والثانية ~~واضحة على ما قررنا، ولنضرب لبعث الأجساد أمثلة تقربه: # أحدها: أن الأرواح كطيور فارقت أبراجها وأقفاصها وانهدم البرج بعد ~~مفارقتها، فإذا أريد عودها إليه أعيد عامرا ثم عادت إليه. # الثاني: / [190 أ/م] أن الناس في حياتهم وموتهم وبعثهم كقوم تجردوا عن ~~ثيابهم ثم صاح بهم صائح لأمر مهم، فبادر كل منهم إلى ثوبه فدخل فيه ثم ~~أجاب، والجسد كالثوب، وقد ms528 بينا إمكان إعادته وأنه سيعود. # الثالث: أن الجسم كعقد انقطع سلكه، فإذا أريد إعادته منظوما التقط حبه من ~~مواضعه ثم نظم في سلكه. PageV01P596 # الرابع: أن شبكة العنكبوت قد تنخرق وتنقطع فيتجرد عنها ثم تعود فيعود إليها. # الخامس: السيف يجرد من غمده ثم يرث الغمد ويخلق، ثم يجدد وإليه يعاد ~~السيف فيغمد. # السادس: النحل يفارق بيته الذي بناه فربما خرب ثم يعاد فيعاوده، ونظائره ~~كثيرة ما بين قريب في التمثيل وبعيد ومتوسط، وأقربها التمثيل بالطير ~~والقفص، إذ الروح كطائر في قفص مربوط في رجله خيط طويل فهو يطير ما بين ~~اليوم والليلة مرة أو مرارا ثم يجذب بذلك الخيط فيعود، فإذا انفلت من ذلك ~~الخيط طارت وطالت/ [395/ل] غيبته وتكسر القفص، فإذا كان وقت عوده جدد القفص ~~كما كان وعاد الطير إليه كما كان [وهكذا حال النفس مع البدن، تفارق في حال ~~النوم وتعاود لارتباطها بالبدن، وبالموت ينحل رباطها إلى البعث ثم يعاد ~~الجسم بعد بلائه فتعاود سكناه. # وربما ضحك الفيلسوف ومنكر البعث من هذا التقريب، وهو أحق أن يضحك من ~~عقله، إذ لا يشك عاقل في إمكان ما ادعيناه وتسهيل تصور البعث بما قربناه. # {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} (6) [ق: # 6] يعني السماء لا فرج فيها، وهو لا ينفي قبولها للخرق والالتئام كما ~~سبق، كالثوب الصحيح يقبل الانقطاع. # {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} (9) [ق: 9] ~~إلى {رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} (11) [ق: 11] هذه حجة ~~أخرى على إمكان البعث ووقوعه، أما وقوعه فمستنده السمع المعصوم المستند إلى ~~دليل المعجز المعقول، وأما إمكانه فبالقياس على إحياء الأرض بعد موتها وقد ~~سبق غير مرة، وتوجيهه أن أجزاء الجسم القارة في الأرض كحب الزرع في الأرض ~~وإخراجه حيا من الأرض كإخراج الحب نباتا منها، وكيفية ذلك ما سبق، والمقوم ~~له قدرة الفاعل وقابلية القابل والحكمة اللطيفة الرابطة بين تأثير الفاعل ~~في القابل، فالحب/ [190 ب/م] في الأرض أصل، وأجزاء الجسم فيها ms529 فرع، [والحكم ~~إخراجها] نباتا وحبا، والعلة الإمكان وتمام القدرة ولطيف الحكمة، وربما كان ~~ذلك بواسطة ما تمطره السماء كمني الرجال تنبت فيه الأجسام كما تنبت الحبة ~~في حميل السيل، وبعد هذا البيان لا ينكر البعث إلا جاهل أو معاند للبرهان. # ثم من العجب قولهم: إن التراب استحال أن يعود بشرا سويا، مع تسليمهم أو ~~أكثرهم PageV01P597 # أن آدم خلق من تراب فكان بشرا سويا. # {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} (15) [ق: 15] هذا دليل ~~آخر على البعث والمعاد بالقياس على ابتداء الخلق كما مر في سورة «الروم» ~~وتقريره: لو امتنعت الإعادة لوجب أن نعيا، أي: نعجز عن الابتداء، واللازم ~~باطل فالملزوم كذلك؛ بيان الملازمة أن الإعادة أهون من الابتداء كما تقرر ~~وعرف، ولو امتنعت الإعادة لعجزنا عنها، ولو عجزنا عنها لكنا عن الابتداء ~~الذي هو أصعب منها أعجز، فلو امتنعت الإعادة لعجزنا عن الخلق الأول. # وأما بطلان اللازم؛ فلأن الخلق الأول قد وجد منا، ويلزم ذلك أنا لم نعجز ~~عنه، وإلا لما وجد، وأما بطلان الملزوم فلاستحالة وجوده مع انتفاء اللازم، ~~وثم معنى الآية: أننا ما عيينا عن الخلق الأول حتى نعيا عن الثاني. # {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} (15) [ق: 15] يعني: # الكفار {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} (15) [ق: 15] أي: # في شك واختلاط، وهل: قوله: (خلق)، مصدر/ [396/ل] أو مفعول بمعنى مخلوق ~~جديد؟ كلاهما محتمل، فإن صح أن المراد مخلوق جديد أمكن أن يصح قول من زعم ~~أن المعاد ليست هذه الأجسام بعينها بل غيرها مثلها؛ إذ الجسم ليس مقصودا ~~لذاته بل هو آلة لنعم الروح أو عذابها، وإن كان المراد بالخلق المصدر وهو ~~الظاهر لا يلزم ذلك؛ لأن الإنشاء الثاني وإن كان غير الأول لكن المنشأ هو ~~الأول بعينه كجدار ينهدم ثم يعاد بآلته بعينها، فالبناء الثاني غير الأول ~~والمبنى واحد. # {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} (16) [ق: 16]، يحتج بها ms530 الاتحادية على ما سبق. # وجوابه: أن قربه منه بالعلم والقدرة، وعلمه بوسوسة النفس لتعلق علمه ~~بجميع المعلومات مع مباينة ذاته لسائر الذوات، لا لسريانه بذاته في ~~الموجودات، كما زعموا. # {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} (17) [ق: 17] الآيتين، ~~فيه الحفظة وكتابهم ما يصدر عن المكلف، يكتبون عليه بسيط اللفظ ومركبه من ~~كلمة/ [191 أ/م] وكلم وكلام، إذا القول يشمل ذلك كله. PageV01P598 # الآخر والوعد والوعيد والجنة والنار ونحوه. # {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} (22) [ق: ~~22] هذا كقوله-عز وجل-: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون} (47) [الزمر: 47] ونحوه، واختلف في هذا الغطاء الذي إذا كشف صار ~~البصر حديدا، فعند الصوفية: هو تجرد النفس عن علائق الأوهام والخيالات؛ ~~ولهذا يستعملون الرياضة والخلوة والمجاهدة في إزالة الوهميات والخيالات، ~~فمن صح له ذلك أشرف على كشوفات عظيمة، قال لي بعضهم: «ارتضت حتى رأيتني ~~أدور بدوران الفلك في مجاري النجوم والشمس والقمر، أطلع إذا طلعت، وأغرب ~~إذا غربت، وأتوسط إذا توسطت» وقال لي بعض الفضلاء منهم ببيت المقدس: «ارتضت ~~حتى رأيتني والعالم كرتين إذا استغرقت فنيت كرته، وبقيت كرتي، وإذا عدت إلى ~~عالم الحس كان بالعكس» وإذا أردت أن ترى العجب العجاب من ذلك فانظر في مرأى ~~الشيخ أبي ثابت محمد بن عبد الملك الديلمي الهمذاني في كتاب «مرآة الأرواح» له. # وعند الاتحادية: هو تعلق ذات الحق بهذا الطور البشري، فبعد إدراك العقل ~~له لشدة قربه، فإذا فارق مظهره البشري وصدر انكشف الغطاء عنه وظهر، وشبهوه ~~بالقمر كلما قرب من الشمس استتر وانمحق، وكلما بعد عنها وقرب من مقابلتها ~~استنار وأشرق. # وعن الفلاسفة: هو ملابسة النفس والروح اللطيف/ [397/ل] للجسم الكثيف، ~~فكان عليه كالغطاء مانعا له من إشراق النور العلوي عليه والضياء؛ فإذا ~~تزايلا كشف الغطاء وتبين من الخير والشر جنس العطاء، ألا ترى أن الأدهان ~~اللطيفة ما دامت سارية في ms531 محلها لا تؤثر آثارها المستعدة هي لها كالزيت في ~~الزيتون والشيرج في السمسم ودهن اللوز فيه ونحوه، فإذا استخرجت منه وفارقها ~~كثيفها أثرت تلك الآثار وانكشف عن وجه فعلها الغطاء فاستنار، وكذلك الماء ~~للطافته يصف ما وراءه، والهواء كذلك لا يمنع نفوذ أشعة الإبصار فيرى ~~الحيوان على بعد إزاءه فإذا خالطا الأرض الكثيفة المظلمة محقت ظلمتها تلك ~~الأنوار، واحتجت لطافتهما وراء تلك الأستار وإذا أردت مشاهدة ذلك عيانا ~~فانظر إلى لطافة الماء وصفائه، كيف يستهلكها التراب إذا جمع بينهما/ [190 ~~ب/م] فصار طينا؟ ! فلو فرض تخليص الماء من الطين على صفته لعاد إلى فعله ~~بموجب لطافته. PageV01P599 # وعند المتكلمين: فهو أن الإنسان بين غطاء التكليف وكشف الجزاء، فإذا كشف ~~هذا الغطاء ظهر ذلك الكشف، ولو ظهر ذلك الكشف في زمن التكليف لصار الإيمان ~~ضروريا وبطل التكليف لبطلان حكمته. # [فهذا ما استحضرناه من أقوال الناس في الغطاء نقلا عنه أو قياسا على ~~مقتضى قولهم] # {لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد} (35) [ق: 35] قيل: هو الزيادة في قوله- ~~عز وجل-: {*للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون} (26) [يونس: 26] فيستدل به على الرؤية كما سبق. # {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} (39) ~~[ق: 39] وفي «طه»: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} (130) [طه: # 130] وفي «الروم» {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} (17) [الروم: 17] ~~وفى «سبحان» {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا} (78) [الإسراء: 78] الآيات، يحتج بها على مواقيت الصلاة، ~~وبعضها أبين من بعض، ثم جاءت السنة فأمعنت في بيانها؛ كحديث ابن عباس وجابر ~~وأبي موسى وغيرهم، وبقي بعض الإجمال، فجاء الفقهاء فأزالوه، فبلغت أحكام ~~الآيات المذكورة بهذا التبيين غايتها من البيان، وكذلك سائر النصوص المجملة ~~بلغت بالتبيين غايتها من البيان، وظهر بهذا أن المجمل والمبين على مراتب في ~~الجلاء والخفاء، {وأقيموا الصلاة} (1) ثم ms532 «صلوا كما رأيتموني أصلي» (2)، ثم ~~حديث المسيء في صلاته، مترتبة في الإجمال، كل واحد منها أشد إجمالا مما ~~بعده، وهي في البيان على العكس كل واحد منها PageV01P600 # أبين مما قبله، ثم قال بعض الأصوليين: «إن البيان في ضمن المجمل حتى إن ~~جميع ما وردت به السنة وقاله الفقهاء في تفاصيل الصلاة وأفعالها في ضمن ~~قوله-عز وجل-: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} (43) ~~[البقرة: 43] ووجهه أن البيان كاشف عما في ضمن المجمل، كالبحث كاشف عما في ~~ضمن الأرض من المعادن، وكما أن المعادن تستخرج من الأرض بالبحث/ [398/ل]، ~~كذلك المعاني والأحكام تستخرج من المجمل بالبيان. # {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب} (41) [ق: 41] الآيات هي في نفخ ~~إسرافيل في الصور وجمع الناس للحشر، ونحوه من أحكام الآخرة. # ... PageV01P601 ### | AUTO القول في سورة الذاريات # {وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (21) [الذاريات: ~~20 - 21] إشارة إلى النظر والاستدلال في آيات الله-عز وجل-وقد سبق أنه ~~واجب، وهو يفيد العلم أو الظن بحسب مواده، إذا استكمل الشرائط. # {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين} (36) [الذاريات: 35 - 36] / [192 أ/م] يحتج به على أن الإيمان ~~والإسلام واحد؛ لأن المشار إليه بالمسلمين والمؤمنين واحد وهم آل لوط. # وأجيب بأن الإيمان أخص من الإسلام لغة؛ إذ كل مصدق منقاد وليس كل منقاد ~~مصدقا، وبينهما عموم وخصوص شرعا، وبعض الفاعل للأعمال الظاهرة مصدق ~~بالأركان الخمسة؛ ولما كان الأمر كذلك كان بين الإيمان والإسلام ارتباط، ~~وكانا مجتمعين في أهل هذا البيت المذكور، فذكروا في كل واحد من الآيتين ~~بأحد الوصفين نفيا للتكرار عن الفاصلتين، وتنبيها على اجتماع الوصفين فيهم ~~[لا] لأنهما شيء واحد. # {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم} (40) [الذاريات: 40] يرد على ~~من زعم أن فرعون مات مسلما، وإلا لما وصف في هذه الحالة بأنه مليم أي: آت ~~بما يلام عليه، ولم تجر عادة الله-عز وجل-أن يذم عاصيا بعد توبته، ولا ~~كافرا بعد إسلامه. # {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} ms533 (42) [الذاريات: 42] هذا ~~مخصص لقوله-عز وجل-: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ~~كذلك نجزي القوم المجرمين} (25) [الأحقاف: 25] أي كل شيء أتت عليه، وهي لم ~~تأت على كل شيء على الإطلاق بل على ما كان لعاد كما سبق في «الأحقاف». # {فتول عنهم فما أنت بملوم} (54) [الذاريات: 54] وعيدي محكم أو منسوخ بآية السيف. # {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (56) [الذاريات: 56] يحتمل وجهين: # أحدهما: أن هذه لام التكليف والتوظيف، أي: ما خلقهم إلا مكلفين موظفا ~~عليهم العبادة: ولا يلزم ذلك القيام بالوظيفة، كما يقال: ما اشتريت هذا ~~العبد إلا ليخدمني، أي: # وظيفته ذلك، وقد يعصي أو يأبق فلا يخدم. PageV01P602 # والثاني: أنها لام العلة [أو] العاقبة، والجن والإنس عام أريد به الخاص، ~~وهم العابدون المطيعون منهم، ثم العبادة هل المراد بها عمومها أو خصوص ~~التوحيد؟ فيه خلاف. # {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (58) [الذاريات: 58] عموم والحصر ~~فيه يقتضي أن لا رازق للحلال والحرام إلا الله-عز وجل-خلافا للمعتزلة في ~~الرزق الحرام ما سبق أول «البقرة» / [399/ل]. # ... PageV01P603 ### | AUTO القول في سورة الطور # {يوم تمور السماء مورا} (9) [الطور: 9] أي: تموج وتضطرب، وذلك مستلزم ~~لتحركها حركة مستقيمة، خلافا للفلاسفة في أن الأفلاك لا تقبل الحركة ~~المستقيمة، اللهم إلا أن يدعوا أو يثبت في الهيئة أن السماء غير الفلك، فلا ~~يكون في هذه حجة عليهم، لجواز أن تضطرب السماء بحركة مستقيمة دون الفلك. # {اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} ~~(16) [الطور: 16] هذا/ [192 ب/م] أمر بمعنى التسوية، وهو من أقسام ما وردت ~~له صيغة «افعل». # {إن المتقين في جنات ونعيم} (17) [الطور: 17] الآيات، فيها إثبات النعيم ~~والعذاب المحسوسين. # {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} (29) [الطور: 29] فيه الشهادة ~~الإلهية بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وأن النبوة نعمة، وأن الكهانة ~~والجنون بلاء، كأنه-عز وجل-يقول: ما أنت بنعمة ربك مصاب في دينك بالكهانة ~~ولا في عقلك بالجنون. # {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} ~~(34) [الطور: 33 ms534 - 34] هذا من آيات التحدي [بالقرآن المصحح لكونه معجزا، ~~فلما لم يأتوا بمثله مع هذا التحدي] دل على عجزهم وأنه معجز، ولو أن شخصا ~~أتى بما يعجز عنه الجن والإنس وسائر العالم ولم يتحدهم به لم يسم ذلك معجزا ~~شرعيا، ولا الآتي به نبيا. # {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} (35) [الطور: 35] هذا من أدلة ~~إثبات الصانع، وتقريره: أن هؤلاء الكفار لا يخلو: إما أنهم خلقوا من غير ~~خالق، أو أنهم خلقوا أنفسهم، أو خلقهم غيرهم، والأول باطل، إذ خلق بلا خالق ~~تناقض، ووجود معلول بلا علة وهو محال. # والثاني باطل؛ لأن خلقهم أنفسهم يستلزم اجتماع وجودهم وعدمهم معا حال ~~الخلق، وإنه محال؛ لأن كونهم أثرا يقصد إخراجه إلى الوجود يقتضي عدمهم، ~~وكونهم مؤثرا يقتضي وجودهم؛ فتعين الثالث، وهو أن غيرهم خلقهم وهو الصانع ~~القديم، وهذه الآية التي لما سمعها جبير بن مطعم من النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتلوها في صلاة المغرب قال: «كاد ينخلع لها PageV01P604 # قلبي» (1) أو كما قال؛ لأنه فهم منها هذا الاستدلال، وهو بالسبر ~~والتقسيم. # {أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} (36) [الطور: 36]، دليل آخر على ~~ذلك، وهو أن السماوات والأرض أثر فلا بد له من مؤثر، ثم ذلك المؤثر إما هي ~~أو هم أو غيرهما، والأولان باطلان فتعين الثالث وهو الصانع القديم، وهو ~~أيضا سبري تقسيمي، ولذلك جعلنا تأثيرهما في وجودهما داخلا في التقسيم ليكون ~~تاما لا ناقصا، ويقطع على أنه مراد من الآية لذلك، إذ الله-عز وجل-لا يحتج ~~بدليل [ناقص ولا فاسد]. # {أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون} (37) [الطور: 37] هذا جواب عما ~~تضمنه إنكارهم لنبوته صلى الله عليه وسلم/ [400 ل] من إنكار اختصاصه عليهم ~~بالنبوة، وأنه لو اختص بها دونهم لزم الترجيح بلا مرجح، فأجيب بأن المرجح ~~فضل الله-عز وجل-ورحمته، وليست خزائن الرحمة عندكم و [لا] بأيديكم حتى ~~تتحجروا منها واسعا عن الخلق، وهذا / [193 أ/م] السؤال وجوابه قد سبق في مواضع. # {أم له البنات ولكم البنون} (39) [الطور: 39] هذا إنكار لقول الكفار: ms535 ~~«الملائكة بنات الله-عز وجل-» وقد تضمن الجواب: بأنكم استأثرتم بالأكمل، ~~وجعلتم لربكم -عز وجل-ما هو أنقص، وهو خلاف الأدب والعدل، فإذا لم يكن بد ~~من سوء الاعتقاد فهلا تأدبتم وآثرتموه بالأكمل، أو جعلتم له مثل ما جعلتم لكم. # {أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون} (43) [الطور: 43] هذا ~~توحيد، ودليله أن ما تشركون معه من الآلهة إما ناقص لا يملك ضرا ولا نفعا ~~فهو لا يصلح للإلهية لنقصه، أو كامل مساو للإله الح [ق: عز وجل] من كل ~~وجه، فيلزم فساد العالم بدليل التمانع أو تركيب القديم بدليل الحكماء، ~~وكلاهما باطل؛ فإذن لا شريك له-عز وجل- لا كامل ولا ناقص، والآية إنما دلت ~~على تنزهه-عز وجل-عن الشريك، فأما خصوصية هذا الاستدلال فشيء استحضرناه ~~هاهنا، فذكرناه. PageV01P605 ### | AUTO القول في سورة النجم # {والنجم إذا هوى} (1) [النجم: 1] قيل: هو قسم بالشهاب المنقض على مسترق ~~السمع، والمراد القسم بالقدرة الإلهية على ذلك، وقيل: هو قسم بنجوم القرآن ~~النازلة في أوقاتها، والمراد القسم بالكلام الأزلي القديم، [وزعمت الشيعة ~~أن: النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «الخليفة بعدي من يهوي النجم الليلة في داره»، فهوى النجم-أي: انقض-في ~~دار علي، ثم أقسم الله-عز وجل-به تعظيما له وتأكيدا لحقه، وهذا لا يعرف إلا ~~من جهتهم أو من يتأوله عنهم، وقد ذكره صاحب اللباب في خصائص أبي تراب وغيره ~~منهم بأسانيد لا تثبت] (1). # {ما ضل صاحبكم وما غوى} (2) [النجم: 2] نفي للضلال والغي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يستلزم إثبات الهداية له مراغمة للكفار. # {وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى} (4) [النجم: 3، 4] يحتج به ~~على أنه كان لا يحكم بالاجتهاد بل بالوحي، وأن السنة الواردة عنه كانت توحى ~~إليه كما قال-عليه الصلاة والسلام-: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، وإن ~~جبريل يأتيني بالسنة كما يأتيني بالقرآن»، وأن قوله صلى الله عليه وسلم في ~~الرضى والغضب والجد والمزاح حق؛ لقوله عليه السلام: «إني لأمزح ولا أقول ~~إلا حقا» (2)، وقوله لعبد الله بن عمرو: «اكتب فو الذي نفسي بيده، ms536 ما خرج ~~منه إلا حق» (3) وأشار إلى لسانه. # {علمه شديد القوى} (5) [النجم: 5] قيل: جبريل، وقيل: الله-عز وجل-لأنه ذو ~~القوة المتين، وقال-عز وجل-: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم ~~أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} (113) [النساء: ~~113]، {فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن} PageV01P606 # {يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} (114) / [193 ب]) [طه: 114]، [ومن قال: # إنه جبريل، ربما استدل بأنه أفضل من الأنبياء الذين أوحى إليهم؛ لأنه ~~معلم وهم متعلمون، وعورض بأنهم أفضل؛ لأنه رسول وهم مرسل إليهم، ونقض ذلك ~~بالرسل مع الأمم، وقد سبقت هذه المسألة. # {ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى} (9) [النجم: 8، 9] يحتج به ~~على إثبات الجهة، إذ لا يتصور هذا التقدير إلا معها، ولا يجوز حمله على ~~جبريل وأن {قاب قوسين} كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن جبريل- ~~عليه السلام-قرب من النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض حتى تماست ركبهما، ~~وذلك أقرب من قاب قوسين ففي السماء، فتعين حمله على أنه بينه وبين الله -عز ~~وجل-ويلزم الجهة، والخصم إنما يدفع هذا بما مر من لزوم التحيز والتجسيم]. # {ما كذب الفؤاد ما رأى} (11) [النجم: 11] إشارة إلى أنه صلى الله عليه ~~وسلم-رأى ربه-عز وجل-بقلبه، والفؤاد عين القلب، كما أن البصر عين القالب. # {عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى} (15) [النجم: 14 - 15] فيه ~~إثبات الجنة موجودة قبل القيامة/ [401/ل] خلافا للمعتزلة كما سبق. # {ما زاغ البصر وما طغى} (17) [النجم: 17] إشارة إلى أنه صلى الله عليه ~~وسلم رأى ربه-عز وجل- ببصره الظاهر، وقد اختلف في ذلك، فحكي عن ابن عباس ~~وجماعة: «[أنه رآه]-عز وجل- بعين رأسه لظاهر هذه الآية، وحكي عن عائشة أنها ~~أنكرت ذلك؛ مستدلة بقوله-عز وجل-: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير} (103) [الأنعام: # 103] وحملت هذه الآية على أنه رأى جبريل مرتين في صورته الأصلية العظيمة ~~الهائلة. # والأشبه الأول، ويحكى عن أحمد ms537 أنه قيل له: بم ترد قول عائشة في إنكار ~~الرؤية؟ فقال: # بقول ابن عباس في إثباتها أو كما قال، وحكى عن بعضهم أنه قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يضع كل حديث عند أهله، ويحدث الناس على قدر عقولهم، ~~وابن عباس رجل كامل فأفشى إليه هذا الحديث، وعائشة إذ هي امرأة ليست ~~كالرجال في الكمال لم يحدثها به. # {أفرأيتم اللات والعزى} (19) [النجم: 19] قيل: اشتقوا اللات من اسم الله- ~~عز وجل-والعزى من العزيز، وقيل: إن رجلا كان يلت السويق للحاج فسمي اللات ~~اسم فاعل من ذلك مشدد التاء، ثم سموا به الصنم، وخففوه. PageV01P607 # {ومناة الثالثة الأخرى} (20) [النجم: 20] «تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهم ~~لترتجى»، فقالت قريش: قد قاربنا محمد وأحسن القول في آلهتنا، فلما بلغ آخر ~~السورة سجد وسجدوا معه مقاربة له، فلما نسخ ما ألقاه/ [194 أ/م] الشيطان، ~~وعادوا إلى المباعدة والعداوة، وقد اختلف الناس في هذا، فمنهم من قدح في ~~صحته ولم يثبته، إذ لم يرد من طريق وثيق، ومنهم من أثبته ثم اختلفوا في ~~تأويله، وأقرب ما قيل فيه: إن الشيطان تكلم بتلك الكلمات والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يتلو فاشتبه [صوته بصوته]، فظنوا أنه صلى الله عليه وسلم قاله، ~~فقاربوه معتقدين لذلك، فلما نازعهم وأنكر أنه قاله عادوا إلى المباعدة، ~~وليست جرأة الشيطان في هذا بأضعف من جرأته عليه حين عرض له في الصلاة بشعلة ~~نار ليقطع عليه صلاته، والجميع بإذن الله-عز وجل-وإرادته وقضائه وقدره. # {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد} (53) [الحج: 53] كما سبق. # {تلك إذا قسمة ضيزى} (22) [النجم: 22] أي: جائرة، والعدل إذا لم يكن بد ~~أن تؤثروه بالبنين أو تساووه. # {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} (23) [النجم: ~~23] احتج به من منع بخبر الواحد والقياس؛ لأنهما إنما يفيدان الظن، واتباعه ~~مذموم/ [402/ل]. # وأجيب بأن ذلك في العقائد العلمية كالتوحيد ms538 ونحوه لا مطلقا، وقد سبق ~~الدليل على اعتبار خبر الواحد والقياس. # {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} (23) [النجم: ~~23] احتج به من أنكر الاستحسان في الشرع؛ لأنه اتباع الهوى بغير مستند، ~~والصحيح اعتباره والفائز به أهل العراق من أصحاب أبي حنيفة، وقد قرروه أحسن ~~تقرير، ولا نسلم أنه اتباع الهوى، بل هو استماع القول واتباع أحسنه، وحاصل ~~الاستحسان أنه العمل بأقوى الدليلين أثرا أو نحو ذلك على ما قرره البزدوي ~~وغيره، ولا جرم أنه لما كان كذلك استعمله منكروه، فتراهم كثيرا ما يقولون: ~~يجوز استحسانا لا قياسا، والاستحسان كذا، وأشباه ذلك، فإذن الاستحسان كما ~~قيل في المثل: «الشعير يؤكل ويذم» وكذا الاستحسان يستعمل ثم ينكر. PageV01P608 # {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى} (26) [النجم: 26]، تقتضي أن للملائكة شفاعة، بإذن الله-عز ~~وجل-، وأنها لا تغني شيئا، ولا تنفع إلا بإذنه-عز وجل-وإرادته ورضاه، وله ~~نظائر نحو: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} (23) [سبأ: 23]، {الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في ~~الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم} (255) [البقرة: 255] وأشباه ذلك. # {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} (27) [النجم: ~~27] تبين بهذا أن قوله-عز وجل-: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون} (19) [الزخرف: 19] معناه سموهم ~~إناثا كما سبق. # {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ~~(28) [النجم: 28] هو لازم لقوله-عز وجل-: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا ms539 خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون} (19) [الزخرف: 19] إذ ~~عدم علمهم بأنوثتهم من لوازم عدم شهادتهم خلقهم. # {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ~~(28) / [194 ب/م]) [النجم: 28] يحتج به من منع العمل بالأدلة الظنية ~~كالقياس وخبر الواحد والاستحسان والاستصلاح وقول الصحابي وشرع من قبلنا ~~والبراءة الأصلية، ونحو ذلك. والجواب ما سبق آنفا. PageV01P609 # يؤدي إلى الاقتصار على إرادتها، وهو كقوله عز وجل: {يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} (7) [الروم: 7]، إذ جعل علمهم ~~بظاهر الحياة الدنيا كلا علم. # {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (32) [النجم: 32] يحتج به على انقسام المعاصي إلى ~~كبائر وصغائر، وهو مذهب الجمهور كما سبق، واقتضت الآية أن من اجتنب الكبائر ~~والفواحش محسن، وإن قارف الصغائر؛ لأنه عز وجل-فسر: {ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ~~(31) [النجم: 31] بهؤلاء المجتنبين للكبائر إلا اللمم، وهو استثناء/ ~~[403/ل] منقطع، أي: يجتنبون الكبائر لكن اللمم لا يسلمون منه. # {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} (32) [النجم: 32] يعني عند خلق آدم، {وإذ ~~أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (32) ~~[النجم: 32] {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (14) [الملك: 14] ويحتمل ~~أن المراد: وهو أعلم بكم حيث خلقكم من الأرض الكثيفة [الثقيلة] المظلمة ~~المقتضية المناسبة لصدور ظلمة المعاصي منكم، والمراد هو أعلم بكم قبل ~~وجودكم، علم المتقي منكم من غيره. # {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (39) [النجم: 39] واحتج به الشافعي ومن ~~وافقه على أن من تطوع بقربة كقراءة أو صلاة ونحوه، وأهدى ثوابها لميت مسلم ~~لا تصله، ولا ينتفع بها، خلافا لأبي حنيفة وأحمد، وعن مالك قولان، وجه ~~استدلاله أن هذا ليس من سعيه، وما ليس ms540 من سعيه لا ينفعه لظاهر الآية. # حجة الآخرين: أن هذا من سعيه، وما كان من سعيه كان له وانتفع به، لمفهوم ~~الآية بل لمنطوقها، فإنها استثناء من نفي، وهو عند الشافعي وأحمد إثبات، ~~أما أنه كسبه فلأن PageV01P610 # كسبه يصدق على ما باشره أو نسب إليه، وهذه الطاعة المهداة إليه مما تسبب ~~إلى حصولها، ولو لم يكن إلا بواسطة الإسلام المكتسب له فيهدي إليه الحي ~~لكونه مسلما فضلا، عن أنه قد يكون ملكا عادلا أو وزيرا أحسن السياسة أو ~~عالما أو حاكما انتفع بعلمه، أو غنيا شاكرا، أو فقيرا صابرا ذا خلق حسن، ~~فيهدى إليه ثواب الطاعات بهذه الوسائط المكتسبة له، وأما أن كسبه سعيه ~~فواضح، وأما أن سعيه يكون له وينفعه؛ فلظاهر الآية كما بينا. # واحتجوا بأن الثواب المهدى للميت إما عمل له أو لا، فإن كان عملا له فقد ~~انقطع بموته / [195 أ/م] لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع ~~عمله إلا من ثلاث»، وإن لم يكن عملا له لم ينفعه لقوله-عز وجل-: {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} (39) [النجم: 39]. # والجواب: أنا قد ندعي أنه عمل له ولم ينقطع بموته، والحديث عام خص ~~بالمحرم لا ينقطع إحرامه بموته؛ ولذلك يجنب ما كان يتجنبه حيا، ونقيس محل ~~النزاع على محل التخصيص بدليلنا، وقد ندعي أنه ليس عملا له ويصل إليه بطريق ~~الهدية، والآية محمولة على شرع إبراهيم، لأنها مضافة إلى صحفه، والنظر ~~الصحيح يقتضي صحة قولنا، لأن من عمل طاعة وتفضل الله-عز وجل-عليه بثواب ~~بسببها صار حقا له كماله الدنيوي، وكما لا يمنع من الإيثار بماله من ~~الإيثار بثواب أعماله، ولو أهدى الحي ذلك لحي مسلم ففي نفعه إليه وجهان في ~~مذهب أحمد، الأشبه بالصحة أنه يصل وينفع. # {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} (45) / [404/ل]) [النجم: 45] يحتج به ~~من لا يورث الخنثى، لأن الإرث إنما ورد في الشرع لذكر أو أنثى، وهذا ليس ~~واحد منهما لاختصاصه باسم وخلقه دونهما. # والجواب: أنه قسم ثالث في الظاهر، أما في نفس الأمر ms541 فهو [واحد من] ~~القبيلين لا محالة. # {من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى} (47) [النجم: 46 - 47] ~~احتجاج على الإعادة بقياس الإبداء. # {وأنتم سامدون} (61) [النجم: 61] قيل: مغنون، بلغة حمير، فاستدل به على ~~تحريم الغناء، وفيه نظر. # ... PageV01P611 ### | AUTO القول في سورة القمر # {اقتربت الساعة وانشق القمر} (1) [القمر: 1] فيه مسائل: # الأولى: اقتراب الساعة بأمارة انشقاق القمر عليها، ثم قد بينا أن القرب ~~أمر إضافي لا حد له، ولا تقدير فيه. # الثانية: أن القمر يمكن انشقاقه، لأنه جسم وكل جسم يمكن انشقاقه، وما ~~زعمه الفلاسفة من أن الفلك لا يقبل الخرق والالتئام، وربما طردوا ذلك في ~~جميع الأجرام العلوية-ضعيف، وقد سبق القول فيه. # الثالثة: أن القمر انشق على عهد النبي-صلى الله عليه وسلم-معجزا له، ~~وشاهد كفار مكة {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} (2) [القمر: 2] ~~ثبت ذلك بهذا النص المتواتر وبالأخبار الصحيحة المستفيضة من حديث ابن مسعود ~~(1) وابن عباس (2) ومن عساه وافقهما. # {تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} (14) [القمر: 14] وقوله-عز وجل-: # {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم} (48) [الطور: 48] ~~أي نحن نراها ونراك، وقد تقرر أن الله-عز وجل-سميع بصير، وربما تمسك بعض ~~المشبهة بهذا على إثبات العين جارحة الله-عز وجل-وهو باطل، أو صفة كاليد ~~والوجه وفيه ما في نظائره من الكلام/ [195 ب/م] وقد سبق. # {أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر} (25) [القمر: 25]، هي شبهتهم ~~المعروفة التي يلزم منها الترجيح بلا مرجح على زعمهم، وقد مر جوابها غير مرة. # {كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} (42) [القمر: 42] ظاهره ~~أنه عام أريد به الخاص وهي الآيات التي جاء بها موسى-عليه السلام-ويحتمل ~~أنها آيات الرسل أجمعين؛ لاستلزام تكذيبهم بآيات موسى التكذيب بها. PageV01P612 # {سيهزم الجمع ويولون الدبر} (45) [القمر: 45] هذا من إخباراته-عليه ~~الصلاة والسلام-بالغيوب، قاله يوم بدر عن هذا الوحي قبل التحام الحرب، ~~والمشركون ظاهر حالهم الغلبة لكثرة عددهم، ثم أنزل الله-عز وجل-نصره تصديقا ~~لوحيه ونبيه. # {إن المجرمين في ضلال وسعر} (47) [القمر: 47] إلى {إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر} (49) [القمر: 49] نزلت في مشركي مكة ms542 خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم ~~في القدر، فنزلت هذه الآيات، ومعناها إنا خلقنا كل شيء بقدر، فتقتضي عموم ~~الخلق للأشياء وأنها خلقت بقدر، ويدخل/ [409/ل] في ذلك أفعال العباد فهي ~~مخلوقة لله-عز وجل-بقدر، فيحتج بذلك الجمهور، وفيه إشارة إلى وعيد القدرية ~~وليس بقاطع لاحتمال أن الوعيد لأولئك القدرية الكفار الذين هم سبب نزول هذه ~~الآيات ويرجع ذلك إلى أن الاعتبار بعموم اللفظ أو بخصوص السبب. # {وكل شيء فعلوه في الزبر} (52) [القمر: 52] أي: في علم الله-عز وجل- ~~وكتابه المبين الحفيظ الجامع لوقائع الوجود جزئيا وكليا، ويحتج به الجمهور؛ ~~لأن أفعال الخلق إذا سبق بها العلم وتضمنها الكتاب الحفيظ تعلقت بها القدرة ~~والإرادة على وفق تعلق العلم بها؛ لاستحالة تناقض هذه الصفات في متعلقها، ~~وحينئذ يلزم الجبر، وإلا لكانت الإرادة والقدرة الحادثان غالبتين ~~للأزليتين، وإنه محال. # ... PageV01P613 ### | AUTO القول في سورة الرحمن # {الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان} (3) [الرحمن: 1 - 3] يحتج به من ~~يرى القرآن المسموع قديما؛ لأنه-عز وجل-لما خص الإنسان بالخلق والقرآن ~~بالتعليم دل على ذلك؛ وإلا لقال: خلق القرآن. # وأجاب الخصم بأن هذا لا يلزم؛ لأن الإخبار إنما تعلق بتعليم القرآن لا ~~بخلقه، والتعليم قد يتعلق بالمخلوق، بل ربما اختص تعلقه بالمخلوق نحو: ~~{ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} (113) [النساء: 113] كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون، وبالجملة فالاستدلال هاهنا بالمفهوم أو نحوه، وهو دليل لين. # {علمه البيان} (4) [الرحمن: 4] اعلم أن البيان قد قيل في حده: إنه إخراج ~~المعنى من حيز الخفاء إلى حيز التجلي، وقيل فيه غير ذلك، وأجود ما يقال ~~فيه: إنه/ [196 أ/م] إيضاح المعنى الخطابي، أو ما قام مقامه بحيث لا يخلق ~~سامعه لبس، ولا يحتاج في فهمه إلى تخمين وحدث، وربما استغنى عن هذا الأخير ~~وهو لا يحتاج إلى آخره. # وقولنا: ما قام مقامه يعني: كالكتابة، فإنها تقوم مقام الخطاب في ms543 البيان، ~~وكذا الإشارة ونحوها. # ويحتج به النحاة والمنطقيون على شرف علمهم؛ لأن كل واحد من النحو والمنطق ~~بيان، والبيان ممدوح في القرآن، فالنحو والمنطق ممدوحان في القرآن. # أما الأولى: فلأنه لا يشك من له أدنى فهم أن النحو والمنطق آلتان لإيضاح ~~المعاني. # ومن ثم سمي النحو علم «الإعراب»؛ لأن الإعراب البيان والمنطق آلة لبيان ~~صحيح الأدلة من فاسدها، ويوضح الحق من الباطل. # وأما الثانية: فلهذه الآية، إذ دلت على الامتنان على الإنسان بتعليم ~~البيان، ولا يقع الامتنان إلا بنعمة، وبما هو شريف ممدوح، وقد بسطت القول ~~في هذا/ [4017/ل] في كتاب «رفع الملام عن أهل المنطق والكلام». PageV01P614 # [الرحمن: 14 - 15] قد سبق نظيره في «الحجر»، وصح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «خلق الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما قص ~~عليكم» (1) أي: من تراب، ثم هو طين لازب ثم حمأ مسنون، ثم صلصال كالفخار، ~~كأنه صلى الله عليه وسلم أشار بعموم قوله: «ما قص عليكم» إلى هذه الأطوار، ~~ولو قال: من تراب أو طين لما استوعبها. # واعلم أن أكثر الفلاسفة والأطباء أنكروا وجود الجن على ما ورد به الشرع، ~~لأنه ورد بأنهم خلقوا من نار، والنار عنصر واحد، والجسم إنما يتقوم من ~~العناصر الأربعة بتفاعل كيفياتها بعضها في بعض، وذلك لا يمكن في العنصر ~~الواحد. # ورد عليهم بوجهين: # أحدهما: بما نبه الله-عز وجل-عليه في هذه الآية، وهو أنهم خلقوا من مارج ~~من نار، وهو النار المختلفة بالدخان كأنهما مزجا، أي: خلط أحدهما بالآخر، ~~وأنت ترى بين آخر لهيب النار وأول الدخان شيئا يجمع بين الحمرة والسواد ~~ولطافة النار وكثافة الدخان، كأنه مركب منهما، فذلك هو المارج، وليس ذلك ~~نارا صرفا بل خالطه لطيف العناصر الأربعة؛ لأن الدخان لطيف الوقود والوقود ~~جسم طبيعي مؤلف من العناصر الأربعة، فالدخان لطيف العناصر، وذلك يمكن تأليف ~~الجسم منه وإن كان لطيفا للطف مادته، ومن ثم كان للجن قوة النفوذ في بعض ~~الكثائف والطيران في الهواء والتشكيل/ [196 ب/م] بالأشكال ms544 المختلفة؛ لأن ~~الدخان كذلك، ألا تراه يخرج من مسام الجدران ويرتفع في الهواء شبيها ~~بالغمام، ويتشكل بالأشكال، تارة مستديرا، وتارة مستطيلا، وتارة مربعا، ومن ~~ثم كانوا أصبر على النار، وأقوى على علاجها وسياستها من البشر؛ لأنها ~~والدخان الذي هو من آثارها مادتهم، ألا ترى أن البشر لما غلبت عليهم ~~الطينية والمائية كانوا أصبر على الماء منهم على النار للمناسبة بينهما، ~~وقياس العكس يقتضي أن الجن أصبر على النار منهم على الماء للمضادة بينهما. # الوجه الثاني: أنهم من العناصر، غير أن الجزء الناري لما غلب عليهم، قيل: ~~خلقوا من نار؛ تغليبا له في الذكر تبعا للواقع في الحقيقة، كما قيل ~~للإنسان: خلق من تراب لغلبته عليه، وإن كان مخلوقا من العناصر. # [والشيخ علاء الدين بن النفيس من متأخري الفلاسفة رد في كتابه: «الشاهد» ~~على PageV01P615 # من أنكر وجود الجن]. # {رب المشرقين ورب المغربين} (17) [الرحمن: 17] اختلف في أي الجهتين أشرف ~~المشرق أو المغرب. # احتج المشارقة بوجوه: # أحدها: أن الله-عز وجل-لم يذكر الجهتين في موضع إلا قدم ذكر/ [408/ل] ~~المشرق نحو: {رب المشرقين ورب المغربين} (17) [الرحمن: 17]، و {فلا أقسم ~~برب المشارق والمغارب إنا لقادرون} (40) [المعارج: 40]، {قال رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} (28) [الشعراء: 28]، {ألم تر إلى الذي ~~حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ~~قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} (258) [البقرة: 258] ~~الأهم والأفضل وبدايتهم بالأشرف. # الوجه الثاني: أن الفضاء يكون مظلما بوجود الليل، فلا يضيء إلا بطلوع ~~الشمس من المشرق. # الوجه الثالث: أن أئمة الفقه الأربعة من المشرق؛ وأئمة الحديث الستة من ~~المشرق، وأئمة العربية والقراءات من أهل المصرين من المشرق. # الوجه الرابع: أن المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، والأرضين ~~الثلاث التي بورك فيها بنص القرآن وهى أرض مصر والشام وأرض الجزيرة كما ~~بيناه في سورة (قد أفلح) كل ذلك في أرض المشرق؛ لأن الناس ms545 اتفقوا على أن ~~أرض مصر حد ما بين المشرق والمغرب. فما كان من مصر إلى جهة مطلع الشمس فهو ~~مشرق يتناول اليمن والحجاز والشام والعراقين وما بعدها، والمصر في اللغة: ~~الحد، ولما ذكرنا سميت مصر مصرا، قال الشاعر: # وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا # أي: حدا بينهما/ [197 أ/م]. # واحتج المغاربة بوجوه: PageV01P616 # أحدها: أن الله-عز وجل-بدأ بالمغرب في سيرة ذي القرنين فقال-عز وجل-: # {فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} (86) ~~[الكهف: 85 - 86] ثم ذكر بعده المشرق. # وأجيب: بأن ذلك تبع للواقع، وهو أن ذا القرنين أول ما افتتح وغزا جهة ~~المغرب فوقع الخبر على وفق ذلك، ولا دلالة له على الشرف والفضيلة. # الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على ~~الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (1)، وفي رواية: «لا يزال أهل المغرب ~~ظاهرين» وهو يقتضي تفضيل المغرب. # وأجيب بأن الصحيح في ذلك في كتاب البخاري من رواية مالك بن يخامر السكسكي ~~عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وهم بالشام» (2) وهي ~~من حساب المشرق، وأما لفظ الغرب فلا يثبت، وإن ثبت فهو محمول على العرب وهم ~~أهل الغرب، أي: الدلو التي تسقى بها الإبل، وأكثرهم باليمن والشام ونجد ~~ونحوها. # الثالث: أن المغرب اختص بظهور الأهلة منه التي جعلت مواقيت للناس والحج، ~~وترمقها أبصار الناس دون المشرق؛ كما قال الفرزدق: # ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الخطب في الحدثان غالا # قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا # وأجيب بأنه معارض بأن القمر يبدو من المغرب ممحوقا لا يرى إلا بالمضارة، ~~وإنما يكمل/ [409/ل] بدرا بالمشرق حين يقابل الشمس، وبأن باب التوبة سعتها ~~أربعين عاما، ثم إنها تغلق بالمغرب. # الرابع: أن المهدي الذي يملأ الأرض عدلا يظهر من المغرب. # وأجيب بأن المشهور ms546 ظهوره من مكة أو اليمن أو العراق، ونسبة ظهوره إلى ~~المغرب ضعيفة جدا. # قالت المغاربة: نحن لا يظهر الدجال من عندنا، ولا يأجوج ومأجوج ولا سائر ~~الفتن، PageV01P617 # ولا أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلدنا وقال: «الفتنة من هاهنا» (1). # أجابت المشارقة بأن هذا عدول عن تقرير المناقب إلى التعريض بالمثالب فإن ~~لم يكن الأمر كذلك فيكفيكم أن الشمس التي هي آية النهار، إنما تغرب عندكم ~~فتظلم الأقطار، وتغلق باب التوبة من جهتكم فلا ينفع بعد ذلك توبة ولا ~~استغفار، {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو ~~كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون} (158) [الأنعام: 158]. # {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (22) [الرحمن: 22] / [197] قيل: من الملح ~~منهما دون الحلو، وقد بينا أن الصواب خلاف ذلك في فاطر. # {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (27) [الرحمن: 27] قيل: ذاته، وقيل: ~~صفة له، وقد سبق القول فيه في آخر الزمر. # {يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} (29) [الرحمن: 29] ينبغي ~~ألا يغفل عن هذه الموحدون، فلا يطلبون من غير الله-عز وجل-ولا يسألون، ومن ~~يسأله الملوك كيف يعرض عن سؤاله الصعلوك. # {يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} (29) [الرحمن: 29] ليس ~~هذا على جهة البداء، بل هو على جهة التصرف الأحق على وفق التقدير السابق. # {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} (37) [الرحمن: 37]، و {إذا ~~السماء انشقت} (1) [الانشقاق: 1] ونحوه يدل على أن الأجرام العلومية تقبل ~~الخرق والالتئام، خلافا للفلاسفة كما سبق. # {فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} (56) [الرحمن: 56] فيه ~~أن الجن يطمثون النساء، وربما أشعر هذا بأن مؤمنيهم في الجنة، وليست دلالته ~~بالقوية PageV01P618 # على ذلك، والنصوص وردت بأن عصاتهم في النار، أما أن مؤمنيهم في الجنة ~~فاختلف فيه؛ فقيل، نعم بالقياس على مؤمني الإنس بجامع الإيمان والطاعة، ~~وقيل: لا لعدم النص فيه، ومثله لا يثبت بالقياس، فعلى هذا قيل: ms547 يصيرون ~~ترابا أو يفنون بوجه من وجوه الفناء كالبهائم، وهو بعيد، والأشبه مشاركتهم ~~في الرضوان لمشاركتهم في الإيمان. # {فيهما فاكهة ونخل ورمان} (68) [الرحمن: 68] يحتج به على جواز عطف الخاص ~~على العام، وهو المثال المشهور فيه. # وقال بعض الفضلاء: ليس هذا من أمثلة ذلك؛ لأن شرطه أن يكون المعطوف عليه ~~عاما يتناول المعطوف بعمومه ثم يعطف بعد ذلك، تخصيصا له بالذكر كجبريل ~~وميكائيل عطف على عموم ملائكته، وليس هذا كذلك؛ لأن فاكهة نكرة في سياق ~~إثبات، فهي مطلق لا عام، فلم يتناول النخل والرمان/ [410/ل] حتى يكون ~~عطفهما عليها عطف خاص على عام، وهذا كلام صحيح وتحقيق جيد، غفل عنه أكثر ~~الناس، بل كل من رأينا كلامه فيه، وإنما نبه عليه الشيخ الإمام العالم ~~الفاضل شهاب الدين القرافي المالكي في بعض كتبه. # {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} (78) [الرحمن: 78] يحتج به من رأى أن ~~الاسم هو المسمى لأن التسبيح له لا لاسمه، فحيث أوقع التسبيح والتنزيه على ~~الاسم دل على أنه المسمى وقد سبق جوابه، ويحتمل أنه عبر عن المسمى باسمه ~~مجازا للعلاقة بينهما. # ... PageV01P619 ### | AUTO القول في سورة الواقعة # {وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون} (47) ~~[الواقعة: # 47] هذا إنكار منهم للبعث، وقد سبقت أدلته، والله-عز وجل-أجاب بإثباته ~~مراغمة لهم بقوله/ [198 أ/م]-عز وجل {قل إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون ~~إلى ميقات يوم معلوم} (50) [الواقعة: 49 - 50] ثم برهن عليه بقوله-عز وجل-: # {أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} (59) [الواقعة: ~~58 - 59] وهو احتجاج على الإعادة بالإبداء، أي: كما خلقكم نطفا ثم ما بعدها ~~من الأطوار حتى سواكم بشرا كذلك يعيدكم ثانيا، وفيه دليل على أن الخالق ~~للولد هو الله-عز وجل- لا أبواه، خلافا لمن ظن ذلك، ومما يدل عليه أن ~~الأبوين قد يريدان الولد فلا يوجد، وقد يكرهانه فيوجد، وكذلك صفاته تخالف ~~[إرادتهما]، ولو خلقاه لكان بحسب [إرادتهما] وجودا وصفة. # {نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون} (61) [الواقعة: 60 - 61] يحتج به التناسخية على ms548 ~~رأيهم في تنقل أرواح الحيوان بعضها في بعض لتكمل ثم تلحق بعالمها، واحتجوا ~~بوجهين: # أحدهما: أن القرآن ورد بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وصحت السنة ~~المبينة للقرآن أن «أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تعلق من شجر الجنة، ~~وتأوي إلى قناديل تحت العرش» (1) قالوا: ولا نعني بالتناسخ إلا هذا ولا ~~زدنا عليه، وهو انتقال روح حيوان إلى حيوان آخر. # الثاني: أن كتب كالكتب الاثني عشر وتواريخ المتأخرين كتاريخ ابن عساكر ~~تضمنت أن بختنصر البابلي بقي منتقلا في أنواع الحيوان سبعا ثم فرسا ثم ~~جارحا وغير ذلك سبع سنين ثم أعيد إنسانا، وكان يخلفه في الملك في مدة نسخ ~~روحه دانيال النبي، وكان من جملة أسراه الذين أسرهم من بيت المقدس، قالوا: ~~وهذا حقيقة النسخ. # وأجيب عن الأول بأنه نسخ أمد والذي تدعونه أنتم نسخ أبد. PageV01P620 # وبيانه أن الله-عز وجل-أراد إكرام الشهداء، فعلق أرواحهم بأبدان طير ~~يتنعمون/ [411/ل] بواسطتها إلى حين البعث، ثم تعاد أرواحهم إلى أجسادهم ~~الأصلية، وأنتم تثبتون تناسخكم أبدا معطلا للبعث والمعاد، فأحد النسخين غير الآخر. # وعن الثاني بأن كتب الأولين وتاريخ المتأخرين لا يعتمد عليها في مثل هذه ~~المطالب المهمة، ولئن سلم فذلك في حق بختنصر مسخ لا نسخ، مسخ في تلك ~~الأطوار ليحدث له بذلك اعتبار، والفرق بينهما أن المسخ قلب الصورة مع بقاء ~~النفس والمادة بحالهما، كقلب الإنسان قردا أو خنزيرا، والنسخ نقل النفس عن ~~هيكلها إلى هيكل آخر، وهو فرق واضح، والمسخ ثبت في الشرع في بني إسرائيل. # والنسخ لم يثبت إلا في أرواح الشهداء على ما زعمتم وألزمتم، وهو أمدي لا أبدي. # {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} (62) [الواقعة: 62] احتجاج على ~~الإعادة بالإبداء كما سبق/ [198 ب/م] آنفا. # {أفرأيتم ما تحرثون} (63) [الواقعة: 63] يحتمل على أنه احتجاج على البعث ~~بقياس إحياء الأرض بالزرع؛ لأن إنكار البعث قد تقدم من الكفار آنفا، ويحتمل ~~غير ذلك كالامتنان عليهم. # {فلولا إذا بلغت الحلقوم} (83) [الواقعة: 83] إلى {ونحن أقرب إليه منكم ~~ولكن لا تبصرون} (85) [الواقعة: 85] يحتج به الاتحادية ms549 كما مر، [ومعناه عند ~~الجمهور]: نحن أقرب إليه منكم بقدرتنا ورسلنا وعلمنا ونحو ذلك. # ... PageV01P621 ### | AUTO القول في سورة الحديد # {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} (1) [الحديد: 1] هو ~~ونظائره كقوله عز وجل: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} (44) ~~[الإسراء: 44]، {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (41) [النور: 41]، ~~{له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير} (2) [الحديد: 2] ~~إسناد للإحياء والإماتة إلى القدرة، وأما توجيهه عقلا، فإن الروح عالم لطيف ~~يقال: إن الملائكة لا ترى الروح كما أنا نحن لا نرى الملائكة، فذلك العالم ~~اللطيف إذا شابك هذا العالم الجسماني الكثيف حركه وصرفه فعد حيا، وإذا ~~فارقه عد ميتا، وإذا لم يحله ابتداء سمي مواتا، {ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (85) [الإسراء: 85]. # {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (3) [الحديد: 3] أي ~~هو الأزلي الأبدي، فالأول هو الذي لم يسبق وجوده عدمه، والآخر من لم يلحق ~~وجوده عدمه. # {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (3) [الحديد: 3] هو ~~عند الجمهور ظاهر آثاره الدالة عليه، باطن بذاته إذ لا يصل الحسن ولا الوهم ~~إليه، وعند الاتحادية هو باطن ظاهر بحسب الأطوار والمظاهر، فإذا تطور ظهر، ~~وإذا لم يتطور بطن، أو هو ظاهر بحسب تحريكه للعالم، باطن بحسب سريانه في ~~الوجود سريان الماء في العود. # {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (3) [الحديد: 3] ~~استدل به الجمهور على أن ظهوره/ [412/ل] وبطونه بحسب آثاره وعلمه. # والاتحادية على أنهما بحسب ذاته السارية في العالم، ولذلك علم كل شيء ~~لتخلله الأشياء بذاته، وهكذا الخلاف في قوله-عز وجل-: {هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها} PageV01P622 # {وما ينزل من السماء ms550 وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما ~~تعملون بصير} (4) [الحديد: 4] {وهو معكم} بذاته عندهم، وبعلمه عند الجمهور. # {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير} (10) [الحديد: 10] ~~احتج بها الجمهور على أن أبا بكر أفضل من علي؛ لأن أبا بكر كان موسرا ~~مثريا، فأنفق وقاتل قبل الفتح، [وكان علي] فقيرا لا مال له ينفقه قبل ~~الفتح، وإنما حصل له القتال فقط. ففاز أبو بكر عليه بمجموع الوصفين، ولم ~~يحصل لعلي إلا أحدهما. # واعترضت الشيعة بأن قالوا: لا نسلم أن أبا بكر كان موسرا، والمنقول عندنا ~~خلاف ذلك، سلمناه لكن لا نسلم أنه أنفق شيئا لا قبل الفتح ولا بعده، سلمناه ~~لكن لا نسلم أن عليا فقيرا، لأنه نهض في المغازي والحروب مع/ [199 أ/م] ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل الناس، ولم يزل يغنم ويفاء عليه وينفل، ~~وقال: كنت إذا سألت النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني، وإذا تركت ابتدأني، ~~وقد كان له سهم من تلك الغنائم والأنفال، وهي كثيرة جدا وبدون ذلك يثرى ~~المثري، وكيف وقد روي عن علي أنه قال: إن زكاة مالي اليوم أربعون ألفا، ~~رواه أحمد في المسند، وهذا يقتضي أن ماله بلغ ألف وستمائة ألف لا تنافي ~~زهده في الدنيا؛ لأن الزهد راجع إلى احتقار الدنيا وعدم الاكتراث والاحتفال ~~وتعلق الهمة بها، وكانا ملكين، وملك سليمان الدنيا، فمن زعم والحالة هذه أن ~~عليا كان فقيرا، قد كابر. # غاية ما في هذا الباب أنه كان يؤثر بماله، فيمر عليه الوقت [بعد الوقت] ~~ولا شيء له، ثم يفتح عليه عن قريب، وكانت ثروته بعد [تزوجه بفاطمة] فلا ~~ينافيها دفعه لها درعه الحطيمة مهرا، سلمنا أنه كان فقيرا فلم ينفق قبل ~~الفتح لكن ما ذكرتموه يقتضي أن ما بعده في الفضيلة [عندكم من العشرة] ~~وغيرهم ممن ms551 كان موسرا فأنفق وقاتل قبل الفتح أفضل منه كطلحة والزبير وعبد ~~الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، كلهم كانوا موسرين، وكلهم أنفق ~~وقاتل قبل الفتح، فيلزمكم أنهم أفضل من علي لما عللتم به، وهو خلاف مذهبكم، ~~ثم ذكرتموه لو دل لكان معارضا بقوله-عز وجل-: {لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} PageV01P623 # فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله ~~الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) [النساء: 95] / ~~[413/ل] وهو يقتضي أن الأكثر جهادا أفضل ولا يشك منصف عالم أن عليا كان ~~أكثر جهادا من أبي بكر وأحسن أثرا فيه، وأشهر أياما، وأكثر قتلى مشهورين ~~وغيرهم، فيكون أفضل بهذا الاعتبار. # والكلام في هذه المسألة من الطرفين طويل، وهذا حظ هذه الآية منه. # {اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} ~~(17) [الحديد: 17] لعل هذا دليل على قوله-عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ~~ويميت والله بما تعملون بصير} (156) [آل عمران: 156] في أول السورة، إذ لم ~~يذكر دليله هناك، وهو الدليل المشهور بالقياس على إحياء الأرض. # {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} (21) ~~[الحديد: 21] يحتج به على أن الجنة موجودة قبل الساعة خلافا للمعتزلة، وقد ~~سبقت المسألة في أوائل البقرة. # {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} (21) ~~[الحديد: 21] يدل على أن دخول الجنة بالفضل المحض، وهو على ضربين: # أحدهما: من يتفضل الله-عز وجل-عليه بدخولها بمجرد السابقة من غير عمل/ ~~[199 ب/م] أصلا. # والثاني: من يتفضل عليه بالتوفيق لعمل صالح، ثم يرتب له ms552 على ذلك دخول ~~الجنة، وفى أيهما أفضل خلاف متجه، وجه تفضيل الأول أنه فقير محض وضيف ~~للكريم محض، ليس له سبب يشركه مع كرم الكريم، بخلاف صاحب العمل؛ فإنه ربما ~~عرض له عمله مع PageV01P624 # الكرم فيكون نقضا في الرتبة؛ ولأن نسبة الأول إلى الثاني نسبة الضيف ~~المحض إلى صاحب الهدية، والكريم أشد عناية بضيفه المحض من غيره. # ووجه تفضيل الثاني انه امتثل الأوامر وقام في خدمة الآمر، فكان أفضل من ~~البطال القاعد والكسلان المتقاعد، ولا نسلم أن مثل هذا يرى عمله مع الكرم، ~~لأن الحق سبحانه أول ما يوفق من يتفضل عليه للمعرفة والتبصير بآفات ~~الأعمال، فلا يرى غير كرم ذي الجلال، وأما صاحب الهدية فهو ضيف خاص فهو ~~أفضل من الضيف المجرد، وأوفر حظا من العناية به. # {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير} (22) [الحديد: 22] إلى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} (23) [الحديد: 23] هي ~~عظيمة النفع لمن تأملها في التعزية عن المصائب ولحوق المكاره، وتنبني على ~~ذلك مقدمات: # الأولى: أنه-عز وجل-أزلي العلم. # الثانية: أنه-عز وجل-عام العلم بما كان وما يكون، وما هو كائن من كليات ~~العالم وجزئياته. # الثالثة: أن ما سواه-عز وجل-ممكن لذاته. # الرابعة: أن الممكن لذاته قد يكون حالا لغيره، بأن يتعلق العلم الأزلي ~~بوقوعه، فيجب أو بعدمه فيمتنع. # إذا ثبتت هذه المقدمات فالعارف بها يعلم أن مصائبه واجبة الوقوع، وكل ~~واجب الوقوع لا ينبغي أن يحزن لوقوعه كالممتنعات، ألا ترى أن العاقل لا ~~يحزن لكون الجبل لم ينقلب له ذهبا، أو ماء البحر لبنا أو عسلا، أو أحجار ~~الجبال كتبا نافعة ونحو ذلك لعلمه بامتناع ذلك عادة، فكذلك ينبغي ألا يحزن/ ~~[414/ل] لمصيبة أو مكروه لحقه، لأن عدم وقوع ذلك كان ممتنعا. # واعلم أن الإنسان بين خير يرجوه أو شر يتوقعه، وكل واحد منهما إما أن ~~يحصل أو يفوت، فهي أربعة، فما كان من ms553 ذلك واجب الحصول فهو ممتنع الفوات، ~~وما كان ممتنع الحصول فهو واجب الفوات، والممتنع لا ينبغي أن يحزن على ~~فواته، والواجب لا يفرح بحصوله، إذ لا بد منه، فالحزن أو الفرح المتعلق به ~~تحصيل الحاصل، وما كان ممكن الحصول والفوات لذاته فهو يرجع إلى أن يكون ~~واجب الحصول أو ممتنعه لغيره، فتخلص PageV01P625 # أن الإنسان دائر بين أمر واجب الحصول من خير أو شر، وأمر ممتنع الحصول من ~~خير أو شر، وكلاهما لا يليق الحزن عليه ولا/ [200 أ/م] الفرح به، اللهم إلا ~~أن يتعلق بالحزن أو الفرح استدعاء شرعي فيكون ذلك من باب القربة التكليفية، ~~وعند هذا يظهر سر قوله- صلى الله عليه وسلم- «لا يؤمن أحدكم» أو «لا يكمل ~~إيمانه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (1). # {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} (25) [الحديد: 25] إشارة إلى أن كتاب ~~الشريعة، وسيف السياسة رضيعا لبان وفرسا رهان، لا يستغني أحدهما عن الآخر، ~~فكتاب بلا سيف كال، وسيف بلا كتاب ضال، ويستدل على نفوذ أحكام البغاة ~~والخوارج والأئمة الفجرة ونحوهم، لأن الحكم الشرعي المرشد والسيف السياسي ~~المنفذ إذا اجتمعا وجب نفوذ الحكم في طريقه، فلا وجه لتعويقه. # {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون} (27) [الحديد: 27] احتج به أبو حنيفة على أن ~~النفل يلزم بالشروع؛ لأنه- عز وجل-ذم أتباع المسيح على تركهم رعاية ما ~~شرعوا فيه مما لم يكتب عليهم، وهو عين لزوم النفل بالشروع. # وهذا استنباط حسن، ولذلك ذكرناه وإن لم يكن [من موضوع] هذا التعليق، لكن ~~إنما يتم الاستدلال به بعد ثبوت مقدمتين: # إحداهما: أن الاستثناء في {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ms554 ابن ~~مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ما} PageV01P626 # {كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} (27) [الحديد: 27] منقطع وهو خلاف ~~الأصل، وإذا ثبت أنه متصل، اقتضى أنها بعد ابتداعهم إياها عقدا كتبت ابتغاء ~~رضوان الله-عز وجل-ثم شرعوا فيها فعلا، وحينئذ يكون ذمهم على ترك رعايتها ~~ذما على ترك واجب شرعوا فيه ثم أهملوه، لا على نفل شرعوا فيه كذلك. # الثانية: أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن ما ذكره تقريع على ذلك، فإن لم ~~تثبت هذه المقدمة جاز أن يكون ذلك حكم شرعهم دون شرعنا، فلا يلزمنا حكم ~~شرعهم، ولا التأسي بهم. # ... PageV01P627 ### | AUTO القول في سورة المجادلة # {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير} (1) [المجادلة: 1] فيه إثبات صفة السمع ووقوعه ~~بالفعل من الله- عز وجل-وقد سبق. # {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل ~~شيء شهيد} (6) [المجادلة: 6] فيه ضبط الأعمال وحفظها والمقابلة عليها. # {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} ~~(7) [المجادلة: 7]، معناه بعلمه لاكتناف ذكر العلم ما قبل ذلك وبعده، ~~[وبذاته السارية في الوجود عند الاتحادية/ [200 ب]. # {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير} (11) [المجادلة: 11] قد يحتج به على ~~استواء الإيمان والعلم في حصول الدرجات؛ لترتب حصولها على كل واحد منهما، ~~وذلك فيما إذا فرض مؤمن ضعيف العلم، وعالم ضعيف الإيمان بعد اشتراكهما في ~~أصل الإيمان، فيكونان متساويين، وفيه نظر. أما مؤمن غير عالم، ms555 وعالم غير ~~مؤمن أصلا، فلا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، والمؤمن ناج والعالم هاهنا هالك. # {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} (12) [المجادلة: 12] نسخت ~~بالتي بعدها إلى غير بدل، ويحتج به على أن النسخ ليس من شرطه المنسوخ إليه ~~وهو البدل، وهو قد سبق تعلق الشيعة بها في أنه لم يعمل بهذه الآية إلا علي، ~~وأنه دليل على أنه كان أشدهم طلبا للعلم، وأكثرهم تحصيلا منه. PageV01P628 # الشيطان هم الخاسرون (19) [المجادلة: 19] أي: بوسوسته، وخالق النسيان ~~فيهم هو الله -عز وجل-وهم كاسبوه. # {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} (22) ~~[المجادلة: # 22] فيه أن مودة العصاة حرام، ثم إن كانت مودة فاسق لفسقه فهي فسق أو ~~كافر لكفره فهي كفر، أما ودهما لسبب آخر دنيوي أو صفة أو خلق حسن كعلم ~~يكتسب منهما، أو سخاء أو شجاعة فيهما فيرجى عفو الله-عز وجل-عن ذلك، وأن لا ~~يؤاخذ، ويكون عموم الآية مخصوصا بهذا. # {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} (22) [المجادلة: 22] أي: أثبته ورسمه في ~~قلوبهم ثبوت الكتابة ورسمها في المكتوب فيه، ويحتمل أن المراد: أوجبت في ~~قلوبهم خلق الإيمان، وكتب يكون بمعنى أوجب نحو: {يا أيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (183) [البقرة: 183] ~~ونحوه، والمعنى أن قوة إيمانهم أوجبت لهم إيثار الله-عز وجل-على غيره حتى ~~أقرب أقاربهم، فأبغضوا في الله- عز وجل-وأحبوا في الله-عز وجل-ومن فعل ذلك ~~فقد استكمل الإيمان. # {وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} (22) ~~[المجادلة: # 22] أي قواهم بإعانة وعناية منه، ms556 وقيل: الأرواح أربعة: روح الحياة مشتركة ~~بين جميع الحيوان، وروح الإيمان يختص به المؤمن على الكافر، وروح الولاية، ~~وروح النبوة كل مختص بروح ومؤيديه، ومنه: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا ~~من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما ~~جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} (87) ~~[البقرة: 87] فإذا زنى المؤمن أو سرق خرج منه روح الإيمان، فكان عليه ~~كالظلة، فإذا/ [416/ل] أقلع عاد PageV01P629 # إليه، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن» (1) الحديث؛ لأن بخروج روح الإيمان عنه/ [201 أ/م] خرج عن وصف ~~الإيمان الكامل، فيرجع حاصله إلى أنه لا يزني وهو كامل الإيمان، وإلا فلو ~~قتله حال الزنا أفضل المؤمنين أقيد به، ولو خرج بالزنا عن الإيمان بالكلية ~~لما كان كذلك. # ... PageV01P630 ### | AUTO القول في سورة الحشر # {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم ~~أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار} (2) [الحشر: 2] أي: أتاهم بأسه وأمره، عند ~~الجمهور، وأتاهم بذاته عند الاتحادية؛ لأنه سار فيهم بذاته، فلما غضب عليهم ~~ظهر لهم بمظهر البأس والغضب فأهلكهم، والصواب أنه حرك عليهم جنده بخلق ~~دواعي الجهاد في قلوبهم فأهلكوهم، وقذف في قلوبهم الرعب ما خلق فيها من ~~الأسباب الموجبة لذلك. # {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم ~~أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار} (2) [الحشر: 2] احتج مثبتو القياس بهذه الآية، ~~وتقريره أن الاعتبار مأمور به والقياس اعتبار، فالقياس مأمور به، أما ~~الأولى فلهذه الآية {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ms557 فأتاهم ~~الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} (2) [الحشر: 2] وأما الثانية: [فإن ~~القياس عبور] بالحكم من الأصل إلى الفرع، كما أن الاعتبار عبور بالنظر من ~~حال الحاضر إلى حال الغائب، فصح أن القياس اعتبار وثبت أن القياس مأمور به، ~~وإن شئت قلت: القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به، والتقرير كما سبق. وهذا ~~أجود؛ لأنه من الشكل الأول، واعترض عليه بوجوه: # أحدها: لا نسلم أن القياس اعتبار؛ لأنه إن أريد ذلك لغة فالقياس في اللغة ~~إنما هو التقدير نحو: قست الثوب بالذراع، أي: قدرته، وإن أريد اصطلاحا فهو ~~في الاصطلاح: # حمل معلوم على معلوم، أو إلحاق غير المنصوص به بجامع مشترك، ولقائل أن ~~يقول: الحلم والإلحاق هو معنى الاعتبار. # الثاني: قولكم: الاعتبار مأمور به، إن عنيتم بعض الاعتبار صارت كبرى ~~قياسكم جزئية PageV01P631 # فلم تنتج وهو ظاهر، وإن عنيتم أن كل اعتبار مأمور به لم نسلم هذه الكلية؛ ~~لأن قوله-عز وجل- {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله ~~من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} (2) [الحشر: 2] ليس بعام، بل هو مطلق ~~لا عموم له، فلا يقتضي عموم الأمر بالاعتبار، إنما يقتضي الأمر باعتبار ما، ~~وذلك لا يلزم منه الأمر بالقياس. # الثالث: أن سياق الآية لا يقتضي إثبات القياس؛ إذ قوله-عز وجل-: {هو الذي ~~أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} (2) [الحشر: 2] لا يناسب: فقيسوا السمسم على البر في منع التفاضل ~~في البيع، وإذ لم يكن الكلام منتظما لم يجز نسبته إلى القرآن. # الرابع: لو دلت هذه الآية على القياس/ [417/ل]، [201 ب/م] لدل قوله-عز ms558 ~~وجل-: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار} (13) [آل عمران: 13] عليه وما في معناه، وهو بعيد لتوغله في ~~العموم، فلا يدل على القياس إلا على بعد. # الخامس: ما ذكرتموه من الدليل لو دل لكان عندنا ما يعارضه، وهو أن القياس ~~إنما يفيد الظن، والظن لا يجوز اتباعه في أحكام الله-عز وجل-ولأنا مأمورون ~~عند التنازع والاختلاف بالرجوع إلى الله-عز وجل-ورسوله، والقياس ليس كذلك، ~~وقد سبقت هذه المعارضة وجوابها. # واعلم أن القياس في الفروع دليل قوي جيد، غير أن هذه الآية لا تدل عليه ~~إلا دلالة ضعيفة من وراء وراء. PageV01P632 # فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) ~~[الحشر: 7] هذا عام مطرد إلا ما خص منه بنسخ أو غيره، وهو أصل كبير وقاعدته ~~كلية في استخراج الأحكام من الكتاب بواسطة السنة، وهو مقدمة كبرى في كل ~~قياس حكم أردنا إثباته بأن نقول: هذا الحكم آتاناه الرسول، وكل ما كان كذلك ~~لزمنا الأخذ به، أو هذا الحكم نهانا عنه الرسول، وكل ما كان كذلك لزمنا ~~اجتنابه، ومتى ثبتت الصغرى بالسنة أو نحوها فالكبرى ثابتة بهذه الآية، ~~مثاله أن نقول: إفراد الإقامة، وصحة الصوم مع الأكل ناسيا، وجواز الخروج من ~~النوافل بعد الشروع فيها-أحكام آتاناها الرسول؛ وكل ما آتاناه الرسول نحن ~~مأمورون بالأخذ به، فهذه الأحكام نحن مأمورون بالأخذ به، وكذلك نقول: بيع ~~الغرور وبيع الكلب والسنور نهانا عنه الرسول [وكل ما نهانا عنه الرسول] ~~لزمنا الانتهاء عنه، فهذه البيوع يلزمنا الانتهاء عنها، وتقرير الصغرى ~~بالأحاديث الواردة فيها، وقد اعتمد السلف على هذه القاعدة في استخراج ~~الأحكام، فلما لعن ابن مسعود النامصة نحوها، أنكرت عليه أم يعقوب-امرأة من ~~الأنصار- وقالت: «قد قرأت ما بين الدفتين فلم أجد لعنة من لعنت، فقال: إن ~~كنت قرأته فقد وجدته، ألم تسمعي قول الله-عز وجل-: {وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا ms559 الله إن الله شديد العقاب} (7) [الحشر: 7]؟ ~~ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن النامصة والمتنمصة [والواشرة ~~والمستوشرة] المغيرات لخلق الله-عز وجل-أو كما قال، ونظم قياسه هكذا: لعن ~~هذه جاء به الرسول، وكل ما جاء به الرسول شرع الأخذ به، فلعن هذه شرع الأخذ ~~به، وكذلك حكي عن الشافعي-رضي الله عنه-أنه جلس في المسجد/ [202 أ/م] يفتي ~~وقال: لا تسألونني عن شيء إلا جئتكم/ [418/ل] به من كتاب الله-عز وجل؟ فقال ~~الشافعي [: قال الله عز وجل]: {وما آتاكم} [الحشر: 7]، ثم روى بإسناده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» (1) ~~منها الحية والعقرب، والزنبور مثلهما فيقتل ولا شيء فيه، وهذا دليل مركب من ~~نص كتاب وسنة وقياس، وشبيه بهذا الدليل في كليته وعمومه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «من PageV01P633 # عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) إذ هو مقدمة كبرى في كل حكم أردنا ~~إبطاله، بأن يقال: هذا الفعل أو هذا الحكم عمل ليس عليه أمر الشرع، وكل ما ~~ليس عليه أمر الشرع فهو مردود، فهذا الفعل مردود. ومثاله الوضوء غير ~~المنوي، والنكاح بلا ولي، وبيع الغائب والفضولي، كل واحد منها ليس عليه حكم ~~الشرع فيكون مردودا، ويحتاج أيضا إلى تقرير الصغرى بدليلها، والكبرى ثابتة ~~بهذا الحديث، ثم الحديث راجع إلى مادة الآية المذكورة؛ إذ معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، «ما أتيتكم فخذوه ~~وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» كما صرح به في حديث آخر. # {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (8) [الحشر: 8] إلى: # {والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم} (10) ~~[الحشر: # 10] استدل به مالك على كفر الرافضة، ووجه أن {للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون} (8) [الحشر: ms560 8] متعلق بقوله-عز وجل-: {ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (7) [الحشر: 7] ثم ~~قال-عز وجل- {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (8) [الحشر: ~~8] وعطف عليهم: # {والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} (9) [الحشر: 9] وهم الأنصار، ثم عطف {والذين جاؤ ~~من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا} PageV01P634 # {بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم} (10) ~~[الحشر: # 10] بشرط أن يستغفروا لمن قبلهم من إخوانهم السابقين لهم بالإيمان، ~~والرافضة خارجون عن الأصناف الثلاثة، فليس القوم مهاجرين ولا أنصارا ولا ~~مستغفرين لمن سبقهم بالإيمان، بل يسبون السلف ويبغضونهم، فإذن لا حظ لهم في ~~الفيء، وكل من لا حظ له في الفيء كافر، إذ الفيء حق المسلمين، فمن لا حق له ~~فيه ليس بمسلم، وأجابت الشيعة [لعنهم الله] بأن (للفقراء) لو كان متعلقا ~~بما أفاء الله لكان بدلا منه، ولو كان بدلا منه لزم صرف الفيء عن الجهات ~~الست المنصوص عليها في المبدل منه إلى عموم الثلاث المذكورة في البدل، وهم ~~المهاجرون والأنصار/ [202 ب/م] والتابعون لهم لا غير، وإنه باطل، إذ فيه ~~إسقاط خصوص تلك الجهات الست فيبقي ذكرها/ [419 ل] لغوا، ولأن ظاهر الآيات ~~يختص بقوم ماضين وهم: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) ~~والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر ms561 لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤف رحيم} (10) [الحشر: 8 - 10] فلا يتناول من يتجدد، ثم حاصل نظم ~~الدليل المذكور أن المذكور أن الرافضة لا حظ لهم في الفيء، وكل من لا حظ له ~~في الفيء كافر، والأولى ممنوعة، لأن الله-عز وجل-أضاف الفيء إلى ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهو يتناول الرافضة كغيرهم، فهذه الدعوى ~~على خلاف القرآن، فلا تسمع. # والثانية: باطلة بعبيد المسلمين، إذ لاحظ لهم في الفيء وليسوا كفارا، ~~وإذا تقرر هذا الجواب، وجب حمل قوله-عز وجل-: {للفقراء المهاجرين} الآيات، ~~على مدح مستن أنف لهذه الفرق غير متعلق بما قبله، نحو: {للفقراء المهاجرين} ~~صفة الصدق بدليل آخر الآية، أو غيره من التأويل (1). PageV01P635 # {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} (13) ~~[الحشر: 13]، تدل على أن من خاف غير الله-عز وجل-فليس بفقيه بل هو جاهل؛ ~~لأن الخوف إنما يكون من شر أو ضرر يلحق والله-عز وجل-هو خالق كل شيء، شر ~~وخير ونفع وضر، لا يكون شيء من ذلك إلا بإذنه، فمن خاف معه غيره فتوحيده ~~مدخول، وإنما يطرأ ذلك على الإنسان لنقص في توحيده أو غلبة من طبعه عليه. # {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} (20) ~~[الحشر: 20] ذهب قوم إلى أن هذا يقتضي عموم نفي المساواة بين الفريقين من ~~كل وجه، حتى أدرجه تحته أن الذمي لا يكافئ المسلم ليقتل به. وذهب آخرون إلى ~~أنه لا يقتضي العموم، وقد انتفت المساواة بينهما في أحكام كثيرة، ولا دليل ~~على عدم التساوي بين المسلم والذمي في القصاص حتى تندرج تحت نفي التسوية ~~المستفاد من الآية، فيقتل المسلم بالذمي لثبوت المكافأة بينهما بدليل ~~منفصل، وهو ما سبق في البقرة. # حاصل الأمر أن نفي التسوية في هذه الآية عام، فيتناول نفي التسوية بينهما ~~في القصاص، أو مطلق فلا يتناول، والظاهر أنه عام؛ لأن قولنا: لا يستوي فلان ~~وفلان، معناه: لا استواء بينهما؛ إذ الفعل يدل على المصدر، وهو الاستواء، ms562 ~~فهو نكرة في سياق نفي فتعم، والخصم يقول: إن قولنا: لا يستوي فلان وفلان- ~~أعم من أن يكون من كل جهة، أو من جهة خاصة، بدليل قبوله للاستفسار ~~والتقسيم/ [203 أ/م] بأن يقال: هل هما لا يستويان مطلقا أو من بعض الجهات، ~~وان يقال: إذا كانا لا يستويان فلا يخلو إما ألا يستويا من كل جهة أو من ~~بعض الجهات دون بعض؟ ولو اقتضى عموم نفي المساواة بينهما لما قيل ذلك. # وقد رجع/ [420/ل] الخلاف إلى أن صيغة لا يستويان هل تقتضي عموم نفي ~~التسوية أو نفي عموم التسوية، والفرق واضح بين عموم السلب وسلب العموم، ~~فعموم سلب الحقيقة يمنع ثبوت شيء من أفرادها، وسلب عموم الحقيقة لا يمنع ~~ثبوت بعض أفرادها، وقد ظهر ذلك في قوله: # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع # برفع كله على عموم السلب وبنصبه على سلب العموم، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث ذي اليدين: «كل ذلك لم يكن» (1) برفع كل لا غير على عموم ~~السلب؛ لأنه أراد نفي PageV01P636 # النسيان وقصر الصلاة جميعا، وقول الشاعر: # . . . ... وما كل من وافى منى وأنا عارف # على سلب العموم، والفرق بينهما من جهة التركيب أن العموم والسلب أيهما ~~تقدم لفظه أضفته إلى الآخر، فإن تقدم لفظ العموم على أداة السلب، فهو عموم ~~السلب كما في الحديث، وإن تقدم لفظ السلب فهو سلب العموم كالبيت الأخير، ~~وأما البيت الأول فيحتلهما، بناء على أن تقديره: كله لم أصنعه أو لم أصنع ~~كله؛ فعلى الأول: هو عموم سلب الصنع، وعلى الثاني: هو سلب عموم الصنع وعلى ~~هذا التقدير ربما ظن أن لا يستوي كذا وكذا من باب سلب العموم لتقدم حرف ~~السلب، وليس كذلك، والفرق بينهما أن سلب العموم شرطه أن يدخل حرف السلب على ~~لفظ عام تحته متعدد، فإذا سلب عمومه بقي الحكم في بعض أفراده، نحو: لم أضرب ~~كل الرجال بخلاف لا يستويان؛ فطن حرف السلب دخل في المعنى على ماهية ~~الاستواء فنفاها، الماهية من حيث ms563 هي هي لا تعدد فيها ولا اتحاد فلم يبق بعد ~~سلبها شيء يثبت له الحكم، فلهذا قلنا: إن صيغة لا يستوي كذا وكذا، من باب ~~عموم السلب لا سلب العموم، وهذا بحث استطردناه بديهة فلك النظر فيه. # {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} (21) [الحشر: 21] هذا خرج مخرج ~~المبالغة في تعظيم القرآن وغفلة الكفار عنه، أي أن هذا القرآن عظيم تتصدع ~~لسماعه الجبال، وأنتم عنه غافلون، فهو كقوله-عز وجل-: {أنتم عنه معرضون} ~~(68) [ص: 68]. # {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون} (74) / [203 ب/م]) [البقرة: 74] هذا ~~مع إمكان خشوع الجبال وتصدعها من خشية الله-عز وجل-إذا اقترنت بها إرادة ~~ذلك، ويشهد لذلك وقوعه {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر ~~إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين} (143) [الأعراف: 143]. # ... PageV01P637 ### | AUTO القول في سورة الممتحنة # {* عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله ~~غفور رحيم} (7) [الممتحنة: 7] هذا بتقليب القلوب بما يخلق فيها من دواعي ~~الصلح والمودة والصوارف عن البغضاء والعداوة. # {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن ~~أجورهن} [الممتحنة: 10] يحتج به على أن الظن نوع علم؛ لأن الامتحان إنما ~~يفيد الظن وقد سمي علما بدليل {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ms564 وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم ~~وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} (10) ~~[الممتحنة: 10]. # وجوابه أنه-عز وجل-أطلق العلم على الظن مجازا، وقد سبق نظيراه في «سبحان» ~~و «يوسف». # {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور} (13) [الممتحنة: 13]، فيه النهي عن موالاة ~~الكفار وكل مغضوب عليه، وأن الكفار آيسون من الآخرة لا حظ لهم فيها، وأنهم ~~آيسون من الموتى لإنكارهم البعث، بخلاف المؤمنين فإنهم يرجون التلاقي في ~~الآخرة، كما حكي عن الشيخ أبي الوفاء بن عقيل البغدادي أنه مات له ولد فوجد ~~عليه، فقال في أثناء وجده عليه: لولا رجاء التلاقي في الآخرة لتصدعت قلوب ~~المحبين عند فراق أحبتهم، أو كما قال. # ... PageV01P638 ### | AUTO القول في سورة الصف # {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (3) [الصف: 3] فيه أن خلف ~~الوعد ونقض العهد والتفريط فيما التزم من حقوق الإيمان من الكبائر؛ لأن ~~الله-عز وجل -جعل ذلك مقتا كبيرا والمقت أشد البغض، وقد نزل ذلك منزل نكاح ~~زوجة الأب، والجدال في آيات الله-عز وجل-بغير سلطان، إذ وصفهما بالمقت. # {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم ~~بالبينات قالوا هذا سحر مبين} (6) [الصف: 6] فيه إثبات رسالة المسيح ~~وشهادته وبشراه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا موجود في فصل ~~الفارقليط من إنجيل يوحنا، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بصفاته [على ما ~~قررناه هناك]. # ... PageV01P639 ### | AUTO القول في سورة الجمعة # {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (2) [الجمعة: 2] الأمي ~~الذي لا يحسن الكتابة، نسب إلى الحالة التي ولدته عليها أمه، وقيل: إلى ~~غالب أمة الناس، لأنهم كذلك، وفيه شهادة للنبي صلى الله عليه ms565 وسلم بأنه كان ~~أميا تحقيقا لمعجزة الفرقان، ردا على من يتوهم أنه كان كاتبا، وإنما/ [204 ~~أ/م] كتم أمره، وقد أكد ذلك تسليم أعدائه كونه أميا، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» (1). # {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين} (5) / [422/ل] ~~[الجمعة: 5] أي: لم يقوموا بما فيها تكلفا {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين} (5) [الجمعة: 5] يدل على أن مقصود العلم ~~العمل، وأن العلم بلا عمل بلادة وجهل. # {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} (7) [الجمعة: ~~7] سبق في البقرة. # {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (8) [الجمعة: 8] أي: لا محيص لكم عنه، ~~ولات حين مناص منه؛ لأنه إما طبيعي يضعف القوة عن إخلاف ما يتحلل من البدن، ~~أو عرضي بقتل أو غرق أو هدم أو طاعون ونحوه من الأسباب، فمن تخطاه العرضي ~~تلقاه الطبيعي، والجميع بتقدير العزيز العليم سبحانه وتعالى. # ... PageV01P640 ### | AUTO القول في سورة المنافقين # {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} (1) [المنافقون: 1] أي في دعواهم اعتقاد ~~رسالتك والشهادة بها، لا في قولهم: إنك رسول الله. وقد سبق تقريره. # ويحتج به من يرى أن الكلام معنى قائم بالنفس؛ لأن تكذيبهم راجع إلى أمر ~~قام بنفوسهم، لا إلى ما ظهر على ألسنتهم، والتكذيب من لواحق الخبر الكلامي، ~~فدل على أن ما قام بنفوسهم كلام. # ويجاب بأنا لا نسلم أن التكذيب راجع إلى معنى قام بنفوسهم، بل إلى دعواهم ~~ظاهرا أو اعتقاد الرسالة باطنا، فما رجع التكذيب إلا إلى خبر لساني لا ~~نفساني. # {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} (3) ~~[المنافقون: # 3] قد يظن ظان أن الإيمان جزء علة ms566 الطبع على قلوبهم، وليس كذلك، بل كفرهم ~~المستعقب لإيمانهم هو علة ذلك. # {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن ~~السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون} (7) [المنافقون: 7] فيه إشارة ~~إلى ترك ملاحظة الأسباب الظاهرة وتعلق الآمال بما في الغيب من الخزائن ~~الإلهية، لا أقول قطع الأسباب بل ترك الاعتماد عليها، والناس إما متعاط ~~للأسباب معتمد عليها محجوب بها عن المسبب، وهم العامة، أو لا متعاط لها ولا ~~معتمد عليها، بل حجب عنها برؤية مسببها- عز وجل-وهم الخاصة، أو متعاط لها ~~غير معتمد عليها وهو شبيه بمن قبله، وربما سمي متوكلا، أو معتمد عليها غير ~~متعاط لها، وهو الكسلان المتمني الأماني. # {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} (11) ~~[المنافقون: 11] فيه انحتام الآجال فلا تأثير فيها لغير الكبير المتعال؛ ~~خلافا لما مر عن أهل الاعتزال. # ... PageV01P641 ### | AUTO القول في سورة التغابن # {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} (2) ~~[التغابن: 2] / [204 ب/م] يحتمل أن المراد: خلقكم متصفين بالكفر والإيمان، ~~فيحتج به الجمهور؛ لأن خالق الموصوف هو خالق الصفة، ويحتمل أن المراد: ~~خلقكم ثم منكم من كفر ومنكم/ [423/ل] من آمن، فيتنازعها الفريقان: الجمهور ~~والمعتزلة، بناء على كسب الأفعال وخلقها على ما عرف. # {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد} (6) [التغابن: 6] هذه شبهتهم المعروفة في ~~إنكار الرسل، وقد سبقت. # {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} [التغابن: 6] أي: بإنكار الرسالة ~~{فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} (6) ~~[التغابن: 6] أي: عنهم وعن معارفهم وعباداتهم. # {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد} (6) [التغابن: 6] لكماله وتنزهه عما يحتاج ~~إليه غيره. # وقد سبقت المسألة. # {حميد} أي: محمود ليس كغيره من الأغنياء، يفعل مع غناه ما يستحق به الذم، ~~بل الله-عز وجل-يسدي الجميل والمعروف العام والخاص، فهو الذي يستحق الحمد. # {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل ms567 بلى وربي لتبعثن} (7) [التغابن: 7] أي: ~~ادعوا ذلك دعوى لا تحقق لها: {ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} (7) ~~[التغابن: 7] أمر وأثبت وأقسم وأكد البعث باللام في أوله والنون في آخره، ~~{زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير} (7) [التغابن: # 7] أي: البعث {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} (7) [التغابن: 7] وقد سبق برهانه ~~وتوجيهه في عدة PageV01P642 # مواضع. # {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم} (9) [التغابن: 9] أي: يغبن فيه أهل الجنة أهل النار بما يفوز به ~~هؤلاء، ويرث أهل الجنة أهل النار على ما سبق بيانه. # {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء ~~عليم} (11) [التغابن: 11] إن قيل: الإيمان إنما يترتب على هدى القلب، فلو ~~ترتب هدى القلب على الإيمان لزم الدور، وإنه محال. # ويجاب عنه بأن المراد: من يؤمن بالله يزد قلبه هدى وبه ينقطع الدور. # {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (13) [التغابن: 13] فيه ~~أن التوكل قرين التوحيد ونتيجته، ومن أكبر مقاماته، والتوكل هو التفويض إلى ~~الله-عز وجل-مع ترك الاعتراض. # {فاتقوا الله} ناسخ لقوله-عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (102) [آل عمران: 102] أو مخصص له. # ... PageV01P643 ### | AUTO القول في سورة الطلاق # {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ~~قد جعل الله لكل شيء قدرا} (3) [الطلاق: 3] مثل: {وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} (21) [يوسف: 21] أي: إذا أراد أمرا بلغه بقدرته ولطيف حكمته وتصرفه ~~في القلوب وغيرها، وبالجملة بكمال قدرته ms568 على كل شيء. # ويحتج به الجمهور على أنه-عز وجل-إذا أراد شخصا للنار تصرف فيه بطريق ~~الإجبار. # {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا} (4) [الطلاق: 4] يحتج به على أن الأقراء الحيض، وهو مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد؛ لأنها مأمورة أن تعتد بثلاثة قروء، ثم جعلت الأشهر بدلا عن الحيض ~~هاهنا، فدل على ما قلنا. # وينتظم القياس هكذا: الأشهر بدل عن الحيض بهذه الآية، والأشهر بدل عن ~~الأقراء بالإجماع، فالحيض هي الأقراء/ [205 أ/م]، فالأقراء هي الحيض. # واحتج الشافعي ومالك على أنها الأطهار بقوله-عز وجل-: {يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} (1) [الطلاق: 1] مع ~~[قول النبي] صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها/ [424/ب] ثم ليدعها حتى ~~تطهر، ثم تحيض، [ثم تطهر]، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله أن ~~تطلق لها النساء» (1)، وتلك إشارة إلى الطهر؛ لأنه الأقرب ذكرا، وليس ~~بالقوي؛ لأن الإشارة إلى الحيضة المحتوشة بالطهر. PageV01P644 # {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا} (4) [الطلاق: 4] خص به عموم العدة بالأقراء، وبأربعة أشهر وعشرا. # {أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} ~~(11) [الطلاق: 10، 11] قيل: الذكر هو الرسول؛ لتفسيره به بدلا منه. وقيل: ~~الذكر القرآن، والمعنى أنزل ذكرا وأرسل رسولا، أو على حذف ms569 المضاف، أي: ذا ~~ذكر رسولا. # {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} (12) [الطلاق: 12] ~~قيل: المثيلة في عظمة الخلق وأثره القدرة. وقيل: في الكمية، أي: ومن الأرض ~~سبع مثلهن. والأشبه إرادة الأمرين؛ لأن الأرضين عظيمة الخلق وهن سبع لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «من ظلم شبرا من أرض طوقه [يوم القيامة] من سبع أرضين، ~~أو خسف به إلى سبع أرضين» (1). # {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} (12) [الطلاق: 12] ~~هذا تعليل لخلق السماوات والأرض بعلم المكلفين كمال قدرة الله-عز وجل- ~~وعلمه، أي خلق ذلك لتعلموا، فإن يكن الأمر كذلك فتحته سر عجيب، وإلا فاللام ~~للعاقبة، أو للأمر، أي: اعلموا ذلك، أو خلقهن لتكون عاقبتكم العلم بكمال ~~القدرة بواسطة النظر، والأشبه الأول. # ... PageV01P645 ### | AUTO القول في سورة التحريم # {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} (4) [التحريم: 4] تعلقت ~~الرافضة [لعنهم الله] بذلك على عائشة وحفصة؛ لأنهما تظاهرتا على الرسول، ~~والتظاهر على الرسول حرام، وبسبب هذا التظاهر وإفشاء سره غضب وآلى من نسائه ~~شهرا معتزلا لهن، وقيل: قد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. # قوله عز وجل: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة بعد ذلك ظهير} (4) [التحريم: 4] قيل: أبو بكر وعمر. وقيل: علي، ~~والصواب أنه أعم من ذلك، وهو كل من جمع صفتي الإيمان والصلاح، ومولاه ناصره ~~بقرينة مقابلته ب {تظاهرا عليه} وترتيب هذه الآية يقتضي أن الأنبياء أفضل ~~من خواص الملائكة؛ لتقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل، وخواص ~~الملائكة كجبريل أفضل من عامة البشر، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة، ~~غير أن العطف فيها الواو، وهى لا تقتضي ترتيبا. # {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ms570 نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} (6) ~~[التحريم: 6] فيه/ [425/ل] عصمة الملائكة كما مر. PageV01P646 # نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) [التحريم: 8] لا معصية بعدها، ~~وفيه إيجاب التوبة؛ لأنها بمنزلة التدارك والجبر لما أضيع من حق الرب-عز وجل. # {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين} (10) [التحريم: 10]، زعمت الرافضة [لعنهم الله] أنه تعرض بعائشة ~~وحفصة، وأنهما كامرأتي نوح ولوط في النار لتظاهرهما على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأذاهما له، وزعموا [لعنهم الله] أن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~كان بينها وبين عثمان شيء، فنزغ لها بهذه الآية معرضا بها، فحقدت عليه، ثم ~~لم تزل تؤلب الناس عليه حتى قتلوه، ثم إنها ندمت مع كراهتها إمرة علي، ~~فخرجت تطلب بثأره. # وأجاب الجمهور: بأن هذا كله لم يكن منه شيء وهو كذب مختلق، وإجماع أهل ~~الحق على أنهما زوجتاه في الجنة لا يعارضه شيء مما ذكروه. # ... PageV01P647 ### | AUTO القول في سورة الملك # {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} (2) ~~[الملك: 2] فيه تعليل الأفعال. # {الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر ~~هل ترى من فطور} (3) [الملك: 3] أي: خلل واضطراب وخروج عن وجه الحكمة. # {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير} (5) [الملك: 5] هاتان حكمتان لخلق النجوم: زينة وحراسة. # والثالثة: الهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، كما قال الشاعر: # فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم # ولعل الإشارة بكونها مصابيح إلى اهتداء الخلق بها كما يهتدى بالمصباح، ~~فتكون الآية قد جمعت فوائد النجوم الثلاث. # {تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} ~~(8) [الملك: 8]، احتج به المرجئة على أنه لا يدخل النار إلا كافر، وأنه لا ~~عذاب على أهل الإيمان طائع ولا عاص، ms571 بناء على أن الإيمان حسنة لا تضر معها ~~سيئة، وعكسه؛ لأن الله- عز وجل-أخبر أن كل فوج يلقى فيها يعترف بالكفر. # والجواب: أن المعنى: كلما ألقي فيها فوج من الكفار سئلوا فاعترفوا بالكفر ~~بدليل ما قبله. # {وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير} (6) [الملك: 6] ثم استطرد ~~ذلك في وصف حال الكفار. # {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} (10) [الملك: 10] ~~الآيتين، احتج به الفريقان، أما الجمهور فلنفيهم عن أنفسهم السمع والعقل، ~~ما ذاك إلا لما خلق في قلوبهم من دواعي الكفر/ [426/ل] والصوارف عن ~~الإيمان، فصاروا مجبورين جبرا عقليا. # وأما المعتزلة فلقوله-عز وجل-: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} ~~(11) PageV01P648 # [الملك: 11] / [206 أ/م] ولو كان خالقا لأفعالهم أو جابرا لهم لما كان ~~لهم ذنب. # وجوابه: بل الذنب لهم باعتبار كسبهم أو خلقهم على تقدير التفويض إليهم. # {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (14) [الملك: 14] فيه تقديران: ~~أحدهما: # أن «من» فاعل أي ألا يعلم الخالق مخلوقه. # والثاني: أنها مفعول أي: [ألا يعلم هو من خلق، أي: ] ألا يعلم هو مخلوقه، ~~فالفاعل مضمر على هذا، والمفعول محذوف على الأول. # ويحتج به على أمور: # أحدها: أن خلق الشيء يستلزم العلم به، أي: أن العلم من لوازم الخلق؛ لأن ~~معنى الآية، إن سركم وجهركم مخلوق لي فكيف لا أعلمه، وهو يفيد ما قلنا، ~~ولأن خلق الشيء يستلزم القصد إليه، والقصد إليه يستلزم العلم به وبغايته. # فإن قيل: هذا ينتقض بالنحل والعنكبوت والنمل ونحوها يفعل أفعالا محكمة، ~~ولا قصد لها فلا علم لها. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الكلام في الخلق الاختراعي، وهذه الأشياء لا خلق لها، بل ~~أفعالها وغيرها مخلوقة لله-عز وجل. # الثاني: أنها تقصد إلى فعلها وتعلم غايته بإلهام من أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى، ونعلم قطعا أن النحل لولا علمها بمنفعة بيتها وأنه يصلح لسكناها إياه ~~لما بنته. # الأمر الثاني: أنه-عز وجل-عالم بكليات الأشياء كالأجناس والأنواع ~~والأصناف بالإجماع، أما علمه بالجزئيات كالأعيان الشخصية فأثبته المتكلمون، ~~[ونفاه الفلاسفة]. # [احتج المتكلمون] بأن الجزئيات ms572 مخلوقة له-عز وجل-وكل مخلوق معلوم، أما ~~الأولى فبالإجماع على أن لا خالق غير الله-عز وجل-وأما الثانية فلما مر من ~~أن العلم بالشيء من لوازم خلقه؛ ولأن المخلوق عالم بالجزئيات، فلو لم يكن ~~الخالق عالما بها لكان المخلوق أكمل منه، وإنه محال. # احتج به الفلاسفة بأنه-عز وجل-لو علم الجزئيات للزم وقوع التغير في ذاته، ~~واللازم باطل فالملزوم كذلك؛ بيان الملازمة أن العلم حصول صورة المعلوم في ~~ذات العالم، والجزئيات تتغير وتنتقل أحوالها، فلو علمها لحصل في ذاته بحسب ~~كل حال من أحوال الجزء صورة غير صورته بحسب الحال الأخرى، وذلك يقتضي تغاير ~~صور الجزئيات على PageV01P649 # ذاته، وأما بطلان اللازم فللإجماع والبرهان على أن ذاته-عز وجل-لا يلحقها ~~التغير؛ ولأنه إذا كان زيد في المسجد علمه كذلك، فإذا خرج زيد فإن استمر ~~علمه أنه في المسجد لزم انقلاب العلم الأزلي جهلا، وإنه حال، وإن/ [427/ل] ~~لم يستمر لزم التغير في/ [206 ب/م] ذاته وإنه محال، وهذا بخلاف الكليات، ~~فإنها لا تتغير فلا يلزم من العلم بها التغير في ذاته، عز وجل. # والجواب: أن هذا كله مبني على أن العلم حصول صورة المعلوم في ذات العالم ~~وهو ممنوع عندنا، وإنما العلم إضافة نسبية تعليقية بين العالم والمعلوم ~~أعني: تعلق العلم بالمعلوم والإضافة أمر عدمي؛ فالتغير الحاصل من العلم ~~بالجزئيات واقع في تلك الإضافة العدمية، لا في الذات الإلهية، بمعنى أن ~~تعلق العلم بكون زيد في المسجد غير تعلقه بكونه خرج منه، أو نقول: إن العلم ~~الأزلي تعلق بأحوال زيد المتغايرة في أوقاتها، فتعلق بكونه في المسجد وقت ~~كذا، وبكونه خارجا عنه وقت كذا، وبكل حال يندفع المحذور الذي ذكرتموه، ولا ~~يلزم ما ألزمتموه. # الأمر الثالث: أن المخلوق كالإنسان لا يخلق شيئا لا أفعاله ولا غيرها؛ ~~لأنه قد تقرر أن العالم بالشيء من لوازم خلقه، فلو خلق الإنسان فعله مثلا ~~لعلمه جملة وتفصيلا، كما وكيفا وغاية، لكن اللازم باطل؛ إذ نرى الإنسان ~~يتكلم كلاما لا يعلم عدد حروفه ولا كلماته ولا خواص تركيبه ومعانيه، ويمشي ms573 ~~مشيا لا يعلم عدد خطواته، ولا ما تنتهي إليه غايته. # وعلى هذا النمط جميع أفعاله لا يعلم تفاصيلها؛ فدل على أنه غير خالق، ~~وإنما غايته أن يكون كاسبا، ومن هذا أن الأبوين لا يخلقان الولد لعدم ~~علمهما بذاته وغايته جملة وتفصيلا. # {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور} (15) [الملك: 15] دل على أن لا رازق سواه، والخصم يمنع ذلك ويقول: ~~بل أمرهم أن يأكلوا من رزقه، وهو الحلال، لا من رزق غيره وهو الحرام الذي ~~يرزقونه أنفسهم بالأسباب الباطلة والأكساب الخبيثة، وقد سبق القول في ذلك. # {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور} (15) [الملك: 15] أي: المرجع، وهو إثبات الحشر والمعاد. PageV01P650 # {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} (16) [الملك: 16] ~~الآيتين، يحتج بهما من أثبت الجهة؛ لأنه إنما توعدهم بفعله، وقد أخبر أنه ~~في السماء. # وأجاب الخصم بأنه لا يلزم من توعدهم بفعله أن يكون في السماء لجواز أن ~~يكون الفعل له بأمره والمباشرة له ملائكة السماء كما يقال في الشاهد، لمن ~~جنى جناية: أأمنت من في القلعة أن يعاقبك، وقد يكون الذي في القلعة نائب ~~السلطان أو بعض جنده، والسلطان لعله حينئذ في البر أو البحر، أو لا يدرى ~~أين هو. # واعلم أن ظاهر الآية مع مثبتي الجهة، وإنما الخصم/ [207 أ/م] يعارضهم ~~بالدليل القاطع عنده فيحتاج إلى تأويلها. # {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل ~~شيء بصير} (19) [الملك: 19]، اختلف في كيفية إمساك الطير فوقهم، فعند ~~المتكلمين: # لأنه-عز وجل-خلق له آلة التماسك في الهواء أو القوة عليه. # وعند الفلاسفة: لأنه-عز وجل-غلب فيه الاسطقص أي: العنصر الهوائي فخف بخفة ~~الهواء فتماسك، كما غلب في البهائم الجزء الترابي؛ فثقلت فرسبت ولزمت الأرض. # وعند الاتحادية: أنه سرى فيها بذاته فحملها في الهواء، فحركتها تابعة ~~لحركته، فهي في الحركة تابعة لا مستقلة، وإليه الإشارة بقوله عز وجل/ {إني ~~توكلت على الله ربي ms574 وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط ~~مستقيم} (56) [هود: 56] كما صرح به ابن العربي في «الفصوص». # {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور} (21) [الملك: # 21]، تدل على أن لا رازق سواه-عز وجل-لأنها تضمنت أنه-عز وجل-إن رزق فلا ~~ممسك، وإن أمسك فلا رازق، وهو دليل الاستبداد بالرزق، وليس لأهل الاعتزال ~~إلا أن يتأولوه على أن أمسك رزقه الحلال، وهو تمحل ومحال. # ... PageV01P651 ### | AUTO القول في سورة (ن) # {ن والقلم وما يسطرون} (1) [القلم: 1] يعني الملائكة الكرام الكاتبين ~~والسفرة الكرام البررة. # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (7) [القلم: 7] ~~لأنه الذي خلق ضلالهم وهداهم، ألا يعلم من خلق. # {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} (17) ~~[القلم: # 17] الآيات يحتج بهذه القصة على ما يذكره الفقهاء من المعاقبة بنقيض ~~القصد، كالقاتل مورثه يمنع الإرث، والمطلق زوجته في مرض موته تورث منه، ~~والفار من الزكاة بحيلة لا تسقط عنه؛ لأن أصحاب الجنة قصدوا حرمان المساكين ~~فحرموا. # {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} (42) [القلم: 42] ~~اختلف في الساق؛ فعند المحدثين ومن تابعهم: هي صفة لله-عز وجل-يكشف عنها ~~يوم القيامة، فيسجد لها المؤمنون. وجاء في الحديث: «فيكشف عن ساقه فيخرون ~~سجدا» (1) وعند غيرهم أن ذلك تجسيم، فتأولوه على شده الأمر ذلك اليوم، كما يقال: # كشفت الحرب عن ساقها، وقامت الحرب بنا على ساق. # . . . ... وإن شمرت يوما له الحرب شمرا # [قالوا: وما ذهب إليه/ [207 ب/م] المحدثون لا يستقيم إلا على رأي ~~الاتحادية، وهو أن الله-عز وجل-يظهر بمظاهر الأجسام، فحينئذ يصح أن يكون له ~~ساق يكشفها]. # وأجاب المحدثون: بأن هذا إنما يلزمنا أن لو أثبتنا الساق جارحة جسمانية، ~~ونحن إنما تثبتها صفة لله-عز وجل-على ما يليق به، ولا يلزمه منه نقص بوجه، ~~وهكذا قولهم في سائر نصوص الصفات، كما سبق. # {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} (48) [القلم: # 48] الآيتين، يعني ذا النون، وهو يونس بن متى-عليه السلام-فيقال: إن ms575 ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية؛ قال: «لا تفضلوني على يونس؛ ~~من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد PageV01P652 # كذب» خشية أن يطمع طامع بهذه الآية فيغض من منصب يونس، فحسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذه المادة. # وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه خير من يونس وغيره. وقيل: قال ذلك في ~~مقام التواضع، والإنسان له مقامان مقام تواضع يهضم فيه حق نفسه كهذا ~~المقام، ومقام افتخار يستوفي حق نفسه أو بعضه فيه، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (1) وعلى نحو هذا تأولت الشيعة [لعنهم ~~الله] قول علي-رضي الله عنه-: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ~~ولو شئت سميت الثالث» وقوله لابن الحنفية في نحو هذا: ما أبوك إلا رجل من ~~المسلمين. # {لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم} (49) [القلم: 49] ~~قد علم أن لولا تقتضي امتناع الشيء لوجود غيره، والذي امتنع هاهنا لوجود ~~النعمة هو نبذه بالعراء مذموما لا مجرد نبذه بالعراء وهو الصحراء، لأنه قد ~~وجد بدليل: {*فنبذناه بالعراء وهو سقيم} (145) [الصافات: 145] فدل على أنه ~~نبذ بالعراء مجردا عن صفة الذم، بدليل: {فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} ~~(50) [القلم: 50] ومن يكون مجتبي صالحا لا يكون مذموما، وسقط بهذا [التعلق ~~عن] يونس عليه الصلاة والسلام. # ... PageV01P653 ### | AUTO القول في سورة الحاقة # {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} (13) [الحاقة: 13] هذه نفخة البعث في ~~وقتها الخاص، بدليل تنزيل الملائكة وظهور عرش الرحمن-جل جلاله-وإلا فقد سبق ~~أن النفخات ثلاث: نفخة الفزع، والصعق، والبعث. # {والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} (17) [الحاقة: ~~17] هاهنا اسم جنس، والحملة: يومئذ ثمانية وقبله أربعة كما ورد، ويستدل به ~~على أن العرش السرير لا الملك لاستغنائه عن حاصل، ولا تظنن أن الله-عز وجل- ~~يحتاج إلى من يحمله، بل الله-عز وجل-يحمل بقدرته العرض وحملته، وإنما حملهم ~~للعرض كأنه على جهة التعبد والخدمة والتعظيم، على أن/ [208 أ/م] إنما تضمنت ~~حملهم للعرش لا للرب عز ms576 وجل، فيحتاج إلى إثبات أن الرب-عز وجل-حينئذ فوق ~~العرش بذاته، حتى يلزم أنه محمول بواسطة حمل العرش، لكن ذلك محمل نزاع قد ~~سبق غير مرة. # {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه} (19) [الحاقة: 19] ~~الآيات فيها إثبات أخذ الكتب باليمين والشمال وهو علامة الفوز، والهلاك. # وفيها إثبات العرض والحساب على العموم، وحساب الكفار على الخصوص، خلافا ~~لأكثر الحنابلة في أنهم لا يحاسبون. PageV01P654 # [الكهف: 49] الآيات ونحوها تدل على حساب الكافر، ولأن المقصود بالحساب ~~تحقيق العدل، وهو بالكافر أولى كشفا لشبهته وإزالة لتهمته. # احتجوا بأن فائدة الحساب المقاصة، بحيث إن من فضل له أثيب، ومن فضل عليه ~~عوقب، وهذا منتف في حق الكافر؛ إذ مع الكفر لا شيء له يفضل فالنار متعينة ~~له بغير حساب ورووا عن ابن عمر حديثا مرفوعا يشير إلى ذلك. # والجواب: لا نسلم أن فائدة الحساب ما ذكرتم، بل تحقيق العدل كما قلناه، ~~وهو يقتضي حسابه، وأما حديث ابن عمر فلو كان نصا فيما ادعوه لما عارض ما ~~ذكرناه من الدليل، فكيف وليس بنص، وفى الآيات المذكورة إثبات السلسلة، وهو ~~من أحكام اليوم الآخر. # {فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون} (39) [الحاقة: 38 - 39] فيه ~~إثبات عالم الغيب والشهادة كما سبق تفصيله في الأنعام. # {إنه لقول رسول كريم} (40) [الحاقة: 40] يحتج به من قال بخلق القرآن ~~لإضافته إلى الرسول [صلى الله عليه وسلم بأنه] قوله، وعورض بما بعده: / ~~[430/ل] {تنزيل من رب العالمين} (43) [الحاقة: 43] وإنما أضيف إلى الرسول ~~باعتبار أنه مبلغ له لا منشئ مبتدئ. # {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} (44) [الحاقة: 44] الآيات فيه تصديق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ونفي الكذب عنه، وأنه لو كان متقولا لما ~~أقر، ولا أهمل ولا أمهل. # ... PageV01P655 ### | AUTO القول في سورة المعراج # {من الله ذي المعارج} (3) [المعارج: 3] تدل على علو وارتفاع، ثم هل هو ~~حسي أو عقلي؟ على الخلاف بين مثبتي الجهة ونفاتها؛ فيحتج مثبتوها بقوله-عز ~~وجل- / [208 ب/م]: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة} (4) [المعارج: 4]. # {فلا ms577 أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~وما نحن بمسبوقين} (41) [المعارج: 40، 41] أي: خلقا ننشئه نحو: {ألم تر أن ~~الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} (19) ~~[إبراهيم: # 19] والتناسخية حملوه على نظيره في سورة الواقعة. # واحتجوا به وقد سبق القول عليهم]. # ... PageV01P656 ### | AUTO القول في سورة نوح # {والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} (18) ~~[نوح: 17 - 18] هذا من أدلة البعث، وهو أحسن ما مر بنا؛ إذ فيه استواء ~~الأصل والفرع في النبات، أي هو-عز وجل أنبتكم من الأرض أولا، وكذلك ينبتكم ~~منها آخرا، ومعنى الإنبات الإنشاء وهو أنشأكم من الأرض مبديا كذلك ينشئكم ~~منها معيدا. # {وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} (24) [نوح: 24] هذا من نوح ~~كقول موسى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} (88) [يونس: 88] لعله كان بوحي أو إذن. # {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} (25). # [نوح: 25] يحتج به على ما مر منه عرضهم على النار غدوا وعشيا، وعذاب ~~البرزخ؛ لتعقيب إغراقهم بإدخالهم النار فهم الآن فيها، وهو لا في الدنيا ~~ولا في الاخرة بعد القيامة، فهم في الواسطة بينهما وهي البرزخ. # ... PageV01P657 ### | AUTO القول في سورة الجن # {يهدي إلى الرشد فآمنا به} [الجن: 2] يدل على أن في الجن مسلمين مؤمنين ~~بالقرآن موحدين؛ لقولهم: {يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} ~~(2) [الجن: 2]. # {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا} (7) [الجن: 7] يشير إلى أن ~~في الجن من ينكر البعث كالكفار من الإنس. # {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا} (8) [الجن: 8] ~~ظاهرها أنهم في استراق السمع يبلغون السماء مباشرين لها بأجسامهم لمسا ~~ونحوه، ويحتمل أن المراد كشفنا طريق السماء فوجدناه قد سد على مسترقي ~~السمع، وفيه أن الحرس غير الشهب؛ لأن عطف أحدهما على الآخر يقتضي ذلك، ~~فالحرس ملائكة والشهب ms578 نجوم، فيشبه أن الملك يرمي الشهاب رمي الجندي ~~بالنشاب. وفيه حكاية مأثورة تقتضي ذلك. # {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} (11) [الجن: 11] يقتضي ~~انقسام الجن إلى صالح وأصلح، أو إلى صالح وطالح كالإنس. # {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} (15) [الجن: 15] يحتج بها الشيعة ~~[أبعدهم الله من رحمته] على معاوية ومن شايعه على قتال علي؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمره بقتال المارقين وهم الخوارج، والناكثين وهم أهل الجمل، ~~والقاسطين وهم معاوية وأصحابه، فإذن هؤلاء القاسطون بالحديث/ [431/ل]، ~~والقاسطون حطب جهنم بالآية، فهؤلاء حطب جهنم. # وأجاب الجمهور: بأنا لا نسلم صحة الحديث، ولا أن معاوية كان من/ [209 ~~أ/م] القاسطين، ولو سلمناه، لم نسلم عموم الآية في كل قاسط، بل هي لقاسطين ~~معهودين من الجن أو غيرهم. # {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن ~~يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا} (17) [الجن: 16، 17] يدل على أن النعمة ~~قد تكون سبب الفتنة، وأن الله-عز وجل-يقصد الفتنة بالنعمة، وهو الاستدراج ~~[كما سبق]. PageV01P658 # {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} (19) [الجن: 19] ~~فيها فوائد: # منها: أن بعضهم ذهب إلى أن عبد الله اسم من أسماء النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحيح أنه إضافة له بالعبودية لا اسم علم. # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم دعا الجن تلا عليهم القرآن، وأنهم سمعوا ~~ذلك، وازدحموا عليه حتى كاد يتلبد بعضهم على بعض. # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم وصف بالعبودية في أشرف مقاماته وهى مقامه ~~هذا في تبليغ القرآن، ومقامه في إثبات نبوته بمعجز القرآن في قوله-عز وجل-: ~~{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين} (23) [البقرة: 23] ومقامه في الإسراء والوحي ~~إليه في السماء في {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} (1) ~~[الإسراء: 1]، {فأوحى إلى عبده ما أوحى} (10) [النجم: 10]. # وفى نحو هذا يقول ms579 القائل: # لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي # وفي ذلك يقول علي-رضي الله عنه-: حسبي عزا أن تكون لي ربا، وحسبي فخرا أن ~~أكون لك عبدا. # {إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا} (23) [الجن: 23] مع ما سبق من قول موسى عليه السلام: {ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري} (93) [طه: 93] ينتظم قياسا هكذا: مخالف الأمر عاص والعاصي ~~معاقب، فمخالف الأمر معاقب، وهو يقتضي أن الأمر للوجوب. PageV01P659 # والمنجمين في بعض الأحيان وأصحاب الرؤيا والزجر والفأل ومسترقي السمع، ~~وأشباههم؛ جميع هؤلاء يظهرهم الله عز وجل على بعض غيبه، بدليل: {الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في ~~الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم} (255) [البقرة: 255]. # {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) ليعلم ~~أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} (28) [الجن: # 27، 28] [ظاهره أن الرصد ملائكة بين يدي النبي وخلفه يرفعون عنه أنه قد ~~أبلغ الرسالة، وأنه-عز وجل-لا يعلم ذلك بدون هذا الرصد، لكن هذا الظاهر ~~متروك بالإجماع، والبرهان على أنه-عز وجل-ليس يعزب عن علمه شيء في الأرض/ ~~[209 ب/م] ولا في السماء، فيجب تأويل هذا الظاهر على] أن هذا الرصد من ~~الملائكة معقبات يحفظونه عن أعدائه من باب: # {*يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} (67) [المائدة: 67] # ومعنى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء ~~عددا} (28) [الجن: 28] أي: ليجازيهم على إبلاغهم الرسالات، ويجزي أممهم على ~~الطاعة ثوابا، وعلى المعصية عقابا، فيصير نظم المعنى هكذا: إلا من ارتضى من ~~رسول، وأنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ms580 يحرسونه، وليجزيهم على الإبلاغ ~~وأممهم على القبول، أو الرد بما يستحقونه، أو على غير هذا التأويل. # ... PageV01P660 ### | AUTO القول في سورة المزمل # {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} (5) [المزمل: 5] يحتمل أن المراد ثقيل على ~~الكفار طاعته والإيمان به، أو ثقيل على المكلفين امتثاله، أو يخلق الله-عز ~~وجل-عند نزوله ثقلا، كما روي أن سورة الفتح لما نزلت مرجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الحديبية كادت قوائم ناقته تندق من تحته لثقل ما أنزل عليه، ~~وربما احتج بظاهره من يقول بخلق القرآن؛ لأن الثقيل ذات قام بها الثقل، ~~[وكل ذات قام بها الثقل]-جسم؛ فالقرآن جسم، وكل جسم مخلوق. لكن هذا سفسطة ~~ومكابرة للحس والضرورة، فلا يستحق جوابا. # {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) ~~فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} (16) [المزمل: 15، 16] هذا هو ~~المثال المشهور في لام العهد، وهو رجوع المعرف إلى منكر سابق. وقد حكى ابن ~~الخشاب عن بعض أهل العلم: أن اللام إن كان هناك معهود تعينت له وإلا فهي للجنس. # {* إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} (20) [المزمل: 20] ~~أي: بما أحكمه وأتقنه من دوران الفلك ومجاري النجوم فيه، وإيلاج الليل في ~~النهار والنهار في الليل، وأخذ أحدهما من الآخر. # واعلم أن الليل والنهار هما الزمان؛ لقول الشاعر: # هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها # فينتظم قياس هكذا: الليل والنهار هما الزمان، والله-عز وجل-يقدر الليل ~~والنهار؛ ينتج من الشكل الرابع: الله-عز وجل-هو يقدر الزمان، وحينئذ يكون ~~الزمان مخلوقا، وكل مخلوق حادث، فالزمان حادث؛ ms581 خلافا للفلاسفة في قدمه، وقد ~~سبق القول عليهم في ذلك. PageV01P661 # {*إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} (20) [المزمل: 20] ~~هذا عقب ما قبله من الأمر بالأعمال الصالحة يشير إلى ما مر في سورة النور ~~عند: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون} (31) [النور: 31] من مشروعية التوبة والاستغفار من [210 أ/م] ~~الأعمال الصالحة لما قرر هناك، وفى هذا هاهنا نظر؛ لاحتمال أنه أمر مجرد ~~بالاستغفار ليس المراد به ما ذكر. # ... PageV01P662 ### | AUTO القول في سورة المدثر # {فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير} (9) [المدثر: 8، 9] إن قيل: # هذا تقديره: فذلك في يومئذ/ [433/ل] يوم، فيلزم أن يكون اليوم في يوم ~~فيكون للزمان زمان، وإنه محال. # والجواب أن تقديره «فذلك» أي: فالنقر يومئذ نقر يوم عسير على تقدير حذف ~~المضاف، وهو سؤال وجواب في الإعراب جيدان. # {إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر} (26) [المدثر: 25، 26] احتج به ~~من يرى قدم القرآن المسموع، لأنه-عز وجل-توعد من قال: إنه قول البشر بإصلاء ~~سقر، وذلك يقتضي أنه ليس قول البشر، فهو قول الله-عز وجل-فلا يكون مخلوقا، ms582 ~~فيكون قديما لأنه صفة القديم. # وأجاب الخصم بأن بين البشر وبين الله-عز وجل-الملك، فلم لا يجوز أن يكون ~~قوله، بدليل: {إنه لقول رسول كريم} (40) [الحاقة: 40] سلمنا أنه قول الله- ~~عز وجل-فلم لا يجوز أن يكون صفة فعلية؟ وكل صفة فعلية مخلوقة. # [قال بعض العلماء المحققين المتأخرين-رضي الله تعالى عنهم] حكاية غريبة: # أخبرني الشيخ الصالح جمال الدين المعدني الحنبلي بالقاهرة قال: أنشد ~~بحضرة الشيخ الإمام العالم بهاء الدين ابن النحاس الحلبي النحوي، أو أنشد ~~قول القائل: # لو قيل: # كم خمس لاغتدى ... يوما وليلته يعد ويحسب # ويقول: # معضلة عجيب أمرها ... ولئن هديت لها لأمري أعجب # حتى إذا خدرت يداه وعورت ... عيناه مما قد يخط ويكتب # أوفى على شرف وقال: # ألا انظروا ... ويكاد من فرح يجب ويسلب # خمس وخمس ستة أو سبعة ... قولان قالهما الخليل وثعلب # فجعل الحاضرون يتعجبون منها ومن غرابة وصفها، فقال الشيخ بهاء الدين: مم ~~تتعجبون؟ فإن مثل هذا في كتاب الله-عز وجل-ثم تلا: {إنه فكر وقدر (18) ~~فقتل} PageV01P663 # كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر ~~واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) ~~[المدثر: 18 - 25]. # قلت: [وهذا تنظير] حسن مطابق، وكلاهما راجع في المعنى إلى قولهم: سكت ~~ألفا ونطق خلفا. # {عليها تسعة عشر} (30) [المدثر: 30] قيل: إنما كانوا تسعة عشر؛ لأن الليل ~~والنهار أربع وعشرون ساعة، عليها في كل/ [210 ب/م] ساعة ملك إلا ساعات ~~المكتوب الخمس فإنها [تخمد أو تغلق] فلا تحتاج إلى سادن، فلا تبقى إلا تسع ~~عشرة ساعة عليها فيهن تسعة عشر ملكا. # {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر} (31) [المدثر: 31] فيه أن الله-عز وجل-يقصد فتنة ~~من يشاء وضلاله ms583 ويفعل أسبابه. # {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر} (31) [المدثر: 31] فيه قبول الإيمان [434 ل] ~~للزيادة والنقصان. # {ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين} (43) [المدثر: 42 - 43]، ~~يحتج بها على تكليف الكفار بفروع الإسلام؛ لأنهم عللوا سلكهم في سقر بتركهم ~~الصلاة والزكاة وبالتكذيب بيوم الدين وما بينهما، ولولا تكليفهم بالصلاة ~~لما صلح تركها جزء علة للعقاب. # واعترض الخصم بأن معناه، لم نكن من أهل الصلاة؛ أي: من المؤمنين. PageV01P664 # وأجيب بأنه خلاف الظاهر بغير دليل، ثم هو مع قولهم: {وكنا نكذب بيوم ~~الدين} (46) [المدثر: 46] فيه ضرب من التكرار فلا يحمل عليه، وقد سبقت ~~المسألة في أول سورة «المصابيح». # {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} (48) [المدثر: 48] دليل خطابه أنها تنفع ~~غيرهم من عصاة المؤمنين خلافا للمعتزلة. # ... PageV01P665 ### | AUTO القول في سورة القيامة # {لا أقسم بيوم القيامة} (1) [القيامة: 1] فيه إثباتها، ثم قيل: لا زائدة، وقيل: # المعنى، لا أقتصر على القسم بيوم القيامة بل أقسم بأعظم منه، والقولان ~~جاريان في نظائره نحو: {فلا أقسم بالشفق} (16) [الانشقاق: 16]، {لا أقسم ~~بهذا البلد} (1) [البلد: # 1] {ولا أقسم بالنفس اللوامة} (2) [القيامة: 2] المذكور في القرآن، هذه ~~والنفس الأمارة والنفس المطمئنة، فاللوامة تلوم على فعل الشر، والأمارة ~~تأمر به، والمطمئنة ساكنة لما وعدت ومتواضعة لقبول ما به أمرت، خاضعة تحت ~~مجاري الأقدار، خاشعة لله الواحد القهار. ثم قيل: هي ثلاث نفوس على ظاهر ~~القرآن، وقيل: نفس واحدة لها ثلاث قوى أو ثلاثة أحوال، تارة تلوم، وتارة ~~أمر، وتارة تطمئن، والله-عز وجل-أعلم بخلقه. # {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه} (4) ~~[القيامة: 3، 4] هذا إثبات للبعث خلافا لمنكريه، وأحال الله-عز وجل-هاهنا ~~على مجرد القدرة، ثم برهن عليه في آخر السورة. # {بل يريد ms584 الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة} (6) [القيامة: ~~5 - 6] تتعلق به الملاحدة ونحوهم على أن لا حقيقة للبعث، وإنما هو تخويف ~~للناس لئلا ييأسوا من المعاد فيفجروا ويتظالموا فيفسد النظام. # والجواب/ [211 أ/م] أن ما ذكره لا ينفي وقوع البعث، وقد دلت عليه قواطع ~~السمع والعقل، والتخويف بالشيء لا يمنع وقوعه. PageV01P666 # عز وجل-حيث ذكرهما قدم الشمس، ولأنها أوسط مكانا في السماء وأعلى من ~~القمر وأسعد منه. # واحتج من فضل القمر بأنه مذكر، وهو أسرع حركة وجولانا في الفلك، ومدار ~~الحساب على تمامه ونقصانه أكثر، وهو في ذلك أعجب، وهو أقل ضررا من الشمس ~~ونحو هذا من الوجوه، ولا شيء منها يعارض ما ذكر للشمس. # {بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره} (15) [القيامة: 14، ~~15] أي: يشهد على نفسه وتشهد عليه جوارحه كما مر، فلو اعتذر بما أمكنه لم ~~ينفعه مع شهادة نفسه عليه. # {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه} (19) [القيامة: 18، ~~19] يحتج به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأن ثم للتراخي، وقد دلت ~~على تأخير البيان عن وقت القراءة، وقد سبق نظيره أول هود. # {وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة} (23) [القيامة: 22 - 23] وهذه ~~عمدة الجمهور في إثبات رؤية الله-عز وجل-في الآخرة؛ لأن النظر المقرون بإلى ~~يقتضي الرؤية لغة، وقد تضمنت الآية ذلك فكانت مقتضية للرؤية. # واعترض المعتزلة بأن قالوا: النظر هاهنا مضاف إلى الوجوه وليست آلة ~~للرؤية ولا محلا لها، سلمناه لكن لا يعلم أن اقتران النظر بإلى يقتضي ~~الرؤية، بدليل قوله-عز وجل-: # {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ~~(198) [الأعراف: 198] فاقترن النظر بإلى مع نفي الإبصار والرؤية، سلمناه ~~ولكن لا نسلم أن هاهنا حرف جر، وإنما هو اسم/ [211 ب/م] وهو أحد الآلاء وهي ~~النعم، نحو: معى وأمعاء، والتقدير وجوه يومئذ ناضرة، نعمة ربها ناظرة أو ~~منتظرة؛ لأنها تفرح بما ترى من أمارات الثواب، وهي تراه وتنتظره، سلمناه ~~لكن ما ذكرتموه إنما هو ظاهر في الرؤية فلا يعارض القاطع في نفيها، وهو ms585 أن ~~الرؤية تقليب الحدقة إلى جهة المرئي واتصال شعاع البصر به وذلك مستلزم ~~للجسمية، فالرؤية لا تتصور إلا على رأي المجسمة أو على رأي الاتحادية الذين ~~يجيزون أن يظهر الحق-عز وجل-في المظاهر والأطوار، فيظهر في مظهر جسماني/ ~~[436/ل] فيرى، كما ورد أنه يأتيهم في صورة ينكرونها ثم في صورة يعرفونها، ~~ويكشف لهم عن ساقه فيخرون سجدا، لكن التجسيم والاتحاد باطلان عند الجمهور. PageV01P667 # وأجيب عن الأول بأن الوجوه محل الإبصار والإبصار محل الرؤية وآلة لها، ~~فالوجوه محل للرؤية وآلة لها، ودل على ذلك استعمال العرب كقول القائل: # وجوه ناظرات يوم بدر ... إلى الرحمن تنتظر الفلاحا # وقول الآخر: # وفى يوم بدر قد رأيت وجوههم ... إلى الموت من وقع السيوف نواظرا # فقد أضاف النظر إلى الوجوه، وعن الثاني بأن وضع اللغة أن النظر المقرر ~~بإلى يقتضي الرؤية، فإن لم يكن موضوع اللغة فأكثر استعمال العرب عليه نحو قوله: # نظرت إلى من حسن الله وجهه .... . . # وقوله: # نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر # وهو كثير، وهو يحصل المقصود؛ ولأن غلبة استعماله تدل على أنه الحقيقة. # فأما: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا ~~يبصرون} (198) [الأعراف: 198] فلم يكن عدم الإبصار لعدم اقتضاء اللفظ له، ~~بل لأن المشار إليهم هم الأصنام وهم جماد ليس لهم آلة الإبصار كما سبق في ~~آخر «الأعراف»، وعن الثالث بأنه خلاف المتبادر إلى فهم كل سامع، والصحابة ~~ومن بعدهم إنما فهموا أن إلى حرف جر حتى ظهر المعتزلة بتأويله، ثم إن ما ~~ذكروه لا يصح؛ لأن الكلام وهم في الجنة والنظر إلى النعيم فيها لا يعد ~~نعمة؛ إنما ذلك الموضع محل تناول النعم والالتذاذ بها لا محل النظر إليها، ~~وانتظارها هناك غير مناسب؛ لأن الانتظار-كما قيل يورث الصغار، ثم إن النعم ~~في الجنة حاصلة فانتظار مناف لحصولها أو تحصيل الحاصل. # قوله: ما ذكرتموه، ظاهر في الرؤية، قلنا: بل قاطع لتبادر الفهم/ [212 ~~أ/م] إليه، وإجماع السلف على فهم الرؤية منه، وهم أهل العصمة الإجماعية ~~واللسان ms586 العربي، سلمنا أنه ظاهر لكن لا نسلم أن عندكم قاطعا يعارضه. # قوله: إن الرؤية تقليب الحدقة إلى جهة المرئي. # قلنا: هذا على اختلاله لا يضر؛ لأن مثبتي الجهة يلتزمونها، ووجه اختلال ~~هذا القول أن الرؤية ليس نفس تقليب الحدقة بل هي نوع إدراك يلزمه تقليب ~~الحدقة فتقليب الحدقة من لوازم الرؤية لا أنه نفسها، وأما من لا يثبت/ ~~[437/ل] الجهة كالأشعرية، فإنهم يفسرون الرؤية بنوع كشف نسبته إلى الرب-عز ~~وجل-كنسبة الرؤية إلى المرئيات. PageV01P668 # قوله: واتصال شعاع البصر بالمرئي. # قلنا: الناس لهم في كيفية رؤية المرئيات أربعة أقوال: # أحدها: اتصال الشعاع. # والثاني: انطباع صورة المرئي في الرطوبة الجليدية كانطباع الوجه في ~~المرآة. # والثالث: أنه نار تخرج من البصر فيدرك به المرئي، وهذا شبيه بالقول ~~بالشعاع. # والرابع: أنه علم يخلقه الله-عز وجل-في نفس الرائي مقارنا للرؤية، وهو ~~مذهب المتكلمين. # فنقول أولا: لم قلت: إن رؤية الباري-عز وجل-أو الرؤية مطلقا باتصال ~~الشعاع؟ وما أنكرت أن يكون بخلق العلم في نفسه كما هو رأي المتكلمين. # وثانيا: أنه قد ثبت لنا رؤية لا باتصال شعاع وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تختلفوا علي-يعني في الصلاة-فإني أراكم من وراء ظهري كما أراكم ~~من أمامي» (1) وما ذاك إلا لخارق إلهي ومعجز نبوي أيد به النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما كان يرى الثريا اثني عشر كوكبا وغيره إنما يراها ستة أو ~~سبعة، وذلك لقوة خص بها في بصره خرقا للعادة، فجاز إذ كان الآخرة محل خرق ~~العادة أن تتجدد للمؤمنين خرق عادة يرون بها ربهم من غير انطباع ولا اتصال ~~شعاع، ولا جهة أصلا على رأي نفاة الجهة، كالدودة في وسط البلورة تراها لا ~~في جهة، وكرة العالم يراها الله-عز وجل-وقد قام البرهان على أنها ليست في ~~جهة على ما قيل، وحينئذ لا يلزم مثبتي الرؤية لا رأي المجسمة ولا رأي ~~الاتحادية. # {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} (36) [القيامة: 36] أي هملا لا راعي له، ولا ~~معترض عليه ولا بعث ولا معاد، وهذا إنكار لنفي البعث فيقتضي إثبات ms587 البعث، ~~وهذا شبيه بقوله-عز وجل: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون} (115) [المؤمنون: 115]. # {ألم يك نطفة من مني يمنى} (37) [القيامة: 37] [212 ب/م] إلى: {أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى} (40) [القيامة: 40] هذا احتجاج على إمكان البعث ~~ووقوعه بالقياس على النشأة الأولى كما سبق في أول «الحج» وغيره. # ... PageV01P669 ### | AUTO القول في سورة الإنسان # {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} (1) [الإنسان: 1]، ~~قيل: معناه قد أتى، وهو ضعيف، بل معناه: هل تسلمون وجودكم بعد عدمكم أو ~~نقرره عليكم بالبرهان، ثم قد برهن على ذلك بعد على تقدير منعهم لما ذكر ~~بقوله-عز وجل-: # {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا} (2) ~~[الإنسان: 2] وهو قاطع في ابتداء خلقه بعد أن لم يكن، وقد سبق الكلام في: ~~{إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا} (2) ~~[الإنسان: 2] في أول مري. / [438/ل]. # {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} (3) [الإنسان: 3] إشارة إلى أن ~~الحكمة في خلق الإنسان ابتلاؤه واختباره هل هو يطيع فيثاب أو يعصي فيستحق ~~العقاب؟ فإن قيل: ما مقدار الإنسان حتى يبتلى ويختبر ويخاطب هذا الخطاب ~~العظيم؟ وما فائدة ابتلائه بعد علم الله-عز وجل-بما سيكون منه؟ # قلنا: هذا وراءه أسرار غريبة موضع ذكرها في غير هذا العلم، والمفزوع إليه ~~هاهنا {لا يسئل عما يفعل [وهم يسئلون]} (23)، وهو المتصرف بحق ملكه الأكمل. # {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} (3) [الإنسان: 3] أي أرشدناه ~~إلى طريق الحق والسلامة، والسؤال الجواب هاهنا كما قلنا في «ثمود» {وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما ~~كانوا يكسبون} (17) [فصلت: 17] ثم هذه السورة تضمنت إثبات العذاب والنعيم ~~الحسيين. # {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} (6) [الإنسان: 6] قيل: يشرب ~~منها على إبدال بعض الحروف ببعض، والأشبه أنه من باب التضمين أي: يروى بها، ~~ضمن يشرب معنى يروى؛ لأنه أبلغ وأخص من يشرب، ثم اعتبر حرف التعدية بالفعل ~~المضمن تنبيها عليه؛ ومثله قول عنترة: # شرب بماء الدحرضين. . . (1) ... PageV01P670 # وقول الآخر: # شربن بماء ms588 البحر # البيتين. . . # ومنه: {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش الرحمن فسئل به خبيرا} (59) [الفرقان: 59]. # وقوله: # فإن تسألوني بالنساء # البيت. . . # أي: ذاكر به وتذاكروني بالنساء. # وقوله: # يضرب بالسيف ونرجو بالفرح. . . # أي: يتعلل بالفرح. # وقوله: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # أي: لا يصوتن أو يترنمن بها، وهو كثير، وهي قاعدة نافعة يعتصم بها من ~~لزوم الزيادة في أكثر الكلام. # {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} (7) [الإنسان: 7] [فيه ~~استحباب الوفاء بالنذر ومدح أهله؛ لأنه من باب الوفاء بالعقود إما التزام] ~~ابتداء فيحتمل تحريمه للنهي عنه، ويحتمل جوازه؛ لأنه عقد وعهد بين العبد ~~وربه-عز وجل-أشبه الإحرام بالحج، ويحتمل المنع منه في الأموال دون ~~العبادات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «النذر/ [213 أ/م] لا يأتي بخير، وهو ~~إنما يستخرج به من مال البخيل» (1) فدل على أن المنع منه في المال دون غيره: # {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} (22) [الإنسان: 22] أي صورة ~~جزاء على كسبكم وسعيكم، وإلا فهو في الحقيقة فضل من الله-عز وجل-لولا ~~توفيقه PageV01P671 # لما وصلوا إلى شيء منه، وهم أعني الأبرار قد اعترفوا بذلك حيث قالوا: ~~{ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} (43) [الأعراف: 43] اللهم ~~اهدنا إليك وإلى رضوانك بفضلك المحض، ولا تكلنا إلى سواك من نفل أو فرض. # {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا} (24) [الإنسان: 24] قيل: ~~معناه ولا كفورا، والمعنى وإن كان عليه إلا أنه ضعيف من جهة أن «أو» تنوب ~~عن واو العطف وحرف النفي، ونيابة كلمة عن كلمتين غير معهود، أو هو قليل لا ~~يقاس عليه لمخالفته القياس وتخريجه/ [439/ل] على أصله بوجهين: # أحدهما: أن يكون هذا طبق كلام مقدر، كأنه قيل له: أطع فلانا الآثم، أو ~~فلانا الكفور، فقيل: لا تطع منهما آثما أو كفورا. # الثاني: أن يقال: ms589 إنما دلت هذه الآية على تخييره في معصية أحدهما، أي اعص ~~هذا أو هذا، ودل على وجوب معصيتهما جميعا دليل منفصل لا يقال: نحن نفهم من ~~مجرد هذه الآية وجوب معصيتهما جميعا من غير شعور بدليل منفصل؛ لأنا نقول: ~~إما من موضوع لفظ بمجرده فلا نسلم أنه يفهم ذلك، وإلا لما استغرب واحتيج ~~فيه إلى تخريج وتأويل، وأما فهم ذلك من المعنى عقلا أو عرفا أو شرعا فذلك ~~هو الدليل المنفصل ولكنه ظاهر، فلظهوره لا ينتبه له. # {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} (29) [الإنسان: 29] احتج بها ~~المعتزلة؛ لأنها تقتضي أن الإنسان مخير بحسب مشيئته، وأجاب الجمهور بالآية بعدها: # {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} (30) [الإنسان: ~~30] فمشيئة الإنسان تابعة للمشيئة الإلهية وأثر من آثار القدرة الأزلية، ~~وحينئذ أكثر ما يقال: # إن فعل الإنسان أثر مشيئته أثر القدرة الإلهية، وأثر أثر الشيء لذلك ~~الشيء، ففعل الإنسان أثر القدرة الأزلية وهو المطلوب، وقد سبق تقرير هذا في ~~مقدمة الكتاب. PageV01P672 # بتقوى ولا صلاح ولا بغيره، فدل على أنه إذا أراد الرحمة وفق للصلاح، فكان ~~الفوز والفلاح، فالصلاح أمارة الفلاح، والعلة المؤثرة هي المشيئة [وهكذا في ~~الطرف الآخر الظلم أمارة العذاب، والعلة المؤثرة هي المشيئة]، غير أنه-عز ~~وجل-آثر هاهنا قيام حجته، فقرن العذاب بوصف الظلم من باب اقتران الحكم ~~بالوصف المناسب، إقامة للحجة ونفيا للتهمة، وانتهى تقدير الكلام إلى: إني ~~أرحم هؤلاء بمشيئتي/ [213 ب/م] وعنايتي بهم، وأعذب هؤلاء لظلمهم المناسب ~~لعقوبتهم مع أن مشيئته هي المؤثرة في ذلك قطعا، وقد تقدم لنا كلام في سر ~~القدر في مقدمة هذا الكلام وفى الأعراف عند: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} ~~(30) [الأعراف: 30] وفي أول سورة «يس» وسورة «المؤمن»، هاهنا فاجمع بينه، ~~وتلمحه يظهر لك المقصود من هذا الباب-إن شاء الله عز وجل-. # ... PageV01P673 ### | AUTO القول في سورة المرسلات # {فإذا النجوم طمست} (8) [المرسلات: 8] أي: ذهب نورها، {وإذا السماء فرجت} ~~(9) [المرسلات: ms590 9] أي: انشقت، وفيه دليل/ [440/ل] على قبولها للخرق ~~والالتئام، كما مر، وأن الأجرام السماوية تقبل التغير والاستحالة عن صفاتها ~~الآن، خلافا للفلاسفة، وأصل الخلاف القول في قدم العالم، وقد سبق. # {وإذا الجبال نسفت} (10) [المرسلات: 10] إما بتسليط الريح عليها فتنسفها، ~~أو بتسليط المطر العظيم ثم الشمس العظيمة عليها فتحلها، كما يشاهد في ~~الجبال الآن، أو أنه -عز وجل-إذا قبض الأرض والسماوات في قبضة قدرته ضرب ~~بالجبال فانحلت أجزاؤها، بدليل: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} ~~(14) [الحاقة: 14] أو بغير ذلك من تصرفات القدرة الأزلية التي لا نهاية ~~لمقدورها. # {ألم نخلقكم من ماء مهين} (20) [المرسلات: 20] الآيات، احتجاج على البعث ~~الذي دل عليه قوله-عز وجل-قبل {ليوم الفصل} (13) [المرسلات: 13] {فقدرنا ~~فنعم القادرون} (23) [المرسلات: 23] إن ثبت للإنسان قدرة يستقل بها، وإلا ~~فهذا على نحو: {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~(14) [المؤمنون: 14] أي على زعم من اعتقد أن ثم قادرا وخالقا غيره، واعلم ~~أنه لا خلاف أن للإنسان قدرة خلقها الله-عز وجل-كما خلق ذاته، لكن الخلاف ~~في أنه هل مستقل بقدرته مفوض إليه أعمال لا مجبر ولا معاوق، أم لا، أثبت ~~ذلك القدرية ونفاه الجمهور، وهو أصل الخلاف ومنشأ الاختلاف. PageV01P674 # ألبتة، لتناقض مع قوله-عز وجل-: {*يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى ~~كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} (111) [النحل: 111] وإنه محال. # {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} (48) [المرسلات: 48] يحتج به على أن ~~الأمر للوجوب الفوري؛ لأنه-عز وجل-ذمهم على ترك الركوع وقت أمرهم به؛ لأن ~~«إذا) ظرفية وقتية فصار التقدير: لا يركعون وقت الأمر لهم بالركوع، وهو ~~يقتضي ما ذكرناه / [214 أ/م]. # ... PageV01P675 ### | AUTO القول في سورة عم # {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ~~ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا} (17) [النبأ: 14 - 17] هذا إثبات ~~للبعث، ودليله ما قبله من إحياء الأرض بالمطر. # {وفتحت السماء فكانت أبوابا} (19) [النبأ: 19] دل على ما سبق من قبولها للخرق. # {لابثين فيها أحقابا} (23) [النبأ: ms591 23] يحتج به من يرى أن عذاب أهل النار ~~منقطع؛ لأن الأحقاب جمع قلة وأكثره عشرة، / [441/ل] والحقب ثمانون سنة ~~فمجموعها ثمان مائة سنة، وهب أنها من سني الآخرة كل يوم منها بألف سنة أو ~~سبعين ألف سنة كما قيل، فهي متناهية على كل حال. # وجوابه من وجهين: أحدهما أنه ليس المراد حصر لبثهم في أحقاب، بل يلبثون ~~أحقابا طعامهم الحميم والغساق لا برد ولا شراب، ثم ينقلون إلى حالة أخرى من ~~العذاب كذلك أبدا. # الثاني: أن الأحقاب بمعنى الحق جمع كثرة، ولكنه وضع جمع القلة موضع ~~الكثرة؛ تنبيها على أن القليل المنقطع من عذاب النار جدير بأن يكون سببا ~~للإيمان والازدجار. # {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} (27) [النبأ: 27] أي لا يخافونه، وهو حجة ~~على أن الكفار يحاسبون، وقد سبقت المسألة في «الحاقة». # {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا} (38) [النبأ: 38] قيل: الروح صنف من الملائكة يخفون عن الملائكة كما ~~يخفى الملائكة عن البشر، وقيل: الروح ملك عظيم يقوم وحده صفا والملائكة صف. # {ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا} (39) [النبأ: 39] مثل {إن ~~هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} (19) [المزمل: 19] وقد سبق. # {إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا} (40) [النبأ: 40] قد سبق أن القرب معنى إضافي لكنه لا بد واقع. # ... PageV01P676 ### | AUTO القول في سورة النازعات # {أإذا كنا عظاما نخرة} (11) [النازعات: 11] إنكار منهم للبعث، ودليله في ~~أثناء السورة. # {فأراه الآية الكبرى} (20) [النازعات: 20] هي العصا. # {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها} (27) [النازعات: 27] إلى {أخرج منها ~~ماءها ومرعاها} (31) [النازعات: 31] دليلان على البعث السابق منهم إنكاره؛ ~~أحدهما في ضمن الآخر. # الأول: قياس إعادتهم على خلق السماوات والأرض، وهي أولى؛ لأن خلق ~~السماوات والأرض أعظم. # الثاني: القياس على إحياء الأرض، وإليه الإشارة بقوله-عز وجل-: {أخرج ~~منها ماءها ومرعاها} (31) [النازعات: 31]. # {يسئلونك عن الساعة أيان مرساها} (42) [النازعات: 42] سبق في سورة ~~«الأعراف». # ... ### | AUTO القول في سورة عبس # {أما من استغنى ms592 (5) فأنت له تصدى} (6) [عبس: 5، 6] الآيات تعلق بها من لا ~~يعلم على النبي صلى الله عليه وسلم ولا متعلق لهم فيها؛ لأنه صلى الله عليه ~~وسلم إنما أعرض عن المسلم، وهو ابن أم مكتوم، إلى خطاب الكافر حرصا على ~~إسلامه وسعيا في الدعاء إلى الله-عز وجل-على عادته، و «الأعمال بالنيات» ~~فهو مجتهد/ [214 ب] في ذلك مصيب، غير أن الله-عز وجل-اشتدت عنايته بذلك ~~المسلم حتى عاتب رسوله من أجله، وذلك أمر غيب ليس إلى الرسول، ولو علم أن ~~العناية بذلك المسلم شديدة إلى هذا الحد لما اشتغل عنه بخطاب غيره، والذي ~~تضمنته صدر هذه السورة/ [442/ل] ليس تقرير ذنب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما هو عتاب لطيف. PageV01P677 # [عبس: 22] تضمن المبدأ والمعاد وما بينهما وهو البرزخ. # {كلا لما يقض ما أمره} (23) [عبس: 23] إشارة إلى الناس يردون القيامة، ~~وليس فيهم من قام بواجب الأمر الإلهي على ما ينبغي، فلا بد من تقصير، وقد ~~ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما منا أحد يأتي يوم القيامة ~~إلا وله ذنب إلا يحيى بن زكريا». # {فإذا جاءت الصاخة} (33) [عبس: 33] أي: الصيحة التي تصم الأسماع من نفخ ~~الصور، وزلزلة الساعة وهو إثبات للبعث، ودليله قبله وهو {أنا صببنا الماء ~~صبا} (25) [عبس: 25] إلى آخره وهو قياس إحياء الأرض، كأنه-عز وجل-يقول: ~~انظروا إلى طعامكم الذي تأكلون وأنتم دائما له مباشرون، فإنه إنما يخرج ~~بطريق مساو للبعث، وإخراج الموتى في الإمكان والمقدورية، فلماذا تكذبون به؟ . ### | AUTO القول في سورة التكوير # {إذا الشمس كورت} (1) [التكوير: 1] إلى {علمت نفس ما أحضرت} (14) ~~[التكوير: 14] هذه جملة من أحكام اليوم الآخر تضمنها صدر هذه السورة، ولذلك ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أراد أن ينظر إلى يوم ~~القيامة رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت» (1). # {إنه لقول رسول كريم} (19) [التكوير: 19] يتنازعه القائلون بخلق القرآن ~~وقدمه، كما مر في سورة «الحاقة»، ثم الرسول هاهنا هل هو جبريل عليه السلام ~~أو محمد- عليهما الصلاة والسلام؟ فيه قولان؛ الأشبه أنه جبريل. ms593 # {لمن شاء منكم أن يستقيم} (28) [التكوير: 28] يحتج بها المعتزلة، وجوابها ~~بما بعده كما سبق في آخر {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا} (1) [الإنسان: 1]. # ... PageV01P678 ### | AUTO القول في سورة الانفطار # صدرها شبيه بصدر السورة قبلها: {في أي صورة ما شاء ركبك} (8) [الانفطار: ~~8] يحتج به التناسخية ولا حجة لهم فيه؛ لأن المراد في أي صورة من الصور ~~الإنسانية طويلا أو قصيرا، أسود أو أبيض ونحو ذلك جعلك. # {وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون} (12) ~~[الانفطار: # 10 - 12] فيه إثبات الحفظة، وقد سبق القول فيه في «الأنعام». # ... ### | AUTO القول في سورة المطففين # {يوم يقوم الناس لرب العالمين} (6) [المطففين: 6] فيه إثبات الموقف ~~والحشر. # {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} (14) [المطففين: 14] أي: طمس ~~نور قلوبهم ظلمة ذنوبهم فإذا هم/ [215 أ/م] {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} (171) [البقرة: 171]. # {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (15) [المطففين: 15] يحتج بمنطوقه على ~~أن الكفار لا/ [443/ل] يرون الله-عز وجل-ومقتضى حجبهم عنه، وبمفهومه على أن ~~المؤمنين يرونه، وربما ارتفع ذلك عن كونه مفهوما إلى كونه قياس عكس أو عكس ~~نقيض؛ لأنه إذا ثبت أن الكافر يعاقب بالحجاب، اقتضى أن المؤمن يثاب برفع ~~الحجاب. # ... ### | AUTO القول في سورة الانشقاق # صدرها شبيه بصدر سورة «الانفطار» و «التكوير»: {يا أيها الإنسان إنك كادح ~~إلى ربك كدحا فملاقيه} (6) [الانشقاق: 6] إلى {بلى إن ربه كان به بصيرا} ~~(15) [الانشقاق: 15] يتعلق بأحكام الآخرة كالحساب وأخذ الكتاب ونحوه. # ... PageV01P679 ### | AUTO القول في سورة البروج # {إنه هو يبدئ ويعيد} (13) [البروج: 13] إشارة إلى إثبات المعاد قياسا على ~~المبدأ. # {فعال لما يريد} (16) [البروج: 16] يستدل به على عموم تعلق إرادته ~~بالكائنات، والمعتزلة قالوا: إنما صح ذلك بعد ثبوت أنه مريد لكل كائن وهو ~~فعال لما يريد، والأولى: # ممنوعة؛ لأنه إنما يريد الخير لا الشر والمعاصي. وجوابه: أنا نثبت أنه ~~مريد لكل كائن، لأن المصحح لتعلق إرادته، بالخيرات والطاعات إنما هو ~~إمكانها، والإمكان مشترك بين ذلك ms594 غيره، فيكون مريدا لسائر الكائنات ~~الممكنة، وهو المطلوب، وفى المسألة بحث. ### | AUTO القول في سورة الطارق # {إن كل نفس لما عليها حافظ} (4) [الطارق: 4] يحتمل إرادة الحفظة، ويحتمل ~~أن المراد كون الله-عز وجل-قائما على كل نفس بما كسبت ورقيبا عليها. # {فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب} (7) [الطارق: 5 - 7] وهو قياس المعاد على المبدأ. # ... ### | AUTO القول في سورة الأعلى # {سبح اسم ربك الأعلى} (1) [الأعلى: 1] يحتج به من يرى أن الاسم هو المسمى ~~وقد سبق. {سبح اسم ربك الأعلى} (1) [الأعلى: 1] اختلف هل هو علو محسوس أو ~~معقول؟ فيبنى عليه الخلاف في الجهة. # {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} (13) [الأعلى: 13] هما نقيضان لا واسطة ~~بينهما حقيقة، وإنما يثبت هاهنا مجازا نحو {يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه ~~الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ} (17) [إبراهيم: 17] أي: # ليس بحي حياة ينتفع بها ولا هو بميت فيستريح. PageV01P680 # وأحكامها أو ذكر القرآن نحو: {وإنه لفي زبر الأولين} (196) [الشعراء: 196]. ### | AUTO القول في سورة الغاشية # / [444/ل] # أكثرها إلى {وزرابي مبثوثة} (16) [الغاشية: 16] يتضمن العذاب والنعيم ~~الحسيين. # {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} (17) [الغاشية: 17] الآيات، تضمنت ~~الأمر بالنظر/ [215 ب/م] ويستلزم ذلك أنه إذا صح أفاد العلم كما سبق، ~~والآية في السماء والجبار والأرض واضحة، وأما الإبل فلكثرتها عندهم وعظم ~~خلقها وانتفاعهم بها وعظم النعمة فيها. # {لست عليهم} وعيدي محكم أو منسوخ بآية السيف. # {ثم إن علينا حسابهم} (26) [الغاشية: 26] صريح في حساب الكفار. # ... ### | AUTO القول في سورة الفجر # {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} (21) [الفجر: 21] نحو: {وحملت الأرض والجبال ~~فدكتا دكة واحدة} (14) [الحاقة: 14] إما أن يخسف بهما إلى حيث يشاء الله- ~~عز وجل-أو ينسفا بدليل: {وإذا الجبال نسفت} (10) [المرسلات: 10]. # {وجاء ربك والملك صفا صفا} (22) [الفجر: 22] أي: جاء ذاته، وقيل: بأمره ~~لفصل القضاء، ونظيره: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} (210) [البقرة: 210]. # {فادخلي في عبادي} (29) [الفجر: 29] قيل: الأرواح تدخل في الأجساد، وهو ~~إثبات ms595 للبعث، والظاهر أن المراد إكرام النفس الصالحة بإدخالها في الصالحين. # ... PageV01P681 ### | AUTO القول في سورة البلد # {وهديناه النجدين} (10) [البلد: 10] أي طريق الخير والشر، وهذه هداية ~~إرشاد، وهي الهداية العامة، وأما هداية العصمة فخاصة بمن شاء الله-عز وجل- ~~وسبق له السعادة. # ... ### | AUTO القول في سورة الشمس # {فألهمها فجورها وتقواها} (8) [الشمس: 8] يحتمل أن المراد: خلق فيها ذلك، ~~ويحتمل أن المراد: طبعها وفطرها على ما شاء من فجور أو تقوى. # {قد أفلح من زكاها} (9) [الشمس: 9] أي: طهرها وكملها، باكتساب العلم ~~والعمل، {وقد خاب من دساها} (10) [الشمس: 10] أي: ترك جهلها وفجورها كامنا ~~فيها لم يطهر منه. # [{إذ انبعث أشقاها} (12) [الشمس: 12] احتجت به الشيعة على أن عليا أفضل ~~الصحابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أشقى الأولين عاقر الناقة ~~وأشقى الآخرين قاتلك يا علي» (1) أو كما قال، فثبت أن قاتل علي أشقى وأعظم ~~دركا من قاتل عمر وعثمان وما ذاك إلا لأن عليا أفضل منهما، وأن قاتله فوت ~~من الفضيلة، ومصلحة الوجود أعظم مما فوت قاتلهما، وإذا ثبت هذا المعنى ~~بالنسبة إلى علي مع عمر وعثمان ثبت بالنسبة إليه مع أبي بكر وإن لم يقتل؛ ~~إذ لا قائل من الجمهور بالفرق، فثبت بهذا الدليل أن عليا أفضل الصحابة، ~~وتلخيصه أن قاتل علي أشقى القاتلين، فعلي أفضل المقتولين. # وأجاب الجمهور بأن هذا الاستدلال بمعنى خبر واحد، وهم لا يقولون به، ثم ~~هو لا يعارض إجماع السلف على تفضيل أبي بكر على علي]. # ... PageV01P682 ### | AUTO القول في سورة الليل # {فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى} (7) الليل [5 ~~- 7] يحتج به من يرى الأعمال الصالحة أمارة على السعادة محصلة للظن بذلك، ~~وكذلك الأعمال الفاسدة على الشقاوة؛ لأن هذا وعد من الله-عز وجل-أنه ييسر ~~كلا لمناسب عمله، ووعد الله-عز وجل-واقع لا محالة. # والآخرون قالوا: الأمارة قد تخلف، والوعد قد تعلق بالمشيئة في نفس الأمر ~~فلا يلزم وقوعه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة-إلى ~~قوله-: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (1) قاطع في الباب فلا يترك لغيره، ولو ~~صح ما ms596 قاله الأول لكان أسعد الناس/ [445/ل] إبليس وبرصيصا وبلعام ونحوهم ~~ممن مكر به في آخر أمره. # {إن علينا للهدى} (12) [الليل: 12] يحتج به المعتزلة؛ لأنه-عز وجل-التزم ~~الهدى على نفسه فلا يضل أحدا، وإنما الناس يضلون أنفسهم. # وجوابه أن الذي التزمه هدي الإرشاد والهداية لأهدى العصمة والرعاية، ثم ~~إن هدي الإرشاد واجب منه لإقامة الحجة وتحقيق العدل لا واجب عليه، إذا ~~قدمنا أنه-عز وجل -لا يجب عليه شيء. # {وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى} (18) اليل [17 - 18]، احتج ~~بها الجمهور على أن أبا بكر-رضي الله تعالى عنه-أفضل الصحابة رضي الله عنهم ~~أجمعين؛ لأنها نزلت في شأنه وقد وصف بأنه الأتقى، وينتظم الدليل هكذا: أبو ~~بكر أتقى، والأتقى أكرم، والأكرم أفضل، أما الأولى فلهذه الآية، وأما ~~الثانية فلقوله-عز وجل-: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (13) ~~[الحجرات: 13] وأما الثالثة: فبينة. # وأجابت الشيعة [لعنهم الله]: بأنا لا نسلم أنها نزلت في شأن أبي بكر، وما ~~رويتموه في ذلك آحاد ضعيفة لا يعتمد عليها، وظاهر الآية وسياقها تعميم ~~الأتقى في كل من اتصف بالأفضلية في التقوى؛ لأن الله-عز وجل-قد عمم على ذلك ~~قوله-سبحانه وتعالى-: PageV01P683 # {فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) ~~وسيجنبها الأتقى} (17) الليل [14 - 17] فكما أن الأشقى عام في كل من كذب ~~وتولى لا يخص أحدا بعينه. كذلك الأتقى الذي قوبل به يجب أن يكون عاما في كل ~~من تزكى بماله ابتغاء وجه ربه الأعلى، ثم إن العام لا دلالة له على الخاص، ~~فلا دلالة للآية على خصوص أبي بكر ولا غيره، بل معناها أن كل من اتصف بهذه ~~الصفة المذكورة جنب النار التي تلظى، ويحتاج تفضيل أبي بكر وغيره إلى دليل ~~غير هذا. # ثم قوله-عز وجل-: {فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) ~~الذي كذب وتولى} (16) [الليل: 14 - 16] يحتج به المرجئة في أن لا يدخل ~~النار إلا كافر كما سبق عنهم في سورة «تبارك الملك»، بل هذه ms597 أدل على ذلك؛ ~~لأنه-عز وجل-حصر من يدخلها في الأشقى المكذب بالنفي والإثبات/ [216 ب/م] ~~ولا شك أن قولنا: لا يدخل النار إلا كافر، أقوى دلالة من قولنا: كلما دخل ~~النار داخل اعترف بالكفر. # ويجاب بأن النار دركات، نحو: جهنم ولظى وسقر والحطمة وغيرها، فهذه النار ~~التي تعين لها الكافر الأشقى واحدة خاصة منها، والأشبه أنها لظى لوصفها ~~بأنها تلظى، ولا يلزم من تعين الكافر لنار معينة أن لا يدخل غيرها، فعصاة ~~المؤمنين يدخلون غير هذه، ثم يخرجون [ويعترض عليه بأنه يلزمكم في: ~~{وسيجنبها الأتقى} (17) [الليل: 17] وأنه يجنب هذه النار المعينة، ولا يلزم ~~منه أن يجنب غيرها فلا يكون مدحه والوعد له كاملا، لكن ذلك خلاف مقتضى سياق ~~الكلام، فتعين أن الكلام في مطلق النار يجنبها الأتقى، ويتعين لها الكافر ~~الأشقى، وهذا اعتراض قوي، ] وطريق الانفصال عنه أنه استدلال على كل حال فلا ~~يعارض العمومات والنصوص القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع، على أن عصاة ~~المؤمنين/ [446/ل] يدخلون النار بذنوبهم، ثم يخرجون بإيمانهم. # ... PageV01P684 ### | AUTO القول في سورة الضحى # {ووجدك ضالا فهدى} (7) [الضحى: 7] قيل: إنه ضل عن جده عبد المطلب وهو ~~طفل، وقيل: ضل في أنوار الملكوت ليلة المعراج فهداه الله-عز وجل-إليه، وقيل: # لما نشأ بين قوم كفار انعقد له سبب الضلال، فلولا أن أنقذه الله-عز وجل- ~~من ملتهم بهداه ووحيه لضل، فسمى انعقاد سبب الضلال ضلالا على المجاز، كما ~~يقال: وجدت فلانا غريقا فأنقذته أو قتيلا بين أعدائه فأحييته ونحوه، إذا ~~انعقد له سبب ذلك، وفي هذه الآية نحو عشرين قولا هذا أقر بها إلى التحقيق، ~~وإليه يرجع قوله-عز وجل-: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم} (52) [القيامة: # 52]. # ... ### | AUTO القول في سورة ألم نشرح لك صدرك # هو شرح حسي بشق جوفه حتى أخرج حظ الشيطان منه، وعقلي بخلق دواعي الإيمان ~~فيه كما سبق في «الأنعام» وغيرها. # {فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر ms598 يسرا} (6) [الشرح: 5، 6] لما كرر ~~العسر معرفا كان واحدا، ولما كرر اليسر منكرا كان متعددا، ومن ثم قال ابن ~~عباس-رضي الله عنهما-: «لن يغلب عسر يسرين» (1)، واعلم أن الاسم إذا تكرر ~~مرتين، فإما أن يكون معرفا فيهما فهو واحد، نحو: لقيت الرجل فقلت للرجل، أو ~~منكرا فيهما فيتعدد نحو: # لقيت رجلا فقلت لرجل، أو يتنكر في الأولى فقط فيتحد نحو: لقيت رجلا فقلت ~~للرجل، أو بالعكس فيتعدد نحو: لقيت لرجل فقلت الرجل، والآية تضمنت الطرفين ~~الأولين من هذه القسمة. # ... PageV01P685 ### | AUTO القول في سورة التين # {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} (6) [التين: 4 - 6] أي: ~~ثم رددناه إلى خسر الكفر بدليل استثناء المؤمنين من أهل سافلين، ولا يقابل ~~المؤمن إلا الكافر، وبدليل: # {إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر} (3) [العصر: 2، 3] وبدليل {وأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأخسرين} (70) [الأنبياء: 70] وفى موضع: {فأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأسفلين} (98) [الصافات: 98] ففسر السفال بالخسر، واستثنى المؤمن من ~~السافل فدل على أن المراد خسر الكفر؛ فإذن الأسفل أخسر والأخسر كافر، وإذا ~~ثبت هذا فرددناه قاطع في مذهب الجمهور؛ لاقتضائه أن الله-عز وجل-رده [447 ~~ل] إلى خسر الكفر وسفاله {*فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما ~~كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} (88) ~~[النساء: 88]. # ... ### | AUTO القول في سورة اقرأ # {إن إلى ربك الرجعى} (8) [العلق: 8] فيه إثبات المعاد. # {ألم يعلم بأن الله يرى} (14) [العلق: 14] فيه أن الله-عز وجل-بصير. # {سندع الزبانية} (18) [العلق: 18] فيه إثباتهم وهم ملائكة يدفعون العصاة ~~إلى النار. # {كلا لا تطعه واسجد واقترب} (19) [العلق: 19] فيه أن السجود سبب القرب من ~~الرب-جل جلاله-قربا عقليا لا حسيا، أما عند مثبتي الجهة فظاهر، وأما عند ~~غيرهم فلأنه-عز وجل-لا في السماء ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا خارجه، ~~ولا متصل ولا منفصل فيستحيل التقرب منه حسا عندهم. # ... PageV01P686 ### | AUTO القول في سورة القدر # {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ms599 (1) [القدر: 1] يعني: القرآن نزل من اللوح ~~المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر، وهى الليلة المباركة في سورة ~~«الدخان». # {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} (4) [القدر: 4] هو ~~الأمر أو صنف من الملائكة كما مر، وهذه السورة ثلاثون كلمة [سابعة العشرين ~~منها هي في {سلام] هي حتى مطلع الفجر} (5) [القدر: 5] فقال ابن عباس-رضي ~~الله تعالى عنه-: # «هي هي» أي هي سابعة العشرين من رمضان، وقال قوم: ليلة الجمعة التي بعد ~~نصف رمضان وترا منه هي ليلة القدر دائما، وهو قول حسن، وفيها أقوال كثيرة. # ... ### | AUTO القول في سورة البينة # {رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة} (2) [البينة: 2] محمد، {رسول من الله ~~يتلوا صحفا مطهرة} (2) [البينة: 2] القرآن {فيها كتب قيمة} (3) [البينة: 3] ~~يقتضي أن القرآن تضمن معاني الكتب التي قبله أو بعضها، ولا أفهم لهذا ~~الكلام معنى إلا هذا، ثم على هذا قوله-عز وجل- {ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة} (5) [البينة: 5] أي دين الكتب القيمة السابق ~~ذكرها، وذلك إشارة إلى العبادة مخلصين حنفاء وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~فدل على أن الشرائع السابقة وردت بهذه الخصال جميعها، وهو موافق لقوله-عز ~~وجل-: {*شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} (13) [الشورى: ~~13] اللهم إلا [أن يراد {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (5) [البينة: 5] دين الملة ~~القيمة وهى ملة الإسلام، فلا يجيء هذا الكلام/ [217 ب/م]. PageV01P687 # إلى {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} (8) [البينة: 8] يستدل به مع ~~قوله-عز وجل-: {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} (28) [فاطر: 28] على أن العلماء ~~أفضل من الملائكة، ونظمه هكذا: الذين يخشون الله هم العلماء ms600 والذين يخشون ~~الله خير البرية، فالعلماء خير البرية والملائكة من جملة البرية، إذ المراد ~~منها كل ما برأه الله-عز وجل- أي خلقه، والنزاع في هذا الاحتمال أن المراد ~~بالبرية البشر أو العالم الأرضي بدليل {إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} (6) [البينة: 6]. # {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية} (6) [البينة: 6] يقتضي أن أهل الكتاب ينتظمهم لفظ الكفر لا ~~الشرك، لأن الآية اقتضت أن أهل الكتاب قسيم للمشركين، والشيء لا يصدق عليه ~~اسم قسيمه، وإنما يصدق عليه اسم الجنس المنتظم لهما. # ... ### | AUTO القول في سورة الزلزلة # {وأخرجت الأرض أثقالها} (2) [الزلزلة: 2] إسناد الإخراج إليها مجاز، ~~والمخرج في الحقيقة هو الله-عز وجل. # {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم} (6) [الزلزلة: 6] إلى آخرها، ~~استدل بها على دخول عصاة الأمة النار ثم خروجهم وأنهم لا يخلدون خلافا ~~للمعتزلة، وبيانه أن الآية اقتضت أن من عمل خيرا أو شرا رآه، أي: جوزي به، ~~فلا يخلو مجازاته به إما أن يكون بإدخاله الجنة ثم النار وهو باطل بإجماع، ~~إذ من دخل الجنة لا يخرج منها لقوله- عز وجل-: {لا يمسهم فيها نصب وما هم ~~منها بمخرجين} (48) [الحجر: 48] أو بالعكس وهو المطلوب ولا واسطة بينهما. # ... PageV01P688 ### | AUTO القول في سورة العاديات # {* أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور} (9) [العاديات: 9] فيه إثبات البعث ~~والحشر والنشور، {*أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور} (9) [العاديات: 9] ~~مشتق من بعث وأثار. # {وحصل ما في الصدور} (10) [العاديات: 10] أي صدور الناس جمع صدر، وقيل: # مصدر صدر الناس صدورا بدليل: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم} ~~(6) [الزلزلة: 6] أي حصل ما يكون عن صدور الناس من قبورهم وهو محدث غريب ~~لكنه مناسب. # ... ### | AUTO القول في سورة القارعة # تضمن البعث والنشر ونسف الجبال ووزن الأعمال، ودخول النار لبعض الناس، ~~وقد سبق جميع ذلك. # ... ### | AUTO القول في سورة التكاثر # تضمنت إثبات الجحيم وعيان الناس لها، وذلك حين يمرون على الصراط وهو ~~كالجسر عليها، وأنهم يسألون ms601 عن نعيم الدنيا الحسي، أما العقلي كنعيم العلم ~~والمعرفة ففيه نظير، والأشبه الموافق لعموم الآية أنهم يسألون عنه، ماذا ~~عملت فيما علمت؟ وكيف سلكت/ [218 أ/م] إلى من عرفت؟ ومن علمك وعرفك؟ وكيف ~~كان شكرك له بالطاعة والتوحيد؟ ونحو ذلك. # وفي الحديث [عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال]: «لا تزول قدما عبد ~~يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، ~~وعن/ [449/ل] ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (1). # ... PageV01P689 ### | AUTO القول في سورة العصر # {إن الإنسان لفي خسر} (2) [العصر: 2] هو اسم جنس عام بدليل الاستثناء منه ~~{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} (3) ~~[العصر: 3] إلى آخره، كان السلف يسمونه ميزان النجاة، فيقولون: هلموا نزن ~~أنفسنا بميزان النجاة يعني الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق وبالصبر، ~~وذلك لأن للإنسان قوتين علمية وإليها الإشارة ب {وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر} (3) [العصر: 3]، وعملية، وإليها الإشارة ب {الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات، } والصبر من نتائج الإيمان، فإذا كملت هاتان القوتان حصلت النجاة ~~والسعادة، وبعد التداخل المذكور لم تتضمن السورة غيرهما. # ... ### | AUTO القول في سورة الهمزة # فيها إثبات الحطمة وهى التي تحطم ما ألقي فيها، وأنها تخلص إلى الأفئدة، ~~وهي أبصار القلوب فتطلع عليها أي تباشرها، وأنها مؤصدة [على أهلها]، أي: ~~مغلقة من الوصيد وهو الباب. # ... ### | AUTO القول في سورة الفيل # تضمنت من آيات الله-عز وجل-حمايته لبيته، وتصرفه في الطير بالتسخير لقتال ~~أعدائه وهلاكهم، ولعل ذلك من معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذ كان ~~مولده عام الفيل. # ... ### | AUTO القول في سورة قريش # تضمنت عناية الله-عز وجل-بهم حتى وطأ لهم البلاد لرحلة الشتاء والصيف، ~~وإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف، بخلق الصوارف عن أذى حرمهم في قلوب ~~المفسدين وجلب الميرة إليهم؛ بتحريك الناس لذلك. ### | AUTO القول في سورة الماعون # {أرأيت الذي يكذب بالدين} (1) [الماعون: 1] # فيه ذم التكذيب بالدين، والرياء في العبادات والتفريط فيها. # ... PageV01P690 ### | AUTO القول في سورة الكوثر # وهو نهر في الجنة خص به ms602 النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أحكام الآخرة، ~~واشتقاقه من الكثرة، لكثرة خيره. # {فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر} (3) [الكوثر: 2، 3] من هاهنا ~~أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أن الأضحية لا تجزئ قبل الصلاة، لتقديمها في ~~الذكر، وإن لم تكن الواو للترتيب/ [450 ل]، وتضمن وعده-عليه الصلاة ~~والسلام-بأن شانئه هو الأبتر، إما من عقب أو ذكر حسن أو/ [218 ب/م] منهما. # ... ### | AUTO القول في سورة الكافرين # التكرار فيها يحتمل أنه للتأكيد نحو: {ويل يومئذ للمكذبين} (15) [15] في ~~المرسلات، و {فبأي آلاء ربكما تكذبان} (13) [13] في «الرحمن» و {وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم} (68) [الشعراء: 68] وكقوله: (والله لا آذن ثم لا آذن) ~~ويحتمل أن يكون نفيا لموافقته إياهم وموافقتهم إياه في العبادة، باعتبار ~~الحال والاستقبال، وذلك أربعة مضروب اثنين في اثنين كما تضمنته، وقد أخبرني ~~الشيخ علي بن عمر بن حمزة الحراني الحجار قيم الحرم النبوي الشريف: أن بعض ~~زنادقة الأطباء صنف تفسيرا بمبلغ علمه وسوء قصده، فلما انتهى إلى هذه ~~السورة جعل يقول: (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد) قال: هذه ~~شبيهة بالمنشار، يعني أنها ذهاب ومجيء وصورته واحدة، وهذا منه استهزاء ~~بالله-عز وجل-وآياته ورسوله وزندقة أظهرها، فعليه من الله ما يستحق. # فأما قوله-عز وجل-: {لكم دينكم ولي دين} (6) [الكافرون: 6] فهو إما خبر ~~وعيدي محكم نحو: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل ~~وأنا بريء مما تعملون} (41) [يونس: 41] أو أمر تكليفي نسخ بآية السيف ~~ونحوها. # وقد سبق تقرير النسخ في موضعه. # ... PageV01P691 ### | AUTO القول في سورة النصر # {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} (3) [النصر: 3] قيل: هو إشارة ~~إلى قرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بأمره بالاستغفار على أن ~~الأنبياء يجوز عليهم فعل ما يستغفرون منه. # ... ### | AUTO القول في سورة «تبت» # {سيصلى نارا ذات لهب} (3) [المسد: 3] زعم بعضهم أن بعد هذا الخبر ارتفع ~~التكليف عن أبي لهب؛ لأنه لما حكم له بالنار صار كأنه فيها، ولا تكليف على ~~من فيها. # والصواب خلافه، وحينئذ ms603 يستدل به على تكليف ما لا يطاق؛ لأنه مقطوع له ~~بالنار مكلف بالإيمان، فقد كلف بالإيمان بأنه لا يؤمن. # ... ### | AUTO القول في سورة الإخلاص # تضمنت إثبات الأحدية والصمدية، وهو يقتضي نفي الانقسام والتجسيم، وتضمنت ~~نفي الولادة والمولودية، وهو يقتضي نفي المسبوقية والمادة الجسمانية، ~~وتضمنت أن لا كفؤ له، أي مثل مكافئ، ومن ثم عظم شأن هذه السورة لاختصاصها ~~بتنزيه الحق-عز وجل -لم يتضمن غيره. # ... ### | AUTO القول في المعوذتين # {من شر ما خلق} (2) [الفلق: 2] يقتضي خلق الشرور جميعها؛ لأن التعوذ عام، ~~فنظمه هكذا: تعوذ من جميع الشرور وتعوذ مما خلق بالشرور/ [219 أ/م] هي مما ~~خلق، وتضمنت أن للسحر حقيقة وتأثيرا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتعوذ ~~من شر النفثات وهن السواحر، ولولا أن الأمر كما قلنا لما كان كذلك. # وكذلك تضمنت أن للوسواس وهو الشيطان شرا يتعوذ منه وهو الإضلال والتزيين، ~~ووسوسته في الصدور، قيل: بدخول فيها إذ يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقيل: ~~النفس PageV01P692 # يخرج من مسام البدن إلى الفضاء كخروج الهباء من الطاقة. فينفث فيها ~~الشيطان بوسوسته ثم يدخل بذلك القلب، والأول أصح، وتضمنت أن الوسوسة تكون ~~من شياطين الجن والإنس كما سبق. # وليكن هذا آخر الكتاب، وقد استطردنا فيه يسيرا مما ليس من موضوعه سبقا أو ~~سهوا أو لغرض صحيح، والله-عز وجل-أعلم بالصواب. # وافق الفراغ منه العشر الآخر من المحرم الحرام، مفتتح شهور سنة سبع ~~وخمسين وسبعمائة. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي ~~الأمي وآله وصحبه الطهر الطاهرين وسلم. ms604